Advertisement

تفسير أبي السعود إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم 5



الكتاب: تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181)
{وسلام على المرسلين} تشريفٌ لهم عليهم السَّلامُ بعد تنزيهِه تعالى عمَّا ذُكر وتنويهٌ بشأنِهم وإيذانٌ بأنَّهم سالمون عن كلِّ المكارِه فائزونَ بجميعِ المآربِ وقولُه تعالى
(7/212)

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182)
{والحمد للَّهِ رَبّ العالمين} إشارةٌ إلى وصفِه عزَّ وجلَّ بصفاتِه الكريمةِ الثُّبوتيةِ بعد التَّنبيهِ على اتِّصافِه تعالى بجميعِ صفاته السَّلبيةِ وإيذانٌ باستتباعِها للأفعالِ الجميلةِ التي من جُملتها إفاضتُه عليهم من فُنُونِ الكراماتِ السنيةِ والكمالاتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ وإسباغه عليهم وعلى مَن تبعِهم صُنوف النَّعماءِ الظَّاهرةِ والباطنةِ المُوجبةِ لحمده تعالى وإشعارٌ بأن ما وعده صلى الله عليه وسلم من النُّصرةِ والغَلَبة قد تحقَّقتْ والمرادُ تنبيه المؤمنينَ على كيفيَّةِ تسبيحِه تعالى وتحميدِه والتَّسليم على رُسلِه الذين هم وسايط بينهم وبينَهُ عزَّ وعَلاَ في فيضانِ الكَمالاتِ الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ عليهم ولعلَّ توسيطَ التَّسليمِ على المُرسلينَ بين تسبيحهِ تعالى وتحميدِه لختمِ السُّورةِ الكريمةِ بحمدِه تعالى مع ما فيه من الإشعارِ بأنَّ توفيقَهُ تعالى للتَّسليمُ عليهم من جُملةِ المُوجبةِ للحمدِ عن عليَ رضيَ الله عنه من أحبَّ أنْ يُكتالَ بالمكيالِ الأَوْفى من الأجرِ يومَ القيامةِ فليكُن آخرُ كلامِه إذا قامَ من مجلسهِ سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عمَّا يصفُون وسلامٌ على المُرسلينَ والحمدُ للَّهِ رَبّ العالمين عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَنْ قرأَ الصآفات أُعطِيَ من الأجر عشرَ حَسَناتٍ بعددِ كلِّ جنيَ وشيطان وتباعدت منه مَرَدةُ الشَّياطينِ وبرىءَ مِنَ الشِّركِ وشَهد له حافظاهُ يومَ القيامةِ أنَّه كانَ مُؤمناً بالمُرسلين
(7/212)

سورة ص 1 2
مكية وآياتها ثمان وثمانون آية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(7/213)

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)
{ص} بالسُّكون على الوقفِ وقُرىء بالكسرِ والفتحِ لالتقاءِ السَّاكنينِ ويجوزُ أنْ يكونَ الفتحُ بإضمارِ حرفِ القسمِ في موضعِ الجرِّ كقولِهم الله لافعلين بالجرِّ وأنْ يكونَ ذلكَ نصباً بإضمارِ اذكُرْ أو اقر الا فتحاً كما مرَّ في فاتحةِ سورةِ البقرةِ وامتناعُ الصرَّفِ للتَّعريفِ والتَّانيثِ لأنَّها عَلَمٌ للسُّورةِ وقد صرَفها منَ قرأ صادٌ بالتَّنوينِ على أنَّه اسمُ الكتابِ أو التَّنزيل وقيل هو في قراءةِ الكسر أمرٌ من المصاداةِ وهي المعارضةُ والمقابلةُ ومنها الصَّدى الذي ينعكسُ من الأجسامِ الصَّلبةِ بمقابلة الصَّوتِ ومعناهُ عارضِ القُرآن بعملِك فاعملْ بأوامرِه وانتِه عن نواهيهِ وتخلَّقْ بأخلاقِه ثمَّ إنْ جُعل إسماً للحرفِ مسرُوداً على منهاجِ التَّحدي أو الرَّمزِ إلى كلامٍ مثل صدقَ الله أو صدقَ محمدٌ كما نقل عن أكابرِ السَّلفِ أو اسماً للسُّورة خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ أو نصباً على إضمارِ اذكُر أو اقرأْ أو أمراً من المصاداة قالوا وفي قوله تعالى {والقرآن ذِى الذكر} للقسمِ وإنْ جعلَ مُقسَماً بهِ فهي للعطفِ عليهِ فإنْ أُريد بالقرآن كله فالمغايرة بينَهما حقيقةٌ وإنْ أُريد عينُ السُّورةِ فهي اعتبارَّيةٌ كما في قولِك مررتُ بالرجل الكريم وبالنسبة المُباركةِ وأيا ما كان ففي التَّكريرِ مزيدُ تأكيدٍ لمضمونِ الجملةِ المُقسَمِ عليها والذِّكرُ الشَّرفُ والنَّباهةُ كما في قوله تعالى وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ أو الذِّكرى والموعظة أو ذكرُ ما يُحتاج إليه في أمر الدِّينِ من الشَّرائعِ والأحكام وغيرِها من أقاصيص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأخبار الأمم الدَّارجةِ والوعد والوعيد وجواب القسم على الوجه الأول والرَّابعِ والخامس محذوف هو ما ينبىء عنه التَّحدِّي والأمرُ والإقسامُ به من كون المُتحدَّى به معجزاً وكونِ المأمورِ به واجباً وكونِ المقسَم به حقيقاً بالإعظامِ أي أُقسم بالقرآنِ أو بصادٍ وبه إنَّه لمعجز أو لواجب العمل به أو لحقيقٌ بالإعظامِ وأمَّا على الوجهينِ الباقيينِ فهو الكلامُ المرموزُ إليه ونفسُ الجملةِ المذكورةِ قبل القسم فإنَّ التَّسميةَ تنويه بشأن المُسمَّى وتنبيه على عظم خَطَرِه أي إنَّه لصادقٌ والقرآن ذي الذِّكرِ أو هذه السُّورة عظيمةُ الشَّأنِ والقرآنِ الخ على طريقة قولهم هذا حاتمٌ والله ولمَّا كأنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأجوبة مُنبئاً عن انتفاء الرِّيبِ عن مضمونه بالكلية انباء بينا كان قوله تعالى
(7/213)

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2)
{بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} إضراباً عن ذلك كأنَّه قيل لا ريبَ فيه قطعاً وليس عدمُ إذعان الكَفَرةِ له لشائبةِ ريبٍ ما فيه بل هم في استكبارٍ وحميَّةٍ شديدةٍ وشقاقٍ بعيدٍ لله تعالى ولرسولِه ولذلك لا يذعنون له
(7/213)

ص 3 5 وقيل الجواب ما دلَّ عليه الجملةُ الإضرابيَّةُ أي ما كفَر به مَن كفَر لخللٍ وجدَهُ فيه بل الذَّينَ كفروا الخ وقُرىء في غِرَّةٍ أي في غَفْلةٍ عمَّا يجب عليهم التَّنبهُ له من مبادى الإيمان ودواعيِه
(7/214)

كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)
{كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ} وعيدٌ لهم على كُفرهم واستكبارِهم ببيان ما أصاب مَن قبلهم من المُستكبرينَ وكم مفعولُ أهلكنا ومِن قرنٍ تمييزٌ والمعنى وقرناً كثيراً أهلكنا من القُرون الخاليةِ {فَنَادَوْاْ} عند نزول بأسناو حلول نقمتِنا استغاثةً وتوبةً لينجُوا من ذلك وقوله تعالى {وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} حالٌ من ضمير نادوا اي نادَوا واستغاثوا طلباً للنَّجاةِ والحالُ أنْ ليسَ الحينُ حينَ مناصٍ أي فوتٍ ونجاةٍ من ناصَه أي فاتَه لا من ناصَ بمعنى تأخَّر ولا هيَ المشبَّهةُ بليسَ زيدتْ عليها تاءُ التَّانيثِ للتَّأكيدِ كما زِيدتْ على رُبَّ وثُمَّ وخُصَّتْ بنفي الأحيانِ ولم يبرزْ إلا أحدُ معمُوليها والأكثرُ حذفُ اسمِها وقيلَ هي النَّافيةُ للجنسِ زيدتْ عليها التَّاءُ وخصَّتْ بنفيِ الأحيانِ وحينَ مناصٍ منصوبٌ على أنَّه اسمُها أي ولا حين مناص لهم او بفعل مضمر أي ولا ارى حينَ مناصٍ وقُرىء بالرَّفعِ فهو على الأوَّلِ اسمُها والخبر محذف واي وليسَ حينُ مناصٍ حاصلاً لهم وعلى الثَّانِي مبتدأُ محذوفُ الخبرِ أيْ ولا حينُ مناصٍ كائنٌ لهم وقُرىء بالكسرِ كما في قوله طلبُوا صلحَنا ولاتَ او ان فأجبنا أنْ لاتَ حينِ بقاءِ إمَّا لأنَّ لاتَ تجرُّ الأحيانَ كما أنَّ لولا تجرُّ الضَّمائرَ في نحوِ قوله لولاكَ هذا العام لم أحج أو لأنَّ أوانٍ شُبِّه بإذْ في قوله ... نهيتُكَ عن طِلابِكَ أمَّ عمرو ... بعافيةٍ وأنتَ إذٍ صحيحُ ...
في أنَّه زمانٌ قُطع منه المضافُ إليه وعُوِّض التنوين لأن أصله أو أن صُلحٍ ثم حُمل عليه حينِ مناصٍ تنزيلاً لقطعِ المضافِ إليه من مناصٍ إذْ أصلُه حينَ مناصِهم منزلَة قطعِه من حينٍ لما بينَ المضافينِ من الإتِّحادِ ثمَّ بنُي الحينُ لإضافتِه إلى غيرِ متمكنٍ وقرئ لاتِ بالكسرِ كجَيْرِ ويقفُ الكوفيُّون عليها بالهاءِ كالأسماءِ والبصريُّون بالتاءِ كالأفعالِ وما قيل منْ أنَّ التَّاءَ مزيدةٌ على حينٍ لاتِّصالِها به في الإمامِ مما لا وجهَ لَهُ فإنَّ خطَّ المصحفِ خارجٌ عن القياس
(7/214)

وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4)
{وعجبوا أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ} حكايةٌ لأباطيلِهم المتفرعةِ عَلى ما حُكي من استكبارِهم وشقاقِهم أي عجبُوا من أنْ جاءهم رسولٌ من جنسِهم بل أدونُ منهم في الرِّياسةِ الدُّنيويَّةِ والمالِ على معنى أنَّهم عدُّواً ذلك أمراً عجيباً خارجاً عن احتمالِ الوقوعِ وأنكرُوه أشدَّ الإنكارِ لا أنَّهم اعتقدُوا وقوعَه وتعجَّبوا منه {وَقَالَ الكافرون} وُضعَ فيه الظَّاهرُ موضعَ الضَّميرِ غضباً عليهم وإيذاناً بأنَّه لا يتجاسرُ على مثل ما يقولونَه إلا المتوغِّلون في الكُفر والفسوق {هذا ساحر} فيما يُظهره من الخوارقِ {كَذَّابٌ} فيما يُسنده إلى الله تعالى من الإرسالِ والإنزالِ
(7/214)

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5)
{أجعل الالهة إلها واحدا} بأنْ نفى الأُلوهيَّةَ عنهم وقَصرَها على واحدٍ {إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ} بليغٌ في العَجَبِ وذلك لأنَّه خلافُ ما ألِفُوا عليهِ آباءَهم الذينَ أجمعُوا على ألوهيتهم
(7/214)

ص 6 7 وواظبُوا على عبادتِهم كابراً عن كابر فإن هذا مدارَ كلِّ ما يأتُون وما يذرُون من أمورٍ دينِهم هو التَّقليدُ والاعتيادُ فيعدُّون ما يخالفُ ما اعتادُوه عجيباً بل مُحالاً وأماً جعلُ مدارِ تعجبِهم عدمَ وفاءِ علمِ الواحدِ وقدرتِه بالأشياءِ الكثيرةِ فلا وجَه له لما أنَّهم لا يدَّعُون أنَّ لآلهتِهم علماً وقدرةً ومدخلاً في حدوث شئ من الأشياءِ حتَّى يلزمَ من نفي ألوهيَّتهم بقاءُ الآثار بلا مؤثر وقرئ عجَّاب بالتَّشديدِ وهو أبلغُ ككُرامٍ وكَرَّامِ رُوي أنَّه لما أسلم عمرُ رضي الله عنه شقَّ ذلك على قُريشٍ فاجتمعَ خمسةٌ وعشرونَ من صناديدِهم فأتَوا أبَا طالبٍ فقالُوا أنتَ شيخُنا وكبيرُنا وقد علمتَ ما فعلَ هؤلاءِ السُّفهاءُ وقد جئناكَ لتقضِي بينَنا وبينَ ابنِ أخيكَ فاستحضرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وقال يا ابنَ أخِي هؤلاءِ قومُك يسألونَك السُّؤالَ فلا تملْ كلَّ الميلِ على قومك فقال صلى الله عليه وسلم ماذا تسألوننى قالوا رفضنا وارفُض ذكَر آلهتِنا وندعكَ وإلهك فقال صلى الله عليه وسلم أرأيتُم إنْ أعطيتُكم ما سألتُم أمعطيَّ أنتُم كلمةً واحدةً تملكونَ بها العربَ وتدينُ لكم بها العجمُ قالُوا نعم وعشراً فقال قولُوا لا إلَه إلاَّ الله فقامُوا وقالُوا ذلكَ
(7/215)

وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6)
{وانطلق الملأ مِنْهُمْ} أي وانطلقَ الأشرافُ من قريشٍ عن مجلسِ أبي طالبٍ بعد ما بكَّتهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالجوابِ العتيدِ وشاهدُوا تصلُّبَه صلى الله عليه وسلم في الدِّينِ وعزيمتَه على أنْ يُظهره على الدِّينِ كلِّه ويئسُوا ممَّا كانُوا يرجونَه بتوسطِ أبي طالبٍ من المصالحةِ على الوجِه المذكورِ {أَنِ امشوا} أي قائلين بعضِهم لبعضٍ على وجهِ النَّصيحةِ امشُوا {وَاْصْبِرُواْ على آلهتكم} أي واثبتُوا على عبادتِها متحمِّلين لما تسمعُونه في حقِّها من القدحِ وأنْ هي المفسِّرةُ لأنَّ الانطلاقَ عن مجلسِ التقاولِ لا يخلُو عن القولِ وقيل المرادُ بالانطلاقِ الاندفاعُ في القولِ وامشُوا من مشتِ المرأةُ إذا كثرتْ ولادتُها ومنه الماشيةُ للتفاؤلِ أي اجتمعوا وكثروا وقرئ امشُوا بغير أنْ على إضمار القول وقرئ يمشُون أنِ اصبرُوا {إِنَّ هذا لَشَىْء يُرَادُ} تعليلٌ للأمرِ بالصَّبرِ أو لوجوبِ الامتثالِ بهِ أي هذا الذي شاهدناهُ من محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم من أمرِ التَّوحيدِ ونفي آلهتنا وإبطال امرها لشئ يُراد أي من جهتِه صلى الله عليه وسلم إمضاؤُه وتنفيذُه لا محالةَ من غير صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيه لاقول يقال من طرفِ اللِّسان أو أمر يُرجى فيه المسامحةُ بشفاعةٍ أو امتنانٍ فاقطعُوا أطماعَكم عن استنزالِه من رأيهِ بوساطة أبي طالب وشفاعته وحسبكم أن لا تمنعوا من عبادةِ آلهتكم بالكلية فاصبروا عليها وتحمَّلوا ما تسمعونَه في حقِّها من القدحِ وسُوءِ القالةِ وقيل إنَّ هذا الأمر لشئ يريده الله تعالى ويحكم بإمضائِه وما أرادَ الله كونَه فلا مردَّ له ولا ينفعِ فيه إلاَّ الصَّبرُ وقيل إن هذا الأمر لشئ من نوائب الدَّهرِ يُراد بنا فلا انفكاكَ لنا منه وقيل إنَّ دينَكم لشئ يُراد أي يُطلب ليؤخذَ منكم وتُغلبوا عليه وقيل إنَّ هذا الذي يدَّعيهِ من التَّوحيدِ أو يقصدُه من الرِّياسةِ والتَّرفعِ على العرب والعجم لشئ يُتمنَّى ويرُيده كلُّ أحدٍ فتأمَّل في هذه الأقاويلِ واخترْ منها ما يساعدُه النظم الجليلُ
(7/215)

مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)
{مَّا سَمِعْنَا بهذا} الذي يقولُه {فِى الملة الاخرة} أي الملَّةِ النَّصرانيةِ التي هي آخرُ الملل فإنَّهم مُثلِّثةٌ أو في الملَّةِ التي
(7/215)

ص 8 11 أدركنا عليها آباءَنا ويجوزُ أن يكون الجارُّ والمجرور حالاً من هذا أي ما سمعنا بهذا مِنْ أَهْلِ الكتابِ وَلاَ الكُهَّانِ كائناً في الملَّة المترقبة ولقد كذبُوا في ذلك أقبح كذبٍ فإنَّ حديثَ البعثةِ والتَّوحيدِ كان أشهرَ الأمورِ قبل الظُّهور {إِنَّ هَذَا} أي ما هذا {إِلاَّ اختلاق} أي كذبٌ اختلَقه
(7/216)

أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8)
{أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر} أي القرآن {مّن بَيْنِنَا} ونحن رؤسا النَّاسِ وأشرافُهم كقولهم لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عظيم ومرداهم إنكارُ كونه ذكراً منزَّلاً من عندِ الله عزَّ وجلَّ كقولهم لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وأمثالُ هذه المقالاتِ الباطلة دليل على أنَّ مناطَ تكذيبهم ليس إلاَّ الحسدُ وقِصرُ النَّظرِ على الحُطام الدنيويِّ {بْل هُمْ فَى شَكّ مّن ذِكْرِى} أي من القرآنِ أو الوحي لميلهم إلى التَّقليدِ وإعراضِهم عن النَّظرِ في الأدِلَّةِ المؤدِّية إلى العلمِ بحقِّيتِه وليس في عقيدتِهم ما يبتُّون به فهم مذبذبون بين الأوهامِ ينسبونه تارةً إلى السِّحرِ وأخرى إلى الاختلاقِ {بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ} أي بل لم يذوقُوا بعد عذابي فإذا ذاقُوه تبيَّن لهم حقيقةُ الحال وفي لمَّا دلالةٌ على أنَّ ذوقَهم على شرف الوقوع والمعنى أنهم لا يصدّقون به حتى يمسَّهم العذاب وقيل لم يذوقوا عذابَى الموعودَ في القرآنِ ولذلك شكُّواً فيه
(7/216)

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)
{أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ العزيز الوهاب} بل أعندهم خزائنُ رحمتِه تعالى يتصرَّفون فيها حسبما يشاءون حتَّى يُصيبوا بها من شاءوا ويُصرفُوها عمَّن شاءوا ويتحكَّموا فيها بمقتضي آرائِهم فيتخيَّروا للنُّبوةِ بعضَ صناديدهم والمعنى أنَّ النُّبوةَ عطيةٌ من الله عز وجل يتفضَّلُ بها على مَن يَشَاء مِنْ عباده المصطَفينَ لا مانع له فإنَّه العزيز أي الغالب الذي لا يُغالب الوهَّابُ الذي له أنْ يهبَ كلَّ ما يشاءُ لكلِّ مَن يشاءُ وفي إضافةِ اسم الرب المنبئ عن التَّربيةِ والتبليغِ إلى الكمال الى ضميره صلى الله عليه وسلم من تشريفه واللُّطفِ به ما لا يخفى وقوله تعالى
(7/216)

أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10)
{أم لهم ملك السماوات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا} ترشيحٌ لما سبق أي بل ألهُم ملكُ هذه العوالمِ العُلويةِ والسُّفليةِ حتَّى يتكلَّموا في الأمورِ الرَّبانيةِ ويتحكَّموا في التَّدابيرِ الإلهيةِ التي يستأثرُ بها ربُّ العزَّةِ والكبرياءِ وقولُه تعالى {فَلْيَرْتَقُواْ فِى الاسباب} جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ إنْ كان لهم ما ذُكر من الملك فليصعدُوا في المعارجِ والمناهج التي يتوصَّلُ بها إلى العرشِ حتَّى يستووا عليه ويدبِّروا أمر العالم ويُنزلوا الوحَي إلى مَن يختارون ويستصوبوُن وفيه من التَّهكُّمِ بهم ما لا غايةَ وراءَه والسَّببُ في الأصل هو الوصلةُ وقيل المرادُ بالأسبابِ السَّمواتُ لأنَّها أسبابُ الحوادثِ السُّفليةِ وقيل أبوابُها
(7/216)

جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11)
{جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الاحزاب} أي هم جندٌ ما من الكُفَّارِ المتحزبين عل الرُّسلِ مهزومٌ مكسورٌ عمَّا قريب فلا تُبالِ بما يقولون ولا تكترثْ بما يهذُون ومَا مزيدةٌ للتَّقليلِ والتحقير
(7/216)

ص 12 14 نحو قولِك أكلتُ شيئاً ما وقيل للتَّعظيمِ على الهُزءِ وهنالك إشارةٌ إلى حيثُ وضعُوا فيه أنفسَهم من الانتدابِ لمثل ذلك القولِ العظيمِ وقولُه تعالَى
(7/217)

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الاوتاد} الخ استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله ببيانِ أحوالِ العُتاةِ الطُّغاةِ الذين هؤلاءِ جند ما من جنودهم ممَّا فعلوا من التَّكذيبِ وفعل بهم من العقابِ وذُو الأوتادِ معناه ذُو المُلك الثَّابتَ أصلُه من ثبات البيت المطنَّبِ بأوتاد فاستُعير لثبات الملكِ ورسوخِ السَّلطنةِ واستقامةِ الأمرِ قال الأسودُ بن يَعْفُر ... وَلَقَد غَنُوا فيها بأَنْعمِ عِيْشة ... فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابتِ الأَوْتَادِ ...
أو ذُو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأنَّ بعضَهم يشدُّ بعضاً كالوتدِ يشدُّ البناءَ وقيل نصبَ أربعَ سوار وكان يمدُّ يَدَيْ المعذَّبِ ورجليه إليهما ويضربُ عليها أوتاداً ويتركُه حتَّى يموتَ وقيل كان يمدُّه بين أربعةِ أوتادٍ في الأرض ويرسلُ عليه العقاب والحيَّاتِ وقيل كانت له أوتادٌ وحبالٌ يلعب بها بين يديِه
(7/217)

وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13)
{وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب الأيكة} أصحابُ الغَيضةِ من قومِ شُعيبِ عليه السَّلامُ وقوله تعالى {أُوْلَئِكَ الاحزاب} إمَّا بدلٌ من الطَّوائفِ المذكورة كما أنَّ ذلك الكتابُ بدلٌ من ألم على أحدِ الوجوه وفيه فضلُ تأكيدٍ وتنبيهٌ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم وقولُه تعالى
(7/217)

إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14)
{إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل} استئنافٌ جيء به تقريراً لتكذيبِهم وبياناً لكيفَّيتِه وتمهيداً لما يعقُبه أي ما كلُّ أحدٍ من آحادِ أولئكَ الأحزابِ أو الأحزابِ أو ما كلُّ حزب منهم كذَّبَ الرُّسلَ لأنَّ تكذيبَ واحد منهم تكذيبٌ لهم جميعاً لاتِّفاقِ الكلِّ على الحقِّ وقيل ما كلُّ حزبٍ إلاَّ كذَّب رسولَه على نهجِ مقابلةِ الجمعِ بالجمعِ وأيَّاً ما كان فالاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العلل في خبر المبتدأ أي ما كلُّ أحدٍ منهم محكوماً عليه بحكم إلا محكومٌ عليه بأنه كذَّب الرُّسلَ وقيل ما كلُّ واحدٍ منهم مُخبَراً عنه بخبرٍ إلا مخَبرٌ عنه بأنَّه كذَّب الرُّسلَ وفي إسناد التَّكذيبِ إلى الطَّوائفِ المذكُورةِ على وجهِ الإبهامِ أوَّلاً والإيذانِ بأنَّ كُلاَّ منهم حزبٌ على حيالِه تحزَّب على رسولِه ثانياً وتبيينِ كيفيةِ تكذيبِهم بالجملةِ الاستثنائيةِ ثالثاً فنونٌ من المبالغة مسجَّلةٌ عليهم باستحقاقِ أشدِّ العذابِ وأفظعِه ولذلك رُتّب عليه قولُه تعالى {فَحَقَّ عِقَابِ} أي ثبتَ ووقعَ على كلَ منُهم عقابي الذي كانتْ تُوجبه جناياتُهم من أصنافِ العقوباتِ المفصَّلةِ في مواقَعِها وإما بالمبتدا وقولُه تعالى إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل خبرُه بحذفِ العائدِ أي إنْ كلٌّ منهم الخ والجملةُ استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله مؤكِّدٌ لمضمونِه مع ما فيه من بيانِ كيفيةِ تكذيبهم والتَّنبيهِ على أنَّهم الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم كما ذُكر وقيل هو مبتدأٌ وخبرٌ والمَعنْى أنَّ الأحزابَ الذين جُعل الجندُ المهزومُ منهم هُم هُم وأنَّهم الذينُ وجد منهم التَّكذيبُ فتدَّبرْ وأمَّا ما قيل من أنه خبرٌ والمبتدأُ قوله تعالى وَعَادٌ الخ أو قوله وقوم لوط الخ فما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن امثاله
(7/217)

ص 15 17
(7/218)

وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15)
{وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآء} شروعٌ في بيان عقابِ كُفَّارِ مكَّة إثر بيانِ عقابِ أضرابِهم من الأحزابِ الذين أُخبر فيما سبقَ بأنَّهم جندٌ حقيرٌ منهم مهزومٌ عن قريبٍ فإنَّ ذلكَ ممَّا يوجبُ انتظارَ السَّامعِ وترقبه إلي بيانه قطعاً وفي الإشارةِ إليهم بهؤلاء تحقيرٌ لشأنِهم وتهوينٌ لأمرِهم وأمَّا جعلُه إشارةً إلى الأحزابِ باعتبارِ حضورِهم بحسبِ الذِّكرِ أو حضورِهم في علم الله عز وجل فليس في حيِّزِ الاحتمالِ أصلاً كيف لا والانتظار سواءٌ كان حقيقةً أو استهزاء إنما يُتصور في حقِّ من لم يترتب على أعمالِه نتائَجُها بعْد وبعدَ ما بيّن عقابُ الأحزابِ واستئصالُهم بالمرَّةِ لم يبقَ ممَّا أُريد بيانُه من عقوباتهم أمرٌ منتظرٌ وإنَّما الذين في مرصدِ الأنتظارِ كفَّارُ مكَّةَ حيث ارتكبُوا من عظائمِ الجرائم وكبائرِ الجرائرِ الموجبة لأشدِّ العقوباتِ مثلَ ما ارتكب الأحزابُ أو أشدَّ منه ولمَّا يلاقوا بعد شيئاً من غوائلِها أي وما ينتظُر هؤلاءِ الكَفَرةُ الذين هم أمثالُ أولئك الطَّوائفِ المهلكة في الكُفرِ والتَّكذيبِ {إِلاَّ صَيْحَةً واحدة} هي النَّفخةُ الثَّانيةُ لا بمعني أنَّ عقابهم نفسُها بما فيها من الشِّدَّةِ والهَوْلِ فإنَّها داهيةٌ يعمُّ هولُها جميعَ الأُممِ برَّهاً وفاجرِها بل بمعنى أنَّه ليس بينهم وبين حلولِ ما أعدلهم من العقاب الفظيعِ إلاَّ هي حيثُ أُخِّرت عقوبتُهم إلى الآخرةِ لما أنَّ تعذبهم بالاسئصال حسبما يستحقونه والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرِهم خارجٌ عن السُّنَّةِ الإلهيَّةِ المبنيّةِ على الحِكَم الباهرةِ كما نطقَ به قوله تعالى وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وأمَّا ما قيل مِن أنَّها النَّفخةُ الأَولى فممَّا لا وجهَ له أصلاً لما أنَّه لا يشاهد هو لها ولا يُصعقُ بَها إلاَّ مَنْ كانَ حيَّاً عندَ وقوعِها وليس عقابُهم الموعودُ واقعاً عقيبها ولا العذابُ المطلق مؤخر إليها بل يحلُّ بهم من حينِ موتِهم {مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ} أي من توقُّفٍ مقدار فَوَاقٍ وهو ما بين الحَلْبتينِ وقرئ بضمِّ الفاءِ وهُما لغتانِ وقولُه تعالى
(7/218)

وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16)
{وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب} حكاية لما قالُوه عند سماعِهم بتأخير عقابهم إلى الآخرةِ أيْ قالُوا بطريق الاستهزاءِ والسُّخريةِ عجِّل لنا قطَّناً من العذابِ الذي تُوعدنا به ولا تؤخره إلى يومِ الحسابِ الذي مبدؤه الصَّيحةُ المذكورةُ والقطُّ القطة من الشَّيءِ من قطَّه إذا قطَعه ويقالُ لصحيفةِ الجائزةِ قطٌّ لأنَّها قطعةٌ من القرطاسِ وقد فسِّر بها أي عجِّل لنا صحيفةَ أعمالِنا لننظرَ فيها وقيل ذكرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وعدَ الله تعالى المؤمنينَ الجنَّة فَقالُوا على سبيلِ الهُزءِ به عجِّلْ لنا نصيبنَا منها وتصديرُ دُعائِهم بالنِّداءِ المذكورِ للإمعانِ في الاستهزاءِ كأنَّهم يدعُون ذلك بكمالِ الرَّغبةِ والابتهالِ
(7/218)

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17)
{اصبر على مَا يَقُولُونَ} من أمثالِ هذه المقالاتِ الباطلةِ {واذكر} لهم {عَبْدَنَا داود} أي قصَّته تهويلاً لأمرِ المعصيةِ في أعينهم وتنبيهاً لهم على كمالِ قبحِ ما اجترءوا عليه من المَعاصي فإنَّه صلى الله عليه وسلم مع علوِّ شأنِه واختصاصِه بعظائمِ النِّعمِ والكراماتِ لمَّا ألمَّ بصغيرةٍ نزلَ عن منزلتِه ووبَّخْته الملائكةُ بالتَّمثيلِ والتَّعريضِ حتَّى تفطَّنَ فاستغفرَ ربَّه وأنابَ ووُجد منه ما يُحكى من بكائِه الدَّائبِ وغمِّه الواصبِ وندمِه الدَّائمِ فما الظنُّ بهؤلاءِ الكفرة الأذلين
(7/218)

ص 18 20 من كلِّ ذليلٍ المرتكبينَ لأكبرِ الكبائرِ المصرِّين على أعظمِ المَعَاصي أو تذكَّر قصَّته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وصُنْ نفسَك أنْ تزلَّ فيما كُلِّفت من مصابرتِهم وتحمُّلِ أذيَّتهم كيلا يلقاكَ ما لقيه من المعاتبةِ {ذَا الايد} أي ذَا الُقوَّة يقال فلانٌ أيدٌ وذُو أيدٍ وآدٌ بمعنى وأياد كل شئ ما يُتقوَّى بهِ {إِنَّهُ أَوَّابٌ} رجَّاعٌ إلى مرضاةِ الله تعالى وهو تعليلٌ لكونِه ذَا الأيدِ ودليلٌ على أن المرادَ به القَّوةُ في الدِّينِ فإنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يصومُ يوماً ويفطرُ يوماً ويقوم نصفَ اللَّيلِ
(7/219)

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)
{إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ} استئناف مسوق لتعليلِ قوَّتِه في الدِّينِ وأو ابيته إلى مرضاتِه تعالى ومع متعلقة بالتَّسخيرِ وإيثارُها على اللامِ لما أُشير إليه في سورةِ الأنبياءِ من أنَّ تسخيرَ الجبال له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم يكن بطريقِ تفويضِ التَّصرُّفِ الكلِّي فيها إليهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كتسخيرِ الرِّيحِ وغيرِها لسليمانَ عليه السَّلامُ بل بطريق التبعية له عليه الصلاَّةُ والسَّلامُ والاقتداء به في عبادة الله تعالى وقيل متعلقة بما بعدَها وهو أقربُ بالنسبةِ إلى ما في سورة الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ {يُسَبّحْنَ} أي يُقدسن الله عزَّ وجلَّ بصوتٍ يتمثلُ له أو بخلقِ الله تعالَى فيها الكلامَ أو بلسانِ الحالِ وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال من الجبال وضع موضعَ مُسبِّحات للدِّلالةِ على تجدُّدِ التَّسبيحِ حالاً بعد حال واستئناف مبينٌ لكيفَّيةِ التَّسخيرِ {بالعشى والإشراق} أي ووقت الإشراقِ وهو حين تشرقُ أي تضئ ويصفُو شعاعُها وهو وقت الضُّحى وأما شروقُها فطلُوعها يقال شرقتِ الشَّمسُ ولمَّا تشرق وعن ام هانئ رضيَ الله عنهَا أنه عليه الصلاةُ والسلام صلَّى صلاة الضحى وقالَ هذه صلاة الإشراقُ وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما ما عرفتُ صلاةَ الضُّحى إلاَّ بهذِه الآيةِ
(7/219)

وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19)
{والطير} عطف على الجبال {مَحْشُورَةً} حالٌ من الطَّيرَ والعاملُ سخَّرنا أي وسخَّرنا الطَّيرَ حالَ كونِها محشورةٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما كانَ إذا سبَّح جاوبْتُه الجبالُ بالتَّسبيحِ واجتمعتْ إليه الطَّيرُ فسبَّحتْ وذلك حشرُها وقرئ والطَّيرَ محشُورةً بالرَّفعِ على الابتداءِ والخبريةِ {كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ} استئنافٌ مقررٌ لمضمونِ ما قبله مصرِّح بما فُهم منه إجمالاً من تسبيحِ الطَّيرِ أي كلَّ واحدٍ من الجبالِ والطَّيرِ لأجلِ تسبيحِه رجَّاعٌ إلى التَّسبيحِ ووضعُ الأوَّابِ موضعَ المسبِّحِ إمَّا لأنَّها كانتْ ترجِّع التَّسبيحَ والمرجِّعُ رجَّاعٌ لأنَّه يَرْجِعُ إلى فعله رجوعاً بعد رجوعٍ وإمَّا لأنَّ الأوَّابَ هو التَّوابُ الكثيرُ الرجوعِ إلى الله تعالى ومن دأبه إكثارُ الذِّكرِ وإدامُة التَّسبيحِ والتَّقديسِ وقيل الضَّميرُ لله عزَّ وجلَّ أي كلٌّ من داودَ والجبالِ والطَّيرِ لله أوابٌ أي مسبِّحٌ مرجِّعٌ للتَّسبيحِ
(7/219)

وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)
{وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} قوَّيناهُ بالهَيبةِ والنصرة وكثرة الجنود وقرئ بالتَّشديدِ للمبالغة قيل كان يبيتُ حول محرابِه أربعون ألفَ مستلئمٍ وقيل ادَّعى رجلٌ على آخرَ بقرةً وعجزَ عن إقامةِ البيِّنةِ فأَوْحَى الله تعالى إليه في المنامِ أنِ اقتل المدَّعى عليهِ فتأخَّر فأُعيد الوحيُ في اليقظةِ فأعلَمه الرَّجلُ فقال إنَّ الله تعالى لم يأخذني
(7/219)

ص 21 22 بهذا الذَّنبِ ولكنْ بأنِّي قتلتُ أبا هَذا غيلةً فقال النَّاسُ إنْ أذنبَ أحدٌ ذنباً أظهرَهُ الله تعالى عليه فقتلَه فهابُوه وعظمتْ هيبتُه في القلوبِ {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ} النُّبوةَ وكمالَ العلمِ وإتقانَ العملِ وقيل الزَّبورَ وعلمَ الشَّرائعِ وقيل كلُّ كلامٍ وافقَ الحقَّ فهو حكمةٌ {وَفَصْلَ الخطاب} أي فصل الخصام بتمييزِ الحقِّ عن الباطل أو الكلامَ المُلخَّصَ الذي ينبه المخاطَب على المرامِ من غير التباس لما قد رُوعي فيه مظانُّ الفصل والوصل والعطفِ والاستئنافِ والإظهارِ والإضمارِ والحذفِ والتَّكرارِ وإنَّما سُمِّي به أمَّا بعدُ لأنَّه يفصل المقصودَ عمَّا سبق تمهيداً له كالحمدِ والصَّلاةِ وقيل هو الخطابُ الفصلُ الذي ليس فيه إيجاز مخل ولا إطنابٌ مُملٌّ كما جاء في نعت كلام النُّبوةِ فَصْلٌ لا نَزْر ولا هَذْر
(7/220)

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21)
{وهل أتاك نبأ الخصم} استفهامٌ معناه التَّعجيبُ والتَّشويقُ إلى استماع ما في حيِّزهِ لإيذانه بأنَّه من الأنباء البديعةِ التي حقُّها أنْ تشيعَ فيما بين كل حاضرٍ وباد والخَصمُ في الأصل مصدرٌ ولذلكَ يُطلق عَلى الواحدِ وما فوقه كالضَّيفِ ومعنى خصمانِ فريقانِ {إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب} إذ تصعدوا سورَه ونزلُوا إليه والسُّورُ الحائطُ المرتفعُ ونظيرُه تسنَّمه إذا علا سنامَهُ وتذرَّاهُ إذا علا ذِرْوَتُه وإذْ متعلِّقةٌ بمحذوفٍ أي نبأ تحاكم الخصم إذْ تسوَّروا أو بالنبأ على أنَّ المرادَ به الواقع في عهد داودَ عليه السلام وان اسناده الإتيان إليه على حذفِ مضافٍ أيْ قصَّةً نبأ الخصم أو بالخصم لما فيه من معنى الخُصومةِ لا بأتى لأنَّ إتيانَه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذٍ وقوله تعالى
(7/220)

إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22)
{إذ دخلوا على داود} بدلٌ ممَّا قبله أو ظرف لتسوَّروا {فَفَزِعَ مِنْهُمْ} رُوي أنَّه تعالى بعثَ إليه مَلكين في صورة إنسانينِ قيل هما جبريلُ وميكائيلُ عليهما السَّلامُ فطلبا أنْ يدخلا عليه فوجداهُ في يوم عبادته فمنعهُما الحَرَسُ فتسوَّروا عليه المحراب بمن معهُما من الملائكةِ فلم يشعرْ إلاَّ وهُما بين يديه جالسانِ ففزِع منهم لأنَّهم نزلُوا عليه من فوق على خلافِ العادةِ والحَرَسُ حوله في غير يوم الحُكومةِ والقضاء قال ابن عباس رضي الله عنهما أن داود عليه السلام جزَّأ زمانَه أربعةَ أجزاءٍ يوماً للعبادة ويوماً للقضاء ويوماً للاشتغال بخاصَّةِ نفسه ويوماً للوعظ والتَّذكيرِ {قَالُواْ} استئنافٌ وقع جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ فزعِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كأنَّه قيلَ فماذا قالتْ الملائكةُ عند مشاهدتِهم لفزعِه فقيل قالوا إزالةً لفزعِه {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ} أي نحنُ فوجانِ متخاصمانِ على تسمية مصاحب الخصم خَصْماً {بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ} هو على الفرض وقصد التعرض فلا كذبَ فيه {فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ} أي لا تجُر في الحُكومةِ وقرىء ولا تشطُطْ أي لا تبعُد عن الحق وقرىء ولا تشاطِطْ وكلُّها من معنى الشَّططِ وهو مجاوزةُ الحدِّ وتخطِّي الحقِّ {واهدنا إلى سَوَاء الصراط} إلى وسطِ طريقِ الحقِّ بزجر الباغي عمَّا سلكه من طريق الجَوْرِ وإرشاده إلى منهاج العدل
(7/220)

ص
(7/221)

إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23)
23 - 24 {إِنَّ هَذَا أَخِى} استئنافٌ لبيان ما فيه الخُصومة أي أخي في الدِّينِ أو في الصُّحبةِ والتَّعرُّضُ لذلك تمهيدٌ لبيان كمال قبحِ ما فعل به صاحبُه {لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة} هي الأُنْثى من الضَّأْنِ وقد يُكنى بها عن المرأةِ والكنايةُ والتَّعريضُ أبلغُ في المقصودِ وقُرىء تَسعٌ وتَسعونَ بفتحِ التَّاءِ ونعِجة بكسر النُّونِ وقُرىء وليْ نعجةٌ بسكونِ الياءِ {فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} أي ملِّكنْيِها وحقيقتُه اجعلِني أكفُلُها كما أكفلُ ما تحتَ يدي وقيل اجعلْها كِفْلي أي نَصيبي {وَعَزَّنِى فِى الخطاب} أي غلبنِي في مخاطبتِه إيَّاي محاجَّةً بأنْ جاء بحجاجٍ لم أقدرْ على ردِّه او في مغالبته اياى في الخِطبةِ يقال خَطَبتُ المرأةَ وخَطبها هو فخاطبني خِطاباً أي غالبني في الخِطبة فغلبنِي حيثُ زُوِّجها دُوني وقُرىء وعازَّني أي غالبني وعَزَنِي بتخفيف الزَّاي طالبا للخفَّةِ وهو تخفيفٌ غريبٌ كأنَّه قيسَ على ظِلْتُ ومِسْتُ
(7/221)

قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24)
{قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ قصد به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ المبالغةَ في إنكار فعل صاحبه وتهجِينَ طمعِه في نعجةِ من ليس له غيرُها مع أنَّ له قطيعاً منها ولعلَّه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قال ذلك بعد اعترافِ صاحبهِ بما ادَّعاه عليه أو بناهُ على تقدير صدقِ المدَّعِي والسُّؤالُ مصدرٌ مضافٍ إلى مفعولِه وتعديتُه إلى مفعولٍ آخرَ بإلى لتضمُّنه معنى الإضافةِ والضمِّ {وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء} أي الشُّركاءِ الذين خلطُوا أموالَهم {لَيَبْغِى} ليتعدَّى وقُرىء بفتح الياء على تقدير النُّون الخفيفةِ وحذفها وبحذف الياءِ اكتفاءً بالكسرةِ {بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} غير مراعٍ لحقِّ الصُّحبةِ والشِّركةِ {إلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} منهم فإنَّهم يتحامَون عن البغي والعُدوانِ {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} أي وهم قليلٌ وما مزيدةٌ للإبهام والتَّعجبِ من قلَّتِهم والجملةُ اعتراضٌ {وظن داود أَنَّمَا فتناه} الظنُّ مستعارٌ للعلمِ الاستدلاليِّ لما بينهما من المشابهةِ الظَّاهرةِ أي عَلِمَ بما جرى في مجلس الحُكومةِ وقيل لما قضى بينهما ما نظرَ أحدُهما إلى صاحبِه فضحكَ ثم صعدَا إلى السَّماءِ حيال وجهِه فعلم عليه الصلاة والسلام أنه تعالى ابتلاهُ وليس المعنى على تخصيص الفتنةِ به عليه الصلاة والسلام دون غيرِه بتوجيِه القَصْر المستفادِ من كلمة إنما إلى المفعول بالقياس إلى مفعولٍ آخرَ كما هو الاستعمالُ الشائعُ الواردُ على توجيِه القصرِ إلى متعلِّقات الفعلِ وقيوده باعتبار النَّفي فيه والإثباتِ فيها كما في مثلِ قولِك إنَّما ضربتُ زيداً وإنَّما ضربته تأديباً بل على تخصيص حالِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالفتنةِ بتوجيه القصرِ إلى نفسِ الفعلِ بالقياس إلى ما يُغايره من الأفعالِ لكن لا باعتبار النَّفي والإثباتِ معاً في خُصوصية الفعل فإنَّه غيرُ ممكنٍ قطعاً بل باعتبار النَّفي فيما فيه من معنى مُطلقِ الفعلِ واعتبار الإثبات فيما يقارنه من المعنى المخصُوص فإنَّ كلَّ فعلٍ من الأفعال المخصُوصة ينحلُّ
(7/221)

عند التَّحقيقِ إلى معنى مطلقٍ هو مدلولُ لفظِ الفعلِ وإلى معنى مخصُوص يُقارنه ويقيِّده وهو أثرُه في الحقيقةِ فإنَّ معنى نَصَر مثلاً فعَلَ النصْرَ يُرشدك إلى ذلك قولُهم معنى فلانٌ يُعطي ويَمنعُ يفعلُ الإعطاءَ والمنعَ فموردُ القصرِ في الحقيقةِ ما يتعلَّق بالفعلِ باعتبار النَّفي فيه والإثبات فيما يتعلَّق به فالمعنى وعلَم داودُ عليه السَّلامُ أنَّما فعلنا به الفتنة لاغير قيل ابتليناه بامراة او ريا وقيل امتحناهُ بتلك الحكومةِ هل يتنبه بها لما قُصد منها وإيثارُ طريقِ التمثيل لأنَّه أبلغُ في التَّوبيخِ فإنَّ التَّأملَ فيه إذا أدَّاه إلى الشُّعورِ بما هو الغرضُ كانَ أوقعَ في نفسِه وأعظمَ تأثيراً في قلبهِ وأدعى إلى التَّنبه للخطأ مع ما فيه من مراعاةِ حُرمتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتركِ المُجاهرة والإشعار بأنَّه أمرٌ يُستحى من التَّصريحِ به وتصويره التَّحاكُم لإلجائِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التَّصريحِ بنسبة نفسِه إلى الظُّلم وتنبيهه عليه الصلاة والسلام على ان اوربا بصددِ الخصامِ {فاستغفر رَبَّهُ} إثرَ ما علمَ أنَّ ما صدرَ عنه ذنبٌ {وَخَرَّ رَاكِعاً} أي ساجداً على تسمية السجودِ ركوعاً لأنَّه مبدؤُه أو خرَّ للسُّجودِ راكعاً أي مُصلِّياً كأنَّه أحرم بركعتي الاستغفارِ {وَأَنَابَ} أي رجع إلى الله تعالى بالتَّوبةِ وأصلُ القصَّة أنَّ داودَ عليه السَّلامُ رأى امرأةَ رجلٍ يقال له أُوريَّا فمال قلبُه إليها فسأله أنْ يطلقها فاستحي أنْ يردَّه ففعلَ فتزوَّجها وهي أمُ سليمانَ عليه السَّلامُ وكان ذلك جَائزاً في شريعتِه مُعتاداً فيما بين أمَّتهِ غيرَ مخلَ بالمروءة حيثُ كان يسأل بعضُهم بعضاً أنْ ينزلَ له عن امرأتِه فيتزوَّجها إذا أعجبته وقد كان الأنصارُ في صدر الإسلامِ يُواسون المهاجرين بمثلِ ذلك من غيرِ نكيرٍ خلا أنه عليه الصلاةُ والسلام لعظم منزلتِه وارتفاع مرتبتِه وعلوِّ شأنه نُبِّه بالتَّمثيل على أنَّه لم يكنْ ينبغي له أنْ يتَعَاطى ما يتعاطاه آحادُ أمَّتهِ ويسألَ رجلاً ليس له إلاَّ امرأةٌ واحدة أنْ ينزلَ عنها فيتزوَّجها مع كثرة نسائه بل كان يجبُ عليه أنْ يغالبَ هواهُ ويقهرَ نفسَه ويصبرَ على ما امتُحن به وقيل لم يكن أوريَّا تزوَّجها بل كان خطَبها ثمَّ خطبها داودُ عليه السلام فآثره عليه السَّلام أهلها فكان ذنبُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إن خطب على حطبة أخيه المسلمِ هذا وأمَّا ما يُذكر من أنَّه عليه الصلاةُ والسَّلامُ دخلَ ذاتَ يومٍ محرابَه وأغلق بابَه وجعل يُصلِّي ويقرأُ الزَّبورَ فبينما هو كذلك إذْ جاءَه الشَّيطانُ في صورةِ حمامةٍ من ذهبٍ فمدَّ يده ليأخذَها لابنٍ صغيرٍ له فطارتْ فامتدَّ إليها فطارتْ فوقعت في كُوَّةٍ فتبعها فأبصر امرأةً جميلةً قد نقضت شعرها فغطَّى بدنها وهي امرأةُ أُوريَّا وهو من غُزاة البلقاءِ فكتب إلى أيُّوبَ بن صُوريا وهو صاحبُ بعثِ البلقاءِ أنِ أبعثْ أُوريَّا وقدِّمُه على التَّابوتِ وكان من يتقدَّم على التَّابوتِ لا يحلُّ له أنْ يرجعَ حتَّى يفتحَ الله علي يديِه أو يُستشهدَ ففتح الله تعالَى على يدِه وسلَم فأمرَ بردِّه مرةً أُخرى وثالثةً حتَّى قُتل وأتاه خبرُ قتلِه فلم يحزنْ كما كان يحزنُ على الشهداء وتزوَّج امرأتَه فإفكٌ مبتَدعٌ مكروهٌ ومكرٌ مخترعٌ بئسما مكروه تمجُّه الأسماعُ وتنفرُ عنه الطِّباعُ ويلٌ لمن ابتدعَه وأشاعَه وتبَّاً لَمن اخترعه وأذاعَه ولذلك قال علي رضي الله عنه مَن حدَّثَ بحديثِ داودَ عليه السَّلامُ على ما يرويهِ القُصَّاصُ جلدتُه مائةً وستِّين وذلك حدُّ الفريةِ على الأنبياءِ صلواتُ الله تعالَى وسلامُه عليهم هذا وقد قيلَ إنَّ قوماً قصُدوا أنْ يقتلُوه عليه الصَّلاة والسَّلام فتسوّروا المحرابَ ودخلوا عليه فوجدُوا عنده أقواماً فتصنَّعوا بهذا التَّحاكمِ فعلم عليه الصلاة والسلام غرضَهم فهمَّ بأنْ ينتقمَ منهمِ فظنَّ أنَّ ذلك ابتلاءٌ له من الله عزَّ وجلَّ فاستغفرَ ربَّه ممَّا همَّ به وأنابَ
(7/222)

ص
(7/223)

فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25)
25 - 27 {فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك} أي ما استغفرَ منه ورُوي أنه عليه الصلاةُ والسلام بقي ساجداً أربعينَ يوماً وليلةً لا يرفعُ رأسَه الا الصلاة مكتوبةٍ أو لما لا بُدَّ منه ولا يرقأُ دمعُه حتَّى نبتَ منه العشبُ إلى رأسه ولم يشرب ماء إلا ثلثاه دمعٌ وجهد نفسَه راغباً إلى الله تعالَى في العفوِ عنه حتَّى كادَ يهلك واشتغل بذلك عن المُلكِ حتَّى وثبَ ابنٌ له يقال له إيشا على ملكِه ودعا إلى نفسِه فاجتمع إليه أهلُ الزَّيغِ من بني إسرائيلَ فلمَّا غُفر له حاربَه فهزمَه {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى} لقرابة وكرامة بعد المغفرة {وَحُسْنُ مآب} حسنَ مرجعٍ في الجنَّةِ
(7/223)

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)
{يا داود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الارض} إمَّا حكاية لمَّا خُوطب به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مبينة لزُلفاه عنده عزَّ وجلَّ وإمَّا مقولُ قولٍ مقدَّرٍ هو معطوف على غفرنا أو حالٌ من فاعلِه أي وقُلنا له أو قائلين له يا داودُ الخ أي استخلفناك على المُلك فيها والحكمِ فيما بينَ أهِلها أو جعلناك خليفةً ممَّن كان قبلك من الأنبياء القائمينَ بالحقِّ وفيه دليلٌ بيِّنٌ على أنَّ حالهَ عليهِ الصَّلاة والسَّلام بعد التَّوبةِ كما كانت قبلها لم تتغيَّرْ قَط {فاحكم بَيْنَ الناس بالحق} بحكم الله تعالى فإنَّ الخلافةَ بكلا معنييه مقتضيةٌ له حتماً {وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى} أي هوى النفس في الحكومات وغيرها من أمور الدين والدنيا {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله} بالنصب على أنه جواب النَّهي وقيل هو مجزومٌ بالعطفِ على النَّهيِ مفتوحٌ لالتقاء السَّاكنينِ أي فيكون الهوى أو اتِّباعُه سبباً لضلالِك عن دلائله التي نصها على الحقِّ تكويناً وتَشريعاً وقوله تعالى {إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله} تعليلٌ لما قبله ببيانِ غائلتِه وإظهار سبيلِ الله في موقع الإضمار لزيادة التَّقريرِ والإيذانِ بكمال شناعةِ الضَّلالِ عنه {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} جملة من خبرٍ ومبتدأٍ وقعتْ خبراً لأنَّ أوْ الظرف خبر لأنَّ وعذابٌ مرتفع على الفاعلية بمَا فيهِ من مَعْنى الاستقرارِ {بِمَا نَسُواْ} بسبب نسيانِهم وقوله تعالى {يَوْمِ الحساب} إما مفعولٌ لنسُوا فيكون تعليلاً صريحاً لثبوت العذابِ الشَّديدِ لهم بنسيان يوم الحسابِ بعد الإشعارِ بعلِّيةِ ما يستتبُعه ويستلزمه أعني الضَّلالَ عن سبيل الله تعالى فإنَّه مستلزمٌ لنسيانِ يوم الحساب بالمرَّةِ بل هذا فردٌ من أفرادِه أو ظرفٌ لقولِهِ تَعَالى لَهُمْ أي لهُم عذابٌ شديدٌ يومَ القيامةِ بسببِ نسيانِهم الذي هو عبارةٌ عن ضلالِهم ومن ضرورته أن يكون مفعولُه سبيلِ الله فيكون التَّعليلُ المصرح به حينئذٍ عينَ التَّعليلِ المشعر به بالذَّاتِ غيره بالعُنوان ومَن لم يتنبيه لهذا السرِّ السريِّ قال بسبب نسيانِهم وهو ضلالُهم عن السَّبيلِ فإنَّ تذكَّره يقتضي ملازمةَ الحقِّ ومخالفةَ الهَوَى فتدبَّر
(7/223)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)
{وما خلقنا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا} كلامٌ مستأنفٌ مقررٌ لما قبله
(7/223)

ص 28 29 من أمرِ البعثِ والحسابِ والجزاء أي وما خلقناهُما وَمَا بَيْنَهُمَا من المخلوقاتِ على هذا النِّظامِ البديعِ الذي تحارُ في فهمِه العقولُ خلقاً باطلاً أي خالياً عن الغايةِ الجليلةِ والحكمةِ الباهرةِ بل منطوياً على الحقِّ المُبين والحِكم البالغةِ حيثُ خلقنا من بينِ ما خلقنا نُفوساً أودعناها العقلَ والتَّمييزَ بين الحقِّ والباطلِ والنَّافعِ والضَّارِّ ومكنَّاها من التَّصرفاتِ العلميةِ والعمليةِ في استجلابِ منافعِها واستدفاعِ مضارِّها ونصبنا للحق دلائل آفافية وأنفسيةً ومنحناها القُدرةَ على الاستشهادِ بها ثم لم نقتصرْ على ذلك المقدارِ من الألطافِ بل أرسلنا إليها رُسلاً وأنزلنا عليها كتابا بيّنّا فيها كلَّ دقيقٍ وجليلٍ وأزحنا عللَها بالكلِّية وعرضناها بالتكليف للمنافع العظيمةِ وأعددنا لها عاقبةً وجزاءً على حسب أعمالِها {ذلك} إشارةٌ إلى ما نُفي من خلقِ ما ذُكر باطلاً {ظَنُّ الذين كَفَرُواْ} أي مظنونهم فإنَّ جحودَهم بأمرِ البعثِ والجزاءِ الذي عليه يدورُ فلَكُ تكوينِ العالمِ قولٌ منهم ببطلانِ خلقِ ما ذُكر وخلوِّه عن الحكمةِ سبحانَهُ وتعالَى عمَّا يقولونَ علوّاً كبيراً {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ} مبتدأٌ وخبرٌ والفاءُ لإفادةِ ترتُّبِ ثبوتِ الويلِ لهُم عَلى ظنِّهم الباطلِ كما أنَّ وُضع الموصولُ موضعَ ضميرِهم للاشعار بما في حيز الصلة بعلية كفرهم له ولا تنافى بينهما لأنَّ ظنَّهم من باب كُفرِهم ومِنْ في قولِه تعالَى {من النار} تعليليةٌ كما في قوله تعالى فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ونظائرِه مفيدة لعليَّةِ النَّار لثبوتِ الويلِ لهم صَريحاً بعد الإشعارِ بعليةِ ما يُؤدِّي إليها من ظنِّهم وكفرِهم أي فويلٌ لهم بسببِ النَّارِ المترتِّبةِ على ظنِّهم وكفرِهم
(7/224)

أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28)
{أم نجعل الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كالمفسدين فِى الارض} أمْ منقطعةٌ وما فيَها من بلْ للإضرابِ الانتقاليِّ عن تقرير أمر البعثِ والحسابِ والجزاء بما مرَّ من نفيِ خلقِ العالم خالياً عن الحكمِ والمصالحِ إلى تقريرِه وتحقيقِه بما في الهمزةِ من إنكار التَّسويةِ بين الفريقينِ ونفيها على أبلغِ وجهٍ وآكدِه أي بل أنجعلُ المؤمنينَ المُصلحينَ كالكَفَرةِ المُفسدين في أقطارِ الأرضِ كما يقتضيه عدمُ البعثَ وما يترتَّبُ عليهِ من الجزاءِ لاستواء الفريقين في التَّمتع بالحياةِ الدُّنيا بل الكَفَرةُ أوفرُ حظَّاً منها من المؤمنينَ لكن ذلك الجعلُ محالٌ فتعيَّن البعثُ والجزاءُ حتماً لرفع الأوَّلينَ إلى أعلى عِلِّييِّنَ وردِّ الآخرينَ إلى أسفلِ سافلينَ وقوله تعالى {أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار} إضرابٌ وانتقالٌ عن إثبات ما ذُكر بلزوم المحالِ الذي هو التَّسويةُ بين الفريقينِ المذكُورينِ على الإطلاقِ إلى إثباتِه بلزومِ ما هو أظهرُ منه استحالةً وهو التَّسويةُ بين أتقياءِ المؤمنينَ وأشقياءِ الكَفَرةِ وحملُ الفُجَّار على فَجَرةِ المُؤمنين ممَّا لا يساعدُه المقامُ ويجوزُ أنْ يرادَ بهذينِ الفريقينِ عينُ الأوَّلينِ ويكون التَّكريرُ باعتبارِ وصفينِ آخرينِ هما أدخلُ في إنكار التَّسوية من الوصفينِ الأوَّلين وقيل قال كفَّارُ قُريشٍ للمؤمنين إنَّا نُعطَى في الآخرةِ من الخيرِ ما تُعطَون فنزلتْ
(7/224)

كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)
{كِتَابٌ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ هو عبارةٌ عن القُرآن أو السُّورةِ وقولُه تعالى {أنزلناه إِلَيْكَ} صفته
(7/224)

ص 30 32 وقوله تعالى {مُّبَارَكٌ} خبرٌ ثانٍ للمبتدأ أو صفةٌ لكتابٌ عند مَن يُجوِّز تأخيرَ الوصفِ الصَّريحِ عن غيرِ الصَّريحِ وقُرىء مباركاً على أنَّه حالٌ من مفعولِ أنزلنا ومعنى المبارك الكثيرُ المنافعِ الدِّينيةِ والدُّنيويةِ وقولُه تعالى {ليدبروا آياته} متعلِّقٌ بأنزلناه أي أنزلنَاهُ ليتفكَّروا في آياتِه التي من جُملتها هذهِ الآياتُ المعربةُ عن أسرارِ التَّكوينِ والتَّشريعِ فيعرفُوا ما يدبر ظاهرها من المعانِي الفائقةِ والتَّأويلاتِ اللائقةِ وقرىء ليتدَّبروا على الاصلى ولتدبَّروا على الخطابِ أي أنتَ وعلماءُ أمَّتك بحذفِ احدى التاءين {وليتذكر أولوا الالباب} أي وليتَّعظ به ذوو العقول السليمة او ليستحضروا ماهو كالمركوزِ في عقولِهم من فرطِ تمكُّنهم من معرفتِه لما نُصبِ عليه من الدَّلائلِ فإنَّ الكتبَ الإلهيةَ مبيِّنةٌ لما لا يُعرف إلا بالشَّرعِ ومرشدةٌ إلى مالا سبيلَ للعقلِ إليه
(7/225)

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
{ووهبنا لداود سليمان نِعْمَ العبد} وقُرىء نعم العبدُ أي سليمانُ كما ينبىءُ عنه تأخيرُه عن داودَ مع كونِه مفعولاً صريحاً لوهبنا ولأنَّ قوله تعالى {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أيْ رجّاع إلى الله تعالى بالتَّوبة أو إلى التَّسبيح مرجع له تعليلٌ للمدح وهو من حاله لما أنَّ الضَّميرَ المجرورَ في قوله تعالى
(7/225)

إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31)
{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ} راجع إليه عليه الصلاة والسلام قطعاً وإذْ منصوبٌ باذكُر أي اذكُر ما صدرَ عنه إذْ عُرضَ عليه {بالعشى} هو من الظُّهرِ إلى آخرِ النَّهارِ {الصافنات} فإنَّه يشهدُ بأنَّه أوَّاب وقيل ظرف لأواب وقيل لنعِم وتأخيرُ الصَّافنات عن الظَّرفينِ لما مرَّ مرارا من التَّشويقِ إلى المؤخَّرِ والصَّافنُ من الخيلِ الذي يقومُ على طَرَفِ سُنبكِ يدٍ أو رجلٍ وهو من الصِّفاتِ المحمودةِ في الخيلِ لا يكادُ ينفق إلا في العِراب الخُلَّصِ وقيل هو الذي يجمعُ يديهِ ويسوِّيهما وأمَّا الذي يقفُ على سنبكهِ فهو المنخيم {الجياد} جمعُ جوادٍ وجودٍ وهو الذي يُسرع في جريِه وقيل الذي يجودُ عند الرَّكضِ وقيل وُصفتْ بالصُّفون والجَودةِ لبيان جمعها بين الوصفينِ المحمودينِ واقفةً وجاريةً أي إذا وقفتْ كانتْ ساكنةً مطمئنة في مواقفها وإذا جرتْ كانت سِراعاً خِفافاً في جَريها وقيل هو جمعُ جيِّد رُوي أنَّه عليه الصلاةُ والسلام غَزَا أهلَ دمشقَ ونصيبين وأصابَ ألفَ فرسٍ وقيل أصابها أبُوه من العمالقةِ فورثها منه وقيل خرجتْ من البحرِ لها أجنحةٌ فقعد يوماً بعدما صلَّى الظُّهر على كرسيِّه فاستعرضَها فلم تزلْ تُعرض عليه حتَّى غربتِ الشَّمسُ وغفلَ عن العصرِ أو عن وِردٍ كان له من الذِّكرِ وقتئذٍ وتهيَّبُوه فلم يعلموه فاغتمَّ لما فاتَه فاستردَّها فعقَرها تقرباً لله تعالى وبقي مائةٌ فما في أيدي النَّاسِ من الجياد فمن نسلها وقيل لمَّا عقرَها أبدلَه الله خيراً منها وهي الرِّيحُ تجري بأمره
(7/225)

فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32)
{فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عن ذكر ربى} قالَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عند غروب الشَّمسِ اعترافاً بما صدرَ عنْهُ منَ الاشتغالِ بها عن الصَّلاةِ وندماً عليه وتمهيداً لما يعقُبه منْ الأمر بردِّها وعقرِها والتَّعقيب باعتبار أواخرِ العرض المستمرِّ دون ابتدائِه
(7/225)

ص 33 34 والتَّأكيدُ للدِّلالةِ على أنَّ اعترافَه وندمَهُ عن صميم القلبِ لا لتحقيقِ مضمونِ الخبر وأصلُ أحببتُ أنْ يعدَّى بعلى لانه بمعنى آثرت لكن لما أُنيب مُنابَ أنبتُ عُدِّي تعديتَه وحبَّ الخير مفعوله كأنه قبل أنبتُ حبَّ الخيرِ عن ذكر ربِّي ووضعتُه موضعه وخير المالُ الكثيرُ والمراد به الخيلُ التي شغلته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ويحتمل أنَّه سمَّاها خيراً لتعلُّق الخيرِ بها قال صلى الله عليه وسلم الخيرُ معقودٌ بنواصِي الخيلِ إلى يوم القيامة وقرىء أنِّي {حتى تَوَارَتْ بالحجاب} متعلِّق بقوله أحببتُ باعتبار استمرار المحبَّةِ ودوامِها حسب استمرارِ العرضِ أي أنبتُ حب الخير عن ذكر ربِّي واستمرَّ ذلك حتَّى توارتْ أي غربتْ الشَّمسُ تشبيهاً لغروبِها في مغربِها بتوارى المخبأةِ بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها وقيل الضمير للصافنات أي حتى توارتْ بحجابِ اللَّيلِ أي بظلامِه
(7/226)

رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33)
{رُدُّوهَا عَلَىَّ} من تمام مقالةِ سليمانَ عليه السَّلامُ ومرمى غرضِه من تقديم ما قدَّمه ومَن لَم يَتَنَبَّه لَه مع ظهورِه توهَّم أنَّه متَّصل بمضمرٍ هو جوابٌ لمضمرٍ آخرَ كأنَّ سائلاً قال فماذا قال سليمانُ عليه السَّلامُ فقيل قال ردها فتأمل والفاء في قوله تعالى {فَطَفِقَ مَسْحاً} فصيحةٌ مفصحةٌ عن جملةٍ قد حُذفتْ ثقة بدلالهِ الحالِ عليها وإيذاناً بغاية سرعةِ الامتثالِ بالأمرِ أي فردُّوها عليه فأخذ يمسحُ السَّيفَ مسحاً {بالسوق والاعناق} أي بسوقِها وأعناقِها يقطعها من قولِهم مسحَ عِلاوتَه أي ضرب عنفه وقيل جعل يمسحُ بيدهِ أعناقَها وسوقَها حُبَّاً لها وإعجاباً بها وليس بذاكَ وقُرىء بالسُّؤُقِ على همز الواوِ لضمَّتها كما في أدؤُر وقرىء بالسُّؤوقِ تنزيلاً لضمَّةِ السِّينِ منزلة ضمَّه الواوِ وقُرىء بالسَّاق اكتفاءً بالواحدِ عن الجمعِ لأمنِ الالباسِ
(7/226)

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)
{وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} أظهرُ ما قيل في فتنتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ما رُوي مرفُوعاً أنَّه قال لأطوفنَّ الليلةَ على سبعينَ امرأة تأتِي كل واحدة بفارس بجاهد في سبيلِ الله تعالى ولم يقُل إنْ شاءَ الله تعالى فطافَ عليهنَّ فلم تحمل إلا امرأةٌ واحدةٌ جاءتْ بشقِّ رجلٍ والذي نفسِي بيدِه لو قالَ إنْ شاء الله لجاهدُوا في سبيلِ الله فُرساناً أجمعون وقيل وُلد له ابنٌ فاجتمعتِ الشَّياطينُ على قتلِه فعلم ذلكَ فكانَ يغذُوه في السَّحابِ فَما شعرَ به إلى أنْ أُلقي عَلَى كرسيِّه ميتاً فتنبَّه لخطئِه حيثُ لَم يتوكَّل على الله عزَّ وعَلاَ وقيل إنَّه غَزَا صيدونَ من الجزائرِ فقتلَ ملكَها وأصابَ بنْتاً له تسمَّى جرادةَ من أحسنِ النَّاسِ فاصطفَاها لنفسِه واسلمت حبها وكان لا يرقأُ دمعُها جَزَعاً على أبيها فأمرَ الشَّياطينَ فمثَّلوا لها صورتَه وكانت تغدُو إليها وتروحُ مع ولائدها يسجدون لها كعادتهنَّ في مُلكِه فأخبرهَ آصفُ بذلك فكسرَ الصُّورةَ وعاقَب المرأةَ ثم خرج وحدَهُ إلى فَلاَة وفُرش له الرَّمادُ فجلس عليه تائباً إلى الله تعالى باكياً متضرِّعاً وكانتْ له أمُّ ولدٍ يُقال لها أمينةُ إذا دخلَ للطَّهارةِ أو لإصابةِ امرأةٍ يعطيها خاتمه وكان ملكُه فيه فأعطاها يوماً فتمثَّل لها بصورتِه شيطانٌ اسمه صخر وأخذ الخاتمَ فتختَّم به وجلس على كُرسِّيه فاجتمعَ عليه الخلقُ ونفَّذ حكمَه في كلِّ شيءٍ إلاَّ في نسائِه وغيَّر سليمان
(7/226)

ص 35 38 عن هيئتِه فأتى أمينةَ لطلبِ الخاتمِ فأنكرتْهُ وطردتْهُ فعرفَ أنَّ الخطيئةَ قد أدركتْهُ فكان يدورُ على البيوتِ يتكفَّفُ وإذا قال أنَا سليمانُ حثَوا عليه التُّرابَ وسبُّوه ثم عمد إلى السَّماكين ينقلُ لهم السَّمك فيعطونَه كلَّ يومٍ سمكتينِ فمكثَ على ذلك أربعينَ صباحاً عددَ ما عُبد الوثنُ في بيتِه فأنكر آصفُ وعظماءُ بني إسرائيلَ حكمَ الشَّيطانِ ثم طارَ اللعينُ وقذفَ الخاتمَ في البحرِ فابتلعتْهُ سمكةٌ فوقعتْ في يدِ سليمانَ فبقرَ بطنَها فإذَا هُو بالخاتمِ فتختَّم به وخرَّ ساجداً وعادَ إليه ملكه وجاب صخرةً لصخرٍ فجعلَه فيها وسدَّ عليه بأُخرى ثم أوثَقهما بالحديدِ والرَّصاص وقذفه في البحرِ وعلى هذا فالجسدُ عبارةٌ عن صخرٍ سمِّي به وهو جسمٌ لا رُوحَ فيه لأنَّه تمثَّل بما لم يكن كذلكَ والخطيئةُ تغافلُه عليه الصلاة والسلام عن حالِ أهلِه لأنَّ اتِّخاذَ التَّماثيلِ لم يكُن محظُوراً حينئذٍ وسجودُ الصُّورةِ بغير علمٍ منه لا يضرُّه
(7/227)

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)
{قَالَ} بدل من أنابَ وتفسير له {رَبّ اغفر لِى} أي ما صدرَ عنِّي من الزَّلَّةِ {وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى} لا يتسهل له ولا يكونُ ليكونَ معجزةً لي مناسبةً لحالي فإنه عليه الصلاة والسلام لمَّا نشأَ في بيتِ الملكِ والنُّبوة وورثهما معاً استدعى من ربِّه معجزةً جامعة لحكمهما اولا ينبغي لأحدٍ أنْ يسلَبه منِّي بعد هذه السَّلبةِ اولا يصحُّ لأحدٍ من بعدي لعظمته كقولك لفلان ماليس لأحدٍ من الفضلِ والمالِ على إرادة وصف الملكِ بالعظمةِ لا أنْ لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة وقيل كان مُلكاً عظيماً فخاف أنْ يُعطى مثلَه أحدٌ فلا يحافظُ على حدودِ الله تعالى وتقديمُ الاستغفارِ على الاستيهابِ لمزيد اهتمامِه بأمر الدِّينِ جرياً على سُنن الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ والصَّالحين وكون ذلك أدخلَ في الإجابةِ وقُرىء ليَ بفتحِ الياءِ {إِنَّكَ أَنتَ الوهاب} تعليلٌ للدُّعاءِ بالمغفرةِ والهبةِ معاً لا بالأخيرة فقط فإنَّ المغفرةَ أيضاً من احكام وصف الوهابية قطعا
(7/227)

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح} أي فذللناها لطاعتِه إجابةً لدعوتِه فعاد أمرُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى ما كان عليهِ قبل الفتنةِ وقُرىء الرِّياح {تَجْرِى بِأَمْرِهِ} بيانٌ لتسخيرِها له {رُخَاء} أي لينةً من الرَّخاوةِ طيبة لا تزعزعُ وقيل طيعةً لا تمتنع عليه كالمأمورِ المنقادِ {حَيْثُ أصاب} أي حيث قصدو اراد حَكَى الأصمعيُّ عن العربِ أصابَ الصَّوابَ فأخطأَ الجوابَ
(7/227)

وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37)
{والشياطين} عطفٌ على الرِّيح {كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ} بدلٌ من الشياطين
(7/227)

وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)
{وآخرين مُقَرَّنِينَ فِى الاصفاد} عطفٌ على كلَّ بنَّاءٍ داخلٌ في حُكمِ البدلِ كأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فصَّل الشَّياطينَ إلى عَمَلةٍ استعملهم في الأعمالِ الشَّاقةِ من البناء والغَوص ونحو ذلك وإلى مَرَدةٍ قُرن بعضَهم مع بعضٍ في السَّلاسلِ لكفِّهم عن الشرِّ والفسادِ ولعلَّ أجسامهم شفَّافةٌ فلا تُرى صلبةً فيمكن تقييدُها ويقدرون على
(7/227)

ص 39 41 الأعمال الصَّعبة وقد جُوِّز أن يكون الإقرانُ في الأصفادِ عبارة عن كفِّهم عن الشُّرورِ بطريق التَّمثيلِ والصَّفدُ القَيدُ وسُمِّي به العطاءُ لأنَّه يرتبط بالمنعمِ عليه وفرَّقوا بين فعليهما فقالُوا صفَده قيَّده وأصفدَهُ أعطاهُ على عكسِ وَعَد وأوعده وقوله تعالى
(7/228)

هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)
{هذا} الخ إمَّا حكايةٌ لما خوطب به سليمان عليه السَّلامُ مبيِّنةٌ لعظمِ شأنِ ما أُوتي من الملكِ وأنَّه مفوَّضٌ إليه تفويضاً كلِّياً وإما مقولٌ مقدر هو معطوف على سخَّرنا أو حالٌ من فاعلهِ كما مرَّ في خاتمةِ قصَّةِ داودَ عليه السَّلامُ أي وقُلنا له أو قائلين له هذا الأمرُ الذي أعطيناكَه من المُلكِ العظيمِ والبسطةِ والتَّسلطِ على ما لَم يُسلَّطُ عليه غيرُك {عَطَاؤُنَا} الخاصُّ بك {فامنن أَوْ أَمْسِكْ} فأعطِ مَن شئتَ وامنْع مَن شئتَ {بِغَيْرِ حِسَابٍ} حال من المستكن في الأمرِ أي غير محاسب على شئ منِّه وإمساكهِ لتفويضِ التَّصرف فيه إليك على الإطلاقِ أو منْ العطاءِ أي هذا عطاؤنا مُلتبساً بغير حسابٍ لغاية كثرتِه أو صلةٌ له وما بينهما اعتراضٌ على التَّقديرينِ وقيل الإشارةُ إلى تسخير الشَّياطينِ والمرادُ بالمنِّ والإمساكِ الإطلاقُ والتَّقييدُ
(7/228)

وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40)
{وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى} في الآخرةِ مع ما له من المُلك العظيمِ في الدنيا {وحسن مآب} هو الجنَّةُ قيل فُتن سليمانُ عليه السَّلامُ بعد ما ملكَ عشرين سنةً وملك بعد الفتنةِ عشرينَ سنة وذكر الفقيهُ أبوُ حنيفةَ أحمدُ بنُ داودَ الدِّيْنَوَريُّ في تاريخه أنَّ سليمانَ عليه السَّلامُ ورثَ ملكَ أبيهِ في عصرِ كيخسرو بن سياوش وسارَ من الشَّامِ إلى العراقِ فبلغ خبره كيخسر فهربَ إلى خُراسانَ فلم يلبثْ حتَّى هلكَ ثمَّ سارَ سُليمانُ عليه السَّلامُ إلى مروٍ ثمَّ إلى بلادِ التُّركِ فوغل فيها ثم جازَ بلادَ الصِّين ثم عطفَ إلى أنْ وافى بلادَ فارسٍ فنزلها أيّاماً ثم عاد إلى الشَّامِ ثمَّ أمرَ ببناءِ بيتِ المقدسِ فلَّما فرغَ منه سار إلى تهامةَ ثم إلى صنعاءَ وكان من حديثِه مع صاحبتِها ما ذكر الله تعالى وغَزا بلادَ المغربِ الأندلسِ وطنجةَ وغيرَهما والله تعالى أعلمُ
(7/228)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)
{واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ} عطفٌ على اذكُر عبدنا داودَ وعدمُ تصديرِ قصَّةِ سليمانَ بهذا العُنوان لكمالِ الاتِّصالِ بينه وبينَ داودَ عليهما السَّلامُ وأيُّوبُ هو ابنُ عِيصَ بنِ إسحاقَ عليهِ السَّلامُ {إِذْ نادى رَبَّهُ} بدلُ اشتمالٍ من عبدَنا وأيُّوبَ عطفُ بيانٍ له {إِنّى} بأني {مَسَّنِىَ الشيطان} بفتح ياء مسنى وقرئ بإسكانِها وإسقاطِها {بِنُصْبٍ} أي تعب وقرئ بفتحِ النُّونِ وبفتحتينِ وبضمَّتينِ للتثقيلِ {وَعَذَابٍ} أي ألمٍ ووصبٍ يريدُ مرضَه وما كان يُقاسيه من فنونِ الشَّدائدِ وهو المرادُ بالضُّرِّ في قوله إنيِّ مسنى الضُّرُّ وهو حكايةٌ لكلامِه الذي ناداهُ به بعبارتِه وإلاَّ لقيلَ أنَّه مسَّه الخ والإسنادُ إلى الشَّيطان إمَّا لأنَّه تعالَى مسَّه بذلك لما فعل بوسوستِه كما قيل إنَّه أُعجب بكثرةِ مالِه أو استغاثه مظلومٌ فلم يغثه أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزُه أو لامتحان صبره فيكون اعترافاً بالذَّنبِ أو
(7/228)

ص 42 44 مراعاةً للأدبِ أو لأنَّه وسوس إلى أتباعِه حتَّى رفضُوه وأخرجُوه من ديارِهم أو لأنَّ المرادَ بالنَّصَبِ ما كان يُوسوس به إليه في مرضِه من تعظيم ما نزل به من البلاءِ والقُنوطِ من الرَّحمةِ ويغريه على الكراهةِ والجَزَعِ فالتجأَ إلى الله تعالَى في أنْ يكفيه ذلك بكشفِ البلاءِ أو بالتوفيقِ لدفعِه وردِّه بالصَّبرِ الجميلِ وليس هذا تمامَ دعائِهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بل من جُملتِه قولُه وانت ارحم الراحمين فاكتفى ههنا عن ذكرِه بما في سُورةِ الأنبياءِ كما تركَ هناك ذكرَ الشَّيطانِ ثقةً بما ذكرههنا وقوله تعالى
(7/229)

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42)
{اركض بِرِجْلِكَ} الخ إمَّا حكايةٌ لما قيل له أو مقولٌ لقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على نادى أي فقلنا له اركض برجلك أي اضربْ بها الأرضَ وكذا قوله تعالى {هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فإنَّه أيضاً إمَّا حكايةٌ لما قيل له بعدَ امتثالِه بالامر ونبوع الماءِ أو مقولٌ لقولٍ مقدرٍ معطوفٍ على مقدَّر ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنه قيل فضربَها فنبعتْ عينٌ فقلنا له هذا مغتسلٌ تغتسلُ به وتشربُ منه فيبرأُ ظاهرُك وباطُنك وقيل نبعتْ عينانِ حارَّةٌ للاغتسالِ وباردةٌ للشُّربِ ويأباهُ ظاهرُ النظمِ الكريمُ وقوله تعالى
(7/229)

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43)
{وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ} معطوفٌ على مقدَّرَ مترتبٍ على مقدَّرٍ آخرَ يقتضيه القولُ المقدَّرُ آنفاً كأنَّه قيل فاغتسل وشرب فكشفنا بذلكَ مابه من ضركما في سورة الأنبياء ووهبنا له أهلَه إمَّا بإحيائِهم بعد هلاكِهم وهو المرويُّ عن الحسنِ أو بجمعِهم بعد تفرُّقِهم كما قيل {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} عطفٌ على أهلَه فكان له من الأولادِ ضِعفُ ما كان له قبل {رَحْمَةً مّنَّا} أي لرحمةٍ عظيمةٍ عليه من قبلنا {وذكرى لأُوْلِى الالباب} ولتذكيرهم بذلك ليصبروا عل الشَّدائدِ كما صبرَ ويلجأوا إلى الله عزَّ وجلَّ فيما يحيقُ بهم كما لجأ ليفعلَ بهم ما فعلَ به من حُسن العاقبةِ
(7/229)

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} معطوفٌ على اركُض أو على وهبنَا بتقديرِ قُلنا أي وقُلنا خذْ بيدِك الخ والأوَّلُ أقربُ لفظاً وهذا أنسبُ معنى فإنَّ الحاجةَ إلى هذا الأمرِ لا تمسُّ إلا بعد الصَّحةِ فإنَّ امرأتَه رحمةَ بنتَ افرايمَ بنِ يوسفَ وقيل ليَا بنتُ يعقوبَ وقيل ماصرُ بنتُ ميْشا بن يُوسفَ عليه السَّلامُ ذهبتْ لحاجةٍ فأبطأتُ فحلفَ إنْ برئ ليضربنَّها مائةً ضربة فأمرَه الله تعالى بأخذِ الضِّغثِ والضِّغثُ الحزمةُ الصَّغيرةُ من الحشيشِ ونحوِه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قبضةٌ من الشَّجرِ وقال {فاضرب بّهِ} أي بذلك الضِّغثِ {وَلاَ تَحْنَثْ} في يمينك فإنَّ البرَّ يتحققُ به ولقد شرعَ الله سبحانه هذه الرُّخصةَ رحمةً عليه وعليها الحسن خدمتِها إيَّاهُ ورضاهُ عنها وهي باقيةٌ ويجب أنْ يصيبَ المضروبَ كلُّ واحدٍ من المائةِ إما بأطرافِها قائمة أوبأعراضها مبسوطةً على هيئةِ الضَّربِ {إِنَّا وجدناه صَابِراً} فيما أصابَه في النَّفسِ والأهلِ والمالِ وليسَ في شكواهُ إلى الله تعالى إخلالٌ بذلك فإنَّه لا يُسمَّى جزَعاً كتمنِّي العافيةِ وطلب الشِّفاءِ على أنَّه قال ذلك خيفةَ الفتنةِ في الدِّينِ حيث كانُ الشَّيطانُ يوسوس الى قومه
(7/229)

ص 45 48 بأنَّه لو كانَ نبيَّاً لما ابُتلي بمثلِ ما ابُتلي به وإرادة القوَّة على الطَّاعةِ فقد بلغ أمرُه إلى أنْ لم يبقَ منه إلاَّ القلبُ واللِّسانُ ويُروى أنَّه عليه السلام قال في مناجاتِه إلهي قد علمتَ أنَّه لم يُخالفْ لساني قلبيَ ولم يتبع قلبي بصريَ ولم يهبني ما ملكتْ يميني ولم آكلْ إلا ومعي يتيم ولم أبتْ شبعانَ ولا كاسياً ومعي جائعٌ أو عريانُ فكشفَ الله تعالى عنه {نِعْمَ العبد} أي أيُّوبُ {إِنَّهُ أَوَّابٌ} تعليلٌ لمدحِه أيْ رجّاع إلى الله تعالى
(7/230)

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45)
{واذكر عِبَادَنَا إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ} عطفُ بيانٍ لعبادَنا وقرئ عبدَنا إمَّا على أنَّ إبراهيمَ وحدَهُ لمزيد شرفهِ عطفُ بيانٍ وقيل بدلٌ وقيل نُصبَ بإضمارِ أَعْنِي والباقيانِ عطفٌ على عَبدنا وإمَّا على أنَّ عبدَنا اسمُ جنسٍ وضعَ موضعَ الجمع {أُوْلِى الايدى والابصار} أُولي القوَّةِ في الطَّاعةِ والبصيرةِ في الدِّينِ أو أولي الأعمالِ الجليلةِ والعلومِ الشَّريفةِ فعبَّر بالأيدِي عن الأعمالِ لأنَّ أكثرَها تُباشر بها وبالأبصارِ عن المعارفِ لأنَّها أقوى مباديها وفيه تعريضٌ بالجَهَلةِ البطَّالينَ أنَّهم كالزمنى والعُماةِ وتوبيخٌ على تركِهم المجاهدةِ والتَّأمُّلِ مع تمكنهم منهما وقرئ أُولي الأيدِ بطرحِ الياءِ والاكتفاء بالكسر وقرئ أُولي الأيادِي على جمعِ الجمعِ
(7/230)

إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46)
{إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ} تعليلٌ لما وُصفوا به من شرفِ العُبودَّيةِ وعلوِّ الرُّتبةِ في العلم والعمل أي جعلناهم خالصينَ لنا بخصلةٍ خالصةٍ عظيمةَ الشَّأنِ كما ينبئ عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ وقولُه تعالى {ذِكْرَى الدار} بيانٌ للخالصةِ بعد إبهامِها للتَّفخيم أي تذكرٍ للدَّارِ الآخرةِ دائماً فإنَّ خُلوصَهم في الطَّاعةِ بسببِ تذكُّرِهم لها وذلكَ لأنَّ مطمحَ أنظارِهم ومطرح أفكارِهم في كلِّ ما يأتونَ وما يذرون جوارُ الله عزَّ وجلَّ والفوزُ بلقائهِ ولا يتسنَّى ذلك إلاَّ في الآخرةِ وقيل أخلصناهُم بتوفيقِهم لها واللُّطفِ بهم في اختيارِها ويعضد الأولَ قراءةُ من قرأ بخالصتِهم وإطلاق الدَّارِ للإشعارِ بأنَّها الدَّارُ في الحقيقةِ وإنَّما الدُّنيا مَعْبرٌ وقرئ بإضافةِ خالصةٍ إلى ذِكرى أي بما خلُص من ذِكرى الدَّارِ عَلى مَعْنى أنهُم لا يشوبون ذكراهابهم آخرَ أصلاً أو تذكيرهم الآخرةَ وترغيبُهم فيها وتزهيدُهم في الدُّنيا كما هو شأنُ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيلَ ذِكرى الدَّارِ الثَّناءُ الجميلُ في الدُّنيا ولسانُ الصِّدقِ الذي ليس لغيرِهم
(7/230)

وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47)
{وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الاخيار} لمن المُختارين من أمثالِهم المصطَفَين عليهم في الخيرِ والأخيار جمعُ خَيْرٍ كشرَ وأشرارٍ وقيل جمعُ خَيِّرٍ أو خَيْرٍ مُخفَّفٍ منْهُ كأمواتٍ في جمعِ مَيِّتٍ ومَيْتٍ
(7/230)

وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48)
{واذكر إسماعيل} فُصلَ ذكرُه عن ذكر أبيه وأخيه للإشعارِ بعراقتِه في الصَّبرِ الذي هُو المقصودُ بالتَّذكيرِ {واليسع} هو ابن خطوب بنِ العجوزِ استخلفَه الياسُ على بني إسرائيلَ ثم استنبئ واللامُ فيه حرفُ تعريفٍ دخلَ على يسع كما في قول من
(7/230)

ص 49 53 قال رأيتُ الوليدَ بنَ اليزيد مباركا وقرئ واليسع كأنه أصله لَيْسع فَيْعل من اللَّسعِ دخلَ عليه حرفُ التَّعريفِ وقيل هو على القراءتينِ عَلَم أعجميٌّ دخل عليه اللامُ وقيل هو يُوشع {وَذَا الكفل} هو ابنُ عمِّ يسع أو بشر بن أيوب واختُلف في نبوَّتِه ولقبهِ فقيل فرَّ إليه مائةُ نبيَ من بني إسرائيلَ من القتل فآواهُم وكَفَلهم وقيل كُفل بعملِ رجلٍ صالحٍ كان يُصلِّي كلَّ يومٍ مائةَ صلاة {وَكُلٌّ} أي وكلهم {من الأخيار} المشهور بن بالخبرية
(7/231)

هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49)
{هَذَا} إشارةٌ إلى ما تقدَّمَ من الآياتِ النَّاطقةِ بمحاسِنهم {ذُكرٌ} أي شَرفٌ لهم وذكرٌ جميلٌ يُذكرون به أبداً أو نوعٌ من الذِّكرِ الذي هو القرآنُ وبابٌ منه مشتملٌ على أنباءِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما هذا ذكرُ مَن مضى من الأنبياءِ وقولُه تعالى {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} شروع في بيان أجرِهم الجزيل في الآجلِ بعد بيان ذكرِهم الجميلِ في العاجلِ وهو بابٌ آخرُ من أبواب التَّنزيلِ والمرادُ بالمتَّقينَ إمَّا الجنسُ وهم داخلونَ في الحكم دُخولاً أوليَّاً وإما نفسُ المذكورين عبَّر عنهم بذلك مَدْحاً لهم بالتَّقوى التي هي الغايةُ القاصيةُ من الكمالِ
(7/231)

جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (50)
{جنات عَدْنٍ} عطفُ بيانٍ لحسنَ مآبٍ عندَ من يجوز تخالفهما تعريفها وتنكيراً فإنَّ عَدْناً مَعْرِفةٌ لقولِه تعالى جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ أو بدلٌ منه أو نصب على المدحِ وقولُه تعالى {مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب} حالٌ من جنَّاتِ عَدْنٍ والعاملُ فيها ما في للمتَّقين من معنى الفعلِ والأبوابُ مرتفعةٌ باسمِ المفعولِ والرَّابطُ بين الحالِ وصاحبِها إمَّا ضميرٌ مقدَّرٌ كما هو رأيُ البصريِّينَ أي الأبوابُ منها أو الألفُ واللاَّمُ القائمةُ مقامَه كما هو رأيُ الكوفيِّينَ إذِ الأصلُ أبوابُها وقُرئتا مرفوعتينِ على الابتداء والخبر أو على أنَّهما خبرانِ لمحذوفٍ أي هي جنَّاتُ عدنٍ هي مفتّحةٌ
(7/231)

مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51)
{مُّتَّكِئِينَ فِيهَا} حالٌ من ضميرِ لَهمُ والعاملُ فيها مفتَّحة وقولُه تعالى {يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ} استئناف لبيان حالهم فيها وقيل هو أيضاً حالٌ مَّما ذُكر أو من ضمير متَّكئين والاقتصارُ على دعاءِ الفاكهةِ للإيذانِ بأنَّ مطاعَمهم لمحضِ التَّفكهِ والتَّلذذِ دُون التَّغذِّي فإنَّه لتحصيل بدلِ المتحلِّلِ ولا تحلَّلِ ثَمة
(7/231)

وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52)
{وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف} أي على أزواجهنَّ لا ينظُرن إلى غيرِهم {أَتْرَابٌ} لداتٌ لهم فإنَّ التَّحابَّ بين الأقرانِ أرسخُ أو بعضهن لبعضٍ لا عجوزَ فيهنَّ ولا صبيَّةَ واشتقاقُه من التُّراب فإنَّه يمسُّهم في وقتٍ واحدٍ
(7/231)

هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53)
{هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب} أي لأجلِه فإنَّ الحسابَ علَّةٌ للوصولِ إلى الجزاء وقرئ بالياءِ ليوافقَ ما قبلَه
(7/231)

ص 54 59 والالتفاتُ أليقُ بمقامِ الامتنانِ والتَّكريمِ
(7/232)

إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54)
{إِنَّ هَذَا} أي ما ذكر من ألوان النِّعم والكَرَاماتِ {لَرِزْقُنَا} أعطيناكموه {مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ} انقطاعٍ أبداً
(7/232)

هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55)
{هذا} أي الأمرُ هذا أو هذا كما ذُكر أو هذا ذِكر وقوله تعالى {وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَآبٍ} شروع في بيان أضَّدادِ الفريق السَّابقِ
(7/232)

جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56)
{جَهَنَّمَ} إعرابُه كما سلف {يَصْلَوْنَهَا} أي يدخلُونها حالٌ من جهنَّمَ {فَبِئْسَ المهاد} وهو المهدُ والمفرشُ مستعار من فراشِ النَّائمِ والمخصوص بالذمِّ محذوف وهو جهنَّم لقوله تعالى لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ
(7/232)

هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57)
{هذا فَلْيَذُوقُوهُ} أي ليذوقُوا هذا فليذوقُوه كقوله تعالى وإياى فارهبون أو العذابُ هذا فليذوقوه أو هذا مبتدأٌ خبرُه {حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} وما بينهما اعتراضٌ وهو على الأولين خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي هو حميم والغسَّاقُ ما يغسِق من صديدِ أهلِ النَّارِ من غسَقتِ العينُ إذا سال دمعُها وقيل الحميمُ يحرقُ بحرِّه والغسَّاقُ يحرقُ ببردِه وقيل لو قَطرت منه قطرةٌ في المشرقِ لنتَّنتْ أهلَ المغربِ ولو قَطرت قطرةٌ في المغرب لنتنت أهلَ المشرقِ وقيل الغسَّاقُ عذابٌ لا يعلمه إلاَّ الله تعالى وقُرىء بتخفيفِ السين
(7/232)

وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58)
{وآخر مِن شَكْلِهِ} أي ومذوقٌ آخرُ أو عذابٌ آخرُ من مثل هذا المذوقِ أو العذابِ في الشِّدَّةِ والفظاعةِ وقُرىء وأُخَرُ أي ومذوقاتٌ أخَرُ أو أنواع عذابٍ أُخر وتوحيدُ ضميرِ شكله بتأويلِ ما ذُكر أو الشَّرابُ الشَّاملُ للحميمِ والغسَّاقِ أو هو راجعٌ إلى الغسَّاقِ {أزواج} أي أجناس وهو خبر لآخر لانه يجوز أن يكون ضروباً أو صفةٌ له أو للثلاثة أو مرتفعٌ بالجار والخبرُ محذوفٌ مثلُ لهم
(7/232)

هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (59)
{هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ} حكاية ما يقال من جهة الخَزَنةِ لرُؤساء الطَّاغينَ إذا دخلوا النَّارَ واقتحمها معهم فوجٌ كانوا يتبعونهم في الكُفرِ والضَّلالةِ والاقتحامُ الدُّخولُ في الشَّيء بشدَّةٍ قال الرَّاغبُ الاقتحامُ توسُّطُ شدَّةٍ مخيفةٍ وقولُه تعالى {لاَ مَرْحَباً بِهِمْ} من اتمام كلام الخزنة بطريق الدُّعاءِ على الفوجِ أو صفةٌ للفوجِ أو حالٌ منه أي مقولٌ أو مقولاً في حقِّهم لا مرحباً بهم أي لا اتوا مرحبا اولا رحُبتْ بهم الدَّار مرحباً {إنهم صالوا النار} تعليل من جهةِ الخَزَنةِ لاستحقاقهم الدُّعاءِ عليهم أو وصفهم بما ذُكر وقيل لا مرحباً بهم إلى هنا كلامُ الرُّؤساءِ في حقَ أتباعِهم عند خطاب الخَزَنة لهم باقتحام الفوجِ معهم تضجُّراً من مقارنتهم
(7/232)

ص 60 63 وتنفُّرا من مصاحبتِهم وقيل كلُّ ذلك كلامْ الرُّؤساءِ بعضهم مع بعض في حقِّ الأتباعِ
(7/233)

قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60)
{قَالُواْ} أي الأتباعُ عند سماعِهم ما قيل في حقِّهم ووجه خطابهم للرُّؤساءِ في قولهم {بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ} الخ على الوجهينِ الأخيرينِ ظاهرٌ وأمَّا على الوجهِ الأولِ فلعلَّهم إنَّما خاطبُوهم مع أنَّ الظَّاهرَ أنْ يقولُوا بطريقِ الاعتذارِ إلى الخَزَنةِ بل هُم لا مرحباً بهم الخ قَصْداً منهم إلى إظهارِ صدقِهم بالمُخاطبةِ مع الرُّؤساءِ والتَّحاكمِ إلى الخَزَنةِ طمعاً في قضائِهم بتخفيفِ عذابِهم أو تضعيفِ عذابِ خُصَمائهم أي بل أنتم أحقُّ بما قيلَ لنا أو قلتُم وقولُه تعالى {أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} تعليلٌ لأحقِّيتهم بذلك أي أنتمُ قدَّمتم العذابَ أو الصِّلِيَّ لنا وأوقعتُمونا فيه بتقديمِ ما يُؤدِّي إليه من العقائد الزائفة والأعمالِ السَّيئةِ وتزيينها في أَعُيننا وإغرائِنا عليها لا انا باشرنَاها من تلقاءِ أنفسنا {فَبِئْسَ القرار} أي فبئسَ المقرُّ جهنَّم قصدُوا بذمِّها تغليظَ جنايةِ الرُّؤساءِ عليهم
(7/233)

قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61)
{وقالوا} أي الأتباعُ أيضاً وتوسيطُه بين كلاميهم لما بينهُما من التَّباينِ البيِّنِ ذاتاً وخِطِاباً أي قالُوا مُعرضين عن خصومتِهم متضرِّعين إلى الله تعالى {رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى النار} كقولِهم رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فآتهم عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ النار أي عذاباً مُضاعفاً أي ذا ضعفٍ وذلك بأنْ يزيدَ عليه مثلَه ويكون ضعفين كقوله ربنا آتهم ضعفين من العذاب او قيل المرادُ بالضِّعفِ الحيَّاتُ والأَفَاعي
(7/233)

وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (62)
{وَقَالُواْ} أي الطَّاغُون {مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الاشرار} يعنون فقراءَ المُسلمينَ الذين كانُوا يسترذلونَهم ويسخرُون منهم
(7/233)

أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (63)
{أتخذناهم سِخْرِيّاً} بهمزةِ استفهامٍ سقطت لاجعلها همزةُ الوصل والجملةُ استئنافٌ لا محلَّ لها من الإعرابِ قالُوه إنكاراً على أنفسِهم وتأنيباً لها في الاستسخارِ منهم {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الابصار} متَّصلٌ باتَّخذناهم على أنَّ أم متَّصلة والمعنى أيَّ الأمرينِ فعلنَا بهم الاستسخارُ منهم أم الازدراءُ بهم وتحقيرُهم وإنَّ أبصارَنا كانت تزيغُ عنهم وتقتحمُهم على معنى إنكارِ كلِّ واحدٍ من الفعلينِ على أنفسهم توبيخاً لها أو على أنَّها منقطعةٌ والمعنى أتخذناهم سخرياً بل أزاغتْ عنهم أبصارُنا كقولك أزيدٌ عندك أم عندَك عمروٌ على معنى توبيخِ أنفسِهم على الاستسخارِ ثمَّ الإضرابُ والانتقالُ منه إلى التَّوبيخِ على الازدراءِ والتَّحقيرِ وقُرىء اتَّخذناهم بغير همزةٍ على أنه صفةٌ أخرى لرجالاً فقوله تعالى أمْ زاغت متصل بقوله مالنا لانرى والمعنى مالنا لانراهم في النار أليسوا فيها فلذلك لا نراهم أم زاغتْ عنهم أبصارُنا وهم فيها وقد جُوِّز أن تكون الهمزةُ مقدَّرةٌ على هذه القراءةِ وقُرىء سُخريا بضمِّ السين
(7/233)

ص
(7/234)

إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64)
70 - 71 {إِنَّ ذلك} أي الذي حكى من احوالهم {الحق} لا بد من وقوعه البتةَ وقوله تعالى {تَخَاصُمُ أَهْلِ النار} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ والجملةُ بيانٌ لذلك وفي الإبهامِ أوَّلاً والتَّبيينِ ثانياً مزيدُ تقريرٍ له وقيل بدلٌ من محلِّ ذلك وقيل بدلٌ من حقٌّ أو عطفُ بيانٍ له وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّه بدلٌ من ذلكَ وما قيل من أنَّه صفةٌ له فقد قيل عليه إنَّ اسمَ الإشارةِ لا يُوصف إلا بالمعرَّفِ باللامِ يقال بهذا الرَّجلَ ولا يقال بهذا غلامِ الرَّجلِ
(7/234)

قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65)
{قُلْ} أمرٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يقولَ للمشركينَ {إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ} من جهتهِ تعالى أنذرُكم عذابَه {وَمَا مِنْ إله} في الوجودِ {إِلاَّ الله الواحد} الذي لا يقبل الشِّركِةَ والكثرةَ أصلاً {القهار} لكلِّ شيءٍ سواه
(7/234)

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66)
{رب السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} منْ المخلوقاتِ فكيف يُتوهّم أن يكونَ له شريكٌ منها {العزيز} الذي لا يُغلب في أمرٍ من أمورِه {الغفار} المبالغ في المغفرة يغفرُ ما يشاء لمَن يشاء وفي هذه النُّعوت من تقرير التَّوحيدِ والوعد للموحِّدين والوعيد للمشركين مالا يخفى وتثنيةُ ما يُشعر بالوعيد من وصفَيْ القهرِ والعزَّةِ وتقديمهما على وصفِ المغفرةِ لتوفية مقامَ الإنذارِ حقَّه
(7/234)

قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67)
{قُلْ} تكريرُ الأمر للإيذانِ بأنَّ المقولَ أمرٌ جليلٌ له شأن خطير لابد من الاعتناء به أمراً وائتماراً {هُوَ} أي ما أنبأتُكم به من أنِّي منذر من جهته تعالى وانه تعالى واحد لاشريك له وأنه متَّصفٌ بما ذكر من الصفات الجليلة والأظهرُ أنَّه القرآنُ وما ذُكر داخلٌ فيه دُخولاً أوليّاً كما يشهد به آخر السُّورةِ الكريمة وهو قولُ ابن عبَّاسٍ ومُجاهدٍ وقَتَادةَ {نَبَأٌ عَظِيمٌ} واردٌ من جهتِه تعالى وقوله تعالى
(7/234)

أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68)
{أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ} استئنافٌ ناعٍ عليهم سوءَ صنيعهم به ببيان أنَّهم لا يقدِّرون قدرَه الجليلَ حيث يُعرضون عنه مع عظمته وكونه موجبا للافبال الكلي عليه وتلقِّيه بحسن القَبول وقيل صفةٌ أُخرى لنبأٌ وقولُه تعالى
(7/234)

مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)
{مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الاعلى} الخ استئنافٌ مسوقٌ لتحقيقِ أنَّه نبأ عظيم واردٌ من جهته تعالى بذكر نبأٍ من أنبائهِ على التَّفصيل من غير سابقةِ معرفةٍ به ولا مباشرةِ سببٍ من أسبابِها المعتادةِ فإنَّ ذلك حجَّةٌ بينةٌ دالَّةٌ على أن ذلك بطريق الوحيِ من عند الله تعالى وان سائر انبائه أيضاً كذلك والملأُ الأعلى هم الملائكةُ وآدمُ عليهم السَّلامُ وإبليسُ عليه اللَّعنةُ وقوله تعالى {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} متعلِّق بمحذوفٍ يقتضيه المقام إذِ المراد نفيُ علمِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بحالهم
(7/234)

ص 70 71 لا بذوانهم والتَّقديرُ ما كان لي فيما سبق علم ما بوجه من الوجوه بحالِ الملأ الأعلى وقتَ اختصامِهم وتقديرُ الكلامِ كما اختاره الجمهورُ تحجيرٌ للواسعِ فإنَّ علمه عليه الصَّلاةُ والسلام غير مقصور على ما جرى بينهم من الأقوالِ فقط بل عامٌّ لها وللأفعال أيضاً من سجودِ الملائكة واستكبارِ إبليسَ وكفره حسبما ينطلق به الوحيُ فلا بُدَّ من اعتبارِ العمومِ في نفيِه أيضاً لا محالةَ وقولُه تعالَى
(7/235)

إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70)
{إِن يوحى إِلَىَّ إِلاَّ أنما أنا نذير مبين} اعتراض وسط بين إجمال اختصامِهم وتفصِيله تقريراً لثُبوتِ علمه عليه الصلاة والسلام وتعييناً لسببه إلاَّ أنَّ بيانَ انتفائِه فيما سبق لمَّا كانَ منبئاً عن ثبوتِه الآن ومن البيِّن عدمُ ملابستِه عليه الصَّلاةُ والسلام بشئ من مباديه المعهودةِ تعين أنَّه ليس إلا بطريقِ الوحي حتما فجعل ذلك أمراً مسلَّم الثُّبوتِ غنيّاً عن الإخبارِ به قَصْداً وجعل مصبَّ الفائدةِ والمقصودَ إخبارَ ما هو داعٍ إلى الوحيِ ومصحِّحٌ له تحقيقَا لقوله تعالى إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ في ضمن تحقيقِ علمهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بقصَّة الملأ الأعلى فالقائمُ مقامَ الفاعلِ ليُوحى إمَّا ضميرٌ عائدٌ إلى الحال المقدر أو ما يعمُّه وغيرَه فالمعنى ما يُوحى إلى حالِ الملأ الأعلى أو ما يوحى إلي ما يُوحى من الأمورِ الغيبيَّةِ التي من جُملِتها حالُهم إلاَّ لأنما أنا نذيرٌ مبين من جهته تعالى فإنَّ كونَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كذلك من دَوَاعي الوحي إليه ومن موجباتِه حتماً وأمَّا أنَّ القائمَ مقامَ الفاعلِ هو الجارُّ والمجرورُ أو هو أنما أنا نذير مبين بلا تقدير الجارِّ وأنَّ المعنى ما يُوحَى إليَّ إلاَّ للإنذارِ أو ما يوحى إلي إلا أنْ أنذر وأبلغَ ولا أفرِّط في ذلك كما قيل فمع ما فيه من الاضطرارِ إلى التَّكلُّفِ في توجيه قصرِ الوحي على كونِه للإنذارِ في الأوَّلِ وقصره على الأنذارِ في الثَّاني فلا يساعدُه سِباقُ النظم الكريم وسياقه كيف لا والاعتراضُ حينئذٍ يكون أجنبيّاً ممَّا توسَّط بينهما من إجمالِ الاختصامِ وتفصيلِه فتأمَّلُ والله المرشدُ وقرئ إِنَّما بالكسرِ على الحكايةِ وقولُه تعالَى
(7/235)

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71)
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة} شروعٌ في تفصيل ما أجمل من الاختصامِ الذي هو ما جرى بينهم من التَّقاولِ وحيث كان تكليمُه تعالى إيَّاهم بواسطةِ المَلكِ صحَّ إسنادُ الاختصامِ إلى الملائكةِ وإذْ بدلٌ مِن إذِ الأولى وليس من ضرورة البدليَّةِ دخولُها على نفس الاختصامِ بل يكفي اشتمالُ ما في حيِّزها عليه فإنَّ القصَّة ناطقةٌ بذلك تفصيلاً والتَّعرُّضُ لعنوانِ الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسَّلام لتشريفِه والإيذانِ بأنَّ وحيَ هذا النبأ إليه تربيةٌ وتأييدٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والكافُ واردٌ باعتبارِ حالِ الآمرِ لكونِه أدلَّ على كونِه وحياً منزَّلاً من عنده تعالى كما في قوله تعالى قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ الخ دون حالِ المأمورِ وإلا لقيل ربِّي لأنَّه داخلٍ في حيِّز الأمرِ {إِنّى خالق} أي فيما سيأتي وفيه ما ليسَ في صيغة المضارعِ من الدِّلالةِ على أنَّه تعالى فاعل له اُلبتةَ منْ غيرِ صارفٍ يلويهِ ولا عاطفٍ يثنيهِ {بَشَرًا} قيل أي جسماً كثيفاً يلاقى ويُباشر وقيل خَلْقاً بادي البشرةِ بلا صوفٍ ولا شعرٍ ولعل ما جرى عند وقوع المحكيِّ ليس هذا الاسم الذي لم يُخلق مسمَّاهُ حينئذٍ فضلاً عن تسميتِه به بل عبارةٌ كاشفةٌ عن حالِه وإنما عبر عنه بهذا الاسمِ عند الحكايةِ {مِن طِينٍ} لم يتعرض
(7/235)

ص 72 75 لأوصافِه من التَّغيرِ والاسودادِ والمسنونيَّةِ اكتفاءً بما ذُكر في مواقعَ أُخرَ
(7/236)

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} أي صوَّرته بالصُّورةِ الإنسانيَّةِ والخِلقةِ البشريَّةِ أو سوَّيتُ أجزاءَ بدنِه بتعديل طائعه {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى} النَّفخُ إجراءُ الرِّيح إلى تجويفِ جسمٍ صالحٍ لإمساكِها والامتلاءِ بها وليس ثَّمةَ نفخٌ ولا منفوخٌ وإنَّما هو تمثيل لافاضة مابه الحياةُ بالفعل على المادَّةِ القابلة لها أي فإذا كمَّلتُ استعدادَه وأفضت عليه ما يحيا به من الرُّوحِ التي هي من أمري {فَقَعُواْ لَهُ} أمرٌ من وقعَ وفيه دليلٌ على أنَّ المأمور به ليس مجرَّدَ الانحناءِ كما قيل أي اسقُطوا له {سَاجِدِينَ} تحَّيةً له وتكريماً
(7/236)

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73)
{فسجد الملائكة} أي فخلفه فسوَّاه فنفخ فيه الرُّوحَ فسجد له الملائكةُ {كُلُّهُمْ} بحيث لم يبقَ منهم أحدٌ إلاَّ سجدَ {أَجْمَعُونَ} أي بطريقِ المعيةِ بحيثُ لم يتأخَّر في ذلك أحدٌ منهم عن أحدٍ ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية بل يفيد التَّأكيدُ أيضاً وقيل أُكِّد بتأكيدين مبالغة في التعمم هذا وأمَّا أنَّ سجودَهم هذا هل ترتَّبَ عَلى ما حُكي من الأمر التعلبقي كما تقتضيهِ هذه الآيةُ الكريمةُ والتي في سُورة الحجرِ فإنَّ ظاهرَهُما يستدعِي ترتُّبه عليه من غيرِ أنْ يتوسَّط بينهما شيءٌ غير ما يفصحُ عنهُ الفاءُ الفصيحةٌ من الخلق والتسويةِ ونفخِ الرُّوحِ أو على الأمرِ التَّنجيزيِّ كما يقتضيه ما في سُورة البقرةِ وما في سُورةِ الأعرافِ وما في سُورة بني إسرائيلَ وما في سُورةِ الكهفِ وما في سُورة طه من الآياتِ الكريمةِ فقد مرَّ تحقيقُه بتوفيقِ الله عزَّ وجلَّ في سُورةِ البقرةِ وسُورة الأعرافِ
(7/236)

إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74)
{إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناءٌ متَّصل لما أنه كانَ جنِّياً مفرَداً مغموراً بألوفٍ من الملائكةِ موصُوفاً بصفاتِهم فغلبُوا عليه ثمَّ استُثنِيَ استثناءَ واحدٍ منُهم أو لأنَّ الملائكةِ جنساً يتوالدُون وهو منُهم أو منقطعٌ وقولُه تعالى {استكبر} على الأوَّلِ استئنافٌ مبينٌ لكيفيَّةِ تركِ السّجودِ المفهومِ من الاستثناءِ فإنَّ تركَه يحتملُ أن يكونَ للتَّامُّل والتروِّي وبه يتحقق أنَّه للإباءِ والاستكبارِ وعلى الثَّاني يجوزُ اتِّصالُه بما قبله أي لكنْ إبليسُ استكبرَ {وَكَانَ مِنَ الكافرين} أي وصارَ منهم بمخالفتِه للأمرِ واستكبارِه عن الطَّاعةِ أو كان منهم في علمِ الله تعالى عزَّ وجلَّ
(7/236)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75)
{قَالَ يا إِبْلِيسَ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} أَي خلقتُه بالذَّاتِ من غير توسُّطِ أبٍ وأمَ والتَّثنيةُ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بخلقِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ المستدعِي لإجلالِه وإعظامِه قَصْداً إلى تأكيدِ الإنكارِ وتشديدِ التَّوبيخِ {أَسْتَكْبَرْتَ} بهمزة الإنكارِ وطرحِ همزةِ الوصلِ أي أتكبَّرتَ من غيرِ استحقاقٍ {أَمْ كُنتَ مِنَ العالين} المستحقِّين للتَّفوقِ وقيل أستكبرتَ الآنَ أم لم تزلْ منذ كنتَ من المستكبرينَ وقُرىء بحذفِ همزةِ الاستفهامِ ثقةً بدلالةِ أمْ عليها
(7/236)

ص 76 80 وقولُه تعالى
(7/237)

قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76)
{قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} أدِّعاءٌ منه لشيءٍ مستلزم لمنعهِ من السُّجودِ على زعمِه وإشعارٌ بأنَّه لا يليقُ أنْ يسجدَ الفاضلُ للمفضولِ كما يُعرب عنه قولُه لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِّن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وقولُه تعالَى {خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تعليلٌ لما ادَّعاهُ من فضله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ولقد أخطأ اللعينُ حيث خَصّ الفضلَ بما من جهةِ المادةِ والعنصُر وزلَّ عنه ما من جهة الفاعل كَمَا أنبأ عَنْهُ قولِهِ تعالى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ وما من جهة الصُّورة كما نبه عليه قوله تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى وما من جهة الغايةِ وهو ملاكُ الأمرِ ولذلك أُمر الملائكةُ بسجودِه عليهم السَّلامُ حين ظهرَ لهم أنَّه أعلمُ منهم بما يدور عليه أمرُ الخلافةِ في الأرضِ وأنَّ له خواصَّ ليست لغيرِه
(7/237)

قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77)
{قَالَ فاخرج مِنْهَا} الفاءُ لترتيب الأمرِ على ما ظهر من اللَّعينِ من المخالفةِ للأمرِ الجليلِ وتعليلِها بالأباطيلِ أي فاخرجْ من الجنَّةِ أو من زُمرةِ الملائكةِ وهو المرادُ بالأمرِ بالهبوطِ لا الهبوطِ من السَّماءِ كما قيل فإنَّ وسوستَه لآدمَ عليه السلام بعد هذا الطَّردِ وقد بُيِّن كيفيةِ وسوستِه في سُورة البقرةِ وقيل اخرجْ من الخلقةِ التي كنتَ فيها وانسلخْ منها فإنَّه كان يفتخرُ بخلقتِه فغيَّر الله خلقتَه فاسودَّ بعد ما كان أبيضَ وقَبُح بعد ما كان حَسَناً وأظلمَ بعد ما كان نورانياً وقوله تعالى {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} تعليلٌ للأمرِ بالخروجِ أي مطرودٌ من كلِّ خيرٍ وكرامةٍ فإنَّ مَن يُطرَدْ يُرجَمْ بالحجارةِ أو شيطان يُرجم بالشُّهبِ
(7/237)

وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)
{وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى} أي إبعادي عن الرَّحمةِ وتقييدها بالإضافةِ مع إطلاقِها في قوله تعالى وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة لما أنَّ لعنةَ اللاعنين من الملائكةِ والثَّقلينِ أيضاً من جهتِه تعالى وأنَّهم يدعُون عليه بلعنةِ الله تعالى وإبعادِه من الرَّحمةِ {إلى يَوْمِ الدين} أي يومَ الجزاء والعقوبةِ وفيه إيذانٌ بأنَّ اللَّعنةَ مع كمال فظاعتِها ليستْ جزاءً لجنايته بل هي أُنموذجٌ لما سيلقاه مستمرّاً إلى ذلك اليومِ لكنْ لاَ على أنَّها تنقطعُ يومئذٍ كما يُوهمه ظاهرُ التَّوقيتِ بل على أنَّه سيلقى يومئذٍ من ألوان العذابِ وأفانينِ العقابِ ما ينسى عنده اللَّعنَة وتصير كالزَّائلِ ألا يُرى إلى قوله تعالي فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين وقوله تعالى وَيَلْعَنُ بَعْضُهُم بَعْضاً
(7/237)

قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79)
{قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى} أي أمهلنِي وأخِّرني والفاءُ متعلِّقة بمحذوفٍ ينسحبُ عليه الكلام أي اذا جعلتني رَجيماً فأمهلني ولا تُمِتْني {إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي آدمُ وذريتُه للجزاءِ بعد فنائِهم وأرادَ بذلك أنْ يجدَ فُسحةً لإغوائِهم ويأخذَ منهم ثأرَه وينجوَ من الموتِ بالكلِّية إذ لا موتَ بعد يومِ البعثِ
(7/237)

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80)
{قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين} ورودُ الجوابِ بالجملةِ الاسميَّةِ مع التَّعرُّضِ لشمولِ ما سأله لآخرين على وجهٍ يشعر
(7/237)

ص 81 85 بكونِ السائلِ تبعاً لهم في ذلك دليلٌ واضحٌ على أنَّه إخبارٌ بالإنظارِ المقدَّر لهم أزلاً لا إنشاءٌ لإنظارٍ خاصَ به قد وقعَ إجابةً لدعائِه وأنَّ استنظارَه كان طَلَباً لتأخيرِ الموتِ إذ بهِ يتحقّقُ كونُه منهم لا لتأخيرِ العُقوبةِ كما قيل فإنَّ ذلكَ معلومٌ من إضافةِ اليَّومِ إلى الدِّينِ أي إنَّك من جُملةِ الذينَ أخِّرتْ آجالُهم أزلاً حسبما تقتضيِه حكمةُ التَّكوينِ
(7/238)

إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)
{إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} الذي قدَّره الله وعيَّنه لفناءِ الخلائقِ وهو وقتُ النَّفخةِ الأولى لا إلى وقتِ البعثِ الذي هو المسئول فالفاءُ ليستْ لربطِ نفسِ الأنظارِ بالاستنظارِ بل لربطِ الإخبارِ المذكورِ به كما في قول من قال فإن تَرحمْ فأنتَ لذاكَ أهلُ فإنَّه لا إمكان لجعل الفاءِ فيه لربطِ ماله تعالى من الأهليَّةِ القديمةِ للرحمة بوقوع الرحمةِ الحادثةِ بل هي لربط الإخبارِ بتلك الأهليةِ للرَّحمةِ بوقوعِها هذا وقد تُرك التَّوقيتُ في سورةِ الأعرافِ كما تُرك النِّداءُ والفاءُ في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذُكر ههنا وفي سُورة الحجرِ وإنْ خطَر ببالك أنَّ كلَّ وجهٍ من وجوهِ النَّظمِ الكريمِ لا بُدَّ أنْ يكون له مقامٌ بقتضيه مغايرٌ لمقامِ غيرِه وأنَّ ما حُكي من اللَّعينِ إنَّما صدرَ عنه مرَّةً وكذا جوابُه لم يقعْ إلاَّ دفعةً فمقام الاستنظارِ والإنظارِ إنِ اقتضَى أحدَ الوجوهِ المحكيَّةِ فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتَضى الحالِ والبالغُ إلى رُتبةِ البلاغةِ ودرجةِ الإعجازِ وأمَّا ما عداهُ من الوجوهِ فهُو بمعزلٍ من بلوغِ طبقةِ البلاغةِ فضلاً عن العُروجِ إلى معارجِ الإعجازِ فقد سلفَ تحقيقُه في سورةِ الأعرافِ بفضلِ الله تعالى وتوفيقِه
(7/238)

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)
{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ} الباءُ للقسمِ والفاءُ لترتيبِ مضمونِ الجملةِ على الإنظارِ ولا يُنافيه قولُه تعالى فبما أغويتني وقوله رب بما أغويتى فإنَّ إغواءَه تعالى إيَّاهُ أثرٌ من آثارِ قُدرتِه تعالى وعزَّتِه وحكمٌ من أحكامِ قهرِه وسلطنتِه فمآلُ الإقسامِ بهما واحدٌ ولعلَّ اللعينَ أقسمَ بهما جميعاً فحكى تارةً قسَمَه بأحدِهما وأُخرى بالآخرِ أي فأُقسم بعزَّتِك {لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} أي ذريةَ آدمَ بتزيينِ المَعَاصي لهم
(7/238)

إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)
{إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} وهم الذين أخلصَهم الله تعالى لطاعتِه وعصمَهم من الغواية وقرئ المخلِصين على صيغةِ الفاعلِ أي الذينَ أخلصُوا قلوبَهم وأعمالَهم لله تعالى
(7/238)

قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84)
{قَالَ} أي الله عزَّ وجلَّ {فالحق والحق أَقُولُ} برفع الأوَّلِ على أنَّه مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ أو خبرٌ محذوفُ المبتدأِ ونصبِ الثَّاني على أنَّه مفعولٌ لما بعدَهُ قُدِّم عليه للقصرِ أي لا أقولُ إلاَّ الحقَّ والفاءُ لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها أي فالحقُّ قَسَمي
(7/238)

لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)
{لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ} على أنَّ الحقَّ إمَّا اسمُه تعالى
(7/238)

ص 86 88 أو نقيضُ الباطلِ عظّمه الله تعالى بإقسامِه به أو فأنا الحقُّ أو فقولِي الحقُّ وقوله تعالى لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ الخ حينئذٍ جوابٌ لقسمٍ محذوفٍ أي والله لأملأنَّ الخ وقوله تعالى والحق أَقُولُ على كلِّ تقديرٍ اعتراضٌ مقرِّرٌ على الوجهينِ الأوَّلينِ لمضمونِ الجملةِ القَسَميَّةِ وعلى الوجِه الثَّالثِ لمضمونِ الجملةِ المتقدِّمةِ أعني فقولي الحقُّ وقُرئا منصوبينِ على أنَّ الأوَّلَ مقسمٌ به كقولِك الله لأفعلنَّ وجوابُه لأملأنَّ وما بينهما اعتراضٌ وقُرئا مجرورينِ على أن الأول مقسم به قد أُضمرَ حرفُ قسمِه كقولِك الله لأفعلنَّ والحقَّ أقولَ على حكايةِ لفظِ المقسمِ به على تقديرِ كونِه نقيضَ الباطلِ ومعناه التاكيد والتشديد وقرئ بجرِّ الأَولِ على إضمارِ حرفِ القسمِ ونصبِ الثَّانِي عل المفعوليَّةِ {مِنكَ} أي من جنسِك من الشَّياطينِ {وَمِمَّن تبعك} في الغواية والإضلال {منهم} ومن ذريةِ آدمَ {أَجْمَعِينَ} تأكيدٌ للكافِ وما عُطف عليه أي لأملأنَّها من المتبوعينَ والأتباعِ أجمعينَ كقولِه تعالى لمن اتبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وهذا القولُ هو المرادُ بقوله تعالى ولكن حَقَّ القول مِنْى لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ وحيثُ كان مناطُ الحكمِ ههُنا اتِّباعُ الشَّيطانِ اتَّضحَ أنَّ مدارَ عدمِ المشيئةِ في قولِه تعالى وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا اتباعُ الكَفَرةِ للشَّيطانِ بُسوءِ اختيارِهم لا تحقُّقُ القولِ فليس في ذلك شائبةُ الجبرِ فتدبَّر
(7/239)

قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86)
{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} على القُرآنِ أو على تبليغِ ما يُوحى إليَّ {مِنْ أَجْرٍ} دنيويَ {وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين} أي المتصنعين مما ليسُوا من أهلِه حتَّى أنتحلَ النبوة وأتقوَّلَ القُرآنَ
(7/239)

إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87)
{إِنْ هُوَ} أي مَا هُو {إِلاَّ ذِكْرٌ} من الله عزَّ وجلَّ {للعالمين} أي للثَّقلينِ كافَّةً
(7/239)

وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
{وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ} أي ما أنبأ بهِ من الوعدِ والوعيدِ وغيرِهما أو صحَّةَ خبرهِ وأنَّه الحقُّ والصِّدقُ {بَعْدَ حِينِ} بعد الموتِ أو يوم القيامة أوعند ظهور الإسلام وفسوه وقيل من بقى علمَ ذلك أذا ظهرَ أمرُه وعلاَ ومَن ماتَ علمَهُ بعدَ الموتِ وفيه من التهديد ما لا يَخْفى عنِ رسول الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَن قرأَ سورةَ ص كانَ له بوزنِ كلِّ جبلٍ سخَّره الله لداودَ عشرَ حسناتٍ وعُصم أنْ يُصرَّ على ذنبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ وقال أبُو أمامةَ عصمَه الله تُعالى مِنْ كلِّ ذنبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ والله أعلمُ
(7/239)

سورة الزمر 1 3
سورة الزمر مكية إلا قوله قل يا عبادي الآية وآياتها خمس وسبعون آية
{بِسْمِ اللهِ الرحمن الرحيم}
(7/240)

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)
{تَنزِيلُ الكتاب} خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ هو اسمُ إشارةٍ أُشير به إلى السُّورةِ تنزيلاً لها منزلةَ الحاضر المُشارِ إليه لكونها على شرف الذِّكرِ والحضورِ كما مرَّ مراراً وقد قيل هو ضميرٌ عائد إلى الذكرُ في قوله تعالى إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين وقولُه تعالى {مِنَ الله العزيز الحكيم} صلة للتَّنزيلِ أو خبرٌ ثانٍ أو حالٌ من التَّنزيلِ عاملُها معنى الإشارة أو من الكتابِ الذي هو مفعولٌ معنى عاملُها المضاف وقيل هو خبرٌ لتنزيلُ الكتابِ والوجهُ الأَوَّلُ أو في بمقتضى المقامِ الذي هو بيانُ أنَّ السُّورةَ أو القُرآنَ تنزيلُ الكتابِ مِنَ الله تعالى لا بيانُ أنَّ تنزيلَ الكتابِ منه تعالى لا من غيرِه كما يفيده الوجهُ الأخير وقرئ تنزيلَ الكتابِ بالنَّصبِ على إضمار فعلِ نحو اقرأْ أو الزم والتعرض لو صفى العزَّةِ والحكمة للإيذانِ بظهور أثريهما في الكتاب بحريان أحكامِه ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مُدافعٍ ولا ممانع وبابتناءِ جميع ما فيه على أساس الحِكَمِ الباهرةِ وقولُه تعالى
(7/240)

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2)
{إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق} شروعٌ في بيانِ شأنِ المنزَّلِ إليه وما يجبُ عليه إثرَ بيانِ شأن المنَّزلِ وكونِه من عند الله تعالى والمرادُ بالكتاب هو القُرآنُ وإظهاره على تقدير كونِه هو المرادَ بالأَوَّلِ أيضاً لتعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنِه والباء إمَّا متعلِّقةٌ بالإنزال أي بسبب الحقِّ وإثباته وإظهارِه أو بداعية الحقِّ واقتضائه للإنزالِ وإمَّا بمحذوفٍ هو حالٌ من نون العظمةِ أو من الكتاب أي أنزلناهُ إليك محقِّين في ذلك أو أنزلناه مُلتبِساً بالحقِّ والصواب أي كلُّ ما فيه حقٌّ لا ريبَ فيه موجبٌ للعمل به حَتْماً والفاءُ في قوله تعالى {فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين} لترتيب الأمر بالعبادة على إنزالِ الكتاب إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالحقِّ أي فاعبْدُه تعالى ممُحِّضاً له الدِّينَ من شوائب الشِّركِ والرِّياءِ حسبما بُيِّن في تضاعيفِ ما أنزل إليك وقرئ برفع الدِّينِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه الظَّرفُ المقدَّمُ عليه لتأكيد الاختصاصِ المُستفاد من اللاَّمِ والجملةُ استئنافٌ وقع تعليلاً للأمر بإخلاصِ العبادةِ وقوله تعالى
(7/240)

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)
{أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص}
(7/240)

الزمر 4 استئناف مقرر لما قبله من الأمرِ بإخلاص الدِّينِ له تعالى ووجوبِ الامتثالِ به وعلى القراءةِ الأخيرةِ مؤكِّدٌ لاختصاصِ الدِّينِ به تعالى أي أَلاَ هو الذي يجبُ أنْ يُخصَّ بإخلاصِ الطَّاعةِ له لأنَّه المُتفرِّدُ بصفاتِ الأُلوهيَّةِ التي من جملها الاطِّلاعُ على السَّرائرِ والضَّمائرِ وقولُه تعالى {والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} تحقيقٌ لحقِّيةِ ما ذُكر من إخلاص الدِّينِ الذي هو عبارةٌ عن التَّوحيدِ ببيان بُطلان الشِّركِ الذي هو عبارةٌ عن ترك إخلاصِه والموصولُ عبارةٌ عن المُشركين ومحله الرفع على الابتداء خبره مما سيأتي من الجُملةِ المُصدَّرةِ بأنْ والأولياءُ عن الملائكةِ وعيسى عليهم السَّلامُ والأصنامِ وقولُه تعالى {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله زُلْفَى} حالٌ بتقدير القَول من واو اتخذوا مبينة لكيفيَّةِ إشراكِهم وعدمِ خُلوصِ دينهم والاستثناءُ مفرَّغٌ من أعمِّ العلل وزُلْفى مصدرٌ مؤكِّدٌ على غير لفظِ المصدرِ ملاقٍ له في المعنى أي والذينَ لم يُخلصوا العبادةَ لله تعالى بل شابُوها بعبادةِ غيره قائلين ما نعبدهم لشئ من الأشياءِ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله تعالى تقريباً {إن الله يحكم بينهم} أي وبين خصمائِهم الذين هم المُخلِصون للدِّين وقد حُذفَ لدلالةِ الحالِ عليهِ كما في قولِهِ تعالى لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ من رُّسُلِهِ على أحدِ الوجهينِ أي بين أحدٍ منهم وبين غيرِه وعليه قول النَّابغةِ ... فمَا كانَ بين لخير لو جاءَ سالما ... أبُو حَجَرٍ إلا ليالٍ قلائلُ ...
أي بين الخيرِ وبينِي وقيل ضمير بينَهم للفريقينِ جميعاً {فِيمَا هم فيه يختلفون} من الدِّين الذي اختلفُوا فيه بالتَّوحيد والإشراكِ وادَّعى كلُّ فريقٍ منهم صحَّةَ ما انتحله وحكمُه تعالى في ذلك إدخالُ الموحِّدينَ الجنَّةَ والمشركين النَّارَ فالضَّميرُ للفريقينِ هَذَا هُو الذي يستدعيه مساقُ النَّظمِ الكريم وأمَّا تجويزُ أنْ يكونَ الموصول عبارةً عن المعبودينَ على حذف العائد إليه وإضمارِ المشركينَ من غير ذكر تعويلاً على دلالة المساقِ عليهم ويكون التَّقديرُ والذين اتَّخذهم المشركون أولياءَ قائلين مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله إنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ أي بين العَبَدةِ والمعبودينَ فيما هم فيه يختلفُون حيثُ يرجُو العَبَدةُ شفاعتهم وهم يلعنونهم فبعد الإغضاءِ عمَّا فيه من التَّعسُّفاتِ بمعزل من السَّدادِ كيف لا وليس فيما ذُكر من طلب الشَّفاعةِ واللَّعنِ مادَّةٌ يختلفُ فيها الفريقانِ اختلافاً مُحوِجاً إلى الحكمِ والفصلِ وإنَّما ذاك ما بين فريقَيْ الموحِّدينَ والمشركينَ في الدُّنيا من الاختلاف في الدِّينِ الباقي إلى يوم القيامة وقرئ قالُوا ما نعبدُهم فهو بدل من الصلة لا خبرٌ للموصول كما قيل إذ ليس في الإخبار بذلك مزيد مزية وقرئ ما نعبدكم إلاَّ لتُقرِّبونا حكايةً لما خاطبُوا به آلهتهم وقرئ نعبدُهم إتباعاً للباء {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى} أي لا يُوفِّقُ للاهتداءِ إلى الحقِّ الذي هو طريقُ النَّجاةِ عن المكروهِ والفوزُ بالمطلوبِ {مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ} أي راسخٌ في الكذبِ مبالغٌ في الكُفرِ كما يُعربُ عنه قراءةُ كذَّاب وكَذُوب فإنَّهما فاقدانِ للبصيرةِ غيرُ قابلينِ للاهتداءِ لتغييرهما الفطرةَ الأصليَّةَ بالتَّمرُّنِ في الضَّلالةِ والتَّمادِي في الغِيِّ والجملةُ تعليلٌ لما ذُكر من حكمه تعالى
(7/241)

لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)
{لو أراد الله أن يَتَّخِذَ وَلَداً} الخ استئنافٌ مَسوقٌ لتحقيقِ الحقِّ وإبطالِ القولِ بأنَّ الملائكةَ بناتُ الله عيسى ابنُه تعالى عن ذلكَ عُلَّواً كبيراً ببيانِ استحالةِ اتخاذ الولد في حقه تعالى على الإطلاقِ ليندرجَ فيه استحالة
(7/241)

الزمر 5 ما قبل اندراجا أوليا أي لو أراد الله أنْ يتَّخذَ وَلَداً {لاصطفى} أي لاتَّخذَ {مِمَّا يَخْلُقُ} أي من جملة ما يخلقُه أو من جنس ما يخلقه {مَا يَشَاء} أنْ يتَّخذَه إذْ لا موجودَ سواهُ إلاَّ وهو مخلوقٌ له تعالى لامتناعِ تعدُّدِ الواجبِ ووجوبِ استنادِ جميعِ ما عداهُ إليه ومن البيِّنِ أنَّ اتِّخاذَ الولد منوطٌ بالمماثلة بين المتَّخِذِ والمتَّخَذِ وأنَّ المخلوقَ لا يُماثل خالقَه حتَّى يمكن اتِّخاذُه ولداً فما فرضناه اتِّخاذَ ولدٍ لم يكُن اتِّخاذَ ولدٍ بل اصطفاءُ عبدٍ وإليه أُشير حيث وُضع الاصطفاءُ موضع الاتِّخاذِ الذي تقتضيهِ الشَّرطَّيةُ تنبيهاً على استحالةِ مُقدمها لاستلزم فرض وقوعِه بل فرضِ إراد وقوعِه انتفاءه أي لو أراد الله تعالى أنْ يتَّخذَ ولداً لفعل شيئاً ليس هو من اتِّخاذِ الولد في شئ أصلاً بل إنَّما هو اصطفاءُ عبدٍ ولا ريب في أنَّ ما يستلزم فرضُ وقوَعه انتفاءَه فهو ممتنعٌ قطعاً فكأنَّه قيل لو أراد الله أن يتَّخذَ ولداً لامتنع ولم يصح لكن لاعلى أنَّ الامتناعَ منوطٌ بتحقُّقِ الإرادة بل على أنَّه مُتحقِّقٌ عند عدمِها بطريقِ الأَولوَّيةِ على منوال لو لم يخَفِ الله لم يعصِه وقوله تعالى {سبحانه} تقريرٌ لما ذُكر من استحالة اتخاذ الولد في حقِّه تعالى وتأكيدٌ له ببيانِ تنزُّهه تعالى عنه أي تنزّه بالذَّاتِ عن ذلك تنزهه الخاصّ به على أن السبحان مصدر من سبَح إذا بعُد أو أسبِّحه تسبيحاً لائقاً به على أنَّه عَلَم للتَّسبيح مقولٌ على ألسنة العباد أو سبِّحوه تسبيحاً حقيقاً بشأنِه وقولُه تعالى {هُوَ الله الواحد القهار} استئنافٌ مبيِّنٌ لتنزُّههِ تعالى بحسبِ الصِّفاتِ إثرَ بيانِ تنزُّههِ تعالى عنه بحسب الذَّاتِ فإنَّ صفةَ الأُلوهيَّةِ المستتبعة لسائر صفاتِ الكمال النَّافيةِ لسماتِ النُّقصانِ والوحدة الذَّاتية الموجبة لامتناعِ المُماثلة والمشاركة بينه تعالى وبين غيرِه على الإطلاقِ ممَّا يقضِي بتنزُّهه تعالى عمَّا قالوا قضاءً مُتقناً وكذا وصف القهَّاريَّةِ لما أنَّ اتخاذَ الولدِ شأنُ مَن يكون تحتَ ملكوتِ الغيرِ عُرضةً للفناءِ ليقومَ ولدُه مقامَه عند فنائِه ومَن هو مستحيلُ الفناءِ قهَّارٌ لكلِّ الكائناتِ كيفَ يُتصوُرُ أنْ يتَّخذَ من الأشياءِ الفانيةِ ما يقومُ مقامَه وقولُه تعالى
(7/242)

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)
{خلق السماوات والارض بالحق} تفصيلٌ لبعض أفعاله تعالى الدالة على تفرُّدِه بما ذُكر من الصِّفاتِ الجليلة أي خلقهما وَمَا بَيْنَهُمَا من الموجودات ملتبِسة بالحقِّ والصَّوابِ مشتملة عل الحِكَم والمصالح وقولُه تعالى {يكور الليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار على الليل} بيانٌ لكيفيَّةِ تصرُّفةِ تعالى فيهما بعد بيان خلقِهما فإنَّ حدوثَ اللَّيلِ والنَّهارِ في الأرض منوطٌ بتحريك السَّمواتِ أي يغشى كلُّ واحدٍ منُهما الآخَرَ كأنَّه يلفه عليه لفَّ اللباسِ على اللاَّبسِ أو يُغيبه به كما يُغيَّبُ الملفوفُ باللفامة أو يجعله كارَّاً عليه كُروراً متتابعاً تتابع أكوارِ العمامةِ وصيغةُ المضارع للدِّلالةِ على التَّجدُّدِ {وَسَخَّرَ الشمس والقمر} جعلهما منقادينِ لأمرِه تعالى وقولُه تعالى {كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى} بيانٌ لكيفيَّةِ تسخيرِهما أي كلٌّ منهما يجري لمُنتهى دورتِه أو منقطعِ حركتِه وقد مرَّ تفصيلُه غيرَ مرَّةٍ {إِلاَّ هُوَ العزيز} الغالبُ القادر على كل شئ من الأشياء التي من جُملتها عقابُ العُصاةِ {الغفار} المبالغُ في المغفرةِ ولذلك لا يُعاجل بالعقوبةِ وسلب ما في هذه الصَّنائعِ البديعة من آثارِ الرَّحمةِ وتصدير
(7/242)

الزمر 6 الجملة بحرفِ التَّنبيهِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بمضمونِها
(7/243)

خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)
{خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} بيانٌ لبعضٍ آخرَ من أفعاله الدالة على ما ذُكر وتركُ عطفِه على خلقِ السَّمواتِ للإيذانِ باستقلالِه في الدِّلالةِ ولتعلُّقِه بالعالم السفلى والبداءة بخلق الإنسانِ لعراقتِه في الدِّلالةِ لما فيه من تعاجيبِ آثارِ القُدرةِ وأسرارِ الحكمةِ وأصالتِه في المعرفةِ فإنَّ الإنسانَ بحالِ نفسِه أعرفُ والمرادُ بالنَّفسِ نفسُ آدمَ عليه السَّلامُ وقولُه {ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} عطفٌ على محذوفٍ هو صفةٌ لنفس أي منْ نفسٍ خلقَها ثمَّ جعل منها زَوْجَها أو على معنى واحدةٍ أي من نفسٍ وحدت ثم جعل منها زوجها فشَفَعها أو على خلقكم لتفاوتِ ما بينهما في الدِّلالةِ فإنَّهما وإن كانتا آيتينِ دالتَّينِ على ما ذُكر لكن الأُولى لاستمرارِها صارتْ معتادةً وأما الثَّانيةُ فحيثُ لم تكن معتادةً خارجةً عن قياسِ الأولى كما يُشعر به التعبيرُ عنها بالجعلِ دون الخلقِ كانت أدخلُ في كونِها آيةً وأجلبَ للتَّعجُّبِ من السَّامعِ فعطفت على الأولى بثمَّ دلالةً على مباينتِها لها فضلاً ومزية وتراخيها عنها فيما يرجع إلى زيادةِ كونِها آيةً فهو من التَّراخي في الحالِ والمنزلةِ وقيل أخرج ذريَّةَ آدمَ من ظهرهِ كالذَّرِّ ثم خلقَ منه حواء ففيهِ ثلاثُ آياتٍ مترتِّبة خلقُ آدم عليه السلام بلا أبٍ وأمَ وخلقُ حوَّاءَ من قُصيراه ثم تشعيبُ الخلقِ الفائتِ للحصرِ منهما وقوله تعالى {وَأَنزَلَ لَكُمْ} بيانٌ لبعضٍ آخرَ من أفعاله الدالة على ما ذُكر أي قضى أو قسَم لكم فإنَّ قضاياهُ وقسمه تُوصف بالنُّزولِ من السَّماءِ حيثُ تُكتب في اللوحِ المحفوظِ أو أحدثَ لكم بأسبابٍ نازلةٍ من السَّماءِ كالأمطارِ وأشعَّةِ الكواكبِ {مّنَ الانعام ثمانية أزواج} ذكراً وأُنثى هي الإبلُ والبقرُ والضَّأنُ والمعَزِ وقيل خلقَها في الجنَّةِ ثمَّ أنزلها وتقديمُ الظَّرفينِ على المفعول الصريح لما مر مرارا من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أُخِّر فإنَّ كونِ الإنزالِ لمنافعِهم وكونَه من الجهةِ العاليةِ من الأمورِ المهمة المشوفة إلى ما أُنزل لا محالةَ وقولُه تعالَى {يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم} استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ كيفيَّةِ خلقِهم وأطواره المختلفةِ الدَّالَّةِ على القُدرةِ الباهرةِ وصيغة المضارعِ الدلالة على التَّدرجِ والتَّجدُّدِ وقولُه تعالى {خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ} مصدرٌ مؤكد أي يخلقكُم فيها خلقاً كائناً من بعدِ خلقٍ أي خلقاً مدرجاً حيواناً سَوياً من بعد عظام مكسوَّةٍ لحماً من بعد عظامٍ عارية من بعد مضع مخلَّقةٍ من بعد مضغ غير مخلَّقةٍ من بعد علقةٍ من بعد نُطفةٍ {فِى ظلمات ثلاث} متعلِّق بيخلقُكم وهي ظُلمة البطن وظُلمة الرَّحمِ وظُلمة المشيمةِ أو ظُلمة الصُّلبِ والبطنِ والرَّحِمِ {ذلكم} إشارة إليه تعالى باعتبارِ أفعالِه المذكورةِ وما فيه من مَعْنى البُعد للإيذانِ ببُعد منزلتِه تعالى في العظمةِ والكبرياءِ ومحله الرفع على الابتداء أي ذلكم العظيمُ الشأنِ الذي عددت أفعاله {الله} وقوله تعالى {رَبُّكُمْ} خبرا آخر أي مرببكم فيما ذُكر من الأطوارِ وفيما بعدَها ومالككم المستحقُّ لتخصيصِ العبادةِ به {لَهُ الملك} على الإطلاقِ في الدُّنيا والآخرةِ ليس لغيره شركةٌ في ذلك بوجهٍ
(7/243)

الزمر 7 8 من الوجوهِ والجملةُ خبرٌ آخرُ وكذا قولُه تعالى {لاَ إله إِلاَّ هو} والفاء في قوله تعالى {فأنى تُصْرَفُونَ} لترتيبِ ما بعدَها على ما ذُكر من شئونه تعالى أي فكيفَ تُصرَفون عن عبادتِه تعالى مع وفورِ موجباتِها ودواعيها وانتفاءِ الصَّارفِ عنها بالكُلِّيةِ إلى عبادةِ غيرِه من غير داعٍ إليها مع كثرة الصَّوارفِ عنها
(7/244)

إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)
{إِن تَكْفُرُواْ} به تعالى بعد مشاهدةِ ما ذُكر من فنونِ نعمائِه ومعرفةِ شئونه العظيمةِ الموجبةِ للإيمانِ والشُّكرِ {فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ} أي فاعلمُوا أنَّه تعالى غنيٌّ عن إيمانِكم وشكركم غيرُ متأثِّرٍ من انتفائهما {وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر} أي عدمُ رضاه بكفر عباده لأجل منفعتِهم ودفعِ مضرَّتِهم رحمةً عليهم لا لتضرُّرهِ تعالى به {وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} أي يرض الشُّكرَ لأجلكم ومنفعتكم لأنَّه سببٌ لفوزكم بسعادة الدَّارينِ لا لانتفاعه تعالى به وإنَّما قيل لعباده لا لكُم لتعميم الحكمِ وتعليله بكونهم عبادَه تعالى وقرئ بإسكانِ الهاءِ {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} بيانٌ لعدم سرايةِ كفر الكافر إلى غيرِه أصلاً أي لا تحملُ نفسٌ حاملة للوزر حملَ نفسٍ أخرى {ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ} بالبعث بعد الموت {فَيُنَبّئُكُمْ} عند ذلك {بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي كنتُم تعملونَه في الدُّنيا من أعمال الكفر والإيمانِ أي يُجازيكم بذلك ثواباً وعقاباً {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} أي بمضمرات القلوبِ فكيف بالأعمال الظاهرة وهو تعليل للتنبئة
(7/244)

وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8)
{وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ} من مرضٍ وغيره {دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ} راجعاً إليه ممَّا كان يدعُوه في حالة الرخاء لعلمه بأنَّه بمعزلٍ من القُدرة على كشف ضُرِّه وهذا وصف للجنس بحالِ بعضِ أفرادِه كقوله تعالى إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ {ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ} أي أعطاهُ نعمةً عظيمةً من جنابه تعالى من التَّخولِ وهو التَّعهدُ أي جعله خائلَ مالٍ من قولهم فلانٌ خائلُ مال إذا كان مُتعهِّداً له حسنَ القيامِ به أو من الخَولِ وهو الافتخارُ أي جعله يخُولُ أي يختالُ ويفتخرُ {نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ} أي نسيَ الضُّرَّ الذي كان يدعُو الله تعالى فيما سبق إلى كشفِه {مِن قَبْلُ} أي من قبل التَّخويلِ أو نسي ربَّه الذي كان يدعُوه ويتضرَّعُ إليه إمَّا بناء على أنَّ ما بمعنى مِنْ كما في قوله تعالى وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى وقولُه تعالَى وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ وإمَّا إيذاناً بأنَّ نسيانَهُ بلغ إلى حيثُ لا يعرف مدَّعوه ما هو فضلاً عن أنْ يعرفه من هو كما مر في قوله تعالى عَمَّا أَرْضَعَتْ {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً} شركاءَ في العبادة {لِيُضِلَّ} النَّاس بذلك {عَن سَبِيلِهِ} الذي هو التَّوحيدُ وقرئ ليَضلَّ بفتح الياء أي يزدادَ ضلالاً أو يثبتَ عليه وإلا فأصلُ الضَّلالِ غيرُ متأخِّرٍ عن الجعل المذكور واللامُ لامُ العاقبة كما في قوله تعالى
(7/244)

الزمر 9 فالتقطَه آلُ فرعونَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً خلا أنَّ هذا أقربُ إلى الحقيقةِ لأنَّ الجاعلَ ههنا قاصدٌ بجعله المذكورِ حقيقةَ الإضلالِ والضَّلالِ وإنْ لم يعرف لجهله أنَّهما إضلالٌ وضلالٌ وأمَّا آلُ فرعونَ فهم غيرُ قاصدين بالتقاطِهم العداوةَ أصلاً {قُلْ} تهديداً لذلك الضَّالَّ المُضلَّ وبياناً لحالِه ومآلِه {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً} أي تمتُّعاً قليلاً أو زمَاناً قليلاً {إِنَّكَ من أصحاب النار} أي من ملازميها والمعذَّبين فيها على الدَّوامِ وهو تعليلٌ لقلَّة التَّمتعِ وفيه من الإقناط من النَّجاةِ ما لا يخفى كأنَّه قيل إذ قد أبيتَ قبولَ ما أُمرت به من الإيمان والطَّاعةِ فمن حقَّك أنْ تُؤمرَ بتركه لتذوقَ عقوبتَه
(7/245)

أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)
{أم من هو قانت آناء الليل} الخ من تمامِ الكلامِ المأمورِ به وأم إما متصلة قد حذف معاد لها ثقةً بدلالة مساقِ الكلام عليه كأنَّه قيل له تأكيداً للتَّهديد وتهكُّماً به أأنت أحسنُ حالاً ومآلاٍ ام من هو قائمٌ بمواجب الطَّاعاتِ ودائم على أداءَ وظائف العبادات في ساعاتِ اللَّيل حالتَيْ السَّراءِ والضَّراءِ لا عند مساس الضُّرِّ فقط كدأبك حالَ كونِه {ساجدا وَقَائِماً} أي جامعاً بين الوصفينِ المحمودينِ وتقديمُ السُّجودِ على القيام لكونه أدخلَ في معنى العبادة وقرئ كلاهُما بالرَّفعِ على أنه خبرُ بعد خبرٍ {يَحْذَرُ الاخرة} حالٌ أُخرى على التَّرادفِ أو التَّداخلِ أو استئنافٌ وقعَ جَواباً عما نشأ من حكاية حاله من القنوتِ والسُّجود والقيامِ كأنه قيل ما باله يفعل ذلك فقيلَ يحذرُ عذاب الاخرة {ويرجو رَّحْمَةِ رَبّهِ} فينجُو بذلك مما يحذرُه ويفوزُ بما يرجوه كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية المنبئةِ عن التبليغِ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميرِ الرَّاجي لا أنَّه يحذرُ ضرَّ الدُّنيا ويرجُو خيرَها فقط وإما منقطعةٌ وما فيها من الإضرابِ للانتقالِ من التَّهديدِ إلى التبكيت بتكليف الجواب الملجئ إلى الاعترافِ بما بينهما من التَّباينِ البيِّن كأنَّه قيل بل ام من هو قانتٌ الخ أفضل ام من هو كافرٌ مثلك كما هو المعنى على قراءة التَّخفيفِ {قُلْ} بياناً للحقِّ وتنبيهاً على شرفِ العلمِ والعمل {هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ} حقائقَ الأحوالِ فيعملون بموجبِ علمهم كالقانتِ المذكورِ {والذين لاَ يَعْلَمُونَ} أي ما ذُكر أو شيئاً فيعملون بمقتضى جهلِهم وضلالِهم كدأبك والاستفهامُ للتَّنبيه على أنَّ كون الأَوَّلينَ في أعلى معارج الخيرِ وكون الآخرينَ في أقصى مدارج الشَّرِّ منَ الظُّهورِ بحيثُ لا يكاد يخفى على أحدٍ من منصفِ ومكابرٍ وقيل هو واردٌ على سبيل التشيه أي كما لا يستوي العالمونَ والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصُون وقوله تعالى {إنما يتذكر أولوا الالباب} كلامٌ مستقلٌّ غيرُ داخلٍ في الكلامِ المأمور به واردٌ من جهته تعالى بعد الأمر بما ذُكر من القوارعِ الزَّاجرةِ عن الكُفر والمعاصِي لبيانِ عدمِ تأثيرِها في قلوبِ الكفرةِ لاختلال عقولهم كما في قول من قال ... عوجوا فحيوا لنعمى دمنة الدار ... ماذا تحيون من نوى وَأَحْجَارِ ...
أي إنما يتَّعظُ بهذه البيانات الواضحة أصحابُ العقولِ الخالصةِ عن شوائب الخللِ وهؤلاءِ بمعزلٍ من ذلك وقرئ إنما يذكر بالإدغام
(7/245)

الزمر
(7/246)

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)
10 - 12 {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا رَبَّكُمْ} أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بتذكير المُؤمنين وحملِهم على التَّقوى والطَّاعة إثرَ تخصيص التذكرِ بأولي الألباب إيذاناً بأنَّهم هم كما سيصرِّح به أي قُل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريفٌ لهم بإضافتهم إلي ضمير الجلالةِ ومزيدُ اعتناءٍ بشأن المأمور به فإنَّ نقلَ عينِ أمرِ الله أدخلُ في إيجابِ الإمتثالِ به وقولُه تعالى {لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ} تعليلٌ للأمر أو لوجوبِ الامتثال به وإيراد الإحسان في حيِّز الصِّلةِ دون التَّقوى للإيذانِ بأنَّه من باب الإحسانِ وأنَّهما مُتلازمانِ وكذا الصَّبرُ كما مرَّ في قوله تعالى إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ وفي قوله تعالى إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين وقوله تعالى {فِى هذه الدنيا} متعلِّقٌ بأحسنُوا أي عملوا الأعمالَ الحسنةَ في هذه الدُّنيا على وجه الإخلاصِ وهو الذي عبّر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينَ سُئل عن الإحسانِ بقوله صلى الله عليه وسلم أنْ تعبدَ الله كأنَّك تراهُ فإنْ لم تكنْ تراهُ فإنَّه يراكَ {حَسَنَةٌ} أي حسنة عظيمةٌ لا يُكتَنه كُنهُها وهي الجنَّةُ وقيل هو متعلِّقٌ بحسنة على أنَّه بيان لمكانها أوْ حالٌ منْ ضميرِها في الظَّرفِ فالمرادُ بها حينئذٍ الصِّحَّةُ والعافيةُ {وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ} فمن تعسَّر عليه التَّوفرُ على التَّقوى والإحسانِ في وطنِه فليهاجر إلى حيثُ يتمكَّن فيه من ذلك كما هو سُنَّة الأنبياءِ والصَّالحينَ فإنه لا عُذرَ له في التَّفريطِ أصلاً وقوله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون} الخ ترغيب في التَّقوى المأمور بها وإيثارُ الصَّابرين على المتَّقين للإيذانِ بأنَّهم حائزونَ لفضيلة الصَّبر كحيازتهم لفضيلةِ الإحسانِ لما أشير إليه من استلزام التَّقوى لهما مع ما فيه من زيادة حثَ على المصابرةِ والمجاهدةِ في تحمُّل مشاقَّ المهاجرة ومتاعبها أي إنَّما يوفَّى الذين صبرُوا على دينِهم وحافظُوا على حدودِه ولم يُفرِّطُوا في مُراعاةِ حقوقه لما اعتراهم في ذلك من فُنونِ الآلامِ والبَلاَيا التي من جُملتها مهاجرةُ الأهلِ ومفارقةُ الأوطانِ {أَجْرَهُمْ} بمقابلة ما كابدُوا من الصَّبرِ {بِغَيْرِ حِسَابٍ} أي بحيث لا يُحصى ولا يُحصر عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما لا يَهتدِي إليه حسابُ الحُسَّاب ولا يُعرف وفي الحديثِ أنَّه تنصبُ الموازينُ يوم القيامة لأهلِ الصَّلاة والصَّدقة والحَجِّ فيُؤتَون بها أجورَهم ولا تنُصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجرُ صَّباً حتَّى يتمنَّى أهلُ العافيةِ في الدُّنيا أنَّ أجسادَهم تُقرضُ بالمقاريضِ مَّما يذهبُ به أهلُ البلاءِ من الفضلِ
(7/246)

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11)
{قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين} أي من كلِّ ما ينافيهِ من الشِّركِ والرِّياءِ وغير ذلك أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيانِ ما أُمر به نفسه من الإخلاصِ في عبادة الله الذي هو عبارةٌ عمَّا أُمر به المؤمنون من التَّقوى مبالغةً في حثِّهم على الإتيان بما كُلِّفوه وتمهيداً لما يعقُبه مَّما خُوطب به المشركونَ
(7/246)

وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)
{وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين} أي وأُمرت بذلك لأجلِ أنْ أكونَ مقدَّمهم
(7/246)

الزمر 13 16 في الدُّنيا والآخرةِ لأنَّ إحرازَ قَصَب السَّبقِ في الدِّين بالإخلاصِ فيه والعطفُ لمغايرة الثاني الاول بتقيده بالعلَّةِ والإشعارِ بأنَّ العبادةَ المذكورةَ كما تقتضِي الأمرَ بها لذاتِها تقتضيهِ لما يلزمُها من السَّبقِ في الدِّينِ ويجوزُ أنْ تُجعلَ اللاَّمُ مزيدةً كما في أردتُ لأنْ أقومَ بدليلِ قوله تعالى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أسلم فالمعنى وأُمرت أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أسلمَ من أهلِ زمانيِ أو مِن قومي أو أكون أولَ من دَعا غيرَهُ إلى ما دعا إليه نفسَه
(7/247)

قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)
{قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ ربي} يترك الإخلاصِ والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك {عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} هو يومُ القيامةِ وصفَ بالعظمةِ لعظمةِ ما فيهِ من الدَّواهي والأهوالِ
(7/247)

قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)
{قل الله أعبد} لاغيره لا استقلالاً ولا اشتراكاً {مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى} من كل شوب امر صلى الله عليه وسلم أوَّلاً ببيان كونِه مأموراً بعبادة الله تعالى واخلاص الدِّينِ له ثمَّ بالإخبارِ بخوفِه من العذابِ على تقديرِ العصيانِ ثمَّ بالإخبارِ بامتثاله بالأمرِ على أبلغِ وجِه وآكدِه إظهاراً لتصلُّبه في الدِّينِ وحسماً لأطماعِهم الفارغةِ وتمهيداً لتهديدِهم بقوله تعالى
(7/247)

فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)
{فاعبدوا مَا شِئْتُمْ} أنْ تعبدُوه {مِن دُونِهِ} تعالى وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم مالا يخفي كأنَّهم لمَّا لم ينتهُوا عما نُهوا عنه أُمروا به كي يحل بهم العقابُ {قُلْ إِنَّ الخاسرين} أي الكاملينَ في الخُسران الذي هو عبارةٌ عن إضاعةِ ما يُهمه واتلاف مالا بدَّ منه {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} باختيارِهم الكفرَ لهما أي أضاعُوهما وأتلفوهُما {يَوْمُ القيامة} حين يدخُلون النَّارِ حيث عرَّضوهما للعذابِ السَّرمديِّ وأوقعُوهما في هَلَكةٍ لا هلكةَ وراءها وقيل خسِروا أهليهم لأنَّهم إنْ كانُوا من أهلِ النَّار فقد خسروهم كما خسِروا انفسهم وإن كانُوا من أهلِ الجنَّةَ فقد ذهبُوا عنهم ذهاباً لا إيابَ بعدَهُ وفيه ان المحذور ذهاب مالو آبَ لانتفع به الخاسرُ وذلك غيرُ متصوَّرٍ في الشِّقِّ الأخيرِ وقيل خسِروهم لانهم لم يدخلوا مدخل الذين لهم في اهل الجنَّةِ وخَسِروا أهليهم الذين كانِوا يتمتَّعون بهم لو آمنُوا وأيَّا ما كان فليسَ المرادُ مجرد تعريفِ الكاملينَ في الخُسران بما نذكر بل بيانَ أنَّهم هم إما نجعل الموصولِ عبارةً عنهم أو عمَّا هم مُندرجون فيه اندراجاً أوليَّاً وما في قوله تعالى {أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين} من استئنافِ الجملةِ وتصديرِها بحرفِ التَّنبيه والإشارةِ بذلك إلى بُعد منزلةِ المشارِ إليه في الشَّرِّ وتوسيطُ ضمير الفصل وتعريفُ الخسرانِ ووصفُه بالمبينِ من الدِّلالةِ عَلى كمالِ هو له وفظاعتِه وأنَّه لا خُسران وراءه مالا يَخفْى وقوله تعالى
(7/247)

لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)
{لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار}
(7/247)

الخ نوع بيانٍ لخسرانِهم بعد تهويله بطريق الابهام على أنَّ لهم خبرٌ لظُللٌ ومن فوقِهم متعلِّقٌ بمحذوفٍ قيل هو حالٌ من ظُللٌ والأظهرُ أنَّه حالٌ من الضمير في الظَّرفِ المُقدَّمِ ومن النَّارِ صفةٌ لظللٌ أي لهم كائنةٌ من فوقهم ظللٌ كثيرةٌ متراكبةٌ بعضُها فوق بعضِ كائنةٌ من النَّارِ {وَمِن تَحْتِهِمْ} أيضاً {ظُلَلٌ} أي أطباقٌ كثيرةٌ بعضُها تحتَ بعضٍ ظللٌ لآخرينَ بل لهم ايضا عند ترديهم في دركانها {ذلك} العذابُ الفظيعُ هو الذي {يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ} ويُحذِّرهم إيَّاه بآياتِ الوعيدِ ليجتنبُوا ما يُوقعهم فيه {يا عباد فاتقون} ولا تتعرَّضُوا لَما يُوجبُ سَخَطي وهذه عظةٌ من الله تعالى بالغةٌ منطويةٌ على غايةِ اللُّطفِ والمرحمةِ وقُرىء يا عبادِي
(7/248)

وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)
{والذين اجتنبوا الطاغوت} أي البالغ اقصى غاية الطُّغيانِ فَعَلوتٌ منه بتقديم اللاَّمِ على العينِ بُني للمبالغةِ في المصدرِ كالرَّحموتِ والعظَمُوتِ ثم وُصف به للمبالغةِ في النَّعتِ والمرادُ به هو الشَّيطانُ {أَن يعبدوها} بدل اشتمال منه فإنَّ عبادةَ غيرِ الله تعالى عبادةٌ للشَّيطانِ إذِ هُو الآمرُ بها والمُزيِّنُ لها {وَأَنَابُواْ إِلَى الله} وأقبلُوا إليه مُعرضين عما سواه إقبالاً كلِّياً {لَهُمُ البشرى} بالثَّوابِ على ألسنةِ الرُّسلِ أو الملائكةِ عند حضورِ الموتِ وحين يُحشرون وبعد ذلك {فَبَشّرْ عِبَادِ}
(7/248)

الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)
{الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} هم الموصُوفون بالاجتنابِ والإنابةِ بأعيانهم لكنْ وُضع موضِعَ ضميرِهم الظاهِرِ تشريفاً لهم بالإضافةِ ودلالةً على أنَّ مدارَ اتصِّافِهم بالوصفينِ الجليلينِ كونُهم نُقَّاداً في الدَّينِ يميِّزون الحقَّ من الباطلَ ويؤُثرون الأفضلَ فالأفضلَ {أولئك} إشارةٌ إليهم باعتبارِ اتصافِهم بما ذُكِرَ من النَّعوتِ الجليلةِ وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ ومحلُّه الرَّفعُ على الابتداءِ خبرُه ما بعده من الموصولِ أي اولئك المنعوتون بالمحاسن الجميلة {الذين هداهم الله} للذين الحق {وأولئك هم أولوا الالباب} أي هم أصحابُ العقول السليمة عن معارضة الوهمِ ومنازعةِ الهَوَى المستحقُّون للهدايةِ لا غيرهم وفيه دلالةٌ على أنَّ الهدايةَ تحصلُ بفعل الله تعالى وقبول النَّفسِ لها
(7/248)

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)
{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن في النار} بيان الاحوال أضَّدادِ المذكورينَ على طريقة الإجمالِ وتسجيلٌ عليهم بحرمانِ الهداية وهم عَبَدةُ الطَّاغوتَ ومتَّبعُو خطواتها كما يُلوحُ به التَّعبيرُ عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب فإنَّ المرادَ بها قولُه تعالى لإبليسَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ منهم أجمعين وقوله تعالى لمن تبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وأصلُ الكلامِ أمن حقَّ عليه كلمةُ العذاب فأنتَ تنقذه على أنَّها شرطيةٌ دخل عليها الهمزةُ لإنكارِ مضمونها ثم الفاءُ لعطفها على جملةٍ مستتبعة لها مقدَّرة بعد الهمزةِ ليتعلَّق الإنكارُ والنَّفيُ بمضمونيهما
(7/248)

الزمر 20 21 معاً أي أأنتَ مالكُ أمرِ النَّاسِ فمن حقَّ عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه ثم كُررتْ الهمزةُ في الجزاءِ لتأكيدِ الإنكارِ وتذكيرِه لمَّا طال الكلامُ ثم وضِع موضعَ الضَّميرِ مَن في النَّارِ لمزيد تشديدِ الإنكارِ والاستبعاد والتَّنبيه عَلى أنَّ المحكومَ عليهِ بالعذابِ بمنزلة الواقعِ في النار وان اجتهاده صلى الله عليه وسلم فى دُعائهم إلى الإيمانِ سعيٌ في إنقاذِهم من النَّارِ ويجوزُ أن يكونَ الجزاءُ محذوفاً وقوله تعالى أفأنتَ الخ جملة مستقلَّةٌ مسوقة لتقريرِ مضمون الجملة السَّابقةِ وتعيين ما حُذف منها وتشديدِ الإنكارِ بتنزيل من استحقَّ العذابَ منزلةَ من دخل النَّارَ وتصوير الاجتهاد في دُعائه إلى الإيمان بصورةِ الإنقاذِ من النَّارِ كأنَّه قيل أوَّلاً أفمن حقَّ عليه العذابُ فأنتَ تخلِّصه منه ثم شُدِّد النَّكيرُ فقيل أفأنتَ تنقذ من فى النار وفيه تلويحٌ بأنَّه تعالى هو الذي يقدر على الانقاذ لا غيرُه وحيثُ كان المرادُ بمن في النَّارِ الذين قيل في حقِّهم لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ من النار ومن تحتهم ظُلَلٌ استدركَ منهم بقوله تعالى
(7/249)

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20)
{لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ} وهم الذين خُوطبوا بقوله تعالى ياعباد فاتقون ووُصفوا بما عُدِّد من الصِّفاتِ الفاضلةِ وهم المخاطَبون أيضاً فيما سبق بقوله تعالى يَا عِبَادِى الذين آمنوا اتقوا رَبَّكُمْ الآيةَ وبينَّ أنَّ لهم درجاتٍ عاليةً في جنَّاتِ النَّعيمِ بمقابلة ما للكفرةِ من دَرَكاتٍ سافلةٍ في الجحيم أي لهم علالي بعضُها فوقَ بعضٍ {مَّبْنِيَّةٌ} بناءَ المنازلِ المبنية المؤسَّسةِ على الأرضِ في الرَّصانةِ والإحكام {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا} من تحت تلك الغرفِ {الانهار} من غيرِ تفاوتٍ بين العُلوِّ والسُّفلِ {وَعَدَ الله} مصدرٌ مؤكدٌ لقولِه تعالى لهم غُرف الخ فإنه وعدٌ وأيُّ وعدٍ {لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد} لاستحالتِه عليه سبحانه
(7/249)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (21)
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنزل من السماء ماء} استئنافٌ وارد إمَّا لتمثيلِ الحياة الدنيا في سرعة الزَّوالِ وقُرب الاضمحلالِ بما ذُكِرَ من أحوالِ الزَّرعِ ترغيباً عن زخارِفها وزينتها وتحذيراً من الاغترارِ بزَهرتِها كما في نظائرِ قولِه تعالى إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا الآيةَ أو للاستشهاد على تحقُّقِ الموعودِ من الأنهارِ الجاريةِ من تحت الغُرفِ بما يُشاهد من إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وما يترتبُ عليهِ من آثارِ قدرتهِ تعالى وأحكامِ حكمتِه ورحمتِه والمرادُ بالماءِ المطر وقيل كلُّ ماءٍ في الأرضِ فهو من السماء ينزل منها إلى الصَّخرةِ ثم يقسمُه الله تعالى بين البقاعِ {فَسَلَكَهُ} فأدخلَه ونظمه {يَنَابِيعَ فِى الارض} أي عُيوناً ومجاريَ كالعروقِ في الأجسادِ وقيل مياهاً نابعةً فيها فإنَّ الينبوعَ يطلقُ على المنبعِ والنَّابعِ فنصبها على الحالِ وعلى الأوَّلِ بنزعِ الجارِّ أي في ينابيعَ {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ} أصنافُه من بُرَ وشعيرٍ وغيرهِما أو كيفانه من الألوانِ والطُّعومِ وغيرِهما وكلمة ثُم للتَّراخي في الرُّتبةِ أو الزَّمانِ وصيغةُ المضارع لاستحضار
(7/249)

الزمر 22 الصُّورةِ {ثُمَّ يَهِيجُ} أي يتمُّ جفافُه ويشرف على أنْ يثورَ من منابتِه {فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً} من بعد خُضرتِه ونُضرتِه وقُرىء مُصفارَّا {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما} فُتاتاً مُتكسِّرةً كأن لم يغنَ بالأمسِ ولكون هذه الحالةِ من الآثارِ القوَّيةِ عُلِّقت بجعلِ الله تعالى كالإخراجِ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذُكر تفصيلاً وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِه في الغَرابةِ والدِّلالةِ على ما قُصد بيانُه {لِذِكْرِى} لتذكيراً عظيماً {لاِوْلِى الالباب} لأصحابِ العقولِ الخالصةِ عن شوائبِ الخللِ وتنبيهاً لهم على حقيقةِ الحالِ يتذكَّرون بذلك أنَّ حالَ الحياةِ الدنيا في سرعة التقضى والانصرامِ كما يشاهدونَهُ من حال الحُطامِ كلَّ عامٍ فلا يغترُّون ببهجتِها ولا يُفتتنون بفتنتها أو يجزمون بأن مَن قدَر على إنزالِ الماءِ من السَّماءِ وإجرائِه في ينابيع الأرضِ قادرٌ على إجراءِ الأنهارِ من تحتِ الغُرفِ هذا وأمَّا مَا قيلَ إنَّ في ذلك لتذكيراً وتنبيهاً على أنَّه لا بُدَّ من صانعٍ حكيمٍ وأنه كائنٌ عن تقديرٍ وتدبيرٍ لا عن تعطيلٍ وإهمالٍ فبمعزلٍ من تفسيرِ الآيةِ الكريمةِ وإنَّما يليقُ ذلك بما لو ذُكرَ ما ذُكر من الآثارِ الجليلة والأفعالِ الجميلةِ من غيرِ إسنادٍ لها إلى مؤثِّرٍ ما فحيثُ ذُكرتْ مسندةً إلى الله عزَّ وجلَّ تعيَّن أنْ يكونَ متعلَّقُ التذكير والتنبيه شئونه تعالى أوشئون آثارِه حسبما بُيِّن لا وجودُه تعالى وقولُه تعالى
(7/250)

أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)
{أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام} الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التعليل لما قبله من تخصيصِ الذِّكرى بأولي الألبابِ وشرحُ الصَّدرِ للإسلامِ عبارةٌ عن تكميلِ الاستعدادِ له فإنه محلٌّ للقلبِ الذي هو منبعٌ للرُّوحِ التي تتعلَّقُ بها النَّفسُ القابلةُ للإسلامِ فانشراحُه مستدعٍ لاتِّساعِ القلبِ واستضاءتِه بنوره فإنه روي انه صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلَ النُّور القلبَ انشرحَ وانفسحَ فقيل فما علامةُ ذلك قال صلى الله عليه وسلم الإنابةُ إلى دارِ الخُلودِ والتَّجافي عن دارِ الغُرور والتَّأهُّبُ للموتِ قبل نزولِه والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ كالذي مرَّ في قوله تعالى أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب وخبرُ مَن محذوفٌ لدلالةِ ما بعدَهُ عليه والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فَمْن شَرحَ الله صدرَهُ أي خلقَهُ متَّسعَ الصَّدرِ مُستعدَّاً للإسلامِ فبقي على الفطرةِ الأصليةِ ولم يتغير بالعوارض المكتسبة الفادحة فيها {فَهُوَ} بموجبِ ذلك مستقرٌّ {على نُورٍ} عظيم {مّن رَّبّهِ} وهو اللُّطفُ الإلهيُّ الفائضُ عليه عند مشاهدةِ الآياتِ التَّكوينيةِ والتَّنزيليةِ والتَّوفيقُ للاهتداءِ بها إلى الحقِّ كمَنْ قسا قلبُه وحَرِجَ صدره بسببِ تبديلِ فطرة الله بسوء اختباره واستولى عليه ظلمات الغي والضِّلالةِ فأعرضَ عن تلك الآياتِ بالكُلِّيةِ حتَّى لا يتذكَّر بها ولا يغتنمُها {فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله} أي من أجلِ ذكرهِ الذي حقُّه أنْ تنشرحَ له الصُّدورُ وتطمئنَّ به القلوبُ أي إذا ذُكر الله تعالى عندهم أو آياتُه اشمأزُّوا من أجلِه وازدادتْ قلوبُهم قساوةً كقولِه تعالى فزادْتُهم رجساً وقُرىء عَن ذكرِ الله أي عن قبولِه {أولئك} البعداء الموصوفون بما ذُكر من قساوةِ القلوب {فِى ضلال} بُعدٍ عن الحقِّ {مُّبِينٌ} ظاهر كونه ضلالاً لكلِّ أحدٍ قيلَ نزلتِ الآيةُ في حمزةَ وعلي رضي الله عنهما وأبي لهبٍ وولدِه وقيل في عمار بن
(7/250)

الزمر 23 ياسر رضي الله عنه وأبي جهلٍ وذويه
(7/251)

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)
{الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث} هو القرآنُ الكريمُ رُوي أنَّ أصحابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ملُّوا ملَّةً فقالُوا له صلى الله عليه وسلم حدثا حَديثاً وعن ابن مسعُودٍ وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم قالُوا لو حدَّثتنا فنزلتْ والمَعنى أنَّ فيه مندوحةً عن سائرِ الأحاديثِ وفي إيقاعِ الاسمِ الجليلِ مبتدأٌ وبناءِ نزَّل عليهِ من تفخيمِ أحسنِ الحديثِ ورفعِ محلَّه والاستشهادِ على حُسنِه وتأكيدِ استنادِه إليه تعالى وأنَّه من عندَه لا يمكنُ صدورُه عن غيرِه والتَّنبيهُ على أنَّه وحيٌ معجز مالا يخفى {كتابا} بدلٌ من أحسنَ الحديثِ أو حالٌ منه سواء اكتسبَ من المضاف اليه تعريفا اولا فإنَّ مساغَ مجيء الحالِ من النكرة المضافة اتفاقيٌّ ووقوعُه حالاً مع كونه اسما لاصفة إمَّا لاتَّصافِه بقولِه تعالى {متشابها} أو لكونِه في قوَّة مكتوباً ومعنى كونِه مُتشابهاً تشابُه معانيهِ في الصِّحَّةِ والأحكامِ والابتناءِ على الحق والصدق واستتباع منافعِ الخلقِ في المعادِ والمعاشِ وتناسب ألفاظِه في الفصاحةِ وتجاوبِ نظمِه في الإعجازِ {مَّثَانِيَ} صفةٌ أخرى لكتابا أو حال أُخرى منه وهو جمعُ مثنى بمعنى مردد ومكرَّرٍ لمَا ثُنِّي من قصصهِ وأنبائِه وأحكامِه وأوامرهِ ونواهيهِ ووعدِه ووعيدِه ومواعظِه وقيل لأنَّه يُثنَّى في التَّلاوةِ وقيل هو جمعُ مَثنى مَفْعل من التَّثنيةِ بمعنى التَّكريرِ والإعادةِ كما في قوله تعالى فارجع البَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي كرةً بعدَ كرَّةٍ ووقوعُه صفةً لكتاباً باعتبار تفاصيلهِ كما يُقال القرآن سورٌ وآياتٌ ويجوزُ أنْ ينتصبَ على التَّمييزِ من مُتشابهاً كما يُقال رأيتُ رجلاً حسناً شمائلَ أي شمائلُه والمعنى متشابهةٌ مثانية {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} قيل صفةٌ لكتاباً أو حالٌ منهُ لتخصُّصه بالصِّفةِ والأظهر أنَّه استئنافٌ مسوق لبيانِ آثارِه الظَّاهرةِ في سامعيهِ بعد بيانِ أوصافهِ في نفسِه ولتقريرِ كونِه أحسنَ الحديثِ والاقشعرارُ التَّقبضُ يقال اقشعرَّ الجلدُ إذا تقبَّضَ تقبُّضاً شَديداً وتركيبُه من القَشع وهو الأديمُ اليابسُ قد ضُمَّ إليه الرَّاءُ ليكونَ رُباعيَّا ودَالاًّ على معنى زائد يُقال اقشعرَّ جلدُه وقفَ شعرُه إذا عرضَ له خوفٌ شديدٌ من منكرٍ هائلٍ دهمه بغتة والمرادُ إمَّا بيانُ إفراطِ خشيتِهم بطريقِ التَّمثيلِ والتَّصويرِ أو بيانُ حصولِ تلك الحالةِ وعرُوضِها لهم بطريقِ التَّحقيقِ والمعني أنَّهم إذا سمعُوا القُرآنَ وقوارعَ آياتِ وعيده أصابتُهم هيبةٌ وخشيةٌ تقشعرُّ منها جلودُهم وإذا ذُكِّروا رحمةَ الله تعالى تبدَّلتْ خشيتُهم رجاءً ورهبتُهم رغبةً وذلكَ قولُه تعالى {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله} أيْ ساكنةً مطمئنَّةً إلى ذكر رحمتِه تعالى وإنَّما لم يصرَّحْ بها إيذاناً بأنَّها أولُ ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى {ذلك} أي الكتابُ الذي شُرحَ أحوالُه {هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآء} أن يهديَه بصرف مقدورِه إلى الاهتداءِ بتأمُّلِه فيما في تضاعيفه من شواهدِ الحقِّية ودلائلِ كونِه من عند الله تعالى {وَمَن يُضْلِلِ الله} أي يخلقُ فيه الضَّلالةَ بصرفِ قُدرته إلى مباديها وإعراضِه عمَّا يُرشده إلى الحقَّ بالكُلِّية وعدم تأثُّرِه بوعيدِه ووعده اصلا او
(7/251)

الزمر 24 29 ومن يخذلْ {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يُخلِّصه من ورطةِ الضَّلالِ وقيل ذَلِكَ الذي ذُكرَ من الخشيةِ والرَّجاءِ إثر هُداه تعالى يهدي بذلكَ الأثرِ مَن يشاءُ من عبادةِ ومَن يضلل أي من لم يُؤثِّر فيه لطفُه لقسوةِ قلبهِ وإصرارِه على فجوره فماله من هادٍ من مؤثِّرٍ فيه بشيءٍ قَطْ
(7/252)

أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24)
{أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ} الخ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لما قبلَه من تباينِ حالَيْ المُهتدي والضَّالَّ والكلامُ في الهمزةِ والفاءِ وحذفِ الخبرِ كالذي مرَّ في نظيريهِ والتَّقديرُ أكلُّ النَّاسِ سواءٌ فمَن شأنُه أنَّه بقى نفسَه بوجههِ الذي هو أشرفُ أعضائِه {سُوء العذاب} أي العذابَ السَّيءِ الشَّديدَ {يَوْمُ القيامة} لكون يدهِ التي بها كان يتَّقي المكارَه والمخاوفَ مغلولةً إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه ولا يحتاج إلى الاتّقاء بوجهٍ من الوجوهِ وقيل نزلتْ في أبي جهلٍ {وَقِيلَ للظالمين} عطف على يتقي ويقالُ لهم من جهةِ خَزَنةِ النَّارِ وصيغةُ الماضِي الدِلالة على التَّحقُّقِ والتقرّرِ وقيلَ هُو حالٌ من ضميرِ يتَّقي بإضمارِ قَدْ ووضع المُظهر في مقام المضمرِ للتَّسجيلِ عليهم بالظُّلم والإشعار بعلَّةِ الأمرِ في قوله تعالى {ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ} أي وبالَ ما كنتُم تكسبونَه في الدُّنيا على الدَّوامِ من الكفرِ والمعاصي
(7/252)

كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (25)
{كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ} استئنافٌ مَسوقٌ لبيان ما أصابَ بعضَ الكفرةِ من العذابِ الدنيويِّ إثرَ بيانِ ما يُصيب الكلَّ من العذابِ الأخرويِّ أي كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِم من الأممِ السَّالفةِ {فأتاهم العذاب} المقدَّرُ لكلَّ أمَّةٍ منهم {مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} من الجهةِ التي لا يحتسبونَ ولا يخطرُ ببالِهم إتيانُ الشَّرِّ منها
(7/252)

فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26)
{فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى} أي الذُّلَّ والصَّغارَ {فِى الحياة الدنيا} كالمسخِ والخسفِ والقتلِ والسى والإجلاءِ ونحوِ ذلك من فنون النَّكالِ {وَلَعَذَابُ الأخرة} المعدِّ لهم {أَكْبَرَ} لشدَّتِه وسرمدينه {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} أي لو كانَ من شأنِهم أنْ يعلمُوا شيئاً لعلمُوا ذلكَ واعتبرُوا به
(7/252)

وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27)
{وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرآن مِن كُلّ مَثَلٍ} يحتاجُ إليه النَّاظرُ في أمورِ دينِه {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} كي بتذكروا به ويتعظوا
(7/252)

قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)
{قرآنا عَرَبِيّاً} حالٌ مؤكَّدةٌ من هذا على أنَّ مدارَ التَّأكيدِ هو الوصفُ كقولِك جاءني زيدٌ رَجُلاً صالِحاً أو مدحٌ له {غَيْرَ ذِى عِوَجٍ} لا اختلافَ فيه بوجهٍ من الوجوهِ فهُو أبلغُ من المستقيمِ وأخصُّ بالمعانِي وقيل المرادُ بالعوجِ الشَّكُّ {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} علَّة أُخرى مترتِّبةٌ على الأولى
(7/252)

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)
{ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فيه شركاء متشاكسون}
(7/252)

الزمر 30 31 لمثلٍ من الأمثالِ القُرآنيةِ بعد بيانِ أنَّ الحكمةَ في ضربِها هو التَّذكُّر والاتِّعاظُ بها وتحصيلُ التَّقوى والمرادُ بضربِ المثل هَهُنا تطبيقُ حالةٍ عجيبةٍ بأُخرى مثلِها وجعلِها مثلَها كما مر في سورة يس ومثلاً مفعولٌ ثانٍ لضربَ ورجلاً مفعولُه الأوَّلُ أُخِّر عن الثَّانِي للتَّشويقِ إليه وليتَّصلَ به ما هُو من تتمتِه التي هي العُمدةُ في التَّمثيلِ وفيه ليسَ بصلةٍ لشركاءِ كما قيل بل هُو خبرٌ له وبيانُ أنَّه في الأصلِ كذلكَ مَّما لا حاجةَ إليهِ والجملةُ في حيز النصبِ على أنه وصفٌ لرجلاً أو الوصفُ هو الجارُّ والمجرورُ وشركاء مرتفعٌ به على الفاعليةِ لاعتمادِه على الموصوفِ فالمعنى جعلَ الله تعالى مثلاً للمشركِ حسبَما يقودُ إليهِ مذهبُه من ادَّعاءِ كلَ معبوديه عبوديتَه عبداً يتشاركُ فيه جماعة يتجاذبونه ويتعاورُونه في مهمَّاتهم المتباينةِ في تحيُّرِه وتوزُّعِ قلبه {وَرَجُلاً} أي وجعل للموحِّد مثلاً رجلا {سلما} أي خالصاً {لِرَجُلٍ} فردٍ ليس لغيره عليه سبيل اصلا وقرىء سلما بفتح السين وكسرِها مع سكون الَّلامِ والكُلُّ مصادرٌ من سَلِم له كذا أي خلص نعت بها مبالغةً أو حُذف منها ذُو وقِرىء سالماً وسالم أي وهناك رجلٌ سالم وتخصيصُ الرَّجُلِ لأنَّه أفطن لما يجري عليه من الضُّرِّ والنَّفعِ {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً} إنكارٌ واستبعاد لاستوائِهما ونفيٌ له على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وإيذانٌ بأنَّ ذلك من الجلاء والظُّهور بحيثُ لا يقدرُ أحدٌ أنْ يتفوَّه باستوائِهما أو يتلعثم في الحُكم بتباينهما ضرورةَ أنَّ أحدهما في أعلى عِلِّيِّينَ والآخرُ في أسفلِ سافلينَ وهو السِّرُّ في إبهام الفاضلِ والمفضولِ وانتصاب مثلاً على التَّمييزِ أي هل يستوي حالاهُما وصفتاهُما والاقتصارُ في التَّمييزِ على الواحد لبيان الجنسِ وقُرىء مَثَلين كقوله تعالى اكثر اموالا واولادا باختلاف النَّوعِ أو لأنَّ المرادَ هل يستويانِ في الوصفين على أنَّ الضَّميرَ للمثلينِ لأنَّ التَّقديرَ مَثَلُ رجلٍ فيه الخ ومَثَلُ رجلٍ الخ وقولُه تعالى {الحمد للَّهِ} تقريرٌ لما قبلَهُ من نفيِ الاستواءِ بطريقِ الاعتراضِ وتنبيهٌ للموحِّدين على ان مالهم من المزَّيةِ بتوفيقِ الله تعالى وأنَّها نعمةٌ جليلةٌ موجبة عليهم ان يداموا على حمدِه وعبادتِه أو على أنَّ بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السَّوء صنعٌ جميلٌ ولطفٌ تامٌّ منه عزَّ وجلَّ مستوجبٌ لحمدِه وعبادتِه وقولُه تعالى {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} إضرابٌ وانتقالٌ منِ بيانِ عدمِ الاستواءِ على الوجهِ المذكورِ إلى بيانِ ان اكثر الناس هم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمالِ ظُهورِه فيبقون في ورطةِ الشِّركِ والضَّلالِ وقولُه تعالَى
(7/253)

إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)
{إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ} تمهيدٌ لما يعقُبه من الاختصامِ يوم القيامةِ وقُرىء مائتٌ ومائتونَ وقيل كانُوا يتربصون برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم موتَه أي إنَّكم جميعاً بصددِ الموتِ
(7/253)

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31)
{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ} أي مالكِ أمورِكم {تَخْتَصِمُونَ} فتحتجُّ أنتَ عليهم بأنَّك بلَّغتهم مَّا أُرسلتَ بِهِ من الأحكام والمواعظ التي من جُملتها ما في تضاعيف هذه الآياتِ واجتهدتَ في الدَّعوةِ إلى الحقَّ حقَّ الاجتهادِ وهم قد لجُّوا في المُكابرة والعناد وقيل المرادُ به الاختصامُ العامُّ الجاري في الدُّنيا بين الأنامِ والأولُ هو الأظهرُ الأنسبُ بقوله
(7/253)

الزمر 32 35 تعالى
(7/254)

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32)
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ علَى الله} فإنَّه إلى آخرهِ مسوقٌ لبيانِ حال كلَ من طرفَيْ الاختصامِ الجاري في شأن الكفرِ والإيمانِ لا غيرُ أي أظلمَ منْ كلِّ ظالمٍ مَنِ افترى على الله سبحانه وتعالى بأنْ أضافَ إليه الشَّريكَ والولد {وَكَذَّبَ بالصدق} أي بالأمرِ الذي هو عينُ الحقِّ ونفسُ الصِّدقِ وهو ما جاءَ بهِ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم {إِذْ جَاءهُ} أي في أوَّلِ مجيئهِ من غير تدبُّرٍ فيه ولا تأمُّلٍ {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين} أي لهؤلاءِ الذين افترَوا على الله سبحانه وسارعُوا إلى التَّكذيبِ بالصَّدقِ من أوَّلِ الأمرِ والجمعُ باعتبار معنى من كما أن الإفراد في الضَّمائرِ السَّابقةِ باعتبار لفظها أو لجنسِ الكَفَرةِ وهم داخلون في الحكم دخولا أوَّليَّاً
(7/254)

وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)
{والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ} الموصولُ عبارةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن تبعه كما أنَّ المرادَ في قولِه تعالى وَلَقَدْ آتينا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ هو عليه الصلاة والسلام وقومه وقيل عن الجنس المتناول المرسل والمؤمنين بهم ويؤيِّدُه قراءةُ ابنِ مسعود رضي الله عنه والذين جَاءُوا بالصَّدقِ وصدَّقُوا به وقيل هو صفة لموصوفٍ محذوف هو الفَوجُ او الفريق {أولئك} الموصوفون بما ذكر من المجيء بالصَّدقِ والتصديق به {هُمُ المتقون} المنعوتُون بالتَّقوى التي هي أجلُّ الرَّغائبِ وقُرىء وصدَق به بالتَّخفيفِ أي صدَقَ بهِ النّاسَ فأدَّاه إليهم كما نزل عليه من غيرِ تغيير وقيل وصارَ صادقاً به أي بسببهِ لأنَّ ما جاء به من القرآنُ معجزةٌ دالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وقُرىء صُدِّق به على البناء للمفعول
(7/254)

لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34)
{لهم ما يشاؤون عِندَ رَبّهِمْ} بيانٌ لما لَهُمْ فِى الآخرة من حسنِ المآبِ بعد بيانِ مالهم في الدنيا من محاسنِ الأعمالِ أي لهم كلُّ ما يشاءون من جلبِ المنافعِ ودفعِ المضارِّ في الآخرةِ لا في الجنَّةِ فقط لِما أن بعضَ ما يشاءونه من تكفير السَّيئاتِ والأمن من الفَزَع الأكبرِ وسائرِ أهوال القيامةِ إنَّما يقع قبل دخولِ الجنَّةِ {ذَلِكَ} الذي ذُكر من حصول كل ما يشاءونه {جَزَاء المحسنين} أي الذينَ أحسنُوا أعمالَهم وقد مرَّ تفسيرُ الإحسان غيرَ مرَّةٍ وقوله تعالى
(7/254)

لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35)
{لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذى عَمِلُواْ} الخ متعلِّقٌ بقوله تعالى لهم ما يشاءون لكن لا باعتبارِ منطوقِه ضرورةَ أنَّ التَّفكيرَ المذكور لا يُتصوَّرُ كونُه غايةً لثبوت ما يشاءون لهم في الآخرةِ كيف لا وهو بعضُ ما سيثبُتُ لهم فيها بل باعتبارِ فحواه فإنَّه حيثُ لم يكن إخباراً بما ثبت لهم فيما مَضَى بل بما سيثبت لهم فيما سيأتِي كان في معنى الوعدِ به كما مرَّ في قوله تعالى وَعَدَ الله فإنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لما قبلَهُ من قولِه تعالى لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ فإنَّه في معنى وَعَدَهم الله غُرفاً فانتصبَ به وعدُ الله كأنه قيل
(7/254)

الزمر 36 37 وَعَدَهم الله جميعَ ما يشاءونه من زوالِ المضارِّ وحصول المسارِّ ليكفِّرَ عنهم بموجب ذلك الوعدِ أسوأَ الذي عملوا دفعاً لمضارِّهم {وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إعطاء لمنافِعهم وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لإبرازِ كمالِ الاعتناءِ بمضمون الكلامِ وإضافةُ الا الأسوأِ والأحسنِ إلى ما بعدهما ليستْ من قبيل إضافةِ المفضَّلِ إلى المفضَّل عليه بل من إضافةِ الشَّيءِ إلى بعضِه للقصد إلى التَّحقيقِ والتَّوضيحِ من غير اعتبارِ تفضيلِه عليه وإنَّما المُعتبر فيهما مطلقُ الفضلِ والزَّيادةِ لا على المضاف إليه المعيِّنِ بخصوصه كما في قولهم الناقص والاشج اعد لانني مَرْوانَ خلا أنَّ الزِّيادة المعتبرةَ فيهما ليست بطريقِ الحقيقةِ بل هي في الأوَّلِ بالنَّظرِ إلى ما يليقُ بحالِهم من استعظامِ سيِّئاتِهم وإن قلَّتْ واستصغارِ حسناتِهم وإنْ جلَّتْ والثَّاني بالنَّظرِ إلى لُطفِ أكرمِ الأكرمينَ من استكثارِ الحسنةِ اليسيرةِ ومقابلتها بالمثُوباتِ الكثيرةِ وحمل الزيادة على الحقيقةِ وإن أمكنَ في الأوَّلِ بناءً على أنَّ تخصيصَ الأسوأِ بالذَّكرِ لبيان تكفيرِ ما دُونَه بطريقِ الأولويَّةِ ضرورةَ استلزامِ تكفيرِ الأسوأ لتكفير السَّيِّءِ لكن لمَّا لم يكُن ذلك في الأحسنِ كان الأحسنُ نظمَهما في سلكٍ واحدٍ من الاعتبار والجمعُ بين صيغتَيْ الماضِي والمستقبلِ في صلةِ الموصولِ الثَّاني دون الأوَّلِ للإيذانِ باستمرارهم على الأعمالِ الصَّالحةِ بخلاف السَّيئةِ
(7/255)

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36)
{أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ} إنكارٌ ونفيٌ لعدم كفايته تعالى على أبلغِ وجهٍ وآكدِه كأن الكفاية من التَّحقُّقِ والظُّهورِ بحيثُ لا يقدِرُ أحدٌ على أن يتفوَّه بعدمِها أو يتلعثم في الجوابِ بوجودِها والمرادُ بالعبدِ إمَّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أو الجنسُ المنتظمُ له عليه السلام انتظاما أوليا ويُؤيده قراءةُ مَن قرأَ عبادَهُ وفُسِّر بالأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وكذا قراءةُ من قرأ بكافي عبادِه على الاضافة ويكافىء عباده صيغة المُغالبةِ إمَّا من الكِفايةِ لإفادة المبالغة فيها وإمَّا من المُكافأةِ بمعنى المُجازاة وهذه تسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عمَّا قالت له قُريشٌ إنَّا نخاف أنْ تخبلَك آلهتُنا ويصيبَك مضرَّتُها لعيبكِ إيَّاها وفي روايةٍ قالُوا لتكُفَنَّ عن شتمِ آلهتِنا أو ليصيبنَّكَ منهم خَبَلٌ أو جنونٌ كما قال قومُ هودٍ إنْ نقولُ إلا اعتراك بعض آلهتا بسوءٍ وذلك قوله تعالى {وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ} أي الأوثانِ التي اتَّخذوها آلهةٌ مِن دُونِهِ تعالى والجملةُ استئنافٌ وقيل حالٌ {وَمَن يُضْلِلِ الله} حتَّى غفل عن كفايتِه تعالى وعصمته له صلى الله عليه وسلم وخوفه بما لاينفع ولايضر أصلاً {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى خيرٍ ما
(7/255)

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37)
{وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلّ} يصرفُه عن مقصدِه أو يُصيبه بسوءٍ يخلُّ بسلوكِه إذ لا رادَّ لفعلِه ولا معارضَ لإرادتِه كما ينطقُ به قولُه تعالى {أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ} غالبٍ لا يُغالبُ منيعٍ لا يُمانعُ ولا يُنازعُ {ذِى انتقام} ينتقمُ من أعدائِه لأوليائِه وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقعِ الإضمارِ لتحقيقِ مضمونِ الكلام وتربية المهابة
(7/255)

الزمر
(7/256)

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)
38 - 42 {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} لوضوحِ الدَّليلِ وسنوح السَّبيلِ {قُلْ} تبكيتاً لهُم {أَفَرَايْتُم مَّا تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ} أي بعد ما تحقَّقتُم أنَّ خالق العالم العلويَّ والسُّفليِّ هو الله عزَّ وجلَّ فأخبروني أن آلهتَكم إن أرادنى الله بضر هل يكشفنَ عنِّي ذلك الضُّرِّ {أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ} أي أو أرادني بنفعٍ {هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ} فيمنعنها عنى وقرئ كاشفاتٌ ضرَّه وممسكاتٌ رحمتَه بالتَّنوينِ فيهما ونصبِ ضُرِّه ورحمته وتعليق إرادة الضُّرَّ والرَّحمةِ بنفسه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للردِّ في نحورِهم حيث كانُوا خوّفوه معرَّةَ الأوثانِ ولما فيه من الإيذانِ بإمحاضٍ النَّصيحةِ {قُلْ حَسْبِىَ الله} أي في جميعِ أموري من إصابةِ الخير ودفعِ الشَّرِّ رُوي انه صلى الله عليه وسلم لمَّا سألهم سكتُوا فنزلَ ذلك {عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون} لا على غير أصلاً لعلمهم بأنَّ كلَّ ما سواه تحت ملكوتِه تعالى
(7/256)

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39)
{قل يا قوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ} على حالتِكم التي أنتمُ عليها من العداوة التي تمكَّنتُم فيها فإنَّ المكانة تُستعار من العَين للمعنى كما تُستعار هُنا وحَيثُ للزَّمانِ مع كونهما للمكان وقرئ على مكاناتِكم {إِنّى عامل} أي على مكانتِي فحذف للاختصار والمبالغةِ في الوعيدِ والاشعارِ بأنَّ حالَه لا تزال تزداد قوَّةً بنصر الله عزَّ وجلَّ وتأييدِه ولذلك توعَّدهم بكونه منصُوراً عليهم في الدَّارينِ بقوله تعالى {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}
(7/256)

مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40)
{مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} فإنَّ خِزي أعدائِه دليلُ غلبتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقد عذَّبهم الله تعالى وأخزاهم يومَ بدرٍ {وَيَحِلُّ عليه عَذَابٌ مُّقِيمٌ} أي دائمٌ هو عذابُ النَّارِ
(7/256)

إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41)
{أنا أنزلنا عليك الكتاب لِلنَّاسِ} لأجلِهم فإنَّه مناطُ مصالحِهم في المعاشِ والمعادِ {بالحق} حالٌ من فاعلِ أنزلَنا أو من مفعولِه {فَمَنُ اهتدى} بأنْ عملَ بما فيه {فَلِنَفْسِهِ} أي إنَّما نفعَ به نَفسه {وَمَن ضَلَّ} بأنْ لم يعمل بموجبِه {فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} لما أنَّ وبالَ ضلاله مقصورٌ عليها {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} لتُجبرَهم على الهدى وما وظيفتك إلاَّ البلاغُ وقد بلَّغت أيَّ بلاغٍ
(7/256)

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)
{الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا} أي يقبضِها من الابدان
(7/256)

الزمر 43 45 بأنْ يقطع تعلُّقها عنها وتصرُّفها فيها إمَّا ظاهراً وباطناً كما عند الموتِ أو ظاهراً فقط كما عند النَّومِ {فَيُمْسِكُ التى قضى عَلَيْهَا الموت} ولا يردها الى البدن وقرئ قُضِيَ على البناءِ للمفعولِ ورفعِ الموتَ {وَيُرْسِلُ الاخرى} أي النَّائمةَ إلى بدنها عند التَّيقظِ {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو الوقت المضروب لموتِه وهو غاية لجنس الإرسال الواقعِ بعد الإمساكِ لا لفردٍ منه فإنَّ ذلك مَّما لا امتدادَ فيه ولا كميَّة وما روي عن ابن عباس رضيَ الله عنهما أنَّ في ابنِ آدمَ نَفساً وروحا بينهما مثل شعاع الشَّمسِ فالنفسُ هي التي بها العقل والتميير والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحركُ فتتوفيان عند الموتِ وتُتوفى النَّفسُ وحدَها عند النَّوم قريبٌ مَّما ذُكر {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذكر من التَّوفِّي على الوجهينِ والإمساكِ في أحدِهما والإرسالِ في الآخرِ {لاَيَاتٍ} عجيبةً دالَّةً عَلى كمالِ قدرتِه تعالى وحكمته وشمول رحمتِه {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في كيفَّيةِ تعلُّقِها بالإبدان وتوفِّيها عنها تارة بالكُلَّيةِ كما عند الموت وإمساكها باقيةً لا تفنى بفنائِها وما يعتريها من السَّعادةِ والشَّقاوةِ وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند النَّومِ وإرسالها حيناً بعد حينٍ إلى انقضاءِ آجالِها
(7/257)

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43)
{أَمِ اتخذوا} أي بل أتَّخذ قُريشٌ {مِن دُونِ الله} مِن دُون إذنِه تعالى {شُفَعَاء} تشفعُ لهم عنده تعالى {قُلْ أَوَلَوْ كانوا لا يملكون شيئا وَلاَ يَعْقِلُونَ} الهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه والتَّوبيخِ عليه أي قل أتَّتخذونهم شفعاءَ ولو كانُوا لا يملكون شيئاً من الأشياء ولا يعقلونَه فضلاً عن أنْ يملكوا الشَّفاعةَ عندَ الله تعالَى أو هي لإنكارِ الوقوع ونفيه على أنَّ المرادَ بيانُ أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الشفعاء في شئ لأنَّه فرعُ كونِ الأوثان شفعاءَ وذلك أظهرُ المحالاتِ فالمقدَّر حينئذٍ غيرُ ما قُدِّر أوَّلاً وعلى أي تقدير كان فالوا للعطفِ على شرطيةٍ قد حذفت لدلالة المذكورةِ عليها أي أيشفعون لو كانُوا يملكون شيئاً ولو كانُوا لا يملكون الخ وجوابُ لو محذوفٌ لدلالةِ المذكور عليه وقد مرَّ تحقيقُه مراراً
(7/257)

قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)
{قُلْ} بعد تبكيتِهم وتجهيلِهم بما ذُكر تحقيقاً للحقِّ {لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً} أي هو مالُكها لا يستطيعُ أحدٌ شفاعةً ما إلاَّ أن يكونَ المشفوعُ له مرتضى والشفيعع مأذوناً له وكلاهما مفقودٌ ههنا وقولُه تعالى {لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} تقريرٌ له وتأكيدٌ أي له ملكُهما وما فيهما من المخلوقاتِ لا يملك أحدٌ أنْ يتكلَّم في أمرٍ من أمورِه بدونِ إذنِه ورضاه {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يومَ القيامةِ لا إلى أحدٍ سواهُ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيفعل يومئذ ما يريدُ
(7/257)

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)
{وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ} دون آلهتِهم {اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة} أي انقبضتْ ونَفَرتْ كما في قولِه تعالى وَإِذَا ذكر رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ ولوا على أدبارهم نفورا {وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ} فُرادى أو مع ذكرِ الله تعالى {إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} لفرطِ افتتانهم بها ونسيانِهم حقَّ الله تعالى ولقد بُولغ في بيان حالَيهم القبيحتينِ حيثُ
(7/257)

الزمر 46 49 بيّن الغايةُ فيهما فإنَّ الاستبشار هو أن يمتلئ القلبَ سُروراً حتَّى ينبسطَ له بَشَرةُ الوجهِ والاشمئزازُ أن يمتلئ غيظاً وغمَّا ينقبضُ منه أديمُ الوجهِ والعاملُ في إذا الأولى اشمأزَّت وفي الثَّانيةِ ما هو العاملُ في إذَا المفاجأةِ تقديرُه وقتَ ذكرِ الذين من دُونه فاجأوا وقتَ الاستبشارِ
(7/258)

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)
{قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة} أي التجئ إليه تعالى بالدُّعاءِ لما تحيَّرتَ في أمر الدَّعوةِ وضجرت من شدةِ شكيمتِهم في المُكابرة والعناد فإنَّه القادرُ على الأشياء بجُملتها والعالمُ بالأحوال بُرمَّتِها {أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي حُكماً يُسلِّمه كلُّ مكابرٍ معاند ويخضعُ له كلُّ عاتٍ مارد وهو العذابُ الدنيويُّ أو الأخرويُّ وقولُه تعالى
(7/258)

وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47)
{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَّا فِى الارض جَمِيعاً} إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان آثارِ الحُكمِ الذي استدعاه النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وغايةِ شدَّتِه وفظاعتِه أي لو أنَّ لهم جميعَ ما في الدُّنيا من الأموال والذَّخائرِ {وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء العذاب يَوْمَ القيامة} أي لجعلُوا كلَّ ذلك فديةً لأنفسِهم من العذاب الشَّديدِ وهيهاتَ ولاتَ حينَ مناصٍ وهذا كما ترى وعيدٌ شديد وإقناط لهم من الخلاصِ
(7/258)

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)
{وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} أي ظهرَ لهم من فُنون العقوباتِ ما لم يكن في حسابهم وهذه غاية من الوعيد لا غاية وراءها ونظيره في الوعد قولُه تعالى فَلاَ تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين {وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} سيئات أعمالِهم أو كسبِهم حين تُعرض عليهم صحائفهم {وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون} أي أحاطَ بهم جزاؤُه
(7/258)

فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49)
{فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا} إخبارٌ عن الجنسِ بما يفعله غالبُ أفرادِه والفاءُ لترتيب ما بعدها من المناقضةِ والتَّعكيسُ على ما مرَّ من حالتيهم القبيحتينِ وما بينهما اعتراضٌ مؤكِّدٌ للإنكار عليهم أي أنَّهم يشمئزُّون عن ذكرِ الله تعالى وحدَهْ ويستبشرون بذكرِ الآلهةِ فإذا مسَّهم ضُرٌّ دَعَوا مَن اشمأزُّوا عن ذكره دون مَن استبشرُوا بذكرِه {ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا} أعطيناهُ إياها تفصلا فإنَّ التَّخويل مختصٌ به لا يُطلق على ما أُعطي جزاءً {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ} أي على علم منِّي بوجوهِ كسبه أو أبى فأعطاه لما لي من الاستحفاق أو على علمٍ من الله تعالى بي وباستحقاقي والهاءُ لِمَا أنْ جُعلتْ موصولةً وإلاَّ فلِنعمةً والتَّذكيرُ لما أن المراد شئ نعمة {بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ} أي محنةٌ وابتلاءٌ له أيشكرُ
(7/258)

الزمر 50 53 أم يكفرُ وهو ردٌّ لما قاله وتغييرُ السَّبكِ للمبالغة فيهِ والإيذانِ بأنَّ ذلك ليس من باب الإيتاء المنبئ عن الكرامةِ وإنَّما هو أمر مباين له بالكُلِّيةِ وتأنيثُ الضَّميرِ باعتبار لفظ النِّعمةِ أو باعتبار الخبر وقرئ بالتَّذكيرِ {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الأمر كذلك وفيه دلالة على أن المراد بالإنسانِ هو الجنسُ
(7/259)

قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50)
{قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ} الهاء لقوله إنَّما أُوتيته على علمٍ لأنَّها كلمة أو جملة وقرئ بالتَّذكيرِ والموصول عبارةٌ عن قارونَ وقومِه حيثُ قال إنما أوتيته على علم عندي وهم راضُون به {فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من متاعِ الدُّنيا ويجمعون منه
(7/259)

فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51)
{فأصابهم سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} جزاءُ سيِّئاتِ أعمالِهم أو أجزبة ما كسبُوا وتسميتها سيِّئاتٍ لأنَّها في مقابلة سيِّئاتِهم وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا {والذين ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلاَء} المشركين ومِن للبيان أو للتَّبعيضِ أي أفرطوا في الظُّلم والعُتوِّ {سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ} من الكُفر والمعاصي كا أصاب أولئك والسِّينُ للتَّأكيدِ وقد أصابهم أيَّ إصابةٍ حيثُ قحطوا سبعَ سنين وقُتل صناديدُهم يومَ بدرٍ {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} أي فائنين
(7/259)

أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
{أولم يَعْلَمُواْ} أي أقالُوا ذلك ولم يعلمُوا أو أَغفلُوا ولم يعلمُوا {أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء} أنْ يبسطَه له {وَيَقْدِرُ} لمن يشاء أن يقدرَه له من غيرِ أن يكون لأحدٍ مدخلٌ ما في ذلك حيثُ حبسَ عنهم الرِّزقَ سبعاً ثم بسطَه لهم سبعاً {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذكر {لاَيَاتٍ} دالَّةً على أنَّ الحوادثَ كافَّةً من الله عزَّ وجلَّ {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إذ هم المستدلُّون بها على مدلولاتها
(7/259)

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)
{قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ} أي أفرطُوا في الجنايةِ عليها بالإسرافِ في المعَاصي وإضافةُ العبادِ تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن الكريم {لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله} أي لا تيأسُوا من مغفرته أولاً ولا تفضُّلِه ثانياً {إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً} عفواً لمن يشاءُ ولو بعد حينٍ بتعذيب في الجملة وبغيره حسبما يشاء وتقييده بالتَّوبةِ خلاف الظَّاهرِ كيف لا وقوله تعالى إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ظاهرٌ في الإطلاقِ فيما عدا الشِّركَ وممَّا يدلُّ عليه التَّعليلُ بقوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم} على المبالغة وإفادةِ الحصرِ والوعد بالرَّحمةِ بعد المغفرة وتقديمُ ما يستدعي عمومَ المغفرة في عبادي من الدِّلالةِ على الذِّلَّةِ والاختصاص المقتضيينِ للتَّرحم وتخصيصُ ضررِ الإسرافِ بأنفسهم والنَّهيُ عن القُنوطِ مطلقاً عن الرَّحمةِ فضلاً عن المغفرة وإطلاقِها وتعليلهُ بأنَّ الله يغفرُ الذُّنوبَ ووضعُ الاسمِ الجليلِ موضعَ
(7/259)

الزمر 54 59 الضَّميرِ لدلالتهِ على أنَّه المستغنِي والمنعمُ على الإطلاقِ والتأكيد بالجميعِ وما رُوي من أسبابِ النُّزولِ الدَّالَّةِ على ورود الآيةِ فيمن تابَ لا يقتضِي اختصاصَ الحكم بهم ووجوبُ حملِ المطلقِ على المقيِّد في كلامِ واحدٍ مثل أكرمِ الفضلاء أكرمِ الكاملينَ غيرُ مسلَّمٍ فكيف فيما هو بمنزلةِ كلامٍ واحدٍ ولا يخلُّ بذلك الأمرُ بالتَّوبةِ والإخلاصِ في قوله تعالى
(7/260)

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)
{وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تنصرون} اذ ليسَ المدَّعَى أنَّ الآيةَ تدلُّ على حصولِ المغفرةِ لكل أحدٍ من غير توبةٍ وسبقِ تعذيبٍ لتُغنيَ عن الأمرِ بهما وتُنافي الوعيدَ بالعذابِ
(7/260)

وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)
{واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ} أي القرآنَ أو المأمورَ به دون المنهيِّ عنه أو العزائمَ دون الرُّخصِ أو النَّاسخَ دون المنسوخِ ولعلَّه ما هو أنجى وأسلم كالإنابةِ والمواظبةِ على الطَّاعةِ {من قبل أن يأتيكم العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} بمجيئِه لتتداركوا وتتأهَّبوا له
(7/260)

أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
{أَن تَقُولَ نَفْسٌ} أي كراهةَ أنْ تقولَ والتَّنكيرُ للَّتكثيرِ كما في قولِه تعالى عملت نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ فإنَّه مسلكٌ ربَّما يسلك عند إرادة التكثيرِ والتَّعميمِ وقد مرَّ تحقيقُه في مطلع سورة الحجر {يا حسرتى} بالألفِ بدلاً من ياءِ الإضافةِ وقُرىء يا حسرتَاه بهاء السَّكتِ وقفاً وقُرىء ياحسرتاي بالجمعِ بين العوضينِ وقُرىء ياحسرتي على الأصلِ أي احضُرِي فهذا او ان حُضورِك {على مَا فَرَّطَتُ} أي على تفريطي وتقصيرِي {فِى جَنبِ الله} أي جانبه وفي حقَّه وطاعتِه وعليهِ قولُ مَن قالَ ... أَمَا تتَّقينَ الله في جنبِ وامق ... لَه كَبدٌ حَرَّى وَعَينٌ ترقرقُ ...
وهو كنايةٌ فيها مبالغة وقيل في ذاتِ الله على تقديرِ مضافٍ كالطَّاعة وقيل في قُربِه من قوله تعالى والصاحب بالجنب وقُرىء في ذكرِ الله {وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين} أي المُستهزئين بدينِ الله تعالى وأهلِه ومحلُ الجملةِ النصبُ على الحالِ أي فرَّطتُ وأنا ساخرٌ
(7/260)

أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57)
{أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى} بالإرشاد إلى الحقِّ {لَكُنتُ مِنَ المتقين} الشِّركَ والمعاصيَ
(7/260)

أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)
{أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لو أن لي كَرَّةٌ} رجعةً إلى الدُّنيا {فَأَكُونَ مِنَ المحسنين} في العقيدةِ والعملِ وأو للدِّلالةِ على أنَّها لا تخلُو عن هذه الأقوالِ تحسُّراً وتحيُّراً وتعلُّلاً بما لا طائل تحته وقولُه تعالى
(7/260)

بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59)
{بلى قد جاءتك آياتي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين} ردُّ من الله تعالى عليه لما تضمَّنه قولُه لو أنَّ الله هداني من معنى النفي
(7/260)

الزمر 60 63 وفضله عنه لما أنَّ تقديمَه يفرقُ القرائنَ وتأخيرُ المردودِ يخلُّ بالتَّرتيب الوجوديِّ لأنَّه يتحسَّرُ بالتَّفريطِ ثم يتعلَّلُ بفقدِ الهدايةِ ثم يتمنَّى الرَّجعةَ وهو لا يمنعُ تأثيرَ قُدرةِ الله تعالى في فعلِ العبدِ ولا ما فيه من إسنادِ الفعلِ إليه كما عرفتَ وتذكيرُ الخطابِ باعتبار المَعنْى وقُرىء بالتَّأنيثِ
(7/261)

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60)
{وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله} بأنْ وصفُوه بما لا يليقُ بشأنِه كاتِّخاذ الولدِ {وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ} بما ينالهم من الشِّدَّةِ أو بما يتخيَّلُ عليها من ظُلمة الجهل والجملةُ حالٌ قد اكتفُي فيها بالضَّميرِ عن الواوِ على أنَّ الرُّؤيةَ بصريةٌ أو مفعولٌ ثانٍ لها على أنَّها عِرفانيةٌ {أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى} أي مقامٌ {لّلْمُتَكَبّرِينَ} عن الإيمانِ والطَّاعةِ وهو تقريرٌ لما قبلَهُ من رُؤيتهم كذلك
(7/261)

وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (61)
{وَيُنَجّى الله الذين اتقوا} الشِّركَ والمعاصيَ أي من جهنَّم وقُرىء يُنْجِي من الإنجاء {بِمَفَازَتِهِمْ} مصدرٌ ميميٌّ إما من فاز بالمطلوب أي ظفر به والباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ هو حالٌ من الموصول مفيدةٌ لمقارنة تنجيتهم من العذاب لنيلِ الثَّواب أي ينجَّيهم الله تعالى من مَثْوى المتكبِّرينَ ملتبسين بفوزِهم بمطلوبِهم الذي هو الجنَّةُ وقوله تعالى {لاَ يَمَسُّهُمُ السوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} إمَّا حالٌ أخرى منَ الموصولِ أو مِنْ ضميرِ مفازتِهم مفيدةٌ لكون نجاتِهم أو فوزِهم بالجنة غيرَ مسبوقةٍ بمساس العذاب والحزن وإمَّا من فازَ منه أي نجا منه والباء للملابسة وقوله تعالى لاَ يَمَسُّهُمُ إلى آخرِه تفسيرٌ وبيانٌ لمفازتِهم أي ينجَّيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتِهم الخاصَّةِ بهم أي بنفي السُّوءِ والحُزنِ عنهم أو للسَّببيةِ إما على حذفِ المضافِ أي ينجيِّهم بسبب مفازتهم التي هي تقواهم كما يُشعِرُ به إيرادُه في حيِّزِ الصلةِ وإمَّا على إطلاقِ المفازةِ على سببها الذي هو التَّقوى وليس المرادُ نفيَ دوام المساسِ والحزن بل دوامَ نفيهما كما مرَّ مراراً
(7/261)

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)
{الله خالق كُلّ شَىْء} من خيرٍ وشرَ وإيمان وكفر لكن لا بالجَبْرِ بل بمباشرة الكاسب لأسبابِها {وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ} يتولَّى التَّصرُّفَ فيه كيفما يشاء
(7/261)

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)
{له مقاليد السماوات والأرض} لا يملك أمرَها ولا يتمكَّن من التَّصرُّفَ فيها غيرُه وهو عبارة عن قُدرته تعالى وحفظِه لها وفيها مزيدُ دلالةٍ على الاستقلالِ والاستبداد لأنَّ الخزائن لا يدخُلها ولا يتصرَّفُ فيها إلا من بيده مفاتيحها وهو جميع مِقْليدٍ أو مِقلادٍ من قلدته اذا الزمته وقبل جمعُ إقليدٍ معرَّبُ كَلِيدٍ على الشُّذوذِ كالمذاكيرِ وعن عثمانُ رضيَ الله عنْهُ أنَّه سأل النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم عن المقاليد فقال صلى الله عليه وسلم تفسيرُها لا إلَه إلاَّ الله والله أكبرُ وسبحانَ الله وبحمدِه وأستغفرُ الله ولا حولَ ولا قوَّةَ إلاَّ بالله العليَّ العظيمِ هو الأوَّلُ والآخرُ والظَّاهرُ والباطن بيده الخير يحي ويُميتُ وَهُوَ على كُلّ شَىْء قديرٌ والمعنى على هذا أنَّ لله هذه الكلمات يُوحد بها ويُمجّد وهي مفاتيحُ خيرِ السَّمواتِ والأرضِ من تكلَّم بها اصابه {والذين كفروا بآيات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} متَّصلٌ بما قبله والمعنى أنَّ الله تعالى خالقٌ لجميع الاشياء
(7/261)

الزمر 64 67 ومتصرِّفٌ فيها كيفما يشاءُ بالاحياء والامانة بيده مقاليدُ العالم العلويِّ والسفلي والذين كفرُوا بآياته التكوينيةِ المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ والتَّنزيليةِ التي من جملتها هاتيك الآيات النَّاطقةُ بذلك هم الخاسرون خسرانا لاخسار وراءه هذا وقيل هو متَّصلٌ بقوله تعالى وينجِّي الله وما بينهما اعتراض فتدَّبر
(7/262)

قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64)
{قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون} أي أبعدَ مشاهدةِ هذه الآياتِ غيرَ الله أعبدُ وتأمروني اعتراضٌ للدِّلالةِ على أنَّهم أمرُوه به عَقيب ذلكَ وقالُوا استلمْ بعضَ آلهتِنا نؤمنُ بإلِهك لفرطِ غباوتِهم ويجوزُ أن ينتصبَ غيرُ بما يدلُّ عليه تأمروني أعبدُ لأنَّه بمعنى تعبِّدونني وتقولون أعبد على أنَّ أصلَه تأمرونني أنْ أعبدَ فحُذف أنْ ورُفعَ ما بعدَها كما في قولِه ... أَلاَ أيُهذَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الوغى ... وأنْ أشهدَ اللذاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلدِي ...
ويؤيِّدهُ قراءةُ أعبدَ بالنَّصبِ وقُرىء تأمرونني بإظهارِ النُّونينِ على الأصلِ وبحذفِ الثَّانيةِ
(7/262)

وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65)
{وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ} أي من الرُّسلِ عليهم السَّلامُ {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} كلامٌ واردٌ على طريقةِ الفرضِ لتهييجِ الرُّسلِ وإقناط الكفرةِ والإيذانِ بغايةِ شناعةِ الإشراكِ وقُبحهِ وكونِه بحيثُ ينهى عنه من لا يكادُ يمكن أنْ يباشرَه فكيف بمن عداهُ وإفرادُ الخطاب باعتبار كلِّ واحدٍ واللامُ الأولى موطئةٌ للقسمِ والأخريانِ للجوابِ وإطلاق الاحباطِ يحتملُ أنْ يكون من خصائصِهم عند الاشراك لأنَّ الإشراكَ منهم أشدُّ وأقبحُ وأن يكون مقيداً بالموتِ كما صُرِّح به في قوله تعالى من يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم وعطفُ الخسران عليه من عطفَ المسبَّب على السَّببِ
(7/262)

بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)
{بَلِ الله فاعبد} ردٌّ لما أمروه به ولولا دلالةُ التَّقديمِ على القصرِ لم يكن كذلك {وَكُنْ مّنَ الشاكرين} إنعامه عليك وفيه إشارة إلى ما يُوجب الاختصاصَ ويقتضيهِ
(7/262)

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
{وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ} ما قدرُوا عظمتَه تعالى في أنفسهم حقَّ عظمتِه حيثُ جعلُوا له شريكاً ووصفُوه بما لا يليق بشئونه الجليلةِ وقُرىء بالتَّشديدِ {والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ} تنبيهٌ على غاية عظمتِه وكمالِ قدرته وحفارة الأفعال العظامِ التي تتحيَّر فيها الأوهامِ بالنسبةِ إلى قُدرتِه تعالى ودلالةٌ على أنَّ تخريبَ العالم أهونُ شيءٍ عليه على طريقةِ التمثيل والنخييل من غير اعتبارِ القبضةِ واليمينِ حقيقةً ولا مجازاً كقولِهم شابتْ لُمَّةُ اللَّيلِ والقبضة المرة من القبض اطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار
(7/262)

الزمر 68 71 المقبوضُ بالكفِّ تسميةً بالمصدرِ أو بتقديرِ ذات قبضةٍ وقُرىء بالنَّصبِ على الظَّرفِ تشبيهاً للموقَّتِ بالمُبهمِ وتأكيدُ الأرضِ بالجميع لأنَّ المرادَ بها الأرَضَون السَّبعُ أو جميعُ أبعاضِها الباديةِ والغائرة وقُرىء مطوياتٍ على أنَّها حالٌ والسَّمواتُ معطوفةٌ على الأرضُ منظومةٌ في حُكمِها {سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ما أبعدَ وما أعلى مَنْ هذه قدرتُه وعظمتُه عن إشراكِهم أو عمَّا يُشركونه من الشُّركاءِ
(7/263)

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)
{وَنُفِخَ فِى الصور} هيَ النَّفخةُ الأولى {فَصَعِقَ مَن في السماوات وَمَن فِى الأرض} أي خروا امواتا ومغشيا عليهم {إِلاَّ مَن شَاء الله} قيل هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ فإنَّهم لا يموتُون بعد وقيل حَمَلةُ العرشِ {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى} نفخةٌ أخرى هي النَّفخةُ الثَّانيةُ وأُخرى يحتملُ النَّصبَ والرَّفعَ {فَإِذَا هُمْ قيام} قائمون من قبورهم أو متوقفون وقُرىء بالنَّصبِ على أنَّ الخبرَ {يُنظَرُونَ} وهو حالٌ من ضميرِه والمعنى يُقلِّبون أبصارَهم في الجوانبِ كالمبهوتينَ أو ينتظرون ما يفعل بهم
(7/263)

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)
{وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا} بما أقام فيها من العدلِ استُعير له النُّورُ لأنَّه يزيِّنُ البقاعَ ويُظهر الحقوقَ كما يسمَّى الظُّلم ظُلمةً وفي الحديثِ الظُّلم ظلماتٌ يومَ القيامةِ ولذلك أضيف الأسمُ الجليلُ إلى ضميرِ الأرضُ أو بنور خلقه فيها بلا توسُّطِ أجسامٍ مضيئةٍ ولذلك أُضيف إلى الاسمِ الجليلِ {وَوُضِعَ الكتاب} الحسابُ والجزاءُ من وضع المحاسبِ كتابَ المحاسبةِ بين يديه أو صحائفُ الأعمال في أيدي العمَّالِ واكتفى باسم الجنسِ عن الجمعِ وقيل اللَّوحُ المحفوظُ يقابل به الصَّحائفُ {وَجِىء بالنبيين والشهداء} للأممِ وعليهم من الملائكةِ والمؤمنينَ وقيل المُستشَهدون {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} بين العباد {بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابٍ أو زيادةِ عقابٍ على ما جرى به الوعدُ
(7/263)

وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)
{وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي جزاءَه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} فلا يفوتُه شيءٌ من أفعالِهم وقولُه تعالى
(7/263)

وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71)
{وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً} الخ تفصيلٌ للتوفية وبيان لكيفيتها أي سِيقُوا إليها بالعُنفِ والإهانةِ أفواجاً متفرقةً بعضُها في إثرِ بعضٍ مترتِّبةً حسب ترتُّبِ طبقاتهم في الضَّلالةِ والشِّرارةِ والزُّمَر جمعُ زُمْرةٍ واشتقاقها من الزَّمرِ وهو
(7/263)

الزمر 72 75 الصَّوتُ إذِ الجماعةُ لا تخلُو عنه {حتى إِذَا جاؤوها فُتِحَتْ أبوابها} ليدخلُوها وحتَّى هي التي تُحكى بعدها الجملةُ وقرىء بالتَّشديدِ {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} تقريعاً وتوبيخاً {ألم يأتكم رسل منكم} من جنسِكم وقُرىء نُذُر منكم {يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا} أيْ وقتِكم هذا وهو وقتُ دخولِهم النَّارَ وفيه دليلٌ على أنَّه لا تكليفَ قبل الشِّرعِ من حيثُ أنَّهم علَّلوا توبيخَهم بإتيان الرُّسلِ وتبليغَ الكُتبِ {قَالُواْ بلى} قد أنونا وأندرونا {ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين} حيثُ قال الله تعالى لإبليسَ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ وقد كنَّا ممن اتبعه وكذَّبنا الرُّسلَ وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله من شئ إن أنتم إلا تكذبون
(7/264)

قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)
{قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا} أي مقدَّراً خلودُكم فيها وإبهامُ القائلِ لتهويلِ المَقُولِ {فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} اللامُ للجنسِ والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ ثقةً بذكرِه آنِفا أي فبئسَ مثواهُم جهنَّمُ ولا يقدُح ما فيه من الإشعار بأن كونَ مثواهُم جهنَّمَ لتكبُّرِهم عن الحقِّ في أنَّ دخولَهم النَّارَ لسبق كلمةِ العذابِ عليهم فإنَّها إنَّما حُقَّتْ عليهم بناءَّ على تكبُّرِهم وكُفرِهم وقد مرَّ تحقيقُه في سُورة الم السَّجدةِ
(7/264)

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)
{وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة} مساقَ إعزازٍ وتشريفٍ للإسراعِ بهم إلى دار الكرامةِ وقيل سِيق مراكبُهم إذْ لا يُذهبُ بهم إلا راكبينَ {زُمَراً} متفاوتينَ حسب تفاوتٍ مراتبِهم في الفضلِ وعلوِّ الطَّبقةِ {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} وقرئ بالتَّشديدِ وجوابُ إذا محذوفٌ للإيذانِ بأن لهم حينئذٍ من فُنون الكراماتِ ما لا يَحدِقُ به نطاقُ العباراتِ كأنَّه قيل حتَّى إذا جاءوها وقد فُتحِتْ أبوابُها {وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ} من جميعِ المكارِه والآلام {طِبْتُمْ} طهرتم من دَنَس المعاصي أو طبتُم نَفْساً بما أُتيح لكُم من النَّعيمِ {فادخلوها خالدين} كان ما كان مَّما يقصر عنه البيانُ
(7/264)

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74)
{وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ} بالبعث والثَّوابِ {وَأَوْرَثَنَا الأرض} يريدونَ المكانَ الذي استقرُّوا فيه على الاستعارةِ وإيراثُها تمليكُها مخلَّفة عليهم من أعمالِهم أو تمكينُهم من التَّصرُّفِ فيها تمكينَ الوارثِ فيما يَرثُه {نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نشاء} أي نتبوأ كلُّ واحدٍ مَّنا في أي مكانٍ أرادُه من جنَّتهِ الواسعة على أنَّ فيها مقاماتٍ معنويةً لا يتمانع واردوها {فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين} الجنَّةُ
(7/264)

وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)
{وَتَرَى الملائكة حَافّينَ} مْحدقين {مِنْ حَوْلِ العرش} أي حوله
(7/264)

سورة غافر
سورة غافر 1 3 ومِن مزيدةٌ أو لابتداءِ الحفوفِ {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} أي ينزهونَه تعالى عَّما لا يليق به متلبسين بحمدِه والجملة حالٌ ثانيةٌ أو مقيَّدةٌ للأُولى والمعنى ذاكرين له تعالى بوصفى جلالِه وإكرامِه تلذُّذاً به وفيه إشعارٌ بأنَّ أقصى درجاتِ العلِّيينَ وأعلى لذائذِهم هو الاستغراق في شئونه عزَّ وجلَّ {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق} أي بين الخلقِ بإدخال بعضِهم النَّارَ وبعضهم الجَّنةَ أو بين الملائكةِ بإقامتِهم في منازلِهم على حسبِ تفاضُلِهم {وَقِيلَ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين} أي على ما قَضَي بيننا بالحق وأنزل كلامنا منزلتَه التي هي حقُّه والقائلون هم المؤمنون ممَّن قُضىَ بينهم أو الملائكةُ وطى ذكرهم لتعينهم وتعظيمهم عنِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم مَن قرأَ سُورة الزُّمَر لم يقطعِ الله تعالى رجاءَهُ يومَ القيامةِ وأعطاهُ ثوابَ الخائفينَ وعن عائشةَ رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يقرأُ كلَّ ليلةٍ بنى إسرائيل والزمر
سورة غافر مكية وآياتها خمس وثمانون آية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(7/265)

حم (1)
{حم} بتفخيمِ الألفِ وتسكينِ الميم وقرئ بإِمالةِ الألفِ وبإخراجِها بينَ بينَ وبفتحِ الميمِ لالتقاءِ الساكنينِ أو نصبِها بإضمارِ اقرأْ وَنَحوِهِ ومنعُ الصرفِ للتعريف وكونِها على زنةِ قابيلَ وهابيلَ وبقيةُ الكلامِ فيهِ وفي قولِه تعالى
(7/265)

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2)
{تَنزِيلُ الكتاب} كالذي سَلَفَ في آلم السجدةِ وقولُه تعالى {مِنَ الله العزيز العليم} كما في مَطْلعِ سُورةِ الزُّمَرِ في الوجوه كُلِّها ووجْهُ التعرضِ لنعتَي العزةِ والعلم ما ذُكرَ هناك
(7/265)

غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)
{غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول} إِمَّا صفاتٌ أُخَرُ لتحقيق ما فيها منَ الترغيبِ والترهيبِ والحثِّ على ما هو المقصودُ والإضافةُ فيها حقيقيةٌ على أنَّه لمْ يُرَدْ بها زمانٌ مخصوصٌ وأريدَ بشديدِ العقابِ مشدِّدُه أو الشديدُ عقابُهُ بحذف اللامِ للازدواجِ وأمنِ الالتباسِ أوْ إبدالٍ وجعلُهُ وحْدَه بدلاً كما فعَلُه الزجَّاجُ مشوشٌ للنظمِ وتوسيطُ الواو بينَ الأوليَّنِ لإفادةِ الجمعِ بينَ محوِ الذنوبِ وقبول التوبةِ أو تغايرِ الوصفينِ إذْ رُبَّما يتوهمُ الاتحادُ أو تغايرُ موقعِ الفعلينِ لأنَّ الغفرَ هو السترُ معَ بقاءِ الذنبِ وذلكَ لمن لَمْ يتُبْ فإنَّ التائبَ منَ الذنبِ كمنْ لا ذنبَ لَهُ والتوبُ مصدرٌ كالتوبةِ وقيل هُوَ جَمعُها والطَّولُ الفضلُ بترك العقابِ المستَحقِ وفي توحيد صفةِ العذابِ مغمورةً بصفاتِ الرحمة دليل سبقها
(7/265)

غافر 4 6 ورجحا بها {لا إله إلا هو} فيجبُ الإقبالُ الكُلِّي عَلى طاعتِهِ في أوامرِهِ ونواهيهِ {إِلَيْهِ المصير} فحسبُ لا إلى غيرِهِ لا استقلالاً ولا اشتراكاً فيجزى كلاًّ من المطيعِ والعاصِي
(7/266)

مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4)
{ما يجادل في آيات الله} أي بالطعنِ فيَها واستعمالِ المقدماتِ الباطلةِ لإدحاضِ الحقِّ كقولِه تَعَالى وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق {إِلاَّ الذين كَفَرُواْ} بَها وأمَّا الذينَ آمنُوا فلا يخطرُ ببالهم شائبةُ شبهةٍ منها فضلاً عن الطعنِ فيها وأما الجدالُ فيها لحلِّ مشكلاتها وكشفِ معضلاتها واستنباطِ حقائقِها الكلية وتوضيحٍ مناهجِ الحقِّ في مضايقِ الأفهامِ ومزالقِ الأقدامِ وإبطالِ شبهِ أهلِ الزيغِ والضلالِ فمنْ أعظمِ الطاعاتِ ولذلكَ قال صلى الله عليه وسلم إنَّ جدالاً في القرآنِ كفرٌ بالتنكيرِ للفرقِ بينَ جدالٍ وجدالٍ والفاءُ فِي قولِهِ تَعَالَى {فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى البلاد} لترتيبِ النَّهي أوْ وجوبِ الانتهاءِ على ما قبلَها من التسجيلِ عليهمْ بالكُفرِ الذي لا شئ أمقت منْهُ عندَ الله تعالىَ وَلاَ أجلبُ لخُسرانِ الدُّنيا وَالآخرةِ فإنَّ منْ تحقق ذلك لا يكاد يَغترُّ بمَا لهُم من حظوظ الدنيا وزخارفها فإنَّهم مأخوذونَ عَمَّا قليلٍ أخْذَ مِن قَبْلِهِم منَ الأممِ حسبَما ينطِق بِه قولُه تَعَالَى
(7/266)

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5)
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والاحزاب مِن بَعْدِهِمْ} أي الذينَ تحزبُوا على الرسلِ وناصبوهم بعدَ قومِ نوحٍ مثلُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم {وَهَمَّتْ كلَّ أمةٍ} مِنْ تلكَ الأممِ العاتيةِ {بِرَسُولِهِمْ} وقرئ برسولِها {لِيَأْخُذُوهُ} ليتمكنُوا منْهُ فيصيبوا بهِ مَا أرادُوا منِ تعذيبٍ أو قتلٍ منَ الأخذِ بمَعْنى الأَسْرِ {وجادلوا بالباطل} الذي لاَ أصلَ وَلاَ حقيقةَ لهُ أصلاً {لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق} الذي لا محيد عنه كما فعل هؤلاء {فَأَخَذَتْهُمُ} بسببِ ذلك أخذَ عَزيزٍ مُقتدرٍ {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} الذي عاقبتُهمْ بهِ فإنَّ آثارَ دمارِهم عبرةٌ للناظرينَ ولآخذنَّ هؤلاءِ أيْضاً لاتحادِهم فِي الطريقةِ واشتراكِهم في الجريرة كما ينبئ عنْهُ قولُه تعالَى
(7/266)

وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6)
{وكذلك حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ} أَيْ كَما وجبَ وثبتَ حكمُه تَعَالى وقضاؤُهُ بالتعذيبِ عَلى أولئكَ الأممِ المكذبةِ المُتحزبةِ عَلى رُسلِهم المجادلةِ بالباطلِ لإدحاضِ الحقِّ بهِ وجبَ أَيْضاً {عَلَى الذين كَفَرُواْ} أيْ كفرُوا بكَ وتحزبُوا عليكَ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ كما ينبئ عنْهُ إضافةُ اسمِ الربِّ إلى ضميره صلى الله عليه وسلم فإنَّ ذلكَ للإشعارِ بأنَّ وجوبَ كلمةِ العذابِ عليهمْ مِنْ أحكامِ تربيتِهِ التي من جملتها نصرته صلى الله عليه وسلم وتعذيبُ أعدائِهِ وذلكَ إنَّما يتحققُ بكونِ الموصولِ عبارةً عن كفارِ قومِهِ لاَ عنِ الأممِ المهلكةِ وَقولُه تعالَى {أَنَّهُمْ أصحاب النار} فِي حَيِّزِ النصبِ بحذفِ لام التعليلِ أيْ لأنهُمْ مستحقَّو أشدِّ العُقوباتِ وأفظعِها التي هيَ عذابُ النارِ وَملازمُوهَا أبداً لكونهمْ كُفَّاراً معاندينَ متحزبينَ عَلى الرسولِ صلى الله عليه وسلم كدأبِ مِن قَبْلِهِم منَ الأممِ المهلكةِ فهُم لسائرِ فنونِ العقوباتِ أشدُّ استحقاقاً وأحقُّ استيجاباً وقيلَ هو في محلِ الرفعِ على أنَّه بدل من كلمة ربك والمعنى مثل ذلك
(7/266)

غافر 7 الوجوب وجب على الكفرةِ المهلكةِ كونُهم من أصحابِ النارِ أي كما وجبَ إهلاكُهم في الدُّنيا بعذابِ الاستئصال كذلك وجب تعذيبهم بعذابِ النَّارِ في الآخرةِ وَمحلُّ الكافِ عَلى التقديرينِ النصب على أنه نعت لمصدرٍ محذوفٍ
(7/267)

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)
{الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ} وَهُم أعلى طبقاتِ الملائكةِ عليهم السلامُ وأولُهم وجُوداً وحملهم إيَّاهُ وحفيفُهم حولَهُ مجازٌ عن حفظِهم وتدبيرِهم له وكنايةٌ عن زُلفاهُم منْ ذِي العرشِ جَلَّ جَلالُه ومكانتِهم عِنْدُه ومحل الموصول الرفع عل الابتداءِ خبرُه {يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ ربهم} والجملة استئنافٌ مَسوقٌ لتسليةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببيانِ أنَّ أشرافَ الملائكةِ عليهمُ السلامُ مثابروِنَ عَلَى ولايةِ مَنْ معهُ منَ المُؤمنينَ ونُصْرتِهم واستدعاءِ مَا يُسعِدُهم في الدارينِ أيْ ينزهونهُ تعالى عن كُلِّ ما لا يليقُ بشأنه الجليلِ ملتبسينَ بحمدِهِ عَلى نعمائِه التي لاَ تتناهَى {ويؤمنون به} إيمانا حقيقا بحالِهم والتصريحُ بهِ مع الغنِىَ عن ذِكْرِهِ رَأْساً لإظهارِ فضيلةِ الإيمانِ وإبرازِ شرفِ أهلِه والإشعارِ بعلةِ دُعَائهم للمؤمنينَ حسبما ينطِق بهِ قولُه تَعالى {وَيَسْتَغْفِرُونَ للذين آمنوا} فَإِنَّ المشاركةَ في الإيمانِ أقْوَى المناسباتِ وأتمُّها وأدعى الدَّواعِي إِلى النصحِ والشفقةِ وفي نظمِ استغفارهم لهم في سلكِ وظائِفهم المفروضةِ عليهم منْ تسبيحهم وتحميدِهم وإيمانهم إيذانٌ بكمالِ اعتنائِهم بهِ وإِشعارٌ بوقوعِهِ عندَ الله تعالى فِي مَوقعِ القَبولِ رُوي أنَّ حملةَ العرشِ أرجلُهم في الأَرْضِ السفلى ورءوسهم قدْ خرقتِ العرشَ وهم خشوعٌ لا يرفعونَ طَرفهم وعن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم لا تتفكروا في عِظَمِ ربكم ولكنْ تفكروا فيمَا خلقَ الله من الملائكةِ فإنَّ خلقاً من الملائكةِ يقالُ لهُ إسرافيلُ زاويةٌ منْ زَوَايا العرشِ عَلى كاهلِهِ وقدماهُ في الأرضِ السُّفْلى وَقَدُ مرقَ رأسُهُ منْ سبعِ سمواتٍ وإنَّه ليتضاءلُ منْ عظمةِ الله حتَّى يصيرَ كأنُه الوصعُ وَفِي الحديثِ إِنَّ الله أمرَ جميعَ الملائكةِ أَنْ يغدُوا ويروحُوا بالسلامِ عَلى حملةِ العرشِ تفضيلاً لهم عَلى سائِرهم وقيل خلقَ الله تعالى العرشَ من جوهرةٍ خضراءَ وبينَ القائمتينِ من قوائمِهِ خفقان الطيرِ المسرع ثمانين ألف عامٍ وقيل حولَ العرشِ سبعونَ ألفَ صفٍ منَ الملائكةِ يطوفونَ به مهللينَ مكبرينَ ومن ورائهم سبعونَ ألفَ صفٍ قيامٌ قد وضعُوا أيديَهُم عَلى عواتقِهم رافعينَ أصواتَهُم بالتهليلِ والتكبيرِ ومنْ ورائِهم مائةُ ألفِ صفٍ قدْ وضعُوا أيمانَهُم عَلى الشمائلِ ما منهمْ أحدٌ إلا وهو يسبحُ بما لا يسبحُ بهِ الآخرُ {رَبَّنَا} عَلى إرادةِ القولِ أيْ يقولونَ ربَّنا عَلى أنَّه إمّا بيانٌ لاستغفارِهم أوْ حالٌ {وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً} أيْ وَسِعتْ رحمتُكَ وعلمُكَ فأزيلَ عنْ أصلِه للإغراقِ في وصفهِ تعالَى بالرحمةِ والعلمِ والمبالغةِ في عمومهمَا وتقديمُ الرحمةِ لأنَّها المقصودةُ بالذات ههنا والفاء في قوله تعالى {فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سبيلك} أي للذين علمت منهم التوبةَ واتباعَ سبيلِ الحقِّ لترتيبِ الدعاءِ عَلَى ما قبلها مِنْ سعةِ الرحمةِ والعلمِ {وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم} وَاحفظْهُم عنْهُ وهُوَ تصريحٌ بعدَ إِشعارٍ للتأكيدِ
(7/267)

غافر
(7/268)

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8)
8 - 10 {رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ} عطفٌ عَلى قِهِمْ وتوسيطُ النداءِ بينَهما للمبالغة في الجؤارِ {جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ} أيْ وعَدَتهم إياها وقرئ جَنَّةَ عَدْنٍ {وَمَنْ صَلَحَ من آبائهم وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ} أيْ صلاحاً مصحَّحاً لدخولِ الجنةِ في الجملةِ وإنْ كانَ دونَ صلاحِ أصولِهم وهُوَ عطفٌ على الضميرِ الأولِ أيْ وأدخلها معهم هؤلاء ليتم سرورهم ويتصاعف ابتهاجُهم أوْ عَلى الثانِي لكنْ لا بناءً عَلى الوعدِ العام للكلِّ كما قيلَ إذْ لا يقي حينئذ للعطف وجه بل بناء على الوعد الخاصِّ بهمْ بقولِه تعالَى أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ بأنْ يكونُوا أعلى درجةً منْ ذريتِهم قالَ سعيدُ بنُ جُبيرٍ يدخلُ المؤمنُ الجنةَ فيقولُ أينَ أبي أينَ ولدي أينَ زَوْجي فيقالُ إِنَّهم لمْ يعملُوا مثلَ عملكَ فيقولُ إني كنتُ أعملُ لي ولهُم فيقالُ أَدخلوهم الجنةَ وسبقُ الوعدِ بالإدخالِ والإلحاقِ لاَ يستدعي حصولَ الموعودِ بلا توسطِ شفاعةٍ واستغفارٍ وعليهِ مَبْنى قولِ منْ قالَ فائدةُ الاستغفارِ زيادةُ الكرامةِ والثوابِ والأولُ هو الأَولى لأنَّ الدعاءَ بالإدخالِ فيه صريحٌ وفي الثاني ضمنى وقرئ صَلُح بالضَّمِ وذرّيتِهمُ بالإفرادِ {إِنَّكَ أَنتَ العزيز} أي الغالبُ الذَّي لاَ يمتنعُ عليه مَقْدورٌ {الحكيم} أي الذي لا يفعلُ إلا ما تقتضيهِ الحكمةُ الباهرةُ من الأمور التي من جُمْلتها إنجازُ الوعدِ فالجملةُ تعليلٌ لما قَبْلها
(7/268)

وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
{وَقِهِمُ السيئات} أي العقوباتِ لأَنَّ جزاءَ السيئةِ سيئةٌ مثلُهَا أو جزاءَ السيئاتِ عَلَى حذْفِ المُضافِ وَهُوَ تعميمٌ بعدَ تخصيصٍ أوْ مخصوصٌ بالأتْباعِ أو المعاصي في الدُّنيا فمعنى قولِه تعالَى {وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ} ومن تقه المعاصي في الدنيا فقد رحمته فِي الآخرةِ كأنَّهم طلَبوا لهُمْ السببَ بعدَ مَا سألُوا المُسبَّبَ {وَذَلِكَ} إشارةٌ إلى الرحمةِ المفهومةِ من رَحْمتَه أوْ إليَها وإِلى الوقايةِ وَمَا فيه من معنى البُعد لما مر مرارا من الإشعارِ ببُعْدِ درجةِ المُشارِ إليهِ {هُوَ الفوز العظيم} الذِي لاَ مطمعَ وَرَاءَهُ لطامعٍ
(7/268)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ} شروعٌ في بيانِ أحوالِ الكفرة بعد دخول النَّارَ بعدَ ما بينَ فيما سبقَ أنهُمْ أصحابُ النارِ {يُنَادَوْنَ} أيْ مِنْ مكانٍ بعيدٍ وهُمْ في النارِ وقَدْ مقتُوا أنفسَهُم الأمَّارةَ بالسُّوءِ التي وقعُوا فيمَا وقعُوا باتباعِ هَوَاهَا أوْ مقَتَ بعضُهم بعضاً من الأحبابِ كقولِه تَعَالَى يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أيْ أبغضوهَا أشدَّ البغضِ وَأنكروهَا أبلغَ الإنكارِ وَأظهرُوا ذلكَ على رءوس الأشهادِ فيقالُ لهم عندَ ذلكَ {لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ} أيْ لمقتُ الله أنفسَكُم الأمَّارةَ بالسوءِ أوُ مقتُه إِيَّاكم في الدُّنيا {إِذْ تَدْعُونَ} منْ جهةِ الأنبياءِ {إِلَى الإيمان} فتأبَوْنَ قَبولَهُ {فَتَكْفُرُونَ} اتّباعاً لأنفسكمْ الأمَّارةِ ومسارعةً إِلى هَوَاها أوِ اقتداءً بِأَخِلاَّئِكُم المضلينَ واستحباباً لآرائِهم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة أوْ مِنْ مقتِ بعضِكم بعضا
(7/268)

غافر 11 12 اليوم فإذا ظرفٌ للمقتِ الأولِ وإنْ توسطَ بينَهما الخبرُ لما فِي الظروفِ من الاتساعِ وقيل لمصدرٍ آخرَ مقدرٍ أيْ مقتُه إيَّاكم إذْ تدعونَ وقيلَ مفعولٌ لأذكرُوا والأولُ هو الوجْه وقيلَ كلا المقتينِ في الآخرةِ وإذْ تدعَونَ تعليلٌ لَما بينَ الظرفِ والسببِ منْ علاقةِ اللزومِ والمعنى لمقتُ الله إِيَّاكم الآنَ أكبرُ منْ مقتكم أنفسَكم لمَّا كنتمُ تُدعَونَ إِلى الإيمانِ فتكفرونَ وتخصيصُ هَذَا الوجهِ بصورةِ كونِ المرادِ بأنفسِهم أضرابَهُم مما لاَ دَاعيَ إليهِ
(7/269)

قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11)
{قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين} صفتانِ لمصدرَيْ الفعلينِ المذكورينِ أيْ إماتتينِ وإحياءتينِ أوْ موتتينِ وحياتينِ عَلى أنَّهما مصدرانِ لهما أيضا بحذف الزوائد ولفعلين يدلُّ عليهما المذكوران فإنَّ الإماتة والإحياء ينبثان عن الموتِ والحياةِ حَتْماً كأنَّه قيلَ أمتنَا فمُتنَا موتتينِ اثنتينِ وأحييتَنا فحِييَنا حياتينِ اثنتينِ على طريقةِ قولِ مَنْ قالَ ... وعضّةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تَدَع ... مِنَ المالِ إلا مُسْحَتٌ أو مُجلّفُ ...
أيْ لَم تدعَ فلمْ يبْقَ إلا مسحتٌ الخ قيل أرادوا بالامانة الأُولى خلْقَهُم أمواتاً وبالثانيةِ إماتتَهُم عندَ انقضاءِ آجالِهم على أنَّ الإماتةَ جعلُ الشئ عادمَ الحياةِ أعمُّ منْ أنْ يكونَ بإنشائِه كذلكَ كما في قولِهم سُبحان مَنْ صغر البعوضَ وكبَّر الفيلَ أو بجعلهِ كذلكَ بعدَ الحياةِ وبالإحياءينِ الإحياءَ الأولَ وإحياءَ البعثِ وقيل أرادُوا بالإماتةِ الأُولى ما بعدَ حياةِ الدُّنيا وبالثانيةِ ما بعدَ حياةِ القبرِ وبالإحياءينِ ما في القبرِ وما عند البعت وهو الأنسبُ بحالِهم وأما حديثُ لزومِ الزيادةِ على النصِّ ضرورةَ تحققِ حياةِ الدُّنيا فمدفوعٌ لكنْ لا بما قيلَ من عدم اعتدادهم بها لزوالها وانقضائهاوانقطاع آثارِها وأحكامِها بل بأنَّ مقصودَهُم إحداثُ الاعترافِ بما كانوا ينكرونه في الدنيا كما ينطِقُ به قولُهم {فاعترفنا بِذُنُوبِنَا} والتزامُ العملِ بموجب ذلك الاعترافِ ليتوسلُوا بذلكَ إلى ما علقوا به أطماعَهم الفارغةَ من الرجْعِ إلى الدُّنيا كما قد صرَّحوا بهِ حيثُ قالوا فارجعنا نَعْمَلْ صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ وَهُو الذي أرادُوه بقولِهم {فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ} معَ نوعِ استبعادٍ لهُ واستشعارِ يأسٍ منْهُ لاَ أنَّهم قالوه بطريقِ القنوطِ البحتِ كما قيلِ ولا ريبَ في أنَّ الذي كانَ يُنكرونَهُ ويُفرِّعون عليهِ فنونَ الكفرِ والمعاصِي ليسَ إلا الإحياءَ بعدَ الموتِ وأمَّا الإحياءُ الأولُ فلم يكونُوا يُنكرونَه لينظِمُوه في سلكِ ما اعترفُوا بهِ وزعمُوا أنَّ الاعترافَ يُجديهُم نفعاً وإنما ذكرُوا الموتَةَ الأُولى معَ كونِهم معترفينَ بَها في الدُّنيا لتوقف حياةِ القبرِ عليهَا وكَذا حالُ الموتةِ في القبرِ فإنَّ مقصدَهُم الأصليَّ هوَ الاعترافُ بالإحياءينِ وإنَّما ذكرُوا الإماتتينِ لترتيبهِما عليهِما ذكراً حسبَ ترتيبهما عليهِما وجُوداً وتنكيرُ سبيلٍ للإبهامِ أيْ منْ سبيلٍ مَا كيفَما كانَ وقولُه تعاَلى
(7/269)

ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)
{ذلكم} الخ جوابٌ لَهُم باستحالةِ حصولِ مَا يرجُونه ببيانِ ما يوجبُها مِن أعمالِهم السيئةِ أيْ ذلكم الذي أنتمُ فيهِ منَ العذابِ مُطلقاٍ لا مقيداً بالخلودِ كَما قيلَ {بِأَنَّهُ} أيْ بسببِ أنَّ الشأنَ {إِذَا دُعِىَ الله} فِي الدُّنيا أيْ عُبدَ {وَحْدَهُ} أيْ مُنْفَرِداً {كَفَرْتُمْ} أيْ بتوحيدِهِ {وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ}
(7/269)

أيْ بالإشراكِ به وتسارعوا فيه وفي إيرادِ إذَا وصيغةِ الماضِي في الشرطيةِ الأُولى وإنْ وصيغةِ المضارعِ في الثانية مالا يَخفْى من الدلالةِ على كمالِ سوءِ حالِهم وحيثُ كان حالُكم كذلكَ {فالحكم للَّهِ} الذي لاَ يحكُم إلا بالحقِّ ولاَ يقضِي إلا بما تقتضيه الحكمةُ {العلى الكبير} الذي ليسَ كمثلِه شيءٌ في ذاتِه ولا في صفاتِه ولا في أفعالِه يفعلُ مَا يشاءُ ويحكُم ما يريدُ لا معقِّبَ لحكمهِ وقد حكمَ بأنَّه لا مغفرةَ للمشركِ ولا نهايةَ لعقوبتِه كَما لا نهايةَ لشناعتِه فلا سبيل لكُم إلى الخروجِ أَبداً
(7/270)

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)
{هو الذي يريكم آياته} الدالة على شئونه العظيمةِ الموجبةِ لتفرده بالألوهيةِ لتستدلوا بها على ذلك وتعملوا بموجبِهَا فتوحِّدوه تعالَى وتخُصُّوه بالعبادةِ {وَيُنَزّلُ} بالتشديدِ وقُرىءَ بالتخفيفِ منَ الإنزالِ {لَكُم مّنَ السماء رِزْقاً} أيْ سببَ رزقٍ وهو المطرُ وإفرادُه بالذكرِ مع كونِه من جملةِ الآياتِ الدالةَ عَلى كمالِ قدرتِه تعالى لنفرده بعنوانِ كونِه من آثارِ رحمتِه وجلائلِ نعمتِه الموجبةِ للشكرِ وصيغةُ المضارعِ في الفعلين الدلالة على تجددِ الإراءةِ والتنزيلِ واستمرارِهِما وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعول لما مر غيرَ مرةٍ {وَمَا يَتَذَكَّرُ} بتلكَ الآياتِ الباهرةِ ولا يَعملُ بمقتضَاهَا {إِلاَّ مَن يُنِيبُ} إلى الله تَعَالى ويتفكرُ فيما أودَعهُ في تضاعيفِ مصنوعاتِهِ من شواهدِ قدرتِه الكاملةِ ونعمتِه الشاملةِ الموجبةِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ تَعالَى ومن ليسَ كذلكَ فهُو بمعزلٍ منَ التذكرِ والاتعاظِ
(7/270)

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)
{فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} أيْ إِذا كانَ الأمر كما ذكر من اختصاصِ التذكرِ بمنْ ينيبُ فاعبدُوه أيُّها المؤمنونَ مخلصينَ له دينَكُم بموجبَ إنابتِكم إليهِ تعالَى وإيمانِكم به {وَلَوْ كَرِهَ الكافرون} ذلكَ وغاظَهُم إخلاصُكم
(7/270)

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)
{رَفِيعُ الدرجات} نحوُ بديعِ السمواتِ عَلى أنه صفةٌ مشبّهةٌ أضيفتْ إلى فاعِلها بعدَ النقلِ إلى فعُل بالضمِّ كما هُوَ المشهورُ وتفسيرُه بالرافعِ ليكونَ منْ إضافِه اسمِ الفاعلِ إلى المفعولِ بعيدٌ في الاستعمالِ أيْ رفيعُ درجاتِ ملائكتِه أي معارجِهم ومصاعدِهم إلى العرشِ {ذُو العرش} أيْ مالكُه وهُمَا خبرانِ آخرانِ لقولِه تعالى هوَ أخبرَ عنْهُ بهما إيذاناً بعلوِّ شأنِه تَعَالى وعظمِ سُلطانِه الموجبَيْنِ لتخصيصِ العبادةِ بهِ وإخلاصِ الدينِ لهُ إمَّا بطريقِ الاستشهادِ بهمَا عليهَما فإنَّ ارتفاعَ معارجَ ملائكتِه إلى العرشِ وكونَ العرشِ العظيمِ المحيطِ بأكنافِ العالمِ العلويِّ والسفليِّ تحتَ ملكوتِه وقبضةِ قدرتِه مما يقضِي بكونِ علوِّ شأنِه وعظمِ سلطانه في لا غايةَ وراءها وإما بجعلَهما عبارةً عنهما بطريقِ المجازِ المتفرعِ على الكنايةِ كالاستواءِ على العرشِ وتمهيداً لما يعقُبهما من قولِه تعالى {يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ} فإنَّه خبرٌ آخرُ لمَا ذكرَ منبىءٌ عن إنزالِ الرزقِ الرُّوحانِيِّ الذي هُو الوحيُ بعدَ بيانِ إنزالِ الرزقِ الجُسمانيِّ الذي هُو المطرُ أي ينزلُ الوحيَ الجاريَ من القلوبِ منزلةَ الروحِ منَ الأجسادِ وقوله
(7/270)

غافر 16 17 تعالَى مِنْ أَمْرِهِ بيانٌ للروحِ الذي أريدَ بهِ الوحيُ فإنَّه أمرٌ بالخيرِ أو حال منه أي حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منْ أمرِهِ أو صفةٌ له على رأي من يجوِّز حذفَ الموصول مع بعضِ صلتِه أي الروحَ الكائنَ منْ أمرهِ أو متعلق بباقي ومِنْ للسببيةِ كالباءِ مثلُ ما في قوله تعالى مّمَّا خطيئاتهم أي يُلقِي الوحيَ بسببِ أمرهِ {على مَن يَشَاء مِنْ عباده} وهوَ الذي اصطفاهُ لرسالتِه وتبليغِ أحكامِه إليهمْ {لّيُنذِرَ} أي الله تعالَى أو الملقى عليه أو الروح وقرىء لتنذر على أن الفاعل هو الرسول صلى الله عليه وسلم أو الرُّوحُ لأنَّها قد تؤنث {يَوْمَ التلاق} إما ظرفٌ للمفعولِ الثانِي أي لينذر الناس العذاب يوم التلاقِ وهو يومُ القيامةِ لأنَّه يتلاقَى فيهِ الأرواحُ والأجسامُ وأهلُ السمواتِ والأرضِ أو هو المفعول الثاني اتساعاً أوْ أصالةً فإنَّه منْ شدةِ هولِه وفظاعتِه حقيقٌ بالإنذارِ أصالةً وقُرىَء ليُنْذرَ عَلَى البناءِ للمفعولِ ورفعِ اليومِ
(7/271)

يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)
{يَوْمَ هُم بارزون} بدلٌ منُ يومِ التلاقِ أيْ خارجونَ من قبورِهم أو ظاهرونَ لا يستُرهُم شيءٌ من جبلِ أو أَكَمةٍ أوْ بناءٍ لكونِ الأرضِ يومئذٍ قاعاً صفصفاً ولاَ عليهمُ ثيابٌ إنما هُم عراةٌ مكشوفونَ كما جاءَ فِي الحديثِ يحشرونَ عُراةً حُفاه غُرْلا وقيلَ ظاهرةٌ نفوسُهم لا تحجبُهم غواشِي الأبدانِ أوْ أعمالُهم وسرائرُهم {لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْء} استئنافٌ لبيانِ بروزِهم وتقريرٌ له وإزاحةٌ لما كان يتوهمُّه المتوهمونَ في الدُّنيا من الاستنار توهماً باطلاً أو خبرٌ ثانٍ وقيلَ حالٌ منْ ضميرِ بارزونَ أيْ لا يخفى عليه شيءٌ مَا منْ أعيانِهم واعمالهم واحوالهم الجلية والخفيةِ السابقةِ واللاحقةِ {لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الواحد القهار} حكايةٌ لمَا يقعُ حينئذٍ منَ السؤال والجوابِ بتقديرِ قولٍ معطوفٌ على ما قبله من الجملة المنفيةِ المستأنفةَ أو مستأنفٌ يقعُ جوابا عنْ سؤالٍ نشأَ منْ حكايةِ بروزِهم وظهورِ أحوالِهم كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ حينئذٍ فقيلَ يقالُ الخ أيْ يُنادِي مناد لمن الملك اليوم فيجيبُهُ أهلُ المحشرِ لله الواحدِ القهارِ وقيلَ المجيبُ هُوَ السائلُ بعينِه لما رُوي أنَّه يجمعُ الله الخلائقَ يومَ القيامةِ في صعيدٍ واحدٍ في أرضٍ بيضاءَ كأنَّها سبيكةُ فضةٍ لم يعصَ الله فيَها قطُّ فأولُ ما يتكلُم بهِ أنْ ينادِيَ منادٍ لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الواحدِ القهارِ وقيلَ حكايةً لما ينطِق بهِ لسانُ الحالِ من تقطعِ أسبابِ للتصرفات المجازيةِ واختصاصِ جميعِ الأفاعيلِ بقبضةِ القدرةِ الإلهيةِ
(7/271)

الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)
{اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} إلخ إمَّا منْ تتمةِ الجوابِ لبيانِ حكمِ اختصاصِ المُلك بهِ تعالَى ونتيجتِه التي هيَ الحكُم السويُّ والقضاءُ الحقُّ أوْ حكايةً لِمَا سيقولُه تعالى يومئذٍ عقيبَ السؤالِ والجوابِ أيْ تُجزى كُلُّ نَفْسٍ منَ النفوسِ البرة الفاجرة بِمَا كَسَبَتْ منْ خَيرٍ أوْ شرَ {لاَ ظُلْمَ اليوم} بنقصِ ثوابٍ أوْ زيادةِ عذابٍ {إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب} أيْ سريعٌ حسابُه تماماً إذْ لا يشغلُه تعالَى شأنٌ عنْ شأنٍ فيحاسبُ الخلائقَ قاطبةً في أقربِ زمانٍ كما نُقلَ عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنه تعالَى إذَا أخذَ في حسابِهم لم يقِلْ أهلُ الجنةِ إلاَّ فيهَا ولا أهلُ النارِ إلا فيهَا فيكون تغليلا لقولِه تعالَى اليومَ تُجزى الخ فإنَّ كونَ ذلكَ اليومِ بعينِه يومَ التلاقِي ويوم البروز ربما يوهم استبعادَ وقوعِ الكُلِّ
(7/271)

غافر 18 21 فيهِ أو سريعٌ مَجيئاً فيكونُ تعليلاً للإنذارِ
(7/272)

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)
{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة} أي القيامةِ سميتْ بَها لأُزوفِهَا وهُو القربُ غيرَ أنَّ فيهِ إشعاراً بضيقِ الوقتِ وقيلَ الخطةُ الآزفةُ وهي مشارفةُ أهلِ النارِ دخولَها وقيل وقتَ حضورِ الموتِ كَما في قولِه تعالى فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وقولِه كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقى وقولُه تعالَى {إِذِ القلوب لَدَى الحناجر} بدلٌ منْ يومَ الآزفةِ فإنَّها ترتفعُ من أماكِنها فتلتصقُ بحلوقِهم فلا تعودُ فيتروّحوا ولاتخرج فيستريحوا بالموتِ {كاظمين} عَلى الغَمِّ حالٌ منْ أصحابِ القلوبِ عَلى المَعْنى إِذِ الأصلُ قلوُبُهم أوْ مِنْ ضميرِهَا في الظرفِ وجمعُ السلامة باعتبار أنَّ الكظَم منْ أحوالِ العُقلاءِ كقولِه تعالَى فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين أوْ منْ مفعولِ أنذرْهم عَلى أنَّها حالٌ مقدرةٌ أيْ أنذرهُم مقدراً كظمَهُم أوْ مشارفينَ الكظمَ {مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ} أَيْ قريبٍ مشفقٍ {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أيْ لاَ شفيعَ مُشفَّعٌ على مَعْنى نفِي الشفاعةِ والطاعةِ معاً على طريقةِ قوله على لا حب لا يهتدى بمناره والضمائرُ إنْ عادتْ إلى الكُفارِ وهو الظاهرُ فوضعُ الظالمينَ موضعَ ضميرِهم للتسجيلِ عليهم بالظلمِ وتعليلِ الحكمِ بهِ
(7/272)

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين} النظرةَ الخائنةَ كالنظرةِ الثانيةِ إلى غيرِ المَحْرمِ واستراقِ النظرِ إليهِ أو خيانةَ الأعينِ على أنها مصدرٌ كالعافيةِ {وَمَا تُخْفِى الصدور} من الضمائرِ والأسرارِ والجملةُ خبرٌ آخرُ مثلُ يُلقي الروحَ للدِّلالةِ على أنَّه ما مِنْ خفيَ إلا وهُو متعلقُ العلمِ والجزاءِ
(7/272)

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)
{والله يَقْضِى بالحق} لأنَّه المالكُ الحاكُم على الإطلاقِ فلا يقضِي بشيءٍ إلا وهُو حقٌّ وعدلٌ {والذين يَدْعُونَ} يعبدونَهم {مِن دُونِهِ} تعالَى {لاَ يَقْضُونَ بِشَىْء} تهكمٌ بهم لأنَّ الجمادَ لا يُقالُ في حقِّه يقضي اولا يَقْضِي وقُرىء تَدْعُون عَلى الخطابِ التفاتاً أو على إضمارِ قُلْ {إِنَّ الله هُوَ السميع البصير} تقريرٌ لعلمِه تعالَى بخائنةِ الأعينِ وقضائِه بالحقِّ ووعيدٌ لهمُ على ما يقولون ويفعلون وتعريضٌ بحالِ ما يدْعونَ من دونِه
(7/272)

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)
{أولم يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ} أي مآلُ حالِ مِن قَبْلِهِم من الأُممِ المكذبةِ لرُسلِهم كعادٍ وثمودَ وأضرابِهم {كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً} قدرةً وتمكناً من التصرفاتِ وإنَّما جيءَ بضميرِ الفصلِ معَ أنَّ حقَّه التوسطُ بينَ معرفتين لمضاهاة افعل من للمعرفةِ في امتناعِ دخولِ اللامِ عليهِ وقُرِىءَ أشدَّ منكم بالكاف {وآثارا فِى الأرض} مثلُ القلاعِ الحصينة والمدائن المنينة وقيلَ المَعْنى وأكثرَ آثاراً كقولِه متقلداً سيفاً ورُمحاً {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} أخذاً وبيلاً {وَمَا كَانَ لَهُمْ مّنَ الله مِن وَاقٍ}
(7/272)

أي منْ واقٍ يقيهم عذابَ الله
(7/273)

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)
{ذلك} أي ما ذكر من الأخذِ {بِأَنَّهُمْ} بسببِ أنَّهم {كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات} أي بالمعجزاتِ أو بالأحكامِ الظاهرةِ {فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِىٌّ} متمكنٌ مما يريد غابة التمكنِ {شَدِيدُ العقاب} لا يُؤبَهُ عندَ عقابِه بعقابٍ
(7/273)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23)
{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} وهي معجزاتُه {وسلطان مُّبِينٍ} أي وحجَّةٍ قاهرةٍ وهيَ إما عينُ الآياتِ والعطفُ لتغايرِ العنوانينِ وإما بعضُ مشاهيرِها كالعَصا أفردتْ بالذكرِ مع اندراجِها تحتَ الآياتِ لأن فيها إفرادَ جبريلَ وميكالَ به مع دخولهما في الملائكةِ عليهم السَّلامُ
(7/273)

إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)
{إلى فِرْعَوْنَ وهامان وَقَارُونَ فَقَالُواْ ساحر كَذَّابٌ} أي فيما أظهرَهُ من المعجزاتِ وفيمَا ادَّعاهُ من رسالةِ ربِّ العالمينَ
(7/273)

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25)
{فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا} وهو ما ظهرَ على يدِه من المعجزاتِ القاهرةِ {قَالُواْ اقتلوا أَبْنَاء الذين آمنوا مَعَهُ واستحيوا نِسَاءهُمْ} كما قالَ فرعونُ سنقتلُ أبناءَهُم ونستحي نساءَهُم أي أعيدُوا عليهم ما كنتُم تفعلونَهُ أولاً وكانَ فرعونُ قد كفَّ عن قتلِ الوِلْدانِ فلما بعث صلى الله عليه وسلم وأحسَّ بأنَّه قد وقعَ ما وقعَ أعادَهُ عليهم غيظاً وَحنَقاً وزعماً منْهُ أنَّه يصدُّهم بذلكَ عن مظاهرتِه ظَّناً منهُم أنَّه المولودُ الذي حكَم المنجّمونَ والكهنةُ بذهابِ ملكِهم على يدِه {وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال} أي في ضَياعٍ وبُطلانٍ لا يُغني عنهُم شيئاً وينفذ عليهم لا محالةَ القدرُ المقدورُ والقضاءُ المحتومُ واللامُ إمَّا للعهدِ والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ لذمِّهم بالكفرِ والإشعارِ بعلةِ الحكمِ أو للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً والجملةُ اعتراضٌ جيءَ به في تضاعيفِ ما حكي عنهم من الأباطيلِ للمسارعةِ إلى بيانِ بطلانِ ما أظهروه من الإبراقِ والإرعادِ واضمِحْلالِه بالمرةِ
(7/273)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26)
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى} كانَ مَلؤُه إذَا هَمَّ بقتلِه عليه الصَّلاةُ والسلام وكفوه بقولِهم ليسَ هَذا بالذي تخافُه فإنَّه أقلُّ من ذلك وأضعفُ وما هُو إلا بعضُ السحرةِ وبقولِهم إذا قتلتَهُ أدخلتَ على النَّاسِ شُبهةً واعتقدُوا أنَّكَ عجَزتَ عن معارضتِه بالحجَّةِ وعَدلتَ إلى المقارعةِ بالسيفِ والظاهرُ من دهاءِ اللعينِ ونَكارتِه أنَّه كانَ قد استيقنَ أنَّه نبيٌّ وأنَّ ما جاءَ بهِ آياتٌ باهرةٌ وما هُو بسحرٍ ولكنْ كانَ يخافُ إنْ همَّ بقتلِه أنْ يُعاجلَ بالهلاكِ وكانَ قولُه هذا تمويهاً على قومِه وإيهاماً أنَّهم هم الكافُّونَ له عن قتله
(7/273)

غافر 27 28 ولولاهُم لقتلَه وما كانَ الذي يكفُّه إلا ما في نفسِه من الفزعِ الهائل وقولُه {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} تجلدٌ منه وإظهارٌ لعدمِ المُبالاةِ بدعائِه ولكنَّه أخوفُ ما يخافُه {إِنّى أَخَافُ} إنْ لم أقتْلهُ {أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ} أنْ يغيرَ ما أنتم عليه من الدين الذي هو عبارة عن عبادتِه وعبادةِ الأصنامِ لتقربَهم إليه {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرض الفساد} ما يُفسدُ دُنياكُم من التحاربِ والتهارجِ إنْ لم يقدرُ على تبديلِ دينِكم بالكلِّيةِ وقُرِىءَ بالواوِ الجامعةِ وقُرىءَ بفتحِ الياءِ والهاءِ ورفع الفساد وقرىء بظهر بتشديدِ الظَّاءِ والهاءِ من تظَاهرَ أي تتابعَ وتعاونَ
(7/274)

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)
{وَقَالَ مُوسَى} أي لقومِه حينَ سمعَ بمَا تقوَّلَهُ اللعينُ من حديثِ قتلِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب} صدَّرَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كلامَهُ بإنَّ تأكيداً له وإظهاراً لمزيدِ الاعتناءِ بمضمونِه وفرطِ الرغبةِ فيهِ وخصَّ اسمَ الربِّ المنبىءِ عنِ الحفظِ والتربيةِ لأنَّهما الذي يستدعيِه وأضافَهُ إليهِ وإليهم حثَّاً لهم على موافقتِه في العياذِ بهِ تعالى والتوكلَ عليه فإنَّ في تظاهرِ النفوسِ تأثيراً قوياً في استجلابِ الإجابةِ ولم يسمِّ فرعونَ بل ذكرَهُ بوصفٍ يعمُّه وغيرَهُ منَ الجبابرةِ لتعميمِ الاستعاذةِ والإشعارِ بعلةِ القساوةِ والجرأةِ على الله تعالَى وقُرىء عدت بالإدغامِ
(7/274)

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)
{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ آل فِرْعَوْنَ} قيلَ كانَ قبطياً ابْنَ عمَ لفرعونَ آمنَ بموسى سِرَّاً وقيلَ كانَ إسرائيلياً أو غَريباً مُوحداً {يَكْتُمُ إيمانه} أيْ مِنْ فرعونَ وملئِه {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً} أتقصِدونَ قتلَهُ {أَن يَقُولَ} لأنْ يقولَ أو كراهةَ أنْ يقولَ {رَبّىَ الله} أيْ وحدَهُ من غيرِ رويةٍ وتأملٍ في أمرِه {وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات} والحالُ أنَّه قد جاءكُم بالمعجزاتِ الظاهرةِ التي شاهدتمُوها وعهدتمُوها {مّن رَّبّكُمْ} أضافَهُ إليهم بعدَ ذكرِ البيناتِ احتجاجاً عليهم واستنزالاً لَهمُ عن رُتبةِ المكابرةِ ثم أخذَهُم بالاحتجاجِ من بابِ الاحتياطِ فقالَ {وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ} لا يتخطَّاهُ وبالُ كذبِه فيُحتاجَ في دفعه إلى قتلِه {وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ} أيْ إنْ لَم يُصبكم كلُّه فلاَ أقلَّ من اصابة بعضه لاسيما إنْ تعرضتُم له بسوءٍ وهَذا كلامٌ صادرٌ عن غايةِ الإنصافِ وعدمِ التعصبِ ولذلكَ قدَّمَ من شِقَّيْ الترديدِ كونَهُ كاذباً أو يُصبْكُم ما يعدُكُم من عذابِ الدُّنيا وهو بعضُ ما يعدُهم كأنَّه خوَّفُهم بما أظهرُ احتمالاً عندَهُم وتفسيرُ البعضِ بالكُلِّ مستدَلاً بقولِ لَبيدٍ ... ترَّاكُ أمكنةٍ إذَا لَمْ أَرْضَها ... أو يرتبطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها ...
مردودٌ لمَا أنَّ مرادَهُ بالبعضِ نَفْسُه {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} احتجاجٌ آخرُ ذُو وجهينِ أحدُهما أنَّه لوْ كانَ مُسرفاً كذاباً لما هداهُ الله تعالَى إلى البيناتِ ولمَا أيَّدهُ بتلكَ المعجزاتِ وثانيهما إنْ كان كذلك خذلَه الله وأهلكَهُ فَلا حاجةَ لكُم إلى قتلِه ولعلَّه أراهُم المعنى الثَّانِي وهُو عاكفٌ على المَعْنى الأول لتلينَ شكيمتُهم وقد عَرَّضَ به لفرعونَ بأنه
(7/274)

غافر 29 33 مسرفٌ كذَّابٌ لا يهديِه الله سبيلَ الصوابِ ومنهاجَ النجاة
(7/275)

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)
{يا قوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين} غالبينَ عالينَ عَلى بني إسرائيلَ {فِى الأرض} أي أرضِ مصرَ لا يُقاومكُم أحدٌ في هذا الوقتِ {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله} من أخذِه وعذابِه {إِن جَاءنَا} أي فَلاَ تُفسدُوا أمرَكُم ولا تتعرضُوا لبأس الله بقتله فإن جاءَنا لم يمنعنا منه أحدٌ وإنَّما نسبَ ما يسرُّهم من المُلكِ والظهورِ في الأرضِ إليهم خَاصَّة ونظمَ نفسَهُ في سلكِهم فيما يسوؤُهم من مجىء بأسِ الله تعالى تطييباً لقلوبهم وايذانا بأنه مناصح لهم ساعٍ في تحصيلِ ما يُجديهم ودفعِ ما يُرديهم سعيَهُ في حقِّ نفسه ليتأثروا بنصحِه {قَالَ فِرْعَوْنُ} بعد ما سَمِع نُصحَهُ {مَا أُرِيكُمْ} أيْ ما أُشيرُ عليكُم {إِلاَّ مَا أرى} وأستصوبُهُ مِنْ قتلِه {وَمَا أَهْدِيكُمْ} بهذَا الرَّأي {إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد} أي الصوابِ اولا أُعلِّمُكم إلاَّ ما أعلمُ ولا أُسرُّ عنكُم خلافَ ما أُظهرُهُ ولقدْ كذبَ حيثُ كانَ مستشعراً للخوفِ الشديدِ ولكنَّه كان يتجلدُ ولولاهُ لما استشارَ أحداً أبداً وقُرِىءَ بتشديدِ الشِّينِ للمبالغةِ من رشُد كعلاّم أو من رشَد كعبّاد لامن أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصورٌ على السماع أو للنسبة إلى الرُّشْد كعوّاج وبتَّات غيرَ منظور فيه إلى فَعْل
(7/275)

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30)
{وقال الذي آمن} مخاطبا لقومه {يا قوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ} في تكذيبه والتعرض له بالسوءِ {مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب} مثلَ أيامِ الأممِ الماضيةِ يعني وقائِعَهُم وجمعُ الأحزابِ مع التفسيرِ أغنى عَن جمعِ اليومِ
(7/275)

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31)
{مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} أيْ مثلَ جزاءِ ما كانوا عليهِ من الكفرِ وإيذاءِ الرُّسلِ {والذين مِن بَعْدِهِمْ} كقومِ لوطٍ {وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ} فَلا يُعاقبُهم بغيرِ ذنبٍ ولا يُخلّي الظالَم منُهم بغيرِ انتقامِ وهُو أبلغُ من قولِه تعالى وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ لما أنَّ المنفيّ فيهِ إرادةُ ظلمٍ مَا ينتفي الظلم بطريق الاولوية
(7/275)

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32)
{ويا قوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد} خوَّفهم بالعذابِ الأُخروي بعدَ تخويفِهم بالعذابِ الدنيويِّ ويومُ التنادِ يومُ القيامةِ لأنَّه يُنادِي فيهِ بعضُهم للاستغاثةِ أو يتصايحونَ بالويلِ والثبورِ أو يتنادَى أصحابُ الجنةِ وأصحابُ النارِ حسبَما حُكِيَ في سورةِ الأعرافِ وقُرِىءَ بتشديدِ الدَّالِ وهُو أنْ ينِدَّ بعضُهم من بعضٍ كقولِه تعالى يَوْمَ يَفِرُّ المرء من أخيه وعنِ الضحَّاكِ إذا سمعُوا زفير النار هَرَباً فلا يأتونَ قُطراً من الأقطارِ إلاَّ وجدُوا ملائكةً صفوفاً فبينَا هُم بموج بعضهم في بعضِ إذْ سمعُوا مُنادياً أقِبلوا إلى الحسابِ
(7/275)

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)
{يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} بدلٌ من يومَ التنادِ أي منصرفينَ عن الموقفِ إلى النارِ أو فارينَ منها حسبما نقل آنفا
(7/275)

غافر 34 37 {مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ} يعصمُكم من عذابِه والجملةُ حالٌ أُخْرَى من ضميرِ تُولُّون {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} يهديه إلى طريقِ النجاةِ
(7/276)

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34)
{وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ} هو يوسفُ بنِ يعقوبَ عليهما السَّلامُ على أنَّ فرعونَهُ فرعونُ موسى أو على نسبةِ أحوالِ الآباءِ إلى الأولادِ وقيلَ سِبْطُه يوسفُ بنُ إبراهيمَ بنِ يوسفَ الصدِّيقِ {مِن قَبْلُ} من قبلِ موُسى {بالبينات} بالمعجزاتِ الواضحةِ {فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُمْ بِهِ} من الدينِ {حتى إِذَا هَلَكَ} بالموتِ {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} ضمَّاً إلى تكذيبِ رسالتِه تكذيبَ رسالةِ مَنْ بعدَهُ أو جزماً بأنْ لا يُبعثَ بعدَهُ رسولٌ معَ الشكِّ في رسالتِه وقُرِىءَ ألنْ يبعثَ الله على أنَّ بعضَهُم يقررُ بعضاً بنفي البعثِ {كذلك} مثل ذلكَ الإضلالِ الفظيعِ {يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ} في عصيانِه {مُّرْتَابٌ} في دينِه شاكٌّ فيما تشهدُ به البيناتُ لغلبةِ الوهمِ والانهماكِ في التقليدِ
(7/276)

الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)
{الذين يجادلون في آيات الله} بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو بيانٌ له أو صفةٌ باعتبارٍ معناهُ كأنَّه قيلَ كلُّ مسرفٍ مرتابٍ أو المسرفينَ المرتابينَ {بغير سلطان} متعلق يجادلون أي بغيرِ حُجَّةٍ صالحةٍ للتمسكِ بها في الجُملةِ {آتاهم} صفةُ سلطانِ {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمنوا} فيه ضربٌ من التعجبِ والاستعظامِ وفي كبُر ضميرٌ يعودُ إلى مَنْ وتذكيرُه باعتبارِ اللفظِ وقيلَ إلى الجدالِ المستفادِ من يُجادلونَ {كذلك} أي مثلَ ذلك الطبع الفظيع {يطبع الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ} فيصدرُ عنه أمثالُ ما ذكر من الإسراف والارتيابِ والمجادلةِ بالباطلِ وقُرِىءَ بتنوينِ قلبِ ووصفُه بالتكبرِ والتجبر لانه منعهما
(7/276)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36)
{وقال فرعون يا هامان ابن لِى صَرْحاً} أي بناءً مكشُوفاً عالياً من صرح الشيء اذ ظهرَ {لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب} أي الطرق
(7/276)

أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
{أسباب السماوات} بيانٌ لها وفي إبهامِها ثمَّ إيضاحِها تفخيمٌ لشأنِها وتشويقٌ للسامعِ إلى معرفتِها {فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى} بالنصبِ على جوابِ الترجِّي وقرىء بالرفع عطفا على أبلغُ ولعلَّه أرادَ أنْ يبنيَ له رَصَداً في موضعٍ عالٍ ليرصُدَ منْهُ أحوالَ الكواكبِ التي هي أسبابٌ سماويةٌ تدلُّ على إرسالِ الله تعالَى إيَّاهُ أو أنْ يَرَى فسادَ قوله عليه الصلاة والسلام بأنَّ إخبارَهُ من إلِه السماءِ يتوقفُ على اطِّلاعِه عليهِ ووصولِه إليهِ وذلكَ لا يتأتَّى إلا بالصُّعودِ إلى السماءِ وهُو ممَّا
(7/276)

غافر 38 42 لا يقْوَى عليهِ الإنسانُ وما ذاكَ إلا لجهلِه بالله سبحانَهُ وكيفيِة استنبائِه {وَإِنّى لاَظُنُّهُ كاذبا} فيَما يدعيه من الرسالة أيْ ومثلَ ذلكَ التزيينِ البليغِ المُفْرطِ {زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ} فانهمكَ فيهِ انهماكاً لا يرْعَوِي عنه بحال {وَصُدَّ عَنِ السبيل} أي سبيلِ الرشادِ والفاعلُ في الحقيقةِ هُو الله تعالَى ويؤيدُه قراءة زبن بالفتح وبالتوسط لشيطان وقُرِىءُ وصَدَّ على أنَّ فرعونَ صدَّ الناسَ عنِ الهُدى بأمثالِ هذهِ التمويهاتِ والشبهاتِ ويُؤيدُه قولُه تعالى {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ} أي خسَارٍ وهلاكِ أو على أنَّه من صَدَّ صُدوداً أي أعرضَ وقُرِىءَ بكسرِ الصَّادِ على نقلِ حركةِ الدَّالِ إليهِ وقُرِىءَ وصَدٌّ على أنَّه عطفٌ على سوءُ عملِه وقُرِىءَ وصَدُّوا أيْ هُو وقومُهُ
(7/277)

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)
{وقال الذي آمن} أي مؤمنُ آلِ فرعونَ وقيلَ مُوسَى عليهِ السَّلامُ {يا قوم اتبعون} فيما دَللْتكُم عليهِ {أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد} أيْ سبيلاً يصلُ سالكُه إلى المقصودِ وفيه تعريضٌ بأنَّ ما يسلُكُه فرعونُ وقومُه سبيل الغي والضلال
(7/277)

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39)
{يا قوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا متاع} أي تمتعٌ يسيرٌ لسرعةِ زوالِها أجملَ لَهمُ أولاً ثمَّ فسرَ فافتتحَ بذمِّ الدُّنيا وتصغيرِ شأنِها لأنَّ الإخلادَ إليها رأسُ كلِّ شرَ ومنه تتشعبُ فنونُ ما يُؤدِّي إلى سخطِ الله تعالَى ثمَّ ثنَّى بتعظيمِ الآخرةِ فقالَ {وَإِنَّ الأخرة هِىَ دَارُ القرار} لخلودِها ودوامِ ما فيها
(7/277)

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)
{مِنْ عَمَلٍ} في الدُّنيا {سَيّئَةً فَلاَ يجزى} في الآخرةِ {إِلاَّ مِثْلَهَا} عدلاً من الله سبحانَهُ وفيه دليلٌ على أنَّ الجناياتِ تُغْرمُ بأمثالِها {وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ} الذينَ عملِوا ذلَك {يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} أيْ بغيرِ تقديرٍ وموازنةٍ بالعملِ بَلْ أضعافاً مُضاعفةً فضلاً من الله عزَّ وجلَّ ورحمةً وجعلُ العملِ عمدةً والإيمانِ حالاً للإيذانِ بأنَّه لا عبرةَ بالعملِ بدونِه وأنَّ ثوابَهُ اعلى من ذلك
(7/277)

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)
{ويا قوم مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار} كرر نداءهم ايفاظا لهم عن سنة الغفلة واعتناء بالمنادى له ومبالغة في توبيخهم على ما يقالون به نصحَهُ ومدارُ التعجبِ الذي يلوح الاستفهامُ دعوتُهم إيَّاهُ إلى النارِ ودعوته إياهم إلى النجاة كأنه قيل أخبروني كيف هذه الحال أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشرِّ وقد جعلَه بعضهم من قبيل مالي اراك حزيناً وقولُه تعالَى
(7/277)

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42)
{تَدْعُونَنِى لاَكْفُرَ بالله} بدلٌ أو بيانٌ فيه تعليلٌ والدعاءُ كالهدايةِ في التعديةِ بإلى واللامِ {وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ علم} بشركتِه له تعالى في المعبوديةِ وقيل بربوبيتِه {عِلْمٍ} والمرادُ نفيُ المعلومِ والإشعارُ بأنَّ الألوهيةَ لا بُدَّ لها من بُرهانٍ موجبٍ
(7/277)

غافر 43 46 العلم بَها {وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار} الجامعِ لجميعِ صفاتِ الألوهيةِ من كمالِ القُدرةِ والغَلبةِ وما يتوقفُ عليهِ من العلمِ والإرادةِ والتمكنِ من المجازاةِ والقدرةِ على التعذيبِ والغفرانِ
(7/278)

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43)
{لاَ جَرَمَ} لا ردَّ لما دعَوهُ إليهِ وجرمَ فعلٌ ماضٍ بمعَنْى حَقَّ وفاعله قوله تعالى {أنما تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الأخرة} أيْ حق ووجب عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلاً أو عدم دعوة مستجابة دعوةٍ لهَا وقيلَ جرمَ بمعنى كسبَ وفاعلُه مستكنٌّ فيهِ أي كسبَ ذلكَ الدعاءُ إليهِ بطلانَ دعوتِه بمعنى ما حصلَ من ذلكَ إلا ظهورُ بطلانِ دعوتِه وقيل جرمَ فعلٌ من الجَرْمِ وهو القطعُ كما أن بُدّاً من لا بد فُعْلٌ من التبديد أي التفريق والمعنى لا قطع لبطلان ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فينقلب حقا ويؤيده قولهم لاجرم أنه يفعل بضم الجيم وسكون الراء وفُعْلٌ وفَعَلٌ أخوان كرُشْد ورَشَد {وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله} أي بالموتِ عطفٌ على أنَّ ما تدعونِني داخلٌ في حُكمِه وكَذا قولُه تعالَى {وَأَنَّ المسرفين} أي في الضلالِ والطغيانِ كالإشراكِ وسفكِ الدِّماءِ {هُمْ أصحاب النار} أيْ مُلازمُوهَا
(7/278)

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)
{فستذكرون} وقرىء فستذكرون أي فسيذكِّرُ بعضُكم بعضاً عند معاينةِ العذابِ {مَا أقول لكم} من النصائح {وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله} قالَه لما أنَّهم كانُوا توعَّدُوه {إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد} فيحرُسُ مَنْ يلوذُ به من المكارِه
(7/278)

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)
{فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ} شدائدَ مكرِهم وما همّوا به من إلحاقِ أنواعِ العذابِ بمن خالفَهم قيل نجامع مُوسى عليهِ السَّلامُ {وَحَاقَ بآل فِرْعَوْنَ} أي بفرعونَ وقومِه وعدمُ التصريحِ بهِ للاستغناءِ بذكرِهم عنْ ذكرِه ضرورةَ أنَّه أولى منُهم بذلكَ وقيل بطَلَبةِ المؤمنِ منْ قومِه لما أنَّه فرَّ إلى جبلٍ فاتبعَهُ طائفةٌ ليأخذوه فوجدوه يصلي والوحوش صفوفٌ حولَهُ فرجعُوا رُعْباً فقتلَهُم {سُوء العذاب} الغرقُ والقتلُ والنَّارُ
(7/278)

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)
{النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً} جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبيانِ كيفيةِ سوءِ العذابِ أو النَّارُ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ كأنَّ قَائِلاً قالَ ما سوءُ العذابِ فقيلَ هُو النَّارُ ويُعرضونَ استئنافٌ للبيانِ أو بدلٌ من سوءِ العذابِ ويُعرضون حالٌ منَها أو من الآلِ ولا يشترطُ في الحَيْقِ أنْ يكونَ الحائقُ ذلكَ السوءَ بعينِه حَتَّى يردَ أنَّ آلَ فرعونَ لم يهمُّوا بتعذيبِه بالنَّارِ ليكونَ ابتلاؤهم بها من قبيلِ رجوعِ ما هَمُّوا بهِ عليهم بلْ يكِفي في ذلكَ أنْ يكونَ مما يطلقُ عليهِ اسمُ السوءِ وقُرِئتْ منصوبةً على الاختصاصِ أو بإضمار فعلٍ يفسرُه يُعرَضونَ مثلُ يُصْلَون فإنَّ عرضَهُم على النَّارِ بإحراقِهم بَها منْ قولِهم عُرضَ الأُسَارى على السيفِ إذا قُتِلُوا بهِ وذلكَ لأرواحِهم
(7/278)

غافر 47 50 كما رَوَىَ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه إن أرواحَهم في أجوافٍ طيرٍ سُودٍ تُعرضُ على النَّارِ بُكرةً وعشياً إلى يومِ القيامةِ وذكرُ الوقتينِ إمَّا للتخصيصِ وإمَّا فيما بينهُمَا فالله تعالَى أعلمُ بحالِهم واما للتأييد هذا ما دامتِ الدُّنيا {وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة} يقالُ للملائكة {أدخلوا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ} أي عذابَ جهنَم فإنَّه أشدُّ ممَّا كانُوا فيه أو أشدّ عذابِ جهنَم فإنَّ عذابَها ألوانٌ بعضُها أشدُّ من بعضٍ وقُرىءَ ادخُلُوا من الدخولِ أي يُقالُ لهم ادخُلُوا يا آلَ فرعونَ أشدَّ العذابِ
(7/279)

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47)
{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النار} أي واذكُر لقومِكَ وقتَ تخاصُمِهم فيَها {فَيَقُولُ الضعفاء} منهم {لِلَّذِينَ استكبروا} وهُم رؤساؤُهم {إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تبعا} اتباعا كحدم في جمعِ خَادِمٍ أو ذَوِي تبعٍ أي أتْباعٍ على إضمار المضافِ أو تَبَعاً على الوصفِ بالمصدرِ مبالغةً {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار} بالدفعِ أو بالحملِ ونصيباً منصوبٌ بمضمرٍ يدلُّ عليه مغنونَ أي دافعونَ عنَّا نصيباً الخ أو بمغنونَ على تضمينِه مَعْنى الحملِ أي مغنونَ عنَّا حاملينَ نصيباً الخ أو نصبٌ على المصدريةِ كشيئاً في قولِه تعالَى لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا فإنَّه في موقعِ غَناءٍ فكذلكَ نصيباً
(7/279)

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)
{قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} أي نحنُ وانتم فكيف نغني عنكُم ولو قَدرنا لأغنيَنا عن أنفسِنا وقُرِىءَ كُلاًّ على التأكيدِ لاسمِ إنَّ بمعنى كلنا وتنويه عوضٌ عن المضافِ إليهِ ولا مساغَ لجعلِه حالاً من المستكن في الظرف فإنَّه لا يعملُ في الحالِ المتقدمةِ كما يعملُ في الظرفِ المتقدمِ فإنَّك تقولُ كلَّ يومٍ لكَ ثوبٌ ولاَ تقولُ جديداً لك ثوبٌ {إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد} وقضى قضاء متقنا لامرد لهُ ولا معقّبَ لحُكمهِ
(7/279)

وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)
{وَقَالَ الذين فِى النار} من الضعفاءِ والمستكبرينَ جميعاً لمَّا ضاقتْ حيلُهم وعيّتُ بهم عِللُهم {لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ} أي للقُوَّامِ بتعذيبِ أهلِ النَّارِ ووضعُ جهنمَ موضعَ الضميرِ للتهويلِ والتفظيعِ أو لبيانِ محلِّهم فيَها بأنْ تكونَ جهنمُ أبعدَ دركاتِ النار وفيها اعني الكفرةِ وأطغاهُم أو لكونِ الملائكةِ الموكلينَ بعذابِ أهلِها أقدرَ على الشفاعةِ لمزيدِ قُربهم منَ الله تعالى {ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً} أي مقدارَ يومٍ أو في يومٍ ما منَ الأيامِ على أنه ظرفٌ لا معيارُ شيئاً {مّنَ العذاب} واقتصارهُم في الاستدعاءِ على ما ذُكرَ من تخفيفِ قدرٍ يسيرٍ من العذابِ في مقدارِ قصيرٍ من الزمانِ دونَ رفعِه رأساً أو تخفيفِ قدرٍ كثيرٍ منْهُ في زمانٍ مديدٍ لأنَّ ذلكَ عندهُم مما ليسَ في حيزِ الإمكانِ ولا يكادُ يدخلُ تحتَ أَمانيِّهم
(7/279)

قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)
{قالوا} أي الخزنة {أولم تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات}
(7/279)

أيْ ألم تُنبهوا على هَذا ولم تكُ تأتيكُم رسلُكم في الدُّنيا على الاستمرارِ بالحججِ الواضحةِ الدالةِ على سُوءِ مغبةٍ ما كنتُم عليهِ من الكُفرِ والمَعَاصِي كَما في قولِه تعالى أَلَمْ يأْتِكُم رُسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا أرادُوا بذلكَ إلزامَهُم وتوبيخَهُم على إضاعةِ أوقاتِ الدُّعاءِ وتعطيلِ أسبابِ الإجابةِ {قَالُواْ بلى} أي أتَونا بها فكذَّبناهُم كما نطقَ به قولُه تعالَى بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْء إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ والفاء في قوله تعالى {قَالُواْ فادعوا} فصحيةٌ كما في قول من قال فَقَدْ جِئْنَا خُراسانا أيْ إذا كان الأمرُ كذلك فادعُوا أنتُم فإنَّ الدعاءَ لمن يفعلُ ذلكَ مما يستحيلُ صدورُه عنَّا وتعليلُ امتناعِهم عنِ الدعاءِ بعدمِ الإذنِ فيه معَ عرائِه عن بيانِ أنَّ سبَبهُ من قبلِهم كَما تُفصحُ عنه الفاءُ رُبَّما يُوهُم أنَّ الإذنَ في حيزِ الإمكانِ وأنَّهم لو أُذنَ لهم فيهِ لفعلُوا ولم يريدُوا بأمرِهم بالدعاءِ إطماعَهُم في الإجابةِ بل إقناطَهم منَها وإظهارَ خيبتهم حسبما صرحوا في قولِهم {وَمَا دُعَاء الكافرين إِلاَّ فِى ضلال} أي ضياعٍ وبُطلانٍ وقولُه تعالَى
(7/280)

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)
{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمنوا} إلخ كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ من جهته تعالى لبيان ان ما صاب الكفرةَ من العذابِ المحِكيِّ من فروعِ حكمٍ كليَ تقتضيِه الحكمةُ وهو أنَّ شأنَنا المستمرَّ أنَّا ننصرُ رسلنَا وأتباعَهُم {فِى الحياة الدنيا} بالحجَّةِ والظفرِ والانتقامِ لهم من الكفرةِ بالاستئصالِ والقتلِ والسَّبي وغيرِ ذلكَ من العقوباتِ ولا يقدحُ في ذلكَ ما قدْ يتفقُ لهم من صورةِ الغلبةِ امتحاناً إذِ العبرةُ إنَّما هيَ بالعواقبِ وغالبِ الأمر {وَيَوْمَ يَقُومُ الاشهاد} أي يومَ القيامةِ عبرَ عنْهُ بذلكَ للإشعارِ بكيفيةِ النُصرةِ وأنَّها تكونُ عندَ جميعِ الأولينَ والآخِرينَ بشهادةِ الأشهادِ للرسلِ بالتبليغِ وعلى الكفرةِ بالتكذيبِ
(7/280)

يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52)
{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ} بدلٌ من الأولِ وعدمُ نفعِ المعذرةِ لأنَّها باطلةٌ وقُرِىءَ لا تنفعُ بالتاءِ {وَلَهُمُ اللعنة} أيْ البُعدُ عن الرحمةِ {وَلَهُمْ سُوء الدار} أي جهنُم
(7/280)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53)
{ولقد آتينا مُوسَى الهدى} ما يُهتدَى بهِ من المعجزاتِ والصحفِ والشرائع {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} وتركنَا عليهم من بعدِه التوراةَ
(7/280)

هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54)
{هُدًى وذكرى} هدايةً وتذكرةً أو هادياً ومذكراً {لاّوْلِى الألباب} لذوِي العقولِ السليمةِ العاملينَ بما في تضاعيفِه
(7/280)

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)
{فاصبر} على ما نالكَ من أذيةِ المشركينَ {إِنَّ وَعْدَ الله} أيْ وعدَه الذي ينطقُ بهِ قولُه تعالَى وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون أو وعدَهُ الخاصَّ بكَ أو جميعَ مواعيدِه التي من جُمْلتِها ذلكَ {حَقّ} لا يحتملُ الإخلافَ أصلاً واستشهدْ بحالِ مُوسى وفرعون
(7/280)

غافر 56 58 {واستغفر لِذَنبِكَ} تداركاً لما فرَطَ منكَ من تركِ الأَولى في بعضِ الأحايينِ فإنَّه تعالَى كافيكَ في نُصرةِ دينكَ وإظهارِه على الدِّينِ كُلِّه {وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والإبكار} أيْ ودُمْ على التسبيحِ ملتبساً بحمدِه تعالَى وقيلَ صَلِّ لهذينِ الوقتينِ إذْ كانَ الواجبُ بمكةَ ركعتينِ بُكرةً وركعتينِ عشياً وقيلَ صلِّ شُكراً لرِّبكَ بالعشيِّ والإبكارَ وقيلَ هُمَا صلاةُ العصرِ وصلاةُ الفجرِ
(7/281)

إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56)
{إِنَّ الذين يجادلون فِى آيات الله} ويجحدونَ بها {بِغَيْرِ سلطان أتاهم} في ذلكَ من جهتِه تعالَى وتقييدُ المجادلةِ بذلكَ مع استحالةِ إتيانِه للإيذانِ بأنَّ التكلَم في أمِر الدِّينِ لا بُدِّ من استنادِه إلى سلطان مبينٍ البتةَ وهذا عامٌ لكلِّ مجادلٍ مُبطلٍ وإنْ نزلَ في مُشركِي مكَة وقوله تعالى {إن فى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} خبرٌ لإنَّ أيْ ما فِي قلوبِهم إلا تكبرٌ عن الحقِّ وتعظّمٌ عن التفكرِ والتعلمِ أو إلاَّ إرادةُ الرياسةِ والتقدمِ على الإطلاقِ أو إلا إرادةُ أنْ تكونَ النبوةُ لهم دونَك حسداً وبغياً حسبَما قالُوا لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتين عظيم وقالو لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سبقونَا إليهِ ولذلكَ يُجادلون فيها لا أنَّ فيها موقع جدال ما وان لهمُ شيئاً يتوهم أنْ يَصلُحَ مداراً لمُجادلتِهم في الجُملةِ وقولُه تعالى {مَّا هُم ببالغيه} صفةٌ لكِبرٌ قال مجاهدٌ ما هُم ببالغي مقتضَى ذلكَ الكِبرِ وهُو ما أرادُوه من الرياسةِ أو النبوةِ وقيلَ المجادلونَ هم اليهودُ وكانُوا يقولونَ لستَ صاحبنَا المذكورَ في التوراةِ بلْ هُو المسيحُ بنُ داودَ يريدونَ الدجَّالَ يخرُج في آخرِ الزمانِ ويبلغُ سلطانُه البَرَّ والبحرَ وتسيرُ معه الأنهارُ وهُو آيةٌ من آياتِ الله تعالى فيرجعُ إلينا المُلكُ فسمَّى الله تعالَى تمنَّيَهم ذلكَ كبْراً ونَفَى أنْ يبلُغوا مُتمنَّاهُم {فاستعذ بالله} أي فالتجىءْ إليهِ من كيدِ مَنْ يحسدُكَ ويبغِي عليكَ وفيهِ رمزٌ إلى أنَّه من هَمَزاتِ الشياطينِ {إِنَّهُ هُوَ السميع البصير} لأقوالِكم وأفعالِكم وقولُه تعالى
(7/281)

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57)
{لخلق السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس} تحقيقٌ للحقِّ وتبيينٌ لأشهرِ ما يُجادلونَ فيهِ من أمرِ البعثِ على منهاج قوله تعالى أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} لقصُورِهم في النظرِ والتأملِ لفرطِ غفلتِهم واتباعِهم لأهوائِهم
(7/281)

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)
{وما يستوى الاعمى والبصير} أي الغافلُ والمستبصرُ {والذين آمنوا وعملوا الصالحات وَلاَ المسيء} أي والمحسن والسيء فلا بد أن تكون لهم حالٌ أُخرى يظهرُ فيها ما بينَ الفريقينِ من التفاوتِ وهيَ فيما بعدَ البعثِ وزيادةُ لا في المسيءِ لتأكيدِ النفي لطولِ الكلامِ بالصلةِ ولأنَّ المقصودَ نفي مساواتِه للمحسنِ فيَما له من الفضلِ والكرامةِ والعاطفُ الثاني عطفُ الموصولِ بما عُطفَ عليهِ على الأعمى والبصيرُ لتغايرِ الوصفينِ في المقصودِ أو الدلالةِ بالصراحةِ والتمثيلِ {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} على الخطابِ بطريق الالتفات
(7/281)

غافر 59 64 أي تذكراً قليلاً تتذكرون وقُرِىءَ على الغَيبةِ والضميرُ للناسِ أو الكفَّارِ
(7/282)

إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)
{إِنَّ الساعة لاَتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} أي في مجيئِها لوضوحِ شواهدِها وإجماعِ الرسلِ على الوعدِ بوقوعِها {ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ} لا يُصدقونَ بها لقصورِ أنظارِهم على ظواهرِ ما يُحسُّون به
(7/282)

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)
{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى} أي اعبدونِي {أَسْتَجِبْ لَكُمْ} أي انبكم لقولِه تعالى {إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين} أيْ صاغرينَ أذلاّء وإنْ فُسِّرِ الدعاءُ بالسؤالِ كانَ الأمرُ الصارفُ عنه منزّلاً منزلةَ الاستكبارِ عن العبادةِ للمبالغةِ أو المرادُ بالعبادةِ الدعاءُ فإنَّه من أفضلِ أبوابِها وقُرِىءَ سيُدخلُونَ على صيغةِ المبنيِّ للمفعولِ من الإدخالِ
(7/282)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61)
{الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الليلَ لتسكنوا فيه} بأن خلقه بارداً مُظلماً ليُؤدِّيَ إلى ضعف الحركات وهُدءِ الحواسِّ لتستريحُوا فيهِ وتقدم الجار والمجرور على المفعول قد مر سره مرارا {والنهار مُبْصِراً} أي مُبصَراً فيهِ أو بهِ {إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ} عظيمٍ لا يُوازيِه ولا يدانيِه فضلٌ {عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ} لجهلِهم بالمُنعمِ وإغفالِهم مواضعَ النعمِ وتكريرُ النَّاسِ لتخصيصِ الكفرانِ بهم
(7/282)

ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62)
{ذلكم} المتفردُ بالأفعالِ المقتضيةِ للألوهيةِ والربوبيةِ {الله رَبُّكُمْ خالق كُلّ شَىْء لاَّ إله إِلاَّ هُوَ} أخبارٌ مترادفةٌ تخصصُ اللاحقةُ منها السابقةَ وتُقررها وقُرِىءَ خالقَ بالنصبِ على الاختصاصِ فيكونُ لا إله إلا هو استئناف بما هُو كالنتيجة للأوصاف المذكورةِ {فأنى تُؤْفَكُونَ} فكيفَ ومن أيِّ وجهٍ تُصرفونَ عن عبادتِه خاصَّةً إلى عبادةِ غيرِه
(7/282)

كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63)
{كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بآيات الله يَجْحَدُونَ} أي مثلَ ذلكَ الإفكِ العجيبِ الذي لا وجَه لهُ ولا مصححَ أصلاً يؤفكُ كلُّ من جحدَ بآياتِه تعالَى أيَّ آية كانتْ لا إفكاً آخرَ له وجهٌ ومصحِّحٌ في الجملة
(7/282)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)
{الله الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسماء بِنَاء} بيانٌ لفضلِه تعالى المتعلقِ بالمكانِ بعد بيانِ فضلِه المتعلقِ بالزمانِ وقولُه تعالَى {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} بيانٌ لفضلِه المتعلقِ بأنفسِهم والفاءُ في فأحسن تفسيرية
(7/282)

غافر 65 68 فإنَّ الإحسانَ عينُ التصويرِ أي صوَّركُم أحسنَ تصويرٍ حيث خلقكم منتصب القامةِ باديَ البَشَرةِ متناسبَ الاعضاء والتخططات متهيئاً لمزاولةِ الصنائعِ واكتسابِ الكمالاتِ {وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات} أي اللذائذِ {ذلكم} الذي بغت بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلة {الله ربكم} خبر ان لذلكُم {فَتَبَارَكَ الله} أي تعالَى بذاتِه {رَبّ العالمين} أي مالكُهم ومربيِهم والكلُّ تحتَ ملكوتِه مفتقرٌ إليه في ذاتِه ووجودِه وسائرِ أحوالِه جميعاً بحيثُ لو انقطعَ فيضُه عَنه آناً لانعدمَ بالكليةِ
(7/283)

هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)
{هُوَ الحى} المتفردُ بالحياةِ الذاتية الحقيقية {لا إله إلا هو} إذْ لاَ موجودَ يدانيهِ في ذاتِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ {فادعوه} فاعبدُوه خاصَّةً لاختصاصِ ما يُوجبه به تعالَى {مُخْلِصِينَ لَهُ الدين} أي الطاعةَ من الشركِ الجليِّ والخفيِّ {الحمد للَّهِ رَبّ العالمين} أيْ قائلينَ ذلكَ عن ابن عباس رضي الله عنُهمَا مَنْ قالَ لاَ إله إلا الله فليقُلْ علَى أثرِها الحُمد للَّهِ رَبّ العالمينَ
(7/283)

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)
{قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَمَّا جَاءنِى البينات مِن رَّبّى} من الحججِ والآياتِ أو من الآياتِ لكونِها مؤيدةً لأدلةِ العقلِ منبهةً عليها فإنَّ الآياتِ التنزيليةَ مفسراتٌ للآياتِ التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفُسية {وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين} أيْ بأنْ أنقادَ لهُ وأخلصَ له دِيني
(7/283)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)
{هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ} أيْ في ضمنِ خلقِ آدمَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منه حسبَما مرَّ تحقيقُه مراراً {ثُمَّ مِن نطفة} أي ثم خلقكم خلقا تفصيليا من نطفة أي منيَ {ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً} أي أطفالاً والإفراد لإرادة الجنسِ أو لإرادةِ كلِّ واحدٍ من أفرادِه {ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ} علةٌ ليخرجَكم معطوفةٌ على علةٍ أخرى له مناسبة لها كأنه قيلَ ثم يُخرجَكُم طِفْلاً لتكبروا شيئا فشيئا ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقلِ وكَذا الكلامُ في قولِه تعالى {ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً} ويجوزُ عطفُه عَلى لتبلغُوا وقُرِىءَ شيخاً كقولِه تعالَى طِفْلاً {وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ} أي من قبلِ الشيخوخةِ بعد بلوغ الأشد أو قبله أيضاً {وَلِتَبْلُغُواْ} متعلقٌ بفعلٍ مقدرٍ بعدَهُ أي ولتبلغُوا {أَجَلاً مُّسَمًّى} هُو وقتُ الموتِ أو يومَ القيامةِ بفعل ذلكَ {وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ولكي تعقلُوا ما في ذلكَ من فنونِ الحِكَمِ والعِبر
(7/283)

هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)
{هو الذي يحيي} الأمواتَ {وَيُمِيتُ} الأحياءَ أو الذي يفعل الاحياء والامانة {فَإِذَا قضى أَمْرًا} أي أرادَ أمراً من الأمورِ {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} من غيرِ توقفٍ على شيءٍ من الأشياءِ أصلاً وهذا تمثيلٌ لتأثيرِ قدرته في المقدوراتِ عند تعلقِ إرادتِه بها وتصويرٌ لسرعةِ
(7/283)

غافر 69 73 ترتبِ المكوناتِ على تكوينِه من غير أن يكون هناكَ أمرٌ ومأمورٌ والفاءُ الأُولَى للدِلالةِ على أنَّ ما بعدَها من نتائج ما قبلها من اختصاصِ الاحياء والامانة به سبحانَه
(7/284)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون في آيات الله أنى يُصْرَفُونَ} تعجيبٌ من أحوالِهم الشنيعةِ وآرائِهم الركيكةِ وتمهيدٌ لما يعقُبه من بيانِ تكذيبِهم بكلِّ القُرآنِ وبسائرِ الكتبِ والشرائعِ وترتيبُ الوعيدِ على ذلكَ كما أن ما سبقَ من قولِه تعالى إِن الذين يجادلون في آيات الله الخ بيان لابتناء جدالِهم على مَبْنى فاسدٍ لا يكادُ يدخُل تحتَ الوجودِ هُو الأمنيَّةُ الفارغةُ فلا تكريَر فيهِ أي انظُرْ إلى هؤلاءِ المكابرينَ المُجادلينَ في آياتِه تعالَى الواضحةِ الموجبةِ للإيمانِ بها الزاجرةِ عن الجدالِ فيها كيفَ يُصرفونَ عنها معَ تعاضدِ الدَّواعِي إلى الإقبالِ عليها وانتفاءِ الصوارفِ عنها بالكُلِّيةِ وقولُه تعالَى
(7/284)

الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)
{الذين كَذَّبُواْ بالكتاب} أيْ بكُلِّ القُرآنِ أو بجنسِ الكُتبِ السماويةِ فإنَّ تكذيبَهُ تكذيبٌ لهَا في محلِّ الجرِّ على أنَّه بدلٌ من الموصولِ الأولِ أو في حيزِ النصبِ أو الرفعِ على الذمِّ وإنما وُصلَ الموصولُ الثَّانِي بالتكذيبِ دُونَ المُجادلةِ لأنَّ المعتادَ وقوعَ المُجادلةِ في بعض الموادِ لا في الكُلِّ وصيغة الماضي الدلالة على التحقق كما أن صيغةِ المضارعِ في الصلةِ الأُولى للدلالةِ على تجددِ المجادلةِ وتكررِها {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} من سائرِ الكتبِ أو مطلقِ الوَحي والشرائعِ {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} كُنْهَ ما فعلُوا من الجدالِ والتكذيبِ عند مشاهدتِهم لعقوباتِه
(7/284)

إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71)
{إِذِ الأغلال فِى أعناقهم} ظرفٌ ليعلمونَ إِذ المَعْنى على الاستقبالِ ولفظُ الماضِي لتيقته {والسلاسل} عطفٌ على الأغلالِ والجارُّ في نيةِ التأخيرِ وقيل مبتدأ حُذف خبرُه لدلالةِ خبر الأول عليه وقيل قوله تعالى {يُسْحَبُونَ} بحذفِ العائدِ أي يُسحبونَ بَها وهُو على الأولَينِ حال من المستكن في الظرفِ وقيل استئنافٌ وقعَ جوابا عن سؤالٍ نشأَ من حكايةِ حالهم كأنَّه قيلَ فماذَا يكونُ حالُهم بعدَ ذلكَ فقيلَ يُسحبونَ
(7/284)

فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72)
{فِى الحميم} وقُرِىءَ والسلاسلَ يَسحبون بالنَّصبِ وَفتحِ الياءِ عَلَى تقديمِ المفعولِ وعطفِ الفعليةِ على الاسميةِ والسَّلاسلِ بالجرِّ حملاً على المَعْنى لأنَّ قولَه تعالى الأغلال فِى أعناقهم في مَعْنى أعناقُهم في الأغلالِ أو إضماراً للباءِ ويدلُّ عليه القراءةُ بهِ {ثُمَّ فِى النار يُسْجَرُونَ} أي يُحرقونَ مِنْ سجرَ التنورَ إذا ملأَهُ بالوقودِ ومنُه السَّجيرُ للصديقِ كأنَّه سُجِّر بالحبِّ أي مُلىءَ والمرادُ بيانُ أنَّهم يُعذبونَ بأنواعِ العذابِ ويُنقلونَ من بابِ إلى بابٍ
(7/284)

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73)
{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تشركون}
(7/284)

غافر
(7/285)

مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74)
74 - 78 {مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} أي يقالُ لَهمُ ويقولونَ وصيغةُ المَاضِي للدلالةِ على التحقق ومَعْنى ضلُّوا عنَّا غابُوا عنَّا وذلكَ قبلَ أنْ يقرن بهم آلهتهم اوضاعوا عنَّا فلم نجدْ ما كُنَّا نتوقعُ منُهم {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} أي بَلْ تبينَ لنَا أنَّا لم نكُنْ نعبدُ شيئاً بعبادتِهم لما ظهرَ لنا اليومَ أنَّهم لم يكونُوا شيئاً يعتدُّ بهِ كقولِك حسبتُه شيئا فلم يكُنْ {كذلك} أي مثلَ ذلكَ الضلالِ الفظيعِ {يضل الله الكافرين} حيت لا يهتدونَ إلى شيءٍ ينفُعهم في الآخرةِ أو كما ضلَّ عنُهم آلهتُهم يُضلّهم عن آلهتِهم حتَّى لو تطالبُوا لم يتصادفُوا
(7/285)

ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
{ذلكم} الإضلالُ {بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرض} أي تبطَرون وتتكبرون {بِغَيْرِ الحق} وهُو الشركُ والطغيانُ {وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} تتوسعونَ في البطر والأشَر والالتفاتُ للمبالغة في التوبيخِ
(7/285)

ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76)
{ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ} أي أبوابَها السبعةَ المقسومةَ لكُم {خالدين فِيهَا} مقدراً خلودُكم فيها {فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين} أي عن الحقِّ جهنمُ والتعبيرُ عن مدخلِهم بالمَثْوى لكونِ دخولِهم بطريقِ الخلودِ
(7/285)

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)
{فاصبر} إلى أنْ يُلاقُوا ما أعد لهم من العذابِ {إِنَّ وَعْدَ الله} بتعذيبِهم {حَقّ} كائنٌ لا محالَة {فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} أي فإنْ نُرِكَ ومَا مزيدةٌ لتأكيدِ الشرطيةِ ولذلكَ لحقتِ النونُ الفعلَ ولا تلحقُه مع إنْ وحدَها {بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ} وهو القتلُ والأسرُ {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبلَ ذلكَ {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} يومَ القيامةِ فنجازِيهم بأعمالِهم وهُو جوابُ نتوفينكَ وجوابُ نرينك محذوفٌ مثلُ فذاكَ ويجوزُ ان يكون جوابا لها بَمعْنى إنْ نُعذبهم في حياتِك أو لم نُعذبْهم فإنَّا نعذبهم في الآخرةِ أشدَّ العذابِ وأفظَعه كما ينبىءُ عنْهُ الاقتصارُ على ذكِر الرجوعِ في هذا المعرضِ
(7/285)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} إذْ قيلَ عددُ الأنبياءِ عليهم السَّلام مائةٌ وأربعةٌ وعشرونَ ألفاً والمذكورُ قصصُهم أفرادٌ معدودةٌ وقيلَ أربعةُ آلافً من بني اسرائيل واربعة آلالف من سائرٍ النَّاسِ {وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ} أي وما صحَّ وما استقامَ لرسولٍ منهم {أن يأتي بآية إِلاَّ بِإِذْنِ الله} فإنَّ المعجزاتِ على تشعب فنونِها عطايَا من الله تعالَى قسمها بينُهم حسبَما اقتضتْهُ مشيئته المبنية على الحكم البالغةِ كسائرِ القَسْمِ ليسَ لهم اختار في إيثارِ بعضِها والاستبدادِ بإتيان المقترح منها
(7/285)

غافر 79 82 {فَإِذَا جَاء أَمْرُ الله} بالعذابِ في الدُّنيا والآخرةِ {قُضِىَ بالحق} بإنجاءِ المُحقِّ وإثابتِه وإهلاكِ المُبطلِ وتعذيبِه {وَخَسِرَ هُنَالِكَ} أي وقتَ مجيءِ أمرِ الله اسمُ مكانٍ استعيرَ للزمانِ {المبطلون} أي المتمسكونَ بالباطلِ على الإطلاقِ فيدخلُ فيهم المعاندونَ المقترحونَ دخولاً أولياً
(7/286)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79)
{الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الأنعام} قيلَ هيَ الإبلُ خَاصَّةً أي خلقَها لأجلِكُم ومصلحتِكم وقولُه تعالى {لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} تفصيلٌ لما دلَّ عليهِ اللامُ إجمالاً ومِنْ لابتداءِ الغايةِ ومعناهَا ابتداءٌ الركوبِ والأكلِ منَها أي تعلقهُما بَها وقيل للتبعيضِ أي لتركبُوا بعضَها وتأكلُوا بعضَها لا على أَنَّ كلاَّ من الركوبِ والأكلِ مختصٌّ ببعضٍ معينٍ منها بحيثُ لا يجوزُ تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بل على أن كلَّ بعضٍ منَها صالحٌ لكلَ منهما وتغييرُ النظمِ الكريمِ في الجُملةِ الثانيةِ لمُراعاةِ الفواصلِ معَ الإشعارِ بأصالِة الركوبِ
(7/286)

وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)
{وَلَكُمْ فيِهَا منافع} أُخرُ غيرُ الركوبِ والأكلِ كألبانِها وأوبارِها وجلودِها {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ} بحملِ أثقالِكم من بلدٍ إلى بلدٍ {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ} لعلَّ المرادَ به حملُ النساءِ والولدانِ عليها بالهودجِ وهو السرُّ في فصلِه عن الركوبِ والجمعُ بينها وبين الفلك في الحملِ لِمَا بينَهمَا من المناسبةِ التامَّةِ حتى سُميتْ سفائنَ البرِّ وقيلَ هي الأزواجُ الثمانيةُ فمعنى الركوبِ والأكلِ منها تعلقُهمَا بالكلِّ لكن لا على أن كلا منهما يجوز تعلقه بكل منها ولا على أن كلا منهما مختصٌّ ببعضٍ معينٍ منها بحيثُ لا يجوزُ تعلقُه بما تعلقَ به الآخرُ بل على أنَّ بعضَها يتعلق به الاكل فقط كالغنم وبعضها يتعلقُ به كلاهُما كالإبلِ والبقرِ والمنافعُ تعمُّ الكلَّ وبلوغُ الحاجةِ عليها يعمُّ البقر
(7/286)

وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)
{ويريكم آياته} دلائلَه الدالةَ على كمالِ قدرتِه ووفورِ رحمتِه {فَأَىَّ آيات الله} أي فأيَّ آيةٍ من تلكَ الآياتِ الباهرةِ {تُنكِرُونَ} فإنَّ كلاً منها منَ الظهورِ بحيثُ لا يكادُ يجترىءُ على إنكارِها من له عقلٌ في الجملةِ وهو ناصبٌ لأيَّ وإضافةُ الآياتِ إلى الاسمِ الجليلِ لتربيةِ المهابةِ وتهويلِ إنكارِها وتذكير أيْ هُو الشائعُ المستفيضُ والتأنيثُ قليلٌ لأنَّ التفرقةَ بين المذكِر والمؤنثِ في الأسماءِ غيرُ الصفاتِ نحوُ حمارٌ وحمارةٌ غريبٌ وهيَ في أيَ أغربُ لإبهامِه
(7/286)

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ} أي أقعدُوا فلم يَسِيرُواْ {فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِم} من الأمم المهلكة وقوله تعالى {كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} الخ استئنافٌ مسوقٌ لبيانِ مبادِي أحوالِهم وعواقِبها {وآثارا فِى الأرض} باقيةً بعدَهُم من الأبنيةِ والقصورِ والمصانعِ وقيل هي آثارُ أقدامِهم في الأرضِ لعظمِ أجرامِهم {فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}
(7/286)

مَا الأُولى نافيةٌ أو استفهاميةٌ منصوبةٌ بأَغْنَى والثانيةُ موصولةٌ أو مصدريةٌ مرفوعةٌ أي لم يغن عنهم أو أيَّ شيءٍ أغنَى عنهُم مكسوبُهم أو كسبُهم
(7/287)

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)
{فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} بالمعجزاتِ أو بالآياتِ الواضحةِ {فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مّنَ العلم} أي أظهرُوا الفرحَ بذلك وهو مالهم من العقائدِ الزائغةِ والشُّبهِ الداحضة وتسميتُها علماً للتهكمِ بهم أو علُم الطبائعِ والتنجيمِ والصنائعِ ونحوِ ذلك أو هو علمُ الأنبياءِ الذي أظهرَهُ رسلُهم على أنَّ مَعْنى فرحِهم بهِ ضحِكُهم منْهُ واستهزاؤُهم بهِ ويؤيدُه قولُه تعالى {وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون} وقيلَ الفرحَ أيضاً للرسلِ فإنَّهم لمَّا شاهدُوا تماديَ جهلِهم وسوءَ عاقبتِهم فِرحُوا بمَا أُوتوا منَ العلمِ المُؤدِّي إلى حُسنِ العاقبةِ وشكرُوا الله عليهِ وحاقَ بالكافرينَ جزاءُ جهلِهم واستهزائِهم
(7/287)

فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84)
{فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} شدةَ عذابِنا ومنْهُ قولُه تعالى بعذاب بئيس {قالوا آمنا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} يعنونَ الأصنامَ
(7/287)

فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} أي عندَ رؤيةِ عذابِنا لامتناعِ قَبولِه حينئذٍ ولذلكَ قيلَ فلم يك بمعنى لَم يصحَّ ولم يستقمْ والفاء الاولى بيان عاقبةِ كثرتِهم وشدةِ قوتِهم وما كانُوا يكسبونَ بذلكَ زعما منهم ان يُغنِي عنُهم فلم يترتبْ عليهِ إلا عدمُ الإغناءِ فبهذا الاعتبارِ جرى مَجرى النتيجةِ وإنْ كانَ عكسَ الغرضِ ونقيضَ المطلوبِ كَما في قولك وعظتُه فلم يتعظْ والثانيةُ تفسيرٌ وتفصيلٌ لما أُبهمَ وأُجملَ من عدمِ الإغناءِ وقد كثُر في الكلامِ مثلُ هذه الفاء ومبناها على التفسيرَ بعدَ الإبهامِ والتفصيلِ بعد الإجمالِ والثالثةُ لمجردِ التعقيبِ وجعلِ ما بعدَها تابعاً لما قبلَها واقعاً عقيبه لأنَّ مضمونَ قولِه تعالَى فلمَّا جاءتْهُم الخ هُو أنَّهم كفُروا فصارَ مجموعُ الكلامِ بمنزلةِ أنْ يقالَ فكفرُوا ثمَّ لما رَأَوا بأسَنا آمنُوا والرابعةُ للعطفِ على آمنُوا كأنَّه قيلَ فآمنُوا فلم ينفعْهُم لأنَّ النافعَ هُو الإيمانُ الاختياريُّ {سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ} أي سَنَّ الله تعالَى ذلكَ سُنَّةً ماضيةً في العباد وهو من المصادر المؤكدةِ {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون} أي وقتَ رؤيتِهم البأسَ على أنه اسم مكان قد استُعيرَ للزمانِ كما سلفَ آنِفاً عن رسولِ الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَنْ قرأَ سورةَ المؤمنِ لم يبقَ روحُ نبيَ ولا صدِّيقٍ ولا شهيدٍ ولا مؤمنٍ إلا صلَّى عليه واستغفر له
(7/287)

سورة
فصلت آية (1 5)
} 5

سورة فصلت مكية وآياتها أربع وخمسون آية
{بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم}
(8/2)

حم (1)
{حم} إنْ جُعلَ إسماً للسورةِ فهو إما خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ وهو الأظهرُ لما مر سرِّه مِراراً أو مبتدأٌ خبره
(8/2)

تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2)
{تنزل} وهو عَلى الأولِ خبرٌ وخبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ إن جُعلَ مسروداً على نمطِ التعديدِ وقولُه تعالى {مّنَ الرحمن الرحيم} متعلقٌ به مؤكِّدٌ لما أفادَه التنوينُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أو خبرٌ آخرُ أو تنزيلٌ مبتدأٌ لتخصُّصِه بالصفةِ خبرُه
(8/2)

كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)
{كتاب} وهو على الوجوده الأُوَل بدلٌ منْهُ أو خبرٌ آخرُ أو خبرٌ لمحذوفٍ ونسبةُ التنزيلِ إلى الرحمن الرحيمِ للإيذانِ بأنه مدارٌ للمصالحِ الدينيةِ والدنيويةِ واقعٌ بمقتضى الرحمةِ الربانيةِ حسبما ينبيء عنه قوله تعالى {وَمَا أرسلناك إِلاَّ رحمة للعالمين} {فصلت آياته} ميرت بحسبِ النظمِ والمَعنْى وجُعلتْ تفاصيل في اساليب مختلة ومعانٍ متغايرةٍ من أحكامٍ وقصصٍ ومواعظَ وأمثالٍ ووعدٍ ووعيد وفرىء فُصِلَتْ أي فَرَقتْ بينَ الحقِّ والباطلِ أو فُصلَ بعضُها من بعضٍ باختلافِ الأساليب والمعان من قولكَ فصَل من البلد فصولاً {قرآنا عَرَبِيّاً} نصبَ على المدحِ أو الحاليةِ من كتابٌ لتخصصه بالصفة أو من آياته {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي معانيَهُ لكونِه على لسانِهم وقيلَ لأهل العلم والنظر لأنهم المنتفعونَ به واللامُ متعلة بمحذوفٍ هو صفةٌ أُخْرى لقرآناً أي كائناً لقومٍ الخ أو بتنزيلٌ على أنَّ منَ الرحمن الرحيمِ ليستْ بصفة له أو بفصِّلَتْ
(8/2)

بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)
{بَشِيراً وَنَذِيراً} صفتانِ أُخريانِ لقرآنا أي بشير الأهل الطاعة ونذيراً لأهل المعصية أو حالانِ منْ كتابٌ أو من آياتِه وقُرِئَا بالرفع على الوصفية لكتابٌ أو الخبريةِ لمحذوف {فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ} عنْ تدبره مع كونه على لغتهم {فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} سماعَ تفكرٍ وتأمل حتى يفهموا اجلالة قدرِه فيؤمنُوا به
(8/2)

وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)
{وقالوا}
(8/2)

فصلت آية (6 8) أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندَ دعوتِه إيَّاهم إلى الإيمان والعملِ بما في القرآن {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ} أي أغطية {مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى آذاننا وقر} أي صمم الثقل وقرىء بالكسر وفرىء بفتحِ القافِ {وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} غليظ بمنعنا عن التواصلِ ومنْ للدلالةِ على أن الحجابَ مبتدأٌ من الجانبينِ بحيثُ استوعبَ ما بينهما من المسافةِ المتوسطةِ ولم يبقَ ثمةَ فراغٌ أصلاً وهذه تمثيلاتٌ لنُبوِّ قلوبِهم عنْ إدراك الحق وقبله ومج أسماعههم له كأن بهاصمما وامتناع مواصلتِهم وموافقتِهم للرسولِ صلى الله عليه وسلم {فاعمل} أي على دينكَ وقيلَ في إبطال أمرنا {إِنَّنَا عاملون} أي على دينِنا وقيل في إبطال أمرِك والأولُ هو الأظهرُ فإن قولَه تعالى
(8/3)

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6)
{قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بشرٌ مثلُكم يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ} تلقينٌ للجوابِ عنه أي لستُ منْ جنس مغايرٍ لكم حتى يكونَ بيني وبينكم حجابٌ وتباينٌ مصححٌ لتباين الأعمالِ والأديان كما ينبىءُ عنه قولُكم فاعملْ إننَا عاملون بل إنما مثلُكم مأمورٌ بما أُمرتم به حيثُ أُخبرْنا جميعاً بالتوحيد بخظاب جامع بين وبينكم فإن الخطابَ في إلهكم محكى منتظم للكل لا أنه خطابٌ منه عليه الصلاة والسلام كما في مثلُكم وقيلَ المعنى لستُ مَلَكاً ولا جِنياً لا يمكنكم التقلى منه ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقولُ والأسماعُ وإنما أدعوكُم إلى التوحيدِ والاستقامةِ في العملِ وقد تدلُّ عليهما دلائلُ العقلِ وشواهدُ النقلِ وقيلَ المَعْنى إني لستُ بملَكٍ وإنما أنا بشرٌ مثلُكم وقد أُوحي إليّ دونَكُم فصحَّتْ بالوحي إليَّ ون بشرٌ نبوتِي وإذا صحَّت نبوتِي وجبَ عليكم اتباعِي فتأمل والفاء في قوله تعالى {فاستقيموا إِلَيْهِ} لترتيبِ ما بعدها على ما قبلها من إحياء الوحدانيةِ فإن ذلك موجبٌ لاستقامتِهم إليه تعالى بالتوحيدِ والإخلاصِ في الأعمالِ {واستغفروه} مما كنتم عليهِ من سُوءِ العقيدةِ والعملِ وقولُه تعالى {وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ} ترهيبٌ وتنفيرٌ لهم عن الشركِ إثَر ترغيبِهم في التوحيدِ ووصفهم بقولِه تعالى
(8/3)

الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)
{الذين لا يؤتون الزكاة} لزيادة التحذيرِ والتخويفِ عن منع الزكاةِ حيثُ جُعلَ من أوصافِ المشركينَ وقُرنَ بالكفر بالآخرة حيث قيل {وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون} وهو عطفٌ على لا يُؤتون داخلٌ في حيزِ الصلةِ واختلافُهما بالفعلية والاسميةِ لما أنَّ عدمَ إيتائِها متجددٌ والكفرُ أمرٌ مستمرٌ ونُقلَ عن ابن عباس رضي الله عنهُما أنه فسرَ لا يُؤتون الزكاةَ بقوله لا يقولون لا إله إلا الله فإنها زكاةُ الأنفسِ والمعنى لا يظهرون أنفسَهُم من الشرك بالتوحيد وهو مأخوذٌ من قولِه تعالى {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} وقال الضحاكُ ومقاتلٌ لا ينفقون في الطاعات ولا يتصدقُون وقال مجاهدٌ لا يزكون أعمالَهُم
(8/3)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)
{إن الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي
(8/3)

فصلت آية (9 10) لا يُمنُّ به عليهم من المَنِّ وأصله الثقلُ أولا يُقطع من مننتُ الحبلَ قطعتُه وقيل نزلتْ في المَرضى والهَرمى إذا عجزُوا عن الطاعة كُتب لهم الأجرُ كأصحِّ ما كانوا يعلمونه
(8/4)

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)
{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ} إنكارٌ وتشنيعٌ لكفرهم وإنَّ واللامُ إنا لتأكيد الإنكارِ وتقديمُ الهمزةِ لاقتضائها الصدارةَ لا لإنكارِ التأكيدِ وإما للإشعارِ بأن كفرَهُم من البعد بحيثُ ينكرُ العقلاءُ وقوعَهُ فيحتاجُ إلى التأكيد وإنما علق كفرُهم بالموصول حيثُ قيل {بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ} لتفخيم شأنِه تعالى واستعظامِ كفرِهم به أي بالعظيمِ الشأنِ الذي قدَّرَ وجودَها أي حكَم بأنها ستوجدُ في مقدار يومينِ أو في نوبتينِ على أن ما يُوجدُ في كل نوبة بأسرعِ ما يكونُ وإلا فاليومُ الحقيقيُّ إنما يتحققُ بعدَ وجودِها وتسويةِ السمواتِ وإبداعِ نيرّاتِها وترتيبِ حركاتِها {وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً} عطفٌ على تكفرُونَ داخلٌ في حكم الإنكارِ والتوبيخِ وجمعُ الأندادِ باعتبار ما هو الواقعُ لا بأن يكونَ مدارُ الإنكارِ هو التعددُ أي وتجلعون له أنداداً والحالُ أنه لا يمكنُ أن يكونَ له ندٌّ واحدٌ {ذلك} إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ وما فيهِ منْ معنى البعد مع قرب العهدِ بالمُشار إليه للإيذان ببُعدِ منزلِته في العظمة وإفرادُ الكافِ لما مرَّ مرار من أنَّ المرادَ ليس تعيينَ المخاطبينَ وهو مبتدأٌ خبرُه ما بعده أي ذَلِكَ العظيمُ الشأنِ الذي فعلَ ما ذُكرَ {رَبّ العالمين} أي خالقُ جميعِ الموجوداتِ ومربيها دونَ الأرضِ خاصَّة فكيفَ يتُصورُ أن يكونَ أخسُّ مخلوقاتِه نِداً له وقولُه تعالَى
(8/4)

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)
{وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ} عطفٌ على خلقَ داخلٌ في حكمِ الصلةِ والجعلُ إبداعيٌّ وحديثُ لزومِ الفصلِ بينهما بجملتين خارجيتين عن حيزِ الصلةِ مدفوعٌ بأن الأُولى متحدةٌ بقولِه تعالى تكفرونَ فهو بمنزلةِ الإعادةِ له والثانيةُ اعتراضيةٌ مقررةٌ لمضمون الكلامِ بمنزلة التأكيدِ فالفصلُ بهما كلاَ فصلٍ على أن فيه فائدةَ التنبيِه على أن مجر المعطوفِ عليه كافٍ في تحقق ربوبيتِه للعالمينَ واستحالةِ أنْ يجعلَ له ندٌّ فكيفَ إذا انضمَّ إليه المعطوفاتُ وقيلَ هو عطفٌ على مقدرٍ أي خلقَها وجعلَ الخ وقيلَ هو كلام مستأنف وأيا ما كان فالمرادُ تقديرُ الجعلِ لا الجعلُ بالفعل وقوله تعلى {مّن فَوْقِهَا} متعلقٌ بجعلَ أو بمضمرٍ هو صفةٌ لرواسِي أي كائنةً من فوقها مرتفعةً عليها لتكونَ منافعها معرضة لأهللها ويظهرَ للنظّارِ ما فيَها من مراصد الاعتيار ومطارحِ الأفكارِ {وبارك فِيهَا} أي قدرَ أن يكثرَ خيرُها بأن يخلقَ أنواعَ الحيواناتِ التي من جُملتها الإنسانُ وأصنافُ النباتِ التي منها معايشُهم {وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها} أي حكَم بالفعلِ بأن يوجدَ فيما سيأتي لأهلها من الأنواع المختلفةِ أقواتُها المناسبةُ لها على مقدار معينٍ تقتضيه الحكمةُ وقُرِىءَ وقَسَّم فيَها أقواتَها
(8/4)

فصلت آية (11 12) {فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} متعلقٌ بحصول الأمورِ المذكورةِ لا بتقديرها أي قدرَ حصولَها في يومينِ وإنما قيلَ فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي تتمةِ أربعةٍ تصريحاً بالفذلكةِ {سَوَآء} مصدرٌ مؤكدٌ لمضمرٍ هو صفى لأيامٍ أي استوتْ سواءً أيَّ استواءً كما ينبىءُ عنْهُ القراءةُ بالجرِّ وقيلَ هُو حالٌ من الضمير في أقواتها أو في فيَها وقُرِىءَ بالرفع أي هى سواء {للسائلين} منتعلق بمحذوف تقديرُه هذا الحصرُ للسائيلن عن مدةِ خلقِ الأرضِ وما فيها أو بقدَّرَ أي قدَّرَ فيها أقواتَها لأجل السائلينَ أي الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين وقوله تعالى
(8/5)

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
{ثُمَّ استوى إِلَى السماء} شروعٌ في بيانِ كيفيةِ التكوين إثر بيان كفية التقدير ولعل تحصيص البيانِ بما يتعلقُ بالأرض وأهلِها لما أن بيان اعتنائِه تعالى بأمر المخاطبين وترتيبِ مبادِي معايشِهم قبلَ خلقِهم مما يحملُهم على الإيمان ويزجرهم عن الكفر والظغيان أي ثم قصدَ نحوهَا قصداً سوياً لا يلوِي على غيرِه {وَهِىَ دُخَانٌ} أي أمرٌ ظلمانيٌّ عبرَ به عن مادتها أو عن الأجزاء المتصغرةِ التي ركبتْ هي منها أو دخانٌ مرتفعٌ من الماءِ كما سيأتي وإنما خصَّ الاستواءَ بالسماءِ مع أن الخطابَ المترتبَ عليه متوجهٌ إليهما معاً حسبما ينطِق به قولُه تعالى {فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ} اكتفاءً بذكر تقديرها وتقدير ما فيها كأنه قيل فقال لها وللأرض التي قدر ووجودها وودود ما فيها {ائتيا} أي كُونا واحدُثا على وجه معينٍ وفي وقت مقدرٍ لكل منكُما وهو عبارةٌ عن تعلق إرادته تعلى بوجودهما تعلقاً فعلياً بطريق التمثيلِ بعد تقديرِ أمرِهما من غير أن يكون هناك أمرٌ ومأمورٌ كما في قوله تعالى كُنْ وقولُه تعالى {طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} تمثيلٌ لتحتم تأثيرِ قدرته تعلى فيهما واستحالةِ امتناعِهما من ذلكَ لا إثباتُ الطوعِ والكرهِ لهما وهما مصدرانِ وقعا موقعَ الحالِ أي طائعتينِ أو كارهتينِ وقولُه تعلى {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} أي منقادينِ تمثيلٌ لكمال تأثرهما بالذات عن القدرة الربانة وحصولِهما كما أُمرتا بهِ وتصوير لكون وجوهما كما هما عليه جارياً على مُقتضى الحكمةِ البالغةِ فإن الطوعَ منبىءٌ عن ذلكَ والكُرهَ موهمٌ لخلافهِ وإنما قيلَ طائعينَ باعتبارِ كونِهما في معرض الخطابِ والجوابِ كقوله تعالى ساجدين وقوله تعلى
(8/5)

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)
{فقضاهن سبع سماوات} تفسيرٌ وتفصيلٌ لتكوين السماءِ المجملِ المعبرِ عنه بالأمر وجوابِه لا أنه فعلٌ مترتب على تكونيها أي خلقهنَّ خلقاً إبداعياً وأتقنَ أمرَهنَّ حسبما تقتضيهِ الحكمة والضميرُ إما للسماء على المَعْنى أو مبهمٌ وسبعَ سمواتٍ حالٌ على الأول تميز على الثانِي {فِى يَوْمَيْنِ} في وقتٍ مقدرٍ بيومينِ وقد بينَ مقدارُ زمانِ خلقِ الأرضِ وخلقِ ما فيها عند بيانِ تقديرهما فكانَ خلقُ الكلِّ في ستة أيامٍ حسبما نصَّ عليهِ في مواقعَ من التنزيلِ {وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا} عطفٌ على قضاهُنَّ أي خلقَ في كلَ منَها ما في الملائكة
(8/5)

والنيّراتِ وغيرِ ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى كما قاله قَتَادةُ والسدِّيُ فالوحي عبارةٌ عن التكوينِ كالأمر مقيدٌ بما قُيِّد به المعطوفُ عليه من الوقت أو أوحى إلى أهل كلَ منَها أوامره وكلَّفهم ما يليقُ بهم من التكاليف فهو بمعناهُ ومطلق عن القيد وأياما كان فعلى ما قُررَ من التفصيل لادلة في الآيةِ الكريمةِ على الترتيب بين إيجادِ الأرضِ وإيجادِ السماءِ وإنما الترتيبُ بين التقديرِ والإيجادِ وإما على تقديرِ كونِ الخلقِ وما عُطف عليهِ من الأفعالِ الثلاثةِ على معانيها الظاهرة فهيَ وما في سورةِ البقرةِ من قولِه تعالى هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات تدلان على خلقِ الأرضِ وما فيها على خلق السماءِ وما فيها وعليه إطباقُ أكثرِ أهلِ التفسيرِ وقد رُويَ أن العرشَ العظيمَ كانَ قبلَ خلقِ السمواتِ والأرضِ على الماء ثم إنه تعلى أحدثَ في الماء اضطراباً فأزبدَ فارتفعَ منه دخانٌ فأما الزبدُ فبقيَ على وجه الماءِ فخلقَ فيه اليُبوسةَ فجعلَه أرضاً واحدةً ثم فتقَها فجعلَها أرَضينَ وأما الدخانُ فارتفعَ وعلاَ فخلقَ منه السمواتِ ورُويَ أنَّه تعالَى خلقَ جِرْمَ الأرضِ يومَ الأحدِ ويومَ الأثنين الاثنينِ ودحاهَا وخلقَ ما فيها يومَ الثلاثاءِ ويومَ الأربعاءِ وخلقَ السمواتِ وما فيهن يومَ الخميسِ ويومَ الجمعةِ وخلقَ آدمَ عليه السلامُ في آخرِ ساعةٍ منه وهيَ الساعةُ التي تقومُ فيها القيامةُ وقيل إن خلقَ جرمِ الأرضِ مقدم على خلق المسوات لكنْ دحوُها وخلقُ ما فيها مؤخرٌ عنه لقولِه تعالى والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ولما اروى عن الحَسَنِ رحَمهُ الله تعالَى أنه خلقَ الأرضَ في موضعِ بيتِ المقدس كهيئة القهر عليه دخانٌ ملتزقٌ بهَا ثمَّ أصعدَ الدخانَ وخلقَ منهُ السمواتِ وأمسكَ الفِهْرَ في موضعِها وبسَط منها الأرضَ وذلكَ قولُه تعالى كَانَتَا رَتْقاً ففتقناهما الآيةَ وليسَ المرادُ بنظمها مع السماءِ في سلكِ الآمرِ بالإتيانِ إنشاءَها وإحداثَها بل إنشاء دحوها وجلعها على وجهٍ خاصَ يليقُ بها من شكلٍ معينٍ ووصفٍ مخصوصٍ كأنه قيلَ ائتيَا على ما ينبغي أنْ تأتيَا عليه ائتِي يا أرض مدحورة قراراً ومِهاداً لأهلكِ وائتِي يا سماء مقبية سقفاً لهم ومعنى الإتيانِ الحصولُ على ذلك الوجهِ كما تنبىء عنه قراءةُ آتِيا وآتينَا منَ المُواتاةِ وهي الموافقةُ وأنتَ خبيرٌ بأنَّ المذكورَ قبلَ الأمرِ بالإتيان ليسَ مجرد خلق جزم الأرضِ حتى يتأتَّى ما ذكرَ بل خلقِ ما فيَها أيضاً من الأمور المتأخرةِ عن دحوِها قطعاً فالأ ظهر أن يُسلكَ مسلكَ الأولينَ ويُحملَ الأمرُ بالإتيانِ على تكوينهما متوافقين على الوجهِ المذكورِ وليسَ من ضرورتِه أن يكونَ دحوُهَا مترتباً على ذلك التكوينِ وإنما اللازمُ ترتبُ حصولِ التوافقِ عليه ولا ريبَ في أن تكوينَ السماءِ على الوجه اللائقِ بها كافٍ في حصولِه ولا يقدحُ في ذلك تكوينُ الأرضِ على الوجه المذكورِ قبل ذلك وأن يُجعلَ الأرضُ في قولِه تعالَى والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها منصوباً بمضمرٍ قد حذف على لا شرطية التفسيرِ ويجعلَ ذلكَ إشارةً إلى ذكِر ما ذُكرَ من بناءِ السماءِ ورفعِ سَمِكها وتسويتِها وغيرَها لا إلى أنفسِها وتحملَ البعديةُ إما على أنه قاصرٌ عن الأولِ في الدلالةِ على القدرة القاهرةِ كما قيلَ وإمَّا على أنه أدخلُ في الإلزامِ لما أنَّ المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلكَ أظهروا إحاطتهم بتفاصيلِها أكملُ وليسَ ما رُويَ عن الحسن
(8/6)

فصلت آية (13 14) رضى الله عنه نصاً في تأخرِ دحوِ الأرضِ عن خلقِ السماءِ فإن بسطَ الأرضِ معطوفٌ على إصعادِ الدخانِ وخلقِ السماءِ بالواوِ فلا دلالةَ في ذلكَ على الترتيب قطعاً وقد نقلَ الإمامُ الواحديُّ عن مقاتلٍ أن خلقَ السماءِ مقدمٌ على إيجادِ الأرضِ فضلاً عن دحوها عن دَحْوهِا فلا بدَّ من حمل الأمرِ بإتيانهِما حينئذٍ أيضاً على ما ذكرَ من التوافقِ والمواتاةِ ولا يقدحُ في ذلك تقدمُ خلقِ السماء على خلقِ الأرضِ كما لم يقدحْ فيهِ تقدمُ خلقِ الأرضِ على خلقِ السماءِ هذا كلُّه على تقدير كونِ كلمةِ ثمَّ للتراخِيِّ الزمانيِّ وأما عَلى تقديرِ كونِها للتراخِي الرتبِي كما جنحَ إليهِ الأكثرونَ فلا دلالةَ في الآيةِ الكريمةِ على الترتيب كما في الوجهِ الأولِ وعلى ذلك بُنيَ الكلامُ في تفسيرِ قولِه تعالى {هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض} جَمِيعاً الآيةَ وإنما لم يُحملْ الخلقُ هناكَ على معنى التقديرِ كما حمل عليه هنا لتوفية مقام الامتنان حقه {وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح} من الكواكب فإنها كلَّها تُرى متلألئةً عليها كأنَّها فيها والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإبرازِ مزيدِ العنايةِ بالأمرِ وقولُه تعالى {وَحِفْظاً} مصدرٌ مؤكدٌ لفعلٍ معطوفٍ على زيَّنا أيْ وحفظناهَا من الآفاتِ أو من المُسترِقة حِفظاً وقيل مفعولٌ لهُ على المَعنْى كأنَّه قيلَ وخلقنَا المصابيحَ زينةً وحِفْظاً {ذلك} الذي ذُكِرَ بتفاصيلِه {تَقْدِيرُ العزيز العليم} المبالغ في القدرةِ والعلم
(8/7)

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} متصلٌ بقولِه تعالَى قُلْ أَئِنَّكُمْ الخ أي فإنْ أعرضُوا عن التدبرِ فيما ذُكِرَ من عظائمِ الأمورِ الداعيةِ إلى الإيمانِ أو عن الإيمانِ بعد هذا البيانِ {فَقُلْ} لهم {أنذرتكم} أي أنذرتكم وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحققق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذَرِ به {صاعقة} أي عذاباً هائلاً شديدَ الوقع كأنه صاعقةٌ {مّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ} وقُرِىءَ صعقةً مثلَ صعقةِ عادٍ وثمودٍ وهيَ المرةُ منَ الصعْقِ أو الصعق يقال صعقة الصاعقةُ صعْقاً فصَعِقَ صعْقاً وهو من باب فعلته فَفَعِلَ
(8/7)

إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14)
{إِذْ جَاءتْهُمُ الرسل} حَالٌ منْ صَاعقةِ عادٍ ولا سَدادَ لجعلِه ظرفاً لأنذرتكُم أو صفةً لصاعقةً لفسادِ المَعنْى وأما جعلُه صفةً لصاعقةِ عادٍ أي الكائنةِ إذْ جاءتهُم ففيهِ حذفُ الموصول مع بعض صلته {مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} متعلقٌ بجاءتْهم أي من جميعِ جوانبِهم واجتهدُوا بهم من كلِّ جهةٍ أو من جهةِ الزمانِ الماضِي بالإنذارِ عما جَرى فيهِ على الكفارِ ومن جهةِ المستقبل بالتحذيرِ عما سيَحيقُ بهم من عذابَ الدُّنيا وعذابَ الآخرةِ وقيلَ المَعْنى جاءتْهم الرسلُ المتقدمونَ وَالمتأخرونَ على تنزيلِ مجيءِ كلامِهم ودعوتِهم إلى الحقِّ منزلةَ مجيءِ أنفسِهم فإنَّ هُوداً وصَالحاً كانا داعيينِ لهُم إلى الإيمانِ بهما وبجميع الرسلِ ممن جاءَ من بينِ أيديِهم أي من قبلِهم وممن يجيءُ مّنْ خَلْفِهِمْ أي مَنْ بعدِهم فكأنَّ الرسلَ قد جاءُوهم وخاطبوهم بقوله تعالى {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله} أي بأنْ لا تعبدوا على أنَّ أنْ مصدريةٌ أو أي لا تعبدُوا على أنَّها مفسرةٌ {قَالُواْ لَوْ شَاء ربنا}
(8/7)

فصلت آية (15 16) إرسالَ الرسلِ لا إنزالَ الملائكة قيل فإنه عن إفادة ما أرداوه منْ نفي رسالةِ البشرِ وقد مرَّ فيما سلفَ {لاَنزَلَ ملائكة} أي لأرسلَهُم لكنْ لما كانَ إرسالُهم بطريق الإنزال قبل لأنزلَ {فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي على زعمِكم وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم {كافرون} للما أنَّكم بَشَرٌ مّثْلُنَا من غيرِ فضلٍ لكُم علينا رُوِيَ أنَّ أَبا جهلٍ قالَ في ملأٍ من قُريشٍ قد التبسَ علينا أمرُ محمدٍ فلو التمستُم لنا رجل عالماً بالشعرِ والكهانةِ والسحرِ فكلَّمه ثم أتانَا ببيانٍ من أمرِه فقالَ عتبةُ بنُ ربيعةَ والله لقد سمعتُ الشعرَ والكهانةَ والسحرَ فكلمه ثم أتانا بيان من أمرِه فقالَ عتبةُ بنُ ربيعةَ والله لقد سمعتُ الشعرَ والكهانةَ والسحرَ علمت من وعلمتُ من ذلكَ علماً وما يَخْفي عليَّ فأَتاهُ فقالَ أنتَ يا محمدُ خيرا أَمْ هاشمٌ أنتَ خيرٌ أمْ عبدُ المطلبِ أنت خيرٌ أم عبدُ اللَّهِ فبم تشتمُ آلهتَنا وتضللنَا فإنْ كنتَ تريدُ الرياسةَ عقدنَا لكَ اللواءَ فكنتَ رئيساً وإن تكُ بكَ الباءةُ زوجناكَ عشرَ نسوةٍ تختارهُنَّ أيَّ بناتِ قريشٍ شئتَ وإنا كانَ بكَ المالُ جمعنَا لكَ ما تستغِني ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ساكتٌ فلما فرغَ عتبةُ قال صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم {حم} الى قوله تعلى مثل صاعغقة عَادٍ وَثَمُودَ فأمسكَ عتبةُ على فيه صلى الله عليه وسلم وناشدَهُ بالرحمَ ورجعَ إلى أهلِه ولم يخرجْ إلى قريشٍ فلما احتبسَ عنْهُم قالوا ما نرى عبتة إلا قدْ صبأَ فانطلقُوا إليه وقالوا يا عبت ما حبسك عَنَّا إلا أنكَ قد صبأتَ فغضبَ ثم قال والله لقد كلَّمتُه فأجابني بشيءٍ والله ما هو بشعرٍ ولا كهانةٍ ولا سحرٍ ولما بلغَ صاعقةَ عادٍ وثمودَ أمسكتُ بفيِه وناشدتُه بالرحم أنْ يكفَّ وقد علمتُم أن محمداً إذا قالَ شيئاً لم يكذبْ فخفتُ أن ينزلَ بكُم العذابُ
(8/8)

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)
{فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِى الأرض} شروعٌ في حكايةِ ما يخص بكلا واحدةٍ من الطائفتينِ من الجنايةِ والعذابِ إثرَ حكايةِ ما يعمُّ الكلَّ من الكفرِ المطلقِ أي فتعظمُوا فيَها على أهلِها أو استعلَوا فيَها واستولَوا على أهلِها {بِغَيْرِ الحق} أي بغير استحقاق للتعظم والولايةِ {وَقَالُواْ} مدلين بشدَّتِهم وقوَّتِهم {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} حيثُ كانُوا ذوي أجسامٍ طوالٍ وخَلْقٍ عظيمٍ وقد بلغَ من قوتهم أنَّ الرجلَ كان ينزعُ الصخرة من جبل فيقتلعها بيده {أولم يَرَوْاْ} أي أغفَلُوا أو ألم ينظروا ولم يعلموا علماً جلياً شبيهاً بالمشاهدةِ والعيانِ {أَنَّ الله الذى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي قدرةً فإنه تعالَى قادرٌ بالذاتِ مقتدرً على مالا يتناهى قوى على مالا يقدر عليه غير مفيضٌ للقُوى والقُدرِ على كُلِّ قوي وقادرِ وإنما أُورد في حيز الصلةِ خلقَهم دونَ خلقِ السمواتِ والأرضِ لادِّعائِهم الشدةَ في القوةِ وفيه ضربٌ من التهكم بهم {وكانوا بآياتنا} المنزلةِ على الرُّسلِ {يَجْحَدُونَ} أي ينكرونَها وهم يعرفونَ حقيقتَها وهو عطفٌ على فاستكبرُوا كقولِه تعالَى وقالُوا وما بينَهمَا اعتراضٌ للردِّ على كلمتِهم الشنعاءِ
(8/8)

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16)
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} أي باردةً تهلكُ وتحرقُ بشدة
(8/8)

فصلت آية (17 20) بردِها من الصِرِّ وهو البردُ الذي يصِرُّ أي يجمعُ ويقبضُ أو عاصفةً في هبوبِها من الصريرِ {فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ} جمعُ نحِسةٍ من نحِس نَحْساً نقبض سَعِدَ سَعْداً وقُرِىءَ بالسكونِ على التخفيفِ أو على أنه نعتٌ على فَعْلٍ أووصف بمصدرٍ مبالغةً قيلَ كُنَّ آخرَ شوالٍ منَ الأربعاءِ إلى الأربعاءِ وما عذبَ قومٌ إلا في يومِ الأربعاءِ {لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا} وقُرِىءَ لتُذيقَهمُ على إسنادِ الإذاقةِ إلى الريحِ أو إلى الأيامِ وأُضيفَ العذابُ إِلى الخزْي الذي هُو الذُّلُّ ولاستكانة على أنه وصفٌ له كما يعرب عنه قوله تعالى {وَلَعَذَابُ الأخرة أخزى} وهُو في الحقيقةِ وَصفٌ للمعذَّبِ وَقد وُصف به العذابُ للمبالغةِ {وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ} بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوهِ
(8/9)

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)
{وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم} فدللناهُم على الحقِّ بنصبِ الآياتِ التكوينيةِ وإرسالِ الرسلِ وإنزالِ الآياتِ التشريعيةِ وأزحنَا عللَهمُ بالكليةِ وقد مرَّ تحقيقُ مَعنى الهُدى في تفسيرِ قولِه تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ وقُرِىءَ ثمودَ بالنصبِ بفعلِ يفسِّره ما بعدَهُ ومنوناً في الحالينِ وبضمِّ الثاءِ {فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} أي اختارُوا الضلالةَ على الهدايةِ {فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب الهون} داهيةُ العذابِ وقارعةُ العذابِ والهُون الهَوانُ وصفَ به العذابُ مبالغةً أو أُبدلَ منْهُ {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} منَ اختيارِ الضلالةِ
(8/9)

وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)
{ونجينا الذين آمنوا وَكَانُواْ يتَّقُونَ} منْ تلكَ الصاعقةِ
(8/9)

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19)
{وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء الله} شروعٌ في بيانِ عقوباتِهم الآجلةِ إثرَ بيانِ عقوباتِهم العاجلةِ والتعبيرُ عنهم بأعداءِ الله تعالى لذمِّهم والإيذانِ بعلةِ ما يحيقُ بهم منِ ألوانِ العذابِ وقيلَ المردا بهم الكفارُ من الأولينَ والآخرينَ ويردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس وقُرىءَ يَحْشُر على بناءِ الفاعلِ ونصبِ أعداءُ الله وبنونِ العظمةِ وضمِّ الشينِ وكسرِهَا {إِلَى النار} أيْ إلى موقفِ الحسابِ إذْ هناك تتحقق الشاهادة الآتية لا بعدم تمامِ السؤالِ والجوابِ وسَوقهم إلى النَّارِ والتعبير عنه بالنَّارِ إما للإيذانِ بأنَّها عاقبة حشرهم على شرفِ دخولِها وإما لأنَّ حسابَهُم يكونُ على شفيرِها ويومَ إمَّا منصوبٌ باذكُرْ أو ظرفٌ لمضمرٍ مؤخر قد حذف ايهما لقصورِ العبارةِ عن تفصيلِه كما مر في قوله تعالى يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل وقيل ظرفٌ لما يدل عليه قوله تعالى {فهم يوزعون} أي يحبس أولهم على آخِرِهم ليتلاحقُوا وهو عبارةٌ عنْ كثرتِهم وقبل يسلقون ويُدفعون إلى النَّارِ وقولُه تعالَى
(8/9)

حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)
{حتى إذا ما جاؤوها}
(8/9)

أي جميعاً غايةٌ ليُحْشَرُ أو ليوزعونَ أي حتَّى إذا حضروها وما ميزيدة لتأكيدِ اتصالِ الشهادةِ بالحضورِ {شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فى الدنيا من فنون الكفرِ والمعاصِي بأنْ يُنطقَها الله تعالى أو يظهرَ عليها آثار ما اقترفوه بهَا وعن ابنِ عباسٍ رضيَ الله عنهما أنَّ المرادَ بشهادةِ الجلودِ شهادةُ الفروجِ وهو الأنسبُ بتخصيصِ السؤالِ بَها في قولِه تعالى
(8/10)

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)
{وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا} فإن ما تشهدُ به من الزنا أعظمُ جنايةً وقبحاً وأجلبُ للخِزي والعقوبةِ مما يشهدُ به السمع والأبصا من الجناياتِ المكتسبةِ بتوسُّطِهما وقيل المراد بالجلود الجوراح أي سألُوها سؤالَ توبيخٍ لما رُوي أنَّهم قالُوا لها فعنكُنَّ كنا نناضِلُ وفي روايةٍ بُعداً لكُنَّ وسحاق عنكنَّ كنتُ أجادلُ وصيغةُ جمعِ العقلاءِ في خطابِ الجلود وفي قوله تعلى {قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كلَّ شَىْء} لوقوعِها في موقعِ السؤالِ والجوابِ المختصَّينِ بالعقلاءِ أي أنطقنَا الله الذي أنطق وأقدرنا على بيانِ الواقعِ فشهدنا عليكم بما علمتم بواسطتنا من القبائح وما كتمناهَا وقيلَ ما نطقنَا باختيارِنا بلْ أنطقنَا الله الذى أنطق كلَّ شىء وليسَ بذاكَ لما فيهِ من إيهامِ الاضطرارِ في الإخبارِ وقيلَ سألُوها سؤالَ تعجب فالمنى حينئذٍ ليس نطقُنا بعجبٍ من قُدرةِ الله الذي أنطقَ كلَّ حَي {وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فإن من قدَر على خلقِكم وإنشائِكم أولاً وعلى إعادتِكم ورجْعِكم إلى جزائِه ثانياً لا يُتعجبُ من إنطاقِه لجوارِحِكم ولعل صيغةَ المضارعِ مع أنَّ هذه لمحاورة بعدَ البعثِ والرجعِ لَمَّا أنَّ المرادَ بالرجعِ ليسَ مجردَ الردِّ إلى الحياةِ بالبعث بل ما يعُمّه وما يترتبُ عليهِ من العذاب الخالد المترتب عندَ التخاطبِ على تغليبِ المتوقعِ على الواقعِ على أنَّ فيه مراعاةَ الفواصلِ وقولُه تعالى
(8/10)

وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22)
{وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ} حكايةٌ لما سيقالُ لهُمْ يومئذٍ من جهته تعالى بطريقِ التوبيخ والتقريح تقريراً لجوابِ الجلودِ أي ما كنتم تسترون في الدُّنيا عند مباشرتِكم الفواحشَ مخافةَ أن تشهدَ عليكُم جوارِحُكُم بذلكَ كما كنتم تسترون من الناسِ مخافةَ الافتضاحِ عندهم بلْ كنتُم جاحدينَ بالبعثِ والجزاءِ رأساً {ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ} من القبائحِ المخفيةِ فلا يُظهرها في الآخرةِ ولذلكَ اجرتأتم على ما فعلتُم وفيهِ إيذانٌ بأنَّ شهادةَ الجوارحِ بإعلامِه تعالَى حينئذٍ لا بانها عالمةً بما شهدتْ به عند صدورِه عنهم عنِ ابنِ مسعُودٍ رضيَ الله عنه كنتُ مستتراً بأستارِ الكعبةِ فدخلَ ثلاثةُ نفرٍ ثقفيانِ وقرشيٌّ أو قرشيانِ وثقفيٌّ فقال أحدُهم أترونَ أنَّ الله يسمعُ ما نقولُ قال الآخرُ يسمعُ إنْ جهَرنا ولا يسمعُ أن
(8/10)

فصلت آية (23 26) أخفينَا فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم فأنزلَ الله تعالَى وَمَا كنتم تسترون الآيةَ فالحكمُ المحكيُّ حينئذٍ يكونُ خاصَّاً بمن كانَ على ذلكَ الاعتقادِ من الكَفَرةِ ولعلَّ الأنسبَ أنْ يرادَ بالظنِّ مَعْنى مجازيٌّ يعمُّ معناهُ الحقيقيَّ ومَا يَجري مَجراه من الأعمالِ المنبئةِ عنْهُ كما في قولِه تعالى {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} ليعمَّ ما حُكي من الحالِ جميَع أصنافِ الكَفَرةِ فتدبرْ
(8/11)

وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)
{وذلكم} إشارة إلى ماذكر منْ ظنِّهم وما فيهِ من معنى البُعد للإيذان بغايةِ بُعدِ منزلتِه في الشرِّ والسوءِ وهُو مبتدأ وقوله تعلى {ظَنُّكُمُ الذى ظَنَنتُم بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ} خبرانِ لهُ ويجوزُ أن يكونَ ظنُّكُم بدلاً وأرداكم حبرا {فَأَصْبَحْتُم} بسببِ ذلكَ الظنِّ السوءِ الذي أهلككُم {مّنَ الخاسرين} إذ صار مامنحو لنيلِ سَعادةِ الدارينِ سبباً لشقاءِ النشأتينِ
(8/11)

فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)
{فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ} أي محلُّ ثُواءٍ وإقامةٍ أبديةٍ لهم بحيثُ لا براح للهم منهَا والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضأ حالهم أن يعرض عنهم ويحي سوءُ حالِهم لغيرِهم أو للإشعر بإبعادِهم عن حيزِ الخطابِ وإلقائِهم في غايةِ دركاتِ النارِ {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} أي يسألُوا العُتْبَى وهُو الرجوعُ إلى ما يحبونَهُ جزعاً مما هُم فيِه {فَمَا هُم مّنَ المعتبين} المجابينَ إليَها ونظيرُه قولُه تعالى سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صبرنا مالنا مِن مَّحِيصٍ وقُرىءَ وإنْ يستعينوا فما هم من المعتبين أيْ إنْ يسألُوا أن يُرضوا ربَّهم فما هُم فاعلونَ لفواتِ المُكنةِ
(8/11)

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)
{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ} أيْ قدّرنا وقرنا للكفرة في الدُّنيا {قُرَنَاء} جمعُ قرينٍ أي أخداناً من الشياطينِ يستولُون عليهم استيلاءَ القيضِ على البيضِ وهو القشرُ وقيل أصلُ القيضِ البدل ومنه المقايضة البدلُ ومنه المقايضةُ للمعاوضةِ {فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أيديهم} من امور الدينا واتباعِ الشهواتِ {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمورِ الآخرةِ حيثُ أرَوهم أنْ لا بعثَ ولا حسابَ ولا مكروَه قطُّ {وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول} أيْ ثبتَ وتقررَ عليهم كلمةُ العذابِ وتحققَ موجبُها ومصداقُها وهو قولُه تعالَى لإبليسَ فالحق والحق أقل لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجميعن وقوله تعالى لمن اتبعك منهم لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ كما مر مرار {فِى أُمَمٍ} حالٌ منَ الضميرِ المجرورِ أي كائنين في جملةِ أممٍ وقيلَ فِي بمعْنى مَعَ وهَذا كما ترى صريحٌ في أنَّ المرادَ بأعداءِ الله تعالى فيما سبقَ المعهودونَ من عادٍ وثمودَ لا الكفارُ من الأولينَ والآخرينَ كما قيلَ {قَدْ خَلَتْ} صفةٌ لأممٍ أي مضتْ {مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس} على الكُفر والعصيانِ كذأب هؤلاءِ {إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين} تعليل لاستحقاقهم العذاب والضير للأولينَ والآخرينَ
(8/11)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} من رؤساء المشركين لأعقابهم أو قال
(8/11)

فصلت آية (27 30) بعضُهم لبعضٍ {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن} أي لا تُنصتوا له {والغوا فيه} وعارضوه بالخرافا من الرجزِ والشعرِ والتصديةِ والمُكاءِ أو ارفعُوا أصواتَكم بَها لتشوشُوه على القارىءِ وقريء بضم الغين والمعاني واحدٌ يُقالُ لَغَى يَلْغَى كلقى يلقي ولغا يلغوا إذا هَذَى {لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} أي تعلبونه على قراءتِه
(8/12)

فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27)
{فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ} أي فوالله لنذيقنَّ هؤلاءِ القائلينَ واللاغينَ أو جميعَ الكفارِ وهم داخلونَ فيهم دخولاً أولياء {عَذَاباً شَدِيداً} لا يُقادرُ قَدرُهُ {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أيْ جزاءَ سيئاتِ أعمالِهم التي هيَ في أنفسِها أسوأُ وقيلَ إنه لا يجازيهم بمحاسنِ أعمالِهم كإغاثةِ الملهوفينَ وصلةِ الأرحام وقرىء الأضيافِ لأنَّها مُحبطةٌ بالكفرِ وعن ابن عباس رضي الله عنهما عَذاباً شَديداً يومَ بدرٍ وأسوأُ الذي كانُوا يعملونَ في الآخرةِ
(8/12)

ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28)
{ذلك} مبتدأ وقولُه تعالَى {جَزَاء أَعْدَاء الله} خبرُهُ أي ما ذكر من الجزاء جزاء معدلا لأعدائه وقولُه تعالَى {النار} عطفُ بيانٍ للجزاءِ أو ذلكَ خبر مبتدأ محذوف أي الأمرُ ذلكَ على أنه عبارةٌ عن مضمونِ الجملةِ لاعن الجزاءِ وما بعدَهُ جملةٌ مستقلة مبينة لما قبلها وقوله تعالى {لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} جملةٌ مستقلةٌ مقررةٌ لما قبلَها أو النارُ مبتدأٌ هيَ خبرُهُ أي هيَ بعينِها دارُ إقامتِهم على أن في للتجريد وهُو أنْ يُنتزَعَ من أمرٍ ذي صفةٍ أمرٌ آخر مثله مبالغة لكامله فيهَا كما يقالُ في البيضةِ عشرونَ مناً حديدٌ وقيل وهي على مَعناها والمرادُ أنَّ لهم في النارِ المشتملةِ على الدركاتِ داراً مخصوصةً هم فيها خالدونَ {جَزَاء بما كانوا بآياتنا يَجْحَدُونَ} منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ أي يُجزون جزاءً أو بالمصدرِ السابقِ فإن المصدرَ ينتصبُ بمثلِه كما في قولِه تعالى فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا والباءُ الأُولى متعلقةٌ بجزاءً والثانيةُ بيجحدونَ قدمتْ عليهِ لمراعاةِ الفواصل أي بسبب ماكانوا يجحدونَ بآياتِنا الحقَّةِ أو يلغَون فيها وذِكْرُ الجحودِ لكونِه سبباً للغوِ
(8/12)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} وهُم متقلَّبونَ فيما ذُكِرَ من العذاب {ربنا أرنا الذين أضلانا مِنَ الجن والإنس} يعنونَ فريقَي شياطينِ النوعينِ المقيضَينِ لهم الحاملينَ لهم على الكفرِ والمعاصِي بالتسويلِ والتزين وقيلَ هما إبليسُ وقابيلُ فإنَّهما سنَّا الكفرَ والقتلَ بغير حق وقُرِىءَ أَرْنَا تخفيفاً كفَخْذٍ في فَخِذٍ وقيلَ معناهُ أعطِناهُما وقُرىءَ باختلاسِ كسرةِ الراءِ {نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} أي ندسهما انتقاماً منهُمَا وقيلَ نجعلْهُما في الدركِ الأسفلِ {لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين} أي ذلاً ومهانة أو مكاناً
(8/12)

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)
{إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله}
(8/12)

شروعٌ في بيانِ حُسنِ أحوالِ المؤمنينَ في الدُّنيا والآخرةِ بعد بيانُ سوءِ حالِ الكفرةِ فيهَما أيُ قالوا اعترافاً بربوبيتِه تعالَى وإقراراً بوحدانيتِه {ثُمَّ استقاموا} أي ثبتُوا على الإقرارِ ومقتضياتِه على أن ثمَّ للتراخِي في الزمان أو في الرتبةِ فإنَّ الاستقامةَ لها الشأنُ كلُّه وما رُويَ عن الخلفاءِ الراشدينَ رضي الله تعالى عنْهُم فِي معناهَا من الثباتِ على الإيمانِ وإخلاصِ العملِ وأداءِ الفرائضِ بيانٌ لجزئياتِها {تَتَنَزَّلُ عليهم الملائكة} من جهتِه تعالَى يُمدونُهم فيما يَعِنُّ لهَمُ منَ الأمور الدينية والدونيوية بما يشرح صدورَهُم ويدفعُ عنهم الخوفَ والحزنَ بطريقِ الإلهامِ كما أن الكفرةَ يُغويهم ما قُيضَ لهم من قرناءِ السوءِ بتزيينِ القبائحِ وقيلَ تتنزلُ عندَ الموتِ بالبُشرى وقيلَ إذَا قامُوا من قبورِهم وقيلَ البُشرى في مواطنَ ثلاثةٍ عندَ الموتِ وفي القبرِ وعند البعثِ والأظهر هو العمومُ والإطلاقُ كما ستعرفُه {أَلاَّ تَخَافُواْ} ما تُقْدمونَ عليه فإنه الخوف غم يلحف لتووقع المكروِه {وَلاَ تَحْزَنُواْ} على ما خلّفتُم فإنه غمٌّ يحلق لوقوعِه من فواتِ نافعٍ أو حصول ضلار وقيلَ المرادُ نهيُهم عن الغمومِ على الاطلاقِ والمَعنْى أن الله تعالى كتبَ لكُم الأمنَ من كلِّ غمَ فلنْ تذقوه أباد وأنْ إمَّا مفسرةٌ أو مخففةٌ من الثقيلةِ والأصلُ بأنها لا تخافُوا والهاءُ ضميرُ الشأنِ وقُرِىءَ لا تخافُوا أيْ يقولونَ لا تخافُوا على أنه حال من الملائكة أو اشتئناف {وَأَبْشِرُواْ} أي سُرُّوا {بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} في الدُّنيا على ألسنةِ الرُّسلِ هَذا منْ بشاراتِهم في أحدِ المواطنِ الثلاثةِ وقولُه تعالى
(8/13)

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)
{نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الحياة الدنيا} الخ من بشاراتِهم في الدُّنيا أي أعوانُكم في أمورِكم نُلهمكُم الحقَّ ونرشدكم الى مافيه خيرُكُم وصلاحُكُم ولعلَّ ذلكَ عبارةٌ عما يخطرُ ببال المؤمنينَ المستمرينَ على الطاعات من أن ذلك بتوفيق الله تعالى وتأيده لهم بواسطة الملائكةِ عليهم السلام {وَفِى الأخرة} نمدكُم بالشفاعة ونتلقاكُم بالكرامةِ حينَ يقع بين الكفرة وقرانائهم ما يقعُ من التعادِي والخصامِ {وَلَكُمْ فِيهَا} أي في الآخرة {مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ} من فنون الطيباتِ {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} ما تمنون افتعالٌ منَ الدُّعاء بمعنى الطلبِ أي تدَّعون لأنفسِكم وهو أعمُّ من الأول ولكُم في الموضعينِ خبرٌ ومَا مبتدأٌ وفيها حالٌ من ضميره في الخبر وعدمُ الاكتفاءِ بعطفِ ما تدَّعُون عَلى ما تشتهِي للإشباعِ في البشارة والإيذانِ باستقلالِ كلِّ منهما
(8/13)

نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)
{نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} حالٌ مما تدَّعون مفيدةٌ لكون ما يتمنَّونَهُ بالنسبة الى ما عطون من عظائم الأجورِ كالنزل للضيفِ
(8/13)

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله} أي إلى توحيده تعالى وطاعته عن ابن عباس رضي الله عنهما هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الى الإسلام
(8/13)

فصلت (34 37) وعنْهُ أنهم أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقيلَ نزلتْ في المؤذّنين والحقُّ أنَّ حُكمَها عامٌّ لكلِّ من جمعَ ما فيها من الخصال الحميدةِ وإنْ نزلتْ فيمَنْ ذُكِرَ {وَعَمِلَ صالحا} فيما بينَهُ وبينَ رِّبه {وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين} ابتهاجاً بأنه منهُم أو اتخاذاً للإسلامِ دينا ونِحلةً من قولِهم هذا قولُ فلانٍ أي مذهبُه لا أنَّه تكلَّم بذلكَ وقُرِىءَ إنِّي بنونٍ واحدةٍ
(8/14)

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)
{وَلاَ تَسْتَوِى الحسنة وَلاَ السيئة} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبيان محاسنِ الأعمالِ الجاريةِ بين العبادِ إثرَ بيانِ محاسنِ الأعمالِ الجاريةِ بين العبدِ وبين الربِّ عزَّ وجل ترغيباً لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في الصبرِ على أذية المشركين ومقابلة إسائتهم بالإحسان أي لا تستوي الخَصلةُ الحسنة والسيئةُ في الآثار والأحكام ولا الثانيةُ مزيدة التأكيد النَّفي وقولُه تعالَى {ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ} الخ استئنافٌ مبيِّن لحسن عاقبةِ الحسنةِ أي ادفعْ السيئةَ حيثُ اعترضتْكَ من بعضِ أعاديكَ بالتي هيَ أحسنُ ما يمكنُ دفعُها به من الحسناتِ كَالإحسان إلى مَنْ أساءَ فإنه أحسنُ منَ العفوِ وإخراجُه مُخرجَ الجوابِ عنْ سؤالِ منْ قالَ كيفَ أصنعُ للمبالغةِ ولذلكَ وضعَ أحسنُ موضعَ الحسنةِ وقولُه تعالى {فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ} بيانٌ لنتيجة الدفعِ المأمورِ بهِ أيْ فإذَا فعلتَ ذلكَ صارَ عدوُّك المُشاقُّ مثلَ الوليِّ الشفيقِ
(8/14)

وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)
{وَمَا يُلَقَّاهَا} أيُ ما يلقى هذهِ الخَصلةَ والسجيةَ التي هي مقابلُة الإساءةِ بالإحسانِ {إِلاَّ الذين صَبَرُواْ} أي شأنهم الصبر الصبرُ {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ} من الخيرِ وكمالِ النفسِ وقيلَ الحظُّ العظيم الجنةُ وقيلَ هو الثواب وقيل نزلتْ في أبي سفيانَ بنِ حربٍ وكانَ مؤذيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فصارَ ولياً مصافياً
(8/14)

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)
{وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ} مِنَ الشيطان {نَزْغٌ} النزغُ والنسغُ بَمعْنى وهو شبه النخْسِ شُبِّه بهِ وسوسةُ الشيطانِ لأنَّها بعثٌ على الشرِّ وجُعلَ نازغا على طريقة جد حده أو أريدَ وإمَّا ينزغنَّكَ نازغٌ وصفاً للشيطانِ بالمصدرِ أيْ وإن صرفكَ الشيطانُ عمَّا وُصَّيتَ به من الدفعِ بالتي هي أحسنُ {فاستعذ بالله} من شرِّه ولا قطعه {إِنَّهُ هُوَ السميع} باستعاذتِك {العليم} بنيتكَ أو بصلاحِكَ وفي جَعْلِ تركِ الدفعِ بالأحسن من آثار نزعات الشيطانِ مزيدُ تحذيرٍ وتنفيرٍ عنه
(8/14)

وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)
{ومن آياته} الدالة على شئونه العظيمة {الليل والنهار والشمس والقمر}
(8/14)

كلٌّ منَها مخلوقٌ منْ مخلوقاتِه مسخرٌ لأمرِه {لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ} لأنهما من جملةِ مخلوقاتِه المسخرةِ لأوامرِه مثلَكُم {واسجدوا لِلَّهِ الذى خَلَقَهُنَّ} الضميرُ للأربعةِ لأنَّ حُكَم جماعة مالا يعقلُ حكمُ الأنثى أو الإناثِ أو لأنها عبارةٌ عن الآياتِ وتعليقُ الفعلِ بالكل مع كفايةِ بيانِ مخلوقيةِ الشمسِ والقمرِ للإيذان بكمال سقوطِهما عن رتبة المسجوديةِ بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراضِ التي لا قيامَ لها بذاتها وهو السرُّ في نظمَ الكلِّ في سلك آياتِه تعالى {إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} فإن السجودَ أقصى مراتبِ العبادةِ فلا بُدَّ من تخصيصِه به سبحانَهُ وهو موضع للجسود عند الشافعيِّ رحمَهُ الله وعندنا آخر الآية لأنه الأخرى تمامُ المعْنى
(8/15)

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)
{فَإِنِ استكبروا} عن الامتثالِ {فالذين عِندَ رَبّكَ} من الملائكة {يُسَبّحُونَ لَهُ بالليل والنهار} أي دائماً {وَهُمْ لا يسأمون} لا يفترُون ولا يَملّون وقُرِىءَ لا يِسْأمُون بكسرِ الياء
(8/15)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
{ومن آياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة} يابسةً متطامنةً مستعارٌ من الخشوع بمعنى التذليل {فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء} أي المطرَ {اهتزت وَرَبَتْ} أي تحركتْ بالنبات وانتفختْ لأنَّ النبتَ إِذَا دَنا أنْ يظهرَ ارتفعتْ له الأرضُ وانتفختْ ثم تصدعتْ عن النباتِ وقيلَ تزخرفتْ بالنباتِ وقُرىءَ رَبَأَتْ أي ارتفعتْ {إِنَّ الذى أحياها} بما ذُكِرَ بعدَ موتِها {لمحيي الموتى} بالبعث {أَنَّهُ على كُلّ شَىْء قدير} من الأشياء التي من جُملتها الإحياءُ {قَدِيرٌ} مبالِغٌ في القُدرة
(8/15)

إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)
{إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ} يميلونَ عن الاستقامةِ وقُرِىءَ يُلحدون {في آياتنا} بالطعن فيها وتحرفيها بحملها على المحامل البطالة {لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} فنجازيَهم يإلحادهم وقوله تعالى {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة} تنبيةٌ على كيفيةِ الجزاءِ {اعملوا ما شئتم} من الأعمال المؤديةِ إلى ما ذُكِرَ من الإلقاءِ في النارِ والإتيانِ آمناً وفيه تهديد شديد {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيجازيكُم بحسبِ أعمالِكم وقولُه تعالَى
(8/15)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41)
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءهُمْ} بدلٌ من قولِه تعالَى إِنْ الذين يحلدون الخ وخبرُ إنَّ هُو الخبرُ السابقُ وقيلَ مستأنفٌ وخبرها محذوف وقال السكائي سدَّ مسدّه الخبرُ السابقُ والذكرُ القرآنُ وقولُه تعالى {وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ} أي كثيرُ المنافعِ عديمُ النظيرِ أو منيعٌ لاَ تتأتَّى معارضتُه جملةُ حاليةٌ مفيدةٌ لغايةِ
(8/15)

فصلت آية (42 44) شناعةِ الكُفرِ بهِ وقولُه تعالى
(8/16)

لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)
{لا يأتيه الباطلُ من بينِ يديهِ ولا منْ خلفه} أي لا يتظرق إليه الباطلُ من جهةٍ من الجهاتِ صفةٌ أُخرى لكتابٌ وقولُه تعالَى {تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أو صفةٌ أخرى لكتاب مفيدة لقحامته الإضافيةِ كما أن الصفتينِ السابقتان مفيدتان لقحامته الذاتيةِ وقولُه تعالَى لا يأتيه الخ اعتراضٌ عندَ من لا يجوزُ تقديمَ غير الصريحِ من الصفاتِ على الصريح كلُّ ذلكَ لتأكيد بطلانِ الكفرِ بالقرآنِ وقوله تعالى
(8/16)

مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43)
{مَّا يُقَالُ لَكَ} الخ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عَّما يصيبُه من أذيةِ الكفار أي ما يُقالُ في شأنك وشأنِ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن القُرآن من جهةِ كفارِ قومِك {إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} أي إلا مثل ما قد قيلَ في حقِّهم مما لا خيرَ فيه {إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ} لأنبيائِه {وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} لأعدائِهم وقد نصرَ مَنْ قبلك من الرسل وانتقمَ من أعدائِهم وسيفعلُ مثلَ ذلكَ بكَ وبأعدائِك أيضا
(8/16)

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)
{ولو جعلناه قرآنا أعْجَمِيّاً} جوابٌ لقولِهم هَلاَّ أُنزلَ القرآنُ بلغةِ العجمِ والضميرُ للذكرِ {لَّقَالُواْ لَوْلاَ فصلت آياته} أي بينتْ بلسانٍ نفقهُه وقوله تعالى {أأعجمي وعربي} إنكار مقرر للتخصيص والأعجميُّ يُقالُ لكلامٍ لا يفهم وللكمتكلم بهِ والياءُ للمبالغةِ في الوصفِ كأحمريَ والمَعْنى أكلامٌ أعجميٌّ ورسولٌ أو مرسلٌ إليه عربيٌّ على أن الإفرادَ مَعَ كونِ المرسلِ إليهمْ أمةً جمةً لما أنَّ المرادَ بيانُ التنافِي والتنافُرِ بينَ الكلامِ وبينَ المُخاطَبِ بهِ لا بيانُ كونِ المخاطبِ واحداً أو جمعاً وقُرِىءَ أعَجميٌّ أيْ أكلامٌ منسوبٌ إلى أمةِ العجمِ وقُرِىَء أعجميٌّ علَى الإِخبارِ بأنَّ القرآنَ أعجميٌّ والمتكلمُ والمخاطَبُ عربيٌّ ويجوزُ أن يرادَ هَلاَّ فصِّلتْ آياتُه فجعلَ بعضُها أعجمياً لإفهامِ العجمِ وبعضُها عربياً لإفهامِ العربِ وأيَاً ما كانَ فالمقصودُ بيانُ أنَّ آياتِ الله تعالَى على أي وجهٍ جاءتُهم وجدُوا فيها متعنتاً يتعللونَ به {قل هو للذين آمنوا هدى} يهيدهم إلى الحقِّ {وَشِفَاء} لِمَا فِى الصدور من شبة {والذين لاَ يُؤْمِنُونَ} مبتدأٌّ خبره {في آذانِهم وَقْرٌ} على أن التقدير هُو أي القرآنُ في آذانِهم وَقْرٌ على أنَّ وقرٌ خبرٌ للضميرالمقدر وفي آذانِهم متعلقٌ بمحذوفٍ وقعَ حالاً من وقرٌ وهُو أوفقُ لقولِه تعالى {وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} وقيلَ خبرُ الموصولِ في آذانِهم ووَقْرٌ فاعلُ الظرفِ وقيلَ وقرٌ مبتدأٌ والظرفُ خبرُه والجملةُ خبرٌ للموصولِ وقيلَ التقديرُ والذينَ لا يؤمنونَ في آذانِهم منْهُ وقرٌ ومن جوَّزَ العطفَ على عاملينِ عطفَ الموصولَ على الموصولِ الأولِ أي هُو للأولينَ هُدى وشفاءٌ وللآخرينَ وقرٌ في آذانِهم {أولئك} إشارةٌ إلى
(8/16)

47 45
الموصولِ الثانِي باعتبارِ اتصافِه بما في حيز صلته وملاحظة ما أُثبتَ لهُ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلِته في الشرِّ معَ ما فيه من كمالِ المناسبةِ للنداءِ من بعيدٍ أي أولئكَ البُعداءُ الموصوفونَ بما ذكرَ من التصامِّ عن الحقِّ الذي يسمعُونَهُ والتعامِي عن الآياتِ الظاهرةِ التي يشاهدونَها {يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} تمثيلٌ لهم في عدمِ قبولِهم واستماعِهم له بمنْ ينادى من مسافةٍ نائيةٍ لا يكادُ يَسمعُ من مثلِها الأصواتِ
(8/17)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45)
{ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ} كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيانِ أن الاختلافَ في شأنِ الكتبِ عادةٌ قديمةٌ للأممٍ غيرُ مختصَ بقومكَ على منهاجِ قولِه تعالى مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ أيْ وبالله لقد آتيناه التوارة فاختُلفَ فيها فمن مصدقٍ لها ومكذبٍ وهكذا حالُ قومكَ في شأنِ ما آتيناكَ من القرآنِ فمن مؤمنٍ به وكافرٍ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ في حقِّ أمتكَ المكذبةِ وهي العِدَةُ بتأخيرِ عذابِهم وفصلُ ما بينهم وبينَ اللمؤمنين من الخصومةِ إلى يومِ القيامةِ بنحو قوله تعالى بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ وقولِه تعالى ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى {لقضي بينهم} باستئصال المذبين كما فعلَ بمكذِبي الأممِ السالفة {وأنهم} أي الكفار قومِكَ {لَفِى شَكّ مّنْهُ مُرِيبٍ} أي من القرآنِ وَجَعْلُ الضميرِ الأولِ لليهودِ والثانِي للتوراةِ مما لا وجهَ لَهُ
(8/17)

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)
{مَّنْ عَمِلَ صالحا} بأنْ آمنَ بالكتبِ وعملَ بموجِبها {فَلِنَفْسِهِ} أي فلنفسِه يعملُه أو فنفعُه لنفسه لا لغيره {مَّنْ عَمِلَ صالحا} بأنْ آمنَ بالكتبِ وعملَ بموجِبها فَلِنَفْسِهِ أي فلنفسِه يعملُه أو منفعة لنفسه لا لغيرِه {وَمَنْ أساء فعليها} ضرر لا على غيرِه {وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ} اعتراضٌ تذييلي مقرر لمضمون ما قبلَهُ مبنيٌّ على تنزيلِ تركِ إثابةِ المحسنِ بعملِه أو إثابةِ الغيرِ بعملِه وتنزيلِ التعذيبِ بغير إساءةٍ أو بإساءةِ غيرِه منزلةَ الظلمِ الذي يستحيلُ صدروه عنه سبحانَهُ وتعالَى وقد مرَّ ما في المقامِ من التحقيقِ والتفصيلِ في سورةِ آل عمرانَ وسورةِ الأنفالِ
(8/17)

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)
{إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة} أي إذا سئلَ عنها يقال الله يعلم أولا يعلمُها إلا الله تعالَى {وَمَا تَخْرُجُ مِن ثمرات مّنْ أَكْمَامِهَا} أي من أوعيتِها جمعُ كِمٍ بالكسرِ وهُو وعاءُ الثمرةِ كَجُفِّ الطلعةِ وقُرِىءَ من ثمرةٍ على إرادةِ الجنسِ والجمعُ لاختلافِ الأنواعَ وقد قُرِىءَ بجمعِ الضميرِ أيضاً ومَا نافيةٌ ومِنْ الأُولى مزيدةٌ للاستغراقِ واحتمالُ أَنْ تكَونَ ما موصولةً معطوفة على الساعةِ ومِنْ مبينةً بعيدٌ {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ} أي حَملَها وقولُه تعالى {إِلاَّ بِعِلْمِهِ} استثناء مفرغ من أعم الأحوالِ أيْ وما يحدثُ شيء
(8/17)

فصلت آية (48 50) من خروج ثمرة ولاحمل حاملٍ ولا وضعِ واضعٍ ملابساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملابساً بعلمهِ المحيطِ {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى} أي بزعمِكم كما نصَّ عليهِ في قوله تعالى نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ وفيهِ تهكمٌ بهِم وتقريعٌ لَهُم ويومَ منصوبٌ باذكُرْ أو ظرف لمضمر مؤخر قد تُرك إيذاناً بقصورِ البيانِ عنْه كما مرَّ في قوله تعالى {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل} قَالُواْ آذناك أي أخبرناكَ {مَا مِنَّا من شهيد} من أحد يشهد لهم بالشركة إذا تبرأنَا منهم لَمَّا عاينَّا الحالَ وما منا أحدٌ إلا وهو موحدٌ لكَ أو مامنا من أحدٍ يشاهدُهم لأنهم ضلُّوا عنهُم حينئذٍ وقيلَ هو قولُ الشركاءِ أي ما منا من شهيد يشهد لهم بأنَّهم كانُوا محقِّينَ وقولُهم آذناكَ إما لأنَّ هذا التوبيخَ مسبوقٌ بتوبيخٍ آخر مجاب بهذا الجوابِ أو لأنَّ معناهُ أنك علمتَ من قلوبِنا وعقائدِنا الآنَ أنا لا نشهدُ تلكَ الشهادةَ الباطلةَ لأنَّه إذا علمَهُ من نفوسِهم فكأنَّهم أعلمُوه أو لأنَّ معناهُ الإنشاءُ لا الإخبارُ بإيذانٍ قد كانَ قبلَ ذلكَ
(8/18)

وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)
{وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ} أي يعبدونَ {مِن قَبْلُ} أي غابُوا عنُهم أو ظهر عدمُ نفعِهم فكانَ حضورُهم كغَيبتهم {وَظَنُّواْ} أي أيقنُوا {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ} مهربٍ والظنُّ معلقٌّ عنْه بحرفِ النفي
(8/18)

لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49)
{لا يسأم الانسان} أي لا يملُّ ولا يفترُ {مِن دُعَاء الخير} من طلبِ السعةِ في النعمةِ وأسبابِ المعيشةِ وقُرِىءَ من دعاءٍ بالخيرِ {وَإِن مَّسَّهُ الشر} أي العسر والضيقة {فيؤوس قَنُوطٌ} فيه مبالغةٌ من جهة البناءِ ومن جهةِ التكريرِ ومن جهةِ أن القنوطُ عبارةٌ عن يأسٍ مفرطٍ يظهرُ أثرُه في الشخصِ فيتضاءلُ وينكسرُ أي مبالغٌ في قطعِ الرجاءِ من فضل الله تعالى ورحمتِه وهذا وصفٌ للجنسِ بوصفِ غالبِ أفرادِه لما أنَّ اليأسَ من رحمتِه تعالى لا يتأتَّى إلا من الكافرِ وسيصرحُ به
(8/18)

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)
{وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} بتفريجِها عنْهُ {لَيَقُولَنَّ هذا لِى} أي حَقِّي أستحقُّه لم لِي من الفضلِ والعملِ أولى لا لغَيري فَلاَ يزولَ عنِّي أبداً {وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} أي تقومُ فيما سيأتي {وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى} على تقديرها قيامِها {إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى} أي للحالةَ الحُسنى من الكرامةِ وذلك لاعتقادِه أن ما أصابه ما نعم الدنيا لاستحقاقه له وأنَّ نعمَ الآخرةِ كذلكَ {فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ} أي لنعلمنَّهم حقيقة أعمالِهم حينَ أظهرناهَا بصورةِ الحقيقة وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأعرافِ عند قوله تعالى {والوزن يَوْمَئِذٍ الحق} وفي قولِه تعالَى {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ} من سورةِ يونس {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} لا يُقادرُ قَدُرُه ولا يبلغ كنهه
(8/18)

فصلت آية (51 53)
(8/19)

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51)
{وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ} أي عنِ الشكرِ {وَنَأَى بِجَانِبِهِ} أي ذهبَ بنفسه وتباعد بكليته تكبرا وتعظما والجانبُ مجازٌ عن النفسِ كما في قوله تعالى فِى جَنبِ الله ويجوزُ أن يرادَ بهِ عِطْفُه ويكونَ عبارةً عن الانحرافِ والازورارِ كما قالُوا ثَنَى عِطْفَةُ وتولَّى بركنِه {وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ} أي كثيرٍ مستعارٌ م مما لَه عَرْضٌ متسعٌ للإشعارِ بكثرتِه واستمرارِه وهو أبلغُ من الطويلُ إذ الطول أطولُ الامتدادينِ فإذا كان عرضُه كذلكَ فما ظنُّك بطولِه ولعلَّ هذا شأنُ بعضٍ غيرِ البعضِ الذي حُكِيَ عنه اليأسُ والقنوطُ أو شأنُ الكلِّ في بعضِ الأوقاتِ
(8/19)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52)
{قل أرأيتم} أي أخبرونِي {إِن كَانَ} أي القرآنُ {مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ} مع تعاضد موجبات الإيمان بِهِ {مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} أي من أضلُّ منكُم فوضع الموصول موضع الضمير شرحاً لحالهِم وتعليلاً لمزيدِ ضلالهم
(8/19)

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)
{سنريهم آياتنا} الدالة على حقيقتِه وكونِه من عند الله {فِى الأفاق} هو ما أخبرهم به النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم من الحوادثِ الآتيةِ وآثارِ النوازل الماضية ما يسر الله تعالى وله ولخلفائِه من الفتوحِ والظهورِ على آفاقِ الدنيا والاستيلاءِ على بلادِ المشارقِ والمغاربِ على وجةٍ خارقٍ للعادةِ {وَفِى أَنفُسِهِمْ} هو ما ظهرَ فيما بينَ أهلِ مكةَ وما حلَّ بهم قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآفاق أي منازلِ الأممِ الخاليةِ وآثارِهم وفي أنفسِهم يومُ بدرٍ وقال مجاهدٌ والحسنُ والسُدِّيُّ في الآفاقِ ما يفتحُ الله من القُرَى عليهِ عليه الصلاةُ والسلامُ والمسلمينَ وفي أنفسِهم فتحُ مكةَ وقيلَ في الآفاقِ أي في أقطار السمواتِ والأرضِ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ وما يترتبت عليها من الليلِ والنهارِ والأضواءِ والظلالِ والظلماتِ ومن النباتِ والأشجارِ والأنهارِ وفي أنفسهم من لطيفِ الصنعة وبديعِ الحكمةِ في تكوينِ الأجنةِ في ظلماتِ الأرحامِ وحدوثِ الأعضاءِ العجيبةِ والتركيباتِ الغريبةِ كقولِه تعالى {وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} واعتذرَ بأنَّ معنَى السينِ مع أنَّ إراءةَ تلك الآياتِ قد حصلتْ قبلَ ذلكَ أنه تعالَى سيطلعُهم على تلك الآياتِ زماناً فزماناٍ ويزيدُهم وقوفاً على حقائِقِها يوماً فيوماً {حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ} بذلكَ {أَنَّهُ الحق} أي القرآنُ أو الإسلامُ والتوحيدُ {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ} استئنافٌ واردٌ لتوبيخهِم عَلى تررد في شأنِ القرآنِ وعنادِهم المُحوجِ إلى إراءةِ الآياتِ وعدمِ اكتفائِهم بإخبارِه تعالَى والهمزة للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يقتضيهِ المقامُ أيْ ألَمْ يغنِ ولم يكفِ ربُّكَ والباءُ مزيدةٌ للتأكيد ولاَ تكادُ تزاد إلا معَ كَفَى وقولُه تعالى {أَنَّهُ على كُلّ شَىْء شَهِيدٌ} بدلٌ منهُ أيْ ألم يغنهم عن إراء الآياتِ الموعودةِ المبينةِ لحقيةِ القُرانِ ولم يكفهم في ذلكَ أنه تعالَى شهيدٌ على جميع الأشياء وقد أخبرَ بأنَّه منْ عندِه وقيلَ معناهُ أنَّ هَذا الموعودَ من إظهارِ آياتِ الله في الآفاقِ وفي أنفسِهم سيرونَهُ
(8/19)

ويشاهدونَهُ فيتبينونَ عند ذلكَ أنَّ القرآنَ تنزيلُ عالمِ الغيبِ الذي هُو عَلى كُلّ شَىْء شَهِيدٌ أي مطّلعٌ يستوِي عندَهُ غيبُه وشهادتُه فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حقٌّ وأنَّه منْ عندِه ولو لم يكن كذلك ما قُوِيَ هذه القوةَ ولما نُصرَ حاملُوه هذهِ النُصرةَ فتأملُ وأما ما قيلَ من أن المعنى أو لم يكفكَ أنِه تعالَى على كُلِّ شيءٍ شهيدٌ محققٌ له فيحقق أمرك بإظار الآياتِ الموعودةِ كما حققَ سائرَ الأشياءِ الموعودةِ فمع إشعارِه بما لا يليقُ بجلالةِ منصبِه عليه السلامُ من الترددِ فيما ذكر من تحقيق الموعودِ يرده قولُه تعالى
(8/20)

أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
{أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ مّن لّقَاء رَبّهِمْ} أي في شكَ عظيمٍ منْ ذلكَ بالبعثِ والجزاءِ فإنه صريحٌ في أن عدمَ الكفاية ة معتبر بالنسبة إلهم وقُرِىءَ مُريةٍ بالضمِّ وهُو لُغةٌ فيها {أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء مُّحِيطُ} عالمٌ بجميع الأشياء جملها وتفاضيلها وظواهرها بواطنها فلا تحفى عليها خافيةٌ منهم وهو مجازيهُمْ على كُفرِهم ومريتِهم ولا محالةَ عن رسولِ الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَنْ قرأَ سورة السجدة أعطاهُ الله تعالَى بكُلِّ حرفٍ عشرَ حسناتٍ والله أعلمُ
(8/20)

الشورى

} {

{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/21)

حم (1) عسق (2)
{حم عسق} اسمانِ للسورةِ ولذلكَ فصِلَ بينهما وعُدَّا آيتينِ وقيلَ اسمٌ واحدٌ والفصلُ ليناسبَ سائرَ الحواميمِ وقُرىءَ حم سق فعلى الأولِ هُما خبرانِ لمبتدأٍ محذوفٍ وقيلَ حم مبتدأٌ وعسق خبرُهُ وعَلى الثَّانِي الكلُّ خبرٌ واحدٌ وقولُه تعالَى
(8/21)

كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
{كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم} كلامٌ مستأنفٌ واردٌ لتحقيق أنَّ مضمونَ السورةِ موافقٌ لما في تضاعف سائرِ الكتبِ المنزَّلةِ على الرسلِ المتقدمةِ في الدعوةِ الى التوحيد الإرشاد الى الحق أو إيحاءَهَا مثلُ إيحائِها بعدَ تنويهِها بذكرِ اسمِها والتنبيه على فخامةِ شأنها والكافُ في حيز النصبِ على أنَّه مفعولٌ ليُوحِي عَلى الأولِ وعلى أنه نعتٌ لمصدرٍ مؤكدٍ لهُ على الثَّانِي وذلك على الأول إشارةٌ إلى ما فيها وعلى الثَّانِي إلى إيحائِها وما فيه من معنى العبد للإيذان بعلوِّ رُتبةِ المُشار إليهِ وبُعْدِ منزلتِه في الفضل أي مثل ما في هذه السورةِ من المعاني أو حى إليكَ في سائر السورِ وإلى مَنْ قبلك من الرسلِ في كتبِهم على أنَّ مناطَ المماثلةِ ما أُشيرَ إليهِ من الدعوة إلى التوحيد والإرشاد إلى الحق وما فيه صلاحُ العبادِ في المعاش والمعادِ أو مثلَ إيحائِها أُوحيَ إليكَ عند إيحاءِ سائرِ السورِ وإلى سائرِ الرسلِ عند إيحاءِ كتبِهم إليهم لا إيحاءً مغايراً له كما في قوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ الآيةَ على أنَّ مدارَ المْثليةِ كونُه بواسطةِ الملكِ وصيغةُ المضارعِ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ للإيذان باستمرارِ الوحي وأنَّ إيحاءَ مثلِه عادتُه وفي جعلِ مضمونِ السورةِ أو إيحائها مشبهاً به من تفخيمِها مالا يخفى وكذا في وصفِه تعالَى بوصفي العزةَ والحكمةِ وتأخيرُ الفاعلِ لمراعاةِ الفواصلِ مع ما فيه من التشويق وقُرِىءَ يُوحَى على البناءِ للمفعولِ على أنَّ كذلكَ مبتدأ يوحى خبره المسندُ إلى ضميرِه أو مصدر ويحى مسندٌ إلى إليكَ والله مرتفعٌ بما دلَّ عليهِ يوحى كأنه قبل مَنْ يُوحِي فقيلَ الله والعزيزُ الحكيمُ صفتان لهُ أو مبتدأٌ كما في قراءةِ نُوحِي والعزيزُ وما بعدَهُ خبرانِ له أو العزيز الحكيمُ صفتانِ له
(8/21)

4 7
وقوله تعالى
(8/22)

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)
{له ما في السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العلى العظيم} خبرانِ له وعلى الوجوهِ السابقةِ استئنافٌ مقرر لعزته وحكمته
(8/22)

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)
{تكاد السماوات} وقُرِىَء بالياءِ {يَتَفَطَّرْنَ} يتشقّقنَ من عظمةِ الله تعالىَ وقيلَ من دعاءِ الولدِ له كما في سُورةِ مريمَ وقُرِىءَ يَنْفَطرنَ والأولُ أبلغُ لأنَّه مطاوعُ فطَّر وهذا مطاوع فطر وفرىء تتفطرن بالتاءِ لتأكيدِ التأنيثِ وهو نَادرٌ {مِن فَوْقِهِنَّ} أي يبتدأُ التفطرُ من جهتهنَّ الفوقانيةِ وتخصيصُها على الأولِ لما أنَّ أعظمَ الآياتِ وأدلَّها على العظمةِ والجلالِ من تلكَ الجهةِ وعلى الثان للدلالةِ على التفطرِ من تحتهنَّ بالطريقِ الأَولى لأنَّ تلكَ الكلمةَ الشنعاءَ الواقعةَ في الأرضِ حيثُ أثرتْ من جهة الفرق فلأنْ تؤثرَ في جهةِ التحتِ أَوْلى وقيلَ الضميرُ للأرضِ فإنَّها في مَعنْى الأرضينَ {والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ} ينزهونَهُ تعالى عمَّا يليقُ به ملتبسينَ بحمدِه {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأرض} بالسَّعي فيما يستدعِي مغفرتَهُم من الشفاعةِ والإلهامِ وترتيبِ الأسبابِ المقربةِ إلى الطاعةِ واستدعاءِ تأخيرِ العقوبةِ طمعاً في إيمانِ الكافرِ وتوبةِ الفاسقِ وهذا يعمُّ المؤمنَ والكافرَ بلْ لو فُسِّر الاستغفارُ بالسَّعي فيما يدفعُ الخللَ المتوقعَ عمَّ الحيوانَ بل الجماد وحيث خص بالمؤمنينَ كَما في قولِه تعالى ويستغفرون للذين آمنوا فالمرادُ به الشفاعةُ {أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم} إذْ ما منْ مخلوق ولَهُ حظٌ عظيمٌ من رحمتِه تعالَى والآيةُ عَلى الأولِ زيادةُ تقرير لعظمتِه تعالَى وعلى الثَّاني بيانٌ لكمالِ تقدُّسهِ عمَّا نُسبَ إليه وأن ترك معالجتهم بالعقابِ على تلك الكلمةِ الشنعاءِ بسببِ استغفارِ الملائكةِ وفرطِ غفرانِه ورحمتِه ففيها رمزٌ إلى أنَّه تعالَى يقبلُ استغفارَهُم ويزيدُهُم على ما طلبُوه من المغفرةِ رحمةً
(8/22)

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6)
{والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} شركاءَ وأنداداً {الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} رقيبٌ على أحوالِهم وأعمالِهم فيجازيَهمُ بها {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} بموكّلٍ بهم أو بموكولٍ إليه أمرُهم وإنما وظيفتُكَ الإنذارُ
(8/22)

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
{وكذلك أَوْحينا إليكَ قرآناً عربياً} ذلك إشارة إلى مصدر أَوْحَينا ومحلُّ الكافِ النصبُ على المصدريةِ وقرآنا عربياً مفعولا لأوحينَا أي ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ البيِّنِ المفُهم أَوْحينا إليكَ قرآناً عربياً لا لَبْسَ فيه عليكَ ولا على قومكَ وقيلَ إشارةٌ إلى مَعْنى الآيةِ المتقدمةِ من أنَّه تعالى هُو الحفيظُ عليهم وإنما أنتَ نذيرٌ فحسب فالكافُ مفعول به لاوحينا قرآنا عربياً حالٌ من المفعولِ
(8/22)

8
بِه أيْ أوحيناهُ إليكَ وهو قرآنٌ عربيٌّ بيِّنٌ {لّتُنذِرَ أُمَّ القرى} أيْ أهلَها وهيَ مكةُ {وَمَنْ حولها} من االعرب {وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع} أي يومَ القيامةِ لأنه يُجمعُ فيه الخلائق قال تعلى يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع وقيلَ تُجمعُ فيه الأرواحُ والأشباحُ وقيلَ الأعمالُ والعُمالُ والإنذارُ يتعدَّى إلى مفعولينِ وقد يستعملُ ثانيهما بالباءِ وقد حذف ههنا ثانِي مفعولَيْ الأولِ وأولُ مفعولي الثان اللتهويل وإيهامِ التعميمِ وقُرِىءَ لينذرَ بالياءِ على أنَّ فاعلَهُ ضميرُ القرآنِ {لاَ رَيْبَ فيه} اعرتاض مقررٌ لما قبلَهُ {فَرِيقٌ فى الجنة وفريق فى السعير} أي بعدَ جمعِهم في الموقفِ فإنَّهم يُجمعونَ فيه أولاً ثمَّ يفرقونَ بعد الحسابِ والتقديرُ منهمُ فريقٌ والضميرُ للمجموعينَ لدلالةِ الجمعِ عليهِ وقِرِئَا منصوبينِ على الحاليةِ منهُم أيْ وتنذرَ يومَ جمعِهم متفرقين أي مشارفينَ للتفرقَ أو متفرقين في ادرى الثوابِ والعقابِ
(8/23)

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)
{ولو شاء الله لجعلهم} أي في لدنيا {أمة واحدة} قيل مهتدينَ أو ضَالِّينَ وهو تفصيلٌ لما أجملَهُ ابن عباس رضي الله عنهما في قولِه على دينٍ واحدٍ فمعنى قولِه تعالى {ولكن يدخل من يشاء فِى رَحْمَتِهِ} أنه تعالَى يُدخلُ في رحمتِه مَن يشاءُ أنْ يدخلَهُ فيها ويدخلُ في عذابِه مَن يشاءُ أنْ يدخلَهُ فيهِ ولا ريب في أن مشيئَته تعالَى لكلَ من الإدخالينِ تابعةً لاستحقاقِ كلَ من الفريقين لدخلول مُدخلِه ومن ضرورةِ اختلافِ الرحمةِ والعذابِ اختلافْ حالِ الداخلينَ فيهما قطعاً فلم يشأْ جعلَ الكلِّ أمةً واحدةً بلْ جعلَهُم فريقينِ وإنَّما قيلَ {والظالمون مَا لَهُمْ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} للإيذانِ بأنَّ الإدخالَ في العذابِ من جهِه الداخلين بموجب سوء اختيارهم لا من جهتِه تعالَى كما في الإدخال في الرحمة لا لِما قيلَ من المبالغةِ في الوعيدِ وقيلَ مؤمنين كلَّهم وهو ما قالَه مقاتلٌ على دينِ الإسلامُ كما في قوله تعالى ولو شآء الله لجمهم عَلَى الهدى وقوله تعالَى {وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} والمَعنْى ولو شاء لله مشيئةَ قُدرةٍ لقسرَهُم على الإيمانِ ولكنَّه شاءَ مشيئةَ حكمةٍ وكلَّفَهم وبنى أمرَهُم على مَا يختارُون ليدخلَ المؤمنينَ في رحمتِه وهم المُرادونَ بقولِه تعالى يُدْخِلُ مَن يَشَاء وتركَ الظالمينَ بغيرِ وَليَ ولا نصيرٍ وأنت خبيرٌ بأنَّ فرضَ جعلِ الكلِّ مؤمنينَ يأباهُ تصديرُ الاستدراكِ بإدخالِ بعضِهم في رحمته إذِ الكلُّ حينئذٍ داخلونَ فيَها فكانَ المناسب حينئ تصديَرُه بإخراجِ بعضِهم مِنْ بينِهم وإدخالِهم في عذابِه فالذي يقتضيهِ سياقُ النظمِ الكريمِ وسبقاه أنْ يرادَ الاتحادُ في الكُفرِ كما في قولِه تعالى كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فبعث الله النبين الآيةَ على أحدِ الوجهينِ بأنْ يُرادَ بهم الذين هم في فترة إدريسَ أو في فترةِ نوحٍ عليهما السلامُ فالمَعْنى ولو شاءُ الله لجعلَهُم أُمَّةً واحدةً متّفقةً على الكُفرِ بأنْ لا يرسلَ إليهم رسولاً لينذرَهُم ما ذُكِرَ من يوم الجع وما فيهِ من ألوانِ الأهوالِ فيبقُوا على ما هم عيه من الكُفرِ ولكنْ يدخلُ من يشاء فى رحمته أي شأنُه ذلكَ فيرسلُ إلى الكلِّ مَن ينذرُهم ما ذُكِرِ فيتأثرُ بعضُهم بالإنذارِ فيصرفونَ اختيارَهُم إلى الحقِّ فيوفقُهم الله للإيمانِ والطاعةِ ويُدخلِهُم في رحمتِه ولا يتأثرُ به الآخرونَ ويتمادَوْنَ في غيِّهم وهم الظالمونَ فيبقَونَ في الدُّنيا
(8/23)

} 1 9
على ما هم عليه من الكُفرِ ويصيرونَ في الآخرة إلى السعير من غير وَليَ يَلي أمرَهُم ولا نصيرٍ يخلصُهم من العذابِ
(8/24)

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)
{أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أولياء} جملةٌ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلَها من انتفاءِ أنْ يكونَ للظالمينَ ولي أو نصيرٌ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من بَلْ للانتقالِ من بيانِ ما قبلَها إلى بيانِ ما بعدَها والهمزةُ لإنكارِ الوقوعِ ونفيِه على أبلغِ وجهٍ وآكَدِه لا لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه كما قيل إذا المراد بيان أن ما فعلوا ليس من اتخاذ الأولياءِ في شيءٍ لأنَّ ذلكَ فرعُ كونِ الأصنامِ أولياءَ وهو أظهرُ الممتنِعاتِ أيْ بلْ أتخذُوا متجاوزينَ الله أولياءَ من الأصنامِ وغيرِها هيهاتَ وقولُه تعالَى {فالله هُوَ الولى} جوابُ شرطٍ محذوفٍ كإنَّه قيلَ بعدَ إبطالِ ولايةِ ما اتخذُوه أولياءَ إنْ أرادُوا ولياً في الحقيقةِ فالله هُو الولى لاولى سواه {وهو يحيي الموتى} أيْ ومن شأنِه ذلكَ {وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} فهُو الحقيقُ بأنْ يتخذَ ولياً فليخصُّوه بالاتخاذِ دونَ من لا يقدرُ على شيءٍ
(8/24)

وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)
{وما اختلفتم فيه من شَىْء} حكايةٌ لقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنينَ أيْ وما خالفَكُم الكفارُ فيهِ منْ أمورِ الدِّينِ فاختلفتُم أنتمُ وهُم {محكمة} راجعٌ {إِلَى الله} وهو إثابةُ المحقِّينَ وعقابُ المُبطلينَ {ذلكم} الحاكمُ العظيمُ الشأنِ {الله رَبّى} مالِكِي عَلَيْهِ توكلت في مجامع أمروى خاصَّة لاَ على غيرِه {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أرجعُ في كلِّ ما يَعنُّ لي من معضلات الأموة ر لا إلى أحدٍ سواهُ وحيثُ كانَ التوكُّل أمراً واحداً مستمراً والإنابةُ متعددة متجددة حسب تجّدُدِ موادّهِا أو ثر في الأولِ صيغةُ الماضِي وفي الثَّانِي صيغةُ المضارعِ وقيلَ وما اختلفتُم فيه وتنزعتم في شيءٍ من الخصوماتِ فتحاكمُوا فيهِ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا تُؤثروا على حكومتِه حكومةَ غيرِه وقيلَ وما اختلفتُم فيه من تأويلِ آية واشتبَه عليكُم فارجِعوا في بيانه إلى المحكمِ من كتابِ الله والظَّاهرِ من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيلَ وما وقعَ بينكُم الخلافُ فيهِ من العلومِ التي لا تتعلق تكليفكم ولا طريق لكُم إلى علمِه فقولُوا الله أعلمُ كمعرفةِ الرُّوحِ ولا مساغَ لحملِ هذا على الاجتهادِ لعدمِ جوازِه بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم
(8/24)

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)
{فاطر السماوات والأرض} خبرٌ آخرُ لذلكُم أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أو مبتدأ خبرُهُ {جَعَلَ لَكُمُ} وقُرِىءَ بالجرِّ على أنَّه بدلٌ منَ الضميرِ أو وصفٌ للاسمِ الجليلِ في قولِه تعالَى إلى {الله} وما بينهما اعترضا بينَ الصفةِ والموصوفِ {مّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسِكم {أزواجا} نساءً وتقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المفعولِ الصريحِ قد مر سره غيره مرةٍ {وَمِنَ الأنعام} أي وجعلَ للأنعامِ من جنْسِها {أزواجا} أو خلقَ لكُم من الأنعامِ أصنافاً أو ذكوراً وإناثاً {يَذْرَؤُكُمْ} يكثّركم من الذرْءِ وهو البثُّ وفي معناهُ الذَّرو والذَّرُّ {فِيهِ} أي
(8/24)

} 3 1 {
فيما ذُكِرَ من التدبيرِ فإنَّ جعلَ الناسِ والأنعامِ أزواجاً يكونُ بينَهم توالدٌ كالمنبعِ للبثِّ والتكثيرِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء} أي ليسَ مثله في شأن من الشئون التي من جملتها هذا التدبيرُ البديعُ والمراد من مثله ذاتُه كَما في قولِهم مثلُكَ لا يفعلُ كَذا على قصدِ المبالغةِ في نفيه عنه فإذا إذا نُفيَ عمَّن يناسبُه كانَ نفيُه عْنهُ أَوُلى ثم سلكت هذهِ الطريقةُ في شأنِ مَنْ لا مثلَ لهُ وقيلَ مثلُه صفتُه أيْ ليسَ كصفتِه صفةٌ {وَهُوَ السميع البصير} المبالغُ في العلمِ بكلِّ ما يسمعُ ويبصر
(8/25)

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)
{له مقاليد السماوات والأرض} أيْ خَزَائنُهُما {يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء ويقدر} يوسعُ ويضيقُ حسبما تقتضيهِ مشيئتُه المؤسسةُ على الحِكَمِ البالغةِ {إِنَّهُ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} مبالغٌ في الأحاطةِ به فيفعلُ كلَّ ما يَفعلُ على ما ينبغِي أنُ يُفعلَ عليه والجملةُ تعليلٌ لما قبلَها وتمهيدٌ لما بعدَها من قولِه تعالى
(8/25)

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13)
{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى} وإيذانٌ بأنَّ ما شرعَ لهم صادرٌ عن كمالِ العلمِ والحكمةِ كما أن بيانَ نسبتهِ إلى المذكورين عليهم الصلاة والسلام تنبيهٌ على كونِه ديناً قديماً أجمعَ عليه الرسلُ والخطابُ لأمَّتهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ شرعَ لكُم من الدين ما وصى به نوحاً ومَنْ بعدَه من أربابِ الشرائعِ وأولي العزائمِ من مشاهيرِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمرَهُم به أمراً مؤكداً على أنَّ تخصيصَهُم بالذكرِ لما ذُكِرَ من علوِّ شأنِهم ولا ستمالة قلوبِ الكفرةِ إليه لاتفاقِ الكلَّ على نبوةِ بعضِهم وتفردِ اليهودِ في شأنِ مُوسى عليه السَّلامُ وتفردِ النَّصارى في حقِّ عيسى عليه السلام وإلا فَما منْ نبيَ إلا وهُو مأمور بما أمره به وهو عبارةٌ عنِ التوحيدِ ودينِ الإسلامِ وما يختلف باخلافت الأممِ وتبدلِ الأعصارِ من أصولِ الشرائعِ والأحكامِ كما ينبىءُ عنه التوصيةُ فإنها معربةٌ عن تأكيد الأمرِ والاعتناء بشأن المأمور به والمراد بإيحائه إليه عله الصَّلاةُ والسَّلامُ إمَّا مَا ذُكر في صدرِ السورةِ الكريمةِ وفي قولِه تعالى {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا} الآيةَ أو ما يعمُّهما وغيرَهُما مما وقعَ في سائر المواقعِ التي من جملتها قوله تعالَى ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا وقولُه تعالَى قُلْ إنما أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ وغيرُ ذلكَ والتعبيرُ عن ذلكَ عند نسبتِه إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالذي لزيادة تفخيمِ شأنِه من تلك الحيثيةِ وإيثارُ الإيحاءِ على ما قبله وما بعده من التوصيةِ لمراعاة ما وقعَ في الآيات المذكورةِ ولِما في الإيحاءِ من التصريحِ برسالته عليه الصلاة والسلام القامعِ لإنكار الكفرةِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإظهار كمالِ الاعتناءِ بإيحائِه وهو السرُّ في تقديمِه على ما بَعدُه مع تقدِّمهِ عليهِ زماناً وتقديمُ
(8/25)

} 4
توصيةِ نوحٍ عليهِ السَّلامُ للمسارعة إلى بيان كون المشروعِ لهم ديناً قديماً وتوجيه الخطابِ إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلام بطريق التلوين للتشريف والتنبيهِ على أنَّه تعالَى شرعَهُ لهم على لسانِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {أَنْ أَقِيمُواْ الدين} أي دينَ الإسلامِ الذي هو توحيدُ الله تعالى وطاعتُه والإيمان بكتبه ورسله وبيوم الجزاءِ وسائرِ ما يكونُ الرجلُ بهِ مُؤمناً والمرادُ بإقامتِه تعديلُ أركانِه وحفظُه منْ أنْ يقعَ فيه زيف أو المواظبةُ عليه والتشمّرُ له ومحلُّ أنْ أقيمُوا إما النصبُ على أنه بدلٌ منْ مفعول شرع والمعطوفين عليها أو الرفعُ عَلى أنَّه جواب عن سؤال نشأ منْ إبهامِ المشروعِ كأنَّه قيلَ وما ذاكَ فقيلَ هو إقامةُ الدينِ وقيلَ بدلٌ من ضمير به وليسَ بذاكَ لما أنَّه معَ إفضائه إلى خروجه عن حيز الإيحاءِ إلى النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم مستلزمٌ لكون الخطابِ في قولِه تعالَى {وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فيه} للأنبياء المذكروين عليهمْ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتوجيه النَّهي إلى أممهم تمحّلٌ ظاهرٌ مع أنَّ الأظهرُ أنَّه متوجهٌ إلى أمته صلى الله عليه وسلم وأنَّهم المتفرقونَ كما ستحيطُ به خبرا اي لا تتفرقُوا في الدينِ الذي هُو عبارةَ عمَّا ذُكر من الأصولِ دونَ الفروعِ المختلفةِ حسبَ اختلافِ الأممِ باختلافِ الأعصارِ كما ينطقُ بهِ قولُه تعالَى {لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شرعة ومنهاجا} وقولُه تعالَى {كَبُرَ عَلَى المشركين} شروعٌ في بيانِ أحوالِ بعضِ مَنْ شرعَ لهم ما شرع من الدينِ القويمِ أي عظُم وشق علهيم {ما تدعوهم إليه} من التوحيدِ ورفضِ عبادةِ الأصنامِ واستبعدُوه حيثُ قالُوا {أَجَعَلَ الألهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ} وقولُه تعالَى {الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاء} استئنافٌ واردٌ لتحقيق الحقِّ وفيه إشعارٌ بأنَّ منهُم من يجيبُ إلى الدعوة أي الله يجتلبُ إلى ما تدعُوهم إليهِ مَنْ يشاءُ أنْ يجتبَيُه إليهِ وهُو من صَرفَ اختيارَهُ إلى ما دُعِيَ إليه كما ينبىءُ عنه قولُه تعالى {وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} أي يُقبلُ إليه حيثُ يمدُّه بالتوفيق والألطافِ وقولُه تعالَى
(8/26)

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)
{وَمَا تَفَرَّقُواْ} شروعٌ في بيان أحوالِ أهلِ الكتابِ عقيبَ الإشارةِ الإجماليةِ إلى أحوالِ أهلِ الشركِ قال ابن عباس رضي الله عنُهمَا هُم اليهودُ والنَّصارى لقولِه تعالَى وَمَا تَفَرَّقَ الذين أوتو الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة أيْ وما تفرقُوا في الدينِ الذي دُعوا إليهِ ولم يُؤمنوا كما آمنَ بعضُهم {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم} بحقِّيتِه بما شاهُدوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآنِ من دلائلِ الحقِّيةِ حسبما وجدُوه في كتابِهم أو العلم بمبعثه صلى الله عليه وسلم وهو استثناءٌ مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوالِ أو منْ أعمِّ الأوقاتِ أيْ وما تفرقُوا في حالٍ من الأحوالِ أو في وقتٍ من الأوقاتِ إلا حالَ مجىء العلم أو إلا وقت مجيءَ العلمِ {بَغْياً بَيْنَهُمْ} وحميةً وطلباً للرياسة لا لأنَّ لهم في ذلكَ شبهةٌ {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ} وهي العِدَةُ بتأخير العقوبةِ {إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} هو يومُ القيامةِ {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} لأوقعَ القضاءَ بينَهم باستئصالِهم لاستيجاب جناياتِهم لذلك قطعاً وقولُه تعالَى {وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ}
(8/26)

الخ بيانٌ لكيفية كفر المشركينَ بالقرآنِ إثرَ بيانِ كيفيةِ كفرِ أهلِ الكتابِ وقُرِىءَ وَرِثُوا ووُرِّثُوا أيْ وإنَّ المشركينَ الذينَ أُورثوا القرآنَ من بعدِ ما أُورثَ أهلُ الكتابِ كتابَهم {لَفِى شَكّ مّنْهُ} من القرآن {مُرِيبٍ} موقعٌ في القلق أو في الريبةِ ولذلكَ لا يُؤمنونَ به لا لمحض البغِي والمكابرةِ بعد ما علموا لحقيته كدأب أهلِ الكتابينِ هذا وأمَّا مَا قيلَ من أنَّ ضميرَ تفرقُوا لأمم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنَّ المرادَ تفرقُ كلِّ أمةٍ بعدَ نبيِّها مع علمِهم بأنَّ الفرقةَ ضلالٌ وفسادٌ وأمرٌ متوعدٌ عليهِ على ألسنة الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ فيردّه قولُه تعالَى وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ وكذا ما قيل من أن الناس كانوا أمةً واحدةً مؤمنينَ بعد ما أهلكَ الله تعالَى أهل الأرضَ بالطوفان فلما ماتَ الآباءُ اختلفَ الأبناءُ فيما بينُهم وذلك حين بعث الله تعالى النبيين مبشرين ومنذرين وجاءهُم العلمُ وإنما اختلفوة اللبفى بينَهم فإنَّ مشاهيرَ الأممِ المذكور قد أصابُهم عذابُ الاستئصالِ من غير إنظارٍ وإمهالٍ على أنَّ مَساقَ النظمِ الكريمِ لبيان أحوالِ هذه الأمةِ وإنما ذُكِرَ من ذكر من الأنبياء عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لتحقيق أنَّ ما شرع لهؤلاء دين قديم أجمع عليه أولئك الأعلام عليهم الصلاة والسلام تأكيداً لوجوب إقامتِه وتشديداً للزجرِ عن التفرق والاختلافِ فيه فالتعرضُ لبيان تفرقِ أممِهم عنه ربَّما يُوهم الإخلالَ بذلكَ المرامِ
(8/27)

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
{فَلِذَلِكَ} أي فلأجل ما ذُكِرَ من التفرق والشكِّ المريبِ أو فلأجلِ أنَّه شرع لهم الدين القومم القديم الحقيق بأنْ يتنافسَ فيهِ المتنافسونَ {فادع} أي الناسَ كافةً إلى إقامةِ ذلك الدين والعمل بموجبِه فإنَّ كلاً من تفرقِهم وكونِهم في شكَ مريب ومن شرع ذلك الدين لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم سببٌ للدعوةِ إليهِ والأمرِ بَها وليسَ المشارُ إليهِ ما ذُكرَ من التوصية والأمرِ بالإقامة والنَّهي عن التفرقِ حتى يُتوهمُ شائبةُ التكرارِ وقيلَ المشارُ إليهِ نفسُ الدينِ المشروعِ واللامُ بمَعْنى إِلى كَما في قولِه تعالى بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا أي فإلى ذلكَ الدينِ فادعُ {واستقم} عليه وعلى الدعوة إليه {كَمَا أُمِرْتَ} وأُوحيَ إليكَ {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} الباطلةَ {وقل آمنت بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب} أيَّ كتابٍ كان من الكتبِ المنزلةِ لا كالذينَ آمنُوا ببعضٍ منها وكفرُوا ببعضٍ وفيه تحقيقٌ للحقِّ وبيانٌ لاتفاق الكتبِ في الأوصل وتأليفٌ لقلوب أهلِ الكتابينِ وتعريضٌ بهم وقد مرَّ بيانُ كيفيةِ الإيمانِ بها في خاتمةِ سورةِ البقرةِ {وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ} في تبليغ الشرائعِ والأحكام وفصل القضايا عند المحاكمة والخصام وقيل معناه لا سوى بيني وبينكُم ولا آمرَكم بما لاأعمله ولا اخالفكم إلى ماأنهاكم عْنهُ ولا أفرقَ بين أكابرِكم وأصاغرِكم واللام إمَّا على حقيقتها والمأمورُ به محذوفٌ أيْ أمِرتْ بذلكَ لأعدلَ أو زائدةٌ أيْ أمرتُ أنْ أعدلَ والباءُ محذوفةٌ {الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} أي خالقُنا جميعاً ومتولِّي أمورنا {لَنَا أعمالنا} لا يتخطانَا جزاؤُها ثواباً كانَ
(8/27)

} 8 16
أو عقاباً {وَلَكُمْ أعمالكم} لا تجاوزكم آثارها لنستفيد بحسناتكم ونتضرر بسيآتكم {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} لا مُحاجَّةَ ولا خصومةَ لأنَّ الحقَّ قد ظهرَ ولم يبقَ للمحاجَّةِ حاجةٌ ولا للمخالفة محل سوى المكابرةِ {الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يومَ القيامةِ {وَإِلَيْهِ المصير} فيظهرُ هناكَ حالُنا وحالُكم وهذا كما تَرَى محاجزةٌ في مواقف المجاوبةِ لا متارَكةٌ في مواطن المحاربةِ حتى يُصارَ إلى النسخ بآيةِ القتالِ
(8/28)

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16)
{والذين يُحَاجُّونَ فِى الله} أي في دينِه {مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ} من بعدما استجاء له الناسُ ودخلُوا فيهِ والتعبيرُ عن ذلكَ بالاستجابةِ باعتبار دعوتِهم إليهِ أو من بعد ما استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأيَّده بنصره أو من بعدما استجابَ له أهلُ الكتابِ بأن أقروا بنبوته صلى الله عليه سولم واستفتحُوا به قبلَ مبعثِه صلى الله عليه سلم وذلكَ أنَّ اليهودَ والنَّصارى كانوا يقولونَ للمؤمنين كتابُنَا قبلَ كتابِكم ونبيُنا قبلَ نبيِّكُم ونحنُ خير منكُم وأولى بالحقِّ {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ} زالَّةٌ زائلةٌ باطلة بل لا جاحة لهم أصلاً وإنما عبِّر عن أباطيلهم بالحجة مجاراةً معهم على زعمهم الباطلِ {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} عظيمٌ لمكابرتِهم الحقَّ بعدَ ظهورِه {وَلَهُمْ عذاب شَدِيدٍ} لا يقادَر قَدرُهُ
(8/28)

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)
{الله الذى أَنزَلَ الكتابَ} أي جنسَ الكتابِ {بالحق} ملتبساً به في أحكامه وأخبارِه أو بما يحقُّ إنزالُه من العقائدِ والأحكامِ {والميزان} والشرعِ الذي يُوزنُ به الحقوقُ ويسوى بينَ الناسِ أو نفسُ العدلِ بأنْ أنزلَ الأمرَ بهِ أو آلةُ الوزنِ {وَمَا يدريك} أيُّ شيءٍ يجعلكَ عالماً {لَعَلَّ الساعة} التي يخبرُ بمجيئها الكتابُ الناطقُ بالحقِّ {قَرِيبٌ} أيْ شيءٌ قريبٌ او قريب مجيئها وقتل القريبُ بمعنى ذاتِ قربٍ أو الساعةُ بمعنى البعثِ والمَعْنى أنَّها على جناحِ الإتيانِ فاتبعِ الكتابَ واعملْ بهِ وواظبْ على العدل قبل أنْ يفاجئكَ اليومُ الذي يوزنُ فيه الأعمالُ ويوفي جزاؤها
(8/28)

يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18)
{يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} استعجالَ إنكارٍ واستهزاءٍ كانُوا يقولونَ متى هيَ ليتها قامتْ حَتَّى يظهرَ لنا الحقُّ أهُو الذي نحنُ عليهِ أم الذي عليهِ محمدٌ وأصحابُه {والذين آمنوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خائفونَ منَها معَ اعتناءٍ بها لتوقعِ الثوابِ {وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق} أي الكائنُ لا محالةَ {أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ في الساعة} يحادلون فيها منَ المرية أو من مَرَيتُ الناقةَ إذا مسحت صرعها بشدة للحليب ألأن كلاً من المتجادلينِ يستخرجُ ما عند صاحبهِ بكلامٍ فيه شدَّةٌ {لَفِى ضلال بَعِيدٍ} عن الحقِّ فإن البعثَ أشبه الغائباتِ بالمحسوسات فمن لم يهتدِ إلى تجويزه فهو عن
(8/28)

} 2 19
الاهتداءالى ما وراءَهُ أبعدُ وأبعدُ
(8/29)

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)
{الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} أي برٌّ بليغُ البِرِّ بهم يُفيض عليهم من فنون ألطافه مالا بكاد ينالُه أيدي الأفكارِ والظنونِ {يَرْزُقُ مَن يَشَاء} أنْ يرزقه كيفما يشاءُ فيخصُّ كلاً من عباده بنوعٍ من البرِّ على ما تقضتيه مشيئته المنبية على الحِكم البالغةِ {وَهُوَ القوى} الباهرُ القدرةِ الغالبُ على كلِّ شيءٍ {العزيز} المنيعُ الذي لا يغلبُ
(8/29)

مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة} الحري في الأصل إلقاءُ البَذْرِ في الأرض يُطلقُ على الزرع الحاصل منه ويستعملُ في ثمرات الأعمالِ ونتائجها بطريق الاستعارةِ المبنيَّةِ على تشبيِهها بالغلال الحاصلةِ من البذور المتضمن لتنبيه الاعمال أي مَن كَانَ يُرِيدُ بأعماله ثوابَ الآخرةِ {نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} نضاعفْ له ثوابَهُ بالواحدِ عشرةً إلى سبعمائةٍ فما فوقها {وَمَن كَانَ يُرِيدُ} بأعماله {حَرْثَ الدنيا} وهو متاعُها وطيباتُها {نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي شيئاً منها حسبما قسمنَا لهُ لا ما يريدُه ويبتغيه {وَمَا لَهُ فِى الأخرة مِن نَّصِيبٍ} إذْ كانتْ همتُه مقصورةً على الدُّنيا وقد مرَّ تفصيلُه في سورة الإسراء
(8/29)

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء} أي بلْ ألهُم شركاءُ من الشياطينِ والهمزةُ للتقرير والتقريعِ {شَرَعُواْ لَهُمْ} بالتسويل {مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله} كالشرك وإنكارِ البعثِ والعملِ للدُّنيا وقيلَ شركاؤُهم أوثانُهم وإضافتُها إليهم لأنَّهم الذينَ جعلُوها شركاءَ لله تعالى واستاذ الشرعِ إليها لأنَّها سببُ ضلالتِهم وافتتانِهم كقوله تعالى إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا أو تمثايل مَنْ سنَّ الضلالَة لهُم {وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل} أي القضاءِ السابقِ بتأخيرِ الجزاءِ أو العدةُ بأنَّ الفصلَ يكونُ يومَ القيامةِ {لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ} أي بين الكافرينَ والمؤمنينَ أو بينَ المشركينَ وشركائِهم {وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وقُرِىءَ بالفتحِ عطفاً على كلمة الفصلِ أي ولولا كلمةُ الفصلِ وتقدير عذاب الظالمن في الآخرةِ لقُضيَ بينهم في الدُّنيا فإنَّ العذابَ الأليمَ غالبٌ في عذابِ الآخرةِ
(8/29)

تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)
{تَرَى الظالمين} يومَ القيامةِ والخطابُ لكلِّ أحدٍ ممَّن يصلُح له للقصدِ إلى أنَّ سوءَ حالِهم غيرُ مختص برؤية راؤ دونَ راءٍ {مُشْفِقِينَ} خائفينَ {مما كسبوا} من السيآت {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} أيْ ووبالُه لاحقٌ بهم لا محالةَ أشفقُوا أو لم يشفقوا أو الجملة حالٌ من ضمير مشفقينَ أو اعتراضص {والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات}
(8/29)

مستقرونَ في أطيب بقاعِها وأنزهها {لهم ما يشاؤون عِندَ رَبّهِمْ} أي ما يشتهونَهُ من فنون المستلذاتِ حاصلٌ لهم عندَ ربِّهم ظرفٌ للاستقرارِ العاملِ في لهم وقيلَ ظرفٌ ليشاءون {ذلك} إشارة إلى ما ذُكِرَ من حال المؤمنين وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه {هُوَ الفضل الكبير} الذي لا يُقادَرُ قدرُهُ ولا يبلغ غايته
(8/30)

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)
{ذلك} الفضلُ الكبيرُ هو {الذى يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ} أي يبشرُهم به فحذفَ الجارُّ ثمَّ العائدَ إلى الموصول كما في قوله تعالى أهذا الذى بَعَثَ الله رَسُولاً أو ذلكَ التبشيرُ الذي يبشرُه الله تعالى عباده {الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وقريء يببشر منْ أبشرَ {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} رُويَ أنَّه اجتمعَ المشركونَ في مجمعٍ لهم فقالَ بعضُهم لبعضٍ أترونَ أنَّ محمداً يسألُ على ما يتعاطاهُ أجراً فنزلتْ أيْ لا أطلبُ منكُم على ما أنا عليهِ من التبليغ والبشارة {أَجْراً} نفعاً {إِلاَّ المودة في القربى} أي إلاأن تودوني لقرابتي أو تودُّوا أهل قرابتي وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لا أسألُكم أجراً قَطُّ ولكنْ أسألُكم الموَّدةَ وفي القُربي حالٌ منَها أيْ إلا المودَّةَ ثابتةً في القُربى متمكنةً في أهلِها أو في حقَ القرابةِ والقُرْبى مصدرٌ كالزُّلْفى بمَعْنى القَرَابةِ رُويَ أنَّها لما نزلتْ قيلَ يا رسولَ الله مَنْ قرابتُكَ هؤلاءِ الذينَ وجبتْ علينا مودَّتُهم قالَ عليٌّ وفاطمةُ وابناهُمَا وعن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم حُرِّمتْ الجنةُ على مَنْ ظلمَ أهلَ بيتِي وآذانِي في عترتي ومن ااصطنع صنيعةَّ إلى أحدٍ من ولدِ عبدِ المطلبِ ولمْ يجازِهْ فأَنَا أجازيهِ عليها غدا إذا لَقِيَنِي يومَ القيامةِ وقيلَ القُرْبَى التقربُ إلى الله أي إلاأن تودُّوا الله ورسولَهُ في تقربكم إليهِ بالطاعةِ والعملِ الصالحِ وقُرِىءَ إلا مودَّةً في القُربَى {وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً} أي يكتسبْ أيَّ حسنة كانت فتناول مودَّةَ ذِي القُرْبى تناولاً أولياً وعن السُدِّيِّ أنَّها المرادةُ وقيلَ نزلتْ في الصدِّيقِ رضيَ الله عنه ومودَّتهُ فيهم {نَّزِدْ لَهُ فِيهَا} أيْ في الحسنة {حَسَنًا} بمضاعفةِ الثوابِ وقُرِىءَ يَزِدْ أيْ يزدِ الله وقُرِىءَ حُسْنَى {أَنَّ الله غَفُورٌ} لمن أذنبَ {شَكُورٍ} لمن أطاع بتوفيه الثواب والتفضلِ عليهِ بالزيادةِ
(8/30)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)
{أَمْ يَقُولُونَ} بلْ أيقولونَ {افترى} محمدٌ {عَلَى الله كَذِبًا} بدعوى النبوةِ وتلاوةِ القُرآنِ على أنَّ الهمزةَ للإنكار التوبيحي كأنه قيل أيتما لكون أنْ ينسُبُوا مثلَه عليهِ السَّلامُ وهُوَ هُوَ إلى الافتراء لا سيَّما الافتراءُ على الله الذي هُو أعظم القرى وأفحشُها وقولُه تعالَى {فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ} استشهادٌ على بُطلان ما قالُوا ببيان أنَّه عليه السَّلامُ لو افتَرى على الله تعالَى لمنعَهُ من ذلك قطعاً وتحقيقُه أنَّ دعوى كونِ القرآنِ افتراءً عليه تعالَى قولٌ منهم بأنَّه تعالَى لا يشاءُ صدورَهُ عنِ النبِّي صلَّى الله عليه وسلم بلْ يشاءُ عدمَ صدورِه
(8/30)

} 6 25
عْنهُ ومن ضرورتِه منعُه عنْهُ قطعاً فكأنَّه قيلَ لو كانَ افتراءً عليه تعالَى لشاءَ عدمَ صدورِه عنكَ وإنْ يشأْ ذلكَ يختُم على قلبكَ بحيثُ لم يخطُرْ ببالك معنىً منْ معانيه ولم تنطقْ بحرفٍ من حروفِه وحيثُ لم يكُنِ الأمرُ كذلكَ بلْ تواترَ الوحي حيناً فحيناً تبين أنَّه من عندِ الله تعالَى هَذا وقيل المعنى إن شاء الله يجعلْكَ من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على الافتراءِ عليه تعالى إلا مَنْ كانَ كذلكَ ومؤدَّاهُ استبعاد الافتراءِ منْ مثله عليه السَّلامُ وأنَّه في البُعد مثلُ الشرك بالله والدخولِ في جملةِ المختومِ على قلوبِهم وعن قَتَادةَ يختمْ على قلبِكَ يُنْسكَ القُرآنَ ويقطعْ عنكَ الوحى يعنى لو افتَرى عَلَى الله الكذبَ لفعل به ذلك وهذا مَعْنى ما قيلَ لو كذب على الله لأنساهُ القرآنَ وقيلَ يختمْ على قلبِكَ يربطْ عليهِ بالصبرِ حتَّى لا يشقَّ عليك أذاهُم {وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق بكلماته} استئنافٌ مقررٌ لنفي الافتراء غيرُ معطوفٍ عَلَى يختمُ كما ينبىءُ عنه إظهارُ الاسمِ الجليلِ وسقوطُ الواوِ كما في بعض المصاحفِ لاتّباعِ اللفظِ كما في قولِه تعالى وَيَدْعُ الإنسان بالشر أيُ ومن عادته تعالى أنه يمحُو الباطلَ ويثبتُ الحقَّ بوحيه أو بقضائه كقوله تعالى {بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ} فلو كان افتراءً كما زعمُوا لمحقه ودفعه أو عِدةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم بأنَّه تعالَى يمحُو الباطلَ الذي هم عليهِ من البَهتِ والتكذيبِ ويثبتُ الحق الذي هو عليهِ بالقرآنِ أو بقضائِه الذي لا مردَّ له بنصرته عليهم {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} فيُجرِي عليها أحكامَها اللائقةَ بها من المحوِ والإثباتِ
(8/31)

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)
{وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} التوبةُ هي الرجوعُ عنِ المعاصِي بالندمِ عليها والعزمُ على أنْ لا يعاودها أبداً ورَوَى جابرٌ رضيَ الله عْنهُ أنَّ أعرابياً دخلَ مسجدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالَ اللهمَّ إنِّي أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ وكبَّرَ فلما فرغَ من صلاتِه قالَ له عليٌّ رضيَ الله عُنهُ يا هَذا إنَّ سرعةَ اللسانِ بالاستغفارِ توبةُ الكذَّابينَ وتوبتُكَ هذهِ تحتاجُ إلى التوبةِ فقالَ يا أميرَ المؤمنينَ وما التوبةُ قالَ اسمٌ يقع على ستةِ معانٍ على الماضِي من الذنوبِ الندامة ولتصنيع الفرائضِ الإعادةُ وردُّ المظالمِ وإذابةُ النفسِ في الطاعةِ كما ربَّيتها في المعصيةِ وإذاقتها مرارةَ الطاعةِ كما أذقتَها حلاوةَ المعصيةِ والبكاءُ بدلُ كل ضحك ضحكته {ويعفو عَنِ السيئات} صغيرها وكبيرِها لمنْ يشاءُ {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} كائناً ما كانَ منْ خير وشر فجيازي ويتجاوزُ حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالح وقُرِىءَ ما تفعلونَ بالتاءِ
(8/31)

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)
{ويستجيب الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي يستجيبُ الله لهم فحُذف اللامُ كما في قولِه تعالى وَإِذَا كَالُوهُمْ أي كالُوا لَهُم والمرادُ إجابةُ دعوتِهم والإثابةُ على طاعتهم فإنبا كدعاءٍ وطلبٍ لِما يترتبُ عليها ومنه قوله صلى الله عليه وسلم أفضلُ الدُّعاءِ الحمدُ لله او يستجيبون الله بالطاعةِ إذا دَعَاهُم إليَها دَعَاهُم إليَها وعنُ إبراهيِمَ بن أدهم قيلَ لَهُ ما بالُنَا ندعُو فلا
(8/31)

} 9 27
نجابُ قالَ لأنَّه دعاكُم ولم تجيبُوه ثمَّ قرأَ {والله يَدْعُو إلى دَارِ السلام} {وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ} على ما سألوا واستحقوا بموجب الوعد {والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} بدلَ مَا للمؤمنينَ من الثوابِ والفضلِ المزيدِ
(8/32)

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)
{وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الارض} لتكبَّرُوا وأفسدُوا فيَها بَطَراً أو لعَلاَ بعضُهم على بعض با لاستيلاء والاستعلاء كمَا عليهِ الجِبلَّةُ البشريةُ وأصلُ البَغِي طلب تجاوز الاقتصادِ فيَما يُتحرَّى من حيثُ الكميَّةُ أو الكيفيَّةُ {ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ} أي بتقديرٍ {مَا يَشَاء} أنْ ينزلَهُ مما تقتضيه مشيئتُه {إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بصير} محيط بخفايا أموارهم وحلاياها فيقدرُ لكلِّ واحدٍ منهُم في كلِّ وقتٍ من أوقاتِهم ما يليقُ بشأنِهم فيفقرُ ويُغِني ويمنعُ ويُعطِي ويَقْبِض ويبسُط حسبما تقتضيهِ الحكمةُ الربَّانيةُ ولو أغناهُم جميعاً لبغَوا ولو أفقرهُم لهلكُوا ورُويَ أنَّ أهلَ الصُّفَّةِ تمنَّوا الغِنَى فنزلتْ وقيل نزلتْ في العرب كانُوا إذا أخصبوا تحاربُوا وإذا أجدبوا انتجعوا
(8/32)

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)
{وَهُوَ الذى يُنَزّلُ الغيث} أي المطرَ الذي يغيثُهم من الجدب ولذلك خُصَّ باالنافع منه وقرىء يُنْزِل من الانزال {مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ} يئسوا منه وتقييدُ تنزيله بذلك مع تحقققه بدونه أيضاً لتذكر كمالِ النعمةِ وقُرِىءَ بكسر النون {وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} أيْ بركاتِ الغيثِ ومنافعَهُ في كلِّ شيءٍ من السهلِ والجبلِ والنباتِ والحيوانِ أو رحمتَهُ الواسعةَ المنتظمةَ لَما ذُكر انتظاماً أولياً {وَهُوَ الولى} الذي يتولَّى عبادَهُ بالإحسان ونشرِ الرحمة {الحميد} المستحقُ للحمدِ على ذلك لا غيره
(8/32)

وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)
{ومن آياته خلق السماوات والأرض} على ما هُما من تعاجيب الصنائع فإنَّها بذاتها وصفاتِها تدلُّ على شئونه العظيمةِ {وَمَا بَثَّ فِيهِمَا} عطفٌ على السموات أو الخلق {مِن دَابَّةٍ} من حَيَ على إطلاقِ اسمِ المُسبَّبِ على السببِ أو ممَّا يدبُّ على الأرضِ فإنَّ ما يختصُّ بأحد الشيئين المتجاورين يصحُّ نسبتُه إليهما كَما في قولِه تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ وإنما يخرجُ من المِلحِ وقد جُوِّز أنْ يكونَ للملائكة عليهم السَّلامُ مشيٌ مع الطيرانِ فيوصفُوا بالدبيب وأن يخلقَ الله في السماءِ حيواناً يمشُونَ فيها مشيَ الأنَاسيِّ على الأض كما ينبىء عنه قوله تعالى ويخلق ما لاتعلمون وقد رُويَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال فوقَ السماءِ السابعةِ بحر بين أسفله وأعلاهُ كَما بينَ السماءِ والأرضِ ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين رُكَبهن وأظلافهنَّ كما بينَ السماءِ والأرضِ ثم فوقَ ذلكَ العرشُ العظيمُ {وَهُوَ على جَمْعِهِمْ} أي حشرِهم بعدَ البعثِ للمحاسبةِ وقولُه تعالى {إِذَا يَشَاء} متعلقٌ بما قبلَهُ لا بقوله تعالَى
(8/32)

} 5 30
{قَدِيرٌ} فإنَّ المقيدَ بالمشيئةِ جمعه تعالى لاقدرته وإذَا عندَ كونِها بمَعْنى الوقتِ كَما تدخلُ الماضِي تدخلُ المضارعَ
(8/33)

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)
{وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ} أيُّ مصيبةٍ كانتْ {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أي فهيَ معاصيكُم التي اكتسبتمُوها والفاءُ لأن ما شرطة أو متضمنةٌ لمَعْنى الشرطِ وقُرِىءَ بدونِها اكتفاءً بما في الباء من مَعْنى السببية {ويعفو عَن كَثِيرٍ} من الذنوبِ فلا يعاقبُ عليها والآيةُ مخصوصةٌ بالمجرمينَ فإنَّ ما أصابَ غيرَهُم لأسبابٍ أُخرى منها تعريضُه للثوابِ بالصبرِ عليها
(8/33)

وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)
{وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الأرض} فائتينَ ما قُضِيَ عليكُم من المصائبِ وإن هربتُم من أقطارِها كلَّ مهربٍ {وَمَا لَكُم من دُونِ الله مِن وَلِيّ} يحميكُم منَها {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفعها ويدفعها عنكم
(8/33)

وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32)
{ومن آياته الجوار} السفنُ الجاريةُ {فِى البحرِ} وقُرِىءَ الجَوَارِي {كالأعلام} أي كالجبالِ على الإطلاقِ لا التي عليها النارُ للاهتداءِ خاصَّة
(8/33)

إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33)
{إن يشأ يسكن الريح} التى يجريها وقُرُىءَ الرياحَ {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ} فيبقينَ ثوابتَ عل ظهرِ البحرِ أي غيرَ جارياتٍ لا غيرَ متحركاتٍ أصلاً {إِنَّ فِى ذَلِكَ} الذي ذُكِرَ من السفنِ اللاتِي يجرينَ تارةً ويركُدنَ أُخْرى على حسب مشيئتِه تعالَى {لاَيَاتٍ} عظيمةً في أنفسها كثيرةً في العددِ دالةً على ما ذُكِرَ من شئونه تعالَى {لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} لكل مكن حبسَ نفسَهُ عن التوجِه إلى ما لا ينبغِي ووكَّلَ همَّتَهُ بالنظرِ في آياتِ الله تعالَى والتفكرِ في آلائِه أو لكلِّ مؤمنٍ كاملٍ فإنَّ الإيمانَ نفصه صبرٌ ونصفُهُ شكرٌ
(8/33)

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34)
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا} عطفٌ على يُسكنْ والمعنى إن يشأ يسكن الريح 0 فيركدنَ أو يرسلْهَا فيغرقنَ بعصفِها وإيقاعُ الإيباقِ عليهنَّ مع أنَّه حالُ أهلهنَّ للمبالغةِ والتهويلِ وإجراءُ حُكمِه على العفوِ في قولِه تعالَى {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} لِما أنَّ المَعْنى أو يُرسلْها فيوبقْ ناساً ويُنجِ آخرينَ بطريق العفوِ عنهُم وقرءى ويعفوا على الاستئناف
(8/33)

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)
{وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فِى آياتنا} عطفٌ على علة مقدرةٍ مثلُ لينتقمَ منهم وليعلم الخ كما في قولِه تعالى ولنجعله آية لّلْنَّاسِ وقوله وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث ونظائِرِهِما وقُرِىءَ بالرفعِ على الاستئنافِ وبالجزمِ عطفاً على يعفُ فيكونُ المَعْنى وإنْ يشأْ يجمعْ بينَ إهلاكِ قومٍ وإنجاءِ قومٍ وتحذيرِ قومٍ {مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ} أي منْ مهربٍ من العذابِ والجملةُ معلقٌ عنها الفعلُ
(8/33)

40 36
(8/34)

فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)
{فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْء} مما ترغبونَ وتتنافسونَ فيهِ {فمتاع الحياة الدنيا} أي فهُو متاعُها تتمتعونَ به مدةَ حياتِكم {وَمَا عِندَ الله} من ثواب الآخرةِ {خَيْرٌ} ذاتاً لخلوصِ نفعِه {وأبقى} زماناً حيثُ لا يزولُ ولا يَفْنى {لِلَّذِينَ آمنوا وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} لا على غيرِه أصلاً والموصولُ الأولُ لما كانَ مُتضمناً لمَعْنى الشرطِ منْ حيثُ أنَّ إيتاءَ مَا أُوتُوا سببٌ للتمتعِ بها في الحياة الدُّنيا دخلتْ جوابَها الفاءُ بخلافِ الثانِي وعَنْ علي رضي الله عنه أنَّه تصدقَ أبُو بكرٍ رضيَ الله عنْهُ بمالِه فلامَهُ جمعٌ من المسلمينَ فنزلتْ وقولُه تعالَى
(8/34)

وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37)
{والذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم} أي الكبائر من هذا الجنس {والفواحش وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} معَ ما بعدَهُ عطفٌ على الذينَ آمنُوا أو مدحٌ بالنصبِ أو الرفعِ وبناءُ يغفرونَ على الضميرِ خبراً لهُ للدلالةِ على أنَّهم الأَخِصَّاءُ بالمغفرةِ حالَ الغضبِ لعزةِ منالِها وقُرِىءَ كبيرَ الإثمِ وعن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما كبيرُ الإثمِ الشركُ
(8/34)

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38)
{والذين استجابوا لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصلاة} نزلَ في الأنصارِ دعاهم رسول الله صلى الله لعه سوم اى الإمان فاستجابُوا له {وَأَمْرُهُمْ} شورى بَيْنَهُمْ أي ذُو شُورى لا ينفردونَ برأيٍ حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليها وكانُوا قبلَ الهجرةِ وبعدَهَا إذا حزبَهُم أمرٌ اجتمعُوا وتشاورُوا {وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ} أيْ فِي سبيلِ الخيرِ وَلعلَّ فصلَهُ عن قرينِه بذكرِ المشاورةِ لوقوعِها عند اجتماعِهم للصلواتِ
(8/34)

وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)
{والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ} أي ينتقمونَ ممَّنْ بَغَى عليهِم على ما جعلَهُ الله تعالَى لهُم كراهةً التذللِ وهو وصفٌ لهم بالشجاعةِ بعدَ وصفِهم بسائرِ مُهمَّاتِ الفضائلِ وهَذَا لا ينافِي وصفَهُم بالغُفرانِ فإنَّ كلاًّ منهما فضيلةٌ محمودةٌ في موقعِ نفسهِ ورذيلةٌ مذمومةٌ في موقعِ صاحبهِ فإنَّ الحِلْمَ عن العاجر وعوراءِ الكرامِ محمودٌ وعن المتغلب ولغواء اللثام مذمومٌ فإنَّه إغراءٌ على البَغِي وعليهِ قولُ مَنْ قالَ ... إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيْمَ مَلَكْتَه ... وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمرَّدَاً ... فَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ السَّيفِ بالعُلا ... مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى ...
وقولُه تعالَى
(8/34)

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)
{وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا} بيانٌ لوجهِ كونِ الانتصارِ من الخصالِ الحميدةِ مع كونِه في نفسِه إساءةً إلى الغيرِ بالإشارةِ إلى أنَّ البادىءَ هُو الذي فعلَهُ لنفسهِ فإنَّ الأفعالَ مستتبعة لأجزئتها حتما إن خيرا فخيرا وإنْ شراً فشرٌّ وفيه تنبيهٌ على حُرْمةِ التعدِّي وإطلاقُ السيئةِ على الثانيةِ
(8/34)

45 4 {
لأنَّها تسوءُ مَنْ نزلتْ بهِ {فَمَنْ عَفَا} عنِ المسيءِ إليهِ {وَأَصْلَحَ} بينَهُ وبينَ مَنْ يعاديهِ بالعفوِ والإغضاءِ كَما في قولِه تعالى فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حيم {فَأَجْرُهُ عَلَى الله} عِدَةٌ مُبهمةٌ منبئةٌ عن عظمِ شأنِ الموعودِ وخُروجِه عن الحدِّ المعهودِ {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين} البادئينَ بالسيئةِ والمعتدين في الانتقامِ
(8/35)

وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)
{وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ} أي بعدَ ما ظُلِمَ وقَدْ قُرِىءَ بهِ {فَأُوْلَئِكَ} إشارةٌ إلى مَنْ باعتبارِ المَعْنى كَما أنَّ الضميرينِ لها بعتبار اللفظِ {مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ} بالمُعَاتبةِ أو المُعَاقبةِ
(8/35)

إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)
{إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس} يبتدئونَهُم بالإضرارِ أوْ يعتدونَ في الانتقامِ {وَيَبْغُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق} أيْ يتكبرونَ فيَها تجبُّراً وفساداً {أولئك} الموصوفونَ بما ذُكِرَ من الظُّلمِ والبغيِ بغيرِ الحقِّ {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بسببِ ظُلمهم وبغيِهم
(8/35)

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)
{وَلَمَن صَبَرَ} على الأذَى {وَغَفَرَ} لِمَنْ ظلمَهُ وَلم ينتصرْ وفوَّضَ أمرَهْ إلى الله تعالى {إن فِى ذَلِكَ} الذي ذُكِرَ مِنَ الصبرِ والمغفرةِ {لَمِنْ عَزْمِ الأمور} أيْ إنَّ ذلكَ مِنْهُ فحذفَ ثقةً بغايةِ ظهورِه كَما في قولِهم السمنُ مَنَوانِ بدرهمٍ وهَذا في الموادِّ التي لا يُؤدِّي العفوُ إلى الشرِّ كَما أُشيرَ إليهِ
(8/35)

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44)
{وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِىّ مّن بَعْدِهِ} من ناصرٍ يتولاَّهُ من بعدِ خِذلانه تعالى إيَّاهُ {وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب} أيْ حينَ يرنه وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على التحقق يعقلون {هَلْ إلى مَرَدّ} أيْ إلى رجعةٍ إلى الدُّنيا {مّن سَبِيلٍ} حَتَّى نُؤمنَ ونعملَ صالحاً
(8/35)

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45)
{وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أيْ على النار المدلول علهيا بالعذابِ والخطابُ في الموضعينِ لكلِّ مَنْ يتأتَّى منْهُ الرؤيةُ {خاشعين مِنَ الذل} متذلليين مُتضائلينَ مِمَّا دهاهُم {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ} أي يبتدىءُ نظرُهم إلى النَّارِ من تحريكٍ لأجفانِهم ضعيفٍ كالمصبورِ ينظرُ إلى السيفِ {وقال الذين آمنوا إِنَّ الخاسرين} أي المتصفينَ بحقيقةِ الخُسرانِ {الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ} بالتعريضِ للعذابِ الخالدِ {يَوْمُ القيامة} إِمَّا ظرفٌ لخسِرُوا فالقولُ في
(8/35)

49 47
الدنيال أوْ لقالَ فالقولُ يومَ القيامةِ أي يقولونَ حينَ يَرَونهم على تلك الحالِ وصيغةُ الماضِي للدلالةِ على تحققهِ وقولُه تعالى {إَّلا أَن الظالمين فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ} إمَّا من تمامِ كلامِهم أو تصديقٌ منَ الله تعالى لَهُم
(8/36)

وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46)
{وَمَا كَانَ لَهُمْ من أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم} برفعِ العذابِ عنُهم {مِن دُونِ الله} حسبما كانِوا يرجُون ذلكَ في الدُّنيا {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا له من سَبِيلٍ} يُؤدِّي سلوكُه إلى النجاةِ
(8/36)

اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47)
{استجيبوا لِرَبّكُمْ} إذا دعاكُم إلى الإيمانِ على لسانِ نبيِّهِ {مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله} أيْ لا يردُّه الله بعدَ ما حَكَم بهِ على أنَّ مِنْ صلةُ مردَّ أو مِنْ قَبْلِ أَن يأتيَ منَ الله يومٌ لا يُمكنُ رَدُّه {مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} أي مفرَ تلتجئونَ إليهِ {وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ} أى إنكاره لَما اقترفتمُوه لأنَّه مدونٌ في صحائف أعمالهكم وتشهد عليكم جوار حكم
(8/36)

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} تلوينٌ للكلامِ وصرفٌ له عن خطابِ الناسِ بعدَ أمرِهم بالاستجابةِ وتوجيهٌ لهُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أي فإن لم يستجيبوا وأعرضوا عما تدوعهم إليه فما أرسلناك رقيباً ومحاسباً عليهم {إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغُ} وقد فعلتَ {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً} أي نعمةً منَ الصحةِ والغنَى والأمنِ {فَرِحَ بِهَا} أُريد بالإنسانِ الجنس لقولِه تعالَى {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ} أي بلاءٌ من مرضٍ وفقرٍ وخوفٍ {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ} بليغُ الكفرِ ينسى النعمةَ رأساً ويذكرُ البليةَ ويستعظمُها ولا يتأملُ سبَبَها بلْ يزعُم أنها أصابتْهُ بغيرِ استحقاقٍ لها وإسنادُ هذه الخصلةِ إلى الجنسِ مع كونِها من خواصِّ المجرمينَ لغلبتِهم فيما بينَ الأفرادِ وتصديرُ الشرطيةِ الأولى بإذَا معَ إسنادِ الإذاقةِ إلى نونِ العظمةِ للتنبيهِ على أنَّ إيصالَ النعمةِ محققُ الوجودِ كثيرُ الوقوعِ وأنَّه مُقْتضى الذاتِ كما أنَّ تصديرَ الثانيةِ بإِنْ وإسنادَ الإصابةِ إلى السيئةِ وتعليلَها بأعمالِهم للإيذانِ بنُدرةِ وقوعِها وأنَّها بمعزلٍ عن الانتظامِ في سلكِ الإرداة بالذاتِ ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضميرِ للتسجيلِ على أن هذا الجنسَ موسومٌ بكفرانِ النعم
(8/36)

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49)
{لله ملك السماوات والأرض} فمن قضيَّتِه أنْ يملكَ التصرفَ فيهما وفي كلِّ ما فيهما كيفما يشاءُ ومن جُمْلتِه أن يقسمَ النعمةَ والبليةَ حسبما يريدُه {يَخْلُقُ مَا يَشَاء} مما تَعلمُه وَممَّا لاَ تعلمُه {يَهَبُ لِمَن يَشَاء إناثا} من الأولادِ {وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذكور}
(8/36)

51 50
منهُم منْ غيرِ أنْ يكونَ في ذلكَ مدخلٌ لأحد
(8/37)

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)
{أَوْ يُزَوّجُهُمْ} أي يقرن بين الصنفينِ فيهبهما جميعاً {ذُكْرَاناً وإناثا} قالُوا مَعْنى يُزوِّجَهُم أنْ تَلِدَ غُلاماً ثم جَارِيةً أو جارية ثمَّ غُلاماً أو تلدُ ذكر وأُنْثى توأمينِ {وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيماً} والمَعْنى يجعلُ أحوالَ العبادِ في حقِّ الأولادِ مختلفةً على ما تقتضيِه المشيئةُ فيهن فيهبُ لبعضٍ إمَّا صنفاً واحداً من ذَكَرٍ أَوْ أنثى وإمَّا صنفينِ ويُعقمُ آخرَين ولعلَّ تقديمَ الأناثِ لأنَّها أكثر لتكثير النسل أو لان مساقَ الآيةِ للدلالةِ على أنَّ الواقعَ ما تتعلقُ به مشيئته تعالى لا ما تتعلقُ به مشيئة الإنسانِ والإناثُ كذلكَ أو لأنَّ الكلامَ في البلاءِ والعربُ تعدُّهنَّ أعظمَ البَلاَيا أو لتطييبِ قلوبِ آبائِهنَّ أو للمحافظةِ على الفواصلِ ولذلكَ عرَّفَ الذكورَ أو لجبرِ التأخيرِ وتغييرُ العاطفِ في الثالث لان قسيمُ المشتركِ بينَ القسمينِ ولا حاجة إليه في الرابع لإفصاحه بأنه قسيم المشترك بين القسام المتقدمةِ وقيلَ المرادُ بيانُ أحوالِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ حيثُ وهبَ لشعيبَ ولوطٍ إناثاً ولإبراهيمَ ذكوراً وللنبيِّ صلى الله عليه وسلم ذكوراً وإناثاً وجعلَ يحيى وعيسى عقيمينِ {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} مبالغٌ في العلمِ والقدرةِ فيفعلُ ما فيهِ حكمة مصلحة
(8/37)

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ} أيْ وما صَحَّ لفردٍ من أفراد البشرِ {أَن يُكَلّمَهُ الله} بوجةٍ منِ الوجوهِ {إِلا وَحْياً} أيْ إلاَّ بأنْ يُوحيَ إليهِ ويلهمَهُ ويقذفَ في قلبهِ كما أَوْحى إلى أمِّ مُوسى وإلى إبراهيمَ عليهما السَّلامُ في ذَبْحِ ولدهِ وقَدْ رُويَ عن مجاهدٍ أَوْحَى الله الزبورَ إلى داودَ عليهِ السَّلامُ في صدرِه أو بأنْ يُسمعَهُ كلامَهْ الذي يخلُقه في بعضِ الأجرامِ من غيرِ أنْ يبصر السامع مَنْ يكلمُه وهُو المرادُ بقولِه تعالى {أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} فإنه تمثيلٌ له بحالِ الملكِ المحتجبِ الذي يكلِّمُ بعضَ خواصِّهِ من وراءِ الحجاب يُسمعُ صوتَهُ ولا يَرَى شخصَهُ وذلكَ كما كلَّم مُوسى وكما يكلِّمُ الملائكةَ عليهم السَّلامُ أو بأنْ يكلمَهُ بواسطةِ المَلَكِ وذلكَ قولُه تعالى {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} أي مَلَكاً {فَيُوحِىَ} ذلكَ الرسولُ إلى المرسلِ إليهِ الذي هو الرسولُ البشَريُّ {بِإِذْنِهِ} أي بأمرِه تعالَى وتيسيرِه {مَا يَشَاء} أنْ يوحيَهُ إليهِ وهَذا هو الذي يَجْري بينَهُ تعالَى وبينَ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ في عامَّةِ الأوقاتِ من الكلامِ وقيلَ قولُه تعالى وحياً وقولُه تعالى أو يرسلَ مصدرانِ واقعانِ موقع الحال قوله تعالى أَوْ مِن وراء حجابٍ ظرفٌ واقعٌ موقعَها والتقديرُ وما صَحَّ أن يكلمَ إلا مُوحياً أو مُسمعاً من وراءِ حجابٍ أو مُرسلاً وقُرِىءَ أو يرسلُ بالرفعِ على إضمار مبتدأٍ ورُويَ أنَّ اليهودَ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم ألا تكلمَ الله وتنظرَ إليهِ إنْ كنتَ نبياً كما كلمت مُوسى ونظرَ إليهِ فإنَّا لن نؤمنَ حتَّى تفعلَ ذلكَ فقالَ عليهِ السَّلامُ لم ينظر موسى عليه السلام إِلَى الله تَعَالَى فنزلتْ وعنْ عائشةَ رضيَ الله عنها من زَعَمَ أنَّ محمداً رأى ربَّه فقدْ أعظمَ على الله الفريةَ ثم قالتْ رضيَ الله عْنُها
(8/37)

53 5 {
أو لم تسمعُوا ربَّكُم يقولُ فتلتْ هَذِهِ الآيةَ {إِنَّهُ عَلِىٌّ} متعالٍ عن صفاتِ المخلوقينَ لا يتأتَّى جَرَيانُ المفاوضةِ بينَهُ تعالى وبينَهم إلا بأحدِ الوجوهِ المذكورةِ {حَكِيمٌ} يُجْري أفعالَهُ على سُنَنِ الحكمةِ فيكلمُ تارةً بواسطةٍ وأُخرى بدونِها إمَّا إلهاماً وإما خطاباً
(8/38)

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)
{وكذلك} أيْ ومثلَ ذلكَ الإيحاءِ البديعِ {أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا} هو القرآنُ الذي هو للقلوب بمنزلةِ الروحِ للأبدانِ حيثُ يُحيَيها حياةً أبديةً وقيلَ جبريلُ عليهِ السَّلامُ ومَعْنى إيحائِه إليهِ عليهما السَّلامُ إرسالُه إليهِ بالوحي {مَا كُنتَ تَدْرِى} قبلَ الوَحي {مَا الكتاب} أيْ أيُّ شيءٍ هُو {وَلاَ الإيمان} أيْ الإيمانُ بتفاصيلِ ما في تضاعبف الكتابِ من الأمورِ التي لا تهتدِي إليهَا العقولُ لا الإيمانُ بما يستقلُّ به العقل والنظر عليه فإنَّ درايتَهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ له مما لا ريبَ فيهِ قطعاً {ولكن جعلناه} أي الرُّوحَ الذي أوحيناهُ إليكَ {نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاء} هدايتَهُ {مّنْ عِبَادِنَا} وهُو الذي يصرف اختيارَهُ نحو الاهتداءِ بهِ وقولُه تعالَى {وَإِنَّكَ لَتَهْدِى} تقريرٌ لهدايتهِ تعالى وبيانٌ لكيفيتِها ومفعولُ لتهدِي محذوفٌ ثقةً بغايةِ الظهورِ أى وأنك لتهدِي بذلكَ النورِ من نشاءُ هدايَتهُ {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} هو الإسلامُ وسائرُ الشرائعِ والأحكامِ وقُرِىءَ لتُهدَى أي لَيَهديكَ الله وقُرِىءَ لتدعوا
(8/38)

صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
{صراط الله} بدلٌ من الأولِ وإضافتُه إلى الاسمِ الجليلِ ثمَّ وصفُه بقولِه تعالَى {الذى لَهُ مَا في السماوات وَمَا فِي الأرض} لتفخيمِ شأنِه وتقريرِ استقامتِه وتأكيدِ وجوبِ سلوكِه فإنَّ كونَ جميع ما فيها من الموجوداتِ له تعالى خَلْقاً ومِلْكاً وتصرُّفاً مما يوجبُ ذلكَ أتمَّ إيجابٍ {أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور} أى أمرو ما فيهما قاطبةً لا إلى غيرِه ففيهِ من الوعدِ للمهتدينَ إلى الصراطِ المستقيمِ والوعيدِ للضالينَ عنه ملا يخفى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قرأَ سورةَ حم عسق كانَ ممَّن تُصلِّي عليهِ الملائكةُ ويستغفرونَ ويسترحمونَ لهُ
(8/38)

الزخرف

4 {
{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/39)

حم (1)
{حم} الكلامُ فيهِ كالذي مر في فاتحة سورة يس خَلاَ أنَّ الظاهرَ على تقديرِ اسميتِه كونُه اسماً للقُرآنِ لا للسورةِ كما قيل فإن ذلك مُخِلٌّ بجزالة النظمِ الكريم
(8/39)

وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)
{والكتاب} بالجرِّ على أنه مُقسمٌ بهِ إمَّا ابتداءً أو عطفاً عَلى حم على تقدير كونه مجرورا بإضمارِ باءِ القسمِ على أنَّ مدارَ العطفِ المغايرةُ في العنوان ومناط تكريم القسمِ المبالغةُ في تأكيدِ مضمونِ الجملةِ القَسَميةِ {المبين} أي البيِّنِ لمن أُنزلَ عليهم لكونِه بلغتِهم وعَلى أساليبِهم أو المبينِ لطريقِ الهُدى من طريقِ الضلالةِ الموضح لكل ما يُحتاج إليهِ في أبوابِ الديانةِ
(8/39)

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)
{إنا جعلناه قرآنا عَرَبِيّاً} جوابٌ للقسمِ لكنْ لا على أنَّ مرجعَ التأكيدِ جعلُه كذلكَ كما قيلَ بلْ ما هُو غايتُه التي يُعربُ عنها قولُه تعالى {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فإنَّها المحتاجةُ إلى التحقيقِ والتأكيدِ لكونِها منبئةً عن الاعتناءِ بأمرِهم وإتمام النعمةِ عليهم وإزاحةِ أعذارِهم أي جعنا ذلكَ الكتابِ قُرآناً عربياً لكي تفهمُوه وتحيطُوا بما فيهِ من النظمِ الرائقِ والمعنى الفائق وتقفوا على ما يتضمنه من الشواهدِ الناطقةِ بخروجِه عن طوقِ البشرِ وتعرفُوا حقَّ النعمةِ في ذلك وتنقطعَ أعذارُكم بالكليةِ
(8/39)

وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)
{وَإِنَّهُ فِى أُمّ الكتاب} أي في اللوحِ المحفوظِ فإنَّه أصلُ الكتبِ السماويةِ وقُرِىءَ إِمِّ الكتابِ بالكسرِ {لَدَيْنَا} أي عندنَا {لَّعَلّى} رفيعٌ القدرِ بينَ الكتبِ شريفٌ {حَكِيمٌ} ذُو حكمةٍ بالغةٍ أو محكمٌ وهُما خبرانِ لإنَّ وما بينهُمَا بيانٌ لمحلِّ الحكمِ كأنَّه قيلَ بعدَ بيانِ اتصافِه بما ذُكِرَ منَ الوصفينِ الجليلينِ هذا في أمِّ الكتابِ ولدينَا والجملةُ إمَّا عطف على الجمل المقسمِ عليها داخلةٌ في حُكمها ففي الإقسامِ بالقرآنِ على علوِّ قدرِه عندَهُ تعالَى براعةٌ بديعةٌ وإيذانٌ بأنَّه من عُلِّو الشأنِ بحيثُ لا يحتاجُ في بيان الى لاستشهاد عليهِ بالإقسامِ بغيرهِ بل هُو بذاتِه كافٍ في الشهادةِ على ذلكَ من حيثُ الإقسامُ بهِ كَما أنَّه كافٍ فيها من حيثُ إعجازُه ورمزٌ إلى أنَّه لا يخطرُ بالبالِ عند ذكره شيىء آخر أولى منه بالإقسامِ به وإمَّا مستأنفةٌ مقررةٌ لعلوِّ شأنِه الذي أنبأَ عنه الإقسامُ به على منهاجِ الاعتراضِ في قوله تعلى وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عظيم
(8/39)

5 10
وبعد ما بيَّنَ علوَّ شأنِ القرآنِ العظيمِ وحققَ أنَّ إنزالَهُ على لغتِهم ليعقلوه ويؤمنوا به ويعملوا بموجبِه عقَّبَ ذلكَ بإنكارِ أنْ يكونَ الأمرُ بخلافهِ فقيلَ
(8/40)

أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5)
{أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر} أي ونُبعدُه عنكم مجازٌ من قولِهم ضربُ الغرائبِ عن الحوضِ وفيه إشعارٌ باقتضاءِ الحمكة توجُّهَ الذكر إليهم وملازمتَه لهم كأنَّه يتهافتُ عليهم والفاء للعطف على محذوفٍ يقتضيهِ المقامُ أي أنهملكُم فننحِّى الذكرَ عنكُم {صَفْحاً} أي إعراضاً عنكم على أنَّه مفعولٌ له للمذكورِ أو مصدرٌ مؤكدٌ لما دَلَّ هو عليهِ فإن التنحيةَ منبئةُ عن الصفحِ والإعراضِ قطعاً كأنَّه قيلَ أفنصفحُ عنكُم صفحاً أو بمَعْنى الجانبِ فينتصب على الطرفية أي أفننحيهِ عنكُم جانباً {أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ} أي لأنْ كنتُم منهمكينَ في الإسرافِ مصرِّينَ عليهِ عَلى مَعْنى إنَّ حالَكُم وإنِ اقتَضَى تخليتَكُم وشأنَكُم حتَّى تموتُوا على الكفرِ والضلالةِ وتبقوا في العذابِ الخالدِ لكنا لسعةِ رحمتِنا لا تفعل ذلكَ بلْ نهديكُم إلى الحقِّ بإرسالِ الرسولِ الأمينِ واتزال الكتاب المحبين وقرىء إن بالكسرِ على أنَّ الجملةَ شطريه مخرِجةٌ للمحققِ مُخرجَ المشكوكِ لاستجالهالهم والجزاءُ محذوفٌ ثقةً بدلالةِ ما قبلَهُ عليه وقولُه تعالَى
(8/40)

وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7)
{وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيّ فِى الأولين} {وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِىّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون} تقريرٌ لما قبلَه ببيانِ أنَّ إسرافَ الأممِ السالفةِ لم يمنعْهُ تعالى من إرسالِ الأنبياءِ إليهم وتسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزاءِ قومِه به وقوله تعالى
(8/40)

فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8)
{فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً} أي من هؤلاء القوم المسرفينَ عِدَةٌ له عليهِ الصلااة والسَّلامُ ووعيدٌ لهم بمثلِ ما جَرَى على الأولينَ ووصفُهم بأشدِّيَّة البطشِ لإثباتِ حكمِهم لهؤلاءِ بطريقِ الأولويةِ {ومضى مَثَلُ الأولين} أي سلَف في القُرآنِ غيرَ مرةٍ ذكرُ قِصَّتِهم التي حقُّها أن تسيرَ مسيرَ المثلِ
(8/40)

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)
{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم} أي ليُسنِدُنَّ خلقَها إلى مَنْ هذا شأنُه في الحقيقةِ وفي نفسِ الأمرِ لا أنَّهم يُعبِّرونَ عنه بهذا العُنوانِ وسلوكُ هذه الطريقةِ للإشعارِ بأنَّ اتصافَهُ تعالى بَما سُردَ من جلائلِ الصفاتِ والأفعالِ وبما يستلزمُه ذلكَ من البعثِ والجزاءِ أمرٌ بينٌ لا ريب فيه وأن الحجةَ قائمةٌ عليهم شاؤُا أو أبَوا وقد جُوِّزَ أن يكونَ ذلك عينَ عبارتهم قوله تعالى
(8/40)

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)
{الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً} استئنافٌ من جهتِه تعالى أي بسَطَها لكُم تستقرُّونَ فيها {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً} تسلكونَها في أسفارِكم {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}
(8/40)

أي لكيْ تهتدُوا بسلوكِها إلى مقاصدِكم أو بالتفكُّر فيها بالتوحيد الذي هو المقصد الأصلي
(8/41)

وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11)
{والذى نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ} بمقدارٍ تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصالحِ {فَأَنشَرْنَا بِهِ} أي أحيينَا بذلكَ الماءِ {بَلْدَةً مَّيْتاً} خالياً عن النماءِ والنباتِ بالكُلِّيةِ وقُرِىءَ مَيِّتَا بالتشديدِ وتذكيرُه لأنَّ البلدةَ في مَعْنى البلدِ والمكانِ والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإظهارِ كمالِ العنايةِ بأمرِ الإحياءِ والإشعارِ بعِظَمِ خطرِه {كذلك} أي مثلَ ذلك الإحياءِ الذي هو في الحقيقةِ إخراجُ النباتِ منَ الأرضِ {تُخْرَجُونَ} أي تُبعثونَ من قبورِكم أحياءً وفي التعبيرِ عنْ إخراجِ النباتِ بالإنشارِ الذي هُو إحياءُ الموتى وعن إحيائها بالإخراجِ تفخيمٌ لشأنِ الإنباتِ وتهوينٌ لأمر البعث لتقويمِ سننِ الاستدلالِ وتوضيحِ منهاجِ القياسِ
(8/41)

وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12)
{والذى خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا} أي أصنافَ المخلوقاتِ وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا الأزواجُ الضروبُ والأنواعُ كالحُلو والحامضِ والأبيضِ والأسودِ والذكور والأُنْثى وقيلَ كلُّ ما سوى الله تعالى فو زوجٌ كالفوقِ والتحتِ واليمينِ واليسار إلى غيرِ ذلكَ {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ} أي ما تركبونَهُ تغليباً للأنعامِ على الفلكِ فإن الركوبَ متعدٍ بنفسهِ واستعمالُه في الفُلكِ ونحوِها بكلمةِ فِي الرمز الى مكانتها وكونِ حركتِها غيرَ إراديةٍ كما مر في سورة هودٍ عندَ قولِه تعالَى وقال اركبوا فِيهَا
(8/41)

لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)
{لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ} أي لتستعلُوا على ظهورِ ما تركبونَهُ من الفُلكِ والأنعامِ والجمعُ باعتبارِ المَعْنى {ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ} أي تذكرُوها بقلوبِكم معترفينَ بها مستعظمينَ لها ثم تحمَدوا عليها بألسنتِكم {وَتَقُولُواْ سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا} مُتعجِّبينَ من ذلكَ كمَا يُروي عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم أنه كانَ إذا وضعَ رجلَهُ في الركابِ قال بسم الله فإذَا استوَى على الدابةِ قال الحمدُ لله على كلِّ حالٍ سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هَذا إلى قولِه تعالى لمنقلبونَ وكبَّر ثلاثاً وهللَّ ثلاثاً {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} أي مُطيقينَ من أقرنَ الشيءَ إذا أطاقَهُ وأصلُه وجدُه قرينتَه لأن الصعْبَ لا يكونُ قرينةً للضعيفِ وقُرِىءَ بالتشديدِ والمَعْنى واحدٌ وهذا من تمامِ ذكر معمته تعالى إذ بدونِ اعترافِ المنعمِ عليه بالعجزِ عن تحصيلِ النعمةِ لا يعرفُ قدرَها ولا حق المنعمِ بها
(8/41)

وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)
{وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ} أي راجعونَ وفيهِ إيذانٌ بأنَّ حقَّ الراكبِ أنْ يتأملَ فيما يُلابسُه من المسيرِ ويتذكَر منه المسافرةَ العُظْمى التي هيَ الانقلابُ إلى الله تعالى فيبنِى أمورَهُ في مسيرِه ذلكَ على تلكَ الملاحظةِ ولا بخطر ببالِه في شيءٍ
(8/41)

} 8 15
مما يأتى ويتذر أمراً ينافيها ومن ضرورتِه أن يكون ركوبُه لأمرٍ مشروعٍ
(8/42)

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15)
{وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} متصلٌ بقولِه تعالى ولئِن سألتَهُم الخ أيْ وقد جعلُوا له سبحانَهُ بألسنتهم واعتقادهم بعد ذلك الاعترافِ من عبادِه ولداً وإنَّما عبَّر عنهُ بالجُزءِ لمزيدِ استحالتهِ في حقِّ الواحدِ الحقِّ من جميعِ الجهاتِ وقُرِىءَ جُزُؤا بضمَّتينِ {إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} ظاهرُ الكُفرانِ مبالغٌ فيهِ ولذلك يقولونَ ما يقولونَ سبحان الله عما يصفون
(8/42)

أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16)
{أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} أَمْ منقطعةٌ وما فيَها من معنى بل للانتقالِ من بيانِ بطلانِ جَعْلِهم لهُ تعالى ولداً على الإطلاقِ إلى بيانِ بُطلانِ جعلِهم ذلكَ الولدَ من أخسَّ صنفيهِ والهمزةُ للإنكار والتوبيخ والتعجب من شأنِهم وقولُه تعالى {وأصفاكم بالبنين} غما عطفٌ على اتخذَ داخلٌ في حُكْمِ الإنكارِ والتعجيبِ الخلافِ المشهورِ والالتفاتُ إلى خطابِهم لتأكيدِ الإلزامِ وتشديدِ التوبيخ أى بل انخذ من خلقه أخس أو حالٌ من فاعلِه بإضمار قد أو بدونه على الصنفين وختار لكم أفضلَهُما على مَعْنى هَبُوا أنكم اجترأتُم على إضافةِ اتخاذِ جنسِ الولدِ إليه سُبحانَهُ مع ظهورِ استحالتِه وامتناعِه أما كانَ لكم شيءٌ من العقلِ ونُبذٌ من الحياءِ حتى اجترأتُم على التفوهِ بالعظيمةِ الخارقةِ للعقولِ من ادعاءِ أنَّه تعالى آثركُم على نفسِه بخيرِ الصنفينِ وأعلاهُما وتركَ له شرَّهُما وأدناهُما وتنكير بنات وتعريف البنن لتربيةِ ما اعتُبر فيهما من الحقارةِ والفخامةِ
(8/42)

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17)
{وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً} الخ استئنافٌ مقررٌ لِمَا قبله وقيلَ حالٌ على مَعنْى أنهم نسبوا إإليه ما ذكرو ومن حالِهم أنَّ أحدَهُم إذَا بُشِّرَ بهِ اغتمَّ والالتفاتُ للإيذانِ باقتضاءِ ذكرِ قبائحِهم أنْ يُعرضَ عنهم وتُحكَى لغيرِهم تعجيباً منها أيْ إذَا أخبرَ أحدُهم بولادةِ ما جعلَه مثلاً له سُبحانَه إذِ الولدُ لابد أنْ يجانسَ الوالدَ ويماثلَهُ {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً} أي صارَ أسودَ في الغايةِ مِن سُوء مَا بُشّرَ به {وَهُوَ كَظِيمٌ} مملوءٌ من الكربِ والكآبةِ والجملةُ حالٌ وقُرِىءَ مُسودُّ ومُسوادٌّ على أنَّ في ظَلَّ ضميرُ المبشِّرِ ووجهُهُ مسودٌّ جملةٌ وقعتْ خبراً لهُ
(8/42)

أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)
{أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى الحلية} تكرير للإنكار تثنية للتوبيخِ ومَنْ منصوبةٌ بمضمرِ معطوفٍ على جعلُوا أي أو جعلُوا مَنْ شأنُهُ أنْ يُربَّى في الزينةِ وهو عاجر عن أن يتولى لأمره بنفسهِ فالهمزةُ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه وقد جُوِّزَ انتصابُها بمضمرٍ معطوفٍ على اتخذَ فالهمزةُ حينئذٍ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه وإقحامُها بين المعطوفينِ لتذكيرِ ما في أمِ منقطعة من الإنكارِ وتأكيدهِ والعطفُ للتغاير العنوان أيْ أوَ اتخذَ من هذهِ الصفةِ الذميمةِ صفتَهُ {وَهُوَ} مع ما ذُكِرَ من القصورِ {فِى الخصام} أي الجدالِ الذي لا يكادُ يخلُو عنه الإنسانُ في العادةِ {غَيْرُ مُبِينٍ} غيرُ قادرٍ على تقريرِ دعواهُ وإقامةِ حُجَّتِه لنقصانِ عقلِه وضعفِ رأيه وإضافةُ غيرُ لا تمنعُ عملَ ما بعدَهُ في الجارِّ المتقدمِ لأنَّه بمعْنى النَّفي وقُرِىءَ
(8/42)

} 2 19
ينُشأُ ويُنَاشَأُ من الإفعالِ والمفاعلةِ والكلُّ بمَعْنى واحدٍ ونظيرُه غَلاهُ وأغلاهُ وغالاهُ
(8/43)

وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)
{وجعلوا الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا} بيان لتضمين كفرِهم المذكورِ لكفرٍ آخرَ وتقريعٌ لهم بذلكَ وهو جعلُهم أكملَ العبادِ وأكرمَهم على الله عزَّ وجلَّ أنقصَهُم رأياً وأخسَّهُم صِنفاً وقُرِىءَ عبيدُ الرحمنِ وقُرِىءَ عند الرحمن على تمثيل زلفاهم وقرىء أُنُثاً وهُو جمعُ الجمعِ {أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ} أي أحضرُوا خلقَ الله تعالى إيَّاهم فشاهدُوهم إناثاً حتى يحكموا بأنوثتِهم فإنَّ ذلكَ مما يُعلم بالمشاهدةِ وهو تجهيلٌ لهُم وتهكُّمٌ بهم وقُرِىءَ أَأَشهِدُوا بهمزتينِ مفتوحةٍ ومضمومه وآأشهدوا بألف بينهما {سَتُكْتَبُ شهادتهم} هذه في ديوان أعمالهم {ويسألون} عنها يومٍ القيامةِ وقُرِىءَ سيكتب وسنكتب بالياء اوالنون وقُريَء شهاداتُهم وهيَ قولُهم إن لله جزاء وإن له بناتٍ وأنها الملائكة وقرىء يسألون من المسألة للمبالغةِ
(8/43)

وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)
{وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم} بيانٌ لفنٍ آخرَ من كُفرِهم أيْ لو شاءَ عدمَ عبادتِنا للملائكةِ مشيئَةَ ارتضاءٍ ما عبدناهُم أرادُوا بذلكَ بيانَ أنَّ ما فعلُوه حقٌّ مرضيٌّ عندَهُ تعالى وأنَّهم إنَّما يفعلُونه بمشيئتهِ تعالى إياه منهُم مع اعترافِهم بقبحهِ حتى ينتهضَ ذمُّهم به دليلاً للمعتزلةِ ومَبْنى كلامِهم الباطلِ على مقدمتينِ إحداهُما أنَّ عبادتَهُم لهم بمشيئتهِ تعالى والثانيةُ أنَّ ذلكَ مستلزمٌ لكونِها مرضيةً عندَهُ تعالَى ولقد أخطأُوا في الثانيةِ حيث جهلُوا أن المشيئةَ عبارةٌ عن ارجيح بعضِ الممكناتِ على بعضٍ كائناً ما كانَ منْ غير اعتبار الرضا أو السخط في شيءٍ من الطرفينِ ولذلكَ جُهِّلُوا بقولِه تعالى {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ} أي بما أرادُوا بقولِهم ذلكَ من كونِ ما فعلُوه بمشيئته الارتضاءِ لا بمطلقِ المشيئةِ فإنَّ ذلكَ محققٌ ينطقُ بهِ ما لا يُحصَى من الآياتِ الكريمةِ {مِنْ عِلْمٍ} يستندُ إلى سندٍ مَا {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} يمتحلون تمحلون باطلاً وقد جُوِّزَ أنْ يشر بذلكَ إلى أصلِ الدعوى كأنَّه لما أظهرَ وجوه فسادِها وحكى شُبهَهم المزيفةَ نَفَى أن يكونَ لهم بها علمٌ مِن طريقِ العقلِ ثم أضربَ عنه إلى إبطالِ أن يكونَ لهم سندٌ من جهةِ النقل فقيل
(8/43)

أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21)
{أم آتيناهم كتابا مِن قَبْلِهِ} من قبلِ القُرآنِ أو من قبلِ ادعائِهم ينطقُ بصحةِ ما يدَّعُونَهُ {فَهُم بِهِ} بذلكَ الكتابِ {مُسْتَمْسِكُونَ} وعليهِ معوّلونَ
(8/43)

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22)
{بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا آباءنا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مُّهْتَدُونَ} أي لم يأتُوا بحجة عقلية أو نقليةٍ بل اعترفُوا بأن لا سندَ لهم سوى تقليدِ آبائِهم الجهلةِ مثلِهمْ والأمةُ الدينُ والطريقةُ التي تأم أي تُقصدُ كالرُّحلةِ لما يُرحلُ إليهِ وقُرِىءَ إمةٍ بالكسرِ وهي الحالةُ التي يكونُ عليها الآمُّ أي القاصدُ وقولُه تعالى على آثارهم مهتدون خبران والظرفُ صلةٌ لمهتدونَ
(8/43)

} 7 2 {
(8/44)

وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)
{وكذلك} أي والأمرُ كما ذُكِرَ منْ عجزِهم عن الحجةِ وتشبّثهم بذيلِ التقليدِ وقولُه تعالَى {مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثارهم مُّقْتَدُونَ} استئنافٌ مبينٌ لذلكَ دال على التقليدَ فيما بينُهم ضلالٌ قديمٌ ليسَ لأسلافِهم أيضاً سندٌ غيرُه وتخصيصُ المُترفينَ بتلكَ المقالةِ للإيذانِ بأن التنعمَ وحبّ البطالةِ هو الذي صَرَفهُم عن النظرِ إلى التقليدِ
(8/44)

قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24)
{قَالَ} حكايةٌ لِمَا جَرى بينَ المنذرينَ وبينَ أُممهم عندَ تعللهم بتقليدِ آبائِهم أي قالَ كلُّ نذيرٍ منِ أولئكَ المنذرينَ لأممِهم {أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ} أي أتقتدونَ بآبائِكم ولو جئتُكم {بأهدى} بدينٍ أَهدْى {مِمَّا وَجَدتُّمْ عليه آباءكم} من الضلالةِ التي ليستْ من الهدايةِ في شيءٍ وإنما عبر عنها بذلكَ مجاراةً معهم على مسلكِ الإنصاف وقرىء قل على أنَّه حكايةُ أمرٍ ماضٍ أُوحيَ حينئذٍ إلى كلِّ نذيرٍ لا على انه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم كما قيل لقولِه تعالى {قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون} فإنَّه حكايةٌ عن الأمم قطعا أى قال كلُّ أمةٍ لنذيرِها إنَّا بما أرسلت به الاخ وقد أجملَ عندَ الحكايةِ للإيجاز كما مر في قوله تعالى يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات وجعلُه حكايةً عن قومِه عليه الصَّلاةُ والسلامُ بحمل صيفة الجمعِ على تغليبِه على سائرِ المنذرينَ عليهم السَّلامُ وتوجيُه كفرِهم إلى مَا أرسلَ به الكُلُّ من التوحيدِ لإجماعِهم عليهِ كما في نظائرِ قولِه تعالى كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين تمحُّلٌ بعيدٌ يردُّه بالكلِّيةِ قولُه تعالى
(8/44)

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)
{فانتقمنا مِنْهُمْ} أي بالاستئصالِ {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين} من الأمم المذورين فلا تكترثْ بتكذيبِ قومِكَ
(8/44)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26)
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمَ} أي واذكُرْ لهم وقتَ قولِه عليه الصلاة والسلام {لأبيه وَقَوْمِهِ} المُكبِّينَ على التقليدِ كيفَ تبرأَ ممَّا هم فيهِ بقولِه {إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ} وتمسكَ بالبرهانِ ليسلكُوا مسلكَهُ في الاستدلالِ أو ليقلدوه إن لم يكُن لهم بدٌّ من التلقيد فإنه أشرفُ آبائِهم وبَراءٌ مصدرٌ نُعتَ به مبالغة ولذلك يتسوى فيه الواحد والمتعدد والمذكور والمؤنثُ وقُرِىءَ بَرِيءٌ وبُرَاءٌ بضمِّ الباءِ ككريمٍ وكرامٍ وما إما مصدريةٌ أو موصولةٌ حذف عائدها الى إننِي بريءٌ من عبادتِكم أو معبودِكم
(8/44)

إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)
{إِلاَّ الذى فَطَرَنِى} استثناءٌ منقطعٌ أو متصلٌ على أنَّ مَا تعمُّ أولي العلم وغيرهم وأنَّهم كانُوا يعبدونَ الله والأصنامَ أو صفةٌ على أن مَا موصوفةٌ أي إنني براءٌ من آلهةٍ تعبدونَها غيرَ الذي فَطَرني {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} أي سيثبتنِي على الهدايةِ أو سيهدينِ إلى ما وراءَ الذي
(8/44)

} 1 28
هَدَاني إليهِ إلى الآنَ والأوجهُ أنَّ السينَ للتأكيدِ دون التسويق وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرارِ
(8/45)

وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)
{وَجَعَلَهَا} أي جعلَ إبراهيمُ كلمةَ التوحيدِ التي ما تكلمَ به عبارةٌ عنْهَا {كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ} أي في ذريتِه حيثُ وصَّاهُم بها كما نطقَ به قولُه تعالى ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ الآيةَ فلا يزالُ فيهم مَن يوحدُ الله تعالى ويدعُو إلى توحيدِه وقُرِىءَ كِلْمةً وفي عقْبهِ على التخفيفِ {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} علةٌ للجعل أى جعلها باقية في عقله رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشرك منهم بدعاء الموحدِ
(8/45)

بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29)
{بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَء} إضرابٌ عن محذوفٍ ينساقُ إليهِ الكلامُ كأنَّه قيلَ جعلَها كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ بأنْ وصَّى بها بنيهِ رجاءَ أنْ يرجعَ إليها من أشرك منهم بدعاء الموحدِ فلم يحصلُ ما رجاهُ بل متعتُ منهم هؤلاء المعاصرين للرسول صلى الله عليه سولم من أهل مكة {وآباءهم} بالمدِّ في العمرِ والنعمةِ فاغترُّوا بالمهلةِ وانهمكُوا في الشهواتِ وشُغلوا بها عنْ كلمةِ التوحيدِ {حتى جَاءهُمُ} أي هؤلاءِ {الحق} أي اقرآن {وَرَسُولٌ} أيُّ رسولٍ {مُّبِينٌ} ظاهر الرسالة واضحها بامعجزات الباهرة أو مبين لتوحيد بآيات البيناتِ والحججِ وقُرِىءَ متَّعنَا ومتَّعتَ بالخطابِ على إنَّه تعالى اعترضَ به على ذاته في قوله تعلى وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية الخ مبالغة فى تعبيرهم فإن التمتيع بزيادةِ النعمِ يوجبُ عليهم أنْ يجعلُوه سبباً لزيادةِ الشكرِ والثباتِ على التوحيدِ والإيمانِ فجعلَه سبباً لزيادةِ الكفر أن أقصى مراتب الكفر والضلالة
(8/45)

وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30)
{وَلَمَّا جَاءهُمُ الحق} لينبههَمُ عمَّا هُم فيهِ من الغفلةِ ويرشدَهُم إلى التوحيدِ ازدادُوا كفراً وعَتَوا وضمُّوا إلى كفرِهم السابقِ معاندةَ الحق ولاستهانة بهِ حيثُ {قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون} فسمَّوا القرآنَ سِحْراً وكفُروا به واسحقروا الرسول صلى الله عليه وسلم
(8/45)

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
{وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ} أي من إِحْدَى القريتينِ مكةَ والطائفِ على نهجِ قولِه تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ {عظِيمٌ} أي بالجاهِ والمالِ كالوليدِ بنِ المغيرةَ المخزوميِّ وعروةَ بنِ مسعودٍ الثقفيِّ وقيلَ حبيبُ بنُ عُمرَ بنِ عمر الثقفي وعن مجاهد عيبة بنُ ربيعةَ وكنانةُ بنُ عبد ياليل ولم تفوهوا بهذه العظيمةِ حَسَداً على نزولِه الى رسول صلى الله عليه وسلم دونَ مَنْ ذُكر من عظمائِهم مع اعترافِهم بقرآنيتِه بل استدلالاً على عدمِها بمَعْنى أنَّه لو كانَ قرآنا لنزلَ إلى أحدِ هؤلاءِ بناءً على ما زعمُوا من أنَّ الرسالةَ منصبٌ جليلٌ لا يليقُ بهِ إلا مَنْ له جلالةٌ من حيثُ المالُ والجاهُ ولم يدرُوا أنَّها رتبةٌ روحانيةٌ لا يترقَّى إليَها إلا هممُ الخواصِّ المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتحلين بالفضائلِ الأنسيةِ وأما المتزخرفونَ باالزخارف الدنيوية المستمتعون بالحظوظ الدنية فهُم من استحقاقِ تلكَ الرتبةِ بألفِ منزلٍ
(8/45)

} 5 3 {
وقولُه تعالى
(8/46)

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)
{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ} إنكارٌ فيهِ تجهيلٌ لهم وتعجيبٌ من تحكمِهم والمرادُ بالرحمةِ النبوةُ {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} أي أسبابَ معيشتِهم {فِى الحياة الدنيا} قسمة تقتضيَها مشيئتُنا المبنيةُ على الحِكم والمصالحِ ولم نفوضْ أمرَها إليهم علماً منا بعجزِهم عن تدبيرِها بالكُلِّيةِ {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الرزقِ وسائرِ مبادِي المعاشِ {درجات} متفاوتة بحسبِ القُربِ والبُعدِ حسبَما تقتضيِه الحكمةُ فمنْ ضعيفٍ وقويَ وفقيرٍ وغنيَ وخادمٍ ومخدومٍ وحاكمٍ ومحكومٍ {لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} ليُصرِّفَ بعضُهم بعضاً في مصالحِهم ويستخدمُوهم في مهنهم ويتسخرُوهم في أشغالِهم حتَّى يتعايشُوا ويترافدُوا ويصلُوا إلى مرافقِهم لا لكمالٍ في المُوسعِ ولا لنقصٍ في المقتر ولو فرضنا ذلك الى تدبيرهم لضاعوا وهلكوا فإذا كانوا في تدبيرِ خُويِّصةِ أمرِهم وما يُصلِحُهم من متاعِ الدُّنيا الدنيئة وهو في طرف الثمام على هذه الحالةِ فما ظنُّهم بأنفسِهم في تدبيرِ أمرِ الدِّينِ وهو أبعدُ من مناطِ العَيُّوقِ ومنْ أينَ لهُم البحثُ عن أمرِ النبوةِ والتخيرُ لها مَنْ يصلُح لَها ويقومُ بامرها {ورحمة رَبّكَ} أي النبوةُ وما يتبعُها من سعادةِ الدارينِ {خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} من حُطام الدُّنيا الدنيئةِ الفانيةِ وقولِه تعالَى
(8/46)

وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)
{وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة} استئنافٌ مبينٌ لحقارةِ متاعِ الدُّنيا ودناءةِ قدرهِ عندَ الله عزَّ وجلَّ والمَعْنى أنَّ حقارةَ شأنِه بحيثُ لولا أنْ لا يرغبَ النَّاسُ لحبِّهم الدُّنيا في الكفرِ إذا رأَوا أهلَهُ في سَعةٍ وتنعمٍ فيجتمعُوا عليه لأعطيناهُ بحذافيرِه من هو شرُّ الخلائقِ وأدناهُم منزلةً وذلكَ قولُه تعالى {لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ} أي متخَذةً منها ولبيوتِهم بدلُ اشتمالٍ منْ لِمَنْ وجمعُ الضميرِ باعتبارِ معنى من كما أن إِفرادَ المستكنِّ في يكفرُ باعتبارِ لفظِها والسُّقُفُ جمعُ سَقْفٍ كرُهُنٍ جمعُ رَهْنٍ وعن الفراء جمعُ سقيفةٍ كسفنٍ وسَفينةٍ وقُرِىءَ سُقْفَاً بسكونِ القافِ تخفيفا وسقف اكتافء بجمعِ البيوتِ وسَقَفاً كأنَّه لغةٌ في سقفٍ وسقوفاً {وَمَعَارِجَ} أي جعلَنا لهم معرج من فضةٍ أي مصاعدَ جمعُ معَرْجٍ وقُرِىءَ معاريَجِ جمع معراجٍ {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي يعلُون السطوحَ والعلاليَ
(8/46)

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34)
{وَلِبُيُوتِهِمْ} أي وجعلنَا لبيوتِهم {أبوابا وَسُرُراً} من فضةٍ {عَلَيْهَا} أي على السررِ {يتكؤون} ولعل تكريرَ ذكرِ بيوتهم لزيادةِ التقريرِ
(8/46)

وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)
{وَزُخْرُفاً} أي زينةً عطفٌ على سُقُفاً أو ذهباً عطف على 2 محل من فضةٍ {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَّتَاعَ الحياة الدنيا} أيْ وما
(8/46)

} 9 36
كُلُّ ما ذُكِرَ من البيوت الموصوفه المفصَّلةِ إلا شيءٌ يُتمتّع به فِي الحياة الدنيا وَفِي معناهُ ما قُرِىءَ ومَا كلُّ ذلكَ إلا متاعُ الحياةِ الدُّنيا وقُرِىءَ بتخفيفِ مَا عَلى أنَّ أنْ هيَ المخففةُ واللامُ هيَ الفارِقةُ وقُرِىءَ بكسرِ اللامِ على أنَّها لامُ العلةِ ومَا موصولةٌ قد حُذف عائدُها أي للذي هُو متاعُ الخ كما في قولِه تعالى تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ {والأخرة} بما فيَها من فنونِ النعمِ التي يقصُر عنها البيانُ {عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ} أيْ عنِ الكفرِ والمعاصِي وبهذا تبينَ أنَّ العظيمَ هو العظيمُ في الآخرةِ لا في الدُّنيا
(8/47)

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)
{وَمَن يَعْشُ} أيْ يتعامَ {عَن ذِكْرِ الرحمن} وهو القرآنُ وإضافتُه إلى اسمِ الرَّحمنِ للإيذانِ بنزولِه رحمةً للعالمينَ وقُرِىءَ يعشَ بالفتحِ أي يعمَ يقالُ عَشَى يعْشَى إذا كانَ في بصرِه آفةٌ وعشَا يعشُو إذا تَعشَّى بلا آفةٍ كعَرَج وعَرُج وقُرِىءَ يعشُو على من موصولة غير مضمنةٍ مَعْنى الشرطِ والمَعْنى ومَنْ يُعرضْ عنه لفرطِ اشتغالِه بزهرةِ الحياة الدُّنيا وانهماكه في حظوطها الفانيةِ والشهواتِ {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} لا يفارقُه ولا يزالُ يوسوسُه ويُغويهِ وقُرِىءِ يُقيضْ بالياءِ على إسناده إلى ضميرِ الرحمنِ ومَنْ رفعَ يعشُو فحقُّه أنْ يرفعَ يقيضْ
(8/47)

وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)
{وَإِنَّهُمْ} أي الشياطينَ الذين قُيضَ كلُّ واحدٍ منهم لكلِّ واحدٍ مِمَّن يعشُو {لَيَصُدُّونَهُمْ} أي قرناءَهُم فمدارُ جمع الضميرين اعتار معنى مَنْ كما أن مدارَ إفرادِ الضمائرِ السابقةِ اعتبارُ لفظِها {عَنِ السبيل} المستبينِ الذي يدعُو إليه القرآنُ {وَيَحْسَبُونَ} أي العاشُونَ {أَنَّهُمْ} أي الشياطينَ {مُّهْتَدُونَ} أي إلى السبيلِ المستقيمِ وإلا لما اتبعوهُم أو يحسبونَ أنَّ أنفسَهُم مهتدونَ لأنَّ اعتقادَ كونِ الشياطينِ مهتدينَ مستلزمٌ لاعتقادِ كونِهم كذلكَ لاتحادِ مسلكِهما والجملةُ حالٌ من مفعولِ يصدونَ بتقديرِ المبتدأِ أو من فاعلِه أو منهُمَا لاشتمالِها على ضميريِهما أيْ وأنَّهم ليصدونُهم عن الطريقِ الحقِّ وهم يحسبونَ أنَّهم مهتدون إليهِ وصيغةُ المضارعِ في الأفعالِ الأربعةِ للدلالةِ على الاستمرار التجديدية لقوله تعالى
(8/47)

حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)
{حتى إِذَا جَاءنَا} فإنَّ حتَّى وإنْ كانتْ ابتدائيةً داخلةً على الجملةِ الشرطيةِ لكنَّها تقتضِي حتْمَاً أن تكونَ غايةً لأمرٍ ممتدَ كما مر مرار وإفرادُ الضميرِ في جاءَ وما بعَدُه لما أنَّ المرادَ حكايةُ مقالة كلِّ واحد واحد من العاشين لقرينه لتهويل الأمر وتفضيع الحال والمعنى يستمر العاشون على ما ذكر من مقارنة الشياطين والصدر والحُسبانِ الباطلِ حتَّى إذا جاءَنا كلُّ واحدٍ منهُم مع قرينهِ يومَ القيامةِ {قَالَ} مُخاطباً له {يَا لَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ} في الدُّنيا {بُعْدَ المشرقين} أي بعدَ المشرقِ والمغربِ أي تباعُدَ كلَ منهما عن الآخرِ فغلَّبَ المشرقَ وثنَّى وأُضيفَ البُعد إليهما {فَبِئْسَ القرين} أيْ أنتَ وقولُه تعالى
(8/47)

وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39)
{وَلَن يَنفَعَكُمُ} الخ حكايةٌ لما سيقالُ لهم حينئذٍ من جهةِ الله عزَّ وجل توبيخا وتقريعاً أي لنْ ينفعَكُم {اليوم} أي يومَ القيامةِ
(8/47)

45 40
تمنّيكُم لمباعدتِهم {إِذ ظَّلَمْتُمْ} أي لأجلِ ظلمِكم أنفسَكم في الدُّنيا باتِّباعِكم إيَّاهُم في الكُفرِ والمَعَاصِي وقيلَ إذْ ظلمتُم بدلٌ منَ اليومَ أي إذْ تبينَ عندكُم وعندَ النَّاسِ جميعاً أَنكُم ظلمتُم أنفسَكُم في الدُّنيا وعليهِ قولُ منْ قالَ إذَا مَا انتسبنَا لم تلدني لئيمة أي تبينَ أنِّي لم تلدنِي لئيمةٌ بلْ كريمةٌ وقولُه تعالَى {أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ} تعليلٌ لنفِي النفعِ أي لأنَّ حقكُم أنْ تشتركُوا أنتُم وقرناؤُكم في العذابِ كما كنتُم مشتركينَ في سببه في الدُّنيا ويجوزُ أنْ يُسندَ الفعلُ إليهِ لكن لا بمعنى لنْ ينفعَكم اشتراكُكم في العذابِ كما ينفعُ الواقعين في شدائدِ الدُّنيا اشتراكُهم فيها لتعاونِهم في تحملِ أعبائِها وتقسّمِهم لعنائِها لأنَّ لكل منهم مالا تبلغُه طاقتُه كما قيلَ لأنَّ الانتفاعَ بذلكَ الوجهِ ليسَ مما يخطرُ ببالِهم حتى يردَّ عليهم بنفيهِ بل بمَعْنى لن يحصل لكم التشفي يكون قرنائِكم معذبينَ مثلَكم حيثُ كنتُم تدعونَ عليهم بقولِكم ربنا آتهم ضعفين من العذاب ولعنهم لعنا كبيرا وقولكم فآتهم عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ النار ونظائرِهما لتتشفَوا بذلكَ كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يبالغُ في المجاهدةِ في دعاءِ قومهِ وهُم لا يزيدونَ إلا غياً وتعامياً عما يشاهدونه في شواهدِ النبوةِ وتصامَّاً عما يسمعونَهُ من بيناتِ القُرآنِ فنزلَ
(8/48)

أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40)
{أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِى العمى} وهو إنكارُ تعجيبٍ مِنْ أنْ يكونَ هو الذي يقدر على هدايتِهم وهم قد تمرَّنُوا في الكفر واستغرقوا في الضلالة بحيثُ صارَ ما بهم من العَشَى عمىً مقروناً بالصممِ {وَمَن كَانَ فِى ضلال مُّبِينٍ} عطفٌ على العمى باعتبا تغايرِ الوصفينِ ومدارُ الإنكارِ هو التمكنُ والاستقرارُ في اضلال المفرطِ بحيثُ لا ارعواءَ له منه لا توهُم القصورِ من قِبل الهادِي ففيهِ رمزٌ إلى أنَّه لا يقدرُ على ذلكَ إلا الله تعالَى وحدَهُ بالقسرِ والإلجاءِ
(8/48)

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41)
{فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ} أي فإنْ قبضناكَ قبلَ أنْ نُبصِّرك عذابَهم ونشفيَ بذلكَ صدركَ وصدورَ المؤمنينَ {فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ} لا محالةَ في الدينا والآخرةِ فَما مزيدةٌ للتأكيدِ بمنزلةِ لام القسمِ في أنَّها لا تفارقُ النونَ المؤكدة
(8/48)

أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42)
{أو نرينك} الاذى {الذى وعدناهم} أيْ أو أردنا أنْ نُريكَ العذابَ الذي وعدناهُم {فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ} بحيثُ لا مناصَ لهُم من تحتِ ملَكتِنا وقهرِنا ولقد أراهُ عليه السَّلامُ ذلكَ يومَ بدرٍ
(8/48)

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)
{فاستمسك بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ} من الآياتِ والشرائعِ سواءٌ عجَّلنا لكَ الموعودَ أو أخرنَاهُ إلى يومِ الآخرةِ وقُرِىءَ أَوْحَى على البناءِ للفاعلِ وهو الله عز وجلَّ {إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تعليلٌ للاستمساكِ أو للأمرِ بهِ
(8/48)

وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)
{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ} لشرفٌ عظيمٌ {لك ولقومك وسوف تسألون} يومَ القيامةِ عنْهُ وعنْ قيامكم بحقوقه
(8/48)

وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)
{واسأل مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا}
(8/48)

أي واسألْ أممَهم وعلماءَ دينِهم كقولِه تعالى فَاسْأَلِ الذين يقرؤن الكتاب مِن قَبْلِكَ وفائدةُ هَذا المجازِ التنبيهُ على ان المسؤل عنه عينُ ما نَطقَتْ به ألسنةُ الرسلِ لا ما يقولُه أممُهم وعلماؤُهم من تلقاءِ أنفسِهم قالَ الفَرَّاءُ هُم إنما يخبرونَهُ عن كتاب الرسل فإذا اسألهم فكأنَّه سأَل الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ {أَجَعَلْنَا مِن دون الرحمن آلهة يُعْبَدونَ} أي هلَ حكمنَا بعبادةِ الأوثانِ وهل جاءتْ في ملةٍ من مللِهم والمرادُ به الاستشهادُ بإجماعِ الأنبياءِ على التوحيدِ والتنبيهُ على أنَّه ليسَ بِبدْعٍ ايبتدعه حتى يكذّبَ ويُعادَى
(8/49)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46)
{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} ملتبس بها {إلى فرعون وملئه فَقَالَ إِنِى رَسُولُ رَبِّ العالمين} أريدَ باقتصاصِه تسليةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستشهادُ بدعوةِ مُوسى عليهِ السَّلامُ إلى التوحيدِ إثرَ ما أُشيرَ إلى إجماعِ جميع الرسل عليهم السلام عليه
(8/49)

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47)
{فلما جاءهم بآياتنا إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ} أي فاجَؤا وقتَ ضحكِهم منها أى استهزؤا بها أو ما رأَوها ولم يتأملُوا فيَها
(8/49)

وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)
{وما نريهم من آية} من الآياتِ {إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} إلا وهيَ بالغةٌ أَقصَى مراتبِ الإعجازِ بحيثُ يحسبُ كلُّ منْ ينظرُ إليها أنها أكبرُ من كلِّ ما يقاسُ بها من الآياتِ والمرادُ وصفُ الكلِّ بغايةِ الكِبَرِ من غيرِ ملاحظةِ قصورٍ في شيءٍ منَها أو إلاَّ وهي مختصَّةٌ بضربٍ من الإعجازِ مفضلةٌ بذلكَ الاعتبارِ على غيرِها {وأخذناهم بالعذاب} كالسنينَ والطوفانِ والجرادِ وغيرِها {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لكيْ يرجعُوا عمَّا هُم عليهِ من الكفرِ
(8/49)

وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49)
{وقالوا يا أيها الساحر} نادَوُه بذلكَ في مثل تلك الحال لغايةِ عُتوِّهم ونهايةِ حماقتِهم وقيلَ كانُوا يقولونَ للعالم الماهرِ ساحرٌ لاستعظامِهم علمَ السحرِ وقُرِىءَ أيهُ الساحرُ بضمِّ الهاءِ {ادع لَنَا ربك} ليكشسف عنَّا العذابَ {بِمَا عَهِدَ عِندَكَ} بعهدِه عندكَ من النبوة أو من استجابةِ دعوتِكَ أو من كشفِ العذابِ عمَّن اهتدَى أو بما عَهِدَ عندكَ فوفيتَ به منَ الإيمانِ والطاعةِ {إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ} أي لمؤمنونَ على تقديرِ كشفِ العذابِ عنَّا بدعوتِك كقولِهم لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ
(8/49)

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50)
{فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب} بدعوتِه {إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} فاجؤا وقتَ نكثِ عهدِهم بالاهتداءِ وقد مر تفصيله في الأعرافِ
(8/49)

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)
{ونادى فِرْعَوْنُ} بنفسِه
(8/49)

56 5 {
أو بمناديِه {فِى قَوْمِهِ} في مجمعِهم وفيما بينَهم بعد أنْ كشفَ العذابَ عنْهم مخافةَ أنْ يُؤمنوا {قَالَ يا قوم أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار} أنها النيلِ ومعظمُها أربعةُ أنهرٍ الملكُ ونهرُ طولونَ ونهرُ دمياطٍ ونهرُ تنيسَ {تَجْرِى مِن تَحْتِى} أي منْ تحتِ قَصرِي أو أمرِي وقيلَ من تحتِ سريرِي لارتفاعِه وقيلَ بين يديَّ في جناني وبساتيني الواو إما عطفة لهذهِ الأنهارِ على مُلكِ مصرَ فتجري حالٌ منها أو للحالِ فهذهِ مبتدأٌ والأنهارُ صفتُها وتجري خبرٌ للمتبدأ {أَفلاَ تُبْصِرُونَ} ذلكَ يريدُ به استعظامَ مُلكِه
(8/50)

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)
{أَمْ أَنَا خَيْرٌ} معَ هذه المملكةِ والبسطةِ {مّنْ هذا الذى هُوَ مَهِينٌ} ضعيف حقير من المهابة وهي القلةُ {وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ} أي الكلامَ قالَه افتراءً عليهِ عليه السَّلامُ وتنقيصه عليهِ السَّلامُ في أعينِ النَّاسِ باعتبارِ ما كانَ في لسانِه عليهِ السَّلامُ من نوعِ رتةٍ وقد كانتْ ذهبتْ عنْهُ لقولِه تعالى قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ وأمْ إمَّا منقطعةٌ والهمزةُ للتقريرِ كأنَّه قالَ إثرَ ما عدَّدَ أسبابَ فضلِه ومبادِي خيريتِه أثبتَ عندكُم واستقرَّ لديكُم أنِّي أنَا خيرٌ وهذه حالِي منْ هَذا الخ وإمَّا متصلةٌ فالمَعْنى أفلاَ تْبصرونَ أمْ تبصرونَ خلا أنه وضعَ قولُه أَنَا خَيْرٌ موضعَ تبصرونَ لأنَّهم إذا قالُوا له أنت خير فهم عندَهُ بُصَراءُ وهذا من بابِ تنزيلِ السبب منزلة المسبب ويجوز أن يجعل من تنزيل المسبَّب منزلة السبب فإن إبصارِهم لما ذُكرَ من أسبابِ فضله سببٌ على زعمِه لحُكمِهم بخيريتهِ
(8/50)

فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)
{فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ} أي فهلاَّ أُلقي إليهِ مقاليدُ الملكِ إنْ كانَ صادقاً لما أنَّهم كانُوا إذَا سوَّدُوا رجلا سوره وطوَّقُوه بطوقٍ من ذهبٍ وأَسُوِرةٌ جمعُ سوارِ وقُرِىءَ أساور جمعُ أسوارٍ بمعنى السِّوارِ على تعويضِ التاءِ من ياءِ أساويرَ وقد قُرِىءَ كذلكَ وقُرِىءَ ألقى عليه أسورةً وأساورَ على البناءِ للفاعلِ وهو الله تعالَى {أَوْ جَاء مَعَهُ الملائكة مُقْتَرِنِينَ} مقرونينَ يعينونَهُ أو يصدقونَهُ من قرنتُه به فاقترنَ أو متقارنينَ من اقتران بمعنى تقارنَ
(8/50)

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)
{فاستخف قومه} فاستقرهم وطلبَ منهُم الخفةَ في مطاوعتِه أو فاستخفَّ أحلامَهُم {فَأَطَاعُوهُ} فيما أمرَهُم به {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين} فذلك سارعُوا إلى طاعةِ ذلكَ الفاسق الغوى
(8/50)

فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55)
{فلما آسفونا} أي أغضبونا أشدَّ الغضبِ منقولٌ منْ أَسِفَ إذا أشتد اغضبه {انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ} في اليمِّ
(8/50)

فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)
{فجعلناهم سَلَفاً} قدوةً لمن بعدَهُم من الكُفَّارِ يسلكونَ مسلكَهُم في استيجابِ مثلُ ما حلَّ بهم من العذابِ وهُو إما مصدرٌ نُعتَ بهِ أو جمعُ سالفٍ كخَدَمٍ جمعُ خادمٍ وقُرِىءَ بضمِّ السينِ واللامِ على أنَّه جمعُ سليفٍ أي فريقٍ قد سلفَ كرُغُفٍ أو سَالِفٍ كصُبُرٍ أو سَلَفٍ كأسدٍ وقُرِىءَ سُلَفاً بإبدالِ ضمةِ اللامِ
(8/50)

58 57
فتحةً أو على أنَّه جمعُ سُلْفةٍ أي ثُلَّةٍ قد سلفتْ {وَمَثَلاً لّلأَخِرِينَ} الى أي عظةً لهم أو قصةً عجيبةً تسيرُ مسيرَ الأمثالِ لَهُم فيقالُ مثلُكم مثلُ قومِ فرعونَ
(8/51)

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)
{وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً} أي ضربَهُ ابنُ الزِّبَعْرَى حينَ جادلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في قولِه تعالى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حطب جَهَنَّمَ حيثُ قالَ أهذَا لنا ولآلهتنا أو جميع الأممِ فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسلام هو لكم ولآهلتكم ولجميع الأمم فقال ألا للعين خصمتك ورب الكعبة أليسَ النَّصارى يعبُدونَ المسيحَ واليهودَ عزيراً وبنوُ مُلَيحٍ الملائكةَ فإنْ كانَ هؤلاءِ في النَّارِ فقد رضينا أن نكونَ نحنُ وآلهتُنا معهُم ففرِحَ به قومُه وضحِكُوا وارتفعتْ أصواتُهم وذلكَ قولُه تعالى {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ} أي من ذلك المثلِ {يَصِدُّونَ} أي يرتفعُ لهم جلية وضجيج فرحا وجدلا وقرى يَصُدُّونَ أيْ من أجلِ ذلكَ المثلِ يُعرضُونَ عنِ الحقِّ أي يثبُتونَ على ما كانُوا عليهِ من الأعتراض أو يزدادونَ فيهِ وقيلَ هو أيضاً من الصديدِ وهما لغتنا فيه نحوُ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ وهو الأنسبُ بمَعْنى المفاجأةِ
(8/51)

وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)
{وقالوا أَألِهْتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} حكايةٌ لطرفٍ من المثلِ المضروبِ قالُوه تمهيداً لما بَنَوا عليهِ من الباطلِ المموه بما يغتربه السُّفهاءُ أي ظاهرٌ أنَّ عيسَى خيرٌ من آلهتِنا فحيثُ كانَ هُو في النَّارِ فلا بأسَ بكونِنا مع آلهتِنا فيَها واعلمُ أنَّ ما نُقلَ عنهم من الفرحِ ورفعِ الأصواتِ لم يكُن لما قيلَ من أنه عليه الصلاة والسَّلامُ سكتَ عندَ ذلكَ إلى أنْ نزلَ قولُه تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى الآيةَ فإنَّ ذلكَ معَ إيهامِه لما يجبُ تنزيه ساحتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عنْهُ من شائبة الإفحان من أولِ الأمرِ خلافُ الواقعِ كيفَ لاَ وقد رُويَ أن قولَ ابنِ الزبعري خصمتك ورب الكعبة صدرَ عنْهُ من أولِ الأمرِ عند سماعِ الآيةِ الكريمة فرد عليه النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم بقولِه عليهِ السَّلامُ مَا أجهلك بغلة قومك أما فهمت أن حالم لا يعقلُ وإنَّما لم يخصَّ عليهِ السَّلامُ هذا الحكمَ بآلهتِهم حينَ سألَ الفاجر عن المخصوص والعموم عملا من اختصاص كله مَا بغيرِ العُقلاءِ لأنَّ إخراجَ بعضِ المعبودينَ عنْهُ عند الحاجة موهمٌ للرخصةِ في عبادتِه في الجملةِ فعمَّمَهُ عليه السَّلامُ للكلِّ لكنْ لا بطريقِ عبارةِ النصِّ بل بطريقِ الدلالة بجامعِ الاشتراكِ في المعبودية من دونِ الله تعالَى ثمَّ بينَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بقولِه بل هم عبدو الشياطين التي أمرتهم بذلك أن الملائكةَ والمسيحَ بمعزلٍ من أنْ يكونُوا معبوديهم كما نطق به قوله تعالى سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يعبدون لجن الآية وقد مر تحقيقُ المقامِ عند قولِه تعالى {إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى} الآيةَ بلْ إنَّما كانَ ما أظهرُوه من الأحوالِ المنكرةِ لمحضِ وقاحتِهم وتهالُكِهم على المكابرةِ والعنادِ كما ينطقُ به قولُه تعالى {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} أي ماضربوا لك وذلك المثلَ إلا لأجلِ الجدالِ والخصامِ لا لطلبِ الحقِّ حتَّى يذعنُوا له عندَ ظهورِه ببيانكَ {بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} أي لُدٌّ شدادُ الخصومةِ مجبولونَ على المحك واللجاج وقيلا لمَّا سمعُوا قولَه تعالى إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ قالُوا نحنُ أهدَى من النَّصارى لأنَّهم عبدُوا آدمياً ونحنُ نعبدُ الملائكةَ فنزلتْ فقولُهم أَألِهْتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ حينئذ
(8/51)

61 59
تفضيل لآلهتِهم عَلَى عيسَى عليهِ السَّلامُ لأنَّ المرادَ بهم الملائكةُ ومَعْنى ما ضربُوه الخ ما قالُوا هذا القولَ إلا للجدلِ وقيلَ لمانزلت إِنَّ مَثَلَ عيسى الآيةَ قالُوا ما يريدُ محمدٌ بهذَا إلا أنْ نعبدَهُ وأنه يستأهلُ أنْ يعبدَ وإنْ كانَ بشراً كما عبدتِ النَّصارى المسيحَ وهو بشرٌ ومَعْنى يَصِدُّونَ يَضجُّونَ ويضجرونَ والضميرُ في أمْ هُو لمحمدٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغرضُهم بالموازنةِ بينَهُ عليه السلام وبين آلهتمهم الاستهزاءُ به وقد جُوِّزَ أنْ يكونَ مرادُهم التنصلَ عمَّا أُنكرَ عليهم من قولَهم الملائكةُ بناتُ الله تعالَى ومن عبادتِهم لهم كأنَّهم قالُوا ما قُلنا بدعاً من القولِ ولا فعلنا منكر آمن الفعلِ فإنَّ النَّصارَى جعلُوا المسيحَ ابنَ الله وعبدُوه فنحنُ أشفُّ منُهم قولاً وفعلاً حيثُ نسبنَا إليهِ الملائكةَ وهُم نسبُوا إليهِ الأنَاسِيّ فقولُه تعالى
(8/52)

إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59)
{إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} أي بالنبوةِ {وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} أي أمراً عجيباً حقيقاً بأن يسيرَ ذكرُه كالأمثالِ السائرةِ على الوجهِ الأولِ استئنافٌ مسوقٌ لتنزيههِ عليهِ السَّلامُ عن أنْ يُنسبَ إليه ما نُسبَ إلى الأصنامِ بطريقِ الرمزِ كما نطقَ به صريحاً قولُه تعالى إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى الآيةَ وفيه تنبيهٌ على بُطلانِ رأي من رفعَهُ عن رُتبةِ العبوديةِ وتعريضٌ بفسادِ رأي مَنْ يَرَى رأيَهم في شأنِ الملائكةِ وعلى الثاني والرابح لبيانِ أنَّه قياسُ باطلٍ بباطلٍ أو بأبطلَ على زعمِهم وما عيسَى إلا عبدٌ كسائر العبيدِ قُصَارى أمرِه أنَّه ممن أنعمَنا عليهم بالنبوةِ وخصصنَاهُ ببعضِ الخواصِّ البديعةِ بأنْ خلقناهُ بوجهٍ بديعٍ وقد خلقَنا آدمَ بوجهٍ أبدعَ منْهُ فأينَ هُو من رُتبةِ الربوبيةِ ومن أينَ يتوهمُ صحةُ مذهبِ عبدتِه حتَّى يفتخرَ عبدةُ الملائكةِ بكونِهم أهْدَى منهُم أو يعتذرُوا بأنَّ حالَهم أشفُّ أو أخفُّ من حالِهم وأمَّا على الوجهِ الثَّالثِ فهو لردِّهم وتكذيبِهم في افترائِهم على رسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم ببيانِ أنَّ عيسَى في الحقيقةِ وفيما أُوحيَ إلى الرسولِ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ ليسَ إلاَّ أنُّه عبدٌ منعمٌ عليهِ كما ذُكِرَ فكيف يرصى عليه السلام معبوديته أو كيفَ يُتوهُم الرضَا بمعبوديةِ نفسهِ وقولُه تعالَى
(8/52)

وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)
{وَلَوْ نَشَاء} الخ لتحقيقِ أنَّ مثلَ عيسَى عليهِ السلامُ ليسَ ببدعٍ من قدرةِ الله وأنَّه تعالَى قادرٌ على أبدعَ منْ ذلكَ وأبرعَ مع التنبيهِ على سقوطِ الملائكةِ أيضاً من درجةِ المعبوديةِ أي قدرتُنا بحيثُ لو نشاءُ {لَّجَعَلْنَا} أي لخلقَنا بطريقِ التوالدِ {مّنكُمْ} وأنتمُ رجالٌ ليسَ من شأنِكم الولادةُ {ملائكة} كما خلقناهُم بطريقِ الإبداعِ {فِى الأرض} 6 مستقرينَ فيها كما جعلناهُم مستقرينَ في السماءِ {يَخْلُفُونَ} أي يخلُفونكُم مثلَ أولادِكم فيمَا تأتونَ وما تذرونَ ويُباشرونَ الأفاعيلَ المنوطةَ بمباشرتِكم مع أنَّ شأنَهُم التسبيحُ والتقديسُ في السماءِ فمَنْ شأنُهم بهذه المثابةِ بالنسبةِ إلى القدرةِ الربانيةِ كيفَ يُتوهمُ استحقاقُهم للمعبوديةِ أو انتسابُهم إليهِ تعالى عن ذلك علوا
(8/52)

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
{وَأَنَّهُ} وإنَّ عيسَى {لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ} أي إنَّه بنزولِه شرطٌ من أشراطِها وتسميتُه عِلماً لحصولِه به
(8/52)

66 6 {
أو بحدوثِه بغيرِ أبٍ أو بإحياته المَوْتى دليلٌ على صحةِ البعثِ الذي هو معظمُ ما ينكرهُ الكفرةُ من الأمورِ الواقعة في الساعةِ وقُرِىءَ لَعَلمٌ أي علامةٌ وقُرِىءَ للعِلْم وقُرِىءَ لذِكرٌ على تسميةِ ما يُذكرُ بهِ ذكراً كتسميةَ ما يُعلمُ بهِ علماً وفي الحديثِ إنَّ عيسَى عليهِ السَّلامُ ينزلُ على ثنيةٍ بالأرضِ المقدسةِ يقالُ لها أفيف وعليه نصرتان وبيدِه حَرْبةٌ وبها يقتلُ الدجال فأتى بيتَ المقدسِ والنَّاسُ في صلاةِ الصُّبحِ فيتأخرُ الإمامُ فيُقدِّمُهُ عيسَى عليهِ السَّلامُ ويُصلِّي خلفَهُ على شريعةِ محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلَّم ثم يقتلُ الخنازيرَ ويكسرُ الصليبَ ويُخرِّبُ البِيعَ والكنائسَ ويقتلُ النَّصارَى إلا منْ آمنَ به وقيلَ الضميرُ للقُرآنِ لِما أنَّ فيهِ الإعلامَ بالسَّاعةِ {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} فلا تشكُنَّ في وقوعِها {واتبعون} أيْ واتبعُوا هُدايَ أو شَرْعي أو رَسُولى وقيلَ هُو قولُ الرسولِ مأموراً من جهتِه تعالَى {هذا} أي الذي أدعُوكم إليهِ أو القُرآنُ على أنَّ الضميرَ في إنَّه لهُ {صراط مُّسْتَقِيمٍ} موصلٍ إلى الحقِّ
(8/53)

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62)
{وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان} عن اتِّباعِي {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} بيِّنُ العداوةِ حيثُ أخرجَ أباكُم من الجنةِ وعرَّضكُم للبليةِ
(8/53)

وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63)
{وَلَمَّا جَاء عيسى بالبينات} أي بالمعجزاتِ أو بآياتِ الإنجيلِ أو بالشرائعِ الواضحاتِ {قَالَ} لبني إسرائيلَ {قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة} أى الإنجيل أو الشريعة {وَلأبَيّنَ لَكُم} عكف علَى مقدرٍ ينبىءُ عنْهُ المجيء بالحكمة كأنه قيل قد جئتُكم بالحكمة لأعلِّمَكُم إيَّاها ولأبين لكم {بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ} وهُو ما يتعلقُ بأمورِ الدِّينِ وأما ما يتعلقُ بأمورِ الدُّنيا فليسَ بيانُه من وظائفِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ كما قال عليه السلام أنتمُ أعلمُ بأمورِ دُنياكُم {فاتقوا الله} في مُخَالفتِي {وَأَطِيعُونِ} فيما أبلِّغُه عنْهُ تعالى
(8/53)

إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)
{إِنَّ الله هُوَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه} بيانٌ لما أمرَهُم بالطاعةِ فيهِ وهُو اعتقادُ التَّوحيدِ والتَّعبدُ بالشرائعِ {هذا} أي التوحيدُ والتَّعبدُ باللشرائع {صراط مُّسْتَقِيمٍ} لا يضِلُّ سالِكُه وهُو إمَّا من تتمة كلامِه عليه السَّلامُ أو استئنافٌ من جهتِه تعالى مقررٌ لمقالةِ عيسَى عليه السَّلامُ
(8/53)

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65)
{فاختلف الأحزاب} الفِرقُ المتحزبةُ {مِن بَيْنِهِمْ} أي مِن بينِ مَنْ بُعثَ إليهم من اليهود والنصرى {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ} من المختلفينَ {مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} هو يومُ القيامةِ
(8/53)

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66)
{هَلْ يَنظُرُونَ} أيْ ما ينتظرُ النَّاسُ {إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ} أي إلا إتيانَ الساعةِ {بَغْتَةً} أيْ فجأةً لكنْ لا عندَ كونِهم مترقبينَ لها بل غافلينَ عنها مشتغلينَ بأمورِ الدُّنيا منكرينَ لها وذلكَ قولُه تعالى {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ}
(8/53)

67 7 {
(8/54)

الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)
{الأخلاء} المتحابُّون في الدُّنيا على الإطلاقِ أو في الأمورِ الدُّنيويةِ {يَوْمَئِذٍ} يومَ إذْ تأتيهُم الساعةُ {بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} لانقطاعِ ما بينهم عن علائق الخلة والتحاب لهور كونِها أسباباً للعذابِ {إِلاَّ المتقين} فإنَّ خُلَّتَهم في الدُّنيا لمَّا كانتْ في الله تبقَى على حالِها بل تزدادُ بمشاهدةِ كلَ منهُم آثارَ خُلَّتِهم من الثوابِ ورفعِ الدَّرجاتِ والاستثناءُ على الأولِ متصلٌ وعلى الثاني منقطع
(8/54)

يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68)
{يا عبادِ لا خوفٌ عليكم اليوم ولا أنتم تَحْزَنُونَ} حكايةٌ لما يُنادَى به المتقون المتاحبون في الله يومئذٍ تشريفاً لهم وتطيبا لقلوبهم
(8/54)

الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69)
{الذين آمنوا بآياتنا} صفةٌ للمُنادَى أو نُصب على المدحِ {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ} أي مُخلصينَ وجوهَهُم لنَا جاعلينَ أنفسَهُم سالمةً لطاعتِنا وهو حالٌ من واوِ آمنُوا عن مقاتلٍ إذَا بعثَ الله النَّاسَ فزعَ كلُّ أحدٍ فُينادِي منادٍ يا عبداى فيرفع الخلائق رؤسهم على الرجاءِ ثم يتبعُها الذينَ آمنُوا الآيةَ فينكِّسُ أهل الأديان الباطلة رؤسهم
(8/54)

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)
{ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم} نسؤكم المؤمناتُ {تُحْبَرُونَ} تُسرُّون سروراً يظهرُ حَبارُه أي أثرُه على وجوهِكم أو تُزينونَ من الحَبَرةِ وهو حُسن الهيئةِ أو تُكرمونَ إكراماً بليغاً والحَبْرةُ المبالغةُ فيما وصفَ بجميلٍ
(8/54)

يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ} بعدَ دخولِهم الجنَّةَ حسبَما أُمرِوا بهِ {بصحاف مّن ذَهَبٍ وأكواب} كذلك والصِّحافُ جمعُ صَحْفةٍ قيلَ هيَ كالقصعَةِ وقيلَ أعظمُ القِصَاعِ الجفنةُ ثم القصعة ثم المكيلةُ والأكوابُ جمعُ كوبٍ وهو كوزٌ لا عُروةَ لَهُ {وَفِيهَا} أي في الجَّنةِ {مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس} من فُنونِ الملاذِّ وقُرِىءَ ما تَشْتَهي {وَتَلَذُّ الأعين} أي تستلذُّه وتقرُّ بمشاهدتِه وقُرِىءَ وتلذُّهُ {وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون} إتمامٌ للنعمةِ وإكمالٌ للسرورِ فإنَّ كلَّ نعيمٍ له زوالٌ بالآخرةِ مقارن لخوفِه لا محالةَ والالتفاتُ للتشريفِ
(8/54)

وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)
{وَتِلْكَ الجنة} مبتدأٌ وخبرٌ {التى أُورِثْتُمُوهَا} وقُرِىءَ وُرِّثتمُوهَا {بما كنتم تعلمون} في الدنيا من الأعمال الصالحةِ شبَّه جزاءَ العملِ بالميراثِ لأنَّه يخلُفه العامل عليه وقيلَ تلكَ الجنةُ مبتدأٌ وصفةٌ والموصولُ مع صلتِه خبرُه وقيلَ هو صفةُ الجنةُ كالوجهِ الأولِ والخبر بما كنتم تعلمون فتتعلقُ الباءُ بمحذوفٍ لا بأورثتموها كما ففبي الأولَينِ
(8/54)

لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)
{لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ} بحسبِ الأنواعِ والأصنافِ
(8/54)

79 74
لا بحسب الأفردا فقطْ {مّنْهَا تَأْكُلُونَ} أي بعضَها تأكلونَ في كلِّ نوبةٍ وأمَّا الباقِي فَعَلى الأشجارِ على الدوامِ لا ترى فيها شجرةً خلتْ عن ثمرِهَا لحظةً فهي مزينةٌ بالثمارِ أبداً مُوقَرةٌ بها وعن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم لا ينزع رجل في الحنة من ثمرِها إلا نبتَ مثلاَها مكانَها
(8/55)

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74)
{إن المجرمين} أى الرسخون في الإجرامِ وهم الكفارُ حسبما بنيىء عنْهُ إيرادُهم في مقابلةِ المؤمنينَ بالآياتِ {فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون} خبرُ إنَّ أو خالدونَ هُو الخبرُ وفي متعلقةٌ بهِ
(8/55)

لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)
{لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخففُ العذابُ عنُهم من قولِهم فَتَرتْ عنْهُ الحُمَّى إذا سكنِتْ قليلاً والتركيبُ للضعفِ {وَهُمْ فِيهِ} أي في العذابِ وقُرِىءَ فيَها أي في النَّارِ {مُّبْلِسُونَ} آيسونَ منَ النَّجاةِ
(8/55)

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76)
{وَمَا ظلمناهم} بذلكَ {ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين} لتعريضِهم أنفسَهُم للعذابِ الخالدِ
(8/55)

وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)
{وَنَادَوْاْ} خازنَ النَّارِ {يا مالك} وقُرِىءَ يا مَالِ على التَّرخيمِ بالضمِّ والكسرِ ولعلَّه رمزٌ إلى ضعفِهم وعجزِهِم عن تأديةِ اللفظِ بتمامِه {لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} أي لِيُمتنا حتَّى نستريحَ من قضَى عليه إذا أماتَهُ والمعنى سَلْ ربَّك أنْ يقضي علينا وهَذا لا يُنافِي ما ذُكرَ من إبلاسِهم لأنَّه جؤارٌ وتمنَ للموتِ لفرطِ الشدَّةِ {قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون} أيْ فِي العذابِ أبداً لا خلاصَ لكُم منْهُ بموتٍ ولا بغيرِه عن ابنِ عباس رضي الله عنهُمَا أنَّه لا يُجيبُهم إلا بعدَ ألفِ سنةٍ وقيلَ بعد مائةٍ وقيلَ بعدَ أربعينَ سنةً
(8/55)

لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78)
{لَقَدْ جئناكم بالحق} في الدنيا بإرسال الرسل واتزال الكتبِ وهو خِطَابُ توبيخٍ وتقريعٍ من جهةِ الله تعالَى مقررٌ لجوابِ مالكٍ ومبينٌ لسببِ مكثِهم وقيلَ في قالَ ضميرُ الله تعالَى {ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ} أي حقَ كانَ {كارهون} لا يقبلونَهُ وينفرونَ عنْهُ أما الحقُّ المعهودُ الذي هو التوحيدُ أو القرآنُ فكلُّهم كارهونَ له مشمئزّونَ منْهُ
(8/55)

أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
{أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً} كلامٌ مبتدأٌ ناعٍ على المشركينَ ما فعلوا من الكد برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم وأم منطقة وما فيها من معنى بلْ للانتقالِ من توبيخِ أهلِ النَّارِ إلى حكايةِ جنايةِ هؤلاءِ والهمزةُ للإنكارِ فإنْ أُريدَ بالإبرامِ الإحكامُ حقيقةً فهيَ لإنكارِ الوقوعِ واستبعادِه وإنْ أُريدَ الإحكامُ صورةً فهيَ لإنكارِ الواقعِ واستقباحِه أيْ أأبرمَ مشركُو مكَة أمراً من كيدِهم ومكرهم برسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} كيدنَا حقيقةً لاهم أو فإنَّا مبرمونَ كيدنَا بهم حقيقة كام ابرموا أكيدهم صورةً كقولِه تعالى أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون وكانُوا يتناجَون في أنديتِهم ويتشاورُون في أمورِه
(8/55)

84 80
عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ
(8/56)

أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)
{أَمْ يَحْسَبُونَ} أي بلْ أيحسبونَ {أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ} وهو ما حدَّثُوا به أنفسَهُم أو غيرَهُم في مكان خال {نجواهم} أي ما تكلمُوا به فيما بينهم بطريقِ التَّناجِي {بل} نحن نسمعُهما ونطَّلِعُ عليهما {وَرُسُلُنَا} الذينَ يحفظونَ عليهم أعمالَهم ويلازمونَهم أينَما كانُوا {لَدَيْهِمْ} عندَهُم {يَكْتُبُونَ} أي يكتبونهما أو يكتبونَ كلَّ ما صدرَ عنهُم من الأفعال والأقوال التي من جملتها ما ذكر من سرهم ونجوهم والجملة إما عطف على ما يترجمُ عنْهُ بَلَى أو حال أى نسمعها والحالُ أنَّ رسلَنا يكتبونَ
(8/56)

قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)
{قُلْ} أي للكَفرةِ تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً لهم على أنَّ مخالفتَكَ لهم بعدمِ عبداتك لما يعبدونَهُ من الملائكةِ عليهمِ السَّلامُ ليستْ لبغضِكَ وعداوتك لهم أو لمبعوديهم بلْ إنَّما هُو لجزمِكَ باتسحالة ما نسبُوا إليهم وبنَوا عليها عبادتَهُم من كونِهم بناتِ الله تعالى {إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فأنا أول العابدين} أيْ لَهُ وذلكَ لأنه عليه الصلاة والسلام أعلم الناس بشؤنه تعالى وبما تجوز عليهِ وبما لا يجوزُ وأولاهُم بمراعاةِ حقوقِه ومن مواجبِ تعظيمِ الوالدِ تعظيمُ ولدِه وفيهِ من الدلالةِ على انتفاءِ كونِهم كذلكَ على أبلغِ الوجوهِ وأقوَاها وعلى كونِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على قوةِ يقينٍ وثباتِ قدمٍ في بابِ التَّوحيدِ ما لا يخفى مع ما فيه من استنزالِ الكفرةِ عن رُتبةِ المكابرةِ حسبمَا يُعربُ عنْهُ إيرادُ إِنْ مكانَ لَوْ المنبئةِ عن امتناعِ مقدمِ الشرطيةِ وقيلَ إِن كَانَ للرحمنِ وَلَدٌ في زعمِكم فأنَا أولُ العابدينَ الموحدينَ لله تعالَى وقيلَ فأَنا أولُ الآنفينَ أي المستنكفينَ منْهُ أو منْ أنْ يكونَ له ولدٌ منْ عَبِدَ يَعْبَدُ إذَا اشتدَّ أَنَفُه وقيلَ إنْ نافيةٌ أي ما كَانَ للرحمنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أولُ من قالَ بذلكَ وقُرِىءَ وُلْدٌ
(8/56)

سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)
{سبحان رب السماوات والأرض رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ} أي يصفونَهُ بهِ من أن يكون له ولدٌ وفي إضافةِ اسمِ الربِّ إلى أعظمِ الأجرامِ وأقواها تنبيهٌ على أنَّها وما فياه من المخلوقاتِ حيثُ كانتْ تحتَ ملكوتِه وربوبيتِه كيفَ يتوهمُ أنْ يكونَ شيءٌ منها جزا منْهُ سبحانَهُ وفي تكريرِ اسم الربِّ تفخيمٌ لشأنِ العرشِ
(8/56)

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83)
{فَذَرْهُمْ} حيثُ لم يُذعنُوا للحقِّ بعد ما سمعُوا هذا البرهانَ الجليَّ {يَخُوضُواْ} في أباطيلِهم {وَيَلْعَبُواْ} في دُنياهُم فإنَّ ما هُم فيهِ من الأفعالِ والأقوالِ ليستْ إلا من بابِ الجهلِ واللعبِ والجزمُ في الفعلِ لجوابِ الأمرِ {حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ} من يومِ القيامةِ فإنَّهم يومئذٍ يعلمونَ ما فعلُوا وما يُفعلُ بهم
(8/56)

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)
{وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الأرض إله} الظرفانِ متعلقانِ بالمَعْنى الوصفيِّ الذى يتنبىء عنْهُ الاسمُ الجليلُ من مَعْنى المعبوديةِ بالحقِّ بناءً على اختصاصهِ
(8/56)

89 85
بالمعبودِ بالحقِّ كما مرَّ في تفسيرِ البسملةِ كأنَّه قيال وهُو الذي مستحقٌّ لأنْ يعبدَ فيهمَا وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأنعامِ وقُرىءَ وَهُوَ الذي فِى السماءِ الله وفي الأرضِ الله والراجعُ إلى الموصولِ مبتدأٌ قد حذفَ لطولِ الصلةِ بمتعلقِ الخبرِ والعطفِ عليهِ ولا مساغَ لكونِ الجارِّ خبراً مقدماً وإلهٌ مبتدأٌ مؤخرٌ للزومِ عراءِ الجُملةِ حينئذٍ عن العائدِ نعم يجوز أن يكون صلةً للموصولِ وإلهٌ خبراً لمبتدأٍ محذوفٍ على أنَّ الجملةَ بيانٌ للصلةِ وأنَّ كونَهُ في السماءِ على سبيلِ الإلهيةِ لا على سبيلِ الاستقرارِ وفيهِ نفيُ الآلهةِ السماويةِ والأرضيةِ وتخصيصٌ لاستحقاقِ الإلهيةِ به تعالَى وقولُه تعالَى {وَهُوَ الحكيم العليم} كالدليلِ على ما قبلَهُ
(8/57)

وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)
{وَتَبَارَكَ الذى لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} إمَّا على الدوامِ كالهواءِ أو في بعضِ الأوقاتِ كالطيرِ {وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة} أي العلمُ بالساعةِ التي فيها تقومُ القيامةُ {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للجزاءِ والالتفاتُ للتهديدِ وقُرِىءَ على الغيبة وقرىء تحشرون بالتاء
(8/57)

وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)
{وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ} أي يدعُونهم وقُرِىءَ بالتَّاءِ مخففاً ومشدداً {مِن دُونِهِ الشفاعة} كما يزعمُونَ {إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق} الذي هُو التوحيدُ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} بما يشهدونَ بهِ عن بصيرةٍ وإيقانٍ وإخلاصٍ وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كمَا أنَّ الإفرادَ أولاً باعتبارِ لفظِها والاستثناءُ إمَّا متصلٌ والموصولُ عامٌّ لكلِّ ما يُعبد من دونِ الله أو مُنفصلٌ على أنَّه خاصٌّ بالأصنامِ
(8/57)

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)
{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ} أى سألت العابدين والمبعودين {لَيَقُولُنَّ الله} لتعذرِ الإنكارِ لغايةِ بطلانِه {فأنى يُؤْفَكُونَ} فكيفَ يُصرفونَ عن عبادتِه إلى عبادةِ غيرِه مع اعترافِهم بكونِ الكلِّ مخلوقاً له تعالى
(8/57)

وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88)
{وَقِيلِهِ} بالجرِّ إمَّا على أنَّه عطفٌ على الساعةِ أيْ عندَهُ علمُ الساعةِ وعلم قولِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {يَا رَبّ} الخ فإنَّ القولَ والقيلَ والقالَ كلَّها مصادرُ أو عَلى ان الواو للقسم قوله تعالَى {إِنَّ هَؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} جوابُه وفي الإقسامِ بهِ من رفعِ شأنِه عليه الصلاةُ والسلام وتفخيمِ دُعائِه والتجائِه إليهِ تعالَى ما لا يَخْفى وقُرِىءَ بالنصب بالعطفِ على سرَّهم أو على محلَّ الساعة أو ضمير أو بإضمارِ فعلهِ أو بتقدير فهل القسمِ وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ والخبر ما بعده وقد جوز عطفه على علمُ الساعةِ
(8/57)

فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
{فاصفح عَنْهُمْ} فأعرضْ عن دعوتِهم واقنَطْ عن إيمانِهم {وَقُلْ سلام} أيْ أمري تسلمٌ منكم ومتاركةٌ {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} حالَهم البتةَ وإنْ تأخرَ ذلكَ وهو وعيدٌ من الله تعالى لهُم وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقُرِىءَ تعلمونَ على أنَّه داخل
(8/57)

الدخان

4 {
{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/58)

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)
{حم} {والكتاب المبين} الكلامُ فيهِ كالذي سلفَ في السورةِ السابقةِ
(8/58)

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)
{إِنَّا أنزلناه} أي الكتابَ المبينَ الذي هُو القُرآنُ {فِى لَيْلَةٍ مباركة} هيَ ليلةُ القدرِ وقيلَ ليلةُ البراءةِ ابتدىءَ فيها إنزالُه أو أنزل فيها جُملةً إلى السماءِ الدُّنيا من اللوحِ وأملاهُ جبريلَ عليهِ السَّلامُ على السَفَرة ثُمَّ كانَ ينزله على النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم نُجوماً في ثلاثٍ وعشرينَ سنةً كما مرَّ في سورة الفاتحةِ ووصفُها بالبركةِ لَما أنَّ نزولَ القُرآنِ مستتبعٌ للمنافعِ الدينيةِ والدنيويةِ بأجمعِها أو لِما فيها من تنزلِ الملائكةِ والرحمةِ وإجابةِ الدعوة وقسم النعمة وفصل الأفضية وفضيلةِ العبادةِ وإعطاءِ تمامِ الشفاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيلَ يزيدُ في هذهِ الليلةِ ماءُ زمزمَ زيادةً ظاهرةً {إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} استئناف مبين لما يقضى الإنزالَ كأنَّه قيلَ إنَّا أنزلناهُ لأن من شأنِنا الإنذارَ والتحذيرَ من العقابِ وقيلَ جوابٌ للقسمِ وقولُه تعالى إنَّا أنزلناهُ الخ اعتراضٌ وقيلَ جوابٌ ثانٍ بغيرِ عاطفٍ
(8/58)

فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)
{فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} استئنافٌ كما قبلَهُ فإنَّ كونَها مفْرَقَ الأمورِ المحكمةِ أو الملتبسةِ بالحكمةِ الموافقةِ لها يستدعِي أنْ ينزلَ فيها القرآنُ الذي هُو من عظائِمها وقيلَ صفةٌ أُخرى لليلةِ وما بينهما اعرتاض وهذا يدلُّ على أنَّها ليلةُ القدرِ ومَعْنى يُفرقُ أنه يكتبُ ويفصلُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ من أرزاقِ العباد وآجالهعم وجمع أمورِهم من هذِه الليلةِ إلى الأُخرى من السنةِ القابلةِ وقيلَ يبدأُ في استنساخِ ذلك من اللوحِ في ليلةِ البراءةِ ويقعُ الفراغُ في ليلةِ القدرِ فتدفعُ نسخةُ الأرزاقِ إلى ميكائيلَ ونسخةُ الحروبِ إلى جبريلَ وكذا الزلازلُ والخسفُ والصواعقُ ونسخةُ الأعمالِ إلى إسماعيلَ صاحبِ سماءِ الدُّنيا وهُو مَلكٌ عظيمٌ ونسخةُ المصائبِ إلى مَلكِ الموتِ عليهم السَّلامُ وقُرِىءَ يُفرَّقُ بالتشديدِ وقُرِىءَ يَفرُقُ على البناءِ للفاعلِ أي يفرقُ الله تعالى
(8/58)

9 5
كل أمر حكيم وقرىء نَفْرُقُ بنونِ العظمةِ
(8/59)

أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)
{أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا} نصبَ على الاختصاصِ أيْ أعنِي بهذا الأمرِ أمراً حاصلاً من عندِنا على مُقتضَى حكمتنا وهو بيان لفخامة الإصافية بعد بيان فخامته الذاتة ويجوزُ كونُه حالاً من كل أمر لتخصيصه بالوصفِ أو من ضميرِه في حكيمٍ وقد جُوِّز أن يراد به نقابل النهي ويجعلَ مصدراً مؤكداً ليُفرَقُ لاتحادِ الأمرِ والفرقانِ في المَعْنى أو لفعلِه المضمرِ لما أنَّ الفرقَ به او حالا منا أحدِ ضميرَيْ أنزلناهُ أي آمرينَ أو مأموراً بهِ {إنا كنا منذرين} بدلٌ من إنَّا كُنَّا منذرينَ وقيلَ جوابٌ ثالثٌ وقيل مستأنف وقولُه تعالى
(8/59)

رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)
{رَحْمَةً مّن رَّبّكَ} غايةٌ للإرسالِ متأخرةٌ عنه على أن المرادَ بها الرحمن الواصلة الى العابد باعث متقدمٌ عليه على أنَّ المراد مبدوها أي إنَّا أنزلَنا القُرآنَ لأنَّ من عادتِنا إرسالَ الرسلِ بالكتبِ إلى العبادِ لأجلِ إفاضةِ رحمتِنا عليهم أو لاقتضاءِ رحمتِنا السابقةِ إرسالَهم ووضعُ الربِّ موضعَ الضمير الإيذان بأنَّ ذلكَ من أحكامِ الربوبية مقتضياتها وإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسَّلامُ لتشريفهِ أو تعليلٌ ليُفرقُ أو لقولِه تعالى أمراً على أنَّ قولَه تعالى رحمةً مفعولٌ للإرسالِ كما في قوله تعالى وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ أي يفرقُ فيها كلُّ أمرٍ أو تصدرُ الأوارم من عندِنا لأنَّ من عادتِنا إرسالَ رحمتِنا ولا ريبَ في أنَّ كلاً من قسمةِ الأرزاقِ وغيرِها والأوامرِ الصادرةِ منه تعالَى من بابِ الرحمةِ فإن الغاية لتكليف العبادة تعريضُهم للمنافعِ وقُرِىءَ رحمةٌ بالرفعِ أي تلكَ رحمةٌ وقولُه تعالى {إِنَّهُ هُوَ السميع العليم} تحقيقٌ لربوبيتِه تعالى وأنَّها لا تحِقّ إلا لمَنْ هذهِ نعوتُه
(8/59)

رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7)
{رب السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} بدلٌ من أو بيانٌ أو نعتٌ وقرىء بالرفع على أنه خبرٌ آخرُ أو استئنافٌ على إضمارِ مبتدأٍ {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي إنْ كنتُم من أهلِ الإيقانِ في العلومِ أو إنْ كنتُم موقنينَ في إقرارِكم بأنَّه تعالَى ربُّ السمواتِ والأرضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إذَا سئلتُم مَنْ خلَقها فقلتُم الله علمتُم أنَّ الأمرَ كمَا قُلنا أو إنْ كنتُم مريدينَ اليقينَ فاعلمُوا ذلكَ
(8/59)

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
{لا إله إلا هو} جملةٌ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلَها وقيلَ خبرٌ لقولِه ربِّ السمواتِ الخ وما بينهما اعتراضٌ {يُحْيىِ وَيُمِيتُ} مستأنفةٌ كما قبلَها وكَذا قولُه تعالى {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائكم الأولين} بإضمارِ مبتدأٍ أو بدلٌ من ربِّ السمواتِ على قراءةِ الرفعِ أو بيانٌ أو نعتٌ له وقيلَ فاعلٌ ليميتُ وفي يُحيي ضميرٌ راجعٌ إلى ربِّ السمواتِ وقُرِىءَ بالجرِّ بدلاً من ربِّ السمواتِ عَلى قراءةِ الجرِّ
(8/59)

بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)
{بْل هُمْ فَى شَكّ} مما ذكر من شئونه تعالَى غيرُ موقنينَ في إقرارِهم {يَلْعَبُونَ} لا يقولونَ ما يقولونَ عن جِدَ وإذعانٍ بلْ مخلوطاً بهُزْؤٍ ولعب
(8/59)

} 4 10
والفاء في قوله تعالى
(8/60)

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10)
{فارتقب} لترتيبِ الارتقابِ أو الأمرِ به على ما قبلَها فإنَّ كونَهُم في شكَ مما يُوجِبُ ذلكَ حَتْماً أي فانتظرُ لَهُم {يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} أي يومَ شدَّةٍ ومَجَاعةٍ فإنَّ الجائعَ يَرَى بينَهُ وبينَ السماءِ كهيئةِ الدُّخانِ إما لضعفِ بصرهِ أو لأنَّ في عامِ القحطِ يُظلمُ الهواءُ لقلةِ الأمطارِ وكثرةِ الغُبارِ أو لأنَّ العربَ تُسمِّي الشرَّ الغالبَ دُخاناً وذلكَ أنَّ قريشا لما استعصت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعَا عليهم فقالَ اللهمَّ اشدُدْ وطأتكَ على مُضر واجعلْها عليهم سنينَ كسِني يوسُفَ فأخذتْهُم سَنةٌ حتى أكلُوا الجيفَ والعظامَ والعِلْهِزَ وكانَ الرجلُ يَرَى بينَ السماءِ والأرضِ الدُّخانَ وكان يحدث الرجل يسمع كلامَهُ ولا يراهُ من الدخانِ وذلكَ قولُه تعالى
(8/60)

يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11)
{يَغْشَى الناس} أي يحيطُ بهم {هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي قائلينَ ذلكَ فمشَى إليه عليه الصلاة والسلام أبُو سفيانَ ونَفَرٌ معَهُ وناشدُوه الله تعالَى والرحمَ وواعدُوه إنْ دعَا لهم وكشفَ عنُهم أنْ يُؤمنوا وذلكَ قولُه تعالى
(8/60)

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12)
{ربنا اكشف عنا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ} وهَذا قولُ ابن عباسٍ وابن مسعود رضيَ الله عنُهم وبه أخذَ مجاهدٌ ومقاتلٌ وهو اختيارُ الفَرَّاءِ والزَّجَّاجِ وقيلَ هو داخان يأتِي من السماءِ قبلَ يومِ القيامةِ فيدخلُ في أسماعِ الكفرةِ حتَّى يكونَ رأس الواحد كالرأس الحنيد ويعترِي المؤمنَ منه كهيئةِ الزكامِ وتكونُ الأرضُ كُّلها كبيت أو قد فيه ليس خصاصٌ وعن رسولِ الله صلى الله عليه سولم أولُ الآياتِ الدُّخانُ ونزولُ عيسى ابنِ مريمَ ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبْينَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ قالَ حذيفةُ يا رسولَ الله وما الدُّخانُ فتَلا الآيةَ وقالَ يملأُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ يمكثُ أربعينَ يوماً وليلةً أمَّا المؤمنُ فيصيبُه كهيئةِ الزكمةِ وأما الكافرُ فهو كالسكرانِ يخرجُ من مَنْخِريهِ وأذنيهِ ودبُرهِ والأولُ هُو الذي يستدعيِه مساقُ النظمِ الكريمِ قطعاً فإنَّ قولَه تعالى
(8/60)

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13)
{أنى لَهُمُ الذكرى} إلخ ردٌّ لكلامِهم واستدعائِهم الكشفَ وتكذيبٌ لهم في الوعدِ بالإيمانِ المنبىءِ عن التذكرِ والاتعاظِ بما اعتراهُم من الداهيةِ أي كيفَ يتذكرونَ أو من أين يتذكرون بذلك ويفُون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذابِ عنهم {وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} أيْ والحالُ أنَّهم شاهُدوا منْ دَوَاعي التذكرِ وموجباتِ الاتعاظِ ما هو أعظمُ منِهُ في إيجابِها حيثُ جاءَهُم رسولٌ عظيمٌ الشأنِ وبين لهم مناهجَ الحقِّ بإظهار آياتٍ ظاهرةٍ ومعجزاتٍ قاهرةٍ تخِرُّ لها صُمُّ الجبال
(8/60)

ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14)
{ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ} عن ذلك الرسول وهو هو ريثما شاهدوا منه ما شاهدوا من العاظئم الموجبةِ للإقبال عليه ولم يقتنعوا بالتولى
(8/60)

الدخان آية (15 19) {وَقَالُواْ} في حقِّهِ {مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} أي قالوا تارة يعلمُه غلامٌ أعجميٌّ لبعض ثقيفٍ وأُخرى مجنونٌ أو يقولُ بعضهم كذَا وآخرونَ كَذا فَهلْ يتوقعُ من قوم هذه صفاتُهم أنْ يتأثرُوا بالعظة والتذكير وما مثلُهم إلا كمثلِ الكلبِ إذَا جاعَ ضَغَا وإذا شبع طغا وقوله تعالى
(8/61)

إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15)
{إنا كاشفو العذاب قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} جوابٌ من جهتهِ تعالى عن قولِهم رَّبنا اكشفْ عنا العذاب إنا مؤمنون بطريق الالتفات لمزيد التوبيخ والتهديد وما بينهما اعتراضٌ أيْ إنا نكشفُ العذابَ المعهود عنكم كشفنا قليلاً أو زماناً قليلاً إنكم تعودون إثرَ ذلك إلى ما كنتُم عليه من العُتوِّ والإصرارِ على الكفر وتنسَون هذه الحالَة وصيغةُ الفاعلِ في الفعلينِ للدِلالة على تحقُّقهما لا محالةَ ولقد وقعَ كلاهُما حيث كشف الله تعالى بدعاءِ النبيِّ صبى الله عليه وسلم فمَا لبِثُوا أنْ عادُوا إلى ما كانُوا عليه من العتق والعِنادِ ومَن فسر الدخانٍ بما هُو من الأشراطِ قال إذَا جاء الدخانُ تضوّرَ المعذبونَ به من الكفارِ والمنافقينِ وغوَّثُوا وقالُوا ربنا اكشف عنا العذاب إنَّا مؤمنونَ فيكشفه الله تعالَى عنهُم بعدَ أربعينَ وريثما يكشفُه عنهم يرتدونَ ولا يتمهلونَ
(8/61)

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16)
{يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى} يومِ القيامةِ وقيل يومُ بدرٍ وهو ظرفٌ لما دلَّ عليه قولُه تعالى {إِنَّا مُنتَقِمُونَ} لا لمنتقمون لأن إنَّ مانعةٌ من ذلكَ أي يومئذٍ ننتقمُ إنَّا منتقمون وقيلَ هو بدلٌ منْ يومَ تأتِي الخ وقُرىءَ نُبطش أي نحملُ الملائكةَ على أن يبطشُوا بهم البطشةَ الكُبرى وهو التناولُ بعنفٍ وصَولةٍ أو نجعل البطشةَ الكُبرى باطشةً بهم وقُرِىءَ نبطُش بضمِّ الطاءِ وهي لغةٌ
(8/61)

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)
{ولقد فتنَّا قبلهم قومَ فرعونَ} أي امتحناهُم بإرسالِ موسى عليه السلام أوقعناهُم في الفتنةِ بالإمهالِ وتوسيعِ الرزقِ عليهم وقُرِىءَ بالتشديدِ للمبالغة أو لكثرة القوم {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} على الله تعالى أو على المؤمنين وفي نفسه لأن الله تعالى لم يبعثْ نبياً إلا منْ سَراةِ قومِه وكرامِهم
(8/61)

أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18)
{أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ الله} أيْ بأنْ أدُّوا إليَّ بني إسرائيلَ وأرسلُوهم معي أو بأنْ أَدُّوا إلي عبادَ الله حقَّه من الإيمانِ وقبولِ الدَّعوةِ وقيلَ أنْ مفسرةٌ لأنَّ مجيءَ الرسولِ لا يكونُ إلا برسالةٍ ودعوةٍ وقيل مخفَّفةٌ من الثَّقيلة أيْ جاءَهُم بأن الشام أدُّوا إلى إلخ وقولُه تعالى {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} تعليلٌ للأمر أو لوجوب المأمورِ به أيْ رسولٌ غيرُ ظَنِينٍ قد ائتمننى الله تعالى على وحيه وصدَّقنِي بالمعجزاتِ القاهرةِ
(8/61)

وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19)
{وأن لا تعلوا على الله} أي لا تتكبرُوا عليه تعالى بالاستهانة بوحيهِ وبرسوله وأنْ كالتي سلفتْ وقوله تعالى {إني آتيكم} أي من جهته تعالى
(8/61)

} 8 20
{بسلطان مُّبِينٌ} تعليلٌ للنَّهي أيْ آتيكُم بحجةٍ واضحةٍ لا سبيلَ إلى إنكارها وآتيكم على صيغةِ الفاعلِ أو المضارعِ وفي إيراد الأداءِ معَ الأمين والسلطانِ مع العُلاَ منَ الجزالةِ مالا يَخْفى
(8/62)

وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20)
{وَإِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ} أي التجأتُ إليهِ وتوكلتُ عليهِ {أَن تَرْجُمُونِ} من أنْ ترجمُونِي أيْ تُؤذونِي ضرباً أو شتماً أو أنْ تقتلوني قيلَ لمَّا قالَ وأنْ لا تعلُوا على الله توعّدوه بالقتلِ وقُرِىءَ بإدغامِ الذالِ في التَّاءِ
(8/62)

وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)
{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون} أي وإنْ كابرتُم مقتضَى العقلِ ولم تُؤمنوا لى فخلوني كفافا لا عليَّ ولا ليَ ولا تتعرضوا بشرَ ولا أذَى فليس ذلك جزاء يدعُوكم إلى ما فيهِ فلاحُكم وحملُه على مَعْنى فاقطعوا أسباب الوصلى عن فلا موالا بيني وبينه وبين من وبينمن لا يُؤمنُ يأباهُ المقامُ
(8/62)

فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22)
{فدعا ربه} بعد ما تمُّوا على تكذيبهِ عليه السَّلامُ {إِنَّ هَؤُلآء} أي بأن هؤلاء {قوم مجرمين} وهو تعريضٌ بالدُّعاءِ عليهم بذكر ما استوجبون ولذلك سُمِّيَ دعاءً وقُرِىءَ بالكسرِ على إضمارِ القولِ قيل كانَ دعاؤُه اللَّهم عجِّلْ لهُم ما يستحقونَهُ بإجرامِهم وقيلَ هُو قولُه رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين
(8/62)

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23)
{فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً} بإضمارِ القولِ إِمَّا بعدَ الفاءِ أيْ فقالَ ربُّه أسرِ بعبادِي وإما قبلَها كأنَّه قيلَ إنْ كانَ الأمرُ كَما تقولُ فأسرِ بعبادِي أيْ ببني إسرائل فقد دب الله تعالى أنْ تتقدمُوا وقُرِىءَ بوصلِ الهمزةِ منْ سَرَى {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} أي يتبعكُم فرعونُ وجنودُه بعد ما علمُوا بخروجِكم
(8/62)

وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)
{واترك البحر رَهْواً} مفتوحاً ذا فجوةٍ واسعةٍ أو ساكناً على هيئته بعدَ ما جاوزْتَه ولا تضربْهُ بعصاكَ لينطبقَ ولا تغيِّرْهُ عن حالِه ليدخلَه القبطُ {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} وقرىءَ أنَّهم بالفتحِ أيْ لأَنَّهم
(8/62)

كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26)
{كَمْ تَرَكُواْ} أي كثيراً تركوا بمصرَ {مّن جنات وَعُيُونٍ} {وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} محافلَ مزيّنة ومنازلَ محسَّنةٍ
(8/62)

وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)
{وَنَعْمَةٍ} أي تنعمٍ {كَانُواْ فِيهَا فاكهين} متنعمينَ وقُرِىءَ فكِهينَ
(8/62)

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)
{كذلك} الكافُ في حيِّز النصب وذلكَ إشارةٌ إلى مصدرِ يدل عليه تركوا أي مثل ذلك السلبِ سلبناهُم
(8/62)

} 5 29
إياها {وأورثناها قوما آخرين} وقيلَ مثلَ ذلكَ الإخراجِ أخرجناهُم منها وقيلَ في حيزِ الرفعِ على الخبريةِ أيِ الأمرُ كذلكَ فحينئذٍ يكونُ أورثناهَا معطوفاً على تركُوا وعلى الأولَينِ على الفعلِ المقدرِ
(8/63)

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29)
{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض} مجازٌ عن عدمِ الاكتراث بهلاكهم ولاعتداد بوجودِهم فيهِ تهكمٌ بهِم ويجالهم المنافيةِ لحالِ من يعظمُ فقدُه فيقالُ له بكتْ السماءُ والأرضُ ومنْهُ ما ورى إنَّ المؤمنَ ليبكي عليه مُصَّلاهُ ومحلُّ عبادتِه ومصاعدُ عملِه ومهابطُ رزقِه وآثارُه في الأرضِ وقيلَ تقديرُه أهلُ السماءِ والأرضِ {وَمَا كَانُواْ} لمَّا جاءَ وقتُ هلاكِهم {مُّنظَرِينَ} ممهلينَ إلى وقتٍ أخرَ أو إلى الآخرةِ بلْ عُجِّلَ لهم في الدُّنيا
(8/63)

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30)
{ولقد نجينا بني إسرائيل} بأنْ فعلنا بفرعونَ وقومِه ما فعلنا {مِنَ العذاب المهين} من استعبادِ فرعونَ إيَّاهم وقتلِ أبنائِهم واستحياءِ نسائِهم على الخسفِ والضيمِ
(8/63)

مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31)
{مِن فِرْعَوْنَ} بدلٌ من العذابِ إمَّا على جعلِه نفسَ العذابِ لإفراطِه فيهِ وإمَّا على حذفِ المضافِ أي عذابِ فرعونَ أو حالٌ من المهينِ أي كائناً منْ فرعونَ وقُرِىءَ مَنْ فرعونُ على مَعْنى هل تعرفونَهُ من هُو في عُتوِّه وتفَرْعُنِهِ وفي أيهام أمره أولا وتبينه بقولِه تعالَى {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين} ثانياً من الإفصاحِ عن كُنِه أمرِه في الشرِّ والفسادِ مالا مزيدَ عليهِ وقولُه تعالَى منَ المُسرفينَ إمَّا خبرٌ ثانٍ لكانَ أي كان متكبراً مسرفاً أو حالٌ من الضميرِ في عالياً أيُ كانَ رفيعَ الطبقةِ من بينِ المسرفينَ فائقاً لهُم بليغاً في الإسرافِ
(8/63)

وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32)
{وَلَقَدِ اخترناهم} أي بنِي إسرائيلا {على عِلْمٍ} أي عالمينَ عالمينَ بأنَّهم أحِقَّاءُ بالاختيارِ أو عالمن بانهم يزيغون في الأوقاتِ ويكثرُ منُهم الفرطاتُ {عَلَى العالمين} جميعاً لكثرةِ الأنبياءِ فيهم أو على عالمي زمانهم
(8/63)

وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)
{وآتيناهم مِنَ الأيات} كفلْقِ البحرِ وتظليلِ الغمامِ وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى وغيرِها من عظائمِ الآياتِ التي لم يُعهدْ مثلُها في غيرِهم {مَا فيه بلاء مُّبِينٌ} نعمةٌ جليةٌ أو اختبارٌ ظاهرٌ لننظرَ كيفَ يعملونَ
(8/63)

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34)
{إِنَّ هَؤُلآء} يَعْني كفارَ قريشٍ لأنَّ الكلامَ فيهم وقصةُ فرعونَ وقومِه مَسوقةٌ للدلالةِ على تماثِلهم في الإصرارِ عَلَى الضِّلالةِ والتحذيرِ عن حلولِ مثلُ ما حلَّ بهم {لَيَقُولُونَ}
(8/63)

إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35)
{إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى} أي ما العاقبةُ ونهايةُ الأمرِ إلا الموتةُ الأوى المزيلُة للحياةِ الدُّنيويةِ ولا قصد إلى إثباتِ موتةٍ أُخْرى كمَا في قولِك حجَّ زيد
(8/63)

40 36
الحجَّةَ الأُولى وماتَ وقيلَ لمَّا قيلَ لهم إنكُم تموتونَ موتةً تعقبُها حياةٌ كما تقدمتم موتة كذلك قالوا ماهي إلا موتتنا الأولى أي ما الموتةُ التي تعقُبها حياةٌ إِلاَّ الموتةُ الأُولى وقيل المَعْنى ليست الموتةُ إلا هذهِ الموتة دونَ الموتةِ التي تعقبُ حياةَ القبرِ كَما تزعمونَ {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمبعوثينَ
(8/64)

فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36)
{فأتوا بآبائنا} حطاب لمن وعَدَهُم بالنُّشورِ من الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنينَ {إِن كُنتُمْ صادقين} فيمَا تعِدونه مِنْ قيامِ السَّاعةِ وبعثِ الموتَى ليظهر أنَّه حقٌّ وقيلَ كانُوا يطلبونَ إليهم أنْ يدعُوا الله تعالى فينشُرَ لهم قصى ابن كلابٍ ليشاورُوه وكانَ كبيرَهُم ومفزَعَهُم في المهمَّاتِ والملمَّاتِ
(8/64)

أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37)
{أَهُمْ خَيْرٌ} ردٌّ لقولِهم وتهديدٌ لَهُم أيْ أهُم خيرٌ في القوةِ والمنعةِ اللتينِ يُدفعُ بهما أسبابُ الهلاكِ {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} هو تبعٌ الحميريُّ الذي سارَ بالجيوشِ وحيَّر الحِيرةَ وبنى سمرقدند وقيل هدمَها وكان مؤمناً وقومُه كافرينَ ولذلكَ ذمَّهم الله تعالَى دونَهُ وكان يكتبُ في عنوانِ كتابِه بسمِ الله الذي ملكَ بحراً وبحراً أي بحاراً كثيرة وعن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم لا نسبوا تُبعاً فإنَّه كانَ قد أسلمَ وعنْهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أدْرِي أكانَ تبعٌ نبياً أو غيرَ نبيَ وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه كانَ نبياً وقيلَ لملوكِ اليمنِ التبابعةِ لأنَّهم يُتبعونَ كما يقالُ لهم الأقيالُ لأنَّهم يتقيَّلونَ {والذين مِن قَبْلِهِمْ} عطفٌ على قومُ تبع والمراد بهم عادو وثمودُ وأضرابُهم من كلِّ جبار عنبيد أولي بأسٍ شديدٍ والاستفهامُ لتقريرِ أنَّ أولئكَ أقوى مِنْ هؤلاءِ وقولُه تعالَى {أهلكناهم} استئنافٌ لبيانِ عاقبةِ أمرِهم وقولُه تعالَى {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} تعليلٌ لإهلاكِهم ليَعلمَ أنَّ أولئكَ حيثُ أهُلكُوا بسببِ إجرامِهم معَ ما كانُوا في غاية القوةِ والشدةِ فلأنْ يَهلكَ هؤلاءِ وهم شركاءُ لهم في الإجرامِ أضعفُ منهم في الشدة والقوة وأولى
(8/64)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)
{وما خلقنا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} أي ما بينَ الجنسينِ وقُرِىءَ وما بينهت {لاَعِبِينَ} لاهينَ من غيرِ أنْ يكونَ في خلقِهما غرضٌ صحيحٌ وغايةٌ حميدةٌ
(8/64)

مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)
{مَا خلقناهما} وَمَا بَيْنَهُمَا {إِلاَّ بالحق} استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأموال أو أعمِّ الأسبابِ أي ما خلقناهُمَا ملتبساً بشيءٍ من الأشياءِ إلا ملتبساً بالحقِّ أو ما خلقناهُمَا بسببٍ من الأسبابِ إلا بسببِ الحقِّ الذي هُو الإيمانُ والطَّاعةُ والبعثُ والجزاءُ {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنَّ الأمرَ كذلكَ فينكرون البعث والجزاءُ {ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أنَّ الأمرَ كذلكَ فينكرون البعثَ والجزاءَ
(8/64)

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)
{إِنَّ يَوْمَ الفصل} أي فصلِ الحقِّ عن الباطلِ وتمييزِ المحقِّ من المبطلِ أو فصلِ الرجلِ عن أقاربِه وأحبَّائِه {ميقاتهم} وقتَ موعدهم أجمعين وقُرىءَ بالنصبِ على أنَّه اسمُ إنَّ ويوم الفصلِ خبرُها أي أنَّ ميعادَ حسابهم وجزاءهم في يومِ الفصلِ
(8/64)

50 4 {
(8/65)

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41)
{يَوْمَ لاَ يُغْنِى} بدلٌ من يوم الفصل أو صفةٌ لميقاتُهم أو ظرفٌ لما دلَّ عليه الفصل لالنفسه {مَوْلَى} مِنْ قرابةٍ أو غيرِها {عَن مَّوْلًى} أيُّ مَوْلَى كانَ {شَيْئاً} أيْ شيئاً من الإغناءِ {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} الضميرُ لمولَى الأول باعتبارِ المَعْنى لأنَّه عامٌّ
(8/65)

إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)
{إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله} بالعفوِ عنْهُ وقبولِ الشفاعةِ في حقِّه ومحلُّه الرفعُ على البدلِ من الواوِ أو النصب على لاستثناء {إِنَّهُ هُوَ العزيز} الذي لا يُنصرُ من أرادَ تعذيبَهُ {الرحيم} لمنْ أرادَ أنْ يرحَمهُ
(8/65)

إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43)
{إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم} وقُرِىءَ بكسرِ الشينِ وقد مرَّ مَعْنى الزقومِ في سورةِ الصَّافاتِ
(8/65)

طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)
{طَعَامُ الأثيم} أي الكثيرِ الآثامِ والمرادُ به الكافرُ لدلالةِ ما قبلَهُ وما بعدَه عليهِ
(8/65)

كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45)
{كالمهل} وهو ما يُمهلُ في النَّارِ حتَّى يذوبَ وقيلَ هو دُرْدِيُّ الزَّيتِ {يَغْلِى فِى البطون} وقُرِىءَ بالتاءِ على إسنادِ الفعلِ إلى الشَّجرةِ
(8/65)

كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46)
{كَغَلْىِ الحميم} غلياناً كغليهِ
(8/65)

خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47)
{خُذُوهُ} عَلى إرادةِ القولِ والخطابُ للزبانيةِ {فاعتلوه} أي جُرُّوه والعَتلُ الأخذُ بمجامعِ الشيءِ وجرُّه بقهرٍ وعنفٍ وقُرِىءَ بضمِّ التاءِ وهي لغةٌ فيهِ {إلى سَوَاء الجحيم} أي وسطِه
(8/65)

ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48)
{ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم} كانَ الأصلُ يصبُّ من فوقِ رؤسهم الحميمُ فقيلَ يصبُّ من فوق رؤسهم عذابٌ هو الحميمُ للمبالغةِ ثم أضيفَ العذابُ إلى الحميمِ للتخفيفِ وزيدَ من للدلالةِ على أنَّ المصبوبَ بعضُ هذا النوعِ
(8/65)

ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49)
{ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم} أى وقولوا ذلك استهزاء به وتقريع له على ما كانَ يزعمُه رُوِيَ أنَّ أَبا جهلٍ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما بينَ جبليَها أعزُّ ولا أكرمُ منِّي فوالله ما تستطيعُ أنتَ ولا ربك أن تفعلابي شيئاً وقُرىءَ بالفتحِ أي لأنَّك أو عذابُ أنَّك
(8/65)

إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50)
{إِنَّ هَذَا} أي العذابَ {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} تشكون وتمارن فيهِ والجمعُ باعتبارِ المعنى لأنَّ
(8/65)

59 5 {
المرادَ جنسُ الأثيمِ
(8/66)

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51)
{إِنَّ المتقين} أيْ عنِ الكفرِ والمعاصِي {فِى مَقَامٍ} في موضعَ قيامٍ والمرادُ المكانُ على الإطلاقِ فإنَّه من الخاصِّ الذي شاعَ استعمالُه في مَعْنى العمومِ وقُرِىءَ بضم المم وهو مَوضعُ إقامة {أَمِينٌ} بأمن صاحبُه الآفاتِ والانتقالَ عنْهُ وهو منَ الأمنِ الذي هُو ضدُّ الخيانةِ وصفَ به المكانُ بطريقِ الاستعارةِ كأنَّ المكانَ المخيفَ يخونُ صاحبَهُ لما يَلْقى فيهِ من المكارِه
(8/66)

فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52)
{فِى جنات وَعُيُونٍ} بدلٌ من مقامٍ جيءَ بهِ دِلالةً على نزاهتِه واشتمالِه على طيباتِ المآكلِ والمشاربِ
(8/66)

يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53)
{يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} إما خبرٌ ثانٍ أو حالٌ من الضمير في الجارِّ أو استئنافٌ والسندسُ مارق من الحرير والاستبراق ما غلُظَ منْهُ معرَّبٌ {متقابلين} في المجالسِ ليستأنسَ بعضُهم ببعضٍ
(8/66)

كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54)
{كذلك} أي الأمرُ كذلكَ أو كذلكَ أثبناهُم {وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ} على الوصفِ وقُرِىَء بالإضافةِ أي قرنّاهم بهنَّ والحورُ جمعُ الحوراءِ وهي البيضاءُ والعينُ جمعُ العيناءِ وهي العظيمةُ العينينِ واختلاف في أنهنَّ نساءُ الدُّنيا أو غيرُها
(8/66)

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55)
{يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة} أي يطلبونَ ويأمرونَ بإحضارِ ما يشتهونَهُ من الفواكهِ لا يتخصصُ شيءٌ منها بمكان ولا زمان {آمنين} من كلِّ ما يسوؤهم
(8/66)

لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56)
{لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى} بل يستمرُّونَ على الحياةِ أبداً ولاستتثناء منقطعٌ أو متصلٌ على أنَّ المرادَ بيانُ استحالةِ ذوقِ الموتِ فيها على الإطلاقِ كأنَّه قيلَ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إلا إذا أمكن ذوقُ الموتةِ الأوى حينئذٍ {ووقاهم عَذَابَ الجحيم} وقُرِىءَ مشدداً للمبالغةِ في الوقايةِ
(8/66)

فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)
{فَضْلاً مّن رَّبّكَ} أي أُعطوا ذلكَ كلُّه عطاءً وتفضيلا منه تعالَى وقُرِىءَ بالرفعِ أي ذلكَ فضلٌ {ذلك هُوَ الفوز العظيم} الذِي لا فوزَ ورِاءَهُ إذ هُو خلاصٌ عن جميعِ المكاره ونيل لكل المطالب وقولُه تعالى
(8/66)

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58)
{فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فذلكةٌ للسورةِ الكريمةِ أى إنَّما أنزلنَا الكتابَ المبينَ بلغُتكَ كيَ يفهمُه قومُك ويتذكروا ويعلموا بموجب وإذا لم يفعلُوا ذلكَ
(8/66)

فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
{فارتقب}
(8/66)

1 - 2 3 4 الجاثية فانتظرْ ما يحِلُّ بهم
{إنهم مرتقبون} ما يحب بكَ رُويَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَنْ قرأَ حم الدخان ليلةَ الجمعةِ أصبحَ مغفوراً له
سورة الجاثية مكية وهي سبع وثلاثون آية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيم
(8/67)

حم (1)
{حم} الكلامُ فيه كما مرَّ في فاتحةِ سورةِ المؤمنِ فإنْ جُعلَ اسماً للسورةِ فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذا مُسمَّى بحم والإشارةُ إلى السورةِ قبل جريانِ ذكرِها قد وقفتَ على سرِّه مراراً وإنْ جُعلَ مسروداً على نمطِ التَعديدِ فلا حظَّ له من الإعرابِ وقولُه تعالى
(8/67)

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)
{تَنزِيلُ الكتاب} على الأولِ خبرٌ بعدَ خبرٍ على أنَّه مصدرٌ أُطلق على المفعولِ مبالغة وعلى الثَّاني خبرٌ لمبتدأٍ مضمرٍ يلوحُ وه ما قبلَهُ أي المؤلَّفُ من جنسِ ما ذُكر تنزيلُ الكتابِ وقيلَ هو خبرٌ لحم أي المُسمَّى به تنزيلُ الخ وقد مرَّ مراراً أنَّ الذي يُجعلُ عُنواناً للموضوعِ حقُه أنْ يكونَ قبلَ ذلكَ معلومَ الانتساب إليه وإذا لا عهدَ بالتسميةِ بعدُ فحقُّها الإخبارُ بَها وأما جعلُه خبراً له بتقديرِ يعتد بها تمحلٍ وقولُه تعالى
{مِنَ الله العزيز الحكيم} كما مرَّ في صدرِ سورةِ الزمرُ على التفصيلِ وقيلَ حم مقسمٌ به وتنزيلُ الكتابِ صفتُه وجوابُ القسمِ قوله تعالى
(8/67)

إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3)
{إن في السماوات والأرض لأَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} وهو على الوجوهِ المتقدمةِ كلامٌ مستأنف مسوقٌ للتنبيهِ على الآياتِ التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفسيةِ ومحلُّ الآياتِ إمَّا نفسُ السمواتِ والأرضِ فإنَّهما منطويتانِ من فنونِ الآياتِ على ما يقصرُ عنه البيانُ وإما خلقُهما كما في قولِه تعالى إِنَّ فِى خَلْقِ السموات والأرض وهو الأوفقُ بقولِه تعالى
(8/67)

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)
{وَفِى خَلْقِكُمْ} أي من نطفةٍ ثم من علقةٍ متقلبةٍ في أطوارٍ مختلفةٍ إلى تمامِ الخلقِ
{وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ} عطفٌ على المضافِ دونَ المضافِ إليه أي وفيمَا ينشرُه ويفرقه من دابة
{آيات} بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه الظرف المقدم والجمل معطوفةٌ على ما قبلها كم الجملةِ المصدرةِ بإنَّ وقيلَ آياتٌ عطفٌ على ما قبلَها من آياتٍ باعتبارِ المحلِّ عندَ من يُجوِّزُه وقرئ
(8/67)

5 - 6 7 8 الجاثية آية التوحيد وقرئ آيات بالنصب عطفاً على ما قبلها من اسم إن والخبر كأنه قيل وإن في خلقكم وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آياتٍ
{لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي من شأنِهم أنْ يُوقنوا بالأشياءِ على ما هيَ عليه
(8/68)

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)
{واختلاف الليل والنهار} بالجرِّ على إضمارِ الجارِّ المذكورِ في الآيتينِ قبله وقد قرئ بذكرِه والمرادُ باختلافِهما إمَّا تعاقبهما طولاً وقِصَراً
{وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء} عطفٌ على اختلافِ
{مِن رّزْقِ} أي من مطرٍ وهو سببُ للرزقِ عُبرَ عنهُ بذلكَ تنبيهاً على كونِه آيةً من جِهتَيْ القُدرةِ والرحمةِ
{فَأحْيَا بِهِ الأرض} بأنْ أخرجَ منها أصنافَ الزروعِ والثمراتِ والنباتِ
{بَعْدَ مَوْتِهَا} وعرائها عن آثارِ الحياة وانتفاء قوةِ التنميةِ عنها وخُلوِّ أشجارِها عن الثمارِ
{وَتَصْرِيفِ الرياح} من جهة أُخرى ومن حالٍ إلى حال وقرئ بتوحيدِ الريحِ وتأخيرُه عن إنزالِ المطرِ مع تقدمِه عليهِ في الوجودِ إمَّا للإيذانِ بأنه آيةٌ مستقلةٌ حيثُ لو رُوعيَ الترتيبُ الوجوديُّ لربَّما توهِّم أنَّ مجموعَ تصريفِ الرياحِ وإنزالِ المطرِ آيةٌ واحدةٌ وإمَّا لأنَّ كونَ التصريفِ آيةً ليس لمجرد كونه مبدألإنشاء المطرِ بل لهُ ولسائرِ المنافعِ التي من جُملتها سَوْقُ السفنِ في البحارِ
{آيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بالرَّفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُه ما تقدمَ من الجارِّ والمجرورِ والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلها وقرئ بالنصبِ على الاختصاصِ وقيلَ على أنَّها اسمُ أنَّ والمجرورُ المتقدمُ خبرُها بطريقِ العطفِ على معمولَيْ عاملينِ مختلفينِ هُمَا أنَّ وفي أقيمتِ الواوُ مُقامَهُما فعملتِ الجرَّ في اختلافِ والنصبَ في آياتٍ وتنكيرُ آياتٍ في المواقعِ الثلاثةِ للتفخيمِ كماً وكيفاً واختلافُ الفواصلِ لاختلافِ مراتبِ الآياتِ في الدقةِ والجلاءِ
(8/68)

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)
{تِلْكَ آيات الله} مبتدأٌ وخبرٌ وقولُه تعالَى
{نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} حالٌ عاملُها معنى الإشارةِ وقيلَ هو الخبرُ وآياتُ الله بدلٌ أو عطفُ بيانٍ
{بالحق} حالٌ من فاعلِ نتلُو ومن مفعولِه أي نتلُوها مُحِقينَ أو ملتبسةً بالحقِّ
{فَبِأَىّ حَدِيثٍ} من الأحاديثِ
{بَعْدَ الله وآياته} أي بعد آياتِ الله وتقديمُ الاسمِ الجليلِ لتعظيمِها كان في قولِهم أعجبنِي زيدٌ وكرمُه أو بعدَ حديثِ الله الذي هُو القرآنُ حسبما نطق به قوله تعالى نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث وهو المراد بآياته ومناطُ العطفِ التغايرُ العُنوانِي
{يؤمنون} بصيغة الغيبة وقرئ بالتار
(8/68)

وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7)
{وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ} كذابٍ
{أثيم} كثر الآثام
(8/68)

يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)
{يسمع آيات الله} صفةٌ أخرى لأفَّاكٍ وقيل استئناف وقيلَ حالٌ من الضميرِ في أثيمٍ
{تتلى عَلَيْهِ} حالٌ من آياتِ الله ولا مساغَ لجعلِه مفعولاً ثانياً ليسمعُ لأنَّ شرطَهُ أنْ يكونَ ما بعَدهُ مما لا يسمع
(8/68)

9 - 10 11 الجاثية كقوله سمعتُ زيداً يقرأُ
{ثُمَّ يُصِرُّ} أي يقيمُ على كُفره وأصلُه من إصرارِ الحمارِ على العانة
{مُسْتَكْبِراً} عن الإيمانِ بما سمعهُ من آياتِ الله تعالى والإذعان لما تنطق مُزدرياً لها مُعجَباً بما عندَهُ من الأباطيلِ وقيلَ نزلتْ في النَّضْر بنِ الحرث وكان يشترِي من أحاديثِ الأعاجمِ ويشغلُ بها النَّاسَ عن استماعِ القُرآنِ لكنَّها وردتْ بعبارةٍ عامةٍ ناعية عليهِ وعلى كلِّ من يسيرُ سيرتَهُ ما هم فيه من الشرِّ والفسادِ وكلمةُ ثمَّ لاستبعادِ الإصرارِ والاستكبارِ بعد سماعِ الآياتُ التي حقُّها أنْ تُذعنَ لها القلوبُ وتخضعَ لها الرقاب كما في قوله مَنْ قالَ يَرَى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يزورُهَا
{كَأَن لم يسمعها} أي كائن لم يسمعْهَا فخُفف وحُذف ضميرُ الشأنِ والجملةُ حالٌ من يُصرُّ أي يصرُّ شبيهاً بغيرِ السامعِ
{فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} على إصرارِه واستكبارِه
(8/69)

وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9)
{وإذا علم من آياتنا شَيْئاً} أي إذا بلغَهُ من آياتِنا شيءٌ وعلم أنَّه من آياتِنا لا أنه علمه هُو عليهِ فإنَّه بمعزلٍ من ذلك العلمِ وقيلَ إذا علم منها شيئاً يمكنُ أنْ يتشبثَ به المعاندُ ويجدَ له محملاً فاسداً يتوصلُ به إلى الطعنِ والغميزةِ
{اتخذها} أي الآياتِ كلها
{هزوا} أي مهزوئا بها لاما سمَعهُ فقطْ وقيلَ الضميرُ للشيءِ والتأنيثُ لأنَّه في معنى الآيات
{أولئك} إشارةٌ إلى كلِّ أفاكٍ من حيثُ الاتِّصافُ بما ذُكر من القبائح والجمعُ باعتبارِ الشمولِ للكلِّ كما في قوله تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ كما أنَّ الإفرادَ فيما سبقَ من الضمائرِ باعتبارِ كلِّ واحدٍ واحدٍ
{لَهُمْ} بسببِ جناياتِهم المذكورةِ
{عَذَابٌ مُّهِينٌ} وصفٌ العذابِ بالإهانةِ توفيةً لحقِّ استكبارِهم واستهزائِهم بآياتِ الله سبحانه وتعالى
(8/69)

مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10)
{مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} أي من قُدامِهم لأنهم متوجهونَ إلى ما أعد لهم أو من خلفِهم لأنهم معرضونَ عن ذلكَ مقبلونَ على الدُّنيا فإن الوراءَ اسمٌ للجهةِ التي يُواريها الشخصُ من خلفٍ وقُدامٍ
{وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم} ولا يدفعُ
{مَّا كَسَبُواْ} من الأموالِ والأولادِ
{شَيْئاً} من عذابِ الله تعالى أو شيئاً من الإغناءِ
{وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء} أي الأصنامَ وتوسيطُ حرفِ النفي بينِ المعطوفينِ مع أنَّ عدمَ إغناءِ الأصنامِ أظهرُ وأجلى من عدمِ إغناءِ الأموالِ والأولادِ قطعاً مبنيٌّ على زعمِهم الفاسدِ حيثُ كانُوا يطعمون في شفاعتِهم وفيه تهكمٌ
{وَلَهُمْ} فيما وراءَهُم من جهنمَ
{عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يقادَرُ قَدرُه
(8/69)

هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)
{هذا} أي القرآنُ
{هُدًى} في غايةِ الكمالِ من الهدايةِ كأنَّه نفسُها
{والذين كَفَرُواْ} أي بالقرآنِ وإنما وضع موضع ضميره قوله تعالى
{بآيات رَبّهِمْ} لزيادةِ تشنيعِ كفرِهم به وتفظيعِ حالِهم
{لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ} أي من أشدِّ العذابِ
{أَلِيمٌ} بالرَّفعِ صفة عذاب وقرئ بالجر على أنه صفةٌ رجزٍ وتنوينُ عذابٌ في المواقعِ الثلاثةِ للتفخيمِ ورفعُه إما على الابتداء وإما على الفاعلية
(8/69)

12 - 13 14 الجاثية
(8/70)

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)
{الله الذى سَخَّرَ لَكُمُ البحر} بأنْ جعلَه أملسَ السطحِ يطفُو عليهِ ما يتخللُ كالأخشابٍ ولا يمنعُ الغوص والخرقَ لمَيَعانه
{لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ} وأنتم راكبوها
{وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بالتجارةِ والغوصِ والصيدِ وغيرِها
{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولكيْ تشكرُوا النعَم المترتبةَ على ذلكَ
(8/70)

وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)
{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السماوات وما في الارض} من الموجوداتِ بأنْ جعلَها مداراً لمنافعِكم
{جَمِيعاً} إما حالٌ مِنْ ما في السمواتِ والأرضِ أو توكيدٌ له
{مِنْهُ} متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لجميعاً أو حالٌ مِنْ مَا أيْ جميعاً كائناً منْهُ تعالَى أو سخَّر لكُم هذهِ الأشياءَ كائنةً منه مخلوقةً له تعالى أو خبرٌ لمحذوفٍ أيْ هي جميعاً منه تعالى وقرئ منه عَلى المفعولِ لَهُ ومنه على أنه فاعلُ سخَّر على الإسنادِ المجازيِّ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي ذلكَ منْهُ
{إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذكر من الأمور العظائم
{لأَيَاتٍ} عظيمةَ الشأنِ كثيرةَ العددِ
{لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في بدائع صنعِ الله تعالى فإنَّهم يقفونَ بذلكَ على جلائلِ نعمهِ تعالى ودقائِقها ويوفقونَ لشكرِها
(8/70)

قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)
{قل للذين آمنوا} حُذفَ المقولُ لدلالةِ
{يَغْفِرُواْ} عليهِ فإنَّه جوابٌ للأمرِ باعتبارِ تعلقهِ به لا باعتبارِ نفسِه فقطْ أي قُلْ لهم اغفِروا يغفروا
{لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله} أي يعفُوا ويصفحوا عنِ الذينَ لا يتوقعونَ وقائعَهُ تعالى بأعدائِه من قولِهم أيامُ العربِ لوقائِعها وقيلَ لا يأملون الأوقاتَ التي وقَّتها الله تعالى لثوابِ المؤمنينَ ووعدهم الفوزَ فيها قيلَ نزلتْ قبلَ آيةِ القتالِ ثمَّ نُسختْ بها وقيلَ نزلتْ في عمر رضي الله عنه حينَ شتمَهُ غفاريٌّ فهَّم أنْ يبطشَ بهِ وقيلَ حينَ قالَ ابنُ أُبيِّ ما قالَ وذلكَ أنَّهم نزلُوا في غزوةِ بني المصطلِقِ على بئرٍ يقالُ لها المريسيع فأرسلَ ابنُ أُبيَ غلامَهُ يستَقي فأبطأَ عليهِ فلمَّا أتاهُ قالَ له ما حسبك قال غلامُ عمرَ قعدَ على طرفِ البئرِ فما تركَ أحداً يستَقي حتى ملأ قرب النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم وقُرَبَ أبي بكرٍ فقالَ ابنُ أُبيَ ما مثلُنا ومثلُ هؤلاءِ إلا كَما قيلَ سمِّنْ كلْبكَ يأكلْكَ فبلغَ ذلكَ عمرَ رضيَ الله عنه فاشتملَ سيفَهُ يريدُ التوجَه إليهِ فأنزلَها الله تعالَى
{لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تعليلٌ للأمرِ بالمغفرةِ والمرادُ بالقومِ المؤمنونَ والتنكيرِ لمدحِهم والثناءِ عليهم أي أُمروا بذلكَ ليجزيَ يومَ القيامةِ قوماً أيَّما قومٍ قوماً مخصوصينَ بما كسبوا في الدُّنيا من الأعمالِ الحسنةِ التي من جُملتها الصبرُ على أذيةِ الكفارِ والإغضاءُ عنهم بكظمِ الغيظِ واحتمالِ المكروهِ ما يقصُر عنه البيانُ من الثوابِ العظيمِ هذا وقد جوِّز أن يراد بالقومِ الكفرةُ وبما كانُوا يكسبونَ سيئاتُهم التي من جُملتها ما حُكِيَ من الكلمةِ الخبيثةِ والتنكيرُ للتحقيرِ وفيهِ أنَّ مطلقَ الجزاءِ لا يصلحُ تعليلاً للأمرِ بالمغفرةِ لتحققِه على تقديريْ المغفرةِ وعدمِها فلا بُدَّ من تخصيصِه بالكلِّ بأنْ لا يتحققَ بعضٌ منه في الدُّنيا أو بما يصدرُ عنه تعالى بالذاتِ وفي ذلكَ من التكلفِ مالا
(8/70)

15 - 16 17 18 19 20 الجاثية يخفِى وأنْ يرادَ كلا الفريقين وهو من أكثرُ تكلفاً وأشدُّ تمحلاً وقرئ ليُجْزَى قومٌ وليُجْزَى قوماً أي ليُجزَى الجزاءُ قوماً وقرئ لنَجْزِي بنونِ العظمةِ
(8/71)

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)
{مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} لا يكادُ يسري عملٌ إلى غيرِ عاملِه
{ثُمَّ إلى رَبّكُمْ} مالكِ أمورِكم
{تُرْجَعُونَ} فيجازيكُم على أعمالِكم خيراً كانَ أو شراً
(8/71)

وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16)
{ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} أي التوراةَ
{والحكم} أي الحكمة النظرية والعلمية والفقهَ في الدِّينِ أو فصلَ الخصومات بينَ النَّاسِ إذْ كانَ الملكُ فيهم
{والنبوة} حيثُ كثُرَ فيهم الأنبياء مالم يكثرْ في غيرِهم
{وَرَزَقْنَاهُمْ من الطيبات} مما أخل الله تعالى من اللذائذِ كالمنِّ والسلوى
{وفضلناهم عَلَى العالمين} حيث آتيناهم مالم يؤت من عَداهُم من فلقِ البحر وإضلال الغمام ونظائرها وقيلَ على عالَمِي زمانِهم
(8/71)

وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)
{وآتيناهم بينات مّنَ الأمر} دلائلَ ظاهرةً في أمرِ الدينِ ومعجزاتٍ قاهرةً وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ الله عنهما هو العلمُ بمبعثِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وما بين لهُم من أمرِه وأنَّه يُهاجرُ من تِهامةَ إلى يثربَ ويكونُ أنصارُه أهلَ يثربَ
{فَمَا اختلفوا} في ذلك الأمرِ
{إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم} بحقيقتِه وحقِّيتهِ فجعلُوا ما يوجبُ زوالَ الخلافِ مُوجباً لرسوخهِ
{بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي عداوةً وحسداً لا شكاً فيه
{إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة} بالمُؤاخذةِ والجَزَاءِ
{فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أَمْرِ الدِّينِ
(8/71)

ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)
{ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ} أي سنةٍ وطريقةٍ عظيمةِ الشَّأْنِ
{مِنَ الأمر} أي أمرِ الدينِ
{فاتبعها} بإجراءِ أحكامِها في نفسِك وفي غيرِك من غيرِ إخلالٍ بشيءٍ منَها
{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين لاَ يَعْلَمُونَ} أي آراءَ الجهلةِ واعتقاداتِهم الزائغةَ التابعةَ للشهواتِ وهم رؤساءُ قريشٍ كانُوا يقولونَ له عليه الصلاة والسلام ارجعْ إلى دينِ آبائِك
(8/71)

إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)
{إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً} مما أرادَ بكَ إن اتبعتَهُم
{وَإِنَّ الظالمين بعضَهم أولياءُ بَعْضٍ} لا يوُاليهم ولا يتبع أهواءهم إلأا من كان ظالما مثلها
{والله وَلِىُّ المتقين} الذين أنت قدوتهم قدم على ما أنت عليه من توليه خاصة الأعراض عمَّا سواهُ بالكُلِّيةِ
(8/71)

هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)
{هذا} أي القرآنُ أو اتباعُ الشريعةِ
{بَصَائِرَ لِلنَّاسِ}
(8/71)

21 - 22 الجاثية فإنَّ ما فيهِ من معالمِ الدينِ وشعائرِ الشرائعِ بمنزلةِ البصائرِ في القلوبِ
{وهدى} منْ ورطةِ الضلالةِ
{وَرَحْمَةً} عظيمةٌ
{لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} منْ شأنِهم الإيقانُ بالأمورِ
(8/72)

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)
{أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات} استئنافٌ مَسوقٌ لبيانِ تباينِ حالَيْ المسيئينَ والمحسنين إثر بيان تباينِ حالَيْ الظالمينَ والمتقينَ وأمْ منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للانتقال من البيانِ الأولِ إلى الثَّانِي والهمزةُ لإنكارِ الحُسبانِ لكنْ لا بطريقِ إنكارِ الوقوعِ ونفيهِ كَما في قولِه تعالَى أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كالمفسدين فِى الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار بل بطريقِ إنكارِ الواقعِ واستقباحِه والتَّوبيخِ عليه والاجتراحُ الاكتسابُ
{أَن نَّجْعَلَهُمْ} أي نُصيَّرهُم في الحُكمِ والاعتبارِ وهُم على ما هم عليه من مساوئ الأحوال
{كالذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} وهُم فيمَا هُم فيهِ من محاسنِ الأعمالِ ونعاملُهُم معاملتهم في الكرامة ورفع الدرجة
{سَوَاء محياهم ومماتهم} أيْ محيَا الفريقينِ جميعاً ومماتُهم حال من الضمير في الظرفِ والموصولِ معاً لاشتمالِه على ضميريِهما على أنَّ السواء بمعنى المستوى محياهُم ومماتُهم كلاَّ لا يستوونَ في شيءٍ منهُمَا فإنَّ هؤلاءِ في عزِّ الإيمانِ والطاعةِ وشرفِهما في المَحيا وفي رحمةِ الله تعالَى ورضوانِه في المماتِ وأولئك في ذلك الكفر والمعاصي وهو أنهما في المَحيا وفي لعنةِ الله والعذابِ الخالدِ في المماتِ شتانَ بينهما وقد قيلَ المراد إنكارُ أنْ يستووا في المماتِ كما استَووا في الحياةِ لأن المسيئينَ والمحسنينَ مستوٍ محياهُم في الرزقِ والصحةِ وإنما يفترقون في الممات وقرئ محياهم ومماتَهم بالنصبِ على أنَّهما ظرفانِ كمقْدَمِ الحاجِّ وسواء حاله على حالِه أي حالَ كونِهم مستوينَ في محياهُم ومماتِهم وقد ذُكرَ في الآية الكريمة وجوه من الإعرابِ والذي يليقُ بجزالة التنزيل هو الأول فتدبر وقرئ سواءٌ بالرَّفعِ على أنَّه خبرُ ومحياهُم مبتدأٌ فقيلَ الجملةُ بدل من الكافِ وقيل حالٌ وأيَّا ما كان فنسبة حسبات التساوي إليهم في ضظم الإنكارِ التوبيخيِّ مع أنَّهم بمعزلٍ منه جازمونَ بفضلِهم عليه إنكارٌ لحسبانِ الجزمِ بالفضلِ وتوبيخٌ عليهِ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه
{سَاء مَا يَحْكُمُونَ} أي ساءَ حكمُهم هَذا أو بئسَ شيئاحكموا به ذلكَ
(8/72)

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22)
{وخلق الله السماوات والأرض بالحق} استئنافٌ مقررٌ لما سبقَ من الحكمِ فإنَّ خلقَ الله تعالى لَهُما وَلِما فيهما بالحقِّ المُقتضِي للعدلِ يستدعِي لا محالة تفضيل المُحْسنِ على المُسيءِ في المَحْيا والمَمَاتِ وانتصارَ المظلومِ من الظالمِ وإذَا لم يطّردْ ذلك في المَحيا فهُو بعد المماتِ حَتْماً
{ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} عطفٌ عَلى بالحقِّ لأنَّ فيهِ مَعْنى التعليلِ إذْ معناهُ خلَقَها مقرونةً بالحكمة والصواب دون البعث والباطلِ فحاصلُه خلقَها لأجلِ ذلكَ ولتُجزَى الخ أو على علة
(8/72)

23 - 24 25 الجاثية محذوفةٍ مثلُ ليدلَّ بَها على قدرتِه أو ليعدل ولتُجزى
{وَهُمْ} أي النفوسُ المدلولُ عليها بكلِّ نفسٍ
{لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابٍ أو بزيادةِ عقابٍ وتسميةُ ذلكَ ظُلماً معَ أنَّه ليسَ كذلكَ على ما عرف قاعدةِ أهلِ السُنَّةِ لبيانِ غايةِ تنزهِ ساحةِ لُطفهِ تعالى عما ذكر بتنزيله منزلةَ الظلمِ الذي يستحيلُ صدورُه عنْهُ تعالَى
(8/73)

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ} تعجب من حالِ مَنْ تركَ متابعةَ الهُدى إلى مُطاوعةِ الهَوَى فكأنَّه عبدُه أيْ أنظرتَ فرأيتَهُ فإنَّ ذلكَ مِمَّا يُقْضَى منه العجَبَ وقرئ آلهةً هواهُ لأنَّ أحدَهُم كانَ يستحسنُ حجراً فيعبدُه فإذا رَأى أحسنَ منه رفضَهُ إليهِ فكأنَّه اتخذَ آلهةً شتَّى
{وَأَضَلَّهُ الله} وخذلَه
{على عِلْمٍ} أي عالماً بضلالِه وتبديلِه لفطرةِ الله تعالى التي فَطَرَ النَّاسَ عليها
{وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} بحيثُ لا يتأثرُ بالمواعظِ ولا يتفكرُ في الآياتِ والنذرِ
{وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة} مانعةً عن الاستبصار والاعتبار وقرئ بفتح الغين وضمها وقرئ غشوةً
{فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله} أي من بعدِ إضلالِه تعالى إيَّاهُ بموجبِ تعاميهِ عنِ الهُدى وتماديهِ في الغيِّ
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أَلاَ تلاحظونَ فلا تذكرون وقرئ تتذكرونَ على الأصلِ
(8/73)

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)
{وَقَالُواْ} بيانٌ لأحكامِ ضلالِهم المحكيِّ أي قالُوا من غايةِ غيِّهم وضلالِهم
{مَا هِىَ} أيْ ما الحَيَاةُ
{إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا} التي نحنُ فيَها {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي يصيبنا الموتُ والحياةُ فيها وليسَ وراءَ ذلكَ حياةٌ وقيلَ نكونُ نطفاً وما قبلَها وما بعدَها ونحيا بعدَ ذلكَ أو نموتُ بأنفسِنا ونحيَا ببقاءِ أولادِنا أو يموتُ بعضُنا ويحيا بعضُنا وقد جُوِّزَ أنْ يريدُوا به التناسخَ فإنَّه عقيدةُ أكثرِ عبدةِ الأوثان وقرئ نَحْيَا
{وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر} إلا مرورُ الزمانِ وهُو في الأصلِ مدةُ بقاءِ العالمِ من دَهَرهُ أي غلبه وقرئ إلا دهرٌ يمرُّ وكانُوا يزعمونَ أن المؤثرَ في هلاكِ الأنفسِ هُو مرورُ الأيامِ والليالِي وينكرونَ ملكَ الموتِ وقبضَه للأرواحِ بأمرِ الله تعالى ويضيفونَ الحوادثَ إلى الدهرِ والزمانِ ومنْهُ قوله صلى الله عليه وسلم لا تسبُّوا الدهرَ فإنَّ الله هو الدهرُ أي فإنَّ الله هُو الآتِي بالحوادثِ لا الدهرُ
{وَمَا لَهُم بِذَلِكَ} أي بما ذُكر من اقتصارِ الحياةِ على ما في الدُّنيا واستنادِ الحياةِ والموتِ إلى الدهرِ
{مِنْ عِلْمٍ} مَا مستندٍ إلى عقلٍ أو نقلٍ
{إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} ما هُم إلا قوم صارى أمرِهم الظنُّ والتقليدُ من غيرِ أنْ يكونَ لهم شيءٌ يصحُّ أنْ يتمسكَ به في الجملةِ هذا معتقدُهم الفاسدُ في أنفسِهم
(8/73)

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25)
{وإذا تتلى عليهم آياتنا} النَّاطقةُ بالحقِّ الذي من جُمْلَته البعثُ
{بَيّنَاتٍ} واضحاتِ الدِلالة على ما نطقت بهِ أو مبيناتٍ له
{مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} بالنصبِ
(8/73)

27 - 28 29 الجاثية على أنه خبرُ كان أيْ مَا كانَ متمسكاً لهم شيءٌ من الأشياءِ
{إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بآبائنا إِن كُنتُمْ صادقين} في أنَّا نبعثُ بعدَ الموتِ أي هذا القولُ الباطلُ الذي يستحيلُ أنْ يكونَ من قبيل الحجة وتسمية حجةً إمَّا لسوقِهم إيَّاهُ مساقَ الحُجَّةِ على سبيلِ التهكمِ بهم أو لأنَّه من قبيلِ تحيةٌ بينِهم ضربٌ وجيعُ وقرئ برفعِ حجَّتَهم على أنَّها اسمُ كانَ فالمَعْنى ما كانَ حجَّتُهم شيئاً من الأشياءِ إلا هَذا القولَ الباطلَ
(8/74)

قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)
{قُلِ الله يُحْيِيكُمْ} ابتداءً
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عندَ انقضاءِ آجالِكم لا كما تزعمونَ من أنَّكم تحيَونَ وتموتونَ بحُكمِ الدهرِ
{ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ} بعدَ الموتِ
{إلى يَوْمِ القيامة} للجزاءِ
{لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي في جمعِكم فإن من قدَر على البدءِ قدرَ على الإِعادةِ والحكمةُ اقتضتْ الجمعَ للجزاءِ لا محالةَ والوعدُ المصدقُ بالآيات الدال على وقَوعِها حتماً والإتيانُ بآبائِهم حيثُ كانَ مُزاحماً للحكمةِ التشريعيةِ امتنعَ إيقاعُه
{ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ} استدراكٌ من قولِه تعالَى لاَ رَيْبَ فِيهِ وهُو إمَّا من تمامِ الكلامِ المأمورِ بهِ أو كلامٌ مسوقٌ من جهتِه تعالى تحقيقا للحق وتنبيها على أنَّ ارتيابَهُم لجهلِهم وقُصُورِهم في النظرِ والتفكرِ لا لأنَّ فيه شائبةَ رَيْبٍ مَا
(8/74)

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)
{ولله ملك السماوات والأرض} بيانٌ لاختصاصِ المُلكِ المطلقِ والتَّصرفِ الكليِّ فيهمَا وفيمَا بينهُمَا بالله عزَّ وجلَّ إثرَ بيانِ تصرفِه تعالَى في النَّاسِ بالإحياءِ والإماتةِ والبعثِ والجمعِ للمُجازاةِ
{وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون} العاملُ في يوم يخسرو يومئذ بدلٌ منه
(8/74)

وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
{وترى كُلّ أمَّةٍ} منَ الأممِ المجموعةِ
{جَاثِيَةً} باركةً على الركب مستوفزة وقرئ جاذيةً أي جالسةً على أطرافِ الأصابعِ والجَذْوُ أشدُّ استيفازاً منَ الجُثُوّ وعنِ ابن عباس رضي الله عنهما جاثية مجتمعةً وقيلَ جماعاتٍ من الجثو وهيَ الجماعةُ
{كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها} إلى صحيفة أعمالها وقرئ كُلَّ بالنَّصبِ على أنَّه بدلٌ من الأولِ وَتُدْعَى صفةٌ أو حالٌ أو مفعولٌ ثانٍ
{اليوم تُجْزَوْنَ ما كنتم تعملون} أي يقالُ لهم ذلكَ وقوله تعالى
(8/74)

هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)
{هذا كتابنا} الخ من تمامِ ما يُقالُ حينئذٍ وحيثُ كانَ كتابُ كلِّ أمةٍ مكتوباً بأمرِ الله تعالى أصيف إلى نونِ العظمةِ تفخيماً لشأنِه وتهويلاً لأمرِه فهذَا متبدأ وكتابنا خيره وقولُه تعالى يَنطِقُ عَلَيْكُم أيْ يشهد عليكُم بالحق من غيرِ زيادةٍ ولا نقصٍ خبرٌ آخرُ أو حالٌ وبالحقِّ حالٌ من فاعلِ ينطقُ وقولُه تعالَى إنَّا كُنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ الخ تعليلٌ لنطقهِ عليهم بأعمالِهم من غير إخلالٍ بشيء منها أي إنَّا كُنَّا فيما قبلُ نستكتبُ الملائكةَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُنيا منَ الأعمالِ حسنةً كانتْ أو سيئة
(8/74)

الجاثية 30 35 وقولُه تعالى
(8/75)

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30)
{فَأَمَّا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ} أي في جنتِه تفصيلٌ لما يُفعلُ بالأممِ بعد بيانِ ما خُوطِبوا بهِ من الكلامِ المُنطوي على الوعدِ والوعيدِ ذلك أي الذي ذُكرَ من الإدخالِ في رحمتِه تعالى هُوَ الفوز المبين الظاهرُ كونُه فوزاً لا فوزَ وراءَهُ
(8/75)

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)
(وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ أَفَلَمْ تكُن آياتِي تُتلى عليكمُ) أي يقال لهم بطريقِ التَّوبيخِ والتَّقريعِ ألم يكن تأتيكم رُسلي فلم تكُن آياتِي تُتلى عليكم فحذف المعطوفُ عليه ثقةً بدلالةِ القرينة عليهِ فاستكبرتم عن الإيمانِ بها وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ أي قوماً عادتُهم الإجرامُ
(8/75)

وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
(وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الله) أي ما وعدَهُ من الأمنرو الآتيةِ أو وعدُه بذلكَ حَقّ أي واقعٌ لا محالة أو مطابق الواقع والساعة التي هيَ أشهرُ ما وعدَهُ لاَّ رَيْبَ فِيهَا أي في وقوعِها وقُرِىءَ والساعةَ بالنصبِ عطفاً على اسمِ إنَّ وقراءةُ الرفعِ للعطفِ على محلِّ إن وواسمها قلتم لغية عُتوِّكُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة أيْ أيُّ شيءٍ هي استغراباً لَها إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً أيْ ما نفعل إلا نظنُّ ظناً وقيلَ ما نظلن إلا ظناً ضعيفاً ويردُّه قولُه تعالى وَمَا نَحْنُ بمستقنين أي لا مكانه فإنَّ مقابلَ الاستيقانِ مطلقُ الظنِّ لا الضعيفُ منه ولعل هلاؤلاء غيرُ القائلينَ ما هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنيا
(8/75)

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33)
(وَبَدَا لَهُمْ) أي ظهرَ لهم حينئذذ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ على ما هيَ عليهِ من الصُّورةِ المُنكرةِ الهائلةِ وعاينوا وخامةَ عاقبتِها أو جزاءَها فإن جزاء السيئة وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ من الجزاءِ والعقابِ
(8/75)

وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34)
(وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ) نترككُم في العذابِ تركَ المنسيِّ كَمَا نَسِيتُمْ في الدُّنيا لقاء يموكم هذا أيْ كَما تركتُم عِدتَهُ ولم تُبالُوا بهِ وإذا فة اللقاء إلى ياليوم إافة المصدرِ إلى ظرفِه وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين أيما أي مَا لأحدٍ منكُم نَاصِرٌ وَاحِدٌ يخلصكُم منَها
(8/75)

ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)
(ذلكم) العذاب يأتكم بسبب أنكم {اتخذتم آيات الله هزوا} مهزوا
(8/75)

الجاثية 36 37 بَها ولم ترفعوا لها رأساً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا فحسبتُم أنْ لا حياةَ سواها قاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا أيْ من النَّارِ وقُرِىءَ يَخرجُون من الخُروجِ والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذانِ بإسقاطِهم عن رتبة الخطاب استهانة بهبهم أو بنقلِهم من مقامِ الخطابِ إلى غيابةِ النارِ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ أي يُطلبُ منهم أنْ يُعتبوا ربَّهم أيْ يرضون لفواتِ أوانِه
(8/76)

فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36)
(فَلِلَّهِ الحمد) خاصَّة رَبّ السموات وَرَبّ الأرض رَبّ العالمين فقلا يستحق الحمد أحمد سواهُ وتكريرُ الربِّ للتأكيدِ والإيذانِ بأنَّ ربوبيتَهُ تعالى لكن منَها بطريقِ الأصالةِ وقُرِىءَ برفعِ الثلاثةِ على المدحِ بإضمارِ هُو
(8/76)

وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
{وله الكبرياء في السماوات والأرض} لظهورِ آثارِها وأحكامِها فيهما وإظاهرهما في موقعِ الإضمارِ لتفخيمِ شأنِ الكبرياءِ وَهُوَ العزيز الذي لا يُغلبُ الحكيم في كلِّ ما قضَى وقدر فأحمدوه وكبره وأطيعون عنِ النبيِّ صلَّى الله عيهل وسلم منْ قرأَ حم الجاثيةُ سترَ الله تعالى عورتَهُ وسكن روعته يوما الحساب
(8/76)

سورة الأحقاف

} 4

سورة الأحقاف مكية وآيها خمس وثلاثون
{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/77)

حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)
{حم} {تنزيلُ الكتابِ مِنَ الله العزيز الحكيم} الكلامُ فيه كالذي مر في مطلعِ السورةِ السابقةِ
(8/77)

مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)
{ما خلقنا السماوات والأرض} بما فيهما من حيثُ الجزئيةُ منهما ومن حيثُ الاستقرارُ فيهما {وَمَا بَيْنَهُمَا} من المخلوقاتِ {إِلاَّ بالحق} استثناءٌ مفرغٌ من أعمِّ المفاعيلِ أي إلاَّ خلقاً مُلتبساً بالحقِّ الذي تقتضيهِ الحكمةُ التكوينيةُ والتشريعيةُ أو من أعم الأحوال من فاعلِ خلقنا أو مفعولِه أي ما خلقنَاها في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ ملابستِنا بالحقِّ أو حالَ ملابستِها به وفيه من الدَلالة على وجودِ الصَّانعِ تعالى وصفاتِ كمالِه وابتناءِ أفعالِه على حِكمٍ بالغةٍ وانتهائِها إلى غاياتٍ جليلةٍ ما لا يَخْفِى {وَأَجَلٌ مُّسَمًّى} عطفٌ على الحقِّ بتقديرِ مضافٍ أي وبتقديرِ أجلٍ مُسمَّى ينتهي إليهِ أمرُ الكلِّ وهو يومُ القيامةِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسمواتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحدِ الْقَهَّارِ وقيل هو آحر مُدةِ البقاءِ المقدرِ لكلِّ واحدٍ ويأباهُ قولُه تعالى {والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ معرضون} فإن ما أنذرواوه يومُ القيامةِ وما فيهِ من الطَّامةِ التَّامةِ والأهوالِ العامةِ لا آخرُ أعمارِهم وقد جُوِّزَ كونُ ما مصدريةً والجملةُ حاليةٌ أي ما خلقنا الخلقَ إلا بالحقِّ وتقديرِ الأجلِ الذي يجاوزون عندَهْ والحالُ أنَّهم غيرُ مؤمنينَ به معرضونَ عنه وعن الاستعدادِ له
(8/77)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)
{قُلْ} توبيخاً لهم وتبكيتاً {أرأيتم} أخبروني وقرئ أرأيتَكُم {مَا تَدَّعُونَ} ما تَعْبُدُونَ {مِن دُونِ الله} منَ الأصنامِ {أَرُونِىَ} تأكيدٌ لأرأيتُم {مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض} بيانُ للإبهامِ في ماذَا {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ} أي شرْكةٌ معَ الله تعالى {في السماوات} أي في خلقِها أو مُلكِها وتدبيرِها حتَّى يُتوهم أن يكونَ لهم شائبةُ استحقاق للمعبودية فإن مالا مدخلَ له في وجودِ
(8/77)

5 7
شئ من الأشياءِ بوجهٍ من الوجوهِ فهُو بمعزلٍ منْ ذلكَ الاستحقاقِ بالمرَّةِ وإِنْ كانَ منَ الأحياءِ العُقلاءِ فَما ظنُّكم بالجمادِ وقولُه تعالَى {ائتونى بكتاب} الخ تبكيتٌ لهم بتعجيزِهم عن الاتيان بسند نقاى بعد تبكيتِهم بالتعجيزِ عن الإتيانِ بسندٍ عقليَ أي ائتونِي بكتابٍ إلهيَ كائنٍ {مّن قَبْلِ هذا} الكتابِ أي القُرآنِ الناطقِ بالتَّوحيدِ وإبطالِ الشركِ دالٍ على صحةِ دينِكم {أَوْ أثارة من علم} أو بقيت من علمٍ بقيتْ عليكُم من علومِ الأولينَ شاهدةٍ باستحقاِقهم للعبادِة {إِن كُنتُمْ صادقين} في دَعْواكُم فإنَّها لا تكادُ تَصحُّ ما لم يقُم عليها برهانٌ عقليٌّ أو سلطانٌ نقليٌّ وحيثُ لَم يقُمْ عليها شئ منهُمَا وقد قامتْ على خلافِها أدلةُ العقلِ والنقلِ تبين بطلانها وقرئ إِثَارَةٍ بكسرِ الهمزةِ أي مناظرة فإنهعا تُثيرُ المعانيَ وأثَرةٍ أيْ شئ أوثرتم به وخصخصتم منْ علمٍ مطويَ من غيرِكم وإثرة بالحركات الثلاث مع سكون الثاء إما المكسورةُ فبمعنى الأثَرةِ وأمَّا المفتوحةُ فهي المرةُ من أثرَ الحديثَ أي رَواه وأمَّا المضمومةُ فاسمُ ما يؤثر الخطبة التي هي اسمُ ما يُخطبُ بهِ
(8/78)

وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)
{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مِن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ} إنكارٌ ونفيٌ لأنْ يكونَ أحدٌ يُساوي المُشركينَ في الضَّلالِ وإنْ كانَ سبكُ التَّركيبِ لنفي الأضلِ منهم من غيرِ تعرضٍ لنفي المُساوِي كما مر غيرَ مرة أي هُم أضلُّ من كلِّ ضالَ حيثُ تركُوا عبادةَ خالقِهم السميعِ القادرِ المجيبِ الخبير إلى عبادةِ مصنُوعِهم العارِي عن السمعِ والقدرةِ والاستجابةِ {إلى يَوْمِ القيامة} غايةٌ لنفي الاستجابةِ {وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ} الضميرُ الأول لمفعول ويدعو الثانى لفاعلِه والجمعُ فيهما باعتبارِ معنى مَنْ كما أن الإفرادَ فيما سبقَ باعتبارِ لفظِها {غافلون} لكونِهم جماداتٍ وضمائرُ العقلاءِ لإجرائِهم إيَّاها مُجرى العُقلاءِ ووصفِها بما ذُكر منْ تركِ الاستجابةِ والغفلةِ مع ظهورِ حالِها للتهكم بَها وبعبدَتها كقولِه تعالى إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ الآيةَ
(8/78)

وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)
{وَإِذَا حُشِرَ الناس} عند قيامِ القيامةِ {كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كافرين} أي مُكذبينَ بلسانِ الحالِ أو المقالِ علَى ما يروى أنه تعالى يحى الأصنامَ فتتبرأُ عن عبادتِهم وقد جُوِّز أن يراد بهم كلُّ ما يُعبدُ من دُونِ الله مِن الملائكة والجن والإنس وغيرِهم ويبنَى إرجاعُ الضمائرِ وإسنادُ العداوةِ والكفرِ إليهم على التغليبِ ويرادُ بذلكَ تبرؤُهم عنهُم وعنْ عبادتِهم وقيلَ ضميرُ كانُوا للعبدةِ وذلكَ قولُهم والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
(8/78)

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
{وإذا تتلى عليهم آياتنا بَيّنَاتٍ} واضحاتٍ أو مبيناتٍ {قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ} أي لأجلِه وفي شأنِه وهو عبارةٌ عن الآياتِ المتلوةِ وضعَ موضعَ ضميرِها تنصيصاً على حقِّيتِها ووجوبِ الإيمانِ بَها كما وضعَ الموصولِ موضِعَ ضميرِ المتلوِّ عليهم تسجيلاً عليهم بكمالَ الكفرِ والضلالةِ {لَمَّا جَاءهُمْ} أي في أول ما جَاءهُمْ من غيرِ تدبرٍ وتأملٍ {هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي ظاهرٌ كونُه
(8/78)

8 9
أَمْ
(8/79)

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)
{يَقُولُونَ افتراه} إضرابٌ وانتقالٌ من حكايةِ شناعتِهم السابقةِ إلى حكايةِ ما هو أشنعُ منها وما في أمْ من الهمزةِ للإنكارِ التوبيخيِّ المتضمنِ للتعجيبِ أي بل أيقولونَ افترى القُرآنَ {قُلْ إِنِ افتريته} على الفرضِ {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى من الله شيئا} إذلا ريبَ في أنَّه تعالَى يُعاجلني حينئذٍ بالعقوبةِ فكيفَ أجترئ على أنْ أفتريَ عليهِ تعالى كذباً فأُعرّضَ نفسيَ للعقوبةِ التي لا مناصَ عنها {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تندفعونَ فيهِ من القدحِ في وَحي الله والطعنِ في آياتِه وتسميتِه سحراً تارةً وفريةً أُخرى {كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} حيثُ يشهدُ لي بالصدقِ والبلاغِ وعليكم بالكذبِ والجحودِ وهو وعيد بجزاء إفاضتِهم وقولُه تعالى {وَهُوَ الغفور الرحيم} وعدٌ بالغُفرانِ والرحمةِ لمن تابَ وآمنَ وإشعارٌ بحلمِ الله تعالى عنْهم مع عظمِ جرائمِهم
(8/79)

قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل} البدعُ بمعنى البديعِ كالخِلِّ بمعنى الخليلِ وهو ما لا مثلَ له وقرئ بفتحِ الدالِ على أنه صفةٌ كقِيَمٍ وزِيَمٍ أو جمع مقدر مضاف أيْ ذَا بِدَعٍ وقد جُوِّزَ ذلكَ في القراءةِ الأُولى أيضاً على أنَّه مصدرٌ كانُوا يقترحونَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عجيبةً ويسألونَهُ عن المُغيباتِ عِناداً ومُكابرةً فأُمَر عليهِ السَّلامُ بأنْ يقولَ لهم ما كنتُ بديعاً من الرسلِ قادراً على ما لم يقدروا حَتَّى آتيَكُم بكلِّ ما تقترحونَهُ وأخبركم بكلِّ ما تسلون عنْهُ من الغيُوبِ فإنَّ مَنْ قبلي من الرسلُ عليهم الصلاة والسلام والسَّلامُ ما كانُوا يأتونَ إلا بما آتاهُم الله تعالى من الآياتِ ولا يُخبرونَهم إلا بَما أُوحيَ إليهم {وَمَا أَدْرِى مَا يفعل بى ولا بكم} أى أى شئ يُصيبنَا فيما يُستقبل من الزمانِ من أفعالهِ تعالى وماذا يُقدَّرُ لنا من القضاياه وعن الحسنِ رضيَ الله عنْهُ ما أَدري ما يصيرُ إليه أَمري وأمرُكم في الدُّنيا وعن ابنِ عباس رضي الله عنهما ما يفعل بى ولا بكُم في الآخرةِ وقال هيَ منسوخةٌ بقولِه تعالى لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وقيل يجوزُ أن يكونَ المنفيُّ هي الدرايةَ المفصَّلةَ والأظهرُ الأوفقُ لما ذُكِرَ من سببِ النزولِ أنَّ مَا عبارةٌ عمَّا ليسَ علمُه منْ وظائفِ النبوةِ من الحوادثِ والواقعاتِ الدنيويةِ دونَ ما سيقعُ في الآخرةِ فإنَّ العلمَ بذلكَ من وظائفِ النبوةِ وقد وردَ به الوحيُ الناطق بتفاصيلِ ما يُفعلُ بالجانبينِ هذا وقد رُويَ عن الكلبيِّ أنَّ أصحابَ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم قالُوا له عليه السَّلامُ وقد ضجِروا من أذيةِ المشركينَ حتَّى متى نكونُ على هَذا فقالَ ما أدرى ما يفعل بى ولا بكُم أأُتْركُ بمكةَ أم أُومرُ بالخروجِ إلى أرضٍ ذاتِ نخيلٍ وشجرٍ قد رُفعتْ لي ورأيتُها يعني في منامِه وجُوِّزِ أَنْ تكَونَ مَا موصولةً والاستفهاميةُ أقضى لحقِّ مقامِ التبرؤِ عن الدرايةِ وتكريرُ لا لتذكيرِ النفيِّ المنسحبِ إليه وتأكيده
(8/79)

} 0
وقرئ ما يُفعلُ على إسنادِ الفعلِ إلى ضميرِه تعالى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحِى إِلَىَّ} أيْ ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يُوحَى إليَّ على مَعْنى قصرِ أفعالِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على اتباعِ الوَحي لاقصر اتباعه على الوجى كما هو المتسارعُ إلى الأفهامِ وقد مرَّ تحقيقُه في سورة الأنعام وقرئ يُوحِي على البناءِ للفاعلِ وهو جوابٌ عن اقتراحِهم الأخبارَ عمَّا لم يُوحَ إليه عليه السلام من الغيوبِ وقيلَ عن استعجالِ المسلمينَ أنْ يتخلصُوا عن أذيةِ المشركينَ والأوَّلُ هو الأوفقُ لقولهِ تعالى {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} أُنذركم عقاب الله تعالى حسبمَا يُوحى إليَّ {مُّبِينٌ} بينُ الإنذارِ بالمعجزاتِ الباهرةِ
(8/80)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)
{قل أرأيتم إِن كَانَ} أي ما يُوحَى إليَّ من القرآنِ {مِنْ عِندِ الله} لاَ سحراً ولا مُفترى كما تزعمونَ وقولُه تعالى {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} حالٌ بإضمارِ قَدْ من الضميرِ في الخبرِ وُسّطتْ بين أجزاءِ الشرطِ مسارعةً إلى التسجيلِ عليهم بالكفرِ أو عطفٌ على كانَ كمَا في قولِه تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كان مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ لكنْ لا على أنَّ نظمَهُ في سلك الشرط المتردد بينَ الوقوعِ وعدمِه عندهُم باعتبارِ حالِه في نفسهِ بل باعتبارِ حالِ المعطوفِ عليه عندَهُم فإنَّ كفرَهُم به أمرٌ محققٌ عندهم أيضاً وإنَّما ترددُهم في أنَّ ذلكَ كفرٌ بَما من عند الله تعالى أم لا وكذا الحالُ في قولِه تعالى {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بني إسرائيل} وما بعدَهُ من الفعلينِ فإنَّ الكُلَّ أمورٌ محققةٌ عندَهُم وإنَّما ترددُهم في أنَّها شهادةٌ وإيمانٌ بما من عند الله تعالى واستكبار عنه أولاً والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله وكفرتُم به وشهدَ شاهدٌ عظيمُ الشأنِ منْ بني اسرائيل الواقفين على شؤن الله تعالى وأسرارِ الوحي بما أُوتُوا من التوراةِ {على مِثْلِهِ} أي مثلِ القرآنِ من المَعَاني المنطويةِ في التوراةِ المطابقةِ لما في القرآنِ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ فإنَّها عينُ ما فيه في الحقيقةِ كما يعربُ عنه قولُه تعالَى وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأولين وقولُه تعالى إِنْ هذا لَفِى الصحف الأولى والمثليةُ باعتبارِ تأديتِها بعباراتٍ أُخرَ أو على مثلُ ما ذُكرَ من كونه من عند الله تعالى والمثليةُ لما ذُكِرَ وقيل المثلُ صلةٌ والفاء في قوله تعالى {فآمن} للدلالةِ على أنَّه سارعَ إلى الإيمانِ بالقُرآنِ لما علمَ أنَّه من جنسِ الوحي الناطقِ بالحقِّ وهو عبدُ اللَّه بنُ سَلاَم لمَّا سمعَ بمقدمِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أتاهُ فنظرَ إلى وجههِ الكريمِ فعلمَ أنَّه ليسَ بوجهِ كذَّابٍ وتأملَهُ فتحققَ أنَّه النبيُّ المنتظرُ فقالَ له إنَّي سائلكَ عن ثلاثٍ لا يعلمُهنَّ إلا نبيٌّ ما أولُ أشراطِ الساعةِ وما أولُ طعام أكله أهلُ الجنةِ والولدُ ينزعُ إلى أبيهِ أو إلى أمَّةِ فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أمَّا أولُ أشراطِ الساعةِ فنارٌ تحشرُهم منَ المشرقِ إلى المغربِ وأمَّا طعامِ أهلِ الجنَّةِ فزيادةُ كبدِ حوتٍ وأما الولُد فإنْ سبقَ ماءُ الرجلِ نزعَهُ وإنْ سبقَ ماءُ المرأةِ نزعتْهُ فقال أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله حَقَّا فقامَ ثمَّ قالَ يا رسولَ الله إنَّ اليهودَ قومُ بُهتٌ فإن علمُوا بإسلامِي قبلَ أنْ تسألَهم عنِّي بهتونِي عندكَ فجاءتِ اليهود فقالَ لهم النبيُّ عليه الصلاةَ والسلام أي رجلٍ عبدُ اللَّهِ فيكم فقالُوا خيرُنا
(8/80)

} 1 1 {
وابنُ خيرِنا وسيدُنا وابنُ سيدِنا وأعلمُنَا وابنُ أعلمِنا قال أرأيتُم إنْ أسلمَ عبدُ اللَّهِ قالُوا أعاذَهُ الله من ذلك فحرج إليهم عبدُ اللَّهِ فقالَ أشهدُ أَن لاَّ إلَه إِلاَّ الله وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله فقالُوا شرُّنا وابنُ شرِّنا وانتقصُوه قالَ هذَا ما كنتُ أخافُ يا رسولُ الله وأحذرُ قالَ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ رضيَ الله عنْهُ ما سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ لأحدٍ يمشِي على الأرضِ إنَّه من أهلِ الجنَّةِ إلا لعبدِ اللَّه ابن سَلامٍ وفيهِ نزلَ وَشَهِدَ شَاهِدٌ الآيةَ وقيلَ الشاهدُ مُوسى عليه السَّلامُ وشهادتُه بما في التَّوراة من بعثةِ النبيِّ عليهما الصَّلاةُ السلام وبهِ قال الشعبيُّ وقالَ مسروقٌ والله ما نزلتْ في عبدُ اللَّه بنُ سَلاَم فإنَّ آلَ حم نزلتْ بمكةَ وإنَّما أسلمَ عبدُ الله بالمدينةِ وأجابَ الكلبيُّ بأنَّ الآيةَ مدنية وإنْ كانتْ السورةُ مكيةً {واستكبرتم} عطفٌ على شهدَ شاهدٌ وجوابُ الشرطِ محذوفٌ والمعنى أخبروني إن كان من عند الله تعالى وشهدَ على ذلكَ أعلمُ بني إسرائيلَ فآمنَ به من غيرِ تلعثمٍ واستكبرتُم عن الإيمانِ به بعد هذه المرتبةِ مَنْ أضلُّ منكم بقرينة قوله تعالة قال أرأيتم إن كان مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ وقولِه تعالى {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} فإنَّ عدم الهداية مما ينبئ عن الضَّلالِ قطعاً ووصفُهم بالظلمِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكم فإنَّ تركَهُ تعالَى لهدايتِهم لظلمِهم
(8/81)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11)
{وَقَالَ الذين كَفَرُواْ} حكايةٌ لبعضٍ آخَرَ من أقاويلِهم الباطلةِ في حقِّ القُرآنِ العظيمِ والمؤمنينَ بهِ أي قالَ كُفَّارُ مكةَ {لِلَّذِينَ آمنوا} أي لإجلِهم {لَّوْ كَانَ} أي ما جاءَ به عليه الصلاة والسلام من القرآنِ والدينِ {خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} فإنَّ معاليَ الأمورِ لا ينالُها أَيْدِي الأراذلِ وهُم سُقَّاطُ عامَّتُهم فقراءُ ومَوالٍ ورعاةٌ قالُوه زعماً منهم أنَّ الرياسةَ الدينيةَ مما يُنالُ بأسبابٍ دنيويةٍ كَما قالُوا لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرآنُ على رَجُلٍ مّنَ القريتينِ عظيمٍ وزلَّ عنْهم أنَّها منوطةٌ بكمالاتٍ نفسانيةٍ وملكاتٍ رُوحانيةٍ مبناها الإعراض عن زخازف الدُّنيا الدنيةِ والإقبالُ على الآخرةِ بالكليةِ وأنَّ من فاز بها فقد حازها بحذافيرها ومن حرمها فماله منها من خَلاقٍ وقيلَ قالَه بنُو عامرٍ وغطفانُ وأسدٌ وأشجعُ لما أسلمَ جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وغفارُ وقيلَ قالتْهُ اليهودُ حين أسلمَ عبدُ اللَّه بنُ سَلاَم وأصحابِه ويأباهُ أنَّ السورة مكيى ولا بُدَّ حينئذٍ من الالتجاءِ إلى ادعاءِ أنَّ الآيةَ نزلتْ بالمدينةِ {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} ظرفٌ لمحذوفٍ يدلَّ عليهِ ما قبلَهُ ويترتبُ عليهِ ما بعدَهُ أيْ وإذ لم يهتدُوا بالقُرآنِ قالُوا ما قالُوا {فَسَيَقُولُونَ} غيرَ مكتفينَ بنغى خيريّتهِ {هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ} كما قالُوا أساطيرُ الأوَّلينَ وقيلَ المحذوفُ ظهرَ عنادُهم وليسَ بذاكَ
(8/81)

وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)
{وَمِن قَبْلِهِ} أي منْ قبلِ القُرآنِ وهو خبرٌ لقولِه تعالى {كِتَابُ موسى} قيلَ والجملةُ حاليةٌ أو مستأنَفةٌ وأيَّا
(8/81)

} 1 15
ما كانَ فهو لردِّ قولِهم هذا إفكٌ قديمٌ وإبطالِه فإنَّ كونَهُ مُصدقاً لكتابِ مُوسى مقرر لحقِّيتهِ قطعاً {إَمَامًا وَرَحْمَةً} حالانِ من كتابِ مُوسى أي إماماً يُقتدَى به في دينِ الله تعالى وشرائعِه كما يُقتدى بالإمامِ ورحمةً من الله تعالى لمن آمنَ به وعملَ بموجبهِ {وهذا} الذي يقولونَ في حقِّه ما يقولونَ {كِتَابٌ} عظيمٌ الشأنِ {مُّصَدّقُ} أي لكتابِ مُوسى الذي هو إمامٌ ورحمةٌ أو لِما من بين يديهِ من جميعِ الكتبِ الإلهيةِ وقد قرئ كذلكَ {لّسَاناً عَرَبِيّاً} حالٌ من ضميرِ الكتابِ في مصدقٌ أو من نفسِه لتخصصهِ بالصفةِ وعاملُها معنى الإشارةِ وعلى الأولِ مصدقٌ وقيلَ مفعولٌ لمصدقٌ أي يصدقُ ذا لسانٍ عربيَ {لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ} متعلقٌ بمصدقٌ وفيه ضميرُ الكتابِ أو الله أو الرسول عليه الصلاة والسَّلامُ ويؤيدُ الأخيرَ القراءةُ بتاءِ الخطابِ {وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ} في حيزِ النصبِ عطفاً على محل لينذرَ وقيل في محلِ الرفعِ على أنَّه خبرُ مبتدأٍ مضمرٍ أي وبشرى وقيل على أنَّه عطفٌ على مصدقٌ
(8/82)

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)
{إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا} أي جمعُوا بينَ التوحيدِ الذي هُو خلاصةُ العلمِ والاستقامةِ في أمورِ الدينِ التي هيَ مُنتهى العملِ وثُمَّ للدلالة على تراخي رتبةِ العملِ وتوقفِ الاعتدادِ به على التوحيدِ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لُحوق مكروهٍ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فواتِ محبوبٍ والفاءُ لتضمنِ الاسمِ معنى الشرطِ والمرادُ بيانُ دوامِ نفي الحزنِ لا بيانُ نفي دوامِ الحزنِ كما يُوهمه كونُ الخبرِ مضارعاً وقد مرَّ بيانُه مراراً
(8/82)

أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14)
{أولئك} الموصوفون بما ذكر من الوصفينِ الجليلينِ {أصحاب الجنة خالدين فِيهَا} حالٌ من المستكنِّ في أصحابُ وقولُه تعالَى {جَزَاء} منصوبٌ إمَّا بعاملٍ مقدرٍ أي يُجزَون جزاءً أو بمَعْنى ما تقدمَ فإنَّ قولَه تعالى أولئكَ أصحابُ الجنَّةِ في معنى جازيناهُم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الحسناتِ العلميةِ والعمليةِ
(8/82)

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
{وَوَصَّيْنَا الإنسان} بأنْ يُحسنَ {بوالديه إحسانا} وقرئ حُسْناً أي بأنْ يفعلَ بهمَا حُسْناً أي فعلاً ذَا حُسنٍ أو كأنَّه في ذاتِه نفسُ الحسنِ لفرطِ حُسنهِ وقُرِىءَ بضمِّ السينِ أيضاً وبفتحِهما أيْ بأن يفعل بهما فعل حَسَناً أو وصينَاهْ إيصاءً حسناً {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} أي ذاتَ كُرهٍ أو حملاً ذَا كره وهو المشقة وقرئ بالفتحِ وهُما لغُتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ وقيلَ المضمومُ اسمٌ والمفتوحُ مصدرٌ {وَحَمْلُهُ وفصاله} أيْ مدةُ حملِه وفصالِه وهو الفطام وقرئ ة فصله والفصل والفصالُ كالفطمِ والفِطامِ بناءً ومَعْنى والمرادُ
(8/82)

} 6 17
بهِ الرَّضاعُ التامُّ المُنتهِي بهِ كمَا أرادَ بالأمدِ المدة من ال كُلُّ حَيَ مُستكمِلٌ مُدَّةَ العمرِ ومُودٍ إذَا انتهى أمدُهْ {ثَلاَثُونَ شَهْراً} تمضي عليَها بمعاناةِ المشاقِّ ومقاساةِ الشدائدِ لأجلِه وهذا دليلٌ على أن أقلَّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ لما أنه حُطَّ عنْهُ للفصالِ حولانِ لقولهِ تعالى حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة يبقي للحملِ ذلكَ قيلَ ولعل تعيينَ أقلِ مدةِ الحملِ وأكثرِ مدةِ الرَّضاعِ لانضباطِهما وتحققِ ارتباطِ النسبِ والرضاعِ بهما {حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ} أي اكتهل واستحكمَ قوتُه وعقلُه {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} قيلَ لم يبعثْ نبيٌّ قبلَ أربعينَ وقرئ حتَّى إذَا استَوى وبلغَ أشدَّهُ {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى} أي ألهمنِي وأصلُه أَوْلعِني من أوزعتُه بكذَا {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ} أي نعمةَ الدِّينِ أو ما يعمُّها وغيرَها {وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه} التنكيرُ للتفخيمِ والتكثيرِ {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى} أيْ واجعلِ الصلاحَ سارياً في ذُريتِي راسخاً فيهم كَما في قولِه يجرحُ في عَراقيبِها نَصْلي قالَ ابنُ عبَّاسٍ أجابَ الله تعالَى دعاءَ أبي بكرٍ رضيَ الله عنُهم فأعتقَ تسعةً من المؤمنينَ منهم بلال وعامر بنُ فُهيرةَ ولم يُردْ شيئاً من الخيرِ إلاَّ أعانَهُ الله تعالى عليهِ ودَعَا أيضاً فقالَ وأصلحْ لي في ذُريتِي فأجابَهُ الله عزَّ وجلَّ فلم يكن له ولدا إلا آمنُوا جميعاً فاجتمعَ له إسلامُ أبويهِ وأولادِه جميعاً فأدركَ أبُوه أبُو قحافة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنُه عبدُ الرحمنِ بنُ أبي بكرٍ وابنُ عبدِ الرَّحمنِ أبُو عتيقٍ كلُّهم أدركُوا النبيَّ عليهِ الصلاةَ والسَّلامُ ولم يكُنْ ذلكَ لأحدٍ من الصَّحابةِ رضوانُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ {إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ} عمَّا لا ترضاهُ أو عمَّا يشغلُني عن ذكرِك {وَإِنّى مِنَ المسلمين} الذينَ أخلصُوا لكَ أنفسَهُم
(8/83)

أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)
{أولئك} إشارةٌ إلى الإنسانِ والجمعُ لأنَّ المرادَ به الجنسُ المتصفُ بالوصفِ المَحكِيِّ عنْهُ وما فيهِ من معنى البُعدِ للإشعارِ بعلوِّ رتبتِه وبُعد منزلتِه أي أولئكَ المنعوتونَ بما ذُكِرَ من النعوتِ الجليلةِ {الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} من الطاعاتِ فإنَّ المباحَ حسنٌ ولا يثابُ عليهِ {وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم} وقرئ الفعلانِ بالياءِ على إسنادِهما إلى الله تعالى وعلى بنائِهما للمفعولِ ورفعِ أحسنَ على أنَّه قائمٌ مقامَ الفاعلِ وكذا الجارُّ والمجرور {فِى أصحاب الجنة} أي كائنينَ في عدادِهم منتظمينَ في سلكِهم {وَعْدَ الصدق} مصدرٌ مؤكدٌ لما أنَّ قوله تعالى يتقبل ونتجاوزُ وعدٌ من الله تعالى لهُم بالتقبلِ والتجاوزِ {الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ} عَلَى ألسنةِ الرُّسلِ
(8/83)

وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)
{والذى قَالَ لوالديه} عندَ دعوتِهما لهُ إلى الإيمانِ {أُفّ لَّكُمَا} هو صوتٌ يصدرُ عنِ المرءِ عندَ تضجرخ واللامُ لبيانِ المؤفَّفِ له كما في هَيْتَ لك وقرئ أُفِّ بالفتحِ والكسرِ بغيرِ تنوينٍ وبالحركاتِ الثلاثِ معَ التنوينِ والموصولُ عبارةٌ عن الجنسِ القائلِ ذلكَ القولَ ولذلكَ أُخبرَ عنه بالمجموعِ كما سبقَ قيلَ هُو
(8/83)

} 8 20
في الكافرِ العاقِّ لوالديهِ المكذبِ بالبعثِ وعن قَتَادةَ هُو نعتُ عبدِ سوءٍ عاقِّ لوالديهِ فاجرٍ لربِّه وما رُوي من أنَّها نزلت في عبدلرحمن بن أبي بكرٍ رضيَ الله عنهُمَا قبلَ إسلامِه يردُّه ما سيأتِي من قولِه تعالى أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول الآيةَ فإنه كان من أفاصل المسلمينَ وسَرواتِهم وقد كذَّبتِ الصدِّيقةُ رضيَ الله عنَها مَنْ قالَ ذلكَ {أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ} أُبعثَ من القبر بعد الموت وقرئ أَخْرُجَ من الخُروجِ {وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى} ولم يُبعثْ منهم أحدٌ {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله} يسألانِه أنْ يغيثَهُ ويوفقَهُ للإيمانِ {وَيْلَكَ} أي قائلينَ له ويلكَ وهو في الأصلِ دعاءٌ عليه بالثبورِ أُريدَ به الحثَّ والتحريضَ على الإيمانِ لا حقيقةَ الهلاكِ {آمن إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} أى البعث أضافا إليهِ تعالى تحقيقاً للحقِّ وتنبيهاً على حطئه في إسنادِ الوعدِ إليهما وقرئ إِنَّ وَعْدَ الله أي آمِنْ بأنَّ وعدَ الله حقٌّ {فَيَقُولُ} مكذباً لهُما {مَا هذا} الذي تسميانِه وعدَ الله {إِلاَّ أساطير الأولين} أباطيلُهم التي سَطرُوها في الكتبِ من غيرِ أنْ يكونَ لها حقيقةٌ
(8/84)


الكتاب: تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف: أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982هـ)
الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير] أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)
{أولئك} القائلون هذه المقالاتِ {الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول} وهو قولُه تعالَى لإبليسَ لاملان جهنم منك وممن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ كما ينبئ عنه قولُه تعالى {فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس} وقدْ مرَّ تفسيرُه في سورةِ الم السجدةُ {إِنَّهُمْ} جميعاً {كَانُواْ خاسرين} قد ضيَّعُوا فطرتَهُم الأصليةَ الجاريةَ مجرى رؤس أموالِهم باتِّباعِهم الشيطانَ والجملةُ تعليلٌ للحُكمِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ
(8/84)

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)
{وَلِكُلّ} من الفريقينِ المذكورينِ {درجات مّمَّا عَمِلُواْ} مراتبُ من أجزيةِ ما عملوا من الخير والشرِّ والدرجاتُ غالبةٌ في مراتبِ المَثوبة وإيرادها بطريقِ التغليبِ {وَلِيُوَفّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ} أي أجزيةَ أعمالِهم وقرئ بنونِ العظمةِ {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابِ الأولينَ عقابِ الآخرينَ والجملةُ إمَّا حالٌ مؤكدةٌ للتوفية أو استئنافٌ مقررٌ لها واللامُ متعلقةٌ بمحذوفٍ مُؤخرٍ كأنَّه قيل ليوفيهم أعمالَهُم ولا يظلمَهُم حقوقَهم فعلَ ما فعلَ من تقديرِ الأجزيةِ على مقاديرِ أعمالهم فجعل الثواب والعقابَ دركاتٍ
(8/84)

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار} أي يُعذَّبُونَ بَها منْ قولِهم عُرضَ الأسُارَى على السيفِ أي قُتلوا وقيل يُعرض النارُ عليهم بطريقِ القلبِ مبالغةً {أَذْهَبْتُمْ طيباتكم} أي يقالُ لهم ذلكَ وهو الناصبُ للظرف وقرئ أأْذهبتُم بهمزتينِ وبألفٍ بينَهمَا على الاستفهامِ التوبيخيِّ أي أصبتم أو أخذتم ما كُتب لكُم من حُظوظِ الدُّنيا ولذائِذها {فِى حياتكم الدنيا واستمتعتم بِهَا} فلم يبقَ لَكُم بعد ذلك شئ منَها {فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون}
(8/84)

أى الهوان وقد قرئ كذلكَ {بِمَا كُنتُمْ} في الدُّنيا {تَسْتَكْبِرُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق} بغيرِ استحقاقٍ لذلكَ {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} أي تخرجونَ عن طاعةِ الله عزَّ وجلَّ أي بسببِ استكبارِكم وفسقِكم المستمرين وقرئ تَفْسِقونَ بكسرِ السِّينِ
(8/85)

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
{واذكر} أيْ لكُفَّارِ مكةَ {أَخَا عَادٍ} أيْ هوداً عليهِ السلامُ {إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ} بدلُ اشتمالٍ منْهُ أي وقتَ إنذارِه إِيَّاهُم {بالاحقاف} جمعُ حِقْفٍ وهُو مل مستطيلٌ مرتفعٌ فيهِ انحناءٌ من احقوقف الشئ إذا اعوجَّ وكانتْ عادٌ أصحابَ عَمدٍ يسكنونَ بين رمالٍ مشرفةٍ على البحرِ بأرض يقال لها الشجر من بلادِ اليمنِ وقيلَ بينَ عُمَانَ ومَهَرَةَ {وَقَدْ خَلَتِ النذر} أي الرُّسلُ جمعُ نذيرٍ بمعنى المنذرِ {مِن بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من قبلهِ {وَمِنْ خَلْفِهِ} أي منْ بعدهِ والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله مؤكدٌ لوجوبِ العملِ بموجبِ الإنذارِ وُسِّط بينَ أنذرَ قومَهُ وبينَ قولِه {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله} مسارعةً إلى ما ذُكِرَ من التقريرِ والتأكيدِ وإيذاناً باشتراكِهم في العبارةِ المحكيةِ والمَعْنى واذكُرْ لقومِكَ إنذارَ هودٍ قومَهُ عاقبةَ الشركِ والعذاب العظيم وقد أنذر مَنْ تقدمَهُ من الرسلِ ومن تأخرَ عنْهُ قومَهُم مثلَ ذلكَ فاذكُرهم وأَما جعلُها حالاً من فاعلِ أنذرَ على مَعْنى أنَّه عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ أنذرَهُم وقالَ لَهُم لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} وقد أعلمهم أنَّ الرسلَ الذين بُعثوا قبلَه والذينَ سيُبعثونَ بعدَهُ كلَّهم منذرونَ نحوَ إنذارِه فمعَ ما فيهِ من تكلفِ تقديرِ الإعلامِ لا بُدَّ في نسبةِ الخلوِّ إلى مَن بعدَهُ من الرسلِ من تنزيلِ الآتِي منزلةَ الخالِي
(8/85)

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)
{قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا} أيْ تصرفنا {عن آلهتنا} عبادتهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} منَ العذابِ العظيمِ {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} في وعدِك بنزولهِ بنَا
(8/85)

قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23)
{قَالَ إِنَّمَا العلم} أي بوقتِ نزولِه أو العلمُ بجميعِ الأشياءِ التي مِنْ جُمْلتِها ذلكَ {عَندَ الله} وحدَهُ لا علمَ لي بوقتِ نزولِه ولا مدخلَ لي في إتيانِه وحلولِه وإنَّما علمُه عندَ الله تعالَى فيأتيكُم بهِ في وقتهِ المقدَّرِ لهُ {وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرسلتَ بِهِ} من مواجبِ الرسالةِ التي من جُملتِها بيانُ نزولِ العذابِ إنْ لم تنتُهوا عن الشركِ من غيرِ وقوفٍ على وقت نزوله وقرئ أُبْلِغُكُم من الإبلاغِ {ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} حيثُ تقترحُون عليَّ ما ليسَ من وظائفِ الرسلِ من الإتيانِ بالعذابِ وتعيينِ وقتهِ والفاء في قوله تعالى
(8/85)

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24)
{فلما رأوه} فصيحة
(8/85)

} 5 26
والضميرُ إما مُبهمٌ يوضحه قوله تعالى {عارضا} إما تمييز أو حالا أو راجعٌ إلى ما استعجلُوه بقولِهم فائتنا بما تَعدُنا أي فأتاهُم فلمَّا رأَوهُ سحاباً يعرضُ في أفق السماءِ {مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} أى متوجِّه أوديتِهم والإضافةُ فيه لفظيةٌ كما في قولِه تعالى {قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا} ولذلكَ وَقَعا وصفينِ للنكرةِ {بَلْ هُوَ} أي قال هود وقد قرئ كذلك وقرئ قُلْ وهُو ردٌّ عليهم أي ليس الأمرُ كذلك بلْ هُو {مَا استعجلتم بِهِ} من العذابِ {رِيحٌ} بدل من ما أو خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ {فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} صفةٌ لريحٌ وكذا قولُه تعالى
(8/86)

تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)
{تُدَمّرُ} أي تهلكُ {كُلّ شَىْء} من نفوسهم وأموالهم {بأمر ربها} وقرئ يدمر كل شئ من دمَّر دماراً إذا هلكَ فالعائدُ إلى الموصوفِ محذوفٌ أو هو الهاءُ في ربِّها ويجوزُ أنْ يكون استئنافاً وأرادا لبيانِ أنَّ لكلَّ ممكنٍ فناءً مقضياً منوطاً بأمرِ بارئهِ وتكونُ الهاءُ لكلِّ شئ لكونِه بمعنى الأشياءِ وفي ذكرِ الأمرِ والربِّ والإضافةِ إلى الريحِ من الدِلالة على عظمةِ شأنِه عزَّ وجلَّ ما لا يَخْفى والفاءُ في قوله تعالى {فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم} فصيحةٌ أي فجاءتْهُم الريحُ فدمرتْهُم فأصبحُوا بحيثُ لا يرى إلا مساكنهم وقرئ تَرَى بالتاءِ ونصبِ مساكنُهم خطابا لكل أحد يتأنى منه الرؤيةُ تنبيهاً على أنَّ حالَهُم بحيثُ لو حضرَ كلُّ أحدٍ بلادَهُم لا يَرَى فيها إلا مساكنَهُم {كذلك} أي مثلَ ذلكَ الجزاء الفظيعِ {نَجْزِي القوم المجرمين} وقد مرَّ تفصيلُ القصةِ في سورةِ الأعرافِ وقد رُويَ أنَّ الريحَ كانتْ تحملُ الفُسطاطَ والظَّعينةَ فترفعُها في الجوِّ حتى تُرى كأنَّها جرادةٌ قيلَ أولُ من أبصرَ العذابَ امرأةٌ منُهم قالتْ رأيتُ ريحاً فيها كشهبِ النَّارِ ورُويَ أنَّ أولَ ما عرفُوا به أنَّه عذابٌ ما رأوا ما كانَ في الصحراءِ من رحالِهم ومواشيهم تطيرُ بها الريحُ بينَ السماءِ والأرضِ فدخلُوا بيوتَهم وغلَّقوا أبوابَهم فقلعتِ الريحُ الأبوابَ وصرعَتْهم فأمالَ الله تعالى الأحقافَ فكانُوا تحتَها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ لهم أنينٌ ثم كشفتِ الريحُ عنهُم فاحتملتهم فطرحتْهُم في البحرِ ورُوِيَ أنَّ هُوداً عليهِ السَّلامُ لمَّا أحسَّ بالريحِ خطَّ على نفسِه وعلى المؤمنين خطا إلى جنب عين نبع وعن ابن عباس رضي الله عنهُمَا اعتزلَ هودٌ ومن معَهُ في حظيرةِ ما يصيبُهم من الريحِ إلا ما يلينُ على الجُلودِ وتلذه الأنفسُ وإنَّها لتمرُّ من عادٍ بالظعنِ بين بينَ السماءِ والأرضِ وتدمغُهم بالحجارةِ
(8/86)

وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26)
{وَلَقَدْ مكناهم} أي قررنَا عاداً أو أقدرنَاهُم وما في قولِه تعالى {فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ} موصولةٌ أو موصوفةٌ وأنْ نافيةٌ أيْ في الذِي أو فى شئ ما مكنَّاكُم فيهِ من السَّعةِ والبسطةِ وطولِ الأعمار وسائرِ مبادِيِ التصرفاتِ كَما في قوله تعالى {ألم يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ} وممَّا يُحسِّنُ
(8/86)

} 7 28
موقعَ إنْ هَهُنا التَّفَصِّي عن تكرار لفظةِ مَا وهُو الدَّاعِي إلى قلبِ ألِفها هاءً في مَهْمَا وجعلُها شرطيةً أو زائدةً مِمَّا لاَ يليقُ بالمقامِ {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً} ليستعملُوهَا فيمَا خُلقتْ لهُ ويعرفُوا بكل منها ما بيطت بهِ معرفتُه من فنونِ النعمِ ويستدلُّوا بها على شؤن منعهما عزَّ وجلَّ ويداومُوا على شُكرِه {فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ} حيثُ لم يستعملُوه في استماعِ الوَحي ومواعظِ الرسلِ {وَلاَ أبصارهم} حيثُ لم يجتلُوا بها الآياتِ التكوينيةِ المنصوبةِ في صحائفِ العلم {وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ} حيثُ لم يستعملُوها في معرفةِ الله تعالَى {مِن شَىْء} أي شيئاً من الإغناءِ ومِنْ مزيدةٌ للتأكيدِ وقولُه تعالى {إذ كانوا يجحدون بآيات الله} متعلقٌ بما أَغْنَى وهو ظرفٌ جَرَى مجرى التعليلِ من حيثُ أنَّ الحكمَ مرتبٌ على ما أضيفَ إليهِ فإنَّ قولَكَ أكرمتُه إذ أكرمنِي في قوةِ قولِك أكرمته لإكرامه أذا أكرمتَهُ وقتَ إكرامِه فإنَّما أكرمْتَه فيه لوجودِ إكرامه فيه كذا الحالُ في حيثُ {وَحَاقَ بِهِم مَا كَانُواْ بِهِ يستهزؤون} من العذابِ الذي كانُوا يستعجلونَهُ بطريقِ الاستهزاءِ ويقولونَ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كنتَ من الصادقينَ
(8/87)

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ} يا أهلَ مكةَ {مّنَ القرى} كحِجْرِ ثمودٍ وقُرى قومِ لوطٍ {وَصَرَّفْنَا الأيات} كررنَاها لَهُم {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} لكيْ يرجعُوا عمَّا هُم فيه من الكفر والمعاصي
(8/87)

فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)
{فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قربانا آلهة} القُربانُ ما يُتقرَّب بهِ إلى الله تعالَى وأحدُ مفعولَيْ اتخذُوا ضميرُ الموصولِ المحذوفِ والثانِي آلهةً وقرباناً حالٌ والتقديرُ فهلاَّ نصرهُم وخلَّصُهم من العذابِ الذين اتخذُوهم آلهةً حالَ كونِها متقرَّباً بَها إلى الله تعالَى حيثُ كانُوا يقولونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إلى الله زلفى هَؤُلاء شفعاؤُنا عِندَ الله وفيه تهكمٌ بهم ولا مساغَ لجعلِ قرباناً مفعولاً ثانياً آلهة بدلاً منه لفسادِ المَعْنى فإنَّ البدلَ وإنْ كانَ هو المقصودَ لكنَّه لا بُدَّ في غيرِ بدلِ الغلطِ من صحةِ المَعْنى فإنَّ البدلَ وإنْ كانَ هو المقصود فلا بُدَّ في غيرِ بدلِ الغلطِ من صحةِ المَعْنى بدونِه ولا ريبَ في أنَّ قولَنا اتخذوهُم من دونِ الله قُرباناً أي متقربا به ما لا صِحةَ لهُ قطعاً لأنَّه تعالَى متقرَّبٌ إليهِ لا متقرَّبٌ بهِ فلا يصحُّ أنَّهم اتخذُوهم قرباناً متجاوزينَ الله في ذلك وقرئ قُرُباناً بضمِّ الراءِ {بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} أي غابُوا عنْهم وفيه تهكمٌ آخرُ بهم كأنَّ عدمَ نصرِهم لغيبتهم أوضاعوا عنُهم أي ظهرَ ضياعُهم عنهم بالكُليَّةِ وقيل امتنعَ نصرُهم امتناعَ نصرِ الغائبِ عن المنصورِ {وَذَلِكَ} أي ضياعُ آلهتِهم عنُهم وامتناعُ نصرِهم {إِفْكِهِمْ} أيْ أثرُ إفكِهم الذي هُو اتِّخاذُهم إيَّاهَا آلهةً ونتيجةُ شركِهم وقرئ أفَكُهم وكلاهُما مصدرٌ كالحِذْرِ والحذر وقرئ أَفَكَهُم على صيغةِ الماضِي فذلكَ إشارةٌ حينئذٍ إلى الاتخاذِ أيْ وذلكَ الاتخاذُ الذى هو ثمرتُه وعاقبتُه صرفَهُم عن الحق وقرئ أَفَّكَهُم بالتشديدِ للمبالغةِ وآفَكَهُم من الأفعالِ أي جعلهم آفكين وقرئ آفِكُهُم على صيغةِ اسمِ الفاعلِ مضافاً إلى ضميرِهم أى قولهم الإفكِ كما يقالُ قولٌ كاذبٌ {وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} عطفٌ على
(8/87)

} 9 30
إفكُهم أي وأثرُ افترائِهم على الله أو أثرُ ما كانُوا يفترونه عليه تعالى وقرئ وذلك إفكٌ مما كانوا يفترون أي بعض مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ من الإفكِ
(8/88)

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن} أمَلْناهم إليكَ وأفبلنا بهم نحوك وقرئ صرَّفَنا بالتشديدِ للتكثيرِ لأنَّهم جماعةٌ وهُو السرُّ في جمعِ الضَّمير في قولِه تعالى {يستمعون القرآن} وما بعدَهُ وهو حالٌ مقدرةٌ من نفراً لتخصصِه بالصفةِ أو صفةٌ أُخرى لَه أي واذكُر لقومِكَ وقتَ صَرَفنا إليكَ نفراً كائناً من الجنِّ مقدَّراً استماعَهم القُرانَ {فَلَمَّا حَضَرُوهُ} أي القرآنَ عند تلاوتهِ أو الرسولَ عند تلاوتِه له على الالتفاتِ والأولُ هو الأظهرُ {قَالُواْ} أي قالَ بعضُهم لبعضٍ {أَنصِتُواْ} أى استكنوا لنسمعهُ {فَلَمَّا قُضِىَ} أُتمَّ وفرغ عن تلاوته وقرئ على البناءِ للفاعلِ وهو ضمير الرسول عليه الصلاة والسلام وهذا يؤيد ضميرِ حضروه إليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ {وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ} مقدِّرينَ إنذارَهُم عند رجوعهم إليهم وروى أنَّ الجِنَّ كانتْ تسترق السمعَ فلما حُرستِ السماءُ ورُجموا بالشهبِ قَالُواْ مَا هَذا إِلاَّ لنبأٍ حدثَ فنهضَ سبعةُ نفرٍ أو ستةُ نفرٍ من أشرافِ جنِّ نصيبينَ أو نِينَوى منُهم زوبعةُ فضربُوا حتى بلغو تِهامةَ ثم اندفعُوا إلى وادِي نخلةَ فوافَوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ في جوفِ الليلِ يُصلِّي أو في صلاةِ الفجرِ فاستمعُوا لقراءتِه وذلكَ عند منصرفِه من الطائفِ وعن سعيدِ بنِ جُبيرٍ ما قرأَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الجِنِّ ولا رآهُم وإنما كان يتلوا في صلاتِه فمرُّوا به فوقفُوا مستمعينَ وهو لا يشعرُ بهم فأنبأهُ الله تعالَى باستماعِهم وقيلَ بلْ أمرَهُ الله تعالى أنْ ينذرَ الجنَّ ويقرأَ عليهمِ فصرفَ إليه نَفَراً منهم جمعَهُم له فقالَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إنِّي أُمرتُ أنْ أقرأَ على الجنِّ اليلة فمن يتبعُني قالَها ثلاثاً فأطرقُوا إلا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ قالَ فانطلقنَا حتَّى إذَا كُنَّا بأعلى مكةَ في شِعب الجحونِ خطَّ لي خطَّاً فقالَ لا تخرجْ منه حتَّى أعودَ إليكَ ثم افتتحَ القرآنَ وسمعتُ لغطاً شديداً حتَّى خفتُ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وغشيْتُه أسودةٌ كثيرة حالتْ بيني وبينَهُ حتى ما أسمعُ صوتَهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ثم انقطعُوا كقطعِ السحابِ فقالَ لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هلْ رأيتَ شيئاً قلتُ نعم رجالاً سُوداً مستشعرِي ثيابٍ بيضٍ فقالَ أولئكَ جنُّ نَصيبينَ وكانُوا اثني عشرَ ألفاً والسورةُ التي قراها عليهم افرأ باسمِ ربِّك
(8/88)

قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30)
{قَالُواْ} أي عندَ رجوعِهم إلى قومهم {يا قومنا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى} قيلَ قالُوه لأنَّهم كانُوا على اليهوديةِ وعنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أن الجنَّ لم تكُن سمعت بأمرِ عِيْسَى عليه السَّلامُ {مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أرادُوا به التوراةَ {يَهْدِى إِلَى الحق} من العقائدِ الصحيحةِ {وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ} مُوصلٍ إليهِ وهُو الشَّرائعُ والأعمال الصالحة
(8/88)

} 1 3 {
(8/89)

يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31)
{يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به} أراردوا به ما سمعُوه من الكتابِ وصفُوه بالدَّعوةِ إلى الله تعالى بعدما وصفُوه بالهدايةِ إلى الحقِّ والصراطِ المستقيمِ لتلازمِهما دَعَوهم إلى ذلكَ بعدَ بيانِ حقِّيتِه واستقامتِه ترغيباً لهم في الإجابةِ ثم أكَّدُوه بقولِهم {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذنوبكم} أي بعض ذنوبكم وهو ما كانَ في خالصِ حقِّ الله تعالى فإنَّ حقوقَ العبادِ لا تُغفرُ بالإيمانِ {وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} معدَ للكفرةِ واختُلفَ في أنَّ لهم أجرا غير هذا أولا والأظهرُ أنَّهم في حُكمِ بن آدمَ ثواباً وعقاباً وقولُه تعالى
(8/89)

وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)
{وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الأرض} إيجابٌ للإجابةِ بطريقِ الترهيبِ إثرَ إيجابِها بطريقِ الترغيبِ وتحقيقٌ لكونهم منذرينَ وإظهار دعى الله من غيرِ اكتفاءٍ بأحدِ الضميرينِ للمبالغةِ في الإيجابِ بزيادةِ التقريرِ وتربيةِ المهابةِ وإدخالِ الرَّوعةِ وتقييدُ الإعجازِ بكونِه في الأرضِ لتوسيعِ الدائرةِ أي فليسَ بمعجزٍ له تعالى بالهربِ وإن هربَ كلَّ مهربٍ من أقطارِها أو دخلَ في أعماقِها وقولُه تعالى {وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء} بيانٌ لاستحالةِ نجاتِه بواسطةِ الغيرِ إثرَ بيانِ استحالةِ نجاتِه بنفسهِ وجمعُ الأولياءِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ فيكون من بابا مقابلةِ الجمع بالجمعِ لانقسامِ الآحادِ إلى الآحادِ كما منا أن الجمع في ق تعالى {أولئك} بذلكَ الاعتبارِ أى أولئك الموصوفون بعدم إجابةِ داعِي الله {فِى ضلال مُّبِينٍ} أي ظاهرٌ كونُه ضلالاً بحيثُ لا يخفى على أحد أعرضُوا عن إجابةِ مَنْ هَذا شأنُه
(8/89)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)
{أَوَلَمْ يَرَوْاْ} الهمزةُ للإنكارِ والواوُ للعطفِ على مقدرٍ يستدعيهِ المقامُ والرؤيةُ قلبيةٌ أيْ ألم يتفكَّروا ولم يعلمُوا علماً جازماً مُتاخِماً للمشاهدةِ والعيانِ {أَنَّ الله الذى خلق السماوات والأرض} ابتداءً من غيرِ مثال بجتذيه ولا قانون بنتحيه {وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ} أي لم يتعبْ ولم ينصَبْ بذلك أصلاً أو لم يعجزْ عنهُ يقالُ عييتُ بالأمرِ إذا لم يُعرفْ وجَههُ وقولُه تعالى {بِقَادِرٍ} في حيزِ الرفعِ لأنَّه خبرُ أنَّ كما ينبىءُ عنْهُ القراءةُ بغيرِ باءٍ ووجُه دخولِها في القراءةِ الأُولى اشتمالُ النفيِّ الواردِ في صدرِ الآيةِ على أنَّ وَمَا في حيزِها كأنَّه قيلَ أو ليسَ الله بقادجر {على أَن يُحْيِىَ الموتى} ولذلكَ أجيبَ عنه بقولِه تعالى {بلى أَنَّهُ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} تقريراً للقدرةِ على وجهٍ عامَ يكونُ كالبرهانِ على المقصودِ
(8/89)

} 4 35
(8/90)

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34)
{وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار} ظرفٌ عاملُه قولٌ مضمرٌ مقولُه {أَلَيْسَ هذا بالحق} على أنَّ الإشارةَ إلى ما يشاهدونَهُ حينئذٍ من حيثُ هو من غير أن يخطر بالبالِ لفظٌ يدلُّ عليهِ فضلا عن تذكيره وتأنيثه إذ هُو اللائق بتهويلهِ وتفخيمِه وقد مرَّ في سورةِ الأحزابِ وقيل هيَ إلى العذابِ وفيه تهكمٌ بهم وتوبيخٌ لهم على استهزائِهم بوعدِ الله ووعيدِه وقولِهم وما نحنُ بمعذبينَ {قالوا بلى وربنا} أكد جوابَهُم بالقسمِ كأنَّهم يطمعونَ في الخلاصِ بالاعترافِ بحقِّيتها كما في الدُّنيا وأنَّى لهُم ذلكَ {قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} بها في الدُّنيا ومَعْنى الأمرِ الإهانةُ بهم والتوبيخُ لهم والفاءُ في قولِه تعالى
(8/90)

فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)
{فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل} جوابُ شرطٍ محذوفٍ أيْ إذا كان عاقبةُ أمرِ الكفرةِ ما ذُكِرَ فاصبرْ على ما يصيبكَ من جهتِهم كما صبر أولوا الثباتِ والحزمِ من الرسلِ فإنكَ من جُمْلتِهم بل من علْيتِهم ومِنْ للتبيينِ والمرادُ بأُولي العزمِ أصحابُ الشرائعِ الذينَ اجتهدُوا في تأسيسِها وتقريرِها وصبرُوا على تحملِ مشاقِّها ومعاداةِ الطاعنينَ فيَها ومشاهيرُهُم نُّوحٍ وإبراهيمُ وموسى وَعِيسَى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيلَ هم الصابرونَ على بلاءِ الله كنوحٍ صبرَ على أذيةِ قومِه كانُوا يضربونَهُ حتى يُغشَى عليهِ وإبراهيمُ صبرَ على النَّارِ وعلى ذبحِ ولدِه والذبيحُ على الذبحِ ويعقوبُ على فقدِ الولدِ والبصرِ ويوسفُ على الجُبِّ والسجنِ وأيوبُ على الضُرِّ ومُوسى قال له قومُه إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ وداودُ بكى على خطيئتِه أربعينَ سنةً وعيْسَى لم يضع لبنةً على لبنةٍ صلواتُ الله تعالَى عليهم أجمعينَ {وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ} أي لكُفَّارِ مكةَ بالعذابِ فإنَّه على شرفِ النزولِ بهم {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ} من العذابِ {لَّمْ يَلْبَثُواْ} في الدُّنيا {إِلاَّ سَاعَةً} يسيرةً {مّن نَّهَارٍ} لما يشاهدونَ من شدةِ العذابِ وطولِ مدتهِ وقولُه تعالى {بَلاَغٌ} خبرٌ مبتدأٍ محذوفٍ أي هَذا الذي وُعظتم بهِ كفايةٌ في الموعظةِ أو تبليغٌ من الرسول ويؤيده أنه قرئ بلغ وقرئ بلاغاً أي بلغُوا بلاغاً {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون} أي الخارجونَ عن الاتعاظ به أو عن الطاعة وقرئ بفتحِ الياءِ وكسرِ اللامِ وبفتحِهما منْ هَلِكَ وهَلَكَ وبنون العظمة من الإهلاكِ ونصبِ القومِ ووصفه عن رسول الله صلى الله عليهِ وسلَّم مَنْ قرأَ سورةَ الأحقافِ كُتبَ له عشرَ حسناتٍ بعدد كلِّ رملة فى الدنيا
(8/90)

سورة محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

} {

سورة محمدٍ صلَّى الله عليهِ وسلم وتسمى سورة القتال وهى مدنية وقيل مكية وآياتها ثمان وثلاثون
{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/91)

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1)
{الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله} أي أعرضُوا عن الإسلامِ وسلوكِ طريقةِ منْ صَدَّ صُدوداً أو منعُوا النَّاسَ عن ذلكَ مِنْ صدَّهُ صَدَّاً كالمُطعمينَ يومَ بدرٍ وقيلَ هُم اثنا عشرَ رجُلاً من أهلِ الشركِ كانُوا يصدُّونَ الناسَ عن الإسلامِ ويأمرونَهُم بالكفرِ وقيلَ أهلُ الكتابِ الذينَ كفرُوا وصدُّوا مَنْ أرادَ منْهم ومن غيرِهم أنْ يدخلَ في الإسلامِ وقيلَ هو عامٌّ في كلِّ مَن كفرَ وصدَّ {أَضَلَّ أعمالهم} أي أبطلَها وأحبطَها وجعلَها ضائعةً لا أثرَ لَها أصلاً لكنْ لا بمعنى أنَّه أبطلَها وأحبطَها وجعلَها ضائعةً لا أثرَ لَها أصلاً لكنْ لا بمعنى أنَّه أبطلَها وأحبطَها بعد أنْ لم تكُنْ كذلك بلْ بمَعْنى أنَّه حكَم ببطلانِها وضياعِها فإنَّ ما كانُوا يعملونَ من أعمالِ البرِّ كصلةِ الأرحامِ وقِرَى الأضيافِ وفكِّ الأُسارَى وغيرِها من المكارمِ ليسَ لها أثرٌ منْ أصلِها لعدمِ مقارنتِها للإيمانِ أو أبطلَ ما عملوا من الكيدِ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن سبيلِه بنصرِ رسوله وإظهارِ دينِه على الدِّينِ كلِّه وهُو الأوفقُ لما سيأتى قولِه تعالى فَتَعْساً لَّهُمْ وأضل أعمالهم وقوله فَإِذَا لَقِيتُمُ الخ
(8/91)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2)
{والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} قيلَ هم ناس من قريش وقبل من الأنصارِ وقيلَ هُم مؤمنوا أهلِ الكتابِ وقيلَ عامٌّ للكل {وآمنوا بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ} خُصَّ بالذكرِ الإيمانُ بذلكَ مع اندارجه فيما قبلَهُ تنويهاً بشأنِه وتنبيهاً على سُموِّ مكانِه منْ بينِ سائرِ ما يجبُ الإيمانُ بهِ وأنه الأصلُ في الكُلِّ ولذلكَ أُكِّدَ بقولِه تعالى {وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ} بطريقِ حصرِ الحقِّيةِ فيهِ وقيلَ حقِّيتُه بكونِه ناسخاً غيرَ منسوخٍ فالحقُّ على هذا مقابلُ الزائلِ وعلى الأولِ مقابلُ الباطلِ وأيَّاً ما كانَ فقولُه تعالى من رَبَّهُمْ حالٌ من ضميرِ الحق وقرئ نزَّلَ على البناءِ للفاعلِ وأَنزلَ على البناءينِ ونَزَلَ بالتخفيفِ {كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم} أي سترَهَا بالإيمانِ والعملِ الصالحِ {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي حال في الدِّينِ والدُّنيا بالتأييدِ والتوفيقِ
(8/91)

ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3)
{ذلك} إشارة إلى ما مرَّ من إضلالِ الأعمالِ وتكفيرِ السيئاتِ وإصلاحِ البالِ وهو مبتدأٌ
(8/91)

4
خبرُهُ قولُه تعالى {بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ} أيْ ذلكَ كائنٌ بسببِ أن الأولين ابتعوا الشيطانَ كما قالَهُ مجاهدٌ ففعلوا ما فعلوا من الكفرِ والصدِّ فبيانُ سببيةِ اتباعِه للإضلالِ المذكورِ متضمنٌ لبيانِ سببيتِهما له لكونِه أصلاً مُستتبعاً لهما قطعاً وبسببِ أنَّ الآخرينَ اتبعُوا الحق الذي لا محيد عنه كائناً من ربِّهم ففعلوا ما فعلوا من الإيمانِ به وبكتابِه ومن الأعمالِ الصالحة فبيانُ سببيةِ اتِّباعِه لما ذُكرَ من التكفيرِ والإصلاحِ بعدَ الإشعارِ بسببيةِ الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ له متضمنٌ لبيانِ سببيتِهما له لكونِه مبدأً ومنشأً لهما حتماً فلا تدافُعَ بينَ الإشعارِ والتصريحِ في شئ من الموضعينِ ويجوزُ أن يحمل الباطل ما يُقابلُ الحقَّ وهو الزائلُ الذاهبُ الذي لا أصلَ له أصلاً فالتَّصريحُ بسببيةِ اتباعهِ لإضلالِ أعمالِهم وإبطالِها لبيانِ أنَّ إبطالَها لبطلانِ مبناها وزوالِه وأما حملُه على ما لا يُنتفعُ به فليسَ كَما ينبغِي لِما أنَّ الكفرَ والصدَّ أفحشُ منه فلا وجَه للتصريحِ بسببيتِه لما ذُكر من إضلالِ أعمالِهم بطريقِ القصرِ بعدَ الإشعارِ بسببيتِهما له فتدبر ويجوزُ أنْ يرادَ بالباطلِ نفسُ الكفرِ والصدِّ وبالحقِّ نفسُ الإيمانِ والأعمالِ الصالحةِ فيكونُ التنصيصُ على سببيتِهما لما ذُكَرَ من الإضلالِ ومن التفكير والإصلاحِ تصريحاً بالسببيةِ المُشعرِ بَها في المَوقعينِ {كذلك} أي مثلَ ذلكَ الضربِ البديعِ {يَضْرِبُ الله} أيْ يبينُ {لِلنَّاسِ أمثالهم} أي أحوالَ الفريقينِ وأوصافَهما الجاريةَ في الغرابةِ مَجْرى الأمثالِ وهي اتباعُ الأولينِ الباطلَ وخيبتُهم وخُسرانُهم واتباعُ الآخرينَ الحقَّ وفوزُهم وفلاحُهم والفاءُ في قولِه تعالى
(8/92)

فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)
{فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ} لترتيبِ مَا في حيزِها من الأمرِ على ما قبلها فإنَّ ضلالَ أعمالِ الكفرةِ وخيبتَهم وصلاحَ أحوالِ المؤمنينَ وفلاحَهم ممَّا يُوجبُ أنْ يرتّب على كلَ من الجانبينِ ما يليقُ من الأحكامِ أيْ فإذَا كان الأمر كما ذكر فإذَا لقيتُموهم في المُحاربةِ {فَضَرْبَ الرقاب} أصلُه فاضربُوا الرقابَ ضرباً فحُذفَ الفعلُ وقُدِّمَ المصدرُ وأُنيبَ مُنابَهُ مضلفا إلى المفعولِ وفيِه اختصارٌ وتأكيدٌ بليغٌ والتعبيرُ به عن القتلِ تصويرٌ له بأشنعِ صورةٍ وتهويلٌ لأمرِه وإرشاده للغزاةِ إلى أيسرَ ما يكونُ منْهُ {حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} أي أكثرتُم قتلَهم وأغلظتموه من الشئ الثخينِ وهو الغليظُ أو أثقلتمُوهم بالقتلِ والجراحِ حتَّى أذهبتُم عنهُم النهوضَ {فَشُدُّواْ الوثاق} فأْسِرُوهم واحفظُوهم والوَثاقُ اسمٌ لما يُوثقُ بهِ وكذا الوثاقُ بالكسرِ وقَدْ قرئ بذلكَ {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء} أيْ فإمَّا تمنونَ منًّا بعد ذلكَ أو تفْدونَ فداءً والمَعْنى التخييرُ بين القتلِ والاسترقاقِ والمنِّ والفداءِ وهذا ثابتٌ عند الشافعيِّ رحمَهُ الله تَعَالَى وعندنَا منسوخٌ قالُوا نزلَ ذلكَ يومَ بدرٍ ثُمَّ نُسخَ والحكمُ إما القتلُ أو الاسترقاقُ وعن مجاهدٍ ليسَ اليومَ منٌّ ولا فداءٌ إنما هُو الإسلامُ أو ضرب العنق وقرئ فداً كعَصَا {حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا} أوزارُ الحربِ آلاتُها وأثقالُها التي
(8/92)

5 9
لا تقومُ إلا بَها من السلاحِ والكُراعِ وأُسندَ وضعُها إليها وهو لأهلِها إسناداً مجازياً وحتَّى غايةٌ عندَ الشافعيِّ لأحدِ الأمورِ الأربعةِ أو للمجموعِ والمَعْنى أنَّهم لا يزالونَ على ذلكَ أبداً إلى أنْ لا يكونَ مع المشركينَ حربا بأن لا تبقى لهم شوكةٌ وقيلَ بأنْ ينزلَ عيسى عليه السلامُ وأما عندَ أبي حنيفةَ رحمَهُ الله تعالى فإنْ حُملَ الحربُ على حربِ بدرٍ فهي غايةٌ للمنِّ والفداءِ والمعنى يمنى عليهم ويُفادون حتى تضعَ حربُ بدرٍ أوزارَها وإنْ حُملتْ على الجنسِ فهي غايةٌ للضربِ والشدِّ والمَعْنى أنهم يُقتلون ويؤسرون حتَّى يضع جنسُ الحربِ أوزارَها بأنْ لا يبقى للمشركين شوكةٌ وقيلَ أوزارُها آثامُها أي حتَّى يتركَ المشركونَ شركَهم ومعاصيَهم بأنْ أسلمُوا {ذلك} أي الأمرُ ذلك أو فعلوا ذلك {وَلَوْ يَشَاء الله لانتصر منهم} لا تنقم منهم ببعض أسبابا الهلكةِ والاستئصالِ {ولكن} لم يشأ لذلك {لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} فأمرَكم بالقتالِ وبلاكُم بالكافرينَ لتجاهدُوهم فتستوجيبوا الثوابَ العظيمَ بموجبِ الوعدِ والكافروين بكم ليعالجهم على أيديكُم ببعضِ عذابِهم كيْ يرتدعَ بعضُهم عن الكفرِ {والذين قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله} أي استُشهدوا وقرئ قاتلُوا أي جاهدُوا وقَتلُوا وقُتِلوا {فَلَن يُضِلَّ أعمالهم} أى فلن يضيعها وقرى يضل أعماله على البناءِ للمفعولِ ويضِلَّ أعمالَهم من ضلَّ وعنْ قَتَادةَ أنَّها نزلتْ في يومِ أحدٍ
(8/93)

سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)
{سَيَهْدِيهِمْ} في الدُّنيا إلى أرشدِ الأمورِ وفي الآخرةِ إلى الثوابِ أو سُيْثبِّتَ هدايتَهم {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}
(8/93)

وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)
{وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ} في الدُّنيا بذكرِ أوصافِها بحيثُ اشتاقُوا إليها أو بيَّنها لهم بحيثُ يعلم كلُّ أحدٍ منزلَه ويهتدي إليهِ كأنه كان ساكنَهُ منذُ خُلقَ وعن مقاتل أنَّ الملكَ الموكلَ بعملهِ في الدُّنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شئ أعطاهُ الله تعالى أو طيَّبها لهم من العَرْفِ وهو طيبُ الرائحةِ أو حدَّدها لهم وأفرزَها من عَرفُ الدَّارِ فجنةُ كلَ منهم محددةٌ مفرزةٌ والجملةُ إمَّا مستأنفةٌ أو حالٌ بإضمار قد أو بدونه
(8/93)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الله} أي دينَه ورسوله {يَنصُرْكُمُ} على أعدائِكم ويفتحْ لكُم {وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ} في مواطنِ الحربِ ومواقفِها أو على مَحَجةِ الإسلامِ
(8/93)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8)
{والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} التعسُ الهلاكُ والعِثارُ والسقوطُ والشرُّ والبعدُ والانحطاطُ ورجلٌ تاعسٌ وتَعِسٌ وانتصابُه بفعلِه الواجبِ حذفُه سماعاً أي فقالَ تعساً لهم أو فقضى تعساً لهم وقولُه تعالى {وَأَضَلَّ أعمالهم} عطفٌ عليهِ داخلٍ معه في حيزِ الخبريةِ للموصولِ
(8/93)

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9)
{ذلك} أي ما ذكر من التعسِ وإضلالِ الأعمالِ {بِأَنَّهُمْ} بسببِ أنَّهم {كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الله} من القرآنِ
(8/93)

} 0 1 {
لما فيهِ من التوحيدِ وسائرِ الأحكامِ المخالفةِ لما ألِفُوه واشتهتْهُ أنفسُهم الأمارةُ بالسُّوءِ {فَأَحْبَطَ} لأجلِ ذلكَ {أعمالهم} التي لو كانُوا عملُوها مع الإيمان لأُثيبُوا عليَها
(8/94)

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض} أي أقعدُوا في أماكنِهم فلم يسيرُوا فيها {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِم} من الأممِ المكذبةِ فإنَّ آثارَ ديارِهم تنبئ عن أخبارِهم وقولُه تعالى {دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ} استئنافٌ مبني على سؤال نشأ من الكلامِ كأنَّه قيلَ كيف كانت عاقبتُهم فقيلَ استأصلَ الله تعالىَ عليهم ما اختصَّ بهم من أنفسِهم وأهليِهم وأموالِهم يقالُ دمَّره أهلكَه ودمَّر عليهِ أهلكَ عليهِ ما يختصُّ بهِ {وللكافرين} أي ولهؤلاءِ الكافرينَ السائرينَ بسيرتِهم {أمثالها} أمثالُ عواقبِهم أو عقوباتِهم لكنْ لا على أنَّ لهؤلاءِ أمثالَ مالأولئك وأضعافَهُ بلْ مثلَه وإنما جُمعَ باعتبارِ مماثلتِه لعواقبَ متعددةٍ حسبَ تعددِ الأممِ المُعذبةِ وقيلَ يجوزُ أن يكونَ عذابُهم أشدَّ من عذابِ الأولينَ وقد قُتلوا وأُسروا بأيدِي من كانُوا يستخفّونهم ويستضعفونهم والقتلُ بيد المثلِ أشدُّ ألماً من الهلاكِ بسببٍ عامٍ وقيلَ المرادُ بالكافرينَ المتقدمونَ بطريقِ وضْعِ الظاهِرِ موضعَ الضَّميرِ كأنَّه قيلَ دمَّر الله عليهم في الدُّنيا وَلَهُمْ في الآخرةِ أمثالُها
(8/94)

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)
{ذلك} إشارةٌ إلى ثبوتِ أمثالِ عقوبةِ الأممِ السَّالفةِ لهؤلاءِ {بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين آمنوا} أي ناصرُهم على أعدائِهم وقرئ وليُّ الذينَ {وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ} فيدفعُ عنُهم ما حلَّ بهم من العقوبةِ والعذابِ ولا يُخالفُ هَذا قولَه تعالى ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله مولاهم الحق فإنَّ المَوْلَى هُناكَ بمعنى المالِك
(8/94)

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12)
{إِنَّ الله يُدْخِلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} بيانٌ لحكمِ ولايتِه تعالى لَهُم وثمرتِها الأُخرويةِ {والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} أيْ ينتفعونَ في الدُّنيا بمتاعِها {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام} غافلينَ عنْ عواقِبهم {والنار مَثْوًى لَّهُمْ} أي منزلُ ثُواءٍ وإقامةٍ والجملةُ إمَّا حالٌ مقدرةٌ منْ واوِ يأكُلونَ أو استئنافٌ
(8/94)

وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)
{وَكَأَيّن} كلمةٌ مركبةٌ من الكافِ وأَيْ بمَعنى كَمِ الخبريةِ ومحلُّها الرفعُ بالابتداءِ وقولُه تعالى {مِن قَرْيَةٍ} تمييزٌ لها وقولُه تعالى {هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ} صفةٌ لقريةٍ كما أنَّ قولَه تعالى {التى أَخْرَجَتْكَ} صفةٌ لقريتكَ وقد حُذفَ عنهُمَا المضافُ وأُجريَ أحكامُه عليهمَا كما يُفصحُ عنه الخبر الذى قولُه تعالى {أهلكناهم} أي وكم منْ أهلِ قريةٍ هُم أشدُّ
(8/94)

} 4 15
قوةً من أهلِ قريتكَ الذين كانُوا سبباً لخروجِكَ من بينِهم ووصفُ القريةِ الأولى بشدةِ القُوَّةِ للإيذانِ بأولويةِ الثانيةِ منها بالإهلاكِ لضعفِ قوَّتِها كما أنَّ وصفَ الثانيةِ بإخراجهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للإيذانِ بأولويتِها به لقوةِ جنايتِها وعلى طريقتِه قولُ النابغةِ ... كُلَيبٌ لعَمْرِي كانَ أكثَر ناصرا ... وَأيسَر جُرماً منكَ ضُرِّجَ بالدَّمِ ...
وقولُه تعالى {فَلاَ ناصر لَهُمْ} بيانٌ لعدمِ خلاصِهم من العذابِ بواسطةِ الأعوانِ والأنصارِ إثرَ بيانِ عدمِ خلاصِهم منْهُ بأنفسِهم والفاءُ لترتيبِ ذكرِ ما بالغيرِ على ذكرِ ما بالذاتِ وهو حكايةُ حالٍ ماضيةٍ
(8/95)

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)
{أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} تقريرٌ لتباينِ حَالَيْ فَريَقيْ المؤمنينَ والكافرينَ وكون الاوليين في أعلى علّيينَ والآخرينَ في أسفلِ سافلينَ وبيانٌ لعلةِ ما لكلَ منهُمَا من الحالِ والهمزةُ للإنكارِ والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام وقد قرئ بدونها ومَنْ عبارةٌ عن المؤمنينَ المتمسكينَ بأدلةِ الدِّينِ وجعلُها عبارةً عن النبيِّ عليه الصلاةَ والسلام أو عنْهُ وعنِ المؤمنينَ لا يساعدُه النظمُ الكريمُ على أنَّ الموازنةَ بينه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبينَهم مما يأباهُ منصبُه الجليلُ والتقديرُ أليسَ الأمرُ كما ذُكِرَ فمنْ كانَ مستقراً على حجةٍ ظاهرةٍ وبرهانٍ نيّرٍ من مالكِ أمرِه ومربّيهِ وهو القرآنُ الكريمُ وسائرُ المعجزاتِ والحججِ العقليةِ {كَمَن زُين لَهُ سوءُ عَمَلِهِ} من الشركِ وسائرِ المعاصيِ مع كونِه في نفسِه أقبحَ القبائحِ {واتبعوا} بسببِ ذلكَ التزيينِ {أَهْوَاءهُمْ} الزائغةَ وانهمكُوا في فنونِ الضلالاتِ من غير أن يكون لهم شبهةٌ توهمُ صحةَ ما تم عليهِ فضلاً عن حجةٍ تدلُّ عليهِ وجمعُ الضميرينِ الأخيرينِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كما أنَّ إفرادَ الأولَينِ باعتبارِ لفظِها
(8/95)

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)
{مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون} استئنافٌ مَسُوقٌ لشرحِ مَحَاسنِ الجنَّةِ الموعودةِ آنِفاً للمؤمنينَ وبيانِ كيفيةِ أنهارِها التي أُشيرَ إلى جريانِها من تحتِها وعُبِّرَ عنهُم بالمتقينَ إيذاناً بأنَّ الإيمانَ والعملَ الصالَح من بابِ التقوى الذي هُو عبارةٌ عن فعلِ الواجباتِ بأسرِها وتركِ السيئاتِ عن آخرِها ومَثَلُها وصفُها العجيبُ الشأنِ وهُو مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ فقدَّرهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيلٍ مثلُ الجنةِ ما تسمعونَ وقولُه تعالى {فِيهَا أَنْهَارٌ} إلخ مفسرٌ لَهُ وقدَّرهُ سيبويهِ فيما يُتلَى عليكُم مَثَلُ الجنةِ والأولُ هو الأنسبُ لصدرِ النظمِ الكريمِ وقيلَ المَثَلُ زائدةٌ كزيادةِ الاسمِ في قولِ مَنْ قال
إلى الحولِ ثم اسمُ السَّلامِ عليكما ... والجنةُ مبتدأٌ خبرُهُ فيها أنهارٌ إلخ {مّن مَّاء غَيْرِ آسن} غيرِ متغيرِ الطعمِ والرَّائحةِ وقرئ غيرِ أَسِنٍ {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} بأنْ صارَ قارِصاً وَلاَ خَازِراً كألبانِ الدُّنيا {وأنهار من خمر لذة للشاربين} لذيذةٍ ليسَ فيها كراهةُ طعمٍ وريحٍ ولا غائلةُ سُكرٍ ولا خُمارٌ وإنما هيَ تلذذٌ محضٌ ولذةٍ إمَّا تأنيثُ لذَ بمعنى لذيذٍ أو مصدرٌ نُعت
(8/95)

} 6 18
به مبالغة وقرئ لذةٌ بالرفعِ على أنَّها صفةُ أنهارٌ وبالنصبِ على العلَّةِ أي لأجلِ لذةِ الشاربينَ {وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} لا يُخالطُه الشمعُ وفضلاتُ النحلِ وغيرُها وفي هذا تمثيلٌ لما يَجْري مَجرى الأشربةِ في الجنةِ بأنواعِ ما يُستطابُ منها ويُستلذُّ في الدُّنيا بالتخليةِ عمَّا يُنغصها ويُنقصها والتحليةِ بما يُوجبُ غزارتُها ودوامَها {وَلَهُمْ فِيهَا} مع ما ذُكَر من فنونِ الأنهارِ {مِن كُلّ الثمرات} أيْ صنفٌ من كلِّ الثمراتِ {وَمَغْفِرَةٌ} أي ولهم مغفرةٌ عظيمةٌ لا يُقادرُ قَدرُها وقولُه تعالى {مّن رَّبّهِمُ} متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لمغفرةٌ مؤكدةٌ لما أفاده التنكيرُ من الفخامةِ الذاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ أي كائنةٌ من ربِّهم وقولُه تعالى {كمن هو خالد فى النار} خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ أمَّنْ هو خالدٌ في هذه الجنةِ حسبما جريَ به الوعدُ كمن هو خالد فى النار كما نطق به قوله تعالى والنَّارُ مَثْوىً لَهُم وقيل هو خبرٌ لَمثَلُ الجنةِ على أنَّ في الكلامِ حذفاً تقديرُهُ أمثلُ الجنةِ كمثلِ جزاءِ من هو خالد فى النار أو أمثلُ أهلِ الجنةِ كمثلِ من هو خالدٌ في النارِ فعُرّيَ عن حرفِ الإنكارِ وحُذفَ ما حذفَ تصويراً لمكابرةِ مَن يُسوي بين المتمسكِ بالبينةِ وبين التابعِ للهوى بمكابرةِ من سوَّى بين الجنةِ الموصوفةِ بما فُصل من الصفاتِ الجليلةِ وبين النارِ {وَسُقُواْ مَاء حَمِيماً} مكانَ تلك الأشربةِ {فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ} من فرْطِ الحرارةِ قيل إذادنا منهم شوى وجوههم وانمارت فروة رؤسهم فإذا شربوُه قطَّع أمعاءَهم
(8/96)

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16)
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} هم المنافقونَ وإفرادُ الضميرِ باعتبارِ لفظِ مَنْ كما أنَّ جمعَهُ فيما سيأتي باعتبارِ معناها كانُوا يحضُرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعونَ كلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعونَهُ حقَّ رعايتِه تهاوناً منهُم {حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم} من الصحابةِ رضيَ الله عنُهم {ماذا قال آنفا} أي ما الذي قالَ الساعةَ على طريقةِ الاستهزاءِ وإن كان بصورةِ الاستعلامِ وآنِفاً من قولِهم أنْفُ الشئ لما تقدمَ منه مستعارٌ من الجارحةِ ومنه استأنفَ الشئ وائتنفَ وهو ظرفٌ بمعنى وقتاً مؤتنفاً أو حالٌ من الضمير في قالَ وقرئ أنفا {أولئك} اوصفون بما ذُكِرَ {الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ} لعدمِ توجههم نحوَ الخيرِ أصلاً {واتبعوا أَهْوَاءهُمْ} الباطلةَ فلذلك فعلُوا ما فعلُوا مما لا خيرَ فيهِ
(8/96)

وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)
{والذين اهتدوا} إلى طريقِ الحقِّ {زَادَهُمْ} أي الله تعالَى {هُدًى} بالتوفيقِ والإلهامِ {وآتاهم تقواهم} أعانهُم على تقواهُم أو أعطاهُم جزاءَها أو بيّنَ لهم ما يتقونَ
(8/96)

فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18)
{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة} أي القيامةَ وقولُه تعالى {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} أي تُباغتُهم بغتةً وهي المفاجأةُ بدلُ اشتمالٍ من
(8/96)

} 9 20
الساعةَ والمعنى أنَّهم لا يتذكرونَ بذكرِ أهوالِ الأممِ الخاليةِ ولا بالأخبارِ بإتيانِ السَّاعةِ وما فيها مِنْ عظائم الاهول وما ينتظرونَ للتذكرِ إلا إتيانِ نفسِ الساعةِ بغتةً وقرئ بَغَتةً بفتحِ الغينِ وقولُه تعالى {فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا} تعليلٌ لمفاجأتِها لا لإتيانِها مُطلقاً على معنى أنَّه لم يبقَ من الأمورِ الموجبةِ للتذكِر أمرٌ مترقبٌ ينتظرونَهُ سوى إتيانِ نفسِ الساعةِ إذْ قد جاءَ أشراطُها فلم يرفعُوا لها رأساً ولم يعدّوها من مبادى إتيانِها فيكون إتيانُها بطريقِ المفاجأةِ لا محالةَ والأشراطُ جمعُ شَرَطٍ بالتحريكِ وهي العلامةُ والمرادُ بها مبعثُه صلى الله عليه وسلم وانشقاقُ القمرِ ونحوُهما وقولُه تعالى {فأنى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} حكمٌ بخطِئهم وفسادِ رأيهم في تأخيرِ التذكرِ إلى إتيانِها ببيانِ استحالى نفعِ التذكرِ حينئذٍ كقولِه تعالى يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان وأنى لَهُ الذكرى أي وكيفَ لهم ذكراهُم إذا جاءتْهُم على أن أنَّى خبرٌ مقدمٌ وذكراهُم مبتدأٌ وإذا جاءتْهُم اعتراضٌ وسطٌ بينهما رمزاً إلى غايةِ سرعةِ مجيئِها وإطلاقُ المجىءِ عن قيدِ البغتِه لما أن مدارَ استحالةِ نفعِ التذكرِ كونُه عند مجيئِه مطلقاً لا مقيداً بقيدِ البغتة وقرئ إن تاتيهم على أنَّه شرطٌ مستأنفٌ جزاؤُه فأنَّى لهم إلخ والمعنى إنْ تأتِهم الساعةُ بغتةً لأنه قد ظهرَ أماراتُها فكيفَ لهم تذكرُهم واتعاظُهم إذا جاءتْهُم
(8/97)

فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)
{فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ الله} أي إذا علمتَ أنَّ مدارَ السعادةِ هو التوحيدُ والطاعةُ ومناطَ الشقاوةِ هو الإشراكُ والعصيانُ فاثبت على ما أنت عليه من العلمِ بالوحدانيةِ والعملِ بموجبِه {واستغفر لِذَنبِكَ} وهو الذي رُبَّما يصدرُ عنه عليه الصلاة والسلام من تركِ الأَوْلى عُبِّر عنه بالذنبِ نظراً إلى منصبِه الجليلِ كيفَ لا وحسناتُ الأبرارِ سيئاتُ المقربينَ وإرشادٌ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التواضعِ وهضمِ النفسِ واستقصارِ العملِ {وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات} أي لذنوبِهم بالدعاءِ لهم وترغيبِهم فيما يستدعي غفرانَهم وفي إعادةِ صلةِ الاستغفارِ تنبيهٌ على اختلاف متعلّقَيه جنساً وفي حذفِ المضافِ وإقامةِ المضافِ إليهِ مُقامَهُ إشعارٌ بعراقتِهم في الذنبِ وفرطِ افتقارِهم إلى الاستغفارِ {والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ} في الدُّنيا فإنَّها مراحلُ لا بُدَّ من قطعِها لا محالةَ {وَمَثْوَاكُمْ} في العقبى فإنها مواطن إقامتِكم فلا يأمرُكم إلا بما هو خيرٌ لكم فيهما فبادِرُوا إلى الامتثالِ بما أمركُم به فإنه المهمُّ لكم في المقامينِ وقيل يعلمُ جميعَ أحوالِكم فلا يخفى عليه شئ منها
(8/97)

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20)
{ويقول الذين آمنوا} حرصاً منُهم على الجهادِ {لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ} أي هلا نزلت سورة تؤمر فيها بالجهادِ {فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا القتال} بطريقِ الأمرِ به أي سورةٌ مبينةٌ لا تشابَه ولا احتمالَ فيها لوجهٍ آخرَ سوى وجوبِ القتالِ عن قَتَادَة كُلُّ سورةٍ فيها ذكرُ القتالِ فهيَ محكمةٌ لم تنسخْ وقرئ فإذا نزلتْ
(8/97)

} 1 2 {
سورةٌ وقُرِىءَ وذَكَرَ على إسنادِ الفعلِ إلى ضميرِه تعالى ونصبِ القتالِ {رَأَيْتَ الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} أي ضعفٌ في الدينِ وقيل نفاقٌ وهو الأظهرُ الأوفقُ لسياقِ النظمِ الكريمِ {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت} أي تثخص أبصارُهم جُبناً وهلعاً كدأب منْ أصابتْهُ غشيةُ الموتِ {فأولى لَهُمْ} أي فويلٌ لَهُمْ أي فويلٌ لهم وهو أفعلُ من الوَلي وهو القُربُ وقيلَ مِنْ آل ومعناه الدعاء بأن يليهم الكروه أو يؤولَ إليهِ أمرُهم وقيل هو مُشتقٌ من الويلِ وأصله أَوْيَل نُقلتْ العينُ إلى مَا بعدِ اللامِ فوزنُه أَفْلَعَ
(8/98)

طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21)
{طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} كلامٌ مستأنف أى أمرهم الخ أو طاعةٌ وقولٌ معروفٌ خيرٌ لهم أو حكايةٌ لقولِهم ويؤيدُه قراءةُ أُبي يقولونَ طاعةٌ وقولٌ معروفٌ أي أمرُنا ذلكَ {فَإِذَا عَزَمَ الأمر} أَسندَ العزمَ وهو الجِدُّ إلى الأمرِ وهو لأصحابِه مجازاً كما في قوله تعالى إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الامور وعاملُ الظرفِ محذوفٌ أي خالَفُوا وتخلَّفُوا وقيلَ ناقضُوا وقيل كرِهُوا وقيلَ هُو قولُه تعالى {فَلَوْ صَدَقُواْ الله} على طريقةِ قولِك إذا حضرني طعامٌ فلوجئتني لأطمعتك أي فلو صدقُوه تعالى فيما قالُوا من الكلامِ المبنىء عن الحرصِ على الجهادِ بالجري على موجبهِ {لَكَانَ} أي الصدقُ {خَيْراً لَّهُمْ} وفيه دلالةٌ على اشتراكِ الكلِّ فيما حُكيَ عنهم من قولِه تعالى لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ وقيل فلو صدقُوه في الإيمانِ وواطأتْ قلوبُهم في ذلك ألسنتَهُم وأيا ما كان فالمرادُ بهم الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وهم المخاطبون بقولِه تعالى
(8/98)

فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ} الخ بطريقِ الالتفاتِ لتأكيدِ التوبيخِ وتشديدِ التقريعِ أي هل يُتوقعُ منكم {إِن تَوَلَّيْتُمْ} أمورَ الناسِ وتأمَّرتُم عليهم {أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} تناحراً على المُلك وتهالُكاً على الدُّنيا فإن من شاهدَ أحوالَكم الدالَّةَ على الضعفِ في الدِّينِ والحرصِ على الدُّنيا حينَ أُمرتُم بالجهادِ الذي هو عبارةٌ عن إحرازِ كلِّ خيرٍ وصلاحٍ ودفعِ كلِّ شرَ وفسادٍ وأنتم مأمورون شأنُكم الطاعةُ والقولُ المعروفُ يتوقعُ منكم إذا أطلقتْ أعِنّتُكم وصرتُم آمرين ما ذكر من الإفسادِ وقطعِ الأرحامِ وقيل إن أعرضتُم عن الإسلامِ أنْ ترجعوا إلى ما كنتُم عليه في الجاهليةِ من الإفسادِ في الأرضِ بالتغاورِ والتناهبِ وقطعِ الأرحامِ بمقاتلةِ بعضِ الأقاربِ بعضاً ووأدِ البناتِ وفيه أن الواقعَ في جيز الشرطِ في مثلِ هذا المقامِ لابد أن تكون محذوريتُه باعتبارِ ما يستتبعُه من المفاسدِ لا با عتبار ذاتُه ولا ريبَ في أنَّ الإعراضَ عن الإسلامِ رأسُ كلِّ شرَ وفسادٍ فحقُّه أنْ يجعلَ عمدةً في التوبيخِ لا وسيلةً للتوريخ بما دونَهُ من المفاسدِ وقُرِىءَ وُلِّيتُم على البناءِ للمعفول أي جُعلتْم ولاةً وقُرِىءَ تُولِّيتُم أي تولاَّكُم ولاةُ جورٍ خرجتُم معهُم وساعدتمُوهم في الإفسادِ وقطيعةِ الرحمِ وقُرِىءَ وتَقطَّعُوا من التقطُّعِ بحذفِ إحدى التاءينِ فانتصابُ أرحامَكم حينئذٍ على نزعِ الجارِّ أي في أرحامِكم وقُرِىءَ وتَقْطَعُوا منَ القطعِ وإلحاقُ الضميرِ بعسَى لغةِ أهلِ الحجازِ وأمَّا بنُو
(8/98)

} 6 2 {
تميمٍ فيقولونَ عسى أنْ تفعلَ وعسى أنْ تفعلُوا
(8/99)

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)
{أولئك} إشارةٌ إلى المخاطبينَ بطريقِ الالتفاتِ إيذاناً بأنَّ ذكرَ هَنَاتِهم أوجبَ إسقاطَهُم عن رتبة الخطاب وحكايةِ أحواهم الفظية لغيرِهم وهُو مبتدأٌ خبرُه {الذين لَعَنَهُمُ الله} أيْ أبعدهُم من رحمتِه {فَأَصَمَّهُمْ} عن استماعِ الحقِّ لتصامِّهم عنْهُ بسوءِ اختيارِهم {وأعمى أبصارهم} لتعامِيهم عمَّا يُشاهدونه من الآياتِ المنصوبةِ في الأنفسِ والآفاق
(8/99)

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)
{أفلا يتدبرون القرآن} أيْ أَلاَ يلاحظونَهُ ولاَ يتصفحونَهُ وما فيهِ من المواعظِ والزواجرِ حتَّى لا يقعُوا فيَما وقعُوا فيهِ من الموبقاتِ {أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} فلا يكادُ يصلُ إليها ذكرٌ أصلاً وأمْ منقطعةٌ وما فيها من معنى بل للانتقال من التوبيخِ بعدمِ التدبرِ إلى التوبيخِ بكونِ قلوبهم مقفلةً لا تقبلُ التدبرَ والتفكرَ والهمزةُ للتقريرِ وتنكيرُ القلوبِ إمَّا لتهويلِ حالِها وتفظيع شأنها بإيهام أمرِها في القساوةِ والجهالةِ كأنَّه قيلَ على قلوبٍ منكَرةٍ لا يعرفُ حالُها ولا يُقادرُ قدرُها في القساوةِ وإما لأنَّ المرادَ بها قلوبُ بعضٍ منْهم وهم المنافقونَ وإضافةُ الأقفالِ إليها للدلالةِ على أنَّها أقفالٌ مخصوصةٌ بها مناسبةٌ لها غيرُ مجانسةٍ لسائرِ الأقفالِ المعهودةِ وقُرِىءَ أقفالُها وأقفالها الذين
(8/99)

إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)
{إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم} أي رجعُوا إلى ما كانُوا عليه من الكفر وهم المنافقون وُصفوا فيما سلفَ بمرضِ القلوبِ وغيرهِ من قبائحِ الأفعالِ والأحوالِ فإنَّهم قد كفروا به عليه الصلاة والسَّلامُ {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} بالدلائلِ الظاهرةِ والمعجزاتِ القاهرةِ وقيل هم اليهودُ وقيل أهلُ الكتابينِ جميعاً كفرُوا به عليه الصلاة والسلام بعد ما وجدُوا نعتَهُ في كتابهم وعرفوا أنه المنعوت بذلكَ وقولُه تعالى {الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ} جملةٌ من مبتدإٍ وخبر وقعت خبر لإنَّ أي سهَّلَ لهم ركوبَ العظائمِ من السَّوَل وهو الاسترخاءِ وقيلَ من السول المخفف من السؤال لا ستمرار القلبِ فمعنى سوَّلَ له أمراً حينئذٍ أوقعه في أمنيته فإن السُّؤل الأمنية وقرىء سُوِّل مبنياً للمفعولِ على حذفِ المضافِ أي كيد الشطيان {وأملي لهم} وعد لهم في الأمانِيِّ والآمالِ وقيلَ أمهلهُم الله تعالى ولم يُعاجلْهم بالعقوبةِ وقُرِىءَ وأملى لم على صيغةِ المتكلمِ فالمعنى أن الشيطانُ يُغويهم وأنا أُنْظِرُهم قالو او للحالِ أو للاستئنافِ وقُرِىءَ أُمْلِىَ لهُم على البناءِ للمفعولِ أي أُمْهِلُوا ومُدَّ في عمرِهم
(8/99)

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26)
{ذلك} إشارة إلى ما ذُكِرَ من ارتدادِهم لا إلى الإملاءِ كما نُقلَ عن الواحديِّ ولا إلى التسويلِ كما قيل لأنَّ شيئاً منهما ليس مُسبباً عن القولِ الآتي وهو مبتدأ خبره قوله تعالى {بِأَنَّهُمْ} أي بسببِ أنَّهم {قَالُواْ} يعني المنافقينَ المذكورينَ لا لليهود الكافرينَ به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد ما وجدُوا نعتَهُ في التوارةِ كما قيل
(8/99)

} 9 27
فإن كفرَهم به ليسَ بسببِ هذا القولِ ولو فُرض صدورُه عنهم سواءٌ كان المقولُ لهم المنافقينَ أو المشركينَ على رأي القائلِ بل من حينِ بعثتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله} أي لليهودِ الكارهينَ لنزولِ القرآنِ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مع عملهم بأنَّه من عندِ الله تعالى حسداً وطمعاً في نزولِه عليهم لا للمشركينَ كما قيلَ فإنَّ قولَه تعالى {سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأمر} عبارةٌ قطعاً عما حُكيَ عنُهم بقولِه تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لاننصرنكم وهم بنُو قريظةَ والنَّضيرِ الذين كانوا يوالونَهم ويوادُّونَهُم وأرادُوا بالبعضِ الذي أشارُوا إلى عدمِ إطاعتهم فيه إظهارَ كُفرِهم وإعلان أمرِهم بالفعلِ قبل قتالِهم وإخراجِهم من ديارِهم فإنَّهم كانوا يأبَون ذلك قبل مساسِ الحاجةِ الضروريةِ الداعيةِ إليه لِما كان لهم في إظهارِ الإيمانِ من المنافعِ الدنيويةِ وإنما كانوا يقولون لهم ما يقولون سِرَّاً كما يعرب عنه قوله تعالى {والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أى إخفاءهم لما يقولنه لليهودِ وقُرِىءَ أَسْرَارَهُم أي جميعَ أسرارِهم التي مِنْ جُملتها قولُهم هذا والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله متضمنٌ للإفشاءِ في الدنيا والتعذيبِ في الآخرة والفاء في قوله تعالى
(8/100)

فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27)
{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة} لترتيب ما بعدها على ما قبلَها وكيفَ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ هو العاملُ في الظروف كأنَّه قيلَ يفعلون في حياتِهم ما يفعلون من الحيلِ فكيفَ يفعلونَ إذا توفَّتُهم الملائكةُ وقيلَ مرفوعٌ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي فكيفَ حالُهم أو حيلهم إذا توفَّتُهم الخ وقُرِىءَ توفَّاهُم على أنَّه إما ماضٍ أو مضارعٌ قد حُذفَ إحدى تاءيهِ {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم} حالٌ من فاعلِ توفَّتهم أو من مفعولِه وهو تصويرٌ لتوفّيهم على أهوال الوجوهِ وأفظعها وعن ابن عباس رضي الله عنهما لا يُتوفَّى أحدٌ على معصيةٍ إلا يضربُ الملائكةُ وجهَهُ ودبُره
(8/100)

ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)
{ذلك} التَّوفِّي الهائلُ {بِأَنَّهُمْ} أي بسببِ أنَّهم {اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله} من الكفرِ والمعاصِي {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} أي ما يرضاهُ من الإيمانِ والطاعةِ حيث كفُروا بعد الإيمانِ وخرجُوا عن الطاعةِ بما صنعُوا من المعاملةِ مع اليهودِ {فَأَحْبَطَ} لأجلِ ذلكَ {أعمالهم} التي عملوها حالَ إيمانِهم من الطاعاتِ أو بعد ذلك من أعمال البِرّ التي لو عملُوها حالَ الإيمانِ لا نتفعُوا بها
(8/100)

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)
{أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} هم المنافقون الذين فُصِّلتْ أحوالُهم الشنيعةُ وُصفُوا بوصفِهم السابقِ لكونِه مدار لِما نُعِيَ عليهم بقولِه تعالى {أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم} فأمْ منقطعةٌ وإنْ مخففةٌ من أن وضمير الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ ولنْ بما في حيزها خبرها والأضعان جمع ضعن وهو الحقذ أي بل أحسبَ الذين في قلوبهم حقدا وعداوةٌ للمؤمنين أنه لنْ يخرجَ الله أحقادَهم
(8/100)

} 3 30
ولن يبرزها لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنينَ فتبقى أمورُهم مستورةً والمعنى أنَّ ذلك مما لا يكادُ يدخلُ تحتَ الاحتمال
(8/101)

وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30)
{ولو نشاء} إرامتهم {لأريناكهم} لعرّفناكَهُم بدلائلَ تعرفُهم بأعيانِهم معرفةً متاخمةٌ للرؤيةِ والالتفات الى نون العغظمة لإبراز العناية بالإارءة {فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم} بعلامتهم التي نسِمهُم بها وعن أنسٌ رضيَ الله عنه ما خَفِيَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعد هذهِ الآيةِ شىءٌ من المنافقين كان يعرفُهم بسيماهم ولقد كنا في بعضِ الغزواتِ وفيها تسعةٌ من المنافين يشكُوهم الناسُ فناموا ذاتَ ليلةٍ وأصبحوا وعلى كلِّ واحدٍ منهم مكتوبٌ هذا منافقٌ واللامُ لامُ الجوابِ كُررتْ في المعطوفِ للتأكيدِ والفاءُ لترتيبِ المعرفةِ على الإراءةِ وأمَّا ما في قولِه تعالى {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول} فلجوابِ قسمٍ محذوفٍ ولحنُ القولِ نحوُه وأسلوبُه أو إمالتُه إلى جهةِ تعريضٍ وتوريةٍ ومنه قيلَ للمُخطىءِ لاحنٌ لعدلِه بالكلامِ عن سمتِ الصوابِ {والله يَعْلَمُ أعمالكم} فيجازيكُم بحسب قصدِكم وهذا وعدٌ للمؤمنين وإيذانٌ بأنَّ حالَهم بخلافِ حالِ المنافقينَ
(8/101)

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم} بالأمرِ بالجهادِ ونحوهِ من التكاليفِ الشاقةِ {حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} على مشاقِّ الجهادِ علماً فعلياً يتعلقُ به الجزاءَ {وَنَبْلُوَ أخباركم} ما يخبرُ به عن أعمالِكم فيظهرُ حسنُها وقبيحُها وقُرِىءَ ويبلوَ بالياء وقُرِىءَ نبلُوْ بسكونِ الواو على ونحن نبلو
(8/101)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32)
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ} الناس {عن سبيل الله وَشَاقُّواْ الرسول} وعادَوه {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى} بما شاهدُوا نعتَه عليه الصلاة والسلام في التوراة وبما ظهر على يديهِ من المعجزاتِ ونزلَ عليه من الآياتِ وهم قريظةُ والنضيرُ أو المطعمونَ يومَ بدرٍ {لَن يَضُرُّواْ الله} بكُفرِهم وصدِّهم {شَيْئاً} من الأشياءِ أو شيئا من الضرر أو لن يضرُّوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بمشاقَّتِه شيئاً وقد حُذفَ المضافُ لتعظيمِه وتفظيعِ مشاقَّته {وَسَيُحْبِطُ أعمالهم} أي مكايدَهُم التي نصبُوها في إبطالِ دينِه تعالى ومُشاقَّةِ رسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فلا يصلونَ بَها إلى ما كانُوا يبغونَ من الغوائلِ ولا تُثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم
(8/101)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم} بما أبطلَ به هؤلاءِ أعمالَهم من الكفرِ والنفاقِ والعُجبِ والرياءِ والمنِّ والأَذَى ونحوِها وليسَ فيه دليلٌ على إحباطِ الطاعاتِ بالكبائرِ
(8/101)

} 8 34
(8/102)

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34)
{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ} حكمٌ يعمُّ كلَّ مَن ماتَ على الكُفر وإنْ صحَّ نزولُه في أصحابِ القَليبِ
(8/102)

فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)
{فَلاَ تَهِنُواْ} أي لا تضعُفوا {وَتَدْعُواْ إِلَى السلم} أي ولا تدْعوا الكفارَ إلى الصلحِ خَوَراً فإنَّ ذلك إعطاءُ الدنيَّةِ ويجوزُ أنْ يكونَ منصُوباً بإضمارِ أنْ على جوابِ النَّهي وقُرِىءَ ولا تدَّعُوا من أدعى القوم تَدَاعَوا نحوُ ارتَموا الصيدَ وترامواه ومنه تراءَوا الهلالَ فإنَّ صيغةَ التَّفاعلِ قد يُرادُ بها صدورُ الفعلِ عن المتعددِ من غير اعتبار وقوعِه عليه ومنه قولُه تعالى عَمَّ يَتَسَاءلُونَ على أحدِ الوجهينِ والفاءُ لترتيبِ النهْيِ على ما سبقَ من الأمرِ بالطَّاعةِ وقولُه تعالى {وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ} جملةٌ حاليةٌ مقررةٌ لمعنى النَّهي مؤكدةٌ لوجوبِ الانتهاءِ وكذا قولُه تعالى {والله مَعَكُمْ} فإنَّ كونَهمُ الأعلينَ وكونَهُ عزَّ وجلَّ ناصرَهُم من أَقْوى موجباتِ الاجتنابِ عمَّا يُوهم الذلَّ والضراعةَ وكذا نوفيته تعالى لأجور الأعمال حسبما يُعرب عنه قوله تعالى {وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم} أيْ ولن يضيَّعها من وتَرتَ الرجلَ إذا قتلتَ له قتيلاً من ولدٍ أو أخٍ أو حميمٍ فأفردَتُه عنه من الوترِ الذي هُو الفردُ وعُبِّرَ عن تركِ الإثابةِ في مقابلةِ الأعمالِ بالوترِ الذي هو إضاعةُ شيءٍ معتدَ به من الأنفس والأموال مع أن الأعمالَ غيرُ موجبة للثواب على قاعدة أهل السنة إبراز لغايةِ اللطفِ بتصويرِ الثوابِ بصورةِ الحقِّ المستحقِّ وتنزيلِ تركِ الإثابةِ منزلةَ إضاعةِ أعظمِ الحقوقِ وإتلافِها وقد مر في قوله تعالى فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ
(8/102)

إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36)
{إنما الحياة الدنيا لعب ولهو} لاثبات لها ولا اعتدادَ بها {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} أي ثوابَ إيمانِكم وتقواكم من الباقياتِ الصالحاتِ التي يتنافسُ فيها المتنافسونَ {ولا يسألكم أموالكم} بحيثُ يخلُّ أداؤُها بمعاشِكم وإنما اقتصرَ على نَزْرٍ يسيرٍ منَها هُو ربعُ العُشرِ تُؤدونَها إلى فقرائكم
(8/102)

إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37)
{إن يسألكموها} أي أموالَكم {فَيُحْفِكُمْ} أي يُجهدْكُم بطلبِ الكلِّ فإن الإحفاءَ والإلحافَ المبالغةُ وبلوغُ الغايةِ يقالُ أحفَى شاربَهُ إذا أشتأصله {تَبْخَلُواْ} فلا تُعطُوا {وَيُخْرِجْ أضغانكم} أي أحقادَكُم وضميرُ يُخرج لله تعالى ويعضدُه القِراءةُ بنونِ العظمةِ أو للبخل لأنه سبب الأضعان وقُرِىءَ يَخرجُ من الخروجِ بالياء والتاء مسند الى الأضعان
(8/102)

هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
{ها أَنتُمْ هؤلاء} أي أنتُم أيها المخاطبون
(8/102)

الفتح

{
{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/103)

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)
{أَنَا فتحنا لَكَ} فتحُ البلدِ عبارةٌ عن الظَّفرِ به عُنوةً أو صُلحاً بحِراب أو بدونِه فإنَّه ما لم يُظفرْ به منغلقٌ مأخوذٌ من فتحِ بابِ الدارِ وإسنادُه إلى نونِ العظمةِ لاستنادِ أفعالِ العبادِ إليه تعالى خلقاً وإيجاداً والمرادُ به فتحُ مكةَ شرَّفها الله وهو المرويُّ عن أنسٌ رضيَ الله عنه بُشّر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عند انصرافه من الحديبيةِ والتعبيرُ عنه بصيغةِ الماضِي على سَنَنِ سائِر الأخبارِ الربانية لللإيذان بتحققهِ لا محالةَ تأكيداً للتبشيرِ كَما أنَّ تصديرَ الكلامِ بحرفِ التحقيقِ لذلكَ وفيه من الفخامةِ المنبئةِ عن عظمةِ شأنِ المخِبرِ جلَّ جلالُه وعزَّ سلطانِه ما لا يخفى وقيل هو ما أتيحَ له عليه الصلاة والسلام في تلك السنةِ من فتحِ خيبرَ وهو المرويُّ عن مجاهدٍ وقيل هو صلحُ الحديبيةِ فإنَّه وإن لم يكُن فيه حِرابٌ شديدٌ بل ترامٍ بين الفريقينِ بسهامٍ وحجارةٍ لكن لما كان الظهورُ للمسلمين حيثُ سألهم المشركون الصُّلحَ كان فتحاً بلا ريبَ ورُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما رَمَوا المشركين حتى أدخلُوهم ديارهم وعن الكلى ظهرُواً عليهم حتى سألُوا الصُّلحَ وقد رُويَ أنه عليه الصلاةُ والسلامُ حين
(8/103)

4 {
بلغه أنَّ رجلاً قال ما هذابفتح لقد صُدِدْنا عن البيت وصُدّ هدْيُنا قال بل هو أعظمُ الفتوحِ وقد رضي المشركون أنْ يدفعوكم بالراحِ ويسألوكم القَضيّةَ ويرغبُوا إليكم في الأمانِ وقد رأوا منكم ما يكرهون وعن الشعبيِّ نزلتْ بالحديبيةِ وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ في غزوةٍ حيثُ أصاب أن بويعَ بَيعةَ الرضوانِ وغُفرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخرَ وبلغ الهديُ محِلَّه وأُطعِموا نخلَ خيبرَ وظهرتِ الرُّوم على فارسَ ففرحَ به المسلمون وكان في فتح الحديبيةِ آيةٌ عظييمة هي أنه نُزح ماؤها حتى لم يبق فيها قطرةٌ فتمضمضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم مجَّه فيها فدرَّتْ بالماءِ حتى شربَ جميعُ من كان معه وشِبعَ وقيل فجاش الماءُ حتى امتلأتْ ولم ينفدْ ماؤها بعدُ وقيل هو جميعُ ما فتحَ له عليه الصلاةُ والسلامُ من الفتوحِ وقيل هو ما فتح الله له عليه الصلاةُ والسلامُ من الإسلامِ والنبوةِ والدعوةِ بالحجةِ والسيفِ ولا فتحَ أبينُ منه وأعظمُ وهو رأسُ الفتوحِ كافةً إذ لا فتحَ من فتوحِ الإسلامِ إلا وهو شعبة من شعبةٌ وفرعٌ من فروعِه وقيل الفتحُ بمعنى القضاءِ ومنه انفتاحة للحكومةِ والمعنى قضينا لك على أهلِ مكةَ أنْ تدخلَها من قابلٍ وهو المروى عن قتادة رضى الله عنه وأيَّا ما كانَ فحذفُ المفعولِ للقصدِ إلى نفسِ الفعلِ والإيذانِ بأن مناطَ التبشيرِ نفسُ الفتحِ الصادرِ عنه سبحانَهُ لا خصوصيةُ المفتوحِ {فَتْحاً مُّبِيناً} بيناً ظاهرَ الأمرِ مكشوفَ الحالِ أو فارقاً بين الحقِّ والباطلِ وقولُه تعالى
(8/104)

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)
{لّيَغْفِرَ لَكَ الله} غايةٌ للفتحِ منْ حيثُ إنَّه مترتبٌ على سعيهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في إعلاءِ كلمةِ الله تعالى بمكابدةِ مشاقِّ الحروبِ واقتحامِ مواردِ الخطوبِ والالتفاتُ إلى اسم الذاتِ المستتبعِ لجميعِ الصفاتِ للإشعار بأنَّ كلَّ واحدٍ ممَّا انتظم في سلك الغايةِ من أفعالِه تعالى صادرٌ عنه تعالى من حيثيةٍ غيرِ حيثيةِ الآخرِ مترتبةٍ على صفةٍ من صفاته تعلى {مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} أي جميعَ ما فرَطَ منكَ من تركِ الأَوْلى وتسميتُه ذنباً بالنظرِ إلى منصبه الجليلِ {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بإعلاءِ الدِّين وضمِّ الملكِ إلى النبوةِ وغيرهما مما أفاضَه عليه من النِّعم الدِّينيةِ والدُّنيويةِ {وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً} في تبليغِ الرسالةِ وإقامةِ مراسمِ الرياسةِ وأصلُ الاستقامةِ وإن كانتْ حاصلةً قبلَ الفتحِ لكنْ حصلَ بعد ذلكَ من اتِّضاحِ سبلِ الحق واستقامة مناهجه مالم يكُنْ حاصلاً قبلُ
(8/104)

وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)
{وَيَنصُرَكَ الله} إظهارُ الاسمِ الجليلِ لكونِه خاتمةَ الغاياتِ ولإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأنِ النصرِ كما يعربُ عنه تأكيدُه بقولِه تعالى {نَصْراً عَزِيزاً} أي نصراً فيه عزة ومنعة أو قوياً منيعاً على وصفِ المصدرِ بوصفِ صاحبِه مجازاً للمبالغةِ أو عزيزاً صاحبُه
(8/104)

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)
{هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة}
(8/104)

6 5
بيانٌ لما أفاضَ عليهم من مبادىء الفتحِ من الثباتِ والطُّمأنينةِ أي أنزلَها {فِى قُلُوبِ المؤمنين} بسبب الصلحِ والأمنِ إظهاراً لفضلِه تعالى عليهم بتيسيرِ الأمنِ بعد الخوفِ {لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم} أي يقيناً مُنضماً إلى يقينِهم أو أنزل فيها السكونَ إلى ما جاءَ به عليه والصلاة والسلامُ من الشرائعِ ليزدادُوا إيماناً بها مقروناً مع إيمانِهم بالوحدانيةِ واليومِ الآخرِ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ أولَ ما أتاهُم به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلم التوحيدُ ثم الصلاةُ والزكاةُ ثم الحجُّ والجهادُ فازدادُوا إيماناً معَ إيمانِهم أو أنزلَ فيها الوقارَ والعظمةَ لله تعالى ولرسولِه ليزدادوا باعتقادِ ذلك إيماناً إلى إيمانهم {ولله جنود السماوات والأرض} يدبرُ أمَرها كيفما يريدُ يسلطُ بعضَها على بعضٍ تارةً ويوقعُ بينهما السلمَ أخرى حسبَما تقتضيهِ مشيئتُه المبنيةُ على الحكم والمصاح {وَكَانَ الله عَلِيماً} مُبالغاً في العلمِ بجميعِ الأمورِ {حَكِيماً} في تقديرِه وتدبيرِه وقولُه تعالى
(8/105)

لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5)
{لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا} متعلقٌ بما يدلُّ عليهِ ما ذُكر من كونِ جنودِ السمواتِ والأرضِ لهُ تعالى من مَعْنى التصرفِ والتدبيرِ أي دبرَ ما دبرَ من تسليطِ المؤمنينَ ليعرفُوا نعمةَ الله في ذلكَ ويشكرُوها فيدخلَهم الجنةَ {وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم} أي يُغطيها ولا يُظهرها وتقديمُ الإدخالِ في الذكرِ على التكفيرِ مع أن الترتيبَ في الوجودِ على العكسِ للمسارعةِ إلى بيانِ ما هو المطلبُ الأَعْلى {وَكَانَ ذلك} أي ما ذُكِرَ من الإدخالِ والتكفيرِ {عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً} لا يُقادرُ قدره لأنَّه مُنتهى ما يمتدُّ إليه أعناقُ الهممِ من جلبِ نفعٍ ودفعِ ضُرَ وعندَ الله حالٌ منْ فَوزاً لأنَّه صفتُه في الأصلِ فلمَّا قدمَ عليهِ صارَ حالاً أي كائناً عَندَ الله أي في علمِه تعالى وقضائِه والجملةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله
(8/105)

وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)
{وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} عطفٌ على يُدخل وفي تقديمِ المنافقينَ على المشركين مالا يَخفْى من الدلالةِ على أنَّهم أحقُّ منُهم بالعذابِ {الظانين بالله ظَنَّ السوء} أي ظنَّ الأمرِ السوءِ وهو أنْ لا ينصرَ رسولَه والمؤمنين {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء} أي ما يظنونَهُ ويتربصونَهُ بالمؤمنينَ فهو حائقٌ بهم ودائرٌ عليهم وقُرِىءَ دائرةُ السُّوء بالضمِّ وهُمَا لُغتانِ من ساءَ كالكُره والكَره خلا أنَّ المفتوحَ غلبَ في أنْ يضافَ إليهِ ما يُرادُ ذمُّه من كلِّ شيءٍ وأما المضمومُ فجارٍ مَجْرى الشرِّ {وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} عطفٌ على ما استحقُّوه في الآخرةِ على ما استوجبُوه في الدينا والواوُ في الأخيرينِ مع أنَّ حقَّهما الفاءُ المفيدةُ لسببيةِ ما قبلَها لما بعدَها للإيذانِ باستقلالِ كلَ منهُما في الوعيدِ وأصالتِه من غيرِ اعتبارِ استتباعِ بعضِها لبعضٍ {وَسَاءتْ مَصِيراً} أي جهنمُ
(8/105)

} 1 7
(8/106)

وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)
{ولله جنود السماوات والأرض وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً} إعادةٌ لما سبقَ قالُوا فائدتُها التنبيهُ على أنَّ لله تعالى جنودَ الرحمةِ وجنودَ العذابِ وأنَّ المرادَ ههنا جنودُ العذابِ كما يُنْبىء عنه التعرُّضُ لوصفِ العزةِ
(8/106)

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8)
{إِنَّا أرسلناك شَاهِداً} أيْ على أُمتكَ لقولِه تعالى وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا {وَمُبَشّراً} على الطاعةِ {وَنَذِيرًا} على المعصيةِ
(8/106)

لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)
{لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ} الخطابَ للنَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسلام ولأُمَّتهِ {وَتُعَزّرُوهُ} وتقوُّوه بتقويةِ دينِه ورسولِه {وَتُوَقّرُوهُ} وتُعظِّمُوه {وَتُسَبّحُوهُ} وتنزهوه أو تصلّوا له من السُّبحة {بُكْرَةً وَأَصِيلاً} غدوة وعشياً عن ابن عباس رضي الله عنهُمَا صلاةُ الفجرِ وصلاةُ الظهرِ وصلاةُ العصرِ وقُرىءَ الأفعالُ الأربعةُ بالياءِ التحتانيةِ وقُرِىءَ وتُعزِرُوه بضمِّ التاءِ وتخفيفِ الزَّاي المكسورةِ وقُرِىءَ بفتحِ التَّاءِ وضمِّ الزَّاي وكسرِها وتُعززوه بزاءينِ وتُوقِروه منْ أوقَرهُ بمعنى وَقَّره
(8/106)

إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)
{إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ} أيْ على قتالِ قُريشٍ تحتَ الشجرةِ وقولُه تعالى {إِنَّمَا يبايعون الله} خبران يعني أنَّ مبايعتَكَ هي مبايعةُ الله عزَّ وجلَّ لأنَّ المقصودَ توثيقُ العهدِ بمراعاةِ أوامِره ونواهِيه وقولُه تعالى {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} حال أو استئناف مؤكدله على طريقةِ التخييلِ والمَعْنى أنَّ عقدَ الميثاقِ مَعِ الرسولِ كعقدِه مع الله تعالى من غيرِ تفاوتٍ بينَهما كقولِه تعالى مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله وقُرِىءَ إنَّما يُبايعونَ الله أي لأجلِه ولوجهِه {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ} أي فمنَ نقضَ عهدَهُ فإنَّما يعودُ ضررُ نكثِه على نفسِه وقُرِىءَ بكسرِ الكافِ {وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عَلَيْهِ الله} بضمِّ الهاءِ فإنَّه أبقَى بعد حذفِ الواوِ توسلاً بذلك الى تفخيم لامن الجلالةِ وقُرىءَ بكسرِها أيْ ومَنْ وفَّى بعهدِه {فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} هُو الجنةُ وقُرِىءَ بما عَهد وقُرِىءَ فسنؤتيِه بنونِ العظمةِ
(8/106)

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)
{سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب} هم أعرابُ غِفارِ ومُزينةَ وجُهينةَ وأشجعَ وأسلمَ والدِّيلِ تخلفُوا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حينَ استنفرَ من
(8/106)

} {
حولَ المدينةِ من الأعرابِ وأهلِ البوادِي ليخرجُوا معه عند إرادتِه المسيرَ إلى مكةَ عامَ الحديبيةِ معُتمراً حذراً من قريشٍ أنْ يتعرضُوا له بحربٍ أو يصدُّوه عن البيتِ وأحرمَ عليه الصلاةُ والسلامُ وساقَ معه الهديَ ليعلم أنَّه لا يريدُ الحربَ وتثاقلُوا عن الخروجِ وقالُوا نذهبُ إلى قومٍ قد غزَوه في عقرِ دارِه بالمدينةِ وقتلوا أصحابه فنقاتلهم فأَوْحَى الله تعالى إليه عليهِ الصلاةُ والسلامُ بأنَّهم سيعتلونَ ويقولونَ {شَغَلَتْنَا أموالنا وَأَهْلُونَا} ولم يكُن لنا مَنْ يخلفنَا فيهم ويقومُ بمصالحِهم ويحميهمِ من الضياعِ وقُرِىءَ شَغَّلتنَا بالتشديدِ للتكثيرِ {فاستغفر لَنَا} الله تعالى ليغفرَ لنَا تخلفنَا عنْكَ حيثُ لم يكن ذلكَ باختيارٍ بلْ عنِ اضطرارٍ {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} بدلٌ من سيقولُ أو استئنافٌ لتكذيبِهم في الاعتذارِ والاستغفارِ {قُلْ} رَدَّاً لهم عندَ اعتذارِهم إليكَ بأباطيلِهم {فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئاً} أي فَمنْ يقدر لأجلكم من مشيئته الله تعالى وقضائِه على شيءٍ من النفعِ {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً} أيْ مَا يُضرُّكم من هلاكِ الأهلِ والمالِ وضياعِهما حتَّى تتخلفُوا عنِ الخروجِ لحفظِهما ودفعِ الضررِ عنهُما وقُرىءَ ضُراً بالضمِّ {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} أيْ ومَنْ يَقْدِرُ على شَىْء من الضررِ إنْ أرادَ بكُم ما يُنفعكُم من حفظِ أموالِكم وأهليكِم فأيُّ حاجةٍ إلى التخلفِ لأجلِ القيامِ بحفظِهما وهذا تحقيقٌ للحقِّ ورَدٌّ لهم بموجبِ ظاهرِ مقالتِهم الكاذبةِ وتعميمُ الضرِّ والنفعِ لما يُتوقع على تقديرِ الخروجِ من القتلِ والهزيمةِ والظفرِ والغنيمةِ يردُّه قوله تعلى {بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فإنه إضرابٌ عمَّا قالُوا وبيانٌ لكذبِه بعدَ بيانِ فسادِه عَلى تقديرِ صدقهِ أي ليسَ الأمرُ كَما تقولونَ بلْ كانَ الله خبيراً بجميعِ ما تَعْمَلُونَ منَ الأعمالِ التي من جُملتها تخلفُكم وما هُو من مباديِه وقولُه تعالى
(8/107)

بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12)
{بَلْ ظَنَنْتُمْ} الخ بدلٌ من كان الخ مفسرٌ لما فيه من الإبهامِ أي بل ظننتُم {أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} بأن يستأصلَهم المشركون بالمرةِ فخشِيتم إنْ كنتُم معهم أن يصيبكم مااصابهم فلأجلِ ذلك تخلفتُم لا لما ذكرتُم من المعاذير الباطلةِ والأهلونَ جمعُ أهلٍ وقد يُجمع على أهلاتٍ كأرضات على تقديره تاءِ التأنيثِ وأمَّا الأهالي فاسمُ جمعٍ كالليالي وقُرِىءَ إلى أهلِهم {وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ} وقبِلتموه واشتغلتُم بشأنِ أنفسِكم غيرَ مُبالينَ بهم وقُرىءَ زَيَّنَ على البناءِ للفاعلِ بإسنادِه إلى الله سبحانَهُ أو إلى الشيطانِ {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء} المرادُ به إما الظنُّ الأولُ والتكريرُ لتشديدِ التوبيخِ والتسجيلِ عليه بالسوءِ أو ما يعمُّه وغيرَهُ من الظنونِ الفاسدةِ التي من جُمْلتها الظنُّ بعدمِ صحةِ رسالتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنَّ الجازمَ بصحتِها لا يحوم حول فكره ما ذُكِرَ من الاستئصال {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي هالكينَ عند الله مستوجبينَ لسخطِه وعقابِه على أنه جمعُ بائرٍ كعائذٍ وعوذٍ أو فاسدينَ في أنفسِكم وقلوبِكم ونياتكم لاخير فيكُم وقيلَ البُور من بار كالهلك من ملك بناء ومعنى لذلك وصفَ به الواحدُ والجمعُ المذكر والمؤنثُ
(8/107)

} 5 1 {
(8/108)

وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13)
{وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ} كلامٌ مبتدأٌ من جهتِه تعالى غيرُ داخلٍ في الكلامِ الملقنِ مقررٌ لبوارهم ومبينٌ لكيفيتِه أي ومَنْ لم يؤمنْ بهما كدأبِ هؤلاءِ المخلفينَ {فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سَعِيراً} أي لَهم وإنما وُضع موضعَ الضميرِ الكافرونَ إيذاناً بأنَّ منْ لم يجمعْ بينَ الإيمانِ بالله وبرسولِه فهو كافرٌ وأنه مستوجبٌ للسعيرِ بكفرِه وتنكيرُ سعيراً للتهويلِ أو لأنَّها نارٌ مخصوصةٌ
(8/108)

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14)
{ولله ملك السماوات والأرض} وما فيهما يتصرف في الكلِّ كيفَ يشاءُ {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء} أنْ يغفرَ له {وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء} أنْ يعذَبهُ من غيرِ دخلٍ لأحدٍ في شيءٍ منهُمَا وجُوداً وعدماً وفيه حسمٌ لأطماعِهم الفارغةِ في استغفارِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لهم {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} مُبالغاً في المغفرةِ والرحمةِ لمن يشاءُ ولا يشاءُ إلا لمن تقتضِي الحكمةُ مغفرتَهُ ممن يؤمنُ به وبرسولِه وأما من عداهُ من الكافرينَ فهمُ بمعزلٍ من ذلك قطعاً
(8/108)

سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)
{سَيَقُولُ المخلفون} أي المذكورونَ وقوله تعالى {إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} ظرفٌ لما قبله لا شرطٌ لما بعدَهُ أي سيقولونَ عند انطلاقِكم إلى مغانمِ خيبرَ لتحوزُوها حسبما وعدكُم إيَّاها وخصَّكم بها عوضاً مما فاتكُم من غنائمِ مكةَ {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} إلى خيبرَ ونشهدْ معكم قتالَ أهلها {يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله} بأنْ يشاركُوا في الغنائمِ التي خصَّها بأهلِ الحديبيةِ فإنه عليه الصلاةُ والسلامُ رجعَ من الحديبيةِ في ذي الحجةِ من سنة ستَ وأقام بالمدينةِ بقيتها وأوائلَ المحرمِ من سنة سبعٍ ثم غزا خيبرَ بمن شهدَ الحديبيةَ ففتحَها وغنم أموالاً كثيرةً فخصَّها بهم حسبما أمره الله عزَّ وجلَّ وقُرىء كلمَ الله وهو جمع كلمة وأياما كانَ فالمرادُ ما ذُكِرَ من وعدِه تعالى غنائمَ خيبرَ لأهلِ الحديبيةِ خاصَّة لا قولُه تعالى لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا فإنَّ ذلكَ في غزوةِ تبوكَ {قُلْ} إقناطاً لهم {لَّن تَتَّبِعُونَا} أي لا تتبعونا فإنه نفي مَعْنى النهي للمبالغةِ {كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ} أي عندَ الانصرافِ من الحديبيةِ {فَسَيَقُولُونَ} للمؤمنين عند سماعِ هَذا النهي {بَلْ تَحْسُدُونَنَا} أي ليسَ ذلكَ النهيُ حكمَ الله بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنائمِ وقرىء تحسدوننا بكسر السين وقوله تعالى {بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ} أي لا يفهون {إِلاَّ قَلِيلاً} إلا فهماً قليلا وهم فطنتهم لأمرور الدينا ردٌّ لقولِهم الباطلِ ووصفٌ لهم بما هُو أعظمُ من الحسدِ وأَطمُّ من الجهلِ
(8/108)

} 8 16
المفرطِ وسوءِ الفهمِ في أمورِ الدينِ
(8/109)

قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16)
{قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب} كررَ ذكرَهُم بهذا العنوانِ مبالغةً في ذمِّهم {سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} هم بنُو حنيفةَ قومُ مسيلِمَةَ الكذابِ أو غيرُهم ممن ارتدُّوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المشركونَ لقولِه تعالى {تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ} أي يكونُ أحدُ الأمرينِ إما المقاتلةُ أبداً أو الإسلامُ لا غيرُ كما يُفصحُ عنه قراءةُ أو يسلمُوا وأمامن عداهُم فينتهي قتالَهم بالجزيةِ كما ينتهِي بالإسلامِ وفيه دليلٌ على إمامةِ أبي بكرٍ رضيَ الله عنْهُ إذ لم تتفقْ هذه الدعوةُ لغيرِه إلا إذا صحَّ أنهم ثقيف وهوازن فإنَّ ذلك كان في عهدِ النبوةِ فيخصَّ دوامُ نفي الاتباعِ بَما في غزوةِ خيبرَ كما قالَهُ محيى السنةِ وقيلَ هم فارسُ والرومُ ومعنى يُسلمون ينقادونَ فإنَّ الرومَ نَصَارى وفارسَ مجوسٌ يُقبل منهم الجزيةُ {فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً} هو الغنيمةُ في الدنيا والجنةُ في الآخرةِ {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ} عن الدعوةِ {كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ} في الحديبيةِ {يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} لتضاعفِ جُرمكم
(8/109)

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17)
{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} أي في التخلفِ عنِ الغزوِ لِما بِهمْ من العذر والعاهة فإن التكلف يدورُ على الاستطاعةِ وفى نفي الحرجِ عن كلِّ من الطوائفِ المعدودةِ مزيدُ اعتناءٍ بأمرِهم وتوسيعٌ لدائرةِ الرُّخصةِ {وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ} فيما ذُكِرَ من الأوامر النواهى {يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار} وقُرِىءَ نُدْخِلْهُ بنون العظمة {وَمَن يَتَوَلَّ} أي عن الطاعةِ {يُعَذّبْهُ} وقرىء بالنونِ {عذابا أليما} لا يقدر قدرُهُ
(8/109)

لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)
{لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين} هم الذينَ ذُكِرَ شأنُ مبايعتِهم وبهذهِ الآيةِ سُميتْ بَيعةَ الرضوانِ وقولُه تعالى {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة} منصوب برضى وضيغة المضارعِ لاستحضارِ صورتِها وتحتَ الشجرِة متعلقٌ به أو بمحذوف هو حال من مفعولِه رُويَ أنَّه عليه الصلاةُ والسَّلامُ لما نزلَ الحديبية بعثَ خراشَ بنَ أمية الخزاعى رسولا االى أهلِ مكةَ فهمُّوا بهِ فمنَعُه الأحابيشُ فرجعَ فبعثَ عثمانَ بنَ عفانَ رضيَ الله عنه فأخبرَهُم أنَّه عليه الصلاةُ والسلام لم يأتِ لحربٍ وإنما جاء زائراً لهذا البيتِ مَعظماً لحرمتِه فوقّرُوه وقالُوا إنْ شئتَ أنْ تطوفَ بالبيتِ فافعلْ فقالَ ما كنتُ لأطوفَ قبلَ أنْ يطوفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسَ عندهُم فأُرْجِفَ بأنَّهم قتلُوه فقالَ عليه الصلاةُ والسلامُ لا نبرحُ حتى نناجزَ القومَ ودعا الناسَ إلى البيعةِ فبايعُوه تحتَ الشجرةِ وكانتْ
(8/109)

} 9 2 {
سَمُرةً وقيلَ سِدرةً على أن يقاتِلُوا قريشاً ولا يفرُّوا ورُويَ على الموتِ دونَهُ وأنْ لا يفرُّوا فقالَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنتمُ اليومَ خيرُ أهلِ الأرضِ وكانُوا ألفاً وخمسَمائةٍ وخمسةً وعشرينَ وقيلَ ألفاً وأربعمائةِ وقيلَ ألفاً وثلثَمائةِ وقولُه تعالى {فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ} عطفٌ على يُبايعونك لما عرفتَ من أنَّه بمعنى بايعوك لاعلى رضيَ فإن رضاهُ تعالى عنهم مترتبٌ على علمِه تعالى بِمَا فِي قُلُوبِهِم من الصدقِ والإخلاصِ عند مبايعتهم له صلى الله عليه وسلم وقولُه تعالَى {فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ} عطفٌ على رضيَ أي فأنزلَ عليهم الطُّمأنينةَ والأمنَ وسكونَ النفسِ بالربطِ على قلوبِهم وقيلَ بالصلحِ {وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً} هو فتح خيبر عقب انصرافهم من الحديبية كما مرَّ تفصيلُه وقُرِىءَ وآتاهُم
(8/110)

وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19)
{وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} أي مغانمَ خيبرَ والالتفاتُ إلى الخطابِ على قراءةِ الأعمشِ وطلحةَ ونافعٍ لتشريفِهم في مقامِ الامتنانِ {وَكَانَ الله عَزِيزاً} غالباً {حَكِيماً} مراعياً لمقتضَى الحكمةِ في أحكامِه وقضاياهُ
(8/110)

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20)
{وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً} هي ما يُفيؤُه على المؤمنينَ إلى يومِ القيامةِ {تَأْخُذُونَهَا} في أوقاتِها المقدرةِ لكلِّ واحدةٍ منها {فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه} أي غنائمَ خيبرَ {وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ} أي أيدِي أهلِ خيبرَ وحلفائِهم من بني أسدٍ وغطفانَ حيثُ جاءُوا لنُصرتِهم فقذفَ الله في قلوبِهم الرعبَ فنكصُوا وقيلَ أيدِيَ أهلِ مكةَ بالصلحِ {ولتكون آية لّلْمُؤْمِنِينَ} أمارةً يعرِفونَ بها صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدِه إيَّاهُم عندَ رجوعِه من الحديبيةِ ما ذُكِرَ من المغانمِ وفتحِ مكةَ ودخولِ المسجدِ الحرامِ واللامُ متعلقةٌ إمَّا بمحذوفٍ مؤخرٍ أي ولتكونَ آيةً لهم فعلَ ما فعلَ من التعجيلِ والكفِّ أو بَما تعلَّق به علةٌ أخرى محذوفةٌ من أحدِ الفعلينِ أي فعجل لكم هذه أو كفَّ أيديَ الناسِ لتغتنمُوها ولتكونَ الخ فالواوُ على الأولِ اعتراضيةٌ وعلى الثانية عاطفةٌ {وَيَهْدِيَكُمْ} بتلك الآيةِ {صراطا مُّسْتَقِيماً} هو الثقةُ بفضلِ الله تعالى والتوكل عليه في كل ما تأتون وما تذرون
(8/110)

وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21)
{وأخرى} عطف على هذه أي فعجل لكم هذه المغانمَ ومغانمَ أُخرى {لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا} وهي مغانمُ هوازنَ في غزوةِ حُنينٍ ووصفُها بعدمِ القدرةِ عليها لما كانَ فيها من الجولةِ قبل ذلكَ لزيادةِ ترغيبِهم فيها وقولُه تعالى {قَدْ أحاط الله بها} صفةٌ أُخرى لأُخرى مفيدةٌ لسهولةِ تأتِّيها بالنسبةِ إلى قُدرتِه تعالى بعد بيانِ صعوبةِ منالها بالنظرِ إلى قدرتهم أى قد قدَر الله عليها واستولَى وأظهركُم عليها وقيل حفظَها لكُم ومنعها من غيرِكم هذا وقد قيلَ إنَّ أُخرى منصوبٌ بمضمرٍ يُفسرِه قد أحاط الله بها أي وقضى الله أُخرى ولا ريب في أن الإخبارَ بقضاءِ الله إيَّاها بعد اندراجِها في جُملةِ المغانمِ الموعودةِ بقولِه تعالى وعدكم مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ليس فيه مزيدُ فائدةٍ وإنما الفائدةُ
(8/110)

} 2 25
في بيانِ تعجيلِها {وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً} لأن قدرتَهُ تعالى ذاتية لا تختص بشئ دون شئ
(8/111)

وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22)
{وَلَوْ قاتلكم الذين كَفَرُواْ} أي أهلُ مكةَ ولم يُصالِحوكُم وقيلَ حلفاءُ خيبرَ {لَوَلَّوُاْ الأدبار} مُنهزمينَ {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً} يحرسُهم {وَلاَ نَصِيراً} ينصرُهم
(8/111)

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23)
{سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} أي سنَّ الله غلبةَ أنبيائِه سنةً قديمةً فيمَنْ مَضَى منَ الأممِ {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً} أي تغييراً
(8/111)

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24)
{وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ} أى أيدى سفار مكةَ {عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ} أي في داخلِها {مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} وذلكَ أنَّ عكرمةَ بنَ أبي جهلٍ خرج فى خمسمائة إلى الحديبيةِ فبعثَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالدَ بنَ الوليدِ على جندٍ فهزَمَهُم حتى أدخلَهُم حيطانَ مكةَ ثم عادَ وقيلَ كانَ يومَ الفتحِ وبه استشهدَ أبو حنيفةَ على أنَّ مكةَ فتحتْ عنوةً لا صُلحاً {وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ} من مقاتَلتهم وهزمِهم أولاً والكفِّ عنهم ثانياً لتعظيمِ بيتِه الحرام وقرئ بالياءِ {بَصِيراً} فيجازيكُم بذلكَ أو يجازِيهم
(8/111)

هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25)
{هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى} بالنصبِ عطفاً على الضميرِ المنصوب فى صدوركم وقرئ بالجرِّ عطفاً على المسجدِ بحذفِ المضافِ أي ونحرِ الهدى وبالرفع على وصُدَّ الهَدْيُ وقولُه تعالَى {مَعْكُوفاً} حالٌ من الهَدْي أي محبوساً وقولُه تعالَى {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} بدلُ اشتمالٍ من الهَدْي أو منصوبٌ بنزعِ الخافضِ أي محبوساً من أنْ يبلغَ مكانَهُ الذي يحلُّ فيهِ نحرُه وبه استدلَّ أبُو حنيفة رحمه الله تعالى على أنَّ المُحَصَر مَحِلُّ هديهِ الحرمُ قالُوا بعضُ الحديبيةِ منَ الحرمِ ورَويَ أن خيامه صلى الله عليه وسلم كانت في الحلِّ ومصلاَّهُ في الحرمِ وهناكَ نحرتْ هداياه صلى الله عليه وسلم والمرادُ صدُّها عن محلَّها المعهودِ الذي هُو مِنىً {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} لم تعرفُوهم بأعيانِهم لاختلاطِهم وهو صفةٌ لرجالٌ ونساءٌ وقولُه تعالى {أن تطؤوهم} أي تُوقعوا بهم وتُهلِكوهُم بدلُ اشتمالٍ منهُم أو من الضميرِ المنصوبِ في تعلمُوهم {فَتُصِيبَكمْ مِنْهُمْ} أي من جهتِهم {مَّعَرَّةٌ} أي مشقةٌ ومكروهٌ كوجوبِ الديةِ أو الكفارةِ بقتلِهم والتأسفِ عليهم وتعييرِ الكفارِ وسوءِ قالتِهم والإثمِ بالتقصيرِ في البحثِ عنهم وهي مَفْعَلةٌ من عَرَّهْ إذا عَرَاهُ ودَهَاهُ ما يكرهُهُ {بِغَيْرِ عِلْمٍ} متعلقٌ بأنْ تطؤهم أي غيرَ عالمينَ بهم وجوابُ لَولا
(8/111)

} 6 محذوفٌ لدلالةِ الكلامِ عليهِ والمَعْنى لولا كراهةُ أن تُهلكُوا ناساً مؤمنينَ بين الكافرين غير عالمينَ بهم فيصيبَكُم بذلكَ مكروه لما كف أيدييكم عنْهم وقوله تعالى {لّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ} متعلقٌ بما يدلُّ عليهِ الجوابُ المحذوفُ كأنَّه قيل عَقِيبَهُ لكن كفَّها عنهُم ليُدخلَ بذلك الكفِّ المؤدِّي إلى الفتحِ بلا محذورٍ في رحمتِه الواسعةِ بقسميَها {مَن يَشَآء} وهم المؤمنونَ فإنَّهم كانوا خارجين من الرحمةِ الدنيويةِ التي منْ جُمْلتِها الأمنُ مستضعفينَ تحت أيدِي الكفرةِ وأما الرحمةُ الأخرويةُ فهم وإن كانُوا غيرَ محرومينَ منها بالمرةِ لكنهم كانُوا قاصرينَ في إقامةِ مراسمِ العبادةِ كما ينبغي فتوفيقُهم لإقامتِها على الوجهِ الأتمِّ إدخالٌ لهم في الرحمةِ الأخرويةِ وقد جوز أن يكون من يشاءُ عبارةً عمنْ رغبَ في الإسلامِ من المشركينَ ويأباهُ قولُه تعالَى {لَوْ تَزَيَّلُواْ} الخ فإن فرض التزيل وترتيبَ التعذيبِ عليه يقتضي تحقق الباينة بين الفريقينِ بالإيمانِ والكفرِ قبلَ التزيلِ حتماً أي لو تفرقُوا وتميَّز بعضُهم من بعضٍ وقُرىءَ لو تزايلُوا {لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} بقتلِ مقاتلتهم وسبى ذرايهم والجملةُ مستأنَفة مقرِّرةٌ لما قبلَها
(8/112)

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
{إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ} منصوبٌ باذكُرْ على المفعوليةِ أو بعذابنا على الظرفيةِ وقيلَ بمضمرٍ هو أحسنَ الله إليكم وأياً ما كان فوضعُ الموصول موضع ضميرهم لذمهم بما في حيز الصلة وتعليلِ الحكمِ بهِ والجعلُ إمَّا بمعنى الإلقاءِ فقولُه تعالى {فِى قُلُوبِهِمْ الحمية} أي الأنفةَ والتكبرَ متعلقٌ بهِ أو بمعنى التصييرِ فهوُ متعلِّق بمحذوفٍ هو مفعولٌ ثانٍ له أي جعلُوها ثابتةً راسخةً في قلوبِهم {حَمِيَّةَ الجاهلية} بدلٌ من الحميةَ أي حميةٍ الملَّةِ الجاهليةِ أو الحميةَ الناشئةَ من الجاهليةِ وقولُه تعالَى {فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين} على الأولِ عطفٌ على جعلَ والمرادُ تذكيرُ حسنِ صنيع الرسول صلى الله عله وسلم والمؤمنينَ بتوفيقِ الله تعالَى وسوءِ صنيعِ الكفرةِ وعلى الثَّانِي على ما يدلُّ عليهِ الجملةُ الامتناعيةُ كأنَّه قيلَ لم يتزيّلوا فلمْ نعذبْ فأنزلَ إلخ وعلى الثالثِ على المضمرِ تفسيرٌ له والسكينةُ الثباتُ والوقارُ يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلَ الحديبية بعثَ قريشٌ سهيلَ بْنَ عمروٍ القُرشيَّ وحُويطبَ بنَ عبدِ العزى ومكرز ابن حفص بن الأحنف عل أنْ يعرضُوا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يرجعَ من عامهِ ذلكَ عَلى أنْ تخليَ له قريشٌ مكةَ من العامِ القابلِ ثلاثةَ أيامٍ ففعلَ ذلكَ وكتبُوا بينهم كتاباً فقالَ عليه الصلاةُ والسلام لعلي رضي الله عنْهُ اكتبْ بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ فقالُوا ما نعرفُ ما هَذَا اكتبْ باسمِك اللَّهم ثم قالَ اكتب هذا ما صالح عليه رسولُ الله أهلَ مكةَ فقالُوا لو كُنَّا نعلمُ أنَّك رسولُ الله ما صددناكَ عن البيتِ وما قاتلناكَ اكتُبْ هَذا ما صالحَ عليه محمدُ بن عبدِ اللَّهِ أهلَ مكة فقال صلى الله عليه وسلم اكتُبْ ما يُريدونَ فهمَّ المؤمنونَ أن يأْبَوا ذلكَ ويبطشُوا بهم فأنزلَ الله السكينةَ عليهم فتوقَّروا وحَلِمُوا {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى} أي كلمةَ الشهادةِ أو بسْم الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ أو محمد رسول الله وقيل كلمةُ التَّقوى هي الوفاءُ بالعهدِ والثباتُ عليهِ وإضافتُها إلى التَّقوى لأنَّها سببُ التَّقوى وأساسُها أو كلمةُ أهلِها {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا}
(8/112)

متصفينَ بمزيدِ استحقاقٍ لَها على أن صيغة التفضيل للزيادة مُطلقاً وقيلَ أحقُّ بَها منَ الكُفارِ {وَأَهْلُهَا} أي المستأهلَ لها {وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً} فيعلم حقَّ كلِّ شيءٍ فيسوقه إلى مستحقِّهِ
(8/113)

لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)
{لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا} رَأَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قبلَ خروجِه إلى الحُديبيةِ كأنَّه وأصحابَهُ قد دخلُوا مكةَ آمنينَ وقد حلقُوا رؤسهم وقصَّروا فقصَّ الرؤيا على أصحابهِ ففرحوا واستبشرُوا وحسبُوا أنَّهم داخلُوها في عامِهم فلمَّا تأخرَ ذلكَ قال عبدُ اللَّه بنُ أبي وعبدُ اللَّهِ بن نُفيلٍ ورفاعة بن الحرث والله ما حلقنَا ولا قصَّرنَا ولا رأينا المسجد الحرامَ فنزلتْ أي صدَقه صلى الله عليه وسلم في رُؤياهُ كَما في قولِهم صَدَقني سِنُّ بَكْرِهِ وتحقيقُه أراهُ الرؤيا الصادقةَ وقوله تعالى {بالحق} إما صفةٌ لمصدرٍ مؤكدٍ محذوفٍ أي صدقاً ملتبساً بالحقِّ أى بالغرض الصحيح والحمكة البالغة اليت هيَ التمييزُ بين الراسخِ في الإيمانِ والمتزلزلِ فيه أو حالٌ من الرُّؤيا أي ملتبسةً بالحقِّ ليستْ من قبيلِ أضغاثِ الأحلامِ وقد جوز أن يكون قسماً بالحقِّ الذي هُو من أسماءِ الله تعالى أو بنقيضِ الباطلِ وقولُه تعالَى {لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام} جوابُه وهو عَلى الأولينِ جوابُ قسمٍ محذوفٍ أيْ والله لتدخلنَّ إلخ وقولُه تعالَى {إِنَّ شَاء الله} تعليقٌ للعِدَة بالمشيئةِ لتعليمِ العباد أو للإشعارِ بأنَّ بعضَهُم لا يدخلونَهُ لموتٍ أو غَيبةٍ أو غيرِ ذلكَ أو هيَ حكايةٌ لما قالَهُ ملكُ الرُّؤيا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أول لما قالَه عليه الصَّلاةُ والسلام لأصحابه {آمنين} حالٌ من فاعلِ لتدخُلنَّ والشرطُ معترضٌ وكذا قولُه تعالى {محلقين رؤوسكم وَمُقَصّرِينَ} أي مُحلِّقاً بعضُكم ومُقصِّراً آخرونَ وقيلَ مُحلِّقينَ حالٌ منْ ضميرِ آمنينَ فتكون متداخلةً {لاَ تخافون} حالٌ مؤكدةٌ من فاعلِ لتدخلن أو آمنن أو محلِّقينَ أو مقصِّرينَ أو استئنافٌ أيْ لا تخافونَ بعدَ ذلكَ {فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ} عطفٌ على صدقَ والمرادُ بعلمِه تعالى العلم الفعلى المتعلق بأمرٍ حادثٍ بعد المعطوفِ عليه أي فعلمَ عَقيبَ ما أراهُ الرؤيا الصادقةَ مالم تعلمُوا منَ الحكمةِ الداعيةِ إلى تقديمِ ما يشهدُ بالصدقِ علماً فعلياً {فَجَعَلَ} لأجلِه {مِن دُونِ ذَلِكَ} أي من دونِ تحققِ مصداق ما رآه من دخولِ المسجدِ الحرامِ إلخ {فَتْحاً قَرِيباً} وهُو فتحُ خيبرَ والمرادُ بجعلِه وعدُه وإنجازُه من غير تسويفٍ ليستدل به على صدقِ الرُّؤيا حسبمَا قالَ ولتكونَ آيةً للمؤمنينَ وأمَّا جعلُ ما في قولِه تعالى ما لم تعلمُوا عبارةً عن الحكمةِ في تأخيرِ فتحِ مكةَ إلى العامِ القابلِ كما جنحَ إليه الجمهورُ فتأباه الفاءُ فإن علمَه تعالَى بذلكَ متقدمٌ على إراءةِ الرؤيا قطعاً
(8/113)

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
{هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى} أي ملتبساً به أو بسببهِ ولأجلِه {وَدِينِ الحق} وبدينِ الإسلامِ {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ} ليعليه على جنسِ الدينِ بجميعِ أفرادِه التي هي الأديانُ المختلفةُ بنسخِ ما كان حقاً من بعضِ
(8/113)

} 9
الأحكامِ المتبدلةِ بتبدلِ الأعصارِ وإظهارِ بُطلانِ ما كانَ باطلاً أو بتسليطِ المسلمينَ على أهلِ سائرِ الأديانِ إذْ مَا من أهلِ دينٍ إلا وقَد قهرهُم المسلمونَ وفيه فضل تأكيد لما وعد من الفتح وتوطين لنفوس المؤمنين على أنه سبحانه سيفتحُ لهم من البلادِ ويتيحُ لهم من الغلبةِ على الأقاليمِ ما يستقلُّون إليه فتحَ مكةَ {وكفى بالله شَهِيداً} على أنَّ ما وعده كائنٌ لا محالةَ أو على نبوتِه عليه الصلاةُ والسلامُ بإظهارِ المعجزاتِ
(8/114)

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
{مُحَمَّدٌ} خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ وقولُه تعالى {رَسُولِ الله} بدلٌ أو بيانٌ أو نعتٌ أيْ ذلكَ الرسولُ المرسلُ بالهُدَى ودينِ الحقِّ محمد رسول الله وقيل محمدٌ مبتدأ رسولُ الله خبرُهُ والجملةُ مبينةٌ للمشهودِ بهِ وقولُه تعالَى {والذين مَعَهُ} مبتدأٌ خبرُهُ {أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} وأشداءُ جمعُ شديدٍ ورحماءُ جمع رحيمٍ والمعنى أنَّهم يُظهرونَ لمن خالفَ دينَهُم الشدةَ والصَّلابةَ ولمن وافقَهُم في الدِّينِ الرحمةَ والرأفةَ كقولِه تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين وقُرىءَ أشداءَ ورحماءَ بالنَّصبِ على المدحِ أو على الحالِ من المستكنِّ في معه لوقوعِه صلةً فالخبرُ حينئذٍ قولُه تعالى {تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً} أي تشاهدُهم حالَ كونِهم راكعينَ ساجدينَ لمواظبتِهم على الصَّلواتِ وهُو عَلى الأولِ خبرٌ آخرُ أو استئنافٌ وقولُه تعالَى {يَبْتَغُونَ فَضْلاً من الله وَرِضْوَاناً} أي ثواباً ورضاً إما خبرٌ آخرُ أو حالٌ من ضميرِ تراهُم أو من المستترِ في ركعا سجدا أو استئنافا مبني على سؤال نشأ من بيانِ مواظبتِهم على الركوعِ والسجودِ كأنَّه قيلَ ماذا يريدون بذلكَ فقيلَ يبتغُون فضلاً من الله إلخ {سيماهم} أى سمتهم وقرىء سيمياؤهم بالياءِ بعد الميمِ والمدِّ وهما لغتانِ وفيها لغةٌ ثالثةٌ هي السيماءُ بالمدِّ وهو مبتدأ خبره {فى وُجُوهِهِمْ} أيْ في جِبَاهِهم وقوله تعالى {مّنْ أَثَرِ السجود} حالٌ من المستكنِّ في الجارِّ أي من التأثيرِ الذي يُؤثره كثرةُ السجودِ وما رُوي عن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلم من قولُه عليهِ الصَّلاةُ والسلام لا تعبدوا صورَكم أي لا تَسِمُوها إنَّما هُو فيما إذا اعتمدَ بجبهته على الأرضِ ليحدثَ فيها تلكَ السمةَ وذلك محضُ رياءٍ ونفاقٍ والكلامُ فيما حدثَ في جبهةِ السَّجَّادِ الذي لا يسجدُ إلا خالصاً لوجهِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ كان الإمامُ زينُ العابدينَ وعليٌّ بن عبد الله بن العباس رضى عنهُمَا يقالُ لهما ذُو الثفناتِ لما أحدثتْ كثرةُ سجودِهما في مواقعهِ منهما أشباهَ ثفناتِ البعيرِ قالَ قائلُهم دِيارُ عَليَ والحُسينِ وجَعْفر وَحمزةَ والسَّجَّادِ ذِي الثَّفِنَاتِ وقيلَ صفرةُ الوجهِ من خشيةُ الله تعالى وقيلَ نَدى الطَّهورِ وترابُ الأرضِ وقيل استنارةُ وجوهِهم من طولِ ما صلَّوا بالليلِ قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من كثرُتْ صلاتُه بالليلِ حسُن وجهُه بالنهارِ وقُرِىءَ من آثارِ السجودِ ومن إِثْرِ السجودِ بكسرِ الهمزةِ {ذلك} إشارةٌ إلى ما ذكر
(8/114)

الحجرات {
من نعوتِهم الجليلةِ وما فيه من معنى البعد مع قرب العهدِ بالمُشار إليه للإيذانِ بعلوِّ شأنِه وبُعدِ منزلتِه في الفضل وهو مبتدأٌ خبرُه قولُه تعالى {مّثْلُهُمْ} أي وصفُهم العجيبُ الشأنِ الجارِي في الغرابةِ مَجْرى الأمثالِ وقولُه تعالَى {فِي التوراة} حالٌ من مثلُهم والعاملُ مَعْنى الإشارةِ وقولُه تعالى {وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل} عطفٌ على مثلُهم الأولِ كأنَّه قيلَ ذلكَ مثلُهم في التوراةِ والإنجيلِ وتكريرُ مثلُهم لتأكيدِ غرابتهِ وزيادةِ تقريرِها وقولُه تعالى {كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ} الخ تمثيلٌ مستأنفٌ أي هُم كزرعٍ أخرجَ فراخَهُ وقيل هو تفسيرٌ لذلك على أنه إشارةٌ مبهمةٌ وقيل خبر لقوله تعالى ومثلُهم في الإنجيلِ على أنَّ الكلامَ قد تمَّ عند قولِه تعالى مثلُهم في التوراةِ وقرىء شَطَأه بفتحات وقرىء شَطَاه بفتح الطاء وتخفيف الهمزة وشَطَاءَهُ بالمدِّ وشَطَه بحذفِ الهمزةِ ونقل حركتِها إلى ما قبلَها وشطوه بقلبها واو {فَازَرَهُ} فقوَّاهُ مِن المؤازرةِ بمعنى المعاونةِ أو من الإيزارِ وهي الإعانةُ وقُرِىءَ فأزَرَه بالتخفيف وأَزَّرهُ بالتشديدِ أي شدَّ أزْرَهُ وقولُه تعالى {فاستغلظ} فصارَ غليظاً بعد ما كانَ دقيقاً {فاستوى على سُوقِهِ} فاستقامَ على قَصَبهِ جمع ساقٍ وقُرِىءَ سُؤقهِ بالهمزةِ {يُعْجِبُ الزراع} بقوته وكثافته وغلطة وحسنِ منظرِه وهو مثلٌ ضربَهُ الله عزَّ وجلَّ لأصحابه عليه الصلاة والصلام قلُّوا في بدءِ الإسلامِ ثم كثروا واستحكمُوا فترقَّى أمرُهم يوماً فيوماً بحيثُ أعجبَ الناسَ وَقيلَ مكتوبٌ في الإنجيلِ سيخرُجُ قومٌ ينبُتون نباتَ الزرعِ يَأْمُرُونَ بالمعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكرِ وقولُه تعالى {لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار} علةٌ لما يعربُ عنه الكلام من تشبههم بالزرعِ في زكائِه واستحكامِه أو لما بعده من قولِه تعالى {وَعَدَ الله الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} فإنَّ الكفارَ إذا سمعُوا بما أُعدَّ للمؤمنينَ في الآخرةِ مع ما لهُم في الدُّنيا من العزةِ غاظَهُم ذلكَ أشدَّ غيظٍ ومنُهم للبيانِ عنِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم مَنْ قرأَ سُورةَ الفتحِ فكأنَّما كانَ ممَّن شهدَ معَ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة
سورة الحجرات مدنية وآياتها ثمانى عشرة
{بسم الله الرحمن الرحيم}
(8/115)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ} تصديرُ الخطابِ بالنداءِ لتنبيهِ المخاطبينَ عَلى أنَّ مَا في حيزهِ أمرٌ خطيرٌ يستدعِي مزيدَ اعتنائِهم بشأنِه وفرط اهتمامهم بتقليه ومراعاته ووصفه بالإيمانِ لتنشيطِهمْ والإيذانِ بأنَّه داعٍ إلى المحافظةِ عليهِ ووازعٌ عن الإخلالِ بهِ {لاَ تُقَدّمُواْ} أيْ لا تفعلُوا التقديمَ عَلى أنَّ تركَ المفعولِ للقصدِ إلى نفسِ الفعلِ منْ غيرِ اعتبارِ تعلقِه بأمرٍ منَ الأمورِ عَلى طريقةِ قولُهم
(8/115)

{
فلانٌ يُعطِي ويمنعُ أيْ يفعلُ الإعطاءَ والمنعَ أو لا تقدّمُوا أمراً منَ الأمورِ عَلى أنَّ حذفَ المفعولِ للقصدِ إلى تعميمهِ والأول أو فى بحقِّ المقامِ لإفادتِه النهيَ عنِ التلبسِ بنفسِ الفعلِ الموجبِ لانتفائِه بالكليةِ المستلزِمِ لانتفاءِ تعلقهِ بمفعولِه بالطريقِ البرهانيِّ وقدْ جُوِّز أنْ يكونَ التقديمُ بمعَنى التقدمِ ومنْهُ مقدمةُ الجيشِ للجماعةِ المتقدمةِ ويَعضده قراءةُ مَن قرأَ لا تَقدّمُوا بحذفِ إحْدَى التاءينِ منْ تتقدمُوا وقرئ لا تقدموا منَ القدومِ وقولُه تعالى {بَيْنَ يَدَىْ الله وَرَسُولِهِ} مستعارٌ ممَّا بينَ الجهتينِ المسامتتينِ ليدي الإنسانِ تهجيناً لِما نُهوا عنْهُ والمَعْنى لا تقطعُوا أمراً قبلَ أنْ يحكُمَا بهِ وقيلَ المرادُ بين يدي رسولُ الله وذكرُ الله تَعَالى لتعظيمهِ والإيذانِ بجلالةِ محلِّه عنده عز وجل وقيل نزلَ فيما جَرى بينَ أبي بكرِ وعمرَ رَضِيَ الله عنهمَا لَدَى النبيِّ صلى الله عليه وسلم في تَأْميرِ الأَقْرعِ بنِ حَابِسٍ أَوِ القعقاعِ بنِ مَعْبدٍ {واتقوا الله} في كلِّ ما تأتُون وما تذرُون مِن الأقوالِ والأفعالِ التي من جملتها ما نحنُ فيهِ {إِنَّ الله سَمِيعٌ} لأقوالِكم {عَلِيمٌ} بأفعالِكم فمِنْ حَقِّه أنْ يُتقَّى ويراقب
(8/116)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى} شروعٌ في النَّهي عنِ التجاوزِ في كيفيةِ القولِ عندَ النبيِّ عليه الصلاةَ والسلام بعد النَّهي عنِ التجاوزِ في نفسِ القولِ والفعلِ وَإعادةُ النداءِ معَ قُربِ العَهْدِ بهِ للمبالغةِ في الإيقاظِ والتنبيهِ والإشعارِ باستقلالِ كُلَ مِنَ الكلامينِ باستدعاءِ الاعتناءِ بشأنِه أَيْ لاَ تبلُغوا بأصواتِكم وراءَ حدَ يبلُغه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ بصوتِه وقرئ لا ترفعُوا بأصواتِكم عَلى أنَّ الباءَ زائدةٌ {وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول} إذَا كلمتُموه {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} أيْ جهراً كَائناً كالجهرِ الجَارِي فيمَا بينكُم بلْ اجعلُوا صوتَكُم أخفضَ منْ صوته عليه الصلاة والسلام وتعهّدُوا في مخاطبتِه اللينَ القريبَ منَ الهمسِ كَما هُو الدأبُ عندَ مخاطبةِ المَهيبِ المُعظمِ وحَافظُوا عَلى مُراعاةِ أُبَّهةِ النبوةِ وجَلالةِ مقدارِها وَقيلَ مَعنْى لاَ لاَ تجهرُوا لهُ بالقولِ كجهرِ بعضِكُم لبعضٍ لا تقولُوا لهُ يَا محمدُ يَا أحمدُ وخَاطِبُوه بالنبوةِ قال ابن عباس رضي الله عنُهمَا لمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ قالَ أبوُ بكر يا رسول الله والله لاَ أكلمكَ إلاَّ السِّرارَ أَوْ أخَا السرارحتى ألقى الله تعالَى وعن عمر رضيَ الله عنه أنَّه كانَ يكلمُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ كأخِي السِّرارِ لا يسمعُهُ حَتَّى يستفهمَهُ وكانَ أبُو بكرٍ رضيَ الله عنْهُ إذَا قدمَ على رسُولِ الله صَلَّى الله عليهِ وسلَم الوفودُ أرسلَ إليهمْ منْ يعلمهُمْ كيفَ يسلّمونَ ويأمرُهُم بالسكينةِ والوقارِ عندَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقولُه تعالَى {أَن تَحْبَطَ أعمالكم} إِمَّا علةٌ للنَّهي أيْ لا تجهرُوا خشيةَ أنْ تحبطَ أوْ كراهةَ أنْ تحبطَ كَما فِي قولِه تعالَى يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ أوْ للمنهى أَيْ لا تجهرُوا لأجلِ الحبوطِ فإنَّ الجهرَ حيثُ كانَ بصددِ الأداءِ إلى الحبوطِ فكأنَّهُ فعلَ لأجلِه عَلى طريقةِ التمثيلِ كقولِه تعالى لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً أو حزنا وليسَ المرادُ بما نُهيَ عنْهُ منْ الرَّفعِ والجَهْرِ ما يقارنُه الاستخفافُ والاستهانةُ فإنَّ ذلكَ كفرٌ بلْ مَا يتُوهم أنْ يؤديَ الى مما يجرِي بينَهمْ في أثناءِ المحاورةِ منَ الرَّفعِ والجهرِ حسَبما يُعرب عنْهُ قولُه تعالَى كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ
(8/116)

4 3 لِبَعْضٍ خَلاَ أنَّ رفعَ الصوتِ فوقَ صوتِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا كانَ منكراً محضاً لَمْ يُقيدْ بشيءٍ ولا ما يقعُ منهما في حربِ أو مجادلةِ معاندٍ أو إرهابِ عدوَ أو نحوِ ذلكَ وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما نزلت في ثابتُ بنُ قَيْسِ بنِ شَمَّاسٍ وكانَ في أُذنِه وَقْرٌ وكانَ جَهْوريَّ الصوتِ ورُبَّما كانَ يكلمُ رسولَ الله صلى الله عل وسلم فيتأذَى بصوتِه وعنْ أنسٌ رضيَ الله عنه أنه لمَّا نزلتْ الآيةُ فُقِدَ ثابتٌ وتفقدَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فأخبرَ بشأنِهِ فدعاهُ فسألَهُ فقالَ يَا رسولَ الله لقدْ أنزلتْ إليكَ هذهِ الآيةُ وإِنِّي رجلٌ جهيرُ الصوتِ فأخافُ أنْ يكونَ عَمَلِي قدْ حَبِطَ فقالَ لَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ لستَ هناكَ إنكَ تعيشُ بخيرٍ وتموتُ بخيرٍ وإنكَ منْ أهلِ الجنةِ وأماما يروى عن الحسن من أنَّها نزلتْ في بعضِ المنافقينَ الذينَ كانُوا يرفعونَ أصواتَهُم فوقَ صوتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ فقدْ قيلَ محملُه أنَّ نهيهَمُ مندرجٌ تحتَ نهَي المؤمنينَ بدلالةِ النصِّ {وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ} حالٌ منْ فاعِل تحبطُ أيْ وَالحالُ أنكُم لاَ تشعرونَ بحبوطِها وفيهِ مزيدُ تحذيرٍ مما نُهوا عنْهُ وقوله تعالى
(8/117)

إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)
{إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله} الخ ترغيبٌ في الانتهاءِ عمَّا نُهوا عنْهُ بعدَ الترهيبِ عنِ الإخلالِ بهِ أيْ يخفضونها مراعة للأدبِ أوْ خشيةً منْ مخالفةِ النَّهي {أولئك} إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة وما فيه من معنى البعد مع قُرب العهدِ بالمُشار إليه لما مر مرار منْ تفخيمِ شأنِه وهُوَ مبتدأٌ خبرُه {الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} أيْ جرّبَها للتَّقوى ومرَّنَها عليهَا أو عَرفَها كائنةً للتَّقوى خالصةً لهَا فإِنَّ الامتحانَ سببُ المعرفةِ واللامُ صلةٌ لمحذوف أو للفعل باعتبار الأصلِ أوْ ضربَ قلوبَهُم بضروبِ المحنِ والتكاليفِ الشاقَّةِ لأجلِ التَّقوى فإنَّها لا تظهرُ إلا بالاصطبارِ عليَها أو أخلصَها للتَّقوى من امتحنَ الذهبَ إذَا أذابَهُ وميز إبر يزه منْ خبثِهِ وعنْ عمرَ رضيَ الله عنْهُ أذهبَ عَنْها الشهواتِ {لَهُمْ} في الآخرةِ {مَغْفِرَةٍ} عظيمةٌ لذنوبِهم {وَأَجْرٌ عظِيمٌ} لا يُقادرُ قَدرُه والجملةُ إمَّا خبرٌ آخر لأن كالمجملة المصدرةِ باسمِ الإشارةِ أو استئنافٌ لبيانِ جزائِهم إحماداً لحالِهم وتعريضاً بسوءِ حالِ منْ ليسَ مثلَهُم
(8/117)

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)
{إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات} أيْ منْ خارجِها منْ خلفِها أوْ قُدَّامِها وَمِنِ ابتدائيةٌ دالةٌ عَلى أنَّ المناداةَ نشأتْ منْ جهةِ الوراءِ وأنَّ المُنَادَى داخلُ الحُجرةِ لوجوبِ اختلافِ المبدأِ والمُنتهى بحسبِ الجهة بخلافِ ما لَوْ قيلَ ينادونَكَ وراءَ الحجراتِ وَقُرىءَ الحُجَرْاتِ بفتحِ الجيمِ وبسكونِها وثلاثتُها جمعُ حُجْرةٍ وهَي القطعةٌ منَ الأرضِ المحجورةِ بالحائطِ ولذلكَ يقالُ لحظيرةِ الإبلِ حُجْرةً وهيَ فُعْلةٌ منَ الحَجْر بمَعْنى مفعول كالغُرفةِ والقُبضةِ والمرادُ بَها حجراتُ أمهاتِ المؤمنينَ ومناداتُهم منْ ورائِها إمَّا بأنَّهم أتوهَا حجرةً حجرةً فنادَوهُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ منْ ورائِها أَوْ بأنَّهم تفرقُوا عَلى الحجراتِ متطلبينَ له عليه الصلاة والسلام فنادوه
(8/117)

5 7 بعضٌ منْ وراءِ هذهِ وبعضٌ منْ وراءِ تلكَ فأسندَ فعلَ الأبعاضِ إِلى الكُلَّ وقدْ جُوِّز أنْ يكُونوا قدْ نادَوُه منْ وراءِ الحجرةِ التِّي كانَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيها ولكنها جمعت إجلال له عليه الصلاة والسلام وقيلَ إنَّ الذَّي ناداهُ عيينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ والأقرعُ بْنُ حابسٍ وَفَدا على رسُولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم في سبعينَ رجُلاً منْ بنِي تميمٍ وقتَ الظهيرةِ وهُوَ راقدٌ فقالاَ يا محمدُ اخرجْ إلينَا وإنَّما أسندَ النداءَ إلى الكُلِّ لأنَّهم رضُوا بذلكَ أوْ أمروا به لأَنَّه وجدَ فيَما بينَهمْ {أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} إذْ لَوْ كانَ لهُم عقلٌ لمَا تجاسرُوا عَلى هذهِ المرتبةِ منْ سُوءِ الأدبِ
(8/118)

وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
{وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} أيْ وَلَوْ تحققَ صبرُهُم وانتظارُهُم حتَّى تخرجَ إليهمْ فإنَّ أَنَّ وَإِنْ دلت بَما في حيزهَا عَلى المصدرِ لكِنَّها تفيدُ بنفسِها التحققَ والثبوتَ الفرق البينِ بينَ قولِك بَلَغني قيامُك وبلغني أنَّك قائمٌ وحَتَّى تفيدُ أنَّ الصبرَ ينبغِي أنْ يكونَ مُغياً بخروجِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فإنَّها مختصةٌ بمَا هُوَ غاية للشئ في نفسِه ولذلكَ تقولُ أكلتُ السمكةَ حتَّى رَأْسَهَا وَلا تقولُ حتَّى نصفَها أو ثلثَها بخلافِ إِلى فإنَّها عامَّةٌ وفي إليهمْ إشعارٌ بأنَّه لوْ خرجَ لاَ لأجلِهم ينبغِي أَنْ يصبرُوا حَتَّى يفاتحهَم بالكلامِ أوْ يتوجَّهَ إليهِم {لَكَانَ} أي الصبرُ المذكورُ {خَيْراً لَّهُمْ} منِ الاستعجالِ لِما فيهِ منْ رعايةِ حُسنِ الأدبِ وتعظيمِ الرسولِ الموجبَينِ للثناء والثواب والإسعاف بالمسؤل إذْ رُوي أنَّهم وفدُوا شافعينَ في أُسارَى بنِي العَنْبرِ فأطلقَ النصفَ وفادَى النصفَ {والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بليغُ المغفرةِ والرحمةِ واسعُهما فلنْ يضيقَ ساحتُهما عنْ هؤلاءِ إنْ تابُوا وَأصلحُوا
(8/118)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} أيْ فتعرفُوا وتفحصُوا روي أنه عليه الصلاةُ والسلام بعث الوليد ابن عُقبةَ أخَا عثمانُ رضيَ الله عنْهُ لأُمهِ مُصدِّقاً إلى بَني المُصطلِق وكانَ بيَنهُ وبينَهمْ إِحْنَةٌ فلمَّا سمعُوا بهِ استقبلُوه فحسبَ أنَّهم مقاتلُوه فرجعَ وقالَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدِ ارتدُوا ومنعُوا الزكاةَ فَهمَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بقتالِهم فنزلتْ وقيلَ بعثَ إليهم خالدَ بنَ الوليدَ فوجدهُم منادينَ بالصلاةِ متهجدينَ فسلمُوا إليهِ الصدقاتِ فرجعَ وفي ترتيبِ الأمرِ بالتبينِ عَلى فسقِ المُخبرِ إشارةٌ إلى قبولِ خبرِ الواحدِ العدلِ في بعضِ الموادِّ وقرئ فتثبتُوا أيْ توقفُوا إلى أنْ يتبينَ لكُم الحالُ {أن تصيبوا} حذارا أنْ تصيبُوا {قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} ملتبسينَ بجهالةِ حالِهم {فَتُصْبِحُواْ} بعدَ ظهورِ براءتِهم عَمَّا أُسندَ إليهمْ {على مَا فَعَلْتُمْ} في حَقِّهم {نادمين} مغتمينَ غماً لازماً متمنينَ أنَّه لم يقعْ فإنَّ تركيبَ هذهِ الأَحْرُفِ الثلاثةِ يدورُ معَ الدوامِ
(8/118)

وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)
{واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله}
(8/118)

أنَّ بِما في حيِّزها سادٌّ مسدَّ مفعولَي اعلمُوا باعتبارِ ما بعدَهُ منْ قولِه تعالى {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ من الأمر لَعَنِتُّمْ} فإنَّهُ حالٌ منْ أحدِ الضميرينِ في فيكُم والمَعنْى أنَّ فيكُم رسولَ الله كائناً عَلى حالةٍ يجبُ عليكُم تغييرُهَا أوْ كائنينَ على حالةٍ الخ وهي أنكُم تريدونَ أنْ يتبعَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ رأيَكُم في كثيرٍ منَ الحوادثِ ولَوْ فعلَ ذلكَ لوقعتُم في الجهدِ والهلاكِ وفيه إيذانٌ بأنَّ بعضَهُم زينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الإيقاعَ ببني المصطلقِ تصديقاً لقول الوليد أنه عليه الصلاةُ والسلام لم يطع رأيهم وأما صيغةُ المضارعِ فقدْ قيلَ إنَّها للدلالةِ عَلى أنَّ امتناعَ عَنَتِهم لامتناعِ استمرارِ طاعتَه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لهُم لأنَّ عنتهَمُ إنما يلزمُ منَ استمرارِ الطاعةِ فيما يَعِنُّ لهَمُ منَ الأمورِ إذْ فيهِ اختلالُ أمرِ الإبالةِ وانقلابُ الرئيس مرؤسا لا منْ إطاعتِه في بعضِ ما يرونَهُ نادراً بلْ فيها استمالتُهم بلا معرةٍ وقيل إنَّها للدلالةِ على أن امتناع عنتهم لاستمرارِ امتناعِ طاعتَه عليهِ الصلاةُ والسلامُ لهُم في ذلكَ فإنَّ المضارعَ المنفيَّ قَدْ يدلُّ على استمرارَ النَّفي بحسبِ المقامِ كما في نظائرِ قولِه تعالَى وَلاَ هُمْ يحزنزن والتحقيقُ أنَّ الاستمرارَ الذي تفيدُه صيغةُ المضارعِ يعتبرُ تارةً بالنسبةِ إلى ما يتعلقُ بالفعلِ منَ الأمورِ الزمانيةِ المتجددةِ وذلكَ بأنْ يعتبرَ الاستمرارُ في نفسِ الفعلِ على الإبهامِ ثم يعتبر تعليق ما يتعلقُ به بياناً لما فيهِ الاستمرارُ وأُخرى بالنسبةِ إلى ما يتعلقُ به من نفسِ الزمانِ المتجددِ وذلكَ إذا اعتبر تعلقُه بما يتعلقُ به أولاً ثم اعتبرَ استمرارُه فيتعينُ أن يكونَ ذلك بحسبِ الزمانِ فإنْ أُريدَ باستمرارِ الطَّاعةِ استمرارُها وتجددُها بحسبِ تجددِ مواقعِها الكثيرةِ التى يفصح عنها قولُه تعالَى فِى كَثِيرٍ مّنَ الأمرِ فالحقُّ هو الأولُ ضرورةَ أنَّ مدارَ امتناعِ العنَتِ هو امتناعُ ذلك الاستمرارِ سواءٌ كان ذلكَ الامتناعُ بعدمِ وقوعِ الطاعةِ في أمرٍ ما من تلكَ الأمورِ الكثيرةِ أصلاً أو بعدمِ وقوعِها كلِّها مع وقوعِها في بعضٍ يسيرٍ منها حتَّى لو لم يمتنعْ ذلكَ الاستمرارُ بأحدِ الوجهينِ المذكورينِ بل وقعتْ الطاعةُ فيما ذُكِرَ من كثيرٍ من الأمرِ في وقتٍ من الأوقاتِ وقعَ العنتُ قطعاً وإنْ أُريدَ به استمرارُ الطَّاعةِ الواقعةِ في الكلِّ وتجدّدُها بحسبِ تجددِ الزمانِ واستمرارِه فالحقُّ هو الثانِي فإنَّ مناطَ امتناعِ العنتِ حينئذٍ ليسَ امتناعَ استمرارِ الطاعةِ المذكورةِ ضرورةَ أنَّه موجبٌ لوقوعِ العنتِ بل هُو الاستمرارُ الزمانيُّ لامتناع تلك الطاعةِ الواقعةِ في تلكَ الأمورِ الكثيرةِ بأحدِ الوجهينِ المذكورينِ حتَّى لو لم يستمرَّ امتناعُها بأنْ وقعتْ تلك الطاعةُ في وقتٍ من الأوقاتِ وقعَ العنتُ حتماً واعلمْ أنَّ الأحقَّ بالاختيارِ والأَولى بالاعتبارِ هو الوجهُ الأولُ لأنَّه أوفقُ بالقياسِ المُقتضِي لاعتبارِ الامتناعِ وارداً على الاستمرارِ حسبَ ورودِ كلمةِ لو المفيدةِ للأولِ على صيغةِ المضارعِ المفيدةِ للثانِي على أن اعتبار الاستمرار ارودا على النَّفي على خلافِ القياسِ بمعونةِ المقامِ إنَّما يصارُ إليهِ إذا تعذرَ الجريانُ على موجبِ القياسِ أو لم يكنْ فيه مزيدُ مزيةٍ كما في مثل قوله تعالى ولا هم يَحْزَنُونَ حيثُ حملَ على استمرارِ نفي الحزنِ عنُهم إذ ليس فى نفى استمرارِ الحزنِ مزيدُ فائدةِ وأمًّا إذَا انتظمَ الكلامُ مع مراعاةِ موجبِ القياسِ حقَّ الانتظامِ فالعدولُ عنه تمحلٌ لا يخَفْى وقولُه تعالى {ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان} الخ تجريدٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى بعضِهم بطريقِ الاستدراكِ بياناً لبراءتِهم عنْ أوصافِ الأولينَ وإحماداً لأفعالِهم أيْ ولكنَّهُ تعالَى جعلَ الإيمانَ
(8/119)

8 10
محبوبا لديكم {وزينه في قلوبكم} حتى رسخ خبه فيها ولذلك أتيتم بما يليقُ بهِ من الأقوال والأفعال {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} ولذلك اجتنبتم عما يليق بها مما لا خير فيه من آثارها وأحكامها ولما كان فى التحبيب والتكريه معنى إنهاء المحبة والكراهة وإيصالها إليهم استعملا بكلمة إلى وقيل هو استدراك ببيان عذر الأولين كأنه قيل لم يكن ما صدر عنكم فى حق بنى المصطلق من خلل فى عقيدتكم بل من فرط حبكم للإيمان وكراهتكم للكفر والفسوق والعصيان والأولُ هو الأظهرُ لقوله تعالى {أولئك هم الراشدون} أى السالكون إلى الطريق السَّويِّ الموصِّلِ إلى الحقِّ والالتفات إلى الغيبة كالذى في قوله تعالى وَمَا آتيتم مّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هم المضعفون
(8/120)

فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
{فَضْلاً مّنَ الله وَنِعْمَةً} أيْ وَإنعاماً تعليلٌ لحببَ أو كرَّه وما بينَهمَا اعتراضٌ وقيلَ نصبُهمَا بفعلٍ مضمرٍ أيْ جَرى ذلكَ فضلاً وقيلَ يبتغونَ فضلاً {والله عَلِيمٌ} مبالِغٌ في العلمِ فيعلمُ أحوالَ المؤمنينَ وما بينَهم من التفاضلِ {حكيم} يفعل كل مل يفعلُ بموجبِ الحكمةِ
(8/120)

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} أي تقاتلُوا والجمعُ باعتبارِ المَعْنى {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} بالنُّصحِ والدعاءِ إلى حُكمِ الله تعالى {فَإِن بَغَتْ} أي تعدتْ {إِحْدَاهُمَا على الأخرى} وَلَمْ تتأثرْ بالنصيحةِ {فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء} أيْ ترجعَ {إلى أَمْرِ الله} إِلى حُكمهِ أوْ إلى مَا أُمر بهِ {فَإِن فَاءتْ} إليهِ وأقلعتْ عن القتالِ حذاراً من قتالِكم {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل} بفصلِ ما بينَهما على حُكمِ الله تَعالى ولا تكتفُوا بمجردِ متاركتهِما عسى أن يكونُ بينَهما قتالٌ في وقتٍ آخرَ وتقييدُ الإصلاحِ بالعدلِ لأنَّه مظِنةُ الحيفِ لوقوعِه بعدَ المقاتلةِ وقدْ أكَّد ذلكَ حيثُ قيلَ {وَأَقْسِطُواْ} أيْ واعدلُوا في كل ما تأتون وما تذرونَ {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} فيجازيهُم أحسنَ الجزاءِ والآيةُ نزلتْ في قتالٍ حدثَ بينَ الأوسِ والخزرجِ في عهدِه عليهِ الصلاةُ والسلام بالعسف والنعالِ وفيهَا دلالةً على أنَّ الباغيَ لا يخرجُ بالبغِي عنِ الإيمانِ وأنَّه إذَا أمسكَ عنِ الحربِ تُركَ لأنَّه فيءٌ إلى إمرِ الله تعَالى وأنه يجبُ معاونةُ منْ بُغيَ عليهِ بعدَ تقديمِ النُّصحِ والسعْيِ في المصالحةِ
(8/120)

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
{إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ} استئنافٌ مقرر لما قبله من الأمرِ بالإصلاحِ أيْ أنهم منتسبونَ إلى أصلٍ واحدٍ هُوَ الإيمانُ الموجبُ للحياةِ الأبديةِ والفاءُ في قولهِ تعالَى {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} للإيذان بأن الآخرة الدينيةَ موجبةٌ للإصلاح ووضعُ المُظهرِ مقامَ المضمرِ مُضافاً إلى المأمورينَ للمبالغةِ في تأكيدِ وجوبِ الإصلاحِ والتحضيضِ عليهِ وتخصيصُ
(8/120)

} {
الاثنينِ بالذكرِ لإثباتِ وجوبِ الإصلاحِ فيَما فوقَ ذلكَ بالطريق الأولويةِ لتضاعفِ الفتنةِ والفسادِ فيهِ وقيلَ المرادُ بالأخوينِ الأوس والخزرج وقرئ بينَ إخوتِكم وإخوانِكم {واتقوا الله} في كلِّ ما تأتون وما تذرون ومن الأمور التي من جملتها ما أُمرتم بهِ منَ الإصلاحِ {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} راجينَ أنْ ترحمُوا عَلى تقواكم
(8/121)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ} أيْ منكُم {مِن قَوْمٍ} آخرينَ أيضاً منكُم وقولُه تعالى {عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ} تعليلٌ للنَّهِي أو لموجبِه أيْ عَسى أنْ يكونَ المسخورُ منْهم خيراً عندَ الله تَعَالى منَ الساخرينَ والقومُ مختصٌّ بالرجالِ لأنُهم القُوّامُ على النساءِ وهو فى اللأصل إمَّا جمعُ قائمٍ كصَوْمٍ وزَوْرٍ في جمعِ صائمٍ وزائرٍ أو مصدرٌ نُعت بهِ فشاعَ في الجمعِ وأما تعميمُه للفريقينِ في مثلِ قومِ عادٍ وقومِ فرعونَ فإمَّا للتغليبِ أو لأنهنَّ توابعُ واختيارُ الجمع لغلبةِ وقوعِ السخريةِ في المجمع والتنكيرُ إمَّا للتعميمِ أو للقصدِ إلى نَهْي بعضِهم عنْ سُخريةِ بعضٍ لما أنَّها مما يجرِي بينَ بعضٍ وبعضٍ {وَلاَ نِسَاء} أيْ ولا تسخرْ نساءٌ من المؤمناتِ {مّن نّسَاء} منهنَّ {عسى أَن يَكُنَّ} أيْ المسخورُ منهُنَّ {خَيْراً مّنْهُنَّ} أيْ منَ الساخراتِ فإنَّ مناطَ الخيريةِ في الفريقينِ ليسَ ما يظهرُ للناسِ من الصورِ والأشكالِ ولا الأوضاعِ والأطوارِ التي عليَها يدورُ أمرُ السخريةِ غالباً بلْ إنما هُوَ الأمورُ الكامنةُ في القلوبِ فلا يجترئ أحدٌ على استحقارِ أحدٍ فلعلَّهُ أجمعُ منْهُ لما نيطَ بهِ الخيريةُ عندَ الله تعالَى فيظلَم نفسَهُ بتحقيرِ منْ وقَّره الله تعالَى والاستهانةِ بَمنْ عظَّمُه الله تعالى وقرئ عَسَوا أنْ يكونُوا وعَسَينَ أنْ يكنَّ فعسَى حينئذٍ هي ذاتُ الخبرِ كما في قولِه تعالَى فَهَلْ عَسَيْتُمْ وَأمَّا على الأولِ فهى التى لا خبر لها {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} أيْ ولا يعبْ بعضُكم بعضاً فإنَّ المؤمنينَ كنفسٍ واحدةٍ أو لا تفعلُوا ما تُلمَزونَ بهِ فإنَّ منْ فعلَ ما يستحقُّ بهِ اللمزَ فقدْ لمزَ نفسَهُ واللمزُ الطعنُ باللسانِ وقرئ بضمِّ الميمِ {وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب} أيْ ولا يدْعُ بعضُكم بعضاً بلقبِ السوءِ فإن النبز مخنص بهِ عُرْفاً {بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان} أي بئسَ الذكرُ المرتفعُ للمؤمنينَ أنْ يُذكرُوا بالفسقِ بعد دخولِهم الإيمانَ أو اشتهارِهم بهِ فإنَّ الاسمَ هَهُنا بمَعنى الذكرِ منْ قولِهم طارَ اسمُه في الناسِ بالكرم أو باللؤمِ والمرادُ بهِ إمَّا تهجينُ نسبةِ الكفرِ والفسوقِ إلى المؤمنينَ خصوصاً إذْ رُوي أنَّ الآيةَ نزلتْ في صفيةَ بنتِ حُيَيِّ أتتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالتْ إنَّ النساءَ يقُلنَ لي يَا يهوديةُ بنت يهوديينِ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ هَلاَّ قلتِ إنَّ أبى هرون وعَمِّي مُوسى وزَوْجي محمدٌ عليهمْ السلامُ أوِ الدلالةُ عَلى أنَّ التنابزَ فسقٌ والجمعُ بينَهُ وبينَ الإيمانِ قبيحٌ {وَمَن لَّمْ يَتُبْ} عَمَّا نُهي عَنْهُ {فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون} بوضعِ العصيانِ موضعَ الطاعةِ وتعريضِ
(8/121)

} {
النفس للعذاب
(8/122)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)
{يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن} أيْ كُونوا على جانبٍ منْهُ وإبهامُ الكثيرِ لإيجابِ الاحتياطِ والتأملِ في كُلِّ ظَنٍ ظُنَّ حَتَّى يعلَم أنَّه من أيِّ قبيلٍ فإنَّ منَ الظنِّ ما يجبُ اتباعُه كالظنِّ فيَما لا قاطعَ فيهِ من العملياتِ وحسنِ الظنِّ بالله تعَالَى ومنْهُ ما يحرمُ كالظنِّ في الإلهياتِ والنبواتِ وحيثُ يخالفُه قاطعٌ وظنِّ السوءِ بالمؤمنينَ ومنْهُ ما يباحُ كالظنِّ في الأمورِ المعاشيةِ {إِنَّ بَعْضَ الظن أَثُمَّ} تعليلٌ للأمرِ بالاجتنابِ أوْ لموجبهِ بطريقِ الاستئنافِ التحقيقيِّ والإثمُ الذنبُ الذي يستحقُّ العقوبةَ عليهِ وهمزتُه منقلبةُ منَ الواوِ كأنَّه يثمُ الأعمالَ أي يكسرها {وَلاَ تَجَسَّسُواْ} أي ولا تبحثوا عن عورات المسلمين تفعّل من الجسِّ لما فيهِ منْ مَعْنى الطلبِ كما أن التلمسَ بمَعنى التطلبِ لما في اللمسِ من الطلبِ وقد جاءَ بمعنى الطلبِ في قولِه تعالَى وَأَنَا لَمَسْنَا السماء وقرئ بالحاءِ من الحَسِّ الذي هُوَ أثرُ الجَسِّ وغايتُه ولتقاربهمِا يقالُ للمشاعرِ الحواسُّ بالحاء والجيم وفي الحديث لا تتبعُوا عوراتِ المسلمينَ فإنَّ منْ تتبعَ عوراتِ المسلمينَ تتبعَ الله عورتَهُ حَتَّى يفضَحهُ ولو في جوفِ بيتِه {وَلاَ يَغْتَب بَعْضِكُمْ بَعْضاً} أي لا يذكرْ بعضُكم بعضاً بالسوءِ في غِيبتِه وسُئلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الغِيْبَةِ فقالَ أنْ تذكَر أخاكَ بما يكَرهُ فإنْ كانَ فيهِ فقدِ اغتبتَهُ وإنْ لمْ يكُنْ فيهِ فقدْ بهّتهُ وعنِ ابن عباس رضي الله عَنْهما الغِيبةُ إدامُ كلابِ الناسِ {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} تمثيلٌ وتصويرٌ لما يصدرُ عنِ المغتابِ منْ حيثُ صدورُهُ عنْهُ ومنْ حيثُ تعلقُه بصاحبِه عَلى أفحشِ وجهٍ وأشنعِه طبعاً وعقلاً وشرعاً معَ مبالغاتٍ من فُنونٍ شَتَّى الاستفهامُ التقريري وإسنادُ الفعلِ إلى أحدٍ إيذاناً بأنَّ أحداً من الأحدينَ لا يفعلُ ذلكَ وتعليقُ المحبةِ بَما هُوَ في غايةِ الكراهةِ وتمثيلُ الاغتيابِ بأكلِ لحمِ الإنسانِ وجعلُ المأكولِ أخاً للآكلِ وميتاً وإخراجُ تماثِلها مُخرجَ أمرٍ بينٍ غنيَ عنِ الإخبار به وقرئ ميتاً بالتشديدِ وانتصابُه عَلى الحاليةِ من اللحمِ وقيلَ من الأخِ والفاءُ في قولِه تعالَى {فَكَرِهْتُمُوهُ} لترتيبِ ما بعدها على ما قبلَها من التمثيلِ كأنَّه قيلَ وحيثُ كانَ الأمرُ كما ذكرَ فقد كرهتمُوه وقرى كُرِّهتمُوه أي جُبلتُمْ عَلى كراهتِهِ {واتقوا الله} بتركِ ما أمرتمْ باجتنابهِ والندمِ عَلى مَا صَدرَ عنكُم من قبلُ {إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} مبالغٌ في قبولِ التَّوبةِ وإفاضةِ الرحمةِ حيثُ يجعلُ التائبَ كمنْ لَمْ يذنبْ ولا يخصُّ ذلكَ بتائبٍ دونَ تائبٍ بَلْ يعمُّ الجميعَ وإنْ كثرتْ ذنوبُهم رُوي أنَّ رجلينِ منَ الصحابةِ رضيَ الله عنُهم بعثَا سلمانَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبغِي لهما إدَاماً وكانَ أسامةُ على طعامِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ فقالَ ما عندى شئ فاخبرهما سلمانُ فقالاَ لو بعثنا سليمان إلى بئرٍ سميحةٍ لغارَ ماؤُها فلمَّا رَاحا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ لهُما مَا لي أَرَى خُضرةَ اللحمِ في أفواهِكُمَا فقالاَ ما تناولنَا لحماً فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إنكُما قدِ اغتبتُمَا
(8/122)

} 3 14
فنزلت
(8/123)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
{يا أيها الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى} من آدمَ وحواءَ أوْ خلقنَا كُلَّ واحدٍ منكُم من أبٍ وأم فالكل سواءٌ في ذلكَ فلا وَجْهَ للتفاخرِ بالنسبِ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يكونَ تأكيداً للنَّهي السابقِ بتقريرِ الأخوةِ المانعةِ منَ الاغتيابِ {وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ} الشَّعبُ الجمعُ العظيمُ المنتسبونَ إلى أصلٍ واحد وهو بجمع القبائلَ والقبيلةُ تجمعُ العمائرَ والعَمارةُ تجمعُ البطونَ والبطنُ بجمع الأفخاذَ والفَخِذُ يجمعُ الفصائلَ فخُزَيمةُ شعبٌ وكنانةُ قبيلةٌ وقريشٌ عمارةٌ وقُصَي بطنٌ وهاشمٌ فخذٌ والعباسُ فصيلةٌ وقيلَ الشعوبُ بطونُ العجمِ والقبائلُ بطونُ العربِ {لتعارفوا} ليعرفُ بعضُكم بعضاً بحسب الأنسابِ فلاً يعتزَى أحدٌ إلى غيرِ آبائِه لا لتتفاخرُوا بالآباءِ والقبائلِ وتَدَّعُوا التفاوتَ والتفاضلَ في الأنسابِ وقرئ لتتعارفوا عَ