Advertisement

__التفسير الميسر عائض القرني ٣

سورة الْإِســراء
1. سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ: ينزه الله نفسه ويعظم شأنه ويقدس ذاته بأنه سبحانه ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى له الكمال المطلق جل في علاه لا إله غيره ولا رب سواه وهو سبحانه الذي أسرى بنبيه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم وقتا من الليل بجسمه وروحه يقظة لا مناما من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس الذي جعل الله حوله من بركات الأرض من ثمار وحبوب وفواكه وغير ذلك وفيه منازل كثير من الأنبياء أسرى به ليرى عجائب قدرة الله وبراهين عظمته وأدلة وحدانيته إنه سبحانه سميع للأقوال ولكل مسموع بصير بالأعمال والأحوال لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عن عمله غائبة.
2. وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا: وكما فضل الله نبيه بالإسراء تفضل على موسى بإنزال التوراة عليه وجعل فيه البيان الكافي والإرشاد التام لبني إسرائيل تنهاهم عن الشرك وتدعوهم إلى توحيد الله بالعبادة والتوكل عليه وحده لا على سواه من الأنداد والأضداد.
3. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا: يا سلالة من أنجاهم الله من الطوفان وحملهم في السفينة مع نوح أخلصوا لربكم العبادة ولا تشركوا به شيئا واشكروه على نعمة كشكر نوح لربه فإن نوحا كان كثير العبادة لله دائم الشرك له بالقلب واللسان والجوارح والشكر من أعلى منازل العبودية.
4. وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا: وأخبر الله اليهود في التوراة التي أنزلت على نبيهم موسى أنه مكتوب عليهم أنهم سوف يفسدون في بيت المقدس مرتين من قتل للأنبياء وسفك للدماء، وجور واعتداء.
5. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا: فإذا حصل من اليهود الفساد الأول سلط الله عليهم جيشا ذا بطش شديد، وعدة وعديد يهزمونهم ويأسرونهم ويقتلونهم ويطردونهم فيطوف هذا الجيش في مواطن اليهود بيدهم ويجتاحهم وهذا وعد أكيد لابد أن يحصل بسبب عصيان اليهود.
6. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا: ثم يعيد الله الكرة لليهود بالنصر والغلبة على العدو ويكثر أموالهم وأبناءهم ويزيد قوتهم ويبارك في عددهم بسبب إحسانهم وتوبتهم وعودتهم إلى ربهم.
7. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا: إن أحسنتم يا بني إسرائيل مع ربكم بطاعته ومع الخلق بحسن التعامل وأتقيتم الله في أقوالكم وأعمالكم فأجر ذلك عائد إليكم وإحسانه راجع إليكم فالله غني عنكم وعن أعمالكم وإن أسأتم بالمعاصي والذنوب فالعقاب عليكم والنكال ننازل بكم فإذا أفسدتم أيها اليهود مرة ثانية سلط الله عليكم عدوا كثيرا عدده قويا بأسه فيقتلكم ويذلكم ويخزيكم ويقهركم فتبقون في هوان وعار ومسكنة وهزيمة وسوف يفتح أعداؤكم بيت المقدس فيهدمونه كما هدموه في المرة الأولى ويدمر كل بناء تدميرا كاملا فتصبح أرضكم بهذا العدو لكم خرابا.
8. عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا: عسى ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم إن رجعتم إليه وندمتم على ما فعلتم من الإفساد والظلم وبدلتم السئ بالحسن وإن عدتم إلى المعاصي وظلم الناس والإفساد في الأرض عاد الله إلى عقابكم وإذلالكم أما في الآخرة فقد جعل الله النار سجنا للكفار لا يخرجون منه أبدا وفي الآية تحذير للناس من الذنوب وبيان لعواقبها في الدنيا والآخرة من الذل والهوان والعذاب في النيران.
9. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا: إن هذا القرآن المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أنزله الله تعالى فيه السعادة والفلاح والفوز والنجاة لمن آمن به واهتدى بهداه فهو يرشد أهل الإيمان إلى كل خير وصلاح وينهي عن كل قبيح ومنكر وهو بشرى لمن آمن وعمل صالحا لأن الله قد أعد له ثوابا عظيما في جنات النعيم فالقرآن يرشد إلى أقوم السبل في العقائد والعبادات والأخلاق والسلوك مما يناسب الفطرة القويمة والعقول السليمة فلا تجد خيرا إلا وقد سبق القرآن إلى الدعوة إليه ولا شرا إلا وقد حذرا القرآن منه.
10. وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: والذين يكذبون بيوم القيامة والبعث بعد الموت أعد الله لهم في نار جهنم عذابا موجعا أليما جزاء تكذيبهم.
11. وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا: والإنسان في بعض الأوقات من غضبه وعجلته يدعو على نفسه أو ولده أو ماله بالشر مثلما يدعو بالخير ولكن الله رحيم لا يستعجل بالإجابة للإنسان حينما يدعو بالشر وإنما يستجيب للعبد إذا دعا بالخير لطفا منه ورحمة والإنسان من طبيعته العجلة وعدم تقدير العواقب وقلة الصبر أمام الشهوة والغضب.
12. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا: والله جعل الليل والنهار برهانين واضحين على وحدانيته وقدرته عجل في علاه فمحا القمر الذي هو علامة الليل وجعل الشمس مضيئة ساطعة وهي علامة النهار ليرى الإنسان في النهار طرق الكسب والمعاش والذهاب والغياب والتصرف في مصالحه ويعود في الليل إلى منامه ليستريح وتنقطع أشغاله وأعماله وليستدل العباد من تعاقب الليل والنهار على عدد السنين وحساب الأشهر والأيام والله قد بين كل شىء ووضحه توضيحا كافيا شافيا.
13. وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا: والله يلزم كل عبد بعمله من خير أو شر فلا يجازيه على عمل غيره ولا يجازي غيره بعمله ويريه الله يوم الحساب كتاب الأعمال من الحسنات والسيئات معروضا أمام بصره ليقرأه بنفسه.
14. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا: ويقال للعبد طالع كتاب الحسنات والسيئات التي عملتها في الدنيا فيقرأ ولو كان أميا وكفى بنفسه مطلعة على أعماله محصية لحسناته وسيئاته وليعلم أن الله عدل لا يظلم أحدًا.
15. مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا: من لزم الصراط المستقيم واتبع الحق فأجر ذلك له وحده ومن ضل عن الهداية واتبع الغواية فإثم ذلك عليه وحده ولا تتحمل نفس مسيئة ذنوب نفس أخرى مسيئة فلن يعذب أحد بذنب أحد ما لم يكن سببا في إضلاله والله لا يعاقب إنسانا إلا إذا وضح له الحجة وبين له المحجة بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
16. وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا: وإذا أراد الله أن يهلك مدينة بذنوبهم أمر أغنياءهم ورؤساءهم بالطاعة فإذا عصوه اقتدى بهم الناس في ذلك العصيان فحل عقاب الله بالجميع فاستأصل أهل المدينة جميعا وأهلكهم هلاكا تاما.
17. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا: والله قد أفنى بالعذاب أمما سابقة متقدمة كانت كافرة كذبة من بعد نوح وكفى بالله عالما بأفعال العباد من خير وشر فيجازي كلا بما فعل بلا ظلم ولا هضم.
18. مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا: من أراد من الناس بعمله الدنيا الفانية الزائلة ومتاعها وزخرفها ولا يعمل للآخرة أعطاه الله من الدنيا ما أراد على ما قدر له وقضى لهوان الدنيا على الله ثم يكون مرده يوم الحساب إلى النار يدخلها ملوما على ذنوبه مطرودا من رحمة ربه لأنه عصى الأمر وقدم الفانية على الباقية وما أعد العدة للقاء الله.
19. وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا: ومن أراد من الناس بعمله الصالح ما عند الله في دار البقاء وعمل للآخرة بطاعة الله على نوع من الكتاب والسنة يرجو ثواب الله قبل الله عمله وأثابه على فعله وأكرم نزله في جنات النعيم.
20. كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا: كل طائفة ممن يعمل للدنيا الزائلة والآخرة الباقية يمنحه الله من رزقه فيزرق عباده الصالحين رزقا حلالا طيبا يعينهم على الطاعة ويعطي الفجار الأشرار من متاع الدنيا ما يقتاتون به ويتمتعون مثلما يعطي البهائم فإن عطاء الله من الدنيا لأحد ليس دليلا على صلاحه ولا فساده فهو يعطي المؤمن والكافر ولا يمنع عطاءه عن أحد.
21. انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا: تدبر كيف يفضل الله بعض العباد على بعض في عطاء الدنيا فيغني بعض الناس ويفقر بعضهم والتفضيل في الآخرة أعظم وأكبر فالمؤمنون أجل ثوابا وأحسن مالا وأكرم نزلا من غيرهم ثم هم يتفاضلون فيما بينهم في الثواب.
22. لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا: لا تجعل أيها الإنسان شريكا مع الرحمن من الأصنام والأوثان فتعود بالخزي والندامة والحزن والخذلان.
23. وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا: وأوجب الله على العبد أن يوحده بالعبودية ويفرده بالألوهية ولا يشرك به شيئا، وأن يحسن إلى والديه كل الإحسان، وبخاصة عند الشيخوخة فلا يمل من برهما ولا يستثقل الإحسان إليهما وألا يسمعا منه إلا كل جميل حتى لا يجوز له التأفف منهما الذي هو أقل مراتب القول السئ ولا يجوز أن يلقاهما بأي فعل أو قول قبيح بل بالإكرام ولا احترام والحفاوة واللطف واللين والرحمة.
24. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا: وكن أيها الإنسان لأبيك وأمك طائعا ذليلا متواضعا ترحم ضعفهما وتدخل المسرة عليهما واسأل الله دائما لهما الرحمة الواسعة في حاله الحياة والموت جزاء على ما قدما لك وتعبا من أجلك وسهرا على راحتك.
25. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا: الله وحده أعلم بما في الضمائر والسرائر وهو مطلع على الخوافي يعلم النيات وما تضمره من إرادات إن كان قصدكم أيها العباد مرضاة الله وما يقربكم منه وأخلصتم له العمل فإنه يغفر ذنوب من رجا عفوه وطلب ما عنده وأراد وجهه فالله يعفو لمن علم منه الإنابة والمحبة له ولرسوله ولكتابه ويجاوز عما يحصل منه من آثام لا يسلم منها البشر.
26. وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا: وأد حقوق القرابة إليهم من الصلة والبر والإكرام والإحسان والصبر على الأذى وأعط المسكين ما يحتاج إليه مما أعطاك الله وأكرم من انقطع به سفره عن أهله وماله وأخلص لوجه الله في إنفاق مالك ولا تضيعه في غير حقوقه أو تسرف في العطاء بل الزم الوسط والعدل في الإنفاق وغيره.
27. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا: إن الذين يسرفون في إنفاق أموالهم في الذنوب وفي الزيادة عن الحق وتجاوز العدل يشابهون الشيطان في العصيان والاعتداء والطغيان ومن طبيعة الشيطان أنه يكفر نعمة الرحمن وينسى الإحسان.
28. وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا: وإن أعرضت عمن سألك العطاء ولم تعطه شيئا لعدم وجوده لديك وأنت تنتظر الرزق من الله فقل للسائل وقولا طيبا سهلا لطيفا، كالدعاء له بقضاء حاجته وتسهيل أمره وعده فيما يستقبل الله الله إذا سهل رزقا فليستبشر بخير.
29. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا: ولا تقبض يدك عن العطاء وتبخل بمالك ولا تسرف في الإنفاق والبذل فإنك بالبخل يلومك الناس وبالإسراف تنحسر على ذهاب المال.
30. إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا: إن الله يوسع رزقه على بعض عباده ويضيق الرزق على بعضهم لعلمه وحكمته فهو يصرف العباد كما يشاء لمصلحة يعلمها لأنه مطلع على خفايا العباد لا تخفى عليه سبحانه خافية من أحوال عباده.
31. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا: وإذا تيقنتم أن الله وحده هو الرزاق فلا تقتلوا أبناءكم خوفا من الفقر، فليس رزقهم عليكم بل على الله وحده فهو الذي يرزق الأبناء والآباء والأجداد والحفدة: لأن قتل الأبناء جرم كبير وإثم خطير، وفي تقديم رزق الأبناء على رزق الآباء تأكيد على عدم قتلهم؛ لأن الله يتولى شؤونهم.
32. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا: ولا تقربوا الزنا ودواعيه فتقعوا فيه، واجتنبوا أسبابه مثل النظرة والخلوة والخضوع بالقول فالزنا شديد القبح عظيم الشناعة وبئست هذه الفاحشة طريقا فإنها تجلب من شؤم المعصية ما يلوث المجتمع والضمير وفي الآية قال: ولا تقربوا بدلا من لا تفعلوا لحث الإنسان على البعد عن كل سبب يؤدي إلى الزنا.
33. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا: ولا تقتلوا النفس المعصومة التي حرم الله قتلها إلا بحكم الشرع كالقصاص وقتل الثيب الزاني، والمرتد، ومن قتل بغير حق شرعي فقد عل الله لولي أمر المقتول من الورثة أو الحاكم حقا في المطالبة بدم المقتول قصاصا أو دية وليس له أن يتجاوز الحد في القصاص فإن الله مع ولي المقتول بالتأييد على القاتل لأنه مظلوم بقتل وليه حتى يتمكن من أخذ حقه قصاصا أو دية أو عفوا.
34. وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا: ولا يجوز لكم التصرف في مال اليتيم إلا بأحسن المنافع وأصلحها لما له من تثمير ماله وتنميته لا بإتلافه والمخاطرة به حتى يبلغ اليتيم سن الرشد حينها يسلم له المال وعليكم بالوفاء بكل عهد التزمتموه فإن الله سوف يسأل العبد عند كل عهد فإن وفى به اثابه وإن غدر وخان عذبه.
35. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا: وأتموا الكيل ولا تبخسوه إذا اكتال أحد منكم وزنوا بميزان العدل إذا وزنتم للناس إن في إتمام الكيل والوزن خيرا في الدنيا من البركة والنماء وحسن عاقبة في الآخرة من الأجر والمثوبة.
36. وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا: ولا تتبع ما لا تعلم وتتيقن منه بل كن متثبتا في أمورك فلا تذهب وراء الظنون والشائعات لأن الإنسان محاسب عند الله على سمعه وبصره وفؤاده فإن جعلها في الخير أثابه الله وإن سخرها في الشر عاقبه.
37. وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا: ولا تمش أيها الإنسان مشية الكبر والخيلاء فإنك مخلوق ضعيف لا تستطيع خرق الأرض بمشيك عليها، ولن تستطيع أن تكون كالجبال من طولها فأنت بالنسبة إليها قصير ضئيل.
38. كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا: كل ما ذكر في الآيات السابقة من أوامر ونواه يكره الله سيئها ولا يرضاه لعباده ولذلك حرمه.
39. ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا: ذلك الذي بينه الله لك أيها النبي وأنزله عليك من الأحكام النافعة والأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة والنهي عن كل قبيح هي مما يزكي الإنسان ويهذبه ولا تتخذ مع الله إلها غيره وتشرك معه سواه فترمى في نار جهنم تلومك نفسك ويلومك الناس مطرودا من رحمة الله محروما من كل خير يذمك الخلق ويعذبك الخالق.
40. أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا: أفخصكم الواحد القهار أيها الكفار بإعطائكم الذكور من الأبناء واتخذ سبحانه لنفسه بنات من الملائكة؟ إن قولكم هذا غاية في القبح والبشاعة والشناعة حيث نسبتم إلى الله ما لا يليق به عزوجل.
41. وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا نُفُورًا: ولقد بين الله في القرآن ووضح الأحكام والقصص والأمثال لينتفع الناس بها وليستفيدوا من عظاتها وعبرها وما يزيد هذا البيان في القرآن أهل الظلم والطغيان إلا بعدا عن طاعة الرحمن وإمعانا في اتباع الشيطان.
42. قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا: قل أيها الرسول للكفار لو كان مع الله آلهة أخرى غيره لطلبت تلك الآلهة طريقا إلى مغالبة الله ذي العرض العظيم ولحاولت محاربته والاستيلاء على بعض ملكه ولكنه واحد أحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته.
43. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا: تنزه الله عن أقوال الكفار وما ينسبونه إليه فهو الواحد القهار وعلا على خلقه علو ذات وقدر وقهر علوا عظيما يليق بجلاله.
44. تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا: تسبح لله السموات السبع والأراضين وما فيهن من مخلوقات وكل موجود يقدس ربه وينزهه ويثني عليه ويحمده ويمجده بما هو أهله فله الحمد كله والملك جميعه والثناء أوله وآخره لكنكم أيها الناس لا تفهمون تسبيح المخلوقات فكل يسبح بلغته وطريقته والله حليم لا يعاجل بالعقوبة من عصاه بل يمهله كثير المغفرة لمن عاد وأناب واستغفر وتاب.
45. وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا: وإذا قرأت أيها النبي القرآن فسمعه الكفار جعل الله بينك وبينهم حجابا ساترا يحجب عقولهم عن الفهم لكفرهم بالآخرة عقابا من الله لهم فهم يسمعون الصوت ولا يدركون المعنى فبحسب ذنب العبد يحرم الفقه في الدين.
46. وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا: وجعل الله على قلوب الكفار أغطية لئلا يفهموا معاني القرآن وجعل في آذانهم صمما عن سماعه وإذا ذكرت الله أيها الرسول في القرآن بأسمائه وصفاته داعيا إلى عبادته وحده ناهيا عن الإشراك به عادوا على أعقابهم منكرين لقولك كارهين لما جئ به عنادا واستكبارا لئلا ينقادوا للحق.
47. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا: الله يعلم بالذي يستمعه الكفار فهم يستمعون إليك أيها النبي ومقاصدهم سيئة فليس سماعهم لقبول الحق والانتفاع به والله يعلم تناجيهم فيما بينهم حين يقول بعضهم لبعض إن هذا الرجل الذي تتبعونه أصابه سحر أذهب عقله كذبا منهم وزورا.
48. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا: تأمل متعجبا من كذبهم في قولهم محمد ساحرا أو شاعر أو كاهن أو مجنون فأخطؤوا وكذبوا وانحرفوا عن الصواب ولم يوفقوا للحق.
49. وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا: وقال الكفار وهم ينكرون البعث والنشور كيف نحيا حياة جديدة ونبعث بعد الموت وقد صرنا عظاما بالية وتفتت أجسامنا؟! فلا أمل في إعادتنا أحياء.
50. قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا: قل لهم أيها الرسول على وجه التحدي والتعجيز: إن استطعتم فكونوا حجارة أو حديدا في الصلابة والشدة وصعوبة الاستحالة، فإن الله سوف يعيدكم كما بدأكم ويحييكم بعد الموت مثلما خلقكم من العدم وهذا سهل يسير عليه سبحانه.
51. أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا: أو إذا استطعتم فتحولوا إلى خلق عظيم أشد من خلقكم هذا مستبعد في عقولكم فإن الله لابد أن يبعثكم كما أماتكم وحييكم كما خلقكم وإذا غلبتهم بالحجة على أن الله قادر على إعادتهم بعد الموت فسوق يردون عليك منكرين ويقولون من الذي يعيدنا إلى الحياة بعد أن متنا؟! فأجبهم بقولك يعيدكم إلى الحياة بعد الموت الذي أوجدكم من العدم أول مرة حينها سوف يسخرون ويهزون رؤوسهم من الإنكار والتعجب ويقولون متى هذا البعث؟! فقل لهم هو واقع لا محالة قريب لا شك في مجيئه وكل آت قريب.
52. يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا: ويوم يناديكم الله وأنتم أموات في قبوركم فتجيبون النداء وتذعنون وتطيعون لأمر الله وله الحمد وحده على كل حال وتحسبون من كثرة أهوال يوم القيامة أنكم ما عشتم في الدنيا إلا عمرا قصيرا لطول الآخرة.
53. وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبيِنًا: وقل أيه الرسول لعباد الله المتقين: إذا خاطبوا غيرهم أو تحاوروا فيما بينهم فليختاروا الكلام الطيب والكلام الحسن اللين وليبتعدوا عن الإساءة في القول وما يجلب الغضب ويثير النفس لأن الشيطان حريص على إلقاء العداوة والبغضاء والشحناء بين المؤمنين والأقوال السيئة تهيج هذه العداوة ويتبعها سوء الظن والقطيعة والانتقام والشيطان عدو للإنسان لا يريد صلاحه واستقامته ولا يريد إخاءه لإخوانه المؤمنين.
54. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا: ربكم أعلم بما في نفوسكم وأحوالكم إن يشأ الله يرحمكم بأن يهديكم للإيمان وإن يشأ يضللكم فيعذبكم وما أرسلناك يا محمد موكلا عليهم فما عليك إلا البلاغ.
55. وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا: وربك أيها النبي يعلم بكل ما في السموات والأرض لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة وقد فضل الله سبحانه بعض أنبيائه على بعض في المنزلة من حيث اختصاص بعضهم بنزول كتاب عليه أو كثرة علمه وفقهه وحكمته أو كثرة أتباعه ومعجزاته وتفضل الله على داود بكتاب الزبور يتلوه في كل حال.
56. قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا: قل أيها الرسول للكفار إن هذه الأصنام والأوثان التي تدعونها وقت ضركم وحاجتكم لا تكشف ضرا ولا تحوله عنكم إلى سواكم ولا تحول البلاء من حال على حال فالذي يكشف الضراء ويزيل البلاء ويجلب النعماء ويأتي بالسراء هو رب الأرض والسماء وهذه الآية تعم كل ما يعبد من دون الله من حي وميت وغائب وحاضر وصالح وفاسد وصنم ووثن ونجم وكوكب وساحر وكاهن وغير ذلك فلا ينفع ولا يضر إلا الله وحده.
57. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا: أولئك المدعوون لكشف الضر من الأنبياء والملائكة والصالحين هم أنفسهم يتسابقون في طاعة ربهم ويتنافسون في عبادته والقرب منه وينتظرون عفوه ورضوانه ويخافون عقابه وانتقامه وإن عذاب الله يجب أن يخاف منه وأن يحذر من وقوعه وأن لا يأمن العبد نزوله فعليه أن يفر من غضب الله إلى رضوان الله بطاعة الله.
58. وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا: ولا توجد قرية كفر أهلها بالله وكذبوا رسله إلا سيعذبهم الله بالهلاك والدمار قبل يوم القيامة أو يعذب أهلها بالبلاء والضراء والبأساء وأنواع النقم وهذا قضاء قضاه الله وأبرمه وفرغ منه وحتم وقوعه وهو مكتوب في اللوح المحفوظ.
59. وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا: وما منع الله من إنزال المعجزات التي طلبها الكفار من الرسل إلا لأن الذين تقدموهم من الأمم قد كذبوا بتلك المعجزات فأهلكهم الله وأعطى الله ثمود قوم صالح الناقة وهي معجزة بينة ظاهرة فكذبوا بها فدمرهم الله وما أرسل الله الأنبياء بالمعجزات والآيات البينات التي وقعت على أيديهم إلا ليخوف العباد لعلهم يعودون إلى طريق الرشاد ويجتنبون الكفر والفساد.
60. وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا: واذكر أيها النبي يوم أوحى الله إليك بها، الله أحاط بالناس علما وقدرة واجعل الله الرؤيا التي أراك إياها عيانا لا مناما ليلة الإسراء والمعراج من عجائب الخلق إلا امتحانا للعباد ليظهر المصدق من المكذب وما جعل الله شجرة الزقوم الملعونة المذكورة في كتاب الله إلا امتحانا للعباد أيضا والواحد القهار يخوف الكفار بأصناف العذاب وأنواع المعجزات ومع ذلك لا يزيدهم هذا التخويف إلا إمعانا في الكفر والعصيان.
61. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا: واذكر يوم أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم احتراما وتقديرا فامتثلوا الأمر وسجدوا إلا إبليس فإنه عصى وتمرد وأبى أن يسجد وقال مستكبرا: كيف أسجد لآدم وهو مخلوق ضعيف من طين؟
62. قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا: وقال الشيطان متكبرا على أمر الله وعاصيا له لما أمره بالسجود لآدم أرأيت هذا المخلوق من طين الذي فضلته علي لئن أطلت في عمري إلى يوم القيامة لأستولين على ذريته بالإفساد والإغواء حتى أصدهم عن سبيل الله إلا من أخلص في إيمانه وعمله وهم قليل فلا سبيل لي عليهم.
63. قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا: فقال الله يتوعد إبليس اللعين وأتباعه إلى يوم الدين أذهب فافعل ما بدا لك، فمن أطاعك من ذرية آدم فعذابك وعذابهم كبير مدخر في نار جهنم ينتظركم.
64. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا: واستخف أيها الشيطان بالعصيان كل من استطعت من الإنس والجان واجمع كل ما تستطيع أن تجمعه من أتباعك من راكب وراجل واجعل لنفسك نصيبا في أموالهم لكسب الحرام وفي أولادهم بالزنا والمعاصي والفجور والفساد وعد من اتبعك وأطاعك الوعود الكاذبة والأماني الباطلة من الزور والشرور والمكر والغرور.
65. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا: إن عباد الله المؤمنين الصادقين المخلصين الذين أطاعوه واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع الشيطان إضلالهم فهم في حفظ الله ورعايته وتسديده وتأييده فمولاهم الله يحفظهم من الشيطان ومكره وكيده.
66. رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا: ربكم أيها العباد هو الذي تفضل عليكم فسير لكم السفن في البحار لتتاجروا وتسافروا على متنها وتطلبوا الرزق بها وهذا من رحمة الله بكم فهو رحيم بعباده يجلب لهم ما ينفعهم ويصرف عنهم ما يضرهم.
67. وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا: وإذا نزلت بكم أيها الناس شدة في البحر وأشرفتم على الموت والغرق نسيتم من كنتم تشركون به من الآلهة وتذكرتم الله وحده فدعوتموه واستغثتموه ليغيثكم وينجيكم فلما أخرجكم سالمين من البحر إلى البر أعرضتم عن الإيمان وتوحيد العبادة لله وعدتم إلى الشرك والمعاصي وهذا من جلة الإنسان وغفلته.
68. أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا: هل عندكم أمن أن يزلزل الله الأرض من تحت أقدامكم فتنهار بكم؟ أم عندكم أمن أن يصب الله عليكم حجارة من السماء تمزقكم ثم لا تجدوا أحدا يدفع عنكم العذاب ويرد عنكم العقاب.
69. أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا: هل عندكم أمن أيها العباد أن يعيدكم الله مرة ثانية إلى البحر فيرسل عليكم ريحا شديدة تكسر مراكبكم وتغرق سفنكم لأنكم كفرتم بالله وبعد هلاككم لا تجدون على الله أي تبعة أو مطالبة لأن الله عادل في عقوبتكم ولم يظلمكم شيئا.
70. وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا: ولقد كرم الله ذرية آدم عن سائر المخلوقات بالعقل وإنزال الكتب وإرسال الرسل والمعرفة والعلم، وسخر لهم كل ما في الكون وسخر لهم الدواب في البر والسفن في البحر لتنقلهم في أسفارهم ومعاشهم ورزقهم سبحانه من أنواع المأكولات وأصناف المشروبات وأشكال الملبوسات وفضلهم على سائر المخلوقات ورفعهم درجات على كل الكائنات فالإنسان أشرف مخلوق حتى يكفر فإذا كفر فهو في أسفل سافلين.
71. يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا: وتذكر يوم القيامة حين يجمع الله الأولين والآخرين وينادي كل طائفة من الناس مع إمامهم الذي يقتدون به في الخير والشر فالصالح يعطيه الله كتاب حسناته بيمينه فهو يقرؤه فرحا مسرورا ولا ينقص من أجر عمله شيئا ولو كان مقدار الخيط الذي في شق النواة.
72. وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا: ومن كان في الدنيا أعمى البصيرة عن براهين التوحيد وأدلة قدرة الله فكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو يوم القيامة أعمى عن طريق الجنة وأكثر ضلالا عن الهداية والرشد والفلاح.
73. وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا: ولقد حاول الكفار أن يصرفوك أيها الرسول عن القرآن المنزل عليك لتختلق على الله غير ما أنزل ولو فعلت ما طلبوا ولبيت ما سألوا لجعلوك صديقا لهم وحبيبا خالصا لموافقتك لما أرادوا.
74. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا: قل أيها الرسول للناس كل واحد منكم يعمل على ما يناسبه من الأحوال وما يقدر له من الأعمال فالله يعلم عمل كل عامل وسوف يجازيه إن خيرا فخير وإن شرا فشر وفيه تهديد ووعيد للعصاة.
75. إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا: ولو وافقت الكفار أيها الرسول ولو موافقة قليلة فيما طلبوا إذا لأذاقك الله مثلي عذاب الحياة في الدنيا ومثلي عذاب الممات في الآخرة وذلك لأن الله رفع منزلتك بالنبوة وأعلى قدرك بتمام المعرفة وكمال العلم فمن عصى المنعم ابتلى بالنقم بحسب ما كان عنده من النعم وبعد ذلك لا تجد أيها الرسول أحدا يمنعك من عذاب الله ويدفع عنك عقابه.
76. وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا: ولقد حاول الكفار أن يخرجوك أيها النبي من مكة؛ لكثرة الإيذاء ولو فعلوا ذلك لم يبقوا بعدك إلا مدة يسيرة ثم ينزل الله بهم العقوبة والنكال أو الموت والارتحال.
77. سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا: تلك سنة الله تعالى في إهلاك الأمم التي تخرج أنبياءها من بين أظهرها وسنة الله لا تتغير ولا تتبدل فهي ثابتة مطردة لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان.
78. أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا: أد الصلاة تامة كاملة من وقت زوال الشمس في منتصف النهار إلى ظلمة الليل ومنها صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وأد صلاة الفجر وأطل قراءة القرآن فيها فإن الملائكة تحضر القراءة في صلاة الفجر ببركة القرآن وشرف الزمان.
79. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا: وقم بعد نومك فصل بعض الوقت من الليل تاليا لكتاب الله لتكون زيادة لك في الحسنات ورفع الدرجات عسى أن يبعثك الله أيها النبي شافعا للنساء يوم القيامة ليخفف الله عنهم بفصل القضاء وتقف موقفا يثنى عليك فيه الأولون والآخرون وهو موقف الشفاعة الكبرى.
80. وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا: وادع ربك فقل يا ربي أدخلني فيما هو صلاح وخير لي مدخل صدق وهو مدخل الهداية والرشد والتوفيق وأخرجني مما هو شر لي من الأقوال والأعمال مخر صدق وهب لي من لدنك حجة ثابتة تنصريني بها على جميع من خالفني، فإن الدليل الصحيح الثابت يعد من أعظم السلاح على الأعداء عند الجدال والاختلاف.
81. وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا: وقل أيها النبي للكفار جاء الإسلام وذهبت عبادة الأصنام وذهب باطلكم الزائف المفترى وانتصر عليه الحق لأن الحق ثابت غالب منتصر.
82. وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا: وينزل الرحمن الرحيم من آيات القرآن الكريم ما ينقي كل قلب سقيم من أمراض الشبهات كالكفر والنفاق والشك، وأمراض الشهوات وحب الزنا وأنواع الفواحش وما ينقي الأجسام من الآلام برقيتها بهذا الكلام، وما يكون سببا لنيل رحمة الله من الإيمان والحكمة والفقه في الدين ولا يزيد هذا القرآن أهل الكفر عند سماع تلاوته إلا كفرا وضلالا لكثرة تكذيبهم وجحودهم فالقرآن يزيد المؤمنين إيمانا والكافرين طغيانا.
83. وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا: وإذا أنعم الله على من كذب بآياته وكفر بنعمه عصى أمره وارتكب معاصيه وإذا أصابه بلاء من فقر أو مرض أليس من رحمة الله في الغنى والعافية فهو لا يثق بفضل الله ولا يصدق وعده باليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة.
84. قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا: قل أيها الرسول للناس: كل واحد منكم يعمل على ما يناسبه من الأحوال وما يقدر له من الأعمال فالله يعلم عمل كل عامل وسوف يجازيه إن خيرا فخير وإن شرا فشر وفيه تهديد ووعيد للعصاة.
85. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا: ويسألك الكفار أيها النبي عن حقيقة الروح تعجيزا ومكابرة فأجبهم بأن أسرار الروح وحقيقتها مما استأثر الله بعلمه لا يعلم ذلك إلا الله وحده وما أعطي الناس من العلم بالنسبة إلى علم الله تعالى إلا شيئا قليلا وهذا القليل هم درجات فيه.
86. وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا: ولو أراد الله أن يمحو القرآن من قلبك أيها الرسول لفعل ذلك فهو قدير على كل شىء ثم لا تجد من ينصرك فيمنعك من ذلك المحو والنسيان، أو يحفظك القرآن بعدما نسيته.
87. إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا: لكن الله رحمك أيها النبي فحفظ عليك كتابه في صدرك إن فضله كان عليك عظيما فقد اختارك للنبوة وأكرمك بالقرآن العظيم وشرفك بالمقام المحمود وأعطاك الحوض المورود وغير ذلك من المراتب العالية والمنازل الرفيعة.
88. قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا: قل لو اجتمع جميع الإنس والجن وحاولوا معارضة القرآن والإتيان بمثله في البلاغة والفصاحة؛ لما استطاعوا لذلك، ولو أعان بعضهم بعضا واتفقوا كلهم على هذا التحدي لعادوا مغلوبين.
89. وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا: ولقد نوع الله سبحانه وتعالى في كتابه من سائر الأمثال ومختلف العبر والعظات لينتفع الناس بذلك وليهتدوا بهدي القرآن فأبى أكثرهم إلا تكذيبا للحق وإنكارا للصدق وإصرارا على الباطل.
90. وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا: ولما أفحم القرآن الكفار وغلبهم ببيانه وبلاغته ذهبوا يلتمسون معجزات أخرى فقالوا: لن نصدقك أيها الرسول ونتبع ما جئت به حتى تخرج لنا من بطحاء مكة عينا جارية نشرب منها!!
91. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا: أو ترينا حديقة لك فيها من أنواع الأشجار ومختلف الثمار تجري وسطها الأنهار بغزارة وكثرة.
92. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا: أو تسقط علينا قطعا كما زعمت أو تأتي بالله وملائكته فنراهم بأعيننا ظاهرين أمامنا.
93. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا: أو تملك أيها النبي بيتا من الذهب أو تصعد في سلم إلى السماء ولن نصدقك في صعودك حتى ترجع إلينا ومعك كتاب منشور من الله مكتوب فيه أنك محمد رسول الله فقل لهم متعجبا من هذا الجحود والتعنت والاستكبار والإنكار سبحان ربي ما أنا إلا عبد من عباد الله أمره بإبلاغ رسالة منه لا أقدر على الإتيان بالمعجزات فمهمتي البيان والتبليغ.
94. وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا: والذي منع الكفار من الإيمان بالواحد القهار واتباع النبي المختار بعدما جاءهم القرآن والبيان من الرحمن هو قولهم كبرا وعنادا كيف يبعث الله الرسول من جنس الناس ولم يجعله ملكا من الملائكة؟!
95. قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا: قل لهم أيها النبي لو كان أهل الأرض ملائكة يمشون عليها مطمئنين في سكون وهدوء لأرسل الله إليهم ملكا من جنسهم ليكون أعلم بأحوالهم ولكن أهل الأرض بشر فالمناسب لهم أن يرسل الله بشرا مثلهم من جنسهم ليستطيعوا مخاطبته وفهم كلامه والاقتداء بأحواله وجعله أسوة لهم.
96. قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا: قل أيها النبي للكفار يكفي الله وحده شاهدا على صدقي وصحة ما جئت به من الرسالة إنه سبحانه خبير بأحوال العباد بصير بأعمالهم وسيجازيهم على أفعالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
97. وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا: والذي يهديه الله عزوجل لطاعته واتباع رسوله فهو المهتدي إلى الحق والطريق المستقيم ومن يكتب الله عليه الضلال ولا يوفقه للهداية ويخذله ويكله إلى نفسه فلن يهديه أحد بعد الله وهؤلاء الضلال يجمعهم الله ليوم لا ريب فيه ويحضرهم إلى المحشر على وجوههم لا يرون ولا يتكلمون ولا يسمعون ودار خلودهم فينار جهنم لابثين فيها ابدا كلما هدأ اشتعالها وسكن لهيبها وخمدت نارها زادهم الله نارا تنقد وتلتهب عليهم.
98. ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا: هذا العذاب الشديد لأعداء الله الكفار بسبب تكذيبهم للرسالة وخروجهم عن طاعة الله وقولهم مستكبرين معاندين إذا حدثوا عن البعث والنشور كيف نخلق خلقا جديدا ونعود ثانية إلى الحياة بعدما صرنا عظاما بالية، وأجزاء متفتتة وأكل أبانا الدود والتراب.
99. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلأ لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا: كيف أعرض هؤلاء الكفار فلم يتفكروا في قدرة الله الذي خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات العجيبة على غير مثال سابق أليس هو سبحانه قادرا على أن يخلق أمثالهم بعد فنائهم وقد وقت الله لهؤلاء الكفار أجلا معلوما ووقتا معدودا لموتهم وعذابهم سوف يقع لا محالة ومع ظهور البراهين ووضوح الأدلة أبي الكفار إلا الجحود والاستكبار والتكذيب والإنكار.
100. قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا: قل أيها النبي لهؤلاء الكفار لو كانت خزائن الله من الرحمة والعطاء التي لا نهاية لها ولا نفاد بأيديكم تملكون التصرف فيها لبخلتم بها ولمنعتم غيركم منها شحا بالعطاء وخوفا أن تصبحوا فقراء ومن طبيعة الإنسان الشح والإمساك إلا من وفقه الله بالإيمان للعطاء والسخاء.
101. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا: ولقد أعطى الله موسى تسع معجزات واضحات شاهدات على صدق رسالته وصحة ما جاء به وهي العصا واليد والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فاسأل أيها الرسول اليهود عن هذه المعجزات التي جاء بها موسى سؤال تقرير حينها قال فرعون لموسى إني أعتقد أنك يا موسى قد خدعت بالسحر وغلبت على عقلك بأفعال السحرة فلست رسولا وإنما أنت ساحر.
102. قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا: فرد موسى على فرعون بقوله: أنت تعلم أن الله وحده هو الذي أنزل هذه المعجزات الدالة على صدق نبوتي وصحتها لتكون براهين لم عنده بصيرة يستدل بها على وحدانية الله وربوبيته وألوهيته وإني متيقن أنك يا فرعون مغلوب هالك مدحور ملعون مخذول.
103. فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا: فعزم فرعون على إخافة موسى ومن معه وإخراجه مع قومه من مصر فأغرق الله فرعون وجنده في البحر وأنجى موسى ومن معه وظهر الحق وزهق الباطل.
104. وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا: وأوحى الله من بعد هلاك فرعون وجنده إلى بني إسرائيل أن أسكنوا أرض الشام وكلوا من الطيبات مع عمل الصالحات فإذا حان موعد القيامة جمعكم الله من قبوركم للعبث والنشور ليوفي كل نفس ما كسبت.
105. وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا: وبالحق أنزل الله هذا الكتاب على رسوله صلى الله عليه وسلم لهداية الناس وتعليمهم ما ينفعهم وتحذيرهم من سبل الشيطان ووسائل الغواية وبالصدق والعدل وحفظ الله لكتابه من التغيير والتبديل نزل، وما أرسل الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلا مبشرا بالجنة لمن أطاعه ومخوفا بالنار لمن عصاه.
106. وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا: وأنزل الله كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم مبينا مفصلا محكما فارقا بين الحق والباطل والهدى والضلال ليقرأه الرسول على أمته على مهل وتؤده بلا عجلة ونزل موزعا تبعا للحوادث والوقائع وما يناسب أحوال الناس.
107. قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا: قل أيها الرسول للكفار آمنوا بكتاب الله أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم لا يزيد القرآن كمالا وتماما وفضلا فقد تم وكمل وتكذيبكم للقرآن لا يحلق به نقصا وبخسا وعيبا فهو برئ منزه عن ذلك إن العلماء الربانيين الذين عرفوا الكتب السماوية المتقدمة كالتوراة والإنجيل إذا قرئ عليهم القرآن يتأثرون ويخافون ويسجدون على وجوههم تعظيما لمنزلته جل في علاه.
108. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا: ويقول العلماء عند سماع كتاب الله ننزه الله ونقدسه عما وصفه به أعداؤه الكفار فوعده بالثواب لمن أطاعه والعقاب لمن عصاه واقع لا محالة.
109. وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا: ويخر هؤلاء العلماء الربانيون عند سماع القرآن على وجوههم ساجدين لله يبكون من شدة تأثرهم بسماع آيات الله ويزيدهم سماع القرآن ذلا لربهم واستكانة وخضوعا.
110. قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا: قل أيها الرسول للكفار الذين أنكروا عليك دعاءك لربك بقولك يا ألله يا رحمن ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فإنه رب واحد له أسماء حسنى كثيرة يدعى بها ولا تجهر بالتلاوة في الصلاة فيسمعك الكفار ولا تسر بها فلا يسمعك المصلون معك وتوسط في القرآن بين الجهر الإسرار.
111. وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا: وقل أيها النبي لله الحمد؛ لأن له الكمال المطلق والثناء الحسن وله كل المحامد والمدائح ولم يكن له ولد سبحانه لأنه لم يلد ولم يولد ولا شريك له في ربوبيته ولا ألوهيته وليس له ولي من خلقه يدفع عنه ضرا ويجلب له نصرا فهو القوي الغني وهم الأذلاء له الخاضعون لربوبيته الفقراء لفضله وعظم ربك بأنواع الثناء عليه وقدسه بشتى المحامد وأخلص العبودية له.
سورة الكهف
1. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا: الثناء الحسن والحمد الجزيل والشكر التام أوله وآخره لله وحده الذي أكرم عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه ولم يجعل فيه ميلا عن الحق ولا انحرافا عن العدل والصدق.
2. قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا: والله جعل القرآن كتابا مستقيما لا تعارض فيه ولا تناقض بل هو محكم تام كامل ليخوف الكفار عذاب النار وعقاب الواحد القهار ويبشر من أمن وعمل صالحا بالثواب الجزيل والأجر الجليل في جنات النعيم.
3. مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا: ليبقى المؤمنون في نعيم الجنة دائما خالدين مخلدين في دار كريمة ونعم عميمة.
4. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا: ويخوف القرآن الكفار ويحذرهم عذاب الله وغضبه وهم القائلون بأن لله ولدا تعالى الله عن ذلك وتقدس وتنزه.
5. مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا: ليس عند هؤلاء الكفار علم بما نسبوه إلى الله من اتخاذ الولد تقدس عن ذلك مثلما لم يكن عند أسلافهم الذين اتبعوهم علم بذلك عظمت هذه الكذبة الفظيعة الشنيعة التي قالوها بأفواههم ما قالوا إلا كذبا وافتراء وزورا.
6. فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا: فلعلك أيها الرسول تهلك نفسك بالغم والحزن بسبب إعراض قومك وتكذيبهم بهذا القرآن.
7. إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا: إن الله جعل ما على وجه الأرض من مخلوقات شتى من جبال ووهاد وأشجار وأنهار ونحوها جمالا للأرض ومنفعة لأهلها ليمتحن الله شكرهم بذلك أيهم أحسن طاعة لله وأصوب عملا صالحا بإخلاصه لله ومتابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
8. وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا: وإن الله سوف يصير ما على وجه الأرض بعد انتهاء العالم ترابا لا نبات فيه ولا زينة ولا جمال.
9. أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا: لا تظن أيها النبي أن قصة أصحاب الكهف واللوح الذي سطرت فيه أسماء الفتية عجيبة وغريبة على قدرة الله فقدرة الله أكبر والله لا يتعاظمه شىء.
10. إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا: وتذكر يوم دخل الشبان المؤمنون إلى الغار هربا من أذى قومهم لئلا يردوهم عن الإيمان إلى عباده الأوثان وطاعة الشيطان فدعوا ربهم وقالوا يا ربنا أعطنا رحمة من عندك تثبتنا على الإيمان وتحفظنا من شر الإنس والجان ووفقنا لطريق الاستقامة والسداد في كل الأمور لنعمل لطاعتك ونجتنب معصيتك فنكون راشدين مهديين غير غاوين ولا ضالين.
11. فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا: فألقى الله على الفتية النوم الثقيل فبقوا سنين كثيرة في الغار في هيئة الرقود.
12. ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا: ثم أيقظ الله الشبان من النوم ليعلم سبحانه أي الجماعتين المختلفتين في عدد بقائهم أيها أعرف بالحساب؟ وهل بقوا في الغار يوما أو بعض يوم أو مدة طويلة؟
13. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى: الله يخبرك أيها النبي بقصة أهل الغار بالصدق واليقين فهم شبان وحدوا ربهم وأطاعوه فزادهم هدى ويقينا وثباتا على الحق.
14. وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا: وقوى الله قلوب الشبان بالإيمان وثبتهم بالعزيمة حين وقفوا أمام السلطان الجبار وهو يلومهم على ترك عبادة الأوثان وعبادتهم للرحمن فردوا عليه بقولهم الله ربنا الذي نوحده هو الذي خلق السموات والأرض، لن نعبد سواه ولن نوحد غيره ولو قلنا غير هذا القول لكنا كذبنا فيما قلنا وخالفنا الصواب وضللنا عن الحق.
15. هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا: وقال بعض الفتيان المؤمنين لبعض قومنا هؤلاء عبدوا غير الله وأشركوا معه غيره في العبادة فلماذا لم يأتوا بدليل واضح على فعلهم الشمسين هذا؟ فليس عندهم برهان ولا حجة فهم كاذبون مفترون ولا يوجد أشد ظلما ممن اختلق الكذب على ربه بالإشراك به وعدم توحيده والخروج عن طاعته.
16. وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا: وما دمتم فارقتم قومكم ومعبوديهم جميعا إلا الله ففارقوهم بأبدانكم والتجئوا إلى الغار للعزلة بدينكم والفرار من الفتن يوسع الله عليكم من رحمته ما تنالون به خيري الدنيا والآخرة وييسر لكم كل عسير ويسهل ما تحتاجون إليه من أسباب الحياة.
17. وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا: فلا امتثلوا أمر الله ألقى الله عليهم النوم فناموا فلو رأيتهم لرأيت الشمس إذا طلعت من المشرق مالت عنهم ناحية اليمين وإذا غربت مالت عنهم إلى ناحية اليسار وهم في سعة من الغار فلا يتأذون بحرارة الشمس ولا ينقطع عنهم الهواء وهذا الذي سخره الله لهؤلاء الشبان دليل على تمام قدرته فإن من يرشده الله إلى الحق فهو الراشد حقا ومن يكتب عليه الغواية فلن تجد له معينا يدله على سبيل الهداية لأن التوفيق والخذلان بيد الله وحده.
18. وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا: وتظن يا من يرى أهل الغار أنهم أيقاظ وليسوا بنيام والله سبحانه يتولاهم بالرعاية فيقلبهم وهم رقود مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر حتى لا تأكل أجسامهم الأرض وترى كلبهم الذي كان معهم في خارج الغار قد مد ذراعيه لو أبصرتهم حقيقة لأدبرت هاربا من الخوف ولملئت نفسك فزعا وجزعا من هول ما شهدت.
19. وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا: ومثلما أنامهم الله وحفظهم هذا الزمن الطويل أيقظهم على حالتهم ولم يتغير منهم شىء حتى يسأل بعضهم بعضا: كم من الزمن قضيناه هنا راقدين؟ فرد بعضهم بقينا يوما أو جزءا من يوم وقال بعضهم ردوا العلم لله عزوجل وحده فهو الأعلم بالزمن الذي بقيناه فأرسلوا واحدا منا بدراهمنا من الفضة إلى مدينتنا فليتحر الطعام الطيب الحلال فيشتري لنا قوتا منه، وليحسن التعامل مع البائع بلطف حتى لا ينكشف أمرنا ولا يخبر من لقي بحالنا.
20. إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا: إن قومنا إذا علموا بحالنا رمونا بالحجارة فيقتلوننا أو يردوننا إلى دينهم الباطل ولن ننال ما أردنا من الفوز بالجنة والنجاة من النار إذا عدنا لدين الكفار.
21. وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا: ومثلما ألقى الله عليهم النوم سنين كثيرة وحفظهم على حالهم ولم يتغير منهم شىء وأيقظهم من نومهم أطلع عليهم قومهم لحكمة أرادها لأن البائع عرف الدراهم التي جاء بها المشتري من أصحاب الكفه حتى يتيقن قومهم أن الله قدير على بعث الناس بعد الموت وأن القيامة واقعة لا محالة إذ يختلف قومهم من الكفار في مسألة القيامة بين مصدق ومكذب فجعل الله إيقاظ أهل الكهف دليلا للمصدق بالبعث على المكذب به وبعد أن ظهر أمر أصحاب الكهف وأيقظهم الله أماتهم الله في مكانهم حينها قالت جماعة من قومهم أغلقوا باب الغار ببناء عليهم فالله وحده يعلم حالهم وقال أهل السلطة والأمر والنفوذ سوف نبني على مكانهم مسجدا للعبادة ولقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله من اتخذ القبور مساجد ونهى أمته عن ذلك كما نهى عن البناء على القبور مطلقا وعن تجصيصها والكتابة عليها ولعن اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لما فيه من الغلو المحرم المذموم الموصل بصاحبه إلى الشرك بالله وعبادة غيره.
22. سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا: سوف يقول بعض الناس الذين اختلفوا في عدد أهل الكفه هم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقول بعضهم هم خمسة سادسهم كلبهم والقولان لا دليل عليهما فهما مبنيان على الظن فحسب ومنهم من يقول هم سبعة وثامنهم كلبهم قل أيها النبي الله وحده أعلم بعددهم ما يعلم عددهم إلا القليل من الناس من أهل العلم فلا تجادل أهل الكتاب في عددهم إلا جدالا يسيرا ظاهرا لا عمق فيه يورث الخلاف ويكفي أن تقص عليهم ما جاءك من أخبارهم عن طريق الوحي، ولا تسأل أهل الكتاب عن قصة أصحاب الكهف وحالهم وعددهم فإنهم جهلاء لا علم عندهم أو عند بعضهم علم لكنه يكتمه.
23. وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا: وإذا أردت أمرا وعزمت على فعله فلا تقل سوف أفعله غدا حتى تعلقه بمشيئة الله.
24. إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا: فتقول إن شاء الله فإنه إذا لم يشأ الله لا يكون هذا الأمر واذكر ربك عند النسيان بقول إن شاء الله وعليك بذكر الرحمن فإنه يذهب النسيان عن الإنسان وادع ربك عسى ان يهديك إلى أقرب وأيسر السبل الموصلة إلى الحق والهدى والفلاح.
25. وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا: وبقي الشبان نياما في الغار ثلاث مئة وتسع سنين لم تغيرهم الأرض، وهي من أعظم الأدلة على قدرة الله ونفوذ مشيئته.
26. قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا: وإذا سألك سائل أيها النبي عن مدة بقاء الشبان في الغار فهو المطلع على غيب السموات والأرض وأعجب من كمال بصر الله وسمعه وعظيم إطلاعه وتمام علمه بكل شىء ليس للخلق أحد يتولى أمورهم ويرعى شؤونهم غير الله وحده لا شريك له في حكمه وشرعه كما أنه لا شريك له في ألوهيته وربوبيته سبحانه وتعالى.
27. وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا: واتل أيها النبي ما أوحاه الله إليك من القرآن واتبع ما جاء فيه فإنه الكتاب الذي لا تبدل كلماته ولا تتغير آياته ولا تبطل معجزاته لصدقه في الأخبار وعدله في الأحكام ولن تجد من تلجأ إليه وقت الأزمات والملمات غير الله أحدا فبه فاعتصم وعليه فتوكل.
28. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا: واصبر نفسك أيها النبي مع الفقراء من المسلمين الذين يخلصون لربهم العبادة ويذكرونه ويدعونه في الصباح والمساء يبتغون ما عنده من الثواب ويحذرون ما لديه من العذاب والزم مجالسهم وعليك بصحبتهم فالخير والبركة معهم ولا تحول نظرك وحفاوتك عنهم إلى غيرهم من أعداء الله الكفار من أجل حطام الدنيا الزائل وزينتها الفانية ولا تطاوع من جعل الله قلبه غافلا عن ذكره وشكره لاهيا عن عبادته مصروفا عن طاعته وآثر الهوى على الهدى وأصبحت كل شؤون حياته ضياعا وباطلا.
29. وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا: وقل أيها الرسول للكفار إن الذي اتيت به من عند الله من وحي هو الحق الذي لا باطل فيه فمن أراد التصديق والاتباع فليفعل فله الثواب العظيم والنعيم المقيم ومن أراد التكذيب والإعراض فليفعل فما ضر إلا نفسه بإيرادها موارد الهلاك إن الله هيأ للكفار نارا محرقة تحيط أسوارها بالكفار وإذا طلب الكفار الماء في النار للشرب من شدة العطش يعطون ماء كالزيت المغلي يحرق وجوههم من شدة حرارته قبح هذا الزيت الحار شرابا للكفار في النار وقبحت النار منزلا للأشرار ودارا للفجار.
30. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا: إن المؤمنين الصالحين لهم الثواب الجزيل من الرب الجليل لا يذهب ثواب ما عملوه ولا يضيع أجر ما كسبوه بل لهم الأجر كاملا بأحسن ما عملوا.
31. أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا: هؤلاء المؤمنون لهم عند الله جنات خالدون فيها منعمون أبدا تجرى فيها الأنهار من تحت القصور والدور والأشجار يتجملون فيها بأساور الذهب في أيديهم ولباسهم ثياب خضر جميلة من رقيق الحرير وغليظة وهم متكئون في الجنة على المجالس الوثيرة والفرش الناعمة نعم الأجر أجرهم عند ربهم وحسنت الجنة لهم مقاما في نعيم وأمان وفي جوار الرحمن.
32. وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا: كل واحدة من الحديقتين أطلعت بثمرها ولم ينقص من ثمرها شىء وجعل الله بين الحديقتين نهرا عذبا للشراب وسقي الحديقتين.
33. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا: كل واحدة من الحديقتين أطلعت بثمرها ولم ينقص من ثمرها شىء وجعل الله بين الحديقتين نهرا عذبا للشراب وسقي الحديقتين.
34. وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا: وكان للكافر صاحب الحديقتين ثمر وأموال أخرى فقال لصاحبه المؤمن في أثناء محاورته له بكبر وغرور مالي أكثر من مالك وأنصاري وأتباعي أقوى وأشرف من أنصارك وأتباعك.
35. وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا: ودخل الكافر حديقته وهو ظالم لنفسه بالشرك بالله والتكذيب بيوم القيامة فأعجب بالحديقة وقال ما أعتقد أن تهلك حديقتي مدة الحياة تكذيبا منه بقدرة الله تعالى.
36. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا: وما أعتقد أن الساعة آتية ولو حصل أنها قامت وعدت إلى الله بعد الموت فسوف ألقى عند الله أفضل من حديقتي لشرفي وارتفاع قدري.
37. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا: فرد عليه الرجل المؤمن ناصحا له قائلا كيف تكفر بالله وهو الذي خلق أباك آدم من تراب ثم صورك من ماء مهين ثم سواك في أحسن تقويم على صورة إنسان حسن القامة معتدل الخلق والقادر على إنشاء الخلق قادر على إعادتهم بعد الموت.
38. لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا: وأنا لا أقول بما تقوله من تكذيب بالبعث والنشور وكفران النعم وإنما أقول الله وحده الخالق الرازق المتفضل المنعم لا أشرك به شيئا ولا أعبد سواه.
39. وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا: وهلا يوم رأيت حديقتك فأعجبك حالها وحسنها قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله فبمشيئة الله حصلت لك وبقوته استطعت تحصيلها والقيام عليها وإذا كنت أنا أقل منك في المال والأبناء.
40. فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا: فالله قادر على أن يرزقني أكثر مما أعطاك؛ لشكري له وقادر أن يسلب ما أنعم به عليك لكفرك وينزل من السماء على حديقتك نارا تحرقها وتصبح يابسة جرداء صحراء لا تثبت فيها قدم.
41. أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا: ولا ينبع فيها ماء ولا تستطيع إخراجه من باطنها فقد جف الماء من ظاهرها وغار من باطنها.
42. وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا: ووقع ما حذر منه المؤمن فأهلك الله الحديقة وأحرق ما فيها فقلب الكافر كفيه متحسرا متندما على ما صرف فيها من أموال وقد تهدم بعضها على بعض وقال يا ليتني شكرت ربي بتوحيده وإفراده بالعبادة وعدم الإشراك به وقد فات وقت الندم بعد ما زلت به القدم.
43. وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا: ولم توجد للكافر طائفة تنصره ممن كان يفتخر بهم ويعدهم للأزمات ليمنعوه مما نزل به وبحديقته تخلوا عنه ولم يستطع هو أن يدافع عن نفسه لضعفه وعجزه.
44. هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا: وعند وقوع المحن وحلول الكوارث تكون القوة والقدرة والولاية والنصرة لله وحده وهو خير من يثيب الطائعين وعاقبته لأوليائه أفضل عاقبة من النصر والتمكين.
45. وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا: واضرب أيها النبي للبشر حال الدنيا التي انخدعوا بزخرفها واغتروا بلهوها ولعبها فمثلها في حالها وسرعة زوالها وجفافها وعدم وفائها وغدرها لأصفيائها كمثل ماء أنزله الله من السماء فأنبت به نباتا مخضرا نضرا زاهيا بهيجا وما هو إلا زمن قليل حتى تحول إلى عيدان وحطام يابس متكسر تنثره الرياح وتعبث به في كل جهة والله على كل شىء قادر غلب بأمره على ما أراد فلا مانع لحكمه ولا راد.
46. الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا: الأموال والأولاد حسن وجمال للحياة الدنيا الزائلة ولكن المال يفنى والأولاد يموتون والدنيا تنتهي وتبقى الأعمال الصالحة ومن أفضلها التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل وهي أفضل أجرا عند الله من الأموال والأولاد وهي أحسن ما ينتظره الإنسان وما يرجوه من الثواب عند الله فيحصل له بها النعيم المقيم في الآخرة.
47. وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا: واذكر للناس يوم يزيل الله جبال الدنيا عن مواقعها وتشاهد الأرض وهي بادية ليس عليها ما يحجبها عن الأنظار، وجمع الله الخليقة يوم القيامة فلم يترك منهم أحدا بل أحضرهم جميعا.
48. وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا: وعرض الخلق كلهم على الله وهم صف لا يستر بعضهم بعضا لقد عادوا إلى الله يوم القيامة كما خرجوا من بطون أمهاتهم لا مال ولا ولد معهم ولا شيئا من متاع الدنيا بل ظنوا أن الله لن يجعل لهم موعدا يبعثهم ويحاسبهم فيه.
49. وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا: ووضع الكتاب الذي فيه أعمال كل إنسان من حسن وسئ فآخذ كتابه بيمينه أو بشماله وتشاهد الفجار العصاة خائفين وجلين لأجل ما فعلوه من شرور وآثام ويقولون حين يبصرون الكتاب يا خيبة لنا ويا حسرتنا ما لهذا الكتاب لم يترك صغيرة مما علمناه ولا كبيرة إلا حفظها وسطرها وأبصروا فيه كل عمل عملوه في الدنيا مكتوبا محفوظا ولا يظلم ربك عبدا من عباده مثقال ذرة فلا ينقص من حسنات المطيع ولا يزيد من سيئات العاصي.
50. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا: واذكر يوم أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم سجود تحية لا عبادة وأمر الله إبليس بذلك أيضا فامتثل الملائكة وأطاعوا وسجدوا كلهم وعصى إبليس أمر الله ولم يسجد لآدم وكان إبليس من الجن فخرج عن طاعة الله وأبى السجود كبرا وحسدا أفترضون به أيها الناس هو وذريته أولياء لكم من دون الله تطيعونهم وتتبعونهم وهم أعظم عدو لكم قبحا لطاعة إبليس وأعوانه بدلا من طاعة الله عزوجل.
51. مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا: لم يحضر الله إبليس وأعوانه خلق السموات والأرض ولم يستعن بهم على إنشائهما ولا أشهد الله بعضهم على خلق بعض بل تفرد الله بالخلق والإنشاء وحده ولم يستعن بأحد ولم يشاور أحدا وما كان الله ليتخذ أهل الضلال من الشياطين وأعوانهم أعوانا ومساعدين له جل في علاه فهو المتفرد الغني القوي فكيف تصرفون لهم شيئا من العبادة وتتولونهم من دون الله والله هو الخالق وحده دونما سواه.
52. وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا: واذكر يوم يقول الله للكفار يوم الدين نادوا الذين كنتم تشركونهم معي في العبادة ليدفعوا عنكم العذاب ولينصروكم هذا اليوم فنادوهم فلم يجيبوهم وجعل الله بين المشركين وبين آلهتم التي عبدوها من دون الله مهلكا في نار جهنم يهلكون فيه كلهم.
53. وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا: وشاهد الفجار النار فعلموا علم اليقين أنهم داخلون فيها لا محالة ولم يجدوا عن النار طريقا يصرفهم عنها.
54. وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا: ولقد بين الله في كتابه لعباده أمثلة كثيرة من كل ما ينفعهم ليعتبروا بهذه الأمثال ويتعظوا بها وكان الإنسان أكثر الخليقة مخاصمة ومجادلة.
55. وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُـمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا: وما صرف الناس عن الإيمان بالله واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم وطلب المغفرة من الله لذنوبهم إلا مكابرة للرسول صلى الله عليه وسلم وعنادا له وسؤالهم أن يثيبهم الله بما أصاب من كان قبلهم من المكذبين أو ويقع بهم عقاب الله عيانا وهذه سنة الله في كل من كذب بالرسل.
56. وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا: وما يبعث الله الرسل إلى العباد إلا ليبشروا من آمن بالجنة وينذروا من كفر بالنار والكفار مع وضوح الأدلة وظهور البراهين يخاصمون بالباطل عنادا وبغيا ليردوا بباطلهم الحق المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم واتخذ الكفار كتاب الواحد القهار وحجج العزيز الغفار وما خوفوا به من عذاب الجبار سخرية واستهزاء.
57. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا: وليس في العالم أحد أشد ظلما ممن نصح ووعظ بآيات الله البينة فأبى الامتثال وأعرض عن الاستجابة ونسي ما فعل وما اقترفته يداه من الأعمال الشنيعة فلم يتب منها إن الله جعل على قلوب الكفار أعطية فلم ينتفعوا بالقرآن ولم يفهموه وجعل الله في آذانهم صمما فلم يسمعوا الهدى ولم ينتفعوا بالموعظة وإن تدع الكفار أيها الرسول إلى الإيمان فلن يستجيبوا لك ولن يتبعوك أبدا لأن الله كتب عليهم الضلال.
58. وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بِلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا: وربك الغفور لذنوب العباد إذا عادوا إليه وتابوا من ذنبوهم وهو ذو الرحمة الواسعة يمهل العصاة ويقبل من عاد إليه ودعاه ولو يعذب الله الكفار بما فعلوه من الآثام والسيئات لعجل لهم في الدنيا العذاب ولكن الله يمهل ولا يهمل حليم لا يعجل بالعقوبة بل للكفار موعد يوم القيامة يحاسبون فيه على أعمالهم لا راد لذاك اليوم ولا محيد عنه ولا مندوحة منه.
59. وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا: وهذه القرى المجاورة لكم كقرى قوم هود وصالح ولوط وشعيب دمرهم الله وأبادهم حين كفروا به وكذبوا رسله وجعل الله لعذابهم وقتا محددا وأجلا معلوما فلما حان الوقت وحل الأجل أخذهم الله بالعذاب.
60. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا: واذكر حين قال موسى عليه السلام لخادمه يوشع بن نون لا أزال أسير في الأرض وأواصل السير حتى أصل إلى ملتقى البحرين أو أسير دهرا طويلا حتى ألتقي بالعبد الصالح؛ لأطلب العلم عنده وهو علم عند الخضر ليس عند موسى مما علمه الله تعالى.
61. فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا: وواصل موسى ويوشع السير فلما وصلا ملتقى البحرين قعدا عند صخرة ونسيا الحوت الذي وصى موسى يوشع أن يأخذه معه زادا لهما فجعله يوشع في مكتل فإذا الحوت يصبح حيا بإذن الله وينطلق من المكتل إلى البحر ويسبح في البحر فيشق له في الماء طريقا مفتوحا.
62. فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا: فلما مشيا وتركا المنزل الذي نسيا فيه الحوت جاع موسى فطلب الغداء من يوشع لأنه تعب من عناء السفر.
63. قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا: قال يوشع لموسى لقد أنساني الشيطان أن أخبرك بأن الحوت لما جلسنا عند الصخرة قد دبت فيه الحياة وخرج من المكتل إلى البحر وشق له في الماء طريقا وهذا مما يثير التعجب.
64. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا: قال موسى إن هذا ما كنت أطلبه فإن ضياع الحوت علامة لي على منزل الرجل الصالح وقد وقعت العلامة فعادا يلتمسان آثار أقدامهما حتى وصلا الصخرة.
65. فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا: فوجد موسى ويوشع الرجل الصالح وهو الخضر صلى الله عليه وسلم جمع الله له بين الرحمة وبين العلم النافع فالرحمة معها الرفق والحلم واللين والصبر والعلم معه القوة ونفاذ البصيرة وتمام الحكمة.
66. قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا: فبعدما حياه موسى قال له أطلب إليك أن تأذن لي بمصاحبتك لأنتفع بعلمك وأسترشد به.
67. قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا: فقال الخضر لموسى إنك لا تستطيع أن تصبر على صحبتي والتعلم مني لأنه سوف يظهر لك أمور لها أسرار لن تسكت عنها!
68. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا: وكيف تستطيع الصبر على أمور باطنها غير ظاهرها وأنت لا تعلم مقاصدها.
69. قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا: فقال له موسى بل سوف أصبر إن شاء الله ولا أعصيك فيما أمرتني به فلك مني الصبر وطاعة الأمر.
70. قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا: فقبل الخضر من موسى الصحبة وأوصاه بأن لا يسأله عما أشكل عليه حتى يبين له الخضر ما خفي عليه من أمور دون أن يسأل موسى.
71. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا: فمشى موسى والخضر على الساحل فوجدا سفينة فركبا فيها بلا أجرة تفضلا من أهل السفينة عليهما فأخذ الخضر لوحا من السفينة فصار فيها ثقب كادت السفينة أن تغرق بسبب دخول الماء منه فأنكر عليه موسى وقال قوم حملونا بلا أجرة ثم خرقت سفينتهم لتغرق من بها هذا فعل منكر لا يصبر عليه!!
72. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا: فذكره الخضر وقال له أما قلت لك في بدء الأمر إنك لن تستطيع صحبتي ولن تصبر على مرافقتي؟!
73. قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا: فاعتذر موسى وقال اعف عني فقد نسيت الشرط الذي بيننا وارفق بي في التعليم ولا تشق علي في الإنكار، وأريد منك الصبر والعذر.
74. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا: فعذر الخضر موسى ثم واصلا السير في السفينة ولما وفقا على الساحل شاهدا غلاما يلعب مع أقرانه، فقتله الخضر فقال موسى منكرا على الخضر فعله كيف تقتل نفسا بريئة طاهرة لم ترتكب ما يوجب القتل؟! لقد فعلت منكرا عظيما وإثما شنيعا.
سورة الكهف
75. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا: قال الخضر لموسى يذكره بما اشترط عليه ألم أقل لك من قبل إنك لن تستطيع أن تصبر على ما ترى من أفعالي التي لا تعلم أسرارها؟!
76. قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا: فقال موسى للخضر إن سألتك عن أمر من الأمور بعد هذه المرة فلا تصحبني فلم تقصر في شأني وأنت معذور؛ لأنك أخبرتني من قبل أنني لا أستطيع الصبر معك.
77. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا: فواصل موسى والخضر السير حتى دخلا على أهل قرية فسألا أهل القرية طعاما من طعام الضيافة فامتنع أهل القرية من إطعام موسى والخضر ثم وجد موسى والخضر جدالا يوشك أن يسقط فبناه الخضر فسوى ميله فتعجب موسى من هذا الصنيع وقال للخضر ليتك أخذت أجرة على عملك في الجدار لنشتري بها طعاما وقد منعونا الضيافة.
78. قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا: قال الخضر لموسى حان وقت الفراق وانتهت الصحبة وقبل أن تذهب سوف أخبرك بما أنكرته علي من أفعال لم تدرك مقاصدها ولم تعلم أسرارها فلم تصبر على السكوت!! وترك السؤال عنها والإنكار على فيها.
79. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا: أما خبر السفينة التي نزعت منها لوحا فإنها كانت ملكا لقوم من المساكين يبحثون عن الرزق عليها في البحر فأردت أن أظهر فيها عيبا لأن أمامهم ملكا ظالما يستولى على كل سفينة سليمة من العيوب غصبا فإذا رأى هذه السفينة معيبة تركها.
80. وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا: وأما الغلام الذي قتلته فقد نشأ كافرا وأبوه وأمه مؤمنان فلو تركت الغلام حيا لتسبب في كفر والديه لمحبتهما إياه أو إنهما محتاجان إلى منفعته.
81. فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا: فأردنا أن يعوض الله والديه خيرا منه في الصلح والاستقامة وبرهما.
82. وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا: وأما الجدار الذي بنيته وقومته حتى استقام فإنه كان ملكا لغلامين يتيمين من أهل تلك القرية وكان تحت الجدار ذهب وفضة لليتيمين وأبوهما كان من الأتقياء الصالحين فأراد الله أن يكبر الغلامان ويبلغا سن الرشد ثم يستخرجا الذهب والفضة من تحت الجدار؛ لطفا من الله بهما، وأنا لم أفعل ما فعلته من عند نفسي، ولكن بإذن من الله وأمر وهذا الذي ذكرته هو بيان ما خفي عليك من أسرار تلك الأفعال ومقاصد الأمور التي لم يظهر علمها لك فلم تصبر على ترك السؤال ولم تترك الإنكار علي.
83. وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا: ويسألك الكفار أيها النبي عن قصة الملك الصالح ذي القرنين فأجبهم بأنك ستخبرهم عنه بخبر صحيح يكون عبرة وعظة لهم.
84. إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا: إن الله مكن لذي القرنين في الأرض وأعطاه مما يحتاج إليه في مملكته من الأسباب والوسائل والأساليب التي يدبر بها شؤون بلاده ويفتح بها المدن وينتصر على الأعداء.
85. فَأَتْبَعَ سَبَبًا: فأخذ بتلك الوسائل واستعمل تلك الطرق بجد وقوة وهمة واجتهاد.
86. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا: فلما وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس وجدها بالنسبة إلى رؤية العين كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود ووجد عند مغرب الشمس بشرا فأمره ربه إما أن يعذبهم بالقتل أو بالأسر والسبي إذا لم يؤمنوا بالله وإما أن يأخذهم بالتي هي أحسن من الدعوة إلى الهدى بالرفق والحلم.
87. قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا: قال ذو القرنين أما من كفر بالله فسوف أعاقبه في الدنيا ثم إذا عاد إلى الله يوم القيامة عذبه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها.
88. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا: وأما من آمن بالله واتبع رسله وأطاع أمره واجتنب نهيه فله عند الله جنة النعيم وسوف نكرمه في الدنيا ونرفق به ونسدي إليه خيرا.
89. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا: ثم عاد ذو القرنين إلى المشرق آخذا لما أعطاه الله من وسائل وأسباب بجد واجتهاد.
90. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا: فلما وصل ذو القرنين إلى مطلع الشمس وجد هناك قوما ليس لديهم ساتر يحجب عنهم حرارة الشمس ولا شجر يظلهم منها.
91. كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا: وكذلك قد اطلع الله على ما عند ذي القرنين من الوسائل والأسباب وعلم سبحانه بكل ما عنده لا تخفى عليه خافية سبحانه.
92. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا: ثم واصل ذو القرنين المسير مستعملا ما وهبه الله من قوة وعدة وعتاد بهمة وصبر.
93. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا: فلما وصل ذو القرنين إلى ما بين الجبلين لما خلفهما وجد من دون الجبلين أناسا لهم لغة خاصة بهم لا يكادون يفهمون كلام سواهم.
94. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: فقالوا له يا ذا القرنين إن قبيلتي يأجوج ومأجوج يفسدون في الأرض بالقتل والأسر والظلم والاستيلاء على أموال الناس غصبا ويقطعون السبيل فهل نجمع لك من عندنا مالا أجرة لك مقابل بناء حاجز عظيم يحول بيننا وبين يأجوج ومأجوج.
95. قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا: قال ذو القرنين الذي رزقنيه الله من الملك والمال أفضل ما عندكم لكن ساعدوني بقوة أيديكم لأبني بينكم وبينهم سدا منيعا يمنع أذاهم عنكم.
96. آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا: هاتوا لي قطع الحديد واجمعوها لي فلما أحضروا الحديد ووضعوا بعضه على بعض وحاذوا به جانب الجبلين قال لأعوانه أشعلوا نارا عظيمة فلما ذاب الحديد قال لأعوانه أعطوني نحاسا أفرغه عليه ليكون أصلب وأقوى.
97. فَمَا اسْتطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا: فما قدرت يأجوج ومأجوج أن تعلو فوق السد لارتفاعه وما قدرت أن تخرق السد من أسفله لقوته ورسوخه في الأرض.
98. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَ‍قًّا: قال ذو القرنين هذا الحاجز الذي جعلته مانعا من أذى يأجوج ومأجوج من رحمة الله بي وبالناس الذين طلبوا مني ذلك لما فيه من الخير ودفع الشر فإذا حان وقت القيامة فسوف يهدمه الله ويسويه بالأرض ووعد الله واقع لا محالة والله لا يخلف الميعاد.
99. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا: وترك الله يأجوج ومأجوج يختلط بعضهم ببعض لكثرتهم فإذا نفخ في القرن للبعث والنشور جمع الله الخليقة بأسرها للحساب والجزاء.
100. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا: وأبرز الله نار جهنم للكفار في العرصات وأظهرها ليشاهدوا مصيرهم وعاقبة كفرهم.
101. الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا: هؤلاء الكفار كانت أعينهم في الدنيا في غطاء عن ذكر الله فلا تنظر إلى آياته نظر تدبر واعتبار ولا تطيق أن تسمع آيات الله الدالة على الإيمان به وبرسله.
102. أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا: أفيظن الكفار أنهم سوف يتخذون عباد الله آلهة يعبدونها من دون الله؛ ليكونوا أولياء لهم يجلبون لهم النفع ويدفعون عنهم الضر إن الله هيأ نار جهنم للكفار منزلا لا يبرحون منه.
103. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا: قل أيها النبي مبينا هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا يوم القيامة وأشدهم غبنا وندامة؟
104. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا: أخسر الناس أعمالا يوم القيامة هم من كفر بالله في الدنيا فانحرف عن الصراط المستقيم وسلك سبيل أهل الجحيم وهو يظن أنه محسن فيما عمل مصيب فيما فعل في حين أنه في غي وضلال حيث حرم الرشد والهدى.
105. أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا: هؤلاء الخاسرون هم الذين كذبوا بآيات الله وجحدوا بالبعث بعد الموت فأبطل الله أعمالهم بسبب كفرهم فليس لهم عند الله يوم القيامة قدر ولا قيمة.
106. ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا: وبسبب كفرهم وضالهم أحبط الله أعمالهم وجعل جزاءهم نار جهنم خالدين فيها فقد كذبوا بالآيات وأنكروا المعجزات واستهزؤوا بالبينات.
107. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا: إن الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وعملوا الأعمال الصالحة المشروعة بإخلاص ومتابعة لهم أرفع المنازل في الجنة وأعلى المراتب في الفردوس.
108. خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا: هؤلاء الأبرار باقون في تلك الدار في جوار العزيز الغفار ومن حسن الإقامة وطيب المحل لا يريدون تحولا عنها ولا خروجا منها لعظيم ما وجوده من النعيم المقيم والثواب العميم.
109. قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا: قل أيها النبي لو أن ماء البحر كان حبرا وجعل الشجر أقلاما ليكتب بها الله كلامه لانتهى ماء البحر قبل أن تنتهي كلمات الله: لكثرتها وبركتها، ولو جعل الله مع البحر بحارا أخرى تمد البحر الأول لانتهت أيضا قبل انتهاء كلمات الله.
110. قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا: قل أيها النبي للكفار إنما أنا إنسان مثلكم في البشرية ولست ملكا وإنما أنا عبد الله ورسوله أوحى الله إلي وحيا أنه لا إله إلا هو لا شريك له ولا رب سواه فمن كان يخاف عقاب الله ويرجو ثوابه ويؤمن بلقائه فعليه أن يعمل عملا صالحا خالصا لربه على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يشرك في العبادة مع الله غيره فيتركه الله وشركه.

سورة مـــريم
1. كـهيعص‌: الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها مع علمنا أن لها مقاصد جميلة وأسرارا عظيمة.
2. ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا: هذا ذكر رحمة الله لعبده ونبيه زكريا سوف يخبر الله به لما فيها من العبر والعظات بالحكم والفوائد.
3. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا: حين دعا زكريا ربه سرا لما في ذلك من كمال الإخلاص وتمام الرجاء في الإجابة.
4. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا: قال زكريا يا ربي تقدمت بي السن ورق عظمي وشاب رأسي وما سبق أن منعتني من إجابة الدعاء، بل كنت تلبي طلبي كلما دعوتك.
5. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا: وقد خفت من أقاربي وعشريتي إذا مت أن يقصروا في القيام بالدعوة إلى سبيلك وحمل أمانة الرسالة من بعدي وزوجتي عاقر لا تلد فارزقني ولدا يخلفني بخير ويحمل الرسالة من بعدي فقدرتك نافذة.
6. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا: هذا الولد يرث نبوتي من بعدي ونبوة آل يعقوب وأسألك أن تصلح هذا الولد ليكون مقبولا عندك وعند الخلق.
7. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا: فأوحى الله إليه يا زكريا إن الله يبشرك بأنه قد أجاب دعوتك ووهب لك ولدا اسمه يحيى تفاؤلا بحياته لم يسبق أن سمي باسمه غلام قبله.
8. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا: فتعجب زكريا وقال يا ربي كيف يولد لي ولد وزوجتي عاقر لا تلد وأنا شيخ كبير مثلي لا ينجب؟!
9. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا: قال الله كذلك الأمر متعجب منه هنا ولكنه سله على ربك يا زكريا إيجاد ما يشاء بأسباب وبلا أسباب وقد خلقك من قبل من العدم فربك لا يعجزه شىء.
10. قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا: فسأل زكريا ربه ليطمئن إلى وعد الله قائلا: يا ربي، أريد علامة أعرف بها حقيقة ما بشرتني به الملائكة فأوحى الله إليه أن العلامة أنك لا تستطيع أن تكلم الناس مدة ثلاث ليال وأيامها وأنت صحيح معافى.
11. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا: فظهر زكريا للناس من محل عبادته وهو الموطن الذي جاءته البشرى فيه بالغلام فأشار إلى الناس أن سبحوا الله صباحا ومساء شكرا له وعبودية.
12. يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا: يا يحيى أقبل على التوراة بهمة وعزيمة واجتهاد بحفظها وفهمها والعمل بها والدعوة لما فيها وقد أعطى الله الحكمة والفهم في العلم يحيى مع صغر سنه.
13. وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا: ووهب الله يحيى رحمة ومحبة من عنده وطهره من الخطايا وكان مراقبا لربه يعمل بأوامره ويجتنب نواهيه.
14. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا: كان يحيى طائعا لأبيه وأمه يبرهما ويشفق عليهما ولم يكن متكبرا على الخلق ولا عاصيا للخالق بل متواضعا مع الناس طائعا لربه.
15. وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا: وسلام من الله على يحيى وأمان من الرحمن له يوم أتت به أمه ويوم وفاته ويوم يبعث من قبره حيا في الآخرة.
16. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا: واذكر أيها النبي في القرآن قصة مريم يوم ابتعدت عن أهلها جهة الشرق وأقامت فيه.
17. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا: فأقامت مريم ستارا يسترها من أهلها ومن الناس فأرسل الله إليها جبريل فجاءها في صورة إنسان كامل الخلق تام الشكل.
18. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا: فلما رأت مريم جبريل قالت أستجير بالرحمن منك أن يأتيني منك سوء أو أذى إن كنت تخاف الله وتنقيه.
19. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا: فقال لها جبريل أنا مرسل من الله بعثني إليك لأهب لك غلاما طاهرا من الخطايا نقيا من الآثام.
20. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا: قالت مريم لجبريل كيف أنجب ولدا وأنا لم يقربني إنسان بنكاح حلال ولم أقترف حراما وإنما يأتي الولد عن لقاء الرجل بالمرأة؟!
21. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا: قال لها جبريل الأمر كما ذكرت فلم يقربك إنسان ولم تفعلي حراما صانك الله من ذلك ولكن مجئ ابن بلا أب سهل يسير على الله فقدرته نافذة وليكون هذا الابن علامة على قدرة الله وليكون عيسى رحمة من الله على والدته وعلى أمته وقد كتب الله ذلك وقدره فلا راد لحكمه ولا مانع لقضائه.
22. فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا: فحملت مريم بعيسى بعدما نفخ جبريل في جيب قميصها فوصلت النفخة إلى رحمها فحملت فذهبت إلى محل بعيد عن أعين الناس.
23. فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا: فألجأها طلق النفاس إلى جذع النخلة فقالت يا ليتني مت قبل هذا اليوم ولم أوجد ولم أعرف ولم أذكر ولم يعلم من أنا خوفا من كلام الناس.
24. فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا: فناداها عيسى ابنها لا تحزني فهذا أمر الله وقضاؤه وقد جعل الله تحتك جدول ماء عذب.
25. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا: فحركي بيدك جذع النخلة يسقط عليك من أعلاها رطب لذيذ جني من وقته وفيه بذل السبب لطلب الرزق.
26. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا: فكلي من الرطب واشربي من الماء وطيبي نفسا بابنك فإن رأيت أحدا من الناس فسألك عن هذا الأمر فقولي لقد ألزمت نفسي الصمت طاعة لله فلا أتكلم مع أحد من البشر وكان الصمت عبادة في شرعهم لا في شرعنا وفي الآية الاعتزال والصمت أيام الفتن.
27. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا: فجاءت مريم قومها وهي تحمل ابنها عيسى بعد أن ذهبت إلى مكان بعيد فلما شاهدوها وابنها قالوا لها يا مريم ارتكبت فرية عظيمة.
28. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا: يا أخت الرجل الصالح هارون لم يكن أبوك عاصيا يرتكب الفواحش ولم تكن أمك امرأة سيئة تزاول البغاء.
29. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا: فلم تكلمهم مريم وأشارت إلى ابنها عيسى وهو طفل في المهد ليسألوه فانكروا عليها وقالوا كيف نكلم هذا الطفل وهو صغير في مهده لا يستطيع الكلام ولا يفهم ما نقول؟!
30. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا: فأجاب عيسى وهو يرضع في مهده إني عبدالله قدر الله أن ينزل علي الإنجيل وأن يجعلني نبيا لبني إسرائيل.
31. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا: والله جعلني كثير الخير عام النفع في أي مكان كنت أنفع الناس بالعلم والحلم والحكمة وأوصاني ربي بإقام الصلاة والمحافظة على أوقاتها وأوصاني بإيتاء الزكاة ما بقيت على قيد الحياة فالصلاة طهارة الروح والزكاة طهارة المال.
32. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا: والله جعلني طائعا لأمي حنونا عليها رفيقا بها ولم يجعلني متكبرا فظا غليظا عاصيا لله بل تقيا صالحا.
33. وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا: وعلي أمان من الله من كل خوف وسلامة من كل آفة يوم مولدي ووفاتي ويوم أبعث حيا يوم القيامة.
34. ذَلِكَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ: هذا الذي أخبر الله عنه هو عيسى بن مريم حقيقة ويقينا وهذه قصته الثابتة الصحيحة لا كما ادعى اليهود والنصارى من أباطيل وافتراءات.
35. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: لا يليق بالله تعالى ولا ينبغي له ولا يصح أن يجعل لنفسه ولدا من خلقه تعالى عن ذلك إذا قدر أمرا وأراده تم هذا الأمر وحصل بكلمة كن لا راد لما أراد.
36. وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ: وقال عيسى لبني إسرائيل اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئا فإني ربي وربكم لا رب لنا سواه وهو الطريق القويم والصراط المستقيم وما سواه ضلال وباطل.
37. فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ: فاختلفت الطوائف من بني إسرائيل في شأن عيسى صلى الله عليه وسلم فقالوا عيسى ابن الله أو ثالث ثلاثة أو هو الله!! واليهود عادوه وقالوا ساحر أو ابن يوسف النجار فعلى من كذب وكفر الهلاك والدمار في يوم شديد الهول عظيم الخطر هو يوم القيامة.
38. أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: ما أشد سماع الكفار لأخطار يوم القيامة وما أشد بصرهم لأهوالها يوم يعودون إلى الله ليحاسبهم بما فعلوا ولكن من ظلم نفسه بالكفر في بعد ظاهر عن الحق وفي انحراف واضح عن الهدى.
39. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: وحذر أيها النبي الناس يوم الندامة على التقصير حين يقضي الأمر ويحاسب الناس فللسعداء الثواب وللأشقياء العقاب والكفار في هذه الدنيا فيغفلة عن ذلك اليوم لأنهم أعرضوا عن الحق واتبعوا الباطل وليس عندهم إيمان صحيح ولا عمل صالح.
40. إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ: إن الله وحده يرث الأرض ومن عليها حيث يفني الخليقة جميعها ويبقى وحده لأنه حي لا يموت سبحانه ومرد العباد إليه وحسابهم عليه وسوف يجازيهم بأفعالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
41. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا: واذكر أيها النبي للناس في هذا القرآن خبر إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإنه كان من أعظم الأولياء الصادقين المخلصين وقد اصطفاه الله بالنبوة وأكرمه بالخلة.
42. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا: يوم قال لأبيه أزر لماذا يا أبت تعبد الأصنام الجامدة وهي لا تسمع ولا تبصر ولا تدفع عنك ضرا ولا تجلب لك نفعا؟ فالله وحده الذي يجلب النفع ويدفع الضر.
43. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا: يا أبت إن الله أكرمني بالعلم النافع الذي أوحاه إلى فاقبل مني النصيحة وتعال معي إلى طريق الهدى أدلك على طرق مستقيم لا عوج فيه ولا ضلال.
44. يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا: يا أبت لا تتبع الشيطان بأن تعبد الأوثان وتترك عبادة الرحمن فإن إبليس عدو لله قد استكبر على عبادته وعصى أمره.
45. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا: يا أبت أخشى أن تموت وأنت كافر فيخلدك الله في النار فتكون مصاحبا للشيطان في الجحيم.
46. قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا: فقال أزر لابنه إبراهيم أتريد أن تعبد غير آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تترك سبها وشتمها لأرمينك بالحجارة حتى تموت فارقني فلا أراك ولا تراني ولا تكلمني ولا تلقاني.
47. قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا: قال إبراهيم لأبيه لك السلامة مني فلا يأتيك مني ما يؤذيك فللوالد إحسان الصحبة ولو كان كافرا لا الطاعة في المعصية ثم قال إبراهيم سوف أدعو الله أن يهديك إلى الإيمان وأن يغفر ذنبك فإن ربي عودني ألا يخيب رجائي فيه بل يكرمني بإجابة دعائي دائما.
48. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا: وسوف أفارقك يا أبي أنت وقومك وأصنامكم التي تعبدونها من دون الله وأستمر على دعائي وعبادتي لربي مخلصا له ديني، فربي لا يشقيني برد سؤالي.
49. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا: فلما فارق إبراهيم أباه وقومه وأصنامهم رزقه الله إسحاق ومن بعد إسحاق ابنه يعقوب وجعلهما نبيين كريمين.
50. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا: وتفضل الله على الجميع إبراهيم وأبنائه بالفضل العظيم من النبوة والرسالة والحكمة والذكر الحسن والثناء الجميل الباقي.
51. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا: واذكر أيها النبي في القرآن خبر موسى صلى الله عليه وسلم فإن الله قد اختاره نبيا واصطفاه رسولا وكان من أولي العزم عليهم السلام.
52. وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا: ونادى الله موسى من الجهة اليمنى من جبل طور سيناء وقرب الله موسى بكلامه سبحانه له وشرفه بمناجاته واصطفاه برسالته وفي هذا إثبات صفة الكلام لله تعالى على وجه يليق بجلاله وكماله سبحانه.
53. وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا: وأعطى الله موسى أخاه هارون مؤيدا وناصرا وجعله نبيا رحمة من الله وتفضلا ليتعاونا على البلاغ.
54. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا: واذكر أيها الرسول في هذا القرآن قصة إسماعيل صلى الله عليه وسلم فإنه كان صادقا في وعده إذا وعد وفي، فلم يخالف أبدا وكان مرسلا من الله شرفه بالنبوة.
55. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا: وكان إسماعيل يأمر أهله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكان الله راضيا عن إسماعيل لحسن فعله وتمام طاعته.
56. وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا: واذكر أيها الرسول في هذا القرآن قصة إدريس صلى الله عليه وسلم فإنه كان عظيم الصدق في قوله وعمله نبيا يوحي إليه.
57. وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا: ورفع الله ذكره في العالمين ورفع منزلته في المقربين فذكره مرفوع ومنزلته عالية.
58. أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا: هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هم الذين تفضل الله عليهم بالهداية والنبوة والتوفيق لكل خير وهم من ذرية آدم ومن ذرية من حمل الله مع نوح في السفينة ومن ذرية إبراهيم وذرية يعقوب وممن هداهم الله للإيمان واختارهم للرسالة إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم سجدوا خاضعين خائفين باكين من خشية الله لتمام عبوديتهم وانقيادهم لربهم.
59. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا: فجاء من بعد هؤلاء الأبرار أتباع سوء لم يصلوا أو ضيعوا أوقات الصلاة أو أهملوا واجباتها وأركانها ووقعوا فيما يوافق شهوات نفوسهم من المحرمات فسوف يلقون شقاء وخيبة وندامة في نار جهنم.
60. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا: لكن من عاد إلى ربه وندم على ذنبه وهو مؤمن صادق الإيمان عامل للصالحات فالله يقبل توبتهم ويمحو ذنوبهم ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم بل تكمل لهم وافية.
61. جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا: يدخل هؤلاء الأبرار جنات خلد في إقامة دائمة وهي التي وعد الله بها الصالحين من عباده بالغيب فصدقوا بها ولم يشاهدوها من قبل إن وعد الله متحقق حاصل لا راد له.
62. لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا: لا يسمع أهل الجنة في الجنة كلاما لاغيا لا خير فيه وإنما يسمعون تحية لهم بالسلام من كل آفة والأمن من كل خوف ويطعمون فيها أول النهار وأخره كلما أرادوا الطعام مع حسن المقام والأمن والسلام.
63. تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا: تلك الجنة التي ذكرها الله يهيئها الله للأتقياء من عباده وهو كل من عمل بأوامر الله واجتنب نواهيه.
64. وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا: ويقول جبريل للرسول صلى الله عليه وسلم وما تنزل الملائكة من السماء إلى الأرض إلا بإذن من الله له كل شىء أمامنا من أمر الآخرة وله كل شىء من خلفنا مما مضى من أمر الدنيا وما بين الدنيا والآخرة فله كل ما وقع في الزمان والمكان والله لا ينسى جل في علاه.
65. رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا: الله وحده رب السموات والأرض وهو خالقهما ومدبر ما فيهما وهو رب ما بينهما ومالك ذلك كله فأخلص له العبادة وحده ولا تشرك به شيئا واصبر على أداء طاعته والقيام بعبوديته فليس له شبيه ولا مثيل في أسمائه وصفاته وأفعاله.
66. وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا: ويقول الكافر مكذبا بالبعث بعد الموت كيف أعود حيا بعد ما مات وفنيت إن هذا مستحيل.
67. أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا: وهذا الكافر المكذب ما تذكر أن الله خلقه من العدم ولم يكن موجودا من قبل فإعادته بعد الموت أهون على الله تعالى والكل عليه هين.
68. فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا: فقسما بربك أيها النبي ليجمعن الله المكذبين بالبعث مع الشياطين ثم ليأتين بهم حول نار جهنم باركين على الركب من شدة الخوف وعظيم الهول.
69. ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا: ثم ليبدأن الله بعذاب من هو أشد طغيانا وتكبرا وأكثرهم تمردا وكفرا.
70. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا: ثم إن الله أعلم بالذين هم أولى بدخول النار ومعاناة عذابها ومقاساة حرها.
71. وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا: وما من الناس أحد إلا وارد على النار بالمرور على الصراط المنصوب على متن جهنم وهم متفاوتون في الإسراع على حسب الأعمال وهذا أمر لابد منه ولا محيص عنه.
72. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا: ثم ينجي الله من اتقاه بالعمل بشرعه ويترك من ظلم نفسه بالفكر في نار جهنم باركين على ركبهم.
73. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا: وإذا تليت آيات القرآن البينة الواضحة قال الكفار للمؤمنين أي الطائفتين منا ومنكم أكرم منزلا وأفضل مجلسا؟
74. وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا: وكم أهلك الله بالعذاب قبل كفار مكة من القرون السابقة وكانوا أجمل متاعا وأحسن منظرا من هؤلاء الكفار.
75. قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا: قل أيها النبي من كان معرضا عن الهدى فالله يمهله ويملي له في غوايته حتى إذا أبصر ما توعد الله به الكفار إما هلاكا لدنيا العاجل وإما قيام الساعة فسوف يتيقن حينها من هو أسوأ منزلة ومقاما ومن هو أضعف ناصرا ومعينا.
76. وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا: والله يزيد من آمن به وعمل صالحا إيمانا إلى إيمانهم بسبب طاعتهم وتمام اتباعهم لرسوله صلى الله عليه وسلم والأعمال الصالحة المشروعة هي أعظم أجرا عند الله في الآخرة وأحسن عاقبة يجدها العبد إذا احتاج إليها يوم الفقر.
77. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا: ألم تعجب أيها النبي لهذا الكافر العاص بن وائل وأشباهه الذي كذب بآيات الله وكفر بدينه وأقسم أنه ينال في الآخرة أموالا وأولادا.
78. أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا: هل اطلع على علم الغيب حتى يدعي لنفسه ما ادعى أم أن له عهدا عند الله بحصول ذلك له والحق أنه لا علم عنده ولا عهد له؟
79. كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا: ليس الأمر كما زعم فليس له علم ولا عهد وإنما هو كذاب وسوف يكتب الله ما افتراه ويزيده الله من أصناف العذاب وأنواع النكال مثلما ازداد من التكذيب والكفر.
80. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا: نسلب جميع ما يملك بموته ونتركه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد ولا عضد ولا سند.
81. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا: واتخذ الكفار أصناما يعبدونها من دون الله يطلبون عندها العزة ولكن العزة لله وحده.
82. كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا: لا ينال الكفار العزة أبدا بعبادة آلهة من دون الله بل سوف تنكر آلهتهم يوم القيامة عبادة هؤلاء الكفار لها وتكون خصوما لهم عند الله تكذبهم فيما قالوا.
83. أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا: ألم تر أيها النبي أن الله سلط الشياطين على الكفار تغريهم بالمعاصي وتدفعهم إلى الذنوب.
84. فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا: فلا تستعجل أيها النبي بسؤال العقوبة من الله للكفار إن الله يحسب أعمارهم وأعمالهم بلا إهمال ولا تفريط فكل شىء بأجل وحساب وقدر.
85. يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا: يوم يجمع الله الأبرار لرحمته الواسعة وفودا مكرمين منعمين.
86. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا: ويسوق الله بملائكته الكفار سوقا عنيفا إلى جهنم وهم يمشون عطاشا.
87. لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا: لا يستطيع هؤلاء الكفار الشفاعة لأحد لأنهم ليس لهم عهد عند الله من الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم.
88. وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا: وزعم الكفار كاذبين أن الله اتخذ ولدا من عباده تعالى وتنزه عن ذلك لأنه واحد أحد لم يلد ولم يولد.
89. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا: لقد أتى الكفار بقولهم هذا منكرا فظيعا وأمرا شنيعا.
90. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا: توشك السماء أن تتشقق من فظاعة هذا القول وشناعته وتتصدع الأرض وتسقط الجبال وتدك غضبا لله وإجلالا له عن هذا البهتان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
91. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا: لأنهم نسبوا إلى الله سبحانه الولد زورا وبهتانا منهم.
92. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا: لا يليق بعظمة الله وجلاله أن يكون له ولد لأنه غني عن كل أحد لم يلد ولم يولد.
93. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا: كل من في السموات والأرض من الملائكة والإنس والجن سوف يعودون إلى الله يوم القيامة أذلاء خاضعين مقرين بالعبودية له وحده خائفين منه تعالى.
94. لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا: لقد أحصى الله الخليقة وعلم عددهم فلا يفوته منهم أحد ولا يغيب منهم فرد.
95. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا: وسوف يعود كل إنسان من الناس إلى الله يوم القيامة فريدا وحيدا لا مال له ولا ولد ولا سلطان.
96. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا: إن الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات المشروعة سوف يجعل لهم الله برحمته محبة ومودة في قلوب عباده ومنه القبول والثناء الحسن والذكر الجميل.
97. فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا: فإنما سهل الله القرآن بلسانك العربي أيها النبي لتبشر الصالحين الأتقياء برضوان الله وجنته وتخوف الفجار شديدي الجدل بالباطل والمخاصمة في الضلال بنار جهنم.
98. وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا: وكثيرا من الأمم السابقة أهلكهم الله لا تشاهد منهم أحدا ولا تسمع لهم صوتا وسوف يقع الهلاك على كفار هذه الأمة كما وقع على من قبلهم سنة ماضية لا تبديل لها.
سورة طـه
1. طه: من الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها.
2. مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى: ما أنزل الله عليك القرآن أيها النبي لتكلف نفسك ما لا تطيق بل نزل باليسر والسعادة والفلاح.
3. إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى: لكن الله أنزل القرآن عليك لتعظ به من يخاف عذاب الله فيراقبه بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه.
4. تَنْزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى: الله الذي خلق السموات العالية والأرض هو الذي نزل عليك القرآن وحيا من عنده.
5. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى: الرحمن على عرشه علا وارتفع عن خلقه واستوى استواء يليق بجلاله.
6. لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى: لله وحده كل ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الأرض خلقا وتدبيرا وملكا وتصريفا لا شريك له في ذلك.
7. وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى: وإن ترفع صوتك بالقول أو تخفيه فإن الله يعلم الجهر والسر وما تحدث به النفس الذي هو أخفى من السر.
8. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى: الله وحده لا معبود بحق إلا هو لا شريك له ولا رب سواه له الأسماء المتضمنة لصفات الكمال البريئة من النقص.
9. وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى: وهي أتتك أيها النبي قصة موسى صلى الله عليه وسلم العظيمة العجيبة.
10. إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى: ليلة أبصر موسى نارا تتقد فقال لأهله انتظروا هنا فقد أبصرت نارا سوف أذهب إليها حتى آخذ منها شعلة لدفئكم وإنضاج طعامكم أو أجد عندها من يدلنا على الطريق.
11. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى: فلما وصل موسى إلى النار ناداه الله عزوجل يا موسى وأكرمه بالتكليم وشرفه بالنبوة.
12. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى: ناداه سبحانه بأنه ربه وإلهه وأمره بأن يخلع نعليه لقدسية وادي طوى وطهره وبركته بسبب الوحي الذي حصل فيه وتهيأ لمناجاة الله فخلع موسى نعليه وألقاها.
13. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى: والله اختارك يا موسى واصطفاك لتبليغ رسالته فاستمع لما يوحيه الله إليك بقلب حاضر.
14. إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي: إن الله لا إله إلا هو ولا معبود بحق سواه ولا شريك له فاعبده وحده وأخلص له الطاعة وأقم الصلاة لتذكر الله فيها.
15. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى: إن قيام الساعة واقع لا محالة لابد من حصوله يكاد يخفيها الله من نفسه فكيف يعلمها غير الله وهي آتية لتجزى كل نفس بما فعلت من خير وشر.
16. فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى: فلا يصرفنك عن الإيمان بيوم القيامة والعمل لها، من كذب بوقوعها، وترك الهدى واتبع الهوى فإن أطعته هلكت.
17. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى: وما الذي تمسكه بيدك اليمنى يا موسى.
18. قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى: قال موسى لربه هذه عصاي اعتمد عليها إذا مشيت وأخبط بها ورق الشجر لتأكل منه غنمي، ولي فيها حاجات أخرى ومنافع كقتل الثعبان والعقرب.
19. قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى: أمر الله موسى أن يلقي العصا من يده.
20. فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى: فألقى موسى عصاه على الأرض فحولها الله حية تسعى فهال موسى ما شاهد فولى هاربا.
21. قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى: فأمر الله موسى أن يأخذ الحية ولا يخاف منه فإنها لا تضر فسوف يعيدها عصا كما كانت بمجرد أخذه لها.
22. وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى: وأضمم يدك يا موسى تحت عضدك على جنبك تخرج بيضاء من غير برص ولا عيب.
23. لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى: أمر الله موسى بذلك حتى يشاهد موسى من براهين الله الكبرى الدالة على قدرة الله وعظمته ووحدانيته.
24. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى: أمر الله موسى أن يذهب إلى فرعون يدعوه إلى توحيد الله والإيمان به فقد تجاوز الحد في البغي والظلم والكفر وتمرد وأفسد في الأرض.
25. قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي: فدعا موسى ربه فقال رب وسع لي صدري لأستطيع تبليغ الرسالة.
26. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي: وسهل يا رب لي أمري حتى أقوم بالرسالة.
27. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي: وأسألك يا رب أن تطلق لساني بالكلام فلا أتلعثم.
28. يَفْقَهُوا قَوْلِي: حتى يفهم مني الناس ما أقوله لهم.
29. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي: واجعل لي مساعدا من أهلي يعينني.
30. هَارُونَ أَخِي: اجعل هذا المساعد والمعين أخي هارون.
31. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي: قوني بهارون وشد به ظهري لأقوى على حمل الأمانة.
32. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي: وأدخله معي في النبوة وتبليغ الدعوة معي.
33. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا: حتى ننزهك ونقدسك بالتسبيح الكثير.
34. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا: ونكثر من ذكرك الذي هو أعظم عون لنا على الرسالة.
35. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا: فأنت بصير بأحوالنا لا تخفى عليك منا خافية.
36. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى: فأجاب الله موسى وأعطاه ما سأله.
37. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى: ولقد أنعم الله على موسى قبل هذه النعمة بنعمة أخرى لما نجاه من فرعون وكان موسى طفلا.
38. إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى: إذ ألهم الله أم موسى إلهاما يحفظ به ابنها موسى.
39. أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي: فألهمها الله أن تضع ابنها موسى في التابوت ثم تطرحه في النيل فسوف يحمله النيل إلى الساحل فيقع في يد فرعون عدوي وعدو موسى وألقى الله الحب على موسى فصار محبوبا عند الناس مقبولا عند العباد ورباه الله على عين منه وحفظ ورعاية وفي الآية إثبات العين لله كما يليق بجلاله سبحانه.
40. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى: ومن لطيف تدبيرنا وحفظنا لك ما صنعناه حين كانت أختك تمشي تبحث عنك وتقول لمن أخذك ألا أدلكم على من يكفله ويرضعه لكم؟ فأعادوك إلى أمك ولم يعلموا بذلك لترضعك أمك وترعاك وتطيب نفسها برؤيتك وسلامتك ولا تحزن على فقدك ونجيناك يا موسى من الغم الذي حصل لك بقتل القبطي والخوف من القتل وامتحنك الله امتحانا لتمحيصك واصطفائك فخرجت من مصر خائفا إلى أهل مدين فبقيت عندهم سنين ثم جئت إلى مدين على موعد قدره الله وقضاه.
41. وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي: واختار الله موسى لرسالته واصطفاه لتبليغ دعوته والقيام بشرعه.
42. اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي: أمر الله موسى أن يذهب هو وأخوه هارون بآياته الدالة على ألوهيته ووحدانيته سبحانه وعظيم قدرته وأمرهما أن يضعفا في الدوام على ذكره سبحانه لأن الذكر يشرح الصدر وسهل بسببه كل أمر.
43. اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى: وأمر موسى وهارون أن يذهبا إلى فرعون لأنه بغى وطغى وتجاوز الحد في الكفر والظلم والفساد.
44. فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى: وأمرهما الله بالقول اللين اللطيف الحسن مع فرعون بلا غلظة ولا فظاظة ليكون ادعى للقبول وهذا القول اللين من خير الناس لشر الناس فالواجب على كل داعية الرفق واللين في دعوته.
45. قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى: فقال موسى وهارون يا ربنا إننا نخاف من فرعون أن يعاجلنا بالعقوبة أو أن يرد الحق فلا يقبله فالخوف أن يعذبنا أو يعذبنا.
46. قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى: فأوحى الله إلى موسى وهارون أن لا يخافا من فرعون فإن الله معهما بحفظه ونصره وتأييده يسمع كلامهما ويرى أفعالهما.
47. فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى: وأمرهما أن يأتيا فرعون ويخبراه بأنهما مرسلان من الله ربه أن أطلق بني إسرائيل من مصر ولا تشق عليهم في الأعمال أو تؤذيهم وأتى موسى وهارون بمعجزة ظاهرة عظيمة إلى فرعون تدل على صدقهما في دعوتهما والسلامة من عذاب الله لمن اتبع هداه وترك هواه.
48. إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى: إن الله أوحى إلينا أن عذابه على من كذب رسله وأعرض عن شرعه.
49. قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى: قال فرعون لهم معاندا جاحدا من ربكما يا موسى؟ وهذا إنكار في الظاهر.
50. قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى: فأجابه موسى بقوله ربنا الله الذي خلق كل شىء خلقا لائقا به في حسن الصنع والتركيب ثم وفق كل مخلوق للانتفاع بما خلقه الله له ودله على أسباب الحياة.
51. قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى: قال فرعون لموسى فما شأن من تقدم من الأمم وسبق من الأقوام فقد سبقوا إلى التكذيب والجحود.
52. قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى: قال موسى لفرعون خبر تلك الامم وما فعلته عند الله وحده مكتوب في اللوح المحفوظ لا يضل الله في أفعاله وأحكامه ولا ينسى من علمه شيئا فأحكامه وأفعاله بحق وصدق وعلم.
53. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى: الله وحده الذي صير الأرض سهلة ذلولا للانتفاع بها والعيش على ظهرها وصير فيها طرقا كثيرة يسيرة لتنقل المخلوقات فيها وأنزل ماء من السماء أنبت به أنواعا مختلفة ونباتات متنوعة رزقا للعباد والحيوان.
54. كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى: كلوا أيها العباد من طيبات ما أخرج الله من الأرض وارعوا في الأرض ببهائمكم إن فيما أنبت الله لبراهين على قدرته سبحانه واستحقاقه للألوهية وحده.
55. مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى: من الأرض خلق الله الناس وفي الأرض يعيدهم أمواتا في قبورهم ومن الأرض يخرجهم أحياء مرة أخرى؛ ليجازيهم على أفعالهم.
56. وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى: ولقد أرى الله فرعون أدلة الوحدانية وبراهين القدرة في المعجزات والمخلوقات والآيات البينات ولكن كذب بها وامتنع عن قبول الحق كذب بقوله وعصى بفعله.
57. قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى: قال فرعون هل أتيت إلينا يا موسى بسحرك تريد إخراجنا من ديارنا؟
58. فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى: فسوف نأتيك يا موسى بسحر مثل سحرك فوقت لنا موعدا محددا نلتقي فيه لا نختلف عنه نحن ولا أنت في مكان مستو معتدل وسط بيننا وبينك.
59. قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى: فوعدهم موسى يوم اجتماعهم في عيد من أعيادهم يوم يتجملون للعيد ليجتمعوا من كل مكان وقت الضحى.
60. فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى: فأعرض فرعون عن الحق وجمع السحرة وجاء للموعد محاربا لله ولرسوله موسى صلى الله عليه وسلم.
61. قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى: فنصح موسى السحرة وخوفهم من اختلاق الكذب على الله؛ لأن الله سوف يستأصلهم بعذاب من عنده فيدمرهم وقد خسر من كذب على الله وضل سعيه.
62. فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى: فاختلف السحرة فيما بينهم وكتموا حديثهم عن الناس.
63. قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى: قال السحرة إن موسى وهارون ساحران يريدان إخراج فرعون وقومه من ديارهم ويفسدان سحركم العظيم عليكم.
64. فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى: فأبرموا أمركم وأحكموا مكرمك ولا تختلفوا وتتفرقوا وأقبلوا عليهما صفا واحدا وألقوا ما في أيديكم بعزم؛ لتدهشوا العقول وتنتصروا على موسى وهارون وقد فاز نجح من قهر خصمه وعلا على عدوه هذا اليوم.
65. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى: قال السحرة لموسى اختر أيهما شئت إما أن تبدأ أنت بإلقاء عصاك أو نبدأ نحن بإلقاء ما عندنا.
66. قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى: قال لهم موسى بل أنتم ابدؤوا بإلقاء ما معكم فلما ألقوا ما معهم خيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم ثعابين تمشي.
67. فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى: فشعر موسى بالخوف والوجل مما شاهد.
68. قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى: فأوحى الله إلى موسى أن أثبت ولا تخف مما رأيت فأنت المنتصر هذا اليوم وستغلبهم بإذن الله تعالى.
69. وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى: واطرح عصاك التي في يدك اليمنى تبتلع عصيهم وحبالهم فإن الذي فعلوه أمامك إنما هو مكر ساحر وخديعة سحر ولن يفوز الساحر ولن يظفر حيثما كان.
70. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى: فطرح موسى عصاه فابتلعت الحبال والعصي وانتصر الحق وقام الدليل على صدق موسى فسجد السحرة على الأرض لله وقالوا آمنا بالله ووحدناه رب هارون وموسى فلو كان الذي عند موسى سحرا لما قهرنا هذا اليوم.
71. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى: قال فرعون للسحرة هل صدقتم بما جاء به موسى واتبعتموه ولم آذن لكم بذلك إن موسى معلمكم هذا السحر وهو إمامكم في هذا العمل فسوف أقطع أيدكم وأرجلكم من خلاف اليد اليمنى والرجل اليسرى أو الضد، ولأربطن أجسامكم بعد التمثيل بكم على جذوع النخل تشهيرا بكم وهذه غاية العقوبة وسوف تعلمون هل أنا أو إله موسى أشد عذابا وأكثر دواما واستمرارا وخاب اللعين وخسر بل الله أشد عذابا وأبقى.
72. قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا: قال السحرة لفرعون لن نفضل باطلك على الحق الذي جاء به موسى ولن نفضل ربوبيتك الكاذبة على ربوبية الله الواحد الأحد الذي خلقنا فافعل ما بدا لك إنما قدرتك علينا في هذه الدنيا القصيرة الفانية وعذابك لنا سوف ينقضي بانقضاء الدنيا.
73. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى: إننا صدقنا بألوهية ربنا وبما جاء به رسوله موسى لعل الله يعفو عن ذنوبنا وما أكرهتنا عليه يا فرعون من مزاولة السحر، والله خير ثوابا لمن أطاعه وأبقى عذابا لمن عصاه.
74. إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى: إن من جاء ربه وهو كافر فإن موعده النار خالدا فيها لا يموت فيها فيستريح ولا يحيا حياة سوية.
75. وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى: ومن يعود إلى ربه يوم القيامة وهو مؤمن قد عمل الأعمال الصالحة المشروعة فله المراتب العالية، والمنازل الرفيعة في الجنة.
76. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى: جنات إقامة دائمة تجري من تحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبدا وهذا النعيم المقيم والثواب العظيم لمن ظهر نفسه من المعاصي بالطاعات والتوبة وأخلص عبادة ربه وصدق في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
77. وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى: ولقد أوحى الله إلى موسى أنه أذهب ليلا بعبادي من بني إسرائيل من مصر فاجعل لهم في البحر طريقا يابسا جافا لا تخشى أن يدرككم فرعون ولا تخف من الغرق.
78. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ: فخرج موسى ببني إسرائيل ليلا وعبر البحر فسار فرعون خلفهم بجنوده فعلاهم الماء وغمرهم بما يفوق الوصف.
79. وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى: وأغوى فرعون أتباعه وزين لهم الضلالة وما أرشدهم إلى الحق ولا دلهم على الصواب.
80. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى: أمر الله بني إسرائيل أن يذكروا نعمه حين أنجاهم من فرعون وجنوده وجعل موعدهم بجانب الطور الأيمن لينزل التوراة على موسى هناك وأنزل الله عليهم في التيه الحلوى كالعسل والطير كالسمان لذيذ الطعم.
81. كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى: وأمر الله بني إسرائيل أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم الله بلا تجاوز للحد في الأكل ولا تعد إلى المحرم ولا فعل معصية فإن فعلوا ذلك حل بهم غضب الله ومن حل به ذلك فقد خاب وخسر.
82. وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى: والله كثير الغفران لمن صدق في توبته من ذنبه وصدق بما جاء عن الله وعمل الأعمال الصالحة المشروعة ثم اهتدى إلى سلوك الطريق المستقيم واستقام على الحق.
83. وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى: وما الذي جعلك يا موسى تستعجل فتسبقهم إلى الطور الأيمن وتتركهم بعدك.
84. قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى: قال موسى يا رب تركت قومي بعدي وسوف يلحقون بي وإنما استعجلت المجئ إليك لتزداد عني رضا.
85. قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ: فأخبر الله موسى أنه قد ابتلى قومه بعبادة العجل بعد أن فارقهم وقد أغواهم السامري.
86. فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي: فعاد موسى إلى قومه غضبان عليهم بسبب عبادتهم العجل وهو حزين مما جرى ولامهم وقال لهم يا قوم أما سبق أن الله وعدكم وعدا حسنا بإنزال التوراة على فهل تأخر عليكم الزمن فاستبطأتم الوعد أم فعلتم ما فعلتم من الشرك لينزل عليكم غضب الله وعذابه فنقضتم عهدي وأخلفتم ما وعدتموني عليه فعبدتم العجل وأهملتم ما جئت به؟
87. قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ: قال بنو إسرائيل يا موسى ما نقضنا العهد ولا أخلفنا الموعد معك برغبة منا ولكنا نقلنا معنا أحمالا ثقيلة من حلي قوم فرعون فوضعناها في حفرة ثم صهرناها بالنار وطرح السامري ما كان معه من ترابه حافر فرس جبريل على الحلي والنار.
88. فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ: فصنع السامري لبني إسرائيل من الذهب المنصهر على هيئة العجل يخور خوار البقر فقال من افتتن بهذا العجل وانخدع به لغيرهم هذا العجل هو إلهكم فاعبدوه ولكن موسى نسيه وغفل عنه كذبا منهم وزورا.
89. أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا: أفلا يرى من عبد العجل وافتتن به أن هذا العجل جامد صامت لا يبتدئ بكلام ولا يجيب من سأله ولا يدفع عمن عبده ضرا ولا يجلب لهم نفعا فكيف يكون إلها يعبد.
90. وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي: ولقد حذر هارون بني إسرائيل من قبل أن يعود لهم موسى وقال إنما هذا العجل اختبار وامتحان ليتميز الصادق من الكاذب وإن ربكم الذي يستحق العبادة هو الرحمن لا إله إلا هو فاقتدوا بي في عبادة الله وحده وأطيعوني فيما آمركم به من توحيد الله تعالى.
91. قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى: قال من عبد العجل من بين إسرائيل سوف نبقى على عبادة العجل حتى يعود إلينا موسى.
92. قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا: فلما عاد موسى قال لأخيه هارون من الذي منعك من اللحاق بي وتركهم لما رأيتهم يعبدون العجل من دون الله تعالى؟
93. أَلا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي: لماذا لم تتبعني وترجع إلي هل خالفتني فيما أمرتك به من إصلاح بني إسرائيل بعدي وحسن خلافتي فيهم؟
94. قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي: ثم أخذ موسى من الغضب بلحية هارون ورأسه يسحبه إليه قال له هارون يا ابن أمي لا تجرني بلحيتي ولا بشعر رأسي إني خفت إن لحقت بك وتركت بني إسرائيل أن تقول لي تركت بني إسرائيل مختلفين متفرقين، وأتيت إلي ولم تصلح شأنهم وتخلفني فيهم بخير ولم تحفظ وصيتي بجميل ولايتهم.
95. قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ: قال موسى للسامري ما الذي حملك على ما فعلت من إضلال بني إسرائيل بعبادة العجل؟
96. قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي: قال السامري رأيت ما لم يره غيري إذ رأيت جبريل صلى الله عليه وسلم على فرس بعدما غرق فرعون وجنوده فأخذت كفا من تراب حافر فرس جبريل فطرحت هذا التراب على الحلي الذي صنعت منه العجل وكذلك سولت لي نفسي الأمارة بالسوء هذا الفعل.
97. قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا: قال موسى للسامري فاذهب فجزاؤك على ما فعلت أن تعيش طريدا شريدا منبوذا تقول لكل أحد لا أمس ولا أمس ولك ميقات عند الله يعذبك على جرمك العظيم من اتخاذ العجل وهذا وعد متحقق وانظر إلى هذا العجل الذي عبدته من دون الله سوف نحرقه بالنار ثم نسحقه ثم ننسفه في ماء البحر نسفا أي تذرية في ماء أليم.
98. إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا: إنما إلهكم أيها الناس المعبود بحق هو الله وحده لا إله إلا هو لا شريك له وسع علمه كل شىء لا تغيب عنه غائبة ولا تخفي عليه خافية.
99. كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا: كما قص الله عليك أيها النبي أخبار موسى وفرعون يقص عليك أخبار الأمم السابقة وقد أنزل الله عليك هذا القرآن الذي هو عظة وعبرة وذكرى لمن يتذكر.
100. مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا: من أعرض عن القرآن ولم يتبعه ويعمل به فإنه يتحمل إثما عظيما لإعراضه وإهماله.
101. خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا: باقين في العذاب الأليم أبدا وساء ذلك الحمل الثقيل من الذنوب وقبح هذا الذي خلدهم في جهنم.
102. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا: يوم ينفخ الملك في القرن لقيام الساعة والبعث بعد الموت وتسوق الملائكة الكفار الأشرار وهم زرق العيون والألوان من هول ما شاهدوا.
103. يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا: يتهامس الكفار فيما بينهم بصوت خاف يقول بعضهم لبعض ما بقيتم في الدنيا إلا عشرة أيام لقصر المدة وسرعة مرور الزمن.
104. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا: والله أعلم بما يقولون ويخفون فيما بينهم حين يقول أسدهم رأيا وأكثرهم علما ما بقيتم في الدنيا إلا زمنا يسيرا لما عاينوا من طول يوم القيامة.
105. وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا: ويسألك الكفار أيها النبي عن مصير الجبال فأجبهم بأن الله سوف يصيرها هباء منبثا ويزيلها من على وجه الأرض.
106. فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا: فيجعل الله الأرض مستوية منبسطة ملساء.
107. لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا: لا يشاهد الإنسان فيها ارتفاعا ولا انخفاضا بل على هيئة واحدة.
108. يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا: في يوم القيامة يسرع الناس إلى صوت الداعي لموقف الحشر ليس لهم محيد ولا مفر من ذلك وصمتت أصوات الخلائق خضوعا ورهبة من الرحمن فلا تسمع إلا صوتا خفيا.
109. يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا: يوم القيامة لا تنفع الشفاعة أحدا من الناس إلا إذا اذن الله لشافع ورضي عن المشفوع له وهذا للمؤمن الصادق.
110. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا: يعلم الله ما بين أيدي العباد من أمور الآخرة وما خلفهم من أمور الدنيا ولا يحيط العباد بالله علما بل علمه محيط بهم.
111. وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا: وخضعت وجوه العباد لله الحي الذي لا يموت وذلت له القائم على تدبير الكون وقد خسر وهلك يوم الحساب من أشرك بالله شيئا.
112. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا: ومن يعمل الأعمال الصالحة مع الإيمان بالله فلا يخشى من ربه أن يظلمه بزيادة سيئاته أو يهضمه بنقص حسناته.
113. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا: وكما دعا الله أهل الإيمان إلى البر والإحسان وحذر الكفار من المعاصي والآثام أنزل هذا القرآن على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين ليفقهه الناس وبين سبحانه في كتابه أنواع الوعيد عسى أن يتقي الناس ربهم بالعمل بشرعه أو لعل القرآن يحدث لهم خشية واتعاظا فيعتبروا.
114. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا: فتنزه الله الواحد القهار وتقدس سبحانه من عزيز غفار الملك الحق الذي قهر كل جبار فهو الحق وكتبه ورسله حق ووعده ووعيده حق ولا تستعجل أيها النبي بتلاوة القرآن قبل أن ينتهي جبريل من تلاوته عليك واطلب إلى ربك أن يزيدك علما إلى علمك فإن العلم أفضل مطلوب وأكرم محبوب.
115. وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا: ولقد وصى الله آدم من قبل أكل الشجرة ونهاه أن يأكل منها وأخبره سبحانه أن الشيطان عدو له ولزوجه ونصحه أن لا يخرجهما الشيطان من الجنة فيصيبهما الشقاء ولكن الشيطان وسوس لهما فنسيا وصية الله لهما ولم يبق لآدم حفظ للوصية ولا عزيمة على العمل والصبر.
116. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى: واذكر أيها النبي يوم أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم فسجدوا غير أن إبليس عصى الله وأبى أن يسجد لآدم.
117. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى: فأخبر الله آدم أن الشيطان عدو له ولزوجته حواء فاحذر أن يخرجكما من الجنة فيصيبكم الشقاء بعد النعماء.
118. إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى: إن لك يا آدم عهدا من الله أن لا تجوع في الجنة لوفرة الطعام ولا تعرى لكثرة اللباس.
119. وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى: وأن لك يا آدم في الجنة أن لا تعطش لوجود الماء العذب البارد ولا يصيبك حر الشمس لتمام الظل الظليل.
120. فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى: فوسوس الشيطان لآدم وغره وخدعه ومناه وقال له هل تريد أن أرشدك يا آدم إلى شجرة إذا أكلت منها بقيت في الجنة خالدا أبدا وصرت ملكا بلا انتهاء ولا انقطاع.
121. فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى: فأكل آدم وحواء من تلك الشجرة التي حذرهما الله منها فظهرت عورتهما لشؤم العصية وكانت مستورة من قبل فآخذ آدم وحواء يقطعان من أوراق شجر الجنة ويستتران به بعد انكشاف العورة وخالف آدم أمر الله فغوى عن الرشد بمعصية الأكل من الشجرة.
122. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى: ثم اصطفى الله آدم واختاره واجتباه وقربه وقبل توبته وغفر خطيئته ووفقه للبداية بعد الغواية.
123. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى: أمر الله تعالى آدم وحواء أن يهبطا من الجنة إلى الأرض مع الشيطان فأنتما وإبليس أعداء على الدوام فإذا جاء بني آدم هدى عن طريق رسل الله عليهم السلام فإن من آمن بهدى الله وصدق رسله فإنه راشد في الدنيا موفق سعيد في الآخرة منعم.
124. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى: ومن ترك ذكر الله والإيمان به فإن الله يجعل حياته ضيقة عسيرة شاقة لا تطاق ولو ملك الدنيا!! ويحضره الله للحساب أعمى عن المشاهدة لا حجة له.
125. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا: قال هذا المعرض المتولي عن ذكر الله يا رب كيف أحضرتني إلى موقف الحساب وأنا أعمى وقد كنت أبصر قبل ذلك في الدنيا.
126. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى: فأخبره سبحانه أنه أحضر هذا المعرض إلى الحشر أعمى لأنه أعرض عن الإيمان والقرآن وطاعة الرحمن فكما ترك الانقياد لطاعة الله في الدنيا فكذلك يترك في جهنم.
127. وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى: وهكذا يعذب الله من أكثر من العصيان ولم يؤمن بالرحمن وهجر القرآن وعذاب الآخرة أفظع وأشنع وألزم وأدوم؛ لأنه لا ينقطع ولا ينقضي.
128. أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى: أفلم يبين للكفار كم أهلك الله من الأمم السابقة لما كذبوا والكفار يمشون في ديار وآثار أولئك المكذبين المعذبين وآثارهم إن في هذاك أولئك الأقوام وما بقي في ديارهم من آثار لعبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين من أهل العقول السليمة والبصائر النيرة.
129. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى: ولولا أن الله كتب في السابق وقدر لهم أجلا معلوما لعاجلهم بالعقوبة لأنهم مستحقون لها.
130. فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى: فاصبر أيها النبي على كيد الكفار وأذاهم وسبح بحمد الله في صلاة الفجر والعصر والعشاء والظهر والمغرب؛ لأن منها ما هو قبل طلوع الشمس أو قبل غروبها وفي أثناء الليل وطرفي النهار كي يأجرك الله على هذه الصلوات بما ترضى به ويسعد خاطرك بذكره سبحانه.
131. وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى: ولا تنظر برغبة وإعجاب إلى ما متع الله به الكفار والفجار من متاع زائل وزخرف منقض في دار الغرور فهو امتحان لهم وفتنة وبلاء ورزق الله الطيب الحلال وثوابه أفضل وأعظم وأدوم؛ لأنه لا ينقطع ولا يفنى.
132. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى: وأمر أهلك أيها النبي بإقامة الصلاة واصبر على أدائها والمحافظة على أوقاتها فإن الله لا يطلب منك مالا، فهو الذي يرزقك والخاتمة الصالحة والعاقبة الحسنة في كل أمر لمن اتقى ربه.
133. وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى: وقال الكفار هلا يأتينا النبي بعلامة ظاهرة تدل على رسالته أو ما كفاهم أن الله أنزل هذا الكتاب المعجز على النبي الأمي مصدقا لما قبله من الكتب السماوية.
134. وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى: ولو أن الله أفنى هؤلاء الكفار بعذاب قبل أن يقيم عليهم الحجة بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن عليه لقالوا: يا ربنا هلا بعثت إلينا رسولا من عندك فنؤمن بما جاء به ونهتدي بهداه من قبل أن نذل بعذابك ونخزى بعقابك.
135. قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى: قل أيها النبي للكفار نحن وإياكم منتظرون عواقب الأمور وتبدل الأحوال فسوف يظهر لكم لمن العاقبة الصالحة والنصر المبين والفتح العظيم وسوف تعلمون من أهل الهداية الذين اتبعوا الحق ووفقوا للصواب.
136. سورة الأنْبياء
137. اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ: دنا موعد حساب الناس على ما فعلوه في الدنيا ومع دنو الحساب فالكفار غافلون عن الاستعداد لهذا اليوم وهم في إعراض ولهو.
138. مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ: ما يتلى عليهم من القرآن شىء يجدد لهم التذكير إلا استمعوا له بلعب واستهزاء لا بإنصات وقبول.
139. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ: غافلة قلوب الكفار عن القرآن شغلت بالباطل وملئت بالهوى وقد اجتمع كفار قريش وأخفوا قولهم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر كسائر الناس ليصدوا الناس بهذا الكلام عن اتباعه والإيمان به ثم ادعوا أن القرآن الذي معه سحر وقالوا: كيف تؤمنون بالسحر وتتبعونه وهو بشر وأنتم تبصرون ذلك؟
140. قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: قال النبي صلى الله عليه وسلم الأمر لله فهو الذي يعلم القول في السماء والأرض ويعلم ما أخفاه الكفار من حديثهم والله السميع لما قالوه العليم بما فعلوه وهو تحديد للكفار ووعيد.
141. بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ: بل كذب الكفار بالقرآن فمنهم من قال إن القرآن أخلاط من الأحلام لا حقيقة لها ومن قائل إنه كذب مفترى وليس وحيا ومن قائل إن الرسول صلى الله عليه وسلم شاعر والقرآن شعر ونريد أن يرينا معجزة على صدقه كناقة صالح وعصا موسى ومثل ما جاء به الرسل من آيات محسوسات.
142. مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ: القرى التي جاءها الرسل بالمعجزات لم يصدق أهلها ولم يؤمنوا فكيف يصدق كفار مكة إذا جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة محسوسة كلا فهم مثل من سبقهم مكذبون جاحدون.
143. وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: وما أرسل الله قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجالا من الناس وليسوا ملائكة أنزل عليهم الوحي فاسألوا يا كفار مكة أهل الكتاب من اليهود والنصارى إذا جهلتم ذلك وأنكرتموه.
144. وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ: وما خلق الله الرسل أجسادا خارجة عن طبيعة البشر حتى لا تحتاج إلى طعام وشراب بل الرسل في البشرية كسائر الناس وما كتب الله للرسل الخلود في الدنيا بل يموتون كما يموت البشر.
145. ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ: ثم أنجز الله وعده لأنبيائه من نصر أوليائه وإهلاك أعدائه الذين أسرفوا في الذنوب وتجاوزوا الحد في الطغيان.
146. لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ: لقد أنزل الله إليكم أيها المسلمون هذا القرآن فيه عزكم وشرفكم وفلاحكم في الدنيا والآخرة إذا تذكرتم ما فيه وعملتم به فلماذا لا تعقلون هذا الفضل العظيم وتتفكرون فيه؟!
147. وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ: وكم أهلك الله من قرية كان أهلها ظالمين لأنفسهم بالكفر وخلق الله بعدهم قوما سواهم خلفوا من سبقهم.
148. فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ: فلما شاهد الكفار عذاب الواحد القهار قد نزل بهم ولوا هاربين من مساكنهم يفرون من عذاب الله.
149. لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ: فنودوا بسخرية واستهزاء إلى أين تهربون تعالوا إلى دنياكم ولهوكم وترفكم ودوركم المشيدة عسى أن تسألوا لماذا فررتم وماذا دهاكم؟
150. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ: فأجابوا معترفين بذنوبهم يا هلاكنا فقد ظلمنا أنفسنا بالكفر وعدم الشكر والغفلة عن الذكر.
151. فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ: فما زال دعاؤهم على أنفسهم بالهلاك عادتهم واعترافهم بالكفر ديدنهم حتى جعلهم الله بالعذاب كالزرع المحصود خامدين بالموت لا حياة فيهم فاحذروا أيها الكفار أن يقع بكم ما وقع بهم.
152. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ: وما خلق الله السماء والأرض عبثا وباطلا بل لحكمة عظيمة من إقامة الحجة ونصب البرهان على قدرته ووحدانيته ليعلم أن لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه.
153. لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ: لو أراد الله أن يتخذ لهوا ولعبا لاتخذه من عنده سبحانه لا من عند الخلق وما كان الله فاعلا ذلك لاستحالة اللهو واللعب عليه فإنه حق وكل ما صدر عنه حق.
154. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ: بل يصدم الله الباطل بالحق فيذهبه ويمحقه ويزيله فإذا هو متلاش مضمحل وللكفار سوء العذاب في النار بسبب سوء وصفهم للواحد القهار.
155. وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ: ولله وحده ملك كل من في السموات والأرض لأنه الخالق المدبر والملائكة المقربون عند الله لا يأنفون من عبادة الله ولا يتعاظمون من الخضوع له ولا يملون من عبادة الله ولا ينقطعون عنها.
156. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ: يعبدون الله ويذكرونه ويشكرونه ليلا ونهارا بلا انقطاع لا يصيبهم ضعف ولا سأم لقوتهم في الطاعة ونشاطهم في العبادة.
157. أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ: كيف يحق للكفار اتخاذ آلهة من دون الواحد القهار وهي لا تستطيع إحياء الموتى فالمحيي والمميت هو الله وحده.
158. لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ: ولو كان في السموات وفي الأرض آلهة غير الله تعالى تسير أمورهما لوقع الاختلاف واختل النظام واضطراب الكون فتقدس الله وتنزه عن أن يكون معه آلهة أخرى وتعالى وهو رب العرش العظيم عما وصفه به أعداؤه الكفار من كذب وافتراء.
159. لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ: من براهين وحدانية الله سبحانه بالربوبية والألوهية أنه لا يسأل عن قضائه في خلقه وجميع الخلق يسألون عما يفعلون ويحاسبون على ذلك.
160. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ: هل اتخذ الكفار من غير الله آلهة تخلق وترزق وتحيي وتميت؟ قل لهم أيها النبي تعالوا بدليل صحيح على صدق ما ادعيتم من ألوهية هذه الأصنام فهذا القرآن الذي نزل علي والكتب السابقة ليس فيها دليل على صحة ذلك فمن أين لكم هذا الادعاء؟ لكن ما أشرك الكفار إلا بجهل وتقليد فهم معرضون عن الحق منكرون له ومن جهل شيئا عاداه ومن قلد جاهلا آذاه.
161. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ: وما أرسل الله من قبلك أيها النبي من رسول إلا أوحى إلى هذا الرسول أنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له فاعبدوه مخلصين له الدين.
162. وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ: والملائكة طائعون لربهم لا يتكلمون إلا بإذن من الله ولا يعملون عملا دون أمر الله لهم بذلك.
163. لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ: والملائكة طائعون لربهم لا يتكلمون إلا بإذن من الله ولا يعملون عملا دون أمر الله لهم بذلك.
164. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ: والله يعلم أعمال الملائكة السابقة واللاحقة ويحصيها عليهم ولا يشفعون عند الله لأحد من العباد حتى يأذن لهم بالشفاعة ويرضى عن المشفوع له والملائكة خائفون من ربهم لا يأمنون مكره.
165. وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ: وإذا ادعى ملك من الملائكة فرضا أنه إله مع الله يعذبه في نار جهنم وهذا جزاء كل ظالم لنفسه بالشرك مدع ما ليس له.
166. أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ: أو لم يعلم الكفار أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا يفصل بينهما فاصل لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض ففصل الله بينهما بقدرته وأنزل الغيث من السماء وأخرج النبات من الأرض وجعل الله من الماء كل شىء حي أفلا يصدق هؤلاء المنكرون من الكفار بقدرة الله ووحدانيته فيؤمنوا به ويخلصوا له العبادة؟
167. وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ: وأوجد الله في الأرض جبالا ثابتة تمسك توازنها حتى لا تضطرب وأوجد فيها طرقا واسعة فسيحة عسى أن يهتدي الخلق إلى ما تقوم به حياتهم ويهتدون إلى الإيمان بربهم.
168. وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ: وجعل الله السماء سقفا للأرض قائمة بلا عمد مع ضخامتها وقد حفظها الله من السقوط ومن اختراق الشياطين لها والكفار غافلون عن هذه الآيات الباهرات والبراهين الساطعات.
169. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: والله تعالى هو خالق الليل لينام فيه الناس ويرتاحوا وخلق النهار لينتشروا فيه ويعملوا وخلق الشمس ضياء في النهار والقمر نورا في الليل ولكل من الشمس والقمر مدار يسير فيه لا يتعداه بحساب دقيق لا يحيد عن مجراه.
170. وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ: وما جعل الله لأحد قبل الرسول صلى الله عليه وسلم البقاء الدائم في الدنيا فإن مات الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يخلد أعداؤه الذين يتمنون موته بعده؟ وفيه دليل على موت الخضر؛ لأنه بشر.
171. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ: كل نفس لابد أن تموت مهما طال بها العمر في الحياة وما بقاؤها في الدنيا إلا امتحان واختبار بالأحكام الشرعية أمرا ونهيا وحلالا وحراما وبأحكام القدر خيرا وشرا ويسرا وعسرا ثم الرجوع إلى الله وحده يوم القيامة ليجازي كل عامل بعمله.
172. وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ: وإذا شاهد الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم سخروا منه وقالوا انظروا إلى هذا الرجل الذي يسب آلهتكم وكذبوا بآياتنا لرحمن وأعرضوا عن الإيمان وجحدوا القرآن.
173. خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ: خلق الله الإنسان عجولا يستعجل وقوع الأشياء قليل الصبر والانتظار ولهذا استعجل الكفار عذاب الله فأخبر سبحانه بأنه سوف يريهم العذاب الذي يستعجلونه وكل ما هو آت قريب فلا داعي للاستعجال.
174. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار المستعجلون للعذاب استهزاء منهم متى يقع ذاك اليوم الذي تعدنا به يا محمد ومن معك من المؤمنين إن كنتم صادقين بأنه سوق يقع؟
175. لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: لو علم الكفار ما أمامهم من أهوال وأنكال وأغلال حين لا يقدرون دفع النار عن وجوههم لما استمروا على تكذيبهم وعنادهم ولما استعجلوا وقوع ذاك اليوم.
176. بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ: وسوف تبغتهم الساعة فجأة فيقعون في حيرة وذهول فلا يقدرون دفع العذاب ولا يمهلون حتى يتوبوا ويستغفروا.
177. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: ولقد سخر الكفار من رسلهم قبل الرسول صلى الله عليه وسلم فوقع بالمستهزئين عذاب الله الذي كانوا يستهزؤون به.
178. قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ: قل أيها النبي للمستعجلين عذاب الله لا يحفظكم غير الله حافظ لكم يحرسكم في الليل والنهار والنوم واليقظة من عذاب الرحمن إذا حل بكم ولكن الكفار عن عذاب الواحد القهار في إعراض وإدبار.
179. أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ: قل أيها النبي للمستعجلين عذاب الله لا يحفظكم غير الله حافظ لكم يحرسكم في الليل والنهار والنوم واليقظة من عذاب الرحمن إذا حل بكم ولكن الكفار عن عذاب الواحد القهار في إعراض وإدبار.
180. بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ: هل للكفار آلهة تمنعهم من عذاب الله إن هذه الآلهة لا تدفع الضر عن أنفسها فكيف تدفعه عن غيرها وهم لا يجارون من عذاب الله ولا يمنعون عقابه.
181. قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ: لقد اغتر الكفار بطول الأعمار وفتنة الجاه والسلطان والدرهم والدينار فأصروا على التكذيب والإعراض ونسوا عقاب الله وأخذه وسنته الماضية في أنه سبحانه ينقص الأرض من جوانبها بما يوقعه بالكفار من عقوبة وبأس في كل جهة من هزيمة فهل يستطيع الكفار الخروج عن قضاء الله والامتناع من قدرته والفرار من الموت ولقاء الله عزوجل؟ هذا لا يكون أبدا.
182. وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ: لو أصاب الكفار نصيب من عذاب الجبار لعلموا عاقبة التكذيب والإنكار ولدعوا على أنفسهم بالهلاك والدمار؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بعبادة الأصنام والأحجار.
183. وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ: وينصب الله يوم القيامة للحسنات والسيئات الميزان العادل ولا يظلم الله أحدا من العباد شيئا بزيادة السيئات أو نقص الحسنات ولو كان عمل العامل قدر ذرة من خير أو شر حفظه الله لصاحبه وجازاه به وكفى بالله محصيا عمل الناس ومثيبا ومعاقبا لهم.
184. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ: ولقد أعطى الله موسى وهارون حجة بينة ونصرا مبينا وأعطاهما التوراة فرق به بين الحق والباطل ونورا يستضئ به من اتقى ربه واتبع هداه.
185. الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ: الذين يراقبون ربهم ويخافون عقابه وهم على حذر من يوم العرض على الله يوم تقوم الساعة هم آمنون.
186. وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ: وهذا القرآن الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ذكر لمن اهتدى به وهو عظيم النفع كثير البركة أفتنكرونه وهو كامل البيان واضح البرهان.
187. وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ: ولقد أعطى الله إبراهيم هداه ووفقه لرضاه وكان قبل موسى وهارون وكان الله يعلم أن إبراهيم أهل للاصطفاء والاجتباء.
188. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ: حين قال إبراهيم لأبيه وقومه ما هذه الأصنام التي صنعتموها والأوثان التي نحتموها ثم لزمتموها للعبادة وأدمتم العكوف عندها؟!
189. قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ: قال قوم إبراهيم نشأنا فوجدنا آباءنا يعبدون الأصنام فعبدناها كما عبدوها.
190. قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: قال إبراهيم لقومه أنتم وآباؤكم ضلال غاوون بعبادتكم هذه الأوثان من دون الرحمن وهذا خذلان وخسران.
191. قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ: قال قوم إبراهيم له هل هذا الكلام الذي تقوله لنا حق وصدق أم باطل وكذب تريد أن تستهزئ بنا وتلعب بعقولنا؟!
192. قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ: فقال لهم إبراهيم بل ربكم الله الذي لا إله إلا هو الذي خلق السموات والأرض وأنا أشهد على صدق ذلك وصحته.
193. وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ: وتالله لأحاربن اصنامكم في خفاء وأمكر بها وأكسرها بعدما تذهبون عنها وتغيبون.
194. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ: فكسر إبراهيم الأصنام وجعلها قطعا صغيرة وأبقى كبيرها ليعود القوم إليه فيسألوه ليظهر عجزهم وخطؤهم ويقوم الدليل العملي على قبح ما فعلوه من شرك.
195. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ: وعاد قومه ووجدوا الأصنام مكسرة محطمة فتساءلوا فيما بينهم من الذي حطم أصنامنا؟ إنه متعد ظالم، لأنه في نظرهم أهان ما حقه التعظيم.
196. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: قال بعض من سمع إبراهيم وهو يتوعد الأصنام سمعنا شابا يسمى إبراهيم يسب الأصنام فالتهمة لاصقة به.
197. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ: قال أشرافهم فتعالوا بإبراهيم على مشهد من الناس ليعترف أمامهم بما فعل؛ لتقوم عليه الحجة بشهادة الشهود.
198. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ: وأحضروا إبراهيم وسألوه منكرين لفعله أأنت الذي حطمت أصنامنا؟
199. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ: وفضحهم إبراهيم على رؤوس الأشهاد وعرض بحمقهم وغباوتهم وقال بل الذي حطم أصنامكم هو هذا الصنم الكبير!! فاسألوا أصنامكم عن ذلك إن كان فيها حياة تستطيع أن تتكلم فبهتوا وغلبوا.
200. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ: فوقعوا في حيرة وظهر لهم ضلالهم وسفههم إذ كيف يعبد صنم لا يدفع الضر عن نفسه فضلا عن أن يدفعه عن غيره وهي لا تجيب سائلا فكيف يطلب منها قضاء الحاجات؟
201. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ: ثم عادوا إلى الباطل وكابروا وقلبوا الأمر واحتجوا على إبراهيم بحجة باطلة هي عليهم لا لهم وقالوا كيف نسأل الأصنام وهي لا تتكلم؟
202. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ: قال إبراهيم منكرا فعلهم كيف تبعدون من دون الله أصناما لا تنفع إذا عبدت ولا تضر إذا تركت؟!
203. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: قبحا وخيبة لكم ولأصنامكم التي اتخذتموها آلهة من دون الله أفلا تفكرون بعقولكم قبح فعلكم فتعودوا إلى رشدكم؟!
204. قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ: لما غلبهم إبراهيم بالحجة والبرهان استعملوا ضده القوة والسلطان وقالوا أحرقوا إبراهيم بالنار انتقاما لأصنامكم وانتصارا لها فأشعلوا نارا عظيمة وألقوا إبراهيم في النار فقال حسبنا الله ونعم الوكيل.
205. قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ: فانجي الله إبراهيم من النار وقال للنار كوني بردا بلا حرارة وسلاما بلا أذى فلم يصبه مكروه!!
206. وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ: وأراد الكفار بإبراهيم هلاكا فأبطل الله مكرهم وقهرهم وأذلهم.
207. وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ: ونجى الله إبراهيم ولوطا الذي صدق به واتبعه ونقلهما من العراق إلى الشام المباركة بكثرة الثمار ووفرة الخير وهي أرض الأنبياء عليهم السلام.
208. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ: ورزق الله إبراهيم ابنا هو إسحاق وحفيدا هو يعقوب بن إسحاق وكل من الجد والأب والابن صالحون طائعون لربهم، أخيار أبرار.
209. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ: وجعل الله إبراهيم وإسحاق ويعقوب قدوة لعباده يدعون إلى طاعته ويعملون بشرعه وأوحى الله إليهم فعل الخيرات من الأعمال الصالحات وإقام الصلاة على أتم وجه وإيتاء الزكاة فقاموا بذلك خير قيام وكانوا طائعين لربهم من قادرين لأمره تعالى.
210. وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ: وآتى الله لوطا النبوة والعلم النافع والحكمة في القول والعمل والفصل بين الناس وأنقذه الله من قرية سدوم التي كان يعمل أهلها الخبائث فكانوا بهذه الفواحش والمنكرات أهل قبح وفجور وشر خارجين عن طاعة الله تعالى.
211. وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ: واجتباه الله وأتم نعمته عليه فأنجاه من العذاب لأنه كان طائعا لربه عاملا بما يحبه ويرضاه.
212. وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ: واذكر أيها النبي نبي الله نوحا حين دعا ربه من قبلك وقبل إبراهيم ولوط فاستجاب الله دعاءه ونجاه هو والمؤمنين من أهله من الغم الكبير والخطر العظيم.
213. وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ: ونصر الله نوحا على قومه المكذبين بآيات الله إنهم كانوا أهل قبح وفجور فأغرقهم الله بالطوفان أجمعين.
214. وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ: واذكر أيها النبي داود وابنه سليمان عليهما السلام إذ حكما في قضية غنم رجل عدت على مزرعة رجل آخر حيث أتلفت زرعها ليلا فحكم داود أن الغنم لصاحب الزرع عوضا مما أتلفته الغنم من زرعه وكان الله شاهدا على حكمهم.
215. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ: ففهم الله سليمان حكما عادلا لا ضرر على صاحب الغنم فيه ولا ضرار بصاحب الزرع فحكم على صاحب الغنم أن يسلم غنمه لصاحب الزرع لينتفع بغنمه ويأخذ مزرعة الرجل ليصلح ما أتلفته غنمه فإذا عادت المزرعة كحالها قبل التلف رد المزرعة على صاحبها وأخذ غنمه بعدما انتفع صاحب الزرع من لبنها وصوفها تلك المدة وكل من داود وسليمان أعطاهما الله علما نافعا وفصلا بين الخصومات ونظرا سديدا وطوع الله الجبال لداود تسبح معه إذا سبح وكذلك الطير وكان الله فاعلا لذلك بقدرته ومشيئته تعالى.
216. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ: وعلم الله داود صناعة الدروع فعرف كيف يجعل المسمار على قدر الحلقة لتقيكم هذه الدروع أذى الأعداء عند القتال فهل تشكرون نعمة الله عليكم حيث وفق داود لهذا العمل ثم انتشرت هذه الصناعة في الناس بفضل الله تعالى؟
217. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ: وطوع الله الريح شديدة الهبوب لسليمان تأتمر بأمره وتنقله ومن معه إلى بيت المقدس بالشام حيث الأرض الخصبة الطيبة كثيرة الخيرات وقد أحاط علم الله بكل الأشياء لا تخفى منها خافية.
218. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ: وطوع الله لسليمان الشيطانين يعملون في أعمال يعجز عنها غيرهم كالغوص في البحر واستخراج اللؤلؤ وهم ينفذون أمره والله يحفظهم بقوته وقدرته لهذه المهمة.
219. وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: واذكر أيها الرسول نبي الله أيوب صلى الله عليه وسلم إذ ابتلاه الله بفقد الأهل ومرض الجسد وذهاب المال فصبر واحتسب ولجأ إلى ربه ودعا مولاه إن اضر قد أصابني فاكشف ما بي وأنتم أرحم الراحمين.
220. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ: فاستجاب الله دعوته وفرج كربته ورد عليه أهله وعافاه من البلاء ورزقه مالا كثيرا مضاعفا تفضلا من الله ومنة وليكون أيوب أسوة لكل مبتلى أن يصبر ويدعو وينتظر الفرج ليكشف الله ما به.
221. وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ: واذكر أيها النبي إسماعيل وإدريس وذا الكفل حيث صبروا على الطاعات وصبروا عن المعاصي وصبروا عل مر القضاء فاستحقوا الأجر وحسن الذكر.
222. وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ: وأدخل الله هؤلاء الأنبياء في رحمته وفي كنف رعايته لأنهم أصلحوا ما بينهم وبينه بالعمل بطاعته وترك معاصيه.
223. وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ: واذكر ذا النون يونس بن متى إذ خرج من بين ظهراني قومه لما ردوا دعوته ولم يقبلوا منه وظن أن الله لن يضيق عليه ولن يؤاخذه بهذه المخالفة فضيق الله عليه في بطن الحوت فدعا ربه في ظلمه الليل والبحر وبطن الحوت تائبا مستغفرا قائلا لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
224. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ: فاستجاب الله دعوته وأنقذه وخلصه من الغم والشدة وهذه سنة الله في كل مؤمن صادق يجعل له بعد كل عسر يسرا وبعد كل كرب فرجا.
225. وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ: واذكر زكريا النبي الكريم إذ دعا ربه أن لا يتركه وحيدا بلا ولد يرث العلم والحكمة والنبوة وأنت خير الباقين وخير من يخلف كل ميت فالله الباقي بعد فناء خلقه.
226. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ: فاستجاب الله دعاء زكريا وأعطاه على الكبر يحيى وجعل زوجته صالحة تستطيع أن تحمل وأن تلد وكانت عاقرا إنهم كانوا يسابقون إلى الخير ويبادرون إلى البر والمعروف ويدعون الله راغبين في ثوابه خائفين من عقابه وكانوا خاضعين لله منقادين لأمره متواضعين لعباده.
227. وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ: واذكر قصة مريم ابنة عمران التي حفظت فرجها من الحرام فأمر الله جبريل أن ينفخ في جيب قميصها فوصلت النفخة إلى رحمها فحملت بعيسى صلى الله عليه وسلم من غير زوج فكانت هي وابنها علامة بينة على قدرة الله تعالى يعتبر بها الناس أمة بعد أمة.
228. إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ: جميع الأنبياء دينهم الإسلام والله وحده هو الخالق الرازق المدبر فأخلصوا له العبادة ولا تشركوا به شيئا.
229. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ: وتفرق الناس على الأنبياء واختلف أتباعهم شيعا وأحزابا وكثير منهم أشرك بربه والجميع سيعود إلى الله ليحاسبهم على ما فعلوا.
230. فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ: فمن تمسك بالإيمان بالله ورسله وعمل ما استطاع من عمل صالح يريد به الله فلن يبطل الله عمله ولن يحبط سعيه بل عمله مكتوب محفوظ عند الله يجده يوم القيامة.
231. وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ: ومستحيل على أهل القرى التي أهلكها الله بسبب الكفر أن يعودوا إلى الدنيا قبل يوم القيامة؛ ليتوبوا ويندموا على ما فعلوا.
232. حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ: فإذا فتح سد يأجوج ومأجوج خرجوا من كل مكان مرتفع ينتشرون في بقاع الأرض.
233. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ: وحان يوم القيامة فلشدة هوله أصبحت أبصار الكفار مفتوحة لا تطرف يقولون يا ويلنا ويا حسرتنا كنا نلهو ونلعب في دنيانا فكنا بذلك ظالمين لأنفسنا بالإعراض عن دين الله تعالى.
234. إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ: إنكم أيها الكفار أنتم وما تعبدونه من أخشاب وأحجار وقود للنار أنتم فيها داخلون مع الفجار.
235. لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ: لو كانت الأصنام التي عبدتموها أيها الكفار آلهة تستحق العبادة ما دخلت معكم النار وأنتم وألهتكم التي عبدتموها من دون الله خالدون في نار جهنم.
236. لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ: لهؤلاء الكفار المعذبين في النار آهات وأنين من شدة العذاب تتردد من صدورهم لشدة الكر والضيق وهم في النار لا يسمعون شيئا من شدة الأنكال وكثرة الأهوال.
237. إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ: إن الذين سبقت لهم من الله السعادة في قضاء الله وقدره أولئك ناجون من النار لا يدخلونها ولا ينالهم من الله الاذى فقد وفقهم الله لأسباب النجاة وهداهم إلى طريق الفوز.
238. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ: لا يسمعون صوت لهيب النار وأصوات المعذبين فيها فقد فازوا بالرضوان في الجنان بجوار الرحمن عندهم ما تحبه أنفسهم من كل ما لذ وطاب من لباس ومنظر ومتعة ولذة وطعام وشراب مع الإقامة الدائمة.
239. لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ: لا يخافون من الهول العظيم ولا يفزعون يوم يفزع الناس نالوا الثواب وأمنوا من العذاب وتستقبلهم الملائكة بالبشرى هذا هو اليوم الذي وعدكم فيه ربكم الفوز العظيم والفلاح الكبير.
240. يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ: يوم يطوي الله السماء كطي الصحيفة على ما سطر فيها ويبعث الله الناس على صورتهم الأولى التي أنشأهم عليها مثلما أتت بهم أمهاتهم وهذا وعد من الله لا يخلف الله وعده لأنه فاعل ما وعد لا راد لما أراد.
241. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ: ولقد كتب الله وقدر في الكتب المنزلة بعدما كتب في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها الصالحون من عباد الله الذين أطاعوه وعبدوه حق عبادته فاستحقوا الاستخلاف في الأرض.
242. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ: إن في هذا المتلو من كتاب الله في هذا الشأن لموعظة كافية لمن عبد ربه بما شرعه ففعل المأمور وترك المحذور.
243. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ: وما أرسل الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للخلق جميعا فمن اتبعه وآمن بما جاء به سعد سعادة لا شقاء بعدها ونال خيري الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن بما جاء به خاب وخس وشقي وضل ضلالا مبينا.
244. قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: قل أيها النبي إن الله أوحى إلي أنما الإله الذي يستحق العبادة وحده هو الله الذي لا إله إلا هو لا شريك له فأسلموا لله وانقادوا لدينه واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم.
245. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ: فإن أعرض الكفار عن الإسلام فقل لهم أبلغكم كلمكم ما أنزله الله إلي وأقيم عليكم الحجة حتى استوي أنا وإياكم في العلم بهذا البلاغ من عند الله ولا علم لي هل العذاب الذي وعدتم به قريب نزوله أم بعيد؟ فالعلم عند الله فأنا منذر بالعذاب مخبر عن وقت العقاب.
246. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ: إن الله وحده يعلم ما تعلنونه من أقوال وما تسرونه لا تخفى عليه خافية وسوف يجازيكم على ذلك.
247. وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ: ولا أعلم لعل تأجيل عقوبتكم استدراج لكم لزيادة إثمكم وتمتعكم بشهوات الدنيا الزائلة إلى أجل معلوم.
248. قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ: قال الرسول صلى الله عليه وسلم يا رب اقض بيننا وبين الكفار بالعدل فأكرم الصادق وعاقب الكاذب وربنا وحده هو الرحمن الذي نستعين به على افترائكم وكيدكم وعذابكم.
249. سورة الحج
250. يأيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ: يا عباد الله خافوا عذاب الله بتقوى الله فإن ما سوف يقع من أهوال القيامة كاضطراب الأرض وحركتها الشديدة شىء يفوق الوصف ويذهل العقل لا يعلمه وله إلا الله وحده.
251. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ: يوم يشاهد الناس قيام الساعة تنسى الأم رضيعها الذي يلقم ثديها لما رأت من الهول وتذهل عقول الناس كأنهم سكارى من شدة الخوف والهلع وليسوا بسكارى من الخمر ولكن شدة العذاب أذهبت عقولهم وأزالت إدراكهم.
252. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ: وبعض الكفار يخاصمون بالباطل في قدرة الله على إعادة الناس بعد الموت وليس لهم علم بهذه القدرة وإنما يقتدون بأئمة الضلال من كل شيطان عاص لله متمرد على طاعته.
253. كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ: قدر الله على هذا الشيطان أنه يغوي كل من اقتدى به ويصرفه عن الهداية ويسوقه إلى النار الموقدة نكالا له على ضلاله.
254. يا أيها النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ: يا أيها الناس إن شككتم في قدرة الباري على إحياء الموتى فإن الله خلق أباكم آدم من طين ثم خلق ذريته من نطفة من ماء الرجل وماء المرأة ثم يجعله سبحانه علقة من دم أحمر غليظ ثم قطعة لحم صغيرة مثل المضغة من الطعام فمرة تكون كاملة الخلق تخرج جنينا حيا ومرة تكون ناقصة الخلق فتسقط قبل الولادة الكاملة ليظهر الله لعباده كل قدرته في أحوال خلق الإنسان ويبقي الله سبحانه النطفة في الرحم ما شاء من الزمن ويكمل الله خلق الإنسان في بطن أمه طفلا ثم بعد ولادته يربيه حتى يبلغ تمام قوته وهو سن الفتوة والقوة وتمام العقل وبعض الناس يموت في طفولته وبعضهم يبقيه إلى سن الشيخوخة والهرم فينسى هذا المعمر ما كان يحفظه من قبل ويجهل ما كان يعلمه وأنت تشاهد الأرض يابسة قاحلة ميتة لا شجر فيها ولا نبات فإذا أنزل الله عليها الماء من السماء تشققت بالنبات وارتفع على وجه الأرض نباتها واكتمل حسنها وظهرت نضرتها حضرتها حتى صارت في صورة بهية ومنظر بهيج يسر الناظرين.
255. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: هذه الآيات والعلامات برهان قاطع على أن الله هو الرب المعبود بحق الذي لا تتبغى العبادة إلا له ولا يجوز أن يشرك به غيره لأنه الذي يحيي الأموات وهو قادر على كل شىء لا يعجزه أمر أراده سبحانه.
256. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ: وأن قيام الساعة واقع لا محالة ولا شك في ذلك وأن الله سوف يخرج الأموات أحياء من قبورهم للحساب.
257. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ: وبعض الكفار يخاصم بالباطل في الله وتوحيده وقدرته والبعث بعد الموت والقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم وليس عنده دليل ولا برهان وإنما بالجهل والكذب فلا علم عند هذا المجادل يبصر به الحق ولا حجة يغلب بها من خالفه ولا كتاب من الله عند هذا المخاصم يفرق به بين الحق والباطل.
258. ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ: يلوي عنقه من الكبر يعرض عن الهدى فسوف يفضحه الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة لكذبه وكفره وضلاله ويحرقه في نار جهنم جزاء على قبيح عمله.
259. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ: ويقال لهذا الكافر المتجبر هذه العقوبة بسبب عملك القبيح وفعلك السئ والله لا يعاقب عبدا بلا إثم.
260. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ: وبعض الناس يعتنق الإسلام وعنده شك وحيرة وليس عنده يقين في دينه فيعبد الله وهو متردد كالقائم على طرف الجدار قلقا متذبذبا ودينه تبع لدنياه فإن حصلت له العافية والمال والبنون ثبت على طاعة الله وإن وقعت له مصيبة أو مكروه أو فقر تشاءم من الإسلام وارتد إلى الكفر كالذي ينقلب من وجهه على قفاه فهو بهذا العمل خسر دنياه وأخراه إذ إن ردته لا تكشف كربته ولا تفرج شدته وفي الآخرة مصيره النار وهذا غاية الخسران والخذلان.
261. يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ: هذا الكافر الجاحد المتردد يعبد غير الله مما لا يضره إذا ترك عبادته ولا ينفعه إذا عبده وهذه نهاية الغواية والانحراف عن الطريق المستقيم.
262. يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ: هذا الكافر يعبد ويسأل من ضرره وشره أقرب من نفعه وخيره قبح الله ذلك المعبود من نصير ينتصر به وقبح الله ذلك العشير من صاحب يرجى عونه.
263. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ: إن الله يدخل المؤمنين الصالحين جنات النعيم التي تجري أنهارها من تحت أشجارها إن الله يفعل ما يشاء من ثواب الصالحين فضلا وعقاب الفجار عدلا.
264. مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ: من كان يعتقد أن الله تعالى لن ينصر نبيه صلى الله عليه وسلم ويظهر دينه ويؤيد أولياءه في الدنيا ويرفع درجاتهم في الآخرة فليربط حبلا بسقف بيته ثم يخنق نفسه بهذا الحبل ثم لينظر هل يذهبن ذلك ما يجد في نفسه من الغيظ؟ والله سوف ينصر رسوله صلى الله عليه ظالم ويظهر دينه على رغم أنف من شك أو كره.
265. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ: وكما أن الله أظهر البرهان للكفار على قدرته بإحياء الموتى أنزل القرآن واضح الآيات ميسر الفهم يهدي الله بكتابه من شاء من عباده فلا هادي غيره تعالى.
266. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: إن من آمن بالله واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم واليهود والصابئين وهم الذين بقوا على فطرتهم بلا دين معلوم عنهم وقيل فرقة من النصارى وكلك النصارى والمجوس عبده النار والمشركون عبده الأصنام إن الله سوف يحكم بينهم يوم القيامة فيدخل المؤمنين الجنة ويدخل الكفار النار إن الله شاهد على كل نفس بما كسبت عالم بجزاء كل أحد على حسب عمله الذي اطلع عليه وحفظ وشهد عليه به.
267. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ: ألم تعلم أن الله يخضع له وينقاد ويذل له ويخشع كل مخلوق في السموات من الملائكة وفي الأرض من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب وكثير من الناس وهم المؤمنون أتباع الرسل وكثير من الناس كتب الله عليهم العذاب فهم في خسران ومهانة وإذا أهان الله أحدا فلن يكرمه أحد إن الله يفعل في خلقه ما أراد لا معارض في مشيئته ولا راد.
268. هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ: هاتان طائفتان اختلفوا في ربهم المؤمنون والكفار كل يدعي أنه مصيب في عبادته فالكفار فصلت لهم ثياب من نار جهنم يلبسونها تحرق أجسامهم وتشوي وجوههم ويصب على رؤوسهم الماء شديد الحرارة.
269. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ: يذيب ما بدخل بطون الكفار ثم يصل إلى الجلود فيشويها فتنقطع وتتمزع.
270. وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ: وتضرب الملائكة الكفار على رؤوسهم بعصي غليظة مصنوعة من حديد على رؤوسهم.
271. كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ: كلما حاول الكفار الخروج من النار لشدة الأنكال والأغلال والاهوال ردوا إليها وقيل لهم تبكيتا ذوقوا عذاب النار المحرق لأجسامكم.
272. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ: إن الله يدخل المؤمنين الصالحين جنات تجري الأنهار من تحت أشجارها وقصورها ودروها في نعيم دائم يزين الله فيها أهل الجنة بأساور الذهب واللؤلؤ في أيديهم ويلبسون الحرير الناعم يشترك في ذلك الرجال والنساء.
273. وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ: والله أرشد عباده الصالحين في الدنيا إلى أحسن الكلام من توحيد وتسبيح وعلم نافع وأمر بمعروف ونهي عن منكر ونحوه وأرشدهم في الجنة إلى حمده وشكره على حسن الثواب وعظيم الأجر وقد أرشدهم إلى الصراط المستقيم من الإيمان به واتباع رضوانه والعمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
274. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ: إن الكفار الصادين عن طريق الهداية المحاربين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم والذين يمنعون المؤمنين من المسجد الحرام كما حصل عام الحديبية والمسجد الحرام هو قبلة لجميع المسلمين سواء المقيم فيه والقادم إليه ومن نوى في المسجد الحرام الميل عن الحق وتجاوز حدود الله بمعصية ربه يذيقه الله عذابا شديدا موجعا.
275. وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ: واذكر حين مهد الله لإبراهيم مكان الكعبة وهيأه له ودله عليه ولم يكن معروفا وأمره ربه أن يؤسسه على تقوى منه ورضوان وتوحيد له وإيمان به وأن يطهره من الكفر والنجاسات ليكون مهيأ للطائفين والقائمين والراكعين والساجدين في حال صلاتهم.
276. وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ: وأعلن يا إبراهيم لعموم الناس بالحج إلى بيت الله يجيبوا دعوتك مشيا على الأقدام وركوبا على كل ضامر من الإبل وهو خفيف اللحم لنشاطه يأتين من كل طريق بعيد.
277. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ: ليحضر الناس منافعهم من تكفير سيئات وكسب حسنات وربح في تجارات وأداء طاعات وغير ذلك من الخيرات وليذكروا اسم الله عند نحر وذبح الإبل والبقر والنعم في أيام محددة معلومة وهي العاشر وثلاثة أيام بعده شاكرين لله ما أنعم به عليهم ويستحب لهم الأكل من هذه الذبائح وإطعام الفقير شديد البؤس.
278. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: ثم يكمل الناس ما بقي عليهم بالتحلل من الإحرام وإزالة وسخ البدن وتقليم الأظافر وحلق الشعر وليوفوا ما ألزموا به أنفسهم من حج أو عمرة أو هدي أو قربة وليطوفوا ببيت الله القديم بناؤه الذي أعتقه الله من استيلاء الجبابرة عليه.
279. ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ: ذلك المذكور من إكمال ما بقي من النسك وقضاء التفث والوفاء بالنذر والطواف بالبيت هو ما شرعه الله للحج فالواجب تعظيمه ومن يعظم حرمات الله بأدائها على أكمل وجه متبعا فيها الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خير له في دنياه وأخراه وأباح الله لعباده أكل الأنعام إلا ما استثناه كالميتة وغيرها فالواجب اجتنابها فابتعدوا عن قذارة الأوثان وعن الافتراء على الله والكذب على عباده لأن الرجس فساد العمل والزور فساد القول.
280. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ: مستقيمين على ملة التوحيد ثابتين على الإسلام دين الفطرة من إخلاص العبادة لله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم لا يشركون بالله شيئا قد كفروا بما سواه من المعبودات والطواغيت فمثل المشرك بالله في بعده عن الحق وفي هوانه وسقوطه من قمة الإسلام إلى حضيض الشرك مع اجتذاب الشياطين له من كل جهة كمثل من سقط من علو شاهق مرتفع فإما أن تخطفه الطير فتقطع جسمه وإما أن تحمله رياح عاتية عاصفة فترمي به في محل ناء قاص.
281. ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ: ذلك الذي ذكر هو ما وجبه الله على عباده من التوحيد وإخلاص العبادة له، والذي يستجيب لربه ويعظم ما عظمه الله من أعمال الطاعات كمناسك الحج فهذا العظيم يدل على خشية قلب صاحبه وتقواه ومراقبته لمولاه.
282. لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ: لكم أيها الناس انتفاع بالهدي الذي تسوقونه إلى الحرم من ركوبها وصوفها ولبنها حتى تذبح عند البيت العتيق وهو كل الحرم.
283. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ: ولكل طائفة من المؤمنين السابقين جعل الله مناسك من الذبائح تقربا إليه سبحانه لكي يذكروا اسم الله وحده عند الذبح ويشركوه لأنه رزقهم هذه البهائم للانتفاع بها فإلهكم المعبود بحق أيها العباد هو الله وحده فأطيعوه وأخلصوا له العبادة واتبعوا هدي رسوله صلى الله عليه وسلم وبشر أيها النبي المؤمنين المتواضعين الخاضعين لربهم بكل خير من سعادة الدنيا والفوز بجنات النعيم.
284. الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: هؤلاء المتواضعون إذا ذكر الله تعالى خشعت قلوبهم وخافوا من عذابه وكره وأخذه فاجتنبوا معاصيه وإذا أصابهم مكروه وحلت بهم مصيبة صبروا امتثالا لأمر الله واحتسابا للثواب من الله مع المحافظة على الصلاة بأدائها على أكمل وجه وهم يتصدقون مما أعطاهم الله في النفقات الواجبة والمستحبة من زكاة ونفقة على أهل وقريب وفقير ومسكين وغير ذلك من أبواب الخير.
285. وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وجعل الله نحر البدن من علامات الدين ونسك المسلمين لتكون قربة إلى الله ولمن يتقرب بها إلى الله خير في الدنيا من الأكل والصدقة وفي الآخرة الثواب العظيم والأجر الجزيل وليقل الذابح عند ذبحه بسم الله والإبل تنحر وهي واقفة تصف ثلاث من قوائمها وتقيد الرابعة فإذا سقطت البدن على جنوبها أرضا فقد أباح الله أكلها فيأكل منها من تقرب بها إلى الله عبادة ويطعم الفقير الذي لا يسأل الناس تعففا والفقير الذي يسأل لفقره والله هو الذي ذلل لكم البدن في منافعكم حتى تشكروا الله على هذه النعم.
286. لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ: لن يصل إلى الله من لحوم هذه الذبائح ولا من دمائها شىء فهو سبحانه غني عمن سواه ولكن يصله الإخلاص منكم وقصد وجهه وحده والله قد جعل هذه البدن ذليلة لكم لتعظموا الله بالتقرب بها إليه لأنه الذي وفقكم للاستقامة وأرشدكم إلى الهدى ولتشكروه سبحانه على نعمة وبشر أبها النبي من أحسن من أمتك بإحسان عبادة الخالق والإحسان للمخلوق بكل أجر عظيم وفوز كريم.
287. إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ: إن الله يدفع عن الأبرار أذى الأشرار وكيد الفجار وعداوة الكفار لأنه لا يحب الخائن للأمانة الجحود لنعمة ربه لأنه أساء في الأمانة وفي الإيمان.
288. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ: لم يأذن الله للمسلمين في أول الأمر بقتال الكفار بل أمرهم بالصبر والصفح عن الأذى فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وأصبح للإسلام قوة اذن الله للمسلمين بقتال الكافرين لأن الظلم وقع على المسلمين من اذى وإخراج من الديار وقد وعدهم الله بنصره وهو قدير على إعزاز أوليائه وإذلال أعدائه.
289. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ: الذين طردوا من أوطانهم طردا لا لجرم فعلوه وإنما قالوا ربنا الله وحده ولولا أن الله أمر بدفع الظالم وصاحب الباطل بالجهاد بأنواعه لساد الباطل وهزم الحق وعلا الكفار وذل الأبرار وخربت الديار وهدمت مواطن العبادة من صوامع الرهبان وكنائس النصارى ومعابد اليهود ومساجد المسلمين المعدة للصلاة ولذكر الله تعالى ومن نصر دين الله وجاهد في سبيله بلسانه وقلمه ويده ونفسه وماله نصره الله وأعزه في الدنيا والآخرة فإن الله قوي لا يغالب يقهر من حاربه عزيز لا يرام أخذ بنواصي وتفرد بالعظمة والجبروت.
290. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ: الذين وعدهم الله بنصره هم الذين إذا مكن الله لهم وأظهرهم على عدوهم واستخلفهم في الأرض أقاموا الصلاة على الوجه الذي شرعه الله من محافظة على وقت وأداء على السنة ودفعوا زكاة المال لمستحقيها وأمروا الناس بكل حق لله وحق لعباده مشروع ونهوا عن كل ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ومرجع كل أمر إلى الله ومنتهى كل شىء إليه وحده سبحانه والعاقبة للمتقين.
291. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ: وإن كان قومك أيها النبي كذبوك فلك أسوة في الأنبياء مثلك فقد كذب قوم نوح وعاد وثمود.
292. وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ: وكذب قوم إبراهيم وقوم لوط وحاربوا الرسولين الكريمين.
293. وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ: وكذب أصحاب مدين شعيبا وكذب فرعون وقومه موسى فأمهل الله لهؤلاء المكذبين ثم أهلكهم بالعذاب فانظر ما أعظم إنكار الله عليهم لما كذبوا كيف أبادهم ونكل بهم؟
294. فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ: فكم من قرية أهلكها الله ودمرها فالمنازل خراب لا سكان فيها والآبار لا يستقى منها لأنه لا أنيس ولا حيا حولها والقصور الشاهقة المشيدة المزخرفة لم تمنع أهلها من إهلاكنا.
295. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ: أفلم يسر الكفار في الديار ليشاهدوا الآثار فقد أهلك الله المكذبين فلماذا لا يعتبر هؤلاء بمصارع أولئك فيفكروا بعقولهم ويسمعوا أخبار الماضين بتدبر فيتعظوا فالعمى ليس عمى البصر لكن عمى البصيرة إذا أصيبت بالزيغ والحيرة.
296. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ: ويستعجلك الكفار أيها النبي بعذاب الله لجهلهم والله لن يخلف ما وعد به من عذاب واقع بالكفار لابد منه وإن يوم القيامة وهو يوم من أيام الله كألف سنة من سني الدنيا وليس بعيدا وقوعه.
297. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ: وكم من قرية كان أهلها ظالمين لأنفسهم بالكفر أمهلهم الله مدة من الزمن فلم يعاقبهم فاغتروا ثم أخذهم الله بعذابه بغته في الدنيا وعنده المعاد ليجازي كل نفس بما عملت.
298. قُلْ يأيها النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ: قل أيها النبي يا أيها الناس ما أنا إلا منذر لكم أحذركم عذاب الله إن كفرتم وأبلغكم رسالة الله البيان البليغ الشافي.
299. فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: فالمؤمنون الصالحون المتبعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يغفر الله ذنوبهم ويمحو سيئاتهم ويرزقهم رزقا حسنا مباركا في الجنة.
300. وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: والذين جدوا واجتهدوا في محاربة الله ورسله والكيد لأوليائه ومحاولة إبطال آيات الله بالمشاقة والمغالبة هؤلاء ماكثون في نار جهنم الموقدة لهم المؤصدة عليهم.
301. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: وما أرسل الله قبلك أيها النبي من رسول إلا إذا تلا كتاب الله شوش الشيطان عند قراءته بإلقاء الوساوس والشبهات ليمنع وصول القرآن إلى الناس خوفا من إيمانهم وتصديقهم ولكن الله يذهب وساوس الشيطان ويبقي آياته المنزلة والله يعلم ما سبق وما لحق وما ظهر وما بطن حكيم في صنعه وشرعه وقدره وأمره.
302. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ: والله جعل هذا العمل من الشيطان امتحانا لأهل الريبة والنفاق ولأهل القلوب القاسية من الكفار الذين لا ينتفعون بالمواعظ وإن هؤلاء الظالمين من المنافقين والكفار في حرب مستمرة وعداوة دائمة وخلاف شديد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
303. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وليتيقن أهل العلم النافع الذين لديهم فرقان بين الهدى والضلال أن القرآن هو الحق الذي لا شك فيه وهو وحي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ولا طريق للشيطان إليهم فيزدادوا إيمانا بالله وخشية له وإن الله وحده هو الذي يهدي عباده المؤمنين إلى طريق الرشد وسبيل الحق وهو دينه الذي اختاره من بين الأديان وهو الإسلام.
304. وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ: ولا يزال الكفار في شك من كتاب الله عزوجل إلى أن تأتيهم القيامة فجأة وهم على باطلهم أو يأتيهم عذاب يوم شره دائم لا خير فيه لهم.
305. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ: الملك والحكم يوم القيامة لله وحده يفصل بين الأبرار والفجار فالمؤمنون الصالحون في جنات منعمون خالدون.
306. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ: والكافرون الجاحدون بوحدانية الله ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم عذاب يفضحهم ويخزيهم في نار جهنم.
307. وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: ومن خرج من وطنه فارا بدينه في سبيل رقه ثم قتل مجاهدا أو مات مؤمنا فسوف يثيبه الله بنعيم الجنة الذي لا يزول ولا يحول وهو سبحانه خير من يرزق لأن رزقه طيب كثير مبارك دائم يعطي مع غناه عمن أعطاه.
308. لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ: ليدخلن عباده المهاجرين والمجاهدين في سبيله مدخلا يحبونه من العطاء الجزيل والثواب الجميل والله عالم بمن يخرج لمرضاته حليم على من عصاه يمهله ولا يؤاخذه بما جناه.
309. ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ: ذلك الذي أخبرك الله به من إكرام عباده الصالحين في جنات النعيم ومن أصاب أذى من ظالم له فقد أذن الله له أن يقتص من الظالم بمثل مظلمته فإن زاد ظلم الظالم فإن الله سوف ينصر المظلوم لأنه لا يجوز أن يعتدي عليه لأنه اقتص لنفسه ممن ظلمه إن الله يعفو عن المسئ فلا يعاجله بالعقوبة ويغفر لمن أذنب فلا يؤاخذه بالذنب وفي هذا بيان لفضل الله بالعفو والغفران.
310. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ: ذلك الله الذي سن هذه الأحكام العادلة وهو القدير على كل ما شاء ومن قدرته أنه يدخل ما نقص من وقت الليل في النهار ويدخل ما نقص من وقت النهار في الليل وهو سميع لكل صوت بصير بكل فعل فالسمع يقابل آية الليل والبصر يقابل آية النهار.
311. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ: ذلك بأن الله لا إله غيره هو المستحق للألوهية وحده عبادته حق وعبادة ما سواه باطل فعبادة المشركين لغيره زور وبهتان لأنها لا تنفع ولا تضر والله هو العلي على خلقه علو ذات وقدر وقهر وهو الكبير الذي دونه كل مخلوق فلا أكبر ولا أعظم منه جل في علاه.
312. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ: ألم تر أن الله لا إله غيره هو المستحق للألوهية وحده عبادته حق وعبادة ما سواه باطل فعبادة المشركين لغيره زور وبهتان لأنها لا تنفع ولا تضر والله هو العلي على خلقه علو ذات وقدر وقهر وهو الكبير الذي دونه كل مخلوق فلا أكبر ولا أعظم منه جل في علاه.
313. لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ: لله وحده كل ما في السموات والأرض خلقا وملكا وتصرفا كل مخلوق تحت سلطانه لا يخرج من ملكه وهو سبحانه غني عما سواه وما سواه محتاج إليه لا غنى له عنه وهو المحمود في كل حال الذي جمع صفات المحامد وتفرد بالكمال والجلال والجمال.
314. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: ألم تر ان الله ذلل المخلوقات من بهائم ودواب ونحوها وخلق النبات والجماد لمصلحة الإنسان ونفعه وذلل السفن على سطح البحر تسعى بما ينفع الناس من ركوب وتجارة وسفر والله وحده يمسك السماء حتى لا تسقط على الأرض فتهلك من عليها إلا بإذنه تعالى إن الله بالناس لرؤوف يوصل بره بألفط الأسباب ويتحبب إلى عباده بأنواع المحاب رحيم يفيض كرمه على أوليائه فيجلب لهم النفع ويدفع عنهم الضر.
315. وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ: والله وحده الذي أوجدكم من العدم ثم يتوفاكم عند حلول آجالكم ثم يبعثكم من القبور أحياء لمحاسبتكم إن الإنسان لجحود بآيات الله جاحد لنعمه.
316. لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ: لكل أمة من الأمم السابقة جعل الله لهم شريعة يتعبدون الله بها فلا ينازعك الكفار أيها النبي في دين الله الذي أنزل عليك من العقائد والعبادات والأحكام وادع إلى وحدانية الله وطاعته وإخلاص العبادة له إنك لعلى طريق بين واضح قويم لا اعوجاج فيه.
317. وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ: فإن خاصمك الكفار وخالفوك فيما أنزل عليك فدع جدلهم وقل الله أعلم بتكذيبكم وسوف يجازيكم لأن المصر المعاند لا يجادل لأنه لا نفع في مجادلته.
318. اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: الله وحده يفصل بين المسلمين والكفار يوم القيامة فيما اختلفوا فيه فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.
319. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: ألم تعلم أن الله قد أحاط علما بكل ما في السموات الأرض قد سطر علم ذلك في اللوح المحفوظ إن علم ذلك على الله هين سله لا يثقله ولا يعجزه سبحانه.
320. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ: ويستمر الكفار على عبادة غير الله مع أنهم مفترون على الله بهذه العبادة فلم يأت دليل قاطع عن طريق الوحي بصحة هذه العبادة وليس لهم علم بهذا الافتراء وإنما هو تقليد أعمى للآباء الجهلاء الضلال فإذا أراد الله عذابهم فليس لهم ناصر يدفع عنهم العذاب.
321. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: وإذا قرئ القرآن على الكفار شاهدت الكراهة والعبوس على وجوههم يهمون بضرب من يقرأ عليهم القرآن لشدة بغضهم للحق قل لهم أيها النبي ألا أخبركم بما هو أشد كراهة إليكم من سماع الحق؟ هي نار جهنم التي هيأها الله لكم في الآخرة ولبئس المرجع والمعاد الذي تعودون إليه.
322. يأيها النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ: يا أيها الناس ضرب الله مثلا فأنصتوا لسماعه وتدبروا معناه إن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله لو اجتمعت على خلق ذبابة مع حقارتها ما استطاعت فكيف بما هو أعظم خلقا من الذبابة؟! وهي لا تستطيع أن تعيد شيئا أخذه الذباب وهذا غاية العجز فالأصنام والذباب ضعيفان ضعف الطالب الذي هو المعبود دون الله أن يسترد ما أخذه الذباب وضعف المطلوب الذي هو الذباب فكيف تعبدون هذه الأصنام وهي بهذا الضعف والهوان؟!
323. مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ: هؤلاء الكفار لم يقدروا الله حق تقديره من المحبة له والخوف منه والذل له بل أشركوا معه غيره وهو القوي الذي لا يغالب قهر غيره بجبروته العزيز الذي تفرد بالعظمة وتوحد بالكبرياء والمجد.
324. اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ: والله يختار من ملائكته رسلا إلى أنبيائه ويختار من عباده رسلا إلى خلقه وهو سميع بكل قول بصير بكل فعل فلهذا أحسن اختياره واصطفاءه لرسله.
325. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ: يعلم سبحانه ما بين أيدي ملائكته ورسله قبل خلقهم ويعلم ما خلفهم بعد فنائهم وإليهم منتهى كل أمر ومرجع كل مخلوق ومعاد كل شىء.
326. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أيها المؤمنون بالله وبرسوله اركعوا واسجدوا لله في صلاتكم وأخلصوا له العبادة وحده ولا تشركوا به شيئا وقدموا العمل النافع لأنفسكم وهو كل نفع يرضاه الله لتنالوا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.
327. وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ: وجاهدوا أعداء الله بكل أنواع الجهاد كجهاد النفس والمال واللسان والقلم قاصدين وجهه وحده لأنه الذي اختاركم لشرف حمل الرسالة ويسر لكم شريعته حيث جعلها سمحة ليس فيها ضيق ولا مشقة ولا عنت في عقائدها وأحكامها وأخلاقها بل سهلة ميسرة وهي ملة إبراهيم صلى الله عليه وسلم وقد سبق أن سماكن الله المسلمين في الكتب المتقدمة وفي القرآن وقد شرفكم بهذه المنزلة ليكون الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدا عليكم بأنه بلغ الرسالة إليكم وتكونوا أنتم شهداء على جميع الأمم أن رسلهم قد بلغوهم رسالة الله فقدروا هذه النعمة حق قدرها واشكروا الله عليها وقوموا بالدين الخالص خير قيام من إقامة الصلاة على الوجه الذي يحبه الله خير قيام وإخراج الزكاة المفروضة عليكم في أموالكم مع التوكل على الله والاعتصام به والاعتماد عليه وتفويض الأمر إليه فهو نعم المولى لمن تولاه ينصره ويجيره ويستره وهو الناصر لأوليائه يدلهم على الهدى ويجنبهم الردى ويدفع عنهم الأذى.
328.
329. سورة المؤمنون
330. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ: ق فاز من آمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وعمل بما شرعه الله واجتنب ما نهي عنه.
331. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ: وهم يؤدون الصلاة كما شرعت على أكمل وجه تخشع قلوبهم في الصلاة وتسكن جوارحهم من حلاوة المناجاة.
332. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ: وهم يتركون كل مالا نفع فيه في الدنيا والآخرة من الأقوال والأفعال.
333. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ: والذين يؤدون زكاة أموالهم فيطهرون أنفسهم وأخلاقهم بدفعها لمستحقيها.
334. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ: والذين يحفظون فروجهم مما حرمه الله من الفواحش والمنكرات.
335. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ: إلا على نسائهم وإمائهم فلا إثم عليهم ولا حرج من الاستمتاع بهن لأنهن حلال لهم.
336. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ: فمن أراد الاستمتاع بغير زوجته أو جاريته فهو من المعتدين لحدود الله المتعرضين لغضب الله.
337. وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ: والذين يؤدون الأمانات ويوفون بالعهود والعقود فلا يخونون ولا يغدرون. والذين يؤدون الأمانات ويوفون بالعهود والعقود فلا يخونون ولا يغدرون.
338. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ: والذين يؤدون الصلاة على أكمل وجه كما شرعت في هيئاتها وأوقاتها ولا يضيعونها.
339. أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ: هؤلاء يسكنون جنات النعيم خالدين فيها أبدا.
340. الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: سكناهم أعلى درجات الجنة وأرفع منازلها وأوسطها في نعيم لا يزول ولا يحول.
341. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ: ولقد خلق الله آدم وصوره من طين أخذه من تراب الأرض.
342. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ: ثم جعل الله ذريته متناسلين من مني الرجل والمرأة فتوالدوا وتكاثروا.
343. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ: ثم خلق الله النطفة علقة وهو الدم الأحمر ثم جعل من العلقة بعد أربعين يوما مضغة وهي قطعة لحم على قدر اللقمة الصغيرة ثم جعل سبحانه المضغة عظاما ثم كسا العظام لحما ثم جعله الله خلقا آخر حيث نفخ فيه الروح فتبارك الله الذي أحسن كل شىء خلقه.
344. ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ: ثم إنكم أيها الناس بعد بقائكم في حياتكم الدنيا وانتهاء الآجال ميتون لا محالة.
345. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ: ثم إنكم بعد موتكم وبقائكم في قبوركم تبعثون للحساب في عرصات القيامة.
346. وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ: ولقد خلق الله سبع سموات بعضها فوق بعض وما غفل عن الخليقة بل أحصاهم واطلع على أعمالهم لا تخفى منهم عليه خافية.
347. وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ: وأنزل الله من السماء بقدر حاجة الخليقة ماء مباركا وجعل لهم مستقرا في الآبار والعيون وهو سبحانه قادر على أن يذهب بهذا الماء بأن يجعله غائرا في الأرض أو ملحا أجاجا أو ينتهي من أماكنه.
348. فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ: فخلق الله بالماء حدائق النخيل وبساتين الأعناب فيها فواكه بأصناف كثيرة وأشكال عديدة وأنواع مختلفة تأكلون منها.
349. وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ: وخلق الله شجرة الزيتون وأنبتها حول جبل طور سيناء يؤخذ منها الزيت فيؤتدم به ويدهن منه.
350. وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ: وإن لكم أيها العباد في خلق الإبل والبقر والغنم لعبرة تعتبرون بها وتتفكرون فيما يسقيكم الله مما في بطونها من اللبن ولكم منافع كثيرة منها الصوف والجلود والوبر والركوب وحمل الأثقال وأكل لحمها.
351. وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ: وتركبون وتحملون أمتعتكم على الإبل والسفن في البر والبحر.
352. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ: ولقد أرسل الله نوحا إلى قومه بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به وحذرهم من عذاب الله وأنذرهم بطشه.
353. فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ: فكذب نوحا سادات قومه وقالوا للعامة إن نوحا إنسان مخلوق مثلكم ليس له فضل عليكم وإنما هو يريد أن يتميز بهذه الدعوة ليكون شريفا فيكم ولو أراد الله أن يبعث إليكم رسولا لجعله من الملائكة لقد أتى نوح بشىء غريب جديد ما سمعنا بمثله فيمن سبق من الأمم الماضية.
354. إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ: ونوح ليس إلا رجلا أصابه مس من الجن فانتظروا حتى يفيق من جنونه فيترك دعوته أو يلقى منيته فترتاحوا منه.
355. قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ: ودعا نوح ربه أن ينصره على قومه لأنهم أنكروا رسالته وكذبوا دعوته ويأس من استجابتهم.
356. فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ: فأوحى الله إلى نوح أن يصنع سفينة عظيمة بأمره سبحانه ومعونته وحفظه فإذا حل العذاب بأمته وفار الماء من تنور النار فاحمل في السفينة من كل جنس من الأحياء ذكرا وأنثى ليبقى أصل النسل واحمل فيها كذلك المؤمنين من أهلك أما الكفرة الفجرة فلا تشفع فيهم فإن الله مهلكهم بالغرق وقد حق عليهم العذاب.
357. فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: فإذا ارتفعت على السفينة أنت ومن آمن معك ونجوتم من الغرق فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الكافرين من أذاهم ومما أصابهم.
358. وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ: وقل يا رب سهل لي نزولا مباركا آمنا وأنت خير المنزلين لأن الله يختار لعباده أحسن المنازل وإذا قالها العبد عند نزوله مكانا فحسن.
359. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ: إن في نصرة الله لأوليائه وإهلاك أعدائه براهين ظاهرة على صدق دعوة الرسل وقدرة الله سبحانه والله يمتحن العباد بإرسال الرسل فمن آمن أثابه ومن كفر عاقبه.
360. ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ: ثم أنشأ الله من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين وهم قوم عاد.
361. فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ: فأرسل الله هودا صلى الله عليه وسلم إلى قومه عاد فقال لهم اعبدوا الله وحده واخلصوا له الطاعة ولا تشركوا به شيئا ألا تحذرون عذابه وتخافون عقابه؟
362. وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ: وقال السادة من قوم هود الذين كفروا بالله وأنكروا البعث بعد الموت وأعطاهم المال والجاه إن هذا الذي يدعوكم إلى التوحيد ما هو إلا إنسان مثلكم يأكل الطعام ويشرب الماء فأي ميزة له؟
363. وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ: وإذا صدقتم إنسانا مثلكم إنكم لفي ضلال وجهل بتوحيدكم الله وترك آلهتكم.
364. أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ: كيف يكون صحيحا ما يقوله هود من أنكم بعد الفناء وتحول أجسامكم في القبور ترابا وعظاما بالية تعودون أحياء من جديد هذا أمر بعيد.
365. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ: ما أبعد إعادتكم إلى الحياة بعد الموت كما وعدكم هود وهذا من المستحيل.
366. إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ: ليس الأمر إلا حياة واحدة يموت آباؤنا ويحيا أبناؤنا ولن نبعث من جديد.
367. إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ: ما هو إلا إنسان اختلق كذبا على الله ولن نصدق ما قاله أبدا صان الله هودا صلى الله عليه وسلم عن قولهم.
368. قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ: فدعا هود على عاد قائلا رب انصرني عليهم بإهلاكهم ونجني ومن معي فقد كذبوا رسولك وكفروا بك.
369. قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ: فأجاب له هودا بأن عليه أن يصبر قليلا من الزمن فسينزل العذاب بقومه ويندمون على كفرهم.
370. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: وبعد قليل جاءتهم صيحة العذاب الشديدة فأبادهم الله ودمرهم جميعا وأصبحوا كمخلفات السيل التي تظهر على سطح الماء فهلاكا وسحقا لهؤلاء المكذبين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله.
371. ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ: ثم خلق الله بعد قوم هود أقواما آخرين كقوم لوط وشعيب وأيوب ويونس عليهم السلام.
372. مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ: لا يتقدم قوم من هؤلاء الأقوام المكذبين الأجل المسمى الذي وقته الله لهلاكهم ولا يتأخرون عن هذا الأجل.
373. ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ: ثم أرسل الله الرسل يتلو بعضهم بعضا كلما دعا رسول قومه إلى التوحيد كذبوه فأتبع الله بعضهم بعضا بالهلاك والعذاب ولم يبق إلا أخبارهم وتاريخهم وصاروا أحاديث سمر في المجالس لمن بعدهم فهلاكا وسحقا لمن كفر بالله وكذب رسله.
374. ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ: ثم أرسل الله موسى وأخاه هارون بآياته التسع وهي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان والسنون ونقص الثمرات برهانا واضحا يقهر النفوس فتنقاد له قلوب المؤمنين ويقمع الله به المكذبين.
375. إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ: أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون وقومه في مصر فاستكبروا عن الحق وكذبوا بالصدق وظلموا العباد وأفسدوا في البلاد.
376. فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ: فقال فرعون وقومه كيف نصدق رجلين مثلنا في البشرية مع العلم أن قوم موسى وهارون وهم بنو إسرائيل عبيد عندنا وخدم لنا.
377. فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ: فكذب فرعون وقومه موسى وهارون فدمرهم الله بالغرق في البحر.
378. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ: ولقد أكرم الله موسى بكتاب التوراة فيه هداية وبيان لمن اهتدى به.
379. وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ: وجعل الله عيسى ابن مريم وأمه دليلا واضحا وبرهانا ساطعا على قدرة الله لأنه خلقه من غير أب وجعل له ولأمه منزلا عاليا من الأرض سهلا للاستقرار والسكنى في تربة طيبة وماء عذب جار.
380. يأيها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ: يا أيها الرسل كلوا من رزق الله الطيب الحلال واجتنبوا الخبيث الحرام واعملوا الأعمال الصالحة المشروعة واتركوا البدع والمعاصي إن الله يعلم عمل كعامل لا يخفى عليه شى وهذا الأمر للرسل عليهم السلام ولأتباعهم إلى يوم القيامة.
381. وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ: وإن ملتكم أيها الأنبياء هي ملة الإسلام التي شرعها ورضيها وربكم واحد تقدست أسماؤه فاتقوه بعمل طاعته وترك معصيته.
382. فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ: فاختلفت الطوائف في الدين وتوزعت إلى جماعات وأحزاب واخترعوا أديانا غير ما شرعه الله كل جماعة معجبة بمذهبها ترى أنه الحق وما سواه الباطل وتعادي وتوالي عليه وتتعصب له وفي هذا تحذير من الاختلاف في الدين والافتراق في الملة.
383. فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ: فدعهم أيها النبي في غوايتهم وبعدهم عن الهدى حتى ينزل الله عليهم العذاب.
384. أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ: أيحسب الكفار أنما أعطاهم الواحد القهار من المال والأبناء لمنزلتهم عند الله وحبة لهم.
385. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ: إنما قد عجل الله لهم هذا المتاع امتحانا لهم واستدراجا ولكنهم لا يعلمون هذا المكر الخفي.
386. إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ: إن المؤمنين الذين يخافون الله ويراقبونه ويحذرون غضبه ويخشون عذابه.
387. وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ: والذين يوقنون بآيات الله المنزلة في كتابه والمعروضة في الكون.
388. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ: والذين أخلصوا الطاعة لله ولم يشركوا في العبادة معه أحدا واجتنبوا الرياء والسمعة.
389. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ: والذين يعملون الصالحات ويسارعون في الخيرات وهم مع ذلك خائفون ألا تقبل منهم أو أن ترد عليهم فهم معتمدون على رحمة الله لا على أعمالهم ويحذرون ألا تنجيهم أعمالهم يوم لقاء الله تعالى.
390. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ: هؤلاء الأبرار العاملون للصالحات عادتهم المبادة إلى كل خير والمسارعة إلى كل بر.
391. وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: والله لا يكلف إنسانا فوق طاقته بل يوجب عليه من العمل ما يستطيع القيام به وأعمال العباد كلها مسجلة عند الله في كتاب ينطق بالحق عليهم ولا يظلمهم شيئا.
392. بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ: لكن قلوب الفجار في غشاوة وعمى عن هذا القرآن العظيم ولهم مع شركهم أفعال قبيحة يمد الله لهم في الأعمار ليكثروا من الأوزار لينالوا غضب الواحد القهار.
393. حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ: حتى إذا أهلك الله أهل النعيم والبذخ بذنوبهم إذا هم يصيحون من شدة العذاب مستغيثين متضرعين.
394. لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ: فيقال لهؤلاء الأشرار لا تصرخوا من غضب الملك الجبار فلن تدفعوا عن أنفسكم العذاب ولن يدفعه عنكم غيركم فلا قوة من أنفسكم ولا ناصر لكم من سواكم.
395. قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ: قد كانت آيات القرآن تقرأ عليكم في الدنيا لتصدقوا بها وتهتدوا بهداها فكنتم تعرضون عن سماعها وتأبون العمل بها وتصدون غيركم عن سماعها.
396. مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ: تتكبرون على العباد وتكفرون بيوم المعاد وتفتخرون بالمسجد الحرام على بقية العرب وأنكم أفضل الناس بسببه مع العلم أنكم تتسامرون حول البيت بالفاحش من الكلام.
397. أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ: لماذا لم يتدبروا آيات القرآن ليعلموا أنها من عند الله أم أن الذي صدهم عن الإيمان بالله أن جاءتهم رسالة من عند الله لم يسبق لآبائهم الأولين أن أتاهم مثلها فأنكروها.
398. أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ: أم أن الذي ملهم على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم أنه غير معروف عندهم فهم ينكرون اسمه ونسبه وصدقه وأمانته وهذا غير صحيح.
399. أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ: أم حملهم على الكفر زعمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مجنون؟ صانه الله عن ذلك بل كذبوا والله إنما جاءهم بالهداية والحكمة والرشد والفلاح ولكن أكثرهم يكرهون الحق حسدا وعنادا.
400. وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ: ولو أنزل الله الوحي وفق أهواء الكفار لفسدت السموات والأرض ومن فيهن لأنهم أهل باطل وزور بل إن الله أنزل القرآن شفا وعزا لهذه الأمة ولكن الكفار عن هذا الشرف معرضون.
401. أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: هل رد الكفار عن الإيمان أنك أيها الرسول تسألهم أجرة من أموالهم على رسالتك فبخلوا بهذه الأجرة؟ وأنت لم تفعل ذلك فخزائن العطاء والأرزاق والثواب عند الله وحده وهو خير الرازقين يرزق من سأل ومن لم يسأل ويعطي بلا مقابل لولا ينتهي عطاؤه.
402. وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وإنك أيها النبي لتدل الأمة على دين قويم وهدى مستقيم هو دين الإسلام العظيم.
403. وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ: وإن المكذبين بيوم الدين ولا يعملون له لمائلون عن الهدى منحرفون عن الرشاد.
404. وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ: ولو رحم الله الكفار وأبدلهم بعد القحط والجدب الخير والأمطار لاستمروا في العناد والفساد وهم يتخبطون في الضلالة ويتحيرون من الجهالة.
405. وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ: ولقد نوع الله عليهم أصناف العقوبات وأشكال النكبات فما خضعوا للرب وما تابوا من الذنب.
406. حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ : حتى إذا فتح الله على أعدائه في الآخرة باب العذاب الأليم والعقاب المقيم أيسوا من رحمة الله وأصبحوا في حيرة لا يدرون ما المخرج منها فاختلط عليهم أمرهم.
407. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ: والله وحده الذي خلق لكم السمع لتسمعوا به الأصوات وخلق الأبصار لتشاهدوا بها المرئيات وخلق الأفئدة لتفهموا بها المعلومات ومع هذه النعم المتواليات والأيادي المترادفات فشكركم قليل وعبادتكم قليلة!!
408. وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: والله وحده خالق البشر على وجه الأرض وإليه يعود الجميع للحساب.
409. وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: وهو سبحانه الذي أوجد من العدم ويميت بعد الحياة ويبعث بعد الموت وله تعاقب الليل بظلامه والنهار بضيائه مع اختلاف الأوقات أفلا تعقلون عظمة الله وقدرته؟!
410. بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ: لكن أعداء الله كذبوا رسول الله وأنكروا كتاب الله وأجابوا بجواب كالكفار نفسه من قبلهم.
411. قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ: وقال الكفار منكرين هل يعقل أنا إذا متنا ودفنا وتفتت أجسامنا في الأرض وأصبحت عظامنا بالية أن نعود أحياء بعد الوفاة؟! هذا لا يعقل أبدا.
412. لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: لقد كرر هذا الحديث على آبائنا من قبل مثلما تقوله لنا يا محمد فلم يظهر لنا صدقه ما هذا الكلام إلا خرافات الأمم السابقة.
413. قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: قل لهم أيها النبي من الذي خلق الأرض وله ملكها وملك من فيها وهو رازق الجميع ومدبر الكل إن كان عندكم علم؟
414. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ: سوف يشهدون حقا أن خالقها ومالكها هو الله وحده فقل لهم ايها النبي أفليس في هذا عبرة ودليل على أن الله قادر على الإحياء بعد الإماتة؟
415. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: قل أيها النبي للكفار من هو الخالق والمالك والمدبر والمتصرف في السموات السبع والعرش العظيم الذي هو أعظم المخلوقات وأعلاها؟
416. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ: سوف يشهدون أنه الله وحده فقل لهم أفلا تخافون عذابه إذا عبدتم غيره؟ فمع كثرة نعمه لا ترجونه ومع قوة بأسه لا تخافونه.
417. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: قل أيها النبي لهم من المالك والمدبر والمصرف لكل شىء؟ ومن بيده الخزائن ومقاليد الأمور؟
418. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ: فسوف يشهد الكفار بأن هذا الملك لله وحده فاسألهم كيف سلبت عقولكم وذهب تفكيركم وصرفتم عن توحيد الله وعن الإيمان برسوله وبكتابه وباليوم الآخر كأنه أصابكم سحر.
419. بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: بل أتى الله الكفار بالحق المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهم كاذبون في شركهم بالله وإنكارهم يوم الدين.
420. مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ: الله وحده ليس له ولد فلم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وليس معه إلا غيره لا شريك له ولا رب سواه فلو كان هناك أكثر من إله لانفرد كل إله بمخلوقاته ولحصل بينهم صراع وتضاد كما يحصل بين سلاطين الأرض حينها يختل نظام الكون وتضطرب أحوال المعمورة فتقدس الله وتنزه وتعالى عما نسبه إليه أعداؤه من الولد والشريك.
421. عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: والله يعلم ما غاب عن العيون وما تشاهده لا تخفى عليه خافية فتنزه عن أن يكون له شريك لا إله إلا هو.
422. قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ: قل أيها الرسول رب إما تريني في الكفار ما وعدتهم به من العذاب وما أنذرتهم من عقاب.
423. رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: رب فلا تهلكني إذا أهلكت الكفار وسلمني من عذابك وغضبك فلا تجمعني في العقوبة مع الأشرار لكن اجعلني ممن رضيت عنهم مع الأبرار.
424. وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ: وإن الله قادر على أن يريك أيها النبي ما وعد الكفار به من العذاب في الدنيا.
425. ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ: لا تقابل أيها النبي السيئة من الناس بسيئة من عندك لكن اصبر واحلم واصفح وقابل الإساءة بالإحسان لتنال رحمة علام الغيوب مع تكفير الذنوب وإقبال القلوب فالله أعمل وحده بما يصفه الكفار من الفساد والعناد وسيعاقبهم عليه.
426. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ: وقل أيها النبي أحتمي بك يا رب من وساوس الشياطين وإغوائها ودعاويها المغرية إلى الذنب والفاحشة والمنكر.
427. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ: وأحتمي بك يا رب أن يحضر الشياطين شيئا من أموري فيفسدوها علي.
428. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ: إن الكافر إذا أشرف على الموت وأبصر ما أمامه من الأهوال قال يا رب أعدني إلى الدنيا.
429. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ: عسى أن أتوب وأستدرك ما فات مني من إيمان وصلاح فيقال له ليس ذلك لك قد فات الأوان إنما هذه الأمنية الباطلة مجرد كلمة يقولها لا نفع فيها لا وبينه وبين الرجوع إلى الدنيا حاجز من الزمن يعذب فيه وهو عذاب القبر ولن يعود إلى الدنيا أبدا إلى يوم الحساب.
430. فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ: فإذا قامت القيامة ونفخ الملك في القرن وخرج الناس من قبورهم فلا تنفع الأحساب ولا تفيد الأنساب والتفاخر بها فهذا موقف حسنات وسيئات لا دعاوى باطلات وفي الموقف لا يسأل أحد أحدا لأن لا منهم له شأن يغنيه.
431. فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: فمن كثرت حسناته من الأعمال الصالحة ووضعت في كفة الميزان يوم الحساب ورجحت بالسيئات فقد فاز بالنعيم الأبدي والخلود السرمدي.
432. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ: ومن قلت حسناته في الميزان لكثرة العصيان واستوجب غضب الديان فقد باء بالخسران والخلود في النيران.
433. تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ: تحرق النار وجوه الكفار من شدة الحريق والاستعار وقد عبست وجوههم وأظلمت طلعاتهم وأسود محياهم وقلصت شفاههم وبرزت أسنانهم.
434. أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ: يقال للكفار يوم القيامة ألم تكن آيات الله في كتابه تقرأ عليكم في الحياة الدنيا فكذبتم بها؟
435. قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ: ولما قامت عليهم الحجة وتيقنوا أنهم هلكوا قالوا ربنا غلبت علينا معاصينا وذنوبنا المقدرة علينا منك وكنا في انحراف عن الهدى والرشاد.
436. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ: ربنا أنقذنا من النار لنعود إلى الدنيا ونهتدي فإن رجعنا إلى الغواية فقد ظلمنا ووجب علينا العذاب.
437. قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ: فقال الله لهم مبكتا ابقوا في النار أذلاء حقارا ولا تخاطبوني فأيسوا عندها من رحمة أرحم الراحمين.
438. إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ: إنه كانت جماعة من عباد الله المؤمنين يدعون ربهم أن يستر خطاياهم وأن يغفر ذنوبهم وأن يرحمهم برحمته هو خير من رحم.
439. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ: فجعلتم الاستهزاء بالمؤمنين شغلكم الشاغل حتى نسيتم ذكر الله وعبادته وبقيتم على الكفر وكنتم تضحكون منهم ساخرين مستهزئين.
440. إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ: إن الله أثاب هذه الطائفة من عباده المؤمنين بجنات النعيم لأنهم صبروا على أداء الطاعة واجتناب المعصية.
441. قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ: ويسأل الفجار في النار كم عشتم في الحياة الدنيا من الأعوام؟ ومع ذلك أسرفتم في الآثام.
442. قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ: فأجابوا وهم ذاهلون في دهشة من شدة الهول عشنا في الدنيا يوما واحدا أو بعض يوم فاسأل الحساب الذين يعدون الشهور والأيام فهم أعلم منا.
443. قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: قال لهم ما بقيتم في الدنيا إلا زمنا يسيرا فلو صبرتم على أداء الطاعة وترك المعصية لفزتم بالرضوان والجنان لو كان عندكم علم نافع يدلكم على الصواب لأن عمر الدنيا قصير بالنسبة إلى الآخرة.
444. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ: أظننتم أيها العباد أن الله خلقكم مهملين لا أمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب وأنكم لا تعودون إلى الله يجازي كل عامل بما عمل.
445. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ: فتنزه الله وتقدس أن يخلق خلقا للهو والعبث فما خلق الخلق إلا بالحق لحكمة عظيمة هي عبادته تعالى لا إله غيره ولا رب سواه رب العرش الكريم.
446. وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ: ومن يعبد مع الله إلها غيره لا دليل له على استحقاق هذا الإله للعبادة مع الله فجزاؤه على فعله القبيح العذاب الشديد من ربه إن الكافر لا ينجو ولا يفلح يوم القيامة.
447. وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ: وادع ربك وقل رب اغفر الذنب وتجاوز عن الخطيئة وارحم الحال يا ذا الجلال لأنك خير الراحمين تقبل التوبة وتعفو عن المذنب.
448. سورة النور
449. سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: هذه سورة عظيمة كريمة أنزلها الله بالحق وأوجب العمل بأحكامها وأنزل فيها دلالات واضحات لعلكم أيها المؤمنون تتفكرون في معانيها فتعملوا بأحكامها.
450. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: حكم الزانية والزاني اللذين لم يسبق لهما زواج صحيح هو عقوبة كل منهما مئة جلدة بالسوط وجاء في الحديث الصحيح التغريب مدة عام مع الجلد ولا تحملكم أيها المؤمنون الرحمة بالزانيين على ترك إقامة الحد إن كنتم مصدقين بآيات الله تنفذون أحكام الله وليحضر إقامة الحد جماعة من المؤمنين للتشنيع والزجر والتعزيز.
451. الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: الزاني لا يتزوج إلا بزانية أو مشركة لا تعترف بحرمة الزنا والزانية لا تتزوج إلا بزان أو مشرك لا يعترف حرمة الزنا وحرم الله هذا النوع من الزواج على المؤمنين فيحرم الزواج على الزانية أو تزويج الزاني حتى يتوبا.
452. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: والذين يتهمون العفيفات وليس معهم شهود عدول أربعة على صدق ما قالوا فاجلدوا كل واحد حد القذف ثمانين جلدة ولا تقبلوا شهادتهم بعدها أبدا لأنهم قد عرف عنهم الكذب وهم خارجون عن طاعة الله.
453. إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: غير أن من تاب إلى الله من قذف المحصنات وندم على ما فعل وعاد عن اتهامه وأصلح ما أفسد فإن الله يغفر ذنبه ويستر عيبه لأن الله يستر الخطيئة ويتجاوز عن السيئة.
454. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ: والرجال الذين يتهمون زوجاتهم بالزنا وليس معهم شهداء عدول على اتهامهم لزوجاتهم بالزنا فعلى الزوج منهم أن يشهد أمام القاضي أربع مرات بقوله أشهد أني صادق فيما رميتها به من الزنا.
455. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ: ويزيد في الشهادة الخامسة ويدعو على نفسه أن لعنة الله عليه إن كان كاذبا.
456. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ: وبشهادة الزوج على زوجته بالزنا تستوجب الحد وهو الرجم حتى الموت ولا يدفع عنها هذا الحد إلا أن تشهد أربع شهادات بالله إن زوجي كاذب في اتهامه لي بالزنا.
457. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ: وتزيد في الشهادة الخامسة بأن تقول أن غضب الله علي إن كان صادقا في اتهامه لي بالزنا وعندها يفرق بين الزوج والزوجة وجوبا.
458. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ: ولولا أن الله تفضل عليكم أيها المؤمنون بهذه الشريعة وهذه الأحكام للأزواج والزوجات لأوقع الله بالكاذب من المتلاعنين ما دعا به على نفس والله يتوب على من تاب من عباده مهما أذنب وهو سبحانه حكيم في شرعه وصنعه وتدبيره وتقديره.
459. إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ: إن الذين جاؤوا بالفرية الشنعاء وهو اتهام أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق المبرأة من فوق سبع سماوات عائشة زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وعن أبيها اتهموها بالفاحشة وهم طائفة من المنافقين ومرضى القلوب فلا تظنوا أيها المؤمنون أن قولهم شر لكم بل هو خير لكم من تبرئة أم المؤمنين وطهارتها والثناء عليها ومعرفة العدو من الصديق وظهور المنافقين ومرضى القلوب وغير ذلك من الحكم العظيمة فلكل إنسان تحدث بهذه التهمة نصيب من الإثم والذي تحمل أكثر الذنب والجرم هو رأس المنافقين عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول عليه لعنة الله له عذاب شديد في نار جهنم وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار.
460. لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ: لماذا لا يظن المؤمنون والمؤمنات بعضهم ببعض خيرا عند سماع هذه التهمة الشنيعة والفرية القبيحة وهو أن الأصل في المؤمن والمؤمنة السلامة والبراءة من ذلك والواجب أنهم قالوا هذا كذب ظاهر وافتراء واضح على أمنا عائشة رضي الله عنها.
461. لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ: لماذا لم يأت هؤلاء القاذفون الآثمون بأربعة شهداء عدول؟ ما دام أنهم لم يأتوا بالشهود فهم كذبة فجرة عند الله.
462. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ: ولولا أن الله تفضل عليكم بمغفرته ورحمته وستره فلم يعجل لكم العذاب بل تاب على من تاب لنزل بكم عذابه الشديد بسبب خوضكم وتحدثكم في هذا الإفك المبين.
463. إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ: حين تتلقفون الكذب بألسنتكم وتقولونه بأفواهكم وهو قول باطل ولا علم لكم به ولا دليل عليه وقد حرم عليكم التحدث بالباطل والقول بلا علم وتظنون أن هذا العمل شىء سهل يسير ولكنه عند الله عظيم كبير وفي هذا تحريم إشاعة الزور والتكلم بالتهمة.
464. وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ: لماذا لم تقولوا عند سماع هذا الزور والبهتان لا يجوز لنا التحدث بهذا الكذب وهذه التهمة في حق زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين رضي الله عنها فهو إثم عظيم وجرم كبير؟
465. يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: يحذركم الله وينهاكم أن يقع منكم مثل هذا العمل من الاتهام الكاذب والزور المبين إن كنتم مؤمنين بالله حقا.
466. وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: والله يبين لكم آياته التي فيها صلاحكم واستقامة حالكم وفلاحكم في الدنيا والآخرة والله عليم بأعمالكم وأقوالكم حكيم فيما شرع وصنع ودبر وقدر.
467. إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: إن الذين يحبون انتشار الفاحشة بين المسلمين لهم في الدنيا عقوبة إقامة حد القذف عليهم وغيرها من مصائب الدنيا ولهم عند الله في الآخرة عذاب النار إن لم يتوبوا والله يعلم كذبهم وأنتم لا تعلمون ذلك ومطلع على ما أسروا وأخفوا وأنتم لا تدرون به.
468. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ: ولولا أن الله تفضل على من وقع منه حديث في مسألة الإفك فرحم ولطف سبحانه لعاجله بالعقوبة الشديدة ولكنه سبحانه أمهل وشرع الحد على القاذف وقبل توبة من تاب.
469. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله لا تقتدوا بالشيطان وتسلكوا سبيله ومن يسلك سبيل الشيطان فإن من عادته أنه يأمر بقبيح الافعال ومنكرات الأعمال ولولا أن الله تفضل عليكم وأحسن بكم ورحمكم ما طهر منكم أحدا أبدا من دنس الذنب ورجس الخطيئة ولكن الله بفضله يطهر من أراد من عباده وهو سميع لأقوالكم عليم بأفعالكم سمع الأصوات وعلم النيات.
470. وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: ولا يقسم أهل الإحسان في الدين والسعة في الدنيا على حرمان القرابة والمحتاجين والمهاجرين وليغفروا زلاتهم ولا يؤاخذوهم بعقوبة ألا تريدون أن يتجاوز الله عنكم؟ فتجاوزوا عنهم والله غفور لزلات العباد رحيم بهم يقبل توبة من عاد وفيه الحلم على من أساء والغفران لمن أخطأ.
471. إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: إن الذين يقذفون بالزنا العفيفات البريئات المؤمنات الغافلات اللاتي لم يجر ذكر الفاحشة في قلوبهن هؤلاء طردهم الله من رحمته وأوجب لهم العاب الشديد في نار جهنم فمن اتهم أو سب إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم فقد كفر.
472. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: يوم القيامة تشهد عليهم ألسنتهم بما قالت من البهتان وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما فعلت من العصيان.
473. يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ: يوم القيامة يوفيهم الله جزاءهم تاما غير منقوص على ما عملوا عدلا منه سبحانه ويعلمون يوم الحشر أن الله وحده الحق المبين في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه فلا يظلم ولا يهضم.
474. الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: كل خبيث من الرجال والنساء والأقوال والأعمال له ما يوافقه من الخبيث من كل هذه الأصناف وكل طيب من الرجال والنساء والأقوال والآمال له ما يوافقه من الطيب من كل هذه الأصناف والطيبون والطيبات مبرؤون مما يرميهم به الخبيثون والخبيثات من السوء والفاحشة ومنزهون عنها لهم عند الله مغفرة تمحوا الخطايا وزرق كريم في جوار رب رحيم في جنة النعيم.
475. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: أيها المؤمنون إذا أردتم دخول بيوت غيركم فاستأذنوا قبل الدخول وسلموا على أهل البيوت بمثل ما جاء في السنة من قول السلام عليكم أأدخل؟ لأن الاستئذان خير لكم وأبعد عن التعرض للريبة وأطهر للقلوب وأحفظ للأعراض لعلكم تتذكرون أوامر الله فتعملوا بها فتنالوا سعادة الدنيا والآخرة.
476. فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ: فإن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها وإن قال لكم صاحب البيت ارجعوا فارجعوا ولا تكثروا الإلحاح فالرجوع أطهر لكم لأنه أبعد عن الإطلاع على الأحوال التي يحب الإنسان سترها والله عليم بكل ما تفعلون وسوف يحاسبكم على ما تصنعون.
477. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ: لكن لا إثم عليكم إذا دخلتم بيوتا عامة ليست لسكنى أناس بذاتهم بل هي لراحة ومتعة من يرتادها ببعض المسافرين والمنقطعين والمحتاجين فهذه لا بأس بدخولها بلا مشقة لأنها هيئت للوفود وفي الاستئذان مشقة والله يعلم كل أحوالكم ما ظهر منها وما خفي.
478. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ: قل أيها النبي للمؤمنين يغضوا من أبصارهم عما يحرم عليهم من النساء والعورات ويحفظوا فروجهم عن الوقوع في المحرمات من سائر الفواحش من سائر الفواحش وكشف العورة للأجنبي لأن في هذا طهارة لنفوسهم وحفظا لأعراضهم إن الله خبير بكل ما يصنعه العبد فعليه أن يراقب ربه ويخاف مولاه.
479. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: وقل أيها النبي للمؤمنات يغضضن من أبصارهن عما حرم عليهم من النظر إلى العورات ويحفظن فروجهن عن الحرام ولا يظهرن زينتهن للرجال بل يتسترن بالثياب والمار والجلبان ونحوها مما يغطي جمال المرأة وعليهن أن يلقين أغطية الرؤوس على الصدور بما في ذلك تغطية الوجوه؛ ليحصل الحجاب ولا يظهرن الزينة والجمال إلا لأزواجهن لأن للزوج أن يرى من زوجته ما لا يراه غيره وبعض أعضاء الجسم من المرأة كالوجه والعنق واليدين والساعدين فإنها تجوز رؤيتها من قبل آبائهن وآباء أزواجهن وأبنائهن وأبناء أزواجهن وإخوانهن وأبناء إخوانهن وأبناء أخواتهن ونسائهن المسلمات دون الكافرات أو ملك اليمين من الموالي أو التابعين من الرجال الذين لا شهوة لهم في النساء كالأبلة الذي يدخل البيت للطعام والشراب فحسب أو الأطفال الصغار الذين لا تنبه لهم إلى العورات ومفاتن المرأة وليس لهم شهوة ولا تضرب المرأة عند مشيها برجلها ليسمع صوت ما خفي من زينتها كالخلخال وغيره وعودوا أيها المؤمنون إلى طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه وتحلوا بالخصال الحميدة والخلال المجيدة واجتنبوا أفعال الجاهلية من الرذيلة والفاحشة والمنكر عسى أن تنالوا رضوان الله وجنته ويتغمدكم برحمته.
480. وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ: وزوجوا من يريد الزواج من الأحرار والحرائر والصالحين من الموالي والجواري إن كان الذي يريد منهم الزواج يرغب أن يعف نفسه فإن الله يغنيه من واسع فضله والله واسع كثير الخير عام البر عظيم الفضل يعلم الأحوال ويطلع على السرائر.
481. وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ: وعلى من لم يستطع الزواج لفقره أو غير ذلك أن يفع نفسه عن الحرام حتى يغنيه الله بالحلال ويسهل له أسباب الزواج ومن رغب في الحرية من الموالي والإماء بمكاتبة السيد على مال يعطونه إياه فعلى السيد أن يكاتبهم إن علم فيهم خيرا من صلاح واستطاعة على الكسب وعلى ساداتهم وغيرهم إعانتهم على المكاتبة بالمال وغيره ولا يحل للسيد إكراه جاريته على الزنا طلبا للمال وكيف يحصل هذا والجارة تريد العفة وسيدها يأبى؟ وفي هذا نهاية التبكيت والتوبيخ على فعلهم المنكر ومن أكره جاريته على الزنا فإن الله من بعد إكراهها غفور لها رحيم بها والذنب على من أكرهها.
482. وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: ولقد أنزل الله في القرآن آيات واضحات الدلالة ظاهرة البرهان على الحق ومثلا من قصص السابقين وموعظة ينتفع بها المتقون ممن يعملون الصالح ويتجنبون السوء.
483. اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: الله نور السموات والأرض يصرف شؤونهما ويهدي من فيهما فهو سبحانه نور وحجابه نور بنوره استنار من في السموات والأرض وكتابه نور ورسوله نور وهداه نور فبنوره تنكشف الظلمات وتشرق الأرض والسموات وتبصر الكائنات مثل نور الله الذي يهدي به وهو الإيمان والقرآن في قلب المؤمن مثل الكوة في الحائط غير النافذة وفيها مصباح حيث تجمع الكوة نور المصباح فلا يتفرق فيكون قويا شديد الإضاءة وهذا المصباح في زجاجة كأنها لشدة صفائها كوكب مضئ كالدر ووقود المصباح من زيت شجرة مباركة وهي شجرة الزيتون لا شرقية فقط فلا تصيبها الشمس آخر النهار ولا غريبة فقط فلا تصيبها الشمس أول النهار بل هي متوسطة في مكان من الأرض لا إلى الشرق ولا إلى الغرب قد اكتمل نماؤها واعتدل ظلها وطابت ثمارها يوشك زيتها لشدة صفائه أن يضئ من نفسه قبل أن تمسه النار فإذا مسته النار اشتد توهجه واكتمل ضياؤه نور على نور فهو نور من ضوء الزيت على نور من اشتعال النار فهذا مثل هدى الله الذي يضئ في قلب المؤمن بنور الفطرة ونور الوحي والله يهدي للإيمان ولفهم القرآن من أراد من عباده ويضرب الأمثال للناس ليفهموا الأحكام ويفقهوا القضايا والله عليم بكل ما ظهر وما خفي وما أعلن وما أسر.
484. فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ: هذا النور المشع شديد الإضاءة هو في مساجد أمر الله أن يرفع شأنها وبناؤها بعمار الإيمان والبنيان ويذكر فيها اسمه وحده بتلاوة القرآن والصلاة والذكر وأنواع العبادة يصلي الله فيها في الصباح والمساء ويكثر من ذكره في هذين الوقتين.
485. رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ: رجال مؤمنون لا تشغلهم التجارة ولا البيع عن ذكر الله وإقامة الصلاة بخشوعها وإعطاء الزكاة لمستحقيها يحذرون أهوال يوم القيامة التي تنقلب بسببها القلوب بين الرجاء في النجاة والخوف من الهلاك وتنقلب فيه الأبصار بين طريق الجنة وطريق النار فاضطربت الأفئدة وزاغت العيون.
486. لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ: ليثيبهم الله على أحسن الأعمال ويزيدهم من كرمه بأجل النوال والله يعطي من يشاء من عباده أحسن العطاء ويجزيه أفضل الجزاء بلا عد ولا حد ولا كيل ولا ون لأنه الجواد الماجد الذي يعطي على العمل ملا يبلغه العمل.
487. وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ: والذين كفروا بالله وكذبوا أنبياءه أعمالهم في الدنيا التي ظنوا أنها تدفع عنهم عذاب الله كالجود والعتق والصلة تصبح كالسراب وهو ما يشاهده الإنسان كالماء من بعيد على وجه الأرض في الظهيرة يظن العطشان أنه ماء فإذا وصل عنده لم يجده ماء فالكافر يظن أن ما قدم من أعمال تدفع عنه الأهوال فإذا قام يوم الحساب لم يجد الثواب بل وجد الله سبحانه قد أعد له العقاب وشديد العذاب فوفاه جزاء ما فعل والله سريع الحساب يحاسب العدد الكثير في الوقت القصير ولا يتأخر وعده فإنه واقع لا محالة.
488. أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ: أو تصبح أعمال الكفار مثل ظلمات في بحر عميق من فوقه موج ومن فوق الموج موج آخر ومن فوقه غمام كثيف اجتمعت ظلمات كثيرة بعضها أصبح فوق بعض إذا أخرج الإنسان يده لا يكاد يراها من شدة الظلام فالكفار تراكمت عليهم الأوزار من الكفر والغواية والظلم والإفساد في الأرض وغيرها من الأعمال القبيحة ومن لم يجعل الله له نورا يهديه به من كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلن يهتدي أبدا ولن يجد أحدا يهديه من دون الله.
489. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ: ألم تعلم أيها الرسول أن الله يسبح له كل من في السموات والأرض من المخلوقات والطير تسبح في السماء لله سبحانه قد صفت أجنحتها كل مخلوق قد علمه الله كيف يصلي لمولاه ويذكر ربه ويسبح خالقه على طريقته وهو سبحانه عليم لا تخفى عليه خافية يعلم عبادة العابد وتسبيح المسبح لا تغيب عنه غائبة من أعمالهم وسيجازيهم بما عملوا.
490. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ: ولله وحده ملك وتصريف وتدبير السموات والأرض لا ينازعه في الملك أحد فهو فرد صمد له الحكم المطلق والسلطان العام إليه المآب وعليه الحساب.
491. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ: ألم تنظر إلى السحاب كيف يسوقه الله إلى حيث أراد ثم يجمعه بعدما تفرق ثم يصيره متراكما فينزل المطر بإذنه الله من هذا السحاب المتراكم وينزل الله من السحاب المتراكم الذي يشبه الجبال في عظمته وضخامته بردا فيصيب الله بهذا الغيث الذي نزل من السحاب من أراد من العباد والبلاد ويصرفه عمن أراد بحكمة وتقدير يكاد ضوء البرق من شدة لمعانه وسط الغمام أن يذهب بأبصار من نظر إليه ويخطفها.
492. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ: ومن براهين قدرة الباري تعالى أنه يعاقب بين الليل والنهار فيأتي بأحدهما بعد الآخر ويغاير بين مدتهما من حيث الطول والقصر إن في هذا دلالة واضحة لكل من له بصيرة نيرة على عظمة الملك الحق تعالى.
493. وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: والله خلق كل ما يدب على وجه الأرض من إنسان وحيوان وطير وحشرات وغيرها وأصل خلقها من الماء فمنها ما يزحف على بطنه كالحيات ونحوها ومنها ما يمشي على رجلين كالإنسان ومنها ما يمشي على أربع كالبهائم والله يخلق ما أراد كما أراد فهو على كل شىء قادر لا يعجزه شىء أراده.
494. لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: لقد أنزل الله في القرآن دلائل واضحات وبراهين ساطعات تدل على الهدى والله يوفق للهداية من أراد من العباد فيدلهم على الرشاد.
495. وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ: ويدعي المنافقون كذبا أنهم آمنوا بالله وصدقوا رسوله صلى الله عليه وسلم وأطاعوا ما شرع في الكتاب والسنة ثم تعرض جماعات منهم عن الهدى فتأبى حكم الرسول صلى الله عليه وسلم وليسوا بمؤمنين كما زعموا فالإيمان يقتضي الطاعة والمتابعة.
496. وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ: وإذا طلب من المنافقين التحاكم إلى الكتاب والسنة عند الخصومة والاختلاف إذا جماعة منهم تأبى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم مع أن فيه الحق والعدل.
497. وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ: وإذا كان الحق لهم وتأكدوا من كسب القضية أذعنوا للتحاكم للكتاب والسنة وانقادوا للشرع لأن مصلحتهم تقتضي ذلك.
498. أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: هل سبب الإعراض عن الشرع ما في قلوب المنافقين من الريبة والنفاق أم شكوا في رسالة النبي المعصوم عليه الصلاة والسلام أم أنهم خافوا من الجور والظلم إذا تحاكموا إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كلا فهم يعلمون أن العدل كله في الشرع لكن لأنهم ظلمة فجار يتبعون الهوى.
499. إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: أدب المؤمنين الصادقين وعادتهم إذا دعوا إلى التحاكم عند الخصومة إلى الكتاب والسنة أن يذعنوا لحكم الشرع ولا يعترضوا ويقولوا سمعنا ما قيل لنا وأطعنا من دعانا إلى ذلك وهؤلاء هم الذين نالوا الفوز وأدركوا الفلاح في الدنيا والآخرة.
500. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ: ومن يطع الله ورسوله فيعمل بالأمر ويجتنب النهي فهؤلاء يفوزون برضوان الله وجنته.
501. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: أقسم أهل النفاق بالله مجتهدين في اليمين مؤكدين قسمهم بأغلظ الأثمان لئن أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج معه للجهاد في سبيل الله ليخرجن قل لهم أيها النبي لا تحلفوا فأنتم كاذبون فطاعتكم معروفة أنها بالقول لا بالعمل إن الله خبير بأعمالكم وأحوالكم ومرجعكم إليه وسوف يحاسبكم عليها.
502. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ: قل أيها النبي أطيعوا الله وأطيعوا رسوله بامتثال الكتاب والسنة فإن أعرضتم عن الامتثال وعصيتم الأمر فقد أدى الرسول صلى الله عليه وسلم رسالته وليس عليه إلا البلاغ فكل عليه فعل ما وجب عليه وإن تطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم توفقوا للهدى وليس على الرسول صلى الله عليه وسلم إلا البيان الواضح الشافي لرسالة الله تعالى أما حساب الناس فعلى الله.
503. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: وعد الله بالنصر والتمكين للمؤمنين الصالحين بأن يجعلهم مستخلفين في الأرض مثلما استخلف سبحانه من سبقهم من أهل الإيمان والصلاح ووعد على الله أن يجعل دين الإسلام دينا مهيمنا عزيزا وأن يغير خوف عباده إلى أمن متى ما أخلصوا له الطاعة وأفردوه بالعبادة واستقاموا على دينه ولم يشركوا به شيئا ومن كفر بعدما أعزه الله ومكن له واستخلفه وأمنه من الخوف وعصى أمره فهؤلاء هم الخارجون عن طاعة الله المتجاوزون حدوده.
504. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: وأقيموا أيها المؤمنون الصلاة على الوجه الشرعي وآتوا زكاة أموالكم لمستحقيها وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بامتثال سنته ليدخلكم الله في رحمته التي وسعت كل شىء.
505. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ: لا تظنن أن الكفار يعجزن الواحد القهار فإنه لا يعجزه شىء فهو قدير على إبادتهم وتدميرهم ومردهم في الآخرة إلى نار جهنم وقبح هذا المرد والمرجع ملاذا ودارا.
506. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: أيها المؤمنون مروا مواليكم وأطفالكم دون البلوغ أن يستأذنوا إذا أرادوا الدخول عليكم في أوقات العورات الثلاثة من قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من النوم ولبس الثياب ووقت القيلولة حين تخلعون ثيابكم للراحة ومن بعد صلاة العشاء لأنه وقت الخلود للنوم لأن هذه الأوقات الثلاثة يقل فيها الاحتياط والتستر أما بقية الأوقات فلا إثم عليكم إذا دخلوا بلا إذن لأنهم يحتاجون إلى الدخول من أجل خدمتكم ومثلما بين الله أحكام الاستئذان بين لكم الحجج والبراهين وشرائع الدين والله عليم بمصالح العباد وما ينفعكم وما يضرهم حكيم في تدبير أمور الخليقة يشرع لهم ما تقوم به حياتهم على أكمل وجه.
507. وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: وواجب على أطفالكم إذا بلغوا سن الاحتلام أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا الدخول عليكم في أي وقت مثلما يستأذن الكبار ومثلما بين الله في كتابه آداب الاستئذان يبين لكم آياته التي فيها ما يصلحكم لأنه سبحانه عليم بما فيه نفعكم حكيم في صنعه وشرعه وتقديره وتدبيره.
508. وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: والعجائز من النساء التي أقعدهن كبر السن عن الشهوة والاستمتاع وليس لهن رغبة في الزواج ولا تميل قلوب الرجال إليهن فلا إثم عليهن أن يتخففن من اللباس كالرداء الذي يكون فوق الثياب ولا يظهرن الزينة وإذا لبسن الثياب وما يسترهن فوق الثياب عفافا وسترا فهو أحسن لهن والله سميع للأقوال عليم بالأحوال والأعمال لا تخفى عليه خافية فراقبوه.
509. لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: يعذر العميان وذوو العرج والمرض في التخلف عن الجهاد وغيره من الواجبات التي يستطيعون القيام بها لوجود هذه العاهات وليس عليكم أيها المؤمنون إثم أن تأكلوا من بيوتكم أو من بيوت الأبناء وبيوت الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات أو من البيوت التي تنوبون عن أصحابها في حفظها أو بيوت الأصدقاء ولا إثم عليكم أن تجتمعوا وقت الأكل أو تتفرقوا فإذا دخلتم بيوتا فيها سكان أو خالية من السكان فليسلم بعضكم على بعض بتحية الإسلام وهي "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنو كما روي إذا لم يوجد أحد: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين والله شرع هذه التحية وهي مباركة تثمر المحبة والألفة بين المؤمنين وهي طيبة فيها البشر والود للسامع ومثلما بين الله هذه الأحكام يبين لكم معالم الدين وما يصلح دنياكم وأخراكم لتعقلوا هذه الأحكام وتعملوا بها فتنالوا السعادة والفوز في العاجلة والآجلة.
510. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: إنما المؤمنون حقيقة هم الذين أطاعوا الله واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم وعملوا بالكتاب والسنة وإذا كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور التي يلزم اجتماع كلمة المسلمين عليها لم يذهب أحد منهم حتى يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يفعل ذلك إلا من كان إيمانه بالله ورسوله صادقا فإذا استأذنك أيها الرسول بعض المسلمين لبعض حاجاتهم فأذن لمن أردت منهم أن يذهب لحاجته واطلب من الله أن يغفر لهم فإن الله كثير الغفران لعباده يعود عليهم بالرحمة والرضوان.
511. لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: لا تنادوا الرسول أيها المؤمنون باسمه مجردا مثل مناداة بعضكم لبعض فتقولوا يا محمد ولكن وقره واحترموه عليه الصلاة والسلام وبجلوه وقولا يا نبي الله يا رسول الله والله يعلم أهل النفاق الذين يذهبون على وجه الخفية بلا إذن من الرسول صلى الله عليه وسلم يتخفى بعضهم في بعض فليحذر المخالفون لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يصيبهم بلاء أو فتنة في دينهم وهي الزيغ والانحراف عن الهداية أو يصيبهم عذاب شديد مؤلم في نار جهنم.
512. أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: ألا إن لله ملك كل ما في السموات والأرض وتعريفه وتدبيره أحاط علمه بكل شؤونكم الخفية والظاهرة لا تخفى عليه خافية من أعمالكم وأحوالكم ويوم يعود الناس إليه يوم الحساب يخبرهم بما عملوا ويجازيهم على ما قدموا والله بكل شىء عليم علم السر والجهر والظاهر والغائب وأحاط علمه بكل شىء سبحانه.
513. سورة الفرقان
514. تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا: كثرت خيرات الله وعظمت بركاته وجلت فضائله وكملت أوصافه وعمره سبحانه وتعالى الذي نزل الكتاب الكريم فارقا بين الحق والباطل والهدى والضلال على عبده النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم ليكون رسولا خاتما للثقلين الجن والإنس ويخوفهم من عذاب الله وغضبه وأليم عقابه.
515. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا: الله له ملك السموات والأرض خلقا وتدبيرا وتصريفا وليس له ولد سبحانه لأنه لم يلد ولم يولد وليس له شريك في ملكه وهو الذي خلق الخلق وحده لم يشاركه أحد في ذلك فاستحق بذلك العبودية لا إله غيره هو الذي خلق سبحانه وتعالى الخليقة على أتم وجه وأكمل حال من التصوير والتقدير والتدبير بحكمة وإتقان فليس في خلقه وصنعه ولا في قضائه وشرعه عيب أو نقص أو خلل سبحانه من إله عظيم.
516. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا: وعبد الكفار آلهة من دون الواحد القهار لا تقدر على خلق شىء والله هو الذي خلقها ولا تدفع ضرا ولا تجلب نفعا لها ولمن عبدها ولا تميت حيا ولا تحيي ميتا ولا تبعث أحدا من قبره فهي جامدة عاجزة.
517. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا: وقال الكفار إن القرآن كذب وافتراء اختلقه الرسول صلى الله عليه وسلم وساعده على هذا الاختلاق جماعة أخرى فقد أتوا بظلم كبير وخطأ فاحش وغلط بين فالقرآن حق من عند الله تكلم به وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
518. وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا: وقال الكفار عن القرآن إنه قصص مختلقة وأحاديث منمقة مسطرة في كتب المتقدمين استنسخها الرسول صلى الله عليه وسلم فهي تكرر عليه في الصباح والمساء.
519. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا: قل أيها النبي لهؤلاء الكفار إن اله وحده هو الذي أنزل القرآن على نبيه وهو الذي أحاط علمه بكل شىء فلا تغيب عنه غائبة في السموات ولا في الأرض وهو غفور لمن تاب رحيم بمن أناب يمهل العاصي ولا يعاجل بالعقوبة، ويعود برحمته على من عاد إليه.
520. وَقَالُوا مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا: وقال الكفار لماذا هذا الرجل الذي يدعي النبوة يقصدون محمدا صلى الله عليه وسلم يأكل الطعام مثلما نأكله نحن ويذهب في الأسواق للبيع والشراء كحالنا فهلا بعث الله معه ملكا يصدقه على ما قال.
521. أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا: أو يأتيه كنز من السماء من مال يغنيه عن التكسب أو تكون له حديقة غناء يأكل من ثمارها وقال الكفار للمؤمنين أنتم لا تتبعون إلا رجلا أصابه سحر ذهب بعقله!!
522. انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا: انظر متعجبا كيف افترى الكفار في حقك هذه الأقوال الكاذبة الغريبة التي كأنها أمثال لعبدها عن الحق ولغرابته يريدون تكذيبك في دعوتك فهم أبعد شىء عن الحق ولا يجدون طريقا إليه ليخرجوا من ظلمة الكذب الذي افتروه.
523. تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا: عظمت بركات الله وتقدس اسمه وعمت فضائله وكثير خيره وجل جلاله الذي إذا أراد جعل لك أيها النبي أفضل مما تمناه لك الكفار فيجعل لك إذا شاء حدائق غناي وبساتين فيحاء يتخللها الماء ويكسوها الجمال والبهاء ويجعل لك فيها قصورا فسيحة ودورا وسيعة.
524. بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا: وما كذبك الكفار أيها النبي لأنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق بل كذبوا بالحساب ويوم المآب والله قد هيأ لمن كذب بالقيامة نارا مستعرة موقدة تحرق أجسامهم وتشوي وجوههم.
525. إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا: إذا أبصرت النار الكفار يوم العرض الأكبر من مكان بعيد سمع الكفار غليانها وزفيرها بعضها يأكل بعضا من شدة غضبها على أعداء الله.
526. وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا: وإذا وضع الكفار في محل شديد الضيق في النار وقد شدت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل صاحوا من شدة الهول وا ثبوراه وا ويلاه.
527. لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا: فيبكون في النار ويقال لهم لا تدعوا بالويل مرة واحدة بل مرات كثيرة فلن يفرج كربكم ولن يزول همكم وغمكم.
528. قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ بً وَمَصِيرًا: قل أيها النبي للكفار أنار جهنم التي وصفها الله لكم أفضل من جنة النعيم المقيم التي وعد بها عباد الله الصالحون الملخصون المنيبون كانت لهم ثوابا على حسن العمل ومرجعا للخلود الدائم والنعيم الأبدي.
529. لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا: لهؤلاء الأبرار المخلصين ما يريدون في جنات النعيم مما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم ودخول هؤلاء الأبرار الجنة وعد من الله يسأله سبحانه عباده الأخيار الأتقياء هذا الوعد والله لا يخلف وعده.
530. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ: ويوم الحساب يجمع الله الكفار وما كانوا يعبدونه من أشجار وأحجار فيسأل الله هذه المعبودات بالباطل أأنتم أغويتم عبادي عن الهدى ودعوتموهم إلى الضلال والردى أم هم الذين انحرفوا عن الهداية فعبدوكم دون أن تأمروهم بذلك؟!
531. قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا: قالت هذه الآلهة المزعومة ننزهك يا ربنا ونقدسك عن فعل هؤلاء المشركين المشين القبيح تعاليت أن نعبد سواك أو أن نتولى غيرك ولكنك سبحانك متعت هؤلاء الكفار بأنواع النعم من المال والجاه والبنين والصحة فتشاغلوا بها حتى نسوا دينك وغفلوا عن ذكرك وكانوا قوما هلكى أدركهم الخذلان عن طاعة الرحمن فباؤوا بالخسران.
532. فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا: فيقال للكفار هذه آلهتكم التي عبدتموها بالباطل قد كذبتكم في دعواكم وافترائكم فأنتم الآن لا تقدرون على حماية أنفسكم من العذاب ولا تجلبون لها نصرا ومن يمت كافرا ظلاما لنفسه بالشرك فله العذاب الشديد في نار جهنم.
533. وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا: وما أرسل الله قبلك أيها النبي رسولا إلا كان من الناس وليس ملكا وكل الرسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كغيرهم من البشر والله جعل بعض الناس لبعض ابتلاء واختبارا بالإيمان والكفر والغنى والفقر والصحة والمرض والعافية والبلاء فهل تصبرون على ما قدر الله فتعبدونه حق عبادته وتعملون بأوامره وتتركون نواهيه فطوبي لعبد إذا أنعم عليه شكر وإذا ابتلي صبر وإذا أذنب استغفر فهذا الذي قام بحقوق العبودية ونال شرف الولاية وكان ربك بصيرا بمن يجزع أو يصبر وبمن يكفر أو يشكر.
سورة الفرقان
21. وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا: وقال الكفار الذين لا يصدقون بلقاء الله عزوجل يوم القيامة ولا يؤملون ذاك الموعد هلا أنزل الله علينا الملائكة فتشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه صادق أو نرى ربنا رأي العين فنسمع منه الرسالة لقد أعجب هؤلاء الفجرة بأنفسهم كثيرا وتجاوزوا الحد في الطغيان وطلبوا لأنفسهم منزلة لا يستحقونها.
22. يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا: وسوف يرى الكفار الملائكة يوم القيامة كما سألوا ذلك ولن يبشروا بالجنة ولكن يخبرون بأن الجنة مكان محرم عليهم لا يدخلونها.
23. وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا: وقدمنا إلى ما عملوه من المظاهر التي تدل على الخير والصلاح والبر والتقوى فجعلناها باطلة مضمحلة لا أثر لها ولا نفع ولا فائدة كالهباء المنثور في الهواء وهو ما تشاهده في ضوء الشمس من دقيق الغبار وذلك أن العمل لا يقبل إلا بشرطين وهما الإخلاص والمتابعة بحيث يكون خالصا لوجه الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
24. أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا: أصحاب الجنة في الآخرة أفضل مكانا من أهل النار وأحسن منزلة في الجنة في نعيم وسرور وبهجة وحبور لا تعب ولا نصب ولا خوف ولا حزن.
25. وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا: واذكر يوم القيامة الذي تتشقق فيه السماء ويخرج من شقوقها السحاب الأبيض الرقيق وينزل الله الملائكة فيحيطون بالناس في عرصات القيامة.
26. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا: الملك الحق يوم القيامة للرحمن وحده جل في علاه وهو مالك الدين والحاكم في ذاك الموقف وليس معه غيره وكان يوم القيامة على الكفار صعبا شديدا لكثرة أهواله وعظيم خطره.
27. وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا: وتذكر يوم يعض الكافر الذي ظلم نفسه بالشراك على يديه ندما وتأسفا وغبنا وتحسرا وهو يقول يا ليتني اتبعت الرسول صلى الله عليه وسلم واهتديت بهداه وآمنت بما جاء به ولزمت طريقه.
28. يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا: ويقول الكافر متحسرا يا ليتني لم أتخذ فلانا الكافر صاحبا لي أخلص له الود وأمنحه الحب.
29. لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا: لقد أغواني هذا الصديق الكافر عن القرآن بعد أن بلغني عن الرسول عليه الصلاة والسلام ومن عادة الشيطان وصفته أن يخذل الإنسان في كل حال وفي هذا التحذير من مصاحبة الأشرار ومصادقة الفجار لأنهم قد يوردون صاحبهم النار وغضب الجيار.
30. وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا: وقال الرسول وهو يشكو فعل الكفار من قومه يا رب إن قومي أعرضوا عن القرآن وهجروه تصديقا وتلاوة وتدبرا وعملا وتحاكما إليه وتبليغا له وفي هذا تحذير من هجر القرآن والناس في ذلك متفاوتون كل بحسبه.
31. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا: وكما جعل الله للرسول صلى الله عليه وسلم أعداء من أشرا قومه سبق أن جعل لكل رسول قبله أعداء من اشرار أقوامهم فعلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصبر كما صبروا وكفى بالله لأوليائه هاديا يدلهم على الصواب ومعينا لهم على الأعداء فبالهداية تنال الولاية وبالنصر تحصل الرعاية.
32. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا: وقال الكفار هلا أنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم جملة واحدة كالكتب السابقة ولكن الله أنزل القرآن على نبيه مفرقا ليقوي قلبه ويربيه على مهل ويزيده طمأنينة وتدبرا لكتاب مولاه وقد بين الله كتابه لرسوله في تثبت وتمهل وفي هذا تدبر القرآن والعناية به وأخذه شيئا فشيئا ليرسخ في القلب وينتفع به الإنسان.
33. وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا: ولا يأتيك الكفار أيها النبي بقول أو حجة إلا فتح الله عليك بجواب سديد أحسن من قولهم بيانا وأقوى دليلا وأصدق برهانا.
34. الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا: هؤلاء الكفار يسحبون على وجوههم إلى النار لأنهم كفروا بالواحد القهار وهم شر الخليقة عند الله وأبعدهم عن الرشد وأكثرهم غواية وانحرافا.
35. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا: ولقد أعطى الله موسى التوراة وجعل معه أخاه هارون يعينه على أعباء الرسالة.
36. فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا: وأمر الله موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون وقومه فكذبوا بالصدق وكفروا بالحق وأنكروا براهين الربوبية وأدلة الألوهية فأهلكهم الله وأبادهم وجعلهم عبرة للمعتبرين.
37. وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا: وأغرق الله قوم نوح بالطوفان لما كفروا ومن كذب برسوله فكأنما كذب بكل الرسل وجعل الله إغراق قوم نوح عظة للمتعظين وهيأ الله لهم في الآخرة عذابا مخزيا موجعا في نار جهنم.
38. وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا: وأهلك الله عادا قوم هود وثمود قوم صالح وأصحاب البئر وأمما كثيرة بين هذه الأمم المذكورة لا يعلمهم إلا الله طغوا وبغوا فحاق بهم سوء العذاب.
39. وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا: وكل الأمم السابقة واللاحقة أوضح الله لهم الأدلة وأقام لهم البراهين ونصب لهم الحجج لئلا يعتذر معتذر ومع كل هذا البيان من الرحمن كذبوا بالحق واتبعوا الشيطان فأبادهم الله ونكل بهم.
40. وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا: ولقد كان كفار قريش يمرون في سفرهم للتجارة على قرية قوم لوط وهي قرية سدوم التي مزق أهلها بالحجارة فلم يتعظوا بما رأوا بل كانوا لا يصدقون بالبعث بعد الموت ولذلك تجاوزوا الحد في الطغيان.
41. وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا: وإذا رآك الكفار أيها النبي سخروا منك قائلين أهذا الذي يدعي أن الله أرسله إلينا؟
42. إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا: لقد أوشك أن يحولنا من عبادة الأصنام والأوثان لقوة البرهان وسطوع البيان ولكن ثبتنا على عبادتها وسوف يظهر للكفار إذا حل بهم عذاب الجبار من المهتدي من الضال والغاوي من الراشد أهم أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟
43. أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا: انظر أيها النبي وتعجب ممن أطاع هواه كطاعة الله وترك عبادة مولاه واتبع الشيطان الذي أغواه أفأنت تستطيع حفظه من الضلالة وحمايته من الغواية حتى ترده إلى الهداية؟
44. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا: أم تحسب أن أكثر الكفار يسمعون آيات القرآن سماع قبول وانتفاع أو أنهم يفهمون ما فيها من العبر والعظات ما هم إلا كالدواب فيعدم الاستفادة والفهم لما يسمعونه بل هم أكثر غواية منها لأن عندهم عقولا عطلوا الانتفاع بها بخلاف البهائم!!
45. أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا: ألم تشاهد كيف أن الله مد ظل كل شىء من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؟ ولو أراد الله تثبيته فلا يغيره طلوع الشمس ثم جعل الله الشمس علامة يستدل بها على أحوال الظل.
46. ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا: ثم يتقلص الظل ويصغر قليلا قليلا فكلما ارتفعت الشمس ازداد نقصان الظل وهذا برهان على قدرة الرحمن وأنه المستحق وحده بأن يعبد من الإنس والجان.
47. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا: والله وحده الذي خلق الليل لكم تستترون بظلامه كما تستترون باللباس وخلق النوم راحة لأبدانكم وقطعا لأشغالكم وخلق النهار لتنتشروا فيه للعمل وطلب الرزق.
48. وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا: والله هو الذي أرسل الرياح تحمل الغمام وتبشر بمقدمه العباد بالغيث وأنزل الله من الغمام ماء يتطهر به الناس غسلا ووضوءا.
49. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا: ليخرج الله بالماء نباتا أخضر متاعا للناس والحيوان بعد أن كانت الأرض قبل ذلك ميتة لا نبت فيها فالله هو الذي يحول الجدب بالماء إلى نبات أخضر ويسقي بالماء الخلق الكثير من الناس والحيوان.
50. وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا: ولقد حول الله الغيث من أرض إلى أرض فأسقى بعضها ومنع بعضها ليذكر العباد نعمة الله عليهم بإنزال الماء فيشكروه ويذكروه بالتوبة والاستغفار إذا منع منهم الغيث لكن أكثر العباد أبى إلا الجحود والكفران بآيات الله ونعمه كنسبتهم المطر إلى نوء كذا وكذا.
51. وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا: ولو أراد الله لأرسل في كل قرية رسولا يدعوهم إلى التوحيد ويخوفهم عقاب الله ولكن الله راسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العالمين.
52. فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا: فلا تطع الكفار أيها الرسول في ترك شىء مما أمرك الله به من التبليغ ولا تكتم شيئا بل اجتهد في الدعوة والنصح وجاهد الكفار بهذا القرآن جهادا كبيرا لا فتور فيه ولا انقطاع ولا كسل.
53. وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا: والله هو الذي خلط البحرين العذب الزلال الذي يشرب منه الناس والملح شديد الملوحة الذي لا يشرب منه وخلق بين البحرين حاجزا يمنع كل واحد أن يختلط بالآخر فلا يصل هذا إلى هذا ويبقى كل بحر على طبيعته.
54. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا: والله الذي خلق من مني الرجل والمرأة أناسا من الذكور والإناث فصار بينهم قرابة النسب وقرابة المصاهرة والله قدير على أن يخلق ما يشاء لا راد لحكمه.
55. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا: ومع ظهور هذه البراهين وكثرتها ودلالتها على قدرة الله فإن الكفار عبدوا من دون الواحد القهار ما شاؤوا من اشجار وأحجار لا تجلب المنافع ولا تدفع المضار والكافر يعين الشيطان على معاداة الله وعبادة غيره بالإشراك به ويساعد غيره من شياطين الإنس والجن على معصية الله تعالى.
56. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا: وما أرسل الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلا ليبشر عباده الصالحين بجنات النعيم وينذر أعداءه الكفار بعذاب الجحيم.
57. قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا: قل أيها النبي للناس لا أيد منكم أجرة على دعوتي فأجري على الله لكن من أراد أن يؤمن بالله ويتبع رسوله صلى الله عليه وسلم ويتصدق في سبيل الله فثواب ذلك له عند الله وخيره يعود إليه.
58. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا: واعتمد في كل أمورك على الواحد الأحد وفوض الأمر إليه وثق بولايته ونزهه عن العيب والنقص ومجده بصفات الكمال وكفى به سبحانه مطلعا على سيئات العباد لا يخفى عليه شىء فقد أحصى أعمال الخليقة وسوف يحاسبهم عليها.
59. الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا: الله وحده الذي خلق السموات والأرض وما بينهما فله التدبير المطلق وهو المالك وحده لكل مخلوق وهذا الخلق كان في ستة أيام ثم استوى سبحانه على عرشه أي علا وارتفع استواء يليق بجلال وهو الرحمن الذي عمت رحمته وفاض خيره وسح جوده فاسأل أيها الرسول بذلك الخبير وهو الله سبحانه وحده فهو العالم بما يجب له سبحانه من صفات الكمال والعظمة والجلال.
60. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا: وإذا طلب من الكفار أن يسجدوا لله وحده الذي هو الرحمن ذو الرحمة العامة الشاملة حينها ينكر الكفار ذلك ويأبون السجود والعبودية لله ويقولون ما نعرف الرحمن كيف تأمرنا بالسجود طاعة لأمرك؟ ويزيدهم طلب الرسول صلى الله عليه وسلم منهم السجود لله كبرا وعتوا.
61. تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا: عظمت بركات الله وتقدس اسمه وجل جلاله وكثر خيره فهو الذي خلق في السماء نجوما عظيمة في منازلها وجعل في السماء شمسا مضيئة وقمرا منيرا تدل على عظمته وقدرته ووحدانيته.
62. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا: فهو سبحانه خالق الليل والنهار كل واحد منهما يخلف الآخر ويأتي بعده بنظام دقيق وحكمة متناهية وفي هذا دلالة على عظمة الخالق وحكمته لمن أراد أن يتعظ ويتدبر أو يشكر الله على آلائه ويحمده على نعمه.
63. وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا: وعباد الله الأتقياء الأبرار إذا مشوا على الأرض مشوا بتواضع وسكينة وإخبات وإذا تكلم معهم السفهاء الجهلاء بسوء ردوا عليهم باللين اللطف والقول الجميل وأجابوهم بجواب حسن يسلمون فيه من الذنب ومن أذى الجاهل فقد أحسن الله أدبهم في المشي والقول والخطاب ومعاملة الناس وفي سائر أحوالهم.
64. وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا: والذين يقومون الليل في صلاة وتلاوة ودعاء وبكاء متضرعين خاشعين أذلاء في حالة السجود والقيام.
65. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا: وهم مع كثرة عبادتهم وإخلاصهم واجتهادهم في الطاعة يخافون عذاب الله لأن عذاب الله يلازم من يستحقه كما يلازم الغريم غريمه ليستوفي حقه.
66. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا: قبحت نار جهنم دار إقامة وساءت دار قرار ما أشد عذابها وأقسى نكالها نعوذ بالله منها.
67. وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا: وهؤلاء المؤمنون الأتقياء إذا أنفقوا من أمالهم لزموا العدل والقصد ولم يبذروا في الإنفاق ولم يبخلوا في العطاء بل هم وسط بين الإسراف والشح جملت سيرتهم واعتدلت طريقتهم ولزموا الصراط المستقيم في كل حال.
68. وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا: والذين لا يشركون بالله ولا يعبدون غيره ولا يدعون سواه بل يفردونه بالعبودية والوحدانية ولا يقتلون النفس المعصومة التي حرم الله قتلها إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بالعدوان وهم يحفظون فروجهم عن الزنا إلا بالحلال مع زوجاتهم أو ما ملكت أيمانهم ومن يقدم على شىء من هذه الكبائر يعاقبه الله في الآخرة عقابا مؤلما موجعا.
69. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا: يضاعف الله لصاحب هذه الكبائر العذاب يوم القيامة ويمكث في العذاب زمنا طويلا وهو ذليل حقير.
70. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: لكن من تاب إلى الله من الخطايا والذنوب توبة نصوحا وآمن إيمانا راسخا واتبع ذلك بعمل الصالحات فالله يتجاوز عن خطاياه ويعفو عن سيئاته ويبدلها حسنات إذا أقلع عن ذنوبه وندم على ما سلف منه والله كثير الغفران لمن تاب واسع الرحمة بمن أناب.
71. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا: ومن تاب من فعل المعاصي وعاد إلى ربه بالإنابة وأكثر من عمل الصالحات فرجوعه إلى الله صحيح وتوبته صادقة والله يقبل توبته ويغسل حوبته.
72. وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا: والذين لا يشهدون كذبا ولا يحضرون مجالس الكذب فهم لا يقولونه ولا يسمعونه ولا يرضون به وإذا مروا بأهل الباطل والعبث والسفاهة أعرضوا عن ذلك وتنزهوا عن هذه الأفعال فلا يخالطون أهلها ولا يرضون بأفعالهم.
73. وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا: والذين إذا خوفوا بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم اتقوا وخشعوا وخافوا ولم يعرضوا ولم يتغافلوا كأن في آذانهم صمما عن السماع وكأن في أبصارهم عمى عن الرؤية بل قلوبهم واعية وآذانهم سامعة وبصائرهم حية يسجدون لربهم مطيعين مخبتين.
74. وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا: ويدعون الله قائلين ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا الصالحين البررة واجعلنا أسوة للأخيار وقدوة للأبرار يقتدي بنا غيرنا في الخير.
75. أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا: هؤلاء الذين اتصفوا بالصفات الجميلة التي ذكرت في هذه الآيات من عباد الله الصالحين يكرمهم الله بأرفع الدرجات في الجنة بسبب صبرهم على الطاعات وصبرهم عن المعاصي والمخالفات وصبرهم على أقدار الله المؤلمة وسوف يقابلون في الجنة بالترحاب والتحايا والتسليم والبشرى من الملائكة مع حياة الأمن والسلامة والبهجة والسرور الدائم.
76. خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا: هؤلاء الأولياء الأبرار ماكثون في الجنة أبدا من غير موت ولا خروج منها طابت والله منزلا وحسنت مستقرا من حسنها لا يريدون عنها انتقالا ومن طيبها لا يبغون عنها ارتحالا فما أحسن المقام في دار السلام بجوار الملك العلام.
77. قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا: يخبر الله أنه لا يبالي بالخلق ولا يعبأ بالعباد لولا أنهم يعبدونه ويسألونه فبدعاء العبادة ودعاء المسألة يرفع العذاب وينزل الثواب وقد كذبتم أيها الكفار بآيات الواحد القهار فسوف يلزمكم العذاب كما يلزم الغريم غريمة لا يفارقكم ولا تفارقونه.

سورة الشعـــراء
1. طسم: هذه الحرف الله أعلم بمرادها ولها مقاصد جليلة ومعان نبيلة.
2. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ: هذه آيات القرآن الذي بين كل أمر وأوضح كل شىء وفصل بين الحق والباطل والرشد والغي.
3. لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: لعلك أيها النبي تهلك نفسك من كثرة شفقتك على هداية قومك وشدة حرصك على إيمان أمتك لأنهم لم يؤمنوا بما أرسلت به ولم يفعلوا ما دعوتهم إليه فلا تهلك نفسك وكل الأمر إلى ربك.
4. إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ: لو أراد الله نزل على الكفار من السماء آية باهرة ومعجزة خارقة تضطرهم إلى التصديق وتخضع لها أعناقهم ذليلة ولكن الله ما أراد ذلك ليكون التصديق بعلم الغيب اختيارا.
5. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ: وما ينزل على الكفار من قرآن من الرحمن حديث في إنزاله يأتي شيئا بعد شىء يعظهم ويذكرهم ويبين لهم ويخبرهم إلا صدوا عنه ولا يقبلوه عنادا واستكبارا.
6. فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: لقد كذب الكفار بالقرآن وسخروا منه فسوف يعلمون إذا وقع بهم العذاب عاقبة ما فعلوا وجزاء ما صنعوا.
7. أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ: كيف كفروا بالله وما نظروا إلى الأرض التي خلقها الله كيف أنبت فيها من أنواع النباتات وأصناف الثمرات مع تعدد الألوان وتباين الأشكال وهذا دليل على قدرته سبحانه واستحقاقه للعبودية وحده.
8. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: إن في إخراج النبات من الأرض برهانا ساطعا على تماما قدرة الله ووحدانيته تقدس اسمه وما أكثر الناس بمؤمنين بآيات الله بل غالبهم كفار.
9. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك المالك المدبر المتصرف لهو العزيز على كل أحد الغالب لكل مخلوق الرحيم الذي وسعت رحمته كل شىء وعم إحسانه سائر البرية.
10. وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: واذكر أيها النبي للناس يوم نادى الله كليمه موسى عليه السلام وقال له اذهب إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر.
11. قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ: وهم قوم فرعون وقل لهم ألا تخشون عذاب الله وتحذرون غضبه وتتركون ما أنتم عليه من غواية وفساد؟
12. قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ: قال موسى لربه يا رب أخشى أن يكذبني فرعون وقومه ويردون ما جئت به.
13. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ: وأخشى إذا كذبوني أن يمتلئ صدري غما وهما ويحبس لساني عن دعوتهم إلى التوحيد فأرسل يا ربي جبريل بالوحي إلى أخي هارون ليكون عونا لي في أداء الرسالة وتبليغ الدعوة.
14. وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ: وسبق أنني قتلت منهم نفسا فهم يطالبونني بدم فأنا مذنب عندهم فأخشى أن يقتلوني بالرجل الذي قتلته.
15. قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ: قال الله لموسى لن يكون هذا ولن يصلوا إليك ولن يقتلوك ومن كان في رعاية الله فلا يخاف أحدا وأمر الله موسى أن يذهب هو وهارون بالمعجزات إلى فرعون وقومه فإن الله معهم بالعلم والنصر والتأييد والحفظ يسمع كلامهم ويعلم حالهم.
16. فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ: وأمر الله موسى وهارون أن يهبا إلى فرعون وأن يخبراه بأنهما مرسلان من عند الله رب العالمين الذي له الخلق والأمر جل في علاه.
17. أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: وطلب موسى وهارون من فرعون أن يترك بني إسرائيل ويعتقهم من عبوديته واستبداده ليخرجوا من مصر.
18. قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ: قال فرعون لموسى بكبر وصلف ومنة أنسيت يا موسى أنك كنت طفلا في قصرنا وقد ربيناك وبقيت في نعمتنا سنين من عمرك؟
19. وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ: وارتكبت جرما عظيما يوم قتلت القبطي وهربت وأنت ممن جحد نعمتي وأنكر ربوبيتي وكفر جميلي.
20. قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ: فأجاب موسى فرعون قائلا نعم قتلت ذاك الرجل قبل النبوة وقبل ما يوحي إلي ربي ويكرمني بالرسالة.
21. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ: فهربت من أرضكم إلى أرض مدين لأنني خفتكم على نفسي فأكرمني ربي بالنبوة والعلم وشرفني بالرسالة.
22. وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ: وأنت يا فرعون تمن على تربيتك لي في بيتك وأنت الذي جعلت بني إسرائيل عبيدا لك في خدمتك تذبح الأبناء وتستحيي النساء.
23. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ: فسأل فرعون موسى عن رب العالمين الذي يدعو إلى توحيده بالعبادة ما صفته سبحانه؟
24. قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ: فأجاب موسى ربي هو المالك المتصرف في الخلق المدبر لشؤون الكون الحاكم لكل ما في السموات وما في الأرض وما بينهما فإن أيقنتم بذلك فآمنوا.
25. قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ: فسأل فرعون من حوله من السادة والأعيان ألا تسمعون معي؟ متعجبين من قول موسى المنكر الغريب!
26. قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ: قال موسى إن ربي الذي أدعو إلى عبادته وطاعته هو الخالق لكم ولآبائكم المتقدمين فكيف تعبدون فرعون وهو مخلوق له آباء قد ماتوا؟
27. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ: قال فرعون مغضبا من موسى يخاطب قومه إن موسى الذي يدعي أنه رسول قد جن وذهب عقله فهو يتحدث بأحاديث المجانين.
28. قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ: قال موسى متابعا الأدلة والبراهين إن ربي الذي أرسلني هو خالق المشرق والمغرب وما بينهما وما فيهما من نور وظلام وهو مدبرهما فحقه سبحانه أن يعبد وحده ولا يشرك به شىء إن كانت لكم عقول تفكر وتعتبر.
29. قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ: فهدد فرعون موسى قائلا لئن عبدت إلها غيري لأحبسنك نكالا لك على مخالفتك أمري.
30. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ: قال موسى كيف أتسجنني وأنا قد جئت بأدلة قاطعة وبراهين ساطعة على صحة رسالتي وصدق دعوتي؟!!
31. قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: قال فرعون إن كنت يا موسى ادقا فأرنا تلك البراهين التي ذكرتها.
32. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ: فرمى موسى بالعصا من يده فتحولت بإذن الله ثعبانا عظيما يمشي على الأرض حقيقة وليست خيالا كما يفعل السحرة.
33. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ: وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع من غير برص ولا بهق تبهر من نظر إليها.
34. قَالَ لِلْمَلأ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ: قال فرعون لسادة قومه حوله مكذبا لموسى إن موسى ساحرا ماهرا في السحر حاذق فيه وليس برسول كما يدعي.
35. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ: ومقصود موسى أن يخرجكم من أوطانكم بهذا السحر الذي آتي به ويستولى على أرضكم فماذا تشيرون على به في شأنه لآخذ برأيكم.
36. قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ: فقال السادة من قوم فرعون له أجل أمر موسى وهارون وأرسل في جميع المدن جنودا يجمعون السحرة.
37. يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ: وسوف يأتي الجنود بكل ساحر حاذق في سحره ماهر في فنه ليواجه موسى بسحر مثل سحره.
38. فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ: فجمع فرعون السحرة ووقت لهم يوما معلوما وهو وقت الضحى من يوم زينتهم في الاحتفال الذي يجتمعون من أجله ويفرحون فيه ويتجملون.
39. وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ: وأمر الناس أن يجتمعوا لمشاهدة الصراع بين موسى والسحرة لأن في اجتماعهم قوة لسحرة فرعون.
40. لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ: عسى أن نقتدي بالسحرة إذا غلبوا موسى ونثبت على ديننا.
41. فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ: فلما وصل السحرة إلى فرعون سألوه هل لنا أجرة عندك من مال أو سلطة إذا غلبنا موسى وقهرناه.
42. قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: قال فرعون نعم إن انتصرتم على موسى أكرمتكم بالأجرة وشرفتكم بالقرب مني فأغراهم بالمال والجاه.
43. قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ: قال موسى للسحرة ألقوا على الأرض ما تحبون إلقاءه من العصي والحبال لتكونوا البادئين بالإلقاء.
44. فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ: فطرح السحرة على الأرض من عندهم من حبال وعصي وخيل إلى الناظرين أنها ثعابين تسعى وحلفوا بعزة فرعون إنهم يغلبون موسى هذا اليوم.
45. فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ: فطرح موسى عصاه من يده فحولها الله حية عظيمة داهية ابتلعت في بطنها كل ما زوروا من سحر.
46. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ: فلما أبصر السحرة عصا موسى وما فعلته بسحرهم علموا أنه صادق وأنهم كاذبون فآمنوا بالله وسجدوا له وحده سبحانه.
47. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: وقالوا بلسان الاعتراف آمنا برب العالمين الذي خلقنا فهو يستحق العبادة وحده لا إله إلا هو.
48. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ: وهو سبحانه رب موسى وهارون فالسجود له وحده وموسى وهارون رسولان عبدان كريمان.
49. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ: فانكر فرعون وتعجب مما حصل وقال للسحرة كيف صدقتم بنبوة موسى ولم آذن لكم؟ وقال مكابرا إن موسى هو كبيركم وإمامكم في تعلم السحر فهو الذي علمكم إياه فسوف يظهر لكم ما ينتظركم من عذاب عندي ثم أقسم الفاجر للسحرة ليقطعن أيديهم وأرجلهم من خلاف يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو الضد وبعد ان يقتلهم ويقطعهم سوف يصلبهم كلهم نكالا لهم على متابعة موسى وتصديقه!!
50. قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ: فرد السحرة على فرعون وقالوا ليس علينا ضرر فيما تهددنا به من عذاب الدنيا فالخطب يسير في جنب ما ينتظرنا من نعيم أبدي وخلود سرمدي عند الله الواحد الأحد.
51. إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ: إنا نأمل ونرجو أن يعفو الله عنا ما فعلناه من شرك وسحر وأن يتجاوز عن سيئاتنا لأننا أول من آمن من قوم فرعون.
52. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ: وأوحى الله إلى موسى أن أخرج بمن آمن معك من بني إسرائيل ليلا ليكون أستر لكم وسوف يتبعكم فرعون وجنوده قبل أن تصلوا إلى البحر.
53. فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ: فلما سمع فرعون بخروج موسى وقومه أرسل جنودا يجمعون الجيش من مدن مصر كافة ليدرك موسى وقومه.
54. إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ: قال فرعون لقومه إن موسى ومن خرج معه جماعة حقيرة صغيرة قليلة العدد.
55. وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ: وإن موسى وقومه قد أغصبونا غاية الغضب وملؤوا صدورنا عليهم حقدا وغيظا لأنهم عصوا أمرنا وعبدوا غيرنا.
56. وَإِنَّا لَجِمِيعٌ حَاذِرُونَ: وإنا كلنا منتبهون ومستعدون لهم وعلى يقظة تامة لأفعالهم.
57. فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: فأخرج الله فرعون وقومه من أرض مصر بحدائقها الغناء وبساتينها الفيحاء وعيونها العذبة.
58. وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ: وترك فرعون وقومه وراءهم خزائن الذهب والفضة والأموال المكدسة والبيوت الجميلة.
59. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ: وكما أخرج الله فرعون وقومه من أرضهم جعلها من نصيب بني إسرائيل يتمتعون بخيراتها.
60. فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ: فأدرك فرعون وجيشه موسى ومن آمن معه وقت إشراق الشمس وكان صباحا مباركا نجى الله فيه موسى وأهلك فرعون وهو يوم عاشوراء.
61. فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ: فلما أبصرت كل طائفة من قوم موسى وقوم فرعون الأخرى قال أصحاب موسى إن فرعون وجنوده قد لحقوا بنا وقد دنا هلاكنا.
62. قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ: فرد موسى على قومه وقال ليس الأمر كما ظننتم فلن يدركنا فرعون وجنده فالله معي بنصره وسوف يهديني لسبيل النجاة.
63. فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ: وأوحى الله إلى موسى أن يضرب البحر بعصاه فضربه فانقسم البحر اثنى عشر طريقا بعدد قبائل بني إسرائيل فأصبحت كل قطعة من البحر كالجبل الكبير.
64. وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ: وقرب الله فرعون وقومه حتى عبروا البحر ليتم إغراقهم فيه.
65. وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ: وأنجى الله موسى وقومه من الغرق فلم يهلك منهم أحد حتى اجتازوا البحر.
66. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ: ثم أغرق الله في البحر فرعون وقومه بعدما اكتمل دخولهم فيه.
67. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: إن في نجاة موسى وهلاك فرعون دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا على قدرة الله وما أصبح أكثر أتباع فرعون مؤمنين مع رؤية هذه العلامات العظيمة.
68. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك المالك المدبر لهو العزيز فبعزته أهلك فرعون ومن معه وبرحمته نجى موسى ومن معه.
69. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ: واذكر لقومك أيها النبي قصة إبراهيم لما فيها من العبر.
70. إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ: يوم قال إبراهيم لقومه منكرا عليهم كفرهم بالله ما هذا الشىء الذي تعبدونه من دون الله عزوجل.
71. قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ: قال قوم إبراهيم له نحن نعبد هذه الأصنام ونعكف على عبادتها معتقدين أنها تنفع وتضر.
72. قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ: قال إبراهيم منكرا عليهم جهلهم في عبادة الأصنام هل الأصنام تسمعكم إذا دعوتموها وهي جامدة لا تسمع ولا تعي؟!
73. أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ: وهل الأصنام تجلب لكم نفعا بعبادتكم لها أو يحدث لكم منها ضرر إذا تركتم عبادتها؟!
74. قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: قالوا لا نفع من عبادتها ولا ضرر من ترك هذه العبادة ولكننا قلدنا الآباء في عبادتهم لها وفعلنا فعلهم.
75. قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ: قال إبراهيم لقومه هل تدربتم فعلكم في عبادة أصنام لا تسمع ولا تنفع ولا تضر.
76. أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ: وقد أخطأتم أنتم وآباؤكم السابقون في عبادة أصنام لا تجلب نفعا لكم ولا تدفع عنكم ضرا.
77. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ: فإن كل ما تعبدونه غير الله أعداء لي سوف أحاربهم أما رب العالمين سبحانه فسوف أعبده وحده لا أشرك به شيئا.
78. الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ: والله وحده هو الذي خلقني في أحسن صورة وهو الذي يوفقني لطريق الخير في الدنيا والآخرة.
79. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ: وهو الذي خلق لي الطعام والشراب فهو الرازق وحده المنعم بكل نعمه.
80. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ: وإذا أصابني مرض فلا يعافيني منه إلا الله وحده فهو الذي قدر الداء وأنزل الدواء.
81. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ: وهو الذي يتوفى نفسي إذا حان أجلي ثم يبعثني من قبري حيا لا يحيي ولا يميت غيره.
82. وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ: والله وحده الذي أرجوه أن يعفو عن سيئاتي ويتجاوز عن ذنبي يوم الحساب والجزاء.
83. رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ: ثم دعا إبراهيم ربه فقال رب تفضل علي بعلم وفهم لأعبدك على بصيرة واجمع بيني وبين الأتقياء في جنات النعيم فسأل خيري الدنيا والآخرة.
84. وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ: وقدر لي يا رب ذكرا جميلا وثناء حسنا في كل جيل يأتي من بعدي إلى يوم القيامة فحقق الله له ما سأل فعليه الصلاة والسلام دائما وأبدا.
85. وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ: وأسألك يا رب أن تجعلني من العباد الأتقياء الذين تورثهم الإقامة في الجنة.
86. وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ: وتجاوز يا رب عن أبي المشرك الضال وهذا قبل أن يظهر لإبراهيم عداوة أبيه لله فلما ظهر له ذلك تبرأ من أبيه.
87. وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ: ولا تفضحني على رؤوس الأشهاد يوم المعاد يوم يخرج الناس من القبور ليوم النشور.
88. يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ: يوم القيامة لا ينفع المال صاحبه ولا الأبناء آباءهم إذا لم يكونوا من الصالحين.
89. إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: ولا ينجو في ذاك اليوم إلا من جاء ربه بقلب سليم من الكفر والنفاق وكل ما يكرره الله.
90. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ: وقرب الله الجنة لأوليائه الأتقياء الذين أطاعوه واجتنبوا معصيته.
91. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ: وأظهر الله النار للكفار الذين أخطؤوا سبيل الهداية وسلكوا طريق الغواية.
92. وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ: ويقال لهم يوم القيامة تبكيتا أين الأصنام والأوثان التي كنتم تعبدونها في الدنيا؟!
93. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ: هذه الأوثان والأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله وتدعون أنها تجلب لكم النفع وتدفع عنكم الضر هل تنصركم هذه الآلهة فتدفع عنكم العذاب؟ أو تنتصر هي فتدفع عنها العقاب؟ فهي لا ناصرة ولا منصورة.
94. فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ: فجمع الله عباد الأصنام وأصنامهم وكبهم على وجوههم في النار فأئمة الضلال وأتباعهم يجمعون في نار جهنم.
95. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ: وأعوان الشيطان يدخلون مع عبدة الأوثان في نار جهنم لا ينجو منهم أحد.
96. قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ: فقال الكفار الفجار في النار وهم مختلفون فيما بينهم يتنازعون أمرهم.
97. تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: تالله إننا كنا في الدنيا في غواية واضحة حيث عبدنا غير الله وكفرنا به سبحانه.
98. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: كيف نسوي في العبادة ونشرك في الطاعة الأوثان مع الله عزجل المستحق العبادة وحده وهو الخالق الرازق.
99. وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ: وما أغوانا وحرفنا عن الهداية إلا أهل الإجرام من عبدة الاصنام الذين زينوا لنا الباطل.
100. فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ: فليس لنا اليوم أحد يشفع لنا عند الله لينجينا من العذاب لأن المشرك لا تنفعه الشفاعة.
101. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ: وليس لنا هذا اليوم أحد صادق في محبتنا يحنو علينا ويواسينا فيما أصابنا.
102. فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: فياليت لنا عودة إلى الحياة الدنيا فنصدق بما جاءت به الكتب وما بعثت به الرسل ولكن هيهات.
103. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: إن في قصة إبراهيم المتقدمة لعظة للمتعظين وأما أصبح أكثر من سمع هذه القصة بمصدق ولا مهتد.
104. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك لهو العزيز الذي عز فانتقم من أعدائه الرحيم الذي لطف بأوليائه.
105. كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ: وقد كذبت قوم نوح دعوة نبيهم نوح ولم يؤمنوا به فكأنهم كذبوا كل الرسل لأن دعوة الرسل واحدة.
106. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ: إذ قال نوح لقومه وهو أخوهم في النسب ما لكم لا تخافون الله بتوحيده وترك عبادة غيره.
107. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: إن الله أرسلني لكم رسولا أمينا على حمل الرسالة وتبليغ الدعوة.
108. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فخافوا الله باتباع أمره واجتناب نهييه وأطيعوني بتصديق ما بعثت به.
109. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ: ولا أطلب منكم أجرة على تكاليف دعوتي وتعب رسالتي فأجري وثوابي على الله مالك أمري.
110. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فخافوا الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى وأطيعوني باتباعي وتصديقي فيما أرسلت به.
111. قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ: قال قوم نوح له كيف نصدقك فيما أرسلت به والذين آمنوا بك هم سقط الناس وضعفاؤهم.
112. قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: فرد عليهم نوح قائلا لست مسؤولا عن نسب الناس والمهن التي يعملونها إنما أمرني ربي بدعوتهم للإيمان فالعبرة بالعمل لا بالحسب والنسب والمهن.
113. إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ: جزاء كل عامل على الله إن خيرا فخير وإن شر فشر فهو يعلم ما ظهر وما بطن ولو كنتم تدركون صحة هذا لما تكلمتم بالباطل.
114. وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ: ولن أطرد من مجلسي من صدق برسالتي بسبب فقرهم أو المهنة التي يعملونها من أجل أنكم طلبتم ذلك.
115. إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ: ما أنا إلا مرسل من الله أخوف الكفار غضب الجبار وعذاب النار وأنذرهم غاية الإنذار.
116. قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ: فترك قوم نوح الحوار إلى التهديد والوعيد وهي عادة صاحب الباطل المغلوب على أمره وقالوا له لئن لم تترك يا نوح هذه الرسالة التي تدعو إليها لنرمينك بالحجارة حتى نقتلك.
117. قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ: فلما سمع نوح هذا التهديد دعا على قومه وقال يا رب إن قومي كذبوا دعوتي وردوا رسالتي.
118. فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: فالحكم بيني وبينهم بحكمك العادل الذي تنجي به الصادق الموحد وتهلك به الكافر الملحد وأسألك أن تخلصني ومن آمن معي من العذاب.
119. فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ: فأنجى الله نوحا ومن ركب معه في السفينة التي ملأها بأنواع المخلوقات.
120. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ: ثم أغرق الله عزوجل من كفر بنوح ولم يركب معه في السفينة بعدما نجاه ومن آمن معه.
121. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: إن في قصة نوح ونجاته ومن معه وإهلاك الكفار لعلامة واضحة وعظة عظيمة للناس وما أصبح الذين سمعوا هذه القصة مؤمنين بالله متبعين لرسله فالأكثر كافر.
122. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك المالك المتصرف المدبر عزيز في انتقامه ممن كفر رحيم بمن آمن به وشكر.
123. كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ: كذبت قبيلة عاد رسولهم هودا عليه السلام فكأنهم كذبوا كل الرسل؛ لأن دعوة الرسل واحدة وكلهم يدعون إلى التوحيد.
124. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ: إذ قال هود لقومه عاد وهو أخوهم في النسب ألا تخافون الله بإفراده بالعبودية وإخلاص الطاعة له؟
125. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: إن الله أرسلني إليكم لأرشدكم إلى الطريق المستقيم وأنا أمين على حمل الرسالة وتبلغيه لا أزيد فيها ولا أنقص.
126. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فاحذروا عذاب الله بطاعته واجتناب معاصيه واتبعوني أدلكم على طريق الهداية.
127. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ: وما أطلب منكم أجرة على دعوتي لتبليغ رسالتي لا مالا ولا جاها ولا عرضا من عرض الدنيا فأجري على ربي الذي خلق الكون وتصرف فيه.
128. أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ: ما لكم تبنون بكل محل عال مرتفع منزلا تشرفون منه على الناس كبرا وبذخا وإسرافا وليس في ذلك نفع في الدنيا ولا في الآخرة.
129. وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ: وتبنون قصورا شاهقة وحصونا منيعة كأنكم لن تموتوا ولن تنتقلوا من هذه الدنيا، وهي لا تمنعكم من الفناء.
130. وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ: وإذا نكلتم بأحد وبطشتم به قتلا أو ضبا فعلتم ذلك بقسوة وظلم وشدة.
131. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فاحذروا عذاب الله بعبادته والعمل بمرضاته واتبعوني بتصديق دعوتي واتباع رسالتي.
132. وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ: واحذروا غضب الله بطاعته فهو الذي منحكم ما تعلمون من أنواع النعم التي لا تعد ولا تحصى.
133. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ: منحكم الأنعام من إبل وبقر وغنم للأكل والركوب وشتى المنافع ومنحكم الأولاد زينة وقوة لكم وقرة عين.
134. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: ومنحكم البساتين الغناء والحدائق الفيحاء بمختلف الأشجار وشتى الثمار وفجر لكم عيونا جارية عذبة للشرب والاغتسال والسقي.
135. إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: إني أخشى عليكم إن كفرتم بالله عذابا شديدا لا يطاق يوم العرض الأكبر جزاء لكم على كفركم وتكذيبكم.
136. قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ: فقال قوم هود له يستوي عندنا إن أنذرتنا وإن تركت ذلك فلن نسمع لكلامك ولن نصدق قولك ولن نؤمن بما أرسلت به فنطقك وصمتك سواء وهذا غاية العناد والاستكبار.
137. إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ: وقالوا إن المعتقد الذي نعتقده هي العقيدة التي أعتقدها الآباء والأجداد فنحن مقلدون لهم لا نترك دينهم.
138. وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ: ولن يعذبنا الله على فعلنا ولن يقع ما حذرتنا منه من عقاب.
139. فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: فأصروا على تكذيب هود فأرسل الله عليهم ريحا عاتية مدمرة وقد كان في إهلاكهم عبرة لمن اعتبر وما أكثر من سمع أخبار عاد بمؤمنين برب العباد وبمصدقين بيوم المعاد.
140. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ : وإن ربك المالك المدبر لهو العزيز حيث أهلك أعداءه الرحيم حيث أكرم أولياءه.
141. كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ: كذبت قبيلة ثمود النبي صلاح عليه السلام حيث دعاهم إلى إخلاص العبادة لله فكأنهم كذبوا جميع الرسل لأن دعوة الرسل عليهم السلام واحدة وهي الدعوة إلى التوحيد.
142. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ: إذ دعاهم صالح إلى تقوى الله بالعمل بطاعته وترك معصيته وإفراده بالعبودية.
143. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: وأخبرهم أن الله أرسله برسالة التوحيد وأنه أمين في حمل الرسالة وفي تبلغيها لا يزيد فيها ولا ينقص ولا يكتم.
144. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فخافوا الله بفعل ما يحب وترك ما يكره واتبعوني فيما دعوتكم إليه واهتدوا بالدين الذي بعثت به.
145. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ: وما طلبت منكم أجرة على دعوتي ولا جزاء على رسالتي فأجري وجزائي على من بيده ملكوت كل شىء تبارك اسمه.
146. أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَا هُنَا آمِنِينَ: أتظنون أن الله سوف يغفل عنكم ويترككم بلا انتقام على ما فعلتم ولا عذاب على ما أسأتم وأنتم في النعيم آمنون وفي شهوات الدنيا راتعون؟!
147. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: في حدائق غناء وبساتين فيحاء في خضرة ونماء وثمار يانعة وماء.
148. وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ: وزروع كثيرة بهيجة المنظر ونخل باسقة طيبة الطلع يانعة الرطب ناضجة الثمرات.
149. وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ: وأنتم تبنون بيوتكم من الصخور فتنحتونها بمهارة وتبنونها بجدارة في أشر وبطر وكبر وعتو.
150. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فاحذروا عذاب الله بطاعته وإخلاص العبادة له واقبلوا ما أسلت به إليكم وتابعوني في دعوتي.
151. وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ: ولا تتبعوا المتجاوزين لحدود الله المتمردين عليها الصادين عن منهج الله.
152. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ: هؤلاء الفجار تمادوا في الإفساد في الأرض من القتل والبطش والظلم فعملهم كله فاسد لا صلاح فيه.
153. قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ: قالت ثمود لصالح عليه السلام أنت مسحور مغلوب على عقلك أثر السحر فيك وجعلك تتكلم بما لا يعقل.
154. مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: وأنت إنسان مثلنا لست ملكا من السماء فلا يميزك علينا شىء فنحن وإياك سواء في البشرية فتعال بدليل ظاهر وبرهان باهر يثبت لنا أنك صادق وأن الله أرسلك.
155. قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ: فقال لهم صالح وقد أيده الله بآية عظيمة وهي الناقة التي أخرجها من الصخرة له هذه ناقة الله كما ترونها لها قسم من الماء في يوم معين ولكم قسم من الماء في يوم آخر محدد لا تشرب في يومكم ولا تشربون في يومها.
156. وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ: واحذروا أن تنالوا الناقة بأذى كالضرب والقتل فيعجل الله لكم العقاب ويهلككم بالعذاب الذي لا يطاق من شدته.
157. فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ: فقام شقي منهم فنحر الناقة فلما رأوا الناقة معقورة تأسفوا على ما فعلوا وتحسروا على ما صنعوا فما نفعهم الندم بعد زلة القدم.
158. فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: فأهلكهم الله بالعذاب الشديد وكان في إهلاك ثمود عظة للمتعظين من أهل الفطر القويمة والبصائر المستقيمة وما أكثر من سمع هذه القصة العجيبة بمصدق بها.
159. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك المالك المتصرف المدبر لعزيز قهر من حاربه وغلب من غالبه وهو رحيم لطف بمن أطاعه وتولى من تولاه.
160. كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ: كذبت قوم لوط برسالة لوط وكفروا بدعوته فكأنهم لما كذبوا جميع الرسل لأنهم كلهم يدعون إلى توحيد الله وحده لا شريك له.
161. إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ: إذ قال لهم أخوهم لوط في النسب ألا تحذرون عقاب الله بتقواه وتعملون ما أمر به وتجتنبون ما نهى عنه وتخلصون له الطاعة.
162. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: إن الله أرسلني إليكم وأنا أمين على حمل الرسالة وتبليغها لا أزيد فيها شيئا ولا أنقص منها شيئا ولا أكتم شيئا.
163. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فاعملوا لما يحبه الله واجتنبوا ما يبغضه الله واتبعوني فيما أسلت به بإفراد الله بالعبودية وعدم الإشراك به.
164. وَمَا أَسَأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ: وما أطلب منكم على دعوتي أجرة ولا أرجو منكم جزاء على تبليغ الرسالة فجزائي وثوابي على خالق الكون الذي بيده خزائن السموات والأرض.
165. أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ: أتعملون الفاحشة في الذكور من الناس فتخالفون الفطرة والعقل والنقل؟!!
166. وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ: وتتركون الزواج بالنساء اللواتي خلقهن الله للاستمتاع الحلال والذرية الطيبة والسكني إنكم قوم تجاوزتم الحد في المعصية وتركتم الحلال إلى الحرام فاستوجبتم غضب الله.
167. قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ: فرد قوم لوط عليه قائلين يا لوط إذا لم تترك زجرنا عما نفعل بالذكور والإنكار علينا فسوف نطردك من ديارنا وننفيك من بيننا.
168. قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ : فرد عليهم لوط قائلا إني أشهد الله على بغضي عملكم القبيح أشد البغض وأبرأ إلى الله تعالى من فحش عملكم.
169. رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ: فلما أصر قوم لوط على فعلهم دعا لوطا فقال رب خلصني وخلص أهلي من هذا العمل القبيح الذي يعمله قومي وأنقذني من عقوبة هذا الفعل المشين.
170. فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ: ونجى الله لوطا وأهله الذين آمنوا بالله واتبعوا لوطا وسلمهم من العذاب.
171. ِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ: لكن الله أهلك من أهله امرأته العجوز التي كفرت وأيدت قومها في هذه المعصية فكانت مع الباقين في العقاب المستحقين للعذاب.
172. ُثمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ: ثم أهلك الله سلواهم من قوم لوط فاستأصلهم بالعذاب وعمهم بالهلاك.
173. َأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ: وأنزل الله على قوم لوط حجارة من السماء كالمطر من كثرتها وتتابعها فقبح هذا المطر من مطر حمل العذاب ونزل بالدمار على قوم كفار عصوا الواحد القهار.
174. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: إن في عذاب قوم لوط لعظة لمن أتى بعدهم وعبرة لم بلغته أخبارهم وما أكثر من بلغته هذه القصة بمصدق ولا مهتد.
175. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك المالك المدبر المتصرف لهو العزيز الذي غلب فقهر وحكم فقدر وهو الرحيم الذي لطف بمن تاب وغفر لمن أناب.
176. كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ: كذب أصحاب الشجرة العظيمة رسولهم شعيبا عليه السلام وردوا دعوته فكأنهم كذبوا كل الرسل لأن الرسل بعثوا بإفراد الله بالعبادة وعدم الإشراك به.
177. إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ: إذ قال شعيب لقومه ألا تحذرون عذاب الله وتعملون بطاعته وتتركون معصيته؟
178. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: إن الله أرسلني إليكم بالتوحيد وأنا مؤتمن على الرسالة أبلغها كما سمعت وأؤديها كما أمرت لا أزيد ولا أنقص.
179. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: فاعملوا بطاعة الله واتركوا مخالفة أمره واستجيبوا لدعوته واتبعوني فيما أدعوكم إليه لتنالوا من الله الهداية والولاية.
180. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ: وما أطلب منكم أجرة على أتعاب دعوتي ولا جزاء على أعباء رسالتي فثواني على مالك أمري الذي بيده ملكوت كل شىء.
181. أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ: أتموا الكيل للناس إذا بايعتموهم ولا تنقصوا من الكيل شيئا فإن من خاف الله اتقاه في عباده بإيفائهم حقوقهم وعدم ظلمهم.
182. وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ: وزنوا إذا بايعتم الناس بالوزن العدل فلا تنقصوا حقوق الناس إذا وزنتم لهم.
183. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ: ولا تنقصوا الناس وتغشوهم في الكيل أو الوزن أو العدد أو النقد أو غير ذلك ولا تفسدوا في الأرض بالكفر والقتل والنهب والسلب والظلم والفواحش والمنكرات والعقوق وقطيعة الرحم وغيرها.
184. وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ: واحذروا عذاب الله وذلك بطاعته وترك معصيته فهو الذي خلقكم أنتم والأقوام المتقدمين من القرون السابقة.
185. قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ: فرد قوم شعيب عليه فقالوا أنت رجل مسحور أصابك سحر فأذهب عقلك فصرت تتكلم كلاما لا يعقل لا سداد فيه ولا رشد.
186. وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ: وما أنت إلا إنسان مثلنا ولست ملكا من ملائكة السماء فما ميزتك علينا؟ ونحن نحسبك كاذبا على الله لم يرسلك إلينا برسالة وإنما ادعيت ذلك من عندك.
187. فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: فإن كنت يا شعيب صادقا أن الله أرسلك فاطلب إلى ربك أن يسقط علينا قطعا من الغمام الأسود يهلكنا قالوا ذلك عنادا واستبعادا.
188. قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ: فرد عليهم شعيب قائلا الله مطلع على أعمالكم قد علم ما فعلتموه من الكفر والتكذيب وهو يعلم متى ينزل عليكم العذاب وإنما أنا مبلغ لرسالته.
189. فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: فثبتونا على كفرهم وإصرارهم فسلط الله عليهم الحر الشديد الذي مزق أجسادهم وأخذوا يفرون منه إلى كل ظل يستظلون به فرأوا سحابة فاستظلوا بها فلما اجتمعوا تحتها اشتعلت عليهم نارا فأحرقتهم جميعا فكان ذلك اليوم من أشد الأيام هولا ونكالا وهلاكا.
190. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: إن في العذاب الذي نزل بقوم شعيب لعظة لمن كان له بصيرة وما أكثر من سمع به بمصدق ولا مؤمن.
191. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: وإن ربك المالك الغني القوي لهو العزيز في انتقامه من أعدائه وشدة بطشه بمن حاربه وهو الرحيم لمن أطاعه اللطيف بمن تقرب إليه.
192. وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ: وإن القرآن العظيم الذي أنزله الله على النبي الكريم وحي تكلم به الرحمن الرحيم خالق الكون وموجد السموات والأرض.
193. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ: نزل بالقرآن من عند الرحمن روح القدس جبريل الأمين فيما حمله من الوحي وبلغه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
194. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ: فأوحاه جبريل على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم فحفظه وفهمه وأتقنه وبلغه وخوف به من عذاب الله وأنذر به الإنس والجن.
195. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ: أتى جبريل بالقرآن إلى الرسول صلى الله عليه وسلم باللغة العربية الفصحى جميلة اللفظ مشرقة المعنى واضحة البيان يفهمه الحاضر والبادي والقارئ والأمي.
196. وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ: وإن هذا القرآن العظيم ثابت ومذكور في كتب الرسل السابقين عليهم السلام قد أخبروا به وبشروا به أقوامهم.
197. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ: أولم يكف الكفار برهانا على أن القرآن حق من عند الله وأن الرسول مرسل من الله علم علماء اليهود بصدق ذلك وثبوته وكذلك شهادة من آمن منهم كعبد الله بن سلام.
198. وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ: ولو أنزل الله القرآن على بعض العجم الذين لا يجيدون لغة العرب قطعا لاحتجاج الكفار بكون الرسول عربيا.
199. فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ: فقرأ هذا الأعجمي القرآن على الكفار قراءة عربية فصيحة لما آمنوا به أيضا وبحثوا عن حجة أخرى لتكذيبه.
200. كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ: كذلك أدخل الله في قلوب المجرمين التكذيب بالقرآن فصار راسخا في قلوبهم بسبب شركهم وعتوهم.
201. لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ: لن يصدقوا بالقرآن حتى يروا العذاب الذي وعدهم به الرسول صلى الله عليه وسلم رأي العين.
202. فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: فينزل الله العذاب على الكفار فجأة دون سابق إنذار فلا يعلمون بمجيئه حتى يقع.
203. فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ: فيقول الكفار عندما يبصرون العذاب هل لنا مهلة لنراجع أنفسنا ونؤمن بربنا فلو أخرنا قليلا لتبنا وأنبنا.
204. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ: أغر الكفار إمهال الواحد القهار؟ فهم يستعجلون نزول العذاب من الله استبطاء له وتكذيبا به.
205. أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ: أفرأيت أيها النبي إن أمهلنا الكفار سنين طويلة يتمتعون بحياتهم وبشهواتهم؟
206. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ: وبعد تمتعهم بالحياة يحل بهم العذاب ويقع بهم العقاب الذي وعدهم به الرسول صلى الله عليه وسلم لتكذيبهم برسالته.
207. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ: ما أغنى عن الكفار تمتعهم بطول الأعمار وعمار الديار وحسن المعيشة إذا لم يؤمنوا بالله؟ فسوف يعذبهم الله في العاجل أو الآجل.
208. وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ: وما عذب الله قرية من قرى الأرض إلا بعدما يقيم على أهلها الحجة بإرسال رسول إليهم ينذرهم عذاب الله إن كفروا.
209. ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ: وهذه النذارة تذكير ونصح لهم ليؤمنوا بالله قبل أن يحل بهم العذاب والله لا يظلمهم بإهلاكهم قبل أن يبعث فيهم رسولا.
210. وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ: وما تنزلت الشياطين بالقرآن على سيد ولد عدنان بل هو كلام الرحمن.
211. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ: ولا يصح للشياطين أن تفعل ذلك ولا يستطيعون فعله فهؤلاء لا يحل لهم فعله ولا يقدرون عليه.
212. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ: فلا تشرك بالله شيئا ولا تعد غيره فإن فعلت ذلك عذبك الله ولا يمنعك من عذابه أحد فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك؟!
213. فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ: فلا تشرك بالله شيئا ولا تدع غيره فإن فعلت ذلك عذبك الله ولا يمنعك من عذابه أحد فكيف بغيره صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك؟!
214. وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ: وحذر أيها النبي الخاصة من أهلك وابدأ بالأقرب الأقرب فهم أولى بالنصح من غيرهم.
215. وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: وتواضع وألن جانبك وأحسن خطابك للذين صدقوا دعوتك واتبعوا رسالتك فباللين تكسب قلوبهم وبالرفق تنال مودتهم.
216. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ: فإن خالفك مخالف ولم يهتد بهداك ولم يأتمر بأمرك فتبرأ من أعماله من كفر ومعاص فليس عليك تبعة من معصية من عصى.
217. وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ: واعتمد في كل شأنك وفوض أمرك إلى العزيز الذي عز بجبروته وقهر من عانده والذي غلب بحكمه فخذل من ضاده الرحيم الذي لا يخذل من والاه ولا ينصر من عاداه.
218. الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ: وهو سبحانه الذي يراك أيها النبي وأنت تقوم للصلاة في ظلام الليل وحدك حيث لا يراك غيره.
219. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ: ويرى سبحانه تقلبك أيها النبي في حالة صلاتك مع المصلين مرة وأنت قائم أو راكع أو ساجد أو جالس.
220. إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: إن الله سبحانه يسمع الأقوال ويعلم الأحوال والأفعال لا تخفى عليه خافية فالسر عنده علانية.
221. هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ: هل أخبركم أيها البشر بمن تأتيه الشياطين فتوحي إليه الزور والبهتان والدجل والكذب؟
222. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ: تنزل الشياطين على الكذاب كثير الآثام المرتكب للفواحش والمنكرات ولا تأتي المؤمن الصادق.
223. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ: يسترق الشياطين السمع فيسمعون الكلمة الواحدة من الملأ الأعلى فيخبرون بها الكهان والعرافين وغالبهم كذاب، يصدق في كلمة ويزيد عليها مائة كذبة!!
224. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ: والشعراء ينظمون شعرهم في الغالب على الباطل والكذب والمبالغات والخيالات البعيدة عن الحقيقة والواقع ويقتدي بهم كل زائغ غاو من أمثالهم.
225. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ: أما تعلم أن هؤلاء الشعراء يخوضون في كل فن كالهائم على وجهه فيكذبون وينمقون المبالغات ويدبجون العبارات ويجرحون الأحساب ويطعنون في الأنساب ويقذفن المحصنات ويهجون أهل المروءات.
226. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ: وهؤلاء الشعراء يقولون ما لا يفعلون فيمتدحون بأعمال ما عملوها ويفتخرون بصفات ليست فيهم فهم يسبون الأخيار ويمدحون الأشرار.
227. إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ: ويستثنى ممن ذم الله من الشعراء شعراء الدعوة والرسالة من أهل الإيمان والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله والذب عن دين الله وهجاء أعداء الله وقول الحكمة والموعظة الحسنة والحث على الفضائل والنهي عن الرذائل والتنويه بمكارم الأخلاق والدعوة إلى معالي الأمور مع كثرة ذلك الله وتلاوة كتابه وتعلم العلم النافع وسيعلم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والذنوب ومحاربة الملة وظلم الناس والتعدي على أعراضهم واتهامهم بالباطل وقذفهم بالزور أي معاد يعودون إليه من الذل والهوان والهلاك والخسران إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور وانكشف المستور عند من يعلم ما في الصدور فنسأل الله أن يتغمدنا برحمته وأن يسبل علينا عافيته وأن يسدل علينا ستره.
سورة النمــل
1. طس‌ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها ولها معان ومقاصد نكل علمها إلى الله وهذه آيات القرآن واضحة المعنى فصيحة المبنى مشرقة في دلالتها قاطعة في حجتها حوت أصول العلوم والأحكام والشرائع والأخلاق والآداب.
2. هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ: وهي تهدي للحق وتدل على طريق الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة وتبشر من آمن وعمل صالحا بالسعادة في الدنيا والفوز بالنعيم المقيم بجنات النعيم.
3. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ: هؤلاء المؤمنون يؤدون الصلاة المفروضة على أكمل وجه ويعطون زكاة أموالهم لمستحقيها طيبة بها نفوسهم وهم موقنون بقيام الساعة ويوم الحساب والجزاء حيث يثيب الله أهل الطاعة ويعاقب أهل المعصية.
4. إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ: إن الذين كذبوا بالآخرة وأنكروا قيام الساعة ولم يعدوا لها عملا صالحا حسن الله لهم أعمالهم القبيحة فرأوها جميلة فهم يزدادون منها؛ ليعظم إثمهم عند الله فهم مترددون حائرون.
5. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ: هؤلاء لهم أشد العذاب في الدنيا من القتل والأسر والخزي والذل والعار، ولهم في الآخرة عذاب النار وغضب الجبار.
6. وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ: وإنك أيها النبي لتتلقى آيات القرآن من عند الله فهو وحي موحي إليك من ربك تكلم به سبحانه وهو الحكيم في خلقه وصنعه وفي حكمه وشرعه الذي أحاط بكل شىء علما فلا تخفي عليه خافية.
7. إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ: واذكر خبر موسى عليه السلام يوم قال لأهله وهو في طريقه من مدين إلى مصر إني شاهدت نارا على بعد أريد أن أذهب إليه لآتي بخبر يرشدنا إلى طريقنا أو آتي بشعلة من النار نوقد عليه ما ندفع به البرد عنا.
8. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: فلما وصل موسى إلى النار ناداه الله سبحانه وأخبره أن هذا المكان مبارك مطهر حيث جعله محلا كلم الله فيه موسى وأرسله إلى فرعون وقد بارك الله من في النار ومن حولها من الملائكة والله منزه سبحانه عما لا يليق بجلاله من العيب والنقص ومما نسبه إليه بعض خلقه.
9. يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: ونادى الله موسى وأخبره أنه سبحانه المستحق للألوهية وحده لا شريك له العزيز الذي غلب أعداءه ونصر أولياءه الحكيم الذي أحسن التدبير وأتقن التقدير.
10. وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ: وأمر الله موسى أن يلقي عصاه فألقاه فتحولت حية بإذن الله فلما رآها موسى تضطرب أمامه فر خائفا وتركها ولم يعد إليها فناداه الله بقوله له لا تخف فإن الرسل ليس عليهم خوف لكرامتهم على الله ومنزلتهم عنده.
11. إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ: لكن من أذنب وظلم نفسه بالخطايا ثم عاد إلى ربه وتاب إلى مولاه فإن الله يغفر له ما سلف منه ويعفو عما أخطأ فيه لأن الله كثير الغفران واسع الرحمة.
12. وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ: وأمر الله موسى أن يدخل يده في جيبه تحت يده من جهة إبطه فخرجت بيضاء شديدة البياض من غير برص وهي إحدى تسع معجزات باهرات أيد الله بها موسى أمام فرعون وقومه لأنهم خرجوا عن طاعة الله وتعدوا حدوده.
13. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ: فلما أتى موسى بهذه المعجزات إلى فرعون وهي معجزات واضحة الدلالة بينة الحجة يبصر بها من رآها الحق رد فرعون وقومه بأن هذه المعجزات سحر واضح لا يمتري فيه أحد وهذا منهم كذب وزور.
14. وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ: وكذب فرعون وقومه بالمعجزات التي أتى بها موسى وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها من عند الله وأنها حق لكن حملهم على التكذيب العدوان وإنكار الدليل والتكبر على عباد الله مع البطر والأشر فانظر كيف كان مصيرهم بعدما أفسدوا في الأرض بالكفر والقتل والظلم لقد أغرقهم الله في البحر ولهم في الآخرة عذاب النار.
15. وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ولقد تفضل الله على داود وسليمان عليهما السلام بعلم نافع من الوحي والحكمة والفهم فعملا بعلمهما وعلماه الناس وكشرا الله على تفضيله إياهما على الكثير من الناس وفي هذا برهان على فضل العلم وشرفه وعلو منزلة حملته.
16. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يأيها النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ: وورث سليمان أباه داود في الرسالة والحكمة والملك فصال خليفة من بعده وقال سليمان للناس شاكرا نعم ربه أيها الناس إن الله علمنا وفهمنا كلام الطير وتفضل علينا بكل شىء نحتاج إليه في إقامة الملك وقوة الدولة وهذه المواهب التي منحنا الله إياها هي من الفضل والخير الذي رفعنا الله به وخصنا به على غيرنا من البشر.
17. وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ: واجتمع جنود سليمان من سائر المخلوقات جنا وإنسا وطيرا في يوم احتفال لهم وكانوا مع كثرتهم وتنوعهم على نظام دقيق كل عرف مكانه ومهمته.
18. حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يأيها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: حتى إذا وصل سليمان وجنوده إلى واد النمل قالت نملة تحذر سائر النمل يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم خوفا من سليمان وجنوده إذا مروا عليكم أن يهلكوكم بأقدامهم إنهم لا يقصدون ذلك لكنهم قد لا يعلمون بوجودكم.
19. فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ: وضحك سليمان من كلام النملة كيف عرفها الله بسليمان وجنوده وفهمها وأرشدها إلى تحذير النمل وعلم نعمة الله عليه وسأل ربه أن يعينه على شكره سبحانه على ما أنعم به عليه وعلى والديه من الهداية والإيمان والحكمة وسأل ربه أن يوفقه لعمل صالح يرضى الله عنه وأن يدخله برحمة منه في جنات النعيم مع الأبرار في دار القرار بجوار العزيز الغفار.
20. وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ: وتفقد سليمان الطيور التي سخرها الله له وما غاب منها وما ضر فلم ير الهدهد في مكانه المعد له فقال سليمان منكرا غياب الهدهد ما لي لا أرى الهدهد حاضرا هل هو مختبئ أم غائب؟
21. لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ: فلما تيقن سليمان غياب الهدهد وتعهده بالعذاب الشديد تنكيلا به وتأديبا له أو الذبح عقوبة له على تأخره وإهماله مهمته إلا إذا جاء بعذر قائم يعذره به سليمان عن غيابه.
22. فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ: فبقي الهدهد وقتا غير طويل ثم جاء فلامه سليمان على الغياب فأجاب الهدهد لقد علمت بأمر لا تعلمه وأدركته تمام الإدراك وقد أتيت إليك من سبأ في ارض اليمن بخبر عظيم وأنا متيقن مما أقول صادق فيما أنقل.
23. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ: يقول الهدهد إني وجدت في اليمن امرأة تحكم أهل سبأ وأعطاها الله كل شىء مما يقوم به الملك ولها سرير كبير عظيم القدر تجلس عليه في وقت الحكم.
24. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ: وجدت هذه الملكة هي ورعيتها يعبدون الشمس ولا يعبدون الله تعالى الذي خلقهم ورزقهم والذي خدعهم بذلك هو الشيطان حيث حسن لهم الشرك بالله والمعاصي فصرفهم عن التوحيد وعبادة الله عزوجل فلم يوفقوا للإيمان بالله وإخلاص الطاعة له وإفراده بالعبودية فكأن الهدهد أنكر أمرين على أهل سبأ الشرك بالله وكون المرأة تحكمهم.
25. أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ: صرفهم الشيطان عن عبادة الرحمن لئلا يسجدوا للواحد الديان الذي يطلع على كل مخبوء مستور في السموات والأرض من سر وكنز ونبات ومطر وغير ذلك ويعلم ما أسر العباد وما جهروا به وما أخفوه وما أظهروه.
26. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: والله وحده لا إله إلا هو لا شريك له لا معبود بحق سواه ولا إله يستحق العبودية غيره وهو رب العرش العظيم الذي هو أعظم وأكبر من كل عرش سواه من عروش الملك.
27. قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ: فقال سليمان للهدهد سنمهلك ونتثبت مما جئتنا به حتى يظهر لنا الأمر أصدقت فيما قلت أم كذبت فيما نقلت وقدم الصدق تفاؤلا.
28. اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ: اذهب أيها الهدهد بكتابي هذا إلى بلقيس ملكة سبأ وقومها وسلم الكتاب إليهم ثم انصرف عنهم وكن قريبا منهم لتسمع كلامهم وتنقل أخبارهم وما يدور بينهم.
29. قَالَتْ يأيها الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ: فسار الهدهد برسالة سليمان وألقاها على الملكة فجمعت أعيان الدولة وسادة قومها وأنصتوا لها وهي تقول لقد جاءتني رسالة جليلة القدر نفيسة المضمون من ملك عظيم الشأن شديد البأس.
30. إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: وقرأت عليهم نص الرسالة وفيها إن الكتاب من سليمان مفتتحة بـ بسم الله الرحمن الرحيم.
31. أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ: ألا تتكبروا على وتعالوا خاضعين بالعبودية لله مقرين بالوحدانية له.
32. قَالَتْ يأيها الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ: ثم قالت بلقيس لقومها أشيروا علي أيها الأعيان في هذا الشأن وفي رسالة سليمان فأنا دائما استشيركم ولا أبرم أمرا دونكم.
33. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ: فرد الأعيان على الملكة بلقيس قائلين أنت تعرفين أنا أصحاب قوة في العدد والعتاد وأصحاب شجاعة وإقدام في المعار وصبر على اللقاء والأمر يعود إليك فلك الرأي فتأملي الأصلح والأصوب ونحن سامعون لقولك مطيعون لأمرك.
34. قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ: قالت بحصافة وحنكة وتجربة محذرة من مغبة محاربة الملوك إن من عادة الملوك أنهم إذا استولوا على بلدة بالقوة والقهر أذلوا أشرافها وقتلوا رجالها وخربوا بيوتها وأفسدوا فيها بالقتل والأسر والظلم وهذه عادتهم في كل زمان ومكان.
35. وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ: وسوف أبعث لسليمان وقومه هدية تستجلب ودهم وتدفع الأذى عنا وهي هدية نفيسة وثمينة وسوف أنتظر عودة الرسل من عند سليمان لأرى كيف قابلهم وكيف أخذ الهدية.
36. فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ: فلما جاء الوفد من عند الملكة بلقيس إلى سليمان بالهدية الثمينة أنكر سليمان ذلك لأن الله أعطاه من أسباب الدنيا ومن وسائل الملك ما لم يعطه أحدا من الناس وقال كيف تعطوني شيئا من عرض الدنيا الزائل والله قد أعطاني النبوة والحكمة والملك والعلم والفهم والأموال والجاه وهي أعظم مما عندكم وأفضل بل أنتم أحق أن تفرحوا بما يهدى إليكم من أسباب الدنيا؛ لأنكم تحبون أموالها وجاهها والفخر بها والمكاثرة فيها.
37. ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ: وقال سليمان للرسول الذي وفد من عند الملكة سبأ عد إلى الملكة وقومها وأقسم بالله لنغزونهم بجيش لا يستطيعون مقاومته ولا مواجهته ولنخرجنهم من ديارهم أذلاء صغراء مهانين إن لم يسلموا ويوحدوا الله ويفردوه بالعبودية ويتركوا الشرك به سبحانه.
38. قَالَ يأيها الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ: ثم قال سليمان لمن حوله من جنده من منكم يذهب فيأتيني بسرير ملكة سبأ قبل أن تأتي هي وقومها خاضعين مستسلمين؟
39. قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ: قال أحد الجن المردة الأقوياء شديد البأس أنا سوف أحضر لك سريرها قبل أن تنتهي من مجلسك هذا فإني قوي على حمله أمين على ما فيه أحضره على حاله بلا نقص ولا تبديل ولا تأخير.
40. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ: قال الذي عنده علم من الكتاب وهو شىء من علم النبوة الذي أوحي إلى سليمان أنا سوف أحضر لك السرير قبل أن تغمض أجفانك على عيونك إذا سرحت النظر إلى شىء فأمره سليمان فدعا الله فحضر السرير بإذن الله فلما أبصر سليمان السرير العظيم أمامه في لمحة الطرف قال هذا من فضل ربي الخالق المالك المدبر المتصرف وهو امتحان لي هل أشكر نعمة وأخلص الطاعة له أم أكفر نعمه وأترك شكره ومن شكر الله على ما أنعم فإن فائدة شكره تعود إليه بزيادة النعيم ودوام الخير ومن أنكر نعم الله وترك شكره فالله غني عنه وعن شكره كريم شمل بفضله الشاكر والكافر والموحد والجاحد وسوف يحاسب الجميع ويجزي كلا بعمله.
41. قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ: قال سليمان لجنده غيروا في معالم سير الملكة لنشاهد مدى معرفتها وذكائها هل تهتدي لمعرفته أم تنكره؟
42. فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ: فلما جاءت بلقيس ملكة سبأ إلى سليمان وحضرت مع أعيان قومها سألها سليمان أهذا سريرك الذي تجلسين عليه للحكم؟ قالت إنه يشبه سرير وهذا من ذكائها فلم تجزم بالإقرار أو الإنكار بل جعلت الأمر محتملا فعلم سليمان أنها سددت في الجواب وتيقنت من صدق سليمان في نبوته وقال الله أعطانا العلم به سبحانه وبقدرته من قبل أن يعطيها ونحن خاضعون له سبحانه مستسلمون لأمر على دين الإسلام.
43. وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ: ومنعها من توحيد الله وإخلاص العبادة له ما كانت عليه من شرك وعبادة للشمس أنها عاشت بين قوم كفار فقلدت الآباء والأجداد في الشرك ومع أنها حصيفة ذكية تميز بين الخطأ والصواب لكن التقليد الأعمى والعادات الباطلة تطمس البصيرة.
44. قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: قيل لبلقيس ادخلي قصر سليمان وكان بهو القصر من زجاج أملس صاف وتحته ماء فلما رأت هذا المنظر ظنت أن المكان ماء تتردد أمواجه وليس فوقه زجاج وخافت أن تبتل بالماء ورفعت الثياب عن ساقيها لتعبر الماء فقال لها سليمان هذا البهو سطح أملس من زجاج شفاف صاف تحته ماء ولن يصل إليك الماء فدهشت من عظمة ما أوتي سليمان من أسباب الملك وأبهة السلطان، وقالت ربي إني ظلمت نفسي بالشرك والآن أعلنت لك التوحيد وانقدت لأمرك بإتباع سليمان النبي عليه السلام لأدخل معه في دين ملك الملوك رب العالمين أجمعين وإله الأولين والآخرين.
45. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ: ولقد أرسل الله إلى قوم ثمود أخاهم صالحا فدعاهم إلى عبادة الله وحده وإخلاص الطاعة له وعدم الإشراك به فلما جاءهم صالح بالتوحيد أنقسم قومه إلى طائفتين طائفة مؤمنة وطائفة كافرة وكل يخاصم الآخر على دينه الذي هو عليه.
46. قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: قال صالح لمن كفر به لماذا تبادرون إلى المعاصي والإقدام على الذنوب التي تورث لكم عقاب الله وغضبه وتؤجلون الإيمان بالله وعمل الصالحات التي تورث لكم رضوان الله وثوابه؟ لماذا لا تسألون الله المغفرة ابتداء وتستغفرونه من الذنوب لعل الله أن يرحمكم بغفران الخطايا والعفو عما كان منكم؟
47. قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ: وقال قوم صالح له إننا متشائمون منك وممن اتبعك على دينك فرد عليهم صالح إنما وقع بكم من خير أو شر فالله قدره وقضاه ولكن الله يمتحنكم بالعسر واليسر والشدة والرخاء.
48. وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ: وكان في مدينة صالح وهي الحجر شمال رب جزيرة العرب تسعة رجال أشرار يفسدون في الأرض بظلم الناس وعمل السيئات وليس فيهم صلاح أبدا.
49. قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ: فتشاور هؤلاء التسعة فيما بينهم وحلف بعضهم لبعض لنفاجئن صالحا وأهله بالقتل غيلة في الليل ثم نقول لولي الدم من أسرته ما حضرنا قتلهم وقد كنا غائبين ونحن صادقون في قولنا.
50. وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: وحبكوا حيلة لقتل صالح وأهله خفية في ظلام الليل فحمى الله نبيه صالحا وأهله وفاجأ الله هؤلاء الأشرار بالعقوبة الماحقة في غفلة منهم وهم كانوا لا يتوقعون نزول عذاب الله بهم.
51. فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ: فاعتبروا بما حصل لهؤلاء كيف كانت نتيجة عملهم السئ كيف أبادهم الله وأهلكهم كافة ولم يبق منهم أحدا.
52. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: فهذه دورهم أصبحت خرابا خالية ليس فيها أنيس بعدما أهلكهم الله بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك والإفساد في الأرض ومحاربة صالح إن فيما فعل الله بهم من الإبادة والهلاك لعبرة عظيمة لمن عنده علم نافع يستفيد من العبر وهذه سنة الله فيمن كفر به وحارب رسله عليهم السلام.
53. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ: وأنجى الله من العذاب الذي نزل بقوم ثمود نبيهم صالحا وأهله الذين كانوا يعملون بطاعة الله ويتركون معاصيه.
54. وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ: واذكر النبي لوطا إذ أنكر على قومه الفعلة الشنيعة القبيحة وهي إتيان الرجال عوضا من النساء وهم يتنكرون لأمر الله لهم بالصلاح ونهيه لهم عن الفساد.
55. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ: فعصموا أمر الله وارتكبوا نهيه وفعلوا فعلا قبيحا لم يسبق لأمه من الأمم أن فعلت هذا الفعل وهي إتيان الرجال دون النساء.
سورة النمل
56. فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ: فما وجد قوم لوط جوابا على إنكار لوط لهم إلا أن قالوا فيما بينهم أخرجوا لوطا وأهله من قريتكم لأنهم طاهرون متطهرون من هذه الفواحش قالوا ذلك سخرية واستهزاء.
57. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ: فسلم الله لوطا وأهله من العذاب المعد لقومه الكفار لكن امرأته الكافرة بقيت مع الهالكين فنالها العذاب لأنها كانت تعين قومها على فعل الفاحشة.
58. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ: وأرسل الله من السماء حجارة من طين رجمهم بها فمزقهم وأبادهم فقبح ذاك المطر من مطر فقد أهلك الله به قوما قد أنذرهم نبيهم عذاب الله.
59. قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ: قل أيها النبي الثناء كله والشكر أوله وآخره لله الواحد الأحد وسلام من الله وأمان من كل الآفات والمخاوف لعباده الذين اختارهم لإبلاغ رسالته ثم اسأل الكفار هل الله الخالق الرازق الذي يجلب الخير ويدفع الشر خير لكم أم آلهتكم التي لا تخلق ولا ترزق ولا تجلب خيرا ولا تدفع عن أنفسها ضرا.
60. أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ: واسأل الكفار من الذي خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبت به حدائق جميلة ذات منظر بهي حسن وأنتم لا تستطيعون إنبات شجرها لولا أن الله أنبتها وحده سبحانه هل هناك إله آخر مع الله يفعل هذه الأفعال من الخلق والرزق وإنزال الماء وإخراج النبات حتى يستحق شيئا من العبادة؟ بل إن الكفار أناس ينحرفون عن الهداية وتوحيد الله إلى الضلالة والإشراك به فيسوون بين الله وبين من لا ينفع ولا يضر.
61. أَمْ مَنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ: هل عبادة الآلهة التي لا تجلب خيرا ولا تدفع شرا أفضل أم عبادة من سوى الأرض حتى جعلها مهدا وفراشا ومستقرا وفجر وسطها أنهارا وثبتها بالجبال الرواسي وجعل حاجزا بين البحرين العذب والمالح فلا يختلط هذا بهذا هل يستحق العبادة أحد فعل فعله سبحانه حتى يشرك به معه؟ بل أكثر الكفار لا يقدرون الله حق قدره ولا يعلمون ما له من عظمة ولذلك قلدوا آباءهم في الإشراك بالله سبحانه.
62. أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ: أعبادة آلهتكم المزعومة أفضل أم عبادة من يكشف الكرب عمن سأله ويزيل البلاء عمن وقع به ويفرج الشدة عمن حلت به ويجعلكم تخلفون من تقدمكم في عمارة الأرض هل هناك إله آخر يسدي إليكم النعم ويصرف عنكم النقم غير الله فتشركوا به مع الله؟ ما أقل تذكركم واعتباركم فلهذا كفرتم بربكم فجهلكم حملكم على سوء فعلكم.
63. أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ: أعبادة آلهتكم المزعومة أفضل أم الذي يدلكم إذا سرتم في ظلمات البر والبحر وضللتم الطريق فهو وحده الذي يرشدكم إلى سبيل النجاة وهو سبحانه الذي يرسل الرياح تبشر برحته وبقدوم الغيث على عباده فيحيي به الأرض بعد موتها هل هناك إله غير الله يفعل فعله فيشرك به معه في العبودية تنزه الله عن فعل المشركين وتقدس أن يكون معه إله آخر فهو الله الذي لا إله إلا هو لا رب سواه ولا معبود بحق غيره.
64. أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: واسأل الكفار من الذي ابتدأ إنشاء الخلق دون مثال سابق ثم يفنيه متى أراد ثم يعيده بعد الفناء ومن الذي يرزق الخليقة من السماء بإنزال الماء ومن الأرض بإخراج الثمرات والزروع وغيره هل هناك إله يفعل ذلك غير الله سبحانه؟ قل لهم أين دليلكم على زعمكم الباطل أن لله شريكا في ملكه وحكمه وعبادته إن كنتم صادقين في هذا الزعم فقدموا الحجة؟
65. قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ: قل أيها النبي للكفار ليس في الكون أحد يعلم ما غاب عن الأبصار إلا الواحد القهار ولا يعلم الناس متى يبعثون من القبور ليوم الحسب والنشور.
66. بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ: بل تكامل علمهم في اليوم الآخر فأيقنوا بالبعث بعد الموت بعدما شاهدوا الأهوال بعيونهم حينها أصبحوا على يقين من ذلك اليوم وكانوا في دنياهم في شك وريبة منه بل عميت بصائرهم فكذبوا به.
67. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ: وقال الكفار هل نبعث بعد الموت ونعود أحياء بعدما فنينا نحن وآباؤنا؟! إن هذا لبعيد بل مستحيل.
68. لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: لقد سبق أن عدنا بالبعث بعد الموت نحن وآباؤنا فما وقع شىء من ذلك وما رأينا أحدا عاش بعدما مات ما هذا الوعد إلا من خرافات المتقدمين ومن أكاذيب الأولين.
69. قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ: قل أيها النبي لهؤلاء الكفار اذهبوا في الأرض للاعتبار وتفكروا في ديار المجرمين كيف أهلكهم الله وأبادهم فاحذروا أن يحل بكم مثل ما حل بهم.
70. وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ: ولا تحزن أيها النبي من تكذيب الكفار ولا يضيق صدرك من كيد الفجار فإنه الله سوف ينصرك ولك ولأتباعك عاقبة الدار.
71. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار متى يقع العذاب الذي تعدنا به يا محمد؟ إن كنتم صادقين أنه واقع فأين هو؟
72. قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ: قل أيها النبي ربما دنا منكم العذاب الذي تستعجلونه من الله وأنتم لا تشعرون فهو قريب وأنتم عنه في غفلة.
73. وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ: وإن ربك أيها النبي متفضل على الناس حيث أمهلهم ولم يعاجلهم بالعذاب على ذنوبهم وخطاياهم ولكن أكثر البشر لا يشكرون الله على هذا الإمهال ولا يخلصون له الطاعة ويفردونه بالعبودية.
74. وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ: وإن ربك لمطلع على ما في السرائر وما تكن الضمائر وما تخفيه الصدور عالم بكل خاف ومستور.
75. وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ: وليس هناك أمر يغيب عن عيون البشر في السماء والأرض إلا في كتاب مسطر واضح عند الله فالله علم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
76. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: إن هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم يقص على بني إسرائيل ويبين لهم ما اختلفوا فيه ويوضح لهم كل شبهة لبست عليهم الحق والعدل والفصل.
77. وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ: وهذا القرآن هداية لمن تمسك به من الضلال وفيه الرشد من الغي فهو رحمة من الله لمن اتبعه فهو يوصل صاحبه إلى رضوان الله ويدله على سبيل الفوز والفلاح.
78. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: إن ربك وحده يفصل بين المتخاصمين من اليهود وغيرهم في كل ما اختلفوا فيه فيثيب المحسن ويعاقب المسئ وهو العزيز الذي عز في ملكه فقهر عدوه وغلب بجبروته فقصم من حاربه العليم الذي اطلع على كل كائنة وعلم كل سر وجهر ظاهر وباطن فلا يلتبس عليه خطأ من صواب.
79. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ: ففوض أمرك إلى الله أيها النبي ومن اتبعك واعتمد عليه وكل الأمر كله له فإنه سيكفيك ويحميك ويهديك لأنك على طريق صحيح وسبيل قويم وهداية عظيمة.
80. إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ: إنك أيها النبي لا تستطيع أن تسمع الهدى لمن أمات الله قلبه بالكفر والمعاصي ولا تستطيع أن تسمع صوتك بالحق من أصم الله سمعه فلا يسمع الهدى عند إدباره كارها للهداية معرضا عن الحق.
81. وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ: وما أنت أيها النبي بهاد من أضله الله فأعماه عن سبيل الحق ولا تستطيع أن تسمع صوتك بالحق إلا من صدق بآيات الله وهو منقاد لأمره خاضع لطاعته.
82. وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ: وإذا أوجب الله عليهم العقاب لكفرهم وعصيانهم وتماديهم في الطغيان أخرج الله لهم من الأرض دابة وهي من علامات الساعة الكبرى تقول لهم إن الناس كذبوا بالبعث بعد الموت وكانوا بآيات الله وبرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصدقون ولا يؤمنون.
83. وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ: ويوم يجمع الله يوم القيامة من كل أمة طائفة من كذب بآيات الله وأنكر براهينه يوقف أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا جميعا ثم يساقون إلى موقف الجزاء.
84. حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: حتى إذا حضر من كل أمة طائفة من الذين أنكروا آيات الله وكذبوا رسله فاجتمعوا سألهم الله لماذا كذبوا بآياته التي بعث بها رسله وبالأدلة التي نصبها الله للناس في الكون من بديع الخلق وجميل الصنع الدالة على قدرته ووحدانيته سبحانه ولم يحيطوا علما ببطلانه حتى يردوها وينكروها؟ أم أي شىء كنتم تعملون في الدنيا؟ والله أعلم بما كانوا عاملين.
85. وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ: وأوجب الله عليهم كلمة العقاب لكفرهم وعصيانهم فهم لا يتكلمون بعذر صحيح ينفعهم عند الله ولا يستطيعون النطق بحجة صادقة تدفع عنهم عذاب الله.
86. أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: ألم ير الكفار أن الله جعل الليل مستقرا للعباد يستريحون فيه من الأعمال وينامون فيه راحة للأبدان وجعل النهار مضيئا بالشمس يبصرون فيه فيقومون لطلب الرزق وكسب العيش فيه إن في تعاقب الليل والنهار لبرهانا ساطعا على قدرة الله وعظمته ووحدانيته لقوم يصدقون بالآيات ويتبعون الرسل عليهم السلام.
87. وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ: واذكر أيها النبي يوم ينفخ الملك إسرافيل في القرن فيخاف كل مخلوق في السموات وفي الأرض خوفا عظيما من شدة النفخة إلا من استثناه الله ممن سلمه الله من هذا الفزع وكل مخلوق يعود إلى ربه صاغرا ذليلا.
88. وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ: وتشاهد الجبال تظنها أنها واقفة مكانها مستقرة في موضعها وهي تمشي مشيا سريعا كمشي الغمام الذي تسوقه الرياح وهذا من صنع الله اللطيف الخبير الذي أحسن في خلقه وأبدع في صنعه إن الله خبير بما يعمل الناس من حسن وسىء وسيحاسبهم على ذلك.
89. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ: من جاء بالتوحيد مع العمل الصالح فصدق في عبادة الله وأخلص له الطاعة فالله يدخر له من الثواب أعظم من عمله وأجل من سعيه وهي جنة عرضها السموات والأرض وهم في أمن من الخوف العظيم لأن الله أنزل عليهم السكينة وبشرهم بالفوز.
90. وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: ومن أتى إلى ربه يوم القيامة بالشرك والمعاصي الكبيرة فإن الله يكبه على وجهه في نار جهنم ويقال له تبكيتا هل هذا العذاب إلا جزاء لك على فعلك القبيح من شرك وعصيان.
91. إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: قل أيها النبي للأمة إن الله أمرني أن أعبده وحده فهو رب هذه البلدة وهي مكة التي شرفها الله بأن حمرها على الناس فلا يسفك فيها دم حرام أو يصاد صيد أو يقطع شجر والله يملك كل شىء فيتصرف في ملكه كما يريد والله أمرني أن أعبده وحده دون غيره وأن أكون من الخاضعين لحكمه المنقادين لشرعه المسابقين لطاعته.
92. وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ: وأمرني ربي أن أقرأ كتابه على العباد لأقيم عليهم الحجة فمن صدق وعمل صالحا فثواب ذلك ونفعه يعود إليه وقد أحسن في نفسه ومن كذب وأعرض فأخبره أيها النبي أنك منذر من الله تقيم الحجة على العباد ولا تملك هداية الناس فالهادي والمضل هو الله وحده.
93. َقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: قل أيها النبي الثناء كله والحمد جميعه والشكر أوله وآخره لله وحده وسوف يريكم أيها الناس الآيات التي تدل على ألوهيته وقدرته في الآفاق وفي أنفسكم فتعرفون هذه الأدلة معرفة يظهر لكم بها الرشد والغي والحق والباطل والله ليس بغافل عن أعمالكم بل هو مطلع عليها يحصيها لكم وسوف يحاسبكم عليها.

سورة القصــص
1. طسم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها مع علمنا أن لها معاني جليلة.
2. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ: هذه آيات القرآن المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أوضح الله فيه كل أمر يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم.
3. نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: سوف يخبرك الله أيها النبي في هذه السورة بقصة موسى وفرعون بخبر صادق لمن يؤمن بهذا القرآن ويصدق بما جئت به ويتبعك ويعمل بطاعة الله.
4. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ: إن فرعون تكبر وتجبر وعتا وتمرد وتجاوز الحد في الظلم من قتل وبطش واستعباد وبغي وجعل أهل مصر جماعات مختلفة يستعبد جماعة منهم ويذلهم ويسخرهم لخدمته وهم بنو إسرائيل فيقتل الرجال ويترك النساء للخدمة إنه أفسد في الأرض فسادا عظيما.
5. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ: ويريد الله أن ينعم على من استعبدهم فرعون وأذلهم في مصر من بني إسرائيل ويجعلهم قادة في البر والصلاح ودعاة إلى الهدى والفلاح وجعلهم ورثة للأرض بعد أن يهلك فرعون وجنده لتكون العاقبة لمن اتقاه.
6. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ: ويمكن الله للمستضعفين من عباده في الأرض ويرى فرعون وهامان وجنودهما من هؤلاء المستضعفين المؤمنين ما كانوا يخشونه من استيلاء على ملكهم وذهاب لدولتهم وإخراجهم من أوطانهم أذلاء صاغرين.
7. وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ: وألهم الله أم موسى حين ودلته وخافت عليه أن يقتله فرعون أن ترضعه وهي واثقة بوعد الله فإذا خافت أن ينكشف أمرها فلتضعه في صندوق وتلقيه في النيل ولا تخف من فرعون وجنده أن يذبحوه ولا تحزن على فراقه فقد وعدها الله أن يرد ولدها إليها سالما غانما وأن يبعثه رسولا.
8. فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ: فأغلقت عليه في صندوق وألقته في الماء فوجده جند فرعون وأخذوه ليكون عونا لهم وولدا يربونه ولكنه صار عدوا لهم وسببا لحزنهم وذهاب ملكهم، إن فرعون وهامان وأعوانهما كانوا ظالمين عتاة مجرمين.
9. وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: وقالت امرأة فرعون له إن موسى سوف يكون مصدر أنس وسرور لي ولك فلا تقتله فقد تعود علينا حياته بفائدة أو يكون ابنا لنا ولم يكن لهما ولد وفرعون ومن معه لم يعلموا بأن نهايتهم على يد هذا الطفل.
10. وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: وصار قلب أم موسى خاليا من كل شىء إلا من تذكر موسى والتفكر في حاله وأوشكت أن تظهر للناس أنه ولدها لولا أن ثبتها الله وصبرها فسكنت لموعود الله ووثقت بكفايته سبحانه فكانت مصدقة موقنة بما أوحى الله إليها به.
11. وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: وقالت أم موسى لأخت موسى حين وضعته في الماء تتبعي آثار موسى ماذا يعمل به فتتبعت آثاره فعرفته عن بعد ولم يعلم قوم فرعون أنها أخته وأنها تريد معرفة أخباره.
12. وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ: وحرم الله على موسى الرضاعة من أي امرأة غير أمه لطفا به وبأمه فقالت أخته ألا أدركم على امرأة في بيت تحسن رضاعته وتربيته والقيام عليه وهي حافظة له حريصة عليه؟ فأجابوها إلى ما طلبت.
13. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: فأعاد الله موسى إلى أمه ليتم سرورها ويهدأ بالها ولنجز الله لها ما وعد فعاد سالما محفوظا برعاية الله فذهب خوفها عليه وحزنها من فراقه ولتعلم أم موسى أنما وعدها الله به حق لا شك فيه حيث رده إليها والله لا يخلف ما وعد به ولكن أكثر الكفار لا يعلمون أن وعد الله واقع لا محالة.
14. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: ولما بلغ موسى تمام قوته وكمال عقله أعطاه الله الحكم والعلم وفقهه في دينه ومثلما جزى الله موسى على عبادته وتقواه يجزي الله كل من أطاعه وتولاه.
15. وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ: ودخل موسى المدينة مستخفيا عن العيون في زمن غفلة من أهلها لئلا يشعروا به فوجد فيها رجلين يقتتلان أحدهما من قومه بني إسرائيل والآخر قبطي من قوم فرعون فطلب الإسرائيلي من موسى المساعدة على قتل القبطي فضرب موسى القبطي بمجمع كفه فمات فندم موسى على ذلك وقال هذا العمل من تزيين الشيطان حيث استثارني بضرب القبطي إن الشيطان عدو للإنسان يضله عن الهدى ويورده موارد الردى وكان هذه الفعل من موسى قبل النبوة.
16. قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: قال موسى بعدما قتل القبطي رب إني ظلمت نفسي بقتل النفس المعصومة التي لم تأمرني بقتلها فاغفر لي هذه المعصية فغفر الله له ذنبه إن الله كثير الغفران لمن تاب من أهل العصيان واسع الحرمة لمن أناب وتاب.
17. قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ: قال موسى ربي بسبب إنعامك علي بالعفو والرحمة والعلم والحكمة فلن أكون مساعدا لأحد على ظلمه وجوره.
18. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوَسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ: فأصبح موسى في مدينة فرعون خائفا يترقب ويستمع الأنباء عنه وعمن قتله من أهل مصر فرأى الإسرائيلي الذي طلب مساعدته بالأمس على قتل القبطي يطلب منه الإعانة على قتل قبطي آخر فرد عليه موسى بقوله إنك شديد الغواية كثير الظلم والطغيان.
19. فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ: فلما عزم موسى على قتل القبطي ظن الإسرائيلي أنه يريده فقال لموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت قبطيا بالأمس؟ فسمع القبطي كلامه فسعى بالخبر لفرعون ما تريد إلا أن تكون ظالما مستبدا وما تريد أن تكون من أهل الإصلاح والخير والاستقامة.
20. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ : وأتى رجل يسعى من آخر المدينة فأخبر موسى أن أعيان البلد يتشاورون في قتلك فاهرب من المدينة فإني ناصح لك مشفق عليك.
21. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: فهرب موسى وهو خائف ينتظر الأخبار ويتوقع أن يدركه أحد لأخذه ودعا ربه أن ينجيه من الظلمة ومن بطشهم.
22. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ: ولما قصد موسى ديار مدين وهرب من فرعون قال عسى ربي أن يدلني على أفضل طريق إلى مدين وأن يرشدني إلى أحسن سبيل.
23. وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ: ولما وصل موسى ماء مدين وجد عليه طائفة من الناس يسقون دوابهم ووجد من دون تلك الطائفة فتاتين على انفراد من الجمع قد حبستا الغنم عن الماء عجزا ووهنا عن مزاحمة الرجال وتنتظران فراغ الناس من السقي لتسقيا غنمهما فلما شاهد موسى ضعف الفتاتين رحمهما وقال ما خبركما؟ فأجابتا لا نستطيع مزاحمة الرجال ولا نسقي حتى ينتهي الناس من سقيهم وأبونا شيخ كبير لا يقدر على سقي غنمه ومزاحمة الناس.
24. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ: فسقى موسى غنم الفتاتين ثم ذهب إلى ظل شجرة فجلس تحتها وقال رب إني في فقر إلى رزقك وفضلك من طعام ونحوه.
25. فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: فعادت إحدى الفتاتين تسير وهي مستحية فقالت لموسى إن أبي يدعوك ليعطيك ثواب سقي غنمنا فسار موسى مع الفتاة فلما التقى بأبيها وأخبره ما جرى له في مصر مع فرعون وقومه وهربه منهم قال له أبو الفتاة لا تخف قد نجاك الله من الظلمة فلا سلطان لهم علينا ولن يصل أذاهم إلينا.
26. قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ: قالت إحدى الفتاتين لأبيها يا أبت استأجر موسى لرعي الأغنام إن أفضل من تستأجره القوي على حفظ الغنم الأمين الذي لا يخون من ائتمنه فلا خير في الضعيف الخائن.
27. قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ: قال أبوهما لموسى إني أريد أن أزوجك إحدى هاتين الفتاتين على أن تقوم برعي غنمي ثماني سنين فإن أكملت عشر سنين فهذا الفضل منك ولن أشق عليك باشتراط العشر فسوف تجدني إن شاء الله من الصالحين في حسن المعاملة واللطيف بالأجير والوفاء بالوعد.
28. قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ: قال موسى هذا اتفاق بيني وبينك فأي المدتين قضيتهما في الرعي أكن وافيا وليس علي لوم في ترك الزيادة والله شاهد على ما اتفقنا عليه مراقب لأعمالنا مطلع على سرنا وعلانيتنا وهو خير الشاهدين.
29. فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّـكُمْ تَصْطَلُونَ: فلما أتم موسى عليه السلام عشر سنين وهي أكمل المدتين وذهب بأسرته إلى مصر رأى من جانب الطور نارا فقال لأهله الزموا مكانكم وانتظروني فإني شاهدت نارا لعلي أتيكم منها بنبأ يدلنا على الطريق أو خبر من أهلها أو أتي بقبس من النار تستدفئون به من البرد.
30. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: فلما وصل موسى إلى النار ناداه الله من جهة الوادي الأيمن لموسى في المكان المبارك من جانب الشجرة وقال له عن نفسه سبحانه أنا يا موسى إني أنا الله رب العالمين.
31. وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ: وأمره بإلقاء عصاه فتحولت بإذن الله إلى ثعبان عظيم يتحرك بشدة كأنه جان من الحيات فلما رأى موسى ذلك المشهد فر هاربا ولم يلتفت إلى الثعبان من شدة الخوف فناداه الله أن يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين من كل ما يؤذيك لأن من كان في رعاية الله أمن من كل مكروه.
32. اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ: وأدخل يا موسى يدك في فتحة قميصك تخرج بيضاء من غير مرض ولا برص وضم يدك إلى صدرك لتسكن نفسك ويهدأ قلبك فهاتان العلامتان وهما تحويل العصا إلى ثعبان وكون اليد بيضاء من غير مرض ولا برص دليلان عظيمان إلى فرعون وسادة قومه على قدرة الله ووحدانيته وصدق موسى إن فرعون وأعيان قومه كانوا خارجين عن طاعة الله متجاوزين حدوده.
33. قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ: قال موسى لربه سبحانه يا رب إني قتلت من قوم فرعون نفسا لم أومر بقتلها فأخاف أن يقتلوني بتلك النفس.
34. وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ: وأخي هارون هو أفصح مني لسانا وأقدر مني على الكلام فأسل يا رب معي هارون ليكون نبيا مثلي يعاونني في الرسالة على فرعون أن يصدقني فإنني أخشى أن يكذب بما أرسلت به.
35. قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ: قال الله لموسى سنقوي جانبك وعينك بأخيك هارون ونصركما على فرعون وقومه بالبرهان الظاهر والحجة القاطعة فلا ينالونكم بأذى أنت يا موسى وهارون ومن اتبعكما من المؤمنين منصورون ظاهرون على فرعون بأدلتنا الصادقة.
36. فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ: فلما جاء موسى فرعون ومن معه بالبراهين المنزلة من الله والحجج الصادقة التي توضح الحق من الباطل قالوا لموسى ما هذا الذي بعثت به إلا نوع من السحر الذي زورته واختلقته وهو باطل وكذب وما سبق لنا أن سمعنا مثل هذا الزور فيما تقدم من القرون.
37. وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ: وقال موسى لفرعون إن ربي يعلم الصادق الذي جاء بالحق من الكاذب الذي يخاصم بالباطل وهو سبحانه أعلم بمن سوف يتكون له العاقبة المحمودة والنهاية الحسنة عنده في الآخرة إن الظالمين لا يفوزون بخير ولا يوفقون لرشد.
38. وَقَالَ فِرْعَوْنُ يأيها الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ: وقال فرعون لأعيان قومه يا أيها الأشراف أنا لا أعلم إلها لكم غيري فاعبدوني وحدي وأوقد لي يا هامان على الطين نارا حتى يقوى ويشتد ثم ارفع عليه بناء عليا لعلي أرى الإله الذي يعبده موسى من دوني وإني أظن أن موسى كاذب في دعواه بأن له إلها غيري.
39. وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ: وتعاظم فرعون وتجبر هو وجنوده في مصر بالباطل والفساد في الأرض والظلم وحسب فرعون وقومه أن لا معاد ولا رجوع إلى رب العباد.
40. فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ: فأهلك الله فرعون وجنوده وأبادهم وأغرقهم في البحر فانظر كيف كانت مصارع الطغاة ونهاية الظلمة الذين كفروا بالله وحاربوا رسله.
41. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ: وجعل الله فرعون وقومه دعاة إلى النار وقادة إلى الجحيم يقتدي بهم الضلال والجبابرة وهم يوم القيامة لا ينصرون أنفسهم وليس لهم ناصر يدفع عنهم العذاب بسبب كفرهم وتكذيبهم.
42. وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ: واتبع الله فرعون وقومه في الحياة الدنيا سخطا وعارا وخزيا وغضبا منه ويوم القيامة هم ممن قبحت أعمالهم فساء مصيرهم وخاب سعيهم.
43. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: ولقد أعطى الله موسى التوراة من بعد ما أفنى الأقوام السابقين كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين وفي التوراة براهين ساطعة وأدلة قاطعة لبني إسرائيل يهتدون بها إلى الحق ويجتنبون بنورها الباطل إذا عملوا بها وفيها أسباب الرحمة والمغفرة لعلهم يتذكرون فضل الله عليهم فيؤمنوا به ويتبعوا رسوله عليه السلام ويهتدوا بهداه.
44. وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ: وما كنت أيها النبي بجانب الجبل الغربي مع موسى إذ كلمه الله ولم تحضر ذلك المشهد.
45. وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ: ولكن الله خلق أجيالا فمر عليهم زمن طويل فنسوا توحيد الله وعبادته وأعرضوا عن دينه وما كنت نازلا في أهل مدين تقرأ عليهم كتاب الله فتدرك أخبارهم وتطلع على أمورهم ولكن هذه القصة التي أخبرت بها قومك عن موسى دليل على رسالتك وبرهان على نبوتك.
46. وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: وما كنت أيها النبي حاضرا بجانب جبل الطور حين كلم الله موسى ولكن الله أوحى إليك بخبر ذلك رحمة من الله بك ولطفا لتخوف أمة ما سبق أن جاءهم رسول من عند الله لعلهم يتذكرون ما أنزل الله إليك فيعملوا به ويتركوا ما سواه من أعمال الشرك والجاهلية.
47. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: ولولا أن ينزل الله بالكفار عذابا سبب كفرهم فيقولوا يا ربنا لماذا لم ترسل إلينا رسولا من قبل أن تعذبنا فنعمل بالآيات التي أنزلتها ونكون ممن صدق بكتابك وبرسولك صلى الله عليه وسلم.
48. فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ: فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم كفار مكة يخوفهم عذاب الله قالوا معترضين لماذا لم يعطه الله من المعجزات الحسية الظاهرة مثلما أعطى موسى كعصاه ويده البيضاء؟ قل لهم أيه النبي أما كفر بنو إسرائيل بمعجزات موسى من قبل؟ وقالوا إن التوراة والقرآن سحران تعاونا في سحرهما وقالوا كفرنا بالتوراة القرآن.
49. قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: قل أيها النبي لهم تعالوا بكتاب منزل من الله هو أعظم هداية وأحسن رشدا من التوراة والقرآن اهتدي به وأعمل بما فيه إن كنتم صادقين في دعواكم.
50. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: فإن لم يأتوا بما سألتهم إياه من كتاب غير القرآن والتوراة وانقطع عذرهم وبارت حجتهم فاعلم أنهم أهل هوى ليسوا بأهل دليل ولا أحد أشد ضلالا وأكثر غيا من صاحب الهوى التارك لشرع الله إن الله لا يرشد إلى الصواب المتجاوزين لحدوده العاصين لأمره المحاربين لدينه.
51. وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: ولقد بين الله القرآن وفصله رحمة بالناس لعلهم يعتبرون بما فيه ويتعظون بآياته.
52. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ: الذين أنزل الله عليهم التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى ولم يحرفوا ولم يبدلوا يصدقون بالقرآن أيضا كعبد الله بن سلام وغيره.
53. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ: وإذا قرئت آيات القرآن على المؤمنين به من أهل الكتاب قالوا صدقنا بصحة ما فيه وأنه من عند الله واتبعناه إنه حق نزل من الله تعالى إنا كنا من قبل أن ينزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم موحدين على دين الإسلام الذي هو دين الرسل جميعا.
54. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: هؤلاء المصدقون بكتابهم السابق وبالقرآن يضاعف الله لهم الأجر مرتين لإيمانهم بالكتابين ولأنهم صابرون على أداء الطاعة واجتناب المعصية وهم يدفعون السيئة بالحسنة أي يعملون الطاعة بعد المعصية تكفيرا لها أو يقابلون الإساءة بالإحسان وهم يتصدقون لوجه الله مما أعطاهم الله.
55. وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ: وإذا سمع هؤلاء الأبرار باطلا من القول لهم يصغوا إليه بل نزهوا أسماعهم عن الإنصات له وقالوا لنا أعمالنا فنحن مسؤولون عنها ولكم أعمالكم وإثمها عليكم فلن نجيبكم على باطلكم ولا نشارككم في معاصيكم ولكم السلامة من أذانا فلن نتشاغل بالرد على الجهلاء ومعاملة السفهاء بالمثل فأعظم رد على السفيه السكوت والإعراض.
56. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ: إنك أيها النبي لا تهدي هداية توفيق من أحببته من الناس وأحببت هدايته ولكن الهادي وحده هو الله فهو الذي يوفق من شاء من عباده للهدى وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيشرح صدره لها ويدله عليها.
57. وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: وقال الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم إن نتبع الهدى الذي بعثت به والتوحيد الذي أرسلت به وترك عبادة الأصنام والأوثان يتخطفنا الناس من ديارنا بالقتل والأسر والنهب والسلب أولم يهيئ الله لهم بدلا آمنا مطمئنا وهو مكة البلد المحرم منذ خلق الله السموات والأرض يجلب إليها خيرات الأرض وثمرات كل من الفواكه والحبوب والزروع رزقا من عند الله؟ ولكن أكثر الكفار لا يعلمون أن المنعم حقيقة هو الله فلا يشكرونه بتوحيده وإخلاص العبادة له.
58. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ: وكثير من أهل القرى أهلكهم الله ودمرهم حين أشغلتهم معيشتهم وألهتهم شهواتهم عن الإيمان بالله وطاعته واتباع رسله فكذبوا وأعرضوا فهذه مساكنهم كما ترى خاوية بعد فنائهم لم يسكنها أحد بعدهم إلا القليل والله الوارث لعباده الباقي بعد فناء خلقه يعود إليه الجميع فيجزي كل عامل به عمل.
59. وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ: ولم يكن الله سبحانه بمهلك ولا مدمر القرى التي حول مكة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يرسل في أم هذه القرى وأكبرها وأشرفها وأوسطها وهي مكة رسولا هو محمد صلى الله عليه وسلم يقرأ آيات القرآن على الناس ولم يكن الله بمهلك القوى إلا بعد ما يظلم أهلها أنفسهم بالكفر بالله ومحاربة رسله وعصيان أمره فيستحقون الهلاك والدمار فكل قرية لا يعذب الله أهلها حتى يقيم الحجة عليهم بإرسال رسول إليهم.
60. وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ: وما أعطاكم الله أيها العباد من أموال وأولاد فإنما هو للمتعة في هذه الحياة الفانية والدنيا الزائلة وجمال لكم أمام الناس والذي عند الله لأوليائه وعباده الصالحين خير وأبقى لأنه مبارك هنئ دائم لا نهاية له أفلا تتفكرون في هذا الأمر فتميزوا بين الصالح وغيره؟
61. أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ: أفمن وعده الله سبحانه وتعالى من عباده على عمله الصالح جنات النعيم فهو حاصل على هذا الوعد؛ لأن الله سوف ينجزه له ويفي به كما وعد فهل مثله كمثل من متعه الله في الدنيا القصيرة بشهوات منقضية ولذائذ زائلة فآثر الدنيا على الآخرة ونسي لقاء الله ثم يحضر عند الله يوم القيامة ليجازيه بما فعل فهل هذا مثل هذا؟ فيفكر الإنسان في أي الأمرين أصلح وليختر لنفسه الأرشد.
62. وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ: ويوم ينادي الله تعالى المشركين فيقول لهم أين الآلهة التي كنتم تعبدونها من دوني وتدعون أنها مشاركة لي في ألوهيتي؟
63. قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ: قال الكفار الذين وجب عليهم عذاب الله ربنا هؤلاء الذين أضللنا قد أضللناهم بغوايتنا لهم كما ضللنا نحن فاليوم نبرأ إليك من نصرتهم وولايتهم وهم لم يكونوا يعبدوننا وإنما كانوا يعبدون الشياطين التي أوحت إليهم بالشرك.
64. وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ: وقيل للكفار يوم الدين نادوا آلهتكم المزعومة التي كنتم تعبدونها من دون الله فنادوهم فلم يجدوا عندها جوابا، وشاهدوا العذاب بعيونهم ولو أنهم كانوا في الدنيا على هدى وطاعة لله لما عذبهم الله.
65. وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ: ويوم ينادي الله الكفار يوم القيامة فيسألهم ما جوابكم لرسلنا حينما أرسلناهم إليكم بالإيمان والعمل الصالح؟
66. فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ: فغابت عنهم الحجج واختفت منهم البينات ووقعوا في حيرة ماذا يقولون؟! فهم لخوفهم واضطرابهم لا يسأل بعضهم بعضا عن حجة مقبولة يجيبون بها عن سؤال الله لهم.
67. فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ: فأما من تاب من الكفر وصدق في طاعة الله وعمل بما شرعه واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم فهو ممن نال المطلوب ونجا من المرهوب وحاز الرضوان والجنان.
68. وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: وربك الخالق المبدع المصور يخلق ما أراد أن يخلقه لا راد لقضائه ويصطفى لرسالته ولعبادته ما أراد من خلقه وليس للعباد شىء من الخلق والاصطفاء والقضاء بل الله وحده المالك لكل ذلك تعالى عن ما أشرك به وتنزه عما وصفه به المبطلون.
69. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ: وربك العالم بما أخفته الصدور وما أظهرته الألسن فالغيب عنده شهادة والسر لديه علانية.
70. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: وهو الله الذي لا يستحق العبادة غيره ولا يستأهل الألوهية سواه له المحامد كلها والمدائح أجمعها والثناء الجميل أوله وآخره وله الشكر على نعمه وهو الحاكم وحده في أمور عباده يشرع لهم ما ينفعهم وإليه يعود العباد يوم المعاد ليحكم بينهم.
71. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ: قل أيها النبي أخبروني أيها العباد لو صير الله عليكم الليل دائما مستمرا إلى يوم القيامة بلا نهار هل هناك إله غيره سبحانه يخلق لكم ضياء تستضيئون به في هذه الظلمة المتصلة؟ أفلا تسمعون العظات سماع من استفاد وانتفع وقبل وعمل؟!
72. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ: قل أيها النبي للعباد أخبروني إن صير الله عليكم النهار دائما مستمرا بلا ليل إلى يوم القيامة هل هناك إله غير الله سبحانه يخلق لكم ليلا تنامون فيه وتستريحون وتهدؤون؟ أفلا تنظرون آيات الله في تصريف الليل والنهار نظر اعتبار؟
73. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: ومن رحمة الله بعباده أن خلق الليل والنهار فغاير بينهما فجعل الليل وقت راحة لأبدانكم وزمن انقطاع لأعمالكم تستريح فيه الأجسام وتنام فيه العيون وجعل النهار ضياء لتقوموا بأعمالكم وكسب معيشتكم ولتشكروا الله على فضله بإخلاص العلم له ولزوم طاعته.
74. وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ: ويوم القيامة ينادي الله الكفار فيقول لهم أين آلهتكم التي كنتم تدعون ألوهيتها معي والمعنى هل تجلب لكم نفعا أو تدفع عنكم ضراً.
75. وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: وأخذ الله من كل أمة من الأمم الكافرة شاهدا عليهم منهم يشهد بما عملوه في الدنيا من كفر وتكذيب وأمر الله تلك الأمم الكافرة أن تأتي بأدلتها وبراهينها على صحة ما ادعته من الشرك حينها علم الكفار أن الحجة البالغة للواحد القهار وأن الله مستحق وحده للعبودية لا شريك له وذهب عن الكفار كل دعوى باطلة وحجة كاذبة فلم يجدوا من يشفع لهم أو يدفع عنهم العذاب فلا عذر يقبل ولا صديق ينفع ولا ولي يشفع ولا ناصر يدفع.
76. إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ: إن قارون كان من بني إسرائيل قوم موسى عليه السلام وليس مصريا فعلا في الأرض وتكبر على العباد وطغى بماله وأعطاه الله من الكنوز الهائلة والأموال الطائلة ما يفوق الوصف إلى درجة أن مفاتيح الخزائن لا يستطيع حملها الكثير من الرجال الأقوياء إذ نصحه قومه وقولوا له لا تكن أشرا بطرا متكبرا فرحا بالدنيا الزائلة فإن الله لا يحب من عباده البطرين المتكبرين المتجبرين الذين لا يشكرون النعمة ولا يعبدون الخالق ولا يتواضعون للمخلوق.
77. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ: وأقصد بهذا المال ما عند الله من الثواب والتمس مرضات الله فيما أعطاك من النعم والخيرات ومع عملك للآخرة فلا تترك حصة الدنيا من التمتع بالطيب الحلال بلا تقتير ولا تبذير وأحسن إلى العباد بالنفع والإعانة مثلما أحسن الله إليك بالعطايا الجزيلة ولا تقصد الفساد من القول والعمل بالزور والظلم وعمل الفواحش والمنكرات واحذر أن تلتمس ما يغضب الله من الكبر والعدوان إن الله لا يحب المفسدين الذين لا صلاح في اقوالهم ولا أعمالهم وإنما هم أهل أذى وشر وظلم.
78. قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ: قال قارون لمن نصحه إنما أعطيت هذا المال والثراء لأن عندي علما فضلت به وقدره على اكتساب المال أو لم يعلم قارون أن الله قد أهلك كثيرا ممن سبقه ممن كان أقوى منه وأكثر مالا؟ ولا يسأل الله المجرمين عن ذنوبهم لعلمه بها واطلاعه عليها وإنما يسألون تبكيتا وتقريرا ويعذبهم الله على علمه بذنوبهم.
79. فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ: فخرج قارون على قومه وهو متجمل بلباسه فخور بماله معجب بنفسه فلما أبصره أهل الدنيا العاملون لها تمنوا أن يكون لهم من الأموال والجمال والجاه مثلما لقارون لأنه محظوظ عندهم لما حصل له من متاع الدنيا.
80. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ: وقال أهل العلم النافع الذين عرفوا الله وأدركوا الفقه في دينه والعلم بشرعه يردون على أهل الدنيا الويل لكم والخيبة إن الأجر الموعود به عند الله لم اتقاه وعمل بشرعه أفضل وارفع من أموال قارون وجاهه ولا يقبل هذه الموعظة وينتفع بها إلا من صبر على طاعة الله وصبر عن معاصيه ورضي بحكمه وجاهد نفسه للعمل بما يحبه الله.
81. فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ: فخسف الله بقارون وبداره الأرض فغاصت به داره وهو بها فلم يكن له أعوان يدفعون عنه العذاب وما كان يستطيع الدفاع عن نفسه لضعفه أمام قوة الله عزوجل.
82. وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ: وصار من تمنى مثل حاله وأعجب به وبأمواله يقولون في ندم وتأثر واعتبار إن الله يوسع العطاء لمن أراد من الناس ويضيقه على من أراد لولا أن تفضل الله علينا فلم يعذبنا مثل قارون لخسف بنا معه لإعجابنا بماله وحاله ألم تعلم أنه لا يفلح الكفار بنيل مطلوب ولا بالنجاة من مرهوب.
83. تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ: تلك هي الدار الآخرة يجعل الله النعيم فيها لمن تواضع له وخضع لجبروته ولم يتكبر على الخالق ولا على الخلق ولم يفسد في الأرض بالظلم والمعاصي والنهاية الحسنة في الجنة لمن اتقى الله وعمل بأوامره واجتنب نواهيه.
84. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: من أتى إلى الله يوم القيامة بالتوحيد الخالص والعمل الصالح مع اجتناب المحرمات فله ثواب جزيل أفضل مما عمل وهو رضوان الله والخلود جنتيه ومن عاد إلى ربه بالشرك والمعاصي فلا يجزي إلا بمثل عمله السىء من العذاب والإهانة والنكال.
85. إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: إن الله الذي أنزل عليك القرآن أيها النبي وفرض عليك تبليغه للعباد والعمل به والتحاكم إليه سوف يعيدك إلى المحل الذي هاجرت منه وهو مكة قل ايها النبي للكفار ربي الله وحده أعلم بالمهتدين منا ومن أتى بالحق البين ممن هو في بعد عن الصراط المستقيم وانحراف عن الطريق القويم.
86. وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ: وما كنت أيها النبي تنتظر ولا تؤمل أن ينزل الله عليك القرآن ولكن الله رحمة بك وبأمتك أكرمك بهذا الكتاب العظيم فاشكر مولاك على ما أعطاك واحمده على ما من به عليك واجتباك ولا تكونن عونا للكفار على محاربه الواحد القهار.
87. وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: ولا يصرفنك الكفار أيها النبي عن تبليغ الرسالة وتوضيح الشريعة بعدما أكرمك الله بالنبوة، وادع الناس إلى عبادة الله وحذرهم عذابه واحذر أن توافق المشركين في شىء من أعمالهم بل ابرأ منهم ومن فعلهم.
88. وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: ولا تعبد مع الله إلها آخر فلا إله إلا الله ولا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له فكل شىء غير الله هالك وميت وفان والبقاء لله وحده له الحكم يقضي في كل شىء بما أراد لأنه المالك المتصرف وإليه رجوع العباد يوم القيامة ليجازي كلا بما فعل وفي الآية إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى على ما يليق به سبحانه وتعالى من جلال وكمال وعظمة.

سورة العنْكـبوت
1. الـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها ولها معان جليلة استأثر بعلمها سبحانه.
2. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ: أظن العباد أنهم إذا قالوا آمنا تركوا على هذه الدعوى ولم يختبروا ويبتلوا؟ بل سوف يختبرون بالبلاء ليظهر الصادق من الكاذب.
3. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ: ولقد امتحن الله الأقوام السابقين بإرسال الرسل إليهم فظهر علم الله في صدق الصادق في إيمانه وكذب الكاذب في دعواه.
4. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ: بل ظن أهل الكفر والمعاصي أن يفوتوا على الله فلا يقدر عليهم ولا تدركهم قوته؟ لا والله بل هم في قبضة الله فبئس حكمهم وتصورهم إن ظنوا أن الله عاجز عن مجازاتهم على أعمالهم.
5. مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: من كان يرجو أن يلقى ربه غدا ويطمع فيما عنده من الأجر فإن الأجل الذي وعد الله به العباد للبعث والنشور والثواب والعقاب حاصل لا محالة وهو السميع للأقوال العليم بالأعمال ولذلك يقضي بينهم بعلم وحكمة.
6. وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ: ومن جاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وجاهد نفسه للعمل بما يرضي الله فثواب جهاده لنفسه ونفع ذلك عائد إليه لأنه ما فعل ذلك إلا طلبا للأجر لأن الله غني عن إحسان من أحسن في عمله وصلاح من صلح في حاله فهو سبحانه لا يحتاج إلى أحد من خلقه فله وحده الغني المطلق والملك كله والخلق جميعه.
7. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ: والذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا الصالحات من الأعمال المشروعة سوف يغفر الله ذنوبهم ويمحو خطاياهم ويثيبهم على أعمالهم الصالحة أحسن ما كانوا يعملون فيجعل الأجر على أجود عمل فعلوه.
8. وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: ووصى الله الإنسان بالإحسان بوالديه برا ولطفا ورحمة في طاعة الله وإذا حاول الوالدان أن يشرك الولد بالله أو أمراه بالكفر فلا طاعة لهما في ذلك ومرجع العباد إلى الله ليحاسبهم على ما فعلوا إن خيرا فخير وإن شر فشرا.
9. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ: والذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا الاعمال المشروعة الصالحة فسوف يثيبهم الله على ذلك بدخول جنات النعيم.
10. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ: وبعض الناس يقول آمنا بالله بألسنتهم فإذا آذاه الكفار سخط من ذلك وضاق وجزع كما يجزع من عذاب الله وانتهى صبره فترك الإسلام ولئن نصر الله الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين ليقولن هؤلاء المتذبذبون للمسلمين إنا كنا معكم أيها المسلمون على محاربة الكفار أوليس الله بعالم ومطلع على ما تكنه الصدور ويعلم الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق؟
11. وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ: وليعلمن الله الذين صدقوا في إيمانهم وأخلصوا دينهم واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وناصروه وليعلمن من أظهر الإسلام وأبطن الكفر وسوف يفصل الله بين الفريقين فيثيب الصادق ويعاقب الكاذب.
12. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: وقال الكفار للمؤمنين اتركوا دين الإسلام وادخلوا في ديننا فإنا نتحمل عنكم عقاب ذنوبكم وآثار سيئاتكم وهم كاذبون في ذلك لن يحملوا منها مثقال ذرة فدعواهم دعوى باطلة.
13. وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ: وسوف يحمل هؤلاء الكفار عاقبة ذنوبهم وأوزار خطاياهم مع أوزار كل إنسان أضلوه وكانوا سببا في غوايته دون أن ينقص من أوزار سيئاتهم شيئا وسوف يسألهم الله يوم القيامة عن هذا الافتراء.
14. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ: ولقد أرسل الله نوحا إلى قومه بتوحيده والدعوى إلى عبادته فبقي يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فكذبوه فأغرقهم الله بالطوفان وما ظلمهم الله بل كانوا ظالمين لأنفسهم بالكفر والتكذيب.
15. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ: فأنجى الله نوحا ومن آمن معه في السفينة وجعل الله ذلك عبرة لمن جاء بعدهم من الاجيال وعظة لجميع الناس.
16. وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: واذكر إبراهيم عليه السلام يوم دعا قومه إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون سواه مع العمل بما شرعه واجتناب معاصيه ففي ذلك الخير كله من السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة والفوز بالجنة لمن ميز بين الخير والشر.
17. إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: وأخبرهم إبراهيم أن الذي يعبدونه من دون الله من أصنام وأوثان إنما هو اختلاق وكذب وافتراء لأن هذه الآلهة المزعومة لا ترزق من عبدها وإنما الرازق وحده هو الله سبحانه وتعالى فعلى العبد أن يطلب الرزق منه لا من سواه مع إخلاص الطاعة له وإفراده بالعبودية وشكره بالعمل بطاعته وترك معاصيه وإليه المرجع يوم القيامة فيحاسب الخلق على أعمالهم.
18. وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ: وإن تكذبوا أيها العباد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته لكم بتوحيد الله ولزوم طاعته وإخلاص العبادة له فقد سبقكم أقوام كذبوا رسلهم وحاربوهم فأهلكهم الله وليس على الرسول إلا تبليغ أمته بدعوته التبليغ الواضح البين ولا يحمل من آثار عصيانهم شيئا.
19. أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: أولم يعلم هؤلاء المكذبون كيف ينشئ الله الخلق ويبدعه على غير مثال سابق ثم يعيده سبحانه وتعالى بعد أن يفنيه مثلما كان أول مرة لا يصعب عليه شىء من ذلك بل الكل بكلمة كن فيكون هذا يسير عليه سبحانه وتعالى لكمال قدرته وتمام قوته وحكمته.
20. قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: قل أيها النبي للكفار اذهبوا في الأرض وانظروا نظر اعتبار وتفكروا كيف أنشأ الله الكون وخلق الخلق ولم يصعب عليه شىء من ذلك فإعادته بعد الفناء أيسر وأهون عليه والله قدير على كل شىء لا يعجزه شىء أراده ولا يصعب عليه أمر.
21. يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ: والله يعذب من شاء من العباد على ما فعله من جرم وفساد ويرحم من شاء من عباده إذا تاب وأناب وعمل بطاعته واجتنب معاصيه والمرجع إليه سبحانه واحده ليثيب الطائع ويعاقب العاصي.
22. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: وما أنتم أيها العباد بمعجزي ربكم في الأرض ولا في السماء فتخرجون من قبضته أو تفوتون من عذابه إن عصيتموه وما لكم ولي من دون الله يرعى شؤونكم ويتولى أموركم وليس لكم نصير ينصركم من عذاب الله فيدفع عنكم ما يحل بكم من عقوبة ونكال.
23. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: ومن كذب وكفر بالبراهين التي أنزلها الله على رسوله في كتابه وجحد بأدلة الوحدانية والألوهية هؤلاء ليس لهم أمل أبدا ولا مطمع في رحمة الله إذا رأوا عذابه وإذا أبصروا ما وعد الله به أعداءه من العقاب وسوف يذوقون العذاب الشديد المؤلم الموجع في نار جهنم.
24. فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: فلم يكن جواب قوم إبراهيم له إلا أنهم تشاوروا فيما بينهم أن يقتلوا إبراهيم أو يحرقوه بالنار ووضعوه في النار فأنقذه الله منها وجعلها عليه بردا وسلاما إن في إنقاذ الله لإبراهيم ونصره على عدوه لبراهين واضحة لعباد يصدقون أخبار الله ويعملون بأوامره.
25. وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: ونصح إبراهيم قومه فقال إن الذين تعبدونهم من دون الله من أصنام وأوثان إنما هي عبادة باطلة وقد جعلتموها أنتم سببا للمودة بينكم في هذه الدنيا الزائلة تتحابون على عبادتها وتتوادون على نصرتها فإذا كان يوم القيامة وقعت العداوة بينكم وتبرأ بعضكم من بعض ولعن بعضكم بعضا ثم يكون مردكم جميعا إلى نار جهنم فلا يدفع عنكم أحد عذابها ولا يمنعكم أحد من عقاب الله.
26. فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: فصدق لوط إبراهيم وآمن بما أرسل به واتبعه وقال إبراهيم إني ذاهب إلى الشام الأرض المباركة وسوف أهجر أرض قومي لأنها دار كفر إن الله هو العزيز الذي عز فقهر وحكم فقدر يقهر من غالبه ويذل من حاربه الحكيم في تدبيره وصنعه وفي تقديره وشرعه.
27. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: ورزق الله إبراهيم بإسحاق ابنا نبيا ومن بعده بالحفيد يعقوب نبيا وجعل الله في ذرية إبراهيم الأنبياء الكرام الذين أتوا بالكتب المنزلة من الله وأعطى الله إبراهيم أجر عمله في الدنيا من الثناء الجميل والذكر الحسن والذرية الصالحة وهو في الآخرة من الفائزين برضوان الله الناجين من عذابه.
28. وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ: واذكر نبي الله لوطا يوم نصح قومه وأنكر عليهم الفعل القبيح من إتيان الرجال دون النساء وأخبرهم أنه ما تقدمهم بهذه الفعلة الشنيعة أحد من الأمم السابقة لأنها تخالف الفطر والعقول والشرائع.
29. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: وأنر عليهم لوط اتيان الرجال وقطع الطريق على المسافرين بأفعالهم القبيحة ويزاولون في مجالسهم أقبح الأفعال من السخرية ورجم المارة بالحجارة وكشف العورات والتكلم بالفحش مما يخالف الدين والمروءة فلم يكن لقوم لوط جواب عليه إلا أن قالوا جئنا بعذاب الله الذي توعدتنا به إن كنت صادقا أن الله أرسلك إلينا وأنك سوف تنجز ما توعدت به.
30. قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ: فدعا لوط على قومه وقال يا رب أسالك أن تنصرني بإنزال عقابك على من أفسد في الأرض بفعل الأعمال القبيحة من فاحشة ومنكر فاستجاب الله دعاءه وأهلك قومه.
31. وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ: ولما جاء الملائكة إبراهيم تبشره بإسحاق ابنا نبيا ومن بعد إسحاق ابنه يعقوب نبيا أيضا وأخبرت الملائكة إبراهيم أن الله أمرهم بتدمير قرية قوم لوط وهي سدوم؛ لأن سكانها ظلموا أنفسهم بالشرك والأعمال المنكرة.
32. قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ: قال إبراهيم للملائكة كيف تهلكون هذه القرية وفيها نبي الله لوط وهو لا يستحق العذاب فردت الملائكة بأن الله أطلعهم على من في القرية وهم يعلمون الصالحين من المفسدين وسوف ينجون لوطا وأهله المؤمنين من الهلاك الذي سوف يحل بالمفسدين إلا امرأة لوط فإنها سوف تبقى مع قومه وتهلك معهم لأنها وافقتهم في أعمالهم القبيحة.
33. وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ: ولا جاءت الملائكة لوطا ساءه مجيئهم لأنه ظنهم من البشر وهو يعرف خبث قومه وما يريدون من فعل القبيح فقالت الملائكة للوط لا تخف علينا فلن يصلوا إلينا فالله يحمينا منهم ولا تحزن من خبر إهلاكهم وتدمير قريتهم فسوف ينجيك الله من العذاب أنت وأهلك إلا امرأتك الهالكة مع قومك.
34. إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ: إن الله سوف ينزل على قرية قوم لوط عذابا من السماء حيث يمطرون بحجارة تمزقهم بسبب فعلهم القبيح وفاحشتهم المنكرة.
35. وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: ولقد أبقى الله في قرية قوم لوط آثارا واضحة وعلامات ظاهرة يستدل بها على هلاكهم لمن تدبر آيات الله.
36. وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ: وأرسل الله إلى مدين آخاهم النبي شعيبا فدعاهم إلى عبادة الله وحده وإخلاص الطاعة له وأن يطلبوا بعملهم الثواب من عند الله في اليوم الآخر نهاهم عن الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والمنكرات وعدم الإقامة على الذنب وطالبهم بالتوبة النصوح وصدق الإنابة إلى الله.
37. فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ: فكذب أهل مدين نبيهم شعيبا وردوا ما جاء به فسلط الله عليهم زلزلة شديدة فدمرت ديارهم وأهلكتهم فصاروا في منازلهم صرعى هالكين.
38. وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ: وأهلك الله قوم عاد وقوم ثمود وقد ظهر للناس من آثار منازلهم وما فيها من خراب ما أوقع الله بهم من عقاب شديد وقد حسن لهم إبليس فعلهم القبيح من الشرك والمعاصي فصدهم عن الهداية وعن عبادة الله عزوجل واتباع رسله عليهم السلام وكانوا مستبصرين في غوايتهم معجبين بها مستحسنين لما يفعلون يظنون أنهم على رشد بينما هم في اشد ضلال وأكبر غواية.
39. وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ: وأهلك الله قارون وفرعون هامان بسبب كفرهم وعلوهم في الأرض ولقد جاء الجميع موسى بن عمران بالبراهين الساطعة والحجج الدالة على صدقه فتكبروا على عباد الله بما عندهم من سلطان ومال وأفسدوا في الأرض وما كانوا فائتين الله بل كان مقتدرا عليهم وهم في قبضته.
40. فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: والجميع أخذهم الله بسبب خطاياهم فبعضهم أنزل الله عليه حجارة من طين منضود كقوم لوط وبعضهم أهلكه الله بالصيحة كقوم صالح وشعيب وبعضهم خسف الله به الأرض كقارون وبعضهم أغرقه الله كقوم نوح وفرعون وجنده والله لن يعذبهم بذنوب غيرهم بل أهلكهم بذنوب عملوها فهم ظلموا أنفسهم بالكفر وترك الشكر ومحاربة الله ورسله.
41. مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: صفة الذين عبدوا أصناما وأوثانا من دون الله يرجون فيها النفع ودفع الضر مثل صفة العنكبوت التي بنت بيتا ضعيفا هشا لتسكن فيه فلم ينفعها عند حاجتها إليها فكذلك هؤلاء الكفار ما نفعتهم معبوداتهم الباطلة من أوثان وأصنام من دون الله وإن أضعف البيوت لبيت العنكبوت فإنه لا يستر من المطر ولا ينفع وقت الخطر ولا يصمد أمام الريح وتقتل الأنثى فيه الذكر فلا يهنأ به ولو كان يعلم هؤلاء الجهلاء بضعف آلهتهم ما عبدوها من دون الله.
42. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: إن الله يعلم بما يعبد الكفار من دونه من سائر الأنداد ويعلم أن هذه الآلهة عاجزة لا تنفع ولا تضر وهي أسماء مجردة لا تجلب خيرا ولا تدفع شرا والله العزيز ينتقم ممن عصاه ويذل من عاداه ويعز من والاه وهو الحكيم في تدبيره وصنعه وفي حكمه وشرعه.
43. وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ: وهذه الامثال المذكورة يضربها الله للعباد لتكشف لهم حقائق الأمور وينتفع بما فيها العالمون بالله وأسمائه وصفاه وشرعه.
44. خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: خلق الله السموات والأرض بالعدل والقسط لا للهو ولا للعب إن في هذا الخلق العظيم دلالة واضحة وحجة قاطعة لمن صدق بكتاب الله وبرسوله صلى الله عليه وسلم.
45. اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ: اقرأ أيها النبي على الناس ما أوحاه الله إليك من هذا القرآن العظيم واعمل به وأقم الصلاة كما شرعها الله على أتم وجه إن المحافظة على الصلاة بحدودها وآدابها تمنع صاحبها من اقتراف الخطايا والوقوع في الفواحش والمنكرات لأن من أحسن أداءها عمر الله فؤاده بالإيمان وأنار قلبه باليقين فتزداد تقواه وينكسر شيطانه وتشرق نفسه ويحب الفضيلة ويكره الرذيلة وتموت شجرة الشر فيه ولذكر الله في الصلاة وغيرها أعظم وأكبر وأفضل من كل شىء سواه أو أن إقامة ذكر الله في الصلاة أعظم من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر والله مطلع على ما يعمل العباد من حسن وسيء وسوف يحاسبهم على ذلك بالثواب والعقاب.
سورة العنكبوت
46. وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ: ولا تجادلوا أيها المسلمون اليهود النصارى إلا بالقول اللين والخطاب الجميل والأسلوب الأمثل والرفق في الدعوة ليكبر الحق ويذعن للدليل إلا من كابر وعاند وحاربكم ورفض الحوار والبرهان فله أسلوب آخر غير المجادلة من المجابهة والجهاد ونحو ذلك كل بحسبه وقولا أيها المسلمون لليهود والنصارى نحن آمنا بالقرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وبالتوراة التي نزلت على موسى عليه السلام وبالإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام والله وحده هو إلهنا وإلهكم لا شريك له ولا رب سواه ولا معبود بحق غيره لا يشبهه شىء في ذاته وأسمائه وصفاته ونحن منقادون أذلاء لطاعته والعمل بشرعه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
47. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونُ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ: ومثلما أنزلنا الكتب على من سبقك من الأنبياء أيها الرسول أنزلنا إليك هذا القرآن العظيم الذي صدق الكتب التي قبله فالذين آتاهم الله التوراة من اليهود والإنجيل من النصارى فآمنوا بكتبهم وعملوا بها يؤمنون بالقرآن ومن هؤلاء العرب الأميين من يصدق بما أنزل إليك ولا يكذب بالقرآن أو يشك في حججه إلا من عادته التكذيب والجحود والعناد.
48. وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لإرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ: وما كنت أيها الرسول قبل ان ينزل عليك القرآن تقرأ كتابا سابقا ولم تكتب حرفا بيمينك بل كنت أميا لا تقرأ ولا تكتب وقومك يعلمون ذلك ولو كنت تقرأ الكتب وتكتب الحروف قبل أن ينزل عليك القرآن لشك في ذلك الكفار وقالوا أخذ ذلك من الكتب المتقدمة أو نقله منها كتابة فهذا من أعظم الأدلة على رسالتك.
49. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ: بل إن القرآن آيات بينات واضحات في دلالاتها على الصدق وهدايتها للحق وهذا القرآن يحفظه العلماء في صدورهم أو أنه بين المعنى لهم وما يكذب بالقرآن ويجحد آياته إلا كل ظالم متكبر جاحد معاند.
50. وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ: وقال الكفار هلا أنزل الله على محمد آيات محسوسات مشاهدة بالأبصار كناقة صالح وعصا موسى؟ قل لهم إن هذه العلامات والآيات تحت مشيئة الله وفي تصرفه إن شاء أنزلها وإن شاء منعها وأنا عبد مرسل لأنذركم العذاب الشديد وأوضح لكم الهدى من الضلال ولا أستطيع أن آتي بالآيات من عندي.
51. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: أو لم يكف الكفار علما بصدقك أيها النبي المختار أن الله أنزل عليك القرآن يقرأ عليهم في كل آن؟ إن في إنزال القرآن على النبي لرحمة بمن آمن به واتبعه وعمل بما فيه وذكرى ينتفع بها من تدبرها وفقهها.
52. قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: قل أيها النبي يكفي بيني وبينكم الله شاهدا على صدقي في رسالتي وشاهدا على تكذيبكم لي وكفركم بما أرسلت به وهو يعلم سبحانه كل أمر في السموات والأرض فلا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة والذين صدقوا بالكفر والطاغوت وهم المشركون وكذبوا بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وكفروا بآياته هم الخاسرون في دنياهم وأخراهم لأنهم حرموا الثواب واستحقوا العقاب.
53. وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: ويستعجلك الكفار أيها النبي بالعذاب استهزاء منهم واستبعادا لنزوله ولولا أن الله قدر لعذابهم زمنا لا يتعداه لحل بهم العذاب حين سألوا وسوف يأتيهم العذاب فجأة وعلى حين غرة وهم غافلون عنه لا يحسون بوقت وقوعه.
54. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ: يستعجلك الكفار أيها النبي بالعذاب في الدنيا وهو نازل بهم وإن عذاب النار لمحيط بهم ليس لهم منه فرار ولا هروب.
55. يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: يوم القيامة يغشى العذاب الكفار من فوق رؤوسهم ومن تحت أقدامهم فالنار تحيط بهم من كل جهة ويقول الله لهم ذاك اليوم ذوقوا جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا لأنهم كفروا بالله وعصوا رسوله وحاربوا أولياءه.
56. يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ: أيها العباد المؤمنون الصالحون إذا ضاقت بكم أرض فلم تستطيعوا إظهار دينكم والقيام بعبادتكم فهاجروا إلى أرض أخرى لتقيموا بها شعائر دينكم فإن أرض الله واسعة وأخلصوا العبادة لربكم.
57. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ: كتب الله على كل نفس حية أن تذوق الموت وقضى على العباد أن مرجعهم إليه ليحاسبهم على ما فعلوا.
58. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ: الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله وعملوا بشرعه سوف ينزلهم الله في جنات النعيم في غرف عالية تجري من تحتها الأنهار وهم باقون فيها أبدا في نعيم مقيم وثواب عظيم ونعم الجزاء لمن عمل بما يحبه الله وترك ما يكرهه واتبع رضوانه.
59. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: إن تلك الغرف العالية في جنات النعيم لمن صبروا على فعل الأوامر واجتناب النواهي ولزموا طاعة ربهم وهم معتمدون على الله في كل شأن من شؤون حياتهم ومفوضون إليه الأمر سبحانه.
60. وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: وكم من دابة من دواب الأرض لا تحفظ طعامها لغدها ولا تدخر رزقها كما يفعل الإنسان ولكن الله يرزقها كما يرزق الناس وهو السميع للأقوال العليم بالأفعال سمع الأصوات وعلم النيات.
61. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ: ولئن سألت الكفار أيها النبي من الذي خلق السموات والأرض في إتقان عجيب وصنع بديع وذلل الشمس والقمر لمصالح العباد؟ فسوف يجيب الكفار إن الذي خلق ذلك كله هو الله الواحد القهار فكيف ينصرف هؤلاء الكفار عن عبادة الله إلى عبادة من سواه مع علمهم أنه الخالق الرازق المدبر وحده فما أعجب كفرهم وافتراءهم على ربهم!
62. اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: الله يوسع الرزق لمن أراد من عباده ويضيق على من أراد لمصلحة علمها سبحانه في خلقه فلحكمة جليلة يعطي ويمنع إن الله بكل شىء من أحوال العباد وشؤونهم عليم مطلع عليها لا تغيب عنه غائبة وسع الخلق رحمة وعلما.
63. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ: ولئن سألت الكفار أيها النبي من الذي نزل من الغمام ماء مباركا فأنبت به من الأرض نباتا أخضر بعد اليابس والقحط؟ فسوف جيب الكفار بأن الذي نزل ذلك هو الله وحده قل الحمد لله الذي أظهر الحجة عليهم وألزمهم بالرد على أنفسهم بل أكثر الناس لا يعرفون ما ينفعهم ولا ما يضرهم ولو عقل العباد ما لله من جلال وعظمة ما أشركوا به غيره جل في علاه.
64. وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو للقلوب ولعب للأبدان لما فيه من نزخرف وفتنة وزينة وشهوة فهي تشغل القلوب عن عبادة علام الغيوب وتنسى الآخرة ببريقها الفتان وإن الدار الآخرة لهي الحياة الحقيقية الدائمة لمن آمن بالله واتبع رسوله فلا موت فيها ولا نصب ولا صب ولا خوف ولا حزن ولو علم الناس ذلك حق العلم ما قدموا العمل للدنيا على العمل للآخرة ولما أثروا الفانية على الباقية.
65. فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ: فإذا ركب الكفار السفن في البحر وأدركهم الغرق دعوا الله وحده وأخلصوا في المسألة ونسوا آلهتهم المزعومة في حال الشدة فلما نجاهم الله من البحر إلى البر وأنقذهم من الغرق عادوا إلى الإشراك به سبحانه فانظر كيف يعبدون الله في الشدة ويشركون به في الرخاء فقبحا لهم على تناقضهم.
66. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: ليكون عاقبة إنقاذ الله لهم من الغرق الكفر به سبحانه وبما أنعم عليهم به من الأموال والأولاد والصحة وغيرها فليتمتعوا متاعا قليلا قصيرا في هذه الدنيا فسوف يظهر لهم قبح فعلهم وفساد عملهم وما هيأ الله لهم من عذاب أليم في نار جهنم.
67. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ: أولم يبصر كفار مكة أن الله صير مكة لهم حرما آمنا يعصم بها الدم ويحفظ فيها المال فالواحد منهم آمن على نفسه وماله والناس في خارج الحرم من حولهم يتخطفون بالقتل والأسر والنهب والسلب وهم خائفون غير آمنين؟ أفبإشراكهم بالله والكفر بنعمة يؤمنون وبنعمة الله عليهم في الحرم الآمن يكفرون ويجحدون فيعبدون معه آلهة أخرى؟!
68. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ: لا أحد في العالم أشد ظلما ممن كذب على الله فنسب إليه ما لا يليق به سبحانه من شريك وولد وزوجة تعالى الله عن ذلك ولا أحد أظلم ممن كذب بالحق الذي أرسل به محمد صلى الله عليه وسلم إن في النار منزلا ومستقرا لمن كفر بالله وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم وحارب دينه وأولياءه.
69. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ: يقسم الله سبحانه أن من جاهد في سبيله لإعلاء كلمته ونصر دينه وجاهد نفسه وشيطانه وهواه وصبر على الفتن والمغريات والأذى في سبيل الله فسوف يوفقه الله لطريق الهداية ويزيده رشدا ويشرح صدره للحق وينير قلبه بالإيمان ومن فعل ذلك فقد أحسن غاية الإحسان في اعتقاده وعبادته والله سبحانه مع من أحسن من العباد يحفظهم ويسددهم ويرعاهم ويتولاهم وهي معية خاصة لأوليائه الأبرار.
سورة الروم
1. الـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها مع علمنا أن لها معاني جليلة.
2. غُلِبَتِ الرُّومُ: غلبت فارس الروم.
3. فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ: في أقرب أرض الشام إلى أرض فارس وسوف ينتصر الروم على الفرس تقريبا.
4. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ: وهذا النصر سوف يقع في سنوات لا تزيد على العشر ولا تنقص عن ثلاث ولله وحده الأمر كله قبل انتصار فارس على الروم وبعد انتصار الروم على فارس ويوم ينتصر الروم على فارس يفرح المؤمنون بهذا النصر لأن الروم أهل كتاب وفارس وثنيون فالروم أقرب إلى الحق.
5. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: والله سبحانه ينصر من يشاء من عباده ويخذل من شاء وهو العزيز الذي عز فقهر وحكم فقدر لا يعز من غالبه ولا ينتصر من حاربه الرحيم بمن استرحمه من خلقه وسعت رحمته كل شىء وقد وقع ما وعد الله به فانتصر الروم على فارس بعد سبع سنين وفرح عباده الله المؤمنون بذلك.
6. وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: وعد الله عباده المؤمنين وعدا أكيدا بنصر الروم النصارى أهل الكتاب على الفرس الوثنيين غير أن أكثر كفار قريش لا يعلمون أن ما وعد الله به عباده حق.
7. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ: والكفار إنما علمهم بظاهر الدنيا وزينتها وزخرفها أما حقائق الآخرة وما أعد الله فيها من النعيم لأوليائه والعذاب لأعدائه فهم في غفلة عن ذلك لا يتذكرونه ولا يفكرون فيه.
8. أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ: أولم يتفكر الكفار في خلق الله لهم بعد العدم وأنه سبحانه ما خلق السموات والأرض وما بينهما من مخلوقات إلا لإقامة العدل والقسط وإثابة المحسن ومعاقبة المسئ ولتكون برهانا على قدرته وألوهيته سبحانه وأن مدة الحياة الدنيا إلى أجل معلوم تنتهي إليه وهو يوم القيامة وأكثر الناس جاحدون بيوم القيامة منكرون للقاء الله لا يؤمنون بأن الله سوف يحاسبهم على أعمالهم فهم في لهو ولعب.
9. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: أولم يذهب الكفار في أنحاء الأرض فينظروا نظر اعتبار وتأمل ويتفكروا كيف كان مصير الأقوام الذين سبقوهم ممن كذب الأنبياء وجحد الرسالات كعاد وثمود؟ وقد كان أولئك أعظم قوة وأقوى أجساما وأكثر على التمتع بلذائذ الحياة حيث زرعوا أرضهم وشيدوا فيها الدور وبنوا فيها القصور أكثر من عمار أهل مكة لدنياهم فلم تنفع أولئك المكذبين عمارتهم لدورهم وزراعتهم لأرضهم وكثرة تمتعهم وقد أتتهم أنبياؤهم بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة على ألوهية الله سبحانه وتعالى فردوا ما جاءت به الرسل وكذبوهم وحاربوهم فأهلكهم الله ودمرهم وما ظلمهم الله بذلك الإهلاك فهم مستحقون للعقاب وإنما ظلموا أنفسهم بالكفر والتكذيب.
10. ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ: ثم كان مصير أهل الإجرام من الطغاة والمفسدين في الأرض أسوأ مصير وأقبح عاقبة لأنهم كفروا بالله وسخروا من رسله وآياته فاستحقوا العقاب.
11. اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: الله وحده الذي أنشأ كل المخلوقات ولم يشاركه في الخلق أحد، وهو الذي يعيدها بعد الفناء لحالتها الأولى وسوف يعود جميع الناس إليه يوم القيامة فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.
12. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ: وإذا قامت القيامة وحان الحساب يئس الكفار من النجاة وأيقنوا بالهلاك فلا حجة لهم ولا عذر عندهم مقبول.
13. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ: وليس للكفار شفعاء من آلهتهم المزعومة التي كانوا يشركون بها في الدنيا بل إن هذه الآلهة تتبرأ إلى الله منهم وهم إذا عاينوا العذاب تبرؤوا من آلهتهم لأنه لا يشفع عند الله أحد إلا إذا أذن سبحانه ورضي عن المشفوع له.
14. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ: وإذا كان يوم القيامة يفترق المسلمون والكفار.
15. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ: فمن آمن بالله واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل صالحا فمصيره إلى جنات النعيم ينعمون فيها ويكرمون ويسرون.
16. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ: وأما الكفار المكذبون بما أنزل الله على أنبيائه فقد كذبوا بيوم القيامة فهم مقيمون في عذاب النار لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم عذابها.
17. فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ: أيها المؤمنون إذا أمسيتم وإذا أصبحتم فسبحوا ربكم وقدسوه ومجدوه ونزهوه عن الشرك وعن الزوجة والولد وأثنوا عليه سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وأثبتوا له ما أثبت لنفسه من صفات الكمال والجلال.
18. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ: فلله الثناء الحسن والحمد أوله وآخره والشكر جميعه في جميع السموات والأرض وفي آناء الليل وأطراف النهار.
19. يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ: الله يخرج الحي من الميت كالفرخ من البيضة ويخرج الميت من الحي كالبيضة من الدجاجة ويحيي الأرض بعد ما مات نبتها باليبس والقحط ومثلما أحيا الله الأرض الميتة سوف يحييكم من قبوركم بعد موتكم ويخرجكم منها للحساب.
20. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ: ومن البراهين الدالة على قدرة الله وعظمته أنه خلق آدم أبا الخليقة من تراب ثم تناسل ذريته من بعده وانتشروا في الأرض لطلب الرزق.
21. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: ومن البراهين الدالة على عظمة الله وقدرته وجلاله واستحقاقه للعبودية أنه أوجد لكم من جنسكم أيها الرجال نساء وجعلهن زوجات لكم تسكن نفوسكم إلى العيش معهن وجعل سبحانه بين الرجل وزوجته محبة وشفقة إن في إيجاد الله لذلك برهانا ساطعا على تفرد الله بالألوهية وعلى كمال القدرة لمن يتفكر في الآيات ويتدبر الأدلة.
22. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ: ومن البراهين ومن البراهين الظاهرة على قدرة الله الباهرة وعلى عظمته وكمال مجده خلق السموات في هذا الجرم الهائل والبناء العجيب وارتفاعها على الأرض بغير عمد ومن ذلك خلق الأرض وبسطها وجعلها فراشا ومهادا للخلق ومن تلك البراهين اختلاف لغات الناس وتعدد لهجاتهم وتباين أشكالهم من بيض وحمر وسود إن في هذه الأدلة لعبرة لمن عنده علم نافع يوصله إلى فهم الحقائق ويبصره بأسرار الخلق.
23. وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ: ومن براهين قدرة الله وعظيم خلقه أنه سبحانه خلق النوم راحة للعباد من الأعمال وقطعا لهم عن الأشغال فليس بحياة ولا موت وكذلك خلقه سبحانه للنهار وجعله زمنا لطلب الرزق والعمل والكدح إن فيما ذكر أدلة واضحة وبراهين ساطعة على عظيم قدرة الله وكمال مجده واستحقاقه للألوهية لمن يسمع العبر سماع استجابة وقبول وتدبر وهو المنتفع.
24. وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: ومن البراهين الدالة على قدرة الباري سبحانه وحكمته في خلقه وقدرته على إنفاذ أمره أنه يري عباده البرق فيخافون عندها من الصواعق ويطمعون في نزول المطر وهو سبحانه ينزل من الغمام ماء مباركا فيحيي به الأرض بالنبات والزروع والثمار بعد القحط والجدب إن في هذا لبرهانا واضحا على قدرة الله وحكمته وإتقانه لخلقه وبديع صنعه ينتفع بهذا البرهان كل من عنده عقل يفكر به ويفقه عن الله حججه.
25. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ: ومن البراهين الدالة على قدرة الله ووحدانيته ثبات السموات والأرض وقيامها واستقرارهما بأمر الله فلم تزولا ولم تسقطا ثم إذا دعاكم الله إلى يوم الجزاء والحساب خرجتم من قبوركم مسرعين إلى عرصات القيامة.
26. وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ: والله وحده يملك كل من في السموات والأرض من المخلوقات لأنه الذي خلقهم ورزقهم فهو يتصرف فيهم ويدبرهم والجميع خاضعون لجبروته منقادون لأمره.
27. وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: والله وحده الذي ينشئ الخلق من العدم ثم يعيده بعد الفناء وإعادة الفاني إلى الحياة أهون على الله من الإنشاء من العدم وكلاهما الإنشاء والإعادة هين على الله وله تبارك اسمه الوصف الأعلى في كل ما يوصف به فله من كل صفة أجلها وأعظمها وأرفعها وهو العزيز الذي لا يغالب قهر من حاربه وأذل من غالبه الحكيم في خلقه وصنعه وفي حكمه وشرعه.
28. ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: ضرب الله مثلا لكم أيها الكفار وهذا المثل من أنفسكم هل لكم من العبيد والإماء من يشارككم في الرزق ويتساوون معكم فيه وأنتم تخافون منهم كخيفتكم من الأحرار الشركاء في مقاسمة الأموال؟ أنتم لا ترضون بذلك فكيف ترضون بذلك لله لتجعلون له من عباده شركاء في ربوبيته وألوهيته؟ وبمثل هذا المثل الواضح الجلي يبين الله البراهين الساطعة والحجج القاطعة لأهل الفطر القويمة والعقول السليمة.
29. بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: بل اتبع الكفار الهوى في شركهم بالله فقلدوا الآباء بلا دليل وفعلوا فعلهم جهلا وضلالا ولا أحد يستطيع أن يرشد إلى الهداية ويوفق لها من كتب الله عليه الضلالة وليس للكفار من أنصار يدفعون عنهم عذاب الواحد القهار.
30. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: فأقم أيها النبي ومن معك من المؤمنين وجهك واتجاهك للدين الخالص الذي هو الإسلام مائلا عن الشرك للتوحيد ومتبعا ملة إبراهيم عليه السلام فإن الإسلام هو الدين الذي فطر الله الناس عليه لا يستطيع أحد أن يبدل خلق الله ودينه لأنه الطريق المستقيم والنهج القويم الموصل إلى رضا الرحمن الرحيم وجنات النعيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون إن الذي أمرك الله به هو دين الإسلام وليس سواه من الأديان.
31. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ: وكونوا عائدين إلى الله بالتوبة من الذنوب وإخلاص العمل والصدق والطاعة مع تقوى الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهي وأدوا الصلاة المشروعة على أكمل وجه تامة الأركان والواجبات والشروط ولا تكونوا مع من أشرك بالله غيره بل كونوا موحدين مخلصين لله العبادة وحده.
32. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ: ولا تكونوا من أهل الكفر والهوى والبدع الذين حرفوا دينهم وبدلوا كتابهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه وذلك وفق أهوائهم وصاروا طوائف وجماعات مختلفة متنازعة يتشيعون لقادتهم ويتعصبون لآرائهم ويتعاونون على الإثم والعدوان كل جماعة بما عندها من المذاهب فرحة مسرورة تحسب أن الحق معها وحدها وأن ما سواه على الباطل.
33. وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ: ومن طبيعة الناس أنهم إذا أصابتهم شدة ومحنة وبلاء تضرعوا إلى الله مخلصين له في الدعاء ليرفع عنهم الشدة فإذا رحمهم الله وكشف عنهم البلاء إذا طائفة منهم يشركون به غيره في العبادة وينسون ما أنعم الله به عليهم من كشف البلاء.
34. لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: ليكفروا بما تفضل الله به عليهم ورحمهم من رفع الشدة فليتمتع الكفار في هذه الدار باللذائذ الفانية والشهوات الزائلة فسوف يعلمون يوم القيامة سوء ما فعلوه إذا أبصروا العذاب.
35. أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ: أم أنزل الله على هؤلاء الكفار برهانا ساطعا ودليلا قاطعا يؤيدهم على شركهم ويشهد بصحة كفرهم؟
36. وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ: وإذا أذاق الله الناس نعمة من رزق وصحة وعافية ورخاء فرحوا بذلك فرح بطر وأشر وعلو وكبر لا فرح شكر وإذا أصابت الناس ابتلاءات من فقر ومرض وجوع وخوف وشدة بسبب آثامهم وسيئاتهم أيسوا من زوال الشدة وهذه عادة أكثر الناس في حالة الشدة والرخاء.
37. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: أو لا يعلم الناس أن الله يوسع الرزق لمن أراد من العباد ابتلاء له ليرى هل يشكر أم يكفر؟ ويضيق الله الرزق على من أراد من العباد ابتلاء له ليرى هل يصبر أم يجزع؟ إن في توسيع الرزق وفي تضييقه على الناس لأدلة واضحة لأهل الإيمان على حكمة الله واطلاعه ورحمته بعباده.
38. فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُريدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: فأعط القريب ما يستحقه من الصلة والصدقة والبر وأعط الفقير والمحتاج الذي انقطع به السبيل من الزكاة والصدقة فإن هذا العطاء لوجه الله خير وثواب عظيم لمن قصد بذلك وجه الله ومن عمل هذه الأعمال الصالحة وسواها من أعمال البر فهم الذين أدركوا المطلوب من نيل رضوان الله والفوز بجناته والنجاة من غضبه وعذابه.
39. وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ: وما أعطيتم أيها الناس من قرض تريدون به الربا ليزيد ذلك القرض وينمو في أموال الناس فإنه لا يزيد عند الله بل يذهب الله بركته ويمحقه وما أعطيتم أيها الناس من زكاة وصدقة لمن يستحق ذلك تريدون وجه الله بذلك والأجر من عنده فهذا هو العمل المتقبل المضاعف عند الله أضعافا كثيرة فالصدقة نماء وبركة والربا محق وخسارة.
40. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ: الله وحده هو الذي خلقكم أيها العباد من العدم ثم رزقكم بأنواع النعم ثم يميتكم بعد استكمال الآجال، ثم يبعثكم من القبور إلى عرصات القيامة للحساب فهل أحد من شركائكم الذين تشركون بهم مع الله من يفعل هذه الأفعال من الخلق والرزق والإماتة والإحياء؟ تنزه الله وتقدس وتعالى عن شرك من أشرك به لا إله إلا هو.
41. ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: ظهر الفساد في البر والبحر كالقحط والمرض والأوبئة والفقر والجوع والمصائب والكوارث بسبب ذنوب الناس ليبتليهم الله بأسباب ذنوبهم التي اقترفوها كي يعودوا إلى ربهم بالتوبة النصوح ويجتنبوا الآثام والذنوب فتدوم عليهم النعمة وتصرف عنهم النقمة ويصلح الحال ويطيب الآمال.
42. قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ: قل أيها النبي للكفار اذهبوا في الأرض وسافروا في أنحائها وانظروا نظر تأمل واعتبار وتفكروا كيف كان مصير من كذب من الأمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود تجدوا آثار الهلاك والدمار الذي حل بهم لما كفروا بالله وكذبوا رسله.
43. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ: فوجه وجهك جهة الصراط المستقيم والدين القويم وهو دين الإسلام عاملا بما أمر الله به تاركا ما نهى الله عنه وتمسك بهذا الدين قبل يوم الحساب الذي لا يستطيع أحد أن يمنع وقوعه حينها يتفرق الناس أشتاتا مختلفين ليروا أعمالهم ففريق في الجنة وفريق في السعير.
44. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ: من كفر بالله فهو يتحمل وحده وبال كفره وعاقبة تكذيبه ومن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحة المشروعة فقد هيأ لنفسه بعمله منزلا في الجنة ومقعد صدق فيها.
45. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ: ليثيب الله المؤمنين الصالحين أحسن ثواب رحمة منه وإحسانا إن الله لا يحب من كفر به وكذب رسله بل يسخط ويغضب عليه.
46. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: ومن البراهين الدالة على ألوهية الله وعظمته وقدرته إرساله سبحانه الريح أمام المطر تبشر بنزول الغيث وتثير السحاب فيستبشر بذلك العباد ويذوقوا رحمة ربهم بإنزال الماء الزلال المبارك من السماء فيحيى به العباد والبلاد ولتبحر السفن في البحر بقدرة الله ومشيئته ليطلب التجار رزقهم على ظهورها ذهابا وإيابا فتحملهم وبضائعهم رجاء أن يشكر العباد ربهم ويوحدوه ويخلصوا له العبادة.
47. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ: ولقد أرسل الله من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم رسلا إلى أقوامهم يبشرونهم برحمة الله إن آمنوا وينذرونه عذابه إن كفروا ويدعون للتوحيد وينهون عن الشرك فجاؤوهم بالأدلة القاطعة والحجج الساطعة فكثير من أقوامهم كفروا وما آمن إلا القليل فانتقم الله من المكذبين وأهلك الكافرين ونصر عباده الموحدين نصر أوليائه سبحانه حق عليه لما لهم من منزلة وزلفى.
48. اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ: الله سبحانه وحده هو الذي يرسل الرياح فتثير الغمام المحمل بالماء فينشره الله في السماء مثلما أراد ويصيره قطعا متفرقة فترى الماء يخرج من بين الغمام فإذا ساق الله السحاب بالرياح إلى من يشاء من الناس استبشروا وفرحوا بقدوم الغيث.
49. وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ: وإن كان العباد قبل نزول الماء من الغمام في يأس من الرحمة وقنوط من نزول الغيث لطول احتباسه عنهم فإن الله يأتي بالفرج وينزل المطر.
50. فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: فتأمل أيها المتدبر باعتبار تفكر في آثار الغيث في الارض المخضرة والحدائق الغناء والبساتين الفيحاء كيف أحيا الله بالماء الأرض بعد الجدب والقحط فأصبحت معشبة مخضرة؟ إن الذي أحيا الأرض بالنبات بعد موتها قادر على إحياء الناس من قبورهم بعد موتهم؛ لأن الله على كل شىء قدير لا يعجزه شىء ولا يتمنع عليه أمر.
51. وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ: ولئن أرسل الله ريحا على النبات الأخضر والزروع والثمار فأفسدتها فشاهدوها بعد الخضرة مصفرة لمكثوا من بعد مشاهدة هذا المنظر على كفرهم بالله فلا يردعهم هذا الأمر المشاهد عن الكفر.
52. فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ: فإنك أيها النبي لا تسمع المواعظ من أمات الله قلبه ولا تسمع النصائح من سد أذنه عن سماع الحكمة فلا تحزن على كفرهم ولا تجزع على عدم استجابتهم لك فإنهم كالصم والموتى لا يسمعون ولا يفقهون فحضورهم كالغياب وحياتهم كالموت قد أعرضوا عن الاستجابة وأدبروا عن الهدى.
53. وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ: وما أنت بمرشد من طبع الله على قلبه وأعمى بصيرته عن الحق وأنت لا تسمع دعوتك سماع قبول واستجابة إلا من آمن بالقرآن واستسلم للرحمن وأذعن للبرهان.
54. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ: الله وحده هو الذي خلقكم أيها الناس من ماء مهين ضعيف وهو النطفة فلا تتكبروا ثم صير من بعد ضعف الطفولة قوة الرجولة ثم جعل من بعد قوة الرجولة ضعف الشيخوخة والهرم يخلق الله ما يشاء من ضعف وقوة وطفولة وشباب وكهولة وهرم وهو العليم بالخلق القادر على كل شىء فبالعلم أحكم الله ما خلق وبالقدرة نفذ الله ما شاء.
55. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ: الدنيا غير زمن يسير كالساعة من الوقت وقد كذبوا في هذا الحلف كما كذبوا على الله في الدنيا ومثلما أنكروا ما أتت به الأنبياء.
56. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: وقال العلماء المؤمنون بالله العاملون بعلمهم المتقون لربهم للمكذبين المنكرين لقد بقيتم فيما كتب الله مما سبق فيعلمه من يوم خلقتم إلى أن بعثتم فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون بصدق ذلك فكذبتم به وأنكرتموه في الدنيا حتى وقع.
57. فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ: فيوم القيامة لا تنفع الكفار الأعذار ولا يطلب منهم إرضاء الله بالعبادة والتوبة والاستجابة لأنه فات الأوان وهذا زمن عقابهم وتعذيبهم.
58. وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ: ولقد بين الله للعباد في هذا القرآن من كل مثل لإقامة الدليل على قدرته وألوهيته ووحدانيته ولئن أتيت الكفار أيها النبي بأي دليل وبأي برهان يدل على صحة رسالتك لقال الكفار ما أنت يا محمد ومن معك من المؤمنين إلا مغترون فيما ادعيتم من النبوة.
59. كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: ومثل ذلك الختم الذي ختمه الله على قلوب الكفار يختمه سبحانه على قلوب الذين لا يعلمون حقائق القرآن ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا ينتفعون بعظة ولا يستفيدون من آية.
60. فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ: فعليك بالصبر أيها النبي على أذى الكفار وتكذيب الفجار إن وعد ربك الذي وعدك به من النصر والتأييد والتمكين وحسن العاقبة واقع لا محالة فلا يستفزنك عن الحق الذي أنت عليه من لا يؤمن بيوما لقيامة ولا يوقن بالبعث ولا يصدق بيوم الدين.

سورة لقمـــان
1. الـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها مع علمنا أن لها معاني جليلة.
2. تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ: هذه آيات القرآن التي أحكمها الله وفصلها وبينها للناس.
3. هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ: وآيات القرآن هدى للمؤمنين ترشدهم إلى الحق وتدلهم على الخير وهي رحمة لمن أحسن في عمله بتقوى ربه واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم.
4. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ: هؤلاء المحسنون يؤدون الصلاة على أكمل وجه كما شرعها الله ويعطون زكاة أموالهم طيبة بها نفوسهم لمستحقيها وهم يصدقون أكمل التصديق بيوم الدين وما فيه من حساب وجزاء.
5. أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: هؤلاء الأبرار أهل الصفات السابقة الكريمة على هدى وبيان من الله ونور من الحق الذي عندهم وهم الذين فازوا بمطلوبهم ونجوا من عذاب ربهم.
6. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ: وبعض الناس يشتري لهو الحديث وهو كل ما ألهى عن طريق الهداية والرشد ويسخر من آيات الله لكفره وفجوره فله عند ربه عذاب خزي هوان وذل يقابل كبره وعناده.
7. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: وإذا قرأت آيات القرآن على هذا المجرم أدبر وهو متكبر معاند لا يقبل الحق ولا يصغي إلى الرشد كأنه ما سمع شيئا وكأن في سمعه صمما عن دعوة الحق قد عطل حواسه عن الانتفاع بها ومن هذا وصفه فبشره أيها النبي بعذاب شديد موجع في نار جهنم.
8. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ: إن المؤمنين الصالحين وهم كل من عمل بما أمر الله به ورسوله وترك ما نهى الله عنه ورسوله أولئك لهم جنات النعيم بجوار رب رحيم في مقعد كريم.
9. خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَ‍قًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: وهم باقون في الجنة ما دامت السموات والأرض في نعيم لا يحول ولا يزول وعد من الله صادق سوف ينجزه لهم وهو سبحانه لا يخلف إذا وعد فلا أصدق منه قيلا ولا أوفى منه وعدا وهو عزيز يقهر من غالبه ويذل من حاربه حكيم في تدبيره وصنعه وحكمه وشرعه.
10. خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ: والله خلق السموات ورفعه عن الأرض بغير عمد كما يبصرها الناس وأرسى في الأرض جبالا راسخة تحفظ توازن الأرض لئلا تميل وتهتز فيختل توازنها ونشر الله في الأرض أنواع الحيوان وأصناف الدواب وأنزل الله من الغمام ماء عذبا مباركا فأنبت به الأرض بعد القحط والجدب وجعل فيه من كل زوج بهيج في منظره يختلف في لونه وطعمه من أشكال النباتات وأنواع الشجر وسائر الثمار.
11. هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: وكل ما تبصرونه أيها الناس هو من خلق الله لا من خلق غيره فأروني أيها الكفار ماذا خلق غيره سبحانه من الآلهة المزعومة التي تعبدونها من دون الله؟ بل الكفار في غي وسفه وفي بعد عن الرشد والصواب لأنهم تركوا الهداية وسلكوا طريق الغواية.
12. وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ: ولقد أعطى الله العبد الصالح المنيب لقمان الفقه في الدين والسداد في الرأي والصواب في القول وأمره سبحانه أن يشكر نعمه بالعمل بطاعته وترك معصيته ومن يفعل ذلك فإنما ينفع نفسه وتعود فائدة ذلك إليه فإن الله غني عن العالمين لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي ومن جحد النعم وكفر بالمنعم فإن الله غني عن عبادته له الثناء الجميل والحمد كله على كل حال وهو غني عمن كفر ويشكر من عباده من شكر.
13. وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لإبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ: واذكر يوم وصى لقمان ابنه ناصحا له فنهاه عنه الشرك بالله وأخبره أن الشرك أعظم الذنوب وأشنع الخطايا وأقبح السيئات.
14. وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ: وأوجب الله على الإنسان بر والديه والإحسان إليهما فإن أمه حملت به في حالة ضعف على ضعف لشدة المشقة وكثرة الآلام وحمل الطفل وفطامه عن الرضاع في مدة عامين وأوجب الله عليه أن يشكر ربه بالعمل بطاعته ويشكر لوالديه بالبر والإحسان إلى الله المعاد فيجازي كل العباد بما فعلوا من صلاح وفساد.
15. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وإن حاول والدك أيها الإنسان وحرصا على أن تكفر بالله وتشرك به غيره أو أمراك بالمعصية فلا طاعة لهما في ذلك إنما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ولا يحملك عصيان أمرهما على الإساءة إليهما بل أحسن إليهما الصحبة وتلطف بهما واقتد بمن تاب إلى ربه من ذنبه وعاد من خطئه ورجع إلى مولاه بالعمل بطاعته وترك معصيته فإن بعد الحياة المعاد إلى الله والرجوع إليه ليخبر كلا بفعله ويجازيه على عمله.
16. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ: ثم يقول لقمان في نصيحته لابنه يا بني لو كانت السيئة والحسنة في صغرها قدر حبة خردل في وسط حجر أو في أي موضع في السموات والأرض فإنها لا تغيب عن علم الله وسوف يأتي بها يوم القيامة ليجازي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شر فشر والله لطيف بعباده يوصل لهم المحاب ويدفع عنهم المكاره بألطف الوسائل وهو خبير سبحانه لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة.
17. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ: وأمر لقمان ابنه بإقامة الصلاة على أكمل وجه كما شرعت لأنها عمود الدين والناهية عن الفحشاء والمنكر وأمره بأن يأمر بالمعروف وهو كل خير ورشد دل النقل والعقل على استحسانه وأوصاه بأن ينهي عن المنكر وهو كل ما نهت عنه الشرائع الحكيمة والفطر القويمة لكن بلطف ورفق وحكمة ولين وإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فتحمل ما يصيبك من الناس من أذيه فإن هذا طريق الأنبياء والرسل والقيام بهذه الأعمال الصالحة من الأمور التي ينبغي أن يحرص عليها الإنسان ويعزم على فعلها فإنها من أشرف المنازل وأجل المراتب.
18. وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ: ولا تحول وجهك عن الناس احتقارا لهم وتكبرا عليهم بل أبسط لهم وجهك وتبسم لهم وألن جانبك لعباد الله ولا تمش في الأرض مشية الخيلاء والتكبر والتبختر فإن الله لا يحب كل مختال بقلبه فخور بلسانه تعجبه نفسه فيتعاظم على الناس بل يحب سبحانه المتواضع القريب من عباده.
19. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ: وتواضع إذا مشيت فلا تمش مشية الخيلاء والكبر واخفض من صوتك إذا تكلمت فإن هذا من حسن الأدب وتمام العقل إن أبشع الأصوات وأشنعها وأقبحها صوت الحمير فلا تشابه أصواتها برفع صوتك لغير حاجة.
20. أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ: ألم تروا أيها العباد أن الله ذلل لكم ما في السموات من شمس وقمر ونجوم وكواكب وسحاب وغير ذلك وذلل لكم ما في الأرض من حيوان ونبات وماء وغير ذلك وشملكم بأياديه الجليلة ونعمة الكثيرة من عافية وصحة وولد ومال وأمن ونعم ظاهرة في الأبدان والجوارح وباطنه في القلوب والعقول وبعض الناس يجادل في عبودية الله وأسمائه وصفاته وإخلاص الطاعة له بغير برهان صحيح ولا حجة واضحة ولا بيان ولا كتاب يسند دعواه ويقوي قوله.
21. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ: وإذا قيل لهؤلاء الكفار الذين يجادلون بالباطل في عبودية الله اتبعوا ما أنزله الله في كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم واهتدوا بذلك ردوا معترضين وقالوا لا بل نتبع ما سبقنا عليه الآباء والأجداد من الشرك وعبادة الأصنام كيف يفعلون ذلك حتى ولو كان الشيطان يحسن لهم قبح أفعالهم وشركهم بربهم ويدعوهم بتزيينه إلى نار جهنم الموقدة المحرقة للكفار.
22. وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ: ومن يخلص طاعته لربه ويفرده بالألوهية وقد أحسن في أقواله وأجاد في أعماله وأصلح من أحواله فقد التزم أوثق سبب واعتصم بأعظم وسيلة موصلة إلى رضوان الله ورحمته وإلى الله وحده تعود كل القضايا وتنتهي كل الأمور ويرجع إليه كل الناس فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.
23. وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: ومن كفر برسالتك أيها النبي وكذب دعوتك فلا تأسف عليه ولا تحزن من فعله لأنك أديت الرسالة وبلغت الأمانة ونصحت الأمة وإلى الله معاد من كفر به فيخبره بأفعاله القبيحة التي فعلها في الدنيا ثم يعاقبه عليها في نار جهنم إن الله مطلع على ما تكنه الصدور وتخفيه الضمائر لا تخفى عليه خافية.
24. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ: يمتع الله الكفار في هذه الحياة الدنيا الزائلة القصيرة كما يمتع الأنعام ثم يوم الحساب يلجئهم ويسوقهم إلى عذاب النار الموجع المؤلم.
25. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ: ولئن سألت أيها النبي الكفار عن خالق السموات والأرض لقالوا لك إنه الله وحده فقامت عليهم الحجة بألسنتهم فالخالق أولى أن يعبد وحده فقل لهم حينها الحمد لله الذي أظهر الحجة عليكم من قولكم بل أكثر الكفار لا يفكرون من الذي يستحق الحمد على نعمة والشكر على عطائه بتوحيده وعبوديته ولذلك أشركوا به غيره.
26. لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ: لله وحده كل ما خلق في السموات والأرض خلقا ورزقا وتدبيرا وتصريفا وملكا وتقديرا فهو المعبود بحق لا إله إلا هو ولا رب سواه وهو سبحانه غني عن خلقه لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية ولا يحتاج إلى أحد وله الثناء الجميل والشكر الجزيل والحمد أوله وآخره في كل مكان وزمان وعلى كل حال.
27. وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: ولو أن الأشجار التي في الأرض صارت أقلاما وتحول وتحول البحر إلى حبر ويمده سبعة أبحر غيره وكتبت كلمات الله بتلك الأقلام وذاك الحبر لفنيت الاقلام وانتهى الحبر ولم تنته كلمات الله المباركة العظيمة التي لا يحصيها أحد ولا يحيط بها بشر إن الله عزيز في ملكه يذل من عاداه ويعز من والاه حكيم في خلقه وصنعه وحكمه وشرعه وفي هذا إثبات صفة الكلام له على وجه يليق بجلالة تقدست أسماؤه.
28. مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ: ما خلقكم أيها البشر ولا إحياؤكم بعد الموت على الله إلا مثل خلق نفس واحدة وبعثها في السهولة واليسر إن الله يسمع كل الأقوال ويبصر كل الأعمال ويعلم كل الأحوال وسوف يحاسب الخلق على كل هذا.
29. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: ألم تر أن الله يدخل الليل في النهار فتطول ساعات الليل وتقصر ساعات النهار ويدخل النهار في الليل فتطول ساعات النهار وتقصر ساعات الليل وذلل الشمس والقمر لمصالح العباد ليسعى كل في مساره ويجري في مداره إلى وقت محدد لا يتعداه وأن الله عالم بأفعال البشر من حسن وسيىء لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شىء.
30. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ: ذلك الخلق العظيم والآيات الباهرة جعلها الله لتعلموا أن الله وحده هو الحق في ألوهيته وذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأن ما يعبده الكفار من دون الله باطل مختلق وأن الله هو العلي علو قدر وعلو قهر عال في ذاته فهو مستو على عرشه استواء يليق بجلاله عال في أسمائه وصفاته جل اسمه وهو الكبير على كل شىء فمن هذه صفاته فهو أحق أن يعبد وأن يوحد.
31. أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: ألم تشاهد أيها الإنسان كيف أن السفن تسعى في البحر بتقدير من الله وتسخير نعمة من الله ورحمة بعباده ليسافروا عليها ويطلبوا عليها الرزق ولتظهر للناس البراهين الدالة على قدره الله وعظمته؟ إن في سعي السفن على ظهر البحر لدليلا قاطعا وبرهانا ساطعا على عظمة الله وتفرده لكل من صبر على أداء الطاعة واجتناب المعصية وصبر على أقدار الله وشكر الله على نعمه.
32. وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ: وإذا ركب الكفار السفن وارتفعت الأمواج فوقهم كأنها الغمام والجبال وأصاب الناس الفزع واهلع والخوف من الهلاك حينها يلتجئون إلى الله ويخلصون له في الدعاء فإذا أخرجهم سالمين إلى بر الأمان فبعضهم المقتصد في عبادته الذي لم يشكر الله حق شكره الشكر التام فهو موحد مقصر ومنهم الكافر بنعم الله المشرك في عبوديته وما يكذب بآيات الله ويكفر بدينه إلا كل غدار فاجر ينقض العهد وينكث العقد ويخلف الوعد ويجحد النعم وينسى الإحسان.
33. يأيها النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ: يا أيها الناس اتقوا ربكم بفعل ما أمر واجتناب ما نهى واحذروا شر يوم مستطير هو يوم القيامة يوم لا يغني فيه الوالد عن الولد ولا المولود عن الوالد فلا قرابة تنفع ولا ولي يشفع ولا ناصر يدفع إنما وعدكم الله به من قيام الساعة حق لا شك فيه فلا تنخدعوا بالحياة وغرورها وزخرفها فإنها باطل مضمحل ومتاع قليل ولا يخدعنكم بربكم خادع من شياطين الإنس والجن فيصرفوكم عن الهداية إلى الغواية.
34. إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ: إن الله وحده لا سواه هو العالم متى تقوم القيامة وهو الذي ينزل الماء من الغمام لا يفعل ذلك غيره وهو وحده الذي يعلم ما في أرحام الحوامل ويعلم ما تكسبه كل نفس وتفعله في غدها وهي لا تعلم ذلك ويعلم سبحانه بأي أرض تموت كل نفس وهي لا تعلم ذلك إن الله عليم بكل شىء لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة علم الظاهر والباطن والسر والعلن تقدست أسماؤه.

سورة السجدة
1. الـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها مع علمنا أن لها معاني جليلة.
2. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: هذا القرآن الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لا شك أنه وحي من عند الله رب العالمين.
3. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ: بل يقول الكفار إن محمدا صلى الله عليه وسلم إختلق القرآن من عند نفسه وليس وحيا من الله كذبوا فيما زعموا بل القرآن وحي منزل من الله أتى به الروح الأمين على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليخوف به أناسا ما سبق أن أرسل إليهم رسول من قبل محمد صلى الله عليه وسلم لعلهم يهتدون إلى الإيمان ويسلمون وينقادون للحق.
4. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ: الله وحده الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في مدة ستة أيام لحكمة علمها الله وهو قادر أن يخلقها بكلمة كن وبعدما خلقها علا وارتفع على عرشه استواء يليق بجلاله بلا تكييف ولا تشبيه ليس للعباد من ولي يدبر أمورهم ويصرف شؤونهم غير الله وليس لهم شفيع يشفع لهم عند الله فيرفع عنهم العذاب إلا بإذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع له أفلا تتدبرون في الآيات وتتعظون بالنصائح وتؤمنون بالله وحده وتخلصون له الطاعة؟
5. يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ: يدبر الله تعالى أمر الكائنات من السماء إلى الأرض ثم يصعد ذلك الأمر والتدبير إلى الله تعالى في مدة يوم مقدار هذا اليوم ألف سنة من أيام الدنيا التي يعدها الناس.
6. ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: ذلك هو الله الخالق المتصرف في الكون العالم بكل ما غاب عن العيون المطلع على ما تكنه الضمائر وتخفيه السرائر والعالم بما تراه العيون وهو العزيز في ملكه وحكمه يذل من غالبه ويخذل من حاربه الرحيم بعباده حيث أمهلهم ودعاهم إلى التوبة.
7. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ: الله الذي أتقن كل شىء خلقه وأحسن في صنعه وأنشأ خلق آدم أبي البشر من طين.
8. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ: ثم خلق ذرية آدم يتكاثرون من المني الضعيف الرقيق المهين.
9. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ: ثم أكمل خلق الإنسان وقواه وأحسن صورته ونفخ فيه من روحه بإرسال الملك له ينفخ فيه الروح وخلق لكم أيها البشر الأسماع والأبصار والأفئدة وهي نعم جليلة تدركون بها الصوت واللون والأشياء والعلوم والمعارف وتميزون بها بين النافع والضار والحسن والقبيح ولكن شكركم قليل على هذه النعم وقليل منكم من يستعملها في طاعة الله.
10. وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ: فقال الكفار المنكرون للحياة بعد الموت أإذا تحولت أجسامنا إلى تراب في القبور انبعث خلقا جديدا؟! منكرين هذا الأمر مستبعدين وقوعه فهم لا يطلبون البرهان على ذلك لكنهم مكذبون معاندون.
11. قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ: قل أيها النبي للكفار يقبض أرواحكم ملك الموت الذي وكله الله بذلك عند انتهاء أعماركم بلا تقديم ولا تأخير ثم تعودون يوم القيامة إلى ربكم فيحاسبكم على أعمالكم للطائع الثواب للعاصي العقاب.
12. وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ: ولو تشاهد يوم القيامة المجرمين منكري الحساب قد خضعوا برؤوسهم أذلاء خائفين غشيهم الخزي والمهانة والعار يقولون ربنا أبصرنا سوء أعمالنا وسمعنا منك الحق الذي كان يدعونا إليه الأنبياء وقد علمنا خطأنا وها نحن تبنا إليك فأعدنا إلى حياتنا الدنيا نتزود بالصالحات إنا قد علمنا علم اليقين الآن أنا كنا كافرين بدينك مكذبين برسولك وبالبعث بعد الموت فلو شاهدت ذلك الأمر يوم العرض الأكبر لشاهدت أمرا مهولا وخطبا عظيما.
13. وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ: ولو شاء الله لهدى هؤلاء الكفار للحق ووفقهم للإيمان ولكن الله سبق منه قول الحق وأوجب وقوعه ليملأن النار من عصاة الجن والإنس لأنهم آثروا الباطل على الحق.
14. فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: يقال للكفار يوم القيامة عند دخولهم جهنم تذوقوا العذاب بسبب غفلتكم عن الحساب والجزاء واشتغالكم بشهوات الدنيا الفانية إن الله قد ترككم في عذاب جهم لا يخرجكم منها ولا يخفف عنكم من عذابها وتذوقوا عذاب النار الباقي عليكم أبدا بسبب أعمالكم القبيحة من كفر وتكذيب وظلم.
15. إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ: إنما يصدق بآيات الله في كتابه ويتبعها الذين إذا أنذروا بها ونصحوا أو قرئت عليهم سجدوا لربهم أذلاء خائفين مخبتين وسبحوا بحمد الله في السجود ولم يتكبروا عن السجود لله وعبادته والتذلل له وحده لا شريك له.
16. تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: تتجافى جنوب هؤلاء الأبرار عن فرشهم في حالة نومهم خوفا من ربهم فلم يناموا نوم المنافق الذي هو جيفة هامدة وإنما يتهجدون في صلاة الليل ويذكرون الله كثيرا ويسألون الله أن يصرف عنهم العذاب وهم خائفون ويطلبون منه الثواب وهم يرجون ذلك ويتصدقون في سبيل الله مما أعطاهم الله من الأموال والرزق الحلال.
17. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: فلا تتطلع نفس ولا تعلم ما أعده الله لهؤلاء الأبرار في جنات النعيم من رزق كريم في جوار رب رحيم مع قرة العين وبهجة النفس وانشراح الصدر في عافية وأمان ثوابا لهم على إيمانهم وتقواهم.
18. أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ: أفمن كان تقيا مؤمنا بالله متبعا لرسوله صلى الله عليه وسلم مصدقا بوعد الله ووعيده فهل حاله كحال من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفر بما أنزل الله وخرج عن طاعة الله.
19. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: أما المؤمنون الصالحون الأتقياء فمصيرهم إلى جنات النعيم يؤوون إليها وينعمون فيها لهم فيها وفادة كريمة ضيافة لهم وثوابا على ما قدموه في الدنيا من عمل صالح مقبول.
20. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ: وأما من عصى الله وخرج عن طاعته وخالف رسوله صلى الله عليه وسلم فمصيرهم إلى النار كلما حولوا أن يخرجوا منها أعادهم الله فيها وقيل لهم تأنيبا وتبكيتا تذوقوا عذاب جهنم الذي كذبتم به في الحياة الدنيا.
21. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وليذيقن الله الكفار من عذاب الدنيا الأقرب من المصائب والكوارث والفتن والزلازل والمحن وأنواع الأسقام والآلام قبل العذاب الأكبر في نار جهنم لعلهم يراجعون أنفسهم بالتوبة إلى الله من كفرهم وتكذيبهم وينيبوا إليه بالطاعة وإخلاص العبادة.
22. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ: لا أحد أظلم ممن وعظ بآيات الله المنزلة على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم هجرها وأعرض عنها ولم يؤمن بها ولم يعمل بها إن الله منتقم من أعدائه المجرمين الفجرة بالعذاب الشديد.
23. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ولقد أنزل الله التوراة على موسى كما أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فلا تكن أيها النبي في شك من لقاء موسى ليلة الإسراء والمعراج وقد جعل الله التوراة هداية وبيانا لبني إسرائيل تدعوهم إلى الهدى وتدلهم على الخير.
24. وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ: وجعل الله من بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الحق وقادة إلى الخير يقتدي بهم الناس في البر والإحسان ويدعون إلى طاعة الله والصلاح والاستقامة بسبب أنهم صبروا على أداء الطاعات وترك المخالفات وكانوا يوقنون بآيات الله وبراهينه ويصدقون بها أتم التصديق فبالصبر قاوموا الشهوات وباليقين قاوموا الشبهات وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
25. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: إن ربك أيها النبي يحكم بين المؤمنين والكفار من اليهود وغيرهم من الأمم يوم القيامة بالعدل فيما وقع فيه الخلاف في الشرائع والأديان فيثيب الطائع ويعاقب العاصي.
26. أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ: أولم يتبين لهؤلاء الكفار كم أهلك الله من الأقوام السابقة وهؤلاء الكفار يمشون في مساكن أولئك المكذبين بعدما دمرت فيرون آثارهم ويسمعون أخبراهم كقوم هود وصالح ولوط؟ إن في هذا الهلاك والتدمير وبقاء الآثار لبراهين واضحة يستدل بها على صدق الأنبياء وما جاؤوا به من عند الله وعلى قبح عمل الكفار أفلا يسمع الكفار براهين الواحد القهار التي أنزلها على الرسل الأبرار؟
27. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ: أولم يشاهد الكفار الذين كذبوا بالحياة بعد الموت أن الله يسوق الماء إلى الأرض الجدباء المقفرة فيخرج بالماء زرعا أخضر يأكل منه الناس والدواب وهو غذاء للحيوان والأبدان؟ فلماذا لم يتفكروا في قدرة وعظمة من هذا فعله وأن من فعل ذلك سبحانه قادر على إحياء الناس بعد موتهم.
28. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: يستعجل الكفار بيوم القيامة فيقولون مستبعدين لذلك متى هذا الحكم الذي يفصل الله به بين المؤمنين والكفار على زعمكم أيها المسلمون إن كنتم صادقين فيما تقولون؟
29. قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ: قل لهم أيها النبي لا ينفعكم في يوم الفصل والحكم بين الناس الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأنه قد فات الأوان ولا تؤخرون ساعة واحدة لاستدراك ما فات بالتوبة والإنابة فالوقت وقت حساب لا عمل.
30. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ: فأعرض أيها الرسول عن الكفار وما عليك من كفرهم ولا تبال وانتظر ما سوف يقع بهم إن الكفار ينتظرون بالمؤمنين ويتربصون بهم دوائر السوء.
سورة الأحــزاب
1. يأيها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا: يا أيها النبي الزم تقوى الله بالعمل بما يحبه ويرضاه وترك ما يكرهه والأمر للرسول صلى الله عليه وسلم أمر لأمته ولا تطع الكافرين وأهل النفاق في ترك شىء من الدين أو مداهمتهم إن الله يعلم كل شىء لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة حكيم في خلقه وصنعه وحكمه وشرعه.
2. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا: واتبع أيها الرسول ما أوحاه الله إليك من كتاب وسنة إن الله مطلع على عمل كل عامل وسوف يحاسبه عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
3. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا: واعتمد على الله في أمورك وفوض الأمر إليه وحسبك بالله حافظا لمن اعتمد عليه وناصرا لمن استنصر به فهو نعم المولى ونعم الوكيل.
4. مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ: ما جعل الله لأحد من الناس من قلبين في صدره فيحب بهذا ويبغض بهذا وما جعل الله نساءكم اللاتي تطاهرون منهن في التحريم كحرمة أمهاتكم والظهار أن يقول الرجل لزوجته أنت علي كظهر أمي وهذا من عمل الجاهلية فإن الزوجة لا تصير أما بحال من الأحوال وما جعل الله الأبناء المتبنين مثل الأبناء من النسب الصحيح فالظهار والتبني لا صحة لهما في التحريم الأبدي فالمرأة المظاهر منها ليست كالأم في الحرمة والابن المتبني ليس كالابن الشرعي والظهار والتبني إنما هما مجرد كلام باللسان لا حقيقة لهما ولا يعتد بهما والله سبحانه يقول الحق ويحكم به ويعلم عباده ويدلهم على العدل في الأقوال والأعمال.
5. ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: انسبوا الأبناء إلى الآباء ولا تخلطوا في الأنساب هذا هو الأعدل والأصوب عند الله فإن كنتم لا تعلمون الآباء الحقيقيين للأبناء فنادوهم بالأخوة الدينية التي اجتمعتم تحت رابطتها فإنهم إخوان وموال في الدين وليس عليكم ذنب إذا حصل منكم خطأ لم تتعمده قلوبكم إنما يؤاخذكم الله بالعمد لا بالخطأ والله يغفر للمخطئ غير المتعمد ويرحم التائب غير المصر.
6. النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا: النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين وأقرب لهم من أنفسهم في مسائل الدين والدنيا وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين في الحرة فيحرم نكاح نساء الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده وذوو القرابة من المسلمين أولى بالميراث بعضهم من بعض من الإرث بالإيمان والهجرة وكان هذا في أول الإسلام ثم نسخ فالتوارث بالنسب هو المشروع لا بالأخوة في الدين إلا إذا أراد المسلمون أن يفعلوا خيرا إلى غير الورثة من صدقة وصلة وبر وإحسان ووصية وهذا الحكم الذي شرعه الله كان مكتوبا في اللوح المحفوظ فامتثلوا أمر الله بالعمل بما شرع وفي الآية أنه يجب على المسلم أن يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، ويجب عليه اتباعه في كل ما شرع واحترام زوجاته صلى الله عليه وسلم وعدم التعرض لهن بالأذى، ومن فعل ذلك فعليه الغضب واللعنة.
7. وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا: واذكر أيها النبي يوم أخذ الله من النبيين العهد الوثيق على تبليغ الرسالة وأخذ الله الميثاق منك أيها النبي ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذ الله منهم عهدا وثيقا بأن يبلغوا رسالته ويؤدوا أمانته ولا يكتموا شيئا مما أمروا بتبليغه وبعضهم يصدق بعضا في دعوته.
8. لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا: وقد أخذ الله ذلك العهد من الأنبياء ليسأل الله المرسلين عن جواب أقوامهم لهم فيثيب من آمن بدخول الجنة ويعذب من كفر بنار جهنم.
9. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا: أيها المؤمنون تذكروا فضل الله عليكم يوم غزوة الأحزاب حين تحزب عليكم أهل الكفر من المشركين واليهود والمنافقين وأحاطوا بكم من كل جانب فأرسل الله على معسكرهم ريحا شديدة عاصفة اقتلعت خيامهم ورمت قدورهم وحثت التراب في وجوههم وأرسل الله ملائكة من السماء لم تبصروهم وأنزل الله الرعب في قلوب الكفار فلاذوا بالفرار وعادوا بالخيبة والخسار وكان الله بما تعملون بصيرا مطلعا على أحوالكم لا تغيب عنه من أموركم غائبة.
10. إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا: تذكروا يوم جاءكم الكفار من أعلى الوادي من ناحية الشرق ومن أسفل الوادي من ناحية الغرب فشخصت أبصاركم من الذهول والحيرة والدهشة ووصلت قلوبكم إلى حناجركم من كثرة الهول وشدة الرعب وغلب القنوط على أهل النفاق وكثرت الشكوك وتظنون بالله مالا ينبغي إليه سبحانه من أنه لا ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم ولن يعلي دينه.
11. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا: في ذاك المقام العسير امتحن أهل الإيمان ومحص المسلمون وبان الصادق من الكاذب وحلت بالمسلمين نازلة هائلة اضطربت لها القلوب ووجلت لها الأنفس ليزداد أهل الإيمان إيمانا ويعظم يقينهم وثقتهم بربهم.
12. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا: في ذاك اليوم قال المنافقون وأهل الريبة والشك إن الذي وعدنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم به من النصر والعزة والغلبة لا حقيقة له بل خداع لا يصدق.
13. وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا: وتذكر قول جماعة من أهل النفاق يوم نادوا في أهل امدينة يا أهل يثرب وهو اسم المدينة السابق لماذا تقيمون في معركة خاسرة فعودوا إلى بيوتكم في داخل المدينة وجماعة من المنافقين تستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى بيوتهم بحجة أنها غير آمنة وليست محصنة فيخافون على أهلهم وذراريهم فيها والصحيح أن هذا كذب ومقصودهم الهروب من الجهاد وترك الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
14. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا: ولو دخل الكفار من أهل الأحزاب المدينة من نواحيها ثم طلب من المنافقين الكفر بالله والردة عن الإسلام لأجابوا إلى ذلك وأسرعوا في هذا الأمر وما تأخروا عن اعتناق الكفر إلا زمنا قليلا.
15. وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا: وسبق لهؤلاء المنافقين أنهم أعطوا الله العهد والميثاق أن لا يهربوا من ساحة المعركة ولا يتركوا القتال في سبيل الله ولكنهم خانوا الميثاق ونقضوا العهد وسوف يسألهم الله عن هذا العهد فإن عهد الله يحاسب عليه فيثاب من وفى ويعاقب من نقض.
16. قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا: قل أيها النبي للمنافقين لا يفيدكم الهروب من القتال خوفا من الموت أو القتل فإن ذلك الهروب لا يزيد في أعماركم ولا يؤخر الموت عنكم وإن هربتم من الموت فلن تبقوا في هذه الحياة الدنيا إلا زمنا يسيرا وهو الزمن الذي قدر لكم فيه الحياة فلابد من الموت إذن فموتوا مؤمنين شرفاء لا منافقين جبناء.
17. قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا: قل أيها النبي للمنافقين من الذي يحميكم من الله ويمنعكم من عذابه أن أراد بكم عذابا أو أراد بكم ثوابا فإنه وحده الذي يعطي ويمنع ويضر وينفع؟ ولا يجد المنافقون من دون الله من يتولى أمورهم ولا من ينصرهم ولا من يدفع عنهم العذاب.
18. قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا: إن الله يعلم المثبطين عن القتال في سبيله الذين يقولون لإخوانهم أقبلوا إلينا وكونوا معنا واتركوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا تقاتلوا معهم فإنا نخشى عليكم القتل والأسر وهم من تخذيلهم لإخوانهم لا يقاتلون إلا نادرا سمعة ورياء وخوفا من انكشاف أمرهم.
19. أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشـِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا: بخلاء على الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمال والنفس والمحبة والموالاة والنصيحة لما في نفوسهم من النفاق والمرض يحبون حياة الذل ويكرهون موت الشرف فإذا حضر الجهاد خافوا من الموت ورأيتهم من شدة الهلع والجزع تدور عيونهم من الحيرة والاضطراب خائفين من القتال كحالة من حضره الموت فعيناه تدوران لهول ما وقع به فإذا انتهى القتال وذهب الفزع أخذوا يسبونكم بألسنة حادة مؤذية كالسكاكين وهم عند قسمة الغنائم بخلاء حسدة يمنعون الخير ولا يحبونه لغيرهم فهم لم يدخل الإيمان قلوبهم فأذهب الله أجورهم بسبب نفاقهم والانتقام منهم وتعذيبهم سهل على الله سبحانه.
20. يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا: يظن المنافقون أن الأحزاب الذين أذلهم الله وأخزاهم لم يغادروا المدينة من شدة رعب المنافقين وخورهم ولو رجع الاحزاب مرة ثانية إلى المدينة لقتال المؤمنين لتمنى المنافقون أنهم كانوا غائبين عن القتال في أعراب البادية يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان من مكان بعيد ولو كان المنافقون معكم أيها المؤمنون في ساحة الجهاد ما شاركوا في القتال إلا قليلا لشدة ما أصابهم من الرعب والذل والخور.
21. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا: لقد كان لكم أيها المؤمنون في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة صالحة وأسوة حسنة تلزمون سنته وتمتثلون أمره وتجتنبون نهيه وتحكمون شريعته في حياتكم وتقتدرون بأقواله وأفعاله وأحواله في كل شأن من شؤونكم ولا يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ويهتدي بهداه ويستن بسنته إلا من كان يرجو ثواب الله ويتهيأ ليوم القيامة بعمل صالح فأكثر من ذكر الله ليبرأ من النفاق ويسلم من مرض القلوب فعلامة المؤمن الصادق الناصح اتباعه صلى الله عليه وسلم ولزوم سنته بخلاف المنافق مريض القلب فإنه يكره السنة وأهلها.
22. وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا: ولما أبصر المؤمنون الأحزاب الذين أحاطوا بالمدينة علموا أن وعد الله بالنصر قد دنا وقالوا هذا الذي سبق أن وعدنا الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من الابتلاء والتمحيص ثم النصر والتمكين فقد أنجز الله ما وعد، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، وما زادتهم معاينة الأحزاب إلا تصديقا لموعود الله وتسليما بقضائه ورضا بحكمه وانقيادا لأمره.
23. مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا: من المؤمنين رجال أوفوا بعهودهم مع ربهم تعالى فأخلصوا له الطاعة وجاهدوا في سبيله وصبروا على البأساء والضراء وحين البأس فبعضهم وفي بنذره فاستشهد في سبيل الله ومنهم من ينتظر إحدى الحسنين النصر أو الشهادة وما غيروا العهد ولا أخلفوا الوعد كما فعل المنافقون بل ثبتوا وصدقوا.
24. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا: ليأجر الله أهل الصدق على صدقهم في أقوالهم وأعمالهم ويعذب المنافقين على كذبهم وخداعهم إن شاء معاقبتهم بأن لا يهديهم إلى الإيمان فيموتوا على النفاق ويدخلوا النار إن الله يغفر خطايا من أسرف على نفسه إذا تاب وأناب ويرحم من عاد إليه مقرا بذنبه معترفا بخطئه.
25. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا: ورد الله الكفار عن المدينة يجرون أذيال الخيبة والخزي والهزيمة ولم ينالوا خيرا من النصرة والغنيمة أو الأجر والثواب في الآخرة وكفى الله المؤمنين القتال بالأسباب التي قدرها كهبوب الريح العاتية ونزول ملائكة السماء وكان الله قويا يذل من حاربه ويخذل من غالبه عزيزا في ملكه وجبروته سبحانه.
26. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا: وأنزل الله يهود بني قريظة من حصونهم لأنهم أعانوا الكفار على قتال المؤمنين وأنزل في قلوبهم الهلع فانهزموا خائبين يقتل المؤمنون طائفة منهم ويأسرون طائفة أخرى.
27. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا: وسلطكم أيها المسلمون على دورهم ومزارعهم وأموالهم كالسلاح والدواب وسلطكم على أرض لم تفتحوها من قبل لامتناعها بأهلها وكثرة حصونها وكان الله على كل شىء قديرا لا يعجزه ما أراد ولا يفوته أمر.
28. يأيها النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا: يا أيها النبي قل لنسائك اللاتي طلبن منك زيادة النفقة إن كان مقصودكن الحياة الدنيا وزخرفها ومظاهرها فاقبلن ما أعطيكن مما أستطيع من متاع الدنيا وأفارقكن فراقا بإحسان لا ضرر فيه ولا أذى.
29. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا: وإن كان مقصودكن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وما عند الله من ثواب في دار النعيم المقيم فعليكن بالصبر على حالكن معي والقناعة والرضا بما قسم الله فإن الله هيأ للمحسنات منكن الأجر الكبير والثواب العظيم فاخترن طاعة الله ورسوله وما عنده من ثواب على زينة الدنيا فرضي الله عنهن وأرضاهن.
30. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا: يا نساء النبي من يأت منكن بذنب كبير ظاهر يضاعف الله لها العذاب مرتين بالنسبة إلى غيرها من النساء لأن الله شرفهن وأكرمهن بالمنزلة العظيمة والمرتبة الكريمة بأن جعلهن زوجات لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم وكان هذا التغليظ في العقوبة حماية لبيت الرسول صلى الله عليه وسلم وكان ذلك العقاب على الله سهلا إذا أراد وقوعه.