Advertisement

__التفسير الميسر عائض القرني1

التفسير الميسر
الدكتور عائض القرني
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فهذا تفسير يسير سهل قريب قدمت فيه المعاني بأسلوب مفهوم، ولغة واضحة، فلا أكثر فيه الآيات المتشابهة بل أبقيها في مواضعها، وكذلك لا أورد أحاديث ولا آثار إلا فيما ندر باختصار، وقد أعرضت عن القول والخلافيات، وعمدت إلى الراجح والظاهر من الآية، ولم أورد فيه شواهد شعرية، ولم أبحث مسائل نحوية ولا قضايا لغوية ولا وجوه قراءات، ولا إسرائيليات ولا نقولات عن العلماء ولا استطرادات، وإنما اقتصرت على زبدة القول، وخلاصة الكلام، وربما اذكر بعض الحكم واللطائف والفوائد والأسرار – إذا وجدت – بإيجاز، وقد التزمت منهج السلف أهل العلم والإيمان، وجانبت مذاهب المخالفين لهم.
ولأن القرآن كتاب هداية ورشد، حرصت على بيان هذا الهدي، فاطرحت الأقوال الغريبة والشاذة والضعيفة والبعيدة، وحرصت على القول الصحيح الثابت المشهور.
أسأل الله الحي القيوم أن ينفعني بهذا التفسير، وينفع به من طالعه أو سمعه، أو طبعه أو وزعه، ويجعله سببا لي ولهم في نيل رضوانه، والفوز بسكنى جنانه، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عائض بن عبدالله القرني

الفاتحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: أبتدئ مستعينا بالله متوكلا عليه، وذكر اسم الله؛ لأنه الاسم الأعظم الذي تضاف له كل الأسماء الدالة على كمال الألوهية واستحقاقه للعبودية، والرحمن واسع الرحمة، وهي عامة لكل مخلوق، والرحيم بأوليائه من الأنبياء والصالحين، والأسماء والصفات تثبت على الحقيقة المرادة منها في الكتاب والسنة.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: الثناء على الله بأوصاف الكمال، فهو المحمود على كل حال، فرحمته فضل وعذابه عدل، وهو الرب الذي خلق ورزق، وربى جميع المخلوقات عموما، وربى أولياءه بالإيمان والعلم خصوصا، فلهذا استحق الحمد، فهو كامل الغنى عن غيره، وغيره كامل الفقر إليه.
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: أعاد الرحمن الرحيم لان رحمته سبقت غضبه؛ ولأن رحمته وسعت كل حي، وعمت كل مخلوق.
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: هو الحاكم ليوم الحساب والجزاء وهو يوم القيامة، وإنما خص يوم الحساب والجزاء وهو يوم القيامة؛ لأنه يظهر للخلق تمام ملكه في ذلك اليوم، وإلا فهو المالك ليوم الدين وغيره، ويوم الدين يوم يدان الناس فيه بأعمالهم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فالواجب تذكر ذلك الموقف وإعداد العدة له.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: لك وحدك عبادتنا، وبك وحدك استعانتنا، فحقك علينا أن نعبدك ولا نشرك بك شيئا، ولكن هذا لا يتم إلا بعون منك، والعبادة كل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال، والاستعانة هي الاعتماد على الله في جلب المحبوب ودفع المكروه، وقدم الضمير "إياك" على الفعل لإفادة قصر العبادة على الله والاستعانة به وحده.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ: أرشدنا إلى الطريق الواضح الموصل إلى رضوانك وجنتك بإتباع أمرك واجتناب نهيك.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ: وهذا الطريق الواضح هو طريق الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، وليس طريق من عرف الحق ولم يعمل به، كاليهود، ولا طريق من ترك الحق عن جهل وضلال كالنصارى.
سورة البقرة
الم: الله أعلم بمراده من هذه الحروف العربية، وأقرب الأقوال أن فيها إظهارا لعجز المعارضين عن الإتيان بمثل هذا القرآن مع نزوله بحروف لغة العرب التي يعرفونها.
ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ: هذا القرآن العظيم الذي لا يماثله كتاب في صدقه وبركته وبلاغته، وهو لا شك فيه بل فيه اليقين التام، وهو المزيل لكل حيرة وشرك وشبهة، وهذا الكتاب مرشد لمن اهتدى به لخير الدارين، فهو يدله على الهدى، ويجنبه الردى، ولا ينتفع به إلا المؤمنون به، وهم من تقربوا من رحمة الله بطاعته، وابتعدوا عن عذابه باجتناب معصيته.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: هؤلاء المتقون يصدقون بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أخبار الغيب؛ كالقيامة، والجنة والنار، والأخبار الماضية والمستقبلة، ويؤدون الصلاة على أكمل وجه، ولم يقل يصلون بل يقيمون أي بخشوعها وبشروطها وسننها، فتنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وهم ينفقون مما رزقهم الله في الزكاة والصدقة والصلة، ووجوه البر وأنواع القربات ولا يدخرون شيئا في ذات الله، فالرزق من الله لا منهم وينفقون بعضها لا كلها.
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِ لَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ: وهم الذين يصدقون بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ويصدقون بما نزل على الرسل قبله من الكتب والمؤمنون يؤمنون بجميع لكتب، وجميع الرسل بلا تفرقة وهم يعلمون علم يقين أن اليوم الآخر حق، وأن الله يجمع الناس ليوم لا ريب فيه ليحاسبهم.
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: هؤلاء على هدى عظيم من خالقهم ورازقهم؛ لأنهم فعلوا ما أمر به، واجتنبوا ما نهي عنه، فلا هدى أعظم من هداهم، وهم فازوا بالمطلوب، ونجوا من المرهوب؛ لأنهم سلكوا سبل النجاة، وحادوا عن طريق الهلاك.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: أما من كفر بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم فسواء وعظتهم أم لم تعظهم فلن يجدي فيهم الوعظ، ولن ينفعهم الذكر، ولن يصدقوا بما جئت به؛ لأن أعينهم في غطاء عن ذكر الله.
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: فالله حجب الحق عن قلوبهم فلا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، وغطى على أسماعهم، وغشى أبصارهم، فمنافذ العلم عندهم مغلقة، فلا يفهمون الحق، ولا يسمعون الهدى، ولا يبصرون الرشد، وقد أعد الله لهم في الآخرة عذابا لا يطاق في نار جهنم جزاء لأعمالهم.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ: وهناك صنف منافق من الناس يظهر غير ما يبطن، فهو مؤمن باللسان، كافر بالجنان، يدعي أنه مصدق بما جاء عن الله، والحقيقة أنه في سره مكذب، وما دخل الإيمان قلبه.
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ: وهؤلاء يظنون أنهم بهذا الكلام يحتالون على الله وعلى عباده الصالحين، وأن هذه الحيلة سوف تستقيم، ولكن هيهات، فهم يلعبون على أنفسهم، ويسعون في هلاكهم، وما يستخفون إلا بأنفسهم وما يقطعون إلا وتينهم ولكن لا يدرون، فهم جاهلون بقبيح ما يفعلون، غافلون عن سوء ما يصنعون.
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ: في قلوبهم مرض الشبهة والتكذيب، وزادهم الله بغيهم حيرة وشكا واضطرابا؛ لان جزاء السيئة السيئة، وثواب الحسنة الحسنة، وقد أعد الله لهم عذابا مؤلما، في الدنيا بأنواع المثلات، وفي الآخرة بأصناف العقوبات؛ لأنهم كذبوا بالصدق وكذبوا في القول وأساؤوا الفعل، فالكذب أصل خطاياهم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ: إذا نصح هؤلاء المنافقون بترك أفعالهم الشنيعة؛ لأن فيها فسادا في الأرض، فهم أسباب النفاق والشقاق، وقبيح الأخلاق، وتفريق الجمع، ادعوا كذبا أنهم يريدون الخير والنفع العام، وهذا شأن كل مفسد.
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ: لكن هؤلاء المنافقين هم المفسدون الذين لا أشد إفسادا منهم، فهم فاسدون في أنفسهم لاعتقاداتهم الباطلة، وأفعالهم القبيحة، مفسدون لغيرهم لسعيهم بالفتنة بين الناس، ولكنهم مع ذلك لا يدرون بفسادهم، فقد انقلبت الأمور، وانعكست عليهم المقاصد، فصار الشر عندهم خيرا، والباطل حقا، ومن لم يعلم بفساده كان أجدر ألا يعود إلى الحق، ويكفيهم خزيا أن الله كذبهم ومما قيل كفى لصاحب الكذب فضيحة أن يقال له في وجهه: كذبت.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ: وإذا طلب من هؤلاء المنافقين أن يدخلوا في الدين ويتبعوا الرسول صلى الله علين وسلم كما فعل المؤمنون قالوا كيف نفعل مثل فعل هؤلاء الجهلاء السفهاء يقصدون الصحابة لأن من ضحى في سبيل الله، وأوذي من أجله، وتعرض للأخطار عندهم مخالف للعقل المعيشي الجبان الذي يدندن على الشهوات واللذات، فرد الله عليهم وبين أنهم هم الجهلة الأغبياء؛ لأنهم فوتوا أعظم المصالح وخسروا أجل المطالب ووقعوا في أخطر المهالك وعثروا في أودية الحسرات ومع ذلك لا يعلمون سوء ما فعلوه وقبيح ما ارتكبوه فانحرافهم لا يرجى الرشد بعده.
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ: هؤلاء المنافقون إذا خالطوا المؤمنين أظهروا الإيمان بألسنتهم، وأبطنوا الكفر في قلوبهم؛ ليحقنوا دماءهم، ويعصموا أنفسهم، ويحفظوا أموالهم، لكن إذا رجعوا إلى أتباعهم ومن هم على شاكلتهم في الكفر قالوا: نحن معكم فيما تعتقدون، وإنما خدعنا هؤلاء المؤمنين وضحكنا عليهم، وإلا فنحن لسنا معهم ولا ندين بدينهم، أرادوا أن يجمعوا بين عشرة الكافرين وصحبة المسلمين، فلم يستقم لهم ذلك؛ لأنه لا يجتمع الضدان.
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ: الله يستهزئ بهم جزاء استهزائهم وسخريتهم بالمؤمنين ويمهلهم حتى يتمادوا في طغيانهم وظلمهم وغوايتهم وانحرافهم، وهم في غفلة وعمه عنه هذا.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ: هؤلاء المنافقون دفعوا الهدى الذي بث به محمد صلى الله عليه وسلم ثمنا للضلالة التي شروها ورغبوا فيها، فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فبئس والله تجارتهم، وخسرت صفقتهم، وخاب بيعهم، فمن هذا منهجه فلن يهتدي أبدا.
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ: مثلهم مثل من كان في ظلمة عظيمة، ثم أوقد نارا فلما أبصر بها ما حوله أطفأ الله عليه تلك النار فبقي في ظلمة لا يرى شيئا، وهؤلاء أضاء لهم الإسلام في الدنيا فحقن دماءهم، وحفظ أموالهم ثم توفاهم الله فأخزاهم وعذبهم، ونكل بهم.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ: فهم لا يسمعون الحق ولا ينطقون به ولا يرونه وإن كانت حواسهم سليمة فهم لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها ولا إلى الهدى بعد أن باعوه.
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: أو مثلهم كمثل من أسابه مطر عظيم مع ظلمة ليل وظلمة سحاب وظلمة مطر فصوت الرعد يزعجه ورؤية البرق تخيفه والمنافقون إذا سمعوا القرآن خافوا من وعيده وراعتهم أوامره ونفروا من تعاليمه فهم يسدون آذانهم عن سماعه ومع هذا فالله قادر عليهم لا يفوتونه محيط بهم لا يعجزونه.
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: كما يوشك البرق أن يذهب ببصر من رآه، فكذلك زواجر القرآن توشك أن تذهب برؤية من لم يهتد به، والمنافقون ينتفعون بالإسلام انتفاعا دنيويا طاهرا في الحياة الدنيا في حقن الدماء وحفظ الأموال كما ينتفع من يمشي في ضوء البرق زمنا قصيرا ثم تطلق عليه الظلمة كذلك المنافقون في حيرة وشك ثم عذاب دائم في نار جهنم مع أنه من المعلوم أن الله قادر على طمس أبصارهم وأخذ أسماعهم لأن الله لا يعجزه شىء لكمال قدرته جل في علاه.
يأيها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: المستحق للعبادة هو الله جل في علاه فلا يجوز أن يشرك معه في ألوهيته أحد لأن الربوبية له، فهو الخالق لناس وحده لا سواه، فالخالق أحق أن يعبد نادى الله عباده وهذا أول نداء في القرآن وأمرهم أن يعبدوه فهو خالقهم وخالق من قبلهم والرب حقيق أن يعبد والعبد حقيق أن يعبده ليتقي سخطه وأليم عقابه وهذه العبادة هي مقصود الله من الخليقة ومن أجل عبادته أوجد الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب فهي المقصود الأعظم والمطلب الأسمى.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أليس الله هو الذي مهد الارض كالفراش للناس، ووطأها لهم ليعيشوا على ظهرها ويتمتعوا بأنواع النعم عليها وصير السماء سقفا لهذه الارض وجعل فيه ما ينفع الإنسان من الشمس والقمر والنجوم والكواكب ثم أنبت سبحانه بالماء الذي أنزله أنواع الثمار والحبوب من فواكه وخضروات مما لذ وطاب وراق العين ولذ في الفم وما دام أن الرازق هو الله فهو أحق أن يشكر وحده فكيف تعبدون غيره وأنتم تعلمون أن لا خالق ولا رزاق غيره.
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: إن كنتم شاكين في هذا الوحي الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم فتعالوا بسورة من مثله في البيان والبلاغة، فأنتم أهل فصاحة وبلاغة والكلام متاح لكم واستعينوا بمن شئتم به من أعوانك ليساعدوكم على معارضة هذا القرآن بسورة مثل إحدى سوره إن كنتم صادقين أن تستطيعون المعارضة والتحدي ولكن هيهات لقد أفحموا والله غاية الإفحام وهزموا شر هزيمة.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ: فإن لم تستطيعوا على هذه المعارضة ولن تستطيعوا: لأن القرآن كلام الحكيم الخبير فارحموا أنفسكم بالإيمان بالله؛ لينجيكم من نار تلظي، فلن يتقي عذابه إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وأنتم لا تقدرون على عذاب النار التي تشتعل بالناس وبالحجارة والله جعلها مثوى من كفر به سبحانه (وفيها أن المؤمن العاصي لو عذب في النار لا يخلد فيها كما يخلد الكافر).
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: وبشر يا محمد عبادنا الصالحين من أتباعك بما أعددنا لهم من النعيم المقيم، والخير العميم جزاء لإيمانهم وأعمالهم الصالحة من توحيد وصلاة وصيام وصدقة وحج ونحوه، فهم في جنة ثمراتها متشابهة الألوان، مختلفة الطعوم حتى يخيل إلى من سكنها أن الثمرة إذا قدمت له بعد الثمرة أنها هي أعيدت له، وهي مختلفة في ذوقها، لزيادة النعيم، وعندهم زوجات جميلات ناعمات مطهرات مما يعرض لنساء الدنيا من نجاسات وقاذورات في ذوقها؛ لزيادة النعيم، وعندهم زوجات جميلات ناعمات مطهرات مما يعرض لنساء الدنيا من نجاسات وقاذورات وأخلاق رديئة ومع هذا النعيم فهم مقيمون أبدا متنعمون سرمدا لا ينقطع عنهم النعيم ولا يخافون الزوال والانتقال.
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ: الله لا يستحيي أن يضرب الأمثال بما شاء من خلق البعوضة فما فوقها، فالكل خلقه، فبديع حكمته في خلق البعوضة والنملة مثل عجيب خلقه في الفيل والجمل، بل إن تركيبه للصغير الحقير يلفت النظر أكثر من الكبير، والمؤمن عند سماع هذه الأمثال يعتقد أن هذا المثل صدق لا مرية فيه من عند الله، بخلاف الكافر الذي يقف حائرا مترددا وكل مثل يساق يزداد به المؤمن ايمانا والكافر كفرا ولهذا تجد عند العالم بآيات الله من اليقين والسوخ لتوارد الأدلة وكثرة البراهين مالا يوجد عند الجاهل المعرض وتجد المنحرف الفاجر يزداد فجورا عند سماع البينات والحجج الواضحات.
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: هؤلاء هم الذين ينقضون العهد الذي بينهم وبين ربهم من الإيمان به واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وكل ميثاق عقدوه على أنفسهم من الإيمان والنذور والمعاهدات؛ لأنهم فجرة وكل ما أمر الله به أن يوصل من بر الوالدين، وصلة الرحم وحق الجار قطعه هؤلاء العصاة المردة فلا مع الخالق صدقوا ولا مع الخلق وفوا ثم هم يسعون في الأرض فسادا من اشعال الفتن ونشر الفرقة واختلاف الكلمة والتربص بالمؤمنين، وحبك المؤامرة على المسلمين، فهم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم وحياتهم وسعادتهم، فلا أشد منهم هلاكا ولا أغبن منهم صفقة فالخسارة المالية تعوض ولكن خسارة الدين والقيم لا عوض منها لان خسارة هؤلاء المكذبين خسارة دائمة في الدارين، فلعظم خسارتهم حصر الخسارة فيهم "ألا ذلك هو الخسران المبين".
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: كيف تجحدون ألوهية ربكم وقد كنتم في عالم العدم فأوجدكم في الحياة بعد الفناء، ثم هو بعد هذه الحياة يميتكم ثم يخرجكم من قبوركم للحساب، أفلا يستحق من هذا وصفه جل في علاه أن يعبد ويوحد؛ لأنه لا خالق ولا محيي ولا مميت إلا هو؟ فلماذا لا تفردونه بالعبودية؟ فإن من يملك الإحياء والإماتة والبعث هو وحده الذي تجب عبوديته، لكن عجبا لكم جحدتم بهذا الحق كله، وكفرتم بهذا الإحساس جميعه فصيرتم العبادة لغيره، وأشركتم معه سواه، فأي جرم أعظم من جرمكم أم أي ذنب أكبر من ذنبكم؟
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: فالله سبحانه الذي يستحق العبادة، وهو الذي أوجد لكم كل ما في الأرض من غذاء وماء وهواء ودواء وضياء، وجعل الأصل فيما خلق لكم الحل والطهارة، وبعدما خلق لكم ما في الأرض من نعم، قصد إلى السماء فأبدعهن وحسن خلقهن، وأحكم صناعتهن، وجعلها سبع سموات، ومع هذا الخلق والإبداع فعلمه سبحانه محيط شامل، فله سبحانه كمال الخلق وتمام العلم فمن كان هذا وصفه من القدرة على الخلق وكمال العلم مستحق أن يعبد وحده، وأن يشكر بامتثال أمره واجتناب نهيه.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ: يخبرنا الله أنه أخبر ملائكته أنه سوف يجعل في الأرض من يعمرها ويحييها بالإيمان وهم آدم وذريته وبعضهم يخلف بعضا؛ ليبقى العمار والنماء والحياة، وتتم سنة الابتلاء وحكمة الخليقة، فقالت الملائكة أتجعل في الارض خليفة يفسد فيها بالعصيان والظلم والفتنة ويسفك الدماء المعصومة بغير حق. لأن الملائكة سالمون من الذنوب والخطايا منزهون عن الظلم والعدوان، عندها أخبرهم سبحانه أنه يعلم ما لا يعلمون من سر الخلق وعواقب الأمور وبديع الحكم التي لا يطلع عليها إلا الله من إقامة الدين والدعوة إلى الله ووجود الأنبياء والعلماء والأولياء والعباد والزهاد ومن يصلح لعمارة الأرض.
وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: علم الله آدم أسماء المسميات من المخلوقات من سماء وأرض وجبل وشجر ونحوها ليتميز عليهم بالعلم الذي هو فوق كل شرف وأجله ما كان من الله عزوجل كعلم آدم وعموم العلم الشرعي وبعدما علم آدم الأسماء عرض المسميات على الملائكة ليكون التفضيل بعد الامتحان، ويكون التكريم بعد الابتلاء، وقال للملائكة: أخبروني بأسماء هذه المخلوقات إن كنتم صادقين بأنكم أهل فضيلة وميزة على آدم وذريته.
قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ: قالت الملائكة لما أمرهم سبحانه بذكر أسماء المسميات: يا ربنا تبارك اسمك وتقدس نحن لا نستطيع ذكر هذه الاسماء إلا إذا علمتنا أنت؛ لأن علمك واسع محيط، وأنت مع العلم حكيم، فعلمك وحكمتك من أجل صفاتك، وهذا يدلك على أن العالم الحكيم هو الرباني بحق، فمن فاتته الصفتان أو إحداهما فاتته الإمامة في الدين، وانظر كيف حصروا العلم والحكمة لله وحده؛ لأنه الأعلم الأحكم تقدس اسمه.
قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ: فلما عجز الملائكة عن معرفة الأسماء أمر الله آدم بعدما علمه أن يذكر الأسماء أمام الملائكة ليظهر فضله ويبين شرفه وليأخذ الاصطفاء باستحقاق، فأخذ آدم يذكر أسماء المسميات أمام الملائكة، حينها قال الله للملائكة أما أخبرتكم أنني العالم بكل ما في السموات والأرض وأعلم ما تبدون من أعمال وأقوال وما تكتمون من عقائد وأسرار وهذا يدلك على فضل العلم؛ لأنه الصفة الوحيدة التي فاق بها آدم على الملائكة، ثم إن الله مدح نفسه بالعلم، ثم إن الملائكة اعترفوا بالفضل لآدم؛ لأنهم أدركوا شرفه عليهم بما علمه الله، فمن أراد العلو والرفعة فعليه بطلب العلم النافع الذي أنزله الله على رسله، فهو الذي تحصل به الفضيلة ويرفع به نقص الإنسان وغفلته ويعظم شأنه.
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ: فلما ظهر للملائكة فضل آدم عليهم بالعلم أمرهم سبحانه بالسجود إكراما له لما ميزه الله عليهم بعلم الأسماء لأنه لا يوجد أفضل من صفة العلم، فامتثلوا أمر ربهم وسجدوا له لأنه يجب على المفضول احترام الفاضل اعترافا واكراما ولكن إبليس لكبره وشقاقه امتنع عن السجود وضرب الأمثال كبرا وعتوا فأذله الله وأخزاه وطرده ولعنه وهذا شأن أتباعه من أهل الكبر لا يذعنون للحق فمرض الشبهة أعظم من داء الشهوة فالأول مرض إبليس ولذلك طرد والثاني أصاب آدم لما أكل من الشجرة لكنه تاب فتاب الله عليه فالواجب على العبد المبادرة عند الأمر وترك التسويف والاعتراض وهذا السجود لآدم سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة الذي لا يصح إلا لله.
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ: ثم أمر الله آدم أن يسكن الجنة مع زوجه في أمن وأمان وخير ورضوان، في عيش هنئ لا كدح فيه ولا مشقة، بل فيه ألوان من النعيم وصنوف من اللذائذ وأنواع من الثمار، مما تشتهيه الأنفس، ويسر النظر، ويشرح البال، ونهاهم تعالى عن أكل نوع من الشجر ابتلاء منه لهما وامتحانا ليظهر صبرهما وجهادهما للنفس، وحذرهما من مغبة ارتكاب المنهي، فإن من فعل ذلك بعد البيان فقد ظلم نفسه، وعصى ربه.
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ: فاجتهد الشيطان في إبعادهما عن الجنة حسدا لهما، ورسول لهما ولبس عليهما فوقعا في فخه المنصوب، وهذه بداية الصراع العالمي بينه وبين عباد الله إلى يوم الدين فلما ارتكبا المحظور حرما من الحبور والسرور وهذا جزاء من عصى فإنه يحرم بسبب معصيته من مقامات الأمن والرعاية بحسب معصيته، فيا شؤم المعصية، ويا سوء عاقبتها، ثم أمر الله آدم وحواء والشيطان بالنزول إلى الأرض وجعل بينهم العداوة الأبدية لتتم سنة الابتلاء والمدافعة والمجاهرة وجعل الأرض لبني آدم دارا للعيش والسكني والتمتع مدة معلومة من الزمن حتى يأذن الله لقيام الساعة ونهاية العالم، فالمستقر سكن ووطن والمتاع غذاء وماء فلا بقاء للدنيا، ولا لأهلها، وإنما سوف يعودون لإحدى الدارين دار آدم الجنة، ودار إبليس النار.
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: من رحمة الله ولطفه بآدم وذريته أن علمه كلمات يستوجب بها الرحمة والغفران، وهي كلمات الاعتراف بالذنب وإعلان التوبة وطلب العفو، وفي هذا فضل الاستغفار، وأن الذنب قد تكون فيه مصالح عظيمة للعبد إذا تاب وأناب منن الانكسار والندم والاجتهاد في الطاعة والبكاء والخوف والتواضع لعباد الله.
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: ولما أمرهم – سبحانه – بالنزول إلى الأرض من الجنة بين لهم أنه لن يتركهم هملا، بل سوف يرسل إليهم رسلا وينزل إليهم كتبا، من آمن بالله واتبع رسله واهتدى بهداه فله الأمن من الله، فلا يخاف مما يستقبله لأن الله حافظه وكافيه ولا يحزن على ما مضى، فالله يغفر له ويتجاوز عنه، والسعادة مبنية على أصلين: لا خوف، ولا حزن.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: أما من أعرض عن هدي الله ورد ما جاءت به رسله، وكتم الحق وكذب به فالنار جزاؤه خالدا مخلدا فيه، فانظر كيف بين الله لعباده مصيرهم حتى يكونوا على أهبة وبينة، وتكون الحجة لله عليه، فلم يأخذهم قبل البلاغ.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ: ثم نادى الله بني إسرائيل وذكرهم بأنهم أبناء النبي الكريم يعقوب، فكأنه يقول لهم: أين أنتم من أبيكم الذي كان شاكرا لربه، عارفا لحق مولاه، ما لكم أنتم خالفتم أباكم فكفرتم بالله وحاربتم رسله وعصيتم أمره؟! ثم ذكرهم – سبحانه – بنعمة عليهم لعلهم يراجعون أنفسهم، ويستحيون من ربهم، فهل جزاء هذه النعم العصيان وقتل الأنبياء وكتم الحق؟
وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ: واتبعوا هدي النبي الأمي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الوحي؛ لأنه مصدق لما جاء به موسى عليه السلام من التوراة، بل يؤيده ويعضده فكيف تفرقون بين الرسولين والكتابين، واحذروا أن تكونوا أول المكذبين بهذا النبي فيقتدي بكم غيركم فتكونون اسوة شر، ومفتاح فتنة وصد عن سبيل الله.
وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: وإياكم يا بني إسرائيل أن تخلطوا الحق بالباطل، فتمزجوا بين الصدق والكذب لتروجوا على الناس باطلكم؛ لأن بعض الفجرة يذكر شيئا من الحق ليصدق في باطله، وإياكم أن تكتموا الحق الذي ظهر وبان بقيام الأدلة والبراهين من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته وأن دينه حق وشرعه صدق، وأنتم تعلمون أنه رسول من عند الله، فهو مكتوب عندكم بعلاماته وصفاته فكيف تجحدون ما تعلمون.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ: وعليكم بإقامة الصلاة التي أمركم الله بها؛ لأنها تنهي عن الفحشاء والمنكر ما أقيمت على الوجه الصحيح لا مجرد صلاة بلا خشوع وحضور، وأدوا زكاة أموالكم لتزكوا بها نفوسكم وتحط عنكم خطاياكم، ويرضى عنكم ربكم وتسخو قلوبكم ويذهب الشح عنكم وصلوا مع المصلين واستل بهذا من أوجب صلاة الجماعة وقيل اخضعوا لربكم مثل ما خضع له عباده الصالحون.
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ: ما لكم تزكون الناس بكلامكم وأنتم في ظلمة المعاصي واقفون، تأمرون غيركم ولا تأتمرون، وتنهون عن الذنوب ولا تنتهون، ثم عندكم كتاب يتلى فيه حجج بينات، وبراهين واضحات، ومع ذلك لم تستضيئوا بنوره، ولم تهتدوا بهداه، وإذا لم يزجركم العلم أفلا يزجركم العقل! فإن العقل الراجح يدعو إلى الفضائل ويزجر عن الرذائل؛ ويمنع من السفه ولهذا قال: "أفلا تعقلون".
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ: وعليكم بالصبر على أداء المأمور واجتناب المحذور – والصبر قوة من قوى النفس تدخل في كل نظام الحياة وأعمالها – وداوموا على الصلاة؛ لأنها تعين صاحبها في الآزمات، وتريحه في الكربات، وفي الحديث: "أرحنا بالصلاة يا بلال" فهي قرة العيون وبهجة النفوس وهذه الصلاة كبيرة وشاقة وصعبة إلا على الخاشعين المخبتة قلوبهم وجوارحهم للجبار جل جلاله ولا يشق عليهم أداؤها في وقت النوم والراحة والبرد والسفر والمرض وأما المنافق فمن أشق شىء وأصعبه عليه.
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ: وهؤلاء المؤمنون الخاشعون الصادقون يتيقنون بالبعث بعد الموت، ولقاء الله للحساب، والرجوع إليه للثواب والعقاب، وهذه مسألة الإيمان باليوم الآخر التي هي من أركان الإيمان العظيمة، وهي التي تحمل صاحبها على تقوى الله؛ لأنه يعلم أنه سوف يلقاه في يوم لا ريب فيه.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ: يا أبناء النبي الكريم الصالح يعقوب الذين لم تفعلوا فعله في الاستجابة لنا، لماذا لا تذكرون نعمنا عليكم، أما نجيناكم من العذاب؟ أما ظللنا عليكم السحاب؟ أما والينا عليكم النعم، وصرفنا عنكم النقم وفضلناكم على عالمي زمانكم بكثرة الأنبياء منكم، ونزول الكتب فيكم ونصركم على الأعداء مع كثرة أيادينا عليكم، فهلا للنعيم شكرتم وللإحسان ذكرتم؟
وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: وخافوا يوما تعرضون فيه على الله، لا تدفع نفس عن نفسها شرا، ولا تجلب لها نفعا، ولا شفاعة تقبل لكافر، ولا يفتدى فيه من العذاب بمال، ولا ناصر لمن حق عليه العذاب ينقذه، فلا شافع قبل العذاب، ولا فدية إذا حل، ولا ناصر إذا وقع، فهي أربعة يتعلق بها الكفار في الآخرة لا تنفعهم نفس بدل نفس تفديها، ولا صاحب جاه يشفع لينجيها، ولا ثمن مال من الهلاك يحميها، ولا مدافع صاحب قوة يكفيها.
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتنا عليكم يوم نجيناكم وسلمناكم من فرعون وقومه لما هربتم من بطشه، فأدرككم ففلقنا لكم البحر، وخرجتم سالمين من بعد ما كان يذبح كل مولود لكم من الذكور، ويترك كل مولود من الإناث للخدمة في بيوت قوم فرعون، وهذه ابتلاءات واختبارات بالنعم والنقم عظيمة، ولكنكم كفرتم النعم، ونسيتم النقم، وخير ما تبكت به اللئيم تذكيره بما أسديت إليه من نعيم.
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: واذكروا يا بني إسرائيل يوم شققنا لكم البحر وقد ضاق عليكم الأمر؛ لأن البحر كان من أمامكم والعدو من خلفكم، وقد أشرفتم على الهلاك فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون، وقد كانوا طالبين لكم، وأنتم مطلبون، فجلعنا الدائرة عليهم، وأغرقناهم وأنتم تبصرون غرقهم زيادة في التشفي منهم ، ولئلا تنكروا هذه النعمة أو لتقوم بها عليكم الحجة.
وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ: واذكروا حين واعدنا موسى قبل أن نكمله بطور سيناء، وجعلنا له أربعين ليلة قبل هذا الوعد، وكل هذا من أجل هدايتكم وصلاح أموركم، فكفرتم الإحسان، واتخذتم العجل إلها يعبد من دون اله بعد غياب موسى، فأي ظلم أظلم من فعلكم؟! وأي بغي أشد من بغيكم؟ لأنكم صدقتم الدجل، وعبدتم العجل، ورضيتم بالجهل، وشتان بين أمة موسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم فأمه موسى غاب نبيها أربعين يوما فجعلوا العجل معبودهم، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم مات نبيها والخير فيهم إلى يوم القيامة.
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وبعد هذا الصنيع المشين منكم والفعل السيء القبيح عفونا عنكم، وسامحناكم وتجاوزنا عن أخطائكم لعلكم ترجعون إلى الجليل وتعترفون بالجميل، وتحفظون هذا الإحسان منا.
وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: وتذكروا يا بني إسرائيل يوم أكرمنا موسى بالتوراة وبيان الحلال والحرام، هداية لكم وإرشادا لعلكم تستقيمون على أمر الله، وتهتدون بهداه.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: واذكروا حين نهاكم موسى عن عبادة العجل، وأنكر عليكم فعلكم الشنيع الفظيع في عبادتكم لعجل يخور، وتمثال كالثور، وعرض عليكم موسى التوبة إلى الله والعودة إلى دينه؛ لأنه سبحانه هو خالقكم ورازقكم ومبدعكم، لا رب غيره ولا إله سواه، وهذه التوبة تقتضي منكم أن يقتل منكم البرئ، المجرم؛ لأن في هذا تطهيرا لكم من دنس الذنب وبراءة للذمة، ودليلا لصدق التوبة وامتثالا للأمر، فلما فعلتم تاب الله عليكم من ذلك الذنب العظيم والجرم الأثيم؛ لأنه سبحانه يتوب على من تاب، ويرحم من أناب، فلا يأخذ بالذنب بعد التوبة، ولكنه يرحم من استغفر من الحوبة.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: ومن تمردكم وتنكركم والتوائكم طلبتم من موسى أن يريكم الله – جل في علاه – مباشرة لترونه عيانا بأبصاركم، والله عزوجل أعظم وأجل من أن يرى في الدنيا، وإنما يرى في الجنة لأوليائه بقوة خاصة بمدهم بها، فيكف طلبتم هذا الأمر الجليل، وهو من المستحيل، وكفرتم بالتنزيل، ورفضتم الدليل ولكنكم لما سألتم هذا السؤال عاقبناكم بصاعقة من السماء خلعت قلوبكم، وأحرقت أجسامكم وأنتم تشاهدون مصارع بعضكم، فهلا كان عندكم حياء من تذكر ذاك البلاء؟ وهلا استفدتم من تلك المشاهد العظيمة في زجر النفوس الأثيمة؟
ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وبعدما أهلكناكم بالصاعقة بعثناكم من جديد، وأعدناكم إلى الحياة لعلكم تراجعون أنفسكم وتوحدون ربكم وتتبعون رسولكم، ولكن ما نفعت فيكم العبر، وما أجدت فيكم العظات؛ لأن النفوس شريرة، والطباع خبيثة، والفطر فاسدة، والأخلاق دنسة.
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: ومن زيادة النعيم لكم نشرنا السحاب عليكم، يلطف لكم الجو ويحجب عنكم حرارة الشمس، ويكون مصدرا للغيث، وتكفلنا بطعامكم من المن الذي هو كالعسل حلاوة وطلاوة، والسلوى وهو لحم طير لذيذ شهي، فالجو لكم قد طالب بتظليل السحاب وتوفير الطعام والشراب، فكلوا من الطيبات واعملوا الصالحات، واشكروا رب الأرض والسماوات، ولكن هيهات هيهات لقد قابلوا الإحسان بالإساءة، والجميل بالنكران، فأعرضوا عن الهداية، وركبوا الغواية، فكان ظلمهم على أنفسهم ومغبة ذنوبهم عليهم، فالله لا تضره – سبحانه – معصية العاصي، كما لا تنفعه طاعة الطائع؛ لأنه الغني عما سواه. لا إله إلا الله ولا نعبد سواه، وفي الآية الاكتفاء بالطيبات عن الخبائث، وبالحلال عن الحرام.
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ: وأمرناكم بدخول فلسطين لطلبكم ذلك، وهيأنا لكم فيها معيشة هنيئة بلا مشقة ولا عناء في تحصيلها، بل رزق وافر من طعام لذيذ مع راحة بال وحسن حال، وأمرناكم بدخول باب القرية خاضعين خاشعين شكرا لله، مستغفرين لذنوبكم، طالبين العفو من ربكم، ووعدناكم بغفران الخطايا إذا تبتم، وتكفير الذنوب إذا استغفرتم، ومن لم يكن منكم مذنبا زدناه باستغفاره وصلاحه حسنات، ورفعناه درجات، فالمسئ نكفر سيئاته، والمحسن نزيد في حسناته، فوعدناكم إذا استقمتم بعيش رغيد، ومقام سعيد، وغفران لخطايا وزيادة في العطايا وفي الآية وجوب الاستغفار من الذنوب مع تقوى القلوب.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: فغير الفجرة منكم ما أمرناهم به من الاستغفار، وقلبوا الكلام فسقا وعنادا، فقالوا: حنطة مكان حطة، وما ذاك إلا لكثرة تمردهم على ربهم، وتأصل الخبث في نفوسهم، بعدها أنزلنا عليهم عذابا من السماء نكل بهم جزاء فعلهم الشنيع وقولهم القبيح، فكم من آية مرت بهم وبلاء، وكم من محنة عاشوها ورخاء، لكن المخدر بسكار المعصية لا يشعر، والمفتون بحب الدنيا لا يحس، فالذنوب تميت القلوب وتنسيها علام الغيوب، فما أذهب الفطنة وعطل الفهم ومحق البركة مثل المعصية.
وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ: فلما أمنا لكم الطعام مما لذ وطاب، بقي الشراب، فلما دعانا موسى أن نسقيكم الماء البارد جعلناه بطريقة المعجزة لعلكم تشاهدون قدرة الله فتخافوا، وتنظرون فضله فتشكروه، وتبصرن كرمه فتحبوه، فلا شكر على النعم، ولا خوف من النقم، ولا حب على كثرة الأيادي.
أما ضرب موسى بعصاه الصخر مثلما ضرب بها البحر، فانفجر الصخر بالماء، وانفلق البحر للنجاة، فاليابس القاسي بقدرتنا لان، وقلوبكم ما لانت، والسائل بأمرنا تجمد، فهل من معتبر؟ وفجرنا من الصخر لكم اثنتي عشرة عينا بعد قبائلكم؛ ليقل الزحم ولا يقع الخصام، فكل قبيلة تعرف مشربها، فها هو الطعام والشراب مهيأ لكم، وكله من فضل الله فهلا شركتموه وعبدتموه، فلله في كل لقمة نعمة، وفي كل قطرة ماء آلاء، وفي كل نسمة هواء عطاء، وقد حذرناكم مغبة العصيان، وعاقبة الكفران من السعي في الأرض بالظلم، وسفك الدم الحرام، والقطيعة وأخذ أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور ونحوها، ولكن تركتم المأمور، وارتكبتم المحذور، وخالفتم الرسول، وجانبتم الحق، وأطعتم الهوى.
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ: وبعدما هيأنا لكم أحسن الطعام من اللحم والحلوى والشراب البارد مللتم ذلك لانعكاس الفطرة وخواء القلوب والتنكر للنعم، ومحبة التبديل والتغيير حتى في الأكل والشرب، اقترحتم على موسى طعاما آخر وهو أدنى من الأول في الطعم والقيمة من البقل وأنواع الحبوب والخضروات، فكيف تستبدلون حتى في الطعام الأدنى بالأحسن والرخيص بالغالي فلا تمييز عندكم ولا فرقان حتى فيما تأكلون؟ ولكننا أعطيناكم طلبكم أيضا، وأنزلناكم بلدة طيبة تأكلون من الثمار والحبوب والخضروات، وجزاء لعتوكم والتوائكم وتمردكم جعلنا الهوان عليكم فضربناكم بالخوف في القلوب، والفقر في النفوس، مع خسة الهمم وانحطاط العزيمة؛ لأنكم رضيتم بالدون، وطلبتم الأخس من كل شىء، ورفضتم اختيارنا لكم من العلو والرفعة، وطهارة النفس وسلامة الأخلاق، وصفاء الضمير، وصحة المنهج، فغضبنا عليكم أشد الغضب؛ لمخالفتكم وفجوركم بعد قيام الحجة، وثبوت الدليل، ووضوح البرهان، فالعالم العاصي مغضوب عليه، والجاهل العاصي مغضوب عليه، والجاهل العاصي ضال، وسبب غضب الله على اليهود كفرهم بالرسالة ورفضهم الإيمان، وقتلهم للأنبياء، وهي جرائم بشعة فظيعة، وخطايا هائلة مرعبة، وهذا الهوان الذي حل بهم والذل الذي لزمهم والغضب الذي وقع عليهم بسبب عصيانهم في ترك المأمور، وعدوانهم بارتكاب المحظور، ويمكن أن يكون العصيان ظلم النفس والعدوان ظلم الناس.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: هذه الآية في أهل الكتاب قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ومعناها أن من آمن من هذه الطوائف من اليهود والنصارى والصابئة (هم الذين بقوا على فطرتهم بلا دين معلوم عنهم، وقيل فرقة من النصارى) وعمل صالحا فهم مأجورون عند الله لا يخافون مما أمامهم من الأهوال، ولا يحزنون مما خلفهم من آثار الأعمال، وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يصح إيمان مؤمن حتى يؤمن به صلى الله عليه وسلم وهذه الآية فيها احتراز واستثناء؛ لأنه لما ذم بني إسرائيل أخبر أن فيهم مؤمنين، ثم ذكر النصارى والصابئين ليكون الحكم عاما والقاعدة مطردة في كل من آمن وعمل صالحا، وبين أن أجرهم عند ربهم، وهي الجنات، ولا يلحقهم خوف من عقاب من العقوبات، ولا ينالهم حزن على فوات ثواب؛ لأنه لا أمن لخائف ولا راحة لمحزون، وفي الآية اقتران الإيمان بالعمل الصالح، وإلا صار مجرد دعوى لا يوصل لفوز، ولا ينجي من هلاك.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: واذكروا يا بني إسرائيل أخذنا عيكم العهد الثقيل بطاعتنا وإتباع رسولنا، وأكدنا ذلك برفع جبل الطور فأصبح كالسحابة فوق رؤوسكم حتى تخافوا وترهبوا، وأمرنا بالجد والاجتهاد في أخذ التوراة والصبر على تعاليمها والعمل بأوامرها واجتناب نواهيها، مع تدارس هذا الكتاب وتذكره وتدبره ودوام تلاوته؛ ليبقى حاضرا معكم؛ لأن الإهمال طريق النسيان؛ ولأن في لزوم قراءته ما يدعو لتقوى الله بما يحب واجتناب ما يكره، وهذا هو المقصود من المدارسة للكتاب لا مجرد التلاوة بلا عمل. فالقوة في أخذ الكتاب تقتضي حسن التقي، وصحة العمل، فلا كسل في الأخذ، ولا وهن في التنفيذ.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ: وبعد هذه الآيات والحجج البينات أعرضتم عن الهداية واخترتم الغواية، فلولا أن الله تفضل عليكم بالإمهال والتوبة ولم يعاجلكم بالعقوبة لحل بكم الهلاك، فلا ناصر يفع، ولا وليا يشفع، وفضل الله يشمل الإحسان للمحسن، ورحمته تعم التجاوز عن المسئ.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ: ولقد عرفتم قصة سكان قرية إيلات الساحلية الذين خالفوا حرمة يوم السبت، فصادوا فيه فعاقبناهم بتغيير صورهم إلى قرود ذليلة قبيحة حقيرة، فمن بدل النص والسورة عوقب بتبديل الشكل والصورة، كما في الحديث: "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله صورته صورة حمار" والجامع بينهم وبين القرود الهوان والذلة وقبح الصورة.
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: فجعلنا هذه العقوبة التي حلت بهم عظة وعبرة لمن شاهدها، وسمع بها في عصرهم، ولمن نقلت إليهم ممن يأتي بعدهم إلى قيام الساعة؛ ليرتدع العاصي، ويحذر المتقي، وتقوم الحجة، وتظهر نقمة العظيم بأعدائه، والسعيد من وعظ بغيره، ومصائب قوم عند قوم فوائد، وذكرت هذه الآيات لهذه الأمة لتأخذ الحيطة والحذر من مخالفة أمر الملك الحق، ولكن لا ينتفع بهذه الآيات إلا المتقي؛ لتمام بصيرته وكمال إيمانه وحسن تدبره.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ: واذكروا حين قال لكم موسى إذ قتلتم قتيلا منكم ثم اختلفتم فيمن قتله، وكادت تقع بينكم فتنة، فأمركم بذبح بقرة وأخذ عضو من أعضائها وضرب المقتول به ليخبر من قتله، لكنكم ما بادرتم لامتثال أمر موسى بل تلكأتم وترددتم وتشددتم في السؤال فشدد الله عليكم في أوصاف البقرة، ولو أنكم بادرتم إلى أية بقرة فذبحتموها لاستقام الحال وحصل الامتثال. فلما أمرهم موسى بذبح البقرة ظنوها سخرية منه، فقالوا: نسألك عن القاتل، فتقول: اذبحوا بقرة؟! ومعاذ الله أن يهزل رسول الله في أوامر الله، فكلام الرسل جد ليس بالهزل، بل حق وصدق وفصل، ولهذا تعوذ موسى من الجهل الذي منه الاستهزاء بالناس، والسخرية بعباد الله، والتكلم بكلام لا فائدة فيه، واللعب بأمر الله، والمزاح في شرعه سبحانه.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ: فلما علموا صدق موسى أخذوا يطلبون أوصاف البقرة تعجيزا وترددا، فقالوا: يا موسى، اسأل ربك يخبرنا ما سنها؟! أكبيرة هي أم صغيرة؟ فقال موسى: ربي يقول: إنها وسط ليست بالفارض وهي الكبيرة، ولا بالبكر وهي الصغيرة، بل هي بينهما، وذلك الأقوى والأحسن والأكمل نموا، فهيا بادروا إلى الأم واتركوا التشدد والتعنت ، فمن سأل عما سكت عنه ساءه ما صدر منه.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ: فلما سألوا عن السن وأجيبوا، سألوا عن اللون، فقال لهم موسى، إن ربي يقول: إنها صفراء شديدة الصفرة، وهي أحسن ألوان الدواب التي تبهج العين حسنا وتسر النفس مشاهدة.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ: وما زال اللبس عندهم بعد هذا البيان فقالوا: ادع لنا يا موسى ربك يبين لنا شأن هذه البقرة وإنا بعد ذلك لمهتدون بمشيئة الله، ولو لم يقولوا إن شاء الله ما اهتدوا.
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ: فقال لهم موسى إنها ليست مذللة للعمل، ولا مسخرة للخدمة، ولا يحرث عليها، ولا يسقى عليه، سالمة من العيوب كالعرج والعور والمرض، أو سالمة من العمل، ولونها لون واحد لا لون فيها غير الصفرة، وبعد هذا التشدد منهم شدد الله عليهم، فقالوا لموسى بعد هذه الأوصاف: عرفنا البقرة الموصوفة، فذبحوها بعد عنت ومشقة.
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ: وقد قتل أناس منكم نفسا معصومة، واختلفتم فيمن قتلها والقاتل جاحد والشاهد كاتم، فجعل الله علامة بينت الحق، وهي أن الله أمركم بذبح البقرة، ثم أخذ عضو منها وضرب المقتول به، فأحياه الله وأخبر بمن قتله، فأخرج الله البينة التي أخفاها القاتل وكتمها الشاهد.
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: فلما أمرناكم بضرب المقتول بعضو من أعضاء البقرة أحيينا المقتول بإذن الله ليتحدث بنفسه ويخبر عمن قتله، وتكون لكم آية على قدرة الله تعالى في الإحياء لعلكم تراجعون عقولكم؛ لأنكم بعد هذه الآيات والحجة ضللتم في المحجة.
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: وبعد هذه الآيات غلظت قلوبكم، ومردت على الكفر، فلم تؤثر فيكم موعظة، ولم تنفعكم نصيحة، ولم يجد فيكم هدى من بعد ما أظهرنا لكم البينات والآيات الباهرات، فقلوبكم في قسوتها كالحجارة بل اشد، لأن الحجر ينفجر منه النهر، وقلوبكم لا تنفجر بخير ولا تقوى، ومن الحجر ما يتشقق بالماء، وقلوبكم لا تتشقق للهدى الذي نزل من السماء، ومن الحجر ما يسقط من خشية الله، وقلوبكم لا تنفطر من خوف الله، فيالها من قلوب هانت عليها المعصية فغلظت، وكثر عليها الذنب فقسمت، ولكن الله ليس بغافل عما فعلتموه من التكذيب والتحريف والتبديل، بل هو عالم بذلك حافظ له وسيجازيكم بأعمالكم.
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَك ما كان لكم أيها المؤمنون أن تطمعوا في إيمان اليهود، وقد حرفوا كتابهم الذي فيه هدايتهم وشرفهم وبدلوه فكيف تريدون أن يصدقوا بكتابكم ويتبعوا رسولكم؟ هذا بعيد جدا على هذه الأمة البائرة الحائرة، فما دام أنهم سمعوا كلام الله الذي جاء به موسى ثم حرفوه من بعد ما ثبت عندهم أنه من الله، وعلموا علم اليقين أنه وحي إذا فلا تطمعوا في إيمانهم بما عندكم وقد كفروا بما عندهم، فلو أرادوا الإيمان لآمنوا بموسى قبل محمد، والتوراة قبل القرآن.
وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ: هؤلاء اليهود منهم من إذا لقي المؤمنين قالوا: آمنا، بألسنتهم فحسب وقلوبهم كافرة، ولكن إذا رجع بعضهم إلى بعض وانفردوا عن المؤمنين قال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإيمان بما عندهم، وتشهدوا أن دينهم حق وديننا باطل، فيجعلوا ذلك حجة علينا عند الله يوم القيامة فيكونوا شهداء بضلالنا ونكون شهداء بإيمانهم، أفلا تعقلون خطورة ما تفعلون. فلا تحدثوهم بما عندنا من الآيات التي تظهر صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيجعلوها حجة منا علينا عند الله بل اكتموا ما عندنا ولا تؤمنوا بما عندهم.
أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ: كيف لا يعلم هؤلاء العصاة العتاة من بني إسرائيل أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم، فيخافونه ويخشونه، فهم يظهرون للمؤمنين غير ما يبطنون خوفا ومداراة، والله أولى أن يخاف وأجدر أن يخشى؛ لأنه يعلم السر وأخفى، لكن المراقبة إذا ارتحلت من القلب فسد، والعمل إذا خلا من الصدق كسد.
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ: ومن أهل الكتاب عوام مقلدون، مبلغ علمهم من التوراة التلاوة فقط، بلا فقه ولا تدبر ولا فهم، فعلماؤهم فاسدون، وعوامهم مقلدون، وهؤلاء العوام ليس عندهم يقين، وإنما هي شكوك وأوهام بلا رسوخ ولا عمق، فلا خير في علم بلا فهم، وفي في قراءة بلا تدبر، وفي عبادة بلا فقه، وإنما حصل الفساد من الغواية والتقليد.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ: فالخسارة والهلاك على من كتب وحرف كتاب الله بيده، ثم ادعى كذبا وزورا أنه كلام الله ليحصل على شىء من الدنيا الفانية الزائلة، كيف والدنيا بأسرها من أولها إلى آخرها ثمن قليل بخس رخيص تافه، والهلاك عليهم من جهتين، من جهة التحريف للكتاب، ومن جهة أكل أموال الناس بالباطل، فهم حرفوا الكلام، وأكلوا الحرام، فالعلم فاسد، والمطعم خبيث، فقوت الروح مقت، وقوت الجسم سحت.
وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: وقالت اليهود: إن الله لن يعذبنا في نار جهنم إلا أياما معدودة كذبا منهم وزورا، فرد عليهم الله بأن هذه الدعوى لها احتمالان: إما أن لهم عهدا بينهم وبين الله من الإيمان به ورسوله والعمل بكتابه وهذا ليس موجودا، وإما أنهم يقولون كلاما لا حقيقة له، وهذا الواقع والحال، فهم كاذبون فيما قالوا، آثمون فيما فعلوا؛ لأنهم نقضوا العهود، وأخلفوا الوعود، وكفروا بالمعبود، فاستحقوا الخلود في النار ذات الوقود.
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: والحق أن من كسب ذنبا أحاط به، وهو الشرك بالله؛ لأن ما سواه قد يغفره الله، لكن هذا الشرك إذا أتى به صاحبه فقد حبط عمله، وضل سعيه، وحق عليه العذاب، فهذا خالد مخلد في النار، وهذا عام لكل الطوائف، شامل لكل الأمم، ولو كان العبد له خطايا غير الشرك لم تحط به خطيئته، فلا حجة لخارجي مكفر في الآية ولا لمعتزلي متذبذب بل فيها الرد عليهم.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: ثم ذكر حكما عاما في النجاة، وهو أن من آمن بالله واتبع رسله وعمل صالحا مع الإخلاص والمتابعة فهو ناج من النار، خالد في جنات النعيم، فبين في هاتين الآيتين أهل الهلاك وأهل النجاة، فالإيمان وإصلاح طريق الفلاح.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ: قد أخذنا الإيمان الغليظة على بني إسرائيل مع العهود الموثقة على أن يبعدوا الله وحده لا يشركوا به شيئا، مع بر الوالدين وصلة الرحم والإحسان إلى اليتيم والمسكين، وحسن معاملة الناس، وإقامة الصلاة في وقتها بحدودها، ودفع زكاة المال لمن يستحقها، وهذه أصول العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وهي متفق عليها بين الديانات السماوية، ولكن مع أخذنا المواثيق الصارمة والإيمان الجازمة عليكم، ومع حسن ما أمرناكم به، وقبح ما نهيناكم عنه أعرضتم وبدلتم وحرفتم، فتركتم الأوامر، وارتكبتم المناهي ظلما وبغيا، ولكن فئة منكم لم تفعل فعلكم بل آمنت وصدقت واتبعت، وأما أكثركم فهو معرض مكذب، لم يحسن عبادة الخلاق، ولم يحسن معاملة المخلوق، فيا خسارة بني إسرائيل ومن شابههم، كم من عهد نقضوه، وواجب تركوه، ومحرم ارتكبوه، وعلم نسوه.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: واشكروا يوم أخذنا عليكم المواثيق الغليظة، والعهود الملزمة ألا يقتل بعضكم بعضا بلا حق، ولا يخرج بعضكم بعضا من وطنه بلا حق؛ لأن قتل النفس والإخراج من الوطن قرينان، فذاك بقاء النفس وهذا دوام الأنس، فأين هذه العهود التي أقررتم بها وشهدتم على الوفاء بها، وعلمتم أنها حق من عند الله ثم نقضتموها بالقتل والطرد؟
ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: فأنتم الآن في المدينة تقتل كل قبيلة منكم الأخرى، فبنو النضير تقاتل بني قريظة، وكذلك بنو قينقاع وبعضكم يخرج بعضا ويجليه عن بلده ويطرده من داره، وهذا محرم في شرعكم، وأنتم تتعاونون على هذه الأفعال المحرمة، وتتحالفون مع غيركم كالأوس والخزرج من العرب على قتل إخوانكم من اليهود وإخراجهم، فأنتم على إثم في ترك الأمر، وعلى عدوان من فعل المنهي عنه، ثم إذا انتهت الحرب فديتم أسراكم فتخرجونهم ثم تفادونهم، والإخراج محرم، والفداء واجب عليكم، فأنتم كفرتم ببعض الكتاب من تحريم القتل والإخراج، وآمنتم بالفداء، فلماذا تفرقون شريعة الله؟ فما أعجبكم آمنتم به، وما شق عليكم كفرتم به!! فعقوبة من يفرق الكتاب أن يخزيه الله، وهذا ما وقع لليهود في عهده صلى الله عليه وسلم، فإنه نكل بهم وقتل بعضهم، وأخرج بعضهم جزاء وفاقا؛ لنقضهم العهد والميثاق، فصاروا بعد هذا في ذلك وهوان وهلاك وخسران، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فعذاب دائم أليم في نار جهنم، وهذا جزاء من أعض عن الهدى ضنك وعار في الدنيا، وعقوبة وعذاب في الآخرة أما المؤمن فسعادة ونصر وعزة في الدنيا ونعيم ونجاة وخلود في الآخرة ثم أخبر سبحانه أنه ليس بغافل عن أعمال اليهود وما يفعلونه من دسائس ومكر معاص بل هو مطلع عالم يحصيها لهم ثم يوفيهم إياها.
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: هؤلاء الكفرة الفجرة اختاروا عرض الدنيا الزائل على نعيم الآخرة الدائم، فتعاونوا على الإثم والعدوان خوف العار في نظرهم، فلسان حالهم يقول: النار ولا العار، فلما أغضبوا الجبار أوقع بهم العار، وأعد لهم النار، فهم يقدمون الحاضر الرخيص على الغائب النفيس دائما، ففي الآخرة لن يخفف الله عليهم عذاب جهنم، وليس لهم ناصر يدفع عنهم العذاب، فلا عمل صالح ينفع، ولا ناصر يدفع، ولا ولي يشفع، فلا يرحمهم الله، ولا يقبل قول من يرحمهم.
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ: وأخبر سبحانه أنه أنزل على موسى التوراة؛ هداية لبني إسرائيل ثم تابع الرسل عليهم مبشرين ومنذرين من أجل هدايتهم، ومنهم عيسى الذي أنزل الله عليه الإنجيل وأيده بجبريل لكن اليهود لما قدموا الهوى على الهدى حاربوا أنبياء الله واستكبروا على أمر الله وجحدوا بآيات الله فكذبوا بعض الأنبياء، وآذوهم وقتلوا بعض الأنبياء فهم بين تكذيب وتقتيل فكان جزاؤهم التنكيل والتعذيب.
وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ: هؤلاء اليهود اعتذروا عن الإيمان بالرسول النبي الأمي فقالوا: قلوبنا مغطاة بأغشية لا تفهم ما تقول، فسامحنا فلن نستطيع اتباعك، فليس عندنا استعداد لسماع ما بعثت به؛ لأننا لا نفقه ما تقول، وأخبر سبحانه أن هذا عذر كاذب، بل السبب أن الله كتب عليهم اللعنة فأصبحوا مطرودين من الرحمة والخير والهدى، فلما كتب عليهم الشقاوة وحرمهم الهداية لارتكابهم الغواية أصبحا لا يريدون الرشد الذي بعث به صلى الله عليه وسلم لأن الملعون مغبون، وما استحقوا اللعنة إلا بكفرهم بالله واستهزائهم برسله وكتبه، فالمؤمن فيهم قليل وغالبهم كافر جاحد.
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ: ولما جاء اليهود كتاب القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو يصدق ما جاء في التوراة الذي نزل على موسى ويتفق معها، وكان في كتابهم ما يخبر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأوصافه وكانوا هم قل رسالته عليه الصلاة والسلام إذا حاربوا مشركي العرب استنصروا وافتخروا به وتوعدوا بخروجه وأنهم سوف يقاتلون معه لكنهم بعد ما بعث كفروا به فلعنة الله على أمثالهم من الكافرين.
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ: بئس ما استعاضوا واستبدلوا، فهم اختاروا الكفر على الإيمان، والتكذيب على التصديق، والهلاك ليس من اليهود مع أنهم كفروا بما أنزل على موسى، فلا برسولهم صدقوا ولا بمحمد آمنوا، مع العلم أن الاختيار في إرسال الرسل لله وحده يختار من يشاء من عباده من العرب واليهود وغيرهم، فالخلق خلقه والأمر أمره، فكان جزاؤهم غضبا من الله على تكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم على غضب سابق؛ لتكذيبهم موسى، ولهم ولكل كافر عذاب مؤلم موجع في هون وخسران؛ لأنهم أغضبوا الرحمن واتبعوا الشيطان.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وإذا قيل لليهود آمنوا بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: نحن لا نؤمن إلا بما نزل علينا نحن اليهود، أما ما أنزل على غيرنا فلا سمع ولا طاعة، فرد عليهم سبحانه بأن ما نزل على محمد حق وصدق من عند الله الذي أنزل الكتاب، فهو حجة لهم لو آمنوا به على صحة ما في كتابهم من الحق فكيف يكفرون بما يتفق مع رسالتهم؟!! فتكذيب القرآن تكذيب للتوراة؛ لأن بعضها يصدق بعضا، لكنه حمق اليهود وسفههم وبغيهم وحسدهم، ثم إن كنتم صادقين أيها اليهود في أنكم لن تؤمنوا إلا برسلكم فلم قتلتموهم؟ فهل قتلة الأنبياء يؤمنون بهم؟ فكيف تؤمنون بالنبي العربي الأمي وأنبياؤكم من اليهود قتلتموهم وكذبتموهم؟!!
وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ: ولقد جاءكم موسى بأدلة قاطعة وبراهين ساطعة؛ وبعد ظهور البيان ووضوح البرهان على وحدانية الرحمن عبدتم العجل من دون الله، فمن أظلم منكم؟! ومن رفض الحجة، وعق الدليل، وكابر الحق فهو ظالم، وأنتم عبدتم غير الله مع وجود موسى نبي الله، فمن كفر بالحق وجحد، وكذب بالآيات وألحد، كيف يتبع النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟!
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: واذكروا حين أخذنا منكم المواثيق الغليظة، والعهود القاطعة على الإيمان بنا، وجعلنا جبل الطور فوق رؤوسكم كأنه سحابة ليكون دليلا على قدرتنا لعلكم تخافون وتؤمنون، وأمرناكم بأخذ الرسالة بحزم، والعمل بجد واجتهاد لا باستهزاء وسخرية وكسل، واسمعوا سماع استجابة وطاعة وقوبل، لكن كان جوابكم أسوأ جواب؛ فقلتم سمعنا بالآذان، وكذبنا بالجنان والأركان، فقامت عليكم الحجة بعد وضوح المحجة؛ لأن قلوبكم شغفت بحب عبادة العجل، فمن لا يعبد الله عبد غيره، ومن لا يحبه أحب سواه، فسحقا لكم كفرتم بعبادة العزيز الغفور، وعبدتم الثور، فإذا كان هذا هو الإيمان الذي تقصدونه فقبحا له من إيمان، وخسارة لكم به، فهل المؤمن الصادق يفعل هذه الأفاعيل من التكذيب والدجل والتزوير والجهل وعبادة العجل؟! فلو كان إيمانكم حقا، ودينكم صدقا كنتم ابتعتم المرسلين، وعبدتم رب العالمين؛ فدل على أنكم كفرة فجرة، قتلة جهلة.
قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: قل لهؤلاء اليهود إن كنتم تعتقدون أن الجنة لكم وحدكم كما زعمتهم أنه لن يدخلها إلا من كان هودا، فهيا اطلبوا الموت حتى تدخلوا جنتكم الموعودة إن كنتم صادقين أن الجنة لكم؛ لأن من وعد محبوبا مرغوبا جد في طلبه.
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: وهؤلاء اليهود لن يتمنوا الموت؛ لخوفهم من سوء مصيرهم، فهم لو كانوا صادقين أن الجنة لهم لتمنوا الموت، ولكنهم كاذبون، فأعمالهم القبيحة تمنعهم من طلب الموت، والله – سبحانه – مطلع على أفعال الظالمين ليوفيهم إياها.
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ: لكنهم كاذبون فهم أشد الناس حبا وتعلقا بالبقاء في الحياة الدنيا حتى إنهم أكثر طمعا فيها من المشركين عبدة الأصنام، يريد أحدهم أن يعيش في هذه الدنيا ألف سنة من شدة حبه للبقاء فهو يتعلق بالمحال لسوء الحال، وقبح الأعمال ولو على فرض أنه عمر ألف سنة فسوف يعود إلى ربه فيعاقبه على سوء صنيعه وقبيح فعله لأن الله طلع على أعمالهم عالم بها محصيها عليهم.
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ: واليهود يقولون إن عدونا من الملائكة جبريل؛ لأنه ينزل بالدمار والخسف، فقيل لهم: بل جبريل نزل بالحق على محمد الذي يصدق الحق الذي نزل على موسى، وهو لا ينزل إلا بأمر الله، فنزوله سبب لكل خير من إرشاد العباد وهداية البشر والتبشر لمن آمن برحمة الله ورضوانه وجنته، فأي خطأ لجبريل حتى عادوه؟! لكنه البغي والعدوان منكم.
مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ: وهؤلاء لما عادوا جبريل وما نزل به من الحق من عند الله عادوا الله، وعادوا ملائكته ورسله، فاستحقوا عداء الله، ومن كان الله عدوه محقه وأخزاه وأذله، فالله عدو لكل كافر يشتت أمره ويقصم ظهره.
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ: ولقد أنزلنا إليك – يا محمد – آيات القرآن البينة الواضحة التي تحمل الرشد والهدى، وتنهي عن الغي والردى، وما يكذب بها بعد هذا البيان إلا من خرج عن طاعة الله واستوجب غضب الله، وتمرد على أمره.
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: فما لهؤلاء اليهود كلما عقدوا عقدا، أو عاهدوا عهدا مع الله ومع خلقه قام فريق منهم بنقض هذا العقد، ونكث هذا العهد، ففريق منهم يغدرون، وأكثرهم لا يؤمنون، فمن لا يؤمن بالمعبود لا يحترم العهود، ولو كانوا صادقين في إيمانهم لما نقضوا عهودهم، فمع الخالق كفروا، ومع الخلق غدروا.
ولَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ: ولما جاء اليهود هذا الرسول النبي الأمي الكريم بهذا الكتاب العظيم الهادي إلى الصراط المستقيم، وهو مصدق لما نزل على موسى من التوراة طرح فريق منهم كتابهم وأعرضوا عنه؛ لأنهم لما كذبوا ما نزل على محمد فقد كذبوا ما عندهم؛ لأن بعضها يصدق بعضا، فلشدة إعراضهم كأنهم رموا الكتاب خلف ظهورهم استخفافا به وإهانة له وعدم احتفاء واحتفال به وفعلهم هذا فعل من لا يعلم أنه من عند الله، بل هو فعل جاهل سفيه.
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: فلما طرحوا كتاب الله وأعرضوا عنه ابتلاهم الله بما اعتادوه من الباطل كالسحر ونحوه، فتركوا الحق المبين، وهذبوا يتبعون الأفك المهين، فصاروا يتبعون ما نسبته الشياطين إلى سليمان من سحر وكهانة، وهو – عليه السلام برئ من ذلك بل هو نبي معصوم ورسول كريم لم يكفر بربه بسحر أو غيره، وإنما الذين كفروا هم الشياطين.
فاليهود اتبعوا سحر الشياطين وتركوا اتباع المرسلين واتبعوا أيضا السحر الذي يعلمه هاروت وماروت في أرض بابل في العراق مع العلم أنهما ينصحان من علماء بخطورة السحر ويحذرانه من الاغترار به، فالشياطين يعلمون السحر للإضلال، والملكان يعلمانه بعد النصح والتحذير والإخبار أنه من أقبح الأعمال فاليهود يتعلمون السحر ويهجرون الذكر ويتعلمون من السحر أسوأه وأقبحه وهو التفريق بين الرجل وامرأته ويسمى الصرف لأن العلاقة بين الزوجين علاقة مودة ورحمة ومع هذه العلاقة القوة فإن السحر يؤثر بإذن الله فيها وله حقيقة فلقوه تأثيره يفرق بين الزوجين.
وقد علم اليهود أن من رغب في السحر واشتراه وباع إيمانه بالله أنه ليس له عند الله نصيب من الرحمة والثواب، بل له أعظم النكال وأشد العذاب، ويا خسارة وحقارة ما استعاضوا به من تركهم الإيمان وإتباع الرسل وتعلقهم بالسحر والدجل، لكن ليس عندهم علم نافع يحملهم على تمييز الصالح من الطالح والنافع من الضار.
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: ولو أن اليهود آمنوا بالله واتبعوا رسله واتقوا عذابه؛ لكان ثواب الله ونعيمه خيرا لهم من هذا العرض الزائل الذي يحصل لهم من السحر؛ لأن الإيمان يحث على فعل الطاعات، والتقوى تنهي صاحبها عن المخالفات، ولكن علمهم علم فاسد ما دلهم على الرشد ولا ردهم عن الغي؛ لأن العلم النافع إذا تمكن من القلب أورث الخشية، وأثمر الإنابة، وأنتج الاستجابة، لكن علمهم علم لسان وجاه لا قلب ونجاة.
يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ: كان الصحابة يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم راعنا أي راع أحوالنا، فأخذها اليهود وقصدوا بها راعنا من الرعونة والحمق، فنهى الله المؤمنين عن استعمال هذه الكلمة ليقطع الطريق على اليهود، وليرفع اللبس، ولا يكون هناك مدخل لليهود، فعليهم أن يقولوا: انظرنا لأنها أسلم وأحسن وأبعد عن سوء الاستعمال، فعلى العبد أن يبتعد عن الشبهات والألفاظ المحتملات، وعليه بالجلي الواضح الحسن الذي لا مدخل فيه من أي ظن أو احتمال يحصل به التدليس والتلبيس على حديث "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
وعليكم بسماع كل نافع مفيد من الكتاب والسنة وعموم العلم النافع، السماع المقرون بالقبول والاستجابة أما الكافرون فلهم عند الله عذاب أليم موجع لسوء أفعالهم وقبح أقوالهم وشناعة أحوالهم.
مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: ما يريد اليهود ولا مشركوا العرب أن ينزل الله على رسوله وحيا يهدي به المؤمنين؛ حسدا وبغيا وبغضا منهم لأهل الإسلام؛ لأن الوحي سبب لكل خير. ومصدر لكل سعادة، فهو أجل نعمة، وأعظم كرامة، وأكبر عطية، ولكن الله اختص من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بهذا الفضل واختارهم لهذا الخير، وحرم منه غيرهم، وأبعد عنه سواهم، ففضله عظيم لا يحد، وخيره كثير لا يعد، ونواله غزير لا يرد، فله الحمد، فالوحي رحمة وفضل، ورحمة يمنع من اتبعه العذاب، وفضل يثمر لمن اهتدى به الثواب.
مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ما ننقل آية من حكم إلى حكم فنعرف حكم الاولى ونبقي حكم الثانية أو نمحها من القلوب إلا نزلنا أفضل منها وأنفع عاجلا أم آجلا أو نزلنا مثلها في النفع والفائدة لأن الذي ينزلها قادر على تغيير الأحكام وفق أقوال الأنام، وتغير الأيام لعظم حكمته وسعة علمه ونفاذ قدرته.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: فما دام أن الله قدير يفعل ما يشاء، ذو ملك عظيم يتصف بما يشاء، فله كمال القدرة والتصرف في آياته الشرعية، مثلما له كمال التصرف في آياته الكونية، فإذا تصرف في الخلق تصرف في الأم "ألا له الخلق والأمر" فهو الولي الذي يجلب لعباده ما ينفعهم، والنصير الذي يدفع عن عباده ما يضرهم، ومن كمال ولايته بعباده اختيار الأحسن والأجمل من الآيات على قدر الأوقات، ونسخها بالأرفع، أو الإتيان بما ينفع، ومن كمال نصرته دفع ما يشق عليهم من التشريع وإعفاؤهم من التكليف بما لا يطاق، فهل من ولي يتولاكم سواه؟ وهل من ناصر ينصركم غيره؟
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ: هل ترغبون أن تسألوا أيها المؤمنون رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت واعتراض كما سأل بنو إسرائيل موسى حتى وصل بهم الحال إلى الكفر والتكذيب؟! والذي يختار الكفر على الإيمان ويستعيض الضلال بالهدى فقد أخطأ الصراط المستقيم والطريق القويم. أما السائل للاستفادة فهو مأجور؛ لأنه طالب علم يريد الفهم ورفع الوهم.
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: يتمنى كثير من أهل الكتاب حسدا وبغيا لو ترتدون عن الإسلام إلى الكفر؛ لما تحقق لديهم من أنكم على حق وصواب؛ ولأن دينكم سبب عزكم ومجدكم ونصركم وسعادتكم، فاثبتوا على دينكم، فلا تقابلوا هذه الإساءة بإساءة، ولكن بالإحسان من الحلم والصبر والكظم وعدم الأذى؛ لتؤلفوا القلوب إلى إسلامكم، وتحببوا الناس في دينكم حتى يأذن الله بمسلك آخر حيالهم كقتالهم مثلا، والله ذو قدرة بالغة لا يعجزه شىء فعليه توكلوا وبه ثقوا.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعليكم بإقامة الصلاة؛ لأنها سبب كل نصر، وطريق كل فوز متى ما أحسنتم إقامتها، وعليكم بدفع الزكاة لمستحقيها؛ لأنها طهارة للقلوب، وكفارة للذنوب، ومرضاة لعلام الغيوب، فحق البدن الصلاة، وحق المال الزكاة، وإن تصدقتم غير الزكاة نفلا فكله محفوظ عند الله، مكتوب عنده، تجدونه في صحائف الأعمال، وتحصلون على ثوابه عند ذي الجلال، وهو – سبحانه – بصير النيات، مطلع على السرائر، يعلم المخلص من المرائي، والصادق من الكاذب، فراقبوه واخشوه وحده.
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: اليهود يقولون الجنة لهم، والنصارى يقولون الجنة لهم، وهذه مجرد دعوى لا دليل عليها، والمدعي بالباطل دعي، والمتكلم بلا برهان صاحب بهتان، فأين الدليل على ما ادعوه والحجة على ما قالوه من كتاب ناطق أو رسول صادق؛ بل دعواهم كذب فاضح وباطل واضح.
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: كلا ليس الامر كما زعموا وليس القول كما ادعوا، بل الصحيح أن من أخلص عبادة ربه ووحده صادقا، وعبده منيبا، وهو مع إيمانه وإخلاصه محسن في عبادة ربه، محسن إلى عباده بحيث يعبده بما شرع لا بالبدع، فهذا له النعيم الدائم، والمكان الآمن والفوز العظيم في الجنة، ولا خوف عليه مما ينتظره في مستقبل أيامه؛ لأنه مؤمن، ولا حزن على ما قدم؛ لأنه محسن، والسعيد من أمن العاجل والآجل.
وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: اليهود كفروا النصارى والنصارى كفروا اليهود وكل منهم يرى ضلال الآخر مع أن لا منهم عنده كتاب يبين لهم الحق من الباطل، ومن يستحق الكفر من غيره، لكنهم لم يهتدوا بهذا الكتاب، وإنما مجرد تلاوة بلا فهم ولا عمل، وقولهم هذا يشابه قول الجهلة من الأمم السابقة والفرق المنحرفة، والطوائف الهالكة التي يضلل بعضها بعضا، ويكفر بعضها بعضا، وقد وقع هذا في هذه الأمة، وهو مما أخبر به المعصوم صلى الله عليه وسلم، والله وحده سبحانه هو الذي يحكم بينهم يوم القيامة في هذا الخلاف فيعلم المؤمن من الكافر.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ: لا أحد أظلم من الذي يمنع العباد من ذكر الله في بيوت الله بإقامة الصلاة فيها وتلاوة القرآن والتسبيح ومدارسة العلم النافع ونحوها من القربات، ولا أشد ظلما من الذي يجتهد في هدم المساجد والاعتراض على بنائها، وأيضا تعطيلها من الطاعات والصلوات والقربات والعلوم النافعات، فعقوبات هؤلاء المخربين ألا يدخلوا هذه المساجد إل ذليلين حقيرين خائفين جزاء وفاقا؛ لتخويفهم المؤمنين، وهو ما حدث للمشركين في دخولهم الحرم على هيئة الأسر والذل، وكذلك المرتدين في عهد أبي بكر الصديق، فإنه أدخلهم المسجد صاغرين خاسئين.
وَالِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: والله وحده هو الذي يملك المشرق حيث تشرق الشمس والقمر والنجوم والكواكب ويملك المغرب حيث تغرب هذه الأفلاك، ومن يملك المشرق والمغرب يملك ما بينهما، فهو سبحانه المالك لكل شىء فحيث ما تتجهون فهناك قبله الله فهذه الوجهة بأمره سبحانه وإليه الاتجاه.
والله سبحانه واسع في هباته، واسع في صفاته، ومن سعته أنه وسع عليكم في مأموراته ومنهياته، فلم يكلفكم العسر، بل قبل منكم اليسر، وهو عليم بالسرائر، مطلع على ما في الضمير، فمن علمه أن شرع لكم شريعة سمحة سهلة تناسبكم.
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ: وقال اعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين إن الله اتخذ ولدا؛ تنزه عن ذلك وتقدس عن هذا القول الباطل اللثم، فإنه سبحانه قاهر من في السموات والأرض وهم عبيده مسخرون لهن في حكمة وتحت سلطانه، ولو اتخذ ولدا لكان هذا الولد من جنس الوالد في الألوهية وخرج عن صفات المخلوق وهذه لا تكون ثم إن من يملك من في السموات والأرض لا يحتاج إلى ولد لأنه غني عن كل أحد فهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفروا أحد ومن في السموات والأرض كلهم تحت تصرفه وحكمه وتدبيره منهم القانت قهرا ومنهم القانت طاعة وبرا.
بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: وهو سبحانه مبدع السموات والأرض ومنشئهما على غير مثال سابق ولا شكل متقدم، هذا في الخلق، أما في الأمر فإنه إذا أراد أن يقضي أمرا فإنما هو في كلمة كن فلا يعجزه أمر ولا يتعاظمه شىء ولا يصعب عليه قضاء فالخلق أنشأه والأمر قضاه لا إله إلا إياه ولا نعبد سواه.
وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ: وقال الجهلة من أهل الكتاب والمشركين: لماذا لا يكلمنا الله كما يكلم الرسل، أو ينزل علينا آية مما اقترحنا مثل: أن نراه جهرة، أو ينزل علينا كتابا من السماء، أو ينزل علينا ملكا أو يلقى إليه كنز، أو تكون له جنة، أو يفجر لنا من الأرض ينبوعا ونحوها من الآيات وهذا القول قال به المشركون ومن قبلهم اليهود والنصاري، فقلوبهم في الزيغ متشابهة، وفي الكفر متقاربة؛ لأن القلوب محل الإيمان والكفر والصلاح والفساد، وطلبهم، هذه الآيات للتعجيز والتعنت، وهو طلب المحال لا للفهم والاستدلال، وإلا لو أرادوا البيان والإيمان فتلك آياتنا الشرعية ظاهرة للعيان باهرة بالبرهان، لكن لا يعيها إلا من عظم إيمانه، ورسخت معرفته وكمل صدقه.
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ: ومن أعظم الآيات وأجل العلامات إرسال محمد النبي الأمي العربي صلى الله عليه وسلم فإرساله آية باهرة وعلامة ظاهرة؛ لأنه أتى بمعجزات تبهر العقول سواء أكانت في نفسه أم كتابه أم سيرته أم في كل شؤون حياته، ثم إنه بعث بالحق الذي ثبت لكل عاقل مؤمن صدقه القائم على الدليل القاطع، ثم إنه بشر بالنصر والجنة لمن أطاعه فحصل هذا، وأنذر بالخزي والذل والنار لمن عصاه فتحقق ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم إذا بين المحجة وأظهر الحجة للناس فليس مسؤولا عن ضلال من ضل، بل هذا الضال المعرض يتحمل جرمه وحده، ويأخذ عقوبته في نار جهنم لأنه لا عذر له، فقد وضح له الطريق وقامت عليه البينة فالداعية عليه البلاغ، والله عليه الحساب، فإما ثواب أو عقاب.
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تترك دينك وتعتنق دينهم، فهم دعاة لدينهم المحرف الباطل، فأخبرهم أن معك الهدى ومعهم الهوى، فهدى الله الذي أرسلت به هو الدين الصحيح الحق الذي لا يماثله دين، واحذر أن تتبع الهوى والزيغ الذي يدعون إليه بعد ما جاءك العلم النافع المبارك من عند ربك، فأنت على الحق وهم على الباطل، ولو اتبعت دينهم وتركت دينك لن ينفعك ولي، ولن يدفعك عنك الضر ناصر من دون الله؛ لأنه لا يجلب النفع ويدفع الضر إلا الله وحده، وإذا كان هذا التحذير للرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بأتباعه، وفي الآية تحريم موالاة اليهود والنصارى واتباع شىء من دينهم وحبهم والتشبه بهم، وبقاء عدائهم للمسلم حتى يترك دينه ويدخل في دينهم.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: الذين أنزلنا عليهم الكتاب فاتبعوه حق الاتباع، واهتدوا بهداه، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وعملوا بمحكمة، وآمنوا بمتشابهه، أولئك هم الصادقون في الإيمان به وحمله، لا من فرق بين كتب الله ورسله وقال: نؤمن ببعض ونكفر ببعض، فمن هذا فعله من التكذيب والعناد فهو الخارج عن طاعتنا، المتمرد على شرعنا، الناكث لعهدنا، فجزاؤه الخسران والهلاك والعذاب الدائم.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ: يا بني إسرائيل (وهو يعقوب عليه السلام) تذكروا نعمي عليكم علكم تراجعون أنفسكم وتشكرون ربكم؛ لأن ذكر النعم يوجب حمد المنعم، والتفكر في النعماء يقتضي الحياء من رب الأرض والسماء، فالله المنعم وحده لا سواه، وتذكروا يا أبناء يعقوب أنني فضلتكم على عالمي زمانكم بالرسل والشريعة، فهل جزاء هذا التفضيل وشكر هذا الاختيار التنكر والتكذيب؟!
وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: وخافوا يوم القيامة بعمل الطاعات واجتناب المنكرات، فذاك اليوم لا تنفع نفس نفسا، ولا يؤخذ منها فداء تفتدي به من العذاب، ولا يشفع لها شافع يجلب لها النفع، ويدخلها الجنة إذا كفرت، وليس لها ناصر يدفع عنها عذاب جنهم، ومن تذكر القيامة وأهوالها خاف علام الغيوب وارتدع عن الذنوب.
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ: لقد امتحن الله إبراهيم الخليل بأوامر ونواه وفرائض وحدود، فقام بها على التمام أحسن قيام، وأداها أحسن أداء، فاستحق الإمامة في الدين بالصبر واليقين، فصار إماما للعالمين، فأهل الكتاب كلهم يدعون النسبة إليه، والانتماء إلى دينه.
فهو الإمام بحق وصدق، سيرته تتلى، ومناقبه تروى، والثناء عليه جليل، والمدح فيه جميل، فهو أمة في الهدى والرشاد، وأسوة للعباد، وقدوة لأهل العلم والجهاد، عندها سأل إبراهيم ربه أن يجعل من ذريته إماما ليبقى الأجر الجزيل، والثناء الجميل، فأخبره سبحانه أنه لن يعطي الإمامة إلا عالما عاملا، أما الظالم وهو الغاوي في العلم، والضال في العمل فلن ينال الإمامة في الدين، وفي الآية أنه لابد قبل التمكين من الابتلاء، وأن الإمامة عمل بالشرع ظاهرا وباطنا، وأن من فسد علمه وساء عمله لن ينال الإمامة أبدا.
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ: وكما جعلنا إبراهيم إماما يقتدي به الناس جعلنا البيت الحرام قبلة يستقبلها الناس ويتوجهون إليها؛ قاصدين المصالح الدينية والدنيوية، وأمنا الناس فيه فمن دخله كان آمنا حتى إن من الأمن تحريم الصيد فيه وقطع الشجر، ثم أمر الله عباده أن يتخذوا من المقام الذي صلى فيه إبراهيم مصلى وهو الذي فعله صلى الله عليه وسلم لما صلى فيه بعد طوافه ركعتين وأمر الله إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من الأوثان والأصنام، والمعاصي والآثام، وكل شرك ورجس، وكل قذر نجس؛ ليكون البيت مهيئا لطواف الطائفين، واعتكاف العاكفين وعبادة الراكعين الساجدين، ونسب البيت إليه سبحانه؛ للتشريف، وتعريف الناس به وبيان حرمته وعظيم مكانته ولزوم تطهيره.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: دعا إبراهيم ربه أن يؤمن البلد الحرام ويؤمن لأهله الغذاء؛ لأنه لا عيش لخائف ولا راحة لجائع ولهذا أطعم الله أهله من جوع وآمنهم من خوف وقيد إبراهيم الدعاء فاختص به المؤمنين لأن الله منعه من الإطلاق في الدعاء بالإمامة فأخرج الظالم ولكن الله بين له في الرزق أنه على وجه الإطلاق للمؤمن والكافر فللمؤمن عون على عباده رب العالمين وللكافر متاع إلى حين وأما الإمامة فهي منزلة ربانية لا تنال إلا لمن قام بالشريعة حق القيام.
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: وأذكر فضل الله على إبراهيم وإسماعيل لما شرفهما ببناء البيت، ورفع أركانه على أساس قوي، ومع هذا العلم الصالح كانا بين خوف من الرد ورجاء للقبول، فسألا الله أن يتقبل هذا العمل، إنه السميع للأقوال، العليم بالأعمال والأحوال، الذي لا تخفى عليه النية، فيعلم المخلص من المرائي والصادق من الكاذب.
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: ثم سألا الله البقاء والدوام على دين الإسلام؛ لأنه أجل النعم وأعظم الكرامات، وأثمن العطايا، وهو الانقياد والخضوع ظاهرا وباطنه لله تعالى.
وسألا الله صلاح الذرية؛ لبقاء العقب الصالح، والدعاء النافع، والذكر الحسن، وطلبا بيان مناسك ومعالم الدين والعبادة على وجه المشاهدة؛ ليكون أنفع في التعليم، وأثبت في القلب، وبعد عملهما الصالح سألا الله التوبة؟ لأن العبد مهما بلغ في الصلاح فهو عرضة للذنب والتقصير والغفلة والخطأ، والله أهل أن يتوب على عباده؛ لأنه يتوب على العاصي بمحو ذنوبه، ويرحمه بترك عقابه.
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: ثم سألا الله أن يرسل في ذريتهما رسولا من أنفسهم فاستجاب الله لهما، فبعث سيد ولد آدم وهو محمد صلى الله عليه وسلم أعظم نعمة لله على البشرية، وأفضل هبة من الله للإنسانية فهو دعوة إبراهيم كما قال عليه الصلاة والسلام وأتى معه بكتاب هو خير الكتب كما أنه هو خير الرسل يعلم الأميين ويهدي الضالين ويقيم الحق بين العالمين.
ورسولا منهم ليتم الاقتداء والائتساء به لكونه بشرا مثلهم وهو يعلمهم هذا الكتاب العظيم ليأخذوه عنه تلقيا وتلقينا وحفظا وتعليما ويطهرهم بالأعمال الصالحة والأخلاق النبيلة وينهاهم عن كل إثم وقبيح فهو سبحانه عزيز حكيم عز فحكم واطلع فعلمه وقدر فحلم فمع أنه عزيز لا يغالبه أحد ولا يتمنع عليه أحد لكنه حكيم يدبر الأمور بحكمة ويقضي الأشياء في سداد وينفذ الأحكام في سداد فعزة بلا حكمة تهور وطيش وحكمة بلا عز ضعف.
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: لا يختار أحد ملة غير ملة إبراهيم الوسط الراشدة السمحة غير سفيه جاهل، يسعى في الإضرار بنفسه؛ لأذنه لا يعرف مصلحتها، ولذلك اختار غير هذه الملة، ولقد اخترنا إبراهيم، وهديناه الصراط المستقيم، ورفعنا مقامه بمنصب الإمامة، فأحسن الملل ملته، وأفضل الأديان دينه، وهو في الآخرة من أئمة من أنعم الله عليهم، فطوبي لإبراهيم، وقرة عين وسلام على إبراهيم في العالمين.
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: لأنه لما أمره الله بالانقياد له والعبودية والطاعة استجاب قولا وفعلا وحالا للإله الذي يستحق الألوهية، الذي رباه وربى العالمين بنعمة، فحقه أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى.
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: وهذه الملة وصى بها إبراهيم بنية وذريته من بعده ليلزموها وأنتم أيها اليهود وصى أبوكم يعقوب أبناءه من بعده بملة إبراهيم فلماذا تركتم هذه الوصية فإن هذه الملة اختارها الله ورضيها لأنبيائه ورسله فتمسكوا بها حتى الموت فإن الإسلام دين الله المرتضى وملته المختارة وهو دين الرسل جميعا.
أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: اليهود غيروا ملة إبراهيم ويعقوب؛ ولهذا أنكر الله عليهم، وأخبر أن نبيهم يعقوب لا حضره الموت جمع أبناءه فأوصاهم بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، ونهاهم عن الشرك، فأقروا بإله واحد مع الاستسلام له، فجمع بين صحة العقيدة وصلاح العبادة.
وفي الآية سؤال العالم لطلابه وتقرير العلم لهم ومدارسته لهم ما يعرفون، والبدء بأبرز المسائل، واستحضار التوحيد عند سكرات الموت.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ: إبراهيم ويعقوب ومن معهم من الصالحين أمة قضت وانتهت بصلاحها وفلاحها، لا ينفعكم أيها اليهود التعلق بهم بلا عمل ولا اتباع فمجرد النسبة لا توجب النجاة، فعملهم النافع لهم وحدهم، وعملكم السيء القبيح عليكم وحدكم، لا تزر وازرة أخرى، فالإنسان إنما يحاسب هو فحسنات غيره لا تهدى إليه، وسيئات سواه لا تناله، كما أنه لا يسأل عن غيره، ولا يظلم بسوء ما عمله، ولا يهضم بحرمانه من خير فعله.
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قال اليهود للمسلمين: كونوا يهودا؛ لأن الهدى معنا. وقال النصارى للمسلمين: كونوا نصارى؛ لأن الهدى عندنا، وهذا كذب قبيح، وكلام غير صحيح، وأرشدنا الله إلى أن نرد عليهم فنقول بل: نتبع ملة إبراهيم الخليل، وهي دين الإسلام الحنيفية المسحة والشريعة الوسط، فإبراهيم كان مقبلا على التوحيد معرضا عن الشرك، أما اليهود فقالوا: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، فأين التوحيد والهدى لديهم؟!
وفي الآية حرص اليهود والنصارى على الدعوة إلى دينهم الباطل؛ فالمسلم أولى بالدعوة إلى دينه الحق.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: قولوا أيها المسلمون آمنا بالله مقرين معترفين بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، معلنين هذا الإقرار ناطقين به معتقدين بالقلوب عاملين بمقتضاه بالجوارح ونؤمن بما في كتابنا وسنة رسولنا صلى الله عليه وسلم وما نزل على أنبياء الله بمن فيهم صاحب الملة الإمام الأسوة إبراهيم، وما نزل على النبيين بعده من كتب، نحن نؤمن بجميع الأنبياء فلا نفرق بينهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، بل نؤمن بجميع رسله وما نزل عليهم من ربهم كصحف إبراهيم، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، ونحن على ذلك طائعون منقادون، نعلن هذا المبدأ مجتمعين عليه صادعين به، وإيماننا على وجه الإجمال لما جاء مجملا، وعلى وجه التفصيل لما جاء مفصلا. وفي الآية إعلان المبدأ والاجتماع عليه، وتصديق كل الرسل والكتب من عند الله، وأن عطية الأنبياء أجل عطية؛ لأنها من ربهم، وهي الوحي، وأن من ربوبيته سبحانه هداية الخلق، وكفر من جحد نبوة نبي، وأن الإسلام دين الجميع.
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: فإن آمن أهل الكتاب بجميع الرسل بمن فيهم ممد صلى الله عليه وسلم وجميع الكتب بما فيها القرآن وافقوكم في هذا الإيمان فقد أحسنوا وأصابوا، وإن أعرضوا عن هذا الهدى وجانبوا هذا الطريق فهم أهل تفرق وخلاف وفتنة، لا يريدون الهدى والاجتماع على الخير، فلا تخف منهم، ولا تضق بمكرهم؛ فالله وحده يكفيك أذاهم ويرد كيدهم، وينصرك عليهم؛ لأنه سميع بكل قول مع اختلاف اللهجات وتعدد اللغات، عليم بما بطن وظهر، وأعلن واستتر وما خفي وما جهر، فمن هذا وصفه فكفى به وكيلا ونصيرا.
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ: فهذا دين الله وهذا صراطه، فالزموه واتصفوا به حتى يكون لكم صفة دائمة ثابتة كالصبغة في الثوب، وهل هناك أحسن من هدى الله؟ أم هل هناك أقوم من دينه؟ فمن اتصف بهدى الله صدق وبر ووصل وعلم وجاهد وصبر وتواضع وأحسن في كل شأن من شؤون حياته، ومن ترك هذا الهدى ذل وزل وضل وأصابه الخذلان ووقع في الخسران، ونحن طائعون لبنا منقادون لأمره، مخلصون له الدين، متقدون برسوله الكريم، وهذه هي العبادة الصحيحة التي تجعل الإنسان عبدا لربه ظاهرا وباطنا.
قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ: قل أيها الرسول وأيها المسلم لأهل الكتاب: اتجادلوننا في ربنا جل في علاه وتزعمون أنكم أولى به منا وأنه ربكم وجحدكم وهو الذي خلقنا وخلقكم ورزقنا ورزقكم فأي تفريق هذا والله رب الجميع؟ ثم إن صلاحنا لنا وضلالنا علينا، وأنتم حسناتكم لكم وسيئاتكم عليكم ونحن نخلص عبادة ربنا لا كما فعل أهل الكتاب من الإشراك مع الله غيره فإخلاص العبادة هو أصل الأصول ورأس الأمر فنحن نتفق مع أهل الكتاب في البوبية وهي أن خالقنا واحد، ونختلف معهم في الألوهية فنحن موحدون مخلصون وهم مكذبون مفرقون.
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: لماذا تدعون كذبا وزورا يا أهل الكتاب فتزعمون أيها اليهود أن إبراهيم وأبناءه وحفدته كانوا يهودا وهذا كذب وافتراء، وتزعمون أيها النصارى أن هؤلاء الرسل نصارى وهذا دجل وادعاء فالله أخبر أنهم على الحنيفية ملة إبراهيم، وعلى الإسلام دين الأنبياء، وأنتم تخالفون هذا القول، فهل أنتم أعلم بهم من ربهم الذي خلقهم وهداهم وأرسلهم؟ بل الله أعلم وأصدق وأنتم أجهل وأكذب، ومن أشد ظلما وأقبح جرما منكم؛ لأنكم كتمتم شهادة عندكم من الله بالإيمان بكل الرسل والكتب، فكتمتم وكذبتم، كتمتم الحق وكذبتم في الشهادة، فالله لن يغفل عن هذا الفعل القبيح، بل هو محصيه ومجازيكم به أسوأ الجزاء، ومن كان الله عليه فمن يرجو ومن كان معه فمن يخاف.
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ: وهذه الأمم السالفة مضت وانتهت، لستم مسؤولين عن إحسان من أحسن منهم، وإساءة من أساء، فصلاح صالحهم له لا يصلكم منه شىء، وفساد مفسدهم عليه لا ينالكم منه شىء، وإنما تجازون أنتم بأعمالكم، فلا نضيف حسنة لمن لم يعملها، ولا نحمل أحدا سيئة لم يفعلها.

سورة البقرة
142. سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: سيقول الجهلاء من اليهود والنصارى: لماذا تركتم قبلة بيت المقدس واستقبلتم الكعبة؟ مدعين أن هذا تذبذب وحيرة، فرد عليهم سبحانه بأن الجهات كلها لله بما فيها المشرق والمغرب، وهو الذي خلقها، يوجه من شاء من عباده إلى أي جهة شاء منها، فلماذا الاعتراض من هؤلاء الجهلاء السفهاء؟
وأما توجيهه للمسلمين إلى الكعبة فهو أمر منه سبحانه لحكمة أرادها؛ لأن الكعبة بناء إبراهيم الخليل الحنيف المسلم صاحب الملة، فهي أولى بالاستقبال عند الصلاة، ثم إن المسلمين مطيعون لأمر الله سواء في استقبال بيت المقدس أو الكعبة، وأن طريق المسلمين ومنهجهم هو الصحيح الحق؛ لأنه من عند الله.
وفي الآية أن المعرض على الشريعة سفيه، وأن من جهل شيئا عاداه، وأنه يرد حتى على الجاهل ويبين له الصحيح في المسألة، وأن المعترض على الثوابت هالك، وأنه يجب التسليم حتى فيما خفيت الحكمة منه.
143. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: ومن نعمة الله عليكم أيها المسلمون أن جعلكم وسطا بين الأمم، وهي أعدل الطرق وأصوبها، فلا إفراط ولا تفريط ولا علو ولا جفاء فأنتم وسط في المعتقد والعبادة وفي الأنبياء وفي الأخلاق والآداب والسلوك، وكل شؤون الحياة فلا فسق اليهود ولا رهبانية النصارى، ولا محاربة للرسل ولا عبادة لهم بل اتباع فالمسلمون حسنة بين سيئتين، ووسط بين طرفين ونجاة بين مهلكتين وإنما جعل الله المسلمين وسطا وعدولا وخيارا ليقوموا بالشهادة على الناس فقولهم مقبول وحكمهم نافذ وهم صادقون فيما يقولون عادلون فيما يحكمون وسوف يشهدون يوم القيامة على الأمم المكذبة بإرسال الرسل إليهم؛ لأن العدل يقبل قوله، وتصح شهادته لانتفاء التهمة، فقوله وحكمه وفتياه مقبولة، فهذه الأمة في مجموعها معصومة من الخطأ، إجماعها حجة، ومخالفتها ضلال، والخروج عليها بغي والرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعدل العدول وإمام الأئمة شهيد على الأمة فهو يشهد لمن أطاعه ويشهد على من عصاه ويشهد بصدق رسالته ويشهد لمن قبله من الأنبياء ويشهد على سائر الأمم يوم القيامة والله ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باستقبال بيت المقدس إلا ليعلم علما يثيب عليه من أطاعه، ويعاقب عليه من عصاه لإقامة الدليل وبيان الحق والأعذار للناس؛ فيظهر من يطيع الرسول في استقبال القبلتين والتنقل معه في سائر أحوال الطاعات وتعدد العبادات، ويظهر من اعترض على الحق واتبع الهوى وخالف الرسول ورفض الدليل.
وصرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيت المقدس إلى الكعبة شاق صعب؛ لعدم ظهور الحكمة لبعضهم وللحسد عند الآخرين. لكن من هداه الله فأسلم لربه ومولاه انقاد طائعا، وأقبل مخبتا، وسلم الأمر لربه، ولم يعترض ويحتر ويتردد، وهذا شأن المسلم يسارع في تنفيذ أمر الله ظهرت له الحكمة أم لم تظهر؟
والله لا يضيع عمل المؤمنين وصلاتهم، ولا يبطل سعيهم بلا موجب فهو حافظ لإيمانهم من وفقه للطاعة زاده هدى ومن وقع منهم في ذنب فتح له باب التوبة ومن ابتلاه بمصيبة محصة بها، فالعباد في نعمة تشكر، وذنب فيه يستغفر ومصيبة تمحو وتكفر والذين استقبلوا بيت المقدس من المسلمين ثم ماتوا ولم يصلوا للكعبة إيمانهم محفوظ، وسعيهم مشكور.
وفي الآية أن العمل يدخل في الإيمان، وثبوت النسخ، ووجوب التسليم، وهو سبحانه رؤوف يوصل المحاب إلى عباده من ألطف الطرق ويصرف المكاره عنهم، وهو رحيم يعود على المذنب بالتوبة، والخائف بالأمن، والمكروب بالفرج، وعلى صاحب العسر باليسر، وعفا عنه فلا عتاب ولا عقاب.
144. قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ: ولقد رأى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو يقلب وجهه في كل الجهات شوقا وانتظارا لأم الله له باستقبال الكعبة؛ لأنه يريد قبلة إبراهيم مثلما كان على ملته الحنيفية السمحة، فالآن سوف نوجهك إلى قبلة تحبها وتتمناها تريد أن تتجه إليها، فعليك باستقبال جهة المسجد الحرام، بيت إبراهيم وبلدك، وعلى أمتك جميعا أن يستقبلوا هذا البيت في أي مكان كانوا برا وبحرا أو جوا حسب الاستطاعة.
وأهل الكتاب يعلمون أنك على حق في استقبال الكعبة؛ لأنك صادق عندهم في كتبهم؛ ولأن هذا الأمر معلوم عندهم من طريق رسلهم، لكنهم كابروا بغيا وحسدا؛ فالله محص ما فعلوا؛ وحافظ ما عملوا من قول كاذب وفعل سىء: ليوفيهم إياه ويجازيهم به في دار الثواب والعقاب.
145. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ: ولو عرضت كل برهان ودليل وحجة على أهل الكتاب ليتبعوا قبلتك ما فعلوا؛ حسدا لك ولأمتك، وبغيا منهم واستكبارا على الحق، واعتراضا على الدليل وعنادا للحجة، وأنت أيها الرسول لن تتبع قبلتهم؛ لأن الحق معك، أنت عبد مأمور من ربك، وهم أهل باطل وزيغ وهوى ثم إن أهل الكتاب من يهود ونصارى لا يتبع بعضهم قبلة بعض بغيا وحسدا، فكيف يتبعون قبلتك، فاحذر كل الحذر أن تتبع أهواءهم الباطلة؛ لأنهم تركوا الهدى واتبعوا الهوى، وأنت على علم بين من ربك وسطلان ساطع ويقين راسخ، فإن أثرت الباطل على الحق، والهوى على الهدى من بعد هذا البقيان والبرهان فأنت إذا ممن بدل الحقائق وغير الأدلة، ورفض الحجة وهو الظالم، وحاشاه صلى الله عليه وسلم ولكنه إذا كان هذا الوعيد والتهديد له فمن باب أولى أن يكون لمن اتبعه فمن والاهم من المسلمين فهو منهم يحشر معهم.
146. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: اليهود والنصارى يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم حق المعرفة مثلما يعرف الإنسان ابنة؛ لأنهم قرؤوا أوصافه في كتبهم، لكن طائفة منهم كذبت به وكتمت أمرهم بغيا وحسدا وهم يعلمون أنه رسول من عند الله، وطائفة آمنت به وصدقته والعالم الكاتم آثم لأنه صد عن عمد.
147. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: هذا الوحي الذي نزل عليك يا محمد هو الحق؛ لسطوع برهانه ووضوح بيانه، فاعتصم به، واستمسك به وادع إليه ولا تشك فيه فإنك على الحق المبين وأعداؤك ضالون.
148. وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: لكل أمة من الأمم قبلة يتجهون إليها، وقد تتغير بنسخ، لكن المسألة الكبرى والقضية العظمى مسألة الشريعة الحاملة للخيرات، الناهية عن المنكرات، والسبق للخيرات هو الإسراع والتنافس في أدائها على أكمل وجه تامة الأركان والشروط، مستوفية للآداب والسنن، والخيرات اسم جامع لكل عمل مشروع وفعل حسن وخلق نبيل، ثم ذكرهم سبحانه بأنه سوف يجمعهم من الأقطار كافة، من القفار والأمصار والبحار؛ ليجازيهم في تلك الدار ويثبت الأبرار ويعاقب الفجار؛ لأنه القادر الذي لا يعجزه شىء علا فقهر وحكم فقدر واطلع فستر وعز فغفر.
149. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: وفي أي مكان كنت في سفرك وإقامتك فتوجه في صلاتك إلى الكعبة؛ لأن هذا أمر من الله حق لا باطل، ويقين لا شك فيه، فأنت على الدى في ذلك؛ لأنك امتثلت أمر الله، وكما اطعتموه في الظاهر باستقبال القبلة فأطيعوه في الباطن بالمراقبة؛ لأنه لا يغفل عن أعمالكم بل سوف يحاسبكم بها، إن خيرا فخير وإن شر فشر.
150. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: كرر الأمر بالتوجه إلى الكعبة: لرفع الشبهة وإزالة الشك والحيرة؛ لأن الأمر صعب وشاق، وللرد على المبطلين من أهل الكتاب والمشركين في قولهم: هذا من محمد للتشهي والهوى، واتجاه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة يقطع حجة اليهود القائلين: يخالف ديننا ويتبع قبلتنا ويقطع حجة المشركين القائلين: يدعو إلى ملة إبراهيم ويخالف قبلته، أما الظالم وهو صاحب الهوى الرافض للدليل المعرض عن الحق فلا سبيل إلى إقناعه، ومثله لا يخشى؛ لأنه صاحب باطل، وصاحب الباطل ذليل؛ لأنه ليس له دليل، ومخذول لأنه خالف المنقول والمعقول، والله أراد من تحويل القبلة إقامة الحجة كما تقدم، وإتمام النعمة بهدايته إلى قبلة يتمناها مثلما هداه إلى ملة يرضاها، وفي استجابتكم لأمر الله هداية لكم لأن من علم الحق وعمل به زاده من الإيمان وبوأه الجنان وأنعم عليه بالرضوان.
151. كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ: ومثلما أنعمنا عليكم بالقبلة فقد أنعمنا قبلها بنبي الملة، رسول معه شريعة، منكم تعرفون صدقه، يدرسكم الوحي، ويلقنكم الحكمة، ويطهركم بدينه من كل رجس ودنس، فيصفي نفوسكم من كل شرك وشك وشبهة وشهوة، ويهذب أخلاقكم ويعلمكم الأحكام من الكتاب والسنة، ويخبركم بما لم تكونوا تعرفونه من أمر الدين والدنيا، ومن غيب الماضي والمستقبل.
152. فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ: فما دام أنني أنا المنعم وحدي فاذكروني أذكركم فمن ذكرني في نفس ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، ولو لم يكن للذكر شرف إلا هذا لكفى، ويدخل في ذلك ذكره بالعبادة ليذكر عبده بالثواب، وذكره في الرخاء ليذكره في الشدة، ثم أمر عباده أن يشكروه على نعمه وآلائه، ومن أعظمها نعمة الهداية، ومن لوازمها العلم النافع والعمل الصالح، فكل نعمة دقت أو جلت، صغرت أو كبرت فالله مسديها ومهديها، فمن شكره بقلبه ولسانه وجوارحه استوجب المزيد، ومن كفرها باء بالخسران، فالذكر والشكر أصلان عظيمان، عليهما تقوم العبودية الحقة، فبالذكر تعظم الولاية، وبالشكر تدوم الرعاية.
153. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ: يا أيها المؤمنون، استعينوا على طاعة ربكم بالصبر والصلاة؛ لتهون عليكم المشقة فبالصبر ينال كل مطلوب ومحبوب وبالصلاة تدفعون كل مبغوض من الذنوب، فالصبر يأمر بكل خير وبر، والصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، وأعلموا أن الله مع من صبر بحفظه وتأييده وتسديده، فما أشرفها من معية، وما أعظمها من رعاية ربانية.
154. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ: ولما أمرهم بالصبر ذلك لهم أمرا من أشق ما يكون على النفوس، وهو القتل في سبيل الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا. فالمقتول في سبيله ليس ميتا، بل له حياة مخصصة من التنعم في جوار ربه، والأنس بقربه، والفوز برضوانه وحبه، فما أعظمها من حياة، وما أسعدها من عاقبة، وهكذا فلتذهب النفس في سبيله. وحيا الله الموت لأجله، ومرحبا بالسيف في مرضاته، فأنتم أيها الناس لا تعلمون بحياتهم ونعيمهم وراحتهم، فالميت من مات قلبه بالعصيان، ومن حاد عن طاعة الرحمن. وفي الآية إثبات نعيم البرزخ وعذابه.
155. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ: لنختبرنكم بشىء من المصائب والشدائد؛ ليظهر الصادق من الكاذب مثل: الخوف من الأعداء، وقلة الغذاء، وذهاب بعض المال، وتكدر الحال، وموت الأحباب، والأقارب والأصحاب، وهلاك الثمار، وفناء الأشجار؛ لنبتليكم في هذه الدار لأنها ليست دار قرار، ولن ينفعكم في هذه الحال والامتحان القاسي غير الصبر، فمن صبر فله الظفر، فهو الذي يوفي أجره بغير حساب، وينال أعلى الثواب، وتدخل عليه الملائكة من كل باب.
156. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ: هؤلاء المؤمنون إذا وقعت بهم المصائب قالوا: نحن عبيد الله وملك لله، يقضي فينا ما يشاء من سراء وضراء وشدة ورخاء، فنحن تحت تدبيره ورهن تقديره، وسوف نرجع إليه للحساب، فمن صبر فله الثواب، ومن جزع فعليه العقاب، فالصابر مرحوم، والساخط مرحوم.
157. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ: فهؤلاء الصابرون لهم ثناء وتمجيد من الحميد المجيد، ولهم الرحمة والرضوان من الديان، لأنهم اهتدوا لعبودية ربهم بالشكر على النعم، والصبر على النقم، فالثروات من الله تاج قبول، والرحمة أمان من الخسران، والهداية توفيق لأقوم طريق.
158. إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ: الصفا والمروة من مناسك الحج، فعلى الحاج والمعتمر أن يسعى بينهما سبعة أشواط؛ لأن بعض الصحابة تحرج من السعي بينهما لفعل المشركين، وخاف من التشبه بهم، فأخبر سبحانه أن هذا العمل مشروع، وأن المسلم يفعله عبادة لله، والمشرك للأصنام، وقيدهما بالحج والعمرة؛ لأن السعي لا يكون دونهما بخلاف الطواف.
وفي الآية أن الأعمال بالنيات، وألا نترك شيئا من ديننا إذا فعل مثله الكافر خوف التشبه، وحرص الصحابة على البعد عن أعمال الجاهلية. والله شاكر لمن يعمل، يقبل اليسير ويهب الكثير، فهو يجازي على مجرد النيات، ويضاعف الحسنات، ويعيد ثواب الطاعات، فهما في الأذهان وعافية في الأبدان، وحسنا في الخلق، وبركة في الرزق كل بحسب طاعته ونيته وسعيه؛ لأن الله عليم بقدر كل أحد وما يستحق فكل عطاء بحكمة وفي كل هبة رحمة.
159. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ: كل من كتم الحق من أهل الكتاب أو من هذه الأمة فإنه ملعون، والحق يشمل البينات الدالة على الحق التي أنزلها الله على رسوله، أو كتم العلم النافع الواجب نشره من فتيا أو قضاء أو شهادة، فمن هذا شأنه فجزاؤه الطرد من رحمة الله وتقع عليه لعنة الخليقة؛ لأنه خان مولاه، وكتم ما أعطاه، وغش عباده، وأخفى البيان، وأظهر البهتان، واتخذ التدليس شعارا، والتلبيس دثارا فكما أن معلم الخير يصلي عليه كل شىء فكاتمه يلعنه كل شىء جزاء وفاقا.
160. إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الـرَّحِيمُ: إلا الذين رجعوا عما اقترفوا، وتابوا عما أسرفوا، وندموا وأقلعوا واعتذروا إلى ربهم وأصلحوا ما سبق أن أفسدوه، وأظهروا ما كتموه، فهؤلاء يقبل الله توبتهم، ويغسل حوبتهم، ويغفر زلتهم، لأنه تواب يرجع على عباده بالعفو إذا تابوا، وبالإحسان إذا أنابوا: ولأنه رحيم لا يؤاخذ بذنب غفره لصاحبه، بل يحسن إليه ويتغمده برحمته.
161. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: من كفر واستمر على كفره حتى مات ولم يؤمن فهذا مستوجب للعنة الدائمة من الله وملائكته والناس أجمعين.
162. خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ: ومن مات كافرا فاللعنة عليه دائمة مع الخلود في نار جهنم لا يخفف عذابه، بل يزاد ولا يؤجل، بل ربه له بالمرصاد، فعذابه خلود بلا انقطاع، وزيادة بلا تخفيف، ومبادرة بلا إمهال. وسيمكثون في هذه اللعنة وفي النار لا يخفف عنهم العذاب الأليم بلا إمهال ولا تأخير.
163. وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ: إلهكم أيها الناس هو الله الواحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، لا شبيه له ولا مثيل، ولا ند ولا نظير "ليس كمثله شىء وهو السميع البصير" لا معبود بحق سواه، ولا إله يستحق العبادة إلا إياه، فلا إله إلا الله، ومن أدلة وحدانيته أنه رحمن رحيم، رحمن بكل المخلوقات؛ لأنه صاحب الهبات،ومعطي الخيرات، وصارف النقمات، ورحيم بأوليائه رحمة مخصصه يوصل لهم هداه، ويوفقهم لرضاه. ويصرفهم عما يكرهه ويأباه، فمن هذا وصفه استحق أن يكون الإله المعبود بحق.
164. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: خلق السموات وارتفاعها واتساعها وشمسها ونجومها وكواكبها ومجراتها؛ أية باهرة، وعلامة ظاهرة على عظمة الخالق وحكمته، وشاهد على ربوبيته، خلق الأرض وامتدادها وجبالها ووهادها وسهولها دليل على بديع صنع اللطيف الخبير، واختلاف الليل والنهار وتعاقبنهما بدقة وطولهما وقصرهما رسالة موحية لكل عاقل بعظمة المبدع وجلال الصانع تقدس اسمه، والسفن العظيمة وهي تحمل الأحمال الثقيلة من الحديد والناس والأرزاق أعجوبة مذهلة توحي بألوهية العزيز الجبار سبحانه، إنزال الماء من السماء وهطوله على الأرض وإخراج النبات والأشجار برهان ساطع ودليل قاطع على تمام القدرة وكمال الحكمة لهذا الب العظيم والملك الكريم، تعدد المخلوقات من الناس والحيوانات والطيور والزواحف باختلاف الصور والألوان والأشكال والألسن كتاب مفتوح لكل متدبر، وسفر مشروح لكل متفكر، وهبوب الرياح من كل اتجاه، سريعة وبطيئة، نافعة وضارة، قاصف وعاصف، حارة وباردة، تنبيه موح وبلاغ مهم لكل من يحترم عقله ويقدر إنسانيته فيعلم من أوجدها وأرسلها، والسحاب كالهضاب والغمام كالأحكام يحمل كميات كبيرة من المياه بين السماء والأرض وكيف يمطر وكيف يعبر وطريقة انتشاره وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه بيان فصيح وإرشاد صحيح بحكمة الملك الحق المستحق للعبودية. المستحق للألوهية، لكن تلك الآيات الباهرة هي لمن كان له عقل يعتبر، أما الجاهل والجاحد والمكذب فمطموس البصيرة، منكوس القلب، محجوب البصر عن هذه الآيات.
165. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ: من الناس من لكفرهم وجهلهم من يعبدون غير الله ويجعلونهم شركاء لله تعالى الله عن ذلك ويتولونهم ويحبونهم مثل حبهم لله الذي خلقهم ورزقهم وهذا لعنادهم وإلحادهم ولكن المؤمنون عرفوا الحقيقة، وسلكوا أحسن طريقة، فأحبوا الله أشد من حب الكفار للأنداد والأوثان فصدقوا رسله وآمنوا بكتبه وجاهدوا في سبيله ولو رأى هؤلاء الكفرة الفجرة العذاب في نار جهنم لرأوا أمرا مذهلا مهولا، وعلموا عظمة الله وأحقيته بالألوهية في وقت لا ينفع الندم بعد عثرة القدم، حينها يشاهدون قوة الله وعذابه وبطشه ونقمته.
166. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ: حينها يتبرأ المتبعون المطاعون من التابعين الجهلاء، ويتخلى الرؤساء المضلون عن أنصارهم السفهاء؛ لأنهم شاهدوا ما لا طاقة لهم به من العذاب وأليم العقاب، وتقطعت بهم الأسباب من الحساب والأنساب والمنافع التي تربط الأصحاب، والصلات التي تجمع الأحباب.
167. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ: وتمنى الأتباع لو يعودون إلى الدنيا ليخلعون زعماءهم المضلين، وينبذون رؤساءهم الكافرين مثلما تبرأ الرؤساء منهم وتخلو عنهم سواء بسواء، لكن هيهات سبق الكتاب ووقع الحساب، وحلت العقوبة لينال الرئيس الضال جزاء عمله ونكال إغوائه، ويذوق التابع المقلد وبال تقليده وسوء محاكاته، لتظهر للجميع أعمالهم القبيحة ندمات وحسرات وزفرات وآهات، فلا شافع ينفع، ولا ولي يدفع، ولا ناصر يرفع، بل عذاب أليم، وخزي مقيم، في خلود أبدي، وبقاء سرمدي.
168. يأيها النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: يا أيها البشر، كلوا من رزق ربكم الذي أخرجه لكم من الأرض لكن عن طريق الحلال لا الحرام فلا تأكلوا ما حرمه الله من غصب أو سرقة أو ربا أو رشوة أو نحوها من المعاملات المنهي عنها ولا تقربوا الخبيث كالميتة والدم ولحم الخنزير وما نص الله ورسوله على وجوب اجتنابه بل اقصدوا الطيب الحلال فإن أخذكم من الغذاء بقدر إقامة الحياة واجب واحذروا أن تسلكوا سبل الشيطان في تحريم الحلال وتحليل الحرام بل عليكم بما شرعه الرحمن لأن الشيطان عدو لا يأمر إلا بشر ولا ينهي إلا عن الخير ولا يدل إلى على ردي ولا يحذر إلا من هدى وقد بانت عداوته وظهر غشه وخداعه ومكره.
169. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: فالشيطان لا يأمركم إلا بالسوء كالظلم والأذى والبغي والعدوان والحشاء كالزنا، وشرب الخمر، فالسوء ما ساء صاحبه، والفحشاء ما فحش عند الناس وخرج عن العرف والقياس، ومما يأمركم به الشيطان القول على الله بالجهل لا بالعلم، كنسبة الزوجة والولد له سبحانه والخوض في ذاته، وتحريف أسمائه، وتأويل صفاته، وتبديل آياته، والتحليل والتحريم بلا علم، والإضافة إلى الشرع ما ليس منه بلا فهم.
170. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ: وإذا نصح هؤلاء المشركون باتباع ما أنزل الله على رسوله من الهدى والبيان رفضوا النصيحة، وقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه الآباء، فيقال لهم: حتى ولو كان الآباء سفهاء أغبياء لا عقل يردعهم عن الضلال، ولا هدى يدلهم على طاعة ذي الجلال، فقد فقدوا سداد المعقول، ونور المنقول.
171. وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ: مثل هؤلاء الكفار في عدم انتفاعهم بنصوص الوحي وأنواع الشريعة كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه، فهي تسمع الصوت ولا تفهم الخطاب، فهؤلاء الكفار يسمعون اللفظ ولا يعرفون المعنى، ويصلهم الصوت ولا يدركون الفحوى، انطمست منهم البصيرة فهم في حيرة، فلا رادع من عقل، ولا وازع من نقل، صم عن الهدى، خرس عن الحق، عمي عن الصواب، لا يعرفون الرشاد ولا يوفقون للسداد، ألسنتهم خرساء، وعيونهم عمياء وآذانهم صماء، وقلوبهم في غطاء، يعيشون كالأنعام، ويسرحون كالهوام، فحياتهم حياة بهائم، وعيشهم عيش السوائم.
172. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: فما دام الكفار أخطؤوا في عبادتهم ومطعمهم فعبدوا الأصنام وأكلوا الحرام فأنتم – أيها المؤمنون – كلوا من الطيبات واشكروا رب الأرض والسموات أمرهم بإطابة المطعم، وشكر المنعم إن كانوا إياه يعبدون وله يسجدون.
173. إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: ثم ذكر سبحانه المحرمات لقلتها، وسكت عن المباحات لكثرتها، فنهاهم عن الميتة التي لم تذك؛ لأنها لم تزك والدم لما فيه من ضرر على الجسم وعن لحم الخنزير لقذارة لحمه وأثره في الأخلاق وعن كل ما ذبح للأصنام والأوثان والأولياء والشيطان إلا من بلغت به الحاجة مبلغا وخاف التلف وأشرف على الموت فيجوز له تناول ما يبقي حياته بشرط ألا يكون طالبا للحرام مع وجود الحلال، أو متجاوزا للحد في الأكل بل بقدر الحاجة لأن الضرورات تبيح المحظورات وإنما أباح الله ذلك لأنه واسع المغفرة يتجاوز عن الذنب بلا عقاب كثير الرحمة يقابل التائب بالثواب.
174. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: والذين يخفون ما أنزل الله من الحق فلا يظهرونه، ويكتمونه فلا يعلنونه، من أجل الحطام ومداهنة للآثام، وخوفا من الحكام، ولطلب الجاه والمكانة، فجزاؤهم اللعنة والمهانة، فأكلهم الذي أكلوه مقابل العلم الذي كتموه يجعله الله نارا في بطونهم يوم القيامة جزاء وفاقا ولا يكلمهم الله إعراضا عنهم وإهانة لهم، ولا يطهرهم من دنس الذنوب لأنهم حملوا القبائح والعيوب، ولهم عذاب مؤلم موجع وفي الآية إثبات صفة الكلام للملك العلام.
175. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: هؤلاء الكفار المكبون باعوا الهدى واشتروا الضلالة لاستيلاء السفه والجهالة عليهم، واختاروا العذاب في النار على مغفرة العزيز الغفار فما أصبرهم على النار، كيف يستطيعون عذابها وهي لا تطاق لما فيها من النكال والإحراق.
176. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ: وهذا العذاب الذي ذاقوه لأنهم كفروا بالكتاب المبين، وكتموا الحق من رب العالمين فما دام أن الله أنزله بالحق فمن الحق أن لمحسن الثواب، وعلى المسئ العقاب، والذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه من اليهود والنصارى في محاداة لله وفي نزاع بينهم واختلاف في قلوبهم لأنهم لما فرقوا كتاب ربهم فرق اله شملهم وشتت كلمتهم فهم في بعد عن الصواب وهم مستوجبون للعذب.
177. لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ: ليست القضية مجرد توجه إلى جهة من الجهات في المشرق والمغرب، لكن القضية الكبرى والمسألة العظمى هي الإيمان بالله ربا وإلها، وإخلاص العبودية والاستعداد وإصلاح العمل والإيمان بالملائكة كما أخبر عنهم الوحي، وأنهم عبيد لله مقربون لهم مهمات، وكذلك الإيمان بالكتب السماوية وأنها حق من عند الله، وأن الله أنزلها على رسله، وأيضا الإيمان بالمرسلين من رب العالمين، من ذكر ومن لم يذكر، والاعتراف برسالتهم، ومن الإيمان بذل المال مع شدة التعلق بحبه والرغبة فيه، ولكن النفس سخت به رجاء ثواب الله وخوف عقابه، فبدأ بذي القربى؛ لأنهم أقرب في النفس وألصق بالإنسان، وأعظم صلة، وأعطى اليتامى لفقدهم الولاية، وحرمانهم من الرعاية، فتعاهدهم ببره ووصلهم من خيره، ووصل المساكين من العوزين المحرومين فأطعم جائعهم، وكسى عاريهم، ولم شعثهم، ومنح ابن السبيل الذي انقطع به الطريق، فلا رفيق، ولا صديق، فأسعد حاله، وأجزل نواله، وأجاب سؤاله، وأكرم السائل، وأدخل عليه المسرة، ورفع عنه المضرة، وواساه من البر، وجبر منه الكسر وفك الأسرى من يد الكفار، وأعطى القريب والمحبوب في الدين من ماله وأدى الحقوق ففرج كربة المحتاج وآنس وحشته وأقام الصلاة حق الإقامة فأداها على الكمال والتمام بخضوعها وخشوعها كما شرعت وأعطى زكاة ماله فطهر نفسه، وزكى ماله، وواسى إخوانه وأطاع ربه وشكر مولاه ووفي بالعقود، وصدق في العهود، واحترم كل ميثاق وبر في كل اتفاق بينه وبين الخالق والخلق وصبر على الفقر وألمه وشدته فرضي عن ربه وجعل القناعة في قلبه وستر الحاجة بالتجمل والفقر بالتحمل فترك التسخط والجزع والتذمر والهلع ولزم التقوى والورع وصبر على ما أصابه من أمراض وبلاء وفوض الأم لرب الأرض والسماء ولم يشك الخالق إلى الخلق وما اعترض على القضاء، بل صبر على الضراء وسلم الامر للمدبر ووكل الملك للمالك، وصبر وثبت عند القتال ومصاولة الرجال، فما جزع ولا فر بل ثبت واستقر املا في الأجر، فمن اتصف بهذه الصفات، وقام هذه المقامات، فهو المؤمن حقا البار صدقا، وهو المتقي لربه، الفائز ببره وقبره، فالصادق يشمل فاعل الطاعات، والمتقي يعم هاجر المنهيات.
178. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ: فرض عليكم أيها المؤمنون أن تقتلوا القاتل بالمقتول إذا وجب عليه القتل وانتفى المانع، فالح يقتل بالحر، والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ولا تتجاوزوا الحدود فتقتلوا غير القاتل كفعل الجاهلية أو تهدروا دم الضعيف كفعل الوثنية، بل عليكم بالعدل في الدية والقتل، فمن أسقط حقه في القصاص، ورضي بالدية، فلا يعنف الولي في مطالبته بالمال، ولا يسوف القاتل في دفع الدية إلى من له الحق بل إحسان من الطرفين في الاستقضاء والقضاء، وقد يسر الله على الامة فخفف ورحم فشرع الدية رحمة بالقاتل ولطفا بأهل القتيل إذا وقع الرضا وزال المقتضى، ولكن من أخذ الدية ثم قتل فقد ظلم وجهل، فالله أعد له العذاب الأليم على هذا الذنب العظيم.
179. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: ولكم أيها المؤمنون في قتل القاتل حياة لما بقي من الأنفس، فإن الإنسان إذا تيقن أنه سيقتل لو قتل؛ كف عن سفك الدماء، وقتل الأحياء، فعم الأمن في المجتمع. واستقامت حياة الناس فالنفوس تعصم والدماء تصان، والأمن يستقر والمجتمع يسعد وإنما يفهم سر التشريع وحكمة الباري ومحاسن الدين من كان سليم العقل نير البصيرة طاهر الضمير، وتشريع القصاص من أجل أن يتقي العبد ربه فيكف عن البغي والعدوان،وظلم الإنسان، واستحلال ما حرم الله منه.
180. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَ‍قًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: أوجبنا عليكم أيها المؤمنون إذا أشرف أحدكم على الوفاة أن يوصي لوالديه وأقاربه من ميراثه بجزء بحيث لا يضر بالورثة بما لا يزيد على الثلث، فلا يحرم نفسه الأجر ولا ينسى أقاربه من البر ولا يجحف بورثته في القسمة وكان ذلك الأمر حقا واجبا على من اتقى ربه وأطاعه ونسخ الحكم بآية الميراث ليعطي كل ذي حق حقه، وتحدد نوعية القرابة ومقدار الحق ويخرج من لا حق له فسبحان الملك الحق.
181. فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: فمن غير هذه الوصية أو حرف في نقلها أو كتمها من وصي أو كاتب أو شاهد فذنبها وجرمها على من ارتكب ذلك لا يتعداه؛ لأنه فقد الأمانة، وارتكب الخيانة، وأضاع الحقوق، وحرم المستحق، والله لا تخفي عليه خافية؛ فهو مطلع على النيات، يسمع الأصوات، ويعلم الأعمال والحالات فويل لمن بدل والخسار على من حرف وغير.
182. فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: ومن تخوف أن يميل الموصي في الوصية ولا يعدل، بحيث يميل على الورثة فيجحف في الوصية بالزيادة، فيضر بالميراث ويحرم الموصى له من اأقارب فيأثم بإبطال الحق، فلا بأس أن يصلح من يريد الخير فيأمره بالعدل والإحسان بلا ضرر ولا ضرار، فيوصي بالأرفق للوارث والأحسن للموصي له، والله يغفر للمجتهد خطأه ويثيبه على سعيه: لأنه رحيم بعباده وفي الآية فضل الإصلاح، وجواز الاجتهاد وأجر المجتهد ومرد ذلك النية.
183. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: يا أيها المؤمنون لقد فرض الله عليكم صيام رمضان، كما فرضه على الأمم قبلكم فامتثلوا كما امتثلوا لأن في صيامه أسباب التقوى لكم، من تنفيذ الأمر، وكسر النفس الأمارة وتعلم الصبر واجتناب المنهي عنه، ومخالفة الهوى ومحاربة الشيطان وعبودية المجاهدة.
184. أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: والصيام المفروض أيام قلائل، ووقت مقتطع من زمن طويل، ففطركم أطول من صيامكم، وزمن أكلكم أكثر من زمن إمساككم، رحمة بكم، ولطفا بضعفكم فأما المريض الذي يشق عليه الصيام، والمسافر الذي فارق المقام فلهما الفطر نهار رمضان، والقضاء بعدد الأيام وعلى من يقدر على الصيام لكن بمشقة شديدة وكلفة كالشيخ الكبير والعجوز الهرمة إذا أفطروا عليهم إطعام مسكين عن كل يوم وصيامكم أفضل من فطركم لأن الصوم خير لكم في الأجر وتربية النفس على البر وتلبية الأمر وتوطين النفس على الصبر ولو علمتم منافع الصوم وفوائده لصمتم.
185. شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: هذا الشهر المبارك له شرف عظيم، ومقام كريم، ومناسبة سعيدة، ونزلة حميدة، ففيه أكرمناكم بنزول القرآن كله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، هذا القرآن الذي فيه سر سعادتكم ومجدكم وعزتكم ونجاتكم ونصركم وفلاحكم في الدارين، فاشكروا الله على هذه النعمة بصيام هذا الشهر الكريم، وهذا القرآن فيه أدلة واضحة وبراهين جلية من العلم النافع والعمل الصالح وبيان الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والخير من الشر، وأخبار الماضي وأنباء المستقبل، وعلى من يدركه الشهر وهو حي صحيح مقيم أن يصومه وجوبا، فلا عذر له في ترك الصيام وأما المريض والمسافر فلهم العذر في ترك الصيام حتى يشفي المريض ويقيم المسافر فيقضيان بقدر الأيام والله سبحانه يريد بنا اليسر ولذلك أباح للمسافر والمريض الفطر وجعل الصيام شهرا واحدا فحسب، ومن النهار إلى الليل فقط بل كل الشريعة ميسرة سمحة سهلة لا تكليف فيها ولا مشقة ولا حرج؛ لأنه لا يريد بنا العنت والصعوبة والإحراج، بل وضع عنا الآصار والأغلال، ولطف بنا ورحمنا، فله الحمد والشكر، فإذا صام من فاته صيام رمضان عدة من أيام أخر فقد أكمل العدة، ولا يجوز صيام بعض الشهر للمستطيع، وفطر بعضه، بل يصومه كله إكمالا وتماما، ويكبر الله سبحانه عند انقضاء الشهر ورؤية الهلال وانقضاء أيام العيد، لأنها أيام فرح واحتفال، وليشكر المولى جل وعلا على ما أنعم وتفضل وأكرم وسدد وألهم فهو صاحب المواهب ومسدي العطايا ومهدي الخيرات.
186. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ: قال بعض الصحابة: يا رسول الله، أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأمر الله عزوجل رسوله أن يخبر عباده أنه سميع قريب مجيب يسمع دعاءهم ويجيب سؤالهم ويكشف كربهم ويزيل همهم ويذهب غمهم ويلبي طلبهم ويعلم أحوالهم فعلى العبد أن يسأل ولا ييأس ويطلب ولا يقنط فالجود واسع والعطاء كثير والفضل جزيل، وعلى العباد أن يطيعوا ربهم بإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بشرعه، ويصدقوا بما أنزل في كتابه ويتيقنوا بصحة ما جاء به فالاستجابة عمل والإيمان اعتقاد والدعاء قول فالدين قول وعمل واعتقاد ومن أطاع الله فقد رشد؛ لأنه ألهم الصواب ووفق للسداد، وسلك الجادة وخالف الهوى، وجانب الغواية، فثمرة العمل الصالح زيادة في الإيمان، وعاقبة الطاعة زيادة في الهداية.
187. أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: أحل الله لكم بعد التحريم جماع نسائكم ليل رمضان؛ لأنهن ستر وغطاء وسكن لكم؛ لأن المرأة تزين زوجها وتستر قبحه، وتعينه على غض بصره، وحفظ فرجه، وسكون قلبه واستقرار نفسه، وتمنعه من الفضيحة مع غيرها بما يعاشرها من الحلال، والرجل لباس لزوجته يجملها ويسترها ويعفها ويحجبها ويمنعها من الحرام بالحلال فما ألطف العبارة وما أجمل الإشارة وسبب إباحة الجماع ليل رمضان أن الله علم أن بعض المسلمين كانوا يتعرضون للعقاب بمفارقة الجماع ليلا يوم كان محرما فأباحه وسامح فيه ورخص رحمة منه، فالجماع في ليل رمضان مباح بالإجماع فالله عاد بالتوبة على عباده ولم يؤاخذ بما سلف فبعد الرخصة أبيح الجماع لطلب الولد والذرية الصالحة وإعفاف النفس وأداء الحق فعليكم بإحسان النية في الجماع لحصول النسل المبارك وليس لمجرد اللذة العابرة والشهوة القاصرة فاللذات بالنيات طاعات والعدات بالمرادات عبادات وكلوا واشربوا ليالي الصيام حتى يطلع الفجر بحيث يتبين لكم خيط الصبح الأبيض وهو العمود المعترض في السماء من خيط الليل الأسود، ثم امسكوا عن كل المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومن كان معتكفا في المسجد فلا يقربن زوجته ليلا أو نهارا طيلة اعتكافه، لحرمة الزمان والمكان وعبادة الرحمن. فهذه محارم الله وحدوده وأوامره ونواهيه، فلا تتجاوزوها ولا تنتهكوها، والتعبير بالقرب لمنع كل داع يوصل إلى معصية الرب، فالله يبين لكم الأحكام لتجتنبوا الحرام، وتتقوا الملك العلام، وتحذروا عذابه، وتخافوا عقابه، وتطلبوا ثوابه وفي الآية "أن من أعظم أسباب التقوى تعلم العلم ومعرفة الأحكام والفقه في الدين".
188. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: ولا يأكل بعضكم أموال بعض بالحرام ورشوة الحكام وأنتم تعلمون بطلان ذلك والنهي عنه، وجاءت هذه الآية بعد آيات الصيام؛ ليدل على أن من امتنع في ذلك الزمن عن الطعام فعليه أن يمتنع في كل زمن عن الحرام، ويحصل ذلك بكسر النفس وتربيتها وتهذيبها، وطريق ذلك هو الصوم؛ لما فيه من تأديب ومصابرة، فلا يجوز أكل أموال الناس بالإثم والخديعة والغش والتدليس وأنواع البيوع المحرمة، ولا بالعدوان كالغصب والظلم والسرقة وجحد العارية والوديعة ونحوها، فالحمد لله الذي أمر بحفظ النفوس، فحرم قتلها إلا بحق، وحفظ الأموال، فنهى عن أخذها بالباطل، وحفظ الأعراض بحدود وتعزيرات.
189. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: يسألك الناس عن الحكمة من كون الهلال يبدأ صغيرا ثم يكبر شيئا فشيئا، فأخبرهم أن الله أراد أن يعرفهم أوقات العبادة، وأزمان الطاعة من صيام وزكاة وحج وغير ذلك، وليس العمل الصالح أن تدخلوا بيوتكم من خلفها كما كنتم تفعلون في الجاهلية، ولكن الطاعة الشرعية لا الجاهلية ولا البدعية هي امتثال أمر الله ودخول المنازل من الأبواب مع هجر المخالفات وترك المنكرات، ففي ذلك الفوز والظفر.
وفي الآية: أن على المسلم أن يأتي كل أمر من بابه، ويسلك المدخل المناسب سواء في العلم أو العمل؛ ليصل إلى أفضل الثمار وأحسن النتائج.
190. وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: وجاهدوا الكفار لإعلاء كلمة الواحد القهار وليس لأغراض دنيوية ودعاوي جاهلية، ولا تقاتلوا إلا من قاتلكم، أما من سالمكم أو عاهدكم فوفى فلا تقاتلوه، ولا تعتدوا بقتل من ليس من أهل القتال، كالشيوخ والنساء والأطفال، وقتل من أمنتموه أو أسرتموه أو عاهدتموه، فالله لا يحب العدوان وأهله، والظلم ومرتكبيه، وانظر إلى هذا العدل والميزان من الرحمن حتى مع أعدائه، فما أجلها من شريعة، وما أعظمه من دين.
191. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ: حيث وجدتم الكفار فاقتلوهم في الحل الحرم واطردوهم من دياركم؛ لأنهم قاتلوكم وطردوكم، فأذيقوهم مرارة الحرمان من الأمان والأوطان؛ لأن فتنتهم للمؤمنين وإيذاءهم في الدين وصدهم عن المسجد الحرام ومحاربة الإسلام أشد ضررا من قتلكم إياهم في الحرم، ولا تبدؤوا قتالهم عند المسجد الحرام لعظيم حرمته وجلالة منزلته حتى يبدؤوكم هم، فإذا حصلت منهم مقاتلة فالبادي أظلم، والانتصار من البغي واجب، فعليكم بكف أذاهم وسل السيف عليهم، فهذا جزاء كل مجرم وباغ؛ ليحمي الدين وتصان الملة، وتحمي الشريعة، ويعلو الحق.
192. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: فإن تروا قتال المسلمين واعتنقوا الدين، فلا تتعرضوا لهم بالقتال، لتغير الحال، والله يتوب على من تاب، ويقبل من أناب، وفيه مسالمة من سالم وعدم التعرض له.
193. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ: وقاتلوا من حارب الإسلام وعبد الأصنام، حتى لا يبقى لهم شوكة ولا دولة، ولا قوة ولا صولة، فيستمر منهم الإيذاء ويعظم البلاء، فالحق قد لا يحفظ إلا بجلاد، والإسلام قد لا ينصر إلا بجهاد، فإن انتهوا عن الشرك وتركوا القتال والفتك، فمن قاتلهم بعد بذلك فقد اعتدى ولا عدوان إلا على الظالم، وليس على المسلم، وفيه موادعة من وادعنا والوفاء بعهد من عاهدنا.
194. الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ: وإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام مثلا بمثل وسواء بسواء، ومن ارتكب محرما عوقب بمثله؛ فمن قتل قتل، ومن جرح جرح، ومن سلب مالا أخذ من ماله مثله لأن هذا هو العدل مثلا بمثل؛ لأن من اعتدى عليكم لا يكفه إلا أن تعاملوه بالمثل لحسم شره ودفع ضره، وراقبوا ربكم في هذا القتال، فلا تبدؤوا أنتم ولا تقاتلوا من لم يقاتل لأن الله يحب من اتقاه وراعي حدوده وعهوده، وهو معه ينصره ويؤيده، ويحميه ويسدده، وهي معية القرب والولاية والحفظ والرعاية.
195. وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: أنفقوا أموالكم وأبذلوها لنصرة الدين ولإعلاء كلمة الله، فإن لم تفعلوا تقى الكافر فأهلككم، وتسلط عليكم، فمن ترك الغزو والإنفاق في سبيل الله عرض نفسه للهلاك في الدنيا والآخرة، فطريق العلياء التعب، والمشقة سبيل الظفر والفوز، وكم من راحة أعقبت ندما، ومن ذلة أوجبت خزيا، ومن طلب الموت وهبت له الحياة.
وعليكم بتجويد أعمالكم بالإخلاص والمتابعة مع إحسانكم بالبذل والسخاء، فالإحسان في القول السداد، وفي العلم الإتقان، والله يحب من أحسن في عمله.
196. وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُم ْفَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: ومن شرع في الحج والعمرة منكم فليكمل عمله ولا يقطعه وليتم نسكه، وأخلصوا لله فيهما، فإن حال بينكم وبين الحج والعمرة مرض أو عدو، أو طريق مخوف، فتحللوا واذبحوا ما تيسر من الإبل أو البقر والغنم، ولا يجوز لكم التحلل من الإحرام بحلق أو تقصير حتى تذبحوا الهدي إما في الحرم أو حيث أحصرتم، والمحرم الذي يضطر إلى حلق رأسه لمرض في جسمه أو ألم في رأسه فعليه أن يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، أو يذبح شاه للفقراء، وإذا لم يكن هناك خوف بل كنتم آمنين ولم تحصروا عن البيت فإذا اعتمرتم في أشهر الحج ثم حججتم من عامكم فعليكم بذبح شاه شكرا لله على ما أعطاكم، وليتيسر الحج والعمرة في عام واحد، فالحمد لله على ما حباكم، فإذا لم يجد قيمة الهدى فليصم عشرة أيام ثلاثة منها وهو حاج، وسبعة إذا رجع إلى وطنه، وهذا الهدي على من كان بعيدا عن الحرم، أما أهل الحرم فليس عليهم دم وعليكم بتقوى الله في فعل مناسك الحج وترك محذوراته والقيام بالهدي والفدية؛ لأن الله شديد عقابه لمن عصاه، فيحذره سبحانه.
197. الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ: الحج أشهر معروفة محددة وهي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فمن أوجب على نفسه الحج بالدخول فيه فلا يجامع النساء ولا يعصي ربه ولا يخاصم إخوانه، وهذا حكم مع النفس والأهل والناس، ولا يكفي ترك المعاصي بل عليه عمل الطاعات من الكلام الطيب والذكر والصدقة وحسن الخلق؛ فالله يعلم السرائر ويطلع على ما في الضمائر، فيوفي كلا بعمله، وعليكم بزاد السفر ليعينكم على الحج، ولا تنسوا زاد الآخرة من العمل الصالح فإنه أعظم زاد ليوم المعاد، ويا أهل العقول خافوا عذابي واخشوا عقابي بعمل طاعتي واجتناب معصيتي.
198. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ: وليس عليكم حرج أن تتاجروا في الحج، فالبيع والشراء فيه مباح؛ لأنه موسم للدنيا والآخرة، والرازق هو الله وحده، فاطلبوا الرزق من عنده بفعل الأسباب، فإذا عدتم من عرفات فقفوا عند المشعر الحرام بمزدلفة وأكثروا الذكر والدعاء شكرا لله على أن هداكم صراطه المستقيم ودينه القويم، لأنكم كنتم قبل هدايته لكم في ضلال وشر حال، فهداكم عن الضلالة، وعلمكم من الجهالة.
199. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: وانزلوا مع الناس من عرفة لا من مزدلفة؛ لأن قريشا كانت تخص نفسها عن الناس بمزدلفة، وعليكم بالاستغفار؛ لأنه لا يخلو العمل من تقصير ليزول عنكم عجب الطاعة ويجبر كسر التقصير، فالله يغفر الذنب بستره، ويرحم عبده لضعفه وفقره، فهو كثير الغفران، رحيم رحمن.
200. فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ: فإذا أكملتم مناسك الحج فعليكم بذكر ربكم كثيرا مثلما كنتم تذكرون مفاخر آبائكم وتمدحونهم، فالله أحق بالمدح، فأكثروا ذكره بمحامده، فهو أحق من ذكر وأولى من شكر، والناس منهم من همه الدنيا فحسب، يسعى إليها، ويطمع في غناها وجاهها ومتاعها الفاني ومجدها الزائل، وهذا ليس له في الآخرة حظ عند ربه من النعيم، ولا قسم له من الأجر الكريم؛ لأنه باع آخرته بدنياه.
201. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: ومنهم وهم الأفضل فريق طلبوا من ربهم خير الدارين صحة في الدنيا وعافية وسترا ومجدا ونصرا وغنى وذخرا وسألوا في الآخرة الفوز بالأجر العظيم والنعيم المقيم، في جنات ونهر في مقعد صق عند مليك مقتدر، مع الوقاية من النار وغضب الجبار.
202. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ: وهؤلاء فائزون أبرار، سعداء أخيار، فهم أحسنوا فيما سألوا، وأجادوا فيما أقلوا، فلهم قسط وافر من الأجر، وقسم عظيم من الثواب، من قرة العين وبهجة النفس والأمان في جوار الرحمن، لأن الله سوف يقيم القيامة للمجازاة فينال كل جزاءه؛ لأنه سريع الحساب، يحاسب العدد الكثير في الزمن القصير وهو عليه يسير.
203. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: وأكثروا ذك ربكم في أيام الحج فإنها أيام معدودات تم سريعا، فاغتنموها، فمن استعجل منكم الخروج من منى بعد يومي الحادي عشر والثاني عشر من عيد الأضحى فمباح له ذلك ولا حرج عليه، ومن تأخر أكمل الثالث عشر فهو خير، وذلك الحكم وهو التأجل والتعجل هو لمن اتقى ربه وخاف وعيده، وعليكم بالخوف من الله ومراقبته وحفظ حدوده وتيقنوا أنكم تجمعون عند ربكم للحساب، وإنما ذكر حشر الناس؛ لأن اجتماع الناس في الحج يذكر باجتماعهم عند ربهم للجزاء.
204. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ: ولما ذكر الأخيار البرة أتى لذكر الفسقة الفجرة، فأخبر أن منهم من يملك نفسك بفصاحته، ويبهج قلبك ببلاغته، لكنه كذاب فاجر منافق غادرن وزيادة في نفاقه وإمعانا فيه يعلن أن الله شاهد على ما في قلبه من الحب له ولدينه ورسوله، وهو أشد الاعداء الألداء محاربة للدين وعداوة للمسلمين، وذلك شأن كل منافق على مر العصور.
205. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ: وإذا خرج من المجلس أو تولى أمرا من أمور الناس سعي في الإفساد وزرع الفتنة بين العباد التي تؤدي إلى إتلاف الزرع وقتل الأنفس وخراب الديار، والله يبغض كل مفسد شرير، وكل خبيث حقير، ويبغض الإفساد في الدين والدنيا؛ لأنه أمر بالإصلاح والعمار.
206. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ: إذا نصح هذا المنافق أن يخاف الله حمله الكبر على زيادة الإثم والجرم عنادا واستخفافا، فليس له إلا نار جهنم تشويه، وهي كافية في التنكيل به خالدا فيها، ولبئس القرار لمن أغضب الجبار.
207. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ: أما صنف من الناس فمختلف عن هؤلاء المنافقين، فهم البررة الأخيار، من يبيع نفسه وماله لنصرة دينه، ويشتري رضوان الله وجنته، كما فعل صهيب الرومي الصحابي رضي الله عنه لما أعطى المشركين كل ما يملك وهاجر مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والذي وفق هؤلاء لهذا العمل الجميل هو الله الجليل؛ لأنه رؤوف بعباده يدلهم على المسار من ألطف الطرق، ويجنبهم المضار بأحسن الحيل، ومن رأفته بهم توفيقهم لمرضاته.
208. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: أيها المؤمنون: ادخلوا في الإسلام واقبلوه بكل شرائعه وأحكامه وسننه، ولا تجزئوه فتأخذوا بعضه وتتركوا بعضه، وإياكم ومسالك الشيطان القبيحة وطرقه الخبيثة فابتعدوا عنها، فإن الشيطان عدو لكم يسعى فيما يضركم ويبعدكم عما يسركم، قد بانت عداوته وانكشف أمره، والعدو لا يوافق ولا يرافق.
209. فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: فإن أثرتم الضلال على الهدى وانحرفتم عن الحق بعدما ظهر لكم البرهان وسطع البيان، على صدق الرسول وصحة الرسالة فاعلموا أن الله عزيز ينتقم ممن عصاه، حكيم لا يوقع العقاب بغير أهله، ومن عزته أنه قهر ما سواه، ومن حكمته أنه أحسن فيما قضاه.
210. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ: وهل ينتظر هؤلاء المكذبين إلا يوما يأتي فيه الواحد الأحد لفصل القضاء يوم الجزاء في ظلل رهيبة كثيفة من الغمام معه الملائكة الكرام، حينها قضي الأمر فلا توبة لتائب ولا عذر لمعتذر، ولا ينفع الكافر ندم ولا أسف، وإلى الله تعود مصائر الخلائق، وإليه تنتهي أعمال الجميع فيثيب المحسن ويعاقب المسئ، وإتيان الله يوم القيامة يحمل على حقيقته وظاهره بما يليق به سبحانه.
211. سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: يا أيها الرسول: سل اليهود توبيخا لهم وتقريعا كم آتيناهم من معجزة باهرة، ومن آية متظاهرة، كنتق الجبل، وفلق الصخر والبحر، والعصا واليد، فكذبوا ونسوا وأعرضوا وعصوا، فمن يغير آيات الله بالكفر والتبديل، والتحريف والتعطيل بعدما قامت عليه الحجة، ووضحت له المحجة، فإنه قوي الأخذ شديد البطش، عظيم العذاب لكل من عصاه، وخالف أمره واتبع هواه.
212. زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ: حسنت الدنيا في عيون الكافرين فأحبوها وقدموها على الآخرة ورضوا بها وعملوا من أجلها، وسخروا من المؤمنين لتقديم الآخرة الباقية على الدنيا الفانية؛ لأن لسان الكفار يقول: خذ ما تراه لا ما تسمع به، ولكن النتيجة أن من اتقى ربه وأطاع مولاه فهو في المنازل العالية والدرجات الرفيعة والعيشة الهنيئة، أما الكفار الفجار ففي درك النار وبئس القرار، والرزق ليس علامة قبول العبد، فإن الله يرزق من يشاء مسلما أو كافرا؛ لحكمة قدرها ولمصحة علمها، فلا يظن من زوي عنه الرزق أنه لكره الله له، ولا يظن من وسع عليه أنه لحب الله له، فقد يرزق الكافر ويحرم المؤمن قال الله تعالى "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن" قال الله مجيبا عن الاثنين "كلا" أي لا الأول رزقناه لمحبتنا له، ولا الثاني قدرنا عليه في رزقه لهوانه عندنا.
213. كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: كان الناس قبل إشراكهم بربهم على فطرة التوحيد، ثم أغواهم الشيطان للإشراك بالله، فأرسل الرسل يدعونهم إلى الإيمان، ويبشرون الطائع بالثواب والعاصي بالعقاب، ولما أرسل الله الرسل أنزل معهم الكتب فيها البيان الشافي لأمور الدين؛ ليتحاكم إليه الناس وقت الاختلاف، ولم يخالف في القرآن إلا اليهود والنصارى من بعد ما جاءتهم الأدلة الصحيحة على صدقه حسدا وبغيا، فاختار الله للهداية عباده المؤمنين، فاتبعوا القرآن الذي كذب به أهل الكتاب، وهذه الهداية توفيق منه – تعالى – لعباده المؤمنين للصراط المستقيم الموصل إلى جنات النعيم المبعد عن نار الجحيم.
214. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ: لا تظنوا أيها المؤمنون أن دخول الجنة سهل دون ابتلاء واختبار، فما نجا من نجا قبلكم إلا بعد شدائد وأهوال من الجهاد والتضحية والمصائب، فقد ابتلاهم الله بالفقر فصبروا، وبالمرض فشكروا، ونزلت عليهم أهوال ومحن، فثبتوا إلى درجة أن الرسول وأتباعه منهم يقولون من شدة الخطب وهول الكرب: متى الفرج بعد الشدة؟ ومتى النصر بعد الذلة؟ فيا أيها المؤمنون: نصر الله قريب، وفرجه آت، وفتحه حاصل، فلا تيأسوا من النصر، وعليكم بالصبر.
215. يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: يستفتيك المؤمنون أيها الرسول ماذا يتصدقون؟ وعلى من يتصدقون؟ فقل لهم أي صدقة منكم قلت أو كثرت فالأولى بها القريب ثم اليتيم ثم الفقير ثم الغريب المنقطع واعلموا أن فعلكم للخير قليلا أو كثيرا محفوظ لكم عند الله والله عالم به محصيه لكم ويعلم المخلص فيه من المرائي وسوف يوفي كل بعمله.
216. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: فرض عليكم جهاد الكفار أيها المؤمنون، والنفوس تكره القتال لما فيه من مشقة وألم ومخاطرة بالنفس والمال، ولكن كم من مكروه عاقبته محمودة، فالجهاد على مشقته له ثمار من العزة والكرامة والنصر والغنيمة والشهادة في سبيل الله، ويمكن أن تحبوا أمرا من أمور الدنيا من الشهوات ومطالب النفس وترك الجهاد، فيثمر لكم الهوان والذل والخزي والعار وغضب الجبار، فكم من أمر كرهته النفوس وهو الفوز والرفعة والفلاح، وكم من شىء أحبته النفوس وهو الهلاك والخسارة والبوار، لأن العبد لا يعلم سر المسألة، ولا عاقبة الأمر ولا الحكمة الخفية؛ وإنما يعلمها علام الغيوب، فارض بقضائه، وسلم لاختياره، وافرح بتدبيره ففيه الحكمة والمصلحة.
217. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: يسألك الناس يا محمد عن القتال في الشهر الحرام أيحل أم يحرم؟ فأجبهم بأن القتال فيه محرم وإثمه عظيم وجرمه شنيع فلا تقاتلوا فيه من لم يقاتلكم، ولكن منع الناس من الإسلام ودعوتهم للكفر بالله وتدنيس المسجد الحرام وطرد الرسول والصحابة من مكة أعظم ذنبا وأكثر إثما من قتلكم للكفار في الشهر الحرام، فإن كان قتلكم لهم في هذا الشهر عظيما فأعظم منه ما فعلوه بكم وبدين الله ورسوله وبيته؛ لأن رد المسلم عن دينه أعظم إثما من قتلكم لهم، وسوف يستمر الكفار يقاتلون المؤمنين حتى يردوهم عن الإسلام بما استطاعوا من جهد، فمن يترك دينه ويرغب في الكفر ويستمر على ذلك حتى الموت ضيع الله سعيه، وأبطل أجره وأحبط عمله وخلده في النار.
218. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: إن المؤمنين المهاجرين المجاهدين مستحقون لرحمة الله، وسوف يحصلون على ما أملوا، ويجدون ثمرة ما عملوا، فبإيمانهم أرضوا القهار، وبهجرتهم فارقوا الدار وبجهادهم قاتلوا الكفار، فاسحقوا رحمة الغفار؛ لأنه واسع العطاء يتجاوز عن الأخطاء.
219. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: يستفتونك يا محمد عن حكم شرب الخمر ولعب القمار، قل: فيهما ذنب كبير وضر كثير، ولو أن فيهما ربحا ماديا قليلا ولكنه لا يساوي ما فيهما من شر خطر، وإثم عظيم، فإثم من شرب المسكر ولعب القمار يشمل ذهاب العقل وقد يصل إلى إزهاق الروح، وسفك الدم، وخراب البيوت، وذهاب الأسر، وهتك الأعراض وغيرها.
220. فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: بين الله لكم الآيات لتتفكروا في مسائل الدنيا والآخرة وتختاروا الأجمل والأكمل وتنظروا في حال الدنيا وفنائها، وزوال أبنائها، ونعيم الآخرة وبقائها وحسن بهائها.
ويستفتونك في مخالطة اليتامى والأكل من أموالهم، فأجبهم أن من خالطهم وأصلح وسدد وقارب ونصح لهم فهو أحسن ممن اجتنبهم، وإن جمعتم مالكم مع مالهم ليعظم الربح وتقل الخسارة وقامت بينكم شراكة للمنفعة فأنتم إخوان في الدين، بعضكم ولي بعض، ينصح له ويحرص عليهن والله يطلع على من أراد الفساد وسعى إليه ممن اجتهد في الخير واتقى ربه في حال الشراكة والخلطة مع اليتامى، ولو أراد الله أن يعسر عليكم لحرم عليكم مخالطة اليتامى، ولكنه سهل عليكم ولم يكلفكم ما لا تطيقون؛ لأنه عزيز يحكم ما أراد بقوة ونفاذ، حكيم يقضي بما فيه حكمة ويقدر ما فيه رحمة.
221. وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: لا تتزوجوا المشركات حتى يسلمن، فإن الجارية المملوكة المسلمة أفضل من الحرة المشركة ولو أعجبكم جمال المشركة، فجمال الباطن أحسن وأفضل من جمال الظاهر، ولا تزوجوا بناتكم من المشركين حتى يسلموا، فإن المملوك الرقيق المسلم أفضل من المشرك ولو أعجبتك صورته أو أقواله، فالمسلم أبر وأطهر وأكرم؛ لأن هؤلاء المشركين دعاة إلى الكفر الموصل إلى نار جهنم، والله يدلكم على ما يسعدكم في الدنيا ويوصلكم إلى الفوز بجنته في الآخرة، فهو الذي يقبل الحسنات ويتجاوز عن السيئات، ومن اهتدى فلتوفيقه له، والله يوضح الأدلة لعباده، ويقيم البراهين للخلق لكي بصروا الهدى من الضلال والحق من الباطل، فيختاروا الأحسن والأصوب.
222. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ: ويستفتونك يا محمد عن جماع الحائض أحلال أم حرام؟ فقل لهم: هو حرام لأن دم الحيض مستقذر مؤذ، فابتعدوا عن جماع الحائض حتى تطهر، فإذا طهرت من الحيض وتطهرت بالماء فجامعوها في الفرج؛ لأنه المأذون فيه شرعا، فهو سبحانه يحب التائب من الأوزار والمتطهر من الأقذار؛ لأن الذنب دنس على النفس، والقذر رجس على الجسم ونجس، فطهارة الأرواح والأجسام بترك الأقذار والآثام.
223. نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: زوجاتكم موضع إنجاب أولادكم فجامعوهن على أي هيئة بحيث يكون الجماع في القبل، واحرصوا على فعل الخير لأنفسكم في الآخرة ولو في الجماع بحسن النية في الذرية وإعفاف النفس، والمرأة لا لمجرد الشهوة البهيمية، وعليكم بتقوى الله في اجتناب ما نهاكم عنه مثل: جماع الحائض والجماع في الدبر، وتيقنوا أنكم سوف تلقون ربكم يوم العرض الأكبر ليحاسبكم على أعمالكم، فلا تلقوه بما تفتضحون به، فالبشرى لمن آمن بجنات ونهر وحسن مستقر، وما أجمل ربط الأحكام بتقوى الملك العلام.
224. وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: لا تجعلوا الحلف بالله سببا لمنع الخير كأن تحلف ألا تفعل خيرا، فإن طلب منك أن تفعله قلت: قد حلفت بالله فلن أترك يميني فكأن الله مانع لك من فعل الخير، بل كفر وافعل الخير من عمل طاعة واجتناب معصية وإصلاح بين المتخاصمين؛ لأن الله يسمع الأقوال، ويعلم الأعمال، ويطلع على الأحوال، فهو أحق أن يتقى ويخاف.
225. لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ: لا يعاقبكم الله بما يجري على اللسان من أيمان دون نية منكم، كقولكم: لا والله، وبلى والله، وإما العقاب على من قصد الكذب؛ لأن الأعمال بالنيات، والله كثير العفو عظيم التجاوز واسع الرحمة يتوب على من تاب ويقبل من أناب ويتجاوز عن المسئ.
226. لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: من حلف ألا يجامع زوجته هجرا لها وإضرارا بها فله مدة أربعة أشهر ليراجع نفسه ويتوب إلى ربه من إيذاء زوجته، والله يغفر له إذا عاد، ويسامحه إذا كفر ورجع إلى زوجته، وانظر إلى لطف الله بالمرأة ورحمته بها.
227. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: لكن لو استمر الزج على حلفه وهجر زوجته مبنية على الألفة وحسن العشرة، فإذا لم توجد انتهى الغرض، والله يسمع كل قول ونجوى، ويعلم السر وأخفى، فحق على العبد أن يخشاه.
228. وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: والمرأة المطلقة تنتظر ثلاث حيض من بعد طلاقها استبراء للرحم، وهي عدتها إذا دخل بها زوجها، ثم يجوز لها بعد الحيض الثلاث أن تتزوج، ولا يجوز لها أن تخفي الحمل وتجحده لئلا تعود إلى زوجها، وحبا في الفراق وإنهاء للعدة، هذا إذا كانت تخاف ربها وتخشاه وتحذر الحساب بين يديه يوم العرض الاكبر، فلن يمتثل الأحكام الشرعية إلا المتقي ولا يخالفها إلا شقي، وللزوج الحق في إرجاع الزوجة ما لم تنته العدة؛ لأنها زالت تحت عصمته وفي ولايته، إن كان يريد حسن العشرة معها وعدم إدخال المشقة عليها، وللزوجة من الحق كحسن العشرة والرحمة بها والنفقة عليها مثل ما لزوج عليها من لطيف المعاملة وطيب العشرة وعدم الخيانة، وللأزواج على الزوجات ميزة وخاصية بسبب الإنفاق والولاية والقوامة مع حسن المعاشرة، ولا يقتضي هذا أن يكون خيرا منها، فالفضل للتقوى، والله عزيز ينتقم ممن تعدى حدوده من الزوجين وغيرهما، حكيم يضع كل شىء بحكمة في موضعه، ومن ذلك أحكام الزوجية.
229. الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: الطلاق الصحيح الذي يحل للرجل به مراجعة زوجته طلقتان، واحدة بعد الأخرى، فإما أن يراجعها بمعروف، وإما أن يطلقها بلا ظلم ولا عدوان، وبعد أن تصير منه بائنا لا حق له في المراجعة، فالمراجعة لحسن الشعرة، والفراق مع أداء الحق، ولا يجوز للرجل أن يأخذ من مهر زوجته شيئا إذا فارقها إلا بالخلع إذا تأكدتم أنه لا يمكن الصلح، وأن يقع الضرر كظلم الزوج وسوء معاشرة الزوجة، فيجوز الخلع على شىء من المهر، فإن تيقنتم أنه لا يمكن توافق الزوجين وانتفت المصلحة من المراجعة جاز للمرأة أن تفتدي نفسها من زوجها ببعض مهرها ليفارقها لتحقق الضرر من الرجوع إليه، وهذه المسائل فيما شرعه الله وسنه فاحذروا تجاوزها والتساهل بها ومخالفتها؛ لأن من عصى الله بارتكابه المحور فقد أغضب ربه، وظلم نفسه، وتجاوز الحد، ووقع في الحرام؛ وهذا ظلم.
230. فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: فإن طلقها الطلقة الثالثة بانت منه وحرمت عليه حتى تتزوج زوجا آخر ويجامعها، لا على وجه الحيلة والتحليل، وهذا تعزير له وتأنيب وردع له وتأديب، لئلا يتلاعب بالطلاق ويعبث بالرجعة والفراق، فإن طلقها زوجها الثاني واعتدت جاز لزوجها الأول أن يتزوجها بعقد جديد، ومهر آخر إذا علم الزوج والزوجة أنهما سيقومان بأوامر الله ويجتنبان نواهيه، والله إنما يوضح الأحكام لأهل البصائر وأصحاب الأفهام الصحيحة الذين يفقهون في الدين، أما المعرضون الجهال فلا فهم لديهم ولا بصيرة.
231. وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: وإذا طلقتم النساء دون الثلاث وهن في الرجعة، فراجعوهن إذا أردتم قبل انقضاء العدة دون أن تسيئوا عشرتهن، بل عاشروهن برحمه ولف، أو تمهلوا حتى تنقضي عدتهن ليصحبن بائنات مع متاع حسن وعدم ذكرهن بالسوء، ولا تراجعوا النساء من أجل الانتقام والإساءة حتى تبذل المرأة مهرها لتفتدي نفسها، ومن يراجعها ليؤذيها أو ليأخذ من مهرها فقد جار وتعدى وظلم، والله له بالمرصاد، ولا تلاعبوا أيها الناس بأحكام الله فتأخذوا ما تريدون وتتركوا ما تريدون تشهيا، وتذكروا فضل الله عليكم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم لتتعلموا ما ينفعكم، وكنتم قبله جهلاء ضلالا، فهذا الوحي لهدايتكم وإرشادكم إلى ما فيه فلاحكم وفوزكم، فخافوا ربكم وأطيعوا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه؛ لأنه سبحانه عليم بالأعمال مطلع على الأحوال لا تخفى عليه خافية وسوف يحاسبكم عن القليل والكثير.
232. وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعُروفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: وإذا طلق الأزواج زوجاتهم ثم انقضت العدة ورغب الرجل أن يراجع المرأة برضى منهما واختيار فعلى الولي أن لا يمنع ذلك؛ لأن المرأة سوف تحرم الحياة الزوجية بمنع الولي، وهذا هو التزام أمر الله وإتباع شرعه إنما يفعله من رضي بالله ربا وخاف لقاءه، وخشي عقوبته، وهذا العمل مهن المراجعة بالمعروف، واتقاء الزوجين لله وعدم منع الولي، أزكى للقلوب لبعدها عن الآثام، وأطهر للأجسام لاجتنابها الحرام؛ لأنا فعلت المأمور وتركت المحذور؛ لأن الله أعلم بمصالح العباد، وما فيه خيرهم وعواقب أمورهم وأسرار أحوالهم ما لا يعلمونه؛ لأنهم بشر استولى عليهم النقص وغلب عليهم الضعف ولزمتهم الغفلة.
233. وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: على الأمهات أن يرضعن أولادهن سنتين كاملتين إذا أراد الوالدان ذلك برضا واختيار، وإنما ذكر الوالدات للاستعطاف وعدم إهمال الطفل والاستخفاف به، ووالد الطفل تلزمه نفقة والدة طفلة وكسوتها بما هو معروف بلا تبذير ولا تقتير، بقدر حالة الغني والفقير، وقال: وعلى المولود له ولم يقل الوالد؛ لأن الطفل ينسب إليه لا إلى أمه، ولا يجوز أن يقع الضرر على هذا الطفل بسبب الفراق، فلا ترضعه أمه نكاية في أبيه، أو يأخذ الوالد الطفل فيحرمه حنان أمه، فيضره ويضرها، والضحية بسبب هذا الشقاق هو الطفل، فحمى الله جانب الطفل، فتبارك الحكيم الرحيم ما أعدله وأرحمه، وأورث الطفل من جد وعم وأخ يقوم مقام الوالد في الإنفاق على والدة الطفل من طعام وسكن إذا مات الوالد، وإذا اتفق والد الطفل ووالدته على فطم الطفل قبل مضي السنتين فلا بأس بذلك بشرط أن يكون عن رضا لا خلاف معه من الطرفين وتشاور في مصلحة الطفل.
وإذا رغب الوالد في مرضعه غير أم الولد ورأى المصلحة في ذلك فلا إثم عليه إذا كانت أم الطفل عاجزة أو رافضة، أو لا تصلح لسبب وجيه، فسلموا أجرة المرضعة بلا نقص ولا مطل، بل أجرة المثل. وانظر إلى هذا الإنصاف والعدل، وعلى الجميع أن يتقوا الله، فالوالد عليه ألا يضر بالطفل أو والدته، ولا يبخس المرضعة الأخرى أجرتها، والوالدة لا تضر بطفلها ولا تنتقم من أبيه بترك رضاعته، وعلى المرضعة حسن الرضاعة وجميل مع املة الطفل؛ لأن الله مطلع على كل عمل قائم على كل نفس عالم بكل سر، فخافوه وراقبوه وامتثلوا شرعه.
234. وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: ومن مات منكم وله زوجة أو زوجات فعليهن البقاء في بيوتهن مدة أربعة أشهر وعشر ليال حدادا على الأزواج، إلا الحامل فعدتها حتى تضع الحمل، لتحفظ الأنساب، وتصان الأحساب، ويحترم حق الزوج، فإذا انتهت العدة جاز لها الزواج ومقدماتها من التجمل والتزين إذا كان في حدود الشرع، والله سبحانه لا تخفى عليه الخوافي، فيعلم عمل البار والفاجر، وسيجزي كلا بما فعل فراقبوه رجالا ونساء، فإنه محاسبكم.
235. وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ: ليس عليكم إثم إذا عرضتم للمرأة المعتدة بالزواج تلميحا لا تصريحا يفهم منه الرغبة في نكاحها، ولا ذنب في إسراركم بهذه الرغبة في نفوسكم لئلا يتوهم الإثم من حب الزواج من المعتدة، فلا تخفوا وعدكم لهن بالنكاح في السر فإنه يعلم السر وأخفى، ولكن لمحوا ولا تصرحوا؛ لأنه لا يحق الدخول في مسألة النكاح إلا بعد انتهاء العدة، ولا يحل لكم عقد النكاح إلا بعد انتهاء العدة، واعلموا علم اليقين أن الله مطلع على أسراركم، خبير بنياتكم، عليم بأفعالكم، فاحذوا غضبه واخشوا عقابه، وهو مع قدرته على العقاب وشدة أخذه في العذاب فهو يغفر لمن تاب ويرحم من أناب، فكونوا بين رجاء رحمته وخوف نقمته.
236. لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ: إذا طلقتم النساء قبل الجماع ولم تسموا لهن مها فليس لهن إلا المتعة، وإن سميتم لهن مهرا ثم طلقتموهن قبل الجماع فلهن نصف المهر، وعند الطلاق متعوهن قبل الفراق؛ ليذهب ما في نفوسهن من عتب، ويزول ما يحصل بعد الطلاق من غضب، والمتعبة على قدر الغنى والفقر، يفعل ذاك المتقي المحسن الذي يحب أن يتفضل، وهذه المتعة شىء من المال والمتاع شرعه الله على أهل الكرم ليمحو ما أصاب المطلقة من ندم.
237. وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وإذا كان الطلاق قبل الدخول وقد سمى الزوج لها مهرا فعليه إذا طلقها أن يدفع لها نفس المهر إلا إذا سامحته الطلقة ولم تطالبه بشىء، أو سامحها الزوج في نصف المهر بعدما دفع لها المهر كله أو سامح وليها إذا تبرع بإرضائها، فالمسامحة هنا من كل الأطراف أحسن؛ لأنها تدل على كرم النفس وليئن الطباع وجميل الخلق، وهذا أقرب لما يحبه الله، فإنه عفو يحب العفو، كريم يحب أهل الكرم، ولا تتركوا أيها الأزواج الإحسان بينكم حتى بعد الفراق من حفظ العهد وكتم السر والصلة بالمعروف بالمال وغيره لمن احتاج إليه منكم، فقبل الفراق كان بينكم معروف وإحسان، فليستمر قدر المستطاع، فالله سبحانه يعلم إحسان المحسن، وإساءة المسئ وسوف يوفي كلا بعمله.
238. حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ: حافظوا على الصلوات الخمس في أوقاتها بخشوعها وآدابها ولا تشغلكم الدنيا عنها، فالمحافظة أعظم من مجرد أدائها: لأن الصلاة عماد الدين، وقرة عيون الموحدين، وعلامة صدق العابدين، وحافظوا على صلاة العصر؛ لأن الملائكة تشهدها، ثم إنها تقع في وقت تعب بعد عمل وقيلولة وبرد في الشتاء، واخشعوا في صلاتكم وداوموا على طاعة ربكم.
239. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ: لا تتركوا الصلاة على أي حال ولو كنتم في حال خوف من الكفار، فصلوا ماشين أو راكبين، فإذا ذهب القتال واستقر الحال فصلوا صلاة وافية الشروط والأركان، مع كثرة ذكر للرحمن، مثلما علمكم ربكم في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وشكرا له على هذا العلم، وكنتم قبل الرسالة في ضلالة، وقبل العلم في جهالة.
240. وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: قبل أن يموت الزوج عليه أن يوصي لزوجته بعد وفاته متاعا يكفيها لسنة كاملة يشمل النفقة والسكن، ولا تخرج الزوجة من سكنها عدة مدة هذه السنة وكان هذا عدة المتوفى عنها زوجها ثم نسخت إلى أربعة أشهر وعشرة أيام فانظر كيف حفظ الحقوق وسن الحدود سبحانه فإذا خرجت الزوجة من منزل زوجها المتوفي عنها بعد العدة فلا حرج على الولي أن يأذن لها بالزينة والتجمل والطيب لتخطب في حدود ما شرعه الله؛ لأنه عز فأمر، وحكم فعدل، فمن عزته أوامره ونواهيه، ومن حكمته تنزيله لكل حكمها يقتضيه.
241. وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَ‍قًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ: وللمطلقة على زوجها حق وهو أن يمتعها بقدر استطاعته ليجبر الخاطر ويزيل ما كدرها من فاجعة الطلاق ووحشة الفراق، وهذا يفعله من اتقى ربه وراقب مولاه ففعل ما يرضيه.
242. كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: وهذه الأحكام بيانها من الله، فهو المشرع سبحانه فالحكم لله وحده، فعليه البيان وعلى الرسول البلاغ وعليكم العمل، وقد شرع الشرائع كي تتدبروها وتتفقهوا في أحكامها لتعقلوا الحكمة، فالبيان علم، والتدبر عقل، فجمع هنا بين المنقول والمعقول.
243. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ: ألم تأتك قصة قوم هربوا من أوطانهم، وتركوا ديارهم – وهم كثيرون في عددهم – خشية الموت والموت لا مهرب منه ولا مصد عنه، فإنه يأخذ من استقر ويلحق من فر، فأمهاتهم الله بكلمة ثم أحياهم بكلمة؛ ليقيم الدليل على أنه الرب القدير الجليل، قيل، إنهم من اليهود كتب عليهم الجهاد فهربوا فأدركهم الموت، ثم بعثوا، فيا من فر من الجهاد، لا مهرب من الموت ولا راد والله سبحانه لم يكلف الناس ما يشق عليهم حتى يفروا من القضاء، فإن شرعه رحمه، وقضاءه حكمة، وعطاءه فضل، وأخذه عدل، وتجاوزه إحسان، لأنه رحيم ولكن أكثر الناس لا يشكر رب بامتثال أوامره وهجر نواهيه، فجبلة الجحود في الناس كامنة، وصفة النكران في نفوسهم ساكنة.
244. وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: فلا تكونوا أيها المؤمنون كمن فر من القتال ورفض الجهاد بل جاهدوا لإعلاء كلمة الله فلكم النصر والأجر والعزة والشهادة والفوز والفلاح فالله يعلم من جاهد مخلصا لربه، ومن قاتل رياء وسمعة؛ لأنه يسمع الأصوات، ويعلم النيات، ويطلع على الخفيات.
245. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: أيكم السابق لبذل ماله لمرضاة ربه ونصرة دينه، فماله لن يذهب بل هو قرض مضاعف، وحسنات وافرة، الحسنة بعشر إلى سبع مائة إلى ما شاء الله، فالمعطي حقيقة هو الله، وأموالكم من عنده سبحانه؛ لأنه يقلل رزق من يشاء، ويكثر عطاء من يريد لحكمة يعلمها، فمن قل رزقه فلينفق على حسبه، ومن كثر فليعط على كثرته، وسوف تعودون إليه يوم القيامة؛ فيثيب الجواد المنفق، ويعاقب البخيل الممسك.
246. أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلأ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بَالظَّالِمِينَ: ألم يصلك خبر قوم منن اليهود قالوا بعد موت موسى للنبي شمعون: نريد قائدا يقودنا لنقاتل الكفار معه في سبيل الله، فقال لهم: أخشى إن أوجب الله عليكم الجهاد عصيتم وتركتم القتال، فلا تتمنوا لقاء العدو، ولا تستعجلوا البلاء، فردوا عليه، وقالوا: في لا نجاهد ونحن مظلومون شردنا من الوطن، وسلبت أموالنا، وفرق بيننا وبين أولادنا؛ فنحن نريد الانتقام ممن فعل ذلك. فلما أوجب الله عليهم الجهاد تركوه وخافوا الأعداء وما صبر منهم إلا نفر قليل، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت، والله عالم بالظالم منهم الذي نكث ما عاهد الله عليه، ونقض ما التزمه من جهاد في سبيل الله، فلما وقعت الحرب ضعفوا وانهزموا وهذا مخالفة لأمر الله، فهم سألوا ما لم يجب، فلما وجب ما وسعهم إلا الهرب.
247. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: وقال لهم نبيهم شمعون: إن الله قد اختار لكم قائدا هو طالوت، فاعرضوا وقالوا: كيف تكون القيادة والملك لطالوت؛ وهو فقير والملك يحتاج إلى مال، فبالمال يطوع الرجال ويقام القتال، والمال عندنا، فنحن أولى بالملك منه لغنانا وفقره، فرد عليهم نبيهم وقال: حصل الاختيار من الله وهو أعلم بالحكم والمصالح وعواقب الأمور، وطالوت معه سعة علم وقوة جسم، فبالعلم يسوس الناس، وبالجسم يخوض البأس، فصاحب العلم قوي النفس، وصاحب الجسم قوي البطش، وهذا أكمل للهيبة والسلطان. والله وحده يملك من يشاء من عباده؛ لأنه ملك الملوك وهو أعلم بمن يصلح للملك فيختاره، فليس لأحد أن يعترض؛ لأن الله واسع الفضل كثير الإحسان عليم بخفايا الأمور وأسرار القضايا، فهو يهب عن سعة، ويختار عن علم.
248. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وقال لهم نبيهم شمعون: إن علامة اختيار الله لطالوت ليكون ملكا عليكم، أن يحضر الصندوق الذي فيه الطمأنينة من الله لكم، وفيه بقايا آثار موسى وهارون كالعصا والثياب وبعض التوراة، تأتي به الملائكة حتى تضعه بين يدي طالوت إثباتا لملكه، ونزول التابوت إلى طالوت علامة ظاهرة على اختيار الله له من بينكم إن كنتم تصدقون بآيات الله.
249. فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: فلما خرج طالوت من المدينة بالجيش وأصبح في الصحراء لا ظل ولا ماء بل حر ورمضاء؛ ابتلاهم الله بنهر عذب بارد وهم في ظمأ شديد؛ ليمتحن صبرهم، وحذرهم طالوت بأن من شرب من الماء فليس من جند؛ لأنه لن يصبر، ولن يثبت في المعركة، ومن لم يشرب فهو معه، وأذن لهم بقليل من الماء ملء الكف لكل واحد منهم، فأكثروا من الشرب إلا نفرا قليلا صبروا، فلما خرج من النهر هو ومن معه من المؤمنين وشاهدوا جيش العدو دب الخوف في قلوبهم؛ لكثرة الكفار وقالوا: لا نستطيع المواجهه فعددنا قليل وعددهم كثير، فرد عليهم الصادقون السابرون: أن النصر مع الصبر، والطائفة القليلة المؤمنة تغلب الطائفة الكثيرة الكافرة؛ لأن من كان الله معه لن يغلب، فالله يؤيد من صبر بنصره وينزل السكينة على جنده.
250. وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: ولما التقوا بجيش عدوهم جالوت سألوا الله أن يمدهم بصبر في قلوبهم لئلا يجزعوا، وبثبات أقدامهم لئلا يفروا، وبنصرهم لئلا يهزموا، فالصبر يدفع الجبن، والثبات يمنع القلق، والنصر يحمي من الخذلان، وطلبوا الغلبة على الكافرين؛ لأن جهادهم من أجل رفع الدين ونصرة رب العالمين.
251. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ: فغلب جيش طالوت جيش جالوت بنصر من الله وحده، وقتل داود جالوت، فأعطاه الله كرامة الملك يسوس به الناس، والنبوة يهدي بها العباد، والعلم يفقه به الخلق، فالملك صلاح الدنيا، والنبوة صلاح الدين، والعلم صلاح النفس، ولولا أن الله يفع شر الكفار بقوة الأبرار لتسلط الأشرار، وعم الفساد في الكون، وخربت الدنيا، ولكن الله لطيف بالبشر، ينصر الحق وأهله على الباطل وحزبه؛ ليبقى الخير ويستقيم أمر الناس، وتعمر الديار وينتشر الصلاح..
سورة البقرة
252. تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: هذه الأخبار – يا محمد – صادقة من عند الله أنزلها الله بالحق وحيا يتلى عليك؛ لأنك رسول من عند الله كما أرسل الأنبياء قبلك، فما أوحيناه إليك فهو للبلاغ لأنا أكرمناك بالرسالة.
253. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ: والذي قصصنا عليك أخبارهم من الأنبياء هم رسل من عند الله متفاوتون في الدرجات متباينون في الفضل، منهم من خصه الله تكريما بأن كلمة كموسى، ومنهم من جعله من أولي العزم كنوح وإبراهيم، ومنهم من فضله على الجميع وختم به الكل وهو محمد صلى الله عليه وسلم، أما عيسى فقد أعطيناه معجزات باهرة، وعلامات ظاهرة، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويشفي المرضى بإذن الله، وجعلنا جبريل يعينه ويساعده على مهام الرسالة وتكاليف الدعوة.
ولو أراد الله ما تقاتل الناس بعد ما جاء الأنبياء بالرسالات والدلالات والحكم والعظات، ولكن لما اختلفوا في متابعة المرسلين سلط المؤمنين على الكافرين لينصر الدين، ولو أراد الله لجمعهم على كلمة واحدة وما حصل بينهم خلاف ولا قتال، ولكن لمصلحة أرادها الله وحكمة علمها، قدر الخلاف بينهم والقتال؛ ليتميز أولياؤه من أعدائه، ويقوم سوق الجهاد ويتخذ الشهداء، ويظهر أهل الجنة من أهل النار، فله سبحانه الحكمة المطلقة والقدرة النافذة، حكيم في قضائه، رحيم في بلائه.
254. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ: أيها المؤمنون، تصدقوا من فضل الله في سبيل الله وأنتم على قيد الحياة، قبل أن تسلب منكم الأرواح وتلقون ربكم يوم العرض الأكبر، فلا بيع تفدى به النفس بالمال، ولا مودة صديق تنفع، ولا شفاعة صاحب تدفع؛ لأن الكافر ظلم نفسه بمحاربة ربه، فلا يقبل منه الفداء ولا مودة الأصدقاء ولا شفاعة الأولياء.
255. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ: الله وحده لا إله إلا هو المستحق للألوهية، المستأهل للعبودية؛ لأن له الحياة المطلقة الكاملة التامة، وهو دائم باق لا يموت ولا يفنى، قائم على تدبير الخليقة وتصريف الكون، به تقوم حياة كل حي، لا يأخذه النعاس ولا النوم؛ لكمال حياته وقيوميته؛ لأن النعاس والنوم نقص، والله منزه عن النقص، وهو سبحانه يمسك السموات والأرض أن تزولا، فلا ينام وليس بحاجة إلى النوم نقص، والله منزه عن النقص وهو سبحانه يمسك السموات والأرض أن تزولا فلا ينام وليس بحاجة إلى النوم جل في علاه لأنه لا يدركه تعب ولا لغوب، تقدس علام الغيوب ولأن من نام يموت والله لا يموت والجن والأنس يموتون فجميع ما في الكون ملكه تحت تصرفه ومشيئته، مقهورون تحت سلطانه، خاضعون لعظمته، أذلاء لقوته، خائفون من بطشه، فالخلق عبيده والملائكة جنده، ولجلاله وعظيم مهابته وملكه لا يشفع أحد لأحد إلا إذا أذن للشافع ورضي عن المشفوع؛ لأنه صاحب الكبرياء، تنزه عن الشركاء، وهو سبحانه مطلع على ما يراه البشر في الدنيا وما لا يرونه من أمور الغيبيات في الآخرة، أحاط بالمنظور والمستور، وعلم الظاهر والباطن واطلع على السر والجهر ولا يعلم أحد من علمه سبحانه إلا من أطلعه عليه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صديق ولا أحد من الجن والإنس لأن علمه واسع محيط شامل، وعلمهم ضيق مقصور محدود؛ لأنه خلق علمهم وعملهم "والله خلقكم وما تعملون" ومن عظمته سبحانه أن كرسيه أعظم من السموات والأرض، والعرش أعظم منه، والكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة ملقاة في صحراء واسعة لا يعلم سعته إلا الله، فإذا كانت هذه السموات والأرض باتساعها وعظمتها، والكرسي أعظم وأكبر منها فكيف بعرشه العظيم، فسبحان من استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، ليس في ذاته شىء من مخلوقاته ولا صفاته تشبه الصفات، "ليس كمثله شىء وهو السميع البصير" والله سبحانه لا يثقله حفظ السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات بل يحفظها من كل الآفات، وتدعوه كل المخلوقات بشتى اللغات، ومختلف اللهجات، وتعدد الأصوات وبجميع الحاجات فيفيض جوده على كل الكائنات وهو علي سبحانه علو ذات وقدر وقهر، فهو عال فوق السموات على عرشه وقدره أعلى قدر لأنه صاحب النهي والأمر يعلم السر والجهر وبيده النفع والضر وقد قهر سواه فلا رب ولا إله إلا إياه تفرد بالملك وتوحد بالألوهية واستحق العبودية فهو العلي العظيم لأن العلو مع العظمة يقتضي قوة الجبروت، وتمام الملكوت، وكمال العزة ونهاية الجلال والقداسة وهذه الآية أعظم آية في القرآن، وفيها من المدح والتقديس والتعظيم للملك الكريم، الرحمن الرحيم ما يخترق حجب الضمير إلى شغاف القلب، ويهز أركان الكون بالثناء على الملك الحق المبين.
256. لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: لا تجبروا أحدا على الدخول في الإسلام، بل عليكم بدعوته بالإقناع وحواره بالتي هي أحسن؛ لأن الأمر بين ظاهر، فقد وضح الهدى من الضلال، والإيمان من الكفر، فمن وحد الديان وكفر بما يعبدون من دونه من إنس وجان وشيطان وأوثان فقد التزم حبل الإيمان، وعروة الدين قوية لا انقطاع لها؛ لأنها موصولة بالله وفيها كل أسباب النجاة، والله مطلع على النيات الخفيات، يسمع الأصوات ويعلم الأحوال والأعمال، فحقه أن يوحد ويعبد، وإليه يسعى ويحفد، وله يعظم ويسجد.
257. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: والله وحده ولي المؤمنين يحفظهم ويرعاهم، ويهديهم ويسددهم، ويعزهم وينصرهم، وهو الذي أنقذهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأنجاهم من الضلال إلى الهدى، وسلمهم من مهالك الشبهات وأخطار الشهوات بالآيات البينات، ودلهم على أسلم طريق بالرشد والتوفيق، أما الكفار الفجار فأولياؤهم الشياطين يخرجونهم من الهداية على الغواية، ويردونهم من الهدى إلى الردى، ويمنعونهم من الإسلام، ويدعونهم إلى عبادة الأصنام، فهؤلاء الكفار خالدون مخلدون في النار فبئس القرار.
258. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: ألا تتعجب من النمرود بن كنعان صاحب الكفر والطغيان، فإنه جادل إبراهيم في الرحمن الرحيم ولم يعلم أن وجود الله ووحدانيته أمر معلوم، شهدت به الفطر السليمة والنفوس المستقيمة، وقامت عليه البينات بما أوجد من مخلوقات وأقام من آيات، والله سبحانه هو الذي أعطى هذا المخاصم النمرود الملك فانظر كيف جحد وألحد، فلما دعاه إبراهيم بين له أن ربه جل في علاه يوجد من العدم وينشئ الخلق ثم يميتهم ويفنيهم، فهو خالق الموت والحياة، والوجود والعدن، والبقاء والفناء، لا غيره ولا سواه، فكان جواب هذا الرعديد العنيد الغبي البليد وأنا أيضا أحيي وأميت فأتى برجلين مسجونين عنده فعفا عن أحدهما وقتل الآخر، وقال هذا إحياء وإماته!! فلما عرف إبراهيم جهالة هذا السفيه وتعلقه بالشبه والتمويه أتى ببرهان ساطع ودليل قاطع لا يتعلق فيه المشكك فقال إبراهيم دعنا مما ولكن هذه الشمس في السماء ظاهرة للعيان جليلة للأبصار، كل يوم يأتي بها ربي من جهة المشرق فأجلها أنت تطلع علينا من المغرب ولو يوما واحدا لنصدق كلامك!!! فانقطع الغبي الفاجر، وبهت الشقي الكافر؛ لأن إبراهيم أفحمه بالحجة وقصم ظهرن بالبرهان، وهكذا شأن كل ظالم فاجر لا يهديه الله إلى صواب ولا يوفقه للسداد في الجواب.
259. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أو اعجب من قصة صاحب القرية فإنها تثير العجب، فإن عزيرا مر بقرية مات أهلها وخرب بناؤها، وذوت أشجارها فلا حياة فيها لشىء، بعدما كانت عامرة بسكانها آهلة بأهلها، فوقف متحيرا وتساءل: كيف يعيد الله الحياة لهذه القرية بعد هذا الفناء العظيم والدمار الكبير، فأراد الله أن يريه قدرته على الإحياء فأماته وأمات حماره مدة مئة عام، ثم أحياه بعد الموت وسأله: كم مر عليك وأنت ميت؟ فأجاب: مر علي يوم أو بعض يوم؛ لأنه بعث قبل غياب الشمس فظن أنه اليوم نفسه، قال له ربه: بل بقيت ميتا مئة عام، فشاهد طعامك الذي كان معك على الحمار لم يفسد بل هو على حاله تقديرا منا وحكمة، وانظر إلى حمارك الذي مات وتفتت أوصاله وفنيت أجزاؤه كيف نحييه أمامك عضوا عضوا وجزءا جزءا، ونركب عظامه بعضها على بعض، ثم نجعل اللحم عليها، ثم ننفخ فيها الروح فهز الحمار رأسه ومشى على رجليه ونهق، فصاح عزير وهو يشاهد ما أذهله وأدهش عقله: أشهد أن الله قادر على كل شىء، وأنه وحده المحيي والمميت، وأنه وحده المستحق للعبودة المستأهل للألوهية، المتفرد بالربوبية، فلا إله إلا هو ما أعظمه وأجله، فما أعظم هذه البراهين وأوضح هذه الأدلة.
260. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: واذكر يا محمد سؤال إبراهيم ربه أن يريه كيفية إحياء الأموات، فقال له ربه: أما تصدق يا إبراهيم أنني قادر على إحياء الميت أم أنك في شك؟ فقال إبراهيم: بلى يا رب أنا مصدق أنك قادر على ذلك لكن أريد أن أشاهد الكيفية، فليس الخبر كالمعاينة؛ ليزداد يقيني، فأمره ربه بأخذ أربعة من أنواع الطيور يضمها إليه، ثم يقطعها ثم يخلط بعضها ببعض، ثم يجعل على كل جبل قطعة من اللحم المختلط، ثم ناد في الطير تأت إليك تسعى بعدما رد الله فيها أرواحها، فشاهد بعينه كيف أحيا الله الموتى وتيقن ذلك، وأعلم يا إبراهيم أن من أحياها عزيز لا يعجزه شىء، ولا يغالبه أحد ولا يمتنع عليه أمر، حكيم يضع كل أمر موضوعه، وكل شىء مكانه بحكمة وحسبان.
261. مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: مثل المتصدقين بأموالهم في الجهاد وسائر أنواع البر وطرق الخير والإحسان كافة، مثل حبة قمح زرعت في أرض خصبة، فأنبتت الحبة سبع سنابل، في كل سنبلة مئة حبة، فالمجموع سبع مئة حبة وهذا مثل أجر من تصدق، فإن الله يضاعف له الحسنات إلى سبع مئة إلى أضعاف كثيرة، فإذا كانت هذه الأرض المعطاء فكيف برب الأرض والسماء وهو أكرم من أعطى؛ لأنه سبحانه يربي الصدقة لصاحبها ويضاعفها بقدر نية المنفق وصدقه؛ لأنه واسع يعطي عن غنى، عليم بمن يستحق العطاء وبما أسر العبد وأخفى.
262. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: هؤلاء المتصدقون الذين يضاعف لهم الله الثواب يريدون بصدقتهم وجه الله، ولا يلحقون صدقتهم بالمن على السائل فيمتنوا عليه ويجعلونها يدا لهم عنده يذكرونها له تبكيتا ويذكرونه بها تفضلا عليه، وهذا فيه إذلال للسائل، ولا يلحقون بصدقتهم أذى للسائل مثل انتهاره واستثقاله وزجره ورفع الصوت عليه ونحو ذلك، بل يحمدون ربهم أن جعلهم مقصودين لا قاصدين، يحتاج إليهم الناس ولا يحتاجون إلى الناس، وهذه نعمة قل من يعرف قدرها، فمن تصدق مخلصا لوجه الله ولا يمن على السائل ولم يؤذه فأجره عند ربه كبير، وثوابه عظيم، ولا يخاف مما يستقبله من أهوال، فهو آمن لحسن سعيه، ولا يحزن من تبعات ما خلفه من أعمال، فهو ناج لصلاح حاله، وسر السعادة في الأمن من مخوف منتظر وسلامة من أمر محزن سبق.
263. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ: رد السائل بقول لين، وخطاب جميل، وعفو عما بدر منه، ومسامحة له على ما يحصل منه من إلحاح، أحسن من صدقة مقرونة بسوء أدب المعطي وفظاظته وغلظته على السائل من زجر وانتهار، فقول جميل أحسن من عطاء ثقيل، وخطاب لين أجمل من هبة بإهانة والله تعالى غني عما في أيدي الخلق؛ لأنه واهب الرزق، ولكنه أمر بالعطية ليثيب المعطي وهو حليم على من عصاه لا يعاجل بالأخذ، ولعل في قوله: "غنى" تذكيرا للمعطي أن الله أعطاه، وتذكيرا للسائل أن يسأل ربه ومولاه، وفي قوله: "حليم" تنبيه للمتصدق أن يحلم على من سأله وإخبار أنه يعفو عما بدر منه إذا استغفر.
264. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْـهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ: أيها المؤمنون المتصدقون لا تذهبوا أجر صدقتكم على السائل بالمن عليه وإذلاله بالعطية أو الإساءة إليه بكلام غليظ أو فعل فظ، فيذهب وزر ما فعلتم بثواب ما أعطيتم، فيكون فعلكم فعل المنافق في ذهاب الأجر، فإن المرائي لا يريد الله بعمله بل يطلب ثناء الناس والجاه لديهم؛ لأنه لا ينتظر الآخرة فيرجو ثوابها ويخاف عقابها، وإنما قصده الدنيا، فمثل هذا المرائي بنفقته كمثل حجر أملس عليه تراب قليل نزل عليه مطر قوي فأذهب التراب وأبقى الحجر فليس للغيث أثر، فالمنافق أظهر للناس الحسن كالتراب على الحجر فلما بليت السرائر وانكشفت الخوافي إذا هو مراء، فأذهب الرياء أجره كما أذهب المطر التراب، فبقي محروما من الخير والأجر كالصخر لا نفع فيه ولا بركة، فالمنافق لا يجد ثمرة ما أعطى ولا نفع ما قدم؛ لأنه أنفق رياء فذهب عمله هباء، والمنافق كافر بربه في باطنه فكيف يهديه إلى السداد، وكيف يدله على الرشاد؛ لأن الله لا يهدي إلا تقيا ولا يرشد الكافر الشقي.
265. وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: والذين يتصدقون لوجه الله وطلب الثواب من الله وليزدادوا هدى وثباتا على الإيمان، أو أن نفوسهم المطمئنة تدفعهم إلى الصدقة لثباتها على الحق، فهؤلاء مثلهم كمثل بستان أخضر كثير الشجر طيب التربة حسن الثمر بمكان مرتفع من الأرض، وهو أحسن الأمكنة لزراعة، حيث تضربه الشمس ويباشره الهواء ثم أصابه غيث غزير فأثمر البستان ضعف نتاجه مرتين، فإن لم يباشره الغيث المدرار كفاه الندى الخفيف مع الهواء اللطيف؛ لأن المحل خصب، والمكان مرتفع يداخله الهواء ويباشره الضياء، وهذا مثل المؤمن الصادق في نفقته، يعظم الله صدقته لإخلاصه وصدقه وسخائه وحبه لمرضاة ربه ومسارعته فيما يحبه مولاه، والذي يميز النيات ويعلم السرائر هو الله وحده: لأنه بصير بالأعمال مطلع على الأحوال، يعلم المخلص من المرائي.
266. أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: هل يحب أحدكم أن يكون له بستان مثمر بالنخيل والأعناب، وهما أنفع الأشجار وأبرك الثمار، وفي البستان أنواع الفواكه والخضراوات، وفي البستان نهر عذب سائح جار يتدفق بالماء بلا مشقة ولا تعب وصاحب البستان شيخ كبير ضعيف عن الكد والتكسب لعياله الضعفاء وأطفاله الصغار وهو ينتظر ثمر البستان وفجأة هبت على البستان عاصفة فيها نار ودمار فاحترق البستان كله وذهب الشجر جميعه وهذا المثل ذروة الحسن وغاية البهاء ونهاية الإشراق، وهو مثل من عمل عملا صلحا ثم أفسده بالرياء وأذهبه بالمعاصي، فلما أتى إلى عمله يوم الفقر الأكبر أحوج ما يكون إليه وجده هباء منثورا، وسعيا باطلا: لفساد نيته وخبث طويته وقبح سريرته فالله يوضح لنا الأمثال لعلنا نتدبر ونعتبر فنخاف ونحذر ونخلص ونتصدق فالرياء يتسلط على عمل الإنسان كما يتسلط الحريق على البستان.
267. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ: أيها المؤمنون تصدقوا من الحلال الطيب الذي بذلتم الجهد في كسبه من التجارة والعمل، وتصدقوا مما أنبتته الأرض من الحبوب والثمار، ولا تقصدوا الردئ الرخيص فتعطوه الناس، وأنتم لا تقبلونه لرداءته إلا بالمسامحة وغض الطرف عنه، فكيف تتصدقون على غيركم مالا ترضون لأنفسكم، وفيه معاملة الناس معاملة النفس، واختيار الأجود في الصدقة وتيقنوا أن الله غني عن صدقاتكم فهي لأنفسكم، وشاكر لمن تصدق منكم، أو غني عمن بخل، حامد لمن أعطى.
268. الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: عليكم بالصدقة والإنفاق في وجوه الخير، ولا تصدقوا وسوسة الشيطان وأمره لكم بالبخل خوفا من الفقر، ووعد الله أصدق بغفران ذنوبكم إذا أنفقتم؛ لأن الصدقة تكفر الذنب، ثم إن الله يخلف عليكم ما أنفقتم، وفي الحديث: "ما نقصت صدقة من مال، بل تزده بل تزده" وانظر كيف قابل وعد الشيطان بالفقر بالوعد بالغنى، وأمره بالفحشاء بالوعد بالمغفرة، فخير الدنيا والآخرة عند الله؛ لأنه واسع الفضل لا تعجزه مسألة السائلين، كثير الإحسان لعموم الناس أجمعين، وهو عليم بمواضع العطاء ومن يستحق الثواب والثناء.
269. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ: والله سبحانه يعطي الفقه في الدين، والفهم في المسائل والعمل النافع والبصيرة في الأمور والسداد في القول والعمل من يشاء له الخير من عباده، ومن يختصه بالفضل من خلقه، ومن يعطي هذه المكاسب الربانية والمواهب الإلهية، فقد أعطى الخير الكثير والفضل الوفير والنصيب الكبير. وما يستفيد من الآيات ويتعظ بالأمثال إلا نير البصيرة، حي القلب، صحيح الفهم، أما مظلم الفؤاد، سفيه الإدراك فلا تذكر ولا اعتبار، فلا علم نافع ولا عمل صالح.
270. وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: وما تصدقتم به لوجه الله، أو ألزمتم أنفسكم به في سبيل الله فالله سوف يثيبكم عليه؛ لأنه عالم به يحفظه لكم ليوفيكم إياه وأنتم أحوج ما تكونون إليه، أما الظالم الذي منع ما أوجب الله عليه من زكاة في ماله ونحوها فلن ينصره أحد غدا، ولن يمنعه أحد من عذاب الله، ولكل ظالم عاقبة سيئة ومصير وخيم.
271. إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: إن أعلنتم صدقاتكم بلا رياء ولا سمعة ففعل حسن وتصرف جميل، لعله يقتدي بكم غيركم، وإن أسررتم الصدقة للفقراء فهو أفضل وأبعد عن الرياء والسمعة وأسلم لحال من تصدقتم عليه، والله سبحانه سوف يمحو عنكم الذنب بالصدقة؛ لأنها تكفر الخطيئة، وهو تعالى خبير بالخفايا والسرائر، عالم بالنيات، يعلم من عمله ومن أظهره ومن أسر قوله ومن أعلنه.
272. لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ: ليس عليك يا محمد هداية الناس إنما عليك البلاغ أما الموفق للهداية حقيقة فهو الله وحده؛ لأنه يعلم من يستحق الهداية ومن لا يستحق فهو يصطفى لدينه ويختار كما أراد تعالى والذي تتصدقون به من الأموال عائد إليكم بالثواب فالمنة لله وحده فأنتم بصدقاتكم تحسنوا إلى أنفسكم فاقصدوا الله بعملكم واحذروا الرياء والسمعة وأعلموا أن كل نفقة أنفقتموها لوجه الله فهي مضاعفة عند الله، ولن يذهب الله من حسناتكم شيئا يوم القيامة؛ لأنه عادل لا يظلم ولا يهضم.
273. لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: وتصدقوا على الفقراء الذين منعهم الجهاد في سبيل الله من الكسب لطلب الرزق كالتجارة ونحوها؛ لأنهم حبسوا أنفسهم للغزو، فالذي لا يعرف حقيقتهم يظنهم لتجملهم وعفتهم أغنياء وهم في الحقيقة فقراء، فأنت أيها المتصدق تعرف هؤلاء بعلاماتهم فأثرث الفاقة والفقر لا يخفى على اللبيب، وهم لشدة حيائهم وعفة نفوسهم لا يلحون في السؤال واعلم أيها المتصدق أن كل شىء تتفقه لوجه الله فهو محفوظ فلا تخف من ضياعه والله يعلم النيات فيطلع على المخلص في صدقته والمرائي.
274. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: هؤلاء البررة المتصدقون الذين يعطون أموالهم لوجه الله في كل وقت من ليل أو نهار، وفي كل حال علانية وخفية محفوظ أجرهم عند ربهم، وهم مع ذلك لا يخافون ما أمامهم من أهوال العرض الأكبر ولا يحزنون على ما فاتهم في الحياة الدنيا الفانية، فقد أمن الله خوفهم وأذهب حزنهم.
275. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: أكلة الربا حينما يبعثون في قبورهم للحساب يخرجون كالمصروع من مس الجان وتلبس الشيطان، تضطرب حركاتهم وتختل مشيتهم؛ لأن أثر الحرام في بطونهم، والكسب الخبيث في أجسامهم، فالله عابهم بهذا العقاب؛ لأنهم لجهلهم وفجورهم قالوا: لا شىء علينا في الربا؛ لأنه مثل البيع تماما كلها على وجه العوض والتراضي؛ عنادا منهم واستخفافا، فرد الله عليهم كذبهم بأن البيع حلال لما فيه من تبادل المصالح وتداول المنافع بلا ضرر ولا غرر، أما الربا فإنه إضرار بالغ بأموال الناس، فأناس يكدحون لجمعه ثم يأتي أناس لسلبه منهم بطريق محرم، وأناس اضطرتهم الحاجة إلى قرض فضوعف عليهم ظلما وعدوانا، فالذي وصل إليه النهي من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فتاب من الربا فالله يتجاوز عنه ما كان قبل النهي ومرده إلى ربه يقضي فيه ما شاء، ومن استحل الربا بعد النهي فهو معاند لربه محارب لمولاه، فجزاؤه الخلود في نار جهنم.
276. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ: والله سبحانه يذهب بركة الربا ويجعل عاقبته إلى تلف وخسارة في المال والنفس؛ لأنه بني على حرام وبالمقابل ينمي الله الصدقة ويبارك فيها، فالربا في الظاهر زيادة وهو نقصان، والصدقة في الظاهر تتقص المال وهي تزيده وتنميه، والله يكره المعاند لآياته، المعترض على شرعه، الذي تهتك في الحرمات، وأكثر من المخالفات، وأعرض عن التواب، فالكافر تارك للطاعة معرض عن الأمر، والأثيم ساقط في المعاصي مرتكب للنهي.
277. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: وبعد ما ذكر العصاة من أهل الربا أتى لذكر الصالحين المفلحين الذين أحسنوا الاعتقاد وجودوا العمل فآمنوا وأصلحوا، وحافظوا على صلاتهم كما شرعت، وأحسنوا أداءها، وزكوا أموالهم طيبة بها نفوسهم، فهؤلاء الأبرار لهم الأجر العظيم والثواب الجسيم من ربهم الرحمن الرحيم، ولا يخافون مما ينتظر العصاة أمامهم، ولا يحزنون من تبعة ما خلفوا في الدنيا وراءهم، بل هم في أمن وسرور، وقرة عين وحبور.
278. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: أيها المؤمنون، خافوا الله وراقبوه، واتركوا ما بقي من الربا عند الناس إن كنتم صادقين في التوبة ممتثلين أمر الله طائعين له، فالمؤمن يفعل المأمور ويجتنب المحذور.
279. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ: فإن أبيتم إلا الربا ولم تتوبوا منه، فانتظروا حربا من الله ورسوله من الأمراض والكوارث وفساد الذرية والفتن ونقص الفهم، والعذاب في الآخرة، وإن تبتم من الربا فلكم أصول الأموال بلا زيادة، فلا تأخذوا مال الغي ظلما ولا تتركوا أصول أموالكم فيلحقكم الضرر.
280. وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: إذا أعسر المقترض فأمهلوه حتى ييسر الله له السداد، وإن أسقطتم بعض حقكم عنه فهذا أجمل وأحسن إذا علمتم إن الله سوف يجازي المحسن بإحسانه فيتجاوز عنه كما تجاوز عن المعسر.
281. وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: خافوا يوما تعودون إلى ربكم فيه فيجازي المحسن على إحسانه، والمسئ على إساءته، لا ظلم في ذلك اليوم بزيادة سيئات ولا هضم بنقص حسنات.
282. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: أيها المؤمنون، إذا كان لكم مال على أحد، أو تبايعتم إلى زمن معلوم فاكتبوا بينهم كتابا لتحفظوا به الحقوق ولا تقعوا في الخلاف، واختاروا كاتبا مسلما أمينا عدلا ضابطا، وإذا دعي هذا الكاتب فلا يعتذر بل يحتسب الأجر؛ لأن الله هو الذي علمه الكتابة وعليه أن يكتب الكتاب، والذي يملي عليه نص الوثيقة هو المدين الذي وجب في ذمته المال؛ ليكون مقرا على نفسه بما أملى، ويشهد الشهود بإملائه، وليخف ربه فلا يزور في إملائه ولا يبخس في ادائه، فإذا كان من عليه الدين ضعيف العقل أو طفلا أو هرما أو أبكم فوليه يقوم مقامه في الإملاء لا يزيد على المدين ولا ينقص من حق الدائن، وأشهدوا على الوثيقة شاهدين عدلين لضمان الحق، فإن لم يوجد إلا رجل فهذا الرجل يشهد وتشهد معه امرأتان من أهل الديانة والأمانة، وإنما جعل امرأتان مكان رجل لغلبة النسيان على النسوان، فإذا نسيت واحدة ذكرتها الأخرى؛ لأن مسائل المال يغلب على معرفتها الرجال، وإذا لزم الأمر واحتيج إلى شهود فحرام عليهم الامتناع عن أداء شهادتهم لئلا تذهب حقوق الناس، ولا يصيبكم ضجر ولا سأم من كتابة الدين قل أو كثر؛ لأن هذه الكتابة أعدل في الحكم، وتحفظ شهادة الشهود، وأبعد عن الشك في مقدار الدين والأجل، ولئلا يقع اختلاف وخصومة، لكن إذا كانت السلعة حاضرة والثمن نقدا فليس عليكم إثم في عدم الكتابة، لزوال المقتضي من خوف ضياع المال، ووقوع الجحود من المدين، وأشهدوا على وثائق البيع وبخاصة إذا كان المال كثيرا والسلعة غالية من عقار ودور وصفقة تجارية أو دخول شركات ومضاربات ونحوه، ولا يلحق صاحب الحق بمن كتب الوثيقة أو شهد عليها ضررا كأن يكلفه التنقل معه بلا أجرة أو يعوه في وقت شغله أو راحته فيشق عليه، فإن حصل منك ضرر لكاتب أو شهيد أو مطل بدين أو مخالفة لمقتضي العقد فهذا من العصيان ومخالفة الديان، وإذا راقبتم الله وأطعتموه واجتنبتم معاصيه فتح عليكم بالعلم النافع والفقه في الدين؛ فهو العالم بكل دقيق وجليل، المطلع على كل صغي وكبير، لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عن علمه شىء.
283. وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ: وإذا سافرتم وتبايعتم ولم تجدوا كاتبا فليأخذ صاحب الحق من المدين رهنا ليحفظ به ماله يقوم مقام الوثيقة المكتوبة، فإن وثق صاحب الحق في ذمة المدين وأمانته فلا داعي للرهن، فعلى ا لمدين تقوى الله في حفظ مال الدائن الذي ائتمنه على ماله فليرد الدين عند تمام الأجل، وإذا طلب منكم الأداء بالشهادة فأدوها كما هي بلا تحريف ولا تبديل ولا كتمان، ومن كتم الشهادة فهو فاجر القلب خاوي الضمير عديم التقوى، والله سوف يحاسب كلا بما فعل؛ لأنه عالم بالضمائر، مطلع على السرائر، يعلم الاعمال والأقوال والأحوال.
284. لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: كل ما في الكون لله ملكا وخلقا وعبيدا وهو الخالق الرازق الذي يدبر الأمر ويصرف الأحوال، وهو وحده القائم بشؤونهم سبحانه ومن أظهر سوءا أو أسره فالله عالم به مطلع عليه؛ لأن الجهر والسر عنده واحد، فيحاسب كلا بما كسب عى قدر ذنبه، يحاسب بعلم ويقضي بعدل.
وله سبحانه المشيئة المطلقة، من شاء غفر له ذنبه وتجاوز عن جرمه ومن شاء أخذه بإثمه وجازاه بعصيانه لحكمة قضاها ومصلحة قدرها فغفرانه فضل وعذابه عدل نفذت قدرته وغلب أمره ومضى قضاؤه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
285. آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: صدق محمد وأصحابه وأتباعه بما في القرآن والسنة من وحدانية لله وألوهية له سبحانه، وصدقوا بالملائكة والكتب والرسل كافة كما جاء بها الوحي، ولم يصدقوا ببعض الرسل ويكذبوا ببعضهم كما فعل أهل الكتاب بل آمنوا بالجميع، واستجابوا قائلين: يا ربنا سمعنا قولك وأطعنا أمرك، فإذا حصل منا بعد الاجتهاد تقصير فنسألك مغفرة منك تمحو بها الذنب، وتعفو بها عن السيئة؛ لأنا عبيد خطاؤون، فليس لنا رب سواك، ولا إله غيرك، وسوف تجمعنا ليوم لا ريب فيه فلا مفر إلا إليك ولا شكوى إلا إليك.
286. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: فلما استجابوا وأنابوا بشرهم بوضع الآصار والأغلال، فأخبرهم أنه لن يشق عليهم في الأوامر والنواهي بل على قدر جهدهم وطاقتهم رحمة منه بهم، وكل نفس تثاب على قدر صلاحها وتعاقب على قدر سوئها بلا زيادة ولا نقص، وسألوا ربهم قائلين: يا ربنا لا تحاسبنا على نسياننا وخطئنا فنحن بشر مقصرون، ولا تكلفنا ما يشق علينا فنعجز كما فعلت الأمم قبلنا الذين تحملوا الشرائع ثم تركوها، ونسألك أن لاتبتلينا بالمكاره والمصائب فوق قدرتنا فنجزع ولا نصبر، فنحن عبيد ضعفاء، ولا توجب علينا فرائض وحدودا لا نستطيع القيام بها، وامح ذنوبنا وكفر سيئاتنا. واستر عيوبنا وعد بفضلك علينا، وارحم ضعفنا بعدم مؤاخذتنا، فأنت ربنا ومتولي أمرنا ومدبر شؤوننا ومصرف أحوالنا، والمولى ينصر وليه وأنت مولانا القوي، ونحن عبيدك المساكين الضعفاء، فانصرنا على عدوك وعدونا الذين حاربوك وكذبوا رسلك وردوا دينك من المشركين وأهل الكتاب المكذبين، فالنصر من عندك يا ربنا يرتجى، ونحن جندك فلا يهزم من كنت مولاه، ولا يغلب من أنت نصيره.
سورة آل عمران
1. الـم: هذه الحروف: الله أعلم بمراده بها ولا شكل أنها نزلت لمعان عظيمة، ومقاصد كريمة.
2. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ: الله المستحق الألوهية الذي لا يجوز أن تصرف العبادة إلا له، فهو واحد أحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهو الحي الباقي الدائم بعد فناء خلقه حياة كاملة لا تشبه حياة المخلوق، وهو القائم على تصريف الخلق وتدبير الكون.
3. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ: نزل عليك القرآن – يا محمد – بالحق القاطع والدليل الساطع والبراهين الباهرة، والحجج المتظاهرة، يصدق ما سبق من كتب نزلت على الرسل قبلك، وهو سبحانه الذي أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى ليبين الحق لبني إسرائيل.
4. مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ: وأنزل – سبحانه – الكتب التي فيها فرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال، والذين يجحدون هذه الآيات البينات ويكفرون بربهم ويحاربون رسله جزاؤهم العذاب الشديد الدائم في نار جهنم؛ لأن الله يمحق من عاداه، ويكبت من عصاه: لعزته المتناهية ينتقم ممن خالف أمره فيوقع به أشد النكال وأفظع العقاب، لا يقدر على مثله منتقم.
5. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ: والله سبحانه مطلع على المغيبات، عالم بالخفيات، مما يقع في الأرض قل أو كثر في السر والعلن من تصرفات الناس وغيرهم، ومحيط علمه بما يقع في السماء من الملائكة وغيرهم؛ لأن الكل في ملكه وتحت سلطانه.
6. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: ومن آثار علمه وحكمته وقدرته تركيب صوركم في أرحام أمهاتم باختلاف اللون والجنس والشكل كما يريد سبحانه، فما دام أن هذا خلقه وتدبيره وقدرته فلا معبود بحق غيره ولا إله إلا هو، فهو العزيز الذي قهر سواه، لا يغالبه مغالب لا يقهره محارب، حكيم يدبر بلطف ويقضي بحكمة.
7. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ: وهو سبحانه وحده الذي أنزل عليك القرآن يا محمد وفيه آيات واضحات صريحات لا لبس فيها ولا غموض، ظاهرة للفهم، معلومة للقارئ، كالأحكام الشرعية والأخلاق والآداب، وهي أصل هذا القرآن وأكثره، وفي القرآن آيات أخرى ليست واضحة بل تحتاج إلى تفسير وتأل وتوقف أحيانا كالحروف المقطعة في أول السور، فالذين في قلوبهم ريبة وهوى يبحثون في غير الواضح من القرآن ليتعلقوا بشبه، ويؤيدوا باطلهم؛ ليزرعوا الشك في القلوب،ويحدثوا الخلاف بين الناس، وليفسروه بما يوافق باطلهم، ويزعموا أنه يؤيد ما ذهبوا إليه، كالنصارى الذين استدلوا بقوله تعالى عن عيسى "وروح منه" قالوا: خرج منه، فهو ابنه تعالى الله عن ذلك وتركوا المحكم الصريح في قوله تعالى "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه" وكذلك كل صاحب بدعة يأخذ من الدليل المحتمل ما يوافق هواه ويؤيد باطله، والذي يعلم معنى المتشابه حقيقة هو الله وحده؛ لأنه اختص بعلمه كعلم الروح وغيرها، وأهل العلم المتمكنون الغائصون في الحقائق يردون العلم إلى ربهم، ويعترفون بعجزهم أمام هذا المتشابه، ولكنهم يؤمنون به ويعلمون أن له معنى وحقيقة، ويرون أن الجميع من المحكم والمتشابه كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهم يعملون بالمحكم ويؤمنون بالمتشابه، والذي يقبل النصح وتنفع فيه الموعظة هو صاحب العقل الفطن والقلب السليم، فهو لفهم عقله يدرك، ولطهارة قلبه يؤمن، فينفعه المعنى ويدرك المقصود ويصل إلى الحق.
8. رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ: وعباد الله المؤمنون يسألون ربهم ويقولون: إلهنا وخالقنا ورازقنا لا تصرف قلوبنا عن الحق الذي أرسلت به رسولك بعد أن عرفتنا به وأرشدتنا إليه، وذقنا حلاوته، وعرفنا صحته، وتفضل علينا بلزوم الحق والثبات على الصدق، فمن هديته وعن الباطل صرفته فقد رحمته؛ لأن فضلك لا يحد، وكرمك لا يعد، وعطاؤك لا يرد، تهب لمن لم يطلب ولمن طلب.
9. رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ: ويدعون فيقولون إلهنا وخالقنا ورازقنا أنت سوف تجمع الخليقة ليوم العرض عليك، والقدوم إليك، وهذا اليوم حاصل لا محالة، وواقع لا شك فيه، فأنت لا تخلف ما وعدت وقد وعدت به، فوعدك آت ولقاؤك حاصل، وقولك نافذ.
10. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ: المكذبون لرسل الله، المشركون بالله، المحاربون له لن تنفعهم هذه الأموال التي يجمعونها ولا هؤلاء الأبناء الذين يربونهم، فلن تمنعهم من عذاب الله، ولن تدفع عنهم غضب الله، وأولئك هم حطب جهنم؛ لفظاعة ما ارتكبوه وشناعة ما فعلوه، في السوء المنقلب، وفظاعة المصير.
11. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ: مثل هؤلاء الذين كذبوك كمثل قوم فرعون ومن سبقهم من الأمم الكافرة، كلهم اجتمعوا على جحد ما أنزلناه ومحاربة من أرسلناه، مع أن آياتنا بينات، وحججنا واضحات، لكنهم كذبوا بالصدق، وردوا الحق، فالله جل في علاه لما فعلوا ذلك أخذهم أأخذ عزيز مقتدر فنكل بهم، ونوع أساليب تدميرهم وعذابهم من إغراق وريح وصاعقة وخسف ومسخ وغير ذلك من أشكال العقوبات وأصناف المثلات؛ لأن أخذه قوي وعذابه أليم.
12. قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ: أخبر يا محمد كفار مكة بأنهم سوف يهزمون في الدنيا ويعذبون في الآخرة: لأنهم كفروا بالله وكذبوا رسوله فالخزي والعار عليهم في هذه الدار، والعذاب والنكال ينتظرهم في النار وبئس القرار، ففراشهم الجحيم، ولبساهم القطران والحميم.
13. قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ: أما أخذتم يا معشر الكافرين العبرة مما حصل في برد، يوم اجتمع أهل الإيمان وعبده الأوثان، فالمؤمنون ينصرون الرحمن، والمشركون يقاتلون مع الشيطان، والكفار يشاهدون المؤمنين بأبصارهم أكثر منهم مرتين، وليس في المنام ولا في الأحلام، فالله وحده أعز عبده، ونصر جنده، وهزم المشركين وحده، فانتصر المؤمنون، وشفى الله غيظهم من عدوهم، ووقع القتل والأسر والهزيمة بأعداء الله من كفار قريش، وهذه المعركة فيها أبلغ العظات، وأعظم الحجج البينات على نصر الله أولياءه وإن قلوا، وسحق ومحق أعدائه وإن كثروا، لكن لا يعتبر إلا مستنير القلب سليم الإدراك.
14. زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ: جملت الدنيا في عيون الخلق بلذاتها وفتنها وشهواتها ابتلاء وامتحانا من الله للناس فأحبوها وعشقوها، كفتنة النساء، وهي أعظم فتنة؛ لكثرة الإغراء والإغواء، وحب البنيك؛ لأنهم فلذات الأكباد وباقات الفرح والإسعاد، وخزائن المال المحفوظة المقفلة؛ لارتفاع أثمانها وغلاء قيمتها من ذهب وفضة ونحوها، وحبب إليهم الخيول المعلمة بأحسن الألوان وأبهج الأشكال، وهي الغالية الثمينة الفريدة، وكذلك أحبوا الإبل والبقر والغنم؛ لأن فيها المنظر البهي والمطعم الشهي والمركب الوطي، وأحبوا الحبوب والثمار والنبات والأشجار؛ لاختلاف طعومها وتعدد أذواقها وجمال منظرها وكثرة فوائدها، وهذه كلها متاع زائل وزينة ذاهبة؛ لأن الدنيا يفنى نعيمها ويسافر مقيمها، لا بقاء لها ولا قرار، ولا وفاء لها ولا حسن جوار وما هي إلا شرك الردي وقراره الأكدار، أيام معدودة، وآجال محدودة، وأرزاق مقسومة، لكن النعيم ا لمقيم والفوز العظيم عند الملك الكريم، في دار من داخلها أمن، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ولا عدم ولا سقم ولا هرم، فلا تتخدعوا بفتنة الدنيا عن ذاك المصير، ولا تغتروا بهذه الشهوات عن الفوز الكبير، فخاب والله من قدم الفاني على الباقي والخسيس الرخيص الذاهب على الثمين الغالي الدائم.
15. قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ: قل لهم يا محمد: آلا أخبركم بأحسن وأجمل وأفضل من هذه الشهوات واللذائذ الزائلات، أفضل منها – والله – حدائق غناء، وبساتين فيحاء، وأنهار جارية، ونعيم مقيم، وحبور وسرور، وقصور ودور، ونساء طاهرات، من كل دنس ونجس، فيهن حسن وجمال، وعفاف وكمال، مع حلول الرضا والغفران عما مضى، في أمن وسلام، وحسن مقام كل هذا لمن اتقى مولاه، وخشي ربه، فهذا أحسن من دار الفناء ومنزل الشقاء، ودنيا الهم والنكد، والمصائب والكبد، ولكن لا يفوز بنعيم الجنة إلا من صدق مع ربه ظاهرا وباطنا؛ لأن الله بصير بعباده يعلم ما يسرون وما يعلن، فيجازي كلا بما صنع، ويحاسب كلا بما فعل.
16. الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: ومن صفات هؤلاء الفائزين أنهم يدعون ربهم فيقولون: يا ربنا آمنا بك وصدقنا بكتابك واتبعنا رسولك؛ فتجاوز عن زلاتنا، واعف عن خطيئاتنا، ونسألك النجاة من النار دار البوار ومقر الأشرار فهم أقروا بما لله عليهم، ثم سألوه غفران الذنوب، ثم دعوه أن يصرف عنهم العذاب.
17. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ: وهم صابرون على الطاعة في الشدة والرخاء، صابرون على البأساء والضراء والبلاء ومجاهدة الأعداء، صادقون في النية والأقوال وسائر الأعمال والأحوال، مطيعون دائمون على امتثال الأمر واجتناب النهي، وهم يستغفرون الغفار من الأوزار في الأسحار وقت نوم الناس وراحتهم، وزمن صفاء النفس وإشراقها، وموعد تنزل الكريم المنان إلى سماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل.
18. شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: شهد الله لنفسه أنه لا إله إلا هو، وأنه لا يستحق العبودية سواه، وأنه واحد أحد، وأقام على الشهادة الدليل من بديع الكائنات وسائر المخلوقات وعظيم الآيات، وشهدت الملائكة المقربون بالوحدانية للأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، وشهد العلماء بهذه الشهادة العظيمة، وأقروا بها لفضل ما عندهم من العلم، ويكفيهم شرفا وفخرا اختصاصهم من دون الناس بهذه الشهادة، وهذا أعظم دليل على فضل العلم النافع، والله الواحد الأحد، وهو الذي يقيم العدل في الأنفس والآفاق، والآجال والأرزاق، فكل قضائه عدل، وكل حكمه فصل، وكل عطائه فضلن فلا معبود بحق سواه، ولا مستحق للألوهية غيره، لأنه الرب الخالق الرازق المالك. فقد عز عن أن يكون له ند، وجل ان يكون له ضد، حكيم فيما فعل لأنه خلق بإتقان، وأوجد بإحسان، وأعطى بامتنان، فبعزته قهر ما سواه، وبحكمته أبدع ما نراه.
19. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: الدين الصحيح المقبول عند الله هو دين الإسلام، الذي أتى به رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وكل دين غيره باطل مردود، ومن ابتغى سواه فلن يقبل الله سعيه، ولا يرضى عمله، وما اختلف اليهود والنصارى في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما تحققوا من أنه هو المقصود؛ فجحدوا استكبارا، وكذبوا عنادا، وأعرضوا بغيا وحسدا، ومن يكذب بآيات الله ورسله فإن العذاب ينتظره؛ لأن الله لا يعجزه حساب الخليقة على كثرتهم، فإنه يحاسب الجموع الكثير في الوقت القصير، فحسابه للبرية كافة كحسابه لنفس واحدة.
20. فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ: فإن جادلوك يا محمد بأهوائهم الباطلة وأقوالهم المتهافتة، فأخبرهم أنك أخلصت دينك لله على بصيرة من الله، ترجو ثواب الله، فأنت وأتباعك على يقين من الحق الذي معكم وعلى صراط مستقيم، واسأل اليهود والنصارى والمشركين بعد هذا البيان وظهور الإيمان وسطوع البرهان، أما قبلتم الإسلام دينا، وعلمتم أنه حق من عند الله؟ فإن اتبعوك وصدقوا بما جئت به فقد أصابوا وسددوا، فلهم الحظ الأعظم، والفوز الأكبر، وإن أبوا وكذبوا وعاندوا فقد بلغت رسالتك، وأديت أمانتك، فلا تحزن لكفرهم، ولا تهتم لتكذيبهم، فمصيرهم إلى رب العباد الذي هو بالمرصاد لأهل الكفر والعناد، وهو عالم بعمل الجميع، مطلع على كل دقيق وجليل؛ ليوفي كلا حسابه.
21. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: إن اليهود الذين كذبوا بما جاءت به رسلهم من الآيات، وقتلوا الأنبياء وأتباعهم من الداعين إلى الله، فهؤلاء لهم عذاب أليم في الجحيم، جزاء صنيعهم الشنيع وفعلهم الفظيع، وهي شاملة لكل من سخر من الشريعة أو صدعنها أو آذى حملتها باضطهاد أو حبس أو قتل.
22. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: هؤلاء الكفرة الفجرة أبطلوا ما عملوا من خير بما فعلوا من شر، فلا سعادة لهم في الدنيا ولا نجاة في الآخرة، بل حياتهم عار ودمار، وآخرتهم لعنة ونار، وليس لهم من ينصرهم فيدفع عنهم العذاب، ويمنعهم من العقاب؛ لأن الله غالب على أمره ولا راد لقضائه.
23. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ: ألا تعجب من اليهود الذين تعلموا كثيرا من التوراة وعرفوا ما فيها من أحكام يقال لهم: تعالوا عند المنازعة إلى التوراة لتأخذوا حكم الله منها، وبعد سماع الحكم تأبى طائفة منهم هذا الحكم الإلهي وتطلب غيره صدودا وعصيانا وتمردا وطغيانا.
24. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: وسبب إعراضهم عن شرع الله أنهم ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، والحبيب لا يعذب حبيبه، فلا يعذب إلا مدة يسيرة بمقدار ما عبدوا العجل وهذا الزعم منهم كذب ودجل، بل ليس له أصل، فكل من كفر بالله خلده في نار جهنم كائنا من كان، لكنهم يقولون: إن الله وعد يعقوب ألا يعذب أبناءه، وهذا كذب وافتراء، وزور وهراء.
25. فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: فماذا يفعلون إذا أحضرناهم للحساب وأتينا بهم للعقاب؛ في يوم واقع لا محالة، لتحاسب كل نفس على ما قدمت من خير أو شر بلا ظلم ولا جور.
26. قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: فيا من بيده الملك ومقاليد الأمور والمتصرف في الخلق والمدبر للكون وله من في السموات والأرض، أنت وحدك تعطي الملك من تريد من عبادك، وتخلع من تريد منهم من مكله، وتمنح العزة من تريد، وتدخل الذلة على من تريد؛ لأنك وحدك القادر على النفع والضر، فلا يعجزك شىء ولا يتعاظمك أمر، ولا يستعصي عليك مطلب؛ لأن قدرتك نافذة، وحكمك ماض، وسلطانك قاهر، تقدست عن الأنداد، وتنزهت عن الأضداد.
27. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ: وأنت وحدك – يا حكيم – من يدخل الليل في النهار بعد انقضائه فيذهب ضياؤه، ويدخل النهار في الليل بعد انتهائه فتذهب ظلمته فتزيد من هذا في هذا بمشيئتك، يغشي الليل النهار حثيثا، فإذا الظلام يمضي رويدا رويدا حتى يطبق العالم بجلبابه، ويغشي النهار الليل، فإذا النور يتضاءل شيئا فشيئا حتى يبهر العالم بنوره في نظام عجيب وحكمة باهرة، وقدرة نافذة، وتنبت الزرعة الخضراء من الحبة اليابسة، والنخلة الباسقة من النواة الجامدة، والبيضة الميتة من الدجاجة الحية، فأي قدرة أعظم، وأي صنيع أعجب وأي فعل أحكم من هذا!! تاهت الأفكار في عظمة العزيز الغفار، بل كل آية في الكون سطر في كتاب العظمة، وحرف في سفر الوجود شهدت بألوهية وربوبية الملك الحق المعبود، وهو سبحانه وحده يعطي من شاء من عباده ما شاء من عطائه هبة منه بلا حد، وسخاء بلا عد، وكرما بلا رد.
28. لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ: لا توالوا أيها المؤمنون الكافرين من دون الله وتتخذوهم أحبابا وإخوانا وأصحابا وأعوانا من دون المؤمنين، فإن فعلتم ذلك من الولاء لأعداء الله والتنكر لأولياء الله، فلستم عباد الله حقا ولا أولياءه صدقا ودعواكم الإيمان كذب ونسبتكم إليه زور.
لكن إذا تيقنتم من الضرر الداخل عليكم منهم فاظهروا لهم القول اللين والخطاب الجميل مع بقاء الولاء لله والمحبة في القلب، فهي مصانعة بالظاهر، ومجاملة باللسان فحسب، فمن تيقن من الكفار المكاره جاز له إظهار ما أحبوه وخافوا غضب الله، فإن الله قد أنذركم ذلك، ونهاكم عن كل ما يوجب عذابه وعقابه، وسوف تعودون إليه لا محالة ليوفي كلا بصنيعه، من أحسن فله الإحسان، ومن أساء فله العذاب في النيران.
29. قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: وأخبر أمتك من أسر في نيته شيئا، أو أظهر من عمله شيئا فالله مطلع على الجميع عالم بالكل، لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية، فإذا كان هذا علمه بكم وقدرته عليكم فلماذا لا يوقر ويقدر، فهو أولى من عظم، وأحق من أتقي، وأولى من قدس، فهو مع ملكه لما في السموات والأرض أحاط بما فيها علما، وأحصى ما بها من عدد، وتكفل بما فيها، فهو الذي خلق الزمان والمكان والإنسان، وهو على فعل ما شاء قادر لا يعجزه فعل أن يفعله، ولا يغلبه مغالب أن يقهره، ولا يفوته مطلوب أن يدركه، جل عن الأشباه لا إله إلا الله.
30. يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ: ويوم القيامة يوفى كل عامل بعمله فلأهل الخير ثواب وزلفى، ولأهل الشر عقاب ونار تلظى، فما فعلت وجدته أمامك، فالفعل الجميل ثوابه جزيل من رب جيل، والفعل القبيح جزاؤه الخسار والنار، حينها يتمنى من أساء أن بينه وبين عمله أرض وسماء، ويود لو أنه عند بعيد، وأن بينه وبينه بيدا دونها بيد، لكن هيهات، وقع والله في الضنك بلا شك، فليس له خلاص، وما من عمله مناص، والله إنما أخبركم بهذه الأخبار من باب الإعذار والإنذار؛ ليكف النفس عن الردى، ويلزم الصالح طريق الهدى، ومن رأفته بالعباد إنذاره لهم يوم المعاد؛ لأنه تلطف بخلقه وأخبرهم بما يسرهم، وأحسن في صرفه عنهم ما يضرهم، فمن رأفته الإمهال بلا استعجال، وقبول التوبة، وتقديم التحذير وإقامة الدليل لقطع الاحتجاج.
31. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يا من ادعى حب الله عليه بالدليل وهو اتباع الرسول والاقتداء به، فمن اهتدى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد أحبه، ومن أحبه أحب الله، ومن أحب الله استوجب رضاه، فمجرد الدعوى بلا برهان ادعاء، وقول بلا عمل يصدقه افتراء، ومن تبع هذا النبي الأمي أحبه مولاه، واجتباه وسامحه عن خطاياه وتجاوز عن سيئاته؛ لأنه واسع المغفرة، يمحو كثير السيئات بقليل الطاعات، عظيم الحمة فاقت رحمته بالعباد رحمة الأم بالأولاد، فالواجب على العبد أن يقابل هذه الأفضال بالامتثال، وهذا العطاء بالاهتداء والاقتداء، يهتدي بالكتاب المنزل، ويقتدي بالنبي المرسل.
32. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ: قل يا محمد للناس إن كنتم تريدون السعادة والفلاح، والفوز والنجاح فأطيعوا الله ورسوله بالامتثال ما في الكتاب والسنة والعمل بما فيهما من أوامر واجتناب نواهيهما، فإن كذبتم وأعرضتم فأنتم في عداد من كفر، والله يبغض الكفار ولا يحب الفجار؛ لأنهم أعداؤه وأعداء رسوله.
33. إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ: اختص الله بالنبوة واختار للرسالة آدم أبا البشر، ونوحا أول الرسل، وإبراهيم أبا الأنبياء، وآل عمران بيت الطاعة والصلاح، فميزهم على كل الناس بالاصطفاء، وخصهم بالاجتباء، فقاموا بحقوق الولاية، وأدوا شكر الهداية.
34. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: وهم سلالة واحدة بعضهم من نسل بعض، يرث التالي الأول في الخير والصلاح تشابهوا في الفضائل، وتجانسوا في المكارم، أسرة بر، وأهل اتقوى، والله أعلم بمن يصطفي؛ لأنه يسمع الأصوات والحركات، ويعلم الخفيات والنيات، فاختياره عن علم، واجتباؤه عن حكمه.
35. إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: واذكر يا محمد للناس القصة العجيبة لما دعت امرأة عمران الولي الصديق فقالت: إني نذرت أن ما أحمل في بطني إذا ولدته يكون خالصا لخدمة بيت المقدس، فأسألك أن تتقبل مني ما نذرت؛ ولأنك تعلم أني جعلته لوجهك لا رياء ولا سمعة، ويكفي علمك لأنك مطلع على الضمير، عالم بالسريرة، تسمع كل مسموع، وتعلم كل معلوم، من أخلص في قصده علمته، ومن أراد غيرك جازيته.
36. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: فلما ولدت ما في بطنها إذا بالمولود أنثى فكأنها تأسفت فاعتذرت، لأن من عادتهم أن الذكور للنذور، والبنات لخدمة البيوتات، والله عالم لا يعلم أنها أنثى، فهو يعلم السر وأخفى، ثم قالت متحسرة: وليس الرجل كالمرأة في القوة والقدرة على العمل والتحمل؛ لأن الأنثى ضعيفة تصلح للأمومة، والرجل يصلح للكد والعمل.
ثم أخبرت أنها سمتها مريم أي الطائعة العابدة في لغتهم تيمنا وتفاؤلا، وأسألك يا رب أن تحفظها وذريتها من نزغات الشيطان وفتنته، فإن من تعصمه في أمان، ومن تحفظه وفق للبر والإيمان.
37. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ: فقبل الله هذا النذر وهي مريم من أمها قبولا مباركا، فحفظها وتولاها، وهداها وأكرم مثواها، وأصلح شأنها واجتباها، وجعل الوصي على تربيتها النبي الكريم زكريا، فتعاهد أمرها بما يصلحها، ورعاها أحسن الرعاية، وتولاها أجمل ولاية، فنشأت عابدة قانتة، لها معبد تعتكف فيه للذكر والعبادة، فكان الله يهيئ لها طعما يكفيها وقت حاجتها إلى الطعام، دون كسب ولا تعب منها؛ كرامة من الله لها، فتعجب زكريا من وجود هذا الطعام وسألها من أين ومن جاء به؟ فأجابت: هو رزق من عند الله الكريم المنان، وهو سبحانه يعطي من يشاء بلا حدود؛ لأنه واسع الفضل عظيم الجود.
38. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ: فلما رأى زكريا هذه الكرامة وشاهد هذه العلامة، تضرع إلى ربه ومولاه وسأله ودعاه أن يهب له ولدا صالحا من زوجته العقيم على شيخوخة منه؛ لأنه لما أبصر ما أكرم الله به مريم من إحضار الطعام بلا كد ولا اجتهاد، طمع في الأولاد من غير السبب المعتاد؛ لأن الواحد الأحد لا مستحيل يمنع قدرته ولا صعب على إرادته.
39. فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ: فأجاب الله دعوته فنادته ملائكة الرحمن وهو في مسجده يصلي، فبشرته بولود كريم، وصبي حليم، يصدق نبوة عيسى الذي خلق من الله بكلمة كن من دون أب.
40. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ: يا رب كيف يولد لي مولود وقد كبرت سني ورق عظمي ودهمتني الشيخوخة، وزوجتي أصابها العقم لا تنجب، فأخبره ربه أنه يفعل ما أراد، لا يستعصي عليه أمر، ولا يستحيل عليه شىء ولا يعجزه فعل؛ لتمام القدرة ونفوذ الحكمة، يخرج الماء من الحجر.
41. قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ: قال زكريا: رب اجعل لي علامة أعرف بها أن زوجتي حملت بغلام، فأخبره ربه أن علامة ذلك عجز زكريا عن الكلام ثلاثة أيام من غير خرس ولا مرض، لكن لا تستطيع التعبير عما في نفسك إلا بالإشارة، وهذا لا يمنعك من ذكر ربك؛ فاذكره أول اليوم بعد طلوع الشمس وآخره قبل الغروب؛ إظهارا للشكر واعترافا بالنعمة، واستمرارا على العبودية.
42. وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ: واذكر حين قالت الملائكة لمريم: لقد اصطفاك ربك ومولاك من بين النساء جميعهن، فحباك بالكرامة ولزوم الاستقامة، وطهرك من كل فعل دنس وعمل نجس، ونزهك عما رماك به اليهود من فرية عظيمة وكذبة وخيمة، فصان الله عرضك جل في علاه فكنت بحق أهلا للاصطفاء ومحللا للاجتباء.
43. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ: فداومي يا مريم على عبودية مولاك وعلى ذكره وشكره، فبالعبادة تنال السيادة، وتطلب الزيادة، وتحصل السعادة، وحافظي على الصلاة مع المصلين، فهي قرة العين، وبهجة الروح، وعماد الدين، فبالعبادة تنالين أشرف المقامات، وأجزل الهبات، وأعظم الدرجات.
44. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ: هذه الأخبار الغيبية يا محمد لولا أن الله قصها عليك ما كان لك بها علم لأنه لا طريق للإطلاع عليها إلا بالوحي من الله مثل قصة امرأة عمران وابنتها مريم الطاهرة المطهرة، وزكريا وابنه يحيى، فأنت يا محمد لم تحضر يوم استهموا أيهم يقوم بكفالة مريم وحين اختلفوا في شأنها وهذا دليل على أنك رسول من عند الله وعلى صدق نبوتك فلولا الوحي من القهار ما علمت هذه الأخبار.
45. إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: واذكر إذ جاءت الملائكة تبشر مريم بولد يولد لها وهي بلا زوج؛ لتكون وابنها آية على قدرة اللطيف الخبير؛ لأن الأصل أن الولد من أب إلا آدم وعيسى، آدم من تراب وعيسى بكلمة "كن" من الله، فالله بشرك بعيسى وسماه ولقبه واختاره واجتباه ورفعه إليه وحماه، وجعله إماما في الدنيا ووجيها وشريفا مكرما، وفي الآخرة مقربا عند الله في مقعد صدق، في مقام جليل وفي إكرام وتبجيل.
46. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ: ومن المعجزات في خلق عيسى أنه يتكلم وهو طفل لم يمش، ولم يحب مازال في سرير الولادة مثل كلامه وهو في حال اكتماله، فليس كلامه كلام أطفال بل كلام رجال وهو من الصالحين المحفوفين بالعناية، المحفوظين بالعصمة.
47. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: فتعجبت مريم كيف يكون لها ولد ولا زوج لها ولم يقربها رجل، قلا لها الملك: الله قدير على كل شىء لا يعجزه شىء غلب أمره ونفذت مشيئته، وعمت قدرته، وإذا أراد سبحنه إيجاد شىء فإنما يقول له: كن فيكون.
48. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ: والله يعلم عيسى الكتابة بلا معلم، ويمنحه العلم النافع والفقه في الدين، ويحسن علم التوراة كتاب موسى، وكتابه وهو الإنجيل، وفيه أن الكتاب باليد منقبه، والفقه في الدين شرف، واتباع الوحي فوز ونجاة.
49. وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: ويكرم الله عيسى بالرسالة فيبعثه إلى بني إسرائيل، ويخبرهم أن معه دليلا قاطعا، وبرهانا ساطعا على صحة نبوته وثبوت رسالته، منها أنه يشفي من ولد أعمى فيرده بصيرا بإذن الله، ويداوي الأبرص فيعود له جلد جميل بإذن الله، ويرد الروح على الميت فيعود حيا بإذن الله، ويخبرهم بأمور الغيب كأنواع الطعام في بيت كل واحد منهم، وما خزنه من مال وأخفاه من متاع وهو لم يشاهده، لكن أطلعه الله عليها، وهذه آيات عظيمة وحجج قاطعة على صدق رسالته، إن كانوا يريدون تصديقه واتباعه فقد ظهر الصبح لذي عينين، وقامت الآيات للسائلين.
50. وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: وأتيتكم بعد موسى مصدقا لرسالته وجعل الله رسالتي رحمة بكم لما فيها من الرخصة والسماحة، فمن ذلك أنني أحل لكم بعض ما كان محرما عليكم في شريعة موسى، وعندي معجزة ظاهرة ودليل ثابت على صدقي فيما أدعوا إليه، فخافوا الله واتبعوني، واخشوا الله وصدقوني، وفي هذا ركنا العبادة: ا لطاعة لله، واتباع رسله، أو قل: الإخلاص والمتابعة.
51. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ: إن الذي يستحق الألوهية وله العبودية هو الله وحده الذي خلقني وخلقكم، فأنا لست إلها ولا ثالث ثلاثة ولا ابن الله، فابعدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فإنما أنا عبد من عبيده، أكرمني بالرسالة، هذا هو الحق البين الواضح، والطريق القويم الموصل إلى النعيم المقيم، والفوز العظيم.
52. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: فلما شعر عيسى بتكذيب اليهود ومكرهم وإرادتهم قتله كما فعلوا بالأنبياء قبله قال للمؤمنين ممن صدقوه واتبعوه: من يحميني لأبلغ دين الله؟ ومن يدفع معي أعداء الله؟ فقال الخلص وهم الصفوة من أتباعه: نحن ننصرك، وقد شهدنا بأن لا إله إلا الله ولا نشرك به شيئا، ونحن نستشهدك على صدقنا وانقيادنا لما جئت به من عند ربك.
53. رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ: ثم دعوا ربهم فقالوا: يا ربنا قد صدقنا بما أنزلت على عيسى من الانجيل واتبعناه، فاكتبنا مع الصادقين يوم القيامة الذين يشهدون على غيرهم من الأمم، وفيه أن أعظم ما يتوسل، إلى الله به هو الإيمان به وبرسله، وأن الصدق في الدنيا نجاة في الآخرة.
54. وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: ودبروا لعيسى مكيدة، وحبكوا خطة لقتله، فأحبط الله خطتهم، ورد كيدهم، بأن شبه لهم غير عيسى فحسبوه هو، وسلم عيسى ورفعه، وقتلوا الخائن المندس الشبيه لعيسى فلبس الله عليهم أمورهم، وهتك أستارهم، وأذلهم لأنه أقوى منهم مكرا، وأعز جانبا، وأعظم قدرة، فهو يكيد لأوليائه ويكيد ويمكر بأعدائه.
55. إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: أخبر الله عيسى أنه سوف يميته مثل ما يميت عباده، ويرفعه إليه مكرما معززا، ويحميه من كيد الفجار، ويطهره من رجس الأشرار الذين أرادوا قتله فخذلهم الله وأذلهم، وأخبره الله بذلك ليطمئن إلى حسن التدبير وجميل المصير، ورفع عيسى كان بروحه وجسده، (فالنصارى) كاذبون في قولهم أن عيسى قتل، فكيف يؤله ثم يقتل؟!! ولو كان إلها فهل الإله يقتل ويصلب! وقد كذب الله دعواهم، وصدق الله وكذبوا، وتعالى الله وخابوا.
وأخبر الله عيسى أنه سوف يرفع أتباعه ويعزهم وينصرهم إلى يوم القيامة وهم من صدق برسالته، واتبعه قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك من آمن بعيسى من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم دون اليهود الذين كذبوه، والنصارى الذين ألهوه، ومرجع من اختلف في عيسى إلى الله يوم القيامة؛ ليحق الحق ويبطل الباطل، وثيب المؤمن الصادق، ويعذب الكافر الكاذب؛ لأنه الحكم العدل، قوله فصل ليس بالهزل ورحمته فضل.
56. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: فأما من كذبك وكفر بما أنزل عليك وزعم أنك إله وأنهم صلبوك، فلهم خزي في الدنيا من الذل والقتل والأسر والتشريد، ولهم في نار جهنم عذاب أليم، لا ينصره ناصر ولا يشفع له شافع، وهؤلاء هم أهل الصليب وأهل التثليث.
57. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: وأما من صدق بالرسالات وآمن بالله وعمل أعمال البر من صلاة وزكاة وغيرها فالله تعالى يحفظ لهم ثوابهم، ويتمم لهم أجرهم كاملا غير منقوص؛ لأنه لا يحب من ظلم، فكيف يظلم سبحانه وقد حرم الظلم على نفسه، فلا يبخس محسنا حسناته، ولا يزيد على مسئ سيئات لم يعملها.
58. ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ: هذه الأخبار نقصها عليك يا محمد وهي بالصدق أتت، وبالحق نزلت في هذا الكتاب المبارك الذي أوحيناه إليك، وفيه الشرف لك ولقومك، والحكمة المتناهية؛ لأن من أنزله عزيز كمل سؤدده وعظم ملكه، حكيم فصله بعناية وأنزله للهداية.
59. إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: إن خلق عيسى كخلق آدم، فإن آدم خلق بلا أب ولا أم، وهذا أتم في الإعجاز، وأكمل في القدرة، فخلق عيسى من باب أولى وفيه ضرب الأمثال، والإقناع بالتدرج، وإحالة المشكوك فيه إلى المعلوم، فآدم متفق عليه بين عقلاء البشرية أنه من تراب، صور بكلمة "كن" من الله، فلا يستغرب إذا خلق عيسى.
60. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: هذا فصل الخطاب في قضية عيسى، وهو الصدق البين والحق الواضح، فلا تشك مع من شك، بل اعتقد ما قلناه ولا تلتفت لغيره من الهراء، ولا تصدق سواه من الافتراء.
61. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ: فمن خالفك وخاصمك بعد هذا الحق الذي أخبرناك به فباهلهم مباهلة، وأمرهم أن يجمعوا أحب الناس إليهم من الأبناء والنساء، ثم ادعوا جميعا أن يلعن الله الكاذب في شأن عيسى، وقد دعا صلى الله عليه وسلم نصارى نجران للمباهلة فامتنعوا فظهر الحق وبطلت دعواهم الكاذبة الآثمة، فكل كاذب له حظ من اللعنة قلت أو كثرت.
62. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: إن الذي أخبرناكم به في شأن عيسى ابن مريم هو الصحيح الثابت، والحق القاطع، فهو عبد نبي كريم على الله، أمه مريم وليس له أب، خلق بكلمة: "كن" وليس كما قال: اليهود: إنه أتى من حرام عليهم لعنة الملك العلام، ولا ما قالت النصارى إنه ابن الله، عليهم غضب الله، بل الصحيح ما في القرآن لا ما قاله الفريقان، فليس هناك إلا إله واحد يستحق العبادة، وهو الله وحده لا عيسى ولا غيره وليس لله صاحبة ولا ولد، بل أحد صمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، والله وحده صاحب العزة، فمن عزته أنه تفرد بالجلال وتوحد بالكمال فقهر ما سواه وأعز من والاه، وأذل من عاداه، وهو الحكيم وحده، فمن حكمته أنه أحسن لما أبدع، وبهر العقول بما صنع.
63. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ: فإن كذبوا هذا الحق الذي أنزل عليك، والصدق الذي أوحي إليك من إخلاص التوحيد لله، وعدم الإشراك به، فاعلم أنهم مفسدون؛ لأن من رفض الدليل ورد الحجة وكفر بالبينة فاسد القلب والتصور، والله عالم به سوف يجازيه بما فعل.
64. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: قل يا محمد لليهود والنصارى: هلموا نتفق على كلمة عادلة وقضية فاصلة تجمع بيننا وبينكم، وهي أن نوحد الله بالعبادة، ولا نشرك معه غيره، ولا يؤله مخلوق مخلوقا مثله، ويصرف له شيئا من العبادة من الأوثان والشيطان والصلبان، ولا كفعل اليهود في عبادة عزير، والنصارى في عبادة عيسى، ولا في اتخاذ العلماء والعباد أربابا يحللون ويحرمون من دون اله فإن امتنعوا عن قبول هذه الدعوة وأبوا إلا الكفر والتكذيب فقل اشهدوا أيها اليهود والنصارى أننا وحدنا الله ولم نشرك به شيئا وكفرنا بكل ما يعبد من دونه، وهذه حقيقة الإسلام الذي معناه الاستسلام والانقياد والخضوع لله رب العالمين.
65. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: أيها اليهود والنصارى كيف تدعون كذبا وزورا أن إبراهيم يهودي أو نصراني، والتاريخ يشهد أن إبراهيم قبل اليهودية والنصرانية بأعوام مديدة وقرون عديدة، فلا بالوحي أخذتم ولا بالتاريخ صدقتم، ولا بالعقل حكمتم، فالتوراة نزلت على موسى بعد إبراهيم، والإنجيل على عيسى بعد الخليل فلماذا هذا التحريف والتبديل؟!!
66. هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: أنتم أيها اليهود والنصارى خاصمتم في قضية واضحة لكم وهي قضية عيسى، فقد أدركتموه وعشتم معه، لكن إبراهيم خاصمتم في شأنه وهو قبلكم بقرون لا تعلمون أخباره، ثم تدعون أنه يهودي أو نصراني، فكيف يتكلم الإنسان فيما يجهل؟! وإلا فإبراهيم جاء بالحنيفية السمحة قبل مجئ موسى وعيسى، فلا شأن له باليهود والنصارى، فهم بعده بأزمان، لكن كيف تقنع من أصيب بالخذلان، فالعلم لله وحده؛ لأنه المطلع على كل شىء، أما أنتم فجهلا أغبياء.
67. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: لم يكن إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا لتقدمه عليهما ولكن كان حنيفا مسلما، ولم يك من المشركين، كمن قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
68. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ: إن أحق الناس باتباع إبراهيم الخليل هو هذا النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وليس اليهود ولا النصارى، وكذلك من اتبع إبراهيم على الحنيفية السمحة ملة التوحيد من سائر الأمم واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، فكل حنيف مسلم موحد برئ من الشرك، فهو على دين إبراهيم الذي رضيه الله وأحبه وتولى من دان به، ومن تولاه الله أحسن رعايته وأيده، وأصلح أموره وأسعده.
69. وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ: تمنى فريق من اليهود والنصارى ردتكم عن الإسلام وإغواءكم عن طريق الهداية بإثارة الشبه ونشر الفتنة حسدا لكم على الهداية وبغيا منهم وإمعانا في الغواية، ولكن لن يضروكم، فالله تولى أمركم، وسوف يرد كيدهم وضررهم على أنفسهم، فيضاعف لهم العذاب، ويعظم لهم العقاب، لكنهم لا يعلمون سوء ما يفعلون، فعل السفيه الغبي، ولا يدركون خطورة ما يصنعون، تصرف الأحمق الشقي.
70. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: أيها اليهود والنصارى لماذا تكذبون محمدا صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله عليه من قرآن، وأنتم تعلمون علم اليقين أن ما جاء به حق؛ لأنه مذكور في كتبكم، بشرت به أنبياؤكم، ووجدتم علامات صدقه ظاهرة، وآيات نبوته باهرة، فأنتم ضللتم عن عمد، وكفرتم على قصد.
71. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أيها اليهود والنصارى لم تخلطون الحق بالباطل تلبيسا للناس ومخادعة، بتحريفكم كلام الله؟ ولماذا تجحدون الحق الثابت لديكم وهو صدق محمد صلى الله عليه وسلم؟ فما ظهر من الحق لبستموه، وما سوى ذلك كتمتموه، فأنتم بين تدليس وتلبس من إبليس، وأنتم متيقنون صدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصحته ما جاء به.
72. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وقال بعض علماء اليهود لعامتهم: صدقوا بالقرآن وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار، وارجعوا عن دينكم آخره لأن الناس إذا رأوا ذلك دخلهم الشك في الإسلام فارتدوا عنه لأنهم سوف يقولون إن اليهود كشفوا خللا ونقصا في الإسلام فتركوه فيتركون هم دين الإسلام وهذا من مكر اليهود وخبثهم وايغالهم في الشر والفجور.
73. وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: وقالت اليهود بعضهم لبعض لا تثقوا ولا تصدقوا إلا لمن كان يهوديا تعصبا أعمى للباطل، أما غير اليهودي فلا يقبل قوله بل هو متهم عندهم، فأخبر تعالى أن الهدى ليس بهواهم ولا على ما أرادوا، بل هو في الدين الإسلامي الصحيح الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم وخشي اليهود أن يكرم الله غيرهم بالرسالة، فرفضوا الاعتراف لغيرهم بالحق؛ حسدا وبغيا وخوفا من أن يحتج عليهم المسلمون يوم القيامة إذا أقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم خالفوه فتآمروا ألا يصدقوا به أصلا، ولا يجعلوا للمسلمين عليهم طريقا من الإقرار بنبيهم، فأمر الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم أن النبوة ليست ملكا لهم وليست حكرا عليهم، بل هي فضل بيد الله يعطيها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته؛ لأنه كثير التفضل كريم العطاء، جزيل الهبات، عليم بمن يستحق النبوة والولاية، مطلع على من هو أهل للفضل مستحق للكرامة.
74. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: والله تعالى يجتبي للنبوة ويختار للرسالة من يصلح لها من عباده مثلما شاء سبحانه؛ لأن عطاءه عظيم لا تحده الأوهام، وفضله واسع لا يقدر قدره الأنام، فالنبوة فضل رباني لا لنسب ولا حسب ولا مال ولا جاه، لكنها العناية والرعاية لمن شاء الله له ذلك.
75. وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: في اليهود الأمين والخائن، فالأمين لو ائتمنته على مال كثير رده إليك: لما عنده من الضمير والأمانة والورع، وهذا من إنصاف القرآن ومن العدل في الحكم، ومن اليهود الخائن الذي لو ائتمنته على قليل من المال لما رده إليك، ولخانك إلا إذا كنت مراقبا له لا تفارقه، حينها يخشاك، وفي هذا دليل على أنه لا ينبغي لنا التعميم في الأحكام، بل يجب التفصيل حتى لا يظلم أمين ولا يزكى خائن، والذي يحمل اليهود على خيانة المسلمين أنهم يعتقدون أنه يجوز لليهودي أن يخون غيره، وليس للأمين الذين هم العرب احترام عندهم، ولا لأموالهم قيمة، ولا لأنفسهم عصمة، فحملهم هذا الكذب على استباحة أموال الناس واستحلالها، فكذب الله سبحانه وتعالى قولهم، وأخبر أنهم يعلمون أنهم كذبة وأنهم مفترون فيما زعموا.
76. بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: وليس الامر كما زعموا بأنه يعفى عمن خان في أموال غيرهم، بل الصحيح أن من اتقى الله سبحانه وتعالى ووفى بعهده وراقب مولاه ورد الأمانة إلى أهلها فهذا من التقوى، والله يحب المتقي وهو من يخاف ربه ويراقب مولاه ويخشى إلهه ويحفظ حدوده. وفي هذه الآية تضمين للرد عليهم أنه ما أصابوا حينما سامحوا أنفسهم في أموال غيرهم، فأخبر الله أن الخائن محاسب معاقب، وأن الأمين مثاب مكرم.
77. إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: إن هؤلاء اليهود وأمثالهم الذين باعوا دينهم بثمن بخس، وبقيمة رخيصة من حطام الدنيا وجاهها وعرضها الزائل، هؤلاء ليس لهم نصيب عند الله من المغفرة، ولاحظ من الرضوان، وجزاؤهم أن الله يعرض عنهم يوم القيامة غضبا عليهم ومقتا لهم وسخطا عليهم، فلا يكلمهم سبحانه وتعالى ولا ينظر إليهم نظر رحمة ولا يطهرهم من ذنوبهم ولا يخلصهم من دنس معاصيهم ولهم عند اله سبحانه وتعالى عذاب مؤلم لسوء صنيعهم وجرمهم، وعلى ما فعلوه من فساد في الأقوال والأعمال والأحوال والأموال، فهم كذبة في الأقوال مكذبون اللرسل، كافرون بالأنبياء، خونة في المال، ناقضون للعهود، فجزاؤهم عند الله ما يستحقونه يوم القيامة.
78. وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: من اليهود طائفة تحرف ألسنتها في قراءة التوراة لتغير مدلول كلام الله – عزوجل – عن مقاصده ومراميه؛ ليتوهم الناس أن هذا الكلام الملتوي المحرف هو من كلام الله في التوراة، وهذا كذب منهم وبهتان على طريقتهم، فأتوا بخطأين عظيمين: خطأ التبديل والتغيير لكلام الله، وخطأ الكذب والافتراء على الله عزوجل فهم غيروا صفات محمد عليه الصلاة والسلام وأنكروا سماته في التوراة وتلاعبوا في الحدود وقدموا وأخروا في كتاب الله المنزل فجزاؤهم غضب من الله سبحانه وتعالى وعذاب شديد ينتظرهم، وكل من فعل فعلهم من هذه الأمة من الذين شابهوهم من الفرق الضالة، من الفرق المغضوب عليهم الذين غيروا النص وبدلوا وحرفوا في معاني كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
79. مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ: ليس لأحد من الناس بعد أن يشرفه الله سبحانه وتعالى بالحكمة والنبوة والعلم النافع أن يدعو الناس إلى عباده شخصه والإشراك به من دون اله عزوجل هذا لا يكون أبدا في الفطر السوية، ولا في العقول الصريحة، ولا النقول الصحيحة، هذا لا يمكن أن يكون وهذا يدلك على افتراء النصارى على عيسى عليه السلام حينما زعموا أنه دعا الناس إلى عبادته، وأنه أمرهم أن يعبدوه من دون الله عزوجل إنما أرسله رسولا وعبدا له ليدل الناس عليه، ويأمرهم بعبادته وحده سبحانه وتعالى وهذا الذي حصل من عيسى فإنه أخلص العبودية لله وأخلص في دعوة الناس إلى الله إن هذا الرسول الذي يبعثه الله سبحانه وتعالى إنما يدعو الناس إلى طاعة الواحد وإلى تمام العبودية والألوهية لمن أرسله سبحانه ويأمر الناس أن يكونوا ربانيين يتعلمون الحكمة التي أنزلها الله على رسله، فيربون أنفسهم بالعلم النافع والعمل الصالح، فمن تعلم العلم وعمل به وعلمه الناس وصبر على ذلك فهو رباني يدعي في الملأ الأعلى، وإنما نسب إلى ربه تشريفا؛ ولأن أصل العلم من عند رب العالمين، وهذا الأصل في كل مسلم وداعية فضلا عن الأنبياء والرسل الذين هم أكمل الخلق، فإنهم يدعون الناس إلى أن يكونوا عبادا حكماء علماء يعلمون الناس الكتاب والحكمة، شكر لله على ما علمهم ودرسهم وفقههم في الدين.
80. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: لا يحق لنبي كائنا من كان أن يدعو الناس إلى عبادة الملائكة من دون الله أو الأنبياء واتخاذهم أربابا يصرف لهم شيئا من العبودية، وشيئا من معالم الألوهية، كيف يفعل النبي هذا الفعل والله إنما أرسله لإصلاح الناس وردهم إلى ربهم وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان؟! أيمكن أن يأمر النبي الناس بالإشراك بالله بعد أن وحدوه سبحانه وتعالى وألهوه وأخلصوا له العبودية؟ هل يصح من رسول شرفه الله سبحانه وتعالى برسالة التوحيد أن يغوي الناس وأن يضلهم وأن يصرفهم عن عبادة الله؟ وهذه هي دعوى النصارى – قاتلهم الله فإنهم زعموا أن عيسى إنما دعاهم لعبادته وعبادة أمه، وهذه فرية عظيمة وكذبة وخيمة قاتلهم الله أني يؤفكون.
81. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ: واذكروا أيها اليهود والنصارى يوم أن أخذ الله ميثاق المرسلين وألزمهم بالعهد المؤكد من أجل ما وهبهم الله سبحانه وتعالى من الكتاب المنزل والحكمة المؤيدة من عنده هذا العهد أنه إذا بعث رسولا بعدهم من عنده سبحانه وهذا الرسول يصدق ما عندهم ليصدقنه هؤلاء الأنبياء ولينصرنه، فالله سحانه وتعالى ما بعث نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به وينصرنه، وأمره بأخذ الميثاق على أمته فسألهم سبحانه وتعالى هل اعترفتم؟ هل آمنتم بهذا العهد؟ هل ذكرتم هذا الميثاق؟ هل قمتم بلوازم هذا اليمين؟ قالوا: اعترفنا، فلما اعترفوا أمر الله سبحانه وتعالى بعضهم أن يشهد على بعض، فإذا شهد بعضهم على بعض فالله سبحانه وتعالى معهم من الشاهدين على هذا الإقرار العظيم، وملخصه أن عليهم أن يؤمنوا بالرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي بعث مصدقا لما قبله صلى الله عليه وسلم.
82. فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: فمن نكث هذا الميثاق ونقض هذا العهد منكم أيها اليهود والنصارى بعدما أقررتم على أنفسكم، وبعدما شهد بعضكم على بعض فمن أعرض من بعد ذلك فهذا خارج عن طاعة الله، كاذب خائن، وهذا الميثاق هو ميثاق مقدس عظيم، وهو شرف لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو شهادة من الواحد الأحد برسالته قبل أن يبعثه احتفاء بهذه النبوة، وتقديما لها وإشهارا لمكانته عليه الصلاة والسلام عند جميع الأمم.
83. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ: أيبحث اليهود والنصارى عن دين آخر غير هذا الدين الحق دين الإسلام؟ أيريدون منهجا غير منهج الله الذي رضيه لأنبيائه وعباده الصالحين؟ لماذا لا يتبعون منهج الله – سبحانه وتعالى – الذي رضيه؟ والله سبحانه وتعالى عظيم قد انقاد له وخشع كل من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن وأقبلوا إليه مسلمين مذعنين إما عن طاعة وحب، وإما عن قهر وإجبار، فالكل منقاد له سبحانه وتعالى وطائع وذليل، فما يحق لهؤلاء المنحرفين عن منهج الله إلا أن يدخلوا فيما دخل فيه الخلائق من الاستسلام للواحد الأحد، فمرجعهم إليه يوم العرض الأكبر، يجازيهم بأفعالهم ويحاسبهم بأقوالهم وأعمالهم، وهو مطلع على أحوالهم لا رب سواه ولا نعبد إياه.
84. قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: قل يا محمد أنت والمؤمنون معك: صدقنا بوحدانية الله، وآمنا بألوهية ربنا سبحانه وتعالى واعترفنا بربوبيته وأسمائه وصفاته، وآمنا بما أنزل الله على أنبيائه المرسلين المصطفين المذكورين في الآية، وصدقنا بما أنزل الله عزوجل من التوراة على موسى والإنجيل على عيسى لأن موسى وعيسى أعظم أنبياء بني إسرائيل، وهما من أولي العزم،ونحن أيها المؤمنون نؤمن بجميع المرسلين، ولسنا كاليهود الذين آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، ولا كالنصارى الذين آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد وموسى، ولكننا آمنا بالجميع، لا نفرق بين أحد منهم، فكلهم مرسلون صادقون أنبياء كرام، وإقرارنا هذا لله سبحانه وتعالى بالألوهية وبالعبودية وبالربوبية، هذا هو الدين الصحيح، وهو دين الإسلام الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فنحن المسلمون حقا، ونحن المصيبون صدقا، وأما غيرنا فبدلوا وغيروا وحرفوا وآمنوا ببعض وكفروا ببعض، ألهوا بعض الأنبياء وقتلوا بعض الأنبياء، ونحن آمنا بالجميع، وصدقنا الجميع، والحمد لله رب العالمين.
85. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ: من يرد دينا غير هذا الدين الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم وهو دين الإسلام فلن يقبل الله دينه ولا طاعته ولا عبادته بعد مبعث الرسول عليه الصلاة والسلام نسخت كل الأديان وبطلت بدينه وبرسالته، وهذه الآية رد على من افترى على الله، وكذب على دينه وادعى أن اليهود والنصارى إذا كانوا على ديانتهم ولم يعتنقوا الإسلام أنهم مصيبون؛ لأنهم تمسكوا بما عليه أنبياؤهم، وهذه كذبة عظيمة تردها الآية، ونشهد الله عزوجل على أن الله لا يقبل بعد مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم من العبد إلا دين الإسلام لا اليهودية ولا النصرانية ولا غيرها من الأديان، فالإسلام دينه المرتضى، وصراطه السوي، وطريقته المثلى.
86. كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: كيف يكون على هدى ويكون مصيبا من كذب خاتم النبيين محمدا صلى الله عليه وسلم بعد أن علم أن رسالته حق، وبعد أن شهد أن ما جاء به من عند الله حق، وبعدما وجد وصفه صلى الله عليه وسلم موجودا في التوراة والإنجيل، مثل هذا كيف يهتدي؟ كيف يسدد؟ إن الذي يفعل هذا الأمر بعد أن يستبين له الحق جدير بأن يضله الله سبحانه وتعالى ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا يوم القيامة؛ لأنه ظالم، حرف الأدلة، ورد الحجة، وتكتب المحجة، والله لا يهدي من هذا شأنه في الظلم والطغيان والبغي، وهذا هو فعل اليهود والنصارى بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم، فقد تبين لهم الحق وظهرت لهم الأدلة، وبانت لهم البراهين ثم رفضوا ذلك كله.
87. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: هؤلاء الذين فعلوا هذا الفعل وكذبوا محمدا صلى الله وعليه وسلم بعد ما بأن لهم الحق، فهؤلاء كفار أشرار جزاؤهم عند ربهم – سبحانه وتعالى – لعنة ماحقة ساحقة محرقة، يلعنهم الله بها فيطردهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة والناس أجمعين، المهتدي والضال، والصالح والطالح؛ لأنهم كتموا شهادة عندهم من الله؛ ولأنهم نكثوا عهد اله؛ ولأنهم حاربوا رسول الله، وردوا الحجة البينة من الله.
88. خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ: فجزاء هؤلاء أن يبقوا معذبين أبد الآبدين في نار جهنم، ولا يخفف الله عذابهم ولا يرفع عقابهم، ولا يشفع فيهم شفيع، ولا يدافع عنهم مدافع، ولا ينصرهم ناصر؛ لأنهم جاهروا الله بالعداوة وكفروا عن قصد، وكذبوا عن عمد، ورفضوا الهداية التي بعث بها نبي الله صلى الله عليه وسلم.
89. إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: لكن من عاد إلى الله سبحانه وتعالى ورجع إلى الحق وآمن بمحمد عليه الصلاة والسلام وكفر بما يعبد من دون الله عزوجل واهتدى بالنور الذي بعث به صلى الله عليه وسلم واتبع سنته واهتدى بهديه فهؤلاء يغفر الله ذنوبهم، ويستر عيوبهم، ويتجاوز عن أخطائهم ويعفو عن سيئاتهم، فإنه سبحانه وتعالى كثير المغفرة، واسع الرحمة، لا يتعاظمه شىء، وهذا فتح باب التوبة لمن فعل الفعل الشنيع، والعمل الفظيع، فكيف بغيره ممن هو أقل منه من أهل الكبائر وأهل المعاصي، وهذا فيه رجاء كبير من رحمة أرحم الراحمين.
90. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ: إن اليهود الذين كفروا بعيسى بعد أن آمنوا بموسى ثم ازدادوا طغيانا وعتوا فكفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام هؤلاء زادوا شرا إلى شر وفجورا إلى فجور، هؤلاء الخونة المعرضون الناكثون لعهد الله لا يقبل الله سبحانه وتعالى توبتهم؛ لأنهم لا يتوبون إلا عند الموت ولا يغفر ذنوبهم، ولا يتجاوز عنهم؛ لأنهم ضلوا وأضلوا، وصدوا عن سبيل الله عزوجل وأغرقوا في الكفر وأمعنوا في الضلال وأكثروا من الفساد.
91. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: الذين كفروا بالله وكذبوا رسله واستمروا على ذلك حتى ماتوا ولم يسلموا، هؤلاء لو أتوا يوم القيامة بما يعادل الأرض ذهبا وجعلوه فدية لهم من عذاب النار، لن يقبل الله سبحانه وتعالى منهم هذه الفدية، ولن يخرجهم من النار، بل لهم عذاب أليم موجع، خالدين مخلدين في النار، ليس لهم نصير يدفع عنهم العذاب، ولا ولي يجلب لهم الثواب، وإنما هم في أشد النكال، جزاء لما فعلوا واقترفوا.
92. لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: لن تصلوا إلى أفضل الأعمال وأعظم الأحوال حتى تتصدقوا من أفضل أموالكم وأحبها إلى نفوسكم وأغلاها وأنفسها وتؤثرون ما لله – عزوجل – على ما لأنفسكم، وتختارون في الصدقة ما تصطفون لأنفسكم، فتجعلونه لوجه الله، حينها تحظون بالأجر الجزيل، والثناء الجميل، والله سبحانه وتعالى يعلم النيات، ويطلع على الخفيات، فيعلم من تصدق لوجهه، ومن أنفق رياء وسمعة، فلا يضيع عمل عامل.

سورة آل عمران
93. كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إٍسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: كل الأطعمة كانت حلالا لليهود إلا لحوم الإبل وألبانها فإنها كانت محرمة على يعقوب حرمها على نفسه، فحرمت عليهم تلك الأطعمة نكالا من الله – سبحانه وتعالى – وعقوبة لهم؛ لأنهم قتلوا الأنبياء، وسفكوا الدماء، ونقضوا العهد والميثاق، وحاربوا الله – سبحانه وتعالى وأولياءه، فحرمهم – سبحانه وتعالى – من بعض الأطعمة، ثم أمر الله – سبحانه وتعالى – الرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول لليهود: تعالوا بالتوراة فاقرؤوا علي ما ادعيتموه من كذب أن الله سبحانه حرم على إبراهيم لحوم الإبل وألبانها؛ لأنكم افتريتم عليه وكذبتم فلما طالبهم أن يخرجوا من التوراة التحريم الذي زعموه انهزموا وانقلبوا صاغرين، ولم يستطع عالم منهم أن يخرج شيئا من التوراة يؤيد ما ذهبوا إليه من الكذب، وفي دليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم .
94. فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: فمن أتى بالكذب من بعد ظهور الدليل، وقيام الحجة، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد أن ظهر كذبه هو بما ادعاه أن التحريم كان على الرسل السابقين، وليس بسبب عصيان اليهود ولا بنقضهم الميثاق، فمن قال هذا القول فهو مفتر على الله سبحانه وتعالى – كاذب في دعواه، ومن حرف الكلم وغير المعاني فإنه ظالم لا ينصف، ولا يلتفت إلى البينات، والظالم حظه العذاب، وجزاؤه النكال.
95. قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قل يا محمد لليهود والنصارى: صدق الله فيما قال وأنزل وكذبتم أنتم أيها النصارى في دعواكم أن إبراهيم كان نصرانيا، وكذبتم أنتم أيها اليهود في دعواكم أن إبراهيم كان يهوديا، فليس يهوديا ولا نصرانيا، ولم يكن مشركا، بل كان حنيفا مسلما موحدا، وهذا هو الدين الذي رضيه سبحانه وتعالى والذي دعا إليه رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم.
96. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ: أول مسجد أقيم في الدنيا هو المسجد الحرام الذي بناه الخليل إبراهيم، وهذا المسجد مبارك، فهو كثير الخير، واسع الرزق؛ لما يجبى إليه من الثمرات، ولما يقام فيه من التجارة والخير العظيم، وفيه أيضا فوز في الآخرة لما يحصل فيه من عبادة من صلاة واعتكاف، وحج وعمرة، وذلك لله – عزوجل وفيه خير الدنيا وخير الآخرة وفي الصحيح أن "المسجد الحرام وضع قبل بيت المقدس بأربعين سنة".
97. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ: في هذا المسجد العظيم علامات واضحات على فضله وشرفه وقدسيته؛ كالكعبة المشرفة، والحجر الأسود، والصفا والمروة، وزمزم وحجر إسماعيل ونحو ذلك من تلك المعالم العظيمة الجليلة، والله سبحانه أوجب على الناس من استطاع منهم أن يحج هذا البيت العتيق وهذا من أركان دينه القويم، ومن ترك الحج وهو قادر على الحج فإن الله سبحانه وتعالى غني عن عبادته، سبحانه وتعالى محتاجا إى من أعرض من خلقه وأدبر من عباده، وغلظ سبحانه وتعالى الكفر هنا إما أن ترك الحج مع الاستطاعة يؤدي إلى الكفر، أو أن من جحد هذا الركن كفر، وهذا البيت نوه الله بشرفه بأول مساجد الدنيا وبالآيات البينات والعلامات الظاهرات، وبأن جعله سبحانه وتعالى أمانا لمن دخله.
98. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ: قل يا محمد لليهود وللنصارى: لماذا تكذبون بالقرآن وتكفرون برسالتي وقد قامت الدلائل البينة والحجج القاطعة على صدقي فيما أتيت به، والله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، ومن تكذيبكم فهو سبحانه وتعالى شاهد على ما أرسلني به وشاهد على ما فعلتم وعلى ما كذبتم، وسوف يجازيكم بسوء صنيعكم وفظاعة جرمكم إذا عدتم إليه يوم القيامة.
99. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: أيها اليهود والنصارى لماذا تصرفون الناس عن الهداية إلى الإسلام؟ ولماذا تشككون في دين الله سبحانه وتعالى الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا تورثون الناس الشبهة وتلقون الكلام المحتمل وتريدون من الناس الانحراف بعد أن دعاهم الله سبحانه وتعالى إلى إجابة رسوله صلى الله عليه وسلم وأنتم تعلمون حق العلم أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق، وأن دينه حق وأنه رسول من عند الله والله سبحانه وتعالى لن يترك هذا لكم ولن ينساه، فسوف يجازيكم بهذا الصنيع؛ لأنكم جمعتم بين الضلال في أنفسكم وإضلال العالم.
100. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ: يا من آمن واتبع محمدا واهتدى بهداه، إنكم إن أطعتم طائفة من اليهود والنصارى صرفوكم عن دينكم بشبههم وبإغوائهم، فتقعون في الكفر بعد أن من الله عليكم بالإسلام وأنتم لا تشعرون، إذا فلا تصغوا إليهم ولا تسمعوا لكلامهم ولا تقبلوا شبههم، فإنهم أعداء لكم يريدون أن تتحولوا عن دينكم الذي أكرمكم الله به بغيا وحسدا من عند أنفسهم.
101. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: فكيف ترتدون أيها المؤمنون عن الإسلام والقرآن يتلى عليكم بآياته البينات، وبمعجزاته الظاهرات، وفيكم رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم وقط ظهر صدقه، وبانت صحة دعواه، وبانت صحة رسالته، فاعتصموا بالله سبحانه وتعالى فإنه من يلتجئ إلى ربه ويفوض الأمر إليه، ويثق به، كفاه عما سواه، وهداه صراطا سويا وطريقا قويما لا عوج فيه، وأسعده في الدنيا والآخرة، وفي الآية دليل على أن العبد لا يأمن الفتنة مهما بلغ في التقوى، وأن عليه أن يتزود من الطاعات وأن يكثر من العبادات، وأن يلتجئ بالدعاء في وقت الفتن والمحن، وفيها أن من جعل الله له ملاذا عند الشبهات حفظه منها.
102. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: أيها المؤمنون، يا من صدق بالله واتبع رسوله الكريم، عليكم بتقوى الله عزوجل بفعل المأمور واجتناب المحظور وعبادته حق العبادة بأن تطيعوه فلا تعصوه وتذكروه فلا تنسوه، وتشكروه فلا تكفروه، واحذروا أن تموتوا على غير الإسلام، فإن الإسلام هو الدين الذي رضيه سبحانه وتعالى لعباده، ومن اتقى الله سبحانه وتعالى وأصلح نيته وأخلص عمله، ثبته الله سبحانه وتعالى، فأماته مسلما، وهي الأمنية الغالية، والمطلب العظيم الذي يسعى إليه أولياء الله وعباده الصادقون.
103. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: واستمسكوا بالإسلام والقرآن وباتباع الرسول عليه الصلاة والسلام ولا تختلفوا كما اختلف الذين من قبلكم من اليهود والنصارى، وتذكروا نعمة الله عليكم لما أخرجك ممن الكفر إلى الإيمان، ومن الظلمات إلى النور، وهداكم صراطا سويا، وجمع قلوبكم على الخير، وألف بين أرواحكم بعدما كنتم متباغضين متناحرين، يقتل بعضكم بعضا، ويحاب بعضكم بعضا، فأصبحتم كالأسرة الواحدة، بل أكثر في الأخوة من الإخوة في النسب، فصرتم يدا على من سواكم، وصار أدناكم يسعى بذمة أعلاكم، وصار أكرمكم عند اله أتقاكم، وكنتم قبل ذلك على طرف خطر وهاوية من الفتن, والبغي،ومن الضلال والغين فأخرجكم سبحانه وتعالى من تلك الجاهلية وأعد لكم دينا قويما وهداكم صراطا مستقيما، ووفقكم إلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فأنتم كمثل من كان واقفا على رأس حفرة عظيمة تشتعل نارا يكاد يسقط فيها فهذا مثل من كان كافرا ثم أنقذه الله سبحانه وتعالى وبهذه الأمثلة ونحوها من الحجج يبين الله لكم سبحانه وتعالى الأدلة والبراهين، ويورد عليكم من الآيات ما فيه هدايتكم، وفيه دليل على أن الإطلاع على نصوص الكتاب والسنة يزيد في الإيمان، ويعظم الهداية واليقين عند العبد.
104. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: وعليكم أن تخصصوا طائفة منكم من أهل العلم والفضل والإحسان للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وتعليم الناس ما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، فيأمروا الناس بكل معروف نص عليه الشرع، وتعارف عليه العقلاء من الفضائل والآداب والأخلاق والسلوك، وينهوا عن كل منكر حرمه الله سبحانه وتعالى ورسوله، وما استقبحه أهل الفطرة والفضلاء، ومن يقم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محتسبا، ويكون حسن الطريقة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى لينا رفيقا، ينل أعظم المطالب، ويفز بأحسن المراتب، فجزاؤه النجاة في الآخرة والفوز برضوان الله سبحانه وتعالى.
105. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: احذروا أيها المؤمنون أن تكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرقوا في أقوالهم واختلفوا في قلوبهم من بعد ما جاءتهم الرسل، ونزلت عليهم الكتب فضلوا على بصيرة، وغووا عن عمد، فجزاء أولئك عذاب عظيم عند الله – سبحانه وتعالى – من الخلود في النار، وغضب الجبار.
106. يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: وتذكروا أيها المؤمنون يوم يبيض الله وجوه من آمن به، وصدق رسله، فتظهر عليها البهجة والسرور والفرح، ويسود الله سبحانه وتعالى وجوه من كفر به، وكذب رسله فيظهر عليها الأسف والكآبة والندامة، والخزي والعار، ويوبخ الكفار في تلك الدار، فيقال لهم ما لكم كفرتم بعد الآيات البينات؟ وما لكم ارتددتم بعد ظهور الحجج الواضحات؟ الآن تذوقون العذاب الأليم، والعقاب الشديد؛ جزاء على فعلكم الآثم، وعلى جرائمكم الكبيرة؛ لأنكم عصيتم الله سبحانه وتعالى بعد أن ظهر لكم البيان، وسطع لكم البرهان، فذوقوا الخزي والهوان، والنكال والخسران.
107. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: وأما من ظفر بالسعادة من أهل العبادة فهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم في رحمة الله ورحمة الله دائمة لا تتقطع؛ لأنها صفة من صفاته، فهم في الجنة مكرمون، في حبور وسرور ونور، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم، ولا يدركهم الهرم ولا العدم ولا السقم؛ جزاء لعملهم البار في طاعة العزيز الغفار.
108. تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ: هذا الكتاب المنزل عليك – يا محمد – نزل بالحق، وأتى بالصدق؛ ليهدي به الله من يشاء من عباده، فيبين لهم الحق ليتبعوه، والباطل ليجتنبوه، والله سبحانه وتعالى أقام الحجة وأوضح المحجة، وبين وأعذر إلى الناس لئلا يغوي غاو بلا برهان، ولئلا يضل ضال بلا دليل، فالله أرسل الرسول وأنزل الكتاب؛ لبيان الدليل للناس؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يريد أن يظلم أحدا من الناس، والظلم أن يعذب أحدا بلا ذنب، والله منزه عن ذلك، وليس هو سبحانه بظلام للعبيد.
109. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ: كل ما في الكون من خلق بما فيها الملائكة والإنس والجن وما يدب على ظهر الأرض، ملك لله الواحد الأحد، لا ينازعه في ملكه أحد، يتصرف في خلقه كيف يشاء، لا خالق ولا رازق ولا إله ولا معبود بحق إلا هو، ومن عدله سبحانه وتعالى أنه بين الشريعة، ووضح الطريق، وإليه سبحانه تعود الأمور، وينتهي الناس إليه، ومصير الخلائق عنده جل في علاه فيقيم يوم الدين فيثيب المحسنين ويعاقب الظالمين.
110. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ: أنتم أيتها الأمة المحمدية أفضل الأمم عند الله سبحانه وتعالى فلا توجد أمة تفضلكم؛ لأنكم تأمرون بكل خير وتنهون عن كل منكر بعدما آمنتم بالله وصدقتم رسوله، فأنتم أمة الشهادة على الناس، وأمة إقامة الحجة على العالم، وأمة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى وأما أهل الكتاب فلو أنهم صدقوا بمحمد عليه الصلاة والسلام لأسعدهم الله في الدنيا والآخرة، ولأنجاهم من غضبه، ومن أليم عقابه، ولكن لم يصدق منهم إلا القليل؛ كعبد الله بن سلام، والنجاشي، وأما الكثير فقد استحبوا العمى على الهدى، وخرجوا عن طاعة الله، وحاربوا أولياءه، وتمردوا على شرعه.
111. لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ: لا يستطيع أعداؤكم من اليهود وغيهم إدخال الضرر على المؤمنين؛ لأن الله يحميهم ويتولاهم، إلا أذى يسيرا يكفر الله به من سيئاتهم، كأذى الكلام والتهديد والوعيد والسب والشتم ونحو ذلك، ولكن لو حصلت المقاتلة والمنازلة في الميدان، فإن الله ينصر أولياءه من أهل الإيمان، ويجعل العاقبة لهم، وأما الكفار فيلقي الرعب في قلوبهم، وينزل الهزيمة بهم، ثم يفرون من ساحة القتال، ومن أرض الجهاد، فليس لهم عند الله نصر ولا عزة في الدنيا ولا نجاة في الآخرة.
112. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ: هؤلاء اليهود ضرب الله – عز وجل – عليهم الذل والهوان والحقارة والخسة، فأينما وجدوا فهم مغلوبون مهزومون مهما انتصروا في بعض الجولات على المؤمنين، ولا يمكن أن يعصموا من هذا الذل والهزيمة إلا بعهد يعقدونه بينهم وبين الناس، فيبقون آمنين ما استمر هذا العهد، وهؤلاء اليهود قد رجعوا بغضب شديد من الله – سبحانه وتعالى – ولعنة وخزي بسبب ما فعلوه من نقض الميثاق، وقتل الأنبياء وتكذيب الرسل والعصيان والتحريف في الكتاب والتبديل في النصوص، والله – سبحانه وتعالى – أصابهم بالفقر النفسي والإحباط وخسة الهمم وسخف العزائم، فلا تلقى اليهودي إلا ذليلا في داخله، يعبد المال ويكدس القناطير المقنطرة ويريد الحياة الدنيا؛ لأنهم كانوا يكذبون بآيات الله، وقتوا أنبياء الله – سبحانه وتعالى – بغير حق، وأكثروا من العصيان، فهم عصوا الله – سبحانه وتعالى – في ترك لأوامر واعتدوا بترك النواهي، وتولوا الشيطان حاربوا الرحمن.
113. لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ: أهل الكتاب من اليهود والنصارى ليسوا على طريقة واحدة وعلى مستوى واحد، فمنهم المؤمن الذي آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بعدما بعث واستقام على أمر الله، وتلا كتابه – سبحانه وتعالى – بالليل قائما، وأكثر من عبادة ربه واتقى مولاه.
114. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ: وهؤلاء يؤمنون بالله سبحانه وتعالى إيمانا صادقا فيوحدونه بالعبودية، ويفردونه بالألوهية، ويؤمنون باليوم الآخر وما جاء فيه، ويصدقون أنه الحق من عند الله عزوجل ويأمرون بكل خير وهدى ورشد وينهون عن كل شر وردى وغي، فهم صالحون في أنفسهم، مصلحون لغيرهم، وهم يتسابقون إلى فعل الصالحات، ونوافل العبادات، والأفعال الجميلة والأخلاق النبيلة من كلمة طيبة، وتواضع وجود، ونصر للمظلوم، وإعطاء للفقير، ورحمة لليتيم، وبر للوالدين، وصلة للرحم ونحوها، فهؤلاء حقيقة هم الفائزون برضوان الله، الناجون من غضب الله، المحظوظون بجوار الله الذين صلحت أحوالهم عند الله.
115. وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: وليطمئن هؤلاء البررة الأخيار بأن ما فعلوه من صلاح وما قدموه من بر، لن يضيع عند الله سبحانه وتعالى بل هو محسوب ومدخر لهم، يثابون عليه أعظم الثواب، ويجازون عليه أحسن الجزاء، والله سبحانه وتعالى عالم بمن اتقى وأراده بالعمل وصدق في نيته واجتنب الرياء والسمعة، فمدار الأعمال على تقواه تعالى، بحيث تفعل الطاعة على تقوى منه، وتترك المعصية على تقوى منه.
116. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: كل كافر لن ينفعه ما جمع من مال، ولا ما ربى من أبناء، فمهما افتخر بأنه أكثر الناس أموالا وأولادا، وأن هذا يصرف عنه العذاب، ويناله الثواب، فإن هذا من الخطأ العظيم، بل لا ينفع الإنسان إلا إيمانه وعمله الصالح، وهؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى هم من أهل الكتاب والمشركين، فكذبهم سبحانه وتعالى وأخبر أن هذه الأمور لا تنفعهم شيئا عند الله، فلا ينالون بها فوزا ولا ينجون بها من خزي؛ لأنهم خالدون مخلدون في النار لما اقترفوه من غضب الجبار.
117. مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: مثل ما أعطوا من الأموال وما صرفوه في سبيل الظهور والشهرة، وحب التصدر عند الناس؛ كمثل قوم زرعوا زرعا وأجهدوا أنفسهم في استصلاحه، فلما نما الزرع وأقبل الثمر، أرسل الله عليه ريحا عاصفة قوية فيها برد مهلك فأحرقت هذه الزروع وأبادت هذه الثمار، فهؤلاء جمعوا أعمالا كثيرة، وأنفقوا أموالا وفيرة، ولكن أرادوا غير الله، وأشركوا مع الله سبحانه وتعالى غيره، فمحق الله أعمالهم، وأبطل سعيهم، وما ظلمهم الله ولكن هم استوجبوا هذا الجزاء بكفرهم بربهم وشركهم بمولاهم وإرادة غيره بالعمل ومحاربة أوليائه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
118. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ: أيها المؤمنون لا تقربوا المنافقين منكم، وتجعلوا لهم من المكانة والموالاة والمودة والقرب مثل اتخاذ الثوب قربا والتصاقا، فهؤلاء المنافقون لا يقصرون في الإفساد والإيذاء، والسعي بالفتنة وتفريق الصف، بل هم مجتهدون في الفساد والإفساد، وهم يتمنون ما يشق عليكم، ويودون هزيمتكم وإيذاءكم، وقد حصلت منهم أفعال قبيحة بدت في كلماتهم من التشفي والاستهزاء والهمز واللمز والسخرية، فكيف تثقون بهم بعدما ظهرت لكم هذه العلامات، وقامات لكم هذه الدلائل من فلتات ألسنتهم، فكيف بما في صدورهم من الحقد عليكم والحسد لكم، والبغضاء لدينكم، ونية الشر لجماعتكم، ونحن بينا لكم هذه الأشياء لتجتنبوها وتكونوا على حذر من مكر هؤلاء المنافقين، فهم أخطر من الكفار الظاهرين، وإذا كانت لكم عقول تفكر، وأفئدة تتبصر، فاحذروا هذا الداء الدوي من موالاة المنافق، والرضا به والركون إليه والثقة به واتخاذهم في المناصب وفي الاستشارات، وإظهار الحب لهم والثقة بهم، وهذا أمر محرم عليكم؛ لأنهم أعداء الله ولا يجوز موالاة أعدائه.
119. هَأَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: ما لكم أيها المؤمنون تخطئون في محبة هؤلاء وهم أعداء الله وهم لا يحبونكم ويكفرون بشرع الله، آمنتم أنتم برسولهم وبكتابهم وهم كفروا برسولكم وبكتابكم، إذا حضروا عندكم أظهروا لكم الإيمان والتصديق لكم والمتابعة، وإذا انفرد بعضهم ببعض أظهروا الغضب الشديد، والمكر الأكيد، والحقد عليكم وعلى دينكم، وتمنوا زوال النعمة التي نزلت عليكم، وخططوا لأذاكم، والله سبحانه وتعالى يعلم ما تكن صدورهم وما تخفي ضمائرهم وما تستتر عليه سرائرهم، وسوف يجازيهم بصنيعهم، وهذا فيه أن على المؤمن أن لا يوالي الكافر مهما أظهر له من المودة إلا ولاء ظاهرا، فلا يتخذه خليلا ولا صفيا، ولا يثق بمودته ولا بصداقته، ولا يوالي إلا أولياء الله – سبحانه وتعالى – الذين صدقوا برسوله واتبعوا كتابه.
120. إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ: وهؤلاء الأعداء إذا نزل بكم خير من نصر وعزة وتوفيق ورخاء وغيث وخصب وزرق واسع وصحة في الأجسام، ساءهم ذلك وأقلقهم وغاظهم؛ لأنهم أعداء حسدة، وإذا حلت بكم نكبة أو وقعت بكم ملمة أو أصابكم مرض أو فقر أو هزيمة فرحوا بذلك وسرهم ما ساءكم، وأفرحهم ما أزعجكم، وأنتم إذا صبرتم على عداوتهم وكففتم عن صداقتهم فلن يضركم كيدهم ولا يصل إليكم من مكرهم شىء، فالله مبطل كيدهم محبط عملهم متبر سعيهم، وهو سبحانه وتعالى غالب من غالبه، وهو عالم سبحانه وتعالى بكل ما أسروا وكل ما أخفوا من المكايد، وكل ما دبروا من المؤامرات، وسوف يكشف أسرارهم ويهتك استارهم.
121. وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: واذكر يا محمد تلك الغزوة العظيمة غزوة أحد يوم خرجت من منزلك تصف المؤمنين للقتال في سبيل الله، وتنزلهم في مواقف القتال وتهيئهم لمبارزة الكفار، والله سميع لما تقولون، عليم بما تفعلون، لا تخفى عليه خافية، يعرف الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، والمخلص من المنافق.
122. إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: واذكروا حين كادت بنو سلمة وبنو حارثة وهما بطنان من الأنصار أن ينخذلا مع عبدالله بن أبي بن سلول، ويتركا القتال مع الرسول عليه الصلاة والسلام ولكن الله سبحانه وتعالى تولى أمرهم، وجمع شملهم وعصمهم وثبت أقدامهم، وردهم إلى الخير، وعلى الله سبحانه وتعالى فليعتمد في الشدائد من أراد النصر، وبالله فليثق من أراد الخير، فإنه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير والمعين والظهير جل في علاه والذي حصل لبني سلمة وبني حارثة حديث نفس وخطرات من الشيطان بالانهزام والفرار من أرض المعركة، ولكن الله أيدهم بكلمة ثابتة فثبتوا.
123. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وتذكروا أيها المؤمنون غزوة بدر وكيف نصركم الله سبحانه وتعالى في تلك الغزوة وأنتم في قلة من العدد، وفي فقر من ذات اليد، وفي ضعف من الحال، وكان الكفار قرابة الألف وأنتم ثلاث مئة وخمسة عشر مقاتلا، فأنزل الله الملائكة معكم وأيدكم بنصره، وأنزل عليكم السكينة، وثبت أقدامكم ونصركم على أعدائكم وجعل الفوز والفلاح معكم، فاتقوا الله سبحانه وتعالى بإتباع رسوله والاهتداء بكتابه واجتماع الشمل على طاعته، لعلكم بتقواكم تؤدون شكر نعمته عليكم بالنصر والتأييد.
124. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ: واذكروا إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بدر: اما يكفيكم أن يؤيدكم الله سبحانه وتعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ينزلهم من السماء ينصرونكم ويعينونكم على أعدائه، وهذا مدد عظيم من الملك الكريم.
125. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ: نعم، هذا العدد وهو ثلاثة آلاف من الملائكة يكفيكم إذا اتقيتم الله سبحانه وتعالى وثبتم في القتال وصبرتم على مشقة الجهاد، فإذا جاءكم أعداؤكم في هذه الساعة وقد ظهر منكم الصبر والثبات، فإن الله سبحانه وتعالى سوف يمدكم بخمسة آلاف من الملائكة؛ معلمين على صنوف القتال، مدربين على مبارزة الرجال، لهم علامات يعرفون بها، ولهم شارات يتميزون بها ومن شكر الله زاده الله.
126. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: وما جعل الله سبحانه وتعالى إنزال الملائكة من السماء عليكم إلا بشارة لكم بالنصر والعز، وتثبيتا لكم على الإيمان، وإعانة لكم على أعدائه، ولتثقوا في موعود الله جل في علاه وليس النصر موقوفا عليكم ولا على الملائكة، فإن الناصر هو الله وحده سبحانه وتعالى؛ لأنه عزيز حكيم، عز فقهر، من عزته أنه قهر غيره، ومن حكمته أنه أحسن فيما قضى وقدر، فالعزة والقوة والهيبة والسلطان والحكمة سداد الأمر وحسن الاختيار وجميل التدبير.
127. لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ: ليهلك من الذين كفروا طائفة، أو يأسر منهم جماعة، أو يزلزل عمودا من أعمدة الكفر، وهذا الذي تحقق، فقد أهلك الله عزوجل من كفار قريش في بدر بعضهم، وأسر المسلمون جماعة منهم، وأما الباقون فعادوا بالخيبة والفشل، فأصابهم الخزي والعار والوهن في الدنيا وفي الآخرة، والعذاب الشديد، وصارت العزة والنصر والدولة والتمكين لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذا من لطف الله بالمؤمنين وحسن تدبيره وبالغ حكمته.
128. لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ: ولما شجع وجهه صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته قام يدعو على كفار قريش، فأنزل الله عزوجل هذه الآية، والمعنى ليس لك يا محمد من أمر هؤلاء وما يحل بهم شىء، فالأمر كله لله عزوجل فلا تستطيع هدايتهم ولا تعذيبهم ولا الانتصار عليهم ولا تستطيع إقناعهم بدينك وإنما مردهم إلى الله عزوجل إن شاء وفقهم للإيمان، وإن شاء أبقاهم على عبادة الأوثان، والمرد إليه – سبحانه وتعالى – يعذب من يشاء ويتوب على من شاء، وله سبحانه وتعالى الحكمة المطلقة، فإن تاب عليهم بإسلامهم ففضل منه، وإن عذبهم بكفرهم فإنهم يستأهلون ذلك ويستحقونه، والله ليس بظلام للعبيد.
129. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: كل ما في السموات وما في الأرض هو لله ملكا وخلقا وعبيدا فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء، لا معقب لأمره ولا راد لقضائه، وهو سبحانه وتعالى له الحكمة المطلقة والقدرة النافذة، يغفر لمن يشاء ويرحمه ويعذب من يشاء ويعاقبه، والله سبحانه وتعالى غفور واسع الغفران لمن أقبل إليه وأناب رحيم يتجاوز عن كبائر الذنوب لمن عاد إليه وتاب.
130. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أيها المؤمنون يا من صدقتم بكتاب الله واتبعتم رسول الله احذروا أكل الربا، فإنه من أعظم المحرمات، ومن أكبر المعاصي والمخلفات، فلا تتساهلوا به حتى يصل بكم الحال إلى أن تأكلوا المال الكثير متساهلين به وتظنوا أن قليل؛ لأن الطمع والجشع يتدرج بآكل الربا إلى أن يستولي على أموال الناس، وعلى مقدراتهم وهو لا يشعر، وإنما أتى بهذه الآية؛ لأنه لا يصلح جهاد ولا طاعة إلا بأكل الحلال، وأكل الربا لا تقبل له دعوة، وترد عليه مسألته كما في الحديث: "فاني يستجاب له" ثم قال لهم: وعليكم بتقوى الله عزوجل بفعل ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، مثل: الربا ونحوه، فإن في ذلك الفلاح والصلاح والنجاح والفوز الأكبر، والنعيم الأعظم؛ ففي طاعة الله عزوجل سعادة الدنيا ونعيم الآخرة [وهذه الآية كانت قبل تحريم الربا في البقرة]
131. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ: واحذروا أيها المؤمنون الأعمال التي توصلكم إلى عذاب النار، مثل: أكل الربا الذي لا يأكله إلا كل فاجر كفار، ومثل: التهاون بأموال الناس فإن النار هيأها الله عزوجل لمن كفر به وصد عن سبيله، وقد توصل الذنوب الكبيرة إذا توالت بالعبد إلى الكفر، وقد يعذب صاحب الكبائر بالنار التي أعدها الله للكافرين ولا يخلد في النار؟
132. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: أطيعوا الله ورسوله فيما أمرتم به وما نهيتم عنه لتتوصلوا إلى رحمة الله ومرضاته، وبالسعادة من غشيته رحمه الله، ويالفوزه وفلاحه.
133. وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ: بادروا أيها المؤمنون وعجلوا أيها المتقون إلى ما يوجب لكم مغفرة ربكم، وما تستحقون به دخول جنة مولاكم جنة عرضها عرض السموات والأرض، والفوز برضوانه ونيل النعيم الذي أعده لأوليائه، وذلك بفعل الطاعات وترك المحرمات، فإن من عمل صالحا واكل حلالا وقال خيرا، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وسابق في الخيرات استحق أن يتجاوز الله عزوجل عن سيئاته، وأن يعظم حسناته، ويرفع درجاته في جناته.
134. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: من صفات هؤلاء الأولياء أنهم يتصدقون في حال الرخاء والشدة والعسر واليسر، والفقر والغنى، فهم لحبهم لما يرضي ربهم عنهم لا يمنعهم الفقر ولا العسر ولا الشدة عن الإنفاق وبذل المال، ولا يحملهم الكبر والطمع والجشع يرضي ربهم عنهم لا يمنعهم الفقر ولا العسر ولا الشدة عن الإنفاق وبذل المال، ولا يحملهم الكبر والطمع والجشع في حال اليسر والرخاء والغنى على إمساك المال، وإنما يغلبون أنفسهم وينفقون في سبيل الله، ومن صفاتهم أنهم يغلبون أنفسهم بالحلم وقت الغضب والغيظ، فلا ينفذون مرادات نفوسهم من التشفي والانتقام، بل ينتصرون عليها ويملكون زمامها، ومن صفاتهم أنهم يسامحون من ظلمهم ويعفون عمن أساء إليهم، ويتجاوزون عنه، فهم يقدمون العفو طمعا في عفو الرحمن، ويتركون معاقبة الناس؛ خوفا من عقاب الديان، وهذا من الإحسان، والله يحب المحسن، وهو الذي يفعل الجميل ويزيد، وهو الذي يتجاوز عمن أساء إليه بل يحسن إلى من أخطأ معه، بل يزيد في إحسانه من إكرام الناس وإيصال النفع إليهم وفي الآثر: "عن الله أمرني أن أصل من قطعني وأن أعطي من حرمني وأن أعفو عمن ظلمني".
135. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ: ومن صفات هؤلاء المتقين أنهم إذا ارتكبوا كبيرة أو اقترفوا جريرة وظلموا أنفسهم باعتدائهم على غيرهم عادوا إلى ربهم سبحانه فذكروا عقابه وما أعد لمن عصاه فاستغفروا الله من الخطيئة، وسألوه المغفرة، وندموا على ما فعلوا، وتأسفوا عما اقترفوا، وعلموا أنه لا يغفر الذنب ولا يتجاوز عن الخطأ ولا يعفو عن السيئة إلا الله الواحد الأحد، ولم يداوموا على هذه المعاصي، ويلجوا في الخطأ، ويستمروا على الذنب، وينهمكوا في الإجرام، بل أصبح عندهم من القلق والاضطراب والأسف والندم على ما فعلوا ما يوجب معرفتهم بقبح الذنب، ويعلمهم أنه يجب عليهم التوبة، ويعلمهم أن الله يغفر الذنوب جميعا، فيحملهم ذلك على التوبة والاستغفار والمبادرة إلى طلب العفو من العزيز الغفار.
136. أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ: أولئك الأخير المتقون ثوابهم عند ربهم أن يغفر خطيئاتهم، ويتجاوز عن سيئاتهم ويقبل توبتهم، وزيادة على ذلك يثيبهم بالخلود في جنات النعيم، والفوز العظيم والنعيم المقيم، وهذه الجنات التي أعدها الله لهم هي بساتين غناء، وحدائق فيحاء، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن جمالها أن الأنهار تجري من تحتها، فيها من الثمار والأشجار والطعوم والألوان ما الله به عليم، ونعم والله هذه الجنة ثوابا لمن عمل، وأجرا لمن سعى، وجائزة لمن أحسن.
137. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: قد سبق قبلكم أيها الكفار حوادث وعقوبات ووقائع أنزلها عزوجل فيمن كفر به، ومن كذب برسله فسيروا في الأرض وانظروا إلى آثار منازلهم، وإلى بقايا بيوتهم وقراهم كيف عصف بهم الدمار، وأحل بهم الخزي والعار، لعلكم تتعظون بما ترون، وتعتبرون بما تشاهدون، فإن في مناظر بقاياهم عبرة لمن اعتبر، وفي النظر إلى آثارهم عظة لمن اتعظ واذكر.
138. هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ: هذا الذي وقع في الأمم السابقة، وحل بهم من العقوبات بيان للمؤمنين المستفيدين من هذه العظات، وفيه هدى لمن اتقى، يدله على الصواب، ويجنبه الخطأ، ويجعله على الدوام منتبها لنفسه ومصيره، وفيه أيضا موعظة وزجر لم له ضمير حي، وقلب حي، ولمن له عقل واع، فالسعيد من وعظ بغيه، ومصائب قوم عند قوم فوائد.
139. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: أيها المؤمنون، لا يصبكم الخور والضعف في نفوسكم، والوهن في هممكم ولا تحزنوا على ما أصابكم في سبيل الله من أذى وتشريد وقتل أو هزيمة فالعاقبة لكم، وأنتم الأعلون المنتصرون الفائزون، فالله مولاكم والقرآن كتابكم، ومحمد رسولكم، والجنة مثواكم، وأهل الكفر لا مولى لهم، والغي منهجهم، والضلال طريقهم، والنار منقلبهم، فأنتم أيها المؤمنون سعداء في هذه الدنيا؛ لأنكم تحملون الهداية في قلوبكم، والشهادة قتلاكم، والثواب الجزيل لموتاكم، لا تساوي بينكم وبين الكفار، فأنتم أبرار، أرضيتم الواحد القهار، وهم أشرار فجار، لهم سوء الدار وعذاب العزيز الجبار.
140. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: أيها المؤمنون، إن كان أصابكم أذى في سبيل الله، أو قتل أو جراح، فقد أصاب الكفار مثلما أصابكم، وهذه سنة الله عزوجل فالأيام دول مرة نصر، ومرة هزيمة ومرة سرور ومرة حزن، فالله عزوجل يقلب الأيام والليالي بين الامم، فيوما تجد الأمة ظافرة قاهرة منتصرة ويوما تراها مغلوبة مهزومة ذليلة، ولكن لله سبحانه وتعالى في ذلك حكم، فمنها أن الله سبحانه وتعالى يمتحن القلوب بهذه المصائب والأزمات والحروب؛ ليتميز المؤمن من الكافر، والصادق من الكاذب، ومنها أن الله سبحانه وتعالى يكرم الشهداء من الأمة المحمدية فيتخذهم أولياء له في جنات النعيم، ومنها أن يظهر عمل سبحانه وتعالى في من نصره ومن كفر به ومن صدقه ومن كذبه، وإلا فالله سبحانه وتعالى عالم بالأشياء قبل حدوثها، ولكن يظهر علمه فيمن يقع عليه القضاء والقدر من العباد، فمن انحرف عن نصرة الله عزوجل وكذب برسله فهو ظالم، والله لا يحب الظالم؛ لأن الله حرم الظلم على نفسه، وحرمه على غيره، وذم الظالمين وتوعدهم بالجزاء الأليم.
141. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ: والله سبحانه وتعالى يريد من هذه الأزمات والكرب أن يطهر المؤمنين من الذنوب، وأن يصفيهم من العيوب، أن ينقيهم من الخطايا بالشدة التي تحصل لهم من هموم وغموم، وأحزان وقتل وأسر وحبس وتشريد وأذى، ويريد سبحانه وتعالى أن يسحق أعداءه الفجار، ويمحق الكفار، فيقتلهم بأيدي أوليائه، وينكل بهم بأنصاره وحزبه، حتى يستقر الحق على أساس متين، ويبقى مهاب الجانب قوي الركن، ويظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر.
142. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ: ثم أنكر الله سبحانه وتعالى على من ظن أنه سوف يدخل الجنة بلا جهاد ولا جلاد، ولا تضحية ولا ابتلاء ولا شدة، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لابد من التمحيص وظهور علمه سبحانه وتعالى فيمن صدق في المجاهدة في سبيله، ومن أنفق ماله وقدم نفسه وسخا بروحه؛ لرفعه كلمة ربه ومولاه، ويظهر علمه سبحانه وتعالى وإلا فإنه عالم بكل شئ قبل أن تقع الحوادث، وبعد وقوعها يظهر علمه فيمن صبر واحتسب، وقام بنصرة الحق أشرف قيام، وصمد في وجه الباطل أجل صمود، فهؤلاء يستحقون الجنة برحمة الله، ويستأهلون الفوز بفضله، جزاء بما كانوا يعملون.
143. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: ولقد كنتم قبل المعركة تريدون مواجهة الكفار لتنالوا الشهادة في سبيل الله من قبل أن تجدوا حر الموت وشدته، فالآن قد شاهدتموه بأم أعينكم، ورأيتم القتل في إخوانكم وأشرفتم على الهلاك، فكيف تمنونه من قبل ثم كرهتموه لما حصل، وشق عليكم لما نزل؟!
144. وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ: ليس محمد صلى الله عليه وسلم إلا رسول مثل المرسلين قبله، ليس بإله يعبد ولا برب يوحد، يموت كما يموت الناس، أفترونه لو مات أو استشهد رجعتم عن الإسلام، وكفرتم بالله الملك العلام؟، إنه من يرتد منكم عن دينه فإنه لا يضر إلا نفسه، لأن مصيره العذاب، وأليم العقاب، والله لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضره معصية العاصي، ولكن من أطاع ربه واتبع رسوله وجاهد في سبيل الله شكر الله له سعيه؛ لأنه يثيب من شكره، ويذكر من ذكره، ويعاقب من كفر به.
145. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ: لا يحصل لنفس أن تموت قبل أجلها أو تتأخر، فالأجل مسمى والعمر محدود، والزمن معدود، والذي يطلب بجهاده الشهرة والثناء والغنيمة فإنه سوف يجدها، ولكن ليس له في الآخرة حظ من الثواب ولا نصيب من الأجر، ومن يطلب بجهاده وجه الله وإعلاء كلمة الله فأجره موفور، وسعيه مشكور، وذنبه مغفور مع نعيم في الجنة وقرة عين في الخلد، والله لا خيب سعي من أحسن، ولا عمل من استقام.
146. وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ: وكم من نبي جاهد معه عدد كثير من أتباعه، وعلماء ربانيون من أنصاره، فما أصابهم خور ولا ضعف ولا فشل، وما أصابتهم ذلة ولا خضوع للكفار، بل صمدوا وثبتوا وضحوا حتى انتصروا، والله يحب من صبر ويثيب من شكر؛ والصابر مرحوم، والجازع محروم.
147. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ: كانوا إذا حضروا المعركة في سبيل الله سألوا الله أن يغفر ذنوبهم وما اقترفوه من خطايا وسيئات، وسألوه تثبيت الأقدام، والصبر على الكفار الطغام عبدة الأصنام. وفيه فضل الدعاء وقت القتال، وأن الذنوب سبب الفشل، وأنه ينبغي التوبة والاستغفار لمن أراد الانتصار على الكفار.
148. فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: فأكرمهم الله بالنصر في الدنيا والنعيم في الآخرة، فعز عاجل وفوز آجل، والله يحب من أحسن العمل، حيث جمع بين الإخلاص لربه والإتباع لرسله، فأدى الطاعة على أكمل وجه، واجتنب المعصية خوفا من ربه.
149. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ: إنكم أيها المؤمنون لو اتبعتم هؤلاء الكفار لضللتم؛ لأنهم يزينون لكم الباطل ويصدونكم عن الحق فهم لا يريدون خيرا، وإذا أطعتموهم في غيهم رجعتم وقد خسرتم الدنيا والآخرة، فلا عز ولا نصر لكم في دنياكم ولا فوز ولا ثواب في أخراكم.
150. بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ: ليس الكفار هم أولياؤكم بل وليكم الله وحده سبحانه وتعالى وهو الذي يؤيدكم وينصركم ويثبت أقدامكم، فأطيعوه واتبعوا رسوله وآمنوا بوعده ووعيده.
151. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ: سننزل في قلوب الكفار الخوف والقلق والاضطراب؛ لأنهم اشركوا بربهم بلا دليل ولا برهان، ولم يأمرهم ربهم سبحانه وتعالى بما فعلوه، بل خالفوا أمره وفعلوا معاصيه وكفروا بكتابه، وكذبوا رسله، فلهم في الدنيا الخزي والعار، ولهم في الآخرة عذاب السعير ولبئس المصير.
152. وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: والله سبحانه وتعالى أنجز لكم ما وعد من النصر على الكفار، فصارت لكم الغلبة عليهم وكنتم تحصدونهم بالسيوف وتقتلونهم قتلا، ولكنه لما أصاب بعضكم الوهن وحب الدنيا في أحد من إرادة الغنيمة، وقع الخلل والخور والجبن في الجيش، فوقعت الهزيمة من بعد ما كاد النصر يحل، ومن بعد ما كانت الغلبة لكم عليهم، فأراد سبحانه وتعالى أن يمتحن إيمانكم، وأن يمحص قلوبكم، وأن تكون لكم هذه عبرة ودرسا، فصرفكم عن الكفار، ثم عاد سبحانه وتعالى عليكم بالعفو، فغفر لمن فر منكم أو انهزم، والله فضله واسع، وأحق العباد بفضله هم عباده المؤمنون، فهو قريب منهم يغفر زللهم، ويسدد خللهم، ويعافي عللهم.
153. إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: وتذكروا أيها المؤمنون إذ تفرون يوم أحد صاعدين في الجبل منهزمين تاركين رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفكم من شدة الخوف والهلع، والرسول عليه الصلاة والسلام يناديكم أن أثبتوا، إلى عباد الله، إلى عباد الله، أنا رسول الله، فجازاكم الله سبحانه وتعالى بفعلكم هذا غما وجدتموه في صدوركم بسبب غمكم للرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفتكم لأمره، ومن أجل ألا تأسفوا على ما فاتكم من الغنيمة، ولما أصابكم من الهزيمة، فالغم يكفر السيئات، والحزن يمحو الخطيئات، والله سبحانه وتعالى مطلع على أعمالكم، سامع لأصواتكم عالم بأحوالكم، يعلم الصادق من الكاذب والمؤمن من الكافر.
154. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُـمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: ثم أرسل الله – سبحانه وتعالى - بعد هذا الغم الشديد سكينة وطمأنينة أنزلها على قلوبكم بعد الفرق والقلق، فكان الواحد من المسلمين ينعس والسيف يسقط من يده، وأما المنافقون فقد طاشت عقولهم، ودهشت أذهانهم، وفارق النم عيونهم لجزعهم وهلعهم وعدم سكينتهم، والمنافقون يقولون لم نستشر في مثل هذا الأمر من مقاتلة الكفار، ولو كان لنا رأي وقبل كلامنا ما كنا في هذا الموقف الضنك، ولا في هذا الخوف الشديد؛ ليشككوا في أمر الرسول عليه الصلاة والسلام وفي دين الله عزوجل، وهم مع ذلك يبطنون في أنفسهم الكفر والنفاق والكره لله ولرسوله وللمؤمنين، ويظهرون المسايرة والمجاملة في الظاهر، فرد الله سبحانه وتعالى عليهم بأنهم لو كانوا في بيوتهم لأخرج الله سبحانه وتعالى من حلت منيته وانتهى عمره ونفذ القضاء فيه فقتل في أي مكان قدره سبحانه وتعالى فلا بيته يمنعه، ولا حصنه يحميه وبمثل هذه الوقائع والحوادث يختبر الله سبحانه وتعالى إيمان المؤمن ونفاق المنافق، فينقي قلوب المؤمنين، ويطهرها من الأمراض، ومن الشكوك والريب، ويفضح الله سبحانه وتعالى المنافقين، ويظهر ما في قلوبهم من الكره للإسلام والبغض لأوليائه؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم ما في السرائر ويطلع على ما في الضمائر لا تخفى عليه خافية، ولا يستتر عليه سر.
155. إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ: إن الذين فروا منكم أيها المؤمنون يوم أحد إنما استدرجهم الشيطان، وألقى في قلوبهم الرعب بسبب مخالفتهم لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الله لما علم بإيمانهم تجاوز عنهم وغفر ذنبهم وسامح خطأهم؛ لأنه غفور واسع المغفرة لمن استغفره، حليم لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهلهم حتى يتوبوا وهذا جزاء المؤمنين عند خطئهم، وأما المنافق فإنه يؤاخذ بالكبيرة والصغيرة لسوء معتقده.
156. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: أيها المؤمنون، احذروا أن تشابهوا من كفر من أهل النفاق والريب والذين يقولون لأصحابهم إذا خرجوا للتجارة أو سافروا للجهاد لو كانوا في بيوتهم معنا ما أدركهم الموت، وما قتلوا؛ ليكون هذا الأمر غما في قلوبهم وحسرة في نفوسهم؛ لأنه غير صحيح، فالله قدر المقادير وقدر وقت موت الميت، وقتل المقتول لا يتقدم بساعة ولا يتأخر ساعة؛ لأنه سبحانه المحيي والمميت وحده، فكل شىء بقضاء وقدر وبأجل مسمى، ولكن أراد الله أن يدخل عليهم الكآبة والحسرة فجعلهم يترددون حتى في مسائل القضاء والقدر، والله سبحانه وتعالى عليم بما يكن هؤلاء، وما يخفون وما يسرون فهو فاضح أمرهم كاشف نياتهم.
157. وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ: أيها المؤمنون، إن قتلتم في سبيل الله وإعلاء كلمته أو متم على فراشكم وأنتم تنوون نصرة دين الله، فالله يغفر ذنوبكم ويجزل ثوابكم ويرفع درجاتكم، وهذا الفوز العظيم الذي ينتظركم والنعيم المقيم الذي هو أمامكم خير مما يجمع أعداء الله ومما يدخرون، فأنتم تكسبون الثناء الحسن والعز والنصر في الدين، والنعيم المقيم في الآخرة.
158. وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ: وسواء مات الميت منكم على فراشه، أو قتل في ساحة المعركة، فإن مصيره إلى لله سبحانه وتعالى فعليه أن يخلص نيته وأن يصدق في عمله وأن يراقب ما بينه وبين ربه، فما دام أن المرجع إليه فينبغي أن تقدم مرضاته، وأن يحذر غضبه، وأن يطاع رسوله صلى الله عليه وسلم.
159. فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ: فبسبب الرحمة التي أودعها الله فيك، والعطف الذي جعله الله في قلبك كنت لينا قريبا سهلا مع المؤمنين. فعفوت عن خطئهم، وسترت خللهم، وتجاوزت عن زللهم، مع أنهم خالفوا أمرك ولم يصمدوا معك في القتال، وهذه رحمة من الله – سبحانه وتعالى – أعطاك إياها، ولو كنت أيها النبي الكريم فظا في قولك، غليظ المعاملة لتفرق عنك أصحابك، ولابتعدوا عن نصرتك، ولكنه لحسن خلقك جمع لله عليك القلوب، وألف عليك الأرواح، فعليك بالعفو عن المؤمنين عما بدر منهم من تقصير في مخالفة أمرك، واطلب من ربك أن يغفر لهم الخطايا والذنوب، فإنه غفار رحيم، وشاور أصحابك في كل أمر ذي بال ليشعروا بقربك منهم؛ ولتكون قدوة للأمة من بعدك، فإذا جد الجد واجتمع رأيك على أمر فاعزم وتقدم وتوكل على ربك سبحانه وتعالى فعليه وحده الاعتماد، وعليه التكلان، فإنه يحب من يفوض الأمر إليه ويعتمد عليه ويثق بحسن اختياره جل في علاه.
160. إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: إذا كتب الله لكم النصر فلن يغلبكم كافر، ولن يهزمكم عدو، وإن كتب الله عليكم الهزيمة فلن ينصركم أحد من الناس، فعليكم بطلب النصر من عنده – سبحانه وتعالى – وذلك بالتوكل عليه والثقة بوعده والرضا بدينه، حينها تنصرون في دنياكم، وتثابون في الآخرة؛ لأن الذي يملك أمر الدنيا وأمر الآخرة هو الله وحده سبحانه وتعالى.
161. وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: ما ينبغي لنبي ولا يحق له أن يخفي شيئا من الغنيمة أو يدخرها لنفسه كما قال بعض المنافقين لما فقدت في يوم بدر بعض الأموال، قالوا: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، وحاشاه بل هو البرئ المطهر المعصوم صلى الله عليه وسلم لان الغلول ينافي الأمانة وهو نوع من الخيانة، فكيف يخون النبي بمال وعرض زائل وقد استأمنه الله سبحانه وتعالى على الرسالة السماوية والدعوة الربانية، ثم خبر سبحانه وتعالى أن من يخون فإنه يأتي يوم القيامة بجريرته وجريمته على رؤوس الاشهاد فيفضحه ربه أمام العالمين، ثم يوفيه الله حسابه وعقابه يوم يوفي سبحانه كل نفس بما كسبت من صلاح أو فساد، وهو سبحانه وتعالى عادل لا يظلم، فلا يضيف لمسئ سيئات لم يعملها، ولا يبخس محسنا حسنات قد عملها، بل هناك القسطاس المستقيم والوزن القويم، وعدل الرحمن الرحيم.
162. أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: هل من سلك ما يحبه الله سبحانه وتعالى من الإيمان به وإتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بما يحبه واجتناب ما يكرهه كمن عاد بالخسران واللعنة والغضب بسبب كفره ونفاقه وإلحاده في دنياه، فله في الدنيا الخزي والعار، وفي الآخرة مأواه النار وبئس المصير.
163. هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ: الناس متفاوتون عند الله عزوجل فالمؤمنون دركات في جنات ونعيم مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وفي النار دركات للمنافقين والكفار والمعرضين عن دينا لله عزوجل والله بصير بعمل كل عامل، فهو سبحانه وتعالى ينزل كل إنسان منزلته في الآخرة على حسب عمله، لا يزيد ولا ينقص، بعدل وعلم وحكمة فما على العبد إلا أن يعمل وأن يخلص عمله ولا يخشى أن يهضم يوم القيامة أو يظلم.
164. لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: لقد تفضل الله سبحانه وتعالى فأكرم المسلمين بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام من جنسهم ومن قبائلهم؛ ليقتدوا به ويكون أسوة لهم يقرأ عليهم آيات الله عزوجل ويبينه لهم الأحكام ويدلهم على أشرف الآداب، ويطهر قلوبهم من الرجس والدنس والشك والريبة، ويعلمهم القرآن والسنة بعدما كانوا تخبطون في الظلمات، ويتعثرون في المخالفات، فلم يكن لهم نور يهدي، ولا إمام يقتدى به، ولا شرع يتحاكم إليه، بل كانوا في غي عظيم وفي ضلال مبين.
165. أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أحين وقعت عليكم هزيمة أد قلت كيف نهزم وقد وعدنا بالنصر ونحن على الحق؟ وكيف يغلبنا المشركون وهم على الباطل؟ فقل لهم يا محمد: سبب الهزيمة منكم أنتم؛ لأنكم عصيتم أمري ولم تعملوا بما وجهتكم به من المكث على جبل الرماة فهزمتم، فاذكروا ولا تنسوا أنكم لما وجهتكم إليه طلبت منكم الصبر على جبل أحد، وأنتم قد هزمتم الأعداء يوم بدر، فإن كان قتل منكم سبعون في أحد، فقد قتلتم أنتم منهم في بدر سبعين، وأسرتم سبعين، فأنتم نلتم منهم ضعف ما نالوه منكم، وكل شىء بقدر من الله سبحانه وتعالى لأنه قدير لا يعجزه شىء حكيم لا عوج في أمره ولا اختلال بصير بعباده.
166. وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ: والذي أصابكم في أحد بسبب عصيانكم للرسول صلى الله عليه وسلم هو بتقدير الله فكل شىء بقضاء وقدر، لحكمة أرادها سبحانه وتعالى حتى يظهر علمه في المؤمنين، ويتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، فيظهر جهاد المجاهد، وزيغ الزائغ، ويبين كل شىء على حقيقته، ويبطل الادعاء.
167. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لأتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ: وليظهر علمه سبحانه وتعالى في أهل النفاق المردة، وليتبين موقفهم ولينكشف أمرهم الذين دعاهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم للجهاد في سبيل الله في أحد أو الدفاع عن المدينة، إن لم يقاتلوا دينا، فيدافعوا من أجل دنياهم، فكذبوا على الله عزوجل وقالوا: لو أننا نتيقن أن هناك قتالا لخرجنا مع الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم كذبوا في ذلك فهم يعلمون أن هناك قتالا، وهم لن يخرجوا لو تحقق لهم الأمر وهم أقرب للكفر، وليسوا أقرب للإيمان، فالإيمان منهم براء؛ لأن المؤمن لا يخالف أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يشق عصا المسلمين، ولا يتخلف عن الجهاد، ولا يوالي أعداء الله، وهؤلاء يتحدثون بألسنتهم كلاما يخالف ما يعتقدونه في قلوبهم، فظاهرهم غير باطنهم وعلانيتهم غير سرهم، فهم يظهرون الملاينة والكلام الحسن، ويبطن الخبث والمكر والكيد للإسلام والمسلمين، ولكن الله كاشف أمرهم، وفاضح سرائرهم وهاتك أسرارهم، لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه غائبة جل في علاه.
168. الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: هؤلاء المنافقون يوصون إخوانهم إما من المسلمين أو من المنافقين، ويقعدون عن القتال هم، ويقولون لمن خرج مجاهدا في سبيل الله بائعا نفسه من الله مضحيا لنصرة دين الله، لو أطاعنا هذا الخارج إلى المعركة ما قتل هناك، ولو أخذ برأينا ما ذهبت نفسه هدرا، فكأنهم تحصنوا من الموت، وامتنعوا من الفناء، فرد الله سبحانه وتعالى على مقولتهم القبيحة فقال: فأنتم إن كنتم صادقين أنكم سلمتم من الموت في المعركة فادفعوا عن أنفسكم الموت وأنتم في بيوتكم، لكنكم لا تستطيعون، وسوف يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة، فهل تستطيعون دفع الموت عن أحد أو تأخير الموت عن أحد، وأنتم لا تستطيعون تأخيره عن أنفسكم؟
169. وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ: ولا يظنن أحد من الناس أن من قتل من أجل إعلاء كلمة الله عزجل شهيدا في المعركة أنه ميت، بل له حياة مخصصة في البرزخ ينعم فيها بجوار رب العالمين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فهو مسرور فرح بمقعده يرزق من ثمر الجنة، ومن أنواع أطعمتها ومن شرابها، فله إكرام مخصوص، وله الإنعام من الله عزوجل لأنه بذل نفسه في سبيل الله.
170. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: هؤلاء الشهداء مسرورون بما وفقهم الله سبحانه وتعالى من بيع أنفسهم منه، ومن نيل الشهادة، ويل الكرامة في جنات النعيم، وفي المقام العالي الآمن، وفي الفوز الأكبر، ويفرحون أيضا لإخوانهم المؤمنين في الدنيا، ويتمنون أن ينالوا الشهادة مثل ما نالوها هم ليشاركوهم في الأجر وفي الثواب العظيم وفي المقام الكريم في جنات النعيم، وهؤلاء الشهداء لا خوف عليهم، فلا يخافون من أهوال القيامة، فقد أمن الله خوفهم، وربط على قلوبهم، وأنزل السكينة عليهم، وبشرهم بالأمن الدائم والسرور والحبور، ولا يحزنون من عواقب سيئات يخافون منها، أو من مغبة خطايا سلفت منهم، بل إن الله حط خطاياهم، وغفر ذنوبهم، وعفا عنهم لتضحيتهم في سبيل الله.
171. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ: هؤلاء الشهداء فرحون بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من هذا النعيم من قرة العين، وبهجة الروح، وحسن الحال، ونضرة الوجه، ورغد العيش، والإقامة الدائمة مع الشباب والصحة، ومع النظر إلى وجه الكريم جل في علاه فالفضل فضله، والنعيم نعيمه سبحانه وتعالى لأن الله سبحانه وتعالى لا يحبط عمل عامل، ولا يضيع سعيه إذا صدق في إيمانه وأخلص في عمله، بل يدخر الله سبحانه وتعالى له أعظم مما فعل، ويجعل عاقبته حميدة في جواره.
172. الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ: هؤلاء المؤمنون المجاهدون في سبيل الله الذين حضروا أحدا، لهم الأجر الدائم، فميتهم شهيد مقيم في جنات النعيم، وحيهم في عزة ينظر النصر والثواب من الله، الذين استجابوا لله ولرسوله من بعدما أصابتهم الجراحات والبلاء والشدة، وبعدما أصابتهم الهزيمة فدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم لمناجزة المشركين لما بلغه أنهم اجتمعوا في حمراء الأسد، فهب المسلمون من ساعتهم، وكان الرجل يحمل أخاه الجريح، وذهبوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام طائعين لأمره بعدما زلزلوا زلزالا شديدا، فهؤلاء الذين أحسنوا الاستجابة وامتثال الأمر والمسارعة إلى إجابة داعي الجهاد، واتقوا الله سبحانه وتعالى في ترك مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم والخروج على جماعة المؤمنين، هؤلاء لهم أجر عظيم عند الله، فمن أجرهم تكفير سيئاتهم، ومضاعفة حسناتهم، ورفع درجاتهم مع الأمن في الجنة وحسن الإقامة ودوام النعيم الأبدي الأزلي في جوار أرحم الراحمين.
173. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: هؤلاء المؤمنون الصادقون المجاهدون قال لهم بعض المرجفين من الموالين لكفار قريش يخوفونهم: إن قريشا قد جمعوا جموعهم، وقد أعدوا عدتهم، وأقبلوا في خيل ورجل يريدون غزوكم، فانتبهوا واحذروا؛ ليدخلوا الرعب في قلوب المؤمنين، فما كان من المؤمنين إلا أن زادهم الله – سبحانه وتعالى – على إيمانهم إيمانا، وعلى صدقهم تصديقا، وعلى ثباتهم ثباتا، فثبتوا أعظم ثبات، ووقفوا أحسن موقف، وذهبوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام والتجؤوا إلى الله فقالوا؛ حسبنا الله ونعم الوكيل، فالله يكفينا من كل عدو، والله يمنعنا من كل غاز، والله ينصرنا من كل محارب، فنحن جنده ونحن حزبه، ونحن معه، ولن نغلب والله معنا، ولن نهزم والله نصيرنا، ولن نخذل والله يؤيدنا.
174. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ: فبعد أن قالوا هذه الكلمة العظيمة واتكلوا على الله سبحانه وتعالى رجعوا بالخير والسلام، والأجر والكرامة، ولم يصبهم أذى، ولم يتعرضوا لمكروه، ولم يلقوا عدوا؛ لأنهم أحسنوا الاستجابة لأمر الله، وكل مستجيب لله يحسن الله عاقبته، ويجعل الدائرة على عدوه، وهؤلاء اتبعوا ما أمر الله به سبحانه وتعالى فإن رضا الله عزوجل في اتباع رسوله المرسل من عنده والله عزوجل يمن على من يهتدي بهداه، ومن يقتدي برسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر في الدنيا والفوز في الآخرة، فإن عاش عاش عزيزا، وإن مات مات مرحوما مكرما منعما في جنات النعيم.
175. إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: ويا أيها المؤمنون، إن هذه التخويفات، وهذا الإرجاف إنما هو من الشيطان، يخوفكم بأوليائه، ويرسل أتباعه وأعوانه يبثون الرعب في قلوب المؤمنين، فاصمدوا وثقوا بالله عزوجل وتوكلوا عليه وفوضوا الأمر إليه ولا تخافوا أتباع الشيطان ولا أولياءه وعليكم بخوف الواحد الأحد عزيز الجانب القوي الذي لا يغالب الذي بيده الضر والنفع، والموت والحياة، فإن المؤمن الصادق لا يخاف غير الله عزوجل فإن الناس لا ينفعون ولا يضرون، ولا يحيون ولا يميتون، ولا يصلون ولا يقطعون ولا يعطون ولا يمنعون إلا بإذن الله.
176. وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: ولا تحزن أيها الرسول من هؤلاء الذين يذهبون إلى الكفر ويتعمقون في الضلالة ويستمرون في الغواية، فإنهم لن يضروا إلا أنفسهم، ولن يدخلوا الضر على الله سبحانه وتعالى فالله غني عن العباد لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي، وإنما أراد الله سبحانه وتعالى يوم كتب عليهم الكفر ألا يدخر لهم ثوابا في الآخرة من النعيم ودخول الجنة ولا يكتب لهم في الدنيا عزة ولا نصرا، وإنما فعل بهم هذا الفعل ليمحقهم ويذلهم ويكرم المؤمنين على أيدهم، وادخر أيضا لهم عذابا مؤلما فظيعا في الآخرة جزاء ما فعلوا من القبيح وما قدموا من الإساءة.
177. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: هؤلاء المنافقون الذين باعوا الإيمان واستعاضوا به الكفر، ضررهم على أنفسهم، وكيدهم يعود عليهم، والله عز وجل لن يتضرر من إدبار مدبر، ولا من كفر كافر، ولا من نفاق منافق فله العزة المطلقة، الغنى المطلق جل في علاه وما يضرون إلا أنفسهم وسوف يجزيهم على سوء هذا الصنيع وعلى قبح هذا التصرف منهم.
178. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لُهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ: لا يظنن الكفار أننا إذا أمهلناهم في هذه الحياة ولم نعاجل لهم العقوبة، ولم نقدم لهم النكال والعذاب أنه لخير لهم عندنا، أو أننا ادخرنا لهم الثواب، بل نريد من تأخير العقوبة بهم وإمهالهم أن يبقوا أطول مدة ليزدادوا من الخطايا، ويتكثروا من السيئات، ثم ينقلبوا إلينا في الآخرة لننزل بهم أشد أنواع العقوبات، وأفظع النكال في نار الجحيم.
179. مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ: ما كان الله ليترك المخلصين منكم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه حتى يتميز المخلص الصادق من المنافق الكاذب، بما يوحيه إلى نبيه وإخباره بأحوالكم، والله عزوجل لا يطلع العباد على الأسرار التي لا يعلمها إلا هو، ولكنه سبحانه وتعالى يكتب الابتلاءات والمحن والشدائد، فيظهر هذا من هذا فلولا البلاء لما عرف الأتقياء من الاشقياء، ولولا البلاء لما اطلع المؤمنون على نفاق المنافقين، والله سبحانه وتعالى لا يكشف الغيب لكل أحد من عباده، ولكنه يختار سبحانه من عباده رسلا يطلعهم على بعض الغيب، وعلى أسرار القضاء والقدر، فيخبرون أقوامهم بشئ من ذلك، فأنتم ليس عليكم مطالعة الغيب واكتشاف أسرار القدرة، لكن عليكم الإيمان بالله عزوجل واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والتسليم لأمره سبحانه والجهاد في سبيله وأنتم إذا فعلتم الواجب عليكم من الإيمان وفعل المأمور وترك المحظور والقيام لله سبحانه وتعالى حق القيام بما يحبه ويرضا، فالله سبحانه وتعالى يدخر لكم الثواب الجزيل، والأجر العظيم في جواره ومع أوليائه.
180. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: ولا يظن الأغنياء الذين يمسكون أيديهم ولا ينفقون في سبيل الله ولا في وجوه الخير أن إمساكهم للمال ينفعهم ويحصنهم من النكبات والنوازل بل إن هذا الإمساك هو مقت عليهم وعذاب لهم في الآخرة ومحق لبركة رزقهم وقسوة في قلوبهم وسيجعل الله سبحانه وتعالى هذا المال طوقا في عنق الواحد منهم من النكال والعذاب يلازمه في نار جهنم بسبب بخله وإمساكه وتقتيره على نفسه وإلا فإن الواحد الأحد له ما في السموات والأرض ليس بحاجة إلى إنفاق هؤلاء ولا إلى صدقتهم فهو رب السموات والأرض ومالك ما فيهما وهو يرث سبحانه وتعالى كل غني وفقير لأنه يرث الأرض ومن عليها فسوف يحاسبهم بهذه الأموال لأنه سبحانه وتعالى خبير بما اقترفوه عليم بما فعلوه مطلع على ما صنعوه.
181. لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ: سمع الله مقالة اليهود الشنيعة القبيحة قاتلهم الله التي قالوا فيها: إن الله فقير؛ ولذلك يطلب القرض ما ويدعونا للإنفاق، ولو كان غنيا لاستغنى عن أموالنا ولم يطلب منا أن نتصدق وأن ننفق فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه سوف يسجل عليهم هذه المقولة القبيحة،وهذه الكلمة النابية؛ ليحاسبهم بها، وأيضا سوف يأخذهم بما فعلوه في سابق الزمان من قتلهم لأنبياء الله عزوجل وسوف يوردهم النار ليحرق أجسامهم التي تربت على السحت ويمزق أوصالهم التي نبتت بالمال الخبيث، فالله سبحانه وتعالى له ما في السموات والأرض، وهو الغني عن كل أحد، ولكنه أراد من العبد أن يتصدق على نفسه بشئ من المال يعطيه الفقير والمحتاج والمسكين.
182. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ: وهذا العذاب الذي يحل بهؤلاء الفجرة من اليهود وأمثالهم إنما هو بسوء صنيعهم، وبما فعلوه في الدنيا من التكذيب ونكث العهد ونقض الميثاق، وقتل الأنبياء والبخل بالمال، وأكل السحت وقول الكذب وتناول الرشوة والتزوير في الكتاب، والتحريف للكلام والتبديل للمعاني؛ لان الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا، وليس في حاجة أن يوقع العقاب بمن لا يستأهله، فإن العباد عباده، فتقيهم مأجور، وشقيهم معذب مهان؛ حكمة من الباري جل في علاه ليوفي كل نفس بما كسبت.
183. الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: هؤلاء اليهود افتروا على الله فرية وكذبوا على الله كذبة فقالوا: نحن لا نؤمن لأي رسول يبعث إلا إذا أتانا بعلامة واضحة، وهذه العلامة أن يأتينا بكبش أو بناقة أو ببقرة فيقدمها فتنزل نار من السماء، فتحرق هذا القربان الذي قدمه، فرد الله عليهم سبحانه وتعالى قولهم بأن هذا كذب وافتراء، فلم يعهد الله لهم ذلك، ولم يوصهم به، ولم ينزل عليهم هذا في أي كتاب من كتبه، ثم قال لهم: قل لهم يا محمد: قد جاءكم من قبلي رسل بالبينات الواضحات والآيات الباهرات والدلالات والمعجزات، وأتوكم أيضا بما طلبتم من القرابين وما ذكرتم من العلامات ولكنكم كذبتموهم وقتلتموهم وكفرتم بما أنزل عليهم فلم فعلتم هذا الفعل بأنبيائكم وتطلبون من غير أنبيائكم هذه العلامات؟ إنكم إذا مفترون على الله، كاذبون على دينه، خارجون عن طاعته.
184. فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ: فإن ردوا رسالتك يا محمد وأعرضوا عن دينك وكذبوا بما بعثت به، فقد سبقك رسل جاؤوا بالآيات البينات والمعجزات، وجاءوا بالكتب السماوية، وأتوهم بالهدى الواضح والحكم النيرة والمواعظ المؤثرة، ولكنهم كذبوهم، وحاربوهم وقتلوهم، فأنت لست بدعا في هذا الطريق، ولست أول من كذب فاصبر واحتسب.
185. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ: كل نفس ستذوق كأس الموت لا محالة، ولا استثناء أحد من ذلك، وهذا فيه وعد للمؤمن بأن الله سوف يثيبه بعد وفاته، ووعيد للمكذب الفاجر بأن الله سوف يعاقبه بعد موته، وسوف توفون أيها الناس أجور أعمالكم بعد موتكم إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فليست هذه الدنيا دارا لإثابة المطيع ومعاقبة العاصي، وإنما الدار هناك حيث يوفي الله سبحانه وتعالى كل نفس ما كسبت، وإلا فالدنيا دار قصيرة حقيرة، لا يمكن أن تكون زمنا لتنعم المؤمنين، ولا معاقبة الكافرين، والآخرة خير وأبقى، وفيها الحياة الحقيقية فمن بعد عن نار جهنم فقد حصل على الفوز العظيم والرضوان الكبير، وليس الفوز هو ما يدعيه بعض الجهلاء والسفهاء من أنه نيل المناصب العالية والأموال الكثيرة، وجمع الحطام الفاني والتباهي في هذه الدار بزينتها وزخرفها وكثرة الأولاد وسعة الدور والقصور والشهرة والجاه عند الناس، فليست هذه الدار إلا أحلام نائم، وخيال عابر زائل، وأمان مضمحلة، وثوان معدودة.
186. لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ: لتمتحن بالمصائب والحوادث والكوارث في أموالكم بالنفقة الواجبة، وبالجائحات السماوية وبالآفات الأرضية وبذهاب هذه الأموال بالسرقات والتلف والإحراق وغيره؛ ليعلم سبحانه وتعالى من يصبر ومن يحتسب، وسوف تبلون في أنفسكم بالأذى الشديد والابتلاء الأكيد والمحن والزلازل والفتن؛ ليثبت من يثبت على حق، وينحرف من ينحرف عن بينة، وليمحص الله الذين آمنوا ويظهر نفاق المنافق، وكفر الكافر حكمة من الله وسنة ماضية، وسوف تسمعون من اليهود والنصارى، ومن وثنيي العرب من الاستهزاء والسخرية والتكذيب والعناد والمحادة والصدود عن دينكم ومحاربتكم وتأليب الناس عليكم، والتحزب ضدكم، فإن صبرتم بالثبات على دينكم، وأداء ما أمركم الله به واجتناب ما نهاكم عنه واتقيتم بفعل المأمور واجتناب المحظور فهذا الذي يعينكم على إصلاح أنفسكم وعلى قوام أمركم وعلى الهمة التي منحها الله لكم بسبب هذا الصبر والتقوى والعزيمة الماضية التي تثمرها الطاعات، وتنتجها عبادات، حينها تنتصرون بإذن الله على كل عدو لكم.
187. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ: واذكروا يوم أخذ الله سبحانه وتعالى العهد الوثيق والميثاق الغليظ على اليهود والنصارى أن يبينوا للناس الكتب التي نزلت إليهم من التوراة والإنجيل، ويظهر للناس حكم الله سبحانه وتعالى في هذه الكتب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحلال والحرام وأمروا أن يبينوا ما أوتوه تعليما وفتيا وقضاء ولا يجحدوا شيئا منها ولا يخفوا أمرا من أمورها ولكنهم طرحوا ذلك ونبذوه خلف ظهورهم كالمعرض وكالمستهزئ بأمر الله سبحانه وتعالى واستعاضوا مكان هذا الكتاب المقدس ثمنا بخسا رخيصا حقيرا تافها من حطام الدنيا الزائل المضمحل، فبئس والله ما استعاضوا به بدل الرفعة بالعلم والإمامة في الدين والثناء عند الله وعند خلقه والمكانة الباقية والذكر الحسن والخلود في جنات النعيم.
188. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: لا تعتقد أن من فرح بما فعل، وأحب أن يحمده النسا بما لم يفعل، فلا تعتقد أنه بعيد عن عذاب الله وأخذه، فإن بعضهم يفرح بما فعل ولو كان خطأ ولو كان معصية ويتبجح بذلك عند الناس مثلما فعل اليهود لما سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن شىء مما أنزل عليهم فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وخرجوا من عنده وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا من كتمان ما سألهم عنه صلى الله عليه وسلم فباؤوا بخسران من الله عظيم، وربما دخل في ذلك من فرح بمديح الناس وطلب المنزلة عندهم، وسعى إلى الجاه لديهم، وإلى المكانة في صدورهم، فيمحق الله سعيه ويبطل عمله لأنه أراد غير الله سبحانه وتعالى.
189. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: والأمر لله سبحانه وتعالى فكل ما في السموات والأرض ملك له، فهو يتصرف فيهما كيف يشاء خلقا ورزقا وتدبيرا وإحياء وإماته ومجازاة ومحاسبة، فالواجب أن يقصد هو بالعمل وأن يعبد وحده، وهو سبحانه وتعالى قادر على كل شىء ولا يغلبه أمر ولا يعجزه شىء ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، فهذا الإله الذي هذا وصفه حقيق أن يخاف، وأن يتقي، وأن يخشى، وأن يعامل وحده، وأن يخلص له السعي، ولا يطلب الثناء ولا الحمد ولا الجزاء من غيره جل في علاه.
190. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ: في خلق السموات المرتفعة، وهذا السقف المحفوظ وما فيه من آيات بينات من شمس وقمر ونجوم وكواكب ومجرات مع ارتفاع هذا البناء وحسن نظامه وروعه بنائه، وكذلك الأرض وبسطها للناس وتسويتها، وإيجاد الجبال فيها والروابي والهضاب والبحار الواسعة والمحيطات الكبيرة وشق الأنهار، وأيضا خلق الليل إذا أقبل بظلامه وغطى العالم بسرباله، وما فيه من آيات كالقمر والنجوم والكواكب، والنهار الذي تطلع فيه الشمس ببهائها وصفائها وإشراقها كل هذا دلالات لمن أراد أن يتفكر في خلق الله وأن ينظر في بديع صنع الله ولكن لا يعتبر بذلك إلا من كان له عقل مفكر وبصيرة حية، وضمير واع، أما ميت القلب خاوي الضمير أعمى البصيرة فلا ينتفع من هذه الآيات لأنه لا لب له ولا عقل ولا بصيرة، بل هو كالبهيمة التي لا يطمع منها التفكر ولا النظر في صنع الله وآياته.
191. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: وهؤلاء الذين يتفكرون في خلق الله هم الذين يذكرونه ويداومون على ذكره بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم، يذكرونه قياما وهم يمشون في مصالحهم وفي أسواقهم وطرقاتهم، ويذكرونه إذا جلسوا في مجالسهم ومساجدهم ودروسهم ومناسباتهم الخاصة والعامة، ومن حبهم له سبحانه أنهم يذكرونه أيضا وهم على جنوبهم مستقبلين النوم في وقت الراحة بعد التعب والإعياء ومع ذلك لم يشغلهم شاغل عن ذكره ويديمون التدبر لآيات الله وخلقه في السموات والأرض، فينظرون إلى كل آية بصفتها دليلا من أدلة القدرة، وينظرون إلى كل مخلوق على أنه سطر في كتاب المعجزة يدل على الباري – سبحانه وتعالى – فهذه الكائنات إنما هي حروف ناطقة، وشهادات باقية على عظمة العظيم جل في علاه وعلى قدرته وحكمته وبديع صنعه، وهم يقولون إذا رأوا ذلك وجلين خائفين: يا ربنا نشهد أنك ما خلقت هذا عبثا وباطلا، بل أوجدت هذا الخلق لحكمة وأبدعته بقدرة وصورته لمقصد تقدست عن الأنداد وتنزهت عن الأضداد فتباركت يا ربنا فنسألك أن توفقنا للعمل الصالح الذي نفعل فيه ما أمرتنا به، ونجتنب ما نهيتنا عنه، ليوصلنا ذلك على ان تنجينا من عذاب النار، وتحمينا من غضبك ومن سوء عقابك.
192. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: وهم ينادون ربهم وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ويشتكون إليه أن من أدخله سبحانه وتعالى ناره فقد أخزاه وأذله وأبطل سعيه، فهم سيعيذون من ذلك ويرجونه سبحانه وتعالى وهو الغفار أن يجنبهم النار؛ لأن من دخل النار فقد استوجب غضب الجبار، فليس له ناصر ينصره فيدفع عنه العذاب، ولا ولي يجلب له النفع، وكل من أشرك بالله فهو ظالم، وكل ظالم مستحق للعقوبة بلا شك.
193. رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ: ويا ربنا وخالقنا ورازقنا إننا سمعنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ينادي بالقرآن، ويدعو إلى دينك وإلى توحيدك وإلى طاعتك فاستجبنا له، وسمعنا كلامه واقتدينا بسنته واهتدينا بهداه واتبعنا طريقه فنسألك يا ربنا أن تستر ما العيوب وأن تغفر لنا الذنوب، وأن تكفر عنا السيئات والجرائم، وكل ما اقترفنا، ونسألك أن تختم لنا بخير، وأن تثبتنا على الحق حتى تتوفانا مع أوليائك وأتباع رسلك، وقد رضيت عنا وختمت لنا بخير وتوفيتنا على الملة.
194. رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ: ونسألك يا ربنا أن تحقق لنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من الثواب الجزيل، وغفران الذنب والتجاوز عن الخطيئة وجوارك في جنات النعيم، والفوز بالنظر إلى وجهك الكريم، ولا تفضحنا يا ربنا ولا تذلنا ولا تهنا على رؤوس الأشهاد يوم تجمع الأولين والآخرين، إنك يا ربنا لا تخلف ما وعدت، فإنه لا أصدق منك قيلا، ولا أحسن منك حديثا، فنحن ننتظر ما وعدتنا به، ونستنجز ما أخبرت به، وننتظر ما ذكرته في كتابك وعلى لسان رسولك صلى الله عليه وسلم.
195. فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ: فقبل الله دعوتهم وحقق أمنيتهم ولبى سؤالهم وأخبرهم سبحانه وتعالى أنه لن يترك سعي ساع ولا إثابة محسن بل ادخر لهم الأجر العظيم، والنعيم المقيم سواء كانوا رجالا أو نساء، فإن النساء شقائق الرجال، والرجل والمرأة متعاونان على طاعة الله عزوجل من الإيمان والهجرة والدعوة والجهاد، فالرجال مثل النساء، والنساء مثل الرجال؛ لأنهما من آدم وحواء، وكلهم شرفوا بالرسالة، فالذين خرجوا من أوطانهم من الرجال والنساء، وفارقوا ديارهم وأهلهم وأموالهم ومراتع شبابهم، ومغاني صباهم، وطردوا من بيوتهم، وأوذوا في سمعتهم وفي أعراضهم، ونكل بهم وعذبوا بسبب دينهم، ونالهم من الأسر والطرد والتشريد والقتل والجراحات وقاتلوا أعداء الله سبحانه وتعالى وثبتوا في المعارك، وصمدوا في الأزمات وقتلوا في سبيل الله شهداء، فقد أقسم سبحانه وتعالى أن يكفر عنهم سيئاتهم، ويغفر زلاتهم، ويمحو خطيئاتهم، ثم يدخلهم جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فينعمهم هناك، ويثيبهم في داره التي بناها بيده، وهذا الأمر هو جائزة لهم على حسن عملهم وعلى كريم سعيهم، والله سبحانه وتعالى يثيب أحسن الثواب، وأجل العطاء وأعظم الهبات، فإن عطاءه لا يشبهه عطاء، وهبته لا تعادلها هبة.
196. لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ: لا تنخدع بما يظهر لك من حال الكفار وتقلبهم في المناصب والأموال والنعم واللذات العاجلة والشهوات الزائلة، والأماني الخداعة، فإن هذه دنيا لا يغتر بها ولا يوثق بها ومتاع الكافر منها كمتاع الدابة، وكحياة البهيمة، ليس إلا!!
197. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ: وهذا كله الذي يمر به الكفار إنما هو وقت قصير، ومتاع زائل حقير لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله عزوجل في جنات النعيم، فإن هؤلاء الكفار يقضون شهواتهم في عجل وهم مستعجلون، ويمرون بالحياة مرورا ثم يأوون في الآخرة إلى نار جهنم التي مهدوها بسوء أعمالهم، وفرشوها بقبائح صنيعهم؛ ليجدوا سعيهم القبيح، وعملهم الخبث ينتظرهم هناك.
198. لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ: أما الذين خافوا ربهم وراقبوه وعملوا بما أحبه وتركوا ما أسخطه، فهؤلاء لهم نعيم مقيم، ولهم مقام طيب آمن في جار ربهم من الحدائق الغناء والبساتين الفيحاء، والقصور والدور والأنهار، وهم مع ذلك مخلدون لا يخشون انتقالا ولا يخافون هرما ولا ينتظرون سقما ولا يجدون نصبا ولا تعبا ولا مشقة، وهذا كله مهيأ لهم وجائزة من الله سبحانه وتعالى وهبة من عنده جل في علاه لأنه لما وفقهم إلى العمل ادخر لهم أحسن الجوائز، وأعظم الهبات، وما عنده سبحانه وتعالى خير مما يحصل للكفار في الدنيا من الربح في الأسفار، وجمع الدرهم والدينار، والتباهي بالقصور وسكني الدور، ولكنه غرور.
199. وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: من اليهود ومن النصارى فريق يؤمن بالله عزوجل وما أنزل على رسلهم وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فيجمعون بين الإيمان بأنبيائهم وبالنبي العربي الأمي صلى الله عليه وسلم وهم مع ذلك خائفون من ربهم، موقنون بموعوده عاملون بشرعه ولا يستبدلون دين الله عزوجل بعرض فإن من الدنيا، ولا بثمن بخس من الحياة، لا من مناصبها ولا من أموالها، بل ثابتون على دينهم صادقون في طاعة ربهم متبعون لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لا يبخسهم الله سبحانه وتعالى أجرهم، ولا يضيع سعيهم، بل لهم أجر عظيم عند ربهم فالله سبحانه وتعالى يرحمهم في ذلك اليوم العظيم، وهو سريع الحساب، وهو يحاسب العدد الكبير في الوقت القصير، وقد اطلع على أعمالهم وعلم نياتهم جل في علاه وهذا من العدل في الحكم فالواجب على الإنسان أن يفرق في الحكم بين المهتدي والضال، والمصيب والمخطئ فإن الله عزوجل استثنى بعض أهل الكتاب حكمة منه وعدلا لا إله إلا هو لأنهم أصبحوا في عداد المسلمين.
200. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أيها المؤمنون، ‘ليكم بالصبر على الطاعات وأدائها على أكمل وجه، والصبر عن الشهوات والمعاصي والمخالفات باجتنابها والتوبة منها، والصبر على أقدار الله المؤلمة وعلى قضائه المر بحسن العبودية واحتساب الأجر وعدم السخط والجزع، وعليكم بمصابرة الأعداء ومنازلتهم ومغالبتهم ومراغمتهم في المعارك وساحات القتال وفي ميادين النضال العلمي والردود عليهم ومجاهدتهم، وعليكم أيضا بالمرابطة في ثغور الجهاد العملية، والمرابطة في أوقات العبادات، وملازمة المسجد للصلوات الخمس كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك رباط لما ذكر الوضوء وكثرة الخطى للمساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فمن صبر وصابر ورابط فاز بالأجر العظيم والنعيم المقيم، وأعطاه الله أشرف الجوائز وأعظم الهبات ووصل إلى أعلى المراتب، ونال أسمى المطالب، بسبب أنه تعبد الله عزوجل في المواطن كلها في موقف الطاعة وفي موقف المعصية، وفي موقف الابتلاء فكان من عباد الله المخلصين، ومن أوليائه الصادقين جعلنا الله منهم.
سورة النســاء
1. يأيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا: يا أيها الناس، خافوا ربكم وراقبوه واخشوه، فقد خلقكم من إنسان واحد، وهو آدم، وخلق من آدم حواء، فسبحان من خلق حيا من ميت، كما خلق ميتا من حي، وهو آدم، فأنتم أبناء رجل واحد، وأم واحدة، فراقبوا الله في هذه الأخوة الإنسانية التي تربطكم، وهذا النسب الذي يوحد بينكم، وهذا الحسب الذي يجمعكم، وهو سبحانه وتعالى نشر من آدم وحواء بشرا كثيرا، وخلقا لا يعد ولا يحصى، ثم عليكم باتقاء الله سبحانه وتعالى في كل شؤونكم وفي كل أموركم وراقبوا الله في أرحامكم، فلا تقطعوها لأنه سبحانه وتعالى يعلم أعمالكم، ولا تخفى عليه أحوالكم وهو يسمع أقوالكم ومطلع على ما في سرائركم عالم بما في ضمائركم، وهو رقيب على كل شؤونكم حذر الله عباده من التفريط في رابطة التقوى التي تصعد بهم إلى منزلة كمال الوحدة الإنسانية ورابطة الرحم التي تقوي ذلك.
2. وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا: وعليكم بأن تدفعوا أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا سن الرشد، ولا تأكلوا أموالهم التي هي محرمة عليكم وتتركوا أموالكم التي أحلها الله وجعلها طيبة لكم، فيحملكم الطمع والجشع على الاستيلاء، على أموال هؤلاء الضعفاء أموالكم التي أحلها الله وجعلها طيبة لكم، فيحملكم الطمع والجشع على الاستيلاء على أموال هؤلاء الضعفاء المساكين، فتتركون ما أباح الله، وتأكلون ما حرم الله وإن فعلتم ذلك فإنه ذنب عظيم وظلم أثيم، ومنكر من العمل.
3. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا: وإذا خشيتم عدم العدل في مهر اليتيمة بحيث لو تزوجتم منها ولم تعطوها ولم تدفعوا لها المهر الذي يدفع لمثلها من غير اليتامى، فتزوجوا غيرها من النساء، ولو تزوج كل رجل اثنتين أو ثلاثا أو أربعا ولم يزد على ذلك من الحرائر فله ذلك؛ لأن الله أبح التعدد إلى أربع، ولكن إذا خشي الإنسان ألا يعدل بين زوجاته في السكني أو النفقة أو نحو ذلك وظن أنه سوف يجور ويظلم إحداهن فلا يوفيها حقها، فعليه أن يتزوج واحدة فقط، فهو أقرب للعدل وإذا لم يستطع ولم يكتف بواحدة وخاف من الجور لو تزوج أكثر من واحدة، فله أن ينكح من السراري ما شاء، فإنه أحسن له وأبعد عن الجور والظلم.
4. وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا: على المسلم أن يعطي المرأة مهرها ولا يستعلي عليها بهذا المهر، فإنه حق لها وهو أقل الواجب لها، ولكن إذا تفضلت وسمحت نفسها بشىء من المهر على طريق الهدية فلا بأس أن يأخذه الزوج حلالا طيبا.
5. وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا: لا تعطوا من يسرف من النساء واليتامى وغيرهم الأموال التي تحفظونها لهم، أو أموالكم على سبيل الهبة التي بها نظام حياتكم وصلاح أموركم وتسديد مراداتكم في الحياة؛ لأنهم سوف يتلفونها لسفههم وسوء تدبيرهم، ولكن أطعموهم من هذا المال بما يكفي مثلهم، وألبسوهم من الثياب ما يسترهم ويجملهم، ولينوا لهم في القول حتى تجبروا خواطرهم وتقنعوهم بأحسن الألفاظ وأطيب الأقوال وفي الآية تنفير من الإسراف وبيان مغبته وأنه من شأن السفهاء.
6. وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا: واختبروا هؤلاء الأيتام إذا بلغوا سن الرشد، فإذا علمتم منهم الرشد وحسن التدبير وجميل التصرف، فلا بأس بدفع الأموال إليهم دون أن تؤخروها، ولا يجوز أكل أموالهم بطريق الحيلة والمسارعة إلى أكل هذه الاموال قبل أن يرشدوا: لأن بعضهم ينفق من مال اليتيم قبل أن يكبر فيطالبه اليتيم فيسارع بإتلاف هذا المال، وإذا كان من الأولياء من هو غني فيتعفف عن أكل مال اليتيم، فقد أغناه الله عن ذلك، أما إذا كان الولي فقيرا فعليه أن يأخذ بقدر حاجته الضرورية ولا يزيد على ذلك، كأجرة مثله من الأجانب، ومنها أجرة العامل ونحو ذلك، فإذا أعطى الولي اليتيم ماله بعد أن يرشد فعليه أن يشهد على ذلك لئلا يقع الخطأ أو الجحد بعد القبض، وكفى بالله محاسبا للناس ورقيبا على أعمالهم، وأحوالهم، وسوف يحصي كل هذه التصرفات ليجازي العباد بها، فهو أهل أن يراقب وأن يخشى ويتقي سبحانه وتعالى.
7. لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا: للأولاد والبنات حق في الميراث مما تركه آباؤهم وأقاربهم، سواء كان الميراث قليلا أو كثيرا، أو كان مما يصلح للرجال من عدة الحرب أو ما يصلح للنساء من الحلي ونحو ذلك، وهذا رد على شريعة الجاهلية الآثمة التي كانت تحرم المرأة الميراث وتجعله للرجل وتقول كيف نورث من لا يشد في المعركة شدا، ولا يستقبل وفدا، فكذبهم الله سبحانه وتعالى ورد عليهم وجعل للمرأة حقها نصيبا ثابتا وحظا مقررا وقسما محددا، لا يجوز الجور فيه ولا إهماله بحال من الأحوال.
8. وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا: وإذا حضر قسمة التركة بعض الأقرباء الذين لا يرثون أو بعض اليتامى والمساكين الغرباء، فقدروا لهم شيئا من هذه التركة، من أجل تطييب خواطرهم، وقولوا لهم كلاما جميلا طيبًا.
9. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا: وليتذكر الأوصياء على اليتامى حال أولادهم إذا ماتوا وتركوهم يتامى ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، هل يرضون لهم الذي والضعف وضياع المال؟! فليتقوا الله إذن في أفعالهم وليخاطبوا اليتامى باللين والعطف والحنان كما يخاطبون أولاده.
10. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا: الذين يعتدون على أموال اليتامى فيأخذونها بلا حق شرعي، وبلا موجب، ويستبيحونها لأنفسهم فهم بفعلهم هذا يجعلون لأنفسهم طريقا إلى النار، فهم إنما يأكلون حراما وسحتا يوصلهم إلى عذاب الجحيم الذي لا يطاق، تلك النار الهائلة المستعرة التي لا يصلاها إلى الأشقى، فعليهم أن يتوبوا من أكل أموال اليتامى ويردوا إليهم أموالهم كاملة، وأن يخافوا الله سبحانه وتعالى في هؤلاء المستضعفين.
11. يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا: في هذه الآية تفصيل لأحكام المواريث التي وردت بالإجمال في الآية السابعة من هذه السورة، أي يأمركم الله ويعهد إليكم، بالعدل في شأن ميراث أولادكم الذكور منهم والإناث، فإذا ترك الميت أبناء وبنات، فللابن ضعف ميراث البنت، وإذا لم يكن للميت إلا الإناث، وكن اثنتين فأكثر، فلهن الثلثان من التركة، وإن كانت بنتا واحدة، فلها نصف تركة أبيها، وإنما كان نصيب الذكر ضعف الأنثى لكثرة التزاماته فهو الذي عليه المهر، والنفقة، والإنفاق على الأسرة، بينما الأنثى لا تكلف بشئ من الإنفاق، ولكل واحد من الأب، والأم سدس التركة، إن كان للميت ولد ذكر أو أنثى فإن لم يكن له من يرثه من الأولاد، وليس له وارث إلا الأب والأم، فللأم ثلث التركة، والباقي للأب، فإن كان له إخوة اثنان فأكثر فلأمه السدس، وتقسم التركة كما فرضها الله، من بعد تنفيذ وصية الميت، وقضاء ديونه للعباد، ولقد تولى تعالى قسمة المواريث بنفسه، ولم يتركها لأحد من خلقه، لئلا يقع حيف أو ظلم، ولو ترك الأمر إلى البشر، لضاعت حقوق كثيرة؛ لأنكم لا تعلمون من هو أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم، فاتركوا الأمر لخالق العباد، فهو أعلم وادي بما يحقق مصالح البشر.
12. وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ: ولكم أيها الأزواج نصف ما تركته زوجاتكم، إن لم يكن لزوجاتكم ولد منكم أو من غيركم، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من الميراث، من بعد الوصية، وقضاء الدين، ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إن لم يكن لكم ولد مطلقا، إن كان لكم ولد فلزوجاتكم الثمن مما تركتم من الميراث، من بعد إخراج الوصية وقضاء الدين عن الميت، وإذا ان الميت لا آباء له ولا أولاد وهذا معنى الكلالة وورثه بعض الأقارب، كالأخ، أو الأخت من الأم، فلكل واحد منهما السدس، فإن كان الإخوة والأخوات من الأم أكثر من واحد، فإنهم يقتسمون الثلث بالسوية، ذكورهم وإناثهم في القسمة والاستحقاق سواء، لقوله سبحانه "شركاء" والشركة تقتضي المساواة، وهذه القسمة تكون بعد تنفيذ الوصية، وقضاء الدين، ويشترط في الوصية أن تكون للمصلحة، لا بقصد حرمان أحد من الورثة، أو الإضرار به، كأن يوصي بأكثر من الثلث، هذه وصية الله إليكم، ومن رحمته تعالى أنه لا يعجل العقوبة لمن خالف أمره.
13. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: الأحكام التي ذكرت فرائضه وأوامره التي لا يجوز أن تخالف أو يتعدى فيها، ومن يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى بتقواه وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباعه فجزاؤه عند الله أن يكرمه بالجنات التي ادخرها لأوليائه، وهي حدائق جميلة وبساتين بديعة تجري من تحت قصورها ودورها المياه العذبة والأنهار السائحة، وجزاؤهم أن يمكثوا فيها بلا فناء، وأن ينعموا فيها بالبقاء مع صحة بلا سقم، وحياة بلا هرم، وغنى بلا عدم، وأمن بلا خوف ولا حزن.
14. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ: ولكن من يخالف أمر الله سبحانه وتعالى ويخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يلتزم أمره ويقع فيما نهى عنه، ولا ينفذ أحكامه التي شرعها لعباده فجزاؤه نار جهنم يصلي حرها مع الإهانة والإذلال والأغلال والأنكال خالدا مخلدا لا يزول عذابه ولا يخفف عقابه.
15. وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا: والنساء اللواتي يرتكبن فاحشة الزنا فعليكم أيها الرجال أن تشهدوا عليهن أربعة من الرجال العدول الثقات بحيث لا يكون في الشهادة جور ولا إثم، وبحيث يكون الشهود عدولا، فإذا شهدوا شهادة واضحة لا لبس فيها ولا تدليس، فعليكم بحبس النساء في البيوت إلى وقت الموت فلا يخرجن من البيوت؛ نكالا لهن وتأديبا على ما فعلن وتعزيا على سوء صنيعهن، أو يجعل الله سبحانه وتعالى طريقا آخر وحلا غير هذا، وقد نسخ الله هذه الآية، فحد الحد سبحانه وتعالى في الزنا وبينه وشرحه للناس كما في أول سورة النور.
16. وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا: والرجل والمرأة إذا اقترفا فاحشة الزنا فعليكم بتأديبهما وتعزيرهما وتوبيخهما وجلدهما، فإن أقلعا عن الفاحشة وتابا إلى الله وأصلحا فيما بينهما وبين ربهما فعليكم بعدم تذكيرهما بالذنب، والإعراض عنهما، وكف الأذى عنهما؛ لأن الله سبحانه وتعالى يتوب على من تاب، ويعود بلطفه على من أناب، وهو سبحانه وتعالى واسع الرحمة لمن عاد إليه، ومهما ارتكب من الكبائر والفواحش فعليكم أيضا أن تعودا على من تاب بالإعراض والكف عن إيذائه.
17. إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: التوبة الصحيحة المتقبلة التي يتوب لله على أصحابها هي التي تحصل من قوم ارتكبوا المعصية عن سفه وجهالة، ثم شعر أحدهم بالذنب والندم والأسف والانكسار، فعاد إلى ربه سبحانه وتعالى وأناب وأقلع وانخلع من ذنبه واعتذر إلى ربه، لا كالذي يرتكب الأخطاء عن عمد وعن علم وسخرية واستهزاء بربه، وتهاون بأمر مولاه، فمن عاد إلى ربه تعالى بعدما ارتكب الذنب عن سفاهة وجهل، وأناب وصدق فإن الله سبحانه وتعالى يغفر ذنبه ويستر عيبه، ويبدل سيئاته حسنات، ويكرم مثواه؛ لأن الله سبحانه وتعالى عليم بمن صدق في توبته وعاد إلى مولاه بإخلاص، وهو حكيم سبحانه وتعالى يضع كل شىء موضعه، لا يعذب غير من يستحق العذاب، يعطي كل إنسان ما يستحقه من ثواب أو عقاب بحكمة متناهية، وقدرة فائقة.
18. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: والتوبة المتقبلة الصحيحة لا تعطي لمن أسرف في الإجرام، واستمر على الآثام، وارتكب المحارم بعمد، وقصر واستهزأ بوعد الله سبحانه وتعالى ووعيده، فإذا فاجأه الموت وأخذ يعتذ وأخذ يتنصل من ذنوبه، وهذا ليس ممن يستحق التوبة؛ لأنه أسر واستكبر وتجرأ على محارم الله عزوجل وسوف بالتوبة وآخر الإنابة، وكذلك لا يتاب على من مات كافرا، بل هو خالد مخلد في النار، فإن الله لا يقبل من كافر عملا ولا شفاعة، ولا يدفع عنه العذاب يوم القيامة دافع، هؤلاء أعد الله سبحانه وتعالى لهم العذاب الأليم الموجع، والنكال الدائم، والعقاب المقيم.
19. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا: أيها المؤمنون، لا يجوز لكم أن تتلاعبوا بميراث المرأة كما يتلاعب بسقط المتاع، فلا يحل لكم أن تحرموا المرأة ميراثها، أو تتوارثوا المرأة بعد موت زوجها كرها ورغما لها، ولا يجوز لكم أيها الأزواج أن تمنعوا المرأة بعد طلاقها الزواج بزوج آخر لتعودوا إلى ما أعطيتموهن من المهر فتأخذوه ظلما وعدوانا، وهذا فيمن يرغب في أن تفتدي نفسها دون موجب إلا في حالة واحدة أن تأتي المرأة بفاحشة واضحة فإنه يجوز للرجل أن يضيق عليها وأن يعزرها ويؤدبها حتى تفتدي ببعض مالها كما قال بعض السلف، ولكن في العموم عليكم بحسن معاشرة المرأة ولعدم قدرتها على مصاولة الرجل وعليكم بالصبر على المرأة فيما يبدر منها من نقص أو حدة أو نحو ذلك، فربما كان الخير في الإمساك، فيرزقكم الله سبحانه وتعالى الذرية الصالحة والأبناء المفلحين، فيكون الصبر عليهن من الحكمة وتكون العواقب سليمة؛ لأن الله يأجر من صبر ومن حلم وفيه حث على الاستمرار في الحياة الزوجية، وعلى تلافي الأخطاء من الجانبين، وعلى حسن العشرة بين الزوجين، وفيه حث على الرحمة بالمرأة واستدامة العشرة معها ولو بدرت منها أخطاء، وفيه نهي عن التعجل بالطلاق، لما فيه من هدم الأسر وتشتيت الأبناء وكسر القلوب وتوريث الإحن والأحقاد في النفوس، فالطلاق لا يفزع إليه إلا أن يكون حلا أخيرا، ويكون الإنسان مضطرا إليه اضطرارا لا يجد مخرجا منه.
20. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا: وإذا رغب أحد منكم أيها المؤمنون أن يتزوج زوجة أخرى، ويطلق الزوجة التي معه بسبب شرعي وقد أعطى هذه المطلقة مالا كثيرا ولو ما يبلغ القنطار الذي لا يعد ولا يحصى من الذهب، فلا يجوز له أن يعود على هذا المهر، فلا يأخذ منه شيئا، فإنه حق خالص لهذه المرأة، وأخذه ظلم وجود وتعد وبغي، ولا يفعله إلا كل ظالم جبار لا يراقب ربه ولا يخاف مولاه، فإن أحقية المرأة بالمهر لا شك مقابل الاستمتاع الذي حصل والعشرة التي وقعت.
21. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا: هل يحل لكم أن تعودوا إلى مهر المرأة وتأخذونه غصبا وظلما وأنتم تعلمون أنه وقع بينهم من الخلوة والمعاشرة الخاصة والتمتع بالأجسام وقضاء الوطر ما يفوق أضعافا مضاعفة من هذا المهر؟! فكيف لا تقدرون ما حصل من هذه الأمور الخاصة وهي عظيمة؟ وقد أخذ الله سبحانه وتعالى العهد الوثيق على الزوج في العقد الشرعي الذي سنه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وذكره بقوله "اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" فعلى العبد أن يراقب ربه في هذا العهد الوثيق الذي قام بينه وبين الولي على الزواج من هذه المرأة وأن يراعي ذلك الميثاق الغليظ.
22. وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا: لا تتزوجوا بزوجات آبائكم بعد موتهم، إلا ما سبق منكم في الجاهلية فقد عفا الله عنه؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله، فإن نكاح زوجات الآباء أمر قبيح، متناه في القبح والشناعة، وساء هذا النكاح المشؤوم طريقا لقضاء الوطر، إذ كيف يليق بالعاقل أن يعلوا امرأة أبيه بعد وفاته، وهي مثل أمه؟ كان الرجل في الجاهلية إذا توفى أبوه هو الأحق بامرأته إن شاء نكحها – إن لم تكن أمه – وإن شاء زوجها لمن يريد وأخذ مهرها، فلما توفي "أبو قيس بن الأسلت" قام ابن يريد أن يتزوج بزوجة أبيه، فقالت له: إني أعدك ابنا لي، ولا أقبل حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله عن هذا الأمر، فأتته فأخبرته فنزل قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم"، ثم ذكر المحرمات من النساء في الآية.
23. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا: فصل المولى – عزوجل من يحرم نكاحهن من النساء وبدأ بالمحرمات من النسب، ومن سبع "الأمهات، البنات الأخوات، العمات، الخالات، بنات الأخ، بنات الأخت" فهؤلاء يحرم نكاحهن بسبب القرابة والنسب، والأمهات يدخل فيهن الجدات والبنات يدخل فيهن بناتهن، والأخوات يشمل الأخوات الشقيقات، والأخوات من الأب، والأخوات من الأم من أي جهة كن، والعمات يشمل أخوات الآباء وأخوات الأجداد، والخالات يشمل أخوات الأمهات وأخوات الجدات، وبنات الأخ وبنات الأخت يدخل معهن بناتهن، ثم ذكر تعالى المحرمات من الرضاعة، وتحرم عليكم أمهاتكم من الرضاعة، وهي الأم التي رضع منها الطفل قبل اكتماله العامين، وأخواتكم اللاتي رضعن معكم، ولم يذكر سبحانه من المحرمات من الرضاعة سوى الامهات والأخوات، وقد وضحت السنة النبوية، أن المحرمات من الرضاعة سبع كما هو الحال في النسب، فقد روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ثم ذكر تعالى المحرمات بالمصاهرة ويحرم عليكم أمهات زوجاتكم، وهن محرمات بمجرد العقد على بناتهن، والربائب جمع ريبة وهي بنتن الزوجة من زوج آخر، يحرم نكاحها إذا كان قد دخل بأمها، فإن لم يكن قد دخل بها وفارق أمها قبل الزفاف، فلا حرج من نكاح ابنتها، والقاعدة في هذه المسألة (العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات) ويحرم أيضا نكاح زوجة الابن الصلبي، لا الابن من التبني، فخرج بذلك الأدعياء من أولاد التبني، ويحرم الجمع في النكاح بين الأختين، وجاءت السنة النبوية بتحريم الجمع بين الزوجة وعمتها، والزوجة وخالتها، فقد روى مسلم بسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها" وقد كانوا في الجاهلية يجمعون بين الأختين في وقت واحد، إلا ما كان منكم في الجاهلية، فقد عفا الله عنه؛ لأنه سبحانه ساتر لذنوب العباد، رحيم بهم.
سورة النساء
24. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا: وحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا ما ملكتموهن في الحرب، عن طريق الأسر، فيحل لكم وطؤهن بعد الاستبراء بحيضة، وكتب الله عليكم تحريما ما ذكر من النساء تابا، وفرضه فرضا، وأبيح لكم نكاح ما سواهن، إرادة أن تطلبوا النساء، بطريق شرعي صحيح، فتدفعوا إلى الزوجة المهر، حال كونكم إعفاء متزوجين غير زانين، وسمي الزنا سفاحا؛ لأنه لا غرض للزاني إلا سفح الماء (المني) وقضاء الشهوة البهيمية، والمراد بالاستمتاع هنا: التمتع والتلذذ بالنساء، بطريق النكح الشرعي، لا نكاح المتعة ما يفسره الرافضة، حيث أباحوا نكاح المتعة، وهو محرم بالنصوص النبوية القاطعة، حرمه الرسول صلى الله عليه وسلم في مشهدين عظيمين: حين فتح خيبر، ويوم فتح مكة، وقد سئل جعفر الصادق وهو من أئمة آل البيت عن نكاح المتعة؛ قلا: هو الزنا بعينه، ويدل عليه أن الله ذكر المحرمات من النساء، ثم أعقبه بذكر ما يحل من النساء، بشرط الدوام والاستمرار، ودفع المهر لهن، ومعنى الآية الكريمة: فما تلذذتم بالجمع من النساء، بالنكاح الشرعي الصحيح، فادفعوا إليهن مهورهن، فريضة فرضها الله عليكم، ولا حرج ولا إثم عليكم أيها المؤمنون، فيما أسقطن من المهر برضاهن، فالله سبحانه عليم بمصالح العباد، حكيم فيما شرع لهم من أحكام.
25. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: ومن لم يجد سعة من المال أن يتزوج بالحرة العفيفة فله أن ينكح أمه أي مملوكة مؤمنة إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا، فليتزوج بها للضرورة، بإذن سيدها ومالكها "والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض" جملة اعتراضية، لبيان أنه يكفي في الإيمان معرفة الظاهر، والله يتولى السرائر، فلا تستنكفوا من نكاح الأمة؛ عند الضرورة، فكلكم بنو آدم، ومن نفس واحدة، ورب أمة خير من حرة، فتزوجوهن بأمر أسيادهن وموافقة مواليهن، وادفعوا مهورهن بالعدل والإنصاف، بشرط أن يكن عفيفات، غير مجاهرات بالزنا، ولا عشيقات لرجال بالسر، يفجرن معهم والخدن، هو الصديق للمرأة يزني بها سرا، فإذا تعففن عن الزنا بالزواج، ثم زنين، فعليهن نصف ما على الحرائر من عقوبة الزنا، وهو الجلد خمسون جلدة، ولا رجم على الأمة، لأن الله تعالى جعل عقوبتها النصف، والرجم لا يمكن أن ينصف، هذا الذي بيناه من نكاح الإماء، إنما هو لمن خاف على نفسه (العنت) أي الفجور، والوقوع في جريمة الزنا، وقد أشارت الآية إلى أن النكاح بالمملوكات للضرورة، ولهذا قال تعالى "وأن تصبروا خير لكم" أي وتعففكم أيها المؤمنون عن نكاح الإماء المملوكات خير من نكاحهن، لئلا يصير الولد رقيقا، والله واسع المغفرة، عظيم الرحمة.
26. يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: ويريد الله بما شرع لكم من هذه الأحكام، أن يبين لكم ما خفي عليكم من مصالحكم، ومحاسن دينكم، ويرشدكم إلى مناهج الأنبياء والمرسلين، لتقتدوا بهم، وأن يوفقكم إلى التوبة، والله عليم بأحوال العباد، حكيم في تشريعة لهم.
27. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا: والله يريد أن يطهركم من الذنوب والآثام، ويريد الفساق والفجار الذين يتبعون الأهواء والشهوات أن يصرفوكم عن التقوى إلى الفجور، وعن الإيمان إلى الضلال؛ لتكونوا مثلهم.
28. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا: ويريد تعالى أن يسهل عليكم في أمر التكاليف الشرعية؛ ولهذا خفف عنكم الأعباء، وجعلكم على الحنيفية السمحة رحمة منه وفضلا لضعفكم وعجزكم لأن من طبيعة الإنسان عدم الصبر عن شهوات النفس.
29. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا: أيها المؤمنون، لا يأكل بعضكم مال بعض في الحرام، كأكل الربا والقمار والسرقة والرشوة وأنواع البيوع المحرمة، فإن هذا مما حرمه الله سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله واحذروا أن يسفك بعضكم دم بعض، وأن يعتدي بعضكم على عصمة نفس بعضكم، فإن المسلمين نفس واحدة، فمن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا، وإنما حرم الله عزوجل قتل الأنفس المعصومة وأخذ الأمور المحترمة؛ لأنه سبحانه وتعالى رفيق بالمؤمنين، رحيم بالمسلمين، فمن رحمته أنه عصم دماءهم، وحفظ أنفسهم، وصان أموالهم، ليعيشوا في أمن وسعادة وتآخ وتآلف.
30. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا: ومن يقدم على ذلك من قتل النفس وأكل أموال الغير بالباطل فقد اعتدى ولم، اعتدى على غيره، وظلم نفسه، وجزاء من قام بالعدوان والظلم أن يصلي نار جهنم جزاء لفعله المنكر، ولعمله القبيح، وتعذيب المعرض والظالم يسير وسهل على الله عزوجل فالله لا يعجزه أحد ولا يخرج عن قدرته قوي، ولا يغلبه مغالب، فإن الله إذا أراد شيئا أدركه وأحاط به، لا معقب لأمره ولا راد لفضله، وهو غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
31. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا: أيها المؤمنون، لا يأكل بعضكم مال بعض في الحرام، كأكل الربا والقمار والسرقة والرشوة وأنواع البيوع المحرمة، فإن هذا مما حرمه الله سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله، واحذروا أن يسفك بعضكم دم بعض، وأن يعتدي بعضكم على عصمة نفس بعضكم، فإن المسلمين نفس واحدة، فمن قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا وإنما حرم الله عزوجل قتل الأنفس المعصومة وأخذ الأموال المحترمة؛ لأنه سبحانه وتعالى رفيق بالمؤمنين، رحيم بالمسلمين، فمن رحمته أنه عصم دماءهم وحفظ أنسفهم، وصان أموالهم، ليعيشوا في أمن وسعادة وتآخذ وتآلف.
32. وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا: لا يحسد بعضكم بعضا فيتمنى الفضل الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لأخيه فإن هذه أرزاق مقسومة يمنحها الله سبحانه وتعالى من يشاء بحكمة وعلم فليس للعبد أن يحسد أخاه على ما أعطاه الله عزوجل من مال أو أبناء أو جاه أو منصب أو صحة بل يسأل الله سبحانه وتعالى أن يعطيه من فضله ومن كرمه كما أعطى غيره، فإن الله سبحانه وتعالى هو المعطي الكريم الوهاب، فكل قسمة بحكمة وكل هبة بعلم وكل عطية بتقدير؛ لأن الله عليم حكيم قدير مدبر يعطي من يصلح له العطاء بقدر ما يصلحه وبقدر ما يستحقه ويمنع هذا بقدر ما يعلم سبحانه وتعالى أنه الأفضل له والأجدر في حقه.
33. وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا: كل ميت له عصبة يرثون من ماله مما تركه والداه وأقاربه، ومن عقدتم معهم حلفا في الجاهلية على النصر والميراث فأعطوهم نصيبهم من الإرث، وكان هذا الحكم معمولا به في أول نزول الرسالة، ثم نسخ بقوله: "وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض" أي: أحق بالإرث، والله سبحانه وتعالى مطلع على ما في الضمير. عالم بما في السريرة، لا تخفي عليه خافية، ولا تغيب عليه غائبة، ويأتي وصف الله سبحانه وتعالى بالرقيب والشهيد والحسيب عند الحدود والأوامر والأحكام لينبه عباده على أنه سبحانه وتعالى لمن خالفه بالمرصاد، وأنه يثيب من أطاعه واتبع رسوله.
34. الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا: جعل الله سبحانه وتعالى الرعاية والإشراف والإدارة للرجل على المرأة لأمرين: الأمر الأول: لما أعطاه الله سبحانه وتعالى ومنحه من كمال العقل وحسن التصرف، وجميل التدبير وقوة الشخصية. والأمر الثاني لأن الرجل هو المنفق على زوجته، فهو الكاسب والمعطي، والقائم بالحقوق والمتصرف في الأموال، فحقه أن تكون الرعاية والإشراف والأمر والنهي بيده لهذين الأمرين، ثم وصف سبحانه وتعالى النساء الصالحات اللاتي يطعن أزواجهن في طاعة الله سبحانه وتعالى فتقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى أولا من إتمام عبوديته ومراقبته وخشيته، ثم تحفظ زوجها في عرضهن فتحفظ ما بينهما من الاسرار، وتحفظ شرف بيته ونسبه من أبنائه، فلا تغدر به ولا تخونه، ولا تتخذ خدنا، فهي تحفظ زوجها بما أمرها الله سبحانه وتعالى بحفظه، وإذا خاف الرجل من زوجته عصيانا واستكبارا وتمردا فعليه أن يعظها ويزجرها ويوجهها التوجيه السليم، ويبين لها الأخطاء وينصحها نصيحة بالغة، ويحاورها بالتي هي أحسن، فإن أبت فعليه أن يؤدبها بضرب غير مؤذ فيجتبن الوجه والبطن والأعضاء الحساسة في جسمها، وهذا الضرب تأديب وتعزير وليس بتنكيل ولا تعذيب، وهذه كلها حلول جميلة وآداب نبيلة يتنزل فيها الشارع الحكيم مع المرأة لئلا يوصل إلى الطلاق المشين وإلى الفراق المؤذي، وليبقى بيت الزوجية ولتستمر العشرة، وليجتمع الشمل وهو كالعلاج الذي يناوله الطبيب المريض، وقد يكون فيه ما يكره، وربما صحت الأجسام بالعلل، فإذا أطاعت المرأة واستجابت فالواجب كف الأذى عنها والرحمة بها وحسن العشرة لها؛ لأن المقتضي للتعزير والتأديب قد زال، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الكبير، فهو علي على خلقه، له سبحانه وتعالى الرعاية العامة بشؤون عباده جل في علاه وله التصريف المطلق، وهو كبير سبحانه وتعالى في ملكه، وكبير في قدرته وكبير في علمه جل في علاه: ولذلك نبه عباده على هذه العظمة ليخشى ويخاف، ولا يعجب أحد بقوامته ولا برعايته، ويعلم أن فوقه من هو أعظم منه، فالواجب أن يخاف وأن يراقب.
35. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا: وإذا خاف الحاكم كثرة الخلاف بين الزوجين فعليه أن يختار رجلا عاقلا عادلا ثقة من أقارب الزوج، ورجلا عاقلا عادلا ثقة من أقارب الزوجة، فيكلفهم بمهمة الإصلاح بين الزوجين، وسلوك الطريق الأنسب في جمع الشمل، وإنما صلة القرابة؛ لأنهم أعرف بما يقتضيه الحال، وبملابسات القضية وبأسرار المشكلة، فإذا أخلص الحكمان وصدقا، فإن الله سبحانه وتعالى سوف يصلح الأمور ويكلل المساعي بالنجاح ويوفق الجهود؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم السرائر، ويعلم الصادق في نيته من الكاذب، والمخلص في مسعاه من غيره، وهو سبحانه وتعالى خبير يعلم أسرار الأمور ويطلع على خفاياه، فلا يحكم إلا بعدل، ولا يقضي إلا بحكمة، ولا يدبر إلا بعلم جل في علاه.
36. وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا: ثم أمر الله سبحانه وتعالى الناس بعباده وحده وعدم الإشراك به، وإخلاص العبودية له وإفراده بالوحدانية، وإطاعة أوامره وتصديق رسوله والعمل بكتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بالإحسان بالوالدين واللين في مخاطبتهما وطاعتهما في طاعة الله والرأفة بهما والإحسان إليهما بكل أنواع الإحسان، ثم أمر بالإحسان للقرابة؛ الذين بين المرء وبينهم نسب وحسب وصلة، فالإحسان إليهم والصبر على أذاهم وصلتهم ثوابه عظيم، والإحسان إلى اليتيم والعطف عليه وحسن الرعاية له، وايصال النفع إليه يرقق القلب ويقرب من الله، وكذلك المسكين الذي لا يجد قواما لحياته ولا ما يكفيه في معيشته فيوصل بقدر حجته، وكذلك الجار الذي بينك وبينه قرابة فإن له حق القرابة وحق الجوار من حسن التعامل معه وكف الأذى عنه، وكذلك الجار الذي ليس بينك وبينه قرابة وإنما له حق الجوار فحقه أن يحسن إليه، وأن يكرم ويتلطف معه، وأن لا يرى منك إلا خيرا وإحسانا وبرا، وكذلك من رافقك في سفر أو في تجارة أو في عمل من الأعمال، فإن هذا قد صار صديقا لك فوف له حق الصداقة، وكذلك المسافر المنقطع في سفره الذي ليس له من يقوم بشؤونه ولا من يقضي حوائجه، فعليك ببذل جهدك في نفعه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وكذلك المستخدمين ومن لك عليهم حق التصرف والتدبير، فعليك بالرحمة بهم واللطف والإحسان إليهم؛ لأنهم ضعفاء جعل الله لك عليهم القوامة والتدبير، والله سبحانه وتعالى لا يحب من كان مختالا بنفسه بالكبر والعتو والاستعلاء، ولا يحب من يفتخر بلسانه بمديح نفسه وبالثناء عليها وإطرائها، فإن هذين خلقان مذمومان، وهما من أخلاق إبليس الذي عصى ربه وخرج عن طاعة مولاه، فالواجب على العبد أن يتواضع في نفسه فلا يرى لها قدرا ولاحقا، فلا يطالب ولا يعاتب ولا يفتخر بلسانه، بل يحمد الله سبحانه وتعالى على ما عنده من النعم، فيتفكر في ذنوبه القصيرة، فينكسر لمولاه، ويتواضع لخالقه ويخبت لمعبودة.
37. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا: وهؤلاء المختالون والفخورون بأنفسهم ينطبق عليهم مثل اليهود الذين بخلوا بما آتاهم الله من فضله من العلم ومن المال، ولم يكفهم هذا حتى قاموا ينصحون الناس ويأمرونهم بالبخل وبإمساك أيديهم في الإنفاق، وزادوا على ذلك بأن كتموا العلم الذي منحهم الله إياه، فهم كتموا أوصاف الرسول عليه الصلاة والسلام وكتموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا يشمل غيرهم ممن شابههم من هذه الأمة، فإن من الناس من يبخل بماله، ومنهم من يبخل بعلمه وهما من شر الخليقة فإن الواجب على العبد أن يراقب ربه فيما أعاذه من مال وعلم فصاحب المال ينفقه في وجوه الخير والعالم يعلم بعلمه ولا يكتمه؟ فيلقى ربه عاصيا له ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه هيأ لأعدائه ومن كذب رسله ومن كفر بهم عذابا وإذلالا وعارا في نار جهنم، حيث الخلود فيها، مع العذاب الفظيع والنكال الشنيع.
38. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا: ثم ذكر سبحانه وتعالى صنفا آخر ينفق ويعطي لكنه يريد مراءاة الناس وحمدهم ومدحهم والثناء منهم، فعمله محبط وسعيه مردود عليه، وإنما ينفق رياء؛ لأنه لا يؤمن بلقاء الله عزوجل وثوابه وعقابه وإلا لو علم أن الله يحاسب العباد ويجمعهم ليوم لا ريب فيه كان أخلص عمله، وصدق في قوله وفعله، ولكن الشيطان تولاه وأصبح صاحبا له وقرينا، فبئس من كان صاحبه الشيطان، وقبحا لهذا القرين الذي لا يأمر إلا بشر، ولا ينهي إلا عن خير.
39. وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا: وماذا يضرهم لو أنهم صدقوا بكتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعملوا لليوم الآخر، وأخلصوا أعمالهم، وصدقوا في أقوالهم، وأصلحوا أعمالهم، فكان لهم الثناء الحسن، والأجر الجليل، والمنقلب الطيب عند ربهم ومولاهم، ثم ماذا يضرهم لو أنهم تصدقوا مما أعطاهم الله سبحانه وتعالى وكان زكاة لنفوسهم، وطهارة لأعراضهم، ونماء لأموالهم، وكان الله سبحانه وتعالى أعطاهم من كرمه ومن واسع فضله وزادهم من خيره وبره؛ لأنه سبحانه وتعالى عليم لا تخفى عليه خافية، وهنا لما كان هناك دخول في النيات وتحدث عن المقاصد، كان مناسبا أن يذكر الله – سبحانه وتعالى علمه؛ لأنه يطلع على الخوافين ويعلم السرائر لا إله إلا هو.
40. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا: والله سبحانه وتعالى ليس بظلام للعبيد، فلا يبخس أحدا مثقال ذرة من التراب، فإذا كانت هذه الذرة من أعمال الخير ضاعفها أضعافا كثيرة حتى تصبح كجبل أحد، كما في الحديث، وهو سبحانه وتعالى يتفضل من عنده بالعطاء والمضاعفة، فهو يقبل اليسير ويعطي الكثير والأجر العظيم مدخر عنده لمن أحسن العمل وهو الفوز برضوانه ودخول جنانه في مقام آمن، مقعد صدق.
41. فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا: كيف يكون الأمر وعلى أي حال يكون الخطب إذا جمع الله الأولين والآخرين، وأخذ الشهداء من الأمم يشهدون على أممهم بالبلاء وبأنهم نصحوهم وعلموهم، ثم يكون على الجميع شاهد واحد هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، إنه لموقف صعب، ومقام رهيب، وحدث هائل، وخبر مرعب، وموقف شديد، ونبأ مذهل، فالواجب أن يعد العبد العدة لهذا اليوم العظيم، ويحسن العمل لينجو من تلك الأهوال. ولما قرئت عليه صلى الله عليه وسلم هذه الآية بكى شفقة على أمته، ورحمة للمقصرين منهم.
42. يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا: يوم يحصل هذا اليوم يتمنى الكفار الذين كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه لو يجعلهم الله والأرض سواء فيصبحون ترابا حتى لا يعودون إلى الله للحساب يوم القيامة، وهم لا يقدرون إخفاء سر مما في نفوسهم بل يعترفون بكل شىء إذا ختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون في الدنيا.
43. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا: أيها المؤمنون، لا تصلوا وأنتم في حالة السكر، فتهرفون بما لا تعرفون، وتهذون بما لا تعقلون، ولكن امكثوا حتى ينتهي السكر ثم صلوا، وهذا قبل أن تحرم الخمر وينهي عنها، ولا تصلوا أيضا وأنتم عليكم الجنابة، بل اغتسلوا قبل ذلك الغسل الشرعي، ومن كان منكم مسافرا ولم يجد ماء فيتيمم، ومن كان مريضا ولا يستطيع استخدام الماء لضرر يحصل له، فعليه بالتيمم بالتراب، والمسافر الذي يقضي حاجته أو يجامع زوجته ولم يجد ماء فعليه أن يتيمم بالتراب الطيب، وهو الصعيد الذي يطبق عليه تراب، فيمسح وجهه ويديه، وهذا من رحمة الله ومن عفوه ولطفه بهذه الأمة، ومن التيسير بها، ووضع الآصار والأغلال التي كانت على الذين من قبلها؛ ولذلك ختم الله ذلك بأنه عفو غفور، فهو يعفو عن الخطأ فلا يأخذ به بعد العفو، ويستر الزلة فلا يفضح صاحبها بعد أن يتجاوز عنه، وانظر كيف كنى الله سبحانه وتعالى عن الجماع بالملامسة؛ لأنه حي كريم جل في علاه.
44. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ: ألا تتعجب من هؤلاء اليهود الذين أعطاهم الله بعض علم كتابهم من التوراة، وفيه الشهادة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان كل شىء، ومع ذلك باعوا الهدى الذي عندهم واستعاضوا مكانه الضلالة والانحراف عن منهج الله، ولم يكفهم الضلال في أنفسهم وألغي في قلوبهم حتى سعوا جاهدين لإضلال المسلمين، وإلى صرفهم عن الهداية التي شرفهم الله بها، فهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم لما في قلوبهم من الخبث وما في نفوسهم من المكر والخديعة.
45. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا: ولكن الله يعلم مخططات هؤلاء الأعداء، وسوف يكشفها للمؤمنين ويهتك أستارهم، ويفضح أسرارهم حتى يظهر عوارهم، وحسب المؤمنين الله وليا يمنحهم ما ينفعهم ويتولى شؤونهم ويدبر أمورهم، ويحسن إليهم، وحسبهم ناصرا يدافع عنهم، وينصرهم ويخذل أعداءهم، وياله من شرف عظيم لهؤلاء المؤمنين أن يكون الله هو الولي والنصير وحده.
46. مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا: فريق من اليهود حرفوا كلام الله سبحانه وتعالى وبدلوا معانيه وألحدوا في آياته وحملوا الكلام على غير محمله، وإذا أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: سمعنا بآذاننا وعصينا بقلوبنا وأعمالنا؛ زيادة في البهت والمكر والكيد، ويقولون للرسول صلى الله عليه وسلم (واسمع غير مسمع) أي: اسمع منا لا سمعت مكروها، هذا في ظاهر الكلام وهم يقصدون بمكرهم وخبثهم: اسمع لا أسمعك الله، أو ابتلاك الله بالصمم، ويقولون من السفه والجهل: راعنا، فظاهرها انظرنا حتى نتكلم، وباطنها راعنا من الرعونة، وهي الحمق والسفه، تحريفا بألسنتهم وخبثا في قلوبهم، ومكرا في أعمالهم، ويريدون بذلك الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم والدين، وتهوينه عند الناس، ولو أن هؤلاء الكفرة الفجرة اتبعوا السبيل الأقوم، والمسلك الأحسن لقالوا: سمعنا كلامك وأطعنا أمرك، واسمع منا وانظرنا وتمهل علينا وأخذوا بالألفاظ التي لا تحتمل المحامل السيئة وليس فيها تشويش ولا تلبيس ولا تدليس لكان خيرا لهم في الدنيا نصرا وتمكينا وكان خيرا لهم في الآخرة من الأجر العظيم والثواب الجليل، ولكن هؤلاء القوم لعنهم الله، والملعون لا يهتدي إلى دليل، ولا يفهم حجة ولا يفقه دينا، فإن قلبه مطموس؛ لأنه مطرود عن أماكن الرحمة التي تتنزل عليها بركات الله، فهم لا يؤمنون ومن آمن منهم قليل، كعبد الله بن سلام وربما آمن بعضهم ببعض ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وكفر بأكثره.
47. يأيها الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا: أيها اليهود، صدقوا بمحمد عليه السلام فقد أتى بما صدق رسالتكم في التوراة، وما أنزل على موسى، وآمنوا به قبل أن يغضب الله عليكم، فإذا غضب عليكم طمس وجوهكم فمحا محاسنها، وردها على أقفائها، وطردكم من رحمته كما طرد أجدادكم يوم خالفوا واصطادوا يوم السبت، وأمر الله حاصل لا محالة، وكائن لا شك فيه، ليس له راد إذا أراد، وهذا وعيد وتهديد شديد بمعالجة اليهود بالعذاب في الدنيا، والنكال في الآخرة.
48. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا: أخبر سبحانه وتعالى أن من أشرك به شيئا، فإنه لا يغفر ذنبه، ولا يدخله الجنة، بل هي محرمة عليه، وهو خالد مخلد في النار، وكل ذنب دون الشرك عسى أن يغفره الله فهو تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى إن شاء غفر، وإن شاء عذب، ومن أشرك به سبحانه وتعالى فقد أتى بجرم فظيع، وذنب شنيع، كل ذنب يهون دونه وكل معصية تخف عنده فهو أعظم السيئات وأكبر الخطيئات وصاحبه موبق في النار، لا تنفعه شفاعة الشافعين، ولا يدافع عنه ولي ولا ينصره ناصر ولا تقبل منه فدية، ولا ينفعه عمل، أعاذنا الله من الشرك.
49. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا: انظر إلى هؤلاء اليهود كيف يمدحون أنفسهم ويطهرونها بألسنتهم، ويزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، ويمتدحون عند الناس أنهم شعب الله المختار، وأنهم خير الأمم، وهذا لا يوكل إليهم، إنما الذي مدحه زين، وذمه شين، والذي يعود له تزكية العباد ومدحهم والثناء عليهم ثناء حقيقيا بصدق وعلم وحق هو الله سبحانه وتعالى وهؤلاء لو أن عندهم حسنات لما ظلمهم الله بعدم إثابتها عليها، والله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا شيئا، ولو كان بمقدار الخيط الذي في شق النواة، لتنزه عن الظلم، وأمره بالعدل.
50. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا: ألا تتعجب من هؤلاء اليهود كيف يجترئون هذه الجرأة في الكذب على الله، والافتراء على دينه ورسله، ويزعمون أنهم خير الأمم، وأنهم أبناء الله، وأنهم أحباؤه، وأنهم لا يعذبون في النار إلا أياما معدودة، وأن الله أخذ عليهم العهد والميثاق ألا يؤمنوا برسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار، إلى غير ذلك من الافتراءات والكذبات الكبرى، والغدر والفجور، فقاتلهم الله، ألا عقل يردعهم؟ ألا يردهم دين؟ ألا يمنعهم حياء؟ وهذا الكذب الذي يمارسونه ويعملونه كفى به جرما بينا، وخطأ واضحا، وذنبا شهيرا يستقون عليه أشد النكال، وأعظم العذاب في دار الخزي والهوان في نار جهنم.
51. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِيـنَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا: ألا تتعجب من هؤلاء اليهود الذين أعطيناهم حظا من علم التوراة، وأرسلنا إليهم رسولا كريما هو موسى عليه السلام، ومع ذلك يؤمنون بالسحر ويعبدون طواغيت من دون الله – عزوجل ويشركون مع الله غيره، وقام أحد أحبارهم وهو كعب بن الأشرف فأقسم عند كفار قريش أنهم أحسن طريقة، وأهدى دينا من محمد وأصحابه فهم أهل الخيانة، وقلة الأمانة، وانحراف عن الديانة، وايمان بالسحر والكهانة، فابتلاهم الله بالذل والمهانة.
52. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا: هؤلاء الذين فعلوا هذه الأفعال الشنيعة والأعمال القبيحة من الكفر بالله والاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والشهادة للكفار على المؤمنين، قد طردهم الله من رحمته وغضب عليهم غضبا شديدا، وسخط عليهم وأذلهم وأخاهم، فليس لهم ناصر ينصرهم من دون الله، ولا دافع يدفع عنهم العذاب، ولا ولي يجلب لهم النفع.
53. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا: وهم يدعون أنهم سوف يكون لهم الملك في آخر الزمن كما كان لأسلافهم، فلو كان لهم الملك لو أعطوه وهم كذبة لن يعطوه فسوف يبخلون غاية البخل، ولا يعطون الناس شيئا من الخير، لأنهم حسدة بخلاء حتى إنهم يمنعون النقير، وهو الشئ الحقير الذي يشابهه النقرة في ظهر النواة.
54. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا: وهم مع البخل حسدة، فقد حسدوا المؤمنين على ما كرمهم الله وشرفهم به من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه فلماذا يحسدون عباد الله على كتاب الله ورسوله وقد أنزل الله عليهم سبحانه وتعالى الكتب وأرسل إليهم الرسل وجعل منهم الأنبياء فأبو الأنبياء إبراهيم ومن جاء بعده من أبنائه كإسماعيل وإسحاق ويعقوب مصطفون آتاهم الله النبوة والكتاب، ويعقوب هو إسرائيل أبوهم، فكانت فيهم النبوة والرسالة، لو قدروها حق درها، وقاموا بها حق القيام، وأحسنوا طاعة الله عزوجل وشكره وآتيناهم ملكا عظيما؛ كملك داود وسليمان، ومع ذلك لم يشكروا الله بل قتلوا الأنبياء وكفروا بالرسالة وألحدوا في الكتاب.
55. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا: من اليهود وهم قلة قليلة من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وصدق بكتابه، وأكثرهم أعرض عن الرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا بما جاء به واستهزؤوا برسالته، فهم جمعوا بين البخل بأموالهم والحسد في أنفسهم والصد عن سبيل الله عزوجل والكفر برسالته وهؤلاء جزاؤهم نار تلظى، تحترق احتراقا لتشوي وجوههم، وتحرق أجسامهم جزاء وفاقا على سوء صنيعهم، وعلى خبث سرائرهم، وعلى كثرة كيدهم ومكرهم.
56. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا: الكفار من أهل الكتاب ومن غيرهم من مشركي العرب لهم عند الله سبحانه وتعالى نار تحرق أجسامهم، وتشوي جلودهم، كلما أحرقت الجلد وأذهبته وهو موطن الإيذاء في الجسم والإحساس أبدل الله مكان الجلد جلدا؛ ليستمر العذاب ويبقى النكال، فيا سوء حالهم، ويا قبح مآلهم، والله سبحانه وتعالى الذي كتب هذا العذاب عليهم عزيز لا يغالب متفرد عن سواه بالألوهية والربوبية فلا نديد له ولا ضد وله القوة المطلقة ثم إنه حكيم لا يوقع العذاب والعقاب لغير مستحقه يقع كل شىء منه بحكمة وبعدل.
57. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا: أما المؤمنون الصادقون الذين أكثروا من فعل الخيرات واجتناب المنكرات فبشرهم بجنات النعيم، فيها أنهار من ماء وعسل، وخمر ولين، لا يسمعون فيها لغوا، وهم مع ذلك منعمون يستمر نعيمهم أبد الآباد، لا يتحولون عنه ولا ينقطع عنهم التكريم، ولا يعتريهم هرم ولا سقم ولا عدم، وهم مع ذلك لهم زوجات مطهرات في الجنة من الأقذار والأدناس، فلا يأتيهم ما يأتي نساء الدنيا من الحيض والنفاس أو نحو ذلك، ومع ذلك يدخل الله سبحانه وتعالى المؤمنين الظل الدائم في جنات النعيم، فلا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، بل هم في معقد آمن، وعيش رغيد، وحياة سعدية، وقرة عين، وبهجة نفس، وانشراح صدر.
58. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا: يأمركم الله أيها المؤمنون أن تؤدوا الأمانة إلى أهلها فالأمانة التي بينكم وبين الله من القيام بأمره واجتناب نهيه، والأمانة التي بينكم وبين الناس من أداء الودائع والحقوق المالية، وإنفاذ العقود، والوفاء بالعهود، وعدم نقض الأيمان، وعليكم بالإنصاف والسوية بين الناس إذا أسند إليكم حكم من قضاء، أو فصل خصومات، أو صلح بين العباد فاتقوا الله في ذلك، فلا يظلم أحدكم ولا يغدر ولا يمل عن الحق، والله إن هذه الوصية من أعظم الوصايا ومن أجل النصائح، فهي خير في الدنيا والآخرة، وهي رشد وسداد، والذي أمر بها هو الله الواحد الأحد السميع للأقوال، فلا يخفي عليه صوت، والبصير بالأفعال، فلا يعزب عنه علم، والخبير بالأحوال، فلا تخفي عليه خافية جل في علاه ويا من آمن بالله وصدق رسوله عليكم بطاعة الله عزوجل فيما أمر به ونهى عنه، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وتحكيم شرعيته ظاهرا وباطنا، وأطيعوا أولى الأمر في طاعة الله عزوجل وهم من يتولى الأحكام وسياسة الأمور، فإذا أطاعوا الله فأطيعوهم، ولا تطيعوهم في معصية الله عزوجل فالطاعة لهم إذا كانوا مسلمين مؤمنين بالله يأمرونكم بخير، وإذا اختلفتم في قضية من القضايا، فإن المرد إلى كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فحكموا الشريعة في أنفسكم عند الخلاف، وارضوا بحكم الله وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ففيه غاية الإنصاف، وفيه العدل كل العدل والحق أجمعه والصدق أوله وآخره، ولا يفعل ذلك من طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وأولي الأمر والرد إلى كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم إلا من خاف الله واتقاه، وأعد للقائه ورجا رحمته وخاف عذابه، وهذه الأمور الحسنة والمسلك الجميل خير في الدنيا من العز والنصر واجتماع الكلمة وخير عاقبة عند الله عزوجل من الأجر الدائم والنعيم المقيم والأجر العظيم.
59. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا: يا أيها المؤمنون بي وبرسولي أطيعوني وأطيعوا الرسول والذين يولون أمركم ويتولون شؤونكم القائمين بالعدل والحق، الحاكمين بشرع الله فإن اختلفتم معهم في أمر من أمور الدين فاعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله ففيهما الحكم فيما بينكم، وإنكم إن رددتم ذلك إلى الله ورسوله كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر، وكان ذلك خيرا لكم لأنكم تهتدون به إلى الحق والعدل المرضي ويمنع الخلاف الذي يفضي بكم إلى التنازل والضلال.
60. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا: ألا تتعجب من هؤلاء المنافقين وهم أخبث من المشركين، وأشد ضلالا من الكافرين يقولون في الظاهر إنا آمنا بالرسول وما أنزل إليه وما أنزل من قبله من الكتب وأرسل من الرسل، ولكن إذا حصلت خصومة ذهبوا إلى رؤساء الكفار، وإلى زعماء الطواغيت الذين يحكمون بغير ما أنزل الله بغيا منهم، واعتراضا على شرع الله – عزوجل – كفرا بما أنزل الله، وهم أصلا قد أمروا بالتوحيد، وحرم عليهم الشرك، وأن يتحاكموا إلى غير الله عزوجل ولكن سؤال لهم الشيطان فأطاعوه وناداهم فأجابوه ودلهم على الضلالة فاتبعوه والشيطان يريد بهذا أن يزيدهم غيا وبعدا عن الله، وأن يزيدهم كفرا به فهو إمامهم ووليهم.
61. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا: وإذا قيل للمنافقين: تعالوا إلى التحاكم إلى كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند الخلاف والخصومات، وجدتهم يعرضون ويكرهون ذلك وينفرون منه لما في قلوبهم من مرض النفاق، والكراهية للشريعة والبغض للدين، فلا يرضون به حكما، ولا بالله حاكما، ولا برسوله مشروعا؛ خبثا منهم وعداوة.
62. فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا: فما هو حالهم إذا أظهر الله ما كتموه وفضح ما أخفوه، ثم عذبهم على فعلهم الشنيع وأمكن منهم المؤمنين، فأنزلوا بهم البأس جزاء على نفاقهم، بعدها يأتون أذلاء يستترون بالحلف الكاذب، والإيمان الآثمة أنهم ما ذهبوا لطلب التحكيم إلى غير الشريعة إلا على حسن نية، وعلى مقاصد من المصالح ومراعاة لبعض الأحوال والأمور الاجتهادية كذبا منهم وزورا.
63. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا: هؤلاء الفجرة الأعداء ما صدقوا فيما قالوا، فالله يعلم أنهم تحاكموا إلى غير الشريعة؛ كراهية منهم لها، وبغضا لحملتها، فعليك بعدم معاقبتهم لمصلحة شرعية، بل عليك بنصحهم وتحذيرهم وزجرهم بكلام يخوفهم فيما بينك وبينهم، علهم يرتدعون وينتهون عن أعمالهم القبيحة، وخداعهم الرخيص، فلا سوط ولا سيف، بلا كلام مؤثر عنيف.
64. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُـمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا: وما أرسل الله رسولا من رسله إلا ليطيعه المؤمنون في فعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه بتوفيق من الله، ولو أن المنافقين يوم وقعوا في النفاق ندموا على ما فعلوا، وتابعوا مما صنعوا، وأتوا إليك يطلبون المغفرة من الله، ويطلبون منك أن تستغفر لهم ربهم، واستغفرت لهم لغفر الله ذنوبهم، وستر عيوبهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ لأن الله يتوب على من ندم وأقلع وتاب، ويرحم من رجع إليه واستغفره وأناب؛ لأنه يحب التائب من ذنبه النادم على خطئه.
65. فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا: قسما بربك يا محمد لا يدخل الإيمان قلوبهم صدقا، ولا يجدون حلاوته حقا حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه فتقضي بينهم في الخصومة بشرع الله ثم يسلموا بما حكمت بلا تبرم ولا ضجر ويطيعوك منقادين لحكمك سرا وعلانية.
66. وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا: ولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين أن يقتلوا أنفسهم كفارة لذنوبهم كما كتبنا على اليهود لما عبدوا العجل، أو أوجبنا عليهم الخروج من الوطن للهجرة والجهاد، أو تأديبا وتعزيرا، لما أطاعنا إلا القليل منهم، أما الغالب منهم فهم عصاة، ولو استجابوا لنا فيما أمرناهم به من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: لكان أعظم بركة في الدنيا من النصر والعزة، وفي آخرته من الفوز بجنات النعيم، ولثبت الإيمان في قلوبهم، وذهب النفاق والشك منها.
67. وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا: ولو استجابوا لأمرنا واتبعوا رسولنا ورضوا بحكمه، لوهبنا لهم في الآخرة الثواب الجزيل بسكنى الجنات، ويل الكرامات ورفع الدرجات.
68. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا: ومن نتائج طاعتهم لنا ولرسولنا لو فعلوا تثبيتهم على الصراط المستقيم، وزيادة الهدى على الدين القويم الذي يوصلهم إلى رضوان الملك الكريم والنعيم المقيم.
69. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا: من يمتثل أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فمصيره الجنات العالية مع النبيين الأصفياء، والصديقين الأوفياء، والشهداء الشرفاء، والصالحين الأولياء، وأنعم بتلك الصحبة، وأعظم بتلك الرفقة، فيا سعادة من كان معهم، ويا قرة عين من صاحبهم،ويا بهجة روح من رافقهم.
70. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا: هذا العطاء المبارك والتكريم العظيم والفضل الواسع من الله وحده منه على عباده المصطفين، وأوليائه المخلصين، وحسبك بالله عليما بمن يستحق التكريم ويستأهل النعيم.
71. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا: أيها المؤمنون: تحفظا واحترسوا من أعدائكم الكفار، وخذوا العدة واخرجوا لقتالهم كتيبة كتيبة، أو جيشا قويا مهابا، ولا ينفرد الواحد منكم أو يبقى بلا سلاح، وفي هذا الأخذ بالأسباب، والجمع بين التوكل والاستعداد، وأخذ الحيطة والحذر من العدو.
72. وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا: فيكم أيها المؤمنون بعض المندسين من المنافقين يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله لنفاقه فإذا غلبتم أو قتلتم عدها كرامة له من الله أن الله سلمه بالتخلف عنكم وسره أنه لم يكن شهيدا أي حاضرا تلك الغزوة التي أصبتم فيها.
73. وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَـنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا: وإذا حصل لكم النصر والغنائم تأسف هذا المنافق على تخلفه، فأتى يطالب بنصيبه من الدنيا، ويستعطف المؤمنين ويذكرهم بالصلة والمودة والقربى التي تربطه بهم، ويتلهف ويدعو لا ليتني حضرت المعركة وأدركت قسمي من الغنيمة، فالدنيا همه، والمال مطلبه، نسي الله وما أعد لعباده الصادقين فتبا له.
74. فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا: فإذا أعرض المنافقون عن الجهاد، فليجاد أولياء الله أهل الإيمان أعداءه الكفار؛ لأن المؤمنين الصادقين باعوا الحياة الدنيا واشتروا الجنة، ومن يجاهد لتكون كلمة هي العليا فيقتل، فله الشهادة عند ربه، وإن انتصر على الأعداء فله العزة والرفعة والسؤدد، فهو بين نصر عاجل، وثواب آجل، ظفر في الدنيا ونعيم في الآخرة.
75. وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا: ماذا يمنعكم من الجهاد في سبيل الله وفي سبيل فك إخوانكم المستضعفين من الأسر والقهر والعذاب الذي يلقونه من كفار مكة، وهم شيوخ ضعفاء، ونساء وأطفال يدعون ربهم لي نهار، أن ينجيهم من كفار مكة، ويخرجهم سالمين غانمين، ويسألونه أن يهيئ لهم وليا يحميهم، وناصرا ينصرهم على الأعداء، فتولاهم الله ونصرهم وهيأ لهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي فتح مكة، ونصرهم وقمع الكفر وأهله.
76. الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا: من صفة المؤمنين أنهم يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، ومن صفات الكافرين أنهم يجاهدون في سبيل الشيطان والطغيان والأوثان، فيا أيها المؤمنون، جاهدوا الكفر وأهله، والشيطان وحزبه؛ لان كيدهم ضعيف، وركنهم منهار، وأمرهم إلى خسار، فكل محارب لله وحزبه ذليل مهزوم مقهور.
77. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا: ألا تعجب من أناس من المسلمين نهوا عن قتال الكفار بمكة، وأمروا بالاشتغال بتزكية النفوس وتربية الروح من صلاة وزكاة، فلما هاجروا وأمروا بقتال الكفار تغير حالهم وخافوا وجبنوا وأحبوا الحياة، وصار خوفهم من الكفار كخوفهم من الملك الجبار أو أكثر خوفا منه؛ لشدة حبهم لهذه الدار، وأخذوا يقولون من شدة الفزع: يا ربنا وددنا أنك ما كتبت علينا القتال لنموت بالآجال، فأخبرهم يا محمد أن الدنيا عمرها قصير، وزادها حقير نعيم زائل وظل مائل، أما الآخرة فهي خير وأبقى للأتقى فهي مقعد صدق ومقام آمن ودار رضوان وقرة عين وبهجة نفس وأعمالكم محفوظة لكم لتنالوا عليها الجزاء، ولا تزادوا في السيئات ذرة ولا تنقصوا من الحسنات فتيلا، وهي شق نواة التمر، فما دام أن السعي محفوظ لمن سعى، والعمل مدخر لمن عمل فأكثروا من الإحسان ليثقل الميزان.
78. أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا: مهما فررتم من الموت فإنه سوف يصل إليكم ويلحقكم ولو سكنتم في أبراج عالية مقفلة محصنة لدخل عليكم، وقبض أرواحكم هناك، فلا حيلة تنجي من الموت، ولا دواء يصرفه عن الإنسان، ثم أخبر أن المنافقين إذا وجدوا خيرا في حياتهم من أبناء وأموال وانتصارات وغنائم قالوا: هذا مما عند الله لنا من المنزلة العالية، فهو يختصنا بهذه وإذا وقعت عليهم مصائب الموت والمرض والفقر والهزائم ونحوها قالوا: هذا من شؤم رسالة محمد فنحن لما اتبعناه أصابنا هذا البلاء، فأمره أن يقول لهم: كل هذا أيها الجهلاء بقضاء من الله مكتوب وتقدير اسبق سواء كان خيرا أو شرا، فما لهؤلاء لا يكادون يفقهون معاني الدين وأسرار التشريع؟ فالمنافق قليل الفقه في الدين، سقيم الفهم في شرع رب العالمين.
79. مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا: أيها العبد، كل نعمة أصابتك فبقضاء وقدر من ربك، وكل بلاء فبسبب ذنوبك، مع العلم أنها كلها بقدر من الله، وكل طاعة فبتوفيق الله، وكل معصية فبكسب من العبد، ثم أخبر الله أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عالمية لكل الأمم والخليقة كافة، لا تختص قوما عن قوم، ويكفي أن الله شاهد على صحة نبوته وعموم رسالته.
80. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا: من امتثل أمر الرسول فقد امتثل أمر الله؛ لأن محمدا صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه كل الأوامر والنواهي، ومن كذب بالرسول صلى الله عليه وسلم فالله هو الذي يحصي أعماله ويحاسبه عليها، وليس الرسول؛ لأن الرسول مبلغ عن الله، والجزاء من ثواب وعقاب على الله.
81. وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا: المنافقون إذا كانوا حضورا في مجلسك قالوا خداعا وغشا، سوف نطيعك يا محمد فيما أمرتنا به، فإذا غابوا عنك عزم أناس منهم على معصيتك، وصمموا على مخالفتك، والله يحصي ما فعلوا ويطلع على ما دبروا؛ ليحاسبهم بما صنعوا، فاترك معاقبتهم فسوف يكفيك الله الانتقام منهم، وكفى بالله وكيلا لمن أعتمد عليه وتوكل عليه وفوض الأمر إليه.
82. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا: ما لهم لا يتفكرون في هذا الكتاب المعجز، وهذا القرآن العجيب المذهل؛ ليروا ما فيه من أسرار تدهش العقل، ومن حكم تأخذ القلب، ولو أن القرآن تكلم به غير الله من المخلوقين القاصرين لوجد فيه التناقض والخلل في تركيبه، والاضطراب في معانيه، لكنه محكم متناسق؛ وهذا برهان أنه كلام الرحمن.
83. وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا: وإذا سمع المنافقون بخبر من الأخبار المهمة من مسائل النصر والهزيمة، والخير والشر التي ينبغي إلا يطلع عليها إلا الخاصة، قام هؤلاء المنافقون بإشاعته في الناس، ونشره في العامة، وهذا فيه إفشاء لأسرار المسلمين، وضرر كبير عليهم، ولأن المنافقين فوضوا هذه الأسرار إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأعيان المسلمين لفهم هذه الأسرار أهل الفقه في الدين والبصيرة في الشريعة، وليس الدهماء الجهلاء، ولا العامة البسطاء، ولبقيت أمور الخاصة سرا للمصلحة الكبرى، ليتولى الأمور أهلها، ولا يدخل من ليس أهلا في القضايا الخطرة، ولولا أن الله تفضل عليكم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم يرشدكم إلى طريق الهدى، ويحذركم من سبيل الردى لأطعتم إبليس فيما يأمركم به من غواية ويوسوس لكم به من ذنوب، ويدعوكم إلى الفحشاء، ولكان كثيرون منكم انساقوا وراءه إلا القليل من أهل التقوى والإيمان والاعتصام بشريعة الرحمن، ففضل الله تسديده لكم إلى الصواب، ورحمته حمايتكم من الضلال وغفران ما يحصل من تقصير.
84. فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا: فجاهد ولو وحدك أيها الرسول ولا تهتم لمن أبى الجهاد، وأخرج بنفسك وتوكل على الله فالله معك وهو حسبك وسوف ينصرك ولو وقف في وجهك أهل الأرض، وما عليك من ترك المنافقين للجهاد معك فأنت منصور والعاقبة لك، ولا يمنعك ذلك أن تحث المؤمنين على الجهاد لكسب الأجر والفوز بالنصر، وكسب الشهادة ورضوان الله، وسوف يكسر الله قوة الباطل وأهله، ويفل حدهم، ويخزيهم وينزل الهزيمة بهم؛ لأن الله أشد منهم أخذا، وأقوى جندا، وأعز جانبا، وهو قادر على تعذيبهم والتنكيل بهم وإنزال أقسى العقوبات وأفظع العذاب بهم.
85. مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا: من يسع في عمل الخير ويكون سببا لحصوله من نفع ضعيف، وإيصال الحق لمستحق، وعون مسكين، والوقوف مع مظلوم، فله حصة عظيمة من الثواب على فعله الحسن، ومسعاه الحميد، ووساطته الفاضلة، وبالضد، من يسعى في باطل، ومنع حق، وحجب خير، وتعطيل حد، وإنزال ظلم برئ، فله قسم وافر من الوزر، وقسط عظيم من الإثم، والله عزوجل قدير على ما أراد، حسيب على كل نفس مقدر كل أمر يجازي كلا بعمله، فصاحب الخير بأجره وصاحب الشر بوزره بعدل وعلم وحكمه.
86. وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا: إذا سلم عليكم فسلموا، فالواجب رد التحية، والأفضل الزيادة عليها، فعليكم السلام لمن قال: السلام عليكم، ومثل: وعليكم السلام ورحمة الله أفضل، فالمحسن مشكور، والمقتصد مأجور والمقصر مأزور، والله سوف يحاسب العابد على أقواهم وأعمالهم لا تغيب عنه ذرة، ولا تند عن عمله همسة، وسع كل معلوم علما، وكل مسموع سمعا، ووسع الخلق رحمة، والكون حكمة، والخلق فضلا ونعمة.
87. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا: قسما بمن لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه ولا يستحق الألوهية غيره، ليجمعنكم ربكم للعرض الأكبر، والموقف العظيم يوم البعث والنشور، ليجازي كلا بما فعل، ويحاسب كل إنسان بما صنع، ولا شك في ذلك الجمع، فهو واقع لا محالة، كائن لا ريب فيه، فلا أحد أصدق من الله ولا أوفى بوعد من الله، ولا أنجز لما وعد من الله، فقوله فصل، وعطاؤه فضل، وعذابه عدل، وهو لكل خير أهل.
88. فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا: ما لكم أيها المؤمنون في أمر المنافقين انقسمتم إلى طائفتين، طائفة تقول: إنهم مؤمنون، وطائفة ترى كفرهم وقد خذلهم الله وأوبقهم في الكفر وردهم الله على أعقابهم؛ لأنهم أبطنوا الكفر، وسلكوا مسالك الشيطان، هل تريدون أن تهدوا من كتب الله عليه الغواية، وأن تشردوا من أدركه الخذلان، وباء بالخسران، وعاد بالخيبة؟ فإن من كتب الله عليه الشقاء، وقضى عليه بالضلال فلا حيلة في صلاحه، ولا وسيلة لهدايته، فقد عميت بصيرته، وانطفأ نوره.
89. وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا: يريد هؤلاء المنافقون بكل وسيلة أن ترتدوا عن دينكم فتكونوا على مثل حالتهم من الكفر فتساووهم في النفاق، فإياكم أن توادوهم وتصادقوهم وتثقوا بهم إلا إذا هاجروا معكم، وجاهدوا في سبيل الله، وتابعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أبوا إلا الكفر واختاروا النفاق، ورفضوا الإيمان، فاقتلوهم في كل زمان، في حل وحرم، ولا تركنوا إليهم، ولا تصدقوهم ولا تستعينوا بهم في أمر، فهم العدو فاحذروهم، ولا تنخدعوا بظاهرهم، ولا يغركم كلامهم اللين ومسالمتهم في الظاهر، فالخبث مستقر في قلوبهم، والكفر كامن في نفوسهم.
90. إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا: إلا الذين يذهبون إلى قوم عاهدوكم ودخلوا معهم في عقد الأمان، فلا تحاربوهم، لأنهم تحت ولاية الكفار المعاهدين، أو أناس احتاروا ووقعوا في حرج شديد، وضيق كثير، فلا يستطيعون القتال معكم ضد قومهم، ولا القتال مع قومهم، والله قادر أن يحول نياتهم فيقاتلوكم، فما دام أنهم مسالمون، وتركوا مقاتلتكم، وأظهروا لكم الأمن من جانبهم، فليس لكم طريق عليهم ولا حق في مقاتلتهم ولا رخصة في ذلك.
91. سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا: أما قسم آخر من المنافقين فهم مخادعون يظهرون لكم الإسلام طلبا للمسالمة، فإذا رجعوا إلى قومهم أعانوهم وأظهروا أنهم معهم عليكم، كلما طلب منهم محاربة المسلمين أوغلوا في ذلك وجدوا، وقلب الله قلوبهم، فاستمروا في الفتنة فإذا لم يجتنبوكم ويتركوا التعرض لكم، ويعلنوا الاستسلام، ففي أي مكان لقيتموهم فعليكم بقتلهم قتلا ذريعا، وحصدهم بالسيف حصدا، ولكم العذر الواضح في قتلهم، والدليل الساطع في الفتك بهم؛ لأنهم خانوكم وغدروا بكم، وسلكوا النفاق معكم، وهم من أشد الأعداء لكم، فالمنافقون أقسام ثلاثة: قسم مسالم واعتزل القتال فلا يتعرض له، وقسم دخل مع أهل عهد من الكفر وهو مقهور تحت رئاستهم فيترك قتاله، وقسم لعب على الحبال واستخدم المخادعة والاحتيال مرة معكم ومرة مع الأعداء المحاربين عليكم؛ فهؤلاء يقاتلون.
92. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: لا يحق للمؤمن ولا يجز له أن يقتل مؤمنا آخر معصوم الدم؛ لأن الإيمان يمنعه أن يفعل ذلك، ولكن من فعل ذلك عن طريق الخطأ وعدم التعمد والقصد، فإن عليه أن يحر رقبة ليخرجها من ذل الرق، فتحريرها كإحيائها، وعليه أن يدفع دية إلى أهل القتيل إلا إذا عفا أهل المقتول عن الدية، فإنها تسقط، فإذا كان المقتول من الكفار المحاربين وهو مؤمن فإن على القاتل تحرير رقبة مؤمنة فحسب، ولا يعطون دية؛ لأنهم كفار محاربون يستعينون بها على قتل المسلمين؛ وإذا كان المقتول من الكفار ولكن بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق، فإن على القاتل مع تحرير الرقبة المؤمنة أن يسلم الدية لهم للعهد الذي بينهم وبين المسلمين، فإذا لم يجد القاتل ما يحرر به رقبة فإن عليك أن يصوم شهرين متتابعين يهذب هذا الصوم نفسه وتكون له تأديبا ودرعا، وهو مع انكساره واستغفاره يتول الله سبحانه وتعالى عليه والله عزوجل عليم ما أسر العباد، فهو مطلع على أعمالهم حكيم فيما شرعه من تحرير رقبة، ومن الدية ومن تقسيم هذه الأنواع وترتيب هذه المنازل؛ حكمة منه ولطفا لا إله إلا هو.
93. وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا: والذي يتعمد قتل مؤمن معصوم الدم، فإن جزاؤه أن يخلده الله في نار جهنم، ويبوء بغضب من الله سبحانه وتعالى على سوء ما فعل وعلى جرم ما صنع، وعلى فداحة ما ارتكب، وعليه لعنة الله فيطرده من رحمته ويحرمه عفوه ورضوانه، وهيأ له – سبحانه وتعالى – من النكال العظيم والجزاء الوخيم ما يستحقه على فعلته الشنعاء؛ لأنه قتل نفسا معصومة، وفي الحديث "لزوار الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم".
94. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا: أيها المؤمنون، إذا خرجتم للجهاد في سبيل الله فعليكم بالتحري فيمن تقاتلونه، وعليكم بالتثبت والتبين، ولا تقولوا لكل من سلم عليكم إن قصده المخادعة، وقصده المجاملة لتكسبوا من ورائه غنيمة من الدنيا، تأخذون سلاحه أو مال، فإن الذي أعده الله سبحانه وتعالى لكم في الآخرة من الأجر العظيم والثواب الجزيل والمقام الدائم في الجنة خير من عرض الدنيا كلها، وتذكروا أنكم كنتم بهذه الحال قبل أن تسلموا يوم كنتم كفارا، فاحمدوا الله على الهداية، وقيسوا حال هذا الرجل بحالكم من قبل، فإن هذا يحملكم على التثبت وعلى التبين، ومن خالف أمر الله – عزوجل – وعصاه فإن الله خبير بصنيعه، مطلع على فعله، وسوف يحاسبه سبحانه وتعالى على مخالفته لأمره الشرعي.
95. لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا: ولا يمكن أن يستوي في الأجر والمثوبة من قعد من المؤمنين غير أهل الأعذار؛ كالأعمى والأعرج والمريض، فإن الله عذرهم، لكن من يقعد عن الجهاد بلا عذر لا يستوي ومن جاهد في سبيل الله فأنفق ماله وقدم نفسه رخيصه لطلب رضوان الله فهذا أعظم أجرا بلا شك وأرفع منزلة وأكبر رتبة، والله سبحانه وتعالى فضل المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم على الذين قعدوا بعذر درجة من الثواب؛ لأنهم جاهدوا وأولئك لهم عذر قعدوا به، وكل موعود بالحسنى سواء من قعد بعذر لصدق نيته وإخلاصه وتمنيه الجهاد، ومن خرج لتضحيته وبذله نفسه وماله ولكن الله سبحانه وتعالى فضل المجاهد على القاعد بلا عذر أجرا عظيما وثوابا كبيرا وكرما واسعا، فإن الله يرفع المجاهد مئة درجة كما صح في الحديث، كل درجة ما بين السماء والأرض.
96. دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: وهذه الدرجات وذلك الغفران والرحمة من الله سبحانه وتعالى إكراما للمجاهدين فرفعة الدرجات لما بذلوه من الأموال والأنفس في سبيل الله، والمغفرة لما صار من ذنوبهم، فإن الشهيد تغفر له ذنوبه عند أول قطرة من دمه، ورحمة يتغمده الله بها سبحانه وتعالى فينسيه كل هم وكل غم وحزن مر به والله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب العظيمة؛ لحلمه وعفوه وصفحه، وهو رحيم بمن أقبل من عباده وطلب رحمت.
97. إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا: والذين يموتون وتتوفاهم الملائكة من المؤمنين وقد ظلموا أنفسهم ببقائهم تحت راية الكفر، وفي ديار الشرك ولم يهاجروا لديار الإسلام تسألهم الملائكة عند الموت، لماذا لم تهاجروا بدينكم؟ فقالوا: إنا كنا مقهورين تحت راية الكفار، فتقول لهم الملائكة: أليست أرض الله واسعة رحبة يمكن أن تنتقلوا إليها فتظهروا شعائر الدين وتعبدوا رب العالمين؟ فالذين لا يهاجرون ويبقون وهم مستطيعوا الهجرة، فأولئك مقرهم نار جهنم؛ لأنهم رضوا بقهر الكافر وقد جعل الله لهم فسحة في الأرض ولم يفعلوا، وكان لهم خيار ولم يقبلوا، فبئس والله مردهم، وبئس مقدرهم في ذلك المقام المخزي في نار جهنم.
98. إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا: لكن الذين لا يستطيعون الهجرة وهم مستضعفون حقا من الشيوخ الكبار والنساء الضعيفات والأطفال، فهؤلاء ليس لهم حيلة في الفرار، وليس لهم نفقة يستطيعون الذهاب بها، وليست لهم قدرة جسمية ولا معنوية ليهاجروا إلى بلاد الإسلام، هؤلاء حقا معذورون عند الله سبحانه وتعالى.
99. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا: فهؤلاء الضعفاء من الشيوخ والنساء والأطفال، الله سبحانه وتعالى يتجاوز عنهم ويغفر لهم تركهم للهجرة؛ لأنهم معذورون ولا يستطيعون الخروج من ديارهم، والله عزوجل يحب الصفح عن عباده ويتجاوز عن سيئات من عاد إليه وهو سبحانه وتعالى يغفر الذنوب مهما عظمت لمن اتغفره وأناب إليه، ولا يتعاظمه شىء أن يغفر لمن صدق في الإقبال عليه.
100. وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: والذي يخرج مهاجرا في سبيل الله من ديار الكفر إلى دار الإسلام يحصل على ما يرغم به أنوف الكفار ويغيظهم بإذن الله من التفافهم على المؤمنين وإظهار شرائع الدين، وأرض الله سبحانه وتعالى واسعة لمن خرج يبحث عن بقعة يعيد الله فيها، والذي يخرج إلى بلاده الإسلام ونيته صادقة وفي أثناء الطريق يموت ولم يصل إلى بلاد الإسلام فأجره على الله ثابت، وثوابه واقع بلا شك، والله يأجره على فعله، وهو غفور يغفر ذنوب العباد إذا عادوا إليه ويستر عيوبهم، وهو سبحانه وتعالى رحيم، رحمته واسعة، وفضله عظيم وخيره عميم.
101. وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا: وإذا خرجتم للجهاد في سبيل الله، أو طلب رزق من التجارة ونحوها فليس عليكم حرج أن تقصروا الصلاة رخصة من الله عز وجل فاقبلوا رخصته، فاجعلوا الرباعية ركعتين عند الخوف من الكفار، وأيضا حتى لو لم يحصل خوف كما نص على ذلك رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فإنه قال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" لأن الكفار أعداءكم، وجهادهم واجب باليد واللسان والقلم والنية، وبكل وسيلة يمكن أن تضرهم، وهذه عداوة أبدية حتى يدخلوا في دينكم، وعداوتهم حق يؤجر عليه العبد.
102. وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا: يخبر سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف أنه إذا كان مع المؤمنين المقاتلين في سبيل الله وأراد أن يصلي بهم فليجعلهم قسمين، القسم الأول يصلون مع الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يلبسون السلاح، والقسم الآخر يقف في وجه العدو، فإذا انتهى القسم الأول من الصلاة فليأت القسم الثاني إذا لم يصل فليصل مكان القسم الأول، وليكونوا متهيئين متجهزين حذرين من الكفار لابسين سلاحهم؛ لأن الكفار يريدون أن ينشغل المسلمون عن سلاحهم وعن أمتعتهم فيقتلوهم على حيلة وعلى خدعة، ويثبون عليهم وثبة واحدة، وهم في حالة الانشغال بالصلاة، ولا ذنب ولا إثم على المؤمنين إذا كانوا مرضى أو في السفر ألا يحملوا السلاح في الصلاة، وليكونوا على أهبة الاستعداد، وأتم الانتباه من العدو مهما استطاعوا إلى ذلك، والله سبحانه وتعالى قد أعد وهيأ للكفار من عذاب الخزي والمهانة والذلة والصغار من اللعنة والغضب والنار ما الله به عليم جزاء وفاقا فأفعالهم.
103. فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا: وإذا انتهيتم من الصلاة أيها المؤمنون فعليكم بالإكثار من ذكره سبحانه وتعالى في قعودكم وفي قيامكم في أعمالكم وفي أشغالكم وفي طرقاتكم وفي سفركم وعليكم بكثرة ذكره وأنتم قعود في مجالسكم ومدارسكم واجتماعاتكم، على جنوبكم مضطجعين، وهذا لأهمية الذكر وفضله وعظيم أجره، فإذا ذهب الخوف عنكم من الكفار فعليكم بإقامة الصلاة كما هي تامة بعددها وخشوعها وركوعها وسجودها وآدابها وسننها؛ لأن الصلاة فريضة محددة لوقت معلوم وزمن معين، لا يجوز أن تؤخر حتى يخرج وقتها ولا يحذف من ركعاتها إلا بعذر كالسفر والحرب، وهذه الصلاة هي عمود الإسلام، وهي الركن الأهم بعد الشهادتين.
104. وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: ولا يصبكم الوهن والخور والإحباط في طلب منازلة الكفار وفي مواجهتهم، فإنكم إذا كنتم تتأملون وتتضررون فإنهم أيضا بشر مثلكم ينالهم الألم والضرر، لكن الفارق أنك ترجون من الله ثوابا جزيلا وأجرا جميلا ومنقلبا طيبا، وهو ليست لهم ولاية عند الله وقد عادوه وحاربوه، وهم لا يرجون ثوابه سبحانه وتعالى ولا ينتظرون خيرا عنده جل في علاه والله سبحانه وتعالى عليم بمن صدق في نيته وفي جهاد عدوه، وفي الإخلاص لطلب مرضاته، حكيم في أوامره فهو سبحانه وتعالى أنزلها بحكمة وعدل، وببصيرة وبلطف تناسب الأحوال والأزمات والمقامات.
105. إِنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا: يا أيها الرسول، نحن نزلنا عليك القرآن ينطق بالحق ويحكم بالعدل لتقيم شريعة الله – سبحانه وتعالى – بين عباده، وتجتهد في النص بما فقهك سبحانه وتعالى في دينه، فتحكم بين الناس بالعدل، واحذر أن تدافع عن الخونة أو تكون مجادلا عنهم.
106. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا: وعليك أن تستغفر ربك إن كنت همت أن تدافع عن خائن أو تجادل عن منافق، فإن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن خطئك ويغفر لك ويرحمك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. وفيه أن من وقع منه مثل هذه النية فعليه أن يستغفر ربه ويتوب إليه جل في علاه.
107. وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا: وإياك ان تدافع عن الخونة الذين يرتكبون الخيانة ثم يضيفونها إلى أبرياء ويتهمون به المخلصين، فهؤلاء أجرموا في حق أنفسهم ثم نسبوها إلى غيرهم لزيادة مكرهم وخديعتهم، والله سبحانه وتعالى لا يحب ناقض العهد، ناكث الميثاق، المرتكب للمعاصي والآثام، المدمن الخطايا بلا توبة، السريع في انتهاك حدود الله، الذي لا يرده عن الذنب رد، ولا يحده عن المعصية حد، فهؤلاء سوف يعودون بغضب الله ومقته، وهذه الآية نزلت في قوم من المنافقين سرقوا، ثم نسبوا السرقة إلى غيرهم من الأبرياء، فدافع النبي صلى الله عليه وسلم عنهم بناء على ظاهر حالهم، فانزل الله هذه الآية.
108. يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا: هؤلاء المنافقون يستترون من العباد ولا يستترون من رب العباد، ويستحون من الخلق ولا يستحون من الخالق، يخافون عقاب الناس ولا يخافون عقاب رب الناس، الذي لا تخفى عليه خافية، ولا تغيب عنه غائبة، وهو الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، والله سبحانه وتعالى مطلع على ما في السرائر، عالم بما في الضمائر، وهؤلاء كانوا، يدرون في ليلهم من السرقة والتخطيط للجريمة والتشاور في أن ينسبوا هذا الفعل إلى غيرهم من الأبرياء، والله لا يرضى هذه الأقوال والأعمال، وهو سبحانه وتعالى عالم بما اقترفوه، سامع لما قالوه، مطلع على ما دبروه، سوف يحاسبهم به، ويجازيهم بسوء صنيعهم.
109. هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا: أما أنتم يا أقارب هؤلاء المنافقين فعلى فرض أنكم دافعتم عنهم في هذه الحياة عند الحاكم وحاولتم صرف العقوبة عنهم، لكن من يدافع عنهم عن الله؟ ومن يحامي لهم عند الواحد الأحد الذي لا تغيب عنه غائبة، والذي يطلع على الأمور؟ ومن الذي يقف معهم يوم العرض الأكبر؟ ومن الذي ينجيهم من تلك المقامات الهائلة؟ أو من الذي يمكن أن يصرف عنهم العذاب، أو يدفع عنهم العقاب؟ لا أحد، وهذا وعد شديد لكل قاض وكل مدافع وكل محام وكل مسؤول أن يراقب ربه سبحانه وتعالى ولا يكون مدافعا ولا وكيلا للظلمة وأعداء الله عزوجل الفسقة.
110. وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا: ولكن المسلم إذا وقع منه السوء أو ظلم نفسه بارتكاب معصية، ثم ندم واستغفر وأناب وتأسف على ما فعل وعاد إلى ربه يطلبه الغفران يجد ربه كريما، فإن الله اكرم من العبد، رحيم يتجاوز عنه ويقابل الإساءة بالإحسان، والمعصية بالغفران، ويتغمده بالرضوان، ويسكنه الجنان، فلا أحسن من التوبة إلى الله، ولا من استغفاره جل في علاه.
111. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: والذي يفعل جريمة أو يمارس خطيئة أو يفعل معصية فإثمها عليه لا على غيره، فلا تزر وازرة وزر أخرى، وهو مسؤول عن فعله، والله سبحانه وتعالى يعاقبه وحده؛ لأنه هو الذي اقترف وأخطأ، والله سبحانه وتعالى من علمه وحكمته لا يوقع العقاب بغير مستحقه، أيضا لا يضيف على المخطئ سيئات لم يعملها بل كل شئ بعلم وحكمة، فالعلم إحاطة بكل ما يقع، والحكمة إيقاع العذاب بمن هو أهل له بدقر جرمه.
112. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا: والذي يعمل ذنبا صغيرا أو جرما كبيرا، ثم ينسبه إلى غيره من الأبرياء، فقد أخطأ بينا، وتحمل إثما عظيما؛ لأنه فعل جريمتين: أجرم في حق نفسه، وأجرم في حق غيره، وذنبه واضح، وإثمه عظيم، وجرمه جسيم، وسوف يعاقبه الله على سوء تصرفه.
113. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا: ولولا أن الله سبحانه وتعالى تفضل عليك أيها النبي ورحمك لأراد بعض القوم أن يصرفك عن معرفة الحق، ويوهمك بأن صاحب الذنب هو البرئ، ويريدون أن يلبسوا عليك الحكم الشرعي، ولكن الله سبحانه وتعالى عصمك من ذلك بالنبوة، وأعلمك من علم الغيب ما كشف لك المخبوء، وهؤلاء الذي يسعون في الضلاة والإضلال وإنما يضلون أنفسهم، فهم لن يضلوك؛ لأنك نبي مجتبي، ورسول مصطفى، معك العصمة والنبوة، وقد أكرمك الله بالقرآن الكريم والسنة النبوية، وكشف لك من العلوم الغيبية والأسرار الدينية والأحكام الشرعية ما جعل فضله عليك دائما وكبيرا وعظيما؛ لأن المنزلة التي وصلت إليها لم يبلغها أحد من الناس، وذلك من فضل الله ورحمته عليك.
114. لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا: أكثر الناس لا خير في كثير مما يسرونه ويتحدثون به بينهم، لكن من تحدث وأمر بصدقة في سبيل الله عزجل أو قال خيرا ينفع نفسه وينفع غيره، أو أصلح بين المتخاصمين من المسلمين وأراد بذلك وجه الله عزوجل فالله سوف بأجره الأجر العظيم وسوف يدخر له الثواب الجزيل على حسن فعله وعظيم أثره.
115. وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا: والذي يخالف الرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما قام له الدليل الساطع على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وانكشفت له الحقائق، وبان له الأمر ويختار غير طريق المؤمنين الذين أجمعوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الدين، فالله سبحانه وتعالى يذره في ضلاله ويتركه في غوايته، ثم يعذبه في نار جهنم بأنواع العذاب وبئس المصير مصيره، وقبحا له ولمنقلبه عند الله يوم القيامة. وهذا فيه دليل على أن إجماع الأمة حجة قاطعة، وأنه لا تجوز مخالفة الإجماع المتحقق.
116. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا: الله لا يغفر لمن أشرك به، فالشرك ذنب لا يغفر أبدا، ولكن ما دون الشرك تحت المشيئة، إن شاء غفر الله لصاحب الذنب غير الشرك، وإن شاء عذبه؛ لأن صاحب الشرك قد أخطأ خطأ بينا، وضل ضلالا واضحا، وغوى غواية ما بعدها من غواية، وقد ابتعد عن رحمة الله – عزوجل – واستحق غضب الله على أعظم جرم، وأكبر ذنب في العالم.
117. إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا: وهؤلاء الذين يدعون من دون الله إلها آخر إنما يدعون ويسألون آلهة ألفوها من اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ويدعون أيضا شيطانه متمردا على الله قد بلغت به الغواية أعظم مبلغ، وقد بلغ في الضلال والعتو والفجور النهاية، فصار قدوة لغيره، وأسوة لسواه لكثرة ضلاله.
118. لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا: هذا الشيطان المريد قد طرده الله من رحمته وكتب عليه الشقاء في الدنيا والآخرة، وقال الشيطان حينها حالفا ومقسما: لأغوين من عبادك قسما كبيرا، طائفة كثيرة، وآخذ منهم قسطا إلى النار بإضلالي لهم بالشهوات والشبهات.
119. وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا: وسوف أستمر في غوايتهم وفي عرض الأماني الكاذبة لهم، وحيل الخداع والتسويف والتدليس والتلبيس، ولألقين عليهم الأوامر، فيمتثلون أوامري من الزيغ الذي في قلوبهم والإجرام الذي في نفوسهم وحب المعصية الكامنة في قلوبهم، ومن أمري لهم أن يقطعوا آذان الإبل والبقر والغنم بما يسمونه البحيرة والسائبة والوصيلة، وآمرهم أن يغيروا أشكالهم وأشكال بهائمهم زيادة في الغواية من خصاء العبيد وتعذيب البهائم، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ونحو ذلك من الافعال المحرمة كالنمص والوصل والوشم والتفلج للحسن ونحوها، مما حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولكن من يرض بالشيطان وليا من دون الله ويحبه ويطع أوامره، ويتبع سبيله، فقد خسر الدنيا والآخرة، خسر نفسه ودينه وتعرض لمقت ربه وخرج من ولاية مولاه، وأفلس في عمله، وخاب سعيه وضل سبيله وغوى.
120. يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا: والشيطان إنما يعد أتباعه بالوعود الكاذبة والأماني الخادعة والتلبيس والأوهام والدجل والكذب، وكل الذي يفعله بهم هو غرور ومخادعة لا حقيقة لها، فيوهمهم بأن اللذة في المعصية، وأن الراحة في الجريمة، وأن الخير في مخالفة أمر الله، وكل هذا كذب لا حقيقة له، بل الخير كل الخير في طاعته – سبحانه وتعالى – وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
121. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا: والذين يتبعون الشيطان ويرضون بمسلكه ويوافقونه على منهجه، فدارهم في الآخرة دار جهنم لا يجدون مفرا منها ولا مهربا، ولا مكانا يخلصون إليه منها، بل تحيط بهم وتضطرم عليه جزاء لفعلهم الشنيع وذنبهم الفظيع.
122. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَ‍قًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا: لكن الذين آمنوا بالله عزوجل واتبعوا رسوله وعملوا الصالحات وأنواع البر وسائر الخيرات فجزاؤهم عند الله عزوجل أن يسكنهم الحدائق الغناء، والبساتين الفيحاء التي تجري فيها الأنهار وفيها الأشجار كافة والأزهار المختلفة مع حسن الإقامة في دار الكرامة ولزوم التنعيم ودوام التكريم في جنات النعيم، وفي المقعد الكريم، بجوار الرب العظيم، مع الخلود أبدا، والمكث سرمدا، وهذا وعد لازم، وقول فصل وحق، والله لا أصدق منه إذا وعد، وقوله سبحانه وتعالى هو المقدم على كل قول، فهو لا يخلف وعده ولا ينكث عهده، لا كالشيطان ولي الكفار الذي وعده كذب، وعهده زور، وأمانيه باطلة، ووساوسه خادعة.
123. لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا: ليس النجاة ودخول الجنة والحصول على رضوان الله بتمنيكم أيها المسلمون أو أنتم أهل الكتاب، فليست المسألة بالدعوة الخالية من الدليل بالعمل الصالح والامتثال، إنما يصدق ذلك العمل وإلا فالدعوة سهلة ويسيرة كل يدعيها، لكن المحك والمناط في الأمر هو العمل الصالح، وحسن الامتثال لله عزوجل، والله عالم بمن صدق في امتثال أمره ممن كذب، والذي يخالف أمر الله ويرتكب السوء يعاقبه سبحانه وتعالى إما في الدنيا أو في الآخرة،ولا يجد من ينصره من دون الله عزوجل ولا من يتولاه فليس له ولي ينفعه ويحفظه ويسدده، وليس له نصير يدفع عنه الضر ويصرف عنه العقاب.
124. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا: والذي يعمل خيرا ويقدم لنفسه برا سواء كان رجلا أو امرأة وهو مؤمن بالله عزوجل متبع لرسوله فإن مصيره إلى جنات النعيم والمقام الكريم، ولا يظلمه سبحانه وتعالى بترك شىء من حسناته التي قدمها ولو كان شيئا يسيرا وقليلا بمقدار الحفرة التي في ظهر النواة، فلن يضيع الله سعيه ولا عمله، بل كل خير قدمه، وبر فعله محفوظ له.
125. وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا: لا أحد أحسن ديانه ولا أقوم سبيلا ولا أوضح منهجا ممن استسلم لحكم ربه، وأطاع مولاه واجتنب ما حرمه الله، وهو مداوم على طاعة ربه وسنة نبيه، مجتهد في طاعة مولاه وخالقه، وهو متبع في ذلك أحسن الملل وهي ملة إبراهيم دين الإسلام، ودين السماحة واليسر؛ لأن إبراهيم قد اصطفاه ربه واختاره عن سائر الخليقة وخاصة بالمحبة وبالقرب وبالزلفي؛ ولذلك اختار له أحسن الملل الإسلام، وأحسن الأديان الحنيفية السمحة.
126. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا: كل ما في السموات والأرض من الملائكة والجن والإنس وسائر المخلوقات والكائنات والموجودات ملك للباري سبحانه، يدبرها ويصرفها كيف يشاء، وهو مع ذلك مطلع لا تخفى عليه خافية، عالم لا تغيب عنه غائبة، جمع سبحانه وتعالى بين الملك والعلم، ومن كان هذا شأنه وصفته حق للعبد أن يخافه وأن يرجوه، وأن يختار ما اختاره من الدين الصحيح الذي هو دين إبراهيم دين الإسلام، وبعث به محمد صلى الله عليه وسلم.
127. وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا: يسألونك يا محمد في شأن النساء، قل: الله سوف يخبركم بالأحكام الشرعية الخاصة بهن في كتابه، وما أوحاه إلى من السنة، و أيضا سوف يخبركم بشأن ما أنزل في كتابه العظيم في شأن النساء الضعيفات اليتيمات اللواتي تتزوجونهن ثم لا تدفعون لهن مهرا، فإن الله يأمركم بالعدل والإنصاف، وأن تتقوا الله سبحانه وتعالى في المرأة سواء أكانت يتيمه في إعطائها حقها وايصال المهر إليها كاملا مكملا، وكذلك يخبركم سبحانه وتعالى في شأن الأطفال من اليتامى وغيرهم أن تتقوا الله فيهم وتحفظوا حقوقهم، من الميراث وغيره، وأن تعدلوا بين اليتامى، فلا تجوروا في قسمة مواريثهم، ولا في الوصية لهم، وخافوا الله بألا تأكلوا أموالهم بالباطل، واعلموا أن ما تقدمونه للمستضعفين واليتامى والفقراء والمساكين ونحوهم فالله سبحانه وتعالى عالم به سوف يجازيكم عليه الجزاء الأحسن وسوف يتقبله منكم إذا صدقتم وأخلصتم.
128. وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا: وإذا خشيت المرأة من زوجها أن يعرض عنها أو يفارقها وهي تريد البقاء معه فلا بأس أن تصطلح معه على إسقاط بعض الحقوق، وجبر الأمور والاتفاق على الأمر معا، فتتنازل عن بعض حقها في البيتوتة ونحو ذلك من الاستمتاع؛ ليبقى شىء من الوفاق، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله، ثم أمر الله سبحانه وتعالي بالصلح بين الزوجين؛ لأن الصلح فيه خير عظيم، فالموافقة والتنازل عن بعض الحقوق واستمرار العشرة أحسن من طلب الحق كله، ثم يعقب ذلك فراق وطلاق وبينونة، فالصلح خير؛ لأنه يدوم به الوفاق ويحصل به القرب ويزيل ما في النفوس، والنفوس مجبولة على البخل وعلى الشدة، وعلى الحرص الشديد على حقوقها، وعدم التنازل بشئ من ذلك وعدم إعطاء الآخرين من الخير فالرجل حريص على متعته أو مفارقه زوجته إذا لم تعجبه، والمرأة حريصة على حقها كاملا من زوجها ولو شق عليه، فالواجب التنازل من الطرفين ليجتمع الشمل، ولكن من أحسن في عشرة زوجته ولو كرهها وصبر على أذاها لتستمر الحياة معها، وأحسنت هي في التنازل عن بعض الحقوق والصبر عن الجفاء الذي يحصل منه أو التقصير لتستمر الحياة الزوجية فإن هذا خير عند الله عزوجل والله يعلم هذا الإحساس من فعل الخير ومن التقوى ومن ترك المعصية بينهم، وسوف يثيب الله عزوجل من أحسن من الزوجين بالثواب العظيم عنده.
129. وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا: لن تقدروا أيها الرجال على العدل كل العدل بين زوجاتكم مهما حاولتم ومهما حرصتم؛ لأن العدل أمر دقيق ومكلف فلا يستطيع أحد أن يعدل في الحب والمعاشرة واللطف والقرب بين الزوجات؛ لأن هذا فوق طاقته وهو مكلف له، فإذا كان لا يستطيع فعليه أن يسدد ويقارب، فلا يجور على إحدى الزوجات بحيث يحرمها ولو بعض الحق ويميل إلى إحداهن كل الميل، فيترك الأخرى لا هي مطلقة ولا هي متزوجة؛ كالشئ المعلق ليس مستقرا على الأرض، وليس واصلا إلى السماء، فعلى العبد أن يصلح ويسدد ما استطاع، ويقارب بين الأمور ويجتهد جهده ويتقي مولاه، ويخاف ربه في هذه المرأة ألا يظلمها، ثم بين الله سبحانه وتعالى عند حالة التقصير الذي تحصل عند الأزواج والتي لابد منها أنه غفور رحيم وهو يتجاوز عن الأخطاء ويسامح من قصر إذا اجتهد، ويغفر لمن استغفر،ويتغمد برحمته من بدرت منه بوادر، وهو واسع الفضل والإحسان في تشريعه وفي أمره وفي نهيه وفي قبوله لاستغفار من استغفر، وتوبة من تاب.
130. وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا: لكن إذا لم يحصل اتفاق، ولم يقع الوفاق، وقد صمم على الفراق وعلى الطلاق، فالله سبحانه وتعالى سوف يغني الجميع من فضله، فسوق يغني الرجل بامرأة أخرى هي خير له من الأولى، وسوف يغني المرأة برجل آخر خير من الأول، فإن الله سبحانه وتعالى واسع الفضل والإحسان عظيم الامتنان، بيده الخير كله، وهو يسهل سبحانه وتعالى النصيب الأحسن، واختياره أجمل، ومن فوض إليه الأمر كفاه وأعطاه وواساه.
131. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا: كل ما في السموات وما في الأرض ملك لله سبحانه وتعالى يدبره ويتصرف فيه، لا يغالبه مغالب ولا يعجزه شىء، وقد أمر الله سبحانه وتعالى اليهود والنصارى ممن كان قبلكم ومن قبلهم من الأمم وأمركم أنتم بأن تتفوه وتخافوه وتعملوا بأوامره وتتركوا نواهيه، وهذا فيه مصلحة لكم وخير عميم عظيم في الدنيا والآخرة، ولكن إذا رفضتم ذلك وكفرتم بالله وأشركتم معه وخالفتم رسوله وجحدتم آياته، فالله متصرف في الكون، غني عن إدبار من أدبر، فلا يضره كفر من كفر، ولا ينقص من ملكه شرك من أشرك، وهو محمود سبحانه وتعالى في ذاته على حسن أفعاله، وعلى جميل صفاته وأسمائه وعلى عظيم ذاته، وهو حميد أيضا يشكر من أقبل إليه ومن آمن به ومن اتقاه.
132. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا: وملكه سبحانه وتعالى لما في السموات والأرض قهر وقدرة وإحاطة وعل ... وأعاد هذا المعنى سبحانه وتعالى ليبين كمال استغنائه عن الخلق وقوة ملكه ونفوذ أمره جل في علاه وكفى به محصيا لأعمال العباد، مطلعا عليها، حافظا لها، مجازيا عليها.
133. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا: وإذا أراد الله سبحانه وتعال أن يفنيكم أيها الخلق، ويذهب بكم ويستبدل غيركم، فمن الذي يرده؟ ومن الذي يعجزه؟ فقدرته نافذة، وحكمته باهرة، وأمره واقع، وملكه عظيم، وهو غني عن الكل من ذهب ومن بقي، من أطاع ومن عصى، ومن آمن ومن كفر، فلا إله إلا هو ما أعظمه.
134. مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا: من طلب لعمله الدنيا فأجر الدنيا وأجر الآخرة عند الله – سبحانه وتعالى – فلماذا هذا العبد يطلب الرخيص الخسيس، ويترك الأغلى والأحسن والأعلى، وما عند الله سبحانه وتعالى من الرضوان والفوز بالجنان ومغفرة الديان، فإن الله سبحانه وتعالى يطلع على أعمال هؤلاء الناس، وهو سميع لأقوالهم، بصير بأفعالهم، لا تخفى عليه خافية، يعلم المخلص من المرائي، والصادق من الكاذب، ومن أخفى نية أظهرها الله سبحانه وتعالى وعلمها جل في علاه.
135. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا: أيها المؤمنون، اتقوا الله سبحانه وتعالى وكونوا عدولا شاهدين بالحق، قائمين بالشهادة على الوجه الصحيح حتى لو كانت الشهادة على أنفسكم أنتم، أو على أقاربكم من الآباء والأبناء والإخوان، فلا تمنعكم القرابة من قول كلمة الحق والشهادة بالصدق على أكمل وجه، فلا يخشى إلا الله، ولا يخاف إلا هو سبحانه وتعالى حتى لو تكون اشهادة على الغني فلا يمنعكم غنى الغني وجاهه وسلطانه ومنصبه أن تدلوا بالشهادة الحقة، وأيضا لا يحملكم العطف والرحمة الإشفاق على الفقير ألا تقيموا الشهادة عليه، بل أقيموها فالله سبحانه وتعالى الأولى بالفقير وبالغني، وهو أعلم سبحانه وتعالى بما يصلح لهذا وهذا وهو المتكفل برزقهم وهو المعطي لهم سبحانه وتعالى ومرد أمر الفقير والغني إليه فعليكم ألا تتبعوا مراد النفوس الظالمة الجائرة في إرضاء الناس وإغضاب رب الناس، بل قولوا كلمة الحق رضي من رضي وغضب من غضب المقصود أن تكونوا صادقين وإن حرفتم الشهادة أو كتمتموها فسوف يعلم الله سبحانه وتعالى ذلك ويحصيه عليكم ليحاسبكم به لأن اطلع سبحانه وتعالى على ما وقع وسوف يجازي كلا بما صنع.
136. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا: أيها المؤمنون، داوموا على الإيمان واثبتوا على اليقين وتصديق الله عزوجل واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وعليكم بالإيمان بالقرآن الذي نزله الله سبحانه وتعالى على رسوله مفصلا ومجملا، وآمنوا أيضا بالكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله من قبل والذي يعرض عن الهداية، ويحارب ربه ومولاه ويكفر بألوهية خالقه، ويجحد الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر فهذا قد ابتعد عن الحق ابتعادا كبيرا، وضل ضالا عظيما، وأخطأ خطأ بينا، ووقع في خسران ما بعده خسران، وأصابه خذلان لا أكبر منه خذلان.
137. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا: المنافقون الذين آمنوا بالله ورسوله في الظاهر ثم ارتدوا على أعقابهم ثم رجعوا فآمنوا، ثم رجعوا فارتدوا وبعد الارتداد زادوا كفرا إلى كفر بأعمالهم اشنيعة، وأفعالهم القبيحة، هؤلاء بعدما استمرؤوا الكفر والنفاق، وأدمنوا الردة والمخالفة، لن يتجاوز الله عن سيئاتهم، ولن يغفر ذنوبهم ويقبل عذرهم، ولن يقيل عثرتهم، ولن يوفقهم لتوبة بعدها، فقد أظلمت بضمائرهم وانطمست معالم الخير في قلوبهم، وساء تصورهم؛ ولذلك من أدمن المعاصي وتاب وعد ثم تاب وعاد فيخشى عليه ألا تقبل توبته.
138. بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: يا محمد بشر هؤلاء المنافقين على سبيل السخرية والاستهزاء بهم لأنهم كانوا يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم بشرهم بعذاب مؤلم وبجزاء فظيع وعقاب شديد عند الله جزاء لفعلهم ولخديعتهم ولمكرهم ولكذبهم.
139. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا: هؤلاء المنافقون يتولون الكافرين من دون المؤمنين فيحبون أعداء الله، ويحاربون أولياء الله ويصادقون الكفار ويعادون المؤمنين، عجبا لهم!! يريدون النصرة والمنعة والمكانة والمنزلة عند الكفار، والكافر لا يملك هذا، فهو فقير من ذلك كله، كيف لا يطلبونها عند من يملكها وهو الله – سبحانه وتعالى – فإنه لا أعز منه، فالعزة له ولرسوله وللمؤمنين، والتكريم عنده، والنصر والثواب الجزيل والنعيم المقيم، فلماذا ما طلبوها قاتلهم الله ممن يملكها جل في علاه؟
140. وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا: أيها المؤمنون: قد بين لكم في القرآن العظيم أن عليكم إذا سمعتم الكفار يسخرون من آيات الله سبحانه وتعالى وأنتم في مجلس معهم فقوموا من ذلك المجلس مقاطعة له ولهم، وإضرابا عن الحديث معهم حتى ينتقلوا إلى حديث آخر، وإلى موضوع غير موضوع الاستهزاء بالله وبكتابه وبرسوله، لكنكم إذا رضيتم كما يفعل المنافق وجلستم معهم واستمعتم لقولهم ولو لم تتكلموا فأنتم معهم مشتركون في الإثم والوزر، وأما المنافق الذي يجلس مع الكافر ويشاركه الاستهزاء بالدين، والسخرية منه فإن الله سوف يجمعه معه في نار جهنم؛ لأنه أحب صحبته واختار مناقته، فحشره الله معه.
141. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا: هؤلاء المنافقون ينتظرون بالمؤمنين الدوائر، ويتحرون أن تنزل بهم الكوارث والهزائم، فإذا وقعت واقعة وكان النصر للمسلمين قال المنافقون للمسلمين: نحن حضرنا معكم وشاركناكم بالظاهر فنريد حظنا من الغنيمة وإن كان النصر للكفار على المؤمنين قالوا: أما تركنا قتالكم وخذلنا عنكم وتباطأنا في منازلتكم وكففنا عنكم، فأعطونا نصيبنا من الغنيمة فنحن كنا سببا في منع المؤمنين وخذلهم وتوهين صفهم. فأخبر سبحانه وتعالى بأنه سوف يحكم بين الجميع يوم العرض الأكبر بين المؤمنين والمنافقين والكافرين فهو يعلم عمل الجميع، وسعي الجميع، وما نواه الجميع، وبشر سبحانه وتعالى أنه لن يمكن الكفار من رقاب المؤمنين فيبيدوهم ويستأصلوهم ويزيلوهم من الأرض ويفنوهم عن بكرة أبيهم، هذا لن يكون أبدا ولو كان للكفار جولة أو صولة فإن العاقبة بإذن الله للمؤمنين، والنصر الأخير لعباد الله الصالحين.
142. إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا: هؤلاء المنافقون يلعبون بدينهم ويخادعون ربهم في ظنهم، والله سبحانه وتعالى هو الذي سيخدعهم جل في علاه فإنه عصم دماءهم في الدنيا، ولكنه أعد لهم غاية العقاب وأفظع العذاب في نار جهنم، فهم يظنون أنهم لبسوا أمرهم على خالقهم ومولاهم، والواقع أن الله لبس عليهم أعمالهم وغطى بارئهم وحجب الفهم عن عقولهم، ومن صفاتهم أنهم يتكاسلون في أداء الصلاة فيؤدونها بلا حب ولا نية ولا خشوع؛ لأنهم لا يريدون أجرا ولا يخافون وزرا ولا عذابا، بل يريدون أن يعصموا دماءهم بهذه الصلاة، ويقال في الظاهر: إنهم مسلمون، فهم يريدون المحمدة من الناس وكف الاذى من المؤمنين بصلاتهم التي لا تنفعهم، ومن صفاتهم أنهم قليلو الذكر لله عزوجل سواء باللسان أو بالقلب، فمن أحب الله أكثر من ذكره، والمنافق لا يحب ربه ولذلك لا يذكر مولاه، فمن أكثر من ذكر ربه فقد برئ من النفاق، ولو لم يكن في الذكر إلا هذه الفائدة لكفي بها.
143. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا: هؤلاء المنافقون حائرون مترددون، مرة مع المؤمنين ومرة مع الكافرين، لا يثبتن على رأي ولا يقفون على قول ولا يستمرون على مبدأ، كل يوم لهم طريق ومنهج وسيرة يتلونون ويتشكلون وفق المصالح المعيشية والمطالب الدنيوية، فإن كانت المصلحة مع المؤمنين دخلوا معهم، وإن كانت مع الكافرين ساروا معهم، وهؤلاء أضلهم الله سبحانه وتعالى على علم، ومن يضله سبحانه وتعالى فلن تجد له من يرشده ولا من يسدده ولا من يريه طريقه ولا من يوفقه ويأخذ بيدهن بل يبقى في طغيانه وغوايته.
144. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا: أيها المؤمنون: لا تكونوا كالمنافقين الذين تولوا الكفار من دون الواحد القهار وتركوا صحبة الأبرار وذهبوا مع الفجرا، هؤلاء لا تسلكوا مسلكهم، وعليكم أن تتولوا الله ورسوله والمؤمنين، فإنكم إذا توليتم الكفار من دون المؤمنين جعلتم لله حجة في أن يعاقبكم، وأن ينتقم منكم، وأن يوقع بكم أشد العذاب وأفظع العقاب.
145. إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا: هؤلاء المنافقون في اسفل طبقة من النار؛ لأن فعلهم أشد من فعل الكفار، فهم خادعوا المؤمنين ولعبوا في الدين واستهزؤوا بعباد الله الصالحين، ومكروا بأوليائه، وأعانوا المشركين من داخل صف المؤمنين، وخذلوا المؤمنين في مواقف الجهاد والنصرة، فان جزاؤهم أن ينكل الله بهم أشد النكال، ويعذبهم أشد العذاب، وليس لهم من يدفع عنهم العذاب ولا من يحميهم من العقاب عند الواحد الأحد.
146. إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا: لكن من تاب من هؤلاء المنافقين وعاد إلى الله وندم على ما فعل، وأصلح عمله عوضا مما أفسده من قبل واعتصم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتمسك بهما، وعض النواجذ على الشرع المطهر، وأخلص العمل لربه، وترك الرياء والسمعة وصدق في طاعة مولاه، فمصير هؤلاء مع المؤمنين في الثواب والأجر العظيم، والله سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين الأجر العظيم والثواب الجزيل والمقام الآمن فهم معهم في الأجر؛ لأنهم فعلوا فعلهم.
147. مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا: أي مصلحة لله في تعذيب عباده؟ أي منفعة للخالق في التنكيل بالمخلوق؟ أي خير يريده سبحانه وتعالى من أن ينزل العذاب الشديد بعبيد؟ هل يتشفى من غيظ وجده جل في علاه؟ أم يريد أن يدرك الثأر لا إله إلا هو؟ أم يريد بهذا العقاب أن يجل بالنفع لنفسه تقدس اسمه؟ أم يريد جل في علاه أن يدفع الضر عنه سبحانه، هذا لا يوجد ولا يكون، فهو الغني عن الكل الحاكم للجميع، المتصرف في أمر الجميع، بل من شكر الله على نعمه، وآمن بشرعه فلن يعذبه الله سبحانه وتعالى وليس الله سبحانه وتعالى محتاجا إلى عذاب أحد ولا إلى طاعة أحد، ولكنه أمر بها سبحانه وتعالى وهو شاكر لمن أحسن، وعليم بمن أساء، فهو يشكر الإحسان ويعلمه، ويعاقب على الإساءة ويعلمها.
سورة النساء
148. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا: الله لا يحب كشف الأسرار وهتك الأستار وإظهار الفضائح وبث البائح، ولا يحب سبحانه وتعالى أن يفحش الإنسان إذا تحدث ولا أن يؤذي أحدا في فظه إلا المظلوم، فإنه يجوز له أن يذكر الظالم بما فيه من قبائح ليجتنب الناس ظلمه، وليبرز مظلمته وليخبر عما وقع عليه من حيف، ويجوز أن يدعو على ظالمه ليجتنب الناس هذا الظالم، والله سبحانه وتعالى فهو أقدر على عقوبة خلقه من خلقه، ومع ذلك تجاوز عن الخلق، فالخلق بحاجة إلى أن يتجاوز بعضهم عن بعض لحاجتهم إلى عفو ربهم سبحانه وتعالى.
149. إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا: أيها الناس، إن أظهرتم الخير أو أخفيتموه، أو تجاوزتم عن إساءة من أساء فالله عالم بذلك مطلع عليه، وجاء العفو عمن أساء بعد جواز ذكر الظالم بما فيه ليبين سبحانه وتعالى أن من عفا وأصلح وترك قول السوء في من ظلمه كان حسنا لأن من صفاته سبحانه وتعالى أنه يعفو عمن أساء، وهو قدير على أن يعاقبه، ومع ذلك يتجاوز سبحانه وتعالى فهو أقدر على عقوبة خلقه من خلقه، ومع ذلك تجاوز عن الخلق، فالخلق بحاجة إلى يتجاوز بعضهم عن بعض لحاجتهم إلى عفو ربهم سبحانه وتعالى.
150. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا: الذين كفروا بالله سبحانه وتعالى ورسله وهم يريدون أن يفرقوا في الإيمان بين الإيمان بالله ورسله، فاليهود آمنوا بموسى والتوراة، وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد وبالقرآن، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل، وكفروا بموسى والتوراة وبمحمد والقرآن، أما المؤمنون فآمنوا بمحمد والقرآن وبعيسى والإنجيل وبموسى والتوراة، وبعضهم يريد أن يفرق بين الله ورسله فيؤمن بالله وحده، ولا يؤمن برسله، حسدا وبغيا من هؤلاء الكفار، وبعضهم يقولون نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم الآخر، ونتخذ طريقا وسطا نختاره لنا، ومنهجا نرتضيه، وهو منهج باطل منحرف ضال لا خير فيه ولا يقبله الله.
151. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَ‍قًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا: هؤلاء الذين يفعلون ذلك من التفرقة بين اله ورسله والكفر ببعض الأنبياء والإيمان ببعض، هم كافرون على الحقيقة لاشك في كفرهم، خارجون عن الملة، خالدون في النار، والله قد أعد لهم في الآخرة من النكال والعذاب والإهانة ما الله به عليم، جزاء على كفرهم وطغيانهم.
152. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: أما المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله وبكتابه واتبعوا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يفرقوا بالإيمان بين رسل الله سبحانه وتعالى بل آمنوا بجميع المرسلين وصدقوا جميع الأنبياء، فهؤلاء لهم عند الله عزوجل الثواب الجزيل والأجر العظيم، لان الله سبحانه وتعالى واسع الإحسان كثير الامتنان يحب العفو ويتجاوز عن الخطأ ويحلم على المسئ وهو سبحانه وتعالى يتغمد المقبل إليه بواسع الرحمة والفضل جل في علاه.
153. يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا: يطلب منك اليهود يا محمد أن تأتيهم بكتاب من السماء جملة واحدة، فلا تعجب من هذا الطلب، فقد طلبوا من موسى أكبر مما طلبوا منك، فقد سألوه أن يريهم الله سبحانه وتعالى جهارا نهارا علانية؛ لينظروا إلى الله سبحانه وتعالى ولقبح سؤالهم وخبث صنيعهم أحرقهم الله بالصاعقة لجورهم بالسؤال وعدم التأدب مع ذي الجلال وما كفاهم هذا، بل عبدو العجل من دون الله سبحانه وتعالى من بعد ما أظهر الله المعجزات والآيات البينات على يد موسى من العصا واليد وفلق البحر وغير ذلك، ثم تاب الله سبحانه وتعالى عليهم من بعد هذا الفعل وأمهلهم وأظهر موسى عليهم بالحجة والبيان الواضح والسلطان الباهر.
154. وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا: وهؤلاء اليهود قد رفعنا فوقهم الجبل، رفعناه فوق رؤوسهم لما أخذنا عليهم الميثاق، وهددناهم بإسقاط الجبل على رؤوسهم إن لم يمتثلوا العهد الوثيق والميثاق الغليظ، فأجابوا ثم نكثوه ونقضوه، وأمرناهم بالدخول إلى بيت المقدس من بابه وأن يقولوا: حطه حط عنا خطايانا فخلوا مستهزئين يزحفون وهم يقولون حبة حنطة في شعيرة أو في شعرة وأمرناهم بألا يصطادوا يوم السبت، فرفضوا أمرنا، وخالفوا نهينا، واصطادوا يوم السبت، وسبق أن أخذنا عليهم المواثيق في هذا كله، ولكنهم نقضوا كل ميثاق، فخانوا كل عهد ونكثوا كل وعد.
155. فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا: فبسبب نقضهم للمواثيق ونكثهم للعهود، وجحدهم بآيات الله وقتلهم لأنبياء الله عزوجل بغير حق مسخهم الله وأذلهم وأعمى أبصارهم، وأيضا قالوا لخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام إن قلوبنا مغطاة لا تفقه شيئا مما تحدثنا به ومما نزل به عليك فقال سبحانه وتعالى بل كذبوا فيما قالوا لكن الله طبع على قلوبهم وغطاها بسبب الكفر وبسبب جرائمهم وأعمالهم الشريرة فلا يؤمن منهم إلا القليل أما الكثير فكافرون خارجون عن الملة.
156. وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا: وبكفرهم أيضا بالله سبحانه وتعالى وتكذيبهم لآياته التي أنزلها على رسوله وفريتهم العظيمة وبهتانهم القبيح على مريم الطاهرة الصديقة لما اتهموها بالزنا برأها الله قالوا: إن عيسى ابن زنا والعياذ بالله.
157. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا: ومن جرائمهم أيضا ومكرهم وكيدهم ادعاؤهم الكاذب أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم الرسول من عند الله، والحقيقة أنهم لم يقتلوا، وأنم لم يصلبوه ولكن الله شبه عليهم المسألة فأتى رجل منهم يدلهم على عيسى، فألقى الله شبه عيسى على هذا الرجل، فقتلوا هذا الرجل، ثم وقعوا في مرية وشك، وقالوا: إن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا؟! وإن كان صاحبنا المقتول فأين عيسى؟! واليهود والنصارى أصلا في شك وحيرة من قتلهم وصلبهم لعيسى، فإن اليهود يزعمون أنهم قتلوا عيسى وما عندهم بينة ولا دليل قاطع بذلك، والنصارى يرون أن اليهود قتلوه ثم يدعون ألوهيته، فكيف يكون إلها ومع ذلك يقتل، والإله لا يقتل ويدافع عن نفسه؟! ومن هذا الشك فإن اليهود والنصارى ليس لديهم يقين في هذه المسألة، وما عندهم إلا ظنون وشكوك، فالواقع أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكن الله رفعه بجسده وروحه وتوفاه الله في السماء.
158. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا: فرفع الله سبحانه وتعالى عيسى وبرأه ما قالوا ونزهه مما نسبوا إليه وإلى أمه، وحماه الله منهم، والله عزيز لا يغالب، وقوي لا يقهر، وحكيم في تصريفه وتدبير أمور خلقه، وفي أمره ونهيه.
159. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا: ما من يهودي ولا نصراني في آخر الزمن إلا سوف يصدق بأن عيسى رسول وليس بإله، وأنه لم يصلب، حينما ينزل عيسى في آخر الزمان، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، حينها يصدق به اليهود والنصارى الذين كانوا يكذبونه، وكان اليهود يقولون إنهم قتلوه وصلبوه، والنصارى ألهوه، فحينها يؤمنون أنه رسول وأنه لم يقتل ولم يصلب، ويوم يبعث الله الأولين والآخرين سوف يشهد عليهم عيسى ابن مريم، يشهد لمن آمن به ويشهد على من كفر به.
160. فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا: وبسبب انحراف اليهود وجورهم وتكذيبهم لكتاب الله ورسوله، عاقبهم الله سبحانه وتعالى فحرم عليهم بعض الطيبات التي كانت حلالا لهم جزاء على مخالفتهم لأمره، وجزاء على أنهم منعوا كثيرا من الناس منهم من دخول الإسلام، وقهروهم وحجبوهم عن الهداية.
161. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: ومن معاصيهم ومما تسبب في عقوباتهم ومما تسبب في عقوباتهم أكلهم الربا وهو محرم عليهم في شريعتهم، ومنهي عنه، وأخذهم أموال الناس بغير وجه شرعي من السحت والسرقة والمعاملات المحرمة، والبيوع المنهي عنها، والله سبحانه وتعالى قد أعد لهم ولكل كافر عذابا فظيعا في الآخرة، ونكالا شديدا في نار جهنم.
162. لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا: لكن يستثنى من اليهود الذين تمكنوا من العلم النافع وثبتوا على الإيمان، وفهموا حقائق الدين، فهم يؤمنون بما أنزل عليهم، وما أنزل عليك يا محمد من الكتاب والسنة، ونخص من أقام الصلاة بالمدح؛ لأنها أعظم ركن بعد الشهادة وكذلك من الذين يؤتون الزكاة طيبة بها أنفسهم، ومن يؤمنون بلقاء الله عزوجل والبعث بعد الموت والنشر والحشر، هؤلاء ادخر الله لهم ثوابا جزيلا، لهم ثوابا جزيلا، ومقاما أمينا، وسوف يكرمهم في جناته جاء لإيمانهم وصلاتهم وزكاتهم وبرهم وفضلهم.
163. إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا: أنت يا محمد قد أنزلنا عليك وحيا كما أنزلنا على الذين سبقوك كوالد الأنبياء نوح عليه السلام والذين جاؤوا من بعده كشيخ التوحيد وإمام الملة إبراهيم وابنه إسماعيل وابنه الآخر إسحاق وابن إسحاق يعقوب الذي هو إسرائيل، وأبناؤه من الأسباط، وعيسى من أعظم أنبياء بني إسرائيل وأيوب العبد الصابر، ويونس بن متى الذي نجا من الكرب، وهارون أخو موسى، وسليمان صاحب الملك العظيم، والعبد الكريم الحكيم، وداود صاحب الزبور، وإما أكثر سبحانه وعالى من ذكر أنبياء بني إسرائيل تبكيتا لهم بكثرة أنبيائهم مع كثرة إعراضهم، وأنه قد أقام الحجة عليهم، وأنه أكرمهم بالرسالة، وإنزال الكتب، ومع ذلك حسدوا الناس، وبغدوا وكفروا، وقتلوا أنبياءهم.
164. وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا: وهناك يا محمد رسل آخرون نقصهم عليك غير هؤلاء الرسل الذين أخبرناك بخبرهم وذكرنا أسماءهم، فالرسل كثيرون وهم جمع غفير، وعلى المسلم أن يؤمن بهم جميعا على الإجمال والتفصيل، من ذكر منهم ومن لم يذكر وأكرم موسى عليه السلام من بينهم بالتكليم، واختصه بهذه المنزلة العظيمة تكريما له وإنعاما عليه.
165. رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا: وهؤلاء الرسل والأنبياء يبشرون بجنات النعيم لمن أطاع الله، وينذرون بنار الجحيم لمن عصاه، وإنما أرسلهم ألله لقطع اعتذار الناس بعدم إرسال الرسل، وإقامة الحجة لئلا تكون للناس حجة على الله، فلا يقول الكافر إذا كفر له يرسل إلى رسول، وما أنزل على كتاب، فالله سبحانه وتعالى أرسل الرسل ليقطعوا المعاذير، وليقيموا الحجج على الناس ومن عزته سبحانه وتعالى أنه أرسل الرسل وأنزل الكتب وأثاب من أطاعه، وعذب من عصاه، ومن حكمته سبحانه وتعالى أنه لا يعطي الثواب غير مستحقه، ولا ينزل العقاب على غير من هو أهل له، لكن كل شىء بحكمه، وحسن تصريف، وجمال تدبير.
166. لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا: وإذا لم يشهد هؤلاء بنبوتك ورسالتك فالله يشهد وحده أنه أنزل إليك القرآن وأنزله سبحانه وتعالى بعلمه وإطلاعه جل في علاه ويشهد مع الله عزوجل ملائكته يشهدون بصدقك وبنزول الكتاب عليك، وإن لم يشهد أحد فيكفي شهادة الواحد الأحد جل في علاه فهو خير الشاهدين، وهو المطلع على كل خاف، العالم بكل غائب وشهادته تغني وتكفي.
167. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا: إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن شابههم ممن كفروا بالله، ومنعوا الناس من الدخول في دين الله، واتباع رسول الله قد جمعوا بين الفساد في أنفسهم والفساد لغيرهم، بين الضلال في مناهجهم وإضلال سواهم، هؤلاء ابتعدوا عن الحق ابتعادا كبيرا، وقد أخطؤوا خطأ بينا، وارتكبوا غواية ما بعدها غاية، وأسرفوا في العصيان.
168. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا: وهؤلاء الكفار جمعوا بين جحد آيات الله عزوجل وظلم عباده بأن صدوهم عن طاعة الله عزوجل بالشبهة وبالوهم، وهؤلاء لن يتجاوز الله عن سيئاتهم ولن يغفر زلاتهم ولن يعفو عن خطيئاتهم، ولن يرشدهم، ولن يفقههم في الدين، ولن ينير بصائرهم، لأنهم أغرقوا في الكفر وفي رد الناس عن طاعة الله عزوجل فهم ضالون ضلال لغيرهم.
169. إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا: هؤلاء لا يهديهم الله سبحانه وتعالى طريق الخير والرشاد وطريق الجنة والعمل لها، إنما يدلهم على طريق النار وبئس القرار؛ لأنهم أغضبوا البار، هذه النار سوف يدخلونها خالدين مخلدين مؤبدين فيها جزاء على أعمالهم القبيحة الشنيعة، والله عزوجل سهل عليه أن ينتقم ممن عصاه، وأن يأخذ ممن خالف أمره، وأبى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يغلبه غالب، ولا يمتنع عليه أمر، ولا يعجزه طلب.
170. يأيها النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: أيها الناس قد أرسل إليكم محمد صلى الله عليه وسلم ومعه القرآن الكريم، وهو كتاب موحى إليه من ربه، فننصحكم ونوصيكم بأن تتبعوه وتصدقوا ما جاء به، فوالله إنه الخير كل الخير في اتباعه وامتثال أمره، وهو الأسلم لكم في الدنيا والآخرة، ولكن إذا جحدتم آيات الله وعصيتم رسوله فالله غني عنكم؛ لأن له ملك السموات والأرض تصريفا وتدبيرا وخلقا ورزقا، فأي ضر يدخل عليه إذا أعرضتم عن طاعته، والله سبحانه وتعالى عالم بكل خاف مطلع على كل سريرة، حكيم في كل تدبير وتصريفي، فهو سبحانه وتعالى جمع بين العلم الذي هو الإطلاع على مواقع القدر والأحكام، حكيم في تنفيذ ما علم سبحانه وتعالى وفي ميزان مواطن قضائه وقدره المواطن اللائقة بها.
171. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا: يا معاشر النصارى، لا تتجاوزوا الحد في دينكم فتدعوا ألوهية عيسى وهو عبد الله ورسوله، فلماذا لا تقولون الحق في هذه المسألة كما أخبر الله سبحانه وتعالى؟ ولماذا تقولون الزور والبهت والباطل؟ إنما المسيح عيسى عبد الله ورسوله، وهو كلمة من الله سبحانه وتعالى ألقى الله هذه الكلمة على جبريل، وجبريل نفخ بها في جسم مريم الطاهرة البتول، فآمنوا بما أخبر الله به، وصدقوا رسله كعيسى وموسى ومحمد، ولا تقولوا إن الإله ثلاثة: الله والمسيح ومريم، وإنهم اتحدوا فصاروا إلها واحدا، وهذا كذب وزور، فاتركوا هذه الأقاويل بباطلة، وهذه الكذبات القبيحة، فالله إله واحد سبحانه وتعالى لا إله إلا هو، هو المستحق للعبادة، والمستأهل للألوهية وهو الخالق والرازق وحده، وما سواه مخلوق سواء مريم أو عيسى أو غيرهما، فتعالى الله سبحانه وتعالى وتقدس عما نسبتموه إليه من ذكر الأقاويل الثلاثة على حد زعمكم: الأب والابن وروح القدس، وقلتم إن مجموعها واحدة، وهي مقولة خاطئة آيمة كاذبة، وهي زور وبهتان فتعالى الله سبحانه وتعالى أن يتخذ ولدا من العباد، فهو غني عن اتخاذ الولد، وهو إله متفرد في الألوهية والربوبية لا يولد له ولد، لأنه ليس له صاحبة أي: زوجة يأتي منها نسل، ولو كان هناك له ولد لكان فيه صفات الألوهية، والله لا يشابهه أحد في صفاته، جل في علاه: لأن له ما في السموات وما في الأرض، فالذي له ما في السموات والأرض لا يحتاج إلى ابن، فهو يتصرف في الخليقة كيف يشاء، وهم عباد أذلاء مقهورون تحت قدرته وملكه ويكفي بالله سبحانه وتعالى محاسبا لهؤلاء ومطلعا على ما أسروه، وحافظا لأعمالهم، وما افتروه ليحاسبهم على قبيح ما صنعوه وما تفوهوا به وما قالوا.
172. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا: والمسيح عيسى ابن مريم أصلا لا يتكبر عن عباده، ربه ولا يأنف، بل يتشرف بذلك ويفخر بعبودية مولاه والاستسلام له والانقياد له، وكذلك الملائكة المقربون ليس عندهم أنفة ولا كبر ولا تمنع ولا إبان فهم كلهم يعبدون الله ويسبحونه الليل والنهار، لا يفترون ولا يسأمون، وإن حصل أن بعض العباد تكبروا عن عباده الله وأبوا وأنفوا من ذلك فسوف يعيدهم الله إليه يوم القيامة ليحاسبهم بفعلهم، فالمرجع والمرد إليه، فهو سبحانه وتعالى الذي يخاف ويرجى لا إله إلا هو.
173. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا: أما المؤمنون الصادقون الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا أنواع الخيرات وصنوف البر، فالله سبحانه وتعالى سوف يوفيهم سعيهم ولا ينقصهم من أجورهم شيئا، ولا يبخس من حظوظهم العظيمة في الآخرة وسوف يزيدهم على ثواب ما فعلوا كرما منه وتفلا جل في علاه وأما الذين أبوا وأنفوا وتكبروا وأعرضوا عن عبادة الله سبحانه وتعالى فجزاؤهم العذاب الأليم والأخذ الشديد، فليس لهم ولي يجلب نفعا ويحفظهم من العذاب، وليس لهم نصير يدفع عنهم العقاب، ولا يحام عنهم محام، ولا يذب عنهم ذاب، بل سوف يتولى الله تعذيبهم لا إله إلا هو.
174. يأيها النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا: أيها البشر: قد أتتكم آية باهرة وحجة قاطعة وعلامة مشهورة ورسالة محمودة من ربكم الذي تكفل بخلقكم ورزقكم، فأكرمكم بهذا النبي الأمي العربي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي هو من أعظم الرسل على الله ورسالته قد ظهرت أدلتها وسطعت براهينها، وأنزل معه كتابا محكما فيه من الآيات والعبر والمواعظ وأحكام الحلال والحرام والآداب والأخلاق ما يفوق الوصف ويربو عن المدح ويجل عن الثناء، وهو نور يهدي به الله عزوجل في ظلمات الحياة وينير طريق من اتبع وتدبر وعمل بما فيه.
175. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا: أما الذين صدقوا بألوهية ربهم ووحدانيته وأخلصوا العبودية له وتمسكوا بشرعه والتزموا سنة نبيه، فجزاؤهم أن يكرمهم الله برحمة تأتي على ذنوبهم وخطاياهم وتنزلهم أعظم المنازل وبفضل من الأجر العظيم والثواب الجزيل، وسوف يتولى الله أمرهم في الدنيا والآخرة، فيوفقهم لأحسن الطرق وأجمل المناهج وأحسن المسالك ويورثهم في السعادة الأبدية والخير السرمدي.
176. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: يسألك الناس يا محمد عن مسألة الكلالة، وهو الرجل يموت وليس له والد ولا ولد، فمن الذي يرثه؟ هل يرثه أخوه أو ترثه أخته، فأخبرهم أن هذا الميت إذا مات وليست له إلا أخت واحدة وليس له آباء ولا أبناء، فلأخته الشقيقة أو أخته من أيه نصف الميراث من تركته، وأخوها الشقيق أو أخوها لأب يرث جميع تركتها إن لم يكن لها والد ولا ولد، وإذا كانت الأختان اثنتين فأكثر فلهما الثلثان مما ترك أخوهما، وإن كان الورثة إخوة وأخوات فللذكر منهم مثل نصيب الأختين، وهذا يبينه سبحانه وتعالى حتى لا يخطئ الناس في قسمه المواريث، أو أن لا يسددوا فيقع الظلم والحيف على بعض الورثة وبخاصة من اليتامى والمساكين والإناث، ولذلك ختم الله سبحانه وتعالى هذه السورة بحقوق النساء والأيتام والبنات والأخوة لضعفهن، ولذكر العباد ما لهن من الحقوق التي يجب أن تصان وأن تحترم وأن تؤدي إليهن كاملة مكملة.
سورة المائــدة
1. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ: أيها المؤمنون يا من صدقتم بكتاب الله واتبعتم رسول الله أوفوا بما عاقدتم عليه ربكم وما عاهدتم عليه مولاكم، وأوفوا بما بينكم وبين الناس من عقود وعهود، فلا تنقضوا العهد وتنكثوا الميثاق، وأتموا ما أصطلحتم عليه وما وافقتم عليه من الوثائق والصكوك وعقود النكاح والبيع والإيجار وسائر أنواع الشركات والمعاملات، والمواثيق الإنسانية والدولية التي لا تخالف الشرع، ومن نعم الله عليكم أن أحل لكم لحوم الإبل والبقر والضأن والماعز بعدما تذبح على الطريقة الإسلامية، ولا يجوز لكم أن تصيدوا وأنتم محرمون صيد البرح لأنكم دخلتم في شعائر الحج والعمرة؛ فينبغي أن يأمنكم الناس والطير والحيوان، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى يفعل في خلقه ما أراد، ويحكم ما شاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
2. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: أيها المؤمنون، لا تستحلوا ما حرمه الله سبحانه وتعالى في أشهر الحج: شوال وذي القعدة، وذي الحجة، ولا تستحلوا ما أهدي إلى البيت العتيق من بهيمة الانعام وما قلد في أعناقها وأصبحت خالصة لمساكين الحرم، فلا يجوز لكم أن تتعرضوا لها بصد عن البيت أو باغتصاب، ولا يجوز لكم أن تتعرضوا بالأذى أو القتال لمن قصدوا البيت الحرام يريدون عبادة مولاهم وطاعته من الحج والعمرة، ولكنكم إذا فسختم الإحرام وخرجتم من النسك، جاز لكم صيد البر الذي كان محرما عليكم، ولا يحملنكم كرهكم الأعداء الذين ردوكم عن المسجد الحرام ومنعوكم من أداء النسك، لا يحملنكم هذا العداء على أن تعتدا عليهم، فإن الله لا يحب الظلم ولا يرضاه، ولو كان على العدو، فإن الدين جاء بالعدل مع الإنسانية كافة، ومختلف البشر ولو كانوا كفارا، وحرم الله الظلم حتى على غير المسلم، وعليكم أن تتعاونوا فيما بينكم على كل خير وصلاح وتقوى، فالمعاونة على البر هي معاونة على فعل كل ما يحبه الله ورسوله، والمعاونة على التقوى اجتناب كل ما حرمه الله ورسوله، واحذروا أن يكون تعاونكم على الإثم (وهو ذنب النفس) والعدوان (وهو ظلم الناس)، وعليكم بمراقبة الله عزوجل في كل أموركم وخشيته؛ لأنه سبحانه وتعالى صاحب القوة التي لا تقهر، والعذاب الذي لا يطاق، والعقاب الذي لا يستطاع له، لمن خالفه وعصى أمه وارتكب نهيه.
3. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: واعلموا أن الله حرم عليكم الميتة، وهي التي ماتت حتف أنفها من غير تذكية شرعية، وحرم الله سبحانه عليكم الدم المسفوح كالذي يتدفق في أثناء الذبح، وحرم عليكم لحم الخنزير بعينه حتى لو ذبح على ذكاة شرعية فإنه نجس الذات لا تحله ذكاة، ومحرم عليكم ما ذبح لغير الله كالذي ذبح على الأصنام والأنصاب والأوثان وذبح للكهان والعرافي، ونحوهم، وحرمت عليكم المنخنقة التي ماتت بالخنق بحبل ونحوه، أو تردت من أس جبل أو مرتفع، أو غرقت، أو التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت، أو ما أكله الذئب والأسد ونحوه ثم مات بعد ذلك إلا إذا أدركتم أنتم ذكاته قبل أن يموت فذبحتموه ذبحا شرعيا، ولا يجوز لكم أن تستقسموا بالأقداح، فهو من عمل الجاهلية وصنع المشركين، وقد كانوا يأخذون ثلاثة أسهم على أحدها مكتوب: أخرج، والثاني: لا تخرج، والثالث: ليس عليه شىء فإذا أراد أحدهم سفرا أقرع بينها فإن ظهر له الأمر أخرج خرج، وإن ظهر له النهي بقي، وأما الذي ليس مكتوبا عليه شىء فإنه يعيد القرعة مرة ثانية، وهذا من عمل الجاهلية، وهو خروج عن طاعة الله عزوجل وعن دينه، ثم بين سبحانه وتعالى أن الكفار قد انقطع أملهم في أن تعودوا عن دينكم، وانتهى رجاؤهم في أن تتركوا إسلامكم، فعليكم بالخوف من الله وعدم خوفهم، فقد أعز الله دينه ونصر عبده وأعلى كلمته، واعلموا أن الله قد أكمل لكم الدين بإنزال الكتاب والسنة وتعليم شرائع الإسلام وبيان الحلال والحرام، فلا تجوز الزيادة في هذا الدين، ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، وقد أتم الله عليكم النعمة بإرسال محمد عليه الصلاة والسلام ونزول الوحي عليه، وهي من أجل النعم وأعظم العطايا من رب العالمين، ولك رخصة أيتها الأمة أن من ألجأته الضرورة والمجاعة الشديدة إلى الأكل فإنه يجوز له أن يتناول ما حرم عليه ما دام أنه ليس مائلا إلى الأكل تلذذا أو مجاوزا على حد الرخصة، أو أراد هو مخالفة النهي، فلا بأس إذا اضطر العبد إلى أن يأكل بقدر حاجته من المحرمات؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات، وهذا من سهولة دين الله، ومن يسر شرعه، وهذا منهج الحنيفية السمحة، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى يغفر الزلات ويرحم من تاب من الخطيئات ففضله واسع، وعطاؤه جزيل لا إله إلا هو.
4. يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: يستفتيك يا محمد الناس ما الذي أباح الله سبحانه وتعالى؟! فأخبرهم أن الله أباح لهم كل طيب، وهو النافع المفيد الذي ليس بخبيث قذر، وضار متلف، وحرم عليهم ما استقذرته النفوس وعافته الطباع السليمة، وكرهته الأنفس المستقيمة مثل: الخنزير والكلاب والفئران، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى ليحل الطيبات، وهي ما ينفع الجسم ولا يضر العقل ولا يتلف الحياة، ولا تتقذر منه النفس، وأتى بتحريم الخبائث، وهي كل ما فيه ضرر، أو ما استقبح واتقذر، ويجوز لكم صيد ما علمتم من الجوارح مثل: صيد الكلب المعلم، والصقر، والباز ونحوها، والمعلم هو الذي ينطلق إلى الصيد إذا أرسلتموه، ويرتدع إذا ردعتموه، ولا يأكل من الصيد، وتذكرون اسم الله عليه إذا انطلق، فهذه الكلاب يشترط فيه أن تكون ملمة، وهذا ينبئك عن فضل العلم، حتى إن الله أباح صيد المعلم وحرم صيد الكلب الجاهل، وعليكم بتقوى الله سبحانه وتعالى في كل أموركم ومراقبته والانتهاء عند نهييه وامتثال أمره، فهو سبحانه وتعالى سوف يحاسب الجميع، فعاقبه أليم لمن عصاه، وثوابه عظيم لمن أطاع أمره واتقاه، فعند قيامكم بأي عمل تذكروا ذاك اليوم يوم الحساب.
5. الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ: بعد إرسال محمد عليه الصلاة والسلام أباح الله لكم كل نافع مفيد طيب طاهر من الطعام والشراب، وأحله لكم رحمة بكم بعد أن حرم بعضه عمن كان قبلكم، وأباح الله لكم طعام اليهود والنصارى وذبائحهم؛ لأنهم أهل كتاب بخلاف ذبائح المشركين فإنها محرمة، وقد أحل الله لكم الزواج من العفيفات المؤمنات والعفيفات اليهوديات والنصرانيات، ولا يجوز لكم أن تجاهروا بمعصية الله عزوجل بالزنا واتخاذ العشيقات والصديقات والفجور بهن، ومن يكفر بعد إيمانه بآيات الله فعلمه محبط وقد باء بالإثم وعاد بالخسران وأدركه الخذلان؛ لأنه عصى مولاه وخالف أمره وارتكب نهيه وخرج عن طاعته.
6. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: أيها المؤمنون، إذا أردتم أن تصلوا فعليكم بالوضوء الشرعي، فابدؤوا بغسل وجوهكم ويدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق، ثم اليد اليمنى إلى المرفق، واليد اليسرى إلى المرفق، ثم امسحوا الرأس مسحة واحدة، وعليكم بغسل أرجلكم إلى الكعبين، فإن الأرجل في الآية معطوفة على الأيدي فلا يجوز مسحها إذا لم تكن في خف أو جورب، وإنما تغسل غسلا، وإذا أصابتكم جنابة فاغتسلوا، لكن إذا كنتم مرضى ويضركم الغسل أو كنتم مسافرين وليس عندكم ماء فعليكم بالتيمم، وإذا خرجتم إلى قضاء الحاجة أو جامعتم النساء ولم تجدوا ماء فالتراب الطاهر يكفيكم، فتمسحوا به على طريقة التيمم الشرعي، والله سبحانه وتعالى بهذه الأحكام أراد بكم الخير واليسر والسهولة، وما جعل عليكم حرجا في الدين ولا ضيقا في التشريع، وإنما سن لكم الرخص وأمركم بما تطيقون، ووضع عنكم الأصار والأغلال، ليطهركم بهذه الرسالة وبهذه التعاليم الربانية، ويزكي أرواحكم، ويصلح أنفسكم، وييسر لكم أموركم، ولعل هذا يحملكم على شكره سبحانه وتعالى ومعرفة نعمته والعمل بطاعته واجتناب نهيه.
7. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: وتذكروا أيها المؤمنون ما أنعم الله به عليكم من إرسال رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وإنزاله الكتاب عليه بعد أن كنتم مشركين في جاهلية جهلاء، فهداكم هذه الهداية العظيمة ووفقكم هذا التوفيق الكبير، وتذكروا أنكم عاهدتم الله وعاهدتم رسوله على طاعة الله وطاعة الرسول في مثل بيعة الرضوان وغيرها من العهود والمواثيق، واستجبتم وقلتم سمعنا وأطعنا، لا كما قال اليهود سمعنا وعصينا، فأنتم أحسنتم استماع القول، وأردفتم ذلك بالعمل، فعليكم بتقوى الله عزوجل في أن تنفذوا الأوامر وتجتنبوا النواهي، فإن الله لا تخفى عليه خافية، فعلمه وإطلاعه سبحانه وتعالى كاف لعبد أن يرتدع عما نهى وأن يفعل ما أمر، وأن يراقب ربه في كل صغيرة وكبيرة.
8. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: يا أيها المؤمنون، قوموا بالشهادة على الوجه الصحيح، وراقبوا الله في أدائها واحترسوا من شهادة الزور، فأدوا الشهادة بعدل وصدق، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ولا يحملنكم عداوة المشركين وبغض الكافرين على ألا تعدلوا فالشهادة معهم وعليهم، بل قولوا كلمة الحق حتى ولو كانت لصالح عدوكم؛ فالعدل هو أقرب للتقوى، وهو الذي قامت عليه السموات والأرض، وهو الذي أمركم الله به، فلا حملنكم قرابة القريب على الشهادة له، ولا عداوة العدو على الشهادة عليه، وعليكم بتقوى الله سبحانه وتعالى وحشيته في أداء الشهادة، والحذر كل الحذر من شهادة الزور، فإن الله لا تخفى عليه خافية، فعلمه سبحانه وتعالى بعملكم، وإطلاعه على حالكم، وسماعة لأقوالكم، ثم محاسبتكم على ذلك يوجب خشيته جل في علاه.
9. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ: والله سبحانه وتعالى وعد وعدا صادقا كل من آمن به وصدق رسوله وعمل الخيرات المأمور بها واجتنب المنكرات أن يغفر ذنوبه، ويستر عيوبه، وأن يعد له جنات النعيم في مقام كريم، وفي جوار رب رحيم؛ جزاء لفعله الجميل ولسعيه المشكور.
10. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: وبالمقابل وعد الله سبحانه وتعالى من كفر به وكذب رسله وخالف شريعته بنار جهنم خالدا مخلدا فيها، فبئس الدار هي دار القرار، ففيها النكال وشدة العذاب لمن أشرك بالله وكفر به.
11. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: تذكروا أيها المؤمنون ما أنعم الله به عليكم وتفضل بحماية رسوله صلى الله عليه وسلم وحمايتكم من كيد اليهود والمشركين، وكف الله سبحانه وتعالى أيدي اليهود حينما مكروا بالرسول صلى الله عليه وسلم وخططوا لاغتياله وأرادوا أن يلقوا صخرة عليه، فمنعهم الله سبحانه وتعالى وحمى رسوله وعصمه منهم؛ فعليكم بتقوى الله سبحانه وتعالى فإن من اتقى الله سبحانه وتعال نصره على عدوه وأيده وأعلى شأنه، وعليكم في كل الأمور خاصة في مصاولة الأعداء وفي ملاقاة الكفار بالتوكل على الله عزوجل فإن أقوى الناس من فوض الأمر إلى الله واعتمد عليه ورضي به كفيلا وحسيبا ووكيلا، وسينصره ربه ويخزي عدوه.
12. وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ: واعلموا أن الله قد أخذ المواثيق والعهود الغليظة على اليهود، ولكنهم نقضوها ونكثوها، فاحذروا أن تفعلوا فعلهم، وأن تسيروا سيرتهم فتتالوا جزاءهم، فإن الله قد أخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل، واختار منهم موسى إثنى عشر رجلا كالعرفاء والرؤساء عليهم حتى يلزموهم العهد والميثاق، ووعدهم سبحانه وتعالى أن ينصرهم وأن يعينهم وأن يسددهم متى ما أحسنوا إقامة الصلاة وأدوا ما عليهم من الزكاة، وصدقوا برسالته سبحانه واتبعوا رسوله وناصروا وقاموا معه وجاهدوا الأعداء في صفه، وأنفقوا أموالهم في وجوه الخير، فوعدهم سبحانه وتعالى أن يمحو خطاياهم، وأن يغفر زلاتهم، وأن يتجاوز عن سيئاتهم، ثم يدخلهم جنة عدن، تلك الجنة التي فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولكن من خالف بعدما قامت عليه البينة واتضحت له المحجة ارتكب خطأ بينا وضلالا فاحشا واتجه وجهة غير مرضية وسار في طريق غير سليم.
13. فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: فسبب هذا النقض طردهم الله من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، وجعل قلوبهم فظة غليظة قاسية لا تلين لحق، ولا تستفيد من موعظة، ولا تنتفع بذكر، وصاروا بهذا النقض يغيرون كلام الله – سبحانه وتعالى ويبدلون المعاني ويصرفون الألفاظ عن مرادتها زيغاً وضلالا وغيا وعدوانا ثم إن هذه الذنوب أنستهم العلم النافع فصاروا لا يذكرون الأدلة، وخرج من قلوبهم نور العلم، وهذا من شؤم المعصية؛ فإنها تنسي صاحبها العلم النافع، وهؤلاء اليهود لا تزال يا محمد تلقى منهم من الخيانات وتقض العهود وكث المواثيق ما يظهر لك كل يوم إلا بعضهم ممن أسلم كعبد الله بن سلام وغيره، فعليك أن تتجاوز عنهم وأن تسامحهم حتى يقضي الله بقضائه ويريك فيهم الحق، وقد أراه سبحانه وتعالى فأمره في النهاية بمقاتلتهم بعد أن أمره بأن يعفو عن سيئاتهم، وأن يصفح عن معاقبتهم، وأخبره أن من أحسن في المعاملة ولزم العدل أثابه الله.
14. وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ: ومن الذين ادعوا أنهم نصارى وقالوا: إنهم أنصار الله، ولم يثبت لهم الله ذلك الوصف، بل قال: إنهم أدعياء بألسنتهم فقط، هؤلاء أخذ الله عليهم العهود الغليظة والمواثيق القوية فنكثوها ونقضوها من بعدما ذكروا بها، ابتلاهم الله عزوجل لأن ألزمهم العداوة فيما بينهم، وجعل الحرب بين فرقهم، فالنصارى متباغضون كفرقة البروتستانت والكاثوليك، وهذا العداء سوف يستمر إلى يوم القيامة، وهو جزاء نقضهم الميثاق وعصيانهم ربهم سبحانه وتعالى وسوف يحاسبهم الله على هذه الأفعال القبيحة، وهذا النقض وهذه المخالفات؛ ليوفي كلا بعمله.
15. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ: أيها اليهود والنصارى قد جاءكم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ليوضح لكم ويشرح لكم كثيرا من الآيات والمعجزات التي مرت عليكم مع أنبيائكم السابقين، ويخبركم بالأخبار التي نزلت عليكم في التوراة والإنجيل، كآية الرجم، وقصة أصحاب السبت، ونتق الجبل، وضرب الصخرة وانفجار الماء منها، وفلق البحر، والمسخ إلى القدرة والخنازير وغيرها، وهذا النبي يسكت عن كثيرة من تلك الآيات والمعجزات فلا يفضحكم بذكرها، وإنما يتجاوز عنها، فاعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد بعث محمدا بنور عظيم في كتابه الحكيم، وبدليل واضح وحجة قاهرة وآية باهرة في هذا الكتاب العظيم الذي فيه خبر الغيب، ولولا أنه نبي صادق صلى الله عليه وسلم ما كان أخبركم بشىء لم تخبروا به أنتم أصلا، ولم يدر به إلا نبي.
16. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وهذا الكتاب العظيم الذي أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، يوفق الله من عمل به وامتثله إلى العمل الصالح الذي يوصله إلى رضوان الله، وإلى هدايته وسلوك ما يحبه والفوز بجنته، والنجاة من غضبه وناره، وهذا الكتاب يخرج من اتبعه واقتفاه وعمل بما فيه من ظلمات الجهل والشرك والشبهات والشهوات والمخالفات إلى نور الهداية وإلى وضوح المحجة وإلى صدق البرهان وإلى رضا الرحمن؛ ففيه الهداية المطلقة والعامة والخاصة، والنور المبين الواضح، والنجاة والعصمة من كل زيغ.
17. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: الذين قالوا من النصارى إن عيسى ابن مريم إله كفروا بالله وخرجوا عن دينه، فعيسى عبد من عباد الله – عزوجل – هو وأمه، ثم قال الله للنصارى: من الذي يدفع العذاب عن عيسى وعن أمه مريم إذا أراد الله تعذيبهما، ومن الذي يحميهما؟ فإن عيسى عبد من عباد الله تحت حكم الله وتدبيره وتصريفه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، والله سبحانه وتعالى إذا أراد بعيسى وأمه هلاكا أو أراد أن يهلك أهل الأرض جميعا فمن الذي يرده؟ ومن الذي يمنعه سبحانه وتعالى؟! فهو الإله لا إله إلا هو، له ملك السموات والأرض وملك ما فيهما، وهو خالقهما ومدبرهما ومصرفهما، وهو سبحانه يخلق ما يشاء كيف يشاء فخلق آدم من تراب بلا أب ولا أم، وخلق زوجه من غير أم وخلق عيسى من أم بلا أب، وخلق سئ الناس من أم وأب، فهو على كل شىء قدير، ولا يعجزه شىء ولا يغالبه مغالب، ولا يخرج عن قدرته أمر جل في علاه.
18. وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ: اليهود يقولون: إنهم أبناء الله وأحبابه من دون الناس، وكذلك النصارى يدعون هذه الدعوى، وهذا كذب وزور وبهتان؛ فالله لم يتخذ ابناء من عباده، وأحبابه هم أهل طاعته وعبادته، ولو كان اليهود والنصارى صادقين في هذا ما عذبهم الله بذنوبهم، فإن المحب لا يعذب حبيبه، بل هم كسائر الناس، من اتقى الله منهم أثابه، ومن عصى الله منهم عاقبه، والله سبحانه وتعالى له الحكمة الطلقة والملك المطلق، يغفر لمن يشاء من العباد ويعذ من يشاء؛ لأنه الخالق وحده والرازق، والإله لا إله سواه، وإليه يعود الخلق ليجازيهم على أفعالهم جميعا.
19. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: يا معشر اليهود والنصارى، قد بعث الله لكم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم بعد انقطاع من الرسالات، وبين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام ما يزيد على خمسمائة فالآن أتى الله برسوله صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين جاء يبشر الطائعين برحمة الله وجنته، وينذر العصاة بغضبه وعقابه، فهو أيضا يبشركم إذا أطعتم الله واتبعتم رسوله؛ لأنه يصدق ما جاء به موسى وعيسى، وينذر ويخبر بما جاءا به، فاستقيموا على أمر الله، وأجيبوا داعى الله، واتبعوا رسول الله، فالله سبحانه وتعالى قدير على غابة الطائع ومعاقبة العاصي.
20. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ: واذكر يا محمد للناس يوم قال موسى لبني إسرائيل تذكروا نعمة الله عليكم وأفضاله يوم اختار منكم أنبياء وشرفكم برسل من بين أظهركم، وجعلكم في النعيم والخير والترف كالملوك بعد أن كنتم عبيدا لفرعون وقومه، فأنعم عليكم بالحرية والاستقلال والخروج من مصر بعد الاستبداد والظلم والقهر، وآتاكم من الآيات ما لم يؤت أحدا من العالمين مثل: فلق البحر وانبجاس الحجر، وتظليل الغمام والمن والسلوى وما خصكم الله سبحانه وتعالى من العلوم ووجود الحكماء والعلماء والقادة والمصلحين منكم.
21. يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ: وقال لهم موسى يا بني إسرائيل: هيا تعالوا معي لنفتح بيت المقدس هذه الأرض المباركة الطاهرة ونسكن فيها ونقيم شرع الله فيها، فقد كتب الله سبحانه وتعالى أن تكونوا أهلا لهذه الأرض متى استقمتم على دينه واتبعتموني، وإياكم أن تخالفوا أمر الله وتتركوا طاعته فيسلب عنكم العز، ويمنع عنكم النصر، ويكتب عليكم الذلة، ويطبع على قلوبكم المسكنة، وتكونون مقهورين من عدوكم.
22. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ: فرد اليهود على موسى ردا قبيحا بنبئ عن جبنهم وهلعهم وخوفهم وذلتهم قالوا: يا موسى لا نستطيع دخول بيت المقدس؛ لأن فيها أقواما أشداء وشجعان ولا نستطيع مواجهتهم، لكن ننتظر ونصبر حتى يخرج هؤلاء الأقوياء الشجعان من تلك الأرض، فإذا خرجوا منها دخلنا فيها بلا قتال ولا جهاد، فلا نستطيع المواجهة ولا مصاولة الأعداء، وهذا لما كتب الله في قلوبهم من الذلة والجبن بسبب مخالفاتهم للأوامر ونقضهم للعهود، فإن المعاصي من أعظم ما تصيب الأمم بالوهن والذلة والهزيمة أمام أعدائها.
23. قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: لكن رجلين من المؤمنين كانا مع موسى ممن أعم الله عليهما بالهداية وثبات القلوب وصحة العقول قاما وطلبا من اليهود أن يدخلوا، وأن يجاهدوا ولا يخيفهم العدو، فالواحد القهار أقوى من الكفار، وقالا لهم: توكلوا على الله سبحانه وتعالى وبإذن الواحد الأحد إذا دخلتم عليهم انهزموا أمامكم؛ لأنك إذا صدقتم مع الله كان الله معكم، ومن كان الله معه فلا يخاف أحدا، فسوف يهزم عدوه، وينال العزة والكرامة وتكون له العاقبة بإذن الله من صدق وآمن واتقى.
24. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ: فأعاد اليهود السفهاء كلام العصيان والتنكر للواحد الديان، وقالوا لموسى: لا تتعب نفسك ولا تحول معنا فلن ندخل الأرض المقدسة أبدا ما دام هؤلاء الجبابرة فيها، فقد عزمنا وصممنا ألا نواجههم، فإن كنت تريد قتالهم فلا دخل لنا في ذلك، فسر ومعك ربك فجاهد الأعداء، أما نحن فسوق ننتظر النتيجة في أماكننا، وهذا جواب مخز وكلام قبيح فيه من الاستهانة والسخرية والاستهزاء ما الله به عليم، وانظر إلى هذا ووازنه بقول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرام في بدر: والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لنقاتلن من بين يديك وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك، فياله من جواب ضاف شاف، ويا لسخف جواب اليهود وحقارته.
25. قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ: حينها دعا موسى ربه قال: يا رب تعلم أني لا أقدر إلا على نفسي وأخي هارون، أما هؤلاء فلا طاقة لي بهم فقد خالفوا أمري وعصوني، فاجعل بينهم وبيني الفراق، فقد مللتهم وكرهتهم لنقضهم العهود، ونكثهم المواثيق وخروجهم عن طاعتك وعصيانهم أوامرك، فلا أريد أن أصحبهم وأعيش بين أظهرهم.
26. قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ: فأخبر سبحانه وتعالى موسى أن هذه الأرض المقدسة حرام على هذا الجيل من بين إسرائيل مدة أربعين عاما جزاء عصيانهم وتركهم الجهاد حتى ينقرض هذا الجيل الجبان الذليل الفاشل، وأتي جيل آخر شجاع مجاهد؛ ليواجه الأزمات ويتحدى الأعداء، وهؤلاء الذين عصوا الامر ابتلاهم الله عزوجل بالضياع في الصحراء مدة أربعين عاما، وهذه قصة التيه المشهورة؛ فكانوا يمشون سائر النهار فإذا أظلم عليهم الليل ثم أصبح الصباح وجدوا أنفسهم في المكان نفسه لا يهتدون سبيلا للخروج من هذه الضائقة؛ لأنهم كما ضلوا في المنهج أضلهم الله في الارض، وكما ضلوا عن الصراط المستقيم أضلهم الله في الطريق، فلا يهتدون، ثم قال لموسى: لا تحزن على هؤلاء الأشرار الفجار فإنهم خارجون عن الطاعة، وكل عاص لا يحزن على فراقه، ولا يندم المرء على ذهابه، ففي فراقه البركة، وفي الانفصال عنه الخير والرشد.
27. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ: وقص عليهم يا محمد خير ابني آدم هابيل وقابيل، قصة بريئة من الكذب الذي نقل عن الأمم السابقة، ولكنها مدعومة بالصدق والدليل الواضح التي لا تشوبه شائبة، فإن هابيل وقابيل قربا إلى الله – سبحانه وتعالى – قربانا، فالله عزوجل تقبل من هابيل لإخلاصه وصدقة، ولم يتقبل من قابيل لسوء نيته ولقبح سريرته، فغضب قابيل على هابيل وحسده وبغى عليه وأقسم له ليقتله، فحاوره هابيل وقال: ولم تقتلني ولم أرتكب ذنبا وما ظلمتك؟ فقال له قابيل؛ لأن الله تقبل منك ولم يتقبل مني فبين له هابيل أن الله سبحانه وتعالى يتقبل ممن أخلص في نيته، وصدق في طويته، وأراد بعمله وجه الله، ولم يعارض حكم الله، فما هو ذنبي إذا؟!
28. لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ: ثم قال له هابيل في أدب وسكينة؛ لئن مددت يدك نحوي لتقتلني ظلما وعدوانا فلن أفعل مثلك ولا أمد يدي إليك لأقتلك؛ لأنني أخاف الله ربي وأخشى لقاءه، فلن أقدم على عمل يغضبه سبحانه.
29. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ: إني أريد حين أمتنع عن قتلك أن ترجع بذنبي لأني لم أقتلك، وذنبك لأنك قتلتني فتصير من أهل النار، وذلك المصير المشؤوم جزاء الظالمين الذين لا يفلتون من عدل الله.
30. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ: فزينت له نفسه الأمارة بالسوء، وحسن له قتل أخيه ظلما وعدوانا، فقتله وهو أخوه وشقيقه، فارتكب جرم العدوان على نفس معصومة، وجرم قتل الأخ الشقيق، فملا قتله أصبح من المبعدين عن رحمة الله، الخارجين على طاعة الله، العائدين بالخسار والغبن في الصفقة، والهلاك في الآخرة.
31. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ: فأراد الله أن يضرب له المثل والعبرة، ويريه كيف يستر أخاه بعد أن قتله، فأرسل الله غرابا فتقاتل هو وغراب آخر، فلما قتل الغراب أخاه واراه الثرى، فقال قابيل لما رأى صنيع الغراب بأخيه: ما لي لم أهتد وأنا إنسان إلى أن أفعل مثلما فعل هذا الغراب أخاه وأراه الثري، فقال قابيل لما رأى صنيع الغراب بأخيه: ما لي لم أهتد وأنا إنسان إلى أن أفعل مثلما فعل هذا الغراب وهو طائر فأستر أخي بالتراب، فندم على أنه لم يكن كالغراب، ولو ندم قابيل على قتل أخيه ندامته على أنه لم يستطع أن يواريه لتاب عليه باريه، وكما في الحديث: "الندم توبة" ولكنه ندم على عدم محاكاة الغراب ولم يندم على قتل أخيه وإهدار دمه.
32. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ: فلما حصل العدوان على النفوس المعصومة وسفك الدم أراد الله سبحانه وتعالى – أن يحرم ذلك على بني إسرائيل فجعله في كتابهم التوراة، وأنزله على ذلك، وأوجب عليهم سبحانه وتعالى أن من اعتدى على نفس معصومة بغير نفس أخرى، فمثله كمن قتل الناس أجمعين؛ لأن أصل الناس من نفس واحدة فكأنها مثل الناس، ومن أعتقها من رقها وأنقذها من موتها فكأنما أحيا كل الناس، وبنو إسرائيل أتتهم البراهين الساطعة من الله والأدلة على تحريم قتل الأنفس وسفك الدماء، ولكنهم قتلوا الأنبياء، وسفكوا الدماء وذبحوا الأبرياء، وأغضبوا رب الأرض والسماء فكثير من بين إسرائيل مسرف على نفسه في الخطايا، مقترف للسيئات ناكث للعهود ناقض للعقود.
33. إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ: ثم بين سبحانه وتعالى جزاء المحاربين الخارجين على جماعة المسلمين فأخبر سبحانه وتعالى أن الحد فيهم وهم الذين يسعون في الأرض فسادا بالقتل وغصب المال وتخويف الآمنين فتقتيلهم وتصليبهم على الخشب.
34. إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: إلا إذا كان هؤلاء المحاربون قد تابوا وندموا على ما فعلوا قبل أن يلقي عليهم الولاة القبض، وقبل أن يسلموا أنفسهم للعدالة، فإن الله يتوب على من تاب، ولا يؤاخذون من قبل ولي الأمر، فإن الله يتجاوز عن ذلك، وهذا تحبيب للتوبة ليقلع من أفسد عن الفساد، وليدخل في جماعة الملمين وليرضى بالعفو من الله سبحانه وتعالى فإن الله واسع المغفرة، رحيم بعباده جل في علاه.
35. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أيها المؤمنون، يا من آمنتم بالله وصدقتم رسوله، اخشوا الله وخافوا عقابه وراقبوه في أوامره ونوهيه، واجتهدوا في عمل صالح يكون بينهم وبين الله وسيلة وسببا للنجاة من غضبه والفوز برضوانه، وعليكم بالجهاد في سبيله بكل أنواع الجهاد بالنفس والمال واللسان والقلم؛ والفكر لتنالوا الفلاح الأبدي والخلود السرمدي ورضوان الباري جل في علاه الذي ما بعده رضوان.
36. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أما الكافرون الذين كذبوا بالله عزوجل برسله فلو أن للواحد يوم القيامة مثل ما يملأ الأرض من الذهب والفضة والقناطير المقنطرة، ثم أراد أن يضعه فداء له من غضب الله وعذابه في النار ما قبل الله هذا الفداء، بل بعذب صاحبه وينكل به؛ لأنه أتى بأعظم ذنب في العالم، وأكبر خطيئة في الدنيا وهي الشرك بالله، فلن يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ولا فداء، ولا ينفعه شهيد، ولا يتولاه ولي، ولا يدفع عنه نصير، وله عذاب مؤلم عند الباري جل في علاه.
37. يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ: يتمنى هؤلاء الكفار إذا دخلوا النار أن يخرجوا من عذاب الجبار، ولكنهم لا يخرجون من النار، بل هو خلود أبدي، ومكوث سرمدي؛ لأنهم أشركوا بالله، والمشرك لا يغفر الله ذنبه، فعذابه مقيم في الجحيم، وفي العقاب الأليم، جزاء على فعله الأثيم.
38. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: إذا سرق الرجل أو المرأة وقامت البينة وتوافرت الشروط في إقامة الحد، فإنه تقطع يده أو يدها من مفصل الكف كما هو مبين في السنة المطهرة؛ جزاء على هذا الفعل الشنيع، وعلى هذه الجرم الفظيع؛ لتحفظ أموال الناس وتصان حقوقهم؛ ولئلا يهدد أمنهم: وليرتدع كل فاجر وسارق، وهذه حكمه سبحانه؛ لأنه عز فحكم، فمن عزته قوته سبحانه وتعالى في إصدار الحكم بقهر وقدرة، ومن حكمته إنزال الحكم المناسب في مثل السرقة والقتل نحوه، ولن تجد أحسن من الله حكما.
39. فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: إذا تاب السارق أو السارقة بعد السرقة وأقيم عليه الحد وأصلح فيما بينه وبين الله وندم على ما فعل وتأسف غفر الله ذنبه، وستر عيبه، وأبدله مكان السيئات حسنات فمغفرة الله واسعة، ورحمته عامة جل في علاه، فيطمع في فضله من زنا ثم تاب، أو من سرق ثم تاب، أو قتل ثم تاب، فإن الله تواب رحيم.
40. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ألا تدري أن الواحد الأحد سبحانه له كل ما في السموات والأرض، ملكا وخلقا وعبيدا فله نفوذ القدرة في خلقه، وله الحكم المطلق، يفعل ما يشاء، فله أن يعذب من أراد من العباد وعذابه عدل، وله أن يتفضل على من أحب من العباد ورحمته فضل فهو سبحانه وتعالى له نفوذ الحكمة وتمام العلم، وهو على كل شىء قدير، لا يعجزه أحد ولا يغالبه مغالب ولا يخرج عن قدرته مخلوق، وسع كل شىء رحمة وعلما وعزة وحكمة وفضلا ومقدرة.
41. يأيها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ: يا رسول الله، لا تحزن ولا يضق صدرك من هؤلاء المنافقين الذين يتسابقون إلى الكفر تسابقا، ويكذبونك بما جئت به، وهم في الظاهر يدعون الإيمان وفي الباطن يبطنون الكفر، وأيضا لا تضق ذرعا بهؤلاء اليهود الذين كذبوك بما جئت به، فقد كذبوا رسلا من قبلك وقتلوهم وآذوهم، وهؤلاء اليهود من صفاتهم أنهم يلقون أسماعهم للآثام وللزور وللافتراء والشائعات الباطلة ويبقونها ويبثونها، ويسمعون لساداتهم وأمرائهم الذين منعهم الحسد أن يحضروا إليك أو يأتوا إليك؛ فهؤلاء اليهود من صفاتهم أنهم يلقون أسماعهم للآثام وللزور وللافتراء والشائعات الباطلة ويقبلونها ويبثونها ويسمعون لساداتهم وأمرائهم الذين منعهم الحسد أن يحضروا إليك أو يأتوا إليك؛ فهؤلاء اليهود الذين حضوا عندك إنما هم يتبعون ساداتهم وأمراءهم الذين لم يأتوا إليك أنفة وكبرا، هؤلاء اليهود من صفاتهم أنهم يبدلون أحكام الله سبحانه وتعالى ويغيرون النصوص ويحرفون الكلام عن مقاصدهم وعن مراميه، وهم حينما أتوك يطلبون منك إقامة الحد على من زنا منهم من المحصنين قالوا فيما بينهم قبل أن يأتوك: إن حكم محمد بالجلد فاقبلوا حكمه، وإن حكم بالرجم فلا تقبلوا حكمه (فأتوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال ماذا تجدون في التوراة؟ قالوا: نجد الجلد على المحصن، وتحميم الوجه والتشهير به في الناس، فسأل أحدهم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، فأخبره بالصحيح أن بالتوراة رجم الزاني المحصن، فنفذه عليه الصلاة والسلام وأقامه عليه) وهؤلاء اليهود مفتونون ضالون وأنت لا تملك أن تهديهم ما دام الله كتب عليهم الشقاء والضلال والطرد والإبعاد عن رحمته، فلا تستطيع مهما أوتين من بيان ومن قدرة على الإقناع أن تهديهم سواء السبيل، والله سبحانه وتعالى ما أراد أن ينقي قلوبهم من الخبث ولا نفوسهم من الريب والشك والمرض؛ لأنهم استمرؤوا الكفر والتكذيب ومخالفة الواحد الأحد وإغضابه وسلوك ما يسخطه جل في علاه، فكتب الله عليهم العار والمهانة والذلة في الدنيا، ولهم عنده سبحانه وتعالى النكال والأخذ الشديد والعذاب الأكيد على ما فعلوه مع أنبيائه وكتبه ورسله.
42. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ: هؤلاء اليهود سامعون للأكاذيب وللزور وللبهتان ويتقبلونها وينشرونها في الناس، ويأكلون الرشى والأموال المحرمة، فهم جمعوا بين الأقوال الآثمة والمطاعم المحرمة، ففسدوا في الأفهام وفسدوا في الأجسام، فإذا أتاك هؤلاء اليهود وطلبوا الحكم منك وأن تقيم عليهم الحدود فأنت مخير، إما أن تحكم بينهم أو أن تتركهم، فإن تركتهم فالله يتولاك ويعصمك منهم، فلن يضروك بأذى ولن يصلك منهم شر، وإن حكمت بينهم فأحكم بالعدل الذي أنزله الله في كتابه، وتوخ إقامة الحق فيهم، فإن الله يحب العادل ويكره الظالم، والعدل حتى مع الأعداء من اليهود والنصارى أو غيرهم من الأمم واجب على المسلم، وعلى الحاكم أن يتقي الله – عزوجل – فيسلك العدل ولا يظلم أحدًا.
43. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ: عجبا هؤلاء اليهود كيف يرضون بحكمك، وهم أصلا لن يرضوا بحكم ما عندهم من الكتاب الذي أنزل على نبيهم موسى، وهو التوراة، فإنهم بدلوه وغيروه وحرفوه ونقضوه وتولوا عن ذلك وأعرضوا، فهم ما استجابوا لنبيهم، فكيف يستجيبون لك، ولكن حملهم على ذلك الكفر والتكذيب، ولو صدقوا بك وآمنوا بما أنزل عليك لقبلوا بحكمك لكن هيهات.
44. إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ: والله سبحانه وتعالى وحده هو الذي نزل التوراة على موسى، فيها الحجة القاطعة، والدليل الشافي، والبرهان الكافي الذي يفرق بين الغي والرشاد، والعدل والجور، ويحكم بهذه التوراة أنبياء الله من بني إسرائيل لليهود الذين انقادوا لحكم الله عزوجل لا للخارجين عن طاعته والعاصين له، وأيضا يحكم بهذه التوراة العلماء الربانيون الخائفون من ربهم، والفقهاء من بين إسرائيل الذين يرجون لقاء الله سبحانه وتعالى ويخافون أخذه؛ بسبب أن الله أمرهم بذلك وطلب منهم المحافظة على التوراة فلا يحرفونها ولا يبدلونها ولا يتلاعبون بنصوصها ولا يغيرون أحكامها، وأخذ عليهم العهد والميثاق في حفظ ذلك كله، فعليهم أن يخشوا ربهم وأن يراقبوه، ولا يأخذوا ويستبدلوا بآيات الله وشريعته شيئا من عرض الدنيا الزائل الفاني، ولا من أموالها الرخيصة الخسيسة، ولا من مراداتها من الجاه والمنصب والوظائف الدنيوية فتعطل أحكام الله سبحانه وتعالى ويترك شرعه، ويطلب الفاني الزائل مكان الباقي الخالد عند لله، والذي لا يحكم بما أنزل الله عزوجل ويستبدل به شرعا غيره ويرى أن حكم غير الله خير من حكم الله، فهو كافر خارج عن ملة الإسلام، مرتد على عقبيه؛ لأنه رضي بحكم غير الله ورفض حكم الله.
45. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: وقد أوجبنا على نبي إسرائيل على بين إسرائيل أن من قتل منهم نفسا فإنه يقتل بهذه النفس، ومن فقأ عين أخيه فقئت عينه، ومن جدع أنفه جدع أنفه، ومن صلم أذنه صلمت أذنه، ومن كسر سنه كسرت سنه، والجروح فيها القصاص، الجرح مثل الجرح إذا تساوى معه وتماثل؛ لئلا يكون في الارض جور أو ظلم أو عدوان، ولتحفظ أنفس الناس وجوارحهم، وليكون الإنسان في مأمنه من عدوان أخيه عليه، لكن من اعتدي عليه فتنازل عن حقه وعفا فالله يكفر عنه ذنوبه مقابل عفوه من أخيه، وتصدقه بهذا العفو والجارحة منه وبسبب تنازله عنه حقه، فالله يكافئه الثواب الجزيل، والذي لا يحكم بهذه الشريعة إنما هو معتد مسىء مخالف لأمر الله، يدخل في عداد الظالمين الذين أعد الله لهم أشد العذاب.
46. وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: ثم اتبعنا بعد أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فإن الله أرسله لبني إسرائيل، وأنزل عليه الإنجيل فيه الأدلة الواضحة والنور الساطع والبيان الشافي، يصدق ما في التوراة من الأحكام ولا ينسخها، وفيه بيان ثكي من الآداب والأخلاق، وفيه مواعظ تدل العبد على الرشاد، وتزجره عن الغي والفساد، ولا يستفيد من هذه المواعظ ولا من هذه الأحكام إلا من اتقى ربه وخاف مولاه وأصلح ما بينه وبين إلهه، فإن العلم ينفعه ولا ينفع غيره.
47. وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: أوجب الله على النصارى أن يحكموا بما أوجبه سبحانه وتعالى في الإنجيل، فإنه ما نزل على عيسى إلا ليقام ما فيه من حكم، ويجتنب ما فيه من نهي، ويطاع أمر الله سبحانه وتعالى ولكن من لم يحكم أمرا لله سبحانه وتعالى وشرعه فقد خرج عن طاعته جل في علاه، واستبدل بها شريعة غيرها، فمن لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فهو خارج من الملة، ظالم لنفسه ولغيره لأنه استبدل شرعة الخلق بشريعة الحق.
48. وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: وأنت يا محمد قد شرفناك بإنزال القرآن عليك بالحق الذي يفرق بين الغي والرشاد، وهذا الكتاب يصدق الكتب التي سبقت مثل التوراة والإنجيل، ويثبت ما فيها من حق، ويرد ما فيها من تحريف أدخل عليها، وهو ناسخ لكثير من الأحكام التي فيها كالمشقة والآصار والأغلال، فعليك يا محمد أن تحكم بما أنزل الله في كتابه، وفي السنة المطهرة ولا تذهب مع مرادات الناس وأهوائهم، وتترك الوحي المنزل، بل اتبع الحق، رضي من رضي وغضب من غضب، والشرائع مختلفة وأصل الدين واحد، وهو الإسلام فلليهود شريعة مفصلة في الأحكام مخصصة لهم، وللنصارى أيضا وللمسلمين، لكن الملة واحدة، إن الدين عند الله الإسلام، ولو أراد سبحانه وتعالى أن يجمع الناس جميعا فيجعلهم أمة واحدة على شريعة واحدة متفقين لفعل سبحانه وتعالى فإن قدرته نافذة، ولكن أراد سبحانه أن يمتحن العباد، وأن يفرق بينهم في الشرائع، ليرى من يطيعه ممن يعصيه، ومن يصدق ويكذب، فعليكم أيها المؤمنون المسارعة إلى أفعال البر من طاعة الله عزوجل وتقواه، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتصديق بلقائه فإنكم سوف تعودون إلى ربكم سبحانه وتعالى والمرد عنده، والخاتمة هناك، والمنتهى إليه، وسوف يسألكم ويجازيكم على ما قدمتم وما فعلتم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
49. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ: وعليك يا محمد أن تحكم حتى على اليهود أو غيرهم بما أنزله سبحانه وتعالى لا بالأهواء ولا باستحسانات النفوس، وأقم عليهم العدل وخذ حذرك منهم من أن يصرفوك عن الحق الذي أنزله الله عليك وأكرمك به، وهذه الآية نزلت في أناس من أحبار اليهود، أتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا: نحن نتبعك، وإذا تبعناك اتبعك اليهود؛ بشرط أن تحكم لنا على قومنا فحذر الله رسوله من أن يفعل ذلك وحاشاه صلى الله عليه وسلم، فإن حكمت بينهم بالحق ثم تولوا وأعرضوا ولم يقبلوا الحق الذي حكمت به، فالعلم أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعاقبهم على آثامهم وزورهم وجرمهم، وينكل بهم بسبب ما اقترفوه وفعلوه، وإذا كان أكثر البشر خارجين عن طاعة الله عزوجل فإن القليل منهم شاكر، والنزر اليسير مؤمن، وإلا فأكثرهم جاحدون لآيات الله، مكذبون لشرائعه، خارجون على طاعته.
50. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ: سبحان الله! يريدون حكم الجاهلية والهوى والزيغ ويرفضون حكم الله الذي هو الحق كله، والنور والصدق والعدل، يريدون حكم الخلق القاصرين الغافلين الجهلة ويتركون حكم الخالق العادل جل في علاه الحكيم العليم الخبير بكل شىء؛ هؤلاء قوم لا يصدقون، ولا يؤمنون، ولا يريدون الخير، فلا أحسن من حكم الله عزوجل عدلا، وبيانا، وحكمة، ومصلحة، وخيرا في الدنيا والآخرة، لكن هذا الحكم من الله لا يقدمه ويفرح به إلا من رسخ الإيمان في قلبه وأحب مولاه وأطاعه.
51. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: أيها المؤمنون، يا من صدقتم بكتاب ربكم واتبعتم رسولكم، لا تجعلوا ليهود والنصارى أحبابا لكم وأصدقاء من دون المؤمنين توالونهم وتستنصرون بهم، وتضمرون لهم المحبة، فهؤلاء اليهود والنصارى بعضهم ينصر بعضا، ويتولى بعضهم بعضا عليكم، فهم متحزبون يدا واحدا في حربكم، والذي يوالي اليهود والنصارى ويحبهم ويقدمهم هو في الحقيقة منه؛ لأنه رضي بأعمالهم وأحبهم واتخذهم أولياء من دون المؤمنين، وهو في ذلك ظالم معتد، والله لا يهدي كل ظالم ولا يوفقه ولا يصلحه.
52. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ: سوف تجد المنافقين يتسابقون في موالاة اليهود والنصارى بحجة الخوف من أن تصيب المسلمين حرب من اليهود والنصارى، فقالوا: نستبق الأحداث ونكسر شوكة اليهود والنصارى بهذه الصداقة، وقيل: إنهم يستعزون بهم ويستنصرون بهم على المسلمين ليتخذوا عندهم يدا حتى لا يبطش المسلمون بالمنافقين، والله سبحانه وتعالى أخبر في كتابه: لعل الله أن يفتح للمسلمين مكة فيهلك أعداء الدين من المشركين ومن والاهم من اليهود والنصارى، أو يأتي الله سبحانه وتعالى بأمر من عنده في هلاك هؤلاء وإزالتهم، ونصر المسلمين عليهم، حينها يندم المنافقون على ما فعلوا من الموالاة لأعداء الله عزوجل والتحزب معهم.
53. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ: يقول المؤمنون لليهود: أعوانكم وأنصاركم من المنافقين الذين يظهرون لكم المودة ويبطنون الكراهية، ويقسمون لكم إنهم معكم، هؤلاء أصلا خاسئون أشقياء أذهب الله أعمالهم بالنفاق، وليس لهم عهد في الدنيا ولا أجر في الآخرة.
54. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: أيها المؤمنون: من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى دين الكفر فالله غني عنه وليس بحاجة إلى عبادته، وسوف يعوض الله الإسلام خيرا منه، ويأتي بجند له يتولاهم ويحبهم، وهم يتولون الله ويحبونه، متواضعين لأهل الإيمان، أقوياء أشداء على أهل الكفر، يجاهدون في سبيل الله بأيدهم وألسنتهم وعلمهم وأقلامهم، وما عليهم من لوم اللائمين، ولا استهزاء المستهزئين؛ لقوة إيمانهم وثبات مبادئهم، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى عليهم فيما وفقهم إليه من الجهاد والحب والموالاة، وفضل الله واسع، لأنه سبحانه وتعالى لا يحد فضله حد، ولا يرد خيره راد؛ ولأنه سبحانه وتعالى عليم بمن يستأهل الفضل ويستحق الإحسان.
55. إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ: أيها المؤمنون: الله هو وليكم لا هؤلاء اليهود والنصارى ولا المشركون، ووليكم رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أتى بهذا الدين، ووليكم المؤمنون الصادقون الذين يحافظون على الصلوات، ويؤتون الزكوات، وهم متواضعون لربهم، خاشعون لمولاهم، فهؤلاء الذين يجب أن توالوهم وأن تحبوهم.
56. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ: والذي يحب الله ورسوله والذين آمنوا ويجعلهم أولياء ويستنصر بهم ويتحزب لهم، هو في الحقيقة منتصر والعاقبة له، وسوف يكون الله معه، من كان الرحمن وليه فلن يهزم ولن يغلب.
57. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: أيها المؤمنون: احذروا أن تتولوا اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين وتحبوهم وتطلبوا صداقتهم وقد استهزؤوا بدينكم وجعلوه مصدرا للضحك، فهؤلاء أعداء في الحقيقة فعادوا من عاداه الله، واحذروا من عقاب الله وغضبه إن كنتم مؤمنين بما يرشدكم إليه ربكم ويأمركم به.
58. وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ: هؤلاء الاعداء من أهل الكتاب والمنافقين إذا سمعوا الاذان للصلاة، جعلوه مصدرا للسخرية والاستهزاء والضحك؛ لاستهانتهم بربهم وخروجهم عن طاعته؛ ولشدة عداوتهم لكم، فليس لديهم خشية تمنعهم ولا عقل يردعهم، فهم مستحقون لعدائكم لا موالاتكم.
59. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ: قل يا محمد لأهل الكتاب؛ أيها اليهود والنصارى، هل تعيبون علينا وتنكرون منا إلا أننا صدقنا في الإيمان بربنا، وابتعنا رسولنا، وقمنا بما أمرنا الله به، وانتهينا عما نهانا عنه، وصدقنا بالقرآن وبما قبل القرآن من التوراة والإنجيل؟! أما أنتم فخرجتم عن طاعة الله عزوجل فأي الفريقين أحق بأن يعاب وأن ينكر عليه؟!
60. قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ: لكن ألا أخبركم ايها اليهود والنصارى بمن كانت عاقبته سيئة وعذابه أليما عند الله ومصيره بئيسا، وهو من كتب الله عليه الطرد والإبعاد عن رحمته، ورجع بغضب من الله سبحانه وتعالى لاستهزائه بالأنبياء وقتله للرسل وتحريفه للكتاب ومخالفته لأوامر الله عزوجل وهؤلاء غير الله صورهم إلى صور القردة والخنازير، وجعل منهم من يعبد الشيطان وأولياءه، هؤلاء هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا في الآخرة، وهم شر الخليقة، وهم الذين انحرفوا عن الطريق المستقيم وعن الصراط القويم.
61. وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ: هؤلاء الذين أظهروا لكم الإسلام من اليهود إذا دخلوا عليكم قالوا: آمنا بدينكم وصدقنا رسولكم، والحقيقة أنهم حينما دخلوا عليكم دخلوا بالكفر ولم يتركوه وعادوا به إلى قومهم، والله عزوجل عالم بخفايا أمرهم وما أسروه في أنفسهم وما أضمروه في قلوبهم وسوف يحاسبهم.
62. وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: كثير من اليهود يتسابقون في المعاصي وفي تناول الحرام مخالفين أمر الله عزوجل وفي ترك طاعته؛ فبئس الصنيع صنيعهم، وبئس الفعل فعلهم، لقد ارتكبوا السوء وفعلوا القبيح.
63. لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ: هلا يقوم علماؤهم ورؤساؤهم بزجرهم عن الكذب وأكل الرشوة والربا؟! ألا يحذرونهم من هذه الأفعال القبيحة؟ ألا يعظونهم ويزجرونهم عن هذه الأعمال الشنيعة؟! قبحا لصنيعهم هذا، ولبئس ما صنعوه من أعمال منكرة، ولبئس ما يصنعه علماؤهم من تركهم وعدم زجرهم عن المنكر ... وفيه دليل على أن الترك فعل، فلا علماؤهم نصحوهم، ولا هؤلاء العامة سمعوا وارتدعوا عن فعلهم، لقد اشتركوا في المعصية وباؤوا بغضب من الله.
64. وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: ومن شناعة اليهود قالتهم الله أنهم افتروا على الله، قالوا: إن الله بخيل في الإنفاق لا يوسع على خلقه في الرزق تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا فرد الله عليهم بالدعاء عليهم، وأخبر أن أيديهم هي المغلولة وسوف تغل عند الله عزوجل إلى أعناقهم ويطردون من رحمة الله طردا، والواقع أن الله سبحانه وتعالى ينفق بيديه، وكلتاهما يمين مملوءة بالبركة والعطاء، وأنهما مبسوطتان ليلا ونهارا، سحاء الليل والنهار، كل من في السموات والأرض يرزقه الله سبحانه وتعالى وهو كثير الجود، واسع العطاء، عظيم الكرم، متفضل منان، وسوف يزيد هؤلاء اليهود بما أنزل الله عليك من القرآن كفرا إلى كفرهم، وعدوانا إلى عدوانهم؛ لأنهم كلما أنزلت عليك آية كفروا بها وزاد كفرهم، وبغيهم، ثم إنهم يحسدونكم على كل آية نزلت، وكل سنة قامت، فيزداد إثمهم عند الله سبحانه وتعالى وقد جعلنا العداء والخلاف الشديد والبغض الأكيد بين فرق اليهود، فهم بينهم متخاصمون مختلفون إلى قيام الساعة لا يجتمعون على كلمة ولا يتحدون إلى رأي، وكلما سعوا في محاربة المسلمين وإشعال الفتنة رد الله كيدهم في نحورهم وأبطل مكرهم وخيب مسعاهم، فهم لا يفترون عن الإفساد في الأرض ونشر الفتن وبث الجريمة وإشاعة الرذيلة، والله عزوجل لا يحب من هذه صفته، فلا يحب أهل الفساد ولا المفسدين، وإنما يحب أهل الصلاح والمصلحين.
65. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ: لو كان اليهود والنصارى صدقوا بما أنزل الله على رسوله، واتبعوا رسوله، وآمنوا بما أنزل على رسلهم واتبعوهم، وامتثلوا أمر الله واجتنبوا نهيه لمحونا عنهم الخطيئات، وتجاوزنا عما فعلوه من سيئات، ورحمناهم وتبنا عليهم، ثم كانت عاقبتهم في جنات الخلد الدائم والنعيم المقيم مع رضوان من الله من الله أكبر وفوز أعظم.
66. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ: ولو أن اليهود عملوا بما في التوراة، والنصارى عملوا بما في الإنجيل، وصدقوا بما أنزل الله على محمد عليه الصلاة والسلام لوسع الله عليهم في الرزق، ولأغدق عليهم في العطاء، ولجعل رزقهم هنيئا في حدائق مثمرة، وبساتين وارفه من أنواع الثمار مما أنبتته الأرض وأطلعه الشجر، ومن هؤلاء اليهود والنصارى طائفة معتدلة في الدين متوسطة في المنهج لا تسرف ولا تقصر، وهم الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم واتقوا الله عزوجل ولكن الكثير الغالب من اليهود والنصارى عملهم سيئ، وفعلهم قبيح؛ لمخالفتهم أمر الله وتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
67. يأيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ: يا محمد، عليك بأداء الرسالة التي ائتمنك الله عليه، وتبليغ هذا الدين الذي استحفظت عليه ولا تنقص منه شيئا، فإن كتمت منه شيئا فما أديت الأمانة على وجهها، ولا بلغت الرسالة، ولا نصحت الأمة وحاشاه صلى الله عليه وسلم، ولا تخف من الناس في تبليغ الرسالة، فسوف يحفظك الله عزوجل ويبطل كيد أعدائك ويتولى أمرك؛ لأن من عاداك فهو كافر، والله لا يسدد الكافر ولا يهديه سبيلا، ولا يوفقه إلى أي خير، فمن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وقد يبين الله رسالته، وأدى الرسول صلى الله عليه وسلم أمانته، ونحن أسلمنا وصدقنا.
68. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: أيها اليهود والنصارى: لستم على حق ولا بينة من أمركم حتى تتعلقوا بالتوراة والإنجيل بعدما حرفتموهما وغيرتم كثيرا من نصوصهما وأبطلتم العمل بهما، وكذبتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وخالفتم أمره، والذي أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لا يزيد هؤلاء اليهود والنصارى إلا بعدا عن الله، ومعصية له سبحانه وتعالى لأنه كلما أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بينة كفروا، وكلما أتى بآية كذبوا؛ فيزدادون بهذا التكذيب وهذا العناد كفرا إلى كفر، فأنت يا محمد، لا تأسف على كفرهم ولا تحزن على إعراضهم، فالله سبحانه وتعالى غني عنهم، وسوف ينصرك ويأتي الله بخير منهم.
69. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: المؤمنون بالله الذين صدقوا بكتب الله، واتبعوا رسله مثل اليهود الذين صدقوا بموسى واتبعوا ما في التوراة والصائبة (وهم من لا يدن لهم الباقون على فطرتهم) والنصارى الذين اتبعوا عيسى وصدقوا بالإنجيل، وآمنوا باليوم الآخر في زمانهم وعملوا صالحا فهؤلاء لا ينالهم خوف مما ينتظرهم من الأزمات، فالله أمن خوفهم بأعمالهم الصالحة، ولا يحزنون، على ما تركوا أو يخافون مغبة ما فعلوا وعاقبة ما صنعوا، وهؤلاء هم الذين آمنوا بأنبيائهم في زمانهم، أما بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فلا يسع أحد من العالم كائنا من كان إلا أتباه (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) وعلى هذه فالآية تشمل المؤمنين بأنبيائهم الذين ماتوا قبل البعثة المحمدية، والذين آمنوا به بعد مبعثه من جميع أهل الأديان السماوية.
70. لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ: سبق أن أخذنا على اليهود عهودا موثقة، وإيمانات مغلظة، أن يؤمنوا بالله ويتبعوا رسله، فلما بعثنا إليهم الرسل ورأوا أن ما جاؤوا به يخالف أهواءهم، أخذوا يقتلون أنبياء الله وكذبوهم فارتكبوا عملين فظيعين: تكذيب الكتب، وتقتيل الرسل، فاتبعوا الهى وتركوا الهدى، وأخذوا الهلاك وتركوا النجاة، وسلكوا سبل الردى.
71. وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ: ظن اليهود أن الله سبحانه وتعالى لن يعاقبهم على ما فعلوا فاستحبوا العمى على الهدى، وصموا عن سماع الحق ثم تاب الله عليهم لعلهم أن يراجعوا أنفسهم ويعودوا إلى ربهم، فعادوا إلى جرائمهم وبغيهم من جديد، فازدادوا عمى عن الحق، وصمما عن سماع الرشد، وهذا فعل الكثير منهم، وأما القيل منهم فمهتد، والله لا تخفى عليه خافية من أعمالهم ولا مما أسروه واقترفوه، وسوف يجازيهم بسوء صنيعهم، وقبح فعلهم.
72. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: والله لقد كفر الذين قالوا من النصارى إن الله سبحانه هو المسيح عيسى ابن مريم تعالى الله عن ذلك، وهم فرقة اليعقوبية الذين يرون حلول الله في عيسى، ويقولون بمبدأ اللاهوت والناسوت، حلت ذات الله في ذات عيسى تقدس الله عن ذلك، فيرون أن عيسى جمع بين كونه إلها وكونه إنسانا، ثم قالوا بألوهيته وعيسى ينكر ذلك ويبرأ إلى الله منه، وينادي في قومه: ابعدوا الله المستحق للعبودية وللألوهية، ولا تعبدوني فإني عبدالله، وربي وربكم الله، وإنه الذي خلقنا ورزقنا وأمرنا بعبادته، وعملكم هذا شرك مخرج من الملة، ومن يشرك بالله فالجنة عليه حرام، والنار مثواه خالدا فيها مخلدا وهو ظالم معتد، وليس للظالم ولي يدفع عنه ويجلب له النفع يوم القيامة، ولا ناصر يمنعه من العذاب.
73. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وهنا فرقة ثانية من النصارى يقولون بالتثليث، وأن الله ثالث ثلاثة الأب والابن وروح القدس، فهؤلاء كافرون بالله وهم في النار؛ لأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له فليس له سبحانه وتعالى شريك في ملكه، وإنما عيسى ومريم من عباده، وهؤلاء إن لم يتوبوا إلى الله من قولهم ويراجعوا أنفسهم في هذا الشرك العظيم فسوف صيبهم سبحانه وتعالى بعقابه، ويبتليهم بعذابه، وعذابه أليم فظيع، لا طاقة لأحد في تحمله: لأنهم ارتكبوا أعظم ذنب في العالم، وأكبر خطيئة في الدنيا.
74. أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أفلا ينتهون عن قولهم السقيم، وعن فعلهم الأثيم من ادعاء عقيدة التثليث وقولهم في الأب والابن وروح القدس، وزعمهم بأن مريم وعيسى مشاركان في الألوهية لله، تعالى الله عن ذلك فالله إله واحد وهم يزدرون بالعقول ويجعلون الثلاثة واحدا، وقولهم هذا من أبطل الباطل وأمحل المحال، ويشبهون ذلك بالشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة وهي تعادل واحدا!! وهذا سفه في المعقول، وكذب في نسبته إلى منقول، وازدراء بالفكر البشري والعقل الإنساني، فلا عقل ولا نقل، ولو أنهم تابوا واستغفروا ربهم لغفر الله لهم، فإن الله واسع المغفرة، عظيم الرحمة جل في علاه، فانظر كيف عرض لهم التوبة وقد قالوا بقول عظيم، وهذا فيه رجاء لكل عاص أن يراجع نفسه ويتوب إلى ربه.
75. مَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ: عيسى ابن مريم عليه السلام عبدالله ورسول وليس إلها فهو كالرسل الذين أتوا من قبله، وكذلك مريم أمه ليست بإله وإنما هي صديقة ووليه طاهرة عفيفة شريفة، وعيسى وأمه بشر ليس فيهما من الألوهية شىء، يحتاجان إلى أكل ويأكلان الطعام كما يأكله الناس وتخرج منهم الفضلات كما تخرج من الناس، ولكن القرآن الكريم يرتفع بالأذواق إلى أعلى المدارج فكنى عن فضلات الطعام بالأكل بما يفهمه أولو الألباب، وهذا هو الجواب الصحيح في المسألة والقول الحق، والعجب من هؤلاء النصارى كيف نوضح لهم الحق بالدليل، والصدق بالبرهان، ثم ينحرفون عن هذا القول، ويفترون على الله الكذب ويقولون الباطل ويحرفون الكلام!!
76. قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: قل يا محمد لهؤلاء النصارى: هل تعبدون من لا يملك لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا من البشر كعيسى عليه السلام والله سبحانه وتعالى هو الذي يستحق العبادة جل في علاه فهو الذي يملك النفع والضر، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، والله سميع لأقوالكم الآثمة، وعليم بأفعالكم القبيحة، وسوف يحاسبكم على ما فعلتم ويعاقبكم على ما اقترفتم.
77. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ: أيها اليهود! أيها النصارى! لا تتجاوزوا الحد في معتقدكم، ولا تكذبوا على ربكم، ولا تتبعوا أهواءكم، فإن النصارى غلوا في عيسى فجعلوه إلها أو ابنا له، وهذا مجاوزة في الحد وافتراء على الله، واليهود غلوا في ذلك وقالوا قولا فاحشا بنسبة أمه إلى الزنا، وأنه ابن غير شرعي أكرمه الله وصانه عن ذلك وصان أمه فهؤلاء ضلوا عن سواء السبيل، وأفسدوا في الأرض وأضلوا غيرهم بهذه الأقوال، وخدعوا العوام، فهم أساؤوا في المعتقد ودعوا الناس إلى معتقدهم الباطل المحرم.
78. لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ: لقد طرد الله من رحمته وغضب أشد الغضب على من كفر من بني إسرائيل وكذب رسل الله وجعل لغتهم في الزبور الذي أنزله على داود وفي الإنجيل الذي أنزله على عيسى؛ بسبب مخالفتهم لأمر الله وتكذيبهم لرسل الله واعتدائهم في الدين بترك المأمور وعمل المحظور ومخالفة شرعه سبحانه وتعالى.
79. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ: كان هؤلاء الفجرة المردة من بين إسرائيل لا ينهي بعضهم بعضا عن فعل المنكر القبيح ولا عن الفساد، وإنما يسكت بعضهم عن بعض، فبئس الصنيع صنيعهم، وبئس الفعل فعلهم، وسوف يجازيهم الله على ذلك.
80. تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ: تجد كثيرا من اليهود يوالون المشركين الوثنيين بغضا في المسلمين، وهذه الموالاة عمل قبيح وفعل سيئ وقبحا له من صنيع، فهم بهذه الموالاة استوجبوا غضب الله وسخطه في الدنيا والآخرة، وسوف يخلدهم الله في نار جهنم؛ لأنهم اختاروا الكفر على الإيمان.
81. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ: لو أن هؤلاء اليهود صدقوا بما أنزل الله على نبيهم موسى من التوراة، واتبعوا محمدا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وتركوا موالاة المشركين لكان خيرا لهم، ولكنهم خارجون عن طاعة الله، فجرة في أوامر الله، عتاة لا يخافون الله.

318