Advertisement

تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 4



الكتاب: تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103)
{يتخافتون بَيْنَهُمْ} أي يخفِضون أصواتَهم ويُخفونها لما يملأ صدورَهم من الرعب والهول استئنافٌ ببيان ما يأتون وما يذرون حينئذ أو حالٌ أخرى من المجرمين أي يقول بعضُهم لبعض بطريق المخافتة {إِن لَّبِثْتُمْ} أي ما لبثتم في الدنيا {إِلاَّ عَشْراً} أي عشر ليال استقصار لمدة لبثهم فيها لزوالها أو لاستطالتهم مدةَ الآخرة أو لتأسفهم عليها لمّا عاينوا الشدائدَ وأيقنوا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطارِ واتّباعِ الشهوات أو في القمر وهو الأنسبُ بحالهم فإنهم حين يشاهدون البعثَ الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويعُدّونه من قبيل المُحالات لا يتمالكون من أن يقولوا ذلك اعترافاً به وتحقيقاً لسرعة وقوعِه كأنهم قالوا قد بُعثتم وما لبثتم في القبر إلا مدة يسيرة
(6/41)

طه 104 108 وإلا فحالُهم أفظعُ من أن تمكّنهم من الاشتغال بتذكر أيامِ النعمة والسرورِ واستقصارِها والتأسف عليها
(6/42)

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)
{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} وهو مدةُ لبثهم {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أعد لهم رأياً أو عملاً {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً} ونسبةُ هذا القولِ إلى أمثلهم استرجاع منه تعالى له لكن لا لكونه أقربَ إلى الصدق بل لكونه أدلَّ على شدة الهول
(6/42)

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)
{ويسألونك عَنِ الجبال} أي عن مآل أمرِها وقد سأل عنه رجل من ثقيف وقيل مشركو مكةَ على طريق الاستهزاء {فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً} أي يجعلها كالرمل ثم يُرسل عليها الرياحَ فتُفرّقها والفاء للمسارعة إلى إلزام السائلين
(6/42)

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106)
{فَيَذَرُهَا} الضميرُ إما للجبال باعتبار أجزائها السالفة الباقيةِ بعد النسفِ وهي مقارُّها ومراكزُها أي فيذر ما انبسط منها وساوى سطحُه سطوحَ سائرِ أجزاءِ الأرض بعد نسف مانتا منها ونشزو إما للأرض المدلول عليها بقرينة الحالِ لأنها الباقيةُ بعد نسفِ الجبال وعلى التقديرين يذر الكلَّ {قَاعاً صَفْصَفاً} لأن الجبالَ إذا سُوّيت وجُعل سطحُها مساوياً لسطوح سائر أجزاءِ الأرض فقد جُعل الكلُّ سطحاً واحداً والقاعُ قيل السهلُ وقيل المنكشفُ من الأرض وقيل المستوى الصُّلْبُ منها وقيل مالا نباتَ فيه ولا بناء والصفصف الأض المستويةُ الملساءُ كأن أجزاءَه صفٌّ واحد من كل جهة وانتصابُ قاعاً على الحاليةِ من الضميرِ المنصوبِ أو هو مفعولٌ ثانٍ ليذر على تضمين معنى التصييرِ وصفصفاً إما حالٌ ثانية أو بدلٌ من المفعول الثاني وقوله تعالى
(6/42)

لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)
{لاَّ ترى فِيهَا} أي مقارّ الجبال أو في الأرض على ما مر من التفصيل {عِوَجَا} بكسر العين أي اعوجاجاً ما كأنه لغاية خفائِه من قبيل ما في المعاني أي لا تدركه إن تأملْتَ بالمقاييس الهندسية {وَلا أَمْتاً} أي نتُوءاً يسيراً استئنافٌ مبينٌ لكيفية ما سبق من القاع الصفْصَف أو حالٌ أخرى أو صفة لقاعاً والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن تأتي منه الرؤيةُ وتقديمُ الجارّ والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من طولٍ ربَّما يُخِلّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم
(6/42)

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)
{يومئذ} أي يوم إذ نُسفت الجبالُ على إضافة اليوم إلى وقت النسْفِ وهو ظرفٌ لقوله تعالى {يَتَّبِعُونَ الداعى} وقيل بدلٌ من يَوْمَ القيامة وليس بذاك أي يتبع الناسُ داعي الله عزَّ وجلَّ إلى المحشر وهو إسرافيلُ عليه السلام يدعو الناسَ عند النفخةِ الثانية قائماً على صخرة بيتِ المقدس ويقول أيتها العِظامُ النخِرةُ والأوصالُ المتفرّقةُ واللحومُ المتمزّقة قومي إلى
(6/42)

طه 109 112 عَرْض الرحمن فيُقبلون من كل أَوبٍ إلى صَوْبه {لاَ عِوَجَ لَهُ} لا يعوج له مدوعو ولا يعدِل عنه {وَخَشَعَتِ الاصوات للرحمن} أي خضعت لهيبته {فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} أي صوتاً خفياً ومنه الهميسُ لصوت أخفافِ الإبل وقد فُسر الهمْسُ بخفق أقدامِهم ونقلِها إلى المحشر
(6/43)

يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)
{يومئذ} أي يوم إذ يقع ما ذُكر منَ الأمورِ الهائلةِ {لاَّ تَنفَعُ الشفاعة} من الشعفاء أحداً {إِلاَّ مَنْ أذِن لَهُ الرحمن} أن يشفع له {وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً} أي ورضيَ لأجله قولَ الشافع في شأنه أو رضي قوله لأجله وفي شأنه وأما من عداه فلا تكاد تنفعه وإنْ فُرِضَ صدورُها عن الشفعاء المتصدّين للشفاعة للناس كقوله تعالى فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين فالاستثناءُ كما ترى من أعم المفاعيل وأما كونُه استثناءً من الشفاعة على معنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن أن يشفع لغيره كما جوزوه فلا سبيل إليه لِما أن حُكم الشفاعةِ ممن لم يؤذَنْ له أن لا يملِكَها ولا تصدرُ هي عنه أصلاً كما في قوله تعالى لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً وقوله تعالى وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى فالإخبارُ عنها بمجرد عدم نفعِها للمشفوع له ربما يوهم إمكانَ صدورِها عمن لم يؤذَنْ له مع إخلاله بمقتضى مقامِ تهويل اليوم وأما قوله تعالى وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة فمعناه عدمُ الإذنِ في الشفاعة لا عدمُ قبولها بعد وقوعها
(6/43)

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي ما تقدمهم من الأحوال وقيل من أمر الدنيا {وَمَا خَلْفَهُمْ} وما بعدهم مما يستقبلونه وقيل من أمر الآخرة {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} أي لا تحيط علومُهم بمعلوماته تعالى وقيل بذاته أي من حيث اتصافُه بصفات الكمالِ التي من جملتها العلمُ الشاملُ وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعها فإنهم لا يعلمون جميع ذلك ولا تفصيلَ ما علموا منه
(6/43)

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111)
{وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىّ القيوم} أي ذلت وخضعت خضوعَ العتاة أي الأُسارى في يد الملكِ القهارِ ولعلها وجوه المجرمين كقوله تعالى سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كفورا ويؤيده قوله تعالى {وَقَدْ خاب من حمل ظلما} قال ابن عباس رضي الله عنهما خسِر من أشرك بالله ولم يتُب وهو استئنافٌ لبيان ما لأجله عنت وجوهُهم أو اعتراضٌ كأنه قيل خابوا وخسِروا وقيل حالٌ من الوجوه ومَنْ عبارةٌ عنها مغنيةٌ عن ضميرها وقيل الوجوهُ على العموم فالمعنى حينئذ وقد خاب من حمل منهم ظلماً فقوله تعالى
(6/43)

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)
{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات} الخ قسم لقوله تعالى وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً لا لقوله تعالى وَعَنَتِ الوجوه الخ كما أنه كذلك على الوجه الأول أي ومن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ في تفسيرِ قولِه تعالى مِنْ أنباء ما قد سبق {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فإن الإيمان شرطٌ في صحة الطاعاتِ وقَبول الحسنات {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} أي منْعَ ثوابٍ مستحَقٍ بموجب الوعد {وَلاَ هَضْماً}
(6/43)

ولا كسْراً منه يَنْقُص أو لا يخاف جزاءَ ظلم وهضم إذا لم يصدُر عنه ظلمٌ ولا هضمٌ حتى يخافَهما وقرئ فلا يخَفْ على النهي
(6/44)

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)
{وكذلك} عطفٌ على كذلك نَقُصُّ وذلك إشارةٌ إلى إنزال ما سبق من الآيات المتضمنة للوعيد المنبثة عما سيقع من أحوالِ القيامةِ وأهوالِها أي مثلَ ذلك الإنزالِ {أنزلناه} أي القرآنَ كلَّه وإضمارُه من غير سبق ذكرِه للإيذان بنباهة شأنِه وكونِه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان {قرآنا عَرَبِيّاً} ليفهمه العربُ ويقفوا على ما فيه من النظم المعجزِ الدالِّ على كونِه خارجاً عن طَوْق البشرِ نازلاً من عند خلاّق القُوى والقدر {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيدِ} أي كررنا فيه بعضَ الوعيد أو بعضاً من الوعيد حسبمَا أشيرَ إليهِ آنِفاً {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي كي يتقو الكفرَ والمعاصيَ بالفعل {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} اتعاظاً واعتباراً مؤدياً بالآخرة إلى الاتقاء
(6/44)

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)
{فتعالى الله} استعظامٌ له تعالى ولشئونه التي يُصرّف عليها عبادَه من الأوامر والنواهي والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ أي ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِه وأحواله {الملك} النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يُرجى وعدُه ويُخشَى وعيدُه {الحق} في ملكوته وألوهيتِه لذاته أو الثابتُ في ذاته وصفاته {وَلاَ تعجل بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ} أي يتِمَّ {وَحْيُهُ} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقى إليه جبريلُ عليه السلام الوحيَ يتبعه عند تلفظ كل حرفٍ وكل كلمةٍ لكمال اعتنائِه بالتلقّي والحِفظ فنُهيَ عن ذلك إثرَ ذكرِ الإنزال بطريق الاستطرادِ لِما أن استقرارَ الألفاظِ في الأذهان تابعٌ لاستقرار معانيها فيها وربما يَشغَل التفظ بكلمة عن سماع ما بعدها وأُمر باستفاضة العلمِ واستزادتِه منه تعالى فقيل {وَقُلْ} أي في نفسك {رَّبّ زِدْنِى عِلْماً} أي سل الله عز وجل زيادةَ العلمِ فإنه الموصلُ إلى طِلْبتك دون الاستعجالِ وقيل إنه نهُي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتيَ بيانُه وليس بذلك فإن تبليغَ المُجملِ وتلاوتَه قبل البيان مما لا ريب في صحته ومشروعيّتِه
(6/44)

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)
{ولقد عهدنا إلى آدم} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق من تصريف الوعيدِ في القرآن وبيانِ أن أساسَ بني آدمَ على العصيان وعِرْقُه راسخٌ في النسيان مع ما فيه من إنجاز الموعودِ في قوله تعالى كذلك نقصُّ عليك من أنباء مَا قَدْ سَبَقَ يقال عَهدِ إليه المِلكُ وعزم عليه وتقدّم إليه إذا أمره ووصاه والمعهودُ محذوفٌ يدل عليه ما بعده واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ وأُقسِم أو وبالله أو تالله لقد أمرناه ووصّيناه {مِن قَبْلُ} أي من قبل هذا الزمانِ {فَنَسِىَ} أي العهدَ ولم يعتنِ به حتى غفلَ عنه أو تركه ترك المسي عنه وقرئ فنُسِّيَ أي نسّاه الشيطان {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}
(6/44)

طه 116 119 تصميمَ رأيٍ وثباتَ قدم في المور إذ لو كان كذلك لما أزله الشيطانُ ولَما استطاع أن يغُرّه وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره من قلبل أن يجرّب الأمورَ ويتولّى حارَّها وقارَّها ويذوقَ شَرْيَها وأريها عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم لو وُزنت أحلامُ بني آدمَ بحِلْم آدمَ لرجح حِلْمُه وقد قال الله تعالى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً وقيل عزماً على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمّد وقوله تعالى وَلَمْ نَجِدْ إن كان من الوجود العلميّ فله عزماً مفعولا قُدّم الثاني على الأول لكونه ظرفاً وإن كان من الوجود المقابلِ للعدم وهو الأنسبُ لأن مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ وليس في الإخبار بكون العزْم المعدومِ له مزيدُ مزيةٍ فله متعلقٌ به قُدّم على مفعوله لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوفٍ هو حالٌ من مفعوله المنَكّر كأنه قيل ولم نصادِفْ له عزماً وقوله تعالى
(6/45)

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116)
{وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ} شروعٌ في بيان المعود وكيفيةِ ظهور نسيانِه وفُقدانِ عزمِه وإذْ منصوبٌ على المفعوليةِ بمضمرِ خوطبَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أي واذكر وقتَ قولِنا لهم وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرِها فإن الوقتَ مشتملٌ على تفاصيل الأمورِ الواقعةِ فيه فالأمرُ بذكره أمرٌ بذكر تفاصيلِ ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ ولأن الوقتَ مشتملٌ على أعيان الحوادثِ فإذا ذكر صارت الحوادثُ كأنها موجودةٌ في ذهن المخاطب بوجوداتها لعينية أي اذكر ما وقع في ذلك الوقتِ منا ومنه حتى يتبين لك نسيانُه وفقدانُ عزمِه {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} قد سبق الكلامُ فيه مراراً {أبى} جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جوابا عن سؤال نشأ عن الأخبار بعدم سجودِه كأنه قيل ما بالُه لم يسجُدْ فقيل أبى واستكبر ومفعول أبى إما محذوفٌ أي أبى السجودَ كما قوله تعالى أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين أو غيرُ مَنْويَ رأساً بتنزيله منزلة اللازم أي فعل الإباءَ وأظهره
(6/45)

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)
{فَقُلْنَا} عَقيبَ ذلك اعتناءً بنصحه {يا آدم إِنَّ هذا} الذي رأيتَ ما فعل {عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا} أي لا يكونَنّ سبباً لإخراجكما مِنَ الجنة والمرادُ نهيُهما عن أن يكونا بحيث يستبب الشيطانُ إلى إخراجهما منها بالطريق البرهاني كما في قولك لا ارينك ههنا والفاءُ لترتيب موجبِ النهى على عداوته لهما أو على الإخبار بها فتشقى جوابٌ للنهي وإسنادُ الشقاء إليه خاصةً بعد تعليقِ الإخراجِ الموجبِ له بهما معاً لأصالته في الأمور واستلزامِ شقائِه لشقائها مع ما فيه من مراعاة الفواصل وقيل المرادُ بالشقاء التعب في تحصيل مبادئ المعاشِ وذلك من وظائف الرجال
(6/45)

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)
{إن لك ألا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى} {وأنك لا تظمأ فِيهَا وَلاَ تضحى} تعليلٌ لما يوجبه النهيُ فإن اجتماعَ أسبابِ الراحة فيها ممَّا يوجبّ المبالغةَ في الإهتمام بتحصيل
(6/45)

مبادئ البقاءِ فيها والجِدّ في الانتهاء عما يؤدّي إلى الخروج عنها والعدول عن التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعّماً بفنون النعمِ من المآكلِ والمشاربِ وتمتعاً بأصناف الملابسِ البهية والمساكنِ المرْضيةِ مع أن فيه من الترغيب في البقاء فيها ما لا يَخْفى إلى ما ذكر من نفْي نقائِضها التي هي الجوعُ والعطشُ والعُرْي والضُحِيّ لتذكير تلك الأمورِ المنْكرة والتنبيهِ عَلى ما فَيها من أنواع الشِّقوةِ التي حذّره عنها ليبالغَ في التحامي عن السبب المؤدي إليها على أن الترغيبَ قد حصل بما سوّغ له من التمتع بجميع ما فيها سوى ما استنثى من الشجرة حسبما نطق به قوله تعالى ويا آدم اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وقد طُوي ذكرُه هَهُنا اكتفاءً بما ذكر في موضع آخرَ واقتصر على ما ذكر من الترغيب المتضمن الترهيب ومعنى أَن لا تَجُوعَ فِيهَا الخ أن لا يصيبَه شيء من الأمور الأربعة أصلا فغن الشبع والري والكسوة والكن قد تحصُل بعد عروض أضدادِها بإعواز الطعام والشرابِ واللباس والمسكنِ وليس الأمر فيها كذلك بل كلُّ ما وقع فيها شهوةٌ وميلٌ إلى شيء من الأمور المذكورة تمتع به من غير أن يصل إلى حد الضرورة ووجهُ إفرادِه عليه السلام بما ذكر ما مر آنفاً وفصلُ الظمأ عن الجوع في الذكر مع تجانُسهما وتقارنِهما في الذكر عادةً وكذا حالُ العُرْي والضَّحْو المتجانسين لتوفية مقامِ الامتنان حقَّه بالإشارة إلى أن نفي كلُّ واحد من تلك الأمور نعمةٌ على حيالها ولو جمُع بين الجوعِ والظمأ لربما تُوهم أن نفيَهما نعمةٌ واحدةٌ وكذا الحال في الجمع بين العُرْي والضَّحْو على منهاج قصة البقرة ولزيادة التقريرِ بالتنبيه على أن نفي كل واحد من الأمور المذكوره مقصوده بالذات مذكوره بالأصالة لا أن نفيَ بعضها مذكورة بطريق والتبعية لنفي بعضٍ آخرَ كما عسى يُتوهم لو جمع بين كلَ من المتجانسين وقرىء إنك بالكسر والجمهورُ على الفتح بالعطف على أن لا تجوع وصحة وقوع الجملة بأن المفتوحة اسماً للمكسورة المشاركة لها في إفادة التحقيقِ مع امتناع وقوعِها خبراً لها لما أن المحذور احتماع حرفي التحقيق في مادة واحدة لا اجتماعَ فيما نحن فيه لاختلاف مناطِ التحقيقِ فيما في حيز هما بخلاف ما لو وقعت خبراً لها فإن اتحادَ المناطِ حينئذ مما لا ريبَ فيه بيانُه أن كلَّ واحد من المكسورة والمفتوحة موضوعةٌ لتحقيق مضمونِ الجملة الخبريةِ المنعقدةِ من اسمها وخبرِها ولا يخفى أن مرجِعَ خبريّتها ما فيها من الحُكم الإيجابي أو السلبيِّ وأن مناطَ ذلك الحكمِ خرها لا اسمُها فمدلولُ كلَ منهما تحقيقُ ثبوتِ خبرِها لا سمها لا ثبوتِ اسمِها في نفسها فاللازمُ من وقوع الجملةِ المصدرة بالمفتوحة اسماً للمكسورة تحقيقُ ثبوتِ خبرها لتلك الجملةِ المؤولة بالمصدر وأما تحقيقُ ثبوتِها في نفسها فهو مدلولُ المفتوحةِ حتماً فلم يلزَم اجتماعُ حرفي التحقيق في مادة واحدة قطعاً وإنما لم يجوّزوا أن يقال إن أن زيدا قائم حق مع اختلاف المناطِ بل شرطوا الفصلَ بالخبر كقولنا إن عندي أن زيادا قائم للتجافي عن صورة الاجتماعِ والواوُ العاطفة وإن كانت نائبة عن الكسورة التي يمتنع دخولُها على المفتوحة بلا فصل وقائمةً مقامَها في إفضاء معناها وإجراء أحكامِها على مدخولها لكنها حيث لم تكن حرفاً موضوعاً للتحقيق لم يلزم من دخولها على المفتوحة اجتماع حرفي التقحيق أصلاً فالمعنى إن لك عدمَ الجوعِ وعدمَ العُري وعدَم الظمأ خلا أنه لم يقتصِرْ على بيان أن الثابتَ له عليه السلام عدمُ الظمأ والضَّحْو مطلقاً كما فُعل مثلُه في المعطوف عليه بل قُصد بيانُ أن الثابتَ له عليه السلام تحقيقُ عدمها فوُضِع موضعَ الحرفِ المصدريّ
(6/46)

سورة طه الآية 120 123 المحصن إنّ المفيدةُ له كأنه قيل إن لك فيها عدمَ ظمئك على التحقيق
(6/47)

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)
{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان} أي أنهى إليه وسوسته أو أسرها إليه {قَالَ} إما بدل من وسوس أن استئناف وقع وجوابا عن سؤالٍ نشأَ منْهُ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ في وسوسته فقيل قال {يا آدم هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد} أيْ شجرةٍ مَنْ أكلَ منها خلّد ولم يمُت أصلاً سواءٌ كان على حاله أو بأن يكون ملَكاً لقوله تعالى إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين {وَمُلْكٍ لاَّ يبلى} أي لا يزول ولا يختلّ بوجه من الوجوه
(6/47)

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)
{فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سوآتهما} قال ابن عباس رضي الله عنهما عَرِيا عن النور الذي كان الله تعالى ألبسهما حتى بدت فروجُهما {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة} قد مرَّ تفسيرُه في سورةِ الأعراف {وعصى آدم رَبَّهُ} بما ذكر من أكل الشجرة {فغوى} ضل عن مطلوبه الذي هو الخلود أو عن المأمورُ به أو عن الرَّشَد حيث اغتر بقول العدو العدوّ وقرىء فغوي من غوي الفصيل إذا أُتخم من اللبن وفي وصفه عليه السلام بالعصيان والغَواية مع صغر زلّتِه تعظيمٌ لها وزجرٌ بليغ لأولاده عن أمثالها
(6/47)

ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)
{ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ} أي اصطفاه وقربه إليه بالجمل على التوبة والتوفيقِ لها من اجتبى الشيءَ بمعنى جباه لنفسه أي جمعه كقولك اجتمعتُه أو من جبى إليّ كذا فاجتبيته مثل جليب على العروس فاجتليتها وأصلُ الكلمة الجمعُ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام مزيدُ تشريفٌ له عليه السلام {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي قبِل توبتَه حين تاب هو وزوجتُه قائلين رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين وإفرادُه عليه السلام بالاجتباء وقَبولِ التوبة قد مرّ وجهُه {وهدى} أي إلى الثبات على التوبة والتمسكِ بأسباب العصمة
(6/47)

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)
{قال} استئناف مبني على السؤال نشأ من الإخبار بأنه تعالى قبِل توبته وهداه كأنه قيل فماذا أمره تعالى بعد ذلك فقيل قال له ولزوجته {اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً} أي انزِلا من الجنة إلى الأرض وقوله تعالى {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} حالٌ من ضمير المخاطب في اهبِطا والجمعُ لما أنهما أصلُ الذرية ومنشأُ الأولاد أي مُتعادِين في أمر المعاشِ كما علي الناسُ من التجاذُب والتحارُب {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى} من كتاب ورسول {فَمَنِ اتبع هُدَاىَ} وُضع الظاهرُ موضعَ المُضمرِ مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعِه {فَلاَ يَضِلُّ} في الدنيا {وَلاَ يشقى} في الآخرة
(6/47)

سورة طه الآية
(6/48)

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)
124 - 128 {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى} أي عن الهدى الذاكرِ لي والداعي إليّ {فَإِنَّ لَهُ} في الدنيا {مَعِيشَةً ضَنكاً} ضيقاً مصدرٌ وصف به ولذلك يستوي فيه المذكرُ والمؤنثُ وقرئ ضنكى كسَكْرى وذلك لأن مجامعَ همتِه ومطامحَ نظرِه مقصورةٌ على أعراض الدنيا وهو متهالكٌ على ازديادها وخائف من انتقاصها بخلاف المؤمنِ الطالبِ للآخرة مع أنه قد يضيق الله بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان كما قال تعالى وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وقال تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمنوا واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض وقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب آمنوا إلى قوله تعالى لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم وقيل هو الضَّريعُ والزقومُ في النار وقيل عذاب القبر {ونحشره} وقرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف والجزمِ عطفاً على محل فإن له معيشةً ضنكاً لأنه جواب الشرط {يَوْمَ القيامة أعمى} فاقدَ البصر كما في قوله تعالى وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا لا أعمى عن الحجة كما قيل
(6/48)

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)
{قَالَ} استئناف كما مر {رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً} أى في الدنيا وقرئ أعمى بالإمالة في الموضعين وفي الأول فقط لكونه جديراً بالتغيير لكونه رأسَ الآية ومحلَّ الوقف
(6/48)

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)
{قَالَ كذلك} أي مثلَ ذلك فعلتَ أنت ثم فسره بقوله تعالى {أَتَتْكَ اياتنا} واضحةً نيِّرةً بحيث لا تخفى على أحد {فَنَسِيتَهَا} أي عَمِيتَ عنها وتركتها ترْكَ المنسيِّ الذي لا يُذكر أصلاً {وكذلك} ومثلَ ذلك النسيانِ الذي كنت فعلته في الدنيا {اليوم تنسى} تترك في العمى والعذاب جزاءً وفاقاً لكن لا أبداً كما قيل بل إلى ما شاء الله ثم يزيله عنه فيرى أهوالَ القيامة ويشاهد مقعدَه من النار ويكون ذلك له عذاباً فوق العذاب وكذا البَكَم والصمَمُ يزيلهما الله تعالى عنهم أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا
(6/48)

وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)
{وكذلك} أي مثلَ ذلك الجزاءِ الموافقِ للجناية {نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ} بالانهماك في الشهوات {ولم يؤمن بآيات رَبّهِ} بل كذبها وأعرض عنها {وَلَعَذَابُ الأخرة} على الإطلاق أو عذابُ النار {أَشَدُّ وأبقى} أي من ضنْك العيشِ أو منه ومن الحشر على العمى
(6/48)

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)
{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من قوله تعالى وكذلك نجزي الآية والهمزةُ للإنكار التوبيخي والفاءُ للعطف على مقدر يقتضيه المقام واستعمالُ الهداية باللام إما لتنزيلها منزلةَ اللام فلا حاجة
(6/48)

سورة طه الآية 129 إلى المفعول أو لأنها بمعنى التبيينِ والمفعولُ محذوف وأياً ما كان فالفاعلُ هو الجملة بمنصوبها ومعناها وضمير لهم للمشركين المعاصرين لرسوله الله صلى الله عليه وسلم والمعنى أغَفلوا فلم يَفعل الهدايةَ لهم أو فلم يبيَّن لهم مآلُ أمرِهم كثرة أهلا كنا للقرون الأولى وقد مرَّ في قولِه عزَّ وجلَّ أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا الآية وقيل الفاعلُ الضميرُ العائد إلى الله عزَّ وجلَّ ويؤيده القراءةُ بنون العظمة وقوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنَا الخ إما معلِّقٌ للفعل سادٌّ مسدَّ مفعولِه أو مفسّرٌ لمفعوله المحذوف هكذا قيل والأوجهُ أن لا يلاحظ له مفعولٌ كأنه قيل أفلم يفعلِ الله تعالى لهم الهدايةَ ثم قيل بطريق الالتفاتِ كم أهلكنا الخ بياناً لتلك الهدايةِ ومن القرون في محل النصب على أنه وصفٌ لممُيِّزِكَم أي كم قرناً كائناً من القرون وقوله تعالى {يَمْشُونَ فِى مساكنهم} حالٌ من القرون أو من مفعول أهلكْنا أي أهلكناهم وهم في حال أمنٍ وتقلّبٍ في ديارهم أو من الضميرِ في لهم مؤكدٌ للإنكار والعاملُ يهد والمعنى أفلم يهد لهم إهلا كنا للقرون السالفة من أصحاب الحِجْر وثمودَ وقُريّات قوم لوطٍ حالَ كونهم ماشين في مساكنهم إذا سافروا إلى الشام مشاهدين لآثار هلاكِهم مع أن ذلك مما يوجب أن يهتدوا إلى الحق فيعتبروا لئلا يحِل بهم مثلُ ما حل بأولئك وقرىء يُمْشَوْن على البناء للمفعول أي يمكنون من المشي {إِنَّ فِى ذَلِكَ} تعليلٌ للإنكار وتقريرٌ للهداية مع عدم اهتدائِهم وذلك إشارةٌ إلى مضمون قوله تعالى كَمْ أَهْلَكْنَا الخ وما فيه من معنى البُعد للإشعار ببُعْد منزلتِه وعلوِّ شأنه في بابه {لاَيَاتٍ} كثيرةً عظيمةً واضحاتِ الهداية ظاهراتِ الدِلالة على الحق فإذن هو هادوا إيما هادٍ ويجوز أن تكون كلمةُ في تجريدية فافهم {لأُوْلِى النهى} لذوي العقولِ الناهيةِ عن القبائح التي من أقبحها ما يتعاطاه كفارُ مكّة من الكفر بآياتِ الله تعالى والتعامي عنها وغيرِ ذلك من فنون المعاصي وفيه دلالةٌ على أن مضمونَ الجملة هو الفاعلُ لا المفعول وقوله تعالَى
(6/49)

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)
{وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان حِكمة عدمِ وقوعِ ما يُشعر به قوله تعالى أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ الآية من أنْ يصيبَهم مثلُ ما أصاب القرونَ المهلَكة أي ولولا الكلمةُ السابقةُ وهي العِدَةُ بتأخير عذابِ هذه الأمةِ إلى الآخرة لحكمة تقتضيه ومصلحةٍ تستدعيه {لَكَانَ} عقابُ جناياتِهم {لِزَاماً} أي لازماً لهؤلاء الكفرةِ بحيث لا يتأخر عن جناياتهم ساعةً لزومُ ما نزل بأولئك العابرين وفي التعرض لعنواب الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام تلويحٌ بان ذلك لتأخير لتشريفه عليه السلام كما ينبىء عنه قوله تعالى وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ واللِّزامُ إما مصدرٌ لازمٌ وُصِف به مبالغةً وإما فِعالٌ بمعنى مِفْعل جُعل آلةَ اللزوم لفَرْط لزومه كما يقال لِزازُ خصم {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطفٌ على كلمةٌ أي ولولا أَجَلٍ مسمًّى لأعمارهم أو لعذابهم وهو يومُ القيامة ويومُ بدر لما تأخر عذابُهم أصلاً وفصلُه عما عطف عليه للمسارعة إلى بيان جوابِ لولا وللإشعار باستقلال كلَ منهما بنفي لزومِ العذابِ ومراعاةِ فواصل الآي الكريمةِ وقد جوّز عطفُه على المستكن في كان العائدِ إلى الأخذ العاجلِ المفهومِ من السياق تنزيلاً للفصل بالخبر منزلةَ التأكيد أي لكان الأخذُ العاجلُ وأجلٌ مسمى لازمَين لهم كدأب عاد وثمود
(6/49)

سورة طه الآية 130 131 وأضرابِهم ولم ينفرد الأجلُ المسمى دون الأخذِ العاجل
(6/50)

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)
{فاصبر على مَا يَقُولُونَ} أي إذا كان الأمر على ما ذكر من أن تأخيرَ عذابِهم ليس بإهمال بل إمهالٍ وأنه لازمٌ لهم البتةَ فاصبِرْ على مَا يَقُولُونَ من كلمات الكفرِ فإن علمه عليه السلام بأنهم معذبون لا محالة مما يسلّيه ويحمِلُه على الصبر {وَسَبّحْ} ملتبساً {بِحَمْدِ رَبّكَ} أي صلِّ وأنت حامدٌ لربك الذي يبلّغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقِه أو نزهه تعالى عما ينسوبه إليه مما لا يليق بشأنه الرفيعِ حامداً له على ما ميّزك بالهدى معترفاً بأنه مولى النّعم كلِّها والأولُ هو الأظهرُ المناسبُ لقوله تعالى {قَبْلَ طُلُوعِ الشمس} الخ فإن توقيت التنزيه غيرُ معهودٍ فالمرادُ صلاة الفجر {وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} يعني صلاتي الظهرِ والعصر لأنهما قبل غروبِها بعد زوالها وجمعها لمناسبة قوله تعالى قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ صلاة العصر {ومن آناء الليل} أي من ساعاته جمع إِنًى بالكسر والقصر وآناء بالفتح والمد {فَسَبّحْ} أي فصلِّ والمرادُ به المغربُ والعشاء وتقديم الوقت فيهما لاختصاصهما بمزيد الفضلِ فإن القلبَ فيهما أجمعُ والنفسَ إلى الاستراحة أميلُ فتكون العبادةُ فيهما أشقَّ ولذلك قال تعالى إن ناشئة الليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً {وَأَطْرَافَ النهار} تكريرٌ لصلاة الفجر والمغرِب إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزيةٍ ومجيئُه بلفظ الجمع لأمن من الإلباس كقول من قال ظَهراهما مثلُ ظهورِ التُّرسين أو أمرٌ بصلاة الظهر فإنه نهايةُ النصفِ الأول من النهار وبدايةُ النصف الأخيرِ وجمعُه باعتبار النصفين أو لأن النهارَ جنسٌ أو أمرٌ بالتطوع في أجزاء النهار {لَعَلَّكَ ترضى} متعلق بسبح أي سبح في هذه الأوقات رجاءَ أن تنال عنده تعالى ما ترضَى به نفسُك وقرىء تُرضَى على صيغة البناء للمفعول من أرضى أي يُرضيك ربك
(6/50)

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)
{وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} أي لا تطل نظر هما بطريق الرغبة والميل {إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ} من زخارف الدنيا وقوله تعالى {أزواجا منهم} أي أصناما من الكَفَرة مفعول متّعنا قُدِّم عليه الجارُّ والمجرورُ للاعتناء به أو هو حالٌ من الضميرِ والمفعولُ منهم أي إلى الذي متعنا به وهو أصنافُ وأنواعُ بعضِهم على أنه معنى من التبعيضة أو بعضاً منهم على حذف الموصوفِ كما مر مراراً {زَهْرَةَ الحياة الدنيا} منصوبٌ بمحذوف يدل عليه متعنا أي أعطينا أو به على تضمين معناه أو بالبدلية من محل به اومن أزواجاً بتقدير مضافٍ أو بدونه أو بالذم وهي الزينةُ والبهجةُ وقرىء زهَرةَ بفتح الهاء وهي لغة كالجهَرة في الجهْرة أو جمعُ زاهر وصفٌ لهم بأنهم زاهر والدنيا لتنعُّمهم وبهاءِ زِيِّهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهّاد {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} متعلقٌ بمتعنا جيء به للتنفير عنه ببيان سوءِ عاقبتِه مآلاً إثرَ إظهارِ بهجتِه حالاً أي لنعاملهم معاملةَ من يبتليهم ويختبرُهم فيه أو لنعذّبهم في الآخرة بسببه {وَرِزْقُ رَبّكَ} أي ما ادخّر لك في الآخرة أو ما رزقك في الدنيا من النبوة والهدى {خَيْرٌ} مما منحهم في الدنيا لأنه مع كونه
(6/50)

سورة طه الآية 132 134 في نفسه أجلَّ ما يتنافس فيه المتنافسون مأمونُ الغائلةِ بخلاف ما منحوه {وأبقى} فإنه لا يكاد ينقطع نفْسُه أو أثرُه أبداً كما عليه زهرة الدينا
(6/51)

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)
{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة} أُمر صلى الله عليه وسلم بأن يأمر أهلَ بيته أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أُمر هو بها ليتعاونوا على الاستعانة على خَصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفتَ أربابِ الثروة {واصطبر عَلَيْهَا} وثابرْ عليها غيرَ غيرَ مشتغلٍ بأمر المعاش {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً} أي لا نكلّفك أن ترزُقَ نفسَك ولا أهلَك {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} وإياهم ففرِّغْ بالَك بأمر الآخرة {والعاقبة} الحميدةُ {للتقوى} أي لأهل التقوى على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه تنبيهاً على أن مَلاك الأمرِ هو التقوى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب أهلَه ضُرٌّ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية
(6/51)

وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)
{وقالوا لولا يأتينا بآية مّن رَّبّهِ} حكايةٌ لبعضٍ أقاويلهم الباطلةِ التي أُمر صلى الله عليه وسلم بالصبر عليها أي هلا يأتينا بآية تدل على صدقة في دعوى النبوةِ أو أية مما اقترحوها بلغوا من المكابرة والعِناد إلى حيث لم يعُدّوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال من قَبيل الآيات حتى اجترءوا على التفوُّه بهذه العظيمةِ الشنعاء وقوله تعالى {أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى} أي التوراةُ والإنجيلُ وسائرُ الكتبِ السماوية ردمن جهته عزوعلا لمقالتهم القبيحةِ وتكذيبٌ لهم دسوا تحتها من إنكار إتيان الآية بإتيان القرآنِ الكريم الذي هو أمُّ الآياتِ وأس المعجزات وأعظمها فيما وأبقاها لأن حقيقةَ المعجزةِ اختصاصُ مدّعي النبوة بنوع من الأمور الخارقةِ للعادات أيِّ أمرٍ كان ولا ريب في أن العلمُ أجلُّ الأمور وأعلاها إذ هو أصلُ الأعمال ومبدأَ الأفعالِ ولقد ظهر مع حيازته لجميع علومِ الأولين والآخرين على يد أميَ لم يمارس شيئاً من العلوم ولم يدارس أحداً من أهلها أصلاً فأيُّ معجزة تُراد بعدَ ورودِه وأيُّ آية ترام مع وجوده وفي إيراده بعنوان كونه بينة لما في الصحف الأولى من التوراة والإنجيل وسائر الكتب السماوية أي شاهداً بحقية ما فيها من العقائد الحقةِ وأصولِ الأحكام التي أجمعت عليها كافةُ الرسل وبصحة ما تنطِقُ به من أنباء الأمم من حيث أنه غنيٌّ بإعجازه عما يشهد بحقّيته حقيقٌ بإثبات حقية غيره مالا يخفى من تنويه شأنِه وإنارة برهانِه ومزيدُ تقريرٍ وتحقيقٍ لإتيانه وإسنادُ الإتيان إليه مع جعلهم إياه مأتياً به للتنبيه على أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة للبينة والهمزةُ لإنكار الوقوعِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيه المقامُ كأنه قيلَ ألم تأتهم سائرُ الآياتِ ولم تأتهم خاصةً بينةُ ما في الصحف الأولى تقريرا لإ تيانه وإيذانا بانه من الوضوح بحيث لا يتأتى منهم إنكارُه أصلاً وإن اجترءوا على إنكار سائر الآياتِ مكابرة وعنادا وقرىء أو لم يأتهم بالياء التحتانية وقرىء الصُّحْفِ بالسكون تخفيفاً وقوله تعالى
(6/51)

وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)
{وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ}
(6/51)

إلى آخر الآية جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتقرير ما قبلها من كون القرآن آيةً بينةً لا يمكن إنكارُها ببيان أنهم يعترفون بها يوم القيامة والمعنى لو أنا أهلكناهم في الدينا بعذاب مستأصِل {مِن قَبْلِهِ} متعلقٌ بأهلكنا أو بمحذوف هو صفةٌ لعذاب أي بعذاب كائنٍ من قبل إتيان البينة أو من قبل محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم {لَقَالُواْ} أي يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا} في الدنيا {رَسُولاً} مع كتاب {فنتبع آياتك} التي جاءنا بها {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} بالعذاب في الدنيا {ونخزى} بدخول النار اليوم اليوم ولكنا لم نُهلكهم قبل إتيانِها فانقطعت معذِرتُهم فعند ذلك قالوا بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء
(6/52)

قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)
{قُلْ} لأولئك الكفرة المتمردين {كُلٌّ} أي كلُّ واحدٍ منا ومنكم {مُّتَرَبّصٌ} منتظِرٌ لما يؤول إليه أمرُنا وأمرُكم {فَتَرَبَّصُواْ} وقرىء فتمتعوا {فَسَتَعْلَمُونَ} عن قريب {مَنْ أصحاب الصراط السوي} أي المستقيمِ وقرىء السواءِ أي الوسطِ الجيد وقرىء السوءِ والسوءى والسُّوَي تصغيرُ السوء {وَمَنِ اهتدى} من الضلالة ومَنْ في الموضعين استفهاميةٌ محلُّها الرفع بالابتداء خبرها وما بعدها والجملةُ سادّةٌ مسدَّ مفعوليْ العلم أو مفعولِه ويجوز كونُ الثانية موصولةً بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفةً على محل الجملةِ الاستفهامية المعلَّقِ عنها الفعلُ على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط وقيل العائدُ في الأولى محذوفٌ والتقديرُ من هم أصحابُ الصراط عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَنْ قرأَ سورة طه أُعطِيَ يوم القيامة ثوابَ المهاجرين والأنصار وقال لا يقرأ أهلُ الجنة من القرآن إلا سورة طه ويس
(6/52)

سورة الأنبياء الآية {
سورة الأنبياء مكية وآياتها مائة وإثنتا عشرة آية
1 - {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(6/53)

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)
{اقترب لِلنَّاسِ حسابهم} مناسبةُ هذه الفاتحةِ الكريمة لما قبلها من الخاتمة الشريفة غنيةٌ عن البيان قال ابن عباس رضي الله عنهما المرادُ بالناس المشركون وهو الذي يُفصح عنه ما بعده والمرادُ باقتراب حسابِهم اقترابُه في ضمن اقترابِ الساعةِ وإسنادُ الاقترابِ إليه لا إلى الساعة مع استتباعها له ولسائر ما فيها من الأحوال والأهوال الفظيعة لانسياق الكلامِ إلى بيان غفلتِهم عنه وإعراضِهم عما يذكّرهم ذلك واللامُ متعلقةٌ بالفعل وتقديمُها على الفاعل للمسارعة إلى إدخال الروعةِ فإن نسبةَ الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويُورثهم رَهبةً وانزعاجاً من المقترِب كما أن تقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ في قولِه تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض لتعجيل المسرّة لما أن بيانَ كونِ الخلق لأجل المخاطَبين مما يسرّهم ويزيدهم رغبةً فيما خُلق لهم وشوقاً إليه وجعلها تأكيداً للإضافة على أن الأصلَ المتعارفَ فيما بين الأوساط اقترب حسابُ الناس ثم اقترب للناس الحسابُ ثم اقترب للناس حسابُهم مع أنه تعسفٌ تامٌّ بمعزل عما يقتضيه المقامُ وإنَّما الذي يستدعيه حسنُ النظام ما قدمناه والمعنى دنا منهم حسابُ أعمالِهم السيئةِ الموجبة للعقاب وفي إسناد الاقترابِ المنبىءِ عن التوجه نحوَهم إلى الحساب مع إمكان العكس بأن يُعتبرَ التوجّهُ والإقبالُ من جهتهم نحوه من تفخيم شأنِه وتهويلِ أمره مالا يخفى لما فيه من تصويره بصورة شيءٍ مقبلٍ عليهم لا يزال يطالبهم ويصيبهم لا محالة ومعنى اقترابِه لهم تقارُبُه ودُنوُّه منهم بعدَ بُعدِه عنهم فإنه في كل ساعة من ساعات الزمان أقربُ إليهم منه في الساعة السابقة هذا وأما الاعتذارُ بأن قربَه بالإضافة إلى ما مضى من الزمان أو بالنسبة إلى الله عزوجل أو باعتبار أن كلَّ آتٍ قريبٌ فلا تعلّقَ له بما نحن فيه من الاقتراب المستفادِ من صيغة الماضي ولا حاجة إليه في تحقيق أصلِ معناه نعم قد يفهم عنه عُرفاً كونُه قريباً في نفسه أيضاً فيصار حينئذ إلى التوجيه بالوجه الأولِ دون الأخرين أما الثاني فلا سبيلَ إلى اعتباره ههنا لأن قربَه بالنسبة إليه تعالى مما لا يُتصور فيه التجددُ والتفاوتُ حتماً وإنما اعتبارُه في قوله تعالى لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ونظائرِه مما لا دَلالةَ فيه على الحدوث وأما الثالثُ فلا دلالةَ فيه على الحدوث وأما الثالثُ فلا دلالةَ فيه على القرب حقيقةً ولو بالنسبة إلى شيء آخر {وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ} أي في غفلة تامةٍ منه ساهون عنه بالمرة لا أنهم غيرُ مبالين به مع اعترافهم بإتيانه بل منكرون له كافرون به مع اقتضاء عقولِهم أن الأعمالَ لا بد لها من الجزاء {مُّعْرِضُونَ} أي عن الآيات والنذرُ المنبّهة لهم عن سِنَة الغفلة وهما خبران للضمير وحيث كانت
(6/53)

سورة الأنبياء الآية 2 3 الغفلةُ أمراً جِبِلّياً لهم جُعل الخبرُ الأول ظرفاً منبئاً عن الاستقرار بخلاف الإعراض والجملةُ حالٌ من الناس وقد جُوّز كونُ الظرف حالاً من المستكنِّ في معرضون
(6/54)

مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)
{مَا يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ} من طائفة نازلة من القرآن تذكّرهم ذلك أكملَ تذكير وتنبههم عن الغفلة أتم تنبيه كأنها نفس الذكر ومِنْ في قولِه تعالَى {مّن رَّبّهِمُ} لابتداء الغايةِ مجازا متعلقةٌ بيأتيهم أو بمحذوف هو صفة لذكر وأياما كان ففيه دلالة على فضله وشرفِه وكمالِ شناعةِ ما فعلوا به والتعرضُ لعنوان الربوبية لتشديد التشنيع {مُّحْدَثٍ} بالجر صفةٌ لذكر وقرىء بالرفع حملاً على محلّه أي محدَثٌ تنزيلُه بحسب اقتضاءِ الحكمةِ وقوله تعالى {إِلاَّ استمعوه} استثناءٌ مفرغ محلُّه النصبُ على أنَّهُ حال من مفعول يأتيهم بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور وقوله تعالى {وَهُمْ يَلْعَبُونَ} حالٌ من فاعل استمعوه وقوله تعالى
(6/54)

لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)
{لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ} إما حالٌ أخرى منه اومن واو يلعبون والمعنى ما يأتيهم ذِكْرٍ من رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ استماعِهم إياه لاعبين مستهزئين به لاهين عنه أو لاعبين به حالَ كون قلوبِهم لاهيةً عنه لتناهي غفلتِهم وفرْطِ إعراضِهم عن النظر في الأمور والتفكرِ في العواقب وقرىء لاهية بالفرع على أنه خبرٌ بعدَ خبر {وَأَسَرُّواْ النجوى} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ جناياتهم خاصة إثرَ حكايةِ جناياتهم المعتادة والنجوى اسمٌ من التناجي ومعنى إسرارِها مع أنها لا تكون إلا سرًّا أنهم بالغوا في إخفائها أوأسروا نفسَ التناجي بحيث لم يشعُر أحدٌ بأنهم متناجون وقوله تعالى {الذين ظَلَمُواْ} بدلٌ من واو أسروا منبىء عن كونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو هو مبتدأٌ خبرُه أسروا النجوى قُدّم عليه اهتماما به والمعنى هم أسرّوا النجوى فوُضِع الموصولُ موضعَ الضمير تسجيلاً على فعلهم بكونه ظلماً أو منصوبٌ على الذمِّ وقوله تعالى {هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} الخ في حيز النصبِ على أنه مفعولٌ لقول مضمرٍ هو جواب عن سؤال نشأ عما قبله كأنه قيل ماذا قالوا في نجواهم فقيل قالوا هل هذا الخ أو بدلٌ من أسرّوا أو معطوفٌ عليه أو على أنه بدلٌ من النجوى أي أسروا هذا الحديثَ وهل بمعنى النفي والهمزة في قوله تعالى {أَفَتَأْتُونَ السحر} للإنكار والفاء للعطب على مقدر يقتضيه المقام وقوله تعالى {وأنتم تبصرون} حال من فاعل تأتون مقرِّرة للإنكار ومؤكدةٌ للاستبعاد والمعنى ما هذا إلا بشرٌ مثلُكم أي من جنسكم وما أتى به سحرٌ أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضُرونه على وجه الإذعان والقَبول وأنتم تعاينون أنه سحر قالوه بناءً على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغِ أن الرسولَ لا يكونُ إلا ملَكاً وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر وزل عنهم أن ارسال البشر إلى عامة البشر هو الذي تقتضيه الحكمةُ التشريهية قاتلهم الله أنَّي يُؤفكون وإنما أسروا ذلك لأنه كان على طريق توثيقِ العهدِ وترتيب مبادي الشرِّ والفساد وتمهيدِ مقدمات المكرِ والكيد في هدم أمرِ النبوة وإطفاءِ نورِ الدين والله
(6/54)

سورة الأنبياء الآية 4 6 متمٌّ نورَه ولو كره الكافرون
(6/55)

قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4)
(قَالَ رَبّى يَعْلَمُ القول فِى السماء والأرض) حكايةٌ منْ جهتِه تعالَى لما قله عليه السلام بعد ما أوحى إليه أحوالَهم وأقوالَهم بياناً لظهور أمرِهم وانكشافِ سرِّهم وإيثارُ القول المنتظمِ للسر والجهر على السر لإثبات علمه تعالى بالسر على النهج البرهانى مع ما فيه من الإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة لا تفاوتَ بينهما بالجلاء والخفاء قطعاً كما في علوم الخلقِ وقرىء قل ربي الخ وقوله تعالى فِى السماء والأرض متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من القول أي كائناً في السماء والأرض وقوله تعالى {وَهُوَ السميع العليم} أي المبالغُ في العلم بالمسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أسروه من النجوى فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبله متضمنٌ للوعيد
(6/55)

بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)
(بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ) إضرابٌ من جهته تعالى وانتقال من حكاية قولهم السابق الى حكاية قول آخرَ مضطربٍ في مسالك البطلان أي لم يقتصرُوا على أن يقولوا في حقه عليه السلام هل هذا إلا بشرٌ وفي حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم إنه سحرٌ بل قالوا تخاليطُ الأحلام ثم أضربوا عنه فقالوا (بَلِ افتراه) من تلقاء نفسِه من غير أن يكون له أصلٌ أو شبه أصلٍ ثم قالوا (بَلْ هُوَ شَاعِرٌ) وما أتى به شعرٌ يُخيّل إلى السامع معانيَ لا حقيقة لها وهكذا شأنُ المبطِلِ المحجوج متحير لايزال يتردد بين باطلٍ وأبطلَ ويتذبذب بين فاسد وأفسدَ فالإضرابُ الأول كما ترى من جهته تعالى والثاني والثالث من قبلهم وقد قيل الكلُّ من قبلهم حيث أضربوا عن قولهم هو سحرٌ إلى أنه تخاليطُ أحلام ثم إلى أنه كلامٌ مفترًى ثم إلى أنه قولُ شاعر ولا ريب في أنه كان ينبغى حينئذ بأن قال قالوا بل أضغاثُ أحلامٍ والاعتذارُ بأن بل قالوا مقولٌ لقالوا المضمرِ قبل قوله تعالى هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ الخ كأنه قيل وأسرو النجوى قالوا هل هذا إلى قوله بل أضغاثُ أحلام وإنما صرح بقالوا بعدبل لبُعْد العهد مما يجب ننزيه ساحة التنزيل عن أمثاله (فَلْيَأتِنا بِآيَة) جوابُ شرطٍ محذوفٍ يفصح عنه السياقُ كأنه قيل وإن لم يكن كما قلنا بل كان رسولاً من الله تعالى فليأتنا بآية (كَمَا أُرْسِلَ الأولون) أي مثلَ الآية التي أرسل بها الأولون كا ليد والعصا ونظائرِهما حتى نؤمن به فما موصولةٌ ومحلُّ الكاف الجرُّ على أنها صفةٌ لآية ويجوز أن تكون مصدرية فالكافُ منصوبةٌ على أنها مصدرٌ تشبيهيٌّ أي نعت لمصدر محذوف أي فليأتنا بآية إتياناً كائناً مثلَ إرسالِ الأولين بها وصِحّةُ التشبيه من حيث إن الإتيانَ بالآية من فروع الإرسالِ بها ألى مثلَ إتيانٍ مترتبٍ على الإرسال ويجوز أن يحمل النظمُ الكريمُ على أنه أريد كلُّ واحد من الإتيان والإرسال في كلِّ واحدٍ من طرفي التشبيه لكنه تُرك في جانب المشبّه ذكرُ الإرسال وفي جانب المشبَّه به ذكرُ الإتيانِ اكتفاءً بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في الموطن الآخر حسبما مر في آخر سورة يونس عليه السلام
(6/55)

مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)
(ما آمنت قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ) كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتكذيبهم فيما تنبىء عنه خاتمةُ مقالهم من الوعد
(6/55)

الضمنيّ بالإيمان كما أشير إليه وبيانِ أنهم في اقتراح تلك الآياتِ كالباحث عن حَتْفه بظِلْفه وأن في ترك الإجابة إليه إبقاءً عليهم كيف لا ولو أُعطوا ما اقترحوا مع عدم إيمانهم قطعاً لوجب استئصالُهم لجريان سنةِ الله عزوجل في الأمم السالفة على أن المقترحين إذا أُعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذابُ الاستئصال لا محالة وقد سبقت كلمةُ الحق منه تعالى أن هذه الأمةَ لا يعذبون بعذاب الاستئصالِ فقوله من قرية أي من أهل قرية في محلِ الرفعِ على الفاعلية ومن مزيدةٌ لتأكيد العمومِ وقوله تعالى {أهلكناها} أي بإهلاك أهلِها لعدم إيمانِهم بعد مجيءِ ما اقترحوه من الآيات صفةٌ لقرية والهمزة في قوله تعالى {أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} لإنكار الوقوعِ والفاء للعطف إما على مقدر دخلتْه الهمزةُ فأفادت إنكارَ وقوعِ إيمانِهم ونفيَه عقيب عدمِ إيمان الأولين فالمعنى أنه لم تؤمنْ أمةٌ من الأمم المهلَكة عند إعطاء ما اتقرحوه من الآيات أهم لم يؤمنوا فهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوا مع كونهم أعنى منهم وأطغى وإما على ما آمنت على أن الفاء متقدمةٌ على الهمزة في الاعتبار مفيدةٌ لترتيب إنكارِ وقوعِ إيمانِهم على عدم إيمانِ الأولين وإنما قُدّمت عليها الهمزةُ لاقتضائِها الصدارةَ كما هو رأي الجمهور وقولُه عزَّ وجلَّ
(6/56)

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً} جوابٌ لقولهم هل هذا إلا بشر الخ متضمنٌ لردّ ما دسّوا تحت قولهم كما أُرسل الأولون من التعرض بعدم كونِه عليه السلام مثلَ أولئك الرسلِ صلواتُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ ولذلك قُدّم عليه جوابُ قولهم فليأتنا بآية ولأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيزِ فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطالِه كما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ وقوله تعالى مَا نُنَزّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ ولأن في هذا الجواب نوعَ بسطٍ يُخلُّ تقديمُه بتجاوب أطراف النظم الكريم والحقُّ أن ما اتخذوه سبباً للتكذيب موجبٌ للتصديق في الحقيقة لأن مقتضى الحكمةِ أن يُرسلَ إلى البشر البشرُ وإلى الملَك الملَكُ حسبما ينطِق به قوله تعالى قُل لَوْ كَانَ فِى الارض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً فإن عامةَ البشر بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملَكية لتوقّفها على التناسب بين المُفيض والمستفيض فبعثُ الملَكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها يدورُ فلكُ التكوينِ والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمةُ أن يبعث الملكُ منهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القدسية المتعلّقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ليتلقَّوا من جانب ويُلْقوا إلى جانب آخرَ وقوله تعالى {نوحي إليهم} اسئناف مبينٌ لكيفية الإرسالِ وصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضية المستمرةِ وحُذف المفعولُ لعدم القصدِ إلى خصوصه والمعنى وما أرسلنا إلى الأمم قبلَ إرسالك إلى أمتك إلا رجالاً مخصوصين من أفراد الجنسِ مستأهلين للاصطفاء والإرسال نوحي إليهم بواسطة الملَك ما نوحي من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار كما نوحي إليك من غير فرقٍ بينهما في حقيقة الوحي وحقية مدلولِه حسبما يَحكيه قوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين إلى قوله تعالى وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً كمالا فرق بينك وبينك وبينهم في البشرية فمالهم لا يفهمون أنك لست بدْعاً من الرسل وأن ما أُوحيَ إليك ليس مخالفاً لما أوحيَ أليهم
(6/56)

سورة الأنبياء الآية 8 9 فيقولون ما يقولون وقرىء يوحى إليهم بالياء على صيغة المبني للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ وإيذانا بتعين الفاعل وقوله تعالى {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالِهم عن رتبة الاستبعادِ والنكير إثرَ تحقيق الحقِّ على طريقة الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الحقيقُ بالخطاب في أمثال تلك الحقائقِ الأنيقةِ وأما الوقوفُ عليها بالاستخبار من الغير فهو من وظائف العوامِّ والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدِلالة المذكورِ عليهِ أيْ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ما ذُكر فاسألوا أيها الجهلةُ أهلَ الكتاب الوافقين على أحوال الرسلِ السالفةِ عليهم الصلوات لنزول شبهتُكم أُمروا بذلك لأن إخبارَ الجمِّ الغفير يوجب العلم لا سيماوهم كانوا يشايعون المشركين في عداوته عليه السلام ويشاورونهم في أمره عليه السلام ففيه من الدِلالة عَلى كمالِ وضوحِ الأمر وقوةِ شأن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم ما لا يخفى
(6/57)

وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)
{وَمَا جعلناهم جَسَداً} بيان لكون الرسل عليهم السلام أُسوةً لسائر أفراد الجنسِ في أحكام الطبيعةِ البشرية إثرَ بيانِ كونهم أسوةً لهم في نفس البشرية والجسدُ جسمُ الإنسانِ والجنِّ والملائكة ونصبُه إما على أنه مفعولٌ ثانٍ للجعل لكن لا بمعنى جعلِه جسداً بعد أن لم يكن كذلك كما هو المشهورُ من معنى التصبير بل بمعنى جعله كذلك ابتداءً على طريقة قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوض وكبر الفيل كما مر في قوله تعالى وَجَعَلْنَا آية النهار مبصرة وإما حالٌ من الضمير والجعلُ إبداعيٌّ وإفرادُه لإرادة الجنس المنتظمِ للكثير أيضاً وقيل بتقدير المضافِ أي ذوي جسدو قوله تعالى {لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام} صفةٌ له أي وما جعلناهم جسداً مستغنياً عن الأكل والشرب بل محتاجاً إلى ذلك لتحصيل بدَلِ ما يتحلل منه (وَمَا كَانُواْ خالدين) لأن مآلَ التحلّلِ هو الفناءُ لا محالة وفي إيثار ما كانوا على ما جعلناهم تنبيهٌ على أن عدمَ الخلود مقتضي جِبِلّتِهم التي أشير إليها بقوله تعالى وما جعلنا هم الخ لا بالجعل المستأنَف والمرادُ بالخلود إما المكثُ المديدُ كما هو شأنُ الملائكة أو الا بدية وهم معتقدون أنهم لا يموتون والمعنى جعلناهم أجسادامتغذية صائرةً إلى الموت بالآخرة على حسب آجالِهم لا ملائكةً ولا أجساداً مستغنيةً عن الأغذية مصونةً عن التحلل كالملائكة فلم يكن لها خلودٌ كخلودهم فالجملةُ مقررة لما قيلها من كون الرسلِ السالفةِ عليهم السلام بشراً لا ملَكاً مع ما في ذلك من الرد على قولهم مَا لهذا الرسول يأكل الطعامَ وقوله تعالى
(6/57)

ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9)
{ثُمَّ صدقناهم الوعد} عطفٌ على ما يُفهم من حكاية وحْيِه تعالى إليهم على الاستمرار النجددي كأنه قيل أوحينا إليهم ما أوحينا ثم صدقناهم في الوعد الذي وعدناهم في تضاعيف الوحي بإهلاك أعدائِهم {فأنجيناهم وَمَن نَّشَاء} من المؤمنين وغيرهم ممن تستدعي الحكمةُ إبقاءَه كمن سيؤمن هو أو بعضُ فروعِه بالآخرة وهو السرُّ في حماية العرب من عذاب الاستئصال {وَأَهْلَكْنَا المسرفين} أي المجاوزين للحدود في الكفر والمعاصي
(6/57)

سورة الأنبياء الآية
(6/58)

لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)
10 - 13 {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوق لتحقيق حقيةِ القرآنِ العظيم الذي ذُكر في صدرِ السورةِ الكريمةِ إعراضُ الناس عما يأتيهم من آياته واستهزاؤُهم به وتسميتهم تارة سحرا أو تارة أضغاثَ أحلام وأخرى مفترًى وشعراً وبيانُ علوِّ رتبته إثر تحقيق رسالته صلى الله عليه وسلم ببيان أنه كسائر الرسلِ الكرام عليهم الصلاة والسالم قد صدر بالتوكيد القسمي إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذانا يكون المخاطبين في أقصى مراتب النكيرِ أي والله لقد أنزلنا إليكم يا معشرَ قريش {كتابا} عظيمَ الشأن نيِّر البرهان وقوله تعالى {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} صفةٌ لكتاباً مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ التفخيميُّ من كونه جليلَ المقدار بأنه جميلُ الآثار مستجلبٌ لهم منافعَ جليلةً أي فيه شرفكم وصِيتُكم كقوله تعالَى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وقيل ما تحتاجون إليه في أمور دينكم ودنياكم وقيل ما تطلُبون به حَسَنَ الذكر من مكارم الأخلاف وقيل فيه موعظتُكم وهو الأنسبُ بسباق النظمِ الكريمِ وسياقِه فإنَّ قولِه تعالى {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إنكارٌ توبيخيٌّ فيه بعثٌ لهم على التدبر في أمر الكتابِ والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظِ والزواجر التي من جملتها القوارعُ السابقةُ واللاحقةُ والفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ أي ألا تتفكرون فلا تعقِلون أن الأمرَ كذلك أولا تعقلون شيئا من الأشياء التي من جملتها ما ذكروقوله تعالى
(6/58)

وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)
{وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ} نوعُ تفصيل لإجمالِ قوله تعالى وَأَهْلَكْنَا المسرفين وبيانٌ لكيفية إهلاكِهم وسببِه وتنبيهٌ على كثرتهم وكم خبريةٌ مفيدةٌ للتكثيرِ محلُّها النصبُ على أنَّها مفعولٌ لقصمنا ومن قرية تمييزٌ وفي لفظ القصْمِ الذي هو عبارةٌ عن الكسر بإبانة أجزاء المكسورة وإزالةِ تأليفها بالكلية من الدِلالة على قوة الغضبِ وشدة السخط مالا يخفى وقوله تعالى {كَانَتْ ظالمة} في محل الجرِّ على أنها صفةٌ لقرية بتقدير مضافٍ ينبىء عنه الضميرُ الآتي أي وكثيراً قصمنا من أهل قريةٍ كانوا ظالمين بآيات الله تعالى كافرين بها كدأْبكم {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا} أي بعد إهلاكها {قوما آخرين} أي ليسوا منهم نسباً ولا ديناً ففيه تنبيهٌ على استئصال الأولين وقطعِ دابرهم بالكليةِ وهُوَ السرُّ في تقديم حكاية إنشاءِ هؤلاء على حكاية مبادىء إهلاكِ أولئك بقوله تعالى
(6/58)

فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12)
{فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هم} ) أي أدركوا عذابَنا الشديدَ إدراكاً تاماً كأنه إدراكُ المشاهد المحسوس {مّنْهَا يَرْكُضُونَ} يهرُبون مسرعين راكضين دوابَّهم أو مُشبَّهين بهم في فرْط الإسراع
(6/58)

لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)
{لاَ تَرْكُضُواْ} أي قيل لهم بلسانِ الحالِ أو بلسانِ المقالِ من الملَك أو ممن ثمّةَ من المؤمنين بطريق الاستهزاءِ والتوبيخِ لا تركُضوا {وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} من التنعم والتلذّذ والإترافُ إبطارُ النعمة {ومساكنكم} التي كانتم تفتخرون بها {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} تُقصَدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات
(6/58)

والنوازل أو تنفقدون إذا رُئيت مساكنُكم خاليةً وتُسألون أين أصحابُها أو يسألكم الوافدون نوالَكم على أنهم كانوا أسخياءَ ينفقون أموالهم رياء وبخلاء فقيل لهم ذلك تهكماً إلى تهكم
(6/59)

قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14)
{قَالُواْ} لما يئسوا من الخلاص بالهرب وأيقنوا بنزول العذاب {يا ويلنا} أي هلاكَنا {إِنَّا كُنَّا ظالمين} أي مستوجبين للعذاب وهو اعترافٌ منهم بالظلم وباستتباعه للعذاب وندمٌ عليه حين لم ينفعْهم ذلك
(6/59)

فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)
{فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أي فما زالوا يرددون تلك الكلمةَ وتسميتُها دعوى أي دعوة لأن المدلول كأنه يدعوا الويلَ قائلاً يا ويل تعالَ فهذا أوانُك {حتى جعلناهم حَصِيداً} أي مثلَ الحصيدِ وهو المحصودُ من الزرع والنبت ولذلك لم يُجمع {خامدين} أي ميتين من خمَدت النارُ إذا طَفِئت وهو مع حصيداً في حيز المفعول الثاني للجعْل كقولك جعلتُه حُلْواً حامضا والمعنى جعلنا هم جامعين لمماثلة الحصيدِ والخمود أو حال من الضمير المنصوب في جعلناهم أو من المستكنّ في حصيداً أو صفة لحصيدا لنعدده معنًى لأنه في حكم جعلناهم أمثالَ حصيد
(6/59)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)
{وما خلقنا السماء والأرض} إشارةٌ إجماليةٌ إلى أن تكوينَ العالمَ وإبداعَ بني آدمَ مؤسسٌ على قواعد الحِكَم البالغةِ المستتبِعة للغايات الجليلةِ وتنبيهٌ على أن ما حُكي من العذاب الهائلِ والعقاب النازلِ بأهل القرى من مقتَضيات تلك الحِكَم ومتفرِّعاتها حسبَ اقتضاءِ أعمالِهم إياه وأن للمخاطَبين المقتدرين بآثارهم ذَنوباً مثلَ ذَنوبهم أي مَا خلقناهما {وَمَا بينَهما} من المخلوقات التي لا تُحصى أجناسُها وأفرادُها ولا تحصر أنواعُها وآحادُها على هذا النمط البديعِ والأسلوب المنيعِ خاليةٌ عن الحِكَم والمصالح وإنما عبّر عن ذلك باللعب واللهو حيث قيل {لاَعِبِينَ} لبيان كمالِ تنزّهه تعالى عن الخَلْق الخالي عن الحِكمة بتصويره بصورة مالا يرتاب أحدٌ في استحالة صدورِه عنه سبحانه بل إنما خلقناهما وما بينهما لتكون مبدأً لوجود الإنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يقودُه إلى تحصيل معرفتِنا التي هي الغايةُ القصوى بواسطةِ طاعتِنا وعبادتنا كما ينطِق به قوله تعالَى وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء ليبوكم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وقولُه تعالى وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ وقوله تعالى
(6/59)

لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17)
{لو أردنا أن نتخذ لَهْواً} استئنافٌ مقرر لما قبله من انتفاء اللعبِ واللهو أي لو أردنا أن نتخذ ما يُتَلهّى به ويُلعب {لاتخذناه مِن لَّدُنَّا} أي من جهة قدرتِنا أو من عندنا مما يليق بشأننا من المجردات لا من الأجسام المرفوعةِ والأجرامِ الموضوعة كدَيدن الجبابرةِ في رفع العروش وتحسينها وتسويةِ الفروش وتزيينها لكن يستحيل إرادتُنا له لمافاته الحِكمةَ فيستحيل اتخاذُنا له قطعاً وقوله تعالى {إِن كنا فاعلين} جرا به محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه أي إن كنا فاعلين لاتخذناه وقيل إن نافية أي ما كنا فاعلين أي لاتخاذ اللهو لعدم إرادتِنا إياه فيكون بياناً
(6/59)

لانتفاء التالي لانتفاء المقدّم أو لإرادة إتخاذ فيكون بياناً لانتفاء المقدّمِ المستلزِمِ لانتفاء التالي وقيل اللهوُ
18 - الولدُ بلغة اليمن وقيل الزوجةُ والمرادُ الردُّ على النصارى ولا يخفى بُعدُه
(6/60)

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)
{بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل} إضرابٌ عن اتخاذ اللهوِ بل عن إرادته كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأنُنا أن نُغلّب الحقَّ الذي من جملته الجِدُّ على الباطل الذي من قبيله اللهوُ وتخصيصُ شأنِه هذا من بين سائر شئونه تعالى بالذكر للتخلص إلى ما سيأتي من الوعيد {فَيَدْمَغُهُ} أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المَحْكية وقد استُعير لإيراد الحقِّ على الباطل القذفُ الذي هو الرمْيُ الشديدُ بالجِرم الصُّلْب كالصخرة وَلمَحْقه للباطل الدمغُ الذي هو كسرُ الشيء الرِّخْوِ الأجوفِ وهو الدِّماغ بحيث يشق غشاءَه المؤدّيَ إلى زُهوق الروحِ تصويراً له بذلك وقرىء فيدمغَه بالنصب وهو ضعيف وقرىء فيدمُغه بضم الميم {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أي ذاهب بالكلية وفي إذا الفجائية والجملة الاسميةِ من الدِلالة عَلى كمالِ المسارعةِ في الذهاب والبطلان مالا يخفى فكأنه زاهقٌ من الأصل {وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ} وعيدٌ لقريش بأن لهم أيضاً مثلَ ما لأولئك من العذاب والعقاب ومن تعليليةٌ متعلقةٌ بالاستقرار الذي تعلق به الخبرُ أو بمحذوف هو حال من الويل أومن ضميره في الخبر وما إما مصدرية أو موصولةٌ أو موصوفةٌ أي واستقر لكم الويلُ والهلاكُ من أجل وصفِكم له سبحانه بما لا يليقُ بشأنه الجليلِ أو بالذي تصفونه به من الولد أوكائنا مما تصفونه تعالى به
(6/60)

وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19)
{وله من في السماوات والأرض} استئنافٌ مقررٌ لما قبله من خلقة تعالى لجميع مخلوقاتِه على حكمة بالغةٍ ونظامٍ كامل وأنه تعالى يُحِق الحقَّ ويُزْهق الباطل أي له تعالى خاصة جميعُ المخلوقات خلقاً ومُلكاً وتدبيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتةً وتعذيباً وإثابةً من غير أن يكون لأحد في ذلك دخلٌ ما استقلالاً أو استتباعاً {وَمَنْ عِندَهُ} وهم الملائكةُ عليهم السلام عبّر عنهم بذلك إثرَ ما عبّر عنهم بمن في السموات تنزيلالهم لكرامتهم عليه عزوعلا وزُلْفاهم عنده منزلةَ المقربين عند الملوك بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبرُه {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} أي لا يتعظمون عنها ولا يُعدّون أنفسهم كبيراً {وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ} ولا يكلون ولا يعبون وصيغةُ الاستفعال المنبئةِ عن المبالغة في الحُسور للتنبيه على أن عباداتِهم بثقلها ودوامها حقيقةٌ بأن يُستَحسَرَ منها ومع ذلك لا يستحسرون لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصلِه في الجملة كا أن نفيَ الظلاّمية في قوله تعالى وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ لإفادة كثرةِ الظلم المفروضِ تعلقُّه بالعبيد لا لإفادة نفي المبالغة في الظلم مع ثبوت أصلِ الظلم في الجملة وقيل من عنده معطوف على من الأولى وإفرادُهم بالذكر مع دخولهم في مَن فِى السموات والأرض للتعظيم كما في قوله تعالى وجبريل وميكال فقوله تعالى لاَ يَسْتَكْبِرُونَ حينئذ حال من الثانية
(6/60)

يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)
{يُسَبّحُونَ الليل والنهار} أي ينزهونه في جميع الأوقات ويعظّمونه ويمجدونه دائماً وهو استئنافٌ
(6/60)

وقعَ جوابا عما نشأ مما قبله كأنه قيل ماذا يصنعون في عباداتهم أوكيف يعبدون فقيل يسبحون الخ أوحال من فاعل يستحسرون وكذا قوله تعالى {لاَ يَفْتُرُونَ} أي لا يتخلل تسبيحَهم فترةٌ أصلاً بفراغ أو بشغل آخر
(6/61)

أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)
{أم اتخذوا آلهة} حكايةٌ لجناية أخرى من جناياتهم بطريق الإضرابِ والانتقال من فن إلى فن آخر من التوبيخ إثرَ تحقيق الحق ببيان أنه تعالى خلق جميع المخلوقات على منهاج الحكمة وأنهم قاطبةً تحت ملكوته وقهره وأن عبادَه مذعنون لطاعته ومثابرون على عبادته منزِّهون له عن كل مالا يليقُ بشأنِه من الأمور التي من جملتها الأندادُ ومعنى الهمزة في أم المنقطعة إنكار الواقع وقوله تعالى {مّنَ الأرض} متعلقٌ باتخذوا أو بمحذوف هو صفة لآلهة وأيا ما كان فالمرادُ هو التحقيرُ لا التخصيصُ وقوله تعالى {هُمْ يُنشِرُونَ} أي يَبعثون الموتى صفةٌ لآلهةً وهو الذي يدور عليه الإنكارُ والتجهيلُ والتشنيع لانفس الاتخاذ فإنه واقعٌ لا محالة أي بل أتخذوا آلهةً من الأرض هم خاصة مع حقارتهم وجماديتهم يُنشِرون الموتى كلا فإن ما اتخذوها آلهةً بمعزل من ذلك وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحاً لكنهم حيث ادَّعَوا لها الإلهية فكأنهم ادعوا لها الإنشارَ ضرورةَ أنه من الخصائص الإلهية حتماً ومعنى التخصيص في تقديم الضمير ما أشيرَ إليهِ من التنبيه على كمال مباينةِ حالهم للإنشار الموجبةِ لمزيد الإنكار كما في قوله تعالى أَفِى الله شَكٌّ وقوله تعالى أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون فإن تقديمَ الجارِّ والمجرورِ للتنبيه على كمال مباينةِ أمرِه تعالى لأن يُشَك فيه ويُستهزأَ به ويجوز أن يُجعلَ ذلك من مستتبعات ادّعائِهم الباطلِ لأن الألوهيةَ مقتضيهٌ للاستقلال بالإبداء والإعادة فحيث ادَّعَوا للأصنام الإلهية فكأنهم ادعوا لها الاستقلالَ بالإنشار كما أنهم جعلوا بذلك مدّعين لأصل الإنشار
(6/61)

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)
{لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله} إبطالٌ لتعدد الإله بإقامة البرهان على انتفائه بل على استحالته وإيرادُ الجمع لوروده إثرَ إنكار اتخاذِ الآلهة لا لأن للجمعية مدخلاً في الإستدلال وكذا فرض كونها فيهما وإلا بمعنى غير على أنها صفةٌ لآلهة ولا مساغَ للاستثناء لاستحالة شمول ما قبلَها لما بعدَها وإفضائِه إلى فساد المعنى لدلالته حينئذ على أن الفسادَ لكونها فيهما بدونه تعالى ولا للرفع على البدل لأنه متفرّع على الاستثناء ومشروطٌ بأن يكون في كلامٍ غيرِ موجب أي لو كان في السموات والأرض آلهةٌ غيرُ الله كما هو اعتقادُهم الباطل {لَفَسَدَتَا} أي لبطلتا بما فيهما جميعاً وحيث انتفى التالي عُلم انتفاء المقدم قطعا بيان الملازمة أن الإلهية مستلزِمةٌ للقدرة على الاستبداد بالتصرف فيهما على الإطلاق تغييراً وتبديلاً وإيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة فبقاؤهما على ما هما عليه إما بتأثير كل منها وهو محالٌ لاستحالة وقوعِ المعلولِ المعيّن بعلل متعددة وإما بتأثير واحدٍ منها فالبواقي بمعزل من الإلهية قطعاً واعلم أن جعلَ التالي فسادَهما بعد وجودِهما لِما أنه اعتُبر في المقدم تعددُ الآلهةِ فيهما وإلا فالبرهانُ يقضي باستحالة التعدد على الإطلاق فإنه لو تعدد الإله فإنْ توافقَ الكلِّ في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت
(6/61)

سورة الأنبياء الآية 23 24 تعاوقت فلا يوجد موجودٌ أصلاً وحيث انتفى التالي تعيّن انتفاءُ المقدّم والفاء في قوله تعالى {فَسُبْحَانَ الله} لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي فسبحوه سبحانه اللائقَ به ونزهوه عمَّا لا يليقُ به من الأمور التي من جملتها أن يكون له شريط في الألوهية وإيرادُ الجلالة في موضع الإضمارِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم فإنَّ الألوهيةَ مناطٌ لجميع صفاتِ كمالِه التي من جملتها تنزّهُه تعالى عما لا يليق به ولتربية المهابةِ وإدخالِ الروعة وقوله تعالى {رَبُّ العرش} صفةٌ للاسم الجليل مؤكدة لتنزهه عزوجل {عَمَّا يَصِفُونَ} متعلق بالتسبيح أي فسبحوه عما يصفونه من أن يكون من دونه آلهةٌ
(6/62)

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)
{لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} استئنافٌ ببيان أنه تعالى لقوة عظمته وعزةِ سلطانه القاهرِ بحيث ليس لأحد من مخلوقاته أن يناقشه ويسألَه عما يفعل من أفعاله إثرَ بيانِ أن ليس له شريكٌ في الإلهية {وهم} أي العباد {يسألون} عما يفعلون نقيراً
24 - وقطميراً لأنهم مملوكون له تعالى مستعبَدون ففيه وعيدٌ للكفرة
(6/62)

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)
{أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلهة} إضرابٌ وانتقالٌ من إظهار بُطلانِ كون ما اتخذوه آلهةً آلهةً حقيقةً بإظهار خلوها عن خصائص الإلهية التي من جملتها الإنشارُ وإقامةُ البرهان القاطعِ على استحالة تعدد الإله على الإطلاق وتفرّدِه سبحانه بالألوهية إلى إظهار بطلانِ اتخاذِهم تلك الآلهة مع عرائها عن تلك الخصائص بالمرة شركاء لله عزسلطانه وتبكيتُهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة وتحقيقُ أن جميع الكتب السماويةِ ناطقةٌ بحقية التوحيد وبطلانِ الإشراك والهمزةُ لإنكار الاتخاذ المذكور واستقباحه واستعظامه ومن متعلقةٌ باتخذوا والمعنى بل أُتخذوا متجاوزين إياه تعالى مع ظهور شئونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية آلهة مع ظهور خلودهم عن خواصّ الألوهية بالكلية {قُلْ} لهم بطريق التبكيتِ وإلقامِ الحجر {هَاتُواْ برهانكم} على ما تدّعونه من جهة العقل والنقلِ فإنه لا صحةَ لقولٍ لا دليلَ عليه في الأمور الدينية لا سيما في مثل هذا الشأنِ الخطير وما في إضافة البرهان إلى ضميرهم من الإشعار بأن لهم برهاناً ضربٌ من التهكم بهم وقوله تعالى {هذا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى} إنارةٌ لبرهانه وإشارةٌ إلى أنه مما نطقت به الكتبُ الإلهية قاطبةً وشهِدت به ألسنةُ الرسلِ المتقدمة كافةً وزيادةُ تهييجٍ لهم على إقامة البرهان لإظهار كمالِ عجزِهم أي هذا الوحيُ الواردُ في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطعِ العقليّ ذكرُ أمتي أي عظنهم وذكرهم الأمم السافة قد أقمتُه فأقيموا أنتم أيضاً برهانَكم وقيل المعنى هذا كتابٌ أُنزل على أمتي وهذا كتابٌ أنزل على أمم الأنبياءِ عليهم السلام من الكتب الثلاثةِ والصحفِ فراجعوها وانظُروا هل في واحد منها غيرُ الأمر بالتوحيد والنهي عن الإشراك ففيه تبكيتٌ لهم متضمن لإثبات نقيضِ مُدّعاهم وقرىء بالتنوين والإعمال كقوله تعالى أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مسغبة يقيما وبه وبمن الجارة على أن مع اسمٌ هو ظرف كقبلٍ وبعْدٍ وقوله تعالى {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق}
(6/62)

سورة الأنبياء 25 27 إضرابٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقنِ وانتقالٌ من الأمر بتبكيتهم بمطالبة البرهانِ إلى بيان أنه لا ينجح فيهم المحاجة بإظهار حقية الحقِّ وبُطلانِ الباطل فإن أكثرهم لا يفهمون الحقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل {فَهُمُ} لأجل ذلك {مُّعْرِضُونَ} أي مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباعِ الرسول لا يرعوون عمَّا هُم عليهِ من الغي والضلال وإن كُرّرت عليهم البينات والحجج أو معرضون عما ألقي عليهم من البراهين العقلية والنقلية وقرىء الحقُّ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وسِّط بين السبب والمسببِ تأكيداً للسببية وقوله تعالى
(6/63)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون}
25 - استئنافٌ مقررٌ لما أُجمل فيما قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية وأجمعت عليه الرسلُ عليهم السلام وقرىء يوحى على صيغة الغائب مبنياً للمفعول وأياً ما كان فصيغةُ المضارعِ لحكايةِ الحالِ الماضيةِ استحضارا لصورة الوحي
(6/63)

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)
{وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً} حكايةٌ لجناية فريق من المشركين جيء بها لإظهار
26 - بُطلانِها وبيانِ تنزّهه تعالى عن ذلك إثرَ بيان تنزّهِه سبحانه عن الشركاء على الإطلاق وهم حيٌّ من خُزاعَةَ يقولون الملائكةُ بناتُ الله تعالى ونقل الواحدي أن قريشاً وبعضَ أجناس العرب جهينة وبني سلمةَ وخُزاعةَ وبني مَليحٍ يقولون ذلك والتعرضُ لعنوان الرحمانية المنبئةِ عن كون جميع ماسواه تعالى مربوباً له تعالى نعمةً أو مُنعَماً عليه لإبراز كمالِ شناعةِ مقالتِهم الباطلةِ {سبحانه} أي تنزّه بالذات تنزّهَه اللائقَ به على أن السبحان مصدر من سبح أي بَعُد أو أسبّحه تسبيحَه على أنه علمٌ للتسبيح وهو مقولٌ على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحَه وقوله تعالى {بَلْ عِبَادٌ} إضرابٌ وإبطالٌ لما قالوه كأنه قيل ليست الملائكةُ كما قالوا بل هم عبادٌ له تعالى {مُّكْرَمُونَ} مقربون عنده وقرى مكرمون بالتشديد وفيه تنبيهٌ على منشأ غلطِ القوم وقوله تعالى
(6/63)

لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)
{لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول} صفةٌ أخرى لعباد منبئةٌ عن كمال طاعتهم وانقيادِهم لأمره تعالى أي
27 - لا يقولون شيئاً حتى يقوله تعالى أو يأمرهم به وأصلُه لا يسبق قولُهم قولَه تعالى فأسند السبق إليهم منسوباً إليه تعالى تنزيلاً لسبق قولِهم قولَه تعالى منزلةَ سبقهم إياه تعالى لمزيد تنزيههم عن ذلك وللتنبيه على غاية استهجان السبقِ المعرَّضِ به للذين يقولون مالا يقوله الله تعالى وجعلُ القول محلاً للسبق وأداةً له ثم أنيب اللامُ عن الإضافة للاختصار والنجافى عن التكرار وقرىء لا يسبقونه بضم الباء من سابقته فسبقته أسبُقه وفيه مزيدُ استهجانٍ للسبق وإشعارٌ بأن من سبق قولُه قولَه تعالى فقد تصدّى لمغالبته تعالى في السبق فسبقه فغلبه والعياذ بالله تعالى وزيادةُ تنزيهٍ لهم عما نُفيَ عنهم ببيان أن ذلك عندهم بمنزلة الغلبة بعد المغالبة فأتى يتوهم صدور عنهم {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} بيان لتبيعتهم له تعالى في الأعمال إثرَ بيانِ تبعيتهم له تعالى في الأقوال فإن نفيَ سبقِهم له تعالى بالقول عبارةٌ عن تبعيّتهم له تعالى فيه كأنه قيل هم بأمره يقولون وبأمره
(6/63)

سورة الأنبياء 28 30 يعملون لا بغير أمره أصلاً فالقصرُ المستفادِ من تقديم الجار معتبرٌ بالنسبة إلى غير أمرِه لا إلى أمر
28 - غيرِه
(6/64)

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} استئنافٌ وقع تعليلاً لما قبله وتمهيداً لما بعده فإن لعلمهم بإحاطته تعالى بما قدموا وأخروا من الأقوال والأعمال لايزالون يراقبون أحوالهم فلا يقدرون على قول أو عمل بغير أمره تعالى {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى} أن يشفعَ له مهابةً منه تعالى {وَهُمْ} مع ذلك {من خشيته} عزوجل {مشفقون} مر تعدون وأصلُ الخشية الخوفُ مع التعظيم ولذلك خص بها العلماءُ والإشفاق الخوفُ مع الاعتناء فعند تعديتِه بمن يكون معنى الخوف فيه أظهرَ وعند تعديته
29 - بعلى ينعكس الأمر
(6/64)

وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)
{وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ} أي من الملائكة الكلامَ فيهم وفي كونهم بمعزل مما قالوا في حقهم {إِنّى إله من دونه} متجاوزا إياه تعالى {فَذَلِكَ} الذي فُرض قولُه فرضَ مُحال {نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} كسائر المجرمين ولا يغني عنهم ما ذُكر من صفاتهم السنية وأفعالِهم المَرْضية وفيه من الدِلالة على قوة ملكوتِه تعالى وعزة جبروتِه واستحالةِ كون الملائكة بحيث يتوهم في حقهم ماتوهمه أولئك الكفرة مالا يخفى {كذلك نَجْزِى الظالمين} مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكد لمضمون ما قبله أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ نجزي الذين يضعون الأشياءَ في غير مواضعِها وبتعدون أطوارَهم والقصرُ المستفادُ من التقديم معتبرٌ بالنسبة إلى النقصان
40 - دون الزيادة أي لا جزاءً أنقصَ منه
(6/64)

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)
{أَوَلَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ} تجهيل لهم تتقصيرهم في التدبُّر في الآيات التكوينيةِ الدالةِ على استقاله تعالى بالألوهية وكن جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوتِه والهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدر وقرىء بغير واو الرؤية قلبيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلموا {أن السماوات والأرض كَانَتَا} أي جماعتا السمواتِ والأرضين كما في قوله تعالى إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أن تَزُولاَ {رَتْقاً} الرتْق الضمُّ والالتحامُ والمعنى إما على حذف المضافِ أو هو بمعنى المفعولِ أي كانتا ذواتي رتق أو مر توقتين وقرىء رتقا شيئا تقا أي مرتوقاً {ففتقناهما} قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير كانتا شيئاً واحداً ملتزمين ففصل الله تعالى بينهما ورفع السماءَ إلى حيث هي وأقرّ الأرض وقال كعب خلق الله تعالى السمواتِ والأرض ملتصقين ثم خلق ريحاً فتوسطتها ففتقتْها وعن الحسن خلق الله تعالى الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدس كيئة الفِهْر عليها دخانٌ ملتزقٌ بها ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما وقال مجاهد والسدي كانت السموات مرتتقة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع سموات وكذلك الأرضُ كانت مرتفعة طبعة واحدة ففتقها فجعلها سبع أرضين وقال ابن عباس في
(6/64)

سورة الأنبياء 31 33 رواية عطاء وعليه أكثرُ المفسرين إبن السمواتِ كانت رتْقاً مستويةً صُلبة لا تمطر والأرضُ رتْقاً لا تُنبت ففتق السماءَ بالمطر والأرضَ بالنبات فيكون المراد بالسموات السماءَ الدنيا والجمعُ باعتبار الآفاقِ أو السمواتِ جميعاً على أن لها مدخلاً في الأمطار وعلمُ الكفرةِ الرتْقَ والفتقَ بهذا المعنى مما لا سِترةَ به وأما بالمعاني الأُوَل فهم وإن لم يعلموهما لكنهم متمكنون من علمها إما بطريق النظر والتفكير فغن الفتق عارض مفترق إلى مؤثر قديم وإما بالاستفسار من العلماء ومطالعةِ الكتب {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْء حَىّ} أي خلقنا من الماء كلَّ حيوان كقوله تعالى والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مّن مَّاء وذلك لأنه من أعظم موادِّه أو لفرْط احتياجِه إليه وانتفاعِه به أو صيرنا كلَّ شيء حي من الماء أي بسبب منه لا بد له من ذلك وتقديمُ المفعول الثاني للاهتمام به لا لمجرد أن المفعولين في الأصل مبتدأٌ وخبرٌ وحقُّ الخبر عند كونه ظرفاً أن يتقدم على المبتدأ فإن ذلك مصحِّحٌ محض لامر جح وقرىء حيًّا على أنه صفةُ كلَّ أو مفعولٌ ثانٍ والظرفُ كما في الوجه الأول قُدّم على المفعول للاهتمام به والتشوق إلى المؤخر {أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ} إنكار لعدم إيمانِهم بالله وحده مع ظهور ما يوجبه حتماً من الآيات الآفافية والأنفسيةِ الدالةِ على تفرده عز وجل بالألوهية وعلى كون ما سواه من مخلوقاته مقهورةً تحت ملكوته وقدرتِه والفاء للعطف على مقدر يستدعيه الإنكارُ السابق أي أيعلمون ذلك فلا يؤمنون
(6/65)

وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)
{وَجَعَلْنَا فِى الأرض رَوَاسِىَ} أي جبالاً ثوابتَ جمعُ راسية مِنْ رسَا الشيءُ
31 - إذَا ثبت ورسَخ ووصفُ جمع المذكر يجمع المؤنثِ في غيرِ العقلاءِ مما لا ريب في صحته كقوله تعالى أَشْهُرٌ معلومات وأياما معدودات {أَن تَمِيدَ بِهِمْ} أي كراهةَ أن تتحرك وتضطرب بهم أولئلا تميدَ بهم بحذف اللام ولا لعدم الإلباس {وَجَعَلْنَا فِيهَا} أي في الأرض وتكريرُ الفعل لاختلاف المجعولين ولتوفية مقام الامتنان حقَّه أو في الرواسي لأنها المحتاجةُ إلى الطرق {فِجَاجاً} مسالكَ واسعةً وإنما قدم على قوله تعالى {سُبُلاً} وهو وصفٌ له ليصير حالاً فيفيد أنه تعالى حين خلقَها كذلك أو ليبدل منها سبلاً فيدل ضمناً على أنه تعالى خلقها ووسعها اللسابلة مع ما فيه من التوكيد {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي إلى مصالحهم ومَهمّاتهم
(6/65)

وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32)
{وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً} من الوقوع بقدرتنا القاهرةِ أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم
32 - بمشيئتنا أو من استراق السمعِ بالشُهُب {وَهُمْ عن آياتها} الدالةِ على وحدانيته تعالى وعلمِه وحكمتِه وقدرتِه وإرادتِه التي بعضُها محسوسٌ وبعضُها معلومٌ بالبحث عنه في علمَي الطبيعة والهيئة {مُّعْرِضُونَ} لا يتدبرون فيها فيبقَون على ما هم عليه من الكفر والضلال وقوله تعالَى
(6/65)

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
{وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس}
33 - القمر اللذين هما آيتاهما بيانٌ لبعض تلك الآياتِ التي هم عنها معرضون بطريق الالتفات الموجب
(6/65)

سورة الأنبياء 34 36 لتأكيد الاعتناءِ بفحوى الكلام أي هو الذي خلقهن وحده {كُلٌّ} أي كلُّ واحدٍ منهما على أن التنوين عوضٌ عن المضافِ إليهِ {فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي يجْرون في سطح الفلك كالسبْح في الماء والمرادُ بالفَلَك الجنسُ كقولك كساهم الخليفةُ حُلّةً والجملة حالٌ من الشمس والقمر وجاز انفرادُهما بها لعدم اللَّبْس
34 - والضميرُ لهما والجمعُ باعتبار المطالعِ وجُعل الضميرُ واو العق لأن السباحة حالُهم
(6/66)

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد} أي في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكونية والتشريعية {أفَإن مِتَ} بمقتضى حكمتِنا {فَهُمُ الخالدون} نزلت حين قالوا انتربص به ريبَ المَنون والفاءُ لتعليق الشرطيةِ بما قبلها والهمزةُ لإنكار مضمونِها بعد تقرّر القاعدةِ الكلية النافية لذلك بالمرة والمرادُ بإنكار خلودِهم ونفيه إنكارُ ما هو مدارٌ له وجوداً وعدما من شماتنهم بموته صلى الله عليه وسلم فإن الشماتةَ بما يعتريه أيضاً مما لا ينبغي أن تصدر عن العاقل كأنه قيل أفإن
35 - متَّ فهم الخالدون حتى يشمتوا بموتك وقوله تعالى
(6/66)

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت} أى ذائقة مرارة مفارقها جسدَها برهانٌ على ما أنكر من خلودكم {وَنَبْلُوكُم} الخطابُ إما للناس كافة بطريق التلوينِ أو للكفرة بطريق الالتفات أي نعاملكم معاملة من يبلوكم {بالشر والخير} بالبلايا والنعم هل تصبرون وتشكرون أولا {فِتْنَةً} مصدرٌ مؤكد لنبلوَكم من غير لفظِه {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} لا إِلى غيرِنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال فهو على الأول وعد ووعيدٌ وعلى الثاني وعيدٌ محضٌ وفيه إيماءٌ إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاءُ والتعريضُ للثواب والعقاب وقرىء يُرجعون بالياء على الالتفات
(6/66)

وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)
26 - {وَإِذَا رَاكَ الذين كَفَرُواْ} أي المشركون {إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به على معنى قصر معاملتهم معه عليه السلام على اتخاذهم إياه هُزواً لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزواً كما هو المتبادرُ كأنه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى أَنِ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ في سورة الأنعام {أهذا الذى يَذْكُرُ الِهَتَكُمْ} على إرادةِ القولِ أيْ ويقولون أو قائلين ذلك أي يذكرهم بسوء كما في قوله تعالى سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ الخ وقوله تعالى {وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن هُمْ كافرون} في حيز النصبِ على الحالية من ضمير القول المقدرِ والمعنى أنهم يعيبون عليه عليه الصلاة والسلام أن يذكُرَ آلهتَهم التي لا تضُرّ ولا تنفع بالسوء والحالُ أنهم بذكر الرحمن المنْعِم عليهم بما يليقُ بهِ من التوحيد أوبإرشاد الخلق بإرسال الرسل وإنرال الكتب أو بالقرآن كافرون فهم أحقاء بالعيب والإنكار فالضمير الأول مبتدأ خبره كافرون وبذكر متعلق بالخبر والتقدير وهم كافرون بذكر الرحمن والضمير الثاني تأكيدٌ لفظيٌّ للأول
(6/66)

سورة الأنبياء (34 36) فوقع الفصلُ بين العامل ومعموله بالمؤكدو بين المؤكِّد والمؤكَّد بالمعمول
(6/67)

خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)
{خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ} جُعل لفرْطِ
37 - استعجالِه وقلة صبره كأنه مخلوقٌ منه تنزيلاً لما طُبع عليه من الأخلاق منزلةَ ما طبع منه من الأركان إيذاناً بغاية لزومِه له وعدم انفكاكه عنه ومن عجلته مبادرتُه إلى الكفر واستعجالُه بالوعيد رُوِيَ أنَّها نزلتْ في النضر بن الحرث حين استعجل العذابَ بقوله اللهم إِن كَانَ هَذا هُوَ الحقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ الآية وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالإنسان آدمُ عليه السلام وأنه حين بلغ الروحُ صدرَه ولم يتبالغْ فيه أراد أن يقوم وروي أنه لما دخل الروع في عينيه نظر إلى ثما رالجنة ولما دخل جوفَه اشتهى الطعامَ وقيل خلقه الله تعالى في آخر النهار يومَ الجمعة قبل غروبِ الشمس فأسرعَ في خلقه قبل غيبتِها فالمعنى خُلق الإنسان خلقاً ناشئاً من عجل فذكرُه لبيان أنه من دواعي عجلته في الأمور والأظهر أنَّ المرادَ بِهِ الجنسُ وإن كان خلقُه عليه السلام سارياً إلى أولاده وقيل العجلُ الطينُ بلغة حِمْير ولا تقريب له ههنا وقوله تعالى {سأريكم آياتي} تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستعجِلين بطريق التهديدِ والوعيد أي سأريكم نقِماتي في الآخرة كعذاب النار وغيره {فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} بالإتيان بها والنهي عما جُبلت عليه نفوسُهم ليُقعِدوها عن مرادها
(6/67)

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)
{وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد} أي وقت مجيء الساعة التي كانوا يوعدون وإنما كانوا يقولونه استعجالا لمجيتة بطريق الاستهزاء والإنكار كا يرشد إليه الجوابُ لا طلباً لتعيين وقتِه بطريق الإلزام كما في سورة الملك {إِن كُنتُمْ صادقين} أي في وعدكم بأنه يأتينا والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الذين يتلون الآياتِ الكريمةَ المنبئةَ عن مجيء الساعة وجوابُ الشرط محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبلَهُ عليه حسبما حُذف في مثلِ قولِه تعالى فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين فإن قولهم متى هذا الوعد استبطاء منهم للموعود وطلبٌ لإتيانه بطريق العجَلة فإن ذلك في قوة الأمرِ بالإتيان عجلةً كأنه قيل فليأتنا بسرعة إن كنتم صادقين
(6/67)

لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39)
{لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ} استئنافٌ
39 - مَسوقٌ لبيان شدةِ هول ما يستعجلونه وفظاعةِ ما فيهِ من العذاب وأنهم إنما يستعجلونه لجهلهم بشأنه وإيثارُ صيغةِ المضارعِ في الشرط وإن كان المعنى على المُضِيّ لإفادة استمرارِ عدم العلم فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس بنص في إفادة انتفاءِ استمرارِ الفعل بل يفيد استمرارَ انتفائِه أيضاً بحسبِ المقامِ كما في قولِك لو تحسن إلي لشكرتك فإن المعنى أن انتفاءَ الشكر لاستمرار انتفاءِ الإحسان لا لانتفاء استمرارِ الأحسان ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ للتنبيهِ بما في حيزِ الصلة على علّة استعجالِهم وقوله تعالى {حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ} مفعول يعلم وهو عبارةٌ عن الوقت الموعودِ الذي كانوا
(6/67)

سورة الأنبياء (40 41) يستعجلونه وإضافتُه إلى الجملة الجارية مَجرى الصفة التي حقَّها أن تكونَ معلومةَ الانتسابِ إلى الموصوف عند المخاطب أيضاً مع إنكار الكفرة لذلك للإبذان بأنه منَ الظهورِ بحيثُ لا حاجة له إلى الإخبار به وإنما حقُّه الانتظامُ في سلك المسلّمات المفروغ عنها وجوابُ لو محذوفٌ أي لو لم يستمر عدم عليهم بالوقت الذي يستعلجونه بقولهم متى هذا الوعد من الحين الذي تحيط بهم النار فيه من كل جانب وتخصيصُ الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القُدّام والخَلْف لكونهما أشهرَ الجوانب واستلزامِ الإحاطة بهما الإحاطةَ بالكل بحيثُ لا يقدرُون على دفعها بأنفسهم من جانب من جوانبهم {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} من جهة الغير في دفعها الخ لما فعلُوا ما فعلُوا من الاستعجال ويجوز أن يكون يعلم متروكَ المفعول مُنزّلاً منزلةَ اللازم أي لو كان لهم علم لما فعلوه وقوله تعالى حِينٍ الخ استئنافٌ مقرر لجهلهم ومبينٌ لاستمراره إلى ذلك الوقت
40 - كأنه قيل حين يرون ما يرَوْن يعلمون حقيقةَ الحال
(6/68)

بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40)
{بَلْ تَأْتِيهِم} عطف على لا يكفون أي لا يكفّونها بل تأتيهم أي العدَةُ أو النار أو الساعة {بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} أي تغلبهم أوتحيرهم وقرىء الفعلان بالتذكير على أن الضمير للوعد أو الحين وكذا الهاء في قوله تعالى {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا} بتأويل الوعد بالنار أو العِدة والحينِ بالساعة ويجوز عَودُه إلى النار وقيل إلى البغتة أي لا يستطيعون ردها عنهم بالكلية {وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} أي يمهلون ليستريحوا طرفةَ عين وفيه تذكيرٌ لإمهالهم في الدنيا
(6/68)

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)
{ولقد استهزئ بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ} تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به صلى الله عليه وسلم في ضمن الاستعجال وعِدةٌ ضمنيةٌ بأنَّه يُصيبُهم مثلُ ما أصاب المتسهزئين بالرسل السالفةِ عليهم الصلاة والسلام وتصديرُها بالقسم لزيادة تحقيقِ مضمونها وتنوينُ الرسل للتفخيم والتكثير ومِنْ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ له أي وبالله لقد استُهزىء برسل أولي شأنٍ خطيرٍ وذوي عدد كثير أوحل أو نحوُ ذلك فإن معناه يدور على الشمول واللزوم ولا يكاد يُستعمل إلا في الشر والحَيْق ما يشتمل على الإنسان من مكروهِ فِعْلِه وقوله تعالى {بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ} أي من أولئك الرسلِ عليهم السلام متعلق بحاق وتقديمُه على فاعله الذي هو قوله تعالى {مَّا كَانُوا به يستهزؤون} للمسارعة إلى بيان لحوقِ الشرّ بهم وما إما موصولةٌ مفيدةٌ للتهويل والضمير المجرورُ عائدٌ إليها والجار متعلق بالفعل وتقديمُه عليه لرعاية الفواصلِ أي فأحاط بهم الذين كانوا يستهزئون به حيث أُهلكوا لأجله وإما مصدريةٌ فالضمير المجرور راجعٌ حينئذ إلى جنس الرسول المدلولِ عليه بالجمع كما قالوا ولعل إيثارَه على الجمع للتنبيه على أنه يحيق بهم جزاءُ استهزائهم بكل واحدٍ واحدٌ منهم عليه السلام لا جزاءُ استهزائهم بكلهم من حيثُ هو كلٌّ فقط أي فنزل بهم جزاءُ استهزائهم على وضع السبب موضع السبب إيذاناً بكمال الملابسةِ بينهما أو عينُ استهزائهم إن أريد بذلك العذابُ الأخرويُّ بناء على تجسم الأعمال فإن الأعمالَ الظاهرةَ في هذه النشأةِ بصور عرضيةٍ تبرُز في النشأة الآخرة بصور جوهريةٍ مناسبةٍ لها في الحسن والقبح
(6/68)

وعلى ذلك بني الوزن وقد مر تفصيله في سورة الأعراف وفي قولِه تعالَى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أنفسكم الآية إلى آخرها
(6/69)

قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42)
{قُلْ} خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثرَ تسليته بما ذكر من مصير أمرِهم إلى الهلاك وأمرٌ له عليهِ
42 - السَّلامُ بأنْ يقولَ لأولئك المتسهزئين بطريق التقريع والتبكيت
{مَن يكلؤكم} أي يحفظكم {بالليل والنهار مِنَ الرحمن} أي بأسه الذي تستحقون نزولَه ليلا أو نهار أو تقديم الليل لما أن الدواهيَ أكثرُ فيه وقوعاً وأشدُّ وقعاً وفي التعرض لعنوان الرحمانية إيذان بأن كلئهم ليس إلا رحمتُه العامةُ وبعد ما أُمر عليه السلام بما ذكر من السؤال على الوجه المذكور حسبما تقتضيه حالُهم لأنهم بحيث لولا أن الله تعالى يحفظهم في المَلَوَيْن لحل بهم فنون الآفاتِ فهم أحقاد بأن يكلفوا الاعترافَ بذلك فيوبخوا على ما هم عليه من الإشراك أُضرب عن ذلكَ بقولِه تعالَى {بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ} ببيان أن لهم حالاً أخرى مقتضيةً لصرف الخطابِ عنهم هي أنهم لا يُخطِرون ذكرَه تعالى ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسَه ويعدّوا ما كانوا عليه من الأمن والدعَةِ حفظاً وكَلاءةً حتى يسألوا عن الكالِىءِ على طريقة قول من قال عوجوا فحيوا النعمى دمنة الدار ماذا تحيون من نُؤْيٍ وأحجارِ وفي تعليق الإعراض بذكره تعالى وإيرادِ اسمِ الرب المضافِ إلى ضميرهم المنبىء عن كونهم تحت ملكوتِه وتدبيره وتربيتِه تعالى من الدلالة على كونهم في الغايةِ القاصيةِ من الضلالة والغيّ مالا يخفى وكلمةُ أم في قوله تعالى
(6/69)

أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)
{أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا} منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب والانتقالِ عما قبله من بيان أن جهلَهم بحفظه تعالى إياهم لعدم خوفِهم الناشىءِ عن إعراضهم عن ذكر ربهم بالكلية إلى توبيخهم باعتمادهم على آلهتهم وإسنادِهم الحفظَ إليها والهمزةُ لإنكار أن يكون لهم آلهةٌ تقدر على ذلك والمعنى ألهم آلهةٌ تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا أوحفظنا أو من عذابٍ كائنٍ من عندنا فهم معوّلون عليها واثقون بحفظها وفي توجيه الإنكارِ والنفي إلى وجود الآلهةِ الموصوفةِ بما ذكرَ من المنع لا إلى نفس الصفةِ بأن يقال أم تمنعهم آلهتُهم الخ من الدِلالة على سقوطها عن مرتبة الوجود فضلاً عن رتبة المنع مالا يخفى وقولع عزوعلا {لاَ يَسْتَطِيعُونَ نصرَ أنفسِهم وَلاَ هُمْ مّنَّا يُصْحَبُونَ} استئناف مقرر لما قبله من الإنكار وموضِّحٌ لبُطلان اعتقادِهم أي هم لا يستطيعون أن ينصُروا أنفسهم ولا يُصحَبون بالنصر من جهتنا فكيف يتوهم أن ينصُروا غيرهم وقوله تعالى
(6/69)

بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44)
{بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر} إضراب عما توهما ببيان أن الداعيَ
44 - إلى حفظهم تمتيعُنا إياهم بما قدر لهم من الأعمال أو عن الدِلالة على بطلانه بيان ما أوهمهم ذلك هو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارُهم فحسِبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ماهم عليه
(6/69)

سورة الأنبياء (45 47) ولذلك عقّب بما يدل على أنه طمعٌ فارغٌ وأمل كذاب حيث قيل {أَفَلاَ يَرَوْنَ} أي ألا ينظرون فلا يَرَوْنَ {أَنَّا نَأْتِى الأرض} أي أرضَ الكفرة {نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا وهو تمثيلٌ وتصويرٌ لما يخربه الله عزوجل من ديارهم على أيدي المسلمين ويُضيفها إلى دار الإسلام {أَفَهُمُ الغالبون} على رسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم والمؤمنين والفاء لإنكار ترتيب الغالبيةِ على ما ذكر من نقص أرضِ الكفرةِ بتسليط المسلمين عليها كأنه قيل أبعدَ ظهورِ ما ذكر ورؤيتِهم له يتوهم غلَبتُهم كما مر في قوله تعالى أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وقولِه تعالى قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء وفي التعريف تعريضٌ بأن المسلمين هم المتعيِّنون للغلَبة
45 - المعروفون بها
(6/70)

قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45)
{قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم} بعد ما بُيّن من جهته تعالى غايةُ هول ما يستعجله المستعجلون ونهايةُ سوءِ حالهم عند إتيانه ونُعيَ عليهم جهلُهم بذلك وإعراضُهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم من طوارق الليل والنهار وغيرُ ذلك من مساوي أحوالهم امر صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إنما أنذركم ما تستعجلونه من الساعة {بالوحى} الصادق الناطقِ بإتيانها وفظاعةِ ما فيها من الأهوال أي إنما شأني أن أنذرَكم بالإخبار بذلك لا بالإتيان بها فإنه مزاحمٌ للحكمة التكوينية والتشريعية إذ الإيمانُ برهانيٌّ لا عياني وقوله تعالى {ولا يسمع الصم الدعاء} إما من تتمة الكلامِ الملقّن تذييلٌ له بطريق الاعتراض قد أُمر عليه السلام بأن يقوله لهم توبيخاً وتقريعاً وتسجيلاً عليهم بكمال الجهلِ والعِناد واللامُ للجنس المنتظمِ للمخاطبين انتظاماً أولياً أو للعهد فوضَعَ المُظهرَ موضعَ المُضمر للتسجيل عليهم بالتصامّ وتقييدُ نفي السماعِ بقوله تعالى {إِذَا مَا يُنذَرُونَ} مع أن الصمَّ لا يسمعون الكلام إنذاراً كان أو تبشيراً لبيان كمال شدةِ الصّمَمِ كما أن إيثارَ الدعاء الذي هوعبارة عن الصوت والنداءِ على الكلام لذلك فإن الإنذارَ عادة يكون بأصواب عالية مكررة مقارنة لهيآت دالةٍ عليه فإذا لم يسمعوها يكون صَممُهم في غايةٍ لا غايةَ وراءَهَا وإما من جهته تعالى على طريقة قوله تعالى بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبّهِمْ مُّعْرِضُونَ ويؤيده القراءةُ على خطاب النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم من الإسماع بنصب الصمُّ والدعاءَ كأنَّه قيلَ قُلْ لَهُم ذلك وأنت بمعزل من إسماعهم وقرىء بالياء أيضاً على أن الفاعلَ هو عليه السلام وقُرِىءَ على
46 - البناءِ للمفعولِ أي لا يقدِرُ أحدٌ على إسماع الصمِّ وقوله تعالى
(6/70)

وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)
{وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ} بيان لسرعة تأثرِهم من مجيء نفس العذابِ إثرَ بيان عدمِ تأثرِهم من مجيء خبرِه على نهج التوكيدِ القسميِّ أي وبالله لئن أصابهم أدنى إصابة أدنه شيءٍ من عذابِهِ تعالَى كما ينبىء عنه المس والنفحة بجوهرها وبنائها فإن أصل النفخ هبوبُ رائحة الشيء {لَيَقُولُنَّ يا ويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين} ليدْعُنّ على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترِفُنّ
47 - عليها بالظلم وقوله تعالى
(6/70)

وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)
{وَنَضَعُ الموازين القسط} بيانٌ لما سيقع عند إتيانِ ما أُنذروه أي نقيم الموازين
(6/70)

سورة الأنبياء (48 49) العادلةَ التي توزن بها صحائفُ الأعمال وقيل وضعُ الموازين تمثيلٌ لإرصاد الحسابِ السويِّ والجزاء على حسب الأعمال وقد مر تفصيلُ ما فيه من الكلالم في سورة الأعراف وإفرادُ القسطِ لأنه مصدرٌ وُصف به مبالغةً {لِيَوْمِ القيامة} التي كانوا يستعجلونها أي لجزائه أو لأجل أهلِه أو فيه كما في قولك جئت لخمسٍ خلَوْن من الشهر {فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ} من النفوسِ {شَيْئاً} حقاً من حقوقها أو شيئاً ما من الظلم بل يوفى كلَّ ذِي حقَ حقَّه إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشر والفاء لترتيب انتفاء الظلم على وضع الموازين {وَإِن كَانَ} أي العملُ المدلولُ عليه بوضع الموازين {مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ} أي مقدارَ حبة كائنةٍ من خردل أي وإنْ كانَ في غايةِ القِلّة والحقارةِ فإن حبةَ الخردل مَثَلٌ في الصِغر وقرىء مثقالُ حبة بالرفعِ على أنَّ كانَ تامةٌ {أَتَيْنَا بِهَا} أي أحضرنا ذلك العملَ المعبَّر عنه بمثقال حبةِ الخردل للوزن والتأنيث لإضافته إلى الحبة وقرىء آتينابها أي جازينا بها من الإتيان بمعنى المجازاة والمكافأةِ لأنهم أتَوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وقرىء أثبنا من الثواب وقرىء جئنابها {وكفى بِنَا حاسبين} إذ لامزيد على علمناوعدلنا
(6/71)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48)
{ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان}
{وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ} نوعُ تفصيلٍ لَما أُجمل في قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ إلى قوله تعالى وَأَهْلَكْنَا المسرفين وإشارةٌ إلى كيفية إنجائهم وإهلاكِ أعدائهم وتصديرُه بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الإعتناء بمضمونه والمراد بالقرقان هو التوراة وكذا بالضياء والذكر أي وبالله لقد آتيناهما وحياً ساطعاً وكتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحقِّ والباطلِ وضياء الجهلِ والغَواية وذِكْراً يتعظ به الناسُ وتخصيصُ المتقين بالذكر لأنهم المستضئون بأنواره المغتنمون لمغانم آثارِه أو ذكر ما يحتاجونَ إليهِ من الشرائع والأحكامِ وقيل الفرقا النصرُ وقيل فلقُ البحر والأول هو اللائقُ بمساق النظمِ الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتبِ الإلهية لا سيما التوراةِ فيما ذكرَ من الصفات ولأن فلقَ البحر هو الذي اقترح الكفرةُ مثله بقولهم فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون وقرىء ضياءً بغير واو على أنه حالٌ من الفرقان وقوله تعالى
(6/71)

الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)
{الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} أي عذابَه مجرورُ المحل على أنه صفةٌ مادحة للمتقين أو بدلٌ أو بيانٌ أو منصوبٌ أو مرفوعٌ على المدح {بالغيب} حالٌ منَ المفعولِ أيْ يخشَون عذابه تعالى وهو غائبٌ عنهم غيرُ مشاهد لهم ففيه تعريضٌ بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار مالم يشاهِدوا ما أنذروه وقيل من الفاعل {وَهُمْ مّنَ الساعة مُشْفِقُونَ} أي خائفون منها بطريق الاعتناء وتقديمُ الجار لمراعاة الفواصل وتخصيصُ إشفاقهم منها بالذكر بعدوصفهم بالخشية على الإطلاق للإيذان بكونها معظمَ المَخُوفاتِ وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون وإيثارُ الجملة الاسميةِ للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامِه
(6/71)

وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)
{وهذا} أي القرآنُ الكريم أشير إليه بهذا إيذاناً بغاية وضوحِ أمرِه {ذُكِرَ} يتذكر به
(6/71)

من يُتذكّر وُصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقتِه لما مر في صدرِ السورةِ الكريمةِ {مُّبَارَكٌ} كثيرُ الخير غزيز النفع يُتبرّك به {أنزلناه} إما صفةٌ ثانية لذكر أو خبر آخر {أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} إنكارٌ لإنكارهم بعد ظهرو كون إنزالِه كإيتاء التوراة كأنه قيل أبعد أن علِمتم أن شأنَه كشأن التوراة في الإيتاء والإيحاءِ أنتم منكرون لكونه منزّلاً من عندنا فإن ذلك بعد ملاحظةِ حالِ التوراة مما لا مساغَ له أصلا
(6/72)

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)
{ولقد آتينا إبراهيم رُشْدَهُ} أي الرشدَ اللائقَ به وبأمثاله من الرسل الكبارِ وهو الاهتداءُ الكاملُ المستند إلى الهداية الخاصةِ الحاصلةِ بالوحي والاقتدار على إصلاح الأمةِ باستعمال النواميسِ الإلهية وقرىء رَشَدَه وهما لغتان كالخزن والحَزَن {مِن قَبْلُ} أي من قبل إيتاءِ موسى وهارونَ التوراةَ وتقديمُ ذكر إيتائها لما بينه وبين إنزال القرآن من الشبه التامّ وقيل من قبل استنبائِه أو قبلَ بلوغِه ويأباه المقام {وَكُنَّا بِهِ عالمين} أي بأنه أهلٌ لما آتيناه وفيه من الدليل على لنه تعالى عالم بالجزئيات مخار في أفعاله ما لا يخفى
(6/72)

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)
{إذ قال لابيه وقومه} ظرفٌ لآتينا على أنه وقت متّسعٌ وقع فيه الإيتاءُ وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله وقيل مفعولٌ لمضمر مستأنَفٍ وقع تعليلاً لما قبله أي اذكر وقتَ قولِه لهم {مَا هذه التماثيل التى أَنتُمْ لَهَا عاكفون} لتقف على كمال رشدِه وغايةِ فضله والتِمثالُ اسمٌ لشيء مضنوع مشبَّهٍ بخلق من خلائق الله تعالى وهذا تجاهلٌ منه عليه السلام حيث سألهم عن أصنامهم بما التي يُطلب بها بيانُ الحقيقة أو شرحُ الاسم كأنه لا يعرف أنها مذا مع إحاطته بأن حقيقتها حجرٌ أو شجرٌ اتخذوها معبوداً وعبّر عن عبادتهم لها بمطلق العكُوف الذي هو عبارةٌ عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض قصداً إلى تحقيرها وإذلالها وتوبيخاً لهم على إجلالها واللام في لها للاختصاص دون التعديةِ وإلا لجيء بكلمة على والمعنى أنتم فاعلون العكوفَ لها وقد جُوّز تضمينُ العكوف معنى العبادة كما ينبىء عنه قوله تعالى
(6/72)

قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)
{قالوا وجدنا آباءنا لَهَا عابدين} أجابوا بذلك لما أن مآلَ سؤاله عليه السلام الاستفسارُ عن سبب عبادتِهم لها كما ينبىء عنه وصفُه عليه السلام إياهم بالعكوف لها كأنه قال ما هي هل تستحق ما تصنعون من العكوف عليها فلما لم يكن لهم ملجأٌ يعتدّ به التجأوا إلى التقليد فأبطله عليه السلام على طريقة التوكيد القسمي حيث
(6/72)

قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)
{قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وآباؤكم} الذين سنوا للكم هذه السنةَ الباطلة {فِى ضلال} عجيبٍ لا يقادَر قدرُه {مُّبِينٌ} أي ظاهر بيّن بحيثُ لا يَخْفى على أحد من العقلاء كونُه كذلك ومعنى كنتم مطلقُ استقرارِهم على الضلال لا استقرارُهم الماضي الحاصلِ قبل زمانِ الخطاب المتناولِ لهم ولآبائهم أي والله لقد كنتم مستقرين على ضلال عظيم
(6/72)

سورة الأنبياء (51 54) ظاهرٍ لعدم استنادِه إلى دليل ما والتقليدُ إنما يجوز فيما يحتمل الحقية في الجملة
(6/73)

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55)
{قَالُواْ} لما سمعوا مقالته عليه السلام استبعاداً لكون ماهم عليه ضلالاً وتعجباً من تضليله عليه السلام إياهم بطريق التوكيدِ القسمي وتردداً في كون ذلك منه عليه السلام على وجه الجد {أَجِئْتَنَا بالحق} أي بالجِد {أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين} فتقول ما تقول على وجه المداعبةِ والمزاحِ وفي إيراد الشِّقِّ الأخير بالجملة الاسميةِ الدالةِ على الثبات إيذانٌ برُجْحانه عندهم
(6/73)

قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)
{قَالَ} عليه السلام إضراباً عما بنوا عليه مقالهم من اعتقاد كونِها أرباباً لهم كما يُفصح عنه قولُهم نعبدُ أصناماً فنظل لها عاكفين كأنه قيل ليس الأمر كذلك {بل ربكم رب السماوات والأرض الذى فطَرَهُنَّ} وقيل هو إضرابٌ عن كونه لاعباً بإقامة البرهانِ على ما ادّعاه وضميرُ هن للسموات والأرض وصَفه تعالى بإيجادهن إثرَ وصفِه تعالى بربوبيته تعالى لهن تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على أن ها لا يكون كذلك بمعزل من الربوبية أي أنشأهن بما فيهن من المخلوقات التي من جملتها أنتم وآباؤكم وما تعبدون من غيرِ مثالِ يَحتذيه ولا قانونٍ ينتحيه ورجْعُ الضمير إلى التماثيل أدخلُ في تضليلهم وأظهرُ في إلزام الحجة عليهم لما فيه من التصريح المغني عن التأمل في كون ما يعبُدونه من جملة المخلوقات {وَأَنَاْ على ذلكم} الذي ذكرتُه من كون ربكم رب السموات والأرض فقط دون ما عداهُ كائناً ما كان {من الشاهدين} أي العالِمين به على سبيل الحقيقةِ المُبرهنين عليه فإن الشاهدَ على الشيء مَنْ تحققه وحقّقه وشهادتُه على ذلك إدلاؤه بالحجة عليه وإثباتُه بها كأنه قال وأنا أبين ذلك وأبرهن عله
(6/73)

وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)
{وتالله} وقرىء بالباء وهو الأصلُ والتاء بدل من الواو التي هي بدلٌ من الأصل وفيها تعجيب {لاكِيدَنَّ أصنامكم} أي لأجتهدنّ في كسرها وفيه إيذانٌ بصعوبة الانتهاز وتوقّفِه على استعمال الحيل وإنما قاله عليه السلام سرًّا وقيل سمعه رجل واحد {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} من عبادتهم إلى عيدكم وقرىء تَوَلّوا من التولي بحذف إحدى التاءين ويعضُدها قوله تعالى فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ والفاء في قوله تعالى
(6/73)

فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
{فَجَعَلَهُمْ} فصيحةٌ أي فولَّوا فجعلهم {جُذَاذاً} أي قُطاعاً فُعال بمعنى مفعول من الجذّ الذي هو القطعُ كالحُطام من الحطْم الذي هو الكسرُ وقرىء بالكسر وهي لغة أوجمع جذيذ كخِفاف وخفيف وقرىء بالفتح وجُذُذاً جمع جذيذ وجُذَذاً جمع جُذة روي أن آزر خرج به في يوم عيدٍ لهم فبدءوا ببيت الأصنام فدخلوه فسجدوا لها ووضعوا بينها طعاماً خرجوا به معهم وقالوا إلى أن نرجع تركت الآلهةُ على طعامنا فذهبوا وبقيَ إبراهيمُ عليه السلام فنظر إلى الأصنام وكانت سبعين صنماً مصطفّاً وثمّةَ صنمٌ عظيم مستقبلَ الباب وكان من ذهب وفي عينيه
(6/73)

سورة الأنبياء (59 63) جوهرتان تضيئان بالليل فكسر الكلَّ بفأس كانت في يده ولم يبقق إلا الكبيرُ وعلّق الفأس في عنقه وذلك قوله تعالى {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} أي للأصنام {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ} أي إلى إبراهيمَ عليه السلام {يَرْجِعُونَ} فيحاجّهم بما سيأتي فيحجّهم ويبكّتهم وقيل يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن الكاسر لأن من شأن المعبودِ أن يُرجَعَ إليه في المُلمّات وقيل يرجِعون إلى الله تعالى وتوحيدِه عند تحقّقهم عجزَ آلهتِهم عن دفع ما يصيبهم وعن الإضرار بمن كسرهم
(6/74)

قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59)
{قَالُواْ} أي حين رجعوا من عيدهم ورأوا مارأوا {من فعل هذا بآلهتنا} على طريقة الإنكارِ والتوبيخِ والتشنيع وإنما عبروا عنها بما ذكر ولم يشتروا إليها بهؤلاء وهي بين أيديهم مبالغةً في التشنيع وقوله تعالى {إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين} اسئناف مقرر لما قبله وقيل مَنْ موصولةٌ وهذه الجملةُ في حين الرفعِ على أنها خبرٌ لها والمعنى الذي فعل هذا الكسرَ والحطْمَ بآلهتنا إنه معدودٌ من جملة الظَّلَمة إما لجُرأته على إهانتها وهي حقيقةٌ بالإعظام أو لإفراطه في الكسر والحطْمِ وتماديه في الاستهانة بها أو بتعريض نفسِه للهلكة
(6/74)

قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60)
{قَالُواْ} أي بعضٌ منهم مجيبين للسائلين {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ} أي يَعيبُهم فلعله فعل ذلك بها فقوله تعالى يَذْكُرُهُمْ إما مفعولٌ ثانٍ لسمِع لتعلّقه بالعين أو صفةٌ لفتى مصحِّحةٌ لتعلقه به هذا إذا كان القائلون سمِعوه عليه السلام بالذات يذْكُرهم وإن كانوا قد سمِعوا من الناس أنه عليه السلام يذكرهم بسوء فلا حاجة إلى المصحّح {يُقَالُ لَهُ إبراهيم} صفةٌ أخرى لفتى أي يطلق عليه هذا الاسم
(6/74)

قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)
{قَالُواْ} أي السائلون {فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس} أي بمرأىً منهم بحيث يكون نصبَ أعينهم في مكان مرتفع لا يكاد يخفى على أحد {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي يحضُرون عقوبتنا له وقيل لعلهم يشهدون بفعله أو بقوله ذلك فالضمير حينئذ ليس للباس بل لبعض منهم مُبهم أو معهود
(6/74)

قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62)
{قالوا} استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية قولهم كأنَّه قيلَ فمَاذا فعلُوا به عليهِ السلامُ بعدَ ذلكَ هل أتوابه أولا فقيل أتوا به ثم قالوا {أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إِبْرَاهِيمَ} اقتصاراً على حكاية مخاطبتِهم إياه عليه السلام للتنبيه على أن إتيانَهم به ومسارعتهم إلى ذلك أمرٌ محقَّقٌ غنيٌّ عن البيان
(6/74)

قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)
{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا} مشيراً إلى الذي لم يكسِرْه سلك عليه السلام مسلكاً تعريضياً يؤديه إلى مقصِده الذي هو إلزامُهم الحجّةَ على ألطف وجهٍ وأحسنِه بحملهم على التأمل في شأن آلهتهم مع مافيه من التوقي من الكذب حيث أبرز الكبيرَ قولاً في معرض المباشِرِ للفعل بإسناده إليه كما أبرزه في ذلك
(6/74)

سورة الأنبياء (64 65) المعرض فعلا يجعل الفأسَ في عنقه وقد قصد إسنادَه إليه بطريق التسبيب حيث كانت تلك الأصنامُ غاظته عليه السلام حين أبصرها مصطفةً مرتّبةً للعبادة من دون الله سبحانه وكان غيظ كبيرهم أكبرَ وأشدَّ حسب زيادة تعظيمهم له فأسند الفعلَ إليه باعتبار أنه الحاملُ عليه وقيل هو حكايةٌ لما يقود إلى تجويزه مذهبُهم كأنه قال لهم ما تنكرون أن يفعله كبيرُهم فإن من حق من يعبد ويدعى إلها أن يقدِر على ما هو أشدُّ من ذلك ويحكى أنه عليه السلام قال فعله كبيرُهم هذا غضِبَ أن تُعبدَ معه هذه الصغار وهوأكبر منها فيكون تمثيلاً أراد به عليه السلام تنبيهَهم على غضب الله تعالى عليهم لإشراكهم بعبادته الأصنامَ وأما ما قيل من أنه عليه السلام لم يقصد نسبة الفعل الصادرِ عنه إلى الضم بل إنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريضي يبلُغ فيه غرضه من إلزامهم الحجةَ وتبكيتِهم ومُثِّل لذلك بما لو قال لك أمي فيما كتبتُه بخط رشيقٍ وأنت شهير بحسن الحظ أأنت كتبت هذا فقلت له بل أنت كتبته كان قصدُك تقريرَ الكتابة لنفسك مع الاستهزاء بالسائل لانفيها عنك وإثباتَها له فبمعزل من التحقيق لأن خلاصةَ المعنى في المثال المذكور مجردُ تقريرِ الكتابة لنفسك وإدعاءُ ظهور الأمر مع الاستهزاء بالسائل وتجهيلِه في السؤال لابتنائه على أن صدورَها عن غيرك محتملٌ عنده مع استحالته عندك ولا ريب في أن مرادَه عليه السلام من إسناد الكسرِ إلى الصنم ليس مجردَ تقريرِه لنفسه ولا تجهيلَهم في سؤالهم لابتنائه على احتمال صدوره عن الغير عندهم بل إنما مرادُه عليه السلام توجيهُهم نحو التأملِ في أحوال أصنامهم كما ينبىء عنه قوله {فاسألوهم إِن كَانوُاْ يَنطِقُونَ} أي إن كانوا ممن يمكن أن ينطِقوا وإنما لم يقل عليه السلام إن كانوا يسمعون أو يعقِلون مع أن السؤال موقوفٌ على السمع والعقل أيضاً لما أن نتيجةَ السؤالِ هو الجوابُ وأن عدم نطقِهم أظهرُ وتبكيتَهم بذلك أدخلُ وقد حصل ذلك أولاً حسبما نطق به قوله تعالى
(6/75)

فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)
{فَرَجَعُواْ إلى أَنفُسِهِمْ} أي راجعوا عقولَهم وتذكروا أن مالا يقدر على دفع المضَرّةِ عن نفسه ولا على الإضرار بمن كسَره بوجه من الوجوه يستحيل أن يقدر على دفع مضرَّةٍ عن غيره أوجلب منفعة له فكيف يستحق أن يكون معبوداً {فَقَالُواْ} أي قالَ بعضُهم لبعضٍ فيما بينهم {إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون} أي بهذه السؤالِ لأنه كان على طريقة التوبيخِ المستتبِعِ للمؤاخذة أو بعبادة الأصنام لامن ظلمتموه بقولكم إنه لمن الظالمين أو أنتم ظالمون بعبادتها لا مَنْ كسرها
(6/75)

ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)
{ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَى رُؤُوسَهُمْ} أي انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة شبّه عودَهم إلى الباطل بصيرورة أسفلِ الشيءِ أعلاه وقرىء نُكّسوا بالتشديد ونكَّسوا على البناء للفاعل أي نكّسوا أنفسَهم {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ} على إرادةِ القولِ أيْ قائلين والله لقد علمت أن ليس من شأنهم النطق فيكف تأمرُنا بسؤالهم على أن المرادَ استمرارُ نفي النطقِ لا نفيُ استمراره كما توهمه صيغة المضارع
(6/75)

سورة الأنبياء (66 99)
(6/76)

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)
{قَالَ} مبكّتاً لهم {أَفَتَعْبُدُونَ} أي أتعلمون ذلك فتعبدون {مِن دُونِ الله} أي متجاوزين عبادتَه تعالى {مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً} من النفع {وَلاَ يَضُرُّكُمْ} فإن العلمَ بحاله المنافيةِ للألوهية مما يوجبُ الاجتنابَ عن عبادته قطعاً
(6/76)

أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)
{أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} تضجّرٌ منه عليه السَّلام من إصرارهم على الباطل البيّن وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لمزيد استقباحِ ما فعلوا وأفَ صوتُ المتضجِّر ومعناه قُبحاً ونتْناً واللام لبيان المتأقف له {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ألا تتفكرون فلا تعقلون قبحَ صنيعكم
(6/76)

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)
{قَالُواْ} أي قالَ بعضُهم لبعض لما عجَزوا عن المحاجة وضاقتْ عليهِ الحيلُ وعيَّت بهم العلل وهكذا دَيدنُ المبطِلِ المحجوجِ إذا قَرَعْتَ شبُهتَه بالحجة القاطعة وافتُضِح لا يبقى له مفزِعٌ إلا المناصبةُ {حَرّقُوهُ} فإنه أشدُّ العقوبات {وانصروا آلهتكم} الانتقام لها {إِن كُنتُمْ فاعلين} أي للنصر أو لشيء يعتدبه قيل القائل نمرودبن كنعان بن السنجاريب ابن نمرود بن كوسِ بن حاء بن نوح وقيل رجلٌ من أكراد فارسَ اسمُه هيون وقيل هدير خُسِفت به الأرض روي أنهم لما أجمعوا على إحراقه عليه السلام بنَوا له حظيرةً بكُوثَى قرية من قرى الأنباط وذلك قوله تعالى قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم فجمعوا له صِلاب الحطب من أصناف الخشبِ مدةَ أربعين يوماً فأوقدوا ناراً عظيمة لا يكاد يحوم حولها أحدٌ حتى إن كانت الطير لتمرّ بها وهي في أقصى الجو فتحترق من شدة وهَجِها ولم يكد أحد يحوم حولها فلم يعلموا كيف يُلقونه عليه السلام فيها فأتى إبليسُ وعلمهم عمل المِنْجنيق فعمِلوه وقيل صنعه لهم رجل من الأكراد فخسف الله تعالى به الأرضَ فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم عَمدوا إلى إبراهيم عليه السلام فوضعوه فيه مغلولاً فرمَوا به فيها فقال له جبريلُ عليهما السلام هل لك حاجةٌ قال أما إليك فلا قال فاسأل ربك قال حسبي من سؤالي علمُه بحالي فجعل الله تعالى ببركة قوله الحظيرةَ روضةً وذلك قوله تعالى
(6/76)

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)
{قلنا يا نار كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم} أي كوني ذاتَ بردٍ وسلامٍ أي ابرُدي برداً غيرَ ضارّ وفيه مبالغات جعلُ النارِ المسخرةِ لقدرته تعالى مأمورةً مطاوِعةً وإقامةَ كوني ذاتَ بردٍ مقامَ ابردي ثم حذفُ المضافِ وإقامةِ المضافِ غليه مُقامَه وقيل نصب سلاماً بفعله أى وسلمنا سلاما عليه روي أن الملائكة أخذوا بضَبْعَي إبراهيمَ وأقعدوه على الأرض فإذا عينُ ماءٍ عذبٍ ووردٌ أحمرُ ونرجسٌ ولم تحرِق النارُ إلا وَثاقه وروي أنه عليه السلام مكث فيها أربعين يوماً أو خمسين وقال ما كنت أطيبَ عيشاً مني إذ كنت فيها قال ابن يسار وبعث الله تعالى ملَكَ الظل فقعد إلى جنبه يؤنسه فنظر نمرودُ من صَرْحه فأشرف عليه فرآه جالساً في روضة مُونِقة ومعه جليسٌ على أحسنِ ما يكون من الهيئة
(6/76)

سورة الأنبياء (70 73) والنارُ محيطةٌ به فناداه يا ابراهيم هل تسطيع أن تخرج منها قال نعم قال فقم فاخرُج فقام يمشي فخرج منها فاستقبله نمرودُ وعظّمه وقال مَن الرجلُ الذي رأيته معك قال ذلك ملَك الظلّ أرسله ربي ليؤنسني فقال إني مقرِّبٌ إلى إهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك فقال عليه السلام لا يقبل الله منك ما دمت على دينك هذاقال لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبح له أربعةَ آلافِ بقرة فذبحها وكف عن إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ وكان إذ ذاك ابنَ ستَّ عشْرةَ سنة وهذا كما ترى من أبدع المعجزات فإن انقلابَ النار هواء طيباً وإن لم يكن بدعاً من قدرة الله عزوجل لكن وقوعَ ذلك على هذه الهيئة مما يخرِق العاداتِ وقيل كانت النار على حالها لكنه تعالى دفع عنه عليه السلام أذاها كما تراه في السَّمَنْدل كما يشعر به ظاهرُ قوله تعالى على إبراهيم
(6/77)

وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)
{وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً} مكراً عظيماً في الإضرار به {فجعلناهم الأخسرين} أي أخسرَ من كل خاسرٍ حيث عاد سعهيم في إطفاء نور الحقِّ برهاناً قاطعاً على أنه عليه السلام على الحق وهم على الباطل وموجباً لارتفاع درجته واستحقاقِهم لأشد العذاب
(6/77)

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)
{ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التى باركنا فيها للعالمين} أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياءِ بُعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعُهم التي هي مبادي الكمالات والخيراتِ الدينية والدنيويةِ وقيل كثرةُ النعم والخِصْبُ الغالب روي أنه عليه السلام نزل بِفلَسطين ولوطٌ عليه السلام بالمؤتفكة وبينهما مسيرةُ يومٍ وليلة
(6/77)

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)
{وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} أي عطيةً فهي حالٌ منهما أو ولدٌ ولدٌ أو زيادةٌ على ما سأل وهو إسحق فتختص بيعقوبَ ولا لَبْس فيه للقرينة الظاهرةِ {وَكُلاًّ} أي كلَّ واحدٍ من هؤلاء الأربعة لا بعضَهم دون بعض {جَعَلْنَا صالحين} بأن وفقناهم للصلاح في الدين والدنيا فصاروا كاملين
(6/77)

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)
{وجعلناهم أَئِمَّةً} يقتدى بهم في أمور الدين إجابةً لدعائه عليه السلام بقوله وَمِن ذُرّيَتِى {يَهْدُونَ} أي الأمة إلى الحق {بِأَمْرِنَا} لهم بذلك وإرسالِنا إياهم حتى صاروا مكملين {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات} ليحثوّهم عليه فيتم كمالهم بانضمام العملِ إلى العلم وأصلُه أن تفعل الخيراتِ ثم فعلا الخيرات وكذا قوله تعالى {وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ} وهو من عطف الخاصِّ على العام دَلالةً على فضله وإنافتِه وحُذفت تاءُ الأقامة المعوّضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مَقامة {وَكَانُواْ لَنَا} خاصة دون غيرنا {عابدين} لا يخطر ببالهم غيرُ عبادتنا
(6/77)

سورة الإنبياء (7478)
(6/78)

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74)
{وَلُوطاً} قيل هو منصوبٌ بمضمر يفسره قوله تعالى {آتيناه} أي وآتينا لوطاً وقيل باذكُرْ {حُكْمًا} أي حكمةً أو نبوة أو فصلاً بين الخصوم بالحق {وَعِلْماً} بما ينبغي علمُه للأنبياء عليهم السلام {ونجيناه مِنَ القرية التى كَانَت تَّعْمَلُ الخبائث} أي اللّواطةَ وُصفت بصفة أهلها وأُسندت إليها على حذف المضاف وإقامتها مُقامه كما يُؤذِن به قوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء فاسقين} فإنه كالتعليل له
(6/78)

وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
{وأدخلناه فِى رَحْمَتِنَا} أي في أهل رحمتِنا أو في جنتنا {إِنَّهُ مِنَ الصالحين} الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى
(6/78)

وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)
{وَنُوحاً} أي اذكر نوحاً أي خبرَه وقوله تعالى {إِذْ نادى} أى دعا الله تعالى على قومه بالهلاك ظرف للمضاف المقدر أي اذكر نبأَه الواقعَ وقت دعائه {مِن قَبْلُ} أي من قبل هؤلاء المذكورين {فاستجبنا لَهُ} أي دعاءَه الذي من جملته قولُه إني مغلوبٌ فانتصر {فنجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم} وهو الطوفانُ وقيل أذيّةُ قومِه وأصلُ الكرب الغمُّ الشديد
(6/78)

وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)
{ونصرناه} نصراً مستتبِعاً للانتقام والانتصار ولذلك قيل {مِنَ القوم الذين كذبوا بآياتنا} وحملُه على فانتصر يأباه ما ذكر من دعائه عليه السلام فإن ظاهرَه يوجب إسنادَ الانتصارِ إليه تعالى مع ما فيه من تهويل الأمر وقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْء} تعليلٌ لما قبله وتمهيد لما بعده من قوله تعالى {فأغرقناهم أَجْمَعِينَ} فإن الإصرارَ على تكذيب الحقِّ والانهماكَ في الشر والفساد مما يوجب الإهلاك قطعا
(6/78)

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)
{وداود وسليمان} إما عطفٌ على نوحاً معمولٌ لعامله وإما لمضمر معطوفٍ على ذلك العامل بتقدير المضاف وقوله تعالى {إِذْ يَحْكُمَانِ} ظرفٌ للمضاف المقدر وصيغةُ المضارعِ حكايةٌ للحال الماضيةِ لاستحضار صورتِها أي اذكر خبرَهما وقت حُكمِهما {فِى الحرث} أي في حق الزرعِ أو الكرم المتدلّي عناقيدُه كما قبل أو بدلُ اشتمال منهما وقوله تعالى {إِذْ نَفَشَتْ} أي تفرّقت وانتشرت {فِيهِ غَنَمُ القوم} ليلاً بلا راعٍ فرَعَتْه وأفسدتْه ظرفٌ للحكم {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ} أي لحُكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما فإن الإضافةَ لمجرد الاختصاص المنتظمِ لاختصاص القيامِ واختصاصِ الوقوع وقرىء لحكمهما {شاهدين} حاضرين علماً والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ للحكم ومفيدٌ لمزيد الاعتناء بشأنه
(6/78)

سورة الإنيباء (79)
(6/79)

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)
{ففهمناها سليمان} عطفٌ على يحكمان فإنه في حكم الماضي وقرىء فأفهمناها والضمير والضميرُ للحكومة أو الفُتيا روي أنه دخل على داودَ عليه السلام رجلان فقال أحدهما إن غنَمَ هذا دخلت في حرثي ليلاً فأفسدتْه فقضى له بالغنم فخرجا فمرّا على سليمان عليه السلام فأخبراه بذلك فقال غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين فسمعه داودُ فدعاه فقال له بحق البنوة والأبوة إلا أخبرتَني بالذي أرفقُ بالفريقين فقال أرى أن تُدفع الغنَمُ إلى صاحب الأرض لينتفعَ بدرها ونسلِها وصوفِها والحرثَ إلى أرباب الغنم ليقوموا عليه حتى يعودَ إلى ما كان ثم بترادا فقال القضاءُ ما قضيتَ وأمضى الحُكْمَ بذلك والذي عندي أن حكمها عليه السلام كان بالاجتهاد فإن قول سليمان عليه السلام غيرُ هذا أرفقُ بالفريقين ثم قولُه أرى أن تُدفع الخ صريحٌ في أنه ليس بطريق الوحي وإلا لبتّ القولَ بذلك ولما ناشده داودُ عليهما السلام لإظهار ما عنده بل وجب عليه أن يظهره بدء أو حرم عليه كتمُه ومن ضرورته أن يكون القضاءُ السابقُ أيضاً كذلك ضرورةَ استحالة نقضِ حكم النصِ بالاجتهاد بل أقول والله تعالى أعلم إن رأْيَ سليمان عليه السلام استحسانٌ كما ينبىء عنه قوله أرفقُ بالفريقين ورأيَ داودَ عليه السلام قياسٌ كما أن العبدَ إذا جنى على النفس يدفعه المولى عند أبي حنيفة إلى المجنيِّ عليه او يفديه وببيعه في ذلك أو يفديه عند الشافعي وقد روي أنه لم يكن بين قيمة الحرثِ وقيمة الغنمِ تفاوتٌ وأما سليمانُ عليه السلام فقد استحسن حيث جعل الانتفاعَ بالغنم بإزاء مافات من الانتفاع بالحرث من غير أن يزول مُلكُ المالك عن الغنم وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث إلى أن يزولَ الضررُ الذي أتاه من قِبله كما قال أصحابُ الشافعيِّ فيمن عصب عبداً فأبَقَ منه أنه يضمن القيمةَ فينتفعَ بها المغصوبُ منه بإزاء ما فوّته الغاصبُ من المنافع فإذا ظهر الآبقُ ترادّا وفي قوله تعالى ففهمناها سليما دليلٌ على رجحان قولِه ورجوعِ داودَ عليه السلام إليه مع أن الحكمَ المبنى على الإجتهاد لاينقض باجتهاد آخرَ وإن كان أقوى منه لما أن ذلك من خصائص شريعتِنا على أنه ورد في الأخبار أن داودَ عليهِ السلامُ لم يكُنْ بتّ الحم في ذلك حتى سمع من سليمان ما سمع وأما حكم المسئلة في شريعتنا فعند أبي حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى لاضمان إن لم يكن معبا سائقٌ أو قائد وعند الشافعي يجب الضمانُ ليلاً لا نهاراً وقوله تعالى {وكلا آتينا حُكْماً وَعِلْماً} لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ سليمانَ عليه السلام بالتفهيم من عدم كون حكم داودَ عليه السلام حكماً شرعياً أي وكلُّ واحد منهما آتينا حكماً وعلماً كثيراً لاسليمان وحده وهذا إنما يدل على خطأَ المجتهدِ لا يقدح في كونه مجتهداً وقيل بل على أن كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ وهو مخالفٌ لقوله تعالى ففهمناها سليمان ولولا النقلُ لاحتمل توافقُهما ما على أنَّ قولَه تعالى ففهمناها سليمان لإظهار ما تفضّل عليه في صِغره فإنه عليه السلام كان حينئذ ابن إحدى عشْرة سنةً {وسخرنا مع داود الجبال} شروعٌ في بيان ما يختص بكل منهما من كرامته تعالى إثرَ بيان كرامتِه العامة لهما {يُسَبّحْنَ} أي يقدسن الله عزوجل معه بصوت يتمثل له أو يخلقُ الله تعالى فيها الكلامَ وقيل يسِرْن معه بأن السباحة
(6/79)

سورة الإنبياء (80 83) وهو حال من الجبال أو استئناف مبين لكيفية التسخيرِ ومع متعلقةٌ بالتسخير وقيل بالتسبيح وهو بعيد {والطير} عطف على الجيال أو مفعولٌ معه وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ والخبر محذوفٌ أي والطيرُ مسخراتٌ وقيل على العطف على الضمير في يسبحن وفيه ضعفٌ لعدم التأكيد والفصلِ {وَكُنَّا فاعلين} أي من شأننا أن نفعل أمثالَه فليس ذلك ببِدْعٍ منا وإن كان بديعاً عندكم
(6/80)

وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)
{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ} أي عملَ الدِّرْعِ وهو في الأصل اللباسُ قال قائلهم ... إلبَسْ لكل حالة لَبوسَها ... إما نعيمَها وإما بوسَها ...
وقيل كانت صفائح فحلقها وسرَدها {لَكُمْ} متعلقٌ بعلّمنا أو بمحذوف هوصفة لَبوس {لِتُحْصِنَكُمْ} أي اللبوسُ بتأويل الدرع وقرىء بالتذكير على أن الضمير لداودَ عليه السلام أو للّبوس وقرىء بنون العظمة وهو بدلُ اشتمال من لكم بإعادة الجارّ مبينٌ لكيفية الاختصاصِ والمنفعةِ المستفادةِ من لام لكم {مّن بَأْسِكُمْ} قيل من حرب عدوِّكم وقيل من وقع السلاح فيكم {فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون} أمرٌ واردٌ على صورة الاستفهامِ للمبالغة أو التقريع
(6/80)

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)
{ولسليمان الريح} أي وسخرنا له الريحَ وإيرادُ اللام ههنا دون الأول للدِلالة على ما بين التسخيرين من التفاوت فإن تسخيرَ ما سخر له عليه السلام من الريح وغيرِها كان بطريق الانقيادِ الكليِّ له والامتثالِ بأمره ونهيِه والمقهوريةِ تحت ملكوتِه وأما تسخيرُ الجبال والطيرِ لداودَ عليه السلام فلم يكن بهذه المثابة بل بطريق التبعيةِ له عليه السلام والاقتداء به في عبادة الله عزوعلا {عَاصِفَةً} حالٌ من الريح والعاملُ فيها الفعلُ المقدرُ أي وسخرنا له الريح حالَ كونِها شديدةَ الهبوبِ من حيث أنها كانت تبعُد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان كما قال تعالى غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وكانت رُخاءً في نفسها طيبةً وقيل كانت رُخاءً تارة وعاصفةً اخرى حسب إرادته عليه السلام وقرىء الريحُ بالرفع على الابتداء والخبرُ هو الظرفُ المقدم وعاصفةً حينئذ حال من ضمير المبتدأ في الخبر والعاملُ ما فيه من معنى الاستقرارِ وقرىء الرياح نصباً ورفعاً {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} بمشيئته حالٌ ثانية أو بدلٌ من الأولى أوْ حالٌ منْ ضميرِها {إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا} وهي الشام رَواحاً بعد ما ساربه منه بكرةً قال الكلبي كان سليمانُ عليه السلام وقومه يركبون عليها من اصطخْرَ إلى الشام وإلى حيث شاء ثم يعود إلى منزله {وَكُنَّا بِكُلّ شيء عالمين} فنجزيه حسبما تقتضيه الحِكمة
(6/80)

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)
{ومن الشياطين} أي وخسر ناله من الشياطين {مَن يَغُوصُونَ لَهُ} في البحار ويستخرجون له من نفائسها وقيل مَنْ رفعٌ على الابتداء وخبرُه ما قبله والأولُ هو الأظهرُ {وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك} أي غيرَ ما ذُكر من بناءِ المدن والقصورِ واختراعِ الصنائعِ الغريبة لقوله تعالى يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل الآية وهؤلاء أما الفرقةُ الأولى أو غيرها لعموم كلمة مَنْ كأنه قيل ومَن يعملون وجمعُ الضمير الراجع إليها باعتبار معناها بعد ما رشح جانبُه بقوله تعالى وَمِنَ الشياطين روي أن المسخَّر له عليه السلام كفارهم
(6/80)

سورة الإنبياء (83 84) لا مؤمنوهم لقوله تعالى وَمِنَ الشياطين وقوله تعالى {وَكُنَّا لَهُمْ حافظين} أي من أن يزيغوا عن أمره أو يُفسدوا على ما هو مقتضى جِبِلّتهم قيل وكل بهم جمعاً من الملائكة وجمعاً من مؤمني الجن وقال الزجاجُ كان يحفظهم من أن يفسدوا ما عمِلوا وكان دأبُهم أن يفسدوا بالليل ماعملوه بالنهار
(6/81)

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)
{وَأَيُّوبَ} الكلامُ فيه كما مرَّ في قوله تعالى وداود وسليمان أي واذكر خبرَ أيوبَ {إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى} أي بأَنِّي {مَسَّنِىَ الضر} وقُرِىءَ بالكسرِ على إضمارِ القولِ أو تضمين النداء معناه والضرُّ شائع في كل ضررٍ وبالضم خاص بما في النفس من مرض وهُزال ونحوهما {وأنت أرحم الراحمين} وصفة تعالى بغاية الرجمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى به عن عرض المطلب لطفاً في السؤال وكان عليه السلام رومياً من ولد عيص بن إسحاق استسبأه الله تعالى وكثُر أهلُه وماله فابنلاه الله تعالى بهلاك أولادِه بهدم بيت عليهم وذهابِ أمواله والمرضِ في بدنه ثمانيَ عشرةَ سنة أو ثلاثَ عشرةَ سنة أو سبعاً وسبعةَ أشهر وسبعة أيام وسبعَ ساعات روي أن امرأتَه ماخيرَ بنتَ ميشا ابن يوسفَ عليه السلام أو رحمة بنت أفرايم بن يوسف قالت له بوما لو دعوتَ الله تعالى فقال كم كانت مدةُ الرخاء فقالت بمانين سنة فقال استحي من الله تعالى أن أدعوَه وما بلغتْ مدةُ بلائي مدةَ رخائي وروي أن إبليسَ أتاها على هيئة عظيمة فقال أنا إله الأرضِ فعلتُ بزوجك ما فعلت لأنه تركني وعبدَ إله السماء فلو سجد لي سجدةً لرددتُ عليه وعليك جميعَ ما أخذتُ منكما وفي رواية لو سجدتِ لي سجدةً لرَجعتُ المالَ والولد وعافيتُ زوجَك فرجعت إلى أيوبَ وكان ملْقًى في الكُناسة لا يقرُب منه أحدٌ فأخبرته بالقصة فقال عليه السلام كأنك افتُتِنْتِ بقول اللعين لئن عافاني الله عزوجل لأضرِبنّك مائة سَوْط وحرامٌ عليّ أن أذوق بعد هذا شيئاً من طعامك وشرابِك فطردها فبقيَ طريحاً على الكُناسة لا يحوم حوله أحدٌ من الناس فعند ذلك خر ساجداً فقال ربّ أَنّى مَسَّنِىَ الضرُّ وَأَنتَ أرحمُ الراحمين فقيل له ارفعْ رأسك فقد استجبت لك اركُضْ برجلك فركض فنبعتْ من تحته عينُ ماء فاغتسل منها فلم ببق في ظاهر بدنه دابةٌ إلا سقطتْ ولا جراحةٌ إلا برِئت ثم ركض مرة اخرى فنبعث عينٌ أخرى فشرب منها فلم يبقَ في جوفه داءٌ إلا خرج وعاد صحيحاً ورجع إليه شبابُه وجمالُه ثم كُسِيَ حلة وذلك قوله تعالى
(6/81)

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)
{فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ} فلما قام جعل يلفت فلا يرى شيئاً مما كان له من الأهل والمالِ إلا وقد ضاعفه الله تعالى وذلك قوله تعالى {وآتيناه أَهْلَهُ وَمِثْلَهمْ مَعْهمْ} وقيل كان ذلك بأن وُلد له ضِعفُ ما كان ثم إن امرأتَه قالت في نفسها هبْ أنه طردني أفأترُكه حتى يموتَ جوعا ويأكله السباع لأرجِعنّ إليه فلما رجعت ما رأت تلك الكُناسة ولا تلك الحال وقد تغيرت الأمورُ فجعلت تطوفُ حيث كانت الكُناسة وتبكي وهابت صاحبَ الحُلة أن
(6/81)

سورة الإنبياء (85 87) تأتيَه وتسألَ عنه فأرسل إليها أيوبُ ودعاها فقال ما تريدين يا أمةَ الله فبكت وقالت أريد ذلك المبتلى الذي كان ملقًى على الكناسة قال لها ما كان منك فبكت وقالت بعْلي قال أتعرِفينه إذا رأيتِه قالت وهل يخفى عليّ فتبسم فقال أنا ذلك فعرفته بضحكه فاعتنقتْه {رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وذكرى للعابدين} أي آتيناه ما ذُكر لرحمتنا أيوبَ وتذكرةً لغيره من العابدين ليصبِروا كما صبر فيُثابوا كما أثيب أو لرحمتنا العابدين الذين من جملتهم أيوبُ وذكْرِنا إياهم بالإحسان وعدمِ نسياننا لهم
(6/82)

وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)
{وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل} أي واذكرهم وذو الكِفل إلياسُ وقيل يوشَعُ بنُ نون وقيل زكريا سُمّي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل منه أوضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم فإن الكفل يجيىء بمعنى النصيب والكفالة والضِعْف {كُلٌّ} أي كلَّ واحدٍ من هؤلاء {مّنَ الصابرين} أي على مشاقّ التكاليف وشدائدِ النُّوَب والجملةُ استئنافٌ وقعَ جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بذكرهم
(6/82)

وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)
{وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا} أي في النبوة أو في نعمة الآخرة {إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين} أي الكاملين في الصلاح الكاملِ الذي لا يحومُ حولَهُ شائبةُ الفساد وهم الأنبياءُ فإن صلاحَهم معصومٌ من كَدَر الفساد
(6/82)

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)
{وَذَا النون} أي واذكر صاحب الحوت وهو يونسُ عليهِ السَّلامُ {إِذ ذَّهَبَ مغاضبا} أي مراغِماً لقومه لمّا برِمَ من طول دعوته إياهم وشدةِ شكيمتهم وتمادي إصرارِهم مهاجراً عنهم قبل أن يؤمر وقيل وعدَهم بالعذاب فلم يأتِهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذّبهم فغضِب من ذلك وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجَرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرىء مُغضَباً {فَظَنَّ أَن لن نقدر عليه} أن لن نضيّقَ عليه أو لن نقضيَ عليه بالعقوبة من القدر ويؤيده أنه قرىء مشدداً أو لن نُعمِل فيه قدرتَنا وقيل هو تمثيلٌ لحاله بحال من يظن أن لن نقدر عليه أي نعامله معاملةَ من يظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومَه من غير انتظار لأمرنا كما في قوله تعالى يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ أي نعامله معاملةَ من يحسَب ذلك وقيل خطرةٌ شيطانية سبقت إلى وهمه فسُمّيت ظنًّا للمبالغة وقرىء بالياء مخففاً ومثقلا مبنيًّا للفاعلِ ومبنيًّا للمفعولِ {فنادى} الفاءُ فصيحة أي فكان ما كان من المساهمة والتقامِ الحوت فنادى {فِى الظلمات} أي في الظلمة الشديدةِ المتكاثفة أو في ظلمات بطنِ الحوتِ والبحرِ والليل وقيل ابتلع حوتَه حوتٌ أكبرُ منه فحصل في ظلمتي بطني الحوتين وظلمتي البحر والليل {أَن لاَّ إلَه إِلاَّ أَنتَ} أي بأنه لا إله إلا أنت على أنَّ إنْ مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأنِ محذوف أو أي لا إله إلا أنت على أنها مفسّرة {سبحانك} أنزهك تنزيهاً لائقابك من أن يُعجزك شيءٌ أو أن يكون ابتلائي بهذا بغير سبب
(6/82)

سورة الإنبياء (88 91) من جهتي {إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين} لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة
(6/83)

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
{فاستجبنا لَهُ} أي دعاءَه الذي دعاه في ضمن الاعترافِ بالذنب على ألطف وجهٍ وأحسنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مكروبٍ يدعو بهذا الدعاء إلا استُجيب له {ونجيناه مِنَ الغم} بأن قذفه الحوتُ إلى الساحل بعد أربع ساعاتٍ كان فيها في بطنه وقيل بعد ثلاثة أيام وقيل الغمُّ غمُّ الالتقام وقيل الخطئية {وكذلك} أي مثلَ ذلك الإنجاءِ الكامل {نُنجِى المؤمنين} من غمومٍ دَعَوُا الله تعالى فيها بالإخلاق لا إنجاءً أدنى منه وفي الإمام نجى ولذلك أخفى الجماعةُ النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم وقرىء بتشديد الجيم على أن أصله نُنجّي فحذفت الثانية كما حذفت التاء في تَظاهرون وهي وإن كانت فاء فحدفها أوقعُ من حذف حرفِ المضارَعة التي لِمعنًى ولا يقدح فيه اختلافُ حركتي النونين فإن الداعيَ إلى الحذف اجتماعُ المِثلين مع تعذّر الإدغام وامتناعُ الحذفِ في تتجافى لخوف اللَّبس وقيل هوماض مجهولٌ أسند إلى ضمير المصدر وسُكّن آخره تخفيفاً ورُدّ بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخرُه
(6/83)

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)
{وَزَكَرِيَّا} أي واذكر خبره {إِذْ نادى رَبَّهُ} وقال {رَبّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً} أي وحيداً بلا ولدٍ يرثى {وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين} فحسبي أنت إن لم ترزُقني وارثاً
(6/83)

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)
{فاستجبنا لَهُ} أي دعاءَه {وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى} وقد مر بيانُ كيفية الاستجابة والهبة في سورة مريم {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} أي أصلحناها للولادة بعد عُقْرها أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقِها وكانت حَرِدةً وقوله تعالى {إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات} تعليل لما فصل من فنون إحسانِه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين أي كانوا يبادرون في وجوه الخيراتِ مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السرُّ في إيثارِ كلمةُ في على كلمة إلى المُشعرة بخلاف المقصودِ من كونهم خارجين عن أصل الخيراتِ متوجهين إليها كما في قوله تعالى وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ {وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً} ذوي رغَبٍ ورهَب أوراغبين في الثواب راجين للإجابة أوفي الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية أو للرغب والرهب {وَكَانُواْ لَنَا خاشعين} أي مُخْبتين متضرعين أو دائمي الوجَل والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافِهم بهذه الخصال الحميدة
(6/83)

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)
{والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} أي اذكر خبرَ التي أحصنتْه على الإطلاق من الحلال والحرام والتعبيرُ عنها بالموصول لتفخيم شأنِها وتنزيهها عما زعموه في حقها آثرَ ذي أثيرٍ {فَنَفَخْنَا فِيهَا} أي أحيينا عيسى في جوفها {مِن رُّوحِنَا} من الروح الذي هو من أمرنا وقيل فعلنا النفخَ فيها من جهة روحنا جبريل
(6/83)

سورة الأنبياء (92 95) عليه السلام {وجعلناها وابنها} أي قصتهما أو حالهما {آية للعالمين} فإن مَنْ تأمل حالهما تحقق كمالَ قدرتِه عز وجل فالمرادُ بالآية ما حصل بهما من الآية التامةِ مع تكاثر آياتِ كلِّ واحد منهما وقيل أريد بالآية الجنس الشامل لمالكل واحدٍ منهما من الآيات المستقلة وقيل المعنى وجعلناها آيةً وابنها آيةً فحذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها
(6/84)

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)
{إِنَّ هذه} أي ملةَ التوحيد والإسلام أشير إليها بهذه تنبيهاً على كمال ظهور أمرها في الصحة والسَّداد {أُمَّتُكُمْ} أي ملتُكم التي يجب أن تحافظوا على حدودها وتُراعوا حقوقَها وَلاَ تُخِلّوا بشيءٍ منْهَا والخطابُ للناس قاطبة {أُمَّةً وَاحِدَةً} نصب على الحالية من أمتُكم أي غيرَ مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم السلام إذ لا مشاركةَ لغيرها في صحة الاتباعِ ولا احتمال لتبدّلها وتغيُّرها كفروع الشرائعِ المتبدلة حسب تبدّلِ الأممِ والأعصار وقرىء امتكم بالنصب على البدلية من اسمِ إن وأمة واحدةٌ بالرفع على الخبرية وفرتنا بالرقع على أنهما خبران {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} لا إله لكم غيري {فاعبدون} خاصة لا غيرُ وقوله تعالى
(6/84)

وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)
{وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} التفاتٌ إلى الغَيبة لينعى عليهم ما أفسدوه من التفرق في الدين وجعلِ أمره قِطَعاً مُوَزّعةً وينهى قبائحَ أفعالهم إلى الآخرين كأنه قيل ألا ترَون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله الذي أجمعت عليه كافةُ الأنبياء عليهم السلام {كُلٌّ} أي كلُّ واحدةٍ من الفرق المتقطعة أوكل واحد من آحاد كلِّ واحدةٍ من تلك الفرق {إِلَيْنَا راجعون} بالبعث لا إلى غيرنا فتجازيهم حينئذ بحسب أعماله وإيرادُ اسمِ الفاعل للدِلالة على الثبات والتحقق وقولُه تعالَى
(6/84)

فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)
{فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات} الخ تفصيلٌ للجزاء أي فمن يعملْ بعضَ الصالحات أو بعضاً من الصالحات {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} بالله ورسله {فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} أي لا حِرمانَ لثواب عملِه ذلك عبّر عن ذلك بالكفران الذي هو سَتْرُ النعمة وجحودُها لبيانِ كمالِ نزاهتِه تعالَى عنه بتصويرِه بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى من القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرِض الأمورِ الواجبةِ عليه تعالى ونفى نفيِ الجنسِ للمبالغةِ في التنزيه وعبّر عن العمل بالسعي لإظهار الاعتداد به {وَإِنَّا لَهُ} أي لسعيه {كاتبون} أي مُثبّتون في صحائف أعمالِهم لا نغادر من ذلك شيئاً
(6/84)

وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)
{وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ} أي ممتنعٌ على أهلها غيرُ متصوَّر منهم وقرىء حِرْمٌ وهي لغة كالحِل والحلال {أهلكناها} قدّرنا هلاكها أو حكمنا به لغاية طغيانهم وعنوهم وقوله تعالى {إِنَّهُمْ لاَ يرجعون} في حيز كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون وما في أنّ من معنى التحقيق معتبرٌ في النفي المستفاد الرفع على أنَّه مبتدأٌ خبرُه حرامٌ أو فاعل له سادٌّ مسدَّ خبرِه والجملةُ لتقرير مضمونِ ما قبلها من قوله تعالى من حرام لا في المنفي أي ممتنعٌ البتةَ عدمُ رجوعِهم إلينا للجزاء لا أن عدمَ رجوعِهم المحقق ممتنعٌ وتخصيصُ امتناعِ عدم رجوعها بالذكر مع شمول
(6/84)

سورة الإنبياء (96 98) الامتناعِ لعدم رجوعِ الكل حسبما نطق به قوله تعالى كُلٌّ إِلَيْنَا راجعون لأنهم المنكِرون للبعث والرجوعِ دون غيرهم وقيل ممتنعٌ رجوعُهم إلى التوبة على أن لا صلةٌ وقرىء أنهم لا يرجِعون بالكسر على أنه استئنافٌ تعليليٌّ لما قبله فحرامٌ خبرُ مبتدأ محذوف أي حرام عليها ذلك وهو ما ذكر في الآية السابقة من العمل الصالح المشفوعِ بالإيمان والسعي المشكور ثم علل بقوله تعالى أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ عمَّا هُم عليهِ من الكفر فكيف لا يمتنع ذلك ويجوز حملُ المفتوحة أيضاً على هذا المعنى بحذف اللامِ عنها أي لأنهم لا يرجعون وحتى في قولِه تعالى
(6/85)

حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)
{حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ} الخ هي التي يُحكى بعدها الكلامُ وهي على الأول غايةٌ لما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل يستمرون على ما هم عليه من الهلاك حتى إذا قامت القيامةُ يرجعون إلينا ويقولون يا ويلنا الخ وعلى الثاني غايةٌ للحُرمة أي يستمر امتناعُ رجوعِهم إلى التوبة حتى إذا قامت القيامة يرجعون إليها حين لا تنفعهم التوبةُ وعلى الثالث غايةٌ لعدم الرجوعِ عن الكفر أي لا يرجعون عنه حتى إذا قامت القيامة يرجعون عنه حين لا ينفعهم الرجوع ويأجوجُ ومأجوجُ قبيلتان من الإنس قالوا الناسُ عشرةُ أجزاء تسعةٌ منها يأجوجُ ومأجوج والمرادُ بفتحها فتحُ سدِّها على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه وقرىء فتّحت بالتشديد {وَهُمْ} أي يأجوجُ ومأجوجُ وقيل الناس {مّن كُلّ حَدَبٍ} أي نشَز من الأرض وقرىء جدَث وهو القبر {يَنسِلُونَ} أي يسرعون وأصله مقاربةُ الخَطْو مع الإسراع وقرىء بضم السين
(6/85)

وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)
{واقترب الوعد الحق} عطف على فُتحت والمرادُ به ما بعد النفخة الثانية من البعث والحسابِ والجزاء لا النفخةُ الأولى {فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ} جوابُ الشرط وإذا للمفاجاة تسد مسد الفاه الجزائية كما في قوله تعالى إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ فإذا دخلتها الفاء تظاهرت على وصل الجزاء بالشرط والضميرُ للقصة أو مُبْهمٌ يفسِّره ما بعدَهُ {يا ويلنا} على تقدير قول وقع حالاً من الموصول أي يقولون يا ويلنا تعالَ فهذا وأن حضورِك وقيل هو الجواب للشرط {قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ} تامة {مّنْ هذا} الذي دهمنا من البعث والرجوع إليه تعالى للجزاء ولم نعلم أنه حقٌ {بَلْ كُنَّا ظالمين} إضرابٌ عما قبله من وصف أنفسهم بالغفلة أي لم نكن غافين عنه حيث نبهناعليه بالآيات والنذر بل كنا ظالمين بتلك الآيات والنذُرِ مكذّبين بها أو ظالمين لأنفسنا بتعريضها للعذاب الخالد بالتكذيب وقوله تعالى
(6/85)

إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)
{إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} خطابٌ لكفار مكةَ وتصريحٌ بمآل أمرهم مع كونه معلوماً مما سبق على وجه الإجمالِ مبالغة في الإنذار وإزاحةِ الاعتذار وما تعبدون عبارةٌ عن أصنامهم لأنها التي يعبدونها كما يُفصح عنه كلمةُ ما وقد رُوِيَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حين
(6/85)

تلا الآيةَ قال له ابن الزبعري خصمتك ورب الكعبة أليست اليهود عبدواعزيزا والنصارى المسيحَ وبنو مليحٍ الملائكةَ ردّ عليه بقوله صلى الله عليه وسلم ما أجهلك بلغة قومك أما فهمت أن مالما لا يعقل ولا يعارضه ماروى إنه صلى الله عليه وسلم رده بقوله بل هم عبدو الشياطين التي أمرتهم بذلك ولاماروى أن ابن الزُّبعري قال هذا شيءٌ لآلهتنا خاصة أو لكل من عُبد من دون الله فقال صلى الله عليه وسلم بل لكل من عُبد من دونِ الله تعالَى إذ ليس شيءٌ منهما نصاً في عموم كلمة ما كما أن الأولَ نصٌّ في خصوصها وشمولُ حكم النص لا يقتضي شمولَه بطريق العبارة بل يكفي في ذلك شمولُه لهم بطريق دِلالة النصِّ بجامع الشركةِ في المعبودية من دونِ الله تعالَى فعلله صلى الله عليه وسلم بعدما بين مدلولَ النظمِ الكريم بما ذكر وعدمَ دخول المذكورين في حكمه بطريق العبارةِ بيّن عدم دخولِهم فيه بطريق الدِلالة أيضاً تأكيداً للرد والإلزام وتكريراً للتبكيت والإفحام لكن لا باعتبار كونهم معبودين لهم كما هو زعمُهم فإن إخراجَ بعضِ المعبودين عن حكم منبىءٍ عن الغضب على العبَدة والمعبودين مما يوهم الرخصةَ في عبادته في الجملة بل بتحقيق الحقِّ وبيانِ أنهم ليسوا من العبودية في شيء حتى يُتوهم دخولُهم في الحكم المذكورِ دلالة بموجب شركتهم للأصنام في المعبودية من دونِ الله تعالَى وإنما معبودُهم الشياطينُ التي أمرتهم بعبادتهم كما نطق به قوله تعالى سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن الآية فهم الداخلون في الحُكم المذكور لاشتراكهم مع الأصنامَ في المعبودية من دونه تعالى دون المذكورين عليهم السلام وهذا هو الوجهُ في التوفيق بين الأخبار المذكورة وأما تعميمُ كلمةِ ما للعقلاء أيضاً وجعلُ ما سيأتِي من قولِه تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ منا الحسنى الخ بياناً للتجوز أو التخصيص فما لا يساعده السباقُ والسياق كما يشهد به الذوقُ السليم والحَصَبُ ما يُرمى به ويهيج به النار من حصَبه إذا رماه بالحصْباء وقرىء بسكون الصاد وصفا له ئبالمصدر للمبالغة {أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} استئنافٌ أو بدلٌ من حصبُ جهنمَ واللامُ معوّضة من على الدلالة على الاختصاص وأن وردهم لأجلها والخطابُ لهم ولما يعبدون تغليباً
(6/86)

لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)
{لَوْ كَانَ هَؤُلاء} أي أصنامهم {آلهة} كما يزعمون {مَّا وَرَدُوهَا} وحيث تبين ورودُهم إياها تعين امتناعُ كونها آلهةً بالضرورة وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بما يعبدون هي الأصنامُ لأن المرادَ إثباتُ نقيضِ ما يدّعونه وهم إنما يدّعون إلهية الأصنام لا إلهية الشياطين حتى يحت بوردها النارَ على عدم آلِهيّتها وأما ما وقع في الحديث الشريف فقد وقع بطريق التكملة بانجرار الكلام إليه عند بيان ما سيق له النظم الكريم بطريق العبارة حيث سأل ابنُ الزبعرى عن حال سائرِ المعبودين وكان الاقتصارُ على الجواب الأول مما يوهم الرخصةَ في عبادتهم في الجملة لأنهم المعبودون عندهم أجيب بيان أن المعبودين هم الشياطينُ وأنهم داخلون في حكم النص لكن بطريق العبارة لئلا يلزَمَ التدافعُ بين الخبرين {وَكُلٌّ} أي من العبَدة والمعبودين {فيها خالدون} لاخلاص لهم عنها
(6/86)

لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)
{لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ} أي أنينٌ وتنفسٌ شديدٌ وهو مع كونه من أفعال العبَدة أضيف إلى الكل للتغليب ويجوزُ أنْ يكونَ الضميرُ
(6/86)

للعبدة لعدم الإلباس وكذا في قولِه تعالى {وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا يسمع بعضُهم زفيرَ بعض لشدة الهول وفظاعةِ العذاب وقيل لا يسمعون ما يسرهم من الكلام
(6/87)

إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)
{إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى} شروعٌ في بيان حال المؤمنين إثرَ شرح حالِ الكفرة حسبما جرت به سنةُ التنزيل من شفْع الوعد بالوعيد وإيرادِ الترغيب مع الترهيب أي سبقت لهم منا في التقدير الخَصلةُ الحسنى التي هي أحسنُ الخِصال وهي السعادة وقبل التوفيقُ للطاعة أو سبقت لهم كلمتُنا بالبشرى بالثواب على الطاعة وهو الأدخلُ الأظهرُ في الحمل عليها لما أن الأولَين مع خفائهما ليسا من مقدورات المكلفين فالجملةُ مع ما بعدها تفصيلٍ لَما أُجمل في قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتبون كما أن ما قبلها من قوله تعالى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ الخ تفصيلٍ لَما أُجمل في قوله تعالى وَحَرَامٌ الخ {أولئك} إشارةٌ إلى الموصول باعتبر اتصافه بما في حيز الصلةِ وما فيهِ منْ معنى البعد للإيذان بعلو درجتهم وبُعد منزلتِهم في الشرفِ والفضلِ أيْ أولئكَ المنعوتونَ بما ذُكِرَ من النعت الجميل {عَنْهَا} أي عن جهنم {مُبْعَدُونَ} لأنهم في الجنة وشتان بينها وبين النار وما روي أن علياً رضي الله عنه خطب يوماً فقرأ هذه الآية ثم قال أنا منهم وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ وسعدٌ وسعيدٌ وعبدِ الرحمن بنِ عوف وأبو عبيدةَ بنُ الجراح رضوانُ الله تعالى عنهم أجمعين ثم أقيمت الصلاةُ فقام يجرّ رداءه ويقول
(6/87)

لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102)
{لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا} ليس بنص في كون الموصول عبارةً عن طائفة مخصوصة والحسيسُ صوتٌ يُحَسّ به أي لا يسمعون صوتَها سمعاً ضعيفاً كما هو المعهودُ عند كون المصوِّت بعيداً وإن كان صوتُه في غاية الشدة لا أنهم لا يسمعون صوتَها الخفيَّ في نفسه فقط والجملة بدل من مبعودن أو حال ن ضميره مَسوقةٌ للمبالغة في إنقاذهم منها وقوله تعالى {وَهُمْ فِى مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خالدون} بيانٌ لفوزهم بالمطالب إثرَ بيان خلاصِهم من المهالك والمعاطب أي دائمون في غاية التنعمَ وتقديمُ الظرف للقصر والاهتمام به وقوله تعالى
(6/87)

لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)
{لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر} بيان لنجانهم من الأفزاع بالكلية بعد بيان نجاتِهم من النار لأنهم إذا لم يُحزُنْهم أكبرُ الأفزاع لا يحزنهم ما عداه بالضرورة عن الحسن رضيَ الله عنه أنَّه الانصرافُ إلى النار وعن الضحاك حتى يطبَقَ على النار وقيل حين يُذبح الموتُ في صُورةِ كبشٍ أملحَ وقيل النفخةُ الأخيرة لقوله تعالى فَفَزِعَ مَن فى السموات ومن فى الأرض وليس بذاك فإن الآمنَ من ذلك الفزع من استثناه الله تعالى بقوله إِلاَّ مَن شَاء الله لا جميعُ المؤمنين الموصوفين بالأعمال الصالحة على أن الأكثرين على أن ذلك في النفخة الأولى دون الأخيرة كما سيأتي في سورة النمل {وتتلقاهم الملائكة} أي تستقبلهم مهنّئين لهم {هذا يَوْمُكُمُ} على إرادةِ القولِ أيْ قائلين هذا اليومُ يومُكم {الذى كنتم توعدون} في الدنيا وتبشرون بما فيه من فنون المَثوبات على الإيمان والطاعات وهذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بالذين
(6/87)

سورة الإنبياء (64 106) سبقت لهم الحسنى كافةُ المؤمنين الموصوفين بالإيمان والأعمال الصالحةِ لا مَنْ ذكر من المسيح وعُزيرٍ والملائكة عليهم السلام خاصة كما قيل
(6/88)

يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)
{يَوْمَ نَطْوِى السماء} بنون العظمة منصوبٌ باذكرْ وقيل ظرفٌ لقولِه تعالى لاَّ يَحْزُنُهُمُ الفزع وقيل بتتلقاهم وقيلَ حالٌ مقدرةٌ من الضمير المحذوفِ في توعدون والطيُّ ضدُّ النشر وقيل المحوِ وقرىء يُطوى بالياء والتاء والبناء للمفعول {كَطَىّ السجل} وهي الصحيفة أي طياً كطيّ الطوُّمار وقرىء السَّجْل كلفظ الدلو وبالكسر والسُّجُلّ على وزن العُتُلّ وهما لغتان واللام في قوله تعالى {لِلْكُتُبِ} متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من السجلّ أو صفةٌ له على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعض صلتِه أي كطي السجل كائناً للكتب أو الكائن للكتب فإن الكتبَ عبارةٌ عن الصحائف وما كتب فيها فسجلُّها بعضُ أجزائها وبه يتلعق الطيُّ حقيقةً وقرىء للكتاب وهو إما مصدرٌ واللامُ للتعليل أي كما يُطوى الطومارُ للكتابة أو اسم كالإمام فاللامُ كما ذكر أولا قيل السجلُّ اسمُ ملَكٍ يطوي كتبَ أعمالِ بني آدمَ إذا رُفعت إليه وقيل هو كاتبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} أي نعيد ما خلقناه مبتدأً إعادةً مثلَ بدئنا إياه في كونها إيجاداً بعد العدم أو جمعاً من الأجزاء المتبدّدة والمقصودُ بيانُ صِحّةِ الإعادةِ بالقياس على المبدأ لشمول الإمكانِ الذاتي المصحّح للمقدورية وتناولِ القدرة لهما على السواء وما كافةٌ أو مصدرية وأولَ مفعولٌ لبدأنا أو لفعل يفسّره نعيده أو موصولةٌ والكافُ متعلقةٌ بمحذوف يفسره نعيده أي نعيد مثل الذي بدأناه وأولَ خلقٍ ظرفٌ لبدأنا أو حال ضمير الموصول المحذوف {وَعْداً} مصدرٌ مؤكد لفعله ومقرّرٌ لنعيده أو منتصف به لأنه عِدَةٌ بالإعادة {عَلَيْنَا} أي علينا إنجازُه {إِنَّا كُنَّا فاعلين} لما ذكر لا محالة
(6/88)

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)
{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور} هو كتاب دواد عليه السلام وقيل هو اسمٌ لجنس ما أُنزل على الأنبياءِ عليهم السلامُ {مِن بَعْدِ الذكر} أي التوراةِ وقيل اللوحِ المحفوظ أي وبالله لقد كتبنا في كتاب داودَ بعد ما كتبنا في التوراة أو كتبنا في جميع الكتب المنزلة بعدما كتبنا وأثبتنا في اللوح المحفوظ {أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون} أي عامةُ المؤمنين بعد إجلاءِ الكفار وهذا وعدٌ منه تعالى بإظهار الدينِ وإعزازِ أهلِه وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ المرادَ أرضُ الجنة كما ينبىء عنه قوله تعالى وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى صدقناه وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء وقيل الأرضُ المقدسة يرثها أمة محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم
(6/88)

إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)
{إِنَّ فِى هذا} أي فيَما ذكرَ في السورةِ الكريمة من الأخبار والمواعظِ البالغة والوعدِ والوعيد والبراهينِ القاطعة الدالة على التوحيد وصحةِ النبوة {لبلاغا} أي كفايةً أو سببَ بلوغٍ إلى البُغية {لّقَوْمٍ عابدين} أي لقوم همهم
(6/88)

سورة الإنبياء (107 111) العبادةُ دون العادة
(6/89)

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)
{وَمَا أرسلناك} بما ذكر وبأمثاله من الشرائع والأحكامِ وغيرُ ذلكَ من الأمورِ التي هي مناطٌ لسعادة الدارين {إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين} هو في حيز النصبِ على أنه استثناءٌ من أعم العللِ أو من أعم الأحوال أيْ ما أرسلناك أذكر لعلة من العلل إلا برحمتنا الواسعةِ للعالمين قاطبةً أو ما أرسلناك في حالٍ من الأحوالِ إلا حال كونِك رحمةً لهم فإن لها بُعثتَ به سببٌ لسعادة الدارين ومنشأ لا نتظام مصالحهم في البشأتين ومن لم يغتنمْ مغانمَ آثارِه فإنما فرَّط في نفسه وحُرمةِ حقه لا أنه تعالى حَرَمه مما يُسعِده وقيل كونُه رحمةً في حق الكفار أمنُهم من الخسف والمسخِ والاستئصال حسبما ينطِق به قوله تعالى وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ
(6/89)

قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)
{قُلْ إِنَّمَا يوحى إِلَىَّ أنما إلهكم إله واحد} أي ما يُوحَى إليَّ إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحدٌ لأنه المقصودُ الأصليُّ من البعثة وأما ماعداه فمن الأحكام المتفرِّعة عليه فإنما الأولى لقصر الحُكم على الشيء كقولك إنما يقوم زيد أي ما يقوم إلا زيد والثانيةُ لقصر الشيءِ على الحكم كقولك إنما زبد قائم أي ليس له إلا صفةُ القيام {فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ} أي مخلِصون العبادةَ لله تعالى مخصِّصون لها به تعالى والفاءُ للدلالة على أن ما قبلها موجبٌ لما بعدها قالوا فيه دلالةٌ على أن صفةَ الوَحْدانية تصحّ أن يكون طريقُها السمعَ
(6/89)

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)
{فَإِن تَوَلَّوْاْ} عن الإسلام ولم يلتفتوا إلى ما يوجبه من الوحي {فَقُلْ} لهم {آذنتكم} أي أعلمتُكم ما أُمرت به أو حربي لكم {على سواء} كائنتين على سواءٍ في الإعلام به لم أطْوِه عن أحد منكم أومستوين به أنا وأنتم في العلم بما أعلمتُكم به أو في المعادة أوإيذانا على سواء وقيل أعلمتكم أني على سواء أي عدلٍ واستقامة رأيٍ بالبرهان النيّر {وَإِنْ أَدْرِى} أي ما أدْرِي {أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ} من غلَبة المسلمين وظهورِ الدين أو الحشرُ مع كونه آتيالا محالة
(6/89)

إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110)
{إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول} أي ما تجاهرون به من الطعن في الإسلام وتكذيبِ الآياتِ التي من جملتها ما نطق بمجيء الموعود {وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} من الإحْن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه نقيراً أو قمطيرا
(6/89)

وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)
{وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ} أي ما أدري لعل تأخيرَ جزائِكم استدراجٌ لكم وزيادةٌ في افتتانكم أو امتحانٌ لكم لينظُرَ كيف تعملون {ومتاع إلى حِينٍ} أي وتمتُّعٌ لكم إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم البالغةِ ليكون ذلك حجةً عليكم
(6/89)

سورة الإنبياء (112)
(6/90)

قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)
{قَالَ رَبّ احكم بالحق} حكاية لدعائه صلى الله عليه وسلم وقرىء قلْ رب على صيغة الأمر أي اقضِ بيننا وبين أهل مكةَ بالعدل المقتضي لتعجيل العذابِ والتشديد عليهم وقد استجيب دعاؤه صلى الله عليه وسلم حيث عذبوا بيد أيَّ تعذيبٍ وقرىء ربُّ احكم بضم الباء وربى أحكَمُ على صيغةِ التفضيل وربي أَحكِمْ من الإحكام {وَرَبُّنَا الرحمن} مبتدأ أي كثيرُ الرحمة على عباده وقوله تعالى {المستعان} أي المطلوبُ منه المعونة وخبر آخرُ للمبتدأ وإضافةُ الربِّ فيما سبق إلى ضميره صلى الله عليه وسلم خاصة لما أن الدعاءَ من الوظائف الخاصةِ به صلى الله عليه وسلم كما أن إضافته ههنا إلى ضمير الجمعِ المنتظمِ للمؤمنين أيضاً لما أن الاستعانةَ من الوظائف العامة لهم {على مَا تَصِفُونَ} من الحال فإنهم كانُوا يقولونَ إنْ الشوكةَ تكون لهم وإن رايةَ الإسلام تخفُق ثم تركُد وإن المتوعَّد به لو كان حقاً لنزل بِهِم إلى غير ذلكَ مما لا خيرَ فيها فاستجاب الله عزوجل دعوة رسوله صلى الله عليه وسلم فخيب آمالَهم وغيّر أحوالَهم ونصر أولياءَه عليهم فأصابهم يومَ بدرٍ ما أصابهم والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله وقرىء يصفون بالياء التحتانية وعن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم من قرأ اقترب حاسبه الله تعالى حسابا يسيروا وصافحه وسلم عليه كلُّ نبيَ ذُكر اسمُه في القرآن
(6/90)

سورة الحج (1 2)
سورة الحج مدنية إلا الآيات 52 53 54 55 فبين مكة والمدينة وآياتها 78 {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(6/91)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)
{يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ} خطابٌ يعم حكمه الملكفين عند النزول ومن سنتظم في سلكهم بعدُ من الموجودين القاصرين عن رتبةِ التكليفِ والحادثين بعدَ ذلك إلى يومِ القيامةِ وإنْ كان خطابُ المشافهةِ مختصًّا بالفريق الأولِ على الوجه الذي مرَّ تقريرُه في مطلعِ سورةِ النساءِ ولفظُ النَّاسِ ينتظمُ الذكورَ والإناثَ حقيقةً وأما صيغةُ جمعِ المذكورِ فواردةٌ على نهجِ التغليبِ لعدمِ تناولِها للإناثِ حقيقةً إلا عندَ الحنابلةِ والمأمورُ به مطلقُ التَّقوى الذي هو التجنبُ عن كلِّ ما يُؤثِّمُ من فعلٍ وتركٍ ويندرجُ فيه الإيمانِ بالله واليومِ الآخرِ حسبما وردَ به الشرعُ اندراجاً أولياً والتعرضُ لعنوانِ الربوبية المبئة عن المالكيةِ والتربيةِ مع الإضافةِ إلى ضميرِ المخاطبينَ لتأييدا الأمرِ وتأكيدِ إيجابِ الامتثالِ به ترهيباً وترغيباً أي احذورا عقوبةَ مالكِ أمورِكم ومُربِّيكم وقولُه تعالى {إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَىْء عَظِيمٌ} تعليلٌ لموجبِ الأمرِ بذكرِ بعضِ عقوباتِه الهائلةِ فإنَّ ملاحظةَ عِظَمِها وهولِها وفظاعةِ ما هيَ من مباديهِ ومقدماتِه من الأحوالِ والأهوالِ التي لا مَلْجأَ منها سوى التَّدرعِ بلباسِ التَّقوى مما يوجبُ مزيدَ الاعتناءِ بملابستِه وملازمتِه لا محالةَ والزلزلةُ التحريكُ الشديدُ والإزعاجُ العنيفُ بطريقِ التكريرِ بحيث يزيلُ الأشياءَ من مقارِّها ويُخرجُها عن مراكزِها وإضافتُها إلى الساعةِ إمَّا إضافةُ المصدرِ إلى فاعلِه على المجازِ الحكميِّ كأنَّها هي التي تزلزلُ الأشياءَ أو إضافتُه إلى الظَّرفِ إمَّا بإجرائِه مُجرى المفعولِ به اتساعاً أوبتقدير في كَما في قولِه تعالى بل مكر الليل والنهار وهي الزَّلزلةُ المذكورةُ في قولِه تعالى إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا عن الحسنِ أنَّها تكونُ يومَ القيامةِ وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا زلزلةُ السَّاعةِ قيامُها وعن علقمةَ والشَّعبيِّ أنَّها قبلَ طلوعِ الشَّمسِ من مغربِها فإضافتُها إلى الساعةِ حينئذٍ لكونِها من أشراطِها وفي التعبيرِ عنها بالشيءِ إيذانٌ بأنَّ العقولَ قاصِرةٌ عنْ إدراكِ كُنهِها والعبارةُ ضيقةٌ لا تحيطُ بها إلاَّ على وجهِ الإبهامِ وقوله تعالى
(6/91)

يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)
{يَوْمَ تَرَوْنَهَا} منتصبٌ بما بعدَهُ قُدِّم عليهِ اهتماما بهِ والضميرُ للزَّلزلةِ أي وقتَ رؤيتِكم إيَّاها ومشاهدتِكم لهولِ مطلعِها {تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ} أي مباشرةٍ للإرضاعِ {عَمَّا أَرْضَعَتْ} أي تغفلُ مع دهشةٍ عمَّا هيَ بصدد
(6/91)

سورة الحج (3) إرضاعِه من طفلِها الذي ألقمتْهُ ثديَها والتعبيرُ عنه بمَا دونِ مَنْ لتأكيدِ الذهولِ وكونِه بحيثُ لا يخطرُ ببالِها أنَّه ماذا لا أنها تعرف شيئته لكن لا تدري من هو بخصوصه وقيل مَا مصدريةٌ أي تذهلُ عنْ إرضاعِها والأولُ أدلُّ على شدةِ الهولِ وكمالِ الانزعاجِ وقُرَىءَ تُذهَل من الإذهالِ مبنياً للمفعولِ أو مبنياً للفاعلِ مع نصبِ كلُّ أي تُذهلها الزلزلةُ {وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا} أي تلقى جنيها لغيرِ تمامٍ كما أنَّ المرضعةَ تذهلُ عن ولدِها لغيرِ فطامٍ وهذا ظاهرٌ على قولِ علقمةَ والشَّعبيِّ وأمَّا على ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهُمَا فقدْ قيلَ إنَّه تمثيلٌ لتهويلِ الأمرِ وفيه أنَّ الأمرَ حينئذٍ أشدُّ من ذلكَ وأعظمُ وأهولُ ممَّا وُصفَ وأطمُّ وقيلَ إنَّ ذلكَ يكونُ عند النفخةِ الثَّانيةِ فإنَّهم يقومونَ على ما صُعقوا في النفخةِ الأولى فتقومُ المرضعةُ على إرضاعِها والحاملُ على حملِها ولا ريبَ في أنَّ قيامَ الناسِ من قبورِهم بعد النَّفخةِ الثَّانيةِ لا قبلَها حتى يتصورَ ما ذُكر {وَتَرَى الناس} بفتحِ التَّاءِ والرَّاءِ على خطاب كل أحد من المُخاطبينَ برؤيةِ الزَّلزلةِ والاختلافُ بالجمعيةِ والإفرادِ لِمَا أنَّ المرئيَّ في الأولِ هي الزلزلةُ التي يشاهدُهَا الجميعُ وفي الثَّاني حالُ مَن عَدَا المخاطبِ منهم فلا بدَّ من إفرادِ المخاطبِ على وجهٍ يعمُّ كل واحد منهم لكن من غيرِ اعتبارِ اتِّصافِه بتلكَ الحالةِ فإنَّ المرادَ بيانُ تأثيرِ الزَّلزلةِ في المرئيِّ لا في الرَّائي باختلافِ مشاعرِه لأنَّ مدارَه حيثيةُ رؤيتِه للزلزلةِ لا لغيرِها كأنَّه قيلَ ويصيرُ النَّاسُ سُكارى الخ وإنما أوثر عليهِ ما في التنزيلِ للإيذانِ بكمالِ ظهورِ تلك الحالةِ فيهم وبلوغِها من الجلاءِ إلى حدَ لا يكاد يخفى على أحدأى يراهم كلُّ أحدٍ {سكارى} أي كأنَّهم سُكارى {وَمَا هُم بسكارى} حقيقةً {ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ} فيُرهقهم هولُه ويطيرُ عقولَهم ويَسلُبُ تمييزَهُم فهو الذي جعلَهم كما وُصفوا وقُرِىءَ تُرَى بضم التاء وفتح وقُرِىءَ برفعِ النَّاسَ على إسنادِ الفعلِ المجهولِ إليهِ والتأنيثُ على تأويلِ الجماعةِ وقرىء ترى بضم التاء وكسرِ الرَّاءِ أي تُرِي الزلزلةُ الخلقَ جميعَ الناسِ سُكارى وقُرِىءَ سَكْرى وسَكْرى كعطْشى وجَوْعى إجراءً للسُّكرِ مجرَى العللِ
(6/92)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3)
{وَمِنَ الناس} كلامٌ مبتدأٌ جيءَ به إثرَ بيانِ عظيم شأنِ السَّاعةِ المُنبئةِ عن البعثِ بياناً لحالِ بعضِ المُنكرينَ لها ومحلُّ الجارِّ الرفع على الابتدأ إمَّا بحملِه على المعنى أو بتقديرِ ما يتعلَّقُ به كما مرَّ مراراً أي وبعضُ النَّاسِ أو وبعضٌ كائنٌ من النَّاس {مَن يجادل فِى الله} أي في شأنِه تعالى ويقول فيه مالا خيرَ فيه من الأباطيلِ وقوله تعالى {بِغَيْرِ عِلْمٍ} حالٌ من ضمير يجادلُ موضحة لما يشعرُ بها المجادلة من الجهلِ أي مُلابساً بغيرِ علمٍ رُوي أنَّها نزلتْ في النضر بن الحرث وكان جَدَلاً يقولُ الملائكةُ بناتُ الله والقرآنُ أساطيرُ الأولينَ ولا بعثَ بعد الموتِ وهي عامَّة له ولأضرابِه من العُتاةِ المُتمرِّدين {وَيَتَّبِعْ} أي فيما يتعاطاهُ من المُجادلةِ أو في كلِّ ما يأتي وما يذرُ من الأمورِ الباطلةِ التي من جُمْلتِها ذلكَ {كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ} عاتٍ متمرِّدٍ متجرِّدٍ للفسادِ وأصلُه العرى المنبىءعن التمخص له كالتِّشمرِ ولعله مأخوذٌ من تجرُّدِ المصارعينَ عند المُصارعة قال الزَّجَّاجُ المريدُ والماردُ المرتفعُ الأملسُ والمرادُ إمَّا رُؤساءُ الكَفَرةِ الذين يَدْعُون مَن دونَهُم إلى الكفرِ وإمَّا إبليسُ وجنودُه
(6/92)

سورة الحج (4 5) وقوله تعالى
(6/93)

كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)
{كُتِبَ عَلَيْهِ} أي على الشَّيطانِ صفة أخرى له وقوله تعالى {أَنَّهُ} فاعلُ كتبَ والضَّميرُ للشَّأنِ أي رُقم به لظهور ذلك من حاله أنَّ الشَّأنَ {مَن تَوَلاَّهُ} أي اتَّخذهُ وليًّا وتبعه {فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ} بالفتح على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ والجملة جوابُ الشرطِ إنْ جُعلت مَن شرطيةً وخبرٌ لها إنْ جُعلتْ موصولةً متضمنة لمعنى الشَّرطِ أي من تولاه فشأنه أنه يُضلَّه عن طريق الجنَّةِ أو طريق الحقِّ أو فحقٌّ أنَّه يُضلُّه قطعاً وقيل فإنَّه معطوفٌ على أنَّه وفيه من التَّعسفِ مالا يخفى وقيلَ وقيلَ ممَّا لا يخلو عن النمحل والتأويلِ وقُرىء فإنَّه بالكسرِ على أنَّه خبرٌ لمَن أو جوابٌ لها وقُرىء بالكسرِ فيهما على حكايةِ المكتوبِ كما هو مثلُ ما في قولِك كتبتُ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدلِ والإحسانِ أو على إضمارِ القولِ أو تضمينِ الكتبِ معناهُ على رأيِ مَن يراهُ {وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير} بحملِه على مباشرةِ ما يُؤدِّي إليه من السيئات
(6/93)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
{يا أَيُّهَا الناس} إثرَ ما حكى أحوالَ المُجادلين بغير علمٍ وأُشير إلى ما يؤول إليه أمرُهم أقيمتْ الحجة الدالة على تحقيق ما جادلوا فيه من البعثِ {إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث} من إمكانه وكونه مقدروا له تعالى أو من وقوعِه وقُرىء من البَعَثِ بالتَّحريكِ كالجَلَبِ في الجَلْب والتعبيرُ عن اعتقادِهم في حقِّه بالرَّيبِ مع التَّنكيرِ المنبىءِ عن القلَّةِ مع أنَّهم جازمون باستحالتِه وإيرادِ كلمة الشَّكِّ مع تقررِ حالِهم في ذلك وإيثارِ مَا عليهِ النظمُ الكريمُ عَلى أنْ يقالَ إنِ ارتبتُم في البعثِ فقد مَرَّ تحقيقُه في تفسيرِ قولِه تعالى وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا {فَإِنَّا خلقناكم} أي فانظُروا إلى مبدأ خلقِكم ليزولَ ريبُكم فإنَّا خلقناكُم أي خلقنا كلَّ فردٍ منكُم {مّن تُرَابٍ} في ضمن خلق آدمَ منه خلقاً إجماليًّا فإن خلق كلَّ فردٍ من أفراد البشر له خظ من خلقه عليه السلام إذا لم تكن فطرته الشريفة مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذَجاً منطويا على فطرة سائر أفراد الجنس انطواء إجماليا مستتبِعاً لجَرَيان آثارِها على الكل فكان خلقَه عليه السلامُ من الترابِ خلقا للكل منه كما مرَّ تحقيقُه مراراً {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي ثمَّ خلقناكُم خلقاً تفصيلياً من نُطفةٍ أي من منيَ من النَّطفِ الذي هو الصَّبُّ {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ} أي قطعةٍ من الدَّمِ جامدةٍ متكوِّنةٍ من المنيِّ {ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ} أي من قطعة اللَّحمِ متكوِّنةٍ من العَلَقةِ وهي في الأصلِ مقدارُ ما يُمضغ {مُّخَلَّقَةٍ} بالجرِّ صفةُ مضغةٍ أي مستبينة الخلقِ مصوَّرةٍ {وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} أي لم يستبنْ خلقُها وصورتُها بعد والمرادُ تفصيلُ حالِ المضغةِ وكونُها أَوَّلاً قطعةً لم يظهرْ فيها شيءٌ
(6/93)

من الأعضاءِ ثمَّ ظهرتْ بعد ذلك شَيئاً فشَيئاً وكان مُقتضى التَّرتيبِ السَّابقِ المبنيِّ على التَّدرجِ من المبادىءِ البعيدةِ إلى القريبةِ أنْ يقدِّمَ غيرَ المخلَّقةِ على المخلَّقةِ وإنَّما أُخِّرتْ عنها لأنَّها عدمُ المَلَكةِ هذا وقد فُسِّرتَا بالمُسوَّاةِ وغيرِ المُسوَّاةِ وبالتَّامةِ والسَّاقطةِ وليس بذاكَ وفي جعلِ كل واحدةٍ من هذه المراتبِ مبدأً لخلقِهم لا لخلقِ ما بعدَها من المراتبِ كما في قولِه تعالى ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً الآيةَ مزيدُ دلالة على عظيمِ قدرتِه تعالى وكسرٍ لسَورةِ استبعادِهم {لّنُبَيّنَ لَكُمْ} متعلِّقٌ بخلقنا وتركُ المفعولِ لتفخيمِه كمًّا وكيفاً أي خلقناكُم على هذا النَّمطِ البديعِ لنبين لكم بذلك مالا تحصرُه العبارةُ من الحقائقِ والدَّقائقِ التي من جُملتها سرُّ البعثِ فإنَّ مَن تأمَّل فيما ذُكر من الخلقِ التدريجيِّ تأمُّلاً حقيقيًّا جزمَ جَزْماً ضروريًّا بأنَّ على خلق البشر أو لا من تراب لم يشَمَّ رائحةَ الحياةِ قَطُّ وإنشائِه على وجهٍ مصحِّحٌ لتوليدِ مثلِه مرَّةً بعد أُخرى بتصريفِه في أطوارِ الخلقةِ وتحويلِه منْ حالٍ إلى حالٍ مع ما بينَ تلك الأطوارِ والأحوالِ من المُخالفةِ والتَّباينِ فهو قادرٌ على إعادتِه بل هو أهو في القياسِ نظراً إلى الفاعلِ والقابلِ وقُرىء ليبيِّن بطريقِ الالتفاتِ وقولُه تعالى {وَنُقِرُّ فِى الأرحام مَا نَشَاء} استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ حالِهم بعد تمامِ خلقِهم وعدمُ نظمِ هذا وما عُطف عليه في سلكِ الخلق المعلل بالتبين مع كونِهما من متمماتِه ومن مبادي التَّبيين أيضاً لما أنَّ دلالةَ الأوَّلِ عَلى كمالِ قدرتِه تعالى على جميعِ المقدُورات التي منْ جُملتها البعثُ المبحوثُ عنه أجلى وأظهرُ أي ونحنُ نقرُّ في الأرحامِ بعد ذلك ما نشاءُ أن نقرَّه فيهَا {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو وقت الوضعِ وأدناهُ ستَّةُ أشهرٍ وأقصاهُ سنتانِ وقيل أربعُ سنين وفيه إشارةٌ إلى أنَّ بعضَ ما في الأرحامِ لا يشاءُ الله تعالى إقرارَه فيها بعد تكاملِ خلقِه فتسقطه والتَّعرضُ للإزلاقِ لا يُناسبُ المقامَ لأنَّ الكلامَ فيما جرى عليه أطوارُ الخلقِ وهذا صريحٌ في أنَّ المراد بغير المخلَّقةِ ليس من وُلدَ ناقصاً أو مَعيباً وأنَّ ما فُصِّل إلى هنا هو الأطوارُ المتواردةُ على المولودِ قبلَ الولادةِ وقُرىء يُقرُّ بالياءِ ونقُرُّ ويقُرُّ بضمِّ القافِ من قَررتَ الماءَ إذا أصببته {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ} أي من بطونِ أمَّهاتِكم بعد إقرارِكم فيها عند تمامِ الأجلِ المُسمَّى {طِفْلاً} أي حالَ كونِكم أطفالاً والإفرادُ باعتبارِ كلِّ واحدٍ منهم أو بإرادةِ الجنسِ المنتظمِ للواحدِ والمتعدِّدِ وقُرىء يُخرجكم بالياءِ وقولُه تعالى {ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أشدكم} علة لنجرجكم معطوفةٌ على علةٍ أخرى له مناسبة لها كأنه قيل ثمَّ نُخرجكم لتكبرُوا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل والتَّمييزِ وقيل التَّقديرُ ثم تمهلكم لتبلغُوا الخ وما قيل إنَّه معطوفٌ على نبين مخل بجزالة النظم الكريم هذا وقد قرىء مما قبله من الفِعلينِ بالنَّصبِ حكايةً وغَيْبةً فهو حينئذٍ عطفٌ على نبين مثلهما والمعنى خلقناكُم على التَّدريجِ المذكورِ لغايتينِ مترتبتينِ عليه إحداهما ان نبين شئوننا والثَّانيةُ أنْ نُقرَّكم في الأرحامِ ثم نُخرجَكم صغاراً ثم لتبلغُوا أشدَّكم وتقديمُ التَّبيينِ على ما بعدَهُ مع أنَّ حصولَه بالفعلِ بعد الكل للإبذان بأنَّه غايةُ الغاياتِ ومقصودٌ بالذات وإعادة اللام ههنا مع تجريدِ الأَوَّلينِ عنها للإشعارِ بأصالتِه في الغرضيَّةِ بالنَّسبةِ إليهما إذْ عليه يدورُ التَّكليفُ المُؤدِّي إلى السَّعادةِ والشَّقاوةِ وإيثارُ البلوغِ مُسنداً إلى المخاطبينَ على التَّبليغِ مُسنداً إليه تعالى كالأفعال السابقة لأنَّه المناسبُ لبيانِ حالِ اتَّصافِهم بالكمالِ واستقلالِهم بمبدئيةِ الآثارِ والأفعالِ والأشُدُّ من ألفاظِ الجموعِ التي لم يستعمل لها واحد كالأسد والقَتُودِ وكأنَّها حين كانتْ شدَّةً في غيرِ شيءٍ بُنيتْ على لفظِ الجمعِ {وَمِنكُمْ مَّن يتوفى} أي بعد بلوغ الأشد أو قبله
(6/94)

سورة الحج (6 7) وقُرىء يَتوفَّى مبنيًّا للفاعلِ أي يتوفَّاه الله تعالى {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمرِ} وهُو الهَرَمُ والخوف وقُرىء بسكونِ الميمِ وإيرادُ الردِّ والتَّوفِّي على صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ للجَريِ على سنَنِ الكبرياءِ لتعيين الفاعلِ {لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ} أي علمٍ كثيرٍ {شَيْئاً} أي شيئا من الأشياءِ أو شيئا من العلمِ مبالغةً في انتفاص علمه وانتكاس حاله أي ليعود إلى ما كان عليهِ في أوان الطفولية من ضعف البنية وسخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمِه ويُنكر ما عرفَهُ ويعجزُ عمَّا قدرَ عليه وفيهِ من التَّنبيهِ على صحة البعث مالا يخفَى {وَتَرَى الأرض هَامِدَةً} حجَّةٌ أُخرى على صحَّةِ البعثِ والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن يتأتى منه الرؤية وصيغة المضارع للدلالة على التَّجددِ والاستمرارِ وهي بصريةٌ وهامدةً حالٌ من الأرضِ أي ميِّتةً يابسةً من همدتِ النَّارُ إذَا صارتْ رَمَاداً {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء} أي المطرَ {اهتزت} تحرَّكتْ بالنَّباتِ {وَرَبَتْ} انتفختْ وازدادتْ وقُرىء ربأتْ أي ارتفعتْ {وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ} أي صنفٍ {بَهِيجٍ} حسنٍ رائقٍ يسرُّ ناظرَه
(6/95)

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)
{ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق} كلامٌ مستأنَفٌ جيءَ به إثرَ تحقيقِ حقِّيةِ البعث وإقامةِ البُرهان عليه من العالَمينِ الإنسانيِّ والنباتيِّ لبيانِ أنَّ ذلك من آثارِ أُلوهيتِه تعالى وأحكامِ شئونه الذَّاتيةِ والوصفيةِ والفعليةِ وأنَّ ما ينكرون وجودَه بل إمكانه من إتيانِ السَّاعةِ والبعثِ من أسبابِ تلك الآثارِ العجيبةِ التي يُشاهدونها في الأنفس والآفاقِ ومبادي صدورِها عنه تعالى وفيه من الإيذن بقوة الدليل وأصله المدلول في التحقيق وإظهار بطلان إنكاره مالا يخفى فإنَّ إنكارَ تحقُّق السبب مع الجزم بتحقيق المُسبَّبِ ممَّا يَقْضي ببُطلانِه بديهةُ العقولِ والمرادُ بالحقِّ هو الثَّابتُ الذي يحِق ثبوتُه لا محالة لكونِه لذاتِه لا الثَّابتُ مطلقاً وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما ذُكر من خلقِ الإنسانِ على أطوارٍ مختلفةٍ وتصريفِه في أحوالٍ مُتباينةٍ وإحياءِ الأراض بعد موتِها وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه في الكمالِ وهومبتدأ خبرُه الجارُّ والمجرورُ أي ذلك الصُّنعُ البديع حاصلٌ بسبب أنَّه تعالى هو الحقُّ وحده في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه المحقِّقُ لما سواه من الأشياءِ {وَأنَهُ يحيي الموتى} أي شأنُه وعادته إحياؤُها وحاصلُه أنَّه تعالى قادر على إحيائها بدء وإعادةً وإلاَّ لما أحيا النطقة والأرضَ الميتةَ مراراً بعد مراروما تُفيده صيغةُ المضارعِ من التجدد إنما هوبإعتبار تعلق القدرة ومتعلها لا باعتبارِ نفسِها {وَأَنَّهُ على كل شىء قدير} أي مبالغٌ في القُدرةِ وإلاَّ لما أوجد هذه الموجودات القائتة للحصرِ التي من جُملتها ما ذُكر وأمَّا الاستدلالُ على ذلك بأنَّ قدرته تعالى لذاتِه الذي نسبته إلى الكلِّ سواءٌ فلمَّا دلَّتِ المشاهدةُ على قدرتِه على إحياءِ بعض الأمواتِ لزم اقتدارُه على إحياءِ كلها فمنشأة الغفول عما سيق له النَّظمُ الكريمُ من بيانِ كون الآثار الخاتمة المذكورةِ من فروعِ القُدرةِ العامة اللامة ومسبَّباتِها وتخصيصُ إحياءِ الموتى بالذكر مع كونه من جُملةِ الأشياءِ المقدُورِ عليها للتَّصريحِ بما فيه النِّزاعُ والدفع في نحور المنكرينَ وتقديمُه لإبرازِ الاعتناءِ به
(6/95)

وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)
{وأن الساعة آتية} أي فيما سيأتي وإيثارُ صيغةِ الفاعلِ على الفعلِ للدلالة على تحقيق إتيانِها وتقرره البتةَ لاقتضاءِ الحكمة إيَّاه لا محالةَ وتعليله بأنَّ التَّغيُّرِ من مقدمات الانصرامِ وطلائعِه مبنيٌّ على ما ذكر من الغفولِ وقولُه تعالَى {لاَ رَيْبَ فيهِ} إما خبر
(6/95)

سورة الحج (8 7) ثان ى ن أو حالٌ من ضميرِ السَّاعةِ في الخبرِ ومعنى نفيِ الرَّيبِ عنها أنَّها فى ظهور أمرها ووضوح دلائلِها التَّكوينيَّةِ والتَّنزيليَّةِ بحيثُ ليس فيها مظنةُ أنْ يُرتاب في إتيانِها حسبما مرَّ في مطلعِ سورةِ البقرةِ والجملةُ عطفٌ على المجرورِ بالباء كما قبلها من الجُملتينِ داخلةٌ مثلهما في حيِّزِ السَّببيةِ وكذا قولُه عزَّ وجلَّ {وَإِن الله يبعث مَنْ فى القبور} لكنْ لا من حيثُ أن إتيانَ السَّاعةِ وبعثَ الموتى مؤثِّرانِ فيما ذكر من أفاعليه تعالى تأثيرَ القُدرة فيها بل من حيثُ إنَّ كُلاًّ منهما سببٌ داعٍ له عزَّ وجلَّ بموجبِ رأفتِه بالعبادِ المبنيَّةِ على الحكمِ البالغةِ إلى ما ذُكرَ من خلقِهم ومن إحياءِ الأرضِ الميتة على نمطٍ بديعٍ صالحٍ للاستشهادِ به على مكانِهما ليتأمَّلوا في ذلكَ ويستدلُّوا به على وقوعِهما لا محالة ويصدقوا بمَا ينطق بهما من الوحيِ المُبينِ وينالُوا به السَّعادةَ الأبديَّةَ ولولا ذلكَ لما فعل تعالى ما فعل بل لما خلق العالم رأساً وهذا كما تَرَى من أحكام حقيته تعالى فى أفعاله وابتنائها على الحكم الباهرةِ كما أنَّ ما قبلَهُ من أحكام حقِّيته تعالى في صفاتِه وكونها في غايةِ الكمالِ وقد جُعل إتيانُ السَّاعةِ وبعث مَنْ في القبورِ لكونهما من روادفِ الحكمةِ كناية عن كونِه تعالى حكيماً كأنَّه قيل ذلك بسببِ أنَّه تعالى قادرٌ على إحياءِ المَوْتى وعلى كلِّ مقدورٍ وأنَّه حكيمٌ لا يُخلف ميعادَه وقد وُعد بالسَّاعةِ والبعث فلا بُدَّ أنْ ينفى بما وعد وأنتَ خبيرٌ بأن مآله الاستدلالُ بحكمته تعالى على إتيان السَّاعة والبعثِ وليس الكلامُ في ذلكَ بل إنَّما هُو فى سببيتها لما مرَّ من خلقِ الإنسان وإحياء الارض فنأمل وكن على الحق المبين وقيل قوله تعالى وَإِنَّ الساعة آتية ليس معطُوفاً على المجرورِ بالياء ولا داخلاً في حيِّز السببية بل هو خبرٌ والمبتدأ محذوفٌ لفهم المَعْنى والتَّقديرُ والأمرُ أنَّ السَّاعةَ آتيةٌ وأنَّ الثَّانيةَ معطوفةٌ على الاول وقيل المَعْنى ذلك لتعلمُوا بأن الله هو الحق الآيتين
(6/96)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8)
{وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله} هو أبُو جهلٍ بنُ هشامٍ حسبَما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما وقيل هُو من يتصدَّى لإضلالِ النَّاسِ وإغوائِهم كائناً مَنْ كان كما أنَّ الأولَ من يُقلدهم على أنَّ الشَّيطانَ عبارةٌ عن المضلِّ المُغوي على الإطلاقِ {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير يجادلُ أي كائناً بغيرِ علم والمراد بالعلم العلم الضروري كماأن المرادَ بالهُدى في قوله قوله تعالى {وَلاَ هُدًى} هو الاستدلالُ والنَّظرُ الصَّحيحُ الهادي إلى المعرفةِ {وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ} وحي مظهرٍ للحقِّ أي يجادل في شأنِه تعالى من غير تمسُّكٍ بمقدِّمةٍ ضروريةٍ ولا بحجَّةٍ نظريةٍ ولا ببرهانٍ سمعيَ كما في قوله تعالى وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا وماليس لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وأما ما قيل من أن المراد به المجادلة الأوَّلُ والتَّكريرُ للتَّأكيدِ والتَّمهيدِ لما بعدَهُ من بيانِ أنه لاسند له من استدلالٍ أو وحيٍ فلا يُساعدُه النظمُ الكريمُ كيفَ لا وإنَّ وصفَه باتِّباعِ كلِّ شيطانٍ موصوفٍ بما ذُكر يُغني عن وصفِه بالعراءِ عن الدَّليلِ العقليِّ والسِّمعيِّ
(6/96)

ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)
{ثَانِىَ عِطْفِهِ} حالٌ أخرى من فاعلِ يُجادل أي عاطفاً لجانبه وطاوياً كَشْحَه مُعرضاً متكبِّراً فإنَّ ثنْيَ العطف كناية عن
(6/96)

سورة الحج (10 11) التَّكبُّرِ وقُرىء بفتحِ العينِ أي مانعاً لتعطُّفِه {لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله} متعلِّقٌ بيجادلُ فإنَّ غرضَه الإضلالُ عنه وإن لم يعترفْ بأنَّه إضلالٌ والمرادُ به إمَّا الإخراجُ من الهُدى إلى الضَّلالِ فالمفعولُ مَن يُجادلُه من المؤمنينَ أَو النَّاس جميعاً بتغليب المؤمنين على غيرِهم وإمَّا التَّثبيتُ على الضَّلالِ أو الزِّيادةُ عليه مجازاً فالمفعولُ هم الكفرةُ خاصَّةً وقُرىء بفتح الياءِ وجُعل ضلالُه غايةً لجدالِه من حيثُ إنَّ المرادَ به الضَّلالُ المبينُ الذي لا هدايةَ له بعدَهُ مع تمكُّنِه منها قبلَ ذلك {لَهُ فِى الدنيا خِزْىٌ} جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيانِ نتيجةِ ما سلكَه من الطَّريقةِ أي يثبُت له في الدُّنيا بسببِ ما فعله خزيٌ وهُو ما أصابَه يومَ بدرٍ من القتلِ والصَّغَارِ {وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق} أي النَّارِ المُحرقةَ
(6/97)

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10)
{ذلك} أي ما ذكر من العذابِ الدنيويِّ والأُخرويِّ وما فيه من معنى البعد للإيذان بكونه في الغايةِ القاصيةِ من الهول والفظاعةِ وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى {بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} أي بسببِ ما اقترفتَهُ من الكفرِ والمعاصِي وإسنادُه إلى يديهِ لما أنَّ الاكتسابَ عادةً يكونُ بالأيدي والالتفاتُ لتأكيدِ الوعيدِ وتشديدِ التَّهديدِ ومحلُّ أنَّ في قوله عز وعلا {وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ} الرفعُ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف أي والأمرُ أنَّه تعالى ليس بمعذِّب لعبيدِه بغيرِ ذنبٍ منْ قِبلهم والتعبيرُ عن ذلك بنفيِ الظلمِ معَ أنَّ تعذيبَهم بغيرِ ذنبٍ ليس بظُلمٍ قطعاً على ما نقرر من قاعدة أهلِ السنة فضلا عن كونه ظالما بالغاً قد مرَّ تحقيقُه في سورة آل عمران والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضون ما قبلها وأمَّا ما قيلَ من أنَّ محلَّ أنَّ هُو الجرُّ بالعطفِ على ما قدمتْ فقد عرفتَ حالَه في سورة الأنفال
(6/97)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)
{وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ} شروعٌ فى بيان المُذبذبين إثرَ بيانِ حالِ المُجاهرين أي ومنهُم من يعبده تعالى على طَرَفٍ من الدِّين لاثبات له فيه كالَّذي ينحرفُ إلى طَرَفِ الجيشِ فإنْ أحسَّ بظَفَرٍ قَرَّ وإلا فَرَّ {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ} أي دنيويٌّ من الصَّحَّةِ والسَّعةِ {اطمأن بِهِ} أي ثبتَ على ما كانَ عليه ظاهرا ألا أنَّه اطمأنَّ به اطمئنانَ المُؤمنينَ الذينَ لا يَلويهم عنه صارفٌ ولا يثنيهم عاطفٌ {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ} أي شيءٌ يُفتتنُ به من مكروهٍ يعتريهِ في نفسِه أو أهلِه أو مالِه {انقلب على وَجْهِهِ} رُوِيَ أنَّها نزلتْ في أعاريبَ قدمُوا المدينةَ وكانَ أحدُهم إذَا صحَّ بدنُه ونُتجتْ فرسُه مُهراً سَرِيًّا وولدتِ امرأتُه ولداً سَويًّا وكثُر مالُه وماشيتُه قال ما أصبتُ منذُ دخلتُ في ديني هذا إلاَّ خَيْراً واطمأنَّ وإن كانَ الأمرُ بخلافِه قال ما أصبتُ إلاَّ شرًّا وانقلبَ وعن أبي سعيدٍ الخدريُّ رضيَ الله عنه إن يهُوديًّا أسلمَ فأصابتْهُ مصائبُ فتشاءَم بالإسلامِ فأتَى النبيَّ صلَّى الله عليهِ وسلم فقال أقلنى فقال صلى الله عليه وسلم إنَّ الإسلامَ لا يُقال فنزلت وقيل نزلت في المؤلَّفةِ قلوبُهم {خَسِرَ الدنيا والأخرة} فقدَهُما وضيَّعهما بذهابِ عصمتِه وحبوطِ عملِه بالارتدادِ وقُرىء خاسرَ بالنَّصبِ على الحالِ والرَّفعُ على الفاعليةِ ووضع موضع الضمير
(6/97)

سورة الحج (12 14) تنصيصاً على خُسرانِه أو على أنَّه خبرٌ مبتدأ محذوفٍ {ذلك} أي ما ذُكر من الخُسران وما فيه من معنى البعد للإيذانِ بكونه في غايةِ ما يكونُ {هُوَ الخسران المبين} الواضحُ كونُه خُسراناً إذا لا خُسرانَ مثله
(6/98)

يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)
{يَدْعُو مِن دُونِ الله} استئنافٌ مبيِّنٌ لعِظم الخُسرانِ أي يعبد مُتجاوزاً عبادةَ الله تعالى {مَا لاَ يَضُرُّهُ} إذا لم يعبدْهُ {وَمَا لاَ يَنفَعُهُ} إنْ عبدَهُ أي جماداً ليسَ من شأنه الضرُّ والنفع كما يُلوِّحُ به تكريرُ كلمةِ ما {ذلك} الدُّعاءُ {هُوَ الضلال البعيد} عن الحقِّ والهُدى مستعارٌ من ضلالِ مَن أبعدَ في التَّيهِ ضالاًّ عن الطَّريقِ
(6/98)

يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)
{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} استئنافٌ مسوق لبيانِ مآلِ دُعائِه المذكورِ وتقريرِ كونِه ضلالاً بعيداً مع إزاحةِ ما عسى يُتوهَّمُ من نفيِ الضَّررِ عن معبودِه بطريقِ المباشرةِ نفيه عنه بطريق التسبب أيضاً فالدُّعاءُ بمعنى القول واللاَّمُ داخلةٌ على الجملة الواقعةِ مقولاً له ومَن مبتدأٌ وضرُّه مبتدأٌ ثانٍ خبرُه أقربُ والجملة صلة للمبتدأ الأوَّلِ وقوله تعالى {لبئس المولى ولبئس العشير} جوابٌ لقسم مقدَّرٍ هو وجوابه خبرٌ للمبتدأ الأولِ وإيثارُ مَن على مَا مع كون معبودِه جماداً وإيرادُ صيغةِ التفضيلِ معَ خلوِّه عن النَّفع بالمرَّةِ للمبالغة في تقبيح حاله والإمعانِ في ذمِّه أي يقول ذلك الكافرُ يوم القيامةِ بدعاء وصُراخٍ حين يرى تضرُّرَه بمعبوده ودخولَه النَّارَ بسببه ولا يرى منه أثرَ النَّفعِ أصلاً لمن ضره أقرب من نفعه والله لبئسَ النَّاصرُ هو ولبئسَ الصَّاحبُ هو فكيف بما هو ضررٌ محضٌ عارٍ عن النَّفعِ بالكلِّيةِ ويجوزُ أن يكون يدعُو الثَّاني إعادةً للأولِ لا تأكيد له فقط بل وتمهيداً لما بعدَهُ من بيانِ سوءِ حالِ معبودِه إثرَ بيانِ سوءِ حالِ عبادتِه بقوله تعالى ذلك هُوَ الضلال البعيد كأنَّه قيلَ من جهتِه تعالى بعد ذكر عبادتِه لما لا يضرُّه ولا ينفعُه يدعو ذلك ثم قيلَ لمَن ضره أقرب من نفعه والله لبئسَ المَوْلى ولبئس العَشيرُ فكلمة مَن وصيغةُ التَّفضيلِ للتهكُّمِ به وقيل اللاَّمُ زائدةٌ ومَنْ مفعول يدعو ويؤيده القراء بغير لامٍ أي يعبد من ضره أقربُ من نفعه وإيراد كلمةِ مَن وصيغة التَّفضيلِ تهكُّمٌ به أيضاً والجملة القسميةُ مستأنفة
(6/98)

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)
{إِنَّ الله يُدْخِلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جنات} استئنافٌ جيء به لبيان كمال حسنِ حالِ المؤمنينَ العابدينَ له تعالى وأنَّ الله عزَّ وجلَّ يتفضَّل عليهم بما لا غايةَ وراءه من أجلِّ المنافعِ وأعظمِ الخيراتِ إثرَ بيانِ غايةِ سوءِ حالِ الكفرةِ ومآلِهم من فريقَيْ المجاهرينَ والمذبذبينَ وأنَّ معبودَهم لا يُجديهم شيئاً من النَّفع بل يضرُّهم مضرَّةً عظيمةً وأنَّهم يعترفون بسوءِ ولايتِه وعشرتِه ويذمونه مذمة عامة وقوله تعالى {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} صفة لجنَّاتٍ فإن أُريد بها الأشجارُ المتكاثقة السائرة لما تحتها فجريانُ الأنهارِ من تحتها ظاهرٌ وإنْ أُريد بها الأرضُ فلا بُدَّ من تقدير مضافٍ
(6/98)

سورة الحج (15 16) أي من تحت أشجارِها وإن جُعلت عبارةً عن مجموعُ الأرضِ والأشجارِ فاعتبارُ التَّحتيَّةِ بالنَّظرِ إلى الجزءِ الظاهِرِ المصحِّح لإطلاقِ اسمِ الجنَّةِ على الكلِّ كما مر تفصيله في أوائل سورةِ البقرةِ وقوله تعالى {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} تعليلٌ لما قبلَه وتقريرٌ له بطريقِ التَّحقيقِ أي يفعلُ البتة كلَّ ما يريدُه من الأفعالِ المتقنةِ اللاَّئقةِ المبنيَّةِ على الحكمِ الرَّائقةِ التي من جُملتها إثابةُ مَن آمنَ به وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقابُ مَن أشركَ به وكذب برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم ولمَّا كانَ هذا من آثارِ نُصرته تعالى له صلى الله عليه وسلم عُقِّب بقولِه عزَّ وعلا
(6/99)

مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)
{مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والأخرة} تحقيقاً لها وتقريراً لثبوتها على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه وفيه إيجازٌ بارعٌ واختصارٌ رائعٌ والمعنى أنَّه تعالى ناصرٌ لرسوله في الدنيا والآخرة لا محالة من غير صارف بلويه ولا عاطفٍ يَثنيه فمن كانَ يغيظُه ذلك من أعاديهِ وحُسَّادِه ويظنُّ أنْ لَنْ يفعله تعالى بسببِ مدافعتِه ببعضِ الأمورِ ومباشرة ما يردُّه من المكايد فليبالغْ في استفراغِ المجهودِ وليجاوزْ في الجِد كلَّ حدَ معهودٍ فقُصارى أمرِه وعاقبةِ مكرِه أنْ يختنقَ حنقاً ممَّا يرى من ضلالِ مساعيهِ وعدمِ إنتاجِ مقدِّماتِه ومباديهِ {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء} فليمدُدْ حبلاً إلى سقفِ بيتِه {ثُمَّ لْيَقْطَعْ} أي ليختنقْ من قطَع إذا اختنقَ لأنَّه يقطع نفَسَه بحبسِ مجاريهِ وقيل ليطع الحبلَ بعد الاختناقِ على أنَّ المرادَ به فرضُ القطعِ وتقديرُه كما أنَّ المرادَ بالنَّظرِ في قوله تعالى {فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} تقديرُ النَّظر وتصويرُه أي فليصوِّر في نفسِه النَّظرَ هل يُذهبنَّ كيدُه ذلك الذي هو أقصى ما انتهتْ إليه قدرتُه في باب المُضادَّةِ والمُضارَّةِ ما يغيظه من النُّصرةِ كلا ويجوز أنْ يُراد فلينظر الآنَ أنَّه إنْ فعلَ ذلك هَلْ يُذهب ما يغيظُه وقيل المعنى فليمدُدْ حبلاً إلى السَّماءِ المُظِلَّةِ وليصعدْ عليه ثم ليقطعْ الوحيَ وقيل ليقطعَ المسافةَ حتَّى يبلغَ عنانَها فيجتهدَ في دفعِ نصرِه ويأباهُ أنَّ مَساقَ النظمِ الكريمِ بيانُ أنَّ الأمورَ المفروضةَ على تقديرِ وقوعِها وتحقُّقِها بمعزلٍ من إذهابِ ما يغيظُ ومن البيِّنِ أنْ لا معنى لفرضِ وقوعِ الأمورِ الممتنعةِ وترتيبِ الأمرِ بالنَّظرِ عليه لاسيما قطعُ الوحيِ فإنَّ فرضَ وقوعِه مخلٌّ بالمرامِ قطعاً وقيل كان قوم من المسلمينَ لشدَّةِ غيظِهم وحنقِهم على المُشركين يستبطئونَ ما وعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من النَّصرِ وآخرون من المشركين يريدون اتباعه صلى الله عليه وسلم ويخشَون أنْ لا يثبت أمرُه فنزلتْ وقد فسِّر النَّصرُ بالرِّزق فالمعنى أنَّ الرزاق بيدِ الله تعالى لا تُنال إلاَّ بمشيئتِه تعالى فلا بُدَّ للعبدِ من الرِّضا بقسمتِه فمن ظنَّ أنَّ الله تعالى غيرُ رازقِه ولم يصبرْ ولم يستسلمْ فليبلغ غايةَ الجزعِ وهو الاختناقُ فإنَّ ذلكَ لا يغلبُ القسمةَ ولا يردُّه مرزوقاً
(6/99)

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)
{وكذلك} أي مثلَ ذلك الإنزالِ البديعِ المنطوي على الحِكَم البالغةِ {أنزلناه} أي القرآنَ الكريمَ كلَّه وقوله تعالى {آيات بينات} أي واضحاتِ الدلالة على معانيها الرَّائقةِ حالٌ من الضَّميرِ المنصوبِ مبينةٍ لما أُشير إليه بذلك {وَأَنَّ الله يَهْدِى} به ابتداءً أو يثبِّت على الهُدى أو يزيدُ فيه {من يريد} هدايته
(6/99)

سورة الحج (17 18) أو تثبيتَه أو زيادتَه فيها ومحلُّ الجملةِ إمَّا الجرُّ على حذف الجارِّ المتعلق بمحذوفٍ مؤخَّرٍ أي ولأنَّ الله يهدي من يريد أنزلَه كذلك أو الرفعُ عَلى أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي والأمرُ أنَّ الله يهدي من يريد هدايته
(6/100)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)
{إن الذين آمنوا} أي بما ذُكر من الآياتِ البيِّناتِ بهدايةِ الله تعالى أو بكلِّ ما يجبُ أنْ يُؤمَنَ به فيدخُل فيه ما ذُكر دخولاً أوليًّا {والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس} قيل هم قوم يعبدون النَّارَ وقيل الشَّمسَ والقمرَ وقيل هم قومٌ من النَّصارى اعتزلُوا عنهم ولبسوا المُسوح وقيل أخذُوا من دين النَّصارى شيئاً ومن دين اليَّهودِ شيئاً وهم القائلون بأنَّ للعالم أصلينِ نوراً وظلمة {والذين أَشْرَكُواْ} هم عَبَدة الأصنامِ وقوله تعالى {إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} في حيِّز الرفع على أنه خبر لإنَّ السَّابقةِ وتصدير طرفَيْ الجملتين بحرفِ التَّحقيق لزيادة التقرير والتَّأكيدِ أي يقضي بين المؤمنينَ وبين الفرقِ الخمسِ المنفقة على ملَّةِ الكُفرِ بإظهار المحقِّ من المبطل وتوفيةِ كلَ منهما حقَّهُ من الجزاء بإثابة الأوَّلِ وعقاب الثَّاني بحسب استحقاقِ أفراد كلَ منهما وقوله تعالى {إِنَّ الله على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} تعليل لما قبله من الفصل أي عالمٌ بِكُلّ شَيْء من الأشياء ومراقبٌ لأحواله ومن قضيَّتِه الإحاطةُ بتفاصيل ما صدرَ عن كلَّ فردٍ من أفراد الفرق المذكورةِ وإجراءُ جزائه اللاَّئقِ به عليه وقوله تعالى
(6/100)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)
{أَلَمْ تَر أنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن في السماوات وَمَن فِى الأرض} الخ بيان لما يُوجب الفصلَ المذكور من أعمال الفرقِ المذكورةِ مع الإشارةِ إلى كيفيَّتِه وكونه بطريقِ التَّعذيبِ والإثابة والإكرام والإهانة إثرَ بيان ما يُوجبه من كونِه تعالى شهيداً على جميع الأشياء التي من جُملتها أحوالُهم وأفعالُهم والمراد بالرُّؤيةِ العلم عبَّر عنه بها إشعار بظهورِ المعلوم والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن يتأتى منه الرُّؤيةُ بناء على أنَّه من الجلاءِ بحيثُ لا يَخْفى على أحدٍ والمرادُ بالسُّجودِ هو الانقيادُ التَّامُّ لتدبيره تعالى بطريق الاستعارةِ المبنية على تشبهه بأكمل أفعالِ المكلَّفِ في باب الطَّاعةِ إيذاناً بكونه في أقصى مراتب التَّسخُّرِ والتَّذلُّلِ لا سجودُ الطَّاعةِ الخاصَّةِ بالعُقلاءِ سواءٌ جُعلتْ كلمةُ من عامةً لغيرهم أيضاً وهو الأنسبُ بالمقام لإفادته شمولَ الحكم لكلِّ ما فيهما بطريقِ القرارِ فيهما أو بطريق الجُزئيَّةِ منهما فيكون قوله تعالى {والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} إفراداً لها بالذِّكرِ لشُهرتِها واستبعادِ ذلك منها عادة أوجعلت خاصَّةً بالعقلاء لعدم شمول سجود الطَّاعةِ لكلِّهم حسبما ينبيء عنه قوله تعالى {وَكَثِيرٌ مّنَ الناس} فإنَّه مرتفعٌ بفعل مُضمر يدلُّ عليه المذكورُ أي ويسجدُ له كثيرٌ من النَّاسِ سجود
(6/100)

سورة الحج (19 21) طاعةٍ وعبادةٍ ومن قضيَّتِه انتفاءُ ذلك عن بعضِهم وقيل هو مرفوعٌ على الابتداء حُذف خبرُه ثقةً بدلالة خبر قسيمه عليه نحو حقَّ له الثَّوابُ والأوَّلُ هو الأَولى لما فيه من التَّرغيبِ في السُّجودِ والطَّاعةِ وقد جُوِّز أنْ يكونَ من النَّاسِ خبراً له أي من النَّاسِ الذين هم النَّاسُ على الحقيقةِ وهم الصَّالحون والمتَّقون وأنْ يكون قوله تعالى {وَكَثِيرٌ} معطوفاً على كثيرٌ الأول للإيذانِ بغاية الكثرةِ ثم يخبر عنهم باستحقاقِ العذابِ كأنَّه قيل وكثير وكثيرٌ من النَّاسِ {حَقَّ عَلَيْهِ العذاب} أي بكفرِه واستعصائه وقرئ حُقَّ بالضمِّ وحقًّا أي حقَّ عليه العذابُ حقًّا {وَمَن يُهِنِ الله} بأن كتبَ عليه الشَّقاوةَ حسبما علمه من صرفِ اختياره إلى الشرِّ {فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} يُكرمه بالسَّعادةِ وقرئ بفتح الراء على أنه مصدرٌ ميميٌّ {إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء} من الأشياء التي من جملنها الإكرامُ والإهانةُ
(6/101)

هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19)
{هذان} تعيينٌ لطرفَيْ الخصامِ وإزاحة لما عسى يتبادرُ إلى الوهمِ من كونِه بين كل واحدةٍ من الفرقِ الستِّ وبين البواقي وتحريرٌ لمحلِّه أي فريق المؤمنينَ وفريقُ الكفرة المقسم إلى الفرقِ الخمسِ {خَصْمَانِ} أي فريقانِ مختصمانِ وإنما قيل {اختصموا فِى رَبّهِمْ} حملاً على المعنى أي اختصمُوا في شأنِه عزَّ وجلَّ وقيل في دينه وقيل في ذاته وصفاته والكّل من شئونه تعالى فإنَّ اعتقادَ كلَ من الفريقينِ بحقيَّةِ ما هُو عليه وبُطلانِ ما عليه صاحبُه وبناءَ أقوالِه وأفعالِه عليه خصومةٌ للفريقِ الآخرِ وإنْ لم يجرِ بينهما التَّحاورُ والخصامُ وقيل تخاصمتِ اليَّهودُ والمؤمنونَ فقالتِ اليَّهودُ نحنُ أحقُّ بالله وأقدمُ منكم كتاباً ونبيُّنا قبل نبيِّكم وقال المؤمنون نحنُ أحقُّ بالله منكُم آمنا بمحمد ونبيكم وبما أَنزل الله من كتابٍ وأنتمُ تعرفون كتابَنا ونبيَّنا ثم كفرتُم به حسداً فنزلت {فالذين كَفَرُواْ} تفصيلٍ لَما أُجمل في قوله تعالى يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة {قُطّعَتْ لَهُمْ} أي قُدِّرت على مقاديرِ جثثهم وقرئ بالتَّخفيفِ {ثِيَابٌ مّن نَّارِ} أي نيرانٍ هائلةٍ تحيطُ بهم إحاطةَ الثِّيابِ بلابسِها {يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ الحميم} أي الماءُ الحارُّ الذي انتهتْ حرارتُه قال ابن عباس رضي الله عنهما لو قطرت قطرةٌ منها على جبال الدُّنيا لأذابتَها والجملةُ مستأنفةٌ أو خبرٌ ثانٍ للموصولِ أو حالٌ من ضميرِ لهم
(6/101)

يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)
{يُصْهَرُ بِهِ} أي يُذاب {مَا فِى بُطُونِهِمْ} من الأمعاء والأحشاء وقرئ يُصهَّر بالتَّشديدِ {والجلود} عطف على مَا وتأخيرُه عنه إمَّا لمراعاة الفواصلِ أو للإشعارِ بغاية شدَّةِ الحرارةِ بإيهامِ أنَّ تأثيرَها في الباطنِ أقدمُ من تأثيرِها في الظَّاهرِ مع أنَّ ملابستَها على العكسِ والجملةُ حالٌ من الحميمُ
(6/101)

وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21)
{وَلَهُمْ} للكفرةِ أي لتعذيبهم وأجلِهم {مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ} جمع مِقْمعةٍ وهي آلةُ القمعِ
(6/101)

كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22)
{كلما أرادوا أن يخرجوا مِنْهَا} أي أشرفُوا على
(6/101)

سورة الحج (23 25) الخروجِ من النَّار ودَنَوا منه حسبما يُروى أنَّها تضربُهم بلهيبها فترفعُهم حتَّى إذا كانُوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهروا فيها سبعينَ خريفاً {مِنْ غَمّ} أي من غمَ شديدٍ من غمومِها وهو بدلُ اشتمالٍ من الهاء بإعادة الجارِّ والرابط محذوفٌ كمَا أُشير إليهِ أو مفعولٌ له للخروج {أُعِيدُواْ فِيهَا} أي في قعرِها بأنْ رُدُّوا من أعاليها إلى أسافلِها من غيرِ أنْ يُخرجوا منها {وَذُوقُواْ} على تقدير قولٍ معطوفٍ على أعيدوا أي وقيل لهم ذُوقُواْ {عَذَابَ الحريق} أي الغليظَ من النَّارِ المنتشر العظيم الإهلاك
(6/102)

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)
{إِنَّ الله يُدْخِلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} بيانٌ لحسنِ حالِ المُؤمنين إثرَ بيانُ سوءِ حالِ الكفرةِ وقد غير الأسلوب فيها بإسناد الإدخالِ إلى الله عزَّ وجلَّ وتصديرُ الجملة بحرفِ التَّحقيقِ إيذاناً بكمال مباينةِ حالِهم لحالِ الكفرةِ وإظهاراً لمزيدِ العنايةِ بأمرِ المؤمنين ودلالة على تحقق مضمونِ الكلام {يُحَلَّوْنَ فِيهَا} على البناء للمفعولِ بالتَّشديدِ من التحلية وقرئ بالتَّخفيفِ من الإحلاءِ بمعنى الإلباسِ أي يُحلِّيهم الملائكةُ بامره تعالى وقرئ يُحلَّون من حليةِ المرأةِ إذا لبستْ حِليتَها ومِنْ في قولِه تعالَى {من أَسَاوِرَ} إما للتبعيضِ أي بعضِ أساورَ وهي جمع أَسْوِرةٍ جمع سِوارٍ أو للبيانِ لِما أنَّ ذكرَ التحلية مما ينبئ عن الحلى المبهمِ وقيل زائدةٌ وقيل نعتٌ لمفعولٍ محذوفٍ ليحلون فإنَّه بمعنى يلبسون {مّن ذَهَبٍ} بيانٌ للأساورِ {وَلُؤْلُؤاً} عطفٌ على محلِّ من أساورَ أو على المفعولِ المحذوفِ أو منصوبٌ بفعل مضمرٍ يدلُّ عليه يحلون أي يُؤتون وقُرىء بالجرِّ عطفا على أساور وقرئ لؤلؤاً بقلب الهمزة الثَّانيةِ واواً ولولياً بقلبها ياءً بعد قلبهما واواً وليليا بقلبهما ياءً {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} غُيِّر الأسلوبُ حيثُ لم يقُلْ ويلبسون فيها حريراً لكن لا للدِّلالةِ على أنَّ الحريرَ ثيابُهم المعتادة أو لمجرَّدِ المحافظةِ على هيئةِ الفواصلِ بل للإيذانِ بأن ثبوت اللباسِ لهم أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن البيان إذ لا يمكن عراؤهم عنْهُ وإنَّما المحتاجُ إلى البيانِ أنَّ لباسَهم ماذا بخلافِ الأساورِ واللؤلؤ فإنَّها ليستْ من اللَّوازمِ الضَّروريَّةِ فجعل بيان تحليتهم بها مقصوداً بالذَّاتِ ولعلَّ هذا هو الباعثُ لى تقديمِ بيانِ التَّحليةِ على بيانِ حالِ اللِّباس
(6/102)

وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)
{وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول} وهو قولُهم الحمد لله الذى صدقنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ من الجنة الآيةَ {وَهُدُواْ إلى صراط الحميد} أي المحمودِ نفسُه أو عاقبتُه وهو الجنة ووجه تأخير هذه الهداية عن ذكر الهداية إلى القول المذكور المتأخر عن دخول الجنة المتأخر عن الهداية إلى طريقها لرعاية الفواصل وقيل المراد بالحميد الحق المستحق لذاته لغاية الحمد وهو الله عزَّ وجلَّ وصراطه الإسلام ووجه التَّأخيرِ حينئذٍ أنَّ ذكرَ الحمد يستدعِي ذكرَ المحمودِ
(6/102)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله}
(6/102)

ليس المرادُ به حالاً ولا استقبالاً وإنَّما هو استمرارُ الصَّدِّ ولذلك حسُن عطفُه على الماضي كما في قوله تعالى الذين آمنوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله وقيلَ هُو حالٌ من فاعل كفروا أي وهم يصدُّون وخبر إنَّ محذوفٌ لدلالة آخرِ الآية الكريمة عليه فإنَّ من ألحدَ في الحرمِ حيثُ عُوقب بالعذاب الأليم فلأنْ يُعاقبَ من جمعَ إليه الكفرَ والصد عن سبيل اله بأشدَّ من ذلك أحقُّ وأولى {والمسجد الحرام} عطف على سبيلِ اللَّهِ قيل المرادُ به مكَّةُ بدليل وصفه بقوله تعالى {الذى جعلناه لِلنَّاسِ} أي كائناً من كان من غير فرقٍ بين مكيَ وآفاقيَ {سَوَاء العاكف فِيهِ والباد} أي المقيم والطارئ وسواء أي مستوياً مفعول ثانٍ لجعلناه والعاكفُ مرتفع به واللاَّمُ متعلِّقٌ به ظرفٌ له وفائدةُ وصفِ المسجدِ الحرامِ بذلك زيادةُ تشنيع الصادين عنه وقرئ سواءٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ مقدَّمٌ والعاكفُ مبتدأٌ والجملة مفعول ثانٍ للجعل وقرئ العاكفِ بالجرِّ على أنَّه بدلٌ من النَّاسِ {وَمَن يرد فيه} مما ترك مفعولُه ليتناولَ كلَّ متناول كأنه قبل ومن برد فيه مراداً ما {بِإِلْحَادٍ} بعدولٍ عن القصدِ {بِظُلْمٍ} بغير حقَ وهما حالانِ مترادفانِ أو الثَّاني بدلٌ من الأوَّلِ بإعادة الجارِّ أو صلة أي ملحداً بسبب الظُّلمِ كالإشراك واقتراف الآثام {نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} جواب لمن
(6/103)

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
{وَإِذْ بَوَّأْنَا} يقال بوَّأهُ منزلاً أي أنزلَه فيه ولمَّا لزمه جعل الثَّاني مباءة للأول قيل {لإبراهيم مَكَانَ البيت} وعليه مَبْنى قولِ ابن عبَّاسٍ رضيَ اله عنهما جعلناهُ أي اذكر وقتَ جعلنا مكانَ البيت مباءةً له عليه السَّلامُ أي مرجعاً يرجع إليه للعمارةِ والعبادةِ وتوجيه الأمرِ بالذِّكرِ إلى الوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث قد مرَّ بيانُه غيرَ مرَّةٍ وقيل اللاَّمُ زائدةٌ ومكانَ ظرفٌ كما في أصل الاستعمالِ أي أنزلناهُ فيه قيل رفع البيع إلى السَّماءِ أيَّامِ الطُّوفانِ وكان من ياقوتةٍ حمراءَ فأعلم اللَّهُ تعالى إبراهيمَ عليه السَّلامُ مكانَه بريحٍ أرسلها يقال لها الخجوجُ كنست ما حوله فيناه على رأسه القديمِ رُوي أنَّ الكعبةَ الكريمة بُنيت خمس مرَّاتٍ إحداها بناءُ الملائكةِ وكانت من ياقوتةٍ حمراءَ ثمَّ رُفعت أيَّام الطُّوفانِ والثَّانيةُ بناءُ إبراهيمَ عليه السلام والثَّالثة بناءُ قُريشٍ في الجاهليةِ وقد حضر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هذا البناءَ والرَّابعةُ بناءُ ابن الزُّبيرِ والخامسةُ بناءُ الحجَّاجِ وقد أوردنا ما في هذا الشَّأنِ من الأقاويل في تفسيرِ قولِه تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت وأنْ في قولِه تعالَى {أن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً} مفسِّرةٌ لبوَّأنا من حيث إنَّه متضمِّنٌ لمعنى تعبدنا لأن البوئة للعبادة أو مصدريَّةٌ موصولة بالنَّهي وقد مرَّ تحقيقُه في أوائل سورة هود أي فعلنا ذلك لئلاَّ تشركَ بي في العبادة شيئاً {وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود} أي وطهِّرْ بيتي من الأوثانِ والأقذارِ لمن يطوفُ به ويصلِّي فيه ولعلَّ التَّعبيرَ عن الصَّلاةِ بأركانِها للدِلالة على أنَّ كلَّ واحدٍ منها مستقلٌّ باقتضاء ذلك فكيف وقد اجتمعت وقرئ يُشرك بالياء
(6/103)

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)
{وَأَذّن فِى الناس} أي ناد فيهم وقرئ آذان {بالحج} بدعوة
(6/103)

سورة الحج (2830) الحجِّ والأمر به رُوي أنَّه عليه السلام صعد أبا قبيس فقال يأيها النَّاسُ حجُّوا بيت ربِّكم فأسمعه اللَّهُ تعالى من في أصلاب الرِّجالِ وأرحام النِّساءِ فيما بين المشرقِ والمغربِ ممَّن سبق في علمه تعالى أنْ يحجَّ وقيل الخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أُمر بذلك في حجَّةِ الوداع ويأباهُ كونُ السُّورةِ مكِّيةً {يَأْتُوكَ} جوابٌ للأمر {رِجَالاً} أي مُشاةً جمع راجلٍ كقيامٍ جمع قائمٍ وقرئ بضمِّ الرَّاءِ وتخفيفِ الجيمِ وتشديدِه ورجالى كعجالى {وعلى كُلّ ضَامِرٍ} عطفٌ على رجالا أي وركبانا على كل بعير مهزولٍ أتعبه بعدُ الشُّقِّةِ فهزله أو زادَ هزالُه {يَأْتِينَ} صفةٌ لضامرٍ محمولة على المعنى وقرئ يأتُون على أنَّه صفةٌ للرِّجالِ والرُّكبانِ أو استئنافٌ فيكون الضَّميرُ للنَّاسِ {مِن كُلّ فَجّ} طريقٍ واسع {عميق} بعيد وقرئ مُعيقٍ يقال بئرٌ بعيدة العُمقِ وبعيدةُ المُعقِ بمعنى كالجَذْبِ والجَبْذِ
(6/104)

لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)
{لّيَشْهَدُواْ} متعلِّقٌ بيأتُوك لا بأذِّنْ أي ليحضرُوا {منافع} عظيمةَ الخطرِ كثيرةَ العددِ أو نوعاً من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ المختصَّةِ بهذه العبادة واللاَّمُ في قوله تعالى {لَهُمْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لمنافع أي منافع كائنةً لهم {وَيَذْكُرُواْ اسم الله} عند إعداد الهَدَايا والضَّحايا وذبحها وفي جعله غايةً للإتيانِ إيذانٌ بأنَّه الغاية القصوى دون غيرِه وقيل هو كناية عن الذَّبحِ لأنَّه لا ينفكُّ عنه {فِى أَيَّامٍ معلومات} هي أيَّامُ النَّحرِ كما نيبئ عنه قولُه تعالى {عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام} فإنَّ المراد بالذِّكرِ ما وقع عند الذَّبحِ وقيل هي عشرُ ذي الحجة وقد علِّق الفعلُ بالمرزوقِ وبُيِّنَ بالبهيمة تحريضاً على التَّقرُّبِ وتنبيهاً على الذِّكرِ {فَكُلُواْ مِنْهَا} التفاتٌ إلى الخطاب والفاءُ فصيحةٌ عاطفة لمدخولِها على مقدَّرٍ قد حُذف للإشعار بأنَّه أمرٌ محقَّقٌ غير مُحتاجٍ إلى التَّصريح به كما في قوله تعالى فانفجرت أي فاذكرُوا اسمَ اللَّهِ على ضحاياكم فكلُوا من لحومِها والأمرُ للإباحة وإزاحةِ ما كانت عليه أهلُ الجاهليَّةِ من التَّحرُّجِ فيه أو للنَّدبِ إلى مواساة الفُقراء ومساواتِهم {وَأَطْعِمُواْ البائس} أي الذي أصابه بُؤسٌ وشدَّةٌ {الفقير} المُحتاجَ وهذا الأمرُ للوجوب وقد قيل به في الأوَّلِ أيضاً
(6/104)

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)
{ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ} أي ليؤذوا إزالة وَسَخِهم أو ليحكموها بقصِّ الشَّاربِ والأظفارِ ونتفِ الإبْطِ والاستحدادِ عند الإحلال {وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ} ما ينذرون من البِرِّ في حجِّهم وقيل مواجب الحج وقرئ بفتح الواو وتشديدِ الفاءِ {وَلْيَطَّوَّفُواْ} طوافَ الرُّكنِ الذي به يتمُّ التَّحللُ فإنَّه قرينة فضاء التَّفثِ وقيل طواف الوداع {بالبيت العتيق} أي القديمِ فإنَّه أوَّلُ بيت وُضع للنَّاسِ أو المُعتَقِ من تسلُّطِ الجبابرةِ فكأينْ من جبَّارٍ سار إليه ليهدِمه فقصَمه اللَّهُ عزَّ وجلَّ وأما الحجَّاجُ الثَّقفي فإنَّما قصد إخراجَ ابنِ الزُّبيرِ رضي اللَّه عنهما منه لا التَّسلُّطَ عليه
(6/104)

ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)
{ذلك} أي الأمرُ ذلك وهذا وأمثاله
(6/104)

سورة الحج (31) يُطلق للفصل بين الكلامينِ أو بين وجهَيْ كلامٍ واحد {وَمَن يُعَظّمْ حرمات الله} أي أحكامَه وسائر مالا يحلُّ هتكُه بالعلم بوجوب مُراعاتها والعملِ بموجبه وقيل الحُرمُ وما يتعلَّق بالحجِّ من التكليف وقيل الكعبةُ والمسجدُ الحرامُ والبلدُ الحرامُ والشَّهرُ الحرامُ {فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} أي فالتَّعظيمُ خير له ثواباً {عِندَ رَبّهِ} أي في الآخرة والتَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ مع الإضافة إلى ضمير مَن لتشريفه والإشعار بعلَّةِ الحكم {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام} وهي الأزواجُ الثَّمانيةُ على الإطلاقِ فقوله تعالى {إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ} أي إلا ما يتلى عليكم آيةُ تحريمهِ استثناءٌ متَّصلٌ منها على أنَّ مَا عبارةٌ عمَّا حُرِّم منها لعارضٍ كالميتة وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله تعالى والجملةُ اعتراضٌ جيءَ به تقريراً لما قبله من الأمرِ بالأكل والإطعام ودفعاً لما عسى بتوهم أنَّ الإحرامَ يحرِّمُه كما يحرم الصَّيدُ وعدمُ الاكتفاء ببيان عدم كونها من ذلك القبيلِ بحمل الأنعام على ما ذكر من الضَّحايا والهدايا المعهودة خاصَّةً لئلاَّ يحتاج إلى الاستثناء المذكورِ إذ ليس فيها ما حُرِّمَ لعارضٍ قطعاً لمراعاة حسنِ التَّخلصِ إلى ما بعدَهُ من قوله تعالى {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} فإنَّه مترتِّبٌ على ما يُفيده قولُه تعالَى ومن يعظم حرمات الله من وجوب مراعاتها والاجتنابِ عن هتكِها ولمَّا كان بيانُ حلِّ الأنعام من دَوَاعي التَّعاطِي لا مِن مبادئ الاجتنابِ عُقِّب بما يُوجب الاجتنابَ عنه من المحرَّماتِ ثم أمر بالاجتناب عمَّا هو أقصى الحرماتِ كأنَّه قيل ومَن يعظِّم حرماتِ الله فهو خيرٌ له والأنعامُ ليستْ من الحُرُماتِ فإنَّها محلَّلةٌ لكم إلاَّ ما يتلى عليكم آية تحريمه فإنَّه ممَّا يجبُ الاجتنابُ عنه فاجتنبُوا ما هو معظمُ الأمورِ التي يجب الاجتناب عنها وقولُه تعالى {واجتنبوا قَوْلَ الزور} تعميمٌ بعد تخصيصٍ فإنَّ عبادة الأوثان رأس لزور كأنَّه لمَّا حثَّ على تعظيم الحُرمات أتبعَ ذلك ردًّا لما كانت الكفرةُ عليه من تحريم البحائرِ والسَّوائبِ ونحوهِما والافتراءِ على الله تعالى بأنَّه حَكَم بذلك وقيل شهادة الزُّورِ لما روي أنه عليه السلام قالَ عَدلت شهادةُ الزُّورِ الإشراكَ بالله تعالى ثلاثاص وتلا هذه الآية والزُّورُ من الزَّور وهو الانحرافُ كالإفكِ المأخوذِ من الأفْك الذي هو القلبُ والصَّرفُ فإنَّ الكذبَ منحرفٌ مصروفٌ عن الواقعِ وقيل هو قولُ أهلِ الجاهلية في تلبيتهم لبَّيكَ لا شريكَ لكَ إلاَّ شريكٌ هو لك تملكُه وما ملكَ
(6/105)

حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31)
{حُنَفَاء للَّهِ} مائلين عن كلِّ دين زائغٍ إلى الدين الحق مخلصين له تعالى {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} أي شيئاً من الأشياءِ فيدخل في ذلك الأوثانُ دخولاً أوليًّا وهما حالانِ من واو فاجتنبُوا {وَمَن يُشْرِكْ بالله} جملةٌ مبتدأةٌ مؤكدة لما قبلها من الاجتناب عن الإشراك وإظهارُ الاسم الجليل لإظهار حال قُبح الإشراكِ {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء} لأنَّه مُسْقَط من أوجِ الإيمان إلى حضيض الكفرِ {فَتَخْطَفُهُ الطير} فإنَّ الأهواء المُرديةَ توزِّعُ أفكاره وقرئ فتخَطَّفه بفتح الخاء وتشديد الطَّاءِ وبكسرِ الخاء والطَّاء وبكسر التَّاءِ مع كسرهما وأصلُهما تَخْتطفُه {أَوْ تَهْوِى بِهِ الريح} أي تُسقطه وتقذفُه {فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ} بعيدٍ فإنَّ الشَّيطانَ قد طوَّحَ به في الضَّلالةِ
(6/105)

سورة الحج (32 34) وأو للتَّخييرِ كما في أَوْ كَصَيّبٍ أو للتَّنويعِ ويجوزُ أنْ يكونَ مَنْ باب التَّشبيهِ المُركَّبِ فيكون المعنى وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ هلكتْ نفسُه هلاكاً شَبيهاً بهلاكِ أحدِ الهالكينَ
(6/106)

ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)
{ذلك} أي الأمرُ ذلك أو امتثلُوا ذلك {وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله} أي الهَدَايا فإنَّها من معالم الحجِّ وشعائرِه تعالى كما ينبئ عنه والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله وهو الأوفقُ لما بعده وتعظيمُها اعتقادُ أنَّ التَّقربَ بها من أجلِّ القُرباتِ وأنْ يختارَها حِساناً سِماناً غاليةَ الأثمان روي أنه صلى الله عليه وسلم أهدى مائةَ بَدَنةٍ فيها جملٌ لأبي جهلٍ في أنفه بُرَةٌ من ذهبٍ وأن عمر رضي الله عنه أهدى نَجيبةً طُلبتْ منه بثلثمائة دينارٍ {فَإِنَّهَا} أي فإنَّ تعظيمَها {مِن تَقْوَى القلوب} أي من أفعال ذَوي تقوى القلوبِ فحُذفتْ هذه المضافاتُ والعائدُ إلى مَن أو فإن تعظيمها ناشئ من تقوى القلوب وتخصيصُها بالإضافة لأنَّها مراكزُ التَّقوى التي إذا ثبتتْ فيها وتمكَّنتْ ظهر أثرُها في سائر الأعضاءِ
(6/106)

لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)
{لَكُمْ فِيهَا} أي في الهَدَايا {منافع} هي درُّها ونسلُها وصوفُها وظهرُها {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو وقت نحرِها والتَّصدُّقُ بلحمها والأكلُ منه {ثُمَّ مَحِلُّهَا} أي وجوبُ نحرِها أو وقت نحرِها منتهيةً {إلى البيت العتيق} أي إلى ما يليهِ من الحرمِ وثمَّ للتَّراخي الزَّمانيِّ أو الرُّتَبِّي أي لكم فيها منافعُ دنيويَّةٌ إلى وقتِ نحرِها ثمَّ منافعُ دينيَّةٌ أعظمها في النَّفعِ محلُّها أي وجوبُ نحرِها أو وقت وجوبِ نحرِها إلى البيتِ العتيقِ أي منتهيةً إليه هذا وقد قيل المرادُ بالشَّعائرِ مناسكُ الحجِّ ومعالمُه والمعنى لكُم فيها منافعُ بالأجر والثَّوابِ في قضاءِ المناسكِ وإقامةِ شعائرِ الحجَّ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى هو انقضاءُ أيَّامِ الحجِّ ثمَّ محلُّها أي محلُّ النَّاسِ من إحرامهم إلى البيتِ العتيقِ أي منتهٍ إليه بأن يطوفُوا به طوافَ الزِّيارةِ يومَ النَّحرِ بعد قضاء المناسكِ فإضافةُ المحلِّ إليها لأدنى ملابسةٍ
(6/106)

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)
{وَلِكُلّ أُمَّةٍ} أي لكلِّ أهلِ دينٍ {جَعَلْنَا مَنسَكًا} أي مُتعبَّداً وقُرباناً يتقرَّبون به إلى الله عزَّ وجلَّ وقرئ بكسر السِّين أي موضعُ نُسُكٍ وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفعل للتَّخصيص أي لكل أمة من الأمم جعلنا منسكاً لا لبعضٍ دونَ بعضٍ {لّيَذْكُرُواْ اسم الله} خاصَّةً دون غيرِه ويجعلُوا نسيكتهم لوجهه الكريمِ عُلِّل الجعلُ به تنبيهاً على أنَّ المقصودَ الأصليَّ من المناسكِ تذكُّرُ المعبودِ {على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام} عند ذبحِها وفيه تنبيه على أن القُربان يجبُ أنْ يكونَ من الأنعام والخطابُ في قولِه تعالَى {فإلهكم إله واحد} للكلِّ تغليباً والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلَها فإنَّ جعلَه تعالى لكل أمة من الأُمم مَنْسكاً ممَّا يدلُّ على وحدانيَّته تعالى وإنَّما قيل إله واحدٌ ولم يُقل واحدٌ لما أنَّ المرادَ بيانُ أنَّه تعالى واحدُ في ذاتهِ كما أنَّه واحدٌ في إلهيته للكلِّ والفاءُ في قوله تعالى {فَلَهُ أَسْلِمُواْ} لترتيب ما بعَدَها منَ الأمر بالإسلام على وحدانيَّتهِ تعالى وتقديم الجار والمجرور على الأمر
(6/106)

سورة الحج (3537) للقصر أي فإذا كان إلهكم إلها واحداً فأخلصوا له التَّقرُّبَ أو الذِّكرَ واجعلُوه لوجههِ خاصَّةً ولا تشوبُوه بالشِّرك {وَبَشّرِ المخبتين} تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المُتواضعينَ أو المُخلِصين فإنَّ الإخباتَ من الوظائف الخاصَّةِ بهم
(6/107)

الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35)
{الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} منه تعالى لإشراق أشعةِ جلاله عليها {والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ} من مشاقِّ التَّكاليفِ ومُؤناتِ النَّوائبِ {والمقيمى الصلاة} في أوقاتها وقرئ بنصب الصَّلاةِ على تقدير النون وقرئ والمقيمينَ الصَّلاةَ على الأصلِ {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} في وجوه الخيراتِ
(6/107)

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
{والبدن} بضمِّ الباءِ وسكون الدال وقرئ بضمِّها وهُما جَمْعا بَدَنةٍ وقيل الأصلُ ضمُّ الدَّالِ كخُشُبٍ وخَشَبةٍ والتَّسكينُ تخفيفٌ منه وقرئ بتشديدِ النُّونِ على لفظِ الوقفِ وإنَّما سُمِّيتْ بها الإبلُ لعظمِ بَدَنِها مأخوذةٌ من بدن بداية وحيثُ شاركها البقرةُ في الإجزاءِ عن سبعةٍ بقوله صلى الله عليه وسلم البُدْنةُ عن سبعةٍ والبقرةُ عن سبعةٍ جُعلا في الشَّريعةِ جنساً واحداً وانتصابُه بمضمرٍ يفسِّرهُ {جعلناها لَكُمْ} وقرئ بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ والجملةُ خبرُهُ وقولُه تعالى {مِن شَعَائِرِ الله} أي من أعلامِ دينهِ التي شرعها اللَّهُ تعالى مفعولٌ ثانٍ للجعل ولكُم ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ به وقولُه تعالى {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} أي منافعُ دينيَّةٌ ودنيويَّةٌ جملةٌ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها {فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا} بأنْ تقولُوا عند ذبحِها اللَّهُ أكبرُ لا إله إلا الله والله أكبرُ اللهمَّ منكَ وإليكَ {صَوَافَّ} أي قائماتٍ قد صففن أيديهن وأرجلهن وقرئ صَوَافنَ من صَفن الفرسُ إذا قام على ثلاثٍ وعلى طرفِ سُنْبكِ الرَّابعةِ لأنَّ البدنةَ تُعقل إحدى يديها فتقومُ على ثلاثٍ وقرئ صوافا بإبدالِ التَّنوينِ من حرفِ الإطلاق عند الوقف وقرئ صَوَافى أي خَوَالصَ لوجهِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ وصَوَافْ على لغة مَن يُسكِّنُ الياءَ على الإطلاق كما في قوله
لعلِّي أرى باق على الحدثان
{فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} سقطتْ على الأرضِ وهو كنايةٌ عن الموت {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع} الرَّاضيَ بما عنده وبما يعطى من غير مسئلة ويؤيده أنه قرئ القنع أو السَّائلَ من قَنع إليه قُنوعاً إذا خضعَ له في السُّؤالِ {والمعتر} أي المتعرِّضَ للسُّؤالِ وقرئ المُعتري يقال عَرّهُ وعَرَاهُ واعترَّهُ واعتراهُ {كذلك} مثلَ ذلك التَّسخيرِ البديعِ المفهومِ من قولِه تعالى صواف {سخرناها لَكُمْ} مع كمالِ عظمِها ونهايةِ قوَّتِها فلا تستعصي عليكم حتَّى تأخذوها منقادة فتقلونها وتحبسونها صافَّة قوائمها ثم تطعنونَ في لبَّاتِها {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لتشكرُوا إنعامَنا عليكم بالتَّقرُّب والإخلاصِ
(6/107)

لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)
{لَن يَنَالَ الله} أي لن يبلغَ مرضاتَهُ ولن يقعَ منه موقعَ القَبُولِ {لحومها}
(6/107)

سورة الحج (3839) المُتصدَّقُ بها {وَلاَ دِمَاؤُهَا} المُهَراقةُ بالنَّحر من حيثُ إنَّها لحومٌ ودماءٌ {ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ} ولكن يُصيبه تقوى قلوبِكم التي تدعُوكم إلى الامتثال بأمره تعالى وتعظيمه والتَّقرُّبِ إليه والإخلاصِ له وقيل كانَ أهلُ الجاهليةِ يُلطِّخون الكعبةَ بدماءِ قَرَابينهم فهمَّ به المُسلمون فنزلتْ {كذلك سَخَّرَهَا لكم} تكرير للتذكر والتَّعليلِ بقوله تعالى {لِتُكَبّرُواْ الله} أي لتعرفُوا عظمتَه باقتداره على ما لا يقدِرُ عليه غيرُه فتوحِّدُوه بالكبرياءِ وقيل هو التَّكبيرُ عند الإحلالِ أو الذَّبحِ {على مَا هَدَاكُمْ} أي أرشدَكُم إلى طريق تسخيرِها وكيفيَّة التَّقرُّبِ بها وما مصدريةٌ أو موصولةٌ أي على هدايتِه أيَّاكم أو على ما هَدَاكُم إليه وعلى متعلِّقةٌ بتكبِّروا لتضمُّنهِ معنى الشُّكرِ {وَبَشّرِ المحسنين} أي المُخلصين في كلِّ ما يأنون وما يذرُون في أمورِ دينهم
(6/108)

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)
{إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لتوطينِ قلوبِ المُؤمنين ببيانِ أنَّ الله تعالى ناصرُهم على أعدائِهم بحيثُ لا يقدرُون على صدِّهم عن الحجِّ ليتفرَّغُوا إلى أداءِ مناسكِه وتصديرُه بكلمةِ التَّحقيقِ لإبرازِ الاعتناءِ التَّامِّ بمضمونهِ وصيغةُ المفاعلةِ إمَّا للمبالغةِ أو الدلالة على تكرُّرِ الدَّفعِ فإنَّها قد تُجرَّدُ عن وقوعِ الفعلِ المتكرِّرِ من الجانبينِ فيبقى تكرُّره كما في الممارسةِ أي يبالغ في دفع غائلة المشكرين وضررِهم الذي من جُملته الصدُ عَن سَبِيلِ الله مبالغةً من يغالب فيه أو يدفعها عنهم مرَّةً بعد أُخرى حسبما تجدَّدَ منهم القصدُ إلى الإضرارِ بالمسلمينَ كما في قولِه تعالى كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أطفأها الله وقرئ يدفعُ والمفعولُ محذوفٌ وقوله تعالى {إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} تعليلٌ لما في ضمن الوعدِ الكريمِ من الوعيد للمشركينَ وإيذانٌ بأنَّ دفعهم بطريقِ القهرِ والخِزْيِ ونفيُ المحبةِ كنايةٌ عن البُغضِ أي أنَّ اللَّهَ يُبغضُ كلَّ خَوَّانٍ في أماناته تعالى وهي أوامرُه ونواهيه أو في جميعِ الأماناتِ التي هي معظمُها كفورٌ لنعمته وصيغةُ المُبالغةِ فيهما لبيان أنَّهم كذلك لا لتقييدِ البُغضِ بغايةِ الخيانةِ والكفرِ أو للمبالغةِ في نفيِ المحبَّةِ على اعتبارِ النفي أو لا وإيراد معنى المبالغةِ ثانياً
(6/108)

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39)
{أذن} أي رخص وقرئ على البناء للفاعل أي أَذِن اللَّهُ تعالى {لِلَّذِينَ يقاتلون} أي يُقاتلهم المشركون والمأذونُ فيه محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه فإنَّ مقاتلة المشكرين إيَّاهُم دالَّةٌ على مقاتلتهم إياهم دلالة نيرة وقرئ على صيغة المبنيِّ للفاعلِ أي يُريدون أنْ يُقاتلوا المشكرين فيما سيأتي ويَحرصون عليه فدلالتُه على المحذوفِ أظهرُ {بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} أي بسبب أنَّهم ظُلموا وهم أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم ورضي عنهم كان المشكون يؤذونهم وكانوا يأتونه صلى الله عليه وسلم بين مضروبٍ ومَشْجُوجٍ ويتظلَّمون إليه فيقول صلى الله عليه وسلم لم اصبرُوا فإنِّي لم أُومر بالقتالِ حتَّى هاجرُوا فأُنزلتْ وهي أوَّلُ آيةٍ نزلتْ في القتالِ بعد ما نُهيَ عنه في نَيِّفٍ وسبعينَ آيةً {وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} وعدٌ لهم بالنَّصرِ وتأكيدٌ لما مرَّ من العدةِ الكريمةِ بالدَّفعِ وتصريحٌ بأنَّ المرادَ به ليسَ مجرَّدَ تخليصهم من أيدي المشركين بلْ تغليبهم وإظهارَهم عليهم والإخبارُ بقُدرتهِ تعالى على نصرِهم واردٌ على سَننِ الكبرياءِ وتأكيدُه بكلمة التَّحقيقِ واللاَّمِ للمزيد تحقيقِ مضمونِه وزيادةِ توطينِ نفوس المؤمنين
(6/108)

سورة الحج (40 41) وقولُه تعالى
(6/109)

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
{الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم} في حيِّز الجرِّ على أنه صفة للموصولِ الأوَّلِ أو بيانٌ له أو بدلٌ منه أو في محلِّ النصبِ على المدحِ أو في محلِّ الرَّفعِ بإضمارِ مبتدأ والجملةُ مرفوعةً على المدح والمرادُ بديارِهم مكَّةُ المعظَّمةُ {بِغَيْرِ حَقّ} متعلِّقٌ بأُخرجوا أي أُخرجوا بغير ما يُوجب إخراجَهم وقوله تعالى {إَّلا أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله} بدلٌ من حقَ أي بغير موجبٍ سوى التَّوحيدِ الذي ينبغي أنْ يكون مُوجباً للإقرارِ والتَّمكينِ دون الإخراجِ والتَّسيير لكن لا على الظَّاهر بل على طريقة قولِ النَّابغةِ [ولا عيبَ فيهم غيرَ أن سيوفَهم بهن فُلولٌ من قراع الكتائب] وقي الاستثناءُ منقطعٌ {وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} بتسليط المؤمنين على الكفارين في كلِّ عصرٍ وزمانٍ وقرئ دفاع {لهدمت} لخربت ابتسيلاء المشكرين على أهل الملل وقرئ هُدِمت بالتَّخفيفِ {صوامع} للرَّهابنةِ {وَبِيَعٌ} للنَّصارى {وصلوات} أي وكنائسُ لليهودِ سُمِّيتْ بها لأنَّها يُصلَّى فيها وقيل أصلها صلوتا بالعبريَّةِ فعُرِّبتْ {ومساجد} للمسلمين {يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً} أي ذكراً كثيراً أو وقتاً كثيرا صفةٌ مادحة للمساجدِ خُصَّت بها دلالةً على فضلها وفضلِ أهلها وقيل صفةٌ للأربعِ وليس كذلك فإنَّ بيان ذكرِ الله عزَّ وجلَّ في الصَّوامعِ والبيعِ والكنائسِ بعد انتساخِ شرعيَّتها ممَّا لا يقتضيه المقامُ ولا يرتضيه الأفهامُ {وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ} أي وبالله ينصرن اللَّهُ من ينصر أولياءَهُ أو من ينصر دينَه ولقد أنجزَ اللَّهُ عزَّ سلطانُه وعدَهُ حيث سلَّطَ المهاجرين والأنصارَ على صناديدِ العربِ وأكاسرةِ العجمِ وقياصرةِ الرُّوم وأورثهم أرضَهم وديارَهم {إِنَّ الله لَقَوِىٌّ} على كل ما يريده من مراداتهِ التي من جُملتها نصرُهم {عَزِيزٌ} لا يُمانعه شيءٌ ولا يُدافعه
(6/109)

الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)
{الذين إِنْ مكناهم فِى الارض أَقَامُواْ الصلاة وَاتَوُاْ الزكاة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر} وصفٌ من الله عزَّ وجلَّ للذين أُخرجوا من ديارِهم بما سيكون منهم من حسن السِّيرةِ عند تمكينه تعالى إيَّاهُم في الأرض وإعطائه إيَّاهم زمام الأحكام منيء عن عِدَّةٍ كريمة على أبلغ وجهٍ وألطفِه وعن عثمانُ رضيَ الله عنْهُ هذا واللَّهِ ثناءٌ قبل بلاءٍ يُريد أنَّه تعالى أثنى عليهم قبلَ أنْ يُحدثوا من الخيرِ ما أحدثوا قالُوا وفيه دليلٌ على صحَّة أمر الخلفاءِ الرَّاشدينَ لأنَّه تعالى لم يعطِ التَّمكينَ ونفاذَ الأمرِ مع السِّيرةِ العادلةِ غيرهم من المهاجرين لاحظ في ذلك للأنصارِ والطُّلقاءِ وعنِ الحسنِ رحمَهُ الله هم أمة محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم وقيل الذينَ بدلٌ من قولهِ مَنْ ينصرُه {وَللَّهِ} خاصَّةً {عاقبة الأمور} فإنَّ مراجعها إلى حُكمهِ وتقديره فقط وفيه تأكيدٌ للوعد بإظهار أوليائه وإعلاء كلمته
(6/109)

سورة الحج (4245)
(6/110)

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42)
{وإن يكذبوك فقد كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم متضمِّنةٌ للوعدِ الكريمِ بإهلاكِ مَن يُعاديه من الكفَرَةِ وتعيينٌ لكيفيَّةِ نصرِه تعالى له الموعودِ بقوله تعالى وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ وبيان لرجوع عاقبة لأمور إليه تعالى وصيغةُ المضارع في الشَّرطِ مع تحقُّقِ التَّكذيبِ لما أنَّ المقصودَ تسليته صلى الله عليه وسلم عمَّا يترتَّبُ على التَّكذيبِ من الحزن المتوقَّعِ أي وإنْ تحزنْ على تكذيبِهم إيَّاك فاعلم أنَّك لست بأوحدى في ذلك فق كذبت قبل تذكيب قومِك إيَّاك قَوْمِ نُوحٍ
(6/110)

وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43)
{وَعَادٍ وَثَمُودَ} {وَقَوْمِ إبراهيم وَقَوْمُ لُوطٍ}
(6/110)

وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44)
{وأصحاب مَدْيَنَ} أي رُسُلَهم ممَّن ذُكر ومَن لم يُذكر وإنَّما حُذف لكمال ظهور المرادِ أو لأنَّ المرادَ نفسُ الفعل أي فعلتْ التَّكذيبَ قومُ نوحٍ إلى آخره {وَكُذّبَ موسى} غُيِّر النَّظمُ الكريم بذكرِ المفعولِ وبناء الفعل له لا لأنَّ قومَه بنوُ إسرائيل وهم لم يكذِّبوه وإنَّما كذَّبه القِبْطُ لما أنَّ ذلك إنَّما يقتضي عدمَ ذكرِهم بعُنوان كونِهم قومَ مُوسى لا بعنوانٍ آخرَ على أنَّ بني إسرائيلَ أيضاً قد كذَّبوه مرَّةً بعد أُخرى حسبما ينطِق به قوله تعالى لن نؤمن لك حتى نَرَى الله جَهْرَةً ونحو ذلك من اآيات الكريمة بل للإيذانِ بأنَّ تكذيبَهم له كان في غاية الشَّناعةِ لكون آياتِه في كمال الوضوحِ وقوله تعالى {فَأمْلَيْتُ للكافرين} أي أمهلتهم حتَّى انصرمتْ حبالُ آجالِهم والفاءُ لترتيبِ إمهالِ كل فريق من فرق المكذِّبينَ على تكذيب ذلك الفريقِ لا لترتيب إمهال الكلِّ على تكذيب الكلِّ ووضعُ الظاهر موضعَ الضمير العائد إلى المكذِّبين لذمِّهم بالكفرِ والتَّصريحِ بمكذبِي موسى عليه السلام حيث لم يذكروا فيما قبل صَريحاً {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي أخذتُ كل فريق من فرق المكذِّبين بعد انقضاء مدَّةِ إملائِه وإمهالِه {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكارِي عليهم بالإهلاك أي فكان ذلك في غايةِ ما يكونُ من الهول والفظاعة وقوله تعالى
(6/110)

فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45)
{فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} منصوبٌ بمضمر يفسره قوله تعالى {أهلكناها} أي فأهلكنا كثيراً من القُرى بإهلاك أهلهِا والجملةُ بدلٌ من قوله تعالى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ أو مرفوعٌ على الابتداءِ وأهلكنا خبرُهُ أي فكثيرٌ من القرى أهلكناها وقرئ أهلكتُها على وفق قوله تعالى فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ {وهى ظالمة} جملة حالية من مفعول أهلكنا وقوله تعالى {فَهِىَ خَاوِيَةٌ} عطفٌ على أهلكناها لأعلى وهي ظالمةٌ لأنَّها حالٌ والإهلاك ليس في حالِ خواتها فعلى الأوَّلِ لا محلَّ له من الإعرابِ كالمعطوف عليه وعلى الثَّاني في محلِّ الرَّفعِ لعطفه على الخبرِ والخَوَاءُ إمَّا بمعنى السُّقوطِ من خَوَى النَّجمُ إذا سقطَ فالمعنى فهي ساقطةٌ حيطانها
(6/110)

سورة الحج (46 47) {على عُرُوشِهَا} أي سُقوفِها بأنْ تعطَّل بنيانُها فخرَّتْ سقوفُها ثم تهدَّمتْ حيطانُها فسقطتْ فوق السُّقوفِ وإسنادُ السُّقوطِ على العُروش إليها لتنزيلِ الحيطانِ منزلةَ كلِّ البنيانِ لكونها عمدةً فيه وإمَّا بمعنى الخُلوِّ من خَوَى المنزلُ إذا خَلاَ من أهله فالمعنى فهي خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فتكونُ على بمعنى مع ويجوز أن يكونَ عَلَى عُروشها خبراً بعد خبرٍ أي فهي خالية وهي على عُروشها أي قائمةٌ مشرفةٌ على عروشِها على معنى أنَّ السُّقوفَ سقطتْ إلى الأرضِ وبقيتْ الحيطانُ قائمةً فهي مشرفة على السُّقوفِ السَّاقطةِ وإسنادُ الإشرافِ إلى الكلِّ مع كونِه حال الحيطانِ لما مرَّ آنِفاً {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} عطفٌ على قريةٍ أي وكم بئر عارة في البوادي تُركت لا يُستقى منها لهلاكِ أهلِها وقرئ بالتَّخفيفِ من أعطلَه بمعنى عطَّله {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} مرفوعِ البنيانِ أو مجصَّصٍ أخليناهُ عن ساكنيهِ وهذا يؤيِّد كونَ معنى خاويةٌ على عروشِها خاليةً مع بقاء عروشِها وقيل المراد بالبئرِ بئرٌ بسفحِ جبلٍ بحضْرَمَوت وبالقصرِ قصرٌ مشرفٌ على قُلَّتهِ كانا لقومِ حنظلةَ بنِ صفوانَ من بقايا قومِ صالحٍ فلما قتلُوه أهلكَهم الله تعالى وعطَّلهما
(6/111)

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض} حثٌّ لهم أن يُسافروا ليرَوا مصارع المهلَكين فيعتبروا وهمُ وإنْ كانُوا قد سافروا فيها ولكنَّهم حيث لم يُسافروا للاعتبارِ جُعلوا غيرَ مسافرين فحثُّوا على ذلك والفاءُ لعطفِ ما بعدها على مقدَّرٍ يقتضيه المقام أي أغفِلُوا فلم يسيروا فيها {فَتَكُونَ لَهُمْ} بسبب ما شاهدُوه من موادِّ الاعتبار ومظانِّ الاستبصار {قُلُوبٌ يعقلون بِهَا} ما يجبُ أنْ يعقل من التوحيد {أو آذان يَسْمَعُونَ بِهَا} ما يجبُ أنْ يُسمع من الوحيِ أو من أخبارِ الأُممِ المُهلَكة ممَّن يُجاورهم من النَّاسِ فإنَّهم أعرف منهم بحالِهم {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار} الضَّميرُ للقصَّةِ أو مبهمٌ يفسِّرُه الأبصارُ وفي تعمى ضمير راجعٌ إليه وقد أقيم الظَّاهرُ مُقامَه {ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور} أي ليس الخلل في مشارهم وإنَّما هو في عقولِهم باتِّباع الهَوَى والانهماكِ في الغَفْلةِ وذكر الصُّدورِ للتَّأكيدِ ونفيِ تَوهُّمِ التَّجوزِ وفضل التَّنبيه على أنَّ العَمَى الحقيقيَّ ليس المتعارف الذي يختصُّ بالبصر قيل لمَّا نزل قوله تعالى وَمَن كَانَ فِى هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى قال ابنُ أُمِّ مكتومٍ يا رسولَ الله أنا في الدُّنيا أعمى أفأكونُ في الآخرةِ أعمى فنزلت
(6/111)

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)
{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب} كانوا منكرين لمجئ العذابِ المتوعَّدِ به أشدَّ الإنكارِ وإنَّما كانوا يستعجلون به استهزاءً برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم وتعجيزاً له على زعمِهم فحَكَى عنهم ذلك بطريقِ التَّخطئةِ والاستنكارِ فقوله تعالى {وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ} إما جملة حالية جئ بها لبيانِ بُطلانِ إنكارِهم لمجيئه في ضمن استعجالِهم به وإظهار خطئِهم فيه كأنَّه قيل كيف يُنكرون مجئ العذابِ الموعود والحالُ أنَّه تعالى لا يُخلف وعدَه أبداً وقد سبق الوعدُ فلابد من مجيئِه حتماً أو اعتراضية مبينة لمَا ذُكر وقولُه تعالى {وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كألف سنة مما تعدون} جملة مستأنفة إنْ كانت الأُولى حاليَّةً ومعطوفةٌ عليها إنْ كانتْ اعتراضيةً سيقت لبيان
(6/111)

سورة الحج (48 49) خطئِهم في الاستعجال المذكورِ ببيان كمال سَعةِ ساحةِ حلمه تعالى ووقاره وإظهار غاية ضيق عطهم المستنبع لكون المُدَّة القصيرةِ عنده تعالى مُدداً طوالاً عندهم حسبما ينطِق به قوله تعالَى إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً ولذلك يرَون مجيئَه بعيداً ويتَّخذونه ذريعةً إلى إنكاره ويجترئون على الاستعجالِ به ولا يدرون أنَّ معيار تقدير الأمور كلِّها وقوعاً وأخباراً ما عنده تعالى من المقدار وقراءة يعدّون على صيغة الغَيبة أي يعده المستعجلون أوفقُ لهذا المعنى وقد جعل الخطابُ في القراءةِ المشهورة لهم أيضاً بطريقِ الالتفاف لكن الظَّاهرُ أنَّه للرسولِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ من المؤمنينَ وقيل المرادُ بوعدِه تعالى ما جعل لهلاك كلِّ أُمَّةٍ من موعد معيَّنٍ وأجل مسمَّى كما في قوله تعالى وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءهُمُ العذاب فتكون الجملةُ الأُولى حالية كانتْ أو اعتراضيةً مبيِّنة لبطلانِ الاستعجالِ به ببيان استحالةِ مجيئِه قبل وقته الموعود والجملةُ الأخيرةُ بياناً لبطلانه ببيانِ ابتناء على استطالةِ ما هو قصير عنده تعالى على الوجه الذي مر بيانه فلا يكون في النَّظمِ الكريمِ حينئذٍ تعرُّضٌ لإنكارِهم الذي دسُّوه تحت الاستعجال بل يكون الجوابُ مبنيًّا على ظاهر مقالِهم ويكتفى في ردِّ إنكارِهم ببيان عاقبةِ من قبلهم من أمثالِهم هذا وحملُ المستعجَلِ به على عذاب الآخرة وجعلُ اليَّومِ عبارةً عن يوم العذابِ المستطال لشدَّتِه أو عن أيام الآخرةِ الطَّويلةِ حقيقةً أو المُستطالة لشدَّةِ عذابها ممَّا لا يُساعده سباقُ النظمِ الجليلِ ولا سياقُه فإنَّ كُلاًّ منهما ناطقٌ بأنَّ المرادَ هو العذابُ الدُّنيويُّ وأن الزَّمانَ الممتدُّ هو الذي مرَّ عليهم قبل حلولِه بطريق الإملاء والإمهال لا الزَّمانُ المقارن له ألا يُرى إلى قوله تعالى
(6/112)

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48)
{وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ} الخ فإنه كما سلف من قوله تعالى فَأمْلَيْتُ للكافرين ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ صريحٌ في أنَّ المرادَ هو الأخذُ العاجلُ الشَّديدُ بعد الإملاء المديدِ أي وكم منْ أهلِ قريةٍ فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه في الإعرابِ ورجع الضَّمائرِ والأحكامِ مبالغةً في التَّعميمِ والتَّهويلِ {أَمْلَيْتُ لَهَا} كما أمليتُ لهؤلاء حتَّى أنكرُوا مجئ ما وُعدوا من العذابِ واستعجلُوا به استهزاءً برسلِهم كما فعل هؤلاء {وهى ظالمة} جملة حالية مفيدةٌ لكمال حلمِه تعالى ومشعرةٌ بطريق التَّعريضِ بظلم المستعجلينَ أي أمليتُ لها والحالُ أنَّها ظالمةٌ مستوجِبةٌ لتعجيل العقوبةِ كدأبِ هؤلاءِ {ثُمَّ أَخَذْتُهَا} بالعذاب والنَّكالِ بعد طول الإملاءِ والإمهالِ وقولُه تعالى {وَإِلَىَّ المصير} اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله ومصرِّحٌ بما أفاده ذلك بطريقِ التَّعريضِ من أنَّ مالَ أمر المُستعجلين أيضاً ما ذُكر من الأخذِ الوبيلِ أي إلى حُكمي مرجعُ الكُلِّ جميعاً لا إلى أحدٍ غيري لا استقلالاً ولا شركة فأفعل بهم ما أفعل ممَّا يليقُ بأعمالِهم
(6/112)

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49)
{قل يَا أيُّها الناسُ إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أنذركم إنذاراً بيِّناً بما أُوحي من أنباء الأمم المهلكة من غير أن يكون لي دخل في إتيانِ ما تُوعدونه من العذاب حتَّى تستعجلوني به والاقتصارُ على الإنذارِ مع بيان حالِ الفريقين بعدَه لما أُشير إليه من أنَّ مساقَ الحديث للمشركين وعقابِهم وإنَّما ذُكر المؤمنون وثوابُهم زيادةً في غيظهم
(6/112)

سورة الحج (50 52)
(6/113)

فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50)
{فالذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ} لما ندرَ منهم من الذُّنوبِ {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هي الجنَّةُ والكريمُ من كلِّ نوع ما يجمع فصائله ويجوز كما لأنه
(6/113)

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)
{والذين سعوا في آياتنا معاجزين} أي سابقين أو مُسابقين في زعمِهم وتقديرهم طامعين أنَّ كيدَهم للإسلام يتمُّ لهم وأصلُه من عاجزَهُ وعجزَه فأعجزَه إذا سابقَه فسبقَه لأنَّ كُلاًّ من المتسابقينَ يريدُ إعجازَ الآخرِ عن اللَّحاق بهِ وقرئ مُعجزين أي مُثبِّطينَ النَّاسَ عن الإيمان على أنَّه حالٌ مقدرةٌ {أولئك} الموصوفون بما ذُكر من السَّعيِ والمُعاجزة {أصحاب الجحيم} أي ملازمو النَّارَ المُوقدةِ وقيل هو اسم دَرْكةٍ من دَرَكاتِها
(6/113)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ} الرَّسولُ من بعثه الله تعالى بشريعةٍ جديدةٍ يدعُو النَّاسَ إليها والنَّبيُّ يعمُّه ومَن بعثه لتقريرِ شريعةٍ سابقةٍ كأنبياءِ بني إسرائيلَ الذين كانُوا بين موسى وعِيْسَى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم علماءَ أُمَّتِه بهم فالنَّبيُّ أعم من الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن الأنبياءِ فقال مائةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرونَ ألفا قيل فكم الرسل منهم فقال ثلثمائة وثلاثة عشر جماء غفيراً وقيل الرَّسولُ من جمعَ إلى المعجزةِ كتاباً منزَّلاً عليه والنَّبيُّ غيرُ الرَّسولِ من لا كتابَ له وقيل الرَّسولُ من يأتيهِ المَلَكُ بالوحيِ والنَّبيُّ يقال لَه ولمن يُوحى إليهِ في المنامِ {إِلاَّ إِذَا تمنى} أي هيَّأ في نفسِه ما يهواه {أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ} في تشهِّيه ما يُوجب اشتغاله بالدنيا كماقال صلى الله عليه وسلم وإنَّه ليُغانُ على قَلبي فأستغفرُ الله في اليَّومِ سعين مَرَّة {فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان} فيُبطله ويذهبُ به بعصمتِه عن الرُّكونِ إليه وإرشادِه إلى ما يُزيحه {ثُمَّ يُحْكِمُ الله آياته} أي يُثبت آياتِه الدَّاعية إلى الاستغراق في شئون الحقِّ وصيغةُ المضارعِ في الفعلينِ للدِّلالةِ على الاستمرار التَّجدُّدي وإظهارُ الجلالةِ في موقعِ الإضمار لزيادة التقرير والإيذانِ بأنَّ الأُلوهيَّةَ من موجباتِ أحكامِ آياتِه الباهرةِ {والله عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلمِ بكلِّ ما مِن شأنِه أنْ يُعلم ومن جُملتِه ما صدرَ عن العباد من قول وفصل عمداً أو خطأ {حَكِيمٌ} في كلِّ ما يفعلُ والإظهار ههنا أيضا لما كر مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذييلي قيل حدَّث نفسَه بزوال المسكنةِ فنزلتْ وقيل تمنَّى لحرصِه على إيمان قومِه أنْ ينزل عليه ما يُقرِّبهم إليه واستمرَّ به ذلك حتَّى كان في ناديهم فنزلتْ عليه سورةُ النَّجم فأخذَ يقرؤها فلمَّا بلغَ ومناةَ الثَّالثةَ الأُخرى وسوسَ إليه الشَّيطانُ حتَّى سبق لسانُه سهواً إلى أنْ قال تلكَ الغرانيقُ العُلا وإنَّ شفاعتهنَّ لتُرتجى ففرح به المشركون حتَّى شايعُوه بالسُّجودِ لمَّا سجدَ في آخرِها بحيث لم يبْقَ في المسجد مؤمنٌ ولا مشركٌ إلاَّ سجد ثم نبَّهه جَبريل عليه السلام فاغتنم به فعزَّاه الله عزَّ وجلَّ بهذه الآيةِ وهو مردودٌ عند المحقِّقين ولئن صحَّ فابتلاءٌ يتميَّز به الثَّابتُ على الإيمانِ عن المتزلزل فيه وقيل
(6/113)

سورة الحج (53 55) تمنَّى بمعنى قرأ كقوله [تمنَّى كتابَ الله أولَ ليلة تمنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رسلِ وأمنيَّتُه قراءتُه وإلقاءُ الشَّيطانِ فيها أنْ يتكلَّم بذلك رافعاً صوتَه بحيثُ ظنَّ السَّامعون أنَّه من قراءة النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وقد رُدَّ بأنه أيضاً يخلُّ بالوثوقِ بالقُرآنِ ولا يندفعُ بقولِه تعالى فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان ثم يحكم الله آياته لأنَّه أيضاً يحتملُه وفي الآيةِ دِلالةٌ على جوازِ السَّهو من الأنبياءِ عليهم السلام وتطرق الوسوسةِ إليهم
(6/114)

لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)
{لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشيطان} علة لما ينبئ عنه ما ذكر من إلقاءِ الشَّيطان من تمكينه تعالى إيَّاهُ من ذلك في حق النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم خاصَّة كما يعرب عنه سياقُ النظمِ الكريمِ لما أنَّ تمكينَه تعالى إيَّاهُ من الإلقاء في حقِّ سائرِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ لا يمكن تعليلُه بما سيأتي وفيه دلالةٌ على أنَّ ما يُلقيه أمر ظاهرٌ يعرفه المحقُّ والمبطل {فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي شكٌّ ونفاق كما في قوله تعالى فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ الآيةَ {والقاسية قُلُوبُهُمْ} أي المشركين {وَإِنَّ الظالمين} أي الفريقينِ المذكورينِ فوضعُ الظَّاهرِ موضعَ ضميرِهم تسجيلاً عليهم بالظلم مع ما وُصفوا بهِ من المرض والقساوةِ {لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي عداوةٍ شديدةٍ ومخالفةٍ تامَّةٍ ووصفُ الشِّقاقِ بالبُعد مع أنَّ الموصوفَ به حقيقةٌ هو معروضة للمبالغةِ والجملةُ اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبله
(6/114)

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54)
{وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ} أي القرآنَ {الحق مِن رَّبّكَ} أي هو الحقُّ النَّازل من عنده تعالى وقيل ليعلمُوا أنَّ تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحقُّ المتضمنُ للحكمةِ البالغة والغايةِ الجميلةِ لأنَّه ممَّا جرتْ به عادتُه في جنس الإنس من لدُنْ آدمَ عليهِ السلام فحينئذٍ لا حاجة إلى تخصيصِ التَّمكينِ فيما سبق بالإلفاء في حقه عليه السلام لكن يأباه قولُه تعالى {فَيُؤْمِنُواْ بِهِ} أي بالقرآنِ أي يثبتوا على الإيمانِ به أو يزدادوا إيماناً بردِّ ما يُلقي الشَّيطانُ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ بالانقياد والخشية والإذعانِ لما فيه من الأوامرِ والنَّواهي ورجعُ الضميرين لا سيَّما الثَّاني إلى تمكين الشيطان من الإلقاء مما لا وجهَ لَهُ {وإن الله لهاد الذين آمنوا} أي في الأمورِ الدِّينيةِ خُصوصاً في المداحض والمشكلاتِ التي من جملتها ما ذكر {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} هو النَّظرُ الصحيحُ الموصل إلى الحقِّ الصَّريحِ والجملةُ اعتراض مقر لما قبله
(6/114)

وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)
{وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ} أي في شكَ وجدال {مِنْهُ} أي من القرآن وقيل من الرسول صلى الله عليه وسلم والأَوَّلُ هو الأظهرُ بشهادة ما سبقَ من قولِه تعالى ثُمَّ يُحْكِمُ الله آياته وقوله تعالى أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِهِ وما لَحِقَ من قوله تعالى وكذبوا بآياتنا وأمَّا تجويزُ كون الضَّميرِ
(6/114)

سورة الحج (56 57) لما أَلْقَى الشَّيطانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ فممَّا لا مساغ له لأنَّ ذلك ليس من هنانهم التي تستمرُّ إلى الأمدِ المذكورِ بل إنَّما هي مريتُهم في شأن القُرآن ولا يُجدي حملُ مِن على السَّببيةِ دون الابتدائيَّةِ لما أنَّ مريتهم المستمرَّةَ كما أنَّها ليست مبتدأةً من ذلك ليئست ماشئة منه ضرورةَ أنَّها مستمرَّة منهم من لَدُن نزول القرآن الكريم {حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة} أي القيامةُ نفسُها كما يُؤذِن به قوله تعالى {بغتة} أي فجاءة فإنَّها الموصوفةُ بالإتيان كذلك لا أشراطُها وقيل الموت {أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} أي يومٌ لا يومَ بعده كأنَّ كلَّ يوم يلدُ ما بعده من الأيَّامِ فما لا يومَ بعده يكون عقيماً والمرادُ به السَّاعةُ أيضاً كأنَّه قيل أو يأتيَهم عذابُها فوضع ذلك موضعَ ضميرِها لمزيد التَّهويلِ ولا سبيل إلى حمل السَّاعةِ على أشراطِها لما عرفتَه وأما ما قيل من أنَّ المراد يومُ حربٍ يُقتلون فيه كيومِ بدرٍ سُمِّي به لأنَّ أولاد النِّساء يُقتلون فيه فيصِرْن كأنهنَّ عُقُمٌ لم يلدن أو لأنَّ المقاتلين أبناءُ الحرب فإذا قُتلوا صارتْ عقيماً أي ثَكْلى فوصف اليَّومُ بوصفها اتِّساعاً أو لأنَّه لا خيرَ لهم فيه ومنه الرِّيحُ العقيمُ لما لم ينشئ مطراً ولم يلقح شَجراً أو لأنَّه لا مثلَ له لقتال الملائكةِ عليهم السَّلامُ فيه فممَّا لا يساعده سياقُ النظم الكريم أصلا كيف لا وإن تخصيصَ الملك والتَّصرفِ الكُليِّ فيه بالله عزَّ وجلَّ ثم بيانَ ما يقع فيه من حكمِه تعالى بين الفريقينِ بالثَّواب والعذابِ الأُخرويينِ يقضي بأنَّ المرادَ به يومُ القيامةِ قضاءً بيِّناً لا ريبَ فيه
(6/115)

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56)
{الملك} أي السُّلطانُ القاهرُ والاستيلاء التَّامُّ والتَّصرُّفُ على الإطلاقِ {يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} وحدَه بلا شريكٍ أصلاً بحيث لا يكونُ فيه لأحدٍ تصرُّفٌ من التَّصرُّفاتِ في أمرٍ من الأمورِ لا حقيقةً ولا مجازاً ولا صورةً ولا معنى كما في الدُّنيا فإنَّ للبعضِ فيها تصرُّفاً صُورياً في الجملة وليس التَّنوينُ نائباً عمَّا تدلُّ عليه الغايةُ من زوالِ مريتهم كما قيل ولا عمَّا يستلزمه ذلك من إيمانهم كما قيل لما أنَّ القيدَ المعتبر مع اليَّومِ حيث وُسِّط بين طرفَيْ الجملة يجب أنْ يكون مداراً لحكمها أعني كون الملكِ لله عزَّ وجلَّ وما يتفرَّع عليه من الإثابة والتَّعذيبِ ولا ريبَ في أنَّ إيمانَهم أو زوالَ مريتهم ليس مماله تعلق ما بما ذُكر فضلاً عن المداريةِ له فلا سبيل إلى اعتبارِ شيءٍ منهما مع اليوم قطعاص وإنَّما الذي يدورُ عليه ما ذُكر إتيانُ السَّاعةِ التي هي مُنتهى تصرُّفاتِ الخلق ومبدأُ ظهور أحكام المَلك الحقِّ جلَّ جلالُه فإذن هو نائبٌ عن نفس الجملة الواقعة غايةً لمريتهم فالمعنى الملكُ يوم إذْ تأتيهم السَّاعةُ أو عذابُها لله تعالى وقولُه تعالى {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الإخبار بكونِ الملكِ يومئذٍ لله كأنَّه قيل فماذا يُصنع بهم حينئذٍ فقيل يحكم بين فريقي المؤمنينَ به والمُمارينَ فيه بالمجازاةِ وقوله تعالى {فالذين آمنوا} الخ تفسير للحُكم المذكور وتفصيلٌ له أي فالذين آمنُوا بالقرآن الكريم ولم يُماروا فيه {وَعَمِلُواْ الصالحات} امتثالاً بما أُمروا في تضاعيفِه {فِي جنات النعيم} أي مستقرُّون فيها
(6/115)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57)
{والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا} أي أصرُّوا على ذلك واستمرُّوا {فَأُوْلَئِكَ} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة من الكفر والتَّكذيبِ وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في
(6/115)

سورة الحج (58 60) الشر والفساد أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الكفر والتَّكذيبِ وهو مبتدأٌ وقولُه تعالى {لَهُمْ عَذَابَ} جملةٌ اسميَّةٌ منْ مبتدأٍ وخبرٍ مقدَّمٍ عليه وقعت خبرا لأولئك أو لهم خبرٌ لأولئك وعذابٌ مرتفعٌ على الفاعلية بالاستقرارِ في الجارِّ والمجرور لاعتماده على المبتدأ وأولئك مع خبرِه على الوجهين خبر للمصول وتصديرُه بالفاء للدِّلالةِ على أنَّ تعذيب الكفَّارِ بسبب أعمالِهم السَّيئةِ كما أنَّ تجريدَ خبرِ الموصول الأوَّلِ عنها للإيذانِ بأنَّ إثابة المؤمنينَ بطريق التَّفضُّلِ لا لإيجاب الأعمال الصَّالحةِ إيَّاها وقولُه تعالى {مُّهِينٌ} صفة لعذابٌ مؤكِّدة لما أفادَه التَّنوينُ من الفخامةِ وفيه من المبالغةِ من وجوهٍ شتَّى ما لا يخفى
(6/116)

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)
{والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله} أي في الجهادِ حسبما يلوحُ بهِ قولُه تعالَى {ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ} أي في تضاعيف المُهاجرة ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداءِ وقولُه تعالَى {لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله} جواب لقسم محذوفٍ والجملةُ خبرُه ومن منع وقوعَ الجملةِ القسميَّةِ وجوابِها خبراً للمبتدأ يُضمر قولاً هو الخبرُ والجملةُ محكية به وقوله تعالى {رِزْقًا حَسَنًا} إمَّا مفعول ثانٍ على أنَّه من باب الرَّعي والذَّبحِ أي مَرزوقاً حسناً أو مصدرٌ مؤكِّد والمراد به ما لا ينقطعُ أبداً من نعيمِ الجنَّةِ وإنَّما سوى بينهما في الوعدِ لاستوائهما في القصد وأصلُ العمل على أن مراتبَ الحُسنِ متفاوتةٌ فيجوزُ تفاوتُ حال المرزوقينَ حسب تفاوت الأرزاقِ الحسنةِ ورُوي أنَّ بعضَ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم قالوا يا نبيَّ الله هؤلاءِ الذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله قد علمنا ما أعطاهُم الله تعالى من الخيرِ ونحنُ نجاهد معك كما جاهدُوا فما لنا إنْ مُتنا معك فنزلت وقيل نزلت في طوائفَ خرجُوا من مكةَ إلى المدينةِ للهجرةِ فتبعهم المشركون فقتلوهم {وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين} فإنَّه يرزق بغير حسابٍ مع أنَّ ما يرزقه لا يقدِر عليه أحدٌ غيرُه والجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لما قبله وقوله تعالى
(6/116)

لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)
{لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ} بدلٌ من قوله تعالى لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله أو استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونه ومُدخلاً إمَّا اسمُ مكانٍ أُريد به الجنَّة فهو مفعول ثانٍ للإدخال أو مصدرٌ ميميٌّ أُكِّد به فعلُه قال ابن عباس رضي الله عنهما إنَّما قيل يَرضونه لما أنهم يرون فيها ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَر على قلب بشر فيرضونه {وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ} بأحوالِهم وأحوالِ معاديهم {حَلِيمٌ} لا يُعاجلهم بالعقوبة
(6/116)

ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)
{ذلك} خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك والجملةُ لتقرير ما قبله والتَّنبيهِ على أنَّ ما بعده كلامٌ مستأنفٌ {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ} أي لم يَزد في الاقتصاصِ وإنَّما سُمِّي الابتداءُ بالعقاب الذي هو جاز الجنايةِ للمشاكلةِ أو لكونِه سبباً له {ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ} بالمعاودة إلى العُقوبة {لَيَنصُرَنَّهُ الله} على مَن بغى عليه لا محالة {إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} أيْ مبالغٌ في العفوِ والغفران
(6/116)

سورة الحج (61 65) فيعفُو عن المنتصرِ ويغفرُ له ما صدرَ عنه من ترجيحِ الانتقامِ على العفوِ والصبرِ المندوبِ إليهما بقوله تعالى وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ أي ما ذُكر من الصَّبرِ والمغفرةِ لَمِنْ عَزْمِ الأمور فإنَّ فيه حثًّا بليغاً على العفوِ والمغفرةِ فإنَّه تعالى مع كمالِ قُدرتِه لمَّا كانَ يعفُو ويغفُر فغيرُه أَوْلى بذلك وتنبيهاً على أنَّه تعالى قادرٌ على العقوبةِ إذ لا يُوصف بالعفوِ إلاَّ القادرُ على ضدِّهِ
(6/117)

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61)
{ذلك} إشارةٌ إلى النَّصر وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبته ومحله الرفع على الابتداء خبرُهُ قولُه تعالى {بِأَنَّ الله يولج الليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار في الليل} أي بسببِ أنَّه تعالى من شأنه وسننه تغليبُ بعض مخلوقاته على بعضٍ والمداولةُ بين الأشياءِ المتضادَّةِ وعبَّر عن ذلك بإدخالِ أحدِ المَلَوين في الآخرِ بأنْ يزيد فيه ما ينقص على الآخرِ أو بتحصيلِ أحدِهما في مكان الآخر لكونه أظهرَ الموادِّ وأوضحَها {وَأَنَّ الله سَمِيعٌ} بكلِّ المسموعاتِ التي من جُملتها قول الماقب {بَصِيرٌ} بجميع المُبصراتِ ومن جُملتها أفعاله
(6/117)

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)
{ذلك} أي الاتِّصافُ بما ذُكر من كمال القدرة والعلمِ وما فيه من معنى البُعدِ لما مر آنِفاً وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى {بأن الله هُوَ الحق} الواجبُ لذاته الثَّابتُ في نفسِه وصفاتِه وأفعالِه وحدَهُ فإنَّ وجوبَ وجودِه ووحدتِه يقتضيانِ كونَه مبدأً لكُلِّ ما يُوجدُ من الموجوداتِ عالِماً بكلِّ المعلوماتِ أو الثَّابتُ إلهية فلا يصلح لها إلاَّ مَن كان عالماً قادراً {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ من دونه} إلها وقرئ على البناءِ للمفعولِ على أن الواو لما فإنه عبارة عن الآلهة وقرئ بالتَّاءِ على خطابِ المُشركين {هُوَ الباطل} أي المعدومُ في حدِّ ذاتِه أو الباطلُ ألوهيَّتُه {وَأَنَّ الله هُوَ العلى} على جميعِ الأشياءِ {الكبير} عن أنْ يكون له شريكٌ لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر سلطاناً
(6/117)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل من السماء ماء} استفهام تقرير كما يفصح عنه الرفعُ في قوله تعالى {فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً} بالعطف على أنزلَ وإيثار صيغةَ الاستقبالِ للإشعارِ بتجدُّدِ أثرِ الإنزالِ واستمرارِه أو لاستحضارِ صورةِ الاخضرارِ {إِنَّ الله لَطِيفٌ} يصل لطفُه أو علمُه ألى كلِّ ما جلَّ ودقَّ {خَبِيرٌ} بما يليقُ من التَّدابيرِ الحسنةِ ظاهراً وباطناً
(6/117)

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)
{له ما في السماوات وَمَا فِي الأرض} خَلْقاً ومُلْكاً وتصَرُّفاً {وَإِنَّ الله لَهُوَ الغنيُّ} عن كلِّ شيءٍ {الحميد} المستوجبُ للحمدِ بصفاته وأفعاله
(6/117)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سخر لَكُم مَّا فِى الارض} أي جعلَ ما فيها من الأشياءِ مذلَّلةً لكم معدَّةً لمنافعكم تتصرَّفون فيها كيفَ شئتُم فلا
(6/117)

سورة الحج (66 67) أصلبَ من الحجرِ ولا أشدَّ من الحديدِ ولا أهيبَ من النَّارِ وهي مسخَّرةٌ لكم وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاهتمامِ بالمقدَّمِ لتعجيل المسرَّةِ والتِّشويقِ إلى المؤخَّرِ {والفلك} عطفٌ على مَا أو على اسم أن وقرئ بالرَّفعِ على الابتداء {تَجْرِى فِى البحر بِأَمْرِهِ} حالٌ من الفلك على الأوَّلِ وخبرٌ على الأخيرينِ {وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض} أي من أن تقعَ أو كراهةَ أن تقع بأنْ خلقَها على هيئةٍ متداعيةٍ إلى الاستمساك {إِلاَّ بِإِذْنِهِ} أي بمشيئته وذلك يومُ القيامةِ وفيه ردٌّ لاستمساكها بذاتها فإنَّها مساويةٌ في الجسميَّةِ لسائر الأجسامِ القابلةِ للميلِ الهابط فتقبله كقبولِ غيرِها {إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} حيث هيَّأ لهم أسبابَ معاشِهم وفتحَ عليهم أبوابَ المنافعِ وأوضح لهم مناهجَ الاستدلالِ بالآيات التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ
(6/118)

وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)
{وَهُوَ الذى أَحْيَاكُمْ} بعد أنْ كنتُم جماداً عناصرَ ونطفاً حسبما فُصِّل في مطلع السورةِ الكريمة {ثُمَّ يميتكم} عند مجئ آجالِكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} عند البعثِ {إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ} أي جَحودٌ للنِّعمِ مع ظهورِها وهذا وصف للجنس بوصف بعضِ أفرادِه
(6/118)

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67)
{لِكُلّ أُمَّةٍ} كلام مستأنف جئ به لزجر معاصريه صلى الله عليه وسلم من أهل الأديان السَّماويةِ عن منازعته صلى الله عليه وسلم ببيان حالِ ما تمسكوا به من الشَّرائع وإظهارِ خطئِهم في النَّظرِ أي لكلِّ أمةٍ معيَّنةٍ من الأممِ الخاليةِ والباقيةِ {جَعَلْنَا} أي وضعنَا وعيَّنا {مَنسَكًا} أي شريعةً خاصَّةً لا لأمةٍ أُخرى منهم على معنى عيَّنا كلَّ شريعةٍ لأمةٍ معيَّنةٍ من الأمم بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتَها المعيَّنةَ لها إلى شريعةٍ أُخرى لا استقلالاً ولا اشتراكاً وقوله تعالى {هُمْ نَاسِكُوهُ} صفة لمَنْسكاً مؤكِّدةٌ للقصر المستفادِ من تقديم الجارِّ والمجرور على الفعل والضَّميرُ لكلِّ أمة باعتبار خصومها أي تلك الأُمَّةُ المعيَّنةُ ناسكوه والعاملون به لا أمةٌ أُخرى فالأمةُ التي كانت من مبعث مُوسى عليه السَّلامُ إلى مبعث عيسَى عليه السَّلامُ منسَكُهم التَّوراةُ هم ناسكوها والعاملونَ بها لا غيرُهم والتي كانت من مَبعثِ عيسى إلى مبعث النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم منسكُهم الإنجيلُ هم ناسكُوه والعاملون به لا غيرُهم وأما الأمَّةُ الموجودةُ عند مبعث النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم ومن بعدهم من الموجودينَ إلى يومِ القيامةِ فهُم أمةٌ واحدةٌ منسكهم الفرقانُ ليس إلاَّ كما مرَّ في تفسيرِ قولِه تعالى لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا والفاء في قوله تعالى {فَلاَ ينازعنك فِى الأمر} لترتيب الهي أو موجبِه على ما قبلها فإنَّ تعيينَه تعالى لكل أمة من الأمم التي من جُملتهم هذه الأمةُ شريعةً مستقلَّةً بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتَها المعيَّنةَ لها موجبٌ لطاعةِ هؤلاء لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعدمِ منازعتِهم إيَّاهُ في أمرِ الدِّينِ زعماً منهم أنَّ شريعتَهم ما عُيِّن لآبائِهم الأوَّلينَ من التَّوراةِ والإنجيلِ فإنَّهما شريعتانِ لمن مَضَى من الأمم قبل انتساخهما وهؤلاء أمةٌ مستقلَّةٌ منسكهم القرآنُ المجيد فحسب والنَّهيُ إما على حقيقته أو كلية عن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الالتفات إلى نزاعهم للنبي على زعمهم المذكورِ وأما جعله عبارةً عن نهيِه صلى الله عليه وسلم
(6/118)

سورة الحج (68 71) عن مازعنهم فلا يساعده المقام وقرئ فلا ينزعنَّك على تهييجِه صلى الله عليه وسلم والمبالغةِ في تثبيتِه وأيًّا ما كان فمحلُّ النِّزاعِ ما ذكرناهُ وتخصيصُه بأمر النسائك وجعلُه عبارةً عن قول الخُزاعيين وغيرِهم للمسلمينَ ما لكم تأكُلون ما قتلتُم ولا تأكاوا ما قتلَه الله تعالى مما لا سبيلَ إليه أصلاً كيف لا وأنَّه يستدعِي أن يكونَ أكلُ الميتةِ وسائرُ ما يدينونَه من الأباطيلِ من جملة المناسكِ التي جعلها الله تعالى لبعضِ الأُممِ ولا يرتابُ في بُطلانِه عاقلٌ {وادع} أي وادعُهم أو وادعُ النَّاسَ كافَّةً على أنَّهم داخلونَ فيهم دُخولاً أولياً {إلى رَبّكَ} إلى توحيدِه وعبادتِه حسبما بُيِّن لهم في منسكِهم وشريعتِهم {إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} أي طريقٍ موصِّلٍ إلى الحقِّ سويّ والمرادُ به إما الدِّينُ والشَّريعةُ أو أدلنها
(6/119)

وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68)
{وَإِن جادلوك} بعد ظهورِ الحقِّ بما ذُكر من التَّحقيق ولزومِ الحُجَّةِ عليهم {فَقُلْ} لهم على سبيل الوعيدِ {الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأباطيلِ التي من جُملتها المجادلةُ
(6/119)

اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69)
{الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} يفصل بين المؤمنين منكُم والكافرينَ {يَوْمُ القيامة} بالثَّوابِ والعقابِ كما فصَل في الدُّنيا بالحججِ والآياتِ {فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمرِ الدِّينِ
(6/119)

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70)
{أَلَمْ تَعْلَمْ} استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله والاستفهامُ للتَّقرير أي قد علمتَ {أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السماء والأرض} فلا يَخْفى عليه شيءٌ من الأشياء التي من جملتها ما يقوله الكَفَرةُ وما يعملونَهُ {إِنَّ ذلك} أي ما فى السماء والأرض {فِى كتاب} هو اللَّوحُ قد كُتب فيه قبل حدوثِه فلا يُهمنَّك أمرُهم مع علمِنا به وحفظِنا له {إِنَّ ذلك} أي ما ذُكر من العلمِ والإحاطةِ به وإثباتِه في اللوح أو الحكم ببينكم {عَلَى الله يَسِيرٌ} فإنَّ علمَه وقدرتَه مُقتضى ذاتِه فلا يَخْفى عليه شيءٌ ولا يعسرُ عليه مقدورٌ
(6/119)

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71)
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} حكايةٌ لبعض أباطيلِ المشركينَ وأحوالِهم الدَّالَّةِ على كمال سخافةِ عقولِهم وركاكةِ آرائِهم من بناء أمرِ دينِهم على غيرِ مَبْنى من دليلٍ سمعيَ أو عقليَ وإعراضِهم عمَّا أُلقي عليهم من سلطانٍ بيِّنٍ هو أساسُ الدِّينِ وقاعدتُه أشدَّ إعراضٍ أي يعبدُون متجاوزينَ عبادةَ الله {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ} أي بجوازِ عبادتِه {سلطانا} أي حجَّةً {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ} أي بجواز عبادتِه {عِلْمٍ} من ضرورة العقلِ أو استدلاله {وَمَا للظالمين} أي الذينَ ارتكبُوا مثل هذا الظُّلمِ العظيمِ الذي يقضي ببطلانِه وكونِه ظُلماً بديهةُ العقولِ {مِن نَّصِيرٍ} يساعدُهم بنصرةِ مذهبِهم وتقريرِ رأيهم أو بدفعِ العذابِ الذي يعتريهم بسبب ظلمهم
(6/119)

سورة الحج (72 73)
(6/120)

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)
{وإذا تتلى عليهم آياتنا} عطفٌ على يعبدونَ وما بينهما اعتراضٌ وصيغة المضارعِ للدلالة على الاستمرار التجددي {بينات} أي حالَ كونِها واضحاتِ الدِلالةِ على العقائدِ الحَقَّةِ والأحكام الصَّادقةِ أو على بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام أو على كونِها من عندِ الله عزَّ وجل {تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر} أي الإنكارَ كالمُكرَم بمعنى الإكرامِ أو الفظيعَ من التَّجهمِ والبُسورِ أو الشَّرِّ الذي يقصدونَهُ بظهورِ مخايلِه من الأوضاعِ والهيئاتِ وهو الأنسبُ بقولِه تعالى {يكادون يَسْطُونَ بالذين يتلون عليهم آياتنا} أي يَثِبُون ويبطِشُون بهم من فرط الغيظِ والغضبِ لأباطيلَ أخذُوها تقليداً وهل جهالةٌ أعظمُ وأطمُّ من أنْ يعبدُوا ما لا يوهم صحَّةَ عبادتِه شيءٌ ما أصلاً بل يقضي ببطلانِها العقلُ والنَّقلُ ويظهروا لمن يهديهم إلى الحقِّ البيِّنِ بالسُّلطانِ المُبينِ مثلَ هذا المنكرِ الشَّنيعِ كَلاَّ ولهذا وضعَ الذين كفروا موضعَ الضَّميرِ {قُلْ} ردًّا عليهم وإقناطاً عما يقصدونَه من الإضرارِ بالمسلمينَ {أَفَأُنَبّئُكُم} أي أخاطبكم فأخبرُكم {بِشَرّ مّن ذلكم} الذي فيكم من غيظكم على التَّالينَ وسطوتِكم بهم أو مما تبغونَهم من الغوائلِ أو مما أصابكم من الضَّجرِ بسبب ما تلَوه عليكم {النار} أي هو النَّارُ على أنَّه جوابٌ لسؤالٍ مقدرٍ كأنَّه قيلَ ما هُو وقيلَ هو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى {وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ} وقرئ النَّارَ بالنَّصبِ على الاختصاص وبالجرِّ بدلاً من شرَ فتكون الجملةُ الفعليةُ استئنافاً كالوجهِ الأول أو حالاً من النَّارِ بإضمار قَدْ {وبئس المصير} النار
(6/120)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)
{يا أيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ} أي بُيِّن لكم حالٌ مستغربةٌ أو قصَّةٌ بديعةٌ رائعةٌ حقيقةٌ بأنْ تسمَّى مَثَلاً وتسيرَ في الأمصارِ والأعصارِ أو جُعل لله مثلٌ أي مثل في استحقاقِ العبادةِ وأُريد بذلك ما حُكي عنهم من عبادتِهم للأصنامِ {فاستمعوا لَهُ} أي للمثلِ نفسِه استماعَ تدبر وتفكُّرٍ أو فاستمعُوا لأجلِه ما أقولُ فقوله تعالى {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله} الخ بيانٌ للمثل وتفسيرٌ له على الأوَّلِ وتعليلٌ لبطلان جعلهم الأصنامَ مثلَ الله سبحانه في استحقاق العبادةِ على الثاني وقرئ بياء الغَيبةِ مبنيًّا للفاعلِ ومبنيًّا للمفعولِ والرَّاجع إلى الموصولِ على الأولين محذوفٌ {لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} أي لن يقدروا على خلقه أبداً مع صغره وحقارتِه فإنَّ لن بما فيها من تأكيد النَّفيِ دالَّةٌ على مُنافاة ما بين المنفيِّ والمنفيِّ عنه {وَلَوِ اجتمعوا لَهُ} أي لخلقه وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على شرطيةٍ أُخرى محذوفةٍ ثقةً بدلالة هذه عليها أي لو لم يجتمعوا عليه لن يخلقُوه ولو اجتمعُوا له لن يخلقُوه كما مرَّ تحقيقُه مراراً وهما في موضع الحالِ كأنَّه قيل لن يخلقوا ذبابا
(6/120)

سورة الحج (74 77) على كلِّ حالٍ {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً} بيان لعجزهم عن الامتناع عمَّا يفعل يهم الذُّبابُ بعد بيانِ عجزِهم عن خلقِه أي إنْ يأخذِ الذُّبابُ منهم شيئاً {لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} مع غايةِ ضعفِه ولقد جُهلوا غايةَ التَّجهيلِ في إشراكِهم بالله القادرِ على جميع المقدورات المنفرد بإيجاد كافةِ الموجوداتِ تماثيلَ هي أعجزُ الأشياءِ وبين ذلك بأنَّها لا تقدرُ على أقل الأحياءِ وأذلِها ولو اتَّفقُوا عليه بل لا تقوى على مقاومةِ هذا الأقلِ الأذلِّ وتعجز عن ذبِّه عن نفسِها واستنقاذِ ما يختطفُه منها قيل كانُوا يطيِّبونها بالطِّيبِ والعسلِ ويُغلقون عليها الأبوابَ فيدخل الذُّبابُ من الكُوى فيأكلُه {ضَعُفَ الطالب والمطلوب} أي عابدُ الصَّنمِ ومعبودُه أو الذُّبابُ الطَّالبُ لما يسلبُه من الصَّنمِ من الطِّيبِ والصَّنمُ المطلوبُ منه ذلك أو الصَّنمُ والذُّبابُ كأنَّه يطلبه ليستنقذَ منه ما يسلبه ولو حقَّقتَ وجدتَ الصَّنمَ أضعفَ من الذُّبابِ بدرجاتٍ وعابدَه أجهلَ من كلِّ جاهلٍ وأضلَّ من كلِّ ضالَ
(6/121)

مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74)
{مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} أي ما عرفُوه حقَّ معرفتِه حيث أشركُوا به وسمَّوا باسمه ما هو أبعدُ الأشياءِ عنه مناسبةً {إِنَّ الله لَقَوِىٌّ} على خلق الممكناتِ بأسرها وإفناءِ الموجوداتِ عن آخرها {عَزِيزٌ} غالبٌ على جميع الأشياءِ وقد عرفتَ حالَ آلهتِهم المقهورةِ لأذلها العجزة عن أقلها والجملةُ تعليلٌ لما قبلها من نفيِ معرفتهم له تعالى
(6/121)

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)
{الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً} يتوسَّطون بينَه تعالَى وبينَ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ بالوحيِ {وَمِنَ الناس} وهم المختصون بالنفوس الزكية المؤيدون بالقُوَّة القدسيةِ المتعلِّقون بكلا العالمينِ الرُّوحانيِّ والجُسمانيِّ يتلقَون من جانبٍ ويلقون إلى جانب ولا يعوقهم التعلقُ بمصالحِ الخلقِ عن التبتل إلى جناب الحقِّ فيدعونَهم إليه تعالى بما أنزل عليهم ويعلِّمونهم شرائعَه وأحكامَه كأنَّه تعالى لمَّا قرَّر وحدانيَّتَه في الأُلوهية ونفى أنْ يشاركَه فيها شيءٌ من الأشياء بيَّن أنَّ له عباداً مُصطفَين للرِّسالة يُتوسل بإجابتهم والاقتداءِ بهم إلى عبادته عزَّ وجلَّ وهو أعلى الدَّرجاتِ وأقصى الغاياتِ لمن عداه من الموجوداتِ تقريراً للنُّبوة وتزييفاً لقولِهم لَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة وقولهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله زلفى وقولهم الملائكةُ بناتُ الله وغيرِ ذلك من الأباطيلِ {إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ} عليم بجميعِ المسموعاتِ والمبصراتِ فلا يَخْفى عليه شيءٌ من الأقوالِ والأفعالِ
(6/121)

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76)
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور} لا إلى أحدٍ غيرِه لا اشتراكاً ولا استقلالا
(6/121)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اركعوا واسجدوا} أي في صلواتِكم أمرَهم بهما لمَا أنَّهم ما كانُوا يفعلونَهما أول الإسلام أوصلوا عبر عن الصَّلاةِ بهما لأنَّهما أعظمُ أركانِها أو اخضعُوا لله تعالى وخِرُّوا له سجدا
(6/121)

سورة الحج (78) {وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ} بسائر ما تعبَّدكم به {وافعلوا الخير} وتحرَّوا ما هو خيرٌ وأصلحُ في كلِّ ما تأتون وما تذرونَ كنوافلِ الطَّاعاتِ وصلةِ الأرحامِ ومكارمِ الأخلاقِ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي افعلُوا هذه كلَّها وأنتُم راجُون بها الفلاحَ غيرَ متيقنينَ له واثقينَ بأعمالكم والآيةُ آيةُ سجدةٍ عند الشافعي رحمه الله لظاهر ما فيها من الأمر باسجود ولقوله صلى الله عليه وسلم فُضِّلتْ سورةُ الحجِّ بسجدتينِ مَن لم يسجدْهُما فلا يقرأها
(6/122)

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)
{وجاهدوا فِى الله} أي لله تعالى ولأجلِه أعداءَ دينِه الظاهرة كأهلِ الزَّيغِ والباطنةِ كالهَوَى والنَّفسِ وعنه صلى الله عليه وسلم أنَّه رجعَ من غزوةِ تبوكَ فقال رجعنا من الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ {حَقَّ جهاده} أي جهاداً فيه حقًّا خالصاً لوجهه فعكسَ وأضيف الحقُّ إلى الجهادِ مبالغةً كقولِك هو حقٌّ عالمٌ وأُضيف الجهادُ إلى الضَّمير اتِّساعاً أو لأنَّه مختصٌّ به تعالى من حيثُ أنَّه مفعولٌ لوجهِه ومن أجلِه {هُوَ اجتباكم} أي هو اختاركُم لدينِه ونصرتِه لا غيرُه وفيه تنبيهٌ على ما يقتضي الجهادَ ويدعُو إليه {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} أي ضيقٍ بتكليف ما يشقُّ عليكم إقامتُه إشارة إلى أنَّه لا مانعَ لهم عنْهُ ولا عذرَ لهم في تركِه أو إلى الرُّخصةِ في إغفالِ بعضِ ما أمرَهم به حيث يشقُّ عليهم لقولِه صلى الله عليه وسلم إذا أمرتُكم بشيءٍ فأتُوا منه ما استطعتُم وقيل ذلك بأنْ جعلَ لهم من كلِّ ذنبٍ مخرجاً بأنْ رخَّص لهم في المضايقِ وفتحَ لهم بابَ التَّوبةِ وشرَع لهم الكفَّاراتِ في حقوقِه والأروشَ والدِّياتِ في حقوقِ العبادِ {مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم} نُصب على المصدرِ بفعلٍ دلَّ عليه مضمونُ ما قبلَه بحذفِ المضافِ أي وسع عليكم دينَكم توسعةَ ملَّةِ أبيكم أو على الإغراءِ أو على الاختصاصِ وإنَّما جعله أباهم لأنَّه أبوُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو كالأبِ لأمَّتِه من حيثُ أنَّه سببٌ لحياتِهم الأبديَّةِ ووجودِهم على الوجه المعتدِّ به في الآخرةِ أو لأنَّ أكثرَ العربِ كانوا من ذريته صلى الله عيه وسلم فغُلِّبُوا على غيرِهم {هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ} في الكتبِ المُتقدِّمةِ {وَفِى هذا} أي في القرآنِ والضَّميرُ لله تعالى ويُؤيِّده أنه قرئ الله سمَّاكُم أو لإبراهيمَ وتسميتُهم بالمسلمينَ في القُرآن وإنْ لم تكُنْ منه صلى الله عليه وسلم كانت بسببِ تسميته من قبلُ في قوله وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وقيل وفي هذا تقديرُه وفي هذا بيانُ تسميتِه إيَّاكم المسلمينَ {لِيَكُونَ الرسول} يومَ القيامةِ متعلِّقٌ بسمَّاكُم {شَهِيداً عَلَيْكُمْ} بأنَّه بلَّغكُم فيدلُّ على قبولِ شهادتِه لنفسِه اعتماداً على عصمتِه أو بطاعة مَن أطاعَ وعصيانِ مَن عصى {وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس} بتبليغِ الرسل إليهم {فأقيموا الصلاة وآتَوْا الزَّكَاةَ} أي فتقرَّبُوا إلى الله بأنواع الطاعات وتخصيصهما بالذكرلأنافتهما وفضلِهما {واعتصموا بالله} أي ثقُوا به في مجامعِ أمورِكم ولا تطلبُوا الإعانةَ والنُّصرةَ إلاَّ منْه {هُوَ مولاكم} ناصرُكم ومتولِّي أمورِكم {فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير} هو إذْ لا مثلَ له في الوَلاَيةِ والنُّصرةِ
(6/122)

سورة الحج (1 3) بل لا ولِيَّ ولا نصيرَ في الحقيقةِ سواهُ عزَّ وجلَّ عنِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم مَن قرأَ سُورةَ الحجِّ أُعطيَ من الأجرِ كحجَّةٍ حجَّها وعمرةٍ اعتمرَها بعددِ مَن حجَّ واعتمرَ فيما مضى وفيما بقى
سورة المؤمنون
مكية وهي عند البصريين مائة وتسع عشرة آية وعند الكوفيين مائة وثماني عشرة آية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(6/123)

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)
{قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون} الفلاحُ الفوزُ بالمرام والنجاةُ من المكروه وقيل البقاءُ في الخير والإفلاحُ الدُّخولُ في ذلكَ كالإبشارِ الذي هو الدخولُ في البشارةِ وقد يجيءُ متعدياً بمعنى الإدخال فيه وعليه قراءةُ مَن قرأ على البناء للمفعول وكلمة قد ههنا لإفادةِ ثبوتِ ما كان متوقعَ الثُّبوتِ من قبلُ لا متوقعَ الإخبارِ به ضرورةَ أنَّ المتوقعَ من حال المؤمنينَ ثبوتُ الفلاحِ لهم لا الإخبارُ بذلك فالمعنى قد فازوا بكلِّ خيرٍ ونجوا من كلِّ ضيرٍ حسبما كان ذلك متوقعاً من حالِهم فإنَّ إيمانَهم وما تفرَّعَ عليه من أعمالهم الصالحةِ من دواعي الفلاحِ بموجب الوعدِ الكريمِ خلا أنَّه إنْ أُريد بالإفلاح حقيقةُ الدُّخولِ في الفلاح الذي لا يتحققُ إلا في الآخرة فالإخبارُ به على صيغة الماضي الدلالة على تحققه لا محالةَ بتنزيله منزلةَ الثابتِ وإنْ أُريد كونُهم بحالٍ تستتبعُه البتةَ فصيغةُ الماضي في محلها وقرئ أفلحُوا على الإبهامِ والتفسيرِ أو على أكلوني البراغيثُ وقرئ أفلحُ بضمة اكتفَى بها عن الواوِ كما في قولِ من قال [ولو أنَّ الأطبَّا كانُ حَولي] والمرادُ بالمؤمنينَ إمَّا المصدِّقون بما عُلم ضرورةَ أنَّه من دينِ نبينا صلى الله عليه وسلم من التَّوحيدِ والنبوةِ والبعثِ والجزاءِ ونظائرِها فقولُه تعالى
(6/123)

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2)
{الذين هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خاشعون} وما عُطف عليه صفاتٌ مخصصةٌ لهم وإما الآتون بفروعه أيضاً كما ينبئ عنه إضافةُ الصَّلاة إليهم فهي صفاتٌ موضحةٌ أو مادحةٌ لهم حسب اعتبارِ ما ذكر في حيز الصِّلةِ من المعاني مع الإيمان إجمالاً أو تفصيلاً كما مرَّ في أوائل سُورة البقرة والخشوعُ الخوفُ والتَّذللُ أي خائفون من الله عزَّ وجلَّ متذلِّلون له ملزمون أبصارَهم مساجدَهم روى أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى رفع بصره إلى السَّماءِ فلمَّا نزلتْ رمى ببصره نحوَ مسجدِه وأنَّه رأى مُصلِّياً يعبث بلحيته فقال لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحُه
(6/123)

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)
{والذين هُمْ عَنِ اللغو} أي عمَّا لا يعنيهم من الأقوال والأفعال
(6/123)

سورة المؤمنون (47) {مُّعْرِضُونَ} أي في عامَّة أوقاتهم كما ينبئ عنه الاسمُ الدَّالُّ على الاستمرار فيدخل في ذلك إعراضُهم عنه حالَ اشتغالِهم بالصَّلاةِ دخولاً أوليًّا ومدارُ إعراضهم عنه ما فيه من الحالة الدَّاعيةِ إلى الإعراض عنه لا مجرَّدَ الاشتغالِ بالجدِّ في أمور الدِّينِ كما قيل فإنَّ ذلك رُبَّما يُوهم أنْ لا يكونَ في اللَّغوِ نفسه ما يزجرُهم عن تعاطيهِ وهو أبلغُ من أنْ يُقالَ لا يلهون من وجوه جعلِ الجملةِ اسميَّةً وبناءِ الحكم على الضَّميرِ والتَّعبيرِ عنه بالاسمِ وتقديمُ الصِّلةِ عليه وإقامةُ الإعراضِ مُقامَ التَّركِ ليدلَّ على تباعدهم عنه رأساً مباشرةً وتسبُّباً وميلاً وحضوراً فإنَّ أصلَه أنْ يكونَ في عرضٍ غيرِ عرضِه
(6/124)

وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4)
{والذين هم للزكاة فاعلون} وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصَّلاة والزَّكاةُ مصدر لأنَّه الأمرُ الصَّادرُ عن الفاعل لا المحلُّ الذي هو موقعُه ومعنى الفعلِ قد مرَّ تحقيقُه في تفسيرِ قولِه تعالى فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ويجوزُ أنْ يُرادَ بها العينُ على تقدير المضاف
(6/124)

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)
{والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون} ممسكون لها فالاستثناءُ في قوله تعالى
(6/124)

إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)
{إِلاَّ على أزواجهم} من نفي الإرسال الذي ينبئ عنه الحفظُ أي لا يُرسلونها على أحدٍ إلاَّ على أزواجِهم وفيه إيذانٌ بأنَّ قوَّتهم الشَّهويَّة داعيةٌ لهم إلى ما لا يخفى وأنَّهم حافظون لها من استيفاءِ مقتضاها وبذلك يتحقق كما العفَّةِ ويجوز أنْ تكون على بمعنى من وإليه ذهبَ الفرَّاءُ كما في قوله تعالى إِذَا اكتالوا عَلَى الناس أي حافظون لها من كلِّ أحدٍ إلا من أزواجِهم وقيل هي متعلقةٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من ضمير حافظون أي حافظون لها في جميعِ الأحوال إلاَّ حالَ كونهم والينَ أو قوَّامين على أزواجِهم وقيل بمحذوفٍ يدلُّ عليه غيرَ ملُومين كأنَّه قيل يُلامون على كلِّ مباشرٍ إلاَّ على ما أُطلق لهم فإنَّهم غيرُ ملومين وحملُ الحفظِ على القصر عليهنَّ ليكونَ المعنى حافظون فروجَهم على الأزواجِ لا يتعداهُنَّ ثمَّ يقال غير حافظينَ إلا عليهنَّ تأكيداً على تأكيدٍ تكلُّفٌ على تكلُّف {أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} أي سراريهم عبر عنهن بما إجراءً لهنَّ لمملوكيتهنَّ مُجرى غيرِ العُقلاءِ أو لأنوثتهنَّ المنبئة عن المقصود وقوله تعالى {فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} تعليلٌ لمَا يفيدهُ الاستثناءُ منْ عدم حفظ فروجهم منهنَّ أي فإنَّهم غيرُ ملومين على عدم حفظِها منهنَّ
(6/124)

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)
{فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذَلِكَ} الذي ذُكر من الحدِّ المتَّسعِ وهو أربعٌ من الحرائر وما شاء من الإماءِ {فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون} الكاملونَ في العُدوانِ المتناهُون فيه وليس فيه ما يدلُّ حتماً على تحريمِ المتعةِ حسبما نُقل عن القاسمِ بن محمَّدٍ فإنَّه قال إنَّها ليستْ زوجةً له فوجبَ أن لا تحمل له أما
(6/124)

سورة المؤمنين (8 12) إنها ليست زوجة له فلأنَّهما لا يتوارثانِ بالإجماعِ ولو كانتْ زوجةً له لحصل التَّوارثُ لقوله تعالى وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم فوجب أنْ لا تحلَّ لقوله تعالى إِلاَّ على أزواجهم لأنَّ لهم أنْ يقولوا إنَّها زوجةٌ له في الجُملةِ وأمَّا أنَّ كلَّ زوجةٍ ترثُ فهم لا يُسلِّمونها وأما ما قيل من أنه إنْ أُريد لو كانت زوجةً حالَ الحياةِ لم يفدو إن أُريدَ بعد الموتِ فالملازمةُ ممنوعةٌ فليس له معنى محصَّلٌ نعم لو عُكسَ لكان له وجهٌ
(6/125)

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)
{والذين هُمْ لاماناتهم وَعَهْدِهِمْ} لما يُؤتمنون عليه ويُعاهدون من جهة الحقِّ أو الخلقِ {راعون} أي قائمون عليها حافظون لها على وجه الإصلاح وقرئ لأمانتِهم
(6/125)

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9)
{والذين هُمْ على صلواتهم} المفروضةِ عليهم {يُحَافِظُونَ} يُواظبون عليها ويُؤدُّونها في أوقاتها ولفظُ الفعلِ فيه لما في الصَّلاةِ من التَّجدُّدِ والتَّكرُّر وهو السرُّ في جمعها وليسَ فيه تكريرٌ لما أنَّ الخشوعَ في الصَّلاة غيرُ المحافظةِ عليها وفصلُهما للإيذانِ بأنَّ كلاً منهما فضيلةٌ مستقلَّةٌ على حيالِها ولو قُرنا في الذِّكرِ لربَّما توهِّم أنَّ مجموعَ الخشوعِ والمحافظةِ فضيلةٌ واحدةٌ
(6/125)

أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)
{أولئك} إشارةٌ إلى المؤمنين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصِّفاتِ وإيثارُها على الإضمار للإشعار بامتيازهم بها عن غيرهم ونزولهم منزلة المُشار إليه حِسًّا وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ بعلوِّ طبقتِهم وبُعدِ درجتهم في الفضل والشَّرفِ أي أولئك المنعوتُون بالنُّعوت الجليلةِ المذكورةِ {هُمُ الوارثون} أي الأحِقَّاءُ بأنْ يُسمَّوا ورَّاثاً دون مَنْ عداهم ممَّن ورِثَ رغائب الأموال والذَّخائرِ وكرائمهما
(6/125)

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)
{الذين يَرِثُونَ الفردوس} بيانٌ لما يرثونَه وتقييدٌ للوراثة بعد إطلاقها وتفسيرٌ لها بعد إبهامِها تفخيماً لشأنها ورفعا لمحلها وهي اتسعارة لاستحقاقهم الفِردوسَ بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعدُ الكريمُ للمبالغة فيه وقيل إنَّهم يرثون من الكفَّارِ منازلهم فيها حيث فوَّتُوها على أنفسِهم لأنَّه تعالى خلقَ لكلِّ إنسان منزلاً في الجنَّةِ ومنزلاً في النَّارِ {هُمْ فِيهَا} أي في الفردوسِ والتَّأنيثُ لأنَّه اسمٌ للجنَّةِ أو لطبقتها العُليا وهو البستان الجامعُ لأصناف الثَّمرِ رُوي أنَّه تعالى بَنَى جنَّة الفِردوسِ لبنةً من ذهبٍ ولَبنةً من فضَّةٍ وجعلَ خلالَها المسكَ الأذفرَ وفي روايةٍ ولبنةً من مسكٍ مذريَ وغرسَ فيها من جيِّدِ الفاكهةِ وجيِّدِ الرَّيحانِ {خالدون} لا يخرجُون منها أبداً والجملة إمَّا مستأنفةٌ مقرِّره لما قبلها وإمَّا حالٌ مقدرةٌ من فاعل يرثون أو مفعولهِ إذ فيها ذِكرُ كلَ منهما ومعنى الكلامِ لا يموتُون ولا يخرجون منها
(6/125)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان} شروعٌ في بيان مبدأ خلقِ الإنسانِ وتقلُّبهِ في أطوارِ الخلقةِ وأدوارِ الفطرةِ بياناً إجماليا
(6/125)

سورة المؤمنون (13 14) إثرَ بيانِ حال بعضِ أفرادِه السُّعداءِ واللاَّمُ جوابُ قسمٍ والواوُ ابتدائيَّةٌ وقيل عاطفةٌ على ما قبلَها والمرادُ بالإنسان الجنسُ أي وبالله لقد خلقنا جنسَ الإنسان في ضِمن خلقِ آدمَ عليه السلام خلقا إجماليًّا حسبما تحقَّقته في سورة الحجِّ وغيرِها وأمَّا كونُه مخلوقاً من سلالاتٍ جُعلتْ نُطَفاً بعد أدوارٍ وأطوارٍ فبعيدٌ {مِن سلالة} السُّلالةُ ما سُلَّ من الشَّيء واستُخرجَ منه فإن فُعالة اسمٌ لما يحصُل من الفعلِ فتارةً تكون مقصوداً منه كالخُلاصةِ وأُخرى غيرَ مقصودٍ منه كالقُلامةِ والكُناسةِ والسُّلالةُ من قبيلِ الأوَّلِ فإنَّها مقصودةٌ بالسَّلِّ ومن ابتدائيةٌ متعلِّقةٌ بالخلقِ ومِنْ في قولِه تعالَى {مِن طِينٍ} بيانيةٌ متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع صفةً لسُلالة أي خلقناهُ من سُلالةٍ كائنةٍ من طينٍ ويجوزُ أنْ تتعلَّق بسُلالة على أنَّها بمعنى مسلولةٍ فهي ابتدائيةٌ كالأُولى وقيل المرادُ بالإنسان آدم عليه السلام فإنَّه الذي خُلق من صفوةٍ سُلَّتْ من الطِّينِ وقد وقفت على التَّحقيق
(6/126)

ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)
{ثُمَّ جعلناه} أي الجنسَ باعتبار أفراده المغايرة لآدمَ عليه السَّلامُ أو جعلنا نسلَه على حذفِ المضافِ إنْ أُريد بالإنسان آدمُ عليه السَّلامُ {نُّطْفَةٍ} بأن خلقناه منها أو ثمَّ جعلنا السُّلالةَ نُطفةً والتَّذكيرُ بتأويل الجوهرِ أو المسلولِ أو الماءِ {فِى قَرَارٍ} أي مستقَرَ وهو الرَّحِمُ عبر عنها بالقرارِ الذي هو مصدرٌ مبالغةً وقولُه تعالى {مَّكِينٍ} وصفٌ لها بصفة ما استقرَّ فيها مثلُ طريقٌ سائرٌ أو بمكانتها في نفسِها فإنَّها مكنت بحيث هي وأُحرزتْ
(6/126)

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)
{ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً} أي دماً جامداً بأن أحلنا النُّطفة البيضاءَ علقةً حمراءَ {فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً} أي قطعةَ لحمٍ لا استبانة ولا تمايزَ فيها {فَخَلَقْنَا المضغة} أي غالبَها ومعظمها أو كلَّها {عظاما} بأنْ صلبناها وجعلناها عموداً للبدنِ على هيئاتٍ وأوضاعٍ مخصوصةٍ تقتضيها الحكمةُ {فَكَسَوْنَا العظام} المعهودة {لَحْماً} من بقية المضغةِ أو ممَّا أنبتنا عليها بقدرتنا ممَّا يصلُ إليها أي كسونا كلَّ عظمٍ من تلك العظام ما يليقُ به من اللَّحمِ على مقدارٍ لائقٍ به وهيئةٍ مناسبةٍ له واختلافِ العواطفِ للتَّنبيه على تفاوتِ الاستحالاتِ وجمعُ العظام لاختلافها وقرئ على التَّوحيدِ فيهما اكتفاءً بالجنسِ وبتوحيدِ الأوَّلِ فَقَطْ وبتوحيد الثَّاني فحسب {ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقَاً آخَر} هي صورةُ البدنِ أو الرُّوحِ أو القُوى بنفخه فيه أو المجموعُ وثمَّ لكمالِ التَّفاوتِ بين الخلقينِ واحتجَّ به أبو حنيفة رحمه الله على أنَّ من غصبَ بيضةً فأفرختْ عنده لزمه ضمانُ البيضةِ لا الفرخُ لأنَّه خلقٌ آخرُ {فَتَبَارَكَ الله} فتعالى شأنُه في علمه الشَّاملِ وقُدرتهِ الباهرة والالتفات إلى الأسام الجليل لتربية المهابةِ وإدخالِ الرَّوعة والإشعارِ بأنَّ ما ذُكر من الأفاعيلِ العجيبة من أحكام الأُلوهيَّةِ وللإيذانِ بأنَّ حقَّ كلِّ مَن سمع ما فُصِّل من آثار قُدرتهِ عزَّ وعلا أو لاحظَه أنْ يُسارعَ إلى التَّكلُّمِ به إجلالاً وإعظاماً لشؤونهِ تعالى {أَحْسَنُ الخالقين} بدلٌ من الجلالة وقيل نعت له بناءً على أنَّ الإضافةَ ليستْ لفظيَّةً وقيل خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هو أحسنُ الخالقينَ خَلْقاً أي المقدِّرين تقديراً حُذف المميِّز
(6/126)

سورة المؤمنون (15 18) لدلالة الخالقينَ عليه كما حُذف المأذونُ فيهِ فِي قَوْلِه تَعَالَى أُذِنَ لِلَّذِينَ يقتلون لدِلالة الصلةِ عليه أي أحسنُ الخالقين خَلْقاً فالحُسنُ للخلقِ قيلَ نظيرُه قولُه صلى الله عليه وسلم إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ أي جميلٌ فعلُه فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه فانقلب مرفوعا فاستكنَّ رُوي أنَّ عبدَ اللَّه بنِ أبي سَرْح كان يكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فلما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى قوله خلقاً آخرَ سارع عبدُ اللَّه إلى النُّطقِ به قبل إملائه صلى الله عليه وسلم فقال اكتبْهُ هكذا نزلتْ فشكَّ عبدُ اللَّه فقال إنْ كان محمَّدٌ يُوحى إليه فأنا كذلك فلحقَ بمكَّة كافراً ثمَّ أسلمَ يوم الفتحِ وقيل ماتَ على كُفرِه ورَوى سعيدُ بنُ جُبيرٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال لمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ قال عمرُ رضي الله عنه فتبارك الله أحسن الخالقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا نزلَ يا عمرُ وكان رضي الله عنه يفتخرُ بذلك ويقولُ وافقتُ ربِّي في أربعٍ الصَّلاةُ خلفَ المُقامِ وضربُ الحجابِ على النِّسوةِ وقولي لهنَّ أو ليبدله الله خيراً منكنَّ فنزل قولُه تعالى عسى ربه عن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ الآية والرابعُ فتباركَ اللَّهُ أحسنُ الخالقينَ انظر كيفَ وقعتْ هذه الواقعةُ سبباً لسعادةِ عمر رضي الله عنه وشقاوة ابن أبي سَرْح حسبما قال تعالى يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا لا يقالُ فقد تكلَّم البشرُ ابتداءً بمثل نظمِ القُرآن وذلك قادحٌ في إعجازِه لما أنَّ الخارجَ عن قُدرة البشرِ ما كان مقدارَ أقصرِ السُّورِ على أنَّ إعجازَ هذه الآيةِ الكريمةِ منوطٌ بما قبلها كما نعرب عنه الفاءُ فإنَّها اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبله
(6/127)

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15)
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك} أي بعد ما ذُكر منَ الأمورِ العجيبةِ حسبما ينبئ عنه ما في اسمِ الإشارةِ من معنى البعد المُشعرِ بعلوِّ رُتبةِ المُشار إليهِ وبُعدِ منزلتِه في الفضلِ والكمالِ وكونهِ بذلك ممتازاص منزَّلاً منزلةَ الأمور الحسيَّةِ {لَمَيّتُونَ} لصائرونَ إلى الموتِ لا محالَة كما تُؤذِنُ به صيغةُ النَّعتِ الدَّالَّةِ على الثُّبوتِ دُون الحدوثِ الذي تُفيده صيغةُ الفاعلِ وقد قرئ لمائتون
(6/127)

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة} أي عند النَّفخةِ الثَّانيةِ {تُبْعَثُونَ} من قبورِكم للحسابِ والمُجازاةِ بالثَّوابِ والعقابِ
(6/127)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ} بيانٌ لخلقِ ما يحتاج إليه بقاؤُهم إثرَ بيانِ خلقِهم أي خلقنا في جهةِ العلوِّ من غيرِ اعتبارِ فوقيَّتِها لهم لأنَّ تلك النِّسبة إنما تعرَّض لها بعد خلقِهم {سَبْعَ طَرَائِقَ} هي السموات السَّبعُ سُمِّيتْ بها لأنَّها طُورق بعضُها فوق بعضٍ مُطارقةَ النَّعلِ فإنَّ كلَّ ما فوقه مثلُه فهو طريقةٌ أو لأنَّها طرائقُ الملائكةِ أو الكواكبِ فيها مسيرُها {وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق} عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقاتِ التي هي من جُملتِها أو عن النَّاسِ {غافلين} مُهملين أمرَها بل نحفظُها عن الزَّوال والاختلالِ وندبر أمرَها حتَّى تبلغَ مُنتهى ما قُدِّر لها من الكمال حسبما اقضته الحكمةُ وتعلقتْ به المشيئةُ ويصل إلى ما في الأرض منافعها كما ينبئ عنه قولُه تعالى
(6/127)

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18)
{وأنزلنا من السماء ماء} هو المطرُ أو الأنهار النازلة من
(6/127)

سورة المؤمنون (19 20) الجنَّة قيل هي خمسةُ أنهار سيحُون نهرُ الهندِ وجيحونُ نهر بَلْخِ ودجلةُ والفرات نهر العراقِ والنِّيلُ نهرُ مصرَ أنزلها اللَّهُ تعالى من عينٍ واحدةٍ من عيونِ الجنَّةِ فاستودَعها الجبالَ وأجراها في الأرضِ وجعل فيها منافعَ للنَّاسِ في فُنونِ معايشهم ومن ابتدائيَّةٌ متعلِّقةٌ بأنزلنا وتقديمُها على المفعولِ الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّرِ والعدولِ عن الإضمارِ لأنَّ الإنزالَ لا يُعتبر فيه عنوانُ كونها طرائقَ بل مجرَّدُ كونها جهة العلوِّ {بِقَدَرٍ} بتقديرٍ لائق لاستجلابِ منافعهم ودفعِ مضارِّهم أو بمقدارِ ما علمنا من حاجاتهم ومصالحهم {فَأَسْكَنَّاهُ فِى الارض} أي جعلناه ثابتاً قارًّا فيها {وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ} أي إزالتهِ بالإفسادِ أو التَّصعيدِ أو التَّغويرِ بحيثُ يتعذبر استنباطُه {لقادرون} كما كُنَّا قادرين على إزالة وفي تنكيرِ ذهابٍ إيماءٌ إلى كثرةِ طُرقهِ ومبالغةٌ في الإبعادِ به ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى قُل أَرَأَيْتُمْ عن أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ
(6/128)

فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)
{فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ} أيْ بذلكَ الماءِ {جناتٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا} في الجنَّاتِ {فواكه كَثِيرَةٌ} تتفكَّهون بها {وَمِنْهَا} من الجنَّاتِ {تَأْكُلُونَ} تغذياً أو تُرزقون وتحصِّلُون معايشَكُم من قولهم فلانٌ يأكل من حرفته ويجوز أن يعود الضميرانِ للنَّخيلِ والأعنابِ أي لكم في ثمراتها أنواعٌ من الفواكه الرُّطبِ والعنب والتَّمرِ والزَّبيبِ والعصير والدِّبسِ وغير ذلك وطعام يأكلونه
(6/128)

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20)
{وَشَجَرَةً} بالنَّصبِ عطف على جنات وقرئ بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ دلَّ عليهِ ما قبلَهُ أيْ وممَّا أنشئ لكم به شجرةٌ وتخصيصُها بالذكر من بين الأشجار لاستقلالِها بمنافعَ معروفةٍ قيل هي أوَّلُ شجرةٍ نبتت بعد الطُّوفانِ وقوله تعالى {تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء} وهو جبلُ موسى عليه السَّلامُ بين مصرَ وأيلة وقيل بفلسطينَ ويقال له طور سنين فإمَّا أنْ يكون الطُّورُ اسم الجبل وسيناءُ اسمَ البُقعةِ أُضيف إليها أو المركب منهما علم له كامرئ القَيْس ومُنع صرفُه على قراءةِ من كسر السِّينَ للتَّعريفِ والعُجمةِ أو التَّأنيثِ على تأويل البُقعةِ لا للألف لأنَّه فِيعالٌ كدِيماسٍ من السَّناءِ بالمدِّ وهو الرِّفعةُ أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلان كعلباء من السِّين إذ لا فعلاء بألف التَّأنيثِ بخلاف سيناء فإنه فَيعالٌ ككيسان أو فعلاء كصَحْراءَ إذ لا فَعلال في كلامهم وقرئ بالكسرِ والقصرِ والجملةُ صفةٌ لشجرةً وتخصيصها بالخروج منه مع خروجِها من سائر البقاعِ أيضاً لتعظيمها ولأنَّه المنشأُ الأصليُّ لها وقولُه تعالى {تَنبُتُ بالدهن} صفة أخرى لشجرة والباءُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالا منها أي تنبتُ ملتبسةً به ويجوزُ كونُها صلةً معدية أي تنبيته بمعنى تتضمَّنه وتحصِّله فإنَّ النَّباتَ حقيقةً صفةٌ للشَّجرةِ لا للدهن وقرئ تُنبت من الإفعالُ وهو إمَّا من الإنباتِ بمعنى النَّباتِ كما في قولِ زُهيرٍ [رَأيتُ ذَوي الحاجاتِ حولَ بيوتهِم قَطيناً لهم حتَّى إذا أنبتَ البقلُ] أو على تقديرِ تُنبت زيتونها ملتبسا بالدهن وقرئ على البناءِ للمفعول وهو كالأوَّلِ وتُثمر بالدُّهنِ وتخرُج بالدُّهنِ وتنبت بالدِّهانِ {وَصِبْغٍ لّلاكِلِيِنَ} معطوف على الدُّهنِ جارٍ على إعرابه عطف أحد وصفَيْ الشَّيءِ على
(6/128)

سورة المؤمنون (21 23) الآخرِ أي تنبت بالشَّيءِ الجامع بين كونهِ دُهناً يُدهنُ به ويُسرجُ منه وكونهِ إداماً يُصبغ فيه الخبز أي يُغمس فيه للائتدام وقرئ وصباغٍ كدباغٍ في دِبْغٍ
(6/129)

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)
{وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لعبرة} بيان للنعم الفائضة عليهم من جهة الحيوانِ إثرَ بيانِ النِّعم الواصلةِ إليهم من جهة الماءِ والنَّبات وقد بُيِّن أنها مع كونها في نفسِها نعمةً ينتفعون بها على وجوهٍ شتى عبرةٌ لابد من أنْ يعتبرُوا بها ويستدلُّوا بأحوالها على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه وخُصَّ هذا بالحيوان لما أنَّ محلَّ العبرة فيه أظهرُ ممَّا في النَّباتِ وقولُه تعالى {نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهَا} تفصيلٌ لما فيها من مواقعِ العبرةِ وما في بطونِها عبارة إمَّا عن الألبانِ فمِن تبعيضيةٌ والمرادُ بالبطونِ الجَوفُ أو عن العلف الذي يتكوَّن منه اللَّبنُ فمن ابتدائيةٌ والبطون على حقيقتها وقرئ بفتح النُّونِ وبالتَّاءِ أي تسقيكم الأنعامُ {وَلَكُمْ فيِهَا منافع كَثِيرَةٌ} غيرَ ما ذُكر من أصوافِها وأشعارِها {ومنها تأكلون} فتنتفعون بأعيابها كما تنتفعون بما يحصُل منها
(6/129)

وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22)
{وَعَلَيْهَا} أي على الأنعامِ فإنَّ الحملَ عليها لا يقتضي الحملَ على جميعِ أنواعِها بل يتحقَّقُ بالحمل على البعضِ كالإبل ونحوِها وقيل المرادُ هي الإبلُ خاصَّة لأنَّها هي المحمولُ عليها عندهم والمناسبُ للفلك فإنَّها سفائنُ البرِّ قال ذُو الرُّمَّةِ [سفينةُ بَرَ تحتَ خَدِّي زِمامُها] فالضَّميرُ فيهِ كما في قوله تعالى وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ {وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ} أي في البرِّ والبحرِ وفي الجمع بينها وبين الفُلكِ في إيقاع الحملِ عليها مبالغةٌ في تحمُّلِها للحملِ وهو الدَّاعي إلى تأخير ذكرِ هذه المنفعةِ مع كونِها من المنافعِ الحاصلةِ منها عن ذكرِ منفعةِ الأكلِ المتعلِّقة بعينِها
(6/129)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ} شروعٌ في بيانِ إهمال الأُمم السَّابقةِ وتركهم النَّظرَ والاعتبارَ فيما عُدِّد من النِّعمِ الفائتة للحصر وعدم تذكرهم بتذكير رسلهم وما حاقَ بهم لذلك من فُنون العذاب تحذيراً للمُخاطبين وتقديمُ قصَّةِ نوحٍ عليه السَّلامُ على سائرِ القصصِ مما لا يخفى وجهُه وفي إيرادِها إثرَ قوله تعالى وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ من حُسنِ الموقِع ما لا يُوصف والواوُ ابتدائيةٌ واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ وتصديرُ القِصَّةِ به لإظهار كمالِ الاعتناءِ بمضمونِهَا أي وبالله لقد أرسلنا نوحا الأخ ونسبهُ الكريمُ وكيفيَّةُ بعثهِ وكميَّةُ لبثهِ فيما بينهم قد مرَّ تفصيله في سورة الأعراف وسورة هود {فعال} متعطِّفاً عليهم ومستميلاً لهم إلى الحق {يا قوم اعبدوا الله} أي اعبدوه وحدَه كما يُفصح عنه قولُه تعالى في سُورة هود أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله وتركَ التَّقييدِ به للإبذان بإنَّها هي العبادةُ فقط والعبادة بالإشراكِ فليستْ من العبادة في شيءٍ رأساً وقولُه تعالى {مَّا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ} استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل العبادةِ المأمورِ بها أو تلعيل الأمرِ بها وغيرُه بالرَّفعِ صفة
(6/129)

سورة المؤمنون (24 25) لإله باعتبارِ محلِّه الذي هو الرفعِ على أنَّه فاعلُ أو مبتدأٌ خبرُه لكُم أو محذوفٌ ولكُم للتَّخصيصِ والتَّبيينِ أي ما لكُم في الوجودِ أو في العالمِ إله غيرُه تعالى وقرئ بالجرِّ باعتبار لفظه {أَفَلاَ تتقون} أي أفلا تقوت أنفسَكم عذابَه الذي يستوجبه ما أنتم عليه من ترك عبادته كما يفصحُ عنه قولُه تعالى إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وقولُه تعالى عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ وقيل أفلا تخافون أنْ ترفضُوا عبادة الله الذي هو ربُّكم الخ وليس بذاكَ وقيل أفلا تخافون أنْ يُزيل عنكم نعمَه الخ وفيهِ ما فيهِ والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه والفاء للعطف على مقدر يقتضيهِ المقامُ أي أتعرفون ذلك أي مضمونَ قولِه تعالى مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ فلا تتَّقون عذابَه بسبب إشراكِكم به في العبادة ما لا يستحقُّ الوجودَ لولا إيجادُ الله تعالى إيَّاهُ فضلاً عن استحقاقِ العبادة فالمنكر عدمُ الاتِّقاءِ مع تحقُّق ما يُوجبه أو ألا تلاحِظون ذلكَ فلا تتَّقُونه فالمنكر كلا الأمرين فالممالعة حينئذٍ في الكميَّةِ وفي الأوَّلِ في الكيفيَّةِ
(6/130)

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24)
{فَقَالَ الملأ} أي الأشراف {الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} وصف الملأ بما ذُكر مع اشتراك الكلِّ فيه للإيذان بكمال عراقتِهم في الكُفرِ وشدَّةِ شكيمتهم فيه أي قالوا لعوامِّهم {مَا هذا إلا بشر مثلكم} أي في الجنسِ والوصفِ من غير فرقٍ بينكم وبينَه وصفوه عليه السَّلامُ بذلك مبالغةً في وضع رتبته العالية وحطِّها عن منصب النُّبوة {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} أي يريدُ أنْ يطلبَ الفضلَ عليكم ويتقدَّمكم بادِّعاءِ الرَّسالةِ مع كونهِ مثلكم وصفوه بذلك إغضاباً للمُخاطبين عليه عليه السَّلامُ وإغراءً لهم على معاداته عليه السَّلامُ وقولُه تعالى {وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة} ) بيانٌ لعدم رسالة البشر على الإطلاقِ على زعمِهم الفاسدِ بعد تحقيق بشريَّتهِ عليه السَّلامُ أي لو شاء الله تعالى إرسالَ الرَّسولِ لأرسل رُسُلاً من الملائكة وإنَّما قيل لأنزل لأنَّ إرسالَ الملائكة لا يكونُ إلا بطريقِ الإنزالِ فمفعولُ المشيئة مطلقُ الإرسالِ المفهوم من الجواب لأنفس مضمونِه كما في قوله تعالى وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ ونظائره {مَّا سَمِعْنَا بهذا} أي بمثل هذا الكلامِ الذي هو الأمرُ بعبادة الله خاصَّةً وتركُ عبادة ما سواه وقيل بمثل نوحٍ عليه السَّلامُ في دعوى النُّبوةِ {في آبائنا الأولين} أي الماضين قبلِ بعثتِه عليه السَّلامُ قالوه إمَّا لكونهم وآبائهم في فترة متطاولةٍ وإما لفرطِ غلوِّهم في التكذيب والعناد وأنهما كهم في الغيِّ والفساد وأيَّا ما كان فقولُهم هذا ينبغي أنْ يكونَ هو الصادر عنهم في مبادئ دعوتهِ عليه السَّلامُ كما تنبئ عنه الفاء في قوله تعالى فَقَالَ الملا الخ وقيل معناه ماسمعنا به عليه السَّلامُ أنَّه نبيٌّ فالمرادُ بآبائِهم الأوَّلين الذين مضموا قبلهم في زمنِ نوحٍ عليه السَّلامُ وقولهم المذكور هو الذي صدر عنهم في أواخرِ أمرِه عليه السَّلامُ وهو المناسبُ لما بعدَه من حكاية دُعائهِ عليه السَّلامُ وقولهم
(6/130)

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25)
{إِنْ هُوَ} أي مَا هو {إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} أي جُنونٌ أو جنٌّ يخيلونه ولذلك يقولُ ما يقولُ {فَتَرَبَّصُواْ بِهِ} أي احتمِلوه واصبِروا عليه وانتظروا {حتى حِينٍ} لعلَّه يُفيقُ ممَّا فيه محمول حينئذ
(6/130)

سورة المؤمنون (26 27) على ترامي أحوالهم في المكابرةِ والعنادِ وإضرابِهم عمَّا وصفُوه عليه السَّلامُ به من البشرية وإرادةِ التَّفضُّلِ إلى وصفِه عليه السَّلامُ بما ترى وهم يعرفون أنَّه عليه السَّلامُ أرجحُ النَّاسِ عَقْلاً وأرزنهم قولاً وعلى الأوَّل على تناقضِ مقالاتِهم الفاسدةِ قاتلهم اللَّهُ أنَّى يُؤفكون
(6/131)

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26)
{قال} استئناف مبني على سؤالٍ نشأَ من حكايةِ كلامِ الكَفَرةِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالَ عليه السَّلامُ بعد ما سمع منهم هذه الأباطيلَ فقيل قال لمَّا رآهم قد أصرُّوا على الكفر والتكذيبِ وتمادَوا في الغواية والضَّلالِ حتَّى يئسَ من إيمانهم بالكلِّيةِ وقد أوحى اللَّهُ إليه أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قومك إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ {رَبّ انصرنى} بإهلاكهم بالمرَّةِ فإنَّه حكاية إجماليَّةٌ لقوله عليه السَّلامُ ربِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دياراًَ الخ {بِمَا كَذَّبُونِ} أي بسبب تكذيبهم إياي أو بدل تكذيبهم
(6/131)

فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)
{فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} عند ذلك {أَنِ اصنع الفلك} أنْ مفسِّرة لما في الوحي من معنى القول {بِأَعْيُنِنَا} ملتبساً بحفظِنا وكلاءتِنا كأنَّ معه عليه السَّلامُ منه عزَّ وعلا حُفَّاظاً وحُرَّاساً يكلئونه بأعينهم من التَّعدِّي أو من الزَّيغِ في الصَّنعةِ {وَوَحْيِنَا} وأمرِنا وتعليمنا لكيفيَّة صُنعها والفاء في قوله تعالى {فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا} لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صُنع الفُلك والمرادُ بالأمر العذابُ كما في قوله تعالى لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله لا الأمرُ بالرُّكوبِ كما قيل وبمجيئه كمالُ اقترابهِ أو ابتداءُ ظهورهِ أي إذا جاء إثرَ تمامِ الفُلكِ عذابُنا وقوله تعالى {وَفَارَ التنور} عطفُ بيانٍ لمجيء الأمر رُوي أنَّه قيل له عليه السَّلامُ إذا فار الماءُ من التَّنُّورِ اركبْ أنت ومن معك وكان تنُّور آدمَ عليه السَّلامُ فصار إلى نوحٍ عليهِ السَّلامُ فلمَّا نبع منه الماء أخبرتْهُ امرأتهُ فركبُوا واختُلف في مكانه فقيل كان في مسجدِ الكوفةِ أي في موضعه عن يمينِ الدَّاخلِ من باب كِندة اليوم وقيل كان في عين وَردة من الشَّامِ وقد مر تفصيله في تفسير سُورة هودٍ عليه السَّلامُ {فاسلك فِيهَا} أي أدْخِلْ فيها يقال سَلَك فيه أي دَخَلَ فيه وسلكه فيه أدْخَلَه فيه ومنه قوله تعالى مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ {مِن كُلّ} أي من كلِّ أمِّةٍ {زَوْجَيْنِ} أي فردينِ مزدوجينِ كما يعرب عنه قوله تعالى {اثنين} فإنَّه نصٌّ في الفردين دون الجمعينِ أو الفريقين وقرئ بالإضافةِ على أنَّ المفعولَ اثنينِ أي من كلِّ أمتي زوجينِ وهُما أمَّة الذَّكرِ وأُمَّة الأُنثى كالجمالِ والنُّوقِ والحصنِ والرماك وهذا صريحٌ في أنَّ الأمر كان قبل صُنعه الفُلكَ وفي سُورةِ هودٍ حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التنور قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ فالوجهُ أنْ يحملَ إمَّا على أنَّه حكايةٌ لأمرٍ آخرَ تنجيزيَ ورد عند فَوَران التَّنُّورِ الذي نِيط به الأمرُ التعليقيُّ اعتناءً بشأن المأمور به أو على أنَّ ذلك هو الأمرُ السَّابقُ بعينه لكن لمَّا كان الأمرَ التَّعليقيُّ قبل تحققِ المعلَّقِ به في حقِّ إيجابِ المأمورِ به بمنزلة العدم جُعل كأنَّه إنَّما حدث عند تحقُّقهِ فحُكي على صورة النجيز وقد مرَّ في تفسيرِ قوله
(6/131)

سورة المؤمنون (28 32) تعالى وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لاِدَمَ {وَأَهْلَكَ} منصوبٌ بفعل معطوف على فاسلُك لا بالعطف على زوجينِ أو اثنين على القراءتينِ لأدائه إلى اختلالِ المعنى أي واسلُك أهلَك والمرادُ به امرأتُه وبنُوه وتأخيرُ الأمر بإدخالهم عمَّا ذُكر من إدخال الأزواجِ فيها لكونِه عريقاً فيما أُمر به من الإدخال فإن نحتاج إلى مزاولة الأعمالِ منه عليه السَّلامُ بل إلى معاونةٍ من أهلِه وأتباعِه وأماهم فإنَّما يدخلونَها باختيارِهم بعد ذلك ولأنَّ في المؤخَّر ضربَ تفصيلٍ بذكر الاستثناء وغيرِه فتقديمُه يؤدِّي إلى الإخلالِ بتجاوبِ أطرافِ النظمِ الكريم ي {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ} أي القولُ بإهلاكِ الكَفَرةِ وإنَّما جيء بعلى لكون السابقِ ضارًّا كما جيء باللامِ في قوله تعالى إن الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى لكونِه نافعاً {وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ} بالدُّعاءِ لإنجائهم {إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ} تعليلٌ للنهي أو لما ينبئ عنه من عدم قبول الدُّعاءِ أي إنَّهم مقضيٌّ عليهم بالإغراقِ لا محالةَ لظُلمهم بالإشراك وسائر المَعَاصي ومَن هذا شأنُه لا يُشفعُ له ولا يُشفَّعُ فيه كيف لا وقد أُمر بالحمدِ على النَّجاةِ منهم بهلاكِهم بقوله تعالى
(6/132)

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)
{فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ} أي من أهلِك وأشياعِك {عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين} على طريقةِ قوله تعالى فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين
(6/132)

وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29)
{وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِى} في السَّفينةِ أو منها {مُنزَلاً مُّبَارَكاً} أيْ إنزالاً أو موضعَ إنزالٍ يستتبعُ خيراً كثيرا وقرئ مَنْزلاً أي موضعَ نزولٍ {وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين} أُمر عليه السَّلامُ بأنْ يشفع دعاءه بما يُطابقه من ثنائه عزَّ وجلَّ توسُّلاً به إلى الإجابةِ وإفرادُه عليه السَّلامُ بالأمر مع شركة الكلِّ في الاستواءِ والنَّجاةِ لإظهار فضله عليه السَّلامُ والإشعارِ بأنَّ في دُعائه وثنائِه مندوحةً عمَّا عداهُ
(6/132)

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر مما فعل به عليه السَّلامُ وبقومِه {لاَيَاتٍ} جليلةً يستدلُّ بها أُولو الأبصارِ ويعتبر بها ذَوُو الاعتبار {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} إنْ مخففةٌ منْ أنَّ واللامُ فارقةٌ بينها وبين النَّافيةِ وضميرُ الشَّأنِ محذوفٌ أي وإنَّ الشَّأنَ كُنَّا مصيبين قومَ نوحٍ ببلاء عظيم وعقاب شديد ومختبرين بهذه الآياتِ عبادَنا لننظر مَن يعتبرُ ويتذكَّر كقولِه تعالى ولقد تركناها آية فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ
(6/132)

ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31)
{ثم أنشأنا من بعدهم} أي من بعد إهلاكهم {قرنا آخرين} هم عادٌ حسبما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعليه أكثرُ المُفسِّرين وهو الأوفقُ لما هو المعهودُ في سائرِ السورِ الكريمةِ من إيراد قصَّتهم إثرَ قصَّةِ قومِ نوحٍ وقيل هم ثمودُ
(6/132)

فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32)
{فأرسلنا فيهم} جعلوا
(6/132)

سورة المؤمنون (33 35) موضعاً للإرسالِ كَما في قولِه تعالى كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ ونحوه لا غايةً له كما في مثلِ قولِه تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ للإيذانِ من أولِ الأمرِ بأنَّ مَن أُرسل إليهم لم يأتِهم من غير مكانِهم بل إنَّما نشأَ فيما بين أظهرِهم كما ينبئ عنه قولُه تعالى {رَسُولاً مّنْهُمْ} أي من جُملتهم نسباً فإنَّهما عليهما السَّلامُ كانا منهم وأنْ في قولِه تعالَى {أن اعبدوا الله} مفسِّرةٌ لأرسلنا لتضمُّنِه معنى القولِ أي قُلنا لهم على لسانِ الرَّسولِ اعبدُوا الله تعالى وقولُه تعالى {مَّا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ} تعليلٌ للعبادة المأمورة بها أو للأمرِ بها أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي عذابَه الذي يستدعيه ما أنتُم عليه من الشِّركِ والمعاصي والكلامُ في العطفِ كالذي مرَّ في قصَّةِ نوحٍ عيه السَّلامُ
(6/133)

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)
{وَقَالَ الملا مِن قَوْمِهِ} حكايةٌ لقولهم الباطل إثرَ حكاية القول الحقِّ الذي ينطق به حكايةُ إرسال الرَّسولِ بطريق العطفِ على أنَّ المرادَ حكايةُ مطلقِ تكذيبهم له عليه السَّلامُ إجمالاً لا حكايةُ ما جَرى بينَهُ عليه السَّلامُ وبينهم من المُحاورةِ والمُقاولةِ تفصيلاً حتَّى يُحكى بطريقِ الاستئنافِ المبنيِّ على السؤال كما ينبئ عنه ما سيأتي من حكايةِ سائر الأُمم أي وقال الأشرافُ من قومِه {الذين كَفَرُواْ} في محلِّ الرَّفعِ على أنَّه صفةٌ للملأُ وُصفوا بذلك ذمًّا لهم وتنبيهاً على غلوِّهم في الكُفرِ وتأخيرُه عن مِن قومِه لعطفِ قوله تعالى {وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الأخرة} وما عُطف عليه على الصِّلةِ الأُولى أي كذَّبُوا بلقاء ما فيها من الحسابِ والثَّوابِ والعقابِ أو بمعادِهم إلى الحياة الثَّانيةِ بالبعث {وأترفناهم} ونعَّمناهم {فِى الحياة الدنيا} بكثرةِ الأموالِ والأولادِ أي قالوا لأعقابهم مضلِّين لهم {مَا هذا إلا بشر مثلكم} أي في الصِّفاتِ والأحوالِ وإيثارُ مئلكم على مثلنا للمبالغة في تهوين أمره عليه لاسلام وتوهينِه {يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ} تقريرٌ للمماثلة وما خبريةٌ والعائدُ إلى الثَّاني منصوبٌ محذوف أو مجرور قد حُذف مع الجارِّ لدلالةِ ما قبله عليه
(6/133)

وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34)
{وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ} أي فيما ذكر من الأحوالِ والصِّفات أي إنِ امتثلتم بأوامر {إِنَّكُمْ إِذاً} أي على تقديرِ الاتباع {لخاسرون} عقولكم ومغبونون في آرائكم حيث أذللتم أنفسكم انظر كيف جعلُوا اتباعَ الرَّسولِ الحقِّ الذي يوصِّلُهم إلى سعادةِ الدَّارينِ خُسراناً دُون عبادةِ الأصنامِ التي لا خُسرانَ وراءها قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون وإذاً وقع بين اسمِ إنَّ وخبرِها لتأكيد مضمون الشَّرطِ والجملةُ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ قبل إنِ الشَّرطيةِ المصدَّرةِ باللام الموطئةِ أي وبالله لئن أطعتمُ بشراً مثلَكم إنَّكم إذاً لخاسرونَ
(6/133)

أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)
{أَيَعِدُكُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما قبله من زجرهم عن اتِّباعِه عليه السَّلامُ بإنكار وقوع ما يدعُوهم إلى الإيمان به واستبعاده {أَنَّكُمْ إِذَا مِتّم} بكسر الميمِ من مات يموت وقرئ بضمها من مات
(6/133)

سورة المؤمنون (36 41) يموتُ {وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما} نَخِرةً مجرَّدةً عن اللُّحوم والأعصابِ أي كان بعضُ أجزائِكم من اللَّحم ونظائرِه تُراباً وبعضُها عظاماً وتقديمُ التُّراب لعراقتِه في الاستبعادِ وانقلابِه من الأجزاءِ الباديةِ أو كان متقدِّموكم تُراباً صِرفاً ومتأخِّروكم عظاماً وقوله تعالى {إِنَّكُمْ} تأكيد للأوَّلِ لطول الفصلِ بينه وبين خبرِه الذي هو قولُه تعلى {مُّخْرَجُونَ} أي من القبورِ أحياءً كما كنتُم وقيل أنَّكم مخرجون مبتدأٌ وإذا مِتُم خبرُه على معنى إخراجُكم إذا متُم ثم أخبر بالجملة عن أنَّكم وقيل رُفع أنَّكم مخرجون بفعل هوجزاء الشَّرطِ كأنَّه قيل إذا مِتُم وقعَ إخراجُكم ثم أُوقعتْ الجملةُ الشَّرطيةُ خبراً عن أنَّكم والذي تقتضيهِ جزالةُ النظمِ الكريمِ هو الأول وقرئ أيعدكم إذَا متم الخ
(6/134)

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36)
{هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} تكريرٌ لتأكيد البُعدِ أي بُعدِ الوقوع أو الصِّحةِ {لِمَا تُوعَدُونَ} وقيل اللامُ لبيان المستبعَدِ ما هو كما في هَيْتَ لَكَ كأنَّهم لما صوَّتوا بكلمةِ الاستبعادِ قيل لماذا هذا الاستبعادُ فقيل لما تُوعدون وقيل هيهاتَ بمعنى البُعدِ وهو مبتدأٌ خبرُه لما توعدون وقرئ بالفتحِ مُنوَّناً للتَّنكيرِ وبالضَّمِّ منوَّناً على أنَّه جمعُ هيهة وغير منون تشبها بقبلُ وبالكسرِ على الوجهينِ وبالسُّكون على لفظِ الوقفِ وإبدالِ التَّاء هاءً
(6/134)

إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37)
{إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا} أصله إنْ الحياةُ إلاَّ حياتُنا فأُقيم الضَّميرُ مقام الأولى لدى الثَّانيةِ عليها حَذَراً من التكرار وإسعارا بإغنائِها عن التَّصريحِ كما في هي النَّفسُ تتحملُ ما حُمِّلتْ وهي العربُ تقول ما شاءتْ وحيثُ كان الضَّميرُ بمعنى الحياةِ الدالة على الجنسِ كانتْ إنِ النَّافيةُ بمنزلةِ لا النَّافيةِ للجنسِ وقولُه تعالى {نَمُوتُ وَنَحْيَا} جملةٌ مفسِّرةٌ لما ادَّعوه مِن أنَّ الحياةَ هي الحياة الدُّنيا أي يموتُ بعضُنا ويولد بعضٌ إلى انقراضِ العصرِ {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} بعد الموتِ
(6/134)

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)
{إِنْ هُوَ} أي مَا هُو {إِلاَّ رَجُلٌ أفترى عَلَى الله كَذِباً} فيما يدَّعيه من إرسالِه وفيما يَعدُنا من أنَّ الله يبعثُنا {وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} بمصدِّقين فيما يقولُه
(6/134)

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39)
{قَالَ} أي هودُ عليه السَّلامُ عند يأسِه من إيمانهم بعد ما سلكَ في دعوتِهم كلَّ مسلكٍ متضرِّعاً إلى الله عزَّ وجلَّ {رب انصرني} عليهم وانتقم لي منهم {بِمَا كذبون} أي بسبب تكذيبهم أيَّاي وإصرارِهم عليه
(6/134)

قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40)
{قَالَ} تعالى إجابةً لدعائِه وعدةً بالقَبُول {عَمَّا قَلِيلٍ} أي عن زمانٍ قليلٍ ومَا مزيدةٌ بينَ الجارِّ والمجرورِ لتأكيدِ معنى القلَّةِ كما زِيدتْ في قوله تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله أو نكرةٌ موصوفةٌ أي عن شيءٍ قليلٍ {لَّيُصْبِحُنَّ نادمين} على ما فعلوه من التَّكذيب وذلك عند معاينتِهم للعذابِ
(6/134)

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41)
{فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة} لعلَّهم حين أصابتهم
(6/134)

سورة المؤمنون (42 44) الرِّيحُ العقيمُ أُصيبوا في تضاعيفها بصيحةٍ هائلةٍ أيضاً وقد رُوي أنَّ شدَّادَ بن عاد حين أتم بناءُ إرمَ سار إليها بأهلِه فلمَّا دنا منها بعثَ الله عليهم صيحةً من السَّماءِ فهلكُوا وقيل الصَّيحةُ نفسُ العذابِ والموتِ وقيل هي العذابُ المصطَلِمُ قال قائلُهم ... صاحَ الزَّمانُ بآلِ بَرمكَ صيحة ... خَرُّوا لشدَّتِها عَلَى الأذقانِ ...
{بالحق} متعلِّقٌ بالأخذ أي بالأمرِ الثَّابتِ الذي لا دفاعَ له أو بالعدل من الله تعالى أو بالوعد الصِّدقِ {فجعلناهم غُثَاء} أي كغُثاءِ السَّيلِ وهو حَميلُه {فَبُعْداً لّلْقَوْمِ الظالمين} إخبار أو دعاء وبُعداً من المصادر التي لا يكادُ يُستعمل ناصبُها والمعنى بعدُوا بُعداً أي هلكُوا واللامُ لبيانِ مَن قيلَ له بُعداً ووضعُ الظَّاهر موضعَ الضَّميرِ للتَّعليلِ
(6/135)

ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42)
{ثم أنشأنا من بعدهم} أي بعد هلاكِهم {قُرُوناً آخرين} هم قومُ صالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ عليهم السَّلامُ وغيرُهم
(6/135)

مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43)
{مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا} أي ما تتقدَّمُ أمة من الأمم المهلكة الوقت الذي عُيِّن لهلاكِهم أي ما تهلكُ أمةٌ قبل مجئ أجلها {وما يستأخرون} ذلك الأجلَ بساعةٍ وقوله تعالى
(6/135)

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44)
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا} عطفٌ على أنشأنا لكنْ لا على مَعْنى أنَّ إرسالَهم مُترَاخٍ عن إنشاء القُرون المذكورةِ جميعاً بل على مَعْنى أنَّ إرسالَ كلِّ رسولٍ متأخِّرٌ عن إنشاءِ قرنٍ مخصُوصٍ بذلك الرَّسولِ كأنَّه قيل ثمَّ أنشأنا من بعدِهم قُروناً آخرينَ قد أرسلنا إلى كلِّ قرنٍ منهُم رسولاً خاصًّا بهِ والفصلُ بين المعطوفينِ بالجملة المعترضة الناطقة بعدم تقدُّمِ الأممِ أجلَها المضروبَ لهلاكِهم للمسارعةِ إلى بيان هلاكِهم على وجهٍ إجماليَ {تترا} أي متواتِرينَ واحداً بعد واحدٍ من الوِتْرِ وهو الفَردُ والتَّاءُ بدلٌ من الواوِ كما في تولج ويتقوا والألفُ للتأنيثِ باعتبار أنَّ الرسل جماعة وقرئ بالتوين على أنه مصدرٌ بمعنى الفاعلِ وقع حالاً وقولُه تعالى {كل ما جاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} استئنافٌ مبيِّنٌ لمجيء كلِّ رسولٍ لأمَّتِه ولما صدرَ عنهم عند تبليغِ الرِّسالةِ والمرادُ بالمجيءِ إمَّا التَّبليغُ وإمَّا حقيقةُ المجيء للإيذانِ بأنَّهم كذبوه في أو المُلاقاة وإضافةُ الرَّسولِ إلى الأُمَّةِ مع إضافة كلِّهم فيما سبق إلى نُونِ العظمةِ لتحقيق أنَّ كلَّ رسولٍ جاء أُمَّته الخاصَّةَ به لا أنَّ كلَّهم جاءوا كلَّ الأممِ والإشعارِ بكمالِ شناعتِهم وضلالِهم حيثُ كذَّبتْ كلُّ واحدةٍ منهُم رسولَها المعيَّنِ لها وقيل لأنَّ الإرسالَ لائقٌ بالمرسلِ والمجيءُ بالمرسلِ إليهم {فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً} في الهلاكِ حسبما تبع بعضُهم بعضاً في مباشرة أسبابِه التي هي الكفرُ والتَّكذيبُ وسائرُ المعاصي {وجعلناهم أَحَادِيثَ} لم يبقَ منُهم إلا حكاياتٌ يعتبر بها المعتبرون وهو اسمُ جمعٍ للحديثِ أو جمعُ أُحدوثةٍ وهي ما يُتحدَّثُ به تَلهِّياً كأعاجيبَ جمعُ أُعجوبةٍ وهي ما يُتعجَّبُ منه أي جعلناهم أحاديثَ يُتحدَّثُ بها تَلهِّياً وتعجُّباً {فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يؤمنون} اقتصر ههنا على وصفهم بعدمِ الإيمانِ حسبما
(6/135)

سورة المؤمنين (45 47) اقتصر على حكايةِ تكذيبهم إجمالاً وأمَّا القُرونُ الأَوَّلُون فحيث نُقل عنهم ما مرَّ من الغُلوِّ وتجاوزِ الحدِّ في الكُفرِ والعُدوانِ وُصفوا بالظُّلمِ
(6/136)

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45)
{ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هارون بآياتنا} هي الآياتُ التِّسعُ من اليدِ والعَصَا والجرادِ والقُمَّلِ والضَّفادعِ والدَّمِ ونقصِ الثَّمراتِ والطَّاعون ولا مساغَ لعدِّ فلق البحر منهاإذ المرادُ هي الآياتُ التي كذَّبوها واستكبرُوا عنها {وسلطان مُّبِينٍ} أي حجَّةٍ واضحةٍ مُلزمةٍ للخَصمِ وهي إمَّا العَصَا وإفرادُها بالذِّكرِ مع اندراجِها في الآياتِ لما أنَّها أمُّ آياتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُولاها وقد تعلقتْ بها معجزاتٌ شَتَّى من انقلابِها ثُعباناً وتلقُّفها لما أفكته السَّحرةُ حسبما فُصِّل في تفسير سُورةِ طه وأما التعرض لانقلاق البحرِ وانفجارِ العُيون من الحجرِ بضربها وحراستِها وصيرورتِها شمة وشجرةً خضراءَ مثمرةً ودَلْواً ورِشَاءَ وغيرَ ذلك ممَّا ظهرَ منها من قبلُ ومن بعدُ في غير مشهدِ فرعونَ وقومِه فغيرُ ملائم لمتقضى المقامِ وأمَّا نفسُ الآياتِ كقولِه إلى الملكِ القَرمِ وبان الهُمامِ الخ عبَّر عنها بذلك على طريقةِ العطفِ تنبيهاً على جمعها لعُنوانينِ جليلينِ وتنزيلاً لتغايرِهما منزلةَ التَّغايرِ الذَّاتيِّ
(6/136)

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)
{إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ} أي أشرافِ قومِه خُصُّوا بالذِّكرِ لأنَّ إرسالَ بني إسرائيلَ منوطٌ بآرائِهم لا بآراءِ أعقابهم {فاستكبروا} عن الانقيادِ وتمرَّدوا {وَكَانُواْ قَوْماً عالين} متكبِّرين مُتمرِّدين
(6/136)

فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47)
{فَقَالُواْ} عطفٌ على استكبرُوا وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبارِ أي كانُوا قوماً عادتُهم الاستكبارُ والتَّمرد أي قالُوا فيما بينهم بطريقِ المُناصحةِ {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} ثَنَّى البشرَ لأنَّه يُطلقُ على الواحد كقوله تعالى بشرا سويا كما يُطلقُ على الجمعِ كما في قوله تعالى فأما تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً ولم يثنِّ المِثْلَ نظراً إلى كونِه في حكمِ المصدرِ وهذه القصصُ كما نرى تدلُّ على أنَّ مدار شُبَه المُنكرين للنُّبوةِ قياسُ حالِ الأنبياءِ على أحوالِهم بناءً على جهلِهم بتفاصيلِ شؤونِ الحقيقةِ البشريَّةِ وتباينِ طبقاتِ أفرادِها في مراقي الكمالِ ومَهَاوي النُّقصانِ بحيثُ يكونُ بعضُها في أعلى عِلّيين وهم المختصُّون بالنُّفوس الزَّكيَّةِ المؤيِّدونَ بالقُوَّة القدسيةِ المتعلِّقون لصفاءِ جواهرِهم بكِلا العالمينِ الرُّوحانيِّ والجُسمانيِّ يتلقَون من جانبٍ ويلقون إلى جانب ولا يعوقهم التلق بمصالح الخلقِ عن التبتل إلى جنابِ الحقِّ وبعضُها في أسفلِ سافلينَ كأولئك الجَهَلة الذين هم كالأنعامِ بل هم أصل سبيلاً {وَقَوْمُهُمَا} يعنون بني إسرائيلَ {لَنَا عابدون} أي خادمون مُنقادون لنا كالعبيدِ وكأنَّهم قصدُوا بذلك التَّعريضَ بشأنِهما عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ وخطر تبتهما العليَّةِ عن منصب الرِّسالةِ من وجهٍ آخرَ غيرِ البشريَّةِ واللامُ في لنا متعلقة بعابدون قدمت عليه رعايةً للفواصلِ والجملةُ حالٌ من فاعلِ نُؤمنُ مؤكِّدةٌ لإنكارِ الإيمانِ لهما بناءً على زعمهم الفاسدِ المُؤَسَّسِ على قياسِ الرِّياسةِ الدِّينيةِ على الرِّياساتِ الدُّنيويَّةِ الدَّائرةِ على التَّقدُّمِ في نيل الحظوظ
(6/136)

سورة المؤمنين (48 50) الدَّنيةِ من المالِ والجاهِ كدأبِ قُريشٍ حيثُ قالُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وقالُوا لَوْلاَ نُزِّل هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عظيم وجهلِهم بأنَّ مناطَ الاصطفاءِ للرِّسالةِ هو السَّبقُ في حيازةِ ما ذُكر من النُّعوت العليةِ وإحرازِ الملَكات السَّنية جِبِلّةً واكتساباً
(6/137)

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48)
{فَكَذَّبُوهُمَا} أي فتموا على تكذيبهما وأصروا واستكبروا استكباراص {فَكَانُواْ مِنَ المهلكين} بالغرقِ في بحرِ قُلْزم
(6/137)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49)
{ولقد آتينا} أي بعد إهلاكِهم وإنجاءِ بني إسرائيلَ من ملكتهم {موسى الكتاب} أي التوراة وحيث كان إيتاؤُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إيَّاها لإرشاد قومِه إلى الحقِّ كما هو شأنُ الكتبِ الإلهية جعلوا كأنَّهم أُوتوها فقيلَ {لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} أي إلى طريق الحقِّ بالعمل بما فيها من الشَّرائعِ والأحكام وقيل أُريد آتينا قومَ مُوسى فحُذف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مقامَه كما في قوله تعالى على خَوْفٍ مّن فرعونَ وَمَلَئِهِمْ أي من آلِ فرعونَ وملئهم ولا سبيلَ إلى عود الضَّميرِ إلى فرعونَ وقومه لظهور أنَّ التَّوراةَ إنَّما نزلتْ بعد إغراقِهم لبني إسرائيلَ وأمَّا الاستشهادُ على ذلك بقولِه تعالى وَلَقَدْ آتينا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الاولى فمما لا سبيلَ إليه ضرورةَ أنْ ليس المرادُ بالقرونِ الأُولى ما يتناولُ قوم فرعون بل مِن قَبْلِهِم من الأممِ المُهلكةِ خاصَّةً كقومِ نوحٍ وقومِ هُودٍ وقومِ صالحٍ وقومِ لوطٍ كما سيأتي في سورة القصص
(6/137)

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)
{وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آية} وأيةَ آيةٍ دالةٍ على عظيمِ قُدرتِنا بولادتِه منها من غير مسيس بشرف الآية أمرٌ واحدٌ نُسب إليهما أو جعلنا ابنَ مريمَ آيةً بأنْ تكلَّم في المهدِ فظهرتْ منه معجزاتٌ جمَّةٌ وأمَّه آيةً بأنَّها ولدتْهُ من غير مسيسٍ فحذفت الأولى لدلالةِ الثانية عليها والتبعير عنهما بما ذُكر من العُنوانينِ وهما كونُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ابنَها وكونُها أمَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للإيذان من أول الأمرِ بحيثيةِ كونِهما آيةً فإنَّ نسبته عليه الصلاة والسلام إليها مع أنَّ النَّسبَ إلى الآباءِ دالة على أنَّ لا أبَ له أي جعلنا ابنَ مريمَ وحدَها من غيرِ أنْ يكونَ له أبٌ وأمه التي ولدته خاصَّةً من غيرِ مشاركةِ الأبِ آيةً وتقديمُه عليه الصِّلاةُ والسَّلامُ لأصالتِه فيما ذُكر من كونِه آيةً كما أنَّ تقديمَ أمِّه في قولِه تعالى وجعلناها وابنها آية للعالمين لأصالتِها فيما نُسب إليها من الإحصان والنَّفخِ {وَآوَيناهُمَا إِلَى ربوَةٍ} أي أرضٍ مُرتفعةٍ قيل هي إيليا أرضُ بيتِ المقدسِ فإنَّها مرتفعةٌ وأنها كبدُ الأرضِ وأقربُ الأرضِ إلى السَّماءِ بثمانيةَ عشرَ ميلاً على ما يُروى عن كعبٍ وقيل دمشقُ وغوطتُها وقيل فِلسطينُ والرَّملةُ وقيل مصرُ فإنَّ قُراها على الربا وقرئ بكسرِ الرَّاءِ وضمِّها ورِباوةٍ بالكسرِ والضَّمِّ {ذَاتِ قَرَارٍ} مستقرَ من أرضٍ منبسطةٍ سهلةٍ يستقرُّ عليها ساكنُوها وقيل ذاتِ ثمارٍ وزروعٍ لأجلها يستقرُّ فيها ساكنُوها {وَمَعِينٍ} أي وماءٍ مَعينٍ ظاهرٍ جارٍ فعيلٌ من مَعنَ الماءُ إذا جَرى وأصلُه الإبعادُ في المشيِ أو من الماعون
(6/137)

سورة المؤمنين (51 52) وهو النَّفعُ لأنَّه نَفَّاعٌ أومفعول من عانَه إذا أدركَه بالعَينِ فإنَّه لظهورِه يُدرك بالعُيونِ وُصف ماؤُها بذلك للإيذانِ بكونِه جامعاً لفُنون المنافعِ من الشُّربِ وسقيِ ما يُسقى من الحيوان والنَّباتِ بغيرِ كُلفةٍ والتنزُّهِ بمنظره الموفق
(6/138)

يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)
{يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات} حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهِ الإجمالِ لما خُوطب به كلُّ رسولٍ في عصرِه جيءَ بها إثرَ حكايةِ إيواءِ عِيْسى عليه السَّلامُ وأمِّه إلى الرَّبوةِ إيذاناً بأنَّ ترتيبَ مبادئ التَّنعم لم يكن من خصائصِه عليه السَّلامُ بل إباحةُ الطَّيباتِ شرعٌ قديمٌ جرى عليه جميعُ الرُّسلِ عليهم السلام ووصوا به أي وقُلنا لكلِّ رسولٍ كُلْ من الطَّيباتِ واعملْ صالحاً فعبَّر عن تلك الأوامرِ المُتعدِّدةِ المتعلِّقةِ بالرُّسلِ بصيغةِ الجمعِ عند الحكايةِ إجمالاً للإيجازِ وفيه من الدِّلالةِ على بُطلان ما عليهِ الرَّهابنةُ من رفضِ الطَّيباتِ ما لا يَخْفى وقيل حكايةٌ لما ذُكر لعيسَى عليه السَّلامُ وأمِّه عند إيوائِهما إلى الرَّبوةِ ليقتديَا بالرُّسلِ في تناولِ ما رُزقا وقيل نداءٌ وخطابٌ له والجمعُ للتَّعظيمِ وعن الحسنِ ومُجاهدٍ وقتادة والسدى والكبي رحمهم الله تعالى أنَّه خطابٌ لرسولِ الله صلى لله عليه وسلم وحدَهُ على دأبِ العربِ في مخاطبةِ الواحدِ بلفظِ الجمعِ وفيه إبانةٌ لفضلِه وقيامِه مقامَ الكلِّ في حيازة كما لا تهتم والطَّيباتُ ما يُستطاب ويُستلذُّ من مباحاتِ المأكلِ والفواكِه حسبما ينبئ عنه سياقُ النظمِ الكريم فالأمرُ للتَّرفيهِ {واعملوا صالحا} أي عملاً صالحاً فإنَّه المقصودُ منكم والنَّافعُ عند ربِّكم {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ} منَ الأعمالِ الظَّاهرةِ والباطنةِ {عليم} أجازيكم عليهِ
(6/138)

وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)
{وَإِنَّ هذه} استئنافٌ داخلٌ فيما خُوطب به الرُّسلُ عليهم السَّلامُ على الوجهِ المذكورِ مسوقٌ لبيانِ أنَّ ملَّة الإسلامِ والتَّوحيدِ ممَّا أُمر به كافَّةُ الرُّسلِ عليهم السَّلامُ والأممِ وإنَّما أُشير إليها بهذه للتَّنبيهِ على كمالِ ظهورِ أمرها في الصِّحَّة والسَّدادِ وانتظامِها بسببِ ذلكَ في سلكِ الأمور المُشاهَدةِ {أُمَّتُكُمْ} أي ملَّتُكم وشريعتُكم أيُّها الرُّسل {أُمَّةً وَاحِدَةً} أي مِلَّةً وشريعةً متَّحدةً في أصولِ الشرائعِ التي لا تتبدلُ بتبدل الأعصارِ وقيل هذه إشارةٌ إلى الأممِ المؤمنةِ للرُّسلِ والمعنى إنَّ هذه جماعتُكم جماعةً واحدةً متَّفقةً على الإيمانِ والتَّوحيدِ في العبادةِ {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} من غيرِ أنْ يكونَ لي شريكٌ في الرُّبوبيَّةِ وضميرُ المُخاطَب فيهِ وفي قولِه تعالى {فاتقون} أي في شقِّ العَصَا والمخالفةِ بالإخلالِ بمواجبِ ما ذُكر من اختصاص الرُّبوبيةِ بي للرُّسلِ والأممِ جميعاً على أنَّ الأمرَ في حقِّ الرُّسلِ للتَّهييجِ والإلهابِ وفي حقِّ الأممِ للتَّحذيرِ والإيجابِ والفاءُ لترتيبِ الأمرِ أو وجوبِ الامتثالِ به على ما قبلَه من اختصاصِ الرُّبوبيةِ به تعالى واتِّحادِ الأمَّةِ فإنَّ كُلاًّ منهما موجبٌ للاتِّقاءِ حتما وقرئ وأنَّ هذه بفتحِ الهمزةِ على حذف اللام أي ولأنَّ هذه أمَّتُكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتَّقون أي إنْ تتَّقونِ فاتَّقونِ كما مر في قوله تعالى وإياى فارهبون وقيل على العطفِ على مَا أي إنِّي عليمٌ بأنَّ أمَّتَكم أمَّةٌ الخ وقيل على حذفِ فعلٍ عاملٍ فيه أي واعلموا أنَّ هذه أمَّتُكم الخ وقرئ وأنْ هذه على أنَّها مُخفّفة من إن
(6/138)

سورة المؤمنون (53 57)
(6/139)

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
{فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ} حكايةٌ لما ظهرَ من أممِ الرُّسلِ بعدَهم من مخالفةِ الأمرِ وشقِّ العَصَا والضَّميرُ لما دلَّ عليه الأمةُ من أربابها أولها على التفسير بن والفاء لترتيبِ عصيانِهم على الأمرِ لزيادةِ تقبيحِ حالِهم أي تقطَّعوا أمرَ دينِهم مع اتِّحادِه وجعلُوه قِطعاً متفرِّقةً وأدياناً مُختلفةً {بَيْنَهُمْ زُبُراً} أي قطعاً جمعُ زبور بمعنى الفرقة ويؤديه قراءةُ زُبَراً بفتحِ الباءِ جمعُ زَبرةٍ وهو حالٌ من أمرَهم أو مِن واوِ تقطَّعوا أو مفعولٌ ثانٍ له فإنَّه متضمِّنٌ لمعنى جعلوا وقبل كُتُباً فيكون مفعولاً ثانياً أو حالاً من أمرَهم على تقدير المضافِ أي مثل زبر وقرئ بتخفيفِ الباءِ كرُسْلٍ في رُسُلٍ {كُلُّ حِزْبٍ} من أولئك المتحزِّبين {بِمَا لَدَيْهِمْ} من الدِّين الذي اختارُوه {فَرِحُونَ} مُعجَبون مُعتقِدون أنَّه الحقُّ
(6/139)

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)
{فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ} شُبه ما هم فيه من الجهالة بالماء الذي يغمرُ القامةَ لأنَّهم مغمورون فيها لاعبون بها وقرئ غَمَراتِهم والخطابُ لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والفاءُ لترتيبِ الأمرِ بالتَّركِ على ما قبله من كونِهم فرحينَ بما لديهم فإنَّ انهماكَهم فيما هم فيه وإصرارَهم عليه من مخايل كونِهم مطبوعاً على قُلوبهم أي اتركْهُم على حالهم {حتى حِينٍ} هو حينِ قتلِهم أو موتِهم على الكُفرِ أو عذابهم فهو وعيد لم بعذابِ الدُّنيا والآخرةِ وتسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونهيٌ له عن الاستعجالِ بعذابِهم والجزعِ من تأخيرهِ وفي التَّنكيرِ والإبهام ما لا يَخفْى من التَّهويلِ
(6/139)

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55)
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} أي نعطيهم إيَّاه ونجعلُه مدداً لهم فما موصولةٌ وقولهُ تعالى {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} بيانٌ لها وتقديمُ المال على البنين مع كونِهم أعزَّ منه قد مرَّ وجهُه في سورةِ الكهفِ لا خبرٌ لأنَّ وإنَّما الخبرُ قولُه تعالى
(6/139)

نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56)
{نسارع لهم فى الخيرات} على حذفِ الرَّاجعِ إلى الاسمِ أي أيحسبون أنَّ الذي نمدُّهم به من المالِ والبنينَ نسارعُ به لهم فيما فيهِ خيرُهم وإكرامُهم على أنَّ الهمزةَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه وقولُه تعالَى {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ أي كلاَّ لا نفعل ذلك بل هُم لا يشعرونَ بشيءٍ أصلاً كالبهائمِ لا فطنة لهم ولا شعورَ ليتأمَّلوا ويعرفُوا أنَّ ذلكَ الإمدادَ استدراجٌ لهم واستجرارٌ إلى زيادةِ الإثمِ وهُم يحسبونَهُ مسارعةً لهم في الخيراتِ وقرئ بمدهم على الغَيبةِ وكذلك يسارعُ ويسرعُ ويُحتمل أنْ يكون فيهما ضمير الممد به وقرئ يُسارع مبنيًّا للمفعولِ
(6/139)

إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57)
{إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ} استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ مَن له المسارعةُ في الخيرات إثرَ إقناطِ الكُفَّار عنها وإبطالِ حسبانهم الكاذبِ أي من خوف عذابه حذرون
(6/139)

سورة المؤمنون (58 61)
(6/140)

وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)
{والذين هم بآيات رَبَّهِمْ} المنصوبة والمنزلةِ {يُؤْمِنُونَ} بتصديقِ مدلولِها
(6/140)

وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)
{والذين هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} شِرْكاً جليًّا ولا خفيًّا ولذلك أُخِّر عن الإيمانِ بالآياتِ والتَّعرضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ في المواقع الثَّلاثةِ للإشعارِ بعلِّيتها للإشفاقِ والإيمانِ وعدمِ الإشراكِ
(6/140)

وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)
{والذين يؤتون ما آتوا} أي يُعطون ما أعطوه من الصدقات وقرئ يأتون ما أتوا أي يفعلون ما فعلُوه من الطَّاعاتِ وأيّاً ما كان فصيغةُ الماضي في الصِّلة الثانية الدلالة على التحقق كما أن صيغة المضارعِ في الأُولى للدِّلالة عن الاستمرار {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} حالٌ من فاعلِ يُؤتون أو يأتون أي يُؤتون ما آتوه أو يفعلون من العباداتِ ما فعلُوه والحالُ أنَّ قلوبهم خائفةٌ أشدَّ الخوفِ {أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون} أي من أنَّ رجوعهم إليهِ عزَّ وجلَّ على أنَّ مناط الوجل أن لا يقبل منهم ذلك وأن لا يقعَ على الوجهِ اللاَّئقِ فيُؤاخذُوا به حينئذٍ لا مجرَّدُ رجوعهم إليه تعالى وقيل لأنَّ مرجعَهم إليه تعالى والموصولاتُ الأربعةُ عبارةٌ عن طائفةٍ واحدةٍ متَّصفةٍ بما ذكر في حين صِلاتِها من الأوصافِ الأربعةِ لا عن طوائفَ كلُّ واحدة منها متَّصفةٍ بما ذُكر في حيِّزِ صِلاتِها من الأوصافِ الأربعةِ لا عن طوائفَ كلُّ واحدةٍ منها متَّصفةٌ كأنَّه قيلَ إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مشفقون وبآيات ربهم يُؤْمِنُونَ الخ وإنَّما كُرِّر الموصولُ إيذاناً باستقلالِ كلِّ واحدةٍ من تلكَ الصِّفاتِ بفضيلةٍ باهرةٍ على حيالِها وتنزيلاً لاستقلالها منزلة استقلالِ الموصوفِ بها
(6/140)

أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)
{أولئك} إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتصافِهم بها وما فيهِ من معنى البعد للإشعار ببُعدِ رُتبتِهم في الفضلِ أي أولئك المنعوون بما فُصّل من النُّعوتِ الجليلةِ خاصَّةً دُونَ غيرِهم {يسارعون فِى الخيرات} أي في نيلِ الخيراتِ التي من جملها الخيراتُ العاجلةُ الموعودةُ على الأعمالِ الصَّالحةِ كما في قوله تعالى فاتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة وقوله تعالى وآتيناه أجره في الدنيا وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين فقد أثبتَ لهم ما نُفيَ عن أضدادِهم خلا أنَّه غيَّر الأسلوبَ حيثُ لم يقُلْ أولئكَ نُسارع لهم في الخيراتِ بل أسند المسارعة إليهم إيمان لي كمالِ استحقاقهم لنيل الخيرات بمحاسنِ أعمالهِم وإيثارُ كلمةُ في على كلمة إلى للإيذان بأنَّهم متقلِّبون في فنون الخيرات لاأنهم خارجُون عنها متوجِّهون إليها بطريق المسارعة في قوله تعالى كَمَا وَسَارِعُواْ إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ الآية {وَهُمْ لَهَا سابقون} أي إيَّاها سابقون واللاَّمُ لتقويةِ العملِ كما في قوله تعالى هُمْ لَهَا عاملون أي ينالونَها قبل الآخرةِ حيثُ عُجِّلتْ لهم في الدُّنيا وقيل المرادُ بالخيراتِ الطَّاعاتُ والمعنى يرغبون في الطَّاعاتِ والعباداتِ أشدَّ الرَّغبةِ وهم لأجلها سابقون فاعلون السَّبقَ أو لأجلِها الناس
(6/140)

سورة المؤمنون (62 63) والأوَّلُ هو الأولى
(6/141)

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)
{وَلاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} جملةٌ مستأنفة سِيقتْ للتَّحريضِ على ما وُصف به السابقون من فعلِ الطَّاعاتِ المؤدِّي إلى نيل الخيرات ببيانِ سُهولتهِ وكونه غيرَ خارجٍ عن حدِّ الوسعِ والطَّاقةِ أي عادتُنا جاريةٌ على أنْ لا نكلِّفَ نَفْساً من النُّفوسِ إلاَّ ما في وُسعِها على أن المراد استمرار النَّفيِ بمعونةِ المقامِ لا نَفيُ الاستمرارِ كما مرَّ مراراً أو للتَّرخيصِ فيما هو قاصرٌ عن درجة أعمالِ أولئك الصَّالحينَ ببيانِ أنَّه تعالى لا يُكلِّفُ عباده إلاَّ ما في وُسعهم فإنْ لم يبلغوا في فعل الطَّاعاتِ مراتبَ السَّابقينَ فلا عليهم بعد أن يبذلوا طاقتهم وبستفرغوا وُسعهم قال مقاتلٌ من لم يستطعِ القيامَ فليصلِّ قاعداً ومَن لم يستطعِ القُعودَ فليومِ إيماءً وقولُه تعالى {وَلَدَيْنَا كِتَابٌ} الخ تتمة لما قبلَه ببيانِ أحوالِ ما كُلِّفوه من الأعمالِ وأحكامِها المترتِّبةِ عليها من الحسابِ والثوابِ والعقابِ والمرادُ بالكتابِ صحائفُ الأعمالِ التي يقرءونها عند الحسابِ حسبما يُعرب عنه قولُه تعالى {يَنطِقُ بالحق} كقوله تعالى هذا كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ أي عندنا كتابٌ قد أُثبتَ فيه أعمالُ كلِّ أحدٍ على ما هي عليهِ أو أعمالُ السَّابقينَ والمُقتصدينَ جميعاً لا أنَّه أُثبتَ فيه أعمالُ الأوَّلينَ وأُهمل أعمالُ الآخرينَ ففيهِ قطعُ معذرتِهم أيضاً وقولُه بالحقِّ متعلِّقٌ بينطقُ أي يظهر الحقَّ المطابقَ للواقعِ على ما هو عليهِ ذاتاً ووصفاً ويبيِّنهُ للناظرِ كما يُبيِّنه النُّطقُ ويُظهره للسَّامعِ فيظهر هنالك جلائلُ أعمالهم ودقائقُها ويُرتب عليها أجزيتُها إنْ خيراً فخيرٌ وإنْ شرا فشرٌّ وقولُه تعالى {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بيانٌ لفضلهِ تعالى وعد له في الجزاءِ إثرَ بيانِ لُطفه في التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمال أي لا يُظلمون في الجزاء بنقص ثواب أبزيادة عذاب بل يُجزون بقدرِ أعمالهم التي كُلِّفوها ونطقت بها صحائفها بالحقِّ وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ تقريراً لما قبله من التَّكليفِ وكَتْبِ الأعمال أي لا يُظلمون بتكليفِ ما ليس في وُسعهم ولا بعدم كَتْبِ بعض أعمالهم التي من جُملتِها أعمالُ المقتصدين بناءً على قُصورها عن درجة أعمال السَّابقينَ بل يُكتب كلٌّ منها على مقاديرِها وطبقاتها والتَّعبيرُ عمَّا ذُكرِ من الأمور بالظُّلم مع أنَّ شيئاً منها ليسَ بظلمِ عَلى مَا تقرر من أنَّ الأعمال الصَّالحة لا تُوجب أصل الثَّوابِ فضلاً عن إيجاب مرتبةٍ معينةٍ منه حتى تعد الإنابة بما دونها نقصاً وكذلك الأعمالُ السَّيئةُ لا توجبُ درجةً معينة من العذابِ حتى يعد التَّعذيبِ بما فوقها زيادة وكذا تكليفُ ما في الوسعِ وكتبُ الأعمالِ ليسا ممَّا يجبُ عليه سُبحانه حتَّى يعد تركُهما ظُلماً لكمالِ تنزيه ساحةِ السُّبحانِ عنها بتصويرِها بصورةِ ما يستحيلُ صدورُه عنه تعالى وتسميتُها باسمهِ وقولُه تعالى
(6/141)

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)
{بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مّنْ هذا} إضرابٌ عمَّا قبله والضَّميرُ للكَفرة لا للكلِّ كما قبله أي بل قلوبُ الكَفَرةِ في غَفْلةٍ غامرةٍ لها من هذا الذي بُيِّن في القُرآن من أنَّ لديه تعالى كتابا ينطق بالحلق ويظهر لهم أعمالهم السَّيئةَ على رؤوس الأشهاد فيُجزون بها كما ينبىء عنه ما سيأتِي من قولِه تعالى قد كانتْ آياتي تُتلى عَلَيْكُمْ الخ وقيل ممَّا عليه أولئك الموصُوفون بالأعمالِ الصَّالحةِ {وَلَهُمْ أعمال} سيِّئةٌ كثيرةٌ {مِن دُونِ ذَلِكَ}
(6/141)

سورة المؤمنون (64 66) الذي ذُكر من كون قلوبِهم في غفلةٍ عظيمةٍ ممَّا ذُكر وهي فنونُ كفرهم ومعاصيهم التي مِن جُملتِها ما سيأتي من طعنِهم في القُرآن حسبما ينبئ عنه قولُه تعالى مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامرا تَهْجُرُونَ وقيل متخطية لما وُصف به المؤمنون من الأعمالِ الصَّالحةِ المذكورةِ وفيه أنَّه لا مزيَّة في وصف أعمالهم الخبيثة بالتَّخطِّي للأعمال الحسنة للمؤمنين وقيل متخطية عماهم عليه من الشرك ولا يخفى بعده لعدم جريان ذكره {هُمْ لَهَا عاملون} مستمرُّون عليها مُعتادُون فعلَها ضارون بها لا يكادون يَبرحُونها
(6/142)

حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64)
{حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} أي متنعميهم وهم الذين أمدَّهم الله تعالى بما ذُكر من المالِ والبنينَ وحتَّى مع كونها غايةً لأعمالهم المذكورةِ مبدأ لما بعدها من مضمون الشَّرطيةِ أي لا يزالون يعملُون أعمالَهم إلى حيثُ إذا أخذنا رؤساءهم {بالعذاب} قيل هو القتلَ والأسرَ يومَ بدرٍ وقيل هو الجُوع الذي أصابهم حين دَعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله اللهمَّ اشدُدْ وطأتكَ على مُضر واجعلْها عليهم سنينَ كسِني يوسُفَ فقحطُوا حتى أكلُوا الكلابَ والجِيفَ والعظامَ المحرقة والأولادَ وأُلحق أنه العذابُ الأُخرويُّ إذ هو الذي يُفاجئون عنده الجؤارِ فيجابون بالردِّ والإقناطِ عن النَّصر وأما عذابُ يومِ بدرٍ فلم يُوجد لهم عنده جؤار حسبما ينبئ عنه قوله تعالى وَلَقَدْ أخذناهم بالعذات فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ فإنَّ المرادَ بهذا العذاب ما جرى عليهم يومَ بدرٍ من القتلِ والأسرِ حَتْماً وأمَّا عذابُ الجوع فإنَّ أبا سُفيانَ وإنْ تضرَّع فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنْ لم يرد عليه بالإقناطِ حيث رُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم قد دَعَا بكشفِه فكُشفَ عنهم ذلك {إِذَا هُمْ يجأرون} أي فاجئوا الصُّراخَ بالاستغاثةِ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ كقوله تعالى فإليه تجأرون وهو جوابُ الشَّرطِ وتخصيصُ مُترفيهم بما ذُكر من الأخذِ بالعذابِ ومفاجأةِ الجؤارِ مع عمومه لغيرهم أيضاً لغايةِ ظهورِ انعكاسِ حالهم وانتكاسِ أمرِهم وكونِ ذلك أشقَّ عليهم ولأنَّهم مع كونهم متمنِّعين محميينَ بحمايةِ غيرِهم من المنعةِ والحَشَم حين لقُوا ما لقُوا من الحالة الفظيعة فأن يلقاها مَنْ عداهم من الحُماةِ والخدمِ أوْلى وأقدمُ
(6/142)

لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)
{لا تجأروا اليوم} على إضمار القول مَسُوقاً لردِّهم وتبكيتهم وإقناطِهم مما علقوا به أطماعَهم الفارغةَ من الإغاثة والإعانة من جهته تعالى وتخصيص اليوم بالذكر لتهويله والإيذان بتفويتهم وقتَ الجُؤارِ وقد جُوِّز كونُه جوابَ الشَّرطِ وأنت خبيرٌ بأنَّ المقصودَ الأصليَّ في الجملةِ الشَّرطيةِ هو الجوابُ فيؤدِّي ذلك إلى أنْ يكونَ مفاجأتُهم إلى الجُؤارِ غيرَ مقصودٍ أصليَ وقولُه تعالى {إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ} تعليلٌ للنَّهي عن الجُؤارِ ببيانِ عدمِ إفادته ونفعهِ أي لا يلحقُكم من جهتِنا نصرةٌ تنجِّيكُم ممَّا دهمكُم وقيل لا تُغاثون ولا تُمنعون منَّا ولا يساعدُه سِباقُ النَّظمِ الكريمِ لأنَّ جُؤارهم ليس إلى غيرِه تعالى حتَّى يرد عليهم بعدمِ منصور يتهم من قبلهِ ولا سياقهُ فإن قوله تعالى
(6/142)

قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)
{قد كانتْ آياتي تُتلى عَلَيْكُمْ} الخ صريحٌ في أنَّه تعليلٌ لما ذكرنا من عدم لحوقِ النَّصرِ من جهته
(6/142)

سورة المؤمنون (67 69) تعالى بسببِ كُفرِهم بالآياتِ ولو كانَ النَّصرُ المنفيُّ مُتوهَّماً من الغيرِ لعُلِّل بعجزه وذُلِّه أو بعزَّةِ الله تعالى وقوَّتهِ أي قد كانتْ آياتي تُتلى عليكم في الدنيا {فكنتم على أعقابكم تَنكِصُونَ} أي تُعرضون عن سماعها أشدَّ الإعراضِ فضلاً عن تصديقها والعملِ بها والنُّكوصُ الرُّجوعُ قهقرى
(6/143)

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} أي بالبيتِ الحرامِ أو بالحَرَمِ والإضمارُ قيل الذِّكرِ لاشتهارِ استكبارِهم وافتخارِهم بأنَّهم خُدَّامهُ وقُوَّامُه أو بكتابي الذي عبر عنه بآياتي على تضمينِ الاستكبارِ معنى التَّكذيبِ أو لأنَّ استكبارَهم على المُسلمين قد حدثَ بسببِ استماعِه ويجوزُ أنْ تتعلَّق الباء بقولهِ تعالى {سامرا} أي تسمرُون بذكرِ القُرآنِ وبالطَّعنِ فيه حيثُ كانُوا يجتمعونَ حولَ البيتِ باللَّيلِ يسمرُون وكانت عامَّة سمرِهم ذكرَ القُرآن وتسميته سِحْراً وشِعْراً والسَّامرُ كالحاضرِ في الإطلاقِ على الجمعِ وقيل هو مصدرٌ جاء على لفظ الفاعل وقرئ سَمَراً وسُمَّاراً وأن تتعلق بقولهِ تعالى {تَهْجُرُونَ} من الهَجَر بالفتح بمعنى الهَذَيانِ أو الترك أي تهذُون في شأنِ القُرآنِ أو تتركونَه أو من الهجر بالضَّمِّ وهو الفُحشُ ويؤيِّدُه قراءةُ تُهجرون من أهجرَ في منطقه إذا فحش فيه وقرئ تهجّرون من هجّر الذي هو مبالغةٌ في هجَر إذا هذى
(6/143)

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول} الهمزةُ لإنكار الواقع واسقباحه والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام أي افعلُوا ما فعلُوا من النُّكوصِ والاستكبارِ والهجرِ فلم يتدبَّروا القُرآنَ ليعرفُوا بما فيه من إعجازِ النَّظمِ وصحَّةِ المدلُول والإخبار عن الغيبِ أَنَّهُ الحقُّ مِن رَّبّهِمْ فيؤمنُوا به فضلاً عمَّا فعلُوا في شأنه من القبائحِ وأمْ في قوله تعالى {أَمْ جَآءَهُم ما لم يأت آباءهم الأولين} منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للإضراب ولاانتقال عن التَّوبيخَ بما ذُكر إلى التَّوبيخِ بآخرَ والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ لا لإنكارِ الواقعِ أي بل أجاءهُم من الكتابِ ما لَمْ يأت أباءهم الأولين حى استبدعُوه واستبعدُوه فوقعوا فيَما وقعُوا فيهِ من الكفرِ والضَّلالِ يعني أنَّ مجيءَ الكتبِ من جهتهِ تعالى إلى الرُّسلِ عليهم السَّلامُ سنَّةٌ قديمةٌ له تعالى لا يكادُ يتسنَّى إنكارُه وأنَّ مجيءَ القُرآن على طريقته فمن أين يُنكرونه وقيل أمْ جاءهُم من الأمنِ من عذابه تعالى ما لم يأت آباءهم الأوَّلينَ كإسماعيلَ عليه السَّلامُ وأعقابه من عدنان وقَحْطانَ ومضر وربيعة وقس والحرث بنِ كعبٍ وأسدَ بنِ خُزيمةَ وتميمِ بنِ مُرَّة وتُبَّعَ وضبَّة بنِ أُدَّ فآمنُوا به تعالى وبكتبهِ ورسلِه وأطاعُوه
(6/143)

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} إضرابٌ وانتقالٌ من التَّوبيخِ بما ذُكر إلى التَّوبيخِ بوجهٍ آخرَ والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ أيضاً أي بل ألم يعرفوه صلى الله عليه وسلم بالأمانةِ والصِّدقِ وحسنِ الأخلاقِ وكمالِ العلمِ مع عدم التَّعلمِ من أحدٍ وغير ذلك ممَّا حازَه من الكمالاتِ اللاَّئقةِ بالأنبياء عليهم السَّلامُ {فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي جاحِدُون بنبُّوته فجحودهم بها مترتِّبٌ على عدم معرفقتهم بشأنه عليه السَّلامُ ومن ضرورة انتفاءِ المبنيِّ بطلانُ ما بُنيَ عليه أي فهُم غيرُ عارفينَ له عليهِ السَّلامُ فهو تأكيدٌ لما قبله
(6/143)

سورة المؤمنون (70 71)
(6/144)

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)
{أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ} انتقالٌ إلى توبيخٍ آخر والهمزةُ لإنكارِ الواقعِ كالأُولى أي بل أيقولُون به جنَّةٌ أي جنونٌ مع أنَّه أرجحُ النَّاسِ عَقْلاً وأثقبهم ذِهْناً وأتقنُهم رأياً وأوفرُهم رزانةً ولقد رُوعي في هذه التَّوبيخاتِ الأربعةِ التي اثنانِ منها متعلِّقانِ بالقرآن والباقيان به صلى الله عليه وسلم الترقي من الأدنى إلى الأعلى حيث وبخوا أو لا بعدمِ التَّدبرِ وذلك يتحقَّقُ مع كونِ القولِ غيرَ متعرِّضٍ له بوجهٍ من الوجوه ثمِّ وُبِّخوا بشيءٍ لو اتَّصف به القولُ لكان سبباً لعدمِ تصديقهم به ثمَّ وُبِّخوا بما يتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم من عدم معرفتهم به صلى الله عليه وسلم وذلك يتحقَّق بعدمِ المعرفةِ بخير ولا شرثم بما لو كان فيه صلى الله عليه وسلم ذلك لقدحَ في رسالتهِ صلى الله عليه وسلم ما سبقَ أي ليس الأمرُ كما زعمُوا في حق القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بل جاءهم صلى الله عليه ولم بالحقِّ أي الصِّدقِ الثَّابتِ الذي لا محيد عنه أصلاً ولا مدخلَ فيه للباطلِ بوجهٍ من الوجوهِ {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقّ} من حيثُ هو حقٌّ أي حقَ كان لا لهذا الحقِّ فقط كما يُنبىء عنه الإظهارُ في موقعِ الإضمارِ {كارهون} لما في جبلتهم من الزَّيغِ والانحرافِ المناسبِ للباطلِ ولذلك كرهُوا هذا الحقَّ الأبلجَ وزاغُوا عن الطَّريقِ الأنهجِ وتخصيصُ أكثرهم بهذا الوصفِ لا يقتضي إلاَّ عدمَ كراهةِ الباقين لكلِّ حقَ من الحقوقِ وذلك لا يُنافي كراهتهم لهذا الحق المبين فنأمل وقيل تقييدُ الحُكمِ بالأكثرِ لأنَّ منهم من تركَ الإيمانَ استنكافاً من توبيخِ قومهِ أو لقلَّةِ فطنتهِ وعدمِ تفكُّرهِ لا لكراهته الحقَّ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ التَّعرضَ لعدمِ كراهةِ بعضهم للحقِّ مع اتِّفاقِ الكُلِّ على الكُفرِ به ممَّا لا يُساعدُه المقامُ أصلاً
(6/144)

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)
{وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءهُمْ} استئناف مسوق لبيان أن أهواءَهم الزَّائغة التي ما كرهوا الحقَّ إلا لعدم موافقته إيَّاها مقتضيةٌ للطَّامةِ أي لو كان ما كرهُوه من الحقِّ الذي مِن جُملتهِ ما جاء به صلى الله عليه وسلم موافقاً لأهوائِهم الباطلةِ {لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ} وخرجتْ عن الصَّلاحِ والانتظامِ بالكليةِ لأنَّ مناطَ النِّظامِ ليس إلاَّ ذلكَ وفيه من تنويهِ شأنِ الحقِّ والتَّنبيهِ على سُموِّ مكانه ما لا يخفى وأما ما قيل لو اتبع الحقِّ الذي جاءَ به صلى الله عليه وسلم أهواءَهم وانقلبَ شِركاً لجاء اللَّهُ تعالى بالقيامةِ ولأهلكَ العالَم ولم يؤخِّرْ ففيهِ أنَّه لا يُلائم فرضَ مجيئه صلى الله عليه وسلم به وكذا ما قيل لو كانَ في الواقعِ إلهان لا يناسبُ المقامَ وأمَّا ما قيل لو اتبع الحقُّ أهواءَهم لخرجَ عن الإلهية فمالا احتمالَ له أصلاً {بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ} انتقالٌ من تشنيعهم بكراهةِ الحقِّ الذي به يقومُ العالمُ إلى تشنيعهم بالإعراضِ عمَّا جُبلَ عليه كلُّ نفسٍ من الرَّغبةِ فيما فيه خيرُها والمرادُ بالذِّكرِ القرآنُ الذي هو فخرُهم وشرفهم حسبما ينطِق به قوله تعالَى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ أي بل أتيناهُم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجبُ عليهم أنْ يقبلُوا عليه أكملَ إقبالٍ {فَهُمُ} بما فعلُوه من النُّكوصِ {عَن ذِكْرِهِمْ} أي فخرهم وشرفهم خاصَّةً {مُّعْرِضُونَ} لا عن غير ذلك مما لا يُوجبُ الإقبالَ عليه والاعتناءَ به وفي وضع للظاهر موضعَ الضَّميرِ مزيدُ تشنيعٍ لهم وتقريعٍ والفاءُ لترتيب ما بعدَها من إعراضِهم عن ذكرهم
(6/144)

سورة المؤمنون (72 75) على ما قبلها من إيتاءَ ذكرِهم لا لترتيبِ الإعراضِ على الإيتاءِ مُطلقاً فإنَّ المستتبعَ لكونِ إعراضِهم إعراضاً عن ذكرِهم هو إيتاء ذكرهم لا الإتياء مُطلقاً وفي إسنادِ الإتيانِ بالذكر إلى نور العظمةِ بعد إسنادِه إلى ضميره صلى الله عليه وسلم تنويه لشأن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وتنبيهٌ على كونه بمثابةٍ عظيمةٍ منه عزَّ وجلَّ وفي إيرادِ القُرآنِ الكريمِ عند نسبته إليه صلى الله عليه وسلم بعنوان الحقية وعند نسبتهِ إليه تعالى بعُنوان الذكر من لانكتة السِّريَّةِ والحكمةِ العبقريَّةِ ما لا يَخْفى فإنَّ التَّصريحَ بحقِّيتهِ المستلزمةِ لحقِّيةِ مَن جاء به هُو الذي يقتضيهِ مقامُ حكايةِ ما قاله المُبطلون في شأنه وأمَّا التَّشريفُ فإنَّما يليقُ به تعالى لا سيَّما رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدُ المشرَّفين وقيل المرادُ بالذِّكرِ ما تمنَّوه بقولهم لو أن عندنا ذكرا من الأوَّلينَ وقيل وعظهُم وايد ذلك أنه قرئ بذكراهُم والتَّشنيعُ على الأوَّلينَ أشدُّ فإنَّ الإعراضَ عن وعظهم ليسَ في مثابةِ إعراضهم عن شرفهم أو عن ذكرهم الذي يتمنونه في الشَّناعةِ والقباحةِ
(6/145)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)
{أم تسألهم} انتقالٌ من توبيخهم بما ذُكر من قوله أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ إلى التَّوبيخِ بوجهٍ آخرَ كأنَّه قيل أمْ يزعمُون أنَّك تسألهم على أداء الرِّسالةِ {خَرْجاً} أي جُعْلاً فلأجل ذلك لا يُؤمنون بك وقوله تعالى {فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ} أي رزقُه في الدُّنيا وثوابُه في الآخرةِ تعليلٌ لنفيِ السُّؤالِ المستفادِ من الإنكارِ أي لا تسألهم ذلك فإنَّ ما رزقك اللَّهُ تعالَى في الدُّنيا والعُقْبى خيرٌ لك من ذلكَ وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تعليلِ الحكمِ وتشريفه صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى والخَرْجُ بإزاءِ الدَّخْلِ يقال لكلِّ ما تخرجه إلى غيرِك والخَرَاجُ غالبٌ في الضَّريبةِ على الأرضِ وقيل الخَرْجُ ما تبرعت به والخراج ما لزمَك وقيل الخَرْجُ أخصُّ من الخَراجِ ففي النَّظمِ الكريمِ إشعارٌ بالكثرةِ واللزوم وقرئ خرجاً فخَرْجُ وخراجاً فخراج {وهو خير الرازقين} تقريرٌ لخيريَّةِ خراجهِ تعالى
(6/145)

وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)
{وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} تشهدُ العقول السَّليمةُ باستقامته ليس فيهِ شائبةُ اعوجاجٍ تُوهم اتَّهامَهم لك بوجهٍ من الوجوهِ ولقد ألزمَهم اللَّهُ عزَّ وعلا وأزاحَ عللهم في هذه الآياتِ حيث حصرَ أقسامَ ما يُؤدِّي إلى الإنكارِ والاتهام وبين انتفاء ماعدا كراهتهم للحقِّ وقِلَّة فطنتهم
(6/145)

وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)
{وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة} وُصفوا بذلك تشنيعاً لهم بما هُم عليهِ من الانهماكِ في الدُّنيا وزعمهم أنْ لا حياة إلاَّ الحياةُ الدُّنيا وإشعاراً بعلَّةِ الحُكمِ فإنَّ الإيمانَ بالآخرةِ وخوفَ ما فيها من الدَّواهي من أَقْوى الدَّواعي إلى طلبِ الحقِّ وسلوكِ سبيلهِ {عَنِ الصراط} أي عن جنسِ الصِّراطِ {لناكبون} لعادلون فضلاً عن الصراط المستقيم أو عن الصِّراطِ المستقيمِ الذي تدعُوهم إليه والأوَّلُ أدلُّ على كمال ضلالهم وغايةِ غوايتهم لما أنه ينبئ عن كون ما ذهبُوا إليه ممَّا لا يُطلق عليه اسمُ الصِّراطِ ولو كان مُعوجّاً
(6/145)

وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)
{وَلَوْ رحمناهم وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرّ} أي قحطٍ وجدبٍ {لَّلَجُّواْ} لتمادَوا {فِي طغيانهم}
(6/145)

إفراطِهم في الكُفرِ والاستكبارِ وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {يَعْمَهُونَ} أي عامهينَ عن الهُدى رُوي أنَّه لمَّا أسلمَ ثُمامةُ بنُ أثالٍ الحنفيُّ ولحقَ باليمامةِ ومنعَ الميرةَ عن أهلِ مكَّةَ وأخذَهُم اللَّهُ تعالى بالسِّنينَ حتى أكلُوا العِلْهِزَ جاءَ أبُو سفيانَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ له أنشُدكَ اللَّهَ والرَّحِمَ ألستْ تزعمُ أنَّك بُعثتَ رحمةً للعالمينَ قال بلى فقال قتلتَ الآباءَ بالسَّيفِ والأبناءَ بالجُوعِ فنزلتْ والمعنى لو كشفنا عنهُم ما أصابَهم من القحطِ والهُزال برحمتنا إيَّاهم ووجدُوا الخصبَ لارتدُّوا إلى ما كانوا عليه من الإفراط في الكُفرِ والاستكبارِ ولذهبَ عنهم هذا التملُّقُ والإبلاسُ وقد كان كذلك وقوله تعالى
(6/146)

وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)
{وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب} استئنافٌ مسوقٌ للاستشهادِ على مضمونِ الشَّرطيةِ والمرادُ بالعذابِ ما نالهم يومَ بدرٍ من القتلِ والأسرِ وما أصابَهم من فنونِ العذابِ التي من جملتها القَحْطُ المذكور واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ وبالله لقد أخذناهُم بالعذاب {فما استكانوا لربهم} بذلك أي لم يخضعوا ولم يتذلَّلوا على أنَّه إمَّا استفعالٌ من الكَوْنِ لأنَّ الخاضع ينتقل من كونٍ إلى كونٍ أو افتعالٌ من السُّكونِ قد أُشبعت فتحتُه كمنتزاحٍ في مُنتزحٍ بل أقاموا على ما كانُوا عليهِ من العُتوِّ والاستكبارِ وقوله تعالى {وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله أي وليس من عادتهم التَّضرعُ إليه تعالى
(6/146)

حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)
{حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ} هو عذاب الآخرة كما ينبئ عنه التَّهويلُ بفتح الباب والوصف بالشدة وقرئ فتَّحنا بالتَّشديدِ {إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي متحيِّرون آيسون من كلِّ خيرٍ أي محناهم بكلِّ محنةٍ من القتل والأسر والجوع وغير ذلك فما رُؤي منهم لينُ مقادةٍ وتوجهٌ إلى الإسلامِ قط وأمَّا ما أظهره أبُو سفيانَ فليس من الاستكانةِ له تعالى والتَّضرعِ إليه تعالى في شيءٍ وإنَّما هو نوعُ خُنُوعٍ إلى أنْ يتمَّ غرضُه فحالُه كما قيل إذَا جاعَ ضَغَا وإذا شبِعَ طَغَا وأكثرُهم مستمرُّون على ذلك إلى ن يَرَوا عذابَ الآخرةِ فحينئذٍ يُبلسون وقيل المرادُ بالبابِ الجوعُ فإنَّه أشدُّ وأعمُّ من القتلِ والأسرِ والمعنى أخذناهُم أوَّلاً بما جرى عليهم يومَ بدرٍ من قتلِ صناديدِهم وأسرهِم فما وُجد منهم تضرعٌ واستكانةٌ حتَّى فتحنا عليهم بابَ الجوعِ الذي هو أطمُّ وأتمُّ فأُبلِسُوا السَّاعة وخضعتْ رقابهم وجاءك أعتاهُم وأشدُّهم شكيمةً في العناد يستعطفُك والوجهُ هو الأوَّلُ
(6/146)

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78)
{وَهُوَ الذى أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار} لتشاهدُوا بها الآياتَ التَّنزيليةَ والتَّكوينيَّةَ {والأفئدة} لتتفكروا بها ما تُشاهدونَهُ وتعتبروا اعتباراً لائقاً {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} أي شكراً قليلاً غيرَ معتدَ به تشكرون تلك النِّعمَ الجليلةَ لما أنَّ العُمدةَ في الشُّكرِ صرفُ تلك القرى التي هي في أنفسها نعمٌ باهرةٌ إلى ما خُلِقت هي له وأنتُم تخون بذلك إخلالا عظيما
(6/146)

سورة المؤمنون (76 85)
(6/147)

وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79)
{وَهُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الأرض} أي خلقَكم وبثَّكم فيها بالتَّناسلِ {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي تُجمعون يومَ القيامةِ بعد تفرُّقكم لا إلى غيرِه فما لكُم لا تُؤمنون به ولا تَشكرونَهُ
(6/147)

وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80)
{وهو الذي يحيي وَيُمِيتُ} من غير أنْ يشاركَه في ذلك شيءٌ من الأشياءِ {وَلَهُ} خاصَّةً {اختلاف الليل والنهار} أي هُو المؤثِّرُ في اختلافِهما أي تعاقبِهما أو اختلافِهما ازدياداً وانتِقاصاً أو لأمرِه وقضائِه اختلافُهما {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي ألا تتفكَّرون فلا تعقلون أو أتتفكَّرون فلا تعقلونَ بالنَّظرِ والتَّأمُّلِ أنَّ الكُلَّ منَّا وأنَّ قدرتَنا تعمُّ جميعَ الممكناتِ التي منْ جُملتِها البعثُ وقرئ يعقلونَ على أنَّ الالتفاتَ إلى الغَيبةِ لحكايةِ سوء حالِ المُخاطبين لغيرِهم وقيل على أنَّ الخطابَ الأَوَّلَ لتغليبِ المؤمنينَ وليس بذاكَ
(6/147)

بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81)
{بَلْ قَالُواْ} عطفٌ على مضمرٍ يقتضيهِ المقامُ أي فلم يعقلُوا بل قالُوا {مِثْلَ مَا قَالَ الأولون} أي آباؤُهم ومَن دان بدينهم
(6/147)

قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)
{قالوا أئذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أئنا لَمَبْعُوثُونَ} تفسيرٌ لما قبله من المُبهم وتفصيلٌ لما فيهِ من الإجمالِ وقد مرَّ الكلامُ فيه
(6/147)

لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)
{لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا} أي البعثَ {مِن قَبْلُ} متعلِّقٌ بالفعلِ من حيثُ إسنادُه إلى آبائِهم لا إليهم أي ووُعد آباؤُنا من قبل أو بمحذوفٍ وقعَ حالاً من آباؤنا أي كائنينَ مِن قَبْلُ {إِنَّ هَذَا} أي ما هذا {إِلاَّ أساطير الأولين} أي أكاذيبُهم التي سَطَرُوها جمع أُسطورةٍ كأُحدوثةٍ وأُعجوبةٍ وقيل جمعُ أسطارٍ جمعُ سطرٍ
(6/147)

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)
{قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا} من المخلوقاتِ تغليباً للعُقلاءِ على غيرِهم {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} جوابُه محذوفٌ ثقةً بدلالة الاستفهامِ عليهِ أيْ إنْ كنتُم تعلمون شيئا ما فأخبرونِي به فإنَّ ذلك كافٍ في الجوابِ وفيهِ من المُبالغةِ في وضوحِ الأمرِ وفي تجهيلِهم ما لا يَخْفى أَوَ إنْ كنتُم تعلمون ذلكَ فأخبرونِي وفيه استهانةٌ بهم وتقريرٌ لجهلِهم ولذلك أخبرَ بجوابهم قبل أنْ يُجيبوا حيثُ قيل
(6/147)

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} لأنَّ بديهةَ العقلِ تضطرُّهم إلى الاعترافِ بأنَّه تعالى خالقُها {قُلْ} أي عندَ اعترافِهم بذلك تبكيتاً لهم {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أتعلمون ذلكَ أو أتقولون ذلكَ فلا تتذكَّرون أنَّ مَن فطرَ الأرضَ وما فيها ابتداءً قادرٌ على إعادتها ثانياً فإنَّ البَدْءَ ليس بأهونَ من الإعادةِ
(6/147)

سورة المؤمنون (86 91) بلِ الأمرُ بالعكس في قياس العقول وقرئ تتذكَّرون على الأصل
(6/148)

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86)
{قل من رب السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم} أُعيد الرَّبُّ تنويهاً لشأن العرش ورفعاً لمحلِّه عن أن يكونَ تبعاً للسَّمواتِ وجُوداً وذِكراً ولقد رُوعي في الأمر بالسُّؤال التَّرقِّي من الأدنى إلى الأعلى
(6/148)

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} باللامِ نظراً إلى معنى السُّؤالِ فإنَّ قولك مَن رَبُّه ولمنْ هُو في معنى واحدٍ وقرئ هُو وما بعدَهُ بغير لامٍ نظراً إلى لفظ السُّؤالِ {قُلْ} إفحاماً لهم وتوبيخاً {أَفَلاَ تَتَّقُونَ} أي أتعلمون ذلك ولا تقُون أنفسَكم عقابَهُ بعدم العمل بموجب العلم حيثُ تكفرون به وتُنكرون البعث وتُثبتون له شريكاً في الرُّبوبيَّةِ
(6/148)

قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)
{قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء} ممَّا ذُكر ومَا لم يُذكرْ أي ملكه التَّامُّ القاهرُ وقيل خزائنُه {وَهُوَ يُجْيِرُ} أي يُغيث غيرَه إذا شاء {وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} أي ولا يُغيث أحدٌ عليه أي لا يُمنع أحدٌ منه بالنَّصر عليه {إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي شيئاً ما أو ذلك فأجيبُوني على ما سبق
(6/148)

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)
{سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} أي لله ملكوتُ كلِّ شيءٍ وهو الذي يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ {قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ} أي فمِن أين تُخدعون وتُصرفون عن الرُّشدِ مع علمكم به إلى ما أنتم عليه من الغنى فإنَّ مَن لا يكونُ مسحوراً مختلَّ العقل لا يكونُ كذلك
(6/148)

بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90)
{بَلْ أتيناهم بالحق} الذي لا محيدَ عنه من التَّوحيدِ والوعد بالبعث {وَإِنَّهُمْ لكاذبون} فيما قالُوا من الشِّركِ وإنكار البعث
(6/148)

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)
{مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ} كما يقوله النَّصارى والقائلون إنَّ الملائكةُ بناتُ الله تعالى عن ذلكَ عُلوًّا كبيراً {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ} يُشاركه في الأُلوهيَّةِ كما يقوله عبدة الأوثان وغيرهم {إذا لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ} جوابٌ لمحاجَّتِهم وجزاءٌ لشرطٍ قد حُذف لدلالةِ ما قبله عليه أي لو كان معه آلهةٌ كما يزعمون لذهبَ كلُّ واحدٍ منهم بما خلقَه واستبدَّ به وامتاز ملكُه عن مُلك الآخرينَ ووقع بينهم التَّغالبُ والتَّحارُبُ كما هُو الجاري فيما بينَ المُلوكِ {وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} فلم يكن بيدِه وَحْدَهُ ملكوتُ كلِّ شيءٍ وهو باطلٌ لا يقولُ به عاقلٌ قط مع قيام البرهان على استباد جميعِ المُمكنات إلى واجبِ الوجودِ واحد بالذَّاتِ {سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ} أي يصفونه
(6/148)

سورة المؤمنون (92 97) من أن يكون له أندادٌ وأولادٌ
(6/149)

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)
{عالم الغيب والشهادة} بالجرِّ على أنه بدل من الجلالة وقيل صفةٌ لها وقرئ بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ وأيا ما كان فهُو دليلٌ آخرُ على انتفاءِ الشَّريكِ بناءً على توافقهم في تفرُّدِه تعالى بذلك ولذلك رُتّب عليه بالفاءِ قولُه تعالى {فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فإنَّ تفرُّدَه تعالى بذلك موجبٌ لتعاليهِ عن أنْ يكون له شريكٌ
(6/149)

قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93)
{قُل رَّبّ إِمَّا تُرِيَنّى} أي إن كان لابد مِن أنْ تريني {مَا يُوعَدُونَ} من العذابِ الدنيوي المستأصلِ وأمَّا العذابُ الأُخرويُّ فلا يناسبُه المقامُ
(6/149)

رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94)
{رَبّ فَلاَ تَجْعَلْنِى فِى القوم الظالمين} أي قَريناً لهم فيمَا هُم فيهِ من العذابِ وفيه إيذانٌ بكمالِ فظاعةِ ما وُعدوه من العذابِ وكونِه بحيثُ يجبُ أنْ يستعيذَ منه من لا يكاد يمكن أن يخيق به ورُدَّ لإنكارِهم إيَّاهُ واستعجالِهم به على طريقة الاستهزاءِ به وقيل أُمر به صلى الله عليه وسلم هضماً لنفسِه وقيل لأنَّ شُؤمَ الكَفَرةِ قد يحيقُ بمن وَرَاءهُم كقولِه تعالى واتقوا فِتْنَةً لا تصبن الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً ورُوي أنَّه تعالى أخبرَ نبيه صلى الله عليه وسلم بأنَّ له في أمَّتِه نقمةً ولم يُطلعه على وقتِها فأمرَه بهذا الدُّعاءِ وتكريرِ النِّداءِ وتصديرُ كلَ من الشَّرطِ والجزاءِ به لإبرازِ كمالِ الضَّراعةِ والابتهالِ
(6/149)

وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95)
{وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ} من العذابِ {لقادرون} ولكنَّا نُؤخِّره لعلمنا بأنَّ بعضَهم أو بعضَ أعقابهم سيؤمنون أولأنا لا نُعذبهم وأنتَ فيهم وقيل قد أَراهُ ذلكَ وهو ما أصابَهم يومَ بدرٍ أو فتحُ مكَّةَ ولا يَخْفى بُعدُه فإنَّ المبتادر أنْ يكونَ ما يستحقُّونه من العذابِ الموعودِ عذاباً هائلاً مستأصِلاً لا يظهرُ على يديه صلى الله عليه وسلم للحكمة الدَّاعيةِ إليه
(6/149)

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96)
{ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ السيئة} وهو الصَّفحُ عنها والإحسانُ في مقابلتِها لكن لا بحيثُ يؤدِّي إلى وَهَن في الدِّينِ وقيل هي كلمةُ التَّوحيدِ والسَّيئةُ الشِّركُ وقيل هو الأمرُ بالمعروفِ والسَّيئةُ المنكرُ وهو أبلغُ من ادفعْ بالحسنةِ السَّيئةَ لما فيه من التَّنصيصَ على التَّفضيلِ وتقديمُ الجار والمجرور على المفعول في الموضعينِ للاهتمامِ {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} أي بما يصفونَك به أو بوصفِهم إيَّاك على خلافِ ما أنتَ عليه وفيه وعيدٌ لهم بالجزاءِ والعُقوبة وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى تفويضِ أمرِه إليه تعالى
(6/149)

وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97)
{وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين} أي وساوسِهم المُغريةِ على خلاف ما أُمرت به من المحاسنِ التي من جُملتها
(6/149)

سورة المؤمنون (98 101) دفعُ السَّيئةِ بالحسنةِ وأصلُ الهمزِ النَّخسُ ومنه مهمازُ الرَّائضِ شُبِّه حثُّهم للنَّاسِ على الماصي بهمزِ الرَّائضِ الدَّوابَّ على الإسراعِ أو الوثبِ والجمعُ للمرَّاتِ أو لتنوُّعِ الوساوسِ أو لتعدُّدِ المضافِ إليه
(6/150)

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98)
{وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يحضرون} أمر صلى الله عليه وسلم بأنْ يعوذَ به تعالى من حضورِهم بعد ما أمر بالعوذ من همزاتِهم للمبالغة في التَّحذيرِ مِن مُلابستهم وإعادةُ الفعلِ مع تكريرِ النِّداءِ لإظهارِ كمالِ الاعتناءِ بالمأمورِ به وعرضِ نهايةِ الابتهالِ في الاستدعاءِ أي أعوذُ بك مِن أنْ يحضرونِي ويحومُوا حولي في حالٍ من الأحوالِ وتخصيصُ حالِ الصَّلاةِ وقراءةِ القُرآنِ كما رُويَ عن ابنِ عباس رضي الله عنهما وحالِ حلولِ الأجلِ كما روى عن عكرمة رحمه الله لأنَّها أحرى الأحوالِ بالاستعاذةِ منها
(6/150)

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)
{حتى إذا جاء أحدهم الموت} حتَّى هي التي يُبتدأ بها الكلامُ دخلتْ على الجملةِ الشرطيةِ وهي مع ذلك غايةٌ لما قبلها متعلِّقةٌ بيصفُون وما بينهُما اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإغضاءِ بالاستعاذة به تعالى من الشياطين أن يزلوه صلى الله عليه وسلم عن الحِلْمِ ويُغروه على الانتقام لكنْ لا بمعنى أنَّه العاملُ فيه لفساد المعنى بل بمعنى أنَّه معمولٌ لمحذوفٍ يدلُّ عليه ذلك وتعلُّقها بكاذبونَ في غاية البُعدِ لفظاً ومعنى أي يسمرون على الوصف المذكورِ حتَّى إذا جاءَ أحدَهم أيَّ أحدٍ كان الموتُ الذي لأمر دله وظهرتْ له أحوالُ الآخرةِ {قَالَ} تحسُّراً على ما فَرَّطَ فيه من الإيمانِ والطَّاعةِ {رَبّ ارجعون} أي رُدَّني إلى الدُّنيا والواوُ لتعظيم المخاطَبِ وقيل لتكرير قوله ارجعنِي كما قيل في قفانيك ونظائرِه
(6/150)

لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
{لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ} أي في الإيمان الذي تركتُه لم ينظمه في سلك الرَّجاءِ كسائر الأعمالِ الصَّالحةِ بأنْ يقولَ لعلى أو من فأعمل الخ للإشعار بأنَّه أمرٌ مقرَّرُ الوقوعِ غنيٌّ عن الإخبارِ بوقوعِه قطعاً فضلاً عن كونِه مرجوَّ الوقوعِ أي لعلي أعملُ في الإيمانِ الذي أتى به البتةَ عملاً صلاحا وقيل فيما تركتُه من المالِ أو من الدُّنيا وعنه صلى الله عليه وسلم إذا عاين المؤمنُ الملائكةَ قالوا أنرجعك إلى الدُّنيا فيقول إلى دار الهُموم والأحزانِ بل قُدوماً إلى الله تبارك وتعالى وأمَّا الكافرُ فيقول أرجعونِي {كَلاَّ} ردعٌ عن طلب الرَّجعةِ واستبعادٌ لها {أَنَّهَا} أي قوله ربِّ ارجعون الخ {كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} لا محالةَ لتسلُّط الحسرة عليه {وَمِن وَرَائِهِمْ} أي أمامَهم والضَّميرُ لأحدِهم والجمعُ باعتبار المعنى لأنَّه في حُكم كلِّهم كما أنَّ الإفرادَ في الضَّمائرِ الأُوَلِ باعتبار اللَّفظِ {بَرْزَخٌ} حائلٌ بينهم وبين الرَّجعةِ {إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يوم القيامةِ وهو إقناطٌ كُلِّيٌّ عن الرَّجعة إلى الدُّنيا لما عُلم أنَّه لا رجعة يومَ البعثِ إلى الدُّنيا وإنَّما الرَّجعةُ يومئذٍ إلى الحياةِ الأُخرويَّةِ
(6/150)

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101)
{فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور} لقيام السَّاعة وهي النَّفخةُ الثَّانيةُ التي يقع عندها البعث والنُّشورُ وقيل المعنى فإذا نفخ
(6/150)

سورة المؤمنون (102 106) في الأجساد أرواحُها على أنَّ الصُّورَ جمع الصُّورةِ لا القَرنِ ويؤيِّده القراءةُ بفتح الواو به مع كسرِ الصَّادِ {فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ} تنفعُهم لزوال الزاحم والتَّعاطُفِ من فرط الحيرة واستيلاءِ الدَّهشةِ بحيث يفرُّ المرءُ مِنْ أَخِيهِ وأمِّه وَأَبِيهِ وصاحبتِه وبنيهِ أو لا أنسابَ يفتخرون بها {يَوْمَئِذٍ} كما هي بينُهم اليَّومَ {وَلاَ يَتَسَاءلُونَ} أي لا يسألُ بعضُهم بعضاً لاشتغالِ كلَ منهُم بنفسِه ولا يناقضُه قولُه تعالى فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ لأنَّ هذا عند ابتداءِ النَّفخةِ الثَّانيةِ وذلك بعد ذلك
(6/151)

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102)
{فَمَن ثَقُلَتْ موازينه} موزوناتُ حسناتِه من العقائدِ والأعمالِ أي فمن كانتْ له عقائدُ صحيحةٌ وأعمالٌ صالحةٌ يكون لها وزنٌ وقدرٌ عند الله تعالى {فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون} الفائزونَ بكل مطلوبٍ النَّاجُون من كلِّ مهروبٍ
(6/151)

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103)
{وَمَنْ خَفَّتْ موازينه} أي ومَن لم يكُن له من العقائد والأعمال ماله وزن وقدر عنده وهم الكُفَّارُ لقوله تعالى فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً وقد مرَّ تفصيلُ ما في هذا المقامِ من الكلامِ في تفسيرِ سورة الأعرافِ {فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم} ضيَّعُوها بتضييع زمانِ استكمالِها وأبطلُوا استعدادها لنيل كما لها واسمُ الإشارةِ في الموضعينِ عبارةٌ عن الموصولِ وجمعُه باعتبار معناه كما أنَّ أفرادَ الضميرينِ في الصِّلتينِ باعتبارِ لفظه {فِى جَهَنَّمَ خالدون} بدلٌ من الصلة أو الخبر ثانٍ لأولئك
(6/151)

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104)
{تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار} تحرِقُها واللَّفحُ كالنَّفخُ إلاَّ أنَّه أشدُّ تأثيراً منه وتخصيصُ الوجوهِ بذلك لأنَّها أشرفُ الأعضاء فبيانُ حالِها أزجرُ عن المعاصي المؤدِّيةِ إلى النَّارِ وهو السِّرُّ في تقديمها على الفاعل {وَهُمْ فِيهَا كالحون} من شدَّةِ الاحتراقِ والكُلوحُ تقلُّصُ الشَّفتينِ عن الأسنان وقرئ كلحون
(6/151)

أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105)
{ألم تكُن آياتِي تُتلى عَلَيْكُمْ} على إضمارِ القولِ أي يُقال لهم تعنيفاً وتوبيخاً وتذكيراً لما به استحقُّوا ما ابتُلوا به من العذابِ ألم تكُن آياتِي تُتلى عليكمُ في الدُّنيا {فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ} حينئذٍ
(6/151)

قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106)
{قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا} أي ملكتَنا {شِقْوَتُنَا} التي اقترفناها بسوءِ اختيارِنا كما ينبئ عنه إضافتُها إلى أنفسِهم وقرئ شقوتنا بالفتح وشقاواتنا أيضاً بالفتحِ والكسرِ {وَكُنَّا} بسببِ ذلك {قَوْماً ضَالّينَ} عن الحق لذلك فعلنَا مَا فعلنَا منْ التَّكذيب وهذا كما ترى اعترافٌ منهم بأنَّ ما أصابهم قد أصابَهم بسوءِ صنيعهم وأمَّا ما قيل من أنَّه اعتذارٌ منهم بغلبة ما كُتب عليهم من الشَّقاوةِ الأزليَّةِ فمع أنَّه باطلٌ في نفسِه لما أنَّه لا يُكتبُ عليهم من السَّعادةِ والشَّقاوةِ إلا ما علمَ الله تعالى أنَّهم يفعلونَه باختيارِهم ضرورةَ أنَّ العلمَ تابعٌ للمعلومِ يردُّه قولُه تعالى
(6/151)

سورة المؤمنون (107 112)
(6/152)

رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)
{رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون} أي أخرجْنَا من النَّار وارجعنا إلى الدُّنيا فإنْ عُدنا بعد ذلكَ إلى ما كُنَّا عليهِ من الكُفر والمَعاصي فإنَّا مُتجاوزون الحدَّ في الظُّلم ولو كانَ اعتقادُهم أنَّهم مجبورون على ما صَدَر عنهم لما سألُوا الرَّجعةَ إلى الدُّنيا ولما وَعدُوا الإيمانَ والطَّاعةَ بل قولُهم فإنْ عُدنا صريحٌ في أنَّهم حينئذٍ على الإيمانِ والطَّاعةِ وإنَّما الموعُود على تقدير الرَّجعةِ إلى الدنيا إحدائهما
(6/152)

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108)
{قال اخسؤوا فِيهَا} أي اسكتُوا في النَّارِ سكوتَ هوانٍ وذِلُّوا وانزجرُوا انزجارَ الكلابِ إذا زُجرتْ من خسأتُ الكلبَ إذا زجرتَه فَخَسِأ أي انزجرَ {وَلاَ تُكَلّمُونِ} أي باستدعاءِ الإخراجِ من النَّار والرَّجْعِ إلى الدُّنيا وقيل لا نكلمون في رفع العذابِ ويردُّه التعليل الآتِي وقيل لا تُكلِّمونِ رأساً وهو آخرُ كلامٍ يتكلَّمونَ به ثم لا كلامَ بعد ذلكَ إلا الشَّهيقُ والزَّفيرُ والعُواءُ كعواءِ الكلبِ لا يَفْهمون ولا يُفهمون ويردُّه الخطاباتُ الآتيةُ قطعاً وقوله تعالى
(6/152)

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109)
{إنه} تعليل لما قبله من الزجرِ عن الدُّعاءِ أي أن الشأن وقرئ بالفتحِ أي لأنَّ الشَّأنَ {كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِى} وهم المؤمنون وقيل أنهم الصَّحابةُ وقيل أهلُ الصُّفَّةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ {يَقُولُونَ} في الدُّنيا {ربنا آمنا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خير الراحمين}
(6/152)

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)
{فاتخذتموهم سِخْرِيّاً} أي اسكتُوا عن الدُّعاءِ بقولكم ربنا الخ لأنَّكم كنتُم تستهزئُون بالدَّاعينَ بقولهم ربنا آمنا الخ وتتشاغلُون باستهزائِهم {حتى أَنسَوْكُمْ} أي الاستهزاءُ بهم {ذِكْرِى} من فرطِ اشتغالِكم باستهزائِهم {وَكُنْتُمْ مّنْهُمْ تَضْحَكُونَ} وذلك غايةُ الاستهزاءِ وقولُه تعالى
(6/152)

إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111)
{إِنِى جَزَيْتُهُمُ اليوم} استئنافٌ لبيانِ حُسنِ حالِهم وأنَّهم انتفعُوا بمَا آذوهم {بِمَا صَبَرُواْ} بسبب صبرِهم على أذيَّتِكم وقولُه تعالى {أَنَّهُمْ هُمُ الفائزون} ثاني مفعولَيْ الجزاءِ أي جزيتُهم فوزَهم بمجامع مرادتهم مخصوصين به وقرئ بكسرِ الهمزةِ على أنَّه تعليلٌ للجزاءِ وبيانٌ لكونِه في غايةِ ما يكونُ من الحُسنِ
(6/152)

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112)
{قَالَ} أي الله عزَّ وجلَّ أو المَلَكُ المأمور بذلك تذكيراً لِما لبثُوا فيما سألوا الرجوع غليه من الدُّنيا بعد التَّنبيهِ على استحالته بقوله اخسئوا فيها الخ وقرئ قُل على الأمرِ للمَلَكِ {كَمْ لَبِثْتُمْ فِى الأرض} التي تدعون إليها {عَدَدَ سِنِينَ} تمييزٌ لكم
(6/152)

سورة المؤمنون (113 117)
(6/153)

قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)
{قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} استقصاراً لمدَّةِ لبثهم فيها {فَاسْأَلِ العادين} أي المتمكِّنينِ من العدِّ فإنما بما دهمَنا من العذاب بمعزلٍ من ذلك أو الملائكةَ العادِّين لأعمار العبادِ وأعمالهم وقرئ العادين بالتخفيف أي المعتدين فإنَّهم أيضاً يقولُون ما نقولُ كأنَّهم الأتباعُ يُسمُّون الرُّؤساءَ بذلك لظُلمهم إيَّاهم إضلالهم وقرئ العَاديينَ أي القدماءَ المُعمِّرين فإنَّهم أيضاً يستقصرُون مدَّة لبثِهم
(6/153)

قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)
{قَالَ} أي الله تعالَى أو الملك وقرئ قُل كما سبق {إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً} تصديقاً لَهُم في ذلك {لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي تعمون شيئا ولو كنتُم من أهلِ العلمِ والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبقَ عليه أي لعلمتُم يومئذٍ قلَّةَ لبثِكم فيها كما علمتُم اليومَ ولعملتم بموجبِه ولم تُخلِدوا إليها
(6/153)

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً} أي ألم تعلمُوا شيئاً فحسبتُم أنَّما خلقناكُم بغيرِ حكمةٍ بالغةٍ حتَّى أنكرتُم البعثَ فعبثاً حالٌ من نون العظمةِ أي عابثينَ أو مفعول له أي إنَّما خلقناكم للعَبَث {وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} عطفٌ على أنَّما فإنَّ خلقَكم بغير بعثٍ من قبيل العَبَثِ وإنَّما خلقناكُم لنعيدَكُم ونجازيكم على أعمالكم وقرئ ترجعون بفتح التاء من الرُّجوعِ
(6/153)

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)
{فتعالى الله} استعظامٌ له تعالى لشئون التي تُصرَّفُ عليها عبادُه من البدءِ والإعادةِ والإثابةِ والعقابِ بموجب الحكمةِ البالغةِ أي ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاتِه وصفاتِه وأحوالِه وأفعالِه وعن خلوِّ أفعالِه عن الحكمِ والمصالحِ والغاياتِ الحميدةِ {الملك الحق} الذي يحقُّ له الملك على الإطلاق إيجادا وإعداما بدءا إعادة إحياءً وإماتةً عقاباً وإثابةً وكلُّ ما سواهُ مملوكٌ له مقهورٌ تحتَ ملكوتِه {لا إله إلا هو} فإنَّ كلَّ ما عداهُ عبيدُه {رَبُّ العرش الكريم} فكيف بما تحتَهُ ومحاط به من الموجوداتِ كائناً ما كان ووصفُه بالكرمِ إمَّا لأنَّه منه ينزلُ الوحيُ الذي منه القرآنُ الكريمُ أو الخيرُ والبركةُ والرحمةُ أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين وقرئ الكريمُ بالرَّفعِ عَلى أنَّه صفةُ الرَّبِّ كما في قوله تعالى ذُو العرش المجيد
(6/153)

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)
{وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إلها آخر} يعبده إفرادا وإشراكا {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} صفةٌ لازمةٌ لإلها كقولِه تعالى يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ جيءَ بها للتَّأكيدِ وبناءِ الحُكمِ عليه تنبيهاً على أنَّ التَّدينِ بما لا دليلَ عليه باطلٌ فكيفَ بما شهدتْ بديهةُ العُقولِ بخلافِه أو اعتراضٌ بين الشَّرط والجزاء كقولك من
(6/153)

سورة المؤمنون (118) أحسنَ إلى زيدٍ لا أحقَّ منه بالإحسانِ فالله مثيبُه {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ} فهو مجازٍ له على قدرِ ما يستحقُّه {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون} أي إنَّ الشَّأنَ الخ وقرئ بالفتحِ على أنَّه تعليلٌ أو خبرٌ ومعناهُ حسابُه عدمُ الفلاحِ والأصلُ حسابُه إنَّه لا يُفلحُ هو فوُضعَ الكافرونَ موضعَ الضّميرِ لأنَّ من يدعُ في معنى الجمعِ وكذلك حسابُه أنَّه لا يفلحُ في معنى حسابُهم أنَّهم لا يُفلحون بُدئتِ السُّورةُ الكريمةُ بتقريرِ فلاحِ المُؤمنين وخُتمتْ بنفيِ الفلاحِ عن الكافرينَ ثم أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفارِ والاسترحامِ فقيل
(6/154)

وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)
{وَقُل رَّبّ اغفر وارحم وأنت خير الراحمين} إيذاناً بأنَّهما من أهمِّ الأمورِ الدِّينيةِ حيثُ أُمر به من قد غُفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر فكيف بمَن عداهُ عنِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم مَن قرأَ سورةَ المُؤمنين بشَّرتْهُ الملائكةُ بالرَّوحِ والرَّيحانِ وما تقرُّ به عينُه عند نزولِ مَلَك الموتِ وعنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال لقد أُنزلتْ عليَّ عشرُ آياتٍ من أقامهنَّ دخلَ الجنَّة ثُم قرأَ قد أفلحَ المُؤمنون حتَّى خَتَم العشرَ ورُوي أنَّ أوَّلَها وآخرَها من كنوزِ الجنَّةِ من عملَ بثلاثِ آياتٍ من أوَّلِها واتَّعظ بأربعٍ من آخرِها فقد نَجَا وأفلحَ
(6/154)

سورة النور (12)
سورة النور مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(6/155)

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)
{سُورَةٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هذه سورةٌ وإنَّما أُشير إليها مع عدمِ سبقِ ذكرِها لأنَّها باعتبار كونِها في شرف الذِّكرِ في حكم الحاضِرِ المشاهَد وقولُه تعالَى {أنزلناها} معَ ما عُطف عليه صفاتٌ لها مؤكِّدةٌ لما أفادَهُ التنكيرُ من الفخامة من حيثُ الذَّاتُ بالفخامة من حيثُ الصِّفاتُ وأمَّا كونُها مبتدأً محذوفَ الخبرِ على أنْ يكونَ التَّقديرُ فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها فيأباهُ أنَّ مُقتضى المقام بيانُ شأن السُّورةِ الكريمةِ لا أنَّ في جُملة ما أُوحي إلى النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم سورةً شأنُها كَذا وكَذا وحملُها على السُّورةِ الكَريمةِ بمعونةِ المقامِ يُوهم أنَّ غيرَها من السُّورِ الكريمةِ ليستْ على تلكَ الصِّفاتِ وقرئ بالنصب على إضمار فعلِ يُفسِّره أنزلناهَا فلا محلَّ له حينئذٍ من الإعرابِ أو على تقديرِ اقرأْ ونحوه أو دونك عند من يُسوِّغُ حذفَ أداةِ الإغراءِ فمحلُّ أنزلنا النَّصبُ على الوصفيَّةِ {وفرضناها} أي أو أوجبنَا ما فيها من الأحكامِ إيجاباً قطعيًّا وفيه من الإيذانِ بغايةِ وكادةِ الفرضيَّةِ ما لا يَخْفى وقرئ فرَّضناها بالتَّشديدِ لتأكيدِ الإيجابِ أو لتعددِ الفرائضِ أو لكثرةِ المفروضِ عليهم من السَّلفِ والخلفِ {وَأَنزَلْنَا فِيهَا} أي في تضاعيفِ السُّورةِ {آيات بَيّنَاتٍ} إنْ أُريد بها الآياتُ التي نِيطتْ بها الأحكامُ المفروضةُ وهو الأظهرُ فكونُها في السُّورةِ ظاهرٌ ومعنى كونِها بيناتٍ وضوحُ دلالاتِها على أحكامِها لا على معانيها على الإطلاقِ فإنَّها أسوةٌ لسائرِ الآياتِ في ذلكَ وتكريرُ أنزلنا معَ استلزام إنزالِ السُّورةِ لإنزالِها لإبرازِ كمالِ العنايةِ بشأنِها وإنْ أُريد جميعُ الآياتِ فالظَّرفيةُ باعتبار اشتما ل الكلِّ على كلِّ واحدٍ من أجزائِه وتكريرُ أنزلنا مع أنَّ جميعَ الآياتِ عين السورة وإنزالها عين إنزالها لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيصِ إنزالِها بالذِّكرِ إبانةً لخطرِها ورفعاً لمحلِّها كقوله تعالى ونجيناه مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ بعد قوله تعالى ونجينا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بحذفِ إحدى التَّاءينِ وقرئ بإدغامِ الثَّانيةِ في الذَّالِ أي تتذكرونها فتعلمون بموجبِها عند وقوعِ الحوادثِ الدَّاعيةِ إلى إجراءِ أحكامِها وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّها أنْ تكونَ على ذكرٍ منهم بحيثُ مَتَى مسَّتِ الحاجةُ إليها استحضرُوها
(6/155)

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
{الزانية والزانى} شروعٌ في تفصيلِ ما ذُكِر منَ الآياتِ البيِّناتِ وبيانِ أحكامِها
(6/155)

سورة النور (3) والزَّانيةُ هي المرأةُ المُطاوِعةُ للزِّنا الممكِّنةُ منه كما تنبئ عنه الصِّيغةُ لا المزنيةُ كُرهاً وتقديمُها على الزَّاني لأنَّها الأصلُ في الفعل لكونِ الدَّاعيةِ فيها أوفرَ ولولا تمكينُها منه لم يقعْ ورفعُهما على الابتداءِ والخبرُ قولُه تعالى {فاجلدوا كلُّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مائةَ جَلْدَةٍ} والفاءُ لتضمُّنِ المبتدأِ معنى الشرط إذا اللاَّمُ بمعنى الموصولِ والتَّقديرُ التي زنتْ والذي زَنى كما في قوله تعالى واللذان يأتياها منكم فآذوهما وقيل الخبرُ محذوفٌ أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانيةُ والزَّاني أي حُكمهُما وقولُه تعالى فاجلدوا الخ بيانٌ لذلكَ الحُكمِ وكانَ هذا عامًّا في حقِّ المُحصنِ وغيرِه وقد نُسخَ في حقِّ المحصنِ قَطْعاً ويكفينا في تعيينِ الناسخ القطع بأنه صلى الله عليه وسلم قد رجم ماعزا أو غيره فيكونُ من بابِ نسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ المشهُورةِ وفي الإيضاحِ الرَّجمُ حكمٌ ثبتَ بالسنَّةِ المشهورةِ المتفقِ عليها فجازتِ الزيادةُ بها على الكتابِ ورُوي عن عليَ رضي الله عنه جلدتُها بكتابِ اللَّهِ ورجمتُها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيلَ نُسخ بآيةٍ منسوخةِ التلاوة وهي الشيخ والشيخة إذا زينا فارجمُوهما البتة نكالاً من اللَّهِ واللَّهُ عزيزٌ حكيمٌ ويأباهُ ما رُوي عن علي رضي الله عنه {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} وقرئ بفتحِ الهمزةِ وبالمدِّ أيضاً على فَعَالةٍ أي رحمةٌ ورقَّةٌ {فِى دِينِ الله} في طاعتهِ وإقامةِ حدِّه فتطلوه أو تسامحوه فيهِ وقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لو سرقتْ فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ لقطعتُ يدها {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر} منْ بابِ التَّهييج والإلهابِ فإنَّ الإيمانَ بهما يقتضي الجدَّ في طاعته تعالى والاجتهادَ في إجراءِ أحكامِه وذكرُ اليومِ الآخرِ لتذكيرِ ما فيهِ من العقابِ في مقابلةِ المُسامحةِ والتَّعطيلِ {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين} أي لتحضره زيادةً في التَّنكيلِ فإنَّ التَّفضيحَ قد يُنكِّلُ أكثرَ ممَّا يُنكلُّ التَّعذيبُ والطَّائفةُ فرقةٌ يُمكن أنْ تكونَ حافَّةً حولَ شيءٍ من الطَّوفِ وأقلُّها ثلاثةٌ كما روي عن فنادة وعن ابن عباس رضي الله عنهما أربعةٌ إلى أربعينَ وعن الحسنِ عشرةٌ والمرادُ جمعٌ يحصلُ بهِ التَّشهيرُ والزَّجرُ
(6/156)

الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)
{الزانى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} حكمٌ مؤسَّسٌ على الغالبِ المُعتادِ جيءَ به لزجر المؤمنين بهنَّ وقد رَغِب بعضٌ من ضَعَفةِ المُهاجرينَ في نكاح وسرات كانتْ بالمدينةِ من بَغَايا المُشركينَ فاستأذنُوا رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في ذلكَ فنُفِّروا عنه ببيانِ أنَّه من أفعالِ الزُّناةِ وخصائصِ المُشركين كأنَّه قيلَ الزَّاني لا يرغبُ إلاَّ في نكاحِ إحداهما والزَّانيةُ لا يرغبُ في نكاحِها إلا أحدُهما فلا تحومُوا حولَه كيلا تنتظمُوا في سلكهما أو تتسِمُوا بسمتِهما فإيرادُ الجُملةِ الأُولى مع أنَّ مناطَ التَّنفيرِ هي الثَّانيةُ إمَّا للتعريضِ بقصرهم الرَّغبةَ عليهنَّ حيثُ استأذنُوا في نكاحهنَّ أو لتأكيدِ العلاقةِ بين الجانبينِ مبالغة في الزجر والتنفير وعدمِ التَّعرضِ في الجُملة الثَّانيةِ للمشركةِ للتنبيهِ على أنَّ مناطَ الزَّجرِ والتَّنفيرِ هوالزنا لا مجردُ الإشراكِ وإنَّما تعرَّضَ لها في الأُولى إشباعاً في التَّنفير عن الزَّانيةِ بنظمها في سلكِ المُشركةِ {وَحُرّمَ ذلك} أي نكاحُ الزَّواني {عَلَى المؤمنين} لما أنَّ فيهِ من التَّشبهِ بالفسقةِ والتَّعرضِ للتُّهمةِ والتَّسببِ لسوءِ القالةِ والطَّعنِ في النسب واختلال
(6/156)

سورة النور (4) أمرِ المعاشِ وغيرِ ذلكَ من المفاسدِ ما لا يكادُ يليقُ بأحدٍ من الأداني والأراذلِ فضلاً عنِ المُؤمنينَ ولذلكَ عبَّر عن التنزيهِ بالتَّحريمِ مُبالغةً في الزَّجرِ وقيل النَّفيُ بمعنى النهي وقد قرئ بهِ والتَّحريمُ على حقيقته والحكمُ إمَّا مخصوصٌ بسبب النُّزولِ أو منسوخٌ بقولهِ تعالى وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ فإنَّه متناولٌ للمسافحاتِ ويُؤيده ما روي أنه صلى الله عليه وسلم سُئلَ عنْ ذلِكَ فقالَ أولهُ سِفاحٌ وآخرُه نِكاحٌ والحرامُ لا يُحرِّمُ الحلالَ وما قيل من أن المرادَ بالنِّكاحِ هو الوطءُ بيِّنُ البُطلانِ
(6/157)

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
{والذين يَرْمُونَ المحصنات} بيانٌ لحكمِ العَفَائفِ إذا نُسبن إلى الزِّنا بعد بيانِ حُكمِ الزَّوانِي ويُعتبر في الإحصان ههنا مع مدلولهِ الوضعيِّ الذي هو العِفَّةُ عن الزِّنا الحريَّةُ والبُلوغُ والإسلامُ وفي التَّعبيرِ عن التَّفوهِ بما قالُوا في حقهنَّ بالرَّمي المنبئ عن صلابةِ الآلةِ وإيلامِ المَرميِّ وبعدِه عن الرَّامِي إيذانٌ بشدَّةِ تأثيره فيهنَّ وكونهِ رجماً بالغيبِ والمرادُ به رميهنَّ بالزِّنا لا غير وعدمُ التَّصريحِ به للاكتفاءِ بإيرادهنَّ عقيبَ الزَّواني ووصفِهنَّ بالإحصانِ الدَّالِّ بالوضعِ على نزاهتهن عن الزنا خاصَّة فإنَّ ذلكَ بمنزلةِ التَّصريحِ بكونِ رميهنَّ به لا محالة ولا حاجة في ذلكَ إلى الاستشهادِ باعتبارِ الأربعةِ من الشُّهداءِ على أنَّ فيه مؤنة بيانِ تأخُّرِ نزولِ الآيةِ عن قوله تعالى فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً ولا بعدمِ وجوبِ الحدِّ بالرَّميِ بغيرِ الزنا على أنَّ فيه شبهة المصاردة كأنَّه قيلَ والذينَ يرمُون العفائفَ المنزَّهاتِ عمَّا رُمين به من الزنا {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} يشهدونَ عليهنَّ بما رموهنَّ به وفي كلمةِ ثمَّ إشعارٌ بجوازِ تأخيرِ الإتيانِ بالشُّهودِ كما أنَّ في كلمةِ لم إشارةً إلى تحقيق العجزِ عن الإتيانِ بهم وتقرره خلا أنَّ اجتماعَ الشُّهودِ لا بُدَّ منه عندَ الأداءِ خلافاً للشَّافعيِّ رحمه الله تعالى فإنَّه جَوَّزَ التَّراخي بينَ الشَّهاداتِ كما بينَ الرَّميِ والشَّهادةِ ويجوزُ أنْ يكونَ أحدُهم زوجَ المقذوفةِ خلافا له أيضا وقرئ بأربعة شهداء {فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لظهورِ كذبهِم وافترائِهم بعجزِهم عن الإتيانِ بالشُّهداءِ لقوله تعالى فإذا لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ الله هُمُ الكاذبون وانتصابُ ثمانينَ كانتصابِ المصادرِ ونصبُ جلدةً على التَّمييزِ وتخصيصُ رميهنَّ بهذا الحكم مع أنَّ حكم رَميِ المُحصنين أيضاً كذلك لخصوصِ الواقعةِ وشيوعِ الرَّمي فيهنَّ {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً} عطفٌ على اجلدُوا داخلٌ في حكمهِ تتمةٌ له لما فيه من معنى الزَّجرِ لأنَّه مؤلمٌ للقلبِ كما أنَّ الجلدَ مؤلمٌ للبدنِ وقد آذى المقذوفَ بلسانه فعُوقبَ بإهدار منافعهِ جزاءً وِفاقاً واللاَّمُ في لهُم متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من شهادةً قدمتْ عليها لكونها نكرةً ولو تأخرتْ عنها لكانتْ صفةً لها وفائدتُها تخصيصُ الردِّ بشهادتهم النَّاشئةِ عن أهليَّتهم الثَّابتةِ لهم عندَ الرَّميِ وهُو السِّرُّ في قبولِ شهادةِ الكافرِ المحدودِ في القذفِ بعد التَّوبةِ والإسلامِ لأنَّها ليستْ ناشئةً عن أهليَّتهِ السَّابقةِ بل عن أهلية حَدَثتْ له بعد إسلامهِ فلا يتناولُها الردُّ فتدبَّرْ ودعْ عنك ما قيل من أنَّ المسلمينَ لا يعبأون بسبب الكفَّارِ فلا يلحقُ المقذوفَ بقذفِ الكافرِ من الشَّينِ والشَّنارِ ما يلحقهُ بقذفِ المسلمِ فإنَّ ذلكَ بدونِ مامر من الاعتبارِ تعليلٌ في مُقابلةِ النصِّ ولا يخفى حالُه فالمعنى لا تقبلُوا منهم شهادةً من الشَّهاداتِ حال كونها
(6/157)

سورة النور (5 6) حاصلةً لهم عندَ الرَّميِ {أَبَدًا} أي مُدَّة حياتهم وإنْ تابُوا وأصلحُوا لما عرفتَ من أنَّه تتمةٌ للحدِّ كأنَّه قيلَ فاجلدُوهم وردُّوا شهادتهم أي فاجمعُوا لهم الجلدَ والردَّ فيبقى كأصله {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون} كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبلَه ومبينٌ لسُّوءِ حالهم عند الله عز وجل وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشر والفسادِ أيْ أُولئك هم المحكومُ عليهم بالفسقِ والخروجِ عن الطَّاعةِ والتَّجاوزِ عن الحدودِ الكاملون فيه كأنَّهم هم المستحقُّون لإطلاقِ اسمِ الفاسقِ عليهم لا غيرُهم منَ الفَسَقةِ وقولُه تعالَى
(6/158)

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
{إِلاَّ الذين تَابُواْ} استثناءٌ من الفاسقين كما ينبئ عنْهُ التَّعليلُ الآتِي ومحلُّ المستثني النصب لأنه من موجبٍ وقولُه تعالى {مِن بَعْدِ ذلك} لتهويلِ المتوبِ عنه أي من بعدِ ما اقترفُوا ذلكَ الذَّنبَ العظيمَ الهائلَ {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحُوا أعمالَهم التي منْ جُملتِها ما فرطَ منهم بالتَّلافي والتَّداركِ ومنهُ الاستسلامُ للحدِّ والاستحلالُ من المقذوفِ {فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليلٌ لمَا يفيدهُ الاستثناءُ منْ العفوِ عن المؤاخذةِ بموجبِ الفسقِ كأنَّه قيلَ فحينئذٍ لا يؤاخذُهم اللَّهُ تعالى بما فَرَط منهُم ولا ينظمهم في سلكِ الفاسقينَ لأنَّه تعالى مبالِغٌ في المغفرةِ والرَّحمةِ هذا وقد علق الشافعي رحمه الله الاستثناءَ بالنَّهيِ فمحلُّ المستثنى حينئذٍ الجرُّ على البدليَّةِ من الضمير في لهم وجعل الأبدَ عبارةً عنْ مُدَّةِ كونه قاذفاً فتنتهي بالتَّوبةِ فتُقبل شهادتهُ بعدَها
(6/158)

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)
{والذين يَرْمُونَ أزواجهم} بيانٌ لحكم الرَّامين لأزواجِهم خاصَّة بعد بيانِ حكم الرامين لغيرهنَّ لكنْ لا بأن يكونَ هذا مخصصاً للمحصناتِ بالأجنبياتِ ليلزم بقاءُ الآيةِ السَّابقةِ ظنيةً فلا يثبتُ بها الحدُّ فإنَّ من شرائطِ التَّخصيصِ أنْ لا يكونَ المخصصُ متراخيَ النزولِ بل بكونهِ ناسخاً لعمومها ضرورة تراخي نزولها كما سيأتي فتبقى الآيةُ السَّابقةُ قطعية الدِّلالةِ فيما بقيَ بعدَ النَّسخِ لما بُيِّن موضعِه أنَّ دليلَ النَّسخِ غيرُ مُعلَّلٍ {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء} يشهدُون بما رموهن به من الزنا وقرئ بتأنيثِ الفعل {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} بدلٌ من شهداءُ أو صفةٌ لها على أن إلاَّ بمعنى غير جعلوا من جُملة الشُّهداء إيذاناً من أولِ الأمرِ بعدمِ إلغاءِ قولهم بالمرَّةِ ونظمِه في سلكِ الشَّهادةِ في الجُملةِ وبذلكَ ازدادَ حسنُ إضافةِ الشَّهادةِ إليهم في قوله تعالى {فشهادة أَحَدِهِمْ} أي شهادةُ كلِّ واحدٍ منهُم وهو مبتدأٌ وقولهُ تعالى {أَرْبَعُ شهادات} خبرُه أي فشهادتهم المشروعةُ أربعُ شهاداتٍ {بالله} متعلِّقٌ بشهاداتٍ لقُربِها وقيلَ بشهادةُ لتقدُّمِها وقرئ أربعَ شهاداتٍ بالنَّصبِ على المصدرِ والعاملُ فشهادةُ على أنَّه إمَّا خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي فالواجبُ شهادةُ أحدهم وإمَّا مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ أيْ فشهادةُ أحدهم واجبةٌ {إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين} أي فيما رماها به من الزنا وأصلُه على أنَّه الخ فحُذفَ الجارُّ وكُسرتْ إنّ وعُلِّق العاملُ عنها للتَّأكيدِ
(6/158)

سورة النور (710)
(6/159)

وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)
{والخامسة} أي الشهادةُ الخامسةُ للأربعِ المتقدِّمةِ أي الجاعلةُ لها خَمْساً بانضمامها إليهنَّ وإفرادُها عنهنَّ مع كونها شهادةً أيضاً لاستقلالها بالفحوى أو كادتها في إفادةِ ما يُقصد بالشَّهادةِ من تحقيقِ الخبرِ وإظهارِ الصِّدقِ وهي مبتدأٌ خبرُه {أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين} فيما رماها به من الزنا فإذالا عن الزَّوجُ حُبستِ الزَّوجةُ حتَّى تعترف فترجم أو تلاعن
(6/159)

وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)
{ويدرأ عَنْهَا العذاب} أي العذابَ الدنيويَّ وهو الحبسُ المغيَّا على أحد الوجهين الرجم الذي هو أشدُّ العذابِ {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ} أي الزوج {لَمِنَ الكاذبين} أي فيما رَمَاني به من الزِّنا
(6/159)

وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
{والخامسة} بالنصب على أربع شهادات {أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ} أي الزوج {مِنَ الصادقين} أي فيما رَمَاني به في الزنا وقرئ والخامسةُ بالرَّفعِ على الابتداءِ وقرئ أنْ بالتَّخفيفِ في الموضعينِ ورفع اللعنة والغضب وقرئ أنْ غضِبَ اللَّهُ وتخصيصُ الغضبِ بجانبِ المرأةِ للتغليظِ عليها لما أنَّها مادةُ الفجورِ ولأنَّ النِّساءَ كثيراً ما يستعملنَ اللَّعن فربما يجترئن على التفوُّهِ به لسقوطِ وقعهِ عن قلوبهنَّ بخلافِ غضبهِ تعالى رُوي أنَّ آيةَ القذفِ لمَّا نزلتْ قرأها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على المنبرِ فقامَ عاصمُ بن عدي الأنصاري رضيَ الله عنه فقالَ جعلني اللَّهُ فداكَ إنْ وجدَ رجلٌ مع امرأته رجُلاً فأخبرَ جُلد ثمانينَ ورُدَّتْ شهادتُه وفُسِّقَ وإنْ ضربه بالسَّيفِ قُتل وإن سكت سكت عل غيظٍ وإلى أنْ يجيءَ بأربعةِ شهداءَ فقد قضى الرَّجلُ حاجته ومضى اللهمَّ افتحْ وخرجَ فاستقبله هلالُ بن أُميَّة أو عُويمرٌ فقال ما وراءكَ قالَ شَرٌّ وجدتُ على امرأتي خَوْلة وهي بنتُ عاصمٍ شريك بن سحماه فقالَ واللَّهِ هذا سُؤالي ما أسرعَ ما ابتُليتَ به فرجعا فأخبرا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فكلم خولة فأنكرت فنزلت فلاعنَ بينهما والفُرقةُ الواقعةُ باللِّعانِ في حُكم التَّطليقةِ البائنةِ عندَ أبي حنيفةَ ومحمَّدٍ رحمهُما اللَّهُ ولا يتأبَّدُ حكمُها حتَّى إذا أكذبَ الرَّجلُ نفسَه بعدَ ذلكَ فحُدَّ جازَ له أنْ يتزوَّجها وعند أبي يوسف وزُفر والحسنِ بنِ زياد والشَّافعيِّ رحمهم اللَّهُ هي فُرقةٌ بغيرِ طلاقٍ تُوجبُ تَحريماً مؤبَّداً ليس لهما اجتماعٌ بعد ذلكَ أبدا
(6/159)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)
{وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ} التفاتٌ إلى خطابِ الراجين والمرميَّاتِ بطريقِ التَّغليبِ لتوفيةِ مقامَ الامتنانِ حقَّه وجوابُ لولا محذوفٌ لتهويله والإشعارِ بضيق العبارة عن حصره كأنَّه قيل ولولا تفضُّلُه تعالى عليكم ورحمتُه وأنَّه تعالى مبالغٌ في قبولِ التَّوبةِ حَكِيمٌ في جميعِ أفعالِه وأحكامه التي من جملتها ما شرعَ لكُم من حكمِ اللِّعانِ لكانَ ما كانَ مما لا يحيطُ به نطاقُ البيانِ ومن جُمْلتهِ أنَّه تعالى لو لم يشرعْ لهم ذلك لوجبَ على الزَّوجِ حدُّ القذفِ مع أنَّ الظاهرَ صدقُه لأنَّه أعرفُ بحالِ زوجته وأنّه لا يفترِي عليها لاشتراكهما في الفضاحة وبعد ما شرعَ لهم ذلك لو جعل
(6/159)

سورة النور (11) شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر لها ولو جعل شهاداتها موجبةً لحدِّ القذفِ عليه لفاتَ النَّظرُ له ولا ريبَ في خروجِ الكلِّ عن سننِ الحكمةِ والفضلِ والرَّحمةِ فجعلَ شهاداتِ كلَ منهُما مع الجزمِ بكذبِ أحدِهما حتماً دارئةً لما توجَّهَ إليهِ من الغائلةِ الدُّنيويةِ وقد ابتُليَ الكاذبُ منهما في تضاعيفِ شهاداتهِ من العذابِ بما هو أتمُّ مما درأتْهُ عنه وأطمُّ وفي ذلكَ من أحكامِ الحكمِ البالغةِ وآثارِ التَّفضلِ والرحمةِ ما لا يخفى أمَّا على الصَّادقِ فظاهرٌ وأمَّا على الكاذبِ فهو إمهالُه والسَّترُ عليهِ في الدُّنيا ودرءُ الحدِّ عنه وتعريضُه للتَّوبةِ حسبما ينبئ عنه التَّعرضُ لعُنوانِ توَّابيته سُبحانه ما أعظمَ شأنَهُ وأوسعَ رحمتَهُ وأدقَّ حكمتَهُ
(6/160)

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
{إن الذين جاؤوا بالإفك} أي بأبلغَ ما يكونُ من الكذبِ والافتراءِ وقيل هو البُهتانُ لا تشعرُ به حتَّى يفجأكَ وأصلُه الإفكُ وهو القلبُ لأنه مأفوكٌ عن وجهه وسننهِ والمرادُ به ما أُفكَ بهِ الصديقة أم المؤمنين رضي الله عنها وفي لفظ المجيءِ إشارةٌ إلى أنَّهم أظهرُوه من عندِ أنفسِهم من غير أن يكون له أصل وذلكَ أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله علي وسلم كانَ إذا أرادَ سفراً أقرعَ بين نسائهِ فأيتهنَّ خرجتْ قرعتُها استصحبَها قالتْ عائشةَ رضيَ الله عنها فأقرعَ بيننا في غزوةٍ غزاها قيلَ غزوةُ بني المُصطلقِ فخرجَ سهمي فخرجتُ معه صلى الله علي وسلم بعد نزولِ آيةِ الحجابِ فَحُملت في هَوْدجٍ فسرنا حتَّى إذا قفلنا ودنَونا من المدينةِ نزلنا منزلاً ثم نُودي بالرَّحيل فقُمت ومشيتُ حتَّى جاوزتُ الجيشَ فلمَّا قضيتُ شأني أقبلتُ إلى رَحْلي فلمستُ صَدري فإذا عِقدي من جَزَعِ ظَفَارَ قد انقطعَ فرجعتُ فالتمستُه فحبسني ابتغاؤه وأقبلَ الرَّهطُ الذينَ كانُوا يُرحلون بي فاحتملُوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أنِّي فيه لخفَّتي فلم يستنكرُوا خفَّة الهودجِ وذهبُوا بالبعير ووجدت عقدي بعد ما استمررت الجيش فجئتُ منازلَهم وليس فيها داعٍ ولا مجيبٌ فتممت منزلي وظننتُ أنِّي سيفقدونني ويعودونَ في طَلَبي فبينا أنا جالسةٌ في منزلي غلبتني عيني فنِمتُ وكانَ صفوانُ بنُ المُعطِّلِ السُّلَميُّ من وراءِ الجيشِ فلمَّا رآنِي عرفنِي فاستيقظتُ باسترجاعهِ فخمرت وجهي بالجلبابي وواللَّهِ ما تكلَّمنا بكلمةٍ ولا سمعتُ منه كلمةً غيرَ استرجاعِه وهَوى حتَّى أناخ راحلته فوطئ على يديها فقمتُ إليها فركبتُها وانطلقَ يقودُ بي الرَّاحلةَ حتى أتينا الجيشَ مُوغرين في نحرِ الظَّهيرةِ وهُم نزولٌ وافتقدنِي النَّاسُ حين نزلُوا وماجَ القومُ في ذكرِي فبينا النَّاسُ كذلكَ إذ هجمتُ عليهم فخاضَ النَّاسُ في حديثي فهلكَ مَن هلكَ وقولُه تعالى {عُصْبَةٌ مّنْكُمْ} خبرُ إنَّ أي جماعةٌ وهي من العشرة إلى الأربعينَ وكذا العِصابةُ وهم عبدُ اللَّهِ بنُ أُبيَ وزيدُ بنُ رفاعة وحسَّانُ بنُ ثابتٍ ومسطحُ بنُ أثاثة وحِمْنةُ بنتُ جحشٍ ومن ساعدهم وقولُه تعالى {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} استئنافٌ خُوطب به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأبوُ بكرٍ وعائشةُ وصفوانُ رضي الله عنهم تسليةً لهم من أولِ الأمرِ والضَّميرُ للإفكِ {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لاكتسابِكم به الثَّوابَ العظيمَ وظهورِ كرامتِكم على اللَّهِ عزَّ وجلَّ بإنزالِ ثماني عشرة آيةً في نزاهةِ ساحتِكم وتعظيمِ شأنِكم وتشديدِ الوعيدِ فيمَن تكلَّم فيكُم والثَّناءِ على مَنْ ظنَّ بكُم خيرا {لكل امرئ منهم}
(6/160)

أي من أولئكَ العُصبةِ {مَّا اكتسب مِنَ الإثم} بقدرِ ما خاضَ فيه {والذى تولى كِبْرَهُ} أي معظمه وقرئ بضم الكاف وهي لغة فيهِ {مِنْهُمْ} من العُصبةِ وهو ابنُ أُبيَ فإنَّه بدأ به وأذاعَه بين النَّاسِ عداوةً لرسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وقيل هُو وحسَّانُ ومِسْطَحُ فإنَّهما شايعاهُ بالتَّصريحِ به فإفرادُ الموصولِ حينئذٍ باعتبارِ الفوجِ أو الفريقِ أو نحوهما {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي في الآخرةِ أو في الدُّنيا أيضاً فإنَّهم جلدُوا وردَّتْ شهادتهم وصارَ ابنُ أبيَ مطروداً مشهوداً عليه بالنِّفاق وحسَّانُ أعمى وأشلَّ اليدينِ ومسطحُ مكفوفَ البصرِ وفي التَّعبير عنه بالذي وتكريرِ الإسنادِ وتنكيرِ العذابِ ووصفهِ بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى
(6/161)

لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)
{لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} تلوينٌ للخطاب وصرْفٌ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذويهِ إلى الخائضينَ بطريق الالتفاتِ لتشديد ما في لولا التحفيضة من التَّوبيخِ ثمَّ العدول عنه إلى الغيبةِ في قوله تعالى {ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً} لتأكيدِ التَّوبيخِ والتَّشنيعِ لكنْ لا بطريقِ الإعراضِ عنهم وحكايةِ جناياتِهم لغيرهم على وجهِ المثابة بل بالتَّوسلِ بذلكَ إلى وصفهم بما يوجبُ الإتيانَ بالمحضض عليه ويقتضيهِ اقتضاءً تامًّا ويزجرُهم عن ضدِّه زَجْراً بليغاً فإنَّ كونَ وصفِ الإيمانِ ممَّا يحملُهم على إحسان الظَّنِّ ويكفُّهم عن أسامة بأنفسِهم أي بأبناءِ جنسِهم النَّازلين منزلة أنفسهم كقولهِ تعالى ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وقوله تعالى وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ ممَّا لايب فيه فإخلاهم بموجب ذلك الوصفِ أقبحُ وأشنعُ والتَّوبيخُ عليه أدخلُ مع ما فيه من التَّوسل به إلى التَّصريحِ بتوبيخ الخائضاتِ ثمَّ إنْ كان المرادُ بالإيمان الإيمانَ الحقيقيَّ فإيجابُه لما ذُكر واضحٌ والتَّوبيخُ خاصٌّ بالمؤمنينَ وإن كان مطلقَ الإيمانِ الشَّاملِ لما يُظهره المنافقون أيضاً فإيجابُه له من حيثُ أنَّهم كانُوا يحترزون عن إظهارِ ما يُنافي مُدَّعاهم فالتَّوبيخُ حينئذٍ متوجِّهٌ إلى الكلِّ وتوسيطُ الظَّرفِ بينَ لولا وفعلِها لتخصيصِ التخصيص بأولِ زمانِ سماعهم وقصرُ التوبيخ على تأخير الإنيان بالمحضَّضِ عليه عن ذلك الآنَ والتَّردد فيه ليفيدَ أنَّ عدمَ الإتيانِ به رأساً في غايةِ ما يكونُ من القباحةِ والشَّناعةِ أي كان الواجبُ أنْ يظنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ أول ما سمعوه ممَّن اخترعَه بالذَّاتِ أو بالواسطةِ من غيرِ تلعثُمٍ وترددٍ بمثلِهم من آحادِ المؤمنينَ خيراً {وَقَالُواْ} في ذلكَ الآنَ {هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي ظاهرٌ مكشوفٌ كونُه إفكاً فكيفَ بالصِّدِّيقةِ ابنةِ الصِّدِّيقِ أمِّ المؤمنينَ حُرمةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
(6/161)

لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)
{لولا جاؤوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء} إما من تمامِ القولِ المُحضَّضِ عليهِ مسوقٌ لحثِّ السامعينَ على إلزامِ المسمِّعين وتكذيبهم إ تكذيب ماسمعوه منهم بقولهم هذا إفكٌ مبينٌ وتوبيخهم على تركه أي هلاَّ جاءَ الخائضونَ بأربعةِ شُهداءَ يشهدُون على ما قالُوا {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ} بهم وإنَّما قيل {بِالشُّهَدَاء} لزيادة التَّقريرِ {فَأُوْلَئِكَ} إشارةٌ إلى الخائضينَ وما فيه من معنى البعد للإيذان بغلوهم في الفسادِ وبعد منزلتهم عن الشَّرِّ أي أولئك المُفسدون {عَندَ الله} أي في حُكمهِ وشَرْعه المؤسَّسِ على الدَّلائلِ الظَّاهرةِ المتقنةِ {هُمُ الكاذبون} الكاملونَ في الكذب المشهود
(6/161)

سورة النور (14 16) عليهم بذلك المستحقُّون لإطلاقِ الاسمِ عليهم دُونَ غيرهم ولذلك رتب عليهم الحدُّ خاصَّة وإما كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ من جهتِه تعالَى للاحتجاج على كذبهم بكونِ ما قالُوه قولاً لا يساعدُه الدَّليلُ أصلاً
(6/162)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)
{وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ} خطابٌ للسَّامعينَ والمسمِّعينَ جميعاً {وَرَحْمَتُهُ فِى الدنيا} من فنونِ النِّعمِ التي من جُملتها الإمهالُ للتَّوبة {والأخرة} من الآلاءِ التي من جُملتها العفوُ بعد التَّوبةِ {لَمَسَّكُمْ} عاجلاً {فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ} بسبب ما خضتُم فيه من حديث الإفكِ والإبهامُ لتهويل أمره والاستهجان بذكره بقال أفاضَ في الحديثِ وخاضَ واندفعَ وهضبَ بمعنى {عَذَابٌ عظِيمٌ} يُستحقر دونَه التَّوبيخُ والجلدُ
(6/162)

إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} بحذف إحدى التَّاءينِ ظرفٌ للمسِّ أي لمسَّكم ذلكَ العذابُ العظيمُ وقتَ تلقِّيكم إيَّاه من المخترعين {بألسنتكم} والتقي والتلقُّفُ والتلقُّنُ معانٍ متقاربةٌ خلا أنَّ في الأولِ معنى الاستقبالِ وفي الثَّاني معنى الخَطفِ والأخذِ بسرعةٍ وفي الثَّالثِ معنى الحِذْقِ والمهارة وقرئ تتلقونه تَتَلقَونه على الأصل وتلقونه من لقيَه وتلقونَه بكسرِ حرفِ المُضارعةِ وتُلقونه من إلقاء بعضهم على بعض وتَلْقُونه وتألقونَه من الولقِ والألق وهو الكذبُ وتثقفونَه من ثقفتُه إذا طلبتُه فوجدته وتثقفونه أي تتعبونه {وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي تقولونَ قولاً مختصًّا بالأفواهِ من غير أن يكون له مصداقٌ ومنشأٌ في القلوبِ لأنَّه ليسَ بتعبيرٍ عن علم به قلوبكم كقوله تعالى يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ {وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً} سهلاً لا تبعةَ لهُ أو ليسَ له كثيرُ عقوبةٍ {وَهُوَ عِندَ الله} والحالُ أنَّه عنده عزَّ وجلَّ (عظِيمٌ) لا يُقادرُ قَدرُه في الوِزرِ واستجرارِ العذابِ
(6/162)

وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)
{وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} من المخزعين والمشايعين لهم {قُلْتُمْ} تكذيباً لهُم وتهويلاً لما ارتكبُوه {مَّا يَكُونُ لَنَا} ما يُمكننا {أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا} وما يصدرُ عنَّا ذلكَ بوجهٍ من الوجوهِ وحاصلُه نفيُ وجودِ التَّكلمِ به لا نفيُ وجوده على وجه الصِّحَّةِ والاستقامةِ والانبغاءِ وهذا إشارةٌ إلى ما سمعُوه وتوسيطُ الظَّرفِ بينَ لولا وقلتُم لما مرَّ من تخصيص التخضيض بأول وقتِ السَّماعِ وقصرِ التَّوبيخِ واللَّومِ على تأخيرِ القولِ المذكورِ عن ذلك الآنَ ليفيدَ أنَّه المحتملُ للوقوع المفتقر إلى التخضيض على تركه وأما تركُ القول نفسه رأسا فيما لا يُتوهَّم وقوعُه حتَّى يحضَّض على فعلِه ويلامَ على تركه وعلى هذا ينبغي أنْ يحملَ ما قيل إنَّ المعنى أنَّه كان الواجب عليهم أن يتفادَوا أولَ ما سمعُوا بالإفك عن التَّكلُّم به فلمَّا كان ذكرُ الوقتِ أهم وجب التقديم وأماما قيل من أنَّ ظروفَ الأشياء منزلة منزَّلةٌ أنفسَها لوقوعِها فيها وأنها لا تنفكُّ عنها لذلك يتسع فيها مالا
(6/162)

سورة النور (1719) يتَّسعُ في غيرِها فهي ضابطة ربما تستعمل فيماإذا وضع الظَّرفُ موضعَ المظروفِ بأن ج مفعولاً صريحاً لفعلٍ مذكورٍ كما في قوله تعالى واذكروا إذا جَعَلَكُمْ خُلَفَاء أو مقدَّرٍ كعامة الظروف المنصوبة إضمار اذكروا أما ههنا فلا حاجةَ إليها أصلاً لما تحققت أنَّ مناطَ التقديم توجبه التحضيضِ إليه وذلك يتحقَّقُ في جميع متعلقاتِ الفعلِ كما في قولِه تعالى فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا {سبحانك} تعجُّبٌ ممَّن تفوَّه به وأصلُه أن يذكرُ عند معاينةِ العجيبِ من صنائعِه تعالى تنزيها له سبحانه على أنْ يصعبَ عليه أمثالُه ثمَّ كثُر حتَّى استُعملَ في كلِّ متعجَّبٍ منه أو تنزيهٌ لهُ تعالَى عن أنْ تكونَ حُرمةُ نبيِّه فاجرةً فإنَّ فجورَها تنفيرٌ عنه ومخلٌّ بمقصودِ الزَّواجِ فيكون تقريراً لمَا قبلَه وتمهيداً لقوله تعالى {هذا بهتان عظيم} لعظم المبهوتِ عليه واستحالةِ صدقِه فإنَّ حقارةَ الذُّنوبِ وعظمَها باعتبار مُتعلقاتِها
(6/163)

يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)
{يَعِظُكُمُ الله} أي ينصحُكم {أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ} أي كراهةَ أنْ تعودُوا أو يزجركم من أن تعودوا أو في أن تعودُوا من قولِك وعظتُه في كذا فتركَه {أَبَدًا} أي مدَّةَ حياتِكم {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإنَّ الإيمانَ وازعٌ عنه لا محالةَ وفيه تهييجٌ وتقريعٌ
(6/163)

وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)
{وَيُبَيّنُ الله لَكُمُ الأيات} الدالةَ على الشَّرائعِ ومحاسنِ الآداب دلالة ذلك واضحةً لتتَّعِظوا وتتأدَّبوا بها أي يُنزلها كذلكَ أي مبنية ظاهرةَ الدِّلالةِ على معانيها لا أنَّه يُبينها بعد أن لم تكن كذلك وهذا كما في قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوضَ وكبَّر الفيلَ أي خلقَهُما صغيراً وكبيراً ومنه قولُك ضَيِّقْ فمَ الرَّكِيةِ ووُسِّعَ أسفلُها وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار شأنِ البيانِ {والله عَلِيمٌ} بأحوالِ جميعِ مخلوقاتِه جلائلِها دقائقها {حَكِيمٌ} في جميع تدابيرِه وأفعالِه فأنَّى يمكن صدقُ ما قيل في حقِّ حُرمةِ مَن اصطفاهُ لرسالاته وبعثه إلى كافة الخلقِ ليرشدَهم إلى الحقِّ ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا وإظهارا الاسم الجليل ههنا لتأكيد استقلال الاعتراض التذبيلي والإشعارِ بعلَّةِ الأُلوهيَّةِ للعلم والحكمةِ
(6/163)

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)
{إِنَّ الذين يُحِبُّونَ} أي يُريدون ويقصدُون {أَن تَشِيعَ الفاحشة} أي تنتشرَ الخَصلةُ المفرطةُ في القُبح وهي الفريةُ والرَّميُ بالزِّنا أو نفسُ الزِّنا فالمراد بشيوعِها شيوعُ خبرِها أي يحبُّون شيوعَها ويتصدَّون مع ذلكَ لإشاعتِها وإنَّما لم يُصرِّحْ به اكتفاءً بذكرِ المحبَّةِ فإنَّها مستتبعةٌ له لا محالة {في الذين آمنوا} متعلق بتشيع أنْ تشيعَ فيما بين النَّاسِ وذكرُ المؤمنينَ لأنَّهم العمدةُ فيهم أو بمضمرٍ هو حالٌ من الفاحشةِ فالموصولُ عبارةٌ عن المؤمنينَ خاصة أن يحبُّون أنْ تشيعَ الفاحشةُ كائنةً في حقِّ المؤمنينَ وفي شأنهم {لَهُمْ} بسببِ ما ذُكر {عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا} من الحدِّ وغيرِه ممَّا يتفقُ من البَلايا الدُّنيويةِ ولقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي وحسَّاناً ومِسْطَحاً حدَّ القذفِ وضربَ صفوانُ حسَّاناً ضربةً بالسيف وعف بصره
(6/163)

سورة النور (20 21) {والأخرة} من عذابِ النَّارِ وغيرِ ذلكَ ممَّا يعلمُه الله عزَّ وجلَّ {والله يَعْلَمُ} جميعَ الأمورِ التي من جملتها ما في الضَّمائر من المحبَّة المذكورةِ {وأنتم تَعْلَمُونَ} ما يعلمُه تعالى إنَّما تعلمونَ ما ظهرَ لكم من الأقوال والأفعالِ المحسوسة فابتلوا أموركم على ما تعملونه وعاقبُوا في الدُّنيا على ما تشاهدونَه من الأحوالِ الظَّاهرةِ والله سبحانَه هو المتولِّي للسَّرائرِ فيعاقبُ في الآخرةِ على ما تُكنُّه الصُّدورُ هذا إذا جُعلَ العذابُ الأليمُ في الدُّنيا عبارةً عن حدِّ القذفِ أو متنظما له كما أطبقَ عليه الجمهورُ أمَّا إذا بقي على إطلاقِه يُراد بالمحبَّةِ نفسُها من غيرِ أنْ يقارنَها التَّصدِّي للإشاعةِ وهو الأنسبُ بسياقِ النظمِ الكريم فيكونُ ترتيبُ العذابِ عليها تنبيها على أن عذاب مَن يُباشر الإشاعةَ ويتولاَّها أشدَّ وأعظمَ ويكون الاعتراض التذبيلي أعني قولَه تعالى والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ تقريراً لثبوت العذابِ الأليمِ لهم وتعليلاً له
(6/164)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)
{وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} تكريرٌ للمنَّةِ بترك المعالجة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجزيرة {وأن الله رؤوف رَّحِيمٌ} عطفٌ على فضلُ الله وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربية المهابةِ والإشعارِ باستتباع صفةِ الأُلوهية للرَّأفة والرَّحمةِ وتغييرُ سبكِه وتصديرُه بحرفِ التحقيق لما أن بيانُ اتِّصافِه تعالى في ذاتِه بالرَّأفةِ التي هي كمالُ الرَّحمةِ والرَّحيميةِ التي هي المبالغةُ فيها على الدَّوامِ والاستمرارِ لا بيانُ حدوثِ تعلُّق رأفتِه ورحمتِه بهم كما أن المراد بالمعطوفِ عليه وجوابُ لَولا محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه
(6/164)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} أي لا تسلكُوا مسالكَه كل ما تأتون وما تذرُون من الأفاعيل التي من جُملتِها إشاعةُ الفاحشةِ وحبها وقرئ خُطْواتِ بسكونِ الطَّاءِ وبفتحِها أيضاً {وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان} وُضعَ الظَّاهرانِ موضعَ ضمير يهما حيثُ لم يُقلْ ومَن يتبعها أو ومَن يتبع خطواتِه لزيادة التقريرِ والمبالغةِ في التَّنفيرِ والتَّحذيرِ {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر} علَّة للجزاءِ وضعتْ موضعَه كأنَّه قيل فقدار تكب الفحشاء والمنكر لأن دأبُه المستمرُّ أنْ يأمرَ بهما فمَن اتبعَ خطواتِه فقدِ امتثلَ بأمرِه قطعاً والفحشاءُ ما أفرطَ قبحُه كالفاحشةِ والمنكرُ ما يُنكره الشرع ضمير إنَّه للشَّيطانِ وقيل للشَّأنِ على ما رأي مَن لا يوجبُ عودَ الضَّميرِ من الجُملةِ الجزائيَّةِ إلى اسمِ الشَّرطِ أو على أنَّ الأصلَ يأمرُه وقيل هو عائدٌ إلى مَن أي فإنَّ ذلك المتَّبعَ يأمرُ النَّاسَ بهما لأنَّ شأنَ الشَّيطانِ هو الإضلالُ فمن اتَّبعه يترقَّى من رُتبة الضَّلالِ والفساد إلى رُتبة الإضلالِ والإفسادِ {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بما مِن جُملتِه هاتيك البياناتُ والتَّوفيقُ للتوبة الماحصة للذنوب وشرع الحُدودِ المُكفِّرةِ لها {مَا زكا} أي ما طهُر من دنسها وقرىءماركى بالتَّشديدِ أي ما طهَّر الله تعالى ومِنْ في قولِه تعالَى {مّنكُمْ} بيانيَّةٌ وفي قوله
(6/164)

سورة النور (22 23) تعالى {مّنْ أَحَدٍ} زائدةٌ وأحدٌ في حيِّزِ الرَّفعِ على الفاعليَّةِ على القراءةِ الأُولى وفي محلِّ النصبِ على المفعوليَّةِ على القراءةِ الثَّانيةِ {أَبَدًا} لا إلى نهايةٍ {ولكن الله يُزَكّى} يُطهِّر {مَن يَشَآء} من عباده بإضافة آثار فضله ورحمته على التَّوبةِ ثمَّ قبولِها منه كما فَعَل بكُم {والله سَمِيعٌ} مبالغٌ في سمعِ الأقوالِ التي مِنْ جُملتِها ما أظهرُوه من التَّوبةِ {عَلِيمٌ} بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جُملتِها نيَّاتُهم وفيه حثٌّ لهم على الإخلاص في التوبة وإظهارالإسم الجليلِ للإيذانِ باستدعاءِ الأُلوهيَّةِ للسمعِ والعلمِ مع ما فيه من تأكيد استقلال الاعتراض التذبيلي
(6/165)

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)
{وَلاَ يَأْتَلِ} أي لا يحلفْ افتعالٌ من الأَليّة وقيل لا يُقصِّرُ من الألو والأول هوالأظهر لنزولِه في شأنِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه حينَ حلفَ أنْ لا ينفقَ على مِسْطحٍ بعدُ وكانَ ينفقُ عليه لكونِه ابنَ خالتِه وكانَ من فُقراءِ المُهاجرينَ ويَعضده قراءةُ من قرأ ولا يتأل {أولوا الفضل مِنكُمْ} في الدِّين وكفَى به دليلاً على فضلِ الصديقَ رضي الله تعالى عنه {والسعة} في المالِ {أَن يُؤْتُواْ} أيْ على أنْ لا يُؤتوا أو قرئ بناء الخطابِ على الالتفاتِ {أُوْلِى القربى والمساكين والمهاجرين فِى سَبِيلِ الله} صفاتٌ لموصوفٍ واحد جئ بها بطريقِ العطفِ تنبيهاً على أنَّ كلاًّ منها علة مستقلة لاستحقاقه الإيتاء وقيل لموصوفاتٍ أقيمتْ هي مقامَها وحُذف المفعولُ الثَّاني لغايةِ ظهورِه أي على أنْ لا يُؤتوهم شيئاً {وَلْيَعْفُواْ} ما فَرَطَ منهم {وَلْيَصْفَحُواْ} بالإغضاءِ عنه وقد قرئ الأمر أن بتاءِ الخطابِ على وفقِ قولِه تعالى {أَلاَ تُحِبُّونَ أن يغفر الله لكم} أي بمقابلة عفوِكم وصفحِكم وإحسانِكم إلى مَن أساءَ إليكُم {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبالِغٌ في المغفرةِ والرحمةِ مع كمال قدرتِه على المؤاخذة وكثرة ذنوب الدَّاعيةِ إليها وفيهِ ترغيبٌ عظيمٌ في العفو ووعدٌ الكريم بمقابلتِه كأنَّه قيل ألا تحبون أن يغفر الله لكُم فهذا من موجباتِه روى أنه صلى الله عليه وسلم قرأها على أبي بكرٍ رضيَ الله عنْهُ فقال بلى أحبُّ أنْ يغفرَ الله لي فرجع إلى مسطحٍ نفقته وقال الله أعلم لا أنزعها أبداً
(6/165)

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)
{إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات} أي العفائفَ ممَّا رُمين به من الفاحشةِ {الغافلات} عنها على الإطلاقِ بحيثُ لم يخطرْ ببالهنَّ شيءٌ منها ولا من مُقدِّماتِها أصلاً ففيها من الدِّلالةِ عَلى كمالِ النَّزاهةِ ما ليس في المحصناتِ أي السليمات الصدور التقيات القلوبِ عن كلِّ سوءٍ {المؤمنات} أي المتصفاتِ بالإيمانِ بكلِّ ما يجبُ أنْ يؤمن به من الواجبات والمحظوات وغيرِها إيماناً حقيقياً تفصيلياً كما ينبئ عنه تأخيرُ المؤمناتِ عمَّا قبلها مع أصالةِ وصفِ الإيمانِ فإنَّه للإيذان بأنَّ المرادَ بها المعنى الوصفي المعرب عما ذُكر لا المعنى الاسميُّ المصححُ لإطلاق الاسمِ في الجملةِ كما هو المتبادرُ على تقديرِ التَّقديمِ والمرادُ بها عائشة الصدِّيقةُ رضيَ الله عنَها والجمع باعتبار
(6/165)

سورة النور (2425) أنَّ رميَها رميٌ لسائرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ لاشتراكِ الكلِّ في العصمةِ والنَّزاهةِ والانتسابِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى كذبت قوم نوح لمرسلين ونظائرِه وقيلَ أمَّهاتُ المؤمنينَ فيدخلُ فيهن الصِّدِّيقةُ دُخولاً أوليًّا وأما ما قيل منْ أنَّ المرادَ هي الصِّدِّيقةُ والجمعُ باعتبارِ استتباعِها للمتَّصفاتِ بالصِّفاتِ المذكورةِ من نساءِ الأمةِ فيأباهُ أنَّ العقوباتِ المترتبةَ على رميِ هؤلاءِ عقوباتٌ مختصَّةٌ بالكفَّارِ والمنافقينِ ولا ريبَ في أنَّ رميَ غيرِ أمَّهاتِ المُؤمنين ليس بكفرٍ فيجبُ أن يكونَ المرادُ إيَّاهُنَّ على أحدِ الوجهينَ فإنهنَّ قد خصصنَّ من بين سائرِ المُؤمناتِ فجعل رميهنَّ كفراً إبرازاً لكرامتهنَّ على الله عزَّ وجلَّ وحمايةً مِنْ أنْ يحومَ حولَه أحد بسور حتَّى إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما جعلَه أغلظَ من سائرِ أفرادِ الكفرِ حينَ سُئل عن هذه الآياتِ فقالَ مَن أذنبَ ذنباً ثمَّ تابَ منه قُبلت توبتُه إلا مَن خاضَ في أمر عائشةَ رضيَ الله عنها وهل هو منه رضي الله عنه إلا لتهويلِ أمرِ الإفكِ والتنبيه على أن كفرٌ غليظٌ {لُعِنُواْ} بما قالُوه في حقهنَّ {فِى الدنيا والأخرة} حيثُ يلعنُهم اللاعنونَ من المؤمنينَ والملائكةِ أبداً {وَلَهُمْ} معَ ما ذُكر من اللَّعنِ الأبديِّ {عَذَابٌ عظِيمٌ} هائلٌ لا يقادَرُ قدرُه لغاية عظمِ ما اقترفُوه من الجنايةِ وقولُه تعالى
(6/166)

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
{يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} الخ إمَّا متصلٌ بما قبلَه مسوقٌ لتقريرِ العذابِ المذكورِ بتعيينِ وقتِ حلولِه وتهويلِه ببيان ظهور جناياتهم الموجبةِ له مع سائرِ جناياتِهم المستتبعةِ لعقوباتِها عَلَى كيفيةٍ هائلةٍ وهيئةٍ خارقةٍ للعاداتِ فيومَ ظرفٌ لما في الجارِّ والمجرورِ المتقدمِ من معنى الاستقرارِ لا لعذاب وإن أغضبنا عن وصفِه لإخلالِه بجزالةِ المعنى وإمَّا منقطعٌ عنه مسوق لتهويل اليوم ما يحويهِ على أنَّه ظرفٌ لفعلٍ مؤخَّرٍ قد ضُرب عنه الذِّكرُ صَفْحاً للإيذانِ بقصورِ العبارةِ عن تفصيل ما يفع فيهِ من الطَّامةِ التَّامةِ والداهية العامة كأنه قي قبل يوم تشهد عليكم {أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يكونُ من الأحوال والأهوال مالا يحيطُ به حيطةَ المقالُ على أنَّ الموصولَ المذكورَ عبارةٌ عن جميعِ أعمالِهم السَّيئةِ وجناياتِهم القبيحةِ لا عن جناياتهم المعهودةِ فَقَطْ ومعنى شهادةِ الجوارحِ المذكورةِ بها أنَّه تعالى يُنطقها بقدرته فتخبر كلُّ جارحةٍ منها بما صدرَ عنها من أفاعيل صاحبِها لا أنَّ كلاًّ منها يخبر بجناياتهم المعهودة فحسب والموصول والمحذوف عبارةٌ عنها وعن فنونِ العُقوباتِ المترتبةِ عليها كافَّة لا عنْ إحداهما خاصَّة ففيهِ من ضروبِ التَّهويلِ وبالإجمال والتَّفصيلِ ما لا مزيدَ عليه وجعلُ الموصولِ المذكورِ عبارة عن خصوص جناياتهم المعهودةِ وحملُ شهادةِ الجوارحِ على إخبارِ الكلِّ بها فَقَط تحجيرٌ للواسعِ وتهوينُ لأمر الوازعِ والجمعُ بين صيغتي الماضِي والمستقبلِ للدِّلالةِ على استمرارِهم عليها في الدُّنيا وتقديمُ عليهم على الفاعل للمسارعة إلى بيان كون الشَّهادةَ ضارةٌ لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخرِ كما مرَّ مِراراً وقولُه تعالى
(6/166)

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)
{يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق} أي يومَ إذْ تشهدُ جوارحُهم بأعمالِهم القبيحةِ يطيعهم الله تعالى جزاءَهم الثَّابتَ الذي يحقِّقُ أنْ يثبتَ
(6/166)

سورة النور (26) لهم لا محالةَ وافياً كاملاً كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لبيانِ ترتيبِ حكمِ الشَّهادةِ عليها متض لبيان ذلك لمبهم المحذوفِ على وجهِ الإجمالِ ويجوزُ أنْ يكونَ يومَ يشهد ظرفاً ليوفِّيهم ويومئذٍ بدلاً منه وقيلَ هو منصوبٌ على أنه مفعول لفعل مضمرٍ أي اذكُر يومَ تشهد بالتذكير للفصل {ويعملون} عند معاينتِهم الأهوالَ والخُطوبَ حسبما نطقَ به القرآنُ الكريم {أَنَّ الله هُوَ الحق} الثَّابتُ الذي يحقُّ أن يثبت لا محالة في ذاته وصفا وأفعاله التي من جملتها كلماتها التامات المنبئة عن الشئون التي يشاهدونها منطبقة عليها {المبين} المظهرُ للأشياءِ كما هي في أنفسِها أو الظَّاهرُ أنَّه هو الحقُّ وتفسيرُه بظهورِ ألوهيَّتِه تعالى وعدمِ مشاركةِ الغير له فيها وعدمِ قُدرة ما سواه على الثَّوابِ والعقابِ ليس له كثيرُ مناسبةٍ للمقام كما أنَّ تفسيرَ الحقِّ بذي الحقِّ البين أي العادل الظَّاهر عدلُه كذلك ولو تتبعتَ ما في الفُرقان المجيدِ من آياتِ الوعيد الواردة حقِّ كلِّ كَفَّارٍ مريدٍ وجبَّارٍ عَنيدٍ لا تجدُ شيئا منها فوق هانيك القوارعِ المشحونةِ بفُنون التَّهديدِ والتَّشديدِ وما ذاكَ إلاَّ لإظهار منزلة النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم في عُلُّو الشَّأنِ والنباهةِ وإبراز رتبة الصدِّيقةُ رضيَ الله عنَها في العِفَّةِ والنَّزاهةِ وقولُه تعالى
(6/167)

الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
{الخبيثات} إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ على قاعدةِ السنةُ الإلهية الجاريةُ فيما بين الخلقِ على موجب أنَّ لله تعالى مَلَكاً يسوقُ الأهلَ إلى الأهلِ أي الخبيثاتُ من النِّساءِ {لِلْخَبِيثِينَ} من الرِّجال أي مختصَّاتٌ بهم لا يكَدْنَ يتجاوزْنَهم إلى غيرِهم على أنَّ اللامَ للاختصاصِ {والخبيثون} أيضاً {للخبيثات} لأنَّ المُجانسةَ من دَوَاعي الانضمامِ {والطيبات} منهنَّ {للطيبين} أيضا منهم {والطيبون} {للطيبات} منهنَّ بحيثُ لا يك يجاوزوهنَّ إلى من عداهنَّ وحيثُ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أطيبَ الأطيبينِ وخيرةَ الأوَّلين والآخرين تبين كونُ الصِّدِّيقةِ رضيَ الله عنَها من أطيب الطَّيباتِ بالضَّرورةِ واتَّضح بطلانُ ما قيل في حقِّها من الخُرافاتِ حسبما نطق به قوله تعالى {أولئك مبرؤون مما يقولون} عل أنَّ الإشارةَ إلى أهلِ البيتِ المنتظِمين للصِّدِّيقةِ انتظاماً أوَّليًّا وقيل إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والصِّدِّيقةِ وصفوانَ وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشارِ إليهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئك الموصُوفون بعلُّوِ الشَّأنِ مُبرَّءون مما نقوله أهلُ الإفكِ في حقِّهم من الأكاذيبِ الباطلةِ وقيل الخبيثات من القول للخبثين من الرِّجالِ والنِّساءِ أي مختصَّة ولائقة بهم لا ينبغي أنْ تُقال في حقِّ غيرِهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحفاء بأنْ يُقال في حقِّهم خبائثُ القول والطَّيباتُ من الكلم للطَّيبين من الفريقينِ مختصَّةٌ وحقيقة بهم وهم أحفاء بأنْ يُقال في شأنهم طيِّباتُ الكلمِ أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقول الخبيثون في حقِّهم فمآلُه تنزيهُ الصِّدِّيقةِ أيضاً وقيل خبيثاتُ القول مختصَّةٌ بالخبيثين من فريقَيْ الرِّجالِ والنِّساءِ لا تصدرُ عن غيرِهم والخبيثون من الفريقينِ مختصُّون بخبائث القولِ متعرِّضُون لها والطَّيباتُ من الكلام للطَّيبين من الفريقينِ أي مختصَّةٌ بهم لا تصدرُ عن غيرِهم والطَّيبون من الفريقينِ مختصُّون بطيِّباتِ الكلامِ لا يصدرُ عنهم غيرُها أولئك الطَّيبون مبرَّءون ممَّا يقولُه الخبيثون من
(6/167)

سورة النور (27 28) الخبائثِ أي لا يصدرُ عنهم مثلُ ذلك فمآلُه تنزيهُ القائلينِ سبحانَك هذا بهتانٌ عظيمٌ {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} عظيمةٌ لما لا يخلُو عنه البشرُ من الذُّنوب {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هو الجنَّةُ
(6/168)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} إثرَ ما فُصل عن الزِّنا وعن رميِ العفائف عنه شُرع في تفصيل الزَّواجر عمَّا عسى يُؤدِّي إلى أحدهما من مخالطة الرجال والنساء ودخولِهم عليهنَّ في أوقات الخلوات وتعليمِ الآدابِ الجميلة والأفاعيل المرضيَّة المستتبعة لسعادةِ الدَّارين ووصف البيوت بمغايرة بيوتِهم خارجٌ مخرجَ العادة التي هي سُكنى كلِّ أحدٍ في ملكه وإلا فالمآجر والمُعير أيضاٌ منهيَّانِ عن الدخول بغير إذن وقرئ بِيوتاً غيرَ بِيوتكم بكسرِ الباءِ لإجلِ الياءِ {حتى تَسْتَأْنِسُواْ} أي تستأذنوا مَن يملكُ الإذن من أصحابها من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره فإن المستأنس مستعلم للحال مستكشف أنه هل يؤذن له أو من الستئساس الذي هو خلاف الاستيحاش لما أن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا أذن له استأنس {وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا} عند الاستئذان روي عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أن التسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع {ذلكم} أي الاستئذان مع التسليم {خَيْرٌ لَّكُمْ} من أن تدخلوا بغتة أو على تحية الجاهلية حيث كانَ الرجلُ منهُم إذَا أراد أن يدخل بيتاً غير بيته يقول حييتم صباحاً حييتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف وروي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أستأذن على أمي قال له نعم قال ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كما دخلت قال صلى الله عليه وسلم أتحب أن تراها عريانة قال لا قال صلى الله عليه وسلم فاستأذن {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} متعلق بمضمر أي أمرتم به أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه
(6/168)

فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)
{فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً} أي ممن يملك الإذن على أنَّ مَن لا يملكه من النِّساءِ والولدانُ وُجدانُه كفُقدانِه أو أحداً أصلاً على أنَّ مدلول النصِّ الكريم عبارةٌ هو النَّهي عن دُخول البيوتِ الخاليةِ لما فيه من الاطلاع على ما يعتادُ النَّاسُ إخفاءَه مع أنَّ التَّصرفَ في ملك الغير محظور وطلقا وأمَّا حُرمة دخول ما فيه النساء والولدان فثابتةٌ بدلالة النصِّ لأنَّ الدخول حيث حَرُمَ مع ما ذكر من العلَّة فلأن يحرُمَ عند انضمامِ ما هو أقوى منه إليه أعني الاطِّلاعَ على العَورات أَولى {فَلاَ تَدْخُلُوهَا} واصبروا {حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ} أي من جهة مَن يملكُ الإذنَ عند إتيانه ومَن فسَّره بقوله حتى يأتي من بأذن لكم أو حتَّى تجدوا مَن يأذنُ لكم أو حتَّى تجدوا من يأذن لكم فقد أبرز القطعيَّ في معرض الاحتمال ولما كان جعل النهي مغيا بالإذنِ ممَّا يُوهم الرُّخصة في الانتظار على الأبواب مُطلقاً بل في تكرير الاستئذانِ ولو بعد الردِّ ذلك بقوله {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا} أي إن
(6/168)

سورة النور (29 30) أُمرتم من جهةِ أهلِ البيتِ بالرُّجوع سواء كان الأمرُ ممَّن يملكُ الإذن أولا فارجعُوا ولا تلحّوا بتكرير الاستئذانِ كما في الوجهِ الأول ولا تلجوا بالإصرار على الانتظار إلى أنْ يأتيَ الآذنُ كما في الثَّاني فإنَّ ذلك ممَّا يجلبُ الكراهةَ في قلوب النَّاسِ ويقدحُ في المروءةِ أيَّ قدحٍ {هُوَ} أي الرُّجوعُ {أزكى لَكُمْ} أي أظهر مما لا يخلوا عنه اللجُّ والعناد والوقوف على الأبواب من دنس الدناءةِ والرَّذالة {والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} فيعلم ما تأتونَ وما تذرونَ ممَّا كلفتموه فيجازيكم عليه
(6/169)

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ} أي بغير استئذانٍ {بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} أي غيرَ موضوعةٍ لسكنى طائفةٍ مخصوصةٍ فقط بل ليتمتَّعَ بها من يُضطر إليها كائنا من كان من غير أنْ يتخذَها سكناً كالرُّبطِ والخَاناتِ والحوانيتِ والحمَّاماتِ ونحوِها فإنَّها معدَّةٌ لمصالح الناس كافة كما ينبئ عنه قولُه تعالى {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} فإنَّه صفةٌ للبيوتِ أو استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لعدم الجُناح أي فيها حقُّ تمتعٍ لكم كالاستكنان من الحرِّ والبرد وإيواء الأمتعة والرجال والشِّراءِ والبيعِ والاغتسالِ وغيرِ ذلك ممَّا يليقُ بحال البُيوت وداخليها فلا بأسَ بدخولها بغير استئذانٍ من داخليها من قبل ولا ممن بعد يتولَّى أمرَها ويقومُ بتدبيرها من قوام الرِّباطاتِ والخاناتِ وأصحاب الحوانيت ومتصر في الحمَّاماتِ ونحوِهم ويُروى أنَّ أبا بكرٍ رضيَ الله عنْهُ قالَ يا رسولَ الله إنَّ الله تعالى قد أنزل عليك آيةً في الاستئذان وإنَّا نختلفُ في تجاراتِنا فننزل هذه الخاناتِ أفلا ندخلها إلابإذن فنزلتْ وقيل هي الخَرِباتُ يُتبرَّزُ فيها والمتاع التَّبرزُ والظَّاهر أنَّها من جُملة ما ينتظمه البيوتُ لا أنها المرادةُ فقط وقولُهُ تعالى {والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وما تكتمون} وعيدا لمن يدخلُ مدخلاً من هذه المداخل لفسادٍ أو اطِّلاعٍ على عوراتٍ
(6/169)

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)
{قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ} شروعٌ في بيان أحكام كليَّة شاملة للمؤمنين كافَّة يندرج فيها حكم المستأذنين عند خولهم البيوت اندراجاً أوليًّا وتلوينُ الخطاب وتوجيهه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتفويضُ ما في حيِّزِه من الأوامر والنَّواهي إلى رأيه صلى الله عليه وسلم لأنَّها تكاليفُ متعلِّقةٌ بأمورٍ جُزئيةٍ كثيرةِ الوقوعِ حقيقةٌ بأن يكون الأمر بهار المتصدي لتدبيرها حافظاً ومُهيمناً عليهم ومفعولُ الأمر أمرٌ آخرُ قد حُذف تعويلاً على دلالة جوابه عليه أي قُل لهم غُضُّواً {يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم} عمَّا يحرُم ويقتصر به على ما يحلُّ {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} إِلاَّ على أزواجِهم أَوْ ما ملكتْ أيمانُهم وتقييدُ الغضِّ بمن التبعيضيَّةِ دونَ الحفظ لما في أمر النَّظر من السَّعةِ وقيل المرادُ بالحفظِ ههنا خاصَّة هو السِّترُ {ذلك} أي ما ذكر من الغضِّ والحفظ {أزكى لَهُمْ} أي طهر لهم من دنس الرِّيبة {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} لا يخفى عليه شيءٌ ممَّا يصدرُ عنهم من الأفاعيل التي من جملتها جالة النَّظرِ واستعمالُ سائرِ الحواس وتحريك
(6/169)

سورة النور (31) الجوارحِ وما يقصدون بذلك فليكونوا على حذرٍ منه في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون
(6/170)

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
{وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن} فلا ينظرون إلى ما لا يحلُّ لهنَّ النَّظرُ إليه {وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} بالتَّسترِ أو التَّصونِ عن الزِّنا وتقديمُ الغضِّ لأن النظر يريد الزِّنا ورائدُ الفسادِ {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كالحُليِّ وغيرِها ممَّا يُتزين بهِ وفيهِ من المبالغةِ في النَّهيِ عن إبداء مواضعها ما لا يخفى {إِلاَّ مَا ظهر منها} عند مزوالة الأمورِ التي لا بُدَّ منها عادةً كالخاتمِ والكُحلِ والخضابِ ونحوها فإنَّ في سترها حرجا بيننا وقيلَ المرادُ بالزِّينةِ مواضعُها على حذف المضافِ أو ما يعمُّ المحاسنَ الخَلقيةَ والتزيينة والمُستثنى هو الوجهُ والكفَّانِ لأنَّها ليستْ بعورةٍ {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ} إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعضِ مواضع الزِّينة بعد النَّهي عن إبدائِها وقد كانتِ النِّساءُ على عادةِ الجاهليةِ يسدُلْن خُمرَهنَّ من خلفهنَّ فتبدو نحو رهن وقلائدهُنَّ من جيوبِهنَّ لوسعِها فأُمرن بإرسالِ خمرهنَّ إلى جيوبهنَّ ستراً لما يبدُو منها وقد ضُمِّن الضَّربُ معنى الإلقاء فعلى بعدى وقُرىء بكسرِ الجيمِ كما تقدَّم {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار الناظر بعدما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبارِ المنظُور {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} فإنَّهم المقصودون بالزِّينة ولهم أنْ ينظرُوا إلى جميع بدنهنَّ حتَّى الموضعِ المعهودِ {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بني إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} لكثرةِ المخالطةِ الضَّروريَّةِ بينهم وبينهنَّ وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم لما في الطباع الفريقينِ من النَّفرة عن الماسة القرائبِ ولهم أنْ ينظرُوا منهن ما عند المهنةِ والخدمةِ وعدمُ ذكر وعدمُ ذكرِ الأعمامِ والأخوالِ لما أنَّ الأحوطَ أنْ يتسترن عنهم حذرا أنْ يصفوهنَّ لأبنائهم {أَوْ نِسَائِهِنَّ} المختصَّات بهن بالصُّحبة والخدمةِ من حرائر المؤمناتِ فإنَّ الكوافرَ لا يتحرجنَّ عن وصفهنَّ للرِّجالِ {أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم} أي من الإماءِ فإنَّ عبدَ المرأةِ بمنزلة الأجنبيِّ منها وقيل مِن الإماءِ والعَبيدِ لما روى أنه صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة رضي الله عنها بعبدٍ وهبه لها وعليها ثوبٌ إذا قنَّعتْ به رأسَها لم يبلغْ رجليها وإذا غطَّت رجليها لم يبلغ رأسها فقال صلى الله عليه وسلم إنَّه ليس عليك بأسٌ إنَّما هو أبوكِ وغلامكِ {أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال} أي أولي الحاجةِ إلى النِّساء وهم شيوخ الهم والممسوحون في المحبوب والخَصيِّ خلافٌ وقيل هُم البُله الذين يتتبعون النَّاس لفضل طعامِهم ولا يعرفون شيئاً من أمور النِّساء وقُرىء غيرَ بالنَّصبِ على الحاليَّةِ {أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء}
(6/170)

سورة النور (32) لعدم تمييزهم من الظُّهور بمعنى الاطِّلاع أو لعدم بلوغهم حدَّ الشَّهوةِ من الظُّهور بمعنى الغَلَبة والطِّفلُ جنس وضع موضع الجمع اكتفاءً بدلالةِ الوصفِ {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ} أي ما يخفينَه من الرؤيةِ {مِن زِينَتِهِنَّ} أي ولا يضربن بأرجلِهنَّ الأرض ليتقعقع خلخالهن فليعلم أنهن ذوات خلخال فإنَّ ذلك ممَّا يُورث الرِّجالَ ميلاً إليهنَّ ويُوهم أن لهن ميلا إليهم وفي النَّهيِ عن إبداء صوتِ الحُلى بعد النَّهي عن إبداءِ عينها من المبالغةِ في الزَّجرِ عن إبداء موضعها مالا يخفى {وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً} تلوينٌ للخطابِ وصرْفٌ له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكُلِّ بطريق التَّغليبِ لإبراز كمال العنايةِ بما في حيِّزه من أمرِ التوبة وأنَّها من معظمات المهمَّاتِ الحقيقة بأنْ يكونَ سبحانَهُ وتعالى هو الآمرَ بها لما أنه لا يكاد يخلوا أحدٌ من المكلَّفين عن نوعِ تفريطٍ في إقامة مواجبِ التَّكاليفِ كما ينبغي وناهيك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم شيَّبتني سورةُ هودٍ لمَا فيها من قولهِ عزَّ وجلَّ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ لا سيما إذا كان المأمورُ به الكفَّ عن الشَّهواتِ وقيل توبُوا عمَّا كنتُم تفعلونَه في الجاهليَّةِ فإنه إن وجب بالإسلام لكن يجب الندم عليه والعزمِ على تركهِ كلَّما خطرَ ببالهِ وفي تكرير الخطابِ بقوله تعالى {أيها المؤمنون} تأكيدٌ للإيجاب وإيذانٌ بأنَّ وصفَ الإيمانِ موجبٌ للامتثال حتما وقرئ أيّهُ المؤمنون {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفوزونَ بذلكَ بسعادةِ الدَّارينِ
(6/171)

وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
{وأنكحوا الأيامى منكم} بعد ما زَجر تعالى عن السِّفاحِ وماديه القريبةِ والبعيدةِ أمرَ بالنِّكاحِ فإنَّه مع كونهِ مقصُوداً بالذَّات من حيثُ كونُه مناطاً لبقاء النَّوعِ خيرُ مزجرةٍ عن ذلك وأيامى مقلوب أيا يم جمعُ أيِّم وهو مَن لا زوج له من الرِّجالِ والنِّساءِ بكراً كان أو ثيِّباً كما يُفصح من قالَ ... فإنْ تَنْكحِي أنكِحْ وإنْ تتأيَّمي ... وإنْ كُنتُ أفتى مِنكُم أتأيَّمِ ...
أي زَوِّجُوا مَن لا زوجَ له مِن الأحرارِ والحَرَائرِ {والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} على أنَّ الخطابَ للأولياءِ والسَّاداتِ واعتبارُ الصَّلاحِ في الأرقَّاءِ لأنَّ من لا صلاحَ له منهم بمعزل من أن يكون خليفا بأن يعتني مولاه بشأنه ويشق عليه ويتكلَّفُ في نظمِ مصالحهِ بما لا بدَّ منه شَرعاً وعادةً من بذل المالِ والمنافعِ بل حقه أن يستبقيَه عنده وأمَّا عدمُ اعتبار الصَّلاحِ في الأحرارِ والحرائرِ فلأنَّ الغالبَ فيهم الصَّلاحُ على أنَّهم مُستبدُّون في التَّصرفاتِ المتعلِّقةِ بأنفسهِم وأموالهم فإذا عزمُوا النِّكاحَ فلا بدَّ من مساعدةِ الأولياءِ لهم إذ ليسَ عليهم في ذلك غرامةٌ حتَّى يُعتبر في مقابلتها غنيمةٌ عائدةٌ إليهم عاجلةً أو آجلةً وقيل المرادُ هو الصَّلاحُ للنِّكاحِ والقيامِ بحقوقهِ {إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ} إزاحةً لما عسى يكونُ وازعاً من النِّكاحِ من فقرِ أحدِ الجانبينِ أي لا يمنعنَّ فقرُ الخاطبِ أو المخطوبةِ من المُناكحةِ فإنَّ في فضل اللَّهِ عزَّ وجلَّ غُنيةً عن المال فإنه فقر أحد غادروائح يرزق مَن يشاء مِن حيثُ لاَ يحتسبُ أو وعدٌ منه سبحانه بالإغناءِ لقوله صلى الله عليه وسلم اطلبُوا الغِنى في هذه الآيةِ لكنَّه مشروطٌ بالمشيئةِ كما في قوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إن شاء الله {والله واسع} غنيٌّ ذُو سَعةٍ لا يرزؤُه إغناءُ الخلائق إذا لا نفادَ لنعمتهِ ولا غاية لقدرته مع ذلك {عليم} يبسط
(6/171)

سورة النور (32) الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ حسبما تقضيه الحكمةُ والمصلحةُ
(6/172)

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)
{وَلْيَسْتَعْفِفِ} إرشادٌ للعاجزينَ عن مبادِي النِّكاحِ وأسبابِها إلى ما هُو أولى لهم وأحْرى بهم بعدَ بيانِ جواز منا كحة الفُقراءِ أي ليجتهدْ في العفة وقمع شهوة {الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي أسباب نكاح أولا يتمكَّنون ممَّا يُنكح به من المالِ {حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} عدةٌ كريمة بالتفضل عليه بالغِنى ولطفٌ لهم في استعفافِهم وتقويةٌ لقلوبهم وإيذانٌ بأنَّ فضلَه تعالى أولى بالإعفاءِ وأدنى من الصُّلحاءِ {والذين يبتغون الكتاب} بعد ما أمرَ بإنكاحِ صَالحي المماليك الأحقَّاءِ بالإنكاح أمرَ بكتابة من ستحقها منهم والكتابُ مصدر كاتبَ كالمُكاتبة أي الذين يطلبون المكاتبة {من ما مَلَكَتْ أيمانكم} عبداً كان أو أمةً وهي أنْ يقولَ المولى لمملوكه كاتبتُك على كذا درهماً تؤدِّيه إليَّ وتعتق ويقول المملوكُ قبلتُه أو نحوُ ذلك فإنْ أدَّاه إليه عتق قالوا معناه وكتبت لك على نفسي أنْ تعتق منِّي إذا وفَّيت بالمال وكتبت لي على نفسك أنْ تفيَ بذلك أو كتبت عليك الوفاءَ بالمال وكتبتُ عليَّ العتقَ عنده والتَّحقيقُ أنَّ المكاتبةَ اسمٌ للعقد الحاصل من مجموع كلاميهما كسائر العُقودِ الشَّرعيَّةِ المُنعقدةِ بالإيجاب والقبولِ ولا ريب في أن ذلك لا يصدرُ حقيقةً إلا من المتعاقدين وليس وظيفةُ كلِّ منهما في الحقيقة إلا الإتيان بأحد شطريه مُعرباً عمَّا يتمُّ من قِبله ويصدر عنه من الفعلِ الخاصِّ به من غير تعرُّضٍ لما يتمُّ من قبل صاحبه ويصدر عنه من فعله الخاصِّ به إلاَّ أنَّ كلاًّ من ذينكَ الفعلينِ لما كان بحيثُ لا يمكن تحقُّقه في نفسهِ إلا منوطاً بتحقُّقِ الآخرِ ضرورةَ أنَّ التزامَ العتقِ بمقابلة البدلِ من جهة المولى لا يُتصور تحقُّقه إلا بالتزام البدل من طرف العبد كما أنَّ عقدَ البيع الذي هو تمليك المَبيعِ بالثَّمن من جهة البائعِ لا يُمكن تحققه بتملُّكه به من جانب المشتري لم يكن بدمن تضمينِ أحدهِما الآخر وقت الإنشاء فكما أنَّ قول البائع بعتُ إنشاءٌ لعقد البيع على معنى أنَّه إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله أصالةً ولما يتمُّ من قبل المُشتري ضمناً إيقاعاً متوقفاً على رأيهِ توقفاً شبيهاً بتوقُّفِ عقد الفضوليِّ كذلك قولُ المولى كاتبتُك على كذا إنشاء لعقدِ الكتابةِ أي إيقاعٌ لما يتمُّ من قبله من التزام العتقِ بمقابلة البدلِ أصالةً ولما يتمُّ من قبلِ العبدِ من التزامِ البدلِ ضمناً إيقاعاً متوقِّفاً على قبوله فإذا قُبل تمَّ العقدُ ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداء خبرُه {فكاتبوهم} والفاءُ لتضمُّنهِ معنى الشَّرطِ أو النَّصبُ على أنه مفعول لمضمر يفسِّره هذا والأمر فيه للنَّدب لأنَّ الكتابة عقدٌ يتضمَّن الإرفاقَ فلا تجبُ كغيرِها ويجوزُ حالاً ومؤجَّلاً ومنجَّماً وغيرَ منجَّمٍ وعندَ الشافعيِّ رحمَهُ الله لا يجوزُ إلا مؤجَّلاً منهما وقد فُصل في موضعه {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أي أمانةً ورُشداً وقدرة على أداء البدلِ بتحصيله من وجه حلال وصلاحها لا يؤذي النَّاسَ بعد العتق وإطلاق العنان {وآتوهم مِن مَّالِ الله الذى آتاكم} أمر للوالي ببذل شيءٍ من أموالهم وفي حكمه حطُّ شيء
(6/172)

من مال الكتابة ويكفي في ذلك أقلُّ ما يتمول وعَنْ عليَ رضيَ الله عنه حطُّ الرُّبع وعن ابن عباس رضي الله عنهما الثُّلثُ وهو للنَّدبِ عندنا وعند الشافعيِّ للوجوبِ ويردُّه قوله صلى الله عليه وسلم المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليه درهم إذا لو وجب الحطُّ لسقط عنه الباقي حتماً وأيضاً لو وَجَب الحطُّ لكان وجوبُه معلَّقاً بالعقد فيكون العقد مُوجِباً ومُسقِطاً معاً وأيضاً فهو عقدُ مُعاوضةٍ فلا يُجبر على الحَطيطةِ كالبيع وقيل معنى آتُوهم أقرِضُوهم وقيل هو أمرٌ لهم بأنْ يُنفقوا عليهم بعد أنْ يؤدُّوا ويعتقوا وإضافةُ المال إليه تعالى ووصفه بإينائه إيَّاهم للحثِّ على الامتثال بالأمر بتحقيق المأمور به كما في قوله تعالى وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فإنَّ ملاحظة وصولِ المال إليهم من جهته تعالى مع كونه هو المالكَ الحقيقيَّ له من أَقْوى الدَّواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها وقيل هو أمرٌ بإعطاءِ سهمهِم من الصَّدقات فالأمرُ للوجوبِ حَتْماً والإضافةُ والوصفُ لتعيين المأخذِ وقيل هو أمرُ ندبٍ لعامَّة المسلمين بإعانة المُكاتبين بالتَّصدق عليهم ويحلُّ ذلك للمولى وإنْ كان غنيًّا لتبدل العُنوان حسبما ينطِق به قوله صلى الله عليه وسلم في حديثِ بَريرةَ هو لها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ {وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم} أي إماءكم فإنَّ كُلاَّ من الفَتَى والفَتاةِ كنايةٌ مشهورةٌ عن العبدِ والأمَةِ وعلى ذلك مبنى قوله صلى الله عليه وسلم ليقُلْ أحدُكم فتاي وفتاتي ولا يقُل عبدي وأمَتي لهذه العبارةِ في هذا المقامِ باعتبار مفهومِها الأصلي حسنُ موقعٍ ومزيدُ مناسبةٍ لقولهِ تعالى {عَلَى البغاء} وهو الزِّنا من حيثُ صدورُه عن النساءِ لأنهنَّ اللاَّتي يُتوقَّع منهنَّ ذلك غالباً دُون مَن عداهنَّ من العجائزِ والصَّغائرِ وقولُه تعالى {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} ليس لتخصيص النَّهي بصورة إرادتهِنَّ التَّعففَ عن الزِّنا وإخراجِ ما عداها من حُكمه كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهنَّ الزِّنا لخصوصِ الزَّاني أو لخصوصِ الزَّمانِ أو لخصوصِ المكانِ أو لغيرِ ذلكَ من الأُمور المُصحِّحةِ للإكراه في الجُملةِ بل للمحافظةِ على عادتهم المستمرَّة حيثُ كانُوا يكرهونهنَّ على البغاء وهنَّ يُردن التَّعففَ عنه مع وفورِ شهوتهنَّ الآمرةِ بالفُجورِ وقصورهنَّ في معرفةِ الأمورِ الدَّاعيةِ إلى المحاسنِ الزَّاجرةِ عن تَعَاطي القبائحِ فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ أُبيَ كانت له ست جوار يكرهن على الزِّنا وضربَ عليهنَّ ضرائبَ فشكتِ اثنتانِ منهنَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلتْ وفيهِ من زيادةِ تقبيحِ حالهم وتشنيعهِم على ما كانُوا عليهِ من القبائحِ ما لا يَخْفى فإنَّ مَن له أدنى مروءةٍ لا يكادُ يرضى بفجور من يحويهِ حرمُه من إمائهِ فضلاً عن أمرهن به أو إكراهن عليه لا سيما إرادتهنَّ التَّعففَ فتأمَّلْ ودَعْ عنكَ ما قيلَ من أنَّ ذلكَ لأنَّ الإكراه لا يتأتَّى إلا مع إرادة التَّحصُّنِ وما قيل من أنَّه إنْ جُعل شرطاً للنَّهي لا يلزم من عدمِه جوازُ الإكراه لجوازِ أنْ يكون ارتفاعُ ئالنهى لامتناع المنهيِّ عنه فإنَّهما بمعزلٍ من التَّحقيق وإيثار كلمةِ إنْ على إذا مع تحقُّق الإرادةِ في موردِ النَّصِّ حتماً للإيذانِ بوجوبِ الانتهاء عن الإكراه عند كونِ إرادةِ التَّحصنِ في حيِّز التَّردد والشَّكِّ فكيفَ إذا كانت مُحقَّقة الوقوع كما هو الواقعُ وتعليلُه بأنَّ الإرادةَ المذكورة منهنَّ في حيِّز الشَّاذ النادرِ مع خُلوه عن الجَدْوى بالكُلِّية يأباهُ اعتبارُ تحققها إباء ظاهرا تعالى {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا} قيدٌ للإكراه لكنْ لا باعتبارِ أنَّه مدارٌ النهى عنه باعتبار أنَّه المعتادُ فيما بينهم كما قبله لهُم فيما هُم عليه من احتمال الوزرِ الكبيرِ لأجل النَّزْرِ الحقيرِ أي لا تفعلُوا ما أنتُم عليه من إكراههنَّ على البغاءِ لطلب المتاعِ السَّريعِ الزَّوالِ الوشيكِ الاضمحلالِ فالمرادُ بالابتغاء الطَّلبُ المقارنُ لنيل المطلوبِ واستيفائهِ بالفعل إذْ
(6/173)

سورة النور (34) هُو الصَّالحُ لكونه غايةً للإكراهِ مترتِّباً عليه لا المطلقُ المتناولُ للطَّلبِ السَّابقِ الباعثِ عليه {وَمَن يُكْرِههُنَّ} الخ جملةٌ مستأنفةٌ سِيقتْ لتقرير النَّهيِ وتأكيدِ وجوبِ العملِ به ببيان خلاص المكروهات عن عقوبة المُكره عليه عبارةً ورجوعِ غائلة الإكراه إلى المُكرِهين إشارةً أي ومَن يكرهنَّ على ما ذُكر من البغاء {فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لهنَّ كما وقع في مصحف ابن مسعود عليه قراءةُ ابن عبَّاسً رضي الله تعالى عنهم وكما ينبئ عَنْهُ قولِهِ تَعَالى مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ أي كونهنَّ مكرهاتٍ على أنَّ الإكراه مصدرٌ من المبنيِّ للمفعولِ فإن توسيطَه بين اسمِ إنَّ وخبرِها للإيذانِ بأنَّ ذلك هو السببُ للمغفرةِ والرَّحمةِ وكان الحسنُ البصريُّ رحمه الله إذا قرأ هذه الآيةَ يقولُ لهنَّ واللَّهِ لهنَّ والله في تخصيصها بهنَّ وتعيين مدارِهما مع سبق ذِكرِ المكرهين أيضاً في الشَّرطيةِ دلالةٌ بينة على كونهم محرومين منهما بالكُلِّية كأنَّه قيل لا للمكروه ولظهوره هذا التَّقديرِ اكتفى به عن العائدِ إلى اسم الشرط فتجويز تعلقها بهم بشرطِ التَّوبةِ استقلالاً أو معهنَّ إخلالٌ بجزالة النَّظمِ الجليلِ وتهوينٌ لأمر النَّهيِ في مقامِ التَّهويلِ وحاجتهن إلى المغفرة المتنبئة عن سابقةِ الإثمِ إمَّا باعتبار أنهنَّ وإن كنَّ مكروهات لا يخلون في تضاعيفِ الزِّنا عن شائبة مطاوعةٍ ما بحكم الجبلَّة البشريَّةِ وإمَّا باعتبارِ أنَّ الإكراه قد يكونُ قاصراً عن حدِّ الإلجاءِ المُزيلِ للاختيارِ بالمرَّة وإما لغايةِ تهويلِ أمرِ الزِّنا وحثِّ المكرهاتِ على التثبت في التَّجافي عنه والتَّشديد في تحذيرِ المُكرهين ببيانِ أنهنَّ حيثُ كنَّ عرضةً للعقوبة لولا أن تدارَكَهن المغفرةُ والرَّحمةُ مع قيام العُذر في حقهنَّ فما حالُ من يكرهن في استحقاقِ العذاب
(6/174)

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
{ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات} كلامٌ مستأنَفٌ جيءَ به في تضاعيف ما وردَ من الآيات السَّابقةِ واللاحقة لبيان جلالة شئونها المستوجبةِ للإقبال الكليِّ على العمل بمضمونِها وصُدِّر بالقسم الذي تُعرب عنه اللاَّمُ لإبراز كمالِ العنايةِ بشأنهِ أي وباللَّهِ لقد أنزلنا إليكم هذه السورةِ الكريمة آياتٍ مبيِّناتٍ لكلِّ ما بكم حاجةٌ إلى بيانه من الحدود وسائرِ الأحكام والآدابِ وغير ذلك ممَّا هو من مبادئ بيانِها على أنَّ إسنادَ التبيينِ إليها مجازيٌّ أو آياتٍ واضحاتٍ تصدِّقها الكتبُ القديمةُ والعقولُ السَّليمةُ على أنَّ مبيِّنات من بيَّن بمعنى تَبيَّن ومنه المثلُ قد بَيَّن الصّبحُ لذي عينين وقرئ على صيغة التي بُيِّنتْ وأوضحتْ في هذه السورةِ من معاني الأحكامِ والحدودِ وقد جُوِّز أن يكونَ الأصلُ مبيَّناً فيها الأحكام فانسع في الظَّرف بإجرائه مُجرى المفعولِ {وَمَثَلاً مّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم} عطفٌ على آياتٍ أي وأنزلنا مثلاً كائناً من قبيل أمثالِ الذين مضوا من قبلِكم من القصصِ العجيبةِ والأمثالِ المضروبة لهم في الكتب السَّابقةِ والكلماتِ الجاريةِ على ألسنة الأنبياءِ عليهم السَّلامُ فينتظمُ قصَّة عائشة رضي الله عنها المحاكية لقصَّةِ يوسفَ عليه السلام وقصة مريم رضي الله عنها وسائرِ الأمثالِ الواردةِ في السُّورةِ الكريمةِ انتظاماً واضحاً وتخصيصُ الآياتِ المبيِّناتِ بالسوابقِ وحملُ المثلِ على القصَّة العجيبة فقط يأباه تعقيب الكلامِ بما سيأتِي من التمثيلاتِ {وَمَوْعِظَةً} تتَّعظِون به وتنزجِرُون عمَّا لا ينبغي من المحرَّمات والمكروهاتِ وسائرِ ما يخلُّ بمحاسنِ الآدابِ فهي عبارةٌ عمَّا سبقَ من الآيات والمثل لظهورِ كونها من المواعظ بالمعنى المذكور
(6/174)

سورة النور (35) ومدارُ العطف هو التَّغايرُ العنوانيُّ المنزَّلُ منزلة التَّغايرِ الذَّاتيِّ وقد خُصَّت الآياتُ بما يبيِّنُ الحدودَ والأحكامَ والموعظةَ بما وُعظ به من قولهِ تعالى وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله وقوله تعالى لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ وغيرِ ذلك من الآياتِ الواردةِ في شأنِ الآدابِ وإنَّما قيل {لّلْمُتَّقِينَ} مع شمولِ الموعظةِ للكلِّ حسب شمول الإنزال لقوله تعالى أَنْزَلْنَا إليكم حثا للخاطبين على الاعتناء بالانتظام في سلك المتَّقين ببيان أنَّهم المغتنمون لآثارها المُقتبسون من أنوارها فحسب وقيل المرادُ بالآيات المبيناتِ والمثلِ والموعظةِ جميعُ ما في القُرآنِ المجيدِ من الآياتِ والأمثالِ والمواعظِ فقولُه تعالى
(6/175)

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
{الله نور السماوات والأرض} الخ حينئذٍ استئنافٌ مَسوقٌ لتقريرِ ما فيها من البيانِ مع الإشعارِ بكونه في غاية الكمالِ على الوجه الذي ستعرفُه وأمَّا على الأوَّلِ فلتحقيقِ أنَّ بيانه تعالى ليس مقصُوراً على ما وردَ في السُّورة الكريمة بل هو شاملٌ لكلِّ ما يحقُّ بيانُه من الأحكام والشَّرائعِ ومباديها وغاياتها المترتِّبة عليها في الدُّنيا والآخرة وغيرِ ذلك ممَّا له مدخلٌ في البيان وأنَّه واقعٌ منه تعالى على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها حيث عبَّر عنه بالتَّنوير الذي هو أقوى مراتب البيانِ وأجلاها وعبَّر عن المنوِّر بنفس النُّور تنبيهاً على قوَّةِ التَّنوير وشدَّةِ التَّأثيرِ وإيذاناً بأنه تعالى ظاهرٌ بذاته وكلُّ ما سواه ظاهرٌ بإظهاره كما أنَّ النُّور نيِّرٌ بذاته وما عداه مستنير به وأضيف النُّور إلى السَّمواتِ والأرضِ للدِّلالةِ على كمال شيوع البيان المُستعار له وغاية شمولهِ لكلِّ ما يليقُ به من الأمور التي لها مدخل في إرشاد النَّاسِ بوساطة بيان شمول المُستعار منه لجميع ما يقبله ويستحقُّه من الأجرام العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ فإنَّهما قُطرانِ للعالم الجسمانيِّ الذي لا مظهر للنُّور الحسيِّ سواه أو على شمول البيان لأحوالهما وأحوال مَا فِيهمَا مِنَ الموجُودات إذ ما من موجودٍ إلا وقد بُيِّن من أحواله ما يستحقُّ البيانَ إمَّا تفصيلاً أو إجمالاً كيف لا ولا ريبَ في بيان كونهِ دليلاً على وجود الصَّانعِ وصفاته وشاهداً بصحَّة البعثِ أو على تعلُّق البيان بأهلهما كما قال ابن عباس رضي الله عنهما هادي أهل السماوات والأرضِ فهم بنوره يهتدون وبهداه من حَيرة الضَّلالةِ ينجُون هذا وأما حملُ التَّنوير على إخراجهِ تعالى للماهيَّاتِ من العدمِ إلى الوجود إذ هو الأصلُ في الإظهار كما أنَّ الإعدامَ هو الأصلُ في الإخفاء أو على تزيينِ السموات بالنيِّرينِ وسائر الكواكب وما يفيض منها من الأنوار أو بالملائكة عليهم السَّلامُ وتزيين الأرض بالأنبياءِ عليهم السَّلامُ والعلماء والمؤمنين أو بالنبات والأشجارِ أو على تدبيره تعالى لأمورهما وأمور ما فيهما فمما لا يلائمُ المقامَ ولا يساعد حسنُ النِّظامِ {مَثَلُ نُورِهِ} أي نورهِ الفائض منه تعالى على الأشياء المُستنيرة به وهو القرآنُ المبينُ كما يعرب عنهُ ما قبلَهُ من وصف آياته بالإنزال والتَّبيينِ وقد صرّح بكونهِ نوراً أيضاً في قولِه تعالى وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وزيد
(6/175)

ابن أسلم رحمهم الله تعالى وجعلُه عبارةً عن الحقِّ وإن شاع استعارته له كا ستعارة الظُّلمة للباطل يأباه مقامُ بيان شأن الآياتِ ووصفِها بما ذُكر منْ التَّبيين مع عدم سبق ذكر الحقِّ ولأنَّ المعتبرَ في مفهوم النُّور هو الظُّهورُ والإظهار كما هو شأنُ القُرآن الكريم وأما الحقُّ فالمعتبر في مفهومِه من حيثُ هو حقٌّ هو الظُّهورُ لا الإظهارُ والمراد بالمثل الصِّفةُ العجيبةُ أي صفة نوره العجيبة {كَمِشْكَاةٍ} أي كصفة كوة نافذةٍ في الجدار في الإنارة والتَّنويرِ {فِيهَا مِصْبَاحٌ} سراجٌ ضخمٌ ثاقبٌ وقيل المشكاةُ الأُنبوبةُ في وسطِ القنديلِ والمصباحُ الفتيلةُ المشتعلةُ {المصباح فِى زُجَاجَةٍ} أي قنديلٍ من الزُّجاجِ الصَّافي الأزهر وقرئ بفتح الزَّاي وكسرِها في الموضعينِ {الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دري} متلألئ وقَّادٌ شبيه بالدُّرِّ في صفائه وزُهرته ودراري الكواكب عظامها المشهورة وقرئ درئ بدالٍ مكسورةٍ وراءٍ مشدَّدةٍ وياءٍ ممدودةٍ بعدها همزةٌ على أنَّه فِعيلٌ من الدَّرءِ وهو الدَّفعُ أي مبالغٌ في دفعِ الظَّلامِ بضوئهِ أو في دفعِ بعضِ أجزاءِ ضيائهِ لبعضٍ عند البريق واللمعان وقرئ بضمِّ الدَّال والباقي على حالهِ وفي إعادةِ المصباحِ والزجاجة معرفين إثرَ سبقهما مُنكرين والإخبار عنهما بما بعدهما مع انتظامِ الكلامِ بأنْ يقالَ كمشكاةٍ فيها مصباحٌ في زجاجةٍ كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ من تفخيمِ شأنهما ورفعِ مكانهِما بالتَّفسيرِ إثرَ الإبهامِ والتفصيل بعد الإجمال وبإثبات ما بعدهما لهما بطريقِ الإخبار المنبئ عن القصد الأصليِّ دونَ الوصفِ المبنيِّ على الإشارة إلى الثُّبوت في الجملةِ ما لا يخفى ومحلُّ الجملةِ الأُولى الرفع على أنها صفةُ لمصباحٌ ومحلُّ الثَّانيةِ الجرُّ على أنَّها صفةٌ لزجاجةٍ واللاَّمُ مغنيةٌ عن الرَّابط كأنه قيل فيها لمصباح الجرُّ على أنها صفةٌ لزجاجةٍ واللاَّمُ مغنيةٌ عن الرَّابط كأنَّه قيل فيها مصباحٌ هو في زُجاجةٍ هي كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ {يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ} أي يبتدأُ إيقادُ المصباحِ من شجرةٍ {مباركة} أي كثيرةِ المنافعِ بأنْ رُويت ذبالتُه بزيتها وقيلَ إنَّما وُصفتْ بالبركةِ لأنَّها تنبتُ في الأرضِ التي باركَ اللَّهُ تعالى فيها للعالمينَ {زَيْتُونَةٍ} بدلٌ من شجرةٍ وفي إبهامِها ووصفِها بالبركةِ ثم الإبدالِ منها تفخيمٌ لشأنِها وقرئ توقد بالناء على أنَّ الضَّميرَ القائمَ مقامَ الفاعل للزُّجاجة دون المصباح وقرئ توقَّدَ على صيغة الماضي من التَّفعُّلِ أي ابتداءُ ثقوب المصباح منها وقرئ تَوقَّدُ بحذف إحدى التَّاءين من تتوقدُ على إسناده إلى الزُّجاجةِ {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} تقعُ الشَّمسُ عليها حيناً دُونَ حينٍ بل بحيثُ تقعُ عليها طولَ النَّهار كالتي على قُلَّة أو صحراء واسعةٍ فتقع الشَّمسُ عليها حالتَيْ الطُّلوع والغروب وهَذا قولُ ابنِ عبَّاسِ رضي الله عنهما وسعيدُ بن جبير وقَتادة وقال الفرَّاءُ والزَّجاجُ لا شرقيَّة وحدها ولا غربيَّة وحدها لكنَّها شرقيَّةٌ وغربيَّةٌ أي تصيبها الشَّمسُ عند طلوعِها وعند غروبِها فتكون شرقيَّةً وغربيَّةً تأخذ حظَّها من الأمرينِ فيكون زيتُها أضوأ وقيل لا ثابتة في شرقِ المعمُورة ولا في غربِها بل في وسطِها وهو الشَّامُ فإن زيوتَها أجودُ ما يكون وقيل لا في مَضحى تشرقُ الشَّمسُ عليها دائماً فتحرِقُها ولا في مَقْنأةٍ نغيب عنها دائما فتتركها نيأ وفي الحديث لا خيرَ في شجرةٍ ولا في نباتٍ في مَقْنأةٍ ولا خير فيهما في مَضْحى {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لم تمسسه نار} أي هو في الصَّفاءِ والإنارةِ بحيثُ يكادُ يُضيءُ بنفسِه من غير مساسِ نارٍ أصلا وكلمة في أمثالِ هذهِ المواقعِ ليستْ لبيان انتفاء شيءٍ في الزمان الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يلاحظ لها جوابٌ قد حُذف ثقةٍ بدلالةِ ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصدِ إلى بيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابق من الحُكم الموجَبِ أو المنفى كلما
(6/176)

كل حالٍ مفروض من الأحوال المُقارنة له إجمالاً بإدخالها على أبعدها منه إما لوجودِ المانع كما في قولِه تعالى أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وإما لعدم الشَّرط كما في هذه الآية الكريمة ليظهرَ بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع عداه من الأحوال بطريق الأولوية لما أن الشيءَ متى تحقَّقَ مع ما ينافيه من وجود المانعِ أو عدم الشَّرطِ فلأنْ يتحققَ بدون ذلك أولى ولذلك لا يُذكر معه شيءٌ آخرُ من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة عل نظيرتها المقابلةِ لها المتناولة لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدّدِها وهذا معنى قولِهم أنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيلِ الإجمالِ وهذا أمر مطَّرد في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ فإنَّك إذا قلت فلانٌ جوادٌ يُعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يُعطي ولو كان غنيًّا تريد بيان تحقُّقِ الإعطاء في الأوَّلِ وعدم تحقُّقِه في الثَّانِي في جميع الأحوال المفروضة والتَّقديرُ يُعطي لو لم يكنْ فَقيراً ولو كان فقيراً ولا يُعطي لو لم يكن غنيا ولو كان غنيًّا فالجملة مع ما عُطفت هي عليه في حيز النصبِ على الحاليةِ من المستكنِّ في الفعل الموجب أو المنفيِّ أي يعطى أولا يُعطي كائناً على جميعِ الأحوال وتقديرُ الآية الكريمة يكادُ زيتُها يضيءُ لو مسَّته نارٌ ولو لم تمسه نارٌ أي يضيءُ كائناً على كل حال من وجود الشَّرطِ وعدمه وقد حُذفت الجملةُ الأولى حسبما هو المطَّردُ في الباب لدلالة الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً {نُورٍ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى {على نُورٍ} متعلِّق بمحذوفٍ هو صفةٌ له مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامة والجملة فَذْلكةٌ للتَّمثيل وتصريحٌ بما حصلَ منه وتمهيدٌ لما يعقبه أي ذلك النُّور الذي عُبِّر به عن القرآن ومُثِّلتْ صفتُه العجيبةُ الشَّأنِ بما فُصِّل من صفة المشكاة نورٌ عظيمٌ كائن على نور كذلك لا على أنَّه عبارةٌ عن نور واجد معيَّن أو غير معيَّنٍ فوق نور آخرَ مثله ولا عن مجموع نورينِ اثنينِ فقط بل عن نورٍ مُتضاعفٍ من غير تحديد لتضاعفه بحدَ مُعيَّنٍ وتحديدُ مراتبِ تضاعُف ما مُثّل به من نورِ المشكاةِ بما ذُكر لكونِه أقصى مراتب تضاعفِه عادةً فإنَّ المصباحَ إذا كان في مكانٍ متضايق كالمشكاةِ كان أضوأَ له وأجمعَ لنورِه بسبب انضمامِ الشُّعاعِ المنعكس منه إلى أصلِ الشُّعاعِ بخلاف المكان المتَّسعِ فإنَّ الضَّوءَ ينبثُّ فيه وينتشرُ والقنديل أعونُ شيءٍ على الزيادة الإنارة وكذلك الزي وصفاؤه وليس وراء هذه المراتبِ ممَّا يزيد نورَها إشراقاً ويمدُّه بإضاءةٍ مرتبةٌ أُخرى عادةً هذا وجعل النُّورِ عبارةً عن النُّورِ المشبه به مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل {يَهْدِى الله لِنُورِهِ} أي يَهْدِى هدايةً خاصَّةً موصِلةً إلى المطلوب حتماً لذلك النُّور المتضاعف العظيمِ الشَّأنِ وإظهارُه في مقام الإضمارِ لزيادة تقريرِه وتأكيدِ فخامتِه الذَّاتيَّةِ بفخامتِه الإضافيةِ النَّاشئةِ من إضافتِه إلى ضميره عزَّ وجلَّ {مَن يَشَآء} هدايتَه من عباده بأنْ يوفِّقَهم لفهم مَا فيهِ منْ دلائلِ حقِّيتِه وكونِه من عندِ الله تعالى من الإعجاز والإخبارِ عن الغيبِ وغير ذلك من مُوجباتِ الإيمانِ به وفيه إيذانٌ بأنَّ ماط هذه الهدايةِ ومِلاكَها ليس إلا مشيئتَه تعالى وأنَّ تظاهرَ الأسباب بدونها بمعزلٍ من الإفضاء إلى المطالب {وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ} في تضاعيف الهداية حسبَما يقتضِي حالُهم فإنَّ له دخلاً عظيماً في باب الإرشاد لأنه إبرار للمعقول في هيئة المحسوس وتصويرٌ لأوابدِ المعاني بصورة المأنُوسِ ولذلك مُثّل نورُه المعبد به عن القُرآن المُبين بنور المشكاة وإظفاره الاسمِ الجليلِ في مقام الإضمار للإيذان
(6/177)

سورة النور (36) باختلاف حال ما أُسند إليه تعالى من الهدايةَ الخاصَّةَ وضربِ الأمثالِ الذي هو من قبيلِ الهداية العامَّةِ كما يُفصح عنه تعليقُ الأُولى بمن يشاءُ والثَّانيةِ بالنَّاس كافَّة {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} مفعولا كان أو محسوساً ظاهراً كان أو باطناً ومن قضيَّتِه أنْ تتعلقَ مشيئتُه بهداية مَن يليق بها ويستحقُّها مِن النَّاسِ دُونَ مَن عداهم لمخالفتِه الحكمةَ التي عليها مبْنى التكوينِ والتَّشريعِ وأنْ تكونَ هدايتُه العامَّة على فنونٍ مختلفةٍ وطرائقَ شتَّى حسبما تقتضيهِ أحوالُهم والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لما قبله وإظهارُ الاسمِ الجليل لتأكيد استقلالِ الجملة والإشعارِ بعلَّةِ الحكم وبما ذُكر من اختلافِ حال المحكومِ به ذاتاً وتعلُّقاً
(6/178)

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)
{فِى بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه} لمَّا ذُكر شأنُ القرآن الكريم في بيانه للشَّرائع والأحكام ومباديها وغاياتها المترتِّبةِ عليها من الثَّوابِ والعقاب وغير ذلك من أحوال الآخرة وأهوالِها وأُشير إلى كونِه في غايةِ ما يكونُ من التَّوضيحِ والإظهار حيثُ مُثِّل بما فُصِّل من نور المشكاة وأُشير إلى أنَّ ذلك النُّورَ مع كونِه في أقصى مراتبِ الظُّهور إنَّما يهتدي بهداه من تعلَّقتْ مشيئةُ الله تعالى بهدايته دُونَ مَن عداه عقَّب ذلك بذكر الفريقينِ وتصوير بعض أعمالهم المُعربةِ عن كيفيَّةِ حالهم في الاهتداءِ وعدمه والمرادُ بالبيوتِ المساجدُ كلِّها حسبما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقيل هي المساجدُ التي بناها نبيٌّ من أنبياء الله تعالى الكعبةُ التي بناها إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السَّلامُ وبيتُ المقدسِ الذي بناه داودُ وسليمانُ عليهما السَّلامُ ومسجدُ المدينةِ ومسجدُ قُباءَ اللذانِ بناهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وتنكيرُها للتَّفخيم والمرادُ بالإذنِ في رفعها الأمرُ ببنائها رفيعةً لا كسائر البيوتِ وقيل هو الأمر برفعِ مقدارها بعبادة الله تعالى فيها فيكونُ عطفُ الذِّكرِ عليه من قبيل العطفِ التفسيري وأياما كان ففي التَّعبير عنه بالإذن تلويحٌ بأنَّ اللائقَ بحال المأمور أنْ يكونَ متوجِّهاً إلى المأمور به قبل ورود الأمر به ناوياً لتحقيقِه كأنَّه مستأذنٌ كأنَّه مستأذنٌ في ذلك فيقع الأمرُ به موقعَ الإذن فيه والمرادُ بذكر اسمه تعالى ما يعمُّ جميع أدكاره تعالى وكلمةُ في متعلِّقةٌ بقوله تعالى {يُسَبّحُ لَهُ} وقولُه تعالى {فِيهَا} تكريرٌ لها للتَّأكيد والتَّذكيرِ لما بينهما من الفاصلةِ وللإيذانِ بأنَّ التَّقديمَ للاهتمام لا لقصر التَّسبيحِ على الوقوع في البيوت فقط وأصلُ التَّسبيحِ التَّنزيهُ والتَّقديسُ يُستعملُ باللامِ وبدونِها أيضاً كَما في قولِه تعالى {سَبِّحِ اسم ربك الأعلى} به الصَّلواتُ المفروضةُ كما ينبئ عنه تعيينُ الأوقاتِ بقوله تعالى {بالغدو والأصال} أي بالغَدَواتِ والعَشَايا على أنَّ الغُدوَّ إمَّا جمعُ غداةٍ كقُنيَ في جمع قَنَاةٍ كما قيل أو مصدرٌ أُطلق على الوقت حسبما يشعر به اقترانه بالآصالو هو جمع أَصيلٍ وهو العَشِيُّ والعشى وهو الشامل الأوقات ما عدا صلاةَ الفجرِ المؤداة يالغداة ويجوزُ أن يرادَ بهِ نفسُ التَّنزيه على أنَّه عبارة عمَّا يقعُ منه في أثناء الصَّلواتِ وأوقاتها لزيادةِ شرفِه وإنافتِه على سائر أفراده أو عمَّا يقعُ في جميع الأوقاتِ وإفرادُ طَرَفي النَّهارِ بالذِّكرِ لقيامِهما مقامَ كلِّها لكونِهما العمدة فيها بكونهما مشهودين وكونِهما أشهرَ ما يقعُ فيه المباشرةُ للأعمال والاشتغالُ بالاشغال وقرئ والإيصالِ وهو الدُّخولُ في الأصيل وقوله تعالى
(6/178)

سورة النور (37 38)
(6/179)

رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)
{رِجَالٌ} فاعلُ يسبِّح وتأخيرُه عن الظُّروفِ لما مرَّ مرارا من الاعتناء بالمقدم والتَّشويق إلى المؤخَّر ولأنَّ في وصفِه نوعَ طُولٍ فيُخلُّ تقديمُه بحسن الانتظام وقرئ يُسبِّح على البناء للمفعول بإسناده إلى أحد الظُّروف ورحال مرفوع بما ينبئ عنه حكايةُ الفعلِ من غير تسميةِ الفاعل على طريقة قوله لبيك يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ كأنه قيل مَنْ يُسبِّح له فقيل يُسبِّح له رجالٌ وقرئ تُسبِّح بتأنيثِ الفعلِ مبنيًّا للفاعلِ لأنَّ جمعَ التَّكسيرِ قد يُعامل معاملةَ المؤنَّثِ ومبنياً للمفعول على أنْ يسند إلى أوقات الغدو والآصالِ بزيادة الباءِ وتجعلُ الأوقاتُ مسبِّحةً مع كونِها مسبحا فيها أو يُسند إلى ضمير التسبيحة أي تسبيح له التَّسبيحةُ على المجازِ المسوِّغ لإسناده إلى الوقتينِ كما خرَّجُوا قراءة أبي جَعفرٍ ليُجزَى قوماً أي ليُجزَى الجزاءُ قَوْماً بل هذا أولى من ذل هنا مفعولٌ صريحٌ {لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة} صفةٌ لرجالٌ مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامةِ مفيدةٌ لكمال تبتُّلِهم إلى الله تعالى واستغراقهم فيها حُكي عنهم من التَّسبيحِ من غير صارف يلويهم ولا عاطفٍ يثنيهم كائناً ما كان وتخصيصُ التِّجارةِ بالذكر لكونهما أقوى الصَّوارفِ عندهم وأشهرَها أي لا يشغلُهم نوعٌ من أنواعِ التِّجارةِ {وَلاَ بَيْعٌ} أي ولا فردٌ من أفراد البياعاتِ وإنْ كانَ في غايةِ الرِّبحِ وإفرادُه بالذِّكرِ مع اندراجِه تحتَ التِّجارة للإيذانِ بإنافتِه على سائرِ أنواعِها لأنَّ ربحَهُ متيقَّنٌ ناجزٌ وربحُ ما عداه متوقَّعٌ في الثاني الحال عند البيع فلم يلزمْ من نفيِ إلهاءِ ما عداه نفيُ إلهائِه ولذلك كُرِّرت كلمةُ لا لتذكيرِ النَّفيِ وتأكيدِه وقد نُقل عن الواقديِّ أنَّ المرادَ بالتِّجارة هو الشِّراءُ لأنَّه أصلُها ومبدؤها وقيل هو الجَلَبُ لأنَّه الغالبُ فيها ومنه يُقال تَجَر في كَذا أي جَلَبه {عَن ذِكْرِ الله} بالتَّسبيحِ والتَّحميدِ {وإِقَامِ الصلاة} أي إقامتِها لمواقيتها من غير تأخيرٍ وقد أُسقطتْ التَّاءُ المعوض عن العينِ السَّاقطةِ بالإعلال وعُوِّض عنها الإضافةُ كما في قوله [وَأَخْلفُوك عِدَ الأمرِ الذي وَعدُوا] أي عدة الأمر {وإيتاء الزكاة} أي المال الذي فُرض إخراجه للمستحقين وإيراده ههنا وإنْ لم يكن ممَّا يُفعل في البيوت لكونِه قرينةً لا تُفارق إقامةَ الصَّلاةِ في عامَّة المواضع مع ما فيه من التَّنبيه على أنَّ محاسنَ أعمالِهم غيرُ منحصرةٍ فيما يقعُ في المساجدِ وكذلك قوله تعالى {يَخَافُونَ} الخ فإنه صفةٌ ثانيةٌ لرجالٌ أو حالٌ من مفعول لا تُلهيهم وأيًّا ما كان فليس خوفُهم مقصُوراً على كونِهم في المساجد وقوله تعالى {يَوْماً} مفعولُ ليخافون لا ظرفٌ له وقولُه تعالى {تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار} صفةٌ ليوماً أي تضطربُ وتتغيرُ في أنفسها من الهول والفزعِ وتشخصُ كما في قولِه تعالى وإذ زاغت والأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر أو تتغيرُ أحوالُها وتتقلَّب فتتفقّه القلوبُ بعد أن كانتْ مطبوعاً عليها وتُبصر الأبصارُ بعد أنْ كانت عمياءَ أو تتقلَّب القلوبُ بين توقع النجارة وخوفِ الهلاكِ والإبصار من أيِّ ناحيةٍ يُؤخذ بهم ويُؤتى كتابُهم
(6/179)

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)
{لِيَجْزِيَهُمُ الله} متعلِّق بمحذوفٍ يدلُّ عليه ما حُكي من أعمالهم المرضيَّةِ أي
(6/179)

سورة النور (39) يفعلون ما يفعلون من المُداومة على التَّسبيح والذِّكرِ وإيتاءِ الزَّكاةِ والخوفِ من غير صارفٍ لهم عن ذلك ليجزيهم الله تعالى {أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي أحسنَ جزاءِ أعمالِهم حسبما وعد لهم بمقابلةِ حسنةٍ واحدة عشرة أمثالهِا إلى سبعمائةِ ضعفٍ {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} أي يتفضَّلُ عليهم بأشياءَ لم تُوعد لهم بخصوصيَّاتِها أو بمقاديرِها ولم تخطُر ببالِهم كيفيَّاتُها ولا كميَّاتُها بل إنَّما وُعدت بطريقِ الإجمالِ في مثلِ قولِه تعالى لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ وقوله صلى الله عليه وسلم حكايةً عنه عزَّ وجلَّ أعددت لعبادي الصالحين مالا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلبِ بشرٍ وغيرِ ذلك من المواعيدِ الكريمةِ التي من جملتها قوله تعالى {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بغير حساب} فإنه تذبيل مقرر للزيادة وعد كريم بأنَّه تعالى يُعطيهم غيرَ أجزيةِ أعمالِهم من الخيرات ما لا يفي به الحساب وأما عدمُ سبقِ الوعدَ بالزِّيادة ولو إجمالاً وعدمُ خُطورِها ببالِهم ولو بوجهٍ ما فيأباهُ نظمُها في سلك الغايةِ والموصولُ عبارةٌ عمَّن ذُكرتْ صفاتُهم الجميلةُ كأنَّه قيل والله يرزقُهم بغير حسابٍ ووضعه موضع ضميرهم للتنبيهِ بما في حيزِ الصلة على أنَّ مناطَ الرِّزقِ المذكُور في محضُ مشيئتِه تعالى لا أعمالُهم المحكيَّةُ كما أنَّها الماط لما سبقَ من الهداية لنوره تعالى لا لظاهر الأسباب وللإيذان بأنَّهم ممَّن شاء الله تعالى لأن يرزقَهم كما أنَّهم ممَّن شاء الله تعالى أن يهديَهم لنُوره حسبَما يُعرب عنه ما فُصِّل من أعمالهم الحسنةِ فإنَّ جميعَ مل ذُكر من الذِّكرِ والتَّسبيحِ وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وخوفِ اليوم الآخرِ وأهوالِه ورجاءِ الثَّوابِ مقتبسٌ من القرآن الكريم العظيم الذي هو المعنيُّ بالنُّور وبه يتمُّ بيانُ أحوالِ مَن اهتدى بهُداه على أوضح وجه وأجلاه وهذا وقد قيلَ قولُه تعالى فِى بُيُوتٍ الخ من تتمة التَّمثيلِ وكلمةُ في متعلقةٌ بمحذوفٍ هي صفة لمشكاةٍ أي كائنةٍ في بيوتٍ وقيل لمصباح وقيل لزجاجة وقيل متعلِّقةٌ بيُوقَد والكلُّ مما لا يليقُ بشأن التنزيلِ الجليلِ كيف لا وأنَّ ما بعد قولِه تعالى وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ على ما هو الحقُّ أو ما بعد قوله تعالى نُّورٌ على نُورٍ على ما قيل إلى قولِه تعالى بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ كلامٌ متعلِّقٌ بالمُمَثَّل قطعاً فتوسيطُه بين أجزاءِ التَّمثيل مع كونِه من قبيل الفصل بين الشَّجر ولحائِه بالأجنبيِّ يؤدِّي إلى كون ذكر حال المنتفعين بالتَّمثيلِ المهديِّينَ لنور القُرآن الكريم بطريق الاستتباعِ والاستراط مع كون بيان حال أضدادِهم مقصوداً بالذَّاتِ ومثلُ هذا ممَّا لا عهدَ به في كلام الناسِ فضلاً أنْ يُحملَ عليه الكلامُ المعجِزُ
(6/180)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)
{والذين كَفَرُواْ} عطف على ما ينساق إليه ما قبلَهُ كأنَّه قيلَ الذين آمنوا أعمالهم حالا وما لا كما وُصفَ والذين كفرُوا {أعمالهم} أي أعمالُهم التي هي من أبواب البِرِّ كصلةِ الأرحامِ وفكِّ العُناةِ وسقاية الحاجِّ وعمارة البيت وإغاثة الملهُوفين وقِرى الأضيافِ ونحوِ ذلك ممَّا لو قارنَه الإيمانُ لاستتبعَ الثوابَ كما في قوله تعالى مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ الآيةَ {كَسَرَابٍ} وهو ما يُرى في الفَلَوات من لمَعَانِ الشَّمسِ عليها وقتَ الظَّهيرةِ فيُظنُّ أنه ماء يسرب أي يجري {بِقِيعَةٍ} متعلِّق بمحذوفٍ هو صفةٌ لسرابٍ أي كائن في قاعٍ وهي الأرض المنبسطة
(6/180)

سورة النور (40) المستويةُ وقيل هي جمعُ قاعٍ كجيرة جمعُ جارٍ وقُرىء بقيعاتٍ بتاء ممدودةٍ كديماتٍ إمَّا على أنَّها جمعُ قيعةٍ أو على أنَّ الأصلَ قيعة قد أُشبعت فتحةُ العينِ فتولَّد منها ألِفٌ {يَحْسَبُهُ الظمان مَاء} صفةٌ أخرى لسرابٍ وتخصيص الحسبان بالظَّمآن مع شموله لكلِّ مَن يراه كائنا من كان من العطشانِ والريَّانِ لتكميل التَّشبيهِ بتحقيق شركة طرفيه في وجهِ الشَّبهِ الذي هو المطلع المطمع والمقطع الموئس {حتى إذا جاءه} أي إذا جاءَ العطشانُ ما حَسِبَه ماءً وقيل موضعَه {لَمْ يَجِدْهُ} أي ما حسبَه ماءً وعلَّق به رجاءه {شيئا} أصلالا محقَّقاً ولا متوهَّماً كما كان يراهُ من قبلُ فضلاً عن وجدانه ماء وبه تمَّ بيانُ أحوالِ الكفرة بطريق التَّمثيل وقوله تعالى {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} بيانٌ لبقيَّة أحوالِهم العارضة لهم بعد ذلك بطريقِ التَّكملة لئلاَّ يتوَّهم أنَّ قُصارى أمرِهم هو الخيبةُ والقنوط فقطْ كما هُوَ شأنُ الظَّمآنِ ويظهر أنَّه يعتريهم بعد ذلك التَّمثيل من عدمِ وجدان الكَفَرةِ من أعمالِهم المذكُورةِ عيناً ولا أثراً كما في قوله تعالى وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً كيف لا وأنَّ الحكم بأنَّ أعمالَ الكَفَرة كسرابٍ يحسبه الظمآنُ ماء حتَّى إذا جاءه لم يجدُه سيئا حكمٌ بأنَّها بحيث يحسبونَها في الدُّنيا نافعةً لهم في الآخرة حتَّى إذا جاءوها لم يجدُوها شيئاً كأنه قيل حتى إذا جاء الكَفَرةُ يومَ القيامةِ أعمالَهم التي كانُوا في الدُّنيا يحسبونها نافعةً لهم في الآخرة يجدُوها شيئاً ووجدُوا الله أي حكمَهُ وقضاءَهُ عند المجيءِ وقيل عند العملِ فوفَّاهم أي أعطاهُم وافياً كاملاً حسابَهم أي حسابَ أعمالِهم المذكورةِ وجزاءها فإنَّ اعتقادَهم لنفعها بغير إيمانٍ وعملهم بموجبه كفرٌ على كفره وجب للعقاب قطا وإفرادُ الضَّميرينِ الرَّاجعينِ إلى الذين كفروا إمَّا لإرادة الجنس كالضمان الواقع في التَّمثيلِ وإمَّا للحملِ على كلِّ واحدٍ منهم وكذا إفرادُ ما يرجع إلى أعمالِهم هذا وقدفيل نزل في عُتْبةُ بنُ ربيعةَ بنِ أُميَّة كان قد تعبَّد في الجاهليَّةِ وليس المسوحَ والتمسَ الدِّينَ فلمَّا جاء الإسلامُ كفرَ
(6/181)

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
{أَوْ كظلمات} عطفٌ على كسراب وكلمة للتَّنويع 40 إثرَ ما مُثِّلت أعمالُهم التي كانُوا يعتمدونَ عليها أقوى اعتمادٍ ويفتخرون بها في كلِّ وادٍ ونادٍ بما ذُكر من حال السَّرابِ مع زيادةِ حسابٍ وعقابٍ مُثِّلتْ أعمالُهم القبيحةُ التي ليس فيها شائبةٌ خيريَّةٌ يغترُّ بها المغترُّون بظلماتٍ كائنة {فِى بَحْرٍ لُّجّىّ} أي عميقٍ كثيرِ الماءِ منسوبٍ إلى اللُّجِّ وهو معظمُ ماءِ البحرِ وقيل إلى اللُّجَّةِ وهي أيضاً معظمُه {يغشاه} صفة أُخرى للبحر أي يسترُه ويُغطِّيه بالكُلِّية {مَوْجٍ} وقوله تعالى {من فوقه مَوْجٌ} جملةٌ مِن مبتدأ أو خبر محلُّها الرَّفعُ على أنَّها صفةُ لموجٌ أو الصِّفةُ هي الجارُّ والمجرورُ وموجٌ الثَّانِي فاعلٌ له لاعتمادِه على الموصوفِ والكلامُ فيهِ كما مرَّ في قوله تعالى نُّورٌ على نُورٍ أي يغشاهُ أمواجٌ متراكمةٌ متراكبةٌ بعضُها على بعضٍ وقوله تعالى {من فوقه سَحَابٌ} صفةٌ لموجٌ الثَّاني على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ من فوق ذلك الموجِ سحابٌ ظلمانيٌّ ستَر أضواءَ النُّجومِ وفيه إيماءٌ إلى غاية تراكم الأمواج وتضاعيفها حتى كأنها بلغت
(6/181)

سورة النور (41) السحاب {ظلمات} حبر مبتدأٍ محذوفٍ أيْ هيَ ظلماتٌ {بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} أي متكاثفة متراكمة وهذا بيان لكمال شدَّةِ الظُّلماتِ كما أن قوله تعالى نُورٍ بيانٌ لغاية قُوَّةِ النُّورِ خلا أنَّ ذلك متعلِّق بالمشبَّهِ وهذا بالمشبَّه به كما يُعرِبُ عنه ما بعده وقُرىء بالجرِّ على الإبدالِ من الأُولى وقُرىء بإضافةِ السَّحابِ إليها {إِذَا أَخْرَجَ} أي مَن ابتُليَ بها وإضمارُه من غير ذكرِه لدلالة المَعْنى عليه دلالةً واضحة {يَدَهُ} جعلها بمرأى منه قريبةً من عينه لينظرَ إليها {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} وهي أقربُ شيءٍ منه فضلاً عن أنْ يراها {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً} الخ اعتراضٌ تذييليٌّ جىءَ به لتقدير ما أفاده التَّمثيلُ من كون أعمالِ الكَفَرةِ كما فُصِّل وتحقيق أنَّ ذلك لعدمِ هدايتِه تعالى إيَّاهم لنورِه وإيرادُ الموصولِ للإشارة بما في حيز الصلة إلى علة الحكم وأيهم ممَّن لم يشأ الله تعالى هدايتهم أي مَن لم يشأ الله أنْ يهديَه لنوره الذي هُو القرآنُ هدايةً خاصَّةً مستتبعة للاهتداء حتماً ولم يوقفه للإيمان به {فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} أي فما له هدايةٌ ما من أحدٍ أصلاً وقوله تعالى
(6/182)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)
{أَلَمْ تَرَ} الخ استئنافٌ خُوطبَ بهِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم للإيذان بأنه تعالى أفاض عليه صلى الله عليه وسلم أعلى المراتب النُّور وأجلاها وبيَّن له من أسرار الملك الملكوت وأدقها وأخفَاها والهمزةُ للتَّقرير أي قد علمت عملا يقينيّاً شبيهاً بالمشاهدة في القوَّة والرَّصانةِ بالوحي الصَّريحِ والاستدلالِ الصَّحيحِ {أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ} أي ينزهه تعالى على الدَّوام في ذاتِهِ وصفاتِه وأفعالِهِ عن كل مالا يليقُ بشأنه الجليلِ من نقص أو خللٍ {مَن في السماوات والأرض} أي ما فيهما إما بطريف الاستقرارِ فيهما من العُقلاء وغيرِهم كائناً ما كان أو بطريق الجزئية منهما تنزيها تفهمه العقولُ السَّليمةُ فإنَّ كل موجود من الموجودات المُمكنة مُركبّاً كان أو بسيطاً فهو من حيثُ ماهيته ووجود أحواله يدلُّ على وجود صانعٍ واجبِ الوجود متَّصفٌ بصفاتِ الكمال مقدَّسٌ عن كلِّ مالا يليق بشأن من شئونه الجليلةِ وقد نبَّه على كمالِ قُوَّةِ تلك الدِّلالةِ وغاية وضوحِها حيثُ عبَّر عنها بما يخص العقلاء من التَّسبيح الذي هو أقوى مراتب التَّنزيه وأظهرها تنزيلاً للسان الحالِ منزلةَ لسانِ المقالِ وأكَّدَ ذلك بإيثار كلمةِ مَن على مَا كأنَّ كلَّ شيءٍ ممَّا عزَّ وهان وكلَّ فردٍ من أفراد الأعراضِ والأعيان عاقلٌ ناطقٌ ومخبرٌ صادقٌ بعلُّوِ شأنِه تعالى وعزَّةِ سُلطانه وتخصيصُ التَّنزيه بالذِّكر مع دلالةِ ما فيهما على اتِّصافِه تعالى بنعوتِ الكمالِ أيضاً لما أنَّ مساقَ الكلامِ لتقبيح حال الفكرة في إخلالهم بالتَّنزيه بجعلهم الجماداتِ شركاءَ له في الأُلوهيَّةِ ونسبتهم إيَّاه إلى اتخاذ الولد تعالى عن ذلكَ عُلُّواً كبيراً وحملُ التَّسبيح على ما يليقُ بكلِّ نوعٍ من أنواع المخلوقات بأن يرادبه معنى مجازيٌّ شاملٌ لتسبيحِ العُقلاءِ وغيرهم حسبما هو المتبادرُ من قوله تعالى كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ يردُّه أنَّ بعضاً من العُقلاءِ وهم الكفرةُ من الثَّقلينِ لا يسبِّحونَهُ بذلك المعنى قطعاً وإنَّما تسبيحُهم ما ذُكر من الدِّلالةِ التي يُشاركهم فيها غيرُ العُقلاءِ أيضاً وفيه مزيد تخطئة لهم وتعيير ببيان أنَّهم يسبِّحونه تعالى باعتبارِ أخسِّ جهاتهم التي هي الجماديَّةُ والجسميَّةُ والحيوانيَّةُ ولا
(6/182)

يسبِّحونه باعتبارِ أشرفها التي هي الإنسانيَّةُ {والطير} بالرَّفعِ عطفاً على مَن وتخصيصُها بالذكر مع اندارجها في جُملة ما في الأرض لعدم استقرار قراها واستقلالها بصنعٍ بارعٍ وإنشاءٍ رائعٍ قُصد بيانُ تسبيحها من تلك الجهةِ لوضوح إنبا عن كمال قُدرةِ صانعِها ولطفِ تدبير مُبدعِها حسبما يعرب عنه التقيد بقوله تعالى {صافات} أي تسبيحه تعالى حال كونِها صافاتٍ أجنحتَها فإنَّ إعطاءه تعالى للأجرام الثَّقيلةِ ما تتمكنُ من الوقوف في الجوِّ والحركةِ كيف تشاءُ من الأجنحةِ والأذنابِ الخفيفةِ وإرشادها إلى كيفية استعمالهما بالقبضِ والبسط حجَّةٌ نيِّرةٌ واضحة المكنونِ وآيةٌ بيِّنة لقومٍ يعقلون دالَّةٌ على كمالِ قُدرة الصَّانعِ المجيد وغاية حكمة المبتدىء المُعيدِ وقولُه تعالى {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} بيانٌ لكمالِ عراقةِ كلِّ واحدٍ مما ذكر في التَّنزيه ورسوخ قدمِه فيه بتمثيل حالِه بحالِ مَن يَعلمُ ما يصدرُ عنه من الأفاعيلِ فيفعلها عن قصدٍ ونيَّةٍ لا عن اتفاقٍ بلا رويَّةٍ وقد أدمج في تضاعيفِه الإشارة إلى أنَّ لكلِّ واحدٍ من الأشياء المذكورةِ مع ما ذُكر من التَّنزيه حاجةً ذاتيَّةً إليه تعالى واستفاضه من لا يهمه بلسان استعدادِه وتحقيقه أنَّ كلَّ واحدٍ من الموجُوداتِ الممكنةِ في حدِّ ذاته بمعزلٍ من استحقاقِ الوجودِ لكنَّه مستعدٌّ لأنْ يفيضَ عليه منه تعالى ما يلقى بشأنه من الوجودِ وما يتبعه من الكمالاتِ ابتداءً وبقاء فهو مستفيضٌ منه تعالى على الاستمرار ففيض عليه في كلِّ آنٍ من فيوض الفُنونِ المتعلِّقةِ بذاته وصفاته مالا يحيط به نطاق البيان بحيثُ لو انقطعَ ما بينه وبين العناية والربانية من العلاقة لانعدم بالمدة وقد عبَّر عن تلك الاستفاضةِ المعنويَّةِ بالصَّلاةِ التي هي الدُّعاءُ والابتهالُ لتكميل التَّمثيل وإفادة المزايا المذكُورة فيما مرَّ على التَّفصيلِ وتقديمُها على التَّسبيحِ في الذكر لقدمها عليه في الرتبة وهذا ويجور أنْ يكونَ العلمُ على حقيقتِه ويراد به مطلقُ الإدراكِ وبما ناب عنه التَّنوينُ في كلِّ أنواع الطير وأفرادها بالصلاة وبالتسبيح ما ألهمه الله تعالى كلُّ واحدٍ منها من الدُّعاءِ والتَّسبيحِ المخصوصينِ بِهِ لكنْ لا على أن يكونَ الطَّيرُ معطُوفاً على كلمة مَن مرفوعاً برافعِها فإنَّه يؤدِّي إلى أنْ يُرادَ بالتَّسبيح معنى مجازيٌّ شاملٌ للتَّسبيحِ المقاليِّ والحاليِّ من العُقلاءِ وغيرهم وقد عرفتَ ما فيه بل بفعل مُضمرٍ أريد به التَّسبيحُ المخصوص بالطَّيرِ معطوف على المذكورِ كما مرَّ في قولِه تعالى وَكَثِيرٌ من الناس أي تسبح الطَّيرِ تسبيحاً خاصًّا بها حال كونها صافات أجنحتها وقوله تعالى قل قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ أي دعاه وتسبيحَه اللَّذينِ ألهمهما الله عزَّ وجلَّ إيَّاه لبيان كمال رُسوخه فيهما وأنَّ صدورَهما عنه ليس بطريقِ الاتفاق بلا رويَّةٍ بل عن علمٍ وإيقانٍ من غير إخلالٍ بشيءٍ منهما حسبما ألهمَه الله تعالى فإنَّ إلهامَه تعالى لكلِّ نوعٍ من أنواعِ المخلوقاتِ علوماً دقيقةً لا يكادُ يهتدِي إليه جهابذةُ العُقلاءِ ممَّا لا سبيلَ إلى إنكارِه أصلا كيف لا وإن القُنفذَ مع كونه أبعدَ الأشياءِ من الإدراك قالُوا إنَّه يحسُّ بالشَّمالِ والجَنوبِ قبل هبوبِها فيغير المدخلَ إلى حجرة حتَّى رُوي أنَّه كان بقُسطنطينيَّةَ قبل الفتحِ الإسلاميِّ رجلٌ قد أثرى بسببِ أنَّه كان يُنذر النَّاسَ بالرِّياحِ قبل هبوبِها وينتفعون بإنذارِه بتدارُكِ أمورِ سفائنِهم وغيرها وكانَ السَّببُ في ذلك أنَّه كان يقتنِي في دارِه قُنفذاً يستدلُّ بأحوالِه على ما ذُكر وتخصيص تسبيحِ الطَّيرِ بهذا المَعْنى بالذِّكرِ لما أنَّ أصواتَها أظهرُ وجُوداً وأقربُ حملاً على التَّسبيحِ وقولُه تعالَى {والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} أي ما يفعلونَهُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبله وما على الوجه الأوَّل عبارةَ عمَّا ذُكر من الدِّلالة الشَّاملةِ لجميع الموجُوداتِ من العُقلاءِ وغيرِهم والتَّعبيرُ عنها بالفعل مسنداً
(6/183)

سورة النور (42 43) إلى ضميرِ العُقلاء لما مرَّ غيرَ مرَّةٍ وعلى الثَّاني إمَّا عبارة عنها عن التَّسبيح الخاصِّ بالطَّير معاً أو تسبيح الطَّيرِ فقط فالفعلُ على حقيقته وإسناده إلى ض لما مرَّ والاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لتسبيح الطَّيرِ فقط وعلى الأوَّلينِ لتسبيح الكلِّ هذا وقد قيلَ إنَّ الضَّمير في قولِه تعالى وقد علم الله عز وجل وفي صلاته وتسبيحه لكلٌّ أي قدْ علَم الله تعالَى صلاةَ كلِّ واحدٍ مما في السماوات والأرضِ وتسبيحه فالاعتراضُ حينئذٍ مقررٌ لمضمونه على الوجهينِ لكن لأعلى أنْ تكونَ ما عبارةً عمَّا تعلَّق به علمُه تعالى من صلاتِه وتسبيحِه بل عن جميع أحوالِه العارضةِ له وأفعاله الصَّادرةِ عنه وهما داخلتانِ فيها دخولاً أوليًّا
(6/184)

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)
{ولله ملك السماوات والأرض} لا لغيرِه لأنَّه الخالقُ لهما ولما فيهما من الذَّواتِ والصِّفاتِ وهو المتصرفُ في جميعِها إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادةً وقولُه تعالى {وإلى الله} أي إليهِ تعالى خاصَّة لا إلى غيرِه {المصير} أي رجوعُ الكلِّ بالفناء والبعثِ بيانٌ لاختصاصِ المُلك به تعالى في المعادِ إثرَ بيانِ اختصاصِه به تعالى في المبدإِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمار لتربية المهابةِ والإشعارِ بعلَّةِ الحُكم
(6/184)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِى سَحَاباً} الإزجاءُ سوقُ الشَّيءِ برفقٍ وسهولة غلبَ في سوقِ شيءٍ يَسيرٍ أو غيرِ معتدَ به ومنه البضاعةُ المُزجاة ففيه إيماءٌ إلى أنَّ السَّحابَ بالنسبةِ إلى قُدرتِه تعالى مما لا يعتد به {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ} أي بين أجزائِه بضمِّ بعضِها إلى بعض وقرئ يُوَلِّف بغير همزةٍ {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي مُتراكماً بعضُه فوقَ بعضٍ {فَتَرَى الودق} أي المطرَ إثرَ تراكمِه وتكاثفِه وقوله تعالى {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي من فتوقِه حالٌ من الوَدْق لأنَّ الرُّؤيةَ بصريَّةٌ وفي تعقيب الجعلِ المذكورِ برؤيته خارجاً لا بخروجه من المبالغةِ في سرعةِ الخُروج على طريقة قوله تعالى فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق ومن الاعتناءِ بتقرير الرُّؤيةِ ما لا يخفى والخِلالُ جمع خَلَلٍ كجِبَالٍ وجَبَلٍ وقيل مفردٌ كحِجابٍ وحِجاز ويؤيده أنه قرئ من خَلَلِه {وَيُنَزّلُ مِنَ السماء} من الغمامِ فإن كلَّ ما علاك سماءٌ {مِن جِبَالٍ} أي من قطعٍ عظامٍ تُشبه الجبالَ في العِظَمِ كائنة {فِيهَا} وقوله تعالى {مِن بَرَدٍ} مفعولُ ينزل على أنَّ مِن تبعيضيَّةٌ والأُوليانِ لابتداء الغايةِ على أنَّ الثَّانية بدلُ اشتمالٍ من الأُولى بإعادة الجار أن ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعضُ يرد وقيل المفعولُ محذوفٌ ومِن برد بيان للجبال أن ينزل مبتدئا من السماء من جبالٍ فيها من جنس البَرَدِ برداً والأولُ أظهرُ لخُلوهِ عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضه المنزل وقيل المفعولُ مِن مشبهة بالجبالِ في الكثرةِ وأياما كان فتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول لما غيرَ مرةٍ من الاعتناء بالمقدم
(6/184)

سورة النور (24 45) والتشريق إلى المؤخَّر وقيل المرادُ بالسَّماءِ المظلة وفيها جبال من برد أن كما في الأرض جبالاً من حَجَرٍ وليس في العقل وما ينفيه من قاطع والمشهر أن الأنجرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبق الباردةَ من الهواءِ وقوي البردُ اجتمع هناك وصار سَحَاباً وإنْ لم يشتدَّ البردُ تقاطر مطراً وإنِ اشتدَّ فإنْ وصلَ إلى الأجزاء البُخاريَّةِ قبل اجتماعها نزل ثلجا وإلا نزل بَرَداً وقد يبردُ الهواءُ برداً مُفرطاً فينقبض وينعقدُ سحاباً وينزل منه المطر أو الثلجُ وكلُّ ذلك مستند إلى إدارة الله تعالى ومشيئتِه المبنيَّةِ على الحِكم والمَصَالحِ {فَيُصِيبُ به} أي ما ينزله من البَرَد {مَن يَشَآء} أنْ يصيبَه به فيناله ما يناله من ضرر نفسه وماله {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء} أنْ يصرفَه عنه فينجُو من غائلتِه {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي ضوءُ برقِ السَّحابِ الموصوفِ بما مرَّ من الإزجاءِ والتَّأليفِ وغيرِهما وإضافةُ البرقِ إليه قبل الإخبار بوجودِه فبه للإيذانِ بظهور أمرِه واستغنائِه عن التَّصريح به وقُرىء بالمدِّ بمعنى الرِّفعةِ والعُلو وبإدغامِ الدَّالِ في السِّينِ وبرقه يفتح الرَّاءِ على أنَّه جمع برقه وهي مقدار على البرق كالغُرفةِ وبضمِّها للإتباع لضمَّة الباءِ {يَذْهَبُ بالأبصار} أي يخطفُها من فرطِ الأضاءة وسرعق ورودِها وفي إطلاق الأبصارِ مزيدُ تهويلٍ لأمرِه وبيانٌ لشدَّةِ تأثيرِه فيها كأنَّه يكادُ يذهبُ بها ولو عندَ الإغماضِ وهذا مِن أقوى الدَّلائلِ على كمالِ القُدرةِ من حيثُ أنَّه توليدٌ للضدِّ من الضدِّ وقُرىء يُذهب من الإذهابِ على زيادةِ الباءِ
(6/185)

يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)
{يقلب الله الليل والنهار} بالمُعاقبة بينهما أو ينقص أحدِهما وزيادةِ الآخرِ أو بتغيير أحوالهما بالحرِّ والبردِ وغيرهما ممَّا يقعُ فيهما من الأمور التي من جملها ما ذُكر من إزجاءِ السَّحابِ وما ترتَّب عليهِ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما فُصِّل آنِفاً وما فيه من معنى البُعد مع قُربِ المشارِ إليه للإيذان يعلو رتبته بعد منزلتِه {لَعِبْرَةً} أي لدلالةً واضحةً على وجود الصَّانعِ القديمِ ووحدتِه وكمال قُدرتِه وإحاطة علمِه بجميعِ الأشياءِ ونفاذ مشيئته وتنزيهِه عمَّا لا يليقُ بشأن العليِّ {لأُوْلِى الأبصار} لكلِّ مَن له بصرٌ
(6/185)

وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)
{والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} أي كلَّ حيوانٍ يدبُّ على الأرض وقُرىء خالقُ كلِّ دابةٍ بالإضافة {مِن ماء} وهو جزء مادة أو ماء مخصوص وهو النُّطفةُ فيكون تنزيلاً للغالب منزلةَ الكلِّ لأنَّ من الحيوانات ما يتولَّد لا عن نُطفةٍ وقيل من ماء متعلق بداية وليس صلة الخلق {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على بطنه} كالحية وتسمية حركها مشياً مع كونِها زَحْفاً بطريقِ الاستعارةِ أو المُشاكلةِ {ومنهم من يمشى على رِجْلَيْنِ} كالإنسِ والطَّيرِ {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى على أَرْبَعٍ} كالنعم والوحش وعدم التعريض لما يمشي على أكثرَ من أربعٍ كالعناكبِ ونحوِها من الحشرات لعدمِ الاعتدادِ بها وتذكيرُ الضَّميرِ في منهم لتغليبِ العُقلاءِ والتَّعبير عن الأصنافِ بكلمة مَن ليوافقَ التَّفصيلُ الإجمالَ والتَّرتيبُ لتقديم ما هُو أعرفُ في القُدرةِ {يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء} ممَّا ذُكر وممَّا لم يُذكرْ بسيطاً كان أو مركّباً على ما يشاء من الصُّورَ والأعضاء
(6/185)

سورة النور (46 49) والهيئات والحَرَكات والطَّبائعِ والقُوَى والأفاعيلِ مع اتِّحادِ العُنصرِ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضعِ الإضمارِ لتفخيمِ شأنِ الخلقِ المذكورِ والإيذانِ بأنَّه من أحكامِ الأُلوهيَّةِ {إِنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فيفعلُ ما يشاءُ كما يشاءُ وإظهارُ الجلالةِ كما ذُكر مع تأكيد استقلال الاستئنافِ التعليليِّ
(6/186)

لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
{لقد أنزلنا آيات مبينات} أي لكل مل يليقُ بيانُه من الأحكام الدِّينيةِ والأسرار التَّكوينيَّةِ {والله يَهْدِى مَن يَشَاء} أنْ يهديَه بتوفيقِه للنَّظرِ الصَّحيحِ فيما وإرشاد إلى التَّأملِ في مطاويها {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إلى حقيقة الحقِّ والفوز بالجنَّةِ
(6/186)

وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)
{وَيِقُولُونَ امَنَّا بالله وبالرسول} شروعٌ في بيان أحوالِ بعضِ مَن لم يشأ الله هدايتَه إلى الصِّراطِ المستقيمِ قال الحسنُ نزلتْ على المُنافقين الذين كانُوا يُظهرون الإيمانَ ويُسرُّون الكفرَ وقيل نزلتْ في بشرٍ المُنافقِ خاصمَ يهوديّاً فدعاهُ إلى كعب بن الأشراف واليهوديُّ يدعُوه إلى النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وقيل في المغيرةِ بنِ وائل خاصم عليا رضي الله عنه في أرض وماء فإني أن يحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأياما كان فصيغةُ الجمعِ للإيذانِ بأنَّ للقائلِ طائفةً يُساعدونَهُ ويُشايعونَهُ في تلك المقالةِ كما يقال بنُو فلان قتلُوا فُلاناً والقاتلُ واحدٌ منهم {وأطعنا} أي أطعناها في الأمرِ والنَّهيِ {ثُمَّ يتولى} عن قبول حُكمِه {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مِن بَعْدِ ذلك} أي من بعد ما صدرَ عنهم ما صدرَ من ادِّعاءِ الإيمانِ بالله وبالرَّسولِ والطَّاعةِ لهما على التَّفصيلِ وما في ذلك من معنى البُعد للإيذانِ بكونه أمراً معتدًّا به واجبَ المُراعاةِ {وَمَا أُوْلَئِكَ} إشارةٌ إلى القائلينَ لا إلى الفريقِ المتولِّي منهم فقط لعدمِ اقتضاءِ نفيِ الإيمانِ عنهم نفيَه عن الأوَّلينَ بخلافِ العكسِ فإنَّ نفيَه عنِ القائلينَ مقتضٍ لنفيِه عنهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد منزلتهم في الكفر والفسادِ أي وما أُولئك الذين يدَّعُون الإيمانَ والطَّاعةَ ثم يتولَّى بعضُهم الذين يشاركونهم في العقدِ والعملِ {بالمؤمنين} أي المؤمنينَ حقيقةً كما يُعرب عنه اللامُ أي ليسو بالمؤمنينَ المعهودين بالإخلاص في الإيمان والثَّباتِ عليه
(6/186)

وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
{وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} أي الرَّسولُ {بَيْنَهُمْ} لأنَّه المباشرُ حقيقةً للحكمِ وإنْ كانَ ذلك حكمَ الله حقيقةً وذكرُ الله تعالى لتفيخمه صلى الله عليه وسلم والإيذانِ بجلالةِ محلِّه عندَهُ تعالى {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي فاجأ فريقٌ منهم الإعراضَ عن المحاكمةِ إليه صلى الله عليه وسلم لكون الحق عليهم بأنه صلى الله عليه وسلم يحكمُ بالحقِّ عليهم وهو شرح للتَّولِّي ومبالغةٌ فيه
(6/186)

وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
{وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق} لا عليهم {يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} مُنقادين لجزمِهم بأنَّه صلى الله عليه وسلم يحكمُ لهم وإلى صلةٌ ليأتُوا فإنَّ الإتيانَ والمجيءَ يُعدَّيان بإلى أو لمذعنين
(6/186)

سورة النور (50 51) على تضمينِ معنى الإسراعِ والإقبال كما في قولِه تعالى فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ والتقديمُ للاختصاصِ
(6/187)

أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50)
{أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} إنكارٌ واستقباحٌ لإعراضِهم المذكورِ وبيانٌ لمنشئه بعد استقصاء عدَّةٍ من القبائح المحقَّقةِ فيهم والمتوقَّعةِ منهم وترديدِ المنشئية بينها فمدارُ الاستفهام ليس نفسَ ما وليتْه الهمزةُ وأَمْ من الأمورِ الثَّلاثة بل هو منشئيتها له كأنَّه قيل أذلك أي إعراضُهم المذكورُ لأنَّهم مرضى القلوبِ لكفرِهم ونفاقِهم {أَمْ} لأنَّهم {ارتابوا} في أمر نبوته صلى الله عليه وسلم مع ظهور حقيَّتِها {أَمْ} لأنَّهم {يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} ثمَّ أُضربَ عن الكلِّ وأُبطلت منشيته وحُكم بأنَّ المنشأَ شيءٌ آخرُ من شنائعِهم حيثُ قيلَ {بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} أي ليسَ ذلك لشيءٍ ممَّا ذُكر أمَّا الأوَّلانِ فلأنَّه لو كان لشيء منها لأعرضوا عنه صلى الله عليه وسلم عند كونِ الحقِّ لهم ولما أتوا إليه صلى الله عليه وسلم مُذعنينَ لحُكمِه لتحقُّقِ نفاقِهم وارتيابِهم حينئذٍ أيضاً وأمَّا الثالث فلا نتفائه رأساً حيثُ كانُوا لا يخافون الحيفَ أصلاً لمعرفتِهم بتفاصيل أحواله صلى الله عليه وسلم في الأمانةِ والثَّباتِ على الحقِّ بل لأنَّهم هم الظالمون يُريدون أنْ يظلمُوا مَن له الحقُّ عليهم ويتمُّ لهم جحودُه فيأبون المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم لعلمهم بأنه صلى الله عليه وسلم يقضي عليهم بالحقِّ فمناطُ النَّفيِ المُستفادِ من الإضراب في الأوَّلينِ هو وصف منشئيَّتِهما للإعراضِ فقط مع تحقُّقِهما في نفسِهما وفي الثَّالثِ هو الأصلُ والوصف جميعاً هذا وقد خُصَّ الارتياب بماله منشأٌ مصححٍ لعروضِه لهم في الجُملةِ والمعنى أمِ ارتابُوا بأنْ رَأَوا منه صلى الله عليه وسلم تُهمةً فزالتْ ثقتُهم ويقينُهم به صلى الله عليه وسلم فمدارُ النَّفيِ حينئذٍ نفسُ الارتياب ومنشيته معاً فتأمَّل فيما ذُكر على التَّفصيلِ ودَعْ عنك ما قيل وقيل حسبما
51 - يقتضيه النَّظرُ الجليلُ
(6/187)

إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)
{إنما كان قول المؤمنين} بالنَّصبِ على أنَّه خبرُ كانَ وأنْ مع ما في حيزها اسمها وقرئ بالرَّفعِ على العكسِ والأوَّلُ أقوى صناعةً لأنَّ الأَولى للاسميَّةِ ما هُو أوغلُ في التَّعريفِ وذلكَ هو الفعلُ المصدَّرُ بأَنْ إذْ لا سبيلَ إليه للتَّنكيرِ بخلافِ قولَ المُؤمنين فإنَّه يحتملُه كما إذا اعتزلتْ عنه الإضافةُ لكن قراءةُ الرَّفعِ أقعدُ بحسب المَعْنى وأوفى لمُقتضى المقام لما أنَّ مصبَّ الفائدةِ وموقِعَ البيانِ في الجُملِ هو الخبرُ فالأحقُّ بالخبريَّةِ ما هو أكثرُ إفادةً وأظهرُ دلالةً على الحدوثِ وأوفرُ اشتمالاً على نِسَب خاصةٍ بعيدةٍ من الوقُوع في الخارج وفي ذهن السَّامعِ ولا ريب في أن ذلك ههنا في أنْ مع ما في حيُّزها أتمَّ وأكملَ فإذا هو أحق بالخيرية وأما ما تفيدُه الإضافةُ من النِّسبةِ المطلقةِ الإجماليةِ فحيث كانتْ قليلةَ الجَدوى سهلةَ الحصولِ خارجاً وذِهناً كان حقُّها أنْ تلاحَظَ ملاحظةً مجملةً وتجعلَ عُنواناً للموضوعِ فالمعنى إنَّما كانَ مطلقُ القولِ الصَّادرِ عن المؤمنين {إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} أي الرسول صلى الله عليه وسلم {بينهم} أى وبين
(6/187)

سورة النور (52 53) خصومِهم سواءً كانُوا منهم أو من غيرِهم {إِن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي خصوصية هذا القولِ المحكيِّ عنهم لا قولاً آخرَ أصلاً وأما قراءةُ النَّصبِ فمعناها إنما كانَ قولُ المؤمنين أي إنما كانَ قولاً لهم عند الدَّعوةِ خصوصيةَ قولِهم المحكيِّ عنهم ففيه من جعل النِّسبتينِ وأبعدهما وقوعاً وحضُوراً في الأذهانِ وأحقِّهما بالبيان مفروغاً عنها عُنواناً للموضوعِ وإبرازِ ما هو بخلافِها في معرضِ القصدِ الأصليِّ ما لا يخفى وقرئ ليُحكمَ على بناءِ الفعلِ للمفعولِ مُسنداً إلى مصدرِه مجاويا لقوله تعالى إذا إِذَا دُعُواْ أي ليُفعل الحكمُ كما في قولِه تعالى لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ أي وقعَ التَّقطُّعُ بينكم {وَأُوْلئِكَ} إشارةٌ إلى المؤمنينَ باعتبارِ صدورِ القولِ المذكُورِ عنهم وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو رتبتِهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي أولئكَ المنعوتونَ
52 - بما ذكر من النعت الجميلِ {هُمُ المفلحون} أي هُم الفَائزون بكلِّ مطلبٍ والنَّاجُون من كلِّ محذورٍ
(6/188)

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)
{وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} استئناف جئ به لتقرير مضمونِ ما قبله من حُسنِ حالِ المُؤمنين وترغيب مَن عداهُم في الانتظام في سلكِهم أي ومَن يُطعهما كائناً مَن كان فيما أُمرا به من الأحكامِ الشَّرعيَّةِ اللازمةِ والمتعديَّةِ وقيل في الفرائضِ والسُّننِ والأولُ هو الأنسبُ بالمقام {وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ} بإسكانِ القافِ المبنيِّ على تشبيهه بكنف وقرئ بكسرِ القافِ والهاءِ وبإسكانِ الهاءِ أي ويخشَ الله على ما مَضَى من ذنوبِه ويتقه فيما يستقبلُ {فَأُوْلَئِكَ} الموصُوفون بما ذُكر من الطَّاعةِ والخشية والاتِّقاءِ {هُمُ الفائزون} بالنَّعيم المُقيم
53 - لا مَن عداهُم
(6/188)

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)
{وَأَقْسَمُواْ بالله} حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أكاذيبِهم مؤكَّد بالأيمانِ الفاجرةِ وقولُهُ تعالى {جَهْدَ أيمانهم} نُصبَ على أنَّه مصدرٌ مُؤكدٌ لفعله الذي هو في حيِّز النصبِ على أنه حالٌ من فاعلِ أقسمُوا أي أقسمُوا به تعالى يجهدون أيمانَهم جَهداً ومعنى جَهد اليمينِ بلوغُ غايتِها بطريقِ الاستعارةِ من قولِهم جهدَ نفسَه إذا بلغَ أقصى وُسعِها وطاقتِها أي جاهدين بالغينَ أقصى مراتبِ اليمينِ في الشدَّةِ والوكادةِ وقيل هو مصدرٌ مؤكدٌ لأقسمُوا أي أقسمُوا إقسامَ اجتهادٍ في اليمينِ قال مقاتلٌ مَن حلفَ بالله فقدِ اجتهدَ في اليمينِ {لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ} أي بالخروجِ إلى الغزوِ لا عن ديارِهم وأموالِهم كما قيل لأنَّه حكايةٌ لما كانُوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنتَ نكُنْ معك لئن خرجتَ خرجنَا وإنْ أقمتَ أقمنَا وإن أمرتَنا بالجهادِ جاهدنَا وقوله تعالى {لَيُخْرِجَنَّ} جوابٌ لأقسمُوا بطريقِ حكايةِ فعلِهم لا حكايةِ قولِهم وحيثُ كانتْ مقالتُهم هذه كاذبةً ويمينُهم فاجرةً أمر صلى الله عليه وسلم بردِّها حيثُ قيل {قُلْ} أي ردًّا عليهم وزَجْراً لهم عن التَّفوه بها وإظهاراً لعدمِ القَبُول لكونِهم كاذبينَ فيها {لاَّ تُقْسِمُواْ} أى على ما ينبئ عنه كلامُكم من الطَّاعةِ وقوله تعالى {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ تعليلٌ للنَّهيِ أي لا تقسمُوا على ما تدَّعُون من الطَّاعةِ لأنَّ طاعتَكم طاعةٌ نفاقيةٌ واقعةٌ باللِّسان فَقَط من غيرِ مُواطأةٍ من القلبِ وإنَّما عبر عنها بمعروفةٌ للإيذانِ بأنَّ كونها كذلك
(6/188)

سورة النور (245) مشهورٌ معروفٌ لكلِّ أحدٍ وقرئ بالنَّصبِ والمعنى تُطيعون طاعةً معروفة هذاوحملها على الطَّاعةِ الحقيقيَّةِ بتقديرِ ما يُناسبها من مبتدأ أو خبرٍ أو فعلٍ مثلُ الذي يُطلب منكم طاعة معروفة حقيقتة لا نفاقيةٌ أو طاعةٌ معروفةٌ أمثلُ أو ليكُن طاعةً معروفةً أو أطيعوا طاعةً معروفةً ممَّا لا يُساعده المقامُ {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال الظاهرةِ والباطة التي من جملتها ما تُظهرونه من الأكاذيب المؤكِّدةِ بالأيمان الفاجرةِ وما تُضمرونه في قلوبكم من الكفرِ والنَّفاقِ والعزيمةِ على مُخادعة المُؤمنين وغيرِها من فُنون الشرِّ والفسادِ تضمرونه الجملة تعليلٌ للحكم بأنَّ طاعتَهم طاعة نفاقية مشعر بأنَّ مدارَ شُهرةِ أمرِها فيما بينَ المُؤمنين إخبارُه تعالى بذلك
54 - ووعيدٌ لهم بأنَّه تعالى مجازيهم بجميع أعمالِهم السَّيئةِ التي منها نفاقُهم
(6/189)

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
{قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول} كرَّر الأمرَ بالقول لإبراز كمالِ العنايةِ به والإشعارِ باختلافهما من حيثُ أنَّ المقولَ في الأوَّلِ نهيٌ بطريق الردِّ والتَّقريعِ كما في قوله تعالى {اخسؤوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ} وفي الثَّاني أمرٌ بطريقِ التَّكليفِ والتَّشريعِ وإطلاقُ الطَّاعة المأمورِ بها عن وصفِ الصحَّةِ والإخلاصِ ونحوهما بعد وصف طاعتهم بما ذُكر للتَّنبيه على أنَّها ليستْ من الطَّاعةِ في شيءٍ أصلاً وقوله تعالى {فَإِن تَوَلَّوْاْ} خطابٌ للمأمورين بالطَّاعةِ من جهتِه تعالى واردٌ لتأكيد الأمر بها والمبالغةِ في إيجاب الامتثال به والحملِ عليه بالتَّرهيب والتَّرغيبِ لما أنَّ تغييرَ الكلامِ المَسوقِ لمعنى من المعاني وصَرْفَه عن سننه المسلوك ينبئ عن اهتمامٍ جديدٍ بشأنه من المتكلِّم ويستجلبُ مزيدَ رغبةٍ فيه من السَّامعِ كما أشير إليه في تفسيرِ قولِه تعالى {وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} لا سيَّما إذا كان ذلك بتغيير الخطابِ بالواسطةِ إلى الخطابِ بالذَّاتِ فإنَّ في خطابِه تعالى إيَّاهم بالذَّات بعد أمرِه تعالى إيَّاهم بوساطته صلى الله عليه وسلم وتصدِّيه لبيان حُكمِ الامتثالِ بالأمر والتولِّي عنه إجمالاً وتفصيلاً من إفادةِ ما ذُكر من التَّأكيدِ والمُبالغةِ ما لا غايةَ وراءَه وتَوهُّم أنَّه داخلٌ تحت القولِ المأمورِ بحكايتِه من جهته تعالى وأنَّه أبلغُ في التَّبكيتِ تعكيسٌ للأمرِ والفاءُ لترتيب ما بعدها على تبليغه صلى الله عليه وسلم للمأمور به إليهم وعدمُ التَّصريحِ به للإيذانِ بغاية ظهور مسارعته صلى الله عليه وسلم إلى تبليغ ما أُمرَ به وعدم الحاجةِ إلى الذِّكرِ أي إنْ تتولَّوا عن الطَّاعةِ إثرَ ما أُمرتم بهَا {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} أي فاعلمُوا أنَّما عليه صلى الله عليه وسلم {ما حمل} أي ما أُمر بهِ من التَّبليغِ وقد شاهدتمُوه عند قوله أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ} أي ما أُمرتم بهِ منَ الطَّاعة ولعلَّ التَّعبيرَ عنه بالتَّحميل للإشعارِ بثقله وكونِه مُؤنةً باقيةً في عهدتِهم بعدُ كأنَّه قيل وحيثُ توليتُم عن ذلك فقد بقيتم تحت ذلك الحملِ الثَّقيلِ وقولُه تعالى مَا حُمّلَ محمولٌ على المُشاكلة {وَإِن تُطِيعُوهُ} أي فيما أَمركم به من الطَّاعةِ {تَهْتَدُواْ} إلى الحقِّ الذي هو المقصدُ الأصليُّ المُوصلُ إلى كلِّ خيرٍ والمُنجِّي من كلِّ شرَ وتأخيرُه عن بيانِ حكم التَّولِّي لما في تقديم التَّرهيبِ من تأكيد التَّرغيبِ وتقريبه ممَّا هو من بابه من الوعد الكريمِ وقولُه تعالى {وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين} اعتراضٌ مقرر لما قبله من أنَّ غائلةَ التولِّي وفائدة الإطاعةِ مقصورتانِ عليهم واللامُ إمَّا للجنسِ المُنتظمِ له صلى الله عليه وسلم
(6/189)

سورة النور (55) انتظاما أوليا أو للعهد أي ما على جنس الرَّسولِ كائناً مَن كان أو ما عليه صلى الله عليه وسلم إلاَّ التَّبليغُ الموضِّحُ لكلِّ ما يَحتاج إلى الإيضاحِ أو الواضحُ على أنَّ المُبينَ مِن أبانَ بمعنى بانَ وقد علمتُم أنَّه قد فعله بما لا مزيدَ عليهِ
55 - وإنما بقيَ ما حُمِّلتم وقوله تعالى
(6/190)

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)
{وعد الله الذين آمنوا مِنْكُمْ} استئنافٌ مقرِّرٌ لما في قوله تعالى وأن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ من الوعد الكريمِ ومُعربٌ عنه بطريق التَّصريحِ ومبينٌ لتفاصيلِ ما أُجمل فيه من فنون السَّعاداتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّة التي هي من آثار الاهتداءِ ومتضمِّنٌ لما هو المرادُ بالطَّاعة التي نيطَ بها الاهتداءُ والمرادُ بالذين آمنُوا كلُّ من اتَّصف بالإيمان بعد الكُفر على الإطلاق من أيِّ طائفةٍ كان وفي أيِّ وقتٍ كان لا مَن آمنَ من طائفةِ المُنافقين فقط ولا مَن آمنَ بعد نزولِ الآيةِ الكريمةِ فحسب ضرورةَ عمومِ الوعد الكريم للكلِّ كافَّةً فالخطاب في منكم لعامَّةِ الكَفَرةِ لا للمنافقين خاصَّةً ومِن تبعيضيَّةٌ {وَعَمِلُواْ الصالحات} عطفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيزِ الصِّلةِ وبه يتمُّ تفسيرُ الطَّاعةِ التي أُمر بها ورُتِّب عليها ما نُظم في سلك الوعدِ الكريمِ كما أُشير إليه وتوسيطُ الظَّرف بين المعطُوفينِ لإظهار أصالةِ الإيمانِ وعراقتِه في استتباع الآثارِ والأحكامِ وللإيذانِ بكونِه أوَّلَ ما يُطلب منهم وأهمَّ ما يجبُ عليهم وأمَّا تأخيرُه عنهما في قولِه تعالى وَعَدَ الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً فلأنَّ مِن هناك بيانيَّةٌ والضمير الذين معه صلى الله عليه وسلم من خُلَّصِّ المؤمنين ولا ريب في أنه جامعون بين الإيمان والأعمال الصَّالحةِ مثابرون عليهما فلا بُدَّ من ورود بيانِهم بعد ذكر نُعوتهم الجليلة بكمالِها هذا ومَن جعلَ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللأُمةِ عُموماً على أنَّ من تبعيضية أوله صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المُؤمنينَ خُصوصاً على أنَّها بيانيَّةٌ فقد نَأَى عمَّا يقتضيهِ سباقُ النظمِ الكريم وسياقه بمنازلَ وأبعدَ عمَّا يليقُ بشأنه صلى الله عليه وسلم بمراحلَ {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض} جواب للقسم إما بالإضماء أو بتنزيل وعدِه تعالى منزلةَ القسمِ لتحقُّق إنجازِه لا محالة أى ليجعلهم خلفاءَ مُتصرِّفين فيها تصرُّفَ الملوكِ في ممالكهم أو خَلَفاً من الذين لم يكونُوا على حالهم من الإيمانِ والأعمالِ الصَّالحةِ {كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ} هم بنوُ إسرائيلَ استخلفهم الله عزَّ وجلَّ في مصرَ والشَّامَ بعد إهلاكِ فرعونَ والجبابرةِ أو هُم ومَنْ قبلهم من الأمم المؤمنةِ التي أُشير إليهم في قوله تعالى أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جاءتهم رسلهم بالبينات إلى قوله تعالى فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين ولنسكتكم الأرض مِن بَعْدِهِمْ ومحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدرٌ تشبيهيٌّ مؤكِّدٌ للفعل بعد تأكيدِه بالقسم وما مصدريةٌ أي ليستخلفنَّهم استخلافاً كائنا كاستخلافه تعالى للذين من قبلهم وقرئ كما استُخلفَ على البناء للمفعول فليس العاملُ في الكاف حينئذٍ الفعل المذكور بل ما يدلُّ هو عليه من فعلٍ مبنيَ للمفعول جارٍ منه مجرى المطاوعِ فإنَّ استخلافَه تعالى إيَّاهم مستلزمٌ لكونِهم مستخلَفين
(6/190)

سورة النور (56) لا محالة كأنَّه قيل ليستخلفنَّهم في الأرض فيُستخلفُنَّ فيها استخلافاً أيْ مستخلفيَّةً كائنة كمستخفلية من قبله وقد مرَّ تحقيقُه في قوله تعالى كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ ومن هذا القَبيلِ قولُه تعالَى وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا على أحد الوجهين أى فنتبت نباتاً حسناً وعليهِ قولُ مَنْ قالَ وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع ... مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو بحلف أى فلم يبق إال مُسحتٌ الخ {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} عطفٌ على ليستخلفنَّهم منتظم معه ف سلك الجوابِ وتأخيرُه عنه مع كونه أجلَّ الرَّغائبِ الموعودة وأعظمها لما أنَّ النُّفوسَ إلى الحظوظِ العاجلة أميلُ فتصدير المواعيد بها في الاستمالةِ أدخلُ والمعنى ليجعلنَّ دينَهم ثابتاً مُقرَّراً بحيثُ يستمرُّون على العمل بأحكامِه ويرجعون إليهِ في كلِّ ما يأتُون وما يذرُون والتَّعبيرُ عن ذلك بالتَّمكينِ الذي هو جُعل الشَّيءِ مكاناً لآخرَ يُقال مكَّن له في الأرضِ أي جعلها مقرًّا له ومنه قولُه تعالى إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض ونظائره وكلمة في للإبذان بأنَّ ما جُعل مقرًّا له قطعةٌ منها لا كلُّها للدِّلالةِ على كمال ثبات الدِّين ورصانةِ أحكامِه وسلامتِه من التَّغييرِ والتَّبديلِ لا بتنائه على تشبيهِه بالأرض في الثَّبات والقرار مع ما فيه من مُراعاةِ المُناسبة بينه وبين الاستخلافِ في الأرضِ وتقديمُ صلةِ التَّمكينِ على مفعوله الصَّريحِ للمُسارعةِ إلى بيان كونِ الموعودِ من منافعهم تشويقها لهم إليه وترغيباً لهم في قبوله عند ورودِه ولأنَّ في توسيطها بينَهُ وبينَ وصفِه أعني قوله تعالى {الذى ارتضى لَهُمْ} وفي تأخيرِها عنه من الإخلالِ بجَزَالةِ النظمِ الكريمِ مَا لاَ يَخْفى وفي إضافة الدِّين إليهم وهو دينُ الإسلامِ ثم وصفُه بارتضائه لهم تأليفٌ لقلوبِهم ومزيدُ ترغيبٍ فيه وفضلُ تثبيتٍ عليه {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ} بالتَّشديدِ وقرئ بالتَّخفيفِ من الإبدالِ {مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ} أي من الأعداء {آمنا} حيثُ كان أصحابُ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم قبل الهجرةِ عشرَ سنين بل أكثرَ خائفين ثم هاجرُوا إلى المدينةِ وكانوا يُصبحون في السِّلاحِ ويُمسون كذلك حتى قالَ رجلٌ منهم ما يأتي علينا يومٌ نأمنُ فيه فقالَ صلى الله عليه وسلم لا تعبرون إلايسيرا حتى يجلسَ الرَّجلُ منكم في الملإِ العظيمِ مُحتبياً ليس معه حديدةٌ فأنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية وأنجزو عده وأظهرَهم على جزيرةِ العربِ وفتح لهم بلادَ الشَّرقِ والغرب وصاروا لى حالٍ يخافُهم كلُّ مَن عداهُم وفيه من الدِّلالةِ على صحَّة النُّبوةِ للإخبارِ بالغيبِ على ما هُو عليه قبل وقوعِه ما لا يخفى وقيل المرادُ الخوفُ من العذابِ والأمنُ منه في الآخرةِ {يَعْبُدُونَنِى} حالٌ من الموصول الأوَّلِ مفيدةٌ لتقييد الوعد بالثَّباتِ على التَّوحيدِ أو استئنافٌ ببيان المقتضى للاستخفاف وما انتظم معه في سلكِ الوعدِ {لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً} حالٌ من الواوِ أي يعبدوننِي غيرَ مشركين بي في العبادة شيئاً {وَمَن كَفَرَ} أي اتَّصف بالكُفر بأنْ ثبتَ واستمرَّ عليه ولم يتأثَّر بما مرَّ من التَّرهيب الترغيب فإنَّ الإصرارَ عليه بعد مُشاهدةِ دلائلِ التَّوحيدِ كفرٌ مستأنف زائدة على الأصل وقيل كفرَ بعد الإيمانِ وقيل كفرَ هذه النِّعمةَ العظيمةَ والأولُ هو الأنسبُ بالمقامِ {بَعْدَ ذَلِكَ} أي بعد ذلك الوعدِ الكريمِ بما فُصِّل من المطالب العاليةِ المستوجبةِ لغاية الاهتمامِ بتحصيلها والسعيِ الجميلِ في حيازتِها {فَأُوْلَئِكَ} البُعداءُ عن الحقِّ التائهون في تيهِ الغَواية والضَّلال {هُمُ الفاسقون} الكاملونَ في الفِسق والخروجِ عن حُدودِ الكُفر والطُّغيانِ
(6/191)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)
{وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة}
(6/191)

عطفٌ على مقدَّرٍ ينسحبُ عليه الكلامُ ويستدعيهِ النظامُ فإنَّ خطابَه تعالى للمأمورينَ بالطَّاعةِ على طريقِ التَّرهيبِ من التَّولِّي بقوله تعالى فَإِن تَوَلَّوْاْ الخ وترغيبَه تعالى إيَّاهم في الطَّاعة بقوله تعالى وَإِن تُطِيعُوهُ تهتدوا الخ وعده تعالى إيَّاهم على الإيمان والعملِ الصَّالحِ بما فُصِّل من الاستخلافِ وما يتلُوه من الرَّغائبِ الموعُودةِ ووعيدَه على الكفرِ ممَّا يوجبُ الأمرَ بالإيمانِ والعملِ الصَّالحِ والنَّهيِ عن الكُفر فكأنَّه قيل فآمنوا وعملوا صلاحا وأقيمُوا أو فلا تكفرُوا وأقيمُوا وعطفُه على أطيعُوا الله مما لا يليقُ بجزالةِ النَّظمِ الكريمِ {وَأَطِيعُواْ الرسول} أمرهم الله سبحانه وتعالى بالذَّاتِ بما أمرَهم به بواسطة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعتِه التي هي طاعتُه تعالى في الحقيقة تأكيداً للأمرِ السَّابقِ وتقريراٌ لمضمونه على أنَّ المرادَ بالمُطاع فيه جميعُ الأحكامِ الشَّرعيةِ المنتظمةِ للآداب المرضيَّةِ أيضاً أي وأطيعُوه في كلِّ ما يأمرُكم به وينهاكم عنه أو تكميلاً لما قبله من الأمرين الخاصَّينِ المتعلِّقينِ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ على أنَّ المرادَ بما ذُكر ما عداهما من الشَّرائعِ أي وأطيعُوه في سائر ما يأمرُكم به الخ وقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} متعلِّقٌ على الأوَّلِ بالأمرِ الأخيرِ المُشتمل على جميعِ الأوامرِ وعلى الثَّانِي بالأوامرِ الثَّلاثةِ أي افعلُوا ما ذُكر من الإقامةِ والإيتاءِ
57 - والإطاعةِ راجينَ أنْ ترجموا
(6/192)

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)
{لا تحسبن الذين كفروا} لمَّا بُيِّن حالَ من أطاعه صلى الله عليه وسلم وأُشير إلى فوزِه بالرَّحمةِ المُطلقة المستتبعةِ لسعادةِ الدَّارينِ عُقّب ذلك ببيانِ حالِ من عصاه صلى الله عليه وسلم ومآل أمره في الدينا والآخرةِ بعد بيانِ تناهيهِ في الفسقِ تكميلاً لأمرِ التَّرغيبِ والتَّرهيبِ والخطاب إما لكل أحد ممن يصلُح له كائناً من كانَ وإما للرسول صلى الله عليه وسلم على منهاج قوله تعالى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين ونظائرِه للإيذانِ بأنَّ الحُسبانَ المذكورَ من القُبحِ والمحذوريةِ بحيث ينهى عنه من يمتنعُ صدورُه عنه فكيف بمَن يمكن ذلك منه ومحلُّ الموصولِ النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ أوَّلٌ للحُسبانِ وقوله تعالى {معجزين} ثانيهما وقوله تعالى {فِى الأرض} ظرفٌ لمعجزين لكن لا لإفادةِ كون الإعجاز المنفيّ فيها لا في غيرها فإن ذلك مما لا يحتاجُ إلى البيانِ بل لإفادة شمولِ عدم الإعجازِ بجميعِ أجزائِها أي لا تحسبنَّهم مُعجزين الله عزَّ وجلَّ عن إدراكِهم وإهلاكِهم في قُطر من أقطارِ الأرضِ بما رحُبتْ وإنْ هربُوا منها كلَّ مهرب وقرئ لا يَحسَبنَّ بياءِ الغَيْبة على أنَّ الفاعلَ كلُّ أحدٍ والمعنى كما ذُكر أي لا يَحسبنَّ أحدٌ الكافرينَ معجزين له سبحانَهُ في الأرضِ أو هو الموصولُ والمفعولُ الأولُ محذوفٌ لكونه عبارةً عن أنفسِهم كأنَّه قيل لا تحسبنَّ الكافرين أنفسَهم مُعجزين في الأرضِ وأما جعلُ معجزين مفعولاً أوَّلَ وفي الأرضِ مفعولاً ثانياً فبمعزلٍ من المُطابقة لمقتضى المقامِ ضرورةَ أنَّ مصبَّ الفائدةِ هو المفعولُ الثَّاني ولا فائدةَ في بيانِ كونِ المُعجزين في الأرضِ وقد مرَّ في قولِه تعالى إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً وقولِه تعالى {وَمَأْوَاهُمُ النار} معطوفٌ على جملة النَّهيِ بتأويلِها بجُملةٍ خبريَّةٍ لأنَّ المقصودَ بالنَّهيِ عن الحُسبان تحقيقُ نفيِ الحُسبانِ كأنَّه قيل ليسَ الذين كفرُوا مُعجزين ومأواهم الخ أو على جملةٍ مقدَّرةٍ وقعتْ تعليلاً للنَّهيِ كأنَّه قيل لا تحسبنَّ الذين كفرُوا معجزين في الأرضِ فإنَّهم مُدرَكُونَ ومأواهم الخ وقيل الجملةُ المقدَّرةُ بل هم مقهورون فتدبر {ولبئس المصير}
(6/192)

سورة (58) جوابٌ لقسمٍ مقدَّرٍ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي وبالله لبئسَ المصيرُ هي أي النار والحملة اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله وفي إيراد النَّارِ بعنوان كونها مأوى ومصير الهم إثرَ نفيِ فَوتِهم بالهرب في الأرض كلَّ مهرَبٍ من الجزالة مالا غايةَ وراءَهُ فللَّه درُّ شأنِ التنزيل
(6/193)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ} رجوع إلى بيان تتمةِ الأحكامِ السَّابقةِ بعد تمهيدِ ما يُوجب الامتثالَ بالأوامر والنَّواهي الواردة فيها وفي الأحكام اللاَّحقةِ من التمثيلات والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ والوعدِ والوعيدِ والخطابُ إمَّا للرِّجالِ خاصَّةً وللنساء داخلاتٌ في الحكم بدلالة النَّصِّ أو للفريقينِ جميعاً بطريقِ التَّغليبِ رُوي أنَّ غلام الأسماء بنتِ أبي مَرْثَدٍ دخل عليها في وقتٍ كرهتْهُ فنزلتْ وقيلَ أرسلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مِدْلَجَ بنَ عمروٍ الأنصاريَّ وكانَ غُلاماً وقتَ الظَّهيرةِ ليدعو عمر رضي الله عنه فدخلَ عليه وهو نائمٌ قد انكشفَ عنه ثوبُه فقال عمرُ رضي الله عنه لودتت أنَّ الله تعالى نَهَى آباءَنا وأبناءَنا وخدمَنا أنْ لا يدخلوا علينا هذه السَّاعاتِ إلا بإذنٍ ثمَّ انطلقَ معه إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فوجدَه وقد أُنزلتْ عليه هذه الآيةُ {لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم} من العبيدِ والجَوَاري {والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم} أي الصِّبيانُ القاصرُون عن درجة البلوغِ المعهود والتَّعبيرُ عنه بالحُلُم لكونِه أظهرَ دلائلِه مّنكُمْ أي من الأحرارِ {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} أي ثلاثةَ أوقاتٍ في اليَّومِ واللَّيلةِ والتَّعبيرُ عنها بالمرَّات للإيذانِ بأنَّ مدارَ وجوبِ الاستئذانِ مقارنةُ تلك الأوقاتِ لمرور المستأذنينَ بالمخاطبينَ لا أنفسِها {مّن قَبْلِ صلاة الفجر} لظهورِ أنَّه وقتُ القيامِ من المضاجعِ وطرحِ ثيابِ النَّومِ ولبسِ ثيابِ اليقظةِ ومحلُّه النصبُ على أنَّه بدل من ثلاث مرات أو مرات أو الرع على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي أحدُها من قبل الخ {وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم} أي ثيابَكم التي تلبسونَها في النَّهارِ وتخلعونَها لأجل القَيلولةِ وقوله تعالى {مّنَ الظهيرة} وهي شدَّةُ الحرِّ عند انتصافِ النَّهارِ بيان للحين والصريح الأمرِ أعني وضعَ الثِّيابِ في هذا الحينِ دُون الأوَّلِ والآخرِ لما أنَّ التَّجردَ عن الثِّيابِ فيه لأجل القيلولةِ لقلَّة زمانِها كما ينبئ عنها إيرادُ الحين مُضافاً إلى فعل حادث متقض ووقوعُها في النَّهارِ الذي هُو مَئِنَّةٌ لكثرةِ الورودِ والصُّدورِ ومَظِنَّةٌ لظهورِ الأحوالِ وبروزِ الأمورِ ليسَ من التَّحقُّقِ والاطرادِ بمنزلةِ ما في الوقتينِ المذكورينِ فإنَّ تحقُّقَ التَّجردِ واطِّرادَه فيهما أمرٌ معروفٌ لا يحتاجُ إلى التَّصريحِ به {وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء} ضرورةَ أنَّه وقتُ التَّجردِ عن اللِّباسِ والالتحافِ باللِّحافِ وليسَ المرادُ بالقبليَّةِ والبعديَّةِ المذكورتينِ مطلقَهُما المتحقِّقَ في الوقتِ الممتدِّ المتخللِ بينَ الصَّلاتينِ كما في قوله تعالى وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين وقوله تعالى مِن بَعْدِ أن نزع الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى بل ما يعرض منهما
(6/193)

سورة النور 59 لطرفي ذلك الوقتِ الممتدِّ المتصلين بالصَّلاتينِ المذكورتينِ اتِّصالاً عاديّاً وقولُه تعالى {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى {لَكُمْ} متعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لثلاثُ عوراتٍ أي كائنةٌ لكم والجملة استئناف مسوق لبيان علَّةِ وجوبِ الاستئذانِ أي هنَّ ثلاثةُ أوقاتٍ يختلُّ فيها التَّستُّر عادةً والعورةُ في الأصلِ هو الخللُ غلبَ في الخللِ الواقعِ فيما يهمُّ حفظُه ويُعتنى بسترِه أُطلقتْ على الأوقاتِ المُشتملةِ عليها مبالغةً كأنَّها نفس العورة وقرئ ثلاثَ عوراتٍ بالنَّصبِ بدلاً من ثلاثَ مرَّاتٍ {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ} أي على المماليكِ والصِّبيانِ جُنَاحٌ أي إثمٌ في الدُّخولِ بغيرِ استئذانٍ لعدمِ ما يُوجبه من مخالفةِ الأمرِ والاطِّلاعِ على العوراتِ {بَعْدَهُنَّ} أي بعد كلِّ واحدةٍ من تلك العوراتِ الثَّلاثِ وهي الأوقاتُ المتخلِّلةُ بين كلِّ اثنتينِ منهنَّ وإيرادُها بعُنوان البعديَّةِ مع أنَّ كلَّ وقتٍ من تلكَ الأوقاتِ قبل عورةٍ من العَورات كما أنَّها بعد أخرى منهنَّ لتوفيةِ حقِّ التَّكليفِ والتَّرخيصِ الذي هو عبارة عن رفعه إذا لرخصة إنَّما تتصور في فعل يقعُ بعد زمان وقوعِ الفعلِ المكلَّف والجملة على القراءتينِ مستأنَفة مَسوقة لتقرير ما قبلها بالطرد والكس وقد جُوِّز على القراءة الأولى كونُها في محلِّ الرفعِ على أنها صفة أخرى لثلاثُ عوراتٍ وأمَّا على القراءة الثَّانيةِ فهي مستأنفةٌ لا غير إذ لو جُعلت صفةً لثلاثُ عورات وهي بدلٌ من ثلاثَ مرَّاتٍ لكانَ التَّقديرُ ليستأذنكم هؤلاءِ في ثلاث عورات لا إثمَ في ترك الاستئذانِ بعدهنَّ وحيثُ كان انتفاءُ الإثمِ حينئذٍ ممَّا لم يعلمه السَّامعُ إلا بهذا الكلامِ لم يتسنَّ إبرازُه في معرض الصِّفةِ بخلافِ قراءة الرَّفع فإنَّ انتفاءَ الإثمِ حينئذٍ معلومٌ من صدر الكلام وقوله تعالى {طوافون عَلَيْكُمْ} استئنافٌ ببيان العذر المرخَّص في ترك الاستئذان وهي المخالطةُ الضَّروريةُ وكثرةُ المداخلةِ وفيه دليلٌ على تعليل الأحكامِ وكذا في الفرق بين الأوقات الثَّلاثةِ وبين غيرِها بكونها عَورات {بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ} أي بعضكم طائفٌ على بعضٍ طوافاً كثيراً أو بعضُكم يطوفُ على بعضٍ {كذلك} إشارةٌ إلى مصدرِ الفعلِ الذي بعده وما فيه من معنى البعد لما مر مرارا من تفخيم شأنِ المشار إليه والإيذان ببعد منزلته وكونه من الوضوح بمنزلة المشار إليهِ حسّاً أي مثلَ ذلك التبيينِ {يُبيّنُ الله لكم الأيات} الدالة على الأحكامِ أي ينزلها بينةً واضحة الدلالاتِ عليها لا أنَّه تعالى يبينها بعد أن لم تكن كذلك والكافُ مقحمةٌ وقد مرَّ تفصيلُه في قوله تعالى وكذلك جعلناكم أُمَّةً وسطا ولكم متعلق يبين وتقديمُهُ على المفعولِ الصريحِ لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخَّر وقيل يبين عللَ الأحكامِ وليس بواضحٍ مع أنَّه مؤدٍ إلى تخصيص الآيات بما ذكر ههنا {والله عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلمِ بجميع المعلوماتِ فيعلم أحوالَكم {حَكِيمٌ} في جميع أفاعيلِه فيشرع لكُم ما فيه صلاحُ أمرِكم معاشاً ومعاداً
(6/194)

وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)
{وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم} لمَّا بيِّن فيما مرَّ آنفاً حكمَ الأطفالِ في أنَّه لا جناح عليهم في ترك الاستئذانِ فيما عدا الأوقاتِ الثلاثة عقب ببيان حالِهم بعد البلوغِ دفعاً لمَا عسى يُتوهم أنَّهم وإنْ كانُوا
(6/194)

سورة النور 60 61 أجانبَ ليسُوا كسائرِ الأجانبِ بسببِ اعتيادهم الدُّخولَ أي إذا بلغَ الأطفالُ الأحرارُ الأجانبُ {فَلْيَسْتَأْذِنُواْ} إذا أرادُوا الدخولَ عليكم وقوله تعالى {كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ} في حيِّز النَّصبِ على أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ للفعل السَّابقِ والموصول عبارةٌ عمَّن قيل لهم لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ الآية ووصفهم بكونِهم قبل هؤلاء باعتبار ذكرِهم قبل ذكرِهم لا باعتبار بلوغِهم قبل بلوغِهم كما قيل لما أنَّ المقصودَ بالتشبيه بيانُ كيفيَّةِ استئذان هؤلاءِ وزيادةُ إيضاحِه ولا يتسنَّى ذلك إلا بتشبيهِه باستئذانِ المعهودين عند السَّامعِ ولا ريبَ في أنَّ بلوغهم قبلَ بولغ هؤلاءِ مما لا يخطُر ببال أحدٍ وإنْ كان الأمرُ كذلك في الواقع وإنَّما المعهودُ المعروفُ ذكرهم قبلَ ذكرِهم أي فليستأذنُوا استئذاناً كائناً مثل استئذانِ المذكورينَ قبلهم بأنْ يستأذنُوا في جميع الأوقاتِ ويرجعُوا إنْ قيل لهم ارجعُوا حسبما فُصِّل فيما سلف {كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الكلامُ فيه كالذي سبقَ والتَّكريرُ للتأكيد والمبلغة في الأمر بالاستئذانِ وإضافةُ الآياتِ إلى ضمير الجلالةِ لتشريفها
(6/195)

وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)
{والقواعد مِنَ النساء} أي العجائزُ اللاتي قعدنَ عن الحيض والحملِ {اللاتى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً} أي لا يطمعنَ فيه لكبرهنَّ {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ} أي الثيابَ الظَّاهرةَ كالجلباب ونحوِه والفاءُ فيه لأن اللاَّمَ في القواعدِ بمعنى اللاَّتِي أو للوصفِ بها {غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ} غير مظهراتٍ لزينةٍ ممَّا أمر بإخفائِه في قوله تعالى وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ وأصلُ التَّبرجِ التَّكلُّفُ في إظهارِ ما يَخْفى من قولِهم سفينةٌ بارجةٌ لا غطاءَ عليها والبَرَجُ سعةُ العين بحيث يرى بيضاها محيطاً بسوادِها كلِّه إلا أنَّه خُصَّ بكشفِ المرأةِ زينتَها ومحاسنَها للرِّجال {وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ} بترك الوضعِ {خَيْرٌ لَّهُنَّ} من الوضعِ لبُعده من التُّهمَة {والله سَمِيعٌ} مبالغٌ في سمعِ جميعِ ما يُسمع فيسمعُ ما يَجري بينهنَّ وبين الرِّجالِ من المقاولةِ {عَلِيمٌ} فيعلم مقاصدهنَّ وفيه من التَّرهيبِ ما لا يخفى
(6/195)

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} كانت هؤلاء الطوائفُ يتحرَّجُون من المؤاكلة الأصحَّاءِ حِذاراً من استقذارِهم إيَّاهم وخَوفاً من تأذِّيهم بأفعالِهم وأوضاعِهم فإنَّ الأعمى رُبَّما سبقتَ يدُه إلى ما سبقت حِذاراً من استقذارِهم إيَّاهم وخَوفاً من تأذِّيهم بأفعالِهم وأوضاعِهم فإنَّ الأعمى رُبَّما سبقتَ يدُه إلى ما سبقتْ إليه عينُ أكيلِه وهو لا يشعرُ به والأعرج بتفسح في مجلسِه فيأخذُ أكثرَ من موضعِه فيضيقُ على جليسِه
(6/195)

والمريضُ لا يخلُو عن حالةٍ تُؤذي قرينَه وقيل كانُوا يدخلُون على الرَّجل لطلبِ العلمِ فإذا لم يكُن عنده ما يُطعمهم ذهبَ بهم إلى بيوتِ آبائِهم وأمَّهاتِهم أو إلى بعضِ مَن سمَّاهم الله عزَّ وجلَّ في الآيةِ الكريمةِ فكانُوا يتحرَّجون من ذلكَ ويقولُون ذهبَ بنا إلى بيتِ غيرِه ولعلَّ أهلَه كارهون لذلكَ وكذا كانُوا يتحرَّجُون من الأكلِ من أموالِ الذينَ كانُوا إذا خرجُوا إلى الغزوِ خلفوا هؤلاء في بيوتِهم ودفعُوا إليهم مفاتيحَها وأذنُوا لهم أنْ يأكلُوا مما فيها مخافةَ أنْ لا يكون إذنُهم عن طيبِ نفسٍ منهم وكانَ غيرُ هؤلاء أيضاً يتحرَّجون من الأكلِ في بيوتِ غيرِهم فقيل لهم ليسَ على الطوائفِ المعدودةِ {وَلاَ على أَنفُسِكُمْ} أي عليكم وعلى مَن يُماثلكم في الأحوالِ من المؤمنينَ حرجٌ {أَن تَأْكُلُواْ} أي تأكلُوا أنتُم وهم معكم وتعميمُ الخطابِ للطَّوائفِ المذكورةِ أيضاً يأباهُ ما قبله وما بعدَه فإنَّ الخطابَ فيهما لغير أولئكَ الطَّوائفِ حتماً {مِن بُيُوتِكُمْ} أي البيوتِ التي فيها أزواجُكم وعيالُكم فيدخل فيها بيوتُ الأولادِ لأنَّ بيتَهم كبيتِه لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبين وقوله صلى الله عليه وسلم إنَّ أطيبَ مالِ الرَّجلِ من كسبِه وإنَّ ولدَه من كسبِه {أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} وقرئ بكسرِ الهمزةِ والميمِ وبكسرِ الأُولى وفتحِ الثَّانيةِ {أَوْ بُيُوتِ إخوانكم أَوْ بُيُوتِ أخواتكم أَوْ بُيُوتِ أعمامكم أَوْ بُيُوتِ عماتكم أَوْ بُيُوتِ أخوالكم أَوْ بُيُوتِ خالاتكم أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} من البيوتِ التي تملكُون التَّصرفَ فيها بإذنِ أربابِها على الوجهِ الذي مرَّ بيانُه وقيل هي بيوتُ المماليكِ والمفاتحُ جمع مِفْتحٍ وجمعُ المفتاحِ مفاتيحُ وقرئ مُفتاحَه {أَوْ صَدِيقِكُمْ} أي أو بيوتِ صديقِكم وإنْ لم يكُن بينكم وبينهم قرابةٌ نَسَبيةٌ فإنَّهم أرضى بالتَّبسطِ وأسرُّ به من كثيرٍ من الأقرباءِ رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ الصَّديقَ أكبرُ من الوالدينِ إن الجهنميين لمَّا استغاثُوا لم يستغيثوا بالآباءِ والأمَّهاتِ بل قالُوا فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم والصَّديقُ يقعُ على الواحدِ والجمعِ كالخَليط والقَطينِ وأضرابِهما وهذا فيما إذا عَلم رضَا صاحبِ البيتِ بصريحِ الإذنِ أو بقرينةٍ دالَّةٍ عليه ولذلكَ خصص هؤلاء بالذكر الاعتيادهم التَّبسطَ فيما بينُهم وقولُه تعالى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ حكمٍ آخرَ من جنسِ ما بُيِّن قبله حيثُ كان فريقٌ من المؤمنين كبني ليث ابن عمروٍ من كِنانةَ يتحرَّجون أنْ يأكلُوا طعامَهم مُنفردين وكانَ الرَّجلُ منهم لا يأكلُ ويمكثُ يومَه حتَّى يجدَ ضيفاً يأكلُ معه فإنْ لم يجدْ من يُؤاكله لم يأكلْ شيئاً ورُبَّما قعدَ الرَّجلُ والطَّعامُ بين يديهِ لا يتناولُه من الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ورُبَّما كانتْ معه الإبلُ الحُفّلِ فلا يشربُ من ألبانِها حتَّى يجدَ مَن يُشاربه فإذا أمسى ولم يجد أحد أكلَ وقيل كان الغنيُّ منهم يدخلُ على الفقيرِ من ذوي قرابته وصدقته فيدعُوه إلى طعامِه فيقول إنِّي أتحرَّجُ أنْ آكلَ معك وأنا غنيٌّ وأنت فقيرٌ وقيل كان قومٌ من الأنصار لا يأكلون إذا نزلَ بهم ضيفٌ إلا مع ضيفِهم فرُخِّص لهم في أن يأكلُوا كيف شاءوا وقيل كانوا إذا اجتمعُوا ليأكلوا طعاماً عزلُوا للأعمى وأشباهِه طعاماً على عده فبيَّن الله تعالى أن ذلك ليس بواجبٍ وقوله تعالى جَمِيعاً حالٌ من فاعلِ تأكلوا وأشتاتاً عطفٌ عليهِ داخلٌ في حُكمه وهو جمعُ شَتَ على أنَّه صفةٌ كالحقِّ يقال أمر شتٌّ أي متفرِّقٌ أو على أنه في الأصلِ مصدرٌ وُصف به مبالغةً أي لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تأكلوا مجتمعين أو متفرِّقين {فَإِذَا دَخَلْتُمْ} شروع في بيان الآدابِ التي تجب رعايتها عند مباشرةِ ما رُخِّص فيه إثرَ بيان الرُّخصةِ فيه {بُيُوتًا} أي من البيوتِ
(6/196)

سورة النور 62 المذكورة {فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ} أي على أهلِها الذين بمنزلة أنفسِكم لما بينكم وبينهُم من القرابة الدِّينيةِ والنَّسبيةِ الموجبة لذلك {تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله} أي ثابتةً بأمره مشروعةً من لدنه ويجوزُ أنْ يكون صلةً للتَّحية فإنَّها طلبُ الحياة التي هي من عنده تعالى وانتصابُها على المصدريَّةِ لأنَّها بمعنى التَّسليمِ {مباركة} مستتبعة لزيادة الخيرِ والثواب ودوامهما {طَيّبَةً} تطيبُ بها نفسُ المستمع وعن أنسٌ رضيَ الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال متى لقيتَ أحداً من أمَّتي فسلِّم عليه يطُلْ عمرُك وإذا دخلتَ بيتَك فسلِّم عليهم يكثُر خيرُ بيتك وصلِّ صلاةَ الضُّحى فإنَّها صلاةُ الأبرارِ الأوَّابينَ {كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} تكرير لتأكيد الأحكامِ المختتمةِ به وتفخيمها {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} أي ما في تضاعيفها من الشَّرائعِ والأحكامِ وتعملون بموجبها وتحوزُون بذلك سعادةَ الدَّارين وفي تعليل هذا التَّبيينِ بهذه الغاية القُصوى بعد تذييل الأولين بما يُوجبهما من الجزالة ما لا يخفى
(6/197)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
{إنما المؤمنون الذين آمنُوا بالله ورسولِه} استئناف جئ به في أواخر الأحكام السَّابقةِ تقريراً لها وتأكيداً لوجوب مراعاتِها وتكميلاً لها ببيانِ بعضٍ آخرَ من جنسها وإنَّما ذكر الإيمان بالله ورسوله في حيِّز الصِّلةِ للموصولِ الواقع خبراً للمبتدأ مع تضمُّنِه له قطعا تقرير لما قبله وتمهيداً لما بعده وإيذانا بأنه حقيق بأن يجعل قريناً للإيمان بهما مُنتظماً في سلكه فقوله تعالى {وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ} الخ معطوفٌ على آمنُوا داخلٌ معه في حيزِ الصلة أي إنَّما الكاملون في الإيمانِ الذين آمنُوا بالله ورسولِه عن صميم قلوبهم وأطاعوهُما في جميع الأحكامِ التي من جملتها ما فُصِّل من قبل من الأحكامِ المتعلِّقةِ بعامة أحوالِهم المطَّردة في الوقوع وأحوالِهم الواقعة بحسب الاتِّفاقِ كما إذا كانوا معه صلى الله عليه وسلم على أمر مهمَ يجب اجتماعُهم في شأنه كالجمعةِ والأعيادِ والحروبِ وغيرِها من الأمور الدَّاعيةِ إلى اجتماع أولي الآراءِ والتَّجارِب ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرئ أمرٍ جميعٍ {لَّمْ يَذْهَبُواْ} أي من المجمعِ مع كون ذلك الأمرِ مما لا يوجبُ حضورَهم لا محالةَ كما عند إقامة الجمعةِ ولقاء العدوِّ بل يسوِّغ التَّخلفَ عنه {حتى يستأذنوه} صلى الله عليه وسلم في الذهابِ لا على أنَّ نفسَ الاستئذانِ غايةٌ لعدم الذَّهاب بل الغاية هي الإذنُ المنوط برأيِه صلى الله وعليه وسلم والاقتصار على ذكرِه لأنَّه الذي يتمُّ من قبلهم وهو المعتبرُ في كمال الإيمانِ لا الإذنُ ولا الذهابُ المترتِّبُ عليه واعتبارُه في ذلك لِما أنَّه كالمصداقِ لصحَّتِه والمميِّز للمخلصِ فيه عن المنافق فإنَّ ديدنه التَّسللُ للفرار ولتعظيم ما في الذهابِ بغير إذنه صلى الله عليه وسلم من الجنايةِ وللتَّنبيهِ على ذلك عقب بقوله تعالى {إن الذين يستأذنونك أُوْلَئِكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ} فقَضَى بأنَّ المستأذنينَ هم المؤمنون بالله ورسولِه كما حكم في الأول بأنَّ الكاملينَ في الإيمان هم الجامعونَ بين الإيمانِ بهما وبين الاستئذانِ وفي أولئك من تفخيم شأنِ المستأذنينَ ما لا يخفى {فإذا استأذنوك} بيانٌ لما هو وظيفتُه صلى الله عليه وسلم في هذا البابِ إثرَ بيانِ ما هو وظيفةُ المؤمنينَ وأن الإذن عند الاستئذان
(6/197)

سورة النور 63 ليس بأمرٍ محتومٍ بل هو مفوَّض إلى رأيِه صلى الله عليه وسلم والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي بعد ما تحقَّق أنَّ الكاملين في الإيمان هم المستأذنُون فإذا استأذنوك {لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} أي لبعضِ أمرِهم المهم وخَطبهم المُلِّمِ {فَأْذَن لّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ} لما علمتَ في ذلك من حكمةٍ ومصلحةٍ {واستغفر لَهُمُ الله} فإنَّ الاستئذانَ وإنْ كان لعذرٍ قويَ لا يخلُو عن شائبةِ تقديمِ أمرِ الدُّنيا على أمرِ الآخرةِ {أَنَّ الله غَفُورٌ} مبالِغٌ في مغفرةِ فرطاتِ العبادِ {رَّحِيمٌ} مبالِغٌ في إفاضةِ آثار الرَّحمةِ عليهم والجملةُ تعليلٌ للمغفرة الموعودةِ في ضمن الأمرِ بالاستغفار لهم
(6/198)

لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
{لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ} استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله والالتفاتُ لإبراز مزيدِ الاعتناءِ بشأنِه أَيْ لاَ تجعلوا دعوته صلى الله عليه وسلم إيَّاكم في الاعتقاد والعملِ بها {كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي لا تقيسُوا دعاءَه صلى الله عليه وسلم إيَّاكُم على دعاء بعضِكم بعضاً في حالٍ من الأحوالِ وأمرٍ من الأمور التي من جُملتها المساهلةُ فيه والرُّجوعُ عن مجلسه صلى الله عليه وسلم بغير استئذانٍ فإنَّ ذلكَ من المحرَّماتِ وقيل لا تجعلوا دعاءه صلى الله عليه وسلم ربَّه كدعاءِ صغيرِكم كبيرَكم يجيبه مرَّةً ويردُّه أُخرى فإنَّ دعاءَه مستجابٌ لا مردَّ له عند الله عزَّ وجلَّ وتقريرُ الجملةِ حينئذٍ لما قبلها أما من حيثُ إنَّ استجابتَه تعالى لدعائه صلى الله عليه وسلم ممَّا يُوجب امتثالَهم بأوامره صلى الله عليه سلم ومتابعتَهم له في الورود والصُّدورِ أكملَ إيجابٍ وأما من حيثُ إنها موجبةٌ للاحتراز عن التَّعرض لسخطه صلى الله عليه وسلم المؤدِّي إلى ما يُوجبُ هلاكهم من دعائه صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِمْ وأمَّا ما قيل من أنَّ المعنى لا تجعلوا نداءه صلى الله عليه وسلم كنداءِ بعضِكم بعضاً باسمِه ورفع الصَّوتِ والنِّداءِ من رواء الحجرات ولكن بلقيه المعظَّم مثل يا رسولَ الله يا نبيَّ الله مع غايةِ التَّوقيرِ والتَّفخيمِ والتَّواضعِ وخفضِ الصَّوتِ فلا يناسب المقامَ فإن قوله تعالى {قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ} الخ وعيد لمخالفي أمره صلى الله عليه وسلم فيما ذكرَ من قبلُ فتوسيطُ ما ذكر بينهما مما لا وجهَ لَهُ والتسلل الخروج من البيت على التَّدريجِ والخفيةِ وقد للتَّحقيق كما أنَّ رُبَّ تجئ للتَّكثير حسبما بُيِّن في مطلع سورةِ الحجرِ أي يعلمُ الله الذين يخرجُون من الجماعة قليلاٌ قليلاً على خُفيةٍ {لِوَاذاً} أي مُلاوذةً بأن يستترَ بعضُهم ببعضٍ حتَّى يخرجَ أو بأن يلوذَ بمن يخرجُ بالإذنِ إراءةً أنَّه من أتباعه وقرئ بفتحِ اللاَّمِ وانتصابُه عَلى الحاليةِ من ضمير يتسللون أي مُلاوذين أو على أنَّه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مضمرٍ هو الحالُ في الحقيقة أي يلوذُون لِواذاً والفاء في قوله تعالى {فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ} لترتيب الحذرِ أو الأمرِ به على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم فإنَّه ممَّا يُوجب الحذرَ البتةَ أي يخالفون أمرَه بترك مقتضاه ويذهبونَ سمتا خلاف سمته وعن إما لتضمُّنه معنى الإعراضِ أو حملِه على معنى يصدون عن أمره دُون المؤمنين من خالفَه عن الأمر إذا صدَّ عنه دونه وحذفُ المفعولِ لما أنَّ المقصودَ بيانُ المُخالِفِ والمُخالَفَ عنه والضَّميرُ لله تعالى لأنَّه الآمرُ حقيقةً أو للرَّسول صلى الله عليه وسلم لأنَّه المقصودُ بالذِّكر {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي محنةٌ في الدُّنيا أَوْ {يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي في الآخرةِ وكلمةُ أَوْ لمنعِ الخُلوّ دونَ الجمعِ وإعادة الفعل صريحا
(6/198)

سورة النور 64 للاعتناء بالتَّهديد والتَّحذيرِ واستُدل به على أنَّ الأمرَ للإيجاب فإنَّ ترتيب العذابينِ على مخالفته كما يُعرب عنه التَّحذيرُ عن إصابتهما يوجبُ وجوبَ الامتثالِ به حتماً
(6/199)

أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
{أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السماوات والأرض} من الموجوداتِ بأسرِها خلفا وملكا وتصرفا إيجادا وإعداما بدء وإعادةً {قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} أيُّها المُكلَّفون من الأحوالِ والأوضاعِ التي من جُملتها الموافقةُ والمخالفةُ والإخلاصُ والنِّفاقُ {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} عطفٌ على ما أنتُم عليهِ أي يعلمُ يومَ يُرجع المنافقون المخالفون للأمرِ إليه تعالى للجزاءِ والعقابِ وتعليقُ علمِه تعالى بيومِ رجوعِهم لا يرجعهم لزيادةِ تحقيق علمِه تعالى بذلك وغايةُ تقريرِه لما أنَّ العلمَ بوقت وقوع الشيء مستلزم للعمل بوقوعِه على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وفيه إشعارٌ بأنَّ علمَه تعالى لنفسِ رجوعِهم منَ الظهورِ بحيثُ لا يحتاجُ إلى البيانِ قطعاً ويجوزُ أن يكونَ الخطابُ أيضاً خاصّاً بالمنافقين على طريقه الالتفات وقرئ يَرجعون مبنيّاً للفاعلِ {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} منَ الأعمال السَّيئةِ التي من جُملتها مخالفةُ الأمر فيترتب عليه ما يليقُ به من التَّوبيخ والجزاء وقد مرَّ وجهُ التَّعبيرِ عن الجزاء بالتنبئة في قولِه تعالى إِنَّمَا بغيكم على أَنفُسِكُمْ الآيةَ {والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ} {وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ من مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ} عنِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم مَن قرأَ سُورةَ النُّور أُعطِيَ من الأجر عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ فيما مَضَى وفيما بَقِي والله سبحانَهُ وتعالَى أعلم
(6/199)

سورة الفرقان 1 {
سورة الفرقان مكية إلا الآيات 68 و 69 و 70 فمدنية وآياتها 77 {بِسْمِ الله الرحمن الرحيم}
(6/200)

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)
{تَبَارَكَ الذى نَزَّلَ الفرقان} البركةُ النَّماءُ والزِّيادةُ حسيَّةً كانتْ أو معنويَّةً وكثرةُ الخير ودامه أيضاً ونسبتُها إلى الله عزَّ وجلَّ على المَعْنى الأوَّل وهُو الأليقُ بالمقامِ باعتبارِ تعاليهِ عمَّا سواهُ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ التي من جملتها تنزيل القُرآنِ الكريمِ المُعجزِ النَّاطقِ بعلُوِّ شأنِه تعالى وسموِّ صفاتِه وابتناءِ أفعالِه على أساس الحِكَمِ والمصالحِ وخلوِّها عن شائبة الخَلَلِ بالكُلِّيةِ وصيغةُ التَّفاعلُ للمبالغةِ فيما ذكر فإن مالا يُتصوَّرُ نسبتُه إليهِ سبحانَهُ حقيقةً من الصِّيغ كالتَّكبر ونحوِه لا تُنسب إليه تعالى إلا باعتبار غايتِها وعلى المعنى الثَّاني باعتبارِ كثرةِ ما يفيضُ منهُ على مخلوقاتِهِ لا سيَّما على الإنسان من فُنون الخيراتِ التي من جُملتها تنزيلُ القُرآن المنطويِ على جميع الخيراتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ والصِّيغةُ حينئذٍ يجوزُ أنْ تكون الإفادة نماءِ تلك الخيراتِ وتزايدها شيئاً فشيئاً وآناً فآناً بحسبِ حدوثِها أو حدوثِ متعلَّقاتِها ولاستقلالِها بالدِّلالة على غايةِ الكمالِ وتحقُّقِها بالفعلِ والإشعارِ بالتَّعجُّبِ المناسبِ للإنشاءِ والإنباءِ عن نهايةِ التَّعظيمِ لم يجُز استعمالُها في حقِّ غيرِه تعالى ولا استعمالُ غيرِها من الصِّيغِ في حقِّه تعالى والفُرقان مصدرُ فرقَ بينَ الشَّيئينِ أي فصَل بينهُما سمِّيَ به القرآنُ لغاية فرقِه بين الحقِّ والباطلِ بأحكامه أو بين المحق والمبطل بإعجازِه أو لكونه مفصولاً بعضِه من بعضٍ في نفسه أو في إنزاله {على عبده} محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم وإيراده صلى الله عليه وسلم بذلك العُنوانِ لتشريفه والإيذانِ بكونه صلى الله عليه وسلم في أقصى مراتب العُبوديَّةِ والتنبيهِ على أنَّ الرَّسولَ لا يكونُ إلا عبداً للمرسِل ردًّا على النَّصارى {ليكون} غاية التنزيل أي نزَّله عليه ليكونَ هو صلى الله عليه وسلم أو الفرقانُ {للعالمين} من الثَّقلينِ {نَذِيراً} أيْ مُنذراً أو إنذاراً مبالغةً أو ليكون تنزيله إنذارا أو عدم التَّعرضِ للتَّبشير لانسياق الكلامِ على أحوالِ الكَفَرةِ وتقديمُ اللامِ على عاملِها لمراعاةِ الفواصل وإبراز تنزيل لفرقان في معرض الصِّلةِ التي حقَّها أن تكونَ معلومةَ الثبوتِ للموصولِ عند السَّامعِ مع إنكار الكَفَرةِ له لإجرائِه مُجرى المعلومِ المسلَّمِ تنبيهاً على كمال قُوَّةِ دلائلِه وكونِه بحيثُ لا يكادُ يجهلُه أحدٌ كقوله تعالَى لاَ رَيْبَ فِيهِ
(6/200)


الكتاب: تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)
{الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} أي له خاصَّة دُونَ غيرِه لا استقلالاً ولا اشتراكاً
(6/200)

سورة الفرقان 3 السطان القاهرِ والاستيلاءِ الباهرِ عليهما المستلزمانِ للقدرة التَّامَّةِ والتَّصرفِ الكليِّ فيهمَا وفيمَا فيهما إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وأمراً ونهياً حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمَصَالحِ ومحلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلها أو على أنَّه نعتٌ للموصولِ الأوَّلِ أو بيانٌ له أو بدلٌ منه وما بينهُمَا ليس بأجنبيَ لأنَّه من تمامِ صلتِه ومعلوميةُ مضمونِه للكَفرة مما لا ريبَ فيه لقولِه تعالى قُلْ مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ونظائرِه أو مدحٌ له تعالى بالرفع أو بالنصر {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} كما يزعمُ الذين يقولون في حق المسيح ولملائكة ما يقولُون فسبحان الله عمَّا يصفون وهو معطوفٌ على ما قبله من الجملةِ الظَّرفيةِ ونظمه في سلك الصِّلةِ للإيذانِ بأنَّ مضمونَهُ من الوضوحِ والظهورِ بحيث لا يكاد يجهله جاهلٌ لا سيَّما بعد تقرير ما قبله {وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك} أي مُلكِ السَّمواتِ والأرضِ وهو أيضاً عطفٌ على الصِّلةِ وإفرادُه بالذِّكر مع أنَّ ما ذُكر من اختصاص ملكِهما به تعالى مستلزمٌ له قطعاً للتَّصريح ببُطلان زعم الثَّنويَّةِ القائلينِ بتعددِ الآلهةِ والدَّرءِ في نحورِهم وتوسيطُ نفيِ اتِّخاذِ الولدِ بينهُما للتنبيهِ على استقلالِه وأصالتِه والاحترازِ عن توهُّم كونِه تتمة للأوَّلِ {وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء} أي أحدثَ كلَّ موجودٍ من الموجوداتِ إحداثاً جارياً على سَنن التَّقديرِ حسبما اقتضتْهُ إرادتُه المبنيَّةُ على الحكم البالغةِ بأنْ خلقَ كُلاًّ منها من موادَّ مخصوصةٍ على صورٍ معينةٍ ورتَّب فيه قُوى وخواصَّ مختلفةَ الآثارِ والأحكامِ {فَقَدَّرَهُ} أي هيَّأه لما أرادَ به من الخصائص والأفعالِ اللاَّئقةِ به {تَقْدِيراً} بديعاً لا يُقادرُ قَدُرُه ولا يُبلغ كُنهُه كتهيئة الإنسانِ للفهمِ والإدراكِ والنَّظرِ والتَّدبرِ في أمور المعاشِ والمعادِ واستنباط الصائع المتنوع ومزاولةِ الأعمالِ المختلفةِ وهكذا أحوالُ سائرِ الأنواعِ وقيل أُريد بالخَلْقِ مطلقَ الإيجادِ والإحداثِ مجازاً من غيرِ ملاحظةِ معنى التَّقديرِ وإنْ لم يخلُ عنه في نفس الأمر فالمعنى أوجدَ كلَّ شيء فقدَّره في ذلك الإيجاد تقديراً وأما ما قيل من أنه أنَّه سَمَّى إحداثه تعالى خَلْقاً لأنَّه تعالى لا يُحدث شيئاً إلاَّ على وجه التَّقديرِ من غير تفاوت ففيه أنَّ ارتكابَ المجاز بحملِ الخلقِ على مُطلق الإحداثِ لتجريده عن معنى التَّقديرِ فاعتباره فيه بوجهٍ من الوجوه مخلٌّ بالمرام قطعاً وقيل المراد بالتَّقدير الثَّانِي هو التَّقديرُ للبقاء إلى الأجل المُسمَّى وأيا ما كان فالجملةُ جاريةٌ مجرى التَّعليلِ لما قبلها من الجُمل المنتظمةِ مثلَها في سلك الصِّلةِ فإنَّ خلقَهُ تعالى لجميع الأشياء على ذلك النَّمطِ البديعِ كما يقتضي استقلاله تعالى باتِّصافه بصفات الأُلوهيَّةِ يقتضي انتظامَ كلِّ ما سواه كائناً ما كان تحت ملكوته القاهرة بحيثُ لا يشِذُّ عنها شيءٌ من ذلك قطعاً وما كان كذلك كيف يُتوَّهم كونُه ولداً له سبحانه أو شريكاً في ملكه
(6/201)

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
{واتخذوا من دونه آلهة} بعدما بيَّن حقيقةَ الحقِّ في مطلع السورةِ الكريمة بذكر تنزله تعالى للفُرقان العظيم على رسوله صلى الله عليه وسلم ووصفِه تعالى بصفاتِ الكمال وتنزيهِه عمَّا لا يليقُ بشأنه الجليل عقَّب ذلك بحكايةِ أباطيلِ المُشركين في حقِّ المنزِّل سبحانَهُ والمنزَّلِ والمُنزَلِ عليه على التَّرتيب وإظهار بطلانها
(6/201)

سورة الفرقان 4 والإضمارُ من غير جريان ذكرِهم للثقة بدلالة ما قبله من نفيِ الشَّريكِ عليهم أي اتَّخذوا لأنفسِهم متجاوزين الله تعالى الذي ذكر بعض شئونه الجليلةِ من اختصاصِ مُلكِ السَّمواتِ والأرضِ به تعالى وانتفاءِ الولد والشَّريكِ عنه وخلقِ جميعِ الأشياء وتقديرِها أبدعَ تقديرٍ آلهة {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا} أي لا يقدرون على خلق شيءٍ من الأشياءِ أصلاً {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} كسائر المخلوقاتِ وقيل لا يقدِرون على أن يختلقُوا شيئاً وهم يُختلقون حيث تختلقهم عبدتُهم بالنَّحت والتَّصويرِ وقولُه تعالى {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} لبيان ما لم يدلَّ عليه ما قبله من مراتبِ عجزِهم وضعفِهم فإنَّ بعضَ المخلوقين العاجزينَ عن الخلقِ رُبَّما يملك دفع الضر وجلب النفع في الجملة كالحيوان وهؤلاءِ لا يقدرون على التصرف في ضُرَ ما ليدفعُوه عن أنفسِهم ولا في نفعٍ ما حتَّى يجلبوه إليهم فكيف يملكون شَيئاً منهما لغيرِهم وتقديمُ ذكرِ الضُّرِّ لأنَّ دفعَه مع كونِه أهمَّ في نفسه أوَّلُ مراتبِ النَّفعِ وأقدمُها والتَّنصيصُ على قولِه تعالى {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةًَ وَلاَ نُشُوراً} أي لا يقدرون على التصرف في شيءٍ منها بإماتةِ الأحياءِ وإحياءِ المَوْتى وبعثِهم بعد بيانِ عجزِهم عمَّا هو أهونُ من هذه الأمور من دفع الضُّرِّ وجلب النَّفعِ للتَّصريحِ بعجزهم عن كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر على التَّفصيلِ والتَّنبيهِ على أنَّ الإله يجبُ أنْ يكونَ قادراً على جميعِ ذلك وفيه إيذانٌ بغاية جهلهم وسَخافةِ عقولِهم كأنَّهم غيرُ عارفين بانتفاء ما نُفي عن ألهتم من الأمور المذكورة مفتقرون إلى التَّصريح بذلك
(6/202)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ} شروعٌ في حكاية أباطليهم المتعلِّقةِ بالمنزَّلِ والمنزَّل عليه معاً وإبطالِها والموصولُ إمَّا عبارةٌ عن غُلاتِهم في الكفر والطُّغيانِ وهم النَّضرُ بن الحرث وعبدُ اللَّهِ بنُ أميةَ ونوفلَ بنِ خُويلدٍ ومَن ضامّهم ورُوي عن الكَلْبيِّ ومُقاتلٍ أنَّ القائلَ هُو مضر بن الحرث والجمعُ لمشايعةِ الباقين له في ذلك وإمَّا عن كلِّهم ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم لذمِّهم بما في حيِّز الصِّلةِ والإيذانِ بأنَّ ما تفوَّهوا به كفرٌ عظيم في كلمةِ هذا حطٌّ لرتبة المشارِ إليه أي ما هذا إِلاَّ كذبٌ مصروفٌ عن وجهِه {افتراه} يريدون أنَّه اختلقَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ} أي على اختلاقه {قوم آخرون} يعنُون اليَّهودَ بأنْ يُلقوا إليه أخبار الأممِ الدَّارجةِ وهو يعبِّر عنها بعبارتِه وقيل هما جبرٌ ويسارٌ كانا يصنعانِ السيفَ بمكَّةَ ويقرآنِ التَّوراةَ والإنجيلَ وقيل هو عابسٌ وقد مرَّ تفصيلُه في سورة النَّحلِ {فقد جاؤوا ظُلْماً} منصوبٌ بجاءوا فإنَّ جاءوا أتى يستعملان في معنى فعل فيُعدَّيانِ تعديتَه أو بنزعِ الخافضِ أي بظلمٍ قاله الزَّجَّاجُ والتَّنوينُ للتَّفخيمِ أي جَاءوا بما قالُوا ظلماً هائلاً عظيما لا يُقادر قَدرُه حيث جعلُوا الحقَّ البحتَ الذي لا يأتيه الباطلُ من بينِ يديهِ ولا منْ خلفِه إفكاً مُفترى من قبل البشرِ وهو من جهة نظمِه الرَّائقِ وطرزه الفائقِ بحيث لو اجتمعتِ الإنسُ والجنُّ على مباراتِه لعجزُوا عن الإتيان بمثل آيةٍ من آياتِه ومن جهة اشتمالِه على الحِكَمِ الخفيَّةِ والأحكامِ المستتبعةِ للسَّعاداتِ الدِّينيةِ والدُّنيويَّةِ والأمور الغيبيَّةِ بحيثُ لا يناله عقولُ البشرِ ولا يفي بفهمه القُوى والقُدر
(6/202)

سورة الفرقان 7 {وَزُوراً} أي كذباً كبيراً لا يُبلغ غايتُه حيث نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم ما هو برئ منه والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنَّهما أمرانِ مُتغايرانِ حقيقة يقع أحدُهما عقيب الآخرِ أو يحصل بسببه بل على أنَّ الثَّانِي هو عينُ الأوَّلِ حقيقة وإنَّما الترتيبُ بحسَب التَّغايرِ الاعتباريِّ وقد لتحقيقِ ذلك المعنى فإنَّ ما جاءوه من الظَّلمِ والزُّورِ هو عينُ ما حُكي عنهم لكنه لما كان مُغايراً له في المفهوم وأظهرَ منه بُطلاناً رُتِّبَ عليه بالفاء ترتيبَ اللازم على الملزوم تَهويلاً لأمره
(6/203)

وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
{وَقَالُواْ أساطير الأولين} بعد ما جعلوا الحقَّ الذي لا محيدَ عنه إفكاً مختلَقاً بإعانة البشرِ بيَّنوا على زعمهم الفاسدِ كيفيَّةَ الإعانة والأساطير جمع أساطر أو أُسطورةٍ كأُحدوثةٍ وهي ما سطرَه المتقدِّمون من الخُرافاتِ {اكتتبها} أي كتبها لنفسِه على الإسنادِ المجازيِّ أو استكتبها وقرئ على البناءِ للمفعولِ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أُميٌّ وأصله اكتتبها له كاتبٌ فحذف اللامُ وأُفضيَ الفعلُ إلى الضَّميرِ فصار اكتتبَها إيَّاه كاتبٌ ثم حُذف الفاعلُ لعدم تعلقِ الغرضِ العلميِّ بخصوصِه وبُني الفعلُ للضَّميرِ المنفصلِ فاستترَ فيه {فَهِىَ تملى عَلَيْهِ} أي تُلقي عليه تلك الأساطيرُ بعد اكتتابِها ليحفظَها من أفواهِ مَن يُمليها عليه من ذلك المكتتب لكونِه أميّاً لا يقدرُ على أنْ يتلقَّاها منه بالقراءةِ أو تملي على الكاتب على أنَّ معنى اكتتبها أرادَ اكتتابَها أو استكتابَها ورجعُ الضَّميرِ المجرورِ إليه صلى الله عليه وسلم لإسنادِ الكتابةِ في ضمن الاكتتاب إليه صلى الله عليه وسلم {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} أي دائماً أو خُفية قبل انتشارِ الناس وحين يأوون إلى مساكنِهم انظُر إلى هذهِ الرُّتبةِ من الجراءةِ العظيمةِ قاتلهم الله أنَّى يُؤفكون
(6/203)

قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)
{قُلْ} لهم ردًّا عليهم وتحقيقاً للحقِّ {أَنزَلَهُ الذى يعلم السر في السماوات والأرض} وصفه تعالى بإحاطةِ علمِه بجميع المعلومات الجليَّةِ والخفيَّةِ للإيذان بانطواءِ ما أنزله على أسرارٍ مطويَّةٍ عن عقول البشر مع ما فيه من التَّعريضِ بمجازاتِهم بجناياتهم المحكيَّةِ التي هي من جُملة معلوماتِه تعالى أي ليس ذلك ممَّا يُفترى ويُفتعل بإعانة قومٍ وكتابة آخرين من الأحاديثِ المُلفَّقة وأساطيرِ الأوَّلينَ بل هو أمر سماويٌّ أنزله الله الذي لاَ يعزُب عنْ علمِه شيء من الأشياءِ وأودع فيه فنونَ الحكمِ والأسرارِ على وجهٍ بديعٍ لا يحومُ حوله الأفهامُ حيث أعجزَكم قاطبةً بفصاحتِه وبلاغتِه وأخبركم بمغيَّباتٍ مستقبلةٍ وأمورٍ مكنونةٍ لا يُهتدى إليها ولا يُوقف عليها إلا بتوفيق العليم الخبيرِ وقد جعلتمُوه إفكاً مُفترى من قبيل الأساطير واستوجبتُم بذلك أنُ يُصَبَّ عليكم سوطُ العذابِ صبّاً فقولُه تعالى {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} تعليلٌ ما هو المشاهد من تأخير العقوبة أي أنَّه تعالى أزلاً وأبداً مستمرٌّ على المغفرةِ والرَّحمةِ المستتبعين للتَّأخيرِ فلذلك لا يُعجِّلُ بعقوبتِكم على ما تقولن في حقِّه مع كمال استيجابِه إيَّاها وغاية قُدرتِه تعالى عليها
(6/203)

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)
{وَقَالُواْ مَا لهذا الرسول} شروع في حكاية
(6/203)

سورة الفرقان 8 9 جنايتهم المتعلِّقة بخصوصيَّةِ المنزَّلِ عليهِ وما استفهاميَّةٌ بمعنى إنكار الوقوع ونفيه مرفوعةٌ على الابتداءِ خبرُها مَا بعدها من الجارِّ والمجرورِ وفي هذا تصغيرٌ لشأنه صلى الله عليه وسلم وتسميته صلى الله عليه وسلم رسولاً بطريقِ الاستهزاءِ به صلى الله عليه وسلم كما قال فرعونُ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إليكم وقولُه تعالى {يَأْكُلُ الطعام} حالٌ من الرَّسولِ والعاملُ فيها ما عملَ في الجارِّ من مَعْنى الاستقرارِ أيْ أيُّ شيءٍ وأيُّ سببٍ حصلَ لهذا الذي يدَّعي الرِّسالةَ حالَ كونِه يأكلُ الطَّعامَ كما نأكلُ {وَيَمْشِى فِى الأسواق} لابتغاءِ الأرزاقِ كما نفعلُه على توجهيه الإنكارِ والنَّفي إلى السببِ فقط مع تحقُّقِ المُسبَّبِ الذي هو مضمون الجملة الحاليَّةِ كما في قوله تعالى فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وقوله مالكم لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً فكما أنَّ كلاً من عدمِ الإيمانِ وعدمِ الرجاءِ أمرٌ محققٌ قد أنكروا ستبعد تحقُّقه لانتفاءِ سببِه بل لوجود سبب نقيضه كذلك كل من الأكل والمشي أمرٌ محقَّقٌ قد استبعد تحقُّقه لانتفاءِ سببِه بل لوجود سبب عدمِه خَلاَ أنَّ استبعادَ المسبَّبِ وإنكارَ السَّببِ ونفيَه في عدمِ الإيمانِ وعدمِ الرجاءِ بطريق التَّحقيقِ وفي الأكل والمشيِ بطريق التَّهكُّمِ والاستهزاء فإنَّهم لا يستبعدونهما ولا يُنكرون سببَهما حقيقةً بل هم مُعترفون بوجودِهما وتحقُّقِ سببِهما وإنَّما الذي يستبعدونَهُ الرِّسالةَ المُنافيةَ لهما على زعمِهم يعنون أنَّه إنْ صحَّ ما يدَّعيه فما بالُه لم يخالفْ حالُه حالَنا وهل هو إلا لعمهِهم ورَكَاكةِ عقولِهم وقصور أنظارهم على المحسُوسات فإنَّ تميُّزَ الرُّسلِ عمَّن عداهم ليس بأمورٍ جُسمانيَّةٍ وإنما هو بأمورٍ نفسانيَّةٍ كما أُشير إليه بقولِه تعالى قُلْ إنما أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ {لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} أي على صورتِه وهيئتِه {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} تنزُّلٌ منهم من اقتراحِ أنْ يكونَ مَلَكاً مستغنيا عن الأكل والشرب إلى اقتراح أنْ يكونَ معه مَلكٌ يصدِّقه ويكون رِدْءاً له في الإنذار وهو يُعبر عنه ويفسِّر ما يقوله للعامَّةِ وقوله تعالى
(6/204)

أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)
{أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ} تنزُّلٌ من تلك المرتبةِ إلى اقتراح أنْ يُلقى إليه من السَّماءِ كنزٌ يستظهرُ به ولا يحتاجُ إلى طلب المعاشِ ويكون دليلاً على صدقه وقولُه تعالى {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} تنزُّلٌ من ذلك إلى اقتراحِ ما هو أيسرُ منه وأقرب من الوقوع وقرئ نأكلُ بنون الحكايةِ وفيه مزيدُ مكابرةٍ وفَرط تَحكُّمٍ {وَقَالَ الظالمون} هم القائلونَ الأوَّلونَ وإنما وضع المظهرِ وضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم وتجاوزِ الحدِّ فيما قالوه ملكونه إضلالاً خارجاً عن حدِّ الضَّلالِ مع ما فيه من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى المَسْحُوريَّةِ أي قالُوا للمؤمنينَ {إِن تَتَّبِعُونَ} أي ما تَتَّبِعُونَ {إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا} قد سُحرَ فغُلبَ على عقلِه وقيل ذَا سَحْرٍ وهي الرِّئةُ أي بَشراً لا مَلكاً على أنَّ الوصفَ لزيادة التَّقريرِ والأوَّلُ هو الأنسبُ بحالِهم
(6/204)

انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)
{انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} استعظامٌ للأباطيل التي اجترءوا على التفوه بها وتجيب منها أي انظُر كيف قالوا في حقِّك تلكَ الأقاويلَ العجيبةَ الخارجة عن العقول الجاريةَ لغرابتها مجرى الأمثالِ واخترعُوا لك تلك الصِّفاتِ والأحوالِ الشَّاذةَ البعيدة من الوقوعِ {فُضّلُواْ} أي عن طريقِ المُحاجّةِ حيث لم يأتُوا بشيءٍ يُمكن صدوره
(6/204)

سورة الفرقان 10 11 عمَّن له أدنى عقلٍ وتمييز فبقوا متحيرين {فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً} إلى القدح في نبوتك بأنْ يجدوا قولاً يستقرُّون عليه وإنْ كان باطلاً في نفسِه أو فضلُّوا عن الحقِّ ضلالاً مبيناً فلا يحدون طريقاً موصِّلاً إليه فإنَّ مَن اعتاد استعمال أمثال هذه الأباطيلِ لا يكادُ يهتدِي إلى استعمال المقدِّماتِ الحقَّةِ
(6/205)

تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)
{تَبَارَكَ الذى} أي تكاثرَ وتزايد خيرالذي {إِن شَاء جَعَلَ لَكَ} في الدُّنيا عاجلاً شيئاً {خَيْرًا} لك {مّن ذلك} الذي اقترحُوه مِن أنْ يكونَ لك جنَّةٌ تأكل منها بأن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرةِ وقولُه تعالَى {جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} بدلٌ من خَيراً ومحقق لخيرته مَّما قالُوا لأنَّ ذلك كان مُطلقاً عن قيدِ التَّعددِ وجريان الأنهارِ {وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً} عطفٌ على محلِّ الجزاء الذي هو جعل وقرئ بالرَّفعِ عطفاً على نفسِه لأنَّ الشرَّطَ إذا كان ماضياً جاز في جزائِه الرَّفعُ والجزمُ كما في قولِ القائل ... وَإِنْ أَتَاهُ خليل يوم مسئلة ... يقُولُ لا غَائبٌ مالِي ولا حرِمُ ... ويجوزُ أنْ يكونَ استئنافاً بوعدِ ما يكون له في الآخرةِ وقرئ بالنصب على أنه جواب بالواوِ وتعليقُ ذلك بمشيئتِه تعالى للإيذانِ بأنَّ عدمَ جعلها بمشيئته المبنيةِ على الحِكَم والمصالحِ وعدمُ التعَّرضِ لجواب الاقتراحينِ الأوَّلينِ للتنبيه على خروجِهما عن دائرة العقل واستغنائهما عن الجواب لظهورِ بُطلانِهما ومنافاتِهما للحكمة التَّشريعيَّةِ وإنَّما الذي له وجهٌ في الجملة هو الاقتراحُ الأخيرُ فإنَّه غير منافٍ للحكمة بالكلِّيةِ فإنَّ بعضَ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام قد أو توافي الدُّنيا مع النُّبوةِ مُلكاً عظيماً
(6/205)

بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
{بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة} إضرابٌ عن توبيخهم بحكاية جناياتهم السَّابقةِ وانتقالٌ منه إلى توبيخهم بحكاية جناياتهم الأخرى للتَّخلُّص إلى بيان ما لهم في الآخرة بسببها من فُنون العذابِ بقوله تعالى {وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً} الخ أي أعتدنا لهم ناراً عظيمةً شديدةَ الاشتعالِ شأنُها كيتَ وكيتَ بسبب تكذيبهم بها على ما يُشعر به وُضع الموصولُ موضعَ ضميرِهم أو لكلِّ مَن كذَّب بها كائناً مَنْ كان وهم داهلون في زُمرتهم دُخولاً أوليَّا ووضعُ السَّاعة موضعَ ضميرهِا للمبالغةِ في التَّشنيع ومدارُ إعناد السَّعيرِ لهم وإنْ لم يكن مجرَّد تكذيبهم بالسَّاعةِ بل مع تكذيبهم بسائر ما جاء به الشريعة الشَّريفة لكن السَّاعةَ لمَّا كانتْ هي العلَّةَ القريبة لدخولِهم السَّعيرَ أُشير إلى سببيَّةِ تكذيبها لدخولِها وقيل هو عطفٌ على وقالُوا ما لهاذ الخ على معنى بل أتوا بأعجبَ من ذلك حيثُ كذَّبوا بالسَّاعةِ وأنكروها والحالُ أنَّا قد أعتدنا لكلِّ مَن كذَّب بها سعيراً فإنَّ جراءتَهم على التَّكذيب بها وعدمَ خوفِهم مَّما أُعدَّ لمن كذَّب بها من أنواعِ العذابِ أعجبُ من القولِ السَّابقِ وقيل هو مُتَّصل بما قبلَه من الجوابِ المبنيِّ على التحقيق المنبئ عن الوعدِ بالجنَّاتِ في الآخرةِ مسوق لبيان أنَّ ذلك لا يجُدي نفعاً ولا يحلى بطائل على طريقة قول من قال ... عُوجُوا لنُعمٍ فَحَيُّوا دِمنَةَ الدار ... ماذا تحيون من نُؤيٍ وأحجارِ ...
والمعنى أنَّهم لا يُؤمنون بالسَّاعةِ فكيفَ يقتنعُون بهذا الجوابِ وكيف يصدقون بتعجيل
(6/205)

سورة الفرقان 12 13 14 مثل ما وعدك في الآخرة وقيل المنى بل كذَّبوا بها فقصُرت أنظارُهم على الحظوظِ الدُّنيوَّيةِ وظنُّوا أنَّ الكرامة ليستْ إلا بالمالِ وجعلُوا فقرك ذريعةً إلى تكذيبك وقولُه تعالى
(6/206)

إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
{إِذَا رَأَتْهُمْ} الخ صفة للسَّعيرِ أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرِ في البُعد كقوله صلى الله عليه وسلم لا تَتَراءَى نارَاهُما أيْ لا تتقاربانِ بحيثُ تكونُ إحداهما بمرأى مِن الأُخرى على المجاز كأنَّ بعضَها يرى البعضَ ونسبةُ الرُّؤيةِ إليها لا إليهم للإيذان بأنَّ التغيظ والزفير منها لهجيان غضبِها عليهم عند رُؤيتها إيَّاهم حقيقةً أو تمثيلاً ومِنْ في قولِه تعالَى {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} إشعارٌ بأن بعد ما بينها وبينهم من المسافة حين رأتهُم خارجٌ عن حدود البُعدِ المعتاد في المسافات المعهودةِ وفيه مزيدُ تهويلٍ لأمرها قال الكَلْبيُّ والسُّدِّيُّ من مسيرةِ عامٍ وقيل من مسيرة مائةِ سنةٍ {سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} أي صوتُ تغيظٍ على تشبيه صوتِ غليانها بصوتِ المُغتاظِ وزفيرِه وهو صوتٌ يُسمع من جوفِه هذا وإن الحياةَ لمَّا لم تكُن مشروطةً عندنا بالبنية أمكن أنْ يخلُق الله تعالى فيها حياةً فترى وتتغيظُ وتزفرُ وقيل إنَّ ذلك لزبانيتها فنُسب إليها على حذفِ المضافِ
(6/206)

وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
{وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً} نُصبَ على الظَّرفَّيةِ ومنها حالٌ منه لأنَّه في الأصلِ صفةٌ له {ضَيّقاً} صفةٌ لمكاناً مفيدةٌ لزيادة شدَّةٍ فإنَّ الكَرْبَ مع الضَّيقِ كما أنَّ الرَّوحَ مع السَّعةِ وهو السِّرُّ في وصف الجنَّةِ بأنَّ عرضها السموات والأرض وعن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهم تضيقُ جهنَّمُ عليهم كما يضيقُ الزُّجُّ على الرمح وسئل النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم عن ذلك فقال والذي نفسي بيدهِ إنَّهم ليُستكرهون في النَّارِ كما يُستكرِه الوَتِدُ في الحائطِ قال الكلبيُّ الأسفلُون يرفعهم اللَّهبُ والأعْلوَن يحطُّهم الدَّاخلونَ فيزدحمُون فيها وقرئ ضَيْقاً بسكون الياء {مُقْرِنِينَ} حالٌ من مفعول أُلقوا أي إذا أُلقوا منها مكاناً ضَيِّقاً حالَ كونِهم مقرَّنين قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامَع وقيل مقرَّنين مع الشَّياطين في السَّلاسلِ كلُّ كافرٍ مع شيطانٍ وفي أرجلهم الأصفادُ {دَعَوْاْ هُنَالِكَ} أي في ذلك المكانِ الهائلِ والحالةِ الفظيعةِ {ثُبُوراً} أي يتمنَّون هلاكاً وينادُونه يا ثبُوراه تعالَ فهذا حِينُك وأوانُك
(6/206)

لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)
{لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا} على تقدير قول إمَّا منصوبٌ على أنَّه حالٌ من فاعلِ دَعَوا أي دَعَوه مقُولاً لهم ذلك حقيقة بأنْ يخاطبهم الملائكةُ به لتنبيههم على خلودِ عذابِهم وأنَّهم لا يُجابون إلى ما يَدْعُونه ولا ينالون ما يتمنَّونه من الهلاكِ المنجِّي أو تمثيلاً وتصويراً لحالهم بحال مَن يُقال له ذلك من غير أن يكون هناك قولٌ ولا خطابٌ أي دَعَوه حالَ كونِهم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإمَّا مُستأنفٌ وقع جوابا عن سؤال ينسحبُ عليه الكلامُ كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ عند دُعائِهم المذكورِ فقيل يُقال لهم ذلك إقناطاً مَّما علَّقوا به أطماعَهم من الهلاك وتنبيهاً على أنَّ عذابهم الملجئ لهم إلى استدعاء الهلاكِ بالمَّرةِ أبديٌّ لا خلاصَ لهم منه أي
(6/206)

سورة الفرقان 15 16 لا تقتصِرُوا على دُعاء ثبورٍ واحدٍ (وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً) أي بحسب كثرة الدُّعاء المتعلِّق به لا بحسب كثرتِه في نفسِه فإنَّ ما يدعونَه ثبورٌ واحدٌ في حدِّ ذاته لكنه كلَّما تعلَّق به دعاءٌ من تلك الأدعية الكثيرةِ صارَ كأنَّه ثبورٌ مغايرٌ لما تعلَّق به دعاءٌ آخرُ منها وتحقيقُه لا تدعُوه دُعاءً واحداً وادعُوه أدعيةً كثيرةً فإنَّ ما أنتُم فيه من العذابِ لغايةِ شدَّتِه وطولِ مُدَّتِه مستوجبٌ لتكرير الدُّعاءِ في كلِّ آنٍ وهذا أدلُّ على فظاعة العذابِ وهو له من جعل تعدد الدُّعاءِ وتجدده لتعدد العذاب بتعدد أنواعه وألوانِه أو لتعدُّدِه بتجدُّدِ الجلودِ كما لا يَخْفى وأما ما قيل من أنَّ المعنى إنَّكم وقعتُم فيما ليس ثبورُكم فيه واحداً إنَّما هو ثبورٌ كثيرٌ إمَّا لأنَّ العذابَ أنواعٌ وألوانٌ كلُّ نوعٍ منها ثبورٌ لشدَّتِه وفظاعتِه أو لأنَّهم كلمَّا نضجتْ جلودُهم بُدِّلوا غيرَها فلا غاية لهلاكِهم فلا يلائم المقامَ كيف لا وهُم إنَّما يدعُون هَلاَكاً ينهي عذابهم وينجيهم منه فلابد أنْ يكونَ الجوابُ إقناطاً لهم من ذلك ببيانِ استحالتِه ودوام ما يوجبُ استدعاءَه من العذاب الشَّديدِ وتقييدُ النَّهي والأمر باليوم لمزيد التَّهويل والتَّفظيعِ والتَّنبيهِ على أنَّه ليس كسائر الأيَّامِ المعهُودةِ
(6/207)

قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15)
(قُلْ) تقريعاً لهم وتهكُّماً بهم وتحسيراً على ما فاتَهم (أذلك) إشارةٌ إلى ما ذُكر من السَّعير باعتبار اتَّصافها بما فُصِّل من الأحوال الهائلة وما فيه من معنى البعد للإشعار بكونها في الغايةِ القاصيةِ من الهول والفظاعة أي قُل لهم أذلك الذي ذُكر من السَّعير التي أعتدت لمن كذَّب بالسَّاعة وشأنُها كيتَ وكيتَ وشأنُ أهلِها ذيتَ وذيتَ (خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التى وُعِدَ المتقون) أي وُعدها المتَّقون وإضافةُ الجَّنةِ إلى الخُلد للمدحِ وقيل للتَّمييز عن جنَّاتِ الدُّنيا والمرادُ بالمتَّقين المتَّصفون بمطلق التقَّوى لا بالمرتبة الثَّانيةِ ولا الثَّالثةِ منها فَقَطْ (كَانَتْ) تلك الجَّنةُ (لَهُمْ) في علم الله تعالى أو في اللوحِ المحفوظِ أو لأنَّ ما وعده الله تعالى فهو كائنٌ لا محالةَ فحُكي تحقُّقه ووقوعُه (جَزَاء) على أعمالِهم حسبما مرَّ من الوعد الكريم (وَمَصِيراً) ينقلبون إليه
(6/207)

لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
(لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءونَ) أي ما يشاءونه من فنُون الملاذِّ والمُشتَهيات وأنواع النَّعيمِ كما في قولِه تعالى وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ ولعلَّ كلَّ فريقٍ منهم يقتنعُ بما أُتيح له من درجات النَّعيم ولا تمتدُّ أعناقُ هممِهم إلى ما فوق ذلك من المراتبِ العاليةِ فلا يلزم الحرمانُ ولا تساوي مراتبِ أهلِ الجنانِ (خالدين) حالٌ من الضَّمير المستكن في الجار والمجرور لاعتماده على المبتدأ وقيل من فاعل يشاءون (كَانَ) أي ما يشاءونه وقيل الوعدُ المدلولِ عليه بقوله تعالى وُعد المتقَّون (على رَبّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً) أي موعُوداً حقيقيَّا بأنْ يُسألَ ويُطلبَ لكونِه مَّما يتنافسُ فيه المُتنافسون أو مسئولا يسألُه النَّاسُ في دُعائهم بقولِهم ربنا وآتنا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ أو الملائكة بقولهم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم وما في على من معنى الوجوبِ لامتناع الخُلفِ في وعدِه تعالى ولا يلزم منه الإلجاءُ إلى الإنجازِ فإنَّ تعلَّق الإرادة بالموعودِ متقدِّمٌ على الوعدِ الموجبِ للإنجاز وفي التَّعرضِ لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه والإشعارِ بأنه صلى الله عليه وسلم هو الفائزُ آثر ذي أثيرٍ بمغانم الوعدِ الكريمِ مَا لاَ يَخْفى
(6/207)

سورة الفرقان
(6/208)

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)
17 - 1 {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) نُصب على أنَّه مفعول لمضمرٍ مقدَّمٍ معطوف على قوله تعالى قل أذلك الخ أي واذكر لهم بعد التَّقريعِ والتَّحسيرِ يوم يحشرهم الله عزَّ وجلَّ وتعليقُ التَّذكيرِ باليوم مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادثِ الهائلةِ قد مرَّ وجُهه غيرَ مرَّةٍ أو على أنَّه ظرفٌ لمضمرٍ مؤخَّرٍ قد حُذف للتَّنبيةِ على كمال هو له وفظاعةِ ما فيه والإيذانِ بقُصورِ العبارةِ عن بيانِه أي يومَ يحشرُهم يكون من الأحوالُ والأهوالُ ما لا يفي ببيانِه المقالُ وقرئ بنونِ العظمةِ بطريقِ الالتفاتِ من الغَيبةِ إلى التَّكلمِ وبكسرِ الشِّينِ أيضاً (وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله) أُريد به ما يعمُّ العقلاء وغيرَهم إمَّا لأنَّ كلمةَ ما موضوعةٌ للكلِّ كما ينبئ عنه أنك إذا رأيت شَبَحاً من بعيدٍ تقولُ ما هو أو لأنَّه أُريد به الوصفُ لا الذَّاتُ كأنَّه قيل ومعبوديهم أو لتغليب الأصنامِ على غيرِها تنبيهاً على أنَّهم مثلُها في السُّقوطِ عن رتبة المعبودية أو اعتبارا لغلبة عبدتِها أو أُريد به الملائكةُ والمسيحُ وعزيرٌ بقرينةِ السُّؤالِ والجوابِ أو الأصنامُ ينطقها الله تعالى أو تكلُّم بلسانِ الحالِ كما قيل في شهادةِ الأيدِي والأرجلِ (فَيَقُولُ) أي الله عزل وجلَّ للمعبودينَ إثرَ حشرِ الكلِّ تقريعاً للعَبَدةِ وتبكيتاً لهم وقرئ بالنُّون كما عُطف عليه وقرئ هذا بالياء والأولُ بالنُّون على طريق الالتفاتِ إلى الغيبة (أأنتم أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء) بأنْ دعوتُموهم إلى عبادتِكم كما في قوله تعالى أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله (أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل) أي عن السَّبيلِ بأنفسِهم لإخلالِهم بالنَّظر الصَّحيحِ وإعراضهم عن المرشدِ فحذف الجارَّ وأوصل الفعلُ إلى المفعول كقوله تعالى وهو يهدِي السَّبيلَ والأصلُ إلى السَّبيلِ أو السبيل وتقديم الضَّميرينِ على الفعلينِ لأنَّ المقصودَ بالسُّؤالِ هو المُتصدَّي للفعل لا نفسُه
(6/208)

قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)
(قالوا) استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية السؤالِ كأنَّه قيلَ فماذَا قالوا في الجواب فقيل قالوا (سبحانك) تعجُّباً ممَّا قيل لهم لأنَّهم إمَّا ملائكة معصومون وجمادات لا قُدرةَ لها على شيءٍ أو إشعاراً بأنَّهم الموسُومون بتسبيحِه تعالى وتوحيدِه فكيف يتأتَّى منهم إضلالُ عبادِه أو تنزيهاً له تعالى عن الأندادِ (مَا كان ينبغي لها) أي ما صح وما استقام لنا (أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ) أي متجاوزينَ إيَّاك (مِنْ أَوْلِيَاء) نعبدُهم لِما بنا من الحالةِ المُنافيةِ له فأنَّى يُتصوَّرُ أن نحمل غيرنا على أنْ يتَّخذَ ولياً غيرَك فضلاً أنْ يتخذنا وليا أو أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ أولياءَ أي أتباعاً فإنَّ الولي كما يُطلق على المتبوعِ يُطلق على التَّابعِ كالمَوْلى يُطلق على الأَعلى والأسفلِ ومنه أولياءُ الشَّيطانِ أي أتباعه وقرئ على البناءِ للمفعولِ من المتعدي إلى المفعولين كما في قوله تعالى واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ومفعوله الثَّاني من أولياء على أنَّ مِن للتبعيضِ أي أنْ نتخذَ بعضَ أولياءٍ وهي على الأول مزيدةٌ وتنكيرُ أولياء من حيثُ إنَّهم أولياء مخصوصون
(6/208)

سورة الفرقان 19 وهم الجنُّ والأصنام (ولكن متعتهم وآباءهم) استدارك مسوقٌ لبيان أنَّهم هم الضَّالُّون بعد بيان تنزههم عن إضلالهم وقد نُعي عليهم سوءُ صنيعِهم حيث جعلُوا أسبابَ الهداية أسباباً للضَّلالة أي ما أضللناهم ولكنَّك متعتهم وآباءَهم بأنواع النِّعم ليعرفوا حقَّها ويشكروها فاستغرقُوا في الشَّهواتِ وانهمكُوا فيها (حتى نَسُواْ الذكر) أي غفَلوا عن ذكرِك أو عن التَّذكرِ في آلائِك والتَّدبرِ في آياتِك فجعلُوا أسبابَ الهداية بسوء اختيارِهم ذريعةً إلى الغَوايةِ (وَكَانُواْ) أي في قضائِك المبنيِّ على علمِك الأزليِّ المتعلق بما سيصدرُ عنهم فيما لا يزال باختيارِهم من الأعمالِ السَّيئةِ (قَوْماً بُوراً) أي هالكينَ على أنَّ بُوراً مصدرٌ وُصف به الفاعلُ مبالغةً ولذلك يستوي فيه الواحدُ والجمعُ أو جمعُ بائرٍ كعُوذٍ في جمعِ عائذٍ والجملةُ اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله وقوله تعالى
(6/209)

فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
(فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ) حكايةٌ لاحتجاجِه تعالى على العَبَدة بطريق تلوين الخطابِ وصرفِه عن المعبودينَ عند تمام جوابِهم وتوجيهه إلى العَبَدة مبالغةٌ في تقريعهم وتبكيتِهم على تقديرِ قولٍ مرتَّبٍ على الجواب أي فقال الله تعالى عند ذلك فقد كذَّبوكم المعبودون أيُّها الكفرةُ (بِمَا تَقُولُونَ) أي في قولِكم إنَّهم آلهةٌ وقيل في قولكم هؤلاء أضلُّونا ويأباه أنَّ تكذيبَهم في هذا القول لا تعلق له بما بعَدُه من عدم استطاعتِهم للصَّرف والنصر أصلاً وإنما الذي يستتبُعه تكذيبُهم في زعمهم أنَّهم آلهتهم وناصروهم وأيَّا ما كان فالباءُ بمعنى في أو هي صلةٌ للتكذيب على أنَّ الجارَّ والمجرورَ بدل اشتمال من الضمير المنصوب وقرئ بالياء أي كَذبوكم بقولهم سبحانك الآيةَ (فَمَا تَسْتَطِيعُونَ) أي ما تملكُون (صَرْفاً) أي دفعاً للعذاب عنكم بوجه من الوجه كما يعرف عنه التَّنكيرُ أي لا بالذَّاتِ ولا بالواسطة وقيل حيلةً من قولهم إنَّه ليتصرف في أموره أي يحتال فهيا وقيل توبة (وَلاَ نَصْراً) أي فرداً من أفراد النَّصر لا من جهةِ أنفسِكم ولا من جهةِ غيرِكم والفاءُ لترتيبِ عدمِ الاستطاعةِ على ما قبلها من التَّكذيبِ لكن لا على منى أنه لولاء لوُجدتْ الاستطاعةُ حقيقةً بل في زعمِهم حيثُ كانُوا يزعُمون أنَّهم يدفعون عنهم العذابَ وينصرونهم وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم وقرئ يستطيعون على صيغة الغَيبةِ أي ما يستطيعُ آلهتُكم أنْ يصرفوا عنكم العذابَ أو يحتالُوا لكم ولا ينصروكم وترتب ما بعد الفاء عَلى ما قبلَها كَما مرَّ بيانُه (وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ) أيُّها المكلَّفون كدأبِ هؤلاءِ حيث ركبُوا متنَ المُكابرة والعناد واستمرُّوا على ما هم عليه من الفساد وتجاوزوا في اللجاجِ كلَّ حدَ معتادٍ (نُذِقْةُ) في الآخرة (عَذَاباً كَبِيراً) لاَ يقادَر قدرُه وهُوَ عذابُ النار وقرئ يُذقه على أنَّ الضَّمير لله سبحانه وتعالى وقيل لمصدر الفعلِ الواقعِ شرطاً وتعميمُ الظُّلمِ لا يستلزمُ اشتراكَ الفاسقِ للكافر في إذاقة العذابِ الكبيرِ فإنَّ الشَّرطَ في اقتضاء الجزاءِ مقيَّدٌ بعدمِ المُزاحمِ وفاقاً وهو التَّوبةُ والإحباطِ بالطَّاعةِ إجماعا وبالعفو عندنا
(6/209)

سورة الفرقان
(6/210)

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
20 - 2 (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الأسواق) جوابٌ عن قولهم مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الأسواق والجملةُ الواقعةُ بعد إلاَّ صفةٌ لموصوفٍ قد حُذف ثقةٍ بدلالةِ الجارِّ والمجرورِ عليه وأقيمتْ هي مقامَه كما في قوله تعالى وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ والمعنى ما أرسلَنا أحداً قبلكَ من المُرسلين إلا آكلينَ وماشينَ وقيل هي حالٌ والتَّقديرُ إلاَّ وإنَّهم ليأكلون الخ وقرئ يمشون على البناء للمفعول أي يُمشيهم حوائجُهم أو النَّاسُ (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ) تلوينٌ للخطاب بتعميمِه لسائر الرسلُ عليهم الصَّلاةُ والسلامُ بطريق التَّغليبِ والمرادُ بهذا البعضِ كفار الأمم فإن اختصاهم بالرُّسل وتبعيتهم لهم مصحِّحٌ لأنْ يعدُّوا بعضاً منهم وبما في قوله تعالى (لِبَعْضٍ) رسلِهم لكنْ لا على مَعْنى جعلنا مجموعَ البعضِ الأولِ (فِتْنَةً) أي ابتلاءً ومحنةً لمجموعِ البعض الثَّاني ولا على معنى جعلنا كلَّ فردٍ من أفراد البعض الأول فتنةً لكلِّ فردٍ من أفراد البعض الثَّاني ولا على معنى جعلنا بعضاً مُبهماً من لأولين فتنةً لبعضٍ مُبهمٍ من الآخرين ضرورةَ أنَّ مجموعَ الرُّسل من حيثُ هو مجموعٌ غير مفتون بجموع الأُممِ ولا كلُّ فردٍ منهم بكلِّ فردٍ من لأم ولا بعض مبهمٌ من الأولين ببعض منهم من الآخرين على بل معنى جعلنا كلَّ بعضً مُعيَّنٍ من الأُمم فتنةً لبعض معَّين من الرُّسلِ كأنَّه قيل وجعلنا كلَّ أمَّةٍ مخصوصةٍ من الأُممِ الكافرةِ فتنةً لرسولِها المعيَّنِ المبعوثِ إليها وإنَّما لم يصرخ بذلك تعويلاً على شهادةِ الحالِ هذا وأمَّا تعميمُ الخطابِ لجميع المكلَّفين وإبقاء البعضين على العمومِ والإبهامِ على معنى وجعلنا بعضَكم ايها الناس فتنةً لبعضٍ آخرَ منكم فيأباهُ قولُه تعالى (أَتَصْبِرُونَ) فإنَّه غايةٌ للجعلِ المذكورِ ومن البيِّنِ أنْ ليسَ ابتلاءُ كلِّ أحدٍ من آحادِ النَّاسِ مُغيًّا بالصَّبرِ بل بما يناسبُ حالَه على أنَّ الاقتصارَ على ذكرهِ من غير تعرّض لمعادل له مما يدلُّ على أنَّ الَّلائقَ بحال المفتونينَ والمتوقع صدورُه عنهم هو الصبر لا غير فلابد أنْ يكونَ المرادُ بهم الرُّسلَ فيحصل به تسليتُه صلى الله عليه وسلم فالمعنى جرتْ سُنَّتنا بموجب حكمتِنا على ابتلاءِ المُرسلينَ بأممِهم وبمناصبتهم لهم العداوةَ وإيذائهم لهم وأقاويلِهم الخارجةِ عن حدود الإنصاف لنعم صبرَكم وقوله تعالى (وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً) وعدٌ كريم للرسول صلى الله عليه وسلم بالأجرِ الجزيلِ لصبرِه الجميلِ مع مزيدِ تشريفٍ له صلى الله عليه وسلم بالالتفاتِ إلى اسمِ الربِّ مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم
(6/210)

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)
(وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا) شروعٌ في حكايةِ بعضٍ آخرَ من أقاويلِهم الباطلةِ وبيانِ بُطلانِها إثرَ إبطالِ أباطيلهم السَّابقةِ والجملةُ معطوفةٌ على قولِه تعالى وَقَالُواْ مَا لهذا الرسول الخ ووضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ للتنبيهِ بما في حيزِ الصلة على أن ما يُحكى عنهم من الشَّناعةِ بحيثُ لا يصدرُ عمَّن يعتقدُ المصيرَ إلى الله
(6/210)

سورة الفرقان 22 عزَّ وجلَّ ولقاءُ الشَّيءِ عبارةٌ عن مصادفتهِ من غيرِ أنْ يمنعَ مانعٌ من إدراكِه بوجهٍ من الوجوهِ والمرادُ بلقائِه تعالى إمَّا الرجوعُ إليه تعالى بالبعث والحشر رأو لقاءُ حسابه تعالى كما في قوله تعالى أن ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ وبعدم رجائِهم إيَّاه عدمُ توقُّعهم له أصلاً لإنكارِهم البعث والحساب بالكليِّة لا عدمُ أملِهم حسنَ اللقاءِ ولا عدمُ خوفِهم سوءَ اللقَّاءِ لأنَّ عدمَهما غيرُ مستلزمٍ لِما هم عليه من العُتوِّ والاستكبار وإنكارِ البعثِ والحسابِ رأساً أي وقال الذَين لا يتوقعَّون الرجوعَ إلينا أو حسابَنا المؤدِّيَ إلى سُوءِ العذابِ الذي تستوجبه مقالتُهم (لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلائِكَةُ) أي هلاَّ أُنزلوا علينا ليخبرونا بصدق محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم وقيل هَلاَّ أُنزلوا علينا بطريق الرسالة وهو الأنسب قولهم (أَوْ نرى رَبَّنَا) من حيثُ أنَّ كلا القولينِ ناشئ عن غايةِ غُلوهم في المكابرة العتو حسبما يُعرب عنه قوله تعالى (لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ) أي في شأنِها حتى اجترءوا على التَّفوه بمثل هذه العظيمةِ الشنعاءِ (وَعَتَوْا) أي تجاوزا الحدَّ في الظُّلم والطُّغيانِ (عُتُوّاً كَبِيراً) بالغاً أقصَى غاياتَه حيثُ أمَّلوا نيلَ مرتبةِ المفاوضةِ الإلهيةِ من غير توسطِ الرَّسولِ والمَلك كما قالوا لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله ولم يكتفُوا بما عاينوا من المعجزاتِ القاهرةِ التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبالِ فذهبْوا في الاقتراح كلَّ مذهبٍ حتَّى منَّتهم أنفسُهم الخبيثةُ أمانيَّ لا تكاد ترنوا إليها أحداقُ الأممِ ولا تمتدُّ إليها أعناقُ الهمم ولا ينالها إلا أولوا العزائم الماضيةِ من الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله لقد استكبروا الآيةَ وفيه من الدلالة على غايةِ قُبح ما هُم عليه والإشعارِ بالتَّعجبِ من استكبارِهم وعُتوِّهم ما لا يخفى
(6/211)

يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)
(يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة) استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ ما يلقَونه عند مشاهدتِهم لما اقترحُوه من نزول الملائكة علهم السَّلامُ بعد استعظامِه وبيانِ كون في غايةِ ما يكونُ من الشَّناعة وإنمَّا قيلَ يوم يَرَون دُون أنْ يقالَ يومَ ينزلُ الملائكةُ إيذانا من أولِ الأمرِ بأنَّ رؤيتَهم لهم ليست على طريقِ الإجابةِ إلى ما اقترحُوه بل على وجهٍ آخرَ غيرِ معهودٍ ويومَ منصوبٌ على الظَّرفية بما يدلُّ عليه قولُه تعالى (لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ) فإنَّه في معنى لا يُبشَّر يومئذٍ المُجرمون والعُدولُ إلى نفيِ الجنسِ للمبالغةِ في نفيِ البُشرى وما قيل من أنَّه بمعنى يمُنعون البُشرى أو يعدمونها تهوين للخطب في مقام التَّهويل فإنَّ منعَ البُشرى وفقدانُها مُشعرانِ بأنَّ هناك بُشرى يمنعونَها أو يفقِدونها وأينَ هذا من نفيها بالكُليِّة وحيثُ كان نفيُها كنايةً عن إثباتِ ضدِّها كما أنَّ نفيَ المحبةِ في مثلِ قولِه تعالى والله لاَ يُحِبُّ الكافرين كنايةٌ عن البُغض والمَقْتِ دلَّ على ثبوت النذر لهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وقيل منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ يُؤكِّده بشرى على أنَّ لا غير نافية للجنس وقيل منصور على المفعولة بمضمرٍ مقدَّمٍ عليه أي اذكُر يومَ رؤيتهم الملائكةَ ويومئذٍ على كلِّ حالٍ تكريرٌ للتأكيد والتَّهويلِ مع ما فيه من الإيذانِ بأنَّ تقديمَ الظَّرفِ للاهتمامِ لا لقصرِ نفيِ البُشرى على ذلك الوقتِ فقط فإنَّ ذلك مخلٌّ بتفظيعِ حالِهم وللمجرمين تبيين على أنَّه مظهرٌ وُضع موضعَ الضميرِ تسجيلاً عليه بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر وحملُه على العموم بحيث يتناولوا فسَّاقَ المؤمنين ثم الالتجاءُ في إخراجِهم عن الحرمانِ الكليِّ إلى أنَّ نفيَ البُشرى حينئذٍ لا يستلزمُ نفيَه في جميعِ الأوقاتِ فيجوزُ أنْ يُبشَّروا بالعفوِ والشَّفاعةِ في وقتٍ آخرَ بمعزلٍ عن الحقِّ بعيدٍ
(6/211)

سورة الفرقان 23 24 (وَيَقُولُونَ) عطفٌ على ما ذُكر من الفعلِ المنفيِّ المنبئ عن كمال فظاعة ما يحيق بهم من الشر وغاية هول مطلعه ببيان أنهم يقولون عند مشاهدتِهم له (حِجْراً مَّحْجُوراً) وهي كلمةٌ يتكلَّمون بها عند لقاءِ عدوَ موتورٍ وهجومِ نازلةٍ هائلةٍ يضعونها موضعَ الاستعاذةِ حيثُ يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه فلا يلحقهم فكان المَعنى نسألُ الله تعالى أنْ يمنعَ ذلك مَنْعاً ويحجُره حَجْراً وكسرُ الحاءِ تصرف فيه لاختصاصه بموضوع واحدٍ كما في قِعدَك وعمرك وقد قرئ حُجْراً بالضمِّ والمعنى أنَّهم يطلبون نزولَ الملائكةِ عليهم السَّلامُ ويقترحونَه وهم إذا رَأوهم كرِهُوا لقاءهم أشدَّ كراهةٍ وفزعُوا منهم فزعاً شَديداً وقالوا ما كانوا يقولونَه عند نزولِ خطبٍ شنيعٍ وحلولِ بأسٍ شديدٍ فظيعٍ ومحجُوراً صفةٌ لحِجراً وإرادةٌ للتَّأكيدِ كما قالوا ذيلٌ ذَائلٌ وليلٌ أليلُ وقيل يقولُها الملائكةُ إقناطاً للكفرة بمعنى حراما محركا عليكم الغفرانُ أو الجنَّة أو البُشرى أي جعل الله تعالى ذلك حَرَاماً عليكم وليس بواضح
(6/212)

وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)
{وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} بيانٌ لحالِ ما كانُوا يعملونَه في الدُّنيا من صلةِ رحمٍ وإغاثةِ ملهوفٍ وقرى ضيفٍ ومنَ على أسير وغير ذلك من مكارمِهم ومحاسِنهم التي لو كانُوا عملُوها مع الإيمانِ لنالُوا ثَوابَها بتمثيلِ حالهم وحال أعمالهم المذكور بحال قومٍ خالفُوا سلطانَهم واستعصَوا عليه فقدمَ إلى أشيائِهم وقصدَ ما تحت أيديهم فأنحى عليها بالإفسادِ والتحريف ومزَّقها كلَّ تمزيقٍ بحيث لم يَدع لها عيناً ولا أثراً أي عمَدنا إليها وأبطلَناها أي أظهرنا بُطلانَها بالكلِّيةِ من غير أنْ يكونَ هناك قدومٌ ولا شيء يُقصد تشبيهه به والهَبَاءُ شبه غبارٍ يُرى في شعاعِ الشَّمسِ يطلع من الكُوَّة من الهبوةِ وهي الغبارُ ومنثُوراً صفتُه شبه به أعمالَهم المُحبَطةَ في الحقارةِ وعدمِ الجَدوى ثمَّ بالمنثُور منه في الانتشارِ بحيثُ لا يمكن نظمُه أو مفعولٌ ثالثٌ من حيثُ إنَّه كالخبر بعد لخبر كما في قوله تعالى كَونُواْ قِرَدَةً خاسئين
(6/212)

أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
{أصحاب الجنة} هم المؤمنون المشارِ إليهم في قوله تعالى قل أذلك خير أَمْ جَنَّةُ الخلد التى وُعد المتَّقون الخ {يَوْمَئِذٍ} أي يومَ إذ يكونُ ما ذكر رمن عدمِ التَّبشير وقولِهم حِجْراً محجُوراً وجعلِ أعمالِهم هباءً منثُوراً {خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً} المستقرُّ المكانُ الذي يُستقرُّ فيه في أكثرِ الأوقاتِ للتَّجالسِ والتَّحادثِ {وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} المقيلُ المكانُ الذي يؤوى إليه للاسترواح إلى الأزواج والمتنع بمغازلتهم سُمِّي بذلك لما أنَّ التَّمتعَ به يكون وقتَ القَيلولهِ غالباً وقيل لأنه يُفرغٍ من الحسابِ في منتصف ذلك اليوم فيقيل أهلُ الجَّنة في الجنَّةِ وأهلُ النَّار في النَّارِ وفي وصفه بزيادةِ الحُسن مع حصولِ الخيرَّيةِ بعطفه على المستقرِّ رمزٌ إلى أنه مزَّينٌ بفنون الزَّينِ والزَّخارفِ والتَّفضيلُ المُعتبر فيهما إمَّا لإرادةِ الزِّيادةِ على الاطلاقِ أي هُم في أقصى ما يكونُ من خيرَّيةِ المُستقرِّ وحسنِ المَقيلِ وإمَّا بالإضافةِ إلى مَا للكَفَرةِ المُتنعِّمينَ في الدُّنيا أو إلى ما لَهُم في الآخرةِ بطريق التَّهكُّمِ بهم كما مرَّ في قوله تعالى قل أذلك خَيْرٌ الآيةَ هذا وقد جوِّز أنْ يُرادَ بأحدِهما المصدرُ أو الزَّمانُ إشارةً إلى أنَّ مكانَهم وزمانَهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة
(6/212)

سورة الفرقان (25 27)
(6/213)

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25)
{وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء} أي تتفتحُ وأصلُه تتشقَّقُ فحُذفتْ إحدى التَّاءينِ كما في تلظى وقرئ بإدغامِ التَّاءِ في الشِّينِ {بالغمام} بسببِ طلوعِ الغمامِ منها وهو الغَمامُ الذي ذُكر في قوله تعالى هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة قيل هو غمامٌ أبيضُ رقيقٌ مثل الضبابة لم يكُنْ إلاَّ لبني إسرائيلَ {وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً} أي تنزيلاً عجيباً غيرَ معُهودٍ قيل تنشق سماءً سماءً وينزل الملائكةُ خلالَ ذلك الغمامِ بصحائفِ أعمالِ العبادِ وقرئ ونزلت الملائكة وننزيل وتنزل على صيغة المتكلم من الإنزالِ والتَّنزيل ونزَّل الملائكةَ وأنزل الملائكة ونزل الملائكةُ على حذف النُّون الذي هو فاءُ الفعلِ من تنزل
(6/213)

الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)
{الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن} أي السَّلطنةُ القاهرِةُ والاستيلاءُ الكليُّ العام الثَّابتُ صورةً ومعنى ظاهراً وباطناً بحيثُ لا زوالَ له أصلاً ثابت للرحمن يؤمئذ فالمُلكُ مبتدأٌ والحقُّ صفتُه وللرحمن خبرة ويومئذ ظرفٌ لثبُوتِ الخبرِ للمبتدأِ وفائدةُ التَّقييدِ أنَّ ثبوت المُلك المذكور له تعالى خاصَّةً يومئذٍ وأمَّا فيما عداهُ من أيَّامِ الدُّنيا فيكون لغيرهِ أيضاً تصرُّفٌ صوريُّ في الجُملةِ وقيل المُلك مبتدأٌ والحقُّ خبرُه وللرَّحمنُ متعلَّق بالحقِّ أو بمحذوفٍ على التَّبيين أو بمحذوفٍ هو صفةٌ للحقِّ ويومئذٍ معمولٌ للملك وقيلَ الخبرُ يومئذٍ والحقُّ نعتٌ للملكِ وللرحمن على ما ذُكر وأيَّاً ما كان فالجملةُ بمعناها عاملةٌ في الظَّرفِ أي ينفردُ الله تعالَى بالملكِ يومَ تشقَّقُ وقيل الظَّرفُ منصوبٌ بما ذُكر فالجملةُ حينئذٍ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ أحوالِه وأهوالِه وإيرادُه تعالى بعُنوانِ الرَّحمانيةِ للإيذانِ بأنَّ اتصِّافَه تعالى بغايةِ الرَّحمةِ لا يهُوِّنُ الخَطْبَ على الكَفَرةِ لعدمِ استحقاقِهم للرَّحمةِ كما في قوله تعالى يأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم والمعنى أنَّ الملكَ الحقيقيَّ يومئذٍ للرَّحمنِ {وَكَانَ} ذلكَ اليوم مع كونِ المُلكِ فيه لله تعالى المبالغ في الرَّحمةِ لعبادِه {يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً} شَديداً لهُم وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ لمُراعاةِ الفواصلِ وأمَّا للمُؤمنين فيكون يَسيراً بفضلِ الله تعالى وقد جاءَ في الحديثِ أنَّه يُهوَّن يومُ القيامةِ على المؤمنِ حتَّى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ صلاَّها في الدّنيا والجملةُ اعتراضٌ تذييلي مقرر لما قبله
(6/213)

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)
{وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ} عضُّ اليدينِ والأناملِ وأكلُ البنانِ وحرقُ الأسنانِ ونحوها كناياتٌ عن الغيظِ والحسرة لأنها من رواد فهما والمرادُ بالظَّالمِ إمَّا عقبةُ بنُ أبي مُعيطٍ على ما قيلَ من أنه كان يُكثر مجالسةَ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم فدعاه صلى الله عليه وسلم يوماً إلى ضيافتِه فأبى صلى الله عليه وسلم أنْ يأكلَ من طعامِه حتَّى ينطِقَ بالشَّهادتينِ ففعلَ وكان أُبيُّ بنُ خَلَفٍ صديقَه فعاتبَه فقال صَبأتَ فقال لا ولكنْ أَبَى أنْ يأكلَ منْ طَعَامي وهو في بيتي فاستحييتُ منه فشهدتُ له فقال إنيِّ لا أرضى منكَ إلا أنْ تأتيَه فتطأَ قفاهُ وتبزقَ في وجههِ فوجدَه ساجداً في دارِ النَّدوةِ ففعل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم لا ألقاكَ خارجاً من مكَّةَ إلاَّ علوتُ رأسَك بالسَّيفِ فأُسرَ يوم بدرٍ فأمر
(6/213)

سورة الفرقان (28 30) عليا رضي الله عنه فقتَلَه وقيل قَتَله عاصمُ بن ثابت الأنصاري وطعن صلى الله عليه وسلم أُبيَّاً يومَ أُحدٍ في المُبارزة فرجعَ إلى مكَّةَ وماتَ وإما جنسُ الظَّالم وهو داخلٌ فيه دُخولاً أوليَّا وقولُه تعالَى {يِقُولُ} الخ حالٌ من فاعلِ بعض وقوله تعالى {يا ليتني} الخ محكيٌّ به ويَا إمَّا لمجرَّدِ التَّنبيهِ من غيرِ قصدٍ إلى تعيينِ المنبَّهِ أو المُنادي محذوفٌ أي يا هؤلاءِ ليتني {اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً} أي طريقاً واحداً منجياً من هذه الورطاتِ وهو طريقُ الحقِّ ولم تتشعبْ بي طريق الضَّلالةِ أو حَصَّلتُ في صحبته صلى الله عليه وسلم طريقاً ولم أكُن ضالاَّ لا طريقَ لي قط
(6/214)

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)
{يا ويلنا} بقلب ياءِ المتكلِّمِ الفاً كما في صحارى ومدارى وقرئ على الأصل ياويلتي أي هَلَكتي تعالَيْ واحضريْ فهذا أوانُكِ {لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً} يريدُ مَن أضلَّه في الدُّنيا فإنَّ فُلانا كنايةٌ عن الأعلامِ كما أن الهَنَ كنايةُ عن الأجناسِ وقيل فُلانٌ كنايةٌ عن علَم ذكورِ مَن يعقلُ وفُلانةٌ عن علم إناثم وفل كنايةٌ عن نكرةِ مَن يعقلُ من الذكور وفُلة عمَّن يعقلُ من الإناثِ والفُلانُ والفُلانةُ من غير العاقل ويخص فُل بالنِّداءِ إلاَّ في ضرورةٍ كما في قوله ... في لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عن فل ... وقوله ... خذ حد ثاني عن فلن وفُلانِ ...
وليس فُل مرخَّماً من فُلان خلافاً للفرَّاء واختلفُوا في لامِ فُل وفُلان فقيلَ واوٌ وقيل ياءٌ هذا فإنْ أرُيدَ بالظَّالم عقبةُ ففُلان كنايةٌ عن أَبيَ وإنْ أُريدَ بن الجنسُ فهوُ كنايةٌ عن علَمِ كلِّ مَن يضلُّه كائنا من كان من شياطينِ الإنس والجنِّ وهذا التَّمنِّي منه وإنْ كان مسُوقاً لإبراز النَّدمِ والحسرةِ لكنَّه متضمنٌ لنوعِ تعللٍ واعتذارٍ بتوريك جنايتِه إلى الغيرِ وقوله تعالى
(6/214)

لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
{لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذكر} تعليلٌ لتمنيه المذكورِ وتوضيحٌ لتعللُّهِ وتصديُره باللامِ القسميَّةِ للُمبالغةِ في بيانِ خطئِه وإظهارِ ندمهِ وحسرتِه أي والله لقد أضلَّني عن ذكرِ الله تعالى أو عن القرآنِ أو عن موعظةِ الرسول صلى الله عليه وسلم أو كلمةِ الشَّهادةِ {بَعْدَ إِذْ جَاءنِى} وتمكَّنتُ منه وقوله تعالى {وَكَانَ الشيطان للإنسان خَذُولاً} أي مُبالغاً في الخِذلانِ حيثُ يواليهِ حتَّى يؤدِّيه إلى الهلاكِ ثمَّ يتركُه ولا ينفَعُه اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمونِ ما قبلَه إما من جهتِه تعالى أو من تمام كلامِ الظَّالمِ على أنَّه سَمَّي خليلَه شيطاناً بعد وصفهِ بالإضلالِ الذي هو أخصُّ الأوصافِ الشَّيطانيَّةِ أو على أنَّه أرادَ بالشَّيطانِ إبليسَ لأنَّه الذي حملَه على مخالَّةِ المُضلِّين ومخالفةِ الرسول الهادي صلى الله عليه وسلم بوسوستِه وإغوائِه لكن وصفُه بالخِذلانِ يُشعر بأنَّه كانَ يعِدُه في الدُّنيا ويُمنيه بأن ينفعه في الآخرةِ وهو أوفقُ بحالِ إبليسَ
(6/214)

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)
{وَقَالَ الرسول} عطفٌ على قوله تعالى وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وما بينها اعتراض مسوق لاستعظام ما قالُوه وبيانِ ما يحيقُ بهم في الآخرةِ من الأهوال والخطوب وإيراده صلى الله عليه وسلم بعُنوانِ الرِّسالةِ لتحقيقِ الحقِّ والردِّ على نحورِهم حيثُ كانَ ما حُكي عنهم قدحا في رسالته صلى الله عليه وسلم أي قالُوا كيتَ وكيتَ وقال الرَّسولُ إثرَ ما شاهد منهم غاية
(6/214)

سورة الفرقان (31 32) العُتوِّ ونهايةَ الطُّغيان بطريق البثِّ إلى ربِّه عزَّ وجل (يا رب إِنَّ قَوْمِى) يعني الذين حُكي عنهم ما حُكي من الشَّنائعِ ( {اتخذوا هذا القُرآنَ} الذي من جُملتِه هذه الآياتُ النَّاطقةُ بما يحيقُ بهم في الآخرةِ من فُنونِ العقابِ كما ينبئ عنه كلمةُ الإشارةِ (مَهْجُوراً) أي أنه متروكاً بالكلِّيةِ ولم يُؤمنوا به ولم بعرفوا إليهِ رأساً ولم يتأثَّرُوا بوعيدِه وفيه تلويحٌ بأنَّ من حقِّ المؤمنِ أنْ يكونَ كثيرَ التَّعاهدِ للقرآن كيلا يندرجَ تحت ظاهرُ النَّظمِ الكريمِ فإنَّه رُوي عنه صلى الله عليه السلام أنَّه قال مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّق مُصحفاً لم يتعاهدْهُ ولم ينظرْ فيهِ جاءَ يومَ القيامةِ متعلِّقاً به العالمين عبدك هذا أتخذل مهجُوراً اقضِ بيني وبينَهُ وقيل هو من هجَر إذا هَذَى أي جعلوه مهجُوراً فيه إمَّا على زعمِهم الباطلِ وإمَّا بأنْ هجَّروا فيه إذا سمعُوه كما يحكى عنهم من قولِهم لا تسمعُوا لهذا القُرآنِ والغَوا فيهِ وقد جوز أن يكون المهجورُ بمعنى الهَجْر كالمجلود والمعقول فالمعنى اتخذوه وهجرا وهذيانا وفيه من التخدير والتخويف مالا يَخْفى فإنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا شكَوا إلى الله تعالى قولهم عجَّل لهم العذابَ ولم يُنظَروا وقوله تعالى
(6/215)

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين} تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحملٌ له على الاقتداءِ بمن قبلَه من الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أي كما جعلنا لك أعداءً من المُشركين يقولُون ما بقولون ويفعلون من الأباطيلِ جعلنا لكلِّ نبيَ من الأنبياءِ الذينَ هم أصحابُ الشَّريعةِ والدّعوة إليها عدوَّاً من مُجرمي قومِهم فاصبرْ كما صبرُوا وقوله تعالى (وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً) وعدٌ كريمٌ له صلى الله عليه وسلم بالهدايةِ إلى كافَّةِ مطالبِه والنَّصرِ على أعدائِه أي كَفَاك مالكُ أمرِك ومُبلِّغك إلى الكمالِ هَادياً لك إلى ما وصلك إلى غاية الغابات التي من جُملتها تبليغُ الكتابِ أجلَه وإجراء أحكامِه في أكتاف الدُّنيا إلى يومِ القيامةِ ونصيراً لك على جميعِ مَن يُعاديك
(6/215)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} حكايةٌ لا قتراحم الخاصِّ بالقُرآن الكريمِ بعد حكايةِ اقتراحِهم في حقِّه صلى الله عليه وسلم والقائلون هم القائلونَ أوَّلاً وإيرادُهم بعُنوانِ الكفرِ لذمِّهم به والإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ {لولا نزل عليه القرآن} التَّنزيلُ هَهُنا مجرَّدٌ عن مَعْنى التَّدريجِ كما في في قوله تعالى أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء ويجوزُ أن يرادَ بهِ الدِّلالةُ على كثرةِ المُنزَّلِ في نفسِه أي هلاَّ أُنزل كلُّه {جُمْلَةً واحدة} كالكتب الثَّلاثةِ وبُطلان هذه الكلمةِ الحمقاءِ ممَّا لا يكاد يخفى على أحد فإنَّ الكتبَ المتقدِّمةَ لم يكُن شاهدَ صحَّتِها ودليلَ كونها من عند الله تعالى إعجازُها وأمَّا القرآنُ الكريم فبينة صحته آية كونه من عند الله تعالى نظمُه المعجزُ الباقي على مرِّ الدّهورِ المتحقِّقُ في كلُّ جزءٍ من أجزائه المرقدة بمقدار أقصرِ السُّورِ حسبما وقع به التَّحدِّي ولا ريب في أن ما يدور عليه فلَكُ الإعجاز هو المطابقةُ لما تقتضيه الأحوالُ ومن ضرورة تغيّرِها وتجدُّدها تغيُّر ما يُطابقها حتماً على أنَّ فيه فوائد جمه أشير إلى بعض منها بقوله تعالى {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} فإنَّه استئناف وارد من جهته تعلى لرد مقالهم الباطل
(6/215)

سورة الفرقان (33) وبيانِ الحكمة في التَّنزيلِ التَّدريجيِّ ومحلُّ الكافِ النَّصبُ على أنَّها صفة لمصدرٍ مؤكِّدٍ لمضمر معلَّلٍ بما يعده وَذَلِكَ إشارةٌ إلى ما يُفهم من كلامِهم أي مثلَ ذلك التَّنزيلِ المُفرَّق الذي قد حوا فيه واقترحوا خلافه ونزلناه لا تنزيل مُغايراً له لنقويَ بذلك التَّنزيلِ المفرَّقِ فؤادَك فإنَّ فيه تيسير الحفظ النَّظمِ وفهم المعانِي وضبطِ الأحكامِ والوقوفِ على تفاصيلِ ما رُوعي فيها من الحكم والمصالح المبينة على المناسبة على أنها مونطة بأسبابها الدَّاعيةِ إلى شَرعها ابتداءً أو تبديلاً بالنَّسخِ من أحوال المكلَّفينَ وكذلك عامة ما وردَ في القرآنِ المجيدِ من الأخبار وغيرِها متعلِّقةٌ بأمورٍ حادثةٍ من الأقاويل والأفاعيل ومن قضية تجدُّدِها تجددُ ما يتعلَّقُ بها كالاقتراحاتِ الواقعة من الكَفَرة الدَّاعيةِ إلى حكايتِها وإبطالِها وبيانِ ما يؤول إليه حالُهم في الآخرِة على أنَّهم في هذا الاقتراحِ كالباحث عن حَتْفه بظلفه حيثُ أُمروا بالاتيان بمثل نَوبةٍ من نُوبِ التَّنزيل فظهرَ عجزُهم عن المعارضةِ وضاقتْ عليهم الأرضُ بما رَحُبتْ فكيف لو تُحدُّوا بكلمة وقوله تعالى (رتلناه تَرْتِيلاً) عطفٌ على ذلك المُضمر وتنكيرُ ترتيلاً للتَّفخيمِ أي كذلك نزَّلناهُ ورتلناهُ تَرتْيلا بديعاً لا يُقادرُ قدره معنى ترتيلهِ تفريقُه آيةً بعدَ آيةٍ قالَه النَّخعيُّ والحسنُ وقَتَادةُ وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بيَّناهُ بياناً فيه ترتيلٌ وتثيبت وقال السُّدِّيُّ فصَّلناهُ تفصيلاً وقال مجاهُدُ جعلنا بعضَه في إثر بعضٍ وقيل هو الأمرُ بترتيلِ قراءتِه بقوله تعالى ورتل القرآن تَرْتِيلاً وقيل قرأناه عليكَ بلسانِ جبرِيلَ عليهِ السَّلامُ شيئا فشئيا في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة على تُؤَدةٍ وتَمهلٍ
(6/216)

وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)
{وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} من الأمثال من جملتها ما حكي من اقتراحاتِهم القبيحةِ الخارجةِ عن دائرةِ العقولِ الجاريةِ لذلك مجرى الأمثالِ أي لا يأتونَك بكلامٍ عجيبٍ هو مَثَلٌ في البُطلان يريدون به القَدْحَ في حقِّك وحقِّ القُرآنِ {إِلاَّ جئناك} في مُقابلتِه {بالحق} أي بالجوابِ الحقِّ الثَّابتِ الذي ينْحي عليه بالإبطالِ ويَحسمُ مادَّةَ القِيلِ والقالِ كما مرَّ من الأجوبةِ الحقَّةِ القالعةِ لعروقِ أسئلتِهم الشَّنيعةِ الدَّامغةِ لها بالكُلِّيةِ وقوله تعالى {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} عطفٌ على الحقِّ أي جئناك بأحسن الحُسنِ في حدِّ ذاته لا أنَّ ما يأتون به له حَسنٌ في الجملة وهذا أحسنُ منه كما مروا الاستثناء مفرغ محلُّه النصب على الحالية أي لا يأنونك بمثل إلا حال إتياننا إيَّاك الحقَّ الذي لا مجيد عنه وفيه من الدِلالة على المُسارعة إلى إبطالِ ما أتوا به وتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم مالا يخفى وهذا بعبارته ناطقٌ ببطلان جميع الأسئلة وبصحَّةِ جميع الأجوبة وبإشارته منبىءٌ عن بُطلانِ السُّؤالِ الأخير وصحة جوابة إذلولا أنَّ تنزيلَ القرآن على التَّدريجِ لما أمكن إبطالُ تلك الاقتراحاتِ الشَّنيعةِ ولما حصل تثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم من تلك الحيثيَّةِ هذا وقد جوِّز أنْ يكون المَثَلُ عبارةً عن الصِّفةِ العريبة التي كانُوا يقترحون كونَه صلى الله عليه وسلم عليها من مقارنة الملكِ والاستغناء عن الأكل والشُّربِ وحيازة الكنز والجنَّة ونزول القرآن عليه جملةً واحدةً على معنى لا يأتوك بحال عجيبة يقترحون اتِّصافك بها قائلين هلاَّ كان على هذه الحالة إلا أعطياك نحنُ من الأحوال الممكنة ما يحقُّ لك في حكمتِنا ومشيئتنا أنْ تُعطاهُ وما هو أحسنُ تكشيفاً لما بُعثت عليه ودلالةً على صحَّته وهو الذي أنتَ عليه في الذَّاتِ
(6/216)

سورة الفرقان (3436) والصِّفاتِ ويأباهُ الاستثناءُ المذكور فإن المتبادر منه يكون ما أعطاهُ الله تعالى منَ الحقِّ مترتباً على ما أتَوا به من الأباطيلِ دامغاً لها ولا ريب في ما آتاه الله تعالى من المَلَكاتِ السَّنيةِ اللاَّئقةِ بالرَّسالة قد أتاه من أوَّلِ الأمر لا بمقابلة ما حكي عنهم من الاقتراحات لأجلِ دمغها وإبطالِها
(6/217)

الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
{الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ} أي يُحشرون كائين على وجوههم يسبحون عليها ويُجرُّون إلى جهنَّمَ وقيل مقلوبين وجوهُهم على قفاهم وأرجلُهم إلى فوقٍ روى عنه صلى الله عليه وسلم يُحشر النَّاسُ يومَ القيامةِ على ثلاثةِ أثلاثٍ ثلثٌ على الدَّوابِّ وثُلثٌ على وجوههم وثلث على وثُلثٌ على أقدامِهم ينسِلون نَسلاً وأما ما قيل متعلقةً قلوبهم بالسُّفليَّاتِ متوجِّهةً وجوههم إليها فبيعد لأنَّ هول ذلك اليومِ ليس بحيث يبقى لهم عنده تعلُّقٌ بالسُّفليَّاتِ أو توجُّه إليها في الجملة ومحلُّ الموصول إمَّا النَّصبُ أو الرفع على الذم أو الرفعُ على الابتداءِ وقولُه تعالَى {أولئك} بدلٌ منه أو بيانٌ له وقوله تعالى {شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} خبر له أو اسمُ الإشارة مبتدأٌ ثانٍ وشرُّ خبرُه والجملة خبر للمصول ووصف السَّبيلِ بالضَّلالِ من باب الإسناد المجازيِّ للمبالغة والمفضل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم على مهاج قوله تعالى قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ كأنه قي إنَّ حاملهم على هذه الاقتراحات تحقير مكانه صلى الله عليه وسلم بتضليل سبيله ولا يعلمون حالَهم ليعلموا أنَّهم شرٌّ مكاناً وأضلُّ سبيلاً وقيل هو متَّصلٌ بقوله تعالى أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً
(6/217)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35)
(ولقد آتينا موسى) جملةٌ مستأنفةٌ سيقتْ لتأكيد ما مرَّ من التَّسليةِ والوعد بالهداية والنَّصرِ في قوله تعالى وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً بحكايةِ ما جرى بينَ مَن ذُكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسَّلامُ وبين قومِهم حكايةً إجماليَّةً كافيةً فيما هو المقصود واللامُ جوابٌ لقسمٍ محذوف أي وبالله لقد آتينا مُوسى التَّوراةَ أي أنزلناها عليه بالآخرةِ {وَجَعَلْنَا مَعَهُ} الظَّرف متعلِّق بجعلنا وقوله تعالى {أَخَاهُ} مفعولٌ أوَّلٌ له وقوله تعالى {هارون} بدل منن أخاه أو عطفُ بيانٍ له على عكس ما وقع في سورةِ طه وقوله تعالى {وزيرا} وفعول به ثان له وقد مرئمة معنى الوير أي جلعناه في أوَّلِ الأمر وزيراً له
(6/217)

فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)
{فقلنا} لهما حينذ {اذهبا إِلَى القوم الذين كذبوا بآياتنا} هم فرعونُ وقومه والآياتُ هي المعجزات التِّسعُ المفصَّلاتُ الظَّاهرُة على يَدَيْ موسى عليع السَّلامُ ولم يُوصفِ القومُ لهما عند إرسالِهما إليهم بهذا الوصف ضرورةَ تأخُّرِ تكذيب الآيات عن إظهارِها المتأخِّر عن ذهابهما المتأخِّر عن الأمر به بل إنما وصفوا بذلك عنه الحكاية لرسو ل الله صلى الله عليه وسلم بيانا لعلة استحفافهم لما يُحكى بعده من التَّدميرِ أي فذهبا إليهم فأرياهم آياتتا كلَّها فكذَّبوها تكذيباً مُستمرَّاً {فدمرناهم} التكذيب إثرَ ذلك التَّكذيبِ المستمرِّ {تَدْمِيرًا} عجيباً هائلاً لا يُقادرُ قَدرُه ولا يُدرك كُنهُه فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء
(6/217)

سورة الفرقان (37 35) بما هو المقصودُ وحَملُ قوله تعالى فدمَّرناهم على معنى فحكمنا بتدميرِهم مع كونه تعسفا ظاهرا مما لا وجهَ لَهُ إذ لا فائدةَ يُعتدُّ بها في حكاية الحكم بيتدمير قد وقع وانقضى والتَّعرضُ في مطلع القصَّةِ لإيتاء الكتاب مع أنَّه كان بعد مهلكِ القوم ولم يكن له مدخلٌ في هلاكهم كسائرِ الأيات للإيذانِ من أوَّلِ الأمرِ ببلوغِه صلى الله عليه وسلم غايةَ الكمالِ ونيله نهايةَ الآمالِ التي هي إنجاءُ بني إسرائيلَ من ملكة فرعون وإرشادهم إلى الطريق الحق صلى الله عليه وسلم غايى الكمال ونيله نهاية بما في التَّوراة من الأحكام إذا به يحصُلُ تأكيدُ الوعدِ بالهدايةِ على الوجه الذي مربيانه وقرىء فدمرتهم وفدمراهم وفدمراهم على التَّأكيد بالنُّون الثَّقيلةِ
(6/218)

وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37)
{وَقَوْمَ نُوحٍ} منصوبٌ بمضمرٍ يدل عليه قوله تعالى فدمَّرناهم أي ودمَّرنا قومَ نوحٍ وقيل عطف على مفعول فدمر ناهم وليس من ضرورة ترتيب تدميرهم على ما قبله ترتُّبُ تدميرِ هؤلاء عليه لا سيَّما وقد بُيِّن سببُه بقوله تعالى {لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل} أي نوحاً ومن قبله من الرُّسل أو نوحاً وحدَهُ لأنَّ تكذيبه تكذيب للكل لا تفاقهم على التَّوحيدِ والإسلامِ وقيل هو منصوب بمضمر يفسره قوله تعالى {أغرقناهم} وإنَّما يتسنَّى ذلك على تقديرِ كونِ كلمة لَّماً ظرفَ زمانٍ وأمَّا على تقدير كونِها حرفَ وجودٍ لوجودٍ فلا لأنَّه حينئذٍ جواب لها وجواب لما لا يفسَّر ما قبله مع أنَّه مخلٌّ بعطف المنصوبات الآتية على قوم نوح لما أنَّ إهلاكَهم ليس بالإغراق فالوجهُ ما نقدم وقوله تعالى أغرقناهم استناف مبيِّن لكيفيَّةِ تدميرِهم (وجعلناهم) أي جعلنا إفراقهم أو قصتهم (للاس آيه) أيْ آيةً عظيمةً يعتبرُ بها كلُّ مَن شاهدها أو سمعها وهي مفعول ثانٍ لجعلنا وللنَّاس ظرفٌ لغوله أو متعلق محذوف وق حالاً من آيةً إذ لو تأخَّر عنها لكان صفةً لها (وَأَعْتَدْنَا للظالمين) أي لهم والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ للإبذان بتجاوزهم الحدَّ في الكفر والتَّكذيبِ (عَذَاباً أَلِيماً) هو عذاب الآخرة لا فائدة في الإخبار بإعتياد العذابِ الذي قد أُخبر بوقوعه من قبلُ أو لجميع الظَّالمينَ الباقينَ الذين لم يعتبرُوا بمَا جَرى عليهمْ من العذاب فيدخل في زُمرتهم قُريشٌ دخولاً أة ليا ويحتمل العذاب الدنيوي الأخروى
(6/218)

وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38)
(وَعَاداً) عطفٌ على قوم نوح وقيل على المفعول الأول لجعلناهم وقيل على الظالمين إذهو في معنى وعدنا الظالمين وكلاهما بعيدٌ (وَثَمُودُ) الكلامُ فيه وفيما بعدَه كما فيما قبلَه وقُرىء وثموداً على تأويل الحى أنه الأبِ الأقصى (وأصحاب الرس) هم قومٌ يعبدون الأصنامَ فبعثَ الله تعالى إليهم شُعيباً عليه السَّلامُ فكذَّبُوه فبينما هم حَولَ الرَّسِّ وهي البءر التي لم تُطْوَ بعدُ إذِ انهارتُ فخُسف بهم وبديارِهم وقيل الرَّسُّ قرية بفَلْجِ اليمامةِ كان فيها بقايا ثمودَ فبَعث إليهم نبي فقتلوخ فهلكوا أو قيل هو الأخدود وقيل بءر بأنطاكيَّةَ قتلوا فيها حبيباً النَّجارَ وقيل هم أصحابُ حنظلةَ بنِ صفوانَ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم ابتلاهم الله بطيرٍ عظيمٍ كان فيها من كلِّ لون وسمَّوها عنقاءَ لطولِ عُنقِها وكانت تسكنُ جبلَهم الذي يقالُ له فتخ أو دمخ فتنقضُّ على صبيانِهم فتخطفُهم إن أعوزها الصيد
(6/218)

سورة الفرقان (39 40) ولذلك سُمِّيتْ مُغْرِبا فدعا عليها حنظلةُ عليه السَّلامُ فأصابتْها الصَّاعقةُ ثم إنَّهم قتلُوه عليه السَّلامُ فأُهلكوا وقيل قومٌ كذَّبُوا رسولَهم فرسُّوه أي دسُّوه في بئرٍ {وَقُرُوناً} أي أهلَ قرونٍ قيل القرنُ أربعونَ سنةً وقيل سبعونَ وقيل مائةٌ وعشرون {بَيْنَ ذلك} أي بين ذلك المذكورِ من الطَّوائفِ والأُمم وقد يذكرُ الذَّاكرُ أشياءَ مختلفةً ثمَّ يشيرُ إليها بذلك ويحسبُ الحاسبُ أعداداً مُتكاثرةً ثمَّ يقولُ فذلك كيتَ وكيتَ على ذلك المذكورِ وذلك المحسوبِ {كَثِيراً} لا يعلم مقدارَها إلاَّ العليمُ الخبيرُ ولعلَّ الاكتفاءَ في شؤن تلك القرُونِ بهذا البيان الإجماليِّ لما أنَّ كلَّ قرنٍ منها لم يكن في الشُّهرةِ وغرَابةِ القصَّةِ بمثابة الأُممِ المذكِورةِ
(6/219)

وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)
{وَكُلاًّ} منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه ما بعده فإنَّ ضربَ المثلِ في معنى التَّذكيرِ والتَّحذيرِ والمحذوفُ الذي عُوّض عنه التنوينُ عبارةٌ إمَّا عن الأُممِ التي لم يُذكر أسبابُ إهلاكِهم وإمَّا عن الكلِّ فإنَّ ما حُكي عن قومِ نوحٍ وقومِ فرعونَ تكذيبُهم للآياتِ والرُّسلِ لا عدمُ التأثير من الأمثالِ المضروبة أي ذكرنا وأنذرنا كلَّ واحدٍ من المذكورين {ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال} أي بينَّا له القصص العجينة الزَّاجرةَ عمَّا هُم عليهِ من الكُفر والمعاصي بواسطةِ الرسل {وكلا} الآمالِ التي هي إنجاءُ بني إسرائيل {تبرنا تتبيرا} عجيبا هلائلا لما أنَّهم لم يتأثَّروا بذلكَ ولم يرفعُوا له رأساً وتمادَوا على ما هم عليه عن الكُفرِ والعُدوانِ وأصلُ التَّتبيرُ التَّفتيتُ قال الزَّجَّاجُ كلُّ شيء كسرته وفتتته فقد تبَّرتَه ومنه التِّبرُ لفئات الذَّهبِ والفِضَّةِ
(6/219)

وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
{وَلَقَدْ أَتَوْا} جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيانِ مشاهدتهم لآثارِ هلاك بعض الأُمم المتبَّرةِ وعدم اتِّعاظِهم بها وتصديرُها بالقسم لمزيدِ تقريرِ مضمونِها أي وبالله لقد أتى قُريشٌ في متاجرهم إلى الشَّامِ {عَلَى القرية التى أُمْطِرَتْ} أي أُهلكت بالحجارة وهي قُرى قومِ لوطٍ وكانت خمسَ قُرى ما نجتْ منها إلاَّ واحدةٌ كان أهلُها لا يعملون العملَ الخبيثَ وأمَّا البواقي فأهلكها الله تعالى بالحجارةِ وهي المرادة بقول تعالى {مَطَرَ السوء} وانتصابُه إمَّا على أنَّه مصدرٌ مؤكِّدٌ بحذف الزَّوائد كما قيل في أنبتَه الله تعالى نباتاً حسنَاً أي إمطارَ السَّوءِ أو على تركهم بعلَّةِ الحُكمِ {لَوْلاَ نُزّلَ عليه القرآن} التَّنزيلُ هَهُنا مجرَّدٌ عن مَعْنى التَّدريجِ كما في قوله تعالى يسألك الآمالِ التي هي إنجاءُ بني إسرائيل التَّذكر عند مُشاهدة ما يُوجبه والهمزة لإنكار نفي استمرار رؤيتِهم لها وتقريرِ استمرارِها حسب استمرارِ ما يُوجبها من إتيانِهم عليها لا لإنكارِ استمرارِ نفي رؤيتِهم وتقريرِ رؤيتِهم لها في الجُملةِ والفاءُ لعطفِ مدخولِها على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ أي ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يَرونها أو أكانُوا ينظرون إليها فلم يكونُوا يَرونها في مرارِ مرورِهم ليتَّعظِوا بما كانُوا يُشاهدونَهُ من آثارِ العذابِ فالمنكر في الأوَّلِ تركُ النَّظرِ وعدمُ النظر الرُّؤيةِ معاً وفي الثَّانِي عدمُ الرُّؤيةِ مع تحقُّقِ النَّظرِ الموجبِ لها وقوله تعالى {بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً} إما إضرابٌ عمَّا قبلَه من عدمِ رؤيتِهم لآثار ما جَرى على أهلِ القُرى من العقوبة وبيان لكون وعدم اتِّعاظِهم بسبب إنكارِهم لكون ذلك عقوبة
(6/219)

سورة الفرقان 41 43
لمعاصيهم لا لعدم رؤيتهم لآثارِها خلا أنَّه اكتفى عن التَّصريحِ بإنكارِهم ذلك بذكرِ ما يستلزمُه من إنكارهم للجزاءِ الأُخرويِّ الذي هو الغابة من خلق العالمِ وقد كُني عن ذلك بعدم النُّشورِ أي عدم توقُّعهِ كأنَّه قيل بل كانُوا ينكرون النُّشورَ المستتبع للجزاءِ الأُخرويِّ ولا يرَون لنفسٍ من النُّفوسِ نُشوراً أصلاً مع تحقُّقهِ حتماً وشمولِه للنَّاسِ عموماً واطِّرادِه وقوعاً فكيف يعترفُون بالجزاء الدٌّنيويِّ في حقِّ طائفةٍ خاصَّةً مع عدم الاطِّرادِ والملازمة بينه وبين المعاصي حتَّى يتذكَّروا ويتَّعظوا بما شاهدوه من آثارِ الهلاك وإنَّما يحملونه على الاتِّفاقِ وإمَّا انتقالٌ من التَّوبيخِ بما ذُكر منْ تركِ التَّذكرِ إلى التَّوبيخِ بما هو أعظمُ منه من عدمِ توقُّعِ النُّشورِ
(6/220)

وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)
{وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً} أي ما يتخذونك إلا مهزوءا به على معنى قصر معاملتهم معه صلى الله عليه وسلم على اتخاذهم إياه صلى الله عليه وسلم هُزؤاً لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هُزؤاً كما هو المتبادَرُ من ظاهر العبارةِ كأنَّه قيل ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزؤا وقد مرَّ تحقيقُه في قولِه تعالى أَنِ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ من سورة الأنعام وقوله تعالى {أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً} محكيٌّ بعد قول مضمر هو حالٌ من فاعلِ يتَّخذونك أي يستهزؤن بك قائلينَ أهذا الذي الخ والإشارةُ للاستحقارِ وإبراز بعث الله رسولاً في معرض التَّسليمِ بجعله صلةً للموصول الذي هو صفتُه صلى الله عليه وسلم مع كونِهم في غاية النكير لبعثه صلى الله عليه وسلم بطريقِ التَّهكُّمِ والاستهزاءِ وإلاَّ لقالُوا أبعثَ الله هذا رسولا أو أهذأ الذي يزعمُ أنَّه بعثه الله رسولاً
(6/220)

إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)
{إِن كَادَ} إنْ مخففةٌ منْ أنَّ وضميرُ الشأن محذوفٌ أيْ إنَّه كادَ {ليضلنا عن آلهتنا} أي ليصرفنا عن عبادتِها صرفاً كليَّاً بحيث يُبعدنا عنها لا عن عبادتِها فقط والعدولُ إلى الإضلال لغاية ضلالِهم بادَّعاء أنَّ عبادتَها طريقٌ سويٌّ {لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا} ثبتْنا عليها واستمسكنَا بعبادتِها ولولا في أمثال هذا الكلامِ تجري مَجرى التقييدِ للحُكم المطلقِ من حيثُ المعنى كما أشير إليه في قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ الخ وهذا اعترافٌ منهم بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ من الاجتهادِ في الدعوة إلى الحق وإظهارِ المعجزاتِ وإقامةِ الحججِ والبيِّناتِ إلى حيثُ شارفُوا أنْ يتركُوا دينَهم لولا فرطُ لجَاجِهم وغايةُ عنادِهم يُروى أنَّه من قولِ أبي جهلٍ {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} جوابٌ من جهتهِ تعالى لآخرِ كلامِهم وردٌّ لما ينبىءُ عنه من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى الضَّلالِ في ضمن الإضلال أي سوف يعلمونَ البتةَ وإنْ تراخى {حِينَ يَرَوْنَ العذاب} الذي يستوجبُه كفرُهم وعنادُهم {مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً} وفيه ما لا يَخفْى من الوعيدِ والتَّنبيهِ على أنَّه تعالى لا يهملهم وإن أمهلهم
(6/220)

أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)
{أرأيت مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شناعةِ حالِهم بعد حكاية قبائحِهم من الأقوالِ
(6/220)

سورة الفرقان 44 والأفعالِ وبيانِ ما لهم من المصيرِ والمآلِ وتنبيهٌ على أنَّ ذلك من الغرابةِ بحيث يجبُ أنْ يرى ويتعجَّبَ منه وإلههَ مفعول ثانٍ لاتَّخذ قُدِّم على الأوَّلِ للاعتناء به لأنَّه الذي يدورُ عليهِ أمرُ التعجب ومَن توهَّم أنهما على التَّرتيبِ بناء على تساويهما في التَّعريفِ فقد زلَّ منه أن المفعول الثَّانِي في هذا الباب هو المتلبِّسُ بالحالة الحادثِة أي أرأيتَ مَن جعلَ هواهُ إلهاً لنفسهِ من غير أن يلاحَظ وبنى عليه أمرَ دينِه مُعرِضاً عن استماع الحجَّةِ الباهرة البرهان النيِّرِ بالكلِّيةِ على معنى انظُر إليه وتعجَّب منه وقولُه تعالى {أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} إنكارٌ واستبعادٌ لكونه صلى الله عليه وسلم حفيظاً عليه يزجرُه عمَّا هو عليه من الضَّلالِ ويُرشده إلى الحقَ طوعاً أو كَرهاً والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله من الحالةِ المُوجبةِ له كأنَّه قيل أبعد ما شاهدت غلوَّه في طاعة الهوى وعتوَّه عن اتباع الهُدى تقسره على الإيمان شاء أو أَبَى وقوله تعالى
(6/221)

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ} إضرابٌ وانتقال عن الإنكار المذكورِ إلى إنكار حسبانه صلى الله عليه وسلم لهم ممَّن يسمعُ أو يعقلُ حسبما ينبىءُ عنه جده صلى الله عليه وسلم في الدَّعوةِ واهتمامُه بالإرشاد والتَّذكيرِ لكن لا على أنَّه لا يقعُ كالأوَّلِ بلْ على أنَّه لا ينبغي أنْ يقعَ أي بل أتحسب أنَّ أكثرهم يسمعون ما تتلوا عليهم من الآيات حتى السَّماعِ أو يعقلون ما في تضاعيفها من المواعظ الزَّاجرةِ عن القبائح الدَّاعيةِ إلى المحاسن فتعتنِي بشأنِهم وتطمعُ في إيمانهم وضميرُ أكثرَهم لمَن وجمعُه باعتبارِ معناها كما أن الإفرادَ في الضَّمائرِ الأُوَلِ باعتبار لفظِها وضميرُ الفعلينِ لأكثرَ لاَ لِمَا أُضيف هُو إليهِ وقولُه تعالى {إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام} الخ جملةٌ مستأنَفة مَسوقة لتقرير النَّكيرِ وتأكيدِه وحسم مادة الحُسبانِ بالمرَّةِ أي ما هُم في عدم الانتفاعِ بما يقرعُ آذانَهم من قوارع الآياتِ وانتفاء التَّدبرِ فيما يشاهدونَهُ من الدَّلائلِ والمُعجزاتِ إلا كالبهائمِ التي هي مَثَلٌ في الغفلةِ وعَلَمٌ في الضَّلالةِ {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} منها {سَبِيلاً} لما أنها تنقادُ لصاحبها الذي يعلِفها ويتعهدُّها وتعرف مَن يُحسِن إليها ممَّن يُسيء إليها وتطلبُ ما ينفعها وتجتنبُ ما يضرُّها وتهتدي لمراعيها ومشاربها وتأوِي إلى معاطنِها وهؤلاءِ لا ينقادونَ لربِّهم وخالقِهم ورازقِهم ولا يعرفون إحسانهم إليهم من إساءةِ الشَّيطانِ الذي هو أعدى عدوِّهم ولا يطلبون الثَّوابَ الذي هو أعظمُ المنافع ولا يتَّقون العقابَ الذي هو أشدُّ المضارِّ والمهالك ولا يهتدون للحقِّ الذي هو المشرع الهنيُّ والمورد العذبُ الرَّويُّ ولأنها إنْ لم تعتقِد حقَّاً مستتبِعاً لاكتساب الخيرِ لم تعتقد باطلاً مستوجباً لاقترافِ الشَّرِّ بخلاف هؤلاء حيث مهّدوا قواعدَ الباطلِ وفرَّعُوا عليها أحكامُ الشُّرورِ ولأنَّ أحكامَ جهالتِها وضلالتها مقصورةٌ على أنفسها لاتتعدى إلى أحدٍ وجهالةُ هؤلاء مؤدية إلى ثوران الفتنى والفسادِ وصدِّ النَّاسِ عن سنين السَّدادِ وهيجان الهَرْجِ والمَرْجِ فيما بين العباد ولأنَّها غيرُ معطلةٍ لقوَّةٍ من القُوى المُودَعة بل صارفة لها إلى ما خُلِقت هي له فلا تقصيرَ من قبلها في طلبِ الكمالِ وأمَّا هؤلاءِ فهم مُعطِّلون لقواهم العقلية مضيِّعون للفطرةِ الأصليةِ التي فُطر النَّاسُ عليها مستحقُّون بذلك أعظم العقابِ وأشدَّ النَّكالِ
(6/221)

سورة الفرقان 45
(6/222)

أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45)
{أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ} بيانٌ لبعضِ دلائل التَّوحيدِ إثرَ بيانِ جهالةِ المُعرِضينِ عنها وضلالتهم والخطابُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم والهمزةُ للتَّقريرِ والتَّعرضُ لعُنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره صلى الله عليه وسلم لتشريفه صلى الله عليه وسلم وللإيذانِ بأنَّ ما يعقُبه من آثارِ ربوبيَّتِه ورحمتِه تعالى أيْ ألمْ تنظرُ إِلَى بديعِ صُنعه تعالى {كَيْفَ مَدَّ الظل} أي كيف أنشأ ظلَّ أيَّ مُظَلَ كان من جبلٍ أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشَّمسِ ممتداً لا أنَّه تعالى مدَّهَ بعد أنْ لم يكن كذلك كما بعدَ نصفِ النهار إلى غروبها فإنَّ ذلك مع خُلوِّه عن التَّصريح بكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثِه يأباهُ سياق النظم الكريم وأم ما قيل من أن المرادَ بالظِّل ما بينَ طُلوعِ الفجرِ وطُلوع الشَّمسِ وأنه أطيبُ الأوقاتِ فإنَّ الظُّلمةَ الخالصةَ تنفِرُ عنها الطِّباعُ وشعاع الشمس يسخِّنُ الجوَّ ويبهر البصرَ ولذلك وَصَف به الجَّنةَ في قوله تعالى وَظِلّ مَّمْدُودٍ فغير سديد إذ لاريب في أنَّ المرادَ تنبيهُ النَّاسِ على عظيم قُدرة الله عزَّ وجلَّ وبالغِ حكمتِه فيما يشاهدونَه فلا بدَّ أنْ يُرادُ بالظلِّ ما يتعارفونه من حالةٍ مخصوصةٍ يشاهدونها في موضعٍ يحول بينه وبين الشَّمسِ جسمٌ كثيفٌ مخالفةً لما في جوانبه من مواقعِ ضحِّ الشَّمسِ وما ذُكر وإن كانَ في الحقيقةِ ظلاَّ للأفق الشرقيِّ لكنَّهم لا يعدونه ظلاً ولا يصفونه بأوصافهِ المعهودةِ ولعلَّ توجيه الرُّؤية إليه سبحانه وتعالى مع أنَّ المرادَ تقرير رؤيته صلى الله عليه وسلم لكيفة مدِّ الظِّلِّ للتنبيهِ على أن نظره صلى الله عليه وسلم غير مقصور على ما يُطالعه من الآثارِ والصَّنائعِ بل مطمح أنظارِه معرفةُ شئون الصَّانعِ المجيدِ وقوله تعالى {وَلَوْ شَآء لجعله ساكنا} جملةٌ اعترضتْ بين المعطوفين للتنبيه منْ أولِ الأمرِ عَلى أنَّه لا مدخل فيما ذكر من المدِّ للأسباب العاديَّةِ وإنَّما المؤثر فيه المشيئةُ والقدرةُ ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ على القاعدة المستمرَّة من وقوعها وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ أي ولو شاء سكونَه لجعله ساكناً أي ثابتاً على حالِه من الطُّولِ والامتدادِ وإنما عُبِّر عن ذلك بالسُّكونِ لما أنَّ مقابِلَه الذي هو تغيُّر حاله حسب تغُّيرِ الأوضاعِ بين المضل وبين الشَّمسِ يُرَى رأيَ العينِ حركة وانتقالاً وحاصلُه أنه لا يعتريهِ اختلافُ حالٍ بأن لا تنسخه الشَّمسُ وأمَّا التَّعليلُ بأنْ يجعل الشَّمسَ مقيمةً على وضع واحد فمداره الغفُول عما سيق له النظم الكريم ونطقَ به صريحاً من بيان كمال قُدرته القاهرة وحِكمته الباهرة بنسبة جميعِ الأمور الحادثة إليه تعالى الذات وإسقاط الأسباب العاديَّةِ عن رُتبة السَّببيَّةِ والتَّاثيرِ بالكُلِّيةِ وقصرِها على مجرَّدِ الدِّلالةِ على وجود المسبَّبات لا بذكر قُدرته تعالى على بعض الخوارق كإقامةِ الشَّمسِ في مُقام واحدٍ على أنَّها أعظمُ من إبقاء الظلِّ على حالِه في الدِلالة على ما ذُكر من كمال القُدرةِ والحكمة مكونه من فُروعها ومُستتبعاتها فهي أَوْلَى وأحقُّ بالإيراد في معرضِ البيانِ وقولُه تعالى {ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً} عطفٌ على مدَّ داخلٌ في حُكمهِ أيْ جعلناها علامةً يستدلُّ بأحوالها المتغيِّرة على أحوالِه من غير أنْ يكونَ بينهما سببيّة وتأثيرٌ قطعاً حسبما نطقَ به الشَّرطيةُ المعترضة والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لما في الجعلِ المذكورِ العاري عن التَّأثيرِ مع ما يشاهد بين الشَّمسِ والظلِّ من الدَّورانِ المُطَّردِ المنبىءِ عن السَّببيّةِ من مزيد دلالة على عظمِ القُدرةِ ودقة الحكمةِ وهو السرُّ في إيراد كلمة التَّراخي وقولُه تعالى {ثُمَّ قبضناه}
(6/222)

سورة الفرقان (46 48)
(6/223)

ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
{ثُمَّ قبضناه} عطف على مد داخل في حكمه وثمَّ للتَّراخي الزَّماني لما أنَّ في بيان كون القبض والمد مر تبين دائرينِ على قطبِ مصالحِ المخلوقاتِ مزيدَ دلالةِ على الحكمة الرَّبانيَّةِ ويجوز أنْ تكونَ للتَّراخي الرُّتبي أي أزلناه بهد ما أنشأناهُ ممتدَّاً ومحوناه بمحص قُدرتنا ومشيئتنا عند إيقاعِ شعاعِ الشَّمس موقعَه من غير أن يكون له تأثيرٌ في ذلك أصلاً وإنَّما عبَّر عنه بالقبضِ المنبىء عن جميع المنبسطِ وطيِّه لمَا أنَّه قد عبَّر عن إحداثِه بالمدِّ الذي هو البسطُ طولاً وقوله تعالى {إِلَيْنَا} للتَّنصيصِ على كونِ مرجعِه إليه تعالى كما أنَّ حدوثَه منع عزَّ وجلَّ {قَبْضاً يَسِيراً} أي على مهل قليلاً حسب ارتفاعِ دليله على وتيرة معيَّنةٍ مطَّردةٍ مستتبعة لمصالح المخلوقات ومرافقها وقبل إنَّ الله تعالى حين بنى السماء كالقبلة المضروبة ودَحَا الأرضَ تحتها ألقت القبة طلها على الأرضِ لعدمِ النيِّر وذلك مدُّه تعالى إيَّاه ولو شاء لجعله ساكنا مستقرَّاً على تلك الحالةِ ثم خلق الشَّمسَ وجعلها على ذلك الظلِّ أي سلَّطها عليه ونصَبها دليلاً متبوعاً له كما يتبعُ الدَّليل في الطَّريقِ فهو يزيدُ بها وينقصُ ويمتدُّ ويقلصُ ثم نسخه بها فقبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسيرا وقبضا سهلاً عند قيام السَّاعةِ بقبضِ أسبابهِ وهي الأجرامُ التي تلقي الظلَّ فيكون قد ذُكر إعدامُه بإعدامِ أسبابِه كما ذُكر إنشاؤه بإنشائِها ووصفه باليسرِ على طريقةِ قوله تعالى ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحقُّقِ الوقوع
(6/223)

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
{وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً} بيانٌ لبعض بدائعِ آثارِ قُدرتِه تعالى وحكمتِه وروائع أحكام رحمته ونعمه الفائضِة على الخلق وتلوينُ الخطابِ لتوفيةِ مقامِ الامتنانِ حقَّه واللامُ متعلِّقةٌ بجعلَ وتقديمُها على مفعولَيْه للاعتناءِ ببيان كونِ ما يعقُبه من منافعِهم وفي تعقيبِ بيان أحوال الظل ببيان أحكامِ اللَّيلِ الذي هُو ظلُّ الأرضِ من لُطف المسلكِ ما لا مزيدَ عليه أي هُوَ الذى جعلَ لكُم اللَّيلَ كاللِّباسِ يسترُكم بظلامِه كما يسترُكم اللِّباسُ {والنوم سُبَاتاً} أي وجعلَ النَّومَ الذي يقعُ في اللَّيلِ غالباً قطعاً عن الأفاعيل المختصَّة بحال اليقظةِ عبَّر عنه بالسُّباتِ الذي الموتُ لما بينها من المُشابهةِ التَّامةِ في انقطاعِ أحكامِ الحياةِ وعليهِ قولُه تعالى وَهُوَ الذى يتوفاكم بالليل وقولُه تعالى الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا {وَجَعَلَ النهار نُشُوراً} أي زمانَ بعثٍ من ذلك السُّباتِ كبعثِ الموتى على حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليه مُقامَه أو نفسُ البعثِ على طريق المبالغة وفيه إشارة إلى أن النَّومَ واليقظةَ أنموذجٌ للموتِ والنُّشورِ وعن لُقمانَ عليه السَّلامُ يا بُنيَّ كما تنامُ فتوقظُ كذلك تموتُ وتنشرُ
(6/223)

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)
{وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح} وقُرىء بالتَّوحيدِ على أنَّ المرادَ هو الجنسُ {بُشْرًا} تخفيفُ بُشُر جمعُ بَشُورٍ أي مُبشِّرينَ وقُرىء بُشْرى وقرى نُشْراً بالنُّونِ جمعُ نَشور أي ناشرات للَّسَّحابِ وقُرىء بالتَّخفيفِ وبفتحِ النُّونِ أيضاً على أنه مصدرٌ
(6/223)

سورة الفرقان (46 48)
وُصف به مبالغةً وقولُه تعالى {بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} استعارةٌ بديعةٌ أي قُدامَ المطرِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ في قولِه تعالى {وَأَنزَلْنَا من السماء ماء طَهُوراً} لإبرازِ كمالِ العنايةِ بالإيزال لأنَّه نتيجةُ ما ذُكر من إرسالِ الرِّياحِ أي أنزلنا بعظمتِنا بما رتَّبنا من إرسالِ الرِّياح من جهةِ الفوقِ ماءً بليغاً في الطَّهارةِ وما قيل إنَّه ما يكون طاهراً في نفسه ومطهراً لغيرهِ فهو شرح لبلاغته في الطَّهارةِ كما ينبُىء عنه قوله تعالى وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ فإنَّ الطَّهورَ في العربيةِ إمَّا صفةٌ كما تقول ماء طهورا واسم كما في قوله صلى الله عليه وسلم التُّرابُ طهورُ المؤمنِ وقد جاء بمعنى الطَّهارةِ كما في قولك تطهرتُ طَهوراً حسناً كقولك وَضُوءاً حسناً ومنه قوله تعالى صلى الله عليه وسلم لا صلاةَ إلا بطَهورٍ ووصف الماءِ به إشعارٌ بتمام النِّعمةِ فيه وتتميم للنِّعمةِ فيما بعده فإنَّ الماءَ الطَّهورَ أهنأُ وأنفعُ ممَّا خالطه ما يزيل طهوريَّتَه وتنبيه على أنَّ ظواهرهم لما كانت ممَّا ينبغي أن يطهورها فبواطهم أحقُّ بذلك وأولى
(6/224)

لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)
{لّنُحْيِىَ بِهِ} أي بما أنزلنا من الماءِ الطَّهورِ {بَلْدَةً مَّيْتاً} بإنبات النَّباتِ والتَّذكيرُ لأنَّ البلدةَ بمعنى البلدِ ولأنَّه غير جارٍ على الفعل كسائر أبنية المبالغةِ فأُجريَ مُجرى الجامدِ والمرادُ به القطعةُ من الأرضِ عامرةً كانت أو غامرةً {وَنُسْقِيَهِ} أي ذلك الماءُ الطَّهورُ عند جريانه في الأوديةِ أو اجتماعه في الحياضِ والمنافعِ أو الآبارِ {مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً} أي أهلَ البوادي الذين يعيشون بالحَيَا ولذلك نكَّر الأنعامَ والأَناسيَّ وتخصيصهم بالذكر لأنَّ أهل القرى والأمصار يقيمون بقرب الأنهار والمبالغ فيهم وبما لهم من الأنعام غنيةٌ عن سُقيا السَّماءِ وسائرُ الحيوانات تبعدُ في طلب الماء فلا يُعوِزُها الشُّربُ غالباً مع أنَّ مساقَ الآياتِ الكريمةِ كما هو للدِّلالة على عظم القدرة فهو لتعداد أنواع النِّعمةِ والأنعامُ حيث كانت قُنيةً للإنسان وعامة منافعهم ومعايشهم مَنوطةٌ بها قُدِّمَ سقيُها على سقيهم كما قُدِّم عليها إحياءُ الأرضِ فإنَّه سببٌ لحياتِها وتعيُّشِها وقُرىء نُسقيه وأَسْقَى وسَقَى لغتان وقيل أسقاهُ جعل له سُقيا وأَناسيَّ جمع إنسيَ أو إنسانٍ كظرابي في ظربان على أنَّ أصله أناسينَ فقُلبت نونُه ياءً وقُرىء أَناسيْ بالتَّخفيفِ بحذف ياءِ أفاعيلَ كأناعمَ في أناعيمَ
(6/224)

وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
{ولقد صرفناه} أي وبالله لقد كررنا هذا القول الذي هو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر لما مر من الغايات الجميلة في القرآن وغيره من الكتب السماوية {بينهم} أي بين الناس من المتقدمين والمتأخرين {ليذكروا} ليتفكروا ويعرفوا بذلك كمال قدرته تعالى وواسع رحمته في ذلك ويقوموا بشكر نعمته حق قيام وقيل الضمير للمطر وتصريفه بينهم إنزاله في بعض البلاد دون غيرها أو في بعض الأوقات دون بعض أو جعله تارة وابلا وأخرى طلا وحينا ديمه ووقتا رهمة والأول هو الأظهر {فأبى أكثر الناس} ممن سلف وخلف {إلا كفورا} أي لم يفعل إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها أو وإلا جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكر وصنع الله تعالى ورحمته ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء فهو كافر بخلاف من يرى أن الكل يخلق الله تعالى
(6/224)

سورة الفرقان (51 53)
والأنواء أمارات لجعله تعالى
(6/225)

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51)
{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً} نبيَّاً ينذر أهلها فيخف عليك أعباءَ النبوةِ لكن لم نشأْ ذلك فلم نفعلْه بل قصرنا الأمرَ عليك حسبما ينطِق به قوله تعالى لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً إجلالاً لك وتعظيماً وتفضيلاً لك على سائر الرُّسلِ
(6/225)

فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)
{فَلاَ تُطِعِ الكافرين} أي فقابل ذلك بالثَّباتِ والاجتهاد في الدَّعوةِ وإظهار الحقِّ والتَّشددِ معهم كأنَّه نهيٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المُداراة معهم والتَّلطفِ في الدَّعوةِ لما أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يودُّ أنْ يدخُلوا في الإسلام ويجتهدُ في ذلك بتأليفِ قلوبهم أشدَّ الاجتهاد {وجاهدهم بِهِ} أي بالقُرآن بتلاوةِ ما في تضاعيفِه من القوارع والزَّواجرِ والمَواعظِ وتذكير أحوال الأممِ المكذِّبةِ {جِهَاداً كَبيراً} فإنَّ دعوةَ كلِّ العالمينَ على الوجهِ المذكورِ جهادٌ كبيرٌ لا يُقادرُ قدرُه كمًّا وكيفاً وقيل الضَّميرُ المجرورُ لتِركِ الطَّاعةِ المفهوم من النَّهي عن الطَّاعةِ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ مجرَّد تركِ الطَّاعةِ يتحقَّقُ بلا دعوةٍ أصلاً وليس فيه شائبةُ الجهاد فضلان عن الجهاد الكبيرِ اللهمَّ إلاَّ أنْ تجعلَ الباء للملابسةِ ليكون المعنى وجاهِدْهم بما ذُكر من أحكامِ القُرآن الكريم ملابَساً بتركِ طاعتِهم كأنَّه قيل فجاهدْهم بالشِّدَّةِ والعُنفِ لا بالمُلاءمةِ والمُداراةِ كما في قوله تعالى يأيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ وقد جُعل الضميرُ لما دلَّ عليه قولُه تعالى ولو شئنا لَبَعَثْنَا فِى كُلّ قَرْيَةٍ نذيرا من كونه صلى الله عليه وسلم نذيرَ كافَّةِ القُرى لأنَّه لو بُعث في كلِّ قرية نذير لوجبَ على كلِّ نذير مجاهدةُ قريتِه فاجتمعتْ على رسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم تلك المجاهداتُ كلُّها فكبُر من أجلِ ذلك جهادُه وعظم فقيل له صلى الله عليه وسلم وجاهدْهم بسببِ كونِك نذيرَ كافَّةِ القُرى جهاداً كبيراً جامعاً لكلِّ مُجاهدةٍ وأنت خبيرٌ بأنَّ بيانَ سبب كِبَرِ المُجاهدةِ بحسب الكميَّةِ ليس فيه مزيد فإنَّه بيِّنٌ بنفسِه وإنَّما اللائقُ بالمقامِ بيانُ سببِ كبرِها وعظمِها في الكيفيَّةِ
(6/225)

وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)
{وَهُوَ الذى مَرَجَ البحرين} أي خلاَّهما متجاورينِ مُتلاصقين بحيثُ لا يتمازجانِ من مَرَجَ دابَّته إذا خلاَّها {هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ} قامعٌ للعطشِ لغايةِ عذوبتِه {وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ} بليغُ المُلوحةِ وقُرىء مَلْحٌ فلعلَّه تخفيفُ مالحٍ كبَرْدٍ في باردٍ {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً} حاجزاً غيرَ مرئيَ من قُدرتِه كما في قوله تعالى بغير عمد وترونها {وَحِجْراً مَّحْجُوراً} وتنافراً مُفرِطاً كأن كلامهما يتعوَّذُ من الآخرِ بتلك المقالِة وقيل حَدَّاً محدُوداً وذلك كدجلةَ تدخلُ البحرَ وتشقُّه وتجري في خلالِه فراسخَ لا يتغيَّرُ طعمُها وقيل المرادُ بالبحرِ العذبِ اله العظيمُ وبالمالحِ البحرُ الكبيرُ وبالبرزخ ما بينهما من الأرضِ فيكون أثرُ القُدرة في الفصلِ واختلافِ الصِّفةِ مع أنَّ مُقتضى طبيعةِ كلِّ عُنصرٍ التَّضامُّ والتَّلاصقُ والتشابه في الكيفية
(6/225)

سورة الفرقان (54 59)
(6/226)

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
{وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً} هو الماءُ الذي خمَّر به طينة آدمَ عليه السَّلامُ أو جعله جُزءاً من مادَّةِ البشر ليجتمع ويسلسَ ويستعدَّ لقبول الأشكال والهيئاتِ بسهولة أو هو النُّطفةُ {فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً} أي قسمه قسمينِ ذوَيْ نسبٍ أي ذكوراً يُنتسبُ إليهم وذوات صهرا أي أناثاً يُصاهرُ بهنَّ كقولهِ تعالى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والانثى {وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً} مبالغاً في القُدرة حيث قدرَ على أنْ يخلقَ من مادَّةٍ واحدةٍ بشراً ذَا أعضاءٍ مختلفةٍ وطباعٍ مُتباعدةٍ وجعله قسمين متقابلتين ورُبَّما يخلق من نُطفةٍ واحدة توأمين ذكرا وأنثى
(6/226)

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
{وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله} الذي شأنه ما ذكر {مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ} أي ما ليس من شأنِه النَّفعُ والضُّرُّ أصلاً وهو الأصنامُ أو كل ما يعبدون من دونه تعالى إذْ ما من مخلوقٍ يستقلُّ بالنَّفع والضُّرُّ {وَكَانَ الكافر على رَبّهِ} الذي ذُكرتْ آثارُ ربوبَّيتهِ {ظَهِيرًا} يُظاهر الشَّيطانَ بالعداوةِ والشركِ والمرادُ بالكافر الجنسُ أو أبُو جهلٍ وقيل هيِّناً مهيناً لا اعتدادَ به عندَه تعالى من قولِهم ظهرتَ به إذا نبذته خلفَ ظهرِك فيكون كقولِه تعالى وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ
(6/226)

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56)
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا} للمؤمنين {وَنَذِيرًا} للكافرين
(6/226)

قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)
{قُلْ} لهم {مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} أي على تبليغِ الرَّسالةِ الذي ينبىءُ عنه الإرسالُ مِنْ {أَجْرٍ} من جهتكم {إِلاَّ مَن شَاء أن يتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً} أي الأفعال من يُريد أنْ يتقرَّبَ إليه تعالى ويطلبَ الزُّلْفى عندَه بالإيمانِ والطَّاعةِ حسبَما أدعُوهم إليهما فصوَّرَ ذلك بصورةِ الأجرِ من حيثُ إنَّه مقصودُ الإتيانِ به واستثنى منه قلعاً كلَّياً لشائبةِ الطَّمعِ وإظهاراً لغاية الشَّفقةِ عليهم حيثُ جعلَ ذلك مع كونِ نفعِه عائدا إليهم عائدا إليه صلى الله عليه وسلم وقيل الاستثناءُ منقطعٌ أي لكِنْ منَ شاء أنْ يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعلْ
(6/226)

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ} في الاستكفاءِ عن شرورِهم والإغناءِ عن أجورِهم فإنَّه الحقيقُ بأنْ يتوكل بأن عليه دون الأحياء الذين من شأنِهم الموتُ فإنَّهم إذا ماتوا اضاع مَن توكَّل عليهم {وَسَبّحْ بِحَمْدِهِ} ونزَّهه عن صفاتِ النُّقصانِ مُثنياً عليه بنعوتِ الكمالِ طالباً لمزيدِ الإنعامِ بالشُّكرِ على سوابغِه {وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ} ما ظهرَ منها وما بطنَ {خَبِيراً} أي مُطَّلِعاً عليها بحيثُ لا يَخْفى عليه شيءٌ منها فيجزيهم جزاءً وافيا
(6/226)

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)
{الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش}
(6/226)

قد سلفَ تفسيرُه ومحلُّ الموصولِ الجرُّ على أنَّه صفةٌ أُخرى للحيِّ وصف بالصِّفةِ الفعلية بعد وصفهِ بالأبديَّةِ التي هي من الصَّفاتِ الذَّاتيةِ والإشارةُ إلى الصافة بالعلمِ الشَّاملِ لتقريرِ وجوبُ التوكلِ عليه تعالى وتأكيده فإنَّ من أنشأَ هذه الأجرامَ العظامَ على هذا النمطِ الفائقِ والنَّسقِ الرَّائقِ بتدبيرٍ متينٍ وترتيبٍ رصينٍ في أوقاتٍ معيَّنة مع كمال قدرتِه على إبداعها دفعةً لحكمِ جليلةٍ وغاياتٍ جميلةٍ لا تقف على تفاصيلِها العقولُ أحقُّ مَن يُتوكَّل عليه وأَولى من يُفوَّضُ الأمرُ إليه {الرحمن} مرفوعٌ على المدحِ أي هو الرحمنُ وهو في الحقيقةِ وصفٌ آخرُ للحيِّ كما قُرىء بالجرِّ مفيد لزيادة تأكيد ما ذُكر من وجوبُ التوكلِ عليه تعالى وإنْ لم يتبْعه في الإعرابِ لما تقرَّر من أنَّ المنصوبَ والمرفوعَ مَدحاً وإنْ خرجَا عن التبيعة لما قبلهما صورةً حيثُ لم يتبعاهُ في الإعرابِ وبذلك سُمّيا قطعاً لكنَّهما تابعانِ له حقيقةً أَلاَ يرى كيف النزموا حذف الفعل والمتدأ في النصب والرفع وما لتصوير كلَ منهما بصورةِ متعلِّقٍ من متعلَّقات ما قبلَه وتنبيهاً على شدَّةِ الاتِّصالِ بينهما وقد مرَّ تمامُ التَّحقيق في تفسير قولِه عزَّ وجلَّ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب الآيةَ وقيل الموصولُ مبتدأٌ والرَّحمنُ خبرُه وقيل الرَّحمنُ بدلٌ من المستكنِّ في استوى {فَاسْأَلْ بِهِ} أي بتفاصيلِ ما ذُكر إجمالاً من الخَلْقِ واستواء لا بنفسِهما فقط إذْ بعد بيانِهما لا يبقى إلى السُّؤالِ حاجةٌ ولا في تعديتهِ بالباءِ فائدةٌ فإنَّها مبنيَّةٌ على تضمينهِ معنى الاعتناءِ المستدعِي لكون المسؤل أمراً خطيراً مهتمًّا بشأنِه غيرَ حاصلٍ للسَّائلِ وظاهرٌ أنَّ نفسَ الخلقِ والاستواءِ بعد الذِّكرِ ليس كذلكَ وما قيل من أن التَّقديرَ إنْ شككتَ فيه فاسألْ به خَبيراً على أن الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمرادَ غيرُه بمعزلٍ من السَّدادِ بل التَّقديرُ إنْ شئتَ تحقيقَ ما ذُكر أو تفصيلَ ما ذُكر فاسألْ معنيًّا بهِ {خَبِيراً} عظيمَ الشَّأنِ محيطاً بظواهرِ الأمورِ وبواطِنها وهو الله سبحانَه يُطلعك على جليَّةِ الأمرِ وقيل فاسألْ به من جده في الكتبِ المتقدِّمةِ ليصدُقكَ فيه فلا حاجةَ حينئذٍ إلى ما ذَكرنا وقيل الضَّميرُ للرَّحمنِ والمعنى إنْ أنكرُوا إطلاقُه على الله تعالى فاسألْ عنه مَن يُخبرك من أهلِ الكتابِ ليعرفوا مجيء ما يردافه في كتبِهم وعلى هَذا يجوزُ أنْ يكونَ الرَّحمنُ مبتدأ وما بعده خبرا وقُرىء فَسَلْ
(6/227)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن} قالوا لما أنهم ما كانوا يُطلقونَهُ على الله تعالى أو لأنَّهم ظنُّوا أنَّ المرادَ به غيرُه تعالى ولذلك قالُوا {أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا} أي للذي تأمرُنا بسجودِه أو لأمرِك إيَّانا من غيرِ أنْ نعرفَ أن المسجود له ماذا وقيل لأنَّه كانَ مُعرَّباً لم يسمعُوه وقُرىء يأْمُرنا بياءِ الغَيبةِ على أنَّه قولُ بعضِهم لبعضٍ {وَزَادَهُمْ} أي الأمرُ بسجودِ الرَّحمنِ {نُفُورًا} عن الإيمانِ
(6/227)

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)
{تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً} هيَ البروجُ الاثنَا عشرَ سُّمِّيتْ به وهي القُصور العاليةُ لأنَّها للكواكبِ السَّيارةِ كالمنازلِ الرَّفيعةِ لسُكَّانِها واشتقاقُه من البُرجِ لظهورِه {وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً} هي الشَّمسُ لقولِه تَعالَى وجعل الشَّمسَ سراجاً وقُرىء سرجا وهي
(6/227)

سورة الفرقان (62 65)
الشَّمسُ والكواكبُ الكبارُ {وَقَمَراً مُّنِيراً} مُضيئاً بالليَّل وقُرىء قمرا أي ذا قمر وهي مع قَمراءَ ولما أنَّ اللَّياليَ بالقمر تكون قمرا ضيف إليها ثمَّ حُذفَ وأُجريَ حكمُه على المضافِ إليهِ القائمِ مقامَهُ كما في قولِ حسَّانَ رضَي الله عنه {بردى يضيق بالرَّحيقِ السَّلسلِ} أي ماءُ بَردى ويُحتمل أنَّ يكونَ بمعنى القمرِ كالرَّشدِ والرُّشدِ والعَرَبِ والعُرْبِ
(6/228)

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
{وهو الذي جعل الليل والنهار خِلْفَةً} أي ذَوَي خلفةٍ يخلفُ كلٌّ منهما الآخرَ بأنْ يقومَ مقامَه فيما ينبغي أنْ يَعملَ فيه أو بأنْ يَعتِقبا كقوله تعالى واختلاف الليل والنهار وهي اسمٌ للحالةِ من خلفَ كالرِّكبةِ والجِلسةِ من رَكِبَ وجَلَس {لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ} أي يتذكَّر آلاءَ الله عزَّ وجلَّ ويتفكَّر في بدائعِ صُنَعهِ فيعلم أنَّه لا بُدَّ لها من صانعٍ حكيمٍ واجبِ الذَّاتِ رحيمٍ للعبادِ {أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} أي أنْ يشكَر الله تعالى على ما فيهما من النِّعمِ أو ليكونا وقتين للذاكربن مَن فاتَهُ وِرْدُه في أحدهما تداركه في الآخر وقرى أنْ يذكُرَ من ذَكَر بمعنى تذكَّر
(6/228)

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
{وَعِبَادُ الرحمن} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أو صاف خلَّصِ عبادِ الرَّحمنِ وأحوالِهم الدَّنيويةِ والأخُروَّيةِ بعد بيان حال النَّافرين عن عبادتِه والسُّجودِ له والإضافةُ للتَّشريفِ وهو مبتدأ خبرُه ما بعدَهُ من الموصولِ وما عُطف عليهِ وقيلَ هو ما في آخرِ السُّورةِ الكريمةِ من الجُملةِ المصدَّرةِ الإشارةِ وقُرىء عبادُ الرَّحمنِ أي عبادُه المقبُولونَ {الذين يَمْشُونَ على الارض هَوْناً} أي بسكينةٍ وتواضعٍ وهَوْناً مصدرٌ وُصف به ونصبُه إمَّا على أنَّه حالٌ من فاعلِ يمشُون أو على أنه نعث لمضدره أي يمشُون هيِّنين ليِّنيِ الجانبِ من غيرِ فظاظةٍ أو مشياً هيِّنا وقولُه تعالى {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون} أي السُّفهاءُ كما في قول من قال ألا لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا فنجهل فوق جهل الجاهلية ...
{قَالُواْ سَلاَماً} بيانٌ لحالِهم في المُعاملة مع غيرِهم إِثرَ بيانِ حالِهم في أنفسِهم أي إذا خاطبُوهم بالسُّوءِ قالوا تسليماً منكمُ ومتاركةً لا خيرَ بيننا وبينكم شرَّ وقيل سَداداً من القولِ يسلمُون به من الأذيَّةِ والإثمِ وليسَ فيه تعرُّضٌ لمعاملتِهم مع الكَفَرةِ حتَّى يُقالَ نسختها آيةُ القتالِ كما نُقل عن أبي العاليةِ وقولُه تعالى
(6/228)

وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
{وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما} بيانٌ لحالِهم في معاملتِهم مع ربِّهم أي يكونون ساجدين لربِّهم وقائمين أي يحبون اللَّيلَ كُلاًّ أو بعضاً بالصَّلاةِ وقيل من قرأ شيئاً من القُرآنِ في صلاةٍ وإنْ قلَّ فقد باتَ ساجداً وقائماً وقيل هُما الرَّكعتانِ بعد المغربِ والرَّكعتانِ بعد العشاءِ وتقديمُ السُّجودِ على القيامِ لرعايةِ الفواصلِ
(6/228)

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
{والذين يَقُولُونَ} أي في أعقابِ صلواتِهم أو في عامة أو قاتهم {رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً}
(6/228)

أي شراً دائماً وهلاكاً لازماً وفيه مزيدُ مدحٍ لهم ببيان أنَّهم مع حُسن معاملتِهم مع الخلقِ واجتهادِهم في عبادةِ الحقِّ يخافُون العذابَ ويبتهلون إلى الله تعالَى في صرفِه عنهم مختلفين بأعمالِهم كقوله تعالَى والذين يُؤْتُونَ ما آتوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون
(6/229)

إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
{إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} تعليلٌ لاستدعائِهم المذكورِ بسوءِ حالِها في نفسها إثرَ تعليلهِ بسوء حالِ عذابِها وقد جوز أن يكون تعليلاً للأُولى وليس بذاك وساءتْ في حكم بئستُ وفيها ضميرٌ مبهمٌ يفسِّره مستقرَّاً والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ معناه ساءتْ مستقرَّاً ومقاماً هَي وهذا الضَّميرُ هو الذي ربطَ الجملة باسمِ إنَّ وجعلَها خبراً لها قيلَ ويجوزُ أنْ يكونَ ساءتْ بمعنى أحزنتْ وفيها ضميرا اسم إنَّ ومستقرَّاً حالٌ أو تمييزٌ وهو بعيدٌ خالٍ عَّما في الأولِ من المبالغةِ في بيانِ سوءِ حالِها وكذا جعل التعليلينِ من جهتِه تعالى
(6/229)

وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
{والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ} لم يجاوزُوا حدَّ الكرمِ {وَلَمْ يَقْتُرُواْ} ولم يضيِّقُوا تضييقَ الشَّحيحِ وقيل الإسراف هو الإتفاق في المعاصِي والقترُ منعُ الواجباتِ والقُربِ وقُرىء بكسرِ التَّاءِ مع فتحِ الياءِ وبكسرها مخففة ومشدة مع ضمِّ الياءِ {وَكَانَ بَيْنَ ذلك} أي بين ما ذكر من الإسراف والقَترِ {قَوَاماً} وسطاً وعدلاً سُمِّي به لاستقامةِ الطَّرفينِ كما سُمِّيَ به سواءً لا ستوائهما وقُرىء بالكسرِ وهو ما يُقام به الحاجةُ لا يفضلُ عنها ولا ينقصُ وهو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ مؤكِّدة أو هو الخبرُ وبين ذلك لغوٌ وقد جوز أن يكون اسمَ كانَ على أنَّه مبنيٌّ لأضافتِه إلى غيرِ متمكِّن ولا يَخْفى ضعفُه فإنَّه بمعنى القوام فيكون كالإخبارِ بشيءِ عن نفسِه
(6/229)

وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)
{والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخر} شروعٌ في بيان اجتنابِهم عن المعاصي بعد بيانِ إتيانِهم بالطَّاعات وذكرُ نفيِ الإسرافِ والقَتْرِ لتحقيقِ معنى الاقتصادِ والتَّصريحُ بوصفِهم بنفيِ الإشراكِ مع ظهورِ إيمانِهم لإظهارِ كمالِ الاعتناء بالتَّوحيدِ والإخلاصِ وتهويلِ أمرِ القتلِ والزِّنا بنظمِهما في سلكِه وللتَّعريضِ بما كانَ عليه الكَفَرةُ من قُريشٍ وغيرِهم أي لا يعبدونَ معه تعالى إلهاً آخرَ {وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله} أي حرَّمها بمعنى حرَّم قتلَها فحُذف المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مقامه مبالغةً في التَّحريمِ {إِلاَّ بالحق} أي لا يقتلونَها بسببٍ من الأسبابِ إلا بسببِ الحقِّ المزيلِ لحُرمتِها وعصمتِها أو لا يقتلون قتلاً ما إلا قتلاً ملتبساً بالحقِّ أو لا يقتلونها في حالٍ من الأحوالِ إلا حال كونهم ملتبسين بالحقِّ {وَلاَ يَزْنُونَ} أي الذين لا يفعلُون شيئاً من هذه العظائمِ القبيحةِ التي جمعهنَّ الكفرةُ حيث كانُوا مع إشراكِهم به سبحانه مداومين على قتلِ النُّفوسِ المحرَّمةِ التي من جُملتها الموءودةُ مكبِّين على الزنا لا يرعون عنه أصلاً {وَمَن يَفْعَلْ ذلك} أي ما ذُكر كما هو دأبُ الكَفرةِ
(6/229)

سورة الفرقان (69 72) المذكُورين {يَلْقَ} في الآخرةِ وقرىء يلقَّ بالتَّشديدِ مجزوماً {أَثَاماً} وهو جزاءُ الإثمِ كالوبال والنِّكال وزناً ومعنى وقيل هو الإثم أي يلقَ جزاءُ الإثم والتَّنوينُ على التَّقديرين للتفخيم وقُرىء أيَّاماً أي شدائدَ يقال يومٌ ذُو أيَّام لليومِ الصَّعبِ
(6/230)

يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
{يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة} بدلٌ من يلقَ لاتِّحادِهما في المعنى كقوله ... متى تأتِنا تُلمِمْ بنا في ديارِنا ... تجدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تأجَّجاً وقُرىء ...
بالرَّفع على الاستئنافِ أو على الحالَّيةِ وكذا ما عُطف عليه وقرىء يُضعَّف ونُضعِّف له العذابَ بالنُّون ونصبِ العذابِ {وَيَخْلُدْ فِيهِ} أي في ذلكَ العذابِ المضاعفِ {مُهَاناً} ذليلاً مستحقراً جامعاً للعذاب الجُسمانيِّ والرُّوحانيِّ وقرىء يُخلَد ويُخلَّد مبنياً للمفعول من الإخلاد والتَّخليدِ وقُرىء تخلُد بالتاء على الالتفات المنبىءِ عن شدَّة الغضبِ ومضاعفةِ العذابِ لانضمامِ المعاصي إلى الكفر كما يفصحُ عنه قولُه تعالى
(6/230)

إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)
{إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} وذكر الموصوفِ مع جريانِ الصَّالحِ والصَّالحاتِ مَجرى الإسم للإعتناء والتنَّصيص على مغايرتهِ للأعمال السَّابقةِ {فَأُوْلَئِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ والجمعُ باعتبارِ معناه كما أن الإفراد في الأفعالِ الثَّلاثة باعتبار لفظةِ أي أولئك الموصُوفون بالتَّوبةِ والإيمانِ والعملِ الصَّالحِ {يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات} بأنْ يمحوَ سوابقَ معاصِيهم بالتَّوبةِ ويثبت مكانَها لواحقَ طاعتِهم أو يبدلَ بملكة المعصيةِ ودواعيها في النفس ملكةَ الطَّاعةِ بأنْ يُزيلَ الأُولى ويأتيَ بالثَّانيةِ وقيل بأنْ يُوفقَه لأضدادِ ما سلف منه أو أن يُثبت له بدَل كلِّ عقابٍ ثواباً وقيل يبدلهم بالشِّركِ إيماناً وبقتل المسلمينَ قتلَ المشركين وبالزِّنا عفَّةً وإحصاناً {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} اعتراض تذيبلى مقرِّرٌ لما قبله من المحوِ والإثبات
(6/230)

وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
{وَمَن تَابَ} أي عن المعاصي بتركها بالكليَّة والنَّدمِ عليها {وَعَمِلَ صالحا} يتلافى به ما فَرَطَ منه أو خرج عن المعاصي ودخل في الطَّاعات {فَإِنَّهُ} بما فعلَ {يَتُوبُ إِلَى الله} أي يرجعُ إليه تعالى {مَتاباً} أي متاباً عظيمَ الشَّأنِ مرضيّاً عنده تعالى ما حيا للعقاب محصِّلاً للثَّوابِ أو يتوب متاباً إلى الله تعالى الذي يحبُّ التَّوابينَ ويحسن إليهم أو فإنَّه يرجعُ إليه تعالى أو إلى ثوابه مرجعاً حسناً وهذا تعيمم بعد تخصيصِ
(6/230)

وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)
{والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} لا يُقيمون الشَّهادةَ الكاذبةَ أو لا يحضُرون محاضرَ الكذبِ فإنَّ مشاهدةَ الباطل مشاركةٌ فيه {وَإِذَا مَرُّواْ} على طريقِ الاتفاقِ {باللغو} أي ما يجبُ أنْ يُلغى ويُطرحَ مَّما لا خيرَ فيه {مَرُّواْ كِراماً} معرضين عنه مكرِمين أنفسَهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الإغضاءُ عن الفواحش والصَّفحُ عن الذُّنوب والكنايةُ عمَّا يُستهجنُ التصريح به
(6/230)

سورة الفرقان (73 75)
(6/231)

وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)
{والذين إذا ذكروا بآيات رَبّهِمْ} المنطويةِ على المواعظ والأحكامِ {لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} أي أكبُّوا عليها سامعين بآذانٍ واعيةٍ مجلين لها بعيون راعية وإنما عبَّر عن ذلك بنفي الضِّدِّ تعريضاً بما يفعله الكفرةُ والمنافقون وقيل الضَّميرُ للمعاصي المدلولِ عليها باللغو
(6/231)

وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
{والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بتوفيقهم للطَّاعةِ وحيازة الفضائلِ فإنَّ المؤمنَ إذا ساعده أهلُه في طاغة الله عزَّ وجلَّ وشاركوه فيها يُسرُّ بهم قلبُه وتقرُّ بهم عينُه لما يشاهدُه من مشايعتهم له في مناهجِ الدِّينِ وتوقُّعِ لحوقِهم به في الجنَّة حسبما وعد بقوله تعالى أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ ومِن ابتدائتة او بيانية وقرئ وذريتا وتنكيرُ الأعينِ لإرادة تنكيرِ القُرَّة تعظيماً وتقليلُها لأنَّ المراد أعين المنقين ولا ريبَ في قلَّتِها نظراً إلى غيرِها {واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} أي اجعلنا بحيثُ يقتدون بنا في إقامة مواسم الدِّين بإفاضة العلم والتَّوفيقِ للعمل وتوحيدُه للدِّلالة على الجنس وعدم الإلباس كقوله تعالى ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً أو لأنَّ المرادَ واجعلْ كلَّ واحدٍ مَّنا إماماً أو لأنَّهم كنفس واحدةٍ لاتِّحاد طريقتهم واتِّفاق كلمتِهم كذا قالُوا وأنت خبيرٌ بأن مدارَ الكلِّ صدورُ هذا الدُّعاء إما عن الكلِّ بطريق المعيَّةِ وأنه محال لاستحانة اجتماعِهم في عصرٍ واحدٍ فما ظك باجتماعهم في مجلسٍ واحدٍ واتِّفاقِهم على كلمةٍ واحدةَ وإما عنْ كلَّ واحدٍ منْهُم بطريق تشريك غيره في استدعاءِ الإمامةِ وأنَّه ليس بثابتٍ جَزْماً بل الظَّاهرُ صوره عنهم بطريقِ الانفرادِ وأنَّ عبارةَ كلِّ واحدٍ منهم عند الدُّعاء واجعلني للمتَّقين إماماً خلا أنه حُكيت عباراتُ الكلِّ بصيغة المتكلِّم مع الغيرِ للقصدِ إلى الإيجاز على طريقة قوله تعالى يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات واعملوا صالحا وأتقى إماماً على حاله وقيل الإمامُ جمعُ آمَ بمعنى قاصد كصيام جمع صائم ومعناه قاصدين لهم مُقتدين بهم وإعادةُ الموصولِ في المواقع السَّبعةِ مع كفايةِ ذكرِ الصِّلات بطريقِ العطفِ على صلة الموصول الأول للإبذان بأنَّ كلَّ واحدٍ ممَّا ذُكر في حيَّزِ صلةِ الموصولاتِ المذكورة وصفٌ جليلٌ على حِياله له شأنٌ خُطيرٌ حقيقٌ بأنْ يُفردَ له موصوفٌ مستقلٌّ ولا يُجعل شيءٌ من ذلكَ تتمة لغيرهِ وتوسيط العاطفِ بين الموصولاتِ لتنزيلِ الاختلافِ العنوانيِّ منزلةَ الاختلافِ الذاتيِّ كما في قولِه ... إلى الملكِ القَرمِ وابنِ الهُمَام ... وليثِ الكتائبِ في المزْدَحَمْ ...
(6/231)

أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)
{أولئك} إشارةٌ إلى المتَّصفين بما فصل في حين صلة الموصُولات الثمَّانيةِ من حيثُ اتِّصافُهم به وفيهِ دلالةٌ على أنَّهم متميِّزون بذلك أكملَ تميُّز منتظِمون بسببه في سِلك الأمور المشاهدة وما فيه من معنى البعد للإيذانِ ببُعد منزلتِهم في الفضل وهو مبتدأ خبره قوله تعالى {يُجْزَوْنَ الغرفة} والجملةُ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب مبينةٌ لما لَهُمْ فِى الآخرةِ من السَّعادةِ الأبديَّةِ إثرَ بيانِ ما لهُم في الدُّنيا من الأعمال السَّنيةِ والغُرفة الدَّرجةُ العاليةُ من المنازل وكلُّ بناء
(6/231)

سورة الفرقان (76 77)
مرتفعٍ عالٍ أي يُثابون أعلى منازل الجنَّةِ وهي اسمُ جنسٍ أُريد به الجمع كقولِه تعالى وَهُمْ في الغرفات آمنون وقيل هي اسمٌ من أسماء الجنَّةِ {بِمَا صَبَرُواْ} أي بصبرِهم على المشاقِّ من مضض الطَّاعاتِ ورفض الشَّهواتِ وتحمُّلِ المجاهدات {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا} من جهةِ الملائكةِ {تحية وسلاما} أي يحيهم الملائكةُ ويدعُون لهم بطول الحياة والسَّلامةِ من الآفاتِ أو يعطون النبقية والتَّخليدَ مع السَّلامةِ من كلِّ آفةٍ وقيل يُحيِّي بعضُهم بعضاً ويُسلِّم عليه وقُرىء يلقَون من لَقِي
(6/232)

خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)
{خالدين فِيهَا} لا يموتُون ولا يُخرجون {حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} الكلامُ فيه كالذي مرَّ في مقابلة
(6/232)

قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
{قُلْ} أُمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأنْ يبيِّن للنَّاسِ أنَّ الفائزون بتلك النَّعماءِ الجليلةِ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ إنَّما نالُوها بما عُدِّدَ من محاسنهم ولولاها لم يُعتدَّ بهم أصلاً أي قُل لهم كافَّةً مشافِهاً لهم بما صدرَ عن جنسهم من خيرٍ وشر {ما يعبأ بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ} أيْ أيُّ عبءٍ يُعبأُ بكم وأيُّ اعتدادٍ يُعتدُّ بكم لولا عبادتُكم له تعالى حسبما مرَّ تفصيلُه فإنَّ ما خُلق له الإنسانُ معرفتُه تعالى وطاعتُه وإلاَّ فهو وسائرُ البهائمِ سواءٌ وقال الزَّجَّاجُ معناه أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده وقيل معناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إيَّاكم إلى الإسلامِ وقيل ما يصنعُ بعذابِكم لولا دعاؤكم معه آلهةً ويجوز أن تكون مانافية وقوله تعالى {فَقَدْ كَذَّبْتُمْ} بيانٌ لحال الكَفَرةِ من المخاطَبين كما أنَّ ما قبله بيانٌ لحال المُؤمنين منُهم أي فقد كذَّبتُم بما أخبرتكم به وخالقتموه أيُّها الكَفَرةُ ولم تعملوا عملَ أولئك المذكورينَ وقيل فقد قصَّرتمُ في العبادة من قولهم كذَب القتالُ إذا لم يُبالغ فيه وقُرىء فقد كذبَ الكافرون أي الكافرون منكُم لعمومِ الخطابِ للفريقينِ وفائدتُه الإيذانُ بأنَّ مناطَ فوزِ أحدِهما وخسرانِ الآخر مع الاتِّحاد الجنسيِّ المصحِّحِ للاشتراكِ في الفوزِ ليس إلا اختلافُهما في الأعمال {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} أي يكون جزاءُ التكذيبِ أو أثرُه لازماً يحيقُ بكم لا محالةَ حتَّى يُكبكم في النَّارِ كما تُعربُ عنه الفاءُ الدَّالَّةُ على لزومِ ما بعدها لما قبلَها وإنَّما أُضمر من غير ذكرٍ للإيذان بغاية ظهوره وتهويل أمره وللتنبيه على أنه مَّما لا يُكتنهه البيانُ وقيل يكون العذابُ لزاماً وعن مجاهد رحمه الله هو القتلُ يومَ بدرٍ وأنه لُوزم بين القَتْلى وقُرىء لَزاماً بالفتح بمعنى اللُّزومِ كالثَّباتِ والثُّبوتِ عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَن قرأَ سورةَ الفرقانِ لقي الله تعالَى وهُو مؤمن بأن الساعة آنية لا ريبَ فيها وأُدخلَ الجنة بغير نصب
(6/232)

سورة الشعراء (1 4)
سورة الشعراء مكية إلا الآيات 197 ومن آية 224 إلى آخر السورة فمدنية وآياتها 227
{بِسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم}
(6/233)

طسم (1)
{طسم} بتفخيمِ الألف وبإمالتِها وإظهارِ النُّونِ وبإدغامِها في الميمِ وهو إمَّا مسرودٌ على نمطِ التعديدِ بطريقِ التَّحدِّي على أحدِ الوجهينِ المذكورينِ في فاتحة البقرةِ فلا محلَّ له من الإعرابِ وإمَّا اسمٌ للسورة كما عليه الإطباق الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ وهو أظهرُ من الرَّفع على الابتداءِ وقد مرَّ وجهُه في مطلعِ سُورة يونسَ عليه السَّلامُ أو النصبُ بتقديرِ فعلِ لائقٍ بالمقام نحوُ اذكُر أو اقرأْ وتلكَ في قولِه تعالى
(6/233)

تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)
{تلك آيات الكتاب المبين} إشارةٌ إلى السُّورة سواءٌ كانَ طسم مسروداً على نمطِ التعديدِ أو اسماً للسُّورة حسبما مرَّ تحقيقُه هناك وما في إسمِ الإشارةِ من معنى البُعد للتنبيه على بُعد منزلةِ المشارِ إليه في الفخامةِ ومحلُّه الرفعُ على أنه مبتدأ خبرُه ما بعَدُه وعلى تقديرِ كونِ طسم مبتدأً فهو مبدأ ثانٍ أو بدلٌ من الأَّولِ والمرادُ بالكتابِ القرآنُ وبالمبينِ الظَّاهرُ إعجازُه على أنه من أبان بمعنى بانَ أو المُبينُ للأحكامِ الشَّرعيةِ وما يتعلَّقُ بها أو الفاصلِ بين الحقِّ والباطلِ والمعنى هي آياتٌ مخصوصةٌ منه مترجمةٌ باسمِ مستقلٍ والمرادُ ببيانُ كونِها بعضا منه وصفُها بما اشتُهر به الكُلُّ من النُّعوتِ الفاضلةِ
(6/233)

لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)
{لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ} أي قاتلٌ وأصلُ البَخعِ أنْ يبلغَ بالذَّبحِ النُّخاعَ وهو عرقٌ مستبطنُ الفقارِ وذلك أقصى حدِّ الذَّبحِ وقُرىء باخِعُ نفسِك على الإضافةِ ولعل للإشتفاق أي أشفقْ على نفسِك أنْ تقتلَها حسرةً على ما فاتَك من إسلامِ قومِك {أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي لع