Advertisement

__التفسير الميسر عائض القرني ٢

سورة المائدة
82. لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ: لتجدن يا محمد أن أكثر الناس عداوة لمن اتبعك من المؤمنين هم اليهود؛ لحسدهم وبغيهم وكبرهم وعنادهم، وكذلك من أشرك بالله من عبده الأصنام، وسوف يظهر لك أن النصاري أقرب الناس صداقة للمسلمين؛ لأن فيهم العلماء الزهاد، والخاشعين العباد، وفيهم تواضع للحق، وقبول للصدق، وفيهم من صدق منهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم يلحد وهم المقصودون هنا لا كل النصارى.
83. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ: وإذا أنصتوا للقرآن فاضت عيونهم بالدموع من الخشوع، ومن تصديقهم بالمسموع، كما فعل النجاشي وأهل الحبشة، لما سمعوا كلام الله، وسألوا أن يشرفهم بمنزلة الشهادة على الأمم مع الأمة المحمدية يوم القيامة؛ لينالوا الفوز الأكبر.
84. وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ: وما الذي يمنعنا من توحيد الله وتصديق كتابه واتباع رسوله النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ونأمل أن يجعلنا ربنا مع من صدق في عبادته وفاز بمغفرته ودخل جنته.
85. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ: فكان جزاؤهم عند الله على إيمانهم بالحق وقولهم الصدق أحسن الجنان مع الفوز بالرضوان من ربهم الرحمن، وهذا مكافأة لأهل الإحسان.
86. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: والذين كفروا بربهم وكذبوا رسوله، ولم يقبلوا كتباه، فهم في نار جهنم مخلدون وفي العذاب مقيمون، لا وليا يشفع، ولا ناصرا يدفع، ولا دعاء يسمع.
87. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: أيها المؤمنون: لا تمتنعوا عن الطيبات من المطعومات والمشروبات والزوجات وتجعلوها محرمات، ولا تقربوا المحرمات، فالله لا يحب الاعتداء بتحريم الحلال ولا بتحليل الحرام، ولكن يحب الممتثل لما شرع.
88. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ: وعليكم أيها المؤمنون بأكل الحلال الطيب، واجتناب المحرم الخبيث، واخشوا ربكم بفعل المأمور واجتناب المحظور إن كنتم صادقين في عبوديته وإتباع رسوله والعمل بشرعه.
89. لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: يا أهل الإيمان، لن يعاقبكم الله باللغو في الإيمان، إذا كنتم لم تقصدوا الحلف بالنية، كقولكم: لا والله وبلى والله، لكن من نوى بقلبه إذا حلف بربه انعقد يمينه، فإن أمضاه وإلا فعليه أن يطعم عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من قوت الناس، أو كسوة عشرة، لكل واحد كسوة كاملة، أو يعتق مملوكا. فمن لم يستطع الإطلاع أو الكسوة أو العتق فيصم ثلاثة أيام واحترزوا من كثرة الحلف والحنث في اليمين وعدم الوفاء بها، أو ترك الكفارة إذا حلفتم، ومثلما أوضح الله لكم حكم اليمين فقد أوضع لكم شرائع الدين كي تشركوا رب العالمين على ما أنزل على الهادي الأمين.
90. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أيها المؤمنون كل ما أسكر العقل أو أضاع المال في الحرام كالقمار أو عبد من دون الله كالأصنام أو منع من التوكل على الله كالقداح التي يستقسم بها المشركون فهذا كله حرام من تلبيس إبليس، ومن مكر الشيطان وكيده، فاتركوه لتنالوا رضوان الله، وتنجوا من غضبه وعذابه.
91. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: وقصد الشيطان من إيقاعكم في هذه المحرمات أن يجعل بينكم الخلاف والخصومة، فيبغض بعضكم بعضا، فتكونوا أعداء لدادًا أهل بغضاء وشحناء بسبب المسكر لأن الخمر يمنع من أداء الصلاة وذكر الله لغياب العقل؛ ولأن القمار يضيع الأعمار ويشغل عن الأذكار بغضب الجبار، فإن كنتم صادقين في الإيمان فانتهوا عما نهى عن القرآن.
92. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ: وقوموا بطاعة الله أحسن قيام واتبعوا خير الأنام عليه الصلاة والسلام واخشوا الله وراقبوه في أداء ما أوجب، والبعد عما نهى عنه، فإن تركتم الاستقامة التي هي طريق الكرامة فلكم الويل والندامة، والرسول صلى الله عليه وسلم ليس عليه إلا إقامة الحجة وتوضيح المحجة، وليس مسؤولا عمن ضل عن الهدى ووقع في الردى.
93. لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: ما على من أمن وأطاع ربه ذنب في تناول المسكر قبل تحريمه، ثم تركه بعد التحريم وانتهى وراقب مولاه وخافه واتقاه، وعمل الخيرات، وترك المنكرات، ثم ازداد تقوى لله بفعل ما أمره به وترك ما نهاه عنه من قوة التصديق ورسوخ المعرفة، ثم وصلوا إلى درجة اليقين في الإيمان برب العالمين، حتى صار الغيب كالعيان، وهي درجة الإحسان، فهم يتقون ربهم ويطيعونه ويعبدونه كأنهم يرونه، والله يحب من هذه صفته. وفيه أن الكافرين يعذبون يوم القيامة بالأشياء التي تنعموا بها في الدنيا من مأكل ومشرب، فإذا لم يكن على المؤمنين جناح، فإن على الكافرين جناح.
94. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أيها المؤمنين، سوف يمتحن الله إيمانكم وامتثالكم لشرعه بأن يقترب منكم الصيد المحرم عليكم، وأنتم محرمون حتى يمس أيديكم ورماحكم؛ ليظهر علمه فيمن راقبه وخافه فلم يقتل الصيد، فمن اعتدى فقتل الصيد وخالف النهي فقد استحق العاب الشديد والعقاب الأكيد.
95. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ: أيها المؤمنون: إذا كنتم محرمين فاجتنبوا صيد البر، ومن قصد قتل الصيد فعليه أن يذبح ما يماثله من الإبل والبقر والغنم، ويجعله لفقراء الحرم، ويقدر هذا الهدي رجلان من أهل العدالة، فإن لم يوجد للصيد ما يماثله اشترى بقيمته طعاما وتصدق به على فقراء الحرم، أو صام يوما عن كل نصف صاع من ذلك الطعام؛ تأديبا له وتعزيرا على فعله وزجرا له عما ارتكب، ومن صاد قبل أن يحرم الصيد فالله يتجاوز عنه ويغفر له، ولكن من قصد الصيد بعدما حرم فالله يؤاخذه بالانتقام؛ لأنه ارتكب الحرام؛ لأن الله قوي لا يغالب، منيع لا يحارب، من أراده أدركه بلا عجز، ينتقم ممن عصاه إذا أراد أذاه.
96. أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: أيها المؤمنون: قد اباح الله لكم ما صدتم من البحر وهو حي، وما وجدتم فيه وهو ميت، تنتفعون به في حال الإقامة والسفر، فإذا أحرمتم حرم عليكم صيد البر حتى تتحللوا، وراقبوا ربكم وافعلوا ما أمر واجتنبوا ما نهى، فسوف تساقون إليه للحساب، فإما ثاب وإما عقاب.
97. جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: لقد تفضل الله سبحانه وتعالى بأن جعل الكعبة وجعل بيته الحرام أمنا للناس وصلاحا لدينهم وقبلة لصلاتهم، وحرم سبحانه وتعالى العدوان في أشهر الحج: شوال، وذي القعدة، وذي الحجة فلا يجوز لأحد أن يعتدي على أحد وحرم سبحانه وتعالى انتهاك حرمة بهيمة الأنعام مما يهدي إلى البيت العتيق، وما يقلد منه ويصبح شعارا عليه بأنها مما أهدي إلى البيت العتيق؛ لتتيقنوا بهذه الأحكام أن الله لا تخفى عليه خافية، فهو يعلم أسرار ما في السموات والأرض، ولا تغيب عليه غائبة، ولا يستتر عليه سر، فهو يعلم ما في السرائر، ويطلع على ما في الضمائر، أحاط بكل شىء علما.
98. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أيها الناس، اعلموا تماما العلم أن الله قوي الأخذ لمن عصاه، شديد المعاقبة لمن خالف أمره وارتكب نهيه، وأنه سبحانه وتعالى كثير المغفرة لمن تاب، رحيم لمن أناب، فهو واسع الغفران؛ لأنه رحيم رحمن.
99. مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ: ليس على رسولنا إلا أن يبلغ ما أمر بإبلاغه فهو لا يعلم حقيقة ما تبدونه ولا ما تكتمونه، فالله وحده هو الذي يعلم ذلك كله ويجازي عليه.
100. قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أخبرهم يا محمد أنه لا يمكن أن يستوي الخبيث من كل شىء مع الطيب من كل شىء، فلا يستوي من كفر مع من آمن، ولا من عصى مع من أطاع، ولا يستوي الجاهل والعالم، والمبتدع والسني، والمال الخبيث والمال الحلال، والقول الطيب والقول القبيح، فخافوا الله أيها الناس وراقبوه إن كانت لكم بصائر وعندكم عقول تفكرون بها، فأقبلوا على الطيب، واتركوا الخبيث؛ لتنالوا رضوان الله وتفوزوا برحمته وبثوابه في جنات النعيم.
101. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ: أيها المؤمنون: اتركوا كثيرا من الأسئلة وقت نزول التشريع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما سكت الله عنه فهو عفو؛ لأنكم إذا سألتم عن أشياء وتكلفتم السؤال عنها ربما تفرض عليكم فلا تستطيعون القيام بها، فكونوا في عفو الله عزوجل وإذا سألتم عنها والقرآن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بينها الله لكلم وقد تعجزون عن حملها والقيام بها، فاقبلوا عفو الله سبحانه وتعالى ورحمته؛ لأنه يغفر الذنب ويحلم عمن عصاه، ويتوب على من تاب عليه، ويتجوز عمن أقبل إليه.
102. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ: الذين قبلكم من الأمم سألوا مثل هذه الأسئلة التعجيزية المكلفة، فلما بين لهم الحكم جحدوا بها، وألحدوا فيها، وكذبوا بها، ولم يعملوا بما أمر الله سبحانه وتعالى ولم ينتهوا عما نهى عنه.
103. مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ: كذب المشركون فالله سبحانه وتعالى لم يشرع لهم هذه الضلالات التي جعلوها وابتدعوها في بهيمة الأنعام، فهم جعلوا أقساما ما أنزل الله بها من سلطان مثل: البحيرة يقطعون أذنها إذا ولدت عدة بطون، ثم يسيبون بعضها ويقولون هذه لأصنامنا، ويجعلون الوصيلة وهي التي تلد الأنثى، ثم الأنثى وهكذا، ويسمون الحامي من الإبل وهو الذكر إذا ولد من صلبه عدد من الإبل فيجعلون هذه الأنواع للأصنام ولا يقربونها وينسبونها إلى الله بأن الله أمرهم بذلك، وهم كذبوا وافتروا على الله عزوجل والله سبحانه وتعالى لم يأمر بذلك، إنما أمر بالحق والصدق الذي أنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام لكنهم لا عقول عندهم يفكرون بها، ولا بصائر يستنيرون بها.
104. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ: وإذا خوطب هؤلاء المشركون وقيل أقبلوا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا يكفينا ما ورثناه عن آبائنا، فإذا كان آباؤهم جهالا ضلالا لا يفهمون حقا، ولا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، ولا يهتدون إلى صواب، ولا يسلكون رشدا، فكيف يتبعونهم ويتركون الهدى الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يقدمون آراءهم على الوحي وهم من أضل الناس سبيلا وأجهلهم طريقا.
105. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كَنْتُمْ تَعْمَلُونَ: أيها المؤمنون: استمسكوا بطاعة الله سبحانه وتعالى وألزموا أنفسكم الصلاح والإصلاح، واتركوا المعاصي وداوموا على عباده ربكم تستوجبوا رحمته، فأنتم إذا بلغتم رسالة ربكم وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فلا يضركم ضلال من ضل، بل ضلالة على نفسه وإثمه عليهن لا يصيبكم من ذنبه شىء؛ لأنكم قد قمتم بما أوجب الله عليكم والمرجع إليه سبحانه وتعالى فيخبر الجميع بما علم، ويوفي الجميع بما صنع، ويحاسب الجميع على ما قدم.
106. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ: أيها المؤمنون إذا قارب أحدكم من الوفاة وظهرت عليه مقدمات الموت وهو مسافر فيشهد على وصيته مسلمين عدلين، وإن لم يجد فغير مسلمين، فإذا شككتم في صدق الشاهدين فأقيموهما بعد صلاة العصر للحلف في جمع الناس، فيحلفان بالله لا نستعيض مكان صدق شهادتنا شيئا من حطام الدنيا فنكذب على الله ونخون عباده ولو كان من نحلف له قريبا منا، ولا نخفي شيئا من الشهادة أو نغيرها، بل نؤديها كاملة واضحة كما سمعناها، فإن أخفينا شيئا منها فقد جرنا وظلمنا وأثمنا.
107. فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ: فإذا ظهر أنهما كذبا وخانا واستوجبا الإثم، فاختاروا بدلهما رجلين آخرين عدلين من أولياء الميت، فيحلفان بالله أن شهادتنا أصدق من شهادة الشادين الكاذبين، ويميننا أبر من يمينهما؛ لأنهما كذبا وخانا، وما ظلمناهما بما رميناهما به من الكذب والخيانة، ولو فعلنا ذلك لكنا نحن الظالمين الآثمين المستحقين للعقاب.
108. ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ: وهذه الصيغة من الشهادة أقرب لأداء الشهادة على وجهها الصحيح بلا خيانة ولا كذب ولا تغيير ولا تحريف، خوفا من وصمة العار عليهما في الدنيا والعقاب يوم القيامة، فإذا ردت شهادتهما في الدنيا افتضحا، وإذا عادا إلى الله عذبا، فيخافان هذا المصير، فيحرصان على الصدق والوفاء، ويحذران من الكذب والخيانة، واخشوا ربكم أيها الناس وأحذروا عقابه بطاعته، واسمعوا سماع قبول لأمره، والله لا يوفق من خرج عن طاعته لهدايته، ولا يسدد من عصى شرعه لمرضاته.
109. يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ: وتذكروا أيها الناس يوم الفزع الأكبر والهول الأعظم يوم يجمع الله الرسل وأممهم فيسأل الله الرسل وهو أعلم بما حدث ماذا أجابكم به من أرسلتم إليهم بالإيمان هل صدقوكم وقبلوا ما جئتم به أم كذبوكم وردوا ما بعثتم به؟ فيقول الرسل من هول الموقف: لا علم لنا بما صرا، أو لا علم لنا بجانب علمك يا رب، فأنت أعلم بما تخفي الصدور وتكن الضمائر، ولا ندري ما حدث بعدنا في أممنا.
110. إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ: وتذكروا أيها الناس ذلك اليوم العصيب الرهيب يوم يقول الله لعيسى بن مريم: تذكر يا عيسى فضلي عليك وعلى امك مريم إذ قويتك وأعنتك بجبريل، وأنطقتك بالكلام المسدد وأنت رضيع، وتدعوهم إلى التوحيد وأنت كبير، وعلمتك الخط بلا معلم، وفهمتك الحكمة بلا مفهم، فصار عندك نفاذ في البصيرة، وقوة في الإدراك، وحفظتك التوراة والإنجيل في صدرك، مع فقه نصوصها وفهم معانيها، وكنت ترسم وتشكل من الطين مثل أجسام الطيور فتنفخ في تلك الأجسام فتطير بإذن الله، ومن ولد أعمى من قومك رددت عليه بصره بأمر الله وقدرته، وتذهب البرص عن الأبرص فيعود جلده حسنا بمشيئة الله وقدرته، وتنادي الأموات فيخرجون من قبورهم أحياء بإذن الله وقدرته، وكرر كلمة بإذني أربع مرات ليرد على النصارى أهل الافتراءات في دعواهم أن عيسى إله يحيى الأموات وقد كذبوا، فكل هذه بقدرة رب الأرض والسماوات، وتذكر يا عيسى نعمتي عليك لما رددت بني إسرائيل عن قتلك ومنعتك منهم فلم يصلوا إليك حين أتيتهم بالآيات البينات والمعجزات الواضحات، فر عليك المكذبون منهم بأن ما جئت به من هذه الآيات الباهرة سحر ظاهر لا يخفى؛ كذبا منهم وزورا.
111. وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ: وتذكر يا عيسى حين أمرت الحوريين بوحدانيتي والإيمان برسالتي التي أرسلتك بها فوافقوا وصدقوك وأخلصوا العمل لله، وأحسنوا الانقياد له سبحانه بالإقرار بوحدانيته والتصديق برسالة عيسى.
112. إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: واذكروا يوم قال الحواريون أتباع عيسى في سوء أدب: يا عيسى هل يستطيع الله أن ينزل علينا مائدة طعام من السماء؟! فقال عيسى: خافوا الله واخشوه وتأدبوا معه إن كنتم صادقين في الإيمان به واتباعي، وكأنهم سألوا للاطمئنان لا للامتحان.
113. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ: فقال الحواريون: نحن يا عيسى نريد بهذا السؤال أن نتبرك بالأكل منها، ونزداد إيمانا ويقينا، ونعتقد اعتقادا جازما في صدقك، ونشهد على هذه المعجزة عند من لم يحضرها، وتظهر لنا الحجة على وحدانية الله وعلى رسالتك فنكون على ذلك شهودا.
114. قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: فلما علم عيسى صدق الحواريين في الطلب قام فسأل ربه بالألوهية والربوبية أن ينزل عليهم مائدة من المساء يكون يوم نزولها عيدا فيه مناسبة فرح وسرور لمن حضرها من ذاك الجيل، ولمن يخلفهم من قومهم، وتكون المائدة آية على وحدانيتك ومعجزة تدل على صدق رسالتي، وجد علينا بفضلك الواسع، وعد علينا بخيرك العميم، فأنت خير من وهب، وأجود من بذل.
115. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ: فأوحى الله إلى عيسى أنني سوف أنزل عليكم المائدة من السماء، فمن كذب بعد هذه المعجزة الظاهرة والآية الباهرة فسوف أعذبه العذاب المؤلم الشديد؛ لأن الحجة قامت عليه فأصبح معاندا بالتكذيب فيضاعف له العذاب؛ لأنه كفر عن عمد وعلى علم، وفيه أن من عصى الله على علم أعظم جرما ممن عصاه على جهل.
116. وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ: هل أنت يا عيسى أمرت الناس أن يوحدوك من دون الله، ويؤلهونك أنت وأمك؟ والله يعلم كل شىء، ولكن ليكون النفي على لسان عيسى، فقال عيسى: بل أنزهك يا رب عن هذا الفرية، وابرأ إليك من هذه التهمة، فما يحق لي ولا ينبغي لي أن أقول هذا الوقوع الشنيع، فأنت تعلم أني ما قلته، ولو قلت هذه لعلمته، فأنت الله لا إله إلا أنت لا معبود بحق سواك، ولا إله غيرك، وأنت تعلم ما في نفسي وأنا لا أعلم ما في نفسك، فعلمك محيط كامل شامل عام، وعلمي قاصر ناقص محدود؛ لأنك رب إله معبود، وأنا مخلوق عبد لك، فلا تخفى عليك خافية، ولا تغرب عن علمك غائبة.
117. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: ما بلغت بني إسرائيل إلا ما كلفتني به لم أزد على ذلك ولم أنقص، ولم آت بشئ من عندي، وقد دعوتهم إلى عبوديتك وتوحيدك؛ لأنك الخالق الرازق المدبر وحدك، وأنا مخلوق مثلهم لا يحق لي أن أدعي الألوهية، أو أضيف إلى نفسي الربوبية، وأنا في حياتي كنت شاهدا على أعمالهم مدة مقامي فيهم، فلما رفعتني إلى السماء انتهى علمي بهم وأنت العالم بأعمالهم، السامع لأقوالهم، المطلع على أحوالهم، وأنت شاهد على كل نفس عالم بكل سر مطلع على كل أمر.
118. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: إن عذبت هؤلاء القوم فأنت الرب وهم العبيد، وقد استحقوا هذا العذاب؛ لأنهم عبدوا سواك، فعذابك عدل لا ظلم فيه، وإن تجاوزت عنهم فأنت القوي الذي لا يغالب، والقادر الذي لا يعجزه شئ، والحكيم في كل أفعاله، إن عذب وإن غفر، فبعزتك قد تؤاخذ، وبحكمتك قد ترحم، تفعل ما تشاء بمن تشاء كما تشاء، عذابك عدل، ومغفرتك فضل.
119. قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: فيخبر الله عيسى يوم القيامة يوم العدل الذي لا ظلم فيه، والصدق الذي لا يستطيع أحد أن يكذب فيه، أنه صادق فيما قال، وأنه عليه السلام إنما بلغ رسالة ربه كما أنزلها الله، فدعا إلى توحيد الله وحده وأنه برئ مما قالته النصارى وافترت عليه، وأنه عبد لله خلق بكلمة الله يدعو إلى عباده الله وحده، ومن صدق وبر فجنات النعيم مصيره والخلد الدائم منزله والمكان الآمن مقيله، خلود بلا انتقال وحياة بلا موت وصحة بلا سقم وشباب بلا هرم وغنى بلا عدم مع رضا الله عنه؛ لحسن عمله ورضاه عن ربه لعظيم أجره، وهذا هو الظفر الكريم، والفوز العظيم، والنعيم المقيم مع رضوان الرحمن الرحيم.
120. لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: الله عزوجل يملك ويتصرف ويدبر كل من في السموات والأرض، لا يخرج عن سلطانه أحد، ولا يعزب عن علمه شىء ولا يعجزه أمر وقدرته نافذة للجميع لا راد لما رضى، ولا معطي لما منع، ولا مانع لما أعطى لا يحول حائل عن مراده ولا يرد راد قضاءه، جل في علاه، فله كمال الملك وتمام القدرة.
سورة الأنعــام
1. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: يعلم الله عباده أن يحمده على تمام إنعامه وكما إحسانه وبديع خلقه وإتقان صنعه؛ لأنه يستحق أكمل المحامد، وأجل المدائح، وأجل الثناء، فهو الذي أنشأ خلق السموات والأرض، هذا الخلق العظيم المحكم المتقن الجميل المتناسق، الذي يحير العقول ويدهش الأذهان ويذهل البصائر، وخلق الليل والنهار بما فيهما من ظلمه ونور للنوم والراحة والعمل والمعاش وسبب العلم والإنتاج، وبعد هذا كله من الخلق والإبداع لهذه المخلوقات الباهرة والآيات الظاهرة يأتي الكفار يسوون بينه وبين الأصنام التي لا تخلق ولا ترزق ولا تدبر ولا تحيي ولا تميت، فتبا لهم على هذا السخف والحمق والجهل.
2. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ: هو وحده سبحانه الذي خلق أباكم آدم من طين، ثم خلق ذريته من بعده من ماء مهين، وجعل لكل واحد منكم عمرا محددا لا يتجاوزه، وجعل وقتا معلوما للبعث بعد الموت وهو يوم القيامة، لا يطلع على علمه إلا الله وحده، ثم يأتي المشرك ليشك في البعث بعد هذه الدلائل والبراهين.
3. وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ: وهو سبحانه الذي له الألوهية والعبودية وحده، يعبده ويوحده من في السموات من الملائكة ومن في الأرض من المؤمنين، وهو يعلم ما أخفوا من النيات وما أسروا وما أعلنوا من القول والعمل، وما كسبوا من خير وشر ، وحسن وقبيح؛ ليوفيهم الثواب والعقاب يوم القيامة.
4. وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ: وما نبين لهؤلاء الكفار من دليل ساطع وبرهان قاطع على صحة الالوهية لله وصدق رسالة محمد صلى لله عليه وسلم إلا وهم غير مبالين بها وقابلين لها ولا متفكرين فيها، بل هم في إعراض وغفلة.
5. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: فهم أصلا ما قبلوا القرآن الذي هو أعظم معجزة، بل كذبوا به وردوه وشكواه في صحته، فدعهم فسوف يظهر لهم سوء صنيعهم حين يرون العذاب، ويدركون قبح فعلهم إذا عاينوا العقاب؛ لأنهم سخروا من الرسالة والرسول، واستهزؤوا بآيات الله البينات، فهم أعرضوا، ثم كذبوا ثم استهزؤوا.
6. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ: أما بلغ هؤلاء الكفار أخبار الأمم قبلهم كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، أما شاهدوا آثارهم وسمعوا بمصارعهم لما كذبونا؟ فلماذا يتعظون ويعتبرون، فإننا أعطينا تلك الأمم من القوة والتمكين والنعم ما لم نعطه كفار مكة، بما في ذلك إنزال الغيث المدرار الذي تحيا به الزروع والثمار والخضروات والأشجار، وأجرينا لهم الأنهار من تحت بيوتهم، فهم في حدائق غناء وبساتين فيحاء، وغذاء وماء، ولكنهم ما شكروا بل كفروا، فعاقبناهم عقابا شديد بسبب تلك المخالفات والتكذيب بالرسالات، فاحذروا أن نأخذكم كما أخذناهم، فقد أفنيناهم ثم خلقنا أجيالا من بعدهم متعاقبة، فما نقص في الملك شىء ولا تغير في القدرة ذرة.
7. وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ: وهؤلاء الكفار فجرة معاندون لن يؤمنوا أبدا حتى لو نزلنا القرآن في ورق مسطور، ومصحف منشور، فأبصروه ووضعوا أيديهم عليه لما صدقوا ولقالوا، نحن مسحورون بهذا السحر ولا أصل لهذه الأوراق والصحف؛ لعتوهم وتمردهم.
8. وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ: يقول كفار مكة: لماذا لم ينزل على محمد ملك من ملائكة السماء نراه جهرة يشهد له أنه نبي حتى نصدقه، ولو استجبنا لهم وأنزلنا ملكنا وراؤه كما طلبوا ثم كفروا لعجلنا هلاكهم بلا انتظار، ولكان بعد ذلك استعجاب الاستئصال بلا إمهال.
9. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ: ولو أرسلنا الرسول ملكا من الملائكة لأرسلنا في صورة رجل من البشر؛ لأن الناس لا يستطيعون مشاهدة الملك في صورته لعجز أبصارهم عن ذلك، ولو جاء الملك في صورة رجل لاختلط عليهم الأمر هل هو ملك في صورة رجل أم رجل من البشر؟
10. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: اصبر يا محمد ولا تحزن من تكذيب الكفار، فقد أرسلنا من قبلك كثيرا من الرسل فكذبهم أقوامهم واستهزؤوا بهم فلك فيهم أسوة فلست بأول من كذب فلما سخر الكفار من أنبيائهم أخذناهم بأشد العقوبات، ونكلنا بهم جزاء فعلهم القبيح من السخرية بالأنبياء والاستهزاء بالرسل.
11. قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: أيها المستهزئون، سافروا في نواحي الأرض وانظروا آثار الهالكين وديار المكذبين، كيف محونا رسومها بالعذاب، ودمرنا عمارها بالخراب، ومزقنا أهلها بأنواع العقاب، فهل من معتبر لما شاهد؟ وهل من متعظ لما سمع؟
12. قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: قل يا محمد للمشركين: لمن هو ملك ما في السموات والأرض؟ فأخبرهم أن الملك لله كما تعترفون بذلك، فلماذا لا تعبدونه وتوحدونه كما شهدتم أنه الرب الخالق وحده؟ وهو سبحانه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته سبقت غضبه، فلا يعجل بالعقاب ولا يأخذ قبل الإنذار، ويقبل توبة من تاب وليجمعنكم ربكم ليوم الحساب والجزاء لا شك في ذلك ولا ارتياب، والمشركون خاسرون؛ لأنهم أشركوا بالله ولم يصدقوا بلقائه ولم يقروا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
13. وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: والله يملك كل ما سكن وتحرك في الوجود وغشيه الليل والنهار، سواء أكان خافيا أم ظاهرا فإنه لا يخفى عليه شىء يسمع الأقوال ولا تختلط عليه الأصوات، ويعلم الظواهر والخفيات والأعمال والنيات.
14. قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قل يا محمد للمشركين: كيف اتخذ من يتولى أموري وينصرني غير الله ربي، وهو خالق السموات والأرض وخالق من فيهن، وهو واحد أحد يرزق كل أحد ولا يرزقه أحد؛ لأنه صمد، وقد أمرني ربي أن أكون وأول منقاد له بالعبودية، ومسلم له بالألوهية، ونهاني عن الشرك؛ لأنه أرسلني بالتوحيد؛ لأدعو إليه سائر العبيد.
15. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: قل يا محمد للمشركين: إنني وأنا رسول من عند الله أخاف أن يعذبني ربي عذابا شديدا إذا خالفت أمره، وعبدت غيره، وأشركت معه سواه، فكيف بكم أنتم وقد أشركتم وأعرضتم.
16. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ: من يمنعه الله من الأعاذ الشديد يوم الوعيد، إذا أتى بالتوحيد، فقد شمله برحمته وعفوه، وهذا ظفر عظيم وفوز كبير؛ لأنه أدرك المطلوب ونجا من المكروه.
17. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أيها الإنسان، إذا أرادك الله بضر من فقر ومرض وبلاء فلا يدفعه عنك غير الله، وإذا أرادك بخير من غنى وصحة وتوفيق فلا يرد خيره عنك راد، ولا يمنع فضله مانع؛ لأنه على كل شىء قادر إذا قضى أمضى، وإذا قدر اقتدر.
18. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ: والله غالب بأمره فوق عباه قهرهم بالجبروت: لأنه قهار لكل جبار، فأطاعه التقي بالأمر، وذلك له المتكبر بالقهر، وضع الأشياء مواضعها بحكمة واتقان، وعلم خاف عن العيان: فبحكمته قدر الأقدار، وبعلمه علم الأسرار، فهو مستحق لأن يعبد ويوحد ولا يشرك به شيئا، وفي الآية إثبات العلو للعزيز الغفار، والفوقية للكبير الجبار لما يليق بجلالة ويتفق مع كماله.
19. قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: قل يا محمد للمشركين ما أعظم شاهد على صدق رسالتي وإثبات نبوتي قل الله أعظم شاهد على ذلك وهو العالم بما قلت لكم وما رددتم علي وأنزل على القرآن لأنذركم به من عذاب الله إن خالفتموه وأنذر وأخوف به كل من وصل إليه هذا القرآن من البشر كافة، وإذا كان الله خالق الخلق ورازقهم فكيف تقرون بألوهية غيره معه، وتشركون به ولكنني لا أقر على ما أقررتم به من الشرك بل أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا أقر بزور ولا أشهد على جور، وأبرأ إليه من كل شريك سواه، وأنا برئ من عمل المشركين، داعية إلى توحيد رب العالمين.
20. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: اليهود والنصارى يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم بصفاته في التوراة والإنجيل كمعرفتهم لأبنائهم تماما، فكما أن الأب لا يضيع أوصاف أبنائه لتمام علمه بهم، فكذلك أهل الكتاب لا تختلف عليهم أوصاف النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم لوضوح أوصافه لديهم، لكنهم ردوا الهدى واتبعوا الهوى فرجعوا بالخسران، وباؤوا بغضب الرحمن، حينما كذبوا بالذكر الحكيم ولم يتبعوا النبي الكريم.
21. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: لا أحد في العالم أكبر ظلما وأعظم إثما ممن ادعى أن لله شركاء، ونسب إليه صاحبة وأبناء، أو حد أجلة وحدانيته وبراهين ألوهيته، وشواهد نبوة رسوله، ومن فعل ذلك فهو ظالم، والظالم لم يوفق للصواب ولا ينجو من العقاب.
22. وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ: ألا يتذكر هؤلاء المشركون يوم نجمعهم ليوم لا ريب فيه فنسألهم أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ لماذا لا ينصرونكم ويدفعون عنكم العذاب ويشفعون لكم في رفع العقاب؟
23. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ: ثم لم تكن حجتهم الباطلة ودعواهم الكاذبة بعدما رأوا تخلي آلهتهم عنهم إلا أن أدعوا أنهم ما عبدوهم في الدنيا، وما أشركوا مع الله غيره، كذبا منهم وبهتانا.
24. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء يشركون مع الله غيره في الدنيا، ويكذبون على أنفسهم في الآخرة إذ يتبرؤون من هذه الآلهة ويقسمون ما عبدوها في الدنيا من دون الله، فجمعوا بين الكفر والكذب وسواء الفعل وقبح العذر، شرك في العمل وكذب في القول، وقد ذهبت عنهم في الآخرة شفاعة آلهتهم التي ظنوا أنها تنفع أو تدفع أو تشفع.
25. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: من هؤلاء المشركين من يستمع لك يا محمد إذا قرأت لكن سماعا بلا فهم ولا وعي ولا انتفاع؛ لأن لهوى غطى على منافذ البصيرة، وحجب على القلوب، فهي في أغطية لا تفقه، والأسماع في صمم لا تسمع ولا تعي، ولو عرضت لهم كل الآيات الدالة على صدقك وجميع المعجزات الشاهدة برسالتك لكذبوا وجحدا، وبعدها يأتونك ليقولوا: كل هذه الآيات والمعجزات من أساطير الأولين وخرافات المتقدمين لا حقيقة لها.
26. وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ: وهؤلاء المشركون ينهون الناس عن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ويبتعدون عن اتباعه، فهم ضالون مضلون، يكفرون ويصدون غيرهم، وهم لا يضرون بهذا الإعراض إلا أنفسهم، ولا يسعون إلا في هلاكهم، ولكنهم لا يحسون بخطورة ما يفعلون، ولا يدركون ضر ما يصنعون.
27. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: وليتك يا محمد تشاهد هؤلاء المشركين إذا عرضوا على النار وأبصروا عذاب الجبار وشاهدوا الفظائع والأنكال، والسلاسل والأغلال، حينها يقولون: يا ليتنا نعود أحياء إلى الدنيا فنؤمن بالله ونصدق رسوله. لكن هيهات فما فات مات، وما بقي غلا الندم والحسرات، فيا لهول ذلك المشهد ما أعظمه وأشده.
28. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: وما صدقوا فيما قالوا: بل إنه ظهر له يوم العرض الأكبر صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة الرسالة، ولو أنهم كانوا يدعون من تبعه لخلاف هذا، ولو ردوا مرة ثانية إلى الدنيا لعادوا يكذبون بآيات الله مثلما كذبوا بها من قبل.
29. وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ: يقول المشركون: لا بعث ولا نشور، فإذا متنا فلن نخرج من قبورنا للحساب، فالحياة حياتنا الدنيا فقط.
30. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: ولو شاهدت يا محمد هؤلاء الكفار يوم القيامة إذا قاموا للحساب، ورأيت ما أصابهم من خوف، إذا قيل لهم: أليس هذا البعث حقا وكنتم تكذبون به؟ فيقولون: بلى والله إنه حق، فيقال لهم تبكيتا: هذا العذاب الذي تصلونه بسبب كفركم بالله وتكذيبكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
31. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ: قد خاب سعي الكفار وضل عملهم؛ لأنهم كذبوا باليوم الآخر، فإذا قامت الساعة وشاهدوا عاقبة تكذيبهم وفوجئوا بهذا الأمر المذهل صاحوا من الخوف متحسين على سوء صنيعهم وقبح فعلهم، وقد ألزموا عاقبة عملهم ونتيجة تكذيبهم، فما أسوأ تلك الأعمال، وما أشنع تلك الأفعال.
32. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ: ما هذه الحياة الدنيا إلا متاع قصير كخيال النائم، وهي غرور باطل، وظل زائل، والآخرة أفضل وأسعد لمن اتقى ربه وعمل صالحا؛ فهو في دار نعيم دائم، أفلا تتدبرون هذا الأمر فتنظروا في قصر الدنيا وسرعة انقضائها وتفاهة شأنها وفنائها، والآخرة ونعيمها المقيم في جنات الخلود فتعلموا لها.
33. قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ: الله يعلم جل في علاه أنك يا محمد يصيبك الحزن من تكذيب قومك لك واستهزائهم بك، فاصبر فإنهم يعلمون صدقك في الباطن، وإنما يكذبوك في الظاهر استكبارا وعتوا، فيردون الآيات الباهرة، والمعجزات الظاهرة التي بعثت بها.
34. وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ: فاصبر يا محمد فلك أسوة فيمن كذب من قبلك من الرسل فصبروا على تكذيب قومهم، وتحملوا الاذى في سبيل الله وواصلوا الدعوة والجهاد حتى نالوا نصر الله، ولا يمكن أن تتغير كلمات الله التي أنزلها عليك من الوعد بالنصر وحسن العاقبة والانتقام من الكفار، ولقد أنزل عليك يا محمد أخبار الرسل قبلك، وكيف نصرهم الله وأهلك أعداءهم، فاقتد بأولئك الأنبياء وتسل بهم.
35. وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ: وأن كان اشتد عليك يا محمد تكذيب هؤلاء المشركين، فإن قدرت على أن تسلك طريقا في باطن الأرض، أو تصعد درجا إلى السماء لتأتي بمعجزة على صدقك وبرهان على صحة ما جئت به غير ما آتيناك من الأدلة والبراهين فافعل فلن يستجيبوا لك، ولو أراد الله أن يهديهم لهداهم، ولكن اقضت حكمته ألا يوفقهم للإيمان، فلا تكن ممن كثر تحسره، وزاد جزعه فجهل أسرار القضاء ومقاصد الحكمة.
36. إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ: إنما يتبعك يا محمد ويؤمن بما جئت به من عنده سماع قبول واستجابة، والكفار كالموتى؛ لأن الحياة حقيقة إنما هي في الإيمان، فالكفار أموات القلوب، وأما أموات المقابر فسوف يخرجهم الله منها أحياء ليحاسبهم الله منها أحياء ليحاسبهم على أعمالهم يوم القيامة.
37. وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: وقال المشركون: لماذا لا ينزل الله على محمد معجزة خارقة للعادة، فقل لهم: إن الله لا يعجز عن ذلك فهو على كل شىء قدير، لكنه ينزل الآيات بحكمة منه متى ما أراد، ولكن المشركين لا يعلمون.
38. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ: ما على وجه الأرض من دابة ولا في السماء من طائر إلا جماعات مثل الناس في التوافق والاختلاف، وبينهما وبين الناس أوصاف متشابهة، ما أغفلنا شيئا من المخلوقات وغيره غلا كتبناه في اللوح المحفوظ تقديرا وتدبيرا، وسوف يعود الجميع إلى ربهم ليحاسبهم على كل ما فعلوه.
39. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: الذين كذبوا بالقرآن والسنة لا يسمعون سماع قبول ولا استجابة، ولا ينطقون بالصدق والحق، وهم في ظلمات كفرهم وأهوائهم حائرون لا يهتدون إلى رشاد ولا يوفقون لسداد، ومن أراد الله إضلاله أضله فلا يهديه أحد، ومن أراد أن يهديه هداه فلا يضل أبدا، فلا مضل لمن هدى ولا هادي لمن أضل.
40. قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: أخبروني أيها المشركون إذا أتاكم عذاب الله في الدنيا: هل هناك أحد يدفع عنكم العذاب؟ أو إذا قامت القيامة بأهوالها هل ينجيكم من العذاب ما كنتم تعبدونهم من دون الله في الدنيا إن كنتم مصيبين في زعمكم أنهم ينفعون ويضرون من دون الله؟ فلماذا ما جلبوا لكم نفعا ولا دفعوا عنكم ضرًا؟!
41. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ: الواقع أنه إذا اشتدت الكربات، وحلت الأزمات لا تدعون إلا الله وحده وتتخلون عن دعوة الاصنام المنصوبة والأوثان المنحوتة؛ لأن عبادتكم لها زور وبهتان، وكذب وخسران، وفي الشدة يظهر الحق ويبطل الباطل.
42. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ: ولقد بعثنا قبلك أيها الرسول رسلا إلى أقوامهم فكذبوهم فأصبناهم في العيش بالفقر والضيق ونقص الأموال والآفات، وأصبناهم في الأجسام بالأمراض والآلام، عسى أن يعودوا إلى ربهم بالدعاء والتضرع، ويتوبوا إليه من الذنوب، ويتذللوا له بالطاعة.
43. فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: فلماذا لما جاءهم بلاؤنا لم يخضعوا لنا، ولم ينقادوا لأمرنا ويصدقوا رسلنا؟! ولكن السبب قسوة قلوبهم التي لا ينفع فيها الذر، ولا تجدي فيها الموعظة، ثم إن الشيطان حسن لهم التكذيب بآياتنا وعصيان أمرنا، فما اتعظوا بالآيات، ولا اعتبروا بالابتلاءات.
44. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ: فلما عصونا وكذبوا بآياتنا وما أجدى فيهم البلاء، ولا ردتهم إلينا البأساء فتحنا عليهم أبواب الرخاء، فصببنا عليهم الدنيا بكثرة الأمال والأولاد وصحة في الأجسام، ورفاهية في العيش حتى أصابهم البذخ ووقعوا في الترف، فركبوا مركب الأشر، وسلكوا طريق البطر، فأعجبهم الثراء، وسرتهم النعماء، وخدعهم الرخاء، عندها فاجأناهم بالعذاب، فسلبناهم من كل نعمة، وأنزلنا بهم أشد نقمة، فانقطعوا عن كل خير، وأفلسوا من كل فضل، وخسروا كل شىء.
45. فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: فأهلك هؤلاء الكفار الذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله، ولم يبق لهم آثر، والشكر والثناء لله على حسن فعله في إهلاكهم؛ لأن في ذلك نصرة للحق ومحقا للباطل، والله يحمد على كل حال؛ فلا يحمد على مكروه سواه؛ لأن رحمته فضل وعذابه عدل.
46. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ: قل لهؤلاء الظالمين: لو أن الله أصمكم فذهب سمعكم، وأعماكم فذهبت أبصاركم، وأغلق على قلوبكم فأصبحتم بلا فهم، هل هناك إله آخر غير الله يرد عليكم الأسماع والأبصار ويفتح على قلوبكم؟ تأمل كيف تنوع لهم الأدلة والبراهين ثم يعرضون عن الاستجابة ويأبون القبول.
47. قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ: أخبروني أيها الظالمون: لو نزل بكم العقاب فجأة بلا إنذار، أو أخذكم وأنتم ترون العقاب بالأبصار، فهل يستحق العقاب إلا من ظلم نفسه برد الحق وتكذيب الرسل؟
48. وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: والرسل لا نرسلهم إلا ليبشروا من آمن بالجنة، وينذروا من كفر بالنار، فمن آمن بالله وصدق الرسل فلا يخاف ما أمامه من أهوال، ولا يحزن على ما خلفه من أعمال.
49. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: والذين كذبوا بآياتنا كلها القرآنية والكونية، يمسهم عذابنا بسبب خروجهم عن طاعتنا وعدم اتباعهم رسولنا.
50. قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ: أخبر المشركين يا محمد: أنك لا تملك خزائن الأرض فتعطي من تشاء وتمنع من تشاء، ولا تعلم الغيب إلا ما أطلعك الله عليه، ولست ملكا من الملائكة وقل لهم: إنما أنت بشر أوحى الله إليك القرآن وأرسلك إليهم، وأخبرهم يا محمد أن الكافر كالأعمى، والمؤمن كالبصير، فذاك عمي عن آيات الله، وهذا أبصرها فلا يستويان، أفلا تتأملون وتتدبرون آيات الله الدالة على وحدانيته وصدق ما أنزل على رسوله.
51. وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: وخوف بكتاب الله المؤمنين الذين يتيقنون من لقاء ربهم يوم القيامة، فليس لهم غير الله ولي يجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر، ولا شفيع ينفعهم عند الله في رفع العذاب لعلهم يخافون الله بفعل ما أمر وترك ما نهي عنه.
52. وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ: ولا تبعد عن مجلسك الضعفاء والفقراء الذين يتعبدون لربهم بالذكر والدعاء أول النهار وآخره مخلصين لله، فأنت لن تسأل عن أعمالهم وهم لن يسألوا عن عملك، فإن أبعدتهم عن مجلسك فقد أخطأت وما أصبت، وجرت وما عدلت.
53. وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ: وهذه سنة الله يبتلي بعض عباده ببعض، يعطي بعضهم الغنى والقوة والصحة ويسلها من بعضهم؛ ليحتاج بعضهم إلى بعض، ويعلم من شكر ومن صبر، ويوقل الكفار الأغنياء للمؤمنين الفقراء: أهؤلاء المساكين هداهم الله للإسلام وتركنا؟!
54. وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: وإذا أتاك يا محمد المؤمنون المصدقون بما أنزل عليك من الآيات يسألونك عن التوبة فحيهم بالسلام، وألن لهم الخطاب، وأخبرهم أن الله هو التواب، رحمته وسعت كل شىء، وقد أوجب على نفسه أن يتوب على من تاب، فمن ارتكب ذنبا وجهل عاقبته وأغضب ربه وكل عاص جاهل وإن بلغه الترحيم ثم أقلع عن ذنبه وندم على فعله وأحسن عمله، فإن الله يمحو ذنوبه، ويتغمده برحمته؛ لأنه واسع المغفرة كثير الرحمة.
55. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ: ومثل هذا البيان الذي أنزلناه عليك نبين الأدلة ونوضح الحجج ونظهر المعجزات، ليظهر الحق ويبطل الباطل وتتضح طريق المنحرفين المكذبين للأنبياء.
56. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ: قل يا محمد لعبدة الأوثان: إن ربي نهاني أن أشرك به شيئا وأن أعبد غيره، ولن أتبع أهواءكم، فأنتم ضلال، بل أتبع هدى ربي الذي أوحاه إلى، ولو سلكت طريقكم لضللت عن الصراط المستقيم، ولتركت الهدى الذي أكرمني الله به.
57. قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ: قل لهؤلاء الكفار: إني على محجة واضحة وصراط مستقيم من التوحيد والعبادة، ولكنكم كذبتم بهذا الوحي، ولا أستطيع أن أعجل لكم العذاب الذي تطلبونه، فأنا عبد رسول لا أملك إلا البلاغ، فالله الذي عنده الحكمة والتقدير في تعجيل العذاب أو تأخيره، وهو سبحانه يبين الحق ويوضح الهدى وهو وحده، الذي يفرق بين الحق والباطل، ويقضي بحكمة بين المؤمنين والكافرين.
58. قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ: أخبر هؤلاء المشركين يا محمد أنه لو كان بيدك تقديم العذاب الذي يستعجلونه لأوقعته بهم وانتهى الأمر بينك وبينهم، والله عليم بمن يستحق العذاب ممن تجاوز الحد بالشرك وأعرض عن الإيمان.
59. وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ: والله وحده عنده خزائن الغيب لا يعلمها إلا هو ولا يدري بها سواه، كعلم الساعة، ونزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما تكسب كل نفس غدا، ومحل موت العبد، وهو مطلع على خفايا ما في البر والبحر ويعلم متى تسقط كل ورقة من شجرة وكل حبة في مسارب الأرض يعلمها، ومطلع أين هي، وكل شىء رطب بالحياة من إنسان وحيوان ونبات وغيره، أو يابس من ذلك كله، فهو مكتوب عنده في كتاب ظاهر بين، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ.
60. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وهو سبحانه الذي يمسك أرواحهم بالنوم في الليل حتى تصبحوا كالأموات، وهو مطلع على ما فعلتم في نهاركم من أعمال، ثم يوقظكم من نومكم كأنه بعثكم من موتكم، لينتهي الأجل المحدود والعمر المعدود في هذه الحياة، ثم يعيدكم إليه يوم القيامة فيحاسبكم بما فعلتم ويقرركم بما اكتسبتم ويجازيكم على ما صنعتم.
61. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ: والله سبحانه الذي قهر عباده قهر علو وقدر وقوة وجبروت، فله الفوقية المطلقة بما يليق بجلاله، كل مخلوق ذليل لعظمته خاضع لحكمه، ضئيل في ملكه، ويوكل بكم ملائكة يحفظون ما تعملون، ويحفظونكم مما تخافون، فإذا حانت وفاة أحدكم قبضت الملائكة روحه، وهم لا يهملون ما أوكل إليهم ولا يضيعون ما كلفوا به، بل يؤدون ما أمروا به في إتقان.
62. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ: ثم رجع الأموات إلى ربه الحق جل في علاه ليوفيهم حسابهم، ليقضي بالعدل ويحكم بالفصل، وهو اسرع من حاسب، حيث يحاسب الجمع الكثير في الوقت القليل، يفصل بين الخلائق في زمن يسير عليه؛ لكمال القدرة وتمام الحكمة.
63. قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ: قل يا محمد للمشركين: من الذي ينقذكم من مخاوف البقر وأهواله، ويخرجكم من أخطار البحر ومهالكه غير الواحد الأحد الذي اشركتم معه غيره في العبادة؟ مع العلم أنه إذا اشتد بكم الخطب وضاق بكم الكرب التجأتم إليه بذل وخضوع تنادونه جهارا وتناجونه سرا وتعاهدونه أنه إذا أنقذكم من هذا الخطر وسلمكم من هذا الهول لتوحدونه بالعبادة ولا تشركون به شيئا.
64. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ: قل الله وحده هو الذي يتولى إنقاذكم من هذه الأخطار ولا يستطيع أحد غيره إنقاذكم، وهو الذي ينقذكم من كل خطر ألم بكم، ويسلمكم من كل هول حل بكم، ويفرج عنكم كل شدة، وبعد هذه النجاة تشركون مع الله غيره في العبادة، فوقت الرخاء عاصون، وفي الشدة طائعون متضرعون.
65. قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ: قل لهم: الله وحده هو الذي يستطيع بقدرته أن يرسل عليكم عذابا من السماء كالصواعق والرجم والطوفان ونحوها، ويهللكم من تحتكم بالخسف والزلازل وغيرها، أو يجعلكم متفرقين فيخالف بين قلوبكم فتقتتلون ويبيد بعضكم بعضا، وتدبر كيف نسوق لهم أنواع العظات ومختلف البراهين الواضحات لعلهم يفقهون الدليل ويتبعون الرسول، ويميزون بين الحق والباطل، لكن هيهات، رانت الذنوب على القلوب؛ فعميت عن هدي علام الغيوب، فالضال أعمى عن الدليل، خارج عن سواء السبيل.
66. وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: وكذب المشركون بكتاب الله وهو الحق كله، والصدق جميعه، فقل لهم: يا محمد ما أنا بحفيظ على أعمالكم لأجازيكم، ولا برقيب على ما أخفيتم فأعلم سرائركم، فمن الله البيان وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلى الناس الانقياد، ثم حساب الجميع على الله.
67. لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: لكل أمر نهاية ينتهي إليها، ولكل شىء عاقبة يصير إليها؛ فيظهر خيره وشره وحقه وباطله، وسوف يظهر لكم أيها المكذبون سوء فعلكم عند نزول العقاب بكم، فالأعمال لها آجال، وكل عامل سيلقى ما قدم حيث لا ينفع الندم.
68. وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: وإذا أبصرت المكذبين بالقرآن يستهزئون بآياتنا ويضربون بعضهم ببعض ويجادلون فيه جدال مراء وخصومة وشك فاترك مجلسهم واهجر اجتماعهم حتى يتكلموا في كلام غير هذا الخوض، وإذا نسيت فجلست معهم فإذا تذكرت فقم عنهم لأنهم معتدون لا يوفقون لصواب، ولا يلهمون إلى رشاد.
69. وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: ليس على من آمن بالله واتبع رسوله وأطاع أمره واجتنب نهيه محاسبة بسبب من استهزأ بآيات الله وسخر منها بعد البلاغ والنصح؛ فالمؤمن عليه أن يعظ العصاة وله مثل أجر من اهتدى بهداه وليس عليه إثم من ضل.
70. وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ: وأعرض عمن استهزأ بالدين وسخر من الشريعة، فحياته لعب وأعماله لهو، خدعته دنياه بزخرفها وغرته بفتنتها، فهجر الكتاب ونسي الحساب، وذكر بكتاب الله من أجل ألا تفلس النفوس من الإيمان وترتهن بالعصيان، فالذنب يوبق العبد، وليس لكل نفس إذا خسرت ولي يدفع ولا شفيع ينفع غير الله وحده، فهو ولي من تولاه، وناصر من دعاه، ولو قدمت النفس الهالكة كل فداء لتنجو من العذاب ما قبله الله؛ لأن الشرك لا غفران له، وهؤلاء المشركون هالكون بسبب أعمالهم، خاسرون لسوء صنيعهم، شرابهم الحميم مع العذاب الأليم، والنكال المقيم، في سواء الجحيم؛ لأنهم كفروا بالله وكذبوا رسله.
71. قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: قل للمشركين: أنعبد أوثانا لا تجلب لنا نفعا ولا تدفع عنا ضرا ونترك عبادة الواحد الأحد الذي يملك الضر والنفع وبيده كل شىء ونرجع إلى ظلمات الشرك بعد أن من الله علينا بإخراجنا من هذه الظلمات إلى نور الإيمان، ويصبح مثلنا مثل من خدعته الشياطين وغرته وأضلته عن سوء السبيل ولم يسمع نصيحة أصحابه الذين ينادونه إلى الإيمان وينصحونه بترك عبادة الأوثان؛ فيتبع هواه ولا يسمع نصح من دعاه، فأخبر هؤلاء المعرضين بأن ما أرسلني به ربي من الهدى هو الصراط المستقيم والمنهج القويم، والله أوجب علينا أن ننقاد لدينه ونتبع رسوله صلى الله عليه وسلم ولا نشرك به شيئا؛ لأنه مربي العباد بنعمه، ومتولي أمرهم وتصريف حياتهم. وملخص الآية يتمثل في التخلي عن الأوثان والتحلي بالإيمان.
72. وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: وأوجبنا عليكم إقامة الصلاة كما شرعت لتنهاكم عن الفحشاء والمنكر، وأوجبنا عليكم عمل الصالحات وترك المنكرات، فسوف تعودون إلى ربكم ليجازيكم بالحسنات ثوابا وبالسيئات عقابا.
73. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ: الله وحده هو الذي خلق السموات والأرض بالحق ليعبد، ورزق من فيها ليشكر وتذكر إذا أراد الله أن يقيم القيامة بكلمة: (كن) فيكون في لمح الطرف أو أسرع، فقوله في ذلك حق ووعده صدق، فالملك له وحده يتصرف فيه كيف يشاء لا ينازعه في الملكوت عبد، ولا يشاركه في الجبروت أحد، ويظهر تمام ملكه يوم النفخة الثانية في الصور، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، يعلم ما ظهر للعيون وما خفي عن الظنون، ومطلع على الجهر والسر، وهو حكيم، كل صنعه بإتقان، وفعله بإحسان، وعطائه بامتنان، خبير بالنيات والخفيات، بلغ علمه أسرار الأشياء، وأحاط بتفاصيل الأموات والأحياء.
74. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: واذكر يوم حاج إبراهيم أباه أزر وجادله وقال له: كيف تعبد أصناما لا تنفع ولا تضر، وتترك عبادة الله الواحد القهار، لقد انحرفت أنت وقومك عن الحق، وضللتم عن الرشد، وبان لي أن ضلالكم ظاهر؛ لأنكم أشركتم بالله، وتركتم عبودية الله، وفيها دعوة الابن لأبيه، والبدء بأصول توحيد الله، وأن الولاء لله، وارفق بالوالد ولو كان مشركًا.
75. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ: ومثلما وفقنا إبراهيم لسلوك طريق الهداية أطلعناه على ما في السموات والأرض من ملك باهر وبديع صنع ظاهر، مع آيات تدل على عظيم القدرة، وتمام الحكمة: ليرسخ إبراهيم في الإيمان؛ لأن من تدبر أبصر، ومن تفكر زاد يقينه وعظم إيمانه والكون كتاب مفتوح لكل معتبر.
76. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ: لما أقبل الليل وغطى العالم بظلمته وشاهد إبراهيم كوكبا منيرا أراد أن يناظر قومه ليستدرجهم للوصول إلى الحق بضرب المثل بالكوكب، فقال لهم: هذا ربي، على سبيل المناظرة ولفت أنظارهم ليصل بهم إلى حقيقة بطلان عبادة النجوم التي يعبدونها، فلما غاب الكوكب، قال إبراهيم: أنا لا أحب إلها يغيب؛ إذا فهذا الكوكب لا يصلح أن يكون إلها؛ لأن النقص يدخله والإله لابد أن يكون قائما على كل نفس حيا قيومًا.
77. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ: فلما شاهد إبراهيم القمر قد طلع، وبنوره سطع، قال ليستنزل قومه عن رأيهم: هذا القمر ربي، فلما غاب القمر، قال إبراهيم طالبا الرشد من ربه: إذا لم يدلني ربي على الحق في هذه المسألة وهي (من هو الإله الذي يستحق أن أعبده) فسوف أصبح ممن غوى عن الصراط المستقيم، وحاد عن الحق القويم، بشركه بالرحمن الرحيم.
78. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: فلما شاهد إبراهيم الشمس طلعت قال لقومه على سبيل التمثيل والمحاجة: هذه الشمس هي ربي، فهي أكبر من القمر والكواكب، ولكن الشمس غابت، إذا لا تصلح لأن تعبد، فأنا إذا أبرأ إلى الله من عباده غير الله من شمس وقمر وكواكب ونجوم وأوثان وأصنام وغيره؛ لأن الذي يستحق العبادة هو الله وحده، أما هذه المخلوقات فلا يجوز صرف شىء من العبادة لها؛ لأنها مخلوقة مدبرة لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا.
79. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: إني جعلت وجهة وجهي لربي الواحد، الأحد الذي خلق السموات والأرض ثابتا على التوحيد، مائلا عن الشرك، وأبرأ إلى الله من عمل المشركين وهذا هو لب الدين وأساسه توحيد المعتقد والمنهج والبراءة من أعداء الله.
80. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: وجادل إبراهيم قومه في مسألة الألوهية، فقال لهم: كيف تجادلونني في ألوهية ربي، وتوحيدي لخالقي بالعبادة وأنا على بينة من أمري، فالله قد ثبتني على الحق، وعصمني من الباطل، أما آلهتكم الباطلة من الأصنام والنجوم فلا أخافها ولن يصلني منها ضرر إلا بمشيئة الله؛ لأن ربي يعلم كل شىء لا تغيب عن علمه غائبة، فما لكم لا تتدبرون فتعلمون أنه الله الذي يستحق العبادة ولا يتحقها غيره.
81. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: كيف أخاف أوثانكم وهي لا تضر ولا تنفع وأنتم لا تخافون ربي الواحد القهار الذي بيده النفع والضر، مع العلم أن عبادتكم لها لا حجة لكم ولا دليل على صحتها، فهل أنا أحق بالأمن والسلامة وأنا موحد أم أنتم أحق بها وقد أشركتم وضللتم؟! أخبروني إن علمتم صحة ما سألتكم عنه من أنه من عبد الله وحده أحق بالأمن؟
82. الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ: الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله فحققوا الإخلاص والمتابعة ولم يخلطوا إيمانهم بالشرك فهؤلاء يؤمنهم الله من كل خوف وحزن، ويسلمهم من كل شر؛ لأنهم أتوا بأسباب النجاة، وهم الذين وفقوا للهداية الربانية وعرفة الصراط المستقيم، فلا أمن بلا إيمان، ولا إيمان لمن أطاع الشيطان.
83. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ: وذلك برهاننا الذي علمناه رسولنا إبراهيم حتى غلب به قومه، ونحن الذين نرفع بالعلم والحكمة من نريد من عبادنا مراتب يفضلون بها غيرهم، وربك حكيم فيها أعى من هبات علمية ومنح دينية، عليم بمن يستحق العطاء ويشكر النعماء، فصاحب الدليل مرفوع، وحامل الاثر مقدر لشرف الحجة.
84. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: ورزق الله إبراهيم إسحاق ابنا، ويعقوب حفيدا، ورزقهما الاستقامة على طريقة، وأعطاهما الكتاب والحكمة، وهدى نوحا من قبل إبراهيم إلى صراطه القويم، ومن نسل نوح داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون، كلهم علمهم الكلمة وآتاهم النبوة وأرشدهم إلى الحق؛ لأنهم أحسنوا بحسن الاستجابة والقبول وجميل العمل، فجازاهم بالهداية إلى سبيله وشرفهم بالرسالة، والله يثيب كل من فعل فعلهم واتبع طريقهم.
85. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ: وكذلك هدى الله ووفق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس لسلوك المنهج القويم، والصراط المستقيم، فهم أئمة هدى وأعلام إصلاح، حسنت أقوالهم، وصحت أعمالهم، وصدقت أحوالهم.
86. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ: وهدى الله للحق إسماعيل واليسع ويونس ولوطا لمرضاته، وفضلهم بنبوته وآياته، ورفعهم على سائر الأمة بالإمامة.
87. وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: والله هدى من أراد من آباء هؤلاء الأنبياء وذرياتهم وإخوانهم فاصطفاهم للهداية، ومن عليهم بالرعاية، وتفضل عليهم بالولاية، فهم على نهج قويم، ومذهب كريم من صدق العبودية، وتمام الطاعة.
88. ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: هذا الهدى الذي عليه الأنبياء هو هداه وحده سبحانه بما أنزل عليهم من وحي ووفقهم به لكل خير، وهو يوفق من أراد من عباده لاتباعه والعمل به ولو أن الأنبياء وحاشاهم من ذلك اشركوا بالله لبطل سعيهم ولخسروا أعمالهم ولضلوا الطريق؛ لأن الشرك محبط لكل عمل، مفسد لكل حسنة، فكيف بغير الأنبياء، فيا من ضل من العبيد، هؤلاء الأنبياء يقابلون بالتهديد لو تركوا التوحيد.
89. أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ: هؤلاء الرسل الكرام هم الذين شرفهم الله بإنزال الكتب عليهم لهداية الناس، وآتاهم السداد في القول والعمل والرشاد، في الظاهر والباطن، وأكرمهم بالنبوة التي فيها العصمة والطهر والصلاح، فإذا كفر المشركون بما أوحاه الله إلى أنبيائه من كتب فقد أخترنا ووفقنا وهدينا غيرهم من المؤمنين الصادقين إلى قيام الساعة، يصدقون بالكتاب ويتبعون الرسول ويؤمنون بالله وينصرون الحق ويخلصون لله العبادة.
90. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ: هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم السلام هم الذين وفقهم الله لطاعته، ويل مرضاته بامتثال أمره، فأصلح أحوالهم، وسدد أقوالهم، وحسن أفعالهم، فاتبع سبيلهم، واقتد بهم، واقتف آثارهم، وقل يا محمد للمشركين: لا أطلب منكم على تبليغ الدين مالا ولا عرضا دنيويا زائلا، فعملي لوجه الله على نور من الله أرجو ثواب الله، وما هذا الدين الذي بعثت به والرسالة التي حملتها إلا تذكيرا لكل الناس، تدعوهم إلى الهدى، وتحذرهم من الضلال، فعسى أن تنفعكم الذكرى وتجدي فيكم الموعظة، وفي الآية أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد النهي، وأن الداعية لا يطلب أجرا على دعوته إلا من الله.
91. وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ: وما عظم الله من أشركوا به حق تعظيمه، ولا وقره حق توقيره؛ لأنهم قالوا: إن الله لم ينزل الوحي على أحد من الناس؛ كذبا منهم وزورا، فقل لهم: من الذي أنزل التوراة التي بيد اليهود على موسى، وهم يجعلونها مجرد أوراق متفرقة لا ينتفعون منها بشىء، فما ناسبهم أظهروه وقالوا به وأفتوا به، وما لا يعجبهم جحدوه وكتموه وعطلوا العمل به، فقد كتموا أخبار رسولنا صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وكثيرا من الأحكام، وقد علمكم الله أيها العرب بالوحي ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ما كنتم تجهلونه أنتم ويجهله آباؤكم قبلكم، فالله وحده الذي نزل الكتاب وهدى من شاء وأقام الحجة وأوضح الدليل، فاترك هؤلاء الجهلاء في باطلهم يخوضون، وفي لهوهم يلعبون، فليسوا على بينة من أمرهم؛ لأن من ترك الحق ضل، ومن أعرض عن الهدى زل، فكلامهم كذب، وحياتهم لعب.
92. وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ: هذا القرآن الذي أوحيناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم مبارك في تلاوته وتدبره والعمل به؛ لأنه سبيل فلاح ويوصل إلى كل نجاح، وهو يصدق ما قبله من الكتب السماوية، والله أنزله على رسوله ليخوف ويحذر أهل مكة وما حولها من قرى العالم، ومن يصدق بيوم القيامة يصدق بأن القرآن حق من عند الله، وهؤلاء يحافظون على إقامة الصلاة في أوقاتها مثلما شرعها الله وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالكتاب مبارك، والرسول معصوم، والدعوة عالمية، والصلاة عمود الإسلام.
93. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ: ليس في العالم أشد ظلما ممن ابتدع الكذب على الله عزوجل مثل من زعم أن الله لم يرسل رسولا ولم ينزل كتابا، أو زعم أن الله أوحى إليه وأرسله للناس، وهو مفتر فلا وحي عنده ولم يرسل برسالة، أو زعم أنه يستطيع أن يأتي بمثل القرآن المعجز الباهر المبارك، ولو أبصرت هؤلاء المكذبين المستكبرين على آياتنا وهم في سكرات الموت ووقت نزع الروح والملائكة القابضون لأرواحهم يمدون أيديهم نحوهم بالعذاب وشدة النزع ويقولون لهم: هاتوا أنفسكم الشريرة لتخرج من أجسادكم النجسة؛ لتذوقوا الإذلال والألم الموجع؛ جزاء لافترائكم على الله ونسبة ما يحرم إليه، والسخرية من آياته وتكذيب رسله، وبسبب استكباركم عن الانقياد لشرع الله والاستسلام لدينه واتباع رسله.
94. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ: ولقد عدتم إلينا يوم العرض الأكبر فرادى بلا أولاد ولا أموال ولا مناصب ولا مناصر ولا جنود ولا خدم ولا حشم، فلا مال ينفع، ولا ولد يدفع، ولا ولي يشفع، بل أتيتم عراة حفاة غرى كما خلقتم، وخلفتم ما أعطيناكم من متاع وقوة وجاه وسلطة، وما نرى معكم هذا اليوم آلهتكم المزعومة من الأصنام والأوثان ونحوها التي كنتم تزعمون أنها تجلب لكم النفع وتدفع عنكم الضر، وتشفع لكم عند الله، وأن له الحق أن تعبد مع الله، لقد انتهت العلاقة بينكم وبينها، وبطل اعتقادكم فيها أنها تنفع وتضر، وعدتم بالخسران وغضب الرحمن، فما أحد أخسر صفقة منكم، وما أشد حسرتكم، فاجتمع عليهم الندم وشدة الألم وزلة القدم.
95. إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ: الله وحده المستحق للعبودية؛ لأنه يشق الحب فينبت منه الزرع، ويشق النوى فيخرج منه الشجر، وهو وحده الذي يخرج الحي من الميت، كالفل من النطفة، والفرخ من البيضة، ويخرج الميت من الحي كالنطفة من الرجل والمرأة، والبيضة من الطائر، والنواة من النخلة، والحب من الزرع وغير ذلك، فمن يفعل ذلك فهو أهل أن يعبد وحده سبحانه ويؤله تعالى لا سواه؛ لأنه لا شريك له في الخلق، فيجب ألا يكون له شريك في العبودية، فالذي خلق وأوجد يجب أن يعبد ويوحد، فكيف يصرف المشركون العبادة لغيره، ويجعلون معه إلها آخر باطلا وزورا، وإثما وفجورا.
96. فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ: والله وحده شق الصباح من ظلام الليل فأخر هذا البياض الوهاج من السواد الداج، وهيأ الليل لسكون كل متحرك، ففيه ينام الناس، وتراح فيهم البهائم، وتأوي الطيور إلى وكناتها، والحشرات إلى مستقراتها، وسير الشمس والقمر بحساب لا يضطرب، وإتقان لا يختلف، بأوقات معلومة، وأزمنة محدودة، وبهما يعرف حساب اليوم والشهر والسنة، ومقدر ذلك العزيز في ملكه، الذي قهر بسلطانه من غالبه، وتفرد بكماله عمن ساماه جل في علاه وهو عليم بتدبير الخليقة مواقع النفع وأبواب المصالح، فبالعزة غلب بأمره فأمضاه، وبالعلم وضع القضاء موضعه الذي ارتضاه، فالعزة للتنفيذ، والعلم لحسن الاختيار.
97. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: والله وحده سبحانه هو الذي خلق النجوم الباهرة علامات ظاهرة، وجعل هذه العلامات الساطعة دلائل قاطعة، بها يهتدي من ضل في القفار والبحار، ومن أخطأ الطريق في الأسفار، فالسائر في الصحراء يستدل بنجوم السماء،
98. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ: والله وحده سبحانه الذي خلقكم أيها البشر من أبيكم آدم عليه السلام ثم جعل مستقركم أرحام النساء ومستودعكم أصلاب الرجال وقد أوضحنا لكم الأدلة والبراهين في الكون والحياة والإنسان لمن عنده فهم يوصله إلى الحق، وتدبر يدله على الرشاد، أما الغافل فلا ينفعه الدليل، ولا يهتدي للسبيل، ففقه الحجة يدل على أوضح محجة.
99. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: والله وحده سبحانه الذي أنزل الغيث من الماء، فأنبت به كل نبت أخضر، وأخرج به كل مزروع، ثم أخرج من الزرع حبا مرصوصا بعضه فوق بعض، فكل سنبلة منظومة بحبها في جمال بديع، وخلق متقن، وأخرج من طلع النخل عذوق الرطب الجميلة الدانية، لذيذة الطعم بهية اللون منظومة كاللؤلؤة شهية كالشهد، وأنبت بالماء بساتين العنب والزيتون والرمان ملتفة بألوان عجيبة، ومذاقات متنوعة تدل على حكمة المبدع وقدرة الصانع جل في علاه فألوانها متشابهة، وطعومها مختلفة، وقد تتفق في بعض الأشكال أو الطعوم أو اللون، وقد تختلف حكمة من حكيم خبيرة، فتفكروا في ثمره إذا اثمر ونور وأزهر، من الذي خلق وصور؟ وتفكروا فيه إذا نضج واستوى كيف تغير طعمه ولونه ومذاقه، وأصبح مهيأ للأكل، ففي هذا كله علامات على بديع صنع الخالق القدير، والحكيم الخبير، لكن لا ينتفع بهذه الدلالات إلا من آمن بالله وصدق برسالاته، واتبع شرعه، أما المعرض فقلبه منكوس، وفطرته خاوية، لا ينتفع بعبرة ولا يتعظ بآية.
100. وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ: أما هؤلاء المشركون فقد اتخذوا مع الله شركاء من الجن، فعبدوهم وخافوهم ورجوهم من دون الله، والله وحده هو الذي خلقهم هم والجن، فحقه أن يعبد وحده، كما أنه الخالق وحده، ولقد افترى هؤلاء المشركون على الله بنسبة البنين والبنات إليه تعالى الله عن ذلك وليس لهم علم بما ينبغي له سبحانه فهو ذو الجلال والإكرام الذي لم يلد ولم يولد؛ ولكنهم جهلوا حقه فافتروا عليه وقالوا ما لا ينبغي أن يقال، فتنزه سبحانه وتقدس جل اسمه عن وصفهم القبيح وفريتهم الشنعاء، فهو سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، بل كان ولم يزل أحدا فردا صمدا فالله قد وصف نفسه ووصفه رسوله قبل وصف الواصفين، فـ "سبحانه" لنفي النقص و "تعالى" لإثبات الكمال.
101. بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: والله وحده هو الذي خلق السموات والأرض وأبعهما على غير مثال بهذا الإتقان والجمال، فكيف يكون له ولد وليس بمحتاج إلى بر الوالد وعونه، فهو غني عمن سواه، وسواه محتاج إلى كرمه وعطاياه، ثم إنه سبحانه لم يتخذ زوجة ليأتي منها الولد، فهو أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد؛ لأن من أنجبه والداه يكون قبلها عدما، والله أول ليس قبله شىء، ومن له ولد فإنه يورث، والله يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين، وهو سبحانه خلق كل موجود من العدم فلا يحتاج إلى ولد، فالخلق كلهم عبيده، لا يريد منهم نفعا ولا يخشى منهم ضرا، ثم إن علمه واسع شامل كامل محيط بكل شىء، علم به ما في الضمائر، واطلع على ما في السرائر، فبالخلق يصنع ويبدع، وبالعلم يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويحكم ويشرع.
102. ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ: ذلك الذي يوصف بهذه الأوصاف هو الله المستحق للألوهية وحده؛ لأنه ربكم الذي رباكم بنعمه وأفضاله، فلا معبود بحق سواه، ولا إله إلا هو، أوجد كل شىء من العدم، وصور فأحسن، وأبدع فأتقن، فاخضعوا لعظمته، وانقادوا لوحدانيته، وأفردوه بالعبادة، ووحدوه بالطاعة، وهو المتوكل بكل شىء خلقا ورزقا وتدبيرا وتصريفا لم يوكل أمر عباده لغيره، بل تولى حفظهم ومراقبتهم ومحاسبتهم وكل شؤونهم.
103. لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ: لا تحيط به الأبصار ولا تراه في الدنيا، بل تراه في الآخرة، وهو يحيط بالأبصار ويعلم الأسرار، ويطلع على كل ما خفي وظهر من الأخبار، وهو لطيف بأوليائه يوصل إليهم المحاب من حيث لا يحتسبون، ويوفقهم لمصالحهم من حيث لا يشعرون، تلطف بهم في حسن الاختيار، وجنبهم الأخطار، وهو خبير بما دق من الأمر وغمض من الشئ، فهو المحيط بالحقائق العالم بالدقائق.
104. قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ: قد جاءتكم أيها الناس براهين ساطعة وأدلة قاطعة، تميزون بها بين الحق والباطل، والرشاد والغي، من أدلة الكتاب والسنة، فمن عرف هذه الحجج وعمل بها، فقد نفع نفسه وأنقذها من العذاب، ومن أعرض عن هذه الأدلة، وغفل عن هذه البراهين فضرره على نفسه، فقد حرمها الثواب، وعرضها للعقاب، وما أنا أي محمد بحفيظ أطلع على أحوالكم وأحاسبكم على أعمالكم، بل أنا مبلغ أدلكم على الهدى، وأحذركم من الردى والجزاء على الله سريع الحساب.
105. وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: وكما بينا الأدلة الواضحة في مسائل الإيمان والرسالة واليوم الآخر نبين الأدلة في كل شأن يهم الإنسان، ليكون كل أمر في غاية البيان، ودعهم يقولون لك بعد هذا كذبا منهم وزورا: إنك تعلمت هذا من أهل الكتاب، ولكننا سوف نوضح الحق لمن يعلمه ويتفقه فيه ويفهم معانيه، ويقبله ويعمل به، وهم أتباع الرسل، وطلاب الحق، وعباد الرحمن، وحملة الميثاق، أما الجهلاء المعرضون فبهائم سائمة، لا تقوم لهم في سوق الحق قائمة.
106. اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: اتبع أيها النبي الأمي الكتاب الذي أنزلناه إليك، واعمل به واهتد بهداه، ممتثلا بما أمر، منتهيا عما نهى، فالمقصود بإنزاله العمل لا مجرد التلاوة؛ لأنه نزل لتزكية النفوس، وإصلاح الحياة، واعلم أنه لا يستحق العبادة إلا الله فهو الذي لا إله إلا هو فأخلص الطاعة له وأفرده بالوحدانية وما عليك ممن أشرك فلا تهتم ولا تبال بإعراضهم فالله كافيك وهو حسبك وسوف ينصرك عليهم.
107. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ: ولو أراد الله ألا يشرك المشركون ما أشركوا به شيئا، ولكنه كتب ذلك عليهم، وقدره لهم لما علم الله من قبح سرائرهم، وخبث نياتهم، فأوكلهم إلى أنفسهم وسوء اختيارهم، فهو سبحانه مقدر هداية المهتدي وضلال الضال والقاضي بالخير والشر في العالم. ولست عليهم يا محمد مراقبا لأعمالهم تحصيها، ولست بقائم بمصالحهم تدبرها وتصف أمورهم، بل أنت رسول مبلغ، ونبي مبشر ومنذر أما محاسبتهم ومراقبتهم ومعاقبتهم فعلى الله وحده.
108. وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: لا تسبوا أيها المسلمون آلهة المشركين فيكون ذلك سببا لسب المشركين إلهكم عزوجل جهلا منهم واعتداء وزورا وبهتانا لأنهم لا يعلمون ما لله من عظمة وجلال وعلو وكمال، وما يجب له من توقير وتقدير ومحبة وخشية، وتنزيه وتقديس، فالأمر المباح إذا أوصل إلى محرم حرم، والمشروع إذا أدى إلى مفسدة منع، فسد الذرائع الموصلة إلى المحرمات واجب، ومثلما حسنا فعل هؤلاء المشركين في عيونهم حتى صار حسنا لما اختاروا الضلال، حسنا أفعال كل أمة، فالمهتدي حسن عنده عمله الصالح، والغاوي حسن لديه فعله القبيح، ثم يعود الجميع إلى عالم الغيب والشهادة فيجازي كلا بما فعل، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؛ لأنه علم الأعمال وأحصاها، ولديه ثوابها وعقابها.
109. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ: وقد حلف المشركون بكل يمين: لو أتاهم محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة خارقة ليصدقن بها وليتبعنه عليها، فأخبرهم يا محمد أن هذا الأمر ليس إليك، وإنما هو إلى الله متى شاء أنزل الآيات، أنزلها بعلم وحكمة، أما أنت يا محمد فما عليك إلا تبليغ الدعوة، وهل عندكم يقين أيها المسلمون أن المشركين إذا جاءتهم هذه المعجزات سوف يصدقون بها؟ بل عرف من حالهم أنهم لو شاهدوا كل معجزة ما صدقوا بها؛ فقد طبع على قلوبهم بالكفر، فعميت عن معرفة الدليل، فلا نفع لبرهان ولا أمل فيهم للإيمان.
110. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ: هؤلاء المشركون نحول قلوبهم وأبصارهم عن الإيمان بالآيات، والانتفاع بالعظات؛ جزاء كفرهم بالرسالة أول مرة ما سلف من تكذيبهم بالوحي؛ فجزاء المعصية معصية أخرى، ومن زاغ أزاغ الله قلبه، وسوف نترك هؤلاء المشركين في ظلمات شكهم حائرين، وفي أهوائهم مضطربين، لا يوفقون إلى الرشاد، ولا يلهمون السداد، فهم في ظلام الأوهام، وفي شبه أو شباك الشك، لا نقل ينفعهم ولا عقل يزجرههم.
سورة الأنعام
111. وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ: ولو أننا لبينا طلب هؤلاء المشركين وأجبنا سؤالهم فأنزلنا من السماء ملائكة عليهم يرونهم عيانا بيانا، وأحيينا لهم الموتى فكلموهم، وجمعنا ما سألوه من كل شىء أمام عيونهم ما صدقوك في دعوتك، ولا أجابوك في رسالتك، ولا اتبعوك إلا إذا أراد الله ذلك، وأكثرهم لا يعلمون الحق الذي بعثت به، بل يجهلون أنه من عند الله فهم يردونه بلا علم ويسمعونه بلا فهم.
112. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ: ومثلما امتحنا سائر الانبياء بأعداء من الكفار، امتحناك يا محمد بطائفة من الفجار وهؤلاء الأعداء من أشرار الناس ومردة الجن يوصي بعضهم بعضا بالباطل الذي حسنوه، والرجس الذي زينوه؛ ليصدوهم عن الهدى خديعة يخدعون بها من أنصت لهم ويغرون من استمع لباطلهم ولو أراد الله أن يمنع وقوع هذا لمنعه، لكنها حكمة الابتلاء ونفوذ القضاء واستحقاق الغواية لأهل الشقاء، فاتركهم وما يخترعون من زور، ولا تهتم بهم وما اختلقوه من كذب؛ فالباطل على جرف هار ومصيره إلى النار، والحق في عزة من الجبار والعاقبة لأوليائه الأبرار.
113. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ: وإذا قبل الكفار الباطل وأثروه على الحق فلتمل إليه قلوبهم؛ لأنهم لا يصدقون بلقاء الله ولا يعملون له، وليحبوا هذا الباطل وليتبعوه، فضرر ذلك عليهم، ومغبة عملهم السئ واقعة بهم، والله غني عنهم وليس محتاجا إليهم، وليفعلوا ما أرادوا من الفساد والإعراض عن الهدى والرشاد، فإن ربك لبالمرصاد.
114. أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين هل أطلب حكما يفصل بيني وبينكم فيما اختلفنا فيه غير الله إلهي وإلهكم عالم الغيب والشهادة أحكم الحاكمين، الذي يحكم بالعدل ويقضي بالفصل؟! وكذلك النصارى واليهود الذين عندهم التوراة والإنجيل تشهد برسالتي وتقرر نبوتي، وأهل الكتاب يعلمون يقينا أن القرآن من عند الله وليس من عندي، ثم امره ربه أن يثبت على الحق ويستمر على اليقين، ولا يشك في الحق الذي معه والنور الذي أرسل به، فوثوق الداعية بصحة منهجه من أعظم عوامل ثباته وانتصاره.
115. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: وتم القرآن بآياته الصادقة في الأخبار، والأقوال العادلة في الأحكام، فلا يستطيع بشر أن يغير هذا الكلام المحكم، والقول الصادق، والله وسع سمعه كل مسموع، وأحاط علمه بكل معلوم، فالأقوال والأفعال والأحوال مسموعة معلومة لديه عزوجل.
116. وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ: ولو حصل أنك أطعت الضلال من سكان الأرض لحرفوك عن دين الله وصراطه المستقيم، فأكثر الناس غاوون، وقليل منهم مهتد، والكثير ليس على بينة ولا يقين من أمره، إنما هو على وهم وظن، فخيالهم فاسد، وتصورهم كاذب، فلا يقين في المعتقد، ولا صدق في القول، ولا صلاح في الفعل.
117. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ: وربك الذي تولى أمرك عالم بمن انحرف عن سبيل الهدى، وعالم بمن استقام على أمره واهتدى بهداه، فهو وحده الذي أضل من شاء، وهدى واطلع على أعمال الجميع.
118. فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ: فيا أيها المؤمنون: خالفوا المشركين، فلا تأكلوا من الذبائح إلا ما ذبح لله وذكر عليه اسم الله إن كنتم آمنتم بآيات الكتاب ونصوص السنة، وصدقتم الرسول صلى الله عليه وسلم فالتصديق يقتضي الامتثال بسداد الأقوال وصلاح الأعمال وأكل الحلال.
119. وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ: ما يمنعكم من الأكل مما ذكر اسم الله عليه، والله قد بين لكم الحرام من الحلال؟! وقد أباح الله لكم ما حملتكم الضرورة على أكله كشدة الجوع؛ كأكل لحم الميتة بلا بغي ولا عدوان، وكثير من الناس منحرفون عن الجادة يسعون للفساد في الأرض وينشرون الضلال بين الناس، ويحلون الحرام، ويحرمون الحلال؛ جهلا منهم، والله يعلم الفجرة الذين يتجاوزون حدود الله، وسوف يحصي ما فعلوه ويعاقبهم على ما ارتكبوه، وفي الآية أن الهوى أعظم عدو للهدى.
120. وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ: واهجروا المعاصي جهرا وسرا، فالله لا تخفى عليه خافية، فكل ما حرم الله فاتركوه خفي أم ظهر، والذين يعملون السيئات ويرتكبون المحرمات سينالون جزاءهم على ما فعلوه، وفي الآية وجوب المراقبة الدائمة وشؤم المعصية والحذر من عواقبها.
121. وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ: ولا تأكلوا ما ذبح على غير اسم الله كالذبح للصنم وللكاهن والعراف ونحوها، وأكل هذه الذبائح تجاوز لحدود الله، وتعد وتحد لشرعه، وعصاة الجن يأمرون أولياءهم من اشرار الإنس بإلقاء الحجج الواهيات، وانتحال الكذب والشبه، مثل كيف تأكلون ما ذبحتم أنتم ولا تأكلون ما ذبح الله يقصدون الميتة؛ وإذا اتبعتم ضلالهم في تحليل ما حرم الله فقد اشتركتم في الشرك.
122. أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: أو ليس الذي كان ميتا في الكفر، هالكا في الضلالة حائرا في الظلمات فأحييناه بالإيمان، وهديناه بالقرآن، ووفقناه لاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فسلك طريق الهدى واجتنب طريق الردى، وعمر قلبه باليقين، وزكى نفسه بالتقوى، هل هذا الصالح المصلح مثله كمثل من بغى في ظلمات الضلالة، وفي شبهات الجهالة، لا نور يهديه، ولا وحي يحييه، ولا إمام يدله، فهو في ليل دامس من الكفر والفجور، هل يستوي هذا وهذا؟ والجواب معروف: لا يستويان، وكما أضللنا هذا الكافر وخذلنا هذا الفاجر بتحسين عمل السوء له لما اختار الضلال، كذلك حسنا للمشركين أعمالهم القبيحة وأفعالهم السيئة، فصاروا يرونها جميلة لتحق عليهم كلمة العذاب وسنة العقاب.
123. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ: أسوة بما حصل لرؤساء الشرك بمكة من محاربة الرسالة والإعراض عن الحق جعلنا في كل قرية كافرة رؤساء يتزعمون قومهم بالضلال، ويمكرون بالرسل ويسخرون من المؤمنين، ثم تكون الدائرة عليهم والعاقبة لأولياء الله، وما شعر هؤلاء المجرمون أن العاقبة للمتقنين، وهي سنة ماضية وحكمة نافذة.
124. وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ: وإذا أتى كفار قريش دليل ظاهر يدل على رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم قال زعماؤهم: لا نصدق بهذا الدليل حتى يعطينا من المعجزات مثلما أتى به الرسل السابقون؛ لنكون كالأنبياء، فقال الله لهم: الله أعلم بمن يستحق هذا التكريم، ويستأهل هذا الشرف من الناس، فلا ينال الرسالة إلا من اصطفاه الله بعد أن علم أهليته لذلك، أما أنتم أيها المجرمون فويل لكم من ذل ينتظركم، وهو أن يحل بكم، وعذاب موجع أليم، ونكال مقيم؛ جزاء أفعالكم الشنيعة، ومكركم الدنئ، ومحاربتكم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
125. فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: من يشأ الله هدايته لدينه ييسره له، ويسهله عليه، ويوسع صدره لقبوله والفرح به، ومن يشأ أن يضله يضيق صدره أشد الضيق؛ فيبغض الهدى، وينفر من الدين. ويكره الرسالة المحمدية، فكأنه يعلو في طبقات الجو من ضيق نفسه وقلة الهواء حتى يكاد يصاب باختناق شديد، وهذا مثل صدر الكافر والمنافق... غم وهم وكدر وضيق، وكما عذبهم الله بضيق الصدر وشتات الأمر يحل بهم عذابه الشديد؛ لأنهم ما آمنوا به وما صدقوا برسالته؛ ولذلك من أراد السعادة فعليه بالإيمان؛ ففيه قرة العين وراحة البال واستقرار النفس.
126. وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ: وهذا الدين الذي أنزلناه، والشرع الذي أوحيناه، هو الطريق الأسلم، والمنهج الأحكم فلا اضطراب فيه ولا عوج، وقد أوضحنا علاماته وبينا آياته لمن أحب أن يعتبر بحكمه وينتفع بعظاته ويستضئ بنوره من أهل العقول السليمة والفطر القويمة.
127. لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: للمؤمنين المهتدين جنات النعيم في الآخرة وهي دار السلامة من الآفات والأمن من المغصات، فلا سقم ولا هرم ولا عدم؛ لأنه ليس بها ضراء ولا بأساء ولا فناء، بل صحة وشباب، وغنى وخلود، والله يتولى أمورهم بالحفظ والرعاية والنصرة، والولاية والرزق والكفاية؛ لأنهم أحسنوا العمل، وأخلصوا النيات، واتبعوا الوحي وهجروا الكفر.
128. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ: واذكر يوم يجمع الله الإنس والجن ليوم لا ريب فيه، ويقول للجن: قد أضللتم كثيرا من الإنس، فرد أولياء مردة الجن من فكار الإنس: يا ربنا قد انتفع بعضنا ببعض في الحياة الدنيا وانتهت أعمارنا التي سميتها؛ لأن لها أجلا معلوما، فأخبرهم سبحانه أن مكان إقامتهم الدائمة في النار خالدين مخلدين إلا عصاة الموحدين، فلهم وقت محدود ثم يخرجون؛ لأن الله حكيم في قضائه وقسمته واختيارهن يرحم وهو متفضل، ويعذب وهو عادل، عليم بمن يستحق الهدى والضلال، ومن يستأهل الثواب والعقاب، فبحكمته أحسن مواقع قدره، وبعلمه اختار مواضع رحمته وعذابه.
129. وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: وكما ولينا مردة الجن على فساق الإنس نولي ظلمة الإنس بعضهم على بعض لفجورهم، فيؤدب الظالم بأظلم منه؛ ليعذب العصاة بسوط الطغاة، فمن أراد السلامة من بطش الظالمين فليتق رب العالمين، فما وقع استبداد إلا بفساد.
130. يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ: يا معاشر الجن والإنس: ألم نقم عليكم الحجة ونقطع عنكم العذر بإرسال رسلنا إليكم يبينون لكم آيات الكتاب وأحكام كل شىء ويخوفونكم عذابي يوم لقائي؟ فقال مشركوهم: نشهد أن الرسل بلغونا وحذرونا، ولكن خدعتنا الدنيا بزخرفها، وغرتنا بغرورها، وألهتنا بفتنتها، واعرفوا بأنهم أشركوا بربهم وكذبوا رسله.
131. ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ: وإنما أرسلنا السل وأنزلنا الكتب لئلا يكون لمكذب حجة، ولا يكون لكافر عذر، فلا يعذب الله ظالما حتى يبلغه النصيحة، ولا يهلك قرية حتى ينذر أهلها العذاب، ومن سنة الله أنه لا يعاقب غافلا لم تبلغه الرسالة حتى يصله البلاغ وتبلغه الحجة، فالجاهل معذور، والظالم مدحور، والغافل مغرور.
132. وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ: لكل عامل من المؤمنين والكافرين منازل يصل إليها سعيهم في الدنيا، يثابون عليها ويعاقبون، وكل ذلك بحساب دقيق من الله لا ظلم ولا هضم، فالمؤمنون درجات في النعيم، والكافرون دركات في الجحيم، فالتفاضل في الثواب والعقاب عدل.
133. وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ: والله ذو الغنى الواسع والخير العميم ليس بحاجة إلى عباده، وهو رحيم، ومن رحمته إمهال من عصاه، ولو أراد لعجل له العقوبة واستبدل به غيره ممن يعبده ولا يشرك به شيئا، ولكن حلمه عظيم، فمثلما أوجدكم من أصلاب آبائكم يوجد جيلا بعدكم من أصلابكم، وغناه سبحانه عمن أدبر ورحمته لمن أقبل.
134. إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ: ما وعدكم ربكم به أيها الكافرون واقع لا محالة، آت لا ريب، ولن تفوتوا ربكم فجمعكم عنده يسير، وبعثكم لديه سهل، فلا منجى ولا ملتجي منه إلا إليه، يرد كل هارب، ويدرك كل طالب، ويغلب كل غالب.
135. قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: اعملوا أيها الكفار على منهجكم الفاسد وأنا أعمل على منهجي الصحيح، فسوف ينكشف لكم الأمر إذا وقع العقاب من تكون له العزة والنصرة والثواب إذا بانت الحقيقة، فإن من سنه الله أن لا يفوز أعداء الله ولا ينتصرون؛ لأنهم حاربوه وكذبوا رسله وتعدوا حدوده وتجاوزوا شرعه.
136. وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ: وهب المشركون لله عزوجل جزءا مما خلق سبحانه فأخذوه بعض الثمار والزروع والأنعام للمساكين والفقراء، وهذه سموها لله، وبعضها الآخر جعلوه للأصنام والأوثان كذبا منهم وزورا وعدوانا فحصة آلهتهم الباطلة لا تصل إلى الله ولن يقبلها؛ لأنها شرك، والحصة التي عينوها لله واصلة إلى شركائهم لا إلى الله؛ لأنها شرك، فصار عملهم كله وهباتهم شرك مردود عليهم لا يقبل الله منه شيئا، وربما أخذوا ما جعلوه للمساكين فأهدوه إلى الأصنام، لكنهم لا يأخذون نصيب الأصنام للمساكين، فقبحا لهم على هذه القسمة الظالمة، وسحقا لهم على هذه الحكومة الجائرة.
137. وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ: ومثلما حسنت الشياطين للمشركين جعل نصيب لله ونصيب للأصنام من الرزق حسنت لهم أيضا قتل الأبناء خشية البأساء: كذبا وافتراء: ليهلكوا الآباء بقتل النفس المحرمة وسفك الدم المعصوم وليخلطوا عليهم الأحكام، فلا يميزون بين الحلال والحرام، ولو أراد الله ألا يقع ذلك ما وقع، لكنه حكيم فيما قدر، بصير فيما يسر؛ لأسرار قد لا تظهر، فاتركهم وباطلهم وما اختلقوه من كذب، وفعلوه من زور؛ فغدا الموعد، وسوف يجمعهم لذاك المشهد.
138. وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: وافترى المشركون على الله فجعلوا إبلا وزرعا محرمة على الناس لا يأكلها إلا من أباحوا له الأكل من خدمة الأوثان وسدنة الأصنام، وحرموا ركوب بعض الإبل ونسبوا التحريم إلى الله كذبا منهم، ومنعوا ذكر الله على بعض الإبل في ركوبها وذبحها وحلبها وادعوا أن الله أمر بذلك، فحسابهم على الله بسبب كذبهم هذا؛ ليوفيهم سوء صنيعهم وبهتانهم الآثم، فالأنعام والزروع رزق من الله يجب أن تكون باسم الله لا يصرف منها شىء لغير الله.
139. وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ: وادعى المشركون أن ما حملته الأنعام من الأجنة في بطونها حلال للرجال حرام على النساء إذا جاء حيا، وإذا أتى ميتا فهو للرجال والنساء، كذبا وتحكما ممقوتا سوف ينكل الله بهم بسبب هذا الافتراء والزور، فالأحكام إنما تؤخذ من شرع الله؛ لأن الله حكيم فيما شرع، صدر حكمه عن علم، وأمره عن قدرة، وتدبيره عن إتقان.
140. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ: هلك من قتل ولده لجهله وحمقه وعدم اهتدائه بشرع ربه، وهلك من حرم ما أحل الله ونسب هذا التحريم إلى الله، فالله وحده المشرع على لسان رسله وفي كتابه، أما الإنسان فأضل وأذل وأقل من أن يحلل ويحرم ويشرع (إن الحكم إلا لله) ومن فعل هذه الأفاعيل فقد ركب مركب الغواية، وأخطأ طريق الهداية؛ لأنه صرف حق الخالق للمخلوق، وهذا فسوق وعقوق.
141. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ: والله وحده هو الذي خلق الحدائق الغناء، والبساتين الخضر من الشجر المختلف، منه ما هو قائم على وجه الأرض يرفع إلى السماء؛ كالنخل والزرع والزيتون والرمان، ومنه ما هو غير مرفوع، وهو يتشابه في المنظر ويختلف في الطعم، كلوا شاكرين لله من ثماره بعد نضجه، وأدوا الزكاة منه والصدقة يوم تقطفونه طهرة ونماء ومواساة، ولا تتعدوا الحد المشروع في الإنفاق والإمساك، فلا تقتير ولا تبذير، فالله لا يحب البخيل ولا المبذر، ولكن يحب السخي الجواد المخلص.
142. وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: والله خلق لكم ما يحملكم لضخامة جسمه وقوته وارتفاعه كالإبل، وخلق لكم ما فيه منافع غير الركوب كالبقر والغنم، كلوا من الحلال الطيب، ولا تطيعوا الشيطان وأولياءه في تحليل الحرام وتحريم الحلال؛ لأن الشيطان ظاهر بعداوته لكم، يصدكم عن طاعة الله ويدعوكم إلى معصيته من عبادة الأصنام وارتكاب الآثام وأكل الحرام.
143. ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: الأنعام التي خلقها الله للناس ثمانية أنواع: من الإبل والبقر والضأن والعز ذكورا وإناثا، فاسأل المشركين، هل الله حرم الذكرين من الغنم؟ فإن قالوا بالتحريم فقد كذبوا؛ لأنهم لا يحرمون ذكران المعز والضأن، واسألهم هل حرم الله ما حملت به أنثى الضأن والمعز؟ فإن قالوا بالتحريم فقد كذبوا؛ لأنهم لا يحرمون كل ما حملت به أنثى الغنم، فأخبروني ما دليلكم فيما ذهبتم إليه إن كنتم على يقين من صحة قولكم من تحريم هذه الأنواع، بل هو التخرص والكذب والافتراء على الله؛ لأن المشرك ضال في معتقده وخلقه وطعامه وكل مناحي حياته.
144. وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: أربعة أصناف أباحها الله لعباده، اثنان من الإبل وإثنان من البقر ذكورا وإناثا، فاسأل المشركين هل حرم الله الذكرين أم الأنثيين؟ أم حرم الله ما حملت به الأنثيان؟ والجواب: إن هذا كب منهم وافتراء على الله، فهل حضروا هذا الأمر يوم نهاهم الله عن ذلك؟ أم هل عندهم بينة؟ فلا أعظم من إثم من فعل هذا الفعل وافترى على الله ليصرف العباد عن طاعة الله إلى معصيته، والله لا يوفق من خالف الهدى وجانب الحق وأضل الناس، فشرع غير شرع الله باطل، ونسبة هذا الشرع إلى الله أعظم إثما وجرما.
145. قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أخبرهم – يا محمد: أنك لا تجد في الوحي المنزل عليك شيئا مما حرمه هؤلاء المشركون الجهلاء غير الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، فإنه قذر، وما كانت ذكاته لغير الله، حيث ذكر عند ذبحه اسم غير اسمه سبحانه لأنه خروج عن طاعته لكن من ألجأته الضرورة بجوع شديد إلى الأكل من هذه المحرمات فله ذلك لا للذة ولا زيادة عما يسد الرمق، فالله غفور لزلات عباده إذا عادوا إليه، رحيم بهم، قد استثنى لهم الأكل عند الضرورة كرما منه ولطفا، ولم يكلفهم شططا، ولم يحملهم مالا طاقة لهم به، فهذا شرع الرحمن في المأكول من الانعام لا شرع عبدة الأصنام مرتكبي الآثام.
146. وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ: وقد حرمنا على اليهود ذوات المخالب والأظفار من الطير والبهائم تشديدا، وحرمنا عليهم شحوم البقر والغنم إلا ما لصق بظهر الذبيحة أو بأمعائها أو بعظامها، وهذا عقوبة من الله لهم لفسقهم وفجورهم وتعديهم حدود الله، وهذا خبر صادق من الله لما حصل من التحريم على اليهود، فانظر لطف الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم يسر في الأحكام، وتوسعة في الحلال من الطعام، وسماحة يسعد بها الأنام.
147. فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: فإن كذبك الكفار أيها الرسول فأخبرهم أن الله ذو رحمة واسعة لمن آمن به واتبع رسوله، ومن رحمته إمهال أعدائه وعدم الاستعجال على المذنب حتى يتوب، وهو ذو عقاب عظيم وعذاب أليم لمن عصى ربه وحارب رسوله وكذب بكتابه، فالواجب الرجاء في كرم الله وثوابه، والخوف من غضبه وعذابه.
148. سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ: سوف يحاجكم المشركون ويقولون: لو أراد الله أن لا يشركوا ما أشركوا، ولكن الله كتب عليهم ذلك احتجاجا بالقدر؛ فهم في زعمهم محكوم عليهم ألا يؤمنوا هم ولا آباؤهم، وكذلك لو أراد الله أن يمنعهم من تحريم ما حرموا من الحرث والأنعام لحصل المنع لكنه شاء لهم هذا الحلال، فأخبرهم أن هذه الشبهة قديمة قد جادل بها الكفار من قبل، فهل كان عندكم علم من الله ودليل على ما فعلتم من أنه اذن لكم بذلك، أم هل عندكم علم ثابت بأن الله قدر لكم ما قلتم من الشرك وتحريم ما أحل لكم؟ فأين الدليل على ذلك؟ ليس عندكم إلا شبهات وظنون فاسدة وكذب واضح وافتراء فاضح، فلا دعوى إلا بحجة، ولا تحريم إلا بدليل، ولا علم إلا بيقين.
149. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ: فالحجة القاطعة لله عليكم أيها المشركون، والحق الساطع فيما حكم الله به وليس في حكمكم أنتم من عبادة الأوثان، وتحريم الحلال وتحليل الحرام، فالحجة له عليكم وليس لكم عليه سبحانه ولو أراد لهداكم للصراط المستقيم، ولكنه ذو حكمة بالغة، وقدر محكم، وقضاء صائب.
150. قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ: قل لهؤلاء المشركين الجهلاء: هاتوا شهداءكم الذين يصدقونكم على باطلكم من أن الله حرم عليكم ما حرمتم على أنفسكم من الحرث والأنعام، فإن شهدوا لهم زورا فلا تصدقهم فهم آثمون، ولا توافقهم فهم ظالمون، ولا تتبع سبيل من اتبع الهوى فأنت على الهدى؛ لأنهم كذبوا بالآيات وجحدوا الرسالات وارتكبوا المحرمات، وهم كذبوا باليوم الآخر، مع شركهم بالله وعبادة آلهة أخرى مفضين إياها على الله، فويل لهم من عذاب شديد.
151. قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: قل للناس تعالوا أبين لكم ما حرمه الله عليكم بالدليل لا ما حرمتموه بالجهل والتضليل فالله حرم الشرك به سبحانه وهو أعظم الذنوب، وأوجب الإحسان إلى الوالدين فحقهما مقرون بحقه تعالى، وحرم عليكم قتل الأولاد من أجل فقر حل بكم، فالرازق الله لكم ولهم وأنتم لا ترزقونهم، واجتنبوا كبائر الذنوب ظاهرها وخافيها، وإياكم وقتل النفس المعصومة إلا بما شرعه سبحانه من قتل مرتد أو ثيب زان أو النفس بالنفس. وهذا مما أوجبه الله عليكم وألزمكم إياه، فعسى أن تعقلوا الخطاب، وتفقهوا الأمر والنهي لتتقوا الله على بصيرة، فهذا شرع الرحمن لا زور الأوثان.
152. وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: ولا تأكلوا أيها الأوصياء من مال اليتامى إلا إذا كان في ذلك مصلحة لليتيم من تنمية ماله وإصلاح حاله، فيكون ذلك بالمعروف بلا إفساد، حتى إذا بلغ سن البلوغ وظهر حسن تصرفه فادفعوا إليه ماله، وعليكم بالوفاء إذا كلتم أو وزنتم، فلا تبخسوا المكيال والميزان، فإنه تطفيف محرم، وإذا حرصتم على حسن الكيل والوزن فحصل نقص غير متعمد فهذا معفو عنه؛ لأنه فوق الطاقة، واتقوا الله في أقوالكم بحيث تكون عادلة لا جور فيها ولا كذب ولا إثم، سواء في الخبر أو الحكم أو الشهادة أو رواية أو الشفاعة، ولو كان الحكم والشهادة ضد أحد القرابة فلا محاباة في الحق، وأوفوا بالعهود أو العقود التي بينكم وبين الله، وبينكم وبين الناس. فلا نقض لعهد ولا نكث لعقد؛ وهذه كلها وصايا نافعة من الله أوحاها إلى رسوله: لكون شريعة محكمة، وعسى أن تتعظوا بهذه النصائح وتتدبروا عواقب الأمور ليصلح حالكم وتحسن أعمالكم وتستقيم أقوالكم.
153. وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: ومن الوصايا سلوك الصراط المستقيم، الذي هو دين الله القويم، فالزموه ففيه النجاة والفلاح؛ لأنه صراط بينه الله ودل عليه الرسول صلى الله عليه وسلم مقصده الحق وسائقه الصدق وحاديه الإيمان، واحذروا أن تسلكوا سبلا غيره فتهلكوا في ظلماتها وتضلوا في فلواتها، فلا تنصتوا لدعاتها، وهذه النصائح مما أوجبه الله عليكم وألزمكم القيام بها، فهي شرع منزل وفرقان مفصل، ففعل هذه الوصايا يحملكم على فعل الأوامر واجتناب النواهي.
154. ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ: والله هو الذي أعطى موسى التوراة تماما لنعمته على المحسنين من أمته، إكراما لمن استجاب من أهل ملته، فيها بيان أحكام دينهم وإرشاد لهم لما فيه سعادتهم، وسبب لنيل رضوان الله لمن عمل بها، فتغفر ذنوبه وتضاعف حسناته، وهو الهدى والبيان يحملهم على الإيمان بلقاء الملك الديان والتصديق بيوم الوعيد والاستعداد له، فمن علم أنه ملاق ربه جد واجتهد وراقب الواحد الأحد.
155. وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: وهذا القرآن العظيم والذكر الحكيم أنزلناه على النبي الكريم، مبارك لمن تلاه وحفظه ووعاه، وعمل به واقتفاه، فامتثلوا ما فيه من العظات، واعملوا بأوامره واجتنبوا نواهيه؛ لتظفروا بالفوز الأكبر، والفلاح الأعظم، والنعيم المقيم بجار الرحمن الرحيم، فالسعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة رهن باتباع القرآن والسنة.
156. أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ: وأنزلنا إليكم هذا القرآن العظيم لئلا تقولوا: إن التوراة نزلت على اليهود والإنجيل نزل على النصارى، ونحن ليس عندنا كتاب، فلم تقم علينا لحجة ونحن لم نطلع على كتبهم حتى نعلم الحق من الباطل، فالآن نزل القرآن، وظهر الحق وبان، وبطل الزور والبهتان.
157. أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ: ولأجل ألا تحتجوا بعدم نزول كتاب إليكم وتقولوا: لو أنزل علينا كتاب مثل اليهود والنصارى لكنا أرشد منهم وأتقى لله فها هو الكتاب أنزل، والنبي أرسل، والحق فصل، وها هو الهدى قد ظهر، والدليل قد اشتهرن مع رحمة موعودة لمن استجاب، ولطف كريم لمن أناب، فأظلم الناس من كذب بالحجج التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم: لأنه كتم الشهادة، ورد الحق وكذب بالصدق، وكذلك من أعرض عن الهدى استكبارا وعنادا فهؤلاء لهم أفظع عقاب، وأشد عذاب لتنكرهم للحق ومجانبتهم للرسالة وإعراضهم عن الوحي، فقبحا لكل معرض وتبا لكل مكذب.
158. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ: ماذا ينتظر هؤلاء الكفار المكذبون إلا أن تقبض اللائكة أرواحهم، أو يجئ الله يوم القيامة مجيئا يليق بجلاله لفصل القضاء، أو تأتي بعض علامات الساعة كطلوع الشمس من المغرب، فإذا حصل ذلك لا ينفع الإيمان حينئذ لمن لم يؤمن قبل، ولا يقبل من النفس المؤمنة عمل صالح إذا لم تكن عملت به من قبل، فانتظروا ونحن سننتظر ليظهر الصادق من الكاذب والمحق من المبطل فسوف يبين لكم صدق رسالتي، وصحة دعوتي، ويكشف لكم زوركم وعملكم القبيح، فإذا قامت الساعة أكرم أهل الطاعة، وخاب أهل البهتان والشناعة، فأنتم تنتظرون العذاب، ونحن ننتظر الثواب.
159. إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ: إن الذين اختلفوا في دينهم بعد الاجتماع على التوحيد وصاروا فرقا مختلفة وأحزابا متناحرة إنك برئ منهم ومن فعلهم، فأنت على بينه من ربك وصراط مستقيم، أما هم فمردهم إلى الله ليخبرهم بسوء الأعمال، ثم ينكل بهم أقبح نكال، أما أهل التوحيد والاجتماع على الحق فلهم مقعد الصدق، مع اللطف والرفق، والرفعة والسبق.
160. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: من أتى يوم القيامة بعمل صالح فله على الحسنة عشر أمثالها كرما من الله وتفضلا، ومن أتى بسيئة عوقب بمثلها بلا زيادة، إلا أن يعفوا الله حلما وصفحا، لا ظلم بزيادة سيئات لم تعمل، ولا هضم بنقص حسنات، بل عدل وفضل.
161. قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قل أيها النبي: إن الله وفقني لدين قويم وصراط مستقيم، هو دين إبراهيم الحنيف الموحد المسلم البرئ من الشرك، فأنا على هذا المنهج استقامة بلا اعوجاج، ووحدانية بلا شرك، وسماحة بلا عسر.
162. قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: قل يا محمد: إن صلاتي وطاعاتي وذبحي وقرباتي وسائر عباداتي وما أقدمه في حياتي، وما ألقى به ربي بعد مماتي كل ذلك أفعله مخلصا لبي لا رياء فيه ولا سمعة، ولا شرك ولا شك، فالحياة كلها لله، والآخرة جميعها لله؛ لأنه الذي ربي الخلق بالرزق، فحقه أن يعبد ويوحد.
163. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ: ولن أشرك بربي شيئا في أي عمل من الأعمال، وقد أمرني ربي بإخلاص التوحيد والعبادة له فامتثلت أمره، وأنا أول من سمع وأطاع من أمتي، فأنا إمامهم وأولهم في الطاعة.
164. قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: قل أيها النبي للمشركين: أتريدون أن أعبد ربا غير الله الذي خلق الكون ودبره ورزق الخليقة؟ فهو المستحق للعبادة وحده، وكل نفس عملت سوءا فعقابها عليها وحدها، ولا تحمل نفس بريئة ذنب نفس آثمة، فلن يحاسب أحد بذنب سواه، ومرد الجميع للحساب إلى الله، فيخبركم بأفعالكم ويجازيكم على أعمالك، فهو العالم بأحوالكم.
165. وَِهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: الله وحده الذي جعل بعضكم يخلف بعضا في الأرض للعمار والنماء، وجعل بعضكم أرفع من بعض في مراتب العلم والمال والجاه والقوة ونحوها، ليمتحنكم بما وهبكم، ويعلم الشاكر من الجاحد، والله سريع العقاب لمن عصاه، غفور لمن اتقاه، رحيم بمن التجأ إليه ودعاه، فالمعرض مدحور، والتائب ذنبه مغفور، والصالح عمله مشكور، فالطائع ينبغي له أن يكون بين الخوف والرجاء.
سورة الأعـــراف
1. الـمص‌: الله أعلم بمراده من هذه الحروف، مع الاعتقاد أنها لمعان جليلة ومقاصد جميلة.
2. كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ: هذا القرآن الكريم كتاب منزل عليك من الله فلا تجد في صدرك ضيقا من إبلاغه للناس، حتى ولو أوذيت وكذبت، فالله يحفظك، وهذا الكتاب تخوف به العاصين، وتبشر به الطائعين، وتذكر به المؤمنين: فوعيده لمن عصى، ووعده لمن اتقى، فالداعية لا يرده الأذى عن تبليغ الهدى.
3. اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ: اتبعوا أيها المؤمنون ما أنزله الله إليكم من كتاب فيه النجاة والنجاح في الدنيا والآخرة واتبعوا السنة النبوية المطهرة، فهي وحي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم واحذروا أن تتبعوا غير القرآن أنصارا تتخذونهم من الطواغيت والشياطين وأعوانهم، فأنتم لا تذكرون هذا الوحي إلا قليلا، والغالب عليكم الغفلة والنسيان، والواجب دوام التذكر والاعتبار، وهو مذهب الأبرار.
4. وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ: ما أكثر القرى التي أهلكناها لما أعرضت عن الإيمان، فلما أردنا بها الهلاك أخذناها ليلا وأهلها غارقون في نومهم، أو مستريحون في نصف النهار على حين غفلة وغرة، وجاءهم العذاب بغته وفجأة بلا أهمية منهم ولا توبة ولا حسبان.
5. فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ: لم يكن لهم حيلة بعد أن وقع بهم العذاب إلا أن استغاثوا وقالوا: نعترف أننا أشركنا بالله وكذبنا رسله فهذا جزاؤنا، ووالله إن هذه زيادة في الحسرة والندامة والأسف في وقت لا ينفع فيه شىء من دون الله.
6. فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ: فوالله لنسألن الأمم يوم القيامة ماذا كان جوابهم للرسل، ووالله لنسألن الرسل عما أجابهم أقوامهم، وهل بلوغهم الرسالة؟ والله يعلم ذلك، ولكن ليقرر كلا بعمله؛ ويالهول هذا المشهد وفظاعة المقام.
7. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ: فوالله لنخبرن الرسل بما أجيبوا وأقوامهم ماذا أجابوهم؛ لأن الله لا تخفي عليه خافية، فما غاب علمه عن أحد، بل له العلم الشامل المطلع الذي علم به السر وأخفى.
8. وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: وسوف توزن أعمال الناس حسناتهم وسيئاتهم بالعدل بلا ظلم ولا هضم، فمن رجحت حسناته على سيئاته فقد أفلح وفاز، وفوق الصراط اجتاز، فالتفضيل بالأعمال الصالحة هو أعظم الزاد.
9. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ: ومن خفت كفة ميزانه من الحسنات ورجحت بها السيئات فهم الذين خابوا في سعيهم، وضل عملهم، ومصيرهم إلى النار بسبب ظلمهم أنفسهم بالشرك، أو بكثرة المعاصي إن كانوا موحدين.
10. وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ: أيها الناس، وطأنا لكم الأرض فراشا، وهيأنا لكم فيها الطعام الهنئ والشراب المرئ والمركب الوطئ والمنظر البهي، مع صحة البدن واستقرار في وطن وأمن وسكن، لكن شكركم قليل، وأكثركم يجحد نعمة الجليل.
11. وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ: ولقد خلقنا أباكم آدم من طين، ثم صورناه بشرا، ثم أمرنا الملائكة بالسجود له لفضله بالعلم، فسجدوا طاعة لله وتكريما لآدم لا سجود عبادة، لكن إبليس أبى أن يسجد لما في نفسه من الكبر؛ فطرد من الرحمة.
12. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ: قال الله لإبليس اللعين: ما الذي حملك على ترك السجود لآدم وأنا قد أمرتك وطاعة الله واجبة، فقال الطريد اللعين، أنا أفضل من آدم، وأصلي خير من أصله؛ لأن عنصر النار أشرف من عنصر الطين.
13. قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ: قال الله له أنزل من الجنة ذليلا مهانا وأخرج منها فلا يجوز لك أن تتكبر في دار كرامتي وتأبى طاعتي، فما يستحق التكريم إلا من قابل الأمر بالتسليم.
14. قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ: قال إبليس: أمهلني يا ربي ولا تقبض روحي ليوم البعث من القبور، وطلبه للبقاء زيادة في الشقاء: ليزداد إثما ويتكثر جرما.
15. قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ: فقال له الله: قد أمهلتك، لتتم فيه سنة الابتلاء، وليقوم الصراع بين الخير والشر والحق والباطل.
16. قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ: قال إبليس فبما أنك أغويتني، فأقسم لأعترضن لهم في كل طريق موصلة إليك، فأغوينهم عن الهداية وأدلهم على الغواية.
17. ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ: وقسما لأدخلن على العباد من كل جهة من جهاتهم الأربع، ومن مراداتهم من شبهات وشهوات وغضب وغفلة ونحوها؛ ولأمنعن أكثرهم عن شكرك، وأحملنهم على الكفر بك وجحد نعمك.
18. قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ: فقال الله لإبليس: أخرج من الجنة مذموما مطرودا ذليلا حقيرا، وأقسم أن من أطاعك وعصاني لأحرمنه رضواني، ولأصلينه نيراني، ولأذيقنه هواني.
19. وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ: وقلنا لآدم بعد إخراج إبليس: ابق أنت في الجنة وزوجك حواء منعمين بأنواع الطعام وأصناف الشراب، في قرة عين وبهجة قلب، وإياكما من أن تأكلا من هذه الشجرة في الجنة، فهي محرمة عليكما، فإن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما وعصيتما ربكما.
20. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ: فحسن الشيطان لآدم وحواء الأكل من الشجرة المحرمة، وزين لهما هذه المعصية ليكشف بسبب الأكل ما ستر من عورتهما؛ لأنهما لما أكلا سقط اللباس ووقع العري لشؤم المخالفة ولعقوبة الذنب، وغرهما اللعين بقوله: إن سبب تحريم الشجرة عليكما لئلا تكونا ملكين مقربين، أو لئلا تخلدا في الجنة فلا تموتا أبدا، وهذه خديعة منه ومكر بهما، فصدقاه بهذه الحيلة فوقعت بهما المصيبة.
21. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ: وحلف الشيطان لآدم وزوجه إنه ناصح ومؤتمن وحريص على ما فيه نفعهما. وكذب وافترى فهو العدو المبين.
22. فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ: فقادهما إلى الأكل من الشجرة بالخديعة والمكر، فلما ألا بدت عوراتهما؛ فأخذا يقطفان من ورق شجر الجنة ويستران العورة، فيالها من عثرة أعقبتها حسرة، ومن زلة قدم أورثت الندم، وأمر الله مدر وقضاؤه نافذ: فنادى الله آدم وحواء: أما نهيتكما عن الآكل من الشجرة وأنا ربكما الذي خلق وأعلم بمصالحكما وأخبرتكما أن الشيطان ظاهر العداوة لكما، غاش في نصحه، فقد سبق النهي والتحذير ولكن لا حيلة في المقادير.
23. قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ: فقال آدم وحواء بعد الخطيئة: يا ربنا ظلمنا أنفسنا بالأكل من الشجرة فخالفنا نهيك، وأطعنا الشيطان، فاغفر لنا ذنوبنا وإن لم تتداركنا برحمتك لنهلكن، وهذه سنة لكل مذنب ومن تاب تاب الله عليه، ولو لم تكن التوبة أحب شئ إليه ما ابتلى بالذنب أعز الناس عليه.
24. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ: فقال الله لآدم وحواء: انزلا من الجنة إلى الأرض وسوف يستمر العداء بينكم يا بني آدم لحكمة أرادها الله، فاستقرار سكناكم في الأرض ومتاعكم من الطعام والشراب واللباس فيها إلى وقت وفاتكم، فالآجال معلومة، والأرزاق مقسومة.
25. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ: في الارض حياتكم، وفيها مماتكم، وبباطنها قبوركم، ومنها تخرجون للحساب، فالأرض أمكم حملا ووضعا ومعاشا.
26. يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ: يا بني آدم، قد هيأنا لكم لباسا لأجسامكم يواري عوراتكم من القطن والوبر والصوف وغيرها، وريشا للزينة والجمال، ولباس الإيمان والعمل الصالح أحسن من هذا اللباس؛ لأنه باق دائم، وكلا اللباسين علامات على القدرة وجزيل النعمة ووافر المنة وزيادة اللطف، عسى أن تذكروا فضل الله فتشكروه، وتعبدوه ولا تكفروه.
27. يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ: يا بني آدم، احذروا أن يغويكم الشيطان كما أغوى آدم وحواء من قبل حتى أخرجهما من الجنة، فالعداوة مستمرة بينكم وبينه، وهو الذي كان السبب في خلع اللباس عنهما وظهور عورتهما، والشيطان وأعوانه يرونكم ولا ترونهم؛ فاستتروا وتحفظوا واذكروا اسم الله، وقد قضينا أن الشياطين أنصار وأعوان للكافرين فلا يأمرونهم إلا بشر.
28. وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: وإذا عمل هؤلاء المشركون فاحشة كالطواف بالبيت عراة، وتقديم النذور للأوثان ونحو ذلك احتجوا على عملهم بأمرين، بأنه فعل الآباء فقلدوهم، وبأن الله أمرهم بتلك الفاحشة، فسكت عن تقليد الآباء؛ لأن الكلام صحيح، واعرض على كذبهم في أن لله ما أمرهم بها، وبين أن الله لا يأمر بهذه الفواحش جل في علاه فكيف تنسبون إلى الله ما لم يقل ويأمر به وأنتم لا تعلمون صحة هذا القول بدليل منقول ولا بتوجيه مقبول، وقد نزلت هذه الآية في طوافهم بالبيت عراة.
29. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ: قل لهم أيها الرسول: إن ربي لم يأمر بالفحشاء وإنما أمر بالعدل والحق، اقصدوا الله إذا توجهتم في الصلاة، وأخلصوا له العبادة كما أنشأكم من العدم يحييكم من الرمم ليحاسبكم على أعمالكم.
30. فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ: وأنتم قسمان: قسم وفقهم الله لطاعته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وقسم أضلهم الله لسوء نياتهم؛ لأنهم جعلوا الشياطين أحبابهم وأنصارهم من دون الله، فأطاعوهم بمعصية الله، ولبسوا عليهم الأمر فظنوا أنهم على صواب وهم على ضلال مبين.
31. يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ: يا بني آدم استتروا باللباس عند العبادة من صلاة وطواف، وتناولوا الحلال الطيب من الطعام والشراب بلا مجاوزة للحد مع شكر المنعم، فإن الله لا يحب من يتجاوز الحد في كل شىء فيبذر؛ فالقصد والعدل أساس كل خير.
32. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: قل للناس: من الذي حرم الزينة والجمال إذا أباحه ذو الجلال من اللباس والجواهر، ومن الذي حرم الطيبات من المأكولات والمشروبات، إن هذه النعم من الملبوس والمطعوم والمشروب أحق الناس بها المؤمنون، والكفار يتمتعون بها، فهي عون للمؤمن، ومتاع للكافر في الدنيا، وهي في الآخرة خالصة ومخصصة للمؤمنين فحسب، وبمثل هذا البيان في مسائل الزينة والأكل والشرب ونحوها نبين الأحكام، ونشرح تعاليم الإسلام؛ ليكون المسلم على بصيرة في كل شأن من شؤونه، وكانت المرأة في الجاهلية تطوف عريانه فنزلت: خذوا زينتكم.
33. قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: قل للناس: الله لم يحرم الطيبات وإنما حرم الذنوب الشنيعات؛ مما أسر العباد وأعلنوا، وأظهروا وأخفوا، وسائر الإثم كبيرة وصغيرة، والذنوب كلها، ومجازة الحد في كل شىء، والشرك بالله بلا حجة، بل بالزور والبهتان، وأن تنسبوا إلى الله أقوالا ما قالها، وأحكاما ما أمر بها، كالكذب في التحليل والتحريم، فالدين كامل، والشرع تام، والحجة قائمة، والابتداع محرم.
34. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ: لكل إنسان وجيل وأمة ودولة عمر محدد ووقت معلوم، فإذا تم هذا العمر مات الإنسان، وانقرض الجيل، وفنيت الأمة، وسقطت الدولة، حكمة بالغة، وقدرة نافذة، وقضاء مبرم، لا يتأخرون عن ساعتهم ولا يتقدمون.
35. يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: يا بني آدم، إذا أتتكم رسل من الله يبين لكم الدين فاتبعوهم واهتدوا بهداهم، فمن ترك ما نهوا عنه وعمل بما أمروا به فلا يخف مما أمامه من أهوال ولا يحزن على ما خلفه من أعمال أو تركه من أموال.
36. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: والذين كذبوا بآيات الله التي أنزلها في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم وأعرضوا عن قبولها كبرا وعتوا فجزاء أولئك نار جهنم يمكثون فيها أبدا: فالتكذيب رد وصد، والاستكبار إعراض، وجزاء كل النار.
37. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ: ليس في العالم أحد أشد ظلما ممن افترى الكذب على الله، بأن حلل وحرم من عنده ونسبه إلى الشرع، أو نسب الولد والصاحبة والشريك إلى الله، أو أنكر القرآن والسنة، أو جحد الرسالة، فهؤلاء لهم حظهم المقدر من القوت والعمر، حتى إذا أتتهم الملائكة لقبض أرواحهم قالت لهم: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله هل ينفعونكم الآن؟ قالوا: خذلونا فما ندري أين هم، وقد يئسنا من نصرهم وعونهم، والآن نعترف أننا كنا مشركين على ضلال، ولكن بعد فوات الأولان ووقوع الخسران.
38. قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ: قال الله للكفار: ادخلوا النار ضمن الأمم التي سبقتكم بالكفر سواء كانوا من الجن أو الإنس، فإذا دخلت جماعة من الكفار النار لعنت التي تقدمتها من الأمم؛ لأنها ضلت حينما اتبعتها، والتي سبقتها أيضا لعنت من لحق بها، حتى إذا اجتمعوا جميعا في النار وتلاحقا فيه قالت أخراهم دخولا وهم الأتباع للأمم التي سبقتها: يا ربنا هؤلاء هم الذين أغوونا عن صراطك المستقيم، وتسببوا في صرفنا عن هدايتك، فنسألك أن تضاعف لهم العذاب مثلين أو أكثر، فأخبرهم سبحانه وتعالى أن لكل منهم العذاب المضاعف، الأتباع بسبب التقليد والقادة بسبب الإضلال، ولكن لا يعلم بعضهم مقدار هذا التضعيف وهذا العذاب وهذا النكال.
39. وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: وقال المتبوعون لتابعيهم: ليس لكم علينا مزية حتى يخفف عنكم العذاب، فقد ضللتم أنتم بأنفسكم كما ضللنا نحن، فهذا العذاب بسبب كسبكم، فلو كان عندكم عقول تفكرون بها لما اتبعتمونا في الضلال فذوقوا النكال.
40. إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ: الذين كذبوا بالقرآن الكريم والسنة المطهرة بما فيهما من الأحكام والأصول والفروع، التي بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم وعتوا وتكبروا فلم يقبلوها لا يفتح الله لهم أبواب السماء إذا قبضت أرواحهم، ولا يصعد لهم عمل طيب ولا سعي صالح ولا دعاء؛ لقبح سعيهم وخبث سرائرهم، ومستحيل عليهم دخول الجنة، كما يستحيل دخول الجمل بضخامته في ثقب الإبرة الضيق، وهذا العذاب جزاء ونكالا للمجرمين الذين كفروا بالله وكذبوا برسوله صلى الله عليه وسلم.
41. لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ: لهؤلاء الكفار فرش من النار من تحتهم، ومن فوقهم أغطية من النار، فالنار تشملهم من كل جهة، وهذا الجزاء يجزي بها لله كل من ظلم نفسه أو ظلم غيره، ظلم نفسه بالكفر وظلم غيره بالإضلال والاعتداء، وهم المشركون.
42. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: أما المؤمنون بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم الذين أخلصوا السعي لله وأحسنوا عبادة ربهم بقدر استطاعتهم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على حسب الطاقة فأولئك لهم جنات يخلدون فيها وينعمون أبدا، ويسرون سرمدا، بسبب إيمانهم وعملهم الصالح.
43. وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وصفينا صدور المؤمنين في الجنة، فأخرجنا ما فيها من حسد وحقد كان في الدنيا حتى طهرت قلوبهم، وصفت نفوسهم، وزال كل كدر علق بها، ومن النعيم أن الأنهار تجري من تحتهم في مقام آمن وفي قرة عين وبهجة نفس، حينها شكروا الله سبحانه وتعالى الذي هداهم ووفقهم للعمل والإيمان بحيث أوصلهم إلى هذه المراتب العالية والمنازل الرفيعة، ولولا فضله سبحانه وتعالى ما اهتدوا بأنفسهم، لكن هو الموفق وحده، وهو الذي أشدهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وهم معترفون بأن الرسل جاءت بالحق فاتبعوهم، ومن زيادة النعيم أن الملائكة نادتهم بالأمن والإيمان وقالوا لهم هذه الجنان دور لكم تخلدون فيها بسبب إيمانكم وعملكم الصالح فادخلوا الجنة برحمة أرحم الراحمين، والنزول في المنازل بعمل العاملين.
44. وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَ‍قًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَ‍قًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ: ونادى أصحاب الجنة أهل النار بعد نزول كل فريق في منزلهم، المؤمنون في الجنة والكافرون في النار، فقال المؤمنون: نحن قد وجدنا ما وعد الله سبحانه وتعالى على ألسنة الرسل من النعيم المقيم والتكريم العظيم، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم بالنكال والعذاب والخزي؟ قالوا: نعم وجدنا ذلك حقا فلما اعترف الفريقان أهل النعيم بالنعيم، وأهل العذاب بالعذاب نادى مناد بين الفريقين: لعنة الله حقت على كل ظالم كفر بالله وكذب رسله عليهم الصلاة والسلام لتزداد الحسرة، ويعم الندم بأهل النار.
45. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ: الذين يعترضون طريق الناس فيردونهم عن أبواب الهداية، ويسعون في أن يكون الصراط معوجا غير مستقيم، وهم يظنون أو يزعمون أنها خطأ وباطل ولبس عليهم أنهم على الهدى، وغيرهم على الضلال، وهم يكفرون بيوم البعث والنشور؛ فهم جاحدون للكتاب؛ مكذبون للرسل، كافرون بالله.
46. وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ: بين أهل الجنة وأهل النار حاجز عليه سور، وفوق السور رجال استوت حسناتهم وسيئاتهم، وهم يميزون أهل الجنة من أهل النار، فأهل الجنة عليهم سيما النور والبياض والنعمين، وأهل النار عليهم سيما النكال والعذاب والسواد، فنادى هؤلاء الرجال أهل الجنة أن تحية لكم وتكريما وقرة عين وطوبى، وهؤلاء الرجال وهم أهل الأعراف يطمعون في دخول الجنة لما رأوا من نعيم أهلها وقرة عينهم وراحتهم وأمنهم فبدؤوا يطمعون في فضل ربهم.
47. وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: وإذا اتجهت أنظار أهل الأعراف إلى أهل النار ورأوا ما فيها من نال وعذاب شديد وخزي مقيم استغاثوا بربهم وسألوا الله ألا يجعلهم مع هؤلاء الظالمين لأنفسهم بالشرك بل ينجيهم سبحانه.
48. وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ: ونادى أصحاب الأعراف في النار يميزونهم بعلامات واضحة ويعرفونهم في الدنيا فقالوا لهم: أين ما جمعتموه من أموال؟ ما نفعتكم في هذا الموقف العظيم ولا نفعكم اجتماعكم لمحاربة الرسل عليهم الصلاة والسلام ولا نفعكم إعراضكم عن دين الله واستكباركم في الأرض.
49. أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ: وقال أهل الأعراف للكفار في النار: وقال أهل الأعراف للكفار في النار: انظروا إلى هؤلاء المستضعفين الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كيف دخلوا الجنة، فأين إيمانكم وقسمكم في الدنيا أن رحمة الله لا تنالهم؟ وأن فضل الله لا يدركهم؟ انظروا إليهم الآن وقد قيل لهم: هيا ادخلوا جنات النعيم لا تخافون مما ينتظركم، ولا تحزنون على ما فاتكم أو ما أصابكم في الدنيا.
50. وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ: وطلب أهل النار من أهل الجنة أن يشركوهم في شىء من النعيم من الماء البارد أو الطعام الطيب أو الظلال الوارفة، فرد عليهم أهل الجنة: إن الله منعكم من ذلك، وحرم ذلك عليكم بسبب كفركم، فليس لكم حق في الماء ولا في الطعام ولا في الظل ولا في النعمين، إنما حقكم العذاب واللعنة.
51. الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ: وهؤلاء الكفار المستحقون للنار هم الذين جعلوا دينهم سخرية واستهزاء ومخادعة ومحاربة للمؤمنين، واغتروا بالدنيا وزخرفها وزنتها، فهذا اليوم نتركهم في العذاب كما تركوا طريق الصواب، وبسبب كفرهم بآيات الله وجحدهم وتكذيبهم لرسوله ينالون النكال والعذاب المقيم في الجحيم.
52. وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: ولقد جئنا هؤلاء الكفار بكتاب، وأنزلناه عليهم فيه كل خير وصدق وحق كما أنه دليل واضح وبرهان صادق وحجة قاطعة، وهو يدل الناس إلى كل فضيلة، ويحذرهم من كل ذيلة، ويدعوهم إلى الهدى، ويحذرهم من الردى، وهو رحمة مهداة، ونعمة مسداة، وعصمة لمن اتبعه، ونجاة لمن آمن به، وفلاح لمن عمل به.
53. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: هل ينتظر هؤلاء الجاحدون المكذبون إلا أن يأتي العذاب الذي يؤول إليه أمرهم، ويوم ينزل بهم العقاب الشديد والعذاب الأليم حينها يظهر لهم صدق الأنبياء وكذبهم هم، ويقولون في حسرة وفي ندم: لقد أتتنا الرسل بالحق فهل هناك أحد ينجينا من هذا العذاب والنكال لنعود إلى الدنيا، لنصدق الكتاب ونتبع الرسول وتعمل خيرا ونجتنب المعاصي؟ لقد غبنا في عملنا، وخسرنا أنفسنا، وضيعنا حياتنا، فالويل لنا. حينها يذهب عنهم كل ما كانوا يعتقدون نفعه من الأصنام والأوثان ويتلاشى باطلهم ويمحق كذبهم وزورهم.
54. إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: إن الذي رباكم بالنعم وصرف عنكم النقم وتولى أمركم وصرف شؤونكم هو الله وحده، فهو وحده المستحق للعبادة، وهو وحده الإله بحق، فإنه أنشأ السموات والأرض وأبدعهما في عظمة، وكان هذا الإبداع والإنشاء في ستة أيام، وبعد ذلك استوى سبحانه وعلا واستقر وارتفع على العرش استواء يليق بجلاله، وهو سبحانه وتعالى الذي جعل الليل غشاء للنهار كالغطاء عليه، والليل يطلب النهار، ويجري وراءه ويغشاه في حركة دائبة، وسرعة مستمرة لا فتور فيها ولا تأخر ولا انقطاع والشمس والقمر والنجوم مذللات مسيرات مسخرات بأمر الله وقدرته جل في علاه فالله الخالق سبحانه وتعالى فهو الذي برأ وانشأ وأبدع وصور، وله الأمر كالتصرف ومن أمره سبحانه وتعالى كلامه القرآن الذي ليس بمخلوق، فسبحان من هذا صنعه وجل من هذا أمره، وتقدس من هذا إبداعه، اتسع فضله فعم كل مخلوق، وعز سلطانه فقهر كل ضد، وعظم جبروته فتفرد في الكمال وتنزه في ملكوته، فتوحد بالجلال والجمال لا إله إلا هو.
55. ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ: إذا دعوتم ربكم فادعوه بذلة وخشوع ومسكنة في السر والخفاء بعيدا عن الضجيج عن الرياء والسمعة، فإن إخفاء الدعاء دليل على الإخلاص والإيمان والتجرد؛ وهو أجمع للقلب؛ وأسكن للنفس، وأبعد عن حسد الحاسد وعن التشويش؛ ولا تتجاوزوا الحد في الدعاء برفع الصوت أو الدعاء بما لا يجوز من الإثم وقطيعة الرحمن ونحو ذلك.
56. وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: لا تفسدوا في الأرض بالكفر بعد أن أصلحها الله بالإيمان الذي أتى به الرسل ونزلت به الكتب، وادعوا الله سبحانه وتعالى وأنتم خائفون من عذابه، طامعون في ثوابه، فرحمته وعفوه وكرمه قريب ممن أحسن علمه، وأخلص نيته، واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، واهتدى بالقرآن، واهتدى بالقرآن؛ فعلى العبد أن يكون بين الخوف والرجاء، في الشدة والرخاء، وأن يخلص لربه العبادة والدعاء.
57. وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: الله وحده هو الذي يرسل الرياح التي تحمل الخير من الغيث المدرار، والرزق الهنئ، والماء الزلال، حتى إذا حملت الرياح سحابا مثقلا بالماء ساق الله سبحانه وتعالى هذا السحاب إلى أراضي القحط والجدب، فأنزل عليها الماء، وبإذنه ومشيئته تخرج بهذا الماء أنواع الثمار ومختلف الأشجار وبديع الأزهار؛ فكما أخرج بهذا الماء النباتات وأنواع الثمرات، فإن الله يخرج الموتى من القبور للبعث والنشور، لعلكم تذكرون بهذه الصورة ذاك المشهد وقدرة الله على البعث، وتقيسون هذا بالنظر والاعتبار والتدبر والاستبصار، فجل الحكيم في خلقه، القدير في حكمته وأمره.
58. وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ: والمكان طيب التربة الخصب القابل للنماء يخرج نباته بإذن الله حسنا تاما جميلا رائعا، والذي خبث ترابه وفسدت تربته كالأرض السبخة والمالحة لا يخرج النبات منه إلا عسرا بمشقة، وهو لا جمال فيه ولا نضرة ولا نماء، وهذا المثل مثل قلوب المؤمنين التي قبلت هدى الله واتبعت رسوله صلى الله عليه وسلم وأفادت من الحكمة، وانتفعت بالذكر، ومثل الذين أعرضوا عن الهدى وهم الكفار ولم يقبلوا الرسالة ولم يؤمنوا بالنور الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى يبين الحجج والدلائل، ويضرب الأمثال، ويقص القصص، لقوم يريدون الاستفادة والانتفاع لعلهم يشكرون الله على نعمه ويثنون بها عليه ويخافونه ويرجونه.
59. لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: لقد أرسلنا أول الرسل نوحا عليه الصلاة والسلام إلى قومه بالتوحيد؛ فدعاهم إلى عبادة الله وتوحيده وعدم الإشراك به، فليس لهم إله غيره، مثلما أنه ليس لهم خالق سواه جل في علاه فالذي خلق أولى أن يعبد، والذي رزق ودبر وصرف أولى أن يوحد، ثم أنذرهم عذاب القيامة والخزي في ذاك المشهد إذا لم يؤمنوا بالله ولم يوحدوه، وهذا هو النصح في الدعوة.
60. قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: قال أشراف قومه ورؤساء أمته: يا نوح إنا نشاهدك في خطأ بين، وفي غلط واضح، وفي انحراف عن الحق، وهذا لسفههم هم، ولضلالهم الذي ارتكبوه.
61. قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: فرد عليهم وقال: يا قوم، إنني على هدى، وإن عندي رسالة من ربي، وإن الله اختارني لإنذاركم ولنصحكم، ولست ضالا بعد أن وفقني ربي لعبادته وطاعته؛ فإنه ربه العلامين الذي ربانا بنعمه وخلقنا ورزقنا.
62. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: ومهمتي أن أبلغكم وأنصح لكم وأبين لكم آيات الله عزوجل وأهديكم السبيل وأحذركم من الشرك ومن عبادة الطاغوت، وعندي علم من علم الغيب الذي أوحه الله إلى سبحانه وتعالى أنتم لا تعلمونه؛ لأن الله اختصني بذلك من أخبار الآخرة، وأخبار المستقبل والغيبيات.
63. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: هل استبعدتم أن أتاكم وحي من الله وآيات بينات تهديكم إلى سواء السبيل، ونزلت هذه على بشر منكم مهمته أن ينذركم من عذابه الشديد والعقاب الأليم إذا لم تهدتوا، ولعلكم إذا اتبعتم هذا الوحي أن تتقوا الله لفعل أوامره واجتناب نواهيه، فإذا فعلتم ذلك رحمكم الله رحمة عامة وخاصة، ورضي عنكم وغفر ذنوبكم.
64. فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ: ولكنهم كفروا بآيات الله وكذبوا رسوله نوحا، فنجاه الله والذين معه من المؤمنين في السفينة، وأما الكافرون من قومه فإن الله أرسل عليهم الطوفان؛ لأنهم كذبوا بآيات الرحمن، وعصوا الديان، وكانوا عمي البصائر، وانطمست قلوبهم وانحرفت فطرهم عن الحق وعن سماع النصح.
65. وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ: والله سبحانه وتعالى أرسل إلى قوم عاد النبي هود عليه السلام، وهو من أنفسهم فقال لهم قول الأنبياء المشهورة: يا قوم، وحدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فلا إله إلا هو سبحانه ولا يستحق العبادة إلا هو، أفلا تخافون لقاءه وترجون ثوابه وتعملون بأوامره وتجتنبون نواهيه، هل هناك خالق غير الله؟ فمن يستحق العبادة إلا هو جل في علاه؟
66. قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ: فرد عليه الأشراف والزعماء من قومه الذين كذبوا بآيات الله وجحدوا رسالته، قالوا: يا هود، نراك في طيش وحمق وسفه، هذا في عقلك، وأما في نقلك فنظنك من الذين كذبوا وافتروا، فلا عقل عندك مكين، ولا نقل متين، وهذا من افترائهم قاتلهم الله.
67. قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: فرد عليهم هود وقال: يا قيومي: إن عقلي صحيح، وإن ذهني ثابت، وإن الله أرسلني برسالة إليكم، فقد جمعت بين العقل والنقل، وليس بي طيش ولا حمق ولا قلة عقل، فإن الله سبحانه وتعالى ألهمني رشدي، ووفقني لطاعته، واجتناب معصيتيه.
68. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ: ومهمتي أن أبلغكم ما أوحاه الله إلى من الحكمة وأن أرشدكم إلى ما فيه خيركم في الدنيا والآخرة، فأنا ناصح مخلص لكم النصيحة، وأمين فيما أنقل، فما غششتكم ولا خنتكم ولا كذبت عليكم.
69. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: هل استبعدتم أن أتاكم وحي من الله سبحانه وتعالى الذي رباكم بنعمه وخلقكم ودبركم بواسطة بشر من أنفسكم ليخوفكم لقاء الله ويحذركم من عذابه وغضبه، وتذكروا أن الله استخلفكم بعدما أهلك قوم نوح لما كذبوا، والله سبحانه وتعالى قوى أجسامكم وبسط لكم في صوركم من الجمال وطول الأجسام والنضارة والمتاع الحسن، فتذكروا نعم الله واشكروه عليها وشكره بتوحيده وعبادته واتباع رسوله فإنك إن فعلتم ذلك فزتم في الدنيا والآخرة وأدركتم الظفر ونجوتم من الخسران.
70. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: فقال الكفار من قومه: يا هود أنت أتيتنا بكلام مختلق من عندك لنعبد إلها واحدا فحسب، ونترك ما كان عليه آباؤنا من عبادة الآلهة، وهم أعقل منا وأرشد وأدرى، ونترك تقاليد أجدادنا وآبنائنا، فإن كنت صادقا فنتحداك، تعال بما تهددنا به وعجل بالعذاب الذي تزعم أنه سيحل بنا؛ استبعادا وتكذيبا وعتو وتمردًا.
71. قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ: قال: قد حل بكم عذاب شديد من الله عزوجل وغضب منه ما حق ساحق، لا رضا بعده، أأنتم تحاجوني في آلهة سميتموها أسماء لا حقيقة لها، فهي مجرد أسماء على مسميات، وهذه المسميات لا تنفع ولا تضر ولا تحيي ولا تميت، أين ذهبت عقولكم؟ أين غابت بصائركم؟ أين الحجة لكم من عند الله عزوجل أن هذه الآلهة تعبد وأنها توحد؟ ولكن انتظروا نزول العذاب الشديد عليكم بما فعلتم فإني منتظر ما وعدني ربي من تعذيبكم إذا لم تؤمنوا ولم تهتدوا.
72. فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ: فأنزل الله عذابه بالكفار وأنجى الله هودا والذين آمنوا معه برحمته سبحانه وتعالى لهم ولطفه بهم وأباد الله الكفار وأهلكهم فلم يبق منهم أحدا وما كانوا مؤمنين بالله ورسله واليوم الآخر بل كانوا كفرة مكذبين جاحدين بآيات الله.
73. وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وأرسل الله سبحانه وتعالى إلى قوم ثمود النبي الكريم صالحا عليه الصلاة السلام فنصح قومه ودعاهم إلى الله عزوجل وحده وعدم الإشراك به، وأخبرهم أنه لا إله إلا الله ولا رب سواه، وقال لهم: قد أتتكم حجة واضحة من ربكم جل في علاه وهذه الحجة الظاهرة، هي ناقة خلقها الله وأخرجها من الصخرة؛ لتكون لهم علامة على صدق صالح وأنه نبي من عند الله، قال: "فاتركوا هذه الناقة ولا تتعرضوا لها بسوء" وهذا من الابتلاء، ودعوها تأكل من رزق الله في أرض الله وهي من خلق الله، ولا تتلوها بشئ من الاذى، فإن فعلتم ذلك فإن الله سوف يأخذكم بعذاب مؤلم ويزلزلكم بعقاب شديد، وهذا الذي حدث.
74. وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ: وتذكروا يا قومي فضل الله عليكم في أنه جعلكم تحلفون قوم عاد في الأرض فكانوا عبرة لكم، وقد أنزلكم من الأرض منازل رحبة وسيعة، فأما سهولها فتبنون فيها الدور الواسعة والقصور الشاهقة، وأما جبالها فتصنعون منها وتصورون وتنحتون بيوتا تدفئكم من البرد وتظلكم من الحر، فتذكروا هذه النعم الجليلة والأيادي الجزيلة، وتكثروا الفساد في الأرض، فإن من فعل ذلك فقد باء بالخسران، ومن أعظم الفساد الإشراك برب العباد.
75. قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ: قال هؤلاء الرؤساء المتجبرون المنحرفون عن الإيمان للذين آمنوا من قوم صالح: هل تشهدون أن صالحا قد أرسله الله عزوجل إلينا؟! وهذا منهم على سبيل الاستهزاء، فرد المستضعفون، وقالوا: نعم صدقنا برسالة صالح، وأنه نبي من عند الله، ونحن نتبع أوامر الله، ونجتنب نواهيه ونطيع رسوله.
76. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ: فقال هؤلاء الرؤساء الجبابرة الذين تكبروا على رسول الله: لقد كفرنا بما آمنتم به أيها الضعفاء من رسالة صالح وأعرضنا عن ذلك.
77. فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ: فقتل هؤلاء الجبابرة الناقة، ونسب الله القتل إليهم جميعا لأنهم رضوا بذلك وشاركوا بالفعل أو بالرضا والسكوت وتجبروا على أمر الله وتكبروا على نبيه واستهزؤوا بدينه وتحدوا صالحا وقالوا إن كنت صادقا فأين العذاب الذي وعدتنا به؟ وأين العقاب الذي هددتنا به؟ فإن كنت صادقا بأن الله أرسلك فهيا عجل لنا العذاب.
78. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ: فأرسل الله عليهم زلزالا شديدا رجف بهم ودمرهم وأهلكهم وأبادهم، وأزهق أرواحهم، فصاروا ميتين لا حراك فيهم، جثثا هامدة لا حياة فيها.
79. فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ: فأعرض عنهم صالح وخرج من ديارهم بعدما عقروا الناقة وقال: لقد نصحت لكم، وقد أخبرتكم برسالة الله، وقد أمرتكم بالمعروف ونهيتكم عن المنكر، وقد بينت لكم شرع الله ولكنكم لا تهتدون بنصح ناصح ولا تسترشدون برأي عاقل، فأنتم أبيتم نصحي وتركتم إرشادي فحق عليكم العذاب.
80. وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ: وكذلك أرسلنا لوطا عليه الصلاة والسلام إلى قومه فنصحهم ونهاهم عن فاحشة اللواط وأخبرهم أنهم هم السابقون إلى هذه الجريمة الشنعاء، وأن الأمم الذين قبلهم لم يفعلوا هذه الفعلة، بل هم الذين ابتدعوها وأتوا بها واقترفوها ولم يسبقهم أحد إليها.
81. إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ: وأخبرهم أنهم بفعلهم هذا وهم يأتوا الرجال بمجرد الشهوة لا بمقتضى العقل والشرع والفطرة ويتركون النساء الحلال اللواتي هن محل الشهوة بالشرع والعقل والفطرة، فهم متجاوزون لحدود الله، غارقون في العصيان، خارجون عن الطاعة.
82. وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ: فلما وبخهم لوطا على عملهم الأثيم قالوا: اخرجوا لوطا ومن آمن معه من قريتكم واسمها سدوم فهم ناس أطهار نزهاء شرفاء، وهذا القول منهم للسخرية والاستهزاء والعناد.
83. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ: فأنجينا لوطا وأهله من العذاب الشديد والعقاب الأليم الذي حل بقومه، وأبقينا امرأته لعصيانها وتمردها على زوجها، وبقيت مع الهالكين المعذبين.
84. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ: فأمطر الله عليهم مطرا من الحجارة المحماة المتواصلة الشديدة الغليظة فمزقهم وأهلكهم، فتأمل كيف عاقبة من ارتكب المعاصي والآثام، واستهان بالفواحش العظام.
85. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وأرسل الله إلى قوم مدين النبي شعيبا، وهو منهم ومن أنفسهم، ونادى قومه لعبادة الله وحده وإلى توحيده وعدم الإشراك به، وأخبرهم أنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأنه قد أتته حجة من الله قاطعة، وبرهان ساطع على صحة ما يدعو إليه، وأمرهم بأن يوفوا الكيل والميزان عند البيع والشراء، والأخذ العطاء؛ لأنهم كانوا يطففون المكاييل، ويبخسون الموازين، ونهاهم عن الإفساد في الأرض بالمعاصي والظلم والجور بعد أن أصلحها الله بإنزال الكتب وإرسال الرسل، وأن هذا المنهج السديد والمذهب الرشيد الذي دعاهم إليه هو لإصلاحهم في الدنيا وفوزهم في الآخرة إن أتوا مصدقين له ومتبعين لرسالته.
86. وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: ولا تكونوا قطاع طرق تقفون على كل سبيل تردون من أتى إلى شعيب للإيمان، ومن أقبل للهداية، وتعترضون طريق الناس وتهددونهم وتتوعدونهم بالنكال إذا وحدوا ذال الجلال، وتريدون أن يتحول الطريق المستقيم إلى طريق ملتو منحرف بأفعالكم المشينة، وزوركم وكذبكم، وتذكروا أن الله سبحانه وتعالى قد كثركم بالنسل بعدما كنتم قليلين، وأمدكم بالقوة بعدما كنتم ضعفاء، وبالغنى بعدما كنتم فقراء، ثم اعتبروا بمن أهلك قبلكم من الأمم كيف أن الله سبحانه وتعالى محقهم وسحقهم ومزقهم بسبب كفرهم وإشراكهم بالله وأعمالهم القبيحة.
87. وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: وإذا كان جماعة منكم آمنوا بما أرسلت به وصدقوني واتبعوني، وجماعة كذبوني فعلينا أن نصبر وننتظر جميعا، أما المصدقون فلينتظروا النصر والفصل من الله بيننا وبين الكافرين، وأما المكذبون فلينتظروا العذاب الأليم على فعلهم الأثيم، فإن الله سوف يحكم بيننا وهو خير الحاكمين، فحكمه حق وعدل وجد وفصل، لا يحابي ولا يهضم ولا يظلم جل في علاه.
سورة الآعراف
88. قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ: فقال الزعماء من شعب مدين الذين كذبوا وعاندوا الحق ورفضوا الرسالة: يا شعيب إما أن تترك رسالتك وإلا لنخرجنك أنت ومن معك ممن صدقك أو لترجعن في ملتنا وتتركون ما تدعون إليه من الملة، فقال شعيب: أو تفعلون ذلك ولو كنا كارهين لملمتكم أو كارهين الخروج من ديارنا.
89. قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ: قد اختلفنا على الله كذبا وادعينا على الله زورا وبهتانا إن رجعنا إلى الشرك الاثيم والضلال العظيم الذي أنتم عليه بعد أن خلصنا الله سبحانه وتعالى من هذا الزور والبهتان، والشرك بالرحمن، وكيف لنا أن نعود إلى الضلالة بعد أن أكرمنا الله بالرسالة؟! لا يمكن أن نختار الردى على الهدى، ولا الغي على الرشد بعد أن وفقنا لله عز وجل لطريقه المستقيم وصراطه القيوم إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى شيئا فهو الحاكم لما أراد، القاضي بما شاء، لا إله إلا هو فإنه سبحانه وتعالى المطلع على كل شئ، العالم بكل دقيق وجليل، المحيط بكل سر وعلانية؛ فعليه اعتمدنا، وأمرنا إليه فوضنا، فهو حسبنا ونعم الوكيل؛ فنسألك يا ربنا أن تحكم بيننا وبين قومنا المكذبين الضالين، فتثيبنا على إيماننا بك، وتصديقنا برسولك، وتعاقبهم على كفرهم وتكذيبهم، فأنت خير من حكم وأعدل من فصل.
90. وَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ: وقال أشراف الكفار لأتباعهم: لو أطعتم شعيبا فيما أمركم به من الوفاء بالكيل والوزن لخسرتم تجارتكم؛ ولو اتبعتموه فيما دعاكم إليه من الإيمان بالله لوقعتم في الهلاك؛ على حد زعمهم؛ جهلا منهم وكذبا.
91. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ: فأنزل الله عليهم الزلزلة الشديدة بسبب كفرهم، فأصبحوا موتى خامدين في منازلهم.
92. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ: الذين عصوا شعيبا وردوا ما جاءهم به كأنهم بعدما أهلكهم الله لم يقيموا ويعيشوا ويعمروا وينعموا؛ فهم هالكون، وفقدوا كل ما يملكون، وهم في الآخرة معذبون.
93. فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ: فأعرض شعيب عنهم وقال لهم: لقد أنذرتكم العذاب، وخوفتكم العقاب، وبلغتكم الرسالة، واجتهدت في نصحكم؛ فلن أحزن عليكم، ولن أتأسف على ما أصابكم، فأنتم تستحقون العقوبة لكفركم، والله لا يظلم عباده.
94. وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ: لم نرسل رسولا في مدينة من المدن إلا ويعرض أهلها فنبتليهم بالفقر والمصائب والأمراض والكوارث ليتوبوا وينيبوا ويتذللوا لربهم ويؤمنوا به.
95. ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: ثم وهبناهم غنى بعد فقر، وصحة بعد سقم، وقوة بعد ضعف، حتى كثروا وزاد عددهم، فكفروا وما شكروا، وجحدا وما آمنوا، وقالوا: هذه سنة الحياة وعادة الدهر، يوم لك ويوم عليك، ولم يتعظوا، وغفلوا عن أن هذه ابتلاءات من الله بالخير والشر، والشدة والرخاء، فلما فعلوا ذلك فاجأناهم بالعذاب وباغتناهم بالعقاب دون سابق إنذار، فما شعروا بمجيئه حتى أخذوا على غرة ودمروا على غفلة.
96. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: ولو أن أهل القرى آمنوا بالله ورسله وكتبه واتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، لأغدق الله عليهم الرزق بإنزال الغيث المدرار المبارك، وأنبت لهم من الأرض أنواع النباتات بمختلف الثمرات، ولكنهم كذبوا الرسل وعصوا ربهم، فعاقبهم الله بذنوبهم وعذبهم بكفره؛ فالطاعات سبب للخيرات، والمخالفات سبب للعقوبات.
97. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ: هل عند أهل القرى أمان بأن لا يأتيهم عذاب الله وهم نائمون بالليل وقد كفروا بربهم وكذبوا رسله.
98. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ: أم هل عندهم أمان أن لا يأتيهم عذاب الله وهم نائمون بالليل وقد كفروا بربهم وكذبوا رسله.
99. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ: أم هل أمنوا استدراج الله لهم من حيث لا يحتسبون، وتدبيره هلاكهم من حيث لا يدرون، فلا يأمن أخذ الله على غرة وعقابه فجأة إلا من خسر نفسه، وفقد رشده، وضل عمله وبطل سعيه.
100. أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ: ألم يتبين ويظهر للذين جاؤوا بعد من أهلكهم الله، خلفوهم أن الله قادر على أن يهلكهم بمعاصيهم كما أهلك الذين من قبلهم، وإذا داوموا على الإعراض أقفلنا قلوبهم فلا تتعظ ولا تعي ولا تفهم ولا تسمع سماع قبول واستجابة.
101. تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ: تلك القرى التي أهلكناها وأخبرناكم كيف عاقبناهم بذنوبهم ليحصل الاعتبار ولقد أرسل الله لهم الرسل بالمعجزات الظاهرة، والأدلة الباهرة، فما كان لهم أن يؤمنوا بعد مجئ المعجزات، وقد كذبوا من قبلها بالرسالات، ومثلما طبع الله على قلوب من كفر من الماضين يطبع على قلوب الكافرين اللاحقين، سنة ماضية وجزاء عادل لكفرهم بالله ورسالاته.
102. وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ: وما وجدنا عند كثير من الناس وفاء بعهد ولا إيمانا بوعد، ولا شكرا لنعمة ولا عملا بوصية، بل وجدنا أكثرهم خارجين عن الطاعة كافرين بالله، جاحدين للنعمة، مكذبين بالرسالة، فالمؤمن قليل والتقي نادر.
103. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: ثم أرسلنا بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم الصلاة والسلام موسى بالمعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة كالعصا واليد إلى فرعون العنيد وأشراف قومه؛ فجحدوا المعجزات وكذبوا الآيات، وأفسدوا في الأرض، فتأمل ماذا كانت نهايتهم، في الدنيا الإغراق وفي الآخرة الإحراق.
104. وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: وقال موسى لفرعون: إن الله أرسلني ولم آت من تلقاء نفسي، وهو رب العالمين لا أنت أيها العبد الفقير، فأثبت لربه الجلالة، ولنفسه الرسالة، ولفرعون الضلالة.
105. حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ألا افتري على الله ولا أكذب على ربي بل آتي بالحق، وأخبر بالصدق، وعندي معجزة ظاهرة كاليد والعصا، وهي من الله الذي خلقكم ورزقكم لا منى، فاترك يا فرعون بني إسرائيل يخرجوا من مصر وأعتقهم من استعبادك، وأطلقهم من استبدادك.
106. قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: قال فرعون لموسى: إن كان معك معجزة من ربك فأظهرها لنا حتى نراها، إن كنت صادقا أنك مرسل من ربك.
107. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ: فطرح موسى العصا من يده فحولها الله حية عظيمة داهية مخيفة، ظاهرة الحياة وبينة الخلقة.
108. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ: وأخرج موسى يده من جيب ثوبه، فإذا هي بيضاء تلمع، بها نور يشع، من غير برص ولا بهق، ولا مرض ظاهر لمن نظر إليها بينة لمن شاهدها لا تخفي على أحد.
109. قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ: قال زعماء قوم فرعون: إن موسى ساحر متمكن من السحر، عالم بأساليبه، خبير بمسالكه.
110. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ: يريد موسى بسحره أن يخرجكم من أرض مصر ويمكث هو فيها قال فرعون فبم تنصحونني به أيها الأشراف؟
111. قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ: قال الأشراف لفرعون: أمهل موسى وأخاه هارون ولا تعاجلهم بالعقوبة، وأرسل في كل مدن مصر من يجمع الناس ويسوقهم حشدا إليك ليشاهدوا الاجتماع.
112. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ: يحضروا لك كل ساحر ماهر متقن لفنون السحر عالم بأسراره.
113. وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ: فقال السحرة لفرعون: هل تكافئنا بأجرة إذا هزمنا موسى وأبطلنا سحره.
114. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: فقال فرعون للسحرة: نعم لكم الأجرة وقرب المنزلة، يعني المال والحظوة.
115. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ: فقال السحرة لموسى: هل تريد أن تبدأ بإلقاء عصاك أو نبدأ نحن بإلقاء ما عندنا.
116. قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ: قال موسى: ألقوا أنتم، فألقوا الحبال والعصى، وصرفوا أبصار من حضر بالتمويه والخديعة والمكر، وأوقعوا في القلوب الرعب الشديد والخوف الأكيد، وأتوا بسحر رهيب في عيون الناس، أذهل الحضور وأدهش الحاضرين.
117. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ: فأمرنا موسى بإلقاء العصا فألقاها، فابتلعت حبالهم وعصيهم التي خدعوا الناس بها وزوروها في عيون الحاضرين.
118. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: فظهر الحق مع موسى وظهر باطل سحرة فرعون.
119. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ: فانهزم سحرة فرعون في مكان اجتماع الناس، ورجعوا مغلوبين أذلاء فاشلين.
120. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ: وخر السحرة لله ساجدين، ونصر الله رسوله الأمين، وأبطل كيد فرعون اللعين، وإنما بدؤوا بالسجود؛ لأنه أشرف حال للعبد مع خالقه.
121. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: قال السحرة: آمنا بالله وحده لا شريك له، فهو الذي خلق العالم لا أنت يا فرعون، فمن أوجد أحق أن يعبد.
122. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ: والله وحده هو الذي خلق موسى وهارون، فالسجود لله لا لهما.
123. قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: قال فرعون للسحرة: كيف تصدقون موسى ولم آذن لكم؟ هذه حيلة وخديعة منكم لتخرجوا الناس من مصر، فسوف تعلمون ما أوقعه بكم من العذاب، وأليم العقاب، والطاغوت إذا عجز عن الحجة لجأ إلى التهديد.
124. لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ: سوف أقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى من كل واحد منكم تشويها وتعذيبا، ثم أصلب الواحد على جذع نخلة حتى يموت؛ ليكون عبرة لمن بعده.
125. قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ: قال السحرة له: سوف نعود ونجتمع وإياك عند ملك الملوك سبحانه في يوم العرض الأكبر ليجزي كلا بما فعل.
126. وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ: وما عبت علينا إلا أن وحدنا الله بالعبادة وصدقنا بموسى والمعجزات التي أتى بها، يا ربنا صب علينا صبرا كثيرا يعيننا على تعذيب هذا الطاغية، فبالإيمان والصبر يدرك النصر، ونسألك يا رب أن تثبتنا على دينك حتى نموت عليه غير مفتونين ولا منحرفين.
127. وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ: وقال رؤساء الكفر لفرعون: أتترك موسى ومن آمن معه أحياء ليصدوا الناس عن عبادتهم لك، ويغيروا عقائد الناس، ويتركوك وما تعبد من دون إلههم؟ قال فرعون: سوف نذبح أولادهم ونترك بناتهم للخدمة، ونحن متسلطون مسيطرون عليهم لا يعجزوننا.
128. قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ: فقال موسى لما سمع التهديد لقومه: استعينوا بالله، واصبروا في الثبات على دينه وأذى عدوه، فالأرض ليست لفرعون، إنما هي له وحده، يمكن عباده الصالحين من سكناها، وهي واسعة لمن هاجر من الأذى، والخاتمة الجميلة دائما والنهاية المحمودة أبدا لأولياء الله الصادقين وحزبه المفلحين والدائرة على أعدائه الكافرين.
129. قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ: فقال بنو إسرائيل لموسى: نحن أوذينا من فرعون وجنده من قبل أن تبعث إلينا رسولا ومن بعد رسالتك، وكثر علينا العذاب، وضاقت بنا الحيل، فقال لهم موسى: نرجو الله أن يدمر عدوكم فرعون وأعوانه ويمكن لكم في الأرض ويجعل الأمر بأيديكم ليمتحنكم، فيرى من يصبر حال البلاء ومن يشكر حال الرخاء؛ لأن لله عبودية في العسر واليسر.
130. وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ: ولقد عاقب الله آل فرعون بجدب الديار، وقلة الأمطار، مع نقص الثمار بالعاهات، وقلة الحبوب بالآفات، وإتلاف الغلات، لعلهم يخافون ربهم ويتوبون من ذنوبهم، فالعقوبات سياط يحس بها من فيه حياة، أما أموات القلوب فما لجرح بميت إيلام.
131. فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: فإذا أتتهم الخيرات من ثمار ونبات، ونعمة وغلات، قالوا: نحن نستحق هذا وبجهدنا حصل، وإذا أصابتهم المصائب ووقعت بهم النوائب تشاءموا بموسى ومن معه، وشؤمهم إنما هو مكتوب عليهم ومقدر؛ لأن الله هو الذي قدر لهم الخير والشر، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن كل شىء من النعم والنقم بقضاء مبرم، وقدر محكم.
132. وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ: فسلطنا على قوم فرعون المطر الجارف المدمر المتلف، والجراد الذي أهلك الزروع والثمار، والقمل الذي آذى الأجسام والضفادع التي ملأت المساكن وأزعجت كل ساكن، والدم الذي أفسد المياه، ونغص عليهم الحياة، وهذه عقوبات ظاهرة تدل على قدرة الله وعظيم سلطانه، ولكنهم تجبروا وتكبروا ولم يتوبوا وينيبوا؛ لأن الإجرام متمكن منهم، والخبث صفة لازمة لهم.
133. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ: فسلطنا على قوم فرعون المطر الجارف الممر المتلف، والجراد الذي أهلك الزروع والثمار، والقمل الذي آذى الأجسام، والضفادع التي ملأت المساكن وأزعجت كل ساكن، والدم الذي أفسد المياه، ونغص عليهم الحياة، وهذه عقوبات ظاهرة تدل على قدرة الله وعظيم سلطانه، ولكنهم تجبروا وتكبروا ولم يتوبوا وينيبوا؛ لأن الإجرام متمكن منهم، والخبث صفة لازمة لهم.
134. وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ولا أخذ الله قوم فرعون بالعذاب، قالوا يا موسى: أدع الله بما اختصك به من النبوة والحظوة أن يرفع عنا العذاب، ونعاهدك أنه إذا حصل ذلك أن نصدقك ونتبعك ونطلق معك بني إسرائيل من الإقامة الجبرية بمصر؛ ليذهبوا معك إلى حيث شئت، وهذه من وعود العصاة في الشدائد.
135. فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ: فلما رفع الله عنهم العذاب مدة من الزمان إلى وقت إهلاكهم بالغرق إذا بهم يخونون العهد، وينقضون العقد، ويعودون إلى التكذيب والصد.
136. فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بَآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ: فلما نقضوا العهد وخالفوا الأمر، انتقمنا منهم، فأغرقناهم في البحر: لأنهم كذبوا بالآيات وأعرضوا عن المعجزات وغفلوا عن العظات.
137. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ: وأورثنا بني إسرائيل المستضعفين المقهورين أرض مصر والشام التي وضعنا فيها البركة بكثرة المياه وجودة الثمار والأشجار، وتم وعد الله لبني إسرائيل بنجاتهم وإهلاك فرعون وجنده وتوريثهم الأرض، لصبرهم على النوائب وتحملهم المصائب، وأهلك الله فرعون وقومه وما كانوا يشيدون من البيوت والقصور، ويعمرون من المساكن والدروع، وكانوا يبنون من عرائش الأعناب والأشجار؛ فسلبهم الله البناء والحدائق الغناء، والبساتين الفيحاء.
138. وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ: وسهلنا لهم اجتياز بحر السويس بسلام، فمروا بعبدة أصنام، فقالوا: يا موسى نريد أن تكون لنا آلهة كهؤلاء الأقوام، فقال لهم موسى؛ إنكم جاهلون بما يجب لله من توحيده بالألوهية وإفراده بالعبودية وعدم الإشراك به.
139. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: إن عبدة الأصنام هؤلاء عبادتهم خاسرة، وعملهم باطل، وسعيهم مردود عليهم، فعمل المشرك كله زائل.
140. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ: هل أطلب لكم إلها غير الله تعبدونه؟ أم هل يستحق الطاعة أحد سوى الله توحدونه؟ وهو الذي فضلكم على عالمي زمانكم فحقه أن يعبد وحده.
141. وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ: وتذكروا يوم حماكم من بطش فرعون وقومه بعد أن اذاقوكم أصناف العذاب، وأنواع العقاب، يذبحون الذكور من الأبناء، ويقون النساء للخدمة، وفي الإنجاء ابتلاء، وفي حمايتكم من هذه الأضرار امتحان واختبار؛ لتشكروه على النعم، وتذكروه بما أنجاكم من النقم.
142. وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ: وواعدنا موسى قبل تكليمنا إياه ثلاثين ليلة يتعبد فيها ثم زدناه عشر ليال فصارت أربعين ليلة، وأوصى موسى أخاه هارون لما ذهب للتكليم أن يكون خليفته على بني إسرائيل، وأن يقوم على شؤونهم بالعدل والرفق والإصلاح، ولا يطاوعهم في المعاصي، أو يعاونهم على الظلم، أو يسكت على منكرهم.
143. وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ: ولما أتى موسى على الموعد وكلمه الله مباشرة طمع موسى في الفضل؛ فطلب من الله أن يريه وجهه الكريم، فأخبر سبحانه أنه لن يراه؛ لأنه لا يرى موسى ربه، وإن أندك الجبل وتفتت لتجلي الله له فمن باب أولى ألا يستطيع موسى رؤية الله لعظمته سبحانه فلما تجلي الله للجبل تفتت الجبل وانبث على وجه الأرض، فلما رأى موسى هذا المشهد المهول خر مغشيا عليه، فلما أفاق من غيبوبته، قال: أنزهك يا رب عما لا يليق بك من سؤال رؤيتك في الدنيا، وأنا أول مصدق بك من قومي، إنك رب العالمين وإله الأولين والآخرين.
144. قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ: قال الله يا موسى إني اخترتك على سائر الناس بالرسالة، وأكرمتك بمكالمتي لك، فاقبل هذه النعم قبول شاكر، ولا تطلب سواها مما لا يجمل طلبه؛ كرؤية الله، فعندك نعم جليلة وأياد جزيلة.
145. وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ: وكتبنا لموسى في التوراة كل شىء من الترغيب والترهيب والأحكام، فاقبلها يا موسى بجد وعزيمة وعمل وأوص بني إسرائيل أن يأخذوا بأفضل ما فيها عند الاختيار كالعفو بدل العقوبة، وكظم الغيظ بدل الشفي، وإنظار المعسر بدل التعجل بأخذ الحق، سأظهر لكم مصارع الظلمة وديار الكفر لتعتبروا بما ترون وتتعظوا بما تشاهدون.
146. سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ: سأحجب الفهم في الآيات والفقه في نصوص الوحي عن كل متكبر، ومهما يرون من آية ويطالعون من دليل يدل على عظمة الله وقدرته وحكمته فإنهم لا يصدقون أبدا، وإذا شاهدوا طريق الهدى والرشد يعرضون عنه ولا يتخذونه طريقا لهم، وإذا شاهدوا طريق الغواية والضلالة يسلكونه ويجعلونه طريقا لهم، وذلك الحجب عن الفهم والصرف عن الاهتداء لتكذيبهم بالآيات وإعراضهم عن المعزات وغفلتهم عن تدبر العظات.
147. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: والذين كذبوا بالآيات التي بعث بها الرسل وكذبوا باليوم الآخر، أبطل الله ما عملوه من حسنات كإكرام الضيف ونصر المظلوم وبر الوالدين ونحوها، ولا يعاقبون إلا على ما فعلوه من جرم وارتكبوه من إثم.
148. وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ: ولما ذهب موسى إلى الطور للمناجاة، صور بنو إسرائيل من الحلي جسما على هيئة العجل له خوار إذا دخلت في جوفه الريح، وهو تمثال جماد صامت لا يكلمهم ولا يستطيع إرشادهم إلى الخير، وجعلوه إلها لهم، وهم بذلك ظالمون لأنفسهم بهذا الشرك العظيم.
149. وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ: ولما عبدوا هذا الصنم، وزلت بهم القدم، وقعوا في الندم، وتيقنوا أنهم أخطؤوا عادوا تائبين يقولون: إذا لم يتجاوز الله عنا ويسامحنا فيما فعلنا ويمح ذنوبنا لنكونن من الهالكين؛ فسوء عملنا يوجب عظيم العقاب من ربنا.
150. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: ولما عاد موسى من المناجاة إلى قومه غضبان عليهم، حزينا لفعلهم في عبادة العجل، قال لهم: بئس ما فعلتم من عبادتكم للعجل حين غيابي عنكم!! هل استعجلتم أمر ربكم وميعاده الذي وعدني وهو أربعون يوما فلم تنتظروا عودتي إليكم، فلما لم أعد عبدتم غير الله؟ وأمسك بشعر رأس هارون يسحبه ويعاتبه على لينه مع بني إسرائيل، فقال هارون: يا أخي من أمي ترفق بي واحلم علي، فإن بين إسرائيل وجدوني وحيدا ضعيفا فأرادوا قتلي فلا تفرحهم بإهانتي، فلست مشاركا لهم في عبادة العجل، فلم أرض فعلهم وقد أنكرته عليهم وأنا برئ منهم.
151. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: فقال موسى يا ربي اغفر لي فعلي بأخي، واغفر لأخي تقصيره مع قومي، وتغمدنا برحمتك الواسعة وحلمك الكثير، فأنت أرحم الرحماء، وأكرم من تجاوز عمن أساء، فرحمتك ملأت الأرض والسماء.
152. إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ: إن الذين عبدوا العجل من دون الله سيصب الله علليهم غضبه وعذابه وأليم عقابه في الآخرة، وسوف تلحقهم المهانة الذلة والحقارة في الحياة الدنيا ومثل هذا الجزاء جزاء كل كاذب على الله بعبادة غيره والإشراك معه سواه، ووصفه بما لا يجوز سبحانه ونسبة ما لا يحل له تعالى.
153. وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ومن ارتكب المعاصي واقترف الذنوب ثم تاب، تاب الله عليه، مع إيمان صادق بالله ورسله وكتبه، فالله من بعد هذه التوبة يغفر لهم ذنوبهم، ويرحمهم برحمته الواسعة؛ لأنه كثير الغفران رحيم رحمن.
154. وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ: ولما زال عن موسى الغضب أخذ ألواح الكتب التي رمى بها وهو غضبان، وفيها إرشاد وموعظة وأحكام مفصلة وبشرى ورحمة واسعة لمن خاف ربه وخشي مولاه، وخاف إلهه.
155. وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ: واصطفى موسى من قومه سبعين رجلا ليكونوا معه عند مفاجأته له؛ ليشهدوا صدقه ويعلموا حاله، فلما حضروا معه: طلبوا رؤية الله جهرا فأصابهم الله بالزلزلة، والصعقة، فقال موسى أسفا متحسرا: يا رب لو أردت أهلكتنا قبل هذه الميقات، فماذا أقول إذا عدت إلى بني إسرائيل وقد هلك السبعون، فيا رب: لا تعذبنا بفعل الجهلاء الطائشين منا، وهذا امتحان واختبار منك، تضل من أردت وتهدي من أحببت، بيدك الأمر كله، أنت متولي أمورنا، بيدك نفعنا وضرنا، فاغفر يا ربنا ذنوبنا، وارحم ضعفنا برحمتك الواسعة، وأنت خير من غفر الذنب، فأنت تغفر تكرما لا لنفع تريده، وتتجاوز فضلا لا لمصلحة من العباد.
156. وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ: وقدر لنا يا ربنا في هذه الدنيا خيرا كثيرا من الصحة والغنى والعزة والعمل الصالح، واجعل لنا في الآخرة الجنة والرحمة والمغفرة من الذنوب، إنا عدنا إليك مستغفرين تائبين نادمين على ما فعلنا، فقال الله لموسى: إن هذا العذاب الذي عذبت به بني إسرائيل مثل الرجفة أعذب به من أشاء من العصاة، ورحمتي شملت كل شىء من المكلفين وغيرهم، وهي الرحمة الواسعة التي سبقت غضبه سبحانه وتعالى فهو أرحم الراحمين، ويقدرها سبحانه لمن اتقاه فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولمن اجتنب الشرك وكبائر الذنوب، والذين يؤدون زكاة أموالهم المفروضة عليهم ويتطهرون بها من الدنس، ويزكون أرواحهم بها من المعاصي والذين يصدقون بآيات الله ولا يكذبون رسل الله.
157. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: هؤلاء هم الذين يقتدون بالنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي شرفه الله بالرسالة وأكرمه بالنبوة وأيده بالعصمة، وهو أمي لا يقرأ لا يكتب؛ ليكون ذلك أتم للمعجزة، وهذا النبي العربي مكتوب عند اليهود في التوراة وعند النصارى في الإنجيل، وهو يأمر أتباعه بكل خير دلت عليه الفطرة السليمة والعقل الصريح والنقل الصحيح، ويحذرهم وينهاهم عن كل منكر استقبحته النفوس وحرمته الشرائع، ويحل لهم من الطعام والشراب واللباس كل ما طاب وكل حلال مستلذ ليس بخبيث ولا نجس ولا ضار، ويحرم على أتباعه كل خبيث من قبائح المأكولات والمشروبات والملبوسات التي تنفر منها الطباع السليمة والفطر المستقيمة، وتحرمها الادلة الصحيحة وهو يحط عنهم كل ما ضايقهم من الأوامر الشديدة الغلية، وكل ما يكلف عليهم ويشق عليهم، فهو بعث باليسري وبالبشري صلى الله عليه وسلم، وجاء بما ينسخ كل حكم فيه مشقة على النفوس كان يعمل به في الشرائع السابقة، فالذين صدقوا به واتبعوه وآمنوا بما أرسل به وناصروه ووقروه وحموه من عدوه وجاهدوا معه واهتدوا بالهدى الذي بعث به وهو القرآن والسنة المطهرة، فهؤلاء هم الذين فازوا في الدنيا والآخرة، فازوا بالهداية والاستقامة والجنة والرضوان.
158. قُلْ يأيها النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: قل أيها الرسول للناس جميعا: إن الله أرسلني إلى الثقلين الجن والإنس وإلى البشر كافة، فدعوتي عامة شاملة لكل إنسان، والله الذي أرسلني هو المستحق للعبودية؛ لأنه الذي ملك السموات والأرض وصرفها ودبرها فملكه ملك تام جل في علاه فهو المستحق للألوهية، وهو سبحانه وتعالى الذي يوجد من العدم، ويخلق الخلق، وهو يفنيهم، فهو الرب وحده الذي له صفات الربوبية، فحقه أن يعبد وحده، فعليكم بتصديق ما أنزل الله وما أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه الله بالنبوة والذي جعله سبحانه وتعالى أميا لا يقرأ ولا يكتب؛ ليكون أتم للمعجزة، وهذا النبي مصدق لما أنزل الله من الكلمات الشرعية، فعليكم بتصديقه وامتثال أمره والاقتداء به صلى الله عليه وسلم والاتساء بسنته المطهرة، فإن هذا هو الفلاح في الدنيا والآخرة، والفوز الأعظم الذي يوصلكم إلى رضوان الله ورحمته وجنته.
159. وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ: وهناك طائفة كبيرة من أمة موسى يرشدون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وهم مداومون على الحق يقولون به ويقضون به ويعملون به فأجرهم على الله.
160. وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: وقسم الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل إلى اثنى عشر سبطا، والسبط هو: ولد الولد أو ولد البنت، وهو ما يقارب القبيلة، فقسمهم إلى هذه الأقسام، وأوحى الله إلى موسى لما طلب منه قومه السقيا، فأمره سبحانه وتعالى أن يضرب الحجر بعصاه، فلما ضرب موسى بسم الله الحجر انفجر هذا الحجر اثنتي عشرة عينا بعد هؤلاء الأسباط؛ ليعرف كل سبط منهم عين الماء المخصصة له: ليقل الزحام وليرتفع الخصام، ولتتميز هذه الأقسام، فأخذوا يشربون الماء البارد، ورزقهم الله سبحانه وتعالى الظل الوارف بأن ظلل عليهم الغمام ونجاهم من الحر، وهيأ لهم الطعام من المن وهو الحلوى، والسوى وهو الطير السمين، ثم أمرهم سبحانه وتعالى أن يأكلوا من هذا الحلال الطيب اللذيذ من رزقه سبحانه ويشكروه ولا يكفروه، ولكنهم ردوا نعمة الله عزوجل وجحدوا معروفه واحسانه وعصوا أمره، قال سبحانه: وما ظلمونا بهذه المعاصي فالله لا تضره معصية العاصي، ولكنهم ظلموا أنفسهم، فسوف يقع بهم العقاب، وينزل عليهم العذاب.
161. وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ: واذكر أيها النبي يوم قلنا لبني إسرائيل مع موسى ادخلوا بيت المقدس وتناولوا ما أحل الله لكم من الطيبات واقبلوا رزق الله سبحانه وتعالى واستغفروا ربكم، وقولوا: يا ربنا حط عنا سيئاتنا، واسجدوا سجدة الشكر له، سبحانه وتعالى فإذا فعلتم ذلك غفر الله لكم خطاياكم وذنبوكم، وستر عيوبكم، وتجوز عن سيئاتكم، ومن كان منكم محسنا زاده الله بهذا الاستغفار درجات وكتب له حسنات.
162. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ: ولكن لخبثهم ولسوء طبائعهم غيروا الكلمة التي أمرهم الله بها وهي حطة فقالوا: حنطة في شعرة وكانوا ظالمين متجاوزين في ذلك الحد، فأنزل الله عليهم عذابا من السماء، وغضبا ماحقا، ورجزا ساحقا، بسبب معاصيهم وتجاوزهم الحد ومخالفتهم أمر الله.
163. وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: وأسأل أيها النبي ذرية أولئك اليهود عما وقع على أهل القرية "إيلات" على ساحل البحر الأحمر يوم كانوا يتجاوزون حدود الله وقد نهاهم أن يصيدوا يوم السبت فتعرضوا للصيد يوم السبت، وكان من ابتلاء الله لهم أن الأسماك كانت تأتيهم يوم السبت الذي نهوا عن الصيد فيه، ويوم ينتهي السبت لا تأتي بقية الأيام، وهذا امتحان عظيم واختبار كبير؛ لأنهم عصوا الله عزوجل وخالفوا أمره وعصوا رسوله، فجعل الله هذه البلية عليهم.
164. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: وأتت طائفة كانت تعظهم، ثم يئست من صلاحهم، وقالت لطائفة ما زالت تعظهم وتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر: لماذا تنصحون هؤلاء وقد كتب الله عليهم الهلاك؛ لأنهم خالفوا أمره فلا مصلحة من نصحهم ولا خير في وعظهم، فهم متعرضون للمحق وللفناء أو للعذاب الشديد، فقالت هذه الطائفة نحن ننصحهم ليكون عذرا لنا عند ربنا سبحانه وتعالى لئلا نشاركهم في ذلك، وربما أن الله عزوجل يصلحهم بوعظنا، فلعل الله أن يهديهم بما ننصحهم به وهذا مقصد من مقاصد النصيحة فإنها واجبة وإن تيقن الناصح عدم انتفاع المنصوح بها.
165. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: فلما أعرض عصاة هذه القرية وخالفوا أمر الله ولم يمتثلوا وعظ الواعظين أنجى الله الذين نصحوهم سواء من يئس من نصحهم، أو من استمر في نصحهم وأهلك العصاة ودمرهم بعذاب شديد وبعقاب أليم لمخالفتهم أمر ربهم والخروج عن طاعته.
166. فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ: فلما تجبر هؤلاء وتكبروا وتجاوزوا الحد وأعرضوا عن أمر الله عزوجل وارتكبوا معاصيه مسخهم الله قردة أذلة حقارا مطرودين من رحمة الله مبعدين من رضوانه، وهذا جاء من خالف أمر الله وارتكب نهيه.
167. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: واذكر أيها النبي حين أعلم ربك إعلاما ظاهرا صريحا ليسلطن على اليهود إلى يوم القيامة من يذلهم ويستولي عليهم ويتسلط عليهم بذنوبهم؛ لأنهم خالفوا شرع الله عزوجل: لأن الله سبحانه وتعالى سريع العقاب لمن عصاه، وهو غفور يتجاوز عن سيئات من أطاعه ويرحم من أقبل عليه وتاب وأناب.
168. وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: ووزعنا اليهود في الأرض فلا يوجد بلد إلا وفيه يهود في الأكثر، منهم أخيار استقاموا على الشرع وآمنوا بالرسالة، ومنهم كفار فساق خرجوا عن طاعة الله، وامتحنهم الله سبحانه وتعالى بالمصائب وبالنعم، وبالخوف والأمن، والشدة والرخاء، لعلهم أن يراجعوا أنفسهم ويعودوا إلى ربهم ويتوبوا إلى بارئهم.
169. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ: فجاء من بعد هؤلاء الأقوام ذرية وخلف سىء ورثوا علم التوراة، ولكنهم أخذوا الرشوة في الأحكام، وأكلوا السحت والتعامل بالحرام، وحرفوا آيات الله مقابل متاع قليل زائل من الدنيا، ويقولون سيغفر الله لنا بأمانيهم الباطلة، وكلما أتاهم مال آخر من الحرام أكلوه، ويتمنون على الله الأماني بالمغفرة، وقد أخذ الله عليهم في التوراة ألا يقولوا إلا الصدق، ولا يحكموا إلا بالحق، وقد قرؤوا ما في التوراة وفهموا وعلموا، لكنهم عصوا الله على علم، واعلموا أن الآخرة بما فيها من نعيم دائم وخلود مستمر خير وأبقى من هذا الدنيا الزائلة والمتاع الفاني، الذين يبيعون دينهم به ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا من أجل دنيا سوف تضمحل عما قريب.
170. وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ: وأما الذين يلتزمون أوامر الكتب المنزلة من عند الله عزوجل ويعملون بما فيها ويداومون على الصلاة في أوقاتها، ويحافظون على ما تدعو إليه الصلاة من أوامر ويجتنبون ما تحذر عنه نواه فهؤلاء صالحون والله لا يضيع ثواب المصلحين، ولا يبطل سعيهم، وسوف يحفظ لهم أجرهم، فهم صالحون في أنفسهم مصلحون لغيرهم.
171. وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: واذكر يوم رفعنا جبل الطور فوق رؤوس بني إسرائيل كأنه سحابة، وهددناهم بإيقاعه عليهم إذا لم يلتزموا أمر الله سبحانه وتعالى ويوفوا بالميثاق ويأخذوا ما آتيناهم من الرسالة بعزم وجد وعمل ويتذكروا ما في التوراة ويعملوا بها؛ لعلهم أن يتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
172. وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ: وإذ أخرج الله من أصلاب بني آدم ذريتهم وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن؛ وحين أخرجهم من أصلاب آبائهم، قررهم بإثبات ربوبيته بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه ربهم وخالقهم ومالكهم، فقالوا: بلى أقررنا بذلك ذلك لأن الله فطر عباده على الدين الحنيف القيم؛ ولكن الفطرة قد تتغير وتتبدل بما يطرأ عليا من العقائد الفاسدة فالله سبحانه وتعالى أقام عليهم هذه الحجة والبرهان؛ لئلا ينكروا يوم القيامة فلا يقروا بشىء من ذلك ويزعموا أن حجة الله عليهم لم تقم وليس عندهم علم بذلك وغفلوا عنه، فاليوم انقطعت عنهم الحجة وثبتت الحجة البالغة لله الواحد القهار.
173. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ: أو تقولوا: إن الذين أشركوا هم آباؤنا، ونحن جئنا بعدهم فحذونا حذوهم فاتبعناهم واقتدينا بهم، ونحن لم نعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ، فكيف تعذبنا يا ربنا بما فعل هؤلاء الآباء، فإنهم هم الذين سنوا الشرك بك ونحن جهلاء لا نظر عندنا.
174. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: ومثل البيان للميثاق السابق نبين الآيات البينات والمعجزات الظاهرات ليتدبرها أهل الفطر السليمة والأنظار المستقيمة؛ وليتوبوا من الشرك ويعودوا إلى التوحيد ويؤمنوا بالله وحده.
175. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ: وقص عليهم يا محمد وأخبرهم بخبر ذلك الرجل الذي آتيناه علما من علم الأنبياء الذي أنزله في كتبه، وهو من علماء بني إسرائيل بعلم بن باعوراء فترك العمل بآيات الله وأهملها وتبرأ منها، فاستولى عليه الشيطان وصار قرينة، يتبع أوامره ويقتدي به، وصار من رؤوس أهل الضلالة، ومن أئمة الغواية ومن أكبر المفسدين.
176. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ: ولو شاء الله له الرفعة والمكانة العالية والدرجة السامية؛ لأكرمه وجعله عاملا بعلمه، متبعا لآيات ربه مهتد بهداه، ولكنه اتبع هوى نفسه الإمارة بالسوء وآثر الدنيا على الآخرة وركن إليها، وآثر المتاع الزائل الرخيص على النعيم الباقي الدائم في جنات النعيم، فمثله مثل الكلب إن تطرده وتزجره يلهث، وإن تتركه يلهث، فهو مكروب دائما، ويركض وراء شهواته، وهذا الرجل يركض وراء الدنيا كركض الكلب وراء ما يريده، وهذا المثل الدنئ الرخيص الخسيس هو مثل القوم الذين يكذبون بآيات الله من اليهود والمشركين وغيرهم بعد أن اتضح لهم أنها من عند الله، فعليك أن تخبر الناس بهذه الأمثال وتقص عليهم هذه القصص؛ لتكون عبرة وعظة لعلهم يتفكرون ويتدبرون.
177. سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ: بئس هذا الوصف والمثل، مثل الذين كذبوا بآيات الله وجحدوا رسالته وحاربوا رسله، فهم الذين ظلموا أنفسهم بالتكذيب، وتسببوا في العذاب النازل بهم لكفرهم.
178. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: الذي يوفقه الله سبحانه وتعالى للخير وللإيمان وللعمل الصالح، فهو المهتدي حقا، والذي يخذله ولا يهديه سواء السبيل ولا يرشده، فهو الذي خسر الخسارة الكاملة التامة.
179. وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ: ولقد خلقنا للنار كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لكنهم لا يفقهون بها الحق، ولا يفهمون بها الأدلة، ولا يتبصرون بها النصوص الشرعية، ولهم أعين لا يشاهدون بها قدرة الله ووحدانيته وآيات عظمته في الكون، ولهم آذان لكن لا يسمعون بها النصائح والمواعظ سماع قبول، دبروا عمل هؤلاء إنهم كالبهائم في عدم استفادتهم من الحواس والجوارح التي وهبهم الله، بل هم أضل من البهائم؛ لأن البهائم تعرف بقدر ما أعطاها الله ما ينفعها وما يضرها في معيشتها، أما هؤلاء فلا يميزون بين الحق والباطل، وهم معرضون عن آيات الله عزوجل ساهون عنها لاهون.
180. وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: وله سبحانه وتعالى الأسماء الحسنى التي سمى بها نفسه من التسعة والتسعين اسما وغيرها، فالواجب أن يدعى بها، وأن يناجي بها، ولا يحرف فيها ولا يسمى سبحانه وتعالى بأسماء لم ينزل بها منه سلطان في الكتاب ولا في السنة، فالواجب التقيد بها؛ لأنها توفيقية، والواجب ترك من مال عن هذه الأسماء وألحد فيها فحرفها وسمى الله بغير أسمائه الشرعية، فهؤلاء عقابهم عند الله سيجزيهم وصفهم ويلقون جزاء افترائهم.
181. وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ: وممن خلق الله عزوجل من الأمم والناس فريق كثير هم على خير وهدى وبصيرة، يدعون إلى الحق، وينهون عن الباطل، ويحكمون بالعدل في أحكامهم ويستضيئون به.
182. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ: وأما الذين كذبوا بآيات الله الشرعية في كتاب الله وجحدوا بها وكفروا، فهؤلاء مصيرهم إلى الله سوف يأخذهم قليلا قليلا إلى الهلاك من حيث لا يعلمون، ويستدرجهم إلى مهاوي الهلاك بنعم لم يشكروا الله عليها، وبنقم مخبأة في نعم ، ومحن مستورة في منح، فإن كيده متين سبحانه.
183. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ: ويمهلهم سبحانه وتعالى ويؤخر لهم العقوبة لتدبير عظيم خفي محكم قوي لا يطاق، فإنه سبحانه وتعالى له في إهلاك أعدائه من الوسائل التي تحار فيها العقول، وتذهل منها الأذهان ما لا يدور بالخيال، فكيده سبحانه ذاك الكيد القوي المبرم المحكم الذي لا يستطيع البشر له.
184. أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ: أغفلوا ولم يتفكروا في حال نبينا المرسل إليهم الذي رموه بالجنون، والواقع أنه ليس به جنون، وما هو إلا نذير يبين لهم شرع الله ويحذرهم من عذاب الله وعقابه.
185. أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ: لماذا لم يتفكروا وينظروا نظر اعتبار في أجرام السموات والأرض وهذا البناء الشاهق الضخم العظيم، وينظروا في كل ما خلق الله من الآيات الواضحة البينة على قدرته سبحانه وتعالى ويمكن أن أجلهم قد اقترب، وأن نهايتهم أوشكت، فلماذا لم يراجعوا أنفسهم؟ وإذا لم يؤمنوا بهذا الكتاب العظيم المعجز المفحم الخالد، فبأي حديث بعده، وبأي كلام يمكن أن يصدقوا ويتأثروا؟
186. مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ: من لم يوفقه الله عزوجل للهداية فلا موفق له، ولا مرشد له، وهو مخذوع هالك، والله سبحانه وتعالى يترك أعداءه في ضلالهم وفي حيرتهم تائهين، لا هادي يهديهم، ولا نصح ينفعهم، ولا موعظة تفيدهم.
187. يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: يسألك الكفار يا محمد متى الساعة ومتى قيامها ومتى موعد انتهاء العالم؟ فقل لهم: إن علم الساعة سر لا يعلمه إلا الله لم يخبر به ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا، ولم يطلع عليه إلا الله سبحانه ولا يظهره إلا وقت مجيئه والساعة عظيمة في السموات والأرض، فهي من أعظم الآيات ومن أدهى الأمور، ولا تأتي إلا فجأة دون أن يعلم أحد متى تجئ، فمجيئها يذهل العقول، وهؤلاء الكفار يسألونك يا محمد كأنك أنت مهتم بأخبار الساعة، تسأل عنها وتعرف أخبارها وتحيط بأشراطها، فأخبرهم أن علمها عند الله وحده، ولا يعلم علمها سواه سبحانه وتعالى لكن هؤلاء الجهلاء لا يعلمون أن الله وحده هو الذي يعلم، فهم في شكهم مترددون، ومنهم من هو منكر للساعة، ومنهم ما هو مرتاب فيها.
188. قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لأسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: وأبرهم أيها النبي أنك لا تستطيع أن تجلب نفعا لنفسك لم يرده الله، ولا تستطيع دفع ضر وقع بك إلا ما أراد الله دفعه، فهو سبحانه وتعالى المقدر لكل نفع وضر، فبيده الخير والشر، وهو الذي قضي كل الأمور ولو كنت أنت تعلم الغيب لاسكثرت من جلب الخير لنفسك، وحرصت على كل نفع، واقتنصت كل فرصة؛ لأنك قد اطلعت على مناسباتها، ولو كنت تعلم الغيب ما مسك الضر، فكنت متحصنا متحذرا تتوقاه، لكنك لا تعلم الغيب، ومهمتك أنك إنما هي النذارة، أن تكون نذيرا لمن عصى الله بالنار، ومبشرا لمن أطاعه بالجنة، ولكن الذي يستفيد منك من نذارتك وبشارتك هم المصدقون المتبعون لك المؤمنون بما جئت به.
189. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ: الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقكم من آدم ثم خلق من آدم حواء من شكله ليأنس بها ويسكن إليها، فلما غشيها آدم حملت حملا خفيفا فذهبت وأتت وهو في بطنها، فلما كبر هذا الحمل دعا آدم وحواء الله سبحانه وتعالى وعاهداه لئن أتاهما ولدا سليما من العاهات صالحا من غير نقص ليشكرن نعمة الله عزوجل على هذا العطاء.
190. فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ: فلما آتاهما الله عزوجل هذا الولد الصالح السليم من العاهات التام الخلقة، أخذا يسميانه عبد الحارث بوسوسة من الشيطان، والعبودية إنما هي له وحده سبحانه وتعالى ولا يجوز صرف شىء منها لغيره، فسبحانه أن يكون له شريك، وتقدس سبحانه أن يكون له ولد، وتعالى أن يكون له ند أو ضد.
191. أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ: كيف يشرك الناس بالله معه آلهة أخرى من الأصنام، وهي لا تخلق شيئا ولا ترزق أحدا، وإنما الخالق هو الله وحده سبحانه فهو أحق بأن يعبد، والخلق أعظم آية من آياته سبحانه وتعالى ولذلك ذكرت عند ذكر الألوهية والشرك كثيرا.
192. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ: وهذه الأصنام لا تملك لمن عبدها نصرا، فهي لا تدفع عنه ضرا، ولا تجلب له نفعا، وهم أنفسهم يعجزون عن نصر أنفسهم عند نزول البأس بهم والعذاب، إنما الذي يملك النصر هو الله عزوجل، والذي يملك النفع والضر هو وحده تبارك وتعالى.
193. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ: وإن تطلبوا من الأصنام الهداية لا تهدي لنفسها، فكيف تهدي غيرها، ولجمادها لا تسمع ولا تعي، فسواء خاطبها الإنسان بكلام أو سكت فيه لا تدري ما يقال لها.
194. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: وهذه الأصنام التي يعبدها الناس من دون الله هي مخلوقة كما أنكم مخلوقون، وهي خاضعة لقدرة الله ومملوكة له، فإن كنتم شاكين في نفعها وضرها فاطلبوا منها أن تنفعكم، أو أن تدفع عنكم ضرا إن كنتم صادقين أنها تملك ذلك، أو أن لها حياة، أو أن لها تأثيرا، فسوف ترون أنها لا تملك نفعا ولا ضرا، فالذي يجيب الدعاء ويكشف الضراء، ويدفع البأساء، ويجلب النعماء، ويأتي بالرخاء هو رب الأرض والسماء.
195. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ: ألهذه الأصنام التي عبدتموها وسجدتم لها، ألها حياة؟ ألها جوارح؟ ألها آلات تستخدمها في مزاولة أعمالها؟ هل لها أرجل تمشي بها لأداء أغراضها؟ أم لها أياد تعمل بها وتأخذ وتعطي؟ أم لها أعين تبصر بها وتشاهد؟ أم لها آذان تسمع بها ما ينفعها؟ قل ادعوا شركاءكم من هذه الأصنام واستعينوا بها، ثم كدوني إن أردتم وحاربوني بها ولا تمهلوني ولا تتأخروا في إضراري إن استطعتم، وهذا غاية التحدي ونهاية الثقة بالله عزوجل والتوكل عليه، فهم وأصنامهم لا يملكون نفعا ولا ضرا، بل هم أذل وأضل من أن يضروا من خالفهم؛ لأنهم يحاربون ملك الملوك لا إله إلا هو.
196. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ: ولي وناصري هو الله الواحد الذي نزل الكتاب ليكون نذيرا للعالمين وهو جل جلاله يتولى الصالحين الذين صلح بالهم وصلحت أعمالهم.
197. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ: وهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله لا تجلب لكم نفعا ولا تدفع عنكم ضرا، وهي عاجزة عن نصر أنفسها، فكيف تنصركم؛ إنها جامدة خامدة هامدة.
198. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ: وإذا طلبتم من هذه الأصنام أن تهتدي وخاطبتموها بالكلام والمواعظ فإنها لا تسمع؛ لأنها حجارة جامدة، وتراها وهي مصورة كأنها تنظر إليك إذا قابلتها، وهي لا تبصر ولا ترى؛ لأنها حجارة منحوتة جامدة.
199. خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ: خذ أيها النبي من أخلاق الناس ما سهل وما تيسر وما جادوا به دون إعانات منهم أو طلب الزيادة منهم، بل ما أتاك من الواحد منهم فاقبله ولا تكلفهم شططا وتريد منهم أكثر مما يستطيعون، عليك أن تأمرهم بكل مستحسن عقلا وشرعا من الأقوال والأعمال، وهو ما يوافق الفطر السليمة، والعقول الصحيحة، وأعرض عن السفهاء والحمقى والجهلاء، فلا تعاملهم بجهلهم وسفههم وترفع عنهم، فإنك على هدى مستقيم.
200. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: إذا وسوس إليك الشيطان بشىء من الفساد والأمر بالسوء فاستعن بالله عليه والتجئ إلى الله سبحانه وتعالى واسأل ربك أن يدفع عنك مكره ووسوسته، فإن الله يسمع الدعاء ويعلم بالحال، ويطلع على الأعمال وكفى به حسيبا.
201. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ: إن المتقين الذين اتقوا ربهم وخافوا عقابه وعملوا بأوامره واجتنبوا نواهيه إذا أصابهم أو ألمت بهم وسوسة أو نزغ من الشيطان تذكروا ربهم سبحانه وتعالى وما أعد لأعدائه، فخافوه واستيقظوا من غفلتهم، وقاموا من كبوتهم، واستغفروا من زلتهم، فإذا هم يبصرون الخطأ ويكتشفون السوء، ويرون الطريق المستقيم فيعودون إلى رشدهم.
202. وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ: وإخوان الشياطين من الكفار المشركين يعاونونهم في الضلال، أو أن الشياطين يعاونون الكفار على الشرك والفساد في الأرض، وهم لا يكفون عن إفسادهم ودعوتهم إلى الباطل والإمعان بهم في الضلال، ولا يقصرون عن ذلك، بل هم دائما وأبدا في أفعالهم المشينة، وأعمالهم القبيحة، مستمرون منتهكون لمحارم الله.
203. وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: وإذا لم تأت أيها النبي هؤلاء المشركين بمعجزة مما طلبوا أو بآية من القرآن فإنهم يقولون لك: هل اخترعتها أنت من عند نفسك؟ فأجابهم أنك نبي مرسل من عند الله وعبد مأمور تتبع وحي الله عزوجل ولا تستطيع أن تأتي بالآيات من عندك، ولا تستطيع أن تخترع المعجزات، ويكفي هذا القرآن فإنه ينير القلوب في ظلماتها، وفيه براهين صادقة وأدلة واضحة ونور تام يميز بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وفيه هداية يرشد به الله من شاء من عباده، ورحمة لمن اتبعه وآمن به وصدقه وامتثل أوامره.
204. وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: وإذا سمعتم كتاب الله سبحانه وتعالى يتلى عليكم في الصلاة وغيرها فاستمعوا للتفهم والتدبر، وانصتوا للتعقل والتفكر والتفقه،ودعوا الشواغل والكلام عند استماع تلاوته لعلكم تتالون رحمة الله عزوجل وتظفرون برضوانه وتمتثلون أمره وتنالون كرمه وتحوزون ما عنده سبحانه وتعالى من قبول وحظوة فإن هذا الكتاب طريق لكل هداية، ومرشد لكل فلاح.
205. وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ: وعليك بذكر الله عزوجل مداوما عليه، واستمر على تذكره في نفسك بالدعاء والذكر والابتهال، وتوسط في ذكر الله فلا تجهر به فيكون سببا للتشويش على الناس وعلى النفس، لا تسر فلا تسمع نفسك ومن حولك، وعليك بذكر الله عزوجل في صباح كل يوم ومسائه، ولا تكن من المعرضين عن ذكره، اللاهين عن عبادته، الصادين عن آياته.
206. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ: وعليكم أيها المؤمنون أن تتشبهوا بالملائكة، فإنهم خاضعون لله عزوجل خاشعون لأمره طائعون له جل في علاه يذكرونه كل وقت وآن، لا يسأمون ولا يفترون، مع الخضوع التام والخشوع الكامل والتبتل إليه بالعبادة؛ فكونوا مثلهم في طاعتكم وفي إخباتكم وسجودكم، تنالوا رضوان ربكم وتفوزوا برحمة مولاكم.
سورة الأنْفــال
1. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: يسألونك يا محمد عن قسمة غنائم المعركة، فأخبرهم أن حكم قسمتها عند الله والرسول، فعليكم أنتم بتقوى الله وطاعته وخشيته والإنابة إليه، تصلح أموركم ويرزقكم من فضله، فحق الله تقواه، وحق الناس صلاح ذات البين بترك الخلاف والشقاق واجتناب البغضاء والشحناء، وأعيدوا كل خلاف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فبهذا تحققون طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن أصلح ما بينه وبين الله وما بينه وبين الناس وحكم الكتاب والسنة في حياته أفلح وفاز بخيري الدنيا والآخرة، هذا لمن كان صادقا في إيمانه مخلصا في طاعته.
2. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: والمؤمنون الكاملون هم الذين تخاف قلوبهم عند ذكر مولاهم ويزدادون إيمانا عند سماع آياته، ويفوضون أمرهم إلى ربهم، ويثقون به لا سواه، وفي الآية فضل الخوف من الله والهيبة له عند ذكره، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن التوكل على الله من أجل الأعمال وثمرته العز والقوة.
3. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: هؤلاء المؤمنون الصادقون يؤدون الصلاة على أكمل وجه في وقتها بخشوعها وآدابها، ويعطون زكاة أوالهم لمستحقيها، ويتصدقون بفضول ما رزقهم الله، فهم يؤدون زكاة الروح الصلاة، وزكاة المال الزكاة.
4. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: هؤلاء المؤمنون هم من صدق في إيمانه وأحسن في عمله، فهم الذين وصلوا إلى الحقيقة، ولزموا أجمل طريقة، لهم عند ربهم منازل رفيعة، ومراتب عالية من الإكرام في دار السلام والإنعام، في جوار الملك العلام مع غفران الذنوب، فلا تبعة عليهم ولا عقاب، ولا مؤاخذة، مع رزق لا تتغيص فيه، وعطاء لا كدر معه، ونعيم لا شائبة تشوبة.
5. كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ: كما كره بعض المؤمنين قسمة الغنائم يوم بدر كذلك كرهوا الخروج معك للقتال، مع أن خروجك للغزو من بيتك مصلحة ظاهرة، وصواب متيقن، ورشد واضح، أذن الله به وأحبه واختاره لك، وكان بعضهم كارها للخروج لقلة العتاد وضعف الاستعداد، فكان عندهم للنصر استبعاد.
6. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ: يجادلك هؤلاء المؤمنون في خروجك إلى بدر، وهو أمر مشروع، وخروج موفق، وسفر راشد، فكأنهم لشكهم في النصر يدفعون إلى الموت دفعا من شدة الخوف ورهبه الموقف وكراهية القتال والحذر من النزال.
7. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ: وتذكروا حين وعدكم الله إما طائفة العير القادمة من الشام بالطعام، وإما طائفة قريش القادمة من مكة بالسلاح، وتريدون أنتم طائفة العير غير المسلحة؛ لتكون غنيمة باردة لكم بلا قتال، لكن الله يريد إعزاز الدين وهزيمة الكافرين وتمحيص المؤمنين والنصر لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ ليعلو الحق على الباطل وأهله، ويستأصل الكفار عن آخرهم.
8. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ: لينصر دينه وعباده ويؤيد أولياءه ورسالته، ويهزم الكفر وأتباعه ويذلهم ويخزيهم ولو كره ذلك أهل الشرك وعبدة الطاغوت، فكلمة الله تامة، ودينه منصور، وحزبه غالب، وعدوه مخذول.
9. إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ: واذكروا وأنتم تسألون ربكم بإلحاح أن ينصركم على عدوكم فأعانكم بألف من ملائكة السماء يقاتلون معكم المشركين، وهؤلاء الملائكة يتبع بعضهم بعضا في صفوف متراصة. وفي الآية فضل الدعاء ونصر الله لأوليائه.
10. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: وما جعل الله إنزال الملائكة معكم إلا بإشارة بالنصر، ولتسكن قلوبكم من الخوف، والله الناصر وحده لا غيره، فلا أنتم ولا الملائكة من قدر النصر في بدر، ولكنه الله الذي يملك الأمر، وإنما قتالكم سبب له، والله قوي لا يغالب، قاهر لا يحارب، حكيم في أفعاله، يضع كل أمر موضعه للعلم الشامل والحكمة المتناهية، وفي الآية الجمع بين التوكل والأخذ بالأسباب.
11. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ: وتذكروا يوم ألقى الله عليكم النعاس ليلة بدر لتشعروا بالأمن والسكينة، ويذهب عنكم الخوف والقلق، وينزل عليكم من الغمام ماء طاهرا تتوضؤون به من الحدث وتغتسلون به من الجنابة، وليزيل عنكم وسوسة الشيطان. ولتقوية قلوبكم وإنزال الثبات عليها لئلا تصاب بالجبن والجزع، ولتثبت أقدامكم في الأرض بعد نزول المطر؛ لأنه شد الارض فتماسكت به بعدما كانت رخوة لينة، فثبت الله منهم القلوب بالأمن، والأقدام بالغيث.
12. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ: وتذكروا يوم أوحى الله إلى الملائكة أني معكم بنصري وتأييدي فثبتوا المؤمنين في بدر، وبشروهم بالنصر على أهل الكفر، وسوف أجعل الخوف في قلوب الكفار ليولوا الأدبار، فاعملوا سيوفكم في رقابهم لتقطع رؤوسهم، وقطعوا أصابعهم فلا يستطيعوا إمساك السيوف والرماح.
13. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: وسبب قتل المشركين؛ أنهم حاربوا الله ورسوله وعادوا دينه وجحدوا آياته، وكل من يعادي الواحد الأحد ويحارب ملك الملوك فتبا له وهلاكا وسحقا ومحقا، فالله قوي الأخذ شديد البطش سريع العقاب من حاربه خذله ومن عاداه أخزاه ومن قالته أهلكه.
14. ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ: ذلكم العقاب أيها الكفار الذي حصل لكم يوم بدر بأيدي الملائكة والمهاجرين والأنصار هو عذاب الدنيا، فذوقوا ألمه وتجرعوا غصصه، ولكم في الآخرة عذاب النار من الأغلال والأنكال وسوء المآل وقبح الحال.
15. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ: أيها المؤمنون إذا صففتم أمام الكفار وواجهتموهم في المعركة وهم أمامكم يزحفون إليكم فلا تفروا وقت اللقاء، ولا تنهزموا أمام الأعداء، بل عليكم بالثبات والصبر، وأبشروا بالنصر.
16. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: ومن يفر من مواجهة الكفار، ويولهم الأدبار، فقد باء بغضب الجبار؛ لأنه آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وشك في وعد الله، وأوهن الدين، إلا إذا كان قصده الانحراف للكر والفر، والمجاولة والمصاولة وخديعة العدو، أو أنضم إلى طائفة من المؤمنين يقاتل معهم، فمن فر بل عذر من هذه الأعذار فجزاؤه النار، وبئس القرار، مع غضب من الله شديد، فواجب على كل مسلم مصابرة أعداء الملة في كل ساحة من ساحات الجهات القتالية والعلمية والفكرية والأدبية وغيرها.
17. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: فأنتم لم تقتلوا المشركين بقوتكم، ولكن الله قتلهم بقوته ونصره، فهو الغالب على كل شىء، وأنت أيها الرسول ما رميت وجوه المشركين بالحصى حين رميت، ولكن الله هو الذي رمي وجوههم، فوقع الرمي عليهم، فهو الذي قدر وأعان وأيد وسدد ونصر، والله يمتحن المؤمنين بنصره لهم وإعزازهم وتأييدهم، وتمكينهم في الأرض، فهو سامع لكل مسموع، عالم بكل شى، يسمع الأقوال ويعلم الأحوال؛ فاختياره عن علم، وتقديره عن حكمة. وفي الآية أن الأسباب وحدها لا تكفي بل لابد من التوكل على الله وطلب العون منه.
18. ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ: ذلكم النصر الذي أيدكم الله به في بدر لامتحان المؤمنين، وإبطال الكافرين، وإفشال تدبير المشركين.
19. إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ: إن كنتم تسألون في دعائكم أيها المشركون أن ينصر الله أحق الطائفتين بالنصر قبل بدر فقد جاءكم الحكم في بدر بأن نصر الله أولياءه وهزم أعداءه، وأيد أهل الحق وخذل أهل الباطل، ومكن للمؤمنين وأهان الكافرين وإذا انتهيتم عن عدائكم للإسلام وتكذيبكم للرسول عليه الصلاة والسلام وعبادتكم للأصنام، فهو خير لكم في الدنيا والآخرة، وإن تعودوا لكيد الدين نعد عليكم بكيدنا المتين، فكلما حاربتم هزمناكم أبدا، ولن ينفعكم جمعكم مهما كثر، فالله أقوى وأجل، ولن ينصركم أحد من دونه، والله دائما مع أوليائه المؤمنين بالتأييد والتسديد والنصر والإعانة ومن كان الله معه فمن يخاف؟ ومن كان الله ضده فمن يرجو؟
20. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ: أيها المؤمنون، امتثلوا أمر الله واجتنبوا نهيه، واتبعوا رسوله تسعدوا وتفلحوا في الدارين، ولا تعرضوا عن هدى الله وهدى رسوله، وأنتم تسمعون القرآن والسنة بما فيهما من نصائح ومواعظ ووعد ووعيد.
21. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ: ولا تكونوا كمن كفر بالله وادعى سماع الهدى الذي أنزله الله على رسله، وفي الحقيقة أنهم لم يسمعوا سماع قبول واستجابة وعمل وفهم، وفقه ومعرفة، إنما كسماع البهائم للصوت لا للفحوى، وللفظ لا للمعنى.
22. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ: إن شر ما دب على وجه الأرض عند الله الذين صمت آذانهم عن سماع داعي الحق، وخرست ألسنتهم عن النطق بالصدق الذين لا فقه عندهم في المعاني، ولا فهم في المقاصد ولا إدراك للنافع والضار، ولا تميز بين الحق والباطل، فهم كالأنعام السائمة، والدواب الهائمة، فطر منكوسة، وبصائر مطموسة، جل مطبق، وسفه محقق.
23. وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ: ولو علم الله في قلوب هؤلاء الكفرة حبا للهداية واستعدادا لقبول الحق، وفطرة مهيأة للاستجابة، لأسمعهم سماع نفع وفقه يفهمون به الخطاب، ولو فرض أن الله أسمعهم صدوا عن الإيمان، وأعرضوا عن الاهتداء بالقرآن استكبارا وعتوا، وعنادا وفجورا.
24. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: أيها المؤمنون أحسنوا الاستجابة لله باتباع أمره واجتناب نهيه، واستجيبوا للرسول صلى الله عليه وسلم بحسن الانقياد له وجميل المتابعة والاقتداء بسنته؛ لأن في الاستجابة لله ولرسوله حياتكم السعيدة وعزتكم الغالية، ونصركم المجيد وفلاحكم الدائم؛ لأنكم بغير هذه الاستجابة أموات أذلة هالكون، وتيقنوا أن الله قدير أن يحول بينكم وبين قلوبكم، فيتصرف فيها كما يشاء فيسلب منها الإيمان ويذهب منها اليقين ويطمس منها الهدى ويحجبها عن النور، ثم إن المعاد إليه سبحانه والحساب عنده؛ ليجازي كل عامل بعمله، وهذا يوجب الحذر من زيغ القلوب والخوف من الرجوع إلى علام الغيوب، والبعد عن المعاصي والذنوب.
25. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: أيها المؤمنون احذروا فتنة قد تقع بكم لتقصيركم في الأتباع، وإهمالكم التناصح فتعم الجميع، وتأخذ الكل وتنال بضررنا الناس كافة لسوء فعل العاصي وسكوت البرئ كمن شاهد المنكر ولم ينكره مع قدرته على إنكاره، فيعاقب العامة بذنوب الخاصة، وتيقنوا أن الله شديد العذاب قوي العقاب، أليم الأخذ، إذا أخذ القرى أفناها، وإذا عاقب الشعوب أبادها، وإذا غضب أتلف وإذا بطش أهلك فيا من يرى سفينة الأمة تغرق بالمعاصي خذ على يد العاصي وإلا غرقت مع من غرق ولا عاصم يومئذ من أمر الله إلا من رحم.
26. وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وتذكروا أيها المؤمنون قبل الهجرة يوم كنتم في قلة وذلة تخافون المشركين وقد أحاطوا بكم وبسطوا عليكم الأذى والتعذيب والإساءة، فهيأ لكم المدينة مأوى يحميكم، وملجأ يمنعكم منه، ونصركم عليهم في بدر وغيرها، وهيأ لكم رزقا حلالا طيبا من الغنائم وسواها؛ لتشكروا ربكم بطاعته وحسن عبادته ومتابعة رسوله واجتناب ما نهى عنه، فمن دعائم الشكر تذكر ما مر من البؤس قبل النعم، والتفكر في الشدة التي سبقت الفرج؛ ليصدر الشكر من القلب.
27. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أيها المؤمنون لا تخونوا الله بنقض ميثاقه وترك أوامره وارتكاب معاصيه ونكث العهود والعقود التي قطعتموها على أنفسكم في العقائد والعبادات والمعاملات، ولا تخونوا الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج عن هديه والبعد عن سنته والوقوف مع أعدائه والتأليب على أتباعه، ولا تخونوا كل ما أؤتمنتم عليه من حقوق وواجبات وأسرار ومعاهدات وشروط ومعاقدات وأنتم تعلمون أن هذا الفعل حرام وأنتم متعمدون فعله.
28. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ: وتيقنوا أن أموالكم وأولادكم ابتلاء من الله واختبار ليظهر منكم من يغلب طاعته ومراده على مراد نفسه في حبه ماله وأولادهن ويتبين من يقدم محبوبات الله على محبوباته من مال وولد؛ لأن الولد مجبنة فلحبه يترك الجهاد مبخلة فلحبه يمسك المال محزنة ففقده داعية إلى الحزن، والمال سبب لكثير من الفتن والمعاصي والكبر والخيلاء والعجب وما عند الله من أجر ومثوبة في الآخرة مع النعيم المقيم في جنات النعيم خير من الأموال والأولاد، فلا تقدموها على طاعة الله ومرضاته ولا تضيعوا بسببها عبادته.
29. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: أيها المؤمنون إذا اتقيتم ربكم بفعل طاعته وترك معصيته أكرمكم بنور في قلوبكم تعرفون به الحق فتتبعونه وتعرفون الباطل فتجتنبونه وتميزون بين الخير والشر بنفاذ البصيرة وقوة الإدراك وبراعة التمييز لأن الفاجر مظلم البصيرة أعمى القلب موجوب الفهم لرين المخالفة على قلبه واستيلاء المرض على نفسه وبالتقوى يمحو الله ما سلف من الذنوب ويتجاوز عما تقدم وزلت به القدم مما يوجب الندم ويستر الخطايا لأنه جزيل العطايا ففضله عظيم وعطاؤه عميم ونواله جسيم.
30. وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ: وتذكر أيها الرسول يوم تآمر عليك أهل الضالة من قريش يريدون حبسك أو قتلك أو إخراجك من وطنك والحبس وراء القضبان والإخراج من الأوطان وإعدام الإنسان هذه الثلاث هي من أشد النكال وأفظع العذاب وأمر الأذى فبها كاد كفار قريش للرسول صلى الله عليه وسلم وهم بهذا يعقدون حبل المكر في الخفاء ويتآمرون في الظلماء، ولكن الله مبطل كيدهم محبط مكرهم، فهو خير من قدر فقهر، ومن إذا حارب غلب، فعدوه مخذول وخصمه هالك مدحور.
31. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: وإذا قرأت يا محمد على المشركين آيات الله من كتابه قالوا: سمعنا ما قرأت، وعرفنا ما تلوت، فما الجديد فيه وما العجيب فيما تلوت هذا كلام الأولين وخرافات السابقين كذبا منهم وزورا ويقولون نستطيع أن نقول مثله ونتكلم بما يشبهه فهو كلام عادي، عتوا منهم وصدودا.
32. وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: واذكر أيها النبي قول المشركين في دعائهم يا الله إن كان هذا القرآن الذي أتى به محمد وحيا منزلا من عندك فارمنا بحجارة من السماء تهلكنا يقولون ذلك استهزاء واستبعادا وتحديا وتبجحا ثم قالوا أو عذبنا بعذاب شديد من نوع آخر وهذا قول المستخف بعقوبة الله الآمن من مكر الله المستهزئ بآيات الله، وقد جاءهم ما كانوا يوعدون.
33. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ: ولم يكن الله ليهلكهم وأنت بين أظهرهم إكراما لك، فأنت سبب للأمان من عذاب الديان، والأمان الثاني استغفارهم وهو قولهم وهم يطوقون بالبيت: غفرانك، فأما الأمان الأول وهو وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فقد رفع عن كل مكذب بموته صلى الله عليه وسلم وبقى الاستغفار فمن أراد الأمن من غضب الجبار والبعد عن البوار، والنجاة من عذاب النار، وحسن المتاع في هذه الدار من صحة وذرية ومال وأمطار فعليه بالاستغفار.
34. وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: وما السبب الذي يمنع الله من تعذيبهم وقد استحقوه ولم لا يعذبهم على ما فعلوه، وهم يمنعون أهل الإسلام من دخول المسجد الحرام، ولا يصح لهم أن يكونوا أولياء الحرم والمؤتمنين على بيت الله وهم مشركون به مكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يستحق ولاية بيت الله من آمن بالله واتبع رسوله واهتدى بهداه وامتثل أمره واجتنب نهيه، فهذا الذي له حق الولاية وشرف الرعاية.
35. وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُـوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: وما كان صلاة المشركين في الحرم إلا تصفيرا وتصفيقا، فليس فيها عبادة لله ولا طاعة مشروعة ولا سنة متبعة وإنما ضلالة وجهالة وسفه فذوقوا يا أعداء الله عذاب الله في الدنيا بالقتل والأسر والهزيمة والعقوبات وفي الآخرة بالنار وغضب الجبار جاء على كفركم بالله ومحاربتكم أولياء الله.
36. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ: إن الكفار ينفقون أموالهم لمحاربة الله بمنع الناس من الدخول في دينه وإيذاء عباده والإفساد في أرضه، فهم ينفقونها ظانين أنها تنصرهم وتنفعهم، بينما هي ندم عليهم وخزي ونار وعار في الدنيا والآخرة، وسوف لا تنفعهم هذه الأموال، بل سوف يهزمون وفي الآخرة إلى النار ينساقون فكل من أنفق ماله في حرام وفواحش وآثام عوقب بالمصائب المقدمة في الدنيا من أمراض وأوبئة وكدر وتنغيص وفي الآخرة عذاب أليم على فعله الأثيم.
37. لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: والله سبحانه إنما فعل ذلك ليفرق بين أهل الحق وأهل الباطل ويجعل أهل الباطل بأقوالهم القبيحة وأعمالهم الباطلة وعلومهم الفاسدة وأموالهم المحرمة مركومة متراكبة، ثم يرمي بهم بها جميعا في نار جهنم، فهم الخاسرون حقا الذين خسروا حياة النعيم المقيم، وأشدهم عذابا.
38. قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ: قل يا محمد لمن كفر بالله إنهم إذا تركوا الشرك ودخلوا في الإسلام فإن الله سوف يغفر لهم ما سلف من ذنوب وخطايا وهذا من سعة رحمته وكريم عفوه سبحانه حيث عرض التوبة على أعدائه ترغيبا لهم في دينه، ولكنهم إن عادوا إلى حرب المؤمنين والكفر برب العالمين فسنة الله معروفة وطريقته بأعدائه معلومة قد سبقت في الأمم الماضية، وظهرت في القرون الخالية من تدميرهم وإهلاكهم والتنكيل بهم وتعذيبهم.
39. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: قاتلوا أيها المسلمون المشركين حتى تكسروا شوكتهم وتفلوا سلاحهم وتهزموا جمعهم وحتى لا تبقى قوة تحارب الحق ولا عصابة تصد عن الدين، ولتكون العبادة كلها لله، فلا يعبد غيره ولا يحكم بغير شرعه، ولا يسير الحياة إلا الإسلام، فإذا انتهى أهل الباطل عن حرب الإسلام وألقوا السلاح وتركوا المعاداة بأي بأنواعها فإن الله عالم بعملهم مطلع على سعيهم إن صدقوا وآمنوا أثابهم، وإن أصروا على الكفر عاقبهم، وفي هذا فتح باب الرجاء لكل ضال لعله يعود إلى رحمة ربه.
40. وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ: فإذا أبى الكفار الاستجابة وأعرضوا عن التوبة والإنابة، فالله معكم بنصره، وسوف يمحقهم؛ لأن من كان الله وليه فلا يخاف فهو نعم المعين على النوائب، والوكي في المهمات، والكافي في الأزمات، ونعم النصير على الأعداء ونعم الظهير على الفتن الدهياء تبارك اسمه وتقدست عظمته فمن أراد ولايته فليخلص له طاعته ومن أحب نصره فليطع أمره.
سورة الأنفال
41. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: واعلموا أيها المسلمون أن أموال الغنيمة تقسم خمسة أقسام، فأربعة أخماس الغنيمة للمجاهدين، وخمس لله ورسوله في مصالح المسلمين العامة، وسهم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للفقراء، وسهم للمسافر المنقطع في سفره، يفعل هذه القسمة من كان مصدقا بما أتى من عند الله مؤمنا به، مؤمنا بالقرآن الذي نزل على رسوله في بدر، اليوم الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه يوم تواجه جمع المسلمين وجمع المشركين، والله على كل شىء قدير، ومن قدرته أنه نصركم مع قلتكم على الكفار مع كثرتهم، وأعزكم وأذلهم، وأمكنكم منهم أسرا وقتلا.
42. إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ: وتذكروا يوم بدر يوم نزلتم بالجانب الأدنى من المدينة، والكفار نزلوا في الجانب الأبعد، وقافلة أبي سفيان أسفل من مكانكم الذي نزلتم به، ولو ضربتم بينكم موعدا أنتم والكفار لاختلفتم في هذا الموعد، ولا تم هذه اللقاء على هذه الترتيب الذي أراده الله، ولكن الله جمع بينكم على غير ميعاد؛ ليحقق لكم ما قدر من نصر على الكفار، ويخذلهم ويخزيهم، وهذا التقدير منه سبحانه ليكفر من كفر بعد قيام البرهان عليه، ويؤمن من آمن بعد وضوح الحجة له والله يسمع الأقوال سرها وجهرها، ويعلم الأفعال خافيها وعلانيتها، فبسمعه وعلمه أحسن التقدير وأتقن القضاء والتدبير، وعلم العواقب والمصير، فنصر من شاء بعلم، وخذل من أراد بحكمة.
43. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: ومن نعم الله عليك أيها النبي أن الله أراكم جيش المشركين قبل معركة بدر في المنام وهم قليلون، فتشجعتم على قتالهم وتحمستم للقائهم، ولو أن الله أراكهم في المنام كثيرين وأخبرت المسلمين بذلك لاختلفوا وترددوا في قتالهم، ولكن الله سلم من الفشل، وعصم من التخاذل، وأيد بنصره، وأنزل جنده، ولطف تأييده، فحصل الظفر، والله عليم بما أخفت القلوب وأكنت الصدور، فصار قضاؤه عن علم، وتقديره عن حكمة فقضى كل أمر بما يناسبه، ووضع كل شىء موضعه.
44. وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ: وتذكروا يوم التقيتم في بدر، فخيل إليكم أن جيش الكفار قليل بالرؤية البصرية، فثبتم وتشجعتم على القتال، وأيضا خيل إلى المشركين أن عددكم أقل من الواقع فتحمسوا لقتالكم، ولو رأوكم كثيرا لنكصوا، لأن الله يريد أن يتم القتال ويحصل النزال وتقوم المعركة لينصر أولياءه ويهزم أعداءه، ويعز دينه، ويخذل الباطل وأهله، فسبحان من إذا أراد شيئا سهل أسبابه وهيأ وسائله؛ ليتم أمره وينفذ قضاؤه وإليه وحده تعود عواقب الأمور ومصائر الأعمال، فيجازي كلا بما فعل من حسن وسوء.
45. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أيها المصدقون بما أنزل الله وبرسوله وبوعده ووعيده، إذا لقيتم الكفار في ساحة القتال، وقابلتموهم يوم النزال فالثبات الثبات والصبر الصبر؛ لنجز الله لكم ما وعد من النصر، واستعينوا على ذلك بكثرة ذلك الله، فإنه نعم المعين والزاد، وأقوى سلاح وعتاد، وأفضل عدة للجهاد، فمع ذكر الله تنزل الرحمات، وتكشف الكربات، وتغمر البركات فبالصبر والذكر والشكر يحصل الفلاح الأكبر، والفوز الأعظم هو الله جل في علاه وأفضل عمل هو الذكر، وأشق موقف هو الجهاد، فناسبه الذكر لسهولته وجلالته وحسن عوائده وجميل فوائده، ولو لم يكن للذكر إلا هذا لكفى، كيف والذاكرون هم السابقون المفردون الفائزون بخيري الدنيا والآخرة.
46. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ: وعليكم بطاعة الله ورسول بامتثال الأمر واجتناب النهي، ولا تختلفوا فتضعف قوتكم وتذهب هيبتكم ويفوتكم الظفر، وتحرموا النصر، وعليكم بالصبر على المكاره والتحمل عند الشدائد، فإن الله يؤيد الصابرين بعونه ويقويهم بتأييده، ويكرمهم بنصره. وفي الآية أن الطاعة والجماعة سبب للقوة وطريق للفوز والنصر، وأن الخلاف والوهن سبب للفشل والهزيمة.
47. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ: واحذروا أيها المؤمنون أن تكونوا كالمشركين الذين خرجوا من مكة إلى بدر فخرا وتكبرا وتجبرا وعتوا؛ يراؤون الناس بقوتهم لينالوا مدحهم ويمنعوا الناس من الإسلام، والله عالم بكل ما فعلوه، مطلع على جميع ما صنعوه، قد أحصى أفعالهم وأقوالهم في كتاب لينالوا اشد العقاب، ويذوقوا أقوى العذاب.
48. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ: وتذكروا يوم حسن الشيطان لعبدة الأوثان قتال أهل الإيمان، وضمن لهم النصر مكرا منه وخديعة، وكثر لهم عددهم وقوتهم، وزعم أنه سوف يجيرهم من الاعداء وينصرهم وقت اللقاء، فلما تواجه المؤمنون والمشركون وأبصر كل منهم عدوه، نكث ما عاهدهم عليه، وأخلف ما وعدهم به من النصر، وفر هاربا وشرد خائبا، وقال إني أتخلى عن نصركم ولا أستطيع جواركم، إني أرى من الملائكة الغلاظ الشداد الأقوياء مالا يستطيع لقتالهم ولا يقدر على نزالهم، إني أخاف الله أن يحيق بي عذابه وأن يهلكني بعقابه والله شديد العقاب لا يغالب قوي العذاب لا يحارب وفي الآية أن طريق الشيطان هو تحسين الخطأ وتزيين الضلالة، وإنه إذا ورط العبد تخلى عنه، فالواجب الحذر من تلبيسه والحيطة من تدليسه.
49. إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: وتذكروا حين يقول المنافقون والشاكون في الإيمان: انخدع هؤلاء المؤمنون بدينهم واغتروا وظنوا أنهم سوف ينتصرون على الناس وهم أذلة قلة ضعفاء، فأخبر سبحانه أن من اعتمد على الله وتوكل عليه وفوض أمره إليه نصره وأيده وأعزه ومكن له؛ فهزم عدوه ولو كان أقل منه وأضعف؛ لأن الله عزيز الجانب لا يغالب، يعز من انتصر به ويؤيد من توكل عليهن حكيم يدبر الأمور على أحسن تدبير وأتقن طريقة، فقوته معا حكمة عاصمة.
50. وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّ ىالَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ: ولو ترى أيها المسلم مشهد الكفار في سكرات الموت والملائكة يقبضون أرواحهم بعنف وينزعونها بقوة ويضربون وجوههم وظهورهم بمقامع من حديد تعذيبا وإذلالا لهم وتنكيلا بهم ويقولون تحقيرا لهم ذوقوا عذاب السعير المحرقة وجهنم المتقدة جزاء لفعلكم الاثيم وعملكم القبيح من الكفر والتكذيب.
51. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ: ذلك التنكيل بالكفار من ضرب الوجوه والأدبار، بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم رسول الله ومحاربتهم أولياء الله والصد عن منهج الله، والله لم يظلمهم بأن عذبهم بلا ذنب، بل هم مستحقون لهذا العذاب، والله عزوجل لا يظلم العباد، بل أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وأوضح لهم المحجة ولم يتركهم هملا بل بين لهم الحق والباطل، ثم جازاهم بمعدل.
52. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ: عادة هؤلاء المشركين كعادة قوم فرعون والذين من قبلهم، كلهم كفروا بآيات الله وكذبوا رسل الله، وسنة الله في هؤلاء كسنته في من قبلهم يعاقبهم بذنوبهم ويجازيهم بأفعالهم، فالله قوي بأسه، شديد عقابه، أليم عذابه، وهنا كفر العقيدة والتوحيد، فجاء بلفظ الجلالة الله وسوف يأتي كفر النعم والأيادي ليأتي بلفظ الرب، وإنما ذكر فرعون وقومه لاشتهاره بالاستكبار والإصرار ولادعائه الألوهية قاتلة الله، ولم يسبقه ولم يلحقه بهذا القول الأثيم القبيح أحد.
53. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: عادة هؤلاء المشركين كعادة قوم فرعون والذين من قبلهم، كلهم كفروا بآيات الله وكذبوا رسل الله، وسنة الله في هؤلاء كسنته في من قبلهم يعاقبهم بذنوبهم ويجازيهم بأفعالهم، فالله قوي بأسه، شديد عقابه، أليم عذابه، وهنا كفر العقيدة والتوحيد فجاء بلفظ الجلالة الله وسوف يأتي كفر النعم والأيادي ليأتي بلفظ الرب وإنما ذكر فرعون وقومه لاشتهاره بالاستكبار والإصرار، ولادعائه الألوهية قاتله الله، ولم يسبقه ولم يلحقه بهذا القول الأثيم القبيح أحد.
54. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ: عادة هؤلاء المشركين كعادة قوم فرعون ومن سبقهم، طريقتهم في التكذيب واحدة، فهم كفروا بحجج ربهم الذي خلقهم ورزقهم ورباهم بالنعم فأبادهم الله بسبب عصيانهم، وأغرق الله فرعون ومن معه، وكل هؤلاء الكفار كانوا ظالمين لأنفسهم بالعصيان، فاستحقوا الخسران، فلم يهلكوا إلا بعدل من الله على صنيعهم.
55. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: إن شر ما دب على وجه الأرض هم الكفار الذين جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله، فهم لا يصدقون بوحدانية الله ولا يفردونه بالألوهية، ولا يخلصون له الطاعة، فالكافر شر من البهيمة؛ لأنه خلق ليعبد، وهي لم تكلف بعبادة فصار أضل منها.
56. الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ: هؤلاء القوم من يهود بني قريظة سبق أن عاقدتهم وعاهدتهم لا يا محمد على عدم إعانة المشركين فنقضوا العقد ونكثوا العهد مرات كثيرة، وهم لا يتقون فيما عاهدوا عليه ولا يخافون عقاب من غدر فالجاهل بعظمة الله يتمرد على ربه ويعصيه جل في علاه.
57. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ: فإذا لقيتهم في المعركة فنكل بهم وخوف المشركين من ورائهم ليخافوك ويرهبوك، ويكفوا عن نقض العهود؛ لعلهم يعتبرون بمن فتك بهم فلا ينقضون العهد، فإذا أرهبت كفار قريش وخوفتهم خافك يهود المدينة، فلابد للحق من قوة تحميه، ومن صولة ترعاه، ومن دولة تذب عنه؛ ليكون عزيز الجناب، مقدس العتبات.
58. وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ: فإذا تيقنت أن عدوك يريد خيانتك بنقض ما بينك وبينه من عهد فاطرح إليه عهده علانية حتى تصير أنت وإياه متساويين في العلم بنقض العهد؛ لأنك لو نقضته سرا لاتهموك بالغدر، ولو بقيت صار الوفاء فقط من جانبك، فإذا ظهرت لك علامات الخيانة فاخلع العهود علنا وحارب جهرا؛ لأن الله لا يحب من خان الأمانة، ونقض الديانة بل يحب الصادق الأمين الوفي.
59. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ: ولا يظن من نجا من أعدائك من القتل أنهم أفلتوا من عقاب الله وأخذه، فهم لا يعجزون الله في إدراكهم بل سوف يأخذهم في الوقت المناسب؛ لأن اليهود لما نجوا مما أصاب المشركين يوم بدر ظنوا أنهم أعجزوا ربهم في أخذهم وهلاكهم، فأخبرهم أن لهم أجلا معلوما وللكافرين أمثالهم.
60. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ: واعدوا أيها المسلمون لاعدائكم كل أسباب القوة المادية والمعنوية من سلاح وعتاد ومال وعلم؛ لتخوفوا بهذه القوة كل عدو لله ولكم من مشركين وملاحدة وأهل كتاب وكل كافر؛ ليرهب جانب الإسلام، ويعز أهله، وتقدس تعاليمه، فحق بلا قوة نهب مشاع، وكيان بلا عزة عرض مضاع، والضعيف مطموع فيه محتقر، والذليل مهان مبتذل، فبذل القوة للإسلام أمر مطلوب من خيل مربوطة، وسلاح معد، وأموال مدخرة، وجيوش مدربة، ومصانع قائمة، وعقول منتجة وهذه القوة تخوفون بها أعداءكم المعروفين ومن لا تعرفون عداوتهم فكل مجد لا يراق على جوانب عظمته دم التضحية فإلى سقوط وما تبذلونه في سبيل الله من مال أو جهد فهو محفوظ لكم عنده سوف يثيبكم عليه في الدنيا من العز والنصر والمتاع الحسن، وفي الآخرة من النعيم المقيم والمقام الكريم، ولا ينقص من ثوابه شىء، بل الثواب في زيادة تفضلا من الله وكرما.
61. وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: وإن مال الكفار للمصالحة والسلم فمل إلى ذلك صالحهم فيما فيه خير للمسلمين ودفع للحروب وثق بربك فيما عاهدت وتوكل عليه فيما عاقدت، فإنه سوف يؤمنك مما تخاف ويحميك مما تحذر لأنه سامع الأقوال، عالم الأحوال المطلع على النيات، العليم بالخفيات، يعلم من وفى ومن غدر ومن صدق ومن خان.
62. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ: وإن كان لهم نية في الغدر بك فالله يكفيك كيدهم ويحفظك من مكرهم، فإن الله قد أعانك بنصره وقواك بالمؤمنين من أتباعك، فلما توكل الرسول صلى الله عليه وسلم على ربه كان معه فنصره على أعدائه، ثم جعل الله لرسوله جندا من المؤمنين يقاتلون معه، فالصادق مع ربه منصور والغادر مدحور والصابر على الجهاد والتضحية مشكور مأجور.
63. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: وآخى بين قلوب المسلمين بعدما كانت متباغضة قبل الإسلام؛ فصاروا إخوة بالإيمان، متحابين متوادين، لو أنفقت جميع ما في الأرض من كنوز لتجمع هذه القلوب على المحبة ما اجتمعت؛ لأنه لا يجمع القلوب إلا الإيمان بعلام الغيوب لأنه بغيره تصبح أنانية متحزبة تغلب عليها العصبية والطمع وحب الذات والميل للقبيلة والأسرة لكن الله بفضله ورحمته جمع هذا القلوب فله الحمد والمنة لأنه عزيز ينفذ أمره بلا معارض ويتم مراده بلا مغالب حكيم فيما فعل يوقع القضاء بإتقان وإحسان.
64. يأيها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: أيها النبي الله يحفظك من شر أعدائك ويحميك من كيدهم، ويتولى من يتبعك من المؤمنين الصادقين، فيوفقهم ويرعاهم، فمن أن الله حسبه نصره بلا عشيرة، وقواه بلا مال، وأعزه بلا جاه.
65. يأيها النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ: أيها النبي شجع المؤمنين على قتال أعدائهم المحاربين من الكفار، وحثهم على المصابرة والثبات في المعركة، وبشرهم أن عشرين منهم صابرين يغلبون مئتين من أعدائهم، وإذا وجد مئة مقاتل صابر غلبوا ألف مقاتل كافر؛ لأن الكافر لا فهم عنده في اسرار الحرب ولا فقه عنده في مقاصدها؛ لأنه ترك السبب الأعظم في نيل النصر وهو الإيمان بالله فأظلمت بصيرته، وحقت هزيمته.
66. الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ: فاليوم يسر الله عليكم ورخص لكم بسبب ضعف الواحد منكم عن قتال العشرة من الأعداء، فالواجب عليكم أن يصبر الواحد أمام الاثنين، فإذا وجد منكم مئة رجل صابر محتسب غلبوا بإذن الله مئتين من الأعداء، وألف منهم يهزمون ألفين من الأعداء بحول الله وقوته؛ لأن الله يؤيد الصابرين ويصرهم على عدوهم. وفي الآية عدم مخاطرة أهل الإسلام إذا قل عددهم عن العدد الكثير المدجج من الأعداء، واستخدام الحيلة في عدم المواجهة حتى يقوى جانب جيش المسلمين، وأن القوة ملازمة للتوكل على الله تعالى.
67. مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: لا يحل لنبي أن يتخذ أسرى يأخذ منهم الفدية حتى يبالغ في قتل أعدائه من الكفار المحاربين الصادين عن سبيل الله المقاتلين لعباد الله؛ حتى يقوى جانب دولة الإسلام وتهاب وتحترم، وأنتم أيها المسلمون تريدون متاع الحياة الدنيا بما يحصل لكم من فدية الأسرى، والله يريد لكم جنات النعيم والفوز العظيم بالجهاد في سبيل الله والذب عن دينه، والله قوي غالب على أمره، ينصر من نصره، ويمحق من حاربه، حكيم في تقديره وتدبيره، فبعزته ينصركم في القتال، وبحكمته يعلمكم أحكامه من القتل والأسر والغنيمة والصلح وغيرها.
68. لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: لولا أن الله كتب أن لا يؤاخذ المجتهد المخطئ لأصابكم بعذاب شديد بسبب أخذكم الفداء من أسرى بدر مكان قتلهم؛ لأنهم حاربوا الله ورسوله، وخرجوا للصد عن سبيله، وقد يكون الكتاب ما سبق في علم الله وقضاءه من المغفرة لمن حضر بدرا، فبذلك رحمهم الله ولم يؤاخذهم.
69. فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: فكلوا أيها المؤمنون من الغنائم التي أباحها الله لكم، ومنها فداء الأسرى، فإنها من الحلال الطيب، لا حرمة فيها ولا خبث، واتقوا بامتثال ما أمركم به واجتناب ما نهاكم عنه، والله كثير المغفرة لمن أذنب وتاب، واسع الرحمة لمن عاد إلى الله وأناب، فمن مغفرته أنه يتجاوز عمن أساء، ومن رحمته أنه يوفق من يشاء من عباده لمرضاته.
70. يأيها النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أيها النبي: قل لأسرى بدر إن يعلم الله في قلوبكم حبا للإيمان ورغبة وتوجها إليه واستعدادا لقبول الحق يعطيكم الله من فضله أعظم مما دفعتم من الفداء للمسلمين، ويرزقكم خيرا كثيرا، وفي الآخرة يمنحكم أجرا عظيما ومغفرة واسعة لذنوبكم؛ لأنه سبحانه يغفر الذنب العظيم، إذ هو الرحمن الرحيم، وسعت رحمته كل شىء، وعم فضله كل مخلوق.
71. وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: وإن كان الأسرى فعلوا ما فعلوا من الفداء والقول اللين لك خداعا منهم ومكرا فقد خدعوا من قبل وخانوا، فمكنك الله منهم في بدر، ونصرك عليهم، والله عالم بالسرائر، مطلع على ما في الضمائر، حكيم في أمره وخلقه، وانظر كيف لم يقابل الخيانة بخيانة؛ لأنه منزه عن ذلك، وإنما ذكر التمكين منهم؛ لأنه فعل كمال يدل على العلم والحكمة.
72. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: إن الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وهم المهاجرون والذين آووهم ونصروهم، وأكرموا نزلهم، وواسوهم بأموالهم وأنفسهم وهم الأنصار، فهؤلاء أعوان الإخوان النصرة والجهاد والبر والتقوى، أما الذين آمنوا لكنهم مكثوا في أرض الكفر ولم يهاجروا منها فليس بينكم وبينهم إخاء ولا مودة حتى يتركوا بلاد الكفر ويهاجروا إلى بلاد الإسلام، ولكن إذا طلبوا النصرة منكم على الكفار لدفع أذاهم فأعينوهم لرفع الاضطهاد عنهم، إلا إذا كانوا بين قوم معاهدين لكم فاحترموا العهد ولا تناصروا المسلمين على الكفار المعاهدين، وهم معهم في أرضهم والله عالم بالسر والجهر، خبير بالخافي والمعلن، محيط بكل شىء.
73. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ: والذين كفروا بالله بعضهم يناصر ويوالي بعضا، فهم لا يناصرون المؤمنين ولا يناصرهم المؤمنون، إن لم تفعلوا هذا من موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين وتمتثلوا أمر رب العالمين تكن فتنة عظيمة، فيتقوى أهل الكفر على أهل الإسلام، ويوهن جانب الدين ويتحالف الأعداء على المؤمنين، ويقع الفساد بانتصار أهل الكفر والإلحاد.
74. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَ‍قًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: والذين آمنوا بالله ورسوله، وهاجروا من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وجاهدوا في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، فالذين أووهم ونصروهم من أهل المدينة وهم الأنصار هؤلاء الصادقون في إيمانهم المخلصون لربهم، سوف يغفر الله ذنوبهم ويرزقهم زرقا طيبا مباركا كريما في جنات النعيم، مع قرة العين وبهجة النفس وراحة البال.
75. وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: والذين آمنوا بالله ورسوله وهاجروا من ديار الكفر إلى ديار الإسلام وجاهدوا مع أهل الإيمان في سبيل الديان، فهؤلاء منكم في الإخاء والنصرة والموالاة، وأهل القرابة من المؤمنين بعضهم أولى ببعض في الميراث من المهاجرين في حكم الشريعة؛ لأن الله يعلم كل شىء فيه صلاح العباد، وإيفاء الحقوق لأهلها، ومنها المواريث، فيقدرها بقدرها لمستحقها لعلمه وحكمته سبحانه.
سورة التوبة
1. بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: الله يبرأ ورسوله من المشركين، ويسقط عهدهم مع المسلمين لأنهم نقضوا الميثاق مع رب العالمين.
2. فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ: سيروا في الأرض حيث شئتم مدة أربعة أشهر، من وقت إعلان البراءة عاشر ذي الحجة سنة تسع، وتيقنوا أيها المشركون أنكم، لن تفوتوا الله بالهرب ولن تفلتوا من عقابه وأن الله مذل الكفار بالخزي والعار في هذا الدار، ثم بعذاب النار.
3. وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: وإعلان ظاهر عام من الله ورسوله إلى جميع الناس يوم تمام أعمال الحج، وهو يوم النحر بالبراءة من عهود المشركين، فإن تاب الكفار بالدخول في الإسلام وترك عبادة الأصنام فهو خير لهم في الدنيا والآخرة من الاستمرار على الشرك وإن أعرضوا عن الإيمان وطاعة الرحمن فتيقنوا أنكم في قبضة الله لن تفلتوا من عذابه، ولن تفوتوا من عقابه، وأخبر أيها النبي الكفار بعذاب أليم في دار الجحيم على فعلهم الأثيم.
4. إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: ويستثنى من مدة تأجيل المشركين إلى مدة أشهر من عاهدتم ولم ينقضوا شرطا من شروط المعاهدة، ولم يعاونوا الأعداء على حربكم، فأكملوا مدة العهد معهم كما حصل الاتفاق إلى اكتمال زمنه؛ لأن الله يحب من اتقاه في الوفاء بالعهود والتزام العقود وعدم نقضها.
5. فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: فإذا انقضت الأربعة الأشهر وهي مدة المهلة، فقاتلوا الكفار في أي مكان لقيتموهم في الحل والحرم، وخذوهم أسرى وامنعوهم من التنقل في ديار الإسلام إلا بإذن، وضيقوا عليهم في تحركاتهم، ورصدوهم وتعقبوهم في كل مكان حتى تقبضوا عليهم، فإن تابوا من الكفر وأسلموا وأقاموا الصلاة المكتوبة، وأدوا الزكاة والواجبة فاتركوهم ولا تؤذوهم، فالإسلام حق دماءهم وأعطاهم حريتهم والله غفور لمن تاب رحيم بمن أناب يهدم بالإسلام ما قبله.
6. وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ: وإذا سأل أحد من المشركين منك الأمان فأمنه حتى تسمعه ما تيسر من القرآن ويتفهمه، ثم أوصله المكان الذي يأمن فيه؛ لأن الكفار لا علم لهم بما ينفعهم وما فيه خيرهم، فليس عندهم من حسن الإدراك وجميل التمييز ما يحملهم على اعتناق الإسلام، وانظر للطف الرحمن حتى بعبدة الأوثان عند طلبهم للأمان.
7. كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: لن يكون للمشركين الغادرين عهد عند الله ورسوله؛ لأنهم نقضوا العهد، لكن من عاهدتم يوم الحديبية قريبا من المسجد الحرام فأوفوا لهم عهدهم ما داموا مقيمين عليه ولم ينقضوه، إن الله يحب من اتقاه بالوفاء بما التزمه من عهود، وإمضاء عقود.
8. كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ: كيف تلتزمون عهدا مع المشركين وهم لو غلبوكم وتمكنوا منكم لن يراعوا فيكم حلفا ولا قرابة ولا عهدا، فلن يمنعهم شىء عن أذاكم، يكسبون رضاكم بكلام كالعسل، وقلوبهم كالأسل، حقدا وعداوة وبغضا، وكثير منهم خارجون عن الحق ناقضون للميثاق يخونون العهود.
9. اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: استعاضوا بآيات القرآن عوضا حقيرا تافها من عرض الدنيا الزائل، فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام، بئس هذا العمل الذي عملوه، والجرم الذي فعلوه.
10. لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ: لا يراعون لمؤمن حلفا أو قرابة أو عهدا، وهم المتجاوزون لحدود الله بالغدر ونقض العهد ونكث الميثاق.
11. فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: فإن تابوا من الكفر وأسلموا وصلوا معكم، وأدوا زكاة أموالهم، فإخوانكم في الإسلام، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، والله يبين آياته لمن عنده فهم للحقائق وفقه في مراد الشرع.
12. وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ: فإذا نقض المشركون العهود الموثقة من بعد الاتفاق معكم وعابوا الدين وسبوا القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم فقاتلوا زعماءهم لأنهم لا عهد لهم ولا ميثاق علهم أن ينتهوا عن الكفر وعن قتال أهل الإيمان فليس لهم إلا التوبة أو القتال.
13. أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: ما لكم لا تقاتلون هؤلاء الكفار الذين نقضوا عهودهم معكم، وعزموا على إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة وهم الذين سبقوا إلى قتالكم وبادروكم بالأذى من فجر الرسالة وأول الدعوة أتخافون المشركين أيها المسلمون؟ فالله وحده أولى بالخوف، فبيده كل شىء إن كنتم مصدقين بوعده ووعيده وكتابه ورسوله، فأخلصوا له الخشية وحده.
14. قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ: قاتلوا أيها المؤمنون الكفار يعذبهم الله بأيدكم ويذلهم بالأسر والهزيمة، ويرزقكم النصر عليهم، ويشف صدوركم بالنصر عليهم من الغم والحزن الذي لحق بها من أذى هؤلاء الكفار وكيدهم، فأنتم افعلوا السبب وعلى الله العواقب الحميدة.
15. وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: ويذهب الله بقتل الكفار ما في قلوب المؤمنين من غيظ على أعداء الله، ومن عاد إلى الله من هؤلاء المحاربين فالله واسع يتفضل على من أراد من العباد بقبول التوبة منهم بصدق التائب من عدمه، حكيم في وضع فضله فيمن يشاء، وهداية من أراد أو ضلاله.
16. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: لا تظنوا أيها المؤمنون أن يدعكم الله بلا امتحان ليظهر علمه فيكم فيتبين المخلص في جهادة لوجه ربه ولم يأخذ غير الله ورسوله وليا يخلص له الود والمحبة والله خبير بجميع الأعمال ظاهرها وباطنها فيحصيها لكم ويوفيكم إياها يوم لقائه.
17. مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ: ليس من شأن الكفار عمارة بيوت الله وهم يظهرون كفرهم ويحاربون من أجله، والله سوف يبطل ما عملوه ويمحق ما كسبوه، ومصيرهم النار في خلود دائم وعذاب مستمر.
18. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ: لا يعتني بالمساجد وعمارتها بالعبادة والبناء إلا من آمن بربه وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم وأقام الصلاة المكتوبة، وأدى الزكاة المفروضة، ولم يخف غير ربه، ولم تأخذه في طاعة مولاة لومة لائم، فهذا ترجى له الهداية إلى كل ما يرضي الله من عمارة المساجد وفعل الخيرات.
19. أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: أجعلتم أيها المشركون سقاية الحجيج وبناء المسجد الحرام مساويا للإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر والجهاد في سبيل الله، وهما لا يستويان في الأجر والمثوبة؛ لأن ذلك العمل صدر عن كافر حبط عمله، وهذا مؤمن رضي الله سعيه، فلا فضل لعمل بلا إيمان، والله لا يوفق كل كافر للخير، ولا يرشد كل فاجر لطريق الرشد، فلا يهتدي لما ينفعه.
20. الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ: المؤمنون بالله والمهاجرون والمجاهدون في سبيله بالأموال والأنفس هم الأعلى رتبة، والأرفع منزلة، عند الله، وهم الظافرون بكل مطلوب، الحاصلون على كل مرغوب فيه من الفضل والرضوان وسكنى الجنان.
21. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ: يبشرهم ربهم عزوجل برحمة منه سابغة تمحو ذنوبهم ورضوان كامل تام لا يسخط عليهم بعده أبدا، وهو أجل النعيم، ثم يدخلهم جنات في نعيم دائم، وقرة عين مستمرة.
22. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ: وهؤلاء المؤمنون مخلدون في جنات النعيم أبدا بلا زوال ولا انتقال، والله عنده لأهل طاعته ثواب عظيم، وفضل عميم في جنات النعيم.
23. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: أيها المؤمنون: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أحبابا وأنصارا توالونهم وتودونهم إذا اختاروا الكفر دينا على الإيمان ومن يتخذهم أولياء وأحبابا من دون الله فأولئك هم المتجاوزون الحد في العصيان، والظالمون لأنفسهم بمعاداة الرحمن.
24. قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ: قل أيها النبي لمن آثر الدنيا على الآخرة: إذا كان الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال المكتسبة والتجارة التي تخافون عدم رواجها والبيوت طيبة السكنى، أحب إليكم من طاعة الله والهجرة في سبيله والجهاد لإعلاء كلمته فانتظروا عقوبة الجبار على سوء الاختيار، وتقديم الدنئ الرخيص على الغالي النفيس، وهذه الثمان المذكورات هي مشتهيات النفوس في الدنيا ومحبوبات القلوب، فإذا قدمت على مراد الله فهو الغبن والخسار والنقص والبوار، والله لا يوفق من خرج عن طاعته، ولا يرشد من رغب عن عبادته.
25. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ: لقد نصركم الله أيها المسلمون على المشركين في غزوات عديدة ومعارك كثيرة مع ضعفكم وقلتكم وقوة أعدائكم وكثرتهم ولكن كان الله معكم وتذكروا يوم نصركم الله في غزوة حنين حين أعجبتكم كثرة جيشكم وقلتم لن نغلب والله من قلة ولكن لما جد الجد هربتهم منهزمين، وتركتم الرسول صلى الله عليه وسلم مع نفر من أصحابه ليريكم الله أن النصر من عنده لا بكثرة عدد ولا بقوة سلاح.
26. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ: ثم أنزل الله الطمأنينة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى أتباعه من المؤمنين فسكنت قلوبهم للمعركة وثبتوا أمام العدو، وأنزل الله الملائكة يقاتلون معهم، ونزل النصر، وحصل الظفر، ووقع القتل والأسر في أهل الكفر؛ جزاء لهم على حربهم لله ولرسوله، ونكالا بهم على قبح أعمالهم.
27. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: وبعد التنكيل بالكفار في الحرب يمن الله بالتوبة على من يشاء من عباده إذا أسلموا وأنابوا إليه لأن الغفران يمحو ما سلف من الذنوب وكان ويتغمد من عبده بالرحمة لأنه الرحيم الرحمن.
28. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: أيها المؤمنون إنما المشركون أنجاس الذات خبثاء الصفات معتقدهم قبيح لشركهم وظلمهم وأجسامهم نجسة لعدم غسلهم من الجنابة وعدم وضوئهم فلا يجوز لهم دخول الحرم المكي بعد العام التاسع الذي أعلن فيه أبو بكر البراءة من المشركين فلا تسمحوا أيها المؤمنون للكفار بدخول الحرم، وإن خشيتم الفر أيها المسلمون بانقطاع تجارة المشركين عنكم فسوف يعوضكم الله من عطائه الواسع إن شاء أن يغنيكم وقد حصل هذا الغني بما فتح الله على المسلمين بعد الغزوات والمعارك والله عزوجل عليم بمصالح العباد، وما فيه لهم من الصلاح والفساد، حكيم في تدبير الأمور، فبالعلم يختار الأصلح وبالحكمة يقضي الأنفع.
29. قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ: أيها المؤمنون قاتلوا الكفار الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فهم لا يقرون بالعبودية لله ولا يعترفون بالبعث بعد الموت، ولا يحرمون الحرام الذي أمر الله بتحريمه كالزنا والربا والخمر والميتة ونحوها ولا يعتقدون بالإسلام ولا يتحاكمون إليه من اليهود والنصارى فيقاتلون حتى يلتزموا الجزية عن سعة بحيث يكونون خاضعين لحكم الإسلام منقادين لكم يباشرون الجزية بأنفسهم مقهورين بصولة الدولة في ذلك ومسكنة.
30. وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ: قالت اليهود كذبا وزورا عزير ابن الله وقالت النصارى كذبا وزورا عيسى ابن الله وهو قول بلا دليل، وادعاء بلا برهان وهم شابهوا بهذا الافتراء دعوى المشركين من أن اللات والعزى ومناة بنات، والملائكة بنات الله!! لعنهم الله وأهلكهم وأخزاهم، كيف يصرفون عن الحق مع قيام الشواهد على وحدانية الله وأنه لم يلد ولم يولد.
31. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ: جعل اليهود علماءهم وجعل النصارى عبادهم آلهة من دون الله يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه وجعل النصارى عيسى ابن مريم إلها معبودا من دون الله ولم يأمرهم الله بذلك بل أمرهم أن يعبدوه وحده لا شريك له تنزه الله وتقدس عن شركهم حيث نسبوا إليه البنين وجعلوا معه آلهة أخرى وهو أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
32. يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ: يقصد اليهود والنصارى وسائر المشركين أن يطعنوا في الإسلام، وفي الرسول صلى الله عليه وسلم بأقوالهم الباطلة وافتراءاتهم الكاذبة ظنا منهم أنهم سوف يحجبون هداية القرآن والإيمان عن الناس، ولكن الله جل في علاه تولى حفظ هذا الدين، فسوف ينصره ويعليه ويؤيد رسوله صلى الله عليه وسلم على رغم أنوف الكفار، ولهم الذلة والصغار.
33. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ: الله وحده الذي أرسل رسوله بدين الإسلام، المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح الدال على كل هدى، المحذر من كل ردى، ليجعله عاليا على كل الأديان، مهيمنا على سائر الملل، غالبا عليها بالحجة والبرهان، والعدل والإحسان.
34. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: أيها المؤمنون: إن كثيرا من علماء اليهود وعباد النصارى يأخذون أموال الناس بالحيلة والدجل والتلبيس من الرشى وأثمان الأحكام الباطلة، ويمنعون أتباعهم من الدخول في الإسلام، والذين يدخرون الذهب والفضلة ولا يؤدون زكاتها ولا يتصدقون منها فبشرهم تهكما بهم بعذاب لا يطاق شديد موجع على فعلهم المشين.
35. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ: يوم يوقد على الذهب والفضة في نار جهنم، ثم تحرق بها الجباه التي أشاحوا بها عن السائل، والجنوب التي أعرضوا بها وقت الطلب، والظهور التي أعطوها طالب الحاجة تكبرا وبخلا، ويقال لهم هذا عاقبة ما كنزتم من الأموال ذوقوه حسرة وويلا وأغلالا وأنكالا؛ لأنكم منعتم حقه.
36. إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ: عدد شهور السنة في علم الله وتقديره سبحانه إثنا عشر شهرا محددة لا تزيد ولا تنقص منها أربعة أشهر معظمة يحرم فيها القتال، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب وهذا التقسيم من الله للشهور هو شرع مستقيم ومنهج قويم فاحذروا أن تظلموا أنفسكم فيها بالقتال، أو تنتهكوا حرمتها بالآثام، وعليكم بقتال المشركين جميعا كما يقاتلونكم جميعا، ويتقنوا أن الله معكم إذا أخلصتم له التقوى وحفظتم حدوده لأنه ينصر من أطاعه واتقاه، وفي الآية: إباحة قتال المشركين في جميع شهور السنة حتى الأشهر الحرم إذا قاتلوا المسلمين.
37. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ: إنما تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر زيادة في كفر المشركين؛ لأنهم غيروا في أحكام الله، وبدلوا في شرعه، وهذا التأخير زاد به الكفار غيا وضلالا ممن شرع لهم ذلك يحلون التأخير عاما ويحرمونه عاما آخر؛ لتقع الأشهر المبدلة مكان الأشهر الأربعة الحرم، فيختارون بأهوائهم أربعة أشهر يجعلونها محرمة من تلك الحرم، فيحلون الأشهر الحرم ويستبيحون فيها من القتال وطلب الثأر ما حرمه الله عزوجل حسن لهم الشيطان قبيح ما فعلوه فاستحسنوه، والله لا يرشد كل كافر إلى ما فيه صلاحه، ولا يوفقه لما ينفعه.
38. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ: أيها المؤمنون: ما لكم إذا دعيتم إلى النفير لإعلاء كلمة الله بالجهاد في سبيله، والخروج للقتال تباطأتم وأحببتم البقاء في دياركم، والتلبث بأوطانكم، هل آثرتم شهوات الدنيا على نعيم الآخرة؟ فما التمتع بشهوات الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة إلا وقت قليل مع حقارة الدنيا وتفاهتها وقلة زادها، وقصر عمرها.
39. إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: إذا لم تخرجوا للجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته يعذبكم بالإذلال والهزائم والآفات والمصائب، ويأت بعباد صالحين مجاهدين غيركم يتولونه وينصرونه، وليس في توليكم ضرر على الله تعالى فهو الغني عن كل أحد؛ لأنه صمد، وهو عظيم القدرة تنفذ قدرته فيما أراد، ومنها قدرته على استبدال من عصى من العباد بقوم أهل طاعة وجهاد.
40. إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: إذا لم تنصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله وحده ينصره ويعزه ويؤيده، كما نصره الله يوم أخرجه الكفار من مكة وهو أحد اثنين: الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار، يوم يقول الرسول لصاحبه أبي بكر: "لا تحزن إن الله معنا فاصبر واطمئن" هذا توكل على الله، حينها أنزل الله الطمأنينة على قلب محمد صلى الله عليه وسلم وأعمى عيون الكفار، ونصره بجند من الملائكة أبرار لا يشاهدون بالأبصار، وصير الله دعوة الكفار هي الذليلة المغلوبة، وكلمة التوحيد ورسالة الله هي المنصورة المرفوعة، والله قوي لا يغالب جبار لا يقهر حكيم في صنعه وشرعه.
41. انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أخرجوا للجهاد في سبيل الله أيها المؤمنون مشاة وركبانا فرسانا رجالا نشاطا وغير نشاط وأبذلوا أموالكم وقدموا أرواحكم لإعلاء كلمة ربكم وهذا العمل فيه الأجر العظيم والنعيم المقيم وأفضل من لذائذ الدنيا الفانية ونعيمها الزائل الرخيص.
42. لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: لو كان المطلب الذي تريده أيها الرسول متاعا دنيويا وكان الحصول عليه يسيرا بلا تعب ولا مشقة، وكان السفر إليه سهلا متوسطا لخرج معك المتخلفون ولكن شق عليهم السفر لما فيه من ضرر زمن الحر فآثروا البقاء على الجهاد وإذا رجعت إلى المدينة سوف يأتيك هؤلاء المتخلفون ويقسمون بالله لو تيسرت أمورنا لخرجنا للجهاد معك وهذا الذي حصل، وهم بقسمهم الكاذب هذا يعرضون أنفسهم لأشد العذاب، والله عالم أنهم كاذبون في أيمانهم الفاجرة وأعذارهم الباطلة.
43. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ: قد سامحك الله أيها الرسول، ولم يؤاخذك لماذا أذنت لهم في ترك الجهاد والبقاء في المدينة وترك الخروج إلى تبوك، وكان عليك الانتظار حتى يظهر أهل الأعذار من أهل النفاق والإدبار، ويتضح أمر من صدق فيما قال ممن كذب فيما ادعى، فأنت عجلت في قبول أعذارهم.
44. لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: لا يطلب منك الإذن والسماح في ترك الجهاد أهل الإيمان بالله واليوم الآخر، إنما يسارعون إلى امتثال أمر ذي الجلال؛ للبذل والقتال، والله عالم بمن اتقاه واتبع رضاه، يعلم الصادق في نيته البار في عمله.
45. إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ: إنما يطل بمنك السماح في ترك الجهاد من كفر بالله واليوم الآخر، الشاكون في وعد الله ووعيده فهم في هذا الشك مضطربون حائرون بين الكفر والإسلام.
46. وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ: ولو أحبوا بصدق الخروج معك لإعلاء كلمة الله لتهيئوا واستعدوا بما يلزم المجاهد في سفره ولكن الله ما أحب خروجهم معك لنفاقهم عن الخروج ورماهم بالجبن والكسل والخور والفشل وقيل لهم اقعدوا في بيوتكم أذلاء حقراء مع أهل الأعذار من أهل العاهات والفقراء، والأطفال والنساء.
47. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: لو ذهب معكم هؤلاء المنافقون للقتال، ما زادكم خروجهم معكم إلا ضرارا وشرا وفسادا وفشلا وهزيمة؛ لأنهم أهل تخذيل وتوهين ولأسرعوا بالنميمة بينكم فشقوا صفوفكم وخالفوا بين قلوبكم بزرع الخلاف وإلقاء العداوات وإرهابكم من الكفار وفيكم أيها المؤمنون أناس ضعاف يتأثرون بكلام هؤلاء المنافقين وينخدعون بقولهم والله عليم بأحوال الظالمين لا يخفى عليه من أمورهم شئ، اطلع عليها كلها وسوف يجازيهم بها.
48. لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ: لقد أثار المنافقون الفتنة وسعوا فيها من قبل غزوة تبوك من تخويف المؤمنين بالعدو والإرجاف والإفساد وإيقاع الخلاف، ودبروا المكائد للرسول صلى الله عليه وسلم وأظهروا غير ما أبطنوا وسعوا في الخديعة والمكر وقلبوا النظر والرأي في مكيدة المسلمين، حتى نصر الله دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم وأعلى كلمته، وأيد جنده والمنافقون كارهون لهذا النصر مبغضون لهذه الرفعة والعلو لدين الإسلام.
49. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ: ومن المنافقين من يقول لك أيها النبي سامحني في التخلف عن الخروج معكم للقتال؛ لأنك إذا ما أذنت لي وقعت في الإثم إذا تخلفت وقيل: لأن بعضهم قال أخشى إذا خرجت أن أفتن بنساء الروم، لكنهم بعملهم هذا وقعوا في أعظم فتنة من حيث لم يشعروا بتخلفهم عن الجهاد ومعصيتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وكذبهم في الاعتذار، وأن النار محيطة بالكفار وليس لهم منها مهرب ولا فرار.
50. إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ: إذا جاءتك أيها الرسول حسنة من نصر أو غنيمة أحزنت المنافقين، وإذا أصابتك مصيبة من نكبة أو شدة أو هزيمة قال المنافقون قد أحتطنا لأنفسنا واستعملنا الحزم ودبرنا أمورنا فنجونا مما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، ويسرون بهزيمتكم وسلامتهم ويعودون فرحين بما حل بالمؤمنين.
51. قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: قل أيها الرسول: لن يصيبنا من مصيبة إلا بقضاء من الله وقدر، والله يتولى أمورنا في الضراء والسراء، فللشدة صبر وللرخاء شكر والمؤمنون يفوضون أمورهم إلى الله من عسر ويسر.
52. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ: قل أيها الرسول للمنافقين ماذا تنتظرون أن ينزل بنا إلا إحدى العاقبتين الحميدتين، إما نصر وعزة في الدنيا، وإما شهادة وأجر عظيم في الآخرة، وأما نحن فننتظر أن ينزل الله بكم قارعة من السماء، أو نقتلكم ونأسركم بأيدينا فانتظروا ما يحل بنا ونحن ننتظر ما يحل بكم.
53. قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ: قل أيها الرسول للمنافقين مهما تصدقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل الله صدقاتكم لأنكم خرجتم عن الطاعة وفارقتم الجماعة فأنتم عتاة مردة على أمر الله.
54. وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ: والمانع من قبول صدقاتهم كفرهم بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وصدقة الكافر مردودة وصلاتهم بكسل وتثاقل وكره ورياء، والمرائي لا يقبل عمله، ثم إنهم لا يتصدقون إلا بكره منهم للصدقة، فلا رغبة منهم في الإنفاق لما ران على قلوبهم من النفاق.
55. فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ: فلا تعجب بأموال هؤلاء المنافقين ولا بأولادهم، فإن الله أراد أن يجعلها سببا لشقائهم وهمهم وحزنهم في الدنيا؛ لتعلقهم بها مع فراغ قلوبهم من الإيمان والرضا وتركهم الشكر عليها، وهي في الآخرة سبب عذابهم في نار جهنم لمنعهم زكاتها وحقوقها الواجبة، ثم إن موتهم يأتيهم وهم كارهون له، فتخرج أرواحهم بمشقة ويعانون أشد الألم لأنهم كفروا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
56. وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ: يقسم المنافقون أنهم مع المؤمنين في الحرب والنصر وكذبوا في ذلك فهم يظهرون لكم المودة بألسنتهم فحسب أما قلوبهم فمليئة بالكره لكم وعدواتكم وما أظهورا لكم الإسلام وأبطنوا الكفر إلا لأنهم يخافون منكم أشد الخوف لو أظهروا الكفر فيتقونكم بالنفاق.
57. لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ: لو يجد المنافون حصنا منيعا أو كهوفا واقية أو سراديب تحت الأرض لاستتروا فيها مسرعين إليها بوجل واضطراب من شدة خوفهم.
58. وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ: وبعض المنافقين يعيبك أيها النبي في قسمتك للصدقات ويتهمك بالمحاباة وعدم العدل، فإذا أعطيتهم منها على قدر رغبتهم وطمعهم رضوا عنك وأثنوا عليك وإذا لم تعطهم ما يرغبون غضبوا منك وعابوا عليك وطعنوا في عدلك وهذه صفة عبيد الدنيا عند المغانم طمع وعند المغارم جزع.
59. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ: ولو أن المنافقين قنعوا بما أعطاهم الله من الرزق على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم ونحوها وقالوا: الله كافينا ولن يضيعنا وسوف يتولى أمرنا سوف يرزقنا رزقا واسعا كثيرا لأن فضله لا يحد وعاءه لا يرد وسوف يعطينا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يستقبل أكثر وأفضل إننا نطمع في فضل الله ونرغب في عطائه لو قالوا هذا مع الظن الحسن لكان خيرا لهم.
60. إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: إنما يعيط من الزكاة المفروضة ثمانية أصناف الفقراء المعدمون والمساكين المحرومون والجباة العاملون والكافرون المتألفون أو لعتق المملوكين أو من عجز عن وفاء الدين، والمجاهدون والمسافرون المنقطعون وهذه القسمة حكم من الله لازم وفرض واجب فهو عليم بمصالح العباد وأهل الحاجة من غيرهم حكيم في تدبيره ولهذا أحسن في قسمه وعدل فيما أعطى سبحانه.
61. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيـْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وبعض المنافقين يعيبون على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم سامع للخير لا الشر يقبل الصدق لا الكذب ويصدق بالله وكتابه ويصدق المؤمنين فيما أخبروه بما قاله الكافرون المنافقون وهو رحمة لمن اتبعه وسبب نجاة وإمام هدى لمن اقتدى به، ومن آذى الرسول صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل العذاب المؤلم الموجع الدائم في نار جهنم.
62. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ: يقسم المنافقون بالله لكم أيها المؤمنون أنهم ما قالوا ما قيل عنهم؛ حتى يكسبوا رضا المؤمنين، والله ورسوله أحق الإرضاء لو كانوا مؤمنين حقا فالله وحده هو من بيده نفعهم وضرهم، ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله، هاد إلى سبيله سبب لكل خير.
63. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن من عادى الله وعادى رسوله فأن مصيره نار جهنم خالدا فيها، وهذا هو الذل العظيم والهوان الشديد والخزي الدائم.
64. يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ: يخشى لمنافقون أن ينزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة تفضحهم وتطلع رسوله والمؤمنين على ما في قلوب المنافقين من الكفر والعداوة، قل أيها النبي على سبيل التهديد استهزئوا على طريقتكم كما تشاؤون فالله مظهر ما تخفون وكاشف ما تسرون.
65. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ: ولئن سألت أيها النبي المنافقين عن استهزائهم بالقرآن وبك وبالإسلام في غزوة تبوك لاعتذروا إليك وقالوا: كنا نتحدث للتسلية وإزجاء الوقت فحسب ونمزح لنقطع الطريق فقل لهم أبالله العظيم وكتابه الحكيم ورسوله الكريم تستهزئون أما وجدتم حديثا غير هذا؟
66. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ: لا تعتذروا أيها المنافقون عن هذا الاستهزاء فعذركم باطل وفعلكم آثم وقولكم كاذب قد كفرتم بهذا الاستهزاء فإن تاب الله على جماعة منكم عادوا إلى الإسلام وندموا على ما فعلوا، فإن الله سوف يعذب جماعة أصرت على الكفر وأبطنت النفاق ولم تتب مما فعلت.
67. الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: المنافقون والمنافقات حزب واحد، متفقون على الكفر بالرحمن، وحرب أهل الإيمان، يدعون إلى كل منكر، ويتواصون بكل قبيح وينهون عن كل معروف، ويحذرون من كل رشد ويبخلون بعطائهم ويمسكون نفقتهم في وجوه الخير، تركوا الإيمان فأهملهم الرحمن من التوبة الغفران، إن المنافقين مردة خارجون عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم .
68. وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ: وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار أن مصيرهم نار جهنم يخلدون فيها، وهي تكفيهم عقابا وجزاء، وحرمهم من جنته وطردهم من رحمته، ولهم عذاب دائم ثابت مهول لا يخفف ولا ينقطع.
69. كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: كما فعل الذين سبقوا من أهل الكفر فعل هؤلاء المنافقون، مع أن من سبق كانوا أقوى من هؤلاء، وأكثر أموالا وأولادا، فتمتعوا بشهوات الدنيا ولذائذه غاية التمتع وأنتم تمتعتم بالشهوات والحظوظ الدنيوية والمطالب السفلية كما تمتع السابقون، وخضتم في الباطل والمعاصي والمخالفات كخوض أولئك في باطلهم وكفرهم فأنتم وإياهم أكثرتم من اللهو واللعب والتنعم والتلذذ مع مخالفة أمر الله والصد عن سبيله، ومن كان هذا فعله فقد بطل عمله، وخاب سعيه في الدنيا والآخرة، وصار إلى الهلاك، فأبدل الله غناهم فقرا وعزهم ذلا وتنعمهم عذابا أليما.
70. أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: أما بلغ المنافقين خبر الكفار السابقين مثل قوم نوح الذين أغرقوا بالطوفان وعاد الذين أهلكوا بالريح العاتية وثمود الذين أهلكوا بالصيحة وقوم إبراهيم الذين سلبوا النعم وحلت بهم النقم وأصحاب مدين الذين أخذوا بعذاب يوم الظلة وقرى قوم لوط المؤتفكات الذين قلبت عليهم قراهم ورجموا بالحجارة، جاء الرسل هؤلاء الأقوام بالمعجزات والأدلة القاطعة ع لى وحدانية الله فكذبوا بها فالله لم يكن ليعذبهم ظلما بلا ذنب، ولكن ظلموا أنفسهم بالكفر والطغيان وتكذيب الرسل والعصيان فاستحقوا العذاب والخسران.
71. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: والمؤمنون والمؤمنات حزب واحد يتعاونون على البر والتقوى ويتحابون وينصر بعضهم بعضا يأمرون بكل معروف مشروع من صالح الأعمال وحسن الأقوال وطيب الأحوال وينهون عن كل منكر من قول قبيح أو فعل خبيث أو حال سيئ ويؤدون الصلاة على أتم وجه با تقتضيه من حقوق ويدفعون الزكاة الواجبة لمستحقيها ويطيعون الله ورسوله فيفعلون الأوامر ويجتنبون النواهي هؤلاء المتصفون بهذه الصفات سيرحمهم الله بإنجاز ما وعد من ثواب وسيصرف عنهم كل عقاب وينجيهم من كل عذاب فيحقق لهم ما طلبوا ويؤمنهم من كل خوف إن الله لا يعجزه شىء ولا يتعاظمه أمر فمن عزته إنفاذه وعده ووعيده وهو حكيم في صنعه وشرعه فمن حكمته إثابة المحسن ومعاقبة المسئ.
72. وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: وعد الله المؤمنين والمؤمنات دخول الجنات، تجري فيها الأنهار من تحت الاشجار مع خلود دائم ونعيم ثابت مستمر في قصور عامرة حسنة ودور بهية جميلة في جنات الخلد مع إقامة دائمة لا انقطاع فيها ولا خروج منها ولا كدر معها ورضوان من الله أكبر من كل نعيم وأعظم من كل محبوب لأن في الرضا غاية السعادة وكمال التنعم والأمن من السخط وهذا ظفر لا يعادله ظفر وفلاح لا فلاح بعده حيث راحة النفس وقرة العين وبهجة الخاطر ومتعة الجسم مع حسن المقام وطيب المقر.
73. يأيها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين بالمال والنفس واللسان، وأغلظ قولك وفعلك عليهم بشدة وخشونة ليصان الحق عن أذاهم ومردهم إلى النار وبئس القرار خالدين فيها لسوء ما فعلوه، وقبح ما ارتكبوه.
74. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: يقسم المنافقون لك: إنهم ما قالوا ما بلغك عنهم من سب وطعن، ولقد كذبوا، لقد نطقوا بكلمة الكفر من سب الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في دينه فخرجوا بذلك من الإسلام وعزموا على ما لم يستطيعوا الوصول إليه وهو قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في عودته من تبوك وما كرهوا إلا ما يوجب عليهم من الله المنة وله الشكر على حسن الصنيع بهم حيث أغناهم من فقر وتفضل عليهم بالغنائم بعد حاجة وبؤس فإن تابوا بالإيمان وطاعة الرحمن كان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، وإن يعرضوا عن التوبة والإيمان يعذبهم الله في الدنيا على أيدي المؤمنين بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالخلود في النار وما لهم ولي يحفظهم ويتولاهم ويجلب لهم المنفعة ولا نصير يدفع عنهم العذاب.
75. وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ: من المنافقين من عاهد الله لئن رزقنا الله من فضله لندفعن الصدقة الواجبة وما في المال من حقوق، ولنستقي من على ما أراد وأحب سبحانه من فعل الطاعات واجتناب المعاصي.
76. فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ: فلما تفضل الله عليهم بالرزق وأغناهم بعد الفقر بخلوا بالإنفاق لتمكن النفاق في قلوبهم وأدبروا عن طاعة الله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وهم ممرضون عن الحق من علم نافع وعمل صالح.
77. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ: فأورثهم البخل بالمال نفاقا راسخا في القلوب إلى الموت؛ بسبب نقض العهد مع الله وإخلاف الوعد، وكذبهم في إظهارهم غير ما يبطنون وقسمهم وهم كاذبون وتصنعهم وهم مخادعون.
78. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ: ألم يعلم المنافقون أن الله مطلع على ما كتموه في الصدور من الكفر والعداوة وهو سبحانه عليم بما يقولونه سرا فيما بينهم من سب الدين وطعن في النبي الأمين والله لا تخفى عليه خافية ولا يكتم عليه سر جل في علاه.
79. الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: والمنافقون الذين يعيبون المتطوعين المؤمنين في دفع الصدقات، فإذا تصدقوا بشىء يسير قالوا: ماذا ينفع هذا القليل في تجهيز جيش كبير، وإن تصدقوا بكثير قالوا: هذا هو الرياء. فلا صاحب القليل عذروا، ولا منفق الكثير شكروا ويعيبون الذين لا يجدون إلا شيئا قليلا يتصدقون به فيلمزونهم ويستهزئون بهم ويقولون إن الله غني عن هذا اليسير الحقير فالله يسخر منهم كما سخروا من عباده الصالحين سخرية تليق بجلاله جل في علاه كما جاء في كتابه ولهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مؤلم في نار جهنم.
80. اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ: استغفر أيها النبي لهؤلاء المنافقين أو لا يستغفر لهم فليسوا أهلا للمغفرة، ولو استغفرت لهم سبعين مرة أو أكثر فالله لن يغفر لهم ذنوبهم أبدا لأن عندهم الكفر بالله ورسوله الذي يمنع صاحبه غفران ذنوبه والله لا يوفق للرشد كل متمرد على شرعه خارج عن طاعته.
81. فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ: فرح الذين تخلفوا من المنافقين عن غزوة تبوك مع الرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا السلامة من مشقة السفر والجهاد، وكرهوا بذل الأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله وقال بعضهم لبعض لا تخرجوا للجهاد زمن الحر ووقت القيظ فقل لهم أيها الرسول نار جهنم أشد حرا من هذا الحر الذي تخافون الخروج فيه فأنتم تركتم الخروج هروبا من الحر وعاقبة هذا الفعل حر نار جهنم تصلونه ولو كان المنافقون يفهمون حقائق الأمور ونصوص الشرع وأسرار الأحكام ما أقدموا على هذا الفساد والتخلف عن الجهاد ومعصية رب العباد.
82. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: فليضحكوا في هذه الحياة الدنيا فما أقل بقاءهم فيها فسوق يبكون كثيرا في الآخرة على ما فرطوا في جنب الله من استهزاء بالدين وسخرية من المؤمنين وهذا الموعود جاء لهم على ما اقترفوا من الذنوب وفعلوه من الآثام.
83. فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ: فإن أعادك الله أيها الرسول من تبوك إلى المدينة وجاء كجماعة من المنافقين يريدون الجهاد معك مرة أخرى فقل لهم لن أذن لكم بالجهاد معي أبدا، ولن تقاتلوا معي عدوا من أعداء الإسلام في أي مكان: لأنكم عصيتم الله وخالفتم أمري في غزة تبوك فالواجب الحذر وأخذ الحيطة منكم فابقوا في المدينة أذلاء حقراء مع من تخلف من الضعفاء والنساء.
84. وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ: ولا تصل أيها الرسول صلاة الجنازة على أي ميت من هؤلاء المنافقين ولا تقف على قبره للدعاء له: لأنهم كفروا بالله وبرسوله وقد خرجوا عن طاعة الله وتمردوا على دينه فهم أعداء الإسلام.
85. وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ: ولا تستحسن ما وهبهم الله من أموال وأبناء، فإن الله أراد أن يجعلها سبب المتاعب والمشاق لهم؛ لكثرة حرصهم وقلقهم وخروج الرضا من قلوبهم ثم تخرج أرواحهم من أبدانهم بمشقة وكره مع الفكر المصاحب لهم الذي يخلدون بسببه في نار جهنم فحياتهم شقاء وموتهم عناء.
86. وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ: وإذا أنزل الله على رسوله سورة من القرآن تدعوهم إلى الإيمان بالله والجهاد مع رسوله في سبيل الله رأيت الأغنياء منهم والقادرين أهل السعة والفضل يستأذنون الرسول صلى الله عليه وسلم في التخلف عن الجهاد، وقالوا: اتركنا مع العجزة أهل الأعذار من الضعفاء والنساء؛ لما في قلوبهم من الجبن والخور والفشل.
87. رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ: رضي المنافقون بأن يكونوا مع النساء اللواتي خلفن عن الجهاد في البيوت، ففاتتهم صفة الرجال من الشجاعة والثبات وعلو الهمة وختم الله على قلوبهم بالكفر، فليس للحق وصول إليها، فهم لا يفهمون ما في الجهاد من خير ولا يعقلون ما ينفعهم وما يضرهم.
88. لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: لكن الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المؤمنين بذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله لإعلاء كلمته وهؤلاء لهم خيرات الدنيا والآخرة من النصر والعزة والكسب الحلال من الغنائم والشهادة ومغفرة الذنوب وهم الفائزون بالرضوان وسكني الجنان فقد أدركوا الظفر ونجو من كل خطر.
89. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: هيأ الله للمؤمنين المجاهدين في سبيله جنات تجري من تحت أشجارها الأنهار، في خلود دائم ونعيم مستمر، وهذا هو الفلاح الكبير والفوز العظيم الذي ليس بعده فوز، وهي نيل أشرف المطالب، وأجل الدرجات.
90. وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وأتى المعتذرون من الأعراب بأعذار مقبولة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليأذن لهم في التخلف عن غزوة تبوك وتخلف منافقوا الأعراب عن الجهاد بلا عذر، فهم كذبوا الله ما وعدوه، وخالفوا الرسول صلى الله عليه وسلم وما اتبعوه لأنهم مكذبون بالإيمان، سيصيب الأعراب الكاذبين في أعذارهم والذين تخلفوا ولم يعتذروا عذاب مؤلم موجع في نار جهنم.
91. لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: ليس على من تخلف من أهل الاعذار كالشيوخ والنساء والصبيان والعجزة والمرضى والزمني والعمي والفقراء الذين قصرت بهم النفقة عن الجهاد ليس عليهم ذنب في ترك الخروج للقتال إذا اخلصوا العبادة لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وسلموا من النفاق لا لوم ولا عتب عليهم فالله غفور لهم قابل لعذرهم متجاوز عن تقصيرهم رحيم في توسعة الأمر لهم وعدم تكليفهم بما لا يطيقون.
92. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ: ولا ذنب ولا مؤاخذة على من جاؤوك أيها النبي يطلبون منك ما يركبونه من الدواب للخروج في سبيل الله فاعتذرت إليهم بعدم وجود ما يركبونه عندك فمن حبهم للجهاد انصرفوا من عندك يبكون حزنا لأنهم ما وجدوا ما ينفقونه ليخرجوا معك فقصرت بهم ذات اليد عن القدرة على الجهاد فهؤلاء معذورون ومشكورون لأنهم فعلوا ما يطيقون وصدقوا في نياتهم وحزنوا على فوت الجهاد.
سورة التوبة
93. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: إنما الإثم والمؤاخذة والعقوبة على أناس يطلبون منك التخلف عن الجهاد، وعندهم النفقة والقدرة على الجهاد رضوا من مهانتهم لأنفسهم بأن يكونوا مع ربات الحجال في الخدور من النساء فلا رجولة فيهم ولا شجاعة لهم ولا إقدام عندهم فقد ختم الله على قلوبهم فلا تبصر الحق وهم لا يعلمون ما ينفعهم مما يضرهم ولهذا تركوا الجاد وما فيه من فضائل عظيمة، وما يفعل هذا إلا من غطى الجهل عليه، وحرم العلم النافع.
94. يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: إذا عدتم إلى المدينة من تبوك سوف يأتيكم المنافقون ويعتذرون إليكم في التخلف وهم كاذبون في أعذارهم، فقل لهم أيها الني: لا تعتذروا فأنتم كاذبون، ولن نقبل لكم أي عذر فقد كشف الله لنا حالكم بالوحي وفضح سرائركم وما أضمرتم من النفاق وسيظهر علم الله فيكم أتتوبون وتصلحون، أم ستبقون على النفاق وسوف يرى رسوله صلى الله عليه وسلم عملكم فيما يستقبل من الأيام ثم تعودون في الآخرة إلى عالم ما غاب عن الأبصار وما شاهدته الأنظار الذي لا تخفى عليه خافية في السموات والأرض فيخبركم بما فعلتم ويجازيكم على ما صنعتم.
95. سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: يقسم لكم هؤلاء المنافقون إذا عدتم من تبوك إلى المدينة لأجل أن تصفحوا عنهم ولا تلوموهم وتقبلوا عذرهم، فاصفحوا عنهم واتركوهم إنهم خبثاء، أفعاهم قذرة، وأحوالهم قبيحة، ومقرهم نار جهنم يصلونها مخلدين فيها بسبب أعمالهم المشينة.
96. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ: يقسم لكم المنافقون إيمانا كاذبة آثم حتى ترضوا عنهم، ولو حصل رضاكم عنهم وعذركم لهم فإن الله غاضب عليهم؛ لأنهم خرجوا عن طاعته وتمردوا على شرعه، فأنتم قد تغترون بما ظهر لكم، ولكن الله يعلم ما أخفوا من النفاق.
97. الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: سكان البادية من الأعراب أكثر من غيرهم كفرا بالله ونفاقا؛ لجهلهم وبعدهم عن العلم وغلظ أخلاقهم وقصوة قلوبهم وجفاء طبيعتهم، وهي أولى وأحرى أن يجهلوا الأحكام الشرعية والآداب المرعية، لبعدهم عن مواطن التعليم ولقاء ورثة الأنبياء والله عليم بأحوالهم فهذا الوصف لهم من عليم حكيم فيما قدر وشرع وقضى وأبرم.
98. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: وبعض الأعراب يرى أن ما تصدق به في سبيل الله خسارة وغرامة لنفاقهم وعدم احتسابهم الأجر في ذلك وإنما فعل ذلك رياء وسمعة وتقية وهم ينتظرون بكم المصائب والهزائم لبغضهم لكم عليهم هم وحدهم الدواهي والمصائب من سوء الحال وقبيح المآل وغضب ذي الجلال مع الهوان والإذلال والله سامع لما قالوا عالم بما فعلوا وسيحاسبهم على سوء الأقوال وقبيح الأفعال.
99. وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: بعض الأعراب مؤمنون بالله ورسوله صادقون في إيمانهم يحتسبون الأجر من الله فيما يتصدقون به في سبيله يتقربون بالطاعات إلى الله وليحصل لهم استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاؤه بالرحمة والرضوان لهم ألا إن صدقتهم ودعاء النبي لهم نافع مقبول عند الله لإخلاصهم وجزاؤهم جنات النعيم يدخلونها برحمة أرحم الراحمين، لأنه يغفر للتائبين ذنوبهم، ويرحم المنيبين ويتجاوز عمن أساء ثم ندم وعاد.
100. وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: والسابقون الأولون إلى الإيمان بالله والهجرة في سبيله والجهاد والصدقة من المهاجرين والأنصار ومن اتبعهم في العمل الصالح قبل الله طاعتهم ورضي عملهم وغفر ذنبهم ولم يسخط عليهم ورضوا عن الله بما أنعم عليهم من الفضل وأفاض عليهم من البر وهيأ الله لهم في الآخرة جنات تجري تحت أشجارها الأنهار باقين فيها أبدا منعمين فيها سرمدا ذلك هو الظفر الأعظم والفلاح الأكبر الذي لا يعادله ظفر ولا يضاهيه فلاح.
101. وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ: وبعض الأعراب حول المدينة منافقون أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وبعض أهل المدينة أناس استمرؤوا النفاق واعتادوا عليه حتى خفي أمرهم على رسول صلى الله عليه وسلم فلم يكتشف أمرهم بمبالغتهم في التخفي بالنفاق ولكن الله يعلمهم ويكشف امرهم لرسوله صلى الله عليه وسلم فلم يكتشف أمرهم لمبالغتهم في التخفي بالنفاق، ولكن الله يعلمهم ويكشف أمرهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وسيعذبهم الله عذابين عذاب الفضيحة في الدنيا وكشف أسرارهم وهتك أستارهم وعذاب سكرات الموت وما في القبر من أهوال وفي الآخرة عذاب شديد موجع في الدرك الأسفل في النار.
102. وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: وطائفة أخرى من المسلمين تخلفوا عن الخروج معك بلا عذر، وأقروا بخطئهم عندهم عمل صالح من تمسك بشريعة الإسلام، وعندهم عمل سيئ وهو التخلف عن غزوة تبوك، ثم ندموا واستغفروا من هذا التخلف لعل الله أن يغفر لهم ذنوبهم لتوبتهم فهم في رجاء غفران الله والله غفور لمن تاب رحيم بمن أناب فتحلمن عاد إليه الباب ورفع لمن رجع عن معصيته الحجاب.
103. خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: خذ أيها الرسول من هؤلاء التائبين من تخلفهم عن الغزو صدقة من أموالهم تطهر نفوسهم من الذنب والشح، وتزكي أموالهم فتصلح نفوسهم وتنمي أموالهم وادع لهم بالغفران لأن دعاءك لهم سبب لنزول الطمأنينة والسكنية على نفوسهم، والله سميع لاعترافهم بالتقصير، ولدعائك لهم بالعفو من اللطيف الخبير، عليم بينة الصادق في توبته من غيره.
104. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: ألم يعلم هؤلاء التائبون أن الله يتوب على من تاب ويرحم من أناب فيغفر زلاتهم ويتقبل صدقاتهم لأنه كثير الغفران لم هجر العصية وأقبل إلى الطاعة وندم على الذنب، رحيم بمن صدق في توبته فلا يؤاخذه بما سلف ولا يعذبه بما اقترف.
105. وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وقل أيها النبي لمن تاب: اعملوا صالحا وافعلوا خيرا فسيرى الله عملكم من صلاح أو فساد وسيرى ذلك العمل رسوله الكريم وعباده الصالحون وهم شهداء الله في أرضه وستعودون يوم القيامة إلى عالم ما خفي وظهر وغاب وحضر من الأقوال والأعمال فيخبركم بالأعمال ويجازيكم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
106. وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: وطائفة أخرى من المتخلفين عن الجهاد مؤجل أمرهم إلى الله وهم الثلاثة الذين أخر الله أمرهم فإما يعذبهم الله بتخلفهم وإما يتغمدهم برحمته ويتوب عليهم والله عليم بما في قلوبهم حكيم في قضائه عليم بمصيرهم.
107. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: والمنافقون الذين بنوا في المدينة مسجدا لكيد المؤمنين والتآمر على الرسول صلى الله عليه وسلم وبث الفرقة والخلاف في صفوف المسلمين وانتظار لقدوم من حارب الله وحارب رسوله وهو أبو عامر الراهب الذي ذهب إلى قيصر ليستعين به على حرب المسلمين وسوف يقسم هؤلاء المنافقون الفجار أنهم ما قصدوا بناء هذا المسجد إلا لتيسير حضور الجماعة على الضعفاء والعجزة الذين يمنعهم المطر والحر من الذهاب لأبعد منه والله يشهد إنهم كذبوا في هذه الإيمان الآثمة وفيه: أن بعض طرق الخير في الظاهر قد تحول إلى وسائل للشر والإضرار بالإسلام وأهله.
108. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ: لا تصل أيها النبي في مسجد المنافقين هذا أبدا، إن مسجد قباء والمسجد النبوي أولى أن تصلي فيهما من مسجد الضرار؛ لأنه بني على تقوى من الله ورضوان من أول ما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا، وفي قباء رجال من الأنصار يحبون الطهارة الحسية بالوضوء ونحوه والمعنوية بالإيمان والتوبة من آثار الذنوب والمعاصي والله يحب من يتطهر من النجاسات والفواحش والمخالفات لأنه طيب لا يقبل طيبا.
109. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: لا يستوي من أقام بنيانه على أساس متين من تقوى الله ورضوان، وقصد وجهه والعمل بطاعته، ومن أقام بنيانه على جانب واد منهار أوشك على السقوط؛ لضعف أساسه فإذا سقط سقط بصاحبه في نار جهنم وهذا حال أهل مسجد الضرار الذي بنوه نفاقا وكمينا لدسائسهم ومكرهم، والله لا يوفق من لم نفسه بالنفاق ومحاربة الإسلام للرشد والصلاح.
110. لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: لا يزال بناء المنافقين لمسجد الضرار شكا وحيرة ونفاقا في قلوبهم يلازمهم أبدا إلى أن يموتوا أو يمزق الهم والغم والحزن قلوبهم والله عليم بأحوال عباده يعلم الصادق من الكاذب حكيم في صنعه وشرعه وثوابه وعقابه.
111. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: إن الله اشترى أنفس المؤمنين منهم فباعوا أرواحهم واشتروا الجنة ونعيمها فهم يقاتلون في سبيل الله أعداء الله لإعلاء كلمة الحق فيقتلون الكفار، ويستشهدونهم مع الأبرار وينفقون أموالهم في سبيل الله وعدهم الله بالجنة وعدا لازما ثابتا مسطرا في التوراة والإنجيل والقرآن، ولا أحد أوفى بالعهد وإنجاز الوعد من الواحد الأحد الذي لا يخلف ما وعد ولا ينقض ما عقد فلكم البشرى أيها المؤمنون بهذا البيع الذي بايعتم ربكم عليه، فإنه والله أعظم صفقة رابحة، وهو الظفر الأعظم والفوز الأكرم، فالمشتري الله والبائع المؤمنون والسلعة أنفسهم والثمن الجنة ومجلس العقد ساح القتال، فلما قرئ صك العقد الذي نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال المؤمنون: ربح البيع والله لا نقيل ولا نستقيل.
112. التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: هؤلاء الأبرار المجاهدون الذين وعدهم ربهم بالجنة هم التائبون من الذنوب ما ظهر منها وما بطن المخلصون الطاعة لربهم الحامدون الله في السراء والضراء الصائمون أو المتفكرون في خلق الله المداومون على الصلاة المكثرون من نوافلها الآمرون بما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الناهون عما يكرهه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم القائمون بحفظ الشرائع والتزام الأحكام وترك النواهي وبشر أيها الرسول المؤمنين بجنات النعيم جزاء أعمالهم الصالحة.
113. مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: ما ينبغي للرسول ولا ينبغي للمؤمنين أن يطلبوا من الله المغفرة للمشركين، لأن الله لا يغفر أن يشرك به ولو كانوا أقرباء لهم من بعد ما ظهر أنهم كفا من أصحاب النار فمن مات على الشرك حرم أن يستغفر له.
114. وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ: لم يكن استغفار إبراهيم لأبيه وهو شرك إلا لأن إبراهيم وعد أباه في قوله: لاستغفرن لك، فلما ظهر لإبراهيم عداوة أبيه لربه بالشرك تبرأ منه، وترك الاستغفار له، إن إبراهيم كثير الإنابة إلى ربه والتضرع والخضوع والتوبة صفوح عن الأخطاء صبور على الأذى كظوم للغيظ.
115. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: وما كان في حكم الله وعدله أن يؤاخذ قوما على الضلال حتى يتبين لهم الحق من الباطل، والحلال من الحرام ويقيم عليهم الحجة بالرسالة فإذا بين لهم ما يحل وما يحرم أثاب الطائع وعاقب العصاي لأن الله عليم بكل أحوال عباده من حسن وسيئ وصلاح وفساد ومن يستحق الثواب والعقاب.
116. إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: الله وحده له ملك السموات والأرض وما بينهما لا شريك له في ملكهما خلقا وتدبيرا وتصريفا ورزقا، وهو المحيي والمميت وحده، وليس لكم أيها الناس غير الله يتولى أموركم بالحفظ والرعاية والنصر والولاية، فيجلب لكم النفع ويدفع عنكم الضر، بل الله يتولى ذلك كله.
117. لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ: لقد قبل الله توبة نبيه والمهاجرين والأنصار وغفر ذنوبهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ لإيمانهم به وصدقهم معه وجهادهم في وقت الشدة والحر والمشقة في غزوة تبوك من بعد ما كاد يزيغ قلوب بعضهم بالتخلف عن الجهاد؛ لقلة الزاد والمزاد، وصعوبة السير والجلاد، ثم تاب عليهم وتجاوز همهم بالتخلف وثبت قلوبهم على الإيمان إن الله رؤوف بمن تاب لا يعاقبه رحيم بمن أناب لا يعاتبه.
118. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: وكذلك تاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وليسوا منافقين وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، من بعد ما ضاقت عليهم الأرض الوسيعة الفسيحة، وضاقت أنفسهم من شدة الحزن والهم والغم، وتيقنوا أن لا مفر من الله إلا إليه، ولا نجاة من عذابه إلا برحمته ولا ملجأ من غضبه إلا بالتوبة إليه فمن الله عليهم بأنه قبل توبتهم؛ ليكونوا من بين التائبين ومع المنيبين، إن الله واسع المغفرة لمن تاب جزيل الرحمة بمن أناب يقبل عثرة من زلت به القدم إذا ندم.
119. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ: أيها المؤمنون راقبوا الله وخافوه بفعل الأوامر واجتناب النواهي وتمسكوا بالصدق في الأقوال والأعمال والأحوال فهو أشرف الحلال.
120. مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ: لا يحل ولا يحق لسكان المدينة ومن جاورهم من أعراب البادية أن يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يؤثروا لأنفسهم الراحة على نفس محمد صلى الله عليه وسلم وذلك النهي عن التخلف سببه أنهم لا يجدون عطشا أو تعبا أو جوعا لإعلاء كلمة الله ولا ينزلون مكانا فيه إغضاب للكفار ولا يأخذون من عدو الله شيئا من الأنفس بالقتل أو الأسر أو يغنمون منه مالا إلا سجل لهم ذلك في صحائف الأعمال الصالحة المقبولة، إن الله حافظ لثواب المخلصين الصادقين، وهم من أحسن في عمله على وفق ما شرعه ربه.
121. وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: ولا يتصدقون بصدقة قلت أو كثرت ولا يتجاوزون واديا في مرضاة الله لإعلاء كلمته إلا كتب الله لهم ذلك العمل؛ ليثيبهم عليه أحسن الثواب وأعظم الجزاء في دار النعيم المقيم بجوار الرحمن الرحيم.
122. وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ: ولا يجب على المؤمنين أن يخرجوا جميعا للجهاد أو طلب العلم ويتركوا ديارهم خالية بل يخرج من كل قبيلة جماعة ويبقى آخرون، وتلك الجماعة تتعلم العلم النافع، ثم إذا عادت علمت من تخلف وفقهتهم في دين الله وحذرتهم معاصيه ومخالفة أمره؛ لعلهم يتقون ربهم بالعمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
123. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ: يا أيها المؤمنون: ابدؤوا بقتال الكفار المحاربين القريبين من داركم لأنهم أشد خطرا وكونوا أقوياء اشداء عليهم ليهاب جانب الحق ويحترم الإسلام وأعلموا أن الله ينصر المتقي ويؤيده، وهو من عمل بما أحب الله وترك ما كره سبحانه.
124. وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ: وإذا أنزل الله عليك أيها الرسول سورة من سور القرآن فمن المنافقين من يقول لأصحابه استهزاء من منكم زادته هذه السورة إيمانا بالله ورسوله؟ فأما المؤمنون الصادقون فزادتهم السورة إيمانا زيادة على إيمانهم، وهم يفرحون بهذه السورة، وما أتت به من الفوائد الجليلة والفتوحات العظيمة، ويبشر بعضهم بعضا بها.
125. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ: وأما المنافقون فزادتهم السورة المنزلة شكا وحيرة ونفاقا إلى نفاقهم وخبثا إلى خبثهم واستمروا على الكفر حتى دخلوا به القبر فالقرآن يزيد المهتدي هدى وأما الضال فلا يزيده إلا عمى.
126. أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ: أولا يتفكر المنافقون أن الله يمتحنهم بالجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم كل عام مرة أو مرتين، ثم لا يتوبون بالاستجابة لله وترك النفاق، ولا يرتدعون ويخافون من انكشاف أمرهم ولا ينتفعون بالعبر.
127. وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ: وإذا أنزل الله سورة على رسوله تكشف حال المنافقين وتفضح أمرهم وتهتك سترهم، نظر بعض المنافقين إلى بعض ريبة وتدبيرا للفراء من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم يقولون: هل يراكم أحد من المؤمنين إذا فررتم متسللين؟ ثم هربوا إلى منازلهم خوفا من الوحي أن يفضحهم، صرف الله قلوبهم عن الهدى والرشد؛ لأنهم أناس لا يفهمون ما أنزل الله على رسوله فهم تعقل وتدبر وقبول.
128. لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ: لقد جاءكم أيها الناس رسول كريم من جنسكم تعرفون نسبه الشريف للقراءة الأخرى أنفسكم أي اشرفكم وأصله وصدقه وأمانته، يشق عليه ما يشق عليكم حريص على إيمانكم ونجاتكم وسعادتكم رؤوف بالمؤمنين يسعى في إزالة كل شقاء وعناء، رحيم بهم يوصل إليهم الإحسان والعطاء فرأفته بالمنكسرة قلوبهم ورحمته بمن آلمتهم ذنوبهم.
129. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: فإن أعرضوا عن الاستجابة لك أيها النبي فقل الله يكفيني بولايته ونصره عن كل أحد فهو المستحق للألوهية المعبود وحده وهو سبحانه رب العرش العظيم الذي استوى عليه يدبر أمر هذا العالم، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
سورة يونس
1. الـر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها ولها معان جليلة وهذه آيات القرآن الذي أحكمه الله وفصله وبينه لعباده.
2. أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ: أكان إنزالنا الوحي على إنسان سببا لتعجب الناس ودهشتهم، وهذا القرآن المنزل على هذا الرسول ليحذر به العباد من عذاب الله إن عصوه، ويبشرهم بالثواب إن أطاعوه بالإيمان وعمل الصالحات، وأن الأجر العظيم مدخر لهم بما قدموا من خير، فلما نزل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم قال الكفار: هذا سحر أتى به ساحر ظاهر البطلان.
3. إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ: إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وأبدعهما وأتقن بناءهما في مدة ستة أيام ثم علا واستقر واستوى على العرش استواء يليق بجلاله وعظمته، وهو على عرش يدبر أمر خلقه ويصرف شؤونهم لا يشفع لديه شافع يوم القيامة إلا إذا أذن له في الشفاعة، ورضي عن المشفوع له فوحدوا الله بالعبودية وأفردوه بالألوهية فهو الرب الخالق الرازق المستحق لذلك أفلا تتعظون بالأدلة على وحدانيته وتعتبرون بالبراهين على ألوهيته؟
4. إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَ‍قًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ: إلى الله وحده معادكم يوم القيامة أيها الناس وهذا موعد ثابت لاشك فيه وهو الذي ينشئ الخلق أول مرة ثم يعيده بعد الموت، ليثيب الطائع على إيمانه بالله واتباعه رسوله صلى الله عليه وسلم أعظم الثواب، وهذا جزاء عدل منه سبحانه والذين جحدوا بألوهية الله ورسالة نبيه في نار جهنم مع عذاب أليم موجع؛ بسبب ضلالهم وتكذيبهم.
5. هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: الله وحده الذي جعل الشمس ضياء للعالم، وجعل القمر نورا للكون فالضوء ملتهب حار والنور مشع بارد وأنزل القمر منازل في الأبراج معلومة فبالشمس تعرف الأيام وبالقمر تعرف الأعوام وما أوجد الله الشمس والقمر إلا لحكمة عظيمة ودلالة واضحة على حسن خلقه وإتقان صنعه يوضح البراهين لقوم يعلمون المقاصد في إيجاد الخلق وإنشاء الآيات.
6. إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ: إن في تعاقب الليل والنهار وكل ما خلق الله من عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات وما فيها من جمال وإبداع ونظام وكمال لأدلة بينة على عظمة خالقها، يفهم هذه الأدلة من خشي ربه وخاف مولاه واتقى غضبه بفعل ما أحب.
7. إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ: إن الذين لا يطمعون في لقاء الله يوم القيامة ولا يعدون لهذا اللقاء عدته من الإيمان والعلم الصالح، وأحبوا الحياة الدنيا واتخذوها عرضا دون الآخرة وآثروها على ما عند الله والذين هم عن آيات الله الكونية والشرعية ساهون لاهون معرضون.
8. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: هؤلاء مصيرهم النار الحامية خالدين فيها بسبب عملهم القبيح من كفر وذنوب وعصيان لعلام الغيوب.
9. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ: إن الذين آمنوا بالله وبرسوله وعملوا الأعمال الصالحة المشروعة بإخلاص ومتابعة يرشدهم الله بسبب إيمانهم لخيري الدنيا والآخرة ويدلهم على أقوم السبل ولهم في الآخرة جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها الأنهار، في دار القرار محل الأبرار بجوار العزيز الغفار.
10. دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: دعاء أهل الجنة في الجنة (سبحانك اللهم) والله يحييهم وتحييهم الملائكة، ويحي بعضهم بعضا بكلمة (سلام) لما فيها من الأمان والبشر والطمأنينة، وآخر دعائهم (الحمد لله رب العالمين) فالشكر والثناء لمن خلق العالم ودبره بما فيه، وأجزل العطاء لسائليه.
11. وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ: ولو أن الله يعجل إجابة من دعاه بالشر كتعجيل إجابة من دعاه بالخير لهلك هذا الداعي، فنترك الذين لا يطمعون في لقائنا ولا يفكرون في البعث والنشور في ضلالهم يترددون في دنياهم يلعبون.
12. وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: وإذا أصابت الإنسان شدة تضرع إلى ربه، وشكا إلى مولاه في حال اضطجاعه على جنبه، أو قاعدا أو قائما من قلة صبره وجزعه، فإذا كشفنا كربه، وفرجنا شدته استمر على لهوه الأول كأنه ما امتحن بشدة ولا مر به كرب ونسى دعاءه لنا وكشفنا لبلواه، وكما حسن لهذا الإنسان بقاءه على هذا العناد والجحود، حسن للذين أسرفوا في الذنوب والخطايا ما اقترفوه منها فاستمرا عليها.
13. وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ: ولقد أهلكنا الأمم السابقة والأجيال الماضية التي كانت قبلكم بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم لرسله، والرسل بعثوا إليهم من الله بالحجج الواضحة والبراهين القاطعة على صدقهم، فلم تكن هذه الأمم لتصدق الرسل لاستيلاء الكفر على قلوب هؤلاء المكذبين، ومثل هذا الهلاك الذي أوقعناه بهذه الأمم نوقعه بكل فاجر متجاوز لحدود الله.
14. ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ: ثم جعلناكم أيها الناس خلفاء في الأرض بعدما أهلكنا تلك القرون المكذبة؛ لنرى ماذا عملوا من خير وشر وصلاح وفساد فنثيب المحسن ونعاقب المسئ.
15. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: وإذا قرأت آيات القرآن واضحات على الكفار، قال الذين لا يؤمنون بالحساب ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب: أحضر لنا قرآنا غير هذا القرآن أو بدله وحرف معانيه بأن تجعل الحلال حراما والحرام حلالا والوعد وعيدا والوعيد وعدا وامح ما فيه من سب الأصنام وتسفيه الأحلام فقل لهم أيها الرسول أنا لا أستطيع ذلك ولا ينبغي لي هذا وإنما عملي أن اتبع هذا القرآن في كل أمر ونهي، إني أخشى من ربي إن خالفت أمره عذاب يوم القيامة المؤلم الشديد الموجع.
16. قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: قل لهم أيها النبي لو أراد الله ما قرأت هذا القرآن عليكم ولا أعلمكم الله بما فيه، فتيقنوا أني مرسل من الله لا من عند نفسي، وكما تعلمون فقد عشت فيكم زمنا طويلا من قبل نزول القرآن ومن قبل أن اقرأه عليكم، ثم نزل علي فيما بعد، فكيف لا تتدبرون بعقولكم هذا الفرق بين حالي قبل نزول الوحي، وحالي بعده لتعلموا أن الأمر ليس إلي ولا مني بل من الله.
17. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ: لا أشد ظلما منن إنسان ادعى على الله دعوى كاذبة، أو نسب إلى ربه ما لا ينبغي له، أو جحد آيات الله، إن من يفعل ذلك فاجر وآثم، ومن هذا وصفه فلن ينال الفلاح ولم يجد الظفر أبدا.
18. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: ويعبد هؤلاء الكفار آلهة غير الله لا تجلب لهم نفعا، ولا تدفع عنهم ضرا ويقول هؤلاء المشركون: إنما نعبد هذه الآلهة لتشفع لنا عند الله، فقل لهم أيها النبي التخبرون الله تعالى بشئ ما كان يعلمه من أمر هؤلاء السفهاء في السموات أو في الأرض؟ فلو كان هؤلاء الشنعاء ينفعونكم عند الله لكان أعلم بهم منكم فتنزه الله وتقدس عما أشرك به هؤلاء معه في ألوهيته، وتعالى عن شركهم معه غيره، وهو الله الذي لا إله إلا هو.
19. وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: لم يكن الناس إلا على ملة واحدة، وهي التوحيد، ثم تفرقوا بعد ذلك على ملل شتى، فآمن بعضهم وكفر بعضهم الآخر، لولا أن الله كتب على نفسه إمهال الفجار وعدم معاقبتهم في هذه الدار لوقع قضاؤه في الدنيا بإهلاك الظلمة ونجاة الطائعين.
20. وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ: ويقول الكفار الفجار هلا أنزل الله على نبيه حجة واضحة نعلم بها صدقة فيما ادعى من النبوة فقل لهم أيها النبي لا يعلم الغيب غير الله أحد من خلقه، فإن أراد أنزل حجة وإن أراد لم ينزل فالأمر له كله فانتظروا أيها الكفار عاقبة أمورنا وما يقضي الله في شأننا بإهلاك الكاذب المعاند ونصرة الصادق العابد، إني منتظر ما وعدني ربي من نصره وتأييده.
21. وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ: وإذا أذاق الله الكفار فرجا بعد شدة ويسرا بعد عسر فإذا هم يكذبون بالرسالة ويستهزئون بآيات الله قل أيها النبي لهؤلاء الكفار الله أسرع استدراجا لكم وأشد مكرا بكم وأقوى عقوبة والله يرسل الملائكة الحفظة إليكم ليكتبوا ما فعلتموه من مكر وإجرام لنجازيكم عليه يوم القيامة.
22. هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ: والله وحده هو الذي يسير الناس في البر على الخيول والجمال والبغال والحمير وغيرها ويسيركم في البحر على السفن وغيرها فإذا ركبتم في السفن وهبت ريح رخاء هادئة وفرح بها الركاب، جاء السفينة ريح عاصف شديدة مدمرة والتف الموج على السفينة من كل جهة وأيقنوا أن الهلاك نازل بهم توسلوا إلى الله وألحوا في الدعاء وطلبوا إليه النجاة وأخلصوا في التضرع وعاهدوه لئن أخرجهم من هذا الكرب؛ ليكون من الشاكرين على نعمة بالإيمان به وعمل الصالحات والتوبة من الذنوب.
23. فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يأيها النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: فلما أخرجهم الله من الشدائد، وأنجاهم من الأهوال، وعادوا إلى البر إذا هم يفسدون في الأرض بالظلم والمعاصي، يا أيها الناس: إن عاقبة هذا الظلم والعدوان على أنفسكم وإن وبال الذنوب عليكم وإنما هي مجرد تمتع في الحياة الزائلة الفانية كأحلام النائم وبعدها تعودون إلى ربكم فيخبركم بما فعلتم ويجازيكم على ما صنعتم فأعدوا العدة بالشكر على النعمة والحذر من النقمة فما دفع البلاء بمثل التوبة والدعاء.
24. إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: إنما مثل الحياة الدنيا ومتعها الفانية ولذائذها الزائلة كمثل مطر أنزله الله من السماء إلى الأرض فأنبت الله به زروعا وأشجارا يأكل الناس حبوبها وثمارها وحشائش تأكلها الدواب مختلط بعضه ببعض حتى إذا بدأ حسن الاشجار وجمال الثمار وبهاء الأزهار وصارت الأرض في ثوب بهيج وأعتقد أهل هذه المزارع والحدائق أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها لأنها في ملكهم وتحت تصرفهم جاء القضاء من الله بهلاك الأشجار وبوار الثمار وذبول الأزهار في ساعة من ليل أو نهار فصارت محصودة هشيما بعد الخضرة والنضرة كأنها ما كانت قائمة بهيجة مخضرة قبل هذا الهلاك فكذلك يقع الفناء على ما تفتخرون به من دنياكم الغرور ومن متعها الخداعة فيحصل الموت للأبناء مع ذهاب الأموال وتفرق الأحباب وخراب الدور ودمار القصور لأن الله كتب على الدنيا وأهلها الفناء وكما وصف الله لكم حال الدنيا ونهايتها وأوضح لكم مصيرها يوضح لكم سبحانه آياته البينات وأدلته الواضحات في كونه وشرعه ليتدبرها أولو الألباب ويعيها ذوو البصائر.
25. وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: والله يدعو عباده إلى جناته بإرسال رسله وإنزال كتبه، ويوفق للاستقامة على أمره من شاء من خلقه، فيصير عمله خالصا لوجه الله صوابا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستحق رضوان الله فدعوة الله عامة وهدايته خاصة لأن الدعوة إقامة حجة والهداية ايصال رحمة.
26. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: للمحسنين في إيمانهم وعملهم الصالح الجنة وزيادة عليها وهي النظر إلى وجه الله الكريم مع مغفرة ورضوان ولا يغشى وجوههم غبار ولا ذلة ولا صغرا ولا هوان بل نضرة وسرور ونور وحبور وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات هم أصحاب الجنة الباقون فيها أبدأ في نعيم مقيم وملك عظيم.
27. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: والذين عملوا السيئات وكسبوا المعاصي من الكفر بالله وارتكاب محارمه وانتهاك حدوده يجازيهم الله: بكل سيئة اقترفوها بمثلها من العذاب في الآخرة، وتغشاهم ذلة وهوان، ولا يمنعهم من عذاب الله مانع ولا يشفع لهم شافع، ولا يدفع عنهم العقاب دافع، كأنما غطيت وجوههم بأجزاء من سواد الليل المظلم الحالك وهم أهل النار الماكثون فيها مع النكال والصغار وغضب الجبار.
28. وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ: وتذكر ذلك اليوم يوم نجمع الناس جميعا للحساب والجزاء ثم يقول الله للذين أشركوا به غيره ألزما مكانكم ومعكم شركاؤكم الذين تعبدونهم في الدنيا من دون الله حتى يقضي الله بينكم وفرق الله بين المشركين وما كانوا يعبدون وتبرأ من المشركين معبودهم وقالوا لهم ما كنتم إيانا تعبدون في الدنيا بل كنتم كاذبين مفترين.
29. فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ: فكفى بالله شاهدا على صحة ما نقول، يحكم بيننا وبينكم لأنه يعلم الغيب والشهادة ولقد كنا لا نشعر بعبادتكم لنا وكنا غافلين عنها لأننا لا نملك نفعا ولا ضرا.
30. هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: في ذلك المقام العظيم يوم الدين تفقد كل نفس ما عملت وما قالت وما قدمت وترى حسابها أمامها إن خيرا فخير وإن شرا فشر عادوا كلهم إلى الله ليحكم بينهم لأنه ربهم وإلههم ومتولي شؤونهم وهو الحكم العدل فالسعداء في الجنة والأشقياء في النار وذهب عن الكفار ما كانوا يعبدونه من دون الله فما نفعوهم ولا شفعوا لهم ولا دفعوا عنهم العذاب.
31. قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ: قل أيها النبي لهؤلاء الكفرة الفجرة من الذي ينزل عليكم الرزق من السماء بإنزال الغيث الهنئ المرئ؟ ومن الذي يخرج لكم من الأرض أنواع الثمار والحبوب والفواكه والخضار متاعا لكم ولأنعامكم؟ ومن الذي منحكم وهو قادر على سلبكم إياها من الأسماع والأبصار؟ ومن الذي يخرج الأحياء من الأموات، كالفرخ من البيضة والأموات من الأحياء كالبيضة من الدجاجة والثمرة من الشجرة ونحوها؟ ومن الذي يصرف كل أمر في السماء والأرض من أمر الملائكة والجن والإنس والحيوان وكل مخلوق؟ أسألهم أيها النبي عن هذا كله فسوف يجيبونك بأن الذي يفعل ذلك كله هو الله وحده فقل لهم أفلا تحذرون من عذاب الله وتخشون عقابه إذا أشركتم به غيره، إذا فوحدوه وأخلصوا له العبادة. وفي الآية استعمال الدليل العقلي، والحوار المنطقي، وذكر الأدلة الظاهرة لا الخفية، والفراغ من المقدمات ثم الوصول إلى النتائج والتدرج في الحجة.
32. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ: فذلكم الذي هذا وصفه من الخلق والرزق والتدبير هو الله ربكم المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإذا كان هذا هو الحق فما سواه ضلال، إذا فأنتم ضالون في عبادتكم غيره، فكيف تنحرفون من عبادته إلى عبادة سواه من الأوثان والأصنام وغيرها؟ وكيف تصرفون عن الحق إلى الضلال؟!!
33. كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: كما كفر من كفر وأعرض من أعرض حقت كلمة الله الكونية وحكمة العدل وقضاؤه النافذ على من خرج عن طاعته، أنه لا يصدق بعبوديته ولا يذعن لوحدانيته، ولا يؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتبع هداه.
34. قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ: قل أيها الرسول للمشركين هل هناك أحد من آلهتكم التي تعبدونها من دون الله يستطيع أن ينش خلقا من العدم ثم يعيده على صورته الأولى بعد الفناء؟ يعني يوجد المعدوم ويرد الفاني إلى الوجود!! فهذا شىء لا يستطيعونه، ومحال لا يفعلونه قل لهم: لكن الله وحده هو الذي يخلق الشئ من العدم، ثم يفنيه بعد الوجود، ثم يعيده كما كان فكيف تنصرفون عن عبادة من هذا وصفه من القدرة والحكمة في الخلق والإبداع إلى عبادة سواه ممن لا يملك ذلك؟
35. قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ: قل أيها الرسول للمشركين هل أحد من آلهتكم التي تعبدونها ترشد إلى الطريق المستقيم؟ فهم لا يستطيعون ذلك ولكن الله وحده يهدي من ضل عن الهدى ويرشد من انحرف عن الحق فأيهما أحق بالإتباع؟ من يهدي للحق لتمام علمه وكمال حكمته ونفاذ قدرته؟ أم من لا يستطيع الهداية للحق لجهله وضلالة وعدم علمه؟ وهي ألهتكم المزعومة التي لا تهتدي لشئ ولا تهدي غيرها بل هي بحاجة إلى من يهديها، فهي لا تهدي ولا تهتدي بل تهدى، فلماذا سويتم بين الله الهادي جل في علاه وبين هذه المخلوقات القاصرة العاجزة الحائرة؟ فهذا حكم باطل وقضاء جائر.
36. وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ: وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين في عبادتهم الأصنام واعتقادهم بنفعها وضرها وأنها تقرب من الله إلا ظنا ووهما بلا دليل واضح ولا برهان قاطع والظن لا ينفع في إقامة حق أو دفع باطل، بل لابد من اليقين الذي يشفي من الشك، ويعصم من الحيرة إن الله عليم ومطلع على عمل هؤلاء المشركين وسوف يحاسبهم عليه يوم القيامة.
37. وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: ولا يمكن لأحد من البشر أن يأتي بهذا القرآن من عند غير الله فهو فوق قدرة البشر ودلائل الإعجاز فيه لا يستطيعها أحد من الناس كائنا من كان ولكن الله أنزل القرآن يصدق الكتب التي قبله؛ لأن دين الأنبياء واحد وهو الإسلام وفي هذا القرآن أتم البيان وأوضح البرهان لما شرعه الله للإنسان ولا شك في أن هذا القرآن كلام الله أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وليس كلام البشر.
38. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: بل يقول الكفار: إن النبي افترى القرآن من عند نفسه وهو بشر مثلهم فقل لهم أيها النبي تعالوا أنتم بسورة واحدة من جنس هذا القرآن في بلاغته وإعجازه وفصاحته وإيجازه ونظمه وهدايته وإشراقه وبراعته واستعينوا على ذلك بكل أحد من الإنس والجن ليعينكم على الإتيان بسورة إن كنتم صادقين في ادعائكم القدرة على معارضته.
39. بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ: بل إن الكفار بادروا إلى تكذيب القرآن أول ما سمعوه قبل أن يفقهوه، وردوه لأنهم جهلوا حقائقه، والإنسان عدو ما جهل، وإلا لو فهموه حق فهمه لوصل التصديق به سويداء قلوبهم، ثم لم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا به في هذا القرآن من بعث وجزاء، وجنة ونار، وثواب وعقاب ومثل تكذيبهم هذا كذب من قبلهم من الأمم بكتب الرسل السابقين فتأمل أيها النبي ماذا انت عاقبة من كذب وظلم نفسه بمعصية ربه كيف دمرناهم بأنواع العقوبات.
40. وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ: ومن الناس من يصدق بالقرآن ومنهم من يكذب به حتى يلقى ربه مكذبا والله أعلم بالمفسدين الذين ردوا الحق واتبعوا الباطل، واستكبروا على الهدى وأعرضوا عن الدليل وسوف يجازيهم على سوء ما فعلوه.
41. وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ: وإن كذبك هؤلاء المشركون أيها النبي فقل لهم لي ديني وأنا مسؤول أمام الله عن عملي وليس عليكم منه شىء ولكم دينكم وسوف تسألون عن عملكم عند الله لا تؤاخذون بما عملت ولا أؤاخذ بعملكم فكل بعمله مرتهن فمحاسب.
42. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ: ومن الكفار من يستمعون لتلاوتك القرآن ومواعظم سماعا لا قبول فيه ولا استجابة وإنما كسماع الدواب أفأنت أيها الرسول تستطيع إسماع الصم؟! فكذلك لا تستطيع هداية هؤلاء المعرضين فهم صم عن سماع الحق سماع من يعقل وإنما يسمع الصوت بلا معنى والنداء بلا اهتداء.
43. وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ: ومن الكفار من ينظر إليك أيها الرسول وإلى براهين رسالتك القاطعة ولكنه لا يبصر ما أعطاك الله من أنوار الهداية ولا يدرك حقائق ما عندك من علم نافع ووحي مبارك أفأنت أيها الرسول تستطيع أن توجد للعمى أبصارا يرون بها الطريق؟ فكذلك لا تستطيع أن تهدي عمي البصائر إلى الصراط المستقيم، وإنما ذلك لله وحده، فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
44. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: إن الله لا يظلم العباد شيئا بإضافة سيئات عليهم ما عملوها، أو بنقص حسنة من حسناتهم أتوا بها، فهو لا يظلم ولا يهضم أحدا، ولكن العباد يظلمون أنفسهم بالتكذيب والعصيان والظلم والعدوان فالله يريد نجاتهم وهم يسعون في إهلاك نفوسهم!!
45. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ: ويوم يجمع الله هؤلاء الكفار ليوم لا ريب فيه ليوفيهم أعمالهم كأنهم قبل هذا الجمع لم يعيشوا في الحياة الدنيا إلا مقدار ساعة من نهار!! يعرف بعضهم بعضا كأنهم في الدنيا ثم ذهبت تلك المعرفة بينهم وانتهت تلك الساعة قد خسر المكذبون لله ورسله واليوم الآخر ولم يوفقوا للهداية ولم يسددوا للإصابة ولم يلهموا الرشد.
46. وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ: وإما أن يريك الله أيها الرسول في حياتك بعض المصائب التي تحل بأعدائه من العقاب الشديد والبطش القوي أو يتوفاك الله إيه قبل أن ترى ما يحل بهم من النكال فإلى الله وحده يعود هؤلاء الكفار والله شاهد على أعمالهم مطلع عليها وسوف يجازيهم بها الجزاء الأوفى.
47. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: ولكل أمة سبقت من الأمم رسول أرسله الله إليهم برسالة من عنده مثلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى أمته فإذا جاء الأمة رسولها بالرسالة وأقام عليهم الحجة قضى الله بينهم بالعدل فالثواب لمن آمن والعقاب لمن كفر أو المعنى إذا جاء رسولهم في الآخرة وقع الجزاء بلا ظلم فلا يهلك مؤمن ولا ينجو مكذب جزاء وفاقا.
48. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار للنبي المختار متى تقوم الساعة في ليل أو نهار؟ إن كنت أيها النبي وأتباعك صادقين أن القيامة ستقوم فأخبرونا بالوقت المحدد لها!!
49. قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ: قل أيها الرسول للكفار أنا عبد مأمور لا أستطيع أن أجلب لنفسي منفعة ولا أدفع عنها مضرة فكل ذلك إلى الله وحده يقدر علي وعليكم ما شاء لكل جيل وأمة دولة وشعب أجل فإذا أنتم أجلهم فني الجيل، وهلكت الأمة، وسقطت الدولة، وباد الشعب بلا تأخير ساعة فيمهلون ولا تقديم ساعة عن الأجل فيهلكون.
50. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: قل أيها الرسول للكفار أخبروني إذا أنزل الله بكم العذاب في ليل أو نهار لماذا تريدون تعجيل عذابكم والعذاب مكروه تنفر منه القلوب وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالكم له؟!!
51. أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ: ابعد ما يقع بكم العذاب وينزل عليكم العقاب تصدقون في زمن لا ينفعكم فيه التصديق ويقال لكم حينه: الآن تصدقون وكنتم قبل نزول العذاب تريدون تعجيله، فأنتم لتكذيبكم بالعذاب واستبعادكم نزوله طلبتم تعجيله عنادا.
52. ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: ثم يقال لمن ظلم نفسه بالشرك والمعاصي: تجرعوا العذاب الشديد الدائم في نار جهنم؛ جزاء على عملكم السيئ من كفر وتكذيب ومحاربة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
53. وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ: ويسألك الكفار أيها الرسول عن عذاب يوم القيامة: هل هو حق لا شك في وقوعه؟ فقل لهم: نعم وربي إنه لحق لا شك فيه، وأنتم لا تعجزون الله أن يبعثكم بعد الموت فيجازيكم؛ لأنه قدير على ذلك وأنتم في ملكه وتحت سلطانه وتصرفه.
54. وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: ولو كان لكل نفس كفرت بالله كل ما في الأرض مما لا ثمن وقيمة وأمكنها أن تقدمه فدية من عذاب الله يوم القيامة لفعلت، ولكن لن تقبل للكافر فدية ولا شفاعة ولا تنفعه خلة وليس له نصير، وأخفى الكفار حسرتهم يوم شاهدوا العذاب، وحكم الله تعالى بالعدل ولم يظلموا شيئا بزيادة سيئا ما عملوها أو بنقص حسنات أتوا بها.
55. أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: ألا إن جميع ما في السموات وجميع ما في الأرض ملك لله تعالى يتصرف فيه كيف يشاء؛ لأنه خالق كل شىء، فلا يشاركه في الملك أحد مثلما لم يشاركه في الخلق أحد، ألا إن يوم القيامة الذي وعد الله به وما فيه من ثواب وعقاب حق لا شك فيه، ولكن أكثر الناس جاهل بهذا الأمر لا يؤمن به ولا يدرك حقيقته.
56. هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: الله وحده هو الذي يحيي الأموات ويميت الأحياء، ويوجد من العدم، كما لا يعجزه الإحياء بعد الإماتة كذلك لا تعجزه الإماتة بعد الإحياء، ثم يعود إليه الأموات ليحاسبهم بعد أعمالهم.
57. يأيها النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ: يا أيها الناس، قد أنزل الله لكم القرآن أعظم موعظة يدلكم على الهدى ويحذركم من الردى ففي القرآن أجل المواعظ وأعظم النصائح وأنفع الوصايا لمن صحت بصيرته، واستنار عقله، وفي القرآن دواء من أمراض الشك والشرك والنفاق والشهوات والشبهات، وفيه تمام الرشد لمن اتبعه وتدبر آياته، فإنه يدل على الصواب من أيسر باب، وهو رحمة لمن اهتدى بهداه، يعصمه من الزيغ وينجيه من المهالك، ويمنعه من الضلال ويبعده عن الشقاء، لكن لمن صدق به، وأخذه بقوة وأقبل عليه بحب.
58. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ: قل أيها الرسول لجميع البشر: أفرحوا بما أنزل الله من وحي مبارك، وآيات بينات وحكم بالغات على سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم فهذا هو الفضل والشرف والعز والنجاة والرحمة العاصمة من الزيغ والهوى والهلاك، فالفضل ريادة وزيادة وسعادة وسيادة والرحمة عصمة ونجاة وتوبة، فبالفضل تنالون أجل النعم، وبالرحمة تسلمون من كل النقم، وهذا الذي ينبغي أن يفرح به لا بحطام زائل زائف زهيد، ولا بزهرة دنيا فانية ذاهبة يحبها عبيد الدرهم والدينار ويعشقها الأغبياء ممن جهل حقيقة ما أنزله الله الاحد القهار.
59. قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ: قل أيها الرسول لهؤلاء الكفار الفجار: أخبروني عن الرزق الذي أنزله الله عليكم من حيوان ونبات ومعادن وخيرات، فحللتم بعضه وحرمتم بعضه بلا حجة من الله ولا برهان صحيح، هل أباح الله لكم هذا التشريع من تحليل وتحريم؟ أم أنتم تقولون على الله كذبا وتنسبون باطلا وتدعون ذلك بهتانا وزورا؟
60. وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ: ماذا يظن هؤلاء الكفرة المجرمون أن الله فاعل بهم يوم القيامة وقد نسبوا إليه سبحانه تحريم ما لم يحرم من الأقوات والأرزاق، وادعوا عليه تعالى أقوالا باطلة من التحريم والتحليل بلا دليل قاطع ولا برهان ساطع؟ أيظنون أن الله سوف يسامحهم ويغفر لهم؟ نعم إن الله متفضل بالتوبة على من تاب، وغفور لمن عاد إليه وأناب، وهو متفضل على كل البشر، فلم يعجل عقوبته لمن كفر، بل أخرا لهم يوم العرض الأكبر، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على فضله من نعم حاصلة ونقم مصروفة، وعقوبة مؤجلة وتوبة متقبلة.
61. وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ: وما تكون أيها الرسول في أمر من أمورك التعبدية والدنيوية من تلاوة للقرآن ونحوها، وما يعمل عامل من عمل كبر أو صغر، خفي أو ظهر إلا والله رقيب عليه، مطلع على صاحبه محصيه، إذ يزاوله ويأخذ فيه، وما يغيب عن علم الله من وزنه نملة وقدر ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر وأدق ولا أكبر وأجل الأشياء إلا في كتاب مسطور واضح الكتابة يحفظ ما يكتب فيه ليوم العرض على الله فيراه العبد ويقرؤه بنفسه ويحاسب عليه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
62. أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: ألا إن أولياء الله الذين أخلصوا العبادة له والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم فقدموا مراد الله على مرادهم، وسعوا فيما يحبه الله ورسوله، واجتنبوا كل ما نهى الله عنه ورسوله هؤلاء لا خوف عليهم فيما يستقبلونه في الآخرة، بل لهم الأمن من الله فلا يحزنهم الفزع، ولا يصل إليهم أذى ولا يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا فقد ضمن الله لهم السعادة والرضا مع النعيم المقيم والأجر العظيم، فمن أراد الحياة الطيبة والفلاح الأبدي والفوز الدائم فعليه بطاعة الله والاهتداء بهدي رسوله النبي الأمي صلى الله عليه وسلم ففي ولاية الله كمال العز وتمام الفلاح ونهاية الفوز وغاية الرشد.
63. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ: هؤلاء الأولياء آمنوا بالله ربا وإلها ومعبودا، فعملوا بأوامره واجتنبوا نواهيه وصدقوا رسوله صلى الله عليه وسلم فاتخذوه أسوة حسنة لهم في كل شأن من شؤونهم، وكانوا يتقون الله في كل أمر بامتثال فعله، وفي كل نهي بامتثال تركه، فيعملون الطاعة؛ ابتغاء وجه الله ويتركون المعصية خوفا من عذاب الله.
64. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: لهؤلاء الأولياء المخلصين الصادقين بشارة من الله عظيمة بما يسرهم في الحياة الدنيا من السعادة، والحياة الطيبة والأمن والرضا والقبول وحسن الذكر واستقامة الحال وصلاح الأمور، ولهم البشرى في الآخرة بغفران الذنوب،وستر العيوب، وجوار علام الغيوب في جنات ونهر وقرة عين ومقام آمن وفوز عظيم، وهذا وعد من الله لا يغير ولا يبدل، وهذا الذي حصلوا عليه هو أجل المطالب، وأعظم المقاصد؛ لأن النجاة من كل محذور والفوز بكل محبوب مطلوب مرغوب فيه.
65. وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: ولا يحزنك أيها الرسول قول الكفار في الواحد القهار من الافتراء عليه بالإشراك معه غيره لا إله إلا هو ونسبة الولد والصاحبة إليه تعالى عن ذلك ووصفه بما لا يليق تبارك وتقدس فهو سبحانه المتفرد بالألوهية والربوبية، وله الكمال المطلق والغني التام والقوة الغالبية والقدرة النافذة والحكمة البالغة والرحمة الواسعة، وهو سميع لكل قول عليم بكل فعل.
66. أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ: ألا إن كل من في السموات ومن في الأرض من ملائكة وجن وإنس وحيوان ونبات وجماد خلق الله وملك له تحت تصرفه وتدبيره، لا يخرج عن ملكه أحد وأي شىء يتبع المشركون؟ وأي شىء يعبدون ويدعون؟ ما يتبعون إلا الشك، لأنهم أهل شرك، وهم يكذبون فيما ينسبونه إلى الله وفي شركهم مع الله وفي وصف الله بما ينزه عنه سبحانه.
67. هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ: الله وحده الذي خلق كلم الليل وهيأه لكم لراحة والنوم الهنئ والهدوء التام من تعب الكسب والعمل في النهار وخلق لكم النهار بنور شمسه لتبصروا فيه، وتعملوا في معاشكم ومصالحكم من طلب علم وبحث عن رزق وذهاب وإياب إن في آية الليل وآية النهار وما فيهما من عجائب القدرة وتمام الحكمة لأدلة واضحة وبراهين ساطعة على ان الله وحده هو المستحق للعبادة، وهذه الآيات يستفيد منها من يسمع الحجج، ويتفكر فيها ويعمل بمقتضى ذلك من العبودية لله وحده.
68. قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: قال الكفار إن الله جل في علاه اتخذ ولدا كقول المشركين الملائكة بنات الله وقول اليهود عزير ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله تعالى وتقدس عن ذلك وتنزه عن هذا الافتراء فهو الغني عن كل أحد لأنه فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فلا يحتاج إلى صاحبه ولا ولد ولا منفعة أحد غني عما سواه وما سواه فقير إليه وكل ما في السموات والأرض خلق وملك له فكيف يكون له ولد ممن خلق والكل مملوك له وليس عند من أشرك به دليل على فريته ولا برهان على كذبته أتقولون على الله كلاما باطلا وتدعون دعاوي كاذبة لا تعلمون حقيقتها ولا صدقه؟!!
69. قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ: قل أيها النبي إن الذين يدعون على الله الكذب باتخاذ الشريك أو الولد والصاحبة لا ينجون من عذاب الله ولا يفوزون برضوانه فلا يدركون المطلوب ولا يسلمون من المرهوب.
70. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ: إن هؤلاء الكفار إنما يتمتعون في هذه الحياة الدنيا مثل متاع البهائم، لأن من عاش بلا إيمان فقد أشبه الحيوان، فإذا انقضت حياة هؤلاء الفجار فمصيرهم إلى الجبار؛ ليصليهم حر جهنم الشديد المؤلم الموجع الدائم بسبب كفرهم وتكذيبهم للرسل وجحدهم للآيات فهم في الدنيا تعساء وفي الآخرة أشقيا.
71. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ: وأقصص أيها النبي على الكفار خير نوح صلى الله عليه وسلم مع قومه يوم قال لهم: إن كان عظم عليكم قيامي بإنذاركم وتحذيركم من عذاب الله وشق عليكم تذكيري إياكم بحجج الله وبراهينه وضقتم بذلك ذرعا، فعلى الله وحده أعتمد، وبه أثق، وعليه أتوكل فخذوا العدة وتهيؤوا واطلبوا من شركائكم مساعدتكم، ثم لا تجعلوا أمركم سرا مستترا بل ظاهرا علينا، ثم عجلوا لي عقوبتكم الموعودة التي تستطيعون عليها واجتهدوا في كيدي غاية ما تقدرون عليه ولا تؤخروا حربكم لي ولا تمهلوني وهذا غاية التحدي من نوح لقومه ثقة بربه.
72. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فإن كذبتم برسالتي وكفرتم بديني فأنا لم أشق عليكم بطلب أجرة من أموالكم على دعوتي، بل كانت خالصة لوجه الله والله وحده هو الذي يثيبني على عملي وأنا مأمور بطاعته والانقياد لأمره فأنا عبد رسول مأمور من ربي عزوجل.
73. فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ: فكذب قوم نوح برسالة نوح وعصوه وخالفوا أمره فنجاه الله ومن آمن معه من الطوفان في السفينة وأغرق المكذبين بالطوفان وجعل الله المؤمنين يخلفون الكفار في الأرض ويخلف بعضهم بعضا كلما ذهب جيل جاء جيل فتأمل وتفكر في مصير المكذبين الذين أنذرهم نوح العذاب فما استجابوا فأهلكوا.
74. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ: ثم أرسل الله بعد نوح رسلا إلى أقوامهم فأتى الرسل بالحجج الواضحة من الله الدالة على ألوهية الله وصدق هذا الرسول فما كان لهؤلاء الاقوام أن يصدقوا رسلهم ويستجيبوا لما كذب به قوم نوح والأمم الماضية الكافرة فكما ختم الله على قلوب المكذبين من السابقين كذلك يختم الله على قلوب المكذبين اللاحقين، ممن كذب محمد صلى الله عليه وسلم فلا يستجيبون له.
75. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ: ثم أرسل الله بعد الرسل السابقين موسى وأخاه هارون عليهما السلام إلى فرعون وقومه بآيات الله البينات، والمعجزات الدالة على قدرة الله كاليد والعصا فأعرضوا واستكبروا عن الحق وكذبوا بالصدق وكانوا فجرة مكذبين مردة متجبرين.
76. فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ: فلما أتى موسى وهارون بالحق الدال على صدقهما كذب فرعون وقومه وقالوا: إن الأدلة التي أتى بها موسى والمعجزات سحر واضح ظاهر، وليست من عند الله عزوجل!!
77. قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ: فتعجب منهم موسى من تكذيبهم بالأدلة القاطعة، وقال لهم كيف تدعون أن ما جئت به من حق واضح وصدق بين سحر ظاهر ظلما منكم وزورا ولو كنت ساحرا ما انتصرت ولا ظفرت فالساحر ينكشف أمره ويظهر كذبه ويبين زوره ويفتضح حاله.
78. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ: قال فرعون وقومه لموسى: هل أتينا لتردنا عن عبادة الآباء بدين جديد مختلق من عندك وقصدك أنت وأخوك هارون السلطة والمنصب والجاه والملك في الدنيا، ولم تقصد إصلاح عبادة الناس، ولن نصدق بما جئتما به ولا نقر لكما وهي تهمة يقولها كل طاغية لكل داعية إذا دعا إلى الإصلاح قالوا: له مآرب أخرى من جمع المال والشهرة والتصدر، وإنما جعل دعوته غطاء لمقاصده، فانظر كيف تشابهت قلوبهم.
79. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ: وقال فرعون لقومه احضروا لي كل ساحر متقن للسحر عالم بأساليبه؛ ليحارب به موسى صلى الله عليه وسلم.
80. فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ: فلما حضر السحرة واجتمع الناس قال موسى لسحرة فرعون: اطرحوا على الأرض ما معكم من حبال وعصي.
81. فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ: فلما وضعوا على الأرض الحبال والعصي، قال لهم موسى: إن الذي وضعتموه هو السحر، وإن الله سيذهب بما جئتم به وسيحبطه إن الله لا يصلح عمل من سعى في الأرض خرابا، ومن بغى وتعدي بل يجعل كيده في ضلال وعمله إلى وبال.
82. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ: وينصر الله الحق ويرفع شأنه ويجعل العاقبة له على الباطل بكلماته الكونية القدرية وبأمره الشرعي ولو كره ذلك أهل البغي والفساد والزيغ والعناد فالله غالب على أمره.
83. فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ: فما اتبع مسوى صلى الله عليه وسلم وصدق به إلا طائفة من بني إسرائيل وهم متسترون بإيمانهم خائفون من بطش فرعون وقومه على حذر أن يصدهم بالعذاب عن طريق الهداية إن فرعون لجبار عنيد متكبر مريد متجاوز للحد في الظلم والعناد والبغي والفساد.
84. وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ: وقال مسوى لقومه: إن كنتم آمنتم بالله وصدقتموني فثقوا بنصره، واعتمدوا عليه، وفوضوا الأمر إليه فسوف ينصركم إن كنتم صادقين في الإذعان له والانقياد لأمره تعالى وحسن الطاعة له.
85. فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: فقال قوم موسى له على الله وحده لا شريك له فوضنا الأمر واعتمدنا وهو حسبنا ونعم الوكيل ربا لا تنصر الكفار علينا فيحسبون أنهم على حق وأنا على باطل ويظن الناس أنا لسنا صادقين.
86. وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: وأنقذنا برحمة منك ورعاية وعناية من فرعون وقومه؛ لأنهم كانوا يعذبونهم أشد العذاب.
87. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: وأوحى الله إلى موسى وهارون أن اجعلا لقومكما بيوتا في مصر للسكن والإقامة، وهيئوا فيها محاريب للصلاة عند الخوف من فرعون، وحافظوا على الصلوات المفروضة ولا تتركوها للخوف من البطش وإخفاء العبادة وقت الخطر وارد ومباح وبشر من أطلع ربه وأخلص له العبادة وفوض الأمر إليه بالنصر والتمكين والإمامة في الدين ورضا رب العالمين.
88. وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ: ودعا موسى ربه فقال يا ربنا إنك رزقت فرعون ومنحته وأشراف قومه من زخرف الدنيا ولذائذها وزهرتها فلم يؤمنوا بك ولم يتبعوا رسولك، بل استعانوا بالنعمة على المعصية والصد عن سبيلك فيا ربنا اطبع على قلوبهم واختم عليها فلا تقبل الإيمان ولا تنشرح للحق فلا يصدقوا بالرسالة ولا يؤمنوا بك إلها واحدا حتى يحل بهم الخزي والعذاب ويقع بهم العقاب جزاء لقبح أفعالهم وسوء أعمالهم.
89. قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: قال الله لموسى وهارون قد أجبت دعوتكما في معاقبة فرعون وقومه وكان موسى يدعو وهارون يؤمن فنسب الدعاء إليمها ثم قال تعالى لهما فاستمرا على الاستقامة على طاعة الله والدعوة إلى الإيمان به ولا تفعلا فعل من جهل أمر الله وكفر به ولا تشابها أعداءه في الصد عن سبيله وترك عبوديته.
90. وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ: وسهل الله عبور البحر لبني إسرائيل فخرجوا منه سالمين ظافرين فسار فرعون وجنوده وراءهم ظلما وعدوانا ومحادة له ورسوله حتى إذا وقع الهلاك وأحاط به الموج من كل مكان قال فرعون: الآن صدقت بأن لا إله إلا الله الذي صدقت به بنو إسرائيل وأبحت من الموحدين المنقادين الطائعين.
91. آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ: الآن أسلمت يا فرعون لما وقعت في الهلاك وقد كذبت قبل هذا وحاربت موسى وأفسدت في الأرض وصددت عن سبيل الله؟ فلا توبة مقبولة لك في ساعة الموت فقد فات الأوان وأغلق الباب ووقع بك موعود الله من النكال والجزاء.
92. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ: فاليوم نخرج جسمك من البحر سليما ليراك الناس وتكون عبرة لمن اعتبر وعظة لمن اتعظ ومصائب قوم عند قوم فوائد وكثير من العباد غافلون عن أدلة الله وحجبه لا يتدبرونها ولا يفقهونها بل يمرون عليها معرضين.
93. وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: ولقد اختار الله لبني إسرائيل منازل مباركة وأنزلهم أرضا صالحة في الشام ومصر ورزقهم من خيرات الأرض أحسن الثمرات وأطيب المأكولات فأمن لهم السكنى والطعام والأمن مع النصر التمكين فما تفرقوا في أمر دينهم وتباغضوا وتحاسدوا إلا من بعد ما جاءهم الوحي الداعي لألفتهم واجتماعهم ومن ذلك نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة فكفروا بها عنادا وحسدا وسوف يحكم الله في أمرهم يوم القيامة فينجي من آمن ويعذب من كفر فالموعد عنده والحساب لديه والجزاء عليه.
94. فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ: فإن كنت أيها الرسول في ريب من هذه الأخبار التي أوحيناها إليك فاسأل أهل الكتاب تجد مصداق ذلك في التوراة والإنجيل فذلك مذكور في كتبهم لقد جاءك العلم الصادق والدليل القاطع على صدق هذه الأخبار وعلى صحة ما أنزلته إليك، فلا تكن ممن شك في ذلك وداخله عيب وحيرة.
95. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ: ولا تكن أيها النبي ممن كذب بالحجج التي أنزلها الله وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك ولكن إذا حذر هو وهو إمام المصدقين فكيف بغيره من الشاكين؟ ومن جحد ما أنزل الله من آيات بينات وبراهين ساطعات سخط الله عليه وعذبه وطرده من رحمته وأصلاه ناره.
96. إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ: إن الذين سبق عليهم القضاء بطردهم من رحمة الله وكتب بشقائهم في قدر الله، لن يصدقوا بآيات الله ورسله، ولا يعبدونه ولا يوحدونه حتى يحق فيهم قضاء الله فيعذبوا.
97. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ: ولو جاءت الكفار كل عظة ووصلتهم كل عبرة ما آمنوا حتى يشاهدوا العذاب ويعانوا العقاب، حينئذ لا ينفعهم الإيمان؛ لأنه فات الأوان.
98. فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ: فهلا كانت قرية آمنت بربها قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها لما عانيت العذاب إلا قوم يونس بن متى فإنهم صدقوا في إيمانهم وتوبتهم من ذنوبهم فأزال الله عنهم عذاب الخزي بعد أن أوشك أن يقع بهم وأمهلهم في الدنيا يتمتعون متاعا حسنا حتى نهاية أعمارهم في هذه الحياة، وهذه من بركة التوبة، صرف للعذاب عنهم وحياة سعيدة في الدنيا، وأجر عظيم في الآخرة.
99. وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: ولو أراد ربك أيها الرسول لآمن كل من في الأرض ولم يكفر أحد، ولكن اقتضت حكمته أن يؤمن قوم ويكفر قوم، وليس في مقدروك أن تكره الناس على الإيمان، فالهداية بيد الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
100. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ: وما تستطيع نفس وما يحصل لها أن تؤمن بالله إلا إذا شاء الله ووفقها لهذا الإيمان به جل في علاه فليست هداية التوفيق إليك، ولكن إلى الله وحده والله يجعل غضبه وعذابة ونقمته على من لم يعقل أمره ولم يفهم رسالته التي أرسل بها رسله عليهم السلام.
101. قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ: قل أيها النبي للناس تفكروا في خلق السموات والأرض وما فيهما من عبر للمعتبرين وآيات للمتدبرين، ولكن الآيات المنزلات والرسل المبعوثين بالمعجزات لا ينتفع بهم من كفر بالله وأعرض عن دينه وصد عن سبيله وتكبر على أمره، وإنما تنفع المعتبر المنقاد لطاعة الله.
102. فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ: فهل ينتظر هؤلاء الكفار إلا وقت نزول العقاب وحلول العذاب مثلما وقع بمن كفر قبله؟ قل لهم أيها النبي انتظروا عذاب الله إني منتظر معكم حلول هذا العقاب بكم، ومنتظر نصر الله لي عليكم كما وعدني، فأنا أنتظر رحمته وأنتم تنتظرون نقمته.
103. ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَ‍قا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ: ثم ينجي الله رسله وأتباعهم من المؤمنين وقت نزول العذاب بالكافرين، وهذه سنة الله أن ينجي كل مؤمن من العذاب وممن أنجاهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأتباعه إلى يوم الدين.
104. قُلْ يأيها النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: قل أيها النبي للناس: إن كنتم في شك من صدق دعوتي وصحة رسالتي فأنا ثابت على ديني ومبدئي؛ لأني على يقين من استقامة طريقي، وسلامة نهجي، ولا أعبد ما تبعدونه من أصنام وأوثان، ولكنني أعبد الله الواحد الأحد الذي يميتكم مثلما أحياكم، ويبعثكم ليحاسبكم، وأمرني ربي أن أكون من المصدقين بشرعه العابدين له المنقادين لأمره.
105. وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: يأمرك ربك أيها النبي أن تستقيم على دين الإسلام غير مائل إلى دين غيره كاليهودية والنصرانية، بل دين الخليل إبراهيم صلى الله عليه وسلم الحنيف المسلم، ولا تشرك أيها النبي بالله كمن عبد غيره ودعا سواه فتخسر دنياك وأخراك، وإن كان الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه خطاب لأمته.
106. وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ: ولا تدع غير الله من الأوثان والأصنام والكهنة والعرافين؛ لأنهم لا يجلبون لك نفعا ولا يدفعون عنك ضرا بل النافع الضار حقيقة هو الله وحده، فلا تدع سواه، فإن أخطأت ودعوت غيره فقد أشركت وحبط عملك وظلمت نفسك بالشرك وأوردتها المهالك.
107. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: وإن أصابك الله بضراء وشدة وبلاء فلا يزيلها عنك ولا يعافيك منها إلا الله وحده، وإن أراد لك الخير من رخاء ونعماء وعافية وسراء فلا يمنع وصولها إليك أحد كائنا من كان، والله يصيب بالسراء والضراء من يشاء من العباد كل شىء فيه بقضاء وقدر، وهو الغفور لذنوب من تاب، الرحيم بمن أناب، يغفر له الذنب فلا يؤاخذه، ويرحمه بأن يوفقه لما فيه صلاحه.
108. قُلْ يأيها النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ: قل أيها النبي للناس قد جاءكم الرسول بالقرآن والإيمان وعبادة الرحمن فمن أجاب وأناب فنفع استجابته وثمرة طاعته له ومن صد وأعرض وكذب وأبى فإنما الضرر عليه وحده وما أنا موكل عليكم أكرهكم على الإيمان، وإنما أنا رسول أبلغكم دعوة الرحمن وأقيم عليكم الحجة والبرهان.
109. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: واتبع أيها النبي ما أوحاه الله إليك من الكتاب والسنة، واصبر على أذى من آذاك وعلى إبلاغ رسالة ربك ومولاك حتى يقضي الله بينك وبين من كذبك بقضاء الحق فينصرك وأتباعك ويمحق أعداءك، وهو خير من حكم لتمام العدل وعدم الظلم والصواب في الحكم.
سورة هود
1. الـرْ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ: الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها سبحانه وهذا القرآن الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أحكمت معانيه، وفصلت ألفاظه، فسلمت الآيات من الخلل وعصمت الجمل من العلل فهي محكمة بأصول الأحكام مفصلة بفروع الحلال والحرام من عند الله الحكيم في شرعه وصنعه الخبير ببصائر الأمور وعواقب الأشياء.
2. أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ: أنزل القرآن وأحكم وفصل من أجل أن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له وهو التوحيد الخالص، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم نذير ينذر الكفار العقاب وبشير يبشر المؤمنين بالثواب.
3. وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ: واطلبوا من ربكم الغفران لذنبوكم وعودوا إليه تائبين نادمين يحييكم حياة طيبة مع عافية الأبدان، وأمن الأوطان ورضا الرحمن إلى أن تتقضي أعماركم في أحسن حال ويعطي صاحبه كل فضل من علم نافع وعمل صالح أجره بقدر عمله ويتفضل على من يشاء ببره على عباده وأن تعرضوا عن الهداية فإني أخاف أن يصيبكم عذاب يوم شديد وهو يوم القيامة وهذا تهديد ووعيد لمن صد عن سبيل الله وأعرض عن دينه.
4. إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: إلى الله تعودون يوم العرض الأكبر فاتقوه بطاعته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه قادر على إحيائكم وإماتتكم وبعثكم وحسابكم لا يعجزه شىء.
5. أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: ألا إن هؤلاء الكفار يضمرون الكفر في صدورهم ويحسبون أنه يخفي على الله ما أضمروا ويغيب عنه ما أسروا أفلا يعلمون أنهم حينما يسترون أجسامهم بثيابهم فإن الله لا يخفي عليه منهم شىء علم سرهم وعلانيتهم وما ظهر وما بطن من أمرهم إنه عليم بما تكنه الصدور وتخفيه من نيات وأسرار؛ لأنه يعلم السر وأخفى، فهو أولى أن يخشى ويتقى وحده.
سورة هود
6. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ: رزق جميع ما يدب على وجه الأرض تكفل الله به فهو الرزاق وحده لكل مخلوق ويعلم محل استقرار هذا المخلوق في حياته وبعد موته ويعلم المكان الذي يموت فيه كل هذا في كتاب واضح مكتوب وهو الكتاب السابق في القضاء والقضاء الذي فرغ منه وفيه تفصيل كل شىء من الخلق والرزق والحياة والموت.
7. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ: والله وحده الذي خلق السموات والأرض وما فيهن في مدة ستة أيام وقبل ذلك خلق عرشه على الماء ليمتحنكم أيكم أحسن طاعة وعبادة له من حيث إخلاص العمل لله ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولئن قلت أيها النبي للكفار إنكم سوف تبعثون بعد موتكم وتعودون إلى ربكم فإنهم سوف يقولون ما هذا القرآن الذي تتلوه إلا سحر واضح ظاهر كذبا منم وزورا وصدودا وفجورا.
8. وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: ولئن أجل الله العذاب عن الكفار مدة معلومة لقالوا استهزاء وسخرية لماذا لا يقع هذا العذاب الذي تهدنا وتوعدنا به محمد وما سبب تأخيره ألا يوم يحل بهم العذاب فلن يصرفه عنهم صارف ولا يرده راد وسوف يحيط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به ويستبطئونه.
9. وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ: ومن عادة الإنسان أن الله إذا منحه نعمة من مال وثروة وجاه وولد وصحة وأمن ثم سلبها منه إن الإنسان لشديد اليأس من رحمة الله يجحد نعمه السابقة فهو قليل الشكر ينسى الجميل ويستبطئ الفرج.
10. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ: وإذا أعطى الله الإنسان نعمة في دنياه من رزق واسع، وعيش رغيد وصحة وقوة بعد فقر وضيق ومرض وضعف، ليقولن الإنسان ذهب ذاك الشقاء فلن يعودوا الى الضيق فلن يرجع فهو بطر بالنعم فخور متعال به على العباد يفرح قلبه خيلاء ويخفر لسانه استعلاء فرح في نفسه فخور على غيره.
11. إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ: غير أن الذين صبروا على الشدة وعلى صولة النعمة إيمانا واحتسابا وسارعوا إلى عمل الخير طلبا للثواب، فهؤلاء يغفر الله لهم ما فعلوه من الذنوب ويثيبهم أحسن الثواب على ما فعلوه من الطاعات فذنبهم مغفور وسعيهم مشكور.
12. فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ: فلعلك أيه الرسول لما تلقاه من الكفار وتجده من الفجار من الكيد والأذى والصد والمحاربة تارك شيئا مما أنزله الله عليك من القرآن وأمرك بتبليغه وتضيق ذرعا من نشره خوفا من تعنت الكفر وأسئلتهم واعتراضهم مثل أن يطلبوا منك أن ينزل عليك مالا كثيرا أو يأتي معك ملك من السماء يشهد لك بالرسالة فما عليك أنت إلا البلاغ المبين فلا تكتم شيئا والله سوف يتولى حساب الجمعي لأنه متوكل بكل شىء ومن ذلك ثواب الأبرار وعقاب الفجار، وإنزال الآيات وإظهار المعجزات وليس لك إلا الإنذار بما عندك من وحي.
13. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: يقول كفار مكة إن محمد صلى الله عليه وسلم افترى القرآن وليس من عند الله تعالى فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم إن كان الأمر كما تزعمون فتعالوا أنتم بعشر سور مثل القرآن مفتريات، واطلبوا من كل أحد قدرتم عليه أن يعاونكم على الإتيان بهذه السور العشر إن كنتم صادقين في دعواكم، وهذا غاية التحدي فسبحان من أعلى قدر كتابه عن معارضة البشر وأفحم به الجن والإنس.
14. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: فإن لم يستجب لك الكفار أيها النبي ويؤمنوا بما جئت به ويسلموا لك ومن آمن معك فاعلموا أن هذا القرآن الحكيم إنما نزل بعلم الله وليس من قول البشر واعلموا أن لا إله يعبد بحق إلا الله فهل أنتم أيها الكفار الشاكون بعد نزول هذه البراهين مذعنون ومنقادون له ولرسوله.
15. مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ: من كان يريد بعمله وسعيه الحياة الدنيا للمفاخرة والحصول على متعها الزائلة ولذائذها الفانية من مال وجاه ومنصب أعطيناهم ثمار أعمالهم التي عملوا لها وافية، وقد يحصلون على ما أرادوا بلا نقص فتلبي مطالبهم في الدنيا ابتلاء واستدراجا.
16. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: وهؤلاء ليس لهم ثواب عند الله ولا كرامة وإنما يستحقون النار في الآخرة: لأنهم عملوا للدنيا ونسوا لقاء ربهم وأرادوا بسعيهم غير الله وذهب عنهم نفع ما عملوا لما فيه من الرياء وتقديم الفاني على الباقي والرضا بالدنيا حظا ونصيبا وإغفال ما عند الله من ثواب.
17. أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ: أفمن كان على بصيرة ويقين من ربه فيما يعتقده من الإيمان ويدعو إليه من الخير وينهي عنه من المنكر، ويتلو هذه البينة ويصدقها ويعضدها برهان آخر وشاهد ثان وهو جبريل أو محمد عليهما السلام ويؤيد ذلك شاهد ثالث وهو ما ذكر في التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام هداية ورشدا لمن اتبعه ودليلا واضحا لمن اهتدى به ورحمة لمن اعصم به وهؤلاء الذين على بينة من أمرهم يصدقون بالقرآن ويؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم وما أنزله الله من كتبه على رسله والذين كفروا بهذا القرآن واجتمعوا ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وتعاقدوا على محاربته فهؤلاء جزاؤهم نار جهنم هي مصيرهم ومأواهم فلا تكن في شك من أمر هذا الدين والقرآن فإنه حق مبين بالأدلة والبراهين من عند الله وليس من عند البشر كما زعم من كفر وهذا الدين هو الحق الثابت واليقين القاطع للشبه من عند الله ولكن أكثر الناس لا يصدقون بالرسالة والرسول ولا يؤمنون بالحق.
18. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ: لا أحد أشد ظلما ممن اختلق الكذب على الله وسوف يوقفون للحساب عند الله ليجازيهم على سوء عملهم ويقول الشهود من الملائكة والمرسلين وغيرهم هؤلاء هم المفترون على الله الكاذبون في دعواهم قد طردهم الله من رحمته ومنعهم من جنته وحل عليهم غضبه لأنهم ظالمون لأنفسهم بالشرك كاذبون في أقوالهم وأعمالهم.
19. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ: الذين يمنعون العباد من الهداية، ويعترضون الخلق في طريقهم الموصلة إلى الله ويريدون أن تكون الطريق ملتوية وفق أهوائهم وما أملته شياطينهم فيتركون الصراط المستقيم ويسلكون سبيل أهل الجحيم وهم مكذبون بلقاء الله كافرون بالبعث والجزاء فهم الظلمة الخاسرون المخلدون في النار.
20. أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ: أولئك الكفار لم يكونوا يفوتون الله هربا ولا يعجزونه طلبا وليس لهم أنصار يحمونهم من عقاب الله يضاعف لهم العذاب في نار جهنم لشدة جرمهم وعظم ظلمهم؛ لأنهم في الدنيا ما كانوا يستطيعون سماع الحق الذي أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم سماع استجابة وقبول، فقد منعهم الكبر من الانقياد والإذعان وما كانوا يبصرون آيات الله في الكون بصر معتبر متعظ؛ لأن الكفر ران على عيون بصائرهم.
21. أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: أولئك الكفار هم الذين خسروا أنفسهم بالعذاب في النار، مع غضب الجبار وذهب عنهم ما اختلقوه من عبادة أوثان وافتراء بالشرك على الرحمن وادعاؤهم أن آلهتهم تشفع لهم وتدفع عنهم العذاب والهوان.
22. لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ: لاشك ولا ريب أنهم أخسر الناس صفقة في الآخرة لأنهم استبدلوا النعيم المقيم بعذاب الجحيم، والدرجات بالدركات والرضوان بالهوان.
23. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: إن من آمن بالله وعمل بما يحبه ويرضاه من الأقوال والأفعال مع الخضوع والخشية لله والعمل بأوامره واجتناب نواهية هم أهل الجنة خالدون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون حسن لهم المقام في دار السلام مع الأمن والإنعام.
24. مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ: شبه الله أهل الكفر وأهل الإيمان مثل الأعمى الذي لا يرى والأصم الذي لا يسمع فالكافر لا يبصر الصواب فيتبعه ولا يسمع الهدى فينتفع به ومثل المؤمن مثل البصير الذي أبصر طريق الهداية فسلكه وسمع داعي الله فآمن به فهذان الفريقان لا يستويان فلماذا لا يتدبرون الحجج والأدلة ويعتبرون بالبراهين والأمثلة؟!
25. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ: ولقد أرسل الله نوحا صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال لهم: إني نذير لكم من الله أحذركم عذاب الله إن كفرتم به وأبين لكم ما أرسلني الله به من آيات وحجج.
26. أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ: وأدعوكم أن لا تعبدوا إلا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، إني أخشى عليكم إذا لم توحدوا الله أن يعذبكم عذابا أليما موجعا شديدا.
27. فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ: فقال أعيان الكفار من قوم نوح صلى الله عليه وسلم إنك يا نوح بشر مثلنا لا فضل لك علينا، ولست ملكا، فلماذا تختص بالرسالة من دوننا؟ ونحن نرى أتباعك من السفلة والضعفاء لا من الأشراف والأغنياء، من غير تفكر ولا روية ولا تأمل في القضية وليس لكم علينا مزية من مال ولا جاه ولا سلطان لما اعتنقتم هذا الدين الجديد، بل نعتقد كذبكم في دعواكم وافتراءكم فيما جئتم به.
28. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ: قال نوح يا قومي أرأيتم إن كنت أنا على ما أدعو إليه، ورحمني ربي بالرسالة الربانية، وهداني إلى العبودية الحقة، فخفيت عليكم الحجج وضللتم عن هذه الأدلة لاتباعكم الهوى، وإعراضكم عن الهدى، فلا يستقيم أن نجبركم على الهداية ونكرهكم على الإيمان دون اقتناع منكم واستجابة من أنفسكم، وإنما نقيم عليكم الحجة، ونوضح لكم المحجة، ونكل أمركم إلى الله تعالى.
29. وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ: يقول نوح صلى الله عليه السلام لقومه: يا قوم، لا أطلب منكم أجرا على دعوتي لكم للإيمان بالله وتوحيده، فالله وحده هو الذي يأجرني على نصحي لكم، فلم أحملكم عبئا ولم أسألكم مالا، ولست بطارد من مجلسي من آمن بي بحجة أنهم ضعفاء ليسوا أشرافا أغنياء، فسوف يعودون إلى ربهم والفضل عنده بالتقوى، وسوف يتولى أمرهم، غير أنكم جهلاء بأسباب التفضيل وبما يصلكم، ومن جهلكم عدم اتباع الحق والإعراض عن الهدى.
30. وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ: ويا قوم من يمنعني من عذاب الله إذا طردت من مجلسي أولياء الله، فما لكم لا تفكرون في صحة ما أقول لكم وتتدبرون الأصلح لكم، فتفعلونه.
31. وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ: ولا أدعي أني أملك التصرف في خزائن الله فأعطي من أشاء وأمنع من أشاء فأرزاق العباد وخزائن السموات والأرض بيد الله تعالى وأنا لا أعلم الغيب فلا يعلم غيب السموات والأرض إلا الله وحده وأنا لست ملكا من ملائكة السموات وأنا عبد رسول أحرمني الله بالنبوة ولا أقول للبائسين الضعفاء الذين تحتقرونهم لن يعطيهم الله أجرا على أعمالهم الصالحة إذا قصدوا بها وجه الله فالله وحده يعلم سرهم وعلانيتهم والثواب في الآخرة ليس على حسب مكانة العبد في الدنيا ولا ادعيت على الله ما لم أعلم، ولا كنت ظالما لنفسي بالتقول على الله وظالما لغيري بالحكم الجائر مني.
32. قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: قال قوم نوح لنوح قد خاصمتنا كثيرا وحاورتنا طويلا فاترك الجدل وأتنا بما تتوعدنا به من العذاب!! وهو تحد منهم له؛ لأنهم مكذبون بالعذاب، مستبعدون لوقوعه؛ ولذلك قالوا: إن كنت من الصادقين؛ يعني على فرض صدقك جدلا مع العلم أنهم لا يصدقونه.
33. قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ: قال نوح لقومه: العذاب يأتي به الله وحده فهو المقدر والحاكم بين العباد وأنا لا أملك تقديم عذاب ولا تأخيره وإنما أنا نذير لكم من عذاب الله وإذا أراد الله عذابكم فلا تفوتونه ولن تعجزوه وأين يهرب العبد الهزيل من الرب الجليل؟!
34. وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: لا ينفعكم نصحي ولو اجتهدت في النصيحة إذا قدر الله عدم هدايتكم فأنا لو فعلت السبب في إرشادكم والله ما كتب صلاحكم فلن تستجيبوا لي فإذا أراد الله ضلالكم فلن أملك أنا هدايتكم؛ لأن الله هو ربكم المتصرف بأموركم، المدبر لأحوالكم، ومردكم في الآخرة إليه، يجازيكم على أعمالكم.
35. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ: يقول الكفار من قوم نوح: إن نوحا افترى على الله هذا القول: فقل لهم يا نوح: إن كنت قد افتريت هذا القول على ربي فعلي وحدي تقع عقوبة هذا الفعل، وأنا مسؤول عند الله عنه، وإن كنت صادقا فأنتم الكاذبون الخاسرون، وأبرأ إلى الله من عملكم وتكذيبكم.
36. وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ: وأوحى الله تعالى إلى نوح أن الله كتب على قومك الكفر فلن يؤمن منهم أحد إلا من سبق له أن آمن من قبل، فلا تحزن عليهم، فليس عليك من ذنوبهم شىء، وقد بلغت رسالة الله ولا تضق ذرعا بعملهم السئ فحسابهم على الله.
37. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ: واصنع يا نوح السفينة بتأييد الله ورعايته وحفظه ومرأى من الله وإطلاع ولا تشفع في الظالمين برفع عذاب أو تأخير عقاب إن الله كتب عليهم الإغراق بالطوفان، وفي الآية إثبات صفة العين لله على وجه يليق به عزوجل.
38. وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تـَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ: ويصنع السفينة لينجو بها من الطوفان، وكلما مر عليه جماعة من اشراف قومه استهزؤوا به قال لهم نوح إن تستهزئوا منا لتكذيبكم وعد الله وما أخبرت به فسوف نستهزئ بكم إذا جاء الطوفان وغرقتم كما تستهزئون بنا وفيه فعل السبب مع التوكل.
39. فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ: فسوف يظهر لكم الحال إذا جاء عذاب من الله مهين لكم ويقع بكم عذاب في النار دائم لا ينتهي جزاء عملكم السئ وفيه الوثوق بوعد الله وأن العاقبة لأوليائه.
40. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ: حتى إذا وقع أمر الله وحان هلاك القوم وبلغ الأمر نهايته والمقدور غايته ونبع الماء من التنور الذي يخبز فيه؛ إشارة إلى مجئ العذاب أمر الله نوحا أن أحمل في السفينة من كل نوع من أنواع الحيوانات اثنين ذكرا وأنثى، وخذ معك أهل بيتك في السفينة إلا من سبق فيه قضاء الله أن لا يؤمن كابنه وزوجته، واركب في السفينة معك كل المؤمنين بك، وما أطاع نوحا إلا قليل مع اجتهاده في الدعوة وطول المدة وكثرة الأدلة.
41. وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: وقال نوح لقومه اركبوا معي في السفينة بسم الله بداية سيرها على الماء وبسم الله عند انتهائها ورسوها متوكلين عليه إن ربي يغفر ذنب من تاب ويرحم من أناب فلا يعذبه بعدما عاد واستجاب وفيه التوكل في بدء الأمر ونهايته وحسن الظن بالله.
42. وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ: والسفينة تسعى بنوح ومن معه في موج يضطرب كهيئة الجبال في ارتفاعه ونادى نوح ابنه وكان معتزلا في مكان بعيد عن أبيه والمؤمنين فقال له يا بني، تب وتعال اركب معنا في السفينة ولا تستمر على الكفر فتهلك غريقا وفيه أن هداية الدلالة لا تنفع إلا بهداية التوفيق.
43. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ: قال ابن نوح لأبيه سأذهب إلى جبل عال أحتمي به من الغرق، فقال له نوح: لن ينجيك اليوم شىء مما قدره الله من غرق وموت إلا من شاء الله رحمته ونجاته، وحال الموج العظيم بين الأب وابنه فكان الابن من الهالكين في الماء غريقا، ولم تنفع القرابة مع اختلاف الدين.
44. وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: وأمر الله الأرض بعد هلاك الكفار أن تشرب ماءها فتجف وأمر السماء أن تمسك المطر ونقص الماء ونضب وعاد لحاله قبل الطوفان وقضى الله أمره بإهلاك المكذبين ونجاة المؤمنين ورست السفينة على جبل الجودي وقيل: هلاكا وسحقا لمن ظلم بتجاوز حدود الله والكفر به وتكذيب رسوله.
45. وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ: ودعا نوح ربه عزوجل فقال في دعائه يا رب إن ابني من أسرتي وأنت وعدتني بنجاتهم فلتشمله رحمتك وتنجيه كما نجيتهم وأنت لا تخلف وعدك فأتم بفضلك ما سبق الوعد به وأنت أحكم الحاكمين في قضائك وعدلك وشرعك لا تتهم في القدر والاختيار والمكتوب.
46. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ: فأخبر الله نوحا أن ابنه الهالك ليس من أهله المؤمنين الناجين لأنه خالفهم في الدين، وعمله يخالف عمل الصالحين ونهى الله نوحا أن يطلب منه أمرا لا علم له به لأن من سأل مالا يحل له كان جاهلا والله يعظ نوحا أن لا يكون منهم وفي الآية أن الكافر لا حق له في حقوق القرابة وتحريم سؤال الله ما لا يجوز وهو من التعدي في الدعاء.
47. قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ: قال نوح يا رب ألتجئ إليك وأستجير بك أن أطلب منك شيئا لا أعلمه ولا يحل لي أن أسأله وإذا لم تغفر ذنبي وترحمني بترك مؤاخذتي أكن ممن خسر حظه وطرد من الرحمة وأدركه الهلاك وفيه أن الأنبياء يخافون من آثار الذنوب لو لم يتغمدهم الله برحمته.
48. قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ: فأمر الله نوحا أن ينزل من السفينة إلى الأرض في أمن وسلام وبركة ورضا من الله عليه وعلى طوائف معه من أهل الإيمان وهناك جماعات من الكفار سوف يمتعهم الله في حياتهم الدنيا كمتاع البهائم إلى نهاية أعمارهم، ثم يعذبهم في جهنم عذابا شديدا على كفرهم بالله تعالى وفيه أن الدنيا للبر والفاجر، ولا عبرة بتنعم الفجار فيها.
49. تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ: هذه الاخبار التي أوحاها الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هي من أخبار الغيب الماضية، لم يأخذها الرسول صلى الله عليه وسلم من الرواة وإنما هي من عند الله؛ فهو لم يكن عنده علم بها قبل الوحي، وأيضا العرب لم تصلهم هذه الأخبار في جاهليتهم، ثم أمر الله رسوله بالصبر على أذى الكفار ومصاعب الطريق فإن العاقبة في نهاية الأمر من الحياة الطيبة والعز والنصر ثم النعيم في الآخرة لمن اتقى ربه وخاف مولاه وأطاع خالقه وفيه أنه بالبر والصبر ينال النصر والأجر، فالبر عمل الطاعات، والصبر ترك المخالفات.
50. وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ: وأرسل الله إلى عاد النبي هودا صلى الله عليه وسلم فقال لهم يا قوم اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، فليس لكم إله سواه ولا معبود بحق غيره فأطيعوه مخلصين له الدين فأنتم في شرككم هذا كاذبون وفيه أن التوحيد أول ما يدعي إليه وهو أصل الأصول.
51. يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ: ويا قوم لا أطلب منكم أجرة وعوضا على دعوتي لكم بتوحيد الله وإفراده بالعبادة فأجر دعوتي وثوابي على ربي الذي أرسلني فما لكم لا تفكرون في هذا فتميزون بين الحق والباطل لأن من يدعو قومه إلى أمر ويلقى في ذلك صنوف الأذى بلا مصلحة منهم دليل على صدقة وتجرده وفيه أن الداعية لا ينتظر من الناس ثوابا على عمله وعليه أن لا يأخذ عوضا من أحد إلا من الله وحده.
52. وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ: ويا قوم اسألوا الله أن يغفر ذنوبكم ثم اهجروا الذنوب واندموا على ما سلف من المعاصي فإذا فعلتم ذلك وصحت منكم الإنابة أنزل الله عليكم الغيث المدرار فتكثر الخيرات ويعم الرخاء وتنعمون برغد في العيش ويزدكم قوة إلى قوة بصحة الأجسام وكثرة الذرية والأموال وتتابع الأوراق ولا تعرضوا عن الاستجابة ولا تصروا على الذنوب وتستكبروا عن قبول الحق وفي الآية بركة الاستغفار والتوبة وأنهما أصل كل خير في النفس والجسم والمال والولد.
53. قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ: قال قوم هود ما أتيتنا يا هود بدليل واضح ولا برهان ساطع على صحة رسالتك وصدق دعوتك ولن نهجر آلهتنا من أجل قول لا نعلم صحته وصدق صاحبه ولن نصدقك أبدا فيما تدعيه أنظر كيف يدعي المكابر خفاء الحجة الواضحة ويتعلق بالشبهات عناداً.
54. إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ: قولنا فيك إنك مصاب بجنون أصابتك به آلهتنا!! انتقاما منها لأنك نهيتنا عن عبادتها وهذا من أسخف الأقوال وأرذلها فرد عليهم بقوله أشهد الله ثم أشهدكم أنني برئ مما تشركون فمن لوازم توحيد الله البراءة من الشرك به.
55. مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ: أبرأ من كل ند وضد وشريك سوى الله تعال فاجتهدوا ما استطعتم في محاربتي واستعينوا بمن شئتم من أنصاركم في إدخال الضرر علي ولا تؤخروا ذلك طرفة عين وهذا غاية التوكل على الله الذي قام به هود صلى الله عليه وسلم فالداعية وأثق من نصر الله يتحدى خصومه بقوة الله ولا يرهبهم لأن الله معه.
56. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: إني توكلت على الله ربي وربكم مالك الكون والمتصرف في كل ما فيه والمدبر له، فكل شىء بقضاء منه وقدر فلن أجزع لأنه لا يصيبني إلا ما كتب لي لا تدب على وجه الأرض دابة إلا وهي في ملك الله وتحت تصرفه وقهره مسخرة لسلطانه وربي على صراط مستقيم حكيم في خلقه وتدبيره عدل في قضائه وتقديره بصير في شرعه وحكمه يجازي كلا بعمله للمحسن الثواب وللمسئ العقاب وفيه فضل التوكل وتفويض الأمر إلى الله والالتجاء إليه في كل ملمة.
57. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ: فإن عرضوا عن الإيمان بالله وحده وتصدوا عن سبيله فقد أنذرتكم وأبلغتكم رسالة ربي إليكم من الأمر بتوحيده والنهي عن الشرك به سبحانه وقد قامت عليكم الحجة وإذا كفرتم فسوف يأت الله بقوم يخلفونكم في أرضكم، ويؤمنون بالله مخلصين له الدين، ولا تضرون الله بكفركم شيئا فهو الغني عن كل أحد إن ربي حافظ لكل شىء، سوف يحفظني من أذاكم وفي الآية هوان الخليقة على الله إذا كفروا به وأن الإعراض عن الله أساس كل دمار في الأمم وغنى الله عن البشر.
58. وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ: فإن تعرضوا عن الإيمان بالله وحده وتصدوا عن سبيله فقد أنذرتكم وأبلغتكم رسالة ربي إليكم من الأمر بتوحيده والنهي عن الشرك به سبحانه وقد قامت عليكم الحجة وإذا كفرتم فسوف يأت الله بقوم يخلفونكم في أرضكم، ويؤمنون بالله مخلصين له الدين، ولا تضرون الله بكفركم شيئا فهو الغني عن كل أحد إن ربي حافظ لكل شىء سوف يحفظني من أذاكم، وفي الآية هوان الخليقة على الله إذا كفروا به وأن الإعراض عن الله أساس كل دمار في الأمم وغنى الله عن البشر.
59. وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: وتلك عاد قوم هود كفروا بآيات الله وعصوا رسله وأطاعوا أمر كل طاغية متكبر لا يتبع الحق ولا ينقاد للدليل وإنما حملهم على الردى الهوى وترك الهدى.
60. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ: وأتبعهم الله بعد أن أهلكهم لعنة وطردوا من رحمته وغضبا دائما إلى يوم القيامة ألا إن عادا كفروا بالله وجحدوا بآياته وكذبوا رسوله ألا أبعدهم الله وأهلكهم وأخزاهم بسبب التكذيب والعناد والكبر والفساد فلا يمحق الدول والشعوب إلا الإعراض عن علام الغيوب.
61. وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ: وأرسل الله إلى قوم ثمود النبي صالحا صلى الله عليه وسلم أخاهم في النسب، فنصحهم بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به؛ لأنه المستحق للعبادة دون سواه، فهو الذي ابتدأ خلقهم من تراب الأرض بخلق أبيهم آدم، وجعلهم يمرون الأرض، ثم أمرهم بطلب المغفرة من الله وصدق التوبة إليه؛ لأن الله قريب لمن صدق في عبادته وأخلص في طاعته قرب توفيق وحفظ ونصر مجيب له، إذا دعاء يلبي له ما سأل فبالتوبة والاستغفار تدوم النعم من الواحد القهار على عباده الأبرار.
62. قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ: قالت أمه ثموت للنبي صالح كنا نأمل منك أن تكون سيدا فينا محبوا مطاعا ولكن بعد ما قلت هذا القول الغريب المنكر من الدعوة إلى عبادة الله وحده فقد يئسنا منك كيف تنكر علينا ما كان يعبده آباؤنا؟ فأنت بهذا تسفه أحلامهم، ونحن نشك في دعوتك ونرتاب في رسالتك؛ لأنك لم تأت بأدلة واضحة وحجج بينة. وهذا منهم مكابرة، وفيه: أن التقليد يعمي البصرية ويحجب عن الحق، ويمنع من معرفة الصواب.
63. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ: قال صالح لقومه: أخبروني يا قوم إن كنت على محجة واضحة وعندي حجة بينة وأنا على يقين مما أدعو إليه والله أكرمني بالنبوة والحكمة من ذا الذي يمنعني من عقاب لله إن خالفت أمره، فلم أبلغ رسالته وأنذركم عذابه فأنا لو أطعتكم ما زادتني طاعتكم والقرب منكم إلا ضلالا وبعدا عن الخير، وهلاكا في الآخرة، فبالبينة يدرك الإنسان الصواب، وبالرحمة ينجو من العذاب.
64. وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ: ويا قوم هذه ناقة الله دليل على صدقي وآية ظاهرة على صحة رسالتي فاتركوها تأكل في أرض الله فالله يرزقها لا أنتم وهو الذي خلقها وحده فلا تتعرضوا لها بسوء فإذا فعلتم ذلك حل بكم عذاب الله الذي لا يطاق وفيه التلطف بالمدعو وعرض الأدلة في المناظرة.
65. فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ: فكفر قوم صال برسالته وعقروا الناقة، فوقعت بهم الواقعة وقال لهم صالح لكم أيام ثلاثة فقط تستمتعون فيها، وهذا وعد صادق من الله لا كذب فيه وسوف يقع لا محالة في الشؤم المعصية ماذا جرت من الويلات.
66. فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ: فلما حان هلاك ثمود أنجى الله صالحا ومن معه من المؤمنين بلطف منه سبحانه وعناية ورعاية ووقع الهلاك والخزي على قومه إن الله جل في علاه قوي يغلب من غالبه، ويقصم من حاربه عزيز لا يرام جنابه ولا يخذل أولياؤه.
67. وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ: وأهلك الله ثمود بالصيحة القوية المدمرة، فصاروا هامدين خامدين كورق الشجر اليابس، لا حياة فيهم، جزاء على كفرهم وقتلهم الناقة وعنادهم فما أقوى الخالق وما أضعف المخلوق.
68. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ: كأن ثمود بعد هلاكهم ما عاشوا في الدنيا ولا استمتعوا بها لقد كفرت ثمود بآيات الله وكذبت الحجج الواضحة التي جاب بها صالح صلى الله عليه وسلم فهلاكا لثمود ولعنة عليهم ما أفرجهم وأشقاهم ذهبوا فلا دنيا ولا آخرة.
69. وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ: ولقد جاءت الملائكة إبراهيم صلى الله عليه وسلم يبشرونه بابنه إسحاق وبعده يعقوب فحيوه بالسلام فرد بمثلها وأحسن فقام مسرعا وأحضر لهم عجلا سمينا مشويا حينذا ضيافة لهم وفيه البشري بالخير والفرح بالولد والبدء بالسلام ورد التحية وإكرام الضيف.
70. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ: فلما شاهد إبراهيم الملائكة لا يمدون أيديهم للأكل من الطعام المقدم لهم أنكر هذه الحال وأضمر الخوف منهم فقالت له الملائكة لا تخف منا فنحن ملائكة مرسلون من الله إلى قوم لوط لنهلكم وفيه عرض الأكل على الضيف وأن الملائكة لا يأكلون الطعام وطمأنة الخائف بكشف اللبس.
71. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ: وسارة زوجة إبراهيم خلف الستر قائمة تسمع الكلام فضحكت عجبا من هذا القول الغريب لأنها عجوز وزوجها شيخ كبير فكيف ينجبان فبشرتها الملائكة من الله بولادة إسحاق بين إبراهيم وسوف ينجب إسحاق يعقوب وفيه: تكليم المرأة من وراء حجاب وتبشيرها بالخير وعظيم قدرة الله في إنجاب الكبير والعجوز.
72. قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ: قالت سارة لما بشرتها الملائكة بإسحاق متعجبة: يا ويلتا هل يعقل أن نجب ولدا وأنا عجوز آيسة من الحمل والولادة؟! وزوجي شيخ كبير مثله لا يولد له ولد إن هذا مما يثير العجب لأن هذا لم تجر به العادة ولكن قدرة الله نافذة وأمره غالب جل في علاه.
73. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ: قالت الملائكة لسارة كيف تعجبين من أمر الله وقضائه فالله قدير على كل شىء فلا عجب فيما قضى رحمة الله وبركاته عليكم يا بيت آل إبراهيم فبرحمته يصرف عنكم العذاب وببركاته يضاعف لكم الثواب فهو سبحانه حميد في أسمائه وصفاته وأفعاله كلها لا عيب فيها ولا نقص ذو مجد وعظمة وكبرياء وجبروت.
74. فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ: فلما ذهب الخوف عن إبراهيم من الملائكة لأنهم لا يأكلوا طعامه وبشروه بإسحاق ويعقوب أخذ يحاور الملائكة في شأن عذاب قوم لوط وإهلاكهم يريد إمهالهم لعلهم أن يتوبوا.
75. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ: إن إبراهيم كثير الحلم عن المسئ ولذلك شفع في قوم لوط لإمهالهم وعدم تعجيل العذاب لهم ثم هو كثير الدعاء ولا لجوء إلى الله يتوب إلى الله في كل حال ويعود إليه في كل أمر فحلمه عمن أساء من الخلق ودعاؤه فيما يري من الخالق وتوبته من التقصير.
76. يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ: قالت الملائكة يا إبراهيم اترك مجادلتنا في تأخير عذاب قوم لوط فقد حل وقت العذاب وحان نزوله بهم ولا راد لقضاء الله ولا دافع لما أراده فقد قضى الأمر.
77. وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ: ولما أتت الملائكة لوطا ساءه مجيئهم وأصابه غم من حضورهم ولم يكن يدري أنهم ملائكة وخاف عليهم من قومه الأشرار وقال هذا يوم كربة شره مستطير وبلاؤه شديد.
78. وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ: وأسرع قوم لوط إلى بيته لما رأوا ضيوفه يريدون الفاحشة ومن عادتهم قبل هذا إتيان الرجال شهوة دون النساء فقال لوط لهم هؤلاء بناتي تزوجوا بهن فهن أطهر لكم مما تريدون فعله من الفاحشة قيل: هن بنات أمته لأنهن كبناته والرسول للأمة كالأب ثم قال لهم احذروا غضب الله وعذابه ولا تفضحون بالإساءة لضيوفي أليس منكم رجل عاقل يردعه عقله عن هذا الفعل وينهاه عن هذا الذنب.
79. قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: قال قومه له أنت تدري ما لنا حاجة في النساء وإنما رغبتنا في الرجال!! فلا تعرض علينا نكاح بناتك.
80. قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ: فقال لهم لوط حينما عزموا على الفاحشة يا ليت لي قوة وأنصارا معي أو عشيرة مهابة تحميني منكم وأقاتلكم بهم وأمنع ضيوفي منكم.
81. قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ: قالت الملائكة لا تخف علينا يا لوط نحن مرسلون من الله وسوف ينصرنا وينصرك ولن يتمكن هؤلاء الأشرار من أذانا فاخرج من قريتك ليلا بأسرتك وخذ من آمن معك من أهلك ولا ينظر أحد منكم خلفه فيصيبه العذاب أما امرأتك الخائنة فسوف يصيبها العذاب مثلما أصاب قومك، إن موعد هلاكهم الصباح، وموعد الصباح بالنسبة إلى الليل قريب لا بعد فيه.
82. فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنضُودٍ: فلما حل عذاب الله بقوم لوط قلب الله قراهم فجعل أعلاها أسفلها وباطنها ظاهرها وأنزل الله حجارة متتابعة من طين متصلب قوي.
83. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ: والحجارة التي رمي بها قوم لوط معلمة بعلامات تختلف عن سواها على أن الحجارة التي رمي بها قوم لوط ليس بعيدا أن ينزلها الله على كفار قريش وكل عاص مجرم فالأفعال متقاربة والجزاء متقارب.
84. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ: وأرسل الله إلى مدين أخاهم النبي شعيبا صلى الله عليه وسلم فدعاهم أن يعبدوا الله وحده لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه ونهاهم عن التطفيف في الكيل والوزن وبخس الناس في البيع والشراء وكانوا في رغد من العيش وكثرة من الأموال وأنذرهم عذابا شديدا يحيط بهم من كل جانب بسبب كفرهم وتطفيفهم.
85. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ: وقال لهم شعيب يا قومي أتموا الكيل والوزن واعدلوا مع الناس في الأخذ والعطاء ولا تنقصوا حقوق العباد فإن عاقبة الظلم وخيمة ولا تذهبوا في الأرض بالظلم والجور والعدوان ونشر الفساد وأذيه العباد فإن الظلم خراب للديار.
86. بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ: ما يبقى لكم من ربح مباح وما يفضل لكم من كسب حلال أفضل مما يدخل عليكم حراما بالغش والتطفيف فقليل طيب ولا كثير خبيث وإذا كنتم مؤمنين بالله أطعتم أوامره واجتنبتم نواهيه والله يحاسبكم على أعمالكم وأنا لست مطلعا وشهيدا على ما تفعلون فأنا مبلغ فحسب.
87. قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ: قال قومه له استكبارا وعنادا أصلاتك هذه يا شعيب التي تحافظ عليها تدعوك أن تنهانا عن عبادة الأصنام التي يعبدها الآباء والأجداد، ونترك التصرف في أموالنا التي كسبناه ولنا الحق أن نفعل ما أردنا من زيادة ونقص وحيل ومكر في الأخذ والعطاء، ثم استهزؤوا به وقالوا: إن لك عقلا رشيدا دلك على هذه الوصايا، ولديك فهم في الأمور ما سمعنا بمثله.
88. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ: قال شعيب ردا عليهم: أخبروني يا قوم إذا ان الله منحني منه هداية ربانية ورسالة إلهية وحجة قوية فيما أمركم به من إخلاص العبادة له وتوحديه وترك الشرك وهجر الكسب الخبيث من تطفيف وغش وهو سبحانه رزقني رزقا مباركا حلالا طيبا وأن لا أريد أن أدعوكم لأمر وأتركه وأنهاكم عن شىء وأفعله لأن الداعية الصادق أول العاملين بما يدعو إليه فأنا أريد إصلاحكم وهدايتكم إلى الطريق المستقيم حسب قدرتي والله الموفق وحده ومنه أطلب الرشد والسداد، وعليه وحده توكلت وهذا في بدء كل أمر وإليه أرجع بالتوبة والإنابة وهذا في نهاية كل عمل فالتوكل بداية والإنابة نهاية.
89. وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ: يا قوم لا تحملنكم عداوتي على مخالفتي والكفر برسالتي والإصرار على تكذيب دعوتي فيصيبكم الله بعذاب من عنده مثل ما أصاب به قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وما حل بقوم لوط ليس ببعيد أن يحل بكم فأنتم قريبون منهم في المكان والزمان ومثلهم في الكفر بالرحمن.
90. وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ: واطلبوا من الله أن يغفر ذنوبكم، وعودوا إليه نادمين من معاصيكم، فالله رحيم بالعباد، يصرف عمن تاب عذابه، ويجزل ثوابه، ودود يتحبب لعباده بأنواع النعم، ويتوصل إلى مسرتهم بألطف أسباب الفضل، يرحم من أساء وعاد ويتودد لمن أحسن من العباد.
91. قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ: قالوا يا شعيب ما نفهم أكثر كلامك وما ندري ماذا تقصد بحديثك تعاميا منهم وعنادا وقالوا ثم إنك مستضعف لست من الأشراف ولا من الرؤساء وليست لك ثروة ولولا أنا نراعي عشيرتك لقتلناك رجما بالحجارة وكانت قبيلته كافرة كأمته فتركوا شعيبا من أجلهم وليس لك عندنا احترام ولا تقدير ولا هيبة ولا منزلة.
92. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ: فأنكر شعيب قولهم وقال كيف تكون عشيرتي أكرم وأعز عليكم من الله؟! وهو أحق أن يتقى ويعظم عزوجل وجعلتم أمر الله خلف ظهوركم استهانة وتجبرا لا توقرونه ولا تعملون به، إن ربي محيط بكم فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية، وسوف يحاسبكم بما فعلتم.
93. وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: ويا قوم اعملوا على طريقتكم الجائرة من الكفر والتكذيب فسوف ترون عاقبة أمركم وسوف أعمل على طريقتي من الهدى والرشد وطاعة الله وإخلاص العبادة له والعذاب سوف ينال الكاذب منا وسوف يخزيه الله ويذله وانتظروا العذاب إني منتظر ما وعدني ربي من النصر والتمكين.
94. وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ: ولما جاء أمر الله بإهلاك قوم شعيب نجى الله شعيبا من العذاب ومن معه من المؤمنين بعناية ورعاية منه سبحانه وأخذت الصيحة من كفر بالله فصاروا بعد قوتهم هامدين خامدين لا حراك فيهم الجن وللإنسان كالبروك للبعير من شدة الصيحة.
95. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ: كأن قوم شعيب بعد هلاكهم ما عاشوا وما تمتعوا في أوطانهم زمنا من الدهر ألا هلاكا لمدين وخزيا كما أهلك الله ثمود وأخزاها لأنهم اشتركوا في الكفر والتكذيب.
96. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ: ولقد أرسل الله موسى إلى فرعون بأدلة ظاهرة وحجج بينة وبراهين ساطعة لمن تأملها بقلب واع وبصيرة نيرة تدل على وحدانية الله عزوجل.
97. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ: أرسله الله سبحانه إلى فرعون وأشراف قومه فقلد قوم فرعون فرعون في الكفر والتكذيب وليس في اتباع فرعون رشد ولا هدى بل ضلال وردي لأنه رأس الفساد وأصل الفسق والعناد.
98. يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ: يأتي فرعون يوم القيامة أمام قومه داخلا النار مثلما تقدمهم في الدنيا إلى الكفر والطغيان وبئس المدخل مدخلهم وقبح هذا السبيل سبيلا.
99. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ: ولعنهم الله في الدنيا لعنة تلحقهم في قبورهم بعدما أهلكهم بالغرق، ولهم لعنة أخرى بإدخالهم النار مع غضب الجبار وبئس ما ترادف عليهم من غرق ولعنة وعذاب وغضب فكل عذاب عليهم يردفه عذاب وكل سخط يتبعه سخط آخر.
100. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ: ذلك الذي قصصناه عليك أيها النبي من أخبار أهل القرى الهالكين نخبرك به ونوحيه إليك فهو الحق واليقين، ومن تلك القرى ما بقيت لها آثار قائمة ورسوم ماثلة ومنها ما محيت آثارها وخربت ديارها.
101. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ: وما عذبناهم ظلما بغير حق لكن جزاء على سوء أفعالهم فكان عذابهم عدلا لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وترك الشكر فما دافعت عنهم أصنامهم ولا منعتهم من عذاب الله لما حل بهم، وما زادتهم الأصنام إلا خذلانا وخسرانا وهلاكا فكانت سبب التنكيل بهم.
102. وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ: ومثلما أهلك الله القرى الظالمة السابقة يأخذ كل قرية شابه أهلها أهل القرى الماضية في الكفر والتكذيب، إن إهلاك الله لأعدائه موجع شديد لا يبقي ولا يذر.
103. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ: إن في إهلاك الله للقرى الظالمة عبرة للمعتبر، وعظة للمتعظ إذا كان يخشى ربه ويحذر عذاب يوم القيامة، ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الاولين والآخرين للحساب والجزاء، وتشهده كل الخلائق.
104. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ: وما يؤخر الله يوم القيامة إلا لأن الله قدر له وقتا معلوما فلا زيادة فيه ولا نقص وسوف يقع في يوم أراده الله وقضاه فيه.
105. يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ: إذا وقع يوم القيامة لا تتكلم أي نفس إلا إذا أذن الله لها بالكلام لهول المقام فيمن الناس من شقي لسوء عمله فله العذاب ومنهم من سعد لحسن عمله فله الثواب.
106. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ: فأما الأشقياء فمأواهم نار تلظى، خالدين فيها أبدا، لهم في النار من شدة العذاب زفير وشهيق، وهو أشد صوت للمكظوم المغموم فالزفير آهات المكروب، والشهيق صيحات المنكوب.
107. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ: يمكثون في النار أبدا مادامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي ولا يخفف عنهم ولا يخرجون منها، إلا إذا شاء الله أن يخرج أحدا من عصاة أهل التوحيد بعد أن يعذبوا بذنوبهم في النار؛ لأن الله يفعل ما شاء كما شاء إذا شاء.
108. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ: وأما السعداء فمأواهم جنات النعيم في جوار رب كريم يمكثون فيها ما دامت السموات والأرض إلا من شاء الله أن يتأخر في دخول الجنة، وهم عصاة الموحدين الذين يعذبون في النار ثم يدخلون الجنة، فإنهم يتأخرون عنها زمنا، وعطاء الله في الجنة لأوليائه غير مقطوع عنهم ولا ممنوع منهم، بل دائم لهم مغدق عليهم، سريع إليهم.
109. فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ: فلا تكن أيها النبي في شك من بطلان عبادة المشركين للأوثان فإنها باطلة حقا وهم إنما يقلدون آباءهم الجهلاء في عبادة الأصنام وسوف يوفيهم الله جزاءهم على سوء فعلهم بلا نقص ليلقوا وبال ما عملوه.
110. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ: ولقد أنزل الله على موسى التوراة فصدق بها بعض بني إسرائيل وكفر بها بعضهم ولولا أن الله كتب عنده ألا يعجل للعصاة العذاب حيث أراد إمهالهم لحل ببني إسرائيل قضاؤه بإهلاك الكفار ونجاة الأبرار. وإن كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم في شك من القرآن وريبة؛ لعدم تصديقهم والزيغ الذي وقع في قلوبهم.
111. وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وكل الأمم المختلفة التي قصها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم سوف يفيهم الله عزوجل أعمالهم الجزاء الأوفى؛ لينال المؤمنون ثواب ما فعلوه، وينال الكفار عقاب ما صنعوه، والله خبير بأعمال الجميع، لا تخفى عليه من أعمال الخلق خافية.
112. فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: فاستقم أيها النبي على دين الله كما أمرك الله واعبد الله بما شرع أنت ومن تاب معك واهتدى بهداك من المؤمنين ولا تتجاوزوا حدود الله فإن الله بصير بأعمالكم يحصيها لكم وهو مطلع عليها لا تخفى عليه خافية. وفي قوله تعالى: "فاستقم كما أمرت" الجمع بين العلم النافع والعمل الصالح، وفعل المشروع وترك البدع، ولزوم الجادة والحذر من المخالفة وهذا أبلغ الكلام.
113. وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ: ولا تميلوا لكل كافر وظالم بالمحبة والموالاة فتحرقكم نار جهنم ولن يتولاكم أحد من دون الله أو يدفع عنكم العذاب أحد سواه فلا يجلب النفع إلا هو ولا يدفع الضر إلا هو.
114. وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ: وأد الصلاة على أكمل وجه في الصباح والمساء وفي ساعات من الليل، إن فعل الصالحات يكفر الخطيئات، ورأس الحسنات الصلوات الخمس، وهذا البيان عظة لمن يتعظ وعبرة لمن يعتبر.
115. وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ: واصبر على طاعة الله وأقداره المؤلمة، وعن معاصيه المحرمة فإن الله لا يضيع ثواب من أحسن في عمله بفعل المأمور واجتناب المحذور والرضا بالمقدور ومن ذلك اتباع الهدى وبذل الندى وكف الأذى.
116. فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ: فهلا وجد من القرون السابقة بقايا من أهل الإيمان والصلاح ينهون أهل الباطل والكفر عن عملهم، وينهون الظلمة عن الظلم لم يوجد من الصالحين إلا قليل فالله نجاهم وحماهم بسبب صلاحهم ونهيهم عن المنكر، واتبع عامة الكفار وغالبهم من الظالمين لأنفسهم متاع الحياة الدنيا وشهواتها الفانية ولذائذها الزائلة، ونسوا الآخرة وكانوا عتاة مردة على أمر الله متجاوزين لحدوده عاصين لرسوله.
117. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ: وما كان ربك أيها النبي ليهلك قرية من القرى أو يدمر أمة من الأمم وأهلها مصلحون في الأرض مجتنبون للفساد والظلم وإنما يهلكهم بسبب ظلمهم وقيل: وما كان الله ليهلك القرى بالشرك وحده إذا كانوا مصلحين فيما بينهم بالعدل وإعطاء الحقوق؛ بالعدل يمنعهم من الهلاك في الدنيا ويؤخر لهم العذاب على الشرك في الآخرة.
118. وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ: ولو أراد الله لجعل الناس كلهم جماعة واحدة على قلب واحد ودين واحد هو الإسلام ولكن الله لم يرد هذا لحكمة عظيمة، ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم لتقوم سنة التدافع وتحصل المجاهدة والابتلاء.
119. إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: لكن الذين رحمهم الله بالإيمان واتباع الرسل عليهم السلام لا يختلفون فهم على دين الإسلام وتوحيد الله الخالص والله أراد أن يخلقهم مختلفين أبرارا وفجارا وسعداء وأشقياء وكل ميسر لما خلق له لتتم حكمة الله ووعده ووعيده وما أعده من جنة للصالحين ونار للكافرين فبهدايته لأوليائه يملأ جنته، وبإضلاله لأعدائه بملأ ناره.
120. وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ: وكل ما يلزمك من العبر وتستفيده من العظات والتجارب سوف نخبرك به من أخبار الرسل السابقين؛ ليتقوا قلبك في مواجهة الأزمات وتثبت في الخطوب وقد وصل إليك في هذه السورة وما فيها من حكم وأسرار أبلغ العظات وأجل العبر وبيان الحق الذي أنت عليه وأتتك النصائح التي ترشد إلى الخير وتحذر من الشر وذكرى لمن كان له قلب ينتفع بها وتؤثر فيه.
121. وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ: وقل أيها النبي للكافرين المكذبين بوحدانية الله اعملوا كما كنتم تعلمون من محاربة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وصد عن سبيله وكفر به وبكتابه إنا عاملون على حالنا من الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والجهاد في سبيله ونشر دينه.
122. وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ: انتظروا عاقبة أمرنا من النصر والتوفيق، إنا منتظرون عاقبة أمركم من الخذلان والهلاك.
123. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: والله وحده جل في علاه عالم بكل ما غاب عن سمع البشر وبصرهم مما في السموات والأرض وإليه يعود كل أمر في الآخرة ليقضي فيه بما يشاء فأخلص العبادة له وفوض أمرك إليه: لتحقق إياك نعبد وإياك نستعين والله ليس بغافل عن عمل العباد من خير أو شر فهو عالم مطلع على كل صغيرة وكبيرة وسوف يجازي الجميع فلمن أحسن الثواب ولمن أساء العقاب.
سورة يوســـف
1. الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ: الله أعلم بمراده بالحروف المقطعة هذه آيات القرآن الواضح البين في أدلته ومعانيه الساطع في براهينه الفاصل في أحكامه.
2. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: الله أنزل هذا الكتاب بلغة عربية مفهومة واضحة؛ من أجل أن يفقه الناس معانيه وعملوا بهداه ويفهموا مقاصده.
3. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ: الله يقص عليك أيها النبي أحسن القصص لفظا ومعنى وأسلوبا ومبنى وإن كنت أيها النبي قبل إنزال القرآن عليك من الغافلين عن هذه الأخبار لا تعلمها ولا تدري بها لأنها لا تحصل إلا بطريق الوحي.
4. إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ: واذكر يوم قال يوسف لأبيه يعقوب إني رأيت في منامي أحد عشر كوكبا ورأيت الشمس والقمر كلها ساجدة لي وهذه أول بشرى ليوسف وقد تحققت بعد البلاء فحصلت له النبوة والحكمة والملك ثم جمع الله شمله بأهله فسجد له أبواه وهما الشمس والقمر في الرؤيا وإخوته الأحد عشر وهم الكواكب.
5. قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ: قال يعقوب لابنه يوسف لا تحدث إخوانك بما رأيت في المنام لأنها رؤيا عظيمة تثير حسدهم، وأخشى أن يحتالوا عليك ويسعوا في كيدك وهلاكك لأن الشيطان قوي العداوة ظاهر المكر بالإنسان وفيه ستر النعم عن عيون الحاسد وكتم السر.
6. وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: وكما أراك الله هذه الرؤيا فسوف يختارك ويصطفيك ويعلمك تفسير الرؤي المنامية والإخبار بمقاصدها، ويتم عليك النبوة والحكمة وعلى آل يعقوب من أسرتك، كما أتمها وأسبغها على أبويك إبراهيم وإسحاق النبيين الكريمين، إن ربك يعلم من يستحق الاصطفاء حكيم في جعل فضله فيمن يشاء فبعلمه اطلع وبحكمته وضع.
7. لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ: لقد كان في قصة يوسف وإخوانه دليل ظاهر وعبرة واضحة على حكمة الله وقدرته لمن سأل من العالم عن أخبارهم، وأحب معرفة قصتهم وهذه القصة أحسن القصص في التاريخ على الإطلاق.
8. إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: إذ قال إخوة يوسف بعضهم لبعض إن يوسف وأخاه الشقيق أحب إلى أبينا منا فهو يؤثرهما بالإقبال والعناية والحظوة أكثر منا ونحن أسرة واحدة لا فرق بيننا إن أبانا وقع في غلط عظيم بين حيث لم يعدل بيننا في الحب ونحن أبناء رجل واحد ولا فضل لأحد منا على أخيه.
9. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ: اقتلوا يوسف أو ضعوه في ديار مجهولة بعيدة عن القرى، يصف لكم ود وحب أبيكم ويخصكم بالإقبال والحفاوة ولا يجد من يشغله عنكم وبعد قتل يوسف وإبعاده تتوبون إلى الله من فعلكم وباب التوبة مفتوح، أي أنهم حدثوا أنفسهم بالتوبة قبل الذنب وبعد هذه الفعلة يصلح حالكم مع ربكم ومع أبيكم.
10. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ: قال أحدهم مشيرا عليهم لا تقتلوا يوسف وضعوه في جوف البئر، على بعض المارة المسافرين يلتقطونه فنستريح منه ولا نتحمل قتله إذا عزمتم على هذا الفعل، وهذا أرحمهم بيوسف فكيف بسواه؟!
11. قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ: قال إخوة يوسف لأبيهم يعقوب بعد أن اتفقوا على نفي يوسف يا أبانا مالك لا تجعلنا أمناء على أخينا يوسف؟ لماذا تشك في حبنا ونصحنا له وحبنا له الخير ونحن سوف نحفظه ونمنحه المودة ونصدق في رعايته.
12. أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: أرسل يوسف معنا إذا ذهبنا نرعى الغنم غدا ينعم بأكل ما طاب من الثمار ويعى معنا الأغنام ويلعب بالمسابقة والرمي واللعب المباح ونحن سوف نحفظه من كل ما يخاف ومن مأمنه يؤتي الحذر.
13. قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ: قال لهم أبوهم يعقوب: إنه يدخل الألم على قلبي مفارقة يوسف وأخشى أن يأكله الذئب ففتح لهم هنا باب الاعتذار بالذئب ثم قال وأنتم متشاغلون عنه باللعب لاهون بالسباق فالتمس لهم العذر قبل الواقعة.
14. قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ: قالوا لأبيهم والله إن الذئب لو أكله ونحن جماعة قوية وفينا شجاعة فإنه لا خير ولا منفعة ولا رجولة فينا وهذا لا يكون أبدا وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه.
15. فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: فأرسل يعقوب يوسف مع إخوانه فلما ساروا به وأبعدوا في الصحراء أزهم الشيطان واتفقوا على وضعه في البئر، ولكن الله أوحى إلى يوسف بأنه سوف ينجو ويخبر إخوانه بما فعلوه به وهم لا يدرون بذلك الأمر وما أعظم رعاية الله ليوسف حيث أوحى إليه وآنسه وحده وأنزل عليه السكينة وبشره بالفرج وثبته في الامتحان فإذا كان الله معك فمن تخاف؟ وإذا كان الله ضدك فمن ترجو؟ وإذا لاحظتك عيون الرعاية فنم في كنف العناية، والكربات أمن في كهف الولاية.
16. وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ: وجاء أبناء يعقوب بعد وضع يوسف في البئر إلى أبيهم وقت العشاء يبكون على يوسف ويظهرون الحزن والجزع وهو مشي القاتل في جنازة المقتول فيظهر التباكي من البكاء عند الأذكياء وكم من باك شاك وهو ظالم؟ وكم من ساكت غافل وهو مظلوم فلا يغتر بالظاهر.
17. قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ: قال إخوة يوسف يا أبانا إنا جرينا وتسابقنا وتركنا يوسف عند طعامنا وثيابنا في محل إقامتنا وفي محل آمن فليس الخطأ منا وما غبنا عنه كثيرا فخلفنا الذئب عليه فأكله وأنت لا تصدقنا أبدا فيما قلنا ولو كنا معروفين بالصدق؛ لأنك تتهمنا وتغالي في حب يوسف وهذا التوجس منهم من باب كاد المريب أن يقول خذوني ومن ساء فعله ساء ظنه.
18. وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ: وأتوا بثوب يوسف ولطخوه بالدم وليس بدم يوسف، وجعلوا ذلك شاهدا على صدقهم فكان دليلا على كذبهم؛ لأن القميص كان سليما لم يزق فقال يعقوب بعدما أراه الله بنور البصيرة زيف ما قالوا هذا كذب منكم ولكن الشيطان زين لكم وأنفسكم الأمارة بالسوء حسنت لكم أمرا قبيحا وتدبيرا سيئا في يوسف فسوف أصبر صبرا جميلا لا سخط فيه من الخالق ولا شكوى فيه للمخلوق والله أستعينه على احتمال هذا المصاب الذي دبرتموه وأتوكل عليه في دفع ما تصفونه من الكذب.
19. وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ: وأتت قافلة مسافرة فأرسلوا أحدهم يأخذ لهم ماء من البئر فلما أنزل دلوه في البئر تعلق به يوسف فصاح وأردهم يا بشرى هذا غلام له شأن وأخفى إخوة يوسف أمره وكانوا قريبين منه ولم يخبروا أنه أخوهم وقالوا هذا غلام للبيع من الرقيق والله عليم بما يعلموه لا تخفى عليه خافية.
20. وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ: وباع أهل القافلة يوسف بثمن قليل من الدراهم وكانوا زاهدين فيه ليس لهم رغبة في بقائه معهم يريدون التخلص منه إذ لا يعرفون قدرته ولا يدركون مكانته.
21. وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لإمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: وسارت القافلة به إلى مصر فاشتراه العزيز وزير مصر منهم وأوصى زوجته أن تحسن ضيافته وتكرم وفادته لعله ينفعهم في الخدمة أو يقوم مقام الولد وكما أنجى الله يوسف وجعل وزير مصر يكرمه كذلك مكن الله ليوسف في مصر وجعله يشرف على خزائنها وكنوزها وليعلمه الله تأويل الرؤي فيخبر الناس بما يرون في المنام والله غالب على أمره لا يرده راد ولا يمنعه مانع نفذ قضاؤه كما شاء ووقع حكمه كما أراد ولكن أكثر الناس لا يعلمون أسرار القضاء وبأن الأمر بيد الواحد الأحد فيجهلون أسار القدرة ومقاصد الحكمة.
22. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: ولما وصل يوسف إلى تمام القوة في الشباب منحه الله الفهم والعلم والإصابة في الحكم ومثل هذا التكريم من الله ليوسف على حسن عمله يكرم الله كل محسن على إحسانه، وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وعزاء فيما يلقاه.
23. وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: ودعت زوجة العزيز يوسف بزينة وإغراء إلى نفسها وهو في بيتها، وهي ذات منصب وجمال ومال، وهو شاب عزب غريب أجمل الناس ثم إنها أغلقت الأبواب وهي التي تطلبه ومع ذلك اعتصم بالله وانتصر على نفسه وهواه وقالت له هلم وأقبل إلى فرد عليها بقوله معاذ الله الجئ إليه أستجير به من هذا الفعل المشين المحرم الذي فيه خيانة لله ثم لسيده في أهله وقصره فهو أكرم نزلي وأحسن وفادتي فكيف أقابل الجميل بالقبيح؟! هذا ظلم، والظالم لا يوفق ولا يعان بل يخذل ويخسر.
24. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ: ولقد أرادته ومالت نفسها ليوسف تطلب إليه ما تطلب المرأة من الرجل وحدث نفسه بها وخطرت له خاطرات ولم يعزم وقد رأى يوسف آية من آيات الله وبرهانا يزجره عن فعل الفاحشة لطفا من الله؛ ليحصنه من فعل القبيح وعمل الزنا؛ لأن يوسف من الصادقين في طاعة الله المخلصين له العبادة المصطفين للنبوة المطهرين من الدنس وفي هذا أعظم انتصار على النفس بتقوى الله.
25. وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وهرب يوسف إلى الباب يريد الفرار منها وأسرعت تريد الإمساك بها وسحبت قميصه فمزقته من ورائه لتمنعه من الخروج وفجأة وجدا زوجها عند الباب فصاحت متظلمة وهذا من كيدها ما جاء من أراد أن يفعل الفاحشة بزوجتك إلا أن تسجنه وتعزره بعذاب موجع يردعه عن فعله المشين؟
26. قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ: فرد يوسف وقال لسيده هي التي أرادتني وطاردتني وطلبت إلى ذلك وشهد أحد من الدار قيل صبي من أهل المرأة ليكون أبعد للتهمة إن كان قميصه مزق من الامام فصدقت في دعواها وكذب هو فيما قال لأنها دليل على أنه كان يطاردها.
27. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ: وإن كان قميص يوسف مزق من خلفه فهذا دليل على أنها كانت تطارده فكذبت في دعواها وصدق هو فيما قال، وانظر كيف يسر الله الحكم من أهل الدار بعلامة أظهرت صدق يوسف.
28. فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ: فلما شاهد الزوج قميص يوسف مزق من خلفه علم أنها كانت تطارده وهو يهرب وهذا دليل على براءة يوسف فقال لزوجته هذه الحيلة والشكوى منك ضد يوسف من جملة مكركن أيتها النساء، إن مكركن عظيم لا يطاق لأنه يقع بخفاء مع البكاء والادعاء.
29. يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ: وقال العزيز يا يوسف لا تتكلم بما حصل ولا تذكره لأحد حفاظا على سمعة القصر وأنت أيتها الزوجة اطلبي إلى ربك الغفران إن كنت مذنبة في مراودة يوسف عن نفسه وكذبك عليه والأسلم دائما الإعراض عن الخوض في مسائل الأعراض.
30. وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: وانتشر الخبر في المدينة فقالت النساء منكرات على زوجة العزيز كيف تراود هذه المرأة في شرفها ومنصبها غلامها وتخون زوجها إنها ما فعلت هذا إلا بعد ما وصل حب يوسف غلاف قلبها واستقر في سويدائه إنا نراها في فعلها القبيح في خطأ ظاهر وفعل شائن بين.
31. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ: فلما سمعت امرأة العزيز بأن نساء المدينة يغتبنها ويستعملن الحيلة في نشر ما جرى بينها وبين يوسف دعتهن إلى زيارتها في القصر وهيأت لهن وسائد يتكئن عليها وأحضرت فاكهة وأعطت كل امرأة سكينا بيدها تقطع بها الفاكهة ثم أمرت يوسف أن يخرج فجأة على النساء فلما رأين حسنه الظاهر وجماله الباهر أعظمنه غاية الإعظام فدهشن من حسنه وجرحن أيديهن من شدة الذهول وقلن من العجب والحيرة والانبهار معاذ الله والله لا يكون هذا من جنس البشر فما رأينا مثله أبدا!!! فجماله غير معهود وحسنه غير موجود ما هذا إلا ملك من الملائكة شريف مطهر وليس ببشر.
32. قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ: فقالت زوجة العزيز بعدما رأت ذهول النساء من حسن يوسف الأخاذ وجماله الجذاب هذا الذي سلب لبي وأذهل قلبي مثلما فعل بكن فلا لوم على بعد اليوم ولقد لاحقته وحاولت إغراءه وأنا التي طلبته، ولئن لم يستجب لي ويوافق على مرادي لأحبسنه عقابا لامتناعه ولأجعلنه ذليلا مهانا لإصراره على رأيه في عدم مطاوعتي وإنها والله فتنة عظيمة عرضت ليوسف ما بين إغراء من امرأة حسناء في شرف باذخ ومنصب عال وطلب منها ملح ثم تهديد شديد ووعيد أكيد وهو غلام مستضعف وغريب مضطهد ومع هذا يعتصم بالواحد الأحد فيحيطه بالعناية ويحفظه بالرعاية ويسدل عليه رداء الولاية.
33. قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ: قال يوسف معتصما بالله يا رب دخولي السجن أحب إلى قلبي وأهون علي من ارتكاب الفاحشة وإذا لم تعني على نفسي وتقهر هواي وتمنعني من حبائل النساء أمل إليهن وأقع في هواهن وأصبح من السفهاء الذين يرتكبون الحرام ويقعون في الآثام؛ لجهلهم بالأحكام.
34. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: فأجاب الله دعوة يوسف لإخلاصه وصدقه وحفظه من فتنة امرأة العزيز وصويحباتها؛ إن الله يسمع دعاء الداعي ويعلم صدقه من كذبه، وسامع للأصوات عالم بالأعمال والنيات.
35. ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ: ثم ظهر للعزيز وأعوانه أن من المصلحة سجن يوسف مع عفته ونزاهته منعا للقيل والقال وجعلوا مدة السجن زمنا غير محدد قد يطول وقد يقصر وهذا من رفعة الله ليوسف بالبلاء ليرفع درجته وتعلن براءته ويتم الاصطفاء عن طريق المعاناة واللأواء.
36. وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: ودخل مع يوسف في السجن فتيان من فتيان الخدمة عند الملك، فسأله أحدهما عن رؤياه في المنام إذا يعصر عنبا ليكون خمرا وقال الثاني إني أريت أنني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه أخبرنا بتفسير ما رأينا لأننا رأيناك ممن صدق في عبادته وأحسن في طاعته مع كمال الخلق وجمال المروءة.
37. قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكـْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ: قال يوسف للفتيين قبل أن يأتيكما أي طعام مما رزقكما الله أخبركما به بإذن الله قبل وصوله إليكما وهذا مما علمنيه ربي من تعبير الرؤي لأنني آمنت بالله وحده وأخلصت له العبادة وكفرت بكل ما يعبد من دون الله، وهجرت كل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر الذين ينكرون البعث والنشور والحساب والجزاء. وانظر كيف أدخل يوسف دعوته إلى التوحيد في تعبيره للرؤي؛ لأنها أعظم قضية.
38. وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ: واتبعت دين آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويسمى الجد أبا فأفردت ربي بالعبادة وأخلصت له الدين ما ينبغي لنا أن نتخذ مع الله شريكا آخر ذلك الدين القيم من توحيده سبحانه وعدم الإشراك به مما تفضل الله به علينا وعلى الناس ولكن غالب الناس لا يشكرون الله على نعمة الهداية للإيمان وأكثرهم لا يقرون بوحدانية الله.
39. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ: وقال يوسف للغلامين اللذين كانا معه في السجن: أعبادة آلهة مخلوقة متفرقة خير للإنسان أم عبادة الله الواحد القهار؟ بل عبادة الله: لأنه الخلاق الرازق المستحق للعبادة وانظر كيف شرح لهم الإيمان بالله ودعاهم إلى التوحيد قبل تعبير الرؤيا؛ لأنه أجل وأهم.
40. مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: ما تعبدون من دون الله إلا أسماء لا حقيقة لها ولا معاني لمدلولها فهي جامدة لا تنفع ولا تضر صيرتموها أنتم وآباؤكم أربابا من دون الله بزعمكم وهي صماء بكماء ما أنزل الله على صحة عبادتها من دليل قاطع ولا برهان ساطع فالحكم في السموات والأرض لله وحده لا شريك له، فهو الذي يقضي بالعدل ويفصل بالحق، أمر أن لا توحدوا غيره ولا تعبدوا سواه فله الانقياد التام، والخضوع الكامل، وهذا هو الدين القويم والصراط المستقيم الذي أتت به الكتب ودعت إليه الرسل، ولكن غالب الناس يجهلون حقيقة ذلك فلا يخلصون لله العبودية وانظر كيف بسط الدعوة للتوحيد لأنها الأصل الأعظم في حياة العبد.
41. يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ: يا صاحبي السجن اسمعا تفسير رؤياكما أما الأول الذي رأى أنه يعصر العنب في المنام فإنه يفرج عنه من السجن ويصبح ساقيا للخمر عند الملك وأما الثاني الذي رأى أنه يحمل على رأسه خبزا فإنه يحكم عليه بالإعدام ويقتل ويترك مصلوبا فتنهش الطير من رأسه وتأكل من لحمه فرغ وانتهى الأمر الذي تسألان عنه من تفسير الرؤي، وقد وقع الأمر كما أخبر وما تأخر.
42. وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ: وقال يوسف للساقي الذي نجا من القتل وذهب في خدمة الملك اذكر اسمي عند سيدك الملك واشفع لي وأخبره أني محبوس ظلما بلا جرم عسى أن يأمر بإطلاقي ويكفي السجن عذابا وكربة فأنسى الشيطان الغلام أن يذكر ذلك للملك والواجب أن يلتجئ يوسف إلى ربه ملك الملوك سبحانه.
43. وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يأيها الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ: وقال ملك مصر يا قوم إني رأيت في منامي سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات ضعيفات هزيلات ورأيت سبع سنبلات خضر مملوءة حبا ورأيت سبع سنبلات يابسات أيها الأشراف فسروا لي الرؤيا إن كان لكم علم بها والله إذا أراد شيئا هيأ أسبابه وسوف تكون هذه الرؤيا سببا للإفراج عن يوسف صلى الله عليه وسلم.
44. قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ: قال الأشراف رؤياك هذه أخلاط من الأحلام لا حقيقة لها ولا تفسير، ولسنا نعلم تفسير الأحلام.
45. وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ: وقال الغلام الذي نجا من القتل وصار ساقيا للملك وتذكر طلب يوسف إليه بعد مدة وقد نسي: أنا أستطيع أن آتيكم بتفسير هذه الرؤيا فدعوني أذهب إلى يوسف ليعبرها لي.
46. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ: ولما لقي الغلام يوسف قال له يوسف أيها الصديق عبر لنا رؤيا رجل رأي في منامه سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات هزيلات ورأى سبع سنبلات خضر ورأى سبعا يابسات لعلي أعود إلى الملك وأصحابه فأخبرهم بتفسير الرؤيا لعلهم ينتفعون بتأويلها ويعلمون فضلك وعلمك.
47. قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ: فأجابه يوسف وفسر له الرؤيا وهي أنكم تزرعون سبع سنين متتابعة مجتهدين في الزراعة ليكثر الإنتاج فإذا حصدتم الزرع فاتركوا الحب في سنبله ليبقى محفوظا من السوس وغيره من الآفات إلا قليلا تأكلونه في طعامكم، وهذه نظرية الادخار ودراسة عوامل التغير الاقتصادية.
48. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ: ثم يأتي بعد هذه السنين الخصبة سبع سنين نفيها جدب وقحط لا أمطار فيها ولا ثمار فكلوا فيها ما ادخرتموه من حبوب السنين الخصبة.
49. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ: وبعد السنين العجاف المجدبة تأتي سنة الأمطار والثمار ويأتي الفرج بعد الشدة واليسر بعد العسر وتعصر في هذه السنة الثمار من كثرة الخيرات والثمار.
50. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ: فلما سمع الملك بتعبير الرؤيا طلب من أعوانه إحضار يوسف من السجن فلما جاء رسول الملك إلى يوسف في السجن وطلب منه الحضور للملك قال له يوسف عد إلى الملك واسأله لماذا جرحت النسوة أيديهن لما خرجت عليهن؟ وما السبب في ذلك؟ لتظهر براءته وتكتشف الحقيقة للناس إن ربي يعلم بخديعة النساء ومكرهن معي ولا تخفى عليه خافية، وسوف يظهر الحق سبحانه وما ابتلي العبد بمثل فتنة النساء والسعيد من سلمه الله كيوسف صلى الله عليه وسلم.
51. قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ: قال الملك للنساء اللواتي جرحن أيديهن بالسكاكين: ما شأنكن وأخبرنني لماذا راودتن يوسف عن نفس يوم الضيافة في القصر؟ هل طاوعكن وهل وجدتم منه رغبة فيكن؟ قلن: معاذ الله، وكلا والله، والله ما علمنا منه أدنى ريبة ولا ما يعيبه عندها نطقت زوجة العزيز بالحق صريحا فقالت الآن ظهر الحق بعد الخفاء وبأن الصدق بعد الالتواء، أنا والله حاولت فتنته وأنا حرصت على إغرائه وإغوائه: فأبى واعتصم بالله ووالله إنه صادق في كل ما قال وإنه مظلوم.
52. ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ: وهذا الذي أقوله وأشهد به وأقر به على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالكذب عليه، ولم تقع مني الفاحشة، وأنا أعترف أنني راودت يوسف وأقررت بذلك: لتظهر براءتي وبراءته، وقيل ليعلم يوسف أني لم أخنه وهو غائب وأدعي عليه كذبا، والله لا يوفق كل خائن ولا يسدد دعواه ولا يلهمه الحجة ولا يدله على الهدى فلا رشد لخائن ولا فلاح لكذاب.
سورة يوسف
53. وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ: قالت زوجة العزيز وأنا لا أزكي نفسي ولا أبرئها فإن النفس تأمر صاحبها دائما بعمل السيئات وارتكاب المعاصي، فهي جامحة إلا من ألجمها بلجام التقوى وهذا يحصل لمن عصمه الله وحفظه والله كثير الغفران لعباده إذا استغفروه رحيم بهم لا يعاجلهم بالعقاب بل يمهلهم ويوفقهم للمتاب.
54. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ: فلما بلغت ملك مصر براءة يوسف وتقواه وشرف أخلاقه قال علي به أجعله من أهل مودتي ومن أقرب الناس مني لينال حظوتي وأستفيد من مشورته فلما حضر يوسف وكلمه الملك وعرف رجاحة عقله وحسن أدبه وعظيم أمانته وطهارة عرضه ونزاهته قال له إنك يا يوسف عندنا عظيم المكانة، مؤتمن على كل شىء. وهذا ملك من ملوك البشر جازى يوسف أحسن الجزاء على فضله وورعه وصلاحه، فكيف بملك الملوك عزوجل الذي يحب التوابين ويحب المتطهرين والصادقين.
55. قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ: وأحب يوسف أن يعبد ربه بنفع عباده وإقامة العدل فيما بينهم ودعوتهم إلى الهدى فقال للملك اجعلني واليا على الخزائن فإني أمين على ما استودعت عليم بالحساب والكتاب وصاحب بصيرة في الادخار والصرف وفي الآية طلب المنصب لمن تحققت فيه الأهلية وتجرد عن الهوى وكان أمينا عالما ضابطا قائما بحقوق المسؤولية.
56. وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ: ومثلما من الله على يوسف بالخروج من السجن والبراءة من التهمة وتتابع النعم من العلم والتأويل والأمانة، مكن الله له في أرض مصر يتجول فيها حيث يشاء، ويحكم بما أراه الله والله يهب من شاء من عباده رحمة تهديه، ورعاية تتولاه وعناية تحرسه إذا اتقاه العبد وخافه وهو سبحانه لا يبطل عمل المخلص الصادق بل يثيبه أجل الثواب مع حسن العاقبة وطيب العيش والتسديد في كل أمر.
57. وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ: ولثواب الله في الآخرة لمن أحسن أعظم من ثواب الدنيا لأنه خير وأبقى وهو حاصل لمن حقق الإيمان بالله ولزم تقواه بفعل ما أمر واجتناب ما نهى.
58. وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ: وأتى إخوة يوسف من فلسطين إلى مصر بعد أن مسهم الفقر، وحل بهم الجدب لطلب الطعام، فلما دخولا على يوسف عرفهم ولم يعرفوه لطول الزمن وتغير الحال واختلاف صورته وهو دليل على تمام فطنته صلى الله عليه وسلم، فهم أيضا تغير حالهم وتغيرت صورهم ولكنه كان أذكى وأعرف.
59. وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ: ولما أحسن وفادتهم، وأكرم ضيافتهم، وأجزل لهم ما طلبوه، ومنحهم فوق ما أملوا شأن البررة الكرام، وقد أخبروه أن لهم أخا من أبيهم تركوه في أرضهم، طلب منهم يوسف إحضار أخيهم من أبيهم، وهو شقيقه، وذكرهم بالجميل من إيفاء الكيل لهم والإكرام، فهو خير من أكرم الضيف، وأتحف الوافد، فمن حقه أن يجاب طلبه.
60. فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ: وقال يوسف لإخوته: فإذا لم تحضروا أخاكم من أبيكم فلن أكيل لكم طعاما بعدها ولي لكم عندي ضيافة فلا تقربوا قصري ولا تدخلوا داري.
61. قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ: قال إخوته له سنحاول كل محاولة ونبلغ طاقتنا في إقناع أبينا في إرسال أخينا معنا ونجتهد في ذلك.
62. وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وأمر يوسف غلمانه أن يجعلوا ثمن ما أخذه إخوانه في أمتعتهم سرا عسى أن يروا أن الثمن قد أعيد إليهم مع البضاعة ليعرف كرم يوسف فيعودوا إليه طمعا في المزيد وليحرصوا على إحضار أخيهم ولأن الإحسان يقيد الإنسان.
63. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: فلما عاد إخوة يوسف إلى أبيهم وأخبروه بإكرام العزيز وحسن خلقه وكريم شمائله وأنه لن يكرمهم مرة أخرى ولن يبيع لهم طعاما إلا إذا أحضروا أخاهم من أبيهم فأرسله معنا إلى مصر لمقابلة العزيز حتى نحضر لكم الطعام، ونعاهدك على حفظ أخينا وحسن القيام عليه.
64. قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: قال لهم أبوهم كيف آمنكم على بنيامين وأنتم غدرتموني في يوسف من قبله وقد أمنتكم عليه فلن أثق بوعدكم ولن أصدق كلامكم ولن أركن لحفظكم لكن أركن لحفظ الله خير الحافظين فبرحمته يحفظ يوسف ويرده علي ومن رحمة أرحم الراحمين أنه يثيب العاصي إذا تاب ويبدل سيئاته حسنات إذا أناب.
65. وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: ولما عادا إلى أبيهم وفتحوا أوعية الطعام وجدوا ثمن البضاعة الذي دفعوا قد رد إليهم!! قالوا: يا أبانا، ماذا نطلب أكثر من هذا؟! وماذا نريد فوق هذا الكرم؟ هذه البضاعة والثمن معها قد رده العزيز علينا، فثق بوعدنا وأرسل ابنك معنا، لنكتال الطعام لأهلنا، ونحفظ أخانا ويزيدنا العزيز حمل بعير له، لأن العزيز يوسف صلى الله عليه وسلم في الجدب يكيل لكل واحد حمل بعير لا يزيد عليه، وهذا يسير عليه سوف يفي به.
66. قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ: قال لهم أبوهم يعقوب لن أتركه يذهب معكم حتى تقسموا لي بالله العظيم أن تعيدوه لي مثلما أخذتموه، إلا أن تغلبوا جميعا وتهلكوا كلكم فتعذروا فلما أقسموا له وأعطوه المواثيق المغلظة قال الله يشهد على ما قلنا توكلنا عليه وفوضنا إليه أمرنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.
67. وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ: وقال يعقوب لأبنائه يوصيهم إذ خاف عليهم من العين لكثرتهم وهيئتهم: يا أبنائي، إذا دخلتم مصر أو دخلتم دار العزيز فلا تدخلوا جميعا من باب واحد، ولكن تفرقوا على الأبواب وأنا أوصيكم، والمقدر هو الله وحده، فلا راد لقضائه، لكن نأخذ بالأسباب ونتوكل على مسبب الأسباب، فعليه نتوكل وعليه يعتمد كل مؤمن ويثق به كل موحد.
68. وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: ولما دخل أبناء يعقوب من عدة أبواب كما أوصاهم أبوهم، ما كان يعقوب يدفع عنهم شيئا من قضاء الله المحتوم ولكن كان في نفس يعقوب خوف عليهم من العين وإن يعقوب لصاحب علم نافع وبصيرة نافذة وفقه جليل مما أوحاه الله إليه ولكن أكثر الناس لا يعلمون عواقب الأمور وأسرار الأشياء ومقاصد الأحكام وإنما يعلم ذلك يعقوب صلى الله عليه وأمثاله.
69. وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: ولما دخل أبناء يعقوب إخوة يوسف على أخيهم يوسف، ضم أخاه بنيامين إليه واختص به عنهم وقال له سرا أنا أخوك من أمك وأبيك فلا تخف ولا تحزن ولا يصيبك غم بسبب ما صنعوا بي فالله معنا والعواقب حميدة واكتم أمرنا فسوف يلطف بنا الله ويتولانا عزوجل.
70. فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ: فلما جهز يوسف إخوانه للعودة إلى أبيه وحمل جمالهم بالطعام، أمر العمال بوضع المكيال في كيس أخيه بنيامين من حيث لا يدري أحد!! فلما انطلقوا عائدين صاح صائح يقول: يا أصحاب العير المحملة، إنكم لسارقون والمعنى قفوا لكشف حقيقة ما جرى.
71. قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ: قال أولا يعقوب وقد عادوا إلى موضع الصوت: ما الذي تفقدونه وتتهموننا بسرقته؟
72. قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ: قال المنادي من جهة العزيز لقد فقدنا مكيال الملك ولمن أحره لنا جائزة مقدارها حمل بعير من الطعام وأنا أضمن له ذلك وأتكفل به جزاء دلالته على المكيال.
73. قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ: قال إخوة يوسف أنتم تعلمون علم اليقين مما رأيتموه منا وعرفتموه من حالنا ما أتينا من أرضنا إليكم لعمل الفساد من سرقة ونحوها وليس من أخلاقنا أن نسرق فنحن من بيت ديانة وأمانة وصيانة.
74. قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِـينَ: قال عمال يوسف لأبناء يعقوب: فما هي عقوبة السارق عندكم إذا ظهر كذبكم وتبين أنكم سارقون؟ ليظهر الحكم على ألسنتهم ليكون أقطع للخصام.
75. قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ: قال إخوة يوسف جزاء السابق عندنا إذا وجد المسروق في متاعة أن يسلم بما سرق إلى من سرقه؛ ليكون رقيقا عنده فيؤخذ مقابل ما سرق فجزاء السارق الاسترقاق وهذا جزاء لكل من ظلم نفسه وغيره فسرق.
76. فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ: وعادوا بإخوة يوسف إلى يوسف وبدأ يوسف يبحث بنفسه في أمتعتهم قبل متاع شقيقه إبعادا للتهمة وإثباتا للحجة وهو من حسن التدبير وذكاء التصرف حتى انتهى إلى وعاء أخيه فاستخرج الإناء منه وهذا التيسير من الله تدبير محكم ليوسف ليصل إلى أخذ أخيه وهو مما علمه الله يوسف وليس له أن يأخذ أخاه وفق شريعة ملك مصر لأنه ليس عندهم أخذ السارق وتملكه مقابل ما سرق لكن الله أراد أن يتم هذا الأمر فهيأ أسبابه فجعلهم يحتكمون إلى شريعة إخوان يوسف ليأتي الحكم على ألسنتهم وينتهي الجدال والله يرفع مكانة من أراد من خلقه كما رفع مكانة يوسف على إخوانه وفوق كل صاحب علم أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله تعالى فله العلم الكامل المطلق سبحانه عالم السر وأخفى وعالم الغيب والشهادة فعلى كل عالم أن يتواضع ففوقه أعلم منه.
77. قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ: وقال إخوه يوسف إن كان أخونا هذا قد سرق فقد سرق قبله أخ له شقيق يقصدون يوسف صلى الله عليه وسلم كذبا منهم على يوسف فأخفى يوسف ما سمعه من الكلام في نفسه وأعرض عن هذا الخبر وقال في نفسه أنتم أسوأ منزلة ممن اتهمتم فأنتم عققتم الوالد وضيعتم الأخ وعصيتم الخالق والله أعلم بما تصفون من الزور والكذب والخداع، لا تخفى عليه خافية.
78. قَالُوا يأيها الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: فقالوا في انكسار وتذلل يا أيها العزيز إن أخانا هذا الذي أخذته له والد كبير طاعن في السن وهو متعلق بهذا الابن ولا يستطيع أن يفارقه فاجعل واحدا منا بدلا من بنيامين ليكون عوضا عنه في السرقة إنا نراك من أحسن الناس في الأخلاق والتعامل وقد أحسنت معنا وأكرمت نزلنا.
79. قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ: قال يوسف أعوذ بالله وأستجير به وأعتصم أن أظلم أحدا فآخذه دون ذنب ولذلك لن آخذ إلا من سرق مكيالي على حكمكم أنتم وهذا هو العدل والإنصاف وهو على قاعدة ولا تزر وازرة وزر أخرى.
80. فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ: فلما يأس أبناء يعقوب من إجابة يوسف لهم على ما سألوه من ترك بنيامين وأخذ أحدهم مكانه، انفصلوا عن الناس وتشاوروا فيما بينهم فقال أكبرهم سنا: ألم تذكروا إن أبانا يعقوب قد استحلفنا وأخذ علينا الإيمان المغلظة بأن نعيد بنيامين إلا أن نغلب جميعا، وأنتم تعلمون ما فعلنا بيوسف من قبل بالغدر فالآن اجتمعت مصيبة على أبينا إلى مصيبة فلن أفارق مصر حتى يأتيني السماح من أبي بالخروج منها والعودة إليه أو يختار الله لي إما يأذن أبي أو العودة بأخي أو الموت والله خير من حكم في كل قضية وعدل في كل أمر وفصل في كل خلاف.
81. ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ: عودوا إلى أبينا يعقوب وأخبروه بما صار واكشفوا له حقيقة ما وقع فابنه بنيامين قد سرق مكيال الملك ونحن نشهد على ذلك فقد رأينا المكيال بأعيننا في وعائه ولم يكن عندنا علم من الغيب أنه سوف يسرق يوم عاهدنا أبانا على رده إليه فالأمر خرج من أيدينا وهو فوق طاقتنا والذنب ذنب أخينا لا ذنبنا.
82. وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ: واسأل يا أبانا أهل مصر ومن رافقنا في القافلة ممن شهد القصة إذا كنت متهما لنا ووالله إننا صدقنا فيما قلنا ولكن أقول من سبق منه الكذب لا يصدق وإن صدق!!
83. قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ: فلما عادوا إلى يعقوب وأطلعوه على ما جرى قال: ليس الأمر كما قلتم!! بل زينت لكم أنفسكم الأمارة بالسوء مكيدة أخرى دبرتموها وأنتم أهل المكائد، وقد سبق منكم المكيدة مع يوسف فلا حيلة لي إلا الصبر الجميل الذي لا جزع فيه ولا شكوى إلا لله عسى الله وهو الرحمن الرحيم أن يرحم ضعفي وشيبتي وأن يرد أبنائي الثلاثة وهم يوسف وشقيقه وأخوهم الكبير الذي تخلف من أجل أخيه إن ربي عليم بحالي وسؤالي حكيم في قضائه لا يتهم وفي حكمه لا يظلم وفي تدبيره وتصريف شؤون خلقه وفي الآية أنه كلما اشتد الخطب قرب الفرج وكلما تكاثف ليل المحنة بدا الصباح فكن أوثق ما تكون بالفرج آيس ما تكون منه.
84. وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ: وأعرض يعقوب عن أبنائه وازداد همه وغمه وكثر أسفه وبكاؤه وقال يا حسرتا على يوسف وابيضت عيناه من كثرة البكاء وشدة الحزن وكثرة السهر وذهب سوادهما ولكنه كتم ذلك تصبرا لأمر الله وتجلدا أمام الشامتين وانظر كيف عاد به الحنين والذكرى إلى يوسف وحده لأنه نكئت جرحه القديمة في يوسف بذهابه أخيه.
85. قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ: فقال بنوه تالله إنك لا تزال تتذكر يوسف دائما وتعيد وتبدي في خبره ويشتد حزنك عليه حتى تشرف على الهلاك أو تهلك فعلا فتصبر فما مضى قد انقضى وما فات مات.
86. قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: قال يعقوب يجيب أبناءه أنا لا أرفع شكواي إلا إلى ربي، ولا أخبر بهمي وحزني إلا إلهي وحده فهو كاشف الضر والبلاء الذي يأتي بالسراء بعد الضراء ويعقب بعد الشدة رخاء، وأنا أعلم من قرب رحمة الله وفرجه ولطفه ويسره ما لا تعلمون: لثقتي بربي وتمام معرفتي بجلالة وكماله وكرمه وحسن نواله.
87. يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ: قال يعقوب لأبنائه يا أبنائي عودوا إلى مصر فتتبعوا أخبار يوسف وأخيه ولا تقطعوا رجاءكم من رحمة الله فما يقطع الرجاء في رحمة الله إلا من جحد قدرته وكفر به فينبغي على الإنسان حسن الظن بربه بل عليه كلما اشتد الكرب وادلهم الخطب أن يكون أكثر رجاء وأملا في رحمة الله وقرب فرجه.
88. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يأيها الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ: فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف وقالوا: يا أيها العزيز أصابنا وأهلنا الجدب والقحط وانقطع عنا الغيث فلا زرع ولا ضرع ومعنا أثمان رديئة قليلة فزد في الكيل على عادتك وهب لنا من الطعام بلا ثمن كرما منك فإن الله يثيب من تفضل على خلقه وأعان المحتاجين من عباده وفيه ما كان عليه الأنبياء من شظف العيش والفقر فهؤلاء أبناء يعقوب صلى الله عليه وسلم وهذه حالتهم من العوز والحجة وهذا من هوان الدنيا على الله حيث يعطيها أعداءه ويمنعها أولياءه.
89. قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ: فلما سمع يوسف كلام إخوانه دخلته الرحمة بهم والإشفاق على أبيه والحنين إلى أهله وقال لهم: هل تذكرون الذي فعلتموه بيوسف وأخيه من الأذى في حالة جهلكم وفيه إعذارهم بالجهل كرما من يوسف لأنه كريم والكريم يلتمس الأعذار ويقيل العثار.
90. قَالُوا أَئِنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ: قال إخوة يوسف له هل أنت يوسف قد شكوا ولم يتحققا لأنه لا يعرف ما فعلوه بيوسف إلا الله ثم يوسف فقال يوسف نعم أنا يوسف وهذا شقيقي قد رحمنا ربنا واختصنا بفضله فجمع بيننا بعد الفراق إنه من يتق الله بفعل المأمور وترك المحذور ويصبر على المقدور فإن الله لا يضيع ثواب المحسن في الدنيا والآخرة فيجعل العاقبة والعز والنصر له في الدنيا والفوز والفلاح والنعيم في الآخرة.
91. قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ: قالوا تالله لقد فضلك الله علينا ورفعك بالعلم والحلم والفهم فأنت أعلى منا منزلة في أمور الدنيا من الملك والمجد والجاه وفي أمور الآخرة من الصدق والتقوى وخصال الخير ونحن كنا خاطئين بما تعمدناه من الأذى بك وبأخيك وما فعلنا من عقوق الوالد وقطيعة الرحم وعصيان الرب سبحانه.
92. قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: قال لهم يوسف بمنطق الكريم الحليم لا لوم عليكم اليوم غفر الله لكم ما فعلتم وسامحكم فيما اقترفتم فهو أرحم الراحمين لمن تاب لأنه يمحو سيئاته ويعظم حسناته فيوسف عفا عن حقه وسأل الله أن يغفر لهم الذنب فيا له من حلم فاق كل حلم فيوسف في العفو إمام لمن أتى بعده وبمثل هذا الخلق يرتفع العبد عند ربه وينال المجد والسؤد في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة.
93. اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ: وعلم يوسف بذهاب بصر أبيه يعقوب من كثرة البكاء والحزن عليه فقال لإخوانه عودوا إلى أبي وخذوا قميصي الذي ألبسه واطرحوه على وجه أبي فسوف يعود بصيرا بإذن الله وتعالوا بأهلكم جميعا ليجتمع الشمل ويسعد الأهل ويفرح الكل برحمة الله عزوجل.
94. وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ: فلما عادت القافلة من مصر ومعهم قميص يوسف قال يعقوب لأهله إني لأجد ريح يوسف وقال أن تسفهوا في رأيي وتسخروا مني فهو ذكر ما وجد واحتاط لنفسه؛ حتى لا يسخر منه أحد وهذه معجزة نبوية ليعقوب وإذا لم تحتمل أذهان البشر عظمة الخبر لضعف النظر استحسن التعريض.
95. قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ: قال أهل يعقوب له تالله إنك مستمر على خطئك القديم في التوله والتعلق بيوسف وقد انقطع خبره وخفي أمره وأهمل ذكره.
96. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ: فلما وصل المبشر إلى يعقوب طرح قميص يوسف على وجه يعقوب فأصبح مبصرا بإذن الله بعدما عمي من البكاء والحزن فامتلأ البصر بالنور والقلب بالسرور والبيت بالحبور، وقال يعقوب لمن عنده أما أخبرتكم أن عندي علما من الله لا تعلمونه وذلك من فضل ربي ورحمته.
97. قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ: فقال أبناء يعقوب ليعقوب يا أبانا اطلب إلى ربنا أن يغفر ذنوبنا ويستر عيوبنا ولا يؤاخذنا بما فعلنا فنحن معترفون بالذنب مقرون بما فعلنا بيوسف.
98. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: قال يعقوب لأبنائه سوف أطلب من ربي أن يغفر ذنوبكم ويتجاوز عن سيئاتكم فإنه كثير الغفران لمن أكثر من الذنوب يعود بالرحمة على من أناب ويسدل عفوه على من تاب وفيه طلب دعاء الرجل الصالح الحاضر وتوخي أوقات الإجابة فإنه لم يجبهم في الحال بل تحرى وقتا آخر.
99. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ: وذهب يعقوب وأهله إلى يوسف في مصر فلما دخلوا على يوسف ضم يوسف إليه أبويه إكراما وتبجيلا وقال: ادخلوا بمشيئة الله أرض مصر وأنتم آمنون لا تخافون من كرب ولا تخشون من خطب فقد انتهت المخاوف وانصرمت الأحزان برحمة الرحمن وأمان الملك الديان.
100. وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَ‍قًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ: وأجلس يوسف أباه وأمه على سرير الملك الذي يجلس عليه إكراما وتوقيرا ومحبة وتقديرا، وحياه أبوه وأمه وإخوته الأحد عشر بالسجود له تبجيلا وإعزازا لا عبادة وخضوعا وهذا في شريعتهم جائز وهو محرم في الإسلام فلا يسجد لغير الله وحده وقال يوسف لأبيه قد وقعت الرؤيا وتحققت بهذا السجود الذي رأيته في طفولتي فقد جعله ربي صدقا ومن علي وأكرمني بإخراجي من السجن إلى قصر الملك ومن خلف القضبان إلى المجد والسلطان وأتى بكم من البادية حيث الجدب والقحط إلى مصر حيث رغد العيش وكثرة الخير من بعد أن أفسد الشيطان صلة القربى بيني وبين إخواني وانظر لكرمه صلى الله عليه وسلم حيث لم يعرض بإخوانه؛ لأن المجلس مجلس عفو وصفح ومسامحة بل جعل الأمر مشترك والذنب كله ذنب الشيطان وهذا شأن الكريم يتناسى الإساءة ويذكر الإحسان ويتغاضى عن الزلة ويحفظ الجميل إن الله لطيف في التدبير يوقع المقدور بأيسر الأمور إذا شاء أمضى القضاء على الأولياء وجعل رحمتهم في الابتلاء وهو عليم بمصالح العباد حكيم في قضائه وشرعه وخلقه وصنعه.
101. رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ: ثم قال يوسف يدعو ربه يا رب قد أعطيتني من العلم النافع مع فهم الحجة والفصل في الحكم يا بديع السموات والأرض أنت الذي تتولى أحوالي وتسمع أقوالي وترى أعمالي أسألك أن تتوفاني على الإسلام وتلحقني بالصالحين الأولياء من المرسلين والأنبياء والعلماء والشهداء والأصفياء.
102. ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ: هذا الذي أنزلناه إليك يا محمد هو من أخبار الغيب لا يؤخذ إلا عن طريق الوحي وما كنت أنت حاضرا مع إخوة يوسف حين دبروا له المكيدة لإلقائه في البئر واحتالوا عليه وكادوا له كيدا عظيما فأنت غائب عن هذه القصة، ولكن أخبرناك بها، وهذا يدل على نبوتك وأن ما يأتيك وحي من عند له فلماذا يشك شاك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بعد هذه الشواهد؟
103. وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ: وما أكثر الكفار بمصدقيك أيها النبي المختار مع وضوح دليلك وصحة نبوتك فمهما حرصت على إيمانهم فلن يؤمنوا فلا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون.
104. وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ: وأنت يا محمد لا تطلب من قومك أجرة على دعوتك لهم إلى الهداية فالذي أنزله الله عليك إنما هو لهداية البشر جميعا لا لطلب ثواب منهم أو مصالح فالله هو الغني الحميد وإنما الواجب على الناس الامتثال وحسن الاتباع والمسارعة في الاستجابة.
105. وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ: وكم من علامة واضحة ودليل قاطع على وحدانية الله وعظمته يراها الناس ويشاهدوها ثم لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها ولا تزيدهم إيمانا ففي كل شيء لله آية على حكيم صنعه وحسن إبداعه وعظيم قدرته جل في علاه ولكن المعاصي تمنع القلب من الجولان في فضاء التوحيد.
106. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ: وما يقر الكفار ولا يعترفون بأن الله خالقهم ورازقهم ومستحق للعبادة إلا ويشركون بعبادة الأصنام والأوثان، فهم يعترفون بالربوبية وينكرون الألوهية، فأثبتوا لله الخلق، ونفوا عنه توحيده بالعبادة!!
107. أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: هل عند المشركين أمان من الله بعدم إنزال عذاب عام مباغت عليهم، أو تأتيهم القيامة فجأة فهم بين أخذ مقدم في الدنيا بعقاب أو موت وبعده حساب وعذاب وهم في غفلة عما يراد بهم لا يشعرون ولا يحسون ومال لرجح بميت إيلام.
108. قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: قل أيها النبي للناس: هذا منهجي وهذه طريقتي أدعو إلى عبادة الله وحده وإخلاص الطاعة له وإفراده بالوحدانية على علم متين وهداية ويقين وحجة قاطعة ودليل ساطع أنا ومن سار على طريقتي واقتدى بي مع تنزيه الله عن الشركاء والأنداد وتقديسه مما لا يليق به ولا أشرك مع الله غيره ولا ألحد في أسمائه وصفاته فمعالم دعوته صلى الله عليه وسلم ودعوة من اتبعه إخلاص العبادة لله والبدء بتوحيده وتنزيهه عن الشرك وكل ما لا يليق به، وطلب العلم والعمل وتعليمه والصبر على أذى الناس فهذه الدعوة أربع مراتب علم وعمل وتعليم وصبر وهي الربانية لمن أرادها ومن حققها فقد نال أشرف المراتب وأعظم المنازل بعد النبوة.
109. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ: وما أرسلنا من قبلك أيها الرسول إلى البشر إلا رجالا منهم ليكونوا أعلم بهم من غيرهم ينزل الله عليهم الوحي وهم من أهل الحاضرة الأتم خلقا والأرجح عقولا والأعرف بما يصلح للناس فأخرجت الآية من الرسل الملائكة والجن والنساء وأهل البادية فإذا أرسل الله الرسل صدقهم قوم فنجوا وكذبهم آخرون فهلكوا أفلم يمش الكار في الأرض فيبصروا عاقبة من كذب رسل الله كيف دمرهم وأوقع الهلاك بهم وثواب الآخرة للمتقين في الجنة أفضل من الدنيا بما فيها من متاع ومال وجاه وقوة وزينة وهذا الثواب لمن اتقى ربه وعمل بشرعه وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم فلماذا لا يعتبر معتبر ويتفكر متفكر في مصير الناجين والهالكين فيحذر.
110. حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ: ولا تعجل أيها الرسول بسؤال الهلاك على من كذبك فإن الرسل قبلك صبروا وكان يتأخر عنهم النصر لحكمة أرادها الله حتى إذا يأس الرسل من تصديق قومهم وأيقنوا أن قومهم قد كذبوهم ولا رجاء في صلاحهم ولا أمل في إيمانهم جاء الرسل نصل الله عنده شدة الكرب فنجى الله من شاء ممن آمن بالرسل واتبعهم ووقع بأسه الشديد وعذابه الأكيد بالعتاة المردة والمجرمين الفجرة، وفي الآية تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وحسن الظن بالله ولو تأخر نصره، فإن ما عنده قريب وإن الفرج يحصل عند اليأس.
111. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: لقد كان في أخبار المرسلين وأنباء الأنبياء التي ذكرها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عظة عظيمة لأهل العقول السليمة، ودروس كريمة لأرباب الفطر القويمة، وليس القرآن كلاما مكذوبا مختلقا ملفقا ولكنه خبر صحيح ووحي صريح منزل من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مصدق لما سبقه من الكتب السماوية، وفيه تبيان ما يحتاج إليه البشر من عقائد وأحكام وعلم الحلال والحرام وآداب وأخلاق ففيه الخبر الصادق والحكم العادل والآية المحكمة والخلق الفاضل والأدب الجم والموعظة الحسنة والقصة الجميلة وفيه إرشاد من الغير وتحذير من الضلال ورحمة لأهل الهدى يهتدون بها ويسعدون بها في الدنيا والآخرة وكل من آمن بهذا القرآن نال من خيره وبركته وهداه ونوره ورحمته بحسب إيمانه واحتفائه وعنايته وإقباله على القرآن.
سورة الرعد
1. الـمر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ: الحروف المقطعة في أول السور نكل علمها إلى علام الغيوب وفيها إشارة إلى إعجاز القرآن والتحدي به وهذه آيات القرآن شريفة القدر عالية المنزلة عظيمة النفع وهو القرآن المنزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو الحق الثابت لا كمال قال الكفار إنه سحر أو شعر أو كهانة ومع صدق القرآن وثبوت نزوله فأكثر الناس لا يصدون به ولا يهتدون بهداه ولا ينتفعون به.
2. اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ: الله وحده الذي رفع السموات السبع الشداد بقوته وقدرته وحكمته من غير عمد كما يراها الناس فهي بناء عظيم هائل وسقف مرتفع يمسكها الله دون أن تعتمد على أعمدة وبعدما بناها سبحانه استوى على عرشه استواء يليق بجلاله وذلل بقدرته الشمس والقمر لينتفع البشر من الإضاءة والنور واختلاف الليل والنهار والفصول وإنضاج الثمار ومعرفة الحساب والسنين كل منهما يدور في مجراه إلى يوم القيامة بحساب دقيق يصرف الله أمور الدنيا والآخرة فكل شأن يجري في الكون بمشيئته وإذنه جل في علاه يبين الله سبحانه الأدلة على وحدانيته والشواهد على قدرته سواء من الآيات الكونية أو الشرعية الدالة على أنه الله الذي لا إله إلا هو وله رب سواه ولا معبود بحق غيره فعسى أن تصدقوا بوعده ووعيده وتؤمنوا بلقائه فتعبدوه وتشكروا له وتطيعوا أمره وتجتنبوا نهيه.
3. وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: وهو وحده سبحانه الذي وسع الأرض وبسطها وجعلها مهادا للعباد وفراشا للمعاش وصير فيها جبالا شواهق تمسكها وتمنعها من الاضطراب وتصير فيها أنهارا تشربون وتنتفعون منها وتكون حياة وجمالا لها وصير فيها من أنواع الثمار ومختلف الأشجار وسائر الأزهار ما يبهج العين ويسر النفس ويخلب اللب فسبحان من خلق فأبدع وأحسن فيما صنع وفصل فيما شرع وصير الليل يغطي النهار بظلمته ففي هذه المخلوقات آيات ودلالات لمن يفقه العظات وتنفع فيه البراهين والمعجزات فيؤمن ويصدق.
4. وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: وفي الأرض قطع ومساحات يجاور بعضها بعضا منها الخصب والجدب والطيب والسبخ النكد ومنها الصخرية والترابية بألوان شتى وأشكال مختلفة وفي الأرض الرخاء الطيبة الخصبة حدائق من أعناب دانية القطاف وزروع بمختلف الثمار ونخيل باسقات لها طلع نضيد تجتمع في مكان واحد وفي تربة واحدة وتشرب من ماء واحد ولكنها تختلف ثمارها في طعمها ولونها وحجمها من حلو وحامض وأبيض وأسود وأحمد وأخضر إلى غير ذلك من اختلاف المذاقات وتعدد المعومات وفي هذا دلائل واضحة وآيات بينة على قدرة القدير وحكمة اللطيف الخبير وإبداع العلي الكبير لمن كان له قلب يعقل فيهتدي لطاعة ربه والإيمان به.
5. وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: وإن كنت تعجب أيها الرسول من عدم إيمان الكفار برسالتك مع ظهور الأدلة على صدق ذلك فأعجب من ذلك قول الكفار هل إذا متنا وأصبحنا ترابا نعود إلى الحياة من جديد؟ استبعادا منهم واستنكارا هؤلاء المكذبون الكفرة هم الجاحدون لأدلة الربوبية وبراهين الألوهية فجزاؤهم أن تكون السلاسل من النار في أعناقهم يوم العرض على ربهم وهم ماكثون في النار خالدين فيها، لا يخفف عنهم العذاب ولا يخرجون من دار العقاب لا يموتون فيرتاحون ولا يحيون فيتنعمون بل عذاب دائم وعقاب مستمر.
6. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ: يتعجل المكذبون العذاب قبل الإيمان الذي معه الأمان فهم يريدون تقديم العقوبة قبل استجابتهم للرسالة وهم لو اعتبروا بمن قبلهم ممن عذبهم الله لتكذيبهم لآمنوا وصدقوا وإن ربك أيها النبي لكثير الغفران لمن تاب وأناب من خطاياه من البشر مع كثرة ظلمهم وفجورهم فهو رحيم لا يعاجلهم بالعقوبة وهم يصدون عن التوبة والإنابة والله شديد العقاب لكل من أصر على ذنبه واستكبر عن الإيمان وكفر بالرحمن.
7. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ: ويقول الكفار للنبي لماذا لم يأت بمعجزة ظاهرة محسوسة كعصا موسى وناقة صالح ونحوها وهذا ليس بيد الرسول صلى الله عليه وسلم إنما ذلك لله وحده ومهمة الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين والتحذير الشديد من عذاب الله ولابد لكل أمة من رسول يرشدهم إلى الإيمان بالله وهجر الشرك به.
8. اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ: الله يعلم ما تحمله كل أنثى في بطنها، أذكر هو أم أنثى؟ وهو وحده الذي يعلم أشقي هو أم سعيد؟ ويعلم ما تنقصه الأرحام فيسقط بالإجهاض أو يولد قبل تسعة أشهر ويعلم ما يزيد حمله على التسعة وكل شىء يقدره الله بمقدار من الزيادة والنقصان لا يتعداه فكل مدة محسوبة بقضاء سابق.
9. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ: الله عالم بما غاب عن الأبصار وما تشاهده محيط بما يراه الناس ومالا يرونه مطلع على السر والعلن الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته عظيم قدره قوي قهره حكيم في نهييه وأمره العالي على جميع مخلوقاته بذاته وقدرته وقهره.
10. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ: فالغيب عنده قبل العيان، والسر عنده كالجهر والخافي لديه كالظاهر وسع كل شىء رحمة وعلما.
11. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ: لله تعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من أمامه ومن خلفه يحفظونه بأمر الله ويحصون عمله من حسن وسيء إن الله لا يبدل نعمة وهبها لقوم حتى يبدلوا طاعته بمعصيته فيبدل السراء إلى ضراء والنعماء إلى بلاء وإذا أراد الله بطائفة بلاء أو فتنة فلا راد له ولا مفر من قضائه وليس لهم وال يتولى أمرهم فيجلب لهم المحبوب ويدفع عنهم المكروه بل الله وحده يتولى أمور العباد.
12. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ: وهو سبحانه الذي يريكم من قدرته البرق والنور اللامع بين الغمام فتخافون من الصواعق أن تهلككم وتطمعون في الغيث وهو الذي يحمل الغمام بالماء الذي ينزل عليكم بالبركات ويكون سببا لخيرات فكما تخافون الصواعق وتطمعون في الغيث فخافوا وعيده بالعذاب، واطمعوا في وعده بالثواب، بعمل الصالحات وهجر المنكرات.
13. وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ: والرعد يسبح بحمد الله تسبيحا بخضوع وانقياد فسبحان من ينزهه حتى الرعد من العيوب ويثنى عليه بالمحامد والملائكة تسبح الله وتقدسه وتثني عليه وتشكره خوفا من سطوته وهيبته وعظمته والله وحدة الذي يرسل الصواعق المحرقة تسحق وتمحق وتمزق من يشاء من خلقه ومع هذه الآيات الباهرات تجد الكفار يجادلون بالباطل في صفات الله وآياته ورسالاته ويشكون في قدرته ويخاصمون رسله والله شديد الحول والقوة والبطش بأعدائه قوي الأخذ لهم.
14. لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ: له سبحانه وحده الدعوة الصادقة إلى توحيده وإخلاص العبادة له وإفراده بالطاعة وهي دعوة الرسل إلى لا إله إلا الله فلا معبود بحق سواه ولا إله غيره وأما ما سواه من الأوثان والأصنام فلا تجيب دعوة أحد ولا تشعر بأحد ولا تفرج كرب مكروب ومثلهم مثل العطشان المشرف على الهلاك الذي يمد يده إلى الماء من بعيد: ليصل إلى فمه الماء فلا يصل فعباد الأصنام محرومون منفعها كحرمان العطشان نفع الماء البعيد وما طلب الكفار من أصنامهم إلا في غاية من البعد عن الصواب وضلال عن الهدى؛ لأن المشرك أعمى القلب مطموس الفطرة.
15. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ: ولله وحده ينقاد ويخضع ويذعن كل مخلوق في السموات والأرض فالمؤمن يخضع له حبا وطواعية والكافر يخضع رغما عنه وقهرا له فهو معرض عن طاعته وفطرته تدعوه لعبادته وتنقاد لعظمته وتخضع لجبروته ظلال المخلوقات فتتحرك بإرادته أول النهار وآخره فسبحان من قهر كبرياؤه أعداءه وهدى لمحبته أولياءه.
16. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ: قل أيها النبي للكفار من الذي خلق السموات والأرض ودبر أمرهما وتكفل برزق من فيهما؟ قل: هو الله وحده الخالق الرازق المدبر، وأنتم تعترفون بهذا فلماذا تعبدون غيره وتشركون به سواه مع العلم أنهم لا ينفعون أنفسهم يجلب الخير لها، ولا يدفعون عنها الضر فكيف ترجون منهم جلب خير لكم أو دفع شر عنكم قل هل يستوي الأعمى الذي هو كالكافر والبصير الذي هو كالمؤمن؟ أم هل تستوي عندكم الظلمات وهي الكفر والنور وهو الإيمان؟ فلا سواء فالبصير أفضل وأكمل من الأعمى وكذلك المؤمن بالنسبة إلى الكافر والنور أهدى وأحسن من الظلمات وكذلك الإيمان بالنسبة إلى الكفر، أم إن هؤلاء الأنداد والأضداد الذين عبدهم المشركون من دون الله خلقوا مخلوقات فتشابهت في صورتها وصفاتها بمخلوقات الله فاعتقد الكفار أنها تستحق العبادة فعبدوها وهذا ليس موجودا فآلهتهم المزعومة لم تخلق شيئا فهي مخلوقة، فكيف تكون خالقة؟!
17. أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ: ومثل الحق الذي هو الإيمان والباطل الذي هو الكفر مثل ماء أنزله الله من السماء فجرت به الأودية على حسب اتساعها وضيقها فمنه ماء عذب صاف نافع للبلاد والعباد ومنه غثاء عال لا نفع فيه ولا فائدة وضرب الله مثلا آخ وهي المعادن التي يوقد عليها الناس في النار للزينة كالذهب والفضة أو للمنافع كالنحاس فيخرج منه خبث لا نفع فيه ولا فائدة فالنافع المفيد هو مثل الحق وما لا فائدة فيه ولا نفع هو الباطل فتجد الباطل كغثاء الماء يذهب سدى وكذلك خبث المعادن وأما الحق فتجده كالعذب الزلال الصافي من الماء وكذلك ما يبقى في الأرض من المعادن الغالية النفيسة ومثلما بين الله هذا المثل يضرب الله الأمثال للناس ليتضح الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلال فضرب الأمثال للفهم أدعى لظهور المعنى وأثبت في القلب، وهو من الحكمة في التعليم.
18. لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ: لمن أطاع الله واتبع رسوله وعمل بما يرضيه واجتنب ما يسخطه جنات النعيم مع الفوز العظيم والمقام الكريم والذين لم يؤمنوا بالله ولم يتبعوا رسوله ويهتدوا بهداه لهم نار جهم ولو كانت الدنيا لهم بما فيها من غال ونفيس وضعف ذلك لدفعوه فداء لأنفسهم من العذاب أولئك لهم سوء الجزاء على ما قدموا من كفر وتكذيب ومقامهم في نار جهنم وبئس الفراش الذي مهدوه لأنفسهم فهم بقبح ما فعلوا هيؤوا لهم أقبح مقام وأشد نكال في السلاسل والأغلال والهوان والأهوال.
19. أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ: هل الذي يعلم ويتيقن ويصدق بما أنزل الله عليك أيها النبي من الوحي كالأعمى الذي كذب برسالتك وعصى أمرك؟ إنما ينتفع بالموعظة أهل العقول الراجحة والفطر السليمة فهم أسرع الناس استجابة وأعظمهم تصديقا للحق.
20. الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ: هؤلاء المؤمنون بما عاهدا الله عليه من القيام بحقوقه وحقوق خلقه خير قيام ولا ينكثون العهود الملزمة المؤكدة بالغدر والاحتيال بل يؤدونها بأمانة ويدخل في ذلك العبادات والمعاملات وسائر أنواع الطاعات والعقود والعهود والأيمان والنذور.
21. وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ: وهم أهل صلة لمن أمرهم الله بصلته من بر والدين وصلة رحم وكفالة يتيم وإعانة فقير وإعطاء بائس ويحذرون عذا ربهم ويخشون عقابه بعمل ما يرضيه واجتناب ما يكرهه ويخافون الوقوف عند ربهم يوم الحساب حذرا من مناقشتهم فيما فعلوا وعدم غفران ما اقترفوا وإحباط ما عملوا فهم على حذر وإشفاق.
22. وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ: وهم صابرون على أداء المأمور واجتناب المحذور والمر من المقدور يطلبون ما عند الله من أجور مع أداء الصلاة على أكمل وجه فهي قرينة الصبر ومدده ومعينه والناهية عن الفحشاء والمواسية على مر القضاء وتصدقوا من أموالهم في الزكاة المفروضة والنفقات المستحبة في حال الخفاء والعلن وإذا أساؤوا أحسنوا فإذا بدرت منهم خطيئة أعقبوها بطاعة ويدفعون إساءة الناس بالإحسان إليهم هؤلاء لهم المصير المحمود عند الله والعاقبة الحسنة من الثواب الكريم والفوز العظيم.
23. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ: فمصيرهم إلى جنات دائمة فهم خالدون فيها أبدا في قرة عين وراحة بال وحسن حال وخير مآل ومعهم لزيادة الأنس من آمن من الآباء والأزواج والذريات بنين وبنات ولزيادة الحبور وإدخال السرور تدخل عليهم الملائكة من كل باب تحييهم بأجمل التحايا وأجل التهاني على ما حصلوا عليه من فوز وما نالوه من رضا ونعيم فهنيئا لهم وجعلنا الله منهم.
24. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ: تقول الملائكة سلمكم الله من كل سوء وأنالكم كل خير وحماكم من كل مكروه لأنكم صبرتم على الطاعة وعن المعصية فنعم العاقبة عاقبتكم وهنيئا لكم هذا المصير الكريم والفلاح العظيم.
25. وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ: أما أعداء الله المكذبون به وبرسله عليهم السلام فهم لا يوفون بأي عهد بينهم وبين ربهم ولا بينهم وبين الناس فهم يغدرون بعد الالتزام بالعقود وينكثون العهود وهم يقطعون كل حق أمر الله بصلته من الوالدين والأرحام وسائر أهل الحقوق بما فيهم الفقراء والمساكين والأيتام ويعملون المعاصي والفواحش وأنواع الظلم التي فيها فساد الأرض وخراب الدنيا أولئك مطرودون من رحمة الله محرومون من جنته ولهم مقام الذل والهوان مع الهلاك والخسران وغضب الرحمن في النيران.
26. اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ: الله وحده يوسع الرزق ويكثره ويبارك فيه لمن أراد من عباده ويقلله ويضيقه على من شاء من خلقه لحكم عظيمة يعلمها سبحانه وفرح الكفار بمتاع هذه الدار دار الفتنة والاغترار وما نسبة الدنيا إلى نعيم الآخرة إلا شىء حقير ووقت يسير ومتاع منقطع قصير يزول ويحول كلمحة الطرف فما أقل المقام في دار الأسقام.
27. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ: ويقول الكفار مكابرة منهم هل أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم معجزة محسوسة ملموسة كمعجزة موسى في العصا واليد وعيسى في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقل لهم إن الله يضل من يشاء من المتكبرين المعاندين عن الإيمان ولا يهديهم ولا تنفعهم المعجزات فلو حصل ما طلبتم لكذبتم واستكبرتم والله يهدي إلى الإيمان به من عاد إلى الهدى وطلب الحق وحرص على رضوان ربه.
28. الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ: والله يهدي الذين تسكن قلوبهم بذكره فتطمئن وتهدأ وترتاح فبذكره جل في علاه من عمل طاعة أو ذكر قولي أو قلبي أو تذكر وعده ووعيده تسكن القلوب وتستأنس فيزيل الله عنها كل كدر ونكد وهم وغم وحزن وقلق ويبدلها بسرور ونور وحبور وفرح وبهجة فأسعد الناس من داوم على ذكر الله فهو السابق المحظوظ والفائز الموفق طابت حياته وحفظت أوقاته وتعاظمت حسناته وكفرت سيئاته.
29. الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ: المصدقون بالله ورسوله والعاملون بما شرع لهم قرة العين وراحة البال مع الفوز العظيم والنعيم المقيم في جنات الخلد مع عفو الله ورضوانه وكرمه وامتنانه؛ فهم في حياة طيبة في دنياهم، وفي حياة رضية في أخراهم.
30. كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ: لما أسل الله الرسل إلى أقوامهم بتوحيد الله وعبادته وحده أرسلناك أيها النبي إلى قوم قد سبقهم أقوام من قبلهم لتتلوا على أمتك القرآن وتفقههم في العلم النافع ولكن هؤلاء القوم يجحدون بوحدانية الرحمن ويشركون معه غيره فقل لهم أيها النبي إن الرحمن الذي يكفر به عبدة الأوثان هو ربي وحده لا شريك له في ألوهيته وعبوديته ولا يستحق العبادة سواه فعليه أعتمد وأفوض أمري وأرفع سؤالي وإليه أعود بالتوبة والإنابة فيغفر ذنبي ويتجاوز عن سيئاتي ويمحو زللي فأول الطريق توكل وآخره توبة.
31. وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ: بخبر الله عن المكذبين لرسوله صلى الله عليه وسلم والذين يطلبون آيات محسوسة مشاهدة بأنه لو كان هناك قرآن يقرأ فتزول من تأثيره وإعجازه الجبال عن أماكنها أو تشقق منه الأرض وتفجر بالمياه أو يحي به الموتى فيكلمون به لكان المتصف بهذه الأوصاف هو القرآن الذي أنزل عليك دون سواه ومع هذا لم يؤمنوا به ولم يذعنوا له فكيف يطلبون معجزة سواه وهو أعظم معجزة؟! أفلم يعلم ويتيقن المؤمنون أن الله لو يشاء لآمن أهل الأرض كلهم من غير معجزة لأن هداية الخلق لا تتوقف على مجرد المعجزة ولا تزال المصائب تنزل بالكفار من القتل والأسر والمحن والزلازل أو تنزل تلك المصائب قريبا من دارهم حتى يتم النصر لرسوله صلى الله عليه وسلم وأتباعه على أعدائه وهو وعد من الله أكيد والله لا يخلف وعده.
32. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ: وإن كان سخر منك الكفار أيها النبي المختار فقد سخرت أقوام من رسلهم قبل قومك فلست الأولى في هذا الطريق فتعز وتأس بمن قبلك ولقد أمهل الكفار ثم أخذهم بالعقاب الشديد فذاقوا سوء فعلهم وعاقبة تكذيبهم.
33. أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّـذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ: أفمن هو قائم بحفظ ومراقبة ومحاسبة كل نفس مخلوقة أحق أن يعبد وحده ويوحد بالطاعة، أم هذه الأوثان العاجزة والأصنام الجامدة التي لا تنفع ولا تضر وصير الكفار من جهلهم للواحد القهار شركاء والله هو الذي خلقهم وما يعبدون من دونه قل لهم أيها النبي اذكروا أسماء هذه الآلهة وصفاتها ولن يجدوا عندها ما يجعلها تستحق العبادة من دون الله أم أنتم من جهلكم تخبرون ربكم بشركاء هو خلقهم في أرضه لا يعلمهم؟ أم تسمونهم شركاء بظاهر من اللفظ بلا معنى ولا حقيقة؟ بل لبس إبليس على الكفار باطلهم وحسن لهم قبيح فعلهم ومنعهم من الهداية بخداعه ومكره ومن لم يرشده الله إلى الإيمان فليس له مرشد غير الله ومن لم يوفقه للهدى لمصيره للردى.
34. لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ: للكفار الأشرار عذاب في هذه الدنيا من القتل والأسر والذل والإهانة والخزي ولعذابهم في النار في الآخرة من الانكال والأغلال والأهوال أثقل وأشد وأفظع وليس لهم مانع من عذاب الله ولا شافع عنده ولا مدافع يرد عنهم أو يحميهم فلا مولى ولا نصير ولا شفيع ولا ظهير.
35. مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ: صفة الجنة التي وعد بها أولياءه الذين يتقونه ويتبعون رسوله صلى الله عليه وسلم أنها جنة تجري من تحت دورها وقصورها وأشجارها الأنهار فاجتمع السناء والبهاء والماء مع الحدائق الغناء والبساتين الفيحاء ثمرها دائم؟! داني القطاف لذيذ الطعم ظلها لا يزول ولا يحول وهذا مقام ومآب من خاف مولاه واهتدى بهداه وأما مصير الأشرار الفجار فالنار وغضب الجبار فيا بعد ما بين المصيرين.
36. وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلُ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ: والمؤمنون من أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام من اليهود والنجاشي من النصارى يستبشرون بالوحي المنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه يصدق ما عندهم من كتب وأما من تحزب وتعصب ضد الحق الذي أرسل به رسولنا صلى الله عليه وسلم كالسيد والعاقب أسقفي نجران وكعب بن الأشرف من اليهود، فهم يكذبون ببعض القرآن فأخبرهم أيها النبي أن الله أمرك أن تعبده وحده لا شريك له مخلصا له الطاعة: لأن المرجع والمآب إليه والثواب والعقاب عليه.
37. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ: ومثلما أنزل الله الكتب على الرسل بلسان أقوامهم أنزل الله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بلغة العرب أفصح اللغات؛ ليحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه من الأئمة بين الأمة وعلى فرض أن النبي صلى الله عليه وسلم وحاشاه اتبع أهواء المشركين في عبادة غير رب العالمين أو في الحكم بغير ما أنزل الله في كتابه المبين فليس له ناصر من دون الله يدفع عنه العذاب ولا من يحميه من العقاب فكيف بغيره إذا عبد سوى الله أو حكم بغير شرع الله؟
38. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ: وإذا قال الأعداء من الكفار والمنافقين البغضاء: إن محمدا يتزوج النساء فالرسل الذين قبله كانوا يتزوجون وينجبون فهذه سنة الله في أنبيائه وإذا قال الكفار لو كان محمد صلى الله عليه وسلم رسولا من عند الله لجاءنا بما طلبناه من المعجزات فلا يستطيع رسول من عند الله أن يأتي بما طلبه قومه من معجزات إلا إذا أراد الله لكل أمر قدره الله كتاب وأجل فالكتاب فيه العلم والقضاء والأجل وقت حصوله إذا أراد الله وشاء.
39. يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ: والله يمحو ما أراد من الأحكام نسخا: لحكم علمها سبحانه ويبقي ما أراد من الأحكام فلا ينسخها ويمحوا السيئات بالحسنات وأما اللوح المحفوظ الذي فيه الرزق والأجل والسعادة والشقاوة فثابت لا محي باق لا ينسخ.
40. وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ: وإذا أريناك أيها النبي بعض ما توعدنا به الكفار من الخزي والذل والصغار في هذه الدار، فهذا المعجل لهم وإن مت قبل أن تشاهد ذلك فليس عليك إلا إبلاغ الرسالة والدعوة والله عليه حسابهم وعنده عقابهم.
41. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: أولم يشاهد الكفار أن الله ينقص الأرض من أطرافها بفتح المسلمين بلاد المشركين أو بزيادة الماء على اليابس إيذانا بقيام الساعة والله وحده يحكم بالعدل ويقضي بالفصل لا معقب لحكمه فينتقض ولا راد لقضائه فيمنع وهو سريع الحساب يحاسب البشر الكثير في الوقت القصير فحسابه سريع فلا يستعجل فكل ما هو آت قريب.
42. وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ: ولقد كادت الأمم السابقة رسلهم مثلما كاد الكفار محمدا صلى الله عليه وسلم فالله وحده صاحب المكر العظيم والكيد الكبير يبطل مكر كل ماكر ويحبط كيد كل كائد والله وحده يعلم ما تفعله كل نفس من خير أو شر ومن حسن وسيئ فيثيب ويعاقب وسوف يعلم الكفار إذا قدموا على الملك الجبار لمن تكون العاقبة المحمودة والخاتمة الحسنة إذ إنها بلا شك للمؤمنين أتباع المرسلين والدائرة على المكذبين أعداء رب العالمين.
43. وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ: ويقول الكفار للنبي المختار لست مرسلا من الواحد القهار فأخبرهم أيها الرسول أن الله يشهد على صدق رسالتك وصحة دعوتك وكفى به شهيدا ويشهد برسالتك أيضا من آمن بك من اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل فنطق بشهادة الحق ولم يكتمها كما فعل المكذبون من أهل الكتاب.
سورة إِبراهيم
1. الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ: الحروف المقطعة الله وحده أعلم بمراده بها وفيها إشارة إلى إعجاز القرآن والتحدي به. وهذا القرآن كتاب أوحاه الله إلى رسوله ليخرج به من استجاب له من ظلمات الكفر والجهل والغي إلى نور الإيمان والهدى بتوفيق الله وإلهامه وتسديده لمن شاء من أوليائه فيدلهم على الطريق المستقيم الذي دعا الله إليه الغالب على أمره القاهر على خلقه العزيز في ملكه الذي عز فغلب سواه وقهر فأذل من عاداه.
2. اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ: الله وحده الذي له ما في السموات والأرض خلقا ورزقا وتدبيرا وتصريفا، فكما أنه لا شريك له في الخلق فكذلك يجب أن لا يشرك به شىء في العبادة، بل يعبد وحده لا إله إلا هو، ودمار وهلاك وسخط وغضب على من جحد بآياته وكذب رسالاته يوم العرض الكبير من عذاب أليم وهوان مقيم في الجحيم.
3. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ: هؤلاء الكفار يؤثرون الحياة الدنيا ويقدمونها على الآخرة ويحبونها ويعملون لها ويغترون بزينتها وزخرفها وينسون ما أمامهم من الحساب والجزاء ويحولون بين الناس وبين دين الله عزوجل بالإيذاء والتهديد والوعيد ويريدون أن تكون الطريق ملتوية معوجة وفق أهوائهم أولئك في بعد الحق كبير وفي غي وسفه لأنهم اختاروا الضلال على الهدى.
4. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الَعَزِيزُ الْحَكِيمُ: وما بعث الله من رسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم إلا بلغة قومه؛ ليفهموا عنه ولتكون شريعته واضحة ميسرة سهلة وبعد إقامة الحجة عليهم يضل الله من أراد عن الهدى ويهدي من أراد إلى الحق وهو العزيز الذي غلب أمره وارتفع قدره وظهر قهره الحكيم فيما خلق وأبدع وصور وصنع وحكم وشرع.
5. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: ولقد أرسل الله موسى إلى بني إسرائيل بالآيات البينات والمعجزات الباهرات كالعصا واليد وأمره ربه أن يدعو الناس فيخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ويذكرهم بنعم الله عليهم يوم أنجاهم من فرعون وأعطاهم المن والسلوى وفجر لهم الحجر وغير ذلك ويذكرهم بأيام النقم كمسخ بعضهم والتنكيل ببعضهم إن في هذه الذكرى مواعظ بليغة وعبرا عظيمة لمن صبر على البلاد والضراء وشكر على السراء والرخاء لأن من هذا وصفه فهو العابد الصادق حقا الذي حقق مراتب العبودية من صبر وشكر فاستحق الولاية وانتفع بالحكمة وحاز الفوز وأدرك الفلاح.
6. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ: واذكر أيها النبي خبر موسى صلى الله عليه وسلم يوم قال لقومه بني إسرائيل يا قومي تذكروا نعمة الله بالشكر يوم أنجاكم من فرعون وجنوده وكانوا يذيقونكم أشد العذاب من قتل واستعباد وظلم فهم يذبحون الذكور من أبنائكم خوفا منهم إذا كبروا ويتركون الإناث للخدمة وفي الابتلاء والإنجلاء اختبار لكم بالضراء والسراء ليرى الله صبركم وشكركم.
7. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ: وقال موسى لقومه لقد كتب الله وقضى وأمضى لئن شكرتموه على نعمة بطاعته وترك معاصيه ليزيدنكم من فضله الواسع ومن كرمه العميم فما استجلبت النعمة ودامت إلا بالشكر ولئن جحدتم نعمة الله وتركتم طاعته وارتكبتم معاصيه فسوف يعذبكم عذابا شديدا على فعلكم القبيح.
8. وَقَالَ مُوسَـى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ: وقال لهم موسى لو قدر انكم كفرتم بالله أنتم وجميع من في الأرض فلن تضروا الله شيئا فليس الله في حاجة إلى طاعة أحد ولو كانت الخليقة كلها على أفرج قلب رجل ما نقص ذلك في ملكه شيئا فهو غني عن كل أحد لأنه فرد صمد وهو مستحق للحمد والثناء محمود في الأرض والسماء غني عن الخلق محمود بصفات الحق غني عمن تولى يحمد من أقبل إليه.
9. أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ: أما جاءكم يا أمة محمد خبر من قبلكم من الأمم قوم نوح وقوم هود وقوم صالح والذين جاؤوا من بعدهم لا يحصي عددهم ولا يعلم كثرتهم إلا الله وحده جاء الرسل هؤلاء الأقوام بالأدلة الساطعة والبراهين القاطعة على صدقهم فعضوا أيديهم غيظا وحدقا وتجبرا عن قبول الحق، وقال من كفر منهم لرسلهم إنا نكذبكم فيما جئتم به من توحيد الله والإيمان به ونحن نشك في صدقكم ونتهمكم فيما تعدون إليه ونرتاب في صحة نبوتكم.
10. قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ: فرد الرسل على المكذبين لهم بقولهم أفي وحدانية الله شك وألوهيته عزوجل وهو الذي خلق السموات والأرض وأبدع ما فيهما من خلق على غير مثال سابق وهو يدعوكم إلى توحيده وطاعة رسله ليغفر لكم ذنوبكم ويمتعكم في حياتكم متاعا حسنا إلى الأجل المقدر لكم فلا يعاقبكم في الدنيا بل لكم السلامة والأمان بالإسلام والإيمان فقالوا لرسلهم أنتم بشر مثلنا صفاتكم كصفاتنا ليست لكم ميزة علينا تجعلكم أهلا للرسالة فلماذا تفضلون علينا بلا سبب وأنتم تريدون منعنا من عبادة ما ان يعبد الآباء والأجداد من الأنداد والأضداد فتعالوا بحجة واضحة ودليل ظاهر على صدق دعوتكم وصحة رسالتكم؟
11. قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: فأجاب الرسل أقوامهم على قولهم: "إنكم بشر مثلنا بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم كما قلتم، ولكن الله فضلنا بالرسالة وميزنا بالنبوة كرما منه وفلا وأما ما سألتم من البراهين والمعجزات فنحن عباد مأمورون لا نستطيع أن نأتي بها إلا بإذن الله ومشيئته وعلى الله وحده يعتمد المؤمنون فينصرهم على أعدائهم ويتولاهم في كل أمورهم.
12. وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ: وكيف لا نعتمد على الله ونفوض الأمر إليه وهو وحده الذي بصرنا بالحق وأرشدنا إلى الهدى ودلنا على طريق النجاة وسوف نصبر على أذاكم لنأ من قبيح الكلام وسوء الفعال، وعلى الله وحده يعتمد المؤمنون فيكونون أقوياء بالله أعزاء بدينه منصورين بتأييده.
13. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ: وألح الكفار في إيذاء الأنبياء الأبرار وتوعدوهم وهددوهم وقالوا لهم لنطردنكم من أوطاننا أو لترجعن إلى ديننا وتتركون دينكم فأوحى الله إلى الرسل بأنه سوف يهلك الكفار ويمحق الأشرار بالعذاب والدمار.
14. وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ: ولنمكنن لأوليائنا في الأرض بعد إهلاك أعدائنا فتكون العاقبة الحميدة لمن اتقى الله واهتدى بهداه، وهذا النصر والتمكين لمن خاف الوقوف يوم العرض على الله وخشي الوعيد بالعذاب، فعمل صالحا فالعز والمجد والتوفيق كله في طاعة الله عزوجل.
15. وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: واستغاث الأنبياء بربهم وسألوه أن يفتح ويحكم بينهم وبين الكفار بنصر منه لأوليائه على أعدائه، فأجابهم ربهم فأيدهم ونصرهم ومحق عدوهم وأذل كل متكبر لا يقبل الحق ولا يذعن له، معاندا للدليل لا يقر لربه بالتوحيد ولا لأنبيائه بالرسالة فهو جبار في نفسه بالفخر والعلو عنيد لما يعرض عليه من حق وصدق يجادل بالباطل ويدافع بالكذب.
16. مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ: من وراء هذا الجبار العنيد نار جهنم يصلى حرها، شرابه فيها من القيح والدم الذي تخرجه أجساد الفجار في النار.
17. يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ: يحاول الكافر أن يبتلع الصديد في النار مرة بعد مرة فلا يبتلعه لنتن القذارة وشدة الحرارة وكثرة المرارة ويأخذه العذاب بأصنافه وأشكاله من كل جارحة من جوارح جسمه، ومع كل عضو وعرق وعصب، ولا يذكره الموت فيستريح، ولا يحيا حياة رضية فيسعد وله العذاب المؤلم الموجع الدائم في نار جهنم.
18. مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ: صفة ما يعمله الكافون في حياتهم الدنيا من صدقة وصلة وبر كصفة الرماد الذي هبت عليه ريح عاصفة شديدة فبعثرته ونثرته وتشتته فلم يبق له أثر كذلك أعمال الكفار يذهبها الكفر والرياء فلا يبقى لها نفع عند الله فقد أذهبها الشرك كما أذهبت الريح الرماد لأن عملهم فاته الإيمان والإخلاص فكل سعي على غير قاعدة من تقوى الله وطاعته هو الضلال البعيد عن الصراط المستقيم فعمل بلا إخلاص كجسد بلا روح.
19. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ: ألم تعلم أيها الإنسان أن الله وحده هو الذي أوجد السموات والأرض وأنشأهما من العدم في صنع بديل يدل على تمام حكمته وكمال صنعه ولم يخلقهما لعبا ولا عبثا بل للدلالة على عظمته ووحدانيته ليعبد وحده لا شريك له وإذا أراد أن يفنيكم أيها الناس فعل ويأتي بقوم غيركم أطوع منكم لله وأعبد لربهم منكم فخلقكم وفناؤكم سهل عليه جل في علاه.
20. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ: وما إماتتكم وهلاككم وتبديلكم بغيركم بأمر عسير على الله بل هو يسير فقدرته نافذة وأمره غالب.
21. وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ: وخرج الناس من قبورهم لملاقاة ربهم يوم العرض الأكبر ليفصل بينهم ويجازيهم قال الأتباع للرؤساء نحن كنا في الدنيا تحت ولايتكم نأتمر بأمركم فهل تنفعوننا اليوم بدفع العذاب عنا كما وعدتمونا في الدنيا؟ فقال الرؤساء لو أن الله وفقنا للهداية لكنا أرشدناكم إلى الطريق المستقيم ولكنه لم يوفقنا سبحانه للحق، فضللنا نحن ثم أضللناكم فلا ينفعنا اليوم نحن وإياكم الصبر لأن العذاب لا يطاق ولا ينفعنا الجزع لأنه لا جدوى منه فلا مهرب من عذاب الله ولا منجي ولا مفر لأنه عذاب لا ينقطع ولا يخفف.
22. وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: وقال الشيطان بعدما فرغ من الحساب فريق في الجنة وفريق في السعير يا أتباعي إن الله قد وعدكم في الدنيا وعدا صادقا من أنه سوف يبعثكم ويحاسبكم ووعدتكم أنا وعدا كاذبا بأنه لا بعث ولا حساب فتم وعد الله وكذب وعدي وما كنت صاحب قوة أقهركم بها على اتباعي وما كان معي دليل واضح على ما دعوتكم إليه ولكن ناديتكم إلى الكفر والغواية فأجبتموني فليس علي لوم اللوم عليكم أنتم لأنكم ابتعتم من لا يملك قوة ولا برهانا على دعوته فالخطأ خطؤكم لن أغيثكم اليوم من العذاب، ولن أنقذكم من العقاب وأنتم لستم مغيثي من غضب الجبار ولا عذاب النار، إني أبرأ من إشراككم مع الله غيره، واتخاذكم إياي شريكا لله تعالى عن ذلك إن الظالمين الذين صرفوا عبادتهم لغير مستحقها وهو الله وحده وتركوا الحق واختاروا الباطل لهم عذاب شديد دائم موجع في نار جهنم.
23. وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ: وحكم الله بين العباد فأدخل الأبرار دار القرار تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدا ما دام الليل والنهار تحييهم الملائكة الأخيار برضا العزيز الغفار فهم في أمن وأمان وروح وريحان ونخل ورمان مع رضا الرحمن وسرور قلوب وراحة أبدان.
24. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ: أما رأيت وعلمت كيف وصف الله كلمة التوحيد لا إله إلا الله؟ كأنها شجرة عظيمة كريمة وهي النخلة أصلها راسخ متمكن في الأرض الطيبة وأعلاها باسق عال مرتفع في السماء فكذلك كلمة التوحيد ثابتة في قلوب المؤمنين قد آتت أكلها من الطاعات وأنواع العبادات في كل وقت وآن كطلع النخلة الهضيم النضيد الحلو مع بقاء خضرتها وكثرة منافعها وجمالها وكمالها.
25. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: تعطي هذه النخلة ثمرها اليانع كل وقت بمشيئة الله وكذلك شجرة الإيمان في القلب تخرج من ثمار الطاعات والخيرات والفضائل والأخلاق ما فيه صلاح للنفس والناس فيحصل لصاحبها من الثواب العظيم والثناء الكريم ما الله به عليم والله يذكر الأمثال للناس تفهيما لهم لتتضح لهم المسائل ويتفقهوا في معاني المثل فيعتبروا ويتعظوا.
26. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ: والله ضرب مثلا كلمة الكفر القبيحة كشجرة الحنظل الخبيثة فطعمها مر ولا نفع لها ولا خير فيها وليست راسخة فجذورها قريبة من سطح الأرض ليس لها أصل ثابت ولا فرع عال وكذلك الكافر لا مبدأ له ثابت ولا خير مأمول ولا نفع منتظر ولا يرفع له عمل صالح ولا تجاب له دعوة.
27. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ: الله يثبت المؤمنين على كلمة الحق وشهادة الصدق لا إله إلا الله محمد رسول الله في الحياة الدنيا وعند سكرات الموت وعند سؤال الملكين في القبر وعند القيام لرب العالمين ولا يوفق الله الكفرة الفجرة لقولها ولا يلهمهم الصواب ولا يهديهم للجواب والله يفعل في خلقه ما يشاء من هداية المؤمنين وإضلال الكافرين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
28. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ: ألم تنظر أيها المسلم الرشيد إلى كفار مكة الذين استعاضوا بالكفر مكان الإيمان بالله وشكره على نعمة الأمن ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم ووجود الحرم بين ظهرانيهم وقد قادوا أتباعهم يوم بدر إلى دار الهلاك والخزي وهي نار جهنم.
29. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ: نار جهنم يقاسون حرها ويصلون نارها ويذوقون عذابها وأقبح بها من مستقر لمن كفر واستكبر.
30. وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ: واتخذ الكفار آلهة يعبدونهم من دون الله ليبعدوا العباد عن طريق الهداية فقل لهم أيها النبي استمتعوا في هذه الدنيا القصيرة الحقيرة الفانية، فإنها سريعة التحول والزوال وسوف ترجعون إلى نار جهنم في أهال وأغلال وأنكال.
31. قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ: قل أيها النبي لعباد الله المؤمنين المصدقين بوعد ربهم: يؤدوا الصلاة على أكمل وجه، ويتصدقوا ببعض ما وهبهم الله في أبواب الخير في حال السر والعلن حسب المصلحة من قبل أن يأتي يوم العرض على الله فذاك اليوم لا ينفع فداء ولا صداقة فلا مال يدفع ولا حبيب يشفع.
32. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ: الله وحده الذي خلق السموات والأرض وأوجدهما من العدم وأنزل الغيث من الغمام فأحيا به من كل زوج بهيج بما في ذلك قوت الناس من حبوب وفواكه وخضروات وذل السفن تسعى في مياه البحار بمنافع الناس من سفر وسياحة وتجارة وجهاد وذلل الأنهار لمصلحة الناس لشربهم وغسلهم ومزارعهم وقيام حياتهم وحياة دوابهم فضلا منه وكرما.
33. وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ: وذلل الله للعباد الشمس والقمر ذهابا وإيابا، وفيهما مصالح من النور والإضاءة ومعرفة السنين والحساب وإنضاج الثمار، وذلل الليل للراحة من الأشغال والنوم بعد الملل والكلام وسخر النهار لطلب الكسب والمعاش والبناء والإنتاج فالليل والنهار هما موسم الطاعات وزمن العبادات ومزرعة القربات.
34. وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ: والله هو الذي أعطاكم جميع ما طلبتموه من مال وعيال وصحة وعافية وأمن وإن تعدوا نعم الله عليكم لا تستطيعوا حصرها من كثرتها وتنوعها إن الإنسان كثير الظلم لنفسه والمعاصي والذنوب كثير الجحود لنعم الرب سبحانه قليل الشكر فهو كثير السؤال لذي الجلال فإذا حصل ما يطلب نسى ما يجب.
35. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ: واذكروا يوم دعا إبراهيم ربه بعد أن أسكن إسماعيل وأمه مكة يا رب أسألك أن تجعل مكة بلدا آمنا يأمن فيه من حل فيه فلا يخاف واعصمني وأبنائي من عبادة الأصنام فبالأمن يطيب العيش وبالإيمان تطيب الدنيا والآخرة.
36. رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يا رب إن الأصنام أبعدت العباد عن عبادة رب العباد وجعلتهم يشركون بالله غيره من الاضداد والأنداد فمن استن بسنتي في توحيد الله وإخلاص العبادة له فهو على ديني وملتي ومن خالفني فيما دون الشرك فإن الله كثير الغفران لصاحب الذنوب إذا تاب إلى ربه كثير الرحمة يعفو عمن شاء لا يتعاظمه ذنب أن يمحوه ولو بلغ عنان السماء.
37. رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ: يا ربنا إنني أسكنت بعض ذريتي بوادي مكة بجوار بيتك الحرام وليس فيه زرع ولا ماء امتثالا لأمرك لكي يؤدوا الصلاة على أتم وجه فأسألك بأن تهفو قلوب بعض عبادك إليهم شوقا وتعطف عليهم حبا وارزقهم من أنواع الثمار ومن بركات الأرض لكي يؤدوا شكر نعمتك ويستعينوا بها على طاعتك فاستجاب الله دعاءه ولبى طلبه.
38. رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ: يا ربنا إنك تعلم كل ما نخفيه من النيات والعقاد والأسرار وتعلم ما نظره من الأقوال والأعمال، ولا يغيب عن علمك شىء من الكائنات في الأرض والسموات فالغيب عندك ظاهر والسر لديك علانية أحاط علمك بكل شىء.
39. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ: ثم قال إبراهيم شاكرا ربه على نعمه الحمد لله الذي أعطاني على كبر سني وشيخوختي ابني البارين إسماعيل وإسحاق لما سألته أن يهب لي من الصالحين فربي سميع الدعاء لمن دعاه سألته فأعطاني وطلبت منه فأكرمني وحياني وفي الآية بيان فضل الدعاء وسؤال الله الذرية الطريبة وشكر الله على النعم.
40. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ: لا ربي أعني على مداومة أداء الصلاة على أتم وجه ووفق ذرتي للمحافظة عليها في أوقاتها بأحكامها وخص الصلاة لأنها عمود الدين يا ربنا استجب دعوتي وحقق مسألتي.
41. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ: يا ربنا اغفر لي ما وقع مني من تقصير لا يسلم منه العباد واغفر لوالدي وهذا قبل أن يظهر له أن والده عدو لله واغفر يا ربنا لجميع من آمن بك ذنوبهم يوم تجمع الناس للحساب.
42. وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ: ولا تحسب أيها النبي أن الله يغفل عن أفعال الظالمين من محاربة لله وصد عن سبيله وإيذاء لرسول الله مع الكفر والتكذيب إنما يؤجل الله معاقبتهم ليوم شديد رهيب ترتفع فيه عيونهم ولا تغمض من كثرة الأهوال، وفي هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه مع الإعلان عن سنة الله في الظلمة أنهم في هلاك ودمار، ولو مد لهم في الأعمار.
43. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ: يوم القيامة يخرج الظالمون من القبور مسرعين لإجابة الداعي رافعي رؤوسهم لا يبصرون شيئا لهول القيامة، وقلوبهم خالية ليس فيها شىء من الثقبات واليقين لكثرة الخوف والفزع.
44. وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ: وخوف أيها النبي الأمة عذاب يوم القيامة يوم يقول الظلمة لأنفسهم بالكفر يا ربنا أمهلنا قليلا حتى نتوب ونتبع رسولك فيوبخهم الله على كفرهم وتكذيبهم بأنهم حلفوا في حياتهم الدنيا أنهم لا يموتون ولا يفارقون دنياهم وقد أنكروا البعث بعد الموت.
45. وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ: وحللتم أيها الظالمون في منزل الظلمة قبلكم كقوم هود وصالح ووصلكم نبأ ما فعل الله بهم من الهلاك وضرب الله لكم الأمثال الواضحة فلم تعبروا بها بل أعرضتم وكذبتم.
46. وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ: وقد دبر الكفار للنبي المختار جميع أنواع الكيد من قتل وحبس وإخراج، والله محيط بهذا الكيد وقد أبطله وأحبطه بكيده القوي ولو كان مكرهم تكاد تزول منه الجبال لكن كيد الله أعظم ومكره أكبر، فغلبهم سبحانه ولم يضروا الله شيئا بل عاد ضررهم على أنفسهم.
47. فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ: فلا تحسبن أيها النبي أن الله يخلف الرسل ما وعدهم من النصر والتمكين وإهلاك المكذبين فهذا لن يكون أبدا لأن الله عزيز لا يمتنع عليه شىء، عز فقهر وحكم فغلب وهو سبحانه ينتقم من أعدائه أشد الانتقام لأن عزه لا يرام وركنه لا يضام.
48. يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ: وهذا الانتقام من أهل الظلم والإجرام يكون يوم القيامة يوم يبدل الله الأرض هذه بأرض أخرى بيضاء نقية كالفضة لم يسفك عليها دم، ولم يقع عليها ظلم ويبدل الله السموات بغيرها، ويخرج الله البشر من قبورهم ظاهرين من عرصات الحساب للقاء الواحد القهار المتفرد بالعظمة الواحد في ذاتة وأسمائه وصفاته وأفعاله قهر غيره وغلب سواه وكبت من عاداه وأخزى من آذاه له العزة المطلقة والتفرد التام.
49. وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ: وتبصر يوم القيامة الكفرة المجرمين مقيدين بالقيود ربطت أيديهم بالأغلال وقيدت أرجلهم بالسلاسل فهم في غل وذل وهوان وخسران ومقت ولعنة.
50. سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ: فصلت ثيابهم عليهم من زيت القطران قوي الاحتراق شديد الاشتعال بالغ الحرارة وتشوي وجوههم نار جهنم وتتمزع وتنقطع.
51. لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: وهذا الجزاء من الله لأعدائه عدل لا ظلم فيه على ما قدموا من الآثام وفعلوا من الإجرام؛ لأن الله يجازي كل عامل بما عمل من حسن وسئ وهو الذي يحاسب الجمع الكثير في الوقت القصير فهو اللطيف الخبير.
52. هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ: هذا القرآن الذي أنزله الله عليك أيها النبي هو إعلام للبشر وتخويف للناس، فيه البشارة لمن آمن والنذارة لمن كفر علهم أن يتعظوا وليوقن من بلغه القرآن أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فيعبدوه وحده بلا شريك وليعتبر به أصحاب العقول السليمة والفطر القويمة والنفوس الكريمة فهو أجل موعظة في الدنيا.
سورة الحجــر
1. الـر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرآنٍ مُبِينٍ: الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها وما أنزلها إلا لمعان جليلة. تلك الآيات الكريمة هي آيات الكتاب العظيم المنزل من الله على رسوله الكريم وهو كلام الله القرآن الواضح البين في ألفاظه ومعانيه نزل بأجمل عبارة وألطف إشارة بالبشارة والنذارة فيه سعادة الدنيا وفلاح الآخرة.
2. رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ: سوف يتمنى الكفار إذا شاهدوا خروج عصاة المؤمنين من النار لو كانوا مؤمنين بالواحد القهار لينجوا من غضب الجبار ولكن هيهات فات الأوان ووقع عليهم الخسران.
3. ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: اترك الكفار يأكلوا في دنياهم الفانية ويتمتعوا بلذائذ عيشهم ونيل شهواتهم وإشباع رغباتهم ونزواتهم ويشغلهم الطمع والحرص على البقاء في عبادة الله فإذا انكشف الأمر علما خسارة ما فعلوا وتفاهة ما أملوا وقبح ما صنعوا.
4. وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ: وإن استعجل الكفار العذاب في الدنيا استبعادا له فإن الله لا يهلك قرية إلا إذا حان أجلها المقدر ووقت هلاكها المحدد لا وفق رغبتهم وأهوائهم.
5. مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ: لا يتجاوز قوم أجلهم المحدد فيزيدون عليه ولا يتقدم قوم وقتهم المعلوم فينقصون منه لكل قوم أجل معلوم.
6. وَقَالُوا يأيها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ: وقال الكفار للنبي المختار أيها الذي ادعى نزول القرآن عليه لقد ذهب عقلك ولو كنت عاقلا ما ادعيت النبوة تكذيبا منهم واستهزاء.
7. لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: هلا جئتنا بملائكة السماء يشهدون لك أنك رسول من عند الله؟! فبغير شهادتهم لا نصدق، ولو شهدت الملائكة لم صدقوا!!
8. مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ: فأجابهم الله تعالى بأنه لا ينزل الملائكة إلا بهلاك المكذبين الذي ما بعده مهلة وانتظار لمن لم يؤمن بالله فإذا نزل بهم الهلاك فالله لا يمهلهم طرفة عين.
9. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ: إن الله وحده نزل القرآن العظيم على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وتعهد الله بحفظه من الزيادة والنقصان ومن عبث الإنس والجان ولغو العرافين والكهان فهو في حفظ الله طيلة الأزمان.
10. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ: ولقد سبقك أيها النبي رسل من الله أرسلهم إلى فرق السابقين وطوائف الماضين بتوحيد رب العالمين.
11. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: وما جاء أولئك الأقوام السابقين من رسول من رب العالمين إلا سخروا منه وآذوه واستهزؤوا برسالته وهذا عزاء وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكما حصل لك من إيذاء فقد حصل لمن قبلك فلك أسوة.
12. كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ: كما أدخل الله التكذيب والإنكار في قلوب السابقين من الكفار كذلك يدخل الله الكفر في قلوب مشركي هذه الأمة الذين استهزؤوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوه فقد فعل الله بهم ما فعل بمن سبقهم لما أعرضوا.
13. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ: لا يصدق الكفار بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله وقد سبقت سنة الله في إهلاك كل من كفر به وكذب رسله.
14. وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ: ولو فتح الله بابا من السماء لكفار مكة فصعدوا ودخلوا هذا الباب حتى شاهدوا الملائكة لكذبوا واستمروا على الكفر!!
15. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ: ولقال الكفار بعد صعودهم ومشاهدتهم الملائكة إننا مسحورون وقد تخيلنا رؤية الملائكة والذي سحرنا هو محمد!! فهم مكذبون سواء أشاهدوا آية أم لم يشاهدوا.
16. وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ: ومن براهين قدرة الله وبديع صنعه أنه جعل في السماء الدنيا منازل للكواكب تنزل فيها ودليلا للمسافرين والمؤرخين وأوقات الغيث والقحط وجمل الله السماء بالنجوم لمن يشاهدها فيستدل بخلقه على حكمة الله وجلال خلقه.
17. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ: وحفظ الله السماء بالشهب المحرقة من كل شيطان مطرود من رحمة الله كي لا يسترق السمع فيأخذ شيئا من الوحي.
18. إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ: إلا من اختلس بعض الكلام من الملأ الأعلى أحيانا فإن الكواكب المضيئة المحرقة تدركه وقد يخبر الشيطان أولياءه من العرافين والكهنة ببعض ما استرق قبل أن يحرق.
19. وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ: وبسط الله الأرض وسواها ونصب فيها جبالا قوية تثبتها لئلا تضطرب وأنبت في الأرض من كل زوج بهيج من أنواع النباتات بحصص مقدرة مما يحتاج إليه البشر والدواب.
20. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ: والله جعل في الأرض مصدر الرزق والمعاش للناس والدواب من الحبوب والفواكه والخضروات وأنواع المعادن وهو الرازق وحده تكفل بقوت كل مخلوق.
21. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ: وليس في العالم شىء ينتفع به العباد والدواب إلا عند الله خزائنه بأنواعه وأصنافه وينزله الله متى ما أراد بمقدار محدد وحصص معلومة فهو الذي يعطي من يشاء ويمنع من يشاء يغني من شاء ويفقر من شاء بحكمة بالغة ورحمة واسعة.
22. وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ: وأرسل الله الرياح وجعلها تلقح السحاب فتمطر بإذن الله ماء مباركا يسقي به العباد والبلاد والدواب والأشجار فالله الذي يخزن الماء وليس العباد فإذا قحط الناس ألحوا على الله في سؤال الغيث.
23. وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ: والله وحده يحيي الأموات بالخلق من العدم وبالإعادة بعد الموت ويميت الحي إذا انتهى أجله وهو الوارث للأرض ومن عليها لأنه سبحانه الباقي بعد فناء خلقه.
24. وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ: ولقد علم الله من مات من المتقدمين وعلم الأحياء من الخلق أجمعين وعلم من سيأتي إلى يوم الدين.
25. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ: والله وحده يجمع العالم للحساب يوم القيامة فهو حكيم في تدبيره وتقديره وتصويره عليم بالأحوال والأقوال والأعمال والبداية والمآل.
26. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ: والله وحده هو الذي خلق آدم من طين يابس له صوت إذا نقر من طين اسود متغير اللون والريح لطول بقائه فيمن أصله من الطين فلا يتكبر على رب العالمين.
27. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ: وخلق الله أبا الجن وهو إبليس من شعلة نار حارة لا دخان فيها، فجاء عجولا طائشا سفيها مؤذيا كطبيعة النار، وجاء آدم كريما لينا متواضعا كطبيعة التراب.
28. وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ: واذكر يوم قال الله للملائكة إني خالق إنسانا من طين يابس وهذا القول من الله إعلام للملائكة بمنزلة آدم عنده وتهيئة لهم ليسجدوا له.
29. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ: فلما سوى الله صورة آدم وحسن خلقه نفخ فيه الروح فخر الملائكة لآدم ساجدين تحية وتكريما لا سجود عبادة فلا يسجد إلا لله وحده.
30. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ: فسجد كل الملائكة ولم يتخلف منهم أحد؛ امتثالا لأمر الله وإكراما لآدم، فنالوا مزيد القرب من الله لأنهم أطاعوا أمره.
31. إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ: لكن إبليس عصى أمر الله وامتنع أن يسجد لآدم؛ تكبرا وحسدا فخالف الملائكة في السجود فلعنه الله وطرده من رحمته.
32. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ: فلام الله إبليس وأنكر عليه عدم السجود لآدم مع الملائكة؛ لأن الكبر حمله على عصيان الأمر فمعصيته من الشبهات ومعصية آدم في الأكل من الشجرة من الشهوات وهي أخف.
33. قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ: قال إبليس معاندا حاسدا لآدم: لن أسجد لمخلوق صورته من طين يابس أسود متغير، وأنا خلقت من النار والنار أشرف من الطين. وهذا قياس المفسدين.
34. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ: فأمر الله بإخراج إبليس اللعين من الجنة مطرودا خائبا لكبره وحسده فالمتكبر والحاسد محروم من كل خير.
35. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ: وجعل الله اللعنة والطرد والإبعاد على إبليس إلى يوم المعاد لأنه عصى الخالق وحسد المخلوق وهو أول من قاس مع وجود النص.
36. قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ : فسأل إبليس ربه أن يؤخره إلى يوم القيامة؛ ليبقى حيا يفتن العباد لما فيه من زيغ وفساد وحسد وعناد.
37. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ: فأخبره الله أنه قد أخر هلاكه إلى الوقت الذي يموت فيه الخلق بعد النفخة الأولى، فالله أمهله لحكمة عظيمة.
38. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ: وكان تأخير الله لإبليس إلى أجل مسمى استدراجا له وإمهالا وابتلاء للثقلين وفتنة للعالمين ليظهر المؤمن من الكافر.
39. قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ: قال إبليس يا ربي ما دمت قد أغويتني وأضللتني فسوف أحسن المعاصي لبني آدم في حياتهم الدنيا وأضلهم بالغواية عن الهداية.
40. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ: لكني لا أستطيع أن أغوي الصادقين في إيمانهم المخلصين في طاعتهم فهؤلاء محفوظون برعاية الله من إضلالي فلا سبيل لي عليهم.
41. قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ: قال الله تعالى هذا طريق الهداية والإيمان المستقيم المعتدل الموصل إلي وإلى جنتي وهو طريق الأنبياء والرسل.
42. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ: إن العباد الصالحين المخلصين ليس للشيطان عليهم ولاية ولا سبيل له إلى إضلالهم وصدهم عنه سبيل الله فهم محفوظون بحفظ الله دائما لكن سلطان الشيطان على من عصى الرحمن وعبد الأوثان، فهو وليهم يغويهم ويضلهم.
43. وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ: وإن نار جهنم الموقدة الموصدة موعد الشيطان وأتباعه إلى يوم القيامة يجمعون فيها خالدين في العذاب.
44. لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ: للنار سبعة أبواب لكل باب قسم من أتباع الشيطان حسب أعمالهم كل باب أسفل من الآخر.
45. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: إن الذين اتقوا الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى مصيرهم إلى بساتين وارفة وأنهار جارية في قرة عين.
46. ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ: يقال للمتقين ادخلوا الجنات سالمين من كل آفة آمنين من كل مخافة فالسلام للأبدان والأمن للقلوب.
47. وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ: وأخرج الله ما في قلوب الأبرار في تلك الدار من حسد وحقد وغش وغل وعداوة وهم متحابون متوادون جلوسهم على أسرة مرفوعة تتقابل وجوههم محبة وألفة لزيادة النعيم وتمام التكريم.
48. لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ: لا يصبيهم في الجنة وصب ولا نصب ولا تعب وهم ماكثون فيها في خلود دائم ونعيم مستمر.
49. نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: أخبر العباد أيها النبي أن الله كثير الغفران لمن تاب من أهل العصيان كثير الرحمة لمن أناب يغفر الذنوب العظيمة لمن صدق بتوبة كريمة.
50. وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ: وإن عذاب الله هو أشد العذاب وأقوى العقاب فهو مؤلم موجع فظيع لا يطاق لمن لم يتب فالله واسع المغفرة للتائبين شديد العقوبة للمصريين والواجب الجمع بين الخوف من الله والرجاء في عفوه.
51. وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ: وأخبر الناس أيها النبي عن خبر ضيوف إبراهيم من الملائكة الذين بشروه بإسحاق وبهلاك قوم لوط.
52. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ: فلما دخل الملائكة على إبراهيم قالوا له سلاما تسلم به من كل الآفات فرد عليهم السلام وقدم لهم الطعام وبالغ في الإكرام فلما أبوا أن يأكلوا قال إنا منكم خائفون.
53. قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ: قالت الملائكة لإبراهيم لا تخف منا فعندنا لك بشارة بابن عالم بالله وبشرعه وهو إسحاق فأعظم صفة للعبد بعد الإيمان هو العلم النافع.
54. قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ: قال إبراهيم لهم كيف تبشرونني بولد وقد ذهب غالب عمري ورق عظمي ودنا أجلي وكذلك زوجتي فبأي أعجوبة تبشرونني ومثلي لا يولد له.
55. قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ: قالوا بشارتنا لك يقين لا شك فيه وهي من رب العالمين الذي لا يخلف الوعد فلا تيأس من الولد على كبر السن فقدرة الله نافذة.
56. قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ: قال أنا لا أيأس فلا ييأس من رحمة الله إلا من انحرف عن دينه وأخطأ طريق الهداية.
57. قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ: قال إبراهيم لهم ما الخبر العظيم الذي أرسلكم الله به أيها الملائكة الكرام؟
58. قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ: قالوا إن الله أرسلنا لتدمير قوم لوط الفجرة الكفرة أهل الأفعال الشنيعة.
59. إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ: لكن لوطا وأهله في أمان من الهلاك فلن يصيبهم شر فهم في حفظ الله.
60. إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ: أما زوجته الكافرة فقد قضى الله بإهلاكها مع الهالكين فلا حسب ولا قرابة تنفع مع الكفر.
61. فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ: فلما جاءت الملائكة إلى لوط لإهلاك قومه ونجاته.
62. قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ: قال لوط للملائكة إنكم قوم غير معروفين فعرفوني بكم من أنتم؟
63. قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ: قالوا لا تخف يا لوط فنحن ملائكة أرسلنا الله بالعذاب الذي كان يشك فيه قومك ويكذبون به.
64. وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ: وجئناك بالحق الذي فيه نجاتك وهلاك قومك، وقد صدقنا فيما قلنا.
65. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ: فاخرج يا لوط ليلا ومعك من آمن بك وسر خلف المؤمنين وهم أمامك لئلا يتخلف منهم أحد فيهلكوا واحذروا أن يلتفت منكم أحد ويتأخر وسيروا إلى ما أمركم الله به لتأمنوا من العذاب.
66. وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ: وأوحى الله إلى لوط أن العذاب سوف يدمر قومك جميعا ويستأصلهم عن آخرهم مع طلوع الفجر.
67. وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ: وجاء سكان مدينة لوط سمعوا أن عنده ضيوفا يبشر بعضهم بعضا لفعل الفاحشة بالضيوف!!!
68. قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ: قال لوط لقومه هؤلاء ضيوفي وهم في حمايتي وحفظي فلا تفضحون بما أردتم من عمل شنيع.
69. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ: وخافوا عذاب الله واتركوا ضيوفي ولا تعرضوني للذل والخزي والهوان بإيذاء ضيوفي.
70. قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ: قال قوم لوط له أما سبق أن حذرناك أن تمنع أحدا من العالمين منا؟ فاترك الناس ولا تتدخل في شؤونهم.
71. قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ: قال لوط لقومه هؤلاء بناتي فتزوجوهن واكتفوا بالنساء واتركوا فعلكم القبيح من إتيان الرجال.
72. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ: يقسم الله تعالى بحياة محمد صلى الله عليه وسلم أن قوم لوط في جهل عظيم وغفلة شديدة وعمى عن الحق وفي الحيرة يترددون.
73. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ: فحلت بقوم لوط صاعقة العذاب وقت طلوع الشمس بعد أن خرج لوط وأهله في الليلة السابقة.
74. فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ: فقلب الله أعلى قراهم وجعلها سافلها وأنزل عليهم من السماء حجارة من طين متصلب متين مزق أجسامهم.
75. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ: إن في ما أصاب قوم لوط عظة للمتعظ وعبرة للمعتبر فهي من أعظم النكال وأشد العذاب.
76. وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ: وإن قراهم على طريق واضح يراها المسافرون ويشاهدها المارون فهل من معتبر؟
77. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: إن في إهلاك قوم لوط دليلا واضحا للمصدقين بآيات الله ينتفعون به.
78. وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ لَظَالِمِينَ: ولقد كان قوم شعيب أهل القرية الملتفة ظالمين لأنفسهم بالكفر والإعراض عن سبيل الله.
79. فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ: فأنتقم الله من قوم شعيب بالرجفة وعذاب يوم الظلة وإن قرى قوم لوط وشعيب لفي طريق واضح يراها الناس إذا سافروا فيتعظون.
80. وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ: ولقد كذبت ثمود صالحا وهم أصحاب الوادي الذي كانوا به وهو وادي الحجر فكأنهم لما كذبوا صالحا كذبوا جميع المرسلين.
81. وآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ: وبين الله لقوم صالح آياته الدالة على وحدانيته وعلى صحة ما جاء به صالح من الرسالة ومنها الناقة فلم ينتفعوا بهذه الآيات وكانوا صادين عن الاعتبار مبتعدين عن الحق.
82. وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ: وكان قوم صالح ينحتون الصخور في الجبال بيوتا لهم وهم آمنوا من أن تسقط عليهم أو تخرب فيما نفعتهم قوتهم وما استمر أمنهم لما كفروا بربهم.
83. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ: فأحرقتهم صاعقة العذاب مع الصباح الباكر فهلكوا جميعا.
84. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: فما منهم من عذاب الله ما جمعوا من الأموال وما بنوا من البيوت فقوة الله أعظم وعذابه أشد.
85. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ: وما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق الدال على تمام خلقه وحسن صنعه وأنه مستحق للعبادة وحده لا شريك له وأن يوم القيامة لقادم لا محالة في وقوعه ليجازي كل عبد بما عمل، فيا أيها النبي: اعف عن هؤلاء المكذبين وتجاوز عن مؤاخذتهم بإساءتهم فالله سوف يتولى حسابهم.
86. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ: إن الله وحده هو الخلاق لكل مخلوق أنشأه من العدم وصوره على أحسن صورة العليم بما خفي وظهر وأسر وجهر، لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عن علمه غائبة.
87. وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ: ولقد آتى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأكرمه بفاتحة الكتاب الشافية الكافية التي تكر في كل صلاة وآتاه القرآن العظيم في لفظه ومعناه وإعجازه وبلاغته وهي من أعظم النعم وأأجل المنن.
88. لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِـينَ: لا تنظر بعينيك أيها النبي ولا تتمن ما متعنا به الكفار من متع زائلة كمتاع الأنعام وحرموا الهداية للإسلام ولا تحزن على كفرهم فذنوبهم عليهم وتواضع للمؤمنين بلين الجناب وحسن الخطاب.
89. وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِـينُ: وقل أيها النبي للناس أنا المنذر المحذر من عذاب الله الدال على الله المبين آياته الناصح الأمين على الوحي.
90. كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِـينَ: مثلما أنزلنا على الذين قسموا القرآن وفرقوه فآمنوا ببعضه وكفروا ببعض قد سبق أن أنزلنا على اليهود والنصارى وغيرهم فاختلفوا في الكتاب فآمنوا ببعضه وكفروا ببعض.
91. الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ: وهؤلاء القوم هم الذين تفرقوا في حكمهم على القرآن فمنهم من قال سحر أو شعر أو كهانة زورا من عند أنفسهم ليصدوا البشر عن الذكر الحكيم والرسول الكريم.
92. فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ: فوالله العظيم ليحاسبنهم الله على ما قالوه وما فعلوه يوم العرض الأكبر.
93. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ: وسوف يسألهم الله عن افترائهم في القرآن واختلاف قولهم فيه ورميهم الحق بالباطل كذبا وزورا.
94. فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ: فاجهر أيها النبي بدعوتك إلى الحق التي أمرك الله بإبلاغها ولا تخف من الكفار فأنت على الحق وهم على الباطل وفيه الشجاعة في تبليغ الحق والتقيد بالشريعة وعدم رهبة البشر.
95. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ: سوف يحميك الله أيها النبي من الساخرين الكافرين بهزيمتهم وإحباط كيدهم ثم التنكيل بهم في الآخرة.
96. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: هؤلاء الكفار الذين اتخذوا شركاء من دون الله ولم يوحدوه بالعبادة فسوف يعلمون عاقبة أمرهم إذا عادوا إلى ربهم.
97. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ: لم يخف علينا ما يؤذيك ويؤلم نفسك ويضيق به صدرك بسبب ما يقوله أولئك المستهزئون المشرعون.
98. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ: فلا يحزنك قولهم وقل سبحان الله وبحمده وكن من المصلين المتواضعين والتسبيح والحمد والصلاة شفاء مما تضيق به الصدور في دار الغرور.
99. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ: واعبد ربك وأعطه طاعة تبقى معك ما بقيت حياتك حتى يأتيك الموت الذي توقن به.
سورة النحل
1. أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: قربت القيامة أيها المنكرون لها فلا تستعجلوا العذاب استهزاء به وسخرية منه فسوف يقع تنزه الله وتقدس عن شرك المشركين.
2. يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ: الله ينزل الملائكة بالوحي من أمره على من يشاء من عباده الأنبياء فيرسلهم بتحذير الناس من الشرك ودعوتهم إلى توحيد الله لا شريك له والدعوى لتقوى الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر.
3. خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: الله خلق السموات والأرض بالحق لتكون دليلا للناس على عظمة الله وحكمته وبديع صنعه وأنه وحده مستحق للعبادة تنزله الله عن شرك من أشرك به.
4. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: خلق الله الإنسان من ماء مهين فإذا هو يعادي ربه ويجادل في آياته وينكر البعث ويكذب الرسل وقد نسي أصله وضعفه.
5. وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ: والله سبحانه خلق لكم الأنعام من إبل وبقر وغنم وجعل لكم من أصوافها وأشعارها وأوباها دفئا لكم في البرد وتنتفعون بجلودها وتأكلوه لحومها وتركبون ظهورها.
6. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ: ولكم أيها الناس فيها زينة تدخل البهجة على نفوسكم حينما تعود أنغامكم في المساء إلى بيوتكم وحينما تخرج في الصباح من بيوتكم للرعي.
7. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: وسخر الله لكم الأنعام لحمل أمتعتكم إلى البلدان البعيدة التي لا تستطيعون الوصول إليها إلا بمشقة عظيمة إن ربكم لطف بكم ورحم ضعفكم فسخر لكم ما يعينكم فبرأفته يجلب لكم المنفعة وبرحمته يدفع عنكم المشقة.
8. وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ: وخلق الله لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوا على ظهورها وجعلها جمالا لكم في المواكب والأسفار لما فيها من منظر حسن والله يخلق لكم من وسائل الركوب وغيرها ما لا علم لكم به مثلما جد من وسائل حديثة فكل ذلك من فضل الله ونعمته.
9. وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ: وعلى الله وحده بيان الطريق المستقيم لتهتدوا وتسكلوه وهو طريق الإيمان بالله الذي دعت إليه الرسل ومن الطريق ما هو مائل منحرف لا يوصل إلى مقصود ولا ينجي من هلاك، وهو كل طريق ضال يخالف طريق الهداية من طريق أهل الكفر والفساد والزيغ والإلحاد، ولو أراد الله أن يهدي جميع الناس لفعل ولكن لحكمة منه بالغة هدى من شاء وأضل من شاء.
10. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ: والله وحده الذي أنزل لكم من الغمام ماء مباركا طهورا تشربون منه وأنبت لكم به شجرا وزرعا ترعى فيه دوابكم وتعود منافعها إليكم.
11. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: والله يخرج لكم بماء الغمام أشجار الزيتون والنخيل الأعناب ومن سائر أنواع الثمار والأشجار والخضار، إن في إنبات ذلك وسقيه وطلعه وثمره دلالات واضحات لمن يتأمل ويعتبر فيؤمن.
12. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: والله سخر لكم الليل للمنام والنهار للمعاشر وجعل الشمس مضيئة لكم والقمر نورا لتعرفوا السنين والشهور والأيام والحساب وجعل النجوم في السماء مسخرات لكم لمعرفة الأوقات والاهتداء في الظلمات وإنضاج الثمرات، إن في خلق هذه الأجرام لبراهين ساطعة لقوم يعقلون.
13. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ: والله وحده سخر لكم جميع مخلوقاته في الأرض من الحيوان والنبات والجماد مما تختلف أشكاله وألوانه ومذاقاته، وهذا الخلق مع اختلاف الأنواع والأصناف فيه عظة للمتعظين، وعبر للمعتبرين، فهو من أعظم الدلالات على توحيد الله وأنه يستحق إفراده بالعبودية سبحانه.
14. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وهو سبحانه الذي سخر البحر للبشر ليأكلوا من سمكه لحما طريا ويستخرجوا من لؤلئه ومرجانه زينة وهم يشاهدون السفن العظيمة على ظهر البحر تسافر وتعود بمنافعهم ويسافرون عليها لطلب العلم والتجارة وجميع المصالح لعلهم يشكرون الله على هذه النعم العظيمة بالإيمان به وعبادته وحده عزوجل.
15. وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: والله وحده ثبت الأرض بالجبال لئلا تضطرب وتتحرك وجعل فيها أنهارا عذبة للشرب والغسل وسقي الدواب والنبات وجعل في الأرض طرقا لتكون حتى لا يضلوا في فجاج الأرض فيسلكوها في مقاصدهم.
16. وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ: والله جعل أدلة في النهار للناس يستدلون بها على الطرق مثلما جعل النجوم أدلة في الليل يهتدون بها في سفرهم.
17. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ: هل يعقل أن يستوي من يخلق هذه الأشياء ويسخرها لكم كمن لا يستطيع ذلك في استحقاق العبودية والألوهية؟ أفلا تتذكرون قدرة الله على الخلق وحده فتوحدوه ولا تشركوا به آلهة أخرى.
18. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ : ومهما اجتهدتم في حصر حساب نعم الله التي أنعم بها عليكم لن تستطيعوا ذلك لكثرة أنواعها وأصنافها ومنافعها إن الله كثير الغفران لكم على تقصيركم في شكر النعم واسع الرحمة لا يقطعها عنكم لمعاصيكم ولا يعاجلكم بالعقوبة مع عصيانكم.
19. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ: والله وحده يطلع على كل أفعالكم ما خفي منها وما ظهر وما أسر وما جهر وسوف يحاسبكم عليها.
20. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ: والأصنام والأوثان التي يعبدها الكفار لا تخلق شيئا فهي مخلوقة صنعها الكفار ثم عبدوها فكيف يبعد المخلوق العاجز ويترك الخالق الغني القوي جل في علاه.
21. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: هذه الأوثان والأصنام جمادات لا روح فيها ولا حياة لها ولا تعلم الزمن الذي يخرج الله عابديها من القبور ليدخلها معهم في نار جهنم.
22. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ: والإله المستحق للعبادة هو الله الذي لا إله إلا هو الواحد الأحد لا شريك له ولا رب سواه فالمكذبون بالبعث بعد الموت ينكون وحدانية الله ويجحدون ألوهيته سبحانه لعدم خوفهم من العقاب وهم يتكبرون عن قبول الحق وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
23. لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ: حقا إن الله يعلم ما أخفته سرائرهم وأسرته ضمائرهم من نيات واعتقادات وما أظهروه من أقوال وأعمال وأحوال وسوف يحاسبهم على ذلك إن الله لا يحب من تكبر على طاعته وأبى الانقياد لعبادته وسوف يجازيه على هذا العمل.
24. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: وإذا سئل الكفار ماذا أنزل الواحد القهار على النبي المختار قالوا كذبا وزورا ما عنده إلا قصص السابقين وأباطيل القدامى وأخبار من سبق وليست وحيا من عند الله.
25. لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ: سيجعل الله عاقبتهم يوم العرض الأكبر أن يحملوا ذنوبهم كاملة غير ناقصة لا يتجاوز الله عنهم شيئا منها ويحملوا معها ذنوب من اتبعوهم وكانوا هم سببا في إضلالهم وصدهم عن الإيمان ألا قبحا لهم ولا يحملونه من ذنوب.
26. قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ: قد كاد الكفار السابقون لرسلهم المكايد فأحبط الله كيدهم وزلزل بنيانهم من أساسه وقواعده وسقط عليهم السقف من فوقهم فأتاهم الدمار من حيث لا يشعرون وباغتهم الهلاك من حيث لا يحتسبون وصبحهم العذاب وهم آمنون.
27. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ: ثم يوم القيامة يفضح الله الكفار ويهينهم في النار ويقول لهم توبيخا أين الذين جعلتموهم لي شركاء في العبادة ليمنعوكم من هذا العذاب وقد كنتم تحاربون الرسل وأتباعهم من أجلهم؟ قال أهل العلم والإيمان: إن الهوان والذل والصغار على الكفار في هذا اليوم العظيم.
28. الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: الذين تقبض الملائكة أرواحهم من الكفار وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك بالله فاستسلموا لأمر الله وحده بعدما عاينوا الموت وجحدوا ما كانوا يشركون به وأنكروا ما عملوه من الذنوب فيقال لهم كذبتم بل أنتم عصاة مذنبون إن الله يعلم ما فعلتموه من الذنوب وسيحاسبكم عليها.
29. فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ: فادخلوا أيها الكفار أبواب النار ماكثين فيها أبدا فبئست النار مقرا لأهل الكبر والعناد ودارا لأهل الزيغ والإلحاد.
30. وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ: وإذا سئل المؤمنون بالله ورسوله ماذا أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: أنزل الله عليه الحق والهدى وكل صلاح وتقوى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ويسارعون في الخيرات كرامة عظيمة وفوز كبير من العز والتمكين في الحياة الدنيا وما يعطونه في الآخرة من النعيم المقيم، والأجر العظيم خير مما يعطونه في الدنيا ولنعم دار المتقين جنات الخلد عند الله تعالى.
31. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ: جنات خلود واستقرار وأمن وبهجة للأبرار يسكنونها ماكثين فيها أبدا تجري من تحت دورها وقصورها وأشجارها الأنهار أعد الله لهم فيها ما تشتهيه أنفسهم وبمثل هذه الكرامة العظيمة يثيب الله أولياءه ممن اتقاه وخاف مقامه وأعد العدة للقائه.
32. الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وهم الأبرار الذين تقبض الملائكة أرواحهم ونفوسهم طاهرة من الشرك تحييهم الملائكة بقولهم سلام عليكم من كل آفة وأمن لكم من كل مخافة ادخلوا جنات النعيم بما كنتم تعملونه من الإيمان وطاعة الديان ومحاربة أولياء الشيطان.
33. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: ما ينتظر الكفار إلا نزول الملائكة لقبض أرواحهم على الكفر أو يأتي هلاكهم من الله ومثلما كذب هؤلاء الكفار كذب الكفار من قبل فأهلكهم الله ولم يظلمهم بإهلاكهم وإنما جازاهم على كفرهم فهم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله ومحاربة الرسل.
34. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: فأهلكهم الله بالعذاب جزاء أفعالهم الشنيعة التي فعلوها وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه فلم يبق لهم باقية.
35. وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ: وقال الكفار لو أراد الله أن نعبده وحده ما عبدنا أحدا غيره لا نحن ولا آباؤنا من قبل ولا حرمنا شيئا لم يحرمه علينا وبمثل هذا الاعتراض الكاذب اعترض من سبقهم من الكفار وهذا كذب فإن الله أمرهم بالإيمان ونهاهم عن الكفر وبين لهم طريق الهداية والغواية وجعل لكل منهم مشيئة وإرادة يعملون بها فاحتجاجهم بالقضاء بعد إرسال الرسل باطل وقد قامت عليهم الحجة بالإنذار وليس على الأنبياء إلا البيان الواضح والإرشاد إلى الطريق القويم والصراط المستقيم.
36. وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: ولقد أرسل الله في كل أمة سبقت رسولا يدعوهم إلى التوحيد وينهاهم عن الشرك من عبادة الأصنام والأوثان وغيرها فمنهم فريق وفقهم الله للاستجابة واتباع الرسل ومنهم فريق أضلهم الله فكفروا به وكذبوا رسله فسافروا في نواحي الأرض وشاهدوا آثار المعذبين وانظروا بيوتهم الخاوية لتعتبروا وتتعظوا.
37. إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: مهما اجتهدت أيها النبي وحرصت على هداية هؤلاء الكفار فإن الله لا يهدي من آثر الضلالة وقد كتب الله عليه الشقاء وليس للكفار أحد يدفع عنهم عذاب الله ويمنعهم من عقابه.
38. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: وحلف الكفار بكل الإيمان المغلظة إن الله لا يعيد من يموت حيا!! بعدما فني في قبره بلى سيعيدهم الله أحياء وعدا حقا سبق من الله والله لا يخلف وعده ولكن أكثر الناس ممن كذب بقدرة الله لا يعلمون قدرته على البعث فهم ينكرون ذلك جهلا وعنادا.
39. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ: والله يعيد العباد ليوم المعاد ليبين لهم حقيقة الإحياء بعد الموت التي اختلفوا فيها فيثيب المؤمنين على إيمانهم ويعاقب الكفار على كفرهم فيعلم المؤمنون أنهم على حق ويعلم الكفار أنهم على باطل يوم حلفوا ألا بعث ولا نشور.
40. إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: إن البعث بعد الموت أسهل على الله من النشأة الأولى والكل عليه هين فإذا أراد الله شيئا فإنما يقول له: كن فيكون هذا الشىء كائنا موجودا.
41. وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: والذين خرجوا من أوطانهم للنجاة بدينهم في سبيل ربهم بعدما وقع عليهم الأذى ليسكننهم الله دارا حسنة ويزيدهم من النصر والتمكين والأجر الذي أعده الله لهم في الآخرة أكبر من الخلود في جنات النعيم مع الثواب العظيم ولو علم من ترك الخروج في سبيل الله للنجاة بدينه ما عند الله من الثواب العظيم والفوز والنعيم ما تخلف منهم أحد عن ذلك.
42. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: والمهاجرون في سبيل الله هم الصابرون على فعل الأوامر واجتناب النواهي وتحمل مر القضاء وهم على ربهم يعتمدون وإليه يفوضون وبه يثقون فكان جزاؤهم هذا الفوز الأكبر.
43. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: وما أرسل الله قبلك أيها النبي من الرسل إلا رجالا من الناس لا من الملائكة يوحي إليهم بشريعة من عنده فإن كنتم شاكين فاسألوا أهل الكتب المنزلة من قبل كاليهود والنصارى يخبرونكم أن أنبياءهم كانوا رجالا ولم يكونوا ملائكة ففي الآية عموم وعلى كل سائل عن مسألة في الشريعة أن يسأل علماء الملة الراسخين في العلم.
44. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ: وأرسل الله الرسل المتقدمين بالأدلة الواضحة والبراهين الساطعة والكتب المنزلة وأنزل الله عليك أيها النبي القرآن الحكيم؛ لتوضح للأمة معانيه وتبين لهم ما أجمل فيه لعلهم بعد البيان أن يتدبروا ويتفقهوا فيه.
45. أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ: هل أمن الكفار أهل المكائد والحيل أن يخسف الله بهم الأرض كما خسف بقارون أو ينزل الله عليهم العذاب من حيث لا يشعرون ولا يتوقعون؟
46. أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ: أو ينزل الله عليهم العذاب وهم يتقلبون في أعمالهم من معاش وسفر وتجارة فلا يفوتون على الله ولا يهربون من عذابه ولا ينجون من عقباه بل هم في قبضته وتحت تصرفه.
47. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: أو يأخذ الله الكفار بالعذاب وهم في حالة خوف من العقاب وجلين مما يحل بهم من الأعاصير والموت وذهاب الأموال ونقصها فإن الله عزوجل رؤوف بخلقه يمهل العاصي ولا يعاجله ويمتع الكفار في هذه الدار رحيم بالخلق يقيم عليهم الحجة ويوضح لهم المحجة ويمهل لهم في المدة.
48. أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ: لماذا عمي الكفار عن النظر إلى خلق الواحد القهار وما فيه من عبر لأولي الأبصار كالسماء والأرض والبحار والشمس والقمر والأنهار والجبال والنجوم والليل والنهار والأشجار والثمار وظلها يميل ذات اليمين وذات الشمال مع تحرك الشمس نهارا والقمر ليلا كل هذه المخلوقات منقادة لأمر الله خاضعة لعظمته وهي مسخرة مدبرة مقهورة تحت سلطان الله تعالى.
49. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ: ولله وحده يسجد كل ما في السموات والأرض من كل دابة والملائكة يسجدون له في تواضع وذلة وانكسار وخصهم بالذكر لامتثالهم للأمر وجلالة القدر ولم يأب السجود لله إلا عصاة الجن وعصاة بني آدم.
50. يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ: يخاف الملائكة ربهم الأعلى وهو الذي فوق العباد مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويفعل الملائكة ما يأمرهم الله به فلا يعصون الأمر ولا يتعدونه.
51. وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ: وأمر الله عباده على ألسنة رسله أن لا يعبدوا إلهين اثنين، إنما يعبدون الله الواحد الأحد لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه لا شريك له وعليهم أن يخافوه وحده دون سواه.
52. وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ: ولله وحده خلقا وملكا ورزقا وتدبيرا كل ما في السموات والأرض وله وحده الدين خالصا دائما، أفيصح لكم أن تخافوا غير الله وأن تعبدوا سواه وهو أحق أن يعبد وأولي أن يوحد.
53. وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ: وما بكم أيها الناس من نعم ظاهرة وخفية كبيرة وصغيرة من هداية وأمن وعاقبة ومال وولد وغير ذلك فهي من الله وحده وهو المنعم المتفضل عليكم لا سواه وإذا نزل بكم البلاء ومستكم الضراء وحل بكم المرض والفقر والعسر، فأنتم لا تدعن إلا الله وحده تضجون إليه بالدعاء وقت الشدائد.
54. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: ثم إذا أزال الله عنكم الشدائد وأبدل بعد العسر يسرا إذا طائفة منكم تشرك بالله غيره فتعبد سواه وتجحد نعمه وتكفر بإحسانه.
55. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: ليجحدوا نعم الله عليهم وأياديه لديهم بإسداء النعماء وصرف البلاء فليتمتعوا بدنياهم الزائلة الفانية فسوف يظهر لهم سوء صنيعهم يوم الحساب يوم يذوقون العذاب.
56. وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ: ومن شنيع أفعالهم أنهم يصرفون قسما من أموالهم التي رزقهم الله إياها للأصنام التي لا تنفع ولا تضر، تالله ليسألنهم الله يوم القيامة عن هذا الزور والبهتان من صرف عبادة الرحمن للأوثان والشيطان.
57. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ: وينسب الكفار البنات إلى الله كذبا فيقولون الملائكة بنات الله تعالى الله عن هذا الكذب وتقدس من هذا الزور أما هم فينسبون إلى أنفسهم البنين قاتلهم الله على هذا البهتان.
58. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ: وإذا جاء الكافر خبر بولادة بنت له أسود وجهه وضاق صدره وامتلأ غما وهما.
59. يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ: يستتر من أصحابه كراهية أن يلقاهم للعار الذي يجده في نفسه بسبب انته وهو متردد أيترك البنت حية ويصبر على الذل والهوان أم يدفنها حية في التراب خوفا من العار؟ ألا قبح الله هذا الحكم الذي حكموه حيث جعلوا البنات لله جل في علاه والبنين لهم!!
60. لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: الأوصاف القبيحة والأمثال الشنيعة للكفار الفجار أما الواحد القهار فله الصفات العلى من الكمال والجلال والجمال والغنى والعظمة وهو الذي عز فلا يغالب وقهر فلا يحارب ولا يعجزه فار ولا ينجو منه هارب وهو حكيم في شرعه وفي صنعه.
61. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ: ولو أن الله يؤاخذ من كفر من البشر لأفني جميع من على الأرض فما تحرك متحرك، لكن يمهلهم ويحلم عليهم إلى أجل وقته سبحانه فإذا انتهى الأجل أخذهم على عجل فلا يتأخرون عن الوقت المحدود ولا يتقدمون على الأجل المعدود.
62. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ: ومن شنيع أفعالهم أنهم ينسبون البنات إلى الله وهم يكرهون نسبتها إلى أنفسهم، ويدعون أن العاقبة الحميدة لهم، حقا إنهم سوف يخلدون في النار وإنهم فيها متروكون منسيون.
63. تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: تالله لقد أرسل الله قبلك أيها النبي رسلا إلى أقوامهم فزين لهم الشيطان عبادة الأوثان وصدهم عن عبادة الرحمن فهو متولى أمورهم يوردهم الغواية ويمنعهم الهداية ولهم عذاب النار عذاب موجع شديد لا يطاق.
64. وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: وما أنزل الله عليك أيها الرسول القرآن إلا لتوضح للأمة ما اختلفوا فيه من العقائد والأحكام ليتضح الحق ولتقوم الحجة ويهتدي من شاء الله هدايته ويرحم الله بهذا الكتاب من آمن به وتدبره وعمل بما فيه فالنجاة والسعادة والهداية والرحمة كلها في القرآن.
65. وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ: والله وحده أنزل من الغمام ماء فأخرج به النبات الأخضر من الأرض الجدباء اليابسة إن في إنزال الماء من السماء وإنبات الأرض الجرداء برهانا على قدرة الحكيم الخبير وعلى وحدانية الواحد الأحد لقوم يسمعون العظات فيتدبرونها ويعملون بما دلت عليه.
66. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ: وإن لكم أيها البشر في الإبل والغنم والبقر لعبرة لمن اعتبر فانظروا كيف يسقيكم الله من ضروعها لبنا صافيا أبيض لذيذا من بين فرث وهو ما في كرش الدابة وبين دم ومع ذلك يخرج اللبن خالصا من الشوائب لذة للشاربين.
67. وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: ومن نعم الله عليكم أيها الناس ما تنتفعون به من ثمر النخل والعنب فتجعلونه خمرا مسكرا وهذا قبل التحريم وطعاما طيبا لذيذا إن في هذه النعم لبرهانا على قدرة الله للعباد الذين يعقلون العظات وينتفعون من العبر.
68. وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ: والله وحده هو الذي ألهم النحل بأن تجعل بيوتها في الجبار والشجر وبما بيني البشر من المنازل والأخشاب.
69. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: وأوحى الله إلى النحل أن تأكل من كل ثمرة طيبة تشتهيها وتسلك ذاهبة آبية في الطرق التي سهلها الله عزوجل فلا تضل النحلة في ذهابها وعودتها يخرج الله من بطون النحل عسلا مصفى أبيض وأصفر وأحمر يسر الناظرين ويلذ طعمه للآكلين فيه شفاء للبشر من المرض والضر إن فيخلق النحل وما يصنعه من بيوت وما يأكله من ثمرات وما يخرجه من عسل برهانا عظيما على قدرة الحكيم لمن له عقل يتفكر ويعتبر ويتدبر.
70. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ: والله وحده سبحانه خلقكم من العدم ثم يميتكم إذا انتهت آجالكم وبعضكم يهرم ويخرف ويصبح كالطفل لا يعلم شيئا مما كان يعلمه وينسى ما يحفظه ويجهل ما يعرفه إن الله عليم أحاط علمه لكل شىء لا تخفى عليه خافية قدير أوجد من العدم وأمات بعد الإحياء وأحيا بعد الإماتة جل في علاه.
71. وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ: والله وحده فضل بعض الناس على بعض في الرزق فمنهم غني وفقير ورئيس ومرؤوس وسيد ومسود ولهذا لا يعطي المالكون مملوكيهم ولا الرؤساء مرؤوسيهم ما يصيرون به مثلهم في المكانة والجاه والمال لأنه لا يرضى المالك أن يساويه مملوكه فلماذا رضوا أن يجعلوا لله شركاء من عبيده يساوونه في الألوهية ويقاسمونه في العبودية إن هذا ظلم عظيم ونكران لنعمة الله وجحود لفضله وعطائه عزوجل.
72. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ: والله سبحانه خلق لكم من جنسكم زوجات لتستريح نفوسكم معهن ويتم الأنس والراحة بين الزوج والزوجة وخلق لكم من الزوجات الأبناء ومن الأبناء الحفدة ورزقكم من سائر الأطعمة الطيبة والأشربة اللذيذة من الحبوب والثمار والخضروات والفواكه واللحوم إلى غير ذلك لتستعينوا بها على طاعة الله أفبالزور والكذب من ألوهية الأصنام والأوثان يؤمن الكفار وبنعم الله الجليلة وأياديه الجزيلة يجحد هؤلاء الأشرار الفجار ولا يشكرون الواحد القهار ولا يفردونه بالألوهية وهو المستحق لها لأنه الملك الجبار؟!
73. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ: ويعبد الكفار أصناما وأوثانا لا ترزقهم شيئا من السماء كالغيث ولا تعطيهم شيئا من الأرض كالحبوب والثمار فهي لا تملك شيئا ولا تعطي أحدا ولا تقدر على التملك والعطاء إنها معبودات جامدة عاجزة.
74. فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: فإذا تيقنتم أيها الناس أن الأصنام والأوثان لا تنفع ولا تضر فلا تعلوها مماثلة ومشابهة لله جل وعلا لأن الله ليس كمثله شىء وهو السميع البصير فأنتم لا تعلمون ما فعلتموه من خطأ عظيم وذنب جسيم.
75. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ: الله يضرب مثلا يبين فيه قبح عقيدة المشركين برجل رقيق مملوك لرجل آخر لا يستطيع التصرف ورجل حر له مال يتصرف فيه يتصدق منه في الخفاء والعلن فهل يستوي الرقيق المملوك المحجور عليه مع الحر المتصرف الذي ينفق ماله فكذلك الله الخالق الرازق المدبر المتصرف في خلقه لا يستوي مع عبيده العاجزين القاصرين الفقراء فكيف تسوون أيها الكفار بين العبيد والواحد القهار؟ الحمد والثناء لله وحده فأكثر الكفار لا يعلمون أن الحمد والثناء والنعمة لله وأنه المستحق وحده للعبودية وأنه لا إله إلا هو.
76. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وضرب الله مثلا آخر لقبح عقيدة الكفار برجلين أحدهما أخرس لا يتكلم أصم لا يفهم لا يستطيع نفع نفسه ولا نفع غيره لا خير فيه ولا نفع من ورائه وهو حمل ثقيل على والي أمره إذا كلفه بمهمة لا يقوم بها فهو لا يقضي حاجة ولا تُرجي منه مصلحة ورجل آخر ممتع بجوارحه يقوم بنفع نفسه وغيره وهو منصف في أموره وأحكامه لتمام عدله، ومنهجه منهج قويم، وهو على طريق مستقيم في اعتقاده وأخلاقه فهل يستوي الرجلان عند أهل البصائر السوية؟ فكيف أيها الكفار تسوون بين الأحجار والواحد القهار؟ والحجارة صماء بكماء عمياء والله سبحانه متكلم سميع بصير منعم قادر خالق رازق عليم حليم تقدست أسماؤه.
77. وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: كل ما غاب في السموات والأرض فالله يعلمه ويطلع عليه ولا تخفى عليه خافية وما حالة القيامة في سرعة قيامها إلا كطفلة العين إذا نظرت أو أسرع من ذلك إن الله على كل شىء قدير ومن ذلك قدرته على إقامة الساعة ونهاية العالم.
78. وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: والله وحده أخركم أطفالا من بطون الامهات بعد مدة الحمل لا يدري أحدكم عن شىء مما حوله وجعل لكم وسائل العلم والإدراك من سمع وبصر وقلوب عسى أن تشكروا الله بالتوحيد وتفردوه بالعبادة.
79. أَلَمْ يَـرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: أما نظر الكفار نظر تدبر إلى الطير ذللها الله في السماء للطيران بمشيئته وقدرته من الذي يمسكها أن تقع من السماء على الأرض إلا الله وحده إن في خلق الطير وطيرانها وإمساكها في الجو رهبانا واضحا على قدرة الله لعباد يؤمنون بوحدانية الله ويتفكرون في بديع صنعه.
80. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ: والله وحده هو الذي هيأ لكم منازل للراحة والسكنى والاستقرار مع أهلكم في حالة الحضر والإقامة وجعل لكم في حالة السفر والارتحال خياما وقبابا من شعر الأنعام وجلوده ليكون حملها عليكم خفيفا وقت الارتحال ويسهل عليكم نصبها زمن الإقامة وجعل لكم من أصواف الغنم وأوبار الإبل وأشعار المعز أثاثا وأمتعة وأكسية وألبسة وأردية وأغطية وملاحف وبيوت تستخدمونها وتنتفعون به حتى الموت.
81. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ: والله وحده جعل لكم ما تستظلون به من حرارة الشمس كالأشجار وغيرها وجعل لكم الجبال مغارات وكهوفا تسكنونها وقت الحاجة وجعل لكم ثيابا من القطن والصوف وغيرهما من أنواع الأقمشة تلبسونها تمنعكم من أذى الحر والبرد وجعل لكم دروعا من الحديد تحميكم في المعارك من الضرب والطعن والرمي ومثلما أنعم الله عليكم بنعم الأبدان أنعم عليكم بنعمة الأديان من هداية للإيمان وإنزال القرآن حتى تنقادوا لأمر الله وحده وتعبدوه وتطيعوه ولا تشركوا به شيئا.
82. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ: فإن أعرض الكفار أيها النبي عن الإيمان بعد إقامة الحجة عليهم فلا تحزن من فعلهم فأنت مأجور على بلاغك والعذاب واقع عليهم لتكذيبهم فأنت مبلغ والهادي هو الله وحده.
83. يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ: يعرف الكفار نعمة الواحد القهار بإرسال النبي المختار صلى الله عليه وسلم ثم يكذبون بنبوته ويجحدون رسالته وأكثرهم جاحد معاند والقليل مؤمن مصدق.
84. وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ: وتذكروا ما يقع يوم العرض الأكبر على الله حين يبعث الله رسولا من كل أمة يشهد لمن آمن منهم ويشهد على من كفر ثم لا يسمح للكفار بالاعتذار عند الملك الجبار على ما وقع منهم من كفر وإصرار ولا يطالبون في تلك الحال ما يرضي الله من استجابة وتوبة وإيمان فقد فات الأوان.
85. وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ: وإذا عاين الكفار العذاب في النار فلا يهون عليهم العذاب ولا يؤخر عنهم، ولا يمهلون بل عذابهم شديد عاجل.
86. وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ: وإذا أبصر الكفار يوم القيامة أصنامهم وأوثانهم التي عبدوها من دون الله قالوا حينها يا ربنا هؤلاء كنا نعبدهم من دونك ورضوا بعبادتنا لهم فأنطق الله هذه الآلهة بتكذيب عبادها وقالت أيها الكفار إنكم كاذبون حينما عبدتمونا من دون الله ولم نأمركم بذلك ولم نرض هذا العمل ولا أخبرناكم أننا نستحق العبادة فاللعنة والسخط والعذاب عليكم.
87. وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: الذين كفروا بالله وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ومنعوا الناس من الإيمان زادهم الله عقابا على الكفر وعقابا على منع الناس من الهداية فلهم عذاب على الضلال والإضلال لأنهم أهل إفساد وفساد وكفر وعناد وغواية للعباد.
88. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ: الذين كفروا بالله وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ومنعوا الناس من الإيمان زادهم الله عقابا على الكفر وعقابا على منع الناس من الهداية فلهم عذاب على الضلال والإضلال لأنهم أهل إفساد وفساد وكفر وعناد وغواية للعباد.
89. وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ: وتذكروا يوم يبعث الله رسولا من كل أمة يشهد لمن آمن من قومه ويشهد على من كفر ويبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم شهيدا على أمته فيشهد لمن اتبعه ويشهد على من عصاه وقد نزل الله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم يوضح فيه كل أمر من العقائد والأحكام والأخلاق والآداب والثواب والعقاب ويهدي به من الضلالة ويرحم به من آمن به وصدق ويبشر من اهتدى بخاتمة حميدة وأجر عظيم وثواب كريم في جنات النعيم.
90. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: إن الله يأمر عباده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالعدل والإنصاف في حقه سبحانه بإفراده بالعبودية وعدم الإشراك به وفي حق خلقه بإعطاء كل ذي حق حقه وعدم بخس أحد شيئا مما يستحقه ويجب له ويأمر بالإحسان سبحانه في حقه بإجادة عبادته وإحسان طاعته بمراعاة الإخلاص واتباع السنة والإحسان إلى الخلق بإيصال ما ينفعهم إليهم من عون ومال ومساعدة غير الواجب على العبد ويأمر بصلة القرابة وبرهم الإحسان إليهم وينهي عن كل قبيح وكل عمل شنيع وينهي عن كل ما ينكره الشرع من الكفر والمعاصي وينهي عن ظلم الناس والتعدي عليهم وهو سبحانه يعظ عباده ويذكرهم بهذه الشريعة لكي يعملوا بما شرع ويتركوا المعاصي والبدع ويلزموا التقوى والورع.
91. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ: وعليكم بالوفاء بكل عهد وعقد بينكم وبين الله وبينكم وبين الناس في مال لا يخالف الشرع ولا تعودوا بإبطال الإيمان بعد أن أكدتموها بقسمكم بالرحمن وأنتم حين عاهدتم جعلتم الله كفيلا وضامنا على ما قلتم ووعدتم فاتقوه واخشوه فهو عليم بما تفعلون مطلع على ما تصنعون وسوف يجازيكم في يوم علية تعرضون.
92. وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: ولا تنكثوا عهودكم ولا تنقضوا عقودكم فيكون حالكم كحال امرأة غزلت غزلا وأحكمته ثم نقضته فذهب جهدها سدى وعملها ضياعا ولا تجعلوا أيمانكم التي أقسمتم بها عند العهود والعقود خديعة تخدعون بها من عاهدكم وعاقدكم ولا تنقضوا عهودكم إذا وجدتم طائفة أكثر مالا ومنفعة لكم من الذين عاهدتموهم من قبل فالله يختبركم بما أوجب عليكم من الوفاء بالعهود وعدم نقضها وهو يبين سبحانه وتعالى لكم يوم القيامة ما اختلفتم فيه يوم يظهر ما في السرائر ويعلم ما في الضمائر فيجازي كلا بما فعل من أمانة وخيانة.
93. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: ولو أراد الله لجمع قلوبكم على ملة واحدة ولم يحصل بينكم خلاف ولا تفرق وكنتم مسلمين مؤمنين ولكن أراد الله أن يضل من عباده من اختار الضلال على الهدى فلا يوفقه للهداية عدلا منه سبحانه وأراد أن يهدي من عباده من اختار الهدى فيوفقه لقبول الحق فضلا منه سبحانه وسوف يسألكم جميعا عن أعمالكم يوم القيامة من خير وشر ثم يحاسبكم عليها فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.
94. وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: ولا تجعلوا قسمكم خديعة تخدعون به من أقسمتم له فيغتر بهذا القسم فيصدقكم وأنتم كاذبون فتهلكوا بعد أن كنتم في نجاة وأمن مثلما زلقت قدم واقف بعد أن كانت ثابتة وينالكم عاقبة ما فعلتم في الدنيا؛ بسبب صدكم عن سبيل الحق ولكم عند الله في الآخرة إذا غدرتم عذاب أليم في نار جهنم.
95. وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: ولا تنقضوا العود وتنكثوا العقود لتأخذوا عوضا منها شيئا تافها حقيرا من متاع الدنيا وكل متاع الدنيا حقير فالذي عند الله من الأجر العظيم على الوفاء أجل وأعظم مما أخذتم من الثمن الزهيد الحقير إذا كان عندكم علم يفرق بين النافع والضار ففرقوا بين خيري الدنيا والآخرة.
96. مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: والذي عندكم من حطام الدنيا الفانية زائل ذاهب والذي عند الله من الأجر العظيم والثواب الكريم ثابت لا يزول وسوف يثيب الله من صبر على أداء الطاعات واجتناب المحرمات أعظم الثواب وأجل العطاء فيعطيهم على أدناها كما يعطيهم على أعلاها تفضلا وكرما.
97. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: من عمل من العباد سواء من الرجال أو النساء عملا صالحا بإخلاص ومتابعة وهو مؤمن بالله ورسوله ووعده ووعيده فإن الله يحييه في هذه الدنيا حياة سعيدة مطمئنة هنيئة في أمن وراحة ولو ان قليل المال لا جاه له وسوف يثيبه الله في الآخرة الثواب الجزيل والأجر الجميل في فلاح كبير وفوز عظيم بجوار رب كريم في جنات النعيم.
98. فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: فإذا أردت أيها المسلم أن تقرأ كتاب الله فاستعذ في بدء التلاوة من شر الشيطان المطرود من رحمة الله قائلا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وفيه أن من بدأ من أثناء السورة يلزمه الاستعاذة ولا تلزمه البسملة.
99. إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: إن الشيطان لا يسلطه الله على أولياء الرحمن المعتمدين عليه المفوضين أمرهم إليه.
100. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ: إنما يسلطه على من اتبعوا سبيله وأطاعوه في معصية الرحمن والذين يشركون بالله في أقوالهم.
101. وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ: وإذا جعل الله آية من القرآن مكان آية أخرى بالنسخ ونحوه والله الذي خلق العباد أعلم لمصلحة عباده فيما يثبته من الأحكام وينسخه وفي الأحوال والأزمان حينها يقول الكفار إنما أنت أيها الرسول كاذب على الله تقول شيئا لم تؤمر بقوله وقد صانه ربه عن ذلك صلى الله عليه وسلم فليس كما يزعمون بل أكثرهم لا علم له بما يستحقه ربه من تعظيم وما يستحقه رسوله من تكريم فهم جاهلون بالمرسل والرسالة.
102. قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ: قل لهم أيها الرسول أنا لم أقل إن القرآن من عند نفسي، بل هو وحي من عند الله نزل به جبريل من رب العالمين بالصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام تثبيتا للمؤمنين وهداية للضالين وبشارة طيبة للمتقين ورحمة للأبرار المفلحين.
103. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ: والله يعلم أن الكفار يقولون ليس القرآن وحيا وإنما يتعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم من إنسان مثله من الناس وليس من الله وقد كذبوا في ذلك فالإنسان الذي نسبوا إليه تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أعجمي ليس عربيا فصيحا والقرآن غاية في الفصاحة والبيان فكيف يقول مثله العجمي الألكن!!
104. إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: إن الكفار الذين يكذبون بآيات الواحد القهار لا يرشدهم الله إلى الهداية ولهم في النار عذاب أليم موجع وبئس القرار.
105. إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ: إنما يختلق الباطل ويقول الزور من لا يؤمن بالله وآياته ولقائه وهم الكاذبون فيما قالوا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو الصادق المصدوق أبلغ الرسالة بأمانة وما كتم وما كذب.
106. مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: الذي يفتري الكذب ومن قال كلمة الكفر فكفر بعد الإسلام فعليه غضب الله وسخطه ولعنته وله في الآخرة عذاب أليم في نار جهنم لكن يعذر من أرغم على النطق بالكفر فنطق ليدفع الهلاك عن نفسه وقلبه ثابت على الإيمان فلا لوم عليه ولا إثم.
107. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ: لأن من آثر الكفر على الإيمان إنما فعل ذلك لحبه للدنيا وزينتها وتفضيله إياها على الآخرة وثوابها والله لا يوفق من كفر ولا يهدي من أعرض وفجر.
108. أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ: هؤلاء الكفار قد أغلق الله منافذ الهداية إلى قلوبهم؛ لإيثارهم الدنيا على الآخرة فلا يصل إليها نور الإيمان وأغلق أسماعهم فلا تسمع آيات القرآن سماع استجابة وإذعان وأعمى أبارهم فلا تشاهد البراهين الدالة على وحدانية الله فهم غافلون عن الحجج الواضحة وغافلون عن وعد الله ووعيده.
109. لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ: حقا إن الكفار لفي خسار لأنهم خالدون في النار لأنهم تركوا طريق الهدى وسلكوا سبيل الردى.
110. ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ثم إن ربك للمستضعفين من المؤمنين في مكة الذين عذبهم الكفار حتى نطقوا بكلمة الكفر في الظاهر وقلوبهم ثابتة على الإيمان ولما استطاعوا الفرار بدينهم إلى المدينة فعلوا ثم جاهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم لإعلاء كلمة الله وصبروا على أداء الطاعات واجتناب المنهيات إن الله كثير الغفران لهم على ما أسلفوا من الذنوب رحيم بهم حيث وفقهم للتوبة ولم يعجل لهم العقوبة.
111. يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: وتذكروا يوم العرض الأكبر يوم تقوم كل نفس تخاصم عن ذاتها وتعتذر عما فعلت وتنكر ما عملت حينها تجازي كل نفس بما قدمت من خير وشر فللمحسن الثواب وللمسئ العقاب بلا ظلم ولا هضم.
112. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ: وضرب الله مثلا قرية مكة كانت في أمان من الأعداء حيث حماها الله عزوجل مطمئنة في عيش رغيد يأتي رزق أهلها هنيئا يسيرا من كل جهة فلما جحدوا نعمة الله وأشركوا به وكذبوا رسوله ابتلاهم بالجوع والفقر والخوف والفتن والمحن بسبب أفعالهم القبيحة وأعمالهم الشنيعة.
113. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ: ولقد أرسل الله إلى كفار مكة محمد صلى الله عليه وسلم يعرفون صدقه وأمانته ونسبه فردوا ما جاء به ولم يتبعوه فابتلاهم الله بالشدائد والنكبات من جوع وخوف وقتل وأسر وذل وهوان وقتل أشرافهم في بدر وهم ظالمون لأنفسهم بالشرك.
114. فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: فكلا أيها المسلمون مما أباحه الله من الرزق الحلال الطيب واجتنبوا الحرام والخبيث واشكروا نعمة الله بطاعته واتباع رسوله إن كنتم صادقين في إيمانكم مخلصين في عبادتكم.
115. إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: إنما حرم الله عليكم أكل من مات من الحيوان بلا تذكية وحرم الدم المسفوح من الذبيحة عند ذبحها وحرم لحم الخنزير وما ذبح لغير الله كالذبح للأصنام والأوثان والعرافين والكهنة لكن من وصل إلى حالة خاف على نفسه فيها الموت من الجوع غير ظالم في الأكل بلا ضرورة وغير متجاوز حد الضرورة فإن الله غفور له رحيم به لا يعاقبه على ما فعل فالضرورات تبيح المحظورات.
116. وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ: ولا تقولوا أيها الكفار لما تفترونه من أباطيل هذا حلال والله قد حرمه وهذا حرام والله قد أبحه لتنسبوا إلى الله ما لم يشرعه من تحليل الحرام وتحريم الحلال إن الذين ينسبون إلى الله ما لم يقله لا ينالون خير الدنيا ولا خير الآخرة ولا ينجون من عذاب الله.
117. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: بقاؤهم في الدنيا يتمتعون بمتاعها الحقير الزهيد قليل ولهم في الآخرة عذاب أليم في نار الجحيم.
118. وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: وقد حرم الله على اليهود ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من قبل وهو كل ذي ظفر كبعض الطيور وحرم عليهم الشحوم إلا ما حملته ظهور البهائم أو وجد في أمعائها أو كان مختلطا بالعظم وما ظلمهم الله بتحريم ذلك ليهم لكنهم بغوا واعتدوا فاستحقوا عقوبة الحرمان، فما وقعت عقوبة إلا بذنب.
119. ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ: ثم إن الله سبحانه يغفر للذين فعلوا المعاصي وهم جاهلون بعاقبتها وإيجابها لغضب الله (فكل عاص أخطأ أو تعمد فهو جاهل بهذا المفهوم وإن كان يعلم التحريم) ثم عادوا إلى ربهم نادمين وتابوا إليه مما فعلوا وأصلحوا أنفسهم بأنواع البر والطاعات فالله يتجاوز عنهم بعد التوبة والإصلاح ويرحمهم بتكفير السيئات وقبول الطاعات ومضاعفة الحسنات.
120. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: إن إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم كان إمامًا في الخير وقدوة في الصلاح وكان مطيعا لربه كثيرا الخشوع والخضوع مستقيما على دين التوحيد لا يميل عنه إلى غيره لم يشرك بالله أبدا ولم يتخذ من دون الله إلها آخر فهو إمام الموحدين وأسوة العابدين.
121. شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وكان إبراهيم كثير الشكر لربه على نعمه الجليلة بالقلب واللسان والجوارح اصطفاه الله للرسالة ووفقه لسلوك الطريق المستقيم وهو التوحيد مع عمل الصالحات واجتناب المنكرات.
122. وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: وأعطى الله إبراهيم في الدنيا الإمامة والذكر الحسن والعلم والنبوة والحكمة وهو عند الله يوم القيامة في منزلة رفيعة وفي مرتبة عالية مع عبادة الأبرار وأوليائه الأخيار.
123. ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ثم أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأمره أن يتبع دين الإسلام كما كان عليه إبراهيم وأن يلزمه ويستقيم عليه ولا يميل عنه فإن إبراهيم كان موحدا ولم يشرك بالله غيره.
124. إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: إنما فرض الله تعظيم يوم السبت ببعض العبادات على اليهود الذين اختلفوا فيه على رسولهم واختاره بدل يوم الجمعة الذي هدى الله فيه محمدا صلى الله عليه وسلم وإن الله سوف يحكم بين المختلفين يوم القيامة فيثيب الطائعين ويعاقب العاصين فهو الحكم العدل سبحانه.
125. ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ: ادع أيها النبي أنت وأتباعك إلى دين الإسلام وأحكامه وأخلاقه بأحسن الطرائق وألطف الوسائل وأجمل الأساليب من لين في الخطاب ورفق في الكلام على منهج الكتاب والسنة بلا غلظة ولا فظاظة ولا شره بل بالتيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير ورغبهم في الخير وحذرهم من الشر وأنصح لهم بإشفاق وجادلهم بأحسن أساليب المجادلة من حيث الرفق واللين والتجرد في الحوار، والبعد عن السب والإيذاء والاستعلاء والكبر، فليس عليك إلا البيان التام والنصح الصادق، فأنت مبلغ والله هو الهادي، يعلم من حاد عن الاستقامة، ويعلم من سلك الطريق المستقيم وسوف يجازي كلا بما فعل.
126. وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ: وإذا أحببتم القصاص من المعتدين فاقتصوا كفافا مثلما اعتدي عليكم بلا زيادة وإن صبرتم وعفوتم فهو أفضل لكم بالنصر في الدنيا والأجر في الآخرة فمع العفو العز ومع الصبر النصر.
127. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ: واصبر أيها النبي على أذى الكفار ومشقة الدعوة والنوائب ولن تستطيع الصبر إلا بعون من الله فهو الذي يلهمك الصبر ويعينك ويؤيدك ويسهل عليك كل صعب ولا تحزن على من عصاك وأبى الاستجابة لك ولا تغتم وتهتم من كيد الكائد ومكر الماكر فإن العاقبة لك والدائرة على أعدائك والله وليك وناصرك ولن تغلب أو تهزم والله معك وهذا للنبي صلى الله عليه وسلم وكل من اتبعه واهتدى بهداه.
128. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ: إن الله سبحانه يؤيد من اتقاه بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه من ذنوب وآثام ومنكرات ويحفظه ويتولاه وهو مع من أحسن في أداء الطاعات وسارع في الخيرات وتقرب إلى ربه بأنواع العبادة المشروعة مع إحسان أدائها بالإخلاص والمتابعة.