Advertisement

__رقائق القرآن_



الكتاب: رقائق القرآن
المؤلف: أبو عمر إبراهيم بن عمر السكران المشرف الوهبي التميمي
الناشر: دار الحضارة للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، 1435 هـ - 2014 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] رقائق الْقُرْآن

تأليف
إِبْرَاهِيم بن عمر السَّكْرَان

دَار الحضارة للنشر والتوزيع
(/)

مقدمة
الحمد لله وبعد:
إنسان هذا العصر منهمك في دوامة الحياة اليومية، أصبح الواحد منا كأنه ترس في دالوب المهام والتفاصيل الصغيرة التي تستلمك منذ أن تستيقظ صباحاً حتى تلقيك منهكاً فوق سريرك في أواخر المساء.

دوامٌ مضنٍ، ورسالة جوال، وبريد إلكتروني، وتعليق فيسبوكي، وخبر تويتري، ومقطع يوتيوبي، وتنقل بين الفضائيات، وصراخ منبهات في طرق مكتظة، وأعمال مؤجلة كلما تذكرتها قرصك
(1/5)

الهم، والتزامات اجتماعية آخذٌ بعضها بركاب بعض، إلخ إلخ.

هل نظم الاتصالات المتقدمة هذه مشكلة؟ لا، قطعاً، بل هي نعمةٌ من الله يجب تسخيرها فيما يرضيه، لقد جنينا منها الكثير، نعم ربحنا، لكن لا أدري، أشعر أننا خسرنا «الصفاء».

صفاء الذهن، وخلو البال، والتأمل الرقراق حين يتطامن السكون من حولك ..

حين يكون الإنسان في فلاةٍ من الأرض، وتناديه عشرات الأصوات تتناهشه من كل جهة؛ فإنه لا يزداد إلا تيهاً وذهولاً، وأُرانا ذلك الرجل الذاهل بين ضجيج المدينة المعاصرة ..
وخصوصاً، إذا انضاف إلى ذلك أنماط الترفيه التي غزت حياتنا، والاسترسال في السهرات مع الأصدقاء في استراحات الضياع ..

ومن أفضع نتائج هذا الانهماك المضني في تروس المدينة المعاصرة تلك القسوة التي تدب إلى القلوب
(1/6)

فتستنزف الإيمان، وتفزع السكينة الداخلية، حتى صارت شكوى شائعة ..

ألم يحن لنا أن نستقطع وقتاً نهرب فيه من التطاحن المعاصر لنعيد شحن أرواحنا بنسيم الإيمان .. ؟

ألم يأن لنا أن نرقق قلوبنا بالقرآن .. ؟

وكون القرآن هو المفزع لتزكية النفوس وترقيق القلوب وتصفية الأرواح وانتشالها من الثقلة الأرضية ليس استنباطاً أو وجهة نظر, بل هو حقيقة دل عليها القرآن ذاته.

كما قال الله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} (1).

وقال الله تعالى: {قُل إِنَّما أُنذِرُكُم بِالوَحيِ} (2).
ووصف الله القرآن بأنه موعظة: {يا أَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَتكُم مَوعِظَةٌ مِن رَبِّكُم} (3).
والحقيقة أنه كانت تمر بالمؤلف مشاهدات اجتماعية في الحياة اليومية فكنت أتأمل بعضها في ضوء القرآن, وأتنقل
_________
(1) سورة ق، الآية: 45.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 45.
(3) سورة يونس، الآية: 57.
(1/7)

بين الآيات, وأقلب معانيها, وأحاول أن أستخلص هدايات القرآن في مثل هذه الأحداث والمواقف, ثم أسجل خلاصة هذه التأملات في فصول متناثرة وفي أوقات متفاوتة ..

وقد كانت تلك التأملات لا تزيدني إلا دهشة من أسرار القرآن في تليين القلوب وترقيقها، وتزكية النفوس، وبناء السمو والرقي والجمال الأخلاقي والتعبدي فيها ..

وفي هذه الرسالة التي بين يديك ستمر بك حصيلة بعض هذه التأملات, فهذه الرسالة في جوهرها هي مشاهدات اجتماعية مررت بها ثم عرضتها تحت سراج القرآن, وانكشف لي فيها معان أخاذة في ترقيق القلب, وتليينه وتزكيته وتطهيره, وإعادته لمساره الطبيعي, ودوّنت خلاصة هذه النتائج والتأملات في هذه الفصول التي ستمر بك بإذن الله.

والله أعلم، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.

أبو عمر
ذي القعدة 1433 هـ
iosakran@yahoo.com
(1/8)

ذهول الحقائق
في يوم الأربعاء الثاني من شهر الله المحرم، لعام ثلاثة وثلاثين وأربعمائة وألف؛ قدِم إلى الرياض أحد أقاربي يكنى بأبي عبدالكريم، وهو في منتصف الأربعينات من عمره، وكانت بيني وبينه مودة حميمية خاصة، وإلى هذه الساعة ما رأيت مثله في سلامة القلب للناس والإحسان للمستضعفين كالعمال والجاليات والأطفال ونحوهم، وله علي خصوصاً فضل خاص لا أنساه ما حييت ..
وما إن وصل لمنزلي إلا وكانت آثار الإرهاق بادية عليه، فطلب فراشاً ونام في المجلس ساعةً ..
(1/9)

ولما حان موعد الغداء أيقظته وتناولنا الغداء سوياً، ثم جلسنا نتجاذب أطراف الحديث فأثار مسألة (صلاة الجماعة للمسافر)، وطلب مني كتباً عن هذا الموضوع ..
فصعدت لمكتبتي وأتيت بجزء الصلاة من فتاوى ابن باز التي فرِّغت من نور على الدرب، وفتاوى ابن عثيمين التي جمعها الشيخ فهد السليمان ..

قرأنا المسألة التي أرادها، ثم استأذن وغادر ..
هذا كان يوم الأربعاء، وفي يوم الجمعة الذي يليه اتصلت بي والدتي تقدم لي خبراً على التدريج، فقالت لي: أبو عبدالكريم، يا وليدي، الحمدلله على قدره، جاءه حادث.

ثم سكتت.

سألتها: وفي أي مستشفى هو الآن؟

فقالت لي: توفي، الله يرحمه ..

صمتُّ برهةً، وودعت الوالدة وأغلقت الهاتف، كل الذي دار في خلدي تلك الساعة أن الوالدة أتاها الخبر بشكل خاطئ، وأن أبا عبد الكريم قطعاً لم يمت.
(1/10)

مكثت قليلاً ثم عاودت الاتصال، وسألت والدتي: أنت متأكدة من الخبر؟

قالت: هاهم أهله يبكون يا وليدي، الله يرحمه.

ودّعت الوالدة مرةً أخرى، وأغلقت الهاتف، وبقيت في مكاني لا أعرف ماذا أصنع ..

ثم اتصلت بشقيقه، فلما رد علي وسمعت صوته المتهدج، دب إلي اليقين.

وسألته: أبو عبدالكريم .. ؟
فقاطعني وقال بصوت ممزوج بعبرات متكسرة: أبو عبد الكريم يطلبك الحل.

أدرت محرك سيارتي متوجهاً لمنزله خارج الرياض، وذهبت في نفر من أهله إلى مغسلة الموتى التي سيغسل فيها.

انتظرنا سويعةً، وحين فرغ المغسل أذن لنا بالدخول، وكشف لنا عن وجهه، فسلمت عليه، وقبلت بين عينيه، ودعوت له، ولم أملك نفسي حينها أن قلت: ما أطيبك حياً وميتاً يا أبا عبد الكريم ..
(1/11)

جلسنا في منزله وقدم بعض الناس يعزون، وأنا لا زلت غير قادر على الإفاقة من صدمة المواجهة.

عدت للرياض، ومكثت ليالي وصورته لا تفارق ناظري، وأعيد تذكّر كل كلمة قالها حين كان في ضيافتي يوم الأربعاء الذي سبق وفاته. بل وكنت أدخل مجلس منزلي، وأشاهد الزاوية التي افترشها ونام فيها، وأشكو بثي وحزني إلى الله، وأكظم أزيزاً في داخلي ما استطعت.
مررت بحوادث ووفيات كثيرة، لكن لأول مرة يهجم علي الإحساس بقرب الموت ودنو الأجل بمثل هذه الصورة ..

لما كنت في منزل ذويه والمعزّون يقدمون عليهم كنت أطالع وجوه الناس، وأنظر لنفسي بينهم وأقول: كلنا قدمنا للعزاء، وغالبنا يظن أن المصيبة مصيبة غيره، وننسى أن هناك ساعة سجلت لكل واحد منا سيغادر فيها هذه الحياة، وسيغسّل، ويوضع في كفنه، ويوسد لحده، وتصف اللبنات فوقه، ويهال عليه التراب، وينصرف الناس عنه.
(1/12)

من الناس من سيموت في هذا الشهر، ومنا من سيموت قبيل رمضان هذا العام ولن يدركه، ومنا من سيدرك سنةً أو سنتين أو ما زاد على ذلك، ولكنها النهاية المحتومة ..

ساعةٌ مكتوبةٌ قريبةٌ منا سنغادر فيها هذه الحياة ..

هذا الساعة التي تم تحديدها قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم كتبها الملائكة الكرام في التقدير العمري حين كان الإنسان جنيناً عمره أربعة أشهر، نحن نسير إليها الآن بالعدّ التناقصي ..

فإذا كان العام الماضي يفصلنا عنها ثلاث سنين، فاليوم يفصلنا عنها سنتان، وهكذا نحن نقترب كل دقيقة من هذه اللحظة الحاسمة للانتقال للدار الآخرة والمسكن الأبدي ..

هذه الحقيقة الكبرى كيف غفلتُ عنها طوال هذه السنوات؟

وكيف يغفل كثير من الناس عنها؟
(1/13)

الكثير من الناس يعرف هذه الحقيقة معرفة نظرية عقلية بحتة، لكنه لم يعشها يقيناً قلبياً غامراً يستحوذ على تفكيره ..
ومن أعاجيب النفوس، وما يمور فيها من الأحاسيس؛ أن بعض الناس يكره ذكر الموت، ويدور في مشاعره الخفية أنه حين يتحاشى ذكره فإنه يبتعد عنه، وحين يذكره يكون قريباً منه، ويتكلف الأسباب المشروعة وغير المشروعة في مدافعة الموت؛ يظن أنه سيؤجل يومه المكتوب، وهذا (الفرار النفسي) من الموت صوره القرآن تصويراً تبكيتياً حين قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (1).

وهَبْ أنك فررت، وافترض أن خطراً من الأخطار سلمت منه؛ فحتى ما ستعيشه بعد ذلك سيظل فترة زمنية محدودة، يقول تعالى: ... {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا} (2).
_________
(1) سورة الجمعة، الآية: 8.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 16.
(1/14)

فحتى لو سلمت من خطر معين، فسيظل المتاع قليلاً، وسيأتي خطر لن تفر منه ..

وصوّر القرآن معنى آخر قريباً من الفرار، وهو «التحايد» ..
ذلك أن «الفرار» ابتعاد عن موضع الخطر، وأما «التحايد» فهو أشبه بمحاولة التحاشي عن سهام الموت، يقول تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} (1).

فلن ينفع الفرار، ولن ينفع التحايد، وستأتي قريباً ساعة الانتقال للدار الأبدية.

بل تأمل ما هو أعجب من ذلك، وهو أن الإنسان يسير بقدميه إلى الموضع الذي كتب الله وفاته فيه، وهو لايعلم القدر المخبوء، حيث يقول تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} (2).
بل قد تجد كثيراً من الناس يمر بطريق، أو غرفة، أو مستشفى، أو غيرها، سنوات عديدة من عمره،
_________
(1) سورة ق، الآية: 19.
(2) سورة آل عمران، الآية: 154.
(1/15)

ولا يخطر بباله أن هذا الموضع الذي يمر به يحتمل أن يكون هو الذي كتب الله وفاته فيه بعد كذا وكذا من الساعات والدقائق ..

والمراد أن هذه اللحظة القادمة التي تنتظرني وتنتظرك يا أخي الكريم؛ لحظةٌ لا تقبل التأجيل ولا التقديم، ساعة قررها الجبار جل جلاله، كما قال تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (1).

ومن جملة التعلق بالأسباب المادية أن كثيراً من الساسة والأثرياء يتوهمون أنهم في قصورهم المشيدة أبعد عن مخاطر الموت من سكان الشقق والصفيح والأحياء العشوائية، والقرآن يكشف هذا الشعور المزيف، حيث يقول تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} (2).

ولذلك فإن فريقاً من الناس يكره فريضة (الجهاد) لأنه يظن أنها تقربه للموت! وينسى أن الموت قُرِّرت له ساعة
_________
(1) سورة النحل، الآية: 61.
(2) سورة النساء، الآية: 78.
(1/16)

معينة قبل أن يخلق، وقد شرح القرآن شيئاً من هذا التصور كما يقول تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} (1).

ولذلك يعرف الناس قصصاً كثيرة لمقاتلين تمرغوا فوق جبهات الشظايا وتحت قصف الطائرات، ومع ذلك عادوا لبلدانهم وعمروا سنين عددا.
ويعرف الناس بالمقابل أصحاء أشداء داهمهم الموت فجأة فوق أسرَّتهم الأنيقة ..
لماذا؟ لأن هذه الآجال محسومة قبل أن يخلق الناس، لا ينفع فيها فرار ولا تحايد، ولا محاولة تجاهل وتناسٍ للحظة فراق الدنيا ..
بل إن بعض الجهلة إذا ذُكِر له أن رجلاً من الناس مات في سبيل الله يقع في قلبه أن سلامته هو من هذا الموت نعمة من الله! وهذا نظير تفكير عبدالله بن أُبيّ حين حكى الله تصرفه ومقالته: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا} (2).
_________
(1) سورة النساء، الآية: 77.
(2) سورة النساء، الآية: 72.
(1/17)

لقد وقفت بعد هذه الجنازة المهيبة، وأخذت أتذكر قوائم من الأصدقاء والأقرباء وغيرهم ممن حانت ساعة رحيلهم المكتوبة وودعونا في السنوات السابقة ..

تذكرت أصدقاء درسوا معنا في المرحلة الثانوية، وأصدقاء درسوا معنا في الجامعة، وأقرباء كانوا يخالطوننا بشكل دوري ..

وتذكرت علماء كانوا سمع الدنيا وبصرها، حين كنا نتداول أخبارهم، تذكرت ابن باز، وابن عثيمين، وابن جبرين، وابن غديان وغيرهم.
بل تذكرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي مشى في طرقات المدينة، وقرأ بالناس إماماً في مسجده النبوي، وجلس مع أصحابه بعد صلاة الفجر ..

ذهبوا كلهم بين أطباق الثرى، فكيف يا ترى يأمن الإنسان ويغفل وهو يرى الناس حوله يتناقصون؟! هذا والله سر من أسرار النفس البشرية ..

حين يتمعن الإنسان في هذه الحقيقة الكبرى، حقيقة الموت؛ تسري به سلسلة التساؤلات إلى هذه المفارقة التي نعيشها يومياً، أعني التناقض بين العقيدة والسلوك ..
(1/18)

إذا كنا نؤمن فعلاً بأن لحظة توديع الدنيا قريبة منا، قريبة منا جداً، إنها لحظة بالأبواب، إنها على طرف الثمام، وقد أخذت أعداداً ممن ساكنونا وآكلونا وناقشونا وزاملونا ودرّسونا؛ فكيف يا ترى نغفل ونحن نرى أخبار الموتى لا تتوقف؟!

وقد أشار القرآن إلى هذه المفارقة بين قرب الأجل في مقابل استمرار الغفلة، فقال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (1).
وأخذت مرةً أتأمل أسباب هذه الإشكالية في كتاب الله، وأحاول البحث عن موقف القرآن من هذه العلاقة، فوجدت ثلاثة مشاهد صوّر القرآن تفاصيلها تكشف سراً من أسرار المشكلة، ألا وهي مشكلة «التأجيل».

فهذه الخطايا التي لازلنا نواقعها لا تجدنا غالباً مخططين للاستمرار عليها، وإنما نقول في أنفسنا إنها مجرد فترة يسيرة وسنصحح أوضاعنا جذرياً، لكن الزمان يتفارط، وينسلّ الوقت من بين أيدينا ونحن لا نشعر؛ حتى نتفاجأ بملك الموت واقف ليأخذ أرواحنا في الساعة المقدرة ..
_________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 1.
(1/19)

أرأيت؟ إنه الذهول عن الحقائق الكبرى تحت غمامة «التأجيل» ..
أخبرنا كتاب الله عن فئام من الناس حين يحضرهم الموت يسألون الله أن يرجعهم، ويعاهدونه أن يعملوا الأعمال الصالحة التي أجّلوها، ولكن هيهات، لقد فات الأوان، يقول تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (1).

أمامنا اليوم فرصة للعمل الصالح قبل أن تأتي هذه الساعة القريبة المفاجئة التي لن تنفع فيها التوسلات بالعودة لزمان العمل ..

وأخبرنا كتاب الله عن فئام من الناس حين يحضرهم الموت يسألون الله فسحةً زمنيةً يسيرةً ليتصدقوا، ولكن بعد ماذا؟ بعد أن فات الأوان؟! يقول تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (2).
_________
(1) سورة المؤمنون، الآيتان: 99،100.
(2) سورة المنافقون، الآيتان: 11،10.
(1/20)

وها نحن الآن في زمن إمكانية التصدق، فهل سنتردد في قرار النفقة حتى تأتي تلك الساعة التي نبدي فيها الاستعداد للتصدق، ولكن بعد فوات الأوان؟!

وأخبرنا كتاب الله عن فئام من الناس حين يحضرهم الموت يعلنون التوبة ويستغفرون الله، ولكن هل هذا هو وقت التوبة والاستغفار؟ يقول تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (1).
لازلنا الآن في الساعات الأخيرة التي تسبق إغلاق باب التوبة، والتوبة إلى الله تحتاج قراراً فورياً عاجلاً، قراراً لا يحتمل التأجيل ثانية واحدة، قراراً يجب أن يدشن الآن، قبل أن تفوت الفرصة ..

هذه المشاهد الثلاثة التي ذكرها القرآن عن أحوال المحتضرين، وأمنياتهم، من أشد المشاهد زلزلة لمشاعر المؤمن الموقن بلحظة الموت وقربها، وخصوصاً إذا وضع نفسه في هذه المشاهد، فتخيل كيف لو كان هو نفسه يسأل
_________
(1) سورة النساء، الآية: 18.
(1/21)

الله عند الاحتضار أن يعود للدنيا ليعمل صالحاً! أو يسأل الله أن يعود للدنيا ليتصدق ويكون من الصالحين! أو يسأل الله عند الاحتضار أن يتوب عليه ويغفر له!

وفي كل هذه الأمنيات يواجه بالرفض، لأنها دعوات تجاوزت الموعد النهائي للقبول! وقد كان يمكنه ذلك لو بادر قبل هذه اللحظة ..

والواقع المشاهد اليوم أن من أكثر ما ينسج حول العيون حجابَ الغفلة التنافسُ الاجتماعي على الدنيا، فالمرء منذ أن يُستجر إلى «دوامة المباهاة» فإنه لا يكاد يفيق منها إلا على أعتاب القبر.

والناس اليوم كأفراس رهان على المناصب، والمساكن، والسيارات، والملابس، لا يكاد أحدنا يلتقط أنفاسه من هذه المنافسات الاجتماعية على حطام الدنيا ..
وقد نبه القرآن على هذا المعنى الواسع بأوجز عبارة وأبلغ صياغة، بالله عليك تأمل قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} (1).
_________
(1) سورة التكاثر، الآيتان: 2،1.
(1/22)

أرأيت أين تنتهي حفلة التكاثر هذه؟ تنتهي عند أول ليلة في القبر، وحينها يكتشف أحدنا أنه ضيع حياته المستقبلية الحقيقية، ولكن بعد ماذا؟ بعد فوات الزمن المحدد من الله جل وعلا.

وهذا التكاثر الذي تحدثت عنه (سورة التكاثر) جاء في آية أخرى في سورة الحديد، حيث يقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ، وَلَهْوٌ، وَزِينَةٌ، وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ، وَتَكَاثُرٌ فِي الأموَالِ وَالأَوْلاد} (1).

وإذا وفق الله الإنسان أن ينخلع من ملاحظة ما يكتسبه الخلق، ويتزاحمون عليه، والتحرق على المنافسة فيه، من مناصب، ومساكن، وسيارات، وعقارات، وأرصدة، ونحوها، وأقبل على ما هو أعظم من ذلك، وهو صناعة المستقبل الأبدي، وعمارة النفس بالله؛ فإنه سيكتشف للحياة معنى آخر، معنى أسمى من الحطام الصغير المؤقت ..

كلما رأيت نفسي في غفلة، وكلما رأيت نفسي وقد ذهلت عن الحقائق الكبرى، أخذت أردد: فتش عن (دوامة التكاثر)!.
_________
(1) سورة الحديد، الآية: 20.
(1/23)

وبكل صراحة فإنني لا أعرف مفهوماً عقلياً لا يكاد المرء حين يتأمله أن يطيق آثاره الإيمانية مثل المقارنة بين (أبدية الحياة الآخرة) و (تأقيت الحياة الدنيا) ..

مقارنة التأقيت بالأبدية تجعل الدنيا رقماً مهملاً لا يستحق الذكر أصلاً، الأبدية ليست مئة سنة، ولا ألف سنة، ولا مليون، ولا مليار، ولكنه أبد الآبدين بلا نهاية .. !

من يستطيع أن يتصور؟!

ثم قارن تلك الحياة الأبدية بالدنيا التي لا تتجاوز سُنَيات معدودة .. !

مجرد التأمل في مفهوم (الأبدية) يكاد أن يصل بالنفس إلى أعظم مراتب العزم.
تأمل معي هذا المثال! لو قيل لشخص من الناس: إنك ستجلس في هذا البلد الذي أنت فيه خمس سنين، ثم سننقلك إلى بلد مجاور وستعيش فيه مئة سنة، فماذا ترى هذا الرجل صانعاً؟

لا شك أنه سيحول كل ممتلكاته وأمواله وأرصدته إلى البلد الثاني الذي سيعيش فيه الزمن الأطول،
(1/24)

وسيقتصد في الصرف في بلده الأول قدر الطاقة، ويتبلغ بالكفاف، لأنه ينتظر الحياة المستقرة في البلد الثاني الذي سينتقل إليه.

إذا كان هذا في المقارنة بين منزلين أحدهما خمس سنين، والآخر مائة سنة، فكيف بالله عليك سيكون التصرف حين المقارنة بين منزل مؤقت ومنزل مؤبد لا ينتهي أصلاً؟!

ثم ليس الأمر «مؤبداً» فقط، بل قد يكون مؤبداً بأعلى درجات السعادة في قصور الجنة ونعيمها، أو مؤبداً في أحط درجات الآلام الجسدية والنفسية في أودية النار ولهيبها، كل ذلك أبد الآبدين .. !

وماذا بعد مفهوم (الأبدية) من واعظ؟!

وكنت ألاحظ في كثير من كتب الفكر المعاصر أنها تكاد تخلو من ذكر الموت والدار الآخرة وصناعة المستقبل الأبدي، ويعدون ذلك شأناً غير رفيع!

فذكرت هذه الملاحظة لأحد الشباب الذين يقرؤون في هذه الكتب، فقال لي: إن هذا تصرف له ما يبرره.
(1/25)

فقلت له: وما الذي يبرره؟

فقال لي: (إن استحضار الموت واليوم الآخر يصرف الإنسان عن بناء الحضارة والنهضة، فيجب أن نؤمن بالموت واليوم الآخر، ثم نحيّده حتى نستطيع أن نبني الحضارة والنهضة بعيداً عن الضغط النفسي لفكرة الموت واليوم الآخر)! هذا ملخص كلامه، بعضه بعبارته وبعضه بمعناه.

والحقيقة أن هذا فهم مغلوط كلياً، ولا يقول هذا الكلام رجل قرأ كتاب الله وأيقن صدقاً بمعانيه، فإن استحضار الموت واليوم الآخر هو الذي يدفع فعلاً للعمل الصالح النافع المثمر طبقاً لمراد الله ..
فإن الله تعالى لما ذكر الصلاة، وهي رأس العبادات، ذكر أنه لا يطيقها إلا من يوقن بالموت ولقاء الله، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (1).

فانظر كيف كانت الصلاة هينة ميسرة لمن امتلأ قلبه باليقين بلقاء الله ..
_________
(1) سورة البقرة، الآيتان: 46،45.
(1/26)

ولما ذكر الله تخاذل جنود طالوت، بين أنه لم يقف ويثبت معه إلا من امتلأت قلوبهم باليقين بلقاء الله، كما قال تعالى: {فلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (1).
فانظر كيف لم يصبر في مقام الجهاد، إلا من عمرت نفوسهم بحقيقة الموت واليوم الآخر ..

وترى أمثال هؤلاء المفكرين التغريبيين - أو من أصابتهم بعض شُعب التغريب - يتندرون بمن يكثر من ذكر الموت، بل ويسميها بعضهم (عقيدة انتظار الموت) على سبيل الاستهانة والانتقاص، بالرغم من أن انتظار الموت شعبة من شعب الإيمان في كتاب الله، كما قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} (2).
_________
(1) سورة البقرة، الآية: 249.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 23.
(1/27)

وامتلاء القلب باليقين بقرب الأجل والحساب نبه عليه القرآن في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} (1).
وأعاد ذات المعنى في مطلع سورة الأنبياء فقال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (2).

وقد كان أئمة الأولياء في هذه الأمة يستحضرون دوماً قرب الأجل ودنو الموت، فهذا رأس أولياء هذه الأمة أبوبكر الصديق - رضوان الله عليه - يستحضر هذا المعنى كثيراً، فقد روى البخاري في صحيحه قصة مؤثرة عن أبي بكر، حيث جاء في البخاري: «لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وُعِك أبو بكر وبلال» فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله (3)
_________
(1) سورة الأعراف، الآية: 185.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 1.
(3) صحيح البخاري، (1889).
(1/28)

والمراد أنه ليست الإشكالية في أن يستحوذ على القلب والعقل اليقين بقرب الأجل والحساب، فهذه شعبة إيمانية قرآنية عظيمة، وإنما الخلل هو تعطيل العمل والفتور عن الدعوة والإصلاح ..

وقد أوضح كتاب الله أن اليقين بلقاء الله يدفع للمزيد من العمل ويمنح المؤمن القوة والصبر، لا العكس كما يتوهم كثير من التغريبيين، أو من أصابتهم بعض شُعب التغريب ..

والحقيقة أن استحضار الحقائق الكبرى كالموت ولقاء الله، وتمزيق ضباب الذهول الذي يلفها؛ يثمر للمرء تصحيحاً هائلاً في مسيرته العلمية والدعوية والاجتماعية، ويغير جذرياً من نظرته لكثير من الأمور، فيصبح يقرأ الأشياء على ضوء سؤال: هل تقرب من الله وتنفع في اليوم الآخر أم لا؟
وهذا السؤال القلق المشفق منذ أن يسيطر على التفكير تنقلب شخصية المرء رأساً على عقب، ويصبح نظره أبعد من مظاهر الأمور، ومسافاتها القصيرة،
(1/29)

ولا يزال هذا السؤال القلق يقوده ويسيّره حتى تأتي لحظة لقاء الله فيحمد العاقبة: {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} (1).
ومن أعظم آثار هذا السؤال: القلق والانزعاج حول طبيعة قضاء الوقت والعمر، فالإنسان الغافل عن ذكر الموت تمر أوقاته وساعاته دون أن يتنبه ويتساءل حول جدوى ما يصنع ..

لكن المؤمن الذي يهجم عليه ذكر الموت ودنو الأجل، وقرب لقاء الله، فإنك تجده يزهد في اللقاءات والاجتماعات في استراحات الضياع التي تذهب فيها الأوقات سدى، وتتعالى فيها القهقهات، ويجوب الناس فيها أحاديث لا تقرب من الله إن لم تكن تبعد عنه، حتى وإن كان ظاهر الجالسين الصلاح أو طلب العلم، فالعبرة بالحقائق، وما أكثر ما تكون المجالس في غير ما يقرب من الله ..
_________
(1) سورة الطور، الآيتان: 27،26.
(1/30)

المؤمن المستحضر لحقيقة الموت، ودنو الأجل؛ يبخل بوقته أن يذهب في روايات تلو روايات، وأفلام سينمائية تتلاحق أضواؤها، وتتبع لتعليقات وترهات على صفحات المواقع الاجتماعية كالفيسبوك وتويتر، أو منتديات الإنترنت ..

طالب العلم الجاد الذي تشبع بحقيقة الموت تختلف نظرته للمؤلفات والكتب، ويدب إليه الزهد في الترف النظري، ويصبح مقصوده في الكتب (معرفة الهدى بدليله) ويضمر شغفه بمُلح العلم ونكته ولطائفه الجانبية، وتصبح في مرتبة تبعية غير مقصودة بالأصالة، وإنما مقصوده الأصلي معرفة (معاني كلام الله ورسوله) والانفعال والتخلُّق بها، وبثها في الناس ..

والمجاهد الذي يجاهد التيارات البدعية والفكرية المنحرفة إذا تشبع قلبه بحقيقة الموت وقرب الحساب؛ صار يقتصد في ذكر الناس إلا بقدر ما يبين الحق ويظهره، وما أحسن العبارة المنقولة عن الإمام الحافظ عبدالله بن عون شيخ شعبة وابن المبارك، أنه قال: «ذكر الناس داء، وذكر الله دواء» (1).
_________
(1) سير أعلام النبلاء، 11/ 448.
(1/31)

والمؤمن الذي امتلأ قلبه باليقين بلحظة القبر، يتحرق على أوقات الانتظار، والمسير، والجلوس العابر؛ أن تذهب في غير ذكر الله، وأي جمال وبهاء لحالة الذاكر لله واقفاً وجالساً ومضطجعاً والتي يصفها كتاب الله في قوله سبحانه: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (1).

بل تأمل ما هو أعجب من ذلك! وهو أن الله يأمر بالصلاة التي كلها أذكار، ثم بعد الصلاة يأمر باستمرار الذكر على هذه الأحوال، فيقول تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} (2).

بالله عليك خذ هذا المثال العابر: تأمل هذه الساعات التي فاتت من ظهر اليوم، أو من عصر اليوم، أو السهرة التي قضيتها البارحة، هذه الساعات التي فاتت، ذهبت علي وعليك، هذه الساعات سلخت من أعمارنا ولن تعود أبداً، فإن كنا عمرناها بتسبيح أو تحميد أو تكبير أو سجدة أو مدارسة علم نافع، أو مصلحة للمسلمين؛ فإنها ستكون شاهدة غداً في صحائفنا، تبيض وجوهنا وتسرنا
_________
(1) سورة آل عمران، الآية: 191.
(2) سورة النساء، الآية: 103.
(1/32)

في اليوم العصيب. وإن ذهبت هذه الساعات من نهار اليوم وليله سدى، فيا حسرتنا ويا غبننا في فرصة أعطيت لنا ثم سحبت ولم نستغلها!!

ساعات كانت لنا ثم ذهبت، نعم ذهبت ولن تعود، انتهت الفرصة .. !
كلما تأملت في هذا المعنى تغشاني الذهول من برودنا أمام دقات الساعة التي لا تتوقف.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَاتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} (1).
_________
(1) سورة الزمر، الآيتان: 56،55.
(1/33)

لحظة فداء
مشهدٌ مؤثر مر بي قبل زمن قريب، شعرت معه كأنني توقفت عن التنفس، ثم في لحظات يسيرة طافت بذهني ذكريات قصص كثيرة سمعتها، هذا المشهد الذي رأيته كأنما قدح شرارة في مخزن الذكريات، وما زالت تتقافز أمام عيني كلُّ ما أتذكره من قصص ذات صلة بهذا المشهد ..

دعني أحدثك أولاً عن هذه الذكريات والقصص التي هجمت علي متزاحمة في لحظات يسيرة، ثم أروي لكم المشهد المؤثر الذي استثارها من مهجعها ..
(1/35)

من هذه القصص التي تذكرتها قصة أحد الإخوان الذين لي بهم علاقة خاصة، حكى لي مرة أنه كان نازلاً من الدور الثاني في منزله، ويحمل بين يديه بُنيّته الصغيرة التي شارفت إكمال الربيعين من العمر ..

يقول صاحبي: وأنا في وسط درجات السلّم نازلاً عثرَت قدمي، فسقطتُ، وبنيتي بين يدي، فوجدتني بشكل تلقائي سريع أنحرف إلى الأرض بالطرف الآخر من جسمي لأداري عن بنيّتي سقوطها على الأرض، وبسبب رفعي لها بكلتا يدي فإني لم أستطع أن أحمي نفسي، فتسبب لي ذلك بكدمات شديدة، وذهبت بنيّتي تكمل لعبها وهي لا تعلم ما الذي جرى لي؟!

كنت أتأمل قصة صاحبي وأتعجب كثيراً من مشاعر الأبوة هذه التي جعلته بشكل عفوي سريع يؤلم نفسه لتسلم بنيته! فيقيها بنفسه، ولا يفكر في اتخاذ القرار، بل يندفع لذلك بلا شعور في أجزاء من الثانية .. !
(1/36)

قصة أخرى مماثلة تذكرتها أمام ذلك المشهد، وهي قصة صاحب آخر حكى لي مرة أنه لازال يتذكر وهو صغير أنه كان في ليلة من الليالي مريضاً يئن طوال الليل، وأن والدته كانت بجانبه تنظر إليه، وتختنق أنفاسها مع كل زفرة من أنينه، وتتوجع له حتى تكاد تخرج روحها من التألم له ..

ليس هذا كله هو اللافت، وإنما يقول صاحبي: أنه كان يسمع والدته - رحمها الله - كانت تتمتم بدعاء وتقول: «ياليته فيني ولافيك .. ياليته فيني ولافيك وأنا أمك».

فكنت أتعجب كثيراً كيف تتمنى تلك الوالدة الحنونة أن يكون المرض فيها وليس في ولدها؟!
يا لمشاعر الأمومة هذه التي لا يمكن تخيل مدى فدائها لفلذة كبدها!!
قصة أخرى - أيضاً - شبيهة بما سبق تذكرتها أمام ذلك المشهد، يقول لي صاحبي: أنه كان مرة من المرات في غاية الإرهاق ويتضور جوعاً، ولما وصل المنزل طلب من زوجته وجبة هي من أطيب وأشهى الوجبات إلى نفسه، وأخذ يتشاغل بكل شئ ريثما ينتهي إعداد الوجبة المرتقبة،
(1/37)

فلما انتهى الأمر ووُضِع الطبق بين يديه بعد أن كاد يعصره الانتظار، جلس بجانبه طفله الصغير وأخذ يشير إلى الطبق، ثم يشير إلى فمه، وينظر إلى والده! لم يكن الطفل جائعاً بقدر ماهو تطفل الصغار، ومع ذلك فإن هذه التوسلات أنسَت الوالد نفسه وأخذ يلقّم طفله الصغير ونسي نفسه ..

ياللدهشة؟! كيف يغيب الإنسان عن نفسه أمام توسلات طفله الصغير؟! تلك أحاسيس الأبوة ..

وخير من هذه القصص السابقة، وأشرف وأجل منها، قصة أخرى قفزت لذهني حين كنت أمام ذلك المشهد المؤثر، وهي قصة وقعت أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في السنة الثامنة للهجرة، وذلك أنه حين جاء سبي هوازن رأى النبي فيه أماً حنونة ملهوفة تبحث في السبي عن صبيها. ويروي عمر بن الخطاب القصة فيقول: «قُدِم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبى، فإذا امرأة من السبى تبتغى إذا وجدت صبيا فى السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله «أترون هذه المرأة طارحة ولدها فى النار»؟ قلنا: لا والله وهى تقدر على أن لا تطرحه.
(1/38)

فقال رسول الله: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» (1).

فتعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من شدة لهفة هذه الأم بصبيها حتى كانت تلتقط صبياً إثر صبي من السبي فتلقمه ثديها!
فيا سبحان الله! ما أعظم مشاعر الأمومة والأبوة تجاه أطفالهم! وهذا ليس شأناً مختصاً بالبشر، بل حتى الحيوانات العجماوات تحمل من مشاعر الأمومة الحنونة شيئاً مثيراً للأحاسيس وكوامن النفوس، ففي سنن أبي داود عن ابن مسعود أنه قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة فجعلت تفرش، فجاء النبى فقال «من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها» (2).

فانظر كيف كان هذا الطير يفرش جناحيه ويدنو إلى الأرض مفجوعاً بفراخه، فكيف إذن تكون مشاعر الآدميين تجاه أطفالهم؟!
_________
(1) البخاري:5999، مسلم: 7154
(2) سنن أبي داود: 2677
(1/39)

بل وفي صحيح البخاري أيضاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ذكر الرحمة التي أنزلها الله في الأرض يتراحم بها الخلق قال عن الحيوانات: «حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» (1).
المهم، أن هذه القصص العجيبة الأخاذة المدهشة أخذت تتلاحق أمام عيني بصورة حزينة حين كنت أمام مشهد مؤثر مرّ بي قبل أيام، والرابط الجامع والمعنى المشترك بين هذه القصص لا يخفى على القارئ، وهي أنها كلها تعكس شدة شفقة الآباء والأمهات على فلذات أكبادهم ..

كنت أتذكر هذه القصص السابقة، ثم أعيد التأمل في هذا المشهد الذي استحوذ على أحاسيسي، هذا المشهد الذي استثار هذه القصص من مكامنها في ذاكرتي ..

أتدري ما هو هذا المشهد المؤثر الذي هيّج كل هذه القصص في نفسي يا أخي الكريم؟
_________
(1) البخاري: 6000.
(1/40)

إنه بكل اختصار «آية» من كتاب الله كادت تذهب بلبّي وأنا أقرؤها، فكل ما أعرف من رحمة الأبوة والأمومة بأطفالهم فإنه سيذهب بها هول لحظة مشاهدة النار يوم القيامة، فيتمنى الأب العطوف والأم الحنون أن يتخلصوا من هذه النار حتى لو أرسلوا فلذات أكبادهم إليها، يقول الحق تبارك وتعالى في مشهد مرعب: ... {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} (1).
هل نتخيل أننا سنقابل في ساعة قريبة ناراً عظيمة مخيفة تطيش أمام زفيرها عقولنا حتى يتمنى المرء أن يفدي نفسه منها بإرسال أبنائه وبناته إليها؟ إنه خبر الله سبحانه: {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ}!

يا الله، يا فرجنا إذا أغلقت الأبواب! اللهم .. السلامة السلامة من هذه النار التي أذهبت عقل الوالدين من شدة أهوالها حتى نسوا أغلى الناس إليهم، بل تمنوا أن يكون أولادهم مكانهم ويتخلصوا منها!
_________
(1) سورة المعارج، الآية: 11.
(1/41)

أطفالهم الذين كانوا يفدّونهم ويقدّمونهم على أنفسهم، ستأتي لحظة الفداء الكبرى التي تصعق فيها النفوس من شدة الهلع حين تسمع فوارن نار يوم القيامة وشهيق لهبها وهي تأكل الناس والحجارة ..

وأمام ذلك المشهد فإن الوالد يود لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه!
يا الله، إلى هذه الدرجة يصل الهول والرهبة، يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذٍ ببنيه .. !

أمام هذا الذعر المهول تذهب كل تلك الأحاسيس العطوف، أي رعب أكثر من هذا الرعب الذي ينسي الوالدين مشاعر الأبوة والأمومة؟! أي مشهد مخيف ذلك الذي ينسي الوالدين فلذات أكبادهم؟! {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ} ..
ياربنا السلامة، السلامة ..
(1/42)

الإطراق الأخير
برغم أن إنسان هذه الحقبة الزمنية من التاريخ غارق في لجج المدنية المعاصرة ومنتجاتها التقنية والاتصالية، إلا أنه مع ذلك فإن المؤمن تعتريه لحظات مفاجئة بين فينةٍ وأخرى تنتشله من هذا المسلسل المتماسك، فيخرج من مدارات التفاصيل الصغيرة، ويستعيد وعيه بالحقائق الكبرى ..

لحظة الصدمة تقع دوماً حين يتذكر المؤمن لحظة لقاء الله، وقرب هذه اللحظة. وقد أشار القرآن إلى مفارقة مؤلمة، وهي شدة قرب لقاء الله، مع كون الإنسان يغفل كثيراً عن هذه الحقيقة،
(1/43)

لقاء الله قريب ولا زلنا غافلين، كما قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} (1).

والقرآن أخبر عن المعاد بطرق كثيرة متنوعة جداً، ولا أظن باحثاً يستطيع أن يستوعب الآيات القرآنية التي شرحت بعض مشاهد القيامة، وهذه الكثافة الهائلة لهذه الآيات التي تربط العقل المسلم باليوم الآخر ليست عبثاً، ولم تكن كثرتها مصادفةً أو اعتباطاً، ولكنها لأغراض لا تخفى على المهتم بمغزى كلام الله، والمعنى بمكونات القرآن ورسائله الضمنية ..

والحقيقة أنه من بين الآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر لفت انتباهي وشدني كثيراً طائفةٌ من الآيات صورت الناس لحظة القيام من قبورهم ..

صورت تلك الآيات مشهد الذهول البشري، بالله عليك! انظر كيف يصوِّر القرآن مشاعر المقصِّرين في ذلك اليوم: {ولَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} (2).
_________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 1.
(2) سورة إبراهيم، الآيتان: 43،42.
(1/44)

انظر كيف سنقوم من قبورنا شاخصةٌ أبصارنا، مهطعين أي مسرعين، ومقنعين رؤوسنا ننظر من شدة الأهوال، ومن شدة التحديق بحيث لا تطرف العين، وصف القرآن هذه الحالة بأنهم «لايرتد إليهم طرفهم»، ومن شدة الفزع والرعب وصف الله القلوب بأنها كأنها فارغة فقال «وأفئدتهم هواء» ..

ومن التصويرات القرآنية الأليمة لتلك اللحظات، تصوير لحظة الانكسار والذل والضعة التي تعتري المقصِّر، يقول تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} (1).

بالله! تخيل نفسك منكساً رأسك في ذلك اليوم تتمنى العودة لدار العمل، وافجيعتاه.

بل وصف الله الخجل والذل في ذلك اليوم وصفاً آخر يجعل الإنسان ينظر مسارقةً كما يقول تعالى: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} (2).
_________
(1) سورة السجدة، الآية: 12.
(2) سورة الشورى، الآية: 45.
(1/45)

والإنسان الذليل الخائف يسودّ وجهه، وتعلوه القتامة حتى كأن الليل البهيم يعلو محياه، كما قال الله تعالى: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} (1).

أرأيت وجهاً كأنه الليل؟! يالذلِّ ذلك اليوم!!

ومن الصور القرآنية التي تنخلع لها القلوب صورة الجثو على الركب في ذلك اليوم، فترى الناس مستوفزين لا يصيب الأرض منهم إلا ركبهم وأطراف أقدامهم، كما قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (2).
وكما وصف الله القلوب أنها من شدة فزعها كأنما هي خالية «وأفئدتهم هواء»، فإنه في موضع آخر وصف الله القلب من شدة الرعب بأنه من شدة خفقانه كأنما صعد للحنجرة مع الصمت المطبق: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} (3).
_________
(1) سورة يونس، الآية: 27.
(2) سورة الجاثية، الآيتان: 29،28.
(3) سورة غافر، الآية: 18.
(1/46)

وثمة آيات أخرى كثيرة تصف الذعر الشديد، وذهول الناس في ذلك اليوم ..

ولا يقطّع نياط القلب مثل علمنا بأن هذه الأحوال التي وصفها كتاب الله لا يفصل بيننا وبينها إلا مجئ ملك الموت في الساعة المقدرة اليوم أو غداً، ومع ذلك لا زالت الغفلة تكبلنا .. !

وفي ستة مواضع من كتاب الله وصف الله ذلك اليوم بأنه «بغتة» أي مفاجئ، كما قال الله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} (1) {لَا تَاتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} (2)، {أَوْ تَاتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (3)، {بَلْ تَاتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ} (4) ونحوها ..

فياليت شعري على أي حالٍ سيباغتنا ذلك اليوم؟!
_________
(1) سورة الأنعام، الآية: 31.
(2) سورة الأعراف، الآية: 187.
(3) سورة يوسف، الآية: 107.
(4) سورة الأنبياء، الآية: 40.
(1/47)

واللافت في الأمر - أيضاً - أن علماء الإلهيات يؤكدون أن القرآن أكثر من ذكر اليوم الآخر بما لايوجد مثله في الكتب السماوية، كما يقول أبو العباس ابن تيمية: «وفي القرآن من ذكر المعاد وتفصيله، وصفة الجنة والنار، والنعيم والعذاب؛ ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل» (1).
بل إن الله تعالى تمدَّح بتعظيم نفسه بإلقاء الوحي على الرسل لكي ينبهوا الناس على اليوم الآخر، فجعل الله من أعظم وظائف الوحي تذكير الناس بقرب لحظة لقاء الله، كما قال تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ} (2).
والله إنه لأمرٌ محرج أن يكون الله يوضح لنا أن من أغراض الوحي تنبيه الناس على لقائه، ونحن غافلين عن هذه الغاية القرآنية العظيمة.

هل نحن حين نتلو القرآن نستحضر أن من مقاصد القرآن تعميق استحضار اليوم الآخر في النفوس؟ هل منحنا الآيات التي تصور مشاهد اليوم الآخر منزلتها التي تستحقها؟
_________
(1) الجواب الصحيح: 2/ 79.
(2) سورة غافر، الآية: 17.
(1/48)

حين ننشغل بدنيانا ونغفل عن هذا اليوم القادم، فنحن لا نغفل عن يومٍ عادي أو يوم مهم فقط، إننا نغفل عن يوم وصفه كتاب الله بقوله: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} (1).

هذا الإطراق، وخشوع الأبصار، وتنكيس الرؤوس، وفراغ القلوب من الرعب، والجثو على الركب، في ذلك اليوم العصيب، ماسببه؟

لماذا تتيبس الأعصاب وتتجمد الأطراف؟

لا شك أن ذلك بسبب هول العذاب، والخجل من الأعمال، ولكن ثمة - أيضاً - أمر آخر أعظم من ذلك كله، وهو جلال وهيبة الله تعالى إذ يتجلى لذلك اليوم.

سبب الإطراق إدراك الجميع لـ «عظمة الله»، إنه الرحمن -جل وعلا- تخشع له الأصوات في ذلك اليوم المهول: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} (2).
_________
(1) سورة الإنسان، الآية: 27.
(2) سورة طه، الآية: 108.
(1/49)

وقال جل شأنه عن ذلك اليوم {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} (1).
ومعنى عنت أي خضعت وذلّت واستسلمت كما قال أهل التفسير.

حسناً، كلما استطاع المسلم التخلص من الضباب الكثيف الذي يصنعه الانهماك في الدنيا، ومنح نفسه ساعة تأمل في لحظة صفاء، وتذكر قرب لقاء الله؛ فإنه سيتفاجأ بحيوية جديدة تدب في نفسه، سيشعر كأنما قام قلبه باستحمام إيماني يزيل عنه العوالق والأوضار، ستتغير نظرته لكثير من الأمور ..

ومن أهم ما يصنعه استحضار لقاء الله في النفوس الزهد في الفضول، فضول النظر، وفضول السماع، وفضول الكلام، وفضول الخلطة، وفضول النوم، وفضول تصفح الإنترنت، ونحوها، فيصبح المرء لا ينفق نظره وسمعه ووقته إلا بحسب الحاجة فقط ..

ومما يصنعه استحضار لقاء الله في النفوس الإقبال على القرآن، فيعيد المثقف المسلم صياغة شخصيته الفكرية
_________
(1) سورة طه، الآية: 111.
(1/50)

على ضوء القرآن، لأن الله في هذا اللقاء العصيب القادم سيحاسبنا على ضوء هذا القرآن، كما قال تعالى: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} (1).

وقال الله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} (2).
وإنه والله لغاية الخسارة أن يبني المثقف المسلم شخصيته من كتب فكرية منحرفة، هل رأيت أخسر ممن يترك النبع ويترشف المستنقعات؟!

ومما يصنعه استحضار لقاء الله في النفوس إقبال المرء على نفع إخوانه المسلمين في دينهم ودنياهم.

في دينهم مثل: تعليم الناس معاني كلام الله ورسوله، وفي دنياهم مثل: حاجات المسلمين الطبية والهندسية والسياسية والاقتصادية ونحوها.
_________
(1) سورة طه، الآيتان: 100،99.
(2) سورة القصص، الآيتان: 66،65.
(1/51)

وأي تهييجٍ لهذه المنزلة الإيمانية العظيمة وهي نفع المسلمين أشرف من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة، والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه» (1).

إنه الله في عونك ما دمت في عون أخيك، أرأيت كيف يستجلب عون الله؟!

فمن استحضر لقاء الله هل يستطيع أن يتجاهل دماء إخوانه النازفة في كثير من بلدان المسلمين؟ هل تستطيع أن تنسى مسؤوليتك أمام الله وأنت تتذكر صور الأشلاء واستغاثات الثكالى وأنين الأطفال في كثير من بلدان المسلمين المنكوبة؟!

ومما يصنعه كثرة استحضار لقاء الله الاستخفاف بالجاه في عيون الخلق، والتعلق بالجاه عند الله جل وعلا، وماذا يغني عنك ثناء الناس وأنت تعرف من خطاياك ما لو علموه لما صافحوك؟!
_________
(1) صحيح مسلم، 7028
(1/52)

من وضع بين عينيه لقاء الله، والمنزلة عند الله، وكيف ستبدِّل الآخرة من منازل الناس بشكل انقلابي كما قال تعالى عن الآخرة ... {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} (1)، من استحضر ذلك كله؛ علم رخص الشهرة والظهور والرياسة، وكسد سوقُها في قلبه، وأيقن أنها أهدافٌ في غاية التفاهة بحيث لا تستحق دقيقة جهد، فضلاً عن أن يذهب عناء السنين في العلم والعمل لأجل مديح الناس .. !

يا الله، كيف يدع الإنسان جبار السموات والأرض، وينصرف قلبه لمخلوق ضعيف مثله يتوسل مديحه ويتزين لثنائه؟!

وأين الله من الناس؟!

وصيتي لنفسي وأخي القارئ أنه كلما اصطدت نيتك وقد التفتت إلى المخلوقين فتذكر مباشرة قوله تعالى {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} (2).
_________
(1) سورة الواقعة، الآية: 3.
(2) سورة النمل، الآية: 59.
(1/53)

فضل الصخور على القلوب
نعرف جيداً من خلال تجاربنا اليومية أن إيماننا في قلوبنا يمر بحالات متفاوتة، بل شديدة التفاوت.
تارةً نشعر بدفء الإيمان في قلوبنا يتصاعد، فيرقُّ القلب ويلين ويخفّ ويرفرف، فتنيب النفوس وتذعن، حتى نجد في نفوسنا اندفاعاً لافتاً للعمل الصالح، ونفوراً من المعصية. وتاراتٍ أخرى نشعر بالإيمان في نفوسنا يتبلد، ويفتر، حتى نجد من استثقال الطاعات والتكاسل عنها ما يشعرك أنك مكبل، كأنك تمشي في قيود، تستوعر الخطى.
(1/55)

هذه أحاسيس لا يكاد يخلو أحدنا منها، لكن إلى أي مدى يا ترى يقسو القلب ويتجمد الإيمان فيه؟ ما هي أدنى مراحل يبوسة القلب؟

تخيل ما شئت من هذه المراحل والصفات لقسوة القلب، ثم استمع إلى تصوير القرآن لحالة محزنة مخيفة من حالات قسوة القلب، يقول الله جل وعلا: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (1).

إنه ليس كالحجارة فقط، بل قد يكون كما تصوّر الآية «أشد قسوة»!

بالله عليك! هل تتخيل قلباً أقسى من الصخر؟

بل إن الله تعالى ذكر فضل الحجر على بعض القلوب، في صورة يتصبب المؤمن منها حرجاً! حيث تستكمل الآية التصوير: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (2).
_________
(1) سورة البقرة، الآية: 74.
(2) سورة البقرة، الآية: 74.
(1/56)

كم هي مقارنة موجعة! الله تعالى يذكر فضل وتميز الصخور على بعض قلوب بني آدم! فيذكر من فضائل الصخور أنها من لينها ومطاوعتها تنشق لينفسح من بين جوانحها الماء المتدفق، أو تهبط وتتردى كأنما خضعت وتذللت ..

حتى إن إمام التفسير في زمانه قتادة بن دعامة السدوسي (ت118 هـ) لاحظ هذه المقارنة القرآنية بين الصخور وبعض قلوب بني آدم، فعلّق تعليقاً بديعاً قال فيه: «عَذَر الله الحجارة، ولم يعذر شقيّ بني آدم»!
ولكن ما الذي يحدث إذا قسا القلب؟ ما الآثار التي تستتبع هجوم قسوة القلب؟

الحقيقة أن القلب إذا قسا خسر القدرة على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، ومناجاته، والتشرف بالانطراح بين يديه.

وهذه اللحظات التي يتقلب فيها القلب بين يدي الله هي من أرقى وأجمل وألذ لحظات الدنيا ..
(1/57)

بل إن الله تعالى يقدّر على العباد كوارث كونية يريد منهم أن تدفعهم للتعلق بالله ومناجاته والتضرع له، ولكن من ابتلي بقسوة القلب يفلس في الوصول إلى هذه اللحظات الراقية المشرقة، كما يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (1).
أي شؤم لقسوة القلب إذ يتسبب في مضادة أمر الله!

الله يقدّر المرض والمجاعة والحروب والفقر، يريد من العبد أن يرتفع ويتشرف باللجوء إلى الله، والتضرع له، والتمرغ فوق تراب العبودية، وتعفير الوجه بذل الإخبات، ولكن قسوة القلب تكبل العبد فلا يصعد لهذه المنزلة العظيمة.

تأمل مرةً أخرى الآية الكريمة: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ}.

وهل يقف أمر (قسوة القلب) عند الحرمان من مقامات الإيمان الرفيعة كالتضرع لله؟
_________
(1) سورة الأنعام، الآيتان: 43،42.
(1/58)

لا، طبعاً، بل هناك ما هو أفظع من ذلك، وهو أن المرء إذا قسا قلبه فقصّر في طاعة الله، بدأ يلتمس لنفسه المخارج بتأويل النصوص لتوافق هواه، فتراه يدس رأسه في مسائل الخلاف يبحث عن القول الذي يوافق تقصيره، ويحني رماح النصوص كي لا تصيبه، أو يلوي أعناقها لتعزز مساره، كما قال الله تعالى في وصف تأثير قسوة القلب على تحريف النصوص: {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} (1).

ولذلك فإن الله بحكمته البديعة جعل النصوص مواضع مشتبهة، ومكّن الشيطان من الإغواء كوناً وقدراً، فيلقي الشيطان أمام قلوب الناس لذائذ الشبهات، وكلاليب الحيل والمكايد، فلا يصبر ويسلّم للنصوص ويترك مواضع الاشتباه إلا من رقت قلوبهم بالإيمان، ولا يطيش عقله أمام هذه النصوص فيتخذها تُكأة لتقصيره إلا من قسا قلبه، كما قال الله تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} (2).
_________
(1) سورة المائدة، الآية: 13.
(2) سورة الحج، الآية: 53.
(1/59)

وقد يتصور كثيرٌ من الناس أن (قسوة القلب) مجرد سبب للمعصية، ويغفل الكثيرون عن أن (قسوة القلب) قد تكون نتيجة وعقوبة من الله على المعصية ذاتها، فيعاقب الله العبد إذا عصاه بأن يسلط عليه قسوة القلب، كما قال الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (1).

وكون الله سبحانه يعاقب على الذنب بالذنب، وينكّل بالخطيئة على الخطيئة، هذا معنى له نظائر في كتاب الله كقول الله تعالى: ... {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ... حَلِيمٌ} (2).
وقول الله سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} (3).
وقول الله عز وجل: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ ... مَرَضًا} (4).
_________
(1) سورة المائدة، الآية: 13.
(2) سورة آل عمران، الآية: 155.
(3) سورة الصف، الآية: 5.
(4) سورة البقرة، الآية: 10.
(1/60)

فانظر كيف ينتقم الله من الزيغ بالزيغ، ويعذب على مرض القلب بزيادته، ويجازي على الذنب بضعف العبد في حالات الشدة؟! وهكذا فإن الله يعاقب على قسوة القلب إذا لم يداوها المرء بمزيد من قسوة القلب، كما قال الله تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (1).

ربما لا يختلف مسلمان في بشاعة قسوة القلب، ولكن السؤال الذي يسبق ذلك: كيف تقع (قسوة القلب)؟ كيف ينزف القلب إيمانه حتى يتيبس ويتدهور في هذه الحالة المرضيّة؟

الحقيقة أن قسوة القلب هي نتيجة طبيعية للمعاصي والخطايا بشكل عام، ولكن ثمة عامل له خصوصية في إنتاج قسوة القلب، وهو بكل اختصار: (بُعْدُ العهد عن ذكر الله) ..

لا أعرف سبباً يجفف القلب ويقسيه مثل الغفلة عن ذكر الله، ولا أعرف سبباً يحيي القلب وينيره فوراً مثل ذكر الله، وقد جاءت الإشارة في كتاب الله إلى هذه العلاقة بين بعد العهد عن الذكر وقسوة القلب.
_________
(1) سورة المائدة، الآية: 13.
(1/61)

يقول الله تعالى: {أَلَمْ يَانِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} (1).

فانظر كيف أن طول الأمد، وبعد العهد عن كتاب الله، أورثهم قسوة قلوبهم، وتنبيه القرآن لهذه الظاهرة التي وقعت في الأمم السابقة ليس للمتعة والتسلية التاريخية، وإنما لكي نتحاشاها ونستفيد من الدرس ..
ولاحظ هذه العلاقة -أيضاً- بين بعد العهد عن الذكر وقسوة القلب في قول الله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (2).

والمعنى كما رجحه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري - رحمه الله - أن قلوبهم قست ببعدهم عن ذكر الله، كما يقول ابن جرير: «يقول الله تعالى ذكره: فويل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذكر الله وأعرضت» (3).
_________
(1) سورة الحديد، الآية: 16.
(2) سورة الزمر، الآية: 22.
(3) تفسير الطبري: 20/ 190.
(1/62)

حسناً، دعنا الآن نحاول أن نستجمع عناصر الصورة التي رسمها القرآن عن ظاهرة (قسوة القلب): أخبرنا الله أن بعض القلوب أشد قسوة من الحجارة: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (1).
وأن قسوة القلب عقوبة ونكالٌ يرسله الله على من عصاه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} (2).

وأن قسوة القلب تحرم المرء من التضرع لله: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} (3).

وأن القلوب القاسية هشة تنهار أمام الفتن: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} (4).

وأن قسوة القلب تنتج بسبب بعد العهد بالذكر: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}.
_________
(1) سورة البقرة، الآية: 74.
(2) سورة المائدة، الآية: 13.
(3) سورة الأنعام، الآية: 43.
(4) سورة الحج، الآية: 53.
(1/63)

ثم يختم المشهد بالتهديد الإلهي المروع لمن قسا قلبه عن ذكر الله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (1).
إذا تمعن الباحث في هذا المشهد الذي شكّله القرآن حول ظاهرة (قسوة القلب) أدرك فوراً أن (قسوة القلب) يجب أن لا تكون شيئاً هامشياً في حياتنا، لقد منح القرآن اهتماماً واضحاً لهذه الظاهرة، فوصفها وشرح آثارها وأسبابها، وهدد صراحة من وقع فيها.
هل من اللائق أن يكون القرآن كثف الحديث عن (قسوة القلب) وآثاره المدمرة ثم تكون قسوة القلب مجرد حدث عابر في حياتنا، أو حالات عرضية لا نأبه لوقوعها وارتفاعها؟!

ما أكثر ما مررنا بحالات من (قسوة القلب)! وبكل صراحة: ماذا لو توفانا الله - لا سمح الله - على هذه الحالة؟ ماذا لو لقينا خالق السماوات والأرض ونحن في حالة (قسوة القلب) التي قال عنها: ... {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (2).
_________
(1) سورة الزمر، الآية: 22.
(2) سورة الزمر، الآية: 22.
(1/64)

كم ستكون لحظة فاجعة!

لا خيار لنا في اتخاذ القرار العاجل والمبادرة بمداواة قلوبنا من هذه القسوة التي تداهمها. وقد أثبتت التجارب أن أنفذ الأدوية وأسرعها في معالجة قسوة القلب هو تلاوة وتدبر كلام الله سبحانه وتعالى .. كما في الآية الكريمة: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (1).

وأخبرنا عن الأنبياء كيف يتأثرون بكلام الله، وتسيل عبراتهم: ... {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (2).
وأخبرنا الله عن بعض الصالحين من أهل الكتاب كيف تغرورق محاجرهم بالدموع إذا تلي عليهم القرآن: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} (3).
_________
(1) سورة الزمر، الآية: 23.
(2) سورة مريم، الآية: 58.
(3) سورة المائدة، الآية: 83.
(1/65)

فإذا رأى متدبر القرآن كيف يصف الله القرآن بأنه تقشعر منه جلود المؤمنين، وتلين قلوبهم له، وكيف وصف الله سلسلة الأنبياء، وصالحي أهل الكتاب إذا استعبروا وذرفت مآقيهم الدموع خشيةً لكلام الله، أدرك أن هذا القرآن أنجع وسيلة تهز القلوب وتطير بها عن منحدرات القسوة وكهوف الرين ..
(1/66)

الساعة الخامسة والسابعة صباحاً
ثمة مشهد لا أمل من التأمل فيه، ولا أمل من حكايته لأصحابي وإخواني، وهو ليس مشهداً طريفاً، بل والله إنه يصيبني بالكمد والبث حين أتذكره ..
جوهر هذا المشهد هو بكل اختصار «المقارنة بين الساعتين الخامسة والسابعة صباحاً» في مدينتي الرياض التي أعيش فيها، أقارن تفاوت الحالة الشعبية بين هاتين اللحظتين اللتين لايفصل بينهما إلا زهاء مائة دقيقة فقط ..
في الساعة الخامسة صباحاً، والتي تسبق تقريباً خروج صلاة الفجر عن وقتها، تجد طائفةً موفقةً من الناس توضأت،
(1/67)

واستقبلت بيوت الله تتهادى بسكينه لأداء صلاة الفجر، إما تسبح وإما تستاك في طريقها ريثما تكبر {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ... اسْمُهُ} (1).
بينما أمم من المسلمين أضعاف هؤلاء ما يزالون في فرشهم، بل وبعض البيوت تجد الأم والأب يصلون ويدَعون فتيان المنزل وفتياته في سباتهم ..
حسناً، انتهينا الآن من مشهد الساعة الخامسة، لننتقل الآن لمشهد الساعة السابعة ..
ما إن تأتي الساعة السابعة - والتي يكون وقت صلاة الفجر قد خرج - وبدأ وقت الدراسة والدوام، إلا وتتحول الرياض وكأنما أطلقت في البيوت صافرات الإنذار، حركة موّارة، وطرقات تتدافع، ومتاجر يرتطم الناس فيها داخلين خارجين يستدركون حاجيات فاتتهم من البارحة، ومقاهٍ تغص بطابور المنتظرين يريدون قهوة الصباح قبل العمل ..

أعرف كثيراً من الآباء والأمهات يودّون أن أولادهم لو صلو الفجر في وقتها، يودون فقط، لكن لا شيء يتجاوز ذلك،
_________
(1) سورة النور، الآية: 36.
(1/68)

بمعنى لو لم يؤدّها أبناؤهم فلن يتغير شيء، لكن لو تأخر الابن «دقائق» فقط، نعم أنا صادق فيما أقول، لو تأخر الابن دقائق فقط عن موعد الذهاب لمدرسته فإن شوطاً من التوتر والانفعال يصيب رأس والديه، وربما وجدت أنفاسهم الثائرة وهم واقفون على فراشه يصرخون فيه بكل ما أوتوا من الألفاظ المؤثرة لينهض لمدرسته.

هل هناك عيب أن يهتم الناس بأرزاقهم؟ هل هناك عيب بأن يهتم الناس بحصول أبنائهم على شهادات يتوظفون على أساسها؟

لا، طبعاً، بل هذا شئ محمود، ومن العيب أن يبقى الإنسان عالة على غيره ..
لكن هل يمكن أن يكون الدوام والشهادات أعظم في قلب الإنسان من الصلاة؟!

لاحظ معي أرجوك: أنا لا أتكلم الآن عن «صلاة الجماعة» والتي هناك خلاف في وجوبها (مع أن الراجح هو الوجوب قطعاً)، لا، أنا أتكلم عن مسألة لا خلاف فيها عند أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - طيلة خمسة عشر قرناً،
(1/69)

لا يوجد عالم واحد من علماء المسلمين يجيز إخراج الصلاة عن وقتها، بل كل علماء المسلمين يعدون إخراج الصلاة عن وقتها من أعظم الكبائر، وبعضهم يعدها ناقضاً من نواقض الإسلام ..

بالله عليك، أعد التأمل في حال ذينك الوالدين اللذين يلقون كلمة عابرة على ولدهم وقت صلاة الفجر «فلان! قم .. صل .. الله يهديك!»، ثم يمضون ببرود لحال شأنهم، لكن حين يأتي وقت «المدرسة والدوام» تتحول العبارات إلى غضب مزمجر وقلق منفعل لو حصل وتأخر عن مدرسته ودوامه ..
بل هل تعلم يا أخي الكريم أن أحد الموظفين قال لي مرة: إنه منذ عشر سنوات تقريباً لم يصل الفجر إلا مع وقت الدوام، يقولها بكل استرخاء، مُطبِق على إخراج صلاة الفجر عن وقتها منذ عشر سنوات .. !
وقال لي مرة أحد أحد الشباب: إنهم في استراحتهم التي يجتمعون فيها، وفيها ثلة من الأصدقاء من الموظفين من طبقة متعلمة، قال لي: إننا قمنا مرة بمكاشفة ..
(1/70)

من فينا الذي يصلي الفجر في وقتها؟ فلم نجد بيننا إلا واحداً من الأصدقاء فقط، وقال لهم: إن زوجته كانت تقف وارءه بالمرصاد حتى ينهض ويغادر الباب، هذه هي الزوجة المباركة على زوجها وبيتها ..

يا الله، هل صارت المدرسة -التي هي طريق الشهادة- أعظم في قلوبنا من عمود الإسلام؟!

هل صار بداية وقت الدوام - الذي سيؤثر على نظرة رئيسنا لنا - أعظم في نفوسنا من ركن يترتب عليه الخروج من الإسلام؟

هذه المقارنة الأليمة بين الساعة الخامسة والسابعة صباحاً هي أكثر صورة محرجة تكشف لنا كيف صارت الدنيا في نفوسنا أعظم من ديننا ..

بل وانظر إلى ما هو أعجب من ذلك، فكثير ممن يخرج صلاة الفجر عن وقتها إذا تأخر في دوامه بما يؤثر على وضعه المادي يحصل له من الحسرة في قلبه بما يفوق ما يجده من تأنيب الضمير إذا أخرج الصلاة عن وقتها!
(1/71)

كلما تذكرت كارثة الساعة الخامسة والسابعة صباحاً، وأحسست بشغفنا بالدنيا وانهماكنا بها بما يفوق حرصنا على الله ورسوله والدار الآخرة؛ شعرت وكأن تالياً يتلو علي من بعيد قوله تعالى في سورة التوبة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} (1).
ماذا بقي من شأن الدنيا لم تشمله هذه الآية العظيمة؟!

هل بلغنا هذه الحال التي تصفها هذه الآية؟!

ألم تصبح الأموال التي نقترفها والتجارة التي نخشى كسادها، أعظم في نفوسنا من الله ورسوله والدار الآخرة؟!

كيف لم يعد يشوّقنا وعد ربنا لنا في سورة النحل إذ يقول {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} (2).
_________
(1) سورة التوبة، الآية: 24.
(2) سورة النحل، الآية: 96.
(1/72)

بكل صراحة، حين تتذكر شخير الساعة الخامسة فجراً، في مقابل هدير السابعة صباحاً، فأخبرني هل تستطيع أن تمنع ذهنك من أن يتذكر قوله تعالى في سورة الأعلى {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (1).

حين تقارن بين مشهد الغارقين في فرشهم وقت صلاة الفجر، واللاهثين في الطرقات وقت بداية الدوام، ألا يهجم عليك قول الله تعالى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ... ثَقِيلًا} (2).

إذا تأملت هذا الشغف بحطام الدنيا، والتفريط في أعظم أمور الآخرة، فتذكر نصيحة أهل العلم التي رواها القرآن لنا مثمنّاً إياها، مفخماً لشأنها، حين قالوا لقومهم: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} (3).
وتأمل تفريط كثير من الآباء والأمهات في صلاة ابنهما، وتأمل تفريط أحد الزوجين في إيقاظ الآخر للصلاة،
_________
(1) سورة الأعلى، الآيتان: 17،16.
(2) سورة الإنسان، الآية: 27.
(3) سورة القصص، الآية: 80.
(1/73)

ثم اعرض هذا المشهد الاجتماعي أمام ثناء الله على نبيه إسماعيل - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: ... {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَامُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} (1).
تأمل كيف يمدح الله إسماعيل بكونه «يأمر أهله بالصلاة»، وقارن ذلك بالسلبية المتزايدة هذه الأيام بين أهلٍ يسكنون بيتاً واحداً، لا يأمر المصلي فيه من لا يصلي!

وتأمل كيف ينقل الله لنا كيف يأمر لقمان ابنه بالصلاة: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} (2).

بل إن الله أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر أهله بالصلاة فقال: {وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} (3).

ضم هذه النظائر إلى بعضها: مدح الله لإسماعيل - صلى الله عليه وسلم - بأمره أهله بالصلاة، وأمر لقمان لابنه بالصلاة، وأمر الله لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يأمر أهله بالصلاة،
_________
(1) سورة مريم، الآيتان: 55،54.
(2) سورة لقمان، الآية: 17.
(3) سورة طه، الآية: 132.
(1/74)

ثم تذكر هذه اللامبالاة المتبادلة التي صارت تغزو بيوتنا للأسف ..

قال لي مرةً أحد من أصابتهم شُعب التغريب: «المشايخ يمارسون التهويل في تصوير الخلل الديني في مجتمعنا، ولو ركزو على الكبائر لعلموا أن أمورنا الدينية جيدة، والمشكلة عندنا في دنيا المسلمين فقط» ..
والحقيقة أنني كلما وضعت عبارته هذه على كفة، ووضعت الساعتين الخامسة والسابعة صباحاً على كفة، طاشت السجلات، وصارت عبارته من أتفه الدعاوى ..

المقارنة بين مشهدي الساعة الخامسة والسابعة صباحاً هي أهم مفتاح لمن يريد أن يعرف منزلة الدنيا في قلوبنا مقارنة بدين الله ..

لا أتحدث عن لحية، ولا معازف (برغم أنها مسائل مهمة)، وإنما أتحدث الآن عن رأس شعائر الإسلام، إنها «الصلاة»! التي قبضت روح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوصي بها أمته ويكرر «الصلاة .. الصلاة!!» وكان ذلك آخر كلام رسول الله كما يقول الصحابي راوي الحديث ..
(1/75)

بل هل تدري ما هو أطم وأبشع من ذلك كله .. ؟ أن كثيراً من أهل الأهواء الفكرية يرون أن الحديث عن الصلاة هو شأن الوعاظ والدراويش والبسطاء، أما المرتبة الرفيعة عندهم فهي ما يسمونه «السجال الفكري، والحراك الفكري»، وحقيقة الأمر أن كثيراً منها ترهات آراء يتداولونها في مقاهي الفراغ أو صوالين الإنشاء ..

يسمون الشبهات، وتحريف النصوص الشرعية، والتطاول على أئمة أهل السنة: (حراكاً فكرياً)، يا ضيعة الأعمار!
الصلاة التي عظمها الله في كتابه، وذكرها في بضعة وتسعين موضعاً، تصبح شيئاً هامشياً ثانوياً في كثير من الخطابات النهضوية والتنموية والإصلاحية، ألا لا أنجح الله نهضة وإصلاحاً تجعل الصلاة في ذيل الأولويات ..

المهم، لنعد لموضوعنا، فمن أراد أن يعرف منزلة الدنيا في القلوب مقارنة بدين الله فلا عليه أن يقرأ النظريات والكتابات والأطروحات، بل عليه فقط أن يقارن بين الساعتين «الخامسة والسابعة صباحاً» وسيفهم بالضبط كيف صارت الدنيا أعظم في نفوسنا من الله جل جلاله ..
(1/76)

وتأمل يا أخي الكريم في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} (1).

بل تأمل في العقوبة التي ذكرها جماهير فقهاء المسلمين لمن أخرج الصلاة عن وقتها حيث يصور هذا المذهب الإمام ابن تيمية، كما جاء في فتاواه يرحمه الله: «وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عن أقوام يؤخرون صلاة الليل إلى النهار، لأشغال لهم من زرع أو حرث أو جنابة أو خدمة أستاذ، أو غير ذلك، فهل يجوز لهم ذلك؟
فأجاب: «لا يجوز لأحد أن يؤخر صلاة النهار إلى الليل، ولا يؤخر صلاة الليل إلى النهار لشغل من الأشغال، لا لحصد، ولا لحرث، ولا لصناعة، ولا لجنابة، ولا لخدمة أستاذ، ولا غير ذلك؛ ومن أخرها لصناعة أو صيد أو خدمة أستاذ أو غير ذلك حتى تغيب الشمس وجبت عقوبته، بل يجب قتله عند جمهور العلماء بعد أن يستتاب، فإن تاب والتزم أن يصلي في الوقت ألزم بذلك،
_________
(1) سورة مريم، الآية: 59.
(1/77)

وإن قال: لا أصلي إلا بعد غروب الشمس لاشتغاله بالصناعة والصيد أو غير ذلك، فإنه يقتل» (1).

هل لازال هناك من يقول: «إن مشكلتنا هي أننا عظمنا الدين وأهملنا دنيا المسلمين».

بل هل قائل هذا الكلام جاد؟! وأي دين بعد عمود الإسلام؟!

حين تجد شخصاً من المنتسبين للتيارات الفكرية الحديثة يقول لك: (مشكلة المسلمين في دنياهم لا في دينهم) فقل له فقط: قارن بين الساعة الخامسة والسابعة صباحاً وستعرف الحقيقة.
_________
(1) فتاوى ابن تيمية: 22/ 28.
(1/78)

السجود بين السهام
تناولنا في الفصل السابق مشهد الساعة الخامسة والسابعة صباحاً، دعنا الآن نوسّع الأمر إلى مشاهد اجتماعية شبيهة بهذا المشهد، سنحاول أن نلامس بعض صور الحياة المتكررة المتعلقة بذات الإشكالية، ثم ننتقل إلى تحليل هذه القضية في ضوء القرآن ..
سأروي لك أحداثاً منفصلة أُخبِرت بها، أو رأيت بعضها، ثم نضعها تحت مجهر القرآن كما هو الغالب على وظيفة هذه الرسالة التي بين يديك ..
(1/79)

زارني مرةً طالب في جامعة الملك سعود، في المستوى الثالث، وكان لديه بعض الإشكاليات يريد أن يناقشها، وأثناء حديثه قلت له: أريد أن أسألك سؤالاً:

ما هي الإشكاليات الفكرية التي يتساءل حولها طلاب الجامعة وتؤرقهم؟

تبسم هذا الشاب، وقال لي: هل تريد أن أحدثك بصراحة؟

قلت. نعم.
قال: طلاب الجامعة الذين أراهم ليس لديهم أصلاً أي اهتمام بالإشكاليات الفكرية التي تعنيكم! ولا ألقوا بالاً لهذه القضايا التي تختلف حولها النخب، الطلاب الذين أراهم إذا أردت الصراحة ينتشر بينهم «التهاون في الصلاة»!

ثم أخذ هذا الشاب يتكلم بحرقة، مكسوفاً، متهضّم الوجه، والله إنه يتوقف عن الحديث كأنه لا يجد العبارة الوافية بأحاسيسه ..
(1/80)

أحد الأقارب يحدثني قبل زمن يسير يقول: كنت ذاهباً إلى الصندوق العقاري لأراجع معاملةٍ لي، فلما حضر وقت الصلاة تقدم شخص عليه سيماء التدين، ومدّ سجادة طويلة، وأقام الصلاة، فاجتمع الموجودون وصلوا وراءه، لكن الذي لفت انتباهي أن خمسة أو ستة أشخاص بقوا في أحد زوايا الصالة ولم يصلوا معنا!

صديق آخر يحدثني ويقول: كنت مرةً في سوق، من الأسواق المركزية الكبرى (هايبرماركت)، يقول: حضر وقت الصلاة، فاستعجلت نفسي للخروج، فأغلقت البوابات على المتسوقين، واكتشفت أن عدداً كبيراً من المتسوقين بقوا يتجولون بكل انسجام، وكأن شيئاً لم يحدث، ولم يحرصوا على الخروج من السوق لكي يصلوا، واكتشفت أن هذا الإجراء طبيعي، وأنه في كل الصلوات تقريباً يغلق السوق ويبقى عدد من المتسوقين يتبضعون بكل أريحية!
وهذه واقعةٌ أخرى وقعت لي شخصياً، فقد كنت مرةً في الطائرة، عائداً للسعودية حفظها الله،
(1/81)

والطائرة تغص بأناس عليهم سيماء أهل البلد، وحضر وقت صلاة الفجر، ولم يتبقى إلا زمن قصير وتشرق الشمس، فاجتمع عدد من المسافرين وصلينا الفجر، لكن الذي أدهشني أن العشرات من المسافرين لم يغادروا مقاعدهم للصلاة؟!

برغم أن المصلى بجانبهم، وليس لديهم أي ارتباطات أو مهام، وسيخرج وقت الصلاة قريباً! ومع ذلك عدد كبير من المسافرين مسترخٍ فوق المقعد وكأن شيئاً لم يقع ..
كنا نتجاذب أطراف الحديث حول هذه الظواهر المؤلمة مع أحد الأقارب ورويت له بعض الوقائع التي بذهني، فقال لي: دعني أخبرك بمشهد مماثل، يقول: أنا حضرت عدة مباريات مهمة، ويجتمع في الملعب ما لا يقل عن خمسين ألف متفرج، وبعضهم يأتي من العصر ليحجز مقعداً، ومع ذلك يأتي وقت صلاة المغرب والعشاء، ولا ينزل إلا عدد محدود ويبقى الآلاف في مدرجاتهم ..
(1/82)

هذه بعض الظواهر والمشاهد الاجتماعية الأليمة في التعامل مع عمود الإسلام!

دعنا الآن ننتقل إلى تحليل هذه المشاهد في ضوء القرآن، ونتناول المنزلة التي وضعها الله للصلاة، ما هي المرتبة التي أنزل الله الصلاة فيها؟
سنحاول أن نقف معاً أيضاً على بعض الشواهد الشرعية:

تأمل كيف أمر الله المجاهدين بصلاة الجماعة، وهم على خط النار، وتحت مخاطر القصف، وشرح القرآن لهم كيف يصلونها؟ برغم ما تستلزمه حالتهم من ترك بعض شروط وواجبات الصلاة المعروفة، وكثرة الحركة، وملاحظة العدو، إلخ، ومع ذلك لم يأذن لهم في ترك صلاة الجماعة!
إنهم يصلون جماعةً بين سنابك الخيل، وتحت وقع السهام، فكيف يبيح الله تعالى لرجل ينام فوق فراش وثير، تحت أجهزة التكييف الحديثة أن يدع الصلاة؟ بأي منطق يجوز هذا؟
(1/83)

يقول الله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَاتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} (1).
وجاء الأمر بالصلاة في آية مركبة صياغتها بطريقة شديدة الترهيب، حيث أشارت الآية إلى وصف من يترك الصلاة، فأمرت بالصلاة وأشارت للضد، حتى إن ابن حجر في فتح الباري قال عن هذه الآية أنها: «من أعظم ما ورد في «فضل الصلاة» بسبب هذا الاقتران الترهيبي، حيث يقول الله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (2).
_________
(1) سورة النساء، الآية: 102.
(2) سورة الروم، الآية: 31.
(1/84)

فإذا كان الله يجعل ترك الصلاة من أفعال المشركين، فكيف يرضى المسلم لنفسه أن يكون بهذه المنزلة؟!
ويتصور كثيرٌ من المسلمين أنه بمجرد أن يذهب إلى الصلاة، حتى لو كان متأخراً دوماً، ويذهب إليها متثاقلاً؛ فقد ارتفع عنه الوعيد والتهديد الذي جاء في القرآن، ولا يعلم هذا المغرور أن الله ذكر المنافقين أنهم يصلون، وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن المنافقين يصلون، ولكن انظر بالله عليك كيف وصف الله صلاة المنافقين، يقول الله تعالى: ... {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} (1).
ويقول الله تعالى: {وَلَا يَاتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى} (2).
ووصف النبي - صلى الله عليه وسلم - سلوك المنافقين في تعامله مع الصلاة فقال: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان؛ قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» (3).
_________
(1) سورة النساء، الآية: 142.
(2) سورة التوبة، الآية: 54.
(3) رواه مسلم: 622.
(1/85)

فانظر إلى الآيتين السابقتين كيف وصف الله المنافق بأنه يأتي للصلاة ولكن بتكاسل!

ووصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنافق بأنه يصلي ولكنه يماطل ويؤجل حتى يتماس مع خروج الوقت فينقرها عاجلاً.

قال الإمام ابن تيمية: «جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة المنافقين التأخير، وقلة ذكر اسم الله سبحانه» (1).
وقال ابن تيمية أيضاً: «فجعل هذه صلاة المنافقين؛ لكونه أخرها عن الوقت، ونقرها» (2).
ألا يخشى المسلم المتكاسل في الصلاة، المستثقل لها، المستعجل دوماً في أدائها، أن يكون طيلة حياته إنما كان يمارس «صلاة المنافق»! كم ستكون صدمة فاجعة إذا رأى صلاته عند لقاء الله محسوبة عليه من «صلاة المنافقين»، فتكون وبالاً زهو يظنها النجاة؟!

والكفار وهم يساقون إلى جهنم - والعياذ بالله - يشنع عليهم بتركهم للصلاة! كما قال الله: {وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ *
_________
(1) الفتاوى، 22/ 24.
(2) الفتاوى، 7/ 615.
(1/86)

إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} (1).
وتمعّن كيف جعل الله الصلاة «تصوغ أخلاقنا»!

إنها ليست مجرد حركات وسكنات وألفاظ، بل إنها تربّينا، إنها تهذّب سلوكياتنا، كما وصف الله الصلاة بقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (2).

ولذلك فإن المرء إذا كان متهتك الأخلاق فهو لم يصلّ حقيقةً، وإن زعم أنه يصلي، ولذلك قال الإمام ابن تيمية: «فإن الصلاة إذا أتى بها كما أُمر نهته عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها» (3).

ومن عجائب عبودية الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم - أنهم لم يكونوا يعتنون بإقامة الصلاة فقط، بل كانوا يلجؤون إلى الله ويتضرعون إليه أن يعينهم ويمدهم ويقويهم على الصلاة.
_________
(1) سورة القيامة، الآيات: 29 - 32.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 45.
(3) الفتاوى، 22/ 6.
(1/87)

الكثير منا حين يدعو يسأل الله أن يحقق له آمالاً معينة في الدنيا أو الآخرة، لكن القليل منا من يتفطن إلى سؤال الله العون على العبادات العظيمة ..
تأمل لجوء وتضرع خليل الله إبراهيم إذ قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} (1).
ومن عجائب منزلة الصلاة أن كل العبادات شرعها الله في الأرض عبر طرائق الوحي، إلا الصلاة فإنه عرج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة بثلاث سنوات، حتى سمع فرضيتها من الله جل جلاله مباشرة، وقد روى - صلى الله عليه وسلم - ذلك فقال: «عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى أمر بموسى، فقال موسى - عليه السلام: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال لي موسى - عليه السلام: فراجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك.
_________
(1) سورة إبراهيم، الآيتان: 40،39.
(1/88)

قال: فراجعت فوضع ربي شطرها. فرجعت إلى موسى - عليه السلام - فأخبرته. قال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فراجعت ربي فقال: «هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لدي» فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربك. فقلت: قد استحييت من ربي» (1).
وفي رواية للبخاري أن الله تعالى قال: «إني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي الحسنة عشرا» (2).
وتلاحظ أن الله تعالى هو الذي تولى فرضها بنفسه، قال الإمام ابن تيمية: «والصلوات الخمس تولى الله إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج» (3).

فلم تفرض شريعة من الله لنبيه بلا واسطة إلا الصلاة فيما نعلم.

فهذا الوضع الذي اختاره الله لتشريع الصلاة، بأن تشرع كل العبادات في الأرض بطرائق الوحي المعروفة،
_________
(1) البخاري: 349، مسلم:433.
(2) البخاري: 3207.
(3) فتاوى ابن تيمية: 3/ 428.
(1/89)

إلا الصلاة، يعرج برسول الله إلى موضع يسمع فيه (صريف الأقلام) لا يمكن إلا أن تكون له دلالات عميقة حول منزلة الصلاة وشرفها عند الله ..
والصريف هو صوت صرير القلم على اللوح، والأقلام هي التي بيد الملائكة تكتب بها قضاء الأقضية التي يقدرها الله سبحانه وتعالى، والملائكة تكتب الأقدار اليومية: {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَانٍ} (1)، وتكتب التقدير الحولي: ... {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (2)، وتكتب التقدير العمري: «ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» (3).
والمعروف أنه حينما يكون الإنسان في مرض الموت، وسيغادر هذه الدنيا فإنه يوصي بأهم الأمور، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - من كمال حرصه على أمته، وهو على فراش الموت أخذ يردد كما روى أبو داود بسند جيد عن علي قال: كان آخر كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» (4).
_________
(1) سورة الرحمن، الآية: 29.
(2) سورة الدخان، الآية: 4.
(3) البخاري: 7454.
(4) أبو داود، 5158.
(1/90)

وقد أمر الله ملائكته بالنزول إلى الأرض، ثم العروج إلى السماء، والعكس، في وظائف أمرهم الله بها، من إحصاء أعمال العباد، وغيرها. واللافت أن الوقت الذي عينه الله لملائكته للنزول والعروج مرتبط بأوقات الصلاة! كما في البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (1).
وترى المرء يتكلف أعمالاً صالحة، بصيام أو أضاح أو عمرةٍ أو صدقةٍ ونحوها، ثم يفرط في صلاته فيخسر كل هذه الأعمال، وتذهب عليه هباءً، وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متفطنين لهذا المعنى، كما روى البخاري عن أي المليح قال: (كنا مع بريدة في غزوة، في يوم ذي غيم، فقال: بكروا بصلاة العصر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله») (2).
_________
(1) البخاري: 555.
(2) البخاري: 553.
(1/91)

وتأمل كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوقظ أحبابه لصلاة النافلة في جوف الليل، فكيف بصلاة الفريضة؟!

فقد روى البخاري عن علي بن أبي طالب: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرقه وفاطمة بنت رسول الله ليلةً، فقال لهم: «ألا تصلون») (1).

وقد علّق الطبري على هذه الواقعة تعليقاً بديعاً قال فيه: (لولا ما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من عظم فضل الصلاة في الليل؛ ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكناً؛ لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون، امتثالاً لقوله تعالى: {وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ} (2) (3).

حسناً، هذه بعض الشواهد الشرعية التي تصل بالمرء إلى القناعة التامة بالأهمية المطلقة للصلاة في ميزان الله سبحانه وتعالى، وأنها يجب أن تكون أهم قضية عملية في حياتنا، وإذا تدبر الباحث هذه الشواهد الشرعية،
_________
(1) البخاري: 7465.
(2) سورة طه، الآية: 132.
(3) فتح الباري: 3/ 11.
(1/92)

ثم أعاد تذكر بعض المشاهد الاجتماعية للتفريط في الصلاة فإنه إن كان نبيلاً محباً لمجتمعه، فلا يملك إلا أن تستبد به الحماسة للنهضة بالمجتمع وتنميته إيماناً بإحداث ثورة تصحيحية في وضع الصلاة في المجتمع.
(1/93)

السهر المجهول
تتحدث كتب النفس وبرامج الاستشارات التلفزيونية والنصائح الطبية ونحوها عن مشكلة يسمونها (مشكلة السهر)، ويتكلمون عن أضرارها، ويطرحون لها الحلول وأساليب العلاج.
لكن ثمة نوع آخر من السهر لا أرى له ذكراً بينهم، إنه سهر من نوع خاص، سهر يذكره القرآن ويتحدث عنه كثيرا، وكلما مررت بتلك الآيات التي تتحدث عن هذا السهر شعرت بالخجل من نفسي.
(1/95)

في أوائل سورة الذاريات لما ذكر الله أهوال يوم القيامة، توقف السياق القرأني، ثم بدأت الآيات تلوِّح بذكر فريقٍ حصد السعادة الأبدية، واستطاع الوصول إلى (جناتٍ وعيون)، ولكن ما السبب الذي أوصلهم إلى تلك السعادة بين مجاهل تلك الأهوال؟

إنه (السهر المجهول).

تأمل كيف تشرح الآيات سبب وصول ذلك الفريق إلى الجنات والعيون: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (1).

أرأيت، هل استحوذ عليك المشهد؟ لا عليك، شعورٌ طبيعي جداً، تأمل كيف كان سبب سعادتهم أن نومهم بالليل «قليل»!

إذن أين يذهب بقية ليلهم؟

إنه يذهب بالسهر مع الله جل وعلا، ذلك السهر المجهول.
_________
(1) سورة الذاريات، الآيات: 15 - 17.
(1/96)

ذكرٌ لله، وتضرعٌ وابتهالٌ بين يديه، وتعظيمٌ له سبحانه، وافتقارٌ أمام غناه المطلق سبحانه، وركوعٌ وسجودٌ وقنوت، هذا غالب الليل، أما القليل منه فيذهب للنوم، القليل فقط بنص الآية {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (1).

وفي سورة الزمر لما ذكر الله عدداً من الآيات الكونية عرض هذا السهر الإيماني بصيغة أخرى، لكن فيها من التشريف ما تتضعضع له النفوس، لقد جعل الله هذا السهر الإيماني أحد معايير (العلم)!
نعم، قيام الليل أحد معايير العلم بنص القرآن، وهذا أمر لا تستطيع بتاتاً أن تستوعبه العقول المادية والمستغربة لأنها لم تتزكّ بعد بشكل تام وتتخلص من رواسب الجاهلية الغربية.
لاحظ كيف دلت خاتمة الآية على التشريف العلمي لهذا السهر الإيماني، يقول تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (2).
_________
(1) سورة الذاريات، الآية: 17.
(2) سورة الزمر، الآية: 9.
(1/97)

فلاحظ في هذه الخاتمة كيف جعل الله عدم القنوت آناء الليل مؤشراً على جهل صاحبه، وجعل القنوت مؤشراً على علم القانت.

وقد يقول قائل: لكن كثيراً ممن لا يقنت آناء الليل نرى بالمقاييس المادية المباشرة أن لديه علماً؟

فالجواب: أن القرآن اعتبر العلم بثمرته لا بآلته، وثمرة العلم العبودية لله، فمن ضيع الثمرة لم تنفعه الآلة.

ثم لاحظ كيف وصفت الآيات تنوع العبادة {سَاجِدًا وَقَائِمًا}.
بل وصفت الآية أحاسيس ومشاعر ذلك الساهر، فهو من جهة قد اعتراه الوجل من يوم الآخرة، ومن جهة أخرى قد دفعه رجاء رحمة الله {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ}، تمتزج هذه المشاعر الإيمانية طوال الليل البهيم بينما الناس حوله هاجعون.
هذا الوصف لأحاسيس المتنسّك آناء الليل توحي بالسكينة الداخلية التي يعيشها، والمعالي التي يفكر فيها، ولذة المناجاة التي يتذوقها ..
(1/98)

هل ترى الله تعالى بعظمته وقدسيته سبحانه يصوِّر هذا المشهد الإيماني الليلي بلا رسالة يريد إيصالها لنا؟

أليس من الواضح أن الله يريدنا كذلك؟

يريدنا أن نكون قانتين آناء الليل ساجدين وقائمين نحذر الآخرة ونرجوا رحمة ربنا .. ؟

وتذكّر أن الله جعل ذلك معياراً من معايير (العلم)، ألا نريد أن نكون في معيار الله من (أهل العلم)؟
وفي أواسط سورة السجدة ذكر الله المؤشرات الظاهرة التي تدل على إيمان الباطن، حيث استفتحها بقوله {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا} الآية، وفي ثنايا تلك المؤشرات صورت الآيات مشهد ذلك المؤمن الصادق، وهو في فراشه، تهاجمه ذكرى الآخرة، فلا يستطيع جنبه أن يسترخي للنوم، تأمل قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (1).
_________
(1) سورة السجدة، الآية: 16.
(1/99)

أخي الغالي، يشهد الله وحده - وأنا أعلم شدة هذا الاستشهاد - أنني ما مررت بهذه الآية إلا أحسست بمقاريض الحرج تنهش أطرافي.

ها قد تصرمت ثلاثة عقود من عمري وأنا لم أتذوق هذا المقام الذي تصوره هذه الآية.

ما مررت بهذه الآية إلا تخيلت أولئك القوم الذين ترسم هذه الآية مشهدهم، وكأني أراهم منزعجين في فرشهم، تتجافى بهم يتذكرون لقاء الله، ثم لم يطيقوا الأمر، وهبُّوا إلى مِيضأتهم، وتوجهوا للقبلة، وسبحوا في مناجاة مولاهم: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}.

صحيحٌ أن هناك آيات كثيرة صورت السهر الإيماني، لكن هذه الآية بخصوصها لها وقعٌ خاص، مجرد تخيل أولئك القوم وهم يتقلبون في فرشهم ثم يهبّون للانطراح بين يدي الله، في تضرع يراوح بين الخوف من العقوبة على خطاياهم، والرجاء الذي يحدوهم لبحبوحة غفران الله، ثم مقارنة ذلك بأحوالنا وليلنا البئيس،
(1/100)

يجعل الأمر في غاية الحرج، إنهم قومٌ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}.
بل وتأمل في بلاغة القرآن كيف يجعل البيات قياماً .. كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (1).

إنهم يبيتون، لكنهم يبيتون لربهم في سجود وقيام!
ومن ألطف مواضع السهر الإيماني أن الله جعله من أهم عناصر التأهيل الدعوي في بداية الطريق، الله سبحانه وتعالى لم يجعل أعظم السهر الإيماني في آخر الدعوة النبوية بعد استيفاء التدرج، كلا، بل جعله في أولها! فقال تعالى لنبيه في آياتٍ كادت تستغرق الليل: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً} (2).

لاحظ معي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بداية الدعوة، ومع ذلك يقول له {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ} (3).
_________
(1) سورة الفرقان، الآية: 64.
(2) سورة المزمل، الآيتان: 2،1.
(3) سورة المزمل، الآيات: 2 - 4.
(1/101)

وهل كان فعل ذلك مختص برسول الله؟ لا، بل كان أصحابه في أيام غربة الدعوة يصلون معه تلك الصلوات التي تستغرق الليل، يقول تعالى في آخر السورة: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} (1).

السابقون الأولون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلّد الله قيامهم غالب الليل في كتابه العظيم، أي شرف أعظم من هذا الشرف لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟!

أما نحن، فمنا أقوامٌ ينامون الليل كله ويستثقلون دقائق معدودة ليتهجدوا فيها بين يدي الله.

ومنا أقوامٌ يسهرون الليل كله لكن في استراحات اللهو، ويستكثرون أن يتوقفوا دقائق ليقفوا بين يدي الله.

ومنا أقوامٌ يذهب ليلهم في تصفح شبكة الانترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، ومشاهدة مقاطع اليوتيوب، وتعليقاتٍ تافهة لا تقرب من الله، ويبخل على نفسه بركيعات في آخر الليل لله جل وعلا!
_________
(1) سورة المزمل، الآية: 20.
(1/102)

بل هناك ما هو أتعس من ذلك، وهو أن بعضهم ينقضي الليل، ويدخل وقت الفجر، وتقام صلاة الفريضة، والإمام يقرأ فوق رأسه بينما هو لازال كما قال تعالى: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} (1).

وأتذكر مرةً أنني كنت أستمع لبعض المنتسبين للدعوة يتحدث عن النجاح والوقت وإدارة الذات .. إلخ، ولما جاء لقضية النوم، عرض النوم كما يعرضه الإنسان الغربي تماماً، بل صار يغالي في ضرورة أخذ أكبر قدر من النوم ويتحدث بنفس المعايير الغربية؟!

يا الله، هل بلغت غربة الدين هذا المبلغ؟

فأين ذهبت حقائق القرآن {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا ... يَهْجَعُونَ} (2)، {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} (3)، {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} (4)، {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} (5).
_________
(1) سورة النساء، الآية: 142.
(2) سورة الذاريات، الآية: 17.
(3) سورة الزمر، الآية: 9.
(4) سورة السجدة، الآية: 16.
(5) سورة الفرقان، الآية: 64.
(1/103)

صحيح أن ذلك نفلٌ ولكن لماذا صار النفل يغيب عن وصايانا؟

لماذا خضعت الشريعة للتخفيضات؟

لماذا صرنا نخجل من كتاب الله؟
لو كان النوم بالمعايير الغربية أنفع للإنسان لما ندبنا الله لضده في كتابه في مواضع كثيرة.

والله لو تدبرنا القرآن ونحن مستحضرين هذا السؤال: كيف نصوغ حياتنا في ليلنا ونهارنا؟ لفجعنا بشدة المفارقة بين فهم المؤمن لهذه الحياة الدنيا، وفهم الإنسان الغربي المسكين لها!

وبعض الشباب يقول: إنني لم أتعود على قيام الليل، وليس لي تجربة سابقة، وأشعر أنها صعبة، إلخ
والجواب: يا أخي .. استعن بالله، ولنبدأ سوياً من هذه الليلة القادمة، لا تؤجل هذا المشروع أبداً، وصدقني ستجد لذةً في البداية يهبها الله من يقبل عليه ليعينه، وهذه اللذة والسرور تحدث عنها أهل العبودية،
(1/104)

يقول ابن القيم: (قال الجنيد «واشوقاه إلى أوقات البداية»! يعني: لذة أوقات البداية، وجمع الهمة على الطلب والسير إلى الله) (1).

فهنيئاً لك - يا أخي الكريم - لذة أوقات البداية بإذن الله.

وهذه الآيات كلها التي صورت قيام الليل يدخل فيها مرتبتان: قيام الفرض كصلاة العشاء وقيام الكمال كالتهجد ..
وبعض المفسرين يخطئ في حمل بعض هذه الآيات على أحد المحملين، والصحيح أنها تشمل المرتبتين، إلا أن بعضهم يذكر أحد الاحتمالين على سبيل «تفسير التمثيل» لا «تفسير الحصر والحد»، والأول مشهور عن السلف. ويخطئ كثيرون في ظنهم أنه قول في تفسير الآية، وإنما أراد به الإمام من أئمة السلف المثال الذي يعتبر به ما كان من جنسه، وقد نبه على هذه القاعدة الإمام ابن عطية (ت 542 هـ) بعبارة من عيون علوم القرآن كما قال - رحمه الله -: «وإنما عبر علماء السلف في ذلك بعبارات على جهة المثالات، فجعلها المتأخرون أقوالاً» (2).
_________
(1) مدارج السالكين، 809.
(2) المحرر الوجيز: 14/ 14.
(1/105)

ومن تعامل مع كتب المتأخرين في التفسير كزاد المسير مثلاً؛ أدرك عبقرية عبارة ابن عطية هذه، وقد تأثر بها ابن تيمية، واستثمرها، وأقام عليها قاعدة كاملة من قواعد التفسير، شرحها في مواضع متعددة، كقول ابن تيمية عن تفسير السلف: «أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه» (1).
ومن أمثلة ذلك، أنك تجد بعض السلف يُسأل مثلاً عن قول الله (والباقيات الصالحات) فبعضهم يقول: لا إله إلا الله، وبعضهم يقول: سبحان الله والحمد لله، وبعضهم يقول: الصلوات الخمس، ونحو هذه التفاسير، فيأتي بعض المتأخرين فيظنها أقوالاً في تفسير الآية، وإنما أراد بها الإمام من أئمة السلف التمثيل للباقيات الصالحات، لا التفسير الحاصر لمعنى الباقيات الصالحات!
فمن أدرك هذه القاعدة واستوعبها جيداً، أعني قاعدة «تفسير التمثيل»؛ ضاق أمامه الخلاف في التفسير جداً، وميّز بين اختلاف الأقوال، واختلاف الأمثلة.
_________
(1) الفتاوى: 13/ 337.
(1/106)

حسناً! ما وظيفة هذا السهر الإيماني الذي عرضته الآيات السابقة؟
الحقيقة أن وظائفه كثيرة جداً، ولكن من أعظم وظائفه أن تلك اللحظات هي لحظات (الاستمداد)، فإذا تجافى جنب المؤمن عن المضجع، وتوضأ، ثم وقف بين يدي ربه، ثم سجد، بدأت دقائق الاستمداد.
فيستمد من خزائن رحمات الله، من أرزاقه، من العلم، من التوفيق، من الهداية، إنها لحظة الدعم المفتوح، ورحمات الله إذا فتحت فلا تسل عن أمدائها: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ ... لَهَا} (1).
اللهم يا رب الليل البهيم، اجلعنا من تتجافى جنوبهم عن المضاجع ندعوك خوفاً وطمعا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} (2).
_________
(1) سورة فاطر، الآية: 2.
(2) سورة السجدة، الآية: 16.
(1/107)

هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
أعرف أحد المقتحمين للكتابة الصحفية إذا طرح أي فكرة في مقالاته فلا بد أن يذيلها بمقولة (مع الالتزام طبعاً بضوابط الشريعة)، ولا يمل من تكرار هذه الجملة بشكل يطمئن القارئ، لكنه في المجالس الفكرية المحدودة يعلن صراحة بأنه كما يقول: (يا رجل! لا حل لنا إلا بالعلمانية، وتحويل الدين إلى خيار شخصي محترم فقط، كل المجتمعات المعاصرة لم تتقدم إلا بالعلمانية، الدين شئ رائع ونبيل ولكنه يجب أن يبقى ممارسة ذاتية).
(1/109)

تأملت في هذا التناقض الجذري بين الأسلمة في المقالات العامة، والعلمنة في المجالس الخاصة، فقلت لأحدهم: أنا لا أشك أن هذه حالة (نفاق فكري)!

فقال لي معترضاً: كيف تدمغه بوصف النفاق وهو يقول: لا إله إلا الله ويصلي ويصوم ويتصدق؟!

لا أنكر أنني تهيبت وسكتّ.

مضى زمن على هذه الواقعة وصرت بعدها أهتم كثيراً بمراقبة طريقة استعراض القرآن للشخصية المنافقة، وما هي مشاعرها الداخلية؟ وكيف تتحرك داخل المجتمع المسلم؟
كم كنت مندهشاً حين رأيت القرآن يتحدث عن المنافقين بأنهم يصلون، ويتصدقون، ويذكرون الله!

فأشار القرآن إلى كون المنافقين يصلون، بل إلى أنهم يذكرون الله، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً} (1).
_________
(1) سورة النساء، الآية: 142.
(1/110)

يا الله! المنافق يصلي، بل ويذكر الله قليلاً، ومع ذلك لم يمنع ذلك عن وصفه بالنفاق!

وأشارت الآية الأخرى إلى صلاة المنافق في قول الله تعالى: {وَلا يَاتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى} (1).
وأشار القرآن -أيضاً- إلى كون المنافقين يتصدقون كما قال الله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ} (2).

بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرح كيف أن من ابتلاه الله بنفاق في قلبه يجد مشقة كبيرة في الصلاة، ولذلك يجعلها في أواخر الوقت دوماً، كما سبق أن استعرضنا في فصلٍ سابق الحديث الذي في صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرنى الشيطان؛ قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلاً» (3).

بالله عليك ألم يرعبك هذا الحديث؟!
_________
(1) سورة التوبة، الآية: 54.
(2) سورة التوبة، الآية: 53.
(3) صحيح مسلم: 622.
(1/111)

والله إنه نص مخيف بكل ما في الكلمة من معنى، تأخير الصلاة لآخر وقتها جعلها النبي «صلاة منافق» برغم أنه أخّر العصر لوقت الضرورة وهو وقت تضيُّف الشمس للغروب ..

فكيف بمن يطبق على إخراج الصلوات عن أوقاتها؟

أليس ذلك أمارة قوية على أن ثمة نفاقاً خفياً في القلب؟!

بل انظر في أمر أوكد دلالة مما سبق، وهو أن الطائفة التي تهكمت بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وكفرها الله من فوق سبع سماوات، كانوا يقولون كما قال الله عنهم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} (1).
هؤلاء لم يخطر في بالهم أن الموضوع قد يصل إلى الكفر، لأن القضية عندهم كانت مزاحاً وطرافةً، ولكن مقاييس القرآن تختلف كثيراً عن أوهامنا ..

كنت أتصور سابقاً أن «المنافق» لابد أن يعلم من نفسه أنه منافق، ويالسذاجة تصوري السابق!
_________
(1) سورة التوبة، الآيتان: 66،65.
(1/112)

اكتشفت أن المنافق قد لا يعلم بذلك، بل قد يظن نفسه حين أطلق بعض العبارات إنما أطلقها مزاحاً!
وكنت سابقاً أتوهم أن «النفاق» هو قرار يتخذه المرء، فيقرر بأنه سيكون منافقاً يظهر الإسلام ويبطن الكيد له .. !

كنت أظن النفاق مؤامرة كبرى تتخذ بتخطيط شامل، ولم أتوقع بتاتاً أن النفاق قد يقع في القلب بتصرفات نعدها في موازيننا من هوامش الأمور!

بالله عليك! هل تتوقع أن قوماً عاهدوا أنفسهم بأنه إن رزقهم الله مالاً فسيتصدقون به، فلما رزقهم الله؛ شحّت نفوسهم، فسبب لهم ذلك قيام النفاق في قلوبهم!؟

هل تتصور ذلك؟!

انظر ماذا يقول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} (1).
_________
(1) سورة التوبة، الآيات: 75 - 77.
(1/113)

تأمل! إنهم قوم يؤمنون بالله لدرجة أنهم عاهدوا ربهم، ولم يفعلوا أكثر من البخل بالمال بعد المعاهدة، ومع ذلك هجم النفاق على قلوبهم بسبب ذلك!

ولم يتأخر الأمر كثيراً، بل كما عبر القرآن (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم)!

وما الذي يؤمننا نحن حين نقصر في أمر علمنا تعظيم الله له أن لا يعقبنا ذلك نفاقاً في قلوبنا؟ وما الذي يؤمننا حين ننتهك أمراً علمنا حرمته عند الله أن لايعقبنا ذلك نفاقاً في قلوبنا؟!

بل وكيف يأمن أقوام تتلى عليهم آيات الله في «انحطاط الكافر»، ومع ذلك يتفننون في أظهار عبارات احترام ملل الكفر ومساواتها لغيرها؟!

كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!
وأقوام يرون آيات الله تتلى كلها في التحفظ والاحتياط والتصون في العلاقة بين الجنسين، ومع ذلك يتهورون في إطلاق الانفتاح بين الجنسين، كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!
(1/114)

وأقوام يرون آيات الله تتلى كلها في تعظيم كمال اهتداء السابقين الأولين، ومع ذلك يطلقون عبارات لا يلقون لها بالاً في أن «تجربة السلف لا تلزمنا»، كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!
وأقوام يرون الله في القرآن يأمر صراحة برد الخلاف والنزاع إلى النص، وهؤلاء يتذرعون بالخلاف في تعطيل النصوص، فكلما قيل لهم: قال الله، وقال رسول الله؛ قالوا: فيه خلاف!

كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

وأقوام يرون الله في القرآن يأمر صراحة بموالاة المصلحين ومنافاة المضلين، ثم يرددون صبحاً ومساءً بأن كل القضية مجرد خلاف داخل الوطن، ويجب ترك الاصطفاف والتحزب والاستقطاب، كيف يأمنون أن لا يعقبهم ذلك نفاقاً في قلوبهم؟!

حين رأيت الله تعالى يقول عن رجل بخل بعد أن عاهد على الإنفاق، وهذا كل ما صنع،
(1/115)

شح بماله بعد أن عاهد ربه على الصدقة، ومع ذلك يقول الله عنه: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} (1) استطعت أن أفهم قلق أصحاب رسول الله من النفاق!

لقد كنت أفهم حديث ابن أبي مليكة المعروف عن قلق الصحابة من النفاق على أن سببه هو «ورع الصحابة» فقط، وهو الحديث الذي يقول فيه ابن أبي مليكة: «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه» (2).

كنت أقول في نفسي: إن هذا من باب الاحتياط المستحب فقط الذي يصنعه الصحابة، لكن هذه الآية العجيبة {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ} والتي شاهد الصحابة واقعتها عياناً، وشاهدوا نظيرها؛ هي التي جعلتهم يفهمون النفاق على أنه «أثر» لتصرفات معينة، كثيراً ما يكون صاحبها لم يتوقع نتائجها، وليس النفاق «قراراً» يتخذه المرء!
_________
(1) سورة التوبة، الآية: 77.
(2) صحيح البخاري، 48.
(1/116)

أي أن الإنسان قد يقوم بأقوال أو أفعال فيها مصادمة لكتاب الله تقوده للنفاق وهو لا يعلم! وليس بالضرورة أن يكون النفاق «إرادة واعية» ..

المهم الآن، أن القرآن صور المنافقين أنهم قد يصلون، وقد يتصدقون، وقد يذكرون الله، ومع ذلك لم يستنقذهم ذلك من ورطة «النفاق» بسبب تصرفات لم يتوقعوا نتائجها ..
ولكن هل يمكن لنا أن نعرف «المنافق»؟

أليس المنافق شخصاً متستراً؟

أليس النفاق حالة قلبية لا يمكن الاطلاع عليها؟

لنحاول أن نحلل هذا التصور على ضوء القرآن!

الله تعالى بين صراحة أن المنافقين ألوان، فبعض المنافقين مستترين لا يعرفون، وبعضهم يصرح لبعض الناس لكن لا يعلن ذلك على الملأ، وبعضهم يظهر النفاق فقط من ملامح أفكاره وخطابه، وتأمل هذه الآية التي تكشف ملامح خطاب المنافق: {وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} (1).
_________
(1) سورة محمد، الآية: 30.
(1/117)

فيا ترى، كم من خطاب فكري معاصر يجد القارئ في لحن خطابه شُعَباً من النفاق التي لاتحصى؟!

ولذلك كان الصحابة يعرفون بعض المنافقين بأعيانهم بسبب أفكارهم ولحن خطابهم، كما صور ذلك كعب بن مالك بعبارة بديعة في حديثه الطويل في صحيح البخاري حين قال: «فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصاً عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء» (1).

فتلاحظ أن بعض المنتسبين للإسلام في مجتمع الرسول كانوا «مغموصاً» عليهم النفاق، أي مطعونين ومتهمين بذلك!

فإذا كان أصحاب رسول الله يغمصون بعض الناس بالنفاق، فكيف يقال: إن وصف النفاق لا يمكن إطلاقه لأنه حالة قلبية مستترة؟!
_________
(1) البخاري: 4418.
(1/118)

وفي صحيح مسلم في شأن صلاة الجماعة يقول الصحابي: «ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، أو مريض» (1).
فقوله «منافق معلوم النفاق» فرع عن كون الصحابة يعينون آحاد وأعيان المنافقين، وهذا يدل على أن الصحابة لم يكونوا يقولون: (إن النفاق كله حالة قلبية مستترة لا يمكن معرفتها)!

بل إن هذه المقولة: (أن النفاق كله حالة قلبية مستترة لا يمكن معرفتها مطلقاً) تفضي إلى تعطيل جملة من أحكام القرآن في المنافقين، وسأحاول الإشارة لنماذج من هذه الأحكام القرآنية:
فمن ذلك أن الله أمرنا في موضعين من القرآن، في سورتي التوبة والتحريم، أن «نجاهد المنافقين» كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} (2).
_________
(1) مسلم: 1519.
(2) سورة التوبة، الآية: 73، وسورة التحريم، الآية: 9.
(1/119)

والأمر بجهاد المنافقين فرع عن إمكانية معرفة بعضهم بأعيانهم، ولو كان المنافق لا يمكن تعيينه مطلقاً لكان هذا الأمر القرآني عبثاً، وحاشا القرآن ذلك!!

وكذلك نهانا الله عن الانقسام في الموقف من المنافقين، وأمرنا الله أن نكون كلمة واحدة في مواجهتهم، وغالباً ما يكون الانقسام بسبب أن بعض الأخيار يطمع في هداية المنافقين فيقصّر في مجاهدتهم، كما قال تعالى: {فمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ} (1).

ولو كان المنافقون لا يمكن تعيينهم لكان نهي القرآن عن الانقسام إزاءهم عبثاً لا معنى له، وحاشا القرآن ذلك!

كما أن القرآن نهى عن الميل لنصائح المنافقين والرضوخ لضغوطهم فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} (2).
_________
(1) سورة النساء، الآية: 88.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 1.
(1/120)

ونهانا الله عن إرخاء الآذان لهم، فقال سبحانه: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} (1).
والمراد أن هناك منظومة أحكام قرآنية تنسق منهج التعامل مع المنافقين، فالقول بأن المنافقين لا يمكن تعيينهم مطلقاً يفضي إلى تعطيل هذه الأحكام القرآنية، فانظر إلى هذا الذي يتوهم أنه متورع في زعمه كيف أفضى به «وهم الورع» إلى تعطيل أحكام القرآن في التعامل مع المنافقين!

حسناً! ما علاقة كل ذلك بعنوان هذ الفصل (هل مجتمعنا خير من مجتمع رسول الله)؟

الحقيقة أنه مرّ بي حديث في صحيح البخاري فيه أن حذيفة جاء إلى حلقة في المسجد فيها مجموعة من التابعين فقال لهم كما في البخاري: «عن الأسود قال: كنا في حلقة عبد الله، فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال: لقد أنزل النفاق على قوم خير منكم» (2).
_________
(1) سورة التوبة، الآية: 47.
(2) البخاري: 4602.
(1/121)

وحذيفة -رضي الله عنه- يقصد أنه إذا كان مجتمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان الوحي فيه يتنزل، والمعجزات تظهر على يدي رسول الله، ومع ذلك وقع تورط بعض الناس في ذلك المجتمع بالنفاق، فكيف بمجتمعكم؟

إذا كان ذلك في عصر من بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فكيف نقول عن عصرنا نحن؟

حقاً، لقد صدق حذيفة رضي الله عنه، لقد أنزل النفاق على قوم خير منا، فكيف نستبعد وجود المنافقين بيننا؟!
(1/122)

الراضون
من الأشياء التي تبتهج بها نفسي حين يتهادى إلى أذني صوت أحد كبار السن وهو يذكر الله ..
لا أدري لماذا يكون لزجل ذي الشيبة بالتسبيح وقع تنفسح به أرجاء النفس ..
وأحس بسكينة جميلة تتهادى في المكان، وكأن جلبةً ودوياً يغادران من حولنا ..
بمجرد أن تطفو همسات أحد الكهول متهدجة بعبارة «سبحان الله، سبحان الله» ..
(1/123)

بل وأشعر أن ثمة ما يفرض الصمت والإطراق إجلالاً لتلك التسابيح الممزوجة بصوت يدبّ دبيباً كأنما أثقلته السنون ..

وخصوصاً إذا كانت تسابيح كبار السن هذه في أواخر الليل، وهم يحملون على أنفسهم إما لتهجد أو تلاوة، أو هم يمشون في سواد الليل وقبيل أذان الفجر إلى المسجد، أو نحو ذلك.
ومن الأمور التي كانت تثير انتباهي أن كل من رأيت من كبار السن الصالحين اللاهجين بذكر الله، أنهم يعيشون «رضا نفسياً» عجيباً ومدهشاً ..
لا أعرف أحداً من كبار السن الذاكرين لله إلا وقرأت في روحه طيب الخاطر، وانشراح الصدر، والرضا الذاتي.

وبكل صراحة فإن هاتين الظاهرتين (التسبيح) و (الرضا) لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ولكن مرت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سر هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح سائر اليوم سبباً من أسباب الرضا النفسي،
(1/124)

يقول الحق تبارك وتعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} (1).

لاحظ أولاً في هذه الآية كيف استوعبت سائر اليوم، قبل الشروق، وقبل الغروب، وآناء الليل التي هي ساعاته، وأول النهار وآخره.

ماذا بقي من اليوم لم تشمله هذه الآية بالحث على التسبيح؟!

ولذلك شرع الله في هذه المواضع أعظم التسبيح وهو (الصلاة). والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة.

وقد كنت تحدثت مرةً مع أحد أقراني بهذا المعنى في هذه الآية، أعني العلاقة بين التسبيح والرضا النفسي، فذكر لي أنه مرت به آيةٌ أخرى تشير أيضاً إلى هذه الرابطة، وهي قول الله في خاتمة سورة الحجر: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (2).
_________
(1) سورة طه، الآية: 130.
(2) سورة الحجر، الآيتان: 98،97.
(1/125)

فانظر كيف أرشدت هذه الآية العظيمة إلى الدواء الذي يُسْتشفى به من ضيق الصدر، فكم في الدنيا من صدور أضنتها الأحزان! وكم في الدنيا من وجوه ذوت بما تخفي من أوجاع نفسية! وتأمل كيف جعلت الآية التسبيح ترياقاً تستطب به النفوس، وتداوى به الغموم، وتثلج به غصص الأحشاء؟!
كلما قرأت قول الله تعالى: {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} (1)، وقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} (2)؛ قلت في نفسي: سبحان من جعل النفوس ترتوي بالرضا من ينابيع التسبيح!

وكم نحن مغبونون في أيامٍ وليالٍ وسنين تصرمت دون أن نعمر آناء الليل وأطراف النهار بالتسبيحات، يا خسارة تلك السنوات! يا ضيعة تلك اللحظات التي مضت من أعمارنا لم نملأها بتسبيح وذكر لله، فسبحان الله! وبحمده عدد خلقه، ورضاء نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته.
_________
(1) سورة طه، الآية: 130.
(2) سورة الحجر، الآيتان: 98،97 ..
(1/126)

تلك الدقائق من أعمارنا أعطيت لنا ليختبرنا الله فيها، ثم مضت الآن، ولن تعود، لن تعود أبداً! وها هو ذا مؤشر الساعة ما زالت عقاربه تلهث ليعلن في كل دقيقة كميةً من أعمارنا سحبت منا، فهل هذه الدقائق التي تستنفد الآن من أعمارنا سجلنا فيها تسبيحاً لله، أو كانت مستغرقة في عملٍ صالح، أم احترقت هذه الدقائق هكذا في الفضول، فضول الكلام، وفضول السماع، وفضول مشاهدة الفضائيات، وفضول تصفح الإنترنت .. إلخ؟!

ومن أعجب المعلومات التي زوّدنا بها القرآن أننا نعيش في عالم يعج بالتسبيح من حولنا، تسبيح الكائنات في هذا العالم مشهد مهيب صوّره القرآن.

تأمل مثلاً كيف أخبرنا الله أن الرعد يسبّح: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} (1)، وأن الجبال والطير تسبّح: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} (2).
_________
(1) سورة الرعد، الآية: 13.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 79.
(1/127)

بل أخبرنا خبراً عاماً أن كل الكائنات تسبّح لله، بما فيها السماوات نفسها، والأرض نفسها، وما فيهما من مخلوقات، كلها تسبّح لله، لكن تسبيحها له لغةٌ لا نفقهها كما يقول الله تعالى: ... {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} (1).

ويزيد القرآن من تفاصيل جلالة هذا المشهد، فيخبرنا بأن كل كائن من هذه الكائنات له مسلك خاص في تسبيح الله، يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} (2).

وربما ظن بعض الناس أن (تسبيح الكائنات) هو مجرد خبر مجازي، وأنها لا تسبّح حقيقةً! وهذا تصور مرجوح، فالصحيح أنه تسبيح حقيقي، حتى إنه في بعض الأحوال كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمعون هذا التسبيح، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (3).
_________
(1) سورة الإسراء، الآية: 44.
(2) سورة النور، الآية: 41.
(3) البخاري،3579.
(1/128)

ومثل تسبيح الطعام هذا الذي كان يسمعه الصحابة هو حالة خاصة في زمن خاص، أما تسبيح الكائنات في نظامها العام فقد أخبرنا الله أنه بلغة خاصة كما قال سبحانه: {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}.
وقد أشار الإمام ابن تيمية إلى هذه الحالة الخاصة الاستثنائية في فهم لغة المخلوقات فقال رحمه الله: (بل هو سبحانه يُنطِق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين، كما قال عن داود - عليه السلام - {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} وقال تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} والحصى قد سبح في كف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. وكان أبو الدرداء وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القدر، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» وهذا باب واسع) (1).
_________
(1) بيان تلبيس الجهمية: 8/ 459، طبعة مجمع الملك فهد، ت: راشد الطيار.
(1/129)

فإذا استشعر المؤمن الذي شرفه الله باليقين بهذا القرآن، الذي يتعامل مع أخبار القرآن كأنما يشاهدها رأي العين، إذا استشعر هذا المشهد، وأخذ يجيل عينه في الكون من حوله، فيقلّب وجهه في السماء، وينظر في فجاج الأرض، ويمسك الأشجار بيديه، ويتأمل الطير فوقه وهن صافّات ويقبضن، ويستحضر تلك الكائنات المدهشة التي تعيش في قيعان المحيطات، ثم يستعيد كلام الله عن أن هذه الكائنات كلها تسبح الله، كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه، ولكن لا نفقه تسبيحهم، فإنه لا يكاد يطيق المهابة والإحساس بالعظمة الإلهية التي تتوارد على قلبه، وتكاد تعتقل لسانه.
فإذا جمع المؤمن في قلبه هذا المشهد السابق في تسبيح الكائنات لله، ثم أضاف إليه أن الله اختار أن يبدأ كثيراً من سور القرآن بالتسبيح، كما استفتح الله بالتسبيح سبع سورٍ من القرآن، وهي: سورة الإسراء، وسورة الحديد، وسورة الحشر، وسورة الصف، وسورة الجمعة، وسورة التغابن، وسورة الأعلى.
(1/130)

وإذا أضاف المؤمن إلى ذلك أن الصلاة التي هي أعظم شعائر الإسلام، جعل الله في ركوعها التسبيح: (سبحان ربي العظيم)، وجعل في سجودها التسبيح: (سبحان ربي الأعلى).

وإذا أضاف المؤمن إلى ذلك تسابيح الأنبياء، كقول موسى - صلى الله عليه وسلم - في بيان وظيفة نبوته: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} (1)، فطلب موسى مساعداً له في رسالته، وجعل وظيفة هذه الرسالة أن يسبحا لله كثيراً ويذكراه كثيراً!

ويونس - صلى الله عليه وسلم - فزع إلى التسبيح في اللحظة الحالكة: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (2)، وبيّن الله سبحانه أن تسبيح يونس هو الذي كان سبباً في نجاته من بطن الحوت: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (3).
_________
(1) سورة طه، الآيات: 29 - 34.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 87.
(3) سورة الصافات، الآيتان: 144،143.
(1/131)

وأن الملائكة لا تفتر عن التسبيح كما قال الله سبحانه عنهم: ... {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} (1)، وقول الله تعالى: ... {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ ... رَبِّهِمْ} (2)، وقول الله عز وجل: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} (3).
بل أخبرنا الله عن لهج ألسنة أهل الجنة، السعداء، بالتسبيح، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} (4).

فإذا ضمّ المتدبر هذه الشواهد، ورأى كيف أن الرعد والجبال والسماوات والأرض والكائنات كلها تسبّح لله، وأن الله استفتح سبع سورٍ بالتسبيح، وأن الله جعل الركوع والسجود وهما من أهم أركان الصلاة تسبيحاً،
_________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 20.
(2) سورة الزمر، الآية: 75.
(3) سورة غافر، الآية: 7.
(4) سورة يونس، الآيتان: 10،9.
(1/132)

ومنزلة التسبيح في أخبار الأنبياء، واتصال الملائكة بالتسبيح، وتسبيح أهل الجنة، إذا ضم هذه الشواهد كلها بعضها إلى بعض؛ تغيرت نظرته جذرياً لمفهوم التسبيح، وأدرك أن للتسبيح منزلة عند الله تفوق المنزلة التي نتصورها عادةً.

ولا يتأمل المؤمن مثل هذه المنزلة للتسبيح إلا ويدركه شيء من الألم على فوات كثيرٍ من لحظات العمر عبثاً دون استثمارها بالتسبيح.

وأي شيء أجمل من قضاء دقائق الانتظار، والطريق، ولحظات الصمت، في تسبيح الله؟!
(1/133)

أقوى الناس
حياتنا معجونة بالمهام والالتزامات، والقرارات العابرة والجسيمة، في الدراسة والعمل، والزواج والمسكن، والسفر والإقامة، والصحة والمرض، وفي كل هذه المتطلبات فإننا نسعى لإنجازها باتخاذ الأسباب كما أمرنا الله، وكما هو مركب في فطرتنا أصلاً.
هذا المشهد، مشهد طبيعي ومتكرر، وإنما الذي يستحق أن نفحصه ونتأمله هو تلك المشاعر والأحاسيس التي تتحرك في داخلنا في كيفية قراءتنا للعلاقة بين النتائج والأسباب.
(1/135)

كثيراً ما يرتبط في أذهاننا أن قوة النتائج مرتبطة بما يظهر من قوة الأسباب في مظاهرها وغطائها المادي، ولذلك تهفو النفوس للتعلق بالسبب.

كثيراً ما يمور في عقولنا تصورات مسبقة أن أقوى الناس هم أولئك الذين يملكون أقوى الأسباب المادية.
وقد أثار انتباهي تنبيه لطيف لأحد السلف يزلزل هذه القناعات والتصورات المطمورة، وقد نقله أبو العباس ابن تيمية، واحتفى به في عدة مواضع من كتبه.
يقول ابن تيمية في رسالته التي تسمى التحفة العراقية: «قوم ينظرون إلى جانب الأمر والنهي والعبادة والطاعة شاهدين لإلهية الرب سبحانه الذي أمروا أن يعبدوه، ولا ينظرون إلى جانب القضاء والقدر والتوكل والاستعانة، وهو حال كثير من المتفقهة والمتعبدة، فهم مع حسن قصدهم وتعظيمهم لحرمات الله ولشعائره يغلب عليهم الضعف والعجز والخذلان؛ لأن الاستعانة بالله والتوكل عليه واللجأ إليه والدعاء له هي التي تقوي العبد وتيسر
(1/136)

عليه الأمور، ولهذا قال بعض السلف: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» (1).

وروي هذا الأثر مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لكن لا يثبت مرفوعاً كما أعلّه الإمام أبو جعفر العقيلي (ت322 هـ) (2).

حسناً! هذا الأثر السلفي يبين أن القوة الحقيقية مرتبطة بقوة التعلق بالله، لا بالتعلق بالأسباب، فقوة التوكل هي المدد الحقيقي أمام صعوبات الحياة، ويتفاوت الناس في قوتهم بحسب ما في قلوبهم من التوكل الشرعي، ولكن قبل أن نتحدث عن هذه العلاقة؛ ما هو الدافع للتوكل؟ بمعنى آخر: لماذا نتوكل على الله؟
دعنا - أخي القارئ - نحلل دوافع التوكل، أو نجيب على سؤال: لماذا نتوكل على الله؟ بحسب المنظور القرآني:

نتوكل على الله لأن التوكل معيار الإيمان، التوكل على الله هو اللحظة التي تكشف مصداقية إيماننا بالله، ولاحظ هذا الامتحان في قول الله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (3).
_________
(1) الفتاوى: 10/ 32.
(2) الضعفاء الكبير للعقيلي: 4/ 340.
(3) سورة المائدة، الآية: 23.
(1/137)

وفي الحوار الذي دار بين موسى - صلى الله عليه وسلم - وقومه كم يلفت النظر دوران الحوار حول "التوكل" وإنه مقياس الإيمان والإسلام!: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} (1).

فإذا تدبر قارئ القرآن هذه المنزلة لاعتماد القلب على الله ولجوئه إليه، وتفويضه الأمور إليه تغيرت نظرته كلياً لموقع التوكل في حياته ..

نتوكل على الله لأن الله سبحانه هو أعظم وكيل، حتى إن الله سبحانه قال في خمسة مواضع من القرآن ذات الجملة: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} قالها سبحانه في سورة النساء ثلاث مرات، وفي سورة الأحزاب مرتين، كقوله سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} (2)، ويقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} (3).
_________
(1) سورة يونس، الآيتان: 85،84.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 3.
(3) سورة النساء، الآية: 132.
(1/138)

فإذا كان القرآن يعيد على مسامعنا خمس مرات ذات الجملة «وكفى بالله وكيلا» فهل امتلأت قلوبنا فعلاً بحقيقة هذا المعنى ونحن نعارك تصاريف الحياة؟ وهل نحن نتسلق المطالب، ونتجرع المصائب، ونخوض الأهوال؛ وقلوبنا معلقة بالسماء تفيض بهذا المعنى «وكفى بالله وكيلا»؟

ألا يكفيكِ يا نفسُ أن الله هو الوكيل؟ بل هو «نعم الوكيل» سبحانه كما قال أهل الإيمان: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (1).
نتوكل على الله لأنه هو الذي يكفينا، ومن أعظم كفاية من الله؟! {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (2). لو علم المرء أن فلاناً من المسؤولين هو المتكفل بمعاملته لتنفس اليقين وفرغ قلبه من الشك بتحقق مطلبه، فكيف يفوّت المرء على نفسه أن يكون الله خالق هذه الحاجات، والخالق لسبل قضائها، والخالق لموانعها، هو الذي سيتكفل بأمرك إذا توكلت عليه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
_________
(1) سورة آل عمران، الآية: 173.
(2) سورة الطلاق، الآية: 3.
(1/139)

من كان الله حسبه؛ فكيف ستكون قوته بين الناس؟!

ولذلك قال من قال من السلف: «من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله» كما نقل ابن تيمية في الاقتباس السابق ..

ومما يفغر فم الاستغراب حين يتأمل المرء هذه الحقائق القرآنية التي أخبرنا بها الله ذاته، ثم يلاحظ غياب الانتفاع والاستفادة من هذه الحقائق في حياتنا!

الخالق سبحانه يفتح فرصة لعبده ليكون الله تعالى هو حسبه إذا توكل عليه، ومع ذلك يقصر القلب في الانكباب على الله، والتعلق به؛ فيفوّت على نفسه هذه القوة العظيمة!

نتوكل على الله لأن التوكل عليه سبحانه يحمينا من سلطة الشيطان، كما قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (1).

فالشيطان حاضر في تفاصيل حياتنا، يسعى بفنون الإضلال ليجر ابن آدم معه إلى المصير التعيس،
_________
(1) سورة النحل، الآية: 99.
(1/140)

فالشيطان حاضرٌ في حياتنا يزل ويستزل، ويوسوس، ويفتن، وينزغ، ويهمز، ويسوّل، ويملي، ويؤز، ويضل ويصد عن الله، ويستهوي للحيرة، ويرمي في طريقنا الخطوات ليستدرجنا للخطايا، ويخوفنا من الفقر كلما فكرنا في النفقة في سبيل الله، ويزين لنا الباطل فيضعه في قالب الأمر الطبيعي والجميل، وأنه لا داعي للمبالغة، وهي من أخطر أساليب الشيطان، وتستخف الشياطين أهل الباطل وتؤزهم وتورطهم
في الاندفاع.
ويسعى الشيطان لينسينا أمر الله سواء كان نسياناً معفواً عنه بمعنى غياب العلم، أو اكتنان المعلوم كما في السهو، كما قال في المراقي:
زوال ما عُلِم قُلْ: نسيانُ ... والعلم في السهو له اكتنانُ

أو إنساءً غير معفو عنه وهو حضور العلم وغياب خشية الله وإرادته، فالشيطان حريص على كلا النوعين من النسيان: نسيان الذهول المعفو عنه، ونسيان الغفلة المتوعد عليه ..
(1/141)

وكلا نوعي النسيان مما تحتملهما لغة العرب كما قال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر: «والنسيان في لسان العرب: يكون للترك عمداً، ويكون ضد الذكر» (1). وجاء هذان الوجهان العربيان في القرآن كما قال ابن القيم: «النسيان في القرآن على وجهين: نسيان ترك، ونسيان سهو» (2).
قال الله تعالى في كون الشيطان يزل ويستزل: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} (3)، وقال الله سبحانه: {اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} (4).

وأخبر الله سبحانه عن سعي الشيطان في الإضلال: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} (5).

وأخبر عن نزغ الشيطان: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} (6).
_________
(1) ابن عبدالبر، الاستذكار: 1/ 114، طبعة دار إحياء التراث.
(2) ابن القيم، الصلاة وحكم تاركها، 75، طبعة مكتبة الإيمان.
(3) سورة البقرة، الآية: 36.
(4) سورة آل عمران، الآية: 155.
(5) سورة النساء، الآية: 60.
(6) سورة الإسراء، الآية: 53.
(1/142)

وقال: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} (1)، وقال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} (2).
وأخبر عن همز الشيطان في النفوس: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ} (3).

وأخبر عن وسوسة الشيطان بالمعاصي والفواحش: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا} (4). وأخبر الله عن تسويل الشيطان وإملائه: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} (5).

وأخبر عن استهواء الشياطين إلى الحيرة والارتيابات والشكوك: ... {كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ} (6).
_________
(1) سورة يوسف، الآية: 100
(2) سورة الأعراف، الآية: 200.
(3) سورة المؤمنون، الآية: 97.
(4) سورة الأعراف، الآية: 20.
(5) سورة محمد، الآية: 25.
(6) سورة الأنعام، الآية: 71.
(1/143)

وأخبر عن استخفاف الشياطين لأهل الباطل ودفعها إياهم إلى التهور والاندفاع في الانحراف: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} (1).
وحذرنا ربنا من تفنن الشيطان بالفتن: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} (2).

وأن الشيطان يشوش تفكيرنا بالقلق من الفقر إن أنفقنا في سبيل الله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} (3).
وأخبرنا الله عن خبث الشيطان في تغييب واستكنان المطلوب الشرعي: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} (4)، وقال الله سبحانه: ... {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} (5). وقال الله تعالى: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} (6). وقال الله عز وجل: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} (7).
_________
(1) سورة مريم، الآية: 83.
(2) سورة الأعراف، الآية: 27.
(3) سورة البقرة، الآية: 268.
(4) سورة الأنعام، الآية: 68.
(5) سورة يوسف، الآية: 42.
(6) سورة الكهف، الآية: 63.
(7) سورة المجادلة، الآية: 19.
(1/144)

وإن الشيطان ينصب الخطوات التدريجية كما قال الله سبحانه: ... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (1)، وقال الله عز وجل: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} (2).

وأخبر الله تعالى عن رسم الشيطان للباطل والمعاصي في قالب الأمر الجميل والواقعي والمصلحي والطبيعي: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (3)، وقال الله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} (4).
ولذلك ترى الرجل يرتكب المعصية، ويؤنبه ضميره زمناً، وتراه يقول لمن حوله: والله إني متألم من هذا الأمر، وجزاكم الله خيراً على النصيحة، ثم لا يزال الشيطان به حتى تراه بعد زمن يدافع عن معصيته ويراها أمراً طبيعياً، أن من حوله يعانون - في نظره - من غلو ونزعة للتحريم، وأن هذه فتاوى قديمة والعصر تغيّر .. إلخ من أفكار الشيطان في تزيين المعاصي للناس!
_________
(1) سورة النور، الآية: 21.
(2) سورة البقرة، الآية: 208.
(3) سورة الأنعام، الآية: 43.
(4) سورة الأنفال، الآية: 48.
(1/145)

فإذا رأيت هذا المشهد فتذكر فوراً قول الله عز وجل: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} (1)، وقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (2).

وأخبر عن وظيفة الشيطان العامة في الصد عن سبيل الله {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} (3).

ومن أعجب ما يقوم به الشيطان سرعة تنصله بعد أن يقع الإنسان في شباكه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ} (4).
فمن تأمل أعمال الشيطان وأساليبه وخططه ومؤامراته وأفخاخه التي ينصبها - كما صورها الله لنا تفصيلاً في كتابه - أدرك شدة خطر الشيطان، حتى إن الإمام ابن القيم لما لاحظ هذا المعنى ألف كتاباً بديعاً استمد عنوانه من هذا المعنى فسمّاه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»، وذكر فيه من المعاني الشرعية حول صحة القلب ومرضه والأدوية الشرعية له،
_________
(1) سورة الأنفال، الآية: 48.
(2) سورة الأنعام، الآية: 43.
(3) سورة الزخرف، الآية: 62.
(4) سورة الحشر، الآية: 16.
(1/146)

ثم فصل تفصيلاً مذهلاً في مكايد الشيطان في العقيدة كما في القبور، أو في فقه الفروع كما في الطهارة والمعازف، والحيل في النكاح والربا وأنواع من المعاملات، وختم كتابه بتلاعب الشيطان وكيده بالاتجاهات غير الإسلامية كالفلاسفة والمجوس وأهل الكتابين قبلنا. وهو كتاب عظيم مشحون بالفوائد والأبحاث والاستطرادات العقدية والفقهية والإيمانية، يدلّ نفَسه فيه أنه ألّفه على البسط لا على إرادة الاختصار.

المهم، أن الله في كتابه قد بين لنا أن (التوكل) من أعظم وسائل مكافحة مخاطر وسلطة الشيطان كما قال سبحانه: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (1).
كما أن من أعظم دوافع التوكل أننا نتوكل على الله شكراً له وامتناناً لأنه هدانا سبحانه، فحين ترى نفسك من أهل لا إله إلا الله، محافظاً على الصلاة، أو ترى نفسك بعيداً عن فكر الهزيمة والانكسار والانحناء للثقافة الغربية، وبعيداً عن حمل النصوص الشرعية
_________
(1) سورة النحل، الآية: 99.
(1/147)

وتأويلها لتوافق مقررات الثقافة الغربية الغالبة، فإنك تحمد الله وشكره إذ رفعك عن الانحطاط السلوكي والفكري، وترى منة الله عليك إذ شرفك بالرقي العقدي، ويوجب لك هذا مزيداً من التوكل والتعلق بالله، ألا ترى أهل الإيمان كيف يربطون بين هداية الله والتوكل: ... {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} (1).

هذه بعض دوافع التوكل التي أشار إليه كتاب الله العظيم، ولكن قد يثور هاهنا سؤال: متى نتوكل بالضبط؟

الحقيقة أن التوكل له مرتبتان: توكل عام لا ينفك المؤمن عنه، بحيث يكون قلبه معلقاً بالله بشكل مستمر بمقتضى توحيد الله وألوهيته كما قال الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (2)، فهذا التوكل معيار الإيمان.

وثمة مرتبةٌ أخرى: وهي التوكل في الأمر الخاص المعين، وهذا يكون بعد العزم عليه مباشرة، كما قال الله سبحانه: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (3).
_________
(1) سورة إبراهيم، الآية: 12.
(2) سورة التغابن، الآية: 13.
(3) سورة آل عمران، الآية: 159.
(1/148)

حسناً! هذا (التوكل) الذي أبدأ القرآن فيه وأعاد، وكرره في مواضع كثيرة، وسياقات متنوعة، ما هو بالضبط؟ ما معنى التوكل؟

والإشكال بصياغة أخرى؛ الكثير يتساءل: كيف أكون متوكلاً؟ كيف أحقق هذا المقام الإيماني العظيم الذي يحبه الله، ويعرضه لنا في القرآن بكثرة، ويرغبنا فيه؟
لأهل العلم في علم السلوك ومقامات الإيمان تعريفات كثيرة للتوكل، بعضها فيه تعريف للتوكل في حقيقته الكلية، وبعضها فيه إضاءة لبعض جوانب التوكل، ويبدو أنها بحسب حال السائل، ولكن بعيداً عن الإسهاب في استعراض تعريفات التوكل يمكن القول بكل اختصار: إن التوكل هو «اشتغال الجوارح بالأسباب، واشتغال القلب بالله».

وقد لخص الإمام ابن القيم شيئاً من الوقائع الشرعية في اتخاذ الأسباب لما انتقد الطائفة الصوفية التي ظنت أن التوكل يعني ترك الأسباب، كما يقول ابن القيم ناقداً: «مدعين لأنفسهم حالاً أكمل من حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك، ولا أخل - النبي وأصحابه - بشيء من الأسباب،
(1/149)

وقد ظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين يوم أحد، واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة، وكان يدخر لأهله قوت سنة، وهو سيد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه، وهم أولو التوكل حقا، وأكمل المتوكلين بعدهم هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة» (1).

ولكن، ومع فعل الأسباب، فإن القلب معلق بالله، ملتفت معرض عن التعلق بهذه الأسباب، ولذلك ترى المتوكل يلهج بالذكر، يرقب توفيق ربه، ويتمتم بالدعاء.

يتحدث المتوكلون عن أذواق لهم يشعرون بها لا يتصورها المحبوسون في زنازين خطاياهم مثلنا، فمن أراد أن يعرف ما هي (الطمأنينة)، وما هي (السكينة)، وأي شيء هو (راحة البال)، فليجرب التوكل ..
هل تظن رجلاً قلبه معلقٌ بملك الملوك سبحانه فوق سبع سماواته يقلقه شيء من مقادير هذه الدنيا؟ ..
_________
(1) ابن القيم، مدارج السالكين: 467، طبعة دار الكتاب العربي.
(1/150)

تأمل طمأنينة وسكون خليل الله إبراهيم - صلى الله عليه وآله وسلم - وهو يرى أعمدة اللهب التي أضرمها قومه ليحرقوه فيها كما قص الله سبحانه: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ ... فَاعِلِينَ} (1)، وقد اقترب الخليل من الوقوع في هذه النار العظيمة، فلم يجزع، ولم يرتبك، ولم يلتمس منهم الرحمة والعفو والصفح، بل كل الذي كان يقوله هو: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، ولم يكن ذلك فقط قبل أن يلقى، بل حتى بعد أن وقع في النار عليه السلام، كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار «حسبنا الله ونعم الوكيل») (2).

ثم تأمل طمأنينة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءته الأنباء باجتماع الجيوش ضده، فكان أن قال هذه العبارة ذاتها: (حسبنا الله ونعم الوكيل).

وقد قارن ابن عباس بين موقف خليل الله إبراهيم، وخليل الله محمد صلى الله عليهما وسلم،
_________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 68.
(2) البخاري: 4564.
(1/151)

فقال: («حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (1).

ثم تأمل ماذا قال الله عن موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه؟ قال الله سبحانه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (2).ألا تلاحظ روعة الموقف إذ قال الله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}؟!
الخبر يقول: إن جيوش الأعداء مكتظة في الطريق إليكم، وهؤلاء يزدادون إيماناً.
يزدادون إيماناً في اللحظة التي تنهار فيها نفوس كثير من الناس، رباه، ما أسعد المتوكلين!

حسناً! من الواضح من خلال التصوير القرآني للتوكل أن التوكل (حالة قلبية) في التحليل الأخير،
_________
(1) البخاري: 4563.
(2) سورة آل عمران، الآية: 173.
(1/152)

لذلك كان إمام أهل السنة .. الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - يقول: «التوكل عمل القلب» (1).

فإذا تدبر قارئ القرآن الآيات التي وصف الله فيها التوكل في كتابه، وكيف يأمر به تارة، ويصف أهل الإيمان به تارةً أخرى، ويرغّب المتوكل بأن يكون الله حسبه، وأن الله نعم الوكيل، فإنه يدرك حب الله سبحانه لقيام هذه الحالة القلبية في عبده، وأنها من أرفع مقامات الإيمان عند الله.

فهل ستنقضي هذه الدنيا، ونرقد في قبورنا، ونحن لم نتذوق هذا المقام العالي، مقام التوكل، الذي تزداد به قوة النفس، وتصبح القوى البشرية أمامها كالهباء؟!
_________
(1) ابن القيم، طريق الهجرتين: 561، طبعة مجمع الفقه.
(1/153)

كأنك تراه
أخبرنا الله سبحانه أنه «يفصل الآيات» لنا في كتابه المقروء والمشهود لتحقيق غاية في نفوسنا نحن، كما قال الله سبحانه: ... {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} (1).
أليس عجيباً أن تكون هذه التفاصيل المهيبة في آيات الله الشرعية والكونية هي من أجلنا نحن؟ بل من أجل أن ترفرف قلوبنا باليقين؟!
وأظهر الله لخليله إبراهيم - صلى الله عليه وآله وسلم - من الآيات البديعة في ملكوت الكون حتى يكمل يقين الخليل،
_________
(1) سورة الرعد، الآية: 2.
(1/155)

كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (1).
ومدح الله سبحانه أحكامه الشرعية بالجمال والحسن، ولكن القرآن ذاته نبه أنه لا يتمتع بكمال الفهم لحسن وجمال أحكام الله إلا من تطهرت قلوبهم باليقين، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (2)، ألا يعني هذا أن من فاته إدراك جمال وحسن أحكام الشريعة إنما كان ذلك بسبب ما فات قلبه من اليقين، وبسبب ما زاحم اليقين في قلبه من الارتيابات والتردد؟!
ألا يعني هذا أن القلب كلما ارتفع في مدارج اليقين زادت قدرته على مشاهدة المعالم الجمالية لمملكة أحكام الشريعة، وكلما تكاثف ضباب الشكوك والحيرة في أجواء قلبه تعسّر عليه رؤية جماليات الأحكام الشرعية؟
_________
(1) سورة الأنعام، الآية: 75.
(2) سورة المائدة، الآية: 50.
(1/156)

وجعل الله في هذا القرآن «رحمة»، لكن الناس يتفاوتون في الانتفاع بهذه الرحمة القرآنية بحسب ما في قلوبهم من اليقين، كما قال الله سبحانه: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (1).

فانظر .. كيف أنه كلما تعاظم اليقين في قلب العبد، تنزّلت عليه رحمات الله، وانفتحت له رحمات القرآن؟!

وأخبرنا الله أن اليقين هو الطريق إلى أعلى وصف من أوصاف التديّن، وهو وصف (الإمامة في الدين)، كما قال الله سبحانه: ... {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (2).

بل إن القرآن لم يرسم لقارئه درب اليقين فقط، وإنما أضاف طريقة التعامل مع الشريحة التي تعاني من نقص اليقين، فنهانا القرآن أن نتأثر بإرجاف مرضى الحيرة والشكوك، كما قال الله عز وجل: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} (3).
_________
(1) سورة الجاثية، الآية: 20.
(2) سورة السجدة، الآية: 24.
(3) سورة الروم، الآية: 60.
(1/157)

وفي واقعة شهيرة جداً في تاريخ الإسلام رواها البخاري ومسلم، بل غالب كتب السنة، وجمع العلامة ابن حجر العسقلاني روايات هذه الواقعة من كتب السنة، والفروق بينها، في أول كتابه (فتح الباري:1/ 142، طبعة دار الريان)، وفي هذه الواقعة الشهيرة جاء جبرائيل - عليه السلام - إلى مجلسٍ اجتمع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وكان جبرائيل قد تمثل بصورة رجل بشري، وكان شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، وفي بعض الروايات: (إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهاً، وأطيب الناس ريحاً، كأن ثيابه لم يمسها دنس)، وفي رواية أخرى: (شديد سواد اللحية)، وفي رواية أخرى: (ليس عليه سحناء السفر، وليس من البلد).

وهذا كان في غاية الغرابة بالنسبة للصحابة، حتى إنه علاهم الوجوم كما جاء في بعض الروايات: (فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا)! إذ إن هذا الرجل ليس من أهل المدينة فهم يعرفون أهلها جيداً، وفي ذات الوقت لا يمكن أن يكون رجلاً مسافراً قدم للمدينة لأن هيئته وملابسه ليست هيئة وملابس المسافر!
(1/158)

وفي مرأى من الناس جاء هذا الرجل - الذي هو جبريل في حقيقة الأمر - يتخطى بين الصحابة، حتى وصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس أمامه، وصارت ركبتا جبريل تلامس ركبتي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وزاد جبريل في الاقتراب فوضع يديه على فخذي النبي - صلى الله عليه وسلم -، والناس لا يعرفون من هذا الرجل!

ثم بدأ جبريل يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أسئلة مرتبة هرمياً، تدور حول أصول الإسلام، والصحابة مشدودة أعناقهم إلى هذا المشهد.

فاستفتح جبريل أول سؤال بالاستفسار عن (مفهوم الإسلام)، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب عن السؤال، ويستعرض تعريف مفهوم الإسلام، فيجعل الإسلام هو الأركان الخمسة التي تدور حول التوحيد والشعائر الأربع الكبرى.
ثم ينتقل جبريل ويسأل عن مرتبة أعلى وهي (مفهوم الإيمان)، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يجيب فيستعرض تعريف الإيمان، ويجعله يدور حول التصديق بالغيبيات أساساً ..
(1/159)

ثم ينتقل جبريل ويسأل عن مرتبة أعلى من الإسلام والإيمان، وهي أعلى مراتب الدين، وهي (مفهوم الإحسان)، فيعرفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعريف في غاية الروعة، إذ يجعل الإحسان هو اليقين المطلق الذي تنهار فيه الفوارق بين الغيب والشهادة، حيث يقول جبريل: «فأخبرني عن الإحسان»؟ فيقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم -: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».

انظر .. أين وصل اليقين؟! حيث أصبح الأمر الغائب الذي لا تراه كأنه الأمر الحاضر الذي تراه.

إنها تلك اللحظة التي يصبح فيها ما يراه بصر رأسك حِساً، بنفس المستوى الذي تراه بصيرة قلبك إيماناً.

عيون الموقن في رأسه وقلبه تسيران جنباً إلى جنب في هذه الحياة، ولا يتخلف أحدهما عن الآخر، ويبصران المرئي وغير المرئي بذات الحدة البصرية: «أن تعبد الله كأنك تراه».

ثم كشف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هذا هو الإحسان الذي هو أعلى مراتب الدين .. !
(1/160)

أعلى مراتب الدين سلوك قلبي محض!

ثم إن هذه الحقيقة الباهرة لم يخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - خبراً عارضاً، بل تم تنسيق مشهد مهيب يتحاور فيه سيد الملائكة وسيد البشر، جبريل ومحمد، والناس يسمعون، ليتلقوا هذه الحقيقة الكبرى ..
رباه! أي شرف لـ (منزلة اليقين) أعظم من جعل الشارع لها أعظم مراتب الدين، فوق الإسلام والإيمان! وفي جلسة تعليمية مشهودة بين جبرائيل ومحمد - صلى الله عليه وسلم -.

على أية حال! هذه المواضع الكثيرة التي يبدئ فيها القرآن ويكرر ويعيد، في منزلة (اليقين)؟! وهذا المجلس الجبرائيلي /المحمدي العظيم الذي جعل فيه اليقين أعلى مراتب الدين، يثير الانتباه فعلاً حول موقع اليقين في دين الله ..
فما هو هذا «اليقين» يا ترى؟! وما هي حقيقته؟! وما هي موارده؟! وهل نحن موقنون وبلغنا هذه المنزلة، أم نعاني من ضعف في اليقين؟!
(1/161)

اليقين في حقيقته هو كمال جزم القلب بخبر الله ورسوله، وفراغه من التردد والارتياب والاحتمالات.

اليقين هو أن يصبح (خبر) الله ورسوله كأنه (المعاينة)، فإذا صار الخبر كالمعاينة فقد كشفت سجف اليقين، وارتشفت النبع.

خذ بعض الأمثلة من خبر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ودعنا نختبر أنفسنا فوق مشرحة اليقين.
أخبرنا الله سبحانه الذي لا أصدق منه حديثاً، ولا أصدق منه قيلاً سبحانه بقوله: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} (1).

فهل نحن حين نمد يدنا بحفنة من دراهم الصدقة ونضعها في يد المسكين يتشبع قلبنا يقيناً بأنها لا تنقص مالنا، بل سيخلفه الله؟! هل نجد في قلوبنا اليقين بهذا الخبر القرآني؟

ويقول الله سبحانه: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (2).
_________
(1) سورة سبأ، الآية: 39.
(2) سورة البقرة، الآية: 186.
(1/162)

فهل نحن إذا رفعنا أكُفّنا ندعو الله ونسأله تمتلئ قلوبنا يقيناً بقرب الله وإجابته، أم نحن ندعو الله باعتباره سلوكاً مطلوباً فقط، لا أنه أعظم الوسائل فعلاً لتحقيق المطلوب؟

بل هناك من يدعو الله على طريقة «إن لم ينفع لم يضر» والعياذ بالله ..

وأخبرنا الله أصدق القائلين سبحانه عن أن القرآن رقية وشفاء بقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ ... لِلْمُؤْمِنِينَ} (1).
فهل تفور قلوبنا باليقين بخبر الله هذا، فنفزع للرقية كلما أصابنا بالمرض، ونرقي أنفسنا ونحن موقنون بخبر الله أن هذا القرآن شفاء؟
وأخبرنا الله بخيرية هذه الأمة على سائر الأمم، وأنها أحب الأمم إلى الله، كما في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (2)، ويقول الله عز وجل: {وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ} (3).
_________
(1) سورة الإسراء، الآية: 82.
(2) سورة آل عمران، الآية: 110.
(3) سورة آل عمران، الآية: 139.
(1/163)

فهل المسلم -حين يقارن هذه الأمة ببقية الأمم التي تمتلك إمكانيات مادية- يشمخ قلبه يقيناً بخبر الله بشرف هذه الأمة وخيريتها وعلوها على غيرها، مهما امتلك الآخرون من إمكانيات مادية؟ أم يمور في زوايا القلب شكوك وارتيابات بخبر الله عن خيرية هذه الأمة؟

وشرع الله تأديب الزوجة الناشز بشروط وضوابط وأخلاقيات معروفة في كتب الفقه: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (1).

فهل يستعلي القلب بخبر الله ويوقن أن تشريع الله هذا يفوق كل النظريات الغربية في هذا المجال؟ أم ترى القلب يتملص حرجاً من هذه الآية أمام الغربيين؟!
وأخبرنا الله تفصيلاً عن ترصد الشيطان وأفعاله بالإنسان مثل: النزغ، والهمز، والوسوسة، والتزيين، والوعد، والخطوات، والتسويل، والاستحواذ، والأزّ، إلخ.

فهل نعيش حياتنا ونحن موقنون بخبر الله عن حضور الشيطان وترصّده؟
_________
(1) سورة النساء، الآية: 34.
(1/164)

وأخبرنا الله بوعدٍ عظيم أننا إن آمنا وعملنا صالحاً أن يحقق لنا رسالةً عظيمة وهي قول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} (1).

فهل يفوز القلب يقيناً بخبر الله عن هذه الحقيقة السياسية/القرآنية في طريق النهضة؟ وأن الإيمان والعمل الصالح هو الطريق للاستخلاف والتمكين في هذه الأرض؟
هذه مجرد نماذج لخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} (2)، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} (3).
وهذه وعود القرآن التي وعدنا الله إياها: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} (4)، {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (5).
_________
(1) سورة النور، الآية: 55.
(2) سورة النساء، الآية: 87.
(3) سورة النساء، الآية: 122.
(4) سورة الروم، الآية: 6.
(5) سورة يونس، الآية: 55.
(1/165)

فهل كانت وعود الله لنا سبحانه في القرآن محل جزم وثقة ويقين مطلق في قلوبنا، حاضرة في حياتنا؟ أم هي أشبه بالإيمان البارد الفاتر وهي أشبه بالحاضر الغائب؟

والعلاقة بين (وعد الله) و (عبودية اليقين) ليست مجرد استنباط، بل القرآن ذاته أشار إليها كما قال الله سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} (1).

فهل استطعنا أن نصل لعبودية اليقين، التي هي أعظم مراتب الدين فوق الإسلام والإيمان، فنخرج من قلوبنا كل ذرة احتمال أو ارتياب أو تردد؟

ومن المواقف المحزنة التي يمر بها المؤمن في حياته هي حينما يقارن بين تعظيم الوحي لشأن اليقين وجعله أشرف منازل الدين، وبالمقابل يأتيك من يردد: (لا أحد يملك الحقيقة المطلقة)! برغم أن الحقيقة المطلقة في القرآن أصلاً!
_________
(1) سورة الروم، الآية: 60.
(1/166)

المؤمنون يجاهدون أنفسهم ليوقنوا، وهؤلاء المساكين يجاهدون أنفسهم ليشكوا!

كلما طالعت تراجم أئمة الدين رأيت تنافسهم في (اليقين)، وإذا رأيت كتابات بعض المتفلسفة رأيت التنافس في الشكوك والارتيابات والحيرة، فشتان بين الفريقين.
(1/167)

لم نفعلها، وحُسِبت علينا!
حين يقف الإنسان في اليوم الآخر لحظة تسليم الصحائف والاطلاع على محتوياتها، فإن الإنسان ربما لن يتفاجأ كثيراً من خطايا نفذها فعلاً وقام بها، فهو قد علم مسبقاً بأنه سيراها في صحيفته ..
وإنما المفاجأة المذهلة حقاً أن يجد الإنسان في صحيفته خطايا لم يفعلها هو، ومع ذلك يجدها مدونةً في كتاب أعماله، محسوبةً عليه ..
ربما يجد الإنسان في صحيفته خطايا لعشرات الأشخاص، بل ربما لمئات الأشخاص، بل ربما لملايين الأشخاص؛
(1/169)

وكلها مُجَدْولة في صحيفة سيئاته، وسيحاسبه الله عليها ..

حسناً! من أين جاءته هذه الأعمال التي لم يعملها، وكيف حُسبت عليه خطايا لم يفعلها هو؟

استمع إلى هاتين الآيتين العجيبتين اللتين تكشفان هذه الحقيقة المخيفة: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} (1).

{وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} (2).
يا الله! كم من كلمة نطقنا بها في مجلس من المجالس، وقلنا فيها على الله بغير علم، فتأثر بها أحد الجالسين فتجرأ على المعصية، فصارت خطيئته في صحائفنا ونحن لا نعلم! وكلما كرر معصيته، تكررت في صحائفنا، يلاحقنا شؤم تلك الجرأة على الشريعة!!

وكم من مقالة أثار فيها كاتب من الكتّاب شبهةً شوشت على آلاف القراء، فتساهلوا في ذلك الحكم الشرعي، ونقلوا هم بدورهم تلك الشبهة إلى آلاف آخرين،
_________
(1) سورة النحل، الآية: 25.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 13.
(1/170)

فيأتي ذلك الكاتب يوم القيامة يجرجر في صحيفته خطايا آلاف وآلاف من الناس لا يعرفهم!!
وكم من منتسب للمشيخة مكّنه التغريبيون من فضائياتهم، ليوفر لهم لغة شرعية مشحونة بمضامين غير شرعية، فانخدع به ملايين من العامة، وثقوا في لحيته وعباءته ولحنه بألفاظ تشبه ألفاظ المشايخ، فصار يدفع باتجاه توهين التدين في نفوس الناس، وأوقعهم في شذوذات فقهية وشبهات عقدية كانوا في سلامةٍ منها!!

وقد يظن بعض الناس أن ازدياد عدد المشاهدين لهذا المتصدر يدل على الإنجاز، بل ترى بعضهم يقول: هذا الرجل يسمع له ويشاهده كذا من الناس! ولا يعلم هذا المسكين أن زيادة الأرقام تعني زيادة عدد الضحايا، لا يعلم أن زيادة الأرقام تعني زيادة أوزار المضلَّلين التي ربما يحملها يوم القيامة ..
والله إن الإنسان إذا جلس مع نفسه، وأخذ يتذكر خطاياه، أدرك أنها كافية أن توبق مستقبله الأخروي، فكيف إذا انضم إلى ذلك أن يحمل فوق ظهره معاصي أشخاص آخرين لا يعرفهم.
(1/171)

والله إن الغبن كل الغبن أن يرى المرء نفسه يوم القيامة يصطلي بنار جهنم لا لمعصية فعلها هو، وإنما يعاقب على معصية فعلها غيره!
إنها مجرد كلمة متهورة في حكم شرعي، استحسنها المرء بذوقه، وغفل عن تبعاتها المفتوحة. إذا كان الأمر بمثل هذه الخطورة فكيف غفلنا عنه؟! إنه الرين الذي غلف القلوب حتى غفلت عن فظائع وأهوال هي أقرب للمرء من شراك نعله.

أخي الغالي! والله إني لأحب لك ما أحب لنفسي، فياليتنا - يا أخي الكريم - إذا أثيرت في مجلس من المجالس مسألة شرعية أن نتلوا في أنفسنا قوله تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} (1)، وقول الله سبحانه: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} (2).
فيا ليتنا نسلم من معاصينا، فضلاً عن أن نسلم من معاصي الآخرين!
_________
(1) سورة النحل، الآية: 25.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 13.
(1/172)

خاتمة
ما سبق كان نظرات وخطرات في بعض معاني الإيمان والتدين التي استعرضها القرآن، وهي تدور حول استحضار الآخرة ولقاء الله، والأحداث التفصيلية التي قصها القرآن عما سيحدث في هذا اليوم القريب القادم، وما وصفه القرآن من قسوة بعض القلوب حتى تتفوق على الصخور، وتعظيم مثير منا لدنياه أكثر من تعظيمه لصلاة الفجر، بل تقديم بعضنا لحظات الترفيه على الصلاة، وبهاء صورة المتهجدين بالليل حين رسمها القرآن، وخطورة استبعاد وقوع النفاق وأنه يقع بأمور نتهاون فيها، وتفخيم القرآن لشأن التسبيح حتى جعل الله العالم من حولنا يعج به،
(1/173)

وغفلة كثير منا عن القوة الساحقة التي يثمرها التوكل، وأثر الحسم والجزم والثقة واليقين بخبر الله ورسوله في صعود المؤمن إلى أعلى مراتب الدين، وأخيراً، العجب من سيئات قد تحسب على المرء وهو لم يفعلها.

وهذه المعاني الإيمانية ليست إلا نماذج يسيرة جداً مما احتواه القرآن بأمثلته وقصصه وبراهينه وتنبيهاته، وفي مطاوي آيات القرآن بحر لا تعرف شواطئه من حقائق التديّن وأسرار العلاقة مع الله سبحانه وتعالى، ودقائق التعامل مع الخالق جل وعلا.
والقارئ الكريم ليس بعاجزٍ بإذن الله أن يتدبر القرآن وينفع أهله وأصدقاءه بمعاني الإيمان، وحقائق التدين والتنسك، والدروب التي توصل إلى الله سبحانه.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
(1/174)