Advertisement

__التفسير الميسر عائض القرني ٤

سورة الأحزاب
31. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا: ومن تخلص لربها العبادة وتتبع رسوله صلى الله عليه وسلم وتلتزم أوامر الشريعة يكرمها الله على عملها مثلي أجر غيرها من سائر النساء وهيأ الله لها رزقا هنيئا مباركا في جنات النعيم.
32. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا: يا نساء النبي لستن في الفضل والمرتبة كسائر النساء فإن الله أكرمكن بكونكن نساء سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم فإن كنتن تخفن الله وتراقبنه فلا تتكلمن مع الرجل الأجنبي بصوت رقيق لين يغري من في قلبه شهوة وفجور وهذا الأمر يعم كل امرأة مسلمة وإذا تكلمتن فتكلمن بكلام لا ريبة فيه ولا مخالفة للشريعة فليس بالقول اللين ولا اللفظ الغليظ.
33. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا: والزمن بيوتكن ففيها الستر والعفاف ولا تخرجن منها إلا بحاجة ولا تظهرن المفاتن والمحاسن كفعل نساء الجاهلية قبل الإسلام من عدم الاحتشام وترك الحجاب وقد شابهت نساء الجاهلية في عصرنا هذا من خرجت على تعاليم الدين وأصبحت كاسية عارية سافرة متبرجة خلعت جلباب الحياء فانسلخت من حجاب التقوى وعليكن بأداء الصلاة على أكمل وجه كما شرعت فإنها تنهي عن الفحشاء والمنكر وتصدقن طهرة للنفس والمال وعليكن بطاعة الله وطاعة رسوله بفعل الأوامر واجتناب النواهي إنما أوجب الله عليكن هذه التعاليم ليزكيكن وليصونكن من المعاصي وأوضار الذنوب وجميع المعائب يا أهل بيت النبي الكريم عليه الصلاة والسلام والله يريد أن يطهر نفوسكن تمام الطهارة ليكون بيته صلى الله عليه وسلم أزكى وأطهر وأشرف بيت في العالم لأنه إمام الناس في الخير.
34. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا: واذكرن ما يقرأ عليكن ويتنزل في بيوت الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم والسنة والمطهرة وذلك بالعمل بأوامر الشرع واجتناب نواهيه فاشكرن الله على هذا المجد العظيم والشرف الكبير وذلك بتقواه سبحانه وتعالى ولزوم طاعته إن الله كان لطيفا بكن إذ اختاركن لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم خبيرا سبحانه بهذا الاختيار لأنه يعلم سبحانه أين يجعل كرامته.
35. إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا: إن الخاضعين والطائعين لشرع الله والخاضعات الطائعات والمؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر والمؤمنات والمطيعين لله ولرسوله والمطيعات والصادقين في أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم والصادقات والصابرين على الطاعات وعن المحرمات وعلى المكاره والصابرات والخائفين من عذاب الله وغضبه والخائفات والمتصدقين بالواجب والمستحب والمتصدقات والصائمين فرضا ونفلا والصائمات والحافظين فروجهم عن الحرام والحافظات والذاكرين الله كثيرا بقلوبهم وألسنتهم والذاكرات أعد لهم الله في الآخرة مغفرة لذنوبهم وثوابا على طاعتهم لا يقدر قدره إلا الله من النعيم المقيم والأجر العظيم في جوار رب كريم.
36. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا: ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة إذا حكم الله ورسوله فيهم حكما أن يخالفوه بأن يختاروا غير حكم الله بل يرضون ويسلمون ومن يخالف أمر الله ورسوله فقد أخطأ خطأ بينا وخالف الرشد وجانب الصواب.
37. وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا: وإذ تقول أيها النبي لمن تفضل الله عليه بالإسلام وهو زيد بن حارثة الذي أعتقه النبي صلى الله عليه وسلم وتبناه وتفضلت عليه بالعتق أمسك امرأتك زينب بنت جحش ولا تفارقها واتق الله يا زيد وتخفي أيها النبي في نفسك ما أخبرك الله به من طلاق زيد لامرأته وزواجك منها والله تعالى معلن ما أسررت وتخاف أن يقول الناس تزوج النبي امرأة من نسبه إلى نفسه بالتبني والله أولى أن تخافه فلما قضى زيد من زينب حاجته وفارقها وانتهت عدتها زوج الله زينب بنت جحش من رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكون سنة متبعة في إبطال تحريم النكاح بامرأة المتبني بعد فراقها ولا يكون على المؤمنين ذنب وخطيئة في أن ينكحوا نساء من كانوا يتبنونهم بعد فراقهن إذا قضوا من نسائهم حاجتهم وكان أمر الله مفعولا فهو نافذ لا يمنعه مانع ولا يعيقه عائق.
38. مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا: ما كان على النبي صلى الله عليه وسلم من إثم فيما أباح الله له من نكاحه بامرأة من تبناه بعد فراقها كما أحل الله ذلك للرسل قبله وقد أباحه الله في الشرائع السابقة وكان أمر الله مقدرا لابد من حصوله لأنه لا راد لما أراد.
39. الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا: والأجر والثواب لمن بلغ رسالة الله إلى عباده ودعا إلى ربه ونصح الأمة وخاف الله وحده ولم يخف أحدا سواه وكفى بالله محاسبا للناس على جميع أفعالهم وهو الرقيب على كل أعمالهم.
40. مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا: ما كان الرسول صلى الله عليه وسلم أبا لواحد منكم حتى يمنع من نكاح امرأة ابنه من النسب إذا طلقها ولكن محمدا صلى الله عليه وسلم شرفه الله وأعلى قدره بأن جعله رسولا وخاتما للأنبياء فلا نبي بعده وكان الله عليما بكل ما تعملونه لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية.
41. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا: أيها المؤمنون الصادقون أكثروا من ذكر الله بألسنتكم وقلوبكم وكافة جوارحكم واملؤوا به ليلكم ونهاركم فإن الذكر أفضل عمل بعد الفرائض.
42. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا: وأكثروا من ذكر الله في أول النهار وآخره إذا أصبحتم وإذا أمسيتم والزموا ذكره عند كل مناسبة فبذكر الله تسبقون غيركم وتنالون رحمة ربكم وتدركون أرفع المنازل عند مولاكم.
43. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا: والله سبحانه المستحق أن يذكر وحده لأنه يرحمكم ويثني عليكم في الملا الأعلى وتستغفر لكم الملائكة ليخرجكم بالإسلام من ظلمة الجاهلية إلى نور الحق الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم وان الله بالمؤمنين رحيما في الدنيا والآخرة يتوب على من تاب ويرحم من أناب ولا يعاجلهم بالعقاب.
44. تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا: تحية المؤمنين يوم يلقون ربهم في جنات النعيم سلام ولهم الأمن من العقاب والفوز بالثواب وقد هيأ لهم نعيما مقيما وأجرا جزيلا في جنات النعيم.
45. يأيها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا: يا أيها النبي إن الله أرسلك شاهدا على امتك لتبليغ الرسالة إليهم ومبشرا لمن آمن منهم بالجنة ونذيرا لمن عصى بالنار.
46. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا: وداعيا بأمر الله إلى إخلاص العبادة لله وتوحيده وعدم الإشراك به وسراجا منيرا لمن اتبعك تهديه في ظلمات الضلال إلى الطريق المستقيم ورسالتك واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار لا ينكرها إلا جاحد ولا يكذبها إلا معاند.
47. وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا: وبشر أيها النبي المؤمنين بأن لهم عند الله الثواب الجزيل والأجر العظيم في جنات النعيم.
48. وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا: ولا تطع أيها النبي قول الكفار والمنافقين في ترك شىء من دعوتك واترك أذاهم ولا يحملك أذاهم على ترك شىء من الرسالة واعتمد على الله وثق به وكل الأمر إليه فإن الله كافيك ما تخاف ناصرك على عدوك وتوكل عليه في كل شأن من شؤونك.
49. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا: أيها المؤمنون إذا عقدتم على النساء ولم تدخلوا بهن ثم فارقتموهن من قبل الجماع فليس لكم عليهن عدة تحسبونها لهن فأعطوهن متعة على حسب أحوالكم تجبر الخاطر وتمحو التقصير وفارقوهن مع الستر وعدم ذكر العيوب ولا تصدر منكم أذية لهن.
50. يأيها النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أَجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: يا أيها النبي إن الله أباح لك الزواج من اللاتي أعطيتهن مهورهن وأباح لك ملك اليمين من الإماء مما تفضل الله به عليك وأباح لك الزواج من بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك المهاجرات معك من مكة إلى المدينة، وأباح لك امرأة مؤمنة منحتك نفسها دون مهر إن كنت ترغب في النكاح منها خاصة بك وليس لأحد غيرك أن ينكح امرأة بالهبة قد علم الله ما أوجب على المؤمنين في نسائهم وإمائهم في ألا يتزوجوا إلا أربعة نسوة وما شاؤوا من الإماء مع وجوب الولي والمهر والشهود ولكن الله رخص لك أيها النبي في ذلك وجعل في الأمر سعة لك وحدك لئلا تتحرج من الزواج بما ذكر من هذه الأصناف وكان الله كثير الغفران لذنوب عباده رحيما بمن تاب منهم وأناب واسع التفضل والإحسان عليهم.
51. تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُئْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا: تؤجل من تشاء من زوجاتك في قسمها من المبيت وتضم إليك من تشاء من زوجاتك وإذا رغبت فيمن أجلت قسمها من زوجاتك فلا حرج عليك في ذلك وذلك التخيير أدعى إلى سرورهن وعدم حزنهن ورضاهن بقسمتك بينهن والله يعلم بما في قلوب الرجال من حب زائد لبعض الزوجات دون بعض وكان الله عليما بما في القلوب والضمائر حليما لا يؤاخذ العصاة حتى يعرض لهم التوبة ولا يعاجل بالعقوبة حتى يقيم الحجة.
52. لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا: لا يباح لك أيها النبي أن تتزوج فوق ما عندك من النساء ومن كانت زوجة لك مما سبق ذكره من النساء فلا يجوز لك فراقها واستبدال غيرها بها ولو أعجبك جمالها وأما ما ملكته يمينك من الإمام فالأمر واسع فالاستبدال والفراق وكان الله على كل شىء رقيبا يعلم الخفيات ويطلع على النيات ولا يعزب عن عمله شىء من الكائنات.
53. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا: يا أيها المؤمنون الطائعون لربهم المتبعون لرسوله صلى الله عليه وسلم لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأذن لكم لتناول الطعام غير منتظرين نضجه ولكن إذا أذن لكم فادخلوا البيت فإذا تناولتم الطعام فاذهبوا غير مستمعين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم وأهله فإن انتظاركم للطعام وتنصتكم للحديث يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويضايقه فيستحي صلى الله عليه وسلم أن يأمركم بالخروج من بيته ومن حقه أن يفعل ولكنه لكريم شمائله لم يقابلكم بذلك والله لا يستحي من توضيح الحق وإظهاره وبيانه وإذا طلبتم من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حاجة من أواني المنزل ونحوها فاطلبوها من وراء ستر بعدا عن الريبة وسلامة العرض فهذا أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الواردات التي تقع في نفوس الرجال ونفوس النساء فالحجاب طريق العفاف والحشمة ووسيلة للطهارة والرؤية سبب للفتنة ولا يجوز لكم أن تؤذوا النبي صلى الله ولا يجوز لكم أن تتزوجوا نساءه عليه الصلاة والسلام من بعد وفاته على التأبيد لأنهن أمهات للمؤمنين ولا يجوز للرجل أن يتزوج أمه إن أذيتكم للنبي صلى الله عليه وسلم أو الزواج من نسائه بعده إثم عظيم وجرم كبير عند الله عزوجل.
54. إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا: إن تظهروا أمرا من الأمور أيها الناس بأقوالكم مما فيه أذية للنبي صلى الله عليه وسلم أو تخفوه في قلوبكم فإن الله يعلم ما خفي وما ظهر وما أسر وما أعلن وسيجزي كلا بما فعل.
55. لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا: ليس على النساء ذنب في عدم التستر من الآباء والأبناء والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات والنساء المؤمنات والموالي من ملك اليمين لشدة الحجة إلى الموالي في الخدمة وراقبن الله أيتهن النساء في العمل بطاعته واجتناب معصيته واحذرن من السفور والتبرج والخلوة بالأجنبي وإبداء الزينة والتعرض للفتنة إن الله كان على كل شىء شهيدا يشهد على أعمال العباد يوم المعاد بما فعلوه من صلاح وفساد.
56. إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يأيها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا: إن الله يثني على رسوله صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى وينوه بذكره عند الملائكة المقربين وملائكته الأبرار يثنون على النبي المختار ويدعون له يا أيها المؤمنون أكثروا من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم في كل وقت وآن ما تعاقب الليل والنهار وما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وأكمل صلاة وأتمها عليه صلى الله عليه وسلم هي "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
57. إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا: إن الذين يؤذون الله بالكفر والسب ونسبة الولد والزوجة إليه والإشراك به ووصفه بالنقائص تعالى الله عن ذلك وتقدس وتبارك وتنزه والذين يؤذون الرسول صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والمحاربة والاستهزاء ورد شىء من سنته والسخرية من شرعه أبعدهم الله من رحمته وطردهم من جنته وحل عليهم غضبه ووقع عليهم سخطه في الدنيا والآخرة وأعد لهم في النار عذاب الخزي والهوان والعار.
58. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالسب والشتم والظلم والأذى بأنواعه من غير جرم فعلوه فقد قالوا أعظم الكذب وأفحش الزور وأتوا بجرم قبيح يستحقون عليه العذاب والنكال.
59. يأيها النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: يا أيها النبي مر نساءك وبناتك وزوجات المؤمنين أن يرخين على رؤوسهن ووجوههن من الملاحف والأردية والحجاب حتى تستر الرؤوس والوجوه والصدور وفي هذا ترجيح تغطية وجه المرأة المسلمة ذلك أقرب أن يميزن بالحجاب والعفاف والستر والصون فلا يتعرض لهن سفيه بأذى ولا مضايقة وكان الله كثير الغفران لمن أساء واستغفر من ذنبه واسع الرحمة بما بين لعباده من شريعة.
60. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا: لئن لم يرتدع المنافقون ومرضى القلوب وأهل الشائعات الباطلة وأصحاب الاخبار الكاذبة في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن أذاهم وفجورهم ومحاربتهم للحق ليسلطنك الله عليهم أيها النبي ثم لا يبقون معك في المدينة إلا وقتا يسيرا.
61. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيـلا: طرد الله المنافقين من رحمته وحرمهم جنته في أي محل كانوا فإنهم يؤسرون ويقتلون تقتيلا لأنهم أعداء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومحاربون للملة وهم أهل فتنة وفساد.
62. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا: سنة الله وطريقته الملى الدائمة في الأقوام السابقين من أهل الكفر والتكذيب أنهم يؤسرون ويقتلون في أي مكان كانوا ولن تجد لطريقة الله في شرعه وخلقه تحويلا ولا تغيرا بل هي دائمة ثابتة مستقرة لأنها صدرت عن علم وحكمة.
63. يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا: يسألك الناس أيها النبي عن وقت القيامة مستبعدين وقوعها قل لهم إن علم الساعة مما استأثر الله به لا يعلم وقت قيامها إلا الله وحده وما يدريك أيها النبي لعل وقت قيامها دنا فكل آت قريب وكل ما وعد الله به حاصل لا محالة.
64. إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا: إن الله طرد الكفار من رحمته وجنته وحل عليهم غضبه وسخطه وهيأ لهم نارا موقدة تحرق أجسامهم وتشوي وجوههم.
65. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا: والكفار ماكثون في نار جهنم أبدا لا يموتون فيها ولا يخرجون منها وليس لهم ولي يتولى شؤونهم ويدفع عنهم العذاب ولا نصير ينصرهم فيخرجهم من نار جهنم.
66. يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا: يوم تقلب في النار وجوه الكفار في ذل وخسار يقولون من شدة الحسرة والندم يا ليتنا أطعنا الله فاتقيناه وأطعنا الرسول فاتبعناه.
67. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا: وقال الكفار يوم العرض على الواحد القهار ربنا إنا ابتعنا قادتنا في الشر وأئمتنا في الغواية وأكابرنا في الكفر فحرفونا عن طريق الهداية وحرفونا عن الحق المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم.
68. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا: ربنا ضاعف العذاب لمن أضلنا من أئمتنا واطردهم من رحمتك ومن جنتك طردا شديدا وفي هذا برهان على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن من أطاع غير الله وغير رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة تخالف الشرع فإنه مستوجب لغضب الله وسخطه ولعنته وعذابه فليحذر المسلم.
69. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا: يا أيها المؤمنون لا تؤذوا رسولكم صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل فتفعلوا فعل اليهود الذين آذوا رسولهم موسى عليه السلام بالسب والانتقاص وقول الزور فبرأ الله موسى مما قالوا وكان موسى عند الله عظيم الجاه كبير القدر رفيع المنزلة.
70. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا: يا أيها المؤمنون اتقوا الله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه وإخلاص الطاعة لله وصدق المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وقولوا القول الصائب الصادق المستقيم السليم من الكذب والزور والإثم والباطل في جميع أموركم وفي سائر شؤونكم.
71. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا: فأنتم إذا اتقيتم الله حق تقواه ولزمتم القول الصائب السديد أصلح الله لكم أعمالكم وغفر لكم سيئاتكم وفي هذا عظيم أثر القول على العمل ووجوب حفظ اللسان ومن يطع الله بالعمل بشرعه ويطع الرسول صلى الله عليه وسلم بإتباع سنته فقد نال العز وفاز بالكرامة وحاز الرضوان وأدرك النعيم.
72. إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا: إن الله عرض الأمانة وهي كل ما أوجبه على عباده من أمر ونهي وحلال وحرام وذلك مجموع ما أرسل به الرسول صلى الله عليه وسلم عرض ذلك على السموات والأرض والجبال فامتنعت أن تحمل هذه الأمانة خوفا من عدم الوفاء بحملها وعجزا عن القيام بأدائها والتزم الإنسان على ضعفه حبها وقبل تحمل هذه الأمانة إنه كان ظلوما لا يعدل جهولا لا علم عنده فبالعلم والعدل يحوز العبد كمال الولاية.
73. لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: وحمل الإنسان الأمانة فيظهر عند حملها المسلم من الكافر والصادق من المنافق ليعذب المنافقين الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام والمنافقات والذين يشركون مع الله في عبادته والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بقبول الحسنات وغفران السيئات والنجاة من العذاب والله كثير الغفران لمن تاب رحيم بمن أناب يدعو إلى التوبة ولا يستعجل بالعقوبة.

سورة سبـــأ
1. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ: الثناء الجميل والشكر الجزيل والمجد الجليل لله وحده تقدست أسماؤه الذي له ملك كل ما في السموات وما في الأرض وتدبيره فله الثناء الكامل والمجد التام يوم القيامة وهو الحكيم من قوله وفعله الخبير بأمره وخلقه.
2. يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ: الله يعلم كل ما يدخل في الأرض من ماء ودواب وغير ذلك ويعلم ما يخرج من الأرض من ماء ومعدن ونبات ويعلم ما ينزل من السماء من الملائكة والكتب والأمطار ويعلم ما يصعد إلى السماء من الملائكة وأعمال العباد وهو الرحيم بخلقه فلا يعاجل العقوبة لمن عصاه كثير الغفران لذنوب من عاد إليه وطلب عفوه.
3. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ: وقال الكفار المكذبون بيوم الحساب لن تقوم القيامة أبدا قل لهم أيها النبي بلى لتقومن وأقسم بربي لتأتينكم الساعة ولا يعلم زمن قيامها إلا الله وحده الذي لا يغيب عنه وزن نملة صغيرة في السموات والأرض ولا دون ذلك ولا أكبر من ذلك إلا هو مكتوب في اللوح المحفوظ بوضوح وبيان.
4. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: ليثيب الله المؤمنين الصالحين أعظم الثواب مع غفران الذنوب ونيل الكرامة والفوز بالخلود في جنات النعيم.
5. وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ: والذين سعوا واجتهدوا في محاربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله والكيد لأوليائه وهم مشاقون لله مغالبون لشرعه فأولئك لهم أفظع العذاب وأشد العقاب يوم الحساب.
6. وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ: وأهل العلم العارفون بالله وبأمره يعلمون ويتيقنون أن القرآن المنزل من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيه ولا ريب وأنه يدل على سبيل النجاة ويرشد إلى طريق السعادة ويهدي إلى صراط الله العزيز الذي بذل من غالبه ويخذل من حاربه الذي قهر سواه وأعز من تولاه مستوجب الحمد والمدح على جميل أقواله وكريم أفعاله وحسن شرعه.
7. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ: وقال الكفار فيما بينهم سخرية منهم واستهزاء بالرسول هل نرشدكم إلى رجل يقصدون الرسول صلى الله عليه وسلم يخبركم إنك إذا متم وأكلت الأرض أجسامكم أنكم بعد ذلك تعودون إلى الحياة من جديد وتبعثون من قبوركم؟ قالوا ذلك منكرين مستبعدين وقوعه.
8. أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ: اختلق النبي صلى الله عليه وسلم على زعمهم كبا على الله وادعى أن الله أرسله وحاشاه بل به جنون فهو لا يعقل ما يقول؟ وقد كذبوا فيما قالوا بل نبي الله صلى الله عليه وسلم مرسل من عند ربه لكنهم يكذبون بالبعث بعد الموت وينكرون الآخرة، وسيكونون في عذاب دائم في نار جهنم وهم بعيدون عن الرشد لم يوفقوا للهدى والصواب.
9. أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ: أفلم يشاهد الكفار خلق الواحد القهار وبديع صنعه فيما أمامهم وما وراءهم من خلق السماء والأرض الذي يدهش العقول ويحير الأفكار؟ ولو أراد الله لخسف بالكفار الجاحدين الأرض كما فعل بقارون أو نزل عليهم قطعا من العذاب كما عذب قوم شعيب يوم أنزل الله عليهم نارا من السماء أحرقتهم إن في خلق الله وبديع صنعه لبرهانا العذاب كما عذب قوم شعيب يوم أنزل الله عليهم نارا من السماء أحرقتهم إن في خلق الله وبديع صنعه لبرهانا ساطعا ودليلا واضحا لكل عبد يعود إلى ربه تائبا ويرجع إليه منيبا يخلص له العبادة ويفرده بالألوهية.
10. وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْـرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ: ولقد أعطى الله داود عليه السلام نبوة وعلما وزبورا وملكا عظيما وأمر الله الجبال والطير أن تسبح معه وألان الله له الحديد فأصبح كالعجين في يده يحوله على أي شكل أراد.
11. أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وأمر الله داود أن يصنع دروعا واسعات محكمات وأن يجعل المسامير على حجم فتحات الدروع فلا تكون الحلقة ضيقة فيضعف المسمار فلا تحمي الدروع لابسها ولا يجعل الحلقة كبيرة فتثقل الدروع على حاملها وأمر الله داود وأهله أن يخلصوا له العبادة ويتقوه حق تقواه فإنه سبحانه مطلع على ما خفي وما ظهر من الأعمال لا تخفى عليه خافية.
12. وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ: وسخر الله الريح لسليمان تجري من أول النهار إلى نصفه مسيرة شهر ومن نصف النهار الثاني إلى الليل مسيرة شهر بسير الناس المعروف وأذاب الله النحاس وأصبح سائلا كالماء يتحكم فيه بما أراد ويصنع به ما أحب وسخر الله لسليمان الجن منهم من يعمل بين يديه طائعا ذليلا بإذن الله وتسخيره ومن يعص أمر الله منهم ولا يأتمر بأمر سليمان يصليه الله عذاب جهنم الموقدة.
13. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ: يعمل الجن لسليمان ما أراد من مساجد للصلاة وصور من نحاس وزجاج ويعملون له أشكالا عجيبة مما أحب وقصاعا واسعة عظيمة كالأحواض الكبيرة التي يجتمع فيها الماء وقدورا للطعام ثابتان لا تضطرب لسعتها وضخامتها وأمر الله آل داود أن يشكروا نعمه بلزوم طاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه وقليل من الناس من يشكر الله على نعمه الجليلة والكثير منهم جاحد مقصر في الشكر وداود من القليل الشاكر.
14. فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ: فلما كتب الله على سليمان الموت وحان أجله وتمت مدته مات عليه السلام واقفا معتمدا على عصاه وما علم الجن أنه مات وهم يعملون بين يديه حتى أتت الأرضة فأكلت عصاه فوقع عليه السلام عندها تيقن الجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما مكثوا في الشغل الشاق المذل والعمل المضني لسليمان لأنهم كانوا يحسبونه حيا ينظر إليهم وهو قد مات!! وفي الآية الرد على من ادعى أن الجن يعلمون الغيب فلا يعلم الغيب إلا الله وحده.
15. لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ: لقد كان لقبيلة سبأ في اليمن برهان عظيم على قدرة الله وعظمته سبحانه هذا البرهان هو بستانان عن يمين وشمال الوادي أو أن كل بيت من بيوتهم يحفه بستانان وأمرهم ربهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروا نعمه ويستعينوا بها على طاعته فإن أرضهم كريمة التربة عذبة الماء حسنة الهواء وربهم الله غفار للذنوب ستار للعيوب.
16. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ: فأعرض أهل سبأ عن طاعة الله واتباع رسله وشكره على نعمه فأرسل الله على قراهم السيل الجارف القوي فخرب سدهم ودمر قراهم واقتلع شجرهم وأغرق دوابهم وبدلهم الله مكان البساتين الخضر والحدائق الغناء جنتين دون الاولى لشجرها ثمر مر كريه الطعم وأثل لا ثمر فيه وقليل من شجر النبق كثير الشوك.
17. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ: ذلك التبديل من الأحسن إلى الأسوأ بسبب إعراضهم وكفرهم وعدم شكرهم وما يعذب الله ولا يعاقب إلا من كفر النعم وأعرض عن الحق جزاء على فعله القبيح.
18. وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ: وجعل الله بين أهل سبأ في اليمن وقرى الشام التي بارك الله في ارضها مدنا متصلة بعضها ببعض وجعل الله السفر في هذه القرى معلوما محددا من مكان إلى مكان لا مشقة فيه وأمرهم الله أن يسافروا في تلك القرى في أي ساعة من ليل أو نهار وهم في أمن وفي نعمة قد أطعمهم الله من الجوع وأرواهم من العطش وآمنهم من الخوف.
19. فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: ولكنهم تجاوزوا الحدود وطغوا وبغوا وسئموا النعيم وملوا رغد العيش والراحة والأمن وقالوا في بطر وأشر يا ربنا اجعل بين قرانا مسافات متباعدة حتى لا يفد إليهم محتاج ولا يصل إليهم فقير وحتى لا تبقى في طريقهم أرض عامرة فينقطع المسافرون وقد ظلموا أنفسهم بالشرك وكفر النعم والاعتداء في الدعاء فأهلكهم الله ودمرهم وأباد خضراءهم وشتت شملهم ومزقهم في الديار وخرب بلادهم إن فيما وقع بأهل سبأ لعظة عظيمة لكل من صبر على أقدار الله المؤلمة وصبر على أداء الطاعات وصبر على اجتناب المعاصي وأكثر من شكر ربه بطاعته وامتثال أمره.
20. وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: ولقد ظن الشيطان ظنا غير يقين أنه سيغوي كل البشر وأنهم سوف يتبعونه في غوايته فصدقوا ظنه فاتبعوه واقتدوا به في معاصي الله إلا طائفة من أهل الإيمان بالله ورسله فإنهم أخلصوا لله العبادة وأفردوه بالتوحيد.
21. وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ: وما كان للشيطان على الكفار من وسيلة يقهرهم بها ويجبرهم على الكفر ولكن قدر الله أن يفتن الناس به ويمتحنهم بتزيينه وتسويله ليظهر الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق ولو لم يكن هناك ابتلاء لما تميز الأبرار عن الأشرار وربك على كل شىء حفيظ يطلع عليه ويحصيه ويحاسب عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
22. قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ: قل أيها النبي للكفار ادعوا من زعمتموهم شركاء لله في خلقه وعبادته فصرفتم لهم شيئا من العبادة فاقصدوهم في حوائجكم فلن تجدوا عندهم إجابة لأنهم عاجزون عن تلبية أي سؤال فهم لا يملكون وزن نملة صغيرة في السموات ولا في الأرض وليس لهم أي حصيلة أو قسم من هذا الخلق فالله خالقه ومالكه ومدبره وحده والله لم يستعن حين خلق السموات والأرض بأحد من المشركين ولا من آلهتهم المزعومة بل هو المتفرد بالخلق والرزق فحقه أن يعبد وأن يوحد وأن يفرد بالعبادة ولا يجحد.
23. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ: ولا تنفع شفاعة من يشفع عند الله إلا إذا أذن الله للشافع بالشفاعة ورضي عن المشفوع له والله عزوجل إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه وجلوا من عظمته وخافوا من هيبته حتى يغشاهم مثل الإعماء من شدة الفزع فإذا زال عنهم الخوف قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم؟ فتجيب الملائكة قال الحق وهو العلي علو ذات وقدر وقهر الكبير على كل شىء الذي له العظمة والكبرياء.
24. قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: سل أيها النبي الكفار من الي يرزقكم من السموات بإنزال الغيث ومن الأرض بالثمار والزروع والكنوز وغير ذلك؟ فإنهم يعترفون أن الله هو الرازق وحده فإن أنكروا فقل لهم الله سبحانه هو الرازق لا سواه وإن إحدى الطائفتين منا ومنكم لراشدة صائبة أو أنها ضالة منحرفة.
25. قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ: قل أيها النبي للكفار لا تسألون عن خطايانا ولا نسأل عن أعمالكم لأننا نبرأ إلى الله منكم ومن شرككم.
26. قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ: قل أيها النبي للكفار الله يجمع بيننا وبينكم يوم الحساب ثم يفصل بيننا بالعدل فيما اختلفنا فيه وهو الفتاح الذي يحكم بين الناس بالعدل ويقضي بالفصل فقضاؤه يصدر عن عدل لأنه علم أعمال خلقه لا تغيب عنه غائبة.
27. قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قل أيها النبي للكفار أروني بالبرهان الواضح الذين صيرتموهم شركاء لله في العبادة هل خلقوا شيئا؟ بل أنتم كاذبون في دعواكم فالخالق الرازق هو الله وحده الذي لا تتبغى العبادة إلا له العزيز ينتقم ممن عاداه ويعز من والاه الحكيم في خلقه وصنعه وفي تدبيره وشرعه.
28. وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: وما أرسلك الله أيها النبي إلا رسولا للبشر جميعا فدعوتك عامة للثقلين تبشر من آمن بالأجر العظيم وتنذر من كفر بالعذاب الأليم ولكن أكثر البشر لا يعلمون الحق الذي بعثت به ولا يصدقون رسالتك فهم معرضون عن الهداية.
29. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار في استبعاد واستنكار متى موعد القيامة الذي تعدوننا به والذي يحصل فيه القضاء بين الخلق إن كنتم صادقين بأن هذا الوعد واقع لا محالة.
30. قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ: قل أيها النبي للكفار لكم وقت محدد وواقع لا محالة هو يوم الحساب لا تتأخرون عن موعده ساعة من الزمن فتتوبون ولا تتقدمون إليه ساعة من الزمن فتعذبون بل هو موعد معلوم فخافوا ذلك اليوم وخذوا حذركم منه بطاعة الله.
31. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ: وقال الكفار لا نصدق بالقرآن ولا بالكتب التي سبقته كالتوراة والإنجيل والزبور فهم كذبوا كل الرسل وأنكروا كل الكتب ولو ترى أيها النبي إذ الكفار محبوسون عند الله للجزاء يتكلم بعضهم مع بعض كل يلقي باللوم على الآخر لرأيت أمرا هائلا ومشهدا فظيعا يقول المستضعفون من الرعاع والسفلة والأتباع للمستكبرين من القادة والأعيان والرؤساء الذين دلوهم على الضلالة لولا أنكم أغويتمونا عن طريق الحق لآمنا بالله وصدقنا رسوله صلى الله عليه وسلم.
32. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ: قال السادة والكبراء للضعفاء هل نحن منعناكم من الإيمان بعدما جاءكم الهدى؟ بل كنتم أشرارا فجارا بقبولكم الغواية مختارين ولم يجبركم أحد.
33. وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: وقال الضعفاء للرؤساء بل خداعكم وتزيين الشر لنا أوردنا المهالك فقد عرضتم لنا الباطل ليل نهار ودعوتمونا للكفر بالله والإشراك به وكتم كل من الطائفتين ندمهم وحسرتهم وخيبتهم حين شاهدوا العذاب أمامهم وجعل الله الأغلال في أعناق الكفار ولم يعذبوا هذا العذاب إلا لكفرهم بالله وصدهم عن سبيله وفي الآية تحريم اتباع دعاة الضلالة وأئمة الطغيان ورؤوس المبتدعة.
34. وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ: وما أرسل الله في قرية من رسول يدعو إلى الإيمان بالله وعدم الإشراك به إلا قال أهل البطر والأشر المنغمسون في البذخ والترف إنا بما أتيتم به أيها الرسل من عند الله جاحدون منكرون.
35. وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ: وقال المترفون المتكبرون نحن أكثر منكم أيها المؤمنون أموالا وأولادا فرضى الله عنا ميزنا عليكم بهذه النعم وسوف ننجو من العذاب في الدنيا والآخرة.
36. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: قل أيها النبي للمتكبرين والمترفين إن الله يعطي الدنيا من يشاء من عباده ويوسع عليه رزقه ويمنعها من يشاء فيضيق عليه رزقه لا لمحبة ولا لبغض ولا لهداية ولا لضلالة بل يفعل الله ذلك ابتلاء فلا يظن الموسع عليه أنه محبوب ولا يظن المضيق عليه أنه مبغوض ولكن أكثر الناس لا يعلمون مراد الله وأسراره في خلقه وحكمته في اختياره وابتلائه.
37. وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ: وليست الأموال ولا الأولاد بالتي تقرب صاحبها من الله فتعلي منزلته وترفع درجته لكن المؤمنون الصالحون لهم ثواب مضاعفة الحسنات فالحسنة بعشر أمثالها إلى ما شاء الله وقد تكون أموالهم وأولادهم إذا صدقوا مع الله من أسباب المضاعفة وهؤلاء المؤمنون في أرفع منازل الجنة وأعلى مراتبها آمنون من العذاب والموت وأنواع الهموم والغموم والأحزان.
38. وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ: والذين يجتهدون في إبطال حجج الله والرد على براهينه التي أنزلها على رسله ويحاربون أولياءه مشاقين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم معادين للحق هؤلاء في نار جهنم تحضرهم الزبانية وتسحبهم على وجوههم سحبا إلى النار.
39. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: قل أيها النبي للمتكبرين المترفين المغترين بالدنيا إن الله يوسع على من يشاء من عباده في الرزق ويضيق على من يشاء من عباده لسر يعلمه ولحكمة أرادها ابتلاء منه لخلقه وما بذلتم في سبيل الله من مال أو نفع فإن الله سوف يعوضه لكم في الدنيا بزيادة الرزق وفي الآخرة بالأجر العظيم وهو سبحانه خير الرازقين يعم نواله الجميع ويعطي البر والفاجر ولا يرجو من العبد بإعطائه نفعا فاطلبوا الرزق من الواحد الأحد وابذلوا الأسباب الشرعية في الكسب.
40. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ: واذكر أيها النبي يوم يجمع الله المشركين وآلهتهم التي عبدوها من دون الله من الملائكة ثم يقول الله للملائكة مبكتا المشركين أهؤلاء المشركون كانوا يعبدونكم من دوننا؟ فهل رضيتم بذلك؟ والله يعلم حقيقة الأمر.
41. قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ: فأجابت الملائكة ننزهك يا ربنا عن شرك من أشرك بك في العبادة فأنت وحدك إلهنا وولينا الذي نخلص له الطاعة ونفرد له العبادة بل كان المشركون يعبدون الشياطين ويصدقونهم فيما يقولون ويطيعونهم فيما يأمرون.
42. فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ: وفي يوم القيامة لا يستطيع المعبودون جلب النفع لمن عبدوهم أو دفع الضر عنهم ويقول الله للكفار الظالمين لأنفسهم بالشرك والذنوب ذوقوا ما كنتم تكذبون به في الدنيا من عذاب النار.
43. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ: وإذا قرئ القرآن على الكفار وصارت آياته معلومة واضحة لديهم قالوا ما محمد إلا إنسان يرغب في منعنا من عبادة أصنامنا وأوثاننا التي كان يعبدها آباؤنا وقالوا ما هذا القرآن الذي جئت به يا محمد إلا زور وبهتان وقال الكفار إن القرآن سحر ظاهر واضح لا يشك في ذلك أحد.
44. وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ: وما أنزل الله على الكفار قبل القرآن كتبا ترشدهم إلى أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم سحر وما بعث الله للكفار رسولا قبل محمد صلى الله عليه وسلم يخوفهم عذاب الله.
45. وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ: وكذب الذين سبقوا كفار مكة كعاد وثمود بآيات الله ورسله وما بلغ كفار مكة عشر ما أعطى الله الأقوام السابقين من القوة والثراء والبأس وتتابع النعم والبسطة في الأجسام ونحو ذلك فكذبت تلك الأمم رسلهم ودمر الله المكذبين فانظر وتفكر ما أشد عقوبة الله لما أنكر عليهم وما أقوى بأسه لما انتقم منهم.
46. قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ: قل أيها النبي لهؤلاء الكفار إنما أنصح لكم بطريقة واحدة أن تنهضوا لإجابة داعي الله اثنين وواحدا واحدا ثم تتفكروا وتتأملوا حالة الرسول صلى الله عليه وسلم وما ادعيتم عليه من جنون فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس إلا منذرا لكم بعذاب جهنم إن كفرتم بالله وكذبتم رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما دعاهم للتفكر اثنين وواحدا ليكون ذلك ادعى لصفاء الذهن والبعد عن ضوضاء الناس.
47. قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: قل ايها النبي للكفار ما طلبت منكم أجرة على تبليغ رسالتي ودعوتي لكم فهي لكم ولا أطلب منكم شيئا إنما أجري على تبليغ دعوة ربي على الله وحده وهو مطلع على عملي وعملكم لا تغيب عنه غائبة وسيحاسب الجميع على ما فعلوا إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
48. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ: قل أيها النبي لمن جحد الإيمان وكذبك إن ربي يرمي الباطل بحجج من الحق فيسحقه ويمحقه والله يعلم ما غاب عن الأبصار لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عن علمه غائبة.
49. قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ: قل أيها النبي للكفار جاء الحق من الله والهداية الربانية وغرب الباطل واضمحل الكفر وانهزم أصحابه ولم يبق للباطل نصير يبدؤه ويعيده ويحميه وينصره.
50. قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ: قال أيها النبي إن انحرفت عن الهدى فذنب انحرافي على نفسي وإن استقمت على الطريق المستقيم فبسبب ما أنزل الله علي من كتاب وسنة إن ربي سميع لكل الأقوال يسمع من دعاة قريب ممن ناجاه وناداه.
51. وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ: ولو شاهدت أيها النبي إذ خاف الكفار اشد الخوف حين أبصروا العذاب لشاهدت أمرا مهولا فلا نجاة لهم من العذاب ولا مهرب لهم منه وأخذ الكفار إلى النار من محل دان قريب الأخذ ليس ببعيد.
52. وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ: وقال الكفار بعدما أبصروا عذاب جهنم آمنا بالله وصدقنا رسوله صلى الله عليه وسلم وكيف يستطيعون الإيمان في هذا الوقت وقد فات الأوان وقد بعد المكان والزمان بهم عن الإيمان فقد حيل بينهم وبينه لأن وقت الإيمان ومكانه في الحياة الدنيا لا في الآخرة.
53. وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ: وقد كذب الكفار برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفروا بالله وهم يرمون بالظنون الخاطئة من محل بعيد عن إصابة الحق وليس لهم دليل على ظنهم ولا برهان على حسبانهم الباطل ولا يصيب الحق إلا من كان على بينة من ربه ولديه حجة من الله كما أن رامي الهدف إذا ابتعد عنه لا يصيبه وإنما يرمي على الظن.
54. وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ: وحيل بين الكفار والإيمان بالله الواحد القهار والتوبة والاستغفار والرجوع إلى هذه الدار مثلما فعل الله بمن يشبههم من القرون المتقدمة إن الكفار كانوا في الحياة الدنيا في شك من الإيمان بالله ورسله والبعث بعد الموت والحساب وهذا الشك أحدث لهم قلقا وريبة فكفروا وكذبوا.
سورة فاطر
1. الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: الثناء الجميل والشكر الجزيل والحمد الجليل لله وحده الذي خلق السموات والأرض وأبدعهما وأنشأهما على غير مثال سابق الذي جعل الملائكة رسلا من عنده بالوحي إلى من أراد من الناس يتنزلون بأمره ونهيه ومن قدرة الله العظيمة أن جعل للملائكة أجنحة متعددة منهم من عنده جناحان أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك يطير بها في السماء ليؤدي رسالة الله إلى عباده إن الله على كل شىء قدير لا يصعب عليه أمر ولا يستعصي عليه شىء.
2. مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: ما يفتح الله للناس وما يعطي العباد من النعم الظاهرة والباطنة كالمال والولد والصحة والعلم والهداية والفهم والقبول وغير ذلك فلا أحد من البشر يستطيع أن يمنع هذا العطاء أو يرد هذه الرحمة وما يمنع الله عن أحد من عباده هذه النعم لا يستطيع أحد من خلقه أن يوصلها إلى أحد من عباد الله إذا أراد الله حرمانه منها فلا يجلب الخير إلا لله ولا يدفع الشر إلا الله فمن أراد العزة والنصر والرزق والتأييد والرفعة والهداية فليطلبها ممن يملكها وحده سبحنه ولا يطلبها من الناس فإنهم لا يعطون ولا يمنعون ولا ينفعون ولا يضرون ولا يحيون ولا يميتون ولا يعزون ولا يذلون فإنما المعطي والمانع والنافع والضار والمحيي والمميت والمعز والمذل هو الله وحده لا إله إلا هو ولا بسواه فلتخلص له العبادة وليفرد بالطاعة وهو العزيز الذي يعز من والاه ويذل من عاداه ويقهر من غالبه ويخذل من حاربه الحكيم في خلقه وصنعه وتدبيره وشرعه.
3. يأيها النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ: يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم بشكرها بالقلوب والألسن والجوارح فمن أطاعه فقد شركه ومن عصاه فقد كفره هل تعلمون لكم أيها الناس خالقا غير الله يرزقكم من السماء بالغيث ومن الأرض بالماء والثمار والزروع والمعادن وغير ذلك لا يستحق العبادة بحق إلا الله لا شريك له ولا رب سواه فكيف تصرفون عن طاعته وتوحيده وعبادته بعدما عرفتم فضله وإحسانه.
4. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ: وإن يكذبك الكفار أيها النبي فقد سبق للأمم التي قبلهم أن كذبوا رسلهم فاصبر كما صبر أولئك الرسل فإلى الله تعود كل الأمور ليحاسب الجميع على ما فعلوا فيثيب المؤمن ويعذب الكافر.
5. يأيها النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ: يا أيها الناس إن ما وعدكم الله به من البعث بعد الموت وقيام الساعة حق لا شك فيه فأعدوا العدة لذاك اليوم بالتزود بالعمل الصالح ولا تخدعنكم الحياة الدنيا بزخرفها وبريق زينتها ومراتع شهواتها ولا يخدعنكم عن الله وعن طاعته الشيطان الرجيم فإنه خداع يحبب إليكم المعاصي ويكره لكم الطاعات.
6. إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ: إن الشيطان عدو لكم أيها الناس فتهيؤوا لعداوته واحذروا من فتنته وخالفوه ولا تطيعوه إنما يدعو الشيطان أتباعه إلى الغواية ليكونوا من أصحاب نار جهنم الموقدة.
7. الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ: الذين كفروا بالله وكذبوا رسله وحاربوا أولياءه لهم عذاب شديد في نار جهنم والمؤمنون الصالحون لهم عند الله غفران الذنوب وستر العيوب والثواب الجزيل في الجنة دار الأمن والنعيم المقيم.
8. أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ: أفمن حسن له الشيطان أفعاله القبيحة من الكفر والتكذيب وسائر الذنوب فرأي هذا الفعل القبيح حسنا جميلا هل مثله كمن هداه الله فرأي الجميل جميلا والقبيح قبيحا وميز بين الحق والباطل؟ فإن الله يضل من أراد من العباد، ويهدي من أحب إلى طريق الرشاد فلا تهلك نفسك أيها النبي حزنا على تكذيب الكفار إن الله عليه بسوء أفعالهم وسوف يحاسبهم على ذنوبهم.
9. وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ: والله سبحانه هو الذي أرسل الرياح فتحرك الغمام فيسوقه الله بها إلى بلد جدب أصابه القحط فيحيي الله نباته بالماء فتصبح الأرض مخضرة بالنبات بعد اليبس فكما أن الله أحيا الأرض الميتة بالماء كذلك بخرج الله الأموات من القبور أحياء.
10. مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ: من كان يطلب من الناس العزة في الدنيا والآخرة فليطلبها إلى الذي يملكها وهو الله وحده بطاعته وأتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فلله العزة جميعا والله المعز لمن أطاعه والمذل لمن عصاه فمن اعتز به أعزه ونصره ومن اعتز بغيره أذله وخذله إليه سبحانه يصعد ذكره والعمل الصالح يرفع الذكر إليه أو أن الله سبحانه هو الذي يرفع العمل الصالح ويتقبله والذين يعملون الخطايا لهم عند الله عذاب شديد ومكرهم يضمحل ويبطل ولا ينفعهم شيئا لأن الله خير الماكرين يبطل مكر من مكر.
11. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: والله خلق أباكم آدم أيها الناس من تراب ثم خلق ذريته من سلالة من المني الماء الضعيف المهين ثم أخرجكم رجالا ونساء وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا والله يعلم حملها وما يطول عمر معمر ولا ينقص من عمر إنسان إلا مسطور عند الله في اللوح المحفوظ قد علم الله ذلك كله وأحصاه واطلع عليه وقدره بالزيادة والنقص قبل أن يخلق الخلق إن خلقكم ومعرفة آجالكم وقدر أعماركم وجميع أحوالكم سهل يسير على الله تعالى.
12. وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: وما يستوي البحران بحر عذب ماؤه شديد العذوبة يسير نزوله في الحلق يذهب الظمأ ويأتي بالري وبحر شديد الملوحة ومن كلا البحرين تأكلون سمكا لذيذا طريا وستخرجون من البحرين لؤلؤا ومرجانا تلبسونها للزينة والتجمل وتشاهد السفن العظيمة تشق الماء لتطلبوا عليها الرزق من تجارة ونحوها وفي هذا كله برهان على قدرة الله وعظمته ووحدانيته ولعلكم تشكرون الله على نعمة بلزوم طاعته وإخلاص العبادة له.
13. يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ: والله يدخل من وقت الليل في وقت النهار فيطول النهار بقدر ما نقص الليل ويدخل من وقت النهار في الليل فيطول الليل بقدر ما نقص من النهار والله ذلل الشمس والقمر كل منهما يسعى إلى وقت محدد وزمن معلوم والذي فعل ذلك كله هو الله ربكم الخالق الرازق المدبر الذي يستحق العبادة وحده والذين تبعدونهم من دونه من الشركاء والأولياء ما يملكون في السموات والأرض قطميرا وهي القشرة الرقيقة التي على النواة.
14. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ: إن تدعوا أيها العباد هذه المعبودات من دون الله لتطلبوا منها جلب خير أو دفع ضر فهي لا تسمع دعاءكم ولو سمعت فرضا ما أجابت سؤالكم ويوم القيامة تتبرأ هذه المعبودات ممن عبدها من دون الله ولا أحد يخبرك عن أي أمر أصدق وأعلم من الله العليم الخبير.
15. يأيها النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ: يا أيها الناس أنتم المحتاجون إلى الله في كل شىء لا تستغنون عنه طرفة عين فرزقكم وتدبير أمورم وتصريف شؤونكم بيده وحده لا بيد غيره والله سبحانه غني عنكم وعن كل أحد لا يحتاج إلى مخلوق ولا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاص وهو المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله له الكمال المطلق سبحانه وتنزه عن العيب والنقص.
16. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ: إذا أراد الله أهلككم ايها العباد وأفناكم إذا عصيتموه وخلق قوما آخرين يطيعونه فيما أمر ويجتنبون ما عنه نهي وزجر.
17. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ: وما إهلاككم أيها الناس إن عصيتموه والإتيان بخلق غيركم أطوع لله منكم بعسير صعب على الله بل هو سهل يسير لكمال قدرته سبحانه.
18. وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ: ولا تحمل نفس عاصية إثم نفس أخرى فالبرئ لا يتحل خطايا العاصي بل كل يسأل عما فعل وإن تطلب نفس محملة بالذنوب من يحمل عنها من ذنوبها فلن تجد من يحمل من ذلك شيئا ولو كان الذي طلبت منه ذلك الطلب من أهل القرابة والصلة فإنها لا تنفع في الآخرة فالنجاة بالأعمال لا بالأنساب إنما تحذر أيها النبي بهذا القرآن من خاف عقاب الله بالغيب قبل أن يراه وأدى الصلاة على أكمل وجه كما شرعت ومن تطهر من الكفر وسائر الذنوب فإنما نفع ذلك لنفسه وإلى الله وحده يرجع الخلائق يوم القيامة فيحاسب كلا على ما فعل إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
19. وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ: وما يستوي الأعمى عن الحق الذي لا يبصر طريق الرشاد والبصير الذي أبصر الحق وسلك طريق الهدى واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم.
20. وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ: وما تستوي ظلمات الكفر والضلالة والمعاصي ونور الإيمان بالهدى والطاعة.
21. وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ: وما يستوي ظل الإيمان الوارف البارد ولا ريح الكفر الحارة المحرقة.
22. وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ: وما يستوي من أحيا الله قلبه بالإيمان وأنار بصيرته بالتقوى ولا من أمات الله قلبه بالكفر وأعمى بصيرته عن الهدى إن الله يسمع الحق من أراد من عباده سماع قبول وفقه واستجابة ولا تستطيع أيها الرسول إسماع الأموات في المقابر فكذلك لا تستطيع إسماع الكفار الحق الذي بعثت به لأن قلوبهم ميتة وبصائرهم مطموسة.
23. إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ: ما أنت أيها الرسول إلا مخوف للكفار من غضب الله وعذابه.
24. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ: إن الله أرسلك أيها النبي بالحق تدعو إليه وتعمل به وتبشر المؤمنين بجنات النعيم وتنذر الكافرين بنار الجحيم وما من أمة من الأمم إلا قد أرسل الله لها رسولا يحذرها من عذاب الله والكفر به وتكذيب رسله ويأمرها بعبادة الله وحده.
25. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ: وإن يكذبك الكفار أيها النبي فقد كذبت الأمم السابقة أنبياءهم بعدما جاءتهم الرسل بالبراهين الواضحة والمعجزات الظاهر الدالة على وحدانية الله وصدق الأنبياء وأتوا إلى أقوامهم بالكتب المجموع فيها الحق والشريعة وأتوا بالكتاب المنير البين الواضح الذي يدل على الحق ويحذر من الباطل.
26. ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ: ثم أخذ الله الكافرين بشتى العقوبات فتأمل كيف كان إنكار الله لفعلهم وكيف حلت عقوبته بهم فانتقم منهم أشد الانتقام.
27. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ: ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسقى به الأرض فأنبتت نباتا وأثمرت ثمرا مختلف الألوان والطعوم والأشكال وخلق الله من الجبال طرائق منها الأبيض والأحمر مختلف ألوانها وخلق الله من الجبال جبالا سودا شديدة السواد فسبحان من نوع الألوان وخالف بين الأصناف بقدرته.
28. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ: وخلق الله من البشر وكل ما دب على وجه الأرض ومن الإبل والبقر والغنم ما هو مختلف الألوان ايضا كالأبيض والأحمر والأسود وغير ذلك مثل اختلاف ألوان النبات والثمار والجبال فسبحانه من مبدع عظيم إنما يتقي الله حق تقاته ويخشاه حق خشيته ويقره قدره أهل العلم الراسخون فيه لأنهم العالمون بأسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه وما له من تعظيم جل في علاه وذكر العلماء بعد تلك المخلوقات لأنهم أكثر الناس تفكرا وتأملا في مواقع القدرة وعجائب الخلق فهم أهل تدبر وفقه لآيات الله الكونية والشرعية إن الله عزيز يعز من والاه ويذل من عاداه ويخذل من غالبه ويقهر من حاربه كثير الغفران لعباده يتجاوز عن سيئاتهم ويعفو عن زلاتهم.
29. إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ: إن الذين يقرؤون القرآن ويتدبرون معانيه ويعملون به ويداومون على أداء الصلاة على أكمل وجه وأتم هيئة كما شرعت ويتصدقون في سبيل الله مما أعطاهم الله سواء صدقة الواجب أو النفل سرا بحيث لا يراهم أحد وجهرا بإخلاص حيث يقتدي بهم الناس يؤملون من وراء تلك الأعمال الصالحة مكاسب عند الله لا تكسد ولا تضمحل يحفظها لهم ليوفيها إياهم يوم يلقونه.
30. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ: يجزل الله لهم على ما قدموا من أعمال البر أعظم الجزاء وأرفع الثواب ويتفضل عليهم بمضاعفة الحسنات فإنه غفور لسيئاتهم يعفو عن زلاتهم شكور لحسناتهم يأجرهم عليها بالفوز برضوانه وسكنى جناته.
31. وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ: والذي أوحى الله إليك أيها النبي من القرآن الكريم هو الحق المصدق لما نزل قبله من الكتب كالتوراة الإنجيل إن الله مطلع على أحوال العباد بصير بأقوالهم وأفعالهم لا تخفى عليه خافية يعلم ما أسروا وما أعلنوا.
32. ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ: ثم أعطى الله القرآن بعدما أهلك القرون السابقة من اختارهم من أمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهداهم إلى سبيله ووفقهم لطاعته فمن هؤلاء من يظلم نفسه بترك بعض الواجبات وارتكاب بعض المحرمات ومنهم السابق بالخيرات وهو من يؤدي الواجبات والمستحبات ويترك المحرمات والمكروهات ويسارع إلى الصالحات وهذا الإعطاء والاختيار لهذه الأمة هو الفضل الكبير من الله لأنه يحقق سعادة الدنيا والآخرة وكل صنف من هذه الأصناف ينال من السعادة والفوز على قدر عمله.
33. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ: يدخل الله هذه الأصناف الثلاثة جنات النعيم في إقامة دائمة ونعيم مستمر يتجملون في الجنة بأساور من ذهب ولؤلؤ ويلبسون فيها الثياب الرقيقة من الحرير الظالم لنفسه يدخل الجنة بالتوبة والحسنات الماحية والمصائب المكفرة.
34. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ: ويقول هؤلاء الأخيار حين يدخلون الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا كل حزن حيث غمرهم الفرح والسرور والبهجة والحبور إن ربنا لكثير الغفران حيث غفر سيئاتنا وعفا عن زلاتنا وهو شكور سبحانه حيث قبل حسناتنا وضاعفها.
35. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ: الله وحده هو الذي أدخلنا دار الإقامة الدائمة والخلود تفضلا منه وكرما لا يمسنا في الجنة تعب ولا إعياء ولا نصب ولا وصب ولا صخب.
36. وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ: والكفار لهم في الآخرة النار الموقدة المستعرة تشوي وجوههم وتحرق أجسامهم لا يكتب الله عليهم الفناء فيرتاحوا ولا يخفف عنهم من عذابها فيستريحوا وبمثل هذا العذاب والنكال يعاقب الله كل كافر به مكذب لرسوله جاحد بآياته.
37. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ: والكفار في النار يصيحون ويستغيثون من شدة الاهوال والأنكال والأغلال ويقولون يا ربنا أخرجنا من النار وأرجعنا إلى الحياة الدنيا حتى نتوب ونتزود بالصالحات ونترك الأعمال التي كنا نعملها من الكفر والتكذيب والمعاصي فيقال لهم أولم يمهلكم الله في الحياة الدنيا وقتا كافيا من العمر يعتبر فيه من اعتبر ويتعظ من اتعظ وجاءكم الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالبينات من عند ربه فلم تستجيبوا ولم تؤمنوا؟ فذوقوا عذاب النار وبئس القرار وما لكم من دون الله من انصار يدفعون عنكم عذاب الواحد القهار.
38. إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: إن الله يعلم ما غاب عن الأبصار في السموات والأرض وهو مطلع على السرائر لا تخفى عليه خافية وهو عليم بما تخفيه الصدور فاحذروا عذابه بطاعته فإنه لا تخفى عليه خافية من عملكم ولو أضمرتموه في أنفسكم.
39. هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا: الله وحده هو الذي جعلكم أيها البشر في الأرض يخلف بعضكم بعضا في عمارتها فمن كفر بالله فضرر كفره عليه ولن يضر الله شيئا ولا يزيد الكفار كفرهم عند الله إلا بغضا وكرها ولا يزيدهم كفرهم إلا ضلالا وهلاكا وخزيا وندامة.
40. قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا: قل أيها النبي للكفار أخبروني ما الشىء الذي خلقه في الأرض شركاؤكم الذين تعبدونهم من دون الله؟ أم أن لهؤلاء الشركاء حصة ونصيب مع الله في خلق السموات؟ أم أن الله أنزل إليهم كتابا فهم يتكلمون بدليل منه؟ بل ما يعد الكفار بعضهم بعضا إلا غرورا لا حقيقة له وخداعا لا صدق فيه.
41. إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا: إن الله سبحانه هو الذي يمسك السموات والأرض لئلا تزولا عن مكانهما فهو الذي يثبتهما ويحفظهما وحده ولئن زالت السموات والأرض عن مكانهما فإنه لا يستطيع أحد أن يمسكهما ويحفظهما غير الله سبحانه إن الله كان حليما في إمهال عقوبته على العصاة غفورا لمن تاب من خطاياه.
42. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا: وحلف الكفار أعظم الحلف بالإيمان المغلظة لئن جاءهم رسول من عند الله يحذرهم عذاب الله ليكونن أكثر إيمانا وهداية واستقامة من اليهود والنصارى وغيرهم فلما أرسل الله إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم ما زادهم ذلك إلا غيا وضلالا وبعدا عن الهداية!!
43. اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا: وليس حلف الكفار لمقصد حسن ولا لحرصهم على الهداية وإنما هو معاندة واستكبارا ويقصدون بحلفهم المكر السىء وخداع الناس لأنهم بهذا الحلف في الظاهر كأنهم حريصون على الحق ولكن الحقيقة أنهم أهل باطل وزور ومكرهم السىء لا يقع إلا بهم لا بغيرهم فماذا ينتظر هؤلاء المعاندون المتكبرون إلا العقاب الذي حل بأمثالهم من القرون الماضية وهذه سنة الله في كل معاند متكبر ولن تجد لطريقة الله تبديلا ولا تحويلا فلا يستطيع أحد أن يبدلها عن مجراها ولا يحولها عن طريقتها لأنها ثابتة مستقرة دائمة.
44. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا: أولم يسافر الكفار في الديار فيشاهدوا كيف عاقب الله من سبقهم من المكذبين كعاد وثمود وأمثالهم كيف دمر الله ديارهم وخرب دورهم حين حاربوه وصدوا عن سبيله مع أن أولئك المكذبين السابقين كانوا أشد قوة وأقوى أجساما وأكثر عدة من كفار مكة وما كان الله تعالى يستصعب عليه أمر ويفوته شىء في السموات والأرض بل إن قدرته سبحانه نافذة ولا راد لقضائه إنه كان عليما بأفعالهم وأقوالهم قديرا على إهلاكهم وإذلالهم.
45. وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا: ولو أن الله يعاقب العباد بسبب ما فعلوا من خطايا وسيئات لما سلم من عذابه دابة تدب على وجه الأرض ولكن الله يؤخر العذاب عن العصاة ويمهل أهل الذنوب إلى زمن محدد في علمه سبحانه فإذا حل زمن العذاب فإن الله كان بعباده بصيرا علم أفعالهم وأحصى أعمالهم لا يخفى عليه منهم شىء فيعذبهم وهم مستحقون العذاب يعلم الطائع من العاصي وسيجازي كلا بما فعل.
سورة يــــس
1. يس: الله أعلم بمعاني هذه الحروف المقطعة مع علمنا أن لها معاني جليلة.
2. وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ: أقسم الله تعالى بالقرآن الذي أحكم ألفاظه ومعانيه وشرفه بما فيه من الحكمة والأحكام والبراهين.
3. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: إنك أيها النبي محمد لمن المرسلين بوحي من الله إلى عباده.
4. عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وأنت أيها النبي على طريق قويم وصراط مستقيم لا اعوجاج فيه وهو طريق الإسلام.
5. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ: هذا القرآن أنزله الله العزيز في ملكه وحكمه الذي يقهر من غالبه ويخذل من حاربه والذي ينتقم ممن عاداه الرحيم بمن تاب إليه ووالاه.
6. لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ: أنزل الله القرآن إليك أيها النبي لتخوف به الكفار الذين لم يسبق لآبائهم الأقدمين أن جاءهم منذر من عند الله يخوفهم عقابه فهم لاهون ساهون عن الإيمان والعمل الصالح وكل طائفة أو جامعة تفقد الدعوة إلى الله تقع في الغفلة فواجب على العلماء بالله والدعاة إلى سبيله تذكير الناس وتعليمهم ووعظهم.
7. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: لقد أوجب الله العذاب على أكثر الكفار بعد أن قامت عليهم الحجة ووضحت لهم المحجة فهم لم يذعنوا للحق ولم يقبلوا الصدق وإنما كفروا بالله وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم.
8. إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ: إن الله جعل هؤلاء الكفار الذين ردوا ما بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم وعاندوا الحق كمن جعل في أعناقهم أغلال فجمعت أيديهم مع أعناقهم تحت أذقانهم فرفعوا رؤوسهم إلى السماء هؤلاء الكفار غل الله أيديهم عن كل خير وأعمى الله بصائرهم عن كل رشد فلا يفعلون خيرا ولا يبصرون حقا.
9. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ: وجعل الله من أمام الكفار سدا من الظلمات ومن ورائهم سدا فمثلهم كمثل من حجب بسد من أمامه ومن خلفه فلا يبصر شيئا ولا يهتدي لسبيل قد أعمى الله أبصارهم وطمس بصائرهم وكل عدو للإسلام واقع في هذه العقوبة بلا شك فتجده حائرا مترددا ضالا.
10. وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: والأمر سيان عند أهل الكفر والطغيان تخويفك إياهم أيها النبي بالعذاب وعدم تخويفك فلن يؤمنوا ولن يستجيبوا.
11. إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ: إنما ينفع تخويفك أيها النبي من آمن بكتاب الله واتبعه وعمل بما فيه وخاف الرحمن وهو لم يره وراقبه حيث لا يراه الناس فبشر من هذا فعله بمغفرة تمحو ذنوبه وثواب عظيم على حساته بالفوز برضوان الله ودخول جنته.
12. إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ: إن الله يحيي الموتى ويبعثهم من قبورهم للحساب ويكتب ما عملوا من حسن وسىء ويكتب لهم ثواب ما تسببوا فيه من خير كالعلم النافع والولد الصالح والصدقة الجارية ويكتب عقاب ما تسببوا فيه من شر كالكفر والبدعة والذنوب وكل شىء من صلاح وفساد قد سطره الله في اللوح المحفوظ ببيان ووضوح فيخف العبد ربه وليخش ذنبه وليعلم أن أقواله وأفعاله محصاة عليه.
13. وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ: واضرب أيها النبي للكفار الذين كذبوك مثلا يتفكرون فيه وهو خبر أهل قرية حين أرسل الله إليهم رسلا يدعونهم إلى عبادة الله وحده وينهونهم عن الإشراك به.
14. إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ: إذ أرسل الله إلى أهل القرية رسولين يدعونهم لإفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه فكذب أهل القرية الرسولين فأيد الله الرسولين وقواهما برسول ثالث فأخبر الثلاثة أهل القرية أن الله أرسلهم إليهم بدعوة التوحيد.
15. قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ: فرد أهل القرية على الرسل وقالوا لهم ما أنتم إلا أناس مثلنا ولا فضل لكم علينا والله لم ينزل وحيا على أحد من الناس وأنتم أيها الرسل تكذبون على الله صان الله رسله عليهم السلام عن هذا البهتان.
16. قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ: قال الرسل لقومهم الله ربنا الذي أرسلنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ولم نكذب على الله ولم ندع ذلك من أنفسنا.
17. وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ: والواجب علينا تبليغ رسالة الله بالبيان التام وهذا عملنا أما هدايتكم فعلى الله إذا شاء وليست علينا.
18. قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ: فرد أهل القرية على الرسل قائلين إنا متشائمون منكم ومما جئتم به لئن لم تتركوا دعوتنا وإنذارنا لنرمينكم بالحجارة حتى نقتلكم ولينالنكم منا عذاب شديد موجع.
19. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ: قال الرسل لقومهم شؤمكم أنتم من أنفسكم ومن أعمالكم القبيحة كالشرك والمعاصي ولا تحيط إلا بكم أإذا نصحتم لما فيه صلاحكم وفلاحكم تشاءمتم منا وتوعدتمونا بالرجم والنكال؟ بل أنتم متجاوزون للحدود في العصيان والطغيان.
20. وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ: وجاء من محل بعيد في المدينة رجل مسرع لما بلغه أن أصحاب القرية عزموا على قتل الرسل والتنكيل بهم فحذر قومه وقال يا قومي صدقوا الرسل واتبعوهم فإنهم على بينة من ربهم.
21. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ: اتبعوا يا قومي رسل الله الذين لا يطلبون منكم أجرة على رسالتهم ودعوتهم وهم على صواب ورشد فيما يدعون إليه من إخلاص العبادة لله والنهي عن الإشراك به وفي هذا فضل الداعية إلى الله وأما مرتبة الدعوة إليه.
22. وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: وماذا يمنعني من عبادة الله وحده وإخلاص الطاعة له وعدم الإشراك به وهو الذي خلقني وإليه يعود الناس أجمعون.
23. أَأَتَّخِذُ مِـنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ: كيف أعبد من دون الله آلهة أخرى من الأصنام والأوثان لا تملك لي نفعا ولا تدفع عني ضرا إن يردني الرحمن بسوء فلن تدفع عني الآلهة هذا السوء ولا تنجيني مما أنا فيه.
24. إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: إني لو اتخذت آلهة من دون الله لفي ضلال بين وخطأ ظاهر وانصراف عن الحق.
25. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ: إني آمنت بربكم الله الذي لا إله إلا هو وأخلصت العبادة له فاستمعوا لما أقول لكم سماع قبول واستجابة وأطيعوني فيما دعوتكم إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له فلما انتهى من كلامه قاموا إليه فقتلوه فتقبله الله شهيدا وأدخله الجنة.
26. قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ: قيل له بعدما قتل في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته ادخل الجنة مكرما في حبور وسرور وقرة عين قال وهو في الجنة يا ليت أن قومي يعملون ما أنا فيه من السعادة والكرامة.
27. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ: وليتهم يعملون بأن ربي غفر ذنبي وأكرمني ورفع منزلتي لأني آمنت به وأخلصت العبادة له واتبعت رسله فلعلهم إذا علموا ذلك أن يستجيبوا لرسل الله فيدخلوا الجنة مثلما دخلتها فجزاه الله خيرا ما أنصحه لقومه حيا وميتا، وهكذا فليكن الداعية يحب الخير للجميع.
سورة يس
28. وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ: وما استدعى الأمر إنزال جنود من السماء لتقابل هؤلاء الكفار لما كذبوا وقتلوا الداعية إلى الله فالأمر أيسر من ذلك وهم أهون وأضعف من أن ينزل عليهم جند من السماء وما كان الله لينزل الملائكة على المكذبين لإهلاكهم بل يبعث عليهم عذابا يبيدهم به.
29. إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ: ما كان أخذهم وتدميرهم إلا بصيحة واحدة فإذا هم ميتون لا حركة لهم ولا أثر.
30. يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: يا حسرة الناس ويا ندامة العباد يوم العرض الأكبر إذا شاهدوا تلك الأهوال ما يأتي الناس من رسول من عند الله يدعوهم إلى توحيده إلا سخروا منه واستهزؤوا به.
31. أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ: ألم يشاهد الكفار فيعتبروا كم من القرون أهلكهم الله ولم يعودوا إلى هذه الحياة الدنيا؟
32. وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ: وكل هذه القرون التي أهلكها الله والأمم التي أبادها سوف يحضرون كلهم ليوم الحساب ليجازيهم الله على ما فعلوا.
33. وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ: وبرهان لهؤلاء الكفار على قدرة الله على إحياء الموتى هذه الأرض الجدباء اليابسة التي لا نبت فيها يحييها الله بالنبات الأخضر بعد إنزال الماء من المساء عليها فيخرج من الأرض بالماء أنواع الثمار والحبوب يأكل منها الإنسان والحيوان ومن أحيا الأرض بالنبات أحيا الخلق بعد الممات.
34. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ: وجعل الله في الأرض بساتين خضراء وحدائق غناء من نخيل وأعناب وفجر فيها من عيون الماء ما يسقيها.
35. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ: والله خلق ذلك كله ليأكل الناس من ثمره ويستعينوا بها على شكره وهذا رحمة منه سبحانه وفضل منه لا بسبب سعي الناس ولا بحولهم ولا بقوتهم ولا بكدهم فلماذا لا يشكرون الله على نعمة بطاعته وإخلاص العبادة له وعدم الإشراك به وشكر المنعم واجب والمنعم حقيقة هو الله وحده.
36. سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ: تنزه الله الماجد وتقدس الله العظيم وتبارك اسمها الذي خلق الأنواع والأصناف جميعها من الأشجار والثمار والحبوب ومن الناس ذكورا وإناثا ومما لا يعلم الناس من سائر المخلوقات ومختلف أنواع الكائنات فلما انفرد الله بالخلق استحق أن يعبد وحده لا يشرك به شىء.
37. وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ: وبرهان للكفار على قدرة الواحد القهار آية الليل كيف ينزع الله منه النهار بغروب الشمس فإذا الناس في ظلمة حالكة.
38. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ: وبرهان للكفار على قدرة الواحد القهار هذه الشمس تسعى إلى مستقر قدره الله لها فلا تتعداه ولا تقف دونه هذا التقدير والتوقيت هو من حكمة العزيز الذي يعز من والاه ويذل من عاداه عزيز لا يغالب وهو العليم الذي يقدر الأشياء بعلم وحكمة.
39. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ: ومن البراهين الدالة على قدرة الواحد القهار هذا القمر قدر الله سيره منازل ينزلها كل ليلة يبدأ هلالا ثم يكبر شيئا فشيئا حتى يصبح بدرا منيرا مستديرا ثم يعود شيئا فشيئا حتى يصغر مثل عذق النخلة المنحني في الرقة والضعف والصفرة بجفافه ويبسه.
40. لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: لا يمكن للشمس أن تلحق بالقمر فتمحو نوره لأن لها مجرى غير مجراه ومنازل غير منازله فهي تسير بتوقيت من الله محدد والقمر كذلك ولا يمكن لليل أن يسبق النهار فيدخل عليه قبل أن ينتهي وقته وتكتمل ساعاته فوقت النهار معلوم محدد يزيد وينقص بحساب من الله وكذلك الليل وكل من الشمس والقمر والنجوم والكواكب في مدارات معلومة تجري لا تصطدم ببعضها قد علم الله مسارها وقدر منازلها جل في علاه.
41. وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ: وبرهان لهم على تفرد الله بالربوبية والألوهية واستحقاقه للعبودية أنه سبحانه حمل من نجى من ولد آدم في سفينة نوح المملوءة بأصناف المخلوقات ليبقى نوع الخلق بعد الطوفان فحمايتهم من الغرق وهدايتهم للإيمان فضل من الله تعالى.
42. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ: وخلق الله للبشر مثل سفينة نوح كثيرا من السفن والمراكب لنقلهم وحمل أرزاقهم وتسهيل أسفارهم.
43. وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ: وإذا أراد الله أغرق السفن بمن عليها فلا يجدون منقذا لهم من الغرق ولا منجدا لهم من الهلاك ولا هم ينجون بأنفسهم.
44. إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ: إلا أن يرحمهم الله فيحميهم من الغرق والهلاك ويمتعهم بنعمة إلى وقت محدد هو انتهاء أعمارهم لعلهم يتوبون ويؤمنون.
45. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: وإذا قيل للكفار خافوا عذاب الآخرة بالإيمان والعمل الصالح واحذروا تقلبات الدنيا ومصائبها لعل الله أن يرحمكم بصرف العذاب عنكم حينها يعرضون ولا يستجيبون.
46. وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ: وما يجئ هؤلاء الكفار من برهان واضح من عند الله يدلهم على الحق ويبين لهم الرشد إلا أهملوا النظر فيه وغفلوا عنه.
47. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: وإذا قيل للكفار أنفقوا مما تفضل الله به عليكم من النعم ردوا على المؤمنين معاندين كيف نطعم أناسا لو أراد الله أن يطعمهم أطعمهم وهم خلقه وهو غني؟ ما أنتم أيها المؤمنون إلا في بعد عن الحق وذهاب عن الرشد لأمركم لنا بذلك.
48. وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار مستبعدين من كريم متى تقوم القيامة إن كنتم أيها المؤمنون صادقين في قولكم بقيامها فأخبرونا بوقتها؟
49. مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ: ما ينتظر الكفار الذين يستبعدون القيامة إلا نفخة الهول الأكبر عند قيام الساعة فتهلكهم على غرة وهم يختصمون في أمور الدنيا.
50. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ: فلا يستطيع الكفار عند النفخ في الصور أن يوصلوا ذريتهم وقرابتهم بشىء لضيق الزمان وهول الواقعة ولا يستطيعون العودة إلى أسرهم في بيوتهم بل يدركهم الموت وهم في طرقاتهم وأسواقهم.
51. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ: ونفخ الملك في القرن النفخة الثانية فعادت الأرواح إلى الأجساد وقاموا من قبورهم إلى موقف الحشر مسرعين.
52. قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ: قال الكفار وقد أصابتهم الحسرة والندامة يا خيبتنا ويا هلاكنا ما الذي أخرجنا من قبورنا؟ فيقال لهم هذا ما سبق أن وعد به الرحمن الذي لا يخلف الميعاد وسبق أن أخبر به الرسل وقد صدقوا فيما أخبروا.
53. إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ: ما احتاج بعث الناس من القبور إلا إلى نفخة واحدة في القرن فإذا كل البشر واقفون للجزاء والسؤال.
54. فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: في هذا اليوم يكون الجزاء بالعدل ولا تظلم نفس بنقص الحسنات ولا بزيادة السيئات ولا يقع الجزاء إلا بما علم العبد أو كان سببا في هذا العمل من خير أو شر.
55. إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ: إن أهل الجنة مشغولون عن غيرهم بالتنعم بألذ عيش وأجل نعمة وأتم سعادة وهم مسرورون في قرة عين وأمن وبهجة وحبور.
56. هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ: أهل الجنة يتنعمون هم وزوجاتهم تحت ظلال وارفة على أسرة جميلة مريحة.
57. لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ: لأصحاب الجنة في الجنة أصناف الفواكه الشهية من كل نوع ولهم فيها كل ما يشتهون ويسألون من سائر الطيبات.
58. سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ: ولهم فوز أعظم وكرامة أجل حين يكلمهم الرحمن الرحيم فيحييهم بالسلام عليهم من الله الذي أنعم عليهم ورحمهم وصرف عنهم العذاب فيا قرة عيونهم.
59. وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ: ويقال للكفار في يوم الحشر انفصلوا عن المؤمنين ولا تختلطوا بهم فلكم حال ولهم حال.
60. أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: ويقول الله لمن كفر من عباده يلومكم ويبكتهم ألم أوجب عليكم لما أنزلت من كتبي على رسلي ألا تعبدوا الشيطان ولا تطيعوه؟ إنه عدو لكم بين العداوة شديد البغض.
61. وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ: وأوجبت عليكم توحيدي وإفرادي بالعبودية وإخلاص الطاعة لي وهذا هو الطريق القويم والصراط المستقيم الموصل إلى رضوان الله وجنته.
62. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ: ولقد أغوى الشيطان عن الإيمان بشرا كثيرا أفما كان لهم من عقول يفكرون بها وتنهاهم عن الغواية.
63. هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ: هذه النار الموقدة أمامكم التي سبق أن وعدتم بها في الدنيا إذا كفرتم وكذبتم.
64. اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: ادخلوا النار واصلوا جحيمها وذوقوا حرها عقابا لكم على تكذيبكم وكفركم.
65. الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: يوم القيامة يطبع الله على أفواه الكفار فلا يتكلمون وإنما تتكلم أيديهم بما اجترحت وتشهد عليهم أرجلهم بما مشت إليه وعملته من خطيئة.
66. وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ: ولو شاء الله لأعمى أبصار الكفار مثلما ختم على أفواههم فتسابقوا وأسرعوا إلى الصراط ليمروا من فوقه فكيف يستطيعون المرور وقد أعمى الله أبصارهم؟
67. وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ: ولو شاء الله لغير خلق الكفار وبدل أشكالهم وأقعدهم في أماكنهم فلا يستطيعون المشي إلى الأمام ولا الرجوع إلى الخلف وإنما يبقون حائرين مبهوتين.
68. وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ: ومن أطال الله عمره حتى يدركه الهرم والخرف رده إلى أول مراحل العمر في ضعف العقل وضعف الجسم كأنه طفل أفلا يفكرون بعقولهم فيعلموا أن من فعل ذلك بخلقه قادر على إحيائهم من قبورهم؟
69. وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ: وما علم الله رسوله صلى الله عليه وسلم الشعر وليس له أن يكون شاعرا لأن الشاعر يهيم في أودية الباطل ويبالغ ويذهب وراء الخيال وقد يكذب أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو نبي معصوم صادق مصدق زكي الله سمعه وبصره وقلبه فلا ينطق عن الهى إن هو إلا وحي يوحي وما الوحي الذي أتى به إلا ذكر لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة والقرآن الذي نزل عليه مبين لأحكام الشريعة وآدابها وأخلاقها.
70. لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ: ليخوف النبي بالقرآن من كان حي القلب نير البصيرة مستقيم الفطرة ويكتب الله عذابه على من كفر به لأن الله أقام عليهم الحجة بإنزال الكتاب وإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم فانقطع عنهم العذر.
71. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ: أولم ير الناس أن الله خلق لهم أنعاما سخرها لمصالحهم؟ فهم مالكون أمرها متصرفون فيه تفضلا منه وإحسانا.
72. وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ: وسخر الله للعباد هذه الأنعام فمنها ما يأكلونه ومنها ما يحلبونه ومنها ما يركبونه ومنها ما يحملون عليه أمتعتهم فسبحان من أنعم بها على عبادة وذللها لهم.
73. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ: وللناس منافع كثيرة في الأنعام كالانتفاع باللحم واللبن والصوف والوبر والشعر أفلا يشكرون الله على هذه النعم بإخلاص العبادة له ولزوم طاعته؟
74. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ: واتخذ الكفار من دون الله أصناما وأوثانا يعبدونها رجاء نصر هذه الآلهة لهم والدفاع عنهم.
75. لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ: لا تقدر هذه الأصنام والأوثان على نصرة من عبدها كما أنها لا تنتصر لنفسها والكفار مع ما يعبدون من الأصنام والأوثان محضرون عند الله للعذاب وعندئذ يتبرأ بعضهم من بعض.
76. فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ: فلا يحزنك أيها النبي قول الكفار من التكذيب والاستهزاء والسخرية إن الله يعلم ما أخفوا وما أظهروا وما أسروا وما أعلنوا وسوف يحاسبهم على ذلك.
77. أَوَلَمْ يَرَ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: أولم ير الإنسان الجاحد ليوم القيامة والبعث بعد الموت كيف ابتدأ الله خلقه من نطفة ثم ترقت به أحوال الخلق حتى صار رجلا فتحول إلى جاحد معاند كثير الخصومة شديد الجدال؟
78. وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ: وضرب المنكر الجحد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم مثلا لا يجوز له أن يضربه لأنه جعل قدرة الرحمن كقدرة الإنسان وأغفل أصل نشأته هو فقال منكرا للبعث من يحيى العظام إذا بليت وتفتت؟
79. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ: فأجب هذا الجاحد وهو العاص بن وائل أيها النبي وقل له يحيى هذه العظام بعدما تبلى وتتفتت الذي أنشأها أول مرة والإحياء بعد الموت أهون من الإنشاء من العدم وهو سبحانه عالم بجميع خلقه لا يخف عليه من أقوالهم ولا أعمالهم شىء.
80. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ: الله الذي أخرج من الأشجار الخضر الطرية الندية الرطبة نارا محرقة موقدة فانظر كيف جمع بين الضدين جل في علاه فإذا الناس يوقدون النار من الشجر الأخضر فمن هذا فعله فهو قادر على إخراج الضد من الضد وفي هذا برهان على قدرة الله في إحياء الموتى من قبورهم.
81. أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ: أوليس الله الذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما بقادر على أن يخلق مثلهم فيعيدهم كما أنشأهم أول مرة؟ بلى إنه سبحانه قادر على ذلك وهو الخلاق لكل مخلوق بحكمة وإتقان العليم بخلقه المطلع على سرهم وعلانيتهم لا تغيب عنه غائبة.
82. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: إنما أمر الله إذا أراد أن يفعل شيئا أو ينفذ أمرا ويخلق خلقا أن يقول له كن فيكون ومن ذلك الخلق والتقدير والحياة والموت والبعث والنشور.
83. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: فتنزه الله عن أقوال المشركين وتقدس عن العيب وتعالى عن العجز والإشراك به فهو المالك لكل الكائنات المصرف لكل المخلوقات المقدر لكل الحادثات فلا ينازعه في الخلق أحد ولا يشاركه في الحكم بشر بهرت معجزاته وظهرت آياته وكملت قدرته وتمت نعمته وإليه يعود العباد يوم المعاد ليجازيهم على كل صلاح وفساد.

سورة الصافــات
1. وَالصَّافَّاتِ صَفًّا: يقسم الله عزوجل بالملائكة تصف في عبادتها لربها صفوفا مستوية متراصة.
2. فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا: وأقسم الله تعالى بالملائكة تزجر السحاب وتسوقه بإذن الله من بلد إلى بلد.
3. فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا: وأقسم الله تعالى بالملائكة تتلوا كتابه الكريم وذكره العظيم.
4. إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ: إن إلهكم أيها العباد إله واحد لا إله إلا هو لا رب سواه ولا شريك له فوحدوه وأخلصوا له العبادة.
5. رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ: الله وحده هو خالق السموات والأرض وما بينهما وهو خالق مشارق الشمس والقمر والنجوم والكواكب.
6. إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ: إن الله جمل السماء الدنيا وزينها بالنجوم وسائر الكواكب.
7. وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ: وجعل سبحانه النجوم تحفظ السماء من كل شيطان عفريت غاو متمرد يسترق السمع.
8. لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلأ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: منع الله الشياطين أن تستمع كلام الملأ الأعلى ليحفظ وحيه الذي أنزله على رسله وترمى الشياطين بالشهب المحروقة من كل ناحية من نواحي السماء لئلا يلتقطوا شيئا من الوحي فيزيدوا فيه وينقصوا.
9. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ: يطرد الشياطين طردا عن استماع الوحي ولهم في النار عذاب موجع دائم شديد.
10. إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ:إلا من سرق من الشياطين الكلمة من الوحي بسرعة فيخبر بها من دونه ويلقيها الثاني إلى الثالث وهكذا فربما أحرقه الشهاب قبل أن يبلغها إلى الذي بعده وربما أخبر بها قبل أن يحترق بالشهاب فيخبر بها الكهان فيكذبون معها مئة كذبة.
11. فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ: فاسأل أيها النبي جاحدي البعث والنشور هل هم أقوى خلقا أم سائر المخلوقات الأخرى كالسموات والأرض؟ إن الله خلق أباهم آدم من طين لين رخو يلتصق بعضه ببعض.
12. بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ: بل عجبت أيها النبي من جحدهم للبعث وأعجب من ذلك استهزؤاهم بك وبرسالتك.
13. وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ: وإذا وعظ الكفار بالوحي لا ينتفعون به ولا يتدبرون معانيه لأنهم في إعراض وغفلة.
14. وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ: وإذا رأى الكفار برهانا ومعجزة تدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم استهزؤوا بها وسخروا منها.
15. وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ: وقال الكفار ما هذا الذي أتيت به يا محمد إن هو إلا سحر واضح لا يخفي على أحد.
16. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ: ويقول الكفار أإذا متنا يا محمد وتحولت أجسادنا إلى تراب وبليت عظامنا وتفتت أنعود أحياء ونبعث من قبورنا؟!
17. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ: وحتى آباؤنا الأولون بعدما ماتوا هل يبعثون من جديد؟ إن هذا الأمر بعيد!
18. قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ: قل لهم أيها النبي نعم سوف يبعثكم الذي خلقكم أول مرة وأنتم أذلاء صاغرون حقراء.
19. فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ: فإنما بعثكم بعد الموت بنفخة واحدة فإذا أنتم خارجون من القبور تنتظرون أهوال القيامة.
20. وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ: وقال الكفار يا هلاكنا ويا خيبتنا هذا يوم الحساب الذي وعدناه في الدنيا فكذبنا به.
21. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ: فيقال لهم هذا اليوم هو يوم الفصل بين الخلائق والحكم بين الناس بقضاء عدل من الله وقد كنتم تكذبون به في الدنيا وتنكرونه.
22. احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ: اجمعوا الكفار وأمثالهم وأشباههم وآلهتهم المعبودة من دون الله.
23. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ: فسوقوا أيها الملائكة الكفار وأمثالهم وآلهتهم إلى النار سوقا عنيفا غليظا.
24. وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ: واحبسوا أيه الملائكة الكفار وآلهتهم قبل أن يدخلوا النار إن الله سوف يسألهم عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الحياة الدنيا سؤال إنكار وتوبيخ.
25. مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ: ويقال لهم وهم في العذاب ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا في هذا اليوم العصيب؟
26. بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ: بل الكفار في يوم القيامة خاضعون لأمر الله منقادون لحكمه لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا.
27. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ: وعاد بعض الكفار في يوم القيامة بعضهم على بعض يلومونهم ويخاصمونهم.
28. قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ: وقال الضعفاء للسادة إنكم كنتم تأتوننا من قبل الخير والحق وتوهموننا بأنكم ناصحون لنا فتحسنون لنا الغواية وتكرهوننا في الهداية.
29. قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: قال السادة للضعفاء ليست المسألة كما ادعيتم بل كانت نفوسكم قابلة للضلال كارهة للإيمان.
30. وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ: ولم يكن لنا عليكم من حجة أو سلطة فنمنعكم عن الهداية بل كنتم متجاوزين للحدود مسرفين على أنفسكم بالكفر.
31. فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ: فشملنا جميعا العذاب من الله فنحن نذوقه وإياكم سواء بما قدمناه من كفر وتكذيب.
32. فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ: وكنا سببا في ضلالكم وكفركم بالله إنا كنا ضالين من قبل ضلالكم فاتبعتمونا على الكفر فخسرنا جميعا.
33. فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ: فإن الضعفاء والسادة متقاسمون العذاب كل له حصة من النكال كما تقاسموا الكفر في الدنيا واشتركوا في الضلال.
34. إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ: إن سنة الله في الفجار عقابهم والانتقام منهم جزاء على سوء أفعالهم.
35. إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ: إن الكفار كانوا إذا دعوا إلى لا إله إلا الله وتحقيق معناها والعمل بمقتضاها عصوا وعاندوا وأبوا ذلك.
36. وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ: ويقول الكفار إذا دعوا إلى التوحيد كيف نترك عبادة الأصنام والأوثان من أجل قول رجل شاعر مجنون؟ يقصدون بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم صانه الله عن قولهم انظر كيف اضطربوا في قولهم فلم يثبتوا على وصف.
37. بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ: بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم نبي معصوم جاء بالقرآن الإيمان وليس بشاعر ولا مجنون ولا ساحر ولا كاهن وإنما أتى بشارع يوافق ما جاء به الأنبياء قبله.
38. إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ: إنكم أيها الكفار على كفركم وتكذيبكم ومحاربتكم لله ورسوله سوف تذوقون عذاب جهنم المؤلم الفظيع.
39. وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: والعذاب الذي تذوقونه إنما هو على أعمالكم القبيحة في الدنيا ولم يظلمكم الله شيئا.
40. إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ: لكن عباد لله الصادقين المخلصين في عبادتهم ناجون من عذاب الله وهم في النعيم مقيمون.
41. أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ: وهؤلاء المخلصون الصادقون لهم في جنات النعيم رزق معلوم لا ينقطع لأنه من عند الله تعالى.
42. فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ: هذا الرزق المعلوم فواكه متنوعة وثمار متعددة في مقام كريم آمن وفي سرور وحبور.
43. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ: وهؤلاء الأبرار خالدون في جنات النعيم الدائم المقيم في معقد كريم بجوار الرحمن الرحيم.
44. عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ: وهؤلاء الأبرار جالسون على سرر يقابل بعضهم بعضا بالوجوه زيادة في الأنس والنعيم.
45. يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ: يدار على هؤلاء الأبرار في مجالس الأنس والرضا بكؤوس خمر من أنهار جارية لا تنقضي ولا تنقطع.
46. بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ: وهذه الخمر ليست كخمر الدنيا بل هي بيضاء في لونها لذيذة في شربها.
47. لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ: وهذه الخمر لا تغتال العقل كخمر الدنيا فهي لا تذهب الوعي ولا تؤذي الجسم.
48. وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ: وعند الأبرار في جنات النعيم نساء جميلات عفيفات واسعات الأعين حسانها لا ينظرن إلى غير الأزواج.
49. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ: كأن نساء الجنة كالبيض المصون المحفوظ الذي لم تمسه الأيدي ولم تبذله العيون.
50. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ: فأقبل بعض الأبرار في الجنة بالحديث على بعض يتساءلون عن أيامهم الماضية في الدنيا وكيف نجاهم الله من العذاب وأكرمهم بالفوز العظيم وهذا من تمام الأنس.
51. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ: قال قائل من هؤلاء الأبرار وهو في الجنة إنه سبق أن كان لي صديق ملازم لي في الدنيا.
52. يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ: وهذا الصديق كان ينكر يوم القيامة والبعث بعد الموت ويقول لي منكرا هل تصدق بهذا الكلام؟
53. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ: كيف نبعث بعد الموت لنحاسب على أعمالنا بعدما صارت أجسامنا ترابا وتفتت وتلاشت؟
54. قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ: قال المؤمن لأصحابه في الجنة هل تريدون النظر لمصير هذا الصاحب الذي كان معي في الدنيا؟
55. فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ: فنظر المؤمن فرأى قرينه الكافر في وسط النار يصلى حرها.
56. قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ: قال المؤمن لقرينه الكافر والله لقد أوشكت أن تضلني وتدخلني معك النار بتزيينك الباطل لي.
57. وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ: ولولا أن الله رحمني بالهداية وتفضل على الإيمان لكن ممن أحضره الله للعذاب يوم القيامة.
58. أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ: أحقا أنا باقون في جنات النعيم لا نموت فيها وإنما ننعم أبدا وهذا هو الفوز الكبير.
59. إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ: ولا نموت غير الموتة الأولى التي ذقناها في الحياة الدنيا.
60. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: إن النعيم الذي نحن فيه لهو الكرامة العظمى والظفر الأكبر والسعادة الأبدية.
61. لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ: لمثل هذا الظفر العظيم والفوز الكريم والنعيم المقيم في جوار رب كريم فليعمل العاملون في الحياة الدنيا؛ لينالوا هذه المراتب العالية.
62. أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ: أذلك النعيم والفوز والكرامة والنجاة أفضل أم شجرة الزقوم المرة الطعم القبيحة المنظر الخبيثة المنشأ التي هي طعام الكفار في النار؟
63. إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ: إن الله جعل شجرة الزقوم فتنة للكفار لأنهم يتساءلون منكرين كيف يخبر محمد أن في النار شجرة والنار تأكل الشجر.
64. إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ: إن شجرة الزقوم شجرة أنبتها الله في قعر جهنم لأنه سبحانه قادر على الجمع بين الضدين الخضرة والنار.
65. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ: ثمر شجرة الزقوم في النار قبيح شنيع المنظر كأنه رؤوس الشياطين فإذا كان هذا هو شكل الثمر فما أقبح طعمه وما أخبث مذاقه.
66. فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ: فإن الكفار في النار يأكلون من الشجرة الملعونة الخبيثة فيملؤون منها بطونهم تنكيلا بهم.
67. ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ: ثم إن الكفار بعد الأكل من الزقوم في النار لشاربون شرابا خبيثا حارا مرا فالطعام زقوم والماء حميم والهواء سموم.
68. ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ: ثم إن مرد الكفار بعد هذا العذاب إلى نار جهنم فلا مخرج لهم منها.
69. إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ: إن الكفار وجدوا آباءهم الضلال على الشرك فقلدوهم في الضلالة.
70. فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ: فهم يتبعون آثار الآباء بلا حجة ولا دليل شأن الجاهل المقلد الذي يسرع في اتباع من ضل.
71. وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ: ولقد ضل عن الهداية قبل كفار قومك أيها النبي أكثر القرون الماضية.
72. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ: ولقد أرسل الله في تلك القرون أنبياء يخوفونهم النار وغضب الجبار فكذبوهم.
73. فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ: فتأمل كيف كانت نهاية تلك القرون الكافرة لما كذبت رسل الله كيف هلكت وصارت مثلا للعالمين.
74. إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ: لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة وأفردوه بالطاعة خصهم الله بفضله ورحمته وأكرمهم بجنته.
75. وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ: ولقد دعا نوح وهو في الكرب ربه واستغاث به لينصره على قومه فلنعم المجيب الله فإنه نعم المولى ونعم النصير.
76. وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ: ونجى الله نوحا والمؤمنين من أهله من أذى الكفار والهلاك والدمار فنال الفوز في الدنيا والآخرة.
77. وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ: وأكرم الله نوحا بأن جعل ذريته هم الباقين في الأرض بعد هلاك قومه بالطوفان.
78. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ: وأبقى الله لنوح في الدنيا ذكرا جميلا وثناء حسنا يمدحه الأخيار ويثني عليه الأبرار.
79. سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ: أمان من الرحمن وسلامة من الديان لنوح من أن يذكر بسوء في الآخرين بل يثنى عليه بالمحامد في العالمين.
80. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: مثلما أثاب الله نوحا وأكرمه يثيب سبحانه ويكرم كل من أحسن في طاعة مولاه وصدق في عبادة ربه.
81. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ: إن نوحا من عباد الله الصادقين المخلصين.
82. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ: ثم أغرق الله من كفر من قوم نوح فأبادهم جميعا.
83. وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ: وإن من أنصار نوح وأشياعه على طريقته ونهجه وملته خليل الله إبراهيم عليه السلام.
84. إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ: لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة وأفردوه بالطاعة خصهم الله بفضله ورحمته وأكرمهم بجنته.
85. إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ: إذ قال إبراهيم لقومه منكرا عليهم ما هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله وهي لا تنفع ولا تضر؟!
86. أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ: أتعبدون آلهة مزعومة مختلقة وتتركون عبادة الله الذي لا إله إلا هو وهو المستحق للعبادة وحده؟!
87. فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ: فماذا تظنون بالله سبحانه رب العالمين أن يفعل بكم إذا كفرتم به وعبدتم غيره؟
88. فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ: فنظر إبراهيم في النجوم نظرة المتأمل الذي يريد عذرا يتعذر به من الخروج معهم إلى أعيادهم.
89. فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ: فقال إبراهيم لقومه إني مريض وهذا عذر فيه تعريض.
90. فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ: فتركوا إبراهيم خلف ظهورهم وذهبوا إلى أعيادهم.
91. فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ: فمال مسرعا بفاسه إلى أصنام قومه فقال مستهزئا بها ألا تأكلون هذا الطعام الذي وضعه لكم المشركون؟!
92. مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ: ما لكم لا تتكلمون فتجيبون سؤالي إن كنتم تستطيعون النطق.
93. فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ: فتقدم إبراهيم إلى الأصنام يضربها ويكسرها بيده اليمن ليثبت للكفار أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر ولا تدافع حتى عن ذواتها.
94. فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ: فعاد قوم إبراهيم إليه يعدون في سرعة وغضب وقد هالهم ما فعل.
95. قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ: فسألهم إبراهيم في شجاعة وثبات كيف تعبدون أصناما تنحتونها أنتم بأيديكم فكيف يكون المصنوع إلها معبودا؟!.
96. وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ: وتتركون عبادة الله وهو الذي خلقكم وخلق ما تعملونه بأيديكم.
97. قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ: فلما غلبهم بالحجة مالوا إلى القوة وقالوا ابنوا لإبراهيم بنيانا واملؤوه حطبا وأوقدوه نارا وضعوا إبراهيم فيه.
98. فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ: فأراد قوم إبراهيم مكيدة يهلكونه بها فجعلهم الله الأذلين الأخسرين حيث غلبهم بالحجة وبار كيدهم وفشل مكرهم.
99. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ: وقال إبراهيم إني مهاجر إلى الله من وطن الكفار إلى وطن أستطيع فيه عبادة الله وطاعته وفي هذا مشروعية الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام إذا لم يستطع المسلم القيام بعبارة الله ثم قال إبراهيم فإن ربي سيرشدني إلى أهدى الطرق في أمر ديني ودنياي.
100. رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ: ثم دعا إبراهيم ربه أن يرزقه ولدا صالحا ليقوم بميراث العلم والدعوة من بعده.
101. فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ: فأجاب الله دعوة إبراهيم ورزقه إسماعيل حيث كان عاقلا في صغره مباركا في كل أمره.
102. فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ: فلما شب إسماعيل وذهب مع أبيه قال له أبوه إن الله أراني في المنام وأمرني بذبحك فما رأيك؟ ورؤيا الأنبياء حق فأجاب إسماعيل مستسلما لأمر الله طائعا لأبيه راضيا عن ربه أقدم على ما أمرك الله به من ذبحي فسوف تجد مني الصبر على قضاء الله والطاعة لأمره واحتساب ما عنده من الثواب.
103. فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ: فلما انقاد إبراهيم وإسماعيل لأمر الله طرح إبراهيم إسماعيل على جبينه وهو جانب الجبهة ووضعه على الأرض ليذبحه.
104. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ: نادى الله إبراهيم في ذلك المقام الهائل العظيم.
105. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: أن يا إبراهيم قد فعلت ما أمرك الله به في الرؤيا إن الله كما أثابك على تصديقك وامتثال أمر ربك كذلك يثيب الله من أحسن الاستجابة وأطاع ربه فينجيهم من الكربات ويسلمهم من الأزمات.
106. إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ: إن أمر الله لإبراهيم بذبح ابنه إسماعيل بلاء عظيم وامتحان كبير لا يصبر عليه إلا أولو العزم.
107. وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ: وفدى الله إسماعيل من الذبح بكبش عظيم ذبحه إبراهيم مكان ابنه فكانت سنة الهدى في عيد الأضحى.
108. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ: وأبقى الله على إبراهيم في القرون التي بعده ذكرا حسنا وثناء جميلا.
109. سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ: تحية مباركة وسلامة من كل آفة وأمنا من كل خوف على إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.
110. كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وكما أثاب الله إبراهيم على حسن استجابته يثيب الله كل من أحسن الاستجابة له من عباده.
111. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ: إن إبراهيم من عباد الله الصادقين المخلصين الذين أطاعوا الله حق طاعته.
112. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ: وبشر الله إبراهيم بابنه إسحاق وجعله نبيا من الصالحين ثوابا لإبراهيم على صبره وامتثال أمر ربه ورضاه بقضاء مولاه.
113. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ: وأنزل الله البركة واليمن على إبراهيم وعلى إسحاق وجعل من ذريتهما من هو صالح يتقي ربه ومن هو ظالم لنفسه بالشرك والمعاصي والذنوب.
114. وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ: ولقد تفضل الله وأنعم على موسى وهارون بالنبوة والرسالة والنصر والتأييد.
115. وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ: ونجى الله موسى وهارون وقومهما ومن معهما من بني إسرائيل من الغرق والاستعباد الذي كان يلحقهم من فرعون.
116. وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ: ونصر الله موسى وهارون وقومهما فكان لهم النصر والتمكين وعلو الكلمة على فرعوه وقومه.
117. وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ: وأعطى الله موسى وهارون التوراة الواضحة البينة فيها العقائد والأحكام.
118. وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ: وأرشد الله موسى وهارون إلى الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام الذي بعث به كل الأنبياء عليهم السلام.
119. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ: وأبقى الله لموسى وهارون في القرون القادمة ذكرا جميلا وثناء حسنا أبد الدهر.
120. سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ: تحية من عند الله مباركة طيبة وسلامة من كل آفة على موسى وعلى هارون مع الرضا والإكرام.
121. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وكما أثاب الله موسى وهارون الثواب العظيم على حسن عملهما كذلك يثيب الله كل من أحسن من عباده في طاعته.
122. إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ: إن موسى وهارون من عباد الله الموقنين الراسخين في الإيمان.
123. وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: وإن النبي الكريم إلياس عليه السلام من أنبياء الله الذين شرفهم بالرسالة وأكرمهم بالنبوة.
124. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ: إذ قال إلياس لقومه من بني إسرائيل اتقوا الله بإخلاص العبادة له وعدم الإشراك به وإفراده بالتوحيد.
125. أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ: كيف تبعدون صنما لا ينفع ولا يضر وتتركون عبادة الله أحسن الخالقين الذي يخلق من العدم ويحيي بعد الإماتة ويتقن في خلقه ويحسن في صنعه؟
126. اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ: والله وحده هو ربكم الخالق الرازق وهو الذي خلق آباءكم السابقين ورزقهم فلا إله لكم غيره.
127. فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ: فكذب قوم إلياس رسولهم فسوف يجمعهم الله يوم القيامة ليجازيهم على أفعالهم.
128. إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ: إلا عباد الله الذين أخلصوا له العبادة وصدقوا في طاعته فإن الله سوف ينجيهم من العذاب فضلا منه وكرما.
129. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ: وجعل الله لإلياس ذكرا حسنا وثناء جميلا فيمن بعده من الأجيال.
130. سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ: تحية من الله وثناء جميل وأمان من كل خوف وحزن على إلياس.
131. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: وكما أثاب الله إلياس وأكرمه يثيب ويكرم كل من أحسن في عبادة ربه واتقى مولاه.
132. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ: إن إلياس من عباد الله الذين صدقوا في إيمانهم وأخلصوا في دينهم وكانوا على يقين من ربهم.
133. وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: وإن نبي الله لوطا عليه السلام اختاره الله لرسالته وأكرمه بنبوته.
134. إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ: إن الله نجى لوطا وأهله كلهم من عذابه الشديد وسلمهم من العقاب.
135. إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ: لكن الله أهلك مع المعذبين زوجة لوط العجوز الهرمة لأنها شاركتهم في الغواية والفساد.
136. ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ: ثم أهلك الله المكذبين من قوم لوط وأبادهم وجعلهم عبرة للعالمين.
137. وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ: وإنكم يا كفار مكة لتمرون وأنتم مسافرون على ديار قوم لوط ومساكنهم وقت الصباح.
138. وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ: وتمرون على ديارهم أيضا ليلا أفلا تتفكرون فيما حل بهم فتخافون عذاب الله.
139. وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ: وإن نبي الله يونس عليه السلام لمن الأنبياء الذين اصطفاهم الله لرسالته وأكرمهم بنبوته.
140. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ: إذ هرب يونس من ديار قومه ولم يأذن له الله بذلك فركب في السفينة المملوءة بالمسافرين والبضائع.
141. فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ: وأدرك الغرق السفينة في البحر فعمل أهل السفينة في البحر فعلم أهل السفينة قرعة فمن وقت عليه ألقي في البحر تخفيفا لحمولة السفينة فكان يونس ممن وقعت عليه القرعة.
142. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ: فرمي بيونس من السفينة في البحر فابتلعه الحوت ويونس قد فعل يهربوه بلا إذن ما يلام عليه.
143. فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ: فلولا ما سبق ليونس من الصلاح وكثرة العبادة ودوام الذكر إضافة إلى تسبيحه وهو في بطن الحوت بقوله: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".
144. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ: لبقي في بطن الحوت إلى قيام الساعة.
145. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ: فأخرجه الله وطرحه من بطن الحوت وألقاه في أرض صحراء مقفرة لا شجر فيها ولا عمار وهو ضعيف البدن معلول الصحة من هول ما مر به.
146. وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ: وأنبت الله على يونس وهو في الصحراء شجرة القرع يتظلل بها ويأكل من ثمرها.
147. وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ: وأرسل الله يونس بعدما أخرجه من بطن الحوت إلى مئة ألف من قومه بل يزيدون على هذا العدد.
148. فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ: فصدقه قومه واتبعوه فمتعهم الله بالنعم إلى انتهاء أعمارهم.
149. فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ: فاسأل أيها النبي قومك كيف ينسبون البنات اللاتي يكرهونهن إلى الله وينسبون البنين الذين يحبونهم إلى أنفسهم ما هذا التحكم الباطل والجور في الحكم.
150. أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ: واسأل الكفار أيها النبي هل هم حاضرون يوم خلق الله الملائكة إناثا فهم يشهدون بما يعرفون.
151. أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ: ومن كذبهم القبيح وفريتهم العظيمة.
152. وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: أنهم يزعمون أن الله له ولد تنه عن ذلك فهم كاذبون فيما قالوا فالله لم يلد ولم يولد.
153. أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ: لماذا يختار الله البنات دون البنين فيجعل على زعمهم الملائكة بنات له تعالى الله عن ذلك.
154. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ: قبحا لحكمكم هذا وسوء اختياركم حيث نسبتم إلى الله ما تكرهونه من البنات ونسبتم إلى أنفسكم ما تحبونه من البنين!!
155. أَفَلا تَذَكَّرُونَ: أفلا تعلمون أنه لا يجوز أن يكون لله ولد فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
156. أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ: ألكم برهان واضح على صحة قولكم وزعمكم الباطل بأن البنات لله.
157. فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: إن كان لكم برهان واضح في كتاب من الله فأطلعوني عليه إن كنتم صادقين.
158. وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ: وجعل الكفار بين الله والملائكة نسبا ورحما ولقد علمت الملائكة أن الكفار سوف يحضرهم الله للعذاب عنده يوم القيامة وقيل إن الجنة هم الجن فيكون المعنى ولقد علم الجن أن الله سوف يحضرهم للحساب عنده يوم القيامة.
159. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ: تنزه الله وتقدس وتعالى عن كل وصف وصفه به أعداؤه من الكفار وإنما يوصف بما وصف به نفسه ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم.
160. إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ: لكن عباد الله الذين أخلصوا له بريئون مما يصفه به الكفار المشركون.
161. فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ: فإنكم أيها الكفار وما تعبدون من دون الله من أصنام وأوثان.
162. مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ: ما تستطيعون أن تضلوا أحدا إلا إذا شاء الله تعالى.
163. إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ: ممن قدر الله أن يصلي الجحيم فاتبع أهل الضلالة.
164. وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ: تقول الملائكة ما منا من أحد إلا له مقام خاص به معلوم له في السماء كل له مهمة.
165. وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ: وإنا نحن الملائكة نصف صفوفا في عبادة ربنا وطاعته في ترتيب ونظام.
166. وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ: وإنا نحن الملائكة لنقدس الله وننزهه عما لا يليق ونثني عليه بأوصافه الجليلة سبحانه.
167. وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ: وإن كان الكفار ليقولون بلا علم قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.
168. لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ: لو جاءنا مثل ما أتى القرون السابقة من الكتب والرسل.
169. لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ: لآمنا وأبحنا مخلصين في عبادة ربنا وطاعة مولانا.
170. فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: فلما أتاهم الذكر الحكيم والنبي الكريم وهداهم إلى الصراط المستقيم كفروا بالله العظيم فسوف يعلمون ما لهم من العقاب إذا دخلوا نار الجحيم.
171. وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ: ولقد سبقت كلمة الله التي لابد من وقوعها ولا راد لها لرسل الله عليهم السلام.
172. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ: إن العاقبة لهم وإن النصر معهم وإن الظفر والفوز حليفهم وإن الله يؤيدهم بالحجة والقوة.
173. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ: وإن جند الله المجاهدين في سبيله لإعلاء كلمته لهم النصر والغلبة بإذن الله على أعداء الله في كل موقف سواء في باب الحجة أو القوة لأن العاقبة للمتقين.
174. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ: فأعرض أيها النبي عمن كفر وأبى الانقياد حتى يمر الزمن الذي أمهلهم الله ويحين وقت عذابهم وأخذهم.
175. وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ: وانتظر وارتقب ماذا سوف يفعل الله بهم فإنهم سوف يرون عاقبة عملهم وجزاء كفرهم.
176. أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ: أفبوقوع عذاب الله عليهم يستعجلونك أيها النبي ويستبطئون هذا العذاب النازل بهم لا محالة؟!
177. فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ: فإذا أنزل عذاب الله بأعداء الله فبئس الصباح صباحهم فمما أقبحه من صباح!
178. وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ: وأعرض أيها النبي عن الكفار حتى يمر زمن المهلة لهم ويحين وقت عذابهم.
179. وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ: وانتظر وترقب ماذا سوف يفعل الله بهم من النكال فإنهم سوف يرون عاقبة فعلهم ونتيجة عملهم.
180. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ: تنزه الله وتعالى وتقدست أسماؤه رب العزة والمجد والجبروت عن كل وصف لا ليليق به وصفه به أعداؤه.
181. وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ: وثناء الله المبارك وتحيته الدائمة وأمانه على رسله المجتبين الأخيار.
182. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: والحمد أوله وآخره لله رب العالمين فهو المستحق للحمد وحده لكثرة صفات المدح والكمال فيه ولكثرة أياديه الجليلة ونعمه الجزيلة والشكر والثناء له في الدنيا والآخرة.

سورة ص
1. ص‌ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها مع علمنا أن لها معان جليلة وأقسم سبحانه بكتابه العظيم الذي فيه عظة العباد وتذكيرهم بيوم المعاد ونصحهم بالاستعداد وأخذ الزاد.
2. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ: لكن الكفار في كبر وإعراض عن الهدى إذا خالفوا الله رسوله وتعدوا حدوده وأعرضوا عن شرعه.
3. كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ: كم أفنى الله بالعذاب من أمة سبقت هذه الأمة بسبب كفرهم فاستغاثوا لما نزل بهم العقاب وأذعنوا لله وأعلنوا التوبة ولكن الزمن ليس زمن توبة ولا مهرب فلا مفر مما أصابهم.
4. وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ: وعجب الكفار من إرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لماذا يكون بشرا منا وليس ملكا؟! إنما هو كاذب في قوله ساحر لقومه وليس برسول من عند الله.
5. أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ: كيف ادعى هذا الرسول أن الآلهة الكثيرة صارت إلها واحدا؟! إن هذا الوحي الذي أتى به ودعوته إلى الله لشىء عجيب لا يقبله العقل لغرابته.
6. وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ: وانطلق سادة الكفار وأعيانهم يحرضون إخوانهم من أهل الكفر والتكذيب على الشرك والصبر على دينهم الباطل وعبادة عدة آلهة دون الله إن ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم أمر مقصود مدبر يريد به العلو في الأرض والصدارة.
7. مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ: ما سمعنا بمثل ما دعا إليه من الدعوة إلى توحيد الله بالعبادة عند ما سبقنا من آبائنا وأجدادنا ولا في ملة النصرانية ما هذا إلا زور وبهتان وافتراء.
8. أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ: كيف يختص محمدا بالرسالة من دوننا وهو بشر مثلنا لا ميزة له علينا؟ بل الكفار في حيرة وريب من إنزال الوحي من الله على الرسول صلى الله عليه وسلم إنما قالوا ذلك لأنهم لم يذوقوا عذاب الله فهان عليهم أمره ولو ذاقوا العذاب لما كذبوا بالكتاب.
9. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ: هل عند كفار قريش خزائن الله من الفضل والرحمة الذي عز في ملكه وقهر من غالبه وهو الوهاب الذي يعطي من أراد من العباد من الفضل والإحسان بلا حساب ولو كانوا يملكون الخزائن لبخلوا بها.
10. أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ: أم أن هؤلاء الكفار مسيطرون على ما في السموات والأرض وما بينهما فيتحكمون في الرحمة والرزق فيعطون من أرادوا ويمنعون من أرادوا؟ فيصعدوا في الطرق الموصلة إلى السماء وليمنعوا الملائكة من إنزال القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم.
11. جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ: هؤلاء الكفار جند مكذبون للرسالة مهزومون في مواجهة الحق مثلما غلبت الأمم المكذبة التي سبقتهم.
12. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ: وكذبت قبل تكذيب كفار قريش قوم نوح وعاد وفرعون صاحب الجنود الأقوياء والبأس الشديد.
13. وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزَابُ: كذبت قبلهم ثمود قوم صالح وقوم لوط وأصحاب الشجرة العظيمة قوم شعيب وهؤلاء الأقوم تعاونوا على الكفر وتساعدوا على حب رسلهم ومعاداة الحلق.
14. إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ: كل قوم من هؤلاء الأقوام كذبوا رسولهم فاستحقوا العقاب من الله على كفرهم فنزل بهم العذاب.
15. وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ: وما ينتظر الكفار لنزول الهلاك بهم إن استمروا على كفرهم إلا نفخة واحدة ما لها من رجوع فليس لهم بعدها من توبة ولا إقالة.
16. وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ: وقال الكفار استهزاء وسخرية يا ربنا عجل لنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل قيام الساعة لأنهم يستبعدون ذلك.
17. اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ: اصبر أيها الرسول على ما يقوله الكفار فيك وفي دعوتك كقولهم إنك شاعر ساحر كاهن مجنون صانه الله عن ذلك واذكر وتعز بعبد الله النبي الصالح داود صاحب القوة في أمر الله والشجاعة في مقابلة أعداء الله والصبر على طاعة الله وقد كان كثير الرجوع إلى ربه ومولاه والتوبة من ذنوبه.
18. إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ: إن الله طوع الجبال مع داود فكانت تسبح بتسبيحه كل صباح ومساء.
19. وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ: وطوع الله الطير مع داود تجتمع عنده للتسبيح وتأتمر بأمره.
20. وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ: وقوى الله ملك داود بالتمكين والهيبة والعدة والجند وأكرمه الله بالنبوة والعلم والفصل في الكلام بحسن الخطابة في الحكم بالعدل.
21. وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ: وهل بلغك أيها النبي قصة الاثنين المخاصمين اللذين صعدا على سور محراب داود وكان يعبد ربه.
22. إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ: حيث دخلا فجأة على داود فارتاع منهما لأنهما لم يستأذنا فقالوا لداود لا تخف منا فلسنا نريد شرا ولا أذى بك وإنما نحن خصمان مختلفان جار أحدنا على الآخر فاقض بيننا بالعدل ولا تظلم في الحكم وأرشدنا إلى أحسن الطرق وأقوم السبل.
23. إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ: وقال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون شاة وليس عندي سوى شاة واحدة فطمع فيها ليضمها إلى شياهه وقال لي أعطني إياها وغلبني في الكلام.
24. قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ: فقال داود لقد ظلمك أخوك يوم سألك أن تعطيه شاتك إلى شياهه وإن أكثر الشركاء ليظلم بعضهم بعضا ويجور عليه ولا ينصفه إلا من آمن بالله وخاف مولاه فهو عادل لا يجور ولا يظلم وهذا الصنف قليل في الناس والكثير ظالم معتد وتيقن داود أن الله ابتلاه بهذه الخصومة ليستدل به على غيرها عندها استغفر داود ربه وسجد لمولاه وعاد نادما مخبتا منيبا.
25. فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ: فغفر الله لداود ذنبه وتاب عليه واصطفاه وقربة وهيأ له حسن المأوى عنده في جنات النعيم.
26. يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ: يا داود إن الله استخلفك في الأرض وولاك الحكم على الناس فاحكم بين عباد الله بشرع الله واعدل في الحكم وإياك واتباع الهوى في الأحكام فتحابي القريب على البعيد والصديق على العدو ولكن عليك بشرع الله فإنك إن اتبعت الهوى مال بك عن الصراط المستقيم وحرفك عن الصواب إن الضالين المضلين عن سبيل الله وطاعته وهداه لهم عذاب شديد موجع في نار جهنم لأنهم نسوا لقاء الله وغفلوا عن يوم القيامة واهملوا مراقبة الله وفي هذه الآية توجيه للحكام أن يتقوا الله وأن يحكموا بشريعة الله ولا يجوروا في أحكامهم فيصبحوا من أهل الضلال والغواية.
27. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ: وما خلق الله السماء والأرض وما بينهما إلا لحكمة عظيمة وليس للهو واللعب والعبث كما يظن الكفار فويل لهم على هذا الظن من النار لأنهم ظنوا بالله ظن السوء وكفروا بآياته وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم.
28. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ: كيف يجعل الله المؤمنين الصالحين كالفجار المفسدين في الأرض؟! أم كيف يجعل الله الأتقياء الأبرار كالفجار الأشرار؟! كلا لن يكون هذا فهذه التسوية بينهم ليست عادلة بل العدل أن يثاب الأتقياء ويعاقب الأشقياء على حسب أعمالهم.
29. كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ: هذا القرآن الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب من عند الله مبارك في تلاوته وتدبره والعمل به كثير النفع غزير الفائدة أنزله الله ليتفكر العبد في آياته ويهتدوا ببيناته وليتفكر أهل العقول السليمة والفطر القويمة في آيات هذا الكتاب المبارك الدال على كل خير.
30. وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ: وأعطى الله داود ابنه سليمان تفلا منه عليه وإكراما وقرة عين نعم العبد الصالح والنبي الكريم سليمان إنه كان كثير العودة إلى الله والاستغفار والتوبة والإنابة.
31. إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ: وتذكر يوم عرضت الخيل الأصيلة المسومة على سليمان وقت العصر وهي قائمة على ثلاث قوائم رافعة الرابعة لرشاقتها ولطافتها واستعدادها للجري فما زال مشغولا بها حتى غابت الشمس في الأفق.
32. فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ: فقال سليمان إني قدمت حب الخيل والمال على الصلاة لربي حتى غابت الشمس وفات وقت الصلاة.
33. رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ: فأمر سليمان أن تعاد إليه الخيل التي عرضت عليه ومرت فأخذ يمسح سوقها وأعناقها وجعلها وقفا في سبيل الله وقيل ذبحها وتصدق بلحومها.
34. وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ: ولقد امتحن الله سليمان فطرح على سريره شق ولد ولد له من امرأته حين أقسم ليطوفن على نسائه وكلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله فطاف عليهن جميعا فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد ثم استغفر سليمان من نسيانه ذكر المشيئة وتاب إلى ربه.
35. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ: قال سليمان رب اغفر لي ذنبي وأعطني ملكا عظيما خاصا بي لا يشاركني فيه أحد ولا يكون لأحد من الناس بعدي ملك مثله إنك واسع العطاء عظيما لإحسان كثير الجود.
36. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ: فاستجاب الله دعاء سليمان وأعطاه ما طلب من الملك وذلل الله له الريح يأمرها فتجري سريعة طيعة مع قوتها وشدتها وسرعتها حيث أراد من البلاد.
37. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ: وذلل الله لسليمان الشياطين في ملكه يسخرهم لما أراد من الأشغال فمنهم البناء للدور والقصور والغواص في البحور.
38. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ: وصنف آخر من الشياطين وهم المردة العتاة مربوطون في الأغلال موثوقون في السلاسل.
39. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ: هذا السلطان الكبير والملك الهائل والعطاء الخاص هبة من الله لسليمان فأعط يا سليمان من شئت من الناس وامنع من شئت فلن تحاسب على العطاء لأن المعطي سبحانه كريم جواد.
40. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ: وإن لسليمان عند الرحمن أحسن المراتب وأقرب المنازل في الجنان وفي دار الرضوان.
41. وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ: واذكر أيها النبي العبد الصالح والنبي الكريم أيوب الذي صبر على البلاء ودعا ربه بإخلاص وقال يا رب إن الشيطان كان سببا في أذيتي ومرضي وأوصل الضرر إلى جسمي وأهلي ومالي.
42. ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ: فأمر الله أيوب أن يضرب الأرض برجله فنبع منها ماء بارد زلال ليشرب منه أيوب ويغتسل فأذهب الله ما به من داء وأبدله بعد السقم شفاء وأعقبه بعد الضراء السراء.
43. وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ: فلما عافى الله بدنه وأزال سقمه أعطاه فأكرمه ووهب له أهله من نسائه وأبنائه وزاده مثلهم من البنين والحفدة والأسباط كل هذا العطاء رحمة من الله ولطف بأيوب وجزاء له على صبره وإكرام له على رضاه بالقدر وعظة وعبرة لأهل العقول السليمة والفطر القويمة وليتيقنوا أن الفرج يأتي بعد الشدة وأن مع العسر يسرا.
44. وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ: وأمر الله أيوب أن يأخذ بيده حزمة من عذق النخل وهي الشماريخ فيضرب بها زوجته ليبر قسمه السابق ولا يحنث لأنه حلف بذلك لخطأ صدر عنها إن الله امتحن أيوب فوجده صابرا على البلاء مؤمنا بالقضاء نعم العبد هو في تقواه والعمل بطاعة مولاه وكان عائدا إلى الله بالتوبة والإنابة تفويض الأمر لله.
45. وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ: واذكر أيها النبي الرسول عباد الله الصالحين وأنبياءه الصادقين إبراهيم وإسحاق ويعقوب فإنهم كانوا أصحاب قوة في الطاعة وبصيرة في الدين فلهم قوة في إنكار المنكر وبصيرة في فعل المعروف.
46. إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ: إن الله اجتباهم واختارهم باصطفاء عظيم حيث جعل ذكر الآخرة نصب عيونهم وفي قلوبهم لا يفارقهم ذكرها فهم مستعدون لها بالعمل الصالح.
47. وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ: وإن هؤلاء الأنبياء الأبرار عند الله من أفضل الناس وأكرم البشر على الله قد اصطفاهم للنبوة واختارهم للرسالة.
48. وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ: واذكر أيها النبي عباد الله الأبرار والأنبياء الأخيار إسماعيل واليسع وذا الكفل فذكرهم أحسن الذكر وسيرتهم أجمل السير، فكلمنهم كان خيرا بارا رشيدا قد اختارهم الله لتبليغ الرسالات واختار لهم أحسن الصفات.
49. هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ: هذا القرآن العظيم ذكر وشرف للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته وإن لمن اتقى ربه فعمل بطاعته وترك معصيته لأحسن معاد في جنات النعيم.
50. جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ: هذه الجنات فيها الإقامة الدائمة والخلود الأبدي والنعيم السرمدي أبوابها مفتحة لاستقبالهم والاحتفاء بهم.
51. مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ: والأبرار في الجنة متكئون فيها على الأرائك المريحة لزيادة النعيم يطلبون في الجنة ما تشتهيه أنفسهم من ألذ الطعام وأحسن الشراب وأحلى الفاكهة.
52. وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ: وعند الابرار في الجنة نساء جميلات فائقات الحسن قاصرات أبصارهن على أزواجهن متساويات في السن جمعن بين العفاف والحسن.
53. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ: ونعيم الأبرار هذا قد وعدوا به وهم في الدنيا والله منجز وعده فهذا ما ينتظركم أيها المتقون عند الله يوم القيامة.
54. إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ: وهذا العطاء المبارك الكريم لأولياء الله الأبرار رزق من عند الله لا ينتهي ولا ينقطع ولا ينقص.
55. هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ: هذا النعيم هو للأتقياء أما المعتدون المتجاوزون للحدود في الكفر والذنوب فلهم شر معاد وأسوأ منقلب.
56. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ: ولهم عند الله عذاب النار يحرقون فيها فبئس الفراش النار تصهرهم من فوقهم ومن تحتهم.
57. هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ: هذا العذاب المؤلم الموجع سوف يذوقونه فهو ماء شديد الحرارة ومعه صديد وقيح يسيل من أجسام الكفار في النار يشربونه كرها.
58. وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ: وللفجار في النار عذاب آخر من هذا النوع وهو أشكال وأصناف متعددة من النكال والقيد والأغلال وأنواع المكاره.
59. هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ: وعندما يزدحم الفجار على أبواب النار تسب كل طائفة الأخرى فيقول بعضهم لبعض هذه جماعة من أهل النار تدخل معكم وتزاحمكم فيردون عليهم لا مرحبا بهم ولا تتسع لهم دورهم ولا تحميهم منازلهم إنهم سوف يذوقون حر جهنم ويصلون سعيرها كما ذقناهم.
60. قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ: قالت طائفة الأتباع للسادة الطغاة بل أنتم لا مرحبا بقدومكم ولا كرامة لكم أنتم كنتم سببا لإغوائنا وصدنا عن الهداية فبئس دار الاستقرار والسكنى نار جهنم.
61. قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ: فقال السادة الطغاة للأتباع ربنا من كان سببا في إضلالنا وصرفنا عن الحق فضاعف له العقوبة في نار جهنم وفيه تبرأ أهل الضلال من الأتباع والمتبوعين من بعض يوم العرض.
62. وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ: وقال السادة الطغاة لماذا لا نرى معنا في نار جهنم رجالا كنا نحسبهم في الدنيا من الأشرار الفجار؟
63. أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ: هل كنا مخطئين في السخرية منهم وازدرائهم أم أن هؤلاء الفجار معنا في النار لكن لم تقع عليهم الأبصار؟
64. إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ: إن هذا الذي يحصل من الخصومة والجدل بين أهل النار حق حاصل لا محالة.
65. قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ: قل أيه النبي للكفار إنما أرسلت مخوفا لكم بين يدي عذاب شديد وليس هناك إله إلا اله الواحد الأحد لا شريك له فهو الواحد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله الذي قهر غيره وغلب سواه فلا تتبغي العبودية إله له.
66. رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ: خالق السموات والأرض وما بينهما مالكهما ومدبر شؤونهما العزيز في ملكه الذي أعز من اتقاه وأذل من عاداه الغفار لذنوب من تاب والذي ستر خطايا من أناب.
67. قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ: قل أيها النبي للكفار إن هذا الكتاب العظيم هو القرآن الكريم خبر عظيم الشأن جليل القدر.
68. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ: أنتم أيها الكفار غافلون عن القرآن معرضون عن الإيمان به والعمل بما فيه.
69. مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلأ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ: ما كان عندي علم بما جرى بين الملائكة من اختصام واختلاف في خلق آدم لكن الله أطلعني على ذلك بالوحي المنزل عليه.
70. إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ: وإنما أوحي الله إلى بعضا من علم الغيب وعلمني ما لم أكن أعلم بسبب أنني نذير لكم من عذاب الله ومبين لكم دين الله.
71. إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ: واذكر أيها النبي يوم قال ربك للملائكة إني خالق آدم من طين.
72. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ: فإذا سويت أعضاء آدم وقومت جسمه وحسنت خلقه ونفخت فيه الروح وصار حيا فاسجدوا أيها الملائكة سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وعظيم فالعبادة لا تكون إلا للرحمن الرحيم وقد جاء الإسلام بتحريم السجود لغير الله وحده.
73. فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ: فسجد الملائكة لآدم طاعة لله وتكريما لآدم ولم يتخلف من الملائكة أحد.
74. إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ: لكن إبليس أبى أن يسجد لآدم تكبرا وعنادا وأنفة وحسدا وسبق في علم الله أنه من الكافرين العاصين لأمر الله.
75. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ: قال الله لإبليس ما الذي حملك على ترك السجود لآدم الذي خلقته بيدي وشرفته بذلك؟ هل تكبرت على آدم أم كنت من المتكبرين على أمر الله؟ وفي الآية إثبات صفة اليدين لله سبحانه على وجه يليق بجلاله وكماله تقدست أسماؤه.
76. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ: فرد إبليس عاصيا أمر ربه بقوله إن ما منعني من السجود لآدم هو أنني أفضل وأشرف منه فأصلي أكرم من أصله حيث خلقتني من نار وخلقت آدم من طين والنار خير من الطين.
77. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ: فقال الله لإبليس أخرج من الجنة فإنك مطرود من الرحمة محروم من الجنة.
78. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ: وإن عليك يا إبليس لعنات الله المتتابعة إلى يوم القيامة فتبقى مطرودا مرجوما.
79. قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ: قال إبليس لربه يا رب لا تميتني وأخر وفاتي حتى يخرج الناس من قبورهم لأفتنهم.
80. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ: قال الله لإبليس فإني قد أخرت أجلك وهذا التأخير ابتلاء من الله لعباده بإبليس ليظهر الصادق من الكاذب.
81. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ: وتأخير إبليس إلى وقت محدد هو وقت النفخة الأولى عندما يموت الأحياء.
82. قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ: قال إبليس فأقسم بعزتك يا رب وعظمتك لأصرفن الناس جميعا عن طاعتك ولأضلنهم عن سبيلك.
83. إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ: لكن من أخلصته منهم للطاعة وحفظته من الغواية وعصمته بالهداية فلن أستطيع إضلاله.
84. قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ: قال الله فالحق أقوله وقولي الحق ووعدي الحق ولا أقول إلا الحق.
85. لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ: ليملأن الله نار جهنم من إبليس ومن ذريته ومن أغواهم من بني آدم أجمعين.
86. قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ: قل أيها النبي للكفار لا أطلب منكم أجرة أو ثوابا على تبليغ الرسالة ونصحي لكم ولا أدعي أمرا ليس لي ولا أتكلف ما لا أستطيع بل أفعل ما أومر به من ربي ولا آتي بشىء من عندي تكلفا وافتراء.
87. إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ: ما هذا القرآن العظيم إلا ذكر وعظة للإنس والجن يدلهم على ما فيه نجاتهم ويحذرهم من أسباب الهلاك.
88. وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ: وسوف تعلمون أيها الكفار علو هذا القرآن وصدقه وصحة ما جاء به إذا انتصر الإسلام وهوت الأصنام وسوف تعلمون ذلك أيضا حين يحل بكم العقاب وينالكم العذاب يوم الحساب.

سورة الزمــــر
1. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: تنزيل القرآن الحكيم إنما هو وحي من الله تكلم به سبحانه العزيز في ملكه يعز من أطاعه ويذل من عصاه الحكيم في خلقه وصنعه وفي تدبيره وشرعه.
2. إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ: إن الله أنزل إليك القرآن أيها النبي بالحق والعدل فوحد ربك وأخلص له العبادة ولا تشرك به غيره.
3. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ: ألا لله وحده العبادة الخالصة من الشرك السالمة من الرياء والسمعة والذين يشركون مع الله غيره الذين عبدوا من دونه أولياء يقولون إنهم لا يعبدون تلك الآلهة المزعومة عن الله إلا من أجل أنها سوف تشفع لهم عند الله وتزيدهم منه قربا فكذبا في دعواهم وافتروا على الله فيما قالوا فالعبادة والشفاعة لله وحده إن الله سوف يفصل بين المؤمنين والكفار فيما اختلفوا فيه من العبادة فيثيب المؤمن المخلص الذي عبد الله وحده ولم يشرك به شيئا ويعاقب المشرك الذي اتخذ مع الله آلهة أخرى إن الله لا يرشد إلى الصواب ولا يوفق للهدى من كان كاذبا في قوله وفعله كافرا بآيات ربه فالمفتري الكافر محروم من الهداية.
4. لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ: لو أراد الله أن يتخذ ولدا ويكون له ابن من عباده لاختار هو ما أراد لا ما نسب إليه العباد ولكن تعالى الله وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد فإنه الواحد الاحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد القهار الذي غلب غيره وأذل من حاربه وخذل من عاداه فكل شىء مقهور بعظمته خاضع لسلطانه.
5. خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ: خلق الله السموات والأرض وما بينهما وما فيهما بالحق والعدل لحكم عظيمة ولم يخلقهما لهوا ولا عبثا تنزه عن ذلك وتقدس يجئ الله بالليل ويذهب بالنهار ويذهب بالليل بنقص وقت هذا من وقت ذاك ويأتي كل في وقته لا يسبق أحدهما الآخر وذلل الله الشمس والقمر فجعل كلا منهما يسعى في مداره لا يتعداه بانتظام وحساب حتى تقوم الساعة فلا الشمس يحق لها أن تدرك القمر كل ينزل منازله بنظام ألا إن الله الذي أحسن في خلقه وأبدع في صنعه وتفضل على عباده وسخر ما شاء من خلقه هو العزيز في ملكه قهر من حاربه وغلب من غالبه الغفار لذنوب من تاب.
6. خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ: خلقكم الله أيها العباد من أبيكم آدم وخلق من آدم زوجه حواء وخلق لكم من الأنعام ثمانية أصناف ذكرا وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز يخلقكم أجنة في بطون الأمهات حالا بعد النطفة فعلقة فمضغة وهكذا في ظلمة البطن والرحم والمشيمة هذا الذي خلق هذا الخلق وأحسن فيما خلق هو الله ربكم الواحد الأحد لا إله إلا هو المستحق للعبادة دون سواه فلماذا تعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره هو الخالق الرازق وغيره لم يخلق ولم يرزق؟!
7. إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: إن تكفروا بالله أيها العباد وتكذبوا رسله وتعصوا أمره فالله غني عنكم لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي وأنتم الفقراء إلى فضله ورحمته والله لا يرضى لعباده الكفر ولا يأمرهم به وإنما يرضى الله لعباده شكر نعمته بعبادته وإخلاص الطاعة له ولا تحمل نفس ذنب نفس أخرى فكل نفس لها برها وعليها فجورها ثم إلى الله معادكم أيها الناس للحساب عند الله يوم القيامة فيخبركم بما فعلتم ويجازيكم بما صنعتم إنه خبير بأسرار السرائر ومكنونات الضمائر وما تخفيه الصدور.
8. وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ: ومن طبيعة الإنسان أنه إذا أصابته شدة من مرض أو فقر أو بلاء لجأ إلى الله وسأله وتذلل له واستغاث به فإذا أجابه الله وفرج عنه وكشف ضره وأزال همه وأعطاه من فضله نسي معروف ربه وإحسانه وتمرد وعتا وأشرك بالله ليسعى في إغواء غيره وصرفه عن الهداية قل أيها النبي لهذا الصنف الجاحد العاند تمتع في حياتك الفانية بكفرك فإن مصيرك إلى جهنم مخلدا فيها.
9. أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ: هل هذا الجاحد المعاند أفضل أم المخبت لربه المطيع لمولاه الذي قطع ساعات الليل صلاة وتلاوة وذكرا في قيام وسجود يخشى عقاب الله يوم القيامة ويأمل الرحمة من الله قد جمع بين الخوف والرجاء؟ قل أيها النبي هل يستوي أهل العلم النافع الذين أوصلهم علمهم إلى طاعة الله وحسن عبادته والتهجد له ومن ليس عنده علم نافع فهو في جهله صريع لشهواته غافل في لذاته لا يستويان إنما يتفكر ويميز بين الصنفين أهل العقول السليمة والفطر القويمة.
10. قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ: قل أيها الرسول لعباد الله الأبرار المخلصين اتقوا عذاب الله بالعمل بطاعته وترك معصيته لمن أحسن في عبادة الله واتباع رسوله والتزود بالصالحات حسنة وهي جنات النعيم مع حسنة الدنيا وصلاح الحال وطيب العيش وسعة الرزق والثناء الحسن والقبول عند الناس وأرض الله متسعة لمن أراد عبادة ربه فلا يبقى في أرض لا يتمكن فيها من عبادة مولاه بل يهاجر إلى أخرى إنما يعطي الله يوم القيامة الصابرين عطاء بغير حساب لكثرته وغيرهم يعطي بحساب وما ذاك إلا بعظم مرتبة الصبر.
11. قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ: قل أيها النبي للناس إن الله أمرني وأتباعي أن أخلص العبادة له ولا أشرك به شيئا فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
12. وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ: وقل أيها النبي إن الله أمرني أن أكون أول من أسلم من أمتي فأنقاد لعبادته وأستسلم لأمره وأفوض الأمر إليه وأتوكل عليه.
13. قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: قل أيها النبي للناس إني أخشى إذا عصيت الله بترك ما أمرني به أو فعل ما نهاني عنه أن يعذبني في ذاك اليوم الذي عظم هوله واشتد بأسه وهو يوم القيامة.
14. قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي: قل أيها النبي إنني أعبد الله ربي وحده لا إله إلا هو ولا يستحق العبادة سواه قد أخلصت له طاعتي ولم أشرك به غيره في عبادتي.
15. فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ: فاعبدوا أيها الكفار ما أردتم من أوثان وأصنام فضرر ذلك عليكم ولن يلحقني من ذلك ضرر ولا أذى وأخبرهم أيها النبي أن الخاسرين حقيقة هم الذين خسروا أنفسهم وأهلهم يوم الحساب إذا نزل بهم العذاب وحل بهم العقاب لأنهم كانوا سببا في إغواء أهلهم وإضلالهم ألا إن خسرن الكفار يوم القيامة هو الخسران الذي ما بعده خسران فإنه هلاك محقق وخلود في نار تحرق.
16. لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ: للكفار في النار قطع من العذاب تغطيهم وتظلهم كأنها ظلل فوق رؤوسهم مرفوعة ويفترشون تحتهم قطعا من النار أيضا ذلك العذاب الشديد يذكره الله تخويفا لعباده ليحذروه بطاعته وترك معصيته فيا عباد الله اتقوا الله بالإيمان به واتباع رسوله وامتثاله أمره واجتناب نهيه.
17. وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبِشِّرْ عِبَادِ: والذين هجروا طاعة الشيطان وأتباعه وأعوانه واجتنبوا الشرك بالله وعادوا إلى الله بإخلاص الطاعة له وحسن عبادته لهم البشرى في الحياة الدنيا بالقبول عند الخلق والمحبة من الناس والثناء الحسن والتوفيق للطاعة والسداد في كل الأمور ولهم في الآخرة الرضوان الأكبر والفوز الأعظم والنعيم الدائم فبشر أيها النبي عباد الله الصالحين بهذا الفضل.
18. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ: أفمن كتب الله عليه العذاب فارتضى الغواية وجانب الهداية فهل تستطيع أيها النبي أن تهديه وقد آثر الكفر؟ أم هل تستطيع أن تنقذه من عذاب النار؟ لن تستطيع لأن لك هداية الإرشاد أما هداية التوفيق فلله وحده.
19. أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ: لكن الأتقياء البررة الذين عملوا بطاعة الله وتركوا معاصيه لهم في الجنة غرف مرفوعة البناء بعضها فوق بعض في جمال وبهاء تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار وهذا وعد من الله لأوليائه لابد من وقوع والله لا يخلف وعدا وعده سبحانه.
20. لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ: ألم تر كيف أنزل الله من الغمم ماء مباركا فأدخله في مسارب الأرض وجعل منه العيون المتدفقة والأنهار الجارية ثم ينبت بهذا الماء زرعا متعدد الالوان والأصناف ثم يجف هذا الزرع بعد الخضرة والنضارة فيصبح يابسا ذاويا مصفرا ثم يصير هشيما مكسرا مفتتا إن في هذه المخلوقات التي قدرها الله وأبدعها لعبرة عظيمة وموعظة لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة.
21. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ: ألم تر كيف أنزل الله من الغمم ماء مباركا فأدخله في مسارب الأرض وجعل منه العيون المتدفقة والأنهار الجارية ثم ينبت بهذا الماء زرعا متعدد الألوان والأصناف ثم يجف هذا الزرع بعد الخضرة والنضارة فيصبح يابسا ذاويا مصفرا ثم يصير هشيما مكسرا مفتتا إن في هذه المخلوقات التي قدرها الله وأبدعها لعبرة عظيمة وموعظة لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة.
22. أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: أفمن وسع الله صدره فانشرح بقبول الإسلام والعمل به واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم فهو على بصيرة من أمره وهدى من ربه قد عرف الحق فعمل به وعرف الباطل فاجتنبه كمن ليس كذلك؟ لا يستويان فالمهتدي مشروح الصدر عامر الفؤاد بالطاعة على يقين ورشد وهدى والضال المنحرف الزائغ في ضلال وغي وحيرة فالهلاك كله لقاسي القلب المعرب عن ذكر الله الصاد عن سبيله فهذا الصنف في بعد عن الرشد لا يوفق لصواب ولا يسدد لخير.
23. اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ: الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم أحسن الحديث لفظا ومعنى وبركة ورشدا وهو القرآن الكريم يشبه بعضه بعضا في الحسن والإتقان والحكمة والرشد وعدم التضاد والاختلاف تثنى فيه الأخبار والبراهين والأدلة والأحكام تقشعر جلود الأتقياء عند سماعه لما فيه من رهبة ووعيد وتخويف وإنذار ثم تلين جلود هؤلاء الأبرار وقلوبهم لما في القرآن من بشرى ووعد حسن وترغيب في الخير وذكر للرحمة ذلك الذي يحصل للأتقياء البررة من التأثير هو هداي من الله لهم فإن الله يهدي من أراد من العباد ومن أراد الله صرفه عن الحق والإيمان فلن يهديه أحد غير الله فيبقى في ضلاله وغيه.
24. أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: أفمن يرمى به في نار جهنم على وجهه قد غلت يداه خلف ظهره فلا يحتمي من النار إلا بوجهه لتكذيبه وكفره هل هذا الضال خير وأفضل أمن فاز برضوان الله وبجنته لإيمانه وصلاحه؟ لا يستويان وقيل ذاك اليوم للكفار الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والذنوب ذوقوا نتيجة عملكم السىء في الحياة الدنيا من الإجرام والآثام.
25. كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ: كذبت القرون السابقة كمن كفر من أمتك أيها النبي فأنزل الله عليهم العذاب من حيث لا يتوقعون نزوله فأتاهم بغته على غفلة منهم.
26. فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: فأذاق الله الأمم الكافرة المكذبة عذابه الشديد مع الهوان والإذلال في حياتهم الدنيا وهيأ الله لهم في نار جهنم أفظع العذاب وأشنع العقاب ولو كان هؤلاء الكفار يعلمون أن ما نزل بهم من العذاب إنما هو بسبب تكذيبهم لآمنوا وصدقوا ولكن غلب عليهم الجهل والهوى فضلوا.
27. وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: ولقد ضرب الله للكفار في كتابه العظيم من كل مثل من أمثال الأمم السابقة عظة واعتبارا لعلهم يرتدعون عن كفرهم ومعاصيهم.
28. قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ: وأنزل الله كتابه العظيم بلغة العرب بينة الألفاظ سهلة المعاني لا تعقيد فيها ولا غرابة لعلهم إذا قرؤوا القرآن العربي الواضح انتفعوا به فاتقوا ربهم بعمل الطاعة وترك المعصية.
29. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ: ضرب الله مثلا للمؤمن الموحد والكافر المشرك بعبد مملوك لشركاء مختصمين فهو في حيرة من إرضاء كل واحد منهم فرضى هذا يغضب ذاك وعبد آخر خالص لسيده فهو يسعى فيما يرضيه قد جمع همه وشمله في العمل له هل يستوي هذا وهذا؟ لا يستويان فهذا مثل المشرك المتذبذب المحتار ومثل المؤمن المطمئن المتيقن فلله الثناء الجميل والشكر الجزيل على بيانه الأمثال لعباده ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحق فيهتدون به وإنما هم جهلاء ضلال.
30. إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ: إنك أيها النبي ميت لا محالة ولست خالدا وكذلك أعداؤك ميتون وليسوا بخالدين فأنتم تشتركون في عدم الخلود في الدنيا فلماذا يتربص بك الكفار الموت وهو آت على الجميع.
31. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ: ثم إنكم أيها العباد يوم المعاد مختلفون عند الله فأهل إيمان وصلاح وأهل كفر وفساد وسوف يحكم الله في ذلك اليوم بين عباده بالعدل فينجي الأتقياء ويعذب الأشقياء.
سورة الزمر
32. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ: ليس في العالم أحد أظلم ممن اختلق الكذب على الله بأن ادعى أن لله شريكا أو ولدا أو زوجة أو شبه الله بأحد من خلقه أو وصفه بغير ما وصف سبحانه في الكتاب والسنة وكذلك من ادعى أن الله أنزل عليه وحيا ولم ينزل عليه ولا أحد أظلم ممن كذب برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ورد ما جاء به أليس في نار جهنم مأوى وسكنى للكفار؟ بلى فهي دارهم وقرارهم.
33. وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ: والذي أتى بالصدق من الله وهو الوحي المبارك كان صادقا في قوله وعمله وحاله وهم الرسل وأتباعهم إلى يوم القيامة وكذلك من صدق بهذا الوحي واتبعه حق الاتباع اعتقادا وقولا وعملا أولئك هم الأتقياء البررة وإمام الصادقين وسيدهم هو رسول الهدى النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وكذلك أصحابه الأبرار ومن تبعهم من الأخيار إلى يوم القيامة.
34. لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ: لهؤلاء الأبرار الصادقين ما أرادوا عند الله من أنواع المسرات وأصناف اللذائذ والمشتهيات مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهذا جزاء من أحسن في عبادة ربه وأخلص له الطاعة فجمع بين إفراد الله بالعبودية وتجريد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
35. لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ: ليكفر الله عن هؤلاء الأتقياء أسوأ الذي فعلوه في الدنيا من الذنوب والخطايا لإيمانهم وتوبتهم وفعلهم الحسنات بعد السيئات ويكرمهم الله على عبادتهم بأجل الثواب وأحسنه بحيث يجعل الأجر على مستوى أفضل عمل عملوه ثم يلحق بقية الأعمال بهذا العمل.
36. أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ: أليس الله بحافظ رسوله الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم من أذى الكفار وشرهم ومكرهم فلا يصله منهم أذى؟ بلى سوف يحفظه ربه وينصره مولاه في الدنيا والآخرة ويدفع عنه الأذى ويرد عنه السوء وينصره نصرا عزيزا ويكبت أعداءه ويخذل خصومه ويخوفك الكفار أيها النبي بآلهتهم المزعومة التي اعتقدوا أنها سوف تضرك كذبا منهم وزورا ومن يصرف الله قلبه عن الهداية ويكتب عليه الغواية فليس له هاد غير الله يهديه لطريق الرشاد.
37. وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ: ومن يرشده الله إلى الهدى ويدله على اصراط المستقيم فيتبع الكتاب والسنة ويحكم الشرع في نفسه ظاهرا وباطنا فلا يستطيع أحد صرفه عن الهدى أليس الله بعزيز في ملكه وأخذه لأعدائه فهو يعز من والاه ويذل من عاداه من حاربه خذله ومن غالبه غلبه وهو سبحانه المنتقم من أعدائه وممن خالف أمره بإنزال العقوبة بهم
38. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ: ولئن سألت المشركين أيها النبي من خلق هذه السموات والأرض؟ فسيجيبونك بأن الذي خلقهن هو الله وحده فكيف يعبدون معه آلهة أخرى؟ فاسأل هؤلاء المشركين هل تدفع عني هذه الآلهة التي عبدتموها من دون الله شرا قدره الله علي أو ترفع عني ضرا نزل بي؟ وهي تستطيع أن تمنع خيرا كتبه الله لي أو تحجب رحمة قضاها الله لي؟ فسوف يجيبون بقولهم لا تستطيع ذلك قل لهم الله يكفيني وهو حسبي وحده عليه يعتمد كل موحد صادق مخلص في جلب المصالح ودفع المضار ونيل الخير وصرف الشر فهو الذي بيده مقاليد الأمور ويملك النفع والضر وحده إليه فوضت أمري وعليه توكلت فهو حسبي ونعم الوكيل.
39. قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ: قل أيها النبي للكفار اعملوا على طريقتكم التي أنتم عليها من الكفر والتكذيب فسوف أعمل على ما هداني الله إليه من إخلاص العبادة له وإفراده بالطاعة واعتقاد الحق وقوله والعلم به فسوف يظهر لكم من الهالك ومن الناجي ومن الصادق ومن الكاذب إذا حكم الله بيني وبينكم.
40. مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ: فسوف تعلمون من يحل به عقاب من الله يذله ويهينه وينزل به في نار جهنم عذاب موجع أبدي لا ينقطع عنه ولا يخفف منه.
41. إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ: إن الله أنزل عليك القرآن بالصدق والعدل هداية للناس وتبيانا لكل شىء فمن انتفع بالقرآن واتبع وعمل بما فيه وتحاكم إليه فإنما أحسن إلى نفسه ونفع ذلك عائد عليه ومن آثر الغواية وترك الهداية فضرر ذلك عائد عليه وعقوبته واقعة به فالله لا تنفعه طاعة طائع ولا تضره معصية عاص وما أنت أيها النبي بوكيل على الناس تحصي أعمالهم وتحاسبهم على أفعالهم وتجبرهم على الهداية فما عليك إلا تبليغ الرسالة والدعوة إلى الله بالحكمة.
42. اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: الله وحده هو الذي يقبض الأرواح وقت موتها وهذه هي الموتة الكبرى عند اكتمال العمر وانقضاء الأجل والنفس التي لم تمت الموتة الكبرى يمسكها الله عندما تنام وهي الموتة الصغرى فيحبس سبحانه النفس التي ماتت الموتة الكبرى ويرسل التي ماتت الموتة الصغرى حتى اكتمال الأجل فتعود إلى الجسم بعد النوم إن في قبض روح الميت وإمساك روح النائم وإرسالها لبراهين ظاهرة على قدرة الله وحكمته لمن تأمل واعتبر.
43. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ: أم اتخذ الكفار شفعاء لهم عند الله في رفع حوائجهم والله لم يرض بذلك ولم يأذن؟ قل لهم أيها النبي كيف تتخذون هؤلاء الشفعاء وهم لا يملكون جلب نفع ولا دفع ضر وهذه الآلهة المزعومة لا تشعر بالعبادة فهي جامدة لا عقول لها.
44. قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: قل أيها النبي للكفار إن الذي يملك الشفاعة ويأن بها هو الله وحده فله ملك السموات والأرض وما بينهما وما فيهما فالأمر أمره والحكم حكمه والخلق عبيده وهو الخالق المدبر المترف في الكون فلا تطلب الشفاعة إلا ممن يملكها سبحانه فالواجب إفراده بالعبادة وإخلاص الطاعة له أما الآلهة المدعاة فلا تنفع ولا تضر وإلى الله المعاد يوم القيامة ليوفي كلا بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
45. وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ: وإذا أفرد الله وحده بالذكر ولم يشرك معه غيره كرهت ذلك قلوب الكفار ونفرت منه نفوس الفجار الذين يكذبون بيوم الدين وإذا ذكر من دون الله من معبوداتهم الباطلة فرحوا بذلك واستبشروا لأن الشيطان زين لهم الشرك وكفره إليهم التوحيد وأصبح الحق باطلا والباطل حقا.
46. قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: قل اللهم يا خالق السموات والأرض ويا منشئهما يا مبدعهما على غير مثال سابق يا من يعلم ما غاب عن العيون وما تشاهده الأبصار أنت تفصل بين الخليقة يوم المعاد فيما اختلفوا فيه من الربوبية والألوهية والرسالة وغير ذلك من مسائل الإيمان أسألك ربي أن تهديني لما اختلف فيه الناس ودلني على الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وكان صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء كثيرا.
47. وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ: ولو أن للكفار كل ما في الأرض من أموال وخزائن ومدخرات وأضعافا مضاعفة معه لجعلوه فدية لهم يوم الدين لينجوا من عذاب رب العالمين ولو فعلوا ذلك وبذلوا ما عندهم لرد عليهم ولم يقبل منهم ولا يدفع عنهم من العذاب شىء وظهر لهم يوم القيامة من عذاب الله وأخذه ما لم يكن يدور في حسبانهم ولا يخطر ببالهم من شدة الأهوال والأنكال والأغلال.
48. وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: وظهر للكفار يوم القيامة عقاب آثامهم التي فعلوها حيث أشركوا بالله ونسبوا إليه الصاحبة والولد وألحدوا في أسمائه وصفاته وكذبوا رسله وحاربوا أوليائه وأحاط بهم من كل جهة عذاب مؤلم موجع جزاء لهم على سخريتهم من شرع رب العالمين واستهزائهم بالدين.
49. فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: فإذا أصاب الإنسان بلاء ومحنة لجأ إلى ربه وأخلص له الدعاء وسأله الفرج من هذه الشدة فإذا أزال الله عنه ما أغمه وكشف عنه ما أهمه وأنعم عليه بالرخاء بعد الشدة واليسر بعد العسر قال هذا الإنسان معاندا مكابرا إن الذي أعطيته من الرخاء واليسر إنما هو لأجل علم الله بأنني أهل لذلك ومستحق له أو على علم مني بوسائل تحصيله والصحيح أن ذلك فتنة وابتلاء من الله يمتحن بها عباده ليظهر الشاكر من الكافر والصادق من الكاذب ولكن أكثر الناس لغفلتهم وجهلهم وضلالهم لا يدركون هذه الحكم ولا يعلمون هذه الأسرار.
50. قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: قد سبق للقرون الماضية أن قالوا مثل هذه المقالة الخاطئة التي قالها الكفار فما دفع عنهم عذاب الله ما عندهم من الأولاد وما جمعوه من الأموال.
51. فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بُمُعْجِزِينَ: فأصاب أصحاب هذه المقالة الآثمة من القرون الماضية عاقبة معاصيهم وجزاء ذنوبهم فلحقهم الهوان والذل في الدنيا وفي الآخرة العذاب الأليم في النار والكفار من هذه الأمة الذين ظلموا أنفسهم بالشرك سينالهم أيضا عاقبة ذنوبهم وجزاء ما فعلوه من السيئات كما حصل للأمم السابقة ولن يفوتوا الله ولن يعجز الله عن عذابهم بل هم في قبضته وتحت قهره.
52. أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ: أولم يعلم هؤلاء الكفار أن الله يعطي الدنيا من مال وولد وجاه وسلطان من أراد من عباده فيوسع له في رزقه ويضيق على من أراد فيكون فقيرا مملقا فلا يدل العطاء والرزق على حسن عمل ذاك وصالحه ولا يدل التضييق والفقر على فساد عمل هذا وفجوره إنما هو ابتلاء واختبار من الله لعباده إن في سعة الرزق وضيقه على العباد لبراهين ساطعة على قدرة الله وحسن تدبيره لعباده وحكمته في تصريف خلقه وهذه البراهين ينتفع بها من صدق بكتاب الله واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم.
53. قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: قل أيها النبي لعباد الله الذين أكثروا من الذنوب وأسرفوا في المعاصي لا تيأسوا أيها العباد من رحمة الله لكثرة آثامكم وعظيم ذنوبكم فإن رحمة الله واسعة وجوده عظيم وهو سبحانه يغفر كل الذنوب ويعفو عن جميع السيئات لمن تاب إليه وندم على ما فعل بل يفرح الله بتوبته ويدل سيئاته حسنات ولو لم تكن التوبة أحب شىء إليه ما ابتلى بالذنب أعز الناس عليه وهو آدم عليه السلام فالله كثير الغفران للعبد مهما اقترف من الآثام تواب يعود بفضله وستره وعفوه على عباده رحيم بهم يتلطف إليهم بإيصال أنواع المحاب بأحسن الأسباب ويصرف عنهم المكاره فحري بالمسلم أن يفرح بهذه الآية وأن يحسن الظن بربه ولا ييأس من روح الله ولا يقنط من رحمة مولاه بل مهما فعل من الذنوب واقترف من المعاصي فليتب وليعد إلى ربه وليستغفر إلهه وخالقه فهنيئا للتائبين قرة عين للمنيبين بهذا الفضل العظيم والثواب الكريم ويا بشرى للموحدين بهذا النداء من الرحمن الرحيم ويا سعادة العباد بهذا الكرم والجود من الواحد الأحد فنسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يتوب علينا وأن يغفر ذنوبنا وهذه أرجى آية في القرآن عند الكثير.
54. وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ: وعودوا إلى ربكم أيها العباد بالاستغفار والتوبة والندم وانقادوا لأمره واخضعوا لحكمه قبل أن يقع بكم عذابه ويدرككم عقابه ولا يدفع عنكم أحد بأس الله فلا راد لقضائه جل في علاه.
55. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ: واتبعوا أيها العباد أحسن ما أنزله الله من الوحي على رسوله المعصوم صلى الله عليه وسلم وهو القرآن العظيم وكله حسن والسنة النبوية المطهرة وكلها حسنة وذلك بفعل ما أمر الله به ورضيه وترك ما نهى الله عنه وكرهه وهذا الامتثال يكون في الحياة الدنيا بإخلاص العمل لله تعالى وحسن المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحل بمن أعرض وعصى وأبى عذاب الله فجأة وهو لا يشعر بوقت مجيئه بل يأخذه على غرة وهو في غفلة عن شرع ربه وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم.
56. أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ: واتقوا الله وأطيعوه واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا تندم النفس المقصرة على ذنوبها وتأسف على ما تصرم من عمرها وتقول يا حسرتي على ما أهملت من أمر الله وضيعت من العمل الصالح وغفلت عن الواجبات وتناولت المحرمات في وقت لا ينفع فيه الندم ويجدي فيه التحسر وتقول هذه النفس وقد كنت في الحياة الدنيا أسخر من شرع الله وكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واستهزئ بالدين وأهله لاستيلاء الغفلة على عقلي والانهماك في الذنوب ومطاوعة الشيطان وغلبة الهوى والانقياد للنفس الأمارة بالسوء.
57. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ: أو تقول النفس النادمة يا ليت أن الله وفقني لطريق الهداية لكنت من المتقين العاملين بأوامره سبحانه المجتنبين لنواهيه ولكن هيهات لا ينفع الندم بعد زلة القدم.
58. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: أو تقول هذه النفس النادمة بعدما تشاهد ما أعده الله للعصاة يا ليت لي عودة أخرى إلى الدنيا فأحسن عبادة ربي وأهتدي بهداه وأتبع رسوله وهذا كلام لا ينفع لأنه نحسر المفرط.
59. بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ: لقد أخطأت هذه النفس فيما قالت فقد فات الأوان وقد أتت هذه النفس آيات الله البينات عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم فكذب بها هذا المعاند الجاحد واستكبر عن قبول الحق واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر بالله وبآياته وبالرسول وسنته.
60. وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ: ويوم القيامة تشاهد الكفار الذين افتروا على الله كذبا وادعوا أن لله شريكا وولدا وصاحبة ووصفوه سبحانه بغير أوصافه تشاهد وجوههم سودا كالحة شوهاء لقبح ما افتروه وبشاعة ما ادعوه أليس في النار قرار للكفار ومسكن لكل معاند متكبر صد عن سبيل الله وأعرض عن شرعه؟
61. وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: وينجي الله من النار الأتقياء الأبرار الذين عملوا بطاعة الواحد القهار واجتنبوا معاصي الكبير الجبار فيحصلون على فوزهم وفلاحهم الذي أملوه في الدنيا وعملوا له ويدركون الظفر برضوان الله وجنته لا ينالهم عذاب النار ولا يصيبهم شىء من الأخطار ولا يحزنون على ما ذهب منهم من متاع الدنيا الفاني فهم في سرور وحبور.
62. اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ: الله تعالى هو خالق المخلوقات جميعها ومبدعها وهو مدبرها والمتصرف فيها وهو متوكل بحفظها لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية.
63. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: بيده سبحانه مفاتيح خزائن السموات والأرض ومقاليد الأمور يعطي ويمنع ويرفع ويضع ويقدم ويؤخر ويولي ويعزل ويعافي ويبتلي ويهدي ويضل فلا يقع في الكون شىء إلا بأمره ومشيئته سبحانه والذين أنكروا آيات الله البينات وبراهينه الواضحات أولئك الذين ضل سعيهم وخاب عملهم وخسروا آخرتهم ودنياهم ففي الدنيا لهم الهوان والخذلان وفي الآخرة لهم الخلود في النيران.
64. قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ: قل أيها النبي للكفار أتأمرونني أيها الجهلاء أن أعبد غير الله ربي الخالق الرازق المحيي المميت هو المستحق للعبادة وحده الذي لا إله إلا هو ولا رب سواه فلا أجهل من المشرك ولا أشد حمقا من الجاحد المعاند.
65. وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ: ولقد أوحى الله إليك أيها النبي فيما أنزله عليك من الوحي وأوحى إلى من سبقك من الأنبياء فكان فيما أوحى إليك أنك لو أشركت مع الله أحدا غيره في العبادة ليبطلن الله عملك ويذهبن الله سعيك ولتكون من الهالكين الضالين فتذهب عليك دنياك وأخراك ولن يقبل الله منك عملا لأنه لا يقبل من المشرك أي عمل.
66. بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ: بل الله وحده الذي لا إله إلا هو المستحق للعبادة فأخلص له طاعتك وأشكره على نعمه بتحقيق توحيده وحسن عبادته ودوام ذكره وشكره.
67. وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ: وما عظم الكفار الواحد القهار حق تعظيمه لأنهم أشركوا معه في العبادة غيره من الأنداد والأضداد فصرفوا شيئا من عبادتهم للأصنام والأوثان ولم يخلصوا الطاعة للواحد الديان فما أجهلهم وأكثر حمقهم كيف سووا بين المخلوق العاجز المقصر المحتاج وبين الخالق الغني القوي العظيم فمن عظمته أن جميع الأرض في قبضته يوم القيامة والسموات مطويات مثل طي السجل للكتاب بيمينه سبحانه تقدس الله وتعالى وتبارك وتنزه عن وصف المشركين له وعن شركهم به وعن كل وصف ألحقه به أعداؤه بل هو كما وصف به نفسه سبحانه ووصفه رسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآية إثبات القبضة وإثبات اليمين لله سبحانه وتعالى وكلتا يديه يمين وإثبات الطي على وجه يليق بعظمة الله وجلاله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل.
68. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ: ونفخ إسرافيل في القرن فمات كل حي في السموات والأرض إلا من شاء الله أن لا يموت ثم نفخ إسرافيل نفخة ثانية فأحيا الله من أماته بالنفخة الأولى فإذا هم وقوف للحساب عند الله ينظرون ماذا يفعل بهم وهذا المقام من أصعب وأشد المقامات على الإنسان.
69. وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: وأضاءت الأرض يوم العرض الأكبر إذا تجلى الله للحساب ونشرت صحف الحسنات والسيئات وحضر الرسل والشهداء على أعمال الناس ليسأل الله الرسل ماذا أجيبوا به من أممهم وهو أعلم ويسأل الأمم ماذا أجابوا به المرسلين ويستشهد الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم على كل الأمم وحكم الله بين العباد فيما اختلفوا فيه واقتص لبعضهم من بعض وقضى بينهم بالعدل بلا ظلم فلا ينقص من حسنات محسن ولا يزاد في سيئاته.
70. وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ: ووفي الله كل عاقل جزاء عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر وهو سبحانه عالم بعمل كل عامل من صلاح وفساد وحسن وسئ.
71. وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ: وساقت الملائكة الكفار إلى النار جماعات حتى إذا وقفوا على أبواب جهنم أذلاء مهانين أمر الخزنة بفتح أبواب النار وقالوا للكفار يوبخونهم أما أتاكم في الدنيا رسل من الله يقرؤون عليكم آيات كتب الله ويخوفونكم يوم القيامة وينهونكم عن الشرك بالله والإعراض عن دينه؟ فرد الكفار معترفين نادمين بلى أتتنا الرسل وأنذرونا ودعونا إلى الإيمان ولكن وجبت كلمة أن العذاب على من كذب وتولى.
72. قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ: قيل للكفار توبيخا وإهانة: ادخلوا أبواب النار باقين فيها دائما بلا خروج منها ولا تخفيف من عذابها فقبح مقام من تكبر على الحق وأعرض عن الهداية وعاند الرسل وكذب الكتب.
73. وَسِيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ: وسيق الأتقياء الأبرار الذين عملوا الصالحات واجتنبوا المحرمات إلى جنات النعيم وهم جماعات فوجدوا أبوابها مفتحة من قبل احتفاء بقدومهم وإكراما لهم وحياهم الملائكة بالبشر والسرور والتهنئة قد طابوا وطاب عملهم ومثواهم لطهارتهم من الآثام فلهم السلامة من كل أذى والأمن من كل مخوف ولهم الخلود الدائم في مقعد الصدق ودار الفوز.
74. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ: وقال المؤمنون بعدما دخلوا الجنة الحمد لله والثناء كله لله الذي أنجز لنا ما وعد على ألسنة رسله من الوعد بثواب الأبرار في دار القرار وأورثنا الجنة ونعيمها ننتقل فيها كما أردنا خالدين في أمن وقرة عين ولذة وسرور فنعم هذا الثواب ثواب المحسنين الذين أدوا طاعتهم على أكمل وجه بإخلاص لله ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
75. وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: وترى الملائكة يحيطون بعرش الرحمن يقدسون الله عن كل عيب ويسبحون بحمده وجلاله وقضى لله بين العباد بالعدل فلم يظلم أحدا فنزل الأبرار جنات النعيم ودخل الفجار النار وقيل بعد أن تم القضاء والحسب ووقع الثواب والعقاب الحمد لله رب العالمين على حسن قضائه والعدل في جزائه فحمد على تفضله وإحسانه بأوليائه وحمد على عدله في عقاب أعدائه.
سورة غافــــر
1. حم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها.
2. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ: تنزيل القرآن وحيا من الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والله هو العزيز الذي عز من تولاه وذل من عاداه العليم فلا تخفى عليه خافية فبعزته قهر ما سواه وبعلمه أحسن فيما قضاه.
3. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ: الله غافر ذنوب المستغفرين وقابل توبة التائبين الذي يرحم المنيبين وهو شديد العقاب على من تجاوز حدوده واستهان بأمره وأصر على ذنبه وهو صاحب التفضل على العباد وصاحب الإنعام على الخليقة لا معبود بحق سواه ولا إله غيره ولا شريك له إليه يعود الخلق لإحقاق الحق ومجازاة كل بما يستحق.
4. مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ: ما يخاصم في براهين الله ويجحدها ويشك في أدلة الوحدانية إلا كل مكذب معاند جاحد فلا يغررك أيها النبي تردد الكفار في الأسفار لجمع الدرهم والدينار والاشتغال بالكسب والعقار والتلذذ بمتاع هذه الدار فسعيهم إلى بوار ومأواهم النار وبئس القرار.
5. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ: كذب قبل كفار مكة قوم نوح ومن جاء بعدهم من القرون وتحزبوا وتآمروا وعزموا على الوقيعة برسلهم تعذيبا وقتلا وعارضوا الحق بالهوى وردوا البراهين بالتكذيب والجحود وقصدهم إطفاء نور الله ورد الحق فنكل الله بهم وعذبهم ودمرهم فانظر كيف كان انتقام الله من أعدائه وعذابه الذي حل بهم.
6. وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ: وكما وجب العذاب على القرون الماضية المكذبة وجب أيضا عذاب الله على هؤلاء الكفار واستحقوا عذاب النار لكفرهم بالواحد القهار.
7. الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ: حملة العرش من الملائكة وهم من أفضل الملائكة وأكرمهم على الله ومن يحف بالعرش ويحيطون به أيضا من الملائكة الكرام يمجدون الله ويقدسونه وينزهونه عن كل عيب ونقص ويثبتون له المحامد كلها وصفات الكمال التي أثبتها لنفسه سبحانه ويؤمنون بالله إيمانا راسخا يقينيا ويسألون ربهم أن يغفر لعباده المؤمنين ويقولون ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا من الكفر والذنوب واهتدوا بهدى الله وسلكوا الصراط المستقيم وهو دين الإسلام واصرف عنهم عذاب النار ونجهم منها برحمتك وفي الآية إكرام الله لعباده المؤمنين حيث جعل الملائكة تستغفر لهم وفضل التوبة وأن سبيل الله واحد وهو دينه الذي ارتضاه.
8. رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: ربنا وأدخل عبادك المؤمنين جنات عدن التي وعدتهم بها في الدنيا على إيمانهم وعملهم الصالح وأدخل معهم المؤمن الصالح من آبائهم وأزواجهم وأولادهم إنك أنت العزيز الذي لا يرد قضاؤه القاهر لما سواه والمنتقم ممن عاداه الحكيم في خلقه وصنعه وحكمه وشرعه.
9. وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: وأصرف عنهم سوء عاقبة ذنوبهم فاعف عنهم ولا تعذبهم ومن تصرف عنه عاقبة الذنوب فقد رحمته بالفوز بجناتك ونيل رضوانك والنجاة من نيرانك وذلك هو الظفر بأجل المطالب ونيل أعلى المراتب.
10. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ: إن الكفار الفجار تناديهم خزنة النار حينما يمقتون أنفسهم على تركهم الإيمان لما أدركهم الخسران لمقت الله لكم في الحياة الدنيا حينما عصيتم أمره وكذبتم أنبياءه أشد من لومكم لأنفسكم حينما أبصرتم العذاب وتيقنتم بعدل الله في عقابكم حينما دعيتم إلى توحيده فأبيتم ذلك.
11. قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ: قال الكفار يا ربنا قد أمتنا مرتين مرة يوم كنا أجنة في بطون الأمهات قبل نفخ الروح والثانية يوم تمت أعمارنا في الحياة الدنيا وأحييتنا مرتين مرة في الحياة الدنيا يوم ولدتنا أمهاتنا والثانية يوم بعثنا من القبور فقد اعترفنا بذنوبنا فهل لنا من حيلة نخرج بها من نار جهنم ونعود إلى الدنيا فنؤمن بك ونتبع رسلك؟ ولكن هيهات فقد فات الاوان فالزمان ليس زمان إيمان.
12. ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ: ذلكم العقاب الذي حل بكم أيها الكفار بسبب أنكم إذا نصحتم بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به كفرتم بذلك وأعرضتم عنه وإذا أشرك به معه غيره قبلتم ذلك وعملتم به فالله عزوجل هو الحاكم بين العباد بالعدل لا يظلم أحدا يهدي من أراد من العباد ويضل من أراد ويرحم من شاء ويعذب من شاء حكيم فيما قدر محسن فيما فعل له علو الذات والقدر والقهر وله الكبرياء والجلال والعظمة.
13. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ: الله الذي يطلعكم أيها البشر على براهينه التي تدل على بديع صنعه وتمام قدرته في الآفاق وفي الأنفس وينزل من الغمام ماء مباركا يكون سببا للخضرة والإنبات والنماء والحياة بإذن الله وما ينتفع بهذه البراهين ويتفكر فيها إلا كل عائد إلى الله بالطاعة مخلص له العبادة كثير التوبة.
14. فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ: فاعبدوا الله أيها الناس وادعوه بإخلاص العبادة والمسألة له وحده ولا تشركوا معه غيره ولو غضب من ذلك أعداؤه الكفار فما عليكم منهم بل أثبتوا على إخلاص العبادة لله.
15. رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ: الله سبحانه الذي علت درجاته من خلقه وعلا قدره فله علو الذات وعلو القدر وعلو القهر وهو ذو العرش العظيم الذي لا يقدر قدره إلا الله وهو مستو عليه استواء يليق بجلاله ومن لطفه سبحانه بالخلق أن يرسل الأنبياء إليهم فيوحي إلى هؤلاء الأنبياء من الحكمة والعلم النافع والهدى ما هو بمنزلة الروح التي يحيا به الإنسان بل حياة النفس بالوحي والهدى أعظم من حياة الإنسان بروحه وبهذا الوحي يخوف الرسل الناس يوم العرض الأكبر ويحذرونهم من كل ما يوجب لهم العذاب يوم القيامة يوم يلتقي فيه السابق واللاحق.
16. يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ: يوم يظهر الناس ويبدون أمام الله للحساب في عرصات القيامة لا يغيب عن الله من الناس ولا من أعمالهم شىء قد علمها واطلع عليها وأحصاها وسوف يحاسبهم عليها يقول عزوجل يوم القيامة لمن الملك اليوم؟ لا يجيبه ملك مقرب ولا نبي مرسل فيجيب نفسه سبحانه يقول الملك لله المستحق للعبودية وحده القهار الذي قهر ما سواه وأعز من تولاه وأذل من عاداه واحد له صفات الألوهية وقهار له صفات الربوبية.
17. الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: يوم القيامة تثاب كل نفس بما فعلت في الدنيا من حسن وسىء لا يظلم عبد يوم الحساب بزيادة سيئاته أو نقص حسناته إن الله سريع الحساب فلن يتأخر عنكم يوم الحساب بل هو قريب فتهيؤوا له.
18. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ: وخوف العباد أيها الرسول من يوم المعاد الذي اقترب ودنا إذ قلوب الناس من هوله قد علت في صدورهم واقتربت من حلوقهم وهم في هم عميق وحزن شديد وليس للكفار من قريب ينفع ولا ولي يشفع ولا نصير يدفع.
19. يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ: يعلم الله تعالى ما تختلسه الأبصار من نظر وما تضمره الصدور من سر فحركات العين وخوافي الصدور معلومة لديه سبحانه.
20. وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ: والله تعالى يحكم بين العباد يوم المعاد بالعدل فيثيب المحسن ويعاقب المسئ والمعبودات من دون الله لا تنفع ولا تضر ولا تقضي شيئا لعجزها عن ذلك إن الله السميع لكل الاصوات البصير بكل الأفعال والنيات سمع الأقوال وبصر بالأفعال.
21. أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ: أو لم يذهب الكفار في الديار فيشاهدوا آثار الفجار وماذا فعل الله بهم لما كفروا به وكذبوا رسله كان السابقون من الكفار أشد بطشا من هؤلاء الكفار وأعظم قوة في الأبدان والعتاد وأبقى في الدنيا آثارا من البناء والصناعات فلم تدفع عنهم قوتهم عذاب الله بل أهلكهم الله بخطاياهم من كفر وسيئات ولم يكن لهم أحد يحميهم من عذاب الله ويدفعه عنهم.
22. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ: ذلك العقاب الذي أنزله الله بأعدائه بسبب كفرهم وتكذيبهم للرسل بعدما أتوا بالبراهين على صحة نبوتهم والدعوة إلى توحيد الله تعالى فنكل الله بهم ودمرهم إن الله تعالى قوي يقهر من حاربه ويذل من غالبه شديد العقوبة لمن عصاه عظيم الأخذ لمن عاداه.
23. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ: ولقد أرسل الله موسى بالبراهين الدالة على وحدانيته وجاء موسى بحجة واضحة ودليل ظاهر على صحة نبوته وعلى كذب دعى فرعون وقومه.
24. إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ: أرسل الله موسى بالبراهين إلى فرعون طاغية مصر ووزيره هامان وصاحب الكنوز قارون فكفروا برسالة موسى وكذبوه وقالوا عنه ساحر ذاهب العقل كذاب في النقل ومثل هذا لا يكون رسولا للناس.
25. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ: فلما أتى موسى بالبراهين إلى فرعون وهامان وقارون كفروا وكذبوا بها وزادوا على ذلك بقتل الأبناء واستبقاء النساء للخدمة وما مكر الكفار وتدبيرهم إلا في بعد عن الحق وغياب عن الرشد ومصيره هلاك أصحابه.
26. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ: وقال فرعون لسادة قومه اتركوني أقتل موسى وليسأل موسى ربه الذي ادعى أنه أرسله إلينا ليحميه منا إني أخاف أن يغير موسى ديننا إلى دين آخر يدعو إليه أو أن ينشر موسى الفساد في أرض مصر وهذا من قلب الحقائق فالمصلح أصبح مفسدا والمفسد مصلحا.
27. وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ: وقال موسى لفرعون وقومه إني أعوذ بالله ربي وربكم من كل متكبر جاحد معاند مكذب بالرسالة لا يصدق بيوم القيامة ومن هذا شأنه فلن يردعه عن فعل ما أراد إلا رب العباد.
28. وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ: وقال أحد المؤمنين بالله المصدقين لموسى في الباطن وهو من أسرة فرعون كيف تريدون قتل رجل ليس له إثم إلا إنه يقول ربي الله وهو المستحق للعبادة وقد أتى بالأدلة الصحيحة على صدق رسالته؟ وإن كان موسى كاذبا فيما ادعاه فضرر كذبه يرجع عليه وهو الذي يتحمل تبعه ذلك وإن كان موسى صادقا نالكم بعض ما توعدكم به إذا كذبتموه إن الله لا يرشد إلى الهدى من تجاوز الحدود في الكفر والذنوب لأنه آثر الغواية عن قصد وأراد الباطل عن عمد ولا يرشد كذاب بسبب ما فعله من الكفر والذنوب إلى الله لأن الكذاب موه على الناس فموه عليه الحق فلا يهتدي.
29. يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ: يا قومي لكم سلطان مصر في هذا الزمن وأنتم سادة بني إسرائيل فمن يحمينا من عقاب الله إن وقع بنا؟ قال فرعون رادا عليه يخاطب قومه ما أشير عليكم ولا أنصح لكم أيها الناس إلا ما أشير وأنصح به نفسي وما أدركم إلا على النهج الصحيح والرأي السديد.
30. وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ: وقال مؤمن آل فرعون مذكرا ومنذرا يا قومي إني أخشى عليكم يوما أسود يحل بكم فيه العذاب إن قتلتم موسى مثلما حل بالأحزاب الذين تحزبوا على حرب رسلهم.
31. مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ: مثل عادة وطريقة قوم نوح وعاد وثمود ومن أتى بعدهم من القرون في الكفر والتكذيب فعذبهم الله بذنوبهم غير ظالم لهم والله يعذب عدلا ويرحم فضلا وتعالى الله عن ظلم العباد بل يعاقب على الكفر والفساد.
32. وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ: ويا قومي إني أخاف عليكم العذاب الذي يحل بكم إن كفرتم يوم ينادي البشر بعضهم بعضا مما حل بهم من الخطر وهو يوم القيامة.
33. يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ: يوم القيامة تهربون ولا مهرب لكم من هول الموقف وليس لكم من يدفع عنكم العذاب ولا من ينصركم إذا وقع العقاب ومن يصرفه الله عن الهداية ولا يوفقه للصواب فلن تجد أحدا يستطيع هدايته من الناس.
34. وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ: ولقد أتاكم يوسف نبيا رسولا من عند الله بالبراهين الباهرة الواضحة على صحة رسالته يدعوكم إلى توحيد الله وطاعته فما زلتم في حيرة وريبة من رسالته في حياته فلما توفاه الله تعاظمت حيرتكم وريبتكم وقلتم لن يرسل الله إلى الناس بعد وفاة يوسف رسولا مثل هذه الغواية التي أنتم فيها يكتبها الله ويقدرها على كل متجاوز للحدود وشاك في ألوهية الله فهو متكبر على الحق شاك في الصدق فكيف يوفق للصواب؟!
35. الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ: الذين يخاصمون بالباطل ويردون البراهين التي أرسل الله بها رسله بالهوى وليس عندهم علم ولا دليل على ما ذهبوا إليه عظمت هذه المخاصمة عند الله لقبحها وعظمت عند المؤمنين ومثلما ختم الله على قلوب من جادل بالباطل من الأمم السابقة يختم على قلب كل مستكبر عاند جاحد ظالم مستبد فلكبره رد الحق ولجبروته عمل بالباطل ودعا إليه.
36. وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ: وقال فرعون متحديا ومهددا موسى بعد ما كذبه ورد ما جاء به يا هامان ارفع لي بناء طويلا شاهقا لأصعد عليه وأصل إلى أبواب السموات.
37. أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ: فإذا صعدت ووصلت أبواب السموات نظرت إلى إله موسى بنفسي لأعلم صدق موسى من كذبه مع غلبة ظني قبل الصعود والنظر أن موسى كاذب فيما ادعاه من الرسالة وهكذا حسن لفرعون القبيح من فعله فرآه حسنا وصرف عن الهدى بسبب الباطل الذي حسن له وما مكر فرعون وتدبيره واحتياله لرد رسالة موسى إلا في خسار وبوار وهلاك ودمار لأن سوء مكره يحيق به وبقومه.
38. وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ: وقال مؤمن آل فرعون يعيد دعوته وموعظته يا قومي اتبعوني فيما أدعوكم إليه من الحق أدلكم على طريق الهدى وأجنبكم طريق الردى.
39. يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ: يا قومي إن هذه الحياة الدنيا قصيرة زائلة أيام التنعم واللذة فيها قليلة منصرمة فلا تغتروا بها ولا تثقوا بالبقاء فيها وإن الدار الآخرة لمن آمن وأصلح هي دار النعيم المقيم والسور الدائم والحياة الآمنة الرضية الأبدية فقدموا العمل للآخرة من الإيمان بالله وحسن عبادته على العمل للدنيا والاغترار بها.
40. مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ: من فعل ذنبا في حياته جازاه الله بمثل ذنبه من العقوبة ومن فعل خيرا من طاعة الله وأعمال البر وترك المعاصي رجالا أو نساء مع توحيد الله والإخلاص له فلهم جنات النعيم يدخلونها خالدين فيها يرزقهم الله فيها مما لذ وطاب من الطعام والشراب ونساء أتراب وحلي وثياب بغير حساب.
41. وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ: ويا قومي كيف أدعوكم إلى توحيد الله واتباع رسوله موسى عليه السلام وهو ما سوف ينجيكم من عذاب الله ويحقق لكم الفوز بجنات النعيم وأنتم تدعونني إلى الكفر بالله وتكذيب موسى وهو ما يوصل إلى الخلود في نار جهنم؟!
42. تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ: تدعونني للكفر بالله والإشراك به والإعراض عن طاعته وليس لي علم بأن ما دون الله يستحق العبادة وأنا أدعوكم لعبادة الله العزيز في ملكه وأمره القوي في انتقامه الغفار لذنوب من تاب وأناب فهو عزيز يعز من والاه غفور لمن تاب إليه ودعاه.
43. لا جَرَمَ أَنَّ مَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ: لا أشك أن الذي تدعونني لعبادته من دون الله لا يستحق أن يدعى إلى عبادته ولا يسأل من دون الله ولا يلجأ إليه لا في حوائج الدنيا ولا في مسائل الآخرة وأن مرجع الناس جميعا إلى الله ليحاسبهم على ما فعلوه وأن من تجاوز حدود الله وكفر به وسفك الدماء وظلم الناس فمصيره إلى نار جهنم.
44. فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ: فلما وعظهم وأنذرهم وأيس من استجابتهم أخبرهم أنهم سوف يندمون حين لا ينفع الندم بعد زلة القدم وسوف يعتمد هو على ربه ويتوكل على مولاه ويلجأ إلى خالقه لأن الله عالم بأعمال وأقوال الناس لا تخفى عليه منهم خافية ولا يغيب عليه من عملهم شىء.
45. فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ: فحمى الله مؤمن آل فرعون من انتقام الكفار وعاقبة مكرهم لأنه توكل على الله وحده وحل بالكفار سوء العذاب في هذه الدار ثم بالخلود في النار.
46. النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ: فأغرق قوم فرعون في الدنيا وعذبوا في الآخرة بنار جهنم يعرضون عليها صباح مساء وهذا دليل على عذاب القبر ويوم القيامة يدخل آل فرعون نار جهنم خالدين فيها جزاء على كفرهم وتكذيبهم.
47. وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ: وإذ تقع الخصومة بين الكفار في النار فيقول الأتباع والرعاع المقلدون للكبراء والسادة إنا تبعناكم وقلدناكم في معتقدنا في الحياة الدنيا فهل تتحملون عنا نصيبا من عذاب النار لأنكم كنتم السبب في ضلالنا وكفرنا؟!
48. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ: قال الكبراء والسادة للأتباع لا نستطيع تحمل شىء من العذاب عنكم فكلنا في النار لا مخرج لنا منها إن الله قد قضى بين الناس فأعطى كلا ما يستحقه من العذاب والثواب بعدل لا ظلم فيه.
49. وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ: وقال الكفار الذين في النار من السادة والأتباع لخزنة النار ادعوا الله أن يخفف عنا من عذاب النار يوما واحدا لكي نستريح ولو وقتا قصيرا من العذاب.
50. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ: فرد خزنة النار على الكفار بقولهم لن يخفف عنكم العذاب أما جاءتكم الرسل من عند الله بالبراهين الدالة على وحدانية الله وصدق الأنبياء فكفرتم وكذبتم فأقر الكفار بأنهم كذبوا بآيات الواحد القهار فقال الخزنة فلن ندعو لكم ولن نشفع فيكم فادعوا أنتم ودعاؤكم لا ينفعكم ولن يستجاب لكم لأن دعاء الكفار لا ينفعهم ولا يستجيب الله لهم بل هو ضياع وهباء.
51. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ: إن الله ينصر رسله وعباده المؤمنين ويجعل العاقبة لهم على من حاربهم في حياتهم الدنيا ويوم القيامة الذي تشهد فيه الملائكة والرسل والصالحون بين عباد الله على الأمم الكافرة فتشهد أن الأنبياء بلغوا وأن الكفار كذبوا.
52. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ: يوم القيامة لا تنفع الكفار الأعذار وهم مطرودون من رحمة العزيز الغفار ولهم أقبح قرار في تلك الدار وهو الخلود في النار.
53. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ: ولقد أنزل الله التوراة على موسى فيها رشد وبيان وأحكام تدل على الخير والهدى وجعل الله بني إسرائيل يتوارثون التوراة جيلا بعد جيل.
54. هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ: والتوراة مرشدة إلى الصراط المستقيم قبل أن تحرف وتنسخ بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم وفيها عبرة وعظة وتذكير لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة.
55. فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ: فاصبر أيها الرسول على تكذيب الكفار وأذى الفجار فإن الله وعدك بالنصر والتمكين والرفعة وهو سبحانه لا يخلف ما وعد بل ينجزه لك وقد حصل هذا وعليك بالاستغفار من الذنوب فبالاستغفار تنال رضى الواحد القهار وتنجو من الأخطار ونزه ربك ومجده بالتسبيح الذي تنفي فيه النقص عن الله المقرون بالحمد الذي هو إثبات الكمال له سبحانه في كل مساء وكل صباح.
56. إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ: إن الذين يخاصمون في البراهين الدالة على وحدانية الله وعظمته ويخلطون الحق بالباطل وليس عندهم دليل صحيح على ما خالفوا فيه وعلى صدق دعواهم هؤلاء حملهم على ذلك الكبر والعناد والعجب الذي انطوت عليه صدورهم وهم يحسدونك على ما عندك من الفضل الذي منحك الله إياه ولن يبلغوا هذا الفضل ولن يصلوا إلى الإضرار بك فالله حاميك فالجأ إلى الله واطلب منه الحماية من أذاهم فإنه يسمع أقوالهم ويبصر أحوالهم وأفعالهم وهو محيط بهم.
57. لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: لخلق الله للسموات والأرض أعظم وأكبر من خلقه سبحانه للناس وإحيائهم بعد الموت فلماذا يشكون في قدرة الله على بعث الناس من القبور؟ وأكثر الناس لا يعلمون حقيقة أن الخلق سهل يسير على الله وأن خلق السموات والأرض أعظم من خلق البشر.
58. وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ: وما يستوي الأعمى والبصير في تمام الرؤية وتمييز الأشياء كذلك لا يستوي المؤمنون الصالحون ولا الكفار المعاندون ما أقل تذكركم أيها الناس براهين الله وتدبرها والانتفاع بها والفقه فيها.
59. إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ: إن يوم القيامة واقع لا محالة فاعملوا له بإخلاص العبادة لله والتزود بالصالحات ولكن أكثر البشر لا يصدقون بيوم القيامة ولا يعملون له بل هم في غفلة وإعراض.
60. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ: وقال ربكم أيها الناس ادعوني دون سواي واخلصوا العبادة لي أستجب لكم فأقضى حاجاتكم وأكشف كرباتكم إن المتكبرين عن العبودية لله وإفراده بالألوهية سيدخلون نار جهنم أذلاء خائبين.
61. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ: الله وحده سبحانه هو الذي خلق لكم الليل تسكنون فيه وتنامون وتستريحون من أعمالكم وخلق لكم النهار مضيئا بالشمس لتطلبوا فيه رزقكم وتؤدوا فيه أعمالكم إن الله لذو إنعام كبير على العباد ولكن أكثر البشر لا يشكرون الله بإخلاص العبادة له وإفراده بالطاعة.
62. ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ: الله وحده الذي تفضل عليكم بهذه النعم إنما هو ربكم الخالق الرازق الذي أوجد كل شىء من العدم لا معبود بحق سواه ولا شريك له فكيف تنحرفون عن توحيده إلى الإشراك به وعبادة ما سواه جل في علاه ولا رب لكم غيره.
63. كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ: كما انحرفتم وأعرضتم عن عبادة الله وتوحيده ينحرف عن ذلك كل جاحد معاند لا يقبل الدليل ولا يتبع الحق.
64. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ: الله وحده سبحانه هو الذي خلق لكم أيها الناس الأرض ومهدها وسواها لكم لتستقروا على ظهرها وسهل لكم العيش عليها وخلق السماء فوق الأرض سقفا لها وخلق لكم في السماء علامات هي نعم لكم كالشمس والقمر والنجوم والسحاب وخلقكم أيها الناس على أجمل صورة وأتم هيئة وتفضل عليكم بما لذ وطاب من الطعام والشراب والمراكب الوطية والرزق الهنئ كافة مع مباهج الحياة ولذائذ المعيشة والذي أنعم عليكم بذلك هو الله وحده جل في علاه فتكاثر بره عم فضله واتسع جوده وتقدس عن كل وصف لا يليق به وهو رب الخليقة كلها وخالق العالم بأسره.
65. هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: هو الله الحي حياة كاملة تامة لا تشابه حياة المخلوق الناقصة المنتهية فهو المستحق للعبادة وحده دون سواه فاعبدوه واسألوه واخلصوا له الطاعة ولا تشركوا به شيئا فالحمد الجزيل والثناء الجميل والشكر الجميل والشكر الجليل لله خالق الكون وما فيه.
66. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: قل أيها الرسول للكفار إن الله نهاني عن عبادة ما تعبدونه من دونه من أوثان وأوصاني لما أتتني البراهين الواضحة الصحيحة على وحدانية الله وأمرني ربي أن أطيع أمره وأنقاد لحكمه وأذعن له وحده خالق الخليقة ورب الكون كله.
67. هَوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: الله وحده الذي أوجد أباكم آدم وأنشأه أيها البشر من تراب ثم خلقكم أنتم متناسلين من ماء مهين وبعد ذلك إلى دم غليظ ثم قطعة لحم ثم يولد الواحد من بطن أمه طفلا صغيرا ثم يصل الواحد منكم إلى مرحلة اكتمال نموه وقوة جسمه ثم يذوي إلى أن يصبح شيخا كبيرا هرما إذا طال عمره وبعضكم يموت قبل ذلك ولتصلوا بما قدره الله لكم من أعمال إلى وقت معلوم تموتون فيه ولعلكم تتدبرون براهين الله وعجيب خلقه ونفاذ قدرته وتتفكرون في بديع صنعه فتوحدوه وتخلصوا له العبادة.
68. هَوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: هو سبحانه الذي يوجد الخلق من العدم ويتوفاهم ثم يبعثهم بعد موتهم فإذا أراد قضاء أمر قضاه بكلمة "كن" فيكون هذا الأمر بإذن الله.
69. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ: ألا تعجب أيها الرسول من الكفار الذين يخاصمون في براهين الله الصادقة الصحيحة وهي يقينية على وحدانية الله كيف ينحرفون عن الإيمان بها مع صحتها وصدقها وكيف يضلون بعد إقامة الحجة البينة.
70. الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: هؤلاء الكفار الذين كذبوا بالقرآن وبكتب الله المنزلة على رسله سوف تظهر لهم نتيجة كفرهم إذا أنزل الله بهم أشد العقوبة على تكذيبهم يوم القيامة.
71. إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ: يوم توضع الأغلال في أعناق الكفار وتوضع السلاسل في أرجلهم.
72. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ: وتجر الزبانية الكفار في الماء الحار شديد الحر والغليان ثم يحرقون في نار جهم الموقدة.
73. ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ: ثم قيل للكفار في النار تبكيتا أين معبوداتكم المزعومة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟
74. مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ: هل تنصركم هذه المعبودات من دون الله؟ وهل تدفع عنكم اليوم عذاب الله؟ قال الكفار إن هذه المعبودات غابت اليوم عن عيوننا وخذلتنا ولم تنفعنا بشىء ويقرون بخطئهم وجرمهم في عبادة غير الله وفي الإشراك به وأنهم كانوا على سفه وباطل كما أضل الله هؤلاء الكفار بعبادة غيره مما لا ينفع ولا يضر يضل الله كل جاحد معاند يرد الحق ويكذب بالصدق.
75. ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ: ذلكم العقاب الذي حل بكم أيها الكفار بسبب غفلتكم عن طاعة ربكم وفرحكم بمعاصيكم وشهواتكم ومظاهر دنياكم الخداعة وما كنتم عليه من الأشر والبطر والكبر والعلو.
76. ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ: ويقال للكفار ادخلوا أبواب النار باقين فيها أبدا معذبين فيها دائما فقبحت جهنم مقاما لكل متكبر معاند وساءت وساء أهلها.
77. فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ: فاصبر أيها الرسول على أعباء الدعوة واصبر على كل أذى ينالك في سبيل الله وأثبت على نهجك إن الله وعدك بالنصر والتمكين وسوف ينجز لك ما وعد فإما أن ترى في حياتك بعض ما وعد الله به الكفار من العذاب والنكال أو تموت قبل أن تحل بهم العقوبة فمعاد الكفار إلى الله يوم القيامة وسوف يعذبهم على ما فعلوا من كفر وتكذيب فإنما عليك الدعوة والصبر والثبات.
78. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُـلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ: ولقد أرسل الله رسلا من قبلك أيها النبي إلى أقوامهم بعضهم أخبرك الله عنه وبعضهم لم يخبرك عنه وجميعهم بلغ رسالة الله إلى قومه ولا يستطيع أحد من الرسل أن يأتي قومه بمعجزة أو آية شرعية أو كونية إلا بمشيئة الله وحده فإذا حان نزول العذاب بالكفار حكم الله بالعدل بين الرسل ومن كذبهم وهلك المكذبون المفترون على الله وحل بهم العقاب لسوء فعلهم.
79. اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ: الله وحده هو الذي خلق لكم الأنعام أيها الناس وجعل لكم فيها منافع منها ركوب ظهور بعضها وأكل لحوم بعضها وهذه نعم يجب شكر الله عليها.
80. وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ: ولكم منافع كثيرة في الأنعام كالانتفاع بالجلود والشعر والوبر والصوف ولتحققوا على بعضها أغراضا في صدوركم مثل السفر إلى الديار البعيدة وعلى هذه الأنعام تحملون أمتعتكم في البر وعلى الفلك تحملونها في البحر.
81. وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ: ويريكم الله البراهين الدالة على وحدانيته وعظمته وحسن صنعه فما هو البرهان الذي تنكرونه وقد خفي عليكم ولم تعرفوه؟ فالكل واضح بين.
82. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: أفلم يذهب الكفار في الأقطار فيتفكروا في آثار الفجار الذين أهلكهم الواحد القهار وكان أولئك المكذبون السابقون أكثر من هؤلاء الكفار عدة وعددا وبأسا وآثارا في البناء والصناعة والزراعة ونحوها فما دفع عنهم عذاب الله ما عندهم من القوة والآلات والمواهب بل أهلكهم الله وقطع دابرهم.
83. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: فلما أتت الرسل هؤلاء الكفار بالبراهين الدالة على وحدانية الله وقدرته فرح هؤلاء الكفار بما عندهم من العلم المعارض لبراهين الرسل جهلا منهم وغرورا ونزل بهم من عقوبة الله ومن بأسه ما كانوا يستحقونه على سخريتهم من الرسل واستهزائهم بآيات الله وفي هذا دليل على أن كل علم يناقض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو علم ضار مذموم.
84. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ: فلما شاهد الكفار عقاب الواحد القهار أقروا حيث لا ينفعهم الإقرار وقالوا آمنا بالله العزيز الغفار وكفرنا بكل معبود سواه من الأشجار والأحجار.
85. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ: فلم ينفع الكفار هذا الإيمان بعد فوات الأوان حين شاهدوا الذل والهوان وهذه حكمة الله وطريقته في كل زمان ومكان أن العذاب إذا نزل بالكفار فلا ينفعهم إيمانهم بعد نزوله لأنه إيمان اضطرار لا اختيار وهلك عند حلول نقمة الله أعداؤه من الجاحدين المعاندين.
سورة فصلت
1. حم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها.
2. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذا الكتاب الحكيم هو وحي من الله أنزله على رسوله الكريم ونزله هو الرحمن الذي وسعت رحمته كل شىء الرحيم الذي اختص برحمته من شاء من عباده.
3. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: هذا القرآن كتاب بينت آياته ووضحت أحكامه وظهرت معجزاته أنزله الله بلغة العرب أفصح اللغات ليكون مفهوما سهلا واضحا عند تلاوته وسماعه.
4. بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ: هذا القرآن يبشر المؤمنين بالثواب وينذر الكفار بالعقاب فأعرض أكثر الناس عن القرآن وهجروه فهم لا يسمعونه سماعهم وقبول واستجابة.
5. وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ: وقال الكفار للرسول صلى الله عليه وسلم إن قلوبنا أصبحت في حجب وأغطية من فهم ما جئت به من رسالة وفي أسماعنا صمم فلا نسمع ما تقول وأصبح بيننا وبينك حجاب يسترنا عن اتباعك وإجابتك فاعمل أنت على ملتك وما جئت به واتركنا نعمل على ملتنا ودين آبائنا.
6. قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ: قل أيها الرسول للكفار إنما أنا إنسان مثلكم ولست ملكا ولكن الله أنزل علي وحيا جعلني نبيا وأنا أدعوكم إلى لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فاسلكوا الصراط المستقيم الموصل إلى الله وهو التوحيد الذي دعت إليه الرسل واستغفروا الله من ذنوبكم وهلاك للكفار الذين أشركوا بالله غيره.
7. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ: هؤلاء الكفار تركوا الصلاة والزكاة فلم يعبدوا الخالق ولم ينفعوا الخلق وقد كذبوا بالبعث بعد الموت.
8. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ: إن المؤمنين الصالحين لهم ثواب عظيم ونعيم مقيم لا ينقطع عنهم ولا يمنع منهم.
9. قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: قل أيها الرسول للكفار منكرا عليهم أإنكم لتكفرون بالله وقد خلق الأرض في مدة يومين وتشركون بالله غيره من المعبودات الباطلة والله وحده هو خالق الكون ومن فيه وما فيه تقدست أسماؤه؟!
10. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ: وجعل الله تعالى في الأرض جبالا راسية ثابتة على سطح الأرض تمسكها لئلا تضطرب وبارك في الأرض بسائر أنواع الخيرات والثمار والأرزاق وقدر الله في الأرض أقوات المخلوقات من غذاء وماء وكساء وهواء ودواء في مدة أربعة أيام يومان لخلق الأرض ويومان لخلق الجبال وتقدير الأقوات وهذا جواب لكل سائل عن ذلك فمن سأل فهذا جواب سؤاله ليكون على علم.
11. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ: ثم استوى عزوجل أي قصد إلى السماء وكانت من قبل دخانا فقال سبحانه للسماء وللأرض انقادا لأمي مختارتين أو مجبرتين قالتا بل ننقاد لأمرك طائعتين ذليلتين فليس لنا قوة على مخالفة أمرك ولا إرادة تخالف إرادتك فيا سبحان الله هذه السماء والأرض أطاعتا وأذعنتنا مع الضخامة والقوة فكيف لا يذعن الإنسان مع الضعف والعجز.
12. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ: فقضى الله خلق السموات السبع وأتمهن وأحكم صنعهن في يومين فصار مدة خلق السموات والأرض ستة أيام والله قدير أن يخلقها في طرفة عين بكلمة "كن" وأوحى في كل سماء ما شاء أن يوحيه ويأمر به سبحانه وزين الله السماء الدنيا بالنجوم اللامعة زينة لها ولتحفظها من الشياطين التي تسترق السمع ذلك الخلق المتقن المحكم قدره العزيز في ملكه المعز من أطاعه والمنتقم ممن عصاه العليم الذي لا تخفى عليه خافية فهو قوي بعزه وعليم بحكمه.
13. فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ: فإن كذب الكفار بعد بيان الحق لهم فأنذرهم أيها الرسول بعقاب هائل يدمرهم مثلما أهلك الله قوم عاد وثمود لما كذبوا الرسل وكفروا بالله.
14. إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ: يوم أتت الرسل إلى عاد وثمود يتبع بعضهم بعضا بلا انقطاع يدعونهم إلى توحيد الله وطاعته قال المكذبون للرسل لو أراد الله أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا لأنزل علينا من السماء ملائكة يدعوننا إلى توحيده ولم يرسل إلينا بشرا مثلنا فإنا مكذبون بما تدعوننا إليه ولا نصدقكم فيما تقولون.
15. فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ: فأما عاد قوم هود فقد تكبروا على الناس وعلوا في الأرض بالباطل وقالوا في عتو وعناد لا أحد أقوى منا أو لم يعلم هؤلاء الجهلاء أن الله الذي أوجدهم من العدم أشد منهم بطشا وأعظم منهم بأسا وكانوا ينكرون براهين الله ويردون أدلة وحدانيته.
16. فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ: فأرسل الله على عاد ريحا قوية عاصفة لها صوت مرتفع في أيام شؤم ونكال ليذوقوا عذاب الهوان والذل والخزي في الدنيا ولعذاب الآخرة عند الله في نار جهنم أشد هوانا وذلا وخزيا ولا ناصر لهم يدفع عنهم عذاب الله.
17. وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: وأما ثمود قوم صالح فقد وضح الله لهم الصراط المستقيم ودلهم على النهج القويم فاختاروا الغواية على الهداية فدمرتهم صاعقة العذاب المهين المخزي بسبب أعمالهم القبيحة من كفر وذنوب.
18. وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ: ونجى الله من العذاب الذي حل بعاد وثمود من كان مؤمنا به متبعا لرسله ممن يخافه ويتقيه ويطيعه سبحانه.
19. وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ: ويوما لقيامة يساق الكفار إلى النار ترد الزبانية الكفار أولهم على آخرهم.
20. حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: حتى إذا أتى الكفار النار وجحدوا ما فعلوه من سوء شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما فعلوه.
21. وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: وقال الكفار لجلودهم لما شهدت عليهم لماذا شهدتم علينا بما فعلنا من ذنوب؟ قالوا الله الذي أنطقنا هو الذي أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة ولم تكونوا شيئا وإليه تعودون بعد الموت للحساب.
22. وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ: وما كنتم تستخفون عند اقترافكم الذنوب خوفا من أن شهد عليكم السمع والبصر والجلود يوم الحساب، ولكن ظننتم أن الله يخفي عليه كثير من عملكم القبيح.
23. وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ: وذلك الظن السىء الذي ظننتموه بالله من عدم علمه بكثير من أعمالكم هو الذي أهلككم فأصبحتم يوم القيامة ممن خسر نفسه وأهله.
24. فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ: فإن يصبر الكفار على العذاب فالنار مأواهم ومستقرهم ولا صبر عليها وإن يطلبوا الرجوع إلى الدنيا للتوبة فلن يجابوا إلى ذلك ولن تقبل لهم توبة أو عذر.
25. وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ: وهيأ الله للكفار قرناء غاوين من شياطين الإنس والجن فحسنوا لهم قبائح ذنوبهم في الدنيا وأوقعوهم في المحرمات والشهوات وصدوهم عن الطاعات وحسنوا لهم ما خلفهم من مسائل الأخرة فأنسوهم ذكرها وحملوهم على الكفر بالبعث بعد الموت والحساب وأوجب الله على هؤلاء الكفار دخول النار بسبب كفرهم ومعاصيهم مع أمم سابقة من كفار الجن والإنس إن هؤلاء الكفار خسروا أنفسهم وأهليهم وأعمالهم يوم المعاد.
26. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ: وقال الكفار يوصي بعضهم بعضا لا تسمعوا لهذا القرآن ولا تتبعوه ولا تقبلوه وإذا قرئ عليكم فارفعوا أصواتكم بالصياح والصفير على محمد لعلكم تغلبونه فلا يقرأ القرآن وتنتصرون عليه بإسكاته ومنعه من التلاوة والدعوة.
27. فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ: فسوف يذيق الله الكفار على قبيح ما فعلوه عذابا شديدا في الدنيا بالقتل والأسر والنكبات وفي الآخرة بدخول النار وسوف يعاقبهم أسوأ عقاب على سوء ما اقترفوه.
28. ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ: هذا العقاب الذي يعاقب به الكفار هو نار جهنم باقين فيها أبدا عقابا على تكذيبهم بآيات الله وإنكارهم البراهين الشرعية وكل من سعى في صرف الناس عن الكتاب والسنة بأي وسيلة دخل في هذا الوعيد.
29. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ: وقال الكفار في النار ربنا أرنا اللذين أضلانا من شياطين الجن والإنس لنجعلهم تحت أقدامنا في الدرك الأسفل من النار لأنهم كانوا سببا في إغوائنا.
30. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ: إن الذين قالوا ربنا الله فوحدوه وأخلصوا له العبادة ولم يشركوا به شيئا ثم استقاموا على دينه بفعل الأوامر واجتناب النواهي وحسن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأبرار تتنزل عليهم ملائكة الرحمة عند سكرات الموت يقولون لهم أبشروا بما يسركم عند ربكم فلا تخافوا من الموت وما وراء الموت من أهوال ولا تحزنوا على ما تركتموه في الدنيا من أموال وأولاد وأبشروا بالخلود في الجنة بلا انتقال ولا زوال مثلما وعدكم رب العزة والجلال.
31. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ: وتقول الملائكة للمؤمنين نحن أنصاركم وأحبابكم في حياتكم الدنيا فتحفظكم بأمر الله من كل مكروه ونحن معكم في الآخرة فنطمئنكم من كل مخوف ولكم في جنات النعيم كل ما تهواه أنفسكم وتقر به عيونكم فكلما سألتم أجبتم فوجدتم كل مطلوب محبوب بين أيديكم حاضرا بلا عناء بل بالهناء والشفاء.
32. نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ: وهذا النعيم ضيافة من الغفور للذنوب الرحيم بالعباد فهو الذي غفر لكم السيئات وقبل منكم برحمته الطاعات.
33. وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ: لا أحد في العالم أحسن قولا ممن دعا إلى توحيد الله وعبادته وعمل الصالحات ودعا إلى سنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وقال: إنني من المسلمين الخاضعين الطائعين المنقادين لحكم الله وشرعه وفي الآية فضل الدعوة إلى الله سبحانه وأنها أشرف مقامات العبودية وأن العلماء بالله الداعين إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة هم من خيار الناس وأفضل الأمة وأحب العباد إلى الله تعالى وكفى الدعاة شرفا هذه التزكية والثناء من رب الأرض والسماء.
34. وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ: ولا تستوي حسنة الأبرار وسيئة الأشرار وكذلك لا يستوي العمل الصالح والعمل الفاسد ولا تستوي الحسنة مع الناس من البر والعفو والحلم ولا السيئة معهم من الأذى والإضرار بهم ادفع لحلمك أيها المؤمن سيئة من أساء إليك من الناس وقابل القبيح بالجميل والإساءة بالإحسان حينها يتحول عدوك إلى صديق محب موال كأنه قريب شفيق عليك.
35. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ: وما يمتثل هذا الخلف ويوفق لهذا العمل من العفو والحلم والإحسان إلى من أساء إليه إلا من صبر على ما يكرهه وحبس النفس عن التشفي والانتقام وقومها على شرع الله وعملت بما يرضي الله ويوافق كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يقوم بذلك ويوفق له إلا من هو ذو نصيب كبير من السعادة والرشد والسداد فهو الموفق المبارك أينما كان.
36. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: وإما يوسوس لك الشيطان بوسوسة من دواعي السوء وقبيح الفعل وأذية الناس ومجازاة المسئ بالإساءة فاستجر بالله من الشيطان والتجئ إلى ربك بطاعته وترك معاصيه واعتصم بذكر الله فإن الله سميع لكل قول وصوت عليم بكل فعل وحال فلسمعه وعلمه يجيب من سأله ويعيذ من استعاذ به.
37. وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: ومن براهين الله في الكون الدالة على وحدانيته وقدرته اختلاف الليل والنهار ومجئ هذا وذهاب ذاك واختلاف الشمس والقمر وجريانهما بتوقيت وحكمة وتسخير من الله تعالى فلا تسجدوا أيها العباد للشمس ولا للقمر فإنهما مخلوقان مدبران بل اسجدوا لله واعبدوه الذي أوجد هذه المخلوقات وأبدعها إن كنتم تعبدونه حق عبادته وحده لا شريك له فهذه عبادته.
38. فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ: فإن تكبر الكفار عن السجود للواحد القهار فإن الملائكة الأبرار يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يفترون عن ذلك ولا يملون فالواجب على العبد أن يفعل فعل الملائكة في الاستمرار على الأذكار.
39. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ومن البراهين الدالة على وحدانيته وعظمته جل في علاه أنك أيها الإنسان تشاهد الأرض المجدبة اليابسة لا خضرة فيها فإن أنزل الله عليها الماء من السماء أنبتت بإذن الله وتحركت بالاخضرار والأزهار والأشجار وارتفع فيها العشب والنبات وعلا إن الله الذي أحياها قادر على إعادة الخلق بعد إماتتهم وبعثهم من قبورهم لأنه قادر على كل شىء لا يعجزه سبحانه أمر.
40. إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: إن الذين يجحدون آيات الله ويميلون عن الإيمان ويكفرون بالرحمن ويكذبون القرآن لا يخفون على الواحد الديان، بل هو عالم بعملهم مطلع على أفعالهم فهل هذا المكذب الجاحد الذي يطرح في النار على وجهه أفضل أم المؤمن المصدق الذي يأتي يوم القيامة آمنا من عذاب الله داخلا رحمته مستقرا في جنته؟ اعملوا أيها الكفار الجاحدون ما أردتم من أعمال فإن الله عالم يعملكم مطلع عليه لا تغيب عنه غائبة وسوف يجازيكم بفعلكم.
41. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ: إن الذين كذبوا بآيات القرآن وأنكروه ولم يؤمنوا به معذبون هالكون وإن القرآن عزيز المحل شريف الموضع عالي المكانة محفوظ من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بحفظ الله له.
42. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ: لا يصل الباطل إلى القرآن من أي ناحية من نواحيه لا في براهينه ولا أحكامه ولا مواعظه ولا قصصه ولا أمثاله، ولا يحرف ولا يبدل نزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والله هو الحكيم في خلقه وصنعه الحميد في صفاته وأفعاله المحمود على نعمه وأفضاله.
43. مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ: ما يقول لك هؤلاء الكفار أيها الرسول إلا مثلما قال من سبقهم من الكفار لرسلهم من التكذيب والاستهزاء فاصبر على أذاهم واصبر على مشقة التبليغ إن ربك لكثير الغفران لمن تاب من العصيان وذو عقاب شديد لمن أصر على الكفر والتكذيب.
44. وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ: ولو أنزل الله هذا القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم بلغة أعجمية لقال الكفار لماذا لم تبين لنا آيات القرآن بلغة عربية كيف يكون القرآن أعجميا والرسول عربي؟ قل أيها الرسول للكفار هذا القرآن هداية للمؤمنين به من الضلالة وشفاء لما في صدورهم من الشك والقلق والشبهات والمكذبون بالقرآن في أسماعهم صمم عن فهم القرآن والقرآن على قلوبهم عمى لأنهم كلما سمعوا كذبا فزاد ضلالهم اولئك الكفار عندما يدعون إلى الإيمان كمن ينادي من مكان بعيد فلا يسمع داعيا ولا يجيب مناديا.
45. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ: ولقد أعطى الله موسى التوراة كما أعطى محمدا القرآن فاختلف بنو إسرائيل في التوراة فمنهم من صدق ومنهم من كذب ولولا أن الله كتب وقضى بتأجيل عذاب الكفار لحكم بينهم سبحانه بإهلاك الكفار في الحال ولم يمهلهم وأن الكفار لفي شك وحيرة وريبة من القرآن لما خالط قلوبهم من التكذيب.
46. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ: من اتقى الله وعمل صالحا وهو مخلص متبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفع ذلك وأجره عائد إليه ومن عصى الله ورسوله فضرر ذلك وعقابه واقع عليه وما ربك بظالم للناس بأن ينقص المحسن من حسناته أو يزيد المسئ في سيئاته.
سورة فصلت
47. إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ: إلى الله وحده يعود علم يوم القيامة وخبرة متى يقع وما يحصل فيه وما من ثمرة تخرج من وعائها ولا أنثى تحمل ولا حامل تضع ما حملت إلا بعلم الله وقدره لا يغيب عنه شىء من علم ذلك ويوم ينادي الله الكفار يوم القيامة تبكيتا لهم أين شركائي الذين كنتم تشركونهم في عبادتي؟ فيجيب الكفار بقولهم أعلمناك الآن أنه ليس منا أحد اليوم يشهد أن معك إلها غيرك فأنت وحدك المعبود بحق لا شريك لك وهذه شهادة بعد فوات الأوان.
48. وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ: وذهب عن هؤلاء الكفار معبوداتهم الباطلة من دون الله وتخلوا عنهم وتيقنوا أن لا فرار من عذاب الله وأنه لا منجي من الله ولا ملتجأ إلا إلى الله.
49. لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ: لا يمل العبد من سؤال خير الدنيا من ربه لحبه الحياة وحرصه على الخير وإذا أصابته ضراء أو بأساء يئس من روح الله وقنط من رحمته وساء ظنه بربه واستبطأ الفرج.
50. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ: وإذا أنعم الله على العبد بفرج بعد شدة ويسر بعد عسر لم يعترف بإحسان لإله إليه بل يدعي أنه أعطي هذا لأنه مستحق له جدير به وما أعتقد أن القيامة سوف تقوم وعلى فرض قيام الساعة ظن أن له عند الله جنات النعيم فسوف يخبر الله الكفار يوم القيامة بما فعلوه من ذنوب وسوف يذيقهم العذاب الشديد على ما اقترفوه من تكذيب بالوعد والوعيد.
51. وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ: وإذا أنعم الله على الإنسان بعافية أو مال أو جاه ونحو ذلك تكبر وتجبر على طاعة ربه والانقياد للحق وإذا أصابته الضراء والبأساء أكثر من الإلحاح في الدعاء والتجأ إلى ربه يفرج شدته ويزيل كربته فهو يعرف ربه في الضراء ولا يعرفه في السراء.
52. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ: قل أيها النبي للكفار أخبروني إن كان هذا القرآن وحيا من عند الله ثم كذبتم به لا أحد أظلم وأضل منكم لأنكم خالفتم الحق وجانبتم الصواب وابتعدتم عن الهدى بعدا كبيرا.
53. سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: سيطلع الله الناس على براهين وحدانيته وقدرته في أقطار السموات والأرض ويريهم بديع صنعه وعجيب خلقه ويكشف لهم ما في أنفسهم من أسرار القدرة وعجائب التكوين ما يبهر العقول حتى يتبين لكل شاك أن القرآن حق وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق أو لم يكف الكفار برهانا على أن القرآن وحي من عند الله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من عند ربه شهادة الله على ذلك ولا أكبر من شهادته سبحانه شهادة وهو خير الشاهدين وقد شهد بأن القرآن حق والرسالة صدق.
54. أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ: ألا إن الكفار في شك وريبة من إحياء الموتى والحساب ألا إن الله تعالى قد أحاط بكل شىء علما وحفظا وتقديرا وإحصاء لا تغيب عنه غائبة ولا يخفى عليه أمر عزوجل.
سورة الشــورى
1. حم: القول فيها كالقول في بقية الحروف المقطعة.
2. عـسق: هذه الحروف المقطعة نكل علمها إلى من أنزلها ولا نتكلف لها معنى.
3. كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: كما أنزل عليك القرآن ايها الرسول فقد أنزل على من قبلك من الرسل كتب أوحاها الله إليهم والله هو العزيز فلا يغالب ولا يحارب قهر من سواه وأعز من تولاه وأذل من عاداه وهو الحكيم في خلقه وصنعه وتدبيره وشرعه.
4. لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ: لله وحده كل ما في السموات وكل ما في الأرض خلقا ورزقا وتدبيرا والله سبحانه العلي بذاته وقدره وقهره قد استوى على عشره وهو العظيم في أسمائه وصفاته له العظمة والكبرياء والعزة.
5. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: تكاد السموات السبع من عظمة الله تتشقق كل سماء فوق التي بعدها على ضخامتها وقوة بنائها والملائكة ينزهون الله عما لا يليق به ويثنون عليه بكل المحامد ويسألونه أن يغفر سيئات بني آدم من المسلمين ألا إن الله كثير الغفران لمن أناب رحيم بمن تاب يصرف عنهم العقاب ويجزل لهم الثواب.
6. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ: والمشركون الذين عبدوا غير الله، الله تعالى مطلع على أعمالهم قد أحصاها وحفظها ليحاسبهم عليها يوم الدين وما أنت أيها الرسول بحفيظ على أعمالهم ولا محص لها حتى تجازيهم عليها إنما أنت مبلغ عن الله رسالته لتقيم الحجة عليهم فعليك البلاغ وعلى الله الحساب.
7. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ: وكما أوحى الله إلى الرسل قبلك أيها الرسول فقد أوحى الله إليك قرآنا بلغة العرب لتنذر أهل مكة ومن حولها من قرى العالم وتخوف الناس إن لم يؤمنوا بعذاب يوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين وهو واقع لا محالة والعباد في ذلك اليوم طائفتان أهل إيمان في جنات النعيم وأهل كفر في نار جهنم الموقدة فمن نصح لنفسه فلينقذها من النار بطاعة الله وأتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والتزود بالصالحات.
8. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: ولو أراد الله أن يجمع العباد على الإسلام لفعل ذلك وجعلهم أمة واحدة مهتدية ولكنه أراد أن يختص من أطاعه واتبع هداه برحمته تفضلا وأن يعذب من كفر به وكب رسله عدلا وليس لهم يوم القيامة من يتولى شؤونهم ويدفع عنهم العذاب فلا شفيع ولا نصير ولا صديق حميم.
9. أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: بل اتخذ الكفار آلهة يعبدونها من دون الله تتولى أمورهم تزعمهم فالله وحده هو الولي يتولاه المؤمنون بالعبادة ويتولاهم بالرعاية والهداية وهو وحده الذي يحيي الأموات للحساب وهو على كل شىء قدير لا يصعب عليه أمر ولا يعجزه شىء سبحانه.
10. وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ: وكل أمر اختلفتم فيه أيها العباد من أمور الدين ومسائل الشرع فالله يحكم فيه ورسوله صلى الله عليه وسلم بالرد إلى الكتاب والسنة ذلكم الحاكم العدل ربي وربكم وخالقنا ورازقنا ومدبر أمورنا عليه أعتمد وبه أعتصم وإليه أفوض أمري وإليه أعود في كل شأن من شؤوني فمنه بدايتي وإليه نهايتي وله حياتي ومماتي.
11. فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ: الله وحده هو خالق السموات والأرض وقد أحسن في خلقهما وأتقن صنعهما جعل سبحانه للرجال نساء من جنسهم البشري ليحصل الاستقرار النفسي والسكون الروحي بين الرجل والمرأة وجعل سبحانه للناس من الأنعام أزواجا من الذكور والإناث فبسبب الذكورة والأنوثة يكثر نسلكم ويبقى نوعكم والله سبحانه لا يشبهه شىء من خلقه ولا يماثله لا في ذاته ولا في أسمائه ولا صفاته ولا في أفعاله فأسماؤه كلها حسنى وصفاته جميعها علا وأفعاله كلها حكيمة وهو السميع لكل صوت وقول والبصير بكل حال وفعل.
12. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: لله وحده ملك السموات والأرض وبيده مفاتيح خزائن الرزق والحرمة والعلم يوسع على من أراد من العباد في الرزق ويضيق على من أراد إنه سبحانه عليم بكل شىء ومن ذلك علمه بمن يستحق الغنى والفقر والهدى والضلال والعلم والجهل فيضع كلا في محله بحكمة.
13. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ: شرع الله لعباده من الدين ما أوحاه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو دين الإسلام وقد وصى الله بذلك نوحا من قبل أن يدعو إليه ويعمل به ووصى بذلك إبراهيم وموسى وعيسى وهؤلاء الرسل الخمسة عليهم السلام هو أولو العزم من الرسل وأمرهم الله سبحانه أن يقيموا شعائر الدين بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من توحيد وعبادة ونهاهم سبحانه عن الاختلاف في الدين والتنازع لأن في ذلك الفرقة والعداوة عظم على الكفار ما تدعوهم إليه أيها الرسول من التوحيد وإخلاص الطاعة لله والله يختار للإيمان من عباده من يشاء ويوفق للهداية من يعود إليه بالتوبة والاستغفار.
14. وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ: وما تفرق الكفار إلى طوائف وأحزاب في معتقداتهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بإرسال الرسل وإنزال الكتب وقامت عليهم الحجة بذلك بسبب بغي بعضهم على بعض وحسد بعضهم لبعض ولولا أن الله قدر في قضائه السابق تأخير العذاب عن الكفار إلى يوم القيامة لقضى الله بتعجيل العقوبة للكفار في الدنيا وإن الذين ورثوا علم التوراة والإنجيل من اليهود والنصارى لفي شك من الإيمان ورسالة الرسول صلى الله عليه وسلم أوصلهم هذا الشك إلى الريبة والتنازع المحرم والاختلاف المذموم.
15. فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ: فإلى دين الإسلام الذي هو دين الرسل عليهم السلام فادع الناس أيها الرسول واستقم على دينه بفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه كما أمرك الله ووصاك فهو العمل بالعلم والاتباع لا الابتداع ولا تتبع آراء الكفار المضلة بل اعتصم بالوحي المنزل فالتمسك بالأثر واطراح كل رأي يخالفه أصل عظيم وقل أيها الرسول صدقت بكل الكتب التي أنزلها الله على رسله والله أمرني أن أعدل بينكم في الحكم فأحكم بشرع الله ولا أجور الله ربنا وربكم فالواجب صرف العبادة له وحده لنا أجر أعمالنا الحسنة ولكم عقاب أعمالكم السيئة لا جدال ولا خصومة بيننا وبينكم بعد قيام الحجة وظهور الحق الله سوف يجمع بيننا جميعا ليحكم بيننا يوم القيامة فيما وقع فيه الخلف إليه نعود فيحاسب كل عامل بما عمل ويجازيه بما فعل.
16. وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ: والذين يخاصمون في وحدانية الله التي جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من بعد ما استجاب العباد لله وآمنوا به ووحدوه حجتهم باطلة ودليلهم كاذب مردود عند الله وعليهم غضب من الله لكفرهم وصدهم عن سبيل الله ولهم في النار عذاب مؤلم موجع.
17. اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ: الله الذي أنزل القرآن والكتب المنزلة على الرسل من قبل بالصدق وأنزل الميزان وهو العدل في كل شىء ليتحاكم الناس إليه وماذا يدريك لعل القيامة دنت واقترب قيامها.
18. يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ: يستعجل بقيام الساعة الكفار المكذبون بها سخرية واستهزاء والمؤمنون خائفون من قيام الساعة لما سمعوا من أهولها ويعتقدون أنها حق لا شك في ذلك ألا إن من شك في قيام الساعة وجادل في ذلك في ضلال بعيد عن الحق.
19. اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ: الله لطيف بعباده يوصل لهم المحاب ويصرف عنهم المكاره ويوسع الرزق على من أراد من العباد ويضيق على من أراد لحكم عظيمة وهو القوي الذي لا يغالب ولا يحارب ومن قوته خذلانه لما عاداه وهو العزيز الذي لا يضام ملكه يعز بعزته من والاه ويذل بعظمته من عصاه.
20. مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ: من أراد بعمله ما عند الله من أجر في الآخرة فأخلص له العمل وقصده بالسعي فإن الله يزيد له في عمله ويوفقه للطاعات ويضاعف له الحسنات إلى عشرة أمثالها إلى أضعاف كثيرة ومن أراد الدنيا بعمله ونسي الآخرة ولم يطلب ما عند الله من ثواب فإن الله يعطيه ما قسم له من متاع الدنيا وليس له عند الله أجر فقد أعطاه في الدنيا وهذا هو الخاسر المحروم المخذول.
21. أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: ألهؤلاء الكفار شركاء في كفرهم وضلالهم ابتدعوا لهم من الدين ما لم يشرعه الله؟ ولولا أن الله كتب إمهال الكفار لعاجلهم بالعقوبة في الدنيا وقدم لهم العذاب وإن الكفار لهم عذاب موجع أليم في نار جهنم.
22. تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ: ترى الكفار يوم الحساب خائفين وجلين من عقاب ما فعلوه من أفعال قبيحة من كفر ومعاص والعذاب ينالهم ويمسهم بسوء والمؤمنون الصالحون المطيعون لربهم المتبعون لرسوله صلى الله عليه وسلم في بساتين جنات الخلد منعمون مسرورون لهم في جنات النعيم ما أرادوا مما تشتهيه أنفسهم والله سوف يغدق عليهم فضله وكرمه ذلك الإكرام والنعيم هو الفوز الذي لا يوصف والظفر العظيم لأنهم حصلوا على كل محبوب مطلوب مرغوب ونجوا من كل مكروه مبغوض.
23. ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ: ذلك النعيم الذي وعد الله به عباده الصالحين في الجنة هو البشرى التي يبشر الله بها أولياءه الذين أخلصوا له الطاعة ولرسوله صلى الله عليه وسلم المتابعة قل أيها النبي للكفار لا أطلب منكم على تبليغ رسالتي إليكم أجرة ولا ثوابا فأجري على الله وحده لكن أطلب منكم المودة لقرابتي وصلة الرحم بيني وبينكم فقرابته عليه الصلاة والسلام لهم حق البر والإكرام والتقدير إكراما له عليه الصلاة والسلام ومن يعمل صالحا يضاعف الله له ثواب عمله بعشرة أضعاف فأكثر إن الله كثير الغفران لذنوب من تاب شكور يثيب من أحسن وأصاب فلغفرانه يمحو السيئات ولشكره يضاعف الحسنات.
24. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: بل يقول الكفار إن الرسول صلى الله عليه وسلم اختلق الكذب على الله فادعى أن الله أوحى إليه وأرسله ولم يوح إليه ولم يرسله ولو فعلت ذلك أيها الرسول لطبع الله على قلبك إذا شاء ويذهب الله الباطل ويزيله ويمحقه ويحق الحق ويثبته بكلماته التي لا تتبدل ولا تتغير وبوعده الذي لا يختلف فالباطل مضمحل مهما طال وصال والحق مؤيد من الله منصور مهما حورب ورد والله يعلم ما في قلوب العباد ويطلع على ما تخفيه النفوس وتضمره الضمائر لا يغيب عنه شىء.
25. وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ: والله تعالى هو الذي يتوب على من تاب وعاد إليه وأناب فيقبل حسناته ويعفو عن سيئاته والله يعلم ما يعمل العباد من خير وشر لا يغيب عنه شىء وسوف يحاسبهم على ذلك.
26. وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ: ويستجيب المؤمنون الصالحون لربهم فيعملون بأوامره ويجتنبون نواهيه والله يزيدهم من فضله فيزيدهم لصلاحهم في الهداية والعلم والتوفيق والرزق ويضاعف لهم الحسنات والكفار لهم عند الواحد القهار عذاب النار وسوء الدار.
27. وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ: ولو أن الله وسع الرزق على بعض الناس لتجبروا وتكبروا وأفسدوا في الأرض وبغى بعضهم على بعض أشرا منهم بسبب الغني وبطرا ولكن الله يعطيهم ما يكفيهم بتقدير وحكمة فهو العالم بما يصلح عباده الخبير بما يناسب كل واحد منهم من غنى وفقر وصحة وسقم وهو سبحانه بصير برعاية شؤونهم وتدبير أحوالهم وتصريف حياتهم.
28. وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ: والله وحده هو الذي ينزل الماء من السماء إغاثة للعباد والبلاد من بعد ما يئس الناس من نزول المطر وينشر الرحمة في خلقه وأرضه فيغيثهم جميعا وهو الولي الذي يرعى شؤون عباده بطفله ويتولاهم بإحسانه المحمود في ولايته ورعايته له صفات المدح والحمد والكمال.
29. وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ: ومن البراهين الدالة على قدرته ووحدانيته وعظمته خلق السموات والأرض على غير مثال سابق بهذه السعة والضخامة والإتقان وما نشر فيهما من أنواع المخلوقات التي تدب فيهما وهو على جمع الخلق وإعادتهم إليه للحساب يوم الدين إذا أراد قدير لا يعجزه شىء ولا يتعذر عليه أمر.
30. وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ: وما أصابكم أيها العباد من مصيبة في الدين والدنيا فبسبب ما عملتم من خطايا وكسبتم من ذنوب ويعفو سبحانه عن كثير من ذنوب عباده فلا يؤاخذهم بل يستر ويغفر.
31. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ: وما أنتم أيها العباد بفائتين على الله ولا معجزينه ولا هاربين من سلطانه بل أنتم تحت قهره وفي ملكه وما لكم غير الله ولي يتولى شؤونكم ويصرف أموركم وليس لكم غيره ناصر يدفع عنكم المكاره ويكشف عنكم الكربات.
32. وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ: ومن البراهين الدالة على قدرة الله الباهرة وقوته القاهرة السفن الكبار التي تجري على ظهر الماء كالجبال.
33. إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: إذا أراد الله أن يسكن الريح فلا تهب بقوة لتدفع السفن فتقف السفن على ظهر الماء راكدة لا تتحرك إن في حركة السفن ووقوفها وهبوب الريح وسكونها لبراهين واضحة على قدرة الله ووحدانيته لكل صبار على الطاعات صبار عن المخالفات وعلى الأقدار المؤلمات شكور لربه على الخيرات والهبات.
34. أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ: وإذا أراد الله دمر السفن بالغرق في البحر بذنوب الناس ويتجاوز عن كثير من السيئات فلا يؤاخذ به بل يعفو ويصفح.
35. وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ: وسوف يتيقن كل من خاصم وجادل في براهين وحدانية الله إذا حل بهم العذاب أنه لا مهرب لهم ولا محيد ولا ملجأ من هذا العذاب.
36. فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ: فما رزقكم الله أيها العباد من مال وأبناء وجاه ونحو ذلك فهو متاع زائل في حياتكم الدنيا لا دوام له ولكن الذي عند الله لعباده الصالحين خير وأبقى فهو أفضل من متاع الدنيا زائل في حياتكم الدنيا لا دوام له ولكن الذي عند الله لعباده الصالحين خير وأبقى فهو أفضل من متاع الدنيا لكرامته ونفاسته وأبقى لدوامه واستمراره في جنات الخلد ومقعد الصدق وهو ما أعده الله لمن آمن به واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم واعتمد على ربه واعتصم به وفوض الأمر إليه.
37. وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ: وهذا النعيم المقيم لمن ترك كبائر الذنوب وهو ما خبث من الآثام وقبح من المعاصي وهؤلاء إذا أغضبهم أحد سامحوه وحلموا عليه وصفحوا عنه فهم أحسنوا مع الخالق ومع المخلوق فاجتنبوا السوء وغفروا الإساءة.
38. وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: ومن صفات هؤلاء الأبرار أنهم أجابوا دعوة الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الإيمان وإخلاص العبادة لله وأدوا الصلاة الواجبة على أتم وجه كما شعت وهم يتشاورون فيما بينهم في أمورهم ولا يستبد أحدهم برأيه عن إخوانه المؤمنين فهم وصلوا ما بينهم وبين الله بالصلاة وما بينهم وبين المسلمين بالشورى والنصيحة ويتصدقون مما تفضل الله عليهم به من رزق ومنه العلم والمال والجاه ونحو ذلك.
39. وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ: وهؤلاء المؤمنون إذا وقع عليهم ظلم ظالم انتصروا منه وأخذوا بقدر مظلمتهم ولم يخنعوا ويستكينوا شأن الجبناء.
40. وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ: وجزاء سيئة المسئ أن يعاقب بمثل إساءته لا يزاد على ذلك فمن عفا عن المسئ وحلم وصفح ولم يعاقبه وأصلح العلاقة وأقام الود مع المسئ فثوابه على ربه فالله جزيل العطاء يضاعف له الأجر ويعظم له الجزاء إن الله لا يحب من يظلمون الناس فيعتدون عليهم بلا حق وإذا انتقموا زادوا على حقهم في الانتقام.
41. وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ: وأما من انتصر ممن ظلمه وأخذ بحقه فأولئك لا يؤاخذهم الله لأنهم اقتصوا بقدر المظلمة.
42. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: إنما يؤاخذ الله من يعتدي على الناس ويهضم حقوقهم ويتجاوز الحق إلى الباطل في معاملتهم ويفسدون في الأرض بلا حق لهم في ذلك فهؤلاء لهم العذاب الموجع في نار جهنم.
43. وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ: والصابر على الأذى والساتر للسيئة من أهل الهمم العالية والمناقب الحميدة والخصال الشريفة والله سوف يجعل له ذكرا حسنا وثناء جميلا وأجرا عظيما.
44. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ: ومن يغو الله عن الهداية ويصرفه عن الرشد بسبب كفره وبغيه فليس له من يتولى أموره ويرعى شؤونه ومن ينصره على عدوه ويدفع عنه الضرر وترى الكفار لما شاهدوا عاب النار يقولون هل من طريق إلى النجاة من النار والعودة إلى الدنيا لنؤمن ونعمل صالحا؟ وهذا مستحيل فقد فات الأوان.
45. وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ: وترى الكفار يوم القيامة يعرضون على النار أذلاء خاضعين ينظرون إلى النار من طرف ذليل ضعيف بنظره عين خاشعة من شدة الخوف والهوان وقال المؤمنون لما دخلوا الجنة وشاهدوا الكفار في النار إن الهالكين الخائبين حقا هم من خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلود في نار جهنم ألا إن الكفار في عذاب مستمر وهوان دائم لا يزول ولا يحول.
46. وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ: وما كان للكفار في النار من أنصار يدفعون عنهم عذاب الجبار ومن يكتب الله عليه الغواية والشقاء فلا طريق إلى الهداية والنجاة فقد أغلق الله عليه بسبب كفره كل طريق موصلة إلى جنته ورضوانه.
47. اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ: استجيبوا لله أيها الكفار بتوحيد الله وإخلاص العبادة له واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم من قبل أن تقوم الساعة التي لا يمكن ردها ولا تأخيرها عن وقتها ما لكم أيها الكفار من عذاب الله من مهرب ولا مفر ولا مكان ساتر يمكن أن تتنكروا فيه فلا تعرفوا وفي الآية وجوب المبادرة إلى التوبة والعمل الصالح وترك التسويف فإن البقاء ليس مضمونا والأيام تتصرف وللتأجيل آفات.
48. فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ: فإن أعرض الكفار عن الإيمان وأبوا الاستجابة فالله لم يرسلك أيها النبي لتحفظ أعمالهم وتجازيهم عليها فأنت مبلغ عن الله رسالته والله إذا وهب الإنسان منه رحمة من صحة وجمال ومال وعيال ورزق ونحو ذلك فرح بذرك وسرا أخذا بظاهر الحال وإذا أصاب الله الإنسان بمحنة من مرض وفقر ومصيبة ونحو ذلك بسبب نوبه فإنه جاحد لما مر من النعم لا يذكر إلا لنقم وينسى في الشدة أيام الرخاء.
49. لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ: لله وحده ملك السموات والأرض وما بينهما وما فيهما يخلق ما أراد من المخلوقات يزرق بعض عباده إناثا من الذرية بلا ذكور ويرزق من أراد ذكورا بلا إناث.
50. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ: وإذا شاء سبحانه رزقه الذكور والإناث وبعضهم يجعله عقيما لا ذرية له إن الله عليم بخلقه ولماذا يخلقه قدير على خلق ما أراد لا يتعاظمه شىء ولا يعجزه شىء.
51. وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ: وما ينبغي لإنسان أن يكلمه الله مباشرة بلا حجاب ولا واسطة إلا أن يوحي الله وحيا عن طريق الملائكة أو يكلمه الله من وراء حجاب مثلما كلم موسى عليه السلام أو يرسل رسولا مثلما أرسل جبريل عليه السلام إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم فيوحي الملك إلى الرسول ما أراد الله أن يوحيه لا بمجرد هوى الملك إن الله علي على خلقه بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله علا قدرا وقهرا حكيم في خلقه وصنعه وحكمه وشرعه وفي هذه الآية إثبات الكلام لله تعالى على وجه يليق بجلاله سبحانه.
52. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: وكما أوى الله إلى الرسل قبلك أيها النبي فقد أوحى إليك قرآنا من عند الله هو في إحيائه للقلوب كالروح للأبدان ما كنت أيها الرسول قبل الوحي تعلم شيئا من الكتب السابقة ولا الإيمان ولا أمور الشريعة لكن الله علمك عن طريق الوحي وأنزل هذا القرآن نورا يهدي به الله من عباده من أراد فيخرجهم به من ظلمات الكفر والجهد والشبهات وإنك أيها الرسول لتدل من شاء الله هدايته وترشده إلى الطريق المستقيم وهو الإسلام وهذه هداية الدلالة له صلى الله عليه وسلم أما هداية التوفيق فلله وحده.
53. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ: والطريق الذي يرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو طريق الله وصراطه المستقيم الذي هدى إليه أنبياءه والصالحين من عباده والله الهادي عباده وهو مالك السموات والأرض وما فيهما ومدبرهما على أكمل تدبير وإليه تعود أمور الخلائق من صلاح وفساد فيحاسبهم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
سورة الزخــرف
1. حـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده سبحانه بها.
2. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ: يقسم الله تعالى بكتابه القرآن واضح اللفظ والمعنى بين الدلالة على ما أراد الله سبحانه.
3. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: إن الله أنزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم بلغة العرب لعل الناس يفهمونه ويتدبرونه ويفقهون معانيه.
4. وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ: وإن القرآن الكريم مكتوب في اللوح المحفوظ وهو علي في قدره وشرفه محكم في لفظه ومعناه ليس فيه اختلاف ولا تناقض.
5. أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ: أفنهملكم ونترككم في ضلالكم وغيكم ولا ننزل إليكم القرآن ولا نرسل إليكم الرسول لأجل إعراضكم عن الهداية وتجاوزكم للحدود بالكفر والذنوب هذا لا يكون بل لابد من إقامة الحجة.
6. وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ: وكم أرسل الله في القرون السابقة من نبي يقيم عليهم الحجة فقد سبقك أيها الرسول أنبياء.
7. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: وما يأتي الكفار السابقين من رسول من عند الله إلا سخروا منه واستهزؤوا به كما فعل قومك معك أيها الرسول.
8. فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ: فأهلك الله المكذبين السابقين وكانوا أشد قوة وبأسا من قومك أيها الرسول ومضى عقاب الأولين بأن أهلكوا لأنهم كفروا وكذبوا وفي هذا تهديد لكفار هذه الأمة بأن يصيبهم ما أصاب من قبلهم.
9. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: وإذا سألت الكفار أيها النبي من الذي خلق السموات الأرض؟ لأجابوك بأن الخالق فهن الله العزيز في ملكه العليم بخلقه وأمره المطلع على كل شىء فالكفار يؤمنون بربوبية الله ويشركون في ألوهيته سبحانه.
10. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: الله وحده الذي جعل لكم الأرض أيها الناس كالفراش ومهدها وسواها لتعيشوا على ظهرها وشق لكم فيها طرقا ويسر السير فيها لكسب المعيشة وطلب الرزق لكي تهتدوا بهذه الطرق إلى مطالب الدين والدنيا من علم وتجارة وسياحة ونحوها.
11. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ: الله الذي نزل من السماء غيثا فقدره بحساب وحكمة فلم يجعله طوفانا يغرق ولا نزرا قليلا لا يسد الحاجة، فأنبت الله به الأرض اليابسة وأخرج به من كل الثمرات متاعا لكم ولأنعامكم وكما أحيا الله الأرض الميتة بالنبات يحيى سبحانه الأموات فيخرجون من قبورهم للحساب.
12. وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ: والله الذي أوجد الأنواع كلها من إنسان وحيوان ونبات وهيأ لكم السفن والأنعام كالإبل والخيل والبغال والحمير ما تركبونه في البر والبحر لمصالحكم.
13. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ: لكي تستووا في ركوبكم على هذه السفن والأنعام وغيرها ثم يتذكروا فضل الله عليكم بتسخير هذه المخلوقات والمصنوعات وتقولون سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مطيقين ولا نستطيع لولا تسخير الله لنا هذه المراكب أن نذللها.
14. وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ: وتقولوا أيضا وإنا إلى ربنا يوم القيامة عائدون إليه للحساب.
15. وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ: وجعل الكفار لله من خلقه نصيبا وهو الغني عن كل أحد فقالوا الملائكة بنات الله زورا وبهتانا ومن طبيعة الإنسان التنكر لنعم الله وجحود آياديه فهو يعدد النقم وينسى النعم.
16. أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ: بل تدعون أيها الكفار أن الله اتخذ ما خلق بنات وهو الله الأحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأنتم لا ترضون بنسبة البنات إليكم وترون أن الله خصكم بالبنين إكراما لكم وهو كذب منكم وافتراء.
17. وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ: وإذا أخبر أحد الكفار بولادة بنت له تغير وجهه واسود من قبح البشارة بالبنت وتراه محزونا مهموما كئيبا فكيف تنسبون إلى الله ما لا ترضونه لأنفسكم تعالى الله عن قولكم علوا كبيرا.
18. أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ: كيف تنسبون الأنثى إلى الله وهي تربى في الزينة وتجمل بالحلي وهي لا تستطيع أن تظهر حجتها وقت الجدل والخصام لضعفها؟
19. وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ: وجعل الكفار الملائكة وهم عباد للرحمن سبحانه إناثا وقالوا هم بنات الله تعالى الله عن ذلك أحضر الكفار خلق الله للملائكة فيشهدون بعلم ويحكمون أنهم إناث؟! سيكتب الله شهادة الكفار الكاذبة الآثمة ويسألهم عنها يوم القيامة.
20. وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ: وقال الكفار لو أراد الله أن لا نعبد أحدا غيره لفعل ولقدر ذلك علينا وهذه حجة باطلة وقول كاذب فهم لم يطلعوا على علم الغيب ولم يعرفوا القضاء والقدر والله أقام الحجة على الناس بإنزال الكتب وإرسال الرسل وليس للكفار برهان على قولهم ولا نقل صحيح يؤيد كلامهم إنما يقولون ذلك ظنا ووهما وكذبا.
21. أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ: هل أنزل الله على الكفار كتابا قبل القرآن يحتجون به على الرسول صلى الله عليه وسلم فهم على بينة مما يقولون والله لم ينزل عليهم كتابا وما عندهم علم وما لديهم دليل بل هم كاذبون واهمون.
22. بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ: بل قال الكفار إنا وجدنا آباءنا على دين ومذهب سابق فنحن مقلدون لهم سائرون على ملتهم لا تخالفهم وسوف نتبع آثارهم.
23. وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ: وكذلك ما أرسل الله قبلك أيها الرسول في قرية من رسول يخوفهم عذاب الله ويدعوهم إلى طاعته وعدم مخالفة أمره إلا قال السادة المترفون وأهل النعم المتجبرون إنا وجدنا آباءنا على دين سابق ومذهب ثابت فنحن متمسكون بدينهم ومذهبهم لا نتركه لغيره وهذا هو التقليد الأعمى المذموم!!
24. قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ: قال الرسول صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من الرسل عليهم السلام لأقامهم لما ردوا ما جاؤوا به وتمسكوا بدين الآباء أتتمسكون بدين آبائكم الباطل ولو أن ما جئنا به أدل على طريق الهداية وأرشد إلى سبيل النجاة من دينكم الباطل؟ فردوا عليهم عنادا وكبرا إنا بما أرسلكم الله به إلينا مكذبون جاحدون فهم قلدوا الآباء في الكفر وردوا الدين الحق وكذبوا رسل الصدق.
25. فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ: فانتقم الله من هؤلاء المكذبين خسفا ومسخا وتدميرا وغرقا وغير ذلك فتأمل نهاية هؤلاء الجاحدين المكذبين وليحذر كل مكذب أن يناله ما نالهم فالعمل واحد.
26. وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ: واذكر يوم قال إبراهيم عليه السلام لأبيه الضال وقومه الكفار إنني أبرأ إلى الله من كل ما تعبدونه من دون من آلهة مزعومة باطلة وهذه البراءة واجبة على كل مسلم وهي التبرؤ من الفار وعبادتهم وعدم موالاتهم والرضا بكفرهم.
27. إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ: ولا أبعد إلا الله وحده الذي خلقني وأوجدني من العدم وهو الذي سوف يرشدني إلى الصراط المستقيم والدين القويم.
28. وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وجعل إبراهيم كلمة التوحيد لا إله إلا الله كلمة باقية متوارثة فيمن جاء بعده وهو أعظم رابطة تجمع كل مؤمن بأخيه لعل الناس يرجعون إلى ربهم بتحقيق كلمة التوحيد وإخلاص العبادة لله والعودة إلى الله بالتوبة والاستغفار وهجر الكفر والذنوب.
29. بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ: بل متع الله بالحياة والنعم كفار هذه الأمة وآباءهم ولم يعاجلهم بالهلاك بل أخرهم حتى بعث فيهم رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بكتاب الله والسنة يبين لهم الهدى ويدعوهم إلى الإسلام.
30. وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ: ولما جاء الكفار القرآن وحيا من عند الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا هذا القرآن سحر وليس بوحي وإنا نجحد بالقرآن ولا نؤمن به.
31. وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ: وقال الكفار إن كان هذا القرآن حقا من عند الله فلماذا لم ينزله الله إلى رجل عظيم وجيه ثري من قرية مكة أو الطائف لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن صاحب مال وثروة والتفاخر عندهم والفضل بالدنيا فحسب.
32. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ: أهؤلاء الكفار يقسمون النبوة ويقترحون وضعها عند من أرادوا والله أعلم حيث يجعل رسالته؟! وهو الذي يصطفي لها من يشاء من عباده وهو سبحانه الذي يقسم بين العباد أرزاقهم وأقواتهم وقد يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب أما الرسالة فيختص الله بها من يستحق هذه المنزلة العظيمة والمرتبة العالية وكذلك الهداية يعطيها الله من أحب من عباده الصالحين والله يرفع في أمور الدين والدنيا بعض الناس على بعض درجات فعالم وجاهل وغني وفقير وقوي وضعيف وأمير ومأمور وتابع ومتبوع ليكون بعضهم سبب لبعض في المعاش ولتقوم الحياة بين الناس ولو كانوا على طبقة واحدة لاختل النظام ورحمة الله بالهداية والتوفيق للطاعة والعلم النافع والعمل الصالح أفضل مما يجمعه الناس من حطام زائل فإن من المال ومتاع الدنيا.
33. وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ: ولولا أن يكون الناس كلهم على ملة الكفر لجعل الله لبيوت من يكفر به سقفا من فضة وسلالم من فضة يصعدون عليها لتفاهة الدنيا وحقارة شأنها ولكن لئلا يغتر الضعفاء والجهلاء بما يرون من مظاهر وزينة بيوت الكفار فيقلدوهم في الكفر فلم يجعل الله للكفار هذه الميزة.
34. وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ: ولجعل الله لبيوت الكفار أبوابا من فضة ولجعل لهم سررا يتكئون عليها.
35. وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ: ولجعل الله للكفار ذهبا كثيرا وكل ذلك متاع زائل منته في هذه الدنيا الفانية أما نعيم الآخرة فمعد ومدخر لأولياء الله المتقين الذين عملوا بطاعته وتركوا معاصيه.
36. وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ: ومن يعرض عن ذكر الله وهو كتابه وسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فلم يهتد بهما ويعمل بما فيهما يجعل الله له شيطانا يضله ويحبب إليه المعاصي ويكره إليه الطاعات فهو مرافق له ومصاحب يلازمه في ليله ونهاره ولا يتخلص من الشيطان إلا بذكر الرحمن.
37. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ: وإن الشياطين ليمنعون المعرضين عن ذكر الله طريق الهدى ويحسنون لهم الغواية ويحببون إليهم المعاصي ويكرهون لهم الطاعة ويظن المعرضون أتباع الشيطان أنهم على بصيرة من أمرهم وعلى رشد وهم على غي وضلالة.
38. حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ: حتى إذا عاد إلى الله من أعرض عن ذكره وغره الشيطان الذي لازمه في الدنيا وشاهد مواقف الحساب قال هذا المعرض يا ليت أن بيني وبينك يا قرين السوء مثلما بين المشرق والمغرب في البعد فبئس القرين أنت لأنك زينت لي الباطل وقبحت الحق وأغويتني.
39. وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ: ولن ينفعكم أيها الكفار اشتراككم في العذاب مع قرنائكم من الشياطين فلكل واحد منك نصيبه الكامل من عذاب الله ولن يقسم العذاب على عددكم فيخف عليكم.
40. أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: أفأنت أيها الرسول تستطيع إسماع من أصم الله سمعه عن الحق أو إرشاد من أعمى الله قلبه عن الرشد أو هداية من كان في غي واضح الغواية وضلال بين الضلالة؟ لا تستطيع ذلك إنما عليك البلاغ وليس عليك الهدى.
41. فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ: فإن توفاك الله أيها الرسول قبل ان ينصرك على الكفار فسوف ينتقم منهم بالعذاب في الآخرة.
42. أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ: وإن أراك الله ما وعدك من نصر عليهم وخزي لهم كيوم بدر فإن الله قدير على ذلك لا يعجزه شىء وهذا الذي حصل فقد نصر الله عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده.
43. فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: فاستمسك أيها الرسول بما أوحاه الله إليك من الكتاب والسنة واعمل به وادع إليه فإنك على هدى قويم هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره.
44. وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ: وإن القرآن شرف لك أيها الرسول ولقومك من قريش وهو عز ورفعة ومجد لكل من اتبعه وعمل بما فيه وسوف يسألكم الله يوم القيامة عن العمل بما أنزله إليكم وشكر ما أنعم به عليكم.
45. وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ: واسأل أيها الرسول أتباع الرسل الذين أرسلهم الله قبلك في الأمم السابقة هل دعتهم رسلهم إلى عبادة غير الله؟ بل إن جميع الرسل كانوا يدعون إلى توحيد الله وأن لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
46. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ: ولقد أرسل الله موسى عليه السلام بالبراهين القاطعة إلى فرعون وسادة قومه كما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى قومه فقال موسى لفرعون وقومه إن الله رب العالمين أرسلني إليكم لأدعوكم إلى عبادته وحده لا شريك له وإخلاص الطاعة له.
47. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ: فلما أتى موسى إلى فرعون وقومه بالبراهين الدالة على قدرة الله ووحدانيته وصدق موسى في دعوته إذا فرعون وسادة قومه يضحكون سخرية مما جاء به موسى واستهزاء بالمعجزات والعبر.
48. وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: وما يري الله فرعون وقومه من برهان إلا كان أعظم مما قبله وأكثر دلالة على صدق ما جاء به موسى وأخذ الله فرعون وقومه بأنواع العقوبات كالجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان وغيرها لعلهم يعودون إلى توحيد الله وطاعته ويرجعون عن كفرهم ومعاصيهم.
49. وَقَالُوا يأيها السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ: وقال فرعون وسادة قومه لموسى يا أيها الساحر (يقصدون تبجيله بذلك لأن وصف السحر عندهم وصف معظم وليس وصف ذم) ادع ربك الذي اختصك وآثرك واجتباك أن يزيل عنا العذاب فإننا مصدقون بما أرسلت به مؤمنون بالله.
50. فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ: فلما دعا موسى ربه أن يرفع العذاب عن فرعون وقومه رفعة الله عنهم لكنهم ما لبثوا أن عادوا إلى الغدر ونكث العهد والعودة إلى الكفر والضلال.
51. وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ: ونادى فرعون في سادة قومه متكبرا متجبرا متفاخرا بملك مصر أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ وقصد اللعين أن من هذا حاله فهو جدير أن يعبد وقال لقومه ألا تبصرون عظمة ملكي وقوة سلطاني وضعف موسى وقلة ذات يده؟
52. أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ: بل أنا أفضل من موسى إن كان صادقا أن الله أرسله أسورة من ذهب يستغني بها عن الفقر والحاجة؟ ولماذا لم يأت معه الملائكة قد اقترن بعضهم ببعض يتتابعون فيشهدون بصدقه وينصرونه؟
53. فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ: فلماذا لا يعطى موسى إن كان صادقا أن الله أرسله أسوة من ذهب يستغني بها عن الفقر والحاجة؟ ولماذا لم يأت معه الملائكة قد اقترن بعضهم ببعض يتتابعون فيشهدون بصدقه وينصرونه؟
54. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ: فاستخف فرعون بكلامه عقول قومه فأغواهم فوافقوه على ضلالته وكفروا بما جاء به موسى إن قوم فرعون كانوا خارجين عن طاعة الله وعبادته فلفجورهم قبلوا دعوة الضال المضل فرعون.
55. فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ: فلما أغضبوا الله بكفرهم وتكذيبهم موسى انتقم منهم بأشد العقوبة وعاجل العذاب فأغرقهم كلهم في البحر وسلبهم ملكهم.
56. فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ: فجعل الله فرعون وقومه بعدما أغرقهم سلفا متقدما لمن يعمل مثل عملهم ممن يأتي من القرون فيكون جزاؤه كجزائه وجعلهم عبرة وعظة لكل جيل قادم إلى قيام الساعة.
57. وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ: ولما ضرب الكفار مثلا بعيسى بن مريم حين جادل الرسول صلى الله عليه وسلم بأن النصاري يعبدون عيسى عليه السلام ففرح الكفار بهذا المثل وظنوه حجة لهم وارتفع لهم صوت وجلبة وضجيج؛ لأنه لما أنزل الله قوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون قال الكفار فعيسى مع آلهتنا في النار لأن النصارى عبدوه مثلما عبدنا آلهتنا وأنزل الله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون فالذي يعذب بالنار هم الآلهة ومن عبدوهم وعيسى لم يرض أن يكون إلاها من دون الله.
58. وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ: وقال الكفار هل آلهتنا التي عبدناها أفضل من عيسى الذي يعبده قومه؟ فإذا كان عيسى يعذب في النار فنحن راضون أن نكون مثله نعذب بالنار وهذا جدل عقيم وكلام فاسد باطل.
59. إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ليس عيسى بن مريم عليه السلام إلا عبدا من عباد الله أنعم الله عليه بالنبوة وفضله بالرسالة وجعله آية وعبرة لبني إسرائيل يستدلون بها على قدرة الله وعظمته.
60. وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ: ولو أراد الله لجعل مكان الناس ملائكة يعيشون في الأرض يعمرونها يخلف بعضهم بعضا.
61. وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ: وإن نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان لبرهان على دنو القيامة فلا تشكوا في قيام الساعة واتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيما دعاكم إليه وأخبركم به هذا هو الطريق القويم والصراط المستقيم الموصل لرضوان الله وجنته.
62. وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ: ولا يمنعنكم الشيطان بتزيينه للغواية والباطل عن طريق الهداية فإن الشيطان عدو لكم بين العداوة يحبب إليكم الشر ويكره إليكم الخير.
63. وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: ولما أتى عيسى إلى بني إسرائيل بالبراهين الظاهرة قال لهم قد آتيتكم بالرسالة ولأوضح لكم بعض ما اختلفتم فيه من أمور الدين فاتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه وأطيعوني فيما بينته لكم ودعوتكم إليه.
64. إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ: إن الله وحده هو ربي وربكم وهو خالقنا جميعا ورازقنا فأخلصوا له العبادة وأفردوه بالوحدانية ولا تشكوا به شيئا هذا الذي دعوتكم إليه ونصحتكم به هو الطريق القويم إلى خيري الدنيا والآخرة.
65. فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ: فاختلفت الطوائف في شأن عيسى وصاروا مذاهب شتى منهم من يرى أنه عبد ورسول من عند الله وهو الصحيح ومنهم من يرى أنه ابن الله ومنهم من يرى أنه الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا فاللعنة والعذاب والغضب على من وصف عيسى بغير ما وصفه الله به وعذاب أليم لكل من خالف الصراط المستقيم.
66. هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ: هل تنتظر الطوائف المخالفة في عبودية عيسى ونبوته إلا أن تأتيهم القيامة فجأة على غرة غير مستعدي لها لا يدرون متى قيامها؟
67. الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ: الأصدقاء المتحابون على معصية الله في الدنيا يتبرأ بعضهم من بعض يوم الحساب لكن إذا تصادقوا وتحابوا على طاعة الله بقيت هذه المحبة ونفعتهم في الدنيا والآخرة.
68. يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ: يقال لهؤلاء المتقين المحابين في الله يا عبادي لا تخافوا من عذابي ولا تحزنوا على ما ذهب منكم من متاع الدنيا فلا خوف من المستقبل ولا حزن على الماضي.
69. الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ: وهؤلاء المتقون هم من آمن بكتا الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانقاد لحكم الله وخضع بقلبه وجوارحه لشريعة الله.
70. ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ: يقال لهم يوم القيامة ادخلوا الجنة منعمين مسرورين مع الزوجات والذرية والأصدقاء منعمين غاية النعيم في قرة عين وراحة بال.
71. يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: يطاف على هؤلاء المؤمنين في جنات النعيم بأوان من ذهب فيها ألذ الطعام وأهنؤه وأمرؤه ويطاف عليهم بالأكواب من الذهب فيها أحلى الشراب وألذه وفي الجنة ما تشتهيه النفوس ويلذ منظره العيون ويبهج الأرواح مع الإقامة الدائمة والبقاء المستمر.
72. وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وهذه الجنة التي أورثكم الله إياها وأسكنكم فيها بسبب ما عملتموه من الطاعات وقدمتموه من الصالحات فالله جعل الجنة جزاء لكم تفضلا منه ورحمة ولولا رحمته ما دخل الجنة أحد بعمله.
73. لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ: لكم أيها الأبرار في جنات النعيم فاكهة مختلفة الأنواع من شتى الأصناف تأكلون منها ما تشتهون.
74. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ: إن الفجار الكفار خالدون في عذاب النار لأنهم عصوا الجبار وخالفوا النبي المختار.
75. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ: لا يخفف عن المجرمين العذاب وهم آيسون في النار من رحمة الواحد القهار، فلا أمل لهم في النجاة ولا طريق لهم إلى الرحمة.
76. وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ: وما ظلم الله هؤلاء الفجار حين عذبهم ولكن ظلموا أنفسهم بكفرهم لربهم.
77. وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ: ونادى الفجار في النار بعد أن أدخلهم فيها الملك الجبار يا مالك وهو خازن النار اسأل ربك أن يميتنا فنستريح من العذاب فرد عليهم مالك إنكم باقون في العذاب لا خروج لكم ولا تخفيف عنكم ولا رحمة تنالكم.
78. لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ: لقد أرسل الله إليكم رسوله صلى الله عليه وسلم بالحق وبين لكم الهدى ولكن أكثركم أبي وأكثركم كره الحق ورده.
79. أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ: بل أحكم الكفار أمرا يكيدون به الرسول والحق الذي بعث به فالله محكم الكيد لهم ومدبر العذاب الذي ينتظرهم.
80. أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ: أيظن الكفار أن الله لا يسمع ما يسرونه في أنفسهم وما يتناجون به فيما بينهم من كلام؟ بلى فالله يسمع ويعلم ويطلع لا تخفى عليه خافية ورسله من الملائكة الكرام يكتبون أقوالهم وأعمالهم ليحاسبهم الله عليها يوم القيامة.
81. قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ: قل يا محمد للكفار المدعين كذبا وزورا أن الملائكة بنات الله ما كان له سبحانه من ولد فإنه لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وأنا أول عباد له عزوجل وأول منكر لما تدعونه من كذب فتعالى الله عن الصاحبة والولد والشريك والظهير.
82. سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ: تنزه الله وتقدس وتعالى فهو رب السموات والأرض وخالقهن ومدبرهن وهو رب العرش العظيم تنزه عما وصفه به الكفار من نسبة الصاحبة والولد إليه وجعل الشريك معه ووصفه بالوصف الباطل تقدس اسمه.
83. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ: فاترك أيها الرسول هؤلاء الكفار يخوضوا في الباطل ويلعبوا في الدنيا حتى يلاقوا يوم الحساب الذي وعدهم الله فيه بأشد العذاب أو ما وعدهم الله في هذه الدنيا من عقوبة وذل وهزيمة.
84. وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ: والله وحده المعبود بحق لا إله إلا هو ولا رب سواه في السماء والأرض وهو مستو على عرشه استواء يليق بجلاله حكيم في خلقه وصنعه وتدبيره وشرعه عليم بما خفي أو ظهر وما أسر به العبد أو الجهر.
85. وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: وتكاثرت بركات الله وعم خيره وعظم مجده وتقدس اسمه الذي له وحده ملك السموات والأرض وما بينهما وما فيهما وهو المدبر المصرف المتفرد بالخلق والرزق وعنده وحده علم الساعة متى يحين وقتها وإليه تعود الخليقة فيحاسبهم ويجازيهم بما عملوا إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
86. وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: ولا تملك الآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله شفاعة لمن عبدها إنما الشفاعة لمن شهد بالحق وأخلص التوحيد لله واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به وأقروا عليه.
87. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ: ولئن سألت الكفار أيها الرسول من الذي خلقكم؟ لقالوا الله خلقنا فيكف يعبدون غير الله وهو خالقهم وكيف يشركون به سواه وهو الذي أوجدهم وحده؟!
88. وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ: وقال الرسول صل الله عليه وسلم داعيا ربه شاكيا الكفار الذين كذبوه يا رب إن هؤلاء الكفار كذبوني ولم يؤمنوا بما أرسلت به وردوا دعوتي.
89. فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ: فاصفح أيها الرسول عنهم وأعرض عن أذاهم وواجههم بالسلام الذي هو ترك الانتقام منهم والموادعة لهم وهو فعل الأبرار العقلاء مع الجهلاء السفهاء فإنهم لا يقابلونهم بالسوء ولا يسفهون كسفههم وسوف يعلم الكفار ما ينتظرهم من عقاب يوم الحساب.

سورة الدخــان
1. حـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها.
2. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ: أقسم الله بالقرآن البينة معانيه الفصيحة ألفاظه الفاصل في أحكامه الصادق في وعده ووعيده.
3. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ: إن الله أنزل القرآن في ليلة القدر التي بارك الله فيها من كثرة الخيرات ومضاعفة الحسنات والعفو عن السيئات وهي في العشر الأواخر من رمضان إن الله ينذر العبد لما فيه نفعهم وصلاحهم ويحذرهم مما فيه الضرر عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يحتج المكذب بأن لا رسالة ولا رسول.
4. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: في ليلة القدر يفرض في اللوح المحفوظ كل أمر محكم ثابت من الآجال والأرزاق في تلك السنة وكذلك ما يجري فيها من الحوادث بلا تغيير ولا تبديل.
5. أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ: وهذا الأمر المحكم والقضاء النافذ بأمر من عند الله فكل شىء بقضاء الله وقدره وكل ما يوحيه إلى رسله فبإذنه وعلمه إن الله يرسل الرسل إلى الناس مبشرين ومنذرين.
6. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: وإرسال الرسل من الله رحمة لمن أرسلهم إليهم من العباد لأن الرسل يرشدون الناس إلى أقوم السبل ويزكونهم من الآثام والذنوب والله سبحانه وتعالى سميع لكل الأصوات والحركات عليم بكل الأقوال والأفعال والأحوال.
7. رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ: والله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما فإن كنتم موقنين بذلك معتقدين صحته من أنه الرب الخالق المدبر فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئا.
8. لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ: لا إله يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له وإلى هذا دعا الرسل جميعا وهي كلمة التوحيد وهو سبحانه المحيي المميت وهو خالق الناس وخالق آبائهم الأولين فهو المستحق للعبادة الذي يجب إخلاص الطاعة له واتباع رسوله والاهتداء بكتابه.
9. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ: بل الكفار في شك من القرآن وفي ريبة من الرسول وهم في غفلة يلعبون في دنياهم ويلهون في شهواتهم ولا يدرون ماذا ينتظرهم.
10. فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ: فانتظر أيها الرسول لهؤلاء الكفار يوما تغطى السماء فيه بدخان منتشر كثيف واضح يراه الناس.
11. يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ: هذا الدخان يغشى الناس ويقال لهم هذا عذاب مؤلم موجع بسبب ذنوب العباد.
12. رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ: فإذا رأى الناس الدخان الكثيف قد غطاهم نادوا ربهم ربنا اكشف عنا العذاب فإذا كشفته عنا صدقنا برسولك وآمنا بكتابك.
13. أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ: كيف يكون لهم الاتعاظ والاعتبار بعد نزول العذاب وقد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وقد جاء بحجة بينة ومعجزة ظاهرة وهو القرآن.
14. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ: ثم أعرض الكفار عن تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا أخذ علمه من الناس أو من الكهان أو من الشياطين وهو مجنون ولم يرسله ربه.
15. إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ: إن الله سوف يرفع العذاب عن الكفار قليلا وسوف يجرع الكفار إلى ما كانوا فيه من التكذيب والكفر والعناد وهذا في الدنيا.
16. يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ: يعذب الله الكفار أشد العذاب يوم القيامة بإدخالهم النار إن الله سريع الانتقام شديد الأخذ قوي البطش.
17. وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ: ولقد امتحن الله قبل كفار هذه الأمة قوم فرعون فأرسل إليهم موسى عليه السلام لوجيه عند ربه الكريم على مولاه وكذبوه وحاربوه وآذوه فأهلكهم الله وهذه سنة الله في كل من كذب رسله.
18. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ: وقال موسى لفرعون وقومه سلموا إلي قوم بني إسرائيل وأرسلوهم معي ليستطيعوا عبادة الله وحده لأنهم كانوا مضطهدين في مصر وقال موسى إن الله أرسلني أمين على وحيه لأبلغكم دعوة التوحيد.
19. وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ: ولا تتكبروا على الله وتخالفوا أمره وتكذبوا رسوله إني جئتكم بدليل واضح ومعجزة ظاهرة على صحة ما أرسلت به.
20. وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ: وقال موسى وإني اعتصمت بالله واستجرت به وهو الذي خلقني وخلقكم أن تقتلوني رميا بالحجارة.
21. وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ: وإذا لم تصدقوني وتؤمنوا بما أرسلت به فاتركوا إيذائي وخلوا سبيلي وكفوا عن محاربتي.
22. فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ: فدعا موسى ربه لما رد فرعون وقومه دعوته فقال: يا ربي إن هؤلاء قوم كفار فجار فانتقم منهم.
23. فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ: فأمره ربه أن يسري بعباده بين إسرائيل في ظلام الليل ليكون أستر لهم فإن فرعون وجنوده سوف يتبعونهم وسوف ينجي الله المؤمنين ويغرق الكافرين.
24. وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ: واترك يا موسى البحر ساكنا على حالته التي كان عليها حين عبرته لا يضطرب ولا يتحرك ليدخله فرعون وقومه فيغرقهم الله فيه.
25. كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: كم ترك فرعون وقومه بعد هلاكهم من بساتين خضر وحدائق غناء وعيون جارية بالماء.
26. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ: وكم ترك فرعون وقومه بعد الهلاك زروعا وأشجارا مثمرة وقصورا شاهقة ودورا جميلة.
27. وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ: وكم تركوا وراءهم من عيشة رغيدة كانوا فيه منعمين مترفين ولكنهم كفروا فدمورا والذنوب تزيل النعم وتحل بسببها النقم.
28. كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ: بمثل هذه العقوبة يعاقب الله كل كافر مكذب وأورث الله النعيم الذي تركه فرعون وقومه قوما آخرين من بني إسرائيل.
29. فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ: فما بكت السماء والأرض حزنا على فراق فرعون وقومه وقد كانوا أتفه وأحقر من ذلك وما كان الله ليؤخرهم عن العقوبة التي قدرها لهم بل وقعت في وقتها.
30. وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ: ولقد نجى الله بني إسرائيل كان صادرا عن فرعون الجبار المتجاوز لحدود الله المسرف في الذنوب صاحب العدوان والطغيان.
31. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ: وعذاب بين إسرائيل كان صادرا عن فرعون الجبار المتجاوز لحدود الله المسرف في الذنوب صاحب العدوان والطغيان.
32. وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ: ولقد اصطفى الله بني إسرائيل على الأمم في زمانهم فجعل النبوة فيهم والعلم والحكمة.
33. وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ: وأعطى الله بني إسرائيل من المعجزات الباهرة على يد موسى ما فيه اختبار وامتحان لهم بالرخاء والشدة والعسر واليسر ليعلم الشاكر من الكافر.
34. إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ: إن هؤلاء الكفار من قومك أيها الرسول ليقولون.
35. إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ: ما هي إلا هذه الموتة التي نموتها وهي الأولى والأخيرة ولا بعث بعدها ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب كذبا منهم وزورا.
36. فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار إن كنتم صادقين أيها المؤمنون أن الله يبعث من في القبور فأحيوا لنا آباءنا الذين ماتوا.
37. أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ: أهؤلاء الكفار أفضل أم قوم تبع الحميري والذين سبقوهم من الأمم المكذبة أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم فليس هؤلاء الكفار أفضل من أولئك فينجون من عقوبة الله ويسلمون من عذابه بلا مصيرهم واحد.
38. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ: وما خلق الله السموات والأرض وما بينهما لعبا ولهوا بل لحكمة عظيمة ولمقصد جليل.
39. مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: ما خلق الله السموات والأرض إلا بالحق الذي سنه في الخلق والتدبير والإحياء والإماتة ولم يخلقهما عبثا فهو منزه عن ذلك سبحانه ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحق في ذلك فهم جهلاء معرضون لا يتدبرون ولا يعتبرون بما يرونه من الآيات ويسمعونه من العظات.
40. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ: إن يوم القيامة الذي يقضي الله فيه بين الخلائق فيثيب المحسن ويعاقب المسئ موعد للخليقة سوف يقع لا محالة.
41. يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: يوم لا ينفع صاحب صاحبه ولا ينصر صديق صديقه ولا يدفع قريب عن قريبه ضرا.
42. إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ: إلا من رحم الله من أوليائه فإن بعضهم قد يضعف لبعض إذا أذن الله للشافع ورضي عن المشفوع له إن الله هو العزيز في ملكه وحكمه القوي في انتقامه من أعدائه الرحيم بأوليائه الذي يصرف عنهم المكاره ويتحبب إليهم بالنعم.
43. إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ: إن شجرة الزقوم وهي شجرة تخرج في أصل النار.
44. طَعَامُ الأثِيمِ: إن ثمر هذه الشجرة طعام للفاجر الكافر كثير الآثام.
45. كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ: وثمر شجرة الزقوم كالقطران أو النحاس أو الفضة التي أوقد عليها حتى ذابت يغلي في بطون الكفار ويقطع أمعاء الفجار.
46. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ: وغلي ثمر الزقوم في بطون المجرمين كغلي الماء شديد الحرارة.
47. خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ: خذوا أيها الزبانية هذا الكافر الفاجر فادفعوه إلى النار وسوقوه إلى غضب الجبار وضعوه في وسط جهنم مع الأشرار.
48. ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ: ثم صبوا فوق رأس هذا الفاجر الماء المغلي شديد الحرارة يشوي جسمه ويمزق جلده.
49. ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ: يقال لهذا الفاجر الكافر ذق هذا العقاب الشديد والعذاب الأليم إنك أنت العزيز في قومك الكريم في مكانتك تهكما وسخرية منه.
50. إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ: إن هذا العذاب الذي حل بالكفار في النار هو العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا.
51. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ: إن الذين اتقوا الله بطاعته واجتناب معصيته في مقعد صدق يأمنون فيه من الآفات ويجدون فيه جميع أنواع المسرات.
52. فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: في جنات خضر وبساتين فيحاء مع قرة عين وسرور ونعيم وحبور وعيون بالماء العذب الزلال تجري من تحت الأشجار.
53. يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ: هؤلاء الأبرار يلبسون رقيق الديباج وغليظه قد تقابلوا بوجوههم ينظر بعضهم إلى بعض يجري بينهم أحسن الحديث وأنفع الكلام.
54. كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ: ومثلما أنعم الله على هؤلاء الأبرار بالكرامة بالجنات بأنواع المسرات والخيرات أكرمهم بالزواج من الحسناوات الجميلات ذوات العيون الواسعات.
55. يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ: يطلب الأبرار في الجنة ما أرادوا من شتى الفواكه وأصناف الثمار وقد أمنوا من انقطاع النعيم وفنائه وأمنوا من كل خوف وآفه.
56. لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ: لا يذوق الأبرار في دار القرار الموت فهم خالدون أبدا في نعيم الجنة فليس لهم إلا موتة واحدة وهي الموتة التي ذاقوها في الدنيا وحمى الله هؤلاء الأبرار من عذاب النار.
57. فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: وهذا النعيم الذي أنعم الله به على أوليائه في الجنة تفضلا منه وإحسانا وكرما ومنة وهو الظفر الذي ما بعده ظفر وهو نيل أشرف المطالب وأرفع المراتب.
58. فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ: فإنما سهل الله لفظ القرآن ويسر معانيه بلغة العرب التي هي لغة الرسول صلى الله عليه وسلم لعلهم يفهمون هذا الكلام فيفقهون معانيه ويتعظون بزواجره وينتفعون بأحكامه.
59. فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ: فانتظر أيها الرسول ما وعدك الله به من نصر على الكفار وعقاب للفجار إن الكفار ينتظرون موتك ويتربصون بك الدوائر وسوف يعلمون لمن يكون النصر والظفر والتأييد والتمكين وقد ظهر ذلك كله وحصل لرسولنا صلى الله عليه وسلم ولأتباعه إلى يوم القيامة جعلنا الله منهم.

سورة الجاثــية
1. حـم: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها.
2. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: هذا القرآن أنزله الله وحيا على رسوله صلى الله عليه وسلم والله هو العزيز في ملكه وحكمه يعز من والاه ويذل من عاداه الحكيم في خلقه وصنعه وفي تدبيره وشرعه.
3. إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إن في خلق السموات السبع وخلق الأرض لبراهين واضحة يتفكر فيها المؤمنون بالله ورسوله فيزادون إيمانا.
4. وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ: وفي خلق البشر وما خلق الله من كل دابة تدب على وجه الأرض براهين ظاهرة لكل من أيقن بوحدانية الله وآمن برسوله واتبع شرعه.
5. وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: وفي اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما على العالم وما أنزل الله من السماء من ماء جعله سببا لإحياء الأرض بعد الجدب بأنواع الثمار والأزهار والزروع وفي تصريف الله للرياح من كل النواحي والتي جعلها الله سببا لمنافع الناس من تلقيح الثمار وسوق السحاب في ذلك كله براهين ظاهرة لقوم يعقلون عن الله آياته فيتدبرون ويفقهون.
6. تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ: هذه البراهين يتلوها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بالحق والصدق لتقوم الحجة وتبطل أعذار الكفار فبأي كلام بعد الكلام الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وبأي براهين بعد البراهين الساطعة التي أقامها الله في الكون وأنزلها في الكتاب يؤمن الكفار ويصدق الفجار إذا لم يؤمنوا بها ولم يصدقوا؟!
7. وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ: هلاك ودمار ولعنة ونار لكل كذاب مفتر كثير الذنوب مرتكب للآثام.
8. يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: هذا الكذاب المفتري يسمع آيات القرآن وهي تقرأ عليه ثم يستمر في طغيانه وفي تكذيبه متعاظما في نفسه يأبى الخضوع لله ويعرض عن الإيمان واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه ما سمع الآيات التي تتلى عليه سماع قبول واستجابة فحالة قبل سماع القرآن وبعده سواء فبشر أيها الرسول هذا الأفاك الآثيم بعذاب أليم في نار الجحيم.
9. وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ: وإذا علم هذا الكذاب المفتري من آياته الله شيئا جعلها سخرية منه واستهزأ بها وضنك منها لانطماس بصيرته وفجوره ومن هذا شأنه فله عذاب الخزي والهوان والعار جزاء على استهزائه بآيات الواحد القهار.
10. مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ: من أمام الكفار المستهزئين بالقرآن النار تنتظرهم بعذابها وأنكالها وأغلالها ولا يدفع عنهم العذاب ما جمعوه من مال ولا ما خلفوه من أولاد ولا تشفع لهم ولا تنفعهم أصنامهم التي عبدوها من دون الله ولهم أشد العذاب في نار جهنم.
11. هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ: هذا القرآن الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يهدي به الله من الضلالة ويعلم به من الجهالة ويبصر به من العمى وهو يهدي إلى صراط مستقيم فيمن اتبعه وعمل بما فيه نال الهدى والنجاة وأدرك الفوز والفلاح والذين كذبوا بالقرآن واستهزؤوا بآياته ولم قبلوا هداه لهم عذاب من أشد أصناف العذاب ومن أفظع أنواع النكال في نار جهنم.
12. اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: الله وحده هو الذي سخر للناس البحر لتسعى السفن بركابها وحمولتها على ظهر البحر بأمر الله وليطلب الناس أرزاقهم وتجارتهم بهذه السفن في البحر لعلهم يشكرون الله بطاعته وحسن عبادته فيفردوه بالألوهية ويخلصوا له الوحدانية مع طاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه.
13. وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ: وسخر الله لعباده كل ما في السموات من شمس وقمر ونجوم وكواكب وسحاب وسخر كل ما في الأرض من حيوان ونبات وجماد لمنافع العباد وكل هذه الخيرات تفضل الله بها على الناس ليشكروه ويخلصوا له العبادة إن فيها سخره الله لبراهين ظاهرة على قدرته سبحانه وتعالى وحدانيته وعظمته لكل من تفكر واعتبروا بهذه البراهين وانتفع بها.
14. قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ: قل ايها الرسول لمن آمن بالله واتبع رسوله واهتدى بهداه يعفون عن الكفار الذين لا يريدون ثواب الله ولا يرجون رحمته ولا يخافون عذابه وليحلم هؤلاء المؤمنون على أولئك الفجار إذا نالوهم بأذى أو مكروه فإن الله سوف يتولى حسابهم وعذابهم على ما فعلوه بالمؤمنين من كيد ومكر وأذى.
15. مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ: من عمل من المؤمنين عملا صالحا خالصا لوجه الله على سنة رسول الله فنفع ذلك عائد إليه ومن أساء العمل وعصى الله وخالف رسوله صلى الله عليه وسلم فضرر ذلك عائد إلهي لا إلى غيره وسوف يعود العباد جمعيا إلى الله يوم المعاد ليجازيهم على ما فعلوا إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
16. وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ: ولقد أعطى الله بني إسرائيل التوراة التي أنزلها على موسى والإنجيل الذي أنزل على عيسى وأعطاهم الحكم بين الناس ومعرفة الأحكام وبعث أكثر الأنبياء منهم ورزقهم من خيرات الأرض من أنواع الثمار وأصناف الأقوات ومختلف الأطعمة وفضلهم الله على عالم زمانهم.
17. وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ: وأعطى الله بني إسرائيل براهين ظاهرة من الأحكام المنزلة في الحلال والحرام والمأمور والمنهي عنه مع بيان الحق والباطل فما اختلف بنو إسرائيل فيما بينهم وتنازعوا إلا بعد ما جاءهم العلم ووضح لهم البرهان وأرسلت إليهم الرسل وسبب ذلك أن بعضهم بغى على بعض وحسده وترفع عليه طلبا للجاه في الدنيا والتصدر والرئاسة فعلماء الدنيا يتحاسدون وعلماء الأخرة يتحابون إن الله سبحانه سوف يحكم بين المختلفين يوم القيامة فيما اختلفوا فيه فينجي الأبرار ويهلك الفجار.
18. ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ: ثم جعلك الله أيها الرسول خاتما للأنبياء والرسل على دين قويم ومنهج عظيم وصراط مستقيم فاتبع ما أوحاه الله إليك واعمل به وادع إليه ولا تتبع أهواء الجهلاء والضالين المعرضين عن الكتاب والسنة الذين لا يعلمون الحق ولا يعملون به ولا يدعون إليه وفي هذه الآية برهان على كفاية الشريعة لكل مسلم ووجوب أتباعه والاستغناء بها عن كل ملة ونحلة تخالفها.
19. إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ: إن الكفار لن يدفعوا عنك شيئا من عذاب الله إذا وافقتهم في باطلهم واتبعتهم في ضلالهم وإن الكفار المعتدين المسرفين في الذنوب من المنافقين واليهود وغيرهم بعضهم يوالي بعضا ويحبه وينصره ويدافع عنه والله ولي الأتقياء ينصرهم ويدافع عنهم ويتولاهم في الدنيا والآخرة فلا تنال ولاية الله إلا بطاعته.
20. هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ: هذا القرآن الموحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بصائر يهتدي بها العباد إلى الحق ويستدلون بها على كل خير ويميزون بها الرشد من الغير وهي رحمة لمن صدق بها وعمل بمقتضاها واتبع هداها.
21. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ: هل يظن من اقترف المعاصي وأكثر من الذنوب وخالف الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعله الله كمن آمن بالله وعمل صاحا وأخلص الطاعة لله وصدق في عبودية ربه وهذا ظن باطل فلن يجعل الله المؤمن كالكافر والبار كالفاجر في الدنيا ولا في الآخرة قبح هذا الحكم في المساواة التي حكم بها هؤلاء الفجار الأشرار.
22. وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: وخلق الله السموات والأرض بحق لا باطل فيه وحكمة لا لعب فيها وليعمل كل عامل في الدنيا بما كتب له من خير وشر ثم يحاسب الله كل نفس يوم القيامة بما فعلت من صالح وفساد فيثيب الطائع ويعاقب العاصي ولا يظلم أحدا بالنقص من حسناته أو الزيادة في سيئاته.
23. أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ: أفرأيت أيها الرسول إلى من جعل هواه إلهه الذي يعبده فلا يهوى شيئا إلا عمله ولو خالف الشرع وأضله الله بعد أن بلغه العلم وقامت عليه الحجة وعلم أن ما يفعله ضلال فلا ينتفع بنصيحة ولا يعتبر بموعظة وطبع الله على قلبه فلا يفقه شيئا ولا يفهم دليلا وغطى الله بصره بحجاب فلا يبصر براهين القدرة والوحدانية فمن الذي يرشده إلى الهدى ويوفقه للحق بعدما أضله الله؟ أفلا تعتبرون أيها العباد أن من كتب الله عليه الضلال لكفره وبغيه فلن يهتدي أبدًا؟ فلن يهتدي أبدا؟ وفي الآية النهي عن اتباع الهوى وتحكيمه على الشرع والعقل.
24. وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ: وقال الكفار ليس هناك حياة إلا هذه الحياة التي نعيش فيها وهم ينكرون الآخرة والبعث بعد الموت وما يفنينا إلا كر الليالي والأيام وتعاقبهما مكذبين بأن الله هو المحيي المميت وما للكفار علم ولا برهان على صحة ما قالوا إنا يتكلمون بالاحتمال والخيال والوهم والظن.
25. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: وإذا تتلى على الكفار آيات الله البينات في كتباه الحكيم ما كان لهم حجة في معارضة القرآن إلا قولهم للرسول صلى الله عليه وسلم أعد لنا أنت وأتباعك من مات من آبائنا لنراهم أحياء إن كنتم صادقين أن الله يبعث من في القبور ويحيي الأموات.
26. قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ: قل أيها الرسول لهؤلاء الكفار الله تعالى يحييكم في الدنيا ما كتبه لكم من عمر ثم يميتكم ثم يبعثكم ليوم الجمع ليحاسبكم على ما فعلتم ولكن أكثر العباد لا يعلمون حقيقة البعث بعد الموت.
27. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ: ولله سبحانه ملك السموات السبع والأرضين وتدبيرهن وتصريفهن لا شريك له في الخلق والأم والعبودية ويوم تقوم الساعة التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين يهلك الكفار وتذهب أعمالهم ويبطل سعيهم لأنهم جحدوا البراهين وكذبوا بآيات الله.
28. وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: وترى يوم القيامة كل أهل دين جاثين على ركبهم من شدة الخوف وعظم الهول وكل أمة يعوها الله إلى كتاب أعمالها من حسنات وسيئات ويجازيهم على ما فعلوا من خير وشر.
29. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: هذا كتاب الله الذي كتبت فيه الحسنات والسيئات ينطق بما فعله الناس من صلاح وفساد بلا زيادة ولا نقصان إن الله يأمر الملائكة أن تسطر أعمال بين آدم حسنها وسيئها.
30. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ: فأما المؤمنون بالله ورسله صلى الله عليه وسلم الصالحون الذين عملوا بالطاعة وانتهوا عن المعصية فيدخلهم الجنة برحمته ودخولهم الجنة ظفر كبير وفلاح عظيم لأنهم نالوا المطلوب ونجوا من المرهوب.
31. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ: وأما الكفار المكذبون فيقال لهم تبكيتا وتعنيفا ألم تكن آيات الله في كتابه تقرأ عليكم وقد قامت بها عليكم الحجة فأعرضتم وتكبرتم عن قبولها والاستجابة لها وكنتم قوما مسرفين في الخطايا مكثرين من الآثام لا تؤمنون بالحساب ولا بالثواب ولا بالعقاب.
32. وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ: وإذا قيل للكفار إن ما وعد الله به من البعث بعد الموت حق وصدق وأن الساعة سوف تقع لا شك في وقوعها قلتم ما ندري عن الساعة شيئا ولا نصدق بقيامها إلا توهما وما عندنا يقين قاطع بصدق وقوعها.
33. وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: وظهر للكفار يوم القيامة قبح ما فعلوه في الدنيا من تكذيب وذنوب وحل بهم عاقبة ما كان يسخرون منه ويستهزئون به.
34. وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ: وقيل للكفار يوم القيامة هذا اليوم نترككم في عذاب النار كما تركتم الإيمان بالواحد القهار واتباع النبي المختار ومقركم نار جهنم دار إقامتكم وليس لكم ناصر يدفع عنكم العذاب.
35. ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ: هذا العذاب الذي نزل بكم لأنكم سخرتم من آيات سخرتم من آيات الله وبراهينه ولم تأخذوها بجد وقوة وقبول وخدعكم زخرف الدنيا الزائل وافتتنتم بمظاهرها فاليوم لا تخرجون من الناس ولا تعودون إلى الدنيا لتؤمنوا وتتوبوا من الكفر والتكذيب.
36. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ: فلله وحده اثناء الجميل والشكر الجزيل على صفات كماله وجزيل أفضاله وجميل أفعاله وهو خالص السموات والأرض ومن فيهما ومالكهما ومدبرهما وهو خالق جميع المخلوقات والمتصرف في الكائنات.
37. وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: ولله وحده العزة والجبروت والعظمة والسلطان والجلال والكمال في السموات والأرض وهو العزيز الذي يقهر من غالبه ويخذل من حاربه الحكيم في خلقه وصنعه وحكمه وشرعه.

سورة الأحقاف
1. حـم: هذه الحروف المتقطعة الله أعلم بمراده بها.
2. تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: هذا القرآن أنزله الله وحيا منه على رسوله صلى الله عليه وسلم والله هو العزيز يعز من تولاه ويذل من عاداه الحكيم في خلقه وتقديره وفي شرعه وتدبيره.
3. مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ: ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وما خلقهما لهوا ولا لعبا ولا عبثا تعالى الله عن ذلك بل يعبد وحده ويطاع دون سواه ولا يشرك به شيئا ويقام العدل في العالم إلى وقت محدد عند الله والذين كذبوا بآيات الله وجحدوا ألوهيته عما خوفهم به القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم معرضون لا يؤمنون ولا يستجيبون.
4. قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: قل أيها النبي للكفار أرأيتم الأصنام والأوثان التي تبعدونها من دون الله أروني شيئا خلقوه من الأرض أم لهم قسم من خلق السموات حتى يصرف لهم شىء من العبادة ويشرك بهم مع الله في ألوهيته تعالى بكتاب يبين ذلك من عند الله ويشهد بصحة ما قلتم أو تعالوا ببقية علم ممن سبق تؤيد ذلك إن كنتم صادقين في دعواكم.
5. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ: لا أحد في العالم أضل ولا أجهل ممن عبد غير الله ودعاه من آلهة باطلة لا تستجيب دعاءه أبدا ولا تعلم ما يقول لأنها جامدة ميتة عاجزة إنما هي أحجار وأشجار وهي غافلة عن دعاء من يعبدها لا تعلم شيئا ولا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا.
6. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ: وإذا جمع الناس للحساب يوم القيامة كانت الآلهة التي تعبد من دون الله أعداء لمن عبدها تتبرأ منهم وتلعنهم وتنكر عبادتهم.
7. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ: وإذا قرئت آيات الله في كتابه واضحة الدلالة بينة الحجة على الكفار قالوا بعدما سمعوا القرآن هذا سحر ظاهر لا يشك فيه أحد.
8. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ: أم يقول الكفار إن الرسول اختلق القرآن من عنده وليس وحيا من عند الله؟ قل لهم أيها الرسول إن اختلقته من عندي فلن تستطيعوا دفع عذاب الله عني إذا أراد أن يعذبني والله يعلم ما تقولونه وتخوضون فيه من كلام عن القرآن وعن الرسول صلى الله عليه وسلم كفى بالله شاهدا على فيما بلغت وشاهدا عليكم فيما جبتم به وهو سبحانه الغفور لمن تاب والرحيم بمن أحسن واستجاب.
9. قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ: قل ايها الرسول للكفار ما كنت أنا أول رسول أرسله الله إلى عباده بل سبقني رسل وما أدري ما يفعل الله بي ولا بكم في الدنيا فعلم الغيب لله وحده إنما على البلاغ ما أتبع في كل أموري إلا الوحي الذي نزله الله علي وما أنا إلا نذير من الله يخوف من خالف أمر الله عذابا لله وهذا الإنذار بين واضح فيما ادعو إليه.
10. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: قل أيها النبي للكفار أخبروني إن كان القرآن وحيا من عند الله وأنتم كذبتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره على أن القرآن من عند الله كما جاء في التوراة فصدق بالقرآن وعمل به وأنتم كذبتم وكفرتم فما أشد كفركم وأعظم ظلمكم لأنفسكم إن الله لا يرشد إلى الصواب من كفر بالكتاب ولا يهدي للحق من كذب بالصدق.
11. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ: وقال الكفار للمؤمنين لو كان إيمانكم بالرسول صلى الله عليه وسلم واتباعكم إياه خيرا وفضيلة كنا سبقناكم إلى الإيمان والاتباع وإذا لم يهتدوا بالقرآن ولم يؤمنوا به فسيقولون هذا كذب منقول عمن سبق وهو من خرافات الأولين.
12. وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ: ومن قبل القرآن أنزل الله التوراة على موسى إماما لبني إسرائيل يتبعون ما فيها من الهدى ورحمة لمن عمل بما فيها وهذا القرآن يصدق ما قبله من الكتب التي أنزلها الله على رسلها أنزله الله بلغة العرب ليكون مفهوما على أهل اللسان لينذر الكفار عذاب النار ويبشر المحسنين بجنات الخلد في مقعد صدق أمين.
13. إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: إن الذين قالوا ربنا الله فشهدوا بالربوبية والألوهية لله ثم استقاموا على طاعته واجتنبوا محارمه فلا خوف عليهم مما أمامهم من أهوال ولا حزن عليهم من تبعة الأعمال ولا ما خلفوه من أولاد وأقوال.
14. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: هؤلاء الأبرار هم أهل جنة النعيم باقين في الجنة أبدا بلا موت ولا خروج منها ثوابا من الله وكرامة لهم لأنهم أحسنوا العمل وأخلصوا لله العبادة.
15. وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ: ووصى الله الإنسان ببر والديه وألزمه ذلك يرفق بهما في حياتهما ويحسن إليهما بعد موتهما بالدعاء والتصدق وأنواع البر إذا كانا مسلمين فأمه حملته في بطنها على تعب ومشقة وآلام وأوجاع وولدته على مشقة شديدة وتعب وألم وزمن حمله وفطامه ثلاثون شهرا فالأم أعظم حقا على الابن من الأب حتى إذا ول هذا المولود من تمام القوة وكمال الاعتدال وبلغ أربعين سنة من عمره دعا ربه قائلا ربي ألهمني شكر نعمتك التي تفضلت بها علي وعلى والدي ووفقني لعمل صالح ترضاه وهو ما صاحبه الإخلاص وموافقة السنة وأصلح ذريتي باستقامتهم على الدين إني تبت إليك من سيئاتي وإني أنقدت لأمرك وخضعت لسلطانك واستسلمت لشرعك.
16. أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ: أولئك الصالحون الأبرار يتقبل الله منهم أحسن ما عملوا من الصالحات فيجعل ثواب أعمالهم على مقدار ثواب أحسن ما فعلوه ويعفو عن سيئاتهم ويتجاوز عن ذنوبهم يدخلون في جملة من يدخل الجنة وهذا وعد من الله الذي لا يخلف وعده وهو وعد الصدق الذي لا شك فيه ولا ريب.
17. وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: والذي قال لوالديه لما دعواه إلى توحيد الله والإيمان باليوم الآخر قبحا لكما أتخبرانني بأنني سوف أبعث من قبري حيا وقد هلك من قبلي من الأمم ولم يعد أحد منهم إلى الحياة ووالداه يدعوان الله له بالهداية ويقولان ويل لك آمن بالله وصدق رسوله واتبع دينه فإن ما وعد الله به صدق لا شك فيه فيرد عليهما بأن ما أخبراه به إنما هو خرافات السابقين وما نقل من كتب المتقدمين من حكايات كاذبة.
18. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ: هؤلاء الفجار الذين سبقت أوصافهم هم الذين وجب عليهم عذاب الله ووقع بهم عقاب الله وسخطه في جملة أقوام سبقوهم من الجن والإنس في الكفر والتكذيب إنهم كانوا خاسرين بأخذهم الكفر بالإيمان والعذاب بالنعيم.
19. وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: ولكل طائفة من الأبرار والفجار منازل عند الله في الجنة والنار بحسب ما عملوا من خير وشر كل له منزلة على حسب عمله وليجازيهم الله على حسب ما فعلوه فلا يزاد في سيئاتهم بل قد يفو ولا ينقص من حسناتهم بل قد يزيد كرما وتفضلا.
20. وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ: ويوم القيامة يعرض الكفار على النار ويقال لهم تبكيتا لقد أذبتم طيباتكم واستعجلتم شهوات نفوسكم وتمتعتم بها في الحياة الدنيا فيوم القيامة تعاقبون ايها الكفار بعذاب الخزي والذل والعار بسبب تكبركم عن قبول الحق وعنادكم وخروجكم عن طاعة الله وتجبركم على عباد الله.
21. وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: واذكر أيها النبي نبي الله هودا أخا قوم عاد من النسب لا في الديانة يوم خوف قومه عذاب الله وهم في ديارهم بالأحقاف جنوب جزيرة العرب وقد تقدمت الرسل على هود بتخويف أقوامهم عذاب الله إن لم يؤمنوا ودعوتهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وقال لهم هود إني أخاف عليم عذاب الله في يوم شديد الكرب عظيم الهول إن لم تؤمنوا به وتوحدوه.
22. قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ: قالت عاد لرسولهم هود هل جئت إلينا برسالتك لتصرفنا عن عابدة آلهتنا من دون الله؟ فإن كنت صادقا فيما تدعونا إليه فتعال بعقاب الله الذي تتوعدنا به قالوه سخرية منهم واستبعادا للعذاب.
23. قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ: فرد هود عليهم بقوله إن علم مجئ العذاب عند الله وحده ولا علم لي بذلك إنما أنا مبلغ عن الله رسالته أقيم الحجة عليكم وأنذركم بالعذاب ولا أعلم متى يقع ولكني أراكم قوما جهلاء في عنادكم وتكبركم واستخفافكم بأمر الله.
24. فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ: فلما رأي قوم عاد العذاب معترضا في السماء قد سد الأفق كأنه سحاب قالوا هذا السحاب سوف يمطرنا ماء نغاث به فرد عليهم هود وقال ليس هذا سحاب غيث ورحمة لكنه عارض عذاب ونقمه وهو الذي استعجلتم نزوله بكم فذوقوه وهو ريح شديدة مؤلمة قاتلة.
25. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ: تدمر كل ما مرت به مما أمرت بتدميره بإرادة الله عزوجل فأصبحوا بعد هلاكهم وتدميرهم لا يشاهد في ديارهم إلا بيوتهم خاوية على عروشها وبمثل هذا العقاب يعاقب الله كل مجرم كافر مكذب.
26. وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ: ولقد سهل الله لقوم عاد وسائل التمكين في ديارهم من أهل ومال وولد وقوة وجاه مثلما سهل الله لكفار هذه الأمة وخلق لهم آذانا لتسمع وعيونا لتبصر وقلوبا لتفقه فما انتفعوا بها بل استعملوها في كل ما يغضب الله لأنهم كانوا ينكرون براهين الله ويكذبون آياته ويحاربون ورسله وحل بهم من العقاب ما كانوا يسخرون منه ويستبعدونه وهذا وعيد وتهديد لكل جبار عنيد.
27. وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: ولقد أهلك الله ما حول مكة من القرى كعاد وثمود وعذبها فأباد أهلها ودمر قراهم وقد أوضح الله لهم البراهين ونصب لهم الأدلة التي تدل على وحدانيته وقدرته لعلهم يعودون إلى الله بإخلاص العبادة له.
28. فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ: فهلا دافع عن هؤلاء المعذبين آلهتهم التي عبدوها من دون الله اتخذوها قربانا يتقربون بها إلى ربهم طلبا للشفاعة عنده بل ذهبت عنهم تلك الآلهة وخذلتهم فلم تنصرهم ولم تدفع عنهم عذاب الله وهذا كذب الكفار وفريتهم في عبادتهم غير الله واتخاذهم آلهة من دونه فيذوقوا نتيجة هذا الكذب والافتراء.
29. وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ: واذكر أيها النبي إذ أرسل الله إليك جماعة من الجن يستمعون إلى تلاوتك للقرآن فلما اجتمعوا عندك وأنت تتلو القرآن قال بعضهم لبعض أنصتوا لسماع القرآن فلما انتهيت من تلاوتك وقد آمنوا بالقرآن وصدقوا بما فيه عادوا إلى قومهم يخوفونهم عذاب الله إن لم يؤمنوا.
30. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ: وقالوا لقومهم يا قومنا إنا سمعنا قرآنا نزل على محمد صلى الله عليه وسلم من بعد موسى عليه السلام وهذا القرآن يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها الله على رسله وهو يرشد من آمن به إلى طريق الهدى وسبيل النجاة.
31. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ: يا قومنا استجيبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعوه واهتدوا بهداه الذي بعث به يغفر الله لكم من ذنوبكم وينجيكم من عذاب شديد مؤلم في نار جهنم.
32. وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: ومن لا يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم ويتبعه فليس بفائت على الله في الأرض ولن يعجز ربه إذا أراد عقوبته وليس له من دون الله من ينصره فيدفع عنه عذاب الله أولئك الذين لم يجيبوا داعي الله في بعد كبير عن الحق وذهاب عن الرشد.
33. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أجهلوا قدرة الله وعظمته وهو الذي خلق السموات والأرض ولم يعجز عن خلقهن ولم يصبه تعب ولا نصب سبحانه؟ وهو قادر على إحياء الموتى من قبورهم وإخراجهم أحياء للحساب عنده بلى ذلك سهل هين على من لا يتعاظمه شىء ولا يجزه أمر إنه على كل شىء قدير يفعل ما أراد.
34. وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ: ويوم القيامة يعرض الكفار على النار ويقال لهم أليس هذا العذاب الذي كنتم توعدون حقا كما تشاهدونه؟ فيقولون بلى وربنا هذا العذاب حق فيقال لهم فذوقوا هذا العذاب واصلوا النار التي كنتم تجحدون بها في الدنيا.
35. فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ: فاصبر أيها الرسول على أذى الكفار وتكذيب الفجار كصبر أولي العزم الأبرار وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأنت منهم ولا تستعجل نزول العذاب بكفار قومك فإنه إذا نزل بهم وشاهدوه كأنهم لم يعيشوا في الدنيا إلا ساعة من نهار لقصر الأعمال هذا القرآن بلاغ للعالمين أجمعين ولا يهلك بعذاب الله إلا من جحد وحدانية الله وخرج عن طاعته.
سورة محمــد
1. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ: الذين جحدوا وحدانية الله وصدوا الناس عن عبادة الله أذهب الله ثواب أعمالهم ومحقها وأبطلها فلا نفع لها بل عذبهم بها.
2. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ: والمؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم العاملون بطاعته المجتنبون معاصيه والذين يصدقون بالقرآن ويعملون بما فيه وهو الحق الذي لا شك ولا ريب فيه ستر عليهم ذنوبهم وعفا عنهم ولم يؤاخذهم بها وأصلح أحوالهم في الدنيا والآخرة وشرح صدورهم للحق وتولى شؤونهم.
3. ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ: ذلك الإضلال للكفار والهداية للأبرار سببه أن الكفار اتبعوا الشيطان وأن الأبرار أطاعوا الرحمن واتبعوا سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم وكما فصل الله أحوال الكفار والأبرار يضرب الله لعباده الأمثال لإزالة الإشكال أو ليعرف كلا منهم ما يناسبه من أهل الهدى والضلال.
4. فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ: فإذا لقيتم أيها المؤمنون الكفار في أرض المعركة فجدوا في قتالهم واقصدوا عناقهم بضرب السيوف حتى إذا أكثرتم القتل فيهم وضعفت قوتهم وقلت شوكتهم بشدوا قيد الأسرى فإما أن تمنوا على الأسير بإطلاقه بلا عوض وإما أن تقبلوا الفداء بمال أو أسير مسلم عندهم واثبتوا على هذا حتى ينتهي القتال هذا هو حكم الله في ابتلاء المؤمنين بالكفار وأحكام القتال التي شرعها الله ولو أراد الله لانتصر من الكفار وقهرهم بلا قتال من المؤمنين ولكن كتب قتال الكفار على المؤمنين وشرع الجهاد ليظهر الصادق من الكاذب ويتخذ من المؤمنين شهداء وليعلم من ينصر دينه ولتتم سنة المدافعة وليتخذ من عباده أنصارا لدينه ومن قتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله فأجره محفوظ عند الله ولن يبطل الله ثواب عمله.
5. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ: سيرشدهم إلى عمل ما يرضيه ويوفقهم لكل خير ويصلح لهم أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم فيسعدون في الدنيا والآخرة.
6. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ: ويدخل من قتل في سبيله جنة النعيم وقد بينها لهم وعرفهم بها في الوحي وعرفهم بأماكنهم إذا دخلوها.
7. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله إن تنصروا الله بطاعته واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بشرعه والجهاد في سبيله بالمال والنفس واللسان والقلم وغير ذلك ينصركم الله على أعدائكم ويجعل العزة لكم ويثبت أقدامكم عند القتال بإنزال السكينة عليكم والثبات فلا تفروا.
8. وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ: أما الكفار فهلاك لهم وغضب من الله وسخط عليهم وقد أبطل الله أجور أعمالهم.
9. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ: لأن الكفار كرهوا ما أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من الوحي في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكذبوا به وأعرضوا عنه فأبطل الله ثواب عملهم لأنها كانت بلا إخلاص ولا متابعة ولا إيمان.
10. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا: أفلم يسافر الكفار في الديار فيشاهدوا الآثار ليستدلوا بها على ما نزل بأهلها من عذاب ودمار فيتعظوا بذلك لقد دمر الله مساكن الكفار ولكل كافر مثل ذلك عند الله إذا استمر على كفره فالجزاء واحد.
11. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ: ذلك الذي فعله الله بأوليائه المؤمنين من نصر وتمكين وكرامة ونعيم وما فعله بأعدائه الكفار من هزيمة وإذلال وعذاب في نار الجحيم لأن الله ولي المؤمنين ونصيرهم وأما الكفار فلا ولي لهم يرعى شؤونهم ولا نصير لهم يدافع عنهم.
12. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ: إن الله يدخل المؤمنين الصالحين الذين عملوا بطاعة الله وتركوا معاصيه جنات تجري من تحت دورها وقصورها وأشجارها الأنهار جزاء على عملهم الحسن اما الكفار فملهم كمثل البهائم يتمتعون في الدنيا ويأكلون وليس لهم عمل صالح ولا مقصد حسن إنما همهم شهواتهم ولذائذهم كأنهم الدواب التي لا عقل لديها ولا همة ونار جهنم مستقر لهم يخلدون فيها.
13. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ: وكم من قرية سابقة كانت أكثر قوة وبأسا من مكة قرية الرسول صلى الله عليه وسلم التي أخرجته منها قد أهلك الله تلك القرى ودمرهم فلم يجدوا من يدفع عنهم العذاب.
14. أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ: أفمن كان على برهان واضح ودليل ظاهر من الله فهو يعبد الله على بصيرة ويجتنب ما نهى الله عنه كمن حسن له شيطانه قبيح فعله وأطاع نفسه الأمارة وهواه المضل فعصى ربه بالإشراك به واقتراف الذنوب فليس عنده برهان ولا دليل؟ لا يستويان.
15. مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ: صفة الجنة التي وعد الله عباده الأتقياء الأبرار بأن فيها أنهارا جارية من ماء زلال عذب لم يتغير بطول المكث وأنهارا من لبن صاف لذيذ لم يتغير طعمه وأنهارا من خمر يلتذ بها شاربها بلا صداع ولا سكر وأنهارا من عسل قد صفي من القذى فهو الغاية في حسن الطعم وتمام النفع وللأبرار في الجنة من كل أنواع الثمار ومختلف الأطعمة وأرفع من ذلك غفران الله لسيئاتهم والعفو عنهم هل من هذا حاله في النعيم كمن بقى أبدا في النار لا خروج له منها وسقوا في نار جهنم ماء حارا بلغ الغاية في الحرارة فلما استقر في بطونهم قطع أمعاءهم من شدة حرارته؟ لا يستويان.
16. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ: ومن المنافقين من يستمع إليك أيه النبي بغير فهم ولا فقه ولا قبول معرضين عن الإيمان غير مبالين بالوحي حتى إذا خرجوا من مجلسك قالوا لمن حضر المجلس من أهل العلم والفقه في الدين على سبيل السخرية ماذا قال محمد قبل قليل؟ أولئك الذين ختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم فلا يفقهون ولا يعون واتبعوا ما تهواه نفوسهم من الكفر والفسوق.
17. وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ: والذين اهتدوا برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا النور الذي أنزل معه زادهم الله هدى فثواب الحسنة الحسنة بعدها ووفقهم لأعمال البر وخصال الخير وسهلها عليهم ويسر لهم عمل الصالحات وترك المنكرات.
18. فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ: ما ينتظر الكفار إلا القيامة التي وعدهم الله بها تفاجؤهم وهم لا يشعرون بها على غرة منهم وقد ظهرت علامات الساعة ولم يستعدوا لها بإيمان وتوبة فكيف يمكنهم التذكر إذا فاجأتهم الساعة وقد فات الأوان؟!
19. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ: فاعلم أيها الرسول أنه لا يستحق العبادة إلا الله وأنه لا شريك له واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم حركتكم بالنهار في الأعمال واستقراركم بالليل للراحة من الأشغال وفي الآية الجمع بين التوحيد والاستغفار والعلم والعمل.
20. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ: ويقول المؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم هلا أنل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من القرآن تأمرنا بقتال الكفار فإذا أنزل الله سورة محكمة بذكر ما بينها الله لعباده وما فرضه عليهم وذكر فيها الجهاد رأيت الذين في قلوبهم مرض النفاق من الشك والريبة والتكذيب ينظرون إليك أيها النبي نظر الذي أغمي عليه خوفا من الموت لشدة جزعه والأولى بل الواجب على هؤلاء المنافقين أن يستجيبوا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
21. طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ: الأجدر لهم أن يطيعوا الله ويتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يقولوا قولا صوابا موافقا الكتاب والسنة فإذا وجب قتال الكفار وأمر الله عباده المؤمنين بذلك فلو أن المنافقين حينها صدقوا الله بالاستجابة لأمره والمسارعة لما أحبه الله لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة من مخالفة أمر الله وترك الجهاد.
22. فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ: لعلكم إن أعرضتم عن العمل بالكتاب والسنة أن تعصوا الله في الأرض وتتعدوا حدوده بالكفر وسفك الدماء وقطيعة الرحم.
23. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ: ومن فعل هذا الفعل فهو ممن طردهم الله من رحمته فأصم اسماعهم عن سماع ما ينفعهم وأعمى أبصارهم عن رؤية الحجج الواضحة والأدلة النافعة فهم في ضلال وغي.
24. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا: أفلا يتدبر المنافقون القرآن فينتفعوا بأحكامه ويتعظوا بمواعظه ويفقهوا براهينه؟ بل قلوبهم مغلقة مقفلة لا تقبل الحق ولا تنتفع به ولا يصل إليها نور الإيمان.
25. إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ: إن المرتدين عن الإيمان الذين رجعوا على أعقابهم تكذيبا للرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ما ظهر لهم الحق وبان لهم الدليل ووضح لهم الهدى الشيطان زين لهم عملهم القبيح ومد لهم في الأمل ومناهم بطول البقاء.
26. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ: ذلك التزيين من الشيطان والإمداد في الأمل بسبب أنهم قالوا لليهود الذين كرهوا ما نزل الله على رسوله حسدا وبغيا سنوافقكم في بعض ما تدعوننا إليه من معصية الله ورسوله والله يعلم ما يخفونه وما يسرونه من التكذيب والمكر وفي الآية التحذير من طاعة غير الله في معصية الله.
27. فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ: فكيف حال المنافقين في سكرات الموت إذا قبضت الملائكة أرواحهم وهم يضربون وجوههم وأدبارهم؟
28. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ: ذلك العقاب الذي حل بهم لأنهم اتبعوا ما أسخط الله عليهم من متابعة الشيطان ومخالفة أمر الله ولأنهم كرهوا ما يرضي الله من الإيمان والعمل الصالح ومن ذلك الجهاد في سبيل الله فأبطل الله أجر ما عملوه من صدقة وبر وصلة رحم وغير ذلك ومحق ثوابها.
29. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ: بل ظن المنافقون أن الله لا يكشف لرسوله والمؤمنين ما في قلوب المنافقين من حسد وحقد على الإسلام وأهله؟ بلى إن الله قادر على ذلك ليظهر المؤمن من المنافق.
30. وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ: ولو أراد الله لأراك أيها الرسول أشخاص المنافقين فلعرفتهم بعلامات ظاهرة فيهم وسوف تعرفهم وتستدل على أحوالهم فيما يظهر لك من كلامهم حتى تعرف مقاصدهم والله يعلم جميع أعمال عباده من خير وشر وسيجازيهم بها.
31. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ: وسوف يختبركم الله أيها المؤمنون بجهاد الكفار حتى يظهر من صدق في جهاده وصبر وسوف يختبر الله أقوالكم وأفعالكم بما يقدره عليكم من عسر ويسر ليظهر الصادق من الكاذب.
32. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ: إن الذين أنكروا توحيد الله ومنعوا الناس من الإيمان وحاربوا أولياء الله وكذبوا رسوله وحاربوه من بعد ما ظهرت لهم البراهين الصادقة على رسالته لن يضروا الإسلام شيئا وسوف يذهب الله أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم لم يخلصوا فيها.
33. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ: يا أيها المؤمنون أطيعوا الله وأطيعا الرسول بامتثال الأمر واجتناب النهي واتباع الشرع ولا تبطلوا أجور أعمالكم بالشرك والرياء.
34. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ: إن الذين كفروا بالله وكذبوا رسوله ومنعوا الناس من الدخول في الإسلام ثم ماتوا على الكفر فلن يغفر الله ذنوبهم وسيعاقبهم على معاصيهم وينكل بهم في نار جهنم.
35. فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ: فلا تضعفوا أيها المؤمنون عن الجهاد ولا تطلبوا المصالحة والمسالمة مع أعداء الله وأنتم أعلى منهم وأعز وأقوى لأن الله معكم ومن ان الله معه فالنصر حليفه والعاقبة له والتوفيق معه ولن يذهب الله أجور أعمالكم وينقص من ثوابكم شيئا.
36. إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ: إنما الحياة الدنيا لعب ولهو تشغل عن الطاعات وتلهي عن الصالحات وتخدع بمظاهرها الناس وإن تؤمنوا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتتقوا بفعل ما أمر الله واجتناب ما نهي عنه فسوف يثيبكم على أعمالكم الصالحة بأنواع الكرامات من المحبة والقبول والذكر الحسن والنجاة من النار والفوز بالجنة والله لا يطلب منكم التصدق بجميع أموالكم بل أمركم بإخراج بعضها تزكية لكم ولأموالكم.
37. إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ: إن يطلب الله منكم إنفاق كل أموالكم فيشق عليكم بذلك وتبخلوا بالإنفاق وتمسكوا عن العطاء فيكشف ما في قلوبكم من الحقد إذا أمركم الله بالتصدق بما يشق عليكم.
38. هَأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ: ها أنتم أيها المؤمنون تدعون للصدقة في سبيل الله لإعلاء كلمة الله ونصر دينه فبعضكم يبخل بالصدقة ومن يبخل بالإنفاق فإنما يبخل على نفسه بحرمانها من الأجر والثواب والله الغني عن عباده ليس بحاجة إلى نفقاتهم فهو الذي خلقهم ورزقهم والعباد هم الفقراء إليه وإن تعرضوا أيها الناس عن الإيمان والجهاد في سبيل الله يعذبكم ويأت بقوم آخرين مؤمنين ينصرون دينه ثم لا يشابهونكم في الإعراض عن الإيمان والجهاد بل يؤمنون يجاهدون ويطيعون الله ورسوله.
سورة الفتـــح
1. إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا: إن الله فتح لك أيها الرسول فتحا مبينا ظاهرا عظيما نصرك به على أعدائك ومكن لك في الارض وأعزك به وأعلى قدرك وهو صلح الحديبية لأنه كان الطريق لفتح مكة والفتوح التي بعدها ودخول الناس في دين الله أفواجا.
2. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا: فتح الله لك هذا الفتح العظيم أيها الرسول ليكون سببا لغفران ما سبق من ذنبك وما لحق لكثرة من أسلم وجاهد وعبد الله فحصل لك بذلك الأجر والمغفرة لأنك الدال لهم على الإيمان والخير فكتب لك بقدر أجور من اتبعك ولأنك صبرت على مشقة الاذى والجهاد والدعوة فصارت كفارة لكل ذنوبك والله بهذا الفتح أتم عليك النعمة بنصرك وإظهار دينك وكبت أعدائك ووفقك ربك لسلوك الطريق المستقيم الموصل لرضوان الله والجنة.
3. وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا: وينصرك بهذا الفتح نصرا عزيزا يهاب فيه جانبك ويرهب منك أعداؤك ويمكن لك بسببه من إعلاء كلمه الله.
4. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا: الله هو الذي أنزل الطمأنينة في قلوب المؤمنين فوثقوا بنصر الله وسكنوا إلى وعده وثبتوا في المحن وصدقوا في مواقف الابتلاء وازدادوا يقينا في دينهم ورسوخا في تصديقهم بربهم وبرسولهم والله له جنود السموات والأرض ينصر من يشاء من أوليائه ويذل من يشاء من أعدائه وليس بحاجة إلى نصرة أحد من الناس ولكن ليبتلي المؤمنين بجهاد الكافرين ويتخذ من عباده شهداء ويمحص قلوب الأتقياء في مواطن اللقاء وكان الله عليما بما يصلح للعباد حكيما فيما قدره ودبره من أمر الدنيا والمعاد.
5. لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا: ليدخل الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحت دورها وقصورها وأشجارها الأنهار وهم باقون في الجنة أبدا لا يموتون ولا يخرجون منها ويعفوا الله عن خطاياهم فلا يعذبهم بها وكان هذا الثواب من الله نجاة من كل كرب وظفرا بكل محبوب.
6. وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا: ويعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين يظنون بالله ظنا سيئا أنه لن ينصر أولياءه على أعدائه ولن ينجز لعباده ما وعدهم به من الفوز والفلاح فعليهم تدور دوائر الخزي والهلاك والذل والصغار وغضب الله عليهم مع طرده إياهم من رحمته وجنته وهيأ لهم نارا تلظي يصلون سعيرها خالدين فيها أبدًا.
7. وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا: ولله تعالى جنود السموات والأرض ينصر بهم من أراد من عباده وكان الله عزيزا في انتقامه وسلطانه حكيما في خلقه وصنعه وتدبيره وشرعه.
8. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا: إن الله أرسلك أيها الرسول شاهدا على الأمة بالبلاغ تقيم الحجة عليهم وتبين المحجة لهم وتبشر من أطاعك بالجنة وتحذر من عصاك بالنار.
9. لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا: فبإرسال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يؤمن بذلك عباده الصالحون وينصرون ربهم بنصر دينه في الأرض ويعظمون الله بالعمل بطاعته وترك معصيته ويسبحون الله قبل طلع الشمس وقبل غروبها.
10. إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا: إن المؤمنين الذين يبايعونك أيها الرسول في الحديبية على القتال كأنهم يبايعون الله ويعطون الله العهد على نصرة دينه طلبا لرضاه ورحمته يد الله فوق أيديهم فهو معهم بعلمه سبحانه ونصره ورعايته يسمع أقوالهم ويرى أفعالهم ويعلم ما تكنه صدورهم ومن صدق وأوفى بما بايع عليه من الصدق والصبر والجهاد في سبيل الله فسيمنحه ربه الثواب الجزيل من الفوز بالجنة والنجاة من النار وفي الآية إثبات اليد لله بما يليق بجلاله سبحانه.
11. سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا: سيقول لك أيها النبي الذين تخلفوا عنك في الخروج إلى مكة إذا سألتهم عن سبب التخلف شغلتنا أموالنا وأهلونا من النساء والذرية فاطلب من الله أن يعفو عنا وهذا القول يقولونه باللسان وليس له حقيقة في قلوبهم فهم كاذبون في قولهم فقل له أيها الرسول لا أحد يستطيع صرف خير كتبه لكم ولا دفع شر قدره الله عليكم وليس الأمر كما تظنون من أن الله لا يطلع على ما أخفته صدوركم بل هو عالم بما خفي وبما ظهر لا تخفي عليه خافية وسوف يحاسبكم بما أعلنتم وأسررتم.
12. بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا: وليس بصحيح عذركم من أن الأموال والأهل شغلتكم عن الخروج من الرسول صلى الله عليه وسلم بل الصحيح أنكم ظننتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه لن يعودوا إلى أهليهم وسيهلكون وحسن إبليس لكن هذا الظن الكاذب فاعتقدته قلوبكم وظننتم أسوأ الظن من أن الله لا ينصر رسوله ولا يعلي كلمته ولا يعز دينه وكنتم قوما خاسرين فاشلين لا خير فيكم ولا صلاح يرجى منكم.
13. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا: والذي لا يؤمن بالله ولا برسوله ولا يعمل بشرع الله فإنه كافر وقد هيأ الله للكفار عذاب النار مع الخزي في الدنيا والعار والذل والصغار.
14. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا: ولله ملك السموات والأرض وله تدبيرهما يعفو عمن أراد من العباد كرما وفضلا ويعذب من أراد منهم جزاء وعدلا وكان الله كثير العفو والغفران لمن تاب من العصيان واسع الرحمة لمن أناب إليه.
15. سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا: سوف يقول لك الذين تخلفوا عنك أيها الرسول إذا خرجت أنت ومن معك من المؤمنين إلى غنائم خيبر التي وعدكم الله بها دعونا نخرج معكم إلى خيبر لنصيب معكم من الغنائم يريدون أن يغيروا ما وعدكم الله به وما قدره من عدم خروجهم معكم فقل لهم أيها الرسول لن تخرجوا معنا لغنائم خيبر لأن الله أخبرنا قبل عودتنا إلى المدينة أن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية مع الرسول صلى الله عليه وسلم وليس لمن غاب عنها شىء منها فسوف يقول لكم المخلفون ليس الأمر كما قلتم من أن الله قضى بذلك لكنكم منعتمونا من الخروج معكم حسدا منكم لنا لئلا يحصل لنا من غنائم خيبر شىء وقد كذبوا في ذلك فهم لا يفقهون في أحكام الله ودينه ولا يفهمون ما يحل لهم وما يحرم عليهم إلا أمورا يسيرة ظاهرة سمعوا بها.
16. قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: قل أيها الرسول للبدو الذين تخلفوا عن الخروج معك ستدعون إلى قتال قوم أهل بأس شديد في المعارك تقاتلون هؤلاء القوم أو يدخلون في الإسلام فإن تطيعوا الله وتقاتلوا مع رسوله يثبكم على ذلك ثوابا عظيما وهو الجنة وأن تعرضوا عن الاستجابة وتعصوا الله كما عصيتموه يوم تركتم الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة يعذبكم عذابا مؤلما موجعا.
17. لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا: ليس على الأعمى إثم ولا على الأعرج إثم ولا على المريض إثم إذا تخلفوا عن الجهاد في سبيل الله فهم معذورون لهذه العاهات ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحت دورها وقصورها وأشجارها الأنهار ومن يعرض عن طاعة الله وطاعة رسوله ويترك الجهاد في سبيله يعذبه عذابا مؤلما موجعا.
18. لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا: لقد رضي الله عن المؤمنين الذين بايعوك بيعة الرضوان تحت الشجرة فاطلع على ما في قلوبهم من الإخلاص والصدق والإيمان فأنزل الله على قلوبهم طمأنينة الإيمان وثبتهم وزادهم يقينا ورسوخا في الدين وأخلف عليهم عما فاتهم بصلح الحديبية فتح خيبر وهو قريب من صلح الحديبية.
19. وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا: وعوضهم مغانم كثيرة من أموال اليهود في خيبر وكان الله عزيزا في انتقامه ممن عاداه وهو المعز لمن والاه حكيما في خلقه وصنعه وتدبيره وشرعه.
20. وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا: وعدكم الله أيها المؤمنون مغانم كثيرة تأخذونها في زمانها الذي كتبه الله فقدم الله لكم غنائم خيبر وحماكم من أذى الناس فلم يصبكم شىء مما أعده الكفار من الحرب والمكيدة وحفظ أهلكم وأموالكم في المدينة من شر أعداء الإسلام وليكون نصركم وهزيمة أعدائكم وما حصل لكم من الظفر والغنيمة علامة تهتدون بها على نصر الله لكم وحسن ولايته وجميل رعايته لكم ويوفقكم للهدى القويم والصراط المستقيم في أقوالكم وأفعالكم وأحوالكم.
21. وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا: وقد هيأ الله لكم غنيمة أخرى لم تستطيعوا الحصول عليها والله وحده الذي قدرها ويسرها لكم وهي في حكمه وتصرفه وسوف ينجز لكم ما وعدكم به في جنته لأنه قادر على كل شىء لا يعجزه أمر ولا يصعب عليه شىء.
22. وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا: ولو قاتلكم الكفار في مكة لهزمهم الله ونصركم عليهم ولفروا من المعركة وأعطوكم ظهورهم وليس لهم من دون الله من يتولى أمورهم ويرعى شؤونهم وليس لهم ناصر يدافع عنهم فهم مخذولون خاسرون.
23. سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا: وهذه طريقة الله التي سنها فيمن سلف من الأمم من أنه ينصر أولياءه ويخذل أعداءه ولن تجد لسنة الله تغييرا بل هي ثابتة دائمة مطردة.
24. وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا: والله هو الذي منع أيدي الكفار من أن تصل إليكم بأذى ومنع أيديكم من أن تتناولهم بأذى ببطن مكة من بعدما أظهركم الله عليهم ومكنكم منهم فأصبحوا تحت قهركم وهؤلاء جماعة من الكفار قرابة ثمانين أرادوا المكيدة بالرسول صلى الله عليه وسلم فامسك بهم الصحابة ثم عفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الله مطلعا على أحوال وأعمال عباده لا يغيب عن من علمها شىء.
25. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: هؤلاء الكفار هم الذين كفروا بالله وأنكروا وحدانيته وكذبوا رسوله ومنعوكم يوم الحديبية من الوصول إلى المسجد الحرام ومنعوا الهدى وحبسوه أن يصل إلى مكان نحره من الحرم ولولا أن بين الكفار رجالا مؤمنين ضعفاء ومؤمنات يخفون إيمانهم خوفا من الكفار وأنتم لا تميزون بين هؤلاء وهؤلاء فينالكم بهذا القتل ذنب وحرج وغرامة بغير تعمد منكم لسلطكم الله على الكفار ليدخل الله في رحمته من أراد من عباده فيهديهم بعد الضلال لو تميز المؤمنون عن كفار مكة وانحازوا عنهم لعذب الله الكفار بأيدي المؤمنين أو بهلاك من عنده ولكنهم اختلطوا بالمؤمنين.
26. إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا: إذ حمل الكفار أنفة الجاهلية وكبرها في قلوبهم فلم يتواضعوا للحق ويتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم بل حملهم العناد على الكفر والتكذيب وأبو أن يكتبوا في صلح الحديبية بسم الله الرحمن الرحيم فأنزل الله الثبات واليقين والطمأنينة على الرسول وأصحابه فثبتوا على الحق وثبتوا على لا إله إلا لله وتمسكوا بها وقاموا بحقها وهي أصل كل تقوى والرسول صلى الله عليه وسلم أحق بهذه الكلمة وأولى وأجدر من الكفار وكان الله عالما بكل شىء مطلعا على كل صغيرة وكبيرة لا تخفى عليه خافية.
27. لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا: لقد صدق الله رسوله صلى الله عليه وسلم في رؤياه التي رآها في المنام فكانت رؤيا حق وقعت كما أراه الله إياها من أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام وهم آمنون لا يخافون الكفار فمنهم المحلق لشعر رأسه ومنهم المقصر فاطلع الله على الخير والمصلحة في تأخير فتح مكة هذا العام وفتحها فيما بعد ذلك وهو سبحانه يعلم ما لا يعلم العباد لأنه عالم ما خفي وما ظهر فهيا الله ويسر من قبل فتح مكة فتح خيبر وكان صلح الحديبية أول هذا الفتح المبين.
28. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا: الله وحده الذي أرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالبيان الشافي والهدى الواضح والبرهان الساطع ودين الإسلام ليعلي دينه على سائر الأديان ويكفيك الله أيها الرسول ومن اتبعك شاهدا على صدق رسالتك وأنه ناصرك وظهر دينك وقاهر عدوك.
29. مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن اتبعه أشداء على الكفار أهل اعتزاز بدينهم أقوياء بعقيدتهم وهم رحماء فيما بينهم بعضهم يعطف على بعض تراهم ركعا سجدا لله في صلاتهم يحافظون عليها في أوقاتها كما شرعت يؤدونها على أكمل وجه يطمعون في فضل الله وكرمه ورحمته وثوابه فيخلصون العمل له علامة عبادتهم لربهم بادية على وجوههم من الخشية والخشوع والصدق من آثار سجودهم وطاعتهم لربهم وهذه صفتهم المذكورة في التوراة وصفتهم في الإنجيل كالزرع الذي أخرج من الطين ساقه وفرعه ثم تكاثرت فروعه واشتد ساقه وقوي وصلب واستوى قائما على سيقانه أخضر جميل المنظر يعجب بشكله ولونه وبهائه الزراع ليغيظ الله الكفار بهؤلاء المؤمنين في كثرة عددهم وقوة إيمانهم والتفافهم حول الرسول صلى الله عليه وسلم وجمال منظرهم فلا يبغض الصحابة إلا كافر لأن الله لا يغيظ بالصحابة إلا كل عدو لهم وعد الله المؤمنين الصالحين عفوا عن سيآتهم وثوابا جزيلا على أعمالهم مع خلدهم في جنات النعيم في جوار رب كريم وهذا وعد من الله محقق والأولى به صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم من سار على منهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
سورة الحجرات
1. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا أمرا من أمور الدين إلا بإذن من الله ورسوله بحيث يكون موافقا لشرعه ولا تبتدعوا بل اتبعوا ولا تقضوا في شىء إلا بما قضاه الله ورسوله وراقبوا الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه إن الله سامع لكل قول عليم بكل فعل مطلع على كل سر.
2. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ: يا أيها المؤمنون إذا خاطبتم الرسول صلى الله عليه وسلم فتأدبوا ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوته ولا تجهروا عنده بالكلام كما يجهر أحدكم لصاحبه بل وقروه وقدروه وتأدبوا عنده لأن الله شرفه بالنبوة وأكرمه بالرسالة وميزه عن الناس بالاصطفاء وجعله خاتم الرسل وأكرم الخلق على ربه وهو إمام الأولين والآخرين وسيد الناس أجمعين وهذا الأدب منكم واجب لئلا يبطل الله ثواب أعمالكم ويذهب أجوركم وأنتم لا تسحون بذلك.
3. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ: إن الذين يتأدبون مع الرسول صلى الله عليه وسلم بخفض أصواتهم إذا خاطبوه أولئك الذين محص الله قلوبهم واختبرها وأخلصها لطاعته لهم من الله العفو عن ذنوبهم والصفح عن خطاياهم مع الثواب الجزيل والأجر التام على طاعتهم لربهم.
4. إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ: إن الذين ينادونك ايها الرسول من وراء الحجرات وهي غرف بيته عليه الصلاة والسلام وكان في وقت الظهر من أناس رفعوا أصواتهم بجفاء وقالوا يا محمد أخرج إلينا فهؤلاء أكثرهم لا يعلقون الأدب معه صلى الله عليه وسلم ولا يفقهون حقوقه على الأمة ووجوب توقيره على كل مسلم.
5. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: ولو أن من ناداك أيها الرسول من وراء الحجرات صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم عند ربهم لأن الله أوجب عليهم التأدب معك والله غفور لما حصل منهم من سوء أدب لجهلهم بما يجب رحيم بهم حيث لم يعاجلهم بالعقاب على ما فعلوا من إخلال بالآداب.
6. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ: يا أيها المؤمنون بالله وبرسوله إذا أتاكم فاسق في دينه ونقل إليكم خبرا فتثبتوا من صحته ولا تصدقوه حتى تعرفوا صحته وتتأكدوا من صدقه خوفا من أن تؤذوا أحد وهو برئ بناء على خبر الفاسق فتندموا على التسرع في أذية البرئ.
7. وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ: واعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعيش معكم فوقروه واعرفوا حقه فإنه يسعى فيما ينفعكم وأنتم قد تقعون فيما فيه ضرر عليكم جهلا منكم والرسول صلى الله عليه وسلم يمنعكم من ذلك ولو وافقكم في كثير مما تريدونه لوقعتم في المشقة ولكن الله حبب إليكم الإيمان فسهلت عليكم طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وحسن الإيمان في قلوبكم فامتثلتم أمر الله وكره إليكم الكفر بالله فآمنتم به وكره إليكم الفسوق فهجرتم معاصيه وكره إليكم العصيان فكرهتم الذنوب وتبتم منها وهؤلاء المتصفون بهذه الصفات هم الراشدون الذين أدركوا الهدى ونجا من الردى لأنهم عرفوا طريق الحق.
8. فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: وتوفيق الله لكم للإيمان به وهجر معاصيه هو فضل من الله تفضل به عليكم ونعمة منه جاد بها عليكم والله عليم بمن يشكر النعم ويطيع المنعم حكيم في تدبير الخليقة على أحسن طريقة.
9. وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ: وإن حصل أن جماعتين من المؤمنين اقتتلوا فيما بينهم فأصلحوا أيها المؤمنون بينهم بما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن اصرت إحدى الجماعتين ولم تستجب لحكم الشرع واستمرت في القتال فقاتلوها حتى تعود إلى الامتثال لحكم الله وحكم رسوله فإن عادت فأصلحوا بينهما بالإنصاف الموافق لشرع الله ولا تجوروا في الحكم وعليكم العدل في الحكم واجتناب الظلم إن الله يحب العادلين في الأحكام بين الأنام الذين يقضون بين العباد بالإنصاف بلا جور ولا فساد وفي هذه الآية إثبات المحبة لله عزوجل بما يليق به سبحانه.
10. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ: إنما المؤمنون إخوة في دين الله فهم أسرة واحدة كأبناء رجل واحد في المودة والنصر فإذا حصل بينهم خلاف وجب على المؤمنين الصلح بينهم مع تقوى الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه فمن فعل ذلك رحمه الله بغفران ذنوبه وإعطائه مطلوبة من الأجر العظيم والنعيم المقيم.
11. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الإسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: يا أيها المؤمنون لا يستهزئ مؤمن بمؤمن فقد يكون من استهزئ به خيرا وأفضل عند الله من المستهزئ امرأة بامرأة فربما تكون المستهزأ بها خيرا وأفضل عند الله من المستهزئة ولا يسب بعضكم بعضا ولا يعب أحدكم الآخر ولا ينادي بعضكم بعضا بما لا يحب من الألقاب المعيبة بئس اسم الفسوق اسما لأنه قبيح وبئس الوصف وصفا لأنه شنيع وهو وصف سىء بعد الإيمان بالله ويدخل في الفسوق الاستهزاء بالمسلمين واللمز والغمز والتنابز بالألقاب ومن لم يتب إلى الله من هذه الأوصاف القبيحة والأخلاق الذميمة فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بفعل هذه الذنوب وارتكاب هذه الخطايا.
12. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ: يا أيها المؤمنون بالله ورسوله اتركوا كثيرا من الظن السيء في عباد الله الصالحين فالأصل في المؤمن الخير إن بعض الظن السىء إثم لأنه مبني على الشك والاحتمال ولا تبحثوا عن سقطات الناس ولا تفتشوا عن عورات المسلمين ولا يتكلم مسلم في مسلم في غيابه بما يكرهه أيحب الواحد منكم أن يأكل لحم أخيه وهو ميت؟ فما دمتم تكرهون ذلك فاكرهوا غيبته لأن عرضه كلحمه وخافوا الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه إن الله يتوب على من تاب من عباده وأناب ويرحم من أطاعه واستجاب.
13. يأيها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ: يا أيها الناس إن الله خلقكم من أب واحد هو آدم وأم واحدة هي حواء فأصلكم واحد فلماذا يفخر بعضكم على بعض بالنسب؟ والله جعلكم بانتشار الذرية شعوبا متفرقة وقبائل متعددة ليتعرف بعضكم إلى بعض إن أكرمكم عند الله أكثركم تقوى له فالتفاضل بين الناس بتقواهم لربهم إن الله عليم بمن اتقى خبير بالأتقى منكم.
14. قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: قالت الأعراب من أهل البادية آمنا بالله وبرسوه إيمانا كاملا قل لهم أيها الرسول لستم مؤمنين إيمانا كاملا ولكن قولوا أسلمنا ولم يدخل الإيمان على الآن في قلوبكم فإذا رسخ الإيمان في القلب استكمل صاحبه الإيمان وإن تطيعوا الله ورسوله لا ينقص شيئا من أجور أعمالكم إن الله غفور لمن تاب إليه رحيم بمن استقام على أمره وفي الآية العناية بأعمال القلوب وأن الإيمان يتفاضل وأنه يجب موافقة الباطن الظاهر.
15. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ: إنما المؤمنون الصادقون هم كل من صدق في إيمانه بربه واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل بطاعته ثم لم يشكوا في الإيمان بل اعتقدوا اعتقادا جازما وصدقوا ذلك بالجهاد بالنفس والمال في سبيل الله لإعلاء كلمته وهؤلاء هم الذين صدقوا في الإيمان واتبعوا رضوان الرحمن.
16. قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: قل أيها النبي للأعراب أتخبرون الله باعتقادكم وما أسررتموه وهو يعلم السر وأخفى وهو العالم بكل ما في السموات وما في الأرض والله يعلم كل شىء لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية فهو العالم بالمؤمن والمسلم والكافر والفاسق والمنافق والبر والفاجر.
17. يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: يمن عليك أيها الرسول هؤلاء الأعراب بإسلامهم وطاعتهم لله وتصديقك في نبوتك كأن لهم الفضل على الله سبحانه فقل لهم المنة لله وليست لكم فلا تمنوا على الله اعتناقكم للإسلام فإن مصلحة إسلامكم تعود إليكم والله لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي فهو الغني عما سواه سبحانه ولله المنة عليكم فهو الذي وفقكم للإيمان وهداكم للصراط المستقيم فإن كنتم صادقين في إيمانكم فلا تمنوا به على الله ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم.
18. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: إن الله وحده يعلم ما غاب عن العيون في السموات والأرض لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عليه خافية وهو سبحانه بصير بأقوالكم وأحوالكم وأعمالكم وسوف يحاسبكم عليها فيثيب المحسن ويعاقب المسئ.
سورة ق
1. ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ: هذه الحروف المقطعة الله أعلم بمراده بها وقد أقسم الله تعالى بهذا القرآن ذي المجد والشرف والرفعة فمن عمل به شرفه الله ورفعه.
2. بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ: بل عجب الكفار من النبي المختار لما جاء بالإنذار من الواحد القهار فقالوا هذا شىء عجيب غريب ما سمعنا بمثله.
3. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ: كيف نبعث إذا متنا وأصبحنا ترابا؟! هذه عودة للحياة بعيدة الحصول لن تكون أبدا.
4. قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ: قد علم الله ما تأكله الأرض وتفنيه من أجسامهم وعنده سبحانه كتاب محفوظ من الزيادة والنقص والتغيير والتبديل في هذا الكتاب كل ما هو مقدر عليهم في الدنيا والآخرة.
5. بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ: بل كذب الكفار بالقرآن والرسول صلى الله عليه وسلم فهم في أمر مضطرب مختلط لم يثبتوا على شىء ولم يستمروا على حال يقولون إنه سحر أو شعر أو كهانة أو مختلق.
6. أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ: لماذا أنكر الكفار البعث بعد الموت؟ أفلم يشاهدوا السماء فوقهم كيف رفعها الله فسوى بنيانها وأحكم صنعتها وزينها بالنجوم وليس فيها شقوق ولا فتوق فلا عيب فيها ولا خلل بل هي سليمة محكمة متقنة؟!
7. وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ: ولماذا لم يتفكر الكفار في خلق الأرض كيف بسطها الله وفرشها وسواها ومهدها لعباده ونصب فيها جبالا راسخة ثابتة تمنعها من الاضطراب والميل وأنبت الله في الأرض من كل شكل بهي حسن المنظر من النبات يبهج العين ويسر القلب بجماله.
8. تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ: والله خلق السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات الدالة على عظمته وقدرته عبرة لمن لديه بصيرة تدل على وحدانية الله وتخرجه من ظلمة الجهل والغفلة وتذكرة يتذكر بها كل عبد تائب إلى الله منيب إلى طاعته خاضع لأمره منقاد لحكمه خائف من عذابه.
9. وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ: ونزل الله من السماء مطرا نافعا للخلق هو سبب الخير والنماء والقوت والحياة فأنبت الله به حدائق ملتفة وبساتين غناء وحب الزرع المحصود وفي ذلك متاع للإنسان والحيوان.
10. وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ: وأنبت الله النخيل طويلا في حسن فارعا في جمال له ثمر بهي حسن الشكل منظم متراكب بعضه فوق بعض.
11. رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ: خلق الله ذلك طعاما وقوتا لعباده من حبوب وثمار وفواكه وخضروات ما بين مأكول ومشروب وأحيا الله بالمطر الذي أنزله من السماء بلدة مجدبة يابسة قد مات نبتها وذبلت أشجارها وكما أحيا الله بالماء الأرض الميتة فإنه سبحانه سوف يحيي الأموات ويخرجهم من قبورهم للحساب.
12. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ: كذبت قبل كفار مكة قوم نوح وأصحاب البئر التي تسمى "الرس" وثمود فقد سبقوا في الكفر بالله ومحاربة رسله.
13. وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ: وكذبت قبلهم أيضا قوم عاد وفرعون وقوم لوط كلهم ردوا رسالة أنبيائهم.
14. وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ: وكذب كذلك أصحاب الشجرة العظيمة وهم قوم شعيب وكذبت حمير قوم تبع كلهم توافقوا في الكفر بالله ومعاندة الرسل عليهم السلام فنزل بهم عذاب الله الذي توعدهم به وجب عليهم العقاب وحل بهم الهلاك بالحق والعدل.
15. أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ: أفعجز الله عن إنشاء الخلق الأول من العدم حتى يعجز عن إعادة الخلق بعد فنائه لأن إعادة الخلق بعد الفناء أيسر من الإنشاء وكل ذلك يسير هين على رب الأرض والسماء ولكن الكفار في اضطراب وشك وريبة من مسألة الإحياء بعد الموت والنشور من القبور.
16. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ: ولقد خلق الإنسان وعلم ما تحدثه به نفسه وما يضمر في صدره والله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد الواصل بين العنق والقلب.
17. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ: إذ يكتب الملكان الحافظان عن يمين الإنسان وعن شماله أعماله فالذي عن اليمين يكتب الحسنات والذي عن الشمال يكتب السيئات كل ملك مترصد يحصي أعمال العبد.
18. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ: ما يتكلم الإنسان بكلمة إلا وعنده ملك يحصي قوله ويكتبه له أو عليه لأنه يراقبه وهو حاضر عنده.
19. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ: وحضرتك أيها الإنسان شدة الموت وكربه بالحق الذي لا مهرب منه ولا مفر ذلك الموت الذي كنت تروغ منه وتهرب فلا مرد ولا مناص منه.
20. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ: ونفخ الملك في القرن لبعث الناس من قبورهم ذلك النفخ في يوم القيامة الذي وعد الله به وهو لا يخلف الميعاد.
21. وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ: وأتت كل نفس إلى يوم القيامة معها ملك يسوقها إلى الحساب عند الله وملك آخر يشهد عليها بما عملته في الدنيا من حسن وسىء.
22. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ: لقد كنت في الدنيا أيها الإنسان غافلا عن يوم القيامة وما فيه من أهوال فلم تتهيأ له فأزال الله عنك اليوم غطاءك الذي غطى على بصيرتك فلم تبصر الهدى فالآن ذهبت عنك الغفلة فبصرك اليوم فيما تراه قوي نافذ شديد.
23. وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ: وقال الملك الرقيب على الإنسان الملازم له الذي يكتب حسناته وسيئاته هذا ما عندي بما كتبته عليه في الدنيا وهو جاهز معد حاضر مكتوب.
24. أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ: قال الله للملكين السائق والشاهد ارميا في جهنم كل مكذب كافر معاند للحق جاحد للرسالة مصر على الذنوب.
25. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ: مناع للخير والحق معتد على الخلق فهو مانع لما أوجبه الخالق مؤذ للمخلوق أمسك عن الخيرات وتعدي الحدود والحرمات شاك في الوعد والوعيد غير موقن بالتوحيد.
26. الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ: وهو مشرك بالله يعبد معه إلها غيره فارميا به أيها الملكان في نار جهنم شديدة العذاب.
27. قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ: قال شيطانه الذي كان قرينا له في الدنيا ربنا ما أغويته ولكنه كان بعيدا عن الهدى محبا للغواية فضل عن الحق ولم أجبره على الكفر.
28. قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ: فقال الله تعالى لا تختصموا عندي اليوم فلا نفع في هذه الخصومة الآن وقد سبق أن أنذرتكم عن طريق الرسل عذاب هذا اليوم وما فيه من أهوال.
29. مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ: ما يغير القول عندي فقوله صدق ووعده حق ولا يعذب الله عبدا بسيئات عبد آخر ولا يعاقب أحدا إلا بما فعل من ذنب بعد أن يقيم عليه الحجة ولا ينقص من حسنات محسن ولا يزيد في سيئات مسئ.
30. يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ: وتذكر يوم يقول الله لنار جهنم هل امتلأت؟ وتقول نار جهنم هل من زيادة من كفار الجن والإنس؟ فيضع الجبار سبحانه قدمه فينزوي بعضها على بعض وتقول قط قط.
31. وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ: وقربت الجنة لمن اتقى الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه فكانت غير بعيدة منهم فهم يرونها ليتنعموا برؤيتها.
32. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ: يقال للأتقياء هذا النعيم هو الذي كنتم توعدون به في الدنيا وهو لكل تائب عائد إلى الله من سيئاته حافظ لعمله الصالح من الضياع وحافظ لحدود الله من الاعتداء وحافظ لما أوجبه الله عليه.
33. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ: هو الذي يخاف الله بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه ويعبد الله كأنه يراه وأتى إلى الله يوم الحساب بقلب تائب من المعاصي سليم من الذنوب.
34. ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ: ويقال لهؤلاء الأتقياء ادخلوا الجنة وأنتم سالمون من الآفات والأخطار ناجون من الأهوال والعذاب ولكم الأمن من كل مخوف ومكروه ذلك هو يوم الخلود في جنات النعيم فلا يموتون فيها ولا يخرجون منها ولا ينقطع نعيمهم.
35. لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ: لهؤلاء الأتقياء في جنات النعيم ما يريدون وما تشتهيه أنفسهم وعند الله لهم زيادة على ما تفضل به عليهم من نعيم وتكريم فهم أبدا في حبور وسرور ومن هذه الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم عزوجل.
36. وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ: وكم أهلك الله قبل كفار مكة من أمم سابقة مكذبة كانوا أشد من كفار مكة في الباس وأقوى في الأجسام فساروا في البلاد وبنوا وشيدوا فهل كان لهم من مهرب أو ملجأ من عقاب الله لما حل بهم؟
37. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ: إن في إهلاك الأمم السابقة الكافرة لعظة لمن كان له قلب يفقه به عن الله آياته وحججه أو أصغى بسمعه وهو حاضر بقلبه غير غافل ولا ساه.
38. وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ: ولقد خلق الله السموات السبع والأرض وما بينهما من سائر الموجودات في مدة ستة أيام وما أصاب الله من ذلك الخلق تعب ولا نصب تعالى عن ذلك فهو القوي العظيم فمن باب أول قدرته سبحانه على البعث بعد الموت.
39. فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ: فاصبر أيها الرسول على قول الكفار من التكذيب والاستهزاء فإن الله سوف يجازيهم على ذلك وصل لله مع حمدة صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وصلاة العصر قبل غروبها.
40. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ: وصل لله من الليل صلاة العشاء وصلاة الفجر وسبح بحمد الله بعد كل صلاة وجاء ذكر الصلاة مع الصبر لأنها أعظم ما يعين العبد على المصائب والمحن.
41. وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ: واستمع يوم ينادي الملك بالنفخ في القرن من مكان قريب من كل أحد.
42. يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ: يوم يسمع الناس صيحة البعث بعد الموت بالحق الذي لا ريب فيه ولا شك ذلك هو يوم خروج العباد من قبورهم للحساب.
43. إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ: إن الله يحيي الخلق بعد الموت ويميتهم في الدنيا بعدما أحياهم وإليه سبحانه يعودون ليحاسبهم على أعمالهم.
44. يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ: يوم تتصعد قبور الموتى ليخرجوا منها للحساب فيسرعوا إلى الداعي في موقف الحشر ذلك الجمع والحساب سهل على الله يسير عليه لتمام قدرته.
45. نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ: الله أعلم بما يقول الكفار من تكذيب وسخرية وما أنت أيها الرسول بمسلط عليهم لتجبرهم على الإيمان وإنما أنت مبلغ عن الله رسالته فذكر بالقرآن من يخشى الله ويحذر لقاءه لأن الذي لا يخاف الوعيد لا تنفعه الموعظة.

سورة الذاريــات
1. وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا: أقسم الله تعالى بالرياح التي تثير التراب وتنشر السحاب.
2. فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا: وأقسم سبحانه بالسحب التي تحمل حملا ثقيلا كثيرا من الماء.
3. فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا: وأقسم سبحانه بالسفن التي تسعى على ظهر البحر بسهولة ويسر.
4. فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا: وأقسم سبحانه بالملائكة التي تقسم أمر الله ورزقه بين عباده.
5. إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ: إن الذي وعدكم الله به أيها الناس من البعث بعد الموت والحساب على الأعمال واقع لا محالة لا شك فيه ولا ريب.
6. وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ: وإن يوم الجزاء على الأعمال من ثواب وعقاب لحق لا شك فيه سوف يقع كما وعد الله به.
7. وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ: وأقسم الله بأسماء ذات الشكل الجميل المحكم المتقن.
8. إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ: إنكم أيها الكفار لفي قول متناقض في كتابه وفي رسوله صلى الله عليه وسلم فلم تثبتوا على قول.
9. يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ: يصرف عن الانتفاع بالقرآن واتباع الرسول من صرف الله قلبه عن الإيمان بكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم وصرف عن فهم براهين الله والانتفاع بحججه فلم يهتد.
10. قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ: قتل الكذابون أهل الظن والريب والوهم في الحق.
11. الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ: الذين هم في لجة وظلمة من التكذيب والكفر مستمرون في الغفلة متمادون في الغواية.
12. يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ: يسأل الكفار تكذيبا واستبعادا متى يوم القيامة الذي يقع فيه حساب الناس؟
13. يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ: يوم الحساب هو يوم يعذب الكفار بالنار ويحرقون فيها.
14. ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ: ويقال للكفار في النار ذوقوا هذا العذاب الذي كنتم تستعجلون به في الدنيا وتستبطئونه.
15. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ: إن الذين اتقوا ربهم بفعل طاعته واجتناب معاصيه في بساتين كريمة وحدائق عظيمة وعيون ماء عذب جارية.
16. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ: تفضل عليهم بأنواع المسار وأصناف النعيم ومختلف ما أحبوا إنهم كانوا قبل هذا النعيم والتكريم محسنين في الدنيا بعمل الطاعات وترك المحرمات.
17. كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ: كان هؤلاء الأبرار لا ينامون من الليل إلا قليلا يصلون لربهم ويدعونه ويستغفرونه وهو التهجد.
18. وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ: وفي وقت السحر قبل الصبح يستغفرون الله لذنوبهم والأسحار أفضل وقت لاستغفار الأبرار.
19. وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ: وفي أموال الأبرار حق وصدقة نافلة لمن سأل من المحتاجين ولمن منعه الحياة من السؤال.
20. وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ: وفي الأرض براهين ظاهرة وآيات باهرة يستدل بها الموقن على قدرة الله ووحدانيته فيزداد يقينا.
21. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ: وفي خلق الإنسان براهين على عظمة الله وقدرته وحسن إتقانه تدل على وحدانيته فإن من تفكر في خلقه انبهر من عجيب قدرة الباري وازداد إيمانا.
22. وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ: وفي السماء رزق الناس مما كتبه الله وقدره في اللوح المحفوظ ومما وعد الله عباده من ثواب وعقاب وخير وشر وسراء وضراء كل ذلك مسطر مقدر.
23. فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ: أقسم الله بذاته الجليلة تقدست أسماؤه أن ما وعد الله به حق لا شك فيه واقع لا راد له فهو مثل نطفكم بالكلام الذي لا تشكون فيه.
24. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ: هل جاءك أيها الرسول خبر ضيوف إبراهيم عليه السلام الكرام على الله الذين وجدوا الكرامة عند إبراهيم.
25. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ: يوم دخلوا على إبراهيم في بيته فسلموا عليه فرد عليهم بالسلام ولم يعرفهم فهم غرباء عليه.
26. فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ: فمال إلى أهله مستخفيا فأخذ عجلا سمينا فذبحه وأنضجه.
27. فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ: فأتى بالعجل فوضعه بين أيديهم ورحب بهم متلطفا وقدمهم على الطعام قائلا ألا تأكلون؟!
28. فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ: فلما أبصرهم إبراهيم لا يأكلون طعامه وجد في نفسه خوفا منهم قالوا له لا تخف ما فنحن رسل من الله وبشروه بولد سوف يكون عالما بدين الله وهو إسحاق من زوجة إبراهيم (ساره).
29. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ: فلما سمعت سارة بشارة الملائكة لإبراهيم بولد منها جاءت إليهم وصاحت صيحة وضربت وجهها تعجبا من هذه البشرى وقالت كيف أنجب ولدا وأنا عجوز كبيرة وعقيم لا ألد؟!
30. قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ: قالت الملائكة لسارة هكذا قال ربك وقدر ذلك كما بشرناكم والله قادر على كل شىء لا يعجزه أمر إنه حكيم في تدبيره وقضائه يضع الشىء في موضعه عليه بمصالح العباد وما ينفعهم.
سورة الذاريات
31. قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ: قال إبراهيم عليه السلام للملائكة ما خبركم وما سبب إرسالكم إلى؟
32. قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ: قالت الملائكة إن الله أرسلنا إلى قوم قد كفروا بالله وتعدوا حدوده.
33. لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ: لنرميهم بحجارة من طين نضج بالإحراق متحجر وصلب.
34. مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ: على كل حجر علامة عند الله لمن تعدى حدوده بالذنوب والخطايا.
35. فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: فأخرج الله من قرية قوم لوط أهل الإيمان بالله لئلا يصيبهم العذاب.
36. فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فما كان في هذه القرية إلا بيت واحد ممن أسلم وهم بيت لوط عليه السلام.
37. وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ: وأبقى الله في هذه القرية علامة ظاهرة تدل على قدرة الله وعظمته وقهره لأعدائه وهذه عظة لمن خشي العذاب الموجع المؤلم من الله.
38. وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ: وفي إرسال الله موسى إلى فرعون والإتيان موسى بالبراهين الظاهرة والمعجزات الباهرة عبرة لمن خاف عذاب الله وعظمة لمن اتقاه.
39. فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ: فأدبر فرعون متكبرا وأعرض متجبرا مغترا بما عنده من القوة وقال عن موسى إنه ساحر غلب على عقله أو مجنون ذاهب العقل.
40. فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ: فأخذ الله فرعون وجنوده فأغرقهم في البحر وقد جاء فرعون بما يلام عليه من الكفر والتكذيب والطغيان.
41. وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ: وفي خبر عاد وتدميرهم عبر وعظات لمن تدبر إذ أرسل الله عليهم الريح التي لا خير فيها ولا نفع لا تحمل مطرا ولا تلقح شجرا.
42. مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ: ما تترك شيئا مرت عليه إلا حولته إلى حطام وهشيم.
43. وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ: وفي قصة ثمود وتدميرهم عظة للمعتبر إذ قيل لهم تمتعوا بما أنعم الله به عليكم طيلة أعماركم.
44. فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ: فأعرضوا عن دين الله وعصوا رسوله فأهلكهم الله بصاعقة العذاب وهم يرون الموت يحصدهم.
45. فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ: فما قدروا أن ينهضوا مما أصابهم من عذاب الله وما قدروا على الفرار من أمرهم وما استطاعوا الدفاع عن أنفسهم.
46. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ: وعذب الله قوم نوح من قبل من تقدم من الأمم لأنهم كانوا متعدين لحدود الله مسرفين في المعاصي.
47. وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ: والسماء رفعها الله وسواها وأتقن مبناها باقتدار وقوة وقد وسع الله خلقها وأطرافها.
48. وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ: وجعل الله الأرض فراشا للخليقة فمهدها وسواها ليستقر عليها كل مخلوق فنعم الباسط لها والممهد الله عزوجل.
49. وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ: وخلق الله من كل أنواع المخلوقات نوعين مختلفين ذكرا وأنثى لتتذكروا وحدانية الله وعظمته فالمخلوقات زوجان والله واحد بلا ثان لا شريك له ولا صاحبه ولا ولد.
50. فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ: فاهربوا أيها العباد من عذاب الله إلى رحمته بطاعته إني أري الرسول صلى الله عليه وسلم لكم أيها الناس نذير من عذاب الله واضح الإنذار ظاهر الحجة صادق القول.
51. وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ: ولا تشركوا بالله شيئا فتعبدوا إلها غيره إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد وإنذاري بين لا يخفى على أحد لتمام الحجة.
52. كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ: كما كذب الكفار محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سبقهم في التكذيب أمم كثيرة كانوا يقولون لرسلهم هذا ساحر خيل إليه أو مجنون ذاهب العقل كما فعلت قريش مع رسولنا صلى الله عليه وسلم.
53. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ: هل أوصى الأولون الآخرين بتكذيب الرسل لأنهم اتفقوا كلهم على التكذيب؟ بل هم قوم متجاوزون للحد في العصيان تشابهت قلوبهم وتوافقت أعمالهم على التكذيب والكفر فقال الآخر كما قال الأول.
54. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ: فأعرض أيها الرسول عن الكفار حتى يحل بهم ما أنذرتهم به فقد بلغت الرسالة ولا يلومك أحد.
55. وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ: ومع إعراضك عن الكفار وعدم المبالاة بتكذيبهم فاستمر في الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته فإن الموعظة يستفيد منها المؤمن فيزداد يقينا وخشية وتقوم الحجة على المعاصي.
56. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ: وما خلق الله الجن والإنس إلا لعبادته سبحانه وحده دون سواه وعدم الإشراك به وهي دعوة الرسل جميعا.
57. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ: ما خلق الله الجن والإنسان ليرزقوه سبحانه فهو رزاق كل المخلوقات ولا يريد أن يطعموني فهو يطعم ولا يطعم وهو غني عن الخلق والخلق فقراء إليه.
58. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ: إن الله وحده هو الذي يرزق كل المخلوقات قد ضمن رزقهم وهو ذو القوة المتين يقهر من حاربه ويخذل من غالبه قدير لا يعجزه شىء قوي لا يقهر ولا يغلب.
59. فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ: فإن للظالمين أنفسهم بالكفر بالله وتكذيب رسوله نصيبا من عذاب الله سوف يحل بهم مثل نصيب من وافقتهم من الأمم السابقة المكذبة فلا يستعجلون العذاب ولا يستبطئوه فالعذاب نازل بهم بلا شك.
60. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ: فدمار وهلاك وسوء عاقبة للكفار من يوم القيامة الذي وعدهم الله به في الدنيا.
سورة الطــور
1. وَالطُّورِ: أقسم الله بالطور وهو الجبل الذي كلم الله عليه نبيه موسى عليه السلام وهو في سيناء.
2. وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ: وأقسم الله بالقرآن المكتوب في الصحف المسطر في الأوراق.
3. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ: والقرآن كتب في صحف منشورة وسطر في جلود رقيقة.
4. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ: وأقسم الله بالبيت المعمور بالملائكة في السماء الذين يطوفون به كل وقت.
5. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ: وأقسم الله بالسماء التي هي على الأرض سقف مرفوع.
6. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: وأقسم الله بالبحر المملوء بالمياه أو المشتعل نارا عند قيام الساعة.
7. إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ: إن عذاب الله لواقع بأعدائه الكفار لا محالة.
8. مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ: لا يستطيع أحد أن يمنع نزول هذا العذاب بالكفار.
9. يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا: يوم تضطرب السماء وتتحرك فيختل نظامها وتنقطع أجزاؤها.
10. وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا: وتذهب الجبال هباء في الهواء وتزول عن أماكنها.
11. فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: فهلاك ودمار للكفار إذا حب لهم ذاك اليوم.
12. الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ: هؤلاء الكفار يخوضون في الباطل ويلعبون بالحق فحياتهم لهو وسخرية.
13. يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا: يوم يدفع الكفار إلى النار دفعا بغلظة مهانين أذلاء.
14. هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ: ويقال للكفار تبكيتا هذه نار جهنم أمام عيونكم ذوقوا عذابها وقد كنتم تكذبون بها في الحياة الدنيا.
15. أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ: فهل هذا العذاب سحر كما كنتم تزعمون أن القرآن في الدنيا سحر أم أنتم لا ترون رؤية حقيقية.
16. اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: ذوقوا حر النار أيها الكفار فاصبروا على حر النار وسمومها وحميمها أو لا تصبروا فلن يرفع عنكم العذاب ولن تخرجوا من النار فصبركم وعدمه سيان وهذا عقاب ما فعلتموه في الدنيا من كفر وتكذيب وما الله بظلام للعبيد.
17. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ: إن الأتقياء في جنات ونعيم ومسرة وتكريم بجوار رحمن رحيم.
18. فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ: يتفكهون بما من الله عليهم من سائر أنواع المسار والمحاب واللذائذ وأنقذهم الله من عذاب النار لأنهم آمنوا بالواحد القهار واتبعوا النبي المختار.
19. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: كلوا أيها الأبرار في الجنة طعاما هنيئا واشربوا شرابا لذيذا ثوابا على أعمالكم الصالحة في الدنيا.
20. مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ: والأبرار متكئون في الجنة على سرر متقابلة لزيادة النعيم وزوجهم الله نساء جميلات بيضا واسعات العيون في حور وحسن.
21. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ: والمؤمنون ومن اقتدى بهم ووافقهم من ذريتهم في الأعمال جمعهم الله في الجنة بذريتهم ورفعهم معهم في درجتهم وإن لم يصلوا إلى عمل آبائهم لينعم الجميع بالاجتماع في منزل واحد وما بخس الله أحدا منهم من ثواب عملهم بل وفاهم وزادهم وكل إنسان مرهون بما عمل لا يحاسب على جرم غيره.
22. وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ: وزادهم الله على ما سبق من النعيم فواكه ولحوم طرية شهية لذيذة مما تحبه النفوس وتستلذ به.
23. يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ: ومن إنعام الله لعباده في الجنة أنهم يتداولون بينهم كأس الخمر يدور عليهم في أنس وبهجة ليعظم تنعمهم وهذا الخمر لا يزيل العقل ولا يحصل به لغو في الكلام وهذر في القول ولا معصية في شربه كخمر الدنيا.
24. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ: ويطوف على الأبرار في الجنة غلمان يقومون على خدمتهم كأنهم في البهاء والصفاء والتناسب والبياض لؤلؤ مصون في الأصداف محفوظ من الأيدي.
25. وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ: واقبل الأبرار المنعمون في الجنة بعضهم على بعض يتساءلون فيما بينهم لزيادة النعيم عن سبب هذا التكريم.
26. قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ: قالوا إنا كنا من قبل هذه الحياة في حياتنا الدنيا ونحن بين أهلنا نخاف من الله ونشفق من عذابه فنعمل بطاعته ونترك معصيته.
27. فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ: فتفضل الله علينا بمنه وكرمه فحمانا من عذاب سموم جهنم وهو سعيرها وشدة حرها.
28. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ: إنا كنا في الدنيا قبل هذا اليوم ندعو الله وحده ولا نشرك به شيئا ونعبده مخلصين له الدين أن ينقذنا من الجحيم ويدخلنا جنات النعيم فاستجاب الله لنا وأعطانا ما سألنا إن الله هو البر المتفضل على عباده بأنواع الألطاف الذي سح جوده على عباده الرحيم بهم الذي وفقهم لدخول جنته ونجاهم من النار.
29. فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ: فذكر أيها الرسول قومك بالقرآن وعظهم به فما أنت بما أنعم الله عليك به من الرسالة والحكمة والعلم النافع ورجاحة العقل بكاهن يخبر الناس بما سوف يأتي بلا علم بل بالظن وما أنت بمجنون ذاهب العقل لا يدري ما يقول.
30. أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ: أم يقول الكفار إن النبي المختار شاعر ننتظر به الموت لتموت معه دعوته.
31. قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ: قل لهم أيها الرسول انتظروا موتي وأنا أنتظر موتكم وترقبوا وفاتي فأنا أترقب عذاب الله فيكم وسوف تعلمون لمن العاقبة الحميدة.
32. أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ: بل إن عقول هؤلاء الكفار تأمرهم بهذا القول المتناقض فكيف تجمع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد في وقت واحد ولكنهم مسرفون في الطغيان متجاوزون الحد في العصيان.
33. أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ: بل يقول الكفار إن الرسول صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه بل القوم مكذبون لا تصديق لديهم ولو صدقوا بالرسالة ما قالوا هذا القول.
34. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ: فليأت الكفار بكلام مثل القرآن في بيانه وفصاحته إن كانوا صادقين أن الرسول صلى الله عليه وسلم افترى القرآن.
35. أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ: هل خلق الكفار من غير خالق وموجد لهم أم أنهم هم خلقوا أنفسهم؟ وهذا ليس بصحيح فلم يخلقهم العدم ولم يخلقوا أنفسهم والصحيح أن الله وحده هو الذي خلقهم فيجب أن يعبد وحده لا شريك له.
36. أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ: أم خلق الكفار السموات والأرض على هذا الاتقان العجيب؟ بل الكفار لا يوقنون بقدرة الله ووحدانيته فكفروا بالله.
37. أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ: أم عند الكفار خزائن الله من الأرزاق والمواهب فهم يتصرفون فيها؟ والواقع أنهم لا يملكون شيئا أم هم أهل القوة والسلطة في العالم فلهم الغلبة والجبروت؟ وليس هذا بصحيح بل هم عاجزون ضعفاء والله القوي الجبار.
38. أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ: أم للكفار سلم يصعدون فيه يستمعون إلى الوحي فيجدون ما يؤيد باطلهم من الوحي فليأت من يدعي ذلك من الكفار بدليل قاطع يصدق دعواه.
39. أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ: أم لله تعالى البنات وأنتم لكم الأبناء كما تدعون ذلك كذبا وزورا.
40. أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ: أم تسأل أيها النبي الكفار أجرة على تبليغ دعوتك فهم في حرج ومشقة من تكاليف دفع الغرامة التي تطالبهم بها؟
41. أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ: أم عند الكفار علم الغيب فهم يكتبون ذلك ويسطرونه لإعلام البشر به؟ وهذا كذب منهم فلا يعلم الغيب إلا الله.
42. أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ: بل يريد الكفار الكيد للرسول صلى الله عليه وسلم والمكر به فسوف يعود مكرهم وكيدهم على أنفسهم.
43. أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ: أم للكفار إله يستحق العبادة غير الله؟ تقدس الله وتعالى عن شرك الكفار فليس له شريك في الخلق ولا شريك في الألوهية فهو المعبود وحده.
44. وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ: وإذا شاهد الكفار قطعا ساقطا عليهم بالعذاب من السماء فلن يتوبوا من شركهم وإنما يقولون هذا سحاب متراكم بعضه فوق بعض وليس بعذاب.
45. فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ: فاترك أيها الرسول الكفار حتى يلاقوا يوم القيامة وهو يوم هلاكهم وتعذيبهم.
46. يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ: وفي يوم القيامة لا ينفع الكفار كيدهم ولا تدبيرهم ولا يدفع عنهم عذاب الله ولا ينصرهم ناصر من دونه.
47. وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ: وإن للكفار عذابا يذوقونه في حياتهم الدنيا قبل يوم القيامة من القتل والأسر والذل والمصائب وعذاب القبر وغير ذلك ولكن أكثر الكفار يجهلون ذلك.
48. وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ: واصبر أيها الرسول لما حكم الله وأمر به من إرسالك إلى هؤلاء الكفار وما تجده من أذى وسخرية وكيد فإنك بمرأى من الله وحفظ ورعاية وتأييد وسبح بحمد ربك حين تقوم إلى الصلاة وحين تقوم من النوم.
49. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ: وسبحه أيضا من الليل في التعهد وغيره وعند اختفاء النجوم وهو وقت صلاة الفجر فإن التسبيح وعموم الذكر يعينان الإنسان على أعباء الحياة.

سورة النْجــــم
1. وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى: أقسم الله بالنجم إذا سقط من مكانه وفارق محله أو غاب بعد طلوعه.
2. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى: ما انحرف الرسول صلى الله عليه وسلم عن الهدى وحاد عن الرشاد فهو على الحق ومع الحق فهو على استقامة تامة وعلى صراط مستقيم وسداد عظيم.
3. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى: وما يتكلم من عند نفسه ما يشتهي أن يقول بل كلام وحي من الله تعالى.
4. إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى: وما القرآن والسنة إلا وحي أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وليس كلام بشر.
5. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى: علم جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل ملك عظيم القوة شديد البطش.
6. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى: وجبريل صاحب منظر حسن وصورة بهية وقد بدا للرسول صلى الله عليه وسلم ظهر واستوى على صورته التي خلقه الله عليها.
7. وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى: استوى جبريل وظهر في أفق السماء الأعلى عند طلوع الشمس.
8. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى: ثم اقترب جبريل من الرسول صلى الله عليه وسلم وزاد في القرب.
9. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: فصار قرب جبريل من الرسول صلى الله عليه وسلم مسافة قوسين أو أقرب من ذلك.
10. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى: فأوحى الله إلى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم ما أوحاه من القرآن عن طريق جبريل عليه السلام وفي هذا تعظيم الوحي المنزل.
11. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى: ما كذب قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ما رأته عيناه.
12. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى: أتجادلون الرسول صلى الله عليه وسلم وتردون ما جاء به على ما أبصره وشاهده من آيات الله؟
13. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى: ولقد شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم جبريل مرة ثانية على هيئته الملائكية عند سدرة المنتهي وهي شجرة النبق في السماء السابعة.
14. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى: وهي نهاية ما يصعد من الأرض إلى السماء وما ينزل من فوقها إليها.
15. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى: عند سدرة المنتهى جنة المأوى التي يأوي إليها الأبرار.
16. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى: إذ يعلو على السدرة من أمر الله شىء عظيم لا يصفه الواصفون ولا يعرف عظمته إلا الله وحده.
17. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى: ما مال بصر الرسول صلى الله عليه وسلم عن محل نظره وما تجاوز المحل الذي نظر إليه بل كان بصره نافذا وقلبه ثابتا.
18. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى: لقد شاهد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج آيات كبيرة تدل على قدرة الله وعظمته مثل الجنة والنار وغير ذلك.
19. أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى: أخبروني أيها الكفار عن هذه الأصنام التي تعبدونها مثل اللات والعزى هل تنفع أم تضر؟ وهو سؤال إنكار.
20. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى: وكذلك صنم مناة الثالثة بعد اللات والعزى هل لها نفع أو ضر حتى تعبد من دون الله؟ وهذا إنكار على من عبدها.
21. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى: أتجعلون أيها الكفار الذكر من الأولاد لكم ومن نصيبكم وتنسبون الأنثى إلى الله بزعمكم وأنتم لا ترضونها لأنفسكم.
22. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى: هذه القسمة منكم في جعل البنين لكم والإناث لله قسمة جائرة ظالمة.
23. إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى: ما هذه الأصنام والأوثان إلا أسماء ليس لها حقيقة فليس فيها من أوصاف الكمال والقدرة والعظمة شىء إنما هي مجرد أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ظلما وزورا بدافع الهوى وتزيين الشيطان ما أنزل الله بها من برهان يصدق ما ذهبتهم إليه من الدعوى الباطلة وما يتبع هؤلاء الكفار إلا الظن الكاذب وهوى النفس الأمارة بالسوء المنحرف عن الهدى ولقد جاءكم الهدى من الله عن طريق رسوله المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم فاتبعوه تهتدوا.
24. أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى: هل للإنسان ما تمنته نفسه وأملاه هواه من مثل شفاعة هذه الأصنام والأوثان وغير ذلك؟ إنما الأمر لله.
25. فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى: فأمر الدنيا والآخرة لله وهو الذي يحكم ويفصل بما أراد فيثيب المصيب ويعاقب الكفار الكاذب.
26. وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى: وكثير من ملائكة السماء مع ارتفاع مرتبتهم وعلو قدرهم لا تنفع شفاعتهم أحدا إلا إذا أذن الله لهم في الشفاعة ورضي عن المشفوع له.
27. إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأنْثَى: إن الذين لا يصدقون بيوم القيامة ولا يعملون لهذا اليوم من الكفار هؤلاء يسمون الملائكة تسمية الإناث لاعتقادهم أن الملائكة إناث وأنهم بنات الله وهذا من جهلهم وسفههم.
28. وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا: وليس للكفار علم ولا دليل بما ادعوه من أن الملائكة إناث ولكنهم يتبعون الظن الكاذب الذي لا يدل على هدى ولا يوصل إلى علم ولا يقوم مقام الحق.
29. فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا: فاهجر من أعراض عن الهدى وهجر القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه وليس له مراد ولا مقصد إلا الحياة الدنيا الفانية.
30. ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى: وحبهم للدنيا واشتغالهم بها هو غاية مقصودهم ومنتهى مطالبهم لسقوط هممهم وانحطاط نفوسهم إن الله أعلم بمن انحرف عن الهدى وهو أعلم بمن اهتدى ولزم طريق الاستقامة واتبع الحق.
31. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى: ولله وحده ما في السموات والأرض فهو المدبر المتصرف فيهما وهو الذي يعاقب المسيئين على أعمالهم القبيحة ويثيب المحسنين على إحسانهم بجنات النعيم.
32. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى: وهؤلاء المحسنون هم من يتركون كبائر الذنوب والمعاصي والفواحش إلا اللمم وهي الذنوب الصغار التي لا يصر عليها من اقترفها أو يلم بها الإنسان على سبيل الندرة فإذا أتى العبد بالواجبات واجتنب المحرمات غفرها الله له وتجاوز عنه وسترها عليه فإن الله كثير العفو والصفح واسع المغفرة وهو أعلم بطبيعة العباد حين خلق أباهم آدم من تراب وحين كانوا أجنة في بطون الأمهات وهذا يدل على ضعف الإنسان ومظنة صدور الذنب عنه والتقصير فلا تزكوا أيها الناس أنفسكم فتثنوا عليها بالتقوى وتصفوها بالاستقامة والله وحده هو العالم بالمتقي حقيقة المطلع على ما أسره العبد وأظهره فالواجب ترك تزكية النفس ولزوم الانكسار والاستغفار بين يدي العزيز الجبار.
33. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى: أفرأيت أيها الرسول الذي أدبر عن الإيمان وأعرض عن طاعة الرحمن ما أجهله وما أشد غفلته.
34. وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى: وانظر إلى هذا المعرض كيف أعطى القليل من المال ثم قطع عطاءه وبخل بمعروفه وأمسك عن الإحسان ما أشد شحه.
35. أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى: هل لدى هذا البخيل المعرض المانع معرفة من علم الغيب يدل على أنه سوف ينتهي ما عنده من الخير حتى يمنع الناس إحسانه فهو يشاهد ذلك بعينيه؟ وهذا ليس بصحيح فهو لم يطلع على علم الغيب وإنما منعه البخل من الإنفاق وحمله الشح على الإمساك.
36. أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى: أم لم يخبر بما جاء في التوراة التي أتى بها موسى.
37. وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى: أم لم يخبر بما جاء في الصحف التي أتى بها إبراهيم الذي وفى بما أمره الله به ودعا إليه وبلغه الناس.
38. أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى: أنه لا تحاسب نفس بذنب سواها ولا يحمل أحد جرم غيره فكل مسؤول عما فعل لا ما فعل الآخر.
39. وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى: وأنه لا يكتب للعبد من الثواب إلا ما فعله أو تسبب في فعله كالولد والعلم والصدقة الجارية ونحوها.
40. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى: وأن سعي الإنسان سوف يظهر يوم القيامة فيبدو الخير من الشر فيثاب على الحسن ويعاقب على السىء.
41. ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى: ثم يجازي الله الإنسان على عمله الجزاء التام الكامل على كل ما عمل.
42. وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى: وإن إلى ربك عزوجل نهاية كل مخلوق وخاتمة كل عمل وعودة كل شىء.
43. وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى: وأنه سبحانه أضحك من أراد من عباده بإسعاده وأبكى من شاء من الناس بالأحزان والغموم فهو خالق أسباب الانبساط والانقباض.
44. وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا: وأن الله سبحانه أمات من حان موته من عباده بقبض روحه وأحيا من أراد حياته بنفخ الروح فيه وهو في بطن أمه وإعادته بعد الموت فله وحده الإحياء والإماتة.
45. وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى: وإن الله خلق الزوجين من كل الأحياء الذكر والأنثى ليبقى النوع وتستمر الحياة ويعمر الكون.
46. مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى: خلق الزوجين من نطفة من منى الذكر يصب في رحم الأنثى.
47. وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى: وأن على الله إعادة الخلق بعد الموت بإحيائهم وإخراجهم من قبورهم وهي النشأة الأخرى.
48. وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى: وأنه أغنى سبحانه من شاء من العباد بالأموال وملكهم إياها وأرضاهم بها وإقناعهم بما رزقهم.
49. وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى: وأنه سبحانه رب الشعرى النجم البعيد العالي المضئ وكان الكفار يعبدونه من دون الله.
50. وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى: وأن الله دمر عادا الأولى لما كذبوا فأبادهم وأفناهم.
51. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى: وأهلك سبحانه ثمود قوم صالح وأخذهم بعذاب شديد.
52. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى: وأهلك الله قوم نوح من قبل هؤلاء الأقوام فقد كانوا أشد عصيانا وأعظم ذنوبا وتمردا ممن أتى بعدهم.
53. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى: وقرى قوم لوط المنقلبة دمرها الله وأبادها وأهلك أهلها وقلبها عليهم.
54. فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى: فأمطرها ما أمطرها من الحجارة وألبسها ما ألبسها من العذاب.
55. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى: فبأي نعمة من نعم الله عليك أيها الإنسان تشك وكل نعمة صغيرة أو كبيرة؟ فمن الله وحده فله الحمد على نعمه.
56. هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى: هذا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم نذير من عند الله برسالة مثل المرسلين قبله فليس ببدع من الرسل بل سبقه كثيرون.
57. أَزِفَتِ الآزِفَةُ: قربت الساعة ودنت القيامة وحان وقتها.
58. لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ: لا يردها أحد من دون الله ولا يعلم قيامها إلا الله ولا يكشف هولها عن أحد إلا الواحد الأحد.
59. أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ: افمن هذا القرآن تتعجبون أيها الكفار وتشكون في صحته وهو حق من عند الله؟
60. وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ: وتضحكون أيها الكفار من القرآن استهزاء وسخرية ولا تبكون من وعده شوقا ولا من وعيده خوفا.
61. وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ: وأنتم لاهون في دنياكم معرضون عن التذكر غافلون عن الموعظة.
62. فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا: فاسجدوا لله واخلصوا له الطاعة وانقادوا لأمره واخضعوا لعظمته سبحانه.

سورة القمـــر
1. اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ: قربت القيامة ودنا وقتها وانفلق القمر فلقتين وذلك حينما طلب الكفار من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يريهم علامة فدعا ربه فشق له القمر.
2. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ: وإن يشاهد الكفار علامة وبرهانا على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم يعرضوا عن الإيمان والقرآن ويقولوا هذا سحر باطل ذاهب لا يستقر سوف يضمحل ويتلاشى.
3. وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ: وكذب الكفار الرسول صلى الله عليه وسلم واتبعوا هوى نفوسهم الأمارة بالسوء فضلوا عن الهدى وكل أمر من صلاح أو فساد نازل بأهله يوم الحساب من ثواب وعقاب.
4. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ: ولقد أتى الكفار من أخبار من سبقهم من المكذبين وما وقع بهم من عقاب ما فيه عظة لهم وعبرة لو انتفعوا بها.
5. حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ: هذا القرآن حكمة بلغت غايتها في البيان والبرهان والزجر ولن تنفع النذر قوما أعرضوا عن العظة ولم ينتفعوا بالدليل.
6. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ: فاهجر الكفار أيها النبي وارتقب يوم القيامة يوم يدعو الداعي إلى موقف عصيب وأمر مهول فظيع ومقام منكر مخيف.
7. خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ: ذليلة أبصار الكفار من الذل والصغار يخرجون من قبورهم كأنهم الجراد المنتشر في انتشار وسرعتهم للحساب.
8. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ: مسرعين إلى الموقف الذي دعاهم الله إليه يقل الكفار هذا يوم عصيب عسير مخيف.
9. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ: كذبت قبل كفار مكة قوم نوح نوحا عبدالله ورسوله وقالوا عن نوح إنه مجنون ذاهب العقل وزجروه وانتهروه وتوعدوه وهددوه.
10. فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ: فدعا نوح ربه أني يا رب ضعيف أمام تهديد الكفار فانتصر لي منهم بإنزال النكال بهم على ما فعلوه.
11. فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ: فأجاب الله دعاء نوح وفتح أبواب السماء بماء غزير يتدفق في قوة وإنصباب.
12. وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ: وشقق الله الأرض عيونا تنبع بالماء فاجتمع ماء السماء وماء الأرض على تدميرهم الذي قدره الله وكتبه عقابا على كفرهم.
13. وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ: وحمل الله نوحا ومن معه على سفينة لها ألواح ومسامير شدت بها فصارت قوية متماسكة.
14. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ: تسعى السفينة بمرأى من الله وحفظه ورعايته وأهلك الله الكفار عقابا على كفرهم وانتصارا لنوح الذي كذبه قومه وفيه إثبات صفة العينين لله تعالى كما يليق به سبحانه.
15. وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: ولقد أبقى الله قصة نوح وقومه علامة وبرهانا على عظمة الله وتمام قدرته ووحدانيته يتفكر فيها كل من جاء بعد نوح فهل من متعظ ومعتبر ينتفع بالعظات والعبر؟
16. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ: فكيف كان عذاب الله وإنذاره لمن حاربه وكذب أنبياءه ولم يؤمن بما أرسل به رسله؟ لقد كان عذابا شديدا وإنذارا عظيما.
17. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: ولقد سهل الله القرآن لفظا ومعنى للحفظ والتلاوة والتدبر والفهم والعمل فهل من متعظ بمواعظه ومعتبر بما فيه؟
18. كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ: كذبت عاد رسولها هودا فأهلكهم الله فانظر كيف كان عذاب الله لهم على كفرهم وتكذيب رسولهم لقد كان عذابا شديدا مؤلما.
19. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ: إن الله أرسل على عاد ريحا قوية شديدة البرودة في يوم نحس وشقاء دائم العذاب مستمر الهلاك.
20. تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ: تقتلع الناس من أماكنهم وترمي بهم على رؤوسهم فتفلق هاماتهم وتدق أعناقهم وتفصل الجماجم عن الأكتاف فتدعه كالنخل المنقلع من أصله المنطرح.
21. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ: فكيف كان عذاب الله لعاد ونذره لمن كذب رسله؟ لقد كان شديدا مؤلما موجعا.
22. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: ولقد سهل الله القرآن لفظا ومعنى للحفظ والتلاوة والتدبر والفهم والعمل فهل من متعظ بزواجره منتفع بعبره؟
23. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ: كذبت ثمود رسولهم صالحا وبالآيات التي أرسل بها.
24. فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ: فقالت ثمود كيف نتبع إنسانا مثلنا لا ميزة له علينا وهو منا يساوينا وهو واحد ونحن جماعة كثيرة؟ إنا لو اتبعناه لفي بعد عن الحق وجنون يذهب العقول.
25. أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ: كيف أنزل الوحي على صالح وامتاز بالنوبة علينا وهو بشر مثلنا؟ بل هو كذاب في قوله متجبر في فعله يقول الكذب ويفعل الشر وقد كذبوا بل هو نبي كريم وهم كذبة أشرار.
26. سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ: سوف يظهر لهم إذا حل بهم العقاب في الدنيا والآخرة من الكذاب الشرير المتجبر.
27. إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ: إن الله مخرج الناقة التي طلبوها من الصخرة امتحانا لهم فانتظر يا صالح ما سوف يقع بهم من العقاب واصبر على إبلاغ الرسالة وعلى ما يؤذونك به.
28. وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ: وأخبر قومك أن الماء مقسوم بينهم وبين الناقة للناقة يوم ولهم يوم كل يوم يحضره من له شرب الماء ويحظر على من ليس له شرب في ذلك اليوم فلا يحضر.
29. فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ: فدعا قوم ثمود صاحبهم وحضوه على عقر الناقة فتناول الناقة بيده فنحرها.
30. فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ: فعذبهم الله بسبب عقر الناقة فانظر ما أشد عذاب الله وما أقساه حين زل بالعصاة.
31. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ: إن الله أرسل على ثمود صيحة واحدة فدمرتهم وأبادتهم جميعا فكانوا بعد الهلاك كالزرع اليابس الذابل الذي جعل حاجزا على البهائم.
32. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: ولقد سهل الله القرآن لفظا ومعنى حفظا وتلاوة وتدبرا وفهما وعملا فهل من متعظ بزواجره ومنتفع بأحكامه؟
33. كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ: كذبت قوم لوط نبي الله لوطا وقد جاءهم بآيات الله وأنذرهم بها فكفروا بتلك الآيات.
34. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ: إن الله أرسل على قوم لوط حجارة قذفهم بها فمزقتهم ونجى الله منها آل لوط في آخر الليل.
35. نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ: فضلا من الله على آل لوط حينما نجاهم من العذاب وكما أنعم الله على آل لوط ومن آمن من أهله ينعم الله على كل من يشكره بعبادته وحده سبحانه.
36. وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ: ولقد خوف لوط قومه أخذ الله وانتقامه فشكوا في ذلك واستهانوا بما قال.
37. وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ: ولقد حاولوا أن يفعلوا الفاحشة بضيوف لوط من الملائكة فطمس الله أبصارهم مثلا أعمى بصائرهم فذوفوا أيها الكفار عذاب الواحد القهار.
38. وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ: ولقد أتاهم وقت الصباح الباكر عذاب عظيم استقر فيهم ودام حتى أوصلهم إلى عذاب النار وهو قذفهم بالحجارة واقتلاع قراهم.
39. فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ: فذوقوا أيها الفجار عذاب الواحد القهار لأنكم قابلتم دعوة لوط بالإنكار وكذبتم بالإنذار.
40. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: ولقد سهل الله لفظ القرآن ومعناه للتلاوة والحفظ والفهم والعمل والتدبر لمن أراد أن يتذكر فهل من متعظ بالقرآن؟
41. وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ: ولقد جاء فرعون وقومه تخويف الله لهم بالعذاب على تكذيبهم على لسان موسى عليه السلام.
42. كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ: لقد كذب فرعون وقومه ببراهين الله والمعجزات التي أتى بها موسى كلها فعاقبهم الله أشد العقاب عقاب عزيز يذل من حاربه ويقهر من غالبه مقتدر على ما أراد لا مانع لحكمه ولا راد.
43. أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولائِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ: أكفار مكة أفضل ممن تقدم من الكفار حتى لا ينالهم عذاب الله أم أن الله أنزل براءة لهم من عذابه في الكتب السابقة فهم في أمان من أخذه عز وجل؟
44. أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ: بل يقول الكفار نحن أصحاب رأي وعزيمة وحزم في الأمور وأمرنا مجتمع ومنتصرون على من حاربنا نغلب من غالبنا.
45. سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ: سيغلب جمع الكفار أمام جند الله من الملائكة والمؤمنين وسوف يفرون من المعركة ويعطون ظهورهم جند الله وقد حصل هذا في غزوة بدر.
46. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ: يوم القيامة موعدهم الذي يحاسبون فيه على ما عملوا ويوم القيامة أعظم عذابا وأشد ألما وأقسى عقوبة من عذاب يوم بدر.
47. إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ: إن الفجار بعيدون عن الصواب وفي تيه عن الرشاد وفي عناء وشقاء وبأساء.
48. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ: يوم يجر الفجار في النار على وجوههم ويقال لهم ذوقوا حرارة الجحيم وشدة العذاب الأليم.
49. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ: إن الله خلق كل شىء وقدره بقضاء سابق وعلم وكتابة فلا يقع في الكون شىء إلا بتقدير الله عزوجل.
50. وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ: وما أمر الله لأمر أراده وما قضاؤه لشىء قضاه إلا أن يقول مرة واحدة كن فيكون بإذن الله كلمح البصر في سرعته لا يتأخر طرفة عين لتمام القدرة.
51. وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ: ولقد أهلك الله بالعذاب أشباه الكافرين من الأمم السابقة فهل من معتبر بما نزل بهم من العذاب فيؤمن ويعود إلى ربه بطاعته؟
52. وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ: وكل شىء عمله من تقدم من الأقوام محفوظ مكتوب من حسن وقبيح في كتب سطرتها الملائكة الحفظة.
53. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ: وكل أمر صغير أو كبير من أفعال العباد مكتوب في صحائف الأعمال وسوف يجزون به إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
54. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ: إن الأتقياء في بساتين غناء وحدائق فيحاء وأنهار عذبة جارية تحت القصور والأشجار.
55. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ: في مجلس حق لا لغو فيه ولا إثم ولا صخب فيه ولا نصب بل أمان وسلام وسرور وإكرام عند الله الملك العظيم البر الرحيم القدير على كل شىء لا يعجزه أمر ولا يفوته مطلوب.

سورة الرحمن
1. الرَّحْمَنُ: الرحمن سبحانه الذي وسعت رحمته كل شىء وهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما.
2. عَلَّمَ الْقُرْآنَ: علم الإنسان القرآن فسهل عليه حفظه وتلاوته وفهمه والعمل به.
3. خَلَقَ الإِنْسَانَ: خلق الله الإنسان بعد أن لم يكن شيئا مذكورا إذ خلق آدم من تراب.
4. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ: والله علم الإنسان البيان باللسان عما يدور في الجنان فميزه عن غيره.
5. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ: والله خلق الشمس والقمر يجريان بحساب دقيق وتوقيت متقن لا يختلف ولا يضطرب.
6. وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ: ونجوم السماء وشجر الأرض تعرف ربها وتسجد له سجود طاعة وانقياد وخضوع وهي مسخرة بإذن الله لمصالح الناس ومنافعهم.
7. وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ: والله رفع السماء وأعلى سقفها فوق الأرض وأنزل في الأرض العدل الذي أمر الناس به وفرضه على عباده في الحقوق والحدود والأشياء والعلوم وغير ذلك.
8. أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ: لأجل أن لا تتجاوزوا الحدود وتعتدوا على الناس وتجوروا إذا وزنتم لأحد بل لتعدلوا.
9. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ: وأقيموا الوزن بالعدل فخذوا الحق وأعطوه لا ضرر ولا ضرار ولا تنقصوا الوزن إذا وزنتم لغيركم.
10. وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ: والله سوى الأرض وبسطها ومهدها لخلقه لتقوم الحياة على ظهرها.
11. فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ: والله خلق في الأرض فاكهة لذيذة ونخلا ذا أوعية فيها طلعه وثمره من رطب وتمر.
12. وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ: وخلق الله الحب في قشره من زرع أخضر يحصد قوتا لكم ولأنعامكم وخلق كل نبت طيب الرائحة من أنواع الأزهار والورود.
13. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكم الدينية والدنيوية والظاهرة والباطنة يا معشر الجن والإنس تكذبان؟ وما أجمل جواب الجن لما سمعوا هذه السورة من الرسول صلى الله عليه وسلم فكلما سمعوا هذه الآية قالوا ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد فعلى المسلم إذا سمع بنعم الله وتذكرها أن يحمد رب عليها.
14. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ: خلق الله آدم أبا الناس جميعا من طين يابس كالفخار الذي طبخ طينه وعملت منه الآنية.
15. وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ: وخلق الله إبليس وهو من الجن من لهب النار وهو مزيج من شعلة النار ودخانها.
16. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما يا معشر الإنس والجن تكذبان؟ ولا شىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
17. رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ: والله هو رب مشرقي الشمس صيفا وشتاء ورب مغربيها فيهما فالكل تحت حكمه وتصرفه جل شأنه فهو رب الزمان والمكان.
18. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان وهو المنعم وحده له الحمد؟
19. مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ: مزج الله ماء البحرين العذب والمالح يلتقيان.
20. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ: بينهما حاجز لا يغلب أحدهما على خصائص الآخر بل كل واحد منهما محتفظ بما أودع الله فيه فيبقى العذب عذبا والمالح مالحا ولو تلاقيا.
21. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا شىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
22. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ: يخرج من البحرين العذب والمالح بقدرة الله اللؤلؤ والمرجان وفيهما زينة للناس ومنافع.
23. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
24. وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ: ولله وحده السفن الكبيرة التي تسعى على ظهر الماء بما ينفع الخلق مرتفعة قلاعها منصوبة أشرعتها كالجبال.
25. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
26. كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ: كل من على وجه الأرض من الأحياء مميت.
27. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ: ويبقى وجه ربك ذو العظمة والمجد والكبرياء والجبروت والجلال فهو حي لا يموت سبحانه وفي الآية ثبات صفة الوجه له بما يليق بجلاله سبحانه.
28. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
29. يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ: يسأل كل من في السموات والأرض من المخلوقات حاجاتهم من الله وحده فهم فقراء إليه ورزقهم على الله فلا يستغني أحد منهم عن الله طرفة عين كل يوم هو في شأن يرفع ويضع ويعز ويذل ويعطي ويمنع ويهدي ويضل.
30. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
31. سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ: سيفرغ الله لحسابكم على ما فعلتموه في دنياكم أيها الثقلان فيثيب الطائع ويعاقب العاصي وسوف يجد كل عامل ما عمل أمامه.
32. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد.
33. يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ: يا معشر الجن والإنسان إن قدرتم على النفاذ من أمر الله والهروب من حكمه ففروا من أقطار السموات والأرض ولستم بمستطيعين فالكل في حكمه وتحت سلطانه وتصرفه ولا تقدرون على النفاذ إلا بقوة وحجة وإذن من الله وكيف يحصل لكم ذلك وأنتم عباد ضعفاء مقهورون.
34. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نذب فلك الحمد.
35. يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ: يرسل الله عليكم أيها الجن والإنس لهبا من نار ونحاس مذاب يصب على رؤوسكم فلا يدفع بعضكم عن بعض العذاب لتمام قوة الله وسلطانه وعجزكم وضعفكم.
36. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيه الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
37. فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ: فإذا تصدعت السماء وتفتحت أبوابا يوم القيامة فصارت حمراء كلون الورد الأحمر كالزيت الحار المغلي والرصاص المذاب المنصهر من شدة الهول ومن عظيم الكرب وفداحة الخطب.
38. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
39. فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ: ففي يوم القيامة لا تسأل الملائكة الفجة من الإنس والجن عن سيئاتهم أو أنه موقف من مواقف الحشر لا يسأل فيه أحد وإنما يسال في موقف آخر.
40. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
41. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ: تعرف الملائكة الفجار بعلامات الفجور الظاهرة عليهم فتأخذهم بمقدمة رؤوسهم وبأقدامهم فترميهم في نار جهنم.
42. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
43. هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ: يقال للفجرة في النار توبيخا لهم هذه هي جهنم التي كان يكذب بها الفجار في الدنيا.
44. يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ: مرة يعذبون في الجحيم ومرة يسقون من الحميم وهو شراب بلغ الغاية في الغليان يقطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء.
45. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
46. وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ: ولمن اتقى الله فعمل بطاعته واجتنب معصيته جنتان.
47. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما ايها الثقلان تكذبان ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
48. ذَوَاتَا أَفْنَانٍ: من اتقى ربه له جنتان ذواتا أغصان لينة خضرة نضرة من الفواكه والثمار.
49. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
50. فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ: في الجنتين عينان من الماء العذب الزلال الجاري تحت القصور والأشجار.
51. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما ايها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
52. فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ: في هاتين الجنتين من كل صنف من أصناف الفواكه نوعان.
53. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
54. مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ: ولمن اتقى الله جنتان أهلها متكئون على فرش مبطنة من غليظ الديباج وثمر الشجر في الجنتين قريب لمن يتناوله من أهل الجنة.
55. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فباي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
56. فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ: في هذه الفرش نساء قاصرات عيونهن على أزواجهن لا يتطلعن إلى سواهم وإنما تعلقهن بأزواجهن لم يجامعهن إنس قبل أزواجهن ولا جان.
57. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
58. كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ: مثل هؤلاء النساء في الحسن والجمال مثل الياقوت والمرجان حيث جمعن مع البهاء صفاء.
59. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
60. هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ: هل جاء من أحسن في عمله في دنياه إلا الإحسان له من ربه يوم يلقاه بأن يجعل الجنة مأواه.
61. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
62. وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ: ومن دون الجنتين السابقتين جنتان أخريان أقل منهما في الجودة والحسن مع أن موطن سوط فيهما خير من الدنيا وما عليها.
63. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
64. مُدْهَامَّتَانِ: هاتان الجنتان شديدة النضرة والاخضرار قد عظم هذا الاخضرار حتى شابه السواد.
65. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
66. فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ: في الجنتين عينان جاريتان فوارتان تتدفقان بالماء العذب لا تجفان.
67. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشيء من آلائك ربنا نكب فلك الحمد.
68. فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ: في الجنتين صنوف الفواكه مع النخل الباسق بطلعه انضيد والرمان اللذيذ.
69. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
70. فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ: في هذه الجنات نساء حسان الأخلاق جميلات الوجوه طيبات فاضلات.
71. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
72. حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ: نساء جميلات واسعات العيون مصونات في خيام الجنة لا ينظرن لغير أزواجهن.
73. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فباي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
74. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ: لم يطأ هؤلاء النساء الجميلات إنس قبل أزواجهن ولا جان بل هن أبكار.
75. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
76. مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ: أصحاب الجنة متكئون على وسائد ذوات أغطية خضر وفرش وثيرة لينة جميلة.
77. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ: فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟ ولا بشىء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
78. تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ: تكاثرت نعم الله وكثر فضل الله وعم خيره ذو العظمة الباهرة والقوة الظاهرة والمجد العظيم والجلال الدائم والإكرام لأوليائه.
سورة الواقعـــة
1. إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ: إذا حانت الساعة وقامت القيامة وهي أكبر واقعة تقع في الكون.
2. لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ: ليس لوقوع القيامة أحد يكذب بها إذا وقعت فإنها تغشى الأبصار وتضطرب لها النفوس.
3. خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ: والقيامة تخفض أعداء الله في الجحيم وترفع أولياءه في النعيم.
4. إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا: إذا اضطربت الارض اضطرابا قويا واهتزت بمن عليها وتحركت تحركا شديدا.
5. وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا: وفتتت الجبال تفتيتا ونسفت واندكت.
6. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا: فأصبحت غبارا دقيقا متطايرا في السماء تحمله الريح في كل جهة.
7. وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً: وأصبحتم أيها الناس يوم القيامة ثلاثة أنواع.
8. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ: فأصحاب اليمين أهل الرتبة الرفعة ما أرفع منزلتهم وأعظم قدرهم لحسن ما عملوه في الدنيا.
9. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ: وأصحاب الشمال أهل الرتبة السافلة ما أقبح حالهم وأخسر صفتهم لسوء عملهم.
10. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ: والسابقون إلى الصالحات في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات العلا في الجنة ثوابا على أعمالهم.
11. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ: أولئك المقربون عند الله تكريما لهم.
12. فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ: مأواهم جنات النعيم في ثواب عظيم بجوار رحمن رحيم.
13. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ: يدخل الجنة طائفة كبيرة من الأمم السابقة ومن صدر امة محمد صلى الله عليه وسلم من هؤلاء المقربين السابقين.
14. وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ: ويدخلها قليل من آخر هذه الامة من المقربين السابقين.
15. عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ: جلوسهم في الجنة على أسرة منسوجة بالذهب لينة مرتفعة جميلة.
16. مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ: يتكئ أهل الجنة على هذه السرر يقابل بعضهم بعضا بوجهه للأنس والحديث وزيادة النعيم.
17. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ: يطوف على أهل الجنة في الجنة غلمان يخدمونهم باقون أبدا يدوم شبابهم لا يهرمون ولا يموتون.
18. بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ: يطوف هؤلاء الغلمان على الأبرار في الجنة بأقداح وأباريق وكأس من عين الخمر الجارية في الجنة.
19. لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ: وهذه الخمر لا تصيب شاربها في الجنة بصداع وألم في رأسه ولا تذهب عقل شاربها كخمر الدنيا.
20. وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ: ويطوف الغلمان على أصحاب الجنة بما يشتهون ويختارون من أنواع الفواكه اللذيذة.
21. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ: وبلحم طير مشوي لذيذ مما تشتهيه نفوس أهل الجنة.
22. وَحُورٌ عِينٌ: ولأصحاب الجنة نساء جميلات واسعات العيون شباب في بهاء وحور في حسن.
23. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ: كأن نساء الجنة في الصفاء والحسن لؤلؤ مصون محفوظ عن الايدي والعيون.
24. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: أعد الله هذا النعيم لأهل الجنة ثوابا على ما عملوه في الدنيا من عمل صالح وبر وإحسان.
25. لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا: لا يسمع أهل الجنة في الجنة باطلا من القول ولا ما يلحقهم إثم بسماعه.
26. إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا: لكنهم يسمعون قولا جميلا يبشرهم بسلامتهم من كل مخوف وأمنهم من كل آفة وخطر فالملائكة تسلم عليهم ويسلم بعضهم على بعض.
27. وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ: وأصحاب اليمين ما أرفع منزلتهم وما أعلى مقامهم وما أحسن ثوابهم عند ربهم.
28. فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ: معهم في الجنة سدر لا شوك فيه لين الأغصان داني الافنان.
29. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ: ولهم موز قد صف بعضه فوق بعض فهو منظوم كالعقد في الحسن والبهاء.
30. وَظِلٍّ مَمْدُودٍ: ولهم ظل دائم لا يتغير ولا يزول ممتد يسيرون فيه تكريما لهم.
31. وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ: وما زلال عذب مستمر متدفق لا ينقطع.
32. وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ: وفواكه متنوعة بأصناف شتى في كل وقت وآن حاصلة لهم بيسر وهناء.
33. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ: لا مقطوعة عن أهل الجنة في زمان عن زمان ولا يمنعهم منها مانع بل هي عندهم متى ما اشتهوها.
34. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ: وفي الجنة فرش عالية على السرر وثيرة وفيرة.
35. إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً: إن الله أنشأ النساء في الجنة للأبرار نشأة جديدة غير التي كانت في الحياة الدنيا فالحياة هنا كاملة دائمة لا موت فيها.
36. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا: فجعل الله نساء الجنة أبكارا جميعهن صغارا وكبارا.
37. عُرُبًا أَتْرَابًا: متحببات إلى الأزواج متساويات في الأعمار.
38. لأَصْحَابِ الْيَمِينِ: جعل الله النساء الأبكار المتحببات زوجات لأصحاب اليمين.
39. ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ: وهم جماعة كثيرة من السابقين في الأمم المتقدمة وصدر الإسلام.
40. وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ: وجماعة كثيرة ممن جاء بعدهم داخلون في أصحاب اليمين.
41. وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ: وأصحاب الشمال ما أسوأ مصيرهم وأقبح عقابهم على أفعالهم.
42. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ: في ريح شديدة الحرارة تلفح وجوههم بحرها وماء حار يغلي يشوي أجسادهم.
43. وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ: وظل من دخان شديد السواد كريه الرائحة حار موجع.
44. لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ: لا بارد على الأجسام ولا كريم في المنظر قد مزق الجلود بحره وآلم العيون بقبحه.
45. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ: إن هؤلاء الفجار كانوا في الدنيا متنعمين بما نهى الله عنه من الحرام والآثام معرضين عن الإسلام.
46. وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ: وكانوا مصرين على الكفر والذنوب لا يتوبون إلى علام الغيوب.
47. وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ: وكانوا يقولون تكذيبا بيوم القيامة كيف نبعث بعد الموت إذا صرنا عظاما نخرة وتحولت أجسامنا إلى تراب؟ هذا بعيد ولن يقع.
48. أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ: أنبعث بعد الموت نحن وآباؤنا الذين تقدمونا إلى الموت وأصبحوا ترابا في القبور؟!!!
49. قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ: قل أيها النبي إن الأولين من الناس والآخرين منهم من آدم إلى قيام الساعة.
50. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ: سوف يجمعهم الله الذي خلقهم في يوم محدد مسمى علم الله متى هو لا يتقدم ولا يتأخر.
51. ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ: ثم إنكم أيها الضالون عن الصراط المستقيم المكذبون لرسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم ولكتابه العظيم.
52. لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ: لآكلون في النار من شجر الزقوم كريه الريح مر المذاق قبيح المنظر.
53. فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ: وسوف تملؤون بطونكم من شجر الزقوم كرها لا شهوة منكم له ولا حبا فيه.
54. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ: وسوف تشربون على الزقوم ماء حارا بلغ النهاية في الحرارة والغليان لا يروي من الظمأ.
55. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ: وسوف تكثرون من شراب الحميم كشرب الإبل العطاش التي لا تروى أبدا لمرض ألم بها.
56. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ: هذا العقاب والنكال هو ما هيأه الله زادا لأعدائه في النار جزاء على قبيح أعمالهم.
57. نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ: الله خلقكم أيها العباد من العدم فلماذا لا تصدقون بالبعث بعد الموت الذي هو أسهل من النشأة الأولى؟
58. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ: أخبروني عن المني الذي تضعونه في أرحام نسائكم.
59. أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ: هل أنتم الذين تخلقون هذا المني وتصورونه وتنفخون فيه الروح أم الله تعالى وحده الذي يفعل ذلك.
60. نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ: الله قضى عليكم الموت وقدره بينكم وليس بعاجز سبحانه أن يبدل خلقكم إلى خلق آخر في أي صورة تشاء سبحانه.
61. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لا تَعْلَمُونَ: وقادر سبحانه على تغيير خلقكم يوم القيامة وإنشائكم فيما لا تعلمونه من الصور والصفات والأحوال.
62. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ: ولقد علمتم أن الله هو الذي خلقكم أول مرة فلماذا لا تستدلون بهذا على قدرته على إحيائكم مرة ثانية هو البعث بعد الموت.
63. أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ: أفرأيتم أيها الناس بذر الحب الذي تضعونه في الأرض اليابسة وهو حب يابس؟
64. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ: هل أنتم الذين تنبتونه وتخرجونه زرعا بل الله وحده الذي يخرجه بقدرته زرعا.
65. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ: لو أراد الله لصير الزرع هشيما محطما لا نفع فيه ولا فائدة فأصبحتم تعجبون مما حل بهذا الزرع.
66. إِنَّا لَمُغْرَمُونَ: وتقولون إننا خسرناه وذهب منا وهذا عذاب حل بنا.
67. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ: بل الله حرمنا الرزق بإهلاك هذا الزرع.
68. أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ: أفرأيتم الماء العذب الزلال الذي تشربونه ليذهب ظمؤكم.
69. أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ: هل أنتم أيها الناس أنزلتم الماء من الغمام إلى العيون والآبار والأنهار أم الله الواحد القهار أنزله بحكمة واقتدار؟
70. لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ: لو أراد الله لصير هذا الماء العذب مالحا لا يستساغ ولا يطاق شرابه لا نفع فيه لإنسان ولا حيوان ولا نبات فلماذا لا تشركون الله أيها الناس على أن جعل الماء عذبا زلالا؟!
71. أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ: أفرأيتم النار التي توقدونها لدفئكم ولإنضاج طعامكم.
72. أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ: هل أنتم خلقتم الشجر الذي توقد منه النار أم الله الذي خلقه؟ بل الله جل في علاه.
73. نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ: الله الذي جعل هذه النار تذكرة بنار جهنم ومنفعة للمسافرين والجائعين فهلا شكرتم الله على هذه النعم.
74. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ: فنزه ربك عن صفات النقص وأثبت له صفات الكمال التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم فالله عظيم في ذاته وأسمائه وصفاته له الملك والجبروت.
75. فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ: يقسم سبحانه بمساقط النجوم ومهاويها إذا سقطت أو غربت وفيها دلالة على عظيم القدرة وبديع الخلق.
76. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ: وإن في قسم الله بمواقع النجوم قسم عظيم القدر كبير المنزلة.
77. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ: إن هذا القرآن الذي أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم عالي المنزلة كثير النفع جليل القدر مبارك.
78. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ: في كتاب مستور عن العيون مصون عن الظنون محفوظ في اللوح محترم مكنون.
79. لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ: لا يمس القرآن الذي في اللوح المحفوظ إلا ملائكة كرام مطهرون من الآفات والخطايا منزهون عن الآثام.
80. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: والقرآن وحي من الله خالق الكون وما فيه نزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.
81. أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ: أفبهذا القرآن الكريم أنتم أيها الكفار مكذبون وهو حق من الله تعالى؟
82. وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ: وتجعلون شكركم على النعم أنكم تكفرون وتصرفون الشكر لغير مهديها وتكذبون بها؟
83. فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ: فهل قدرتم إذا بلغت روح الواحد منكم حلقومه من حنجرته عند سكرات الموت أن تردوها في جسمه؟
84. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ: وأنتم شهود تنظرون إلى المحتضر عند الموت ولا تدفعون عنه المنية.
85. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ: والله أقرب إليه بملائكته وعلمه وإطلاعه ممن عنده من البشر ولكن لا تشاهدون الملائكة.
86. فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ: وهل تقدرون إن كنتم غير محاسبين على أعمالكم ولا مجزيين بأفعالكم.
87. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ردوا الروح في الجسم إن كنتم صادقين على إعادتها؟ ولن تستطيعوا.
88. فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ: فأما إن كان المحتضر من السابقين في الخيرات أهل المراتب العالية في الولاية والتقوى.
89. فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ: فللعبد الصالح من المقربين السابقين عند موته رحمة واسعة وفرح وبشرى وسكينة وطمأنينة وله سكنى جنات النعيم خالدا فيها أبدا.
90. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ: وأما إن اكن المحتضر من أصحاب اليمين وهو دون السابقين لكنهم من المفلحين.
91. فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ: فيقال له عند السكرات سلام لك من الآفات وأمن لك من الأخطار لحسن عملك.
92. وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحساب الضالين عن الصواب الكافرين بالكتاب.
93. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ: فله ضيافة في جهنم حيث يسقى من شراب حار مغلي بلغ الغاية في الحرارة.
94. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ: والله يصليه نار جهنم ويحرقه بها ويذوق عذابها.
95. إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ: إن هذا الذي ذكره سبحانه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لهو حق اليقين الذي لا شك فيه ولا ريب.
96. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ: فنزه الله عما لا يليق به وعما وصفه به أعداؤه وعما يقول الظالمون والجاحدون فإنه العظيم في ذاته وأسمائه وصفاته.
سورة الحديد
1. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: نزه الله ومجده وقدسه عما لا يليق به كل ما في السموات والأرض من خلقه على اختلاف أنواعهم وهو العزيز في ملكه الحكيم في صنعه وشرعه.
2. لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: لله وحده ملك السموات والأرض وما فيهما فله التدبير والتصريف يحيى من العدم ويعيد الخلق بعد الموت ويميت الأحياء وهو على كل شىء قدير لا يعجزه شىء ما أراد كان وما لم يرده لم يكن ولا يكون إلا ما أراد.
3. هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: هو الأول الذي ليس قبله شىء والآخر الذي ليس بعده شىء والظاهر الذي ليس فوقه شىء والباطن الذي ليس دونه شىء ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ولا تغيب عن علمه غائبة وسع علمه كل شىء فعلم السر وأخفى وما ظهر وخفى.
4. هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: الله وحده الذي خلق السمات والأرض وما بينهما في مدة ستة أيام ثم علا وارتفع على عرشه فوق سمواته استواء يليق بجلاله يعلم ما يدخل في الأرض من حيوان ونبت وماء وكنز وغير ذلك وما يخرج منها من نبات وزرع وثمر ونحوها وما ينزل من السماء من ماء وغيره وما يصعد في السماء من ملائكة وأقوال وأعمال والله عزوجل مع خلقه بعلمه أينما كانوا وهو بصير بأقوال الخلق وأعمالهم وأحوالهم لا تخفى عليه خافية ولا تغيب عنه غائبة وسوف يحاسب الجميع على ما عملوا.
5. لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ: لله وحده ملك السموات والأرض خلقا وتدبيرا وإليه مصير الخلائق يوم القيامة ليحاسبهم على أعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
6. يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: يدخل الله في ساعات الليل ما نقص من ساعات النهار ويدخل في النهار ما نقص من ساعات الليل فيزيد في هذا ما نقص من هذا وهو تعالى يعلم بما تخفيه صدور العباد من الأسرار والنيات.
7. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ: آمنوا أيها الناس بالله واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم وتصدقوا مما رزقكم الله وجعلكم مستخلفين فيه فإن المتفضل والمنعم حقيقة هو الله وحده فالذين آمنوا منكم أيها العباد وصدقوا في إيمانهم وتصدقوا من أموالهم فلهم الجزاء الموفور من الأجر العظيم والنعيم المقيم.
8. وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ: وما عذركم إن لم تؤمنوا بالله فتوحدوه وإن لم تؤمنوا بالرسول فتتبعوه والرسول يدعوكم إلى الإيمان بالله وبالرسول والله قد أخذ عليكم الميثاق السابق بذلك إن كنتم صادقين في إيمانكم بربكم؟!
9. هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ: الله الذي ينزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم آيات مفصلات تبين الحق من الباطل والحلال من الحرام ليخرجكم بها من ظلمة الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم وإن الله بإخراجكم من الظلمات إلى النور رؤوف يريد بكم الخير واليسر رحيم يتغمدكم برحمته فيقبل التائب ويمهل العاصي.
10. وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وما عذركم في الإنفاق في سبيل ربكم وهو الذي أنعم عليكم بما أعطاكم وله ميراث السموات والأرض يرث كل ما فيها ولا يستطيع أحد أن يبقى وارثا لما عنده بل سوف يتركه ويرحل عنه لا يستوي في الثواب والجزاء منكم من تصدق قبل فتح مكة وقاتل الكفار أولئك أرفع رتبة عند الله وأعلى منزلة من الذين تصدقوا في سبيل الله من بعد فتح مكة وقاتلوا الكفار وكلتا الطائفتين وعد الله الجنة والله عالم بما تعملونه من أعمال لا تغيب عنه غائبة وسوف يثيب المحسن ويعاقب المسئ.
11. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ: من الذي يتصدق لوجه الله وفي سبيله ملصا في إنفاقه لا يتبع ما أنفق منا ولا أذى فالله يضاعف له المثوبة ويعظم له الأجر ويجعل الجنة مأواه.
12. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: يوم القيامة تشاهد أهل الإيمان من الرجال والنساء يسعى نورهم أمامهم وعن أيمانهم على الصراط على حسب أعمالهم ويقال لهم بشراكم هذا اليوم دخول جنات النعيم التي تجري من تحت أشجارها الأنهار باقون فيها أبدا ذلك الجزاء هو الظفر الأعظم والفوز الأكبر.
13. يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ: في يوم القيامة يقول المنافقون والمنافقات للمؤمنين وهم على الصراط أمهلونا حتى نستضئ بنوركم فترد عليهم الملائكة عودوا وراءكم فابحثوا عن النور توبيخا لهم واستهزاء بهم ففرق بين المؤمنين والمنافقين بسور كالحائط العظيم له باب باطنه من جهة أهل الإيمان رحمة ظاهره من جهة أهل النفاق عذاب.
14. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ: ينادي المنافقون المؤمنين قائلين أما كنا معكم في الدنيا نؤدي العبادة من صلاة وصيام وحج ونحوها مثلما تؤدونها؟ قال المؤمنون لهم بلى كنتم تؤدونها معنا في ظاهر الأمر ولكنكم أبطنتم الكفر والنفاق فأهلكتم أنفسكم وتربصتم بالرسول صلى الله عليه وسلم الموت والمحن وبالمؤمنين المصائب وشككتم في القيامة والحساب وخدعتكم أمانيكم الباطلة وأهواؤكم المضلة وما زلتم في الغواية حتى فاجأكم الموت وخدعكم عن عبادة الله عدو الله إبليس.
15. فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: فاليوم لا يقبل الله من المنافقين عوضا يفتدون به من عذاب الله ولا يقبل من الكفار شيئا ومرجع المنافقين والكفار إلى نار جهنم هي أولى بهم من كل محل سواها وبئس المرجع والمآب فهي دار الهوان والنكال والعقاب.
16. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ: أما حان الزمان لأهل الإيمان أن تلين قلوبه لذكر الرحمن وتخشع عند سماع القرآن ولا يشابهوا في قسوة قلوبهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين لما طال عليهم الزمان بدلوا وغيروا وانحرفوا عن دين الله فقسمت قلوبهم وأكثرهم خارج عن طاعة الله متجاوز حدوده وفي الآية دعوة لخشية الله والخشوع عند سماع كتابه والرقة عند ذكره سبحانه والتنفير من مشابهة أهل الكتاب في القسوة والغفلة والعصيان.
17. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: تيقنوا أيها العباد أن الله يحيى الأرض الميتة بالغيث فتخضر بإذن الله فالله قادر على بعث الناس بعد موتهم وجمعهم ليوم الحساب وهو قادر على أن يلين القلوب القاسية قد بين الله براهين القدرة بضرب الأمثال للناس كي يتدبروا أو يعقلوا عن الله ما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم.
18. إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ: إن المتصدقين مما آتاهم الله والمتصدقات وأنفقوا في سبيل الله من طيبات ما عندهم من رزق طلبا للأجر من الله بلا من ولا أذى يضاعف الله لهم ثواب الأعمال ويزيدهم التفضل عليهم بدخول جنات النعيم بجوار رب كريم.
19. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ: والمؤمنون بالله والمصدقون لرسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك هم الصديقون أهل درجة الإحسان والشهداء في سبيل الله وكذلك الشهداء على عباده بإبلاغهم العلم النافع لهم الأجر الجزيل والثواب العظيم عند الله مع النور التام يوم الحساب والذين كفروا بالله وكذبوا ببراهينه وأدلته المنزلة على رسله أولئك خالدون في النار في الذل والصغار وسخط الجبار فلا أجور ولا نور ولا أمن ولا سرور.
20. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ: تيقنوا أيها الناس أنما هذه الحياة الدنيا لعب تشغل الأبدان ولهو تذهل القلوب وزينة تخدع العيون وتفاخر بين الناس يتطاول بعضهم على بعض بها مدحا وفخرا وتكاثر بأعداد الأولاد وحساب الأموال وصفتها صفة المطر الذي يعجب الزراع نباته الأخضر ثم يذبل ويذوي ويجف فتراه بعد الخضرة والنضرة مصفرا ثم يصبح فتاتا يابسا متحطما فهذا مثل الدنيا تخدع ببريقها وزينتها واجتماع شمل أهلها وكثرة أموالها ورغد عيشها ثم يقع الفراق والرحيل وانقلاب الحال وتغير الزمان وفي يوم القيامة عذاب شديد للكفار زيادة على عذاب دنياهم ومغفرة من الله لذنوب أوليائه ورضوان منه لأهل طاعته وما هذه الحياة الدنيا لمن آثرها وعمل لها ونسي العمل للآخرة إلا متاع الغرور وهو تمتع المخدوع بها المغتر بزخرفها.
21. سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: سابقوا أيها الناس بالعمل الصالح والاجتهاد في الخير والتشمير في الطاعة وطلب أسباب المغفرة من التوبة وهجر الذنوب ليجعل الله مصيركم جنة عرضها كعرض السماء والأرض هيأها الله لمن آمن به واتبع رسوله وعمل بطاعته واجتنب معاصيه ذلك الفضل من الله يمنحه من أراد من العباد بتوفيقه للسداد والرشاد فالجنة لا تدخل إلا برحمة أرحم الراحمين لا بمجرد عمل العاملين والله ذو الفضل الواسع العظيم على عباده الصالحين حيث خلقهم ورزقهم ووفقهم ثم أثابهم.
22. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: ما أصابكم أيها العباد من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم من المرض والفقر والسقم وتلف الأموال وسائر النكبات إلا وقد كتبها الله قبل أن تقع إن كتابته وتقديره سهل على الله لأنه لا يجزه شىء.
23. لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ: كتب الله المقادير حتى لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا لأن من آمن بالقدر سلم الأمر لله ورضي بحكمه وكيلا تفرحوا بما تفضل الله عليكم فرح كبر وبطر وأشر والله لا يحب كل معجب بنفسه متكبر على غيره يختال بقلبه ويفخر بلسانه بل يحب الله المتواضع المخبت المتذلل له سبحانه.
24. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ: وهؤلاء أهل الخيلاء والفخر الذين يبخلون بما آتاهم الله ولا يصرفونه في حقوقه الواجبة والمستحبة ويدعون غيرهم إلى البخل ويزينون الإمساك والشح للناس ومن يعرض عن عبادة الله ويهجر طاعته فالله غني عنه ولن يضر إلا نفسه فالله غني عن العباد لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي وهو سبحانه الحميد الذي لا كل صفات الحمد والمدح وله كل فعل جميل يحمد عليه فهو غني عمن تولى يحمد ويشكر من أطاعه وشكره.
25. لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ: ولقد أرسل الله رسله بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة وأنزل معهم الكتاب بالعقائد والأحكام والأخلاق والآداب وأنزل الميزان ليحكم الناس به ويعدلوا في أخذ الحقوق وإعطائها وأنزل الله الحديد فيه قوة وبأس شديد في الحروب وفوائد كثيرة في الصناعة والزراعة وليعلم الله من الذي ينصر دينه وينصر رسله بالغيب وذلك بحمل السلاح في سبيل الله لحماية دينه والدفاع عن عباده إن الله قوي لا يحارب ولا يغالب عزيز يقهر من عاداه ويعز من والاه.
26. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ: ولقد أرسل الله نوحا وإبراهيم برسالة التوحيد إلى أقوامهما وجعل الله في ذرية نوح وإبراهيم النبوة وعلم الكتب المنزلة فمن ذريتهما من اهتدى إلى الحق وأطاع الله وكثير من ذريتهما متجاوزون لحدود الله خارجون عن طاعته.
27. ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ: ثم اتبع الله بعد نوح وإبراهيم برسله الكرام وأنزل معهم الأدلة والبراهين الواضحة وأتبع بعيسى بن مريم وأنزل عليه الإنجيل وجعل الله في قلوب النصارى أتباع عيسى لينا وشفقة فغلوا في دينهم وابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم بل فعلوها بلا دليل شرعي وقصدوا بها الناس ولم يخلصوا لله ولم يؤدوها على وجهها ولا قاموا بها حق القيام لكنهم غيروا المشروع بالبدعة فآتى الله المؤمنين منهم ثوابهم على حسب أعمالهم وأكثرهم تجاوزوا الحد وخرجوا عن طاعة الله وكبوا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهذه ثمرة البدعة المرة وعاقبة من ترك الشريعة.
28. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يا أيها المؤمنون راقبوا الله واخشوه بعمل طاعته واجتناب معصيته يكتب لكم ضعفين من رحمته وهذا يشمل من آمن بعيسى من أتباعه وأمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران عند الله ويجعل الله للمؤمنين نورا يهتدون به فيصرون الحق ويغفر لهم ذنوبهم والله غفور لمن أساء من العباد رحيم بمن تاب إليه وعاد.
29. لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: تفضل الله عليكم بهذا الأجر المضاعف والثواب العظيم ليعلم أهل الكتاب الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم أنهم لا يستطيعون أن ينالوا شيئا من فضل الله ورحمته لأنفسهم ولا يعطونه غيرهم وأن الفضل كله بيد الله وتحت تصرفه يعطي من أراد من العباد ويمنع من أراد منهم والله عزوجل ذو الفضل الواسع والنعم الكثيرة على عباده.
سورة المجادلـــة
1. قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ: قد سمع الله قول خولة بنت ثعلبة التي تراجعك في شأن زوجها أوس بن الصامت لما ظاهر منها بقوله أنت على كظهر أمي في حرمة النكاح وهي تسأل ربها أن يفرج كربها والله يسمع تحاوركما أيها النبي وهو السميع البصير سمع تحاورهما من فوق سبع سموات ورآهما.
2. الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ: الذين يظاهرون من المسلمين من نسائهم فيقول الرجل لزوجته أنت على كظهر أمي في الحرمة والصحيح أنهن لسن أمهاتهم وإنما هن زوجاتهم وأما الأمهات فهن اللواتي ولدنهم فالمظاهرون يقولون كذبا عظيما وبهتانا شنيعا والله يعفو عمن زل ثم يعود ويغفر لمن ارتكب محرما ثم تاب فهو واسع المغفرة سبحانه.
3. وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: والذين يحرمون زوجاتهم بالمظاهرة ثم يعودون عن قولهم وينوون جماع نسائهم فعلى المظاهر كفارة وهي أن يعتق رقبة مؤمنة عبدا أو أمة قبل الجماع وهذا الحكم من الله الحكيم الخبير لمن ظاهر من زوجته وهذا مما يعظكم الله به ويرشدكم إليه وهذه الكفارة لمن صدر عنه الظهار والله لا يخفى عليه شىء ولا تغيب عنه غائبة وسيجزي كلا بما فعل.
4. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ: فإذا لم يجد ثمن رقبة يعتقها فعلية صيام شهرين متتالين قبل أن يجامع زوجته فإذا عجز عن الصيام بعذر شرعي أطعم ستين مسكينا ما يشبعهم وهذه الأحكام المبينة لأجل أن تؤمنوا بالله بعمل ما أمر واجتناب ما نهى وتؤمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم بالمتابعة له وهذه حدود حدها الله لا يجوز تجاوزها فمن تعداها باء بإثم عظيم ولمن جحد بها عذاب أليم مقيم في الجحيم.
5. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ: إن المحاربين لله رسوله صلى الله عليه وسلم والمخالفين لشرع الله والصادين عن منهج الله خذلوا وأهينوا كما أهين من قبلهم ممن حارب الله ورسوله وقد أنزل الله آيات محكمات وحججا واضحات ودلالات بينات فيها صلاح العباد والبلاد ولمن جحد بها وردها عذاب مذل يهان به في نار جهنم.
6. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: واذكروا يوم يجمع الله الأولين والآخرين ليوم الفصل فيطلعهم على كل ما عملوه من خير وشر حفظه الله مكتوبا في صحائف الأعمال ونسوا ما عملا لما رأوا من أهوال عظام والله مطلع على كل شىء لا تخفي عليه خافية علم السرائر وأحاط بما في الضمائر.
7. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: ألم تعلم أن الله يعلم كل شىء في السموات والأرض لا يتناجى ثلاثة من الناس بسر إلا علمه فكان رابعهم لا يخفى عليه مما قالوا شىء ولا خمسة إلا هو سادسهم بعلمه لا تغيب عنه غائبة مما اسروا وأعلنوا ولا أقل من هذا العدد ولا أكثر منه إلا وهو معهم بعلمه مع أنه مستو على عرشه بائن من خلقه جل في علاه ويوم القيامة يخبر الله الجميع بما عملوا من خير وشر وهو مطلع على كل شىء عليم بكل سر.
8. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ: ألم تر أيها النبي إلى اليهود الذين نهاهم الله عن الكلام سرا بما يثير الشك عن المسلمين ويورث الريبة منهم ثم يرجعون إلى ما نهاهم الله عنه ويتكلمون سرا بالسوء متجاوزين الحد في الظلم والاعتداء وإذا أتاك اليهود أيها النبي حيوك بتحية أخرى غير ما سنه الله لك من تحية وهو قولهم السام عليك أي الموت عليك ثم يقولون لماذا لا يعاقبنا الله بهذا الكلام إن كان محمد رسولا من عند الله؟ فأخبر الله أنه أجل عذابهم لنار جهنم شديدة الحر فهي بئس الدار وأقبح بها من قرار للكفار.
9. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: أيها المؤمنون إذا تكلمتم سرا فإياكم وما حرم الله من القول سواء بما هو فاحش في نفسه أو ما فيه ظلم للناس أو مخالفة للرسول صلى الله عليه وسلم وتكلموا بما فيه صلاح وخير ونفع والبر ما فيه طاعة والتقى ترك المعصية وخافوا الله باتباع رسول صلى الله عليه وسلم وفعل أوامره واجتناب نواهيه فالله وحده سبحانه مرجعكم تعودون إليه ليجازيكم على أعمالكم.
10. إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: إن التكلم سرا بالإثم والعدوان من وسوسة الشيطان ومعصية للرحمن ليدخل الحزن على أهل الإيمان ولن يؤذي المؤمنين ذلك إلا بإرادة الله وحده وعليه دون سواه فليعتمد من آمن به وعليه فليفوض أمره كل مسلم وكفى به وكيلا.
11. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: أيها المؤمنون إذا أمرتم بالتوسعة لبعضكم في المجالس فليوسع المسلم لأخيه في المجلس يوسع الله عليكم في الرزق والثواب وإذا طلب منكم القيام من المجلس لسبب من الأسباب فقوموا فالله يرفع محل المؤمنين منكم على حسب إيمانهم ويرفع أهل العلم درجات كثيرة في الفضل والثواب لفضل العلم وجاء ذلك العلم بعد آداب المجلس لأن أهل العلم أفقه من غيرهم في الآداب والأخلاق والله عليم بكل شىء لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه أمر وسوف يحاسب كلا بما عمل.
12. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أيها المؤمنون بالله ورسوله إذا أردتم الحديث مع رسول الله سرا فتصدقوا قبل ذلك بصدقة فهو خير لكم بزيادة الحسنات وأطهر لكم بتكفير السيئات فإذا لم تستطيعوا التصدق فلا إثم عليكم فقد تجاوز الله عنكم لأنه واسع المغفرة كثير الرحمة فمن غفرانه لا يثرب ومن رحمته لا يعاقب.
13. أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: أخفتم من الفقر إذا تصدقتم قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا لم تتصدقوا وقد سامحكم الله في ذلك فداوموا على الصلاة المفروضة وأدوا الزكاة المكتوبة واجتهدوا في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والله مطلع على كل أعمالكم وسوف يحاسبكم عليها فراقبوه.
14. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: ألا تتعجب من المنافقين حينما اتخذوا اليهود أولياء من دون الله ورسوله؟! والمنافقون ليسوا من المسلمين ولا من اليهود ويقسمون إنهم منكم وهم كاذبون ويعملون أنهم يكذبون فيما يقولون وعليه يقسمون.
15. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: هيأ الله لهؤلاء المنافقين عذابا مؤلما وموجعا في نار جهنم لأن عملهم قبيح وفعلهم شنيع فهم في الدرك الأسفل من النار.
16. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ: جعل المنافقون أيمانهم وقاية لهم من القتل بحلفهم أنهم مؤمنون في الظاهر ولكنهم كفار في أنفسهم وقد صدوا غيره عن الإسلام فلهم عذاب الخزي في نار جهنم فهم خابوا وخسروا في الدنيا والآخرة.
17. لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ: حين يدافع عن المنافقين يوم القيامة مال ولا ولد ولن يمنعهم من العذاب ذلك وهم خالدون في النار في سوء القرار ملازمون للنكال والمهانة والصغار.
18. يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ: يوم القيامة يحي الله المنافقين من القبور فيقسمون له أنهم مؤمنون مثلما أقسموا لكم في الدنيا ويعتقدون أن ذلك ينفعهم ولكنهم واهمون في ذلك مفترون على الله كذبوا في الأيمان عند الرحمن.
19. اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ: استولى عليهم الشيطان حتى تركوا طاعة الرحمن وأعرضوا عن الإيمان والقرآن فهم أتباع إبليس ومن تبعه خسر وخاب وباء باللعنة والعذاب والمقت والعقاب.
20. إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ: إن الذين يعصون الله ورسوله ويحاربون دينه هم مع أهل الذل والصغار ومع الأشقياء والأشرار في هذه الدار ويوم القيامة في النار.
21. كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ: كتب الله وقدر وقضى أن النصر له ولرسله لأنه قوي لا يعجزه شىء فلا يحارب ولا يغالب عزيز قهر ما سواه وأذل من حاربه.
22. لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: لا تجد قوما يؤمنون بالله ويعبدونه حق عبادته ويؤمنون بلقاء الله يوم القيامة يخلصون محبتهم ويمنحون مودتهم لمن حارب الله وحارب رسوله ولو كان هؤلاء المحاربون آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم لأن صلة الدين أعظم من صلة القربى والولاء لله ولرسوله وليس للنسب وهؤلاء الذين يوالون في الله ويعادون فيه كتب الله في قلوبهم الإيمان وجعله مكينا راسخا في نفوسهم وقواهم بنصرهم وحماهم برعايتهم وخصهم بولايته ويدخلهم جنات النعيم في احسن دار وأجمل قرار في جنة كثيرة الأنهار مصطفة الأشجار طيبة الثمار خالدين فيها وأحل عليهم الرضوان فلا يسخط عليهم الرحمن طيلة الأزمان ورضوا عن ربهم لحسن الثواب وكريم المآب في أجزل عطاء وأجل نعماء هؤلاء الفائزون هم عباد الله المخلصون وحزبه الفائزون وهم الذين أدركوا أعظم الظفر في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

سورة الحشر
1. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قدس الله بأوصاف الكمال ومجد بكل المحامد ونزهه عما لا يليق به كل ما في السموات والأرض من سائر المخلوقات وهو العزيز في ملكه وحكمه الذي لا يغالب يقهر غيره ولا يساميه أحد وهو حكيم في صنعه وتصويره وملكه وتدبيره حكيم في شرعه يضع كل شىء مواضعه بإتقان وإحسان.
2. هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ: وهو سبحانه وحده الذي أخرج الكافرين المكذبين برسوله صلى الله عليه وسلم من يهود بني النضير وكانوا حول المدينة من جزيرة العرب إلى الشام ما كان يظن المسلمون أنهم سوف يخرجون بهذا الخزي والهزيمة والذل والهوان لقوة بأسهم وشدة منعتهم وظنوا أن الحصون سوف تحجبهم من بأس الله على يد جند الله فسلط الله عليهم أولياءه من حيث لم يخطر لهم على بال ولا يدور في خيال وألقى في قلوبهم الجبن والخور وبدؤوا عند خروجهم يهدمون منزلهم ويهدمها معهم المؤمنون فاستفيدوا من هذه العظة والحادثة يا أصحاب الفطر السوية والبصائر الحية والعقول الراجحة فمصائب قوم عند قوم فوائد والأخبار للأبرار اعتبار لأنها إنذار وإعذار.
3. وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ: ولولا أن الله قدر عليهم الخروج من ديارهم حول المدينة إلى الشام لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي بأيدي المؤمنين ولهم في الآخرة عذاب النار وغضب الجبار لأنهم لما حاربوا الله سلبهم الامان وأخرجهم من الاوطان مع غضب الرحمن.
4. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: ذلك الذل والخزي الذي أصاب اليهود في الدنيا وما أعد الله لهم في الآخرة بسبب أنهم عصوا الله وخالفوا أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن يخالف الله ويعص أمره ويحاربه فإن الله أعد له أشد العقاب وأبلغ العذاب.
5. مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ: ما قطعتم أيها المسلمون من نخلة أو تركتموها على ساقها فالله أذن لكم بذلك وأمركم به وأنتم طائعون لله غير مسرفين في القطع وليذل بهذا اليهود لأنه سلطكم على قطع نخيلهم وتحريقه ولم يستطيعوا الدفاع عنها.
6. وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ما وهب الله وأعطى رسوله من أموال بني النضير فما أسرعتم إليه وأنتم على خيل ولا إبل ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من أعدائه فينهزمون ويسلمون ما بأيديهم بلا قتال والله على كل شىء قدير ومن ذلك خذلان الكفار في محاربتهم لأولياء الرحمن.
7. مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ: ما وهب الله رسوله من أموال أهل القرى من غير قتال على خيل وجمال فهو لله ولرسوله ينفق في وجوه الخير العامة التي تنفع المسلمين ولقرابة الرسول صلى الله عليه وسلم ولأطفال المسلمين الذين فقدوا آباءهم ولأهل الحاجة والبؤس وللغريب المنقطع بلا نفقة حتى لا يكون المال حكرا يدور بين الأغنياء ويحرم منه الفقراء وما أعطاكم الرسول من مال أو شرع لكم من حكم فاقبلوه واعملوا به وما نهاكم عن أخذه أو العلم به فلا تأخذوه ولا تقربوه واحذروا عذاب الله بطاعته وترك معصيته إن الله شديد عقابه لمن عصاه قوي بطشه لمن خالف شرعه والآية أصل عظيم في وجوب اتباع السنة قولا وعملا وتقريرا.
8. لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ: ويعطي من هذا المال فقراء المهاجرين الذين طردوا من مكة وحرموا من الأوطان والأموال وخرجوا في سبيل الله ابتغاء رضوانه نصرة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وهم الذين صدقوا قولهم بفعلهم واتبعوا القول العلم فصار شاهدا لصحة إيمانهم.
9. وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: والذين استوطنوا المدنية من الأنصار قبل مجئ المهاجرين يفرحون بمن جاء من المهاجرين ولا يحسدون المهاجرين على ما أعطاهم الله من الفئ وغيره ويقدمون المهاجرين في العطاء والطعام ونحوه على أنفسهم ولو كانوا محتاجين إليه أشد الحاجة والذي يسلمه الله من البخل ومنع الفضل ويجعله سخيا جادا فهؤلاء هم الفائزون برضوانه الحائزون كل ظفر الناجون من سقر.
10. وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ: والذين جاؤوا بعد المهاجرين والأنصار من المؤمنين يدعون ربهم بالغفران لهم ولمن سبقهم في الإيمان وألا يجعل الله في قلوبهم حسدا أو حقدا على المؤمنين لأن الله متلطف بعباده بإيصال المحاب لهم وصرف المكاره عنهم رحيم يغفر الخطأ ويجبر الكسر ويعفو عن الزلة وفي الآية وجوب حب الصحابة والكف عما شجر بينهم وعدم حمل الضغينة عليهم.
11. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: ألا تتعجب من المنافقين يقولون لإخوانهم في الكفر من بني النضير لئن أخرجكم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة لنخرجن معكم تضامنا ومواساة ولا نخذلكم من أجل أحد من الناس كائنا من كان ولئن قاتلكم المسلمون لنقاتلنهم معكم والله شاهد على كذب المنافقين في وعدهم لبني النضير فهو ادعاء وافتراء.
12. لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ: والله لئن أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة لا يخرج معهم المنافقون ووالله لئن قاتل المسلمون اليهود لا يقاتل معهم المنافقون ولا يدفعون عنهم ولو فرض أن قاتلوا معهم ليهربن وليفرن أذلا مهزومين مخذولين.
13. لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ: لخوف المنافقين منكم أيها المؤمنون أشد من خوفهم من رب العالمين لأنهم أناس لا يفهمون ما لله من عظمة وكبرياء فلا يعرفون حقه وماله من هيبة وتعظيم.
14. لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ: لا يقاتلكم اليهود أيها المسلمون في ساح القتال وجها لوجه ولكنهم يتحصنون في البيوت أو وراء الحيطان وهم مختلفون فيما بينهم متخاصمون أشد الخصام تظنهم طائفة واحدة وهم شيع وأحزاب لأنهم لا يعلقون أمر الله فيجتمعون على دينه ويطيعونه.
15. كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مثل اليهود كمثل كفار قريش ويهود بني قينقاع حيث وجدا عاقبة عصيانهم من النكال والهزيمة في الدنيا ولهم في الآخرة أشد العذاب وأفظع العقاب.
16. كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ: مثل هؤلاء المنافقين في خديعتهم لليهود على محاربة المسلمين ووعدهم بالنصر كذبا وزورا مثل الشيطان حين زين للإنسان معصية الرحمن ثم خذله اشد الخذلان وتركه وقت الامتحان وقال له أبرأ منك وأتخلى عنك لأني خائف من رب الخليقة جل في علاه.
17. فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ: فكانت نهاية الشيطان والإنسان في معصية الرحمن أنه أدخلهما دار الخزي والهوان خالدين فيها مدى الازمان وهذا جزاء كل معتد آثم فجور ظالم.
18. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: يا أيها المؤمنون خافوا الله وراقبوه وافعلوا ما أمر واجتبوا ما نهى عنه ولتتفكر كل نفس فيما قدمت أمامها من أعمال ليوم القيامة واحذروا غضب الله بطاعته فإنه سبحانه خبير بكل ما تعملون لا تخفى عليه خافية وسوف يجازيكم على أعمالكم من خير وشر.
19. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ: ولا تشابهوا الذين تركوا طاعة الله وأهملوا عبادته فأنساهم ما فيه صلاحهم من عمل الطاعات واجتناب المحرمات حتى وقعوا في المهلكات أولئك هم الخارجون عن طاعة الله المطرودون من رحمته المستحقون لعذابه.
20. لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ: لا يستوي أهل النار في الأنكال والأغلال وسوء الحال ولا أهل الجنة أهل النعيم المقيم والأجر العظيم والمقام الكريم أهل الجنة ظفروا بأجل مطلوب وحازوا كل مرغوب ونجوا من كل مكروه.
21. لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ: لو خاطبنا بهذا القرآن جبلا من الجبال ففهم معناه وفقه فحواه لأصبح ذليلا مخبتا مشفقا خوفا من الله على صلابته وشدته فكيف لا يخشع الإنسان عند تلاوة هذا الكتاب؟! وكيف لا يتدبر معانيه وينقاد لأحكامه؟!! وهو من لحم ودم وليس من صخر كالجبل وهذه أمثال نسوقها للبشر لعلهم يفكرون في عظمته ويتدبرون آياته ويتأملون معجزاته.
22. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ: وهو الله جل في علاه المستحق للعبودية المستأهل للألوهية وحده لا إله غيره ولا رب سواه عالم السر والجهر والحاضر والغائب والظاهر والخافي وهو الرحمن بكل أحد الرحيم لأهل طاعته عمت رحمته حتى العصاة وخص بمزيدها من اتبع رضاه.
23. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ: هو الله سبحانه المعبود بحق لا إله إلا هو ولا يجوز أن يعبد غيره ولا يؤله سواه ملك كل موجود المدبر للكون المتصرف في الخليقة المبرأ من كل عيب المنزه عن كل نقص السالم من كل شين الجامع لصفات الكمال والمدح والحمد المصدق أنبياءه بما أرسلهم بالمعجزات والآيات البينات الذي قهر سواه وقصم من عاداه الرقيب على ما أظهره العبد وأخفاه العزيز الذي لا يغالب ولا يعجزه أحد الجبار الذي سخر من أراد لما أراد وعم سلطانه على خلقه بتمام قهره وعلو قدره المتكبر فله صفات الكبرياء والعظمة في المحامد والأسماء تقدس عن كل عيب وتنزه عن كل شريك وجل عن كل نقص.
24. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: وهو سبحانه الإله الحق وحده أوجد من العدم وأنشأ الخليقة على مقتضى حكمته صور خلقه على ما شاء له كل اسم حسن جمع الكمال والجلال والجمال يقدسه وينزهه ويمده كل مخلوق في السماء والأرض وهو العزيز في تفرده بالملك عن الأنام شديد الانتقام قاهر فيما قدر من الأحكام وهو الحكيم فيما قضى وقدر وخلق وصور وقدم وأخر.

سورة الممتحــنة
1. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ: يا أيها المؤمنون لا تعلوا عدوى وعدوكم من الكفار والمنافقين أحبابا لكم تخلصون لهم المودة فتطلعوهم على أسرار المسلمين وقد كفروا بالرسالة وهم طردوا الرسول صلى الله عليه وسلم وطردوكم من مكة بسبب إيمانكم بالله فإن كنتم أيها المؤمنون هاجرتم لوجه الله وطلب مرضاته فلا توالوا أعداء الله ولا تحبوا من حارب الله وتخلصوا لهم الود والله مطلع على نياتكم وما ظهر من أعمالكم فاحذروه ومن يتولهم من دون المؤمنين فقد ضل طريق الهدى ووقع في الردى.
2. إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ: إن يجدكم هؤلاء الأعداء يكونوا لكم محاربين ويمدوا إليكم أيديهم بالقتل وألسنتهم بالشتم ويتمنوا لو ترتدون عن الإسلام فتصحبوا مثلهم في الضلالة والكفر بالرسالة.
3. لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: لن تنفعكم الأحساب والأنساب يوم الحساب إذا واليتم الكفار من أجل الأقارب والأولاد ويوم القيامة يفرق الله بين أهل الإيمان وعبدة الأوثان فأولئك في الجنان وهؤلاء في النيران والله مطلع على كل خافية من أعمالكم وأقوالكم خبير بأحوالكم.
4. قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: قد كانت لكم قدوة حسنة في إبراهيم صلى الله عليه وسلم وأتباعه لما تبرؤوا من قومهم الكفار ومن عبادتهم من دون الواحد القهار وأنكروا عليهم غاية الإنكار وأظهروا لهم العداوة بالأقوال والأفعال والبغضاء بالقلوب ما داموا على الكفر حتى يوحدوا الله بالعبادة لكن لا تقتدوا بإبراهيم في استغفاره لأبيه فإن ذلك قبل أن تظهر لإبراهيم عداوة أبيه لربه تعالى فلما ظهرت له تلك العداوة تبرأ منه وعليكم بدعاء الله والتوكل عليه وصدق التوبة له والإنابة إليه فإن المرجع والمنتهي إليه يوم القيامة.
5. رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: يا ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا بارتدادنا عن الإسلام فلا يثقون بالدين أو لا تسلطهم علينا وتنصرهم فيقولوا لو كانوا على حق ما غلبناهم واستر خطايانا وامح زلاتنا فإنك عزيز لا يغلب جندك ولا يهزم حزبك حكيم فيما قدرته وقضيته أحسنت كل شىء خلقته وأتقنت كل شىء صورته.
6. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ: لقد كان لكم أيها المؤمنون في إبراهيم ومن معه قدوة صالحة تفعلون فعلهم في البراءة من أهل الضلالة بفعل هذا من أراد الخير من الله في دنياه وآخرته ومن صد عن الطريق المستقيم فالله غني عنه وليس بحاجة لأحد من عباده محمود في ذاته وصفاته بحمد من أقبل عليه فيثيبه ويحمد في الضراء والسراء معًا.
7. عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: عسى الله أن يجعل بينكم أيها المؤمنون وبين الكفار حبا بعد بغض وصلحا بعد حرب بأن يسلموا والله قادر على شرح صدورهم للإسلام غفور لما سلف منهم من آثام رحيم لمن تاب إلى الله ودخل في دينة بعد عبادة الأصنام.
8. لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ: لا ينهاكم الله عن إكرام من لم يقاتلوكم على الإسلام ولم يخرجوكم من الأوطان بل تعاملوا معهم بالعدل والإحسان لأن الله يحب العادل في معاملته وأحكامه وفيه التفريق في المعاملة مع الكفار بين المحارب والمسالم.
9. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ: لكن ينهاكم سبحانه عن إكرام من قاتلكم على الإيمان وأخرجكم من الأوطان وعاون عليكم عبدة الأوثان فلا تصالحوهم ولا تلينوا لهم ومن أحبهم وتولاهم فهو ظالم لأنه جعل الأمر في غير موضعه وتعدى الحدود في المواثيق والعهود.
10. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ: يا أيها المؤمنون إذا أتى إليكم النساء المؤمنات مهاجرات من ديار الكفر إلى ديار الإسلام فاختبروا إيمانهن لتعلموا صدقهن الله أعلم بالنيات وحقيقة الأمر فإذا تأكدتم من إيمانهن بما ظهر منهن فلا تعيدوهن إلى أزواجهن الكفار؛ لأنهن محرمات عليهم لاختلاف الدين وسلموا لأزواجهن مثلما دفعوا من المهور على نسائهم ولا حرج عليكم أن تتزوجوهن إذا دفعتم لهن المهر ولا تتمسكوا بنكاح زوجاتكم الكافرات وخذوا من الكفار المهور التي سلمتموها زوجاتكم اللاتي ذهبن لديار الكفر وللكفار أن يطلبوا مهور نسائهم اللاتي أسلمن وهذا حكم الله وشرعه فاتبعوه واعملوا به والله عليم بالخوافي مطلع على كل صغيرة وكبيرة حكيم فيما يقول ويفعل ويحكم وفي الآية غاية العدل والإنصاف حتى مع العدو الكافر.
11. وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ: وإذا ذهبت زوجاتكم إلى بلاد الكفر ولم يسلم لكم الكفار مهورهن، فانتصرتم على الكفار فخذوا من الغنائم بقدر ذاك المهر، وراقبوا الله واخشوه، فلا تأخذوا ما ليس لكم ولا تدعوا باطلا؛ لأنكم آمنتم بالله وصدقتم كتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
12. يأيها النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يا أيها النبي: إذا وفد إليك النساء ليبايعنك على الإسلام، ويعاهدنك على ترك الشرك، واجتناب السرقة، والزنا، وقتل الأبناء، ولا يلحقن الأزواج أولادا من الزنا، ولا يخالفنك في خير دعوت إليه، فعاهدهن واطلب إلى الله أن يغفر لهن ما سلف، فإن الله غفار الذنوب، ستار العيوب، رحيم بمن يتوب، ودود بمن يؤوب.
13. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ: يا أيها المؤمنون: لا تتخذوا من غضب الله عليهم أحبابا وأنصارا وأخلاء، قد يئسوا من رحمة الله يوم القيامة كما يئس الكفار المقبورون من رحمة الله في الآخرة، أو كما يئس الكفار من بعث أهل المقابر.
سورة الصــف
1. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: قدس الله عن المعائب ونزهة عن النقائص ومجده بأنواع المحامد كل من في السموات والأرض من مخلوق وهو عزيز يقهر غيره لا يغالبه أحد حيكم في خلقه وأمره وأحكامه وشرعه.
2. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ: أيها المؤمنون لم تقولون أقوالا لا تصدقها الأفعال كوعد بلا وفاء أو قول بلا صدق أو تحمل بلا أداء.
3. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ: عظم سخطا وكبر غضبا إذا قلتم بألسنتكم ما لم تفعلوه فلم تتبعوا القول العمل.
4. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ: إن الله يحب المؤمنين الذين يقاتلون لإعلاء كلمته صفا متراصا متلاصقا محكما يدل على القوة والتعاون لا ينفذ منه عدو فهم شجعان منظمون لا جبناء متفرقون وفي الآية إثبات محبة الله وفضل الجهاد في سبيل الله.
5. وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ: واذكر يوم قال موسى صلى الله عليه وسلم لقومه لماذا تؤذونني بالشتم ومخالفة أمري وعصيان ربي وأنتم عالمون أن الله أرسلني؟ فلما تركوا الهدى بعدما علموه واستمروا على الغواية صرف الله قلوبهم عن الهداية وخذلهم عن الرشد ولم يوفقهم للصواب والله لا سدد من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة وترك منهج الحق وأبى الهدى.
6. وَإِذْ قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ: واذكر حينما قال عيسى ابن مريم عليه السلام لقومه إن الله أرسلني إليكم أصدق ما نزل في التوراة على موسى قبلي وأشهد بصدق رسول يأتي بعدي اسمه أحمد وهو الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأدعو إلى الإيمان به فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم المشركين بالآيات البينات والمعجزات الواضحات قال المشركون هذا الذي جئت به سحر ظاهر كذبا منهم وزورا.
7. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: لا أحد أظلم من الذي يختلق الكذب وهو الذي يدعي لله شركاء وصاحبة وولدا تعالى الله عن ذلك ويدعى هذا المفتري إلى اعتناق الإسلام فيأبى والله لا يوفق للهدى من ظلم نفسه بالكفر ولا يرشده إلى صواب لأنه تعدى الحد في الكفر والصد.
8. يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ: يريد هؤلاء الكفار أن يبطلوا هذا الهدى الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم بأقوالهم الآثمة وأوصافهم الكاذبة مثل أنه سحر وشعر وكهانة ولكن الله سوف ينصر دينه ولو كره هذا الدين الجاحدون من أعدائه فعلى رغم أنوفهم سوف يعلو.
9. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ: الله وحده الذي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بالعلم النافع والعمل الصالح وهو دين الإسلام ليرفعه على كل دين ولو كره هذه الرفعة المشركون فأمر الله واقع لا محالة.
10. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ: ايها المؤمنون هل أرشدكم إلى تجارة عظيمة وربح بين تنجون به من العذاب المؤلم الموجع فكأنهم قالوا نعم نريد ذلك.
11. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: فكان الجواب تثبتون على الإيمان بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمته بأنواع الجهاد من بذل المال والنفس وكل هذا أفضل لكم من تجارة الدنيا الزائلة إن كنتم تعلمون التمييز بين المنافع والمضار والمصالح والمفاسد.
12. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: فإذا قمتم بهذا غفر الله لكم السيئات وحط الخطيئات وأدخلكم الجنات التي تجري فيها الأنهار تحت الأشجار ومساكن من الدور والقصور مريحة آمنة طاهرة زكية في إقامة دائمة ونعيم مستمر ذلك هو الظفر لا ظفر بعده وهو أعلى نجاح وأكرم فلاح.
13. وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: وأمنية عظيمة أخرى تودون حصولها وهي نصر الله لكم على الكفار وفتح عاجل لكم وبشر أيها النبي من آمن بك بكل خير في الدنيا والآخرة من الانتصار والرفعة والسؤدد والحياة الطيبة والعاقبة الحميدة ثم الجنة.
14. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ: أيها المؤمنون كونوا أنصار الدين الله كما كان أصفياء عيسى عليه السلام أنصارا لدين الله حينما سألهم عيسى من يكون منكم ناصرا ومعينا لي فيما يقربني من الله؟ فقالوا نحن هؤلاء الأنصار فاستقامت جماعة من بني إسرائيل على منهج الله وانحرفت جماعة عنه فنصر الله من استقام على أعدائهم من كل فرقة خالفتهم من النصارى فصاروا عالين عليهم منصورين بنصر الله.
سورة الجمعة
1. يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ: ينزه الله عن كل عيب ويقدس الله عن كل نقص وعما لا يليق به كل ما في السموات وكل ما في الأرض وهو وحده مالك كل شىء ومدبره والمتصرف فيه لا ينازعه في سلطانه أحد وهو المنزه عن كل نقص الذي عز فغلب وعلا فقهر وله الحكمة المطلقة في الصنع والتقدير والحكم والتدبير.
2. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ: الله وحده الذي أرسل في العرب الذين لا يقرؤون وليس عندهم كتب ولا رسالة سابقة أرسل إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وهو منهم نسبا ودارا يقرأ عليهم القرآن ويزكيهم بالحكمة والقرآن ويطهرهم من كل دنس وعصيان ويعلمهم الآيات البينات والأحاديث المباركات وقد كانوا قبل البعثة في انحراف عن الهدى وانغماس في الردى.
3. وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: وأرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أناس آخرين لم يأتوا بعد سيولدون من العرب وغيرهم وهو وحده العزيز في ملكه فلا يغالب في حكمه قاهر لسواه حكيم في قوله وفعله وشرعه وصنعه.
4. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: هذه البعثة المحمدية الكريمة العظيمة منه من الله وفضل منه على الخليقة يعطي الله هذا الفضل من الرسالة والهداية من أراد من عباده وهو ذو الإحسان العظيم والخير العميم فضله لا يرد وجوده لا يعد وعطاؤه لا يحد.
5. مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ: شبه الله اليهود الذين تعلموا التوراة ثم لم يعملوا بها كالحمار الذي يحمل على ظهره كتبا لا يعلم منها شيئا ولا ينتفع بها قبح والله هذا التشبيه للذين كذبوا بآيات الله وخالفوا رسوله ولم ينتفعوا بالعلم النافع والله لا يوفق كل ظالم لطريق الصواب ولا يرشده إلى الهدى لأنه آثر الغي واختار الضلال.
6. قُلْ يأيها الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: قل أيها النبي لليهود إن كنتم صادين في دعواكم أنكم أحباب الله فتمنوا لقاء الله عن طريق الموت لأن الحبيب يشتاق إلى لقاء حبيبه والحبيب لا يعذب من أحب.
7. وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: ولكن هؤلاء اليهود لا يتمنون أبدا من شدة حبهم للحياة الدنيا وشهواتها وخوفا من عقاب الله بسبب ما قدموا من سوء الفعال وقبيح المعاصي والله عليم بأحوال الظالمين المتعدين لحدوده لا يخفى عليه من عملهم شىء وسوف يحاسبهم.
8. قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: قل لليهود إن الموت الذي تهربون منه واقع بكم لا محالة إذا تم الأجل فهل من الموت مفر؟ وبعد الموت تعودون إلى الله عالم بما خفي وما ظهر وما أسر وما أعلن لا تغيب عنه غائبة ولا يعزب عن علمه شىء فيخبركم بما صنعتم ويجازيكم بما فعلتم.
9. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: يا أيها المؤمنون إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة فتعالوا لسماع الخطبة وحضور الصلاة واتركوا البيع والشراء وكل ما يلهيكم وهذا الذي أمركم الله به خير لكم لما فيه من الثواب العظيم والمغفرة لذنوبكم إن كنتم تعلمون ما ينفعكم فتفعلون ما فيه صلاحكم من العمل كما أن حضور الجمعة واجب عليكم.
10. فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: فإذا استمعتم للخطبة وحضرتم الصلاة فاذهبوا في أنحاء الأرض لطلب المعاش وأكثروا من ذكر الله في كل زمان ومكان ففيه الفوز والفلاح والظفر والنجاح في الدنيا والآخرة.
11. وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ: وإذا رأى بعض الناس تجارة أو لهوا تفرقوا وتركوك أيها النبي قائما تخطب وآثروا الفاني على الباقي فأخبرهم أن ما عند الله من الأجر العظيم والنعيم المقيم أفضل من كل ما يلهي من زينة الدنيا وزخرفها وتجارتها وهو سبحانه خير من وهب وأعطى ومنح وأسدى.
سورة المنافقون
1. إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ: إذا حضر عندك أيها النبي المنافقون وقالوا لك بألسنتهم كذبا نشهد إنك لرسول من عند الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أظهروه من الكلام وأخفوه من الكفر بك وبالإسلام فهم أعلنوا التصديق وأسروا التكذيب.
2. اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: جعل المنافقون خلفهم سترة ووقاية من العقاب والتعزير وأعرضوا عن الحق ومنعوا غيرهم من الدخول في الإسلام فقبح فعلهم وساء تصرفهم فألسنتهم كاذبة وقلوبهم كافرة.
3. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ: وسبب ذلك أنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر فختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم فحرمهم الفهم عنه وعن رسوله صلى الله عليه وسلم فأصبحوا لا يفقهون ما يقال لهم.
4. وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ: وإذا شاهدت هؤلاء المنافقين أعجبتك أشكالهم وهيئتهم فعندهم فصاحة لكن في قلوبهم فقر من الإيمان وفي نفوسهم وحشة من الحق مع سخف عقولهم وانعدام فهمهم فتراهم كالخشب المعتمدة على الجدران يابسة لا حياة فيها ولا نماء يظنون كل صوت من حادث أو نازلة واقعا بهم لسوء ظنهم ومعرفتهم بقبح عملهم ولجبنهم وهلعهم فهم اشد الأعداء وألد الخصوم فخذ الحيطة من مكرهم واحذر من خداعهم أخزاهم الله وأهلكهم وأذلهم كيف ينحرفون عن الهداية وينصرفون عن الحق إلى الغواية والباطل.
5. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ: وإذا قال المؤمنون للمنافقين أقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوبوا من أقوالكم المشينة وأفعالكم القبيحة ليطلب الرسول إلى ربه الغفران لكم فإن المنافقين حينها يحركون رؤوسهم بالمنع استخفافا واستهزاء وتراهم يعرضون عن الهدى ويستكبرون عن الحق فهم لا يتبعون رشدا ولا يقبلون نصحا لفساد القلوب وعمى البصائر.
6. سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ: سواء على هؤلاء المنافقين أطلبت إلى ربك الغفران لهم أم لا تطلب أيها النبي فلن يسامحهم الله ولن يعفو عنهم ولن يتجاوز عن ذنوبهم لأنهم مصرون على الكفر معتقدون التكذيب والله لا يوفق من كفر به وخرج عن طاعته وحارب رسوله وشرعه.
7. هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ: هؤلاء المنافقون هم الذين يقولون لأهل المدينة من الأنصار لا تتصدقوا على المهاجرين حتى يمسهم الفقر ويتفرقوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويتركوه وحده أفلا يعلم هؤلاء المنافقون أن عند الله وحده خزائن الأرزاق وعليه رزق ما في السموات والأرض فهو الرازق وحده أجود من أعطى وأكرم من سئل؟ غير أن السبب في فعل هؤلاء المنافقين أنهم لا يفهمون ما لله من جلال وما عنده من قدرة وما لديه من أرزاق.
8. يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ: يقول هؤلاء المنافقون إذا رجعنا من الغزو إلى المدينة فسوف يخرج الأعز منا يقصدون أنفسهم الأذل يقصدون المهاجرين فأخبرهم الله أن العزة المطلقة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من أتباع محمد ولكن المنافقين لا يعلمون هذا لما استحكم عليهم من الجهل وسوء الفعل وسخف العقل.
9. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ: أيها المؤمنون لا تشغلكم الأموال والأولاد كما أشغلت المنافقين عن طاعة رب العالمين ومن شغله ماله وولده عن عبادة ربه فهذا هو المغبون حظه من الله المضيع نصيبه من الثواب المفرط فيما ينفعه خسرت صفقته وخاب سعيه.
10. وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ: وتصدقوا أيها المؤمنون مما وهبكم الله إياه من مال في سبيله سبحانه قبل أن يهجم عليكم الموت بغته حينها لا وقت للإنفاق ولا زمن لعمل الصالحات فإذا وقع الموت قال الإنسان متحسرا متأسفا يا رب لماذا لم تمهلني قليلا من الزمن؟ فأنفق فيما يرضيك وأسعى في مراضيك وأجاهد فيك وأكون مع الأبرار الأخيار.
11. وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ: والله لا يؤجل نفسا حان موتها وانقضى عمرها فلا تتقدم ساعة عن الأجل ولا تتأخر ساعة وهو وحده سبحانه الخبير بالأعمال والأحوال الطلع على الخوافي العالم بالنيات وسوف يحاسبكم على ما فعلتم فأعدوا العدة.
سورة التغابـــن
1. يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: ينزه الله عما لا يليق به ويقدسه عن المعايب والنقائص ويمجده بالمحامد ما في السموات والأرض له الخلق والتدبير والتصرف والتقدير وله الثناء الحسن الجميل المتضمن لأجل المدائح وأشرف المجد وهو الذي لا يعجزه شىء أن يفعله ولا يتعاظمه أمر قدرته نافذة ومشيئته ماضية.
2. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: الله وحده الذي أوجدكم من العدم ففريق منكم كفر بألوهيته وفريق آمن به واتبع رسله وهو مطلع على أعمالكم عالم بأسراركم لا يخفى عليه منكم خافية وسوف يحاسبكم بما فعلتم.
3. خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ: أوجد السموات والأرض وسواهما بحكمة بالغة واتقان جميل وخلقكم أيها الناس فحسن صوركم وأبدع خلقكم وإليه تعودون فيجازي كل عامل بما عمل بالعدل.
4. يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: لا يخفى عليه بشىء في السموات والأرض قد علم ما فيهما وما بينهما فلا تغيب عنه غائبة ويعلم ما تضمرونه أيها الناس وتخفونه ويعلم ما تضمه الصدور من نيات وما تخفيه النفوس.
5. أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: ألم يأتكم أخبار الكفار على مر الأعصار أذاقهم الله عاقبة سوء أفعالهم ومغبة كفرهم بالرسل هذا في الدنيا ولهم عند الله في الآخرة عذاب النار وبئس القرار.
6. ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ: ذلك الذي عاقبهم الله به في الدنيا والآخرة لأجل أنهم كذبوا الرسل لما جاؤوهم بالآيات البينات والمعجزات الباهرات فأنكروها وردوها وقالوا كيف ينصحنا أناس مثلنا؟ فكذبوا وكفروا بربهم وأعرضوا عن الهدى ولم يقبلوا الحق بل صدوا عنه واستغنى الله عنهم فليس بحاجة إليهم وإلى إسلامهم لأنه الغني غنى مطلقا عاما شاملا فهو محمود في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله وهو غني عمن تولى يحمد عمل من أقبل يعاقب الكافر ويثيب الشاكر.
7. زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ: ادعى الكفار أنهم لن يعودوا بعد الموت أحياء قل لهم أيها الرسول بلى والله ليعيدنكم من خلقكم وليبعثنكم من أماتكم أحياء تحاسبون يخبركم بما عملتم ويجزيكم بما فعلتم وهذا سهل هين عليه لأنه قدير على كل شىء فهو الذي بدأكم وهو قادر على إعادتكم أحياء والإعادة أهون من الابتداء والكل عليه هين.
8. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: فصدقوا بما أنزل الله وصدقوا رسول الله واتبعوا هدي القرآن الذي نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم لأن الله مطلع على أعمالكم لا يخفى عليه شىء من أحوالكم وسيحاسبكم على أفعالكم.
9. يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ: واذكروا يوم الفصل يوم يأت الله بالأولين والآخرين وذلك اليوم يوم ندامة الإنسان وأسف أهل الطغيان وغبن من وقع في العصيان ومن يؤمن بربه ويعمل بطاعة مولاه فالجنة مصيره أنهارها من تحت أشجارها ونورها ملئ قصورها وسرورها عم دورها فهم في النعيم خالدون وهذا هو الفلاح الأبدي والفوز السرمدي.
10. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: والذين جحدوا بالآيات وكذبوا بالرسالات هم أهل النار المستحقون لغضب الجبار ما دام الله والنهار وساءت والله دار القرار.
11. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: ما أصاب البشر من ضرر بقضاء وقدر ومن يصدق بقضاء ربه ينزل السكينة على قلبه والله عليم بمن صدق واستسلم وأذعن لأمر ربه المحكم وقضائه المبرم.
12. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ: وأطيعوا الله أيها العباد بفعل ما أمر به من الرشاد وترك ما نهى عنه من الإثم والفساد وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته واقتفاء سيرته ونصر ملته فإن أعرضتم عن الهداية واخترتم الغواية فليس على الرسول من كفركم ضرر فقد أنذر وأعذر وحذر وبشر وإنما عليه البلاغ المبين وتوضيح السبيل للسالكين.
13. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ: الله وحده المستحق للعبودية الذي لا تصح إلا له الألوهية فعليه فليعتمد كل مؤمن وبه يثق كل مسلم وإليه يتجه كل موحد.
14. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: أيها المؤمنون إن بعض أزواجكم وبعض أولادكم أعداء لكم يشغلونكم عن الطاعات وقد يوقعونكم في المحرمات ويثبطونكم عن الواجبات فخذوا الحذر منهم وقدموا مراد الله على مرادهم وإن تتجاوزوا عن سيئاتهم وتعرضوا عن مؤاخذتهم بها وتسروهم ولا تفضحوهم فإن الله يجازيكم بالمثل فيغفر ذنوبكم ويستر عيوبكم ويمحو خطاياكم ويسدد خللكم.
15. إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ: ما أموالكم ولا أولادكم في الحقيقية إلا اختبار لكم في مسألة الشكر والكفر والجزع والصبر والطاعة والمعصية وما عند الله أعظم وأكرم لمن آثر شكره وصبر لحكمه وأطاع أمره ولم يقدم على دين الله أحدا.
16. فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: فاجتهدوا في الطاعة على قدر الاستطاعة واسمعوا الوحي سماع تقبل واستجابة وأطيعوا الله ورسوله بفعل المأمور وترك المحذور وتصدقوا مما أعطاكم الله لوجه الله فخيره عائد إليكم من الزيادة والطهارة والثواب ومن سلم من البخل وأعطى الفضل اسحق العطاء الجزل فظفر بأجل مطلوب وحصل على كل مرغوب.
17. إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ: إن أنفقتم الأموال لوجه ذي الجلال بإخلاص من كسب حلال ضاعف الله لكم ثواب ما أنفقتم وأجزل لكم أجر ما تصدقتم وغفر بالصدقة ذنوبكم وستر بالجود عيوبكم والله شكور بحسن الثواب لمن أعطى حليم على من أخطأ لا يعجل العقوبة لمن عصى.
18. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: الله وحده عالم بما غاب وما حضر وما خفي وما ظهر عزيز لا يغالب حكم فقهر له الحكمة المطلقة في أقواله وأفعاله.

سورة الطَّـــلاق
1. يأيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا: يا أيها النبي إذا أردت أنت وأتباعك من المؤمنين أن تطلقوا نساءكم فليقع الطلاق في طهر لم يجامع فيه مستقبلات للعدة واحفظوا العدة لتعرفوا متى تكون المراجعة إذا أردتم إعادة النساء إليكم وراقبوا الله في كل ما تأتون وتذرون لا تخرجوا نساءكم إذا طلقتموهن من بيوت إقامتهن حتى تكتمل العدة وهي ثلاث حيض لغير الصغيرة والآيسة من الحيض والحامل ولا يحل لهن الخروج من البيوت إلا إذا ارتكبن معصية كبيرة ظاهرة كالزنا وتلك أحكام الله في الكتاب والسنة ومن يتجاوزهن بمخالفة فقد أورد نفسه المهالك وحملها ما لا تطيق لا تعلم أيها المطلق لعل الله يقدر أمرا لا تتوقعه بعد الطلاق فتراجعها.
2. فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا: فإذا أوشكت المطلقات على اكتمال العدة فراجعوهن مع جميل العشرة الزوجية والإنفاق بالحسنى أو فارقوهن مع إعطائهن حقوقهن بلا نقص واشهدوا رجلين عدلين مسلمين على الطلاق والرجعة واتقوا في الشهادة أن تكون خالصة لله لا لغرض آخر هذه الأحكام ينصح بها من آمن بالله وصدق بلقائه ومن يخش الله فيمتثل أمره ويجتنب نهيه يجعل له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا.
3. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا: ومن يتق ربه يسهل رزقه من حيث لا يدور بباله ولا يخطر بخياله ومن يعتمد على ربه في كل أمر كفاه ما أهمه وكشف عنه ما أغمه وأنجاه من كل ملمة إن أمر الله بالغ نافذ لا يفوته شىء ولا يعجزه مطلوب قد جعل الله لكل أمر أجلا ولكل نازلة حدًا.
4. وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا: والمطلقات اللواتي انقطع عنهن الحيض لكبر السن فإذا شككتم في عدتهن فاجعلوها ثلاثة أشهر وكذلك الصغيرات اللاتي لم يحضن وكل حامل عدتها أن تضع حملها ومن يخش ربه بعمل ما شرع وترك ما نهى عنه يسهل أمره ويشرح صدره.
5. ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا: ذلك المذكور من أحكام العدة والطلاق حكم الله أنزله على رسوله لكم أيها المسلمون لتعملوا به ومن يراقب ربه ويؤد ما أوجبه عليه ويجتنب ما حرم يغفر ذنبه ويستر عيبه ويجزل ثوابه ويدخله جنته.
6. أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى: أسكنوا زوجاتكم المطلقات المعتدات في بيوتكم على قدر طاقتكم وسعتكم من الغنى والفقر ولا تؤذوهن بالمضايقة في البيوت ليخرجن منها وإن كن حوامل فعليكم النفقة من أجل الحمل حتى يضعن حملهن فإن أرضعن أبناءهن منكم فادفعوا إليهن أجرة الرضاعة وليذكر بعضكم بعضا بكل خير من سماحة وحلم وطيب نفس وإن لم تعطوا الأم أجرها أو امتنعت من الرضاعة فغيرها من النساء سوف ترضع الطفل بأجرة.
7. لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا: وعلى الزوج النفقة على امرأته وعلى ولده إذا كان ماله كثيرا والفقير بقدر ما لديه من رزق الله ولا يكلف الفقير في الأجرة كأجرة الغني فكل بقدر ما أعطاه الله والله سوف يجعل بعد كل ضيق مخرجا وبعد كل هم فرجا فبعد الفقر غنى وبعد البلاء عافية.
8. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا: وكم من قرية خالف أهلها أمر الله وعصوا رسله فعاقبهم الله بذنوبهم في الدنيا بالمحن والابتلاءات العظيمة والكوارث الشديدة ثم عذبها الله في الآخرة عذابا مؤلما موجعا فظيعا على سوء العمل وقبيح الفعل.
9. فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا: فتجرع أهلها عاقبة ما فعلوا وذاقوا جزاء ما صنعوا فصار مصيرهم الهوان والخذلان وغضب الجبار في النار.
10. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا: هيأ الله لهؤلاء الفجار عذابا أليما في النار لأنهم كفروا به وكذبوا رسله فاعتبروا يا أهل العقول الراجحة والفطر السليمة بما أصابهم وخذوا حذركم بتقوى ربكم فقد أنزل الله عليكم ما يذكركم بما ينفعكم وينبهكم على ما فيه هلاككم.
11. رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا: وهذا الذكر هو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أتى بالآيات البينات والحكم البالغات حتى يخرج المؤمنين أصحاب الطاعات من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان ومن يؤمن بربه ويطع أمره ويجتنب نهيه يدخله جنات تجري أنهارها تحت أشجارها مقيمين في نعيمها أبدا بلا تحول ولا زوال قد أحسن الله لهم ما أعطاهم من نعيم مقيم في مقعد كريم ومقام عظيم.
12. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا: الله وحده الذي خلق سبع سموات وخلق سبعا من الأرضين لم يشرك في خلقهن غيره ولم يستعن بسواه وأنزل الوحي على رسوله صلى الله عليه وسلم وكل ما فيه تصريف خلقه وتدبير شؤونهم حتى تتيقنوا أيها العباد أنه سبحانه على كل شىء قدير لا يعجز عن شىء ولا يتعاظمه أمر قدرته نافذة وحكمه غالب وأن علمه سبحانه شمل كل شىء فلا تغيب عن علمه غائبة ولا يخفى عليه أمر لأنه الخلاق العليم فالخلق قدرة وإتقان والعلم إطلاع وإحسان.

سورة التحريم
1. يأيها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ: يا ايها النبي لماذا تمنع نفسك من الحلال الذي أحله الله كل؟ وتقسم على تركه إرضاء لزوجاتك والله يغفر ذنب من تاب ويرحم من أناب إليه بحرمته وقد جعل لليمين كفارة.
2. قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ: قد شرع الله لكم كفارة لليمين إذا أردتم عدم إمضائها والله يتولى أموركم برحمته فخف عليكم بالكفارة وهو عليم بما يصلحكم حكيم في شرعه الذي أنزله عليكم فاحتكموا إلى شرعه وارضوا بحكمه.
3. وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ: وإذ أسر النبي إلى زوجته حفصة بحديث مخصوص فأخبرت عائشة فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بإفشاء حفصة سره فأخبر حفصة ببعض ما أخبرت به وترك بعضا تكرما فقالت من أخبرك بهذا وهو سر قال أخبرني الله الذي لا تخفى عليه خافية عليم بما خفي وظهر حكيم فيما شرع وقدر.
4. إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ: إن تتوبا يا عائشة ويا حفصة إلى الله من الميل إلى ما كرهه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث حصل إفشاء سر الرسول صلى الله عليه وسلم وإن تتعاونا على الرسول صلى الله عليه وسلم بما يكرهه فإن الله يتولاه وينصره وجبريل معه وكل صالح من المؤمنين في صفه والملائكة أعوان له على من يؤذيه ويعاديه.
5. عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا: عسى رب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعوضه إذا طلقكن زوجات طائعات له منقادات لأمره عائدات إلى الله بالتوبة والإنابة كثيرات التعبد لله صائمات منهن ثيبات ومنهن أبكار.
6. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ: أيها المؤمنون اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية واحفظوا أهلكم كأنفسكم بأمرهم بطاعة الله وترك معاصيه واحذروا النار التي وقودها الكفار والأحجار عليها ملائكة الملك الجبار أقوياء في أنفسهم قساة في معاملاتهم لا يخالفون أمر الله ولا يرتكبون نهيه يطيعون ولا يعصون.
7. يأيها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: أيها الكفار ذهب وقت الاعتذار وقد سبق منكم الكفر في الدنيا فلكم النار جزاء على فعلكم المشين من معصية الجبار مع التكذيب والاستكبار.
8. يأيها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: أيها المؤمنون توبوا من كل ذنب توبة لا رجوع بعدها للمعاصي خالصة لوجه الله عسى ربكم أن يغفر لكم السيئات ويمحو الخطيئات ويدخلكم الجنات التي أنهارها من تحت أشجارها ونورها ملء قصورها في يوم القيامة الذي لا يخزي فيه الله نبيه ولا عباده الصالحين ولا يفضحهم ولا يعذبهم بل يسعدهم ويثيبهم ويعلي شأنهم نورهم يسعى أمامهم وفي أيمانهم يدعون ربهم بدوام هذا النور حتى يتم المرور على الصراط إلى دار الحبور مع غفران الذنوب وستر العيوب ورضوان علام الغيوب لأن الله على كل شىء قدير غلب أمره على غيره ونفذ حكمه بما أراد لا يرده راد.
9. يأيها النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: أيها النبي جاهد من أظهر الكفر وأعلنه ومن كتمه وأبطنه وأظهر الإسلام بالألسنة جاهدهم باليد واللسان والسيف والسنان والقلم والبيان واستعمل أيها النبي الشدة مع هؤلاء ليعز أمر الإسلام ويرهب جانبه ومسكن هؤلاء الفجار النار وبئس دار القرار.
10. ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ: شبه الله هؤلاء الكفار في مخالطتهم للأبرار مع عدم الانتفاع بذلك لكفرهم بالواحد القهار مثل زوجة نوح وزوجة لوط كانتا في عصمة عبدين صالحين ورسولين كريمين فخانتاهما في الدين حيث كانتا مكذبتين فلم يدفع هذان الزوجان عن هاتين الزوجتين عذاب الله وقيل ادخلا النار مع من دخلها من الفجار وفيه دليل على أن القرب من الصالحين بالأبدان لا ينفع إذا لم يكن هناك إيمان وطاعة لله وحده.
11. وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ: وشبه الله المؤمنين في مخالطتهم الكفار ومعاملتهم الفجار وأنها لا تضرهم لأنهم آمنوا بربهم واتبعوا رسوله صلى الله عليه وسلم مثل زوجة فرعون التي كانت في عصمة هذا الطاغية لكنها لما آمنت بالله ما ضرها القرب من هذا الكافر وقد دعت ربها بحسن جوار العزيز الغفار مع الأبرار في تلك الدار مع البعد عن عمل الأشرار ودار الفجار.
12. وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ: وشبه الله المؤمنين في صدقهم وعفافهم وصبرهم بمريم البتول الطاهرة التي صانت عرضها وحفظت فرجها واتقت ربها فعوضها الله فنفخ جبريل فيجيب قميصها ووصلت النفخة إلى رحمها فحملت بعيسى عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروح منه وصدقت مريم بكلمات ربها ورسالاته وعلمت بشرعه واتبعت هداه وكانت عابدة مطيعة منقطعة إلى ربها ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه فهي لما تركت الحرام رزقها الله بنبي إمام.
سورة المــلك
1- تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: تعالى الله عن الأنداد، وتنزه عن الأضداد، وتقدس عما سواه في الذات والأسماء والصفات، وتكاثر خيره، وعم بره على جميع خلقه، بيده ملك الدنيا والآخرة، وله السلطان المطلق، أمره نافذ، وقضاؤه ماض، وحكمه فصل لا يعجزه أمر ولا يتعاظمه شئ لأنه قدير.
2- الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ: الذي خلق الموت والحياة، فأحيا من العدم وأفنى الأمم، ليختبر الناس أيهم أخلص عملا وأصوبه، فالإيمان امتحان الإنسان، فإما أن يطيع الرحمن، أو أن يتبع الشيطان، والله عزيز لا يعجزه شئ لا يغالب، عز فقهر، وحكم فقدر، وهو يغفر جميع الذنوب لمن تاب، ويتجاوز عن خطايا من أناب. وفيها ترغيب في الطاعة وزجر عن المعصية.
3- الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ: وهو الذي خلق سبع سماوات شداد بناها بقوة، وزينها للناظرين، ورفعها بلا عمد، وجعل بعضها فوق بعض، ومن رحمته سواها وأحسن مبناها وجملها وأعلاها، لا ترى فيها اختلافا ولا تباينا، فأعد البصر وتأكد بتكرير النظر هل ترى فيها من شقوق أو صدوع؟ بل بناء محكم، وصنع منظم.
4- ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ: ثم كرر النظر مرة بعد مرة، يرجع إليك البصر ذليلا صاغرا عن أن يرى نقصا، عجز والله أن يبصر عيبا، فصال متعبا كليلا، مرهقا ذليلا.
5- وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ: ولقد جملنا السماء الدنيا بنجوم باهية، وكواكب زاهية، وصيرناها شهبا محرقة لمسترقي السمع من الشياطين، وتحفظ السماء من المردة؛ ليبقى الوحي محفوظا من النقص والزيادة، وهيأنا للشياطين وأتباعهم نارا موقدة، وجحيما مؤصدة، في عمد ممددة.
6- وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ: ولمن كفر بالله – وهو الذي خلقهم ورزقهم – عذاب دائم في جهنم، وساء معادهم وقبح مردهم، لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها، ولا يزحزحون عنها.
7- إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ: إذا طرح الكفار في النار سمعوا لها شهيقا وزفيرا: لأنها تضطرم اضطراما شديدا، أكل بعضها بعضا، وغلت غليانا شديدا ذاب من حرها الحجر فكيف البشر.
8- تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ: تكاد النار تتمزق من شدة غيظها على الكفار، فهي تتوقد وتحترق، كما طرح في النار جماعة من الكفار سألتهم الملائكة الموكلون بالعذاب، موبخين لهم: أما جاءكم في الدنيا رسول ينذركم هذا العذاب، ويحذركم هذا العقاب؟!
9- قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ: قال الكفار لخزنة النار: بلى قد جاءنا رسول من الله فحذرنا وأنذرنا، وبين لنا الحق من الباطل، لكننا كذبناه وحاربناه، وقلنا: ما نزل الله على بشر من شئ، وما أوحى الله إلى أحد وحيا، ما أنتم – أيها الرسل – إلا بعيدون عن الصواب، ضالون عن الحق واهمون.
10- وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ: وقالوا مقرين بضلالهم معترفين بجرمهم: لو كنا نسمع سماع قبول واستجابة، ونفكر تفكير فقه وإصابة ما كنا في أهل النار مستوجبين لغضب الجبار، فلم نسمع القول، ولم نفكر في المعنى.
11- فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ: فأقروا بالكفر واعترفوا بالذنب الذي استحقوا به غضب الرب، فبعدا وهلاكا لهم وخزيا وخسرانا لمن هذا حاله، وإلى النار ماله.
12- إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ: إن الذين يخافون الله فيعبدونه ولا يعصونه، ويطيعونه وهم لا يرونه، ويخلصون له وهم غائبون عن عيون الناس، ويخشون عذاب النار قبل معاينتها بالأبصار، فلهم العفو من الله عن الذنوب، والستر على الخطايا، والثواب العظيم والأجر الكريم في جنات النعيم.
13- وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ: وسواء أخفيتم الأقوال أم أعلنتموها فهي سواء عند الله، فإنه يعلم السر وأخفى، فالجهر والعلانية عنده سواء؛ لأنه يعلم مضمرات الصدور، فكيف يخفى عليه ما ظهر من الأمور؟
14- أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ: ألا يعلم سبحانه الأقوال والأعمال خفيها وظاهرها، سرها وعلانيتها، وهو الذي لطف علمه حتى علم الدقيق، واطلع على الخفي، وأحاط بكل شئ علما حتى علم ظاهره وباطنه، ولم يفته من علمه شىء.
15- هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ: والله وحده الذي صير لكم الأرض فراشا ومهادا للاستقرار والعمار، وبسطها وسواها للحياة والمعاش، وجعلها ذلولا، فسيروا في نواحيها، واطلبوا الرزق في أطرافها، وتناولوا ما أباحه الله لكم من خيراتها، وليست دار مقر، إنما دار عبور وممر؛ فسوف تموتون ثم إلى الله تبعثون، وعنده تحاسبون، فأعدوا العدة وأصلحوا الزاد.
16- أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ : هل أمنتم – أيها الناس – الله سبحانه الذي هو في السماء مستو على عرشه أن يغضب عليكم بمعاصيكم؛ فيخسف بكم الأرض ويزلزلها عليكم فيهلككم ويدمركم.
17- أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ: هل أمنتم الله الذي في السماء عال على خلقه مستو على عرشه أن يرسل عليكم ريحا شديدة ترميكم بالحجارة؛ فإذا رأيتم العذاب وعاينتم العقاب علمتم صحة تحذير الله لكم، وتيقنتم صدق تخويفه لعباده على ألسنة رسله.
18- وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ: ولقد كذب بالرسل أقوام من الأمم قبل كفار مكة؛ كقوم نوح، وعاد، وثمود وغيرهم، فانظر كيف كانت نهايتهم؟ وكيف أنكرت عملهم وبتدميرهم وإنزال أقسى العقوبات بهم؟ فصاروا لمن بعدهم عبرة، وفي الدهر مثلا.
19- أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ: لماذا لا يتفكر الناس في خلق الطير وهي فوق رؤوسهم في السماء؟ تبسط أجنحتها عند الطيران، وتقبضها عند الوقوف، سابحة في الهواء، من الذي أمسكها من الوقوع وحفظها من السقوط إلا الله الذي برحمته عم خلقه برعايته ومنها الطير، إنه بصير بالخليقة في الخلق والتقدير والإبداع والتصوير.
20- أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ: بل من هو الذي ينصركم في زعمكم إذا أراد الله بكم سوءا؟ ومن هو حزبكم الذي يدافع عنكم، ويصرف عنكم الأذى غير الرحمن، لكن الكفار في زعمهم هذا في خديعة واغترار.
21- أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ: من هو الرزاق لكم غير الله إذا أمسك الله رزقه عنكم؟ غير أن الكفار مستمرون في الطغيان، دائبون في معصية الرحمن، مستكبرون عن قبول الحق، نافرون من سماع الصدق، لا سماع استجابة، ولا عمل إصابة.
22- أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: أفمن يسير منكوسا على وجه رأسه أسفل ورجلاه أعلى لا يبصر طريقا ولا يهتدي لسبيل، انقلبت عليه الأمور، هل هذا أهدى وأبصر ممن يمشي على طبيعته منتصب القامة، عارفا طريقه، سالكا السبيل الواضح في رشد وسداد، وهذا مثل الكافر والمؤمن في الغواية والهداية.
23- قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ: قل لهؤلاء الكفار: الله وحده الذي أنشأكم من العدم، وغذاكم بالنعم، ومنحكم السمع لسماع الأصوات، والبصر لمشاهدة المرئيات، والقلوب لتدبر الملومات، فما أقل شكركم على نعم ربكم، قابلتم الإحسان بالكفران، والامتنان بالنكران.
24- قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: والله وحده الذي خلقكم من العدم، وبثكم في الأرض، وإليه وحده تعودون؛ ليوفي كل عامل ما عمل، فمنه البدء وإليه النهاية، وأعاد وتكفل برزق العباد، وإليه المعاد.
25- وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: ويقول الكفار: متى البعث والنشور؟ ومتى خروجنا من القبور؟ تكذيبا واستبعادا، أخبرونا بهذا الأجل إن كنتم صادقين فيما تدعون، مصيبين فيما تزعمون.
26- قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ: قل لهم – أيها النبي - : إن موعد قيام الساعة لا يعلمه إلا الله، قد اختص الله بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه، لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا، فليست مهمتي الإخبار بل الإنذار، فما جئت لأخبركم متى قيام الساعة، لكن أتيت أحذركم أهوالها.
27- فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ: فلما رأى الكفار عذاب الملك الجبار قد اقترب منهم وعاينوه، ودنا منهم وأبصروهم، شاهت وجوههم، وقبحت مناظرهم، وعلاهم الذل والصغار والكآبة والغبار، وقيل لهم – تقريعا: هذا ما كنت تستعجلون من العذاب، وتستبعدونه من العقاب، نزل بكم يوم الحساب.
28- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ: قل – أيها النبي – لهؤلاء الكفار: أخبروني إن توفاني ربي وتوفى من معي من المؤمنين، أو رحمنا فاخر موتنا إلى أجل معلوم، وصرف عنا عذابه ورد عنا عقابه، فمن يحميكم أنتم من أخذ الله، ومن يمنعكم من غضب الله إذا أرادكم بعذاب موجع وعقاب فظيع.
29- قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: قل للكفار: ربي الله الذي عمت رحمته، وعظم حلمه، صدقنا قوله واتبعنا تنزيله، واعتمدنا عليه، وفوضنا أمرنا إليه، فستعلمون – أيها المكذبون – هل نحن أو أنتم في ضلال ظاهر، وغواية عظيمة، وانحراف عن الحق كبير؟
30- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ: قل – أيها النبي – للكفار: أخبروني لو اختفى ماؤكم في قعر الأرض، ورسب في باطنها ولم تقدروا على إخراجه، فمن غير الواحد الأحد يعوضكم بماء عذب زلال يجري على ظاهر الأرض تبصرونه بالعيون في الآبار والأنهار والعيون؟!
سورة القلـــم
1. ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ: نون، الله أعلم بمراده به، مع العلم أن له معاني جليلة ومقاصد نبيلة، وأقسم قسما بالقلم الذي يكتب به الملائكة والبشر، فإن القلم جليل القدر، عظيم النفع، شريف المحل، وأقسم بما يكتبون به من أخبار نافعة، وأحكام مفيدة، وعلوم مباركة، وآثار خالدة.
2. مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ: ما أنت يا محمد بما أنعم الله عليك به من الرسالة بذاهب العقل، أو طائش الفكر، أو فاقد الرأي، بل أنت المعصوم الملهم، والمحفوظ المسدد، تام الإدراك، كامل الرشد على هداية ربانية وعناية إلهية.
3. وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ: وإن لك عند الله أجرا عظيما، وثوابا كريما، على تبليغك الرسالة، وهدايتك للناس من الضلالة، أجرا غير منقوص وغير مقطوع.
4. وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ: ووالله إنك يا محمد على خلق عظيم من كريم الشمائل، وجميل الفضائل، وأشرف المناقب، وأجل المواهب، فهو صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في كل خلق نبيل وكل نهج جليل، فقد كان خلقه القرآن، يتمثل أوامره وينتهي عن نواهيه.
5. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ: فسوف يظهر لك – أيها النبي – ويظهر لأعدائك الكفار أيكم أهدى سبيلا، وأقوم طريقا، وأحسن نهجا، إذا بدت عواقب الأمور وخواتم الأحداث.
6. بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ: وسوف تعلم يا محمد ويعلم أعداؤكم أيكم الخاسر في دينه، المصاب في عقله، حينها يعرف المفتون ويبين المجنون.
7. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ: إن الله يعلم الشقي من التقي، والضال من المهتدي: لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شىء، علم ما حوته الضمائر، واطلع على ما أكنته السرائر.
8. فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ: فاستمر على هداك وأثبت على دينك، فأنت على الحق وهم على الباطل، فلا تطعهم في آرائهم، ولا تتبع أهواءهم.
9. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ: تمنوا أن تلاينهم بترك شىء من دينك، وتصانعهم بموافقتهم على بعض ما يرون، وهم أيضا يلينون لك ببعض الموافقة لتلتقي معهم على أمر موافق؛ لأنهم على غير بينة ولا برهان.
10. وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ: ولا تطع – أيها النبي كل فاجر كثير الأيمان بالزور والبهتان، كذاب هانت عليه نفسه، حقيق لا مروءة له.
11. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ: مغتاب للناس يلمز الأعراض، ويطلب المعايب، ينقل الكلام البين الآثام؛ لزرع الفتنة والإفساد بينهم، فهو فاسد في نفسه، مفسد لغيره، حريص على قطع الأواصر والتفريق بين المؤمنين.
12. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ: بخيل بالخير عن غيره من مال وجاه وخلق، يعتدي على حقوق الله وحقوق خلقه، لا تردعه تقوى، كثير الآثام من خصام، وأكل حرام، وأذية الأنام.
13. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ: شديد في كفره، قوي في مكره، ممعن في فجوره، فاحش في أفعاله، لئيم في خصاله، غير منسوب إلى أب، فلا مروءة، ولا حسب، ولا شهامة، ولا أدب.
14. أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ: لأجل أنه صاحب مال وأولاد، يمعن في الفساد والكفر برب العباد، وكان الأولى به أن يشكر ولا يكفر، ويتواضع ولا يتكبر.
15. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ: إذا قرئ عليه القرآن قال: هذه أساطير، وخرافات الأولين القدماء، ولا قيمة له.
16. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ: سنجعل على أنفه علامة من الخزي والعار والملامة، يفتضح بها أمام الناس.
17. إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ: إنا اختبرنا هؤلاء الكفار، بالجوع والقحط ونقص الثمار، كما اختبرنا أصحاب البستان الذين حلفوا ليقطعن ثماره في الصباح الباكر، وعلى حين غفلة من المساكين؛ حتى لا يعطوهم شيئا.
18. وَلا يَسْتَثْنُونَ: أقسموا ولم يستثنوا في الأثمان، وجزموا ولم يجعلوا ذلك تحت مشيئة الرحمن.
19. فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ: فأنزل الله على الحديقة حريقا وهم مستغرقون في نومهم، فأخذت على غفلة منهم جزاء قصدهم قطفها على حين غفلة من الفقراء.
20. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ: فأصبحت بعد الحريق مثل الصريم أي القطعة من الليل البهيم، هامدة سوداء، لم تبق فيها شجرة خضراء.
21. فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ: فصاح بعضهم ببعض وقت الصباح، ليبادروا النهار قبل أن يراهم مسكين، أو يحس بهم فقير، وهذا شأن البخيل يستتر عن الناس.
22. أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ: وطلب بعضهم من بعض أن يبكروا إلى بستانهم لحصده قبل أن يطرقهم صاحب حاجة بخلا منهم بثمار الزروع، فعجلوا بالإبكار لقطع الثمار.
23. فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ: فأسرعوا إلى بستانهم يسرون حديثهم لئلا يسمعهم أحد من أهل البلد، وهذا شأن الشحيح، يخفي شخصه وصوته؛ بخلا بماله وطعامه.
24. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ: اتفقوا على منع أي مسكين من دخول البستان، فقد أجمعوا على ذلك فبكروا وأخفوا أشخاصهم بالظلام، وأسروا الكلام، وعجلوا بالصرام.
25. وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ: وذهبوا مبكرين مع حقدهم على المساكين، وقصدهم السئ من البخل على المحتاجين، واعتقدوا بقدرتهم على تنفيذ إرادتهم في منع الفقراء من ضيافتهم.
26. فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ: فلما رأوا الحديقة في حريقة مسودة هامدة، قالوا: ربما أخطأنا طريقنا فهذه ليست حديقتنا بعدما تغيرت معالمها.
27. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ: فلما عرفوا أنها حديقتهم قالوا: بل حرمنا خيرها بقصدنا السئ في منع المساكين من ثمارها، وهذا جزاؤنا حل بنا.
28. قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ: قال أعدلهم وخيرهم: ألم أنصحكم بالاستثناء في اليمين، ورد المشيئة لرب العالمين.
29. قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ: فقالوا بعدما راجعوا أنفسهم وندموا على فعلهم: تنزه الله عن ظلمنا فيما أصابنا، بل نحن ظلمنا أنفسنا بسوء فعلنا بترك الاستثناء ومنع الفقراء، والبخل بالعطاء.
30. فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ: فرع بعضهم على بعض بالملامة بعد الأسف والندامة، فتحسروا من سوء صنيعهم، وقبح مقصدهم في البخل.
31. قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ: قالوا: يا ويلنا إنا تجاوزنا الحد في معصيتنا لربنا بمنعنا الفقراء من الصدقة وما أصابنا إلا بذنوبنا. والطغيان منع الحق أو مجاوزة الحد.
32. عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ: عسى ربنا أن يعوضنا أفضل من حديقتنا بسبب توبتنا من خطيئتنا، إنا إلى الله وحده راغبون، نطمع في ثوابه، ونخاف من عقابه.
33. كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ: مثل عقابنا لأهل الحديقة نعاقب في الدنيا كل من مال عن الطريقة، فكل من بخل بالنعم عاقبناه بأنواع النقم، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، لو كانوا يعلمون هذه الحقيقة: لتركوا كل سبب يوجب العقاب، ولكن الجهل يورد صاحبه المهالك.
34. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ: إن للذين اتقوا ربهم بفعل ما أمر واجتناب ما عنه زجر، جنات فيها نعيم مقيم، وأجر عظيم، في جوار رب كريم.
35. أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ: افنجعل من أطاع ربه وانقاد لأمره كمن كفر به وتجاوز حدوده، هذا لا يكون، فالمسلم مأجور مشكور، والمجرم مخذول مدحور.
36. مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ: ما لكم في حكمكم الجائر تساوون بينهم في الفضل والثواب، وهم ليسوا سواء في عملهم.
37. أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ: أم عندكم كتاب منزل من الله تقرؤون فيه هذا الحكم الجائر الذي يساوي بين التقي والشقي، فأنتم تدرسون فيه هذا الحكم، فلا العقل وافقتم، ولا النقل ابتعتم.
38. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ: إن لكم إذا في هذا الكتاب ما تشتهون، فهو مع أهوائكم في سوء اختاركم، والصحيح أن هذا ليس موجودا، فلا كتاب لديكم ولا دليل يؤيدكم.
39. أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ: أم لكم عهود علينا موثقة مثبتة في أنه سيحصل لكم ما تحبون وتشتهون، بل هذه أمان لا تحقق.
40. سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ: سل أيها النبي الكفار أيهم بهذا الحكم كفيل وضامن أن الأمر يحصل كما أرادوا؟ وليس لهم على الزعم كفيل، وعلى الدعوى دليل.
41. أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ: أم لهم آلهة تضمن لهم ما ادعوه، وتعينهم على ما طلبوه، فليحضروهم إن كانوا صادقين فيما قالوه.
42. يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ: يوم القيامة يشتد الخطب، ويعظم الكرب، ويأت الله تعالى لفصل القضاء بين الناس، ويكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شىء، ويأمر الناس بالسجود في العرصات، فالمؤمنون الذين سجدوا له في الدنيا يستطيعون السجود في الآخرة، والكفار والمنافقون يصعب عليهم السجود، ويصبح ظهر أحدهم طبقا واحدا لا ينحني؛ لأنهم رفضوا السجود في الدنيا.
43. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ: منكسرة أبصارهم من الخوف تغشاهم ذلة شديدة، وقد كانوا في الدنيا يؤمرون بالسجود لله في الصلاة مستطيعين أصحاء، فلا يسجدون؛ كبرا وعتوا، فعوقبوا بحرماتهم السجود يوم القيامة.
44. فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ: فذرني – أيها النبي – والمكذبين بهذا القرآن، فسوف أنتقم منهم وأعذبهم، وسنمدهم بالنعم ونصب عليهم الدنيا ونسوقهم إلى الهلاك من حيث لا يشعرون بالخطر ولا يدرون بسبب الهلاك، فيؤخذون على غرة.
45. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ: وأمهلهم ليزدادوا إثما، وأطيل أعمارهم في الدنيا، فينغمسون في لهوهم، إن كيدي بأعدائي قوي شديد؛ لأنه لا يظهر للعاصي حتى يقع فيه.
46. أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ: هل تسأل – أيها النبي – الكفار أجرة دنيوية على تبليغ الرسالة والدعوة إلى الله؟ فهم مثقلون بغرامة الأجرة، قد كلفتهم بهذه الأجرة حملا ثقيلا، والصحيح: إنك تدعوهم لوجه الله وأجرك على الله، فلماذا يتبرمون من دعوتك؟!
47. أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ: هل أطلعوا على علم الغيب فهم يكتبون عن علم ويحكمون عن عدل حينما يرون أنهم أفضل من أهل الإيمان؟ وهم في الحقيقة جاهلون عبدة أوثان، لا علم عندهم ولا برهان.
48. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ: فاصبر أيها النبي لما حكم ربك وقدر من إمهاله لمن كفر وتأخير النصر والظفر، ولا تكن كيونس صلى الله عليه وسلم لما استعجل أمر ربه وغضب على قومه وهرب منهم، فالتقمه الحوت، فدعا ربه بعد أن امتلأ غما وهما وكربا، فنادى بكلمة الفرج مستغفرا تائبا فنجاه ربه.
49. لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ: لولا أن الله أنقذه بلطفه وأدركه برعايته بعدما أعلن توبته؛ لطرح من بطن الحوت في البيداء المهلكة بلا غذاء، ولا ماء ولا كساء، مع الملامة على تقصيره.
50. فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ: فاصطفاه الله برسالته إلى قومه، وأعاده إلى وطنه داعية إلى سبيله؛ صالحا مصلحا حسن منه الحال والفعال والمقال.
51. وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ: ولقد أوشك الكفار أن يسقطوك بالأبصار؛ عداوة لك وبغضا لما سمعوا كلام الواحد القهار، ويتهمونك بالجنون؛ ليقدحوا في شخصك الكريم، فيبطلوا دعوتك إلى الصراط المستقيم.
52. وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ: وما القرآن إلا موعظة للبشر، وتذكير لمن اذكر، ونصائح لمن اعتبر، فمن شاء آمن، ومن شاء كف.
سورة الحاقة
1. الْحَاقَّةُ: الحاقة هي القيامة التي يحق فيها الحق ويبطل الباطل، ويتحقق فيها الوعد والوعيد، والثواب والعقاب.
2. مَا الْحَاقَّةُ: ما القيامة الواقعة حقا في صفتها وأهوالها وأخطارها وأحوالها. والاستفهام للتفخيم، والإبهام للتعظيم.
3. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ: وما أعلمك – أيها النبي – بحقيقة القيامة، فهي فوق الوصف وأعظم من التصور، خبرها هائل، ونبؤها عظيم.
4. كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ: كذبت ثمود، قوم صالح، وعاد، قوم هود بالقيامة التي تقرع القلوب بهولها، فقد سبق هؤلاء الأقوام قومك في التكذيب، فاصبر كما صبر الرسل من قبلك.
5. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ: فأما ثمود فأهلكهم الله بصيحة خلعت قلوبهم، وأزهقت أرواحهم، ودمرت مساكنهم من شدتها.
6. وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ: وأما عاد فأهلكهم الله بريح شديدة قوية، تدمر كل شىء بأمر الله، لها صوت عظيم، وسرعة هائلة.
7. سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ: سلطها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متتابعة بلا فتور ولا انقطاع، فأهلكتهم فصارت جثتهم بعد الموت كأصول النخل المقطوع المطروح على وجه الأرض.
8. فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيةٍ: فهل تبصر لهم بقية بعد الهلاك، أو نفسا حية بعد الدمار، بل قطع دابرهم ولم يبق منهم أحدا.
9. وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ: وأتى فرعون ومن قبله من الأمم المكذبة: قوم لوط بالفعلة الشنيعة والخطيئة الفظيعة من الكفر بالله تعالى والخطايا والسيئات.
10. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً: فكل أمة عصت رسولها فكذبوه وآذوه فأخذهم الله أخذة قوية، وعاقبهم عقوبة شديدة.
11. إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ: إنا لما زاد الطوفان وتجاوز حده في عهد "نوح" حملنا أجدادكم في السفينة مع نوح، وأنقذناكم من الغرق.
12. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ: لنجعل تلك الواقعة التي أهلكنا فيها الكافرين ونجينا المسلمين عبرة وعظة، وتحفظها كل أذن حافظة لما يقال، وتعقل ما تسمع.
13. فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ: فإذا نفخ الملك في القرن النفخة الأولى عند هلاك العالم وهي نفخة واحدة تفني الأحياء، وتتغير بسببها الأرض والسماء.
14. وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً: واقتلعت الأرض والجبال، ثم رفعتا فزلزلتا ودكتا وصارت هباء في الهواء بهزة واحدة قوية هائلة.
15. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ: حينها تقوم القيامة وتقع الساعة التي هي أعظم حدث سيعرفه الإنسان في الأكوان.
16. وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ: وتصدعت السماء وتشققت، فإذا هي بعد القوة والسمك مسترخية لينة ضعيفة البناء والتماسك.
17. وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ: والملائكة على أطراف السماء واقفون على جوانبها، ويحمل عرش الله – عزوجل – ثمانية من الملائكة العظام، لا يعلم قوتهم إلا الملك العلام.
18. يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ: حينها تعرضون على الله للحساب من ثواب وعقاب، لا يخفى على الله من أسراركم شىء، قد علم السرائر، واطلع على ما في الضمائر.
19. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ: فأما من أعطاه الله كتابه بيمينه لإيمانه ويقينه فيا قرة عينه وقتها، يقول من الفرح والسرور: خذوا طالعوا كتابي، إني أيقنت بحسابي، فأحسنت عملي ليحسن الله ثوابي.
20. إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ: إني آمنت بلقاء ربي للحساب، وتيقنت بالبعث بعد الموت. فأخذت للعرض عدته.
21. فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ: فهو في عيشة هنيئة، حياة رضية، من بهجة النفس وقرة العين، نعيم دائم، ومقام كريم.
22. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ: فهو في عيشة هنيئة، حياة رضية، من بهجة النفس وقدرة العين، نعيم دائم، ومقام كريم.
23. قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ: ثمارها قريبة دانية، وأغصانها لينة متدلية، تصل إلى أهل الجنة في سهولة ويسر.
24. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ: كلوا واشربوا بلا من وأذى، ولا تكدري ولا تنغيص، مع الأمن والسلام، في أحسن مقام، وأطيب إكرام، وأجزل إنعام؛ جزاء لأعمالكم الصالحة في أيام الدنيا السالفة.
25. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ: وأما من أعطى كتابه بشماله لسوء أعماله، وقبح أفعاله فينادي من التحسر: ليتني لم أعط كتابي لسوء حسابي.
26. وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ: ليتني لم أعلم بجزائي هذا؛ لأنه عذاب أليم، وعقاب فظيع على سوء العمل.
27. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ: يا ليت الموت الذي ذقته كان نهاية أمري، ولم أبعث من قبري، ولم أقف في حشري.
28. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ: ما نفعني مالي الذي جمعته ولأزمات أدخرته، وقد خزنته وخدمته، فخذني اليوم.
29. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ: ذهبت حجتي ولم يعد لي حجة أحتج بها، وفقد جاهي وسلطاني وندي وأعواني، وخذلني إخواني.
30. خُذُوهُ فَغُلُّوهُ: يقول الجبار – سبحانه – لخزنة النار: خذوا هذا المجرم العنيد والفاجر المريد، فاجمعوا يديه إلى عنقه مغلولا، وألقوه في جهنم مدحورا مخذولا.
31. ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ: ثم أدخلوه النار يصلي حرها، ويذوق آلامها، ويقاسي نكالها، ويعاني أغلالها.
32. ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ: ثم أدخلوا في جسمه سلسلة من حديد طولها سبعون ذراعا تدخل مع فمه وتخرج مع دبره، وهذه غاية العقوبة، ونهاية العذاب.
33. إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ: إنه كان لا يصدق بألوهية الله، ولا يذعن لعبوديته، ولا يعترف بوحدانيته، والله المستحق للعبادة عظيم الذات والصفات.
34. وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ: ولا يحث غيره على إطعام المساكين والمحتاجين، فهو بخيل ويأمر الناس بالبخل.
35. فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ: فليس له يوم القيامة قريب ينفعه، ولا ولي يشفع له، ولا ناصر يدافع عنه.
36. وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ: ولا طعام له إلا من صديد أهل النار، وقيح الفجار، ونتن الكفار.
37. لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ: لا يأكل هذا الطعام إلا من أصر على الآثام، ولم يتب من الإجرام، وكفر بالإسلام.
38. فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ: فلا أقسم بما تبصرون من المرئيات، وتشاهدونه من المخلوقات.
39. وَمَا لا تُبْصِرُونَ: وأقسم بما لا تبصرونه من الكائنات، وما غاب عنكم من سائر الموجودات.
40. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ: إن القرآن العظيم يتلوه رسول كريم، صادق في قوله، بار في فعله، شريف في فضائله.
41. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ: وما هذا القرآن بقول شاعر كما تزعمون، وتصديقكم بالحق قليل، فما أقل إيمانكم وما أكثر كفركم.
42. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ: وليس القرآن بسجع كهان، بل هو كلام الرحمن، قليلا ما يكون عندكم تفكر، وتأمل الفرق بين القرآن وسجع الكهان.
43. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ: ولكن القرآن كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد؛ ليكون من المنذرين.
44. وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ: ولو ادعى علينا محمد شيئا لم نقله، ونسب إلينا كلاما لم نتكلم به – وحاشاه صلى الله عليه وسلم – وهذا تنزل عقلي في الجدل، وافتراض في النظر.
45. لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ: لانتقمنا منه وأخذنا منه باليمين، وهذا وعيد شديد، وترهيب بعذاب رهيب، لو حصل أن تقول علينا محمد صلى الله عليه وسلم وحاشاه أن يفعل.
46. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ: ثم لقطنا منه نياط قلبه الذي هو مصدر الوعي والحياة، فلا يعيش بعده، فالحياة والموت بيد الله تعالى.
47. فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ: فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عقابنا عنه ولا يمنعه منا، فلا يحول بين الله وعباده أحد من خلقه.
48. وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ: وإن هذا القرآن لعظة عظيمة لمن اتقى الله وخافه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه.
49. وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ: وإنا لنعلم أن منكم من يكذب بهذا القرآن بعد سطوع بيانه، وظهور برهانه، وجلالة سلطانه.
50. وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ: وإن التكذيب بالقرآن لندامة على الكفار عبدة الأوثان حينما يدخلون النيران، ويرون المؤمنين في الجنان.
51. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ: وإن القرآن لحق ثابت، ويقين لا شك فيه، منزل بالحق، موحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق.
52. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ: فنزه الله عزوجل عما لا يليق به فما نسبه إليه أعداؤه أو كذبوا بكتابه أو رسوله، فإنه عظيم – عزوجل – في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالتسبيح نفي للنقص، والتعظيم إثبات للكمال.
سورة المعـــارج
1. سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ: دعا داع من الكفار على نفسه وقومه بعذاب الجبار وهو واقع بهم في النار، فلماذا يستعجلونه في هذه الدار؟!!
2. لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ: وهذا العذاب الشديد هو للكفار بالوعد والوعيد، فليس لهذا العذاب مانع يمنعه من الله، ولا راد يرده من الواحد الأحد.
3. مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ: والعذاب من الله – جل جلاله - ذي العلو والجلالة، وهذا دليل على عظيم قهره، وعلو قدره، وقوة أمره.
4. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ: تصعد الملائكة وجبريل إليه – سبحانه – في يوم قدره خمسون ألف سنة من سني الدنيا، وهو يوم القيامة الذي هو على المؤمن مثل الصلاة المكتوبة.
5. فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا: فاصبر أيها النبي على أذى الكفار صبرا لا جزع فيه من الأذى، ولا تبرما، ولا شكوى.
6. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا: إن الكفار يستبعدون عذاب يوم الحساب، فهم يرونه غير واقع، فلا يؤمنون به.
7. وَنَرَاهُ قَرِيبًا: ونحن نرى يوم الحساب واقعا قريبا لا محالة كائنا لا شك فيه، قد قرب حصوله، وأوشك وقوعه.
8. يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ: إذا قامت القيامة تكون السماء سائلة مثل حثالة الزيت ذابت من الحر، وسالت من الهول.
9. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ: وحينها تصبح الجبال كالصوف المنفوش الذي هبت به الريح فانتشر مثل الهباء في الهواء.
10. وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا: ويوم القيامة لا يسأل القريب عن قريبه، ولا يعتني بشأن غيره، كل مشغول بنفسه، دهاه ما أذهله عن كل أحد.
11. يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ: يرونهم بالأبصار ويعرفونهم بالقلوب، ومع ذلك لا يستطيع أحد أن ينفع أحدا، ذهبت المعرفة، وبطلت القرابة، ويتمنى الكافر لو يفدي نفسه من عذاب القيامة بأبنائه، وهم أحب الناس إليه، لكن هول الكرب ذهب بالحب، ولكن هيهات ذلك.
12. وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ: ويتمنى الكافر لو يفتدي من العذاب بزوجته بعد المودة والرحمة والمحبة، لكن الخوف أنساه، ويريد لو يفتدي بأخيه بعد رابطة القربي.
13. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُئْوِيهِ: ويتمنى الكافر لو يفتدي من العذاب بعشيرته التي تضمه، وقبيلته التي ينتمي إليها، فقد ضاع الحسب والنسب.
14. وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ: ويتمنى أن يفتدي من العذاب بكل ما في الأرض من الناس وغيرهم حتى ينجو من العذاب، فالمهم عنده نفسه فحسب.
15. كَلا إِنَّهَا لَظَى: ليس الأمر كما تمناه، فلابد له من ورود النار التي تلتهب من شدة حرها، وتضطرم بأهلها.
16. نَزَّاعَةً لِلشَّوَى: ومن شدة حرها تنزع جلدة الوجه والرأس، وتشوي أطراف البدن، حتى يصير الجسم كالفحم.
17. تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى: تنادي من أعراض عن الإيمان، وطاعة الرحمن، واتبع الشيطان، وانغمس في دنياه وهواه.
18. وَجَمَعَ فَأَوْعَى: جمع المال ومنع حق الله فيه، وصار خازنا وخادما له، صرف في تحصيله الأوقات، واشتغل به عن الطاعات.
19. إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا: إن الإنسان جبل على الجشع، وطبع على الطمع، فهو شديد الحرص، قوي التعلق بالدنيا.
20. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا: إذا أصابه المكروه كثر جزعه، وإذا مسه البؤس اشتد أسفه، فلا يصبر على العسر، ولا يحتمل الضر.
21. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا: وإذا مسه الخير منعه عن غيره، يمسك معروفه، ويمنع إحسانه، فمن طبيعة الإنسان الطمع فيما لم ينل، والبخل بما سئل.
22. إِلا الْمُصَلِّينَ: إلا من أقام الصلوات وحافظ على الأوقات، فالصلاة تعينه على الجود والصبر والقناعة.
23. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ: وهم مستمرون على إقام الصلاة لا يشغلهم عنها شاغل، معلقة قلوبهم بالمساجد، جعلت الصلاة قرة عيونهم.
24. وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ: وفي أموالهم نصيب معروف، وهي الزكاة المفروضة يؤدونها بطيبة نفس وامتثال أمر.
25. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ: يعطونها من سألها ومن تعفف عنها، ومن طمع ومن قنع، فخيرهم مبذول لباغيه والمتجافي عنه.
26. وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ: والذين يصدقون بيوم النشور فيعملون بالمأمور، ويتركون المحذور، ويستعدون له بعمل مبرور.
27. وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ: والذين هم من عاب الله خائفون لا يأمنون مكر الله، ولا يستهينون بعقابه، قد عملوا الصالحات، واجتنبوا المنهيات؛ طلبا للنجاة.
28. إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ: إن عذاب الله لا يأمنه مؤمن، بل تجده حذرا خائفا وجلا؛ لأنه صدق بوقوعه، أما الفاجر فقد أمن العذاب فأساء العمل.
29. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ: والذين يحفظون فروجهم من الحرام، ويصونونها عن الفاحشة؛ خوفا من ربهم.
30. إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ: إلا على أزواجهم وإمائهم، فاله لا يؤاخذهم على ذلك، بل أباحه لهم، فهم يحلون ما أحل الله ويحرمون ما حرم.
31. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ: فمن طلب لقضاء شهوته غير الزوجات والمملوكات فقد اعتدى في المحرمات، وتجاوز الحد في المنهيات.
32. وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ: والذين يحفظون ما ائتمنهم الله على أدائه من حقوق لله ولخلقه، ويحفظون العهود فلا ينقضونها، والعقود فلا ينكثونها، بل يوفون بها.
33. وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ: والذين يؤدون شهاداتهم بالصدق، ويقولونها بالحق بلا تغيير ولا كتمان ولا تأثر فيها، محاباة للأقرباء أو شنآن للأعداء.
34. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ: والذين يحافظون على الصلاة كما شرعت فلا يخلون بواجباتها ولا يضيعون أوقاتها، بل يؤدونها على أكمل وجه صفة ووقتا.
35. أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ: أولئك الأبرار – الذين اتصفوا بتلك الأوصاف الجميلة – خالدون في جنات النعيم مع الفوز العظيم، والمقام الكريم.
36. فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ: والذين يحافظون على الصلاة كما شرعت فلا يخلون بواجباتها ولا يضيعون أوقاتها، بل يؤدونها على أكمل وجه صفة ووقتا.
37. عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ: يجتمعون عن يمينك وعن شمالك جماعات متفرقة يتساءلون متعجبين مما جئت به؛ لأنه خالف ما عليه آباؤهم من شرك.
38. أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ: هل يطمع كل واحد من هؤلاء الكفرة الفجرة أن يدخله الله جنة النعيم وقد خالف الصراط المستقيم، وكذب القرآن العظيم، وحارب النبي الكريم؟!
39. كَلا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ: ليس الأمر كما يطمعون، فالجنة عليهم حرام، وقد خلقناهم من ماء حقير مهين كغيرهم من البشر، فلا يؤهلهم ذلك لدخول الجنة، إلا من عمل عملا صالحا، أما مجرد الأصل فإن أصلهم كسواهم لا ميزة لهم.
40. فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ: يقسم الله بنفسه جل جلاله وهو الذي خلق مشارق الشمس والقمر، والنجوم والكواكب، ومغاربها، وفيها آية على بديع صنعه، وعظيم خلقه على أنه سبحانه قادر على ما أراد لا يعجزه أمر.
41. عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ: أقسم سبحانه على أنه قادر على أن يستبدل بالكفار قوما أفضل منهم وأطوع، وأكرم على الله من هؤلاء المشركين الذين كفروا به، وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس هناك أحد يفوت الله أو يعجزه أو يخرج على حكمه أو يتحصن من قضائه إذا أراد به شيئا.
42. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ: فاترك أيها النبي الكفار يخوضوا في الباطل، ويلعبوا في الدنيا، فأقوالهم لاهية، وأفعالهم عابثة، وأعمارهم ضائعة: حتى يلاقوا يوم الحساب: ليذوقوا فيه العذاب، فجزاؤهم ليس في الدنيا وإنما في الآخرة.
43. يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ: ذاك اليوم يخرجون فيه من القبور مسرعين كسرعتهم في الدنيا إلى آلهتهم التي عبدوها من دون الله، يهرولون إليها ليجدوا هناك جزاءهم المنتظر، وعاقبهم المعد.
44. خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ: ذلت من الكفار الأبصار، وعلاها المهانة والعار، لما عاينوا النار، ذلك يوم القيامة الذي وعدوا به في الدنيا، فاستهزؤوا وكذبوا، فالآن يرونه رأي العين.
سورة نوح
1. إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. يخبر الله – سبحانه – إنه أرسل نوحا صلى الله عليه وسلم برسالة التوحيد إلى قومه، وأمره أن يحذر قومه عذاب الله المؤلم إن لم يؤمنوا بالله ويتبعوا نوحاً.
2. قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ: وقال لهم نوح يا قوم إني نذير لكم من عذاب شديد، لا لبس في دعوتي بل هي واضحة مفهومة.
3. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ: أن وحدوا الله، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، واتبعوني فيما أدعوكم إليه، وهذا منهج الإخلاص لله والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم وهما عمودا الفلاح والنجاة.
4. يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ: يصفح عن ذنوبكم، ويتجاوز عن خطاياكم، ويمد في أعماركم، ويبارك في أوقاتكم، ويؤخر الأجل إلى وقت معين في علم الله؛ لأن الأجل إذا نزل فلا تأخير فيه، لو كنتم تعلمون ذلك لسارعتم إلى الإيمان وطاعة الرحمن. ولكن الجهل أوردكم موارد العصيان.
5. قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا: قال نوح: يا رب إني اجتهدت في دعوة قومي إلى الإيمان طيلة الليل والنهار، وهذا دليل على شدة الحرص، واستفراغ الوقت في الدعوة.
6. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا: فما زادتهم دعوتي إياهم إلى الإيمان إلا هروبا وإعراضا، وكان الواجب عليهم الاستجابة والقبول، ولكنهم رفضوا الحق.
7. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا: وإني كلما دعوتهم إلى الإيمان بالرحمن ليغفر لهم آثار الذنوب والعصيان جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا الحق زيادة في الإعراض، وغطوا وجوههم بثيابهم لئلا يروا نوحا، واستمروا على الكفر، وأقاموا على الضلالة، واستكبروا عن قبول الحق استكبارا شديدًا، فهم عطلوا الأسماع والأبصار والقلوب عما خلقت له.
8. ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا: ثم إني رفعت صوتي لهم بالدعوة، وأعلنت رسالتي في مجامعهم ومجالسهم، فلم يأت النقص من قبلي في التبليغ، وإنما من جهتهم في الإعراض.
9. ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا: ثم إني أخفيت صوتي بدعوتي، فمرة أرفع الصوت إذا كثر الجمع، وبعد المخاطب، ومرة أخفضه إذا قربت منهم، أو كان المدعو واحدا، والمعنى ما تركت طريقة تصلح لدعوة إلا سلكتها.
10. فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا: وأمرتهم باستغفار الواحد القهار، فإنه غفار الذنوب، ستار العيوب، يقبل من تاب، ويرحم من أناب. والاستغفار هنا يتضمن التوحيد والتوبة.
11. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا: ومع الاستغفار ينزل الله الأمطار؛ لأن الغيث من آثار رحمته – سبحانه – التي تتنزل على المستغفرين؛ لأن الذنوب تمنع القطر.
12. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا: ومع الاستغفار والتوبة يرزقكم الله الذرية الصالحة، والأموال الكثيرة والرزق الواسع، وينبت لكم الحدائق الغناء، والبساتين الفيحاء، لتنعموا بفوائد الأشجار والثمار والأزهار، ويهيئ لكم العذب الغزير من الأنهار.
13. مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا: ما لكم – أيها الفجار – ليس عندكم وقار للواحد القهار، فلا تخافون عذابة ولا ترجون ثوابه.
14. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا: وقد خلقكم على مراحل، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما ولحما، فهو الذي تولى وحده الخلق والتصوير والرزق، فحقه أن يعبد.
15. أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا: ألم تنظروا في السماء وخلقها البديع؟ كيف جعلها الله سبعا شدادا بعضها فوق بعض في إحكام وإتقان، تدل على تمام القدرة، وكمال القوة.
16. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا: والله جعل القمر في هذه السموات نورا لأهل الأرض، يستضيئون بنوره في الظلام، وهو برهان على روعة هذا البناء والنظام وجعل الشمس كالسراج الوهاج تسطع على العالم بنورها وتكشف الظلام بضيائها.
17. وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا: والله أنشأ أصلكم، وخلق أباكم آدم من التراب ونفخ فيه الروح، فمادتكم من الطين، وأصلكم من الثرى.
18. ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا: ثم يعيدكم بعد الموت مدفونين في الأرض، ثم يبعثكم من القبور إلى يوم النشور للحساب، فإما ثواب أو عقاب فمن الأرض الأصل وإليها العود ومنها العبث.
19. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطًا: والله مهد لكم الأرض للعيش عليها وفرشها لمزاولة الحياة على ظهرها، وبسطها للناس.
20. لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا: لتسلكوا في الأرض طرقا واسعة للذهاب والإياب في منافعكم، وكسب رزقكم وحلكم وترحالكم.
21. قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا: قال نوح: يا رب، إن قومي خالفوا أمري وبالغوا في تكذيبي، وأكثروا من عصياني واتبع الفقراء منهم الأغنياء في الضلال، واقتدى الضعفاء بالرؤساء في التكذيب، فلا صاحب المال والولد نفعه ماله لما كذب، ولا نجاه ولده من العذاب.
22. وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا: ومكر الكبراء بالضعفاء مكرا عظيما، وخدعوهم بجاههم ومالهم عن الهداية، ولبسوا عليهم بفتنة المال حتى صدوهم عن الحق.
23. وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا: وقال الرؤساء للضعفاء: لا تتركوا عبادة أصنامكم إلى عبادة الله وحده التي دعا إليها نوح، ولا تتركوا عبادة الأصنام ود ولا سواع ولا يغوث ولا يعوق ونسرا التي هي أسماء قوم صالحين سموها بأسمائهم، ثم عبدوها من دون الله.
24. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا: وقد أضل البؤساء الضعفاء وزينوا لهم الباطل وأغروهم بالغواية، فيا ربنا لا تزد هؤلاء الظالمين لأنفسهم بالفساد إلا بعدا عن الحق والرشاد؛ لأنهم أضلوا العباد.
25. مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا: فبسبب ذنوبهم أغرقوا بالطوفان ثم أحرقوا بالنيران؛ لإمعانهم في العصيان والطغيان فلم ينصرهم أحد من دون الرحمن.
26. وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا: فلما يئس نوح من قومه دعا عليهم فقال: يا رب، أهلك الكفار ولا تترك منهم أحدا حيا يدور على وجه الأرض ويتحرك على البسيطة؛ ليقطع منهم الآثر، وينتهي عقبهم من الدنيا.
27. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا: إنك يا ربنا إن تركت الكفار دون إهلاك صدوا عبادك عن الحق، وأضلوهم عن الرشد، وفتنوهم في دينهم، ولا يلد الآباء من الأصلاب إلا كل كافر كذاب، ولا تتجنب النساء من الأرحام إلا كل مرتكب للآثام.
28. رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا: يا رب اغفر لي ذنوبي، واغفر لمن اعتنق ديني، ودخل بيتي وهو مؤمن، واغفر لكل مؤمن ومؤمنة مدى الدهر، وقد شملتنا دعوته عليه السلام، فجزاه الله خيرا، ثم قال: ويا ربنا لا تزد الكافرين إلا هلاكا في الدنيا، وعذابا في الآخرة، قال هذا بعد تجربة طويلة، وعمر مديد، فيه تعب من عتاة الكفار.
سورة الجـــن
1- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا: قل أيها النبي: إن الله أوحى إلى أن جماعة من الجن قد استمعوا وأنصتوا للقرآن، فلما سمعوه تأثروا به وقالوا لقومهم: إن سمعنا قرآنا بديعا في بلاغته وفصاحته، عجيبا في نسقه وسياقه، جميلا في عرضه وإشراقه، يأخذ بالألباب، وينفذ إلى النفوس، ويخترق حجب الضمير.
2- يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا: وهذا القرآن يدل على الحق، ويدعو إلى البر، فصدقنا به واتبعناه، ووحدنا ربنا ولن نشرك به أحدا في ألوهيته.
3- وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَخَّذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا: وأن الله تقدس وتنزه وتعالت عظمته ما اتخذ زوجة ولا ولدا، بل هو أحد صمد، لم يلد ولم يولد.
4- وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا: وأن الجاهل بالله منا كان يفتري على الحق وينسب إليه الصاحبة والولد؛ سفها وظلما تعالى الله عن ذلك.
5- وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا: وأنا كنا نعتقد أن أحدا من الجن والإنس لا يستطيع أن يفتري على الله من نسبة الولد والصاحبة.
6- وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا: وقد كان رجال من الإنس يستجيرون برجال من الجن، فزاد هؤلاء الرجال باستجارتهم الجن طغيانا وسفها وعتوا، وهذا شرك، ومثله إتيان السحرة والكهان.
7- وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا: وقد اعتقد كفار الإنس كما اعتقدتم أيها الجن أن الله تعالى لن يبعث أحدا بعد الموت، فهم كفروا بالله واليوم الآخر.
8- وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا: وأننا صعدنا إلى السماء لاستماع حديث أهلها، فوجدناها تغيرت علينا بعد البعثة المحمدية، فقد امتلأت بالملائكة الحراس، والنجوم المحرقة التي يرمى بها من يستمع منا.
9- وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا: وقد كنا قبل البعثة نتخذ من السماء مقاعد لسماع الحديث، أما الآن فمن يقترب للسماع يحرقه الشهاب، وفيه إبطال دعوى الكهان والعرافين من نسبة كلامهم إلى خبر من السماء.
10- وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا: ونحن لا ندري هل يراد بأهل الأرض بهذا التغير هلاك ودمار؟ أم يريد الله بهم خيرا وهدى، فما ندري ماذا حدث؟
11- وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا: ومنا معشر الجن أولياء وأتقياء، ومنا فسقة أشقياء، فنحن مذاهب شتى، لسنا على صفة واحدة.
12- وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا: وأنا نعتقد أن الله محيط بنا، ونحن تحت سلطانه، فلن نفوته إذا شاء أن يهلكنا في الأرض، ولن نقدر على الهرب في السماء من بطشه.
13- وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا: وأننا لما أنصتنا للقرآن صدقنا به أنه من عند الله، فمن يؤمن بألوهية ربه، فلا يخشى نقصا من حسناته، ولا زيادة في سيئاته، فالله لا يظلم أحدا.
14- وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا: وأنا منا المنقادون لطاعة الله، الخاضعون له، ومنا الجائرون الذين حادوا عن الصراط. فمن أطاع الله واتبع رضوانه، فهؤلاء سلكوا طريق الحق، وهم الذين اهتدوا بهدى الله، وآمنوا به واتبعوا رسله، فهم الأبرار؛ لأنهم اجتهدوا في حسن الاختيار.
15- وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا: وأما الجائرون عن الطريق المستقيم، فهم من أصحاب الجحيم، يصلون حرها ويعانون عذابها، فالعدل أن من كذب في النار يعذب.
16- وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا: ولو أن كفار الإنس والجن استقاموا على طاعة الله، وأخلصوا له العبادة، وأحسنوا الإتباع لرسوله ولم يحيدوا عن سبيله؛ لأنزل الله عليهم من السماء غيثا مدرارا، ولرزقهم رزقا هنيئا، فعاشوا في عيش رغيد، وعمر سعيد.
17- لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا: لنختبرهم ولنعلم من يشكر ومن يكفر، فمن صد عن طاعة الله وغفل عن عبادته ونسي ذكره أدخله الله العذاب الشديد، وأهانه في الآخرة بإدخاله نار جهنم.
18- وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا: وأن المساجد يعبد فيها الله وحده، فلا تجوز عبادة غير الله، ولا صرف شىء من العبادة لغيره، فأخلصوا له الطاعة من عبادة ومسألة وخوف ورجاء، فإن المستحق لها هو الله وحده.
19- وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا: وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قام ليلة الجن يصلي لربه اجتمع الجن حوله صفوفا متراصة حتى أوشكوا أن يلتصقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من شدة حرصهم على السماع.
20- قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا: قل لهؤلاء الكفار: إنني أعبد الواحد القهار، ولا أشرك في عبادته أحدا، بل أوحد له الطاعة أبدا، فهو أحق أن يعبد، وهو أهل أن يوحد.
21- قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا: قل للكفار: أنا لا أستطيع أن أجلب لكم نفعا ولا أدفع عنكم ضرا، ولا أضلكم ولا أهديكم، فكل ذلك لله وحده، إنما أنا نذير بعذاب، وبشير بثواب.
22- قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا: قل: لن يمنعني من عذاب الله أحد إن عصيته، ولا أجد ملجأ أفر إليه من العذاب غير الله، فلا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فيفر العبد إليه، وليعتمد عليه.
23- إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا: ولكن الذي أقدر عليه وأستطيعه هو الدعوة إلى الله، وتبليغ دينه، وإيصال رسالته التي ائتمنني على تبليغها، ومن عصى الله وخالف الرسول، فمأواه جهنم في العذاب المؤبد جزاء على جرمه.
24- حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا: حتى إذا أبصر الكفار النار التي وعدوا بها في هذه الدار، حينها يعلمون من هو الضعيف الذي لا ناصر له، والقليل الذي لا جند معه، فهم الأضعف والأذل والأقل، والله الأقوى والأعز والأكثر.
25- قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا: قل أيها النبي للكفار: ما عندي علم بوقت العذابي الذي وعدتم به، أقريب نزوله لكم أم بعيد وقوعه، فأنا منذر بوقوعه ولست مخبرا بوقته.
26- عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا: وهو – سبحانه – الواحد القهار عالم ما غاب عن الأبصار، فلا يطلع على الغيب أحدا من البشر، وعلم ما ظهر وما استتر، وما أعلن وما اسر.
27- إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا: إلا من اصطفى من خلقه لرسالته فإنه يطلعه على بعض علم الغيب، ويحفظ ما أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وما خلفه من الجن بملائكة؛ لئلا يسترق الجن شيئا من الوحي فيوحونه إلى أوليائهم من الكهنة والعرافين.
28- لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا: ليعلم النبي أن الأنبياء قبله قد أوحي إليهم مثلما أوحي إليه، وبلغوا الرسالة بصدق وأمانة، وأن الله حفظه مثلما حفظهم من الجن، وأن الله علم علما تاما، سرا وجهرا، ما عندهم من الشرائع والأحكام وغيرها، وأنه – سبحانه – أحصى كل شىء بعدده، لا يعزب عنه شىء، فهو عالم كل معلوم، وأحصى كل معدود، علم الكيفية، وأحصى الكمية.
سورة المزمــل
1. يأيها الْمُزَّمِّلُ: يا أيها المتغطي بثيابه، وهو النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه جبريل بغار حراء، فرجع إلى أهله خائفا يقول: زملوني زملوني.
2. قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا: قم للصلاة في الليل إلا يسيرا منه؛ لأن صلاة الليل عون على أعباء الدعوة ومتاعب الحياة، وهي من أعظم القربات إلى الله.
3. نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا: قم – أيها النبي – نصف الليل أو انقص من النصف قليلا حتى تصل إلى الثلث؛ ليبقى وقت للنوم والراحة، فقيام الليل كله متعب وهو خلاف الأولي.
4. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا: أو زد – أيها النبي – على نصف الليل حتى تصل إلى الثلثين، وتمهل في قراءة القرآن تهلا يوصلك إلى تدبر القرآن وتفهمه.
5. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا: إنا سنوحي إليك – أيها النبي – قرآنا عظيما حاويا أوامر ونواهي وأحكاما جليلة، وآدابا شريفة.
6. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا: إن الصلاة التي تنشأ بعد نوم من الليل هي أقوى تأثيرا في القلب، وأكثر موافقة بين السمع والقلب لفراغ القلب من هموم الحياة.
7. إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا: إن لك في النهار فراغا طويلا لطلب المعاشر والقيام بالدعوة والإصلاح، فاجعل الليل خالصا لربك مخصوصا لنفسك في العبادة.
8. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا: وأكثر من ذكر ربك بالأذكار والأدعية الشرعية، وانقطع إليه انقطاعا تاما في العبادة بإخلاص العمل وصدق التوجه، وعظيم المراقبة.
9. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا: هو خالق الشرق والمغرب ومالكهما، لا معبود بحق سواه، ولا يستحق العبادة إلا هو، ففوض الأمر إليه، واعتمد عليه.
10. وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا: واصبر أيها النبي على ما يقوله الكفار من الأقوال الآثمة الكاذبة فيك وفي دعوتك، وأعرض عنهم ولا تنتقم منهم، ولا تشتك لغير الله.
11. وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا: ودعني أيها النبي ومن كذب برسالتك من أهل الترف والبذخ وانتظر قليلا من العمر عذابا يحل بهم، فكل ما هو آت قريب، وسوف يقع بهم عذاب الله.
12. إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا: إن عندنا للكفار في النار قيودا ثقيلة، وأغلالا شديدة، ونارا محرقة؛ جزاء على فعلهم الشنيع.
13. وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا: وعندنا لهؤلاء الفجار طعاما منغصا يعلق في الحلق، ويصعب ابتلاعه، ولا يستساغ، ومعه عذاب موجع لا يطاق ولا يستطاع.
14. يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا: يوم تهتز الأرض والجبال اهتزازا عنيفا، وتزلزل زلزالا قويا، وتصير الجبال من الهول ترابا متناثرا، وهباء منتثرا بعد صلابتها، هذا كله يوم تقوم الساعة.
15. إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا: إنا أرسلنا إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم يشهد على أعمالكم من كفر وإيمان، وطاعة وعصيان، مثلما أرسلنا موسى إلى فرعون يدعوه ويشهد عليه.
16. فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا: بكذب فرعون موسى ولم يؤمن به، فأهلكنا فرعون وقومه ودمرناهم تدميرا بإغراقهم في اليم، وفيه تهديد لكفار مكة.
17. فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا: فكيف تتقون أنفسكم – إذا كفرتم – بالله عذاب الله يوم القيامة، الذي من هوله يصبح الأطفال الصغار شيبا، فهذا الرضيع يشيب بلا ذنب، فماذا يفعل الفاجر يوم الكرب؟!!
18. السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا: السماء يوم القيامة متشققة من هوله، كان وعد الله به كائنا لابد منه، حاصلا لا راد له.
19. إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا: إن هذه العظات من التخويف والترهيب عبرة للبشر، فمن أراد اعتبر وازدجر، واتخذ الطاعة طريقا، والعمل الصالح وسيلة للنجاة من غضب الله والفوز برضوانه.
20. إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: إن ربك – أيها النبي – مطلع على تهجدك بالليل أقل من ثلثيه، وتقوم نصفه حينا، وتقوم ثلثه حينا آخر، ويقوم معك نفر من أصحابك والله وحده يعلم حساب ساعات الليل والنهار ما مضى وما بقى، وعلم الله أنكم لا تستطيعون قيام كل الليل فيسر عليكم بقيام ما تيسر، فاقرؤوا وصلوا على قدر طاقتكم، وعلم الله أنه سوف يقعد بعضكم المرض عن قيام الليل، وعلم بوجود جماعة منكم مسافرين في الأرض للتجارة، ويشق عليهم قيام الليل، وجماعة مجاهدين لإعلاء كلمة الله يرهقهم الجهاد عن التهجد، فعليكم بما تطيقون من صلاة وتلاوة؟ فالدين يسر، وداوموا على الصلاة المكتوبة، وأدوا الزكاة المفروضة، وأنفقوا في وجوه الخير، وكل شىء تفعلون من البر لوجه الله تجدونه في صحائف الأعمال يوم القيامة، وهو خير مما أنفقتم في شهوات الدنيا، وأعظم ثوابا وأجل نفعا، فاسألوا الله مغفرته، واطلبوه رحمته، فإنه يغفر الذنوب، ويرحم من يتوب ويتجاوز عن الخطايا لمن عاد إليه صادقا.
سورة المدثـــر
1. يأيها الْمُدَّثِّر: يا أيها المتغطي بثيابه، وهو النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بعدما عاد من غار حراء خائفا فدثروه بالملابس.
2. قُمْ فَأَنْذِرْ: قم من مرقدك وحذر قومك عذاب ربك وادعهم إلى التوحيد، وخوفهم العذاب الشديد إن هم خالفوك وعصوا أمرك.
3. وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ: وعظم ربك وحده بتوحيده وتنزيهه عن الأضداد والأنداد، ودوام على ذكره، ووصفه بما وصف به نفسه والذل له.
4. وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ: وطهر ثيابك من النجاسات، ودينك من المعاصي والمخالفات، وتوحيدك من الشركيات؛ لتكون نقيا من كل ذنب وعيب.
5. وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ: واهجر الشرك كله من عبادة الأصنام والأوثان وكل ما عبد من دون الرحمن، وأخلص توحيدك للواحد الديان.
6. وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ: لا تهب الهبة لتعطي أكثر منها، ولا تمن بالعطية فتؤذي صاحبها وتظهر كثيرة عطائك وكرمك على الناس.
7. وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ: واصبر لوجه الله على أداء الطاعة واجتناب المعصية، وتحمل المصيبة طالبا الثواب من الله وحده.
8. فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ: فإذا نفخ في القرن نفخة البعث والنشور حيتها يشتد الخطب، ويعظم الكرب؛ لأن الأمر صعب.
9. فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ: فذاك اليوم يوم عسر، وموقف خطر؛ لكثرة أهواله، وشدة فزعه، وعظيم ما يحصل فيه من أمور.
10. عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ: فهو يوم شديد على الكفار لما يشاهدونه من أخطار، حينها يناقشون الحساب، ويذوقون العذاب، وينزل بهم العقاب.
11. ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا: دعني أنا ومن أوجدته من بطن أمه وحيدا فريدا فقيرا، لا مال ولا ولد، والمراد به الوليد ابن المغيرة المكذب بالرسالة.
12. وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدودًا: ووهبته مالا كثيرا وفيرا واسعا بعدما خرج إلى الحياة مملقا معدما، فأغنيته بما أعطيته.
13. وَبَنِينَ شُهُودًا: ورزقته أولادا حضورا معه في مكة، لا يغيبون عن خدمته، قد أعطيتهم ما أغناهم عن السفر للمعاش.
14. وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا: وسهلت له طرائق الرزق تسهيلا، ويسرت له أسباب المعاش حتى كثر ماله وعظم جاهه.
15. ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ: ثم يأمل بعد هذا العطاء زيادة الغنى من المال والنعم، والخدم والحشم، فهو كثير الطمع والجشع، لا يشبع.
16. كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا: ليس الأمر كما يظن هذا الكافر الأثيم لا أزيده على ما أعطيت: لأنه عاند الحق، وجحد الصدق، وحارب الرسالة.
17. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا: سأكلفه المشاق من النكال والإرهاق، وأبتليه بأشد المصاعب من كربات وأزمات لا راحة له منها.
18. إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ: إنه فكر في نفسه وهيأ كلاما يطعن به في القرآن، فهو معد لسوء، متعمد له، مترصد للإثم.
19. فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ: فلعن وهلك وغلب وقهر كيف هيأ في نفسه هذا الطعن؟ وكيف أضمر هذا السوء وما حمله على ذلك؟
20. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ: ثم لعن وهلك كيف هيأ هذه الإساءة، وحبك هذا الطعن، وما الذي جرأه على هذا الطعن؟
21. ثُمَّ نَظَرَ: ثم نظر فيما قدر، وفكر فيما أضمر، فهو أجال رأيه ليبحث عن مطعن، وأعمل فكرة ليلتمس عيبا.
22. ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ: ثم قطب وجهه وكلح به لما عجز أن يجد مغمزا، فقبح وجهه وساء لما ضاقت به الحيلة في العثور على عيب.
23. ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ: ثم أعرض عن الصواب، واستكبر عن الحق، فهو مدبر عن الهدى، متعاظم أن يعترف به، رفضه لما أتاه، وكرهه وأباه.
24. فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: وقال عن القرآن: هذا سحر يتعلم من الأوائل وينقل عمن سبق، فهو مأخوذ بالتلقي، متعلم بالتلقين.
25. إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ: ما هذا القرآن إلا كلام الناس أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم من أفواه الرجال، وليس وحيا؛ كذبا منه وزورا.
26. سَأُصْلِيهِ سَقَرَ: سأدخله النار تحرقه بلهبها وتصليه بحرها يتقلب على وقودها، ويشوى في جحيمها.
27. وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ: وما أعلمك أي شىء هذه النار؟! إنها فوق الوصف عذابا وألما، وإنها فوق الخيال نكالا وضنكا.
28. لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ: لا تبقي لحما ولا تترك عظما، لا تبقي بشرا ولا تترك أثرا، تحرق الأجسام، وتذيب الأجرام.
29. لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ: تغير البشرة، وتسود الجلود، تحرق الجسم وتشوي اللحم، يصبح فيها الإنسان فحما والبشر حمما.
30. عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ: يتولى أمرها ويشرف على شأنها تسعة عشر ملكا من الزبانية الأشداء، والجبابرة الأقوياء.
31. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ: وما جعلنا خزنة النار إلا كل ملك غليظ جبار، وما جعلنا ذلك العدد إلا امتحانا لمن كذب وجحد، ليقع اليقين لليهود والنصارى أن ما جاء به القرآن موافق لما نزل عليهم في كتبهم من الرحمن، فيعظم لديهم الإيمان، ويزداد المؤمنون بذلك تصديقا ورسوخا، في اليقين وتحقيقا، ولا يشك في صحة ذلك الذين نزل عليهم الكتاب من اليهود والنصاري ولا من آمن بالله ورسوله، وليتحدث أهل الكفر والنفاق والريبة والشقاق عن سر العدد المتعجب منه، وماذا أراد الله باختيار هذا الرقم؟ وبمثل هذا الذي نزل يضل الله من أراد ضلاله، ويهدي من أراد هدايته، فالقرآن هداية لأهل الإيمان، وخسار لأهل الكفر والطغيان، وما يعلم ذاك العدد من الملائكة إلا الواحد الأحد، وما النار إلا تذكرة لأولي الأبصار، وعبرة لأهل الاعتبار، وموعظة لمن خاف الواحد القهار.
32. كَلا وَالْقَمَرِ: ليس الأمر كما ذكروا من التكذيب، وأقسم قسما بالقمر وهو آية باهرة على حسن الصنع، وبديع الإتقان.
33. وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ: وأقسم قسما بالليل إذا ذهب بظلامه، وولى بسواده بعد أن غطى العالم بجلبابه، وستر الدنيا بثيابه.
34. وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ: وأقسم قسما بالفجر إذا أضاء، وانبلج بالسناء، وأقبل بطلعته البهية، وإشراقه الزاهي، ووجهه الأغر.
35. إِنَّهَا لاحْدَى الْكُبَرِ: إن النار لإحدى الدواهي الكبار، فهي من عظائم الأمور، ذكرها يقصم الظهور، وتضيق من هولها الصدور.
36. نَذِيرًا لِلْبَشَرِ: وهي تخويف للعباد؛ ليتهيؤوا ليوم المعاد، ففي ذكر النار من الإنذار ما يخلع قلب كل مستكبر جبار.
37. لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ: لمن أراد أن يتقرب بفعل الطاعات، أو يتأخر بعمل المحرمات، فالمصدق يتقدم بصلاحه، والمكذب يتأخر بفساده.
38. كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ: كل نفس محبوسة بما عملت، مرهونة بما اكتسبت، لا تطلق حتى تؤدي الحقوق، ولا تفك حتى تتخلص من الواجبات والتبعات.
39. إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ: إلا الصادقين من المؤمنين، فكوا الرقاب بإتباع السنة والكتاب، واعتقوها بفعل ما صلح من الأسباب.
40. فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ: نزلوا جنات النعيم، في خير حال وأحسن مآل، وراحة بال، يسال بعضهم بعضا زيادة في الإيناس والبهجة.
41. عَنِ الْمُجْرِمِينَ: يسأل المؤمنون في الجنة أصحاب النار من الكفار، وهذا زيادة في غبطة أصحاب الجنة ممن رأى المعذب وهو سالم اغتبط، وبضدها تتميز الأشياء.
42. مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ: ما العمل الذي أدخلتم بسببه النار؟!! وهذا زيادة في إيلام الفجار، فإن المعذب إذا سئل عن سبب عذابه زاد ألمه.
43. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ: قال المجرمون للمؤمنين: دخلنا النار لأننا لم نكن نصلي في الدنيا.
44. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ: وما كنا نتصدق على الفقراء، ولا نعطي المساكين، فهم مع ترك الصلاة منعوا الزكاة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتال الناس حتى يقوموا بهما.
45. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ: وكنا في الدنيا نتحدث بالآثام في كل كلام حرام، من باطل وزور وكذب وفجور وغواية وضلالة.
46. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ: وكنا ننكر يوم القيامة يوم الجزاء والحساب، ونرى أنه لا يقع، وأن كل خبر بحصوله كذب.
47. حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ: حتى جاء الموت بالسكرات، ونحن في تلك الضلالات، جاحدين بالبعث والنشور، حتى فاجأنا قاصم الظهور.
48. فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ: فما تمنعهم من العذاب شفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين؛ لأن الله لم يأذن لأحد أن يشفع لهم، والله لا يرضى عن هؤلاء الفجار.
49. فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ: فما لهؤلاء الفجار الكفار انصرفوا عن الاتعاظ بالقرآن، وأعرضوا عن تدبر الفرقان.
50. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ: كأنهم في فرارهم من سماع القرآن حمر وحشية؛ لجامع البلادة والبهيمية، وطيش الأحلام، وسفه العقول، ووجود الجموح والإعراض.
51. فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ: هربت من أسد كاسر، وفرت من ليث غادرن فأخذت تفر أمامه في غاية السرعة، فهؤلاء لما سمعوا بالرسالة نفروا من قبولها.
52. بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً: بل يطمع كل واحد من المشركين أن ينزل عليه قرآن من السماء منشورا مثلما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وأنى لهم ذلك، فالرسالة اصطفاء، والوحي اجتباء، وليس بالتشهي.
53. كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ: ليس الأمر كما ادعوا، ولكن الصحيح أن سبب كفرهم أنهم لا يخافون عذاب الآخرة، ولا يؤمنون بالبعث والنشور، فحملهم هذا على الكفر والفجور.
54. كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ: حقا إن القرآن موعظة عظيمة، وحجة بالغة، وذكر لمن كان له قلب يوقظه أجل النصائح، وأشرف الوصايا.
55. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ: فمن أراد الانتفاع به انتفع، ومن أحب أن يتعظ بمواعظه فعل، فلا إكراه في الهدى، فمن شاء اهتدى، ومن شاء تردى.
56. وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ: وما ينتفعون بمواعظ القرآن إلا بمشيئة الرحمن، ولا يهتدون بهداه إلا إذا أراد الله، فالله وحده أهل أن يتقى ويطاع، وأهل أن يغفر لمن أطاع، فحقه أن يوحد، وأن يعبد، وحق الموحد عليه ألا يعذبه بل ينعم ويسعد.
سورة القيامـــة
1. لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ: أقسم قسما بيوم الجزاء والحساب، وزمن الثواب والعقاب، يوم تقوم الساعة ويقع الفصل بين الناس.
2. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ: وأقسم بالنفس المؤمنة التقية التي تلوم صاحبها على التقصير في الطاعة وفعل المعصية، فيندم ويتحسر لتأنيبها له.
3. أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ: أيظن الكافر إذا تفتت عظامه في المقابر، أن الله على جمعها ليس بقادر، استبعادا منه لليوم الآخر؟
4. بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ: بلى سيجمعها الذي خلقها أول مرة، وسيعيدها كما بدأها، والله قادر على أن يجمع بنان الأصابع وهو أصغر الأعضاء الدقيقة، فكيف بالكبار، فإعادتها أيسر، والكل عليه يسير سبحانه.
5. بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ: ولكن الإنسان يريد أنه يبقى على الجحود فيما يستقبل من أيام عمره، ويستمر على الفجور حتى أمام ما ينتظره من أهوال.
6. يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ: يسأل الكافر المنكر: متى هذه القيامة؛ استبعادا وجحودا وهي قريبة النزول، وشيكة الوقوع، وهم في غفلة عنها.
7. فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ: إذا تحير البصر، ودهش الفكر، وأصاب الإنسان ذهول وغطى على الرؤية ما حجبها من مشاهد الفزع.
8. وَخَسَفَ الْقَمَرُ: وذهب نور القمر، وانطمس ضياؤه، واسود سناؤه، فأظلم وجهه إيذانا بقيام الساعة.
9. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ: وألف بين الشمس والقمر فطلعا من الغرب مظلمين أصابهما الخسوف، ومحقهما الكسوف ساعة الفزع والخوف.
10. يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ: حينها يصيح الإنسان لما شاهد تغير الأكوان، أين المهرب من العذاب؟ أين المفر من يوم الحساب؟
11. كَلا لا وَزَرَ: ليس هناك مفر – أيها الإنسان – ولا ملجأ ولا منجى مما قدره الرحمن، فالمفر إلى الله، والجمع عنده والحساب لديه.
12. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ: إلى الله وحده منتهى الخليقة، ومصير البشر، ومرد الجميع؛ ليحاسب كلا بما فعل من خير وشر.
13. يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ: حينها يخبر الإنسان بما عمل في الدنيا من صلاح وفساد، وما قدمه أمامه من أعمال وما خلفه بعده من أولاد ومال.
14. بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ: بل الإنسان يشهد على نفسه، فجوارحه تنطق بما فعل، فهو خصيم نفسه، وعلمه حجيجه، وأعضاؤه خصومه.
15. وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ: ولو حضر واعتذر بكل ما يقدر عليه من المعاذير فلن تنفعه؛ لأن الحجة قامت عليه، فلن يقبل عذره.
16. لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: لا تحرك – أيها النبي – بالقرآن لسانك؛ لتتعجل حفظه، وتبادر النسيان خوفا أن يضيع منك القرآن.
17. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ: فالله متكفل لك بجميع القرآن في صدرك، وأن تقرأه بلسانك في ليلك ونهارك بلا نسيان.
18. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ: فإذا تلا جبريل عليك القرآن فاستمع لتلاوته، وأنصت لقراءته. وفيه أن القرآن يؤخذ بالتلقين من العالم.
19. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ: ثم إن الله تكفل بتوضيح ما أشكل من القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم وتفهيمه ما أبهم، وبيان ما أجمل من المعاني والأحكام.
20. كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ: ليس الأمر كما ادعيتم؛ لكنكم تحبون الدنيا وزينتها، وتؤثرون شهواتها، وهي عاجلة لسرعة انقضائها وتصرمها وقصر عمرها.
21. وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ: وتتركون العمل للآخره، وتغفلون عن الاستعداد لها بالعمل الصالح، متشاغلين باللهو واللعب.
22. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ: وجوه المؤمنين يوم القيامة مشرقة مصفرة، حسنة ناعمة، قد سطع عليها النور، وجللها السرور.
23. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ: ترى الله – سبحانه – بالأبصار إكراما منه – سبحانه – لهم على حسن الأعمال، فلا يجدون لذة أعظم، ولا سرورا أتم من رؤيتهم لربهم جل في علاه.
24. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ: ووجوه الكفار في ذلك اليوم عابسة مسودة كالحة، غشيتها غبرة الذل والصغار، وغطتها قترة الخوف والعار.
25. تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ: تتوقع أن تنزل بها داهية من الدواهي تقصم فقار الظهر؛ لهول ما تشاهد ولسوء أفعالها، فهي تنتظر أشد العذاب وأفظع العقاب.
26. كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ: حقا إذا بلغت الروح أعلى الصدر وهي الترقوة، حينها يشتد الكرب، ويعظم الخطب، وهي لحظة السكرات والكربات.
27. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ: وقال بعضهم حضر الميت وهو في النزع: هل من راق برقيه، وطبيب يشفيه مما هو فيه؟ والحقيقة أن لا راقيا ينفع، ولا طبيبا يدفع.
28. وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ: وأيقن المحتضر وهو في سياق الموت بالفراق والفوت، وتأكد من الرحيل لما بارت الحيل في دوائه، وبطلت الوسائل في علاجه.
29. وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ: وتتابعت عليه الشدائد، وتوالت عليه المصائب، واتصلت شدة الدنيا بشدة الآخرة، واصطكت ساقاه عند نزول الموت.
30. إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ: إلى الله المعاد، وإليه يساق العباد؛ ليقع الحساب، ويكون الفصل، ويتم الجزاء العادل لكل عامل.
31. فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى: فلا صدق بكتاب الله، ولا صلى لله، فأضمر التكذيب، وأظهر العصيان، فمعتقده باطل، وعمله فاسد، فهو قبيح الباطن والظاهر.
32. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى: كذب بالقرآن، وأعرض عن الإيمان، فرده أقبح رد، وفعله أسوأ فعل، جحد بالرسالة، واختار الضلالة.
33. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى: ثم سار إلى أهله في الدنيا متكبرا متجبرا مغتبطا بدنياه، تبختر في مشيته، وعظم في نفسه؛ لعدم الخوف من ربه.
34. أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى: ويل لك ثم ويل، وهلاك بعده هلاك، وهو تهديد ووعيد بالعذاب الشديد والعقاب الأكيد.
35. ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى: ثم ويل لك بعد ويل، وهلاك يتبعه هلاك، ودمار وعار وشنار، وخلود في النار لكل كافر جبار.
36. أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى: أيظن الإنسان أنه سوف يترك هملا لا يؤمر ولا ينهي ولا يحاسب ولا يعاقب، بل لابد له من شريعة يعمل بها، ودين يتحاكم إليه.
37. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى: أما كان الإنسان في أول النشأة نطفة ضعيفة من ماء مهين، فلماذا لا يتفكر في هذا الأصل؟ ويتدبر ويشكر ولا يكفر ويدع التكبر.
38. ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى: ثم جعله الله علقة من دم جامد مخلقة بقدرته وتمام حكمته، وسوى صورته وأبدع شكله في أحسن تقويم.
39. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى: فجعل الله من الإنسان صنفين: الذكر والأنثى ليدوم التوالد، ويحصل النماء، وتستمر الخليقة في البقاء.
40. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى: أليس الله الذي خلق الإنسان وصوره في أطوار بقادر على إعادته بعد موته، وبعثة بعد فنائه؟ بلى والله، إنه لقادر، ونحن على ذلك من الشاهدين.
سورة الإنْســــان
1. هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا: أما مر على الإنسان زمن طويل قبل أن تنفخ فيه الروح، لم يكن خلقا يذكر ولا شيئا يعرف، ولا يوصف، فلا خبر له ولا أثر؛ لأنه في عالم العدم.
2. إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا: إن الله خلق الإنسان من نطفة مختلطة من ماء الرجل والمرأة وهذا الماء هو أصله، فامتحناه بالشريعة واختبرناه بالأمر والنهي، فهيأناه لذلك بالسمع لسماع الآيات، وبالبصر لرؤية الدلالات، فصار مستعدا للفهم قابلا للعلم.
3. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا: والله وضح له طريق الحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر؛ ليكون شاكرا لنعم الله بالإيمان، أو كافرا جاحدا معرضا عن الهدى والقرآن.
4. إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا: والله هيأ للكفار قيودا من حديد تربط بها أرجلهم مصفدين، وأغلالا تشد بها أيديهم إلى أعناقهم مغلولين، ونارا تحرقهم مقيدين، فلكل عضو حصته من العذاب، وحقه من العقاب.
5. إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا: إن الصادقين المخلصين الطائعين لرب العالمين يشربون من خمر ممزوجة بالكافور، وهي من أحسن الطيب؛ ليكون له لذة، ولطعمه مذاق؛ زيادة في النعيم.
6. عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا: وهذا الشراب الممزوج بالكافور من عين تفور، يتصرف فيها الأبرار، ويجرونها لكل قصر ودار، تطاوعهم في الانسياب معهم في كل مسار.
7. يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا: ومن أوصاف هؤلاء الأبرار أنهم يؤمنون بما أوجبوه على أنفسهم من طاعة الله، ويؤدون ما التزموه من النذور ويخافون العقاب يوم الحساب، يوم يكون الهول خطيرا، والكرب كبيرا، فشا شره وانتشر، وعظم خطبه وكبر على من جحد وكفر.
8. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا: ويطعمون المساكين والأيتام والأسرى طعامهم مع حبهم الشديد لهذا الطعام؛ لجودته وحاجتهم إليه، ولكن آثروهم على أنفسهم طلبا لمرضاة ربهم.
9. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا: ويستحضرون في أنفسهم النية الخالصة، فهم إنما يحسنون لهؤلاء ابتغاء ما عند الله من الأجر العظيم، ولا يريدون منهم ثوابا على هذا الطعام، ولا حمدا ومدحا على هذا الجميل.
10. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا: إنا نفعل الخير خوفا من يوم عظيم، عذابه شديد، تعبس فيه الوجوه، وتتقطب فيه الجباه؛ لهوله فالمناظر كالحة، والطلعات مسودة إلا من رحم الله.
11. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا: فحماهم الله شدائد ذاك اليوم، وجنبهم أهواله، ونجاهم من كرباته، ومنحهم جمالا وبهاء في المنظر، وسرورا في المخبر، فالوجوه بهيجة، والقلوب مسرورة.
12. وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا: وأثابهم بسبب صبرهم على الطاعات والمكاره، وصبرهم عن المعاصي، جنة راضية، ومقعد صدق آمن، آكلين شاربين منعمين يلبسون الحرير، ويتكثون عليه ويفترشونه.
13. مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا: متكئين على الأسرة الوثيرة الناعمة المزينة بأجمل الألوان وأبهى الصور لا يجدون في الجنة حر الشمس ولا برد الزمهرير بل هو جو معتدل وهواء لطيف وظل وارف.
14. وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا: وقريبة منهم أغصان الأشجار يستظلون بها تتعطف عليهم الافنان، وسهلت لهم الثمار في التناول على أي حال أرادوا من اضطجاع أو قعود أو قيام.
15. وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا: ويطوف عليهم الغلمان بأواني الطعام وأكواب الشراب فالخادم منعم مهذب قريب والطعام لذيذ شهي والشراب ماتع والآنية فاخرة جميلة من زجاج الفضة.
16. قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا: وهذه الآنية من زجاج الفضة على قدر شرب الشارب قدرها الساقي بحسبان، لا زيادة ولا نقصان، وهذا ألذ شىء لدى الإنسان.
17. وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا: ويسقى هؤلاء البررة كأس خمر، مزجت بالزنجبيل، يأخذ طعمها بالألباب، سرت بها النفوس، وفاحت في الأنوف، وضوعت في المكان.
18. عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا: يشرب الأبرار من عين اسمها سلسبيل؛ لسهولة الشراب، وسلامته من الكدر، ويسر تناوله، وسرعة مساغه.
19. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا: ويدور على الأبرار غلمان دائمون في النعيم، إذا أبصرت حسنهم وجمالهم ظننتهم اللؤلؤ البراق المضئ؛ لصفاء الألوان، وإشراق البشر، وبياض الأجسام.
20. وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا: وأينما نظرت في أي مكان من الجنة رأيت النعيم المقيم، والملك العظيم، خلود دائم، وسرور مستمر، وبهجة وقرة عين.
21. عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا: على أبدانهم ثياب من حرير رقيق أخضر يلي الأجسام، وظاهرها حرير سميك، وفي أيديهم أسورة من فضة وشرابهم طاهر لا رجس فيه ولا نجس ولا دنس، كمل اللباس، وجمل المكان، وحسن الشراب ولذ.
22. إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا: ويهنؤون، فيقال لهم: هذا ما أعد لكم ثوابا على أعمالكم الصالحة، وكان سعيكم مقبولا مرضيا، فطوبي لكم بهذا الإنعام ومزيد الإكرام، وطيب الكلام.
23. إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلا: أخبر – سبحانه – أنه نزل كتابه القرآن الكيم على نبيه الكريم، وأنه وحي من عنده، وهو كلامه المحكم، وقد نزله منجما.
24. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا: فعليك بالصبر على ما حكم الله به، وقدر من قضاء قدري وشرعي ولا تتبع من انغمس في الشهوات، وتهالك في المحرمات، وكفر بالرسالات والآيات البينات.
25. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا: وداوم على ذكر الله أول النهار وآخره؛ لأنها البداية والنهاية، ففي أوله قوة وعون، وفي آخره استغفار وتوبة.
26. وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا: وصل لربك متنفلا واذكره كثيرا في وقت طويل من الليل، فتطوع الليل أفضل من تطوع النهار، وهذا هو الزاد في طريق المصاعب والمشاق.
27. إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا: إن هؤلاء الكفار يحبون الدنيا ويقدمونها على الآخرة، ويعملون لها فحسب، ويتركون خلف ظهورهم الاستعداد للآخرة، ولا يسعون إلى النجاة من أهوال ذاك اليوم العظيم.
28. نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا: والله وحده هو الذي خلقهم من العدم، وصورهم وأحكم خلقهم، وإذا أراد هلاكهم لا يمنعه من ذلك أحد، ويأتي بأطوع له منهم وأعبد لربه من هؤلاء الفجرة.
29. إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا: إن هذه السورة الكريمة فيها موعظة عظيمة، فمن أراد النجاة سلك طريق الطاعة إلى الله ليصل إلى رضوانه والفوز بجنانه.
30. وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا: ولا يريد العباد أمرا من الأمور إلا بقضاء من الله وقدره، ولا تتم مشيئتهم إلا بمشيئة الله، إن الله عليم بالأعمال والأحوال والأقوال، حكيم في التدبير والتصوير والتقدير.
31. يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا: يدخل من أراد من العباد في رحمته بعمل ما يحبه، وفعل ما يرضاه، أما الظالمون المتجاوزون للحدود العاصون للمعبود، فقد هيأ لهم عذابا موجعا ونكالا شديدا.
سورة المرســـلات
1. وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا: أقسم الله – تعالى – بالرياح إذا هبت بعضها يتبع بعضا؛ كعرف الفرس في التتابع، وهو الذي أرسلها.
2. فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا: وأقسم – سبحانه – بالريح شديدة الهبوب، عنيفة السير التي تعصف بما يقابلها وتهلكه وتدمره، وهي أعتى الريح.
3. وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا: وأقسم بالرياح التي تنشر السحاب وتسوق وتفرقه ليسقى به بل ميت، وهي تنشر الأمطار في الأقطار.
4. فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا: وأقسم – تعالى – بالملائكة التي تأتي بالوحي تفرق به بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والإيمان والكفر.
5. فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا: وأقسم – سبحانه – بالملائكة التي تلقي الوحي من الله إلى الأنبياء، وسمى ذكرا لشرفه؛ ولأنه يذكر الغافل واللاهي والناسي.
6. عُذْرًا أَوْ نُذْرًا: والذكر فيه أعذار من الله إلى الخليقة، وقطع احتجاجهم بعدم الإرسال، وإنذار لهم من عذاب شديد إن لم يؤمنوا.
7. إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ: إن الذي توعدونه من القيامة وما فيها من مشاهد وأحداث، كائن لا محالة، وحاصل لا راد له.
8. فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ: فإذا النجوم أظلمت، وذهب ضياؤها فأصبحت مسودة إيذانا بقيام الساعة.
9. وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ: وإذا السماء تصدعت وتشققت فصارت أبوابا، وذهب هذا السقف المحكم والبناء الشديد.
10. وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ: وإذا الجبال دكت وتناثرت في الهواء كالهباء، وتطايرت في السماء كالسراب في الصحراء.
11. وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ: وإذا الرسل وقت أو قرر أو عين لهم أجل معلوم للحكم بينهم وبين الأمم، فأي يوم عظيم هذا اليوم الذي صار وقتا للرسل؟!!
12. لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ: يا له من يوم عظيم أخرت فيه الرسل ليفصل الله بينهم وبين أقوامهم، فيوم هذا شأنه يوم كبير جليل.
13. لِيَوْمِ الْفَصْلِ: أخرت الرسل ليوم يفصل الله فيه بينهم وبين أقوامهم، فمن أطاع نجا، ومن عصى هلك.
14. وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ: وما أنبأك – أيها الناس – بهذا اليوم وشدته وهوله، أنت لا تعلم شأنه ولا تدري بما يحصل فيه؟!!
15. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك عظيم وعذاب أليم لمن كذب بهذا اليوم، وجحد هذا المشهد الذي وعد الله به.
16. أَلَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ: أما أهلكنا من سبقهم بالتكذيب؛ كقوم نوح وعاد وثمود، فقطعنا دابرهم وأبدنا خضراءهم.
17. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ: ثم نهلك الآخرين، فمن أتى بعدهم وكذب المرسلين فنجعلهم كالسابقين بجامع التكذيب.
18. كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ: وهذه سنة الله في كل مجرم، وعادته في كل مكذب، ويشمل هذا كفار مكة فعقابهم كعقاب من قبلهم.
19. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودار لمن كذب بألوهية الواحد القهار ورسالة النبي المختار صلى الله عليه وسلم، في الدنيا خزي وفي الآخرة نار.
20. أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ: أما خلقناكم من ماء حقير في أصله ومكانه، وهو النطفة، فلماذا التجبر والتكبر والجحود؟
21. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ: فوضعنا هذا الماء في محل حصين وهو رحم المرأة، محفوظ من الآفات، مصون عن التلف.
22. إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ: إلى أجل مسمى ووقت معلوم، وهو وقت الحمل بحساب دقيق دال على الحكمة.
23. فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ: فقدرنا على الخلق والتصوير مع حسن التدبير في الحمل والولادة، فما أعظم المقدر، وأنعم به من مدبر.
24. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن كذب بقدرة الواحد القهار في خلق الإنسان ونقله في جميع الأطوار.
25. أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا: أما جعلنا الأرض ضامة للأحياء على ظهرها، والأموات في باطنها، أحياء لا يحصون، وأموات لا يحصرون.
26. أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا: أحياء على ظهرها لم يتضح لي معناها، يشربون ويسرحون ويمرحون، وأمواتا في جوفها ينعمون أو يعذبون، ويحاسبون ويسألون.
27. وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا: وجعلنا في الأرض جبالا ثابتة في الأعماق، طويلة في الآفاق، رست أصولها وطالت رؤوسها، وجعلنا لكم ماء عذبا زلالا تشربونه، فمن الصخر تفجر النهر.
28. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن كذب بقدرتنا في خلق الأرض بطبقاتها من الأحياء والأموات، وخلق الجبال الرواسي والماء العذب.
29. انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ: سيروا إلى نار جهنم التي كنتم تكذبون بها في الدنيا، اليوم ترونها رأي العين، وتصلون حرها.
30. انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ: سيروا إلى ظل من دخان جهنم العظيم قد انقسم ثلاثة أقسام، فاستظلوا به، وهو حر شديد ولهب رهيب.
31. لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ: لا يظل من الحر، ولا يغني من اللهب، فالحر يشوي الوجوه، واللهب يحرق الأجسام، والدخان يسد الأنفاس ويخنق الناس.
32. إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ: إن جهنم ترمي في سمائها بشرر، كل شرارة مثل القصر العظيم في البناء الشاهق في السماء، فهذا الشرر، فكيف النار!!!
33. كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ: كأنه إبل عظيمة سود تميل إلى الصفرة، قد اسودت النار من غضب الجبار، فقذفت بالمسود من الشرار.
34. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن كذب بهذه النار وما فيها من دخان وشرار؛ كأنه القصور أو الإبل الكبار.
35. هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ: هذا يوم القيامة الذي لا ينطق فيه الكافر بكلام ينفعه، فليس له حجة تقال، ولا عذر يقبل.
36. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ: ولا يسمح لهم بالكلام في ذلك المقام، فيعتذرون؛ لأنه ليس لهم عذر، إذا الكلام غير نافع والإذن به غير وارد.
37. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن يكذب بما جاء في هذا اليوم من عدم نطق الكافرين، وعدم السماح لهم بالعذر فيعتذرون.
38. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأوَّلِينَ: هذا يوم يفصل الله فيه بين الخلائق، جمعنا اللاحقين والسابقين والأولين والمتأخرين؛ ليوفي الله كلا بما فعل.
39. فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ: إن كان لكم حيلة فاحتالوا الآن، وإن كان عندكم مخرج من العذاب فاسلكوه؛ لتنجوا من بطش الله وعذابه، بل لا قوة لكم ولا منعة.
40. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن كذب بما ذكر من جمع الأولين والآخرين، وعدم قدرة الكافر على الاحتيال على الواحد القهار.
41. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ: إن المتقين لربهم بفعل أوامره واجتناب نواهيه في ظلال الأشجار الباسقة، والبساتين الغناء، والحدائق الفيحاء، ولهم عيون صافية عذبة جارية.
42. وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ: ولهم في الجنة فواكه كثيرة لذيذة، يشتهونها بمذاقات شتى، وطعوم مختلفة، مع الأمن والسرور والنعيم والحبور.
43. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ: يقال لهم: كلوا من أطيب الطعام وأحسنه، واشربوا من ألذ الشراب وأحلاه معه الهناء والرضا؛ بسبب أعمالكم الصالحة في الدنيا، فهذا ثواب لذاك السعي المشكور.
44. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ: بمثل هذا الجزاء من النعماء والأمن والرخاء والسلامة والسراء يجازي كل محسن في عمله، متبع لرسوله، خائف من ربه.
45. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن أنكر ما ذكر من نعيم للمتقين أعده الله للمحسنين.
46. كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ: يقال للكفار: كلو يا فجار من لذائذ هذه الدار في قصر من الأعمار، فإن لذائذها منقطعة، ونعيمها زائل.
47. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن كذب بما ذكره الواحد القهار من أخبار الغيب.
48. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ: وإذا قيل للكفار: صلوا للملك الجبار وأطيعوه واتبعوا رسوله، عصوا واستكبروا وجحدوا وأنكروا.
49. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ: هلاك ودمار لمن كذب بالرسالة، ورد الوحي وكفر به.
50. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ: فبأي كلام بعد هذا القرآن المعجز المفحم المبارك البين يؤمن هؤلاء الكفار؟ إذا لم يصدقوا بهذا الكتاب، فلا تصديق لهم بكلام غيره.
51. سورة النبأ
52. عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ: عن أي شىء يسأل المشركون بعضهم بعضا؟ والاستفهام لإضفاء الاستعظام بشأن هذا الأمر، وما اختلف فيه المشركون إلا لما أصابهم من ذهول لضخامة ما حدث في العالم من رسالة ربانية عالمية.
53. عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ: فهم يتساءلون عن الخبر العظيم الذي ملأ القلوب هيبة، والنفوس رهبة، والعقول دهشة من إرسال نبي بشير نذير، وكتاب كريم منير، وبعث ونشور، وقد طال فيه نزاعهم وكثر خلافهم، وهو حق لا ريب فيه، صدق لا كذب فيه، يقين لا شك فيه.
54. الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ: ففي هذا اليوم كثر لغطهم وغلطهم ما بين مصدق ومكذب، ومقر ومنكر؛ لأن نبأه عجيب، وخبره غريب.
55. كَلا سَيَعْلَمُونَ: والله لسوف يعلمون إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، وكشف الغطاء، وظهر الخفاء، حينها يلون صدق الخبر وصحة الأمر، وقبح فعلهم وسوء عملهم.
56. ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ: بلى والله لينكشفن لهم بعد الموت الحق في هذا الأمر من ثبوت ما أخبر الله به، وأخبر به رسوله من بعث ونشور، وجنة ونار، وصراط وميزان، وغيراه من أخبار الغيب.
57. أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا: والدليل على صحة الرسالة وأخبار الغيب أن من أخبر بها هو الذي أتقن خلق الأرض، فمهدها وبسطها وسهلها لمصالحكم من البناء والزراعة والسكنى والمعاش، فالأرض أم رؤوم، فيها الرزق المقسوم والقوت المعلوم.
58. وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا: وجعلنا الجبال تمسك الأرض كالأوتاد، فلا تميل ولا تضطرب، ووزعها على الأرض بتقدير محكم، فتجدها مقسمة بين أطرافها الأربعة ووسطها بإتقان، وحسن تدبير، فسبحان اللطيف الخبير.
59. وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا: وخلقناكم زوجين ذكورا وإناثا، ليحصل التوالد والتناسل وبقاء النوع واستمرار الحياة، ولو كان زوجا واحدا لانقطع النوع، وحصل فناء هذا الصنف من المخلوقات، ولكن الله أوجد الذكر والأنثى من الإنسان والحيوان والطيور وكل مخلوق.
60. وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا: وجعلنا نومكم راحة لأبدانكم، وقطعا لأشغالكم، تستريح فيه الأجسام بلذيذ المنام؟ لتعود إلى العمل بنشاط.
61. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا: وجعلنا الليل كاللباس لكم يستركم ويغطيكم، ففيه تعودون إلى سكنكم، وتهدئون من حركتكم ومعاشكم.
62. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا: وجعلنا النهار سببا لكسب الرزق، وطلب المعاش وزمنا للجد والعمل، والبناء والإنتاج؛ لتحصل الحياة والأعمار.
63. وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا: وبنينا فوقكم سبع سماوات محكمة البناء قوية السمك، مرفوعة السقف، متقنة الصنعة لا قصور فيها ولا عيوب، يحار فيها الطرف، ويدهش من حسنها العقل الواعي.
64. وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا: وجعلنا الشمس في السماء كالسراج الوهاج، تسير بحسبان وتضئ بحكمة وتطلع بتقدير، لا اختلال في سيرها ولا اضطراب في طلوعها وغروبها.
65. وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا: وأنزلنا من السحب إذا حان نزول الغيث منها ماء مباركا طهورا عذبا غزيرا كثير الانصباب، فيه الحياة والنماء والخير الكثير.
66. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا: لنخرج بالماء حبا يأكله الإنسان والحيوان، وهو قوت نافع، ورزق مبارك من حنطة وذرة وشعير وغيرها، وأخرجنا بالماء نباتا من الحشائش والخمائل تأكله الدواب، ويبهج النظر ويجمل الأرض.
67. وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا: وأخرجنا بهذا الماء المبارك حدائق غناء، وبساتين فيحاء، ملتفة الأغصان، لينة الأفنان، بهية المنظر، بهيجة الجمال.
68. إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا: إن يوم القيامة يوم يفصل الله بين الخلائق فيه، له وقت معلوم، وأجل مسمى معلوم عند الله لا يخلف الله الميعاد.
69. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا: يوم ينفخ إسرافيل في البوق – وهو قرن عظيم – النفخة الثانية فتخرجون من القبور جماعات كثيرة تسعى إلى الموقف.
70. وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا: وتشققت السماء وتصدعت، فصارت أبوابا كثيرة لنزول الملائكة، وذهاب الأبراج والأفلاك والكواكب.
71. وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا: ونسفت الجبال، ودكت واقتلعت من أماكنها وصارت هباء منبثا، وقاعا صفصفا متناثرة في الجو.
72. إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا: إن جهنم مكان يرصد فيه الكفار من قبل خزنة النار، فهم مترقبون مجيئهم لإنزال أشد العقوبة بهم.
73. لِلطَّاغِينَ مَآبًا:لافالنار مرجع للطغاة يعودون إليها صاغرين مدحورين، فهي دارهم التي فيها يهانون ويعذبون.
74. لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا: باقين في النار دهورا بلا انقطاع، مؤبدين في العذاب، خالدين في أقسى العقاب لا يفتر عنهم ولا يخفف.
75. لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا: لا يجدون في النار بردا يطفئ عنهم الحر، ولا شرابا يذهب الظمأ، فجلودهم حرى، وأجوافهم عطشى.
76. إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا: لكن يبدلون من البرد والشراب ماء حارا يغلي يقطع الأمعاء، وسائلا قيحا مؤذيا من أجسام المعذبين يتجرعونه.
77. جَزَاءً وِفَاقًا: هذا الجزاء يقابل أفعالهم القبيحة، ويكافئ أعمالهم السيئة، فهم يستحقون هذا الجزاء، وهم أهل لهذا البلاء.
78. إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا: لأن هؤلاء الكفار كانوا يكذبون بيوم الحساب، ولا ينتظرون القيامة، ولا يؤمنون بها ولا يتوقعون البعث.
79. وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا: وجحدوا بآيات الله المنزلة على رسوله، وكذبوا بما أوحاه الله لنبيه وردوه وأعرضوا عنه، فكان جزاؤهم هذا اللون من العذاب.
80. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا: وكل شىء الأفعال والأعمال كتبناه في كتاب الحسنات والسيئات، فهو محفوظ مضبوط بلا زيادة ولا نقص ليوم الحساب.
81. فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا: فذوقوا جزاء تكذيبكم وكفركم بربكم، فلن تجدوا إلا زيادة في العذاب، وشدة في العقاب، لا ترحمون ولا تخرجون.
82. إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا: إن للمتقين عند ربهم بالعمل بما أمر واجتناب ما نهى عنه فلاحا في الآخرة، ونجاة من النار، وفوزا بالجنة.
83. حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا: لهم حدائق غناء فيها مزارع العنب دانية على الغصون، وإنما ذكر العنب لكثرة منافعه وجودة طعمه.
84. وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا: ولهم في الجنات زوجات من الحوريات عذارى جميلات، فائقات الحسن، مطهرات من كل عيب، حسنات الأخلاق، في حرمة واحتشام.
85. وَكَأْسًا ذهَاقًا: ولهم آنية الخمر المترعة المليئة التي لا تسكر ولا تصدع، ولا يهذي صاحبها ولا يغيب عقله مع تمام اللذة ونهاية السرور.
86. لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا: لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه، ولا باطلا من الحديث، بل سلام وحسن كلام وجمال، مجالس أنس، سمو وحلاوة منطق.
87. جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا: هذا الجزاء من الله ربهم على حسن عملهم أثابهم بالنعيم على لزومهم الصراط المستقيم، وأعطاهم وحباهم وكفاهم في أحسن دار، وخير مستقر.
88. رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا: هذا الذي أكرمهم هو رب السموات والأرض الذي ربى الخليقة بالنعم، وهو واسع الرحمة شاملها لكل مخلوق، لا يكلمه أحد إلا بإذنه لعظمته وهيبته.
89. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا: ذاك اليوم يقوم جبريل إعظاما لله وإجلالا له مع الملائكة وهم صفوف، لا يتكلم منهم أحد بشفاعة إلا إذا أذن له ورضي عن المشفوع له.
90. ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا: ذاك اليوم صدق وعده، حق وقوعه، ثابت وقته، فمن أراد اتخذ عملا صالحا عند ربه ينفعه، وينجيه به من عذابه وسوء عقابه.
91. إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا: إنا خوفناكم هذا العذاب القريب ووقوعه، يوم يشاهد الإنسان عمله من خير وشر، أما الكافر فلسوء مصيره يتمنى أنه كان ترابا لئلا يحاسب ولا يعذب، ومن تمنى الموت فكفى به بلية ومحنة.
92. سورة النازعات
93. وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا: أقسم الله بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعا بقوة وعنف حتى تسحبها من كل أجزاء الجسد مع ألم ومشقة وعذاب وحسرة.
94. وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا: وأقسم بالملائكة التي تخرج أرواح المؤمنين بلطف ولين وسهولة ورفق، فتكون كالقطرة من فم السقاء يسرا.
95. وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا: وأقسم بالملائكة وهي تنزل من المساء وتصعد ذاهبة آبية بأوامر الله وأحكامه، كل صنف منهم عمل لعظمة الملك وقوة السلطان.
96. فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا: وأقسم بالملائكة التي تسبق بأمر الله أرواح المؤمنين إلى مستقرها بمبادرة لتذوق النعيم ولا تتأخر عما أعد الله لها.
97. فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا: وأقسم بالملائكة التي تدبر أمر الله من قطر ورياح وكتابة وحفظ للناس، وتنفيذ لكل أمر من رحمه وعذاب.
98. يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ: يوم تقع النفخة الاولى تضطرب الأرض، وترجف بأهلها، وتزلزل بمن عليها بحركة عنيفة، وتهتز هزا مذهلا مدهشا.
99. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ: وتأتي بعدها النفخة الثانية ليقوم الناس لرب العالمين.
100. قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ: هناك قلوب شديدة القلق والاضطراب والانزعاج من هول الموقف، تكاد القلوب تخرج من الجنوب لخوف علام الغيوب.
101. أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ: أبصار هؤلاء الخائفين ذليلة حائرة من هول المنظر وفظاعة المشهد، خضعت الأبصار وحارت الأفكار، وعنت الوجوه للواحد القهار.
102. يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ: يقولون: هل نرد بعد الموت إلى الحياة؟! وهذا لا يكون، فقد مات الآباء والأجداد فما عادوا، فلا رجعة لنا ولا عودة، بل موت بفناء.
103. أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً: أئذا بليت منا العظام، وتفتت الأعضاء، وأصبحنا ترابا نرد إلى الحياة ونعاد من جديد؟! هذا لا يكون أبدا.
104. قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ: يقول من كذب بالبعث: هذه الرجعة إذا خائبة لنا، خاسرة في حقنا، ليست في صالحنا؛ استبعادا لها واستهزاء.
105. فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ: فإنما النفخة الثانية صيحة واحدة لا تعب فيها علينا، فإذا وقعت أعدناهم كما بدأناهم، وأحييناهم كما أمتناهم.
106. فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ: فإذا وقعت النفخة الثانية خرج الناس إلى أرض بيضاء لفصل القضاء، فعرضت الأعمال، وعظمت الأهوال، وبرز ذو الجلال، يوم الثواب والنكال.
107. هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى: هل سمعت أو خبرت عن قصة موسى العظيمة، وصبره في مواجهة فرعون، وما لقي من نوائب؟ إن فيها أسوة فاصبر وتعز به.
108. إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى: حين ناداه خالقه ومدبر أمره بالوادي الميمون المبارك المطهر بطور سيناء، فشرف الوادي لأجل التكليم، وتقس بسبب الوحي.
109. اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى: وقال له ربه: سر يا موسى إلى فرعون فادعه إلى التوحيد، فإنه بغى وطغى وتجبر وعصى، وجاوز الحد في الكفر والإلحاد والفسق والفساد.
110. فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى: فقل له بلين، وخاطبه برفق: هل لديك رغبة في أن تتطهر من الكفر وتوحد الله، وتخلص له العبادة وتزكي نفسك بالطاعة؟ فهذا خير لك.
111. وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى: وأدلك على الطريق إلى الله الذي رباك بنعمه، فلعلك تخاف عقابه وتخشى عذابه فتطيع أمره، وتجتنب نهيه.
112. فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى: فأرى موسى فرعون المعجزة الكبرى، فانقلبت العصا حية بإذن الله، وهي دليل على صدق موسى وأنه نبي من عند الله.
113. فَكَذَّبَ وَعَصَى: فكذب فرعون دعوة موسى وعصى أمره، أو كذب بقوله وعصى بفعله، فمن تكذيبه رفضه للدليل، ومن عصيانه تركه للتوحيد.
114. ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى: ثم أعرض عن الهداية وسعى في الغواية، وصد عن متابعة موسى، وأمعن في الفساد في الأرض قتلا وظلما وإذلالا واستعبادا.
115. فَحَشَرَ فَنَادَى: فجمع الناس وأعلن مناديا بباطله صارخا بفريته وكذبته السخيفة من ادعاء الألوهية قاتله الله.
116. فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى: فقال فرعون للناس: أنا ربكم الذي رباكم بالعطايا، وأنا عال فوقكم لا رب فوقي كذبا منه وزورا، وقصده أن يعبد من دون الله.
117. فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى: فتكل الله به غاية التنكيل، وعاقبه أشد العقاب، في الدنيا بالإغراق، وفي الآخرة بالإحراق، أن عاقبه بكلمتيه الكاذبتين.
118. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى: إن في عقاب الله لفرعون ومحقه وإهلاكه عظة عظيمة لمن اتقى ربه وخاف مولاه، فهذا مصير كل طاغية، وهذه نهاية كل مجرم جبار.
119. أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا: أتظنون في تقديركم أنكم أشق في الخلق، وأصعب في الإيجاد، وأعظم في الصنعة من خلق السماء التي بناها الله بإحكام، وسواها بإتقان؟
120. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا: بناها فرفعها وأعلى سقفها بجعل سمكها في جرمها عاليا كما بين السماء والسماء، فسبحان مجمل هذا البناء.
121. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا: وجعل الليل مظلما، ومحا الليل بنور الشمس في النهار، فغاير بين الوقت، ولم يجعله سرمدا بتوقيت معين، فلم يسبق الليل النهار، ولا النهار الليل.
122. وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا: والأرض بعد رفع السماء فرشها للكائنات، ومهدها لعيش الناس، وبسطها مع كرويتها لتقوم على ظهرها الحياة.
123. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا: وأخرج الماء من الأرض في عيون وآبار وأنهار من بين الصخور، ومن تحت الجبال، وأنبت فيها المرعى الأخضر متاعا للحيوان.
124. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا: وثبت الجبال كالأوتاد للأرض فلا تحرك، ولا تضطرب، ولا تهتز، ووزع الجبال بحكمة على أطراف الأرض؛ لتستقر لمن يعيش على ظهرها.
125. مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ: وجعل ذلك كله منفعة لكم ومتاعا لأنعامكم، فطاب سكنكم، وقر عيشكم، وقامت حياتكم، فالإنسان والحيوان في نعمة ورغد.
126. فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى: فإذا حان قيام الساعة، وهي الداهية العظمى، والطامة الكبرى، طمت على الأبصار بهولها، وعلى الأسماع بصوتها، وعلى القلوب بخوفها.
127. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى: حينها يتذكر الإنسان ما عمل من خير وشر وصلاح وفساد، فتعرض عليه حسناته وسيئاته في وقت لا ينفع الندم ولا يجدي التحسر.
128. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى: وأظهرت نار جهنم أمام الناس يراها الجمع لا تخفى على أحد، قد هيئت للفجار، وأعدت للكفار تنتظرهم لإحراقهم.
129. فَأَمَّا مَنْ طَغَى: فأما من تكبر وتجبر وتعدى الحدود، ونقض العهود، ونكث العقود بالشرك والجحود والخروج عن طاعة الملك المعبود.
130. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا: وقدم الحياة الدنيا على الآخرة فعمل لها، وفضلها ونسي الآخرة وأهملها، فأحب العاجلة وانغمس في لذائذها، معرضا عن اليوم الآخر.
131. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى: فإن النار له قرار وبئس والله الدار، يأوي إليها، ويقيم بها معذبا خاسئا يذوق الأنكال ويقيد بالأغلال.
132. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى: فمن خاف الله وعظم قدره، وهاب أخذه وخشي بطشه، وكف النفس عن هواها وردعها عن غيها واتباعها شهواتها.
133. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى: فإن جنات النعيم هي مقام هذا المتقي الدائم، يأوي إليها مكرما منعما، تقر فيها عينه، وتسعد فيها نفسه، ويطيب فيها عيشه.
134. يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا: يسألك المشركون يا محمد متى تقوم الساعة؟ ومتى موعدها؟ ومتى وقت وقوعها؟ ويريدون ذكر تأريخ قيامها استهزاء.
135. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا: في أي شىء أنت من ذكر الساعة، فليس عندك علم بها لتخبرهم، ولم يطلعك الله على موعدها لتفتيهم، فأنت لا تدري بها.
136. إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا: إلى الله وحده نهاية علمها لا يعلمها غيره، ولا يدري بها سواه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.
137. إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا: إنما ينفع نصحك من خشي قيام الساعة فعمل للآخرة، أما المكذب المعرض فهو في لهوه يلعب، وفي ضلاله يسعى، فمهمتك الإنذار لا الإخبار.
138. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا: كأن هؤلاء الكفار يوم يرون قيام الساعة لم يبقوا في الدنيا إلا مقدار عشية يوم، أو ضحاه؛ لقصر ما مكثوا في هذه الدنيا الفانية، فهي أحلام وأوهام، لا يغتر بها إلا الطغاة، أفمن أجل عشية أو ضحاها يضحون بالآخرة!!
139. سورة عبس
140. عَبَسَ وَتَولَّى: قطب الرسول صلى الله عليه وسلم وجهه لانشغاله بدعوة كبار الكفار، فأعرض ولم يصغ لسؤال الأعمى، وخاطبه بالغيبة تلطفا.
141. أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى: لأجل أن جاءه الأعمى "ابن أم مكتوم" فكأن المعنى: هذا مسكين وأعمى وسائل عن العلم وتعرض عنه؛ لإثارة العطف والرحمة.
142. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى: وما ينبئك – أيها النبي – أن هذا الأعمى جاء ليتطهر بهداك من ذنوبه، وبعلمك من آثار جهله.
143. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى: أو لعله يتعظ بقولك فينتفع ويعمل بما سمع، فالتزكية عمل الطاعات، والتذكر ترك المحرمات، وهما التقوى.
144. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى: أما من استغنى بماله وجاهه ودنياه عن رسالتك، فهو منغمس في شهواته، منتكس في مخالفاته لم يعتن برسالتك.
145. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى: فأنت تقبل عليه وتعتني به وتحييه طمعا في هدايته، هو معرض وأنت مقبل، وهو موغل في ضلالته، وأنت حريص على هدايته.
146. وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى: وليس عليك حرج ألا يتطهر من معصيته، حتى تحرص على هدايته، فدعه ما دام أنه اختار الغواية وترك الهداية، واتركه في رجسه.
147. وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى: وأما من أتاك ساعيا لطلب الهداية، باحثا عن العلم، سائلا عن الحكمة، حريصا على الفقه في الدين، وأتاك محبا لك ولدينك.
148. وَهُوَ يَخْشَى: وهو يخاف عذاب الله ويخشى عقابه، حمله الخوف على السؤال؛ ليعلم الحلال فيعمل به، ويعلم الحرام فيتجنبه، فبالخوف تنال النجاة.
149. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى: فأنت تتشاغل عنه بغيره، فلا تجيب سؤالهن ولا تسمع كلامه، مع أنه أتى راغبا وأنت تلاحق من ولي هاربا.
150. كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ: كلا لا تعد لمثل هذا العمل – أيها الرسول – فإن هذه موعظة ونصيحة، فعليك أن تعظ من ينتفع بموعظتك.
151. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ: فمن أحب أن ينتفع بموعظة القرآن فعل، فهذب نفسه بالوحي، وقوم سلوكه بالدين، فانتفع من العلم النافع بعمله الصالح.
152. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ: هذه النصائح من القرآن مسطرة في صحف شريفة، عزيزة المكان، مقدسة الجناب، محترمة المحل؛ لأنها كلام الله عزوجل.
153. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ وهي رفيعة الذات والقدر، منزعة عن الدنس، لا يمسها إلا المطهرون، عصم معناها من الزيغ، ونزه فحواها عن الرجس.
154. بِأَيْدِي سَفَرَةٍ: كتبت بأيدي ملائكة سفراء بالوحي بين الله ورسوله، يبلغون النبي القرآن بأمانة، قد حفظوا ما حملوا، وأدوا ما سمعوا.
155. كِرَامٍ بَرَرَةٍ: ملائكة كرام على ربهم، أعزاء على الله، أطاعوا أمره واجتنبوا نهيه، سلموا من أدران الذنوب، وخلصوا من آثار العيوب.
156. قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ: لعن الله الكافر ما أشد كفره، وأكثر بغيه، وأعظم جحوده، نسي الإحسان، وعصى الرحمن، وأطاع الشيطان، وكذب بالقرآن.
157. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ: لماذا لا يتفكر الكافر في أصل خلقته؟ ومن أي مادة خلقه الله منها، إنها ماء مهين، وأصل حقير، فلو تذكر ما تكبر.
158. مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ: خلقه من ماء ضئيل مهين، فقدر له أوقاتا وأطوارا، طفولة، ثم صبا، ثم كهولة، ثم شيخوخة، وقدر خلقه ورزقه وعمله.
159. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ: ثم سهل ولادته، ويسر له طريق الهداية والضلالة؛ ليختار أحد