Advertisement

__تصويبات في فهم بعض الآيات_



الكتاب: تصويبات في فهم بعض الآيات
المؤلف: د صلاح عبد الفتاح الخالدي
الناشر: دار القلم - دمشق
الطبعة: الأولى، 1407 هـ - 1987 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مقابل] ـ[تصويبات في فهم بعض الآيات]ـ
المؤلف: د صلاح عبد الفتاح الخالدي
الناشر: دار القلم - دمشق
الطبعة: الأولى، 1407 هـ - 1987 م
عدد الأجزاء: 1
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مقابل]
(1/4)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه.
أما بعد
فنقدم للقراء الكرام كتابنا الرابع من هذه السلسلة التي خصصناها للقرآن وموضوعاته ومصطلحاته، وعلومه وكنوزه: " من كنوز القرآن ".
وقد اخترنا أن يكون موضوع هذا الكتاب هو تصحيح أفهام بعض المسلمين لآياتٍ من القرآن، فهموها فهماً خاطئاً، وفسروها تفسيراً مرفوضاً، واستدلوا بها على أشياء خاطئة باطلة، واستخرجوا منها دلالات غير مقبولة، فحرَّفوا بذلك معانيها، وعطَّلوا وظيفتها، وجعلنا عنوان الكتاب " تصويبات في فهم بعض الآيات".
القرآن الكريم كتاب هداية، وهو روحٌ وحياة، وهو نورٌ وضياء، وهو شفاءٌ ودواء، وهو دستورٌ ومنهاج، إنه كتاب العقيدة والِإيمان، وكتاب العبادة والطاعة، وكتاب الفقه والأحكام، وكتاب الدعوة والحركة، وكتاب الجهاد والمواجهة.
إنه كتاب المسلمين الأول والأخير، إنه دستورهم ومنهاجهم وقائدهم
(1/5)

ورائدهم، وإن له مهمةً عمليةً حركيةً واقعيةً في حياة المسلمين، وهو قادرٌ بإذن الله على أدائها وتحقيقها، إذا أقبل المسلمون عليه بصدقٍ وجدِّيةٍ وعزيمة، وتربوا عليه بإخلاصٍ ومجاهدة، وتحركوا به بثباتٍ ووعي، وجاهدوا الجاهلية به بجرأةٍ وشجاعة، لقد أقبل الصحابة الكرام عليه هذا الإقبال، فأدَّى مهمته خير أداء.
وآيات القرآن الكريم تعرض حقائق منوعة، وتقرر بدهيات مختلفة، وتقدم مفاهيم قرآنية أصيلة صادقة. ما أكثر المفاهيم القرآنية التي تقدمها الآيات، وما أصدقها وأوفاها وأشملها وأعظمها.
وقد ظهرت في هذا الزمان ظواهر غريبةٌ في حياة المسلمين وبلادهم، حيث انتشر الجهل في طبقاتٍ من المسلمين، وهو عميقٌ مُطْبِقٌ مركب، الجهل بالإسلام وتشريعاته، وبالقرآن ومفاهيمه ومبادئه وحقائقه. كثيرٌ من المسلمين يجهلون معاني آيات القرآن ولا يعرفون الدلالات الصائبة التي تؤخذ منها، فإذا فسرْتَ لهم آية أو آيات، وعرضتَ عليهم مفاهيمها ودلالاتها استغربوا مما يسمعون، وانقسموا ما بين مصدقٍ وهو مصفق، ومكذبٍ وهو معرض.
ويا ليت بعض هؤلاء اكتفوا بعدم معرفتهم بمعاني الآيات، وطلبوا تفسيرها بهمَّةٍ وموضوعيةٍ وأصالة، إذن لاستفادوا وأفادوا. لكنهم حملوا جهلهم بالقرآن ومفاهيمه، واتجهوا صوب آياته، يفسرونها على أمزجتهم وأهوائهم وميولهم وثقافاتهم. فجاء تفسيرهم لها وعَرْضهم لمفاهيمها وبيانهم لمعانيها، ثمرة جهلهم المركب، ومزاجيتهم المرفوضة.
كم سمعنا، وقرأنا، ونُقل لنا، من كلام هؤلاء حول الآيات، وتحريفهم لمعانيها، وتغييرهم لمفاهيمها، واستنتاجهم الباطل منها.
ولقد ساءنا - عَلِمَ الله - هذا التهجم على كتاب الله، والقول فيه بدون
(1/6)

علمٍ ولا معرفةٍ ولا اتزان، والتطاول على مفاهيمه وحقائقه، وسوء الاستشهاد والاستنباط من آياته.
كم من معاني القرآن أصبحت خافية في هذا الزمان، وكم من حقائق القرآن أصبحت غائمة، وكم من مفاهيم القرآن أصبحت مشوَّشة محرَّفة.
لذلك خصصنا هذا الكتاب لتطاول بعضهم على كتاب الله، وتشويههم لمفاهيمه، وهدفنا منه هو أن نصوِّب لهؤلاء - ولمن يتأثر بهم - فهمهم للآيات، ونصحح لهم تفسيرهم لها، ونبين لهم المعاني الحقيقية التي توحي بها.
بدأنا الكتاب بإشاراتٍ سريعةٍ إلى: وجوب تدبُّر القرآن، وكونه مُيَسرٌ للفهم والتدبر، والتحذير من القول في تفسيره بغير علم، وأقسام القرآن من حيث تفسيره.
وتحدثنا عن أهم العلوم التي يحتاجها الناظر في القرآن والمتدبر لآياته، وأهم الآداب التي تلزمه مراعاتها أثناء ذلك. كما تحدثنا عن المعوقات التي تعيق الناظر في القرآن عن حسن فهمه وتدبره، والوقوف على معانيه ومفاهيمه وحقائقه.
وانتقلنا بعد ذلك إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتباره أميناً على حسن الفهم للقرآن، وموضِّحاً للصحابة ما غمض عليهم من معانيه، ومصوِّباً له بعض أخطاءٍ وقعوا فيها - بدون قصد - مقدِّماً المعاني الصحيحة لها، وأوردنا ستة نماذج من تصويباته في ذلك، كما نقلتها كتب الحديث.
ثم وقفنا مع صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام، باعتبارهم أُمناء على حسن فهم القرآن، وأوردنا اثني عشر مثالاً لتصويباتهم في معاني الآيات، أو تصحيحاتهم لأخطاء وقع بها آخرون، وهم ينظرون في الآيات.
(1/7)

وكان هدفنا من إيراد هذه الأمثلة من حياة الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه، أن نُبين وجوب التصحيح والتصويب لكل فهمٍ خاطئٍ للقرآن، وتفسيرٍ مرفوضٍ لآياته، والرد على كل من قام بذلك، والإنكار عل كل من فعله.
وخصصنا باقي الكتاب لتصحيح تفسير بعض المسلمين المعاصرين لآياتٍ من القرآن، ولتصويب فهمهم لها، واستدلالهم بها، واستشهادهم منها.
لقد أوردنا ثلاثين آية ضلت أفهام بعضهم فيها، بحيث لم يفهموها فهماً صائباً، ولم يفسِّروها تفسيراً سليماً، فشوهوا مفاهيمها، وحرَّفوا معانيها، وضيَّعوا حقائقها، وأبطلوا دلالاتها، وخرجوا منها بعكس ما ألقته وقررته وأوحت به.
وكانت موضوعات هذه الآيات مختلفة، ومفاهيمها متنوعة. فمنها آياتٌ في الإيمان والعقيدة، ومنها آياتٌ في الجهاد والمجاهدة، ومنها آياتٌ في الدعوة والعمل والحركة، ومنها آياتٌ في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتاريخ والأحوال الشخصية.
ويجمع بين هذه الآيات: أنها كلها لها أبعادٌ واقعية، ومفاهيم حياتية، وقيمٌ مُعاشة، نعيشها في عصرنا عملياً.
وحتى يكون فهمنا عن هذه الآيات صائباً، وتفسيرنا لها صحيحاً، وتصويبنا لكلام الآخرين عنها مقبولاً، اعتمدنا منهجاً محقِّقاً لكل هذا - بإذن الله -:
1 - وقفنا أمام هذه الآيات وقفةً متجردة، ودخلنا عالمها بدون مقرراتٍ سابقة، وتلقينا منها مفاهيمها وحقائقها ومقرراتها.
2 - أَطَلْنا النظر في الآيات، والوقفة أمامها، لتلقِّي ما تلقيه وتوحي به، وفعلنا ذلك من أجل دقة النظر وصحة الاستنتاج.
(1/8)

3 - حرصنا أن ننظر في آياتٍ أخرى بنفس موضوع الآية التي نقف أمامها، وجعلناها أمامنا بجانبها، واستخرجنا الدلالات من الآيات مجتمعة، وقدَّمنا مفاهيمها متكاملة، وهذا من باب تفسير القرآن بالقرآن الذي هو واجب على كل ناظرٍ في آياته.
4 - اعتمدنا ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في معنى الآية - إن وُجد - كما اعتمدنا أقوالاً للصحابة والتابعين في معناها كذلك.
5 - نظرنا في أقوال مفسِّرين سابقين للآية، وأوردنا بعض كلامهم أحياناً، ليظهر لنا وللآخرين خطأ الأفهام المغلوطة للآية، ومخالفتها لكلام العلماء والثقات والمفسرين السابقين.
6 - قررنا الفهم الذي نقضناه، والتفسير الذي رددناه، قررناه بصورةٍ أمينةٍ ودقيقةٍ وصحيحة، ولم نتقوَّل على أصحابه، ولم ننسب لهم ما لم يقولوه. واعتمدنا في هذا على ما قرأناه، أو سمعناه، أو نقله لنا ثقاتٌ صادقون.
ولم نذكر القائلين بأعيانهم أو أسمائهم، حتى لا يكون اتهاماً للأشخاص، أو تجريحاً للأفراد، وحتى لا يتحول تصويبنا إلى خلافاتٍ شخصية، ولأنه لا يعنينا القائل، بل يعنينا القول ذاته، وإذا تم إبطال القول، حققنا الهدف وقمنا بالواجب إن شاء الله.
فهذه التصويبات نقدمها للقراء الكرام، وقد نُتبعها بكتابٍ آخر، نقدِّم فيه مجموعاتٍ أخرى من التصويبات، وقد نوسِّع هذا الكتاب نفسه في طبعة تالية، فنضيف له آياتٍ حُرِّفت معانيها، ومفاهيم شوهت صورتها.
ونرجو الله أن يكون تصحيحنا صحيحاً، وتصويبنا صائباً، وكلامنا مقبولاً، وتفسيرنا صادقاً. ونسأل الله أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، ونور
(1/9)

صدورنا، وذهاب همومنا، وجلاء أحزاننا، وأن يعلِّمنا منه ما جهلنا، ويذكَرنا منه ما نُسِّينا، وأن يجعله حجة وشافعاً لنا يوم القيامة.
وصلى الله على سيدنا محمد.
صويلح: الاثنين 1/ 4 / 1407 هـ
1/ 12 / 1986 م
الدكتور
صلاح عبد الفتاح الخالدي
(1/10)

وجوب تدبر القرآن
أوجب الله على المسلمين تدبُر القرآن الكريم، وإمعان النظر في آياته، وإطالة الوقفة أمامها، والتزود بالعلوم الضرورية من أجل دقة النظر، وصوابية الفهم، وصحة النتائج والدلالات التي يخرج بها من القرآن.
قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.
وبيَّن لنا أنه أنزل الكتاب لنتدبر آياته، ونخرج من هذا بالفهم والعلم والذكر، وأن هذا التدبُّر وسيلة تكوين اللب الحي، والعلم النافع، والعقلية العلمية المنهجية الواعية، وأنه هو الذي يُنشِّط العقل وُيمرِّنه، وُيريِّضه الرياضة العلمية النافعة فقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}.
وتدبُّر القرآن لا ينتهي، فلو توافرت عليه كل العقول - المختلفة في ثقافاتها واهتماماتها - حتى قيام الساعة ما استَنفدَت علومَه ومعانيه ودلالاته
(1/11)

ولفتاته وإشاراته ولطائفه. وهذه الآية توحي بذلك، فالقرآن كتابٌ مبارك، والبركة هي النماء والزيادة، وبركة القرآن شاملة لكل الجوانب والمجالات، فهو مباركٌ في مصدره، وفي حامله، وفي من نزل عليه، ومبارك في مهمته ورسالته ووظيفته، ومباركٌ في حجمه، وفي معانيه ودلالاته، وفي علومه ومعارفه. مباركٌ بركةً دائمةً شاملةً حتى قيام الساعة.
ولا ينشِّط العقل إلا تدبر القرآن، ولا يحافظ على حضوره وحيويته ونباهته إلا تدبر القرآن، ولا يقوي التفكير إلا تدبُر القرآن، لأن التدبر - كما يقول الإمام الراغب في المفردات " هو التفكير في دُبُرِ الأمور "، أي عواقبها.
***
(1/12)

تيسير القرآن للفهم
أخبرنا الله بأن كتابه الكريم - الذي أوجب علينا تدبره - ليس ألغازاً ولا طلاسم، وأن تدبره ليس عملية مستحيلة، بل هو على العكس من ذلك، أنه ميسرٌ للذكر والفهم واْلتدبر، ميسرٌ للحفظ والمراجعة، ميسرٌ للتلاوة والنظر، ميسرٌ للعمل والتطبيق ..
قال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الآية ذُكرت في سورة القمر أربع مرات، وجاءت في التعقيب على بعض قصص السابقين الواردة في السورة، وهي قصص قوم نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ عليهم السلام.
وتتسائل الآيات الأربعة عن الذين يُقبلون على هذا القرآن الميسر للذكر والفهم: فأين هم المتذكرون؟ أين المستفيدون من هذا التيسير؟ ولماذا لا يتعامل المسلمون والناس الآخرون معه، ولا يخرجون منه بنتائج نافعة ومفاهيم هادية؟.
والعجيب أن كلمة " مُدَّكِرٍ " - التي هي مأخوذة من كلمة " متذكر " اسم فاعل من تذكر - لم تذكر إلا في سورة القمر.
(1/13)

فسورة القمر نصت أربع مرات على أن الله قد يسر القرآن للذكر والفهم.
وسورة القمر أوردت كلمة " مُدَّكِرٍ " ست مرات، وكلها وردت في سياق الاستفهام الإنكاري {فهل من مُدَّكِرٍ} وكلها فيها إنكارٌ على الذين لا يتذكرون القرآن ولا آياته، الذين لا يستفيدون من هذا التيسير القرآني للذكر والفهم. وكأنها تريد أن تقول لهم: إن القرآن ميسرٌ للذكر والفهم والحفظ، وإنه إذا لم يستفد الناس من هذه المزية القرآنية الفريدة فإنهم هم الخاسرون والمسؤولون عن هذا.
إنهم لم يتذكروا، ولو تذكروا لاستفادوا. إن التذكر هو وحده سبيل الاستفادة من تيسير القرآن لذلك، فأين المتذكرون؟ وهل من مُدَّكِرٍ؟.
***
(1/14)

رفض الفهم الخاطئ للقرآن
وتيسير القرآن للذكر والفهم لا يعني أن يكون القول في معانيه ومفاهيمه بدون ضوابط، ولا أن يكون الباب مفتوحاً لكل من هبَّ ودبَّ، ولكل صاحب هوىً مغرض، أو نفسٍ خبيثة، أو جهلٍ قاتل. إنه لا بد من ضوابط وقواعد للقول في معاني القرآن، ولا بد من آدابٍ وشروط لتفسيره، والحديث عن مفاهيمه.
إنه لا يجوز أن يُقال في الآيات بدون علم، ولا أن يخرج أحد منها بغير ما توحي به، وتدل عليه، وتشير إليه، فلا يمكن أن يقع التناقض بين آيات القرآن، ولا التعارض بين معانيه وأحكامه.
لقد ذم القرآن الكريم الذين يُقبلون عليه بالتحريف والتشويه، فيُجزِّئونه ويُقسِّمونه.
قال تعالى: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ}، ومعنى جعلوا القرآن عضين أي " مفرقاً ". فقالوا كهانة، وقالوا أساطير الأولين، إلى غير ذلك مما وصفوه به.
وقيل: معنى عضين: ما قال الله: {أَفَتؤمِنونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وَتَكْفُرونَ
(1/15)

بِبَعْضٍ} خلاف من قال فيه {وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ}.
ونحن نختار المعنى الثاني لأنه هو الأنسب للسياق، والأكثر اتفاقاً مع فهم القرآن والتعامل معه.
بل هذا القول هو المتفق مع فهم الصحابة للآية، فقد روى البخاري وجماعةٌ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: الذين جعلوا القرآن عضين: هم أهل الكتاب، جَزَّأوه أجزاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ".
فإذا كانت الآية تنكر على أهل الكتاب تجزئتهم للقرآن، حيث آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وترفض منهم هذا التقسيم المرفوض، فإنها تتوجه إلى كل من فعل ذلك، لتنكر عليه فهمه الخاطئ لآيات القرآن، وتحريفه لمفاهيمها، وتشويهه لمعانيها، وتوظيفه لهذه الآيات كي تشهد لرأيه الفاسد، وتنصر فكره الباطل، وتدعم تلاعبه بدين الله وأحكامه وتشريعاته.
***
(1/16)

التحذير من القول في معاني القرآن بدون علم
ورد التحذير من القول في معاني القرآن بدون علم، وفهم آياته وتفسيرها ممن لم يكن أهلاً لذلك، ولم يتزود بالوسائل التي تعينه على حسن الفهم، وصوابية التفسير، وصحة الاستنباط.
وقد أورد الإمام ابن كثير في مقدمة تفسيره طائفةً من الأقوال عن الصحابة والتابعين في التحذير من ذلك. نختار بعضها فيما يلي:
قال: " أما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام:
لما رُوي عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار ". أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود مرفوعاً، ورواه بعضهم موقوفاً عن ابن عباس، والله أعلم.
وروى أبو عمران الجوني عن جندبٍ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ ". وفي رواية أخرى: " من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ ". رواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال - الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل - يعني سهيلاً القطيعي أحد رجال السند - ومعنى قوله: من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ، كما قال ابن كثير: " أي أخطأ لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أُمر به،
(1/17)

فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر، لكنه قد أخطأ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهلٍ، فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر ".
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم.
وقال ابن أبي مُلَيكة: سُئل ابن عباسٍ عن آية، لو سُئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها.
وجاء طَلْق بن حبيبٍ إلى جندب بن عبد الله، فسأله عن آيةٍ من القرآن فقال له: أُحَرِّجُ عليك إن كنتَ مسلماً لما قمت عني.
وقال يزيد بن أبي يزيد: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آيةٍ سكت كأن لم يسمع.
وقال عبيد الله بن عمر: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير. منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.
وقال محمد بن سيرين: سألت عبيدة السَّلْماني عن آية من كتاب الله فقال: ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أُنزل القرآن. فاتق الله وعليك بالسداد.
وقال مسلم بن يسار: إذا حَدثتَ عن الله حديثاً، فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
وعن إبراهيم النخعي قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.
وقال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها. ولكنها الرواية عن الله.
(1/18)

وقال مسروق: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله.
ونأخذ من هذه الأقوال التحذير من القول في التفسير بدون علم، ولذلك نوجهها للذين يدخلون هذا الباب، ولا يملكون الوسائل التي تعينهم على حسن الفهم عن الله.
ولا تدل هذه الأقوال على النهي عن التفسير مطلقاً، ومنع النظر في آيات القرآن، وفهمها وعرض مفاهيمها. لأن هذا واجبٌ على كل من كان مؤهلاً لذلك. ولذلك قال ابن كثير - بعد إيراده تلك الأقوال -: فهذه الآثار الصحيحة، وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولةٌ على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه. فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغةً وشرعاً، فلا حرج عليه. ولهذا رُويت عن هؤلاء وغيرهم أقوالٌ في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقول الله سبحانه: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ}، ولما جاء في الحديث الذي رُوي من طرق " من سئل عن علمٍ فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجامٍ من نار ".
وهذا الحديث الذي ذكره ابن كثير أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده والترمذي والنسائي وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة، ورمز له السيوطي في الجامع الصغير بالصحة، وقال المناوي في فيض القدير: " قال الترمذي:
(1/19)

حسن. وقال الحاكم: على شرطهما، وقال المنذري: في طرقه كلها مقال، إلا أن طريق أبي داود حسن.
وللحديث عن أبي هريرة طرقٌ عشرة، سردها ابن الجوزي ووهَّاها.
قال الذهبي في الكبائر: إسناده صحيح، رواه عطاء عن أبي هريرة، وأشار بذلك إلى أن رجاله ثقات، لكن فيه انقطاعاً ".
***
(1/20)

أقسام القرآن من حيث تفسيره
ليس القرآن من حيث تفسيره على درجةٍ واحدة، وليست آياته على مستوًى واحدٍ في هذا المجال، وقد تكلم العلماء قديماً عن هذا.
روى ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: التفسير على أربعة أوجه:
1 - وجهٌ تعرفه العرب من كلامها.
2 - تفسيرٌ لا يُعذر أحد بجهالته.
3 - تفسيرٌ يعلمه العلماء.
4 - تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.
وقد أعاد الإِمام الطبري ترتيب أقسام القرآن من حيث تفسيره، وأشار إلى أنها على ثلاثة أوجه:
1 - قسمٌ لا سبيل إلى الوصول إليه: وهو ما استأثر الله بعلمه، وهو ما سوف يأتي في آخر الزمان. مثل وقت خروج الدابة، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ووقت نزول عيسى عليه السلام، ووقت قيام الساعة، وغير ذلك.
2 - قسمٌ خص الله نبيَّه عليه السلام بعلم تأويله، ووجب على الأمة جميعاً الأخذ بهذا التفسير النبوي الكريم، وذلك مثل بيانه العملي للمقصود
(1/21)

من آيات الصلاة والصيام والزكاة والحج، وتوضيحه للصحابة ما خفي عليهم من معاني القرآن وأحكامه.
3 - ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وهم العرب الفصحاء، وهو بيان معاني القرآن ووجوه إعرابه.
فإذا أدرك الناظر في القرآن هذه الأقسام، عرف ما يمكن أن يقوم به في فهم معاني القرآن، وما تُرك من مجالاتٍ فسيحةٍ شاسعةٍ لتدبر آياته، وعرْض مفاهيمه، والإشارة إلى معانيه ولطائفه وأحكامه ودلالاته، بحيث لو أمضى كل عمره في هذا، فلن يقف منه إلا على قليلٍ لا يكاد يُذكر، فيبذل أقصى جهده وغاية وسعه.
***
(1/22)

العلوم التي يحتاجها الناظر في القرآن
منع العلماء الذين لا يملكون المؤهلات الخاصة، من القول في التفسير وبيان معاني القرآن، ولذلك اشترطوا للذي يريد أن يفسر آياتٍ من القرآن شروطاً لا بد من تحققها فيه، وحددوا له علوماً لا بد أن تتوفَّر عنده، وبيَّنوا له أدواتٍ لا بد أن تكون بين يديه، حتى يكون نظره صواباً، واستنباطه صحيحاً، وفهمه سليماً، وتفسيره مقبولاً.
وقد ذكر المرحوم الشهيد محمد حسين الذهبي في " التفسير والمفسرون " أهم هذه العلوم، سنلخص كلامه عنها، ثم نضيف علوماً أخرى نراها ضرورية:
1 - علم اللغة: لأنه به يمكن أن يشرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها، ويستطيع أن يعرف معاني الكلمات الغريبة في القرآن، ويكون في هذه المعرفة ملتزماً باللغة ومقاييسها وفقهها.
2 - علم النحو والصرف: لأن المعنى يختلف بحسب اشتقاق الكلمة القرآنية أو وجوه تصريفها، كما يختلف باختلاف وجوه الإعراب وتوجيه تلك الوجوه.
3 - علوم البلاغة: حتى يقف على طرفٍ من بلاغة القرآن ووجوه إعجازه، ومظاهر بيانه وجماله، وأساليب أدائه، وألوان تأثيره.
4 - علم القراءات: لأن القراءات توقيفيةٌ وهي كلام الله، ومنها يعرف وجوه
(1/23)

القراءات وتوجيهها، وبيان اختلاف المعنى والأحكام على كل قراءةٍ منها.
5 - علم أصول الدين: حيث يعرف أساسيات العقيدة وخصائص التصور الإسلامي والألوهية والعبودية. ويعرف الإيمان وأركانه، والإنسان ووظيفته، والحياة ومعناها، والكون وغايته، والغيب وحقيقته، واليوم الآخر وقدومه.
6 - علم أصول الفقه: ليعرف كيف يستنبط الأحكام والأدلة من القرآن، وكيف يتعامل مع أساليب الخطاب القرآني، ووجوه التكليف فيه، وطرق عرض أحكامه.
7 - علم أسباب النزول: ليعرف الجو الذي نزلت فيه الآيات، والحالة التي تعاملت معها، والمشكلة التي عالجتها، والخطأ الذي قوَّمته.
8 - علم الناسخ والمنسوخ: حتى لا يقع في التناقض في فهم الأحكام التي تشير إليها الآيات.
9 - علم التاريخ: ليطلع على أخبار السابقين، ويحسن التعامل مع قصص القرآن، واستخراج السنن الثابتة في حياة البشرية.
10 - علم الحديث: ليطلِع على تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام للقرآن، باعتبار السنَّة موضحة للقرآن، ومفسِّرة له، ومبيِّنة لأحكامه ومكمِّلة لتوجيهاته، وليعتمد ما صحَّ من الأحاديث، ويتجنَّب ما لم يصح منها حتى لا يأخذ منها حكماً، أو يكوِّن منها رأياً.
11 - علم السيرة النبوية: لأن الرسول عليه الصلاة والسلام هو الترجمة العملية للقرآن، حيث كان خلقه القرآن - كما بيَّنت عائشة رضي الله عنها - ولذلك تعتبر سيرته وحياته العامة والخاصة هي أصدق تفسير للقرآن، والمظهر العملي الواقعي لتوجيهاته وأحكامه.
(1/24)

12 - علم الرجال: وبخاصةٍ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعرف كيف كانوا يحيون بالقرآن، ويعيشون في ظلاله، ويطبِّقون أوامره وأحكامه. فيقتدي بهم في كل هذا، ويلحظ البعد الواقعي العملي التطبيقي للآيات، الذي ينقلها من كونها مجرد توجيهاتٍ مثاليةٍ خياليةٍ نظريةٍ يستحيل تطبيقها على الواقع، إلى كونها حقائق واقعية، وقيماً حياتية وبرامجَ عملية وخططاً مُعاشة في حياة الناس ..
13 - العلوم النظرية البحتة، للوقوف على الأبعاد الجديدة للآيات، وتوسيع معانيها، ورفدها بما توحي به هذه العلوم من حقائق وظواهر وبيِّنات، سواءٌ في عالم الفلك أو الزراعة أو الكون أو الطب أو الاختراع.
14 - العلوم الإِنسانية والاجتماعية، التي تُعرض من خلالها مضامين جديدة للآيات التي تشير إلى هذه المجالات، فيجد من هذه الآيات حياةً وحيوية، وقوةً وتأثيراً، وتوجيهاً وإرشاداً. وهذه العلوم مثل علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد والسياسة والإعلام والدعوة.
15 - العلم بالأعداء الكافرين، والاطِّلاع على حياتهم وأنظمتهم وتشريعاتهم، والوقوف على أفكارهم واهتماماتهم - وبخاصة المعاصرين منهم - ليحسن فهم الآيات التي تكشفهم وتحلِّل حياتهم.
***
(1/25)

الآداب التي يراعيها الناظر في القرآن
وبعد ما يملك الناظر في آيات القرآن الأدوات التي أشرنا إليها، ويُحصِّل طرفاً من العلوم التي تحدثنا عنها، فإننا نضع بين يديه طائفةً من الآداب التي عليه مراعاتها، من أجل دقة النظر، وحسن الفهم، وصحة التفسير، وصوابية الاستنباط:
1 - أن يتمتع بقسطٍ من الذكاء وحسن الفهم وجودة القريحة، وأن يملك موهبةً فذة، تعينه على الوقفة الصحيحة أمام الآية، والالتفات إلى لطائفها وإيحاءاتها وإشاراتها، ولفتاتها الخفية التي قد تخفى على كثيرين.
2 - أن يعيش الإسلام عملياً، وأن يطبق توجيهاته على حياته، وأن يكون سلوكه وفق أحكامه، وأن يكون عمله ترجمةً لفكره، ليزداد علماً وفهماً وفطنة. وذلك لأن " العلم يهتف بالعمل فإن أجابه، وإلا ارتحل "، و" من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم "، و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.
3 - أن يمارس الرياضة العقلية اليومية، وأن ينشِّط ذاكرته وحافظته وفطنته - بفن التفكير وفن الشعور وفن التأمل - ليستطيع استخراج معاني ولفتات وإشارات الآيات.
(1/26)

4 - أن يدخل عالم القرآن الرحيب بدون مقرراتٍ سابقة، بل يطلب من القرآن أن يشكِّل له خلفيته، وأن " يكوِّن " له فكره، وأن " يُنشئ " له معرفته وثقافته، فيكون قرآنياً في كل هذه الأمور.
5 - أن يتحرك بالقرآن حركةً عملية، وأن يواجه به الباطل وأهله، وأن يخوض به معركةً حية، وأن ينزل به إلى الميدان، ميدان الجهاد بالموقف، والجهاد بالكلمة، والجهاد بالحجة، والجهاد بالدعوة. عندها يعطيه القرآن من فتوحاته، ويقدِّم له من معانيه، ويمنحه من كنوزه.
6 - أن يكون متواضعاً لربه، طالباً منه المدد والعون والفتوحات والتفهيم، وأن يكون مخلصاً لله في نيته وهدفه وسعيه، وأن لا يفتر بعمله وقوله ونظره.
***
(1/27)

المعوقات عن حسن فهم القرآن
وعلى كل من ينظر في القرآن، ويرغب في حسن فهمه والتلقي عنه، ويرغب في استنباط أحكامه ومعانيه ودلالاته، أن يتحرز عن كل ما يحجبه عن القرآن، وأن يتجنب كل ما يقف حاجزاً بينه وبين أنوار القرآن، وأن يكون حذراً من أن يقع قي أيٍ من المعوقات التي تعيقه عن ذلك.
من المعوقات أضداد ما ذكرناه سابقاً، بحيث لا يُحصِّل العلوم الضرورية ليستخرج بها بعض علوم القرآن.
ومن المعوقات أن لا يراعي الآداب التي ذكرناها من قبل، كأن لا يتمتع بالموهبة والفطنة والذكاء، أو لا يطبق الإسلام على حياته وواقعه، أو لا يتمتع بالعقلية العلمية المنهجية، ولا يشحذها وُيريِّضها وينمِّيها، أو يدخل عالم القرآن بمقررٍ سابق، وثقافةٍ دخيلةٍ غريبة، ونيةٍ مغرضةٍ مدخولة، أو لا يتحرك بالقرآن في مواجهة الجاهلية، أو يكون متكبراً مزهواً متبختراً.
ويضاف إلى ذلك حذره من المعوقات التالية:
1 - التهجم على بيان مراد الله من كلامه مع الجهل بقوانين وأصول الشريعة.
2 - الخوض فيما استأثر الله بعلمه من الغيوب المستقبلية.
(1/28)

3 - السير مع الهوى والاستحسان.
4 - التفسير المقرر للمذهب الفاسد، بأن يجعل المذهب أصلاً، والتفسير تابعاً، فيحتال في التأويل حتى يصرفه إلى عقيدته، ويردَّه إلى مذهبه.
5 - التفسير مع القطع بأن مراد الله كذا وكذا من غير دليل.
ويحسن أن أورد في هذا الموضع كلاماً رائعاً للإمام أبي طالب الطبري ذكره السيوطي في الإتقان:
" اعلم أن من شرط التفسير صحة الاعتقاد أولاً، ولزوم سنة الدِّين، فإن من كان مغموصاً عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا فكيف على الدِّين؟ ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم فكيف يؤتمن في الإِخبار عن أسرار الله، ولأنه لا يُؤمَن - إِنْ كان متَّهماً بالإِلحاد - أن يبغي الفتنة، ويغرَّ الناسَ بِلَيِّهِ وخداعه، كدأب الباطنية وغلاة الرافضة. وإن كان مُتَّهَماً بهوى لم يْؤمَن أن يحمله هواه على ما يوافق بدعته، كدأب القدرية فإن أحدهم يصنِّف الكتاب في التفسير، ومقصوده منه الإِيضاح لبدعتهم، ليصدهم عن اتباع السلف، ولزوم طريق الهدى.
ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه ومن عاصرهم، ويتجنب المُحْدَثات، وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعل.
ومن شروطه صحة القصد فيما يقول ليلقى التسديد، فقد قال الله تعالى: {وَالذينَ جاهَدوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}. وإنما يخلص له القصد إذا زهد في الدنيا، لأنه إذا رغب فيها لم يُؤمَن أن يتوسل به إلى غرض يصده عن صواب قصده، ويفسد عليه صحة عمله.
(1/29)

وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئاً من عدة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام ".
***
(1/30)

الأمناء على حسن الفهم للقرآن
كل ما ذكرناه سابقاً من العلوم الضرورية للناظر في القرآن، والآداب التي لا بد من مراعاتها لحسن فهمه لآياته، نعترف بأنه لا يحققها ولا يراعيها الجميع، وأن بعض الناظرين في القرآن يدخل عالمه وهو غير مؤهل بما ذكره العلماء وما اشترطوه له، ومن ثم يخرج بنتائج خاطئة، وتفسيرات مرفوضة، ونظرات باطلة.
ويوجد هؤلاء في مختلف فترات التاريخ الإسلامي في القديم والحديث، ولكننا نعترف بأنهم أكثر وجوداً في هذا العصر، الذي تميَّز بإقصاء نظام الإسلام عن واقع الحياة، وتفريغ معاني القرآن من بُعدها الواقعي العملي الحي، وتحويلها إلى معلوماتٍ نظريةٍ باهتة. كما تميز هذا العصر بالضآلة والضحالة والقزامة لدى كثيرين ممن يزعمون العلم والمعرفة والثقافة الإسلامية.
وقد زهد كثيرون في هذا العصر في العلم الشرعي والثقافة الدينية، وأعرضوا عن المنهجية العلمية والأبحاث المركزة والدراسات الجادة والمؤلفات الرصينة، وتحولوا إلى قشورٍ ومظاهر وكتابات، تتَّصف بالسطحية والنظرة التجارية.
وبما أن الذين يدخلون عالم القرآن بدون أهليةٍ موجودون، وبما أن النتائج الخاطئة والتفسيرات الباطلة للآيات تصدر عن هؤلاء، فإن علماء
(1/31)

أعلاماً يقفون لهؤلاء، يقفون حراساً أمناء على حسن الفهم لكتاب الله، يدفعون عنه الأخطاء والتحريفات والانحرافات، ويتصدّون لكل من أساء الدخول إلى عالم القرآن، ولكل من خرج منه بنتائج خاطئة أو مفاهيم مغلوطة.
ويحتفظ تاريخنا الإسلامي بنماذج باهرةٍ فريدة، لهؤلاء الحراس الأمناء على كتاب الله، ومعانيه ومفاهيمه ودلالاته. ويقف في مقدمة هؤلاء الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام، ثم أصحابه الكرام ذلك الجيل القرآني الرائد الفريد.
***
(1/32)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يصوِّب فهم بعض الآيات
كانت مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبيِّن للمسلمين معاني كتاب الله، وأن يوضِّح ما غمض عليهم منها، وأن يصوب لهم بعض ما أخطأوا في فهمه، وأن يقدم لهم المعنى الصحيح لكلام الله سبحانه.
وفي ذلك يقول الله سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.
بل وردت آيةٌ تقصر مهمة الرسول عليه السلام بأنها بيان معاني كتاب الله للمسلمين، وتجعل الهدف من إنزال القرآن هو بيانه للناس: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
هذا وقد قام الرسول عليه الصلاة والسلام بالواجب، وأدى المهمة، وصوَّب للصحابة ما أخطأوا في فهمه من آيات القرآن، ووضَّح لهم ما التبس عليهم من معانيها، وأزال لهم ما أشكل عليهم من دلالاتها.
ووقوع بعض الصحابة في أخطاء في فهم بعض الآيات، أو في بعض الأحكام التي تؤخذ منها، لم يكن عن سوء نية، أو خبث باعث، كما لم يكن
(1/33)

لعدم تمتعهم بالشروط اللازمة للتعامل مع القرآن من علومٍ ومعارف وآداب، ولم يكن لانحرافهم عن جادة الصواب وطريق الحق ومواصفات طالب العلم. فقد توفر لهم ما ذكره العلماء من شروطٍ وآدابٍ وعلومٍ ومعارف.
إنَّ وقوع بعض الصحابة في تلك الأخطاء أو الإشكالات، مظهرٌ من مظاهر الضعف البشري، ووقوع البشر - مهما بلغوا من العلم والمعرفة والموهبة - في الخطأ والنقص ضرورة، لكن فرقٌ بين خطأ في فهم بعض الآيات، صادرٍ عن مؤهلٍ للنظر فيها، متمتعٍ بالشروط اللازمة له كما حصل من بعض الصحابة، وبين خطإٍ صادرٍ عن غير المؤهلين لذلك، أو الذين نتج خطؤهم عن سوء نيةٍ أو باعث، كما حصل من بعض المتطفلين على مائدة القرآن، أو الراغبين في تحريف معانيه من أهل هذا الزمان.
***
(1/34)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوضح معنى الخَيْطين لعَدِيِّ بن حاتم
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: لما نزلت الآية: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}. عمدت إلى عِقال أسود وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر من الليل فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت له فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار.
وفي روايةٍ أخرى للبخاري أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال لعدي بن حاتمٍ بعدما فعل ما فعل: " إن وسادك لعريض، أَن كان الخيط الأبيض والخيط الأسود تحت وسادتك "
وفي رواية ثالثة للبخاري أن عدي بن حاتمٍ رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله: ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: إنك لعريض القفا، أَن أبصرتَ الخيطين. ثم قال: لا، بل هما سواد الليل وبياض النهار.
إن عدي بن حاتم الطائي - رضي الله عنه - أخذ الخيطين على ظاهرهما، وفهم من الآية أن المراد هو أن يقدر على أن يميز لون الخيطين،
(1/35)

وعندها يمسك عن الطعام، ولهذا تناول خيطين حقيقيين ووضعهما تحت الوسادة وصار ينظر إليهما.
ولقد صحح الرسول صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم فهمه للآية، وبين له أن المراد هو سواد الليل وبياض النهار، وليس حقيقة الخيطين. ومزج هذا التصحيح والتصويب بدعابةٍ لطيفةٍ فكهة، محبَّبةٍ إلى نفس السامع لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال له: " إن وسادك لعريض " و " إنك لعريض القفا " وهذان مثلان يضربان كناية عن غفلة السامع وسذاجته " وعبطه ". ولا يراد الظاهر من هذين المثلين، ولا أن يُذَم عديٌ، أو يوصف بالبلاهة والسذاجة، فإنه مبرأٌ من ذلك، وإنما يراد منهما الدعابة والتفكه.
وقد يتساءل متسائل: كيف غابت هذه الاستعارة عن عدي بن حاتم، ولم يفطن لها، وهو العربي الذكي الفصيح البليغ؟؟.
بعض الناس قد يشكك في فطنة عديٍّ وبلاغته وفصاحته، ونعلم أنه فوق هذا التشكيك.
وبعض الناس قد يشكك في صحة الواقعة، ولا يسلم بأنها وقعت، لأنها تتعارض مع فطنة عدي وفصاحته المتفق عليها.
من هؤلاء فخر الدين الرازي، الذي استبعد هذه الواقعة، بقوله: " وأما ما حُكِيَ عن عدي بن حاتم فبعيد، لأنه يبعد أن يخفى على مثله هذه الاستعارة مع قوله تعالى: {مِنَ الفَجْرِ} ".
ونحن نعجب لرجل مثل الرازي في علمه وجلالته، كيف يقع في هذا الخطأ، ويستبعد حادثةً وردت بحديثٍ صحيح، وكيف يُجَوِّز لنفسه أن يرد رواية في الصحيحين؟ لكن لكل قلمٍ زلة، ولكل جوادٍ كبوة.
(1/36)

ولعل ما يصلح تفسيراً للخطأ في الفهم الذي وقع به عدي بن حاتم رضي الله عنه: أن الآية لم تنص عندما نزلت على أن المراد من الخيطين هو الليل والنهار، وأن كلمة " من الفجر " لم تنزل مع بقية الآية، وإنما تأخر نزولها، لحين وقوع بعض الصحابة في خطأ في فهم الآية، فكانت توضيحاً قرآنياً للمراد بالخيطين.
فقد روى البخاري عن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه قال: أُنزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} ولم ينزل {مِنَ الْفَجْرِ} فكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رِئْيُهُما، فأنزل الله بعد {مِنَ الْفَجْرِ} فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.
وهناك عبرةٌ عظيمة، ودرسٌ بالغ، نأخذه من موقف عدي -ومن كان مثله من الرجال- من الخيطين، حيث أخذهما على ظاهرهما، وكأنه يدعونا إلى أن نقف أمام الأوامر والنصوص موقف المنفذ لها، وليس المتفلسف عليها، المؤوِّل لها، المحرِّف لمعناها.
***
(1/37)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبيِّن معنى المجازاة بالسوء
روى مسلم والترمذي والنسائي والبيهقي وابن أبي شيبة وابن المنذر
وسعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " لما نزل
قول الله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} " شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله، فشكوا ذلك
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " سدِّدوا وقاربوا، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة، حتى الشوكة يُشاكها، والنكبة يُنكبها ".
وفي لفظ ابن مردويه: لما نزلت بكينا وحزنَّا. وقلنا: يا رسول الله: ما أبقت هذه الآية من شيء! قال: أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا. إنه لا يصيب أحداً منكم مصيبةٌ في الدنيا إلا كفَّر الله بها خطيئة، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه.
وروى أحمد والحاكم وأبو يعلى وابن المنذر وابن جرير عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، فكل سوء جُزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر: ألست تَنصَب؟ ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللَّأواء؟ قال: بلى. قال: فهو ما تُجزون به.
(1/38)

وروى البخاري ومسلم وأحمد وابن أبي شيبة عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يصيب المؤمنَ من وَصَب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ".
وروى البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها ".
نأخذ من هذه الروايات كيف كان الصحابة الكرام عليهم الرضوان، يتفاعلون مع آيات القرآن ويفهمون نصوصه، ويستقبلونها، ويتعاملون معها بكيانهم كله ومشاعرهم جميعها.
فهذه الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سوءاً يُجْزَ بِهِ}، تقرر أن من يعمل سوءاً يُجزى به، وقد خاف الصحابة منها على حياتهم وأعمالهم ولهذا قالوا: كيف الصلاح بعدها؟ وما نفع العمل بعدها؟.
ونأخذ من هذه الروايات اعتراف الصحابة بأنهم قد يعملون سوءاً، وقد يقعون في مخالفات، وأنهم غير معصومين، وتواضعهم أمام ربهم، وشعورهم بتقصيرهم، وعدم تكبرهم، وعدم اغترارهم بصحبتهم وأعمالهم، لنقتدي بهم في هذا الاعتراف والشعور.
لقد حمل الصحابة المجازاة على السوء التي تقررها الآية على الحساب الأخروي، وعلى التعذيب في النار يوم القيامة، وفهموا منها أن كل من أذنب ذنباً في الدنيا سيعذب به يوم القيامة، ولهذا لن ينجو أحد من المسلمين من النار، حتى ولو كان أبا بكر الصديق أو أحد المبشرين بالجنة من الصحابة.
(1/39)

ولقد وضَّح لهم رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام معنى المجازاة، وبيَّن لهم أنها تكون في الدنيا لمن أراد الله به الخير، وتكون على صورة كفارة، تتمثل في الحزن والمرض والهمّ والغمّ والنصب والتعب، وكل مصائب الدنيا، وما أكثرها، وما أكثر ما تصيب الإنسان.
ونأخذ من هذه الآية التي هي أخوف آية من كتاب الله -كما قالت عائشة رضي الله عنها- سنة ربانية لا تتخلف: من عمل شيئاً جوزي به، فمن عمل خيراً جوزي به خيراً، ومن عمل سوءاً جوزي به شراً، وأنه لا محاباة عند الله، ولا تبديل لسنته، ولا رادَّ لأمره.
***
(1/40)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوضح المراد بالظلم في سورة الأنعام
روى البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} شق ذلك على المسلمين وقالوا: أَيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك، إنما هو الشرك. ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
فالصحابة عليهم الرضوان حملوا الظلم في الآية على المعاصي والذنوب، وكانوا يعلمون أنهم غير معصومين منها، ولهذا قالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ يعني أينا لا يذنب ولا يعصي؟ إذن فجميعنا هالكون، لا أمن لنا ولا أمان ولا اطمئنان، ولا نجاة من العذاب.
وهذا يدل على نظرتهم للقرآن وتلقِّيهم لآياته وتفاعلهم الحي معها، وتطبيقهم لمعانيها والتزامهم بها، وتحرجهم من أي تقصير، وخوفهم من أي ذنب، ورغبتهم العملية في أن يبقوا مع الحق والخير والعمل الصالح.
والرسول عليه الصلاة والسلام صحَّح لهم خطأهم في النظر للآية، وصوب لهم فهمهم لمعناها، ووضَّح لهم المراد بالظلم فيها، وبيَّن لهم أنه ليس الذنب والمعصية والتقصير، وإنما هو الشرك بالله. وطالما أنهم موحدون
(1/41)

لله عابدون له، بريئون من الإشراك به، فإنهم في أمان وأمن واطمئنان ويقين. إن الآية لا تتحدث عنهم ولا تنطبق عليهم، ولكنها تعني المشركين بالله، وتقرر أنهم لا أمن لهم ولا أمان.
وقد استعان الرسول عليه الصلاة والسلام بآية من سورة لقمان تقرر أن المراد بالظلم هو الشرك، وجاءت هذه الحقيقة على لسان العبد الصالح لقمان وهو يعظ ابنه وينهاه عن الشرك. {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
إن المراد بالظلم في هاتين الآيتين هو الشرك. لكن ليس كل الظلم في القرآن يراد به الشرك، فقد يُراد به المعصية كما في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
***
(1/42)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبيّن كيف أن مريم أخت هارون
روى مسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: لما قدِمتُ نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرأون " يَا أُخْتَ هَارُونَ " وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ فلما قدِمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته، فقال: إنهم كانوا يسمُّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم.
لما التقى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه بنصارى نجران، أرادوا أن يثيروا أمامه الشبهات ضد القرآن، وأن يشككوا في الصدق التاريخي لتقريراته وقصصه بدعوى أنها لا تتفق مع التاريخ.
وقفوا أمام الآيات التي تشير إلى مواجهة مريم - رضي الله عنها - لقومها وهي تحمل عيسى عليه السلام. {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}. كيف تكون مريم أخت هارون النبي شقيق موسى النبي - عليهما السلام - وبين هارون ومريم مئات السنين؟ وهل يعقل أن تكون مريم شقيقةً له مع هذا الفاصل الزمني الطويل؟، إذن هذه ليست صحيحة، بل هي منقوضةٌ تاريخياً!.
(1/43)

ومنشأ الخطأ عندهم أنهم حملوا اسم هارون على هارون النبي - شقيق موسى عليه السلام - ولو كان هو المقصود بالاسم لصحَّ ما قالوه.
ولما جاء المغيرة بن شعبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وضَّح له من هو هارون، وأزال اللبس والشك الذي أثاره نصارى نجران. فقال له: إنهم كانوا يتسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم.
إذن ليس هو هارون شقيق موسى عليه السلام، بل هو هارون آخر كان معاصراً لمريم، ويبدو أنه كان شقيقاً لها، وعندها تصح نسبة أخوَّتها له.
أو أن المراد أخوَّتها له في العبادة والتديُّن، وكأنهم يقصدون بأخت هارون: يا شبيهة هارون في عبادته وتقواه وطهره وفضيلته. وهو الأرجح - والله أعلم - (1).
...
__________
(1) قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
" وَأَمَّا هَارُونُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ عُرِفَ بِالصَّلَاحِ، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فَكَيْفَ صِرْتِ هَكَذَا، وَهُوَ قَوْلُ/ قَتَادَةَ وَكَعْبٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ذُكِرَ أَنَّ هَارُونَ الصَّالِحَ تَبِعَ جِنَازَتَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمْ يُسَمَّوْنَ هَارُونَ تَبَرُّكًا بِهِ وَبِاسْمِهِ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَخُو مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَنَوْا هَارُونَ النَّبِيَّ وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هَارُونَ كَمَا يُقَالُ يَا أَخَا هَمْدَانَ أَيْ يَا وَاحِدًا مِنْهُمْ. وَالثَّالِثُ: كَانَ رَجُلاً مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ بِمَعْنَى التَّشْبِيهِ لَا بِمَعْنَى النِّسْبَةِ. الرَّابِعُ: كَانَ لَهَا أَخٌ يُسَمَّى هَارُونَ مِنْ صُلَحَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَعُيِّرَتْ بِهِ «1»، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَإِنَّمَا يَكُونُ ظَاهِرُ الْآيَةِ مَحْمُولاً عَلَى حَقِيقَتِهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَخٌ مُسَمًّى بهارون. الثَّانِي: أَنَّهَا أُضِيفَتْ إِلَيْهِ وَوُصِفَ أَبَوَاهَا بِالصَّلَاحِ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ التَّوْبِيخُ أَشَدَّ لِأَنَّ مَنْ كَانَ حَالُ أَبَوَيْهِ وَأَخِيهِ هَذِهِ الْحَالَةَ يَكُونُ صُدُورُ الذَّنْبُ عَنْهُ أَفْحَشَ ". اهـ (مفاتيح الغيب. 21/ 530).
(1/44)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبيّن معنى ورود جهنم
روى مسلم في صحيحه عن أم مُبَشِّر الأنصارية -وهي امرأة زيد بن حارثة رضي الله عنهما- أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها. قالت حفصة: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: {وَإنْ مِنْكُمْ إِلا وارِدُها}، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: قد قال الله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}.
يقدِّم لنا هذا الحديث صورةً من الحوار العلمي التفسيري، الذي كان يجري في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، بينه وبين أزواجه رضي الله عنهن.
فها هو الرسول عليه السلام يخبر أنه لا يدخل النار أحدٌ من الصحابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة في صلح الحديبية، تلك البيعة التي سميت " بيعة الرضوان " والتي أنزل اللَّه فيها: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}.
وقد أوجد هذا الخبر إشكالاً ولبساً عند زوجه حفصة بنت عمر - رضي الله عنهما - حيث يتعارض هذا مع قول اللَّه: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ
(1/45)

عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}. إذ يفيد أن كل البشر - مؤمنين وكافرين - سوف يردون جهنم بمن فيهم أصحاب الشجرة، فظنت أن الورود هنا معناه الدخول.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم صوب لحفصة هذا الفهم، وأزال هذا اللبس، بأن دعاها للنظر في الآية الثانية التي تقرر نجاة المؤمنين من جهنمِ: {ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا}. وكأنه يؤسس - عليه الصلاة والسلام - قاعدة في تصويب بعض الأفهام للآيات، بأن يدعو أصحابها للنظر في الآيات الأخرى المشابهة لتلك الآية، حيث توضح المراد وتزيل الإشكال.
والمراد بالورود في الآية المرور على الصراط، عندما ينصب على جهنم، فيمر عليه المؤمنون بحسب أعمالهم، ويسقط عنه في جهنم الكافرون والمذنبون بسبب أعمالهم.
***
(1/46)

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبيِّن معنى الحساب اليسير
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن أبي ملكية قال: إن عائشة كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه. وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من نوقش الحساب عُذِّب.، فقلت: أليس يقول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا}، فقال: " إنما ذلك العرض، وليس أحد يحاسَب يوم القيامة إلا هلك ".
وفي رواية أخرى للبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس أحد يحاسب إلا هلك ". قلتُ: يا رسول الله: جعلني الله فداك. أليس الله تعالى يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}. قال: " ذلك العرض تعرضون، ومن نوقش الحساب هلك ".
ونطَّلع هنا على صورة أخرى من النقاش العلمي التعليمي التفسيري في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجري بينه وبين زوجه عائشة رضي الله عنها.
إن الرسول عليه الصلاة والسلام يقرر أن من نوقش الحساب عُذِّب، ومن حوسب حساباً عسيراً مفصلاً عن أعماله، شاملاً لكل دقائق عمره، هلك.
(1/47)

فتعارضت هذه الحقيقة عند عائشة مع آيةٍ قرآنية: {فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسيراً}. فراجعت رسول الله عليه الصلاة والسلام تطلب منه الجمع بين المعنيين، وإزالة التعارض بينهما، وحل الإشكال لديها.
فصوَّب لها فهمها، وبيَّن لها أنها لا تتحدث عن الحساب، وإنما تتحدث عن العرض يوم القيامة، وهو الحشر والجمع والوقوف في أرض الموقف للحساب والجزاء. فالكل سيُعْرَضون ويقفون ذلك الموقف، فأما من أراد الله به الخير والنجاة فسيعطيه كتابه بيمينه، ويحاسبه حساباً يسيراً سريعاً. وأما من كان شقيَّاً بائساً، فسوف يحاسَبُ حساباً عسيراً شديداً دقيقاً مفصَّلاً، ويناقَش فيه مناقشة مطولة، ومن نوقش الحساب هلك وعُذِّب.
***
(1/48)

الصحابة يصوبون بعض المفاهيم القرآنية
كانت لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف فريدة، تتجلى فيها حراستهم لحسن الفهم للقرآن، وتصدّيهم لأي فهم خاطئ لآياته، أو تفسيرٍ باطلٍ لها، أو حملٍ لها على ما لم تدل عليه، ولا توحي به.
كانوا يعيشون دائماً بين المسلمين، ويقدمون لهم المفاهيم القرآنية الصائبة، والتفسيرات القرآنية الصادقة، ويراقبون صلتهم بالقرآن، فيصحِّحون هذه النظرة، ويصوِّبون ما قد يصدر عنها من أفهامٍ وآراء.
وقد سجَّلت لنا كتب الحديث، أمثلةً واضحةً لهذه الحراسة الإِيمانية الحيَّة من قبل الصحابة، والتصويبات الفذة لأفهام بعض المسلمين تجاه آيات من القرآن.
ونقدم فيما يلي مجموعةً من هذه الأمثلة والشواهد، لنضيفها إلى ما ذكرناه من قبل، من تصويبات للرسول صلى الله عليه وسلم لبعض المفاهيم والمعاني والدلالات، التي قد أُخذت من بعض الآيات.

1 - عائشة تصوب لعروة معنى السعي بين الصفا والمروة
روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك، عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما، قال: سألتُ عائشة رضي الله عنها، فقلتُ لها: أرأيت قول الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ
(1/49)

فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، فَوالله ما على أحدٍ جُناح أن لا يطوَّف بهما. قالت: بئسما قلت يا ابن أختي - وكان عروة ابن أختها أسماء رضي اللَّه عن الجميع - إِنَّ هذه لو كانت على ما أولْتَها كانت: لا جُناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها أُنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يُهِلّون لمَنَاةَ الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلَّل، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة.
فلما أسلموا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟ فأنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ}.
قالت عائشة رضي اللَّه عنها: وقد سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.
لقد فهم عروة بن الزبير من الآية أنها ترفع الجُناح -وهو الإثم- على من طاف بين الصفا والمروة {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}، ونفيُ الإثم على من فعل ذلك يدل على كونه مباحاً يستوي فعله وتركه، فلو كان واجباً لأوجبه الله بالنص وما اكتفى برفع الإثم على من فعله.
وهذا فهمٌ خاطئٌ من عروة، لو قلنا به لكان السعي بين الصفا والمروة مباحاً، وليس ركناً من أركان الحج كما هو معروف.
فصوبت عائشة - رضي الله عنها - لعروة فهمه، وبيَّنت له أن الآية ساكتةٌ عن الوجوب وعدمه، وإنما تهدف إلى رفع الإثم على من سعى بينهما، وأنها تعالج تحرجاً في نفوس الأنصار.
(1/50)

أما وجوب السعي بينهما فمأخوذٌ من أحاديث وفعل الرسول عليه السلام. واستعانة عائشة بسبب نزول الآية، دليلٌ على وجوب معرفة سبب النزول لدقة الحكم، وصحة الفهم.
...

2 - أبو أيوب الأنصاري يوضح معنى التهلكة
روى أبو داود عن أسلم أبي عمران رحمهم الله تعالى قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه، مه، لا إله إلا اللَّه، يلقي بيديه إلى التهلُكة.
فقال أبو أيوب: إنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا: هلمّ نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فالإلقاء بالآيدي إلى التهلُكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وَنَدعُ الجهاد.
قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن في القسطنطينية.
وروى الترمذي هذه الحادثة بألفاظٍ أخرى عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مِثْلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عُقْبَة بن عامر، وعلى الجماعة: فُضالَة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقي بيديه إلى التهلُكة!.
(1/51)

فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس لتؤولون هذه الآية هذا التأويل! وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثُر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم -: إِن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل اللَّه تبارك وتعالى على نبيه، يرد علينا ما قلنا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
وكانت التهلُكة: إلِإقامة على الأموال وإصلاحها، وترْكُنا الغزو.
فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله، حتى دفن بأرض الروم.

3 - ابن عباس يستدرك على ابن عمر في إتيان الزوجة
روى البخاري عن نافع مولى ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن ابن عمر قال: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}. قال: يأتيها في ... قال الحميدي: يعني في الفرج.
روى البخاري عن نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذتُ عليه يوماً - يعني جلست أستمع لقراءته - فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان - وهو في الرواية السابقة " فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ " - فقال: أتدري فيم أُنزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في كذا وكذا، ثم مضى. وفي رواية غير البخاري أنه قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.
(1/52)

من هذه الروايات يظهر أن ابن عمر رضي الله عنهما فهم من الآية جواز إتيان الرجل لزوجته في دبرها، وفهم من الآية إباحة كل صور الاستمتاع بها، وأخذ الإطلاق من قوله: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}.
وقد أخطأ ابن عمر في فهمه من الآية، وفي قوله هذا، الذي أجمع الصحابة على نقضه ورده.
وقد وقف ابن عباس رضي الله عنهما يصوِّب لابن عمر فهمه، ويستدرك عليه قوله، ويصحح له خطأه.
روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن ابن عمر - والله يغفر له - أوهم، وفي رواية وهم (أي أخطأ في قوله واستنتاجه من الآية)، إنما كان هذا الحي من الأنصار -وهم أهل وثن- مع هذا الحي من يهود -وهم أهل كتاب- فكانوا يرون أن لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرٍ من فعلهم.
وكان من أمر أهل الكتاب: أن لا يأتوا النساء إلا على حَرف (أي على جانب) وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون منهن، مقبلات ومدبرات ومستلقيات.
فلما قدم المهاجرن المدينة، تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه. وقالت: إنا كنا نُؤْتى على حرف، فاصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، حتى شَرى أمرهما (أي تفاقم وعظم الخلاف بينهما)، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات. يعني بذلك: موضع الولد.
(1/53)

إن ابن عباس يرى -ومعه الصحابة والعلماء- من الآية، جواز استمتاع الرجل بزوجته وإتيانها أنّى شاء، من الأمام والخلف، شرط أن يكون الجماع في الفرج فقط.
ودلَّل لفهمه بسبب نزول الآية، لأن سبب النزول يوضح المعنى ويبين المراد، من خلال المشكلة التي يواجهها النص، والحادثة التي يبينها، والقضية التي يعالجها.
وقد تواترت الروايات الصحيحة عن الصحابة في صحة ما قاله ابن عباس، وخطأ ما قاله ابن عمر في هذا الخصوص.
فروى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}.
وفي رواية عن مسلم في صحيحه توضح قول اليهود -الذي كذَّبته الآية- كانت اليهود تقول: إذا أُتِيت المرأة من دبرها في قبلها، ثم حملت، جاء الولد أحول، فأكذب الله اليهود في زعمهم.
وقد أورد الإِمام مسلم هذه الروايات تحت باب، جعل له عنواناً لطيفاً ذا دلالة على موضوعنا، حيث جاء عنوانه " باب جواز جماعه امرأته في قبلها، من قُدامها ومن ورائها، من غير تعرض للدبر ".
وروى الترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}، قال: في صَمّام واحد يعني في الفرج فقط، من أية جهة كانت، وعلى أي موضع كان.
(1/54)

4 - ابن عباس يحدد لابن الحكم الذين يفرحون بما أَتوا
روى البخاري ومسلم والترمذي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما أن مروان بن الحكم -وكان والياً على المدينة لمعاوية- قال لبَوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرئٍ منا فرح بما أتى، وأحب أن يحمد بما لم يفعل، مُعذباً، لتُعَذَّبُنَّ أجمعون.
فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما نزلت هذه الآية في أهل
الكتاب، ثم تلا ابن عباس: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ}.
وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استَحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا، من كتمانهم إياه ما سألهم عنه.
لقد فهم مروان بن الحكم من الآية انطباقها على المسلمين، وفهم أنها تقرر العذاب لكل من فرح بعمله، ولكل من أحب ثناء الناس عليه بشيء ولو لم يفعله. لكن ابن عباس دلَّه على سبب نزولها، وعلى ملابسة ذلك النزول -ومعرفة السبب تعين على فهم دقيق صحيح للآية- فهي تتحدث عن اليهود في كتمانهم الحق، وإجابتهم المزيَّفة المحرَّفة.
ولكننا نقول إن الآية ليست في اليهود خاصة، الذين فعلوا الفعل
(1/55)

الشائن. لكنها تنطبق على كل من فعل ذلك الفعل اليهودي الماكر، في أي زمان ومكان.
إن كل من كتم العلم والحق، وظنَّ أنه ذكي فطن، تشمله الآية في وعيدها له بالعذاب، وإن كل من سُئل عن علم فكتمه هرباً من دفع ضريبته، ولم يبيِّنه للناس، بل اشترى به ثمناً قليلاً تشمله بالوعيد، وإن كل من أصدر الفتاوى الباطلة، والتصريحات الضالة، ووقف المواقف المشبوهة الجبانة، تشمله الآية بوعيدها، ولو زعم أنه مسلم.

5 - عمر بن الخطاب والذين شربوا الخمر متأولين
أورد السيوطي في الدر المنثور، رواية أخرجها ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محارب بن دثار: أن ناساً شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان (الوالي على الشام قبل أخيه معاوية) شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. لقول الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا}.
فكتب فيهم إلى عمر، فكتب عمر إليه: إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تُنْظِرْ بهم إلى الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تُنْظِرْ بهم إلى النهار، حتى تبعث بهم إليَّ لا يفتنوا عباد الله.
فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم: {إِنَّما الخَمْرُ والمَيْسِر ... }. فقالوا: اقرأ التي بعدها: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}.
(1/56)

فشاور فيهم الناس. فقال لعلي: ما ترى؟ قال: أرى أنهم شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم، فقد أحلوا ما حرَّم الله، وإن زعموا أنها حرام، فاجلدهم ثمانين ثمانين، فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يَفتري به بعضنا على بعض.
فجلدهم ثمانين ثمانين.
وحتى نفهم المقصودين بالآية نستحضر سبب نزولها:
روى الترمذي عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: مات رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُحرم الخمر، فلما حرمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا}.
فهذه الآية تنفي الإِثم والجُناح عن الذين كانوا يشربون الخمر وماتوا قبل تحريمها، وليس الذين شربوا الخمر بعد تحريمها.

6 - الصحابة يبيِّنون معنى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}
روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم، عن قيس بن أبي حازم قال: "قام أبو بكر الصديق، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، لا يَضُركُمْ مَنْ ضَل إِذا اهْتَديْتُمْ} وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب ".
(1/57)

وأخرج ابن جرير هذه الحادثة بألفاظ أخرى عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم لتتلون آيةً من كتاب الله وتعدونها رخصة، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها: {يا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}. والله لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيَعُمَّنَكُم الله منه بعقاب.
وروى الترمذي وابن ماجه وآخرون عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تضع هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قال: قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. قال: أَمَا والله، لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحاً مُطاعاً، وهوىً متَبَعاً، ودنيا مؤثَرة، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام. فإن مِن ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم.
وأخرج ابن جرير عن جُبَيْر بن نُفَيْر قال: كنت في حَلَقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم. فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت: أليس الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فأقبلوا عليّ بلسانٍ واحد، فقالوا: أتنزع آيةً من القرآن، لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلامٌ حدث السن، وإنك نزعت آية لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان. إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متَّبَعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما ترك قومٌ الجهاد في سبيل الله،
(1/58)

إلا ضربهم الله بذل، ولا أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمَّهم الله بعقاب ".
ثم قال أبو بكر: وما بينكم وبين أن يعمَّكم الله بعقاب من عنده، إلا أن تأولوا هذه الآية، على غير أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر: {يا أَيُّها الذينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُركُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ} قال: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في قوله: {لا يَضُركُمْ مَنْ ضَل إِذا اهْتَدَيْتُمُ} قال: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ}، قال: إذا أمرتَ بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتديت.
ولنا وقفة مطوَّلة قادمة مع ما توحي به هذه الآية، نصوِّب فيها بعض ما يفهمه الناس منها بعون الله تعالى.

7 - بين عائشة وعروة في قوله {وظنّوا أنهم قد كُذِبوا}
نلتقي مرةً أخرى مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وابن أختها عروة بن الزبير في حوار علمي وجلسة على مائدة القرآن، يعرض فيها عروة فهماً لآية من كتاب الله، وترد عليه عائشة قوله، وتصوِّب له فهمه.
(1/59)

روى البخاري عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {حَتَّى إِذا اسْتَيْأَسَ الرسُلُ وَظَنُوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبوا جاءَهُمْ نَصْرُنا}، كُذِّبوا، أو كُذِبوا؟ قالت: بل كذَّبهم قومهم. فقلت: والله، لقد استيقنوا أن قومهم كذَّبهم، وما هو بالظن. فقالت: يا عريَّة (تصغير عروة) أجل، لقد استيقنوا بذلك. فقلت: لعلها " قد كُذِبوا "، فقالت: معاذ الله!! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدَّقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذَّبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم كذَّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
وهذا حوارٌ علمي طريفٌ ونقاشٌ هادئ، بين عائشة وعروة رضي الله عنهما. فهل " كذبوا " بالتخفيف أو التشديد.
عائشة - رضي الله عنها - تنكر أنها مخففة، ومعها دليلها أن الرسل لا يظنون أن الله قد أخلفهم ما وعدهم، ومن ثم أكذبهم، وأظهرهم كاذبين أمام قومهم. ورَدَّت هذه القراءة لأنها جعلت الفاعل في فعل " ظنوا " عائداً على الرسل، وهو على هذا القول مستحيل.
القراءة المعتمدة عندها هي بالتشديد، ولا تبخل عائشة على عروة ولا علينا بتفسير الآية على هذا القول: استيأس الرسل ممن كذبهم، وعلموا أنهم لن يؤمنوا بهم، واشتد البلاء عليهم، فظنَّ هؤلاء الرسل أن أتباعهم المؤمنين بهم قد كذبوهم، فيما وعدوهم به، عندها جاءهم نصر الله.
لكن لنا استدراكٌ على كلام عائشة رضي الله عنها، لا نقبل رأيها في رد القراءة بالتخفيف، بل إننا نعتمدها لأنها كلام الله.
(1/60)

إن هذه الكلمة فيها قراءتان: بالتشديد وبالتخفيف: فمن هم الذين قرأوا بكلٍ منهما؟ وما هي حجة كلٍ منهم، وعلى من تعود الضمائر في الأفعال؟ وما معنى الآية على كل احتمال؟.
نقدم فيما يلي خلاصة لذلك، من الكتاب القيِّم " حجة القراءات " لابن زنجلة: قرأ أهل الكوفة (وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي) وظنوا أنهم قد كُذِبوا بالتخفيف. من قولك: كَذَبْتُك الحديث: أي لم أصدقك. وفي التنزيل: {وَقَعَدَ الذينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} (أي لم يصدقوا مع الله ورسوله).
وفيها وجهان من التفسير:
أحدهما: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنَّ قومهم أن الرسل قد كُذِبوا. بمعنى أُخلفوا ما وُعِدوه من النصر. جاء الرسلَ نصرُنا، فجعل الضمير في " ظنوا " للقوم، وجعل الظن موافقاً لفظه ومعناه.
الوجه الآخر: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كَذَبَتْهم فيما أخبروهم به، من أنهم إن لم يؤمنوا بهم نزل بهم العذاب.
وقرأ أهل الحجاز والبصرة والشام (وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر) " كُذِّبوا " بالتشديد. وفي التنزيل: {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ}، وقوله: {فَكَذَّبوا رُسُلي}. وجعلوا الضمير في ظنوا للرسل، والظن بمعنى اليقين. والأولى أن يجعل الضمير الرسل فيكون الفعلان للرسل، ويصير كلاماً واحداً. ومعنى الآية: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان
(1/61)

قومهم، وظنوا أي أيقنوا أن قد كذبوهم جاءهم نصرنا، أي جاء الرسل نصرنا.
...

8 - ابن مسعود وآيات الدخان
روى البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق بن الأجدع قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود -وهو مضطجع بيننا- فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن: إن قاصاً عند أبواب كندة يقص، ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام.
فقال عبد الله -وجلس وهو غضبان- يا أيها الناس: اتقوا الله، من علم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومن لا يعلم فليقل الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ}.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما رأى من الناس إدباراً قال: اللهم سبعٌ كسبع يوسف.
وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا قريشاً كذبوه، واستعصوا عليه فقال: اللهم أعِنِّي عليهم بسبعٍ كسبع يوسف. فأخذتهم سَنَةٌ حصَّتْ كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدهم، فيرى كهيئة الدخان.
فأتاه أبو سفيان فقال: يا محمد. إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله عز وجل لهم.
(1/62)

قال الله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ}. (قال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟!!). {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}، فالبطشة يوم بدر.
لقد صحح ابن مسعود أفهام بعضهم، حول الدخان الذي تتحدث عنه الآيات، وبيَّن أنه قد مرَّ بأهل مكة قبل الهجرة، وليس المراد بها ذلك الذي يأتي قبيل الساعة، لأن دليله في نصوص أخرى.
...

9 - بين عائشة وابن الحكم في شأن أخيها
روى البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان بن الحكم على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب، فجعل يذكر يزيد بن معاوية، لكي يبايَع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً.
فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما}.
فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن، إلا ما أنزل في سورة النور من براءتي.
(1/63)

أراد مروان أن يسيء إلى عبد الرحمن، وأن يتَّهمه بأنه عاقٌ لوالديه، وأن الله قد أنزل فيه قرآناً، ذمه لموقفه من والديه، واستشهد على اتهامه يآية الأحقاف. ولكن عائشة رضي الله عنها وقفت حارسةً على معاني الآيات، حريصةً على حسن الفهم لها، فردَّت على مروان كلامه واستشهاده بالآية، وبينت أنها لم تنزل في شقيقها عبد الرحمن.
وتستوقفنا في هذه القصة عدة أمور:
منها: موقف عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه، وجرأته في الجهر بالحق، وإعلان الموقف، وإنكار الباطل.
ومنها: موقف مروان وشرطته، وهو موقف لطيف يدل على احترامهم لعائشة رضي الله عنها، حيث لم يتابعوا عبد الرحمن في بيت عائشة، بل كفوا عنه، احتراماً لأم المؤمنين، ولبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نتذكر هذا الموقف اللطيف عنهم، عندما نضعه بجانب مواقف الظالمين والمعتدين من الدعاة إلى الله، واستخدامهم لكل الوسائل في حربهم، وإلقائهم القوانين والأعراف والعهود والقيم والمشاعر جانباً، بحيث لا يراعون فيهم إِلًّا وَلَا ذِمَّةً، ولا عهداً ولا قرابة.

10 - بين ابن عباس وبعض الصحابة في معنى سورة النصر
روى البخاري والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ تُدخلُ هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ علمتم.
(1/64)

فدعاه ذات يوم فأدخله معهم. قال ابن عباس: فما رُئيت أنه دعاني يوماً إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله عز وجل: {إِذا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْح}، فقال بعضهم: أُمرنا بأن نحمد الله ونستغفره، إذا جاء نصرنا، وفَتَح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئاً.
فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أَجَلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له. فقال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} فذلك علامة أجلك: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.
فقال عمر: ما أعلم إلا ما تقول.
إن ابن عباس من خلال هذه الحادثة، يتعمق النظر في السورة، ولا يقف عند ظاهر ألفاظها، ولم يكتف بالمعنى الظاهري، الذي يدركه كل من نظر فيها.
إنها تنعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، إن عمره في هذه الدنيا مرهونٌ برسالته، ووقفٌ على دعوته. وطالما أن رسالته قد تمَّت، وأن دعوته قد انتصرت، وأنه جاء نصر الله والفتح، وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فقد انتهت مهمته ورسالته عليه السلام، وبانتهائها ينتهي عمره - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحياة.
وقد وافق عمرُ ابنَ عباس على هذا الاستنتاج اللطيف من الآية، واعتمد كلامه حولها بقوله: " ما أعلم منها إلا ما تقول ".
وصدق القائل بشأن الوقوف على المعاني في التفسير: إنها مثل الصيد، وإن المفسرين مثل الصيادين. فمنهم من يصيد عن قُرب، ومنهم من يصيد عن بُعد، ومنهم من يصيد العادي، ومنهم من يصيد الثمين.
(1/65)

11 - ابن عباس يزيل التعارض الموهوم بين النصوص
روى البخاري عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل لابن عباس فقال: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ. قال: ما هو؟.
قال: قال الله: {فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلايَتَساءَلون}، وقال: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلون}.
وقال: {لا يَكْتُمونَ اللهَ حَديثاً}، وقال: {وَاللهِ رَبِّنا ما كُنَا مُشْرِكين}، وقد كتموا في هذه الآية.
وفي النازعات: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}. فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء.
وقال: {وَكانَ اللهً عَزيزاً حَكيماً}، وقال: {وَكَانَ اللهُ سَميعاً بَصِيراً}، فكأنه كان، ثم مضى.
(1/66)

قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، ينفخ في الصور فيُصعق مَنْ في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون. ثم في النفخة الثانية: أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.
وأما قوله: {وَلا يَكْتُمونَ اللهَ حَديثاً}، و {وَاللهِ رَبِّنا ماكنّا مُشْرِكين}، فإن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذنوبهم، فيقول المشرك: تعالوا نقول: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم. فعند ذلك عرف أن الله لا يُكتَم حديثاً. وعنده: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ} (1).
وخلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسوَّاهنَّ سبع سموات في يومين آخرين. ثم دحى الأرض، أي بسطها، وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق منها الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين. فذلك قوله: {وَالْأرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها}، فخُلقت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخُلقت السماء في يومين.
وقوله: {وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، سمَّى نفسه ذلك، أي: لم يزل، ولا يزال كذلك، وإن الله لم يُرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد.
ويحك. فلا يختلف عليك القرآن، فإن كُلاً من عند الله.
ونحن نتحفَّظ على بعض توجيهات ابن عباس - رضي الله عنهما - في التوفيق بين الآيات المتعارضة في ظاهرها. وبخاصة حديثه عن مدة خلق الأرض والسماء وأيهما خلق أولاً.
__________
(1) ما ذكره ابن عباس - رضي الله عنهما - في خلق السماوات والأرض هو ما عليه المحققون، ولا أدري على أي شيء يعترض المؤلف. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).
(1/67)

ولا يسمح المقام بالكلام المفصل حول هذا.
لكننا نسجل سبقاً فريداً للإمام ابن عباس رضي الله عنهما في الجمع بين الآيات المتقاربة، وإزالة التعارض الموهوم بينها، وإزالة اللبس والإشكال عند بعض الناس حولها.
...

12 - حوار علمي بين الصحابة في رؤية الرسول - صلى الله عليه وسلم - لربِّه
ونختم هذه الروايات التي أوردناها عن تصحيحات الصحابة لمعاني بعض الآيات وتصويباتهم لبعض الأفهام حولها بهذا الحوار العلمي الطريف بين الصحابة حول رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام لربِّه: نسجل فيها اختلاف الصحابة في هذه المسألة، وبيان كلٍّ منهم لدليله الذي استدل به لقوله من القرآن، وإبطاله لاستدلال خصمه بالقرآن كذلك.
روى البخاري ومسلم والترمذي عن مسروق بن الأجدع قال: قلت لعائشة: يا أُمَّتاه: هل رأى محمد ربَّه؟ فقالت: لقد قَفَّ شعري مما قلت. أين أنت من ثلاث، من حدثهم فقد كذب:
1 - من حدَّثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب. ثم قَرأتْ: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
و {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً}.
(1/68)

2 - ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأتْ: {وَما تَدْري نَفْسٌ مَاذا تَكْسِبُ غَداً}.
3 - ومن حدَّثك أنه كتم، فقد كذب. ثم قرأتْ: {يَا أَيُّهَا الرسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك}.
ولكنه رأى جبريل عليه السلام في صورته مرتين.
وفي رواية عن مسروق قال: قلتُ لعائشة: فأين قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}؟ قالت: ذاك جبريل عليه السلام، كان يأتيه في صورة الرجل. وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق.
وفي رواية أخرى عن مسروق قال: كنت متكئاً عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة: ثلاثٌ من تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من يزعم أن محمداً رأى ربه، فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنتُ متكئاً فجلستُ، فقلت: يا أم المؤمنين: أَنْظِريني ولا تَعجليني. ألم يقل الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ المُبين}، و {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى}.
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما هو جبريل، ولم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، ورأيته منهبطاً من السماء، سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بين السماء والأرض.
(1/69)

فهذه عائشة رضي الله عنها تصحح لمسروق رأيه وتصوب له فهمه من الآيات، وتقرر أن الرسول عليه السلام لم ير ربه ليلة المعراج، وتُقدِّم آياتٍ تستنبط منها هذا الرأي. وتبين لمسروق المعنى الحقيقي للآيات التي فهم منها عكس ما قرَّرته عائشة.
ونحن مع عائشة - رضي الله عنها - في هذه المسألة تماماً، لأن هذا ما توحي به النصوص القرآنية والحديثية.
ومما يقوّي أدلة عائشة، ويجعل رأيها هو الراجح، ما رواه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربَّك؟ قال: نورٌ أَنَّى أراه.
وعلى هذا الرأي ابن مسعود رضي الله عنه: فقد روى البخاري ومسلم والترمذي عنه في قوله تعالى: {فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى}، وفي قوله: {ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى}، وقوله: {لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرَى}، قال فيها كلها: رأى جبريل عليه السلام، له ستمائة جناح.
وبهذا يقول أبو هريرة رضي الله عنه: حيث روى عنه مسلم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى}. قال: رأى جبريل عليه السلام.
أما ابن عباس رضي الله عنهما، فقد كان له رأي آخر، يخالف عائشة وابن مسعود وأبا هريرة.
فقد روى عنه مسلم والترمذي في قوله تعالى: {ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى}، وفي قوله: {لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبهِ الكُبْرى} قوله رآه بفؤاده مرتين.
(1/70)

وفي رواية الترمذي: قال ابن عباس: رأى محمدٌ ربه. قال عكرمة: قلت: أليس الله يقول: {لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ}. قال: ويحك. ذاك إذا تجلَّى بنوره الذي هو نوره، وقد رأى ربه مرتين.
لكن هل هناك خلاف بين ابن عباس وباقي الصحابة في موضوع رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه؟.
الخلاف قد يبدو لذوي النظر المتعجل في النصوص، بينما في الحقيقة لا خلاف. فابن عباس الذي يقول بحصول الرؤية لم يقصد أن الرسول عليه السلام رأى ربه مرتين بعيني رأسه، وإنما يعني أنه رآه بقلبه، فكانت رؤيا قلبية لا عينية، معنوية لا حسّية. وأخذْنا هذا من قوله " رآه بفؤاده مرتين ". كما أخذناه من قول ابن عباس فيما رواه عنه ابن مردويه: " لم يره رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه، وإنما رآه بقلبه ".
***
(1/71)

تزايد نسبة الأفهام الخاطئة في هذا الزمان
يعجب الناظر في أحوال المسلمين في هذا الزمان، والملاحِظ لصلتهم بالقرآن وتعاملهم معه، من أمر غريب، وهو تزايد نسبة الأفهام الخاطئة لمعاني آيات من القرآن، وتزايد نسبة الاستدلالات المرفوضة من الآيات، والأحكام الباطلة التي بنوها عليها، والتحريفات لبعض المفاهيم القرآنية.
آيات من القرآن يحرِّفون معانيها ومفاهيمها لتشهد لهم على أخطائهم السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو السلوكية، أو الفنيَّة، أو التعليمية، أو العلمية، أو الثقافية، أو النظرية، أو العملية، إلخ.
منهم من يعتمد على آية في أخطائه في العقيدة والإيمان، أو في الفقه والأحكام، أو في التشريع والنظم. ومنهم من يعتمد على آية -أو آيات- في تزيين القعود عن أداء الواجب، وضعف الهمَّة، وخور العزيمة، وسقوط الإرادة. ومنهم من يعتمد على آية في متابعته لهواه ومزاجه وميوله وانحرافاته ورغباته. ومنهم من يعتمد على آية في تضييع الحق وإخفاء معالمه، أو في نصرة الباطل وتأييده والدعاية له.
ومنهم من يعتمد على آية في تأييد الظالمين، وموالاة الفاسقين، والضعف أمام الكافرين. ومنهم من يعتمد على آية في جبنه وذلِّه وضعفه واستعباده. ومنهم من يعتمد على آية في إجازة البغي، ونصرة الظلم، ومباركة الطغيان. ومنهم من يعتمد على آية في مباركة النفاق والانتهازية والمصلحية.
(1/72)

ومنهم من يعتمد على آية في محاربة الحق وأهله، وإيذاء واضطهاد حملته وأنصاره، بل وفي قتل هؤلاء وإعدامهم.
كثيرٌ من الفروض والواجبات ضيَّعها محرفون في هذا الزمان، واعتمدوا فيها على تحريفهم لمعاني الآيات. كثيرٌ من الحلال المطلوب اعتبروه حراماً ممنوعاً، اعتماداً عليها. كثيرٌ من الأباطيل والأخطاء والمعاصي والفواحش أصبحت مطلوبةً في هذا الزمان. كثير من الحرام أصبح مطلباً وأملاً لكثيرين أيضاً.
أقبل هؤلاء المحرفون لمعاني الآيات على القرآن، وبحثوا فيه عن آيات يمكن أن يحرِّفوا معانيها لتشهد لهم، تعاملوا مع القرآن بخلفية مسبقة، ونيَّة خبيثة محددة، ودخلوا عالمه الرحيب بمزاجية ومصلحية وهوى.
انطبق عليهم في نظرتهم لآيات القرآن قول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}.
وانطبق عليهم ذم القرآن لليهود، في تعاملهم مع أنبيائهم وكتبهم، بمزاجيةٍ وهوى، قادهم إلى التحريف والتزوير والرفض والمعاداة و " القرطسة "، فنالوا بذلك غضب الله واستحقوا عذابه، وخرجوا من دينه.
لقد ذم الله يهود في تحريفهم لمفاهيم كتبهم، وفي تجزئتها وتقسيمها وقرطستها، بحيث قسَّموها إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا بالآخر، وقرطسوها إلى كتب، أظهروا بعضها وأخفوا الآخر. ذم الله فعلهم بقوله: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ}.
وبقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا}.
(1/73)

وهاتان الآيتان -وأشباههما- تنطبقان على مسلمين معاصرين، حرَّفوا مفاهيم القرآن، وقسَّموه إلى أقسام، آمنوا ببعضها وكفروا ببعض، وقرطسوا القرآن، فأخفوا بعض موضوعاته التي لا تُرضي الظالمين والمعتدين، وأظهروا بعضها مما يوافق هواهم ومزاجهم.
لا يريد هؤلاء المحرِّفون -ولا أسيادهم من الظالمين- بيان مدلولات الآيات ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية أو الاقتصادية، تلك التي تتحدث عن الجهاد، وتحدِّد الصلة بالأعداء، وتتكلم عن السلم والحرب، والعزة والذلة، والحكم والتشريع، والألوهية والحاكمية.
لا مانع عند هؤلاء -وأسيادهم من الظالمين- سماع وإسماع وتفسير الآيات، التي تتحدث عن الثواب والعقاب والجنة والنار، والصلاة والزكاة، والذكر والصوم والحج.
قرطسوا القرآن، فأظهروا بعضه، وأخفوا الكثير من معانيه. وجزَّءوا القرآن، فآمنوا ببعضه، وكفروا بالكثير من معانيه.
وطُمِس على قلوب هؤلاء وبصائرهم، ووصلت الفتن إلى قلوبهم وسيطرت عليها، وأصبحوا يتحركون بقلوب مفتوفة، لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً، إلا ما يوافق مزاجها وهواها وشهواتها.
أصبح الواحد من هؤلاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه عنه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: " لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أُشْرب من هواه " (1).
...
__________
(1) رواه مسلم. انظر جامع الأصول 10: 22
(1/74)

نماذج لآيات حرَّفوا معناها: تصويبات في مفاهيم
لقد ساءنا تحريف المحرِّفين لمعاني كلام رب العالمين، وللنتائج الخاطئة التي خرجوا بها منها، والأحكام الباطلة التي بنوها عليها، كما أزعجنا ازدياد نسبة هذه التحريفات في هذا الزمان، وشمولها لآيات ذات أبعاد شتى، سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية.
وقد قرأنا عن مفاهيم لبعضهم زعموها قرآنية مستمدة من القرآن، كما سمعنا كلاماً كثيراً أورد فيه أصحابه مفاهيم ومعاني زعموها قرآنية، مستمدَّة من آيات معينة، وقَبِل بعض الناس بهذا التحريف، وهذه النتائج والمفاهيم.
وحرصاً منّا على بقاء مفاهيم القرآن كما هي في كتاب الله، وعلى الفهم الصحيح لآيات القرآن، وقياماً منّا بواجب الحراسة على حسن الفهم للقرآن، وواجب الدعوة إلى الله والنصح للمسلمين، وواجب تقديم العلم الذي نراه نافعاً للآخرين، فإننا سنورد نماذج حرَّفوها، واستنبطوا منها أحكاماً ومفاهيم زعموها قرآنية.
سنورد الآية، ثم نذكر ما استنبطه منها هؤلاء، ووجه استدلالهم بها، حتى نقرر حجتهم ونورد شواهدهم -من باب العلمية والمنهجية والموضوعية- ثم نبين المعنى الصحيح الذي تدل عليه الآية، كما هو مستمدّ منها نفسها، ومن السياق الذي وردت فيه، ومن بيان القرآن لحقائقها في
(1/75)

الآيات الأخرى، ومن فهم الرسول عليه الصلاة والسلام والصحابة لها -إن صح النقل عنهم في ذلك-.
ومن الله نستمدّ العون والتوفيق والفهم والسداد، وإليه وحده نتوجه بهذا العمل، راجين مرضاته وثوابه:
***
(1/76)

{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
هذه آيةٌ كريمةٌ، اعتمد عليها الكسالى والقاعدون والمقصرون والجبناء في عدم القيام بواجب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. واعتبروها تقدم لهم عذراً في القعود، ورخصةً في عدم القيام بالواجب، و" فتوى " قرآنية تبرِّر لهم ما هم فيه!
معنى الآية عند هؤلاء المحرِّفين: إنها تجيز لكل مسلم أن يعود إلى نفسه وأن يلزمها بالطاعة والعبادة والذكر. وأن يبتعد هو عن المحرمات والمعاصي.
فإذا فعل هذا فقد أدّى الواجب الذي يريده الله منه. ولا يجب عليه -بل غير مطلوب منه- أن يدعو الآخرين إلى الله، وأن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. إن الآية تقول لكل مسلم: عليك نفسك، أصلحها وأبعدها عن المعاصي، ودع غيرك ولا تَدْعُه إلى الله، وهو لا يضرك، ولا يؤثر عليك بضلاله، ألستَ عابداً؟ ألست تاركاً للمعاصي؟ إذن أنت مهتد، ولو لم تخاطب الآخرين.
(1/77)

هذا فهم خاطئ لمعنى الآية، بل قَلْبٌ له، وإتيانٌ بعكسه. وفي هذه المناسبة نقول:
قد يقعد بعض المسلمين عن أداء الواجب، وقد يفرِّطون في بعض الأوامر، وقد يرتكبون بعض المحظورات، وهذا حرام، وفيه إثمٌ ووعيدٌ بالعذاب. لكن الذي يكون إثمه مضاعفاً، وجريمته مزدوجة، وعذابه شديداً أليماً يوم القيامة، هو ذلك الذي يفلسف قعوده عن أداء الواجب، ويبرر مخالفته للأوامر، ويتبجح في ارتكاب الحرام، و " يتعالم " على الإِسلام والقرآن، ويسند مخالفته بآياتٍ من القرآن يحرف معناها، ويلوي أعناقها. إنه يجمع بين الجريمتين: جريمة المخالفة وجريمة التحريف، ويجني إثمين: إثم الخطأ وإثم الافتراء.
ونقدم فيما يلي طائفة من أقوال السلف الصالح في معنى الآية، ونُتْبع ذلك بنظراتٍ لنا فيها بعون الله.
أخرج أصحاب السنن عن قيس بن أبي حازم قال: صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أيها الناس: إنكم تقرأون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر، ولم يغيِّروه أوشك أن يعمَّهم الله بعقاب ".
وفي روايةٍ أخرى أخرجها ابن جرير الطبري، عن خطبة أبي بكر قال: أيها الناس: إنكم لتتلون آية من كتاب الله، وتَعُدّونها رخصة، واللهِ ما أنزل الله في كتابه أشدّ منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}. والله لتأمُرنَّ بالمعروف ولتنهَونَّ عن المنكر أو ليعمَّنَكم الله منه بعقاب.
(1/78)

وأخرج الترمذي وابن ماجه عن أبي أمية الشَّعباني قال: أتيت أبا ثعلبة
الخشني رضي الله عنه فقلت له: ما تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قال:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، قال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيراً. لقد سالتُ عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنيا مُؤثَرَة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن مِنْ ورائكم أيام الصبر، الصابر فيهن مثلُ القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً، يعملون مثل عملكم ".
وأخرج أحمد عن أبي عامر الأشعري أنه كان فيهم شيء، فاحتبس على رسول الله صلى الله وسلم، ثم أتاه .. فقال: ما حبسك؟ قال: يا رسول الله: قرأتُ هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم ".
وأخرج ابن جرير وآخرون عن أبي العالية: قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود، فوقع بين رجلين ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد الله: أَلا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟، فقال آخر إلى جانبه: عليك نفسك، فإن الله تعالى يقول: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ! لم يجئ تأويل هذه الآية بعد. إن القرآن أُنزل حيث أُنزل، ومنه آيٌ يقع تأويلهن عند الساعة، ما ذُكر من أمر الساعة، ومنه آيٌ يقع تأويلهن عند الحساب، ما ذُكر من أمر الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة، وأهواؤكم واحدة، ولم تُلْبَسوا شيعاً، فلم يذق بعضكم بأس بعض، فمُروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء،
(1/79)

وأُلْبستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض، فكل امرئ ونفسَه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.
وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال: كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقلت: أليس الله يقول: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فأقبلوا عليَّ بلسانٍ واحدٍ، فقالوا: أتنزع آية من كتاب الله لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون. فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حَدَث السن، وإنك نزعت آية لا تدري ما هي. وعسى أن تدرك ذلك الزمان: إذا رأيت شحاً ومطاعاً، وهوًى متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت.
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصدّيق قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما ترك قؤمٌ الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل، ولا أقرَّ قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمَّهم الله بعقاب، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده، إلا أن تَأَوّلوا هذه الآية، على غير أمر بمعروف ولا نهي عن منكر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}.
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال:
يا رسول الله: أخبرني عن قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، قال: يا معاذ: " مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً، وهوًى متبعاً، وإعجاب كل امرئ برأيه، فعَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يضركم ضلالة غيركم، فإن من ورائكم أيام صبر، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر، للعامل منهم يومئذ
(1/80)

مثل عمل أحدكم اليوم، كأجر خمسين منكم ". قلت: يا رسول الله: خمسين منهم؟ قال: " بل خمسين منكم أنتم ".
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: ذكرتُ هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " لم يجئ تأويلها، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى ابن مريم عليه السلام ".
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، يقول: إذا ما أطاعني فيما أمرته من الحلال والحرام، فلا يضره من ضل بعده، إذا عمل بما أمرته به.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال: نزلت في أهل الكتاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} من أهل الكتاب {إِذا اهْتَدَيْتُمْ}.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} إذا أَمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله: {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، قال: إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من
ضلَّ إذا اهتديت.
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه تلا هذه الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، فقال: الحمد لله بها، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله.
(1/81)

وقد عقب الإمام ابن جرير الطبري على الأقوال التي أوردها في معنى الآية تعقيباً لطيفاً، ورجَّح منها القول الذي قال به الصحابة والتابعون وجمهور العلماء.
قال: وأوْلى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا، ما رُوي عن أبي بكر الصديق، وكأنه يقول: إنه لا يضركم ضلال من ضل، إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلماً لمسلم أو معاهد ومنعه منه، فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله.
وإنما كان هذا أوْلى التأويلات بالصواب: لأن الله أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البرّ والتقوى. ومن القيام بالقسط الأخذُ على يدي الظالم. ومن التعاون على البرّ والتقوى الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس تَرْكُ ذلك لم يكن للأمر به معنى.
وعلى هذا يدخل في معنى الآية ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب: إذا اهتديتم: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر. ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما الإمام فخر الدين الرازي، فقد ردَّ ما قد يفهمه البعض من الآية، أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير واجبين، وأنها تقدِّم رخصة للناس في تركهما:
(1/82)

1 - إن الآية لا تدل على ذلك، بل إنّ المطيع لربِّه لا يكون مؤاخَذاً بذنوب العاصي، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فثابت بالروايات في تفسير الآية.
2 - قال الإمام عبد الله بن المبارك: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه قال: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ: يعني عليكم أهل دينكم. ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله: {فاقتلوا أنفسكم}، يعنى أهل دينكم. فقوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}، يعني بأن يعظ بعضكم بعضاً، ويرغِّب بعضكم بعضاً في الخيرات، وينفره عن القبائح والسيئات. والذي يؤكد ذلك ما بينّا أنّ قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} معناه: احفظوا أنفسكم، فكان ذلك أمراً بأن نحفظ أنفسنا، فإن لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك واجباً.
3 - {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}: من أداء الواجبات التي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة، فإن لم يقبلوا ذلك فلا ينبغي أن تستوحشوا، فإنكم خرجتم من عهدة تكليفكم، فلا يضركم ضلال غيركم.
4 - أنه تعالى قال لرسوله: {فَقاتِلْ في سَبيلِ اللهِ لاتكَلَّفُ إِلا نَفْسَك}، وذلك لا يدل على سقوط الأمر بالمعروف عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فكذا ههنا.
من هذه الروايات التي نقلناها، والأقوال التي أوردناها في معنى الآية، يتبين لنا أنها لا تقدم رخصةً في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما هي تدل على وجوبه على المسلمين. هذا ما وضَّحه الرسول - صلى الله عليه وسلم -
(1/83)

وسلم من معناها، وهذا ما وضَّحه الصحابة والتابعون والعلماء، وصحَّحوا للمسلمين الخطأ الذي وقعوا فيه حولها، وصوَّبوا لهم فهمهم لها.
وإذا كان مسلمون من أهل هذا الزمان، يعتبرون هذه الآية رخصةً لهم في القعود عن الواجب، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، فإننا نقدم هذه الروايات عن السابقين، والتصويبات التي قدَّموها للآخرين في فهمها، هديةً لهؤلاء، ليعرفوا كيف يفهمون القرآن ويتدبَّرون
آياته.
إن هذه الآية أشد آيةٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما نقلنا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه- وإنها أوكد آية في هذا الموضوع، كما نقلنا قول عبد الله بن المبارك رضي الله عنه.
1 - نفهم من الآية، أنها تطالبنا العمل في مجالين، وتطلب أن يكون هذا العمل على مرحلتين.
تأمرنا بالعمل في المجال الخاص: وهو الإقبال على النفس بالتربية والإصلاح، لتستقيم على الطاعة وتبتعد عن المعصية.
ثم تأمرنا بالعمل في المجال العام، وهو الإقبال على الآخرين، ووعظهم ونصحهم وتذكيرهم بالله، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وتجعل من كل مجال منهما مرحلة: المرحلة الأولى هي العمل في المجال الخاص، مجال التربية والإعداد والتكوين، وأخْذ النفوس بهذا الدين، وإلزامها بتوجيهاته كاملة.
والمرحلة الثانيةُ: هي المبنية على الأولى والمكملة لها: وهي العمل في المجال العام والتوجه إلى الناس، ودعوتهم إلى الله، والقيام بواجب الأمر والنهي بينهم.
(1/84)

إنه لا بد من أداء الواجب في المجالين، وتحقيق كل من المرحلتين.
2 - وتقرر الآية أن ضلال الآخرين لن يضرنا إذا اهتدينا، ولكن الاهتداء لن يتحقق إلا إذا حملنا الإسلام كاملاً وطبقنا أوامره وتوجيهاته، ومن ضمنها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يتحقق هذا عملياً، فإن الاهتداء لن يتحقق. كما قرر حذيفة وسعيد بن المسيب وغيرهما.
3 - وحتى لو كانت الآية تدل على الإِقبال على نفوسنا بالتربية والطاعة والعبادة، فإنها لا تعني ترك الآخرين وإهمالهم. لأننا نفهم من قرآننا وإسلامنا أن إصلاح النفس وتهذيبها وتربيتها، لا يتحقق إلا من خلال فى عوة الآخرين ونصحهم. لأن الإنسان لا يعيش معتزلاً في رأس جبل، وإنما هو في مجتمع الآخرين، فإذا ترك الآخرين ومعاصيهم وانحرافاتهم، فإنهم -هم وذنوبهم- سيؤثرون عليه، وعلى خطته التربوية وأسرته وأولاده. ولهذا يكون من لوازم التربية الفردية في قوله {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} لاتصال بالآخرين وتربيتهم ليتحقق المراد.
4 - ويعجبني قول ابن المبارك في معنى {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يعني عليكم أهل دينكم، فلا يضركم كفر الكافرين، طالما أنتم أمة مسلمة على طاعة الله، ولن يتحقق هذا إلا بالأمر والنهي والدعوة.
***
(1/85)

{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}
قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
يعتمد بعض المسلمين على مقطع من هذه الآية يبرِّرون به قعودهم عن أداء الواجب. ألا هو: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.
هذه العبارة القرآنية رخصةٌ لهؤلاء -في زعمهم- في تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورخصةٌ في عدم الجهر بالحق، والصدع بالأمر، وتبليغ الدعوة. تبرر لهم قعودهم وكسلهم، وجبنهم وذلهم، وخوفهم وخشيتهم. إنهم عندما يتعاملون معها هكذا يرتكبون خطيئتين، ويحصلون على إثمين. إنهم يجبنون عن قول كلمة الحق، ويخشون الناس، ويقصرون في أداء الواجب، وهذا خطأ يقود للإثم والعذاب.
ثم يبررون أمراضهم هذه، ويفلسفون مواقفهم هذه، ويلجأون إلى هذه العبارة القرآنية، يحرِّفون معناها، ويشوِّهون دلالتها، وهذا إثمه أعظم.
ثم ينتقلون إلى مرحلةٍ أشدّ خطورة، وجريمةٍ أعظم ضرراً، حيث يتوجهون إلى الدعاة المخلصين، ينتقدون عليهم دعوتهم، ويعيبون عليهم
(1/86)

جرأتهم وشجاعتهم، ويواجهونهم بهذه الآية، ويجعلونهم ممن يخالفون معناها، إنهم بإقدامهم وصدعهم وجرأتهم يلقون بأيديهم إلى التهلكة. وكأنهم يريدون أن يقولوا لهم: نحن القاعدون ملتزمون بمعنى الآية، ولهذا فنحن على حق ومثابون عند الله. أما أنتم فمتهوِّرون مخالفون للآية، ولهذا فأنتم على خطأ، وآثمون عند الله.
عند هؤلاء المحرفين القاعدين الساكتين:
كل من يكون رجلاً عزيزاً أبيّاً كريماً، لا يقبل الضيم، ولا يسكت على أذى، ولا يرضى بالذل والهوان، ويقف مواقف الرجال في حياته، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة.
وكل من يصدع بالحق ويجهر بالرأي، وينقد الخطأ، ويهاجم الباطل وأهله، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة.
وكل من يرفض النفاق، والمدح والثناء على من لا يستحقون، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة، وكل من يكون جريئاً واضحاً فصيحاً شجاعاً بليغاً داعيةً متكلماً محاضراً آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر مصلحاً، فهو متهور يلقي بنفسه إلى التهلكة.
أما من كان عكس هؤلاء: يسكت على الذل، ويقبل بالهوان، ويتعايش مع كل وضعٍ وظرف، يتجرَّع كؤوس الإذلال والقهر، ويحرص على وظيفته ودخله وأمواله وأعماله، يجبن عن الكلام، ويخاف من التصريح بالرأي، ويخشى الإفصاح عن المبدأ، ويرفض أن يَنقُد أو يصحح أو يواجه أو يبيّن أو يدعو أو يتكلم. هذا رجلٌ عاقلٌ فطنٌ ذكي، وهو في هذا لا يلقي بنفسه إلى التهلكة، بل هو ملتزمٌ بمعناها، مطبِّقٌ لدلالتها.
فهل الآية لهؤلاء؟ وهل هي " تبرير " لمواقفهم، و " فتوى " لهم في جواز أعمالهم؟.
(1/87)

أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وآخرون عن أسلم أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صفٌّ عظيمٌ من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم. فصاح الناس وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة.
فقام أبو أيوب الأنصاري -صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال: يا أيها الناس: إنكم تتأوَّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار. إنا لما أعز الله دينه، وكثُر ناصروه، قال بعضنا لبعضٍ سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله على نبيه يرد علينا: {وَأَنْفِقوا في سَبيلِ اللهِ وَلا تُلْقوا بِأَيْديكُمْ إلى التَهْلُكَة} فكانت التهلكة الإقامة في الأموال، وإصلاحها وترْكنا الغزو. فما زال أبو أيوب غازياً في سبيل الله حتى توفّاه الله. ودفن بالقسطنطينية.
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}: هو ترك النفقة في سبيل الله، مخافة العَيْلَة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: ليس التهلكة أن يُقْتل الرجل في سبيل الله، ولكنها الإمساك عن النفقة في سبيل الله.
وأخرج البيهقي عن الحسن قال: التهلكة هي البخل.
وأخرج ابن جرير عن البراء بن عازب أنه قيل له: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، هو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يُقتل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله لي أبداً.
(1/88)

وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء بن عازب: يا أبا عمارة: الرجل يلقى ألفاً من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده، أيكون ممن قال الله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}؟ فقال: لا. ليقاتل حتى يُقتل: قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَقاتِلْ في سَبيلِ اللهِ لا تكَلَّفُ إلا نَفْسَك}.
وقد جعل الإمام الطبري الإِلقاء بالنفس إلى التهلكة شاملاً للمعاني الثلاثة التي ذكرها السلف: وهي ترك النفقة في سبيل الله، وترك الجهاد في سبيل الله، واليأس من رحمة الله عند الذنب.
قال: فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، ولم يكن الله عز وجل خصَّ منها شيئاً دون شيء. فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله " نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة -وهي العذاب- بترك ما لزمنا من فرائضه. فغير جائزٍ لأحدٍ منّا الدخول في شيءٍ يكرهه الله منا، مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه.
ونحن مع الصحابة والتابعين في معنى الآية، حيث يتبيَّن لنا -من الروايات التي أوردناها- أنها تأمر بالإنفاق في سبيل الله، وتعتبر التهلكة ترك الإقدامِ والجهادِ في سبيل الله، وترك النفقة في سبيل الله، أما النفقة فليست تهلكة، وأما الإقدام والجهاد فليس تهلكة ولو أدَّى إلى الاستشهاد.
ونستطيع -من خلال إمعان النظر في الآية، واستصحاب بيان الصحابة والتابعين لمعناها، وتصويبهم للانحراف في فهمها- أن نستخلص منها بعض حقائقها ومفاهيمها.
(1/89)

1 - إنها تأمر المسلمين بالإنفاق في سبيل الله، ونفهم من الإنفاق شموله لكل صوره ونماذجه وأفراده، فهو يشمل إنفاق المال في سبيل الله، وفي الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، وتجهيز الغزاة والمجاهدين، وإعداد العدَّة، وحشد الإمكانيات.
كما أنه يشمل إنفاق النفس في سبيل الله، بأن يوقِفَ نفسه على الدعوة الى الله، والجهاد في سبيله، ونصرة دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهر بالحق والصدع بالأمر بجرأة وشجاعة وثبات. ولا يبخل عن أن يبذل نفسه في سبيل ربِّه ونصرة لدينه، ولو أوصله إلى الموت والاستشهاد في سبيل الله:
تَهونُ عَلَيْنا في المَعالي نُفوسُنا ... وَمَنْ يَطْلبِ الحَسْناءَ لَمْ يُغْلِهِ المَهْرُ
إنه يطلب الجنة، ويخطب الحور العين فيها، وإن هذا المهر يتمثل في إنفاق النفس والمال في سبيل الله، فيبذلهما راضياً، ويدفع المهر للحصول على المراد.
والإنفاق يشمل إنفاق الأوقات كلها في سبيل الله، فيوظِّف عمره بسنواته وشهوره وأيامه وساعاته ولحظاته، لنصرة دينه والدعوة إليه، فلا يبخل بوقته، ولا يَضِنَّ بساعاته.
كذلك ينفق الأفكار والمشاعر في سبيل الله، فيوظِّف فكره وخياله وشعوره وأحاسيسه وخطراته وتأملاته، في فتح مجالاتٍ جديدةٍ للدعوة، وتقديم الحق للناس.
وينفق أهدافه وآماله ومخطَّطاته ومشاريعه في سبيل الله، فيجعلها " وقفاً " على دعوته، يعيش بها ولها، ويتحرك من خلالها.
2 - وجوب توفر الإخلاص والنية الصادقة وابتغاء وجه الله، في كل ما ينفقه من مال أو جهد أو وقت أو فكر أو نفس، حتى ينال القبول عند الله، وحتى يحقق الأثر المرجو في واقع الحياة.
(1/90)

3 - إن قيام هذا المسلم بواجبه، وإنفاقه كل ما يقدر عليه في سبيل الله، وثباته على الحق واستعلاءه بالإيمان، وجهره بالرأي، وقيامه بالدعوة، بجرأة وشجاعة وإقدام، وصدق والتزام، وتقبله كل ما ينتج عن ذلك من الآخرين، واحتسابه كل هذا عند ربِّه الكريم، وبقاءه على هذه الخطة والطريقة حتى يلقى الله. إن هذا كله واجب عيني عليه، لا يسقط عنه. ولا يمكن أن يسمى هذا تطرفاً أو تعصباً أو تهوراً أو تعنتاً. ولا يعتبر هذا تهلكة، أو إلقاء بنفسه إلى التهلكة.
4 - إن التهلكة التي تنهانا الآية عن أن نلقي أنفسنا فيها وإليها، وكما فهمها الصحابة والتابعون والعلماء العاملون، هي ضدّ ما ذكر سابقاً وعكسه ونقيضه، إنها تتمثل في ضَنِّه بنفسه أو ماله عن الإنفاق في سبيل الله، وقعوده عن القيام بالواجب، وجبنه عن قول كلمة الحق، ورضاه بالذل والهوان، وإيثاره السلامة الذليلة والحياة الرخيصة، ورفضه دفع واجب الدعوة، وتكاليف العمل، وضريبة الحياة ولوازم الرجولة.
5 - إن المسلم مطالب بالإحسان في أداء ما طلبه الله منه، ودفع ما أوجبه عليه، الإحسان في الإنفاق، والإحسان في الجهاد، والإحسان في الدعوة، والإحسان في العمل، والإحسان في الالتزام والاستقامة والثبات والجرأة والشجاعة والإقدام.
الإحسان الذي يجعله يبتغي بهذا كله وجه الله، والإحسان الذي يدفعه إلى تقديم أفضل وأطيب وأزكى وأنفع ما لديه منه، والإحسان الذي يحثّه على أن يدفع ويبذل ويقدِّم باستمرار، بدون مللٍ أو كللٍ أو ضنّ أو يأسٍ أو زهدٍ أو استكثار، حتى يلقى الله.
ومن أجل أن يرسخ هذا المعنى عند المسلمين، ويزول ما قد يعلق في أذهان بعضهم من المعنى الآخر غير المراد، نقدِّم بعض الآيات والأحاديث،
(1/91)

التي تبيَّن وجوب القيام بالواجب، والدعوة والجهاد تحت كل الظروف، وفي كل الأحوال:
قال الله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا}.
وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.
وقال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
وروى أبو داود والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم ".
(1/92)

وروى أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق ".
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مِن خير معاش الناس لهم: رجلٌ ممسكٌ بعِنان فرسه في سبيل الله، يطير على متْنه (يعني على ظهره) كلما سمع هَيْعَة -يعني الصوت بالغارة- أو فَزْعَة، طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانّه ".
وروى مسلم والترمذي عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف "، فقام رجل رثُّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى: أنت سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم. فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به، حتى قُتِل.
***
(1/93)

{فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}
قال تعالى:
{فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
قد يُقصِّر بعض المسلمين في بعض الواجبات، وقد يرتكبون بعض المحظورات، وقد يترخصون أمام بعض الأحكام، وقد يتفلتون أمام بعض التكاليف، وقد لا يحققون التقوى التي طالبهم الله بها. وهذه الأمور كلها مخالفات قد يترتب عليها عذاب يوم القيامة.
ولكن بعض هؤلاء لا يكتفون بما وقع منهم، بل يضيفون إليه جريمة أشد، قد يترتب عليها عذاب أكثر إيلاماً. إنهم يلجأون إلى هذه الآية، ويحاولون أن يجدوا فيها دليلاً لهم وإعذاراً، ورخصةً وقبولاً لأعمالهم:
َاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ:
إنها تأمر المسلم بتقوى الله على قدر استطاعته -كما يقولون- ولهذا يبذل قدر استطاعته في الالتزام بالواجبات وترك المحظورات، وهذا ما طلبه الله منه. أما إذا ترك بعد ذلك بعض الواجبات فلا شيء عليه ولا حرج
(1/94)

ولا إثم، وإذا فعل بعض المحرمات والمحظورات فلا ضير ولا إثم كذلك، لأن الآية تعذره، وتقدم له رخصةً ومخرجاً.
ويترتب على هذا الفهم الخاطئ لمعنى الآية، أن يتفاوت التزام المسلمين بالإِسلام أداءً لواجباته، واجتناباً لمحرماته. بحيث يختلف الالتزام بالإِسلام وتطبيقه من شخص إلى آخر حسب استطاعته، فكلٌ منهم يقدم صورةً خاصةً عمليةً عن أحكام الإِسلام، تختلف عن الصور التي يقدمها الآخرون، ويتحول الإِسلام -عملياً- إلى إسلامات. ويتحول تطبيقه إلى عدة تطبيقات. وتضيع مبادئ الإِسلام وأحكامه وسط هذه النماذج والعينات، التي يزعم كلٌ منهم أنه هو على الحق، وأن هذا هو الدين الذي يريده الله. وابحث عن الإِسلام الرباني وسط هذه التطبيقات المتفاوتة، التي تعتمد على " الهمَّة " الميتة، والقدرة العاجزة، والاستطاعة المريضة.
وحتى يكون فهمنا لمعنى الآية صحيحاً، وتصوُّرنا لقيد الاستطاعة فيها صوابا، لا بد أن نقرن معها آية أخرى، وهي قول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
تأمرنا هاتان الآيتان بتقوى الله، وكل واحدةٍ منهما توضح المراد من الأخرى:
فآية آل عمران تأمر بأن نتَّقي الله حقَّ تقاته. ومعنى حق تقاته: تقوى حقة صادقة مخلصة جادة، بأن نبذل غاية وسعنا، وأقصى استطاعتنا، في تحقيقها وتحصيلها، وأن نبقى على هذه التقوى طيلة حياتنا، بحيث لا يموت الإنسان منّا إلا وهو مسلم.
(1/95)

تقوى الله حق تقاته في آل عمران معناها، بذل الوسع والجهد والاستطاعة في تحصيلها، كما طلبت آية التغابن.
وآية التغابن تأمرنا بتقوى الله بمقدار الوسمع والاستطاعة: {فَاتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ}، ويوضح المراد بقوله: {ما اسْتَطَعْتُمْ} قولُه في آل عمران: {حَقَّ تُقاتِه}، فلا يحقق المسلم التقوى بقدر الاستطاعة، إلا إذا كانت هذه التقوى حق التقوى. فكل من الآيتين توضح الثانية وتفسر معناها، وهما متلازمتان متكاملتان، لابد أن تُقرءا معاً، وتُفهما سوياً، وتُؤخذ دلالتهما مجتمعتين، حتى يكون المعنى صحيحاً مقبولاً.
ومما يوضح المراد من الآيتين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " دعوني ما تركتكم، إنما هلك مَن كان قبلكم بسؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
يدل هذا الحديث على موقف المسلم من الأوامر والأحكام الشرعية، فما نُهي عنه يجتنبه، لأن الحرام لا يجوز ارتكابه إلا عند الضرورة للمضطر، والضرورة تقدر بقدرها، ويحددها الشرع، وليس الشخص نفسه.
وأما ما أُمر به فإنه ينفذ منه ما يستطيع. والاستطاعة كذلك يحددها الشرع من خلال الرخص الشرعية، وليس الشخص نفسه.
وقد يقول قائل: ها هو الحديث الصحيح يطلب منّا أن نتناول الواجبات بقدر استطاعتنا، وهو ما نقوله نحن في التقوى والتطبيق.
نقول: إنه يجعل تطبيقنا للأوامر بقدر الاستطاعة. لكن مَنْ هو الذي
(1/96)

يحدد الاستطاعة ومقدارها؟ ومن هو الذي يصدر الرخصة في ترك أو تغيير صورة بعض الواجبات؟.
إنه ليس الشخص، ليس هو الذي يحدد مقدار استطاعته، ولا هو الذي يحدد صورة الواجب بالنسبة له، ولكنه الشرع. إن الله عز وجل هو الذي يعلم مقدار الطاقة البشرية وحدود الاستطاعة فيها، ولذلك جاءت الرخص في الدين في بعض الحالات ولبعض الأشخاص، مراعاة لبعض الأعذار والأحوال. فالاستطاعة يحددها الشرع، وحالة الاستطاعة يفضِّلها الشرع، وصورة الواجب الجديدة يوضحها الشرع.
إن الحديث الصحيح الذي أوردناه، هو الذي يدل على ما قلناه ويوحي به، وبخاصة عند ملاحظة سبب وروده.
فقد روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: خطبَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أيها الناس قد فُرض عليكم الحج فحجّوا، فقال رجل: أفي كل عام يارسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً. ثم قال: ذروني ما تركتكم، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم، وإنما أهلك من كان قبلكم كثرُة سؤالهم واختلافُهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه ".
إن الحديث في شأن الحج، وورد ردّاً على سؤالٍ لا معنى له لأحدهم: أفي كل عام يا رسول الله؟ فجاء الجواب: " لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم. ثم قال: ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ".
إنها استطاعة بخصوص الحج، الذي نصَّ القرآن على وجوبه على المستطيع: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
(1/97)

ويمكن أن نعمِّمها على الواجبات الأخرى، التي رخص الشرع فيها لغير المستطيع، مثل إفطار المريض والمسافر، ومثل قصر الصلاة للمسافر، وسقوط الزكاة عن غير القادر، وغير ذلك.
{اتقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ}: يفسرها قوله: {اتَقُوا اللًهَ حَقً تُقاتِه}، و {اتقوا اللهَ حَق تُقاتِه}: وضَّح معناها سلفنا الصالح.
روى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: {اتقوا اللهَ حَق تُقاتِه}، أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {اتَّقوا اللهَ حَق تُقاتِه}: لم تُنسخ. ولكن حق تقاته: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم.
ومما تجدر ملاحظته في الآية أنها تركت " التقوى " مبهمةً مطلقةً: {اتَقوا اللهَ حَق تُقاتِه}، وإبهامها وإطلاقها ليبقى المؤمن مستمراً في تحقيقها والتلبس فيها، وليبقى يتدرَّج في منازلها، ويترقّى في مدارجها، ويتنقَّل في آفاقها.
وليتمّ التفاوت بين المتقين، بمقدار ما يبذلونه من جهد في تحقيقها، والحياة بها، واستمرار التلبس بها.
كذلك يواجهنا تعقيب الآية: {وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمون}، حيث تأمر المسلم أن لا يموت إلا وهو مسلم. فكيف يفعل هذا، والموت قادم، يأتيه فجاة بدون سابق إنذارٍ أو وعدٍ أو تهيئة؟!. إن معنى هذا أن يبقى متلبساً بحالة التقوى الحقة، ملتزماً بالطاعة والعبادة، متجافياً عن المعاصي، تاركاً للذنوب. لا يخرج عن هذه الحالة الإيمانية العالية لحظةً من حياته، لأنه
(1/98)

يخشى أن يحين أجله في هذه اللحظة، ويفارق دنياه فيها على غير طاعة، فيحبط عمله، وُيختم له بسوء.
اتقوا الله حق تقاته: ليس معناه اتقوه تقوى تليق بجلاله وعظمته
سبحانه، -فإن هذا مستحيل- ولكن معناها: اتقوه تقوى حقة، صادقةً جادَّةً دائمة.
***
(1/99)

{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}
قال تعالى:
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا}.
وهذه آيةٌ أخرى يعتمد عليها بعض المسلمين، ويجعلونها حجةً ودليلاً ومستنداً لهم، على تقصيرهم في أداء الواجبات والتزام الأوامر وترك المحظورات. إذ أنها تبيح لهم ذلك. وتجعلهم في منأى عن المسؤولية والعقاب جزاء هذا التقصير والتفريط.
إن معناها عند هؤلاء: إن الإنسان ليس مكلفاً بالإسلام كله، والشريعة كاملة، وليس مطالَباً بأن يلتزم بالواجبات كلها، ويترك المحظورات جميعها.
ولكن الآية تبيح له -بل تَشْرع وتُجَوِّز- أن يأخذ من الإسلام والشريعة ما يدخل ضمن وسعه وطوقه وقدرته. مهما كانت درجة الوسع والطوق والقدرة، حتى لو كانت في أدنى مستوياتها وأضعف حالاتها.
الواجبات التي أمرنا الله بها يتناولها هؤلاء على هذا الأساس، ويتعاملون معها على هذه القاعدهّ. فما كان يقدر عليه منها يفعله، وما ضعفت همَّته وإرادته ونفسه عنه تركه، و {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
وهذه الواجبات ليس مطالَباً بها دائماً، بل يختلف هذا باختلاف ظرفه
(1/100)

وهمته وطاقته ووسعه. فما كان واجباً عليه من قبل أصبح غير مطالب به الآن، و {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
بعض الواجبات يخاطَب بها غيره، أما هو فإنه مُعفىً منها، و {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
والمحظورات في هذا الدين، لا يطالَب بتركها جميعها، بل يَنظر لها من زاوية " الوسع "، ولهذا لو فعل بعضها فلا شيء عليه، و {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
وهكذا تتم تجزئة الإسلام وتقسيم الأوامر، ليتناول كل مسلم منها ما يدخل ضمن وسعه، وُيعفى من ما يظنه فوق طاقته. وابحث بعد ذلك عن الواجبات في واقع التطبيق، وعن المحظورات من حيث الاجتناب والترك!.
وحتى نصوِّب هذا الفهم الخاطئ، وحتى نقدم المعنى الصحيح والفهم الصائب - إن شاء الله - لهذه الآية. فلا بد أن نعرف السياق الذي وردت فيه أولاً، ثم مناسبة نزولها ثانياً، لأن الاطلاع على هذين الأمرين -سياق الآية، وسبب نزولها- ضروري لفهمٍ أدق، واستنتاجٍ أصوب.
هذه الآية الأخيرة من سورة البقرة، وردت ضمن هذه الآيات: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا
(1/101)

وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}.
أما سبب نزول هذه الآيات، فهو ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كُلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابيْن من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما اقْتَرأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: نعم) رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال: نعم)}.
(1/102)

وفي روايةٍ أخرى أوردها الإمام مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ}، دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " قولوا: سمعنا وأطعنا وسلَّمنا "، فألقى الله الإِيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. (قال: قد فعلت) رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال: قد فعلت) رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. (قال: قد فعلت)}.
وكم تعجبني فطنة ودقة وذكاء الإمام مسلم، عندما أورد الحديثين ضمن باب جعل عنوانه: " بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق ".
بعد هذا البيان نستطيع أن نقول: إن هذه الآية نسخت حكماً شاقاً جداً، تلقاه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة والقبول -رغم مشقته- حيث قررت الآية الأولى في هذه المجموعة: أن كل ما يعمله الإِنسان محاسبٌ به، سواءٌ كان هذا قولاً، أو فعلاً، أو فكرةً وهاجساً في الضمير، سواءٌ كان ظاهراً في الخارج بصورة عملٍ أو كلام، أو كان مخفياً في النفس في صورة خاطرٍ أو وسواسٍ أو هاجس.
وإذا كان المسلم بمقدوره أن يتحكم في قوله أو عمله، بحيث يكون موافقاً للشرع، فإنه يكاد يكون مستحيلاً عليه أن يتحكم في مشاعره وأفكاره وخطراته ووساوسه، فقد يخرج في واحدة من هذه المسائل عن توجيهات الشرع، فإذا حاسبه الله على هذه الأمور اللاإرادية، فقد يكون هذا تكليفاً بما لا يطاق، وتكليفاً بالمحال.
(1/103)

ولذلك شق معنى هذه الآية على الصحابة، وتكلموا في شأنه مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فطلب منهم السمع والطاعة والاستسلام ولو كان الحكم شاقاً يكاد لا يطاق، ففعلوا. ولما علم الله ذلك منهم، أنعم عليهم بنسخ هذا الحكم الشاق، وجاء هذا النسخ في كلام واضح صريح: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} إذن ناسخة لمحاسبة العبد على وساوسه وخطراته وخيالاته، لأن ذلك ليس في وسع العبد وقدرته وطاقته، فهذه الآية خاصةٌ في معناها، وهذا الخصوص مأخوذٌ من سياقها ومن الإِلمام بملابسة نزولها. وطالما أن ذلك الحكم منسوخٌ فإن الله لم يكلفنا به، أما إذا كلفنا الله بحكمٍ شرعيٍّ، ولم ينسخه، فإن هذا الحكم في وسعنا وطاقتنا، وإن الله يعلم أن بمقدورنا القيام به، ولذلك لم ينسخه.
إذن هذه الآية لا يجوز أن نطلقها على الأحكام الشرعية التي كلَّفنا الله بها ولم ينسخ هذا التكليف، ولا يجوز أن نعطِّل بها هذه الأحكام ونلغيها، ونجعل الالتزام بها خاضعاً للطاقة الضعيفة، والهمَّة المريضة، والوسع الكسول.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، معناها من خلال المفهوم القرآني: إن الله سبحانه عادلٌ في أحكامه في عباده، وإنه لا يكلِّفهم بما لا يطيقون، ولا يطالبهم بالمستحيل، ولا يريد من التشريعات إرهاق عباده، أو إيقاعهم في العسر والحرج والإثم والتقصير، فإن الله سبحانه {وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَج}، و {يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسْر}، وإن الله عليمٌ حكيم، لطيف خبير، يعلم طاقة النفس الإنسانية ومقدار تحملها
(1/104)

ووسعها: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق وَهُوَ اللطيفُ الخَبير}. ولذلك أوجب عليها التكاليف الشرعية، وهو يعلم أنه بمقدور هذه النفس الالتزام بها، وهو يعلم أنها كلها ضمن " وسعها " وطاقتها.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} تطالب جميع المسلمين الالتزام بكافة التكاليف الشرعية، وتُعلمهم أنه في وسعهم وطوقهم أن يقوموا بهذا الالتزام، لأن الله هو الذي يعلم مقدار تحملهم وطاقة قدرتهم، ولذلك ألزمهم بها.
ونفهم من هذه الآية أنها تقرر حقيقةً هامةً في قواعد التشريع الإسلامي، وهي أن هذا التشريع بكافة جوانبه ومجالاته يُراعى فيه الطاقة والوسع، ويراد منه التطبيق العملي والتنفيذ الواقعي.
كما أن هذا التشريع يتَّصف بالسماحة واليسر، فلا عسر فيه ولا حرج، ولا خيالية فيه ولا استحالة. وهذا كله من مظاهر فضل الله على المسلمين، وإرادته اليسر والرحمة والخير بهم، عندما كلفهم بكل ما كلفهم به.
على أنه من الواجب أن نشير هنا إلى أن التشريع الرباني الحكيم، كان يراعي الحالات الاستثنائية الخاصة، وكان يلاحظ النفس الإنسانية في ظروفها وأحوالها، ولذلك كانت فيه بعض الاستثناءات المتمثلة في " الرخص " الشرعية، والتخفيف في بعض الأحكام التكليفية.
فالمسافر يرخَّص له في الإفطار، ويقصر ويجمع الصلاة، والمريض يفطر ويقضي أو يفدي، والحائض والنفساء يجب عليهما الفطر وترك الصلاة، وتقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة، والحج واجب على المستطيع، ولا زكاة لمن لم يملك النصاب، وأكل الميتة مباحٌ للمضطر، ويباح للمكره أن ينطق
(1/105)

بكلمة الكفر مع اطمئنان قلبه بالإيمان. و " إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه ".
على أن تقدير هذه الرخص وتشريعاتها ليس متروكاً للناس، وإنما هو من صلاحيات الحاكم والمشرع في الإسلام، ولهذا بُيِّن هذا وفُصل وحُدد بدقة، بحيث لم يترك لأحدٍ من البشر الزيادة عليه أو الإنقاص منه.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وإذا علم الله أن النفس المسلمة في بعض حالاتها تعجز عن أداء بعض التكاليف، فقد أسعفها بالرخص والاستثناءات، المهم أن الترخص والاستثناء والإعفاء إنما هو من الله، وليس من عند البشر وفق ميولهم وأمزجتهم وأهوائهم.
وقد يقول قائل: إنني أجد نفسي عاجزاً أمام بعض التكاليف، ولهذا أعتقد أن هذا التكليف ليس في وسعي، فأترخص فيه وأتركه.
فنقول له: طالما لم ينص الشرع على الترخص في هذه الحالة، ولم يقدم للإنسان إعفاءً واستثناءً، فإن الله يعلم -وهو الحكيم الخبير- أن الالتزام به يدخل ضمن " الوسع "، وكل ما في الأمر أن هذا الإنسان لم يبذل غاية وسعه وجهده وطاقته، وإنما تعامل معه بهمَّةٍ ساقطة، وعزيمةٍ مريضة، ووسعٍ ضعيف، وطاقةٍ متكاسلة. ولهذا نطالبه بأن يضاعف جهده، ويقوي عزيمته، ويشد نفسه، ويمتِّن وسعه، ويقبل على التكليف بعد ذلك، عندها يعلم أنه ضمن وسعه وفي حدود طاقته. وعندها يفهم معنى قوله: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} فهماً صحيحاً صائباً مقبولاً.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، إنما هي حشدٌ للطاقات، وتقويةٌ للهمم والعزائم، وتنشيطٌ للوسع والاحتمال، وليس إضعافاً لهذه القدرات.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، تدعو إلى مضاعفة العمل الصالح،
(1/106)

وتوثيق الالتزام بالتكاليف. وليس إلى التلّفت منها، والترخص في أحكامها.
{لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، عملٌ لا كسل، والتزامٌ لا تفلُّت، ووفاءٌ لا ترخُص، وإحسانٌ لا تَسيُّب.
***
(1/107)

{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ}
قال تعالى:
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.
يحارب بعض المسلمين الدعاة إلى الله بهذه الآية، وينتقدون أساليب هؤلاء الدعاة، ويرفضون دعوتهم، ويخطِّئونهم في مواجهة الناس ونصحهم وتذكيرهم، ويأخذون عليهم صراحتهم وجرأتهم وجهرهم بالحق!.
يلومونهم في كل هذا لأنهم يخالفون هذه الآية، ولا يلتزمون بتوجيهها في الدعوة إلى الله، ولا في المنهج الذي ترسمه في إيصال الدعوة للآخرين!.
لكن ما معنى الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن عند هؤلاء؟ إنهم لا يكادون يبيِّنون في هذا بياناً شافياً، كل ما في الأمر أن كل داعيةٍ صريحٍ جريءٍ، لا يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا يجادل بالتي هي أحسن، وإنما هو متعصبٌ متطرفٌ قاسِ حادٌ منفرٌ مخالفٌ للسبيل القويم!.
الحكمة والموعظة الحسنة كأنها تعني عند هؤلاء: أن يتغاضى الداعية
(1/108)

عن المنكرات والمفاسد والمعاصي التي تشوِّه وجه المجتمع، فإذا التفت إليها وأنكرها ونصح أصحابها، فإنه تارك للحكمة والموعظة الحسنة.
الحكمة والموعظة الحسنة عندهم: هي أن يُدعى الداعية إلى حفلةٍ أو مجلسٍ يُعصى فيه الله، أو تُرتكب فيه الفواحش، وتُفعل فيه المنكرات، فيجلس راضياً ساكتاً متفاعلاً مع الحضور، يتصرَّف معهم على أسس البروتوكول و " الإتكيت "، ويفعل معهم المنكرات. فإذا تكلم في المجلس وانتصر لدينه ونصح القوم -ولو بألين الكلام وأكثره هدوءاً- فإنه مخالف للحكمة والموعظة الحسنة.
الحكمة والموعظة الحنسة عندهم: أن يرضى الدّنية في دينه، ومواقف الذل في حياته، ويشارك باللقاءات والجلسات المشبوهة مع أعداء لهذا الدين، ملحدين أو مستعمرين أو يهود أو نصارى، ويقدم لهم الإسلام كما يريدونه باسم المرونة والتطور، وباسم الحكمة والموعظة الحسنة.
كم سمعنا كلاماً في تفسير هذه الآية يصدر على صورة نصيحةٍ أو تذكير من بعض الذين يشْغلون مراكز إسلاميةً رسميةً عليا، يطلبون من الدعاة إلى الله -وعاظاً أو أئمةً أو خطباء أو محاضرين أو كاتبين- أن يقدِّموا الإسلام للناس كما يريد الناس، ووفق أمزجتهم وشهواتهم وأهوائهم، وأن لا يكونوا صريحين في نصحهم جريئين في الجهر بالحق، ويعتمدون في كلامهم على هذه الآية: {بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَة}. فإذا لم يفعلوا ذلك كانوا مخالفين لتوجيهاتها.
عجيبٌ أن تصدر هذه التفسيرات الخاطئة لهذه الآية من هؤلاء المسلمين، وعجيبٌ أن تُوَظَّفَ هذه الآية عندهم في منع قول كلمة الحق، والجرأة في النصح، وإبداء الرأي، والرجولة في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، هذا عجيبٌ. ولكن الأعجب والأغرب أن يشارك في هذا
(1/109)

التحريف لمعنى الآية، حملةٌ للعلم الشرعي والشهادات الشرعية، يشغلون وظائف إسلامية رسمية.
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، تدلُّنا هذه الآية على كيفية الدعوة إلى الله، وتُعرِّفنا على الوسائل التي نقدم الدعوة إلى الناس من خلالها.
بالحكمة والموعظة الحسنة: الباء باء الاستعانة، أي نستعين بهاتين الوسيلتين في تقديم الدعوة، ونستخدمها في توصيلها للناس. إنهما: الحكمة والموعظة الحسنة.
والحكمة: " هي إصابة الحق بالعلم والعقل ".
فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء، وإيجادها على غاية الإحكام.
ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات.
والموعظة مأخوذة من الوعظ. والوعظ: " زجرٌ مقترنٌ بتخويف ". قال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
على الداعية أن يدعو بالحكمة. بمعنى أن يقدم دعوته للناس، ويصيب في هذا التقديم الحق بالعلم والعقل، وُيعرف السامعين على الحق الذي معه، ليقبلوا عليه ويلتزموا به.
الحكمة هي: القول المناسب، في الوقت المناسب، بالقدر المناسب، والأسلوب المناسب.
وتستوقفنا هاتين الوسيلتين في الدعوة إلى الله: الحكمة والموعظة
(1/110)

الحسنة، إنه لا بد من استخدامهما في كل دعوة لأي إنسان كان، إذ استخدام واحدة دون الأخرى لا يحقق الغاية ولا يوصل الدعوة.
الحكمة: هي الدعوة الفكرية: بأن يعرض فكرته على المدعو بهدف إقناعه بها، وأن يخاطب في هذا العرض عقله وفكره. لأن الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل. فيستخدم الداعية العلم والعقل في عرض الدعوة، ويؤثر في هذا على الناحية العلمية والعقلية عند المدعو. وعندما ينجح في هذا الأمر يكون قد أوجد عند المدعو قناعةً عقلية، وقبولاً نظرياً. فإذا اكتفى بهذه الخطوة فلن يحصل على ثمرةٍ عملية، ولا يحقق هدفاً عملياً من دعوته، لأن المدعو يبقى في دائرة الاقتناع النظري.
الموعظة الحسنة: وهي المرحلة الثانية في الدعوة، ولا بد أن يقوم بها كل داعية يحترم نفسه ودعوته، ويريد إيجاد الأهداف العملية الواقعية. والموعظة هي التذكير بالخير فيما يرق له القلب. يعني أن يخاطب قلب المدعو بما رقَّ ولَطُفَ وحَسُن، يعني أن يوصل المعلومات التي ألقاها في عقل المدعو إلى قلبه، يعني أن يشارك قلبُ المدعو عقلَه الاقتناعَ والرضا والقبول للدعوة. فإذا تمت هذه المشاركة، أثَّر القلب على باقي الكيان، فقام المدعو بخطوة عملية خارجية وهي أن يدخل في الدعوة ويلتزم بها.
قال الزمخشري في تفسير الآية: {اُدْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّك} -أي الإسلام- {بالحكمة} بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة.
والموعظة الحسنة: وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم فيها، وتقصد ما ينفعهم فيها.
ويجوز أن يريد القرآن: أي اُدعهم بالكتاب الذي هو حكمة وموعظة
(1/111)

حسنة. وجادلهمْ بالتي هي أحسن: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة، من الرفق واللين من غير فظاظةٍ ولا تعنيف.
وسائل الدعوة إلى الله في هذه الآية اثنتان فقط: الحكمة والموعظة الحسنة. أما الجدال بالتي هي أحسن فليس من وسائل الدعوة، ولا يقصد منه عرض الدعوة على الذي يجادله، غاية الجدال هي إقناع المعاندين بترك العناد، وبالبحث العلمي المنهجي، والهدف منه هو أن يزحزح هؤلاء عن مواقعهم عن طريق الجدال، لينتقلوا بعد ذلك إلى موقعٍ آخر، يكونون قريبين فيه من الدعوة، مستعدين لقبولها. عندها يستخدم معهم وسيلتي الدعوة: الحكمة والموعظة الحسنة، ليحقق الغاية، ويلتزموا بالدعوة. فالجدال إنما هو تقريبٌ للخصوم إلى باب الدعوة، وليس عرضها عليهم.
نأخذ هذا من صياغة الآية: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
فالموعظة معطوفةٌ على الحكمة، وهما متعلقتان بفعل الأمر " أُدْعُ " وباء الاستعانة. أما "جادلهم" فإنها معطوفة على " ادع " - لأنهما فعلا أمر. أي اُدع وجادل. ولو كان الجدال من أساليب الدعوة لقال: ادع بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن.
وفي هذا يقول الإمام الرازي: ومن لطائف هذه الآية أنه قال: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، فقصر الدعوة على هذين
القسمين. لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة. أما الجدال فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرضٌ آخر، مغايرٌ للدعوة، وهو الإلزام والإفحام. فلهذا السبب
(1/112)

لم يقل: اُدْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الأحسن، بل قطع الجدل عن باب الدعوة، تنبيهاً على أنه لا يُحصِّل الدعوة، وإنما الغرض منه شيء آخر. والله أعلم.
***
(1/113)

{فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا}
قال تعالى لموسى وأخيه هارون عليهما السلام عندما وجّههما إلى فرعون:
{اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.
كلَّفهما الله سبحانه الذهاب إلى فرعون، وزوَّدهما بالزاد الذي يمكِّنهما من أداء الواجب والقيام بالتكليف " ولا تَنِيَا في ذِكري "، أي لا تُقصرا في ذكري، ولا تفتُرا عنه -لأن الونى هو الفتور والتقصير- فذكْر الله العظيم الجبار يزيل أي خوف من فرعون الطاغية المتجبِّر.
وأمرهما الله أن يقولا له: {قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}.
ويقف بعض المسلمين في هذا الزمان أمام هذا الأمر الإلهي، فلا يفهمونه حق فهمه، بل يحرفون معناه، ويجعلونه وثيقة إدانة ضد الدعاة الجريئين، والخطباء الصريحين، والعاملين الصادقين، الذين يجهرون بالحق أمام المسؤولين، فينصحون ويذكِّرون وينكرون. إنهم يتَّهمون هؤلاء بمخالفة هذا الأمر، وأنهم لا يقولون للمسؤولين قولاً ليناً، بل قولاً عنيفاً شديداً قاسياً منفراً، ينفرهم من الطاعة بدل أن يقربهم منها.
(1/114)

ويقدم هؤلاء الناصحون النصائح للدعاة، بوجوب مراعاة القول الليِّن في خطاب المسؤولين، ويفسرون لهم القول اللين تفسيراً خاصاً خاطئاً:
إن القول اللين يتمثل في السكوت عن مخالفات المسؤولين ومنكراتهم ومفاسدهم، وغض النظر عن الممارسات والسلوكيات الخاطئة التي يقومون بها. القول اللين يعني: إذا شاركهم في مجلس أو حفلة أو لقاء أو اجتماع، وجرت فيه منهم مخالفات ومنكرات، أن يصمت الدعاة، وكأنهم لم يروا ولم يسمعوا ولم يلاحظوا. القول اللين يعني: إذا فكر هؤلاء في الكلام والتذكير، فليكن بأخفض صوت وألينه وأضعفه، وبلهجة بسيطة ذليلة، تُخرج النصيحة الخافتة والتذكير الميت، بسيل من الثناء والمدح والإشادة.
أما إذا وقف الداعية أمام المسؤول برجولةٍ وثبات، وأنكر عليه مخالفاته ومنكراته بوضوحٍ وتحديد، وقال كلمة الحق بجهرٍ وجرأةٍ وشجاعة، وذكّره بالواجب بإقدامٍ وثبات، إذا فعل هذا فقد خالف الأمر الوارد في الآية، وما قال لهذا المسؤول قولاً ليناً.
ويورد هؤلاء الناصحون مثالاً على هذا الفهم بما جرى أمام الخليفة العباسي المأمون: حيث يروون أنه قدم أحد العلماء الدعاة الرجال على المأمون، فذكَّره بالله ووعظه ونصحه، وأنكر عليه مخالفات قام بها، بجرأة وشجاعة وثبات. فقال له المأمون: يا هذا إنك خالفت أوامر الله، إن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شرٌّ مني. أرسل موسى إلى فرعون، فقال له: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا}.
فما هو القول اللين؟ وكيف قدمه موسى عليه السلام لفرعون؟ وماذا فهم الدعاة السابقون؟ وماذا نستفيد نحن من ذلك؟
علَّلت الآية الحكمة من القول اللين لفرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، فالقول اللين يرقق القلوب، ويزيل ما فيها من جفوةٍ
(1/115)

وإنكار، ويحطم الحاجز النفسي بين الداعية والمدعو، فيقترب المدعو كثيراً، ويستعدّ لقبول دعوته ونصائحه وتذكيره. لعله يتذكر أو يخشى.
ولقد أمر الله موسى عليه السلام في موطن آخر يقوله: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}.
هل لك: بهذا الحث والتحضيض والترغيب، بهذا الأسلوب اللين المؤثر. هل لك في التزكية والطهارة والخير والفضيلة والسعادة والحياة.
ولقد نفَّذ موسى عليه السلام أمر الله، وقال لفرعون قولاً ليناً، ورغَّبه في الإِيمان والتزكية، وعرَّفه على الله سبحانه.
ولكن فرعون رفض الدعوة وهدَّد موسى عليه السلام، وتحدَّاه بالسحرة، واتَّهمه بالباطل. وموسى عليه السلام جريء صريح، ويقول له القول اللين.
قال موسى عليه السلام لفرعون قولاً ليِّناً عندما قال له: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}.
ولم يخرج موسى عليه السلام عن القول اللين، وهو يحاور فرعون هذا الحوار الدعوي، ويقدم له نفسه بشجاعة وجرأة وصراحة، ويقدم له دعوته بصفاء وبيان وتحديد:
{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)
(1/116)

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ}.
هل تريد بياناً للدعوة أوضح من هذا البيان؟ وهل تريد جرأةً وشجاعةً وثباتاً أصدق من هذا؟ وهل تريد قولاً ألين من هذا القول؟ ولكنه لينٌ مع الوضوح والحسم والجزم والتحديد، وهل تريد لهجةً أصدق وأثبت من هذه اللهجة؟.
هكذا يكون القول اللين. ويا ليت الناصحين يوضحون هذا للآخرين.
وما زلنا مع موسى الكريم عليه السلام لنتعلم منه كيفية القول اللين.
ففي موقفٍ من مواقف مواجهته لفرعون، وكلامه معه بالقول اللين، آذاه فرعون بالكلام وتوقَّح عليه، ووجه له ما يشبه الشتم والإهانة. فماذا فعل موسى عليه السلام؟؟.
(1/117)

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا}.
كان من القول اللين: أن يكشف موسى عليه السلام لفرعون مغالطاته، وأن يبين له علمه بأن الآلهة المزيَّفة لا تملك شيئاً، ومعرفته بأنه لا إله إلا ربّ العالمين، لكنه يغالط في هذا، ويزعم إنكار الألوهية لله رب العالمين.
قال فرعون: إني لأظنك يا موسى مسحوراً.
أجابه موسى عليه السلام برجولة وجرأة وتحديد وصراحة: إني لأظنك يا فرعون مثبوراً -والمبثور هو الهالك الخاسر-.
والسؤال الذي نوجهه للناصحين المنظِّرين: هل كان موسى عليه السلام مخالفاً للقول اللين عندما قال لفرعون: إني لأظنك يا فرعون مثبورا؟.
والتساؤل الذي نطرحه: لو كان موسى عليه السلام يعيش في زماننا
هذا، وقال الكلام هذا. فبماذا يصفه الواصفون؟ ومع من يصنِّفونه؟ أقلُّ ما يقولونه عنه: إنه متعصبٌ متزمتٌ متشددٌ غليظٌ عنيفٌ قاسٍ منفر.
بهذا التفسير الواضح من موسى عليه السلام، يجب أن نفهم المراد بالقول اللين وكيفية ومجال قوله، ويجب أن نعرف كيف قال موسى هذا القول اللين لفرعون، من خلال الاطلاع على مشاهد المواجهة بينهما التي أشار إليها القرآن الكريم، والتي تعتبر هي التفسير العملي للأمر الرباني بالقول اللين.
(1/118)

بعد هذا نقول: إن القول اللين هو في أسلوب مخاطبة المدعوين -ومنهم المسؤولون- وفي ألوان هذا الخطاب، وفي درجته ومستواه، وفي القالب الذي تُقدَّم فيه الحقائق، والصورة التي تُعرض فيها، والإطار الذي تكون ضمنه، وفي اختيار الألفاظ والمفردات والتراكيب والعبارات، التي تدل على الموضوع.
ولا يمكن أن يكون القول اللين في الموضوع والمضمون، والحقائق والمقررات، والمعالم واليقينيات، والخطة والمنهج. لأن هذه الأمور لا تقبل المساومة ولا المفاوضة، ولا المداهنة ولا التنازل، ولا تأجيلها ولا إخفاءها.
القول اللين في أسلوب الخطاب لا مضمونه، القول اللين في عرض الحقيقة لا في جوهرها وكنهها.
يريد ناصحون من الدعاة أن يتنازلوا عن المضمون والجوهر باسم القول اللين، وأن يُخفوا الحقائق والمقررات باسم القول اللين، وأن يباركوا الفساد والانحراف والمنكر باسم القول اللين، وأن يتخاذلوا ويجبنوا ويذلوا أمام المسؤولين باسم القول اللين.
وهم ظالمون لأنفسهم ولإِخوانهم ولدينهم وإسلامهم. هم ظالمون لمفهوم ومعنى القول اللين، ظالمون لموسى في فهمهم عنه التزام القول اللين.
القول اللين: هو ما سبق أن أوردناه من بيان موسى عليه السلام دعوتَه ورسالتَه، وتقديمه نفسه لفرعون كما بيَّن القرآن.
ونأخذ معنى القول اللين وطريقة تنفيذه، من أوامر الله لمحمد عليه السلام، التي بلَّغها بطريقة القول اللين:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
(1/119)

رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}.
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}.
ونأخذ القول اللين من ذلك المسلم الذي قال لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اتق الله. فقال له أحدهم: أتقول هذا لأمير المؤمنين؟ فأجابه عمر: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولاخير فينا إن لم نسمعها.
ونأخذ القول اللين من الإمام سفيان الثوري - رضي الله عنه - حيث بحث عنه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور حتى لقيه في موسم الحج فقال له:
لأي شيء لا تأتينا، فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتَنا من شيء صِرنا إليه، وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه.
فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟.
قال: لا أدري، لي أمناء ووكلاء.
قلت: فما عذرك غداً إذا وقفت بين يدي الله تعالى، فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما حج، قال لغلامه: كم
(1/120)

أنفقتَ في سفرك هذا؟ قال -: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر ديناراً، فقال: ويحك، أجحفنا بيت مال المسلمين.
ثم قال الثوري للمنصور: قال رسول الله صلى الله عليه وصلم: رُبَّ مُتَخَوِّضٍ في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه، له النار غداً.
فقال أبو عبيد الكاتب -أحد متزلفي الحاشية-: أمير المؤمنين يُستقبل بمثل هذا؟.
فأجابه سفيان: اسكت. فإنما أهلك فرعونَ هامانُ، وهامانَ فرعونُ.
ونأخذ القول اللين من الإمام عبد القادر الجيلاني - رضي الله عنه - حيث وقف على منبر مسجده محاسباً الخليفة المقتفي لأمر الله، ومنكِراً عليه تولية يحيي بن سعيد المشهور بابن المزاحمِ الظالمِ، القضاء. فقال الجيلاني للخليفة: وَلَّيْتَ على المسلمين أظلم الظالمين، فما جوابك غداً عند رب العالمين، أرحم الراحمين، فارتعد الخليفة وعزل المذكور.
***
(1/121)

{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}
قال تعالى:
{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.
قد يتوجه أحدنا إلى أحد الأشخاص يدعوه إلى الله، وُيرغبه في الإسلام، ويواصل نصحه وتذكيره ووعظه، ويحرص على هدايته واستقامته وصلاحه، ولكن هذا الشخص يقابل كل ذلك بالصد والرفض والإعراض، فيصاب الداعية بالهمّ والحزن لخسارة الشخص المدعو.
وقد يَعْرض للداعية أحدهم في هذا الجو، ويعذله ويلومه -بل ويُخطئه- لما قام به، ويبين له عبث جهوده في الدعوة وضياعها، ويستشهد على كلامه بقوله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
ومعنى هذه الآية -على حسب فهم الناصح العاذل- أنه لا فائدة من الدعوة والنصح والتذكير والبيان، وأن الناس لن يستجيبوا لذلك، لأن الله لا يريد أن يهديهم، فلماذا يُتعب الداعية نفسه معهم؟.
(1/122)

إذا ما قمت تدعو شخصاً إلى الله، يقف أمامك أحدهم ويقول لك: دَعْه، لا تَدْعُهُ، فإنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.
وقد تجلس في مجلس، وتذكر أحد العصاة المذنبين، وتعلن عن رغبتك في دعوته ونصحه وتذكيره، فيقطع عليك أحدهم رغبتك، لأنك لا تهدي من أحببت.
وقد ترى أحد العصاة فتدعوه إلى الله، فيقول لك: دَعْني يا أخي ولا تَدْعُني، إنك لا تهديني، لأن هدايتي ليست بيدك بل بيد الله، والله لا يريد أن يهديني، ويحتج عليك بالآية: {إِنَّكَ لا تَهْدي مَنْ أَحْبَبْتَ}.
كل هؤلاء يجعلون هذه الآية مانعةً من الدعوة إلى الله، وأمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتقديم الهداية لهم، ويجعلونها داعية إلى القعود واعتزال الناس.
وهذه أفهام خاطئة للآية، ومحرِّفة لمعناها.
وحتى نعرف معنى الآية ونقوم بالفهم الصائب لها، لابد من معرفة سبب نزولها: روى مسلم في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملَّة عبد المطلب. وأبى أن يقول لا إله إلا الله.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ
(1/123)

عنك. فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}.
وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
من سبب النزول نعرف الهداية التي نفت الآية أن تكون بيد الرسول عليه السلام -والدعاة من بعده- إنها هداية التوفيق للإيمان وقذفه في القلوب، وهذه لن تكون بيد البشر، بل بيد الله وحده سبحانه.
أما هداية الدعوة والتبليغ، ونشر الإسلام بين الناس ونصحهم ووعظهم، فهذه بيد البشر، واجبةٌ على كل مسلم حتى قيام الساعة.
وكم يعجبني كلامٌ رائعٌ للإمام الراغب الأصفهاني في كتابه الرائع: " المفردات في غريب القرآن " عن الهداية وأنواعها، وما كان منها بيد البشر وما لم يكن قال: " الهداية دلالة بلطف، ومنه الهدية ".
وهداية الله تعالى للإنسان على أربعة أوجه:
الأول: هداية الفطرة: وهي الهداية التي عمّ بجنسها كل مكلف، من العقل والفطنة والمعارف الضرورية. كما قال تعالى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}.
الثاني: هداية الدعوة: وهي التي جعلها الله عن طريق دعوتهم إليه،
(1/124)

على لسان الأنبياء والدعاة والمصلحين. قال تعالى: {وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدون بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَروا وَكانوا بِآياتِنا يوقِنون}.
الثالث: هداية التوفيق والتثبيت، التي يمنحها الله لمن اهتدى إليه، وسار في طريق الهدى، من المؤمنين الصالحين. قال تعالى: {وَالذينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُم}.
الرابع: الهداية إلى الجنة: حيث يهدي الله المؤمنين يوم القيامة، إلى منازلهم في الجنة. وهناك عندما يصلونها ويتنعَّمون فيها، يشكرون الله أن هداهم لها. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ}.
وهذه الهدايات الأربع مترتبة على بعضها البعض:
فإن من لم تحصل له الأولى -وهي هداية الفطرة والعقل- لا تحصل له الثانية، بل لا يصحّ تكليفه.
ومن لم تحصل له الثانية -هداية الدعوة- لا تحصل له الثالثة ولا الرابعة.
ومن حصلت له الرابعة حصلت له الثلاث التي قبلها.
ومن حصلت له الثالثة فقد حصلت له الاثنتان اللتان قبلها.
وقد تنعكس. فالإنسان قد تحصل له الأولى ولا تحصل له الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة.
(1/125)

والإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق -يعني الهداية الثانية وهي هداية الدعوة- دون سائر أنواع الهدايات.
وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {وَإنَّكَ لَتَهْدي إِلى صِراطٍ مُسْتَقيم}.
يعني تدعو. وقوله تعالى: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنا}، يعني يدعون بأمرنا.
وقوله تعالى: {وَلكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}. يعني لكل قومٍ داعٍ يدعوهم إلى الله.
وكل هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين منها، فهي الهداية الثالثة، وهي التوفيق الذي يختصّ به المهتدون، والرابعة وهي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة.
وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
وكل هداية نفاها الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن البشر، وذكر أنهم غير قادرين عليها ما عدا الهداية الثانية وهي الدعوة. فالهدايات المنفيَّة عن البشر الدعاة هي الأولى -العقل والفطرة-، والثالثة -التوفيق-، والرابعة -إدخال الجنة-.
فالدعاة عاجزون عن منح العقل للناس، وعاجزون عن منح التوفيق والثبات للناس، وعاجزون عن منح الجنة للناس.
(1/126)

ولكن الدعاة مطالبون بتقديم الدعوة للناس - وهي الهداية الثانية.
وإلى الهدايات الثلاث المنفية عن البشر أشارت آيات من القرآن.
قال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
وقال تعالى: {وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلى الهُدى}.
وقال تعالى: {وَما أَنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ}.
وقال تعالى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ}.
وقال تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ}.
وقال تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
هذه خلاصة كلام الإمام الراغب عن الهدى والهداية، أوردناه بتصرف واختصار، وهو كما نرى رائع ودقيق وصائب.
بعد هذا الكلام نقرر أن الداعية لا يملك أن يمنح الإيمان للمدعوّين، أو أن يقذفه في قلوبهم، لأن هذا مما اختصَّ به الله سبحانه. وعلى هذا تحمل هذه الآية: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
(1/127)

وكأن الله يقول للرسول عليه السلام -ولكل داعيةٍ من بعده- إنك لا تستطيع أن تجعل من أحببت من البشر مؤمناً، ولا أن تُدخل الإيمان في قلبه. إن هذا الأمر بيد الله، فهو الذي يهدي للإيمان من يشاء، بمعنى أنه هو الذي يقذف الإيمان في قلب من يشاء -وفق السنن الربانية الدائمة في الهداية والإضلال، التي تقرر للإنسان الإرادة والاختيار لطريق الهدى أو طريق الضلال، وكوْن هذا الاختيار الإنساني لأحد الطريقين، موافقٌ لما في علم الله الأزلي، ومحقق لإرادة الله ومشيئته-.
ولذلك فإن قلوب البشر جميعاً بيد الله، والدعاة لا يملكون أن يُكرهوا واحداً منها على الإيمان. {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}. وقال: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ}.
وإذا كان الدعاة لا يملكون هذا النوع من الهداية -الذي نفته عنهم آية القصص موضوع البحث- فلا يعني هذا أن يقعد الدعاة عن الدعوة، وأن يتوقفوا عن البيان والنصح والتذكير، وأن يتركوا الناس لأنهم لا يملكون هدايتهم -كما قد يفهم بعضهم خطأ- فإن البيان والنصح والتذكير واجبٌ على كل مسلم، وقد مكَّنه الله منه، وجعله في وسعه، وضمن إمكاناته واختصاصاته.
وقد كثرت الآيات الصريحة التي تجعل هذا في يد الداعية. نختار منها ما يلي:
(1/128)

قال إبراهيم عليه السلام لوالده: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا}.
وقال موسى عليه السلام لفرعون: {هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}.
وقال مؤمن آل فرعون مخاطباً فرعون وقومه: {يا قَوْمِ اتَّبِعونِ أَهْدِكُمْ سَبيلَ الرشاد}.
وقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}.
وقال تعالى عن الدّعاة الصالحين من بني إسرائيل: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}.
وجعل هذا الأمر في يد كل الدّعاة الصالحين: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}.
وهذا القرآن العظيم الحبيب هادٍ يهدي الآخرين. {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}.
(1/129)

هذه الهداية التي جعلتها الآيات السابقة بيد الدعاة هي هداية الدعوة إلى الله، والتذكير بالحق، والدلالة على الخير، والإرشاد إلى الصواب. وهم مأجورون عندما يقومون بها، ولو لم يستجب المدعوون لهم. وهم آثمون معذَّبون إن تخلّوا عنها، بحجة أن المدعوين لم يستجيبوا لهم.
أجر الدعاة على هذه الهداية، متحقق عند القيام بها، وأدائها -بصدق وإخلاص وهمة وجدِّية- وهذا الأجر معلَّق على قبول المدعوين واستجابتهم لهم.
على المدعوين القيام بالخطوة التالية، وهي أن يستجيبوا للدعاة، وأن يقبلوا منهم هديتهم الدعوية لهم، وأن يهتدوا بالهدى الذي دلّوهم عليه وأرشدوهم إليه. عليهم أن يفعلوا ذلك ليكونوا من المهتدين النّاجين الفائزين.
وهذا الاهتداء الذي يقومون به إنما هو لأنفسهم ولمصلحتهم.
قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}.
بهذا البيان نقوم بالجمع والتوفيق بين الآيات المتقابلة -والتي تبدو متعارضة لذوي النظرة العجلى- وبهذا نفهم أنواع الهداية في القرآن، وما جعله في مقدور البشر منها، وما نفاه عنهم منها. وبهذا نعلم أن آية القصص -موضوع البحث- من النوع الثاني، وأن هناك آيات كثيرة من النوع الأول.
***
(1/130)

{وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}
أخبر الله بني إسرائيل -الذين آمنوا بموسى عليه السلام- على لسان نبيهم موسى أن الله قد فضَّلهم على العالمين. وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في أكثر من آية. منها قوله تعالى:
{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
ولما خرج بهم موسى عليه السلام من مصر، وأنجاهم الله من فرعون، وأتوا على قوم يعكفون على أصنامٍ لهم، وطلبوا منه أن يجعل لهم صنماً كأصنام القوم، عنَّفهم موسى على ذَلك الطلب المرذول، وقال لهم -من جملة ما قال-: {أَغَيْرَ اللهِ أَبْغيكمْ وَهوَ فَضلَكمْ عَلى العالَمين}.
وقال الله تعالى عن أولئك اليهود الذين آمنوا بموسى عليه السلام:
{وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ}.
(1/131)

وقال عن أولئك الصالحين أيضاً:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
وقد حرَّف اليهود -كعادتهم في التحريف- معاني هذه الآيات، واعتبروها شاهدةً لنظرتهم العنصرية المتعالية، وزعموا للشعوب الأخرى أن القرآن الكريم يقرر تفضيل اليهود على العالمين، وأنهم -من ثَمَّ- شعب الله المختار، الذي سخَّر له كل الأقوام والشعوب الأخرى. وإذا جادلهم مسلمٌ، وأراد إبطال مزاعمهم وافتراءاتهم، واجهوه بهذه الآيات. وقد يُفحمون بهذه الآيات بعض المسلمين، الذين لا يعرفون معناها، ولا يفهمونها حق فهمها.
بنو إسرائيل فضَّلهم الله على العالمين، نعم. هذه حقيقة لا ينكرها مسلمٌ مؤمن، لأنها وردت في صريح القرآن ..
لكن أيُّ بني إسرائيل نالوا هذا التفضيل؟ وأيُّ العالمين الذين فضَّلهم الله عليهم؟ وما هي مظاهر هذا التفضيل وأسبابه؟ وما هو زمانه؟ وهل هو موقوت بزمانٍ معين، أو دائمٌ حتى قيام الساعة؟.
عندما نعرف الإِجابة على هذه الأسئلة نعرف معنى تفضيلهم على العالمين.
التفضيل ليس لبني إسرائيل كلهم، ليس لهم باعتبار الجنس، لأن لا محاباة عند الله، ولم يفضل الله قوماً باعتبار جنسهم وأصلهم، بل باعتبار أعمالهم وتقواهم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}.
(1/132)

وقد أخبر الله إبراهيم الخليل عليه السلام -الذي يزعم اليهود الانتساب إليه- بهذا: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.
وطالما أن الله لم يفضل قوماً لأصلهم وجنسهم، فإن الله فضل بني إسرائيل بسبب إيمانهم بالله، واتباعهم لرسله، وعملهم الصالحات.
وقد وردت آياتٌ تقرر هذا المعنى:
قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}.
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}.
ثم إن تفضيل بني إسرائيل كان على عالمي زمانهم، وهم الأقباط والفراعنة المصريون، والكنعانيون وغيرهم من سكان فلسطين. وهؤلاؤ كان كافرين وثنيين، بينما كان بنو إسرائيل موحِّدين، ومن الطبيعي أن يفضل الله المؤمن الموحد على الكافر الوثني. ولهذا أنجاهم الله من الفراعنة، وأغرق الله فرعون وقومه، ونصرهم على القبائل الكافرة في بلاد الشام.
ماذا فعل اليهود بعد ذلك؟ كفروا بالله، وعصوا رسله، وقتلوا أنبياءه، وحرفوا كتبه، ونقضوا عهدهم معه، فبدل الله تفضيله لهم إلى غضبه عليهم، وأحل بهم سخطه ولعنته.
(1/133)

قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا}.
وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ}.
هذه هي الآيات التي تنطبق على اليهود في هذا الزمان. إنهم كافرون، معتدون بغاةٌ، ظالمون، وكيف يُفضل الله من هذه صفاتهم على العالمين؟.
وحتى يكون كلامنا صحيحاً مقبولاً، وحتى يكون متوافقاً مع توجيهات آيات القرآن نورد هاتين الآيتين من سورة المائدة:
قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ}.
فضَّلهم الله على العالمين بشرط أن يكونوا مؤمنين صالحين، والله معهم
(1/134)

بشرط أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا برسل الله وينصروهم، ويقرضوا الله قرضاً حسناً. فإذا أخلُّوا بهذه الشروط أزال الله عنهم تفضيله لهم، وهذا ما حصل عملياً منهم. {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً}.
إن اليهود الآن غيرُ مفضّلين على العالمين، وليسوا شعب الله المختار، وإنما هم محل غضب الله ولعنته وسخطه وعذابه، أوقع بهم الذلة والتشريد، وقطعهم في الأرض أمماً، وتأذّن ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، وألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، هؤلاء هم يهود، وهذا رصيدهم في الحياة، وهذه منزلتهم عند الله.
***
(1/135)

{الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ}
أمر موسى عليه السلام قومه بدخول الأرض المقدسة بقوله:
{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}.
ولكنهم جبنوا عن الجهاد، وعجزوا عن دخولها، وأخبروا نبيهم أنهم لن يدخلوها ما دام القوم الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يذهب هو وربه يقاتلان الأعداء، فإذا حرَّراها دخلوها. فقدَّر الله عليهم أن يتيهوا في الصحراء أربعين سنة.
والمراد بالأرض المقدسة فلسطين وما جاورها، أو بلاد الشام على الأصح، وأقام بنو إسرائيل في فلسطين ما شاء الله لهم أن يقيموا، ثم ارتكبوا من الجرائم والقبائح ما ارتكبوا، وأحلّ الله عليهم لعنته وسخطه وغضبه، وكتب عليهم الذلة والمسكنة والتشريد في بقاع الأرض، وسلّط عليهم الآخرين، الذين أخرجوهم من الأرض المقدسة وشتّتوهم في العالم.
وبقي اليهود في " أرض الشتات " ينظرون إلى الأرض المقدسة التي سموها: " أرض الميعاد "، ويحنّون إليها، ويتطلعون إلى العودة إليها، ويعدّون العدّة لاحتلالها والإقامة فيها.
(1/136)

ونجحوا -في هذا العصر- في تحقيق ذلك، في غفلة من المسلمين الذين تركوا دين الله، فاستحقوا سخطه وغضبه، وهزمهم اليهود في الحروب، وأقاموا كيانهم في الأرض المقدسة.
وصاروا يقنعون الآخرين على أنهم أصحاب حق في البلاد، وأنهم ينفِّذون الوعد الذي أعطاه الله لهم، وأن الله كتب هذه الأرض المقدسة لهم، وقرر أن تبقى لهم إلى قيام الساعة.
وأوردوا هذه الآية دليلاً على ما يقولون، وجعلوها شاهدة على ما يزعمون، إنها تقرر أن الله كتب لهم الأرض المقدسة، فلماذا يحال بينهم وبينها؟.
وقد يُخدع بعضهم بكلام اليهود، ويصدقون تفسيرهم لهذه الآية، ويسلمون لهم بالحق المطلق في الأرض المقدّسة!!.
فما معنى الآية؟ وما هو الفهم السليم لها؟.
نقول إن الله قد كتب لهم الأرض المقدسة، هذا صحيح. لكنها ليست كتابةً دائمة حتى قيام الساعة، وإنما هي كتابة موقوتة.
كتبها لهم عندما كانوا مؤمنين موحدين صالحين، وكان الآخرون الذين فيها كافرين وثنيين، إن المؤمنين أوْلى من الكافرين بتملُّك البلاد والإقامة فيها، فكيف الأرض المقدسة فلسطين؟.
وحقق الله لليهود هذا الوعد. ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة العبد الصالح " يوشع بن نون "، وأقاموا فيها دولةً إسلاميةً إيمانيةً مزدهرة، بلغت أوْج تقدمها أثناء حكم داود وابنه سليمان عليهما السلام ..
ثم خرجت يهود عن الشرع الرباني، وارتكبت من المعاصي والجرائم ما ارتكبت، واستجلبت بذلك غضب الله وسخطه ولعنته وعذابه، وفقدت
(1/137)

بذلك حق تملك الأرض المقدّسة والإقامة فيها، فكتب الله عليها الذل والضياع والتشريد في الأرض.
إذن كتب الله ليهود الأرض المقدسة كتابةً خاصةً بشروط، فلما فقدوا الشروط فقدوا كحق فيها، وكانت كتابةً موقوتةً بزمان، حيث كانوا مؤمنين وسط أقوام من الكافرين، لكنهم بعد ذلك أصبحوا كافرين بجانب قوم مؤمنين، حيث أخرج الله للناس الأمة الإسلامية، أمة الخلافة والوراثة، وأورث الله هذه الأمة الجديدة الأرض، وجعلها هي صاحبة الحق في الأرض المقدسة.
لهذا نقرر أنه منذ فتوح المسلمين لبلاد الشام وحكمها بالإسلام، أصبحوا هم أصحاب الحق في الأرض المقدسة، وفَقَدَ اليهود أيّ حقٍ فيها لأنهم كفروا وطغوا وبغوا.
وقد وردت آياتٌ صريحةٌ في القرآن، تقرر هذه الحقيقة: إن القوم يستحقون الأرض ويرثونها ما داموا مؤمنين، فإذا كفروا فقدوا الحق فيها، حيث يورثها الله لمؤمنين آخرين. فالوراثة -وراثة الأرض والدين- تقوم على الدين والإيمان، وليس على التاريخ والنسب والإقامة.
وقد وضَّح موسى - عليه السلام - هذه الحقيقة لقومه عندما كانوا مضطَّهَدين معذَّبين عند فرعون: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
ولهذا عندما كانوا مؤمنين صالحين أراد الله أن يجعلهم وارثين للآخرين.
قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ
(1/138)

وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ في الْأرْضِ}.
ولهذا أغرق الله فرعون، وأورث بني إسرائيل -المؤمنين الصالحين-
الأرض: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}.
بهذه الشروط ورث اليهود البلاد، ولهذه الأسباب كتب الله لهم الأرض المقدسة، وقد وردت آية تشير إلى سنة ربانية لا تتخلف في موضوع الأرض ووراثتها. وقد أبلغ الله بني إسرائيل هذه السنّة، على لسان نبيهم داود عليه السلام.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ}.
أخبر الله اليهود بهذه السنة الربانية حول الأرض ووراثتها، في أوج قوة دولتهم، وقمة تقدمهم وتممكينهم في الأرض المقدسة. إن الأرض -ومنها الأرض المقدّسة- لكم إذا كنتم صالحين عابدين لله، فإذا خالفتم هذا العهد فلا حقَّ لكم فيها، وسوف يأتي الله بقومٍ عابدين صالحين، ليورثهم إياها.
وجاء الله بقومٍ عابدين صالحين هم المسلمون، وأورثهم ما كان يملكه اليهود، سواءٌ في المدينة وما حولها، أو بلاد الشام ومدنها.
قال تعالى: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ
(1/139)

وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}.
بعد هذا البيان القرآني نخرج بنتيجة: وراثة الأرض على أساسٍ إيمانيٍّ إسلامي، فالأرض المقدسة كانت لليهود، فلما كفروا فقدوا أيَّ حقٍّ لهم فيها، وأورثها الله للمسلمين، وجعلها لهم حتى قيام الساعة.
***
(1/140)

{وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ... }
قال تعالى:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ}.
تشير هذه الآية إلى شدة عداوة اليهود للذين آمنوا، وتقرنهم في هذه العداوة مع المشركين.
كما تشير إلى فئة من النصارى هي أقرب الفئات للمؤمنين، وأن هذه الفئة منها القسيسين والرهبان.
لكن مَنْ هي هذه الفئة التي مدحتها الآية؟ وعلى من تنطبق؟.
يتدخل هنا النصارى -وبخاصة قساوستهم ورهبانهم- ليموِّهوا على المسلمين ويخدعوهم، ويقدموا لهم فهماً محرَّفاً مغلوطاً للآية، فيزعمون أنها تعنيهم وتشير إليهم وتنطبق عليهم.
كم سمع المسلمون -أو قرأوا- لراهبٍ أو خوري أو نصراني عادي، وهو يقدم التفسير المشوه المحرف للآية، عندما يطبقها على نصارى هذا الزمان.
(1/141)

النصارى العرب الذين يزعمون أنهم يكنون للمسلمين العرب كل المودة والرحمة والبر والإحسان.
والعجيب هو أن يسمع المسلمون -أو يقرأوا- هذا الكلام الخاطئ والتفسير المغلوط من مسلمٍ يزعم أنه يخدم دينه وأمته. ويزداد هذا العجب إذا صدر هذا الكلام عن بعض حملة العلم من المسلمين، ممن يحملون شهاداتٍ علمية عليا، ويتزيَّوْن بأزياء العلماء التقليدية، ويشغلون مراكز إسلامية رسمية حكومية رفيعة.
لكن ماذا نقول لعصر التزوير والتحريف والتبديل والتغيير الذي نعيش فيه؟ والذي عدا على هذا الدين فيه، كل عدوٍ أو حاقدٍ أو جاهلٍ أو مغرضٍ، أو تاجرٍ بدينه، متقربٍ للظالمين والكافرين، وتوجّه هؤلاء للقرآن والإسلام محرفين مزورين.
إن الآية تقرر أن هناك فئةً من النصارى هي أقرب الناس مودة للذين آمنوا. وهذه الفئة لها ملامح وسماتٌ خاصة، ذكرتْها آياتٌ أخرى بعدها.
فلا بد من قراءة الآيات مجتمعة، والخروج بفهمٍ دقيقٍ لها. وحتى يكون الفهم صائباً لا بد من الوقوف على سبب نزول تلك الآيات.
نورد أولاً الآيات الأخرى المكملة لملامح النصارى الممدوحين فيها:
قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)
(1/142)

فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}.
إن النّصارى الذين تُثني عليهم الآيات هم الذين قالوا إنا نصارى، وهم القساوسة والرهبان، الذين لا يستكبرون، الذين يفتحون آذانهم لسماع القرآن، الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما يسمعون القرآن يعرفون أنه الحق من الله، ونتيجةً لهذا نرى أعينهم تفيض من الدمع.
وهم يختمون هذه الخطوات بالخطوة الأخيرة ويحققون الثمرة الطبيعية، والنتيجة المنطقية لما سبق، فيستسلمون لربّ العالمين استسلاماً عملياً، ويدخلون في الإسلام، ويقولون: {رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ}.
إنهم يصبحون مسلمين، متبعين للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وبهذا يأخذون نصيبهم من رحمة الله ونعيمه وثوابه: {اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ}.
فهل النصارى الذين يستشهدون بهذه الآيات -على أنها تمدحهم وتُثني عليهم، وتعتبرهم من أقرب الناس مودةً للمؤمنين- يحققون في حياتهم شروطها، ويتصفون بالصفات التي تقررها؟.
لا بد أن يفعلوا ما توضحه الآيات، وأن يخطوا كل ما تحدِّده من خطوات:
1 - أن يكونوا متواضعين غير مستكبرين.
(1/143)

2 - أن يحرصوا على الاستماع إلى القرآن النازل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3 - أن يعرفوا أنه الحق، وأن يوقنوا بأنه من عند الله.
4 - أن تفيض أعينهم من الدمع تأثراً وخشوعاً.
5 - أن يدخلوا في الإسلام قائلين: ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين.
فإذا لم يقوموا بهذه الخطوات -وبخاصة الخطوة الخامسة والأخيرة منها- فلا يجوز لهم التحريف والتغيير لمعاني الآيات، ولا التلاعب فيها والتمويه على المسلمين.
وقد أجمع العلماء على أن الآيات نزلت بشأن مجموعةٍ معينةٍ من النصارى، اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلوا في دين الإسلام.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في هجرة الصحابة إلى الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - وبعث قريش وفداً إلى النجاشي ليستعدوه على المهاجرين ويعيدوهم إلى مكة، وطلب النجاشي للمسلمين المقابلة: فلما دخلوا عليه سلّموا، فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك، إنا صَدَقناك، إنهم لم يحيوك بتحيتك التي تُحَيِّي بها؟ فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة، فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا: يقول: عبد الله ورسوله، وكلمةٌ من الله، وروحٌ منه، ألقاها إلى مريم. ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول.
فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى على ما قال صاحبكم هذا العود. فكره المشركون قوله، وتغيَّر لون وجوههم.
فقال: هل تقرأون شيئاً مما أُنزل عليكم؟ قالوا: نعم. قال: فاقرأوا. وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى. فجعلت طائفة منهم كلما قرأوا آية
(1/144)

انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق. فأنزل الله هذه الآيات ..
وأخرج النسائي وابن جرير عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه.
وقال عطاء: هم ناس من الحبشة، آمنوا إذ جاءهم المهاجرون.
وقال سعيد بن جبير: هم رسل النجاشي، الذين أرسلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بخبر إسلامه وإسلام قومه.
وقال قتادة: هم أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم صدّقوه وآمنوا به، وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من عند الله، فأثنى عليهم بما تسمعون.
وحول حقيقة هؤلاء النصارى الصالحين، نورد مقتطفاتٍ من كلامٍ رائعٍ للإمام الشهيد سيد قطب في الظلال:
ومع أن متابعة مجموع الآيات، لا تدع مجالاً للشك في أنها تصور حالةً معينةً، هي التي ينطبق عليها هذا التقرير المعين. فإن الكثيرين يخطئون فهم مدلولها، ويجعلون منها مادةً للتميع المؤذي، في تقدير المسلمين لموقفهم من المعسكرات المختلفة، وموقف هذه المعسكرات منهم.
وبعد أن يبين ملامح النصارى المعنيين بالآيات يقول: وليس كل من قالوا: إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم {وَلَتَجِدَنً أَقْرَبَهُمْ مَوَدًةً لِلذينَ آمَنوا} كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها. إنما هذا الحكم مقصورٌ على حالةٍ معينة، لم يَدع السياق القرآني أمرها
(1/145)

غامضاً، ولا ملامحها مجهولة، ولا موقفها متلبساً بموقف سواها في كثير ولا قليل.
ثم يقول: هذا ما ينبغي أن يعيه الواعون اليوم وغداً. فلا ينساقوا وراء حركات التمييع الخادعة أو المخدوعة، التي تنظر إلى أوائل مثل هذا النص القرآني، دون متابعةٍ لبقيّته، ودون متابعةٍ لسياق السورة كله، ودون متابعةٍ لتقريرات القرآن عامة، ودون متابعةٍ للواقع التاريخي الذي يصدِّق ذلك كله.
***
(1/146)

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ}
وردت آياتٌ من القرآن ذكرت أصحاب الديانات السماويّة السابقة، وقرنتهم مع المسلمين. ومن هذه الآيات:
قوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
وقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
وقوله تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
وقد احتجَّ أصحاب الديانات السابقة بهذه الآيات على أنهم على حق، وأنهم مقبولون عند الله، وأنهم في الجنة مع المسلمين. وحجّتهم على ذلك
(1/147)

هي، ذكرُهم مع المؤمنين، والثناءُ عليهم بأنهم آمنوا بالله واليوم الآخر، وتقرير أن لهم أجرهم عند ربهم، وأنهم لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
وهذا الفهم خاطئٌ ومغلوط بلا شك، ويتعارض مع آياتٍ أخرى، صريحة في عدم قبول دينهم منهم، وكونهم كافرين خالدين في النار. كما أن هذه الآيات لا تدل على هذا الفهم، ولا توحي به.
إن اليهود والنصارى عندما يستخرجون من الآيات هذا المعنى الباطل، إنما يقومون بعملية خبيثة، من الخداع والتزوير والتحريف والتمويه والتمييع.
إن الآيات السابقة لا تعني قبول أديان أصحاب الديانات السابقة -اليهود والنصارى والصابئة- بعد مجيء الإسلام، لأنها منسوخة بالإسلام، ولا تعني قبول تديُّن وعبادة وعمل السابقين -بعد مجيء الإسلام- لأنهم يعبدون الله على دين منسوخ. وإنما تعني قبول هؤلاء، واعتبارهم ناجين من أهل الجنة وفق شروط لابد من توفرها:
إنهم لا بد أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر حق الإيمان، ومن لوازم الإيمان بالله، الإيمان بكل كتب الله -ومنها القرآن- والإيمان بكل رسل الله -ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام- فكل من لم يؤمن بالقرآن على أنه كلام الله لم يؤمن باللهِ حق الإيمان، وكل من لم يؤمن بأن محمداً رسول الله لم يؤمن باللهِ حق الإيمان. فهل اليهود والنصارى الآن يؤمنون بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام؟؟.
ثم اشترطت الآيات أن يكون العمل صالحاً، حتى يكون مقبولاً عند الله، ولن يكون العمل صالحاً إلا إذا كان كما يريد الله، ووفق ما بيَّنه في الدين الأخير والشريعة الخاتمة، أما من عمل عملاً وفق دين سابقٍ منسوخ، فلن يكون صالحاً ولا مقبولاً منه.
إن اليهود والنصارى الآن لا يؤمنون بالله كما يريد الله، ولا يعملون العمل الصالح كما بيَّنه الله، ولذلك لا تعنيهم هذه الآيات.
(1/148)

إن الآيات تنطبق على أولئك الصابئين -وهم أتباع دين إبراهيم عليه السلام على أرجح الأقوال- الذين آمنوا بالأنبياء اللاحقين، والذين دخلوا في دين الإسلام، واتبعوا محمداً عليه الصلاة والسلام.
وإنها تنطبق على اليهود الذين أدركوا عيسى عليه السلام فآمنوا به واتبعوه. وعلى اليهود الذين أدركوا محمداً عليه السلام فآمنوا به واتبعوه، ودخلوا في دينه.
وإنما تنطبق على النصارى الذين أدركوا محمداً عليه السلام فآمنوا به واتبعوه ودخلوا في دينه، وكانوا مسلمين.
يجب أن نقرأ الآيات السابقة مع قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}.
ومع قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
إنه خيرٌ للذين يحرّفون معاني كلام الله، حتى يحسبوا أنهم مقبولون عند الله، أن يعرفوا ماذا يريد الله منهم، وأن يبحثوا عن الحق جادين، وأن يكونوا من أهله المؤمنين المقبولين، وأن يجمعوا آيات القرآن حول الموضوع الواحد، ويستخرجوا منها دلالتها مجتمعة.
***
(1/149)

{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}
قال تعالى:
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
تقرر هاتان الآيتان حقيقةً أساسيةً من حقائق التصوّر الإسلامي الثابتة، وقاعدةً من قواعده الطردة، وأساساً هاماً في مبدأ الثواب والعقاب.
إن الثواب والعقاب على الأعمال التي يعملها الإنسان، فمن عمل خيراً جُوزِي به ثواباً، ومن عمل شراً عرَّض نفسه للعقاب.
وهذا المبدأ الرباني الثابت بشأن الثواب والعقاب، مظهرٌ من مظاهر عدل الله المطلق، الذي لا يظلم أحداً، والذي يرتب النتيجة على المقدمة، ويجعل الجزاء من جنس العمل. واعمل ما شئت، كما تَدين تُدان.
وهذا المبدأ من مظاهر علم الله الشامل لكل ما يعمله الإنسان، حيث لا يغيب عن الله شيء، وما يعمله الإنسان مثبّتٌ ومسجّلٌ ومحفوظٌ في سجل أعماله، ويوم القيامة يُحضَر هذا السجل للحساب، ويوضع في الميزان الحساس الدقيق الذي لا يلغي مثقال ذرة، ولا يضيعها.
(1/150)

من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، مهما كان انتماؤه ودينه، حتى لو كان كافراً. ومن يعمل مثقال ذرّة شراً يره، مهما كانت عبادته، حتى لو كان وليّاً.
وقد يأتي أحد الكافرين -وبخاصة اليهود النصارى- فيتوكأ -لهدفٍ خاصٍّ في نفسه- على هذه الآية، ويجعلها شاهدةً على قبول أعماله الحسنة التي يقوم بها، وعلى إثابته عليها عند الله يوم القيامة، وعلى كونه بسببها من أهل الجنة.
فيقول هذا اليهودي أو النصراني للمسلمين: إن قرآنكم يدل على أن أعمالنا الخيّرة مقبولةٌ عند الله، ولهذا نحن نقدم أموالاً طائلةً للمدارس والمشروعات الخيرية، وها هم أحبارنا ورهباننا يُكثرون من الذكر والصلاة والصيام والقيام -على الطريقة اليهودية أو النصرانية طبعاً- وقرآنكم يشهد على قبول أعمالهم: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، وفهم هؤلاء مغلوطٌ خاطئ، وكلامهم تحريف لمعنى الآية.
والمثير للعجب والدهشة والاستغراب هو أن يفهم هذا الفهم المغلوط بعض المسلمين، وأن يردد هذا الكلام بعض حملة العلم من المسلمين.
نقل سيد قطب عبارةً عجيبةً للشيخ محمد عبده بهذا الخصوص. قال: جاء في تفسير الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}: وما نقله بعضهم من الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة، ولا يخفف عنه عذاب سيئة ما، لا أصل له.
لا بد من قرْن هاتين الآيتين بآياتٍ أخرى صريحة، تحدد مبدأ قبول الأعمال عند الله، وتشترط الإِيمان والدخول في الإِسلام لقبول أعماله، ونجاته من العذاب يوم القيامة.
(1/151)

قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ}.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.
وقال تعالى: {وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثوراً}.
نقرر هذه الآيات الثلاث حقيقةً قرآنيةً قاطعة، تُعتبر أساساً من أسس التصور الإسلامي في قبول الأعمال.
إن الإيمان بالله، والتصديق بكتب الله، واتِّباع رسل الله، والدخول في دين الإسلام -الذي هو الدين عند الله، ولن يقبل الله ديناً غيره يوم القيامة- إن هذا كله شرطٌ لقبول الأعمال عند الله، ومنح الثواب لأصحابها يوم القيامة، وإدخالهم جنّة الله سبحانه.
ومن هذا نفهم أن أعمال الكافرين الصالحة غير مقبولةٍ منهم يوم القيامة، وأن الخيرات التي يقوم بها اليهود والنصارى لا يثابون عليها يوم القيامة.
وأنه لا يجوز لأحد هؤلاء الكافرين أن يُحرّف معاني الآيات، كما لا يجوز لمسلم أن يخالف مقرراتٍ أساسيةً لنصوص القرآن الصريحة.
بعد هذا البيان قد يتساءل أحدهم: إن الكافر قد يعمل أعمالاً حسنة،
(1/152)

وقد يقوم ببعض الأمور الخيرية، وُيقدم أموالاً لمشاريع خيرية. وطالما أن القرآن يقرر عدم قبولها يوم القيامة فماذا يأخذ صاحبها عليها؟ هل تُلغى في الدنيا كذلك؟ وهل يخرج منها صفر اليدين؟ إن هذا لا يتفق مع عدل الله الذي لا يضيع شيئاً!.
نقول: لا يعني هذا عدم قبولها منهم في الدنيا، بمعنى أن الله لا يحاسبهم عليها في الدنيا.
إن الله يحاسب هؤلاء على أعمالهم في الدنيا، ويثيبهم عليها في الدنيا، ويكون هذا من باب تعجيل حسناتهم لهم في الدنيا، لأنها غير مقبولة يوم القيامة. ويكون هذا الثواب في صورة تيسير سبل الحياة التي يعيشونها، كأنْ يوسِّع لهم في الرزق، ويمتّعهم بصحة الأبدان، والتوسع في العمران، وكثرة الأموال والثمرات. فإذا بقي لأحد هؤلاء الكافرين عند ربه حسنات، سهَّل الله عليه الموت، حتى يموت وليس له عند الله حسنة واحدة. لأنه سيذهب إلى نار جهنم يوم القيامة.
بينما المسلم إذا أذنب ذنوباً، عاجله الله بالعقوبة في الدنيا -إن أراد العفو يوم القيامة- فضيَّق عليه في رزقه وحياته، وابتلاه بالأمراض والغمّ والهمّ والحزن والألم، فإذا بقي عليه سيئاتٍ، شدّد الله عليه الموت، بحيث يموت نظيفاً وليس عليه سيئة واحدة.
***
(1/153)

{وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا}
قال تعالى:
{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.
تسجل هذه الآية حجة العصاة والمذنبين في الدفاع عن أنفسهم وهم يرتكبون الفواحش، وتبرير ارتكابهم لها.
إذا فعلوا فاحشةً قالوا: وجدنا عليها آباءنا، أي أن هؤلاء مقلِّدين للآباء والأجداد، أسرى للعادات والتقاليد، مقيَّدين بالواقع الذي وجدوه وعاشوه، فكلما وجدوه أمامهم فهو مقبول، أليس آباؤهم الذين يقدِّرونهم فعلوه؟.
وهذا التحريف المفضوح والتبرير المرذول، يهون أمام ما يقولونه بعد ذلك: "وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا! ".
الله أمرنا بهذه المعصية وهذه الفاحشة، الله قدَّرها علينا، والله كتبها علينا، والله طلبها منا، وأزادها منّا. أليس الله على كل شيءٍ قدير؟ فإذا كان لا يريد هذه المعصية، فلماذا لم يَحُل بيننا وبين فعلها؟ ولماذا لم يمنعنا منها؟ أليس كل ما نفعله بقدر، والله الخالق لكل شيء؟ إذن الله هو الذي قدَّر فعل الفاحشة علينا. أليس كل ما يحدث في الكون إنما هو بإذن الله
(1/154)

وإرادته ومشيئته؟ ووفق أمره؟ إذن الله هو الذي أمرنا بفعل هذه المعاصي والفواحش، أمرنا بالكفر والشرك والضلال!
وقد أشار القرآن في موطنٍ آخر إلى كلام الكافرين والمشركين، في تبرير ذلك منهم، وإحالة ذلك على إرادة الله ورضاه وأمره وقدره.
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ}.
هذه هي سمة المشركين والكافرين وطبيعتهم، إنهم يُسندون كفرهم وشركهم وضلالهم إلى أمر الله ورضاه ومشيئته، في أي زمان ومكان، حتى لو كانوا في القرن العشرين.
وهذه هي سمة العصاة والمذنبين وطبيعتهم، إنهم يُسندون الإذن بالمعاصي والفواحش إلى الله، ويزعمون أنه هو الذي أمرهم بها، وطلبها منهم، ورضيها لهم.
والعصاة والمذنبون في هذا الزمان يقومون بهذا الزعم والمغالطة والتحريف والتبرير. وإن الإنسان المسلم البصير ليتساءل بعجب واستغراب: ما بال الكافرين ورب العالمين؟ وطالما أنهم كفروا بالله، فلماذا يتحجّجون بإرادته وقدره ومشيئته؟ ..
وإن هذا المسلم البصير يتساءل بعجب واستغراب: ما بال العصاة ورب العالمين؟ ولماذا يلجأ هؤلاء في تبرير معاصيهم وفواحشهم وانحلالهم إلى مشيئة الله وقدَره ورضاه؟ أليسوا قد تجرَّأوا على الله واستهانوا بأوامره وأحكامه؟ أليسوا قد ارتكبوا ما نهاهم عنه؟ وأي تعظيمٍ لله بقي عندهم؟ وأي شعور بخشية الله والحياء منه بقي في قلوبهم -إن كانت لهم قلوب-؟
(1/155)

وهل يريد هؤلاء أن يضيفوا إلى هذه الفواحش والذنوب والكبائر، ذنوباً وفواحش وكبائر جديدة -لعلّها أشدّ فُحشاً من تلك-؟ هل يريدون أن يضيفوا إلى قلّة الحياء وموت القلوب، الافتراء على الله والتحريف لكلامه؟ أم أن الأمرين متلازمان؟ فكل من تجرّأ على مقام ربه استهان بكلامه وافترى عليه؟؟.
المهم أن نلجأ نحن إلى القرآن، في ردّه على تحريف هؤلاء لكلام الله، وافترائهم على الله، وإسنادهم ارتكابهم المعاصي إلى رضى الله!.
قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}.
وبإمعان النظر في الآيات، واستخلاص طريقتها في إبطال مزاعم العصاة، نجد ما يلي:
1 - إن الله لا يأمر بالفحشاء. إن زَعْمَ هؤلاء كذبٌ على الله وافتراء عليه، وإنه لا يتفق مع صفات الله وأسمائه، ولا مع فعله وأمره.
2 - إنهم كاذبون على الله، مفترون عليه، لأن الله قد أبطل كلامهم ورده، وأكذبهم فيه.
3 - إنهم لا يتصفون بعلم، فهم يقولون على الله ما لا يعلمون.
وكلامهم السابق يصنَّف ضمن هذا، إنه ناتج عن عدم علمهم باللهِ وصفاته
(1/156)

وأفعاله، ولذلك فهو جهلٌ محضٌ، وخطأٌ ظاهر، لا يملكون حجةً ولا برهاناً ولا دليلاً.
4 - فإذا كان قد أكذبهم، وأبطل زعمهم، وبيَّن أنه لا يأمر بالفحشاء أبداً. فما هو الذي يأمر الله به ويريده، ويطلبه من المخلوقين؟
إنه القسط والعدل والحق والصواب، {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالقِسْط}.
إنها العبادة والطاعة والإخلاص والتضرع إلى الله {وَأَقيموا وَجوهَكُمْ عِنْدَ كُلً مَسْجِد وَادْعوُه مُخْلِصينَ لَهُ الدّين}.
5 - إن هؤلاء العصاة والكافرين متبعون للشيطان لا للرحمن، منفذون الشيطان وتعاليمه، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون. إن الشيطان هو الذي أمرهم بالفواحش والمعاصي والكفر والضلال، فلماذا يُسندون هذا الأمر إلى الله الذي لا يأمر بالفحشاء؟.
وكيف عرفوا أن الله أمرهم بالفحشاء؟ هل اطَّلعوا على الغيب؟ هل قرأوا ما في علم الله وقدره ومشيئته؟ هل وقفوا على ما قدَره الله عليهم في اللوح المحفوظ؟ إن هذا كله مستحيل. وقد أبطل القرآن مزاعم هؤلاء في موضع آخر:
{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}.
(1/157)

1 - إنهم كاذبون في هذا القول.
2 - إنهم تابعون للكاذبين من قبلهم. فالذين من قبلهم من الكافرين زعموا هذا الزعم، وافتروا هذا الافتراء.
3 - إن الله ما أراد منهم الكفر، ولا رضي لهم الشرك، لا هم ولا الذين من قبلهم.
4 - والدليل على أن الله ما رضي لهم ولا لمن قبلهم الكفر والشرك، أن الله قد عذّب السابقين الكافرين، وأوقع بهم بأسه وانتقامه، وحصل لهم بسبب كفرهم وشركهم التدمير والهلاك. وأنَّ الله سبحانه عادلٌ في أفعاله وقضائه، فلو رضي منهم الكفر وأراد لهم الشرك، لما عذّبهم ودمّرهم. وطالما علمنا علم اليقين أنهم قد عُذِّبوا ودُمَّروا وأهلكوا، وعلمنا علم اليقين أنه بسبب كفرهم وشركهم وضلالهم، علمنا علم اليقين أن الله ما رضي منهم الكفر والشرك والضلال، ولا طلبه منهم، ولا أمرهم به.
5 - إنهم في كلامهم السابق لا يصدرون عن علم، ولا يملكون عليه حجةً ولادليلاً ولا برهاناً، فإذا كان كذلك فكيف يقبلون هذا الكلام؟ ويصدِّقون أنفسهم فيه؟.
6 - إنهم في هذا الزعم الباطل متبعون للظن الخادع، والتخريص الواهمٍ، والحدس المضلّل، والتخمين المشكّك، فكيف يجعلون هذا علماً وحجة، ويزعمون بها النجاة يوم القيامة.
قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.
(1/158)

وهذه الآية هي بيانٌ لما يرضاه الله ومايامر به. وتقريرٌ لما يليق به سبحانه في هذا الموضوع -ارتكاب المحرمات والمعاصي والذنوب-.
إن الإِنسان هو الفاعل لما يختار. فهو الذي قد يقوم بالكفر والمعصية والفاحشة -ونلاحظ الفاعل في فعل " تكفروا "- فإذا فعل ذلك، فإنه لن يضر الله بجريمته، لأن الله غنيٌّ عنه، وسبحان من لا تضرّه معصية!.
ثم إن الله لا يقبل من هذا كفره وفجوره ومعصيته، ولا يرضاه -ونلاحظ الفاعل في فعل " لا يرضى لعباده "- فالإنسان هو الذي يختار الكفر، والله هو الذي لا يرضاه له.
أما إذا اختار الإنسان الإيمان والطاعة، وقام بالشكر لربه -فهو فاعل " تشكروا "- فإنه ينال بذلك رضوان الله، لأن الله هو الذي يرتب عليه الرضى -فهو فاعل " يرضه " والمفعول به هو الشكر- ويحقق له القبول، ويفيض على عبده الشاكر ما يفيض من رضوانه وتوفيقه وإنعامه.
إن الله خلق الإنسان مزدوج الاستعداد، عنده استعدادٌ للسير في طريق الخير، واستعدادٌ للسير في طريق الشر. {إِنّا هَدَيْناهُ السبيل إِمّا شاكِراً وَإِمْا كَفوراً}، وإن الله جعل فيه القدرة على اختيار أي الطريقين، ومتابعة السير فيها. {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} -وَنَدعو إلى إمعان النظر في الأفعال الستة، وملاحظة الفاعل في كل فعل منها، وتوظيف هذا في استخلاص لفتات إيمانية عقيدية في موضوع الهدى والضلال-.
وهذا الإنسان في اختياره لجانب الهدى أو الضلال، لن يخرج عن مشيئة الله سبحانه وعلمه، فإن الله هو الذي شاء له ذلك، وعلم ما سيقوم به:
(1/159)

{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.
إنه لن يخرج عن مشيئة الله، لأنه لا يقع في الكون شيء إلا بعلم الله ومشيئته سبحانه -وإلا ما كان إلهاً- فهو الخالق لكل شيء: {إِنّا كل شَيْء خَلَقْناه بِقَدَر}.
ولهذا: فهو شاء كُفْر هؤلاء وشركهم، بمعنى أنهم لم يفعلوه رغماً عنه -سبحانه- ولا أنه لم يكن عالماً بما سيختارونه - سبحانه -: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}.
كل شيء يحدث -ومنه كفر الكافرين ومعصية العصاة- فبمشيئة الله سبحانه الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
ولكن مشيئة الله لها مظهران وجانبان:
1 - مشيئة العلم: بمعنى علم الله بما سيكون، وما سيفعله هذا الإِنسان من خير أو شرّ، قبل أن يفعله هذا الإِنسان، وكون هذا الفعل في مشيئة الله وعلمه وتقديره قبل أن يخلق الكون وما فيه ومن فيه. وعلى هذا نحمل هذه النصوص:
{إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
(1/160)

2 - مشيئة الرضا: بمعنى رضى الله عن ما يفعله الإنسان وقبوله له، وأمره به وطلبه منه، فهذه لا تكون للكافرين والعصاة وأصحاب الذنوب والفواحش، بل تكون للمؤمنين الشاكرين العابدين {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ}.
***
(1/161)

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}
قال تعالى:
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا}.
الحديث في هذه الآية عن جهنم، حيث يجعل ورودها لجميع الناس. فما من إنسانٍ إلا سيرد جهنم، مسلماً كان أو كافرا.
وقد فهم بعض الناس أن الورود في الآية معناه الدخول في جهنم.
فقالوا: ما من إنسان -مسلماً كان أو كافراً- إلا سيدخله الله جهنم ويعذبه فيها. وينتقل هؤلاء من هذا الفهم المغلوط لمعنى الورود ولمعنى الآية، إلى تشكيك الصالحين بجدوى وفائدة وثمرة صلاحهم وعبادتهم وطاعتهم، ويزعمون لهم أنها لا تنفعهم يوم القيامة، بل يكونون معهم في نار حهنم. فالكل معذّب، صالحٌ وطالح، مطيعٌ ومذنبٌ، فلماذا يُتعبون أنفسهم في الدنيا بالعبادة والمجاهدة والتقوى؟، ولماذا لا يكونون مثل العصاة والمذنبين طالما سيكونون معهم في نفس المصير؟.
إن هذا فهمٌ مغلوطٌ، وتحريفٌ لمعناها، ودليل الجهل المرذول الذي وقع به هؤلاء: قول الله: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}.
(1/162)

فعند قراءة الآية الثانية -التي تقرر معنى الآية الأولى، وتبين المراد منها- نعلم أن المتَّقين ناجون، وأنهم غير معذبين، وغير داخلين في جهنم. بل المعذَّبون هم الظالمون الذين يتركهم الله في جهنم " جِثِيّا ".
هذا أمرٌ. وأمرٌ آخر: إن الورود ليس معناه دخول جهنم، بل معناه المرور عليها. المرور على الصِّراط المستقيم الذي يُنصب على شفيرها. فيجتاز المسلمون الناجون هذا الصّراط إلى جنة الله، بينما يمرّ عليه الكافرون والعصاة فيهوون عنه إلى جهنم -والعياذ باللهِ-.
روى مسلم في صحيحه عن أم مبشر الأنصارية رضي الله عنها: أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول عند حفصة: لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد -الذين بايعوا تحتها- قالت: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: {وَإنْ مِنْكُمْ إِلّا وارِدُها}، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قال الله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}.
وروى الترمذي عن السدي قال: سألتُ مُرَّةَ الهمداني عن قول الله تعالى: {وَإنْ مِنْكُمْ إِلّا وارِدُها}، فحدَّثني أن عبد الله بن مسعود حدّثهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يَرِدُ الناس، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحُضر الفَرَس، ثم كالراكب في رحله، ثم كشَدِّ الرجُل، ثم كمشيه ".
وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - " ثم يُضْرب الجسر على جهنم. وتحِل الشفاعة. ويقولون: اللهم سلِّم، سلِّم. قيل: يا رسول الله. وما الجسر؟
(1/163)

قال: دَحْضٌ مُزِلّة، فيه خطاطيف وكلاليبٌ وحَسَك، تكون بنجدٍ فيها شُويكة، يقال لها " السَّعْدان " غير أنه لا يعلم ما قدْر عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبَق بعمله، ومنهم المُجازَى حتى ينجو. فيمرّ المؤمنون كطَرْف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب. فناجٍ مُسَلَّم، ومخدوشٌ مرسل، ومكدوسٌ في نار جهنم ".
قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث، والأقسام الثلاثة هنا: " إنهم ثلاثة أقسام: قسم يَسْلم فلا يناله شيء أصلاً. وقسم يُخدش ثم يُرسل فيُخلص، وقسم يُكردس وُيلقى فيسقط في نار جهنم ".
وقال الإمام النووي في موضعٍ آخر، من شرحه على صحيح الإمام مسلم:
" اعلم أن مذهب أهل السنّة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحداً، دخل الجنة قطعاً على كل حال.
فإن كان سالماً من المعاصي، كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبةً صحيحةً من الشرك أو غيره من المعاصي، إذا لم يُحدث معصية بعد توبته، والموفّق الذي لم يُبتل بمعصيةٍ أصلاً.
فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلاً. لكنهم يَردونها على الخلاف المعروف في الورود.
والصحيح أن المراد به المرور على الصراط، وهو منصوبٌ على ظهر جهنم، أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه ".
***
(1/164)

{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْ}
قال تعالى:
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}.
تبين الآية الكريمة أن كل مجموعة من مجموعات المخلوقات الحيّة -سواء كانت دواباً في الأرض أو طيوراً في الفضاء- تعتبر أمةً مخصوصةً مستقلة، لها نظامها وكيانها وحياتها الخاصة، أمة مثل أمة الناس.
وتقرر الآية أن كل أمةٍ من هذه الأمم، ومجموعةٍ من هذه الخلائق، هي في كتاب الله وعلمه. وأن ذلك الكتاب لم يفرط شيئاً منها، مهما دقّ وصغر وقلّ. ثم تعود هذه الأمم والخلائق إلى ربها، وتُحشر إليه يوم القيامة.
فالمراد بالكتاب في الآية هو الكتاب الأزلي الذي أثبت الله فيه كل ما سيكون في السموات والأرض.
لكن بعض المفسِّرين والناظرين في القرآن لم يَحملوا الكتاب على هذا المعنى، بل قالوا: المراد بالكتاب في الآية هو: القرآن الكريم.
ويقول هؤلاء: إن القرآن الكريم حوى كل شيء في حياة الناس والكون، وإن الله لم يُفرط فيه شيئاً، ولم يُسقط منه شيئاً.
أورد الإمام الرازي في تفسير الآية القولين في المراد بالكتاب. ورجح القول الثاني الذي قال فيه:
(1/165)

" القول الثاني: أن المراد منه القرآن. وهذا أظهر. لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد، انصرف إلى المعهود السابق. والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن ".
وقد حمل كثير من الناظرين في القرآن في هذا العصر، الكتاب على القرآن الكريم، واعتبروا الآية دليلاً على الإعجاز العلمي في القرآن -كما يقولون- وأن القرآن فيه مختلف أنواع العلوم والمعارف والنظم والمناهج والتشريعات. فكم استشهد بالآية على هذا المعنى، خطباء ومحاضرون وكُتّاب ومتكلِّمون.
ونرى أن فهم هؤلاء للآية غير دقيق، واستشهادهم بها على ما يريدون غير صائب، وحملهم الكتاب فيها على القرآن غير سليم. ونرى بأنهم جميعاً يخالفون السياق الذي وردت فيه الآية، والمعنى العام لها.
لا يمكن أن يُراد بالكتاب في الآية القرآن الكريم، بل المراد به " اللوح المحفوظ " و " أم الكتاب " و " الكتاب المبين " الذي حوى كل ما سيكون في السموات والأرض، من الأمور الصغيرة والكبيرة، والدقيقة والجليلة، في الكون وحياة الإنسان والحيوان.
ودليلنا على هذا الفهم -الذي نراه صواباً إن شاء الله- عدة أمور: الأول: الموضوع العام للآية: حيث تقرر أن كل دواب الأرض، وكل حيواناتها، وكل حشراتها، وكل طيورها، وكل أناسيِّيِّها، أممٌ مستقلة منتظمة، فعالم النحل أمة، وعالم النمل أمة، وعالم الأسود أمة، وعالم النسور أمة، وهكذا.
(1/166)

وهذه الأمم الكثيرة التي لا تُحصى، سواء كانت في البر أو البحر أو الجو، كلها في كتاب الله وعلمه وتقديره وتدبيره، كلها في اللوح المحفوظ، الذي حوى أجناس تلك الأمم وأفرادها وحركاتها وأعمارها وأرزاقها. ولم يهمل هذا اللوح -أو الكتاب- شيئاً من ذلك، وما فرط الله فيه شيئاً من ذلك.
وإن هذه الأمم التي لا تُحصى سوف يحشرها الله إليه. وتخيل يوم الحشر، حيث حُشرت فيه كل هذه الأمم، من الإنس والجنّ والطير والدّواب والحيوانات والحشرات، وتمَّ الحساب أمام هذه الخلائق المجموعة.
ولا يمكن أن يُراد بالكتاب في الآية القرآن، إذ يستحيل أن تكون كل هذه الأمم -التي لا تُحصى- موجودة في القرآن، بأجناسها وأسمائها وأفرادها وأعمارها وحركاتها وأرزاقها.
الثاني: وردت آية أخرى تتحدث عن نفس الموضوع، وكان المراد بكلمة " كتاب " فيها علم الله باتفاق العلماء. وهي قول الله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.
فرزق كل الدّواب ومكان استقرارها ونومها وحركتها: في كتابٍ مبين وهو علم الله الشامل.
ونحن عندما نريد أن نتدبَّر القرآن، ونفهم آياته، ملزمون بتفسير القرآن بالقرآن، بمعنى أن نجمع الآيات ذات الموضوع الواحد، وننظر فيها معاً، ونستخرج دلالاتها مجتمعة.
فهاتان آيتان تتحدثان عن الأمم والدّواب والمخلوقات، وأنها كلها في كتابٍ مبين. والكتاب في آية سورة هود هو علم الله الأزلي باتفاق العلماء.
(1/167)

والكتاب في آية الأنعام يمكن أن يراد به علم الله الأزلي، ويمكن أن يراد به القرآن. لهذا وجب حمل آية الأنعام على آية هود، والقول بأن المراد بالكتاب في الآيتين هو علم الله الأزلي، نظراً لوحدة موضوع الآيتين.
الثالث: وردت كلمة " الكتاب " بمعنى علم الله الأزلي في غير الآيتين السابقتين، كما في قول الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ}.
وكما في قول الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}.
وهذا لا ينفي ورود كلمة " الكتاب " بمعنى القرآن الكريم، حيث وردت آياتٌ كثيرة بذلك. منها قوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}.
ومنها قوله تعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}.
الرابع: نفي التفريط عن الله في الكتاب، في قوله: {ما فَرطْنا في الكِتابِ مِنْ شَيْء} يدل على أن المراد به علم الله الأزلي.
قال الإمام الراغب في المفردات: " فرّط: إذا تقدم تقدماً بالقصد.
والإفراط أن يُسرف في التقدم. والتفريط أن يُقصر في الفَرَط وهو التقدم.
يقال: ما فرّطت في كذا: أي ما قصّرت ".
(1/168)

ولذلك يقال: خذ الأمر بدون إفراطٍ ولا تفريط. أي بدون مبالغةٍ في التقدم، ولا مبالغة في التقصير والتأخر.
وينفي الله سبحانه -في الآية موضوع البحث- عن نفسه التقصير والتفريط في علمه بالأمم المختلفة، من الإنس والجنّ والطير والدّواب والحشرات. إذ أن كل ما يتعلق بها تفصيلياً، مثبتٌ في اللوح المحفوظ.
وقد ذهب كثيرٌ من أهل السلف إلى أن المراد بالكتاب في الآية اللوح المحفوظ، وعلم الله الأزلي الذي أحاط بكل ما هو كائن.
حيث أورد إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري، طائفةً من أقوالهم في
ذلك: فعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}، ما تركنا شيئاً إلا قد كتبناه في أم الكتاب.
وعن الإمام ابن زيد قال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. كلهم مكتوب في أم الكتاب.
وأورد السيوطي في " الدر المنثور " طائفةً أخرى من أقوالهم:
فعن قتادة قال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}: من الكتاب الذي عنده.
وعن ابن زيد في قوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}. قال: لم نغفل الكتاب. ما من شيء إلا وهو في ذلك الكتاب.
وعن عبد الله بن زيادة البكري قال: " دخلتُ على ابنيْ بشر المازنيَّيْن -صاحبيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقلتُ: يرحمكما الله، الرجل منا يركب الدّابة، فيضربها بالسوط أو يكبحها باللجام، فهل سمعتما من رسول الله
(1/169)

صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً؟ فقالا: لا. فنادتني امرأة من الداخل فقالت: يا هذا، إنَّ الله يقول في كتابه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} ".
فقالا: هذه أختنا، وهي أكبر منّا. وقد أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونورد -من باب استكمال الفائدة- آياتٍ من القرآن تدل على شمول القرآن للأحكام والتشريعات، وتقدم الشهادة بصورة لا مطعن فيها ولا رفض ولا ردّ، لأن معناها وموضوعها وسياقها يوحي بذلك:
من هذه الآيات قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}.
وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
وقوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ}.
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ}.
***
(1/170)

{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}
قال تعالى:
{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
ما أكثرَ ما يساءُ فهم هذه الآية في هذا الزمان، وما أكثر ما يساء الاستشهاد بها، وما أكثر ما يحرَّف معناها.
إننا نرى ونسمع كثيرين -ممن ركنوا إلى الظالمين وباعوا أنفسهم لهم- يريدون أن يبرروا لأسيادهم أعمالهم ومواقفهم، فيتوجهون إلى الآية، ويوظفونها لهذه الغاية.
يريد حاكمون أن يهادنوا أعداءهم من اليهود، ويختارون أن يفاوضوهم ويسالموهم ويصالحوهم، ويرفضون قتالهم وجهادهم، ويلغون الحل الجهادي والخيار العسكري القتالي، ويفتحون أبواب الحل السلمي والمفاوضات والمهادنة، ويرغبون في الصلح مع الأعداء، والتنازل لهم عن جزء من الأراضي المحتلة. ويَظْهرون على شعوبهم بهذا الاختيار، ويدعونهم كي يكونوا معهم فيه.
ويلجأ أناس ممن ركنوا إلى هؤلاء الحكام، وارتبطوا بهم، وباعوا أنفسهم ودينهم لهم -من حملة الشهادات الشرعية وأصحاب الوظائف
(1/171)

الإسلامية الرسمية- إلى القرآن الكريم، يبحثون فيه، ويقلِّبون في سوره وآياته، لعلهم يجدون آيةً يحرِّفون معناها لخدمة أسيادهم، ويوظفونها شاهدةً على صواب أعمالهم.
وفي موضوع المصالحة للأعداء ومفاوضتهم ومهادنتهم يقولون: لقد وجدناها:
إن هذه الآية -كما يزعمون- تدل على جواز الحل السلمي، وإلغاء الحل العسكري الجهادي، وتُبارك مفاوضة الأعداء اليهود، ومهادنتهم، والتنازل لهم عن بعض الأراضي.
وهذا تحريفٌ لمعنى الآية، وتأويلٌ مرفوضٌ لمفاهيمها، وتفسيرٌ باطلٌ لها.
ننظر أولاً في السياق الذي وردت فيه الآية.
قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}.
(1/172)

لا يجوز فصلُْ الآية عن سياقها، حتى لا نخطئ في فهمها وتفسيرها، لأن النظر في السياق شرطٌ لصحة تفسيرها، وواجبٌ على من أراد حسن فهمها.
إنها آيةٌ ضمن مجموعةٍ من الآيات عن موضوع الحرب والجهاد، والعلاقات بين المسلمين والكفار:
الكفار دواب. والكفار ينقضون عهودهم مع المسلمين في كل مرة، ولهذا يجب على المسلمين أن يقاتلوهم بقوةٍ وغلْظة وشجاعة، بحيث يوقِعون الرعب في قلوب الآخرين، ويشردونهم فلا يفكرون في قتال المسلمين. وإذا ما حاول الكفار نقض العهد مع المسلمين، فعلى المسملمين أن يُعلِموهم بإلغاء العهد معهم، وإعلان الحرب عليهم. وإن الكافرين لا يعجزون المسلمين ولا يغلبونهم.
وتطالب الآيات المسلمين بإعداد كل ما يقدرون عليه من ألوان القوة، وأساليب الجهاد، وأسلحة القتال، لمواجهة الأعداء، وبث الرعب في نفوسهم.
وهذا الإِعداد والاستعداد، وهذا القتال والجهاد، كفيلٌ بأن يجعل الكفار يائسين من الحرب، راغبين في المسالمة والمهادنة، طالبين للحل السلمي مع المسلمين، مظهِرين رغبتهم في مفاوضة المسلمين على إلقاء السلاح وترك القتال، والخضوع للمسلمين في ما يطلبون.
إنَّ الكفار لن يصلوا إلى هذا الأمر، إلا إذا قاتلهم المسلمون بغلظة وشجاعة، وحشدوا لهم كلَّ القدرات والطاقات، وأعَدوا لحربهم كل أساليب القوة.
فإذا أوصل المسلمون الكافرين إلى هذه النتيجة، ومال هؤلاء الكافرون
(1/173)

للصلح، وجنحوا للسّلم، وتركوا القتال. فعلى المسلمين أن يجنحوا للسّلم، وأن يقبلوا الصلح.
لا تجيز الآية للمسلمين أن يبدأوا هم بالجنوح إلى السلم، وطلب الصلح، وإنما تُجيز لهم أن يَقبلوا جنوحَ الكافرين للسلم وطلبهم للصلح.
على الكافرين أن يبدأوا بالجنوح ويخطوا الخطوة الأولى، وعلى المسلمين أن يقبلوا ذلك ويخطوا الخطوة الثانية.
وهذا ما نأخذه من صياغة الآية: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها}، حيث جاءت جملةً شرطية، وجواب الشرط دائماً مترتبٌ على فعل الشرط.
{جنحوا للسلم} فعل الشرط، والذين يقومون بالفعل هم الكفار.
{فاجنح لها} جواب الشرط، والذين يقدِّمون الجواب هم المسلمون.
ولا يمكن أن نأخذ من الآية أن يبدأ المسلمون بطلب الصلح والجنوح للسلم
-كما يريد أن يفهم ذلك بعض المحرِّفين لمعاني القرآن-.
والجُنوح هو الميل كما قال الراغب: {وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها}، أي مالوا. من قولهم: جنحت السفينة، أي مالت إلى أحد جانبيها.
وهناك لفتةٌ لطيفةٌ في جعل الدعوة إلى الصلح والجنوح إلى السلم، بيد الكفار، وذلك لأن الذي يوجّه هذه الدعوة، ويميل إلى المسالمة، ويعدل عن الجهاد والقتال، يكون -غالباً- في موقف الضعيف العاجز عن القتال والجهاد، وهذا الضعف قد يقود إلى الذلة والهزيمة. كما أن نتيجة مسالمة هذا الجانح للسلم ومفاوضته مع خصومه، تجعله -غالباً- في موقف الخنوع والخضوع، وتوصله -غالباً- إلى الذلة والمهانة، والاستسلام للخصم، والاستجابة لطلباته.
(1/174)

ولأجل هذه المعاني كلها تَنهى الآية المؤمنين عن البدء بالدعوة إلى السلم، والجنوح إليه. أما إذا جنح الكفار لذلك، وعرف المسلمون حالتهم التي أمْلَت عليهم المسالمة، فعلى المسلمين أن يجنحوا لها، وأن يحققوا ما يريدون عن طريق السلم والمفاوضة والمصالحة والمهادنة، لأن الكفار جاؤوا مسالمين مستسلمين خاضعين.
وإذا ما نظرنا في ورود هذه الكلمة " السَّلم " في القرآن، فإننا نرى أنها لم ترد إلا في موضعين:
الموضع السابق: {وِإنْ جَنَحوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها} حيث تجعل البدء بالدعوة إلى السلم للكفار، لما قلناه.
الموضع الثاني: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}.
وهذه الآية تنهى المسلمين عن البدء بالدعوة إلى السَّلم، وتجعل هذا نتيجةً للوهن والضعف والهوان، فلا يجوز للمسلمين أن يكونوا كذلك، ولا أن يدعوا إلى المسالمة والمهادنة، يجب أن يكونوا دائماً متفوّقين غالبين، يشعرون بأنهم الأعلون، لأن الله معهم.
وبالنظر في الآيتين نخرج بما قلناه: لا يجوز أن يدعو المسلمون إلى السلم والمسالمة، لأنها دليل الضعف والهوان، أما إذا ضعف الكافرون، ودعوا إلى ذلك، فعلى المسلمين الاستجابة، وإملاء شروطٍ على الكافرين، وإخضاعهم لما يريدون.
ومن باب الفائدة نقدم هذه اللطيفة من لطائف التعبير القرآني: ورد في القرآن ثلاث كلمات: السِّلْم، السَّلْم، السَّلَم.
(1/175)

السِّلم ورد مرة واحدة. في قوله تعالىِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.
فالمراد بالسِّلم الإسلام، حيث تطلب الآية من المؤمنين أن يدخلوا في الإِسلام جميعاً بجميع حياتهم، وأن يلتزموه عملياً وسلوكياً وحياتياً.
أما السَّلْم فقد ورد مرتين:
{وَإنْ جَنَحوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها} و {فَلا تَهِنوا وَتَدْعوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْن}.
والمراد بالسَّلْم هو المسالمة، والخضوع الناتج عن الضعف والذل والجبن والهوان، وهذا لا يجوز أن يقوم به المؤمنون، بل المفروض أن يقوم به الكافرون.
وأما السِّلَم: فهو الاستسلام التام الكامل.
وفي موضوع المواجهة بين المسلمين والكفار، السَّلَم هو نتيجةٌ طبيعيةٌ للدعوة إلى السَّلْم. فطالما مُنع المسلمون من الدعوة إلى السَّلْم فلا يجوز أن يقعوا في السَّلَم، وطالما هذه الدعوة إلى السَّلْم صادرةٌ عن الكفار، فيجب أن نوصلهم إلى السَّلَم، وأن تكون نتيجة دعوتهم إلى السَّلْم، أن يكونوا مستسلمين لنا استسلاماً تاماً كاملاً.
قال تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}.
(1/176)

{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا}
قال تعالى:
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
تقرر هذه الآية حكم المحاربين للخليفة المسلم، الخارجين عليه، الذين يعلنون الحرب على المسلمين، وتبين الحد الذي يوقعه بهم، وهو الذي أسماه الفقهاء والمفسرون " حَدّ الحرابة ".
إن الحكم فيهم: أن من ظفر به الإمام منهم فيقتله، أو يصلبه، أو يقطع يديه ورجليه، أو ينفيه من الأرض.
وهناك خلاف بين المفسرين في هذه العقوبات وإيقاعها بالمحاربين، وخلاف في معنى " أو ":
1 - قال بعضهم: هي عاطفة، فيوقع بهم الإمام العقوبات مجتمعة، فيقتل ويصلب ويقطع الأيدي والأرجل.
2 - وقال آخرون: إنها تخييرية، بحيث يكون الإمام مخيراً في العقوبة التي يوقعها بهم، واختيار نوع العقوبة تحدده مصلحة الجماعة المسلمة من جهة، ودرجة خطورة هؤلاء المحاربين من جهة أخرى.
(1/177)

وما نرجحه هو أن هذه العقوبات مرتبة على حسب الجناية. فمن قَتل ولم يأخذ مالاً قُتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قُطع، ومن قَتل وأخذ المال قُتل وصُلب، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يأخذ مالاً، نُفي من الأرض.
وهذا الحكم في المحاربين، يخطئ فيه بعض المعاصرين، حيث يطبقه على الدعاة، وهذه الآية يستشهد بها بعض المعاصرين، على وجوب إيقاع حد الحرابة على هؤلاء الدعاة، ويبيحون لأعدائهم قتلهم وصلبهم وشنقهم وتعذيبهم.
لقد كثر في العصر الحاضر المحاربون لله ولرسوله ولدينه -وبخاصة من المتحكمين والمترئسين والمتنفذين في بلدان المسلمين- بحيث أقصوا شرع الله وهجروا دينه، وطبقوا على الناس شرع الجاهلية، فضلوا وأضلوا، وذلوا وأذلوا، وفسدوا وأفسدوا.
ويقوم مسلمون عاملون ودعاة مصلحون ينشرون دين الله ويدعون إليه، وينكرون المنكرات وينصحون ويُذكِّرون. فيتعرضون بسبب هذا إلى بطش الحاكمين وظلمهم، وبغيهم وانتقامهم.
فيحاربونهم ويعذبونهم، ويطلقون عليهم أشنع النعوت، ويصفونهم بأقبح الصفات، ويثيرون ضدهم أسوأ الإشاعات والدعايات.
فيعتبرونهم خارجين على الطاعة والنظام، وهم من ثَمّ مخربون مفسدون مدمرون، إرهابيون ضالون مضلون. محاربون لله ولرسوله، وللإمام ونظامه، فيأخذونهم ويعذبونهم ويقتلونهم ويشنقونهم.
وينبري موظفون في الدولة من أصحاب الوظائف الإسلامية الرسمية، فيباركون للحاكمين أفعالهم، ويجعلون لها سنداً شرعياً، ويصدرون لهم فتاوى
(1/178)

إسلامية، يجيزون لهم فيها ما فعلوه ضد الدعاة والمصلحين، ويحرفون الكلم عن مواضعه، ويجعلون الحق باطلاً والباطل حقاً.
ويعتمدون على هذه الآية في فتاويهم وتبريراتهم، فيحرفون معناها ودلالتها وحكمها، ويقتلون الدعاة بها، ويدينونهم من خلالها.
وهم يعلمون أنهم كاذبون محرِّفون ضالون مضلون، لكنه التلاعب بالدين، والتزلف للسلاطين، والتحريف لكلام رب العالمين، والركون إلى الظالمين.
أما الذين تنطبق عليهم الآية، وأما المحاربون الذين تصفهم الآية، والحكام الذين تُحرّم الآية الخروج عليهم، فقد اخترنا -في بيان ذلك- كلاماً للإمام الشهيد سيد قطب، باعتباره ممن عاش هذه المأساة، واصطلى بنار تلك الفتنة، وأصابته الفتاوى الظالمة، والتحريفات الباطلة، وحُكم عليه بالإِعدام، اعتماداً على حكم الآية في المحاربين، حيث اعتبره الضالون من البغاة المحاربين.
" وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها النص، هي الخروج على الإِمام المسلم، الذي يحكم بشريعة الله، والتجمع في شكل عصابة، خارجة على سلطان هذا الإِمام، تعتدي على أهل الإسلام، وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم.
وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة الله، المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة، لا يحاربون الحاكم وحده، ولا يحاربون الناس وحدهم، إنما هم يحاربون الله ورسوله، حينما يحاربون شريعته، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة، ويهددون دار الإسلام المحكومة بتلك الشريعة.
كما أن للنص -في صورته هذه- مفهوماً آخر متعيناً لهذا المفهوم، هو أن السلطان الذي يحق له -بأمر الله- أن يأخذ الخارجين عليه بهذه
(1/179)

العقوبات المقررة لهذه الجريمة، هو السلطان الذي يقوم على شريعة الله ورسوله، في دار الإسلام المحكومة بشريعة الله ورسوله، وليس أي سلطان آخر، لا تتوافر له هذه الصفة، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف.
نقرر هذا بوضوح، لأن بعض أذناب السلطة في كل مكان، كانوا يُفتون لحكامٍ، لا يستمدون سلطانهم من شريعة الله، ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم، ولو زعموا أنهم مسلمون. كانوا يُفتون لهم بأنْ يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات، باسم شريعة الله، بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون الله ورسوله، بل يحاربون سلطةً خارجةً على الله ورسوله. إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة الله في دار الإسلام، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة الله، وما لمثل هذه السلطة وشريعة الله، إنها تغتصب حق الألوهية وتدّعيه، فما لها لا تتملك بقانون الله وتدعيه ".
(1/180)

{أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَ}
قال تعالى:
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.
إذا أراد الله إهلاك قرية من القرى فإنه يقيم عليهم الحجة قبل إهلاكهم، إنه يأمرهم بالطاعة والعبادة وينهاهم عن الفسوق والعصيان. ولكن المترفين في تلك القرية يعصون أمر الله، ويرفضون طاعته، ويختارون الفسوق والعصيان. عندها يحق عليها أمر الله، ويوقع بها عذابه، ويدمرها تدميراً.
هذا هو المعنى الصحيح، والفهم المستقيم للآية.
لكن بعض المسلمين قد يخطئ النظر فيها، ويخطئ فهم معناها، ويخطئ القول في تفسيرها، فيقول كلاماً، ينسب فيه لله ما لا يليق، ويثير منه إشكالاتٍ وهمية.
معنى الآية عند هؤلاء: أنّ الله يأمر المترفين في الآية بالفسق والعصيان، فيفسقون ويعصون، فيدمرهم الله تدميراً.
وهذا كلامٌ خاطئٌ، فيه نسبة ما لا يليق إلى الله، وزَعْم أنه سبحانه يأمر بالفسق والعصيان.
(1/181)

والقرآن صريحٌ في نفي هذا عن الله سبحانه بآيات صريحة.
من ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}.
وقد سبق أن تحدثنا عن هذه الآية، وصحَّحْنا القول فيها، وصوَّبْنا الفهم لها.
اتفق المفسرون على أن الأمر في هذه الآية: {أَمَرْنا مُتْرَفيها فَفَسَقوا فيها}، ليس من باب الأمر بالفسق والمعصية لأن الله لا يأمر بالفحشاء.
ثم اختلفوا في المراد بالأمر.
فالإمام الزمخشري يرى أنه أمْرٌ لهم بالفسق مجازاً وليس حقيقة، ووجه المجاز عنده، أنه أنعم عليهم بالمال ليشكروا، فجعلوا هذا المال وسيلةً للفسق والعصيان.
قال في الكشاف: " أمرناهم بالفسق ففعلوا. والأمر مجاز، لأن حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم افسقوا، وهذا لا يكون. فبقي أن يكون مجازاً.
ووجْه المجاز: أنه صب عليهم النعمة صباً، فجعلوها ذريعةً إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب إيلاء النعمة فيه. وإنما خوَّلهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الإحسان والبر، كما خلقهم أصحاء أقوياء، وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية. فآثروا الفسوق، فلما فسقوا حق عليهم القول، وهو كلمة العذاب، فدمرهم ".
(1/182)

وكلام الزمخشري هنا لطيفٌ وطيبٌ وحسن. حيث اعتبر نعمة الله على الناس، ذريعةً للطاعة، وسبباً للتقوى، ووسيلة للشكر.
وهؤلاء المترفون لم يستخدموا هذه النعمة كما يريد الله، ولم يؤدوا فيها حق الله، بل جعلوها ذريعة للفسق والمعصية، وهم لولا هذه النعمة لما تمكنوا من المعصية، ولولا الترف لما تمكنوا من الفسوق واتباع الشهوات.
لقد لاحظ الزمخشري تصرفهم في المال، واستخدامهم للنعمة. وهذا الْتفاتٌ منه إلى أهمية السلوك والتصرف والممارسة العملية، لأن لسان الحال أبلغ من لسان المقال، ومجال العمل أكثر دلالة على حقيقة ما في النفس.
وذهب كثيرٌ من المفسرين إلى أن المراد بالأمر في الآية، الأمر بالمعروف الذي هو ضد النهي، وأنه على ظاهره، وأن متعلقه محذوف، وأن فيها تقديراً.
ومعنى الآية عند هؤلاء: {أمرنا مترفيها}: بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوا به. {ففسقوا}: أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله. {فحق عليها القول}: أي وجب عليها الوعيد. {فدمرناها تدميراً}: أي أهلكناها إهلاكاً مستأصلاً، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.
وقد علق الإمام الشنقيطي في أضواء البيان على هذا القول الذي أورده بقوله: " وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ".
وبقوله: " وهذا القول الصحيح في الآية جارٍ على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني، أي أمرته بالطاعة فعصى، وليس المعنى: أمرته بالعصيان ".
(1/183)

وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأمر في الآية: أمرٌ كونيٌّ قدَريّ. أي قدَّرنا عليهم ذلك وسخرناهم له، لأن كُلاً ميسرٌ لما خلق له.
وقال بعضهم بأن (أَمَرْنا) بمعنى أكثرنا، أي أكثرنا مترفيها ففسقوا فيها.
وقال بعضهم بأن الميم فيها مشددة " أَمَّرْنا " من التأمير والسلطان، وليس من الأمر، أي جعلنا المترفين أمراء وسلاطين. فيتسلطون على الآخرين ويحكمونهم، وينتج عن حكمهم الفسق والعصيان، لأن الفسق ملازمٌ للترف الفاجر.
قال الإِمام الراغب في المفردات: " وقوله: {أَمَرْنا مترفيها}، أي أمرناهم بالطاعة، وقيل: معناه كثّرناهم. وقال أبو عمرو: لا يقال: أَمَرت بالتخفيف في معنى كثرت، وإنما يقال: أمَّرْت، وآمَرْت.
وقال أبو عبيدة: قد يقال: أَمَرْت بالتخفيف، نحو خير المال مُهْرَة مأمورة. وقُرئ: أَمَّرنا: أي جعلناهم أمراء، وعلى هذا حمل قوله تعالى: {وَكَذلِكَ جَعَلْنا في كُل قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِميها لِيَمْكُروا فيها}. وقُرئ أَمَّرنا: بمعنى أكثرنا ".
القراءات في الآية ثلاث:
1 - أَمَرْنا: بالقصر والتخفيف، من الأمر الذي هو ضد النهي.
2 - آمَرْنا: بالمد والتخفيف، بمعنى كثّرنا المترفين.
3 - أَمَّرْنا: بالقصر والتشديد، من التأمير بمعنى التسليط والحكم.
وقد وردت أقوال العلماء والسلف بهذه المعاني الثلاثة. أوردها الإمام الطبري في تفسيره الجامع، والسيوطي في الدر المنثور.
(1/184)

قال ابن عباس: أمرنا مترفيها بحقٍّ فخالفوه، فحق عليهم بذلك التدميرُ.
وقال ابن عباس مرجحاً قولاً آخر فيها: أمرنا مترفيها: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب، وهو قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا}.
ولذلك لما سال نافعُ بن الأزرق -زعيم الخوارج- ابنَ عباس رضي الله عنهما في موسم الحج عن آياتٍ من القرآن. سأله عن معنى {أمرنا مترفيها}، فقال: سلطنا الجبابرة عليهم فساموهم سوء العذاب.
قال له نافع: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول لبيد بن ربيعة:
إنْ يُعْطِبُوا يَبْرِموا، وَإنْ أُمِّروا ... يَوْماً يَصيروا لِلْهُلْكِ والْفَقَدِ
وعن أبي العالية: أمرنا مترفيها: أمّرنا عليهم أمراء.
وعن ابن عباس أنه قرأ: آمرنا. قال: أكثرنا فساقها.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نقول للحي إذا كثُروا في الجاهلية: قد أَمروا بني فلان.
وبعد هذه الأقوال: نقول: المعنى الراجح للآية: أنّ المراد بالأمر حقيقته التي هي ضد النهي. وأن الله يأمر المترفين بالطاعة، فيخالفون أمره، ويقومون بالفسق والمعصية، فيحق عليهم أمر الله، ويوقع بهم العذاب والدمار.
والملاحظ في الآية أنها أثبتت الفسق للمترفين، ولكنها أوقعت التدمير بكل أهل القرية، مترفين وغير مترفين! فما ذنب الآخرين؟
(1/185)

الملاحظ أن غير المترفين معذبون معهم، إما لأنهم شاركوهم الفسوق والعصيان واتباع الشهوات، وذلك لأن المعصية تُعدي، والمترفون يحرصون على إفساد الآخرين ونشر المنكرات والمعاصي والشهوات بينهم، وطالما أنهم المتنفذون فإن الآخرين ينقادون لهم، ويستجيبون لإفسادهم. وتيار الشهوات جارف، ووباؤها منتشر.
وإما لأنهم جبُنوا عن الإنكار، وسكتوا عن الأمر بالمعروف، ولاذوا بالصمت، فلم ينكروا على المترفين فسقهم وفسادهم، ولم يأخذوا على أيديهم، ولم يُحذروا الناس من خلالهم. والله عز وجل يقول: {وَاتَقوا فِتْنَةً لا تُصِيبَن الذينَ ظَلَموا مِنْكُمْ خاصَّة}.
إن هذه الآية تقرر سنة ربانية ثابتة من سنن الله في حياة البشر:
إن المترفين هم سبب الهلاك والدمار. وإن المترفين حريصون على الشر والفسق والفساد بين الآخرين. وإن المترفين مخالفون لأوامر الله، مرتكبون للنواهي والمحرمات. وإن المترفين فاسقون عصاة. وإن الترف ملازمٌ للفسق. وإن الدمار والهلاك والعذاب هو النتيجة المنطقية لكل هذه الجرائم. ولا يظلم ربك أحداً.
***
(1/186)

{لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}
وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
تَنهى هذه الآية المؤمنين عن أكل الربا، وتصف هذا الربا المنهي عنه بأنه أضعافٌ مضاعفة. وتطالبهم بتقوى الله وترك الربا، إن أرادوا فلاحاً وفوزاً، وتوفيقاً وسعادة.
وينظر بعض المتلاعبين بالنصوص، أو المستهزئين بالأحكام الشرعية، أو ممن باعوا دينهم بدنيا غيرهم، من الذين تَزَيَّوا بزي العلماء، وشغلوا مراكز إسلاميةً رسميةً، عند حكوماتٍ قائمة، تتعامل بالربا وتأكله وتعيش عليه، وتجعله قاعدة نظامها الاقتصادي، فيسارع هؤلاء التجار بإصدار الفتاوى لحكامهم يبيحون لهم فيها الربا.
ينظر هؤلاء في هذه الآية، فيحرفونها عن معناها، ويسيئون فهمها، ويعتبرونها دليلاً على إباحة الربا، إذا كانت فائدته قليلة.
ويقول التجار هؤلاء بأن الربا ليس حراماً، إلا إذا كان أضعافاً مضاعفة تتجاوز الثلث أو النصف. أما إذا كان الربا قليلاً لا يتجاوز العشرة أو الخمس
(1/187)

عشرة بالمائة، فإنه مباحٌ وليس محرَّماً في دين الله. وعندما تطالبهم بالدليل على هذه الفتوى الجائرة، يقدمون هذه الآية: {لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}.
وهم مغالطون محرِّفون، وهم يعلمون أنهم مغالطون محرفون، وأنهم يكذبون على الله ورسوله ودينه. ولكنه الضلال والانحراف. وصدق الله حيث يقول فىِ هؤلاء: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ}.
لقد صدرت عدة فتاوى في العصر الحاضر، من عدد من الشيوخ الذين شغلوا مناصب رسميةً عليا، في دول عربية وإسلامية، أباحوا فيها لهذه الدول التي تتعامل بالربا، أن تتعامل بنوكها بالربا، وأن تُصدر قروضاً بالربا لمواطنيها، وأن عملها ليس حراماً ما دام الربا دون العشرة بالمائة.
كما أباح بعضهم للدولة، أن تأخذ قروضاً بالربا من الدول الأخرى والبنوك الدولية، لأن المحرم عند هؤلاء، هو الذي يكون بين الأفراد، وليس ذلك الذي يكون بين الدول.
وهذه الفتاوى ما أرادوا بها وجه الله، بل التزلف للحاكمين، وإرضاء انحرافاتهم، وتبرير منكراتهم، وهم بذلك نالوا غضب الله سبحانه.
الآية -موضوع البحث- لا تدل على إباحة الربا القليل. كل ما يؤخذ منها: أنها تشير إلى طبيعة الربا المتداول بين الناس في العصر الجاهلي القديم، وهو أنه يتضاعف أضعافاً مضاعفة. فإذا عجز المدين عن السداد في الوقت المحدد طالب بتمديد المدة مقابل مضاعفة الربا، وبهذا يتضاعف عدة مرات.
(1/188)

{أضعافاً مضاعفة} في الآية، ليس قيداً للربا المحرم، وإنما هو وصفٌ لبيان الواقع التاريخي، الذي كان يعيشه الناس في ذلك الزمان.
أما القرآن فإنه صريحٌ في تحريم الربا كله، قليله وكثيره، ولو كان درهماً واحداً، ولو كان أقل من واحدٍ بالمائة.
قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرمَ الرِّبا}.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}.
قال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: " نقف عند الأضعاف المضاعفة، فإن قوماً يريدون في هذا الزمان، أن يتواروا خلف هذا النص، ويتداروا به، ليقولوا إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة والسبعة والتسعة. فليست أضعافاً مضاعفة، وليست داخلة في نطاق التحريم!
ونبدأ فنحسم القول، بأن الأضعاف المضاعفة وصفٌ لواقع، وليست شرطاً يتعلق به الحكم. والنص الذي في سورة البقرة قاطعٌ في حرمة أصل الربا - بلا تحديد ولا تقييد {وَذَروا ما بَقيَ مِنَ الرِّبا} أياً كان!
فإذا انتهينا من تقرير المبدأ، فرغنا لهذا الوصف، لنقول: إنه في الحقيقة ليس وصفاً تاريخياً فقط للعمليات الربوية التي كانت واقعةً في الجزيرة، والتي توَجَّه إليها النهي هنا بالذات. إنما هو وصفٌ ملازمٌ للنظام الربوي المقيت، أيّاً كان سعر الفائدة.
(1/189)

إن النظام الربوي معناه إقامة دورة المال كلها على هذه القاعدة. ومعنى هذا أن العمليات الربوية ليست عملياتٍ مفردة ولا بسيطة. فهي عملياتٌ متكررةٌ من ناحية، ومركبَّةٌ من ناحيةٍ أخرى، فهي تُنشئ مع الزمن والتكرار والتركيب، أضعافاً مضاعفة بلا جدال.
إن النظام الربوي يحقق بطبيعته دائماً هذا الوصف. فليس هو مقصوراً على العمليات التي كانت متبعة في جزيرة العرب. إنما هو وصفٌ ملازمٌ للنظام في كل زمان ".
***
(1/190)

{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}
قال تعالى:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
التعاون بين المسلمين ضرورةٌ حياتية، وحقيقةٌ بدهية. ولكن هذا التعاون نوعان: تعاونٌ مطلوب، وتعاونٌ ممنوع. وهذا الحكم حسب المجال الذي يكون فيه التعاون. فهو مطلوبٌ مندوبٌ مرغوبٌ فيه عندما يكون مجاله مباحاً، وميدانه مسموحاً، ووسائله مشروعة. بينما يكون ممنوعاً محرَّماً منهياً عنه، عندما يكون مجاله محرَّماً، ووسائله غير مشروعة.
وهذه الآية تشير إلى النوعين، وتعرِّفنا على المجالين، وتبين لنا متى يكون مطلوباً، ومتى يكون ممنوعاً.
التعاون مطلوبٌ مرغوبٌ فيه، عندما يكون على البر والتقوى. والتعاون محرَّمٌ منهيٌّ عنه، عندما يكون على الإثم والعدوان.
ويقوم بعض المحرفين في هذا الزمان -وما أكثرهم- بتحريف معنى هذه الآية، والاستشهاد فيها في غير ما سيقت له، وما لا تدل عليه.
(1/191)

كم من الأعمال المحرَّمة استشهدوا لجوازها بهذه الآية، واعتبروها تعاوناً على البر والتقوى، وكم من الوسائل غير المشروعة اعتبروها تعاوناً على البر والتقوى، وكم من المجالات الممنوعة اعتبروها تعاوناً على البر والتقوى.
هناك جمعياتٌ تزعم عمل الخير، وتدَّعي أنها جمعياتٌ خيرية، تقوم بأعمالٍ غير مشروعة شرعاً، وتطلب من الآخرين دعمها ومساعدتها والتعاون معها، فتُصْدر ما أسمته " اليانصيب الخيري " -وهو المسمى في الشريعة " القمار "- وتزعم أن ثمن هذا اليانصيب مخصصٌ للأعمال الخيرية، وتجعل الآية شاهدةً لها، وشعاراً لعملها. و {تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى}.
وهناك جمعياتٌ أخرى تستقدم فرقاً راقصة، وتعرض مسرحيات محرمة، وتقدم نساءً متبرجات، وأغنيات باطلة، وموسيقى فاجرة، وتزعم أن كل هذا تعاونٌ على البر والتقوى.
وبعض الناس قد يقومون بأعمال الغش والتزوير والخداع، ويجعلونها تعاوناً على البر والتقوى. فقد تجد طالبَيْن في الامتحان يتفقان على تبادل الغش فيه، ويعتبران هذا بِرّاً ومساعدةً وتعاوناً، ويهتفان لك: وتعاونوا على البر والتقوى.
وكل هؤلاء مخطئون في أعمالهم، مخطئون في استشهادهم بهذه الآية، وإن أعمالهم في الحقيقة تدخل ضمن القسم الثاني منها، إنها تعاونٌ على الإثم والعدوان.
ونلاحظ في هذه الآية أنها قرنت بين أمرين مباحين ووسيلتين مشروعتين، وهما " البر والتقوى "، كما قرنت بين أمرين محرمين ووسيلتين غير مشروعتين، وهما " الإثم والعدوان ".
وهناك آياتٌ أخرى فعلت ذلك. منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ
(1/192)

فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
فالبر مقرونٌ بالتقوى. وكل الأمور المباحة والأعمال المشروعة هي برٌّ وتقوى، والتعاون عليها تعاونٌ على البر والتقوى. وما أكثر هذه الخصال والمجالات والأعمال في حياة المسلمين! فلماذا لا يتعاونون عليها، والتعاون عليها واجبٌ إسلامي، وعبادةٌ ربانية، وسبيلٌ لنيل الأجر عند الله ونفع وعبادة، وأحب الناس إلى الله أنفعهم لعباده.
والإثم مقرونٌ بالعدوان، وكل تعاونٍ فيه تعاونٌ على باطلٍ محرم، وسببٌ لغضب الله وعذابه. وقد ذم الله أهل الكتاب في تعاونهم على الإثم والعدوان، ومسارعتهم فيه بقوله: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
(1/193)

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ}
قال تعالى:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
تقرر هذه الآية وجوب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترتب على هذا الفلاح والنجاح والفوز، وتوجب على المسلمين أداء هذا الواجب، والقيام بهذه المهمة.
وقد ورد التكليف بهذه العبارة {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ... }.
قد يقف أحدهم أمام العبارة، ويحاول أن يوظفها دليلاً على تهربه من القيام بهذا الواجب، باعتبارها لا تخصه هو، وإنما تخص مجموعة من المسلمين فقط.
تستوقفه كلمة " من " في العبارة، فيعتبرها بمعنى التبعيض، وتدل -عنده- على أن هذا التكليف واجبٌ على بعض المسلمين وليس على مجموعهم. لذلك تراه يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس واجباً على كل مسلم، فإذا لم يقم به بعض المسلمين لا يكون تاركاً لواجب، ولا عرضةً للنار يوم القيامة. وإنما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجبٌ
(1/194)

على مجموعةٍ من المسلمين -على حسب فهمه- وهم العلماء والشيوخ والموظفون في وظائف إسلاميةٍ رسمية، يقومون بهذا في الخطب والدروس والمحاضرات والندوات. أما هو وأمثاله فما لهم ولهذه المهمة الصعبة، والأمر الشاق؟
وهذا وأمثاله مخطئون في هذه النظرة، وهذا الفهم، وهذا الحكم، وهذه النتيجة.
وهب أنّ " مِنْ " في الآية للتبعيض -كما قال بعض المفسرين- فلا تدل الآية على أن هذا الواجب على بعض المسلمين فقط، لورود آياتٍ أخرى صريحةٍ، توجبه على كل مسلم.
لقد اختلف المفسرون في معنى " مِن ":
فقال بعضهم إنها للتبعيض. أي لِيَقُمْ بعض أفراد الأمة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحجة هؤلاء في هذا: أن القيام بهذا الواجب له شروطٌ لا بد منها، فلابد أن يكون المسلم عالماً بما يأمر وينهى، ملمّاً بكثيرٍ من العلوم والمعارف والأحكام والقضايا، متّصفاً بكثيرٍ من الصفات الضرورية. ولا يتيسر هذا لكل مسلم، وإنما لمجموعةٍ مختارةٍ منهم.
وقال جمهور المفسرين إنها بيانية، ومعناها: كونوا أيها المسلمون جميعُكم، أمةً، يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وهذا التعبير واردٌ في الأساليب العربية. فقد تخاطب ابنك قائلاً: أريد منك رجلاً قوياً. وقد تخاطب أخاك قائلاً: ليكن لي منك أخٌ مخلص. وقد تخاطب طلاباً قائلاً: ليكن منكم طلابٌ مجدّون.
فالآية: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} لعامة المسلمين بهذا الواجب، وخطابٌ لكل مسلم ليقوم بهذا الأمر.
(1/195)

هذا وقد وردت آياتٌ صريحةٌ، تقرر وجوب هذا على كل مسلم:
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ}.
وقال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
وقال لقمان لابنه وهو يعظه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
وقال تعالى عن المؤمنين الناجين من الخسران: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
فهذه الآيات مجتمعةً يؤخذ منها حكمٌ واحد، هو شمول هذا الواجب لكل مسلم ومسلمة. وهذه الآيات ترجح أن " مِنْ " في الآية -موضوع الكلام- للبيان وليست للتبعيض.
ولو كانت للتبعيض -كما قال الزمخشري في الكشاف- فإنها تتحدث عن مجموعةٍ مختارة في الدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعلى هذا الرأي لا بد أن نجمع بين هذه الآية وبين الآيات الأخرى التي توجب هذا الواجب على جميع المسلمين.
(1/196)

فنقول: هناك مجالان ملحوظان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله:
مجال الدعوة العامة: وهذا واجبٌ على كل مسلم أينما كان، يذكّر بالله وينصح المسلمين، وإذا رأى منكراً أنكره، وإذا رأى معروفاً أثنى على صاحبه، وهذا ما نأخذه من الآيات الصريحة في إيجابه على الجميع.
ومجال الدعوة الخاصة: وهي الدعوة المتخصصة المتعمقة، التي يُشترط لها العلم والمعرفة، فيقوم بها المؤهَّلون من العلماء والدعاة، في خطبهم ودراساتهم وأبحاثهم ومحاضراتهم، وهذا نأخذه من آية آل عمران: {ولتكن عنكم أمة} - باعتبار أن " مِن " للتبعيض.
هذا ولا يلزم أن يكون كل مسلم ملمّاً بالعلوم والأحكام، بحيث نشترط هذا لقيامه بواجب الدعوة. فكل مسلم يدعو بمقدار جهده ومعرفته، وينشر من العلم ما اطلع عليه وتعلمه، ويبين للآخرين ما وصل إليه من أحكام الحلال والحرام.
وبهذا يتفاوت مقدار الواجب في الدعوة على المسلمين -بعد اتفاقهم في أصل الوجوب- فكلٌّ يدعو بالمقدار الذي يستطيعه، ويعلمه، ويقدر عليه.
المهم أن الدعوة إلى الله واجبةٌ على الجميع، والأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر تكليفٌ لكل مسلم ومسلمة. {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
***
(1/197)

{إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
قال تعالى:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}.
الحقيقة التي تقررها هذه الآية أن العلماء هم أقرب الناس إلى الله، وأكثر الناس خشية لله، لأن علمَهم عرّفهم بربهم، ومعرفتهم بربهم ملأت قلوبهم خشية له، وتعظيماً لمقامه، وطلباً لمرضاته، ورغبةً في طاعته.
والعلماء الذين تُثني عليهم الآية هم العلماء المؤمنون الصالحون العابدون لله، الذين يزيدهم علمهم طاعةً وعبادةً، وابتعاداً عن المعاصي والفواحش.
لكننا نرى بعضهم في هذا الزمان يعمم الآية على جميع العلماء، ويُدخل فيها علماء العلوم المادية البحتة من الشرقيين والغربيين، مثل علماء الطب والهندسة والفلك والاختراعات والذرّة، وعلماء النفس والمجتمع والحياة، فيجعل الآية تثني على هؤلاء المتخصصين بهذه المجالات، وتمدحهم، وتجعلهم أكثر الناس خشية لله. ولو كان العالم منهم كافراً باللهِ، مشركاً به، ولو كان منغمساً في الشهوات، مسرفاً في الملذات، مقبلاً على المعاصي، ولو كان يستخدم علمه في نشر الشر والفساد والرذيلة، واكتشاف ما يضر بالبشرية، ويوقعها في الهلاك والدمار.
(1/198)

وهذا خطأٌ بيّن، وتلاعبٌ من هؤلاء بمعاني آيات القرآن، وتغييرٌ لمفاهيمها.
إن الآية تتحدث عن العلماء المؤمنين الخاشعين الصالحين العابدين، وهذا هو سياقها الذي وردت فيه.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ}.
العلماء الذين يخشون الله، هم: {الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً}، كما حددت الآية.
هذا ما فهمه المفسرون منها، قال الإمام الزمخشري في تفسيرها: " المراد العلماء به، الذين عرفوه بصفاته وعدله وتوحيده، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فعظَّموه وقدَّروه حق قدره، وخشوه حق خشيته. ومن ازداد به علماً ازداد منه خوفاً، ومن كان علمه به أقلّ كان آمن ".
ومن أعاجيب الأغاليط في هذا المقام أن بعضهم يقول: {إنّما يخشى اللهُ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءَ}، فيجعل الله هو الذي يخشى العلماء، ويحسب لهم حساباً، ويحذر منهم -سبحانه. وقائل هذا متفقٌ مع الأساطير اليونانية الوثنية، حول الصراع المَرير بين الآلهة والإنسان، وخشيتها له، وخوفها منه- كما في أسطورة " برومثيوس " مثلاً.
(1/199)

بعد هذا التصحيح والتصويب نقرر: أن الأصل في العلماء -على اختلاف تخصصاتهم العلمية والحياتية والإنسانية- أن يكونوا أكثر الناس خشيةً لله، وأشدهم له حباً، وأحرصهم على طاعته ومرضاته.
وإن العلم -مهما كان نوعه ومجاله- إذا طلبه صاحبه بتجرد وموضوعية، يقوده إلى ربه، ويدعوه للإيمان به، ويحضه على عبادته، ويزيده من خشيته. وما من عالم طلب العلم بهذه المواصفات، وتفاعل معه بقلبه وروحه وكيانه، إلا وقد ازداد إيماناً بربه، وخشيةً له، والتزاماً لأوامره.
العلم يدعو للإيمان والخشية، فإذا لم يحقق أصحابه هذا في حياتهم فهم المقصرون.
***
(1/200)

{هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}
قال تعالى:
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ}.
كثيراً ما يستشهدون بهذه الآية على تمجيد العلماء، والثناء عليهم والإِشادة بهم، ولو كانوا من علماء الطبيعة والمادة والعلوم والاختراعات والاكتشافات، ولو كانوا كافرين بربهم، عاصين له محاربين لأوليائه ودينه.
كثيراً ما حرَّف بعض المسلمين معنى هذه الآية، وخرجوا منها بفهم سقيم خاطئ. فتجدهم يتحدثون عن فضل العلم والعلماء مطلقاً، ويرغبون في العلم مجرداً، ويمدحون العلماء أياً كانوا. وسرعان ما تسمعهم يقولون: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
الآية لا تتحدث عن العلم المجرد، ولا عن العلماء بإطلاق. الآية تتحدث عن طائفةٍ خاصةٍ من العلماء، ومجموعةٍ مباركةٍ منهم، وتعرض لسمات هؤلاء، وتبين صفاتهم. وتدعو كل من أراد أن تنطبق عليه أن يوجد في نفسه وحياته هذه الصفات والخصائص.
العالم الذي لا يساويه غيره، والجدير بأن يُسمى عالماً، ليس ذلك
(1/201)

الذي يحمل الشهادات العالية، أو يتخصص التخصصات العلمية النادرة، أو يعيش في معمله ومختبره وميدانه الساعات العديدة والآيام الطويلة، العالم الجدير بأن يُسمى عالماً، هو الذي جمع بين ما سبق، وبين ما تقدمه الآية من صفات.
هذا العالم المقبول عند الله، هو الذي يبيت آناء الليل ساجداً أو قائماً، يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. هو الذي قاده علمه إلى الاتصال باللهِ، وربط قلبه بربه. هو الذي جمع بين علم العالم، وإيمان المؤمن، وعبادة العابد، وقنوت القانت. هو الذي يعتبر علمه عبادة لله مثل الشعائر التعبدية، هو الذي يعبد الله في محراب العبادة، وفي المعمل والمختبر، هو الذي يتوجه إلى ربه بصلاته وبعلمه وبتجاربه واختباراته، وينسِّق بين كل هذه المجالات بفطنة وذكاء، وإيمان وإخلاص.
هذا هو العالم الذي تمدحه الآية، وتقرر أنه لا يستوي مع غيره {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}.
قال سيد قطب، رحمه الله، في تفسير الآية: " هذا هو الطريق إلى العلم الحقيقي والمعرفة المستنيرة. هذا هو: القنوت لله، وحساسية القلب، واستشعار الحذر من الآخرة، والتطلع إلى رحمة الله وفضله، ومراقبة الله، هذه المراقبة الواجفة الخاشعة. هذا هو الطريق.
ومن ثم يدرك اللب ويعرف، وينتفع بما يرى ويسمع وما يجرب، وينتهي إلى الحقائق الكبرى الثابتة، من وراء المشاهدات الصغيرة. فأما الذين يقفون عند حدود التجارب المفردة، والمشاهدات الظاهرة، فهم جامعو معلومات وليسوا بالعلماء ".
(1/202)

المراد بالعلماء في الآية إذن هم القانتون العاملون، وغيرهم ليسوا علماء ولا قانتين ولا عاملين، وإنما هم جهلاء لا يعلمون. قال الإِمام الزمخشري: " وأراد بالذين يعلمون: العاملين من علماء الديانة، كأنه جعل من لا يعمل غير عالم. وفيه ازدراءٌ عظيمٌ بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون، ويقتنون ثم يفتنون بالدنيا، فهم عند الله جهلة، حيث جعل القانتين هم العلماء ".
***
(1/203)

{لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ}
قال تعالى:
{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ}.
يستشهد بعضهم بهذه الآية على التقدم العلمي الذي وصلت إليه البشرية في هذا العصر، ويستخرجون منها إمكانية الانطلاق من الأرض، واختراق أجواء الفضاء والوصول إلى الكواكب الأخرى مثل القمر والمريخ وغيرها.
لقد وصل التقدم العلمي في هذا العصر إلى قمم شامخة. وطافت سفن الفضاء الأميركية والروسية الفضاء الخارجي، وحصل بين الدولتين سباقٌ متزايد، وتنافسٌ مستمر.
وتحت تأثير هذا الوضع العلمي، يلجأ بعض المسلمين إلى القرآن، يبحثون فيه عن آية تشير إلى هذا التقدم، وإلى ما أوجده من مراكب وسفن فضائية. ويقفون أمام هذه الآيات ليقولوا: إن القرآن أشار إلى إمكانية غزو الفضاء، وإيجاد سفن الفضاء، وأن البشرية ستخترق يوماً أجواء الفضاء، وأنها ستملك السلطان إلى ذلك.
(1/204)

والمراد بالسلطان عند هؤلاء هو سلطان العلم، فبالعلم تمكنوا من الوصول إلى الكواكب واختراق الفضاء.
واستشهاد هؤلاء بالآية غير صحيح، وحملهم السلطان على العلم غير صحيح، وجعلهم الآية دليلاً على اختراق الفضاء غير صحيح.
إن الآية تتحدى الإنس والجن معاً، وتسجل أنهم عاجزون عن النفاذ من أقطار السموات والأرض، واختراق أجواء السموات والأرض. بمعنى أنهم عاجزون عن الانطلاق من السماء الدنيا إلى السموات الأخرى، عاجزون عن الوصول إليها، وأنهم مهما بلغت قوتهم وعظمت قدرتهم، فسيبقون عاجزين عن ذلك، وسيبقى عجزههم مستمراً حتى قيام الساعة.
وتقرر الآيات أنهم إذا حاولوا اختراق السماء الدنيا للسماء الثانية، فإن الله سيرسل عليهم شواظاً من نار ونحاساً فيحترقون.
وتبين الآيات أن مَنْ أراد الله له أن يخترق أقطار السموات والأرض فسيخترقها بإذن الله. فالمراد بالسلطان في الآيات هو إرادة الله وقدرته ومشيئته سبحانه.
ولا تخبرنا النصوص إلا عن نبيَّيْن كريميْن، أراد الله لهما اختراق أقطار السموات والأرض.
الأول: هو عيسى بن مريم عليه السلام - على القول بأن الله رفعه إلى السماء بروحه وجسده، وأنه الآن حي في السموات بروحه وجسده.
والثاني: هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، الذي جرى له ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج، حيث عُرج به إلى السموات العلى، واخترق السموات السبع واحدةً واحدة، حتى جاوز السماء السابعة، ووصل إلى سدرة المنتهى.
(1/205)

أمامنا كلمات في الآيات:
أن تنفذوا: النفوذ: الاختراق، ونفذ: اخترق. يعني إن استطعتم أن نخترقوا أقطار السموات والأرض.
أقطار السموات والأرض: الأقطار جمع قُطر. والقُطر هو الجانب، أي جوانب وأجواء ومجالات السموات والأرض.
شواظ: اللهب الذي لا دخان فيه. وهذا اللهب من النار، والنحاس المذاب المصهور في النار.
المفسرون على أن هذه الآيات تحدٍّ للإنس والجن، في أنهم عاجزون عن الهرب من ملك الله، والخروج من سلطان الله، والتفلت من قضاء الله. فأينما ذهبوا فهم في أقطار السموات والأرض، وفي ملك الله وسلطانه سبحانه. فإذا ما حاولوا الهرب فإن الله سيحرقهم، بإرسال الشواظ الملتهب الممزوج بالنحاس المذاب.
هذا ما قاله علماء السلف في معنى الآيات، وفي المراد بالسلطان فيها:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا تنفذون إلا بسلطان: لا تخرجون من سلطاني. وعن قتادة قال: إلا بسلطان: إلا بمَلَكَة من الله.
وعن ابن عباس قال: الشواظ هو اللهب الذي لا دخان فيه.
وقال: النحاس: هو الصِّفر المذاب.
وقال الإمام ابن جرير في تفسير الآية: " إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض، فتُعجِزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ذلك، فإنكم لا تجوزونه إلا بسلطان من ربكم ".
(1/206)

وأما السلطان، فقد ذَكَر أنه قد يراد به الحجة والبينة -وهو الذي رجحه- وقد يُراد به الملك والملكة والتمكين من الله - وهو ما نرجحه نحن.
وقال القُمِّي النيسابوري في غرائب القرآن: " هدَّد الثقلين بأنهم لا يستطيعون الهرب من أحكامه وأقضيته. وقال: " السلطان: القوة والغلبة: أراد أنه لا مفر من حكمه إلا بتسلط تام، ولا سلطان، فلا مفر ".
وأبطل الإِمام الشنقيطي في أضواء البيان، أن يكون المراد بالسلطان العلم، من وجوه:
الأول: إن الآية إعلام الله للإنس والجن أنهم لا محيص لهم، ولا مفر عن قضائه، ونفوذ مشيئته فيهم.
الثاني: إن الجن كانوا يطيرون في الفضاء، ويسرقون السمع من السماء قبل البعثة المحمدية. فلو أريد بالسلطان العلم لما كان لذكر الجن فائدة.
الثالث: إن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية، أهون على الله من أن يُطلق عليه اسم السلطان.
الرابع: إنا لو سلّمنا أن المراد سلطان العلم فلا يستقيم مع بقية الآيات حيث أتبعه بقوله: {يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ}. وهو يدل على أنهم لو أرادوا النفوذ من أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس ".
ثم من هو الذي يقول إن العلماء الروس والأميركان استطاعوا النفاذ من أقطار السموات والأرض؟ ومن هو الذي يقول إن السفن الفضائية تمكنت من
(1/207)

اختراق أقطار السموات والأرض؟ ومن هو الذي يعتبر نزول هذه السفن على كواكب القمر أو المريخ أو زحل أو عطارد أو غيرها هو اختراق لأقطار السموات والأرض؟
إن كل ما قاموا به -وما سيقومون به- هو بقاءٌ لهم في أطراف السماء الدنيا الأولى. وما هذه الكواكب التي نزلوا عليها إلا ضواحي من ضواحي الأرض لقربها منها.
إنهم ما زالوا يطوفون -وسيبقون يطوفون- في أطراف السماء الدنيا ومجالاتها وجوانبها، وهم يفعلون هذا بإذن الله ومشيئته وإرادته. والآية لا تصف أعمالهم ولا تشير إليها.
إن الآية تتحداهم -ومعهم الجن- في اختراق السماء الأولى إلى السماء الثانية، وتبين لهم استحالة قيامهم بذلك، فإذا حاولوا سيُحرقون باللهب الممزوج بالنحاس المذاب.
إن هذا الكون هائل، وهذا الفضاء شاسع، وهذه السماء الدنيا سعتها لا يعلمها إلا من خلقها، وحديثاً اكتشفوا كوكباً ضخماً يبعد عن الأرض خمسة عشر مليون سنة ضوئية! فكيف يخترقون كل هذا ويصلون للسماء الثانية؟ إنه لأمرٌ مستحيل!
***
(1/208)

{وَلَوْ حَرَصْتُمْ}
قال تعالى:
{وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}.
تقرر هذه الآية استحالة العدل بين الزوجات -لمن تزوج بأكثر من واحدة- ولو حرص الرجل على ذلك.
لكن ما هو هذا العدل المنفي والمستحيل؟ هل هو العدل الظاهري الخارجي، في المعاملة بين الزوجات والعِشْرة معهن؟ أم هو العدل القلبي في المودة والمحبة؟
وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل، وقبل أن نقدم المعنى الصائب للآية، نشير إلى تحريف بعض الناس لمفهومها:
هناك أعداءٌ لهذا الدين، وهناك سذجٌ من المسلمين، يرددون شبهات الأعداء. ويثير الفريقان كثيراً من الإشكالات والشبهات ضد هذا الدين، وأحكامه وقيمه ومبادئه.
(1/209)

ونالت شبهاتُهم -فيما نالت- مبدأ تعدد الزوجات الذي أباحه الله للمسلمين، بنص القرآن وتطبيق الصحابة له. ويحارب أعداء الدين والسذج من المسلمين، هذا الحكم الرباني والرخصة الإسلامية، وحتى يموهوا على المسلمين بهذا الخبث، يقولون: إن القرآن نفسه يبين استحالة العدل بين الزوجات، وهذا العدل المستحيل -في زعمهم- هو العدل الظاهري المادي الخارجي في العِشرة والنفقة، وطالما أنه مستحيل، فلا يجوز تعدد الزوجات بناءً على حكم هذه الآية؟؟
وهذا ضلالٌ عريض، وتحريفٌ خبيث، وخطأٌ واضح. فالقرآن أباح التعدد بقوله: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً}.
أباح الله للمسلمين تعدد الزوجات -ولم يوجبه عليهم- واشترط العدل بين الزوجات. والعدل المشروط الواجب التطبيق، هو العدل الخارجي المادي، بحيث يعدل الرجل بين زوجاته، في المعاشرة والقِسمة والنفقة والمعاملة والحياة المادية.
أما الآية الثانية التي تنفي العدل بين الزوجات، فإنها تنفي العدل القلبي، والميل القلبي، وتبين أنه يستحيل تحقيقه، فلا بد أن يكون لإحدى الزوجات في قلب زوجها من المحبة ما ليس للأخريات، وأن يميل لها قلبياً أكثر من ميله للأخريات. وقلبه لا سلطان له عليه، فلا يؤاخذه الله على ذلك.
المهم أن لا يتحول هذا الميل القلبي، إلى جَوْرٍ في المعاملة الظاهرية، بحيث يقدم لهذه التي زاد حبه لها من المعاملة والعطاء أكثر من غيرها. إنْ فعل ذلك يكون آثماً ظالماً.
(1/210)

هذا المفهوم القرآني السليم طبّقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشار إليه.
روى أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ".
وأخرج هؤلاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما. جاء يوم القيامة وأحد شِقَّيه ساقط ".
وخير من يرد على أولئك المحرفين لمعاني الآيات، المتلاعبين بمفاهيمها، الأستاذ سيد قطب، حيث يقول: " والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، فلا يطالَب به أحدٌ من بني الإنسان، لأنه خارج عن إرادة الإنسان. وهو العدل الذي قال الله عنه في الآية الأخرى في هذه السورة: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ}. هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذوا منها دليلاً على تحريم التعدد، والأمر ليس كذلك، وشريعة الله ليست هازلة، حتى تُشَرِّع الأمر في آية، وتُحَرِّمه في آية، بهذه الصورة التي تعطي باليمين وتسلب بالشمال! فالعدل المطلوب في الآية الأولى، والذي يتعين عدم التعدد إذا خيف ألا يتحقق، هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة، وسائر الأوضاع الظاهرة ".
***
(1/211)

{وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ}
قال الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.
يأمر الله المؤمنين بطاعة الله وبطاعة الرسول عليه السلام، وبطاعة أولي الأمر من المسلمين. وإذا حصل اختلافٌ وتنازعٌ بين المسلمين، فعليهم -إنْ أرادوا الوصول إلى الحق- أن يحتكموا إلى الله ورسوله، وذلك بأن يردوا الأمر المختلف فيه إلى الكتاب والسنة، فإن فعلوا ذلك كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، ونالوا الخير والتوفيق والرضوان.
لكننا قد نسمع -أو نقرأ- لبعض المسلمين، وهم يحرّفون معنى هذه الآية، وهم يستشهدون بها في غير ما توحي به، ولا تدل عليه.
إن هؤلاء يجعلون من الآية حجة على وجوب طاعة ولي الأمر، مهما كانت صلته بدين الله وتطبيقه لأوامر الله، وحكمه بما أنزل الله، إنهم يوردون هذه الآية في معرض استدلالهم على طاعة الحاكمين والسلاطين، وتنفيذ
(1/212)

أوامرهم المخالفة لتعاليم الإسلام، كأن يكون فيها منع أداء حق، أو أمر بمعصية ومنكر، أو إيذاء لآخرين وأكل لحقوقهم.
إنهم يعتبرون أنفسهم مجرد موظفين عند المسؤولين، وما عليهم إلا التنفيذ والالتزام والسمع والطاعة. إنهم يُلغون شخصياتهم، ويتنازلون عن حريتهم وكرامتهم، ويتحولون إلى مجرد أدوات توجَّه هنا وهناك، بدون إرادة أو اختيار.
والعجيب أنهم يموّهون على أنفسهم وعلى الآخرين، فيعتبرون تصرفاتهم الشائنة التزاماً بهذه الآية، وُيضْفون عليها معنى العبادة والتقرب إلى الله، ويزعمون أنهم يطيعون أولي الأمر الذين أمرت الآية بطاعتهم. إنه لضلالٌ عريضٌ أن نتلاعب مع القرآن، وأن نقوم بتحريف معاني آياته، وإنه لضلال عريض أن نجعل من الذل والضعف والجبن والمسكنة عبادةً لله، وأن نجعل من التنازل عن الحرية والإرادة والشخصية تقرباً إلى الله سبحانه، وأن نجعل من آيات القرآن حجةً لهذا ودليلاً عليه. ولا يجوز أن ننسى كلاماً رائعاً عظيماً للإمام الشافعي - رضي الله عنه - حيث يقول:
أَنا إنْ عِشْتُ لَسْتُ أَعْدِمُ قوتاً ... وِإذا مِتُ لَسْتُ أَعْدِمُ قَبْراً
هِمَّتي هِمًةُ المُلوك وَنَفْسي ... نَفْسُ حُرٍّ تَرى المَذَلَّةَ كُفْراً
الآية -موضوع البحث- ليست دليلاً على وجوب طاعة أولي الأمر إذا كانوا ظالمين، وإذا أمروا بما يتعارض مع دين الله، ولكنها دليلٌ على عدم طاعتهم في هذه الحالة، وحرمة هذه الطاعة، وتعرُّض فاعلها لغضب الله وعذابه.
إن طاعة أولي الأمر -التي أمرت بها الآية- طاعةٌ مبصرةٌ واعيةٌ رشيدة، وليست طاعةً عمياء، تتم بغفلة وسذاجة. وهي طاعةٌ مقيدةٌ بالتزام أولي الأمر بمنهج الله، وليست مطلقةً تجب لهم مهما كان وضعهم.
(1/213)

إننا عندما نمعن النظر في الآية، نستخرج منها عدة دلالات:
1 - طاعة الله مطلقة، لأنه تجب له الطاعة دائماً، باعتباره لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهى إلا عن المنكر والشر، وهو الحكيم العليم الخبير.
2 - طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقة كذلك، لأنه الرسول عليه السلام، لا يأمر بمعصية، ولا ينهى عن خير، فهو معصوم بعصمة الله له من الذنوب والمعاصي والأخطاء، وقد جعل القرآن طاعة الرسول عليه السلام طاعة لله، نقال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}.
3 - إن طاعة الله وطاعة رسوله مستقلتان، وكلاًّ منهما تكوِّن وحدةً خاصةً، ومجموعةً محددة، فأصبحتا طاعتين وكيانين ومظهرين وحقيقتين، بينهما تداخلٌ واتصالٌ وارتباط، لذلك كرر فعل الأمر فيهما فقال: {أطِيعوا اللهَ وَأَطِيعوا الرَّسول}. فتكرار فعل الأمر يوحي بأنهما طاعتان متكاملتان.
4 - طاعة أولي الأمر في الآية مقيدة وليست مطلقة، ونأخذ هذا التقييد من صياغة الآية: {أَطِيعوا الله وَأَطِيعوا الرسول وَأولي الْأمْرِ مِنْكُمْ}،
فقد عطف أولي الأمر على رسول الله عليه السلام، فكانت طاعتهم مستمدةً من طاعة رسول الله عليه السلام، ولو كانت طاعتهم مستقلةً مطلقةً عامة لكرر فعل الأمر كما كرره عند الأمر بطاعة رسول الله عليه السلام.
5 - أولو الأمر في الآية مخصوصون متميزون بصفاتٍ خاصةٍ، منها:
(أ) هم مطيعون لله ومطيعون لرسوله وهم منفذون لأوامر الله، مطبقون لسنة رسوله عليه السلام، وهم يستمدون حقهم على الناس في وجوب طاعتهم من طاعتهم هم لرسول الله.
(1/214)

(ب) هم من المؤمنين المسلمين المطيعين لله ولرسوله، ولا يكونون منهم إذا هم عصوا أوامر الله ورسوله، أو حكموا بغير شرع الله وسنة رسوله {وأولي الأمر منكم}.
6 - إن طاعة المؤمنين لأولياء الأمور العادلين الصالحين طاعةٌ مبصرةٌ، ويجوز أن يتوقف المؤمنون -أحياناً- في طاعة الحاكمين المؤمنين، ويجوز أن ينازعوهم ويخالفوهم، ويجوز أن يعارضوهم ويختلفوا معهم لأن الآية تقول: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَردوهُ إلى اللهِ والرسول}. وكثيراً ما كان المسلمون السابقون وأولو الحَل والعقد فيهم يخالفون حكامهم وينازعونهم ويناقشونهم.
7 - تُبين الآية للحكام والمحكومين طريق حل النزاع بينهم، وتدلهم على المرجع الذي يرجعون إليه ويحتكمون، عند الاختلاف والتنازع، إنها توجب عليهم جميعاً رد الأمر المختَلف فيه إلى الله ورسوله، أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
ولا تمنح الآية الحكام حق إعلان حالة الطوارئ، وفتْح أبواب السجون والمعتقلات، وكبت الحريات، وتكميم الأفواه، وتعطيل القوانين، والقبض على المخالفين والمعارضين، وتعذيبهم، ومحاربتهم في إنسانيتهم وحريتهم ورزقهم وأولادهم وأعراضهم، واغتيالهم وإعدامهم، بل توجب عليهم سماع الرأي المخالف، والاحتكام مع صاحبه إلى الحق، والرجوع عن الخطأ إلى الصواب، ولو كان عند المخالف.
8 - هذا هو الخير والصواب، وهذا هو طريق السعادة والعدل، إن الحاكم عندما يلتزم بتوجيهات الآية، يكون حاكماً صالحاً عادلاً، ويكون حكمه خيراً له وللمحكومين:
قال الإمام أبو الأعلى المودودي عن هذه الآية:
(1/215)

" إنها تحدد المبادئ التي يقوم عليها دستور الدولة، حيث توضح ست نكات دستورية هي:
1 - طاعة الله ورسوله مقدمة على أية طاعة أخرى.
2 - طاعة أولي الأمر تأتي تحت طاعة الله ورسوله.
3 - أن يكون أولو الأمر من المؤمنين.
4 - للناس حق منازعة الحكام والحكومة.
5 - إن الفصل في النزاع هو قانون الله ورسوله.
6 - ضرورة أن توجد في نظام الخلافة هيئةٌ حرةٌ، مستقلةٌ عن نفوذ الشعب وتأثير الحكام، لتقضي في النزاعات طبق القانون الأعلى قانون الله ورسوله ".
وذكر الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس في كتابه " النظام السياسي في الإسلام " ثلاثة شروط لا بد من توفرها عند الحكام لتجب طاعتهم، وعندها نطبق الآية عليهم:
1 - أن يكونوا مطبقين لأحكام الشريعة. فإذا لم يطبقوها فلا طاعة لهم، بل تحرم طاعتهم.
2 - أن يحكموا بالعدل بين الناس. فإذا لم يفعلوا ذلك فلا طاعة لهم.
3 - ألا يأمروا الناس بمعصية. فإذا أمروا بمعصية فلا سمع لهم ولا طاعة.
ونقل أبو فارس قول الإِمام ابن حجر في فتح الباري: " ومن بديع الجواب قول بعض الناس التابعين، لبعض الأمراء من بني أمية لما قال له:
(1/216)

أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: {وَأولي الأمر منكم}، فقال له: أليس قد نزعت عنكم الطاعة إذا خالفتم الحق بقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}.
وقال الطيبي: أعاد الفعل في قوله: {وأطيعوا الرسول} إشارة إلى استقلال الرسول عليه السلام بالطاعة، ولم يُعده في أولي الأمر، إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك بقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ}. كَأنَّهُ قيل: فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم، وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله.
وروى أبو عبيد القاسم بن سلاّم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " حق على الإمام أن يَحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك، فحقه على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا ".
وقال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: " والنص يجعل طاعة الله أصلاً، وطاعة رسوله أصلاً كذلك، بما أنه مرسلٌ منه، ويجعل طاعة أولي الأمر منكم تبعاً لطاعة الله وطاعة رسوله، فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرر أن طاعتهم مستمدةٌ من طاعة الله وطاعة رسوله، بعد أن قرر أنهم منكم بقيد الإيمان وشروطه.
وطاعة أولي الأمر منكم بعد هذه الآية والتقريرات كلها في حدود المعروف من شرع الله، والذي لم يرد نصٌّ بحرمته، ولا يكون من المحرم عندما يُرَد إلى مبادئ شريعته عند الاختلاف فيه، والسنة تقرر حدود هذه الطاعة على وجه الجزم واليقين.
في الصحيحين من حديث الأعمش: " إنما الطاعة في المعروف ".
(1/217)

وفيهما من حديث يحيى القطان: " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".
وأخرج مسلم من حديث أم الحصين: " ولو استعمل عليكم عبد، يقودكم بكتاب الله اسمعوا له وأطيعوا ".
بهذا يجعل الإسلام كل فرد أميناً على شريعة الله وسنة رسوله، أميناً على دينه، أميناً على نفسه، ويجعله أميناً على مصيره في الدنيا والآخرة. ولا يجعله بهيمة في القطيع تُزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع ".
***
(1/218)

{خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ}
قال تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ}.
تقسم هذه الآيات الناس يوم القيامة فريقين: أشقياء وسعداء، الأشقياء في النار يعذّبون وهم فيها خالدون، والسعداء في الجنة ينعّمون، وهم فيها خالدون.
لكن هناك تساؤلات حول الآيات، وإشكالات تثيرها عند بعض الناس ألفاظها وعباراتها: إنها تقرر خلود أهل النار فيها، وتقيد -في ظاهرها- مدة الخلود بالسموات والأرض، واستمراره بدوامهما، وكذلك خلود أهل الجنة فيها. ففهم بعضهم أن " عذاب الكفار في النار مؤقت، وأنهم سوف يخرجون منها إلى الجنة.
كذلك تقرر الآيات ارتباط خلود الكفار في النار بمشيئة الله، ويقولون: إن الله سوف يشاء أن يخرجهم من النار في نهاية الأمر، ويدخلهم الجنة.
(1/219)

إنك قد تقرأ أو تسمع لأحدهم وهو يقول: إن الكفار سيعذبون في النار، وقد يطول بهم هذا العذاب، ولكنه ليس عذاباً دائماً مؤبداً، وهم لن يبقوا في النار إلى الأبد، وإنما سوف يعفو الله عنهم، ويخرجهم من النار، ويدخلهم الجنة، وُيعرفون فيها بأنهم " عتقاء الرحمن "! أما جهنم فسوف يأتي عليها حينٌ ليس فيها معذبون، وأن نارها سوف تخمد، وسيكون مكانها نباتاً وأشجاراً!
وبَنَوْا كلامهم هذا على قوله تعالى عن عذاب الكفار: {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}.
وإن الإنسان البصير يتساءل: لماذا لا تقولون هذا عن الجنة ونعيمها
وأهلها! طالما أن العبارة نفسها وردت عند الحديث عنها: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ} إن
الآية توحي -بناء على فهم أولئك الناس- بأن نعيم الجنة موقوت، ومقيدٌ بدوام السموات والأرض، ومتعلق بالمشيئة الربانية، فلماذا لا تقولون: بأن الجنة سوف يأتي عليها يومٌ لن يكون فيها منعَّمون، ولن يكون فيها نعيم؟
إن قصر هذا التوقيت والتقييد على عذاب النار وعلى الكفار وحدهم، نوعٌ من التحكم! ولو قلنا بأن نعيم الجنة موقوت، وإن أهلها منها سيخرجون، فإن كلامنا لن يتفق لا مع النص ولا مع العقل ولا مع المنطق!
ونرى أن فهم هؤلاء خاطئ، واستنتاجهم من الآية غير صحيح، فالقول بعدم خلود الكفار في النار، وخروجهم منها إلى الجنة في آخر الأمر، وفناء النار وزوالها من جهنم، يتعارض مع الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة.
إن القرآن يقرر بآياتٍ صريحة خلود الكفار الأبدي في النار، وأنهم لن يخرجوا منها مطلقاً:
(1/220)

قال تعالى: {فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.
وقال تعالى: {ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ}.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا}.
ولا يمكن لأحد أن يغفل هذه الآيات الصريحة، ولا أن يلغي مفهومها، بل يجب أن يجمع بينها وبين آيات سورة هود -موضوع الكلام- وإزالة ما قد يبدو من تناقض بينها. هذا واجبٌ على كل من ينظر في آيات القرآن، ومن يستخرج منه أدلةً أو مفاهيم أو أحكاماً.
المفهوم القرآني الأصيل الصحيح، هو أن الكفار خالدون في جهنم أبداً، وأن عذاب جهنم دائم، وآيات سورة هود لا تتعارض مع هذا المفهوم، بل تقرره وتؤكده.
لكن هناك إشكالٌ في كلماتها، وهو {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ}. فلماذا علق خلودهم الدائم بمدة دوام السموات
(1/221)

والأرض، ودوامهما ليس أبدياً؟ ثم لماذا استثنى من الخلود ما أرادت مشيئة الله عدمه؟ وهل هناك من يشاء الله عدم خلودهم في النار؟
نقول: هذه الكلمات مؤكدة لمفهوم الخلود الأبدي للكفار في النار والخلود الأبدي للمؤمنين في الجنة، وجاء هذا التأكيد بصورة جديدة.
إن الآيات تريد أن تقرر للناس الذين يعيشون في هذه الحياة أن الخلود يوم القيامة خلودٌ أبدي، لا ينتهي ولا يزول، ولكن بعض الأفهام لن تدرك ذلك، وبعض الخيالات عاجزةٌ عن تخيُّله: أبديٌّ دائم! كيف؟ ملايين السنين! أحقاب طويلة! ...
أرادت الآيات أن تقرَّب هذا الأمر إلى أذهان الناس وأفهامهم، وأنها تريد أن تقول لهم: ما هي أطول المخلوقات التي ترونها عمراً؟ وما هي أكثرها دواماً؟ إنها السموات والأرض التي مرّ عليها حتى الآن ملايين السنين، ولا يعلم إلا الله كم بقي من عمرها! وكأنَّ الآيات تقول لنا: إن خلود الكفار في النار طويلٌ طويل، ودائمٌ دائم، ويُقرب لكم طوله وديمومته الالتفات إلى ديمومة السموات والأرض، أطول المخلوقات عمراً في الدنيا، وأكثرها دواماً.
أما تشابه الخلود بديمومة السموات والأرض في انقضائه وزواله كما تزول السموات والأرض في المستقبل، فهذا لم تُرده الآيات، ولم توحِ به، وهو يتعارض مع آياتٍ أخرى، تقرر خلودهم الأبدي الدائم.
أما تعليق خلودهم بمشيئة الله في قوله: {إلا ماشاء ربك} فلا يعني تحقق هذا الاستثناء عملياً، وإنما جيء به لمعنى اعتقاديٍّ أساسيٍّ أصيل، يتعلق بصفات الله سبحانه: إن مشيئة الله طليقةٌ لا يقيدها شيء، وإن إرادته سبحانه نافذة لا يعجزها شيء، فهو الذي أدخل الكفار في النار، وقرر خلودهم الأبدي فيها، ولو شاء الله أن يخرجهم منها لأخرجهم، إذ لا يمنعه من
(1/222)

ذلك أحد، ولا يحاسبه على ذلك أحد -سبحانه- لكن هل سيخرجهم؟ الجواب بالنفي. لأن الله سبحانه هو الذي شاء أن لا يخرجوا، وأخبرنا بهذه المشيئة في آياتٍ أخرى، تقرر خلودهم في النار بإرادة الله ومشيئته وقضائه وحكمه وأمره.
{إلا ما شاء ربك} قيْدٌ لمعنى اعتقادي، وليس له مفهومٌ عمليٌّ واقعي - والله أعلم.
قال الأستاذ سيد قطب في تفسير الآية: {ما دامت السموات والأرض}: وهو تعبيرٌ يُلقي في الذهن صفة الدوام والاستمرار. وللتعبيرات ظلال، وَظِلُّ هذا التعبير هنا هو المقصود. وقد علّق السياق هذا الاستمرار بمشيئة الله في كلتا الحالتين، وكل قرارٍ، وكل سُنَّة معلقة بمشيئة الله في النهاية، فمشيئة الله هي التي اقتضت السنّة، وليست مقيدةً بها، ولا محصورةً فيها، إنما هي طليقة، تبدِّل هذه السنة حين يشاء الله. {إن ربك فعّال لما يريد}.
وقال الأستاذ الإِمام محمد رشيد رضا في المنار:
" خالدين فيها ما دامت السموات والأرض: أي ماكثين فيها مُكث خلودٍ وبقاء، لا يبرحونها مدة دوام السموات التي تظلهم، والأرض التي تُقلّهم. وهذا بمعنى قوله في آياتٍ أخرى: {خالدينَ فيها أَبَداً}. فإن العرب تستعمل هذا التعبير بمعنى الدوام. وقد غلط من قالوا: المراد مدة دوامهما في الدنيا، فإن هذه الأرض تبدّل وتزول يوم القيامة. وسماء كلٍّ من أهل النار وأهل الجنة ما هو فوقهم، وأرضهم ما هم مستقرون عليه وهو تحتهم، قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء. ورُوي مثله عن السدي والحسن.
إلا ما شاء ربك: أي إن هذا الخلود الدائم هو المعَد لهم في الآخرة،
(1/223)

المناسب لصفة أنفسهم الجهول الظالمة، التي أحاطت بها ظلمة خطيئاتها، وفساد أخلاقها، إلا ما شاء ربك، من تغيير هذا النظام في طورٍ آخر، فهو إنما وُضع بمشيئة، وسيبقى في قبضة مشيئته. وقد عُهد مثل هذا الاستثناء في الأحكام القطعية، للدلالة على تقييد تأبيدها بمشيئة الله تعالى فقط، لا لإفادة عدم عمومها، كقوله تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ} أي لا أملك شيئاً من ذلك بقدرتي وإرادتي، إلاّ ما شاء الله أن يملكنيه منه، بتسخير أسبابه وتوفيقه.
وناقش الإمام محمد رشيد رضا هذه المسألة، مناقشةً مستفيضةً مطولةً في تفسير سورة الأنعام، ونقل أقوالاً للصحابة والتابعين في معنى الاستثناء {إلا ما شاء ربك}، فقال: " وعن ابن عباس: إن الآية في أهل الكبائر الذين يخرجون من النار بالشفاعات. وعنه في الاستثناء قال: فقد شاء الله أن يخلد هؤلاء في النار، وهؤلاء في الجنة، وعن خالد بن معدان في الاستثناء قال: في أهل التوحيد من أهل القبلة. ومثله عن الضحاك ".
***
(1/224)

{لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}
قال تعالى:
{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
تتحدث هذه الآيات عن مصدر القرآن، فتقرر أنه في كتابٍ مكنون، والكتاب هو اللوح المحفوظ، وأنه لا يمسه إلا المطهرون، لأنه تنزيل من رب العالمين.
وقد حمل كثيرٌ من الفقهاء الكتابَ المكنون على المصحف الشريف، والمطهرون على المسلمين الذين يلمسونه ويقرأون فيه.
ولهذا أصدروا فتوى عامة مضمونها: إنه لا يجوز للمسلم المحْدث حدثاً أصغر -أي غير المتوضئ- أن يلمس المصحف الشريف، ولا أن يقرأ القرآن. واستدلوا بهذه الآية. ووجه استدلالهم بها: أن المطهَّرين هم المسلمون المتوضئون، وطالما أن الآية تحصر لمس المصحف بهم، فإن غير المتوضئين غير مطهَّرين، ومن ثم فلا يجوز لهم مسّ المصحف.
ونرى أن هذا فهمٌ غير دقيق للآية، وتفسيرٌ غير مقبولٍ لها، ومن ثم فهو استدلال غير صحيحٍ منها. إن الآيات لا تتحدث عن المسلمين
(1/225)

المتوضئين، ولكنها تتحدث عن مصدر القرآن، وعن طريقة توصيله لمحمد عليه الصلاة والسلام، وتبطل شبهات الكافرين حول ذلك.
فقد زعم الكفار أن الجن والشياطين هم الذين يؤلفون القرآن، ويوحون به للرسول عليه الصلاة والسلام، فهو كلام الشياطين وليس كلام الله!
وقد أبطل القرآن هذه الشبهات ورد على هذه الأكاذيب في مواضع عديدة منه. من ذلك قول الله تعالى في سورة الشعراء: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ}.
ونفى أن تكون الشياطين هي التي أوحت به، في نفس سورة الشعراء فقال: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ}.
وآيات الواقعة -موضوع البحث- تتحدث عن نفس الموضوع، وتقرر أن القرآن في كتاب مكنون، وهو اللوح المحفوظ، وأن الشياطين والجن لن يصلوا إليه، لأنهم عن السمع معزولون -وإن الذين يلمسونه هناك ويحملونه، أو يوصلونه للرسول عليه السلام هم الملائكة- وجبريل عليه السلام على وجه الخصوص.
وحول معنى الآيات يقول الأستاذ الإِمام سيد قطب: " إنه لقرآن كريم، وليس كما تدّعون قول كاهن ولا قول مجنون، ولا افترى على الله من أساطير الأولين، ولا تنزلت به الشياطين ... إلى آخر هذه الأقاويل. وإنما هو قرآنٌ
(1/226)

كريم، كريمٌ بمصدره، وكريمٌ بذاته، وكريمٌ باتجاهاته، في كتابٍ مكنون، مصون. وتفسير ذلك في قوله بعدها: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، فقد زعم المشركون أن الشياطين تنزلت به، فهذا نفيٌ لهذا الزعم، فالشيطان لا يمس هذا الكتاب المكنون، في علم الله وحفظه، إنما تنزلت به الملائكة المطهرون.
وهذا الوجه هو أظهر الوجوه في معنى {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} فـ (لا) هنا نافية لوقوع الفعل وليست ناهية. وفي الأرض يمس هذا القرآن الطاهر والنجس، والمؤمن والكافر، فلا يتحقق النفي على هذا الوجه، إنما يتحقق بصرف المعنى إلى تلك الملابسة. ملابسة قولهم: " تنزلت به الشياطين ".
ونفي هذا الزعم، إذ لا يمسه في كتابه السماوي المكنون إلا المطهرون. ومما يؤيد هذا الاتجاه قوله تعالى بعد هذا: {تَنْزيلٌ مِنْ رَبِّ العالَمين}، لا تنزيلٌ من الشياطين ".
وسيد قطب ليس وحده الذي حمل كلمة (المطهرون) على الملائكة، بل إن الجمهور من الصحابة والتابعين والمفسرين والعلماء السابقين على هذا الرأي، وسيد قطب متابعٌ لهم في أقوالهم:
قال أنس بن مالك: الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، والمطهرون هم الملائكة، المطهرون من الذنوب.
وقال ابن عباس: الكتاب المنزل في السماء، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، أي الملائكة.
وعن علقمة التابعي قال: أتينا سلمان الفارسي رضي الله عنه، فخرج علينا من كِنٍّ له، فقلنا: لو توضأتَ يا أبا عبد الله، ثم قرأت علينا سورة كذا
(1/227)

وكذا. قال: إنما قال الله: {فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}.
وهو الذي في السماء، لا يمسه إلا الملائكَة. ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا.
وعن قتادة في قوله: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} قال: ذاكم عند رب العالمين، والمطهرون من الملائكة، فأما عندكم فيمسه المشرك والنجس والمنافق الرجس.
وعن أبي العالية قال: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}: الملائكة، ليس أنتم يا أصحاب الذنوب.
وعن مالك قال: أحسن ما سمعت فى هذه الآية {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}: إنها بمنزلة الآيات التي في عبس {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ}.
وعن سعيد بن جبير قال: في كتاب مكنون: في السماء. إلاَّ المطهّرون: الملائكة.
الآية -موضوع البحث- ليست دليلاً على حرمة مس القرآن وحمله لغير المتوضئين، فننتقل للمصدَر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، إلى أحاديث رسول الله عليه السلام. هل هناك أحاديث صحيحة تمنع ذلك؟ هناك حديث عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده أن النبي عليه السلام كتب كتاباً إلى أهل اليمن وكان فيه: " لا يمسّ القرآن إلا طاهر ". رواه الحاكم والبيهقي والطبراني والدارقطني.
لكنه ضعيف. قال الشوكاني في نيل الأوطار: " وفي إسناده سويد بن أبي حاتم، وهو ضعيف. وذكر الطبراني في الأوسط أنه تفرد به.
(1/228)

وحسّن الحازمي إسناده. وقد ضعّف النووي وابن كثير وابن حزم حديث حكيم بن حزام، وحديث عمرو بن حزم ".
قال ابن كثير عن الحديث: " وهذه وجادة جيدة، قد قرأها الزهري وغيره. ومثل هذا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمر وعبد الله بن عمر وعثمان بن أبي العاص، وفي إسناد كل منها نظر. والله أعلم ".
ونظراً لعدم صحة الأحاديث في حرمة مس المصحف للمحْدث حدثاً أصغر، ونظراً لكون الآية ليست في موطن النزاع، فإن الأمر يبقى على الإباحة.
لهذا نقول: لا يحرم. على المسلم غير المتوضئ مس المصحف وحمله والقراءة فيه، بل يجوز فعل ذلك كله، لعدم ورود نص يحرمه عليه ويمنعه منه، وإنْ كان الأوْلى والأفضل والأحسن له أن يكون متوضئاً، من باب توقيره واحترامه لكلام الله. ولكن فرق بين الكمال والفضيلة، وبين الوجوب والإلزام. ونختم كلامنا على تصويب فهم هذه الآية، بقولٍ رائعٍ للإِمام النووي في المجموع: " أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر، والأفضل أن يتوضأ لها.
قال إمام الحرمين وغيره: ولا يقال قراءة القرآن للمحدث مكروهة، فقد صحّ عن النبي عليه السلام أنه كان يقرأ القرآن مع الحدَث ".
والقراءة في كلام النووي شاملة للقراءة غيباً، والقراءة في المصحف نفسه.
***
(1/229)

{فأولئك هم الكافرون ... الظالمون ... الفاسقون}
وردت آياتٌ في سورة المائدة، تحرم التحاكم إلى غير الله، والحكم بغير شرع الله، وتعتبر التحاكم لغير شرع الله والحكم بغير شرعه كفراً وظلماً وفسقاً، وتعتبر الذين يقبلون هذا ويصدرونه ويشرعونه، كافرين وفاسقين وظالمين.
نورد الآيات أولاً، ثم نورد الفهم الخاطئ لها -عند بعضهم- والتحريف لمفاهيمها ودلالاتها، ثم نورد المعنى الصحيح لها، ونستشهد لذلك بأقوال الصحابة والتابعين والعلماء السابقين.
قال تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا
(1/230)

بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
أوردنا الآيات التي وردت فيها تلك الصفات الثلاثة: الكافرون، الظالمون، الفاسقون، لنعيش في ظلال تلك الآيات، ونقف على السياق الذي ورد فيه النص، والموضوع الذي نتحدث عنه. لأنّنا نرى وجوب الوقوف على السياق العام الذي ورد فيه النص، والنظر فيه من خلال النصوص الأخرى، ومن لم يفعل ذلك فلن يخرج بالفهم الصحيح للنص، ولن يحسن استخراج دلالاتٍ منه.
وقف مسلمون معاصرون أمام هذه الآيات، وأمام الصفات الثلاث التي تطلقها على الذين يتحاكمون إلى غير شرع الله، أو يحكمون بغير شرع الله. فقالوا إنها لا تنطبق على حكامٍ مسلمين معاصرين حكموا بغير شرع الله، وسنوا قوانين وتشريعاتٍ ومناهج ونظماً لم يأذن بها الله، وإنما أخذوها من
(1/231)

مناهج وتشريعات الكفار؛ قالوا إن الآيات لا تتحدث عن حكام اليوم، وإن الأوصاف التي فيها لا تنطبق على حكام اليوم.
قال هؤلاء: إن هذه الآيات وما فيها من صفات إنما تتحدث عن المِلل والأقوام قبل الإسلام، وقبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنها تتحدث عن اليهود والنصارى. وحجتهم في ذلك أن الكلمات للآيات تقصرها على اليهود والنصارى.
قالت الآية الأولى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ}، فالكلام عن التوراة والحكم بها، والتوراة لليهود، وطالب الله الربانيين والأحبار بأن يحكموا بما أنزل الله، فإن لم يفعلوا ذلك فهم كافرون، ولذلك ختمت الآية بتلك الصفة: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. والآية الثانية تعرض بعض الأحكام الواردة في التوراة في موضوع القِصاص. ثم ختمت بصفة عامة على الأحبار والربانيين الذين لم يحكموا بها: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. أما التي تصف من لم يحكم بما أنزل الله بالفسق، فإنها تتحدث عن النصارى وتطالبهم بالحكم بالإنجيل فإن لم يفعلوا ذلك فهم فاسقون: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
فالصفات الثلاثة " الكافرون، الظالمون، الفاسقون " -عند هؤلاء- موجّهة لليهود والنصارى ومنطبقة عليهم، فلماذا يعممها مسلمون معاصرون؟ ولماذا يجعلونها منطبقةً على الحكام المعاصرين، الذين لم يحكموا بما أنزل الله؟ ويقوم هؤلاء الذين يشغلون وظائف إسلامية رسمية عند حكام لا يحكمون بما أنزل الله، بتخطئة المسلمين الآخرين الذين فهموا منها العموم.
ومن هؤلاء من يوزع الصفات الثلاثة " الكافرون، الظالمون، الفاسقون "
(1/232)

على أتباع الأديان الثلاثة. فيجعل كلمة " الكافرون " منطبقة -فقط- على اليهود الذين يحكمون بغير التوراة، ويجعل كلمة " الظالمون " منطبقة -فقط- على النصارى الذين يحكمون بغير ما أنزل الله. أما المسلمون الحاكمون بغير ما أنزل الله فهم -عند هؤلاء- فاسقون فقط!.
ويلاحظ أن هذا التقسيم و " التوزيع " لتلك الصفات لا يصدر عن علم أو دليل أو برهان، وإنما يقوم على المزاجية والهوى والتحكم.
ومن المسلمين المعاصرين من يتناولون تلك الآيات من زاويةٍ أخرى، وينظرون في تلك الصفات بمنظارٍ آخر، إنهم يجعلونها منطبقة على حكام المسلمين المعاصرين، لكن بشروط خاصة.
إذا رأينا حاكماً مسلماً معاصراً يحكم بغير ما أنزل الله، فإننا لا نحكم عليه بالكفر والظلم والفسق، بل نسأله عن سبب تركه الحكم بشرع الله، وحكمه بغير ما أنزل الله، نسأله عن نظرته لشرع الله وشرع غير الله.
فإنْ حكم بغير شرع الله إيماناً به، وتصديقاً له، وتفضيلاً له على شرع الله، حكمنا بأنه كافرٌ ظالمٌ فاسق، هذا إذا كان ذلك الشرع يتعارض مع شرع الله!
أمّا إنْ كان يعتقد أنّ شرع الله الأفضل وحكم بغيره فإنه لا يكون كافراً!
إذا أخبرَنا هذا الحاكم بأنه خائف من تطبيق شرع الله، لأنه يخشى أن يهجم عليه الأعداء، ويخطفوه عن كرسيه، ويخلعوه عن سلطانه، فهو يداريهم ويسايسهم فيقصي شرع الله، مع إيمانه به، ويحكم بشرعهم مع كراهيته له. إنْ أخبرَنا هذا الحاكم بذلك فلا يكون كافراً!.
ونرى أن الذي قام به هؤلاء هو تحريفٌ لمعاني الآيات، وتحريفٌ لمعاني الصفات الثلاثة، وتغييرٌ لمفاهيم قرآنيةٍ أصيلة، وإحلالٌ لمفاهيم بديلة
(1/233)

مكانها لم يأذن بها الله ولم تتفق مع شرع الله. ونرى أن الذي دفع هؤلاء إلى التحريف والتغيير، هو الهوى والمصلحة، هو ركونهم للحكام المحاربين لشرع الله، وحرصهم على مرضاتهم، وتهافتهم على وظائفهم ومراكزهم وأموالهم، إن هؤلاء تجار، يتاجرون بدينهم، وينبذُون عهد الله عليهم بالبيان والصدق والشجاعة والصراحة، ويقومون بدله بالتزييف والتذبذب والنفاق، والتحريف والتغيير والتبديل. إنهم ما أرادوا بذلك الكلام الباطل وجه الله، ولا نصرة دين الله، ولا بيان الحق، ولا احترام العلم، ولكنهم أرادوا به نظرة رضى من الحكام الظالمين، وكلمة تشجيعٍ منهم، ولعاعة من الدنيا يمنّون عليهم بها.
والعجيب أن كلام هؤلاء التجار من " المشايخ الرسميين " كله سذاجة وبلاهة، رغم ما فيه من باطل وضلال!
إنهم يسألون الحكام عن سبب عدم حكمهم بشرع الله، واختيارهم أحكام الكفار! يسألون الحكام! من هو ذلك الذي يجرؤ على سؤال الحكام؟ أهو واحد من هؤلاء التجار؟ وهل يملكون قدراً من الشجاعة حتى يوجهون ذلك السؤال؟ وإن ملكوها ووجهوا السؤال، فهل يتنازل الحكام للإجابة على ذلك السؤال؟.
ثم لنفترض أنهم أجابوا فهل نتوقع أن يكونوا صرحاء معنا؟ أي حاكم يواجه شعبه بصراحة؟ ليقول لهم: إنني ما حكمت بشرع الله لأني لا أؤمن به؟ وما حكمت بشرع غير الله لإيماني به! أي حاكم يقبل أن يدين نفسه أو يفتح عليه باباً لا يمكن أن يُغلق؟ ويواجه مشاعر المسلمين مواجهةً صارخةً مكشوفة؟ إنه لا يفعل ذلك إلا من اتصف بالبلاهة والسذاجة و " العبط "؟.
وطالما أنه لا يمكن أنْ يعلنها صريحة إلا ذلك الحاكم الملحد الشيوعي، فالذي يقول بتوجيه السؤال للحاكم، ويجلس ينتظر منه الجواب،
(1/234)

ويتوقع أن يعترف بصراحة، هو الذي يتصف بالسذاجة والبلاهة والغفلة و" العبط ".
كل الحكام -يا سيدي الشيخ- إن اضطروا لمواجهة الشعوب المسلمة، والرد على مطالبها بتطبيق شرع الله، سيقولون إنهم يؤمنون بشرع الله، ولكنهم لا يطبقونه لأن الوقت غير مناسب، والظروف غير ملائمة، أو لأنهم خاضعون لضغوط شديدة من دول كبرى.
لماذا نسأل الحكام عن نظرتهم لحكم الله أو عن موقفهم منه؟ لماذا ننتظر منهم تصريحاً أو جواباً؟ لماذا نحرص على سماع كلامهم وقولهم وصوتهم؟.
وَهَبْ أنّهم أعلنوا قبولهم لشرع الله، وتصديقهم به، هل يكون هذا مقبولاً منهم أو كافياً للشهادة لهم؟ طالما أنهم لا يطبقون شرع الله، بل يحاربونه ويقصونه، ويحلون محله الأنظمة والقوانين والتشريعات المأخوذة عن الكفار أعداء الله.
إن هذا يدل على سذاجة وغفلة الذين يطلبون هذا، وينتظرونه من الحكام، ويتوقفون عليه للحكم لهم أو عليهم.
ما هو المقدَّم في الإِسلام لسان الحال أم لسان المقال؟ وما هو المعتمد في الإِسلام القول أو العمل؟ وإذا اختلف القول مع العمل وتعارضا وتناقضا فأيهما الغالب والأرجح والمعتبر والمعتمد: القول أم العمل؟
إن القول المجرد لا يكاد يساوي شيئاً في الإسلام، فلا بد أن يُتبعه صاحبه بالعمل والسلوك والالتزام، بمعنى أنه لا بد أن تكون حياة هذا الإِنسان متوافقةً مع ما يقوله ويعتقده ويصرح به، فإذا ما تعارضت حياته وتصرفاته وسلوكه وممارساته، متعارضةً مع القول الذي نطق به، فإن هذا الإِنسان عرضةٌ
(1/235)

للذم والعذاب. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ}.
إن لسان الحال في الإسلام أبلغ من لسان المقال، والمعتمد في الإسلام هو العمل الذي يصدق القول، ولا يُلتفت لقول لم يصدقه العمل، وحتى الإيمان لا بد فيه من عملٍ صالح، يوافق القول والاعتقاد، ورحم الله الحسن البصري حيث يقول: " ليس الإيمان بالتّمنّي ولا بالتَّحلِّي، ولكنه ما وقر في القلب، وصدقه العمل ".
إذا ما اختلف القول والعمل فالمعتبر والمقبول هو العمل، لأن دلالة العمل أقوى من دلالة القول. فرق بين من يقول ويعمل، يقول: " سمعنا وأطعنا ". وبين من يقول ولا يعمل، يقول: " سمعنا وعصينا ".
الصحابة تلقوا الأوامر والتزموا بها، قالوا وعملوا والتزموا، {وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}.
واليهود تلقوا الأوامر فخالفوها، أمرهم موسى عليه السلام أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا بألسنتهم: سمعنا وأطعنا، ولكنهم في مجال التنفيذ والالتزام عصوا وتمردوا، فرجح جانب فعلهم المخالف على جانب كلامهم الموافق، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
فلو قال الحكام ألف مرة إنهم يؤمنون بحكم الله، ويحبون شرع الله،
(1/236)

ثم خالفوا هذا القول في الواقع، ثم أقصوا شرع الله وحكموا بما لم يأذن به الله، فلا قيمة لكلامهم ولا أثر له، وإنما المعتبر والمعتمد هو فعلهم وعملهم.
هذا إذا قالوا وصرحوا، فكيف إذا لم يقولوا ولم يصرحوا، فكيف نستنطقهم بما لم ينطقوه، ونقولهم ما لم يقولوه، ونقول: إنهم يؤمنون بشرع الله، ويعتقدون أنه الأفضل والأوْلى، ولكنهم عاجزون عن الالتزام به.
إن هذه الغفلة والسذاجة التي تصدر عن هؤلاء الذين يقولون هذا القول، وينظرون بهذا المنظار، ويفهمون هذه الآية هذا الفهم، تذكرنا بقصة الصياد مع العصافير، وهي قصة رمزية هادفة ذات دلالة.
يُحكى أن صياداً اصطاد مجموعة من العصافير في يومٍ بارد، ثم وضعها أمامه، وصار يذبحها واحداً واحداً، والباقي ينظر ويتفرج. وكانت دموع الصياد الجزار تنزل من عينيه بسبب البرد القارس والريح الشديد، فنظر عصفوران إليه وإلى دموعه، فقال أحدهما للآخر: انظر إلى الصياد المسكين، كيف يبدو حزيناً على ذبحنا، إنه يبكي شفقة علينا ورحمة بنا! فقال له العصفور الآخر بفطنة وذكاء: " لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يديه ".
فننصح المسلمين المعاصرين عندما يتعاملون مع الحكام الذين يقصون شرع الله وُيحلِّون مكانه شرع الكافرين، أن لا تخدعهم المظاهر والأقوال والتصريحات التي تصدر عن هؤلاء الحكام ولكن فلينظروا إلى تصرفاتهم وأعمالهم وممارساتهم وقوانينهم. بمعنى آخر نَهدي لهم قول العصفور الذكي: " لا تنظر إلى دموع عينيه، ولكن انظر إلى فعل يديه ".
إن الآيات موضوع البحث تتحدث عن الحكام أينما كانوا وحيثما وجدوا، إنها تحذر هؤلاء من الحكم بغير ما أنزل الله، وكل من ارتكب هذه المخالفة منهم، فإن الآيات تصفه بالكفر والظلم والفسوق.
(1/237)

وصفات " الكافرون، الظالمون، الفاسقون " ليست خاصة بالحكام من اليهود والنصارى، ولا خاصة بالذين رفضوا حكم الله عن جحود وإنكار، إنها عامة تنطبق على كل من لم يحكم بما أنزل الله.
وقد وردت أقوالٌ كثيرة عن علماء من سلف هذه الأمة وخلفها في التصريح بهذه الحقيقة، والتأكيد عليها، وتفسر هذه الآيات التفسير الصحيح لها، وتقدم هذا المفهوم الصائب عنها.
قال التابعي الجليل إبراهيم النّخعي عن هذه الآيات: نزلت في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها.
وقال الحسن البصري: نزلت في اليهود، وهي علينا واجبة.
وقال الشعبي عن تلك الصفات الثلاث: الكافرون، والفاسقون، والظالمون: أوّلها في هذه الأمة، وثانيها في اليهود، وثالثها في النصارى.
وذكرت هذه الآيات عند حذيفة بن اليمان، فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل. فقال حذيفة: نعْم الإخْوة لكم بنو إسرائيل، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة، كلا والله لتَسْلُكُنَّ طريقهم قدر الشراك.
وقال ابن عباس: نعْم القوم أنتم، إن كان ما كان من حلو فهو لكم، وما كان من مرّ فهو لأهل الكتاب. كأنه يرى أن ذلك في المسلمين.
وعن حكيم بن جبير قال: سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة " الكافرون، الظالمون، الفاسقون " فقلت: زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا. قال: اقرأ ما قبلها وما بعدها، فقرأت عليه فقال: لا بل نزلت علينا.
(1/238)

وعن علقمة ومروان أنهما سألا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن الرشوة، فقال: من السحت. فقالا: أفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}.
وعن السدي التابعي: ومن لم يحكم بما أنزل الله: ومن لم يحكم بما أنزلت، فتركه عمداً، وجارَ وهو يعلم، فهو من الكافرين.
وقال الطبري في تفسير هذه الآيات: " إن الله تعالى عم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرين، وكذلك الحكم في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحداً به، هو بالله كافر ".
وقال ابن كثير عن تشريعات التتار وجنكيزخان والباسق الذي شرّعه للناس: " فمن فعل ذلك منهم، فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يُحكَّم سواه في قليل ولا كثير ".
وقال شارح العقيدة الطّحاوية: " إنّ الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً مخرجاً عن الملة، وقد يكون معصيةً كبيرةً أو صغيرة، وهذا الكفر إما مجازياً، وإما كفراً أصغر -على القولين السابقين- ذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيرٌ فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفرٌ أكبر ".
وقال الشيخ محمد رشيد رضا في المنار: " ذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروطٌ بشرطٍ معروفٍ من القواعد العامة، وهو أن من لم يحكم بما أنزل الله منكراً أو راغباً عنه، لاعتقاده بأنه ظلم، مع علمه بأنه حكم الله، ونحو ذلك، مما لا يجامع الإِيمان والإذعان.
ولعمري إن الشبهة في الأمراء الواضعين للقوانين أشد، والجواب عنهم أعسر، وهذا التأويل في حقهم لا يظهر، وإن العقل يتعسر عليه أنْ يتصور أنَّ
(1/239)

مؤمناً مذعناً لدين الله، يعتقد أنَّ كتابه يفرض عليه حكماً، ثم هو يغيره باختياره، ويستبدل به حكماً آخر بإرادته، إعراضاً عنه، وتفضيلاً لغيره عليه، ويقر مع ذلك بإيمانه وإسلامه ".
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر: " إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضحُ وضوح الشمس، هي كفرٌ بَواح، لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام -كائناً من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئٍ حسيب نفسه ".
وقال شقيقه محمود محمد شاكر عن الحكام المعاصرين الحاكمين بغير ما أنزل الله: " فهذا الفعل إعراضٌ عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثارُ لأحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفرٌ لا يشك أحد من أهل القبلة -على اختلافهم- في تكفير القائل به والداعي إليه ".
وقال الأستاذ المرحوم حسن الهضيبي: " أما الحاكم على خلاف الأمر، بمعنى المعطي صفة شرعيةً للشيء أو الفعل على خلاف أمر الله، فهو -بالإجماع- مستجيزٌ خلاف الله ورسوله، جاحدٌ للنص المعلوم له، كافرٌ مشرك ".
ونختم هذه الأقوال بقول الشهيد سيد قطب:
" وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، بهذا الحسم الصارم الجازم، وبهذا التعميم الذي تحمله " مَنْ " الشرطية وجملة الجواب، بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان، وينطلق حكماً عاماً، على كل من لم يحكم بما أنزل الله، في أي جيل، ومن أي قبيل.
(1/240)

والعلة هي التي أسلفنا، هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله، يرفض ألوهية الله، فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية، ومن يحكم بغير ما أنزل الله يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب، ويدّعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر، وماذا يكون الكفر إنْ لم يكن هو هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، والعمل -وهو أقوى تعبيراً من الكلام- ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟!
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة، والتأويل والتأوُّل في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكلم عن مواضعه، وليس لهذه المماحكة من قيمةٍ ولا أثر، في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد ".
ويقول سيد عن الصفة الثانية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}: " والتعبير عام، ليس هناك ما يخصصه، ولكن الوصف الجديد هنا هو " الظالمون " وهذا الوصف الجديد لا يعني أنها حالةٌ أخرى، غير التي سبق الوصف فيها بالكفر، وإنما يعني إضافة صفةٍ أخرى لمن لم يحكم بما أنزل الله.
فهو كافرٌ باعتباره رافضاً لألوهية الله سبحانه، واختصاصه بالتشريع لعباده، وبادعائه هو حق الألوهية بادعائه حق التشريع للناس وهو ظالمٌ بحمل الناس على شريعةٍ غير شريعة ربهم، الصالحة المصلحة لأحوالهم، فوق ظلمه لنفسه بإيرادها موارد التهلكة، وتعريضها لعقاب الكفر، وبتعريض حياة الناس -وهو معهم- للفساد.
(1/241)

وهذا ما يقتضيه اتحاد المسنَد إليه وفعل الشرط {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بما أَنْزَلَ الله} فجواب الشرط الثاني يضاف إلى جواب الشرط الأول، ويعود كلاهما على المسند إليه في فعل الشرط، وهو " مَنْ " المطلق العام ".
وقال عن الآية الثالثة: {فأولئك هم الفاسقون}:
" والنص هنا كذلك على عمومه وإطلاقه، وصفة الفسق تضاف إلى صفتي الكفر والظلم من قبل، وليست تعني قوماً جدداً، ولا حالةً جديدةً منفصلة عن الحالة الأولى، إنما هي صفةٌ زائدةٌ على الصفتين قبلها، لاصقةٌ بمن لم يحكم بما أنزل الله، من أي جيل، ومن أي قبيل.
الكفر برفض ألوهية الله ممثلاً هذا في رفض شريعته. والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله، وإشاعة الفساد في حياتهم. والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه. فهي صفات يتضمنها الفعل الأول، وتنطبق جميعها على الفاعل، ويبوء بها جميعاً دون تفريق ".
ويصدر سيد حكماً عاماً قاطعاً مستمداً من حسن فهمه للآيات السابقة:
" والذين لا يحكمون بما أنزل الله هم الكافرون الظالمون الفاسقون، والذين لا يقبلون حكم الله من المحكومين ما هم بمؤمنين ".
وحتى يكون فهمنا للآيات -موضوع البحث- صحيحاً، فلا بد من أن نقرن معها آياتٍ أخرى في موضوع الحكم والتشريع، ووجوب كونه مأخوذاً من شرع الله.
(1/242)

قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ}.
وقال تعالى: {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً}.
وقال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
وقال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}.
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}.
(1/243)

{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}
قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
يبالغ بعض المسلمين بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقديره، فيخرج بذلك عن المقدار المأمون الوسط المعتدل إلى الغلو والمبالغة، ويشتط في غلوه ومبالغته، وُيقبل على القرآن علّه يجد فيه آيةً تشهد له.
يقول بعض هؤلاء الغلاة المبالغين في أن كل آباء الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا مؤمنين باللهِ موحدين له، لم يعرفوا الكفر ولا الشرك، منذ والده عبد الله وحتى آدم عليه السلام.
وكأنهم يعتبرون القول بهذا من مظاهر وعلامات محبة الرسول وتقديره عليه السلام، وكأنهم يعتبرون كفر أحد آبائه أو أجداده يقدح في عصمة الرسول عليه الصلاة والسلام، ويوصِل له ضرراً وأذى، لهذا يريدون إثبات العصمة له، فيزعمون إيمان كل آبائه وأجداده.
وحتى يكون كلام هؤلاء مقبولاً لدى الناس يعتمدون على آية من القرآن، وهي قول الله: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}. ويزعمون أن معناها
(1/244)

هو: تقلُّب الرسول عليه الصلاة والسلام في الرجال المؤمنين منذ آدم عليه السلام وحتى والده عبد الله، وتنقُّله في أصلابهم واحداً واحداً، وإنّ هؤلاء كلهم كانوا ساجدين لله وحده، عابدين وموحدين له. {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} وهذا القول ليس صحيحاً، وهذا الفهم للآية محرِّف لمعناها.
إن الآيات التي أوردناها تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم. وتأمره بالتوكل على ربه العزيز الرحيم، وتشير إلى فضل الله عليه، وحفظه ورعايته له، وكونه معه في كل حالاته، ينصره ويعينه. وتشير تلك الآيات إلى حالتين من حالات الرسول عليه الصلاة والسلام، وتجعل هاتين الحالتين خاضعتين لرؤية الله له ورعايته لأموره، حالة الرسول عليه السلام وهو وحده خالياً، وحالته وهو مع المسلمين واقفاً بينهم.
تقول له: إن الله يراك حين تقوم لتصلي وحدك، بحيث لا يراك أحدٌ من الناس، وغالباً ما يكون هذا في صلاة التهجد في الليل.
كما أن الله يراك حين تكون مع أصحابك المسلمين، يراك -ويراهم- وأنتم تصلون لله وتسجدون له، يراك وأنت تتقلب بينهم ومعهم ساجداً لربك، وهم ساجدون حولك. يراك حين تقوم تصلي وحدك، ويراك حين تصلي مع أصحابك، وتسجد معهم، وهم يسجدون.
وهذا ما فهمه من الآيات علماء السلف من الصحابة والتابعين:
قال ابن عباس: يراك حين تقوم للصلاة.
وقال عكرمة: يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه.
وقال قتادة: يراك حين تقوم. يراك قائماً وقاعداً وعلى حالاتك.
(1/245)

وتقلبك في الساجدين: في الصلاة. يراك وحدك ويراك مع الجميع.
وقال قتادة أيضاً: في الساجدين: في المصلين.
وقال ابن عباس: في الساجدين: يراك وأنت مع المصلين الساجدين، تقوم وتقعد معهم.
ثم إن القول بإيمان آباء وأجداد الرسول صلى الله عليه وسلم جميعاً، يتعارض مع الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة.
ففي صريح القرآن أن أحد آباء الرسول عليه الصلاة والسلام كان كافراً باللهِ يعبد الأصنام. إنه آزر والد إبراهيم الخليل عليه السلام.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا}.
وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}.
وهذه آياتٌ صريحة، لا تقبل تأويلاً ولا تحريفاً، تُقرر أن آزر هو والد إبراهيم عليه السلام، أنه كان يتخذ الأصنام آلهة، وآزر هو أحد أجداد الرسول عليه الصلاة والسلام. وبهذا نعلم أن الرسول عليه السلام لم يتنقل
(1/246)

في أصلاب الساجدين المؤمنين الموحدين لله، لأن أجداده لم يكونوا كلهم هكذا.
هذا وقد وردت أحاديثٌ صحيحة عن أَبَوَي رسول الله صلى الله عليه وسلم: روى مسلم عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار. فلما قَفا الرجل دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار.
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي. واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي.
أما استدلال بعض المسلمين بحديث نسبوه للرسول صلى الله عليه وسلم: قال: " لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " فهو مردود، لأن هذا الحديث لم يصح، ولم يعزه أحد ممن أوردوه إلى أحد كتب الحديث والسنن.
نعم هناك حديث نسبوه لابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لم يلتق أبواي في سفاح، لم يزل الله عز وجل ينقلني من أصلابٍ طيبة إلى أرحام طاهرة، صافياً مهذباً، لا تنشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما ".
ولكن هذا الحديث أخرجه أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة، وقال العلماء إن هذا الحديث واهٍ ضعيف، لا تنهض به حجة.
ويعجبني كلام الإمام المرحوم محمد أمين الشنقيطي في " أضواء البيان " عند كلامه عن الآية موضوع البحث:
" إن من أنواع البيان التي تضمنها القرآن، أنه يقول بعض العلماء في الآية قولاً، تكون في الآية قرينةٌ تدل على عدم صحته ...
(1/247)

فقوله: {وَتَقَلُّبَكَ في الساجِدِين} قال فيه بعض أهل العلم، وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين، أي المؤمنين باللهِ كآدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل عليهم السلام.
واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم عليه السلام من آبائه، بقوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} وممن رُوي عنه هذا ابن عباس.
وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالى قبله مقترناً به: {الذي يَراكَ حينَ تَقوم} فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الرجال إجماعاً. وأول الآية مرتبطٌ بآخرها: أي الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك ومجلسك. ويرى تقلبك في الساجدين على أظهر الأقوال، لأنه صلى الله عليه وسلم، يتقلب في المصلين قائماً وساجداً وراكعاً.
وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم إلى الصلاة وحدك، وتقلبك في الساجدين، أي المصلين على أظهر الأقوال، إذا صليت بالناس ".
هذه الآيات إذن لا تتحدث عن أجداد الرسول عليه السلام، ولا تقرر أنهم جميعاً كانوا ساجدين لله، بل عندنا آياتٌ صريحة وأحاديث صحيحة، أنهم ليسوا جميعاً كانوا ساجدين لله. وما يمكن أن نأخذه من الآيات هو وجوب توكل الرسول عليه الصلاة والسلام على ربه، واعتناء الله برسوله وحفظه له، وعبادة الرسول عليه السلام المستمرة التي استوعبت له حياته، وأن الله يراه عندما يصلي وحده، وعندما يصلي مع المسلمين الساجدين.
***
(1/248)

الخاتمة
وإلى هنا يتوقف بنا القلم، فنكتفي بالحديث عن ثلاثين آية من آيات القرآن، موضوعاتها مختلفة متنوعة، أوردْنا فهم بعض المسلمين لها، وأظهرنا ما فيها من الخطأ، ثم قدّمْنا المعنى الصحيح الصائب، واستشهدنا له بآياتٍ وأحاديث، وأقوال علماء ثقات من الصحابة والتابعين.
ونرجو الله أن يعيننا أن نعود لآيات القرآن مرة أخرى، ونقف مع الذين يحرفون معناها وقفةً أخرى، ونناقش الذين لا يحسنون تفسيرها، ويستخرجون أدلةً باطلة منها، وبين أيدينا مجموعاتٌ أخرى، من آياتٍ أصابت معانيها ومفاهيمها تحريفاتهم وتأويلاتهم.
ولعلنا في نهاية هذا الكتاب نعود لنؤكد على حرمة القول في القرآن بلا علم، وحرمة تحريف معانيه ومفاهيمه ودلالاته، وحرمة التزلف بهذا التحريف لأصحاب السلطان والأهواء.
يجب على كل من أراد التعامل مع القرآن وفهْمه وتدبره، أن يتزود بالعلوم الضرورية لذلك - وقد أشرنا لها في أثناء الكتاب، ويجب عليه أن يجمع الآيات المتشابهة في الموضوع الواحد، وأن يعيد النظر في السياق الذي وردت فيه الآية أو الآيات، وأن يطَّلع على ما قاله العلماء الثقات من الصحابة والتابعين وأعلام المفسرين. ويجب علينا جميعاً أن نقف في وجوه
(1/249)

المحرِّفين، وأن نقدّم المعنى الصحيح للآيات، وأن نشفع هذا بالأدلة المختلفة على هذا المعنى، من الآيات الأخرى والأحاديث والمأثورات.
يجب أن نقدم للمسلمين المفاهيم القرآنية الأصيلة الثابتة ليتعرفوا على القرآن، ويزدادوا محبةً له، وتعلقاً به، وتفاعلاً معه. ثم يصوغون حياتهم وفقه، ويبنون مجتمعاتهم على مبادئه وتوجيهاته.
أعاننا الله على القيام بالواجب، وثبتَنا على البقاء مع الحق، وكتب لنا التوفيق والسعادة والنصر والتمكين، والرحمة والرضوان والجنة يوم القيامة.
وصلى الله على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.
***
(1/250)