Advertisement

__تيسير المنان في قصص القرآن_


تيسير المنان
في
قصص القرآن

جمع وترتيب
أحمد فريد


دار ابن الجوزي

رَفعُ
عبدالرَّحمن النَّجديِّ
أسكنه الله الفردوس








رَفعُ
عبدالرَّحمن النَّجديِّ
أسكنه الله الفردوس







تيْسِيرُ المنَّانْ
فيْ
قِصصِ القُرآنِ

حقُوق الطّبْع محفُوظة لِدَار ابْن الجَوزي
الإصْدَار الثاني
الطّبْعَة الأولى
صَفَرْ ???? هـ



حقوق الطبع محفوظة ???? هـ , لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه و نسخه في أي نظام
ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.








تَيْسِرُ المنَّانِ
فيْ
قصَصِ القُرآنِ


قصَّة نُوحِّ عليه السلام قصة أيُّوبْ عليه السلام قصة ذيْ القَرنَين
قصَّة إبْراهيمُ عليه السلام قصة يُونسْ عليه السلام قصة قَارُون
قصَّة مُوسَى عليه السلام قصَّة دَاوُدْ عليه السلام قصَّة سَبَأ
قصَّة عيسَى عليه السلام قصَّة سُلَيمان عليه السلام قصَّة أصحاب القريَة
قصَّة آدَم عليه السلام قصَّة بقَرة بني إسْرائيل إذ جَاءَهَا المُرسَلون
قصَّة هُودْ عليه السلام قصَّة طَالُوت قصَّة مؤمن آل فرعَون
قصَّة صَالحْ عليه السلام قصَّة ابنيْ آدَم قصَّة أصحاب الجنّة
قصَّة لُوط عليه السلام قصَّة أصحاب الكهْف قصَّة أصحاب الأخدُود
قصَّة شُعَيبْ عليه السلام قصَّة صَاحِب الجنّتين قصَّة الفِيْل
قصَّة يَعْقُوب وَيُوسفْ قصَّة مُوسَى والخضرْ
عليهما السلام عليهما السلام




جَمْع وَترتيبُ
أحمَد فريْد



دار ابن الجوزي











بِسْمِ اللهِ الرّحمـنِ الرّحيـمِ










رَفْعُ
عبدالرَّحمن النَّجديِّ
أسكنه الله الفردوس



بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة
الجزء الأول

الحمدلله الذي رضي لنا الإسلام ديناً، ونصب لنا الدلائل على صحته برهاناً مبيناً،
وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجراً جسيماً، وذخر لمن وافاه به ثواباً جزيلاَ وفوزاً عظيماً، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه، وأركانه، والاعتصام بعراه وأسبابه، فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله وملائكة قدسه، فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا الأنبياء والمرسلون ( أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) [آل عمران: ??[ .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له، تعالى عن إفْكِ المبطلين َوخَرْصِ الكاذبين ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَ?هٍ ? إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَ?هٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
*عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ ) [المؤمنون: ?? ، ??] .

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفوته من خلقه ، وخيرته من بريَّته،
وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده ،صلى الله عليه وآله وسلم تسليماً.

أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرُّ
الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالة، وكلُّ ضلالةٍ في
النار؛ ثم أما بعد أيضاً :







فقد قص الله تعالى علينا في كتابه أحسن القصص : أبدعه طريقةً ، وأعجبه أسلوباً، وأصدقه أخباراً، كما قال تعالى: ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) [يوسف : ?] .
ولا شكَّ في أن غفلتنا عن القرآن وتدبُّره والاتعاظ بمواعظه قد شمل هذا الجانب الكبير من القرآن -جانب القصص- الذي ينبغي أن يهتم به المؤمنون ؛لتثبيت إيمانهم ، وأخْذِ العبرة والعظة من أخبار السَّالفين، فإن سنَّة الله عز وجل في عبادة واحدة ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ? وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) [فاطر: ??] فلا بدَّ أن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة للمؤمنين، والدولة في النهاية لحزب الله الموحِّدين، كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: ( وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )[القصص: ?? ] , وقال تعالى ( وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [ الصافات: ??? [ , وقال تعالى:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر : ?? ] .
وبتدبُّر قصص الأنبياء والمرسلين تظهر هذه السُّنن الربانيَّة، ففي نهاية كل
قصة يكون النصر والتمكين للمؤمنين ، والهلاك والعذاب للمكذبين، لذا قال
الله عز وجل :( وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ? وَجَاءَكَ فِي هَ?ذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى? لِلْمُؤْمِنِينَ) [هود : ???] .

قال ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى : وكل أخبار نقصُّها عليك من أنباء
الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم ، وكيف جرى لهم من المحاجَّات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه
المؤمنين، وخذل أعداءه الكافرين ، كل هذا مما نثبَّتُ به فؤادك يا محمد – أي:
قلبك- ليكون لك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة ( وَجَاءَكَ فِي هَ?ذِهِ الْحَقُّ)أي: هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء وكيف أنجاهم الله
والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءك فيها قصص حق ونبأ صدقِ يرتدع بها الكافرون ، وذكرى يتذكر بها المؤمنون 1


وإنما ينتفع بهذا القصص العظيم والذِّكر الحكيم أصحاب القلوب الزَّاكية، والعقول الواعية، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو?لِى ?لْأَلْبَـ?بِ ? مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى? وَلَـ?كِن تَصْدِيقَ ?لَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
[ يوسف: ???].

قال القاسمي: قال بعضُ المحققين: المراد به أن قصص القرآن ليست مخترعة ولا مفتراة، بدليل وجود أمثالها بين الناس قبل نزوله، فهي وإن اختلفت قليلاً في بعض التفاصيل والجزئيات عمَّا يرويه الناس، إلا أنها توافقها في الجملة وتصدقها في الجوهر، فلا تظنُّوا أيُّها المشركون أنَّ النَّبِيَّ اخترعها بعقله، بل اسألوا عنها أهل الكتاب تجدوا أنها معروفة بينهم ومرويَّة في كتبهم، فوجود قصص القرآن عند الناس من قبل، من أعظم ما يصدقه ويؤيده؛ لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لم يطَّلع على كتب أهل الكتاب، ولا يتوهم من هذه الآية أن قصص القرآن يجب أن لا تختلف عن قصص التَّوراة والإنجيل في شيء ما، كلَّا إذ لو صحَّ هذا لما قال تعالى: (إِنَّ هَـ?ذَا ?لْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى? بَنِى? إِسْرَ??ءِيلَ أَكْثَرَ ?لَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ????) [النمل:??]، فقصَصُه قد تختلف عمَّا عندهم، وتبيِّن لهم حقَّه من باطله، فلا منافاة بين تصديق القرآن لقصصهم في الجملة، ومخالفته لها في بعض الجزئيات كما قلنا .اهـ. ملخصاً (1).

وهذا النصر الذي وعد الله عز وجل به المؤمنين لا يكون دائماً في أول جولة مع الكفَّار، ودون أن يمتحن الله قلوب أوليائه ويمحص المؤمنين، بل غالباً يتأخر النصر جدّاً، حتى يقول الرسولُ والذين آمنوا معه متى نصر الله، فهذا من سنن الله عز وجل في أوليائه وحزبه، كما قال تعالى: (حَتَّى?? إِذَا ?سْتَيْـ?سَ ?لرُّسُلُ وَظَنُّو?ا? أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا? جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ ? وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ ?لْقَوْمِ ?لْمُجْرِمِينَ ( 110 )) [يوسف:???] ، فالقصص القرآني تربية للأمَّة، وتعريف بسنن الله في عباده.
جاء في كتاب «النظام والإسلام» في بحث التربية والآداب في قصص القرآن ما مثاله:
طال الأمر على أمَّتنا فأهملت ما في غضون كتابها من أساس التربية

(1) " محاسن التأويل "(9/302,301 ).


والحكمة، يا ليت شعري ما الذي أصابها حتى غضَّت النَّظر عن القصص التي قصَّها؟ وأهملت أمرها، وظن أهلها أنها أمور تاريخية لا تفيد إلا المؤرخين، والقصص في كل أمَّة عليها مدار ارتقائها، سواء كانت وضعيَّة أم حقيقيّة، على ألسنة الحيوان أو الإنسان أو الجماد.
جاء القرآن بقصص الأنبياء وهي ـولا جرم- أعلى مناراً وأشرف مزيَّة، كيف لا وقد جمعت أحسن الأسلوب، واختيار المقامات المناسبة لما سيقت إليه، والقدوة الحسنة للكُمَّل المخلصين من الأنبياء ومن والاهم، وتحققها في أنفسهم، لوقوع مواردها، وإن حب التَّشبُّه طبيعية مرتكزة في الإنسان لا سيما لمن يقتدي بهم، فهذه خمس مزايا اختصت بها هذه القصص ونقصت في سواها، أليس من العيب الفاضح أن نقرأ قصص القرآن، فلا نكاد نفهم إلَّا حكايات ذهبت مع الزمان ومرَّت كأمس الدَّابر؟ وما لنا ولها إذن؟! تالله إن هذا لهو البوار، ولم يكن هذا الجهل بالمقصود من قصصها، وأنها عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن تفكَّر، وتبصرة لمن ازدجر.

وبالإجمال: فليس القصد من هذه القصص إلا منافعها والعبر المبصرة للمسلمين
(لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو?لِى ?لْأَلْبَـ?بِ ?) [يوسف: ???].

ولسنا ممن يتبجح بالقول بلا بيان، فلا نعتمد إلا على البرهان، تأمَّل هذه القصص تجده لا يذكر إلا ما يناسب الإرشاد والنصح، ويعرض عن كثير من الوقائع إذ لا لزوم لها، ولا معول عليها، فلا ترى قصة إلا وفيها توحيد وعلم ومكارم أخلاق وحجج عقليَّة وتبصرة وتذكرة تلذ العقلاء(1).
ومن منطلق منهج التَّصفية وبعون الله وفضله عمدتُ إلى ما وقفتُ عليه من كتب السِّير والتفاسير، وكذلك كتب السُّنَّة التي ورد فيها أخبار الأنبياء فجمعتُ لإخواننا من طلاب العلم شيئاً من فضائل الأنبياء، مما صحَّت فيه الأخبار ونقله العدول الأخيار، ثم ذكرت شيئاً من دعوتهم ومواقفهم الإيمانية، وأردفتُ ذلك بالفوائد والآثار الإيمانية، حتى يتم الانتفاع بالقصص القرآني، ونقف على مواطن العبرة والعظة، ليس ذلك على سبيل الحصر، ولكن بحسب


(1) باختصار من " مباحث في علوم القرآن "(305 ) مكتبة المعارف , الرياض .
ما فتح الله عز وجل من الخير، وهمَّة البحث وما تيسر من المراجع، ولعلَّ من إخواننا من يأتي فيكمل هذا الخير، وقد بدأتُ بذكر أولي العزم من الرسل، وكنت قد أفردت خاتمهم صلى الله عليه وسلم ببحث تحت عنوان «تقريب الوصول إلى معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم» في بيان فضائله وما خصَّه الله عز وجل به، ولعلِّي أخصُّه بعد ذلك صلى الله عليه وسلم بذكر بعض مواقفه الإيمانية مع بيان العبرة والعظة، وفي هذا المصنَّف الذي بين يديك أيُّها القارئ الكريم ذكر بقيَّة أولي العزم على ما رتَّبهم الله عز وجل في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ?لنَّبِيِّـ?نَ مِيثَـ?قَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَ?هِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ?بْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـ?قًا غَلِيظًا) [الأحزاب:?].

فبدأت بذكر نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى صلى الله على رسولنا وعليهم وسلم تسليماً.
ولإتمام الفائدة ضمنتُ هذه المقدمة فصلين:
الفصل الأول: في فوائد القصص القرآني عموماً.
الفصل الثاني: في بيان اشتمال أكثر كتب التاريخ والتفاسير على الإسرائيليات والموضوعات مع بيان حكم ذلك وتنزيه هذا المُؤلَّف من ذلك.
ولما كان التَّوفيق لهذا الكتاب فضلاً من الكريم المنَّان ويسَّر الله جمعه وترتيبه في أقصر زمان أسميته: «تيسير المنَّان في قصص القرآن».
واللهَ أسألُ أن ييسر لي إتمام قصص الأنبياء وكذلك بقية القصص القرآني، والله الموفق لما يحبه ويرضاه فهو الذي يعطي عبده المؤمن فوق ما يتمناه.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم
وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم

وإني أهيب بكل مسلم وجد في كتابي شيئاً من الخطأ أو الغفلة أن يخلص لي النصيحة فيه، حتى أتوب إلى الله منه، وأتداركه في الطبعات المقبلة إن شاء الله، والله يوفقنا وإخواننا لما يحب ويرضى، ويختم لنا بخير في عافية، إنه سميع الدعاء وأهل الرجاء -ويبقى في المقدمة ما شرطناه- ولا حول و لا قوة إلا بالله.




مقدمة

الجزء الثاني
نسأل الله حسن الخاتمة

الحمدلله حمداً كثيراً طيباً مُباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والشكر له على ما أَوْلَى من نعمٍ سابِغةٍ وأسْدَى، نحمده سبحانه وهو الوليُّ الحميدُ، ونتوب إليه جل شأنه وهو التواب الرشيد.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نستجلب بها نِعَمه ونستدفع بها نقمه، وندخرها عدةً لنا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله صلى الله عليه وسلم وعلى سائر النبيين، ورضي الله عن صحابته الأبرار الذين قاموا بحق صحبته وحفظ شريعته وتبليغ دينه إلى سائر أمته، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد…
فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخيرَ الهَدي هَدْيُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد أيضاً…
فهذا الجزء الثاني من كتاب: «تَيْسِيْرُ المَنَّانِ في قَصَصِ القُرآنِ»:
أقدمه إلى إخواننا الكرام بعد أن قَرَّت أعينهم برؤية الجزء الأول الذي تضمن قصص أولي العزم من الرسل، وفي هذا الجزء الثاني المبارك قصص بقية مشاهير الأنبياء الكرام والرسل الكرام ، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو?لِى ?لْأَلْبَـ?بِ ?) [يوسف:???].

وقال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ?لْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـ?ذَا ?لْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ? لَمِنَ ?لْغَـ?فِلِينَ) [يوسف:?].


وقال تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ . . .) [هود:???].

وذلك من أجل إحياء ذكرى الأنبياء الكرام، وزيادة الإيمان بهم، فمن أركان الإيمان الستة: الإيمانُ بالرسل، إذ هم القدوة الحسنة للبشرية، وهم قادة ركْب الإيمان إلى السعادة الأخروية ، يتأسَّى بهم المؤمنون، وينسج على منوالهم الدًّعاة المخلصون، ويكون حبهم واتباعهم سبباً في الاجتماع بهم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
وقد أفصَحْتُ عن طريقتي في البحث في الجزء الأول بما يغني عن إعادته، ولكن أشير إشارة سريعة إلى ذلك، وهو أنني قصدتُ تجريد القصص من الأخبار الضعيفة والموضوعة وكذلك الإسرائيليات التي يثق بهما المتهوَّكون، ويكثر من نقلها من هو في بضاعة الكتاب والسنة مَغْبُون، فإن الله عز وجل أغنانا بكتابه وسنة رسوله المعصوم، عن أن نحتاج إلى كتب أهل الكتاب التي عبثت بها أيدي التحريف والتبديل، فلا يدري من ينقل شيئاً منها: هل هو من الصحيح المنزل أم من المحرّف أو المبدّل؟! ولذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، وقد رأيت بعض من وثق بكتب أهل الكتاب وأشبع نفسه ومصنفه منها فوقع في نسبة الشنائع بالأنبياء الكرام، فأردت أن يكون هذا الكتاب عسلاً مصفى، خالياً من الضعيف والموضوع والإسرائيليات، وكذلك الأسماء والزيادات التي ليس عليها دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، ثم إلقاء الضوء على الآيات الكريمات التي تبين كيف تكون الدعوة إلى الله عز وجل، وكيف يكون الصبر على دين الله، والثقة بنصر الله عز وجل، والوقوف على مواطن العبرة والعظة من الأمم السالفة، والفوائد الفقهية، والآثار الإيمانية، ولا يضيرني كثرةُ النقل، وحسبي أنني أقرِّب لإخواننا ما في بطون الكتب الكبار، فيقفوا على ما فيها من فوائد وحِكَمٍ ومُلَحٍ وآثار، حتى يفتح الله عز وجل وهو الفتاح العليم بشيء فأثبته بعد دراسة الآيات ومعرفة أقوال أهل العلم فيها، وأنا على يقين بفضل الله عز وجل أني في ذلك على سبيل وسنة، كما حاولتُ أن أرتبَ الأنبياء الكرام المذكورين في هذا الجزء ترتيباً زمانياً، وأُسوتي في ذلك كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه


الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكما في سورة الأعراف وهود والشعراء يأتي ذكر هود ثم صالح ثم لوط ثم شعيب صلى الله عليهم وسلم فاتبعته في ذلك، أما عن أنبياء بني إسرائيل فبحسب الاجتهاد والاتباع لبعض علماء السنة والتاريخ، ذكرت يوسف عليه السلام، ثم أيوب، ثم يونس، ثم داود، ثم سليمان عليهم الصلاة والسلام، هذا وقد بدأت بذكر أبي الأنبياء وأبي البشر: آدم عليه السلام.

وبعدُ؛ لا أطيل على القارئ الكريم مقدمتي فأحرمه من صحبة الأنبياء الكرام، وما ذكره الملك العلَّام في حقهم، وما صح من سنة خير الأنام في فضلهم وشرفهم، وكل ذلك بحمد الله بتفسير العلماء الأثبات الذين فتح الله عليهم في الدين، وكانت لهم اليد البيضاء على الأمة إلى أن يقوم الناس لله رب العالمين.

وذلك كما أشرت في الجزء الأول من باب «التصفية» حتى يتربى إخواننا الكرام على ما تربى عليه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.

وأسألُ اللهَ العظيمَ أن يغفر لي تقصيري وزللي، وأن ينفعني يوم القيامة بصالح عملي، والله يعلم ما قصدتُ، وما بجمعه وترتيبه أردتُ، فهو عند قصد كل عبدٍ ونيته، وهو المطلع على ما ظهر من عمله، وما خفي من سريرته.

والحمدلله على كل نعمة، وله وحده الحمد والمِنَّةُ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.


***



مقدمة
الجزء الثالث

إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
(يَـ??أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءَامَنُوا? ?تَّقُوا? ?للَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ? وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:???].

(يَـ??أَيُّهَا ?لنَّاسُ ?تَّقُوا? رَبَّكُمُ ?لَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَ?حِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ? وَ?تَّقُوا? ?للَّـهَ ?لَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ? وَ?لْأَرْحَامَ ? إِنَّ ?للَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:?].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا(??) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(??)) [الأحزاب :70 ,71 ].
أما بعد…
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فهذا هو الجزء الثالث من كتاب «تيسير المنان في قصص القرآن» وقد مضى في الجزأين السابقين قصص الأنبياء الكرام -عليهم الصلاة والسلام- وهذا الجزء في بقية القصص القرآني، ولعل قصص الأنبياء قد صنف فيه المصنفات الكثيرة، إلا أن بقية القصص لم يحظ بهذا الاهتمام، فلم أر مصنفاً اقتصر على هذا القصص، مع أنه غني بالعبر والعظات كما سيقف القارئ الكريم في هذا الجزء إن شاء الله تعالى.



وقد أفصحنا عن طريقة البحث في الجزأين السابقين، وبيَّنَّا الغرض من هذا المصنف، وكيف أنه تصفية للقصص القرآني من الخرافات والإسرائيليات والموضوعات، وكذلك الضعيف الذي لم يصححه أحدٌ من الأئمة.

والموعظة بالقصة المشتملة على العبرة والعظة من أنجح المواعظ؛ لأن النفس بطبيعتها تنجذب إلى القصة، وتأخذ القصة بمجامع القلوب، فإذا أودعت فيها الحكمة والعبرة كانت الغاية، والقرآن الكريم لا يحكي القصص لمجرد أنها قصص لتسلية وتزجية الأوقات، ولكنه يقص القصص من أجل التربية، وترسيخ المعاني الإيمانية، والأخلاق المرضية.
قال القاسمي: إن من محاسن التنزيل الكريم وبلاغته الخارقة هو الإيجاز في الأنباء التي يقصها، والإشارة منها إلى روحها وسرها، حرصاً على الثمرة من أول الأمر واقتصاراً على موضع الفائدة، وبعداً عن مشرب القصاص والمؤرخين؛ لأن القصد من قصصه الاعتبار والذكرى، ثم إن المفسرين -رحمهم الله- عنوا بالبحث والأخذ والتلقي، فكان من سلف منهم يرون فيما يرون أن من العلم تفصيل مجملات التنزيل، وإبانة مبهماته، حتى جُعِلَ ذلك فناً برأسه، وأُلِّفَ فيه مؤلفات، ولا بأس في التوسع من العلم والازدياد منه بأي طريقة كانت، لا سيما وقد رفع عنا الحرج بالتحديث عن بني إسرائيل إلا أنه يؤاخذ من يجزم بتعيين مبهم ما، إن كان جزمه من غير طريق القواطع، فإن القاطع هو ما تواتر أو صح سنده إلى المعصوم، صحة لا مَغْمَزْ فيها، وهذا مفقود في الأكثر.. إلى أن قال رحمه الله:
فالمفسر أحسن أحواله أن يمشي مع التنزيل إجمالاً فيما أجمل، وتفصيلاً فيما فصل، ولا يأخذ من إيضاح مبهماته إلا بما قام عليه قاطع، أو كان لا ينبذه العلم الصحيح، وإلا فليعرض عن تسويد وجوه الصحف بذلك، بل عن تشويهها، والذي حمل السلف على قص ما نحن فيه هو تلقيهم له عن مثل كعب ووهب وموافقة من في طبقتهما لهما فيه. اهـ ملخصاً(1).
وهذا بحمد الله ما انتهجناه في هذا الكتاب المبارك وإذا كانت النفوس



(1) " محاسن التأويل "(305 ) باختصار (14/69,68 ) .




البشرية تميل بطبيعتها إلى القصة، وأكثر الناس يضيعون أعمارهم في مشاهدة الأفلام الهابطة والتمثيليات الساقطة، من أجل التسلية، مع أن فيها ضياع الأخلاق، وهلاك الأديان، وقتل حياء النساء، وذهاب غَيْرة الرجال، فإنها لا تخلو من رؤية متبرجة شديدة التبرج والتهتك، أو اختلاط ماجن بين الرجال والنساء، أو شارب خمر، أو عازف على آلات المعازف واللهو، ثم هي ليست قصصاً من بحر الحقيقة والواقع، ولكنها من نسج الخيال، ومن وضع الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ولا يفوت هؤلاء الكُتَّاب الذين يغلب عليهم التفرنج والأفكار الإباحية، أن يُجَرِّءُوا الناس على المعاصي والشهوات، وأن يسكبوا في قلوبهم أنواع الشبهات، ولا تخلو من الاستهزاء بالدين، والسخرية من أولياء الله الصالحين.
وماذا ينتظر من أناس تركوا دينهم وإسلامهم خلف ظهورهم، ووجهوا وجوههم قِبَل الغرب الكافر، يهدمون ما هدموا من فضيلة، ويحيون ما أَحْيَوا من فاحشة ورذيلة، والله من ورائهم محيط.

فالحالة التي وصلت إليها أمة الإسلام في هذه العصور الغابرة لم تصلها في زمن من الأزمنة السالفة، حيث ترك الناس التعزز بدينهم والتمسك بقرآنهم الذي نبههم الله عز وجل على أن فيه رفعة شأنهم وعلو قدرهم كما قال تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـ?بًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء:??]، وساروا وراء الغرب الكافر، ومنهم من يتهم الإسلام بأنه السبب في تأخر المسلمين وعدم انطلاقهم في ميدان الحضارة والتقدم، وهذه مغالطة فاحشة فإن أكثر المسلمين اليوم لا يعملون بشرع الله، ولا يتحاكمون إليه، ولا يتعززون به، ولا يقفون عند حدوده، ومَنْ كان من أهل الإنصاف وأراد أن يعرف أثر الإسلام في تقدم الأمم والأفراد فلينظر إلى أزمنة الإسلام الزاهرة التي كان يطبق فيها شرع الله عز وجل ويتعزز الناس بدينهم، ويطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، وكم نظلم نظام الإسلام عندما نجعل المسلمين اليوم هم الأمثلة الحية للنفس الإنسانية إذا قامت بدين الله عز وجل، ولكن الجيل الفاضل الذي عمل بهذا الدين هم الصحابة والتابعون وتابعوهم من أهل القرون الخيرية، وكان الإسلام في هذا الوقت هو الدين الظاهر في الأرض، وكان الخليفة المسلم ينظر إلى السحابة في السماء


فيقول لها: أمطري حيث تشائين فسوف يأتيني خراجك، ولا شك أن هذا هو المقياس الصحيح لنظام الإسلام وأهليته لقيادة البشرية.
وإذا نظرت إلى الساحة العالمية والعربية وجدت الإسلام وأهله اليوم في غربة، وأن الحرب ضد الإسلام في كل مكان من بقاع الأرض، وأن أشد الناس حرباً للإسلام اليوم هم أهله وعشيرته، وسجون العالم العربي مليئة بالشباب الذين رضوا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً، وما أحسن ما قاله بعضهم حين خرج الإنجليز من مصر: خرج الإنجليز الحمر وبقي الإنجليز السمر. فما ابتلي به الإسلام والمسلمون أناس من جلدتهم، ولكنهم دعاة على أبواب جهنم، هم أيدي وأرجل الغرب الكافر في تنفيذ مخططاتهم، فإلى الله المشتكى وبه المستغاث ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنما نخاطب بهذا الكتاب شباب الصحوة الإسلامية المباركة الذين هم أمل الأمة في عودة شبابها ومجدها وعزها، وذلك من باب التصفية التي هي أول أسباب النصر والتمكين، حتى يتربى الناس على الإسلام صافياً من الخرافات والضلالات والموضوعات، ثم هذه القصص التي أثبتها الله عز وجل في كتابه ليست من الأساطير والخيال ولكنها قصص حقيقية مضت في تاريخ البشرية، من رحمة الله عز وجل وفضله على أمة خاتم الرسل وإمام المرسلين سجلها الله عز وجل لهم في كتابه الخالد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد، يقصها الله عز وجل علينا بأسلوبه المعجز تربية للأمة ورفعاً لمستواها الفكري والإيماني، فكيف لا تكون هذه القصص موضع اهتمام الذين ينادون بالتربية، والذين يهتمون بالإعداد لنهوض الأمة من كبوتها، ويحاولون الارتفاع بها إلى سالف عزتها وكرامتها.

وإذا كان أهل الدنيا ينزهون أعينهم و قلوبهم برؤية القصص الزائف المشتمل على المعاصي والمنكرات، فإن أهل الإيمان الصادق يمتعون قلوبهم وأرواحهم بسماع القصص الحق، الذي يقصه الله عز وجل عليهم؛ يربيهم به، ويرفع من شأنهم، ويقوي إيمانهم، فهم يجدون المتعة الروحية، ومع ذلك يؤجرون على قراءته وسماعه، فمثلهم كمثل أم موسى ترضع ولدها وتطفئ بذلك ظمأ نفسها، ومع ذلك تأخذ على ذلك أجراً.






وهكذا المؤمن في جميع أحواله وأعماله لأنه يحب الإيمان , وتوافق أسباب الإيمان هوى نفسه وراحة قلبه , ومع ذلك يؤجر على ذلك أعظم الأجر, كما قال الله عز وجل : ( وَلَ?كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَ?ئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)) [الحجرات: 8,7].
وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله , وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار))(1).
ولكل نفس ما يناسبها, فإن النفوس الخَيّرَةَ الطيّبة تُحب الإيمان وأسبابه وتميل إليه وتطمئن به, والنفوس الشريرة تميل إلى الكفر والمعاصي, والله تعالى أعلم بمواقع فضله وعدله.
" يَهْدي من يشاء ويعصم ويعافِي فضلاً, ويضِلُّ مَنْ يشاء ويخذلُ ويبتلي عدلاً, وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله " (2).
فنسأل الله العلي العظيم أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وجلاء همومنا وغمومنا وأن يَمُنَّ علينا وعلى المسلمين بفضله وأن يعجل لأعداء الإسلام عقوبته وعدله.
نعود إلى التعريف بهذا الجزء الثالث من القصص القرآني فنبين خطة البحث, فقد بدأت كل قصة بذكر الآيات التي ذكرت في هذه القصة؛ حتى تكون كالمتن والأصل الذي يدور حوله شرح أحداثها وبيان عبرها وعظاتها, فإنها أقوى تعبيراً وأشد تأثيراً, وهي المقصودة بالشرح والبيان, ثم أردفت ذلك بالأحاديث الصحيحة التي تبين معانيها أو تكمل أحداثها إن كان ثَمَّ أحاديث كما في قصة موسى والخضر, وقصة أصحاب الأخدود, ثم ذكرت
(1) رواه البخاري (1/60)"الإيمان", ومسلم(2/13) "الإيمان", والترمذي(10/91) "الإيمان".
(2) متن العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي(6) ط. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.


بعض أحداثها, وألقيت الضوء على موطن العبرة والعظة في القصة تحت عنوان " بين يدي قصة " ثم تتبعت كتب التفاسير, وكنت أقلب في الآية الواحدة أكثر من اثني عشر تفسيراً, حتى أقف على أقرب المعاني وأطيب التفاسير, وكما يقولون: اختيار الكلام أشد من نحْتِ السّهام. ثم ختمت القصة بجمع الفوائد والأحكام واللطائف والآثار الإيمانية؛ حتى يتم الانتفاع بهذا القصص العظيم والذكر الحكيم, وأرجو في ذلك كله أن أكون في عملي مخلصاً وللكتاب والسنة موافقاً , وأرجو من الله عز وجل أن يتم علينا وعلى المسلمين نعمته, وأن ينفع بهذا الكتاب بلاده وعباده, وأن يدخر الله عز وجل لنا يوم تتقلب القلوب والأبصار ما تقر به أعيننا, إنَّهُ وليّ ذلك والقادر عليه, والله الموفق والحمد لله رب العالمين.

***













منهج الدراسة

من باب التعريف والبيان لهذا المصنَّف الجديد في قصص القرآن أرى من المفيد أن أفصح عن طريقتي في البحث وما تتميز به هذه الدراسة الجديدة للقصص القرآني عن غيرها من المطبوع, وألخصُ ذلك في عشرة أمور:
(1) أبديت اهتماماً خاصاً بأولي العزم من الرسل حيث أفردتُهم بالجزء الأول من هذا الكتاب عدا خاتمهم صلى الله عليه وسلم حيث أفردته بدراسة أشرتُ إليها آنفاً, ولا يتبادر إلى ذهن القارئ من هذا الصنيع إنكار نبوَّة آدم عليه السلام وسوف نشيرُ إلى قصته بعد ذلك إن شاء الله.
(2) بدأتُ كل قصة من هذا القصص بذكر فضائل نبيَّها بما لم أجده مجموعاً في مصنَّف, ذاكراً الآيات الواردة في فضله بتفسير العلماء ثم ما صحَّت به السُّنَّة في فضائلهم صلى الله عليهم وسلم.
(3) لم أتعهد بسرد القصص وجميع ما ذكر كما هو منقول في أكثر القصص, وإنما اقتصرت على شيء من دعوتهم؛ لأن هذا هو المقصود الأول مع بيان طريقتهم في الدعوة وصبرهم وإخلاصهم, ثم ذكرتُ شيئاً من مواقفهم الإيمانية, وكيف نصرهم الله عز وجل على عدوه وعدوهم, وذلك من أجل تثبيت الدعاة وزيادة ثقتهم بنصر الله عز وجل.
(4) أكثرتُ من النقول خلافاً لكثير ممن صنف في هذا المجال فلا يضيرني إذا وصلت إلى المعنى المرجو أو الفائدة المطلوبة, كان ذلك على لساني أو لسان غيري.
(5) حذفت كل الإسرائيليات والموضوعات بل والضعيف الذي لم يصححه أحدٌ من الأثمة اكتفاءً بنصوص القرآن وصحيح السَّنَّة, وكذلك التفصيلات والأسماء التي لم ترد في كتاب الله ولا صحَّت بها سنَّة



رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولو افترضت صحة الإسرائيليات فهي مما لا فائدة فيه وإنما سقنا ما سقناه لاستخراج العبرة والعظة.

(6) جمع الكتاب بين أقوال أئمة التفسير المتقدمين: كالطبري والقرطبي والزمخشري, وأقوال المعاصرين من أهل العلم الذين لمسوا احتياج عصرهم وحاجة أمتهم: كالشنقيطي والسعدي ورشيد رضا وسيد قطب, رحمهم الله.
(7) ذكرتُ في مقدمة الكتاب أموراً نافعة في بيان أهمية القصص القرآني كأسلوب من أساليب التربية التي عليها مدار رفعة الأمَّة وعزَّتها, وجمعتُ ما وقفتُ عليه وما فتح الله عز وجل به من فوائد القصص القرآني عموماً بما لم أجده مجموعاً, ولله الحمد والمنَّة.
كما ذكرتُ كذلك حكم رواية الأحاديث الضعيفة والموضوعة واعتذرت عن المتقدمين الذين ذكروا في كتبهم الضعيف والموضوع بأسانيدهم, وكيف أنهم صنَّفوا لزمانهم وللمميزين بما تقرُّ به أعين المشتغلين بعلوم السُّنَّة.
(8) حققتُ الأحاديث المرفوعة بحسب الطاقة ذاكراً مواضع الحديث في كتب السُّنَّة بحسب ما تيسر من المراجع وهمَّة البحث العلمية بما لم أجده في كتب القصص عموماً مع اختلافها في ذلك.
(9) التزمت كما هو منهجي في البحث دائماً ترك فضول الكلام, ومحاولة جمع الفوائد وتحصيل المنافع بأوجز عبارة, وربما اقتصرت في كثير من المواطن على ترتيب النقول وتبويبها وتحقيق مادتها دون زيادات.
وعاشر العَشَرَةِ دعوتُ الله أن يبارك في هذا المؤلف وينفع به إخواننا, وأن يغفر لي تقصيري وزللي وينفعني والمسلمين بصالح عملي والله المستعان وعليه التكلان.
ويبقى في المقدمة ما شرطناه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

***

الفصل الأول
فوائد القصص القرآني

يقول الأستاذ مناع القطان: الحادثة المرتبطة بالأسباب والنتائج يهفو إليها السمع, فإذا تخللتها مواطن العبرة في أخبار الماضين كان حبُّ الاستطلاع لمعرفتها من أقوى العوامل على رسوخ عبرتها في النفس, والموعظة الخطابيَّة تسرد سرداً, لا يجمع العقلُ أطرافها ولا يعي جميع ما يلقى فيها, ولكنها حين تأخذ صورة من واقع الحياة في أحداثها تتضح أهدافها, ويرتاح المرءُ لسماعها, ويصغي إليها بشوقٍ ولهفةٍ, ويتأثر بما فيها من عبرٍ وعظاتٍ(1).
* فمن فوائد القصص القرآني أن به يتم ويكمل الإيمان بالأنبياء صلى الله عليهم وسلم, فإننا وإن كنا مؤمنين بجميع الأنبياء على وجه العموم والإجمال, فالإيمان التفصيلي المستفاد من قصصهم, وما وصفهم الله به من الصدقِ الكاملِ والأوصافِ الكاملةِ التي هي أعلى الأوصاف , وما لهم من الفضل والفواضل والإحسان على جميع نوع الإنسان, بل وصل إحسانهم إلى جميع الحيوانات, بما أبدوه للمكلَّفين في الاعتناء بها والقيام بحقَّها, فهذا الإيمان التفصيلي بالأنبياء يصل به العبدُ إلى الإيمان الكامل, وهو من مواد زيادة الإيمان.
* ومن ذلك أن في قصصهم تقرير الإيمان بالله وتوحيده, وإخلاص العمل له, والإيمان باليوم الآخر, وبيان حسن التوحيد ووجوبه, وقبح الشرك وأنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة.
ومن ذلك أيضاً أنهم عبرة للمؤمنين, يقتدون بهم في جميع مقامات الدين: في مقام التوحيد والقيام بالعبوديَّة, وفي مقامات الدعوة والصبر والثبات عند جميع النوائب المقلقة, ومقابلة ذلك بالطمأنينة والسكون والثبات
باختصار من "محاسن التأويل" (9/306,305) .)(1)
التَّام, وفي مقام الصدق والإخلاص لله في جميع الحركات والسكنات, واحتساب الأجر والثواب من الله تعالى, لا يطلبون من الخلق أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً إلاَّ الأمور النافعة للخلق.
*وفيها من الفوائد الفقهية, والأحكام الشرعية, والأسرار الحكميَّة شيء عظيم لا غنى لكل طالب علمٍ عنها.
*وفيها من الوعظ والتذكير, والترغيب والترهيب, والفرج بعد الشَّدة, وتيسير الأمور بعد تعسُّرها, وحسن العواقب المشاهدة في هذه الدار وحسن الثناء والمحبَّة في قلوب الخلق ما فيه زاد للمتقين, وسرور للعابدين, وسلوة للمحزونين, ومواعظ للمؤمنين, فليس المقصود من قصصهم أن تكون سمراً, وإنما الغرض الأعظم منها أن تكون تذكيراً وعبراً(1).
*ومن ذلك إثبات صدق الوحي المنزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم, كما قال تعالى: ((تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَ?ذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ )) [هود: 49]؛ لأن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يطلع على الكتب السابقة.
* ومن ذلك التسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيما يلاقونه من تكذيب وأذى واتهام بالسحر والجنون؛ فقد كُذَّب الرسل من قبل, ووجه لهم نفس القول, ثم صبروا حتى جاءهم نصر الله وإهلاك المكذبين.
كما قال تعالى: ((وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ))[الأنعام: 34].
* ومن أهداف القصص القرآني إبراز حقيقة عقيديَّة هامة تبرز من خلال السرد التاريخي, هي أن الأنبياء والرسل جميعاً عليهم صلوات الله وسلامه جاءوا بكلمة واحدة وقضية واحدة على تتابع الأجيال, كلمة واحدة هي : لا إله إلا الله, وقضية واحدة هي: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
(1) باختصار من "تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن" للعلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي(ص 101) بتصرف.
وتوحيد الألوهيَّة هو القضية الكبرى في حياة البشرية حيث يُرسل الرسلُ المتتابعون من أجلها وحدها, وكل شيء بعد ذلك مترتب عليها, وهذا يعطي الانتماء إلى أمة كبيرة موحدة على تتابع الأجيال: (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ))[الأنبياء:92].
* ومن هذه الفوائد بيان أن الابتلاء لا بد أن يحدث للمؤمنين, ولا بد أن تواجههم الجاهلية بالإيذاء بشتى صنوفه, ثم يبقون في هذا الإيذاء فترة لا ينصرهم فيها الله, إنما يملي للطغاة فينتفشون ويزيدون طغياناً بما يحدث لهم من الغلبة للمؤمنين, حتى إذا جاء أمرُ الله جاء النصر للمؤمنين بِقَدَرٍ من الله ووقع الهلاك بالمكذبين بقدر كذلك من الله(1).
* ومن هذه الفوائد بيان أن وظيفة الرسل تبليغ وحي الله تعالى لعباده, وأنهم لا يملكون فيما وراء التبليغ نفعاً للناس, لا دينياً كالإيمان والتَّقوى, ولا دنيويَّاً كالرزق والصحة, ولا كشف ضرَّ عنهم كذلك, فقد كان أبو إبراهيم وابن نوح وامرأته وامرأة لوط من الكافرين.
* في هذا القصص كذلك بيان أن شبهة الأقوام على رسلهم أنهم بشر, وأن آياتهم سحر, واقتراحهم عليهم نزول الملائكة والآيات الكونية الحسَّيَّة, وردهم عليهم بأن آياتهم من فعل الله تعالى لا من كسبهم بقدرتهم.
* في هذا القصص كذلك بيان الرسل أن هداية الدين سبب لزيادة النعم وحفظها, كما أنها هي التي تُنال بها سعادة الآخرة.
* ومن فوائده الانتفاع بنصائح الأنبياء ومواعظهم الخاصة بكل قوم بحسب حالهم؛ كقوم نوح في غوايتهم وغرورهم, وآل فرعون وملئه في ثروتهم وعتوهم, وقوم لوط في فحشهم, وعاد في قوَّتهم وبطشهم, وثمود في أشرهم وبطرهم, ومدين في تطفيفهم وإخسارهم لمكاييلهم وموازينهم, وبني إسرائيل في تمردهم وجمودهم.
* بيان سنن الله تعالى في استعداد الناس النفسي والعقلي لكلَّ من
(1) باختصار من "دراسات قرآنية" للأستاذ محمد قطب(99-111), دار الشروق.

الإيمان والكفر والخير والشَّر والهدى والضلال, واستكبار الرؤساء والزعماء المترفين والمقلَّدين للآباء عن الإيمان والإصلاح, وكون أولُ من يهتدي به المستضعفين والفقراء, وفي عاقبة الكفر والجحود والبغي والظلم والفسوق(1).
* ومن فوائد دراسة القصص كذلك تصديق الأنبياء السابقين وإحياء ذكراهم وتخليد آثارهم.
* ومن ذلك مقارعة أهل الكتاب بالحجة فيما كتموه من البيَّنات والهدى وتحديه لهم بما كان في كتبهم قبل التحريف والتبديل كقوله تعالى: ((? كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )) (2)[آل عمران: 93].
* ومن ذلك محبة الأنبياء والمرسلين وموالاتهم, وذلك من مكملات الإيمان بهم, وكذلك معاداة أعدائهم وبغضهم, ولا شكَّ أن محبة الأنبياء من أعظم أسباب دخول الجنَّة لقوله صلى الله عليه وسلم: (( المرء مع من أحب ))(3).
* ومن ذلك أن الشاهد ينبغي أن يدرس ويعلم ما يشهد به يوم القيامة, وهذه الأمة سوف تشهد لجميع الأنبياء يوم القيامة أنهم قد بلغوا, ويكون الرسول عليهم شهيداً.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يُدعَى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب, فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم, فيقال لأمَّته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير, فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمَّته, فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليهم شهيداً فذلك قوله عز وجل: (( وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا )) [البقرة:143](4), والوسط: العدل.
(1) باختصار وتصرف من "تفسير المنار" للعلامة محمد رشيد رضا رحمه الله(12/42,41).
(2) "مباحث في علوم القرآن" للشيخ مناع القطان(ص 307) بتصرف واختصار.
(3) حديث متواتر رواه البخاري(6/557) "الأدب"", ومسلم(16/187) البر والصلة, عن عبدالله بن مسعود بهذا اللفظ وروياه عن أنس بلفظ: ((أنت مع من أحببت)). ورواه الترمذي عن أنس وعن صفوان بن عسال(9/233) "الزهد".
(4) رواه أحمد (3/32), وابن ماجه(4284) بزيادة في أوله بإسناد صحيح على شرط =
* تكميل: قال الأستاذ منَّاع القطان: يشتمل القرآن الكريم على كثير من القصص الذي تكرر في غير موضع, فالقصة الواحدة يتعدد ذكرها في القرآن وتعرض في صور مختلفة في التقديم والتأخير والإيجاز والإطناب, وما شابه ذلك ومن حكمة هذا:
(1) بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها: فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة, والقصة المتكررة تَرِدُ في كلِّ موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر وتصاغ في قالب غير القالب, ولا يملّ الإنسان من تكرارها بل تتجدد في نفسه معانٍ لا تحصل له بقراءته في المواضع الأخرى.
(2) قوة الإعجاز: فإيراد المعنى الواحد في صورة متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة منها أبلغ في التحدي.
(3) الاهتمام بشأن القصة لتمكين عبرها في النفس: فإن التكرار من طرق التأكيد وأمارات الاهتمام كما هو الحال في قصة موسى مع فرعون لأنها تمثل الصراع بين الحقَّ والباطل أتم تمثيل – مع أن القصة لا تكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها.
(4) اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة: فتذكر بعض معانيها الوافية للغرض في مقام وتبرز معانٍ أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال(1).

***


= الشيخين, وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه" رقم(3457). ورواه البخاري(6/371) الأنبياء, عن أبي هريرة رضي الله عنه , بلفظ: "يجيء نوح وأمَّته".
(1) "مباحث في علوم القرآن" (ص 308,307).

الفصل الثاني
في بيان اشتمال أكثر كتب السير والتفاسير في القصص على الإسرائيليات والموضوعات مع بيان الحكم في ذلك
فمما دفعني إلى دراسة قصص الأنبياء عدة أمور:
الأمر الأول: معرفة ما ثبت من فضائلهم ومناقبهم ومراتبهم العالية ونشر ذلك لأنهم الأمثلة الحيَّة والقدوة الصالحة للبشرية, فقد اصطفاهم الله عز وجل على علم على العالمين واختصهم بالصفات العالية والأخلاق الرفيعة الزاكية, وأمرنا بالاقتداء بهم كما قال تعالى: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ )) [الأنعام:90] وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)) [الأحقاف: 35]. ولذا اهتم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بذكر فضائلهم ورفع منازلهم, مع أنه صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين, وإمام الأنبياء والمرسلين.
روى مسلم في "صحيحه" عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خير البرية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك إبراهيم"(1).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا تفضلوا بين أنبياء الله ؛ فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله, قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث, فإذا موسى عليه السلام آخذ بالعرش, فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي؟ ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن متَّى))(2).
ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه : قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟
(1) رواه مسلم (15/121) "الفضائل".
(2) مسلم (15/131,130) "الفضائل", والبخاري بمعناه(6/441) "أحاديث الأنبياء".
قال: "أتقاهم", فقالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله..."(1) الحديث.
وأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ببعض صفاتهم الخَلْقِيَّةِ مبالغة في التعريف بهم, فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم – ليلة أسري به –: " لقيت موسى فنعته فإذا رجل – حسبته قال: - مضطرب رَجِل الرأس كأنه من رجال شنوءة", قال: "ولقيت عيسى" فنعته النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فقال: "ربعه أحمر, كأنما خرج من ديماس – يعني الحمام – ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به..."(2). قال الحافظ: القائل: "حسبته" عبدالرزاق, والمضطرب: الطويل غير الشديد, وقيل: الخفيف اللحم, وتقدم في رواية هشام بلفظ: "ضرب" وفسر بالنحيف ولا منافاة بينهما. وقال ابن التين: هذا الوصف مغاير لقوله بعد هذا: "إنه جسيم" وهو ضد الضرب, إلا أن يراد بالجسيم الزيادة في الطول.
قال ابن حجر: ويؤيده قوله في الرواية التي بعد هذه: "كأنه من رجال الزُّط" وهم طوال غير غلاظ, ووقع في حديث الإسراء وهو في بدء الخلق: "رأيت موسى جعداً طوالاً" واستنكره الداودي فقال: لا أراه محفوظاً لأن الطويل لا يوصف بالجعد, وتعقب بأنهما لا يتنافيان. وقال النووي: الجعودة في صفة موسى جعودة الجسم وهو اكتنازه و اجتماعه, لا جعودة الشعر لأنه جاء أنه رَجِل الشعر.
وقوله في صفة عيسى: "رَبعة" وهو المربوع, والمراد أنه ليس بطويل جدّاً ولا قصير جدّاً بل وسط, وقوله: "كأنما خرج من ديماس" المراد من ذلك وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه, كأنه كان في موضع كَنَّ فخرج منه وهو عرقان, وسيأتي في رواية ابن عمر بعد هذا: "ينطف رأسه ماء"(3).
ثم وصف إبراهيم عليه السلام بأنه يشبهه صلى الله عليه وسلم فقال هنا: " وأنا أشبه ولده به"
(1) البخاري (6/387) "الأنبياء", ومسلم (15/134) "الفضائل".
(2) رواه البخاري (6/477,476) "الأنبياء".
(3) رواه البخاري (6/477,476) "الأنبياء".
وفي رواية: "فانظروا إلى صاحبكم"(1) يعني: نفسه صلى الله عليه وسلم.
والأمر الثاني: وهو ما أسلفنا في الفصل السابق وهو استخراج العبرة والعظة, والوقوف على الفوائد والآثار الإيمانية من القصص عموماً ومن كل قصة على وجه الخصوص, لقوله صلى عز وجل: ((لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ )) [يوسف: 111].
والأمر الثالث: وهو المقصود بالبحث في هذا الفصل: تنقية القصص مما علق به عبر القرون والأجيال, من الخرافات والموضوعات والإسرائيليات, فإن الله عز وجل تعبَّدنا بما جاء في كتابه الكريم وبما صحَّ من سنة المصطفى عليه الصلاة والتسليم.
يقول الأستاذ محمد أبو شهبة: لا يزال بعض الخطباء ومقيمي الشعائر الدينية الذين ليس لهم علم بالحديث رواية ودراية, ولا سيما من لم يتأهلوا التأهل اللازم لمن يتولى الإمامة والخطابة والذين لا يزالون يخطبون في الدواوين, أو يعتمدون في خطبهم على الكتب التي لا يُعتمد عليها في معرفة الأحاديث والتمييز بين صحيحها وضعيفها وموضوعها, والذين جعلوا غايتهم استرضاء الجماهير, فيذكرون لهم أحاديث في الترغيب والترهيب وحكايات وقصصاً مثيرة عجيبة أغلب الظنَّ أنها من وضع القصاص وجملة الزُّهاد الذين استباحوا ذلك, وكان جلُّ همِّهم تملق الجماهير واستمالتهم بذكر المبالغات, والتهاويل والعجائب والغرائب, وما أجدر هذه الفئة بأن يحال بينها وبين الخطابة, والوعظ والتذكير! حتى لا يسمَّموا أفكار الناس ويفسخوا القيم الدينية والخلقية الصحيحة, وتكون حجَّة على الإسلام لا حجَّة له, وأحب أن أقول لهؤلاء وأمثالهم: إن في الأحاديث الصحيحة والحسان والقصص الثابت الصحيح غُنْيَةً عن الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة والقصص المكذوب لمن يريد أن يرقق القلوب ويستولي على النفوس, فليتَّق الله هؤلاء في الناس وفي أنفسهم(2)
(1) "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (6/486,485).
(2) "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" للأستاذ الشيخ محمد بن محمد =
والناظر في كتب السير والتاريخ والتفاسير يهوله كثرة ما فيها من الخرافات والموضوعات التي لا يجوز روايتها لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ كذباً عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ, فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النَّار ))(1).
ولا شك أن ترويج الأحاديث الموضوعة بنقلها في المصنَّفات ودروس العلم مشاركة في الكذب على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إذا لم يتم التنبيه على ضعفها ووضعها. قال النووي رحمه الله: يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعاً أو غلب على ظنَّه وضعه, فمن روى حديثاً علم أو ظنَّ وضعه ولم يبيِّن حال روايته وضعفه فهو داخل في هذا الوعيد مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه أيضاً الحديث السابق: (( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ))(2). وقال الدَّارقطني: توعد صلى الله عليه وسلم بالنار من كذب عليه بعد أمره بالتبليغ عنه, ففي ذلك دليل على أنه إنما أمر أن يبلغ عنه الصحيح دون السقيم, والحق دون الباطل, لا أن يبلغ عنه جميع ما رُوي عنه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: (( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكلَّ ما سمع ))(3) أخرجه مسلم. فمن حدث بجميع ما سمع من الأخبار المروية عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولم يميز بين صحيحها وسقيمها وحقها من باطلها باء بالإثم وخيف عليه أن يدخل في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أخبر اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بما يكون بعده في أمَّته من الروايات الكاذبة والأحاديث الباطلة, فأمر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم باجتناب رواتها وحذَّر منهم ونهى عن
= أبو شهبة ( ص30-31) "سلسلة البحوث الإسلامية".
(1) رواه البخاري(3/160) "الجنائز", ومسلم (1/71,70) "المقدمة", والترمذي (9/126) أبواب العلم, والحديث متواتر لفظاً ومعنى.
(2) "شرح النووي على صحيح مسلم" (1/71), والحديث رواه مسلم (1/62) "المقدمة", والترمذي (9/129) "أبواب العلم".
(3) رواه مسلم (1/73) "المقدمة", بلفظ: "كفى بالمرء كذباً", أبو داود(4971) "الأدب" قال النووي: فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب فإذا حدث بكل ما سمع كذب لإخباره بما لم يكن, والكذب: الإخبار عن الشيء بغير ما هو, ولا يشترك فيه التعمد.
استماع أحاديثهم وعن قبول أخبارهم فقال صلى الله عليه وسلم: " سيكون في آخر الزمان أناس من أمَّتي يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإيَّاكم وإياهم"(1).
فإذا قال قائل: لماذا ترخص العلماء في رواية كثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في كتبهم ولم يشترطوا الصحة كما اشترط البخاري ومسلم رحمهما الله؟
فالجواب: أن الأحاديث الضعيفة التي ليست شديدة الضعف أو موضوعة قد تنجبر بكثرة الطرق إلى درجة الحسن أو الصحة فتترقى لدرجة الاحتجاج, فالحديث الذي لا يصح بذاته قد يصلح للاعتبار فيقوي غيره أو يقوى بغيره.
ثانياً: أنهم أوردوا الأحاديث بأسانيدها, وكما يقولون: من أسند لك فقد أحالك, وإنما يصح ذلك في أزمنتهم الزاهرة التي ينظر فيها طالب العلم في السند فيعرف آفته, وقد صرَّح بعضهم أنهم صنَّفوا للميز الذي يفرق بالنظر في السند بين صحيح الحديث وضعيفه وموضوعه, وبذلك تبرأ ذمَّة المصنف إذا ذكر الحديث بسنده, وعلى طالب العلم أن يميز من حيث السند ويحكم على الحديث بما يليق بحاله, ولا يخفى أن الواجب في هذه الأزمنة أن يبين حال الحديث من حيث الصحة أو الضعف.
ثالثاً: قد يخفى ضعف بعض الرواة على بعضهم, ولا يقدح هذا في علمهم وورعهم, فما جعل الله العصمة لأحد بعد رسوله صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: أسباب الجرح مختلفة وما يراه بعض الأئمة قادحاً يراه غيره غير قادح, ومن هنا اختلف العلماء في الحكم على الحديث بالصحة والضعف(2).
وأما الإسرائيليات: فقد ترخَّص كثير من العلماء في نقلها عملاً بقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية, وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"(3).
(1) "الضعفاء والمتروكين"(9-11) ط. المكتب الإسلامي, والحديث رواه مسلم (1/78) "المقدمة".
(2) وانظر: "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" لأحمد شاكر(ص38).
(3) رواه البخاري (6/496) "أحاديث الأنبياء", والترمذي(9/137,136)"العلم".
قال ابن كثير رحمه الله: لكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتضاد فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه, لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل, فلا نؤمن به ولا نكذبه, ويجوز حكايته لما تقدم, وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني, ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيراً, ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك, كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعددهم وعصا موسى من أي الشجر كانت, وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم, وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيل من البقرة, ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى, إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم(1).
قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله: إن إباحة التحديث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيءٌ, وذِكْرُ ذلك في تفسير القرآن وجَعْلُهُ قولاً أو روايةً في معنى الآيات أو في تعيين ما لم يعين فيها أو في تفصيل ما أجمل فيها شيء آخر؛ لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبيَّن لمعنى قول الله سبحانه ومفصَّل لما أجمل فيه, وحاشا لله ولكتابه من ذلك.
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم – إذ أذن بالتحديث عنهم – أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم فأي تصديقٍ لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفراً.
وقد قال الحافظ ابن كثير نفسه في تفسير الآية(50) من سورة الكهف بعد أن ذكر أقوالاُ في إبليس, واسمه, ومن أي قبيل هو؟!: (وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السَّلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله
(1) "تفسير القرآن الكريم" (1/4) "المقدمة" دار المعرفة, بيروت.
أعلم بحال كثير منها, ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحقَّ الذي بأيدينا, وفي القرآن غنية عن كلِّ ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة, وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين – كما لهذه الأمَّة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دَوَّنُوا الحديث وحرروه وبيَّنوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه, وعرفوا الوضَّاعين والكذَّابين والمجهولين, وغير ذلك من أصناف الرجال, كلُّ ذلك صيانة للجناب النَّبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم – أن ينسب إليه كذب أو يحدَّث عنه بما ليس منه -, رضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنَّات الفردوس مأواهم, وقد فعل)(1).
وروى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال: " يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يُشَبْ؟ وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدَّلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا: ((هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا )) [البقرة: 79] أفلا ينهاكم بما جاءكم من العلم عن مساءلتهم, ولا والله ما رأينا منهم رجلاً قط يسألونكم عن الذي أنزل عليكم"(2).
وروى البخاري كذلك عن حميد بن عبدالرحمن سمع معاوية يحدث رهطاً من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال: (إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب – وإن كنا – مع ذلك لنبلو عليه الكذب)(3).
قال الحافظ: وقال عياض: يصح عوده على الكتاب, ويصح عوده على كعب وعلى حديثه, وإن لم يقصد الكذب ويتعمده, إذ لا يشترط في مسمى
(1) "عمدة التفاسير عن الحافظ ابن كثير" اختصار وتحقيق أحمد محمد شاكر(16,15).
(2) رواه البخاري(5/291) "الشهادات" (13/496) "التوحيد" (13/334) "الاعتصام بالكتاب والسنة".
(3) رواه البخاري (5/333) "الاعتصام بالكتاب والسنة".
الكذب التعمد بل هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه, وليس فيه تجريح لكعب بالكذب.
وقال ابن الجوزي: المعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً, لا أنه يتعمد الكذب, وإلاَّ فقد كان كعب من أخيار الأحبار(1).
وقال ابن كثير رحمه الله: لما أسلم كعب الأحبار في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديماً, فربما استمع له عمر فترخص الناس في استماع ما عنده غثها وسمينها, وليس لهذه الأمة حاجة إلى حرف واحدٍ مما عنده(2).
ومع تصريح ابن كثير رحمه الله بأن هذه الأمَّة ليست في حاجة إلى حرف واحدٍ مما عنده ومع قول معاوية رضي الله عنه بأن كعب الأحبار كان من أصدق المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب إلاَّ أن تفسيره لم يخل من الإسرائيليات وكذلك قصص الأنبياء المنسوب إليه رحمه الله إلَّا أنه ينبه على حالها.
يقول الأستاذ محمد أبو شهبة رحمه الله: ومن خصائص هذا التفسير العظيم أنه يعتبر نسيج وحده في التنبيه على الإسرائيليات والموضوعات في التفسير, تارة يذكرها ويعقب عليها بأنها دخيلة على الرواية الإسلامية ويبين أنها من الإسرائيليات المكذوبة, وتارة لا يذكرها بل يشير إليها, ويبيَّن رأيه فيها وقد تأثر في هذا بشيخه الإمام ابن تيمية, وزاد على ما ذكره كثيراً وكل من جاء بعد ابن كثير من المفسرين ممن تنبه إلى الإسرائيليات والموضوعات وحذر منها هم عالة عليه في هذا ومدينون له فيها بهذا الفضل , وقد تعقب ابن جرير على جلالته وتقدمه في بعض الإسرائيليات والموضوعات التي ذكرها في تفسيره ولا عجب في هذا فهو من مدرسةٍ عُرفت بحفظ الحديث والعمل به روايةً ودرايةً, وأصالة النقد, والجمع بين المعقول والمنقول ,وهي مدرسة

(1) باختصار من "فتح الباري" (5/335).
(2) نقلاُ عن "محاسن التأويل" للقاسمي (8/120).
شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه ابن القيم والذهبي وابن كثير وأمثالهم, فجزاه الله على صنيعه هذا خير الجزاء(1).
ويقول العلامة أحمد شاكر صاحب "عمدة التفاسير" وهو مختصر لتفسير ابن كثير مبيناً منهجه في الاختصار:
( نفيت عن كتابي هذا كل الأخبار الإسرائيلية وما أشبهها فإن المؤلف رحمه الله قد جَدَبَها(2) في مواضع كثيرة من تفسيره, وأبان عن خطلها وضررها, وأنحى باللائمة على روايتها ورواتها, ورسم لنفسه خطة في شأنها, ومع ذلك فإنه – فيما يبدو لي – لم يستطع أن يسير على ما رسم, وغلبه ما وجد من الروايات في كثير من المواطن فأثبت طائفة منها غير قليلة فحذفتها كلَّها والحمد لله)(3).
ولا شك أن أكثر هذه الإسرائيليات في كتب التفاسير إنما هي في القصص؛ حيث إنه من أخصب المجالات لذكر العجائب والغرائب التي عند أهل الكتاب, خاصة مع العلم بأن كثيراً من هذا القصص مروي في كتبهم, التي حرَّفوها وزادوا فيها ونقصوا منها.
يقول العلامة أبو شهبة رحمه الله: وقد جاء في كتب التفسير على اختلاف مناهجها إسرائيليات كواذب ومرويَّات بواطل, لا يحصيها العدُّ وذلك فيما
(1) باختصار من "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير"(183,182) مجمع البحوث الإسلامية.
(2) أي: ذمَّها وعابها.
(3) "عمدة التفاسير" (ص9) في "المقدمة" وبالنسبة للإسرائيليات التي نقلها ابن كثير فلعله ذكرها للتنبيه عليها والتحذير منها وذلك لكثرة ورودها في أكثر التفاسير والسير, والدليل على ذلك أنه ينبه على بطلانها وكذبها غالباً, والذي يتعجب منه هو الأسماء والتفصيلات التي ذكرت في القصص, ولم ترد في كتاب الله ولا صحَّت بها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا نعلم للغيب مصدراً ثالثاً, فمن أين أخذها إذاً مَنْ ذكرها, وقد تعمدت في هذا القصص عدم ذكر شيء من ذلك. إلا ما قصه الله عز وجل علينا, أو صحَّ في سنة النبي صلى الله عليه وسلم, مع العلم بأن تفسيره وتاريخه من أقرب المصنفات وأنفعها وأكثرها بركة, فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير, وغفر لنا وله ما زلَّ به القلمُ.

يتعلق بقصص الأنبياء والمرسلين والأمم والأقوام السابقين, وقد رويت عن بعض الصحابة والتابعين وتابعيهم, وورد بعضها مرفوعاً إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كذباً وزوراً.
وهذه المرويَّات والحكايات لا تَمُتّ إلى الإسلام, وإنما هي من خرافات بني إسرائيل وأكاذيبهم وافتراءاتهم على الله وعلى رسوله(1).
وبهذا الكلام انتهت المقدمة, نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.
***











(1) "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير" (250,249).






















رَفعُ
عبدالرَّحمن النَّجديَّ
أسكنه اللهُ الفِردوس


قصة نوح عليه السلام







فضائل نوح عليه السلام
(1) ثناء الله عز وجل عليه:
قال تعالى: ((ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ))[الإسراء: 3].
قال القاسمي: أي: لمعرفته بنعم الله واستعمالها على الوجه الذي ينبغي, وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره, وحثٌّ للذرية على الاقتداء به(1).
وقال الزمخشري: قيل: كان إذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني, وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني, وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو شاء أعراني(2).
وقال ابن كثير: والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبيَّة والقوليَّة والعمليَّة فإن الشكر يكون بهذا وبهذا(3).
(2) أول رسول للبشر:
فقد كان بينه وبين آدم عشرة قرون كلهم على التوحيد, ولذا قال الله عز وجل: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ )) [الإسراء: 17].
عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة وفيه: (( فيأتون نوحاً, فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض, وسمَّاك الله: عبداً شكوراً أما ترى إلى ما نحن فيه))(4).
(1) "محاسن التأويل" (10/201).
(2) "الكشاف" (2/648) باختصار.
(3) "قصص الأنبياء" (ص91).
(4) الحديث مخرَّج في الكتب الستة بألفاظ وطرق, وهو في "البخاري" (13/371) "التوحيد", ومسلم (3/53-60) "الإيمان".


قال الحافظ: فأما كونه أول الرسل فقد استشكل بأن آدم كان نبياً, وبالضرورة تعلم أنه كان على شريعة من العبادة, وأن أولاده أخذوا ذلك عنه, فعلى هذا فهو رسول إليهم, فيكون هو أول رسول, فيحتمل أن تكون الأوَّلية في قول أهل الموقف لنوحٍ مقيدة بقولهم: إلى أهل الأرض؛ لأنه في زمن آدم لم يكن للأرض أهل, أو لأن رسالة آدم إلى بنيه كانت كالتربية للأولاد, واستشكله بعضهم بإدريس, ولا يرد لأنه اختلف في كونه جد نُوح كما تقدم(1).
(3) أحد أولي العزم من الرسل المذكورين في آيتي الشورى والأحزاب:
قال تعالى: ((شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ )) [الشورى:13].
وقال تعالى: ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)) [الأحزاب:7]. قال أبو السعود: وتخصيصهم بالذكر يعني قوله: ((وَمِنكَ ... )) إلخ مع اندراجهم في النبيين للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم, وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع, وأساطين أولي العزم, وتقديم نبينا – عليه وعليهم الصلاة والسلام – لإبانة خطره الجليل(2).
(4) استجاب الله عز وجل دعاءه ونجاه من الكرب العظيم وجعل ذريته هم الباقين:
قال تعالى: ((وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (82))) [الصافات:75-82]. قال الألوسي: ونداؤه عليه السلام يتضمن الدعاء على كفَّار قومه وسؤاله النجاة وطلب النصرة. وقوله: ((فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ)) قال: تالله لقد دعانا نوح حين أيس
(1) باختصار من "فتح الباري" (6/373,372).
(2) نقلاً عن "محاسن التأويل" (14/230).
من إيمان قومه بعد أن دعاهم أحقاباً ودهوراً فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً ونفوراً, فأجبناه أحسن الإجابة, فو الله لنعم المجيبون نحن. وقوله: ((وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ))؛ أي: الغرق ((وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ)) حيث أهلكنا الكفرة بموجب دعائه ((رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا)) [نوح:26].
وقد روي أنه مات كل من في السفينة ولم يعقبوا عقباً باقياً غير أبنائه الثلاثة: سام وحام ويافث وأزواجهم فإنهم بقوا متناسلين إلى يوم القيامة.
أخرج الترمذي وحسنه وابن سعد وأحمد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: " سام أبو العرب, وحام أبو الحبش, ويافث أبو الروم".
وعلى كون الناس كلهم من ذريته عليه السلام استدل بعضهم بالآية.
وقالت فرقة: أبقى الله تعالى ذرية نوح عليه السلام ومدَّ في نسله وليس الناس منحصرين في نسله بل من الأمم من لا يرجع إليه. حكاه في البحر. قال: والحصر في الآية بالنسبة إلى من في السفينة, وهو لا يستلزم عدم بقاء ذرية من لم يكن معه وكان في بعض الأقطار الشاسعة التي لم تصل إليها الدعوة, ولم يستوجب أهلها الغرق كأصل الصين كما يزعمون(1).
قوله: ((وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81))) [الصافات: 78-81]: قال الزمخشري: معناه: الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعاً, وأن لا يخلو أحد منهم منها, كأنه قيل: ثبَّت الله التسليم على نوح وأدامه في الملائكة والثقلين يسلمون عليه عن آخرهم, علَّل مجازاة نوح عليه السلام بتلك الكرامة السَّنيَّة من تبقية ذكره وتسليم العالمين عليه إلى آخر الدَّهر بأنه كان محسناً ثم علَّل كونه محسناً بأنه كان عبداً مؤمناً؛ ليريك جلالة محل الإيمان, وأنه القصارى من صفات المدح والتعظيم, ويرغبك في تحصيله والازدياد منه(2).
(1) "روح المعاني" (23/98) باختصار.
(2) "الكشاف" (4/48).
(5) جعل الله في ذريته النبوة والكتاب:
قال تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ))[الحديد:26].
قال ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحاً عليه السلام لم يرسل بعده رسولاً ولا نبيّاً إلا من ذريته, وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن, لم ينزل من السماء كتاباً ولا أرسل رسولاً ولا أوحى إلى بشر من بعده إلاَّ وهو من سلالته(1).

***










(1) "تفسير القرآن العظيم" (4/315).
دعوته عليه السلام
وصبره على تكذيب قومه وعنادهم
كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلها على التوحيد, كما في صحيح الحديث عن ابن عباس قال: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام"(1), والمراد بالقرن: الجيل كما قال تعالى: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ))[الإسراء:17]. وقيل: المراد بالقرن مائة سنة .
ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أنْ آل الحال بأهل هذا الزمان إلى عبادة الأصنام.
عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير ((وَدّ وسواع ويغوث ونسر)) : ((أسماء رجال صالحين من قوم نوح, فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً, وسمُّوها بأسمائهم ففعلوا, فلم تعبد, حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخ العلم عُبِدت))(2).
قال الحافظ: وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام, ثم تبعهم مَن بعدهم على ذلك(3).
قال تعالى: ((إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4)) [نوح: 1-4].
(1) رواه الحاكم(2/442) عن ابن عباس موقوفاً وصححه على شرط البخاري, ووافقه الذهبي.
(2) رواه البخاري(8/667) "التفسير".
(3) "فتح الباري"(8/669).
(4) قال القاسمي: قال المهايمي: سميت به لاشتمالها على تفاصيل دعوته وأدعيته. "محاسن التأويل"(16/292).

قال ابن كثير رحمه الله: يقول الله تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام أنه أرسله إلى قومه آمراً له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم, فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم(1). قال سيد قطب رحمه الله: في هذه الخطوط العريضة تتلخص الديانة السماوية على الإطلاق ثم تفترق بعد ذلك في التفصيل والتفريع.
وعبادة الله وحده منهج كامل للحياة يشمل تصور الانسان لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ولحقيقة الصلة بين الخلق والخالق . وتقوى الله هي الضمانة الحقيقية لاستقامة الناس على ذلك المنهج, وعدم التلفت هنا أو هناك. وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة للاستقامة على الطريق, وتلقي الهدى من مصدره المتصل بالمصدر الأول للخلق والهداية.
وقد وعدهم عليها ما وعد به التائبين الثائبين: ((يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى)) وجزاء الاستجابة للدعوة إلى عبادة الله وتقواه وطاعة رسوله هي المغفرة والتخلُّص من الذنوب التي سلفت, وتأخير الحساب إلى الأجل المضروب له في علم الله وهو اليوم الآخر, وعدم الأخذ في الحياة الدنيا بعذاب الاستئصال.
ثم بَّين لهم أن ذلك الأجل المضروب حتمي يجيء في موعده, ولا يُؤخر كما يُؤخر عذاب الدنيا فقال: ((إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)) [نوح:4](2).
وها هو نوح عليه السلام يرفع تقريراً إلى ربَّه الكريم عن دعوته , يقول تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7))[نوح:5-8].
قال القاسمي: (قَالَ)؛ أي: نوح بعد أن بذل غاية الجهد وضاقت عليه الحِيَلُ , في تلك المدد الطوال ((رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي))؛ أي: إلى التوحيد والعمل الصالح ((لَيْلًا وَنَهَارًا))؛ أي: دائماً بلا فتور ولا توان ((فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا))؛
(1) "تفسير القرآن العظيم".
(2) "في ظلال القرآن" (5/3712,3711) باختصار.
أي: من الحق الذي أرسلتني به ((وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ)) إلى الإيمان؛ أي: سدُّوا مسامعهم من استماع الدَّعوة ((وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ))؛ أي: تغطَّوا بها من كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في الدَّين, ((وَأَصَرُّوا)) على الشرَّ والكفر ((وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا))؛ أي: تعاظموا عن الإذعان للحقَّ وقبول ما دعوتهم إليه من النصيحة(1).
قال تعالى حاكياً عن نوح عليه السلام: ((ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)) [نوح:8-12]. قال الزمخشري: قد فعل عليه الصلاة والسلام كما يفعل الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, في الابتداء بالأهون والترقي في الأشد فالأشد, فافتتح بالمناصحة في السِّرِّ, فلما لم يقبلوا ثنَّى بالمجاهرة, فلما لم تؤثر ثلَّث بالجمع بين الإسرار والإعلان, ومعنى ((ثُمَّ)) الدالة على تباعد الأحوال لأن الجهر أغلظ من الإسرار والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما(2).
قال الألوسي: ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)) بالتَّوبة عن الكفر والمعاصي فإنه سبحانه لا يغفر أن يشرك به, وقال: ((رَبَّكُم)) تحريكاً لداعي الاستغفار ((إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)) دائم المغفرة كثيرها للتَّائبين, كأنهم تعلَّلوا وقالوا: إنْ كنَّا على الحقَّ فكيف نتركه, وإنْ كنَّا على الباطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا جَلَّ وعَلَا بعدما عكفنا عليه دهراً طويلاً؟! فأمرهم بما يمحق ما سلف من المعاصي, ويجلب إليهم المنافع, ولذلك وعدهم على الاستغفار بأمور هي أحبّ إليهم وأوقع في قلوبهم من الأمور الأخرويَّة ؛ أعني: ما تضمَّنه ((يُرْسِلِ السَّمَاءَ ...)) إلخ وأحبِّيتهم لذلك لما جُبلوا عليه من محبَّة الأمور الدنيويَّة – والنفس مولعة بحبِّ العاجل – قال قتادة: كانوا أهل حبٍّ للدنيا فاستدعاهم إلى الآخرة من الطريق التي يحبُّونها, وقيل: لما كذَّبوه عليه الصلاة والسلام بعد تكرير الدَّعوة حبس الله تعالى عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة, وقيل: سبعين سنة, فوعدهم أنهم إن آمنوا يرزقهم الله تعالى الخصب
(1) "محاسن التأويل" (9/294).
(2) "الكشاف" (4/616).
ويدفع عنهم ما هم فيه وهو قوله: ((يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا))(1). قال ابن كثير رحمه الله: وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم كما قال تعالى: ((فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)) [العنكبوت:14]؛ أي: ومع هذه المدَّة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم. وكان كلَّما انقرض جيل وَصَّوا مَنْ بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته, وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصَّاه فيما بينه وبينه ألا يؤمن بنوح أبداً ما عاش ودائماً ما بقي. وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق ولهذا قال: ((وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا)) [نوح: 27].
و: ((قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاءَ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33))) [هود: 33,32] أي: إنما يقدر على ذلك الله عز وجل فإنه الذي لا يعجزه شيء ولا يكترثه أمر, بل هو الذي يقول للشيء: كن, فيكون.
((وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34))) [هود: 34]؛ أي: من يرد الله فتنته فلن يملك أحدٌ هدايته, وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء, وهو الفعَّال لما يريد, هو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية, وله الحكمة البالغة والحجَّة الدامغة(2).
***
* الفوائد والآثار الإيمانية:
قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي:
* يستفاد من هذه القصة أمور:
(1) منها: أن جميع الرسل من نوح إلى محمدٍ صلى الله عليهم وسلم متفقون على الدَّعوة إلى التَّوحيد الخالص والنهي عن الشرك, فنوح وغيره أول
(1) "روح المعاني" (29/72).
(2) "قصص الأنبياء" (75,74).
ما يقولون لقومهم: ((اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)) [الأعراف:59] ويكررون هذا الأصل بطرق كثيرة.
(2) ومنها: آداب الدَّعوة وتمامها, فإن نوحاً دعا قومه ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً, بكلِّ وقت وبكلِّ حالة يظن فيها نجاح الدعوة, وأنه رغَّبهم بالثواب العاجل بالسَّلامة من العقاب وبالتمتع بالأموال والبنين وإدرار الأرزاق إذا آمنوا وبالثواب الآجل وحذَّرهم من ضدِّ ذلك, وصبر على هذا صبراً عظيماً كغيره من الرُّسل, وخاطبهم بالكلام الرقيق والشفقة وبكلِّ لفظٍ جاذب للقلوب محصل للمطلوب, وأقام الآيات وبيَّن البراهين.
(3) ومنها: أن من فضائل الأنبياء وأدلة رسالتهم وإخلاصهم التَّام لله تعالى في عبوديتهم لله القاصرة, وفي عبوديتهم المتعدية لنفع الخلق كالدَّعوة والتَّعليم وتوابع ذلك, ولذلك يبدون ذلك ويعيدونه على أسماع قومهم كل منهم يقول: ((يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي)) [هود:51] ولهذا كان من أجل الفضائل لأتباع الرسل أن يكونوا مقتدين بالرسل في هذه الفضيلة, والله تعالى يجعل لهم من فضله من رفعة الدنيا والآخرة أعظم مما يتنافس فيه طلاب الدنيا(1).
(4) قال القرطبي رحمه الله في هذه الآية ((فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)) [نوح:10] والتي في هود: ((وَ يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52))) [هود:52] دليل على أن الاستغفار يُستنزل به الرزق والأمطار.
قال الشعبي: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى رجع فأُمطروا فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يُستنزل بها المطر, ثم قرأ: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ)). وقال ابن صبيح: شكا رجلٌ إلى الحسن الجدوبة ؛ فقال له: استغفر الله, وشكا آخر إليه الفقر, فقال له: استغفر الله, وقال له آخر: ادع الله أن يرزقني ولداً, فقال له: استغفر الله, وشكا له آخر جفاف بستانه, فقال له:
(1) "تفسير اللطيف المنان" (109-111) باختصار.
استغفر الله, فقلنا له في ذلك , فقال : ما قلت من عندي شيئاً إن الله تعالى يقول في سورة نوح: ((اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ...)) الآية(1).
(5) قال الحافظ في "فتح الباري": حكى الواقدي قال: كان "ودٌّ" على صورة رجل, و"سواع" على صورة امرأة, و"يغوث" على صورة أسد, و"يعوق" على صورة فرس, و"نسر" على صورة طائر, وهذا شاذ والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر وهو مقتضى ما تقدم من الآثار في سبب عبادتها(2).
(6) قال ابن القيم رحمه الله: أول ما كاد به الشيطان عُبَّاد الأصنام من جهة العكوفِ على القبور وتصاوير أهلها ليتذكروهم بها, كما قصَّ الله سبحانه قصصهم في كتابه فقال: ((وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ)) الآية.
ثم قال: وتلاعُبُ الشيطان بالمشركين في عبادة الأصنام له أسباب عديدة, تلاعب بكلِّ قومٍ على قدر عقولهم, فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى الذين صّوروا تلك الأصنام على صورهم كما تقدم في قوم نوح عليه السلام, ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتخذين على القبور المساجد والسُّرج, ونهى عن الصَّلاة إلى القبور, وسأل ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد, وأمر بتسوية القبور وطمس التماثيل, فأبى المشركون إلا خلافه في ذلك كلِّه(3).

***


(1) " الجامع لأحكام القرآن" باختصار (8/6781).
(2) "فتح الباري" (8/669).
(3) باختصار من "إغاثة اللهفان" (2/218) .

دعاء نوح عليه السلام على قومه
واستجابة الله عز وجل له وهلاك الكافرين

قال تعالى: ((وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَ يَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48))) [هود: 36-48].
قال ابن كثير رحمه الله: وهذه تعزية لنوحٍ عليه السلام أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن؛ أي: لا يسوءنَّك ما جرى فإن النَّصرَ قريبٌ, والنَّبأ عجبٌ عجيب.

{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ? إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ}
[هود: 37]:
وذلك أن نوحاً عليه السلام لمَّا يئس من صلاحهم و فلاحهم، ورأى أنهم لا خير فيهم، وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال، دعا عليهم دعوةٌ غضب الله عليهم، فلبى دعوته وأجاب طلبه: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)} [الصافات : 75-76].
{وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)} [نوح : 26-27]، فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم (2).
{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ? قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)} [هود : 38-39]:
قال صاحب المنار: وطفق يصنع الفلك كما أُمِرَ {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ?} استهزؤوا به وضحكوا منه وتنادوا عليه لحساباتهم أنه مصاب بالهوس والجنون، ورُوي أنهم كانوا يسألونه عمًّا يصنع فيجيبهم أنه يصنع بيتاً يمشي على الماء، ولم يكن هذا معروفاً ولا متصوراً، وقلَّ أن يسبق أحدٌ أهل عصره بما هو فوق عقولهم ومداركهم من قول أو عمل، إلا سخروا منه قبل أن يتم له النجاح فيه.
{قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} أي: نسخر منكم اليوم لجهلكم وغداً لما يحل عليكم، فإن كنتم لا تعلمون اليوم بما نعمل وبما سيكون من عاقبة أمرنا {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ{ بعد تمامه }مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ} أي: يذله ويجلب له العار والتبار في الدنيا {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ} بعد ذلك في الآخرة فيكون عذاب الدنيا هيّناً بالإضافة إليه لانقضاء هذا وزواله بهلاككم وبقاء ذلك ودوامه بدوامكم (3).


* قوله تعالى: {حَتَّى? إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ? وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40]:
قال القرطبي: اختلف في التنور على أقوالٍ سبعة:
الأول: وجه الأرض.
الثاني: أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه.
الثالث: أنه موضع اجتماع الماء في السفينة.
الرابع: أنه طلوع الفجر.
الخامس: أنه مسجد الكوفة.
السادس: أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة منها.
السابع: أنه العين التي بالجزيرة.
قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن الله عزّ وجلّ أخبرنا أن الماء جاء من السماء والأرض قال: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا } [القمر: 11-12]. فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة، والفوران: الغليان. {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}؛ يعني: ذكراً وأُنْثى لبقاء أصل النسل (4). {وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}:
قال الشيخ محمد رشيد رضا: أي: واحمل فيها أهل بيتك ذكوراً وإناثاً، وأهل بيت الرجل عند الإطلاق: نساؤه وأولاده وأزواجهم، والظاهر أن المستثنى منهم كفارهم إن كان فيهم كفار لأنهم يدخلون في عموم قوله: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ? إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} (5).
قال ابن كثير: وقدم الله تعالى إليه إذا جاء أمره وحلَّ بهم بأسه الذي لا يُرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه، فإنه لعلَّه قد تدركه


رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم، فإنه ليس الخبر كالمعاينة (6).
* قوله تعالى: {وَمَنْ آمَنَ ? وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود: 40]:
قال في "المنار": ولم يبيًّن الله تعالى ولا رسوله عددهم فكل ما قاله المفسرون فيهم مردود لا دليل عليه كما قال ابن جرير الطبري، كما أنه لم يبيًّن لنا أنواع الحيوانات التي حملها، ولا كيف حملها وأدخلها السفينة، وهي مفصَّلة في سفر التكوين، وللمفسرين فيها إسرائيليات مضحكة تخالفها لا ينبغي تضييع العمر في نقلها وإشغال القرَّاء بها (7).
* {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ? إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [هود: 41]:
قال الزمخشري: بمعنى: اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين: باسم الله وقت إجرائها ووقت إرسائها، ويُروى أنه كان إذا أراد أن تجري قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم الله، فرست، ويجوز أن يقحم الاسم كقوله: " ثم اسم السلام عليكما"، ويراد بالله إجراؤها وإرساؤها؛ أي: بقدرته وأمره (8).
{إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}؛ أي: لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إيَّاكم لما نجَّاكم.
* {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى? نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42]:
قال القاسمي رحمه الله: وذلك أنه لما تفتحت أبواب السماء بالماء، وتفجَّرت ينابيع الأرض، تعاظمت المياه وعلت أكناف الأرض، وارتفعت فوق الجبال الشامخة، وكان ما يرتفع من الماء عند اضطرابه من أمواجه كالجبال.
{وَنَادَى? نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي: متنحى عن أبيه {يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا} أي: ادخل في ديننا واصحبنا في السفينة {وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} أي: في الدين والانعزال فتكون من الهالكين.


{قَالَ سَآوِي إِلَى? جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ?}؛ أي: فلا أغرق.
{قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ?}؛ أي: لا مانع اليوم من بلائه وهو الطوفان إلا الرَّاحم وهو الله تعالى، أو لا عاصم إلا مكان من رحم وهم المؤمنون؛ يعني: السفينة، أو لا عاصم بمعنى: لا ذا عصمة إلا من رحمه الله.
{وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}؛ أي الهالكين بالغرق، وفيه دلالة على هلاك سائر الكفرة، فكان ذلك أمراً مقرر الوقوع، غير مفتقر إلى البيان (9).
{وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ? وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 42]:
قال ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى أنه لما غرق أهل الأرض كلَّهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها، واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر {وَغِيضَ الْمَاءُ}؛ أي: شرع في النقص {وَقُضِيَ الْأَمْرُ}؛ أي: فرغ من أهل الأرض قاطبة ممن كفر بالله لم يبق منهم ديَّاراً {وَاسْتَوَتْ} السفينة بمن فيها { عَلَى الْجُودِيِّ ?} قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة (10).
وقال الزمخشري: وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه كأنهم عقلاء مميزون قد عرفوا جلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له، والنزول على مشيئته على الفور من غير رَيثٍ (11).



* {وَنَادَى? نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ? إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ? فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [هود : 45-46]:
قال القاسمي رحمه الله: إعلام بأن نوحاً حملته شفقة الأبوة وتعطف الرحم والقرابة على طلب نجاته لشدة تعلقه به واهتمامه بأمره، وقد راعى مع ذلك أدب الحضرة وحسن السؤال، فقال: {وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} ولم يقل: لا تخلف وعدك بإنجاء أهلي، وإنما قال ذلك لفهمه من الأهل ذوي القرابة الصوريَّة والرًّحم النسبيَّة، وغفل لفرط التأسف على ابنه استثنائه تعالى بقوله: {إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ}، ولم يتحقق أن ابنه هو الذي سبق عليه القول؛ فاستعطف ربَّه بالاسترحام وعرض بقوله: {وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} إلى أن العالِمَ العادل والحكيم لا يخلف وعده.
{قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ?}؛ أي: الموعود إنجاؤهم بل من المستثنين لكفرهم أو ليس منهم أصلاَ؛ لأن مدار الأهليَّة هو القرابة الدينيَّة ولا علاقة بين المؤمن والكافر.
{ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ?} بيَّن انتفاء كونه من أهله بأنه غير صالح تنبيهاً على أن أهله هم الصلحاء أهل دِينه وشريعته، وإنه لتماديه في الفساد والغي كأن نفسه عمل غير صالح، وتلويحاً بأن سبب النجاة ليس إلا الصلاح لا قرابته12


منك بحسب الصورة، فمن لا صلاح له لا نجاة له وهذا سرّ إيثار{غَيْرُ صَالِحٍ ?} على "عمل فاسد".
وقد قرأ يعقوب والكسائي: "عَمِلَ" بلفظ الماضي والباقون بلفظ المصدر بجعله نفس العمل مبالغة كما بيًّنا.
{فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ?}؛ أي: لا تلتمس مني ملتمساً أو التماساً لا تعلم أصواب هو أم غير صواب.
{إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}؛ أي: أنهاك أن تكون منهم بسؤالك إياي ما لم تعلم وقد تنبَّه عليه السلام عند ذلك التأدُّب الإلهي والعتاب الربَّاني وتعوذ بقوله: { قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ? وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ}(13) [هود: 47].
{قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى? أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ? وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [هود: 48]:
قال الزمخشري: المعنى: أن السَّلام منَّا والبركات عليك وعلى أُممٍ مؤمنين ينشئون ممن معك، وممن معك أمم ممتَّعون بالدنيا منقلبون إلى النِّار، وكان نوحٌ عليه السلام أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة (14).

***

الفوائد والآثار الإيمانية:
1/ قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: إن الوشيجة التي يتجمَّع عليها النَّاسُ في هذا الدِّين وشيجة فريدة تتميَّز بها طبيعة هذا الدِّين وتتعلَّق بآفاقٍ وآماد وأبعادٍ وأهدافٍ يختصُّ بها ذلك المنهج الرَّباني الكريم.
إن هذه الوشيجة ليست وشيجة الدَّم والنَّسب، وليست وشيجة الأرض والوطن، وليست وشيجة القوم والعشيرة، وليست وشيجة اللون واللغة،


وليست وشيجة الجنس والعنصر، وليست وشيجة الحرفة والطبقة، إن هذه الوشائج جميعاً قد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد، كما قال سبحانه وتعالى لعبده نوح عليه السلام، وهو يقول: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ) : (  يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) ثم بيَّن له لماذا يكون ابنه ليس من أهله. . ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) إن وشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما يا نوح:
( فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) فأنت تحسب أنه من أهلك، ولكن هذا الحسبان خاطئ، أما المعلوم المستيقن فهو أنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك(1).
(?) وقال رحمه الله: ثم نقفُ الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المؤمنة في ميزان الله سبحانه.
إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح عليه السلام تذكر بعضُ الروايات أنهم اثنا عشر هم كانوا حصيلة دعوة نوحٍ في ألف سنة إلا خمسين عاماَ، كما يقرر المصدرُ الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن.
إن هذه الحفنة - وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل - قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيءٍ، وكل حي في المعمور وقتها من الأرض، وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران فيها، والاستخلاف من جديد(2).

(?) قال القاسمي: قال بعضهم " في تقرير عموم الطوفان مبرهناً عليه " : إن مياه الطوفان قد تركت آثاراً عجيبة في طبقات الأرض الظاهرة، فيشاهد في أماكن رواسب بحرية ممتزجة بالأصداف، حتى في قمم الجبال، ويرى في السهول والمفاوز بقايا حيوانية ونباتية مختلطة بمواد بحرية بعضها ظاهر على سطحها وبعضها مدفون على مقربة منه، واكتشف في الكهوف عظام حيوانية متخالفة الطباع، بعيدة الائتلاف، معها بقايا آلات صناعية وآثار بشرية، مما يثبت أن طوفاناً قادها إلى ذلك المكان، وجمعها قسراً فأبادها فتغلغلت بين 


. (1)" في ظلال القرآن" (?/??86)
باختصار . (2)" في ظلال القرآن" (?/????)

طبقات الطِّين، فتحجَّرت وظلَّت شاهدة على ما كان بأمر الخالق تعالى. انتهى(1).

(?) قال العلامة السعدي: ينبغي الاستعانة بالله وأن يذكر اسمه عند الركوب والنزول وفي جميع التَّقلُّبات والحركات، وحمد الله والإكثار من ذكره عند النعم لا سيما النجاة من الكربات والمشقَّات، كما قال تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَآ ) وقــال: ( فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) ) وأنه أيضاً ينبغي الدعاء بالبركة في نزول المنازل العارضة كالمنازل في إقامات السفر وغيره، والمنازل المستقرة كالمساكن والدُّور لقوله: (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) وفي ذلك كله من استصحاب ذكر الله، ومن القوة على الحركات والسكنات، ومن قوة الثقة بالله ومن نزول بركة الله التي خير ما صحبت العبد في أحواله كلها، ما لا غنى للعبد عنه طرفة عين.
(?) ومما يستفاد من قصة نوح: أن النَّجاةَ من العقوبات العامَّة الدنيويَّة هي للمؤمنين وهم الرسل وأتباعهم، وأما العقوبات الدنيويَّة العامَّة فإنها تختص بالمجرمين ويتبعهم توابعهم من ذرية وحيوان وإن لم يكن لها ذنوب؛ لأن الوقائع التي أوقع الله بأصناف المكذبين شملت الأطفال والبهائم، وأما ما يذكر في بعض الإسرائيليات أن قوم نوح أو غيرهم لما أراد الله إهلاكهم أعقم الأرحام حتى لا يتبعهم في العقوبة أطفالهم، فهذا ليس له أصل وهو مناف للأمر المعلوم، وذلك مصداق قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ) [ الأنفال: ??](2).
(?) قال العلامة محمد رشيد رضا: إن الله تعالى يجزي الناس في الدنيا والآخرة بإيمانهم وأعمالهم لا بأنسابهم، ولا يحابي أحداً منهم لأجل آبائه وأجداده الصالحين وإن كانوا من الأنبياء والمرسلين، وإن من سأله من هؤلاء الآباء ما يخالف سننه في شرعه وحكمته في نظام خلقه؛ كان مُذنباً





(1) " محاسن التأويل " (6/135).
(2) " تفسير اللطيف المنان " (112,111) بتصرُّف .

يستحق التأديب حتى يتوب وينيب(1).
(?) قال القرطبي في هذه الآية: فقال : (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) تسلية للخلق في فساد أبنائهم وإن كانوا صالحين، وفيها أيضاً دليل على أن الابن من الأهل لغةً وشرعًا ومن أهل البيت. فمن وصى لأهله دَخَل في ذلك ابنه، ومن تضمنه منزله وهو في عياله، وقال تعالى آية أخرى : (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ(76)) فسمى جميع من ضمنه منزله من أهله(2).


***


















(1) " تفسير المنار" (12/87).
(2) " الجامع لأحكام القرآن " (4/ 3275) بتصرُّف .

























رَفْعُ
عبد الرَّحمن النَّجْديَّ
أسكنه اللهُ الفردوس



قصة إبراهيم
خليل الرحمن
عليه السلام




فضائل إبراهيم عليه السلام (1)
{1} ثناء الله عليه:
قـال الله تـعـالـى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ? اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ? وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)) [النحل: 120, 123].
وقوله: (أُمَّةً) ؛ أي: قدوة وإماماً كقوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) [البقرة: 124].
قال القاسمي: أو كان وحده أمةً من الأمم لاستجماعه كمالات لا توجد في غيره (2).
(قَانِتًا لِّلَّهِ)؛ أي: خاشعاً مطيعاً له قائماً بما أمره.
(حَنِيفًا)؛ أي: مائلاً عن كل دين باطلٍ إلى الدين الحق.
 (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ )؛ أي: قائماً بشكر نِعم الله عليه.
(اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.
 (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ?) ؛ أي: من الذكر الجميل كما قال تعالى: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى? إِبْرَاهِيم (109)) [الصافات: 108, 109]
(وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ؛ أي: الذين لهم الدرجات العالية في الجنة.
(ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) بيان بأن أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم من
(1) قال الحافظ: إبراهيم بالسريانية معناه: أب راحم. "فتح الباري" (6/389).
(2) "تفسير القاسمي" (6/174) .
الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ملته, أفاده الزمخشري.
وقال تعالى: ( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَ?كِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)) [آل عمران: 67]. قال ابن كثير رحمه الله: فبين أنه كان على دين الله الحنيف, وهو القصد إلى الإخلاص, والانحراف عمداً عن الباطل إلى الحق, الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية (1).
وقال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى? (37)) [النجم: 37] قالوا: في جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الإيمان وشعبه. وقال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ? قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ(124)) [البقرة: 124].قال القرطبي: اختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال: أحدها شرائع الإسلام, وقال بعضهم: بالأمر والنهي, وقال بعضهم: بذبح ابنه, وقال بعضهم: بأداء الرسالة. قال : والمعنى متقارب (2) . وقال ابن كثير رحمه الله: لما وفى ما أمره به ربه من التكاليف العظيمة؛ جعله للناس إماماً يقتدون به ويأتمون بهديه, وسأل أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه, وباقية في نسبه, وخالدة في عقبه, فأجيب إلى ما سأل ورام, وسُلِّمَت إليه الإمامة بزمام, واختص من نيلها الظالمون , واختص بها من ذرية العلماء العاملون(3).
{2} هو أحد أولي العزم من الرسل المنصوص على أسمائهم تخصيصاً من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى:
قال ابن كثير ما ملخصه: ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم, وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسنداً ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة, ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم (4).

(1) "قصص الأنبياء" (177).
(2) "تفسير القرطبي" (1/484) باختصار.
(3) "قصص الأنبياء" (174).
(4) السابق (181) باختصار.
وكذلك حديث أُبيّ بن كعب: "وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ الخلق كلهم حتى إبراهيم" (1).ولما كان إبراهيم أفضل أولي العزم من الرسل بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلي أن يقول في تشهده ما ثبت في "الصحيحين" من حديث كعب بن عجرة وغيره قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"(2). ثم هو صلى الله عليه وسلم أشبه الأنبياء بنبينا صلى الله عليه وسلم كما في "صحيح البخاري": "أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم"(3) ؛ يعني: نفسه صلى الله عليه وسلم.
(3) ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه خليل الرحمن وقد شاركه في ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم:
قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125]. والخلة هي غاية المحبة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخوة الإسلام" (4).
(4) ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أن الله عزّ وجلّ جعل في ذريته النبوة والكتاب: قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27]. وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? كُلًّا هَدَيْنَا ? وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ? وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى? وَهَارُونَ ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
1- رواه مسلم (6/102، 103) "صلاة المسافرين"، وأحمد (5/129).
2- رواه البخاري (11/152) "الدعوات"، ومسلم (4/126) "الصلاة"، والترمذي (2/268) "الصلاة"، وأبو داود (963) "الصلاة، والنسائي (3/47) "السهو".
3 - تقدم تخريجه في المقدمة (ص28).
4- رواه البخاري (7/12) "فضائل الصحابة"، ومسلم (15/150، 151) الفضائل.
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى? وَعِيسَى? وَإِلْيَاسَ ? كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ? وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)} [الأنعام: 84-86] . وجمع في هذه الفضيلة بين نوح وإبراهيم فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } [الحديد: 26]. قال ابن كثير رحمه الله: فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته، وهذه خلعة سَنية لا تضاهى ومرتبة علية لا تباهى، وذلك أنه ولد لصلبه ذكران عظيمان: إسماعيل من هاجر، ثم إسحاق من سارة، وولد له يعقوب – وهو إسرائيل – الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم، فكانت فيهم النبوة، وكثروا جداً بحيث لم يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل. وأما إسماعيل عليه السلام فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها، ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم، وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة: محمد بن عبد الله. فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة، والعبرة الزاهرة، وواسطة العقد الفاخرة (1).
(5) ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه أول من يكسى يوم القيامة: عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم محشورون حفاة عراة غرلاً" ثم قرأ: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ? وَعْدًا عَلَيْنَا ? إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} "وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم" (2). قال الحافظ: يقال: إن الحكمة في خصوصية إبراهيم بذلك لكونه ألقي في النار عرياناً، وقيل: لأنه أول من لبس السراويل، ولا يلزم من خصوصيته عليه السلام بذلك تفضيله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن المفضول قد يمتاز
بشيء يخص به ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة ... إلى أن قال : وقد ثبت لإبراهيم عليه السلام أوليات أخرى كثيرة : منها أول من ضاف الضيف , وقص الشارب ,واختتن , ورأى الشيب , وغير ذلك (1).
(6) ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه لم يكذب إلا ثلاث كذبات ثنتين منهُنَّ في ذات الله :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات "(2).
قال الحافظ : وقد أورد على هذا الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل فقال في قصة إبراهيم وذكر كذباته ثم ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه وقال في آخره : وزاد في قصة إبراهيم .وذكر قوله في الكوكب: (هَ?ذَا رَبِّي), وقوله لآلهتهم : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا ) وقوله : ( إنِّي سَقيِمٌ ) . انتهى .

قال القرطبي : ذكر الكواكب يقتضي أنها أربع , وقد جاء في رواية ابن سيرين بصيغة الحصر , فيحتاج في ذكر الكواكب إلى تأويل .
قلت : والذي يظهر أنها وهم من بعض الرواة فإنه ذكر قوله في الكوكب



(1) باختصار من " فتح الباري " (6/390 ).
(2) رواه البخاري (6/388) " الأنبياء " .
والعجيب من صاحب " الظلال " رحمه الله يقول : " فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم عليه السلام والبحث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون " ( 4/2387) دار العلم للطباعة . فكيف لا داعي لتسميتها كذبة , وقد سماها النبي صلى الله ليه وسلم كذبة وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال :" لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات : ثنتين منهن في ذات الله عز وجل , قوله: ( إنِّي سَقيِمٌ ), وقوله : (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا ) .
وقال : بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له : إن ها هنا رجلاً معه امرأه من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال : من هذه ؟ قال : أختي . فأتى سارة قال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني ... " الحديث رواه البخاري ( 6/388 ) " الأنبياء" , ومسلم (15/123 )" الفضائل " .


بدل قوله في سارة , والذي اتفقت عليه الطرق ذكر سارة دون الكوكب , وكأنه لم يعد مع أنه أدخل من ذكر سارة لما نقل أنه قاله في حال الطفولية فلم يعدها لأن حال الطفولية ليست بحال تكليف, وهذه طريقة ابن إسحاق .
وقيل : إنما قال ذلك بعد البلوغ لكنه قاله على طريق الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ .

وقيل : قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهاً على أن الذي يتغير لا يصلح للربوبية , وهذا قول الأكثر أنه قاله توبيخاً لقومه ؛ أو تهكماً بهم وهو المعتمد؛ ولهذا لم يعد ذلك في الكذبات . وإما إطلاق الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه قال قولاً يعتقده السامع كذباً , لكنه إذا حقق لم يكن كذباً ؛ لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين فليس بكذب محض .

وقال ابن عَقِيل : دلالة العقل تصرف ظاهر إطلاق الكذب على إبراهيم ؛ وذلك أن العقل قطع بأن الرسول ينبغي أن يكون موثوقاً به ليعلم صدق ما جاء به عن الله , ولا ثقة مع تجويز الكذب عليه , فكيف مع وجود الكذب منه , وإنما أطلق عليه ذلك لكونه بصورة الكذب عند السامع , وعلى تقديره فلم يصدر ذلك من إبراهيم عليه السلام – يعني : إطلاق الكذب على ذلك – إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه , وإلا فالكذب المحض في مثل تلك المقامات يجوز وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعاً لأعظمهما , وأما تسميتها كذبات فلا يريد أنها تذم , فإن الكذب وإن كان قبيحاً مخلاً لكنه قد يحسن في مواضع وهذا منها (1).

وقال النووي : وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطلب إنساناً مختفياً ليقتله , أو يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً , وسأل عن ذلك , وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به , وهذا كذب جائز بل واجب ,
لكونه في دفع الظالم , فنبه النبي صلى الله عليه وسلم على أن هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم (2).

(1) باختصار من " الفتح " (6/392.391 ) .
(2) " شرح النووي على صحيح مسلم " (15/124) .



(7) ومن فضائله صلى الله عليه وسلم :
ما رواه أنس بن مالك : قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا خير البرية , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك إبراهيم " (1) . قال النووي رحمه الله :وإنما قال صلى الله عليه وسلم هذا تواضعاً واحتراماً لإبراهيم صلى الله عليه وسلم لخلته وأبو?ته وإلا فنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل كما قال صلى الله عليه وسلم :" أنا سيد ولد آدم " ولم يقصد به الافتخار ولا التطاول على من تقدمه ,بل قاله بياناً لما أمر ببيانه وتبليغه ,ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " ولا فخر " ؛ لينفي ما قد يتطرق إلى بعض الأفهام السخيفة . وقيل :يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال : " إبراهيم خير البرية " , قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم (2) .
{8} ومن فضائله أن الله عز وجل رفعه بالعلم واليقين وقوة الحجج :
قال جل ذكره :{ وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } [الأنعام :75 ] .
وقال تعالى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى? قَوْمِهِ ? نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ? إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } [الأنعام :83 ] .
ومن شوقه إلى الوصول إلى غاية العلم ونهايته أنه سأل ربه فقال : (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى? ? قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ? قَالَ بَلَى? وَلَ?كِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ? قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى? كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ? وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [البقرة : 260 ] (3).
{9} ومن فضائله أن الله عز وجل أوجب علينا اتباع ملته ولزوم طريقته : قال العلامة عبد الرحم?ن بن ناصر السعدي رحمه الله : ليعلم أن جميع ما قص?ه الله علينا من سيرة إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم فإننا مأمورون به أمراً خاصاً قال تعالى : { مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ? } أي : الزموها { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? ) [النحل :123 ] .
(1) رواه مسلم ( 15 / 121 )." الفضائل" .
(2) "شرح النووي على صحيح مسلم " (15 / 123).
(3) "تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن" للعلامة السعدي (122) بتصرف.



{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ } الآية
[ الممتحنة : 4 ] (1).
وهذا عدا قوله لأبيه الكافر : { لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } أي : فلا تقتدوا به في هذه الحال بالاستغفار للمشركين , فإن استغفار إبراهيم لأبيه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه (2) .
{10} ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل اصطفاه هو وولده إسماعيل لبناء البيت العتيق , واستجاب الله عز وجل دعاءه وحقق في أمة المصطفى صلى الله عليه وسلم رجاءه :
قال الله عز وجل : { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ? إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ البقرة : 127 ] .
ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنياً قبل الخليل عليه السلام , ومن تمسك في هذا بقوله : { مَكَانَ الْبَيْتِ } فليس بناهض ولا ظاهر ؛ لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم .
وقد قال الله تعالى : { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ } [ آل عمران : 96] ؛ أي : أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة .
وقيل : محل الكعبة { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } أي : على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده , وإمام الحنفاء من ولده , الذين يقتدون به , ويتمسكون بسنته , ولهذا قال : { مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ } أي : الحجر الذي كان يقف عليه قائماً لما ارتفع البناء عن قامته ,فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لم?ا تعالى البناء وعظم الفناء , والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في وادٍ غير ذي زرع ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة

(1) (( تيسير اللطيف المنان ))للعلامة السعدي (122).

(2) (( تيسير اللطيف المنان ))للعلامة السعدي (122).

المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرماً محرماً وآمناً محتماً، فاستجاب الله له – وله الحمد – مسألته ولبَّى دعوته وآتاه طِلْبته فقال تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا ) [القصص:57] وسأل الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم أي: من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية بسعادة الأولى والآخرة. وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولاً وأي رسول، ختم به أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحداً قبله (1).



















(1) باختصار من " قصص الأنبياء" للحافظ ابن كثير ( 169-172).

1- دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه
بدأ الخليل عليه السلام دعوته إلى الله عز وجل بدعوة أبيه لأنه أقرب الناس إليه وأولى الناس بما عنده من خير, وهذا ما فعله رسولنا صلى الله عليه وسلم وقد نزل عليه :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )( الشعراء : 214 ) .
وكان في دعوته إياه مراعياً آداب النصيحة , وحسن الأدب مع الكبير , قوي الحجة , صابراً محتسباً كل أذى يلقاه في سبيل تبليغ دعوته , فليتأس الدعاة بذلك .

قال الله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) ( مريم : 41, 42 ) .
قال أبو السعود : ولقد سلك عليه السلام في دعوته أحسن منهاج وأقوم سبيل , واحتج عليه أبدع احتجاج بحسن أدب وخلق جميل , لئلا يركب متن المكابرة والعناد , ولا ينكب بالكلية عن محجة الرشاد (1) .
فإذا كان المعبود لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عن عابده شيئاً فما الفائدة من عبادته ؟ وهو أنقص وأعجز ممن عبده ! وهذا من أقوى الأدلة على بطلان هذه العبادة , ثم لما فند عبادته وسعيه كأنه قال : وكيف الطريق إذاً ؟

فقال : ( يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا(  ( مريم : 43 ) .

قال الزمخشري : ثنَّى عليه السلام بدعوته إلى الحق مترفقاً به متلطفاً , فلم يَسِمْ أباه بالجهل المفرط , ولا نفسه بالعلم الفائق , ولكنه قال : إن معي طائفة من العلم , وشيئاً منه ليس معك , وذلك علم الدلالة على الطريق السَّوِي , فلا تستنكف , وهب أني وإياك في مسير وعندي معرفة بالهداية دونك , فاتبعني


(1) نقلاً عن " محاسن التأويل " (7/128, 129 ) .




أنجك من أن تضل وتتيه (1).
- ثم قال: }يَا أبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً{ (مريم:44)
قال القاسمي: ثلَّث عليه السلام بتثبيطه ونهيه عما كان عليه بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة مستجلب لضرر عظيم فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان (2).
- ثم قال: } يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَ?نِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا { (مريم:45).
قال الزمخشري: ربَّع عليه السلام بتخويفه سوء العاقبة، وبما يجره ما هو فيه من التبعة والوبال، ولم يخل ذلك من حسن الأدب؛ حيث لم يصرح بأن العقاب لاحق له، وأن العذاب لاصق به، ولكنه قال:( أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ) فذكر الخوف والمس ونكَّر العذاب وجعل ولاية الشيطان ودخوله في جملة أشياعه وأوليائه أكبر من العذاب، وصدَّر كل نصيحة من النصائح الأربع بقوله: } يَا أَبَتِ { توسلاً إليه واستعطافًا (3) .
- قوله تعالى: } قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ? لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ? وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)  قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ? سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ? إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا{ (مريم: 46, 47).
قال الشنقيطي رحمه الله: بيّن الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين : أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر، ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان، خاطبه هذا الخطاب العنيف وسماه باسمه، ولم يقل له (يابني) في مقابلة قوله له: (يا أبتِ), وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان ؛ أي: معرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا، وهدده بأنه إن

(1) " الكشاف " ( 3/ 19 ).
(2) " محاسن التأويل " ( 7/ 130 ) باختصار .
(3) " الكشاف " ( 3/ 20 ).
لم ينته عما يقوله له ليرجمنه قيل : بالحجارة ,وقيل : باللسان شتماً , والأول أظهر , ثم أمره بهجره ملياً ؛ أي : زماناً طويلاً , ثم بيّن أن إبراهيم قابل أيضاً جوابه العنيف بغاية الرفق واللين, في قوله :( سَلَامٌ عَلَيْكَ ? سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي? ) (1).
وقال ابن كثير- رحمه الله - :(سَلَامٌ عَلَيْكَ ?) أي : لا يصلك مني مكروه , ولا ينالك مني أذى , بل أنت سالم من ناحيتي, وزاده خيراً فقال :( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ? إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّاً (قال ابن عباس وغيره : أي لطيفاً , وقد استغفر له إبراهيم - عليه السلام- كما وعده في أدعيته فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه (2) .
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قَتَرةٌ وغَبَرة , فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك :لا تعصني؟ فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، يقول إبراهيمُ: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرَّمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك, فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار)) (3).
قوله :"بذيخ" والذيخ : ذَكَر الضبع .
قال الحافظ : قيل : الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم , ولئلا يبقى في النار على صورته فيكون فيه غضاضة على إبراهيم .
وقيل الحكمة في مسخه ضبعاً : أن الضبع من أحمق الحيوان , وآزر من أحمق البشر ؛ لأنه بعد أن ظهر له من ولده الآيات البينات أصر على الكفر حتى مات , ولأن إبراهيم بالغ في الخضوع له وخفض الجناح فأبى واستكبر وأصر على الكفر , فعومل بصفة الذل يوم القيامة. (4).
****

1- "أضواء البيان" (4/287). 2- " قصص الأنبياء" (131).
3- رواه البخاري (6/387) " الأنبياء". 4 - باختصار من " فتح الباري "(8/500) .

* الفوائد والآثار الإيمانية :

(1) البداية في الدعوة بالأقربين .
(2) التلطف لهم في الدعوة وخفض الجناح وخاصة مع كبارهم سناً ومقاماً .
(3) يتحمل من الأذى مع الأقارب ما لا يتحمل من غيرهم, وذلك لمزيد حقهم والشفقة عليهم, ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه .
(4) مقابلة الإساءة بالإحسان مما ينبغي أن يتسلح به الداعية الراشد فلا يستعمل من الكلام إلا ما طاب وحسن كما قال إبراهيم : (سَلَامٌ عَلَيْكَ) وزاده إحساناً (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي).
(5) إبراهيم الخليل لم ينفع أباه يوم القيامة ولم ينفذه من النار فوجب على كل عبد أن يشتري نفسه من الله عز وجل وأن يعمل من الأعمال الصالحة ما يكون سبباً في دخوله جنة الله عز وجل كما قال تعالى:(  فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ) [المؤمنون:101].




***



2- دعوته عليه السلام لقومه من عبَّاد الأصنام
لا شك أن إبراهيم عليه السلام من أقوى الأنبياء حجة .
قال الله تعالى:(  وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَشَآءُ ) [ الأنعام :83].
وهو كذلك سليم القلب كما قال تعالى:(  وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ???? إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ???? ) [الصافات:83, 84].
والداعية إذا كان سليم القلب قوي الحجة فإنه يرجى أن ينفع الله به .
قال الله تعالى:(  وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ ???? إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ ???? قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا  عَاكِفِينَ???? قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ???? أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ???? قَالُوا بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ???? قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ???? أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ???? فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ???? الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ???? وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ???? وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ???? وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ???? وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ???? رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ???? )[ الشعراء: 69-83].
قال الزمخشري: كان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء ... إلى أن قال : لما أجابوه بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم : رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأولين من آبائكم فإن التقدم والأولية لا يكون برهاناً على الصحة , والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم , وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له , ومعنى العداوة قوله تعالى: (كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا )[مريم:82]. ولأن المغري على عبادتهم أعدى أعداء الإنسان وهو الشيطان وإنما قال: ( عَدُوٌّ لِي) تصويراً للمسألة في نفسه على معنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها وآثرت

عبادة مَنِ الخير كله منه , وأراهم بذلك أنها نصيحة نَصَحَ بها نفسه أولاً , وبنى عليها تدبير أمره لينظروا فيقولوا : ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه أولاً وما أراد لنا إلا ما أراد لروحه ؛ ليكون أدعى لهم إلى القبول وأَبْعَثَ على الاستماع منه , ولو قال : فإنه عدو لكم , لم يكن بتلك المثابة , ولأنه دخل في باب من التعريض وقد يبلغ التعريض للمنصوح ما لا يبلغه التصريح ؛ لأنه يتأمل فيه فربما قاده التأمل إلى التقبل (1).
***
* الفوائد والآثار الإيمانية :
1- التقليد من أعظم المشاكل والعقبات التي تواجه الداعية إلى الله عز وجل .
قال الزمخشري : ما أقبح التقليد ! والقول المتقبل بغير برهان ! وما أعظم
كيد الشيطان للمقلدين حين استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل وعفروا لها جباههم ! وهم معتقدون أنهم على شيء وجادون في نصرة مذهبهم ومجادلون لأهل الحق عن باطلهم وكفى أهل التقليد سبةً أن عبدة الأصنام منهم .
2- في قوله (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) البراءة من الآلهة الباطلة وإعلان الحرب عليها وبالغ إبراهيم عليه السلام في البراءة من الشرك والمشركين فقال : (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبِّي عَسَى? أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا.) [مريم :48].

***
(1) " الكشاف " (3/318).
3- مناظرته عليه السلام لقومه من عبَّاد الكواكب
قال تعالى : (وَكَذَ?لِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى? كَوْكَبًا ? قَالَ هَ?ذَا رَبِّي ? فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَ?ذَا رَبِّي ? فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّآلِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَ?ذَا رَبِّي هَ?ذَا أَكْبَرُ ? فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ? وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) ) [الأنعام :75-79 ].
قال ابن كثير رحمه الله : وهذا المقام مقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية , ولا أن تعبد مع الله عز وجل ؛ لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة , تطلع تارة وتأفل أخرى , فتغيب عن هذا العالم , والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية , بل هو الدائم الباقي بلا زوال , لا إله إلا هو ولا رب سواه .
إلى أن قال : والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كانوا يعبدونها ,وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب ولما كان صغيراً , كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق (1).
***
* الفوائد والآثار الإيمانية :
ليس قول إبراهيم عليه السلام للكوكب :(هَ?ذَا رَبِّي) على سبيل الشك أو الشرك ! فقد نفى الله عز وجل عنه ذلك بقوله : (وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ).

1- " قصص الأنبياء " (132, 133).


قال الشنقيطي رحمه الله : ونفيُ الكونِ الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما (1) .

***









(1) " أضواء البيان" (2/180).
4- مناظرته عليه السلام للملك الذي ادعى الربوبية
قال الله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَاْ أُحْيِي وَأُمِيتُ ? قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [البقرة :258 ].
قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله :قالوا : الاستفهام في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) للتعجب من هذه المحاجة وغرور صاحبها وغباوته مع الإنكار . وقوله : (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) معناه : أن الذي حمله على هذه المحاجة هو إيتاء الله تعالى الملك له فكان منشأ إسرافه في غروره وسبب كبريائه وإعجابه بقدرته (إذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وكأنه كان قد سأله عن ربه الذي يدعو إلى عبادته وقد كسر الأصنام التي تعبد من دونه وسفَّه أحلام عابديها لأجله , فأجاب بهذا الجواب فأنكره الملك الطاغية الذي حكى عنه ادعاء الألوهية لنفسه و(قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) أحيي من أحكم عليه بالإعدام بالعفو عنه وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله , فدل جوابه هذا على أنه لم يفهم قول إبراهيم عليه السلام (1) .
قال ابن كثير رحمه الله : ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم , ذكر دليلاً آخر بيّن وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) ؛ أي : هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها , وهو الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحيي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب , فإن الذي يحيي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب , بل قد

(1) "تفسير المنار " (3/46).


قهر كل شيء ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحدٍ أنك لا تقدر على شيء من هذا، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها.
فبيَّن ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند
جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (1).


***


* الفوائد والآثار الإيمانية:
(1) من فوائد الابتلاء أنه يُذْهِبُ العُجْبَ والكبر، فلو كان هذا الملك
الذي حاج إبراهيمَ في ربه فقيراً سقيماً فاقد السمع والبصر ما حاج إبراهيم في ربه، وإنما حاجه في ربه كما قال تعالى: (أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ).

(2) وفيها نصرة الله لأوليائه وإلهامهم الحجة لدحض أعدائهم.


***









(1) "قصص الأنبياء" (143) ونقله عنه صاحب "معارج القبول" بأطول من هذا (1/64).

من مواقف الإيمان

1- قصة تكسير الأصنام وإلقاء الخليل في النيران

قال الله تعالى: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَ?ذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى? ذَ?لِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَ?ذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى? أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَ?ذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى? أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى? رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَ?ؤُلَآءِ يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)} [الأنبياء : 51-70]

أهل الإيمان ليس لهم قضية تشغل قلوبهم وجوارحهم إلا قضية التوحيد، فهم يسعون دائماً لتكون كلمة الله هي العليا، وإن اختلفت طرقهم ومناهجهم في الإصلاح، ولكن الجميع يسعى لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، فهم لا يسعون للدنيا ولا للجاه والسلطان وجمع الأموال، فهم يعبّدون قلوبهم وجوارحهم لله عز وجل، ويحبون من الناس أن يعبّدوا قلوبهم وجوارحهم لله عز وجل، وأن يخضع الجميع لله ويتحاكم إلى شرعه، ومعنى ذلك



أن تتكسر كل الأصنام التي تعبد من دون الله وأن يتحرر العباد من الطاعة العمياء لغير دين الله كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه عندما دخل على رستم:

إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
وأعداء الله عز وجل لهم أهداف شتى، فهم يريدون أن يحافظوا
على جاههم وسلطانهم وخضوع الناس لهم، وما يدر عليهم الجاه والسلطان من منافع دنيوية وشهواتٍ دَنِيَّةٍ . ومن هنا ينشأ الصراع بين الحق والباطل وبين أهل الإيمان وأهل الطغيان لأن ظهور أهل الإيمان فيه انتباه الناس من غفلتهم ومطالبتهم لحكم الله عز وجل ، وفي ذلك زوال جاه أعداء الله وسلطانهم على الناس، لذا قال الله عز وجل : ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلّآ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج : 8] فلا يمكن أن يلتقي أهل الحق وأهل الباطل لأن مايهدف إليه أحدهما فيه ضياع الآخر، وهذه حلقة من حلقات هذا الصراع، وجولة من جولات الحق والباطل، وقضية من قضايا الإيمان تزيد أهل الإيمان إيماناً، وتبشر أهل الطغيان بالخيبة والخسران. وتحطمت آلهة الكفار وكسِّرت أصنامهم فأخذتهم الحسرة عليها، وهددوا وتوعدوا فقالوا: ( مَن فَعَلَ هَ?ذَا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قد ضربت الجاهلية في أوثانها وحطمت الآلهة التي يدعونها من دون الله ويرجونها من دونه ، ودلت تحريات القوم وتقاريرهم على أن المتهم بذلك فتى يقال له : إبراهيم، ودلائل هذه التهمة أنهم قد سمعوه وهو يعلن عداوته لكل ما يعبد من دون الله، فهو الذي كان يقول : (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)) [الشعراء : 77-82]
وهو كذلك الذي تهدد وتوعد فقال: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) [الأنبياء: 57] .
قضيةٌ لم يُتهم فيها إلا رجل واحد رغم خسارة الكفار الفادحة، ولكنه إبراهيم الذي قال الله عز وجل فيه: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ) [النحل: 120] وصدرت الأوامر من طاغية هذا الزمان بالقبض عليه وإحضاره إلى المحكمة، وليس له



جريمة إلا التوحيد، طالما أعلن دعوة التوحيد، ولكنه في هذه المرة أعلن التوحيد بيده، وكسر آلهة القوم، وضرب الوثنية في جبهتها ضربة قوية، وكانت المحكمة محكمة طاغوتية لا تحكم بشرع الله ولكنها تحكم بحكم الطواغيت، وتتلقى أوامرها من ملك طغى وبغى وادعى الربوبية، وحمله طغيانه وغروره على أن قال: ( أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) [البقرة [258: ووجهت التهمة إلى نبي الله إبراهيم ولو أنصفوا عقولهم لاستحيوا منها (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَ?ذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62)).
سبحان الله! أي آلهة هذه التي لا تنفع نفسها ولا تدفع عن نفسها ؟! فهي أضعف وأعجز من أن تقوم بنفسها فضلاً على أن تقيم غيرها أو تنفعه أو تضره.

والتهمة موجهة لإبراهيم عليه السلام الذي مدحه الله عز وجل بقوله :
( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى? قَوْمِهِ ? نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ? ) [الأنعام : 83] , مع أن التهمة في ذاتها باطلة عند ذوي العقول فقد زادهم إبراهيم عليه السلام اضطراباً وشكاً فيما هم عليه من الباطل فقال: ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) ) وإنما أراد إبراهيم عليه السلام أن يعترفوا بنقص هذه الآلهة والاعتراف بأنها لا تنطق ولا تنفع ولا تضر ( فَرَجَعُوا إِلَى? أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ).

أفاق الناس من سكرتهم وانتبهوا من غفلتهم أمام هذه الحجة التي ألقى بها إبراهيم عليه السلام، سبحان الله! كلمة حق زلزلت صفوفهم ورجعوا على أنفسهم بالملامة والإنكار ,إذا كان هؤلاء لا ينطقون ولا ينفعون ولا يضرون لماذا نعبدهم من دون الله ؟
قال الزمخشري : فلما ألقمهم الحجر وأخذ بمخانقهم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا : أنتم الظالمون على الحقيقة لا من ظلمتوه حين قلتم: (مَن فَعَلَ هَ?ذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) (1).
(ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى? رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَ?ؤُلَاءِ يَنطِقُونَ (65)) ثم غلبت على القوم شقوتهم، وأخذتهم الحمية بالباطل لآلهتهم الباطلة فقالوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَ?ؤُلَاءِ يَنطِقُونَ)، وهذا ما أراد الخليلُ منهم أن يعترفوا به بقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَ?ذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)، عند ذلك ألقمهم حجراً ثانياً

(1) "تفسير الكشاف" (3/125).

وأدلى لهم بالحجة الدامغة فقال: (أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)) فالإله المعبود لابد أن يكون قادراً على جلب النفع لعابديه ودفع الضر عنهم وإلا فهو إله باطل غير مستحق للعبادة قال الله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ? وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام : 17]

(قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 68].
ولما انتصر عليهم بالحجة والبيان، وغلبوا في هذا الميدان، فروا منه إلى ميدان البطش والتنكيل، وهكذا كل مبطل لا يقوى أمام أدلة الحق فإنه يلجأ إلى المصارعة بالقوة المادية والبطش.
فصدر الأمر من المحكمة الطاغوتية بإيقاع أقسى عقوبة بإبراهيم عليه السلام نصراً للباطل وغيرةً له (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ?) [البقرة: 165]. وكان الحكم الظالم حكماً بالإعدام حرقاً.
يقول ابن كثير رحمه الله: وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطباً من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطباً لحريق إبراهيم (1).
ومما ثبت من مقالة الخليل في هذا الموقف الجليل ما رواه ابن عباس أنه قال: حَسبُنَا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ) [آل عمران: 173-174](2).
بذل نفسه لله عز وجل وأحسن توكله بالله وعلق قلبه به والله عز وجل يقول: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ? وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ? ) [الزمر: 36] ويقول : ( وَمَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) [الطلاق : 3] فأتى المخرج والفرج العظيم من هذا الكرب المبين: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ (69)). سبحان من أخرج هذا السيد من آزر، ثم أعانه بالتوفيق فقصد وآزر، ثم بعث إليه البيان فأعان ووازر، فلما


(1) "قصص الأنبياء" (139).
(1) رواه البخاري (8/229) "التفسير".
رآه الله قد رحل عن المخلوقين ولم يتزود إلا التسليم: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ (69))، عبْدٌ بذل نفسه لله فبلغه منه مناه، ولما رُمي في النار لأجل الله قال بلسان التفهيم: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ).
قدم ماله إلى الضيفان، وسلم ولده إلى القربان واستسلم للرمي في النيران، فلما رآه الله مُحبَّاً في بيداء الوجد يهيم: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ (69)).
ابتلاه الله بكلمات فأتمهن، وأراه قدرته يوم (فَصُرْهُنَّ) وكسر الأصنام غيرة له منهن، فلما أججت النيران أذهب حرارتهن وغرس شجرة الجنة في سواء الجحيم (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ (69))(1).
قال ابن كثير رحمه الله: فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتَّضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغُلبوا، قال الله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)) وفي الآية الأخرى (الأسْفَلِينَ) [الصافات: 98] ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم برداً ولا سلاماً ولا يلقون فيها تحية ولا سلاماً، بل هي كما قال تعالى: {إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 66](2).
روى البخاري بسنده عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوَزَغِ وقال (كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام) (3).

* دروس وفوائد إيمانية:
(1) أهل الحق وإن كانوا قليلاً فهم أقوى من أهل الباطل ولو كثر عددهم وتنوعت عُدَدُهم؛ لأن الله ناصرهم ومعينهم وملهمهم رشدهم.





(1) "التبصرة" (1/116، 117) بتصرف واختصار.
(2) "قصص الأنبياء" (140).
(3) رواه البخاري (6/389) "أحاديث الأنبياء".
وروى أحمد عن سائبة مولاة للفاكهة بن المغيرة قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحاً موضوعاً فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعون بهذا الرمح؟ قالت: هو لهذه الأوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليهم وسلم حدثنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار عنه غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله. "المسند" (6/83).
(2) من اعتصم بالله عز وجل واحتمى بجنابه وأحسن التوكل عليه لا يضيعه الله عز وجل وفيه فضل (حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ)
[آل عمران: 173].

(3) اعتياد قلوب أهل الباطل على الباطل وإلفهم الشرك يجعل قلوبهم لا تستقبح القبيح ولا تنكر المنكر، فهم مع اعتقادهم أن آلهتهم لا تنطق ولا تنفع ولا تضر يصرون على الانتصار لها، والانتقام ممن هدمها، مع أنه قطع حجتهم وأظهر سفاهة عقولهم.

(4) قافلة الإيمان واحدة يتقدمها الأنبياء يربطها محبة الله عز وجل والدعوة إلى توحيده وموالاة الله ورسله والمؤمنين، وأعداء الله عز وجل كذلك هم أعداء أوليائه في كل زمان ومكان، ولذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الوَزَغ (البُرْص) وقال: (كان ينفخ على إبراهيم)، وهذا مما يجعل المؤمن يستأنس بجميع المؤمنين من قبله ويحب جميع ملائكة الله ورسله، وذلك لعقد الإيمان ومحبة الرحم?ن، ويعادي جميع أعداء الله ورسله.

(5) أهل الباطل في شك واضطراب (فَرَجَعُو?ا إلى? أَنُفسِهم فقالو?ا إنَّكُم أنتمُ الظ?الِمونَ (64)).
وأهل الحق الذي باشر الإيمان بشاشة قلوبهم أرسخ من الجبال، وذلك لتثبيت الله عز وجل لهم؛ كما قال تعالى : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? ) [ابراهيم : 27] , وقوله عز وجل : (إذا يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ? ) [الأنفال : 12].
(6) من الأدلة على أن الأسباب قد تتخلف عن مسبباتها قوله تعالى: (يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ) فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معانٍ مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رماداً من حرها في الوقت الذي هي فيه برد وسلام على إبراهيم، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. أفاده الشنقيطي رحمه الله (1).

(1) "أضواء البيان" (4/250، 251) بتصرف يسير.


2- قصة ذبح إسماعيل عليه السلام
قال الله تعالى حاكياً عن إبراهيم عليه السلام : ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى? رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى? فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى? ? قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ? سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قد صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ? إِنَّا كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَ?ذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى? إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110))
[الصافات 110:99].

- هو إبراهيم عليه السلام الذي جاء ربَّه بقلب سليم.
- هو إبراهيم عليه السلام الذي ألقي في النار وهو ما يزال فتى وخرج من النار سالماً غانماً لأن الله عز وجل جعل النار برداً وسلاماً عليه.
- هو إبراهيم عليه السلام الذي نجاه الله وأهله من الملك الظالم، وقد رد الله كيد الظالم عن أهله وعرضه وأخدم هاجر.
- هو إبراهيم عليه السلام الذي هاجر بهاجر معلقاً قلبه بالله عز وجل :( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى? رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)).
- هو إبراهيم الذي دعا الله عز وجل أن يؤنس وحشته فقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين (100)) فبشَّره بغلام حليم (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)).
- هو إبراهيم عليه السلام الذي اصطفاه الله عز وجل للخلة فقال: ( وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاَ) [النساء: 125]
- هو إبراهيم عليه السلام الذي ترك ولده الرضيع وأمه بوادٍ قفر، لا جليس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع، امتثالاً لأمر الله، ثم توجه إلى الله عز وجل بقوله: ( رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ اْلمُحَرَّم )
[إبراهيم : 37] , فجعل الله لهما فرجاً و مخرجاً.




- هو إبراهيم عليه السلام قد طعن في السن وصار شيخاً كبيراً، وهذا الولد الحليم صار خير عون له عندما بلغ معه السعي وصار ملء السمع والبصر، يرى الشيخ الكبير أنه يؤمر بذبح ولده وبِكره و وحيده الذي جاء على فاقة، والولد حليم إن لم تتمكن محبته من قلب ولده بعاطفة الأبوة تتمكن المحبة لحلم الولد ونباهته ، ولكن الآمر هو الله عز وجل الذي لا يسأل عما يفعل و هم يسألون، الحكيم الخبير في أمره ونهيه وقضائه وقدره، والمأمور هو إبراهيم الخليل وما ضيعه الله عز وجل في شبابه حتى يضيعه في كبره، وما نال خلة الله إلا بطاعته، إبراهيم عليه السلام يبادر إلى تنفيذ أمر الله عز وجل لأن أوامر الله عز وجل لا تعرض على العقول ولا تخضع للفكر والنظر والقياس بالعقول الناقصة (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا) [الأحزاب:36].
وتنفيذ الأمر شديد جداً على النفوس البشرية، فإن العبد قد يبذل نفسه لله عز وجل ويضحي بنفسه ويعلم أنها لحظات ، ثم تخرج الروح إلى فاطرها وتتنعم بعد ذلك في جنة الله عز وجل، ولا يذوق الشهيد من ألم القتل إلا كما يذوق من مس القرصة.
أما أن يأخذ سكيناً ويذبح ولده الوحيد الذي صار ملء السمع والبصر وتسيل دماء الولد على يديه وثيابه.
لله هذه النفوس التي تبتلى بمثل هذا البلاء (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام:124].
وهل استحق إبراهيم الخلة بأمور يشترك فيها مع سائر المؤمنين؟ إبراهيم الذي كسر الأصنام، وألقي في النار، وترك الرضيع وأمه بوادٍ غير ذي زرع ما تخلى الله عز وجل عنه لحظة، ولا ضيّعه في شبابه وفتوته وهو في كل مرة يؤثر مراد الله ويعظم أمره.
وهذا الولد رزقه الله إياه وقد بلغ من الكبر عتياً، فهو محضُ فضل من الله عز وجل، وإن تعجب من أمر الشيخ الكبير الذي شاب في طاعة الله عز وجل وقويت محبته لله عز وجل واستحق من الله تعالى وصف الخلة التي هي أعلى درجات المحبة، فاعجب من شأن الغلام الحليم.

عرض إبراهيم عليه السلام على ولده ما رأى، ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) هل قال الولد الحليم: ما ذنبي؟ وهل فعلت شيئاً أستحق به ذلك؟ هل قال: وهل تطاوعك نفسك أن تذبحني؟ هل قال: كيف تتهنأ بعيشٍ بعد أن تقتلني؟ هل قال: ما جوابك لأمي إذا ذبحتني بيديك؟
وعشرات الأسئلة يمكن أن تقفز إلى قلب الغلام ولسانه ولكنه غلام حليم كما وصفه الله عز وجل، بل كان الجواب في غاية السداد والرشاد، أعان أباه على طاعة الله وتنفيذ أمره وهون عليه مصيبته به بأنَّه لن يجزع من ذلك، وسيصبر على ذلك إن شاء الله ، وكان صادق الوعد كما قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) [مريم:54].
التسليم والاستسلام لأمر الله عز وجل وهو المطلوب من العباد (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) [النساء:65].
الواجب على العباد التسليم والخضوع واعتقاد أن الخير كل الخير في طاعة الله، والشر والبلاء في التمرد على أوامر الله عز وجل.
قال الرازي: الحكمة في مشاورة الابن في هذا الباب أن يطلع ابنه على هذه الواقعة، ليظهر له صبره في طاعة الله فتكون فيه قرة عين لإبراهيم حين يراه قد بلغ في الحلم إلى هذا الحدِّ العظيم، وفي الصبر على أشد المكاره إلى هذه الدرجة العالية، ويحصل للابن الثواب العظيم في الآخرة، والثناء الحسن.
وقوله: (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)؛ أي: على الذبح أو على قضاء الله (1).
ويخطو المشهد خطوة وراء الكلام والحوار إلى التنفيذ (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)).



(1) نقلاً عن " محاسن التأويل " (8/118).

قال القاسمي: أي: استسلما وانقادا لأمره تعالى بدون إبطاء، واستل إبراهيم السكين (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ)؛ أي: صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة (وَتَلَّهُ) أصل معناه: رماه على التل وهو التراب المجتمع (1).
وقال ابن كثير رحمه الله: والمعنى : (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ )؛ أي: ألقاه على وجهه، قيل: أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك.
وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جبينه لاصقاً بالأرض (أَسْلَمَا)؛ أي: سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت.

(وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105)) قال ابن كثير رحمه الله : فعند ذلك نودي من الله عز وجل (أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ "104" قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)؛ أي: حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك، وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان، ولهذا قال تعالى: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ )؛ أي: الاختبار (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه. والمشهور عند الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن (2).
وقال الزمخشري: كان ما كان مما تنطق به الحال ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما، وحمدهما لله وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد طوله، وما اكتسبا في تضاعيفه بتوطين الأنفس عليه من الثواب والأعواض ورضوان الله الذي ليس وراءه مطلوب (كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) ) تعليل لتخويل ما خولهما من الفرج بعد الشدة، والظفر بعد الشدة واليأس (3).
***
(1) السابق (8/118).
(2) " قصص الأنبياء" (160).
(3) " الكشاف" (4/55).


* فوائد وثمرات إيمانية:
1- قال القاسمي رحمه الله: روى المفسرون ههنا في قصة الذبح روايات منكرة لم يصح سندها ولا متنها، بل ولم تحسن فهي معضلة تنتهي إلى السُّدِّي وكعب، والسدي حاله معلوم في ضعف مروياته وكذلك كعب (1).
قال ابن كثير رحمه الله: لما أسلم كعب الأحبار في الدولة العمرية جعل يحدث عمر رضي الله عنه عن كتبه قديماً فربما استمع له عمر فترخص الناس في استماع ما عنده غثها وسمينها، وليس لهذه الأمة حاجة إلى حرفٍ واحدٍ مما عنده. انتهى.
قال القاسمي: ولقد صدق رحمه الله، ولذا لا نريد التزيد على أصل ما قصَّ في التنزيل من الضروري له إلا إذا صح سنده أو اطمأن القلب به (2).
2- اختلف العلماء في الذبيح هل هو إسماعيل أو إسحاق؟
قال ابن القيم رحمه الله: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهاً، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى من أهل الكتاب؛ مع أنه باطل بنص كتابهم فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه (بكره) وفي لفظ (وحيده) ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غَرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي في أيديهم (اذبح ابنك إسحاق) قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: (بكرك) و(وحيدك)، ولكن يهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم ويختاره دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله، وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: (لاَ


(1) تقدم بيان أن "كعباً" رحمه الله اتهم بالكذب وإنما كان ما ينقله من أخبار بني إسرائيل كذب في ذاتها، وما ذكره أحد في الضعفاء والمتروكين. انظر: "المقدمة" (ص33).
(2) "محاسن التأويل" (8/120).

تَخَفْ إِنَّآ أُرْسِلْنَا إِلَى? قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71)) [هود :] فمحال أن يبشرها بأنه يكون له ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في لفظ واحد (1).
3- قال الشنقيطي رحمه الله: اعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين عند أهل الأصول في حكمة التكليف، هل هي للامتثال فقط أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء؛ لأنه بيَّن في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست هي امتثاله ذلك بالفعل؛ لأنه لم يرد ذبحه كوناً وقدراً، وإنما حكمة تكليفه بذلك مجرد الابتلاء والاختبار، هل يصمم على امتثال ذلك أو لا، كما صرح بذلك في قوله تعالى: (إِنَّ هَ?ذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} فتبين بهذا التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء (2). قال السيوطي في "الإكليل": في هذه الآية أن رؤيا الأنبياء وحي، وجواز نسخ الفعل قبل التمكن، وتقديم المشيئة في كل قول، واستدل بعضهم بهذه القصة على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة. ثم قال السيوطي: فسر الذبح العظيم في الأحاديث والآثار بكبش فاستدل به المالكية على أن الغنم في التضحية أفضل من الإبل (3). انتهى.
4- قال في "الظلال": الله لا يريد إلا الإسلام والاستسلام، بحيث لا يبقى في النفس ما تكنه عن الله أو تعزه عن أمره أو تحتفظ به دونه، ولو كان هو الابن فلذة الكبد، ولو كانت هي النفس والحياة، وأنت يا إبراهيم قد فعلت، جدت بكل شيء وبأعز شيء، وجدت به في رضى وفي هدوء وفي طمأنينة وفي يقين، فلم يبق إلا اللحم والدم، وهذا ينوب عنه ذبح أي ذبح من


(1) "زاد المعاد" (1/72)، وانظر كذلك تحقيق المسألة بالتفصيل في: "تفسير ابن كثير" (4/17، 18)، و"قصص الأنبياء" له كذلك (162 – 164)، و"محاسن التأويل" (14/121 – 124)، و"أضواء البيان" (6/691).
(2) "أضواء البيان" (6/693).
(3) نقلاً عن "محاسن التأويل" (14/121).

دم ولحم، ويفدي الله هذه النفس التي أسلمت وأدت، يفديها بذبحٍ عظيم، قيل: إنه كبش وجده إبراهيم مهيأ بفعل ربه وإرادته ليذبحه بدلاً من إسماعيل، ومضت بذلك سُنّة النحر في الأضحى ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان وجمال الطاعة وعظمة التسليم، والذي ترجع إليه الأمة المسلمة لتعرف فيه حقيقة أبيها إبراهيم الذي تتبع ملته، والذي ترث نسبه وعقيدته، لتدرك طبيعة العقيدة التي تقوم بها أو تقوم عليها ولتعرف أنها الاستسلام لقدر الله في طاعة راضية واثقة ملبية لا تسأل ربها: لماذا؟ ولا تتلجلج في تحقيق إرادته عند أول إشارة منه وأول توجيه ولا تستبقي لنفسها في نفسها شيئاً، ولا تختار فيما تقدمه لربها هيئة ولا طريقة لتقديمه إلا كما يطلب هو إليها أن تقدم (1).
5- قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125].
صار إسلام الوجه لله وإخلاص النية له علامة على الملة الإبراهيمية التي هي أحسن الدين وأفضله بل أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتبع الملة الإبراهيمية {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123].
6- الله عزّ وجلّ لا يستفيد من طاعات عباده شيئاً ولا يتضرر بمعاصيهم، كما قال عزّ وجلّ في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني" (2) فالله عزّ وجلّ لن يستفيد شيئاً من ذبح شيخ كبير لابنه كما أنه لا يستفيد شيئاً من لحوم الهدي والأضاحي كما قال تعالى: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَ?كِن يَنَالُهُ التَّقْوَى? مِنكُمْ ?} [الحج: 37].
فمراد الله عزّ وجلّ من العباد ومطلوبه منهم تقوى قلوبهم واستسلام جوارحهم لله عزّ وجلّ، وها هو ذا إبراهيم عليه السلام استسلم لأمر الله له بذبح ولده، واستسلم إسماعيل عليه السلام للذبح ففدى اللهُ عزّ وجلّ الولد بذبح عظيم.

1)) باختصار من "في ظلال القرآن" لسيد قطب رحمه الله (5/2996) دار العلم للطباعة.
(2) رواه مسلم (16/132، 133) "البر"، وأحمد (5/160).

(8) قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في فوائد قصة إبراهيم:  

منها : أن من عزم على فعل الطاعات ، وبذل مقدوره في أسبابها ، ثم حصل مانع يمنع من إكمالها ، أن أجره قد وجب على الله ، كما قال الله ذلك في المهاجر الذي يموت قبل أن يصل إلى مهاجره ، وكما ذكره الله في قصة الذبح وأن الله أتم الأجر لإبراهيم وإسماعيل حين أسلما لله وأذعنا لأمره ثم رفع عنهما المشقة وأوجب لهما الأجر(1).  




***
















(1) "تيسير اللطيف المنان"(122).





قصة
موسى الكليم عليه السلام











فضائل موسى عليه السلام
(1) ثناء الله عز وجل عليه :
* قوله تعالى : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولاَ نَّبِيًّا(51) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا(52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا(53)) [مريم:51-53].  
قال ابن كثير رحمه الله : قرأ بعضهم بكسر اللام من الإخلاصِ في العبادة, وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى انه كان مصطفًى كما قال تعالى ( إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاس) [الأعراف :144] ,( وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا ) جمع الله له بين الوصفين فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة وهم : نوح, وإبراهيم , وموسى, وعيسى , ومحمد صلوات الله وسلامه على سائر الأنبياء أجمعين (1) .

قوله : (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)) [مريم:52]:  
  قال الألوسي : "الطور" جبل بين مصر ومدين , و"الأيمن" صفة لجانب لقوله تعالى في آية أخرى: (جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ ) [طه:80] , بالنصب ؛ أي: ناديناه من ناحيته اليمنى من اليمين المقابل لليسار , والمراد به يمين موسى عليه السلام أي الناحية التي تلي يمينه , إذ الجبل نفسه لا ميمنة له ولا ميسرة . 
(وَقرَّبْنَاهُ نَجِيَّاً) تقريب تشريف , مثَّل حاله عليه السلام بحال من قرَّبه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته ورفع الوسائط بينه وبينه أي : قربناه حال كونه مناجياً (2).
قوله : (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا) [مريم:53]:
قال ابن كثير: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه فجعلناه نبياً كما قال في 




(1) باختصار من "تفسير القران الكريم "(3/124).
(2) "تفسير روح المعاني "( 16 / 103 ,104 ) باختصار.



الآية الأخرى : (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34)) [القصص:34] , وقال : (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) [طه:36] , ولهذا قال بعض السلف : ما شفع أحدٌ في أحدٍ شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبياً (1).
وقال تعالى: ( قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)) [الأعراف:144]. قال القرطبي رحمه الله "الاصطفاء": الاجتباء , أي: فضلتك, ولم يقل : على الخلق ؛ لأن من هذا الاصطفاء أنه كلّمه وقد كلم الملائكة وأرسله وأرسل غيره , فالمراد (عَلَى النَّاسِ) المرسل إليهم (2). وقال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)) [الأحزاب:69]. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن موسى كان رجلاً حيياً ستيراً لا يُرى من جلده شيءٌ استحياءً منه , فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل , فقالوا: ما يستتر هذا التَّسَتُّر إلا من عيب بجلده : إما برص وإما أدرة وإما آفة , وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى , فخلا يوماً وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل , فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها , وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه عرياناً أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون, وقام الحجر, فأخذ ثوبه فلبسه, وطفق بالحجر ضرباً بعصاه فوالله إن بالحجر لنَدْباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً , فذلك قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)) [الأحزاب:69] (3).
قال ابن الجوزي : لما كان موسى في خلوة وخرج من الماء فلم يجد ثوبه تبع الحجر بناءً على أنه لا يصادف أحداً وهو عرياناً ، فاتفق أنه كان هناك قوم فاجتاز بهم ، كما أن جوانب الأنهار وإن خلت غالباً لا يؤمن من وجود

(1) "تفسير القرآن العظيم "(3/125) باختصار .
(2) "الجامع لأحكام القرآن" (3/ 2716) باختصار .
(3) رواه البخاري (6/ 1436) "أحاديث الأنبياء" ومسلم (15/126) " الفضائل ".

قوم قريب منها ، فبنى الأمر على أن لا يراه أحد لأجل خلاء المكان ، فاتفق رؤية من رآه.

وقال الحافظ : والذي يظهر أنه استمر يتبع الحجر على ما في الخبر حتى وقف على مجلس لبني إسرائيل كان فيهم من قال فيه ما قال, وبهذا تظهر الفائدة ، وإلا فلو كان الوقوف على قوم منهم في الجملة لم يقع ذلك الموقع.

وفيه أن الأنبياء في خَلْقهم وخُلُقهم على غاية الكمال ، وأن من نسب نبياً من الأنبياء الى نقص في خلقته فقد آذاه ويخشى على فاعله الكفر, وفيه معجزة ظاهرة لموسى عليه السلام ، وفيه ما كان في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر على الجهال واحتمال أذاهم وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم (1).
قال النووي : وقال القاضي وغيره : إن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم منزهون عن النقائص في الخَلْق والخُلُق ، سالمون من العاهات والمعايب ، قالوا: ولا التفات إلى ما قاله من لا تحقيق له من أهل التاريخ في إضافة بعض العاهات إلى بعضهم ، بل نزَّههم الله تعالى من كل عيب وكل شيءٍ يبغض العيون أو ينفر القلوب (2).


(2) ومن فضائله عليه السلام : أن الله عز وجل كلَّمه بلا واسطة وأسمعه كلامه:
كما قال تعالى : (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) [النساء : 164].
وقال عز وجل: ( وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ )[الأعراف : 143].
وأخبر عن كلامه لموسى فقال : (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) ) [الشعراء:10-11].
وفي (الصحيحين) من احتجاج آدم وموسى عند ربهما وفيه قول آدم لموسى :" أنت موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه" (3).



(1) باختصار من "الفتح" (4/437،438).
(2) باختصار من مسلم بشرح النووي (5/127).
(3) رواه البخاري (13/477) " التوحيد " ، ومسلم (16/200) "القدر" .


(3) ومن فضائله عليه السلام أن الله عز وجل خطَّ له التوراة بيده:
كما قال تعالى :( وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ) [الأعراف: 145].
وفي حديث احتجاج آدم وموسى عند ربهما قال آدم : " أنت موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وخط لك التوراة بيده"(1).

(4) ومن فضائله عليه السلام :
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :".. لا تفضلوا بين أنبياء الله , فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات والأرض إلا من شاء الله", قال : "ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث , أو من أول من بعث , فإذا موسى عليه السلام آخذ بالعرش , فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطور أو بعث قبلي, ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن مَتَّى " (2).
وفي رواية " فإذا موسى باطش بجانب العرش" ؛ أي : آخذ بشيء من العرش بقوة.
قال الحافظ: وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون مع أن الموتى لا إحساس لهم, فقيل : المراد أن الذين يصعقون هم الأحياء, وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله تعالى: ( إلَّا مَن شَآءَ اللهُ) ؛ أي: ممن سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق , وإلى هذا جنح القرطبي, ولا يعارضه ما ورد في هذا الحديث أن موسى ممن استثنى الله لأن الأنبياء أحياء عند الله, وإن كانوا في صورة الأموات بالنسبة إلى أهل الدنيا, وقد ثبت ذلك للشهداء, ولا شك أن الأنبياء أرفع رتبة من الشهداء, ووقع التصريح بأن الشهداء ممن استثنى الله (3) .

(5) ومن فضائله عليه السلام عظم شريعته وكثرة أمته :
قال ابن كثير رحمه الله : وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت شريعة عظيمة , وأمته كانت أمة كثيرة ووجد فيها أنبياء وعلماء وعباد وزهاد وألِبَّاءُ وملوك

(1) رواه البخاري (13/477) "التوحيد" ، ومسلم (16/200)"القدر".
(2) تقدم تخريجه (ص26).
(3) "فتح الباري" (6/444).



وأمراء وسادات وكبراء لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا كما بدلت شريعتهم ومسخوا قردة وخنازير, ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم وجرت خطوب وأمور يطول ذكرها (1).

ومن الأدلة على عظم شريعته قوله تعالى : (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِم يُؤْمنُونَ (154) ) [الأنعام:154].
وقوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48)) [الأنبياء:48].

ومن الأدلة على عظم أمته وكثرتها بعد نبينا صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم :" عُرِضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط , والنبي ومعه الرجل والرجلان , والنبي وليس معه أحد, إذ رُفع لي سواد عظيم , فقلت : هذه أمتي ؟ فقيل : هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق ، فإذا سواد عظيم ، ثم قيل : انظر إلى هذا الجانب, فإذا سواد عظيم , فقيل: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"(2). 
ومن فضائله عليه السلام : (6)  
ما ورد في أحاديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره. وزاد في حديث عيسى : " مررت ليلة أسرى بي" (3).
 
(7) ومن فضائله عليه السلام: 
ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء وفيه : " ثم عُرج بنا إلى السماء السادسة , فاستفتح جبريل عليه السلام , قيل: من هذا ؟ قال : جبريل. قيل: ومن معك ؟ قال : محمد .قيل : وقد بُعث اليه ؟ قال : قد بعث اليه. فَفُتح لنا فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم فرحَّب ودعا لي بخير" . 


(1)"قصص الأنبياء"(432).
(2) رواه البخاري (10/211) "الطب" ، ومسلم (3/94،93) "الإيمان" ، والترمذي (9/274) "صفة القيامة".
(3) رواه مسلم (15/133) "الفضائل" .




وفيه أيضاً : " فأوحى الله إليّ ما أوحى ففرض عَليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى صلى الله عليه وسلم فقال : ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت : خمسين صلاة . قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك ، فإني قد بَلَوْتُ بني إسرائيل وخبرتهم . قال : فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب خفِّف على أمتي فحط عني خمساً ، فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمساً ، قال : إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال : يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً ، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئة واحدة ، قال : فنزلت حتى انتهيت إلى موسى صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه " (1).

ففيه شفقة موسى عليه الصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته ونصحه لنبينا صلى الله عليهما وسائر الأنبياء وسلم .

(8) ومن فضائله عليه السلام :
سفره طلباً للعلم مع علو مرتبته وارتفاع قدره ، وفيه كذلك شرف العلم وآداب طلبه وبذل الجهد في تحصيله .
عن ابن عباس رضي الله عنه أنه تمارى هو والحرُّ بن قيس الفزاري في صاحب موسى قال ابن عباس : هو خَضِرٌ ، فَمَرَّ بهما أُبيُّ بن كعبٍ فدعاهُ ابن عباس فقال : إني تماريت أنا و صاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقِيِّهِ ، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه ؟ قال : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بينما موسى في ملإٍ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال : هل تعلم أحداً أعلمَ منك ؟ قال : لا . فأوحى الله إلى موسى : بلى عبدنا خَضِرٌ ، فسأل موسى السبيل إليه ، فجُعِل له الحوت آية ، وقيل له : إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ، فكان يتبع الحوت في البحر ، فقال لموسى فتاه : أرأيت إذ أوينا إلى

(1) رواه مسلم (2/213،214) "الإيمان" .
الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره . فقال موسى : ذلك ما كنا نبغي ، فارتدا على آثارهما قصصاً فوجدا خضِراً ، فكان من شأنهما الذي قصَّ الله في كتابه"(1).
 
وفيه تواضع موسى عليه السلام مع أنه ولا شك أفضل من الخضر لأنه من أولِي العزم من الرسل .
 
(9) ومما يدل على فضله عليه السلام :
وما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة وفاته قال :" أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه صكَّهُ فرجع إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ثورٍ ، فله بما غطَّى يدُهُ بكلِّ شعرةٍ سنة قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن . قال : فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر " قال أبو هريرة : فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر" (2).
 
وفي رواية عمار ما يشهد لفضله عليه الصلاة والسلام : " فقال : يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه".  
قال ابن خزيمة : أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا : إنْ كان موسى عرفه فقد استخف به ، وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه؟  
والجواب : أن الله لم يبعث ملك الموت لموسى وهو يريد قبض روحه حينئذ وإنما بعثه إليه اختباراً ، وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدمياً دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت ، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ، ولو عرفهم إبراهيم ما قدم لهم المأكول ! ولو  


(1) رواه البخاري (6/431) "أحاديث الأنبياء".
(2) رواه البخاري (6/ 441،440) "أحاديث الأنبياء" ،ومسلم (5/128) "الفضائل".


عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه ! وعلى تقدير أن يكون عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر ؟ ثم من أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له ؟
 
وقال النووي: لا يمتنع أن يأذن الله لموسى في هذه اللطمة امتحاناً للملطوم.
 
وقال غيره : إنما لطمه لأنه جاء لقبض روحه من قبل أن يخبره ، لما ثبت
أنه لم يُقبضْ نبيٌ حتى يخير ، فلهذا لما خيره في المرة الثانية أذعن (1). 







***










(1) باختصار من "الفتح" (6/442).



قصة ميلاد موسى الكليم عليه السلام

قال الله تعالى : (طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ(3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلآ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [القصص:1-13].

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله : لقد كانت قصة موسى عليه السلام تبدأ غالباً في السور الأخرى من حلقة الرسالة لا من حلقة الميلاد – حيث يقف الإيمان القوي في وجه الطغيان الباغي – ثم ينتصر الإيمان و ينخذل الطغيان في النهاية ، فأما هُنَا فليس المعنى هو المقصود ، إنما المقصود أن الشرَّ حين يتمحض يحمل سبب هلاكه في ذاته ، والبغي حين يتمرد لا يحتاج إلى من يدمغه من البشر ، بل تتدخل يد القدرة وتأخذ بيد المستضعفين المعتدى عليهم فتنقذهم وتستنقذ عناصر الخير فيهم وتربيهم وتجعلهم أئمة وتجعلهم الوارثين.




وقبل أن تبدأ القصة يرسم الجو الذي تدور فيه الأحداث والظروف الذي يجري فيه القصص .

( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4))[القصص:4].

ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون ، ويقدر غير ما يقدر الطاغية ، والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحياتهم فينسون إرادة الله وتقديره ، ويحسبون أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون ، ويختارون لأعدائهم ما يشاءون ، ويظنون أنهم على ذا و ذاك قادرون (1).

( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)) [القصص:6,5]:

ولا شك في أن الله عز وجل قادر على أن يمكن لعباده المستضعفين في عشية أو ضحاها ، بل طرفة عين ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون (40) ) [النحل:40] , ، فلا يستعجل أهل الحق موعود الله عز وجل لهم بالنصر والتمكين ، فلا بد من مراعاة السنن الشرعية والسنن الكونية ، ولا بد من الصبر على دين الله عز وجل ( وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُواَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ) [محمد:4]
وتبدأ قصة التمكين وإنفاذ مشيئة الله عز وجل بقوله تعالى : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)) فهذا النبي الذي يعز الله به المستضعفين ويرفع شعار الدِّين ما زال رضيعاً ، وقد كان فرعون يقتل الولدان من بني إسرائيل وهذا من غباوته ؛ لأنه إذا صدق ما قيل بأن هلاك ملكه على يد واحدٍ منهم فإنْ كان هذا حقاً لا يغني عنه فعله ، وإنْ لم يكن حقاً فما الحكمة في أمره بذبح الأولاد (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أمْرِهِ ) [يوسف:21]
وقوله عز وجل : (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي

(1) "في ظلال القرآن" (5/2676) بتصرف .

الْيَمِّ{ (1)الله عزّ وجلّ لا يكلف نفساً إلا وسعها، وعلى أهل الحق أن يبذلوا جهدهم، وهو إن كان قليلاً فإن الله عزّ وجلّ سوف يبارك فيه، وسوف يهيئ من الأسباب التي يمكِّن بها للإسلام وأهله؛ فها هو ذا الغلام يقع في يد فرعون ولكنه في حماية الله عزّ وجلّ وحفظه.
قال ابن كثير رحمه الله: هذا والقدر يقول: يا أيها الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه، قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا تخالف أقداره أن هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يحصى ولا يعد، ولا يكون مُرَبَّاه إلا في دارك وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتفداه، ولا تطَّلع على سر معناه، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه، لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أُوحي إليه؛ لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها (2).
{وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ? لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى? أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 9]:
وفي قول آسية امرأة فرعون: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ ? } فضل الفأل الحسن، وقد نالها ما رجت من النفع: أما في الدنيا فهداها الله به وجعل لها أحسن ثناء في الآخرين بقوله تعالى: { {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11]، فاستعملها الله عزّ وجلّ بطاعته وصيرها إلى فسيح جنته.


1- قال القرطبي: واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى فقالت فرقة: كان قولاً في منامها، وقال قتادة: كان إلهاماً، وقالت فرقة: كان بملك يمثل لها، قال مقاتل: أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام. وأجمع الكُلٌّ على أنها لم تكن نبيَّة وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى في الحديث المشهور، خرَّجه البخاري ومسلم "التفسير" (6/4966).
2- "قصص الأنبياء" (298) .
{وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى? فَارِغًا ? إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى? قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص: 10]:
قال القاسمي: {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى? فَارِغًا ?} أي: خالياً من العقل لما دهمها من فرط الجزع، وأطار عقلها من الدهش لما بلغها من وقوعه في يد فرعون {إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ} أي: بأمره وقصته وأنه ولدُها {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى? قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: لولا أن ألهمناها الصبر، شُبِّهَ بربط الشيء المنفلت ليقر ويطمئن، ومعنى: {الْمُؤْمِنِينَ} أي: المصدقين لوعد الله وهو قوله: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} (1).
قال الزمخشري: ويجوز: وأصبح فؤادها فارغاً من الهمِّ حين سمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه إن كادت لتبدي بأنه ولدُها، لأنها لم تملك نفسها فرحاً وسروراً بما سمعت لولا أنا طمأنا قلبها وسكنَّا قلقه الذي حدث به من شدة الفرح والابتهاج لتكون من المؤمنين الواثقين بوعد الله لا بتبني فرعون وتعطفه (2).
قال ابن جرير رحمه الله: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال معناه: وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من كل شيء إلا من همِّ موسى (3).
{وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ? فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [القصص: 11]:
قال الزمخشري : أي : اتبعي أثره وتتبعي خبره {فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أي: نظرت إليه مُزْوَرَّةً متجانفة مخاتلة، وهم لا يحسون بأنها أخته (4).
{? وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12]:
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في "ظلاله": إن القدرة التي ترعاه تدبر

1- "محاسن التأويل" (13/97).
2- "الكشاف" (3/396).
3- "جامع البيان في تفسير القرآن" (10/24).
4- "الكشاف" (3/396).

أمره وتكيد به لفرعون وآله، فتجعلهم يلتقطونه، وتجعلهم يحبونه وتجعلهم يبحثون له عن ظئر ترضعه، وتحرم عليه المراضع لتدعهم يحتارون به، وهو يرفض الثدي كلما عُرضت عليه، وهم يخشون عليه الموت، أو الذبول، حتى تبصر به أخته من بعيد فتعرفه، وتتيح لها القدرة فرصة لهفتهم على مرضع فتقول لهم: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} فيتلقفون كلماتها وهم يستبشرون، يودون لو تصدق فينجو الطفل العزيز المحبوب، وينتهي المشهد الرابع فنجدنا أمام المشهد الخامس والأخير في هذه الحلقة، وقد عاد الطفل الغائب لأمه الملهوفة معافًى في بدنه مرموقاً في مكانته، يحميه فرعون وترعاه امرأته، وتضطرب المخاوف من حوله وهو آمن قرير، وقد صاغت القدرة الحلقة الأولى من تدبيرها العجيب.
{فَرَدَدْنَاهُ إِلَى? أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (1) [القصص: 13].
o الفوائد والآثار الإيمانية:
(1) الظلم إذا عمَّ وطَمَّ فإنه يؤذن بزواله وهلاك الظالم ودولته، وقد قال شيخ الإسلام: (إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة).
فمع أن فرعون قد جمع الموبقات، وادعى الألوهية وأنكر رب البريَّة إلا أن الله عزّ وجلّ علل زوال مُلْكه ونَصَر المستضعفين بقوله: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ? إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].
(2) في قوله عزّ وجلّ: {نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى? وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص: 3] بيان عناية الله عزّ وجلّ بالمؤمنين:
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: فإلى القوم المؤمنين يوجه هذا الكتاب


1- "في ظلال القرآن "(5/2681,2680).

يربيهم به وينشئهم ويرسم لهم المنهاج، ويشق لهم الطريق، وهذا القصص المتلو في السورة مقصود به أولئك المؤمنون وهم به ينتفعون.
وهذه التلاوة المباشرة من الله تلقي ظلال العناية والاهتمام بالمؤمنين، وتشعرهم بقيمتهم العظيمة ومنزلتهم العالية الرفيعة، وكيف؟ والله ذو الجلال يتلو على رسوله الكتاب من أجلهم ولهم، بصفتهم هذه التي تؤهلهم لتلك العناية الكريمة {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (1).
(3) كما بيَّن قول الله عزّ وجلّ: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} وبين انتصار موسى على فرعون وهلاك فرعون وجنوده.
فالأمور تسير بالسنن الكونية والشرعية و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ?} [البقرة: 286] فعلى أهل الإيمان أن يأخذوا بالأسباب المتاحة {وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمِّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ ?}، {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ?} فهذا مبلغ جهد أم موسى في حماية موسى الرضيع، والذي تولى حمايته ونصره في الحقيقة هو الله عزّ وجلّ ذو الجلال والإكرام، وكان يمكن أن تحصل الحماية والرعاية دون أسباب.
ويقول السعدي رحمه الله: إن الله إذا أراد شيئاً هيأ أسبابَهُ وأتى به شيئاً فشيئاً بالتدرج لا دفعة واحدة (2).
(4) الله عزّ وجلّ يلهم أهل الإيمان الصواب والرشاد فما أخبر به الله عزّ وجلّ أنه أمر أم موسى أن تقول لأخته: { قُصِّيهِ ?} مع أن ذلك كان من أسباب نجاته وانتصار حزب الإيمان، وفرعون عليه لعنة الملك الديان رَبَّى موسى في بيته وقام بقضاء مصالحه، كما يقولون: حفر قبره بظلفه، فالكفار والفجار يعملون من الأعمال التي يظنون أنه فيها منفعتهم وصلاحهم وتكون من أعظم أسباب خيبتهم وخسارتهم! كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ? فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ? وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال : 36]:
(5) في هذه القصة تثبيت لأهل الإيمان وإن ضعفت شوكتهم وقَلَّتْ

-1 "في ظلال القرآن" (5/2676).
2- "تيسير اللطيف المنان" (130).
حيلتهم، وإن طغى وبغى أهل الباطل وملكوا من أسباب البطش والتنكيل ما ملكوا، فعلى أهل الإيمان أن يستبشروا بنصر الله وينتظروا فرجه وتمكينه لهم، كما قال تعالى: { لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى? قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: بوعد الله ونصره، وقد بيَّن الله عزّ وجلّ في آيات أخر ما يتسلح به أهلُ الإيمان حتى يجعلهم اللهُ عزّ وجلّ أئمة فقال تعالى في سورة السجدة: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة : 24] قال سفيان بن عيينة: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوساً.
قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:
(6) ومنها – أي: من الفوائد المستنبطة -: لطف الله بأم موسى بذلك الإلهام الذي به سلم ابنها، ثم تلك البشارة من الله لها برده إليها، التي لولاها لقضى عليها الحزنُ على ولدها، ثم رده إليها بإلجائه إليها قدراً بتحريم المراضع عليه، وبذلك وغيره يعلم أن ألطاف الله على أوليائه لا تتصورها العقول، ولا تعبر عنها العبارات، وتأمَّل موقع هذه البشارة وأنه أتاها ابنها ترضعه جهراً، وتسمى أمه شرعاً وقدراً، وبذلك اطمأن قلبها، وازداد إيمانها، وفي هذا مصداق لقوله تعالى: {وَعَسَى? أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ?} [البقرة: 216] فلا أكرَهَ لأم موسى من وقوع ابنها بيد آل فرعون، ومع ذلك ظهرت عواقبه الحميدة، وآثاره الطيبة.
(7) ومنها: أن الإيمان يزيد وينقص لقوله : {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} والمراد بالإيمان هنا زيادته وطمأنينته.
(8) ومنها: أن من أعظم نِعم الله على العبد تثبيت الله له عند المُقْلِقَات والمخاوفِ، فإنه كما يزاد به إيمانه وثوابه، فإنه يتمكن من القول الصواب والفعل الصواب، ويبقى رأيه وأفكاره ثابتة، وأما من لم يحصل له هذا الثبات فإنه لقلقه وروعه يضيع فكره ويذهل عقله، ولا ينتفع بنفسه في تلك الحال (1).


-1 "خلاصة تيسير اللطيف المنان في تفسير القرآن" (130، 131).

شبابه عليه السلام وهجرته إلى مدين
- قال تعالى : ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى? آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى? حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَ?ذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ ? فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى? فَقَضَى? عَلَيْهِ ? قَالَ هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ? قَالَ لَهُ مُوسَى? إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى? أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ? إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ? قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى? رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)(القصص: 14-22) :
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: ويسكت سياق القصة بعد هذا عن السنوات الطوال مابين مولد موسى عليه السلام، والحلقة التالية التي تمثل شبابه واكتماله، فلا نعلم ماذا كان بعد رده إلى أمه لترضعه، ولا كيف تربى في قصر فرعون.
يسكت سياق القصة عن كل هذا ويبدأ الحلقة الثانية مباشرة حين بلغ أشده واستوى فقد آتاه الله الحكمة والعلم، وجزاه جزاء المحسنين.
وبلوغ الأشُد : اكتمال القوى الجسمية، والاستواء: اكتمال النضوج العضوي والعقلي، وهو يكون عادة حوالي سن الثلاثين، فهل ظل موسى في قصر فرعون ربيبًا ومتبنى لفرعون وزوجه حتى بلغ هذه السن؟ أم إنه افترق عنهما، واعتزل القصر، ولم تسترح نفسُهُ للحياة في ظل تلك الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفسٌ مصفاة مجتباة كنفس موسى عليه السلام؟ ليس لدينا من
دليل، ولكن سياق الحوادث بعد هذا يلهم شيئًا من هذا كما سيجيء , والتعقيب على إتيانه العلمَ والحكمةَ :) وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) ببشرى كذلك بأنه أحسن فأحَسَنَ الله إليه بالحكمة والعلم (1).
قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى? حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا ) (القصص:15) :
قال ابن كثير: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي:
وذلك نصف النهار وعن ابن عباس : بين العشائين.
(فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ) أي : يتضاربان ويتهارشان (هَ?ذَا مِن شِيعَتِهِ) أي: إسرائيلي (وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ ? ) أي: قبطي , قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته له في بيته، وكانت بنو إسرائيل عُزُّوا وصارت لهم وجاهة، وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه، وهم أخواله – أي من الرضاعة- , فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فَوَكَزَهُ) قال مجاهد: أي: طعنه بجمع كفه، وقال قتادة: بعصًا كانت معه (فَقَضَى? عَلَيْهِ ? ) أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافرًا مشركًا بالله العظيم ولم يُرِدْ موسى قتله بالكلية، وإنما أراد زجره، ومع هذا قال موسى (هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  (16) ) (2).
قال القرطبي رحمه الله: ندم موسى عليه السلام على هذا الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر، ثم لم يزل عليه السلام يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له، حتى إنه في القيامة يقول (إني قتلتُ نفسًا لم أؤْمَر بقتلها) وإنَّما عدّه على نفسه ذنبًا وقال: (ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) من أجل أنه لا ينبغي لنبيّ أن يقتل حتى يؤمر، وأيضّا فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم (3).
(1)" في ظلال القرآن " (5/2681) باختصار.
(2) " قصص الانبياء" (303) .
(3) " الجامع لأحكام القرآن " (6/4976،4977).




شباب موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين

شبابه عليه السلام وهجرته إلى مدين

قـال تـعـالـى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى? آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى? حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَ?ذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ ? فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى? فَقَضَى? عَلَيْهِ ? قَالَ هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ? قَالَ لَهُ مُوسَى? إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ* فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى? أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ? إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ* وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ* فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ? قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى? رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) [القصص: 14-22]:
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: ويسكت سياق القصة بعد هذا عن السنوات الطوال ما بين مولد موسى عليه السلام, والحلقة التالية التي تمثل شبابه واكتماله, فلا نعلم ماذا كان بعد رده إلى أمه لترضعه, ولا كيف تربي في قصرفرعون.
يسكت سياق القصة عن كل هذا ويبدأ الحلقة الثانية مباشرة حين بلغ أشده واستوى فقد آتاه الله الحكمة والعلم, وجزاه جزاء المحسنين.
وبلوغ الأشُد: اكتمال القوى الجسمية, والاستواء: اكتمال النضوج العضوي والعقلي, وهو يكون عادة حوالي سن الثلاثبن, فهل ظل موسى في قصر فرعون ربيباً ومتبنى لفرعون وزوجته حتى بلغ هذا السن؟ أم إنه افترق عنهما, واعتزل القصر, ولم تسترح نفسُهُ للحياة في ظل تلك الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفسٌ مصفاة مجتباة كنفس موسى عليه السلام؟ ليس لدينا من
شباب موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين
دليل, ولكن ساق الحوادث بعد هذا يلهم شيئاً من هذا كما سيجيء, والتعقيب على إتيانه العلمَ والحكمةَ: (وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين) ببشرى كذلك بأنه أحسن فأحَسَنَ الله إليه بالحكمة والعلم(15).
قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى? حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) [القصص: 15]:
قال ابن كثير: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي: وذلك نصف النهار وعن ابن عباس: بين العشائين.
(فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَان) أي: يتضاربان ويتهارشان (هَ?ذَا مِن شِيعَتِه) أي: إسرائيلي (وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ) أي: قبطي, قال ابن العباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق (فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة, بسبب نسبته إلى تبني فرعون له وتربيته له في بيته, وكانت بنو إسرائيل عُزُّوا وصارت لهم وجاهة, وارتفعت رؤوسهم بسبب أنهم أرضعوه, وهم أخواله -أي من الرضاعة- , فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فَوَكَزَهُ) قال مجاهد: أي: طعنه بجمع كفه, وقال قتادة: بعصاً كانت معه (فَقَضَى? عَلَيْه) أي: فمات منها. وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم ولم يُرِدْ موسى قتله بالكلية, وإنما أراد زجره, ومع هذا قال موسى: (هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ? إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (16) .
قال القرطبي رحمه الله: ندم موسى عليه السلام على هذا الوكز الذي كان فيه ذهاب النفس فحمله ندمه على الخضوع لربه والاستغفار من ذنبه.
قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر, ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم يعدد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر له, حتى إنه يوم القيامة يقول: "إني قتلتُ نفساً لم أوْمَر بقتلها" وإنَّما عدَه على نفسه ذنباً وقال: (ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِيِ) من أجل أنه لا ينبغي لنبيِّ أن يقتل حتى يؤمر, أيضاً فإن الأنبياء يشفقون مما لا يشفق منه غيرهم (17).
شباب موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين
عن سالم بن عبدالله أنه قال: "يا أهل العراق ما أسألكُم عن الصغيرة وأرْكَبَكُم للكبيرة! سمعت أبي -عبد الله بن عمر- يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الفتنة تجئ من ها هُنا -وأومأ بيده نحو المشرق- من حيث يطلع قرنا الشيطان وأنتم بعضكم يضرب رقاب بعض وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ فقال الله عز وجل: (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا) [طه:40] (18).
قوله: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) [القصص: 17]: قال الألوسي رحمه الله: احتج أهلُ العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم, أخرجه عبد بن حُميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الوصافي أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخ له كاتب فقال له: إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء, إلا أنه يكتب له بقلم ما يدخل وما يخرج, فإن ترك قلمه صار عليه دين واحتياج, وإن أخذ به كان له فيه غنى, قال: لمن يكتب؟ قال: لخالد بن عبد الله القسري, قال: ألم تسمع إلى ما قال العبدُ الصالح: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ) فلا يهتم أخوك بشيء وليرم قلمه فإن الله تعالى سيأتيه برزق. فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم, ويا حسرتا على من باع دِينه بدنياه, واشترى رضا الظلمة بغضب مولاه, هذا وقد بلغ السيل الزُّبى وجرى الوادي فطم على القرى (19).
(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) [القصص: 18]:
قال ابن كثير رحمه الله: يخبر الله تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً -أي من فرعون وملئه- أن يعلموا هذا القتيل الذي رفع إليه أمره, إنما قتله موسى في نصرة رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى منهم, ويترتب على ذلك أمر عظيم, فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) أي: يلتفت, فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره
شباب موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين
بالأمس يستصرخه؛ أي: يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قتله, فعنفه موسى ولامَهُ على كثرة شره ومخاصمته قال له: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ) ثم أراد أن يبطش ذلك القبطي, الذي هو عدو لموسى وللإسرائيلي فيردعه ويخلصه منه, فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي: (قَالَ يَا مُوسَى? أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ? إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)(20) [القصص:19].
قال الألموسي: والذي في التوراة التي بأيدي اليهود اليوم ما هو صريح في أن هذين الرجلين كانا من بني إسرائيل, وأما الرجلان اللذان رآهما بالأمس فأحدهما إسرائيلي والآخر مصري.
قال: وأنت تعلم أن هذه التوراة لا يلتفت إليها فما يكذب القرآن والسنة الصحيحة, وهي فيما عدا ذلك كسائر أخبار بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب, نعم قد يستأنس بها لبعض الأمور, ثم إن ما فيها من قصة موسى عليه السلام مخالف لما قصَّه الله تعالى منها هنا, وفي سائر المواضع زيادة ونقصاً وهو ظاهر لمن وقف عليها ولا يخفى الحكم في ذلك(21).
قوله: (إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) [القصص:19]:
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: فَتَفهم أن موسى كان قد اتخذ في الحياة مسلكاً يعرف به أنه رجل صالح مصلح لا يحب البغي والتجبر, فهذا القطبي يذكره بهذا ويوري به, ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه, ويريد أن يكون جباراً مصلحاً(22).
(وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى? قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [القصص:20]:
قال الألوسي: وكون الرجل الجائي مؤمن آل فرعون هو المشهور, وقيل غيره, و(يَسْعَى?) بمعنى: يُسرع في المشي, وإنما أسرع لبعد محله ومزيد اهتمامه بإخبار موسى عليه السلام ونصحه.
شباب موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين
(قَالَ يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ) وهم وجوه أهل فرعون (يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) أي: يتشاورون بسببك, وإنما سمى التشاور: ائتماراً؛ لأن كلّاً من المتشاورين يأمر الآخر(23) .
(فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ? قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى? رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) [القصص: 21 ,22]:
قال الزمخشري: (تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) قصدها ونحوها, ومدين قرية شعيب عليه السلام سميت بمدين بن إبراهيم, ولم تكن في سلطان فرعون, وبينهما وبين مصر مسيرة ثمان, وكان موسى لا يعرف إليها الطريق, قال ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه(24) .
* * * * *
* الفوائد والآثار الإيمانية:
{1} قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (قَالَ لَهُ مُوسَى? إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِين) غويٌ بعراكه هذا الذي لا ينتهي واشتباكاته التي لا تثمر, إلا أن تثير الثائرة على بني إسرائيل, وهم عن الثورة الكاملة عاجزون, وعن الحركة المثمرة ضعفاء, فلا قيمة لمثل هذه الاشتباكات التي تضر ولا تفيد.
{2} وفي قولة عز وجل: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ? قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى? رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) [القصص: 21- 22] بركة الدعاء وحسن الظن والتوكل على الله عز وجل, فقد خرج موسى عليه السلام خائفاً طريداً فريداً, لم يتجهز لسفرٍ ولم يأخذ ما يدل على الطريق, ولكنه توجه إلى الله عز وجل بالدعاء أولاً بالنجاة من القوم الظالمين, ثم طلب الهداية إلى سواء السبيل وهكذا المؤمن دائماً يعلق قلبه بالله عز وجل ويرجو الخير من عنده, ويهرع إلى دعائه ورجائه عند الشدائد وهذا التوكل وحسن الظن يعوض أهل الإيمان قلة الأسباب ويفتح لهم مغاليق الأبواب.
شباب موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين
{3} استدل القرطبي وغيره بقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى?) على جواز النميمة لمصلحة دينية.
{4} قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي عليه رحمة ربنا العلي: إذا خاف التلف بالقتل بغير حق في إقامته في موضع فلا يلقي بيده إلى التهلكة ويستسلم للهلاك بل يفر من ذلك الموضع مع القدرة كما فعل موسى.
{5} وقال رحمه الله: إذا كان لا بد من ارتكاب إحدى مفسدتين تعيّن ارتكاب الأخف منهما الأسلم دفعاً لما هو أعظم وأخطر, فإن موسى لما دار الأمر بين بقائه في مصر ولكنه يقتل, أو ذهابه إلى بعض البلدان البعيدة التي لا يعرف طريق إليها, وليس معه دليل يدله غير هداية ربه -ومعلوم أنها أرجى للسلامة- لا جرم آثارها موسى(25).
{6} وقال رحمه الله: فيه تنبيه لطيف على أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى العمل أو التكلم به إذا لم يترجح عنده أحد القولين فإنه يستهدي ربَّه ويسأله أن يهديه إلى الصواب من القولين بعد أن يقصد الحق بقلبه ويبحث عنه, فإن الله لا يخيب من هذا حاله, كما جرى لموسى لما قصد تلقاء مدين, ولا يدري الطريق المعين إليها قال: (عَسَى? رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) وقد هداه الله وأعطاه ما رجاه وتمناه (1).
{7} قال الشيخ أبو بكر الجزائري في "هداية الآيات" (26) :
* شكر النعم: فموسى لما غفر الله تعالى له, شكره بأن تعهد له أن لا يقف إلى جنب مجرم أبداً.
* سوء صحبة الأحمق الغويّ: فإن الإسرائيلي لغوايته وحمقه هو الذي سبب متاعب موسى.
* الخوف الطبيعي لا يلام عليه: فموسى عليه السلام قد خاف خوفاً أدى به إلى الالتجاء إلى ربِّه بالدعاء فدعاه فاستجاب له, ولله الحمد والمنَّة.


مكث موسى عليه السلام بمدين وزواجه بها

مكثه عليه السلام بمدين وزواجه بها

قوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ? قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ? قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى? يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ? وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى? لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى? إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ? فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ? نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَ?لِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ? أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ? وَاللَّهُ عَلَى? مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) [القصص: 23- 28]:

قال سيد قطب رحمه الله: لقد انتهى به السفر الشاقّ الطويل إلى ماء لمدين, وصل إليه وهو مجهود مكدود, وإذا هو يطلع على مشهد لا تستريح إليه النفس ذات المروءة السليمة الفطرة - كنفس موسى عليه السلام- وجد الرعاة الرجال يوردون أنعامهم لتشرب من الماء, ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء.

(قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ? قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى? يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ? وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) فأخبرتاه عن سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود.

(فَسَقَى? لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى? إِلَى الظِّلِّ) مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظٍ وحَرِّ, وأن السفرة كانت في ذلك القيظ والحر.

(فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص:24]:
قال الألوسي: أي: لأيِّ شيء تنزله من خزائن كرمِك إليَّ (مِنْ خَيْرٍ) جَلّ أو قلَّ (فَقِيرٌ) أي: محتاج, وإلى كون الكلام تعريضاً لذلك ذهب
مكث موسى عليه السلام بمدين وزواجه بها
مجاهد, وابن جبير, وأكثر المفسرين (27) .
وقال الزمخشري: ويحتمل أن يريد: إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلت إليَّ من خير الدِّين, وهو النجاة من الظالمين؛ لأنه كان عند فرعون في ملك وثروة, قال ذلك رضاً بالبدل السني وفرحاً به وشكراً له (28) .
والأول أظهر وأليق بالسياق, والله أعلم.
(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ? فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ? نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين) [القصص: 25]:
قال الزمخشري: (عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) أي: أي مستحية متخفرة, وقيل: قد استترت بكم درعها (2) .
وقال القرطبي: قال عمرو بن ميمون: ولم تكن سلفعاً من النساء خَرَّاجَةً وَلَّاجَةً (29) .
( فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ? نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين) [القصص: 25]:
قال ابن كثير رحمه الله: وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيب عليه السلام وهذا هو المشهور عند كثيرين, وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس, وجاء مصرحاً به في حديث, ولكن في إسناده نظر(30) .
وقال سيد قطب رحمه الله: سبق وأن قلت مرة في "الظلال": إن هذا الرجل هو شعيب, وقلت مرة: إنه قد يكون النبي شعيباً أو لا يكون, وأنا الآن أمْيَل إلى ترجيح أنه ليس هو, وإنما هو شيخ آخر من مَدْين, والذي يحمل على هذا الترجيح أن هذا الر جل الشيخ كبير, وشعيب شهد مهلك قومه المكذبين له, ولم يبق معه إلا المؤمنون به, فلو كان هو شعيب -النبي- بين بقية قومه المؤمنين ما سَقَوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير, فليس هذا سلوك قوم مؤمنين, ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل, يضاف إلى هذا القرآن لم يذكر شيئاً
مكث موسى عليه السلام بمدين وزواجه بها

عن تعليمه لموسى سهره, ولوكان شعيباً النبي لسمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشرات السنوات (31) .

(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: 26]:
قال القرطبي دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة معلومة, وكذلك كانت في كل ملة, وهي من ضرورة الخليقة ومصلحة الخلطة بين الناس, خلافاً للأصم حيث كان عن سماعها أصم (32) .
قال الزمخشري: وقولها: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين) كلام حكيم جامع لا يزاد عليه؛ لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني: الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك, وقد استغنت بإرسال هذا الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول: استأجره لقوته وأمانته (33) .

(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) [القصص: 27]:
قال القرطبي: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ):
- فيه عرض الولي ابنته على الرجل, وهذه سنة قائمة, عرض صالح مدَين ابنته على صالح بني إسرائيل, وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان, وعرض الموهبة نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- وفي هذه الآية دليل على أن النكاح للولي لا حظَّ للمرأة فيه؛ لأن صالح مدين تولاه, وبه قال فقهاء الأمصار وخالف في ذلك أبو حنيفة, وقد مضى.
- هذه الآية تدل على أن للأب أن يزوج ابنته البكر البالغ من غير استئمار, وبه قال مالك واحتج بهذه الآية, وقال أبو حذيفة إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها إلا برضاها؛ لأنها بلغة حد التكليف, فأما إذا كانت
مكث موسى عليه السلام بمدين وزواجه بها
صغيرة فإنه يزوجها بغير رضاها؛ لأنه لا إذن لها ولا رضا بغير خلاف.
وقوله: (قَالَ ذَ?لِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ? أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ? وَاللَّهُ عَلَى? مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) [القصص: 28]:
قال ابن كثير رحمه الله: يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت, فأيهما قضيت فلا عدوان عليَّ, والله على مقالتنا سامع وشاهد ووكيل عليَّ وعليك, ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
روى البخاري عن سعيد بن جبير, قال: سأني يهود من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلتُ: لا أدري حتى أقدم على حَبْرِ العرب فأسأله, فقدمت فسألت ابنَ عباس فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل (34) .
* * * * *
* الفوائد والآثار الإيمانية:
{1} قال القرطبي: استدل أصحاب الشافعي بقوله: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ) على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح, وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عبيد وداود ومالك على اختلافٍ عنه, وقال علماؤنا في المشهور: ينعقد النكاح بكل لفظ, وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقضي التمليك على التأبيد (35) .
{2} قال القرطبي: وأما النكاح بالإجازة فظاهر من الآية, هو أمرٌ قد قرره شرعنا وجرى في حديث الذي لم يكن عنده إلا شيء من القرآن, رواه الأئمة, وفي بعض طرقه, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا تَحْفظُ مِنَ القُرآنِ؟", فقال: سورة البقرة والتي تليها, فقال: "فعلّمها عشرين آية وهي امرأتك"(36) .
مكث موسى عليه السلام بمدين وزواجه بها

{3} قال القرطبي: قوله تعالى: (عَلَى? أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج) جرى ذكر الخدمة مطلقاً, وقال مالك: إنه جائز ويُحمل على العرف فلا يحتاج في التسمية إلى الخدمة, وهو ظاهر في قصة موسى, فإنه ذكر إجارة مطلقة, وقال أو حنيفة والشافعي: لا يجوز حتى يسمى فإنه مجهول, وقد ترجم البخاري: من اسْتَأْجَرَ أجيراً فبين له الأجل ولم يبين له العمل لقوله تعالى: (عَلَى? أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج) (37) .
{4} اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح على قولين:
أحدهما: أنه لا ينعقد إلا بشاهدين, وبه قال أبو حنيفة والشافعي, وقال مالك: إنه ينعقد دون شهود لأنه عقد معاوضة فلا يشترط فيه الإشهاد, وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح, وفرق بين النكاح والسفاح: الدَّف (38) .
{5} قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر: العبد إذا عمل العمل لله خالصاً ثم حصل به مكافأة عليه بغير قصد منه فإنه لا يلام على ذلك, ولا يخل بإخلاصه وأجره, كما قَبِلَ موسى مكافأة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يطلبه ولم يتشرف له على معاوضة.
{6} وقال رحمه الله: من أعظم مكارم الأخلاق تحسين الخلق مع كل من يتصل بك من خادم وأجير وزوجة وولد ومُعَامِل وغيرهم, ومن ذلك تخفيف العمل على العامل لقوله: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) وفيه أنه لا بأس أن يُرَغِّبَ المعامل في معاملته بالمعاوضات والإجارات بأن يصف نفسه بحسن المعاملة, بشرط أن يكون صادقاً في ذلك(39).
{7} قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: وبمثل هذه البساطة والوضاءة سار المجتمع الإسلامي يبني بيوته ويقيم كيانه في غير ما تلعثم ولا جمجمة ولا تصنع ولا التواء.
مكث موسى عليه السلام بمدين وزواجه بها

وهكذا صنع الشيخ الكبير - صاحب موسى- فعرض على موسى ذلك العرض واعداً إياه ألا يشق عليه ولا يعتبه في العمل, راجياً بمشيئة الله أن يجده موسى من الصالحين في معاملته ووفائه وهو أدب جميل في التحدث عن النفس وفي جانب الله, فهو لا يزكي نفسه ولا يجزم بأنه من الصالحين ولكن يرجو أن يكون كذلك ويكل الأمر في هذا لمشيئة الله. وقبل موسى العرض وأمضى العقد في وضوح كذلك ودقة (40) .

* *
*












قصة ذهاب موسى عليه السلام بأهله ومناداة الله عز وجل له وتكليفه بالرسالة عليه السلام

قصة ذهابه عليه السلام بأهله
ومناداة الله عز وجل له وتكليفه بالرسالة عليه السلام

قال تـعـالـى: (فَلَمَّا قَضَى? مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ* فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى? إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين* وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ? فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى? مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ? يَا مُوسَى? أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ? إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ* اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ? فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ? إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ* قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ? بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) [القصص: 29 - 35]:
قوله: (فَلَمَّا قَضَى? مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ) [القصص: 29]:
قال ابن كثير رحمه الله: اتفق ذلك في ليلة باردة, وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف, وجعل يوري زنادة فلا يورى شيئاً واشتدَّ الظلام والبرد.
فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعدٍ ناراً تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه فـ(قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) وكأنه والله أعلم رآها دونهم؛ لأن هذه النار هي نور في الحقيقة, ولا يصلح رؤيتها لكل أحدٍ (لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ) أي: لَعَلِّي أستعلم مَن عندها عن الطريق: (أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) فدل على أنهم كانوا قد


قصة ذهاب موسى عليه السلام بأهله ومناداة الله عز وجل له وتكليفه بالرسالة عليه السلام
تاهوا عن الطرق في ليلة مظلمة(41) .
(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى? إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين) [القصص: 30]:
قال ابن كثير: أي الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين, الفعال لما يشاء, لا إله غيره ولا رب سواه, تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.
وقوله: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ) أي: التي في يدك, كما قرره على ذلك في قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى? * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى? غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى?) [طه: 18,17]:
والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها؟ ألْقِها (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى?) [طه: 20] فعرف وتحقق أن الذي يكلمه ويخاطبه هو الذي يقول للشيء: كن فيكون.
(فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ) أي: تضطرب كأنها جان ولى مدبراً ولم يعقب؛ أي: لم يلتفت لأن طبع البشرية يَنفر من ذلك, فلما قال الله له: (يَا مُوسَى? أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ? إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) رجع فوقف في مقامه الأول, ثم قال الله: (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق, ولهذا قال: (مِنْ غَيْرِ سُوء) أي: من غير بَرَصٍ (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قال مجاهد: من الفزع.
قوله: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ) يعني: إلقاء العصا وجعلها حية تسعى وإدخال يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء, دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار, وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه, ولهذا قال تعالى: (إلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) أي: خارجين عن طاعة الله مخالفين أمره ولدينه (42) .
قصة ذهاب موسى عليه السلام بأهله ومناداة الله عز وجل له وتكليفه بالرسالة عليه السلام
(قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ *  وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ? إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ) [القصص: 34,33]:
قال الألوسي: المراد بهذا الخبر طلب الحفظ والتأييد, لإبلاغ الرسالة على أكمل وجه لا الاستعفاء عن الإرسال, وزعمت اليهود أنه عليه السلام استعفى ربه سبحانه من ذلك, وأكد طلب التأييد بقوله: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا) أي: عوناً.
وفي قوله: (أَفْصَحُ مِنِّي) دلالة على أن فيه عليه السلام فصاحة, ولكن فصاحة أخيه أزيد من فصاحته(43) .
(قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ? بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) [القصص: 35]:
قال سيد قطب رحمه الله: لقد استجاب ربه رجاءه وشد عضده بأخيه, وزاده على ما رجاه البشارة والتطمين (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا) فهما لن يذهبا مجردين إلى فرعون الجبار, إنما يذهبان إليه مذودين بسلطان لا يقف له في الأرض سلطان, ولا تنالهما معه كف طاغية ولا جبار, (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا) وحولِكما من سلطان الله سياج ولكما من حضن وملاذ.
ولا تقف البشارة عند هذا الحدِّ ولكنها الغلبة للحق, والغلبة لآيات الله يجابهان بها الطغاة, فإذا هي وحدها السلاح القوة وأداة النصر والغلبة (بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (44) .
* * * * *
* الفوائد والآثار الإيمانية:
{1} في هذه الآيات فضيلة ظاهرة لموسى عليه السلام, وكيف اختصه الله عز وجل برسالاته وكلامه فناداه وناجاه بلا واسطة.
قال الألوسي: وقال الحسن: إنه سبحانه نادى موسى عليه السلام نداء الوحي لا نداء الكلام, ولم يرتض ذلك العلماء الأعلام لما فيه من مخالفة الظاهر,
قصة ذهاب موسى عليه السلام بأهله ومناداة الله عز وجل له وتكليفه بالرسالة عليه السلام
وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكليم بين الأنبياء عليه السلام (45) .
{2} قال القرطبي: (وَسَارَ بِأَهْلِه) قيل: فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء, لما له عليها من فضل القوامة وزيادة الدرجة, إلا أن يلتزم لها أمراً فالمؤمنون عند شروطهم, وأحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم يه الفروج(46).
{3} قال الشيخ عبد الحمن بن ناصر: آيات الأنبياء وكرامات الأولياء وما يخرقه الله من الآيات ومن تغيير الأسباب أو منع سببيتها أو احتياجها إلى أسباب أخر, أو وجود موانع تعوقها هي من البراهين العظيمة على وحدانية الله وأنه على كل شيء قدير, وأن أقدار الله لا يخرج عنها حادث جليل ولا حقير, وأن هذه المعجزات والكرامات والتغيرات لا تنافي ما جعل الله في هذه المخلوقات من الأسباب المحبوسة والنظامات المعهودة. وإنك لا تجد لسنة الله تبديلاً ولا تحويلاً(47).
{4} وقال الشيخ أبو بكر الجزائري في "هداية الآيات": بيان أن القصاص كان معروفاً معمولاً به عند أقدم الأمم, وجاءت الحضارة الغربية فأنكرته, فتجرأ الناس على سفك الدماء, وإزهاق الأرواح بصورة لم يسبق لها مثيلٌ في تاريخ البشرية, ولذلك صحَّ أن تسمى الخسارة البشرية بدلاً من الحضارة الغربية (48) .
{5} ومن الآثار الإيمانية, اليقين بأن رحمه الله عز وجل بعباده أعظم من رحمتهم لأنفسهم, فقد قال موسى عليه السلام: (لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُون) فهذه رحمته بنفسه, وانظر إلى رحمه الله عز وجل به حيث عاد بالرسالة وشرف المناجاة, فالله عز وجل أرحم بالعبد من نفسه, فهو عز وجل أرحم الراحمين, نسأل الله أن يفتح علينا خزائن رحمته.
* *
*
لقاء موسى عليه السلام وفرعون وإيمان السحرة

لقاء موسى عليه السلام وفرعون وإيمان السحرة

قال تعالى في سورة الأعراف: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى? بِآيَاتِنَا إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين * وَقَالَ مُوسَى? يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى? أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين * فَأَلْقَى? عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَ?ذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ? فَمَاذَا تَأْمُرُونَ * قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ * وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِين * قَالُوا يَا مُوسَى? إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا ? فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ *  وَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ? فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى? وَهَارُون * قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ? إِنَّ هَ?ذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ? فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا إِنَّا إِلَى? رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ * وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ? رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) [الأعراف: 103-126].
قوله: (فَظَلَمُوا بِهَا) [الأعراف: 103]:
قال العلامة محمد رشيد رضا: أي: فظلموا أنفسهم وقومهم بالكفر.
(بِهَا) كبراً وجحوداً, فكان عليهم إثم ذلك, وإثم قومهم الذين حرموا من الإيمان باتباعهم لهم كما كان يكون لهم مثل أجورهم لو آمنوا بالتبع لهم, وجملة القول أن موسى عليه السلام مرسلاً إلى قومه بني إسرائيل بالذات, وإلى

لقاء موسى عليه السلام وفرعون وإيمان السحرة
فرعون وملئه بالتبع(49).
قوله: (إِلَى? فِرْعَوْنَ) [الأعراف: 103]:
قال الألوسي: هو علم شخص ثم صار لقباً لكل من ملك مصر من العمالقة, كما أن كسرى لقب من ملك فارس, وقيصر لقب من ملك الروم, والنجاشي لقب من ملك الحبشة, وتُبَّع لقب من ملك اليمن(50).
(وَقَالَ مُوسَى? يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى? أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الأعراف: 105,104] :
قال الألوسي: (حَقِيقٌ عَلَى? أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) أي: جدير بذلك وحريّ به لما علمت من حالي.
(قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الأعراف: 105]:
قال ابن الجوزي: أي: أطلق عنهم, وكان قد استخدمهم في الأعمال الشاقة(51).
(قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِين * فَأَلْقَى? عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَ?ذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ? فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) [الأعراف: 110,106] :
قال الزمخشري: (إِنَّ هَ?ذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) أي: عالم بالسحر ما هو فيه, قد أخذ عيون الناس بخدعة من خدعه حتى خيل إليهم العصى حية والآدم أبيض, فإن قلت: قد عزى ههنا إليهم, قلت: قد قاله هو وقالوه هم, فحكى قوله ثم قولهم, أو قاله ابتداءً فتلقفه منه الملأ فقالوه لأعقابهم(52).
(قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) [الأعراف: 112,111] :
لقاء موسى عليه السلام وفرعون وإيمان السحرة
قال القاسمي: أي: أخّر أمرهما, وأصدرهما عنك, حتى ترى رأيك فيهما, وتدبير شأنهما لئلا تنسب إلى الظلم الصريح.
وقال أبو منصور: والأمر بالتأخير دل على أنه تقدم منه أمر آخر, وهو الهم بقتله فقالوا: أخره لتبين حاله للناس, وأصل (أَرْجِهْ): "أَرجئه"(53).
(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِين) [الأعراف:113 ,114]:
قال القاسمي: ولما توثقوا من فرعون (قَالُوا يَا مُوسَى? إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ):
قيل: خيروا موسى إظهاراً للجلادة, فلم يبالوا بتقدمه أو تأخره(54).
وقال الزمخشري: تخييرهم إياه أدب حسن, راعوه معه, كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين قبل أن يتخاوضوا في الجدال, والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع(55).
وقال القرطبي: تأدبوا مع موسى فكان ذلك سبب إيمانهم(56).
(قَالَ أَلْقُوا ? فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم) [الأعراف: 116]:
قال القاسمي: وإنما سوغ لهم التقدم ازدراء لشأنهم, وقلة مبالاة بهم, وثقة بما كان بصدده من التأييد الإلهي, وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً(57).
قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى? مُوسَى? أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ? فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ) [الأعراف: 117, 119]:
يقول صاحب "الظلال" عليه رحمة الكبير المتعال:
إنه الباطل ينتفش ويسحر العيون ويسترهب القلوب ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب, وأنه جارف, وأنه محيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ
لقاء موسى عليه السلام وفرعون وإيمان السحرة
الواثق حتى ينفقئ كالفقاعة, وينكمش كالقنفذ, وينطفئ كشعلة الهشيم, وإذا الحق راجح الوزن, ثابت القواعد, عميق الجذور, والتعبير القرآني هنا يلقي هذا الظلال وهو يصور الحق واقعاً ذا ثقل (فَوَقَعَ الْحَقُّ) وثبت واستقر وذهب ما عداه فلم يعد له وجود (وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وغلب الباطل والمبطلون, وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون.
(فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِين) :
ولكن المفاجأة لم تختم بعد والمشهد ما زال يحمل مفاجأة كبرى (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى? وَهَارُون) [الأعراف: 120- 122].
إنها صولة الحق في الضمائر, ونور الحق في المشاعر, ولمسة الحق للقلوب المهيأة لتلقي الحق والنور واليقين.
إن السحرة هم أعلم الناس بحقيقة فنِّهِم ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه, وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى, إن كان من السحر والبشر أو من القدرة التي وراء مقدور البشر والسحر, والعالم في فنه هو أكثر الناس استعداداً للتسليم بالحقيقة في حين تنكشف له؛ لأنه أقرب إدراكاً لهذه الحقيقة ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور, ومن هنا تحول السحرة من التحدي السافر إلى التسليم المطلق, الذي يجدون برهانه في أنفسهم عن يقين. ولكن الطواغيت المتجبرين لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر, ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان, ولا كيف تلمسها حرارة اليقين, فهم لطول ما استبعدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب(58).
(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ? إِنَّ هَ?ذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ? فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين) [الأعراف: 123, 124]:
قال صاحب "الظلال" رحمه الله ما ملخصه: هكذا (آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُم) كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق, وهم أنفسهم


رَفعُ
عبدالرحمن النَّجديَّ
أسكنه اللهُ الفِردوس




قصة
عيسى العبد الرسول
ابن مريم العذراء البتول عليه السلام






قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول

قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول
فضائل عيسى(?) ابن مريم عليه السلام


(?) من فضائله ما بشر الله به مريم العذراء البتول بقوله تعالى:
((إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)) [آل عمران:??،??].
قال ابن كثير رحمه الله: هذه بشارة من الملائكة لمريم عليهما السلام بأنه سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير، ويكون وجوده بكلمة من الله؛ أي: يقول له: كن فيكون ((وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)) أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزل عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: ((وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه ((وَمِنَ الصَّالِحِينَ)) أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح(?).
(?) ومن فضائله أن الله عز وجل طهره ورفعه إليه:
قال تعالى: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى? إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
(?) قال ابن كثير: قيل: سمي المسيح لمسحه الأرض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدة تكذيب اليهود له في ذلك الزمان وافترائهم عليه وعلى أمه . "قصص الأنبياء" (???). وقيل: سمي المسيح لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ.
(?) "تفسير القرآن الكريم" (?/???،???) باختصار.

قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول
كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) [آل عمران:??].
قال القرطبي: العنى إني رافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء كقوله: ((وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى (129)) [طه: ???] والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأَجلٌ مسمى لكان لزاماً (?).
وقال ابن كثير رحمه الله: وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا: النوم كما قال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ)) الآية [الأنعام: ??]، وقال تعالى: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ))
الآية [الزمر:??]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا قام من النوم: (( الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ....)) الحديث (?).
وقوله: ((وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) [آل عمران: ??].
قال الزمخشري: يَعلُونهم بالحجة، وفي أكثر الأحوال بها وبالسيف، ومتبعوه هم المسلمون لأنهم متبعوه في أصل الإسلام، وإن اختلفت الشرائع، دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى (?).
(?) ومن فضائله أنه ينزل في آخر الزمان حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية:
قال الله تعالى: ((وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)) [النساء: ???].
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ((والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع
(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????).
(?) "تفسير القرآن العظيم" (?/???) باختصار.
والحديث رواه البخاري (??/???) "الدعوات"، ومسلم (??/??) "الدعوات" و"التعوذ".
(?) "الكشاف" (?/???).
قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول
الجزية، ويَفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها)) ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ((وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)) [النساء: ???] (?).
قال الحافظ: ((لَيُوشِكَنّ)) أي: ليقربن؛ أي: لا بدّ من ذلك سريعاً.
قوله: ((حكماً)) أي: حاكماً، والمعنى أنه ينزل حاكماً بهذه الشريعة، فإن هذه الشريعة باقية لاتنسخ، بل يكون عيسى حاكماً من حكام هذه الأمة.
قوله: ((فيكسر الصليب ويقتل الخنزير)) أي: يبطل دين النصرانية بأن يكسر الصليب حقيقة، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، ويستفاد منه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله، وأنه نجس؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه.
وقوله: ((ويضع الحرب)). في رواية الكشمهيني: ((الجزية)) والمعنى: أن الدين يصير واحداً فلا يبقى أحدٌ من أهل الذمة يؤدي الجزية.
قال النووي: ومعنى وضع عيسى الجزية مع أنها مشروعة في هذه الشريعة أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى لما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكم الجزية بل نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبين للنسخ بقوله هذا.
قال ابن بطال: وإنما قبلناها قبل نزول عيسى لحاجة إلى المال بخلاف زمن عيسى فإنه لا يحتاج إلى المال، فإن المال في زمنه يكثر حتى لا يقبله أحد.
قال الحافظ: ويحتمل أن يقال: إن مشروعية قبولها من اليهود والنصارى لما في أيديهم من شبهة الكتاب وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى عليه السلام زالت الشبهة بحصول معاينته فيصيرون كعبدة الأوثان في انقطاع حجتهم وانكشاف أمرهم ، فناسب أن يعاملوا معاملتهم في عدم قبول الجزية منهم؛ هكذا ذكره بعض مشايخنا احتمالاً.


(?) رواه البخاري (?/???) "أحاديث الأنبياء"، ومسلم (?/???،???) "الإيمان".




قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول
وقوله: ((وَإِن)) بمعنى: ما؛ أي: لا يبقى أحد من أهل الكتاب اليهود ولا النصارى إذا نزل عيسى إلا من آمن به، وبذلك جزم ابن عباس.
وعن الحسن قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن لحي، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. ونقله عن أكثر أهل العلم.
قال العلماء: الحكمة من نزول دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله تعالى كذبهم، وإنه الذي يقتلهم أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض (?).
وقال ابن كثير: وإنه لينزل على المنارة البيضاء بدمشق وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له إمام المسلمين: تقدم يا روح الله فصلّ . فيقول له عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك، فيصلي خلفه ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال فيلحقه عند باب لُدَّ فيقتله بيده الكريمة (?).
(?) ومن فضائله وصف الله عز وجل له بأن كلمته وروح منه:
قال الله تعالى: (( إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ)) [النساء: ???].
وعن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)) (?).
قال القرطبي: مقصود هذا الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى من الضلال في عيسى وأمه، ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم.
وقال النووي: هذا حديث عظيم الموقع وهو من أجمع الأحاديث
(?) باختصار من "فتح الباري" (?/???،???).
(?) "قصص الأنبياء" (???).
(?) رواه البخاي (?/???) "أحاديث الأنبياء"، ومسلم (?/???) "الإيمان".


قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول
المشتملة على العقائد، فإنه جمع فيه ما يخرج عنه جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدهم.
قال الحافظ: وقوله: ((وَكَلِمَتُهُ)) [النساء: ???] إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب وأنطقه من غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سمي كلمة الله لأنه أوجده بقوله: كن، فلما كان بكلامه سمي به كما يقال: سيف الله، وأسد الله.
وأما تسميته بالروح فلما كان أقدره عليه إحياء الموتى على يده، وقيل: لكونه ذا روح، وجد من غير جزء من ذي روح (?).
(?) ومن فضائله :
قوله صلى الله عليه وسلم : (( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد)) (?).
وقوله: ((الأنبياء أولاد عَلّات))، وفي رواية عبدالرحمن المذكورة: ((إخوة لعلات)) والعلات: الضرائر.
ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد – وهو التوحيد – وإن اختلفت فروع الشرائع (?).
(?)ومن فضائله:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم وأمه)) ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ((وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) (?) [آل عمران: ??].
(?) باختصار من "فتح الباري" (?/???).
(?) رواه البخاري (?/???) "أحاديث الأنبياء"، ومسلم (??/???) "الفضائل"، بلفظ: "أنا أولى الناس بابن مريم الأنبياء أولاد علات وليس بيني وبينه نبي".
(?) باختصار من "فتح الباري" (?/???).
(?) رواه البخاري (?/???) "التفسير"، ورواه مسلم (??/???) "الفضائل".


قصة عيسى العبد الرسول ابن مريم العذراء البتول
قال النووي: هذه فضيلة ظاهرة، وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وأمه، واختار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يتشاركون فيها (?).
(?) ومن فضائله:
ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه:
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق فقال له: أسرقت؟ قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني)) (?).
قال النووي: قال القاضي: ظاهر الكلام: صدقتُ من حلف بالله تعالى وكذبتُ ما ظهر لي من ظاهر سرقته، فلعله أخذ ما لَهُ فيه حق، أو بإذن صاحبه، أو لم يقصد الغضب والاستيلاء، أو ظهر له من مد يده أنه أخذ شيئاً، فلما حلف له أسقط ظنه ورجع عنه (?).
وقد تعقبه ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" فقال: هذا تأويل متكلف، والحق أن الله كان في قلبه أجل من أن يحلف به أحد كاذباً، فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة بصره، فرد التهمة إلى بصره، كما ظن آدم صدق إبليس لما حلف له أنه له ناصح (?).
********







(?) "شرح النووي على صحيح مسلم" (??/???).
(?) رواه البخاري (?/???) "أحاديث الأنبياء"، ومسلم (??/???) "الفضائل".
(?) "شرح النووي على صحيح مسلم" (??/???).
(?) "فتح الباري" (?/???).

قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول


قصة ميلاد عيسى العبد الرسول
من مريم العذراء البتول

قال الله تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَ?نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى? يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَ?لِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ? وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ? وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى? جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَ?ذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ? فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ? قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ? قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَ?لِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ? قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ? سُبْحَانَهُ ? إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)) [مريم: ??-??].
قوله تعالى: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)) [مريم: ??]:
قال القاسمي: أي: اعتزلت وانفردت ((مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا)) أي: شرقي بيت المقدس لئلا يشغلوها عن العبادة.

قصة ميلاد العبد الرسول من مريم العذراء البتول
((فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)) [مريم: ??]:
أي: جبريل المنسوب إلى مقام عظمتنا لغاية كماله لينفخ فيها ((فَتَمَثَّلَ لَهَا)) أي: فتصور لرؤيتها ((بَشَرًا سَوِيًّا)) أي: سوي الخلق كامل الصورة.
((قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَ?نِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)) [مريم: ??]:ش
إنما خافته لانفرادها في خلوتها وظنها أنه يريدها على نفسها، وفي ذلك من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه ((إِن كُنتَ تَقِيًّا)) أي: تتقي الله تعالى وتبالي بالاستعاذة به، فخوفته أولاً بالله عز وجل.
((قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)) [مريم: ??]:
أي: لا تخافي ولا تتوقعي ما توهمت فإني رسول ربك الذي استعذت به، بعثني إليك ((لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)) أي: لأكون سبباً في هبته و"الزكيّ" : الطاهر من الذنوب أو النامي على الخير (?).
((قَالَتْ أَنَّى? يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)) [مريم: ??]:
قال الزمخشري: جعل المسّ عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه كقوله تعالى: ((مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ)) [البقرة: ???] ((أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) [النساء: ??] والزنا ليس كذلك (?).
((قَالَ كَذَ?لِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)) [مريم: ??]:
قال ابن كثير: فقال لها الملك مجيباً لها عما سألت: إن الله قد قال أنه سيوجد منك غلاماً وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قدير، ولهذا قال: ((وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ)) أي: دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوَّع في خلقهم فخلق آباهم آدم من غير ذكر وأنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية
(?) "محاسن التأويل" (??/???،???) باختصار.
(?) "الكشاف" (?/??).

قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه.
((وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا)) أي: إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد (?).
((فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى? جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَ?ذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)) [مريم: ??،??]:
قال القرطبي: ((فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا)) أي: تنحت بالحمل إلى مكان بعيد ((فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى? جِذْعِ النَّخْلَةِ)) أي: اضطرها، كأنها طلبت شيئاً تستند إليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق ((قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَ?ذَا)) تمنت مريم عليهما السلام الموت من جهة الدين لوجهين:
أحدهما: أنها خافت أن يُظن بها الشر في دينها وتعيّر فيفتنها ذلك.
الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنى، وذلك مهلك (?).
((فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)) [مريم: ??]:
قال الشنقيطي: أظهر القولين أن الذي ناداها هو ابنها عيسى، وتدل على ذلك قرينتان:
الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقرب مذكور في الآية هو عيسى.
والقرينة الثانية: أنها لما جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه، وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عند وضعها.
قال: واختلف العلماء في المراد بالسري هنا فقال بعض العلماء: هو الجدول وهو النهر الصغير لأن الله أجرى لها تحتها نهراً، وعليه فقوله تعالى: ((فَكُلِى)) أي: من الرطب المذكور في قوله: ((تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)) واشربي من النهر المذكور في قوله: ((قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)) وإطلاق السري على الجدول مشهور في كلام العرب.
(?) "تفسير القرآن العظيم" (?/???).
(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????).
قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
وقال بعض أهل العلم: السري هو عيسى، والسري هو الرجل الذي له شرف ومروءة، كما قال الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم. ولا سراة إذا جُهَّالهم سادوا
قال الشنقيطي رحمه الله: وأظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير.
قوله تعالى: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا )) [مريم: ??،??]:
قال الشنقيطي: والذي يفهم من سياق القرآن أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة ووجه الدلالة قوله تعالى: ((فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا)) يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسياً منسياً لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وقد نصَّ الله عز وعلا في "آل عمران"، على خرقه لها العادة في قوله: ((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ? قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى? لَكِ هَ?ذَا ? قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) [آل عمران: ??].
قال العلماء: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف (?).
قوله: ((فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)) [مريم: ??]:
قال ابن كثير رحمه الله: وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها، وقوله: ((فَقُولِى)) أي: بلسان الحال والإشارة ((إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا)) أي: صمتاً، وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام، فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل (?).

(?) "أضواء البيان" (?/???-???).
(?) "قصص الأنبياء" (???) باختصار.


قصة ميلا عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
قوله تعالى: ((فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ? قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)) [مريم: ??،??]:
قال القاسمي: ((لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)) أي: عظيماً منكراً (( يَا أُخْتَ هَارُونَ)) استئناف لتجديد التعبير وتأكيد التوبيخ وتقريره لكون ما جاءت به فرياً و"هارون" هو النبي الشهير صلوات الله عليه، يعنون أنها مثله في الصلاح (?).
قال الشنقيطي: إنما هو رجل صالح من بني إسرائيل يسمى هارون، والدليل على أنه ليس هارون أخا موسى ما رواه مسلم في "صحيحه" عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون (( يَا أُخْتَ هَارُونَ)) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: ((إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم)) (?) هذا لفظ مسلم في "الصحيح"، وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي موسى، ومعلوم أن هارون أخا موسى كان قبل مريم بزمن طويل (?).
قال ابن كثير رحمه الله: فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال، عظم التوكل على ذي الجلال، ولم يبق إلا الإخلاص والاتكال ((فَأَشَارَت إِلَيهِ)) أي: خاطبوه وكلموه، فإن جوابكم عليه، وما تبغون من الكلام لديه، فعندها ((قَالُوا)) من كان منهم جباراً شقياً ((كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)) أي: كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب، وهو مع ذلك رضيع في مهده، ولا يميز بين محض وزبدة، وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والنقص لنا والازدراء، إذ لا تردين علينا قولاً نطيقاً بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبياً.
(?) "محاسن التأويل" (?/???،???) باختصار.
(?) رواه مسلم (??/???،???) "الآداب"، والترمذي (??/??،??) "التفسير".
قال النووي: استدل به جماعة على جواز التسمية بالأنبياء وأجمع عليه العلماء إلا ما قدمناه عن عمر قال القاضي: وقد كره بعض العلماء التسمي بأسماء الملائكة، وهو قول الحارث بن مسكين قال: وكره مالك التسمي بجبريل وياسين.
(?) "أضواء البيان" (?/???) باختصار.


قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
فعندها:
((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)) [مريم: ??-??]:
قال ابن كثير رحمه الله: هذا أول كلام تفوه به عيسى ابن مريم، فكان أول ما تكلم به أن ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)) اعترف لربه تعالى بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبها إليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله: ((آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا))
فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا، لعنهم الله وقبحهم، كما قال تعالى: ((وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى? مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)) [النساء: ???] ((وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ)) وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة، تعالى وتقدس ((وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)) وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة، والإحسان إلى الخليقة بالزكاة، وهي تشتمل على طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف، وقرى الأضياف، والنفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات.
ثم قال: ((وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)) أي: وجعلني برّاً بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها.
فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها ((وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)) أي: ليس بفظ ولا غليظ، ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته (?).
((وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)) [مريم: ??]:
قال القرطبي: أي: السلامة عليّ من الله تعالى ((يَوْمَ وُلِدتُّ)) يعني في

(?) "قصص الأنبياء" (???،???).


قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
الدنيا وقيل: من همز الشيطان كما تقدم في "آل عمران" ((وَيَوْمَ أَمُوتُ)) يعني: في القبر ((وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)) يعني: في الآخرة ؛ لأن له أحوالاً ثلاثة وهو معنى قول الكلبي، ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان (?).
((ذَ?لِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ? قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ? سُبْحَانَهُ ? إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35))) [مريم: ??،??]:
قال الألوسي: ((ذَلِكَ)) إشارة إلى من فصلت نعوته الجليلة، وفيه إشارة إلى علو رتبته وبعد منزلته وامتيازه بتلك المناقب الحميدة عن غيره، ونزوله منزلة المحسوس المشاهد، وهو مبتدأ خبر، قوله تعالى: ((عِيسَى)) وقوله سبحانه: ((ابْنُ مَرْيَمَ)) صفة عيسى ،والمراد ذلك هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى وهو تكذيب لهم على الوجه الأبلغ والمنهاج البرهاني، حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه كالعبودية لخالقه سبحانه المضادة لكونه عليه السلام إلهاً وابناً لله عز وجل، فالحصر مستفاد من فحوى الكلام ((قَوْلَ الْحَقِّ)) نصب على المدح، والمراد بالحق: الله تعالى، وبالقول: كلمته تعالى، وأطلقت عليه السلام بمعنى أنه خلق بقول: كن من غير أب.
((الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)) أي: يشكون أو يتنازعون ((مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ? سُبْحَانَهُ)) أي: ما صح وما استقام له جل شأنه اتخاذ ذلك، وهو تكذيب النصارى وتنزيه له عز وجل عما افتروه عليه تبارك وتعالى.
وقوله جل وعلا: ((إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ)) تبكيت لهم ببيان أن شأنه تعالى إذا قضى أمراً من الأمور أن يوجد بأسرع وقت، فمن يكون هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد، وهو من أمارات الاحتياج والنقص (?).
**********
الفوائد والآثار الإيمانية:
(?)قال الشنقيطي رحمه الله: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه
(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????،????).
(?) "روح المعاني" (??/??،??).


قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
الآية الكريمة ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)) أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعاً، وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا، وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة، أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعاً لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالاً لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه، فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها (?).
(?)وقال رحمه الله: اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله: ((فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَ?نِ صَوْمًا)) أي: قولي ذلك بالإشارة، يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، لأنها في هذه الآية سميت قولاً على هذا الوجه من التفسير، وسمع في كلام العرب كثيراً إطلاق الكلام على الإشارة كقوله:
إذا كَلَّمَتْنِي بالعُيُون الفَوَاتِر. رَدّدْتُ عليها بالدُّمُوعِ البَوَادِرِ
فمن الأدلة على قيام الإشارة مقام الملام: قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أين الله؟)) فأشارت إلى السماء. فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعتقها فإنها مؤمنة" (?) فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات.
وروى ابن القاسم عن مالك أن الأخرس إذا أشار بالطلاق يلزمه.
وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه: فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق
(?) " أضواء البيان" (?/???،???).
وقال القاسمي: استدل بقوله تعالى: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ)) على التسبب في الرزق وتكلف الكسب وإليه أشار القائل:
أَلم تَرَ أنَّ اللهَ قَالَ لِمريم وهُزَّي إلَيْكِ الجِذْعَ يَسَّاقَطُ الرُّطَبْ
ولو شاء أحنى الجذع من غير هزَّةٍ إليها ولكِنْ كُلُّ شيءٍ له سَبَبْ
(?) رواه مسلم (?/??،??) "المساجد"، ومالك في "الموطأ" (?/???،???)، وأبو داود (????) "الإيمان والنذور"، والنسائي (?/???) "الوصايا".

قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف، وإذا شك فيه فهذا باطل (?).
(?)قال القرطبي: قال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب لهذه الآية ((تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)) ولو علم الله شيئاً هو أفضل من الرطب للنفساء لأطعمه مريم ولذلك قالوا: التمر عادة للنفساء في ذلك الوقت، وكذلك التحنيك، وقيل: إذا عسر ولادتها لم يكن لها خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل ذكره الزمخشري (?).
(?)وقال رحمه الله: ومن التزم بالنذر ألا يكلم أحداً من الآدميين فيحتمل أن يقال: إنه قربة فيلزم بالنذر، ويحتمل أن يقال: ذلك لا يجوز في شرعنا لما فيه من التضييق وتعذيب النفس كنذر القيام في الشمس ونحوه، وعلى هذا كلن نذر الصمت في تلك الشريعة لا في شريعتنا.
قال: ومن سنتنا نحن في الصيام الإمساك عن الكلام القبيح قال عليه الصلاة والسلام: ((إذا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِماً فَلا يَرفُث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم)) (?) .وقال عليه الصلاة والسلام: (( من لم يدع قول الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) (?).
(?)قال القاسمي: نقل الرازي عن القاضي في قوله تعالى: ((وَاَلسَّلَامُ عَلَىَ ...)) إلخ أن السلام عبارة عما يحصل به الأمان، ومنه السلامة في النعم وزوال الآفات، فكأنه سأل ربه وطلب منه ما أخبر الله تعالى أنه فعله بيحيى ولا بدّ في الأنبياء من أن يكونوا مستجابي الدعوة، وأعظم أحوال الإنسان احتياجاً إلى السلامة في هذه الأحوال الثلاثة، وهي يوم الولادة ويوم الموت
(?) باختصار من "الأضواء" (?/???،???). وراجع المسألة بالتفصيل (?/???-???): "أضواء البيان"، و"الجامع لأحكام القرآن" (?/????،????).
(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????).
(?) رواه البخاري (?/???) "الصوم"، ومسلم (?/??) "الصيام".
(?) رواه مسلم (?/????).
والحديث رواه البخاري (?/???) "الصوم، وأبو داود (?/???) "الصوم"، والترمذي (?/???) "الصوم".












قصة ميلاد عيسى العبد الرسول من مريم العذراء البتول
ويوم البعث، فجميع الأحوال التي يحتاج فيها إلى السلامة واجتماع السعادة من قِبَلِهِ تعالى، طلبها يكون مصوناً عن الآفات والمخافات في كل الأحوال (?).
(?)قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: لقد جرت سنّة الله تعالى التي وضعها لامتداد الحياة بالتناسل من ذكر وأنثى في جميع الفصائل والأنواع بلا استثناء جرت هذه السنة أحقاباً طويلة، حتى استقر تصور البشر أن هذه الطريقة الوحيدة ونسوا الحادث الأول حادث وجود الإنسان؛ لأنه خارج عن القياس، فأراد الله أن يضرب لهم مثل عيسى ابن مريم عليه السلام ليذكرهم بحرية القدرة وطلاقة الإرادة وأنها لا تحتبس داخل النواميس التي تختارها، ولم يتكرر حادث عيسى لأن الأصل هو أن تجري السنة التي وضعها الله وأن ينفذ الناموس الذي اختاره، وهذه الحادثة الواحدة تكفي لتبقى أمام أنظار البشرية مَعْلَماً بارزاً على حرية المشيئة وعدم احتباسها داخل حدود النواميس (( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ)) (?).
**********



(?) "محاسن التأويل" (??/???).
(?) "في ظلال القرآن" (?/????).


معجزات عيسى عليه السلام وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى



معجزاته عليه السلام وخبر نزول المائدة
وبراءة عيسى من افتراء النصارى


قوله تعالى في سورة المائدة: ((إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى? وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ? وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ? وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ? وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ? وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى? بِإِذْنِي ? وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ? قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ? وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ? فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ? قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ? إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ? فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ? وَأَنتَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ? وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)) [المائدة: ???-???].
قال القاسمي رحمه الله: ((اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ)) أي: منتي عليك ((وَعَلَى? وَالِدَتِكَ)) بما طهرها واصطفاها على نساء العالمين ((إِذْ أَيَّدتُّكَ)) أي: قويتك
معجزات عيسى وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى
((بِرُوحِ الْقُدُسِ)) أي: بجبريل عليه السلام، لتثبيت الحجة أو نجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية؛ بحيث يعلم أنه ليس بواسطة البشر فيشهد ببرائتك وبراءة أمك، ومن ذلك التأييد قَوَّيتُ نفسَك الناطقة لذلك ((تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) أي: في أضعف الأحوال وأقواها بكلام واحد، في حين الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد (?).
وقال ابن كثير: أي: جعلتك نبياً داعياً إلى الله في صغرك وكبرك فأنطقتك في المهد صغيراً فشهدت ببراءة أمك من كل عيب واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك، ودعوتك إلى عبادتي؛ ولهذا قال: ((تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا)) أي: تدعو إلى الله الناسَ في صغرك وكبرك، وضمّن ((تُكَلِّمُ)) تدعو؛ لأن كلامه إلى الناس في كهولته ليس بأمر عجيب (?).
وقال الألوسي: ((وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)) أي: جنسهما وقيل: الكتاب: الخط، والحكمة: الكلام المحكم الصواب ((وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ)) خصهما بالذكر إظهاراً لشرفهما ((وَإِذْ تَخْلُقُ)) أي: تصور ((مِنَ الطِّينِ)) أي: جنسه ((كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)) أي: هيئته مثل هيئته ((بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا)) أي: في تلك الهيئة المشبهة ((فَتَكُونُ)) بعد نفخك من غير تراخٍ ((طَيْرًا بِإِذْنِي)) أي: حيواناً يطير كسائر الطيور.
((وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي)) عطف على ((تَخلُقُ))، وقوله سبحانه: ((وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي)) وأعيدت فيه ((إذ)) لكون إخراج الموتى من قبورهم بعدما صاروا رميماً معجزة باهرة حَرِيَّة بتذكير وقتها صريحاً (?).
((وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ)) يعني: اليهود عندما هموا بقتله ولم يتمكنوا منه.
((إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: المعجزات الواضحة.
((فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ)) [ المائدة: ???]:
قال القاسمي: إن قيل: إن السياق في تعديد نعمة الله تعالى على

(?) "محاسن التأويل" (?/???).
(?) "تفسير القرآن العظيم" (?/???).
(?) "روح المعاني" (?/??،??).
معجزات عيسى عليه السلام وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى
عيسى عليه السلام وقول الكفار في حقه: )) إِنْ هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ)) ليس من النعم بحسب الظاهر فما السر في ذلك؟ فالجواب: أن من الأمثال المشهورة: "إن كل ذي نعمة محسودة" فطعن اليهود بهذا الكلام يدل على أن نعم الله تعالى في حقه كانت عظيمة، فحسن ذكره عند تعديد النعم (?).
((وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)) [المائدة: ???]:
قال ابن كثير رحمه الله: وهذا أيضاً من الامتنان عليه عليه السلام بأن جعل له أصحاباً وأنصاراً، ثم قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى? أُمِّ مُوسَى? أَنْ أَرْضِعِيهِ)) [القصص: ?] وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية: أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا، قال الحسن البصري: ألهمهم الله عز وجل ذلك.
قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك فقالوا: ((آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)) (?).
قوله تعالى: ((إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ? قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)) [المائدة: ???]:
قال الزمخشري: وقوله: ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ((إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة، وقرئ ((هَللْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)) أي: هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله، والمائدة: الخوان إذا كان عليه طعام (?).

(?) "محاسن التأويل" (?/???).
(?) "تفسير القرآن العظيم" (?/???).
(?) "الكشاف" (?/???).


معجزات عيسى وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى
((قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)) [المائدة: ???]:
قال العلامة محمد رشيد رضا: أي: نطلبها لأربع فوائد:
إحداها: أننا نريد أن نأكل منها لأننا في حاجة إلى طعام، ولا نجد ما يسد حاجتنا، وقيل: المراد أكل التبرك.
الثانية: نريد أن تطمئن قلوبنا بما نؤمن به من قدرة الله بمشاهدة خرقه للعادة؛ أي: بضم علم المشاهدة واللمس والشم إلى علم السمع منك وعلم النظر والاستدلال.
الثالثة: أن نعلم هذا النوع من العلم – أي: علم المشاهدة – أي: الحال والشأن معك هو أنك قد صدقتنا ما وعدتنا من ثمرات الإيمان كاستجابة الدعاء ولو بخوارق العادات.
الرابعة: أن نكون من الشاهدين على هذا الآية عند بني إسرائيل فيؤمن المستعد للإيمان ويزداد الذين آمنوا إيماناً. فهذا ما نراه في توجيه أقوالهم على المختار من صحة إيمانهم.
((قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ? وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)) [المائدة: ???]:
أي: لما علم عيسى عليه السلام صحة قصدهم، وأنهم لا يريدون تعجيزاً ولا تجربة، دعا الله تعالى بهذا الدعاء، فناداه باسم الذات الجامع لمعنى الألوهية والقدرة والحكمة والرحمة وغير ذلك فقال: ((اللَّهُمَّ)) ومعناه: يالله، ثم باسم الرب الدال على معنى الملك والتدبير والتربية والإحسان خاصة، فقال: ((رَبَّنَا)) أي: يا ربنا ومالكنا كلنا ومتولي أمورنا ومربينا أنزل علينا مائدة سماوية جثمانية أو فلكوتية، يراها هؤلاء المقترحون بأبصارهم وتتغذى بها أبدانهم أو أرواحهم، ولم يقل: من السماء لشمل الطلب إعطائهم مائدة من الأرض ولو بطريقة عادية.
ثم وصف عيسى عليه السلام هذه المائدة بما أحب أن يستفاد من إنزالها، فقال في وصفها: ((تَكُونُ لَنَا عِيدًا)) أي: عيداً خالصاً بنا معشر المؤمنين دون غيرنا، أو تكون كرامة ومتاعاً لنا في عيدنا.

معجزات عيسى عليه السلام وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى
وكلمة العيد تستعمل بمعنى: الفرح والسرور، وبمعنى: الموسم الديني أو المدني الذي يجتمع له الناس في يوم معين أو أيام معينة من السنة للعبادة أو لشيء آخر من أمور الدنيا.
وقوله: ((وَآيَةً مِّنكَ)) معناه: وتكون آية وعلامة منك على صحة نبوتي ودعوتي (?).
((قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ? فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)) [المائدة: ???]:
قال القرطبي رحمه الله: هذا وعد من الله تعالى أجرب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير، قال ابن عمر: ((إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون)).
قَال: واختلف العلماء في المائدة: هل نزلت أم لا؟ فالذي عليه الجمهور – وهو الحق – نزولها لقوله تعالى: ((إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ)) (?).
((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ? قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ? إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)) [المائدة: ???]:
قال ابن كثير رحمه الله: يخبر تعالى أنه يسأل عيسى ابن مريم عليه السلام يوم القيامة على سبيل الإكرام له، والتقريع والتوبيخ لعابديه ممن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله أو أنه الله أو أنه شريكه تعالى الله عما يقولون. فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه، ولكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له: ((أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ? قَالَ سُبْحَانَكَ)) أي: تعاليت أن يكون معك شريك. ((مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ )) أي: ليس هذا يستحقه أحدٌ سواك ((إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ)) وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب ((مَا قُلتُ
(?) "تفسير المنار" (?/???،???).
(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????) باختصار.

معجزات عيسى وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى
لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ)) أي: ما قلت غير ما أمرتني به حين أرسلتني إليهم على الكتاب الذي كان يتلى عليهم، ثم فسر ما قاله لهم بقوله: ((أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)) أي: خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم ((وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ? فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي)) أي: رفعتني إليك حين أرادوا قتلي وصلبي فرحمتني وخلصتني منهم وألقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه، فلما كان ذلك ((كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ? وَأَنتَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).
ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل والتبري من أهل النصرانية: ((إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ)) أي : وهم يستحقون ذلك.
((وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) وهذا التفويض والإسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك، ولهذا ((فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) ولم يقل: الغفور الرحيم (?).
************
فوائد وآثار إيمانية:
(?)قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: يكشف لنا هذا الحوار – حوار طلب المائدة – عن طبيعة قوم عيسى المستخلصين منهم – وهم الحواريون – فإذا بينهم وبين أصحاب رسولنا صلى الله عليه وسلم فرق بعيد.
إنهم الحواريون الذين ألهمهم الله الإيمان به وبرسوله عيسى فآمنوا وأشهدوا عيسى على إسلامهم، ومع هذا فهم بعدما رأوا من معجزات عيسى ما رأوا يطلبون خارقة جديدة تطمئن بها نفوسهم، ويعلمون منها أنه صدقهم ويشهدون بها لمن وراءهم.
فأما أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلم يطلبوا منه خارقة واحدة بعد إسلامهم، لقد آمنت واطمأنت منذ أن خالطتها بشاشة الإيمان، ولقد صدّقوا رسولهم فلم يعودوا يطلبون على صدقه بعد ذلك البرهانَ، ولقد شهدوا له بلا معجزة إلا هذا القرآن (?).

(?) "قصص الأنبياء" (???،???).
(?) "في ظلال القرآن" (?/???).
(?)

معجزات عيسى عليه السلام وخبر نزول المائدة وبرائته من افتراء النصارى
(?)يقول العلامة محمد رشيد رضا: إن هذه العبادة التي توجهها النصارى إلى مريم والدة المسيح عليه السلام منها ما هو صلاة ذات دعاء وثناء واستغاثة واستشفاع، ومنها صيام ينسب إليها ويسمى باسمها، وكل ذلك يقرن بالخضوع والخشوع لذكرها ولصورها وتماثيلها واعتقاد السلطة الغيبية لها التي يمكنها بها في اعتقادهم أتثن تنفع وتضر في الدنيا والآخرة بنفسها أو بواسطة ابنها، وقد صرحوا بوجوب العبادة لها، ولكن لا نعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة (إله) عليها بل يسمونها (والدة الإله) ويصرح بعض فرقهم بأن ذلك حقيقة لا مجاز. والقرآن يقول هنا: إنهم اتخذوها وابنها إلهين، والاتخاذ غير التسمية، فهو يصدق بالعبادة وهي واقعة قطعاً، وبيّن في آية أخرى أنهم قالوا: ((إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)) [المائدة:??] وذلك معنى آخر، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالىفي أهل الكتاب: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ)) [التوبة: ??] أنهم اتبعوهم فيما يحلون ويحرمون لا أنهم سموهم أرباباً (?).
(?)الغلو في المخلوق سبب شرك الأمم: فالنصارى – لعنهم الله – غلوا في عيسى عليه السلام حتى جعلوه ابن الله أو ثالث ثلاثة، وقد رَدَّ الله عز وجل عليهم ذلك بقوله: ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ? وَمَا مِنْ إِلَ?هٍ إِلَّا إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ? كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ? انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى? يُؤْفَكُونَ (75)) [المائدة: ??-??].
قال ابن كثير رحمه الله: بيّن حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول، وأمه صديقة؛ أي: ليست بفاجرة كما يقول اليهود لعنهم الله، وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا، وقوله: ((كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ)) [المائدة: ??] كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما؛ أي: من كا
(?) "تفسير المنار" (?/???،???).

رفع عيسى عليه السلام وكذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب

فغضب الملك من هذا وكتب لنائبه بالقدس أن يحتاط على هذا المذكور وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس ، لما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى عليه السلام ، وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر ، وقيل : سبعة عشر نفراً ، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت فحصروه هنالك ، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم ، قال لأصحابه : أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة ؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب ، فقال : أنت هو ، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو ، وفتحت روزنة من سقف البيت ، وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم فرفع إلى السماء ، وهو كذلك ، كما قال الله تعالى : ( إذ قال الله ياعيسى إني متوفيكَ ورافعُكَ إليّ ...) الآية ، فلما رفع خرج أولئك النفر فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل وصلبوه ، ووضعوا الشوك على رأسه وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، وقد قال تعالى : ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) وقال تعالى : { وما قتلوه يقينا } أي : وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين { بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً }59
انتهى بحمد الله ما جمعناه ، والله الموفق لما يحبه ويرضاه ويمن علينا بإتمام ما بدأناه، ويرزقنا بره وذخره يوم نلقاه .





قصة آدم
قال تعالى : { وإذ قالَ ربكَ للملائكة لإني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسدُ فيها وَيسفك الدماء ونحن نُسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون (30) وعَلًمَ آدم الأسماءَ كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (31 ) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليمُ الحكيم (32 ) قال يا آدم أنبئهُم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقُل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلمُ ما تُبدون وما كنتم تكتُمون ( 33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدمَ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين (34) وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (35) فأزلهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين (36) فتلقى آدم من ربه كلمات فتابَ عليه إنه هو التواب الرحيم (37) قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (38) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (39 ) [ البقرة : 30- 39]
وقبل أن نبدأ بشرح هذه الآيات الكريمات التي تبين لنا كيف خلق الله عزوجل آدم عليه السلام ، وهذا لاشك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، لأن الغيب يشمل الماضي والمستقبل : { عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26)إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27) } الجن : (26،27) نبدأ بالتعرف على آدم عليه السلام وهو أيضا من الغيب ، ولا سبيل إلى معرفة الغيب إلا الكتاب والسنة الصحيحة.
كيف خُلق آدم عليه السلام ؟
آدم عليه السلام هو أبو البشر ، وأول الأنبياء ، خلافاَ لما يزعمه الفلاسفة من أن

البشرية كانت على الشرك ابتداء أمرها ، فعبدت الشمس والقمر والشجر والبقر بإجتهادها ، ويدل على بطلان هذا القول كذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما وهو في حكم الرفع:" كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على الإسلام"60 .
وخلافاً لما يزعمه اليهودي ( دارون ) في نظريته التي ألقيت في مزبلة التاريخ ، حيث شهد الشرع والعقل ببطلانها ، وهو أن الانسان إنما هو حيوان متطور عن قرد ! وإنما نشأ لهم هذا الضلال المبين ، والإفك المشين ،لأنها عميت أعينهم عن وحي السماء ، وطمست قلوبهم فلم تع ماجاءت به الأنبياء { ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور } [ النور : 40 ] .
وهذا الوحي الصادق القرآن والسنة الصحيحة ، يبين له كيف خلق آدم عليه السلام ، وماهي صفته ، وكيف خلقت منه زوجته .
قال الله تعالى : ( إنما مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون 59 ) ( آل عمران 59 ).
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك "2


وعن أنس رفعه : " لما خلق الله آدم تركه ما شاء الله أن يدعه ، فجعل


إبليس يطيف به ، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك " 61
قال الحافظ : وآدم اسم سرياني وهو عند أهل الكتاب " آدام " بإشباع فتحة الدال بوزن خاتام ، وزنة فاعال ، وامتنع صرفه للعُجمة والعلمية .
وقال الثعلبي : التراب بالعبرانية آدام فسمي آدم به, وحذفت الألف الثانية ، وقيل : هو عربي، جزم به الجوهري والجواليقي، وقيل : هو بوزن أفعل من الأدمة، وقيل : من الأديم ، لأنه خلق من أديم الأرض، وهذا عن ابن عباس 62
أما عن صفته عليه السلام :
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم قال : اذهب فسلًم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يجيبونك ، تحيتك وتحية ذريتك ، فقال : السلام عليكم ، فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه : ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" .63 وقال صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى خلق آدم على صورته "64
قال العلامة حمود بن عبدالله بن حمود التويجري : قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الرازي :" إن هذا الحديث مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم ، وأنه لم

يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله تعالى ، وأن سياق الأحاديث كلها تدل على ذلك ".
وقال أيضا : " إن الأمة قد اتفقت على تبليغه وتصديقه ، ولكن لما



انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائداً إلى غير الله تعالى" وسيأتي كلامه في الرد على هذه الطائفة مستوفى إن شاء الله تعالى.65
أما عن زوج آدم فلم يحدثنا القرآن عن اسمها ، ولا عن كيفية خلقها ، بل أشار إلى ذلك كما في قوله تعالى : (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساءً)) النساء : 1 .
وأكثر المفسرين يذهبون إلى أن الله عزوجل خلقها من ضلع آدم ، وربما يستأنسون لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم :" استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع ، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ".66
وذهب بعضهم إلى أن معنى قوله ( وخلق منها زوجها ) [النساء : 1] أي : خلقها من جنسه ، حتى لا يكون بينهما تنافر .67
ولنبدأ في شرح الآيات الكريمات في القصة ثم نردف ذلك بالفوائد والآثار الإيمانية :
قوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) [البقرة : 30
قال القاسمي : أي : قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن ، كما قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) الأنعام : 165 .
وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) النمل : 62 .
وقال : ( ولو شاءوا لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) الزخرف : 60 .68
وقال الشنقيطي رحمه الله : قوله : " خليفة " وجهان في التفسير للعلماء .
أحدهما : أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ؛ لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره ، وقيل لأنه صار خلفاً من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله .
الثاني : أن قوله : " خليفة "مفرد أريد به الجمع ؛ أي : خلائف ، وهو اختيار ابن كثير ، والمفرد إذا كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مراداً به الجمع ، كقوله تعالى : { إنً المتقين في جنات ونهر } [القمر : 54 ]
يعني : وأنهار ، بدليل قوله :{ فيها أنهار من ماء غير آسن } محمد : 15 ] ، وإذا كانت الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين ، فأعلم أنه قد دلت آياتٌ أخر على الوجه الثاني ، وهو ان المراد بالخليفة : الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده كقوله تعالى : { قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ...} الآية :[ البقرة 30 ] والمعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيه ، ولا ممن يسفك الدماء ، وكقوله : { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ...} الآية [ فاطر 39 ] وقوله : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ... } الآية [ الأنعام 165] . وقوله { ويجعلكم خُلفاء ...} الآية [ النمل 62 ] ونحو ذلك من الآيات .69
قوله : { قالوا أتجعلُ فيه من يُفسدُ فيها ويسفك الدماء ونحنُ نُسبحُ بحمدك ونُقدسُ لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون } [ البقرة 30 ] قال الزمخشري : فإن قلت : لأي غرض أخبرهم بذلك ؟ قلت : ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به ، فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت ، وقيل : ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها, وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم, وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة .70
وقال القاسمي : هذا تعجب من أن يستخلف لمارة الأرض وإصلاحها ,














{ فكانَ من المُدحضين} أي: المغلوبين بالقرعة وأصله الزلق عن الظفر { فالتقمهُ الحوت وهو مُليم} أي: ابتلعه {وهو مليم} أي: آتٍ بما يلام عليه من السفر بغير أمر ربه (71) .
قوله تعالى: { فلولآ أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } [ الصافات: 143, 144] :
قال ابن الجوزي رحمه الله : { فلولآ أنه كان من المسبحين} فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: من المصلين. قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
والثاني: من العابدين. قاله مجاهد ووهب بن منبه.
والثالث: قول: { لآ إله إلآ أنت سبحنك إني كنت من الظالمين} [ الأنبياء: 87] قاله الحسن.
وروى عمران القطان عن الحسن قال: والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت.
فعلى هذا القول يكون تسبيحه في بطن الحوت, وجمهور العلماء على أنه أراد: لولا ما تقدم له قبل التقام الحوت إياه من التسبيح { للبِثَ في بطنِهِ إلى يومِ يبعثون }
قال قتادة: لصار بطن الحوت له قبرًا إلى يوم القيامة, ولكنه كان كثير الصلاة في الرخاء فنجاه الله تعالى بذلك (72) .
قوله تعالى: {فنبذنه بالعرآء وهو سقيم } [ الصافات: 145] :
قال الشوكاني: والمعنى: أن الله طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها, وهو عند إلقائه سقيم لما ناله في بطن الحوت من الضرر , قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يولد.
وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من قوله: { فنبذنه بالعرآء} وقوله في موضع آخر: { لولآ أن تدركه نعمةٌ من ربه لنبذ بالعرآء وهو مذموم } [ القلم: 49] فإن هذه الآية تدل على أنه لم ينبذ بالعراء! وأجاب النحاس وغيره بأن الله سبحانه أخبرنا هنا أنه نبذ بالعراء وهو غير مذموم, ولولا رحمته عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم (73) .

قوله تعالى: { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} [ الصافات:146] : قال ابن عباس : هو القرع.
وقد قال أمية بن أبي الصلت قبل الإسلام:
فأنبتت يقطينا عليه برحمةٍ من الله لولا الله أُلفي ضاحيا
قال الزجاج: كل شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض نحو القرع والبطيخ الحنظل فهو يقطين, واشتقاقه من قَطَن بالمكان: إذا أقام: فهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض فلذلك قيل له يقطين.
فإن قيل: ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟
فالجواب: أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا, وجِلْدُه قد ذاب, فأدنى شيء يمر به يؤذيه, وفي ورق اليقطين خاصية وهو أنه إذا ترك على شيء لم يقربه ذباب, فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها, ويمنع الذباب ريحهُ أن يسقط عليه فيؤذيه (74) .
وقال ابن كثير رحمه الله: وذكر بعضهم في القرع فوائد: منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته, و أنه لا يقربها الذباب, وجودة تغذية ثمره نيئا ومطبوخا, وقشره أيضا, وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدُّباء ويتبعه من نواحي القصعة (75) .

قوله تعالى: { وأرسلنه إلى مائةِ ألفٍ أو يزيدون * فأمنوا فمتعناهم إلى حين } [ الصافات: 147, 148] :
قال الشوكاني: هم قومه الذين هرب منهم إلى البحر وجرى له ما جرى بعد هربه, و {أو} في { أو يزيدون} قيل: هي بمعنى الواو, والمعنى : ويزيدون, وقد وقع الخلاف بين المفسرين: هل هذا الإرسال المذكور هو الذي كان قبل التقام الحوت له, وتكون الواو في { وأرسلناه} لمجرد الجمع بين ما وقع له من الحوت وبين إرساله إلى قومه من غير اعتبار تقديم ما تقدم في السياق وتأخير ما تأخر, أو هو إرسال له بعد ما وقع له من الحوت ما وقع, على قولين, وقد قدمنا الإشارة إلى الاختلاف بين أهل العلم, هل كان قد أُرسل قبل أن يهرب من قومه إلى البحر أو لم يُرسَل إلا بعد ذلك؟ والراجح أنه كان رسولا قبل أن يذهب إلى البحر كما يدل عليه ما قدمنا في سورة يونس وبقي مستمرا على الرسالة وهذا الإرسال المذكور هنا هو بعد تقدم نبوته ورسالته.
{ فأمنوا فمتعناهم إلى حين} أي وقع منهم الإيمان بعدما شاهدوا أعلام نبوته فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم (76) .
******
الفوائد والآثار الإيمانية:
1) قال الزمخشري في قوله تعالى: { فلولآ أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } [ الصافات: 143, 144] عن قتادة قال: كان كثير الصلاة في الرخاء قال: وكان يقال: إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر, وإذا صدع وجد متكئا وهذا ترغيب من الله عز وجل في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله, وإقباله على عبادته, وجمع همِّه لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة؛ لينفعه ذلك عنده تعالى في المضائق والشدائد (77) .

2) قال السعدي: إن العبد إذا كانت له مقدمة صالحة مع ربه, وقد تعرف إلى ربه في حال الرخاء, أن الله يشكر له ذلك ويعرفه في حال الشدة بكشفها بالكلية أو تخفيفها, ولهذا قال في قصة يونس: { فلولآ أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } [ الصافات: 143, 144]


3) و قال رحمه الله تعالى: وفي هذه القصة عتاب الله ليونس عليه السلام, وحبسه في بطن الحوت ليكون كفارة وآية عظيمة وكرامة ليونس, ومن نعمة الله عليه أنه استجاب له هذا العدد الكثير من قومه, فكثرة أتباع الأنبياء من جملة فضائلهم.

4) وفيها ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه: { لآ إله إلآ أنت سبحانك أني كنت من الظالمين} [ الأنبياء: 87] (78).

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: { فساهم فكان من المدحضين} ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولًا بها في شرع من قبلنا, وجاءت في شرعنا على ما تقدم في آل عمران, وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن:
الأول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه, فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه أن رجلًا أعتق ستة أعبدٍ لا مال له غيرهم, فأقرع بينهم فأعتق اثنين و أرق أربعة .
الثالث: أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست, فقال: (( اذهبا وتوخَّيا الحق واستهما, وليحلل كل واحدٍ منكما صاحبه)) .
فهذه ثلاثة مواطن وهي القسْم في النكاح, والعتق, والقسمة و وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي, واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات في الغزو على قولين, الصحيح منها الإقراع, وبه قال فقهاء الأمصار, وذلك أن السفر بجميعهن لا يمكن, واختيار واحدة منهن إيثار, فلم يبق إلا القرعة, وكذلك في مسألة الأعبد الستة, فإن كل اثنين منهما ثلث, وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعًا, فلم يبق إلا القرعة, وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق إلا القرعة فصارت أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل.



قال: والحق عندي أن تجرى في كل مُشْكِل فذلك أبين لها وأقوى لفصل الحكم فيه, وأجلى لرفع الإشكال عنها, ولذلك قلنا: إن القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق.

5) وقال رحمه الله : الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز, وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه, وزيادة في إيمانه, فإنه لا يجوز لمن كان عاصيًا أن يقتل, ولا يرمى في النار أو البحر, وإنما تجري عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته, وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هاج على القوم, فاضطروا إلى تخفيف السفينة, أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفا, وهذا فاسد, فإنها لا تخف برمي بعض الرجال, وإنما ذلك في الأموال, ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل (79) .

6) و قال رحمه الله في قوله تعالى: { فلولآ أنه كان من المسبحين} ومن هذا العنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل)) (80) فيجتهد العبد, ويحرص على خصلة من صالح عمله يخلص فيها بينه وبين ربه ويدخرها ليوم فاقته وفقره ويخبؤها بجهده ويسترها عن خلقه, يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه. وقد خرّج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( بينما ثلاثة نفر – في رواية من كان قبلكم- يتماشون أخذهم المطر فآووا إلى غار في جبل فانحطت على فم الغار صخرة فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم...) الحديث بكماله وهو مشهور شهرته أغنت عن تمامه (81) .

7) وقال الشنقيطي رحمه الله: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:
{ وكذلك ننجي المؤمنين} [ الأنبياء: 88] يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعيا بإخلاص, إلا نجاه الله من ذلك الغم, ولا سيما إذا دعاه بدعاء يونس هذا وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء يونس المذكور: (( لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له)) رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم, والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى؛ لأنه لما كر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاء المؤمنين وقوله تعالى: { ننجي المؤمنين} [ الأنبياء: 88] صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى (82) .


قصة داود عليه السلام


قصة داود عليه السلام
جمع داود عليه السلام بين الملك والنبوة, كما جمع بين العلم والعبادة فكان كثير الصوم والصلاة, وكان حسن الصوت جدًا بالقرآن الذي نزل عليه, وسوف ننقل شيئا من فضائله وما تفضل الله عز وجل به عليه من الخير العميم والفضل العظيم, ثم نذكر شيئا من سيرته وأيامه ودلائل نبوته وأعلامه.

* فضائل داود عليه السلام:
1) قوته وشجاعته قال الله تعالى: { واذكر عبدنا داوود ذا الأيدِ إنه أواب} [ ص: 17] .
قال الحافظ: الأيد: القوة, وكان داود موصوفا بفرط الشجاعة(83) .
ومما يدل على ذلك كذلك قوله تعالى: { وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء} [ البقرة: 251] .
ولما كان داود عليه السلام يستعمل قوته في طاعة الله عز وجل سخر الله عز وجل له الحديد وألانه له, قال تعالى:{ ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد* أنِ اعمل سابغاتٍ وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير} [ سبأ: 10, 11] .
قال الشوكاني: { ولقد آتينا داوود منا فضلا} أي: آتيناه بسبب إنابته فضلا منا على سائر الأنبياء, واختلف في هذا الفضل على أقوال: فقيل: النبوة, وقيل: الزبور,
وقيل: القوة, كما في قوله :{ واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب} وقيل: تسخير الجبال كما في قوله: { يا جبال أوّبي معه} وقيل: التوبة , وقيل: الحكم بالعدل كما في قوله تعالى: { يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق} [ ص: 26] وقيل: هو إلانة الحديد, وقيل: حسن الصوت(84) .

قال ابن كثير رحمه الله: أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء, وأرشده إلى صنعها وكيفيتها فقال: { وقدر في السرد} أي: لا تدق المسمار فيفلق, ولا تغلظه فيفصم, قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة.

قال الحسن البصري وقتادة والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده, لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة. قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد, وإنما كانت قبل ذلك من صفائح.

وقد ثبت في الحديث: (( إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه, وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده)) (85) .
2) اجتهاده عليه السلام في طاعة ربه عز وجل, قال تعالى:{ اعملوا ءال داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أحب الصيام إلى الله صيام داود, كان يصوم يوما ويفطر يوما, وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود, كان ينام نصف الليل, ويقوم ثلثه, وينام سدسه)) (86) .

3) وهبه الله عز وجل صوتا عظيما فكان إذا سبح سبحت معه الجبال والطير قال تعالى: { إنا سخرنا الجبال معهُ يسبحن بالعشي والإشراق* والطير محشورة كلٌ له أواب} [ص: 18, 19] .

قال ابن كثير رحمه الله: وذلك أنه كان الله تعالى وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدًا بحيث إنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح يتسبحه, وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا صلوات الله وسلامه عليه(87) .
وروى أحمد عن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال: (( لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود)) (88) .

4) خفف عليه القرآن – زبور داود- فكان يقرأه قبل أن تسرج دوابه, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خفف على داود عليه السلام القرآن فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يده) (89) .

قال الحافظ: قيل: المراد بالقرآن والأصل في هذه اللفظة: الجمع, وكل شيء جمعته فقد قرأته, وقيل: المراد :الزبور, وقيل: التوراة, وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحي إليه, وإنما سماه قرآنا للإشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة بالقرآن, أشار صاحب (( المصابيح)) , والأول أقرب, وإنما ترددوا بين الزبور والتوراة لان الزبور كله مواعظ, وكانوا يتلقون الأحكام من التوراة.
قال قتادة: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء وليس فيها حلال ولا حرام (90) .

5) جمع الله عز وجل له بين الملك والنبوة والعلم والحكمة والقضاء. قال تعالى: { وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} [ص: 20] قال القاسمي رحمه الله: {وشددنا ملكه} أي: قويناه بوقرة العدد والعُدد ونفوذ السلطان وإمداده بالتأييد والنصر { وآتيناه الحكمة} أي: النبوة أو الكلام المحكم المتضمن للمواعظ الأمثال والحض على الآداب ومكارم الأخلاق . وكان .............











والحمد لله رب العالمين (91).
{?} قال العلامة السعدي: ومنها -أي: من فوائد هذه القصة -أن الله جعل هذه القصة لنا معتبراً، وأن الحسد والكبر والحرص من أخطر الأخلاق على العبد، فكِبرُ إبليس وحسده لآدم صيَّره إلى ما ترى، وحرص آدم وزوجته حملهما على تناول الشجرة، ولولا تدارك رحمة الله لهما لأودت بهما إلى الهلاك، ولكن رحمة الله تكمل الناقص، وتجبر الكسير، وتنجي الهالك وترفع الساقط.

{?} وقال صلى الله عليه وسلم: ومنها أنه ينبغي للعبد إذا وقع في ذنب أن يبادر إلى التوبة والاعتراف، ويقول ما قاله الأبوان من قلب خالص وإنابة صادقة، فما قَص الله علينا صفة توبتهما إلا لنقتدي بهما، فنفوز بالسعادة وننجو من الهلكة، وكذلك ما أخبرنا بما قاله الشيطان من توعدنا وعزمه الأكيد على إغوائنا بكل طريق إلا لنستعد لهذا العدو، الذي تظاهر لهذه العداوة البليغة المتأصلة، والله يحب منا أن نقاومه بكل ما نقدر عليه من تجنب طرقه وخطواته، وفعل الأسباب التي يخشى فيها الوقوع في شباكه، ومن عمل الحصون من الأوراد الصحيحة والأذكار القلبية والتعوذات المتنوعة، ومن السلاح المُهلك له من صدق الإيمان، وقوة التوكل على الله، ومراغمته في أعمال الخير ، ومقاومة وساوسه ، والأفكار الرديئة التي يدفع بها القلب كل وقت بما يضادها من العلوم النافعة والحقائق الصادقة (92).

{?} قال القاسمي رحمه الله: دلت الآية -وهي قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ}: على أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من أسرار في خلقه، لاسيما عند الحيرة -والسؤال يكون بالمقال ويكون بالمجال والتوجه إلى الله تعالى في إفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها -كالبحث العلمي والاستدلال العقلي، والإلهام الإلهي.

الثاني: إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة، فنحن أوْلَى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها؛ لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً. .!
الثالث: أن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم بإقامة الدليل – بعد الإرشاد – إلى الخضوع والتسليم – وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون – علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة (93).
(5) وقال رحمه الله في قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} قولان:
أحدهما: أنه وقت العبادة كان منافقاً، والثاني: أنه كان مؤمناً ثم كفر، وهذا قول الأكثرين. فقيل في معنى الآية: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} في علم الله؛ أي: كان عالماً في الأزل أنه سيكفر، والذي عليه الأكثرون: إن إبليس أول كافر بالله. أو يقال: معنى الآية: أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، واختلف السلف بأي سبب كفر إبليس لعنه الله، فقالت الخوارج: إنما كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر! وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ وقال آخرون: كفر بترك السجود لآدم ومخالفته أمر الله؛ وقال آخرون: كفر لأنه خالف الأمر الشفاهي من الله، فإن الله خاطب الملائكة وأمرهم بالسجود ومخالفة الأمر الشفاهي أشد قبحاً.
وقال جمهور الناس: كفر إبليس لأنه أَبى السجودَ، واستكبر وعاند، وطعن (94)، واعتقد أنه محق في تمرده، واستدل بـ {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ} كما يأتي فكأنه ترك السجود لآدم تسفيهاً لأمر الله وحكمته، وهذا الكبر عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" (95).
(6) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: اعلم أن في هذه الآية – وهي قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ? ...} – تهديداً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه (الأول): أن من تصوّر ما جرى على آدم بسبب إقدامه على


هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:
يَـا نَـاظِـراً يَـرْنُـو بِـعــَيـنَـي رَاقـدِ وَمُـشَـاهِداً لِـلأَمْـرِ غَـيْـرُ مُـشَـاهِـد
تَـصِـلُ الــذُّنُــوبَ إلــى الــذنــوبِ وتَرْتَجِي دَرْجَ الجِنَانِ ونَيْل فَوزِ العَابِدِ
أنـسَـيْـتَ رَبَّـكّ حـيْـنَ أخْـرَجَ آدَمَـا مـِنْـهَا إِلـى الـدُّنْيــا بِـذَنْـبٍ وَاحِـدِ
قال ابن القاسم:
وَلَـكِنَّـنَـا سَـبْـيُ العَـدُوِّ فَـهَـلْ تَرَى نَــعُـــودُ إِلــى أَوْطَــانِــنَــا وَنُـسَــلَّــمُ
قال الرازي عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوماَ من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها (96).
(7) وقال رحمه الله: فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء – كما يقول الجمهور من العلماء – فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هنالك طرداً قدرياً، والقدري لا يُخَالف ولا يُمَانع؟
فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم، في الأرض لا في السماء، وأجاب الجمهور بأجوبة:
أحدها: أنه منع من دخول الجنة مُكرّماً، فأما على وجه السرقة والإهانة فلا يمتنع، ولهذا قال بعضهم كما جاء في التوراة: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة.
وقد قال بعضهم: إنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة.
وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره (97).
(8) يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: وفي أحداث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان مُذكِّر دائم بطبيعة المعركة إنها بين عهد الله وغواية الشيطان، بين الإيمان والكفر، بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال. . والإنسان هو نفسه ميدان المعركة، وهو نفسه الكاسب أو الخاسر
فيها , وفي هذا إيحاء دائم له باليقظة وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان , وأنه صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان.
?9? وقال ? : وأخيراً تجيء فكرة الإسلام عن الخطيئة والتوبة ..
إن الخطيئة فردية والتوبة فردية في تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض , ليست هناك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده كما تقول نظرية الكنيسة, وليس هناك تكفير لاهوتي, كالذي تقول الكنيسة : إن عيسى عليه السلام (ابن الله بزعمهم ) قام به بصلبه , تخليصاً لبني آدم من خطيئة آدم !!.. خطيئة آدم كانت خطيئته الشخصية والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة في يُسر وبساطة , وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصية , والطريق مفتوح للتوبة في يسر وبساطه , تصور مريح صريح , يحمل كل إنسان وزره , ويوحي إلى كل انسان بالجهد والمحاولة , وعدم اليأس والقنوط ..? إنَ اللهَ تَوابُ رّحِيمٌ ? « الحجرات : 12 » ( 98)
?10? قال الشنقيطي – رحمه الله- : إن الله تعالى عامل إبليس اللعين بنقيض قصده , حيث كان قصده التعاظم والتكبر فأخرجه الله صاغراً حقيراً ذليلاً متصفاً بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة , وذلك في قوله :? إنّكَ مِنْ الصّاغِرينْ? « الأعراف : 13» والصغّار أشد الذل والهوان , وقوله :?اُخرُجْ منْهَا مَذْءُومَاً مدّحُوراً ? «الأعراف : 18 » ونحو ذلك من الآيات , ويُفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة و الرفعة , وإنما يحصل له نقيض ذلك وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله : ?إنّ فِي صُدُورِهِمْ إلاَ كِبَرٌ ما هُمْ ببلغِيهِ? «غافر : 56 « . (99)
?11? أشار قوله عز وجل : ? فَلّما ذّاقْا الشًجْرَةَ بَدَتْ لّهُمَا سَوءْتهُما وطَفِقَا يَخْصِفّانْ عَلّيُهمَا مِنْ وَرَقِ الجّنَةِ? « الأعراف :22 »أن ظهور السوءات وبُدُوَّ العورات إنما هو عقوبة من عقوبات الذنوب والمعاصي , وليس علامة على المدنية و التحضر , وإنما هو ارتكاس وبُعد عن الفطرة, وقد تمنن الله عز وجل على بني آدم باللباس الذي يواري السوءات والرياش التي يتجمل بها فقال تعالى : ? يَابنيَ ءَادَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا

عَلَيّكُمْ لِباسَاً يُوَرِي سَوءتِكُم وَرِيشَاً وَلِباسُ التّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ ?
«الأعراف:26»
?12? قوله تعالى لآدم وزوجه بعد المعصية ?اهْبِطُواْ? يدل على أن المعصية تكون سبباً في الحرمان من أسباب السعادة , كذلك من كان له حال مع الله عز وجل يجد بها حلاوة الإيمان والعمل الصالح, إذا عصى الله عز وجل فإنه يحرم من هذه السعادة ويهبط عن هذه الدرجة كما قيل لبعض الصالحين : أيجد لذة الطاعة من يعصي؟ قال: لا , ولا من يَهِم.












رفع
عبدالرحمن النجدي
أسكنه الله الفردوس
قصة هود عليه السلام


قصة هود عليه السلام

قبيلة عاد قوم هود عليه السلام من أقدم الأمم , قال الله تعالى حاكياً عن هود عليه السلام : ? وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ? «الأعراف: 69» وكانت بالأحقاف باليمن بين عمان وحضرموت وكانوا عمالقة عظام الأجسام كما قال تعالى: ?ألم تَرّ كيفَ فَعَلَ رَبُكَ بِعَادٍ (6) إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ (7) التِيِ لَمْ يَخْلِقَ مِثلٌهَا فِي البِلَد ? «الفجر 6-8» وهم عادٍ الأولى .
قال ابن كثير : كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان , فبعث الله عز وجل إليهم هوداً عليه السلام.
وسوف نذكر-إن شاء الله تعالى- دعوته كما جاءت في سورة الأعراف , حيث فصلت السورة دعوة هود عليه السلام وأجملت قصة عذاب قومه وهلاكهم , ثم نذكر ما جاء في سورة فصلت, والخاتمة حيث بيّن الله عز وجل كيف أهلكهم , ثم نردف ذلك بالفوائد والآثار الإيمانية للقصة.


دعوة هود عليه السلام:
قال تعالى:?وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)
فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72) «الأعراف : 65-72».
قوله تعالى : ?وَإلىَ عَادٍ أخَاهُم هُودًا ? « الأعراف:65 »
قال القاسمي : أي: أخاهم في النسب لأنه منهم في قول النسابين.
وقيل: الناس كلهم أخوة في النسب, لأنهم ولد آدم و حواء , فالمراد صاحبهم وواحد من جملتهم كما يقال : " أخا العرب" للواحد منهم, وإنما أرسل منهم لأنهم أفهم لقوله من قول غيره وأعرف بحاله في صدقه وأمانته وشرف أصله , وأرغب في اقتفائه (100)
قوله تعالى : ?قَالَ يَا قَومْ اُعبُدوا الله مَا لكُمْ من الَه غَيرْه أفَلا تَتقُونْ (65) قَال المَلأُ الذّينَ كَفَرُوا مِن قَومِه إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإنَّا لَنَظُنَكَ مِنَ الكَاذِبِينَ(66) ? «الأعراف : 65-66»
قال ابن كثير: المقصود أن عاداً كانوا جفاة كافرين , عتاة متمردين في عبادة الأصنام , فأرسل الله فيهم رجلاً منهم يدعوهم إلى عبادة الله وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له , فكذبوه وخالفوه , وتنقّصوه, فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر .
فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره , ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة ? قَال المَلأُ الذّينَ كَفَرُوا مِن قَومِه إنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ ? أي: هذا الأمر الذي تدعونا اليه سفه بالنسبة الى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يُرتجى منها النصر والرزق , ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك .
? قَالَ ياَ قَومْ لَيسَ بِي سَفَاهَةٌ ولَكِني رَسُولٌ من رّبْ العَالَمِينَ (67) ? «الأعراف:67 »
أي: ليس الأمر كما تظنون ولا كما تعتقدون ?اُبَلّغُكُم رِسَلَتِ رَبّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68)? والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ, وعدم الزيادة فيه والنقص منه, ويستلزم أداءه بعبارة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها
ولا اختلاف ولا اضطراب , وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم, ولا يبتغي منهم أجراً , ولا يطلب منهم جُعلاً بل هو مخلص لله عز وجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله , فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه, وأمره إليه , ولهذا قال : ?يَا قَومِ لا أسألُكُم عَلَيه أّجراً إنّ أجْرِي إلاّ عَلَى الّذي فَطَرَنِي أَفَلا تَعقلُون ? «هود : 51 » (101)
قوله تعالى: ?أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ? «الأعراف :69»
قال الشنقيطي رحمه الله: أنكر تعالى في هذه السورة الكريمة على قوم نوح وقوم هود عجبهم من إرسال رجل , وبين في مواضع أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك . قال في عجب قوم نبينا ? من ذلك :? أكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ ? «يونس:2» وقال ? بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ ? «ق:2»
وقال عن الأمم السابقة : ? ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ? «التغابن: 6»
وصرح بأن هذا العجب من إرسال بشر مانع للناس من الإيمان بقوله : ? وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً (94) ?«الإسراء:94» ورد عليهم ذلك في آيات كثيرة كقوله ? وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً ....? الآية «الأنبياء: 7»(102)
قوله تعالى : ? وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ? «الأعراف :69»
قال العلامة محمد رشيد رضا : أي: واذكروا فضل الله عليكم ونعمه إذ جعلكم خلفاء الأرض من بعد قوم نوح, وزادكم في المخلوقات بسطة, وسعة في الملك والحضارة, أو زادكم بسطه في خلق أبدانكم , إذ كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان , فاذكروا نعم الله واشكروها له لعلكم تفوزون بما
أعدَّه للشاكرين (103).
قوله تعالى : ? قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ?«الأعراف:70»
قال القرطبي -رحمة الله- : طلبوا العذاب الذي خوفهم به وحذرهم منه فقال لهم : ?قَدْ وَقَّعَ عَلَيكُم ? ومعنى "وقع": أي: وجب و "الرجس" العذاب .(104)
وهو قوله تعالى : ? قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ? «الأعراف:71»
قال الشنقيطي -رحمه الله- : لم يبين هنا شيئا من الجدال الواقع بين هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وبين عاد, ولكنه أشار إليه في مواضع أُخر كقوله : ? قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) ?«هود:53-56»(105)
وقال ابن كثير – رحمه الله -: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهةً , وهي لا تضر ولا تنفع , ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلاً ولهذا قال : ? مّا نَزّل الله بِهَا مِن سُلطَنٍ فانتظِرُوا إنِي مَعَكُم مِن المُنتَظرِينَ ?
وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقبّه بقوله : ? فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ? (106)«الأعراف: 72»
هلاك عاد قوم هود :
قال الله تعالى : ? فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ
مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنصَرُونَ (16) ? «فصلت:15-16»
قال ابن كثير -رحمه الله- :?فَأماَ عَادٌ فاسّتَكبَرُوا فِي الأَرَض ? أي: بغوا وعتوا وعصوا ?وَقَالواَ مَن أشّدّ مِنّا قُوةً ? أي : منّوا بشدةّ تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله ?أَولَم يَرَوَا أَنَّ الله الذِي خَلَقَهُم هُو أّشَدُّ مِنهُم قُوةً ? أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها , وأن بطشه شديدٌ كما قال عز وجل : ?وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون ?«الذاريات: 47» فبارزوا الجبار بالعداوة , وجحدوا بآياته وعصوا رسله فلهذا قال :? فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا? قال بعضهم : هي الشديدة الهبوب , وقيل : الباردة , وقيل : هي التي لها صوت , والحق أنها متصفة بجميع ذلك , فإنها كانت ريحاً شديدة قوية , لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم , وكانت باردة شديدة البرد جدا كقوله تعالى :? بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ?
«الحاقة : 6 » أي: باردة شديدة البرد , وكانت ذات صوت مزعج (107)اهـ.
ووصف الله عز وجل حالهم بعد هذه الريح الشديدة فقال تعالى : ?فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) ? «الحاقة :7-8».
قال القرطبي : ? فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا ? أي: في تلك الليالي والأيام ? صَرعَى? جمع صريع , يعني : موتى , وقيل ? فِيهَا? أي: في الريح ? كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ? أي أصول ? نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ? أي: بالية قاله أبو الطفيل . وقيل : خالية الأجواف لا شيء فيها , وقال ابن شجرة : كانت الريح تدخل في أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم , فصاروا كالنخل الخاوية ? فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) ? أي: من فرقة باقية , أو نفس باقية . وقال ابن جريج : كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله من الريح , فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر , فذلك قوله عز وجل :? فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ
بَاقِيَةٍ (8)) وقوله عز وجل: ((فَأصبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُم)) [الأحقاف:25](108)
الفوائد والآثار الإيمانية:
(1) قال القاسمي: قال الزمخشري: في إجابة الأنبياء عليهم السلام من نسبهم إلى الضلال والسفاهة, بما أجابوهم به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم: أدب حسن وخلق عظيم, وحكاية الله عز وجل ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء, وكيف يغضون عنهم, ويسبلون أزبالهم على ما يكون منهم. اهـ.
وزاد القاضي: أن في ذلك كمال النصح والشفقة, وهضم النفس, وحسن المجادلة, قال: وهكذا ينبغي لكل ناصح.
(2) وقال رحمه الله: لا يعتمد على ما يذكره بعض المؤرخين في المبالغة في طول قوم عادٍ وضخامة أجسامهم, وأن أطولهم كان مائة ذراع وأقصرهم كان ستين ذراعاً, فإن ذلك لم يقم عليه دليل عقلي ولا نقلي وهو وهم, وأما قوله جل شأنه مخاطباً لقوم عاد: ((وَزَادَكُم فِي الخَلقِ بَصْطَةً)) فإنه لا يدل على ما أرادوا, وإنما يدل على عظم أجسادهم وقوتها وشدتها وهذا من الأمور المعتادة, فإن الأمم ليست متساوية في ضخامة الجسم وطوله وقوته, بل تتفاوت لكن تفاوتاً قريباً, ومما يدل على أجسام من سلف كأجسامنا – لا تتفاوت عنها تفاوتاً كبيراً – مساكن ثمود قوم صالح الباقية, وآثارهم البادية (109)













3) وقال رحمه الله في موضع آخر : قال الرازي : استدل الأحكاميون في المنجمين بهذه الآية : ( فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ ) على أن بعض الأيام قد يكون نحساً ، وبعضها قد يكون سعداً ؛ لأن النحس يقابله السعد ، والكدر يقابله الصافي ، ثم أطال الرازي في الجواب والإيراد ، ولا يخفى أن السعد والنحس إنما هو أمر إضافي لا ذاتي وإلا لكان اليوم الذي يراه المنجمون نحساً مشؤوم الطالع على كل ما أشرقت عليه الشمس ، وكذا ما يرونه سعداً ! والواقع بخلاف ذلك ، إذ اليوم النحس عند زيد قد يكون سعداً عند بكر ، بل الساعة بل الدقيقة ، فأين تلك الدعوى ؟! والقرآن أتى على أسلوب العرب البديع ، ومن لطائفهم تسمية وقت الشدة والبؤس بالنحس ، ومقابلتها بالسعد فالنحس نحس على صاحب ، والسعد سعد على صاحبه.110
4) يقول الدكتور فضل حسن عباس : إن هوداً عليه السلام أراد أن لا يحارب مشاعر قومه وينال من عواطفهم بادئ ذي بدء ، بل جاراهم وتلطف معهم ، فقد نجد قوماً ما ، طغت عليهم عاطفة حب المال فإذا جئنا لنسفه هذه العواطف في نفوسهم وننال منها ، فإن ذلك سيحدث ردة فعل لا تنتج إلا عكس ما نريده ونقيض ما نبتغيه ، لكن الطريقة المثلى إذا أردنا أن نستأصل هذه العاطفة ونبعدها : أن نقوي عاطفة أخرى من العواطف الخيرة كالإنفاق في سبيل الله وبذل الخير ، فإن أراد الله بهم خيراً فإن ما يحدث هو أن تتصارع العاطفتان فتقوى إحداهما على الأخرى ، وهذا النَّهجُ الذي كان من هود عليه السلام فلقد أراد أن يشذب هذا الذي في نفوسهم ويهذب تلك العواطف فها هو يقول لهم : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)) ( هود : 52 ) 111
5) الجزاء من جنس العمل فلما كانت عاد قد مَنَّ الله عليهم بالقوة الجسدية وبالأسباب المادية ، وكان عندهم من الكبر والطغيان حتى قالوا : (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ?) كانت عقوبتهم بأن سلط الله عليهم ريحاً هي أشد منهم قوة ،


فكانت تحمل الواحد منهم على ضخامته وقوته إلى السماء ثم تقذف به ظاهر الأرض فتنكسر رأسه ويصير بدنه كأنه جذع نخلة ، فكان هذا جزاء كِبْرهم وقوة بطشهم ، وما ربك بظلام للعبيد ،وما هي من الظالمين ببعيد .


















رفعُ عبد الرحمن النجدي أسكنه الله الفردوس






قصة صالح عليه السلام







قصة صالح عليه السلام
قبيلة ثمود قوم صالح عليه السلام كانوا يسكنون الحِجْر بين الحجاز وتبوك ،وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وهو ذاهب إلى تبوك ،روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود ، فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود ، فعجنوا منها ونصبوا القدور ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الإبلَ ، ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، ونهاهم أن يدخلوا على القوم الين عُذبوا فقال : ( إني أخشى أن يصيبكم ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم )112 وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر : ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين ، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم ، أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) 113 .
وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام لما مر بمنازلهم قنعَ رأسه وأسرع راحلته ، ونهى عن دخول منازلهم إلا أن يكونوا باكين ، أما زمانهم فدل القرآن على أنهم بعد قوم عاد كما قال تعالى حاكياً عن نبيه صالح : (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ ) الأعراف : 74 .
وكثيراً ما يقرن الله عز وجل بين ذكر عاد وثمود ، ويأتي غالباً ذكر ثمود بعد عاد - وقال العلامة السعدي : وهي عاد الثانية 114 - .
وكانوا أهل مواشٍ كثيرة وأهل حروث وزروع ، وتواصلت عليهم النعم، ولكنهم كفروا بنعم الله عز وجل ، فأرسل الله عز وجل لهم رسولاً منهم يعرفون صدقه وأمانته وهو صالح عليه السلام ، فكان مما قصه الله عز وجل علينا القرآن .
- قال الله تعالى في سورة الأعراف: (وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ? قَالَ

يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ? هَ?ذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ? فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ? وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ? فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(74) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ? قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ(75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ(76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(78) فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَ?كِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ(79)) . ( الأعراف 73-79 ).
أي : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب والوطن صالحاً ، فدعاهم بدعوة الأنبياء قبله وبعده ، وهي قوله : (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ) ثم ذكَّرهم بالآية وهي المعجزة العظيمة التي أجراها الله عز وجل على يده ، فبعد أن قال لهم : (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ?) فصَّل هذه البينة فقال : (هَ?ذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ? فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ? وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
قال ابن كثير رحمه الله : وقد ذكر المفسرون أن ثموداً اجتمعوا يوماً في ناديهم ، فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم ، فقالوا له : إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة – وأشاروا إلى صخرة هناك – ناقة من صفتها كيت وكيت ، وذكروا أوصافاً سموها ونعتوها وتعنتوا فيها ، وأن تكون عشراء طويلة ، من صفتها كذا وكذا ، فقال لهم النبي صالح عليه السلام : أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتهم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به؟ قالوا : نعم ، فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ، ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا ، فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب الذي طلبوا ، أو على الصفة التي نعتوا .
فلما عاينوها كذلك رأوا أمراً عظيماً ، ومنظراً هائلاً ، وقدرة باهرة،


ودليلاً قاطعاً ، وبرهاناً ساطعاً ، فآمن كثير منهم ، واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم ، ولهذا قال : (فَظَلَمُوا بِهَا ? )(الأعراف: 103) أي : جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها ؛ أي أكثرهم115 .
وقال محمد رشيد رضا رحمه الله: (هَ?ذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ ) هذا بيان مستأنف للبينة – أي : هذه ناقة الله تعالى – أضافها إلى اسمه الكريم تعظيماً لشأنها ، وقيل : لأنه خلقها على خلاف سنته في خلق الإبل وصفاتها ، وقيل : لأنه ليس لها مالك .
قوله: (فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ? وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قال : فدل مجموع الآيات على أن آية الله تعالى في الناقة أن لا يتعرض لها أحدٌ من القوم بسوءٍ في نفسها ، ولا في أكلها ولا في شربها ، وأن ماء ثمود قسمة بينهم وبين الناقة إذ كان ماءً قليلاً فكانوا يشربونه يوماً وتشربه هي يوماً ، وورد أنهم كانوا يستعيضون في يومها بلبنها ، رُوي هذا عن ابن عباس وقتادة116 .
ثم ذكرهم بنعم الله عز وجل عليهم ، وكيف أن الواجب عليهم إزاء هذه النعم الشكر وإفراده عز وجل وحده بالعبادة .
- فقال عليه السلام: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ? فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ )( الأعراف : 74 ) .
قال القاسمي : قال الشهاب : لم يقل : خلفاء عاد ، إشارةً إلى أن بينهما زماناً طويلاً ، (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي : أنزلكم في أرض الحجر والمباءة: المنزل ، (تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا) أي : تبنون في سهولها قصوراً لتسكنوها أيام الصيف (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا) أي : لتسكنوها أيام الشتاء117 .
- قوله تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ


آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ? قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ ( 76 ) ) (الأعراف : 75،76 )
قال القاسمي : عدلوا عن الجواب الموافق لسؤالهم بأن يقولوا : ( نعم ) أو (إنه مرسل منه تعالى ) مسارعة إلى تحقيق الحق ، وإظهار مالهم من الإيمان الثابت المستمر ، الذي تُنبِئ عنه الجملة الاسمية ، وتنبيهاً على أن أمر إرساله من الظهور بحيث لا ينبغي أن يسأل عنه ، وإنما الحقيق بالسؤال عنه هو الإيمان به ، وأفاده أبو السعود .
فهذا من الأسلوب الحكيم ، وهو تلقي السائل والمخاطب بخلاف ما يترقب تنبيهاً على أنه هو الذي ينبغي أن يسأل عنه .
(قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ) . وإنما لم يقولوا : إنا بما أرسل به كافرون وإظهاراً لمخالفتهم إياهم ورداً لمقالتهم قال في (الانتصاف ) : ولو طابقوا بين الكلامين لكان مقتضى المطابقة أن يقولوا : إنا بما أرسل به كافرون ، ولكن أَبَوا ذلك حذراً مما في ظاهره من إثباتهم لرسالته وهم يجحدونها ، وقد يصدر مثل ذلك على سبيل التهكم كما قال فرعون : (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) (الشعراء:27) ، فأثبت إرساله تهكماً ، وليس هذا موضع التهكم فإن الغرض إخبار كل واحدٍ من الفريقين المؤمنين والمكذبين عن حاله ، فلهذا خلَّص الكافرون قولهم عن إشعار الإيمان بالرسالة احتياطاً للكفر ، وغلواً في الإصرار . انتهى ، ولذلك أنكروا آية الناقة وكذبوه في إصابة العذاب عن مسها بالسوء كمال قال تعالى : (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ( الأعراف:77)118 .
قال الزمخشري : (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ) أسند العقر إلى جميعهم ؛ لأنه كان برضاهم وإن لم يباشره إلا بعضهم ، وقد يقال للقبيلة الضخمة : أنتم فعلتم كذا وما فعله إلا واحدٌ منهم ، (وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ) وتولوا عنه واستكبروا عن

امتثاله عاتين ، (أَمْرِ رَبِّهِمْ ): ما أمر به على لسان صالح عليه السلام من قوله : (ذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ? ) أو شأن ربهم وهو دينه119 .
وقال محمد رشيد رضا :(وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ )أي : تمردوا مستكبرين عن امتثال أمر ربهم ، ضمَّن العتو معنى الاستكبار ، والعتو في اللغة : التمرد والامتناع ، ويكون عن ضعف وعجز ومنه : عتا الشيخ وبلغ من الكبر عتياً : إذا أسن فامتنع من المواتاه على ما يراد منه ، وعن قوة وعتو كوصف الريح الشديدة بالعاتية ، لامتناعها على من يريد جناها ، إلا بمشقة التسلق والصعود120.
روى أحمد والحاكم بإسناد حسنه الحافظ ابن حجر عن جابر قال : لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال : ( لا تسألوا الآيات ، فقد سألها قوم صالح، وكانت الناقة ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم ، وكانت تشرب يوماً ويشربون لبنها يوماً ، فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلاً واحداً كان في حرم الله – وهو أبو رغال – فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه).
- (وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ )( الأعراف :77): قال العلامة عب الرحمن بن ناصر السعدي عليه رحمة ربنا العلي : وكان في المدينة تسعة رهط من شياطينهم قد قاوموا ما جاء به صالح أشد المقاومة ، يصدون عن سبيل الله ويفسدون في الأرض ولا يصلحون ، وكان صالح قد حذرهم من عقر الناقة لما رأى من كِبرهم وردِّهم الحق فأول ما فعل أولئك الملأ الأشرار أن عقدوا مجلساً عاماً ليتفقوا على عقر الناقة فاتفقوا ، فانتدب لذلك أشقى القبيلة ولهذا قال تعالى: (إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا (12)) أي : بعد اتفاقهم وندبهم إياه بعثوه لذلك ، فانبعث واستعد وتكفل لهم بعقرها ؛ وهم جميعاً راضون بل آمرون فعقرها ، فكان هذا العقر مؤذناً بهلاك قبيلة بأسرها ، فلما شعر صالح بالأمر ورأى منظراً فظيعاً علم أن العذاب قد تحتم لا محالة، لأن الجريمة قد تفاقمت ولم يبق حالة يرجى فيها لهم تقويم ، فقال لهم


صالح : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب ، ونبه بهذا الكلام دانيهم وقاصيهم ، في أثناء هذه المدة اتفق هؤلاء الرهط التسعة على أمر أغلظ من عقر الناقة ، على قتل نبيهم صالح ، وتعاهدوا وتعاقدوا وحلفوا الأيمان المغلظة ، وكتموا أمرهم خشية من منع أهل بيته لأنه بيت عزِّ وشرفٍ ، وقالوا : لنُبيتَنَّه وأَهْلَهُ ، ثم إذا ظُنَّ بنا أننا قتلناه حلفنا لأوليائه أننا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ، فدبروا هذا المكر العظيم ولكنهم يمكرون ويمكر الله لنبيه صالح ، فحين كمنوا ي أصل الجبل لينظروا الفرصة في صالح بدأ الله بعقوبتهم ، فكانوا سلفاً مقدماً لقومهم إلى نار جهنم ، فأرسل الله صخرة من أعلى الجبل فشدختهم وقتلوا أشنع قتلة ، ثم لما تمت ثلاثة هذه الأيام جاءتهم صيحة من فوقهم ورجفة من أسفل منهم فأصبحوا خامدين ونجى الله صالحاً ومن معه من المؤمنين وقال: (يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَ?كِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )121 (الأعراف:79).
وقال ابن كثير رحمه الله : أي : جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي ، (وَلَ?كِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ) أي: لم تكن سجاياكم تقبل الحق ، فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم المستمر بكم المتصل إلى الأبد ، وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان ، والذي وجب علي من أداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ولكن الله يفعل ما يريد122 .
* الفوائد والآثار الإيمانية :
1) قال القاسمي : قال الرازي : زعم بعض الملحدين أن ألفاظ التنزيل في حكاية هذه الواقعة اختلفت ، وهي الرجفة والطاغية والصيحة ، والجواب ما قاله أبو مسلم : إن الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده سواءً كان حيواناً أو غير حيوان ، وألحق الهاء به للمبالغة ، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت .

وأما الرجفة فهي الزلزلة في الأرض ، وهي حركة خارجة عن المعتاد فلم يبعد إطلاق اسم الطاغية عليها .
وأما الصيحة فالغالب أن الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة العائلة ، وأما الصاعقة فالغالب أنها الزلزلة ، وكذلك الزجرة قال تعالى : (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14) ) ( النازعات 13،14 )123 .
2) قال العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله : مضت سنة الله تعالى بأن يسبق الفقراء المستضعفون من الناس إلى إجابة دعوة الرسل واتباعهم وإلى كل دعوة إصلاح ؛ لأنه لا يثقل عليهم أن يكونوا تبعاً لغيرهم وأن يكفر بهم أكابر القوم المتكبرون والأغنياء المترفون ؛ لأنه يشق عليهم أن يكونوا مرءوسين ، وأن يخضعوا للأوامر والنواهي التي تحرم عليهم الإسراف الضار وتوقف شهواتهم عند حدود الحق والاعتدال ، وعلى هذه السنة جرى الملأ من قوم صالح عن قولهم للمؤمنين منهم : أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه ؟ قيل : إن السؤال للتهكم والاستهزاء . ولا مانع من جعله استفهاماً حقيقاً إن سألوهم عن العلم بأنه مرسل لارتيابهم في اتباعهم إياه عن علم برهاني ، وتجويزهم أن يكون عن استحسان ما وتفضيل له عليهم واختيار لرياسته على رياستهم124 .
3) أهل الباطل يبغضون من يدعوهم إلى الحق ويحاول أن يحملهم عليه ، فصالح عليه السلام كان محبوباً عندهم قبل أن يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ، كما قال تعالى – حكاية عنهم – (يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَ?ذَا ? ) ثم تغير الحال بعد دعوته إياهم حتى صار من أبغض الناس إليهم مع أنه تلطف معهم في الدعوة وصبر عليهم ، وأجاب طلبتهم من سؤال ربه الناقة التي طلبوها ، ولكن الحق الذي عليه هو الذي بغضه إليهم كما قال تعالى عن أصحاب الأخدود: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) (البروج:8) فأهل الحق ليس لهم أهداف دنيوية ، ولا ينافسون أهل الدنيا على مناصبها والغلُوِّ فيها ، ولكنه الصراع بين الحق والباطل ، والعاقبة للمتقين .

4) أهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان كما هو معتقد أهل السنة والجماعة ، فإيمان الصديق رضي الله عنه ليس كإيمان فساق الأُمّة ، كذلك أهل الشر والفساد يتفاضلون في الشر والفساد ، وبعض الشر أهون من بعض ، فمع أن أكثر قوم صالح كانوا كافرين مفسدين إلا أن تسعة منهم كانوا أكثرهم شراً وفساداً ، ولذا قال الله عز وجل: (وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ(48) (النمل : 48) وقد عجل الله عزوجل لهم العقوبة والهلاك قبل بقية قومهم ، وإلى ذلك كذلك الإشارة بقوله عز وجل : (ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَ?نِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى? بِهَا صِلِيًّا (70) ( مريم : 69،70).
5) ينبغي للحِفْنَة المؤمنة أن تثق بنصر الله عز وجل ، وأن لا يهولها مكر الماكرين من المفسدين والذين يصدون عن سبيل رب العالمين ، فإن الله من ورائهم محيط ، وإن كانوا يمكرون بأهل الإيمان فإن الله يمكر بهم من فوق سبع سماوات ، كما قال تعالى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ(51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(52) وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(53) ( النمل : 50 – 53).
************

















رَفعُ عبد الرحمن النَجديِّ
أسكنه الله الفردوس



قصة لوط عليه السلام












قصة لوط عليه السلام
لوط عليه السلام كان معاصراً لإبراهيم ، وقد ذكر كثير من المفسرين أنه كان ابن أخيه125 ، وقال السعدي بأنه تلميذه ، وكان له بمنزلة الابن ، فنبأه الله بحياة الخليل وأرسله إلى قرى سدوم من غور فلسطين .
قال ابن كثير رحمه الله : وكان لوط قد نزح عن محله عَمِّه الخليل عليه السلام بأمره له وإذنه ، فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر ، وكانت أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ، ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية ، وأردأهم سريرة وسيرة ، يقطعون السبيلَ ويأتون في ناديهم المنكر ، ولا يتناهون عن منكر فعلوه ، لبئس ما كانوا يفعلون. ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحدٌ من بني آدم ، وهي إتيان الذكران من العالمين ، وتَرْك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين126 .
- دعوة لوط عليه السلام :
قال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ(80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ? بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ(81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ? إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(82) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ(83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(84) ) ( الأعراف 80-84).
قال القاسمي رحمه الله : (وَلُوطًا) منصوب بفعل مضمر معطوف على ما

سبق ؛ أي : وأرسلنا لوطاً ، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام ، وكان قد آمن مع إبراهيم عليها السلام ، وهاجر معه إلى الشام وتوطنا بلد الكنعانيين من فلسطين ، وهي الأرض المقدسة ، ثم حدثت مشاجرة بين رعاتهما فنزح لوط إلى وادي الأردن وسكن مدينة سدوم فبعثه الله إلى أهلها .
ثم بيّن تعالى إنكار لوط عليهم بقوله سبحانه: (إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ) أي : الفعلة المتناهية في القبح .
وقوله: (مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ)127 .
قال أبو مسعود : والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ والتقريع ، فإن مباشرة القبح قبيح ، واختراعه أقبح ، فأنكر تعالى عليهم أولاً إتيان الفاحشة ، ثم وبخهم بأنهم أول من عملها ، ثم استأنف بيان تلك الفاحشة تأكيداً للإنكار السابق وتشديداً للتوبيخ بقوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ? بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) (الأعراف:81).
قال الألوسي : (الرِّجَالَ) دون الغلمان والمردان ونحوهما – كما قال شيخ الإسلام مبالغة في التوبيخ ، كأنه قال لتأتون أمثالكم (شَهْوَةً) نصب على أنه مفعول له أو لأجل الاشتهاء لا غير ، أو على الحالية بتأويل مشتهين ، وجوز أن يكون منصوباً على المصدرية ، وناصبه (لَتَأْتُونَ) لأنه بمعنى: تشتهون ، وفي تقييد الجماع الذي لا ينفك عن الشهوة بها إيذاناً بوضعهم على المصدرية بالبهيمية الصرفة ، وأن ليس غرضهم إلا قضاء شهوة ، وفيه تنبيه على أنه ينبغي للعاقل أن يكون الداعي إلى المباشر طلب الولد وبقاء النوع ل قضاء الشهوة ، وجوز أن يكون الإنكار عليهم وتقريعهم على اشتهائهم تلك الفعلة القذرة الخبيثة ، كما ينبئ عليه قوله تعالى: (مِّن دُونِ النِّسَاءِ ?) أي : متجاوزين النساء اللاتي هن محل الاشتهاء عند ذوي الطباع السليمة ، كما يؤذن به قوله سبحانه: (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ)128.
-قوله تعالى: (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ? إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (الأعراف:82) :

قال الشوكاني : ما كان لهم جواب إلا هذا القول المباين للإنصاف المخالف لما طلبه منهم وأنكره عليهم ، وجملة (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) تعليل لما أمروا به من الإخراج ، ووصفهم بالتطهر يمكن أن يكون على حقيقته ، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه الفاحشة فلا يساكنونا في قريتنا ، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية والاستهزاء 129 .
وقال الزمخشري : يعني ما أجابوه بما يكون جواباً عما كلمهم به لوط عليه السلام من إنكار الفاحشة وتعظيم أمرها ، ووسمهم بسمة الإسراف الذي هو أصل الشر كله ، ولكنهم جاءوا بشيء آخر لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم ضجراً بهم وبما يسمعون من وعظهم ونصحهم، وقوله: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) سخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش ، وافتخاراً بما كانوا فيه من القذارة ، كما يقول الشُّطَّارُ من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : أبعدوا عنا هذا المتقشف ، وأريحونا من هذا المتزهد130 .
قوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ(83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(84) (الأعراف:83-84).
فأجْمَلَ هنا في سورة الأعراف كيف أنجاه الله عز وجل وأهله إلاَّ امرأته وكيف أهلك الظالمين ، وما أُجْمِلَ هنا فصِّلَ في مواضع أُخر ، ومن ذلك سورة هود .
* قصة هلاك قوم لوط :
قال الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَ?ذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ(77) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ? قَالَ يَا قَوْمِ هَ?ؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ? أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ(78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ(79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى? رُكْنٍ شَدِيدٍ(80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ? 
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ? إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ? إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ? أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ(82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ? وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ(83) (هود:77_83).
_قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَ?ذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ(77)) ( هود:77) :
قال ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعدما أعلموا إبراهيم بهلاكهم وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوطٍ هذه الليلة ، فانطلقوا من عنده فأتوا لوطاً عليه السلام وهو على ما قيل في أرض الله له ، وقيل : في منزله ، ووردوا عليه وهم في أجمل صورة تكون على هيئة شبان حسان الوجوه ابتلاءً من الله وله الحكمه والحجة البالغة فساءَه شأنهم ، وضاقت نفسه بسببهم ، وخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم أحدٌ من قومه فينالهم بسوء (وَقَالَ هَ?ذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ)131.
قوله تعالى: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ? قَالَ يَا قَوْمِ هَ?ؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ? أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ(78) . (هود:78)
قال الشوكاني رحمه الله :المعنى: أن قوم لوط لما بلغهم مجيء الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه ، كأنما يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه ، (وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ? ) أي : ومن قبل مجيء الرسل في هذا الوقت كانوا يعملون السيئات ؛ وقيل : ومن قبل لوط كانوا يعملون السيئات ؛ أي : كانت عادتهم إتيان الرجال ، فلما جاءوا إلى لوط وقصدوا أضيافه لذلك العمل قام إليهم لوط مدافعاً (قَالَ يَا قَوْمِ هَ?ؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ? ) أي : تزوجوهن ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي ، وقد كان له ثلاث بنات وقيل : اثنان ، وكانوا يطلبون أن يزوجهم بهن فيمتنع لخبثهن ، وكان لهن سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه ، وقيل : أراد بقوله (هَ?ؤُلَاءِ بَنَاتِي) النساء جملة؛ لأن

نبي القوم أبٌ لهم ، وقالت طائفة : إنما كان هذا القول منه على طريق المدافعة ولم يرد الحقيقة ، ومعنى (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ? ) أي : أحلُّ وأنزه ، والتطهر: التنزه عما لا يحل ، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل ، بل هي مثل (الله أكبر ) 132.
-قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ? أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) (هود:78) : قال القاسمي : (فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أي : أن تعصوه بما هو أشد من الزنا خبثاً (وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ?) أي : ولا تهينوني وتفضحوني في شأنهم ؛ فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي الرجل ، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة.
(أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) أي : فيرعوي عن القبيح ويهتدي إلى الصواب133.
-قوله تعالى: (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) (هود:79).
قال العلامة محمد رشيد رضا : (قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ) فإنهن محرمات علينا في دينك ، أو يعنون أن الحق عندهم نكاح الذكور مستشهدين بعلمه به تهكماً ، أو الحق هنا الحاجة والأرب ، والمعنى : لقد علمت من قبل ليس لنا في بناتك من حاجة أو رغبة في تزوجهن فتصرفنا بعرضهن علينا عما نريده ، أو لقد علمت الذي لنا في نسائنا اللواتي تسميهن بناتك من حق الاستمتاع وما نحن عليه معهن ، فلا معنى لعرضِك إياهن علينا لصرفنا عما نريد (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) من الاستمتاع بالذكران وأننا لا نؤثر عليه شيئاً ؛ أي : تعرف ذلك حق المعرفة لا ترتاب فيه فلم تحاول صدنا عنه ؟ 134.
_قوله تعالى: (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى? رُكْنٍ شَدِيدٍ) (هود:80) : قال ابن كثير رحمه الله :ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطاً عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق ، وهم يرمون فتحه وولوجه، وهو
يعظهم وينهاهم من وراء الباب، فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال ما قال: ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى? رُكْنٍ شَدِيدٍ) لأحللت بكم النكال ، قالت الملائكة : (يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ? ) وذكروا أن جبريل عليه السلام خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم135.
_قال الله تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ(37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ(38) ( القمر:37_38).
_قوله تعالى: (قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ ? فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ? إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ? إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ? أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ(81) (هود:81).
قال الشنقيطي رحمه الله : ذكر تعالى هذه الآية الكريمة أنه أمر نبيه لوطاً أن يسري بأهله بقطع من الليل ، ولم يبين هنا هل هو من آخر الليل أو وسطه أو أوله ولكن بين في (القمر) أن ذلك من آخر الليل وقت السحر ، وذلك في قوله تعالى: (إِلَّا آلَ لُوطٍ ? نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ) ولم يبين هنا أنه أمر أن يكون من ورائهم وهم أمامه ، ولكنه بين ذلك في (الحجر) بقوله: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ(65) (الحجر:65).
وقوله تعالى: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ? إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ? ) قرأه جمهور القراء: (إِلَّا امْرَأَتَكَ ? ) بالنصب وعليه الأمر واضح لأنه استثناء من الأهل ؛ أي: أسر بأهلك إلا امرأتك فلا تسر بها واتركها في قومها فإنها هالكة معهم.
ويدل لهذا الوجه قوله فيها في مواضع: (كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (الأعراف:83) والغابر: الباقي ؛ أي: الباقين في الهلاك .
وقرأ أبو عمرو وابن كثير: (إِلَّا امْرَأَتَكَ ? ) بالرفع على أنه بدل من (أحد) فالمعنى : أنه أمر لوطاً أن ينهى جميع أهله عن الالتفات إلا امرأته فإنه أوحي إليه أنها هالكة لا محالة ، ولا فائدة في نهيها عن الالتفات ، لكونها من جملة الهالكين136.
_قوله تعالى: (إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ? أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) (هود:81) :
قال القاسمي رحمه الله : أي: موعدهم بالهلاك الصبح ، والجملة كالتعليل للأمر بالإسراء ، أو جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب ، أو ذكرت ليتعجل في السير فإن قرب الصبح داعٍ إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن موقع العذاب137.
وقال الشوكاني: والمعنى : أن موعد عذابهم الصبح المسفر عن تلك الليلة والاستفهام في (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) للإنكار التقريري ، والجملة تأكيد للتعليل138.
قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ(82) (هود:82).
_ قوله: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) :
قال الشوكاني: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا) أي : الوقت المضروب لوقوع العذاب فيه ، أو المراد بالأمر نفس العذاب (جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا) أي : عَالي قُرى لُوطٍ سَافِلها ، والمعنى : أنه قلبها على هذه الهيئة وهي كون عاليها صار سافلها ، وسافلها صار عاليها ، وذلك لأن جبريل أدخل جناحه تحتها فرفعها من تخوم الأرض ، حتى أدناها من السماء ثم قلبها عليهم139.
_قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ):
قال الشنقيطي : اختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافاً كثيراً ، والظاهر أنها حجارة من طين في غاية الشدة والقوة ، والدليل على أن المراد بالسجيل الطين قوله تعالى في (الذاريات) في القصة بعينها: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ(33) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34) (الذاريات:33،34) وخير ما يفسر به القرآن القرآن .
والدليل على قوتها وشدتها أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلا لأن النكال بها بالغ شديد ، وأيضاً فإن بعض العلماء قالوا : السجيل








قصة لوط عليه السلام
وابن ماجه والترمذي والنسائي والدارقطني أن رسول الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه يعمل عنل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (?) لفظ أبي داود وابن ماجه، وعند الترمذي : "أحصنا أو لم يحصنا" (?).
(?) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: " نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال: ((رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى? ? قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ? قَالَ بَلَى? وَلَ?كِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))، ويرحم الله لوطاً لقد كاان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" (?).
وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد" (?).
قال الحافظ: قوله: "يغفر الله للوط إن كان ليأوي إلى ركن شديد" أي: إلى الله عز وجل، ويشير صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: ((لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى? رُكْنٍ شَدِيدٍ)) ويقال: إن قوم لوط لم يكن منهم أحدٌ يجتمع معه في نسبه لأنهم من سدوم وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر عنه لوط، فبعث الله لوطاً إلى أهل سدوم، فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدافعوا عن ضيفاني، ولهذا جاء بعض طرق الحديث كما أخرجه أحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " قال لوط: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد" قال: فإنه يأوي إلى ركن شديد، ولكنه عنى عشيرته فما بعث الله نبياً في ذروة من قومه". وزاد ابن مردويه من هذا الوجه ألم تر إلى قوم شعيب: ((وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ)) .
وقيل: معنى قوله: " لقد كان يأوي إلى ركن شديد": أي: إلى عشيرته،
(?)"الجامع لأحكام القرآن" (?/????،????) باختصار، والحديث رواه الترمذي(?/???) "الحدود"، وأبو داود (????)" الحدود" وصححه الألباني.
(?)الترمذي (?/??) "الحدود".
(?)رواه البخاري (?/???) "أحاديث الأنبياء"، ومسلم (??/???) "الفضائل".
(?)رواه البخاري (?/???) "أحاديث الأنبياء".
قصة لوط عليه السلام
ولكنه لم يأوِ إليهم وأوى إلى الله. انتهى، والأول أظهر لما بيناه، وقال النووي: يجوز أنه لما اندهش بحال الأضياف قال ذلك، أو أنه التجأ إلى الله في باطنه وأظهر هذا القول للأضياف اعتذاراً، وسمى العشيرة ركناً لأن الركن يستند إليه ويمتنع به فشبههم بالركن من الجبل لشدتهم ومنعتهم (?).

**************













(?)"فتح الباري" (?/???،???).



رَفعُ
عبدالرحمن النّجَديَّ
أسكنه اللهُ الفِردوس






قصة شعيب عليه السلام




قصة شعيب عليه السلام


قصة شعيب عليه السلام

أرسل الله عز وجل نبياً إلى قوم مدين، وهي قرية من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، وهي القرية التي توجه إليها موسى عليه السلام بعد أن قتل المصري، واخْتلِف هل هو صهر موسى عليه السلام أم لا؟ والراجح أنه غيره وقد كانوا يسمُّون بأسماء أنبيائهم والصَّالحين منهم (?).
وكان أهل مدين كفاراً يعبدون الأيكة ، وهي – كما قال ابن كثير رحمه الله – شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا مع كفرهم بالله عز وجل يبخسون الناس أشياءهم، ويطففون المكيال والميزان، فدعاهم شعيب عليه السلام بدعوة جميع الأنبياء قبله: من عبادة الله عز وجل، ثم نبههم على ما هم عليه من المعاصي والمنكرات وحذرهم بأس الله عز وجل وعقوبته، فكان ما كان مما قصَّه الله عز وجل في غير مكان، والظاهر أنهم كانوا بعد قوم لوط عليه السلام: ((وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ? وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89)) [هود: ??]، ويبدو أن هذا القرب كان قرباً زمنياً ومكانياً.
دعوة شعيب عليه السلام:
قال الله تعالى في سورة الأعراف: ((وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ? فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
(?)ومن الدليل على أن شعيباً لم يكن معاصراً لموسى عليه السلام أن الله عز وجل لما ذكر نوحاً ثم هوداً ثم صالحاً ثم لوطاً ثم شعيباً قال: ((ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى? بِآيَاتِنَا إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلاَئِهِ)) ومثل ذلك في سورة يونس وهود والحج، و(ثم) تفيد تراخي ما بعدها عما قبلها فهو ظاهر والله أعلم في أن زمن موسى عليه السلام كان بعد زمن شعيب بفترة، وانظر: "قصص الأنبياء" لعبدالوهاب النجار (???)، وانظر كذلك ما ذكر في قصة موسى في الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك.
قصة شعيب عليه السلام
بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ? وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ? وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) ? قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ? وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ? وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ? عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ? رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ? الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? فَكَيْفَ آسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)} [الأعراف : 85-93]
لا شك أن أنبياء الله عز وجل ورسله هم أنصح الناس للناس وهم قدوة الدعاة إلى الله عز وجل في دعوة أقوامهم، كيف يخاطبونهم ويتلطفون معهم و يصبرون على جهلهم وغباوتهم وإيذائهم . وقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبًا قال: "ذاك خطيب الأنبياء" .
ويظهر من دعوة شعيب عليه السلام أن البيئة التي كانت فيها قد انتشر فيها الفساد: من الشرك ، وأكل أموال الناس بالباطل ، والصد عن سبيل الله ، مع أنهم كانوا في نعمة وعافية ، فبدأ شعيب عليه السّلام دعوته كما بدأها جميع الأنبياء ، وهي دعوة الناس إلى التوحيد ؛ لأن وظيفة الرسل وأتباعهم تعبيد الناس لله عز وجل ، كما قال ربعي بن عامر : " إن الله ابتعثنا لنخرج الناس من عبادة الناس إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " .
فوظيفة الداعية تطويع الناس وتعبيدهم لله، فالناس إما عبيد حجر، أو عبيد شجر، أو عبيد بقر، أو عبيد للطواغيت الذي يحكمونهم بغير الشرع،ويسوسونهم بغير حكم الله عز وجل، فالداعية يحرر الناس من عبادة غير الله، ثم





قصة شعيب عليه السلام
يُعَبِّدُهم لله عز وجل، فيجعلهم يكفرون بالطاغوت ويؤمنون بالله، ويكون في دعوته متأسيًا بالأنبياء الكرام لأنهم أئمة الدعوة إلى الله، هم أعلم الناس بها ، وأقوم الناس فيها : {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ?} [الأنعام: 124] وسوف نجد بإذن الله تعالى ذلك واضحًا جليًا في شعيب عليه السلام : كيف أنه كان يعمل بما يعلمه للناس، ولا يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه، وكيف نوع معهم أساليب الدعوة فتارة ينهاهم عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وغيره،وتارة يحذرهم من العقوبة التي لحقت بالمكذبين من الأمم السابقين : كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط ، وتارة يذكرهم بنعم الله عليهم،وكيف أنهم يحافظون عليها بطاعة الله عز وجل، وتارة يتوجه الداعية إذا وجد القلوب القاسية وفقد الآذان الواعية، يتوجه إلى الله عز وجل الذي أرسله بأن يفتح بينه وبين قومه بالحق، ولذلك كان خاتمة دعوته بعد أن أهلك الله عز وجل الظالمين المكذبين {يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? فَكَيْفَ آسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)}.
قوله تعالى:{وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ? فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)} [الأعراف: 85]:
قال الزمخشري : كان يقال لشعيب عليه السلام: خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكانوا أهل بخس للمكاييل والموازين، {قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ?} معجزة شاهدة بصحة نبوتي أوجب عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به والانتهاء عما أنهاكم عنه، فأوفوا ولا تبخسوا، فإن قلت: ما كانت معجزته ؟ قلت: قد وقع العلم بأنه كانت له معجزة لقوله تعالى{قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ?}ولأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه وإلا لم تصح دعواه (140) وكان متنبئا لا نبيا، غير أن معجزته لم تذكر بالقرآن




قصة شعيب عليه السلام
كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم (141)
قوله: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} [الأعراف: 85]:
قال صاحب " المنار": كان قوم شعيب من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون الكيل والميزان؛ أي: ينقصونه ، فيبخسونهم أشياءهم ، وينقصونهم حقوقهم ، والبخس أعم من نقص المكيل والموزون، فإنه يشمل غيرهما من المبيعات كالمواشي والمعدودات ، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق ، وكذا بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل(142) .
وقال القرطبي رحمه الله: قوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} البخس النقص وهو يكون في السلعة بالتعييب والتزهيد فيها، أو المخادعة عن القيمة و الاحتيال في التزيد في الكيل والنقصان منه، وكل ذلك من أكل المال بالباطل ، وذلك منهي عنه في الأمم المتقدمة والسالفة على ألسنة الرسل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قوله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ?} [الأعراف: 85]:
قال القرطبي: وهو لفظ يعم دقيق الفساد و جليله، ابن عباس: كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيبًا رسولًا يعمل فيها بالمعاصي، وتستحل فيهما المحارم وتسفك فيها الدماء فذلك فسادها فلما بعث الله شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض، وكل نبي بعث إلى قومه فهو صلاحهم(143).
قوله تعالى: {ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85]:
قال صاحب ((المنار)): الإشارة إلى كل ما تقدم من أمر ونهي؛ أي: هو خير لكم في دينكم ودنياكم لا تكليف إعنات ، فربكم لا يأمركم إلا بما هو نافع لكم ، ولا ينهاكم إلا عما هو ضار بكم ، وهو على كل حال غني عنكم



قصة شعيب عليه السلام
ولو شاء لأعنتكم ، ولكنه رحيم بكم لا يفعل ذلك144 .
_ قوله تعالى : (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ? وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ? وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف :86) :
قال الشوكاني : الصراط : الطريق ؛ أي : لا تقعدوا بكل طريق توعدون الناس بالعذاب ، قيل : كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويقولون : إنه كذاب قلا تذهب إليه ، كما كانت قريش تفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وغيرهم ، وقيل : المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها ، وليس المراد به القعود على الطرق الحقيقية ، ويؤيده : (وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ ).
وقيل : المراد بالآية النهي عن قطع الطريق وأخذ السلب ، وقيل :إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطريق من أموال الناس فنُهوا عن ذلك.
والقول الأول أقربها للصواب مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال المذكورة .
وجملة ( تُوعِدُونَ ) في محل نصب على الحال وكذلك ما عطف عليها .
أي : لا تقعدوا بكل طريق ، موعدين لأهله صادِّيْنَ عن سبيل الله باغين لها عوجاً145 .
وقال الزمخشري : ( وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ? ) وتطلبون لسبيل الله عوجاً ؛ أي : تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها ، أو يكون تهكماً بهم وأنهم يطلبون لها ما هو محال لأن طريق الله لا يعوج146.
_ (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ? وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف:86):
قال صاحب "المنار" : أي : وتذكروا ذلك الزمن الذي كنتم فيه قليلي


العدد فكثركم الله تعالى بما بارك في نسلكم ، فاشكروا له ذلك بعبادته وحده واتباع وصاياه في الحق والعدل وترك الفساد في الأرض .
قصة شعيب عليه السلام
(وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) من الشعوب المجاورة لكم كقوم لوط وقوم صالح وغيرهم ، وكيف أهلكهم الله تعالى فسادهم ، فيجب أن يكون لكم عبرة في ذلك147 .
_قوله تعالى: (وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (الأعراف:87):
قال الألوسي : خطاب للكفار ووعيد لهم أن تربصوا لتروا حكم الله تعالى بيننا وبينكم ، فإنه سبحانه سينصر المحق على المبطل ، ويظهره عليه أو هو خطاب للمؤمنين وموعظة لهم وحث على الصبر واحتمال ما كان يلحقهم من أذى المشركين ، إلى أن يحكم الله تعالى بينهم ، وينتقم لهم منهم ، ويجوز أن يكون خطاباً للفريقين ؛ أي : ليصبر المؤمنين على أذى الكفار وليصبر الكفار على مايسوؤهم من إيمان مَن آمن منهم حتى يحكم الله فيميز الخبيث من الطيب ، والظاهر الاحتمال الأول ، وكان المقصود أن إيمان البعض لا ينفعكم في دفع بلاء الله تعالى وعذابه (وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) إذ لا معقب لحكمه ، ولا حَيْفَ فيه ، فهو في غاية السداد 148 .
_قوله تعالى: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) (الأعراف:88):
قال ابن كثير رحمه الله : هذا خبر من الله تعالى عما واجهت به الكفار نَبِيَّه شعيباً ومن معه من المؤمنين في توعدهم إياه ومن معه بالنفي عن القرية أو الإكراه على الرجوع في ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه ، وهذا خطاب مع الرسول ، والمراد أتباعه الذين كانوا معه على الملة وقوله: (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) يقول : أو أنتم فاعلو ذلك ولو كنا كارهين ما تدعونا إليه ، فإنا إن رجعنا إلى

ملتكم ودخلنا معكم فيما أنتم فيه فقد أعظمنا الفرية على الله في جعل الشركاء معه أنداداً ، وهذا تعبير منه عن اتباعهم 149.
_قوله تعالى: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ? وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ? وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ? عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ? رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89) :
قصة شعيب عليه السلام
قال صاحب " الظلال" : ولكنَّ شعيباً بقدر ما يرفع رأسه وبقدر ما يرفع صوته في مواجهة طواغيت البشر من الملإ الذين استكبروا من قومه ، بقدر ما يخفض هامته ويسلم وحهه في مواجهة ربه الجليل الذي وسع كل شيء علماً ، فهو في مواجهة ربه لا يتألى عليه ، ولا يجزم بشيء أمام قدره ، ويدع له قياده وزمامه ، ويعلن خضوعه واستسلامه .
_(إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ? وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ?) (الأعراف:89) :
إنه يفوض الأمر لله ربه في مستقبل ما يكون من أمره وأمر المؤمنين معه ، إنه يملك رفض ما يفرضه عليه الطواغيت من العودة في ملتهم ، ويعلن تصميمه والمؤمنين معه على عدم العودة ، ويعلن الاستنكار المطلق للمبدإ ذاته ، ولكنه لا يجزم بشيء من مشيئة الل?ه به وبهم ، فالأمر موكول إلى هذه المشيئة ، وهو والذين آمنوا معه لا يعلمون ، وربهم وسع كل شيء علماً ، فإلى علمه ومشيئته تفويضهم واستسلامهم .
إنه أدب ولي الله مع الله ، الأدب الذي يلتزم به أمره ، ثم لا يتألى بعد ذلك على مشيئته وقدره ، ولا يتأبى على شيء يريده به ويقدره عليه .
وهنا يدع شعيب طواغيت قومه وتهديدهم ووعيدهم ، ويتجه إلى وليه بالتوكل الواثق ، يدعوه أن يفصل بينه وبين قومه بالحق :
(عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ? رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ)150 .
_قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ(90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن


لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ? الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ(92) (الأعراف:90-92) :
قال ابن كثير رحمه الله : يخبر تعالى عن شدة كفرهم وتمردهم وعتوهم وما هم فيه من الضلال وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق ، ولهذا أقسموا وقالوا: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ) فلهذا عقَّبه بقوله: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ(91) أخبر تعالى أنهم أخذتهم الرجفة ، وذلك كما أرجفوا شعيباً وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء ، كما أخبر عنهم في سورة
قصة شعيب عليه السلام
هود فقال: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ(94) (هود:94).
والمناسبة هناك –والله أعلم- أنهم لما تهكموا به في قولهم : (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ..) الآية ، فجاءت الصيحة فأسكتتهم .
وقال تعالى إخباراً عنهم في سورة الشعراء: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ ? إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(189) ( الشعراء:189) وما ذاك إلا لأنهم قالوا في سياق القصة : (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ...) الآية ( الشعراء:187) فأخبر أنهم أصابهم عذاب يوم الظُّلَّة ، وقد اجتمع عليهم ذلك كله ، أصابهم عذاب يوم الظلة – وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم – ثم جاءتهم صيحة من السماء ، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم ، فزهقت الأرواح وفاضت النفوس ، وخمدت الأجسام . (فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) ثم قال تعالى: ( كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ?) أي : كأنهم لما أصابتهم النقمة لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها ، ثم قال تعالى مقابلاً لقيلهم : (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ) 151.
_قوله تعالى : (فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? فَكَيْفَ آسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَافِرِينَ(93) ( الأعراف:93) :
قال الزمخشري : الأسى : شدة الحزن ، قال العجاج :
وَاغْلَبَت عَيناهُ مِن فَرْطِ الأسَى








قصة شعيب عليه السلام
اشتد حزنه على قومه ، ثم أنكر على نفسه فقال : فكيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم ، واستحقاقهم مما نزل بهم ، ويجوز أن يريد : لقد اعتذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ، ولم تصدقوني ، فكيف آسى عليكم ؛ يعني : أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى 152.
قال صاحب " الظلال" : ويطوي صفحتهم مشيعة بالتكبيت والإهمال والمفارقة والانفصال من رسولهم الذي كان أخاهم ، ثم افترق طريقه عن طريقهم ، فافترق مصيره عن مصيرهم ، حتى لو لم يعد يأسى على مصيرهم الأليم ، وعلى ضيعتهم في الغابرين .
#(فَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ? فَكَيْفَ آسَى? عَلَى? قَوْمٍ كَافِرِينَ(93) (الأعراف:93) :
إنه من ملة وهم من ملة ، فهو أمة وهم أمة ، أما صلة الأنساب والأقوام فلا اعتبار لها في هذا الدين ولا وزن لها في ميزان الله ، فالوشيجة الباقية هي وشيجة هذا الدين ، والارتباط بين الناس إنما يكون في حبل الله المتين153.
**************************
* الفوائد والآثار الإيمانية :
1) بعد أن قصَّ الله تعالى علينا في هذه السورة الكريمة سورة الأعراف قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ، وفيها ما فيها من العظات والعبر ، وهي تشترك في أمور منها تمرد أقوام هؤلاء الرسل الكرام على أنبيائهم ، مع بذل الأنبياء الكرام غاية الجهد والنصيحة من الترغيب والترهيب والإنذار والإعذار ، ولا يزيدهم إلا تمرداً ونفوراً ، ولا يتعظ اللاحق بالسابق فينزل بأس الله عز وجل وعذابه على الكافرين ، عبرة للمعتبرين ، وذكرى لعباد الله المؤمنين ، عقب الله عز وجل هذه القصص بعدة آيات كلها عبرٌ وعظات وحكم




قصة شعيب عليه السلام
بالغات ، أنقلها ليتدبرها القارئ الكريم حتى نقف على فضل الله العظيم على المؤمنين وبأسه الذي لا يرد عن القوم الكافرين .
قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ???? ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى? عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ????وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـ?كِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ????أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى? أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ????أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى? أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ????أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّـهِ ? فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ???? أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ? وَنَطْبَعُ عَلَى? قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ?????تِلْكَ الْقُرَى? نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ? كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّـهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ????? وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ? وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ????? (الاعراف :94 – 102 )ثم ذكر الله عز و جل بعد ذلك قصة موسى وفرعون ,نسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن التدبر للقرآن والعمل به ، والاتعاظ بمواعظه ، فلا خير فيمن إذا أمر لا يأتمر ، وإذا زُجر لا ينزجر .
(2) قال ابن كثير رحمه الله : ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف ، وإنما عمدتهم شيئان :

أحدهما : أنه عز و جل قال :( كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ)(الشعراء :176 ، 177) ولم يقل : أخوهم كما قال: (وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا)(الاعراف : 85 ، هود : 84 ، العنكبوت : 36 )
الثاني : أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة ، وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة ، والجواب عن الأول : أنه لم يذكر الأخوّة بعد قوله : (كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176)لأنه وصفهم بعبادة الأيكة فلا يناسب ذكر الأخوة ها هنا ، ولما نسبهم إلى القبيلة ساغ ذكر شعيب أنه أخوهم .




قصة شعيب عليه السلام
وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة .
وأما احتجاجهم بيوم الظلة ، فإن كان دليلاً بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى ، فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلاً على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئاً من هذا الشأن .
فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام ، عن هشام بن سعد عن شقيق بن أبي هلال ، عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً :(إنَّ قومَ مدينَ وأصحاب الأيكةِ بَعَثَ الله إليهِما شعيباً النَّبي عليه السلام).
فإنه حديث غريب، وفي رجاله من تُكلم فيه ،والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل ، والله أعلم .
ثم قد ذكر الله سبحانه وتعالى عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين : من التطفيف في المكيال والميزان ، فدل على أنهم أمة واحدة ،أهلكوا بأنواع من العذاب ، وذكر في كل موضع مايناسب من الخطاب(1).
(3) قال القاسمي رحمه الله : قال القاشاني : لما رأى شعيب عليه السلام ضلالتهم بالشرك واحتجابهم عن الحق بالجِبت ، وتهالكهم على كسب الحطام بأنواع الرذائل ، وتماديهم في الحرص على جمع المال بأسوإ الخصال نهاهم عن ذلك ، وقال : إني أراكم بخير في استعدادكم من إمكان حصول كمال وقبول هداية ، وإني أخاف عليكم إحاطة خطيئاتكم لاحتجابكم عن الحق و وقوفكم مع الغير ، وصرف أفكاركم بالكلية إلى طلب المعاش ، و إعراضكم عن المعاد ، وقصور هممكم على إحراز الفاسدات الفانيات ، عن تحصيل الباقيات الصالحات ، فلازِموا التوحيد والعدالة ، واعتزِلوا عن الشرك والظلم الذي هو جماع الرذائل وأم الغوائل(2).

(1) قصص القرآن (215 ، 216 ) (2) محاسن التأويل (9/161)





قصة شعيب عليه السلام
(4) قال العلامة السعدي عليه رحمة ربنا العلي: وفي قصة شعيب فوائد متعددة :
منها : أن بخس المكاييل والموازين خصوصاً ، وبخس الناس أشياءهم عموماً : من أعظم الجرائم الموجبة لعقوبات الدنيا والآخرة .
ومنها : فيه دلالة على أن الصلاة سبب لفعل الخيرات وترك المنكرات وللنصيحة لعباد الله وقد علم ذلك الكفار بما قالوا لشعيب : (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ )(هود:87)
وقال تعالى : (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت : 45 )
ومن هنا تعرف حكمة الله ورحمته في أن فرض علينا الصلوات تتكرر في اليوم والليلة لعظم وقعها وشدة نفعها وجميل آثارها ، فللَّه على ذلك أتم حمد.
ومنها : أن الناصح للخلق الذي يأمرهم وينهاهم من تمام قبول الناس لقوله أنه إذا أمرهم بشيء أن يكون أول الفاعلين له ، وإذا نهاهم عن شيء كان أول التاركين لقول شعيب : (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى? مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)(هود:88) .





(1) خلاصة تيسير الطيف المنان (127 ، 128)


























رفع
عبد الرحمن النجدي
أسكنه الله الفردوس




قصة
يعقوب ويوسف عليهم السلام







قصة يعقوب و يوسف عليه السلام

قصة يعقوب ويوسف عليهم السلام
هذه القصة العظيمة قصة يعقوب ويوسف عليهم السلام من أبدع القصص القرآني ، ولذا قال الله عز وجل في التقديم لهذه القصة العظيمة : (نحنُ نقُصُ علَيكَ أحسَنَ القصصِ)(يوسف : 3) ومن مميزات هذه القصة أنها جمعت أطرافها وأحكم نظمها في مكان واحد من كتاب الله ، ولم تأت مفرقة في سور القرآن العظيم ، ولله الحكمة البالغة ، ومن الصعوبة بمكان أن ننقل السورة بأجمعها وننقل أقوال المفسرين فيها كما أسلفنا فيما تقدم من القصص ، وسوف نقتصر بإذن الله تعالى على تلخيص أحداث القصة ، ثم نفيض في نقل الفوائد والآثار الإيمانية ، ومن أراد النص القرآني فعليه العودة إلى كتاب الله عز وجل ، وإنما قصدنا ذلك خشية الإطالة .
وتتلخص أحداث هذه القصة في أن يوسف عليه السلام رأى في منامه أحدَ عشرَ كوكباً والشمس والقمر له ساجدين ، فقص رؤياه على أبيه يعقوب عليه السلام فاستبشر بهذه الرؤيا،وعلم أن لابنه هذا شأناً عظيماً وكانت علامات النجابة بادية على يوسف عليه السلام مع ما رزقه الله عز وجل من جمال الهيئة وبهاء الطلعة ، فتمكّن حب يوسف عليه السلام من قلب أبيه ، وخاف عليه حسد إخوته وكيدهم له فنهاه أن يقص رؤياه على إخوانه حتى لا يأكلهم الحسد فيكيدوا له كيداً، فنزع الشيطان بين يوسف وبين إخوته لأبيه، فبدأوا في الكيد له ، وأجمعوا أن يلقوه في بئر مهجورة لعل بعض السّيّارة يلتقطونه ، ويدّعون أن الذئب قد أكله ، فيحزن أبوهم فترة ثم ينسى يوسف عليه السلام ، ويخلو لهم وجه أبيهم ،ويكونوا من بعده قوماً صالحين ، وبدأوا في نسيج خيوط المؤامرة وطلبوا من أبيهم أن يرسل معهم يوسف عليه السلام من أجل أن يمرح ويلعب وهم يتعهدون بالمحافظة عليه (وجآءُو أبَاهُم عِشآءً يَبكُون (16) قالوا يا أبانآ إنّا ذهبنا نستبقُ وتركنا يُوسفَ عند متعِنَا فأكله الذئبُ)(يوسف : 16، 17)ولكنهم لم يكن من طبيعتهم الكذب مع إحساسهم بجريمتهم فكانت قرائن أحوالهم تكذب مقالتهم







قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ{ أي : أن طريقة تلطيخ القميص بالدم يدل كذلك على كذبهم فقال لهم أبوهم: }بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ{ ( يوسف : 18 ) ثم يسدل الستار على هذا المشهد من مشاهد يعقوب عليه السلام مع بنيه , ثم تحكي القصة كيف تعهّد الله عز وجل يوسف عليه السلام , و كيف رفعه من الجُبِّ إلى خزائن الأرض.
وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ{ ( سورة يوسف : 19 ) أي : إن قافلة أرسلت تستسقي الماء من البئر فخرج يوسف عليه السلام فاعتبروه رقيقاً , فباعوه إلى عزيز بلدهم – و هو كما يُشير إليه السياق ليس هو الملك , و لكنه في منزلة محافظ أو أمير من أمراء المدينة - } بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ{ ( يوسف : 20 ) و من تَعَهُّدِ الله عز وجل له بالتربية و العناية , أوصى العزيزُ امرأتَه أن تحسن إليه , و أن تكرم مثواه عسى أن ينفعها أو يتخذوه ولداً, و يسكت السياق عن هذه النشأة , و لكنه يشير إلى أنه نشأ على الطهر و العفاف , و اكتملت شخصيته و تمت مروءته , و ظهرت علامات صدقه و نجابته, و كل ذلك يشير إلى قوله تعالى: }وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{ ( يوسف: 22 ).
ثم حدث ما حدث له مع امرأة العزيز , فقد امتلأ قلبها بحبه وراودته عن نفسه, و غلَّقت الأبواب و قالت: هيت لك , و يوسف كما قال النبي صلّ الله عليه و سلم : (( الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم, إنه يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم نبي الله )) إن الله عز وجل جهزه و أعده من أجل أن يرفع به الدين , و أن يدعو إلى سبيل الله المستقيم فما له و لسبيل المجرمين! فبادر يوسف عليه السلام إلى الإنكار عليها, وقال: }مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{ ( يوسف: 23) فهمَّت به و همَّ بها يدفعها عن نفسها }وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ{ ( يوسف: 25 ) و إنما خيَّرته في العقوبة بين السجن و العذاب : و ذلك لمزيد حبها له و خشية أن يأمر بقتله , فقال يوسف عليه السلام يدفع عن نفسه : }هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي{ ( يوسف : 26 ) ثم من




قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
تقدير الله عز وجل له و من حسن دفاعه عن المؤمنين أن شهد شاهد من أهلها إن كان قميصه تمزق من الأمام فقد صدقت هي , و إن كان من الخلف فهو الصادق و هي الكاذبة ( فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) ( يوسف : 28 ) و على عادة الأوساط (( الأرستقراطية )) و المجتمعات المترفة التهاون في مثل هذه الحوادث , و عد تعظيم الحرمات , طلبوا من يوسف عليه السلام أن يسكت عن هذه الحادثة , و طلبوا منها الاستغفار من هذا الذنب , و مثل هذه الحوادث و خاصة في المجتمعات الفارغة التافهة لا تخفى و خاصة إذا كان في الحادث طرفِّ نسائي, انتقلت الأخبار ولاكتها الألسن , و أنكرت نساء المدينة كيف تراود امرأة العزيز غلامها عن نفسه , فأحبت أن يلتمسن لها الأعذار برؤية جمال يوسف و بهائه (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) ( يوسف : 31 ) و استمر كيدها بيوسف عليه السلام رجاء أن تنال منه شيئاً مما تهواه , فلجأ يوسف عليه السلام إلى ربه و سأله المخرجَ من هذه المحنة و النجاة من هذه الفتن التي لا أشد منها على شاب غيب مملوك في بيت امرأة من أهل الترف و الإسراف و ليس في عقولهن و قلوبهن إلا فتنة الآخرين ( فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ( يوسف: 34 ) و الضعيف دائماً تلفق له التهم: حتى يظهرَ أهل الجاه و السلطان أبرياء من كل ريبة و تهمة, فصدرت الأوامر بعقوبة السجن ليوسف عليه السلام, و قد تكون المحنة مِنحة و الرزية عطية , كيف لا و قد تمنى يوسف السجن لبدنه و آثر ذلك على سجن قلبه في الهوى و المعصية , و قد كان شيخ الإسلام يقول : المحبوس من حُبس قلبه عن ربه , و المأسور من أسَرَه هواه. و المؤمن مبارك أينما كان , و لا تخفى علامات الصلاح و الإحسان عن عيون الناظرين , و الأنبياء هم سادة المؤمنين , فلا تخفى علامات صدقهم و إحسانهم كما قال حساب بن ثابت في وصف نبينا صلّ الله عليه و سلم:
لَوْ لَمْ تكُنْ فِيهِ آياتٌ مُبَيّنَةُ كانَتْ بَدِيْهَتُهُ تَأْتِيكَ بالخَبَر
دخل يوسف عليه السلام السجن و معه فتيان : (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي



قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخَرُ إنّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوقَ رَأسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيرُ منْهُ نَبِّئنَا بِتَأويلِهِ إنّا نَرَاكَ مِنَ المُحسِنين) [يوسف:36] فعلما أنه لايوفق للتأويل الصحيح إلا أهل الإحسان وأصحاب البصائر.
والداعية الصادق حياته هي الدعوة إلى الله ( , وهمه هداية الناس إلى طريق الله وتعبيدهم لله ,فانتهز يوسف ( هذه الفرصة وهذه الآذان الصاغية إلى معرفة تأويل الرؤيا فقال :(ياصاحبي السِّجنِ أَأربَابٌ مُتَفَرّقُونَ خيرٌ أمِ اللهُ الواحدُ القَهَّارُ ماتَعبُدُونَ من دونهِ إلا أسماءً سميتموها أنتُمْ وآبَاؤُكُم ماأَنزَلَ اللهُ بها من سُلطان إنِ الحُكْمُ إلا للهِ أَمَرَ ألا تَعْبُدُوا إلا إياهُ ذلَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكنَّ أكثرَ النّاسِ لايعلمون)[يوسف:39-40]
وبعد أن بلغهم دعوته وأظهر لهم حُجته , أخبرهما بتأويل رؤياهما , وقال ملتزما بآداب المعبِّر الذي لايواجه صاحب الرؤيا بالتأويل الذي يكرهه (أمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقي ربَّهُ خمراً ) أي: ينجوا من السجن ويعود إلى قصر الملك (وأمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيرُ من رَأْسِه) [يوسف: 40] يُقتل ويعلق مصلوبا حتى تأكل الطير من رأسه (وَقَالَ للذي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ منهُا اذْكُرْني عِنْدَ رَبِّك) أي: عند الملك (فأَنْسَاهُ الشيطانُ ذِكْرَ رَبِّه) [يوسف: 44] والضمير يعود على الذي ظن أنه ناج منهما وربه هو الملك, وذلك لأن الضمير يعود على أقرب مذكور,وهو أقرب مذكور.
ثم يظهر في السياق الآن الملك وقد رأى رؤيا , وسأل عن وجوه الناس عنده فما وجد عندهم مايشفيه ويروي غليله فيها : ( قالوا أضْغَاثُ أحْلامٍ ومانحنُ بتأويلِ الأحلامِ بعالمين) [يوسف :44] . فتذكر الذي نجا يوسف ( فذهب إليه وأخبره برؤيا الملك وهي أنه رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف , وسبع سنبلات خضر وأُخَر يابسات, ففسر يوسف ( الرؤيا: بسبع سنين رخاء يعقبها سبع سنين قحط ثم يأتي بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون , فلما بلغ هذا التأويل الملك طلب رؤيته وإحضاره, ويوسف ( لايتعجل الخروج من السجن حتى يُبرؤا ساحته ويظهر للجميع نزاهته وطهارته فقال: ( ارجعْ إلى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ مابالُ النِّسوةِ اللاتي قطَّعْنَ أْيْدِيَهُنَّ إنَّ ربي بِكَيدِهِنَّ عليم) [يوسف :50] وحقق




قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
الملك في القضية بنفسه، وقالت امرأة العزيز: " اَلْئَنَ حَصْحَصَ اْلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ اْلصَّادِقِينَ " يوسف: ??.
فخرج يوسف عليه السلام من السجن إلى خزائن الأرض، وصدق فيه قول نبينا صلى الله عليه وسلم : " وما ظلم عبدٌ مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً " فارتفع بالطاعة والصبر على الشهوة، وهبطت المعصية بامرأة العزيز، كما هبطت بأخوته الذين جاؤوه يطلبون حظهم بنصيبهم " فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ " يوسف: ??. فلما وَفَّى يوسف عليه السلام كيلهم، وأحسن إليهم، طلب منهم أن يحضروا معهم في العام المقبل أخاً لهم من أبيهم، وخوَّفهم من عدم إحضاره أنه سوف يمنعهم الكيل بالكيلة، فقالوا: " سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَعِلُونَ " يوسف: ??. وقال يوسف لفتيانه: " اَجْعَلُواْ بِضَعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ " يوسف: ??. والراجح أنها ثمن القمح والطعام الذي أخذوه، حتى يستعينوا بذلك على العودة في العام المقبل.
فلما رجعوا إلى أبيهم وأخبروه بما حدث مع العزيز ـ يوسف عليه السلام ـ وكيف أنه أكرم مثواهم، ورد إليهم ثمن ما أخذوه، فرغبهم في العودة، وطلب منهم أخاهم لأبيهم، وهددهم بمنع الكيل إذا لم يحضروه، وطلبوا من أبيهم السماح بأخيهم، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، إلا أن الحاجة الشديدة والقحط جعله يسلم لهم أخاهم، مع أخذ العهود والمواثيق أن يحضروه معهم مرة ثانية إلا أن يحاط بهم، والقدر ما زال يخفي ليعقوب عليه السلام ما يزيد من بلائه ومحنته، ولترتفع بذلك درجته، ويكون الفرج بعد الشدة في أكمل أحواله " فَلَمَّآ ءَاَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اْللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ " يوسف:??. ومبالغة في الحيطة معهم، وحتى لا تصيبهم العين لكثرتهم وجمالهم أمرهم أن لا يدخلوا من باب واحدٍ وأن يدخلوا من أبواب متفرقة " وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءَاَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنَّي أنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُون " يوسف? ??. ثم احتال عليه السلام على إخوته من أجل أن يستخلص أخاه من بينهم، فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَل اْلسِقَايَةَ " يوسف: ??. أي: صاع الملك الذي يكيل به في " رَحْلِ أَخِيهِ " فلما همُّوا بالسفر والعودة إلى أبيهم إذا هم بصائح يقول لهم: " أَيَّتُهَا العِيرُ إِنَّكُم لَسَارِقُونَ " يوسف: ??. وكان القانون الذي يرتضونه أن السارق يؤخذ رقيقًا " فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ اْسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِ "
قال الله







قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
تعالى: " كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ " يوسف: ??. فقالوا: " إِنْ يَسْرُقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلْ " يوسف: ??. يعنون يوسف عليه السلام، فأجابهم سراً لا جهراً حلماً وكرماً وصفحاً وعفواً: " أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانَا وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ " يوسف: ??. ثم توسلوا إليه في ترك أخيهم وأخذ أحد منهم شفقة بأبيهم، فقال: " مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ " يوسف: ??.
فلما رجعوا إلى أبيهم عليه السلام قال: " بَلْ سَوَّلَتْ لَّكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ " يوسف: ??. وذكره ما حدث بيوسف عليه السلام: " وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَّضَّتْ عَيْنَاهُ مِنْ اّلحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ " يوسف: ??. فَحَرَّك هذا الحزن الجديد حزنه القديم، كما قال القائل:
لَقَدْ لامَني عند القُبُور عَلى البُكَا رَفِيقي لِتِذْرافِ الدُّمُوع السَّوافِكِ 154
فَقالَ أَتْبكي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ؟ لِقَبْرٍ ثَوَى بِيْنَ اللَّوَى فَالدَّكَادِكِ 155
فَقُلْتُ لَهُمْ إنَّ الأسَى يَبْعَثُ الأسَى فدعْني فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ
واشتد الكرب على يعقوب عليه السلام، والأنبياء كما قال النبي عليه صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس بلاء "156 فلما أشفق عليه بَنُوه وخافوا عليه الهلاك " قَالَ إِنَّمَإ أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللهِ " يوسف: 86. وهذه الشكوى هي اللائقة بالأنبياء الكرام ولا تنافي الصبر كما قال أيوب كذلك: " أَنَّي مَسَّنَي الضُّرُّ وَأَنَتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ " الأنبياء: 83.
وقال تعالى: " إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا " ص:44. وهنا قال يعقوب عليه السلام: " فَصَبْرٌ جَمِيلٌ " يوسف: 18.
والمؤمن لا ييأس من روح الله، والرؤيا التي قصها يوسف عليه السلام لا بد أنن تتحقق، فقال يعقوب عليه السلام: " ياَبَنِيَّ اْذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تيئسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ إَنَّهُ لَا يَيئَسُ مِن رَّوحِ اللهِ إلَّا القَوْمُ الكَفِرُونَ " يوسف: 87. فلما دخلوا على يوسف عليه السلام دخول الفقراء المحاويج، الذين ضاقت عليهم السبل،









قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
وليس معهم من المال ما يوافي ما يحتاجونه من الطعام، وقد أصابهم من الهم والضيق ما أصابهم، " قَالُوا يَاأَيُهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهّلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزجَاةٍ فَأَوفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَّدَقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ " يوسف: 88. فكشف لهم يوسف عليه السلام عن شخصه اللثام، وقال: " قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُمُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ " يوسف: 89. فقال قائلُ منهم: " أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ " ، " قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَآ أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَآ إَّنَّهُ مَن يَتَقِّ وَيَصْبِر فَإنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنينَ " يوسف:90. فاعترفوا بفضله وشرفه كما اعترفوا بخطئهم، والأنبياء أولى الناس بالمواقف الكريمة والصفات الجليلة، فما وجدها يوسف عليه السلام فرصة ينتقم فيها لنفسه ولأخيه، فقال عليه السلام " لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ " ثم زادهم " يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " يوسف: 92.
ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه فيضعوه على وجه أبيهم فيرجع إليه بصره الذي أذهبه الحزن، وهذا من خوارق العادات ، ودلائل النبوات ، وأكبر المعجزات.
" وَلَمَا فَصَلَتِ اْلعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إنَّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَآ أَن تُفَنِّدُونِ "94"قَالُو تَاللهِ إّنَّكَ لَفي ضَلَالِكَ القَديمِ "95"فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ"96"" يوسف:94ـ96.
فطلبوا منه أن يستغفر لهم الله عز وجل فقال: "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي" يوسف:98.
قال ابن مسعود وغيره: أرجأهم إلى وقت السحر.ثم حصل لهم الفرج بعد الشدة العظيمة، اجتمع الشمل بعد الفراق، ورفع يوسف عليه السلام أبويه على العرش ـ أي: أجلسهما على سرير الملك ـ وسجد له الأبوان والإخوة الأحد عشر تعظيماً وتكريماً وكان هذا جائزاً في شريعتهم.
قال يوسف: " يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَنُ بَيْنِي وَبَيْنَ إخْوَتِى إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"100"" يوسف:100.











قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
قال ابن كثير رحمه الله: ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت، وشمله قد اجتمع، عرف أن هذه الدار لا يقرّ بها قرار، وأن كل شيءٍ فيها ومن عليها فان، وما بعد التمام إلا النقصان، فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله، واعترف له بعظيم إحسانه وفضله، وسأل منه وهو خير المسؤولين أن يتوفاه -أي حين يتوفاه- على الإسلام، وأن يلحقه بعباده الصالحين، وهكذا كما يقال في الدعاء: ((اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين)) أي: حين تتوفانا157.
?????
* الفوائد والآثار الإيمانية:
الفوائد والآثار الإيمانية في هذه القصة البديعة كثيرة جدًا كما قال تعالى:{? لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ??ءَايَ?تٌ لِّلسَّآئِلِينَ} [يوسف:?] وكنت أتعجب من قول الإمام ابن القيم: إن في هذه القصة أكثر من ألف فائدة، ولما اطّلعت على شيء من التفاسير وما استنبطه العلماء من فوائد زال هذا التعجب وظننت أنه رحمه الله كان ينبغي أن يزيد عن هذا العدد، فإن في كل آية فوائد متعددة وهي جديرة بقول الله عز و جل في التقديم للقصة: {?نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَ?ذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف:?] وأستأذن القارئ الكريم في الإطالة قليلًا في نقل الفوائد، وكان حق هذه القصة مصنفاً كاملاً، ولكن لا نحرم إن شاء الله من إلقاء بعض الضوء على أماكن العبرة والعظة، والله تعالى يتولانا برحمته ويجمعنا بحبنا لأنبيائه ورسله، ونشر فضائلهم ورفع منازلهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فإن المرء كما قال النبي صلى الله عليه و سلّم : ? مع من أحب?.
فمن الفوائد ما ذكره العلامة السعدي رحمه الله وهي كثيرة نذكر بعضها مختصراً:
{1} منها: أن هذه القصة من أحسن القصص وأوضحها؛ لما فيها من أنواع التنقلات من حالٍ إلى حال، ومن محنة إلى محنة، ومن محنة إلى منحة





قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
ومنة، ومن ذلٍّ إلى عزٍّ، ومن أمنٍ إلى خوف وبالعكس، ومن ملك إلى رقٍّ وبالعكس، ومن فُرقة وشتات إلى انضمام وائتلاف وبالعكس، ومن ضيق إلى سعة وبالعكس، ومن وصول إلى عواقب حميدة فتبارك مَن قَصَّها وجعلها عبرة لأولي الألباب.
{2} ومنها: ما فيها من أصول تعبير الرؤيا المناسبة، وأن علم التعبير علمٌ مهمٌّ يعطيه الله من يشاء من عباده، وأن أغلبه ما تبنى عليه المناسبات، وضرب الأمثال، والمشابهة في الصفات.
فإن قيل: من أين أخذ قوله: {?ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْد ذَلِكَ عَام فِيهِ يُغَاث النَّاس وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} [يوسف:??] فإن بعض المفسرين قال: هذه زيادة من يوسف في التعبير بوحي أوحي إليه.
فالجواب: ليس الأمر كذلك وإنما أخذها من رؤيا الملك، فإن السنين المجدبة سبع فقط فدل على أنه سيأتي بعدها عام عظيم الخصب كثير البركات يزيل الجدب العظيم الحاصل من السنين المجدبة، الذي لا يزيلها عام خصب عادي، بل لا بد فيه من خصب، خلاف العادة، وهذا واضح من مفهوم العدد.
{3} ومنها: أنه ينبغي للعبد البُعد عن أسباب الشر وكتمان ما تخشى مضرته؛ لقول يعقوب ليوسف {?لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى? إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف:?].
{4} ومنها: أن نعمة الله على العبد نعمة على من يتعلق به ويتصل من أهل بيته وأصحابه فإنه لا بد أن يصلهم ويشملهم منها جانب لقوله: {?وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى? آلِ يَعْقُوبَ} [يوسف:?] أي: بما يحصل لك، ولهذا لما تمت النعمة على يوسف حصل لآل يعقوب من العز والتمكين والسرور وزوال المكروه وحصول المحبوب ما ذكر الله في آخر القصة.
{5} ومنها: أن النعم الكبيرة الدينية والدنيوية لابد أن يتقدمها أسباب ووسائل إليها؛ لأنه الله حكيم وله سنن لا تتغير، قضى بأن المطالب العالية لا تنال إلا بالأسباب النافعة خصوصاً العلوم النافعة وما يتفرع عنها من الأخلاق والأعمال فلهذا عرف يعقوب أن وصول يوسف إلى تلك الحالة التي يخضع




قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
له فيها أبوه وأمه وإخوته مقام عظيم ومرتبة عالية، وأنه لا بد أن ييسر الله ليوسف من الوسائل ما يوصله إليها، ولهذا قال: {?وَكَذَ?لِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَوَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [يوسف:?].
{6} ومنها: أن العدل مطلوب في جميع الأمور الصغار والكبار في معاملة السلطان لرعيته، ومعاملة الوالدين للأولاد، والقيام بحقوق الزوجات وغير ذلك في المحبة والإيثار ونحوها، وأن القيام بالعدل في ذلك تستقيم الأمور صغارها وكبارها به ويحصل للعبد ما أحب، وفي الإخلال بذلك تفسد الأحوال، ويحصل للعبد المكروه من حيث لا يشعر، لهذا لما قدَّم يعقوب عليه السلام يوسف في المحبة وجعل وجهه له، جرى منهم على أبيهم وأخيهم من المكروه ما جرى.
{?} ومنها: الحذر من الخلْوة بالنساء الأجنبيات وخصوصاً اللاتي يخشى منهن الفتنة، والحذر أيضاً من المحبة التي يُخشى ضررها؛ فإن امرأة العزيز جرى منها ما جرى بسبب توحدها بيوسف وحبها الشديد له، الذي ما تركها حتى راودته تلك المراودة، ثم كذبت عليه فسجن ذلك السجن الطويل.
{?} ومنها: أن من دخل الإيمانُ قلبه، ثم استنار بمعرفة ربه ونور الإيمان به، وكان مخلصاً لله في كل أحواله، فإن الله يدفع عنه ببرهان إيمانه وإخلاصه من أنواع السوء والفحشاء وأسباب المعاصي ما هو جزاءٌ لإيمانه وإخلاصه؛ لأن الله علل صَرْف هذه الأمور عن يوسف بقوله: {?إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:??] على قراءة من قرأها بكسر اللام، ومن قرأها بالفتح، فإن من أخلصه الله واجتباه فلا بد أن يكون مخلصاً، فالمعنيان متلازمان.
{?} ومنها: أنه ينبغي للعبد إذا ابتُلي بالوقوع في محلًّ فيه فتنة وأسباب معصية أن يفر ويهرب غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من ذلك الشر، كما فر يوسف هارباً للباب وهي تمسك بثوبه، وهو مدبر عنها.
{??} ومنها: أن يوسف اختار السجن على المعصية، فهكذا إذا ابتلي العبد بأحد أمرين؛ إما أن يلجأ إلى فعل المعصية وإما أن يعاقب عقوبة دنيوية، فعليه أن يختار العقوبة الدنيوية التي فيها الثواب من هذا الوجه بعدة



قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
أمور، ثوابٌ من جهة اختياره الإيمان على السلامة من العقوبة الدنيوية, وثوابٌ من جهة أن هذا من باب التخليص للمؤمن والتصفية, وهو يدخل في الجهاد في سبيل الله, وثوابٌ من جهة المصيبة التي نالته والألم الذي أصابه, فسبحان من ينعم ببلائه ويلطف بأصفيائه وهذا أيضاً عنوان الإيمان وعلامة السعادة.
(11) ومنها: أن من وقع في مكروه وشدة لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه بفعله أو الإخبار بحاله, وأن هذا لا يكون نقصاً ولا شكوى إلى المخلوق ممنوعة, فإن هذا من الأمور العادية التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض فيها, ولهذا قال يوسف للذي ظن أنه ناجٍ منهما: ((اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ)) [يوسف: 42].
(12) ومنها: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عَمَّا في نفسه من الصفات الكاملة من العلم وغيره إذا كان في ذلك مصلحة وسلم من الكذب ولم يقصد به الرياء لقول يوسف عليه السلام: ((اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)) [يوسف: 55] وكذلك لا تذم الولاية إذا كان المتولي لها يقوم بما يقدر عليه من إقامة الشرع, وإيصال الحقوق إلى أهلها, وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أهلاً وأعظم كفاءة من غيره, وإنما المذموم إذا لم يكن فيه كفاءة, أو كان موجود من هو أمثل منه أو مثله, أو لم يرد بها إقامة أمر الله بل أراد الترأُس والمأكلة المالية.
(13) ومنها: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم, فإن يعقوب قال لأولاده: ((هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ)) [يوسف:64] , وقال: ((بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا)) [يوسف: 18] فهم في الأخيرة وإن لم يكونوا مفرطين فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن يقول ما قال من غير لوم عليه.
(14) ومنها: أن الفرج مع اشتداد الكرب, فإنه لما تراكمت الشدائد المتنوعة, وضاق العبد ذرعاً بحملها فرَّجها فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين, وهذه عوائده الجميلة خصوصاً لأوليائه وأصفيائه, ليكون لذلك الوقع الأكبر والمحل الأعظم, وليجعل من المعرفة بالله والمحبة له ما يوازن ويرجح بما جرى على العبد بلا نسبة.





قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(15) ومنها: فضيلة التقوى والصبر, وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثار التقوى والصبر, وإن عاقبة أهلهما أحسن العواقب لقوله: ((قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)) [يوسف: 90].
(16) وفيها: أنه ينبغي للعبد إذا أنعم الله بنعمة بعد ضدها, أن يتذكر الحالة السابقة لِيُعَظَّم وقع هذه النعمة الحاضرة ويكثر شكره لله تعالى؛ ولهذا قال يوسف: ((وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي)) [يوسف: 100].
(17) ومنها: ما في هذه القصة من الألطاف المتنوعة المسهلة للبلاء منها: رؤيا يوسف السابقة فإن فيها رَوْحاً ولطفاً بيوسف ويعقوب عليهم السلام, وبشارة بالوصول إلى تأويلها, ولطف الله بيوسف إذ أوحى إليه وهو في الجب ((لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَ هُمْ لَا يَشْعُرُونَ)) [يوسف: 15] وتنقلاته من حال إلى حال, فإن فيها ألطافاً ظاهرة وخفية, ولهذا قال في آخر الأمر: ((إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ)) [يوسف: 100] يلطف به في أحواله الداخلية, ويلطف له في الأمور الخارجية, ويوصله إلى أعلى المطالب من حيث لا يشعر158.
(18) قال ابن كثير: اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف, وظاهر السياق يدل على خلاف ذلك, ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك, وفي هذا نظر ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل, ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ((قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ مَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَ مَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْبَاطِ )) [البقرة: 136] وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط, كما يقال للعرب: قبائل, وللعجم: شعوب, يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل, فذكرهم إجمالاً لأنهم كثيرون, ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف, ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم159.


قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(19) قال القاسمي رحمه الله في قوله تعالى: ((وَ مَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَ لَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)) [يوسف: 17]: تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه, يقولون: ونحن نعلم أنك لن تصدقنا في هذه الحالة, ولو كنا عندك صادقين, فكيف وأنت تتهمنا وغير واثق بقولنا.
وقد استفيد من الآية أحكام: منها: أن بكاء المرء لا يدل على صدقه لاحتمال أن يكون تصنعاً, نقله ابن العربي160.
ومنها: مشروعية المسابقة, وفيه من الطب: رياضة النفس والدواب وتمرين الأعضاء على التصرف, كذا في "الإكليل".
قال بعض اليمانيين: اللعب إن كان بين الصغار جاز بلا مفسدة فيه ولا تشبه بالفسقة, وأما بين الكبار ففيه ثلاثة أقسام:
الأول: أن يكون في معنى القمار فلا يجوز.
الثاني: أن لا يكون في معناه, وفيه استعانة وحث على القوة والجهاد كالمناضلة بالقسي, والمسابقة على الخيل, فذلك جائز اتفاقاً.
الثالث: أن لا يكون فيه عوض كالمصارعة ونحوها ففي ذلك قولان للشافعية, رُجَّحَ الجواز إن كان بغير عوض, أو بعوض يكون دفعه على سبيل الرضا لأنه صلى الله عليه وسلم صارع يزيد بن ركانة.


قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
وفي الحديث: ((ليس من اللهو ثلاثة: ملاعبة الرجل أهله, وتأديبه فرسه, ورميه بقوسه))161. انتهى.
(20) قال الشنقيطي رحمه الله: قوله تعالى: ((وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ...)) الآية [يوسف: 24] ظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هَمَّ بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه؛ ولكن القرآن العظيم بيّن براءته عليه الصلاة والسلام من الوقوع فيما لا ينبغي, حيث بيّن شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته, وشهادة الله له بذلك, واعتراف إبليس به.
أما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف والمرأة وزوجها والنسوة والشهود, أما جزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله: ((هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي)) وقوله: ((قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ...)) [يوسف: 33].
وأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: ((وَ لَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ)) [يوسف: 32].
وقولها: ((الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)) [يوسف: 51].
وأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله: ((قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)) [يوسف:28-29].
وأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: ((وَ شَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَان َقَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) [يوسف: 26].
وأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله: ((كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) [يوسف: 24].





قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
قال الفخر الرازي في "تفسيره": قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات:
أولها: قوله: ((لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ)) واللام للتأكيد والمبالغة. والثاني: قوله: ((وَالْفَحْشَاءَ)) أي: وكذلك نصرف عنه الفحشاء. والثالث: قوله: ((إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا)) مع أنه تعالى قال: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَ إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُون َقَالُوا سَلَامًا (63)) [الفرقان: 63] , والرابع: قوله: ((الْمُخْلَصِينَ)) وفيه قراءتان قراءة باسم الفاعل, وأخرى باسم المفعول, فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتياً بالطاعات و القربات مع صفة الإخلاص ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه واصطفاه لحضرته.
وعلى كلا الوجهين: فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهاً عما أضافوه إليه. اهـ من "تفسير الرازي".
ويؤيد ذلك قوله تعالى: ((مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)) [يوسف: 23].
أما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: ((قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)) [ص: 82-83] فأقرَّ بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين , ولا شك أن يوسف من المخلصين كما صرح تعالى به في قوله: ((إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ)) فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي.
وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه: وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف عليه السلام هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته, وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته(1).
(21) قال العلامة محمد رشيد رضا في قوله تعالى: ((لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَ إِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7)) [يوسف: 7] أي: لقد كان في قصة يوسف






قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
وإخوته لأبيه أنواع الدلائل على أنواع قدرة الله وحكمته وتوفيق أقداره, ولطفه بمن اصطفى من عباده , وتربيته لهم وحسن عنايته بهم للسائلين عنها من الراغبين في معرفة الحقائق والاعتبار بها , لأنهم هم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها , ومن فاته العلم بشيء أو بحكمته أو بوجوه العبرة فيه سأل عنه من هو أعلم به منه , فإن للظواهر غايات لاتعلم حقائقها إلا منها , فإخوة يوسف لو لم يحسدوه لما ألقوه في غيابة الجب,ولو لم يلقوه لم يصل إلى عزيز مصر,ولو لم يعتقد العزيز بفراسته وأمانته وصدقه لما أمنه على بيته وأهله , ولو لم تراوده امرأة العزيزعن نفسه ويستعصم لما ظهرت نزاهته وعرف أمرها,ولو لم تخب في كيدها وكيد صواحبها من النسوة لما ألقي في السجن لإخفاء هذا الأمر,ولو لم يسجن لما عرفه ساقي ملك مصر, وعرف براعته وصدقه في تعبير الرؤيا , ولو لم يعلم الساقي منه هذا لما عرفه ملك مصر وآمن به, وجعله على خزائن الأرض , ولو لم يتبوأ هذا المنصب لما أمكنه أن ينقذ أبويه وإخوته وأهله أجمعين من المخمصة ويأتي بهم إلى مصرفيشاركوه في رياسته ومجده ,بل لمّا تم قول أبيه له( ويُتِّمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعقُوب) [يوسف:6] فما من حلقة في هذه السلسلة إلا وكان ظاهرها محرق وباطنها مشرقا,وبدايتها شرا وخُسرا,وعاقبتها خيرا وفوزا,وصدق الله ( (والعَاقِبَةُ للمُتَّقِين)[الأعراف:128] فهذه أنواع من آيات الله في القصة للسائلين عن وقائعها الحسية الظاهرة,وماهو أعلى منها من علومها وحكمها الباطنة(1)
(22) وقال رحمه الله في قوله تعالى(وتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوماً صالحين) [يوسف:9] أي: تائبين إلى الله من هذه الجريمة مصلحين لأعمالكم بما يكفر إثمها وعدم التصدي لمثلها , فيرضى عنكم أبوكم ويرضى عنكم ربكم ,هكذا يزين الشيطان للمؤمن المتدين معصية الله تعالى , ولايزال ينزغ له ويسول ويَعِدُ ويمني ويأوّل حتى يرجع داعي الإيمان أو يجيب داعي الشيطان , وهذا الذي غلب على إخوة يوسف فكان ماكان ولكن بعد رأفة مخففة لحكم الانتقام , وهو مقتضى الحكمة التي أرادها الله(2)162






قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(23) قال القرطبي رحمه الله :واختلف العلماء لم سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل: لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة , وبيانه قوله في آخرها: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)[يوسف:111] وقيل: سماها أحسن القصص بحسن مجاوزة يوسف عن إخوته وصبره على آذاهم وعفوه عنهم – بعد التقائهم- عن ذكر ما تعاطوا وكرمه في العفو عنهم حتى قال: (لا تثريب عليكم اليوم)[يوسف:92] وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والجن والإنس والأنعام والطير وسير الملوك والممالك والتجار والعلماء و الجهال والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن , وفيها ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا , وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسِيَرَهما , وقيل :أحسن هنا بمعنى: أعجب , وقال بعض أهل المعاني: إنما كانت أحسن القصص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة , انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته وامرأة العزيز قيل والملك أيضا , أسلم بيوسف وحسن إسلامه ومستعبر الرؤيا الساقي , والشاهد فيما يقال, فما كان أمر الجميع إلا خير (1)
(24) وقال رحمه الله في قوله تعالى(قَالَ اجْعَلنِي علَى خَزَائِنِ الأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عليم) [يوسف:55] قال بعض أهل العلم: في هذه الآية مايبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر والسلطان الكافر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لايعارضه فيه فيصلح منه ماشاء , وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجروشهواته وفجوره فلايجوز ذلك. وقال قوم:إن هذا كان ليوسف خاصة وهذا اليوم غير جائز ,والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه, والله أعلم.(2)
(25) قال القاسمي في قوله تعالى(وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِها...)163الآية [يوسف :26]








قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
ومن اللطائف ما قيل: إن هذا الشاهد أراد أن لا يكون هو الفاضح لها ,ووثق بأن انقطاع قميصه إنما كان من دبر, فنصبه أمارة لصدقه وكذبها ,ثم ذكر القسم الآخر وهو قَدُّهُ من قُبُل على علم بأنه لم ينقدَ من قُبُل ,حتى ينفي عن نفسه التهمة في الشهادة وقصد الفضيحة , فيذكر أمارة على صدقها والمعلوم نفيه , كما ذكر أمارة على صدقه المعلوم وجوده , ومن ثم قدم أمارة صدقها على أمارة صدقه في الذكر ,إزاحة للتهمة ووثوقا بأن الأمارة الثانية في الواقعة فلا يضره تأخيرها , وهذه اللطيفة بعينها والله أعلم هي التي راعها مؤمن آل فرعون في قوله (وإنْ يَكُ كَاذبا فعليه كَذِبُه وإن يكُ صادقاً يُصِبْكم بعضُ الذي يَعِدُكُم)[غافر:28] فقدم قسم الكذب على قسم الصدق إزاحة للتهمة التي خشي أن تتطرق إليه في حق موسى( ووثوقا بأن القسم الثاني – وهو صدقه - هو الواقع , فلا يضره تأخيره في الذكر لهذه الفائدة ومن ثم قال(بعض الذي يعدكم) ولم يقل : كل ما يعدكم تعريضا بأنه معهم عليه , وأنه حريص على أن يبخسه حقه , و ينحو هذا النحو تأخير يوسف (وعاء أخيه الآتي ذكره لأنه لو بدأ به لظنوا أنه هو الذي أمر بوضع السقاية فيه والله أعلم (1)
(26) قال أبو السعود في قوله تعالى( قَالَ ربِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدعُونِي إليهِ وإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنّ أَصْبُ إليهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الجاهلين) [يوسف:33] هذا فزع منه( إلى ألطاف الله تعالى جريا على سنن الأنبياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة من الشرور على جناب الله( وسلب القوى والقدر عن أنفسهم , ومبالغة في استدعاء لطفه في صرف كيدهن بإظهار أن لا طاقة له في المدافعة كقول المستغيث: أدركني وإلا هلكت , لا أنه يطلب الإجبار والإلجاء إلى العصمة والعفة في نفسه داعية تدعوه إلى هواهن.انتهى (2)
(27) وقال الزمخشري في قوله تعالى(لايَأْتِيكُما طَعَامٌ تُرْزَقَانِه إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْويلِه قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما) [يوسف :37]164 , لما استعبراه ووصفاه بالإحسان






قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
افترص(1) ذلك فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن165يأتيهما ويصفه لهما ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت, فيجدانه كما أخبرهما وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد, ويعرض عليهما الإيمان ,ويزينه لهما ويقبح إليهما الشرك بالله , وهذه طريقة كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة والنصيحة أولا ويدعوه إلى ماهو أولى به وأوجب عليه بما استفتى فيه , ثم يفتيه بعد ذلك , وفيه أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده, وغرضه أن يقتبس منه وينتفع به في الدين , لم يكن من باب التزكية (2)
قال ابن القيم رحمه الله: في المفاسد العاجلة والآجلة لعشق الصور: والله ( إنما حكى هذا المرض عن طائفتين من الناس وهم : قوم لوط والنساء , فأخبر عن عشق امرأة العزيز ليوسف ,وما راودته وكادته به , وأخبر عن الحال التي صار إليها يوسف بصبره وعفته وتقواه , مع أن الذي ابلي به أمر لا يصبر عليه إلا من صبّره الله عليه , فإن موافقة الفعل بحسب قوة الداعي وزوال المانع, وكان الداعي هاهنا في غاية القوة وذلك لوجوه:
أحدهما : ما ركب الله سبحانه في طبع الرجل من ميله إلى المرأة, كما يميل العطشان إلى الماء , والجائع إلى الطعام, حتى إن كثيرا من الناس يصبر عن الطعام والشراب ولا يصبر عن النساء , وهذا لا يذم إذا صادف حلالاً.
الثاني: أن يوسف ( كان شابا , وشهوة الشباب وحدته أقوى
الثالث : أنه كان عزبا لازوجة له ولاسُرِّية تكسر حدة الشهوة
الرابع: أنه كان في بلد غربة لايتأتى للغريب فيها قضاء الوطر مايتأتى لغيره في وطنه وأهله ومعارفه
الخامس : أن المرأة ذات منصب وجمال , بحيث أن كل من هذين الأمرين يدعوا إلى موافقتها




قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
السادس : أنها غير آبية ولا ممتنعة , فإن كثيرا من الناس يزيل رغبته في في المرأة إباؤها وامتناعها , لما يجد في نفسه من ذل النفس والخضوع والسؤال لها
السابع: أنها طلبت وأرادت وبذلت الجهد , فكفته مؤنة الطلب وذل الرغبة إليها , بل كانت هي الراغبة الذليلة وهو العزيز المرغوب إليه
الثامن : أنه في دارها وتحت سلطانها وقهرها , بحيث يخشى إن لم يطاوعها من آذاها له , فاجتمع داعي الرغبة والرهبة
التاسع : أنه لا يخشى أن تنم عليه هي ولا أحد من جهتها , فهاهي الطالبة والراغبة , وقد غلّقت الأبواب وغيّبت الرقباء
العاشر: أنه كان مملوكا لها في الدار , بحيث يدخل ويخرج ويحضر معها , ولاينكر عليه , وكان الأمن سابقا على الطلب , وهو من أقوى الدواعي
الحادي عشر: أنها استعانت عليه بأئمة المكر والاحتيال , فأرته إياهن وشكت حالها إليهن , لتستعين بهن عليه , فاستعان هو بالله عليهن فقال : ( وإلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إليهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الجَاهِلين) [يوسف: 33]
الثاني عشر : أنها توعدته بالسجن والصغار , وهذا نوع إكراه إذ هو تهديد ممن يغلب على الظن وقوع ما هَّدَد به, فيجتمع داعي الشهوة ,وداعي حب السلامة من ضيق السجن والصغار .
الثالث عشر : أن الزوج لم يظهر من الغيرة والنخوة مايفرق به بينهما ويبعد كلا منهما عن صاحبه
ومع هذه الدواعي كلها فقد آثر مرضاة الله وخوفه, وحمله حبه لله على أن يختار السجن على الزنا, فقال: ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إليَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إليه) [يوسف: 33] وعلم أنه لايطيق صرف ذلك عن نفسه, وأن ربه تعالى إن لم يعصمه ويصرف عنه كيدهن صبا إليهن بطبعه وكان من الجاهلين, وهذا من كمال معرفته بربه وبنفسه (1)166




قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(29) قال القاسمي رحمه الله: قال بعضهم: إن من أمعن النظر في قصة يوسف ( علم يقينا أن التقي الأمين لا يضيع الله سعيه, بل يحسن عاقبته ويعلي منزلته في الدنيا والآخرة , وأن المعتصم بالصبر لا يخشى حدثان الدهر وتجاربه, ولا يخاف صروفه ونوائبه, فإن الله يعضده وينجح مسعاه ويخلد ذكره العاطر على ممر الأدهار, فإن يوسف( لم يخش للنوائب وعيدا, ولا للتجارب تهديدا, ولم يخف للسجن ظلما وشرا, ولا للتنكيل به ألما وضرا, بل ألقى توكله على الرب , وصبر إزاء تلك البلية ثابت القلب,نال بطهارته وتقواه تاج الفخر ولسان الصدق طول أيام الدهر,و ها إن فضيلته لم يعف جميل ذكراها مرور الأيام, ولم يعبث بنضارتها كرور الأعوام, بل ادخرت لنا مثالا نقتفي أثره عند طروء التجارب , وملاذا نعوذ به في المحن والمصائب, ومقتدى نتدرب به على التثبت في مواقف العثار, وننهج منهاجه في التقوى وطيب الإزار ,فننال في الدنيا سمة المجد ونفوز في الآخرة بدار الخلد.(1)
(30) قال عبدالوهاب النجار رحمه الله تحت عنوان "العظة البالغة" من قصصه , إنكم ترون أن يوسف تقلب في الحالين: بؤس ورخاء , وتداولته أيدي رِيحَين : زعزع ورخا , وهو كالذهب الإبريز لايزيد في التقلب على النار إلا صفاء, أو كالياقوت لا تؤثر فيه النيران, فبينما هو في كنف أبٍ يؤثره بالكرامة ويحوطه بالمحبة ويخاف عليه من الليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس,إذا هو في يد إخوته يسلفونه الإهانة والمذلة, يضربونه ظالمين, ويلقونه في غيابة الجب غير نادمين , وبينما هو على هذه الحال إذا هو يشم نسيم الحياة من جديد , ولكنها حياة الرق والعبودية,ثم انتقل إلى عبودية هي أشبه بالحرية إذ صار رئيس العبيد والخدم في بيت سيده ,وبينما هو في هذه النعمة التي يغبطها عليه كثير من الأحرار, إذا هو في غيابة السجن بلا ذنب اقترف و لا جريمة اجترح , وبينما هو في هذه الحال إذا هو في السجن مبشر ديني , يدعو إلى عبادة الله ويصد الناس عن كل ما سواه من الأرباب المتفرقين , وإذا هو يقسم الحظوظ ويخبر بالأشياء الغائبة , ثم ترقت به الحال إلى أن صار معبر منام الملك 167





قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
ونذيره بقحط عقب رخاء يعم كل منهما البلاد فيصيره على خزائن الأرض واصطفاه لنفسه واستخلصه لمملكته,فصير قسيم الملك وكافل المملكة المصرية, وعليه إعاشة مصر والبلاد القريبة منها, فهو وزير التموين وبينما هو على هذه الحال لاينقصه إلا أن يشاهد أباه وأمه,إذا هو بإخوته قد وقعوا في شَرَكِه فداعبهم أجمل مداعبة وعبث معهم عبثا كله جد168 واحتال عليهم حتى أتوه بأخيه لأمه وأبيه, ثم أتوه بأهلهم أجمعين, وهو في كل هذه الأطوار المختلفة متمسك بأكمل الخصال وجميل الأخلاق :
وإنِ امرءاً دامتْ مواثيقُ عهده على كلِّ هذا إنَّهُ لكريمُ
فهذه القصة الجميلة عبرة وعظة بالغة, لاتلمح العبرة منها عين كل ناظر إليها,ولاينفذ إلى لبابها كل قاريء لها,ولكنها كما قال تعالى( لقَدْ كَانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألبَاب) [يوسف :111]
تكميل الأحاديث الواردة في فضل يوسف ( :
(1)عن ابن عمر( عن النبي( قال: " الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم ( "169
(2)وعن أبي هريرة( سُئل رسول الله ( : من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم لله" قالوا ليس عن هذا نسألك ! قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". قالوا ليس عن هذا نسألك! قال" فمن معادن العرب تسألوني ؟ الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا "170




قصة يعقوب و يوسف عليه السلام
(3)عن أبي هريرة( قال: قال رسول الله (: " يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد , ولو لبثت في السجن مالبث يوسف ثم أتاني الداعي لأجبته "171
قال الحافظ : أي : لأسرعت الإجابة في الخروج من السجن ولما قدمت طلب البراءة , فوصفه بشدة الصبر حيث لم يبادر بالخروج , وإنما قاله ( تواضعا, والتواضع لايحط مرتبة الكبير بل يزيده رفعة وجلالاً , وقيل : من جنس قوله " لاتفضلوني على يونس "172 وقد قيل إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع .173














رفع
عبدالرحمن النجدي
أسكنه الله الفردوس





قصة أيوب (









قصة أيوب عليه السلام
قصة أيوب (
ونحن في هذه القصة مع علم من الأعلام , ونبي من أنبياء الله الكرام اشتهر بالصبر واليقين , وعظيم التوكل على رب العالمين , والأنبياء كلهم حلّاهم الله ( بالفضائل ,ونزههم عن القصور والرذائل, إلا أن كل واحد منهم كان قدوة في خصلةٍ من خصال الخير, يتأسى به الحاضرون ويكون عبرة ومثال يقتدي به السالكون ,مادارت الأيام والسنون,فهو من أنبياء بني اسرائيل الكرام من ذرية ابراهيم المباركة عليه الصلاة والسلام كما قال تعالى: (ومِنْ ذُرِّيتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارون) [الأنعام: 84]. وقد أخبر الله ( أنه من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم كما قال تعالى:(إِنّاأَوْحَينا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوْحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَينَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْباطِ وَعِيْسَى وَأَيُّوب ) [النساء :163]
قال الحافظ رحمه الله :أصح ماورد في قصته ماأخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس :" أن أيوب ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد ,إلا رجلين من إخوانه,فكانا يغدوان إليه ويروحان ,فقال أحدهما للآخر: لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما, وإلا لكشف عنه هذا البلاء ,فذكره الآخر لأيوب-يعني فحزن- ودعا الله حينئذ ,فخرج لحاجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه, فأوحى الله إليه أن اركض برجلك ,فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع صحيحا ,فجاءت امرأته فلم تعرفه ,فسألته عن أيوب فقال: إني أنا هو , وكان له أندران: أحدهما للقمح والآخر للشعير, فبعث الله له سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض " (1)174





قصة أيوب عليه السلام
ولعل هذا الذهب والفضة هو المعنى بما أغناه الله ( كما في الصحيح عن أبي هريرة( عن النبي ( " بينما أيوب يغتسل عرياناً خرّ عليه جراد من ذهب , فجعل يحثي في ثوبه فناداه ربه: ياأيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يارب , ولكن لاغنى لي عن بركتك " (1) 175 ووقع عند أحمد: " لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب"
وقوله "رجل جراد " أي جماعة جراد .
قال الحافظ: وفي الحديث جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر عليه,وفيه تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة,وفيه فضل الغني الشاكر,واستنبط منه الخطابي جواز أخذ النثار في الأملاك ,وتعقبه ابن التين فقال:هو شيء خص الله به نبيه أيوب وهو بخلاف النثار, فإنه من فعل الآدمي فيُكره لما فيه من السرف, وردّعليه بأنه أذن فيه من قبل الشارع إن ثبت الخبر ويستأنس فيه بهذه القصة , والله أعلم (2)
قال الله تعالى: (واذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذًابٍ * اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرَابٌ* وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرَى لِأُولِيْ الأَلْبَاب* وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلاتَحْنَثْ إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إّنّهُ أَوّاب) [ص: 41-44]
قال ابن كثير رحمه الله: قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم:كان أيوب رجلًا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض الثنية من أرض حوران,وحكى ابن عساكر أنها كانت كلها له, وكان له أولاد وأهلون كثير.
فسُلِب ذلك منه جميعه,وابتلي في جسده بأنواع من البلاء ,ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله( بهما, وهو في ذلك كله صابر محتسب ذاكر لله (في ليله ونهاره وصبحه ومسائه.



قصة أيوب عليه السلام
وطال مرضه حتى عافه الجليس, وأوحش منه الأنيس,وأخرج من بلده , وألقي على مزبلة خارجها, وانقطع عنه الناس ,ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته,كانت ترعى له حقه,وتعرف قديم إحسانه إليها,وشفقته عليها, فكانت تتردد عليه تصلح من شأنه,وتعينه على قضاء حاجته,وتقوم بمصلحته, وضعف حالها وقل مالها, حتى كانت تخدم عند الناس بالأجر لتطعمه وتقوم بأوده رضي الله عنها وأرضاها,وهي صابرة معه على ماحل بهما من فراق المال والولد,وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد,وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون,وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله( قال "أشد الناس بلاءًا الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل"(1)وقال:"يبتلى الرجل على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه"(2) ولم يزد هذا أيوب ( إلا صبرًا واحتسابًا وحمدًا وشكرًا حتى إن المثل يضرب بصبره( ويضرب أيضا بما حصل له من أنواع البلايا.(3)
وقال القاسمي رحمه الله:يذكر كثير من المفسرين هاهنا مرويات وقصصًا اسرائيلية في ابتلائه(,ولاوثوق في ذلك كله إلا بمجمله وهو ماأشار إليه التنزيل الكريم لأنه المتيقن,وهو أنه (أصابته بلوى عظيمة في نفسه وماله وأهله,وأنه صبر على ذلك صبراً صاريضرب به المثل لثباته وسعة صدره وشجاعته,وأنه جوزي بحسنة صبره أضعافا مضاعفة .
قوله تعالى :(وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبًّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)[ص: 41]
قال الزمخشري :فإن قلت : لمَ نسبه إلى الشيطان,ولايجوز أن يسلطه الله ( على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره, ولو قدر على ذلك لم يدع صالحاً إلا وقد نكبه وأهلكه ,وقد تكرر في القرآن أن لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟ قلت : لما كانت وسوسته إليه وطاعته له فيما وسوس 176




قصة أيوب عليه السلام
سبباً فيما مسّه الله به من النصب والعذاب نسبه إليه, وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه ,مع أنه فاعله ولايقدر عليه إلا هو, فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء , أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل (1)
قوله تعالى: ( ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدُ وَشَرَابٌ)[ص: 42]
قال العلامة السعدي: لما تطاول به المرض العظيم, ونسيه الصاحب والحميم, نادى ربه (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمين)[الأنبياء:83] فقيل له(اركُض برجلك) فركض فنبعت بركضته عين ماء بارد فقيل له: اشرب منها واغتسل ,ففعل ذلك ,فذهب مافي ظاهره وباطنه من البلاء(2)
قوله تعالى(وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُم رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَاب )[ص: 43]
قال الألوسي:بإحيائهم بعد هلاكهم على ماروي عن الحسن,وقيل- وإليه أميل- :وهبه من كان حيا منهم,وعافاه من الأسقام, وأرغد لهم العيش فتناسلوا, حتى بلغ عددهم عدد مامضى(ومثلهم معهم) فكان له ضعف ماكان ,والظاهر أن هذه الهبة في الدنيا,وزعم البعض أن هذا وعد,وتكون تلك الهبة في الآخرة (رحمة منا) أي: لرحمة عظيمة عليه من قِبَلِنا.
(وذِكرَى لِأُولي الألباب) وتذكيراً لهم بذلك ليصبروا على الشدائد كما صبر, ويلجأوا إلى الله تعالى فيما يصيبهم كما لجأ , ليفعل سبحانه بهم مافعل به من حسن العاقبة(3)
قوله تعالى ( وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِهِ ولاتَحْنَثْ إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب) [ص :44]
قال ابن كثير رحمه الله :وذلك أن أيوب عليه الصلاة والسلام كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته, قيل: باعت ضفيرتها 177



قصة أيوب عليه السلام
بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك ,وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة, وقيل لغير ذلك من الأسباب , فلما شفاه الله ( وعافاه ماكان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب , فأفتاه الله ( أن يأخذ ضغثًا- وهو الشمراخ في مائة قضيب –فيضربها به ضربة واحدة , وقد برت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره, وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه, ولهذا قال جل وعلا: ( إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنّهُ أَوّاب) أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه (نعم العبد إنه أواب) أي : رجاع منيب(1)
*********************
*الفوائد والآثار الإيمانية :
(1) قال العلامة السعدي: في قوله(وخذ بيدك ضغثا)
في هذا دليل على أن كفارة اليمين لم تشرع لأحد قبل شريعتنا, وأن اليمين عندهم بمنزلة النذر الذي لابد من وفاءه, وفي هذا دليل على أن من
لا يحتمل إقامة الحد عليه لضعفه ونحوه أنه يقام عليه مسمى ذلك, لأن الغرض التنكيل ليس الإتلاف والإهلاك.(2)
(2) قال القرطبي: تضمنت هذه الآية (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً) جواز ضرب الرجل امرأته تأديبًا, وذلك أن امرأة أيوب أخطأت فحلف ليضربنها مائة, فأمره الله تعالى أن يضربها بعثكول من عثاكيل النخل,وهذا لايجوز في الحدود إنما أمره الله بذلك لئلا يضرب امرأته فوق حد الأدب ,وذلك أنه ليس للزوج أن يضرب امرأته فوق حد الأدب,ولهذا قال عليه الصلاة والسلام (واضربوهن ضربا غير مبرِّح)(3)
(3) وقال رحمه الله:استدل بعض جهال المتزهدة وطغام المتصوفة بقوله178


قصة أيوب عليه السلام
تعالى لأيوب (اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ )على جواز الرقص.قال أبو الفرج بن الجوزي : وهذا احتجاج بارد ,لأنه لو كان أمر بضرب الرجل فرحًا كان لهم فيه شبهة وإنما أمر بضرب الرجل لينبع الماء
قال ابن عقيل:أين الدلالة في مبتلى أُمر عند كشف البلاء بأن يضرب برجله الأرض لينبع الماء إعجازاً من الرقص.(1)
(4) وقال أيضًا في قوله تعالى (إِنّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوَّاب) إنا وجدناه صابرًا,أي: على البلاء ,نعم العبد إنه أواب ,أي: تواب رجّاع مطيع,وسُئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر ,وأنعم على الآخر فشكر؟ فقال: كلاهما سواء لأن الله تعالى أثنى على عبدين أحدهما صابر والآخر شاكر ثناءاً واحداً فقال في وصف أيوب : (نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوّاب) وقال في وصف سليمان(نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أَوّاب)[ص:30]
قال: وقد ردّ هذا الكلام صاحب "القوت" واستدل بقصة أيوب في تفضيل الفقير على الغني,وذكر كلامًا كثيرًا شيد به كلامه,وخفي عليه أن أيوب ( كان أحد الأغنياء من الأنبياء قبل البلاء وبعده ,وإنما ابتلي بذهاب ماله وولده وعظيم الداء في جسده,وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه, صبروا على مابه امتحنوا وفتنوا, فأيوب ( دخل في البلاء على صفة فخرج منه كما دخل فيه , وماتغير منه حال ولامقال فقد اجتمع مع أيوب في المعنى المقصود وهو عدم التغيير الذي به يفضل فيه بعض الناس بعضًا, وبهذا الاعتبار يكون الغني الشاكر ,والفقير الصابر سواء ,وهو كما قال سفيان , والله أعلم(2).
(5) قال القاسمي :واستدل بهذه الآية(وخذ بيدك ضغثًا..)على أن الاستثناء شرطة الاتصال إذ لو لم يشترط لأمره الله تعالى بالاستثناء ولو لم يحتج179
180


قصة أيوب عليه السلام
إلى الضرب بالضغث , واستدل عطاء بالآية على مسألة أخرى :فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند صحيح أن رجلا قال له: إني أردت أن لا أكسي امرأتي ذراعًا حتى تقف بعرفة فقال:احملها على حمار ثم اذهب فقف بها بعرفة ,فقال: إنما عنيت يوم عرفة,فقال عطاء: وأيوب حين حلف ليجلدن امرأته مائة جلدة مانوى أن يضربها بالضغث وإنما أمره الله أن يأخذ ضغثًا فيضربها به, قال عطاء ,إنما القرآن عبر . انتهى كلام صاحب" الإكليل"(1)
هذه الفتوى من عطاء رحمه الله مصير منه أن هذا الحكم عام,وهو خلاف بين السلف, وروي نحوه عن الشافعي ,وقال مالك:من حلف ليضربن عبده مائة فجمعوا فضربه بها ضربة واحدة لم يبر, فقال القرطبي :قال بعض علمائنا – يريد مالك – قوله تعالى(لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنهَاجا) [المائدة: 48] أي: إن ذلك منسوخ,وهذا مذهب أصحاب الرأي .
(6) وقال ابن القيم رحمه الله: وأما قوله تعالى لأيوب( (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ ولاتَحْنَث) فمن العجب أن يحتج بهذه الآية على من يقول إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه, هذا قول أصحاب أبي حنيفة ومالك وأصحاب أحمد , وقال الشافعي: إن علم أنها مسّته كلها برّ في يمينه,وإن علم أنها لم تمسه لم يبر ,وإن شك لم يحنث, ولو كان هذا موجبًا لبر الحالف لسقط عن الزاني والقاذف وشارب الخمر بعدد الضرب, بأن يجمع له مائة سوط أو ثمانين ويضربه بها ضربة واحدة,وهذا إنما يجري في المرض,كما قال الإمام أحمد في المريض: عليه الحد , ويضرب بعثكال يسقط عنه الحد.
وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق, فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه, فلما لقيها الشيطان ,وقال ماقال أخبرت أيوب ( بذلك فقال : إنه الشيطان ,ثم حلف لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة سوط ,فكانت معذورة محسنة في شأنه,ولم يكن في شرعهم كفارة ,فإنه لو كان في شرعهم كفارة لعدل إلى




قصة أيوب عليه السلام
181التكفير , ولم يحتج إلى ضربها, فكانت اليمين موجبة عندهم كالحدود , وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورًا خفف عنه , بأن يجمع له مائة شمراخ أو مائة سوط فيضرب بها ضربة واحدة , وامرأة أيوب كانت معذورة لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان, وإنما قصدت الإحسان فلم تستحق العقوبة فظهر موافقة نص القرآن في قصة أيوب ( لنص السنة في شأن الضعيف الذي زنى , فلا يتعدى بهما عن محلهما (1)








































قصة يونس عليه السلام


قصة يونس عليه السلام
قصة يونس عليه السلام
هو يونس بن متى كما ثبت في الصحيح ، وهو من أنبياء بني إسرائيل ، ذكر أكثر المفسرين أنه أرسل إلى أرض أهل نينوى من أرض أهل الموصل ، ويكفي في شرفه و فضله قول الله تعالى : (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) [الصافات: ???] والرسل هم أشرف الخلائق ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يقولن أحدكم : إني خير من يونس ) زاد مسدد : (يونس بن متى ) (?) وقال : ( ولا أقول : إن أحداً أفضل من يونس بن متى ) (?).
قال الحافظ : خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له ، فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة (?).
وقد وقع في هذه الخشية المذكورة "النجار" في "قصصه" فقال : وفي اعتقادي أن يونس كلف بالذهاب إلى أولئك القوم عقيب نبوته ، ولم يكن قد مرّن على النّبوة و واجباتها وآداب أهلها ، لأن العلم بذلك يستدعي مدّة ، وتكرر الوحي والازدياد من معرفة الله تعالى والارتياض على الوحي و تلقيه ، فحداثته في النبوة هي التي خيلت إليه ما قلنا ، من أنه خيّل إليه أنه بابتعاده ، وتغربه في البلاد ، ربما استتبع إعفاءه من تلك المأمورية ، أضف إلى ذلك أنه كان حدث السن ، فقد أورد الألوسي في "تفسيره" أن سنّه كان ثمانياً وعشرين سنة ومن كان حديث العهد بالنبوة ، وفي مثل سن يونس يغتفر الله تعالى ما عملوه من غير تمرد وقصد جازم إلى المعصية (?) .
182





قصة يونس عليه السلام
ولا شك أن هذا الكلام في حق يونس عليه السلام ينضح بسوء الأدب, وعدم معرفة الرسل الكرام وما يليق بأحوالهم وصفاتهم وفيه غفلة شنيعة عن قول الله عز وجل :(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) (القصص:68) ,وقوله عز وجل:(اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام:124)؛ فلا يليق لِعُلُوِّ مراتبهم وارتفاع منازلهم نسبتهم الى القصور والعيب والنقص, بل في ذلك سوء أدب مع الله عز وجل الذي اصطفاهم ونزههم من العيوب ورباهم على عينه واصطنعهم لنفسه فقد قال تعالى : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (البقرة: 253) . ولم يقل : هؤلاء الرسل ؛لأن (تلك) للبعيد فكأن ذلك لارتفاع منازلهم جميعاً وعلو مراتبهم .
وهذا الذي ذكره النجار إنما هو من أتباع الظن , والظن لا يغني من الحق شيئاً, وهذه طامة جديدة من طامات هذا الكتاب وقد أشرنا قبل ذلك الى كثرة تعظيمه للإسرائيليات ونقله منها وكأن كتبهم لم تحرف, ومن أدلة التحريف من نص الكتاب المنزل وبيان النبي المرسل صلى الله عليه وسلم اشتمال هذا الكتاب على مالا يليق بالله عز وجل, وكذلك نسبة الأنبياء إلى النقص و العيب , فلعل المؤلف تأثر بذلك فجاء قصصه مليئاً بما لا يليق بأحوال الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام .
قال الله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)) (الصافات:139-148) .
قال ابن كثير رحمه الله : بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى من أرض الموصل, فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه, وتمردوا على كفرهم وعنادهم , فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم , ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف





قصة يونس عليه السلام
قصة يونس عليه السلام
والخلف : فلما خرجا من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة،وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم ،فلبسوا المُسُوحَ وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ،ثم عَجُّوا الى الله عز وجل وصرخوا وتضرعوا إليه و تمسكنوا لديه ، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات ، وجأرت الأنعام والدواب والمواشي ، فرغت الإبل و فصلانها، وخارت البقر و أولادها،و ثغت الغنم وحملانها،وكانت ساعة عظيمة هائلة.
فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان اتصل بهم سببه،ودار على رؤوسهم كقطع الليل المظلم .
ولهذا قال تعالى: (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا) (يونس:98) أي : هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكاملها, فدل على أنه لم يقع ذلك, بل كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (سبأ: 34).
وقوله تعالى: (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) (يونس:98) أي : آمنوا بكمالهم 183 .
وقوله تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) [ الصافات139,140] :
قال الشوكاني:يونس هو ذو النون،وهو ابن متى.قال المفسرون :وكان يونس قد وعد قومه العذابَ، فلما تأخر عنهم العذاب وخرج عنهم ،وقصد البحر ،وركب السفينة فكان بذهابه الى البحر كالفارّ من مولاه، فوُصِف بالإباق وهومعنى قوله :(إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)184.
وقال القاسمي : (إِذْ أَبَقَ)أي:بغير إذن ربه عن قومه المرسَل إليهم (إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)أي: السفينة المملوءة ليركب منها إلى بلد آخر. روي أنه نزل من يافا وركب الفلك إلى ترسيس فهبت ريح شديدة كادت تغرقهم فاقترعوا ليعلموا بسبب مَن أإصابهم هذا البلاء ،فوقعت على يونس فألقوه في البحر،وهو معنى قوله تعالى:(فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) أي : قارَع

(فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) أي : المغلوبين بالقرعة وأصله الزلق عن الظفر (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) أي : ابتلعه (وَهُوَ مُلِيمٌ) أي: آتٍ بما يلام عليه من السفر بغير أمر ربه 185 .
قصة يونس عليه السلام
قوله تعالى : (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات: 143,144]:
قال ابن الجوزي رحمه الله :(فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: من المصلين. قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
والثاني: من العابدين . قاله مجاهد ووهب بن منبه.
والثالث: قول : (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء:87] قاله الحسن .
وروى عمران القطان عن الحسن قال : والله ما كانت إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت.
فعلى هذا القول يكون تسبيحه في بطن الحوت, وجمهور العلماء على أنه أراد : لولا ما تقدم له قبل التقام الحوت إياه من التسبيح (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .
قال قتادة: لصار بطن الحوت له قبراً إلى يوم القيامة, ولكنه كان كثير الصلاة في الرخاء فنجاه الله تعالى بذلك 186 .
قوله تعالى: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) [الصافات:145]:
قال الشوكاني: والمعنى: أن الله طرحه من بطن الحوت في الصحراء الواسعة التي لا نبات فيها , وهو عند إلقائه سقيم لما ناله في بطن الحوت من الضرر, قيل: صار بدنه كبدن الطفل حين يولد .
وقد استشكل بعض المفسرين الجمع بين ما وقع هنا من قوله : (فَنَبَذْنَاهُ






قصة يونس عليه السلام
بِالْعَرَاءِ) وقوله في موضع آخر : (لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ) [القلم: 49] فإن هذه الآية تدل على أنه لم ينبذ بالعراء! وأجاب النحاس وغيره بأن الله سبحانه أخبرنا هنا أنه نبذ بالعراء وهو غير مذموم, ولولا رحمته عز وجل لنبذ بالعراء وهو مذموم 187 .
قوله تعالى: (وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) [الصافات: 146]: قال ابن عباس: هو القرع .
وقد قال أمية بن أبي الصلت قبل الإسلام :
فَأَنْبَتَ يقطِيْنَا عَلَيهِ بِرَحمةٍ مِنَ اللهِ لَولا اللهُ أَلفِيَ ضَاحيا
قال الزجاج : كل شجرة لا تنبت على ساق وإنما تمتد على وجه الأرض نحو القرع والبطيخ والحنظل فهو يقطين, واشتقاقه من قَطَن بالمكان : إذا أقام : فهذا الشجر ورقه كله على وجه الأرض, فلذلك قيل له: يقطين.
فإن قيل : ما الفائدة في إنبات شجرة اليقطين عليه دون غيرها؟
فالجواب : أنه خرج كالفرخ على ما وصفنا, وجِلْدُه قد ذاب, فأدنى شيء يمر به يؤذيه , وفي ورق اليقطين خاصية وهو أنه إذا ترك على شيء لم يقربه ذباب, فأنبته الله عليه ليغطيه ورقها, ويمنع الذباب ريحهُ أن يسقط عليه فيؤذيه 188.
وقال ابن كثير رحمه الله : وذكر بعضهم في القرع فوائد: منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعموته, وأنه لا يقربها الذباب, وجودة تغذية ثمره نيئاً ومطبوخاً, وقشره أيضاً, وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الدُباء ويتبعه من نواحي القصعة 189.

قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [الصافات: 147-148] :
قال الشوكاني: هم قومه الذين هرب منهم إلى البحر وجرى له ما جرى

قصة يونس عليه السلام
بعد هربه, و(أَوْ) في (أَوْ يَزِيدُونَ) قيل: هي بمعنى الواو, والمعنى: ويزيدون, وقد وقع الخلاف بين المفسرين: هل هذا الإرسال المذكور هو الذي كان قبل التقام الحوت له, وتكون الواو في (وَأَرْسَلْنَاهُ) لمجرد الجمع بين ما وقع له من الحوت وبين إرساله الى قومه من غير اعتبار تقديم ما تقدم في السياق وتأخير ما تأخر, أو هو إرسال له بعد ما وقع له مع الحوت ما وقع, على القولين, وقد قدمنا الإشارة إلى الاختلاف بين أهل العلم , هل كان قد أُرسل قبل أن يهرب من قومه إلى البحر أو لم يُرسَل إلا بعد ذلك ؟ والراجح أنه كان رسولاً قبل أن يذهب إلى البحر كما يدل عليه ما قدمنا في سورة يونس وبقي مستمراً على الرسالة وهذا الإرسال المذكور هنا هو بعد تقدم نبوته ورسالته.
(فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) أي: وقع منهم الإيمان بعدما شاهدوا أعلام نبوته فمتعهم الله في الدنيا إلى حين انقضاء آجالهم ومنتهى أعمارهم 190.
الفوائد والآثار الإيمانية:
1- قال الزمخشري في قوله تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الصافات: 143-144]: عن قتادة قال: كان كثير الصلاة في الرخاء قال: وكان يقال : إن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر, وإذا صدع وجد متكئاً وهذا ترغيب من الله عز وجل في إكثار المؤمن من ذكره بما هو أهله , وإقباله على عبادته, وجمع همِّه لتقييد نعمته بالشكر في وقت المهلة والفسحة ؛ لينفعه ذلك عنده تعالى في المضايق والشدائد191.
قال السعدي : إن العبد إذا كانت له مقدمة صالحة مع ربه, وقد تعرف إلى ربه في حال الرخاء, أن الله يشكر له ذلك ويعرفه في حال الشدة بكشفها بالكلية أو تخفيفها, ولهذا قال في قصة يونس: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون )


قصة يونس عليه السلام
(3) وقال رحمه الله: وفي هذه القصة عتاب الله ليونس صلى الله عليه و سلم، وحبسه في بطن الحوت ليكون كفارة وآية عظيمة وكرامة ليونس، ومن نعمة الله عليه أنه
استجاب له هذا العدد الكثير من قومه، فكثرة أتباع الأنبياء من جملة فضائلهم.
(4) وفيها ما قال النبي صلى الله عليه و سلم: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه: (لَّا إِلَ?هَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87]" (1).
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ):
ففي هذا من الفقه أن القرعة كانت معمولاً بها في شرع من قبلنا، وجاءت في
شرعنا على ما تقدم في آل عمران، وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة
مواطن:
الأول: كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه.
الثاني: أن النبي صلى الله عليه و سلمرفع إليه أن رجلاً أعتق ستة أعبدٍ لا مال له
غيرهم، فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة
الثالث: أن رجلين اختصما إليه في مواريث قد درست، فقال: "اذهبا وتوخَّيا الحق واستهما، وليحلل كل واحدٍ منكما صاحبه".
فهذه ثلاثة مواطن وهي القَسْمفي النكاح، والعتق، والقسمة، وجريان القرعة فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي، واختلف علماؤنا في القرعة بين الزوجات في الغزو على قولين، الصحيح منها الإقراع، وبه قال فقهاء الأمصار، وذلك أن السفر بجميعهن لا يمكن، واختيار واحدة منهم إيثارٌ، فلم يبق إلا القرعة، وكذلك في مسألة الأعبد الستة، فإن كل اثنين منهما ثلث، وهو القدر الذي يجوز له فيه العتق في مرض الموت وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعاً، فلم يبق إلا القرعة، وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث
(1) "تيسير اللطيف المنان" (137)، والحديث روان الترمذي (13\33)، "عارضة" وابن
أبي الدنيا (25\26) "الفرج بعد الشدة"، والحاكم (2\383) وصححه ووافقه
الذهبي، وحسنه الألبالني.





قصة يونس عليه السلام
لم يميز الحق إلا القرعة فصارت أصلاً في تعيين المستحق إذا أشكل.
قال: والحق عندي أن تجرى في كل مُشْكِلٍ فذلك أبين لها وأقوى لفصل الحكم فيه، وأجلى لرفع الإشكال عنها، ولذلك قلنا: إن القرعة بين الزوجات في الطلاق كالقرعة بين الإماء في العتق.
(5) وقال رحمه الله: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز، وإنما كان ذلك في يونس وزمانه مقدمة لتحقيق برهانه، وزيادة في إيمانه، فإنه لا يجوز لمن كان عاصياً أن يقتل، ولا يرمى في النار أو البحر، وإنما تجري عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته، وقد ظن بعض الناس أن البحر إذا هاج على القوم، فاضطروا إلى تخفيف السفينة، أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفاً، وهذا فاسد، فإنها لا تخف برمي بعض الرجال، وإنما ذلك في الأموال، ولكنهم يصبرون على قضاء الله عز وجل(1).
(6) وقال رحمه الله في قوله تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143)) الآية ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل"(2) فيجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله يخلص فيها بينه وبين ربه ويدخرها ليوم فاقته وفقره ويخبؤها بجهده ويسترها عن خلقه، يصل إليه نفعها أحوج ما كان إليه.
وقد خرّج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: "بينما ثلاثة نفر – في رواية: ممن كان قبلكم – يتماشون أخذهم المطر فآووا إلى غارٍ في جبل فانحطت على فم الغار صخرة فانطبقت عليهم فقال بعضهم لبعضٍ: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله فادعوا الله بها لعله يفرجها عنكم..." الحديث بكماله وهو مشهور
شهرته أغنت عن تمامه(3).
(7) وقال الشنقيطي رحمه الله: وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة:

(1)"الجامع لأحكام القرآن" (7\5569، 5570).
(2)الحديث صححه الألباني في "الجامع" رقم (5894) ونسبة للضياء.
(3)السابق (7\5571)، والحديث: رواه البخاري (4\449، 450) "الإجازة"، واللفظ
له، ومسلم(17\5755) "الذكر والدعاء والتوبة".











قصة يونس عليه السلام
(وَكَذَ?لِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 88] يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعياً بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم،ولا سيما إذا دعا بدعاء يونس هذا وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم قال في دعاء يونس المذكور: "لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" رواه أحمد الترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم، والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى؛ لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاء المؤمنين وقوله: (نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 88] صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى(1).

***











(1) "أضواء البيان" (4\686). والحديث تقدم تخريجه.








قصة داود عليه السلام















قصة داود عليه السلام

قصة داود عليه السلام
جمع داود عليه السلام بين الملك والنبوة، كما جمع بين العلم والعبادة فكان كثير الصوم والصلاة، وكان حسن الصوت جداً بالقرآن الذي نزل عليه، وسوف ننقل شيئاً من فضائله وما تفضل الله عز وجل به عليه من الخير العميم والفضل العظيم، ثم نذكر شيئاً من سيرته وأيامه ودلائل نبوته وأعلامه.
* فضائل داود عليه السلام:
(1) قوته وشجاعته قال الله تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 17]
قال الحافظ: الأيد: القوة، وكان داود موصوفاً بفرط الشجاعة (1).
ومما يدل على ذلك كذلك قوله تعالى: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) [البقرة:251].
ولما كان داود عليه السلام يستعمل قوته في طاعة الله عز وجل سخر الله عز وجل له
الحديد وألانه له، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ? يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ? وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ? وَاعْمَلُوا صَالِحًا ? إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11))[سبأ: 10،11].
قال الشوكاني: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا) أي: آتيناه بسبب إنابته فضلاً منا على سائر الأنبياء، واختلف في هذا الفضل على أقوال: فقيل: النبوة،




(1) "فتح الباري" (6\406). والعجيب من عبد الوهاب النجار وهو يعدد العبر في قصص
داود عليه السلام قال: إن الشخص الضعيف لا ينبغي له أن ييأس من النجاح وإحراز أسباب
الفلاح ما دام معتصماً بأسباب التقوى والشكر لنعم الله تعالى، فمن أين استنبط رحمه الله
ضعف داوم عليه السلام، مع أن الدلائل كلها تشير إلى قوته؟! ولعل الأصل عنده كتب أهل
الكتاب فما وافقها من شرعنا أخذ به وما خالفها أخذ بالإسرائيليات، نعوذ بالله من سوء الفهم وسوء المنقلب.


قصة داود عليه السلام
وقيل: الزبور، وقيل: العلم، وقيل: القوة، كما في قوله: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ) وقيل: تسخير الجبال كما في قوله: (يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ) وقيل: التوبة، وقيل: الحكم بالعدل، كما في قوله تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) [ص:26] وقيل: هو إلانة الحديد، وقيل: حسن الصوت(1).
قال ابن كثير رحمه الله: أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء، وأرشده إلى صنعها وكيفيتها فقال: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أي: لا تدق المسمار فيفلق، ولا تغلظه فيفصم، قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة.
قال الحسن البصري وقتادة والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده، لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة. قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك من صفائح.
وقد ثبت في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل من كسب يده"(2).
(2) اجتهاده عليه السلام في طاعة ربه عز وجل، قال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ
شُكْرًا ? وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13].
وقال النبي صلى الله عليه و سلم: "أحبُّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوماً
ويفطر يوماً، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه"(3).
(3) وهبه الله عز وجل صوتاً عظيماً فكان إذا سبح سبحت معه الجبال والطير وقال تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ? كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19))[ص: 18،19].


(1) "فتح القدير" (4\315).
(2) "قصص الأنبياء" (485)، والحديث رواه البخاري بمعناه عن أبي هريرة مرفوعاً: "ولا
يأكل إلا من عمل يده" (6\453) "أحاديث الأنبياء"
(3) رواه البخاري (6\455) "أحاديث الأنبياء".








قصة داود عليه السلام
قال ابن كثير رحمه الله: وذلك أنه كان الله تعالى وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحداً بحيث إنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه، وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشياً صلوات الله وسلامه عليه(1).
وروى أحمد عن عائشة قالت: سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم صوت أبي موسى
الأشعري وهو يقرأ فقال: "لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود"(2).
(4) خفف عليه القرآن -زبور أبو داود- فكان يقرأه قبل أن تسرج دوابه،عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "خفف على داود عليه السلام القرآن فكان يأمر
بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل إلا من عمل يده"(3).
قال الحافظ: قيل: المراد بالقرآن والأصل في هذه اللفظة: الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل: المراد: الزبور، وقيل: التوراة، وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحي إليه، وإنما سماه قرآناً للإشارة إلى الوقوع المعجزة به كوقوع المعجزة بالقرآن، أشار إليه صاحب "المصابيح"، والأول أقرب، وإنما ترددوا بين الزبور والتوراة لأن الزبور كله مواعظ، وكانوا يتلقون الأحكام من التوراة.
قال قتادة: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء وليس فيها حلال ولا حرام(4).
(5) جمع الله عز وجل له بين الملك والنبوة والعلم والحكمة والقضاء. قال تعالى: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)) [ص: 20]. قال القاسمي رحمه الله: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ) أي: قويناه بوفْرة العدد والعُدد ونفوذ السلطان وإمداده بالتأييد والنصر (وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ) أي: النبوة أو الكلام المحكم المتضمن للمواعظ والأمثال والحض على الآداب ومكارم الأخلاق، وكان زبوره عليه السلام كله حكماً غرراً (وَفَصْلَ الْخِطَابِ) أي: فصل الخِصَام بتمييز الحق من الباطل ورفع الشبهة وإقامة الدلائل، وكان يقيم بذلك العدل

(1) "قصص الأنبياء" (486) .
(2) رواه الإمام أحمد (6\37، 167، 5\359) وعن أبي هريرة (2\450).
(3) رواه البخاري (6\453) "أحاديث الأنبياء".
(4) "فتح البخاري" (6\455).



قصة داود عليه السلام
الجالب محبة الخلائق، لا يخالفه أحد من أقاربه ولا من الأجانب(1).
(6) غفر الله عز وجل له ووعده من الزلفى والكرامة شيئاً عظيماً كما قال
تعالى: (فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ) [ص: 25].
قال ابن كثير رحمه الله: أي: وإن له يوم القيامة قربةً يقربه الله عز وجل بها وحسن مرجع، وهو الدرجات العالية في الجنة لنبوته وعدله التام في ملكه،
كما جاء في "الصحيح": "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن
وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وما ولوا"(2).
(7) وهب الله عز وجل لهذا النبي العظيم والملك الكريم ولداً صالحاً
جمع الله عز وجل له بين الملك والنبوة، وستأتي قصته بعد هذه القصة. قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 30].
قصة داود والخصم إذ تسوروا المحراب:
قال تعالى: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (25) يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)) [ص: 21-26].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "محاسن التأويل" (14\154)
(2) "تفسير القرآن العظيم" (4\32)
والحديث رواه مسلم وغيره، انظر: (آداب الزفاف ص280) طبعة المكتبة الإسلامية.



قصة داود عليه السلام
قال ابن كثير رحمه الله : قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ، ولم يثبت عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثًا لا يصح سنده من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة ، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة ، وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمنه حق 192
وقال القاسمي رحمه الله : للمفسرين في هذا النبأ أقوال عديدة ووجوه متنوعة مرجعها إلى مذهبين : مذهب من يرى أنها تشير _ تعريضًا _ إلى وزر ألمّ به داود عليه السلام ثم غفر له ، ومذهب من يرى أنها حكومة في خصمين لا إشعار لها بذلك .
فمن ذهب إلى الأول : ابن جرير ، فإنه قال : هذا مثل ضربه الخصم المتسورون على داود محرابه ، وذلك أن داود كانت له فيما قيل : تسع وتسعون امرأة وكانت للرجل _ الذي أغزاه حتى قُتِل _ امرأة واحدة ، فلما قُتِل نكح فيما ذكر داود امرأته ، ثم لما قضى للخصمين بما قضى علم أنه ابتلي ، فسأل غفران ذنبه ، وخر ساجدًا لله وأناب إلى رضا ربه وتاب من خطيئته .
وأما المذهب الثاني: فهو ما جزم به ابن حزم في الفِصَل ، وعبارته : ما حكاه تعالى عن داود عليه السلام قول صادق صحيح لا يدل على شيء مما قاله المستهزؤون الكاذبون المتعلقون بخرافات ولدها اليهود ، وإنما كان ذلك الخصم قومًا من بني ءادم بلا شك مختصمين في نعاج من الغنم على الحقيقة بينهم ، بغى أحدهما على الآخر على نص الاية ، ومن قال : إنهم ملائكة معرضين بأمر النساء فقد كذب على الله عز وجل وقوّله ما لم يقل وزاد في القران ما ليس فيه وكذّب الله عز وجل وأقرَّ على نفسه الخبيثة أنه كذّب الملائكة لأن الله تعالى قال: (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ) فقال هؤلاء : لم يكونا قط خصمين ولا بغى بعضهم على بعض ولا كان قط لأحدهما تسع وتسعون نعجة ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له : أكفلينها ، فاعجبوا لِمَ









قصة داود عليه السلام
يقحمون في الباطل أنفسهم؟ ونعوذ بالله من الخذلان، ثم كل ذلك بلا دليل ، بل الدعوى المجردة ، وتالله إن كل امرئ منا ليصون نفسه وجاره المستور عن أن يتعشق امرأة جاره ، ثم يُعرّض
زوجها للقتل عمدًا ليتزوجها ، وعن أن يترك صلاته لطائر يراه 193 وهذه أفعال السفهاء المتهوكين الفساق المتمردين لا أفعال أهل البر والتقوى فكيف برسول الله داود عليه السلام الذي أوصى إليه كتابه وأحرى على لسانه كلامه؟ لقد نزهه الله عز وجل عن أن يمر هذا الفحش بباله ، فكيف أن يستضيف الى أفعاله ، وأما استغفاره وخروره ساجدًا ومغفرة الله له فالأنبياء عليهم السلام أولى الناس بهذه الأفعال الكريمة واستغفار فعل خير لا ينكر من ملك ولا من نبي ولا من مذنب ولا من غير مذنب 194
قوله تعالى : (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ) ص :21
قال الزمخشري : ظاهره الاستفهام ، ومعناه الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن تشيع ولا تخفى على أحد ، والتشويق الى استماعه ، والخصم : الخصماء وهو يقع على الواحد والجمع كالضيف ، قال الله تعالى : (حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ) الذاريات : 24 195 قوله : ( إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ )
قال الشوكاني : ومعنى (تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ) : أتوه من أعلى السور ونزلوا إليه ، والمحراب : الغرفة ، لأنهم تسوروا عليه وهو فيها 196
قوله تعالى : (إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ) ص : 22
قال ابن كثير رحمه الله : (فَفَزِعَ مِنْهُمْ) إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه ، وهو أشرف مكان في داره ، وكان قد أمر أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم ، فلم يشعر إلا بشخصين قد تسوروا عليه المحراب ، أي احتاطا به يسألانه عن شأنهما 197





قصة داود عليه السلام
قوله تعالى : (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) ص:23

قال القاسمي : (إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) أي : أنثى من الضأن (وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ) أي : فلم ينظر إلى غناه عنها ولا إلى افتقاري إليها ، بل أراد التغلب عليّ (فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا) أي : ملكنيها ، بمعنى : اجعلني كافلها كما أكفل ما تحت يدي ، أو بمعنى : اجعلها كفلي ، أي نصيبي (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) أي : غلبني في المكالمة 198
قوله : (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ)ص: 24
قال القرطبي: قال النحاس: فيقال: إن هذه كانت خطيئة داود عليه السلام لأنه قال : (لَقَدْ ظَلَمَكَ) من غير تثبت بينة ولا إقرار من الخصم هذا كان كذا أو لم يكن ، فهذا قول ، وسيأتي بيانه في المسألة بعد هذا وهو حسن إن شاء الله تعالى 199
ثم قال في المسألة المشار إليها : قوله تعالى : (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ) فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين وقبل أن يسمع من الآخر بظاهر هذا القول ، قال ابن العربي : وهذا مما لا يجوز عند أحدٍ ولا في ملة من الملل ولا يمكن ذلك للبشر ، وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادعى والآخر سلم في الدعوى فوقعت بعد ذلك الفتوى وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا جلس إليك خصمان فلا تقض
لأحدهما حتى تسمع من الآخر ) 200 وقيل : إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك ، وقيل : تقديره : لقد ظلمك إن كان كذلك ، والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه 201
قوله تعالى : (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) ص : 24
قال الألوسي : (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء) أي : الشركاء الذين خلطوا أموالهم




قصة داود عليه السلام
-الواحد خليط- وهي الخلطة وقد غلبت في الماشية ، وفي حكمها عند الفقهاء كلام ذكر بعضا منه الزمخشري (لَيَبْغِي ) ليعتدي (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) غير مراع حق الشركة والصحبة (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) منهم فإنهم يتحامون عن البغي والعدوان (وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ) أي :
وهم قليل جدا ، فـ ( قليل ) خبر مقدم ، و ( هم ) مبتدأ وما زائدة وقد جاءت المبالغة في القلة من التنكير وزيادة ما الابهامية ويتضمن ذلك التعجب فإن الشيء إذا بولغ فيه كان مظنة للتعجب منه ، فكأنه قيل : ما أقلهم 202
قوله تعالى: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَفَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) ( ص : 24 ، 25 )
قال القاسمي : (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ) أي : ابتليناه بتلك الحكومة (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَفَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ ) أي : ما استغفر منه (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى) أي : لقربا (وَحُسْنَ مَآبٍ) أي : مرجعًا وحسنًا وكرامة في الآخرة .203
قال ابن كثير رحمه الله : هذه وصية من الله عز و جل لولاة الأمور ، أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده تبارك وتعالى ، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيل الله وقد توعد تبارك وتعالى من ضل عن سبيله ، وتناسى يوم الحساب بالوعيد الأكبر والعذاب الشديد .
وقال عكرمة : ( لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)هذا من المقدم والمؤخر ، لهم عذاب شديد يوم القيامة بما نسوا .
وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب ، وهذا القول أمشى على ظاهر الاية والله الموفق للصواب 204








قصة داود عليه السلام
الفوائد والآثار الايمانية:
1/ قال العلامة السعدي : فمنها أن الله يقص على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أخبار من قبله لتثبيت فؤاده ، وتطمين نفسه ، ويذكر له من عباداتهم وشدة صبرهم وإنابتهم ما يشوق إلى منافستهم ، والتقرب إلى الله الذي تنافسوا في قربه ، والصبر على أذى قومه ، ولهذا لما ذكر الله تعالى في سورة ص ما قاله المكذبون لمحمد صلى الله عليه وسلم وما آذوه به ، قال بعدها : (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ.... ) الآيات (ص)
2/ ومنها : أنه ينبغي استعمال الأدب في الدخول على الناس خصوصاً الحاكم والرؤساء فإن الخصمين لما دخلا على داود في حالة غير معتادة ، ومن غير الباب ، فزع منهم ، واشتد عليه ذلك ورآه غير لائق بالمجال .
3/ ومنها : أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله مالا ينبغي.
4/ ومنها : أن المنصوح ولو كان كبير القدر كثير العلم عليه أن لا يغضب ولا يشمئز ، بل يبادر بقبول النصيحة ، والشكر لمن نصحه ، ويحمد الله إذ قيّض له النصيحة على يد الناصح ، فإن داوود لم يشمئز من
قول الخصمين : (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ) (ص : 22) بل حكم بالحق الصرف 205
5/ قال القاسمي رحمه الله : وفي قضائه عليه السلام هذا من الحكمة وفصل الخطاب ما يهيج الأفئدة ويقر عين المغبون ، ذلك أنه صدع بالحق أبلغ صدع فجهر بظلم خصمه وبغيه جهراً لا محاباة فيه ولا مواربة ، فأقرّ عين المظلوم ، وعرّف الباغي ظلمه وحيفه ، وأن سيف العدل والإنصاف فوقه – ثم نفّس عن قلب المظلوم البائس وروّح عن صدره بذكر ماعليه الأكثر من هذه الخلة – خلة البغي – وعدم الإنصاف مع الخلطة والخلة ، ليأسى ويتسلى كما قيل : " إن روح التأسي روح كل حزين " ثم أكد الأمر بقلة القائمين بحقوق الأخوة ممن آمن







قصة داود عليه السلام
وعمل صالحًا ، فكيف بغيرهم، وكلها حكم وغرر ودرر وحقائق تنطبق على أكثرها السواد الأعظم من الناس ، الذين يدّعون المحبة والصداقة ولعظم شأن حقوق المحبة أسهب في آدابها علماء الأخلاق إسهاباً نوّعوا فيه الأبواب ، ولوّنوا الفصول ، ومع ذلك لا تزال الشكوى عامة ، وقد امتلأت من منظومها ومنثورها كتب الأدب كما لا يخفى على من له إلمام ، وبالله التوفيق. 206
6/ وقال رحمه الله :قال السيوطي في " الأكليل " : استدل بقوله تعالى : (وَخَرَّ رَاكِعًا) ص : 24 من أجاز التعويض عن سجود التلاوة بركوع ، والأكثرون على أن الركوع هنا مجاز مرسل عن السجود ، لأنه لإفضائه إليه جعله كالسبب ، ثم تجوز به عنه ، أو هو استعارة له لمشابهته له في الانحناء والخضوع 207
7/ وقال القرطبي رحمه الله : واختلف في سجدة داود : هل هي من عزائم السجود المأمور به في القران أم لا ؟ فروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ)ص:1
فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه ، فلما كان يوم آخر قرأ بها فتشزّن الناس للسجود ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنها توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود " ونزل وسجد. وهذا لفظ أبي داود ، وفي البخاري وغيره عن ابن عباس أن قال : " ص " ليست من عزائم القرآن وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها .208
قال: ومعنى السجود : أن داوود سجد خاضعاً لربه ، معترفاً بذنبه ، تائباً من خطيئته فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية ، فلعل الله أن يغفر له بحرمة داود الذي اتبعه ، وسواء قلنا : إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا ، فإن هذا أمر مشروع في كل أمة لكل أحد ، والله أعلم 209







قصة داود عليه السلام
8/ وقال رحمه الله في تفسير قوله تعالى : (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ... ) الآية (ص:26) ، هذه الآية تمنع من حكم الحاكم بعلمه ، لأن الحكام لو مُكّنوا أن يحكموا بعلمهم لم يشأ أحدهم إذا أراد أن يحفظ وليه ويهلك عدوه إلا ادعى عليه فيما حكم به ، ونحو ذلك ، روي عن جماعة من الصحابة منهم أبو بكر قال : لو رأيت رجلاً على حدّ من حدود الله ما أخذته حتى يشهد على ذلك غيري . وروي أن امرأة جاءت إلى
عمر فقالت له : احكم لي على فلان بكذا فإنك تعلم مالي عنده . فقال لها : إن أردت أن أشهد لك فنعم ، وأما الحكم فلا ، وفي "صحيح مسلم " عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اشترى فرساً فجحده البائع فلم يحكم عليه بعلمه وقال : " من يشهد لي؟ " فقام خزيمة بن ثابت فشهد فحكم ، خرّج الحديث أبو دواد وغيره 210
9/ ومما يستفاد من قصة داود عليه السلام أن العبد إذا رزقه الله نعمة فاستعملها في طاعة الله بارك الله له فيها وزاده من خيرها ، فداود عليه
السلام لما استعمل قوته في إعزاز الدين وكثرة العبادة والطاعة ألان الله عز وجل له الحديد.






























قصة سليمان عليه السلام








قصة سليمان عليه السلام
قصة سليمان عليه السلام
فضائله عليه السلام:
1/ ثناء الله عز وجل قال تعالى : (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ص: 30
قال ابن كثير رحمه الله : يقول تعالى مخبراً أنه وهب لداود سليمان – أي : نبيًا – كما قال عز وجل (وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ) (النمل : 16 ) أي : في النبوة ، وإلا فقد كان له بنون غيره ، فإنه كان عنده مائة امرأة حرائر ، وقوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) ثناء على سليمان بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة الى الله عزوجل211
2/ آتاه الله عزوجل حكمًا وعلمًا كما قال تعالى : ( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين  فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا )الأنبياء 78 ، 79
قال القاسمي: (فَفَهَّمْنَاهَا) أي : الفتوى أو الحكومة المفهومين من السياق (وَسُلَيْمَانَ ) أي : فكان القضاء فيها قضاؤه لا قضاء أبيه 212
قال ابن كثير رحمه الله : وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف ، أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين ، أي : رعته بالليل ، فأكلت شجرة بالكلية، فتحاكموا إلى داود عليه السلام ، فحكم لأصحاب الكرم بقيمته ، فلما خرجوا على سليمان قال : بم حكم لكم نبي الله ؟ فقالوا : بكذا وكذا فقال : أما لو كنت أنا لما حكمت إلا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجًا ودرًّا حتى يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ، ويردوه إلى ما كان عليه ، ثم يتسلموا غنمهم ، فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به.









قصة سليمان عليه السلام
وقريب من هذا ما ثبت في " الصحيحين " من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بينما امرأتان معهما ابناهما، إذ عدا الذئب فأخذ ابن احداهما ، فتنازعا في الآخر ، فقالت الكبرى : إنما ذهب بابنك ، وقالت الصغرى : إنما ذهب بابنك ، فتحاكما إلى داود فحكم به للكبرى ، فخرجتا على سليمان فقال : ائتوني
بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه ، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها ، فقضى به لها " 213
ولعل كلّا من الحكمين كان سائغاً في شريعتهم ولكن ما قاله سليمان أرجح ، ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه إياه ومدح بعد ذلك أباه فقال: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ) 214 الانبياء :79
3/ وجمع الله عزوجل له بين النبوة والملك كما جمع لأبيه ، وزاده ملكاً عظيما لم ينله أحد قبله ، ولا ينال أحد بعده ، قال تعالى : (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39( ( ص : 36 – 39
قال السعدي : سخر الله له الريح تجري بأمره وتدبيره رخاء ، أي : بسهولة حيث أراد ، غدوها ورواحها شهر ، وسخر الله له الجن والشياطين والعفاريت يعملون له الأعمال الفخمة بحسب إرادته يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات، وتذهب وتجيء بأمره إلى حيث أراد ، وسخر له الجنود من الإنس والجن والطير فهم يوزعون بتدبير عجيب ونظام غريب 215
وقال القرطبي : (هَذَا عَطَاؤُنَا ) الاشارة بهذا الى الملك ، أي : هذا الملك عطاؤنا ، فأعط من شئت ، أو امنع من شئت لا حساب عليك 216
وقال ابن كثير : لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح



قصة سليمان عليه السلام
التي هي أسرع سيراً وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها.217
وقال تعالى: (وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ*يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ) (سبأ:12-12).
والمحاريب: هي الأماكن الحسنة وصدور المجالس.
والتماثيل: هي الصور في الجدران، وكان هذا سائغاَ في شريعتهم وملتهم، كما قال ابن كثير رحمه الله.
والجفان: الأحواض.
القدور الرّاسيات: هي التي لا تتحرك من أماكنها.
وكان هذا العطاء العظيم والفضل الكبير استجابة من الله عز وجل لدعوة نبيه سليمان (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي) (ص:35).
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول: (أعوذ بالله منك) ثم قال (ألعنك بلعنة الله) ثلاثا، وبسط يده كأنه يتناول فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله من قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك؟!قال: (إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك – ثلاث مرات – ثم أردت أن أخذه، والله! لولا دعوة أخونا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة)218
(4) ومما يدل على عظيم فضله وقوة شخصيته ورباطة جأشه، ما أخبرنا الله عز وجل به في ذكر وفاته، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)(سبأ :14)

قصة سليمان عليه السلام
قال القرطبي: (فلما قضيت عليه الموت)أي: فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى سار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت (مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ) وذلك أنه كان متكئا على المنسأة: وهي العصاة بلسان الحبشة وفي قول السدي،وقيل: هي بلغة اهل اليمن، ذكره القشيري، فمات كذلك وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميتا لانكسار العصا لأكل الأرضة إياها، فعلم موته بذلك، فكانت الأرضة داله على موته،أي: سبباَ
لظهور موته. وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي عليه السنة، واختلفوا في سبب سؤاله ذلك على قولين:
أحدهما: ما قاله قتادة وغيره قال: كانت الجن تدعي علم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي موته عليهم (تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) (سبأ:14)
وقيل: كان رؤساء الجن سبعة وكانوا منقادين لسلمان عليه السلام، وكان داود عليه السلام أسس بيت المقدس، فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت المقدس، فأمر سليمان الجن به، فلما دنا وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد وكان بقي لإتمامه سنه.219
* قصة سليمان عليه السلام:
قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ *وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) النمل :( 15-16)
قال الشوكاني: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) أي: ورثه العلم والنبوة.
قوله:(وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ) قال سليمان هذه المقالة مخاطبًا للناس تحدثًا بما أنعم الله به عليه وشكر النعمة التي خصه بها، وقدم منطق الطير لأنها نعمة خاصه به لا يشاركه فيها غيره.
ومعنى (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) كل شيء تدعو إليه الحاجة كالعلم والنبوة



قصة سليمان عليه السلام
والحكمة والمال وتسخير الجن والإنس والطير والرياح والوحش والدواب وكل ما بين السماء والأرض.220
قوله تعالى (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) (النمل17)
قال الألوسي:أي: يحبس أولهم ليلحق آخرهم فيكونوا مجتمعين لا يختلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة، ويجوز أن يكون ذلك لترتيب الصفوف كما هو المعتاد في العساكر، والاول أولى وأصل الورع الكف والمنع ومنه قول عثمان رضي الله عنه:ما يزع السلطان أكثر مما يزع بالقرآن.221
قال أبن كثير رحمة الله : يخبر الله تعالى عن عبده ونبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام , أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والإنس يسيرون معه , والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره , وعلى كل من الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء _ يردون أوله على آخره , فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه , قال تعالى : ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) .
فأمرت وحذرت واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور.
والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لأمتها من الرأي السديد والأمر الحميد، وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما اطلعه الله عليه دون غيره، وليس كما يقول بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان.


قصة سليمان عليه السلام
ولهذا قال عليه السلام:(رَبِّ أَوْزِعْنِي) أي ألهمني وأرشدني (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ) فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره، وأن يسير عليه العمل الصالح، وأن يحشره إذا توفاه مع عبادة الصالحين وقد استجاب الله تعالى له.222
وقوله تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) (النمل 20-21)
قال الألوسي: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ) أي: أراد معرفة الموجود منها من غيره،
واصل التفقد: معرفة الفقد ،والظاهر أنه عليه السلام تفقد كل الطير وذلك بحسب ما تفتضيه العناية باء مور الملك والاهتمام بالرعايا , لاسيما الضعفاء منها وكان يأتيه من كل صنف واحد فلم ير الهدهد , قوله : ( لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ) وهذا التعذيب للتأديب , ويجوز أن يبيح الله تعالى له ذلك لما رأى فيه من المصلحة والمنفعة , كما أباح سبحانه ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع وإذا سخر له الطير ولم يتم ما سخر من أجله إلا بالتأديب و السياسة جاز أن يباح له ما يستصلح به (أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ ) كالترقي من الشديد إلى الأشد فإن في الذبح تجريع كأس المنية , وقد قيل : كل شيء دون المنية سهل .223
قوله تعالى:(فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ) النمل (22)
قال الزمخشري:(فَمَكَثَ) قرئ بفتح الكاف وضمها (غَيْرَ بَعِيدٍ) غير زمان بعيد،كقوله: عن قريب ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان، وليعلم كيف كان الطير مسخرًا له، ولبيان ما أعطي من






قصة سليمان عليه السلام
المعجزة الدالة على نبوته، وعلى قدرة الله تعالى (أَحَطتُ) بإدغام الطاء في التاء بإطباق وبغير إطباق، ألهم الله الهدهد فكامح سليمان بهذا الكلام على ما أوتي من فضل النبوة والحكمة والعلوم الجمة، والإحاطة بالمعلومات الكثيرة ابتلاء له في علمه، وتنبيهًا على أن في أدنى خلقه وأضعفه من أحاط علمًا بما لم يحط به، ولتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون لطفا في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وأعظم بها فتنة! والإحاطة بالشيء علمًا أن يعلم من جميع جهاته لا يخفى منه معلوم قالوا وفيه دليل على بطلان قول الرافضة: أن الإمام لا يخفى عليه شيء، ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه.224
قوله تعالى (إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ*وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ *أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ*اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم) النمل 23-26
قال السعدي رحمه الله: ففي هذه المدة القصيرة جاء الهدهد بهذه المعلومات العظيمة: أخبر سليمان عن ملك الديار اليمانية، وأن ملكتهم امرأة، وأنها قد أعطيت من كل شيء يحتاج الملك إليه، وأن لها عرشاً عظيماً، ومع فهمه لملكهم وقوتهم، وفهم أيضا دينهم، وأنهم مشركون يعبدون الشمس، وأنكر الهدهد عليهم غاية الإنكار، هذا من الأدلة على أن الحيوانات تعرف ربها وتسبحه وتوحده، وتحب المؤمنين، وتدين ربها بذلك، وتبغض الكفار الكاذبين وتدين لله بذلك 225
قوله تعالى: (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) النمل (27-28)
قال القرطبي: قوله تعالى (سَنَنظُرُ) من النظر الذي هو التأمل والتصفح


قصة سليمان عليه السلام
(أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) في مقالتك و (كُنتَ) بمعنى أنت،وقال:(سَنَنظُرُأَصَدَقْتَ) ولم يقل: سننظر في أمرك لأن الهدهد لما صرح بفخر العلم في قوله: (أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) صرح له سليمان بقوله سننظر أصدقت أم كذبت فكان ذلك (كفاء). لما قاله.
وفي قوله (أصدقت أم كنت من الكذابين) دليل على أن الإمام يجب عليه أن يقبل عذر رعيته ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لأن سليمان لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه.
قوله: (اذْهَب بِّكِتَابِي هَذا) في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الاسلام، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبار 226
قال الشوكاني: وخص الهدهد بإرساله الكتاب لأنه مخبر بالقصة، ولكونه رأى من مخايل الفهم والعلم،وما يقتضي كونه أهلاً للرسالة،(ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) أي تنح عنهم، أمره بذلك لكون التنحي بعد دفع الكتاب من أحسن الآداب التي يتأدب بها رسل الملوك، والمراد التنحي إلى مكان يسمع فيه حديثهم حتى يخبر سليمان بما سمع،وقيل: معنى التولي الرجوع إليه، والأول أولى لقوله (فانظر ماذا يرجعون)أي:تأمل وتفكر فيما يرجع بعضهم إلى بعض من القول وما يتراجعون بينهم من الكلام.227
قوله تعالى:(قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ*إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ*قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ) النمل (29-32)
قال ابن كثير رحمه الله: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ*) ثم قرأت عليهم عنوانه أولاً (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ) ثم قرأته:(وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ*أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها



قصة سليمان عليه السلام
تأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)يعني: ماكنت لأبت أمرا وأنتم حاضرون 228
قوله تعالى:(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ*قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ*وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) النمل 33-35
قال ابن كثير رحمه الله:(قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ)يعنون: لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال، فإن عليه من القادرون (وَ) مع هذا الأمر (إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة وفوضوا إليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الأرشد لها ولهم.
فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم , وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع ( قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) تقول برأيها السديد : أن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم إلا إلي ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة إلا علي (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفًا ولا عدلًا لأنهم كافرون وهو وجنوده عليهم قادرون 229
قوله تعالى:{فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)} [النمل: 36-37]
قال الشوكاني: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ} أي: فلما جاء رسولها المرسل بالهدية {سُلَيْمَانَ}، {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} مستأنفة جواب سؤال مقدر، والاستفهام للاستنكار؛ أي: قال منكراً لإمدادهم له بالمال مع علو سلطانه وكثرة ماله {فَمَا



قصة سليمان عليه السلام
آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم} أي: ما آتاني من النبوة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته، ثم إنه أضرب عن الإِنكار المتقدم فقال: {بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} توبيخاً لهم بفرحهم بهذه الهدية فرحَ فخرِ وخيلاء، وأما أنا فلا أفرح بها وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحداً من العالمين، ومع ذلك أكرمني بالنبوة، والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية والإزراء بهم والحط عليهم {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا} أي: قال سليمان للرسول، ومعنى {لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا}: لا طاقة لهم بها {َلَنُخْرِجَنَّهُم} أي: لنخرجنهم من أرضهم التي هم فيها {أَذِلَّةً} أي: حال كونهم أذلة بعدما كانوا أعزةً {وَهُمْ صَاغِرُونَ} قيل: هي حال مؤكدة للصغار وقيل: إن المراد بالصغار هنا: الأسر والاستبعاد، وقيل: إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة (230).
قوله تعالى: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ? وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ? فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ? وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ? وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)} [النمل : 38-40].
قال الألوسي: اختلفوا في مقصوده عليه السلام من استدعائه عرشَها فعن ابن عباس وابن زيد أنه عليه السلام استدعى ذلك ليريها القدرة التي هي من عند الله تعالى وليغرب عليها وتقييد الإتيان بقوله: {قَبْلَ ...} إلخ لما أن ذلك أبدع وأعزب وأبلغ من الوقوع عادة وأدل على عظيم قدرة الله عزَ وجلّ وصحة نبوته عليه السلام، وليكون اطلاعها على بدائع المعجزات في أول مجيئها (231).
قال ابن كثير: لما طلب سليمان من الجان أن يُحْضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ?} يعني: قبل أن ينقضي مجلس




قصة سليمان عليه السلام
حكمك، وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} أي: وإني لذو قدرة على إحضاره إليك وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك {قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ} قيل: هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يحفظ الاسم الأعظم، وقيل: رجل من بني إسرائيل من علمائهم {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ?} قيل: قبل أن يرجع إليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته، وهذا أقرب ما قيل: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ} أي: فلما رأى عرش بلقيس مستقراً عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين: {قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ?} أي: هذا من فضل الله عليَّ وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه {وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ?} أي: إنما يعود نفع ذلك عليه {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} أي: غني عن شكر الشاكرين، ولا يتضرر بكفر الكافرين (232).
قوله تعالى: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أهكذا عَرْشُكِ ? قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ? وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ? إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)} [النمل: 41-43].
قال القرطبي: {فَلَمَّا جَاءَتْ} يريد بلقيس {قِيلَ} لها {أهكذا عَرْشُكِ ? قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ?} شبهته به لأنها خلفته تحت الأغلاق فلم تقر بذلك ولم تنكر فعلم سليمان كمال عقلها، قال عكرمة: كانت حكيمة فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ ?} وقال مقاتل: عَرَفَتْه ولكن شَبَّهتْ عليهم كما شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت: نعم هو. {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا} قيل: هو من قول بلقيس؛ أي: أوتينا العلم بصحة نبوة سليمان من قبل هذه الآية في العرش {وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} منقادين لأمره، وقيل: هو من قول سليمان؛ أي: أوتينا العلم بقدرة الله على ما يشاء من قبل هذه المدة، وقيل: هو من كلام قوم سليمان، والله أعلم.



قصة سليمان عليه السلام
قوله تعالى: {وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ?} الوقف على {مِن دُونِ اللَّهِ} حسن، والمعنى: منعها من أن تعبد الله ما كانت تعبد من الشمس والقمر؛ يعني: أي صدها عبادتها من دون الله وعبادتها إياها عن تعلم ما علمناه [عن أن تسلم] (233).
قوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ? فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ? قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ? قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44].
قال ابن كثير رحمه الله: والغرض أن سليمان عليه السلام اتخذ قصراً عظيماً منيْفاً من زجاج لهذه الملكة، ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما أتاه الله وجلالة ما هو فيه وتبصرت في أمره، انقادت لأمر الله تعالى، وعرفت أنه نبي كريم ومَلِك عظيم، وأسلمت لله عزّ وجلّ وقالت: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها للشمس من دون الله {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده لا شريك له الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً (234).
o الفوائد والآثار الإيمانية:
قال العلامة السعدي في فوائد هذه القصة العظيمة:
(1) منها: أن سليمان يعد من فضائل داود ومن مَنًّ الله عليه قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ? نِعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] وهذا أعظم تزكية وأكبر فخر لسليمان.
(2) ومنها: كثرة خير الله وفضله على عبيده الأخيار يمن عليهم بالأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة، ثم يثني عليهم بها، ويرتب عليها من الثواب أنواعاً منوعة، وهو المتفضل بالأسباب ومسبباتها.


قصة سليمان عليه السلام
(3) ومنها: أنه يؤخذ من أن أتلف الخيل الجياد – التي ألهته عن طاعة الله – فسخّر له الريح والشياطين، أن من ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه.
(4) ومنها: أن الله أعطى سليمان ملكاً عظيماً فيه أمور لا يمكن أن تدرك بالأسباب وإنما هي تقدير من الملك الوهاب، مثل تسخير الريح تبعاً لأمره، وتسخير الشياطين وكون جنوده من الإنس والجن والطير، وأن الطيور كانت تخدمه الخدمة العظيمة، يرسلها للجهات توصل منه الأخبار وتأتيه بأخبار تلك الجهات، وقد أعطاها الله من الفهم ومعرفة أحوال الآدميين ما قَصَّ الله علينا نبأه في هذه القصة، وكذلك الذي عنده علم من الكتاب حين استعد أن يأتيه بعرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه، وهذهآيات أنبياء، فلهذا مهما بلغ الخلق في الترقي في علوم الطبيعة والنهارة بالمخترعات فلن يصلوا إلى ما أعطيه سليمان (?).
(5) قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ((فَهُمْ يُوزَعُونَ)). في الآية دليل على اتخاذ الإمام والحكام وزعة يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم، وقال ابن عون: سمعت الحسن يقول وهو في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس قال: والله ما يصلح هؤلاء الناس إلا وزعة .. وقال الحسن أيضاً: لا بّد للناس من وازع؛ أي: من سلطان يكفهم، وذكر ابن القاسم قال: حدثنا مالك أن عثمان بن عفان كان يقول: ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن؛ أي: من الناس، قال ابن القاسم: قلت لمالك: ما يزع؟ قال: يكف. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام فظنَّوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن، وهذا جهل بالله وحكمته قال: فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة لقوام الخلق، لا زيادة عليها ولا نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا بها، وقصروا عنها وأتوا ما أتوا بغير نية، ولم يقصدوا وجه الله في القضاء بها


(?) " خلاصة تيسير اللطيف المنان" (???،???) باختصار.



قصة سليمان عليه السلام
فلم يرتدع الخلق بها، ولو حكموا بالعدل وأخلصوا النية لاستقامت الأمور وصلح الجمهور (?).
(6)وقال رحمه الله : وفي الآية – ((أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ........)) الآية - دليل على أن الصغير يقول للكبير والمتعلم للعالم: عندي ما ليس عندك إذا تحقق ذلك، وتيقنه، هذا عمر بن الخطاب مع جلالته رضي الله عنه، وعلمه لم يكن عنده علم بالاستئذان، وكان علم التيمم عند عمار وغيره وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: لا يتيمم الجنب، وكان حكم الإذن في أن تنفر الحائض عند ابن عباس ، ولم يعلمه عمر ولا زيد بن ثابت، وكان غسل رأس المحرم معلوماً عند ابن عباس، وخفي عن المِسْوَر بن خرمة، ومثله كثير فلا نطول به (?).
(7) وقال رحمه الله في قوله تعالى: ((إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ.....)) الآية روى البخاري من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس قد ملّكوا بنت كسرى قال: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، قال القاضي أبو بكر العربي: هذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة ولا خلاف فيه، ونقل عن محمد بن جرير الطبري أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية ولم يصح ذلك عنه، ولعله نقل عنه كما نقل عن ألي حنيفة أنها إنما تقضي فيما تشهد فيه وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق ولا بأن يكتب لها سطور بأن فلانة مقدمة على الحكم وإنما سبيل ذلك التحكم و الاستبانة في القضية الواحدة، وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير، - قال ابن العربي: إن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجلس، ولا تخالط الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير؛ لأنها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت برزة (?)لم يجمعها والرجال مجلس واحد تزدحم فيه معهم وتكون مناظرة لهم، ولن يفلح قط من تصور هذا ولا من اعتقده (?).

(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????،????).
(?) "الجامع لأحكام القرآن" (?/????).
(?) البرزة: هي الكهلة التي لا تحتجب احتجاب الشواب، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة تجلس للناس وتحدثهم.
(?) السابق (?/????،????) باختصار.









قوله تعالى: " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى? يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " ( البقرة: 247 ). قال الرازي ما ملخصه: اعلم أنه لما بيّن في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا، ثم إنهم تولوا، فبين أن أول ما تولوا إنكارهم إمرة طالوت، وذلك لأنهم طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكًا فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوتَ ملكًا.
ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون ملكًا لهم أظهروا التولي عن طاعته، والإعراض عن حكمه وقالوا: " أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا " واستبعدوا جدًا أن يكون هو ملكًا عليهم قال المفسرون: وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل وهو سبط لأوى بن يعقوب، ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين، بل كان من ولد بنيامين، فلهذا السبب أنكروه ملكًا لهم، وزعموا أنهم أحق بالملك منه، ثم إنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى، وهي قولهم: " وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ " وذلك إشارة إلى أنه فقير " قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ".
وتقرير هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين:
أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك.
الثاني: أنه فقير، والله تعالى بيّن أنه أهل للملك.
والوجه الأول: في رد هذه الشبهة قوله تعالى: " إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ".
واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكًا عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له، وإذا ثبت ذلك كان ملكًا واجب الطاعة وكانت الاعتراضات ساقطة.
والوجه الثاني: في الرد على الشبهة قوله تعالى: " وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ".
وقرر ذلك بأن حصل له وصفان؛ أحدهما: العلم. والثاني: القدرة.
وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه:
أحدهما: أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية والمال والجاه ليسا كذلك.
والثاني: أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان.
والثالث: أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما من الإنسان، والمال والجاه يمكن سلبهما من الإنسان.
والرابع: أن العلم بأمر الحروب، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني، إذا لم يكن له علم يضبط المصالح، وقدرة على دفع الأعداء، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده إلى النسيب الغني.
ثم قال: ههنا مسائل:
المسألة الأولى : احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله: " وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ " وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده.
المسألة الثانية: قال بعضهم: المراد بالبسطة في الجسم: طول القامة، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه، وإنما سمى طالوت لطوله، وقيل: المراد من البسطة في الجسم: الجمال، وكان أجمل بني إسرائيل، وقيل: المراد: القوة؛ وهذا القول عندي أصح؛ لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة لا الطول والجمال.
المسألة الثالثة: أنه تعالى قدم البسطة في العلم على البسطة في الجسم؛ وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية.


والوجه الثالث: في الجواب عن الشبهة قوله تعالى: "وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ " تقريره أن الملك لله والعبيد لله، فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء، ولا اعتراض لأحدٍ عليه في فعله؛ لأن الملك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحدٍ عليه في فعله.
والوجه الرابع: في الجواب قوله تعالى: " وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " والتقدير: أنتم طعنتم في طالوت لكونه فقيرًا، والله تعالى واسع الفضل والرحمة، فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق والسعة في المال، ثم بيّن بقوله:" عَلِيمٌ " أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك، وعالم بحال ذلك الملك في الحاضر والمستقبل، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه بأمر الملك(235).
قوله تعالى: " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى? وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " ( البقرة: 248 ).
قال القاسمي: " وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ " أي: علامة مُلْكه: أنه من الله تعالى:" أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ " أي: يرد الله إليكم التابوت الذي أُخذ منكم وهو صندوق التوراة على ما سنذكره" فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ " أي: وقار وجلال وهيبة، أو فيه سكون نفوس بني إسرائيل يتقوون به على الحرب " وَبَقِيَّةٌ " أي: فضلة جملة ذهب جلها " مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى? وَآلُ هَارُونَ " أي: من آثارهم الفاضلة " تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ " أي: في رد التابوت إليكم " لَآيَةً لَّكُمْ " أن ملكه من الله تعالى " إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " بآيات الله وأنبيائه(236).
قوله تعالى:" فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ


فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ? فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ? قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" ( البقرة: 249)
قال ابن كثير رحمه الله ما ملخصُه: يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في حنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل أنه قال: " إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم " أي: مختبركم " بِنَهَرٍ" قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين؛ يعني نهر الشريعة المشهور " فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي " أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه " وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ " أي: فلا بأس عليه. قال الله تعالى: " فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ " قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو، وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري: ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب قال: " كنا نتحدث أن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم – الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذي جاوزوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن"، ورواه البخاري عن عبدالله بن رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن جده عن البراء بنحوه (237) ولهذا قال تعالى: " فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ " أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد، ولهذا قالوا:" كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ "(238)
وقال القرطبي: قوله تعالى: " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً "
الفئة: الجماعة من الناس والقطعة منهم، من فأوت رأسه بالسيف وفأيته؛ أي قطعته، وفي قولهم رضي الله عنهم: " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ..." الآية؛
تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه.
قلت: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، ولكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك، حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا، وفي البخاري: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مُسْندٌ أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: " هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم" فالأعمال فاسدة، والضعفاء مهملون، والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة.
قال تعالى: " اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ  " ( آل عمران:200 ) وقال: " وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا " ( المائدة: 23) وقال: " إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " (النحل:128) وقال: " وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ " ( الحج: 40 ) وقال: " إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ( الأنفال:45 )، فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي معدومة عندنا غير موجودة فينَا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا، بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه، لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد، حتى استولى العدو شرقًا وغربًا برًا وبحرًا، وعمّت الفتن، وعظمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم. (239)
وقال الرازي: أما قوله: " كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً " المراد منه: تقوية قلوب الذين قالوا: " لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ " والمعنى: أنه لا عبرة بكثرة العدد، إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة(240)
قوله تعالى: "وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " ( البقرة:250 )
قال ابن كثير: طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر؛ أي: يغمرهم به من
فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحومة الوغى والدعاء إلى النزال فسألوا التثبيت الظاهر والباطن، وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه، فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا وأنالهم ما إليه رغبوا(241).
وقال الرازي ما ملخصه : فيه مسائل :
المسألة الأولى : المبارزة في الحرب هي : أن يبز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال.
المسألة الثانية : أن العلماء والاقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت، وأروا القلة في جانبهم والكثرة من جانب عدوهم لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع فقالوا : ( ربنا أفرغ علينا صبرا) ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) إلى قولـــه : ( وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن، وروي عنه في قصة بدر أنه صلى اله عليه وسلم لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال : ( اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم)(242) وكان يقول : ( اللهم بك أصول وبك أجول)(243) .



المسألة الثالثة : الإفراغ : الصب ، والإفراغ : إخلاء الإناء مما فيه وإنما يخلوا بصب كل ما فيه.
وإذا عرفت هذا فتقول : قوله : ( أفرغ علينا صبرا) يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين :
أحدهما ك أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه، وهذا يدل على التأكيد.
والثاني : أم إفراغ الإناء هو إخلاؤه، وذلك يكون بصب كل ما فيه.
المسألة الرابعة: اعلم ان الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة : فأولها : أ، يكون الانسان صبورا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب، فإنه اذا كان جباناً لا يحصل منه مقصود أصلاً.
وثانيهما : أن يكون قد وجد من الآلات أو الأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار.
وثالثهما : أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو. إذا عرفت هذا فنقول : المرتبة الأولى هي المراد من قوله : ( أفرغ علينا صبرا)
والثانية: هي المراد بقوله: ( وثبت أقدامنا).
والثالثة: هي المراد بقوله : ( وانصرنا على القوم الكافرين)(244).
وقوله تعالى: ( فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكم الله ذو فضل على العالمين)
قال القاسمي : (فهرموهم) أي : هؤلاء القليلون. أولئك الكثيرين ( بإذن الله) بنصره، إذ شجع القليلين وجَبَّنَ الكثيرين ( وقتل داوود) وكان في جيش طالوت ( جالوت) الذي هو رأس الأقوياء ( وآتاه الله الملك) أي:

أعطى الله داوود ملك بني إسرائيل ( والحكمة) أي: الفهم والنبوة ( وعلمه مما يشاء ) من صنعة الدروع وغيرها، ( ولولا دفع الله الناس بعضهم) من أهل الشر ( ببعض) من أهل الخير ( لفسدت الأرض) أي : بغلبة الكفار وظهور الشرك والمعاصي كما قال تعالى : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا...)
(ولكن اله ذو فضل على العالمين) أي : منًّ عليهم بالدفع ، ولذلك قوى سبحانه هؤلاء الضعفاء وأعطى بعضهم الملك والحكمة ومن سائر العلوم ليدفع فساد الأقوياء بالسيف(245)
وقال ابن كثير : وقوله تعالى : ( وقتل داوودُ جالوتَ وآتاه الله الملك والحكمة وعليمه مما يشاء)
فيه دلالة على شجاعة داوود عليه السلام وأنه قتله قتلا أذل به جنده وكسر جيشه، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه، فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة، ويأسر الأبطال والشجعان والأقران، وتعلوا كلمة الإيمان على الأوثان، ويدال لأولياء الله على أعدائه، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه(246)
قوله تعالى: ( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين)
قال القاسمي رحمه الله: (تلك) أيك المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم، وتمليك طالوت، وإتيان التابوت، وانهزام جالوت، وقتل داوود إياه وتملكه (آيات الله) إذا هي أخبار غيوب تدل على كمال قدرته سبحانه وحكمته ولطفه ( نتلوها عليك) أي: ننزل عليك جبريل بها (بالحق) أي: اليقين الذي لا يرتاب فيه (وإنك لمن المرسلين ) يما دلت عليه هذه الآيات من عليمك بها من غير معلم من البشر، ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر، وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة، كما أن فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم من

الكفار والمنافقين، فكأنه قيل : قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء عليهم السلام في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالف عليك، لأنك مثلهم، وغنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والتطوع لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم، والوبال في ذلك يرجع عليهم، وقوله: ( وإنك لمن المرسلين) كالتنبيه على ذلك أشار له الرازي(247)
* * *
* الفوائد والآثار الإيمانية:
(1) قال العلامة محمد رشيد رضا ما ملخصه: أذكر ما يظهر لي من السنن والأحكام الاجتماعية في آيات هذه القصة:
السُّنة الأولى: أن الأمم إذا اعتُدي على استقلالها وأوقع الأعداء بها وهضموا حقوقها تنتبه مشاعرها لدفع الضيم، وتفكر في سبيله، فتعلم أنها الوحدة، التي يمثلها الزعيم العادل، والقائد الباسل، فنتوجه إلى طلبه حتى تجده.
الثانية: أن شعور الأمم بوجوب حفظ حقوقها إنما يكون على حقيقته وكماله في خواصها، كما علمت من إسناد طلب الملك إلى الملا.
الثالثة: متى عظم الشعور بوجوب حفظ الاستقلال ودفع ضيم الأعداء عنها، فإنه لا يلبث إلى أن يسري إلى عامته، فيظن الناقص أن عنده ما عند الكامل ( فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم)
الرابعة : أن من شأن الأمم الاختلاف في اختيار الرئيس، وقد جعل الإسلام ذلك إلى الحل والعقد، والناس تبع لهم.
الخامسة: أن الناس لا يتفقون على التقليد أو الاتباع فيما يرونه مخالفا لمصلحتهم الاجتماعية.
السادسة: أ، الأمم في طور الجهل ترى أن أحق الناس بالمُلك

والزعامة أصحاب الثروة الواسعة ( ولم يؤت سعة من المال ).
السابعة: أن الشروط التي تعتبر في اختبار ارجال في الملك هو ما استفدناه من قوله تعالى: ( إ، الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العم والجسم...) الآية.
الثامنة: ما أفاده قوله تعالى : ( والله يؤتي ملكه من يشاء ) على أن مشيئة الله تعالى إنما تنفذ بمقتضى سننه العامة في تغيير أحوال الأمم، بتغيير ما في أنفسهم، وفي سلب ملك الظالمين، وإيراث الأرض للصالحين.
التاسعة: أن طاعة الجنود للقائد في كل ما يأمر بنه وينهى عنه شرط الظفر و استقامة الامر، وقوانين الجندية في هذا الزمان مبينة على طاعة الجيش لقواده في المنشط والمكره، والمعقول وغير المعقول(248)
العاشرة : أن الفئة القليلة قد تغلب بالصبر والثبات، وطاعة القواد الفئة الكثيرة التي أعوزها الصبر والاتحاد.
الحادية عشرة: أن الإيمان بالله والتصديق بلقائه من أعظم أسبب الصبر والثبات في مواقف الجلاء.
الثانية عشرة: أن التوجه إلى الله بالدعاء مفيد في القتال، كما يدل عليه قوله تعالى: ( فهزموهم بإذن الله ) إذ عطفها بالفاء على آية الدعاء.
الثالثة عشرة: دفع الله الناس بعضهم ببعض من السنن العامة، وهو ما يعبر عنه علماء الحكمة في هذا العصر بتنازع البقاء.
الرابعة عشرة: قوله تعالى : ( لفسدت الأرض) يؤيد السُّنة التي يعيب عنها علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي، أو بقاء الأمثل ومما يدل على كذلك قوله تعالى: ( فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)






فهو يفيد أن سيول الحوادث ونيران التنازع تقف زبد الباطل الضار في الاجتماع وتدفعه وتبقي إبريز الحق النافع الذي ينمو فيه العمران، وإبريز المصلحة التي يتحلى بها الإنسان، وهناك آيات أخرى في أن الحق يزهق الباطل(249)
(2) وقال الأستاذ سيد قطب رحمه الله ما ملخصه:
العبرة الكلية التي تبرز من القصة كلها هي: أ، هذه الانتفاضة –انتفاضة العقيدة- على الرغم من كل ما اعتورها أمام التجربة الواقعة من نقص وضعف، ومن تخلي القوم عنها فوجاً بعد فوج في مراحل الطريق، على الرغم ن هذا كله فإن ثبات حفنة قليلة من المؤمنين عليها قد حقق لبني إسرائيل نتائج ضخمة جداً. . فقد كان فيها النصر والعز والتمكين بعد الهزيمة المنكرة والمهانة الفاضحة والتشريد الطويل والذل تحت أقدام المتسلطين، ولقد جاءت لهم بملك داود ثم ملك سليمان، وهذه أعلى قمة وصلت إليها دولة بني إسرائيل في الأرض، وهب عهدهم الذهبي الذي يتحدثون عنه، والذي لم يبلغوه من قبل في عهد النبوة الكبرى، وكان هذا النصر كله ثمرة مباشرة لانتفاضة العقيدة من تحت الركام، وثبات حفنة قليلة عليها أمام جحافل جالوت.
وفي خلال التجربة تبرز بضع عظات أخرى جزئية كلها ذات قيمة للجماعة المسلمة في كل حين:
من ذلك: أن الحماسة الجماعية قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها، فيجب أن يضعوها على محك التجربة قبل أن يخوضوا بها المعارك الحاسمة. وفي ثنايا التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة المؤمنة وكلها واضح في قيادة طالوت، تبرز منها خبرته بالنفوس، وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة، وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس جنوده قبل المعركة، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه، ثم –وهذا هو الأهم- عدم تخاذله وقد تضائل جنوده تجربة بعد تجربة ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة، فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص، ووعد الله الصداق للمؤمنين. والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة، أن القلب الذي يتصل بالله تتغير موازينه وتصوراته؛ لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتد وراءه إلى الواقع الكبير الممتد الواصل.
فهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي تثبت وخاضت المعركة وتلقت النصر كانت ترى من قلتها وكثرة عدوها ما يراه الآخرون الذين قالوا : ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف وإنما حكمت حكما آخر فقالت: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) ثم اتجهت لربها تدعوه: ( ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).
وهي تحس أن ميزان القوة ليس في أيدي الكافرين، إنما هو في يد الله وحده، وطلبت منه النصر ، ونالته من اليد التي تملكه وتعطيه(250)
(3) وقال القاسمي: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة هذه الآية الكريمة ( ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابع لنا ملكا نقاتل في سبيل الله...) أنها دلت على أحكام:
الأول : وجوب الجهاد لأن الله تعالى إنما ذكره هذه القصة المشهورة في بني إسرائيل وما نالهم تحذيرا من سلوك طريقهم.
وأيضاً: شرائع من قبلنا تلزمنا.
الثاني: أ، لأمير يحتاج إليه في أمر الجهاد لتدبير أمورهم وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أمَّرَ عليها أميراً.
الثالث: وجوب طاعة الأمير في أمر السياسة وتدبير الحرب لأن سياق الآية يقضي بذلك، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ( أطيعوا الأمير ولو كان عبداً حبشيا)(251)
وقد ذكر أهل علم المعاملة أنه ينبغي في الأسفار أن يجعل أهل السفر لهم أميرا (252) ودليلاً وإماما وهذا محمود إذ بذلك ينقطع الجدال وتنتظم أمورهم. ويلزم مثل هذا في كل أمر يحتاج فيه إلى ترداد عن الآراء نحو أمور الأوقاف والمساجد والإمامة لكل مسجد ونحو هذا.
قال الحاكم : وفيه دلالة على أن للأنبياء تشديد العهود والمواثيق فيما يلزمهم ووجه ذلك أنه قال : ( هل عسيتم) وهذا نوع من التأكيد عليهم(253)
الرابع : في هذه القصة كذلك عزاء للصحوة الإسلامية المعاصرة، فإن الشباب المسلم في هذه الصحوة على ما فيه من نقص وعيب وزلل لم يبلغ درجة بني إسرائيل في ذلك، فبنو إسرائيل هم الين ( قالوا سمعنا وعصينا)(البقرة: 93) وهم الذين قالوا لموسى عليه السلام: ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)(المائدة:24) وهم الذين قيل لهم : (قولوا حطة) أي : حُط عنّا الذنوب فقالوا: حطة، فبدلوا قيلا غير الذي قيل لهم ويظهر في الآيات سوء أدبهم مع الله عز وجل ومع نبيهم، وغاية ما في شباب الصحوة إعراض البعض عن موجب الدليل إما لجهل أو تأويل، وتقديم البعض هوى النفس وطاعة الأمراء على أمر الله عز وجل وعلى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن ذلك نقص في التربية، ولكن نرجو من رحمة الله عز وجل أن يُرشد مسارهم وأن يوفق سعيهم إلى اتباع الشرع الحنيف، وتعظيم أمر الله عز وجل وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما كان عاقبة الصحوة في بني إسرائيل النصر والظهور، فنرجو أن يكلل الله عز وجل سعي الساعين وعمل العاملين لنصر الدين، ورفع راية رب العالمين والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الخامسة: في هذه القصة كذلك بيان أسباب النصر، فمن ذلك القيادة الرشيدة التي تعرف طبيعة الجنود، وتختبرهم حتى يقاتل معها العناصر الطيبة، ولا يشترط أن يكون المقاتل كامل الإيمان أو عالماً من العلماء، ولكن يكفي


وجود أصل الإيمان والانقياد والتذكير إذا ذكر، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئةٍ قليلةٍ غَلَبت فئةً كثيرةً والله مع الصابرين (البقرة: 249).
ومن ذلك : الثقة بنصر الله عز وجل والإيمان بأن النصر من عند الله لا بالعَدد ولا بالعُدد، وذلك بعد الأخذ بالأسباب، والاعتماد بالقلوب على رب الارباب، ومن ذلك: التضرع إلى الله عز وجل وطلب الثبات والتأييد منه تعالى، فهذه بعض أسباب النصر التي تظهر بجلاء في هذه القصة التي هي من أنفع القصص لشباب الصحوة الإسلامية.












وقال ابن الكثير: ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) أي: سدوا عليهم باب كهفهم وذروهم على حالهم ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى? أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ) حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين؛ أحدهما : أنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم ، والظاهر.. أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد)) يحذر ما فعلوا254. وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق، أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيءٌ من الملاحم وغيرها255.
قوله تعالى: ( سَيَقَولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثَامنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا???? ) [الكهف:??]
قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف فحكى ثلاثة أقوال فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: (رَجْمَا بِاَلْغَيْبِ) أي: قول بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب فبلا قصد.
ثم حكى الثالث وسكت عليه وأقره بقوله: (وَ ثَامنُهُمْ كَلْبُهُمْ) فدل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمر، وقوله: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتهِمْ) إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا اطلعنا على أمر قلنا به،وإلا وقفنا.
وقوله تعالى: (مَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا قَلِيلٌ) أي: من الناس، قال قنادة، قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله عز وجل كانوا سبعة. وعن عكرمة عن

???
ابن عباس: (مَا يَعْلَمُهُمْ إلَّا قَلِيلٌ) قال: أنا من القليل، كانوا سبعة. فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.
قوله: (فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا) أي: سهلاً هيناً، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة: (وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجماً بالغيب، أي: من غير استناد لكلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه الحاكم على ما تقدمه من الكتب والأقوال256.
قوله تعالى: ( وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا???? إِلَّآ أَن يَشَآءَ اللهُ وَاذكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا????) [الكهف: ??،??]
قال ابن جرير: وهذا تأديب من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم، عهد إليه أن لا يجزم على ما يحدث من الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله؛ لأنه لا يكون شيء إلا بمشيئة الله، وإنما قيل له ذلك فيما بلغنا من أجل أنه وعد سائليه عن المسائل الثلاث اللواتي قد ذكرناها فيما مضى، اللواتي إحداهن المسألة عن أمر الفتية من أصحاب الكهف أن يجيبهم عنهن غداً يومهم ولم يستثن، فاحتبس الوحي عنه فيما قيل من أجل ذلك خمس عشرة، حتى حزنه إبطاؤه، ثم أنزل الله عليه الجواب عنهنَّ، وعرف نبيه سبب احتباس الوحي عنه، وعلمه ما الذي ينبغي أن يستعمل في غداته257.
وقوله: (وَاذكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ):
قال الرازي: قوله: (وَاذكُر رَّبَّكَ) غير مختص بوقت معين، بل هو يتناول كل الأوقات فوجب أن يجب عليه هذا الذكر في أي وقت حصل هذا التذكير، وكل من قال: وجب هذا الذكر قال: إنه إنما وجب لدفع الحنث، وذلك يفيد المطلوب، واعلم أن استدلال ابن عباس رضي الله عنهما ظاهر في أن الاستثناء يجب أن يكون متصلاً، أما الفقهاء فقالوا: إنا لو جوزنا ذلك لزم أن لا يستقر شيءٌ من
???
العقود والأيمان258 يحكى أنه بلغ المنصور أن أبا حنيفة رحمه الله خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه فقال أبو حنيفة رحمه الله: هذا يرجع عليك فإنك تأخذ البيعة بالأيمان أتفرض أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن المنصور كلامه ورضي به. وأعلم أن حاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس، وفيه مافيه، وأيضاً فلو قال: إن شاء الله على سبيل الخفية بلسانه بحيث لا يسمعه أحدٌ فهو معتبر ودافع للحنث بالإجماع، مع أن المحظور الذي ذكرتم حاصل فيه، فثبت أن الذي عولوا عليه ليس بقوي، والأولى أن يحتجوا في وجوب كون الاستثناء متصلاً بأن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد، قال تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة :?]، وقال: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) [الإسراء:??] فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات259.
وقال ابن كثير: وقوله: (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا) أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فأسأل الله تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك260.
وقال ابن جرير: وإذا نسي الإنسان أن يقول: إن شاء الله. قال: فتوبته من ذلك أو كفارة ذلك أن يقول : (وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقرَبَ مِن هَذَا رَشَدًا)261.
قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا???? قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ? لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ? مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا????) [الكهف:??،??]
قال الآلوسي: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) أحياء مضروباً على آذانهم (ثَلَاثَ مِائَةٍ

???
سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا) وهي: جملة مستأنفة مبينة كما قال مجاهد لما أجمل في قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى? آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا????) واختار ذلك غير واحد، وقال في الكشف: فعلى هذا قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) تقرير لكون المدة المضرب فيها على آذانهم هي هذه المدة كأنه قيل: قل الله أعلم بما لبثوا، وقد أعلم فهو الحق الصحيح الذي لا يحوم حوله شك، قط، وفائدة تأخير البيان التنبيه على أنهم تنازعوا في ذلك، أيضاً لذكره عقيب اختلافهم في عدة أشخاصهم، وليكون الذييل بقول: الله أعلم محاكياً للتذييل بقوله سبحانه: (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتهِمْ) وللدلالة على أنه من الغيب الذي أخبر به – عليه الصلاة والسلام – ليكون معجزاً له. ولو قيل: فضربنا على آذانهم سنين عدداً، وأوتي به مبيناً أولاً لم يكن فيه هذه الدلالة، فهذه عدة فوائد، والأصل الأخيرة. انتهى262.
وقال القاسمي: (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا) أي: بمقدار لبثهم، فلا تقفوا ما ليس لكم به علم، وما هو غيب يرد إليه سبحانه، كما قال: (لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلها؛ أي: أنه هو وحده العالم به (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) أي: ما أبصره لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه شيء، ولا يحجب بصره وسمعه شيء263.
¤ ¤ ¤ ¤ ¤
* الفوائد والآثار الإيمانية:
)?) قال القرطبي في قوله تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا????) [الكهف:??]
هذه الآية صريحة في الفرار بالدين، وهجرة الأهل والبنين والقرابات والأصدقاء والأوطان، والأموال خوف الفتنة وما يلقاه الإنسان من المحنة.
وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فارًا بدينه، وكذلك أصحابه، وهجروا أوطانهم،

???
وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وقراباتهم وإخوانهم رجاء السلامة بالدين؛ والنجاة من فتنة الكافرين.
وقد جعلت طائفة من العلماء العزلة اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهرهم.
وقال ابن المبارك في تفسير العُزلة: أن تكون مع القوم إذا خاضوا في ذكر الله فخض معهم، وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت.
وقد اعتزل رجالٌ من أهل بدر، فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم.
وذكر ابن المبارك قال: حدثنا وهيب بن الورد قال: جاء رجل إلى وهيب بن منبه فقال: إن الناس وقعوا فيما فيه وقعوا، وقد حدثتني نفسي ألا أخالطهم فقال: لا تفعل! إنه لابد لك من الناس، ولابد لهم منك، ولك إليهم حوائج، ولهم إليك حوائج، ولكن كن فيهم أصمَّ سَمِيْعاً، أعمى بَصِيراً، سكوتاً نطوقاً264??هـ.
ولا شك أن الناس يختلفون في مشروعية الاعتزال فمن كان قوي الإيمان يؤثر في غيره دون أن يتاثر بهم كثير تأثير، فالمستحب في حقه أن يخالط الناس، وأن يؤثر فيهم بالخير ما استطاع.
ومن كان ضعيف الإيمان، ولا يؤثر فيهم، ويخشى عليه الفتنة بهم وضياع دينه وإيمانه، فالمستحب في حقه اعتزالهم.
أما اعتزال أهل الشر والفساد إذا عصوا الله عز وجل أو خاضوا فيما يغضب الله، فواجب على كل مسلم يرجو الله واليوم الآخر.
وإذا كان الناس يطيعون ويعصون، فعلى المسلم أن يخالطهم في الطاعة، كصلاة الجماعة، والجمعة، ودروس العلم، وتشييع الجنائز، وعيادة المرضى، وأن يعتزلهم إذا عصوا الله عز وجل وكذلك في المكروهات، وفضول المباحات، والله أعلم
???









قصة أصحاب الكهف

سنين وازدادوا تسعا )) وهي جمله مستأنفه مبينه كما قال مجاهد لما أجمل في قوله تعالي : (( فضربنا على ءاذانهم في الكهف سنين عددا )
واختار ذلك غير واحد , قال في الكشف : فعلى هذا قولة تعالى : (( قل الله أعلم بما لبثوا ) تقرير لكون المدة المضرب فيها على آذانهم هي هذة المدة كأنه قيل : قل الله أعلم بما لبثوا , وقد أعلم فهو الحق الصحيح الذي لا يحوم حوله شك , قط وفائده تأخير البيان التنبيه على انهم تنازعوا في ذلك , ايضا لذكره عقيب اختلافهم في عدة أشخاصهم , وليكون التذلييل بقول : الله أعلم محاكيا للتذليل بقوله سبحانه : ( قل ربي أعلم بعدتهم ) و للدلاله على انه من الغيب الذي أخبر به – عليه الصلاة والسلام- ليكون معجزا له . ولو قيل : فضربنا على آذانهم سنين عددا , وأوتي به مبينا أولا لم يكن فيه الدلاله , فهذه عدة فوائد والأصل الأخيره أنتهى .
وقال القاسمي : ( قل الله أعلم بما لبثوا ) أي : بمقدار لبثهم , فلا تقفوا ما ليس لكم به علم , وما هو غيب يرد إليه سبحانه كما قال : ( له غيب السماوات والارض ) أي: ماغاب فيهما وفي من أحوال أهلها ،أي: أنه هو وحده العالم به ( أبصر به وأسمع ) أي : ما ابصره لكل موجود , وأسمعه لكل مسموع , لايخفى عليه شي , ولا يحجب بصره وسمعه شيء

********************
# الفوائد والآثار الإيمانيه :
(1) قال القرطبي في قوله تعالى( إذ أوى الفتيه إلى الكهف فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك رحمه وهيئ لنا من أمرنا رشدا ) *الكهف10*
هذه الايه صريحه في الفرار بالدين وهجره الأاهل والبنين والقرابات والاصدقاء والأطان والأموال خوف الفتنة ومايلقاه الإنسان من المحنه .
وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم فارا بدنيه وكذلك أصحابه وهجروا أوطانهن , وتركوا أرضهم وديارهم وأهاليهم وأولادهم وفراباتهم رجاء السلامة بالدين, والنجاة من فتنه الكافرين
وقد جعت طائفه العلماء العزله اعتزال الشر وأهله بقلبك وعملك إن كنت بين أظهرهم .
وقال ابن المبارك في تفسير العزلة : ان تكوت مع القوم إذا خاضوا في ذكر الله فخذ معهم, وإن خاضوا في غير ذلك فاسكت
وقدا اعتزل رجال من اهل بدر فلزموا بيوتهم بعد قتل عثمات فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم .
وذكر ابن المبارك قال: حدثنا وهيب بن الورد قال :جتء رجل إلى وهب بن منبه فقال: لاتفعل! إنه لابد بك من الناس ولابد لهم منك ولك اليهم حوائج ولهم إبيك حوائج , ولكن كن فيهم اصم سميعا , أعمى بصيرا ,سكوتا نطوقا.
ولاشك أن الناس في مشروعية الاعتزال فمن كامن قوي الايمان يؤثر في غيره دون أن يتأثر بهم كثير تأثير
فالمستحب في حقه أن يخالط الناس, وأن يؤثر فيهم بالخير ما استطاع
ومن كان ضعيف الإيمال , ولايؤثر فيهم , ويخشى عليه الفتنة بهم وضياع دينه وإيمانه فالمستحب في حقه اعتزالهم
أما اعتزال أهل الشر والفساد إذا عصوا الله عز وجل أو خاضوا فيما يغصب الله , فواجب على كل مسلم يرجو الله واليوم الاخر
واذا كان الناس يطيعون ويعصون فعلى المسلم أن يخالهم في الطاعه كصلاة الجماعه, والجمعة, ودروس العلم ,وتشيع الجنائز, وعيادة المرضى, وأن يعتزلهم إذا عصوا الله عز وجل وكذلك في الكهروهات وفضول المباحات والله أعلم
2- اختلف العلماء في تفسير قوله تعالى : ( وكلبهم باسط ذراعينه بالوصيد ) فزعم بعض المفسرين أنه لك يكن كلبا حقيقا وهذا خلاف ظاهر القرآن وأشار الشنقيطي إلى قوله ( باسط ذراعيه ) قرينه على أنه كلب حقيقي
وقال القرطبي في مشروعية اقتناء الكلب:
ورد في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشيه نقص من أجره كل يوم قيراطان ))
وروي في الصحيح ايضا عن أبي هريره قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم
قال : (من اتخذ كلبا إلاكلب ماشية أوصيد أوزرع انتقص من أجره كل يوم قيراط )
قال الزهري : وذكر لابن عمر قول أبي هريره فقال: يرحم الله أبا هريره كان صاحب زرع فقد السنة الثابته على اقتناء الكلب للصيد والزرع والماشيه , وجعل النقص في اجر اقتناء على غير ذلك من المنفعه إما لترويع الكلب المسلين وتشويشه عليهم بنابحه أو لمنع دخول الملائكه البيت أو لنجاسته على مايراه الشافعي,
أو لإقتحام النهي عن اتخاذ ما لا منفعه فيه والله اعلم وقال في إحدى الروايتين : (( قيراطان )) وفي الأخرى (( قيراط )) وذلك يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب إحداهما أشد اذى من الاخر كالأسود الذي أمر عليه السلام بقلته وقال (( عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان )) ويحتمل أن يكون لإختلاف المواضع فيكون ممسكه بالمجينة مثلا أو بمكه ينقص قيراطان أو بغيرهما قيراط
وكلب الماشيه المباح اتخاذه عند مالك هو الذي يسرح معها لا الذي يحفظها في الدار من السراق وكلب الزرع هو الذي يحفظها من الوحوش بالليل أو بالنهار لا من السراق , وقد اجاز غير مالك اتخاذها لسراق الماشيع والزرع
3 – وقال القرطبي أيضا : قال ابن عطيه : وحدثني أبي رضي الله عنه قال : سمعت أبا الفصل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنه تسع وستين وأربعمائه : إن من أحب اهل الخير نال من بركتهم , كلب أحب اهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزليه
4- قال الشنقيطي في قوله تعالي: ( فابعثوا أحكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ) الكهف
في قوله ( أزكى ) قولان للعلماء:
أحدهما: أن المراد بكونه ( أزكى) أطيب لونه حلالا ليس مما فيه حرام ولا شبهه
والثاني: أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر كقولهم : زكا الزرع إذا كثر وكقول الشاعر:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثه وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب
والقول الأول هو ألذ يدل له القران ، لأن أكل الحلال والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال: ( يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ) الايه * المؤمنون51
وقال: ( ياأيها الذيا ءامنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون)*البقره172
ويكثر في القران إطلاق مادة الزكاة على الطهاره كقوله تعالى ( قد أفلح من زكى )*الأعلى14
وقوله : (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ازكى منكم أحد )* الشمس9 وقوله ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ازكى منكم من أحد ) * النو21 وقوله : ( فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا من زكازه وأقرب رحما ) * الكهف81
وقوله: ( أقتلت نفسا وكيه بغير نفس ) * الكهف74 إلى غير ذلك من الأيات فالزكاه في هذه الأيات ونحوها : يراد الطهاره من أدناس الذنوب والمعاصي

فاللائق بحال هؤلاء الفتيه الأاخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم الحليه والطهاره لا الكثرة . وقد قال بعض العلماء : إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم وكافرون وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الطافرين وأن ذلك هو مرادهم بالزكاة في قوله ( ازكي طعاما ) وقيل : كان فيها اهل كتاب ومجوس , والعلم عند الله (1)
5- وقال رحمة الله عنه في قوله تعالي( أنهم أن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا ابدا ) أخذ بعض العلماء من هذه الأيه الكريمه أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمه لأن قولة في اصحاب الكهف : (أن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدكم في ملتهم ) ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعبتهم وكع هذا قال عنهم : ( ولن تفلحوا إذا ابدا) فدل ذلك علة أن ذلك الإكراه ليس بعذر ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربه مع الإكراه بالخوف من القتل لأن صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابا قتلوه (2)
ويشهد له أيضا دليل الخطاب أي : مفهوم المخالفه في قوله صلى الله عليه وسلم (أن الله تجاوز لي عن امتي الخطا والنسيان ومااستكرهوا عليه ) (3)
فإنه يفهم من قوله ( تجاوز عن أمتي ) أن غير امته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك
أما هذه الأمه فقد صرح الله تعالي بعذرهم بالإكراه في قوله تعالي( إلا من أكره وقلبه مطمئن للإيمان ) *النحل 106*
والعلم عند الله تعالى (4)

6- شاع استدلال بعض من بخس حظه في العلم والهدايه بقوله تهالي ( قال الذيم غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا)* الكهف21*
على جواز بناء المساجد على قبور الصالحين وهذا من الجهل بمكان فإنها حكاهب عن مقاله أهل الجاه والسلطان والغالب عليهم الجهل وهم يريدون أن يخلدوا ذكرى هؤلاء الفتيه الذين ثبتت لهم هذه الكرامه فقولهم هذا ليس حجه شرعيه يجب المصير اليها بتسليم ان شره من قبلنا شرع لنا وهي محل خلاف مع أن الحكم صريح والخبر صحيح في شرعنا بحرمة هذا الفعل ولعن فاعله وهي اشد صيغ التحريم قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا من قبور أنبيائهم مساجد) (1)
ولما اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن كنيسة الحبشه ومافيها منالتصاوير قال: ( اولئك إذا كان فيهم الرجل الصالخ بنو على قبره ثم صوروا تلم الصوره اولئك هم اشرار الخلف عند الله يوم القيامه)
ولو لم يرد في ذلك أخبار صحيحه صريحه لكان القول بالحرمه كذلك هو المتعين,لان ذلم من اعظم ذرائع الشرك فكم من دعاء وذبح ونذر وتوكل وخوف ورجاء وغير ذلك من العبادات تصرف لغير الله والله تعالة يقول : ( وأن المساجد فلا تدعوا مع الله أحد ) *الجن18*
ورد العلامة الألباني هذه الشبهه في كتابه البديه : نحذير المساجد من اتخاذ القبور مساجد ) من ثلاثه وجوه:
الاول: أن الصحيح المتقرر في علم الاصول أن شريعه من قبلنا ليست شريعه لنا الأدله كثيره منها قوله : قوله صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي- فذكرهاوأخرها- وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت للناس كافه
فاذا تبين هذا فلسنا ملترمين بالاخذ بما في الايه لو كانت تدل على أن جواز بناء المسجد على القبر كان شريعه من قبلنا
الثاني: هب أن الصواب قول من قال ( شريعة من قبلنا شريعة لنا )
فذلك مشروط عندهم بما اذا لم يرد في شرعنا ما يخالفنا وهذا الشرط معدوم
هذا لان الاحاديث تواترت في النهي عن البناء المذكزر كما سبق فذلك دليل على انى مافي الايه ليس شريعة لنا
الثالث:
لانسلم أن الايه تفيد أن ذلك كان شريعه لمن قبلنا غايه ما فيها أن جماعه من الناس قالوا : ( لنتخذن عليهم مسجدا ) فليس فيها التصريح بأنهم كانوا مؤمنين وعلى التسليم فليس فيها أنهم كانوا مؤمنين صالحين متمسكين بشريعة نبي مرسل بل الظاهر خلاف ذلك وقال الحافظ ابن رجب في ( فتح الباري في شرح البخاري) (65\280) من ( الكواب الدراري) في شرح حديث: ( لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )
وقد دل القران على مثل مادل عليه هذا الحديث , وهو قول الله في قصة اصحاب الكهف : ( قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا )
فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبه على الامور وذلك بأن يشعر بأن مستنده القهر والغلبه واتباع الهوى وانه ليس من فعل أهل العلم والفضل المنتصر لما انزل لله على رسله الهدى
قصة صاحب الجنتين
قال الله تعالى : واضرب لهم مثلا رجلين كعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (
32) كلتا الجنتين أتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وغجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34)ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما اظن أن تبيد هذه أبدا(35) وما أظن الساعه قائمه ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منهامنقلا ((36 قال لخ صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37)لكنا هو ربي ولا اشرك بربي أحدا(38)ولولا إذ دخلت قلت ماشاء الله لا قوة إلا بالله أن ترن انا أقل منك مالا وولاد (39) فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حُسْبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا(40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاويه على عروشها ويقول ياليتني لم اشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وماكان منتصرا (43)هنالك الولايه لله الحق هو خير ثوابا وخيرا عُقبا (44)

# بين يدي القصه:
هذه القصه الثانيه في هذه السوره المباركه سوره الكهف الحافلة بالقصص القرآني الزاخر بالعبر والعظات والحكم والايات وهي قصة واقعيه حقيقيه خلافا لمن زعم من المفسرين من انها مثل ضربه الله لورودها بصفة المثل في قولة تعالي: (واضرب لهم مثلا رجلين ) ولكنها والله أعلم لقوة دلالتها على ماسيقت من اجله استحقت أسم المثل كما قال الله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسوال والذين ءامنوا معه نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقره*214
فملما كان شأن غريبا , ودلاله ماحدث لهم من تأخير النصر وما أصابهم من البأساء والضراء عبر الله تعال عن خبرهم بالمثل فقال : ( ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم )
وسبق هذه القصه من الأيات التي تعظم شـأن الأيمان وترغب في صحبه المؤمنين وتزهد في اهل المدينه اغتروا بزينتها وفتنوا بزخرفتها فقال تعالى : ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالعغداة والعشي يريدون وجهه ولاتعد عيناك عنهم تريد زينه الحياة الدنيا ولاتطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان امره فرطا ) * الكهف 28*
ثم يبين الله عاقبة الكفر وعاقبة الايمان ثم قص القصة التي نحن بصددها وكيف اهل الدنيا الذين يغترون بزينتها ولايؤمنون بالاخره عرضه لخسارة الدنيا والاخره وانهم يعاقبون بالحسره والندم زالحرمان في الدنيا ثم يقلبون بعد ذلك الى عذاب الاخره وهو أشد وأبقى
ثم عقب الله هذه القصه بضرب المثل للحياة الدنيا وبيان أ , الباقيات الصالحات خير ثوابا وخير أملاّ
قفال تعالى ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا *المال والبنون زينة الحياه الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك وخيرا أملا ) * الكهف* 45-46
فتمت بذلك الموعظه وتنوع اسلوب الخطاب وجمع بين الترغيب والترهيب والقصه وضرب المثل : ( فبأي حيث بعد الله واءيته يؤمنون ) *الجاثيه6*
# ولنشرع في تفسير الأيات الكريمات:
قوله تعالى : ( واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهم بنخل وجعلما بينهما زرعا كلتا الجنتين ءاتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا ) *الكهف 32-33*
قال ابن كثير رحمة الله / يقول الله تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين وافتخروا عليهم بأموالهم وإحسانهم فضرب لهم مثلا برجلين جعل الله لأحدهما جنتين أي : بساتين – من اعناب محفوفين بالنخل المحدقه من جنباتهما وفي خلالهما الروزع وكل من الاشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة ولهذا قال : ( كلتا الجنتين ءاتت اكلها ) أي: أخرجت ثمرها ( ولم تظلم منه شيئا ) أي: ولم تنقص منه شيئا ( وفجرنا خلالهما نهرا ) أي : والأنهار متفرقه من هنا وهناك.
وقال الشوكاني: قوله ( واضرب لهم مثلا رجلين ) هذا المثل ضربه الله سبحانه لمن يتعزز بالدنيا ويستنكف عن مجالسة الفقراء فهو على هذا متصل بقوله : ( واصبر نفسك)
وقد اختلف في الرجلين هل هما مقدران , أو محققان ؟ فقال بالأول بعض المفسرين. وقال بالاخر بعض الاخر واختلفوا في تعيينهما فقيل: هما أخوان من بني إسرئيل وقيل: هما أخوان مخزوميان من أهل مكه أحدهما مؤمن والاخر كافر , وقيل: هما المذكور ان في سورة الصافات في قوله : ( قال قائل منهم إني كا لي قرين ) *الصافات 51*
وقال الرازي ما مخلصه : قوله تعالى : ( جعلنا لأحدهما جنتين ) فأعلم ان الله تعالى وصف تلك الجنة بصفات :
الصفه الأولى: كومها جنة وسمي بستان جنة لاستتار ما يستتر فيها بظل الأشجار وأصل الكلمه من الستر والتغطية.
والصفه الثانيه : وحففنهما بنخل, أي : وجعلنا النخل محيطاّ بالجنتين ونظيره في قوله تعالى : ( وترى الملائكه حافين من حول العرش ) *الزمر 75*
الصفه الثالث : (وجعلنا بينهما زرعا ) والمقصود منه أمور أحدهما : ان تكون الأرض جامعة للأقوات والفاكهه, وثانيها : أن تكون تلك الأرض متسعه الأطراف متباعده الأكتاف ومع ذلك فإنهما لم يتوسطها مايقطع بعضها عن بعض وثالثهما : أن مثل هذه الارض تأتي في كل وقت بمنفعة أخرى وهي ثمرة أخرى فكانت منفعتها دارة متواصله.
الصفه الرابعه : قولة تعالى : ( كلتا الجنتين ءاتت أكلها ولم تظلم منه شئا )
أي لم تنقص , والظلم : النقصان , يقول الرجل :ظلمني حقي : أي نقصني
الصفه الخامسه :قوله تعالى : ( وفجرنا خلالهما نهرا ) أي كان النهر يجري في داخل تلك الجنتين وقوله ( خلالهما) أي : وسطهما وبينهما
الصفه السادسه : قوله تعالى : ( وكان له ثمر ) هو جمع ثمار او ثمرة , وذكر أهل اللغة انه بالضم أنواع الأموال من الذهب والفضه وغيرهما وبالفتح حمل الشعر (1)
قوله تعالى : ( وكان له ثمر فقال لصحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه
قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا * وما أظن الساعه قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) * الكهف36-34
قال القاسمي : ( وكان له ) أي: لصاحب الجنتين (ثمر ) أي : انواع من المال غير الجنتين من ( ثمر ماله ) إذا كثره ( فقال لصاحبه وهو يحاوره ) أي : يراجعه الكلام , تعييرا له بالفقر وفخرا عليه بالمال والجاه ( أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) أي : أنصارا وحشما.
( ودخل جنته ) أي : بصاحبه يطوف به فيها ويفاخر بها , كما يدل عليه السياق , ومحاورته له , وإفراد الجنه هنا مع أن له جنتين كما مر, إما لعدم تعلق الغرض بتعددها , وإما لاتصال احداهما بالاخرى واما لأن الدخول يكون في واحده فواحده وقيل : الأضافه تأتي لمعنى اللام فالمراد بها العموم والاستغراق , أي : كل ماهو جنة له يتمته بها فيفيد ما أفادته التثنيه مع زيادة وهي الإشاره إلى انه لاجنة له غير هذه ( وهو ظالم لنفسه ) أي: بما يوجب سلب النعمة وهو الكفر والعجب وفي ( العنايه ) ظلمة لها اما بمعنى : تنقيصها وضررها لتعريض نعمته للزوال ونفسه للهلاك أو بمعنى : وضع الشيء في غير موضعه ,لأن مقتضى ما شاهده التواضع المبكي, لا العجب بها وظنها أنها لاتبيد أبدا والكفر بإنكار البعث كما يدل عليه قوله : ( قال ما أظن أن تبيد ) أي : تهلم وتفنى (هذه) أي : الجنة ( أبدا)لاعتقاده ابديه
الدهر, وأن لاكون سوى ماتقع عليه مشاعره ولذا قال: ( وما أظن الساعة قائمه ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا ) (1)
قال الرمخشري : ( وهو ظالم لنفسه 9 وهو معجب بما اوتي , مفتخر به, كافر لنعمة ربه , معرض بذلك نفسه لسخط الله
وأفحش الظلم, إخباره عن نفسه الشك في بيدودة جنته لطول أمله , واستيلاء الحرض عليه , وتمادي غفلته , واغتراره بالمهله وإطراحة النظر في عوقا امثاله , وترى أكثر الأغنيا من المسلمين وإن لم يطلقوا بنحو هذا ألسنتهم لإن ألسنة أحوالهم ناطقة به مناديه عليه ( ولئن رددت إلى ربي) إقسام منه على إن رد الى ربي سبيل الفرض و التقدير وكما يزعم صاحبه . ليجدن في الأخره خيرا من جنته في الدنيا تطعماّ وتمنياّ على الله وادعاء اكرامته عليه ومكانته عنده وأنه ما أولا الجنتين إلا لاستحقاقه و استئهاله وأن معه الاستحقاق أينما توجه كقوله ( إن لي عنده للحسنى ) *فصلت50*
(لأوتين مالا وولدا) *مريم77*
واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا وظنهم أن الاخره كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضا بالمال والولد كما أنعم عليهم في الدنيا جاء مبيناّ في أيات أخر كقوله في فصلت: ( ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما اظن الساعة قائمه ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده الحسنى )
وفي مريم : ( أفرْيت الذي كفر بئاياتنا وقال لأوتين مالا وولدا) وقوله في سبأ : ( وقالوا نحن أكثر أموالا واولادا ومانحن بمعذبين )
وقوله في هذه السوره الكريمه : ( فقال وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ) وبين جل وعلا – كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة الله في الآخره كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضيع كثيره كقولة ( أيحسبون انما نمد لهم له من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لايشعرون )*المؤمنون *
وقولوه : ( سنستدرجهم من حيث لايعلمون* وأملي لهم إن كيدي متين ) *القلم وقال تعالى ( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين )*ال عمران*
وقوله : (وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفي ) *سبا*
وقوله تعالي: ( وما أغنى عنه ماله وما اكسب ) *المسد* إلى غير ذلك من الأيات قوله تعالى( قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفه ثم سواك رجلا* لكنا هو الله ربي لا اشرك بربي أحدا ) *الكهف*
قال محمد نسيب الرفاعي اختصارا لكلا ابن كثير: يخبر تعالي عما وعظه به صاحبه المؤمن زاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار ( أكفرت بالذي خلقك من تراب)
وهذا انكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه كما قال تعالى: ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم )*البقر*
أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليك ظاهره جليه لاينكرها احد ويعلمها من نفسه فإن كل أحد من المخلوقات يعلم أنه كان عدما, ولايستند وجوده إلى شي من المخلوقات ,لأنها مثله ,فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء, ولهذا قال المؤمن : ( لاكنا هو الله ربي) أي: لكن انا لا اقول بمقالتك ,بل اعترف لله بالوحدانيه والربويه ( ولا اشرك بربي أحدا )
وقال الزمخشري (خلقك من تراب ) أي : خلق أصلك لأن خلق أصله سبب في خلقه فكان خلقه خلقا له (سواك ) : عدلك وكملك إنسانا ذكرا أو بالغا مبلغ الرجال جعله كافرا بالله جاحدا لأنعمه,لشكه في البعث كما يكون المكذب بالرسوال صلى الله عليه وسلم كافرا(3)
وقال القاسمي (لاكنا هو الله ربي ولا أشرك به أحدا) أي : لكن أنا لا أقزل بمقالتك ,بل أعترف لله بالوحدانيه والربويه , ولا أشرك به أحدا معه من العلويات والسفليات وقد قرأ بن عامر ( لاكنا) بإثبات الألف وصلا وقفاّ والباقون بحذفها وصلا وبإثباتها وقفا . فالوقوف رفاق وأصله (لكن انا) وقرئ كذلك فحذفت الهمزه ثم أدغمت النون في مثلها فصار (لكن ) ثم ألحق الألف إجراء تدل على ان الأصل (لكن انا ) وبغيرها يلزم الإلباس بينه وبين (لكن) المشدده
قال الزمخشري ونحوه قول القائل:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب وتقلينني لكن إياك لا أقلي
أي : لكن أنا لا أقليك
ويقرب منه الآخر: ولو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن زنجي عظيم المشافر
أي: ولكنك(1)
قوله تعالى : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ماشاء الله لاقوه الا بالله إن ترن أنا أل منك مالا وولدا )*الكهف*
قال ابن كثير : أي: هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد مالم يعطه غيرك وقلت : ماشاء الله لاقوة إلا بالله ولهذا قال السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل : ماشاء الله لاقوة إلا بالله , تحضيضا له على الاعتراف بالعجز وأن ماتيسر له من عمارتها إنما هو بعونة الله لايقوته وقدرته






قصة الخضر وموسى عليه السلام
6 – قصة الخضر وموسئ
قال تعالى : ( وإذْ قَالَ مُوسى لِفتاةُ لَا أَبرَحُ حَتًى أَبْلغَ مَجْمَعَ البحْرَين أَوْ أَمضٍي حُقُبا (60) فَلَمٌا بَلَغَا مَجْمَع بَيْنهمَا نَسٍيَا حُوتَهُما فاتخٌذَ سبيلهُ فِي الْبَحْر سَرَبًا (61) فلمًا جَاوزا قَالَ لِفتاةُ اَتِنا غَدَاءنا لَقَدْ لقينا مِن سَفرِنا هذَا نَصَبٌا (62) قَالَ أَرأيْتَ أذّ أوَيْنا إِلى الصّخرَة فَإنٌي نَسيتُ وَمَا أَنسَانيهُ إلاٌ الشُيطْانُ أَن أَذْكُرَهُ وَ اتخٌذ سَبيلهُ فِي الْبَحْر عَجَباٌ (63)قَالَ ذَلِكَ مَا كُنٌا نَبْغِ فَارْتَداٌ عَلَى آثارِهِمَا قَصَصٌا (64)فَوَجَدَا عَبْدًا مٌنْ عبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مٌن عِندِنَا وَعلٌمْنَاهُ مِن لٌدُنٌا عِلْمًا 65)) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتٌبْعَكَ عَلَى أَن تُعَلٌمًن مِمٌا عُلٌمْتَ رُشْدٌا (66) قَالَ إِنٌك لَن تَسْتطيعَ مَعِي صَبْراٌ ) 67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِط بِه خُبْرا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللٌه صَابِرا ولاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرّا (69) قَالَ فَإن اتٌبَعْتَني فَلاَ تَسْأَلْنِي عَن شَيء حَتٌى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرّا (70) فَانطلَقَا حتٌى إذا رَكبَا فِي السٌفِنة خَرَقَهَا قَال أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِق أَهلْهَا لَقَدْ جِئتَ شَيْئٌا إِمْرّا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إنٌك لَن تًسْتَطِيع مَعَي صَبْرّا (72) قَالَ لَا تُؤاخذني بٍما نَسيت وَلا تُرْهقْني مِنْ أَمْري عُسْرّا 73)) فَانطَلقَا حَتٌى إذا لَقيا غُلَاماُ فَقَتَلهُ قَالَ أَقَتلْتَ نَفْسّا زكيًةّ بِغَيْر نَفْس لٌقَدْ جِئْت شيْئاّ نٌكْرّا74)) قَالَ أَلم أَقُل لٌك إنكٌ لن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراّ(75) قَالَ إن سَألتُك عَن شيء بَعْدَهَا فَلاَ تُصاحبني قد بلغتْ مِن لٌدنُي عُذراّ(76) فَانطلَقَا حَتٌى إذأ أَتَيَا أهل قٌرية اسْتَطْعَمَا أهلها فأبوْا أَن يُضَيٌفُوهُمَا فَوَجَدا فِيها جدارّ يُرٍيدُ أن ينقضّ فأقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئت لا تٌخَذْتَ عَليْه أَجْراّ (77) قَالَ هذا فراق بَيْني وبَيْنك سَأُنَبَئك بِتَأْويل مًالَمْ تَسْتطع عٌليْه صَبْراّ(78)أَمٌا السٌفِينَةُ فَكَانَتْ لِمساكينَ يَعْملُونَ فِي البَحر فَأرَدت أن أعيبها وَكَان وَرَاءهُم مٌلِك يَأخُذ كُل سَفينَة غَصْباّ (79) وَأَما الْغُلامُ فَكَانَ أَبَواهُ مُؤْمٍنَيّن فَخَشينا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانّا وَكُفْرّ(80)فَأّردْنَا أن يُبْدلَهُما رَبٌهُمَا خًيراّ مًنْهُ زّكّاةّ وَأَقْرَبَ رُحْماّ(81) وَأَمٌا الْجدَارُ فَكَان لِغُلاَميْن يَتيِمين فِي المدينة وَكَان تَحتْه كَنزّ لٌهُمَا وَكَان أَبُوهُمَا صَالِحاٌ فَأَراد رَبٌك أَن يَبْلُغَا أَشُدٌهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كّنزَهُمَا رَحْمة مًن رُبك وَمَا فَعَلْتُهُ عَن أَمٌرِي ذلك تَأْوِيل مالَمْ تَستطِع عٌليه صَبْراّ(82) الكهف (82-60)

وقد وردت قصة الخضر وموسى في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بأطول من ذلك ونحن نسوق القصص كما رواها البخاري من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قام موسى خطيبا في بني إسرائيل فقيل له : أي الناس أعلم ؟ قال: أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه وأوحى بل عبد من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك , قال : يارب كيف السبيل أليه ؟قال تأخذ حوتا في مكتل فحيثما فقدت الحوت فاتبعه, فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت , حتى انتهيا إلى الصخرة, فنزلا عندها . قال: فوضع موسى رأسه فنام " قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال" وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة لايصيب من مائها شيء إلا حيى , فأصاب الحوت من ماء تلك العين , قال : فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر,فلما استيقظ موسى قال لفتاه (آتنا غدائنا...) الآيه قال:ولم يجد النصب حتى جاوز ما أمره به قال له فتاه يوشع بن نون (قال أرّأيت إذ أَوَيَنْا إلى الصٌخْرِة فَإني نَسيت الْحُوت..) الآية قال: فرجعا يقصان في آثارهما , فوجدا في البحر كالطارق ممر الحوت , فكان لفتاه عجبا, وللحوت سربا. قال : فلما انتهيا إلي الصخره إذا هما برجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى , قال : وأني بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم . قال: ( هَلْ أَتبعُك على أن تُعَلٌمَنِ مِمٌا عُلمْتَ رُشْداّ) قال له الخضر: ياموسي إنك على على علم الله علمكه الله لا إعلمه, وانا على علم من علم الله علمنيه الله لاتعلمه. قال: بل أتبعك. قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى احدث لك منه ذكرا . فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت بهما سفينه فعرف الخضر فحملوهم في سفينتهم بغير نول – يقول بغير أجر-فركبا السفينة قال: ووقع عصفور على السفينه فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ماغمس هذا العصفور منقاره قال: فلم يفجأ موسى إذا عمد الخضرالى قدوم فخرق السفينه فقال له موسى قد حملونا بغير نول عمدت الي سفينتهم فخرقتها (لِتُغِرقَ أَهلَها لَقْد جِئت ...)فانطلقا إذا هما بغلام يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر برأسه فقظعه قال له موسى (أقتلت نفسأ زكيه بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا) قال (قال الم اقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا إلى قوله : (فأبوا أن يُصيفُوهُما فوجدا جدارا يريد أن ينقض ) فقال بيده هكذا فأقامه: فقال له موسى :إنا دخلنا هذه القريه فلم يضيفونا ولم يطعمونا (قال لو شئت لأتخذت عليه أجرا)
قال:( هذا فراق بيني وبينك سأونبنك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا) قال رسوال لله صلى الله عليه وسلم :"وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما " وقال: وكان ابن عباس يقرأ:" وكان أمامهم ملم يأخذ كل سفينة غصبا,وأما الغلام فكان كافرا"
بين يدي القصة:
لاشك ان هذه القصه تحتمل مجلدذ لما فيها من الفوائد والحكم والأيات والعبر والعظات ,فإن بدايتها كما في الحديث كانت عتاباّ من الله عز وجل لموسى عليه السلام حينما نسب العلم إلى نفسه , ولم يرد العلم إلى الله عز وجل ثم ما فيها من تواضع, فرحل صلى الله عليه وسلم طلبا للعلم ثم في أدبه مع الخضر بيان لأدب المتعلم مع العالم, حيث قال: ( هل أتبعك على أن تُعلًمن مما عُلمت رُشداّ )وكيف أنه رأى ما لاصبر له على إنكاره من الامور التي ظاهرها مفاسد محضه وفي باطنها من الحكم والغايات مالايعلمه إلا الله عز وجل وموسى عليه السلام وكان الخضر قد تنبأ بذلك فقال : (
إنك لن تستطيع معي صبراّ) وكما أن القصه آداب طلب العلم وآداب العالم والمتعلم ففيها ايضا آداب العالم مع ربه عز وجل وكان أول هذه الاداب إذا سئل العبد: أي الناس أعلم فلا ينسى أن ينسب العلم إلى الله عز وجل وقد قال الخضر لموسى عندما رأى عصفورا وقف على حرق السفينة وغمس منقاره في البحر: ماعلمي وعلمك وعلك جميع الخلائق في علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر , ومن ذلك عدم نسبة الشر إلى الله عز وجل أدبا مع الله عز وجل مع ان الله عز وجل هو خالق الخير والشر , فالشر المحض ليس إليه بل في كل ماقدره الله عز وجل وقضاه حكم وغايات قد تخفى على البشر وظهر هذا الادب مع الله عز وجل عند قوله ( فأردت أن أعيبها ) فنسب الإداره إلى نفسه وقال : (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) وقد علمنا القران ذلك في مواضع كثيره منها قوله عز وجل : ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ) } ال عمران:26{ مع أنه عز وجل مقدر الخير والشر ومن ذلك قوله عز وجل حاكياّ عن إبراهيم عليه السلام ( وإذا مرضت فهَو يشفين (80) } الشعراء:80{ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( والخير كله بيديك والشر ليس إليك"
وفي القصه كذلك من الأحكاك الفقهيه والأصوليه بيان تعريف المسكين ومايفترق به عن الفقير , والراجح: أنهما يأتيان بمعنى واحد , ويأتي المسكين بمعنى : انه عنده مالايكفيه , والفقير: هو الذي ليس عنده شي قال : ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) فسماهم مساكين مع أن معهم سفينة وفيها دفع المفسدة العظمى بالمفسدة الصغرى ولنشرع في شرح الأيات الكريمات فإن ماذكرناه, زهرة من رياض أو قطره من حياض قوله تعالى : ( وإذ قال موسى لا ابرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حٌقبا (60) }الكهف 60{
2 جزء من حديث رواء مسلم (6\59) " صلاة المسافرين
وقال النووي مامخلصه: قال الخطابي وغيره فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله تعالى ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الامور دون مساويها على وجه الادب
وفيه خمسة اقوال :
أحدهما معناه: لايقترب به إليه, قاله الخليل بن احمد والنضر بن شميل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن خزيمه والأزهري وغيرهم
والثاني: حكاه الشيخ أبو حامد عن المزني وقال غيره ايضا معناه لايضاف إليك على انفراده لايقال: ياخالق القرده والخنازير ويارب الشر ونحو هذا , وان كان خالق كل شي ورب كل شئ , وحينئذ يدخل الشر في العموم
والثالث: معناه: والشر لايصعد إليك إنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح
والرابع: والشر ليس شراّ بالنسبة إليك فإنك خلقته بحكمه بالغه وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين
والخامس حكاه الخطابي أنه كقولك: فلان إلى بني فلان إذا كان عداده فيهم أن صفوة إليهم بإختصار من شرح النووي على صحيح مسلم (6\59)
قال ابن الجوزي: سبب خروج موسى عليه السلام في هذا السفر ماروى ابن العباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث وقد تقدم انفا ثم قال:فأما التفسير فقولة تعالى : ( وإذ قال موسى ) المعنى واذكر ذلك وفي موسى قولام:
أحدهما : انه موسى بن عمران قاله الاكثرون ويدل عليه ماروى في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير قال: قلت لإبن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس هو موسى الخضر قال كذب عدو الله اخبرني أبي بن كعب فذكر الحديث
والثاني : انه موسى بن ميسا قاله ابن إسحاق وليس بشيء للحديث الصحيح الذي ذكرناه فأما فتاه فهو يوشع بن نون من غير خلاف وانما سمي فتاه لانه كان يلازمه ويأخذ عنه العلم ويخدمه
ومعنى ( لا أبرح) لا أرال والمعنى : لا ازال اسير حتى أبلغ مجمع البحرين أي : ملتقاهما , وهو الموضع الذي وعده الله بلقاء الخضر فيه قال قتاده: بحر فارس وبحر الروم فبحر الروم نحو المغرب وبحر فارس نحو المشرق
وقوله : ( أو أمضي حقبا) قال ابن قتيبية : الحقب :الدهر , الحقب: السنون واحدتها حقبه
قولة تعالى : ( فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيلهُ في البحر سربا (61) الكهف: 61
وذلك أنه كان قد مر بحمل حوت مملوح معه وقيل له : متى فقدت الحوت فهو ثمة , فسارا حتى بلغا مجمع البحرين وهناك عين يقال لها / عين الحياة. فناما هناك وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء فاضطرب وكان مكتل مع يوشع بن نون عليه السلام وطفر من المكتل الى البحر فاستيقظ يوشع عليه السلام وسقط الحوت في البحر فجلع يسير في الناء والماء له مثل الطاق لا يلنئم بعده ولهذا قال تعالى ( فاتخذ سبيله في البحر سربا )أي : مثل التسرب في الارض
قوله تعالى ( فلما جاوزا قال لفتاه اتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) الكهف 62
قال الرازي/ فلما جاوز، أي موسى وفتاه الموعد المعين وهو الوصول إلى الصخره بسبب النسيان وذهبا كثيرا وتعبا وجاعا (قال لفتاه اتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) قال الفتى ( قال أرأيت إذ أوينا الى الصخة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا ) ( الكهف63)
قال الزمخشري / لما طلب موسى عليع السلام الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه إلى تلك الغايه, فدهش وطفق يسأل موسى عليه السلام عن سبب ذلك كأنه قال أرأيت مادهانا إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت
وقال القاسمي : أي خبر الحوت وإسناد النسيان إليهما أولا اما بمعنى : نسيان طلبه والذهول عن تفقده لعدم الحاجه اليه وإما للتغليب بناء على الناسي إنما كان يوشع وحده / فإنه نسي أن يخبرموسى بشأنه العجيب: فيكون كقولة تعالى ( يخرج منهما الؤلؤ والمرجان ) ( الرحمن22) وانما يخرج من المالح ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن اذكره ) بدل من الهاء في أنسانيهُ : أي : وما انساني ذكره إلا الشيطان
( واتخذ سبيله في البحر عجبا ) أي: أمرا عجيبا إذ سار الماء عليه سربا
قوله تعالى ( قال ذلك ما كنا فارتدا على اثارهما قصصا ( الكهف64)
قال الشوكاني: أي قال موسى لفتاه ذلك الذي ذكرت من فقد الحوت في ذلك الموضع هو الذي كنا نطلبه فإن الرجل الذي نريده هو هناك ( فارتدا على اثارهما قصصا ) أي : رجعا على الطريق الذي جاء منه يقصان اثرهما لئلا يخطئا طريقهما والقصص في اللغه : اتباع الاثر
3 فتح القدير (3\299)باختصار

قوله تعالى : ( فَوَجَدَا عَبْدّا مٌن عِبَادِنَا اتَيْنَاهً رَحمْةٌ مًن عِندِنا وَعَلمنُاهُ مِن لٌدًنَا عِلْمّا) (الكهف:65
قال الرازي ما خلصه : قال الأكثرون : إن ذلك العبد كان نبياّ واحتجوا عليه بوجوه:
الأول : أنه تعالى قال : ( آتَيْنَاهُ رَحمٌةّ مٌنْ عِندِنا ) والرحمة هي النبوة بدليل قوله تعالى : ( أَهُم يَقْسِمُونَ رَحْمتَ رَبَكّ ) }الرخرف32{ وقوله : ( ومَا كُنتَ تَرجُو إلاّ رحمة مّن رّبك ( القصص"86) والمراد من هذه الرحمة:النبوة,ولقائل أن يقول نُسلم أن النبوة رحمة أما لايلزم أن يكون كل رحمة نبوة
الحجه الثانيه:قوله تعالى : ( وَعَلمُناهُ مِن لٌدُنا عِلمّا ) وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطه تعليم معلم ولا إرشاد
الحجه الثالثه: أن موسى عليه السلام قال : ( هَلُ أّتبعك عَلَى أن تُعلمنِ) والنبي لايتبع غير النبي في التعليم
الحجه الرابعه : أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى , حيث قال له: (وَكيفَ تَصْبرُ عَلَى مَالمّ تُحِط بِهِ خُبْرّا ) وأما موسى فأنه أظهر التواضع له حيث قال (لا أعصي لك أمراّ )
الحجه الخامسه: أحتج الأصم على نبوته بقوله في أثناء القصة ( وما فعلته عن أمري) (الكهف:82) ومعناه فعلته بوحي الله
الحجه السادسه: ماروي أن موسى عليه السلام لماوصل إليه قال: السلام عليك فقال: وعليكم السلام يا نبي بني اسرائيل فقال موسى عليه السلام : من عرفك هذا ؟ قال: الذي بعثك إلُي قالوا: وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحي والوحي لايكون إلا مع النبوة4
4 باختصال من التفسير الكبير "(11\21\126,127)
وقال الشوكاني: ( فَوَجَدا مٌن عِبَدّا مٌن عِبَادِنَا ) هو الخضر في قول جمهور المفسرين وعلى ذلك دلت الأحاديث الصحيحه وخالف في ذلك من لايعتمد بقوله فقال: ليس هو الخضر بل عالم آخر .ثم وصفه الله سبحانه فقال: (آتَيْناهُ رَحمْة مّن عِندِنا ) قيل :الرحمة : هي النبوة وقيل : النعمة التي أنعم الله بها عليه (وَعلٌمنَاهُ مِن لّدُنا عِلْمّا ) وهو : ما علمه الله سبحانه من علم الغيب الذي استأثر به وفي قوله : ( مِنٌ لّدُنّا ) بتفخيم لشأن ذلك العلم وتعظيم له قال الزجاج: وفيما فعل موسى وهو من جملة الأنبياء من طلب العلم والرحله في ذلك ما يدل علي أنه لاينبغي لأحد أن يترك طلب العلم وإن كان قد بلغ نهايته , وأن يتواضع لمن هو أعلم منه, ثم قص الله سبحانه علينا ما دار بين موسى والخضر بعد اجتماعمها فقال 5: قوله تعالى (قال له موسى هل أتبعك ) أي :أصحبك ( على أن تُعلمن مما عُلمت رُشدا) الكهف :66
قال القاسمي: (قال له موسى هل أتبعك ) أي:أصحبك ( على أن تُعلمن مما عُلمت ) أي : من لدن ربك (رُشّدّا) أي: علما ذا رشد أي :هدى وإصابة خير
قال القاضي : وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه, بتعليم بعض ما أنعم الله عليه , أي : هكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم 6
قوله : قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) الكهف

5" فتح القدير" 3\299
6"محاسن التأويل" 11\61\62
قال القرطبي: قال الخضر : (إنك لن تستطيع معي صبرا ) أي : انك يا موسى لاتطيق أن تصبر على ماتراه من علمي :لأن الظواهر التي هي علمك لاتعطيه. وكيف تصبر على ماتراه خطأ ولم تخبر بوجه الحكمة فيه, ولاطريق الصواب
وهو كهمى قوله : وكيف تصبر على مالم تحط به خبرا (68) والأنبياء لايقرون على منكر ولايجوز لهم التقرير أي : لايسعك السكوت جريا على عادتك وحكمك 7
قوله تعالى : ( قال ستجدني إن شاء الله صابراّ ولا اعصي لك أمرا (69)الكهف
قال الزمخشري : رجا موسى عليه السلام لحرصه على العلم وازدياده وأن يستطيع معه صبرا بعد إفصاح الخضرعن حقيقة الأمر فوعده بالصبر معلقا بمشيئة الله علما منه بشدة الأمر وصعوبته وأن الحمية التي تأخذ المصلح عن مشاهدة الفساد شيء لايطاق هذا مع علمه ان النبي المعصوم الذي أموه الله بالمسافرة واتباعه وافتباسه العم منه بريء من أن يباشر مافيه غميزة في الدين وأنه لابد لما يستسمج ظاهره من باطن حسن جميل فكيف إذا لم يعلم 8
قوله تعالي: ( قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شي حتى أُحدِث لَكَ مِنه ذِكرّا (70) الكهف
قال القاسمي : أي:لاتفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته حتى أبتدئك ببيانه , وهذا من اداب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع 9
قوله تعالي ( فانطلقا حتى إذا ركبا السفينه قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرّا (71) الكهف

7 " الجامع لأحكام القران 5\4065
8" الكشاف2\734
"9 محاسن التأويل 11\64
قال ابن جرير رحمة الله : فا نطلقا يمشيان على ساحل البحر , يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جدجده وثيقه لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها فسألا أهلها أن يحلموهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولججت بهما مع أهلها أخرج منقاراّ له مطرقه, صم عمد إلى ناحية فيها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها ثم أخذا لوحأ فطبقهعليها ثم جلس عليها يرقعها قال له موسى ورأي أمرا افظع به : ( قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمراّ ) 10 (71) وقوله (إمٌرّا) أي منكرا او عجيبا
قوله تعالي : ( قال الم أقل انك لن تستطيع معي صبرا (72)قال لاتؤاخذني بما نسيت ولاترهقني من أمري عسرا (73)الكهف
قال ابن كثير: فعندما قال له الخضر مذكراّ بما تقدم الشرط (ألم أقل لك انك لاتستطيع معي صبرا ) يعني : وهذا الصنع فعلته قصدا وهو من الأمور التي اشترطت معك ولم تعلمه أنت ( قَالَ) أي: ياموسى ( لاتؤاخذني بما نسيت ولاترهقني من أمري عسرا ) أي لاتضيق علي ولاتشدد علي ولهذا تقدم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كانت الأولى من مسوى نسيانا ) 11
وقال ابن الجوزي : قوله ( لاتؤاخذني بما نسيت ) في هذا النسيان ثلاثة اقوال
أحدهما : أنه على حقيقته , وأنه نسي ,روى ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أن الاولى كانت نسيانا من موسى )
والثاني: أنه لم ينس , ولكنه كم معاريض الكلام , قال أبي بن كعب وابن العباس
والثالث: انه بمعنى : الترك: فالمعنى : لاتؤاخذاني بما تركته مما.

10 جامع البيان 8\15\181
11 تفسير القران العظيم





6-قصة الخصر وموسى
قوله تعالى : ( فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكيه بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا ((76 * الكهف *
قال القرطبي: قوله تعالى : ( فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ) في البخاري قال يعلى قال سعيد : وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرأ فاضجعه ثم ذبحه بالسكين ( قال أقتلت نفسأ زكية بغير نفس) لم تعمل بالخبث وفي الصحيحين وصحيح الترمذي
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذا أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه لبده فقتله قاله له موسى : ( أقتلت نفسا زكيه بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا(74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75) قال : هذه أشد من الأولى (قال إن سألتك عن شي بعدها فلا تُصاحبني قد بلغت من لدني عذرا(76)
لفظ البخاري وفي التفسير أن الخضر مر بغلمان يلعبون فأخذ بيده غلاما ليس فيهم أضوأ منه وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه قال أبو العاليه: لم يره إلا موسى ولو رأوه لحالوا بينه وبين الغلام قلت : ولا اختلاف بين هذه الأوال الثلاثه فإنه يحتمل أن يكون دمغه أولا بالحجر ثم أضجعه فذبحه, ثم أقتلع رأسه والله أعلم بما كان من ذلك وحسبك بما جاء في الصحيح
قال الألوسي مامخلصه : قال- أي: موسى عليه السلام –(( إن سألتك عن شيء ) تفعله من الأعاجيب ((بعدها)) أي بعد هذه المرة أو بعد هذه المسأله(( فلا تصاحبني )) أي :فلا تكن صاحبي (( قد بلغت من لدني عذرا )) أي: وجدت عذرأ من قبلي وقال النووي: معناه : قد بلغت إلى الغابه التي تعذر بسببها في فراقي حيث خالفتك مره بعد مره وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رحمة الله علينا وعلة موسى لو صبر على صاحبع لرأي العجب لكن أخذته من صاحبه ذمامه فقال ذلك قوله تعالي (( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريه استطعما أهلها فابوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أ، ينفض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل مالم تستطع عليه صبرا (78)* الكهف
قال ابن كثير رحمة الله يقول تعالى مخبرا عنهما أنهما ( انطلقا ) بعد المرتين الأوليت ( حتى إذا أتيا أهل قريه ) روى ابن جريح سيرين أنها الأيككه وفي الحديث : حتى إذا أتيا أهل قريه لئاما أي: بخلاء ( فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ) إسناد الأراده ها هنا إلى الجدار على سبيل الأستعاره فإن الأراده في المحدثات بمعنى : الميل والانقضاض هو السقوط وقوله (( فأقامه )) أي فرده إلى حاله الاستقامه وقد تقدم في الحجيث أنه رده بيده ودعمه حتى رد ميله وهذا خارق فعند ذلك قال موسى له (( لو شئت لأتخذت عليه أجرا ) أي: لأجل انهم لم يضيفونا كا ينبغي أن لاتعمل لهم مجانا ( ألأ هذا فراق بيني وبينك ) أي: لأنك شرطت عند قتل
_________________________________________________
1- روح المعاني (2\16)باختصار من روايه مسلم في الصحيح " الفضائل"
وقال التووي قال اصحابنا فيه استحابا ابتداء الانسان في الدعاء وسبهه من امور الاخره واما حظوظ الدنيا فالأدب فيها الإيثار وتقديم غيره على نفسه وقوله " اخذته من صاحبه ذمامه " أي: استحياء لتكرار مخالفته وقيل : ملامه والأول هو المشهور

الغلان انك سالتني عن شي بعدها فلا تصاحبني فهو الفراق بيني وبينك (سأئنبك بتأويل ) أي بتفسير مالم تستطع عليه صبرا
قوله تعالي ( اما السفينه فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا
قال الشنقيطي :ظاهر هذه الأيه الكريمه أن ذلك الملك يأخذ كل سفينه صحيحه كانت أو معيبه
لكنه يفهم من ايه أخرى أنه لايأخذ المعيبه وهي قوله ( فأردت أن اعيبها ) أي لئلا يأخذها وذلك من الحكمه في خرقه لها المذكور في قوله ( حتى إذا ركبا السفينه حرقها ) ثم يٌبين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من اخذ ذلك الملك الغاضب , لأن عيبه يزهده فيها ولأجل ماذكرنا كانت هذه الايه الكريمه مثال عند علماء العربيه لحذف النعت أي وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينه صحيحه غير معيبه بدليل ماذكرنا
قوله تعالى ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفار (80)فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأٌرب رحما (81) *الكهف
قال القاسمي : (( وأمٌا الغُلامُ)) أي: الذي قتله ((فكان أبواه مؤمنين فخشينا )) أي : لو تركناه ( أن يرهقهنا طغيانا وكفرا ) أي: ينزل بهما طغيانه وكفره ويلحقه بهما لكونه طبع على ذلك فيخشى أن يعديهما بدائه (فأردنا) أي: بقتله ( أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاه) أي : طهاره عن الكفر والطغيان ( وأٌقرب رحما) أي رحمة بأبويه وبرا
وقال القرطبي وأما الغلام فكان أبواه مؤُمنين ) جاء في صحيح الحديث ( أنه طبع يوم طبع كافرا ) وهذا يؤيد ظاهره أنه غير بالغ ويحتمل أن يكون خبرا عنه مع كونه بالغا وقد تقدم
________________________________-
1—" تفسير القران العظيم
2—"أضواء البيان
3—محاسن التأويل
4 الحديث رواه مسلم الفضائل وقال النووي قال القاضي هذا حجه بينة لأهل السنه لصحه مذهبهم في الطبع والدين والأكنه والأغشيه والحجب والسد وأشباه هذه الالفاظ االوارده في الشرع في افعال الله تعالى بقلوب اهل الكفر والضلال "شرح النووي " هامش




قال ويستفاد من هذه الأيه تهوين المصائب بفقد الأولاد وإن كانو قطعا من الأكباد ومن سلم للقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء قال قتاده لقد فرح أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي كان فيه هلاكهما فالواجب على كل امرى الرضا بقضاء اللله تعالى فإن قضاء الله تعالى للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيما يحب (1)
قوله تعالى واما الجدار فكان لغلامين يتيميت في المدينه وكان تحته كبز لهما وكان ابوهما صالحا فأراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمه من ربك ومافعلته عن امري ذلك تأويل مالم تستطع عليه صبرا
قال الفخر الرازي : وأما المسأله الثالثه وهي إقامة الجدار فقد أجاب العالم عنها بأن الداعي لع اليها أنه كان تحت ذلك الجدار كنز وكان ذلك ليتيمين في تلك المدينه وكان ابوهما صالحا ولما كان ذلك الجدار مشرفا على السقوط لو سقط لضاع الكنز فأراد الله إبقاءذلك الكنز على ذينك اليتيمين رعايه لحقهما ورعايه لحقهما ورعاية لحق صلاح ابيهما فأمرني بإقامة ذلك الجار رعايه لهذا المصالح وفي الأيه فوائد:
الفائده الأولى: أنه تعالى سمي ذلك الموضع قريه حيث قال إذا أتيا أهل قريه وسماه ايضا مدينة حيث قال ( وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينه)
الفائده الثانيه : اختلفوا في هذا الكنز فقيل أنه كان مالا وهذه هو الصحيح لوجهين:
الاول ان المفهوم من لفظ الكنز هو المال

والثاني: أن قوله ويستخرجا كنزهما يدل على أن ذلك الكنز هو المال وقيل أنه كان علما بدليل أنه قال وكان أبُوُهما صالحا والرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال إذ كنز المال لايليق بالصلاح بدليل قوله تعالى ( والذين يكنزون الذهب والفضه ) الايه التوبه
الفائده الثالثه: قوله وكان أبًوهما صالحا يدل على أن صلاح الاباء يفيد العنايه بأحوال الابناء وعن جعفر بن محمد كان بين الغلامين وبين الاب الصالح سبة اباء وعن الحسن بن علي على انه قال لبعض الخوارج في كلام جريئ بينهما بما حفظ الله مال الغلامين ؟ قال : بصلاح أبيهما قال: فأبي وجدي خير منه
قوله (رحمة من ربك ) يعني : انما فعلت هذه الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى بأسرها ترجع الى حرف واحد وهو تحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى كما قررناه
ثم قال ( ومافعلته عن امري) يعني مافعلت ما رأيت من هذه الأحوال عن امري واجتهادي رأيي وانما فعلته بأمر الله ووحيه ,لأن الأقدام على تنقيص أموال الناس وإراقه دمائهم لايجوز إلا بالوحي والنص القاطع
بقي في الايه سؤال وهو انه قال ( فأردت أن اعيبها )وقال (فأردنا ان يبدلهما ربهما خيراّ من زكاه وقال( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ) كيف اختلفت الإضافه في هذه الإرادات الثلاث وهي في قصه واحده وفعل واحد . والجواب
انه لما يذكر العيب اضافه إلى إراده نفسه فقال أردت أن أعيبها ولما ذكر القتل عبر عن نفسه بلفظ الجمع
تنبيها على انه من العظماء في علوم الحكمة فلم بقدم على هذا القتل إلالحكمة عاليه , ولما ذكر رعاية مصالح اليتيمين لأجل صلا ابيهما أضافه إلى الله تعالى لأن المتكفل بمصالح الأبناء لرعايه حق الأباء ليس الإ الله عزوجل
الفوائد والاثار الايمانيه :
قال الشنقيطي رحمة الله ماملخصه:مسألة أعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر هل هو حي إلى الان أو هو غير حي بل ممن مات فيما مضى من الزمان ؟ فذهب كثيرا من أهل العلم
الى انه حي وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره والنووي في شرح المسلم وغيره وابن الصلاح والنقاش وغيرهم
قال ابن عطيه : وأطنب النقاش له في هذا المعنى يعني حياة الخضر ويقاءه الى يوم القيامه وذكر في كتابه اشياء كثيره عن علي بن ابي طالب وغيره وكلها لاتثوم على ساق انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره
وحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر وعواهم أنه يحج هو والياس كل سنه ويروون عنها بعض الادعيه كل ذلك معروف ومستند القائلين بذلك ضعيف جدا لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح ومنامات واحاديث مرفوعه عن أنس وغيره وكلها ضعيف لاتقوم به حجة ومن أقواه عن القائلين به أثار التعزيه حين توفي النبي صلى الله عليه وسلم والاستدلال على حياة الخضر بأثار التعزيه مردود من وجهين
الاول: انه لم يثبت ذلك بسند صحيح قال ابن كثير في تفسيره وقال النووي وغيره في بقاء الخضر الى الان ثم الى يوم القيامه قولين : ومال هو ابن صلصاح إلى بقائه وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم وجاء ذكره في بعض الاحاديث ولايصح شيء من ذلك واشهرها حديث التعزيه اسناده ضعيف
الثاني: انه على فرض ان حديث التعزيه صحيح لايلزم من ذلك عقلا ولا شرعا ولاعرفا ان يكون ذلك المعزي هو الخضر بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن لأن الجن هم الذين قال فيهم ( انه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم ) * الاعراف* ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بلا دليل قولهم كانوا يرون انه الخضر ليسحجه يجب الرجوع اليها لاحتمال أن يخطؤوا في ظنهك ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم ولامتمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى ثم قال رحمة الله : الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسأله أن الخضر ليس بحي بل توفي لعدة أدله
الاول ظاهر عموم قوله تعالى( وماجعلنا لبشر من قبلك الخلد فإن مت فهم الخالدون) فقوله ) لبشر) نكره في سياق النفي فهي تعم كل بشر فليزم ذلك نفي الخلد عن كل بشر قبله والخضر بشر من قبله
الثاني قوله صلى الله عليه وسلم اللهم ان تهلك هذه العصابه من أهل الاسلام لاتعبد في الارض× ومحل الشاهد منخ قولة صلى الله عليه وسلم ( لاتعبد في الارض فعل في سياق النفي
فاعلن أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيا في الارض لانه على تقدير وجوده حيا في الارض فأن الله يعبد في الارض
الثالث: اخباره صلى الله عليه وسلم بانه على راس مائة سنة من الليله التي تكلم فيها بالحديث بم يبق على وجه الارص احد ممن هو عليها تلك الليله فلو كان الخضر حيا في الارض لما تأخر بعد المائه المذكورة
الرابع :أن الخضر لو كان حبا الى زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكان من أتباعه ولنصره وقاتل معه لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الانس والجن والايات الداله على عموم رسالته كثيره جدا كقوله تعالى يا ايها الناس أني رسول الله اليكم جميعا * الاعراف*
ويوضح هذا انه تعالى بين في سوره ال عمران أنه اخذ على جميع النبيين والميثاق المؤكد انهم إذا جاءهم نبينا صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم أن يؤمنوا به وينصرونه وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما اتيكم من كتاب وحكمه ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم واخذتم على ذلكم

(1) رواه مسلم (12\84) الجهاد والسير والترميذي ( 11\211) التفسير وأحمد (32\177-\30)
2- رواه البخاري (1\255) العلم ومسلم (16\90) الفتن وأبو داود (4326) الملاحم
قال الحافظ: قال ابن بطال / إنا اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه المده تخترم الجيل الذي هم فيه فوعظهم بقصر أعمارهم وأعلمهم أن اعمارهم ليست كأعمار من تقدم من الامم ليجتهدوا في العباده *فتح الباري*


6- قصة الخضر وموسى :
إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمت تولى ذلك بعد فأولئك هم الفاسقون (82)*عمران *

لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمه محمد صلى الله عليه وسلم وممن يقتدي بشرعه فتحصب أن الأحاديث المرفوعه التى تدل على وجود الخضر حيا باقيا لم يثبت منها شيء وأنه قد دلت الأدلة المذكوره على وفاته كما قدمنا ايضاحه
وقال رحمة الله مايلخصه قوله تعالى ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقص فأقامه ) * الكهف*
هذه الأيه الكريم من اكبر الأدله التي يستدل بها القائلون بأن المجاز في القران زاعمين أن إرادة الجدار الآنقضاض لايمكن أن تكون حقيقه وانما هي مجاز












يبادر إلى إنكار ما يستحسنه فلعل فيه سرًا لا يعرفه ، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم ، و يُرّاعي الأدب في المقال ، وأن ينبه المجرم على جرمه ، وأن يعفو عنه حتى يتحقق إصراره ، ثم يهاجر عنه . انتهى (?265) . 
{?} وقال صلى الله عليه وسلم ما ملخصه: ذكر الناصر في "الانتصاف" شذرات من لطائف بعض الآي المذكورة فنأثرها عنه : 
قال عليه الرحمة : ومما يدل على أن موسى عليه والسلام أنما حمله على المبادرة بالإنكار الالتهاب والحمية للحق، وأنه قال حين خرق  السفينة : قَالَ { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } ولم يقل { لِتُغْرِقَنَا } فنسي نفسه وانشغل بغيره في الحالة التي يقول فيها كل أحد : ( نفسي نفسي ) لا يلوي على مال ولا ولد وتلك حالة الغرق ، فسبحان من جبل أنبياءَه و أصفياءَه ، على نصح الخلق والشفقة عليهم والرأفة بهم ، صلوات الله عليهم أجمعين وسلامه . 
ثم قال القاسمي : أبدى بعضهم سرًا للتعبير أولًا "بتستطيع" ثم أخيرًا "بتسطع" بحذف التاء : قال : لما أن فسر الخضر لموسى وبيّن له تأويل مالم يصبر معه ووضحه وأزال المشكل قال :  "تسطع" بحذف التاء، وقبل ذلك كان الإشكال قويًا ثقيلًا ،فقال : { سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا } فقابل الأثقل بالأثقل والأخف بالأخف ، كما قال : { فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ } [الكهف ??] هو الصعود إلى أعلاه { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } [الكهف :??] وهو أشق من ذلك . فقابل كلًا بما يناسبه لفظًا ومعنى . انتهى . وقال الشهاب : إنما خصَّ هذا بالتخفيف ؛ لأنه لما تكرر في القصة ناسب تأخير الخفيف منه ، وأما كونه للإشارة إلى أنه خفَّ على موسى عليه السلام ما لقيه ببيان سببه أنَّهُ في الحكاية لا المحكي . انتهى . 
وما ألطف قول الشهاب في مثله : هذه زهرة لا تحتمل هذا الفرك (?)
{?} وقال القرطبي في قولة تعالى : { قَالَ لَهُ مُوسَى? هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى? أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } [الكهف :?? ] فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى :} قَالَ لَهُ مُوسَى? هَلْ أَتَّبِعُكَ { هذا سؤال الملاطف , والمخاطب المستذل المبالغ في حسن الأدب , المعنى هل يتفق لك ويخف عليك وهذا كما في الحديث : هل تستطيع أن تريني كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأ (1) .
الثانية : في هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم وإن تفاوتت المراتب , ولا يظن أن في تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر كان أفضل منه فقد يشذ عن الفاضل ما يعلمه المفضول , والفضل لمن فضله الله فالخضر إن كان وليًا فموسى أفضل منه ؛ لأنه نبي والنبي أفضل من الولي وإن كان نبيًا فموسى فضله بالرسالة , والله أعلم (266) .
}5{ وقال رحمه الله : قال شيخنا الإمام أبو العباس : ذهب قوم من زنادقة الباطنة إلى سلوم طريق تلزم منه هذه (3) الأحكام الشرعية فقالوا : هذه الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة , وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص , بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم , ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم , وقالوا : وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار وخلوها عن الأغبار , فتتجلى لهم العلوم الإلهية والحقائق الربانية فيقفون على أسرار الكائنات , ويعلمون أحكام الجزيئات , فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات , كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم , وقد جاء فيما ينقلون : " استفت قلبك فإن أفتاك المفتون " (4) .

قال شيخنا رضي الله عنه : هذا القول زندقة وكفر , يقتل قائله ولا يستتاب ؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع , فإن الله تعالى قد أجرى سنته وأنفذ حكمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه , وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه , المبينون شرائعه وأحكامه , اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك , كما قال تعالى : } اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ { [سورة الحج:75] وقال تعالى : } اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ { [الأنعام : 124] وقال تعالى : } كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ { [البقرة :213] .. إلى غير ذلك من الآيات , وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي , واليقين الضروري , واجتماع السلف والخلف على أنه لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه ولا يعرف شيءٌ منها إلا من جهة الرسل , فمن قال : إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يستغنى عن الرسل فهو كافر يقتل ولا يستتاب , ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب , ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا – عليه الصلاة والسلام – الذي جعله الله خاتم أنبيائه ورسله , فلا نبي بعده ولا رسول وبيان ذلك أن من قال يأخذ عن قلبه وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى , وأنه يعمل بمقتضاه , وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة , فإن هذا نحو ما قال _عليه الصلاة والسلام_ :" إنَّ رُوحَ القُدسِ نَفَثَ في رَوْعِي ..."(1) الحديث .
267
} 6 { وقال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي عليه رحمة ربنا العلي في فوائد وأحكام هذه القصة :
منها : تواضع الفاضل للتعلم ممن هو دونه , فإن موسى بلا ريب أفضلمن الخضر .
ومنها : تعلم العالم الفاضل للعلم الذي يَتَمهَّرَ فيه , ممن مَهُرَ فيه وإن كان دونه في العلم درجات , فإن موسى من أكابر أولي العزم من الرسل الذين مَنَحَهُمُ الله وأعطاهم من العلوم مالم يعط أحد سواهم , ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر ماليس عنده , فلهذا اشتد حرصه على التعلم منه.
ومنها : أن العلم النافع هو العلم المرشد إلى الخير , وكل علم فيه رشد وهداية لطرق الخير وتحذير من طريق الشر , أو وسيلة إلى ذلك , فإنه من العلم النافع , وما سوى ذلك فإما أن يكون ضارًا أو ليس فيه فائدة لقوله: } أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا { [الكهف :66] .
ومنها : أن من ليس له صبر على صحبة العالم ولا قوة على الثبات على طريقة التعلم فإنه قاصر ليس بأهل التلقي , فمن لا صبر له لا يدرك العلم , ومن استعمل الصبر ولازمه أدرك به كل أمر سعى إليه , فإن الخضر اعتذر عن موسى أنه لا يصبر على علمه الخاص .
ومنها : فيه تنبيه على القاعدة المشهورة الكبيرة وهو أنه يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الخفيف, ويراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما , فإنَّ قتل الغلام الصغير شر , ولكن بقاءه جتى يبلغ أعظم شرًا , وبقاء الغلام من دون قتل وإن كان في ظاهر الحال أنه خير فالخير ببقاء أبويه على دينهما خير من ذلك , فلذلك قتله الخضر بعدما ألهمه الله الحقيقة فكان إلهامه الباطني بمنزلة البينات الظاهرة في حق غيره .
ومنها : القاعدة الكبيرة الأخرى , وهي أن عمل الإنسان في مال غيره
إذا كان على وجه المصلحة ودفع المضرة يجوز بلا إذن , حتى لو ترتب عليه إتلاف بعض المال , كما خرق الخضر السفينة لتعيب فتسلم من غضب الملك الظالم وتحت هاتين القاعدتين من الفوائد مالا حصر له .
ومنها : أنه ينبغي للعبد أن لا يفارق صاحبه في حال من الأحوال ويترك صحبته بل يفي له بذلك , حتى لا يجد للصبر محلاً , وأن موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة سبب لقطع المرافقة : (1)
} 7 { ورد في سبب تسمية الخضر ما وراه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء" (2) .
قال الحافظ : وقد زاد عبد الرازق في مصنفه بعد أن أخرجه بهذا الإسناد : الفرو الحشيش الأبيض وما أشبهه . قال عبدالله بن أحمد بعد أن رواه عن أبيه عنه : أظن هذا تفسيرًا من عبدالرازق . انتهى . وجزم بذلك عياض وقال الحربي : الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش وهذا موافق لقول عبدالرزاق . وعن ابن الأعرابي : الفروة : أرض بيضاء ليس فيها نبات وبهذا جزم الخطابي ومن تبعه (3) .

268




























رفع عبدالرحمن النجدي أسكنه الله الفردوس
قصة ذي القرنين















7- قصة ذي القرنين
قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ? قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ? قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى? ? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى? قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَ?لِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى? أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ? حَتَّى? إِذَا سَاوَى? بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ? حَتَّى? إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ? فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ? وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) ) ]سورة الكهف:83-98[
بين يدي القصة:
هذه القصة الرابعة في هذه السورة المباركة، والقصة جواب لمن سأل من مشركي مكة تبعاً لليهود عن رجل يلقب بذي القرنين، وطريقة القرآن في القصص الإعراض عن التفصيل الذي ليس وراء عبرة ولا حكمة، والاكتفاء بالإشارات التي تتضمن العبر والعظات، وقد اختلف الناس في ذي القرنين: هل كان نبياً أم مَلِكاً؟ ولم يأت خبر عن المعصوم في إثبات نبوته، وما استدلوا به من قوله تعالى: (( وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)) وقوله تعالى: ((قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ)) غير ناهض لما زعموه، ثم اختلفوا كذلك في اسمه فرجح الرازي والقاسمي: أنه الإسكندر، واحتجوا بأنه الذي ملك المشارق والمغارب،
والصحيح عدم الجزم بذلك، والذي يظهر من سياق الآيات أنه ملك مؤمن أعطاه الله عز وجل من أسباب الملك والقدرة ما بلغ به مشارق الأرض ومغاربها، و أنه كان عادلاً يُقَرَّب أهل الإيمان ويعذب أهل الفسوق والعصيان، كما يظهر من قوله: ((قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى? رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى? ? وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) )) وهذا شأن الملك المسلم الذي يرفع أهل الدين ويعذب الكفار والفاسقين. عكس ما يفعله كثير من حكام المسلمين الذين يَدَعُون أهل الأوثان ويعذبون أهل الإسلام، وسجون الأرض مملوءة بالشباب المسلم الذي رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، وأكثر القائمين على الحكم في بلاد المسلمين إن لم يكن جميعهم ((يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ? نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)) ]التوبة:67[، والله عز وجل وصف المؤمنين الصادقين فقال تعالى: ((الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) ]الحج:41[ ومن مظاهر صلاح هذا الملك أنه تعفف عمَّا في أيدي الناس، فلما قيل له: (( فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى? أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا )) قال: ((مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ )) كما قال سليمان عليه السلام: ((أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم)) ]النمل:36[.
فمحصَّل القصة أنه ملكٌ قد دانت له المشارق والمغارب، ويساعد أهل الإيمان ويعذب أهل الأوثان، وأنه يقوم بمصالح رعيته، ويسعى بالإصلاح في الأرض، وأشارت الآيات إلى ذلك إجمالاً، كما في قوله تعالى: (( وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا )) وصرحت كما في نهاية القصة من إقامة السد، وأومأت إلى ذلك في قوله: ((لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا)) فكأنه أقام لهم من المباني التي تحمي أجسادهم من حر الشمس، أو صرف لهم الملابس والأغطية، فهذا يفهم من سياق الآيات، ولنشرع في نقل كلام العلماء في تفسيرها والله المستعان.
قوله تعالى:(( وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ? قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا )) ]الكهف:83[
قال الرازي: اختلف الناس في أن ذي القرنين من هو، وذكروا فيه أقوالاً:
الأول: أنه هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني، قالوا: والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله تعالى: ((حَتَّى? إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)) وأيضاً بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)) .
وأيضاً بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ: إنه مبني في أقصى الشمال، فهذا الإنسان المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادات، وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الدهر، وأن لا يبقى مخفياً مستتراً، والمَلِكْ الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر.
إلى أن قال: فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر، وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
والقول الثاني: قال أبو الريحان الهروي المنجم في كتابه الذي سماه بالآثار الباقية عن القرون الخالية قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن أفريقش الحميري، فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال:
قَدْ كَانَ ذُو القَرُنَيْن قَبْلِي مُسلِماً
مِلَكاً عَلَا فِي الأرْضِ غَيْر مُفَنَّدِ
بَلَغَ المَشَارِقَ وَ المَغَارِبَ يَبْتَغِي
أَسْبَاب مُلْكٍ مِن كَرِيْمٍ سَيَّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبه أن يكون هذا القول أقرب؛ لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي، كذي النادي، وذي نواس، وذي النون، وغير ذلك..
والقول الثالث: أنه كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة، وإن كنا لا نعرف أنه مَنْ هُوَ.
















7- قصة ذي القرنين
والقول الرابع: أنَّ ذا القرنين مَلَكٌ من الملائكة.
عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين فقال: اللهم اغفر, أمَا رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء, حتى تسموا بأسماء الملائكة.
فهذا جملة ما قيل في هذا الباب, والقول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه. اهـ (1). وما رجحه غير راجح والله أعلم, وأقرب الأقوال هو الثالث, وهو ما دل عليه ظاهر القرآن, فمعه الدليل, وغيره يحتاج إلى دليل صحيح يجب المصير إليه, ولا دليل, والله أعلى وأعلم.
قوله تعالى: ((إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)) [الكهف: 84]: قال ابن كثير: أي: أعطيناه ملكاً عظيماً ممكناً فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحضارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض, ودانت له البلاد, وخضعت له ملوك العباد, وخدمته الأمم من العرب والعجم, ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذي القرنين: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها (2).
قال الزمخشري: ((مِن كُلِّ شَيْءٍ)).أي: من أسباب كل شيء أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ((سَبَبًا)) طريقاً موصلاً إليه, والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة, فأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً (3). قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)) [الكهف: 86-88]:
وقال الشوكاني: ((حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)) أي: نهاية الأرض من
(1) "التفسير الكبير" (11/21/140,139) باختصار.
(2) "تفسير القرآن العظيم" (3/101)(3) "الكشاف" (2/743).
7- قصة ذي القرنين
جهة المغرب؛ لأن من وراء هذه النهاية البحر المحيط, وهو لا يمكن المضي فيه ((وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ)) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "حامية" : أي: حارة, وقرأ الباقون ((حَمِئَةٍ)) أي: كثيرة الحمأة : وهي الطينة السوداء.
وقوله: ((وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا)) الضمير في عندها إما للعين أو للشمس قيل: هم قوم لباسهم جلود الوحش, وكانوا كفاراً, فخيره الله بين أن يعذبهم وبين أن يتركهم فقال: ((إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)) أي: إما أن تعذبهم بالقتل من أول الأمر, وإما أن تتخذ فيهم أمراً حسناً, مبالغة بجعل المصدر صفة للأمر, والمراد: دعوتهم إلى الحق وتعليمهم الشرائع ((قَالَ)) ذو القرنين مختاراً للدعوة التي هي الشق الأخير من الترديد ((أَمَّا مَن ظَلَمَ)) نفسه بالإصرار على الشرك ولم يقبل دعوتي ((فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ)) بالقتل في الدنيا ((ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ)) في الآخرة ((فَيُعَذِّبُهُ)) فيها ((عَذَابًا نُّكْرًا)) أي: منكراً فظيعاً (1).
وقال ابن كثير رحمه الله: ((وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا)) أي: أمة من الأمم, ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم, وقوله: ((قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا)) معنى هذا: أن الله تعالى مَكَّنَهُ منهم, وحكَّمَهُ فيهم, وأظفره بهم, وخيّره إن شاء قتل وسَبَا, وإن شاء مَنَّ أو فَدَى, فعرض عدله وإيمانه فيما أبداه, وبيانه في قوله: ((أَمَّا مَن ظَلَمَ)) أي: استمر على كفره وشركه بربه, فسوف نعذبه, قال قتادة: بالقتل.
وقوله: ((ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا)) أي: شديداً بليغاً وجيعاً أليماً, وفي هذا إثبات المعاد والجزاء, وقوله: ((فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى)) أي: في الدار الآخرة عند الله عز وجل: ((وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا)) قال مجاهد: معروفاً (2).

(1) " فتح القدير"(3/308).
(2) "تفسير القرآن العظيم" (3/103,102).
7- قصة ذي القرنين
قوله تعالى: ((ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)) [الكهف:89-91].
قال الرازي: اعلم أن الله تعالى لما بيّن أولاً أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مغرب الشمس, أتبعه ببيان أنه قصد أقرب الأماكن المسكونة من مطلع الشمس, فبين الله تعالى أنه وجد الشمس تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً, وفيه قولان:
الأول: أنه ليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع من وقوع شعاع الشَّمْسِ عليهم؛ فلهذا السبب إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب واغلة في الأرض, أو غاصوا في الماء, فيكون عند طلوع الشمس يتعذر عليهم التصرف في المعاش, وعند غروبها يشتغلون بتحصيل مهمات المعاش, حالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.
والقول الثاني: أن معناه: أنَّه لا ثياب لهم, ويكونون كسائر الحيوانات عراة أبداً, ويقال في كتب الهيئة: إن حال أكثر الزنج كذلك, وحال كل من يسكن البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك (1). وقال الطبري: وأما قوله: ((َكَذَلِكَ)) فإن معناه: ثم أتبع سبباً كذلك حتى إذا بلغ مَطلع الشمس, وكذلك من صلة ((أَتْبَعَ)) وإنما معنى الكلام: ثم أتبع سبباً حتى بلغ مطلع الشمس كما أتبع سبباً حتى بلغ مغربها, وقوله: ((وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا)) يقول: وقد أحطنا بما عند مطلع الشمس علماً لا يخفى علينا مما هنالك من الخلق وأحوالهم وأسبابهم ولا من غيرهم شيء, وبالذي قلنا في معنى الخبر قال أهل التأويل (2).
وقال الزمخشري: قيل: بلغ مطلع الشمس مثل ذلك؛ أي: كما بلغ مغربها وقيل: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذين تغرب عليهم؛ يعني: أنهم كفرة مثلهم, وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم (3).
(1) "التفسير الكبير"(11/21/143).(2) "جامع البيان" (8/16/12).(3) "الكشاف" (2/746).
7- قصة ذي القرنين
قوله تعالى: ((ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)) [الكهف: 92-93].
قال القاسمي: ((ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92)) أي: طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب, ((حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ)) قرأ بفتح السين وضمها؛ أي: بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ((وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا)) أي: من ورائهما أمة من الناس ((لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)) لكون لغتهم غريبة مجهولة, ولقلة فطنتهم (1).
قوله تعالى: ((قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)) [الكهف: 94-95]: يقول ابن كثير رحمه الله ما ملخصه: حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك, فيعبثون فيها فساداً, ويهلكون الحرث والنسل, ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام كما ثبت في الصحيحين: (إن الله تعالى يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك فيقول: ابعث بعث النار فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار, وواحد إلى الجنة, فحينئذ يشيب الصغير, وتضع كل ذات حمل حملها, فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه, يأجوج ومأجوج) (2).
وفي مسند أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب, وحام أبو السودان, ويافث أبو الترك) (3) قال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك وقال: إنما سمي هؤلاء: تركاً؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة وإلا فهم أقرباء أولئك ولكن كان في أولئك بغي
(1) "محاسن التأويل" (11/18).(2) رواه أحمد (6/441) عن أبي الدرداء, وقال الهيثمي في "المجمع" (10/393): إسناده جيد وللحديث شواهد في مسند البزار وأبو يعلى والطبراني.(3) رواه الترمذي (13/283) "المناقب", وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن, وأحمد (5/9-11) وفيه عنعنة الحسن البصري وفي سماع الحسن من سمرة كلام, انظر: "جامع الأصول" (4/40), ولم يذكره الألباني في "صحيح الترمذي".
7- قصة ذي القرنين
وفساد وجرأة (1).
قال القرطبي رحمه الله ما ملخصه:((فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً)) فيه مسألتان:
الأولى: قوله تعالى: ((فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا)) استفهام على جهة حسن الأدب ((خَرْجًا)) أي: جُعْلاً والخرج أخصُّ من الخراج يقال: أدَّ خَرْج رأسك, وخراج مدينتك. وقوله تعالى: ((عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا)) أي: ردماً, والردم ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل, وثوب مردم أي: مرقق. وقال عكرمة وأبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: ما كان من خلقة الله لم يشارك فيه أحدٌ بعمل فهو بالضم, وما كان من صنع البشر فهو بالفتح, ويلزم أهل هذه المقالة أن يقرءوا ((سَدًا)) بالفتح وقبله ((بَينَ السَّدَّينِ)) بالضم وهي: قراءة حمزة والكسائي.
الثانية: في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون, وحبس أهل الفساد فيها, ومنعهم من التصرف لما يريدونه, ولا يتركون وما هم عليه, بل يوجعون ضرباً ويحبسون, أو يكلفون ويطلقون, كما فعل عمر رضي الله عنه (2).
قوله تعالى: ((مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95)) [الكهف:95]:
قال الألوسي: أي: الذي مكني ((فِيهِ رَبَّي)) وجعلني فيه سبحانه مكيناً قادراً من الملك والمال وسائر الأسباب ((خَيْرٌ)) أي: مما تريدون أن تبذلوه إليّ من الخرج, فلا حاجة بي إليه ((فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ)) أي: بما يتقوى به على المقصود من الآلات كزبر الحديد أو من الناس, أو الأعم منهُمَا (3).
وقال القرطبي: وهذا تأييد من الله تعالى لذي القرنين في هذه المحاورة فإن القوم لو جمعوا له خرجاً لم يعنه أحد, ولوكلوه إلى البنيان, ومعونته
(1) "تفسير القرآن العظيم" (3/104,103) باختصار.
(2) باختصار من "الجامع لأحكام القرآن" (5/4098).(3) "روح المعاني" (16/39-40).
7- قصة ذي القرنين
بأنفسهم أجمل به, وأسرع في انقضاء هذا العمل, وربما أربى ما ذكروه له على الخرج.
وقرأ ابن كثير وحده ((ما مكَّنَنِي)) بنونين, وقرأ الباقون ((مَا مَكَّنّىِ فِيهِ رَبّىِ)) (1).
قوله تعالى: ((آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)) [الكهف: 96]:
قال الشوكاني: ومعنى الآية: أنهم أعطوه زبر الحديد (2), فجعل يبني بها بين الجبلين حتى ساواهما ((قَالَ انفُخُوا)) أي: قال للعملة: انفخوا على هذه الزبر بالكِيران ((حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا)) أي: جعل ذلك المنفوخ فيه وهو الزبر ناراً؛ أي: كالنار في حرها, وإسناد الجعل إلى ذي القرنين مجاز, لكونه الآمر بالنفخ. قيل: كان يأمر بوضع طاقة من الزبر والحجارة ثم يوقد عليه الحطب والفحم بالمنافخ حتى تحمى, والحديد إذا أوقد عليه صار كالنار, ثم يؤتى بالنحاس المذاب فيفرغه على تلك الطاقة, وهو معنى قوله: ((قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا)).
قال أهل اللغة: القطر: النحاس الذائب, والإفراغ: الصب, وكذا قال أكثر المفسرين (3).
وقالت طائفة: القطر: الحديد المذاب, وقالت فرقة أخرى منهم ابن الأنباري: هو الرصاص الذائب (4).
قوله تعالى: ((فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)) [الكهف:97]. قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبراً عن يأجوج ومأجوج: أنهم ما

(1) "الجامع لأحكام القرآن" (5/4099).(2) قال أكثر المفسرين: زبر الحديد: هي قطعه.
(3) وحجتهم قوله تعالى: ((وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ))[سبأ:12], وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك والسدي.(4) "فتح القدير" (3/313)
7- قصة ذي القرنين
قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد, ولا قدروا على نقبه من أسفله, ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلّاً بما يناسبه فقال: ((فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)) وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه, فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا روح, حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة, حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس, قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً, فيعودون إليه كأشد ما كان, حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله, فيستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه, فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم, فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم, فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفاً في رقابهم فيقتلهم بها) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم)) (1). ورواه أحمد أيضاً عن حسن هو ابن موسى الأشهب عن سفيان عن قتادة به, وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدث أبو رافع وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه, وإسناده جيد قوي, ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته (2), ولكن هذا قد
(1) رواه ابن ماجه (4080) "الفتن", وأحمد (2/511,510), وابن حبان (1908موارد), والحاكم (4/488) وقال: صحيح على شرط الشيخين و وافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة رقم (1735).(2) قال الألباني في الرد على كلام الحافظ من نكارة متنه؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته: لكن الآية لا تدل من قريب ولا بعيد أنهم لم يستطيعوا ذلك أبداً فالآية تتحدث عن الماضي والحديث عن المستقبل الآتي فلا تنافي ولا نكارة, بل الحديث يتمشى تماماً مع القرآن في قوله: ((حَتَّى? إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96)).

7- قصة ذي القرنين
روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل, فيقولون: غداً نفتحه, فيأتون من الغد وقد عاد كما كان فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون: كذلك فيصبحون وهو كما كان فيلحسونه ويقولون: غداً نفتحه ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه. وهذا متجه ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كثيراَ ما كان يجالسه ويحدثه, فحدث به أبو هريرة, فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه, والله أعلم.
ويؤيد ما قلناه: من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم – قال سفيان: أربع نسوة – قالت: استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمرٌ وجهه وهو يقول: (( لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شر قد اقترب, فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا)) وحلّق, قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (( نعم إذا كثر الخبث)) (1) هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري, ولكن سقط في رواية البخاري ذكر أم حبيبة وأثبتها مسلم وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد: منها رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان, ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروى بعضهن عن بعض, ثم كلَّ منهن صحابية, ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان رضي الله عنهن (2). قوله تعالى: ((قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98)) [الكهف: 98]: قال الزمخشري: ((هَذَا)) إشارة إلى السد؛ أي: هذا السد نعمة من الله و((رَحْمَةٌ)) على عباده. أو هذا الاقتدار والتمكين من تسويته ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي)) يعني: فإذا دنا مجيء يوم القيامة وشارف أن يأتي جعل السد((دَكّاءَ)) أي: مدكوكاً مبسوطاً مُسوّىً بالأرض, وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك,
(1) رواه البخاري (13/113)"الفتن", ومسلم (18/3,2) "الفتن وأشراط الساعة".(2) "تفسير القرآن العظيم" (3/105,104).
7- قصة ذي القرنين
ومنه الأدك: المنبسط السنام, وقرئ, دكاء بالمد؛ أي: أرضاً مستوية ((وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا)) آخر حكاية قول ذي القرنين (1).
الفوائد والآثار الإيمانية:
(1) قال القاسمي – في ذكر فوائد القصة وقد جزم كما تقدم أنه الإسكندر وهو خلاف ما رجحناه, فلينتبه القارئ, وسوف نجعل "ذي القرنين" بين معكوفتين حتى تستقيم العبارة – ما ملخصه: فمن فوائدها: الاعتبار برفع الله بعض الناس درجات على بعض, ورزقه من يشاء بغير حساب ملكاً ومالاً, لِما له من خفي الحكم, وباهر القدرة, فلا إله سواه.
ومنها: الإشارة إلى القيام بالأسباب, والجري وراء سنة الله في الكون من الجد والعمل, وأن على قدر بذل الجهد يكون الفوز والظفر, فإن ما قص عن الإسكندر [ذي القرنين] من ضربه في الأرض إلى مغرب الشمْسِ ومطلعها وشمالها, وعدم فتوره ووجدانه اللذة في مواصلة الأسفار وتجشم الأخطار, وركوب الأوعار والبحار, ثم إحرازه ذلك الفخار الذي لا يشق له غبار أكبر عبرة لأولي الأبصار.
ومنها: تنشيط الهمم لرفع العوائق, وأنه ما تيسرت الأسباب, فلا ينبغي أن يعد ركوب البحر ولا اجتياز القفر عذراً في الخمول والرضا بالدون, بل ينبغي أن ينشط.
ومنها: أن مَنْ قدر على أعدائه وتمكن منهم, فلا ينبغي له أن تسكره لذة السلطة بسوقهم بعصا الإذلال, وتجريعهم غصص الاستعباد والنكال, بل يعامل المحسن بإحسانه, والمسيء بقدر إساءته, فإن ما حكي عن الإسكندر [ذي القرنين] من قوله: ((قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ ...)) إلى آخره نهاية في العدل وغاية الإنصاف.
ومنها: أن على الملك التعفف عن أموال رعيته, والزهد في أخذ الأجرة
(1) "الكشاف" (2/748).
7- قصة ذي القرنين
في مقابلة عمل يأتيه, ما أغناه الله عنه, ففي ذلك حفظ كرامته وزيادة الشغف بمحبته.
ومنها: تعريف الغير ثمرة العمل المهم ليعرفوا قدره, فيظهروا شكره, ولذا قال: ((هَذَا رَحمَةٌ مِن رَّبَي))[ الكهف: 98].
ومنها: الإعلام بالدور الأخروي وانقضاء هذا الطور الأوَّلي, لتبقى النفوس طامحة إلى ذلك العالم الباقي والنعيم السرمدي ولذا قال: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي)).
ومنها: الاعتبار بتخليد جميل الثناء, وجليل الآثار, فإن مَنْ أمعن النظر فيما قُصَّ عنه في هذه الآيات الكريمة, يتضح له جلياً حسن سجاياه وسمو مزاياه من الشجاعة وعلو الهمة والعفة والعدل, ودأبه على توطيد الأمن وإثابة المحسنين وتأديبه للظالمين والإحسان إلى النوع البشري, لا سيما في زمان كان فيه أكثر عوائد وأخلاق الأمم المتمدنة وغير المتمدنة وحشية فاسدة (1).
(2) وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ((قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا)) [الكهف: 95]. في هذه الآية دليل على أن المَلِك فرض عليه أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم, وسد فرجتهم, وإصلاح ثغورهم, من أموالهم التي تفيء عليهم, وحقوقهم التي تجمعها خزانتهم تحت يده ونظره, حتى لو أكلتها الحقوق وأنفذتها المؤن لكان عليهم جبر ذلك من أموالهم, وعليه حسن النظر لهم, وذلك بثلاثة شروط: الأول: ألَّا يستأثر عليهم بشيء.
الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة فيعينهم.
الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على قدر منازلهم. فإذا فنيت بعد هذا وبقيت صفراً, فأطْلَعت الحوادث أمراً بذلوا أنفسهم قبل أموالهم, فإن لم يغن ذلك فأموالهم تأخذ منه على تقدير, وتصرف
(1) باختصار من محاسن التأويل (11/87-90).
7- قصة ذي القرنين
بتدبير, فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال في أن يكف عنهم ما يحذرونه من عادية يأجوج ومأجوج قال: لست أحتاج إليه, وإنما أحتاج إليكم ((فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ)) أي: اخدموا بأنفسكم معي, فإن الأموال عندي والرجال عندكم, ورأى أن الأموال لا تغني عنهم, فإنه إن أخذها أجرة نقص ذلك مما يحتاج إليه فيعود بالأجر عليهم, فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى؛ وضابط الأمر: أنه لا يحل مال أحد إلا لضرورة تعرض, فيؤخذ ذلك المال جهراً لا سراً, وينفق بالعدل لا بالاستئثار, وبرأي الجماعة لا بالاستبداد بالأمر, والله تعالى الموفق للصواب (1).
(3) اندكاك هذا السد وخروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى. قال الشنقيطي: قوله تعالى: ((قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)) [الكهف: 99,98].
اعلم أولاً أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود, وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينة له: وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك فإذا علمت ذلك فاعلم أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما بيان من كتاب أوضحته السنة فصار بضميمة السنة إلى القرآن بياناً وافياً بالمقصود, والله – جل وعلا – قال في كتابه لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) [النحل: 44]. فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكاً عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه, وقد دلتا على أنه بقُرْب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ((فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ...)) الآية, وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين ((يَوْمَئِذٍ)) من قوله:((وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي
(1) "الجامع لأحكام القرآن" (5/4099).
7- قصة ذي القرنين
بَعْضٍ)) أنه يوم إذا جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم.
وآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) الآية [الأنبياء: 97,96]؛ لأن قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ)), وإتباعه ذلك بقوله: ((وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا)) يدل في الجملة على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها. وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم روسية وأن السد فتح منذ زمان طويل (1).

*****************










(1) باختصار من أضواء البيان (4/182,181).
رَفعُ
عبدالرحمن النَّجديَّ
أسِكنه اللهُ الفِردوس




قصة قارون













- قصة قارون
8- قصة قارون

قوله تعالى: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) [القصص: 76-83].
بين يدي القصة:
هذه القصة التي سجلها الله عز وجل في كتابه عبرة للمعتبرين, وذكرى للمتقين, هي والكبر, فينسى حق الله عز وجل كما قال تعالى: (( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى (7)) [العلق: 7,6] والعبد لا يستغني عن ربه عز وجل طرفة عين, ولكنه بجاهه وماله يظن أنه استغنى, عند ذلك على عباد الله, والقصة تتكرر في كل عصر ومصر, فأكثر أصحاب الأموال همهم أن يكثر المال فيبخلون بزكاته, وشدة حرصهم على المال وحبهم له يجعلهم

8- قصة قارون
يجمعونه من الوجوه المباحة وغير المباحة, وقال صلى الله عليه وسلم: ( ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد من حرص المرء على المال والشرف لدينه ) (1), فطالب المال كشارب ماء البحر, كلما ازداد شُرباً ازداد عطشاً, ثم هذا الحرص وهو الحب الشديد والمبالغة في الطلب يفسد على العبد دينه الذي هو سبب السعادة في الدنيا والآخرة, وأكثر أصحاب الأموال لا يقولون بألسنتهم ما نطق به قارون: ((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)) ولكنه يعتقد ذلك بقلبه فيظن أنه بمهارته وذكائه, حَصَّل هذا المال الذي عجز عن تحصيله الآخرون. والناس ينخدعون بالمظاهر الكاذبة والزيف الظاهر ويتحاسدون غالباً على الأعراض والزخارف فليتهم يتحاسدون على العلم النافع والعمل الصالح, فأكثرهم إذا رأى أهل الدنيا يتقلبون في زينتها وزخارفها فيلبسون الثياب الفاخرة, ويركبون السيارات الفاخرة, وإن لم يقولوا بألسنتهم كما قال من قال: ((يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)) ولكنهم يتمنون ذلك بقلوبهم, ولكن أهل العلم والإيمان أصحاب الموازين الصحيحة يعلمون أن الدنيا ظلٌ زائل, وعرض حائل, وأن الآخرة هي الحيوان وأن ما عند الله خير.
وإنما ينفع المال إذا رزق العبد معه علماً وتقوى لله عز وجل وينفع العلم والتقوى كذلك بغير مال.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي في ماله ربه, ويصل فيه رحمه, ويعلم لله فيه حقاً فهذا بأحسن المنازل عند الله؛ ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الأجر سواء؛ ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يخبط في ماله لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقاً فهذا بأسوأ المنازل عند الله؛ ورجل لم يؤته الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته وهما في الوزر سواء) (2).
(1) رواه الترمذي (9/223,222) "الزهد", وقال: هذا حديث حسن صحيح, وأحمد (3/456), وصححه الألباني في الصحيح(5496), وكذا عبدالقادر الأرناؤوط في تحقيق "جامع الأصول".(2) رواه الترمذي (9/200,199) "أبواب الزهد", وقال حسن: صحيح, وابن ماجه في =
8- قصة قارون
فقصة قارون هي قصة الغنى المطغي الذي ينسى العبد نفسه, وينسيه ربه عز وجل فيتكبر ويتجبر ويبغي على عباد الله, وينخدع الناس بمظاهر هذا الغنى, ويظنون أن صاحبه من أسعد النَّاس وأحسنهم حَظَّاً, وما علموا أن الله عز وجل يعطي من يحب ومن لا يحب, ولا يعطي الدين إلا لمن أحبه, وذلك لحقارة الدنْيَا وقد قال الله عز وجل: ((وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)) [الزخرف: 33-35] فلولا أن يكون الناس أمة واحدة على الكفر وتكون الفتنة شديدة على أهل الإيمان, لفتح الله عز وجل على الكفار هذا الفتح في الدنيا لحقارتها, ثم جعل الله عز وجل الآخرة الباقية هي نصيب المؤمنين فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم, وأن يحشرنا في زمرتهم. وظهر في نهاية القصة ((فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)) حقارة الدنيا وسرعة زوالها, وانقلاب حلاوتها مرارة, وزخرفها وزينتها دماراً وخسارة, وهكذا الدنيا من وثق بها واغتر بظاهرها ونسي الآخرة ولم يطلب وجه ربه الأعلى تنقلب به الليالي والأيام. ويذوق الويلات ويذهب إلى الآخرة صفر اليدين, وقد ترك أمواله وعقاراته, ولم يقدم لحياته, فلا يجد في الآخرة إلا النار, نعوذ بالله من حال أهل البوار.
ولنشرع في شرح الآيات فإنها أقوى تأثيراً وأقوم قيلاً ...قوله تعالى: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)) [القصص: 76]: قال القرطبي: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى)) لما قال تعالى: ((وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا)) بيّن أن قارون أوتيها واغتر بها ولم تعصمه من عذاب الله كما لم تعصم فرعون, ولستم أيها المشركون بأكثر عدداً ومالاً من قارون وفرعون, فلم ينفع فرعون جنوده وأمواله, ولم ينفع قارون قرابته من موسى ولا كنوزه. = "الزهد" (4228), وأحمد (4/231,230), وصححه الألباني.
8- قصة قارون
قال النخغي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى.
وقال ابن إسحاق: كان عم موسى لأب وأم.
وقيل: كان ابن خالته(1).
وقال القاسمي: ((إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى)) أي: من شاكلتهم في الكفر والطغيان, قوم موسى: جماعته الذين أرسل إليهم وهم القبط, وطاغيتهم فرعون ((فَبَغَى عَلَيْهِمْ)) أي: بالكبر والاستطالة عليهم لما غلب عليه الحرص ومحبة الدنيا لغروره وتعززه برؤية زينة نفسه: ((وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ)) أي: من الأموال المدخرة ((مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ)) أي: مفاتيح صناديقه, على حذف مضاف, أو الإضافة لأدنى ملابسة, وقيل: خزائنه ((لَتَنُوءُ)) أي: تثقل ((بِالْعُصْبَةِ)) أي: بزخارف الدنيا فرحاً يشغلك عن الشكر, فيها والقيام بحقها ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)) أي: هذا الفرح لما فيه من إيثارها عن الآخرة, والرضا بها عنها, والإخلاد إليها, وذلك أصل كل شر ومبعث كل فسَاد (2).
وقال الزمخشري: وذلك أنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن, وأما من قلبه إلى الآخرة, ويعلم أن مفارق ما فيه عن قريب لم تحدثه نفسه بالفرح, وما أحسن ما قال القائل:
أشَدُّ الغمَّ عِنْدي في سُرُور تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالاً (3)
قوله تعالى: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)) [القصص: 77]: قال الرازي ما ملخصه: ثم إنه تعالى بيّن أنه كان في قومه مَنْ وعظه بأمور:
(1) "الجامع لأحكام القرآن" (6/5026).
(2) "محاسن التأويل" (13/126,125).
(3) "الكشاف" (3/430). قال في الهامش عن الشعر أنه لأبي الطيب, ومعناه: أشد الغم عندي وقت السرور الذي تيقن صاحبه الانتقال عنه وهكذا سرور الدنيا كله.
8- قصة قارون
أحدها: قوله: ((لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)) والمراد: أن لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلاً.
وثانيها: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ)) والظاهر أنه كان مُقرّاً بالآخرة, والمراد: أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة, ويسلك طريقة التواضع.
وثالثها: قوله: ((وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) وفيه وجوه أحدها: لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا, فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ, فنهان الواعظ عن ذلك, وثانيها: لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بيّن له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة. وثالثها: المراد منه: الانفاق في طاعة الله, فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب.
ورابعها: ((وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)) لمَّا أمره بالإحسان بالمال أمره بالإحسان مطلقاً, ويدخل فيه الإعانة بالمال والجاه, وطلاقة الوجه, وحسن اللقاء, وحسن الذكر, وإنما قال: ((كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)) تنبيهاً على قوله: ((لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ)) [إبراهيم: 7].
وخامسها: قوله: ((وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ)) والمراد: ما كان عليه من الظلم والبغي, وقيل: إن هذا القاتل هو موسى عليه السلام وقال آخرون: بل مؤمنوا قومه, وكيف كان فقد جمع في هذا الوعظ ما لو قبل لم يكن عليه مزيد, ولكنه أبى أن يقبل بل زاد عليه بكفر النعمة فقال: ((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)) (1).
قوله تعالى: ((قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)) [القصص: 78] قال ابن كثير رحمه الله ما ملخصه: يقول تعالى مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نَصحوه وأرشدوه إلى الخير ((قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي)) أي: (1) "التفسير الكبير" (13/25/14).
8- قصة قارون
أنا لا أفتقر إلى ما تقولون, فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ولمحبته لي فتقديرُه إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له, وهذا كقوله: ((فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ)) [الزمر: 49] أي: على علم من الله بي, وكقوله تعالى: ((وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي)) [فصلت:50] أي: هذا أستحقه, وقد روي عن بعضهم أنه أراد ((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ)) أي: كان يعاني علم الكيمياء, وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل قال الله تعالى:
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ)) [الحج: 73] وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي, فليخلقوا ذرة, فليخلقوا شعيرة) (1) وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل, فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى, هذا زورٌ ومحال وجهل وضلال, وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة, وهذي كذب وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعاً لا محالة, ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحدٍ من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهباً أو فضة أو نحو ذلك, فهَذا أمر لا ينكره مسلم, ولا يرده مؤمن, ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات, وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسماوات واختياره. وقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم, فدعا الله به, فتمول بسببه, والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى راداً عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه الله من المال: ((أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا)) أي: قد كان من هو أكثر منه
(1) رواه البخاري (10/398) "اللباس", ومسلم (14/94) "اللباس".
8- قصة قارون
مالاً, وما كان ذلك من محبة منا له, وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم, ولهذا قال: ((وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)) أي: لكثرة ذنوبهم(1)
وقال القاسمي: ((وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)) أي: لا يتوقف إهلاكه إياهم على سؤال ليعتذروا عنه, بل متى حق عليهم القول بفسقهم أهلكهم بغتة بلا معاتبة, وطلب عذر, ثم أشار إلى أن قارون لم يعتبر بذلك لا بنصيحة قومه بقوله سبحانه (2): ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)). قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم من ملابس ومراكب وخدم وحشم, فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله, وغبطوا بما عليه وله, فلما سمع مقالتهم العلماء ذووا الفهم الصحيح الزهاد الألباء, قالوا لهم: ((وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا)) أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل وأعلى, وهذه المقالة, وهذه الهمة السامية إلى الدار الآخرة العلية عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية [ لا يلقاها ] إلا من هدى الله قلبه وثبت فؤاده وأيد لبه وحقق مراده. وما أحسن ما قال بعض السلف: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات, والعقل الكامل عند حلول الشهوات (3). قوله تعالى: ((فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81)) [القصص: 81]:
قال الشوكاني: ((فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ)) يقال: خسف المكان يخسف خسوفاً: ذهب في الأرض, وخسف به الأرض خسفاً: أي غاب به فيها, والمعنى: أن الله سبحانه غيبه وغيب داره عن الأرض, ((فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ)) أي: ما كان له جماعة يدفعون ذلك عنه ((وَمَا
(1) "تفسير القرآن العظيم" (3/400,399) باختصار.(2) "محاسن التأويل" (13/127,126).(3) "قصص القرآن" (422).
8- قصة قارون
كَانَ)) هو في نفسه ((مِنَ الْمُنتَصِرِينَ)) من الممتنعين مما نزل به من الخسف (1).
قوله تعالى: ((وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)) [القصص: 82]:
قال الزمخشري: قد يذكر الأمس ولا يراد به اليوم الذي قبل يومك, ولكن الوقت المتقرب على طريق الاستعارة ((مَكَانَهُ)) منزلته في الدنيا "وي" مفصول عن كأن, وهي كلمة تنبه على الخطأ والتندُّم. ومعناه: أن القوم قد تنبهوا على خطئهم في تمنيهم وقولهم: ((يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ)) وتندموا ثم قالوا: ((وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)) أي: ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح, وهو مذهب الخليل وسيبويه قال:
وَيْ كأنَّ من يكن له نَشبٌ يُحْبَبْ ومن يفتقر يَعِشَ عَيْشَ ضُرَّ وحكى الفراء أن أعرابية قالت لزوجها: أين ابنك؟ فقال: وي كأنه وراء البيت. وعند الكوفيين "ويك" بمعنى: ويلك, وأن المعنى: ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون.
ويجوز أن تكون الكاف كاف الخطاب مضمومة إلى وي كقوله:
..................... ................ ويك عنتر أقدم (2)
وقال القاسمي: ((وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)) أي: من شقي وسعيد ((وَيَقْدِرُ)) أي: يقبض. فلا دلالة في البسط على السعادة, ولا في القبض على الشقاوة, بل يفعل سبحانه كل واحدٍ من البسط والقدر بمحض مشيئته, لا لكرامة توجب البسط, ولا لهوان يقتضي القبض ((لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا)) أي: بعدم إيتائه متمنانا ((لَخَسَفَ بِنَا)) أي: كما خسف به ((وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)) أي:
(1) "فتح القدير" (4/187).
(2) "الكشاف" (3/434) تكملة البيت ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتَر أقْدِم
8- قصة قارون
لنعمة الله في صرفها في غير سبيلها, أو المكذبون برسله اغتراراً بزخارفهم (1). ثم عقب الله عز وجل هذه القصة بالعبرة الظاهرة, وأتت في صورة السُّنة التي لا تبدل والقانون الذي لا يتغير لا يتحول, فقال تعالى: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)) [القصص: 83].
قال القرطبي: ((تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ)) يعني: الجنة, وقال ذلك على جهة التعظيم لها والتفخيم لشأنها, يعني: تلك التي سمعت بذكرها وبلغك وصفها ((نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ)) أي: رفعة وتكبراً على الإيمان والمؤمنين ((وَلَا فَسَادًا)) عملاً بالمعاصي قاله ابن جريج ومقاتل. وقال عكرمة ومسلم البطين: الفساد أخذ المال بغير حق. وقال الكلبي: الدعاء إلى غير عبادة الله . وقال يحيى بن سلام: هو قتل الأنبياء والمؤمنين. ((وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)) قال الضحاك: الجنة (2).
وقال ابن كثير: ثم أخبر تعالى أن ((الدَّارُ الْآخِرَةُ)) وهي: دار القرار وهي: الدار التي يغتبط من أُعطيها, ويعزى من حرمها, إنما هي معدة ((لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا)) فالعلو هو: التكبر والفخر والأشر والبطر. والفساد هو: عمل المعاصي اللازمة والمتعدية من أخذ أموال الناس وإفساد معايشهم والإساءة إليهم وعدم النصح لهم.
ثم قال تعالى: ((وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)).
الفوائد والآثار الإيمانية: (1) قال القرطبي في تفسير قول الله عز وجل: ((وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) [القصص: 77]: أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدنيا الدار الآخرة, وهي: الجنة, فإن من حق المؤمن أن يصرف الدنيا فيما ينفعه في الآخرة, لا في التجبر والبغي. ((وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا)) اختلف فيه: فقال ابن عباس والجمهور: لا تضيع عمرك في ألا
(1) "محاسن التأويل" (13/128).(2) "الجامع لأحكام القرآن" (6/5036).
8- قصة قارون
تعمل عملاً صالحاً في دنياك؛ إذ الآخرة إنما يعمل لها, فنصيب الإنسان عمره وعمله الصالح, فالكلام على هذا التأويل شدة في الموعظة. وقال الحسن وقتادة: معناه: لا تضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحَلال وطلبك إياه, ونظرك لعاقبة دنياك فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به, وإصلاح الأمر الذي يشتهيه, وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشَّدة, قاله ابن عطية.
قلت: وهذان التأويلان قد جمعهما ابن عمر في قوله: احرث لدنياك كأنك تعيش أبداً, واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.
وعن الحسن: قدَّم الفضل وأمسك ما يُبَلَغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف.
وقيل: أراد بنصيبه: الكفن. فهذا وعظ متصل كأنهم قالوا: لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك هذا الذي هو الكفن, ونحو هذا قال الشاعر:
نصيْبُكَ ممَّا تَجْمَعُ الدَّهْرَ كُلَّه رِدَاءَانِ تُلْوَى فِيْهِمَا وحَنُوطُ
وقال آخر:
هي القنــاعةُ لا تَبْغِي بها بدلاً فيـها النَّـــعيــمُ وَفِيْـهَا راحَـةُ البَــدَنِ
انْظُرْ لِمَنْ مَلكَ الدَّنيا بأجمَعِهَا هل راحَ مِنْهَا بغيْرِ القُطْنِ (1)و الكَّفَن
قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ولا تنس نصيبك الحلال, فهو نصيبك من الدنيا ويا ما أحسن هذا (2).
(2) قال ابن كثير: وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن, قال الله تعالى: ((وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)) [غافر: 24.23].
(1) الأولى أن يقول: بغير الزاد والكفن. (2) "الجامع لأحكام القرآن" (6/5030).
8- قصة قارون
وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود: ((وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم من أًخذته الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)) [العنكبوت: 40,39].
فالذي خسف به الأرض قارون كما تقدم, والذي أغرق فرعون وهامان وجنودهما, إنهم كانوا خاطئين. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبدالرحمن, حدثنا سعيد, حدثنا كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوماً فقال: ( من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة, ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة, وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبي بن خلف). انفرد به أحمد رحمه الله (1).
(3) قال الدكتور أحمد جمال العمري: تمثل قصة قارون – في القرآن الكريم – جانب الطغيان بالمال والغرور بالعلم, وكيف مآلها إلى الفناء إذا تسلطت الأهواء, وسيطرت الأطماع, وتحول الإنسان من مجرد مخلوق من مخلوقات الله إلى متجبر متكبر يعلو بنفسه فوق الناس, ويزهو ويتعالى عليهم, وينظر إليهم بمنظار الاستعلاء والاستكبار, وقد وردت هذه القصة في القرآن على سبيل العظة والعبرة, لإثبات أن كل شيء مآله إلى زوال وأن الباقي هو وجه الله ذو الجلال والإكرام (2). (4) وقال الأستاذ سيد قطب: في كل زمان ومكان تستهوي زينة الأرض بعض القلوب, وتبهر الذين يريدون الحياة الدنيا, ولا يتطلعون إلى ما هو أعلى وأكرم منها, فلا يسألون بأي ثمن اشترى صاحب الزينة زينته, ولا أي
(1) "قصص الأنبياء" (425,424). والحديث: رواه أحمد (2/169), والدارمي (2/301) "الرقاق", وابن حبان (4/329) رقم (1467) من "الإحسان", ومحمد بن نصر المروزي (58) "تعظيم قدر الصلاة", وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات, وصححه شعيب الأرناؤوط في "الإحسان".
(2) دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني للدكتور أحمد جمال العمري (292), الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة.
8- قصة قارون
الوسائل نال ما نال من عرض الحياة؟ من مالٍ أو منصب أو جاه ومن ثم تتهافت نفوسهم وتتهاوى كما يتهافت الذباب على الحلوى ويتهاوى! ويسيل لعابهم على ما في أيدي المحظوظين من متاع, غير ناظرين إلى الثمن الباهظ الذي أدوه, ولا إلى الطريق الدنس الذي خاضوه, ولا إلى الوسيلة الخسيسة التي اتخذوها (1).
فأما المتصلون بالله فلهم ميزان آخر يقيم الحياة, وفي نفوسهم قيم أخرى غير قيم المال والزينة والمتاع, وهم أعلى نفساً وأكبر قلباً من أن يتهاووا ويتصاغروا أمام قيم الأرض جميعاً, ولهم من استعلائهم بالله عاصم من التخاذل أمام جاه العباد وهؤلاء هم ((الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) العلم الصحيح الذي يقومون به الحياة حق التقويم:
((وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)).
ثواب الله خير من هذه الزينة, وما عند الله خير مما عند قارون, والشعور على هذا النحو درجة رفيعة لا يلقّاها إلا الصابرون, الصابرون على معايير الناس ومقاييسهم, الصابرون على فتنة الحياة وإغرائها, الصابرون على الحرمان مما يتشهاه الكثيرون, وعندما يعلم الله منهم الصبر كذلك يرفعهم إلى تلك الدرجة, درجة الاستعلاء على كل ما في الأرض, والتطلع إلى ثواب الله في رضى وثقة واطمئنان (2).
******************



(1) وهذا الغالب وليس على عمومه فإن جملة من الناس يوسع الله عز وجل عليهم من الحلال, وأما أكثرهم يجمعون المال من الوجوه المباحة والوجوه المحرمة ويمنعون الحقوق الواجبة.
(2) "في ظلال القرآن" (5/2713).


























رَفعُ
عبدالرحمن النَّجديَّ
أسكنه اللهُ الفردوس




قصة سبأ








9- قصة سبأ

9- قصة سبأ
قوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)) [سبأ: 15-21].
بين يدي القصة: بعد أن قص الله عز وجل علينا في هذه السورة المباركة قصة داود وسليمان, وقد وهبهما الله عز وجل النبوَّة والملك, وكانوا أمثلة للشكر, وأدام الله عليهما نِعَمَهُ, وزادهما من فضله ما لم يعط أحداً من العالمين, ذكر الله عز وجل قصة هذه القرية التي كانت تسكنها قبيلة سبأ, وكيف أن الله عز وجل وهبها من الخير العظيم والرزق العميم, وعاملهم بمغفرته وفضله, وكان عندهم من الزروع والنعيم وسهل لهم طرق السفر, وجعل بينهم وبين قرى الشام التي يقصدونها أماكن للاستراحة والقيلولة والمبيت, بحيث إنهم لا يحسون مشقة السفر, فكفروا بكل هذه النعم, ولم يقوموا بالشكر عليها, والله عز وجل حليم غفور شكور, لا يعاقب بعقوبات الاستئصال والعذاب الشديد إلا المبالغين في الكفر. ويعامل المؤمن بمغفرته ورحمته, وأشار إلى ذلك قوله عز وجل: ((وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)) أي: بمثل هذا العذاب, فبدلهم الله عز وجل بهذه الجنان الوارفة

9- قصة سبأ
الظل كثيرة الثمر بأشجار الأراك والشوك, ولما كان أفضل هذه الأشجار السدر قال: ((وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ)) وباعد بين أسفارهم, فصاروا يسيرون في مفاوزَ وقفار, وفقدوا أماكن الظل والراحة, وتفتتت قبيلتهم شذرَ مَذَرَ, فبدلهم الله بنعيمهم عذاباً, وبراحتهم مشقة, وبعد اجتماعهم, تفرقاً وشتاتاً, وَمَزَّقهم كل ممزق آية للصابرين, والشاكرين, وعبرة للمعتبرين وذكرى للعالمين.
ولنشرع في شرح الآيات الكريمات:
قوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15)) [سبأ: 15]:
قال ابن كثير: كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها, وكاتب التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان – عليه الصلاة والسلام – من جملتهم, وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم, وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته, فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى, ثم أعرضوا عما أمروا به, فعوقبوا بإرسال السيل, والتفرق في البلاد, أيدي سبأ شذر مذر, كما سيأتي – إن شاء الله – تفصيله وبيانه قريباً وبه الثقة, قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو عبدالرحمن, حدثنا ابن لهيعة عن عبدالله بن هبيرة عن عبدالرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال صلى الله عليه وسلم: ( بل هو رجل ولد له عشرة, فسَكن اليمن منهم ستة, وبالشام منهم أربعة, فأما اليمانيون فمذحج وكندة و الأزد والأشعريون وأنمار وحمير, وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان) (1), ورواه عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به وهذا إسناد حسن ولم يخرجوه, ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "ولد له عشرة من العرب"؛ أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل
(1) رواه أحمد (1/316). قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني, وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف, وبقية رجالهما ثقات.
9- قصة سبأ
من عرب اليمن, لا أنَّهم ولدوا من صلبه, بل منهم مَنْ بَيْنَهُ وبينَهُ الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر, كما هو مقرر مبينٌ في مواضعه من كتب النسب, وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضاً سيول أمطارهم وأوديتهم, فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سداً عظيماً محكماً حتى ارتفع الماء وحُكِمَ على حافات ذينك الجبلين فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن.
كما ذكر غير واحدٍ من السلف منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل, وهو الذي تخترف فيه الثمار, فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه واستوائه, وكان هذا السد بمأرب بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل ويعرف, وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيءٌ من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث ولا شيءٌ من الهوام, وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم, ليوحدوه ويعبدوه كما قال تبارك وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ)) ثم فسرها بقولة عز وجل: ((جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ)) أي: من ناحيتي الجبلين, والبلدة بين ذلك ((كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)) أي: غفور لكم إذا استمررتم على التوحيد (1).
قوله تعالى: ((فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16)) [سبأ: 16]:
قال القاسمي: ((فَأَعْرَضُوا)) أي: عن الشكر ((فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ)), أي: سيل الأمر العرم أي: الصعب, والمطر الشديد – أو الوادي – أو السَّكْر الذي يحبس الماء – أو هو البناء الرَّصين المبني بين الجبلين لحفظ ماء الأمطار وخزنها, وقد ترك فيه أثقاب على مقدار ما يحتاجون إليه من سقيهم, فلما طغوا أهلكهم الله بخراب هذا البناء, فانهال عليهم تيار مائه, فأغرق بلادهم, وأفسد عمرانهم وأرضهم, واضطر من نجا منهم للنزوح عنها, كما قال تعالى: ((وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ)) (1) باختصار من "تفسير القرآن العظيم" (3/530-532)
أي: ثمرٍ مُرَّ, أو بَشعٍ لا يؤكل ((وَأَثْلٍ)) شجر يشبه الطرفاء من شجر البادية لا ثمر له, {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍقَلِيلٍ} وهو شجر النبق ؛ أي: قلة لا تسمن ولا تغني من جوع، فهذا تبديل النعم بالنقم، لمن لم يشكر النعم (269).
قوله تعالى : {ذَ?لِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا ? وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبإ : 17]
قال الشوكاني : الإشارة بقوله:{ ذَ?لِكَ } إلى ما تقدم من التبديل أو الى مصدر { جَزَيْنَاهُم } والباء في { بِمَا كَفَرُوا} للسببية ؛ أي : ذلك التبديل أو ذلك الجزاء بسبب كفرهم للنعمة بإعراضهم عن شكرها، { وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} أي: وهل نجازى هذا الجزاء بسلب النعمة ونزول النقمة إلا الشديد الكافر المتبالغ فيه (270).
وقال الزمخشري: والمعنى: أن مثل هذا الجزاء لا يستحقه إلا الكافر، وهو العقاب العاجل، وقيل: المؤمن تكفر سيئاته بحسناته، والكافر يحبط عمله فيجازى بجميع ما عمله من السوء.
ووجه آخر: وهو أن الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل تارة في معنى المعاقبة وأخرى في معنى الإثابة، فلما استعمل في معنى المعاقبة في قوله:
{ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا} بمعنى: عاقبناهم بكفرهم ، قيل : { وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} بمعنى: وهل يعاقب؟ وهو الوجه الصحيح، وليس لقائل ان يقول: لم قيل { وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} على اختصاص الكفور بالجزاء والجزاء عام للكافر والمؤمن؛ لأنَّهُ لم يرد الجزاء العام، وإنما أراد الخاص وهو العقاب، بل ل يجوز أن يراد العموم، وليس بموضعه. ألا ترى انك لو قلت: جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكافر والمؤمن لم يصح، ولم يسد كلاماً، فتبين أن ما يتخيل من السؤال مضمحلٌ وأن الصحيح الذي لا يجوز غيره ما جاء عليه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (271)
قوله تعالى :{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [18] فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ : 19،18 ] :
قال القرطبي ما ملخصه: قوله تعالى : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً}.
قال الحسن: يعني: بين اليمن والشام والقرى التي بورك فيها: الشام والأردن وفلسطين، والبركة قيل: إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء، ويحتمل أن يكون {بَارَكْنَا فِيهَا } بكثرة العدد {قُرًى ظَاهِرَةً} يريد بين المدينة والشام.
وقال قتادة: معنى {ظَاهِرَةً } ، متصلة على الطريق، يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، وقيل: { ظَاهِرَةً} أي: مرتفعة { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي: جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سيراً مقدراً من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية؛ أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم، حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى، وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة، ونزل أينما أراد { سِيرُوا فِيهَا } أي: وقلنا لهم : سيروا فيها؛ أي: في هذه المسافة فهو أمر تمكين أي: كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين فهو أمر بمعنى: الخبر؛ أي: كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه (272) .
وقال الرازي : وقوله تعالى { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } قيل: بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يسألوا بطراً كما طلبت اليهود الثوم والبصل، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر، كما يقول القائل لغيره: اضربني، إشارة الى أنه لا يقدر عليه، ويمكن ان يقال: { فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ} بلسان الحال؛ أي: لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم, ويخرب المعمور من ديارهم، وقوله { وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} يكون بياناً لذلك؛
وقوله {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي: فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلاً , يقال : تفرقوا أيدي سبأ . وقوله { وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} بيان لجعلهم أحاديث ، وقوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: فيما ذكرناه من حال الشاكرين ، ووبال الكافرين (273).
وقال القرطبي : لما بطروا وطغوا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوا طول الأسفار والكدح في المعيشة ، كقول بني إسرائيل { فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا } [البقرة:61] ، وكالنضر بن الحارث حين قال: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَ?ذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ} [الأنفال : 32] فأجابه الله تبارك وتعالى وقتل يوم بدر بالسيف صبراً (274) ؛ فكذلك هؤلاء تبددوا في الدنيَا ومُزِّقوا كل ممزق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل، ويتزودون الأزَواد(275)
قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [20] وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ? وَرَبُّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سبأ:20،21]:
قال ابن كثير ما ملخصه: لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباع الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع ابليس والهوى ، وخالف الرشاد والهدى فقال: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} قال ابن عباس رضى الله عنه وغيره: هذه الآية كقوله تعالى اخباراً عن ابليس حين امتنع من السجود لآدم – عليه الصلاة والسلام- ثم: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَ?ذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : 62] ، وقال:{ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ? وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف : 17] والآيات في هذا كثيرة ، وقوله تبارك وتعالى {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ}
قال ابن عباس رضى الله عنه: أي : من حجة . وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء, وما كان إلا غروراً وأماني دعاهم إليها فأجابوه .
قوله عز وجل: { إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ } ؛ أي: إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك.
وقوله تعالى { وَرَبُّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي: ومع حفظه ضل من ضل من أتباع ابليس، وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من أتباع الرسل (276).
*****
* الفوائد والآثار الإيمانية:
{1} قال القرطبي في قوله تعالى: (وذلك جزيناهم بما كفروا وهل يجازى إلا الكفور) (سبأ: 17 ).
في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشد منه، وهو أن يقال: لم خص الله تعالى المجازاة بالكفور، ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في هذا فقال قوم: ليس يجازي بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر .
قال مجاهد: يجازي بمعنى: يعاقب ؛ وذلك أن المؤمن يُكَفِّر الله تعالى عنه سيئاته، والكافر يجازى بكلِّ سوءٍ عمله ، فالمؤمن يجزى ولا يجازى؛ لأنه يثاب. وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قطرب خلاف هذا، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار وقال: المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر.
وقال النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية وأجل ما روي فيها أن الحسن قال: مثلاً بمثل.
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من حوسب هلك)) فقلت يانبي الله فأين قوله عز وجل : {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق :7]، قال: ((إنما ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هَلك)) (277) وهذا إسناد صحيح، وشرحه: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمل من خير ، ويبين هذا قوله تعالى في الأول :{ ذلك جزيناهم بما كفروا} وفي الثاني: {وهل يجازى إلا الكفور} ، ومعنى{جزيناهم} : وَفَّيْنَاهُمْ ،فهذا حقيقة اللغة، وإن كان "جَازَي" يقع بمعنى: "جَزَى" مجازاً (278).
?







رَفْعُ
عبدالرَّحمن النَّجْديِّ
أسكنه اللهُ الفِردوس


قصة أصحاب القرية
إذا جاءها المرسلون













10- قصة أصحاب القرية إذا جاءها المرسلون
قال الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَ?نُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ? لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ? أَئِن ذُكِّرْتُم ? بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى? قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَ?نُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24) إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ? قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) ? وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى? قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ? مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)} [يس: 13-30].
o بين يدي القصة:
هذه القصة مثل من أمثلة الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ وقد استفرغ الدعاة إلى الله عزَّ وجلَّ جهدهم في البلاغ والنصيحة والتضحية من أجل هداية قومهم، وكان القوم غاية في الغباوة والكفر والتكذيب، فلم ينفعهم نصح الناصحين ووعظ الواعظين، وإن كانت عاقبة المؤمنين والمكذبين قد تتشابه في النظر القاصر على الدنيا، الجاحد للآخرة، إلا أن الله عزَّ وجلَّ الذي أحاط بكل شيء علماً ويستوي في علمه السر والعلانية، والغيب والشهادة، بيّن لنا كيف أن
?

المؤمن ما هي إلا لحظة القتل، والشهيد لا يذوق من مس القتل إلا كما يذوق من مس القرصة، فما هي إلا مَسُّ القرصة ثم ينتقل إلى كرامة الله ورحمته، والداعية تتغلغل الدعوة في قلبه مع أنه ليس عليه هداهم، إلا أنه حريص على هداية قومه كما قال تعالى في حق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] فقال هذا المؤمن، وقد انتقل من دار الجهد والبلاء، إلى دار النعيم والجزاء: {قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)} فتمنى لو أن قموه الذين قتلوه نصراً للباطل وغيرة على الكفر اطلعوا على ما آل إليه أمره من النعيم المقيم والسعادة في جوار رب العالمين؛ لعل ذلك يجعلهم يراجِعُونَ أنفسهم ويثوبون إلى رشدهم ويتوبون إلى ربهم، وكما أن العاقبة كانت أحسن العواقب للمؤمن الذي قام بواجب الدعوة والبيان، كانت عاقبة الكفر والكافرين أوخك العواقب وأبشعها { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى? قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)} قال الله عزّ وجلّ ذلك تحقيراً لشأنهم وكيف أن الأمر لم يستأهل نزول ملائكة من السماء، وإنما كانت صيحة أرضية أو سماوية، أو من جبريل عليه السلام فإذا هم خامدون، فأين التهديد؟ وأين الوعيد؟ وأين صولة الباطل وانتعاش المبطلين؟ ما هي إلا صيحة واحدة خسروا بها الدنيا والآخرة، وانتقلوا من عقوبة الدنيا وعذابها إلى عقوبة الآخرة وجحيمها {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ? مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)}.
o ولنشرع في شرح الآيات الكريمات:
قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13)} [يس: 13]:
قال الشوكاني: المعنى: اضرب لأجلهم مثلاً، أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً: أي: مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية، فعلى الأول لما قال تعالى: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وقال: {لِتُنذِرَ قَوْمًا} قال: قل لهم: ما أنا بِدَعاَ من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون، وأنذروهم بما أنذرتكم، وذكروا التوحيد، وخوفوا بالقيامة، وبشروا بنعيم دار الإقامة.

وعلى الثاني: لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن، قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -: اضرب لنفسك ولقومك مثلاً؛ أي: مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنُوا، وصبر الرسل على الإيذاء، وأنت جئت إليهم واحداً، وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا إلى أهل القرية؛ وأنت بعثتك إلى الناس كافة، والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية: أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية، فترك المثل، وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب.
قال القرطبي: هذه القرية هي: أنطاكية في قول جميع المفسرين [وسوف يأتي ما في هذا القول إن شاء الله تعالى].
وقوله: {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} قيل: رسل من الله على الابتداء. وقيل: إن عيسى بعثهم إلى أنطاكية للدعاء إلى الله ( ).
قوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَ?نُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)} [يس: 14، 15]:
قال ابن كثير رحمه الله، وقوله تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} أي: بادروهما بالتكذيب {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث { فَقَالُوا} أي: لأهل تلك القرية { إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ} أي: من ربكم الذي خلقكم يأمركم بعبادته وحده لا شريك له، قاله أبو العالية وزعم قتادة أنهم انوا رسل المسيح عليه السلام إلى أهل أنطاكية {قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا} أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر، ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم، ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة، وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر الله في قوله عزّ وجلّ: {ذَ?لِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} [التغابن : 6] أي: استعجبوا من ذلك وأنكروه.
وقوله تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (إبراهيم : 10 )، وقوله تعالى عنهم في قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) (المؤمنون:34).
وقوله تعالى : (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) (1)279 ( الإسراء : 94 ) .
قوله تعالى : (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ( يس : 16 ، 17 ) :
قال الزمخشري : وقوله (رَبُّنَا يَعْلَمُ) جار مجرى القسم في التوكيد وكذلك قولهم : شهد الله ، وعلم الله ، وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على طريق التوكيد و التحقيق مع قولهم : (وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) أي : الظاهر المكشوف بالآيات الشاهدة لصحته ، و إلا فلو قال المدعي : والله إنِّي لَصَادِق فيما أدعي ، ولم يحضر البينة كان قبيحاً .
قوله تعالى : (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19() ( يس : 18 ، 19 ) :
قال الزمخشري ما ملخصه : (تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) تشاءمنا بكم ، و ذلك أنَّهم كرهوا دينهم ، ونفرت منه نفوسهم ، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه و اشتهوه وآثروه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم نعمة أو بلاء قالوا : ببركة هذا وبشؤم هذا ، كما حكى الله عن القبط : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) (الأعراف : 131) وعن مشركي مكة : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ((النساء : 78) (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) وقرئ "طيركم" أي : سبب شؤمكم معكم ، وهو كفركم أو أسباب شؤمكم معكم ، وهي : كفرهم ومعاصيهم .
وقرئ (أَئِنْ ذُكّ