Advertisement

تفسير القرآن العظيم ابن كثير 5



الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ] وقال مقاتل [بن حَيَّان] (1) في قوله: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا بن عبد الله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله (2) .
وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه.
هذا قول. وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا } [البقرة: 104]، وقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } إلى قوله: { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } [الحجرات: 2-5]
فهذا كله من باب الأدب [في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته] (3)
والقول الثاني في ذلك أن المعنى في: { لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، والله (4) أعلم.
وقوله: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } قال مقاتل بن حَيَّان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -ويعني بالحديث الخطبة -فيلوذون ببعض الصحابة -أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم -حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبيّ صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة، بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروجَ أشارَ بإصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي -صلى الله عليه وسلم -يخطب، بطلتْ جُمعته.
قال السُّدِّي كانوا إذا كانوا معه في جماعة، لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم.
وقال قتادة في قوله: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } ، يعني: لواذا [عن نبي الله وعن كتابه.
وقال سفيان: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } قال: من الصف. وقال مجاهد في الآية: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } ] (5) قال: خلافًا.
وقوله: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبيله هو (6)
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "يا رسول الله، يا نبي الله".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف، أ: "فالله".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في ف: "وهو سبيله".
(6/89)

أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
ومنهاجه وطريقته [وسنته] (1) وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عَمَلا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ" (2) .
أي: فليحذر وليخْشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا { أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هُرَيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها (3) . جعل الفراش وهذه الدواب اللاتي [يقعن في النار] (4) يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحَّمن فيها" . قال: "فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزِكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها" . أخرجاه من حديث عبد الرزاق (5)
{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64) } .
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه عالم غيب السموات والأرض، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } و"قد" للتحقيق، كما قال قبلها: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا } ، وقال تعالى: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } [الأحزاب: 18]. وقال تعالى: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [المجادلة: 1]، وقال: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } [الأنعام: 33]، وقال: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ] } (6) [البقرة:144] فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بـ"قد"، كما يقول المؤذن تحقيقًا وثبوتًا: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" فقوله تعالى: { قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } أي: هو عالم به، مشاهد له، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [الشعراء: 217-220] . وقال: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [يونس: 61]، (7) وقال تعالى: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [الرعد: 33] أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر. وقال تعالى: { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] } [هود: 5] (8) ، وقال تعالى: { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } [الرعد:10]، وقال تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [هود: 6]، وقال: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [الأنعام: 59] .والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
وقوله: { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } أي: ويوم تَرْجِعُ (9) الخلائق إلى الله -وهو يوم القيامة -{ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا } أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا، مِنْ جليل وحقير، وصغير وكبير، كما قال تعالى: { يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [القيامة: 13]. وقال: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } [الكهف: 49]. ولهذا قال هاهنا: { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) صحيح البخاري برقم (2697) وصحيح مسلم برقم (1718).
(3) في ف، أ: "حوله".
(4) زيادة من ف، أ، والمسند.
(5) المسند (2/312) ومسلم برقم (2284) وليس عند البخاري من هذا الطريق.
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ف: "في السموات ولا في الأرض"، وهو خطأ.
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في ف: "يرجع".
(6/90)

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)
تفسير سورة الفرقان
وهي مكية بسم الله الرحمن الرحيم
{ تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) } .
يقول تعالى حامدا نفسه الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا * قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ [أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ] (1) } [ الكهف : 1 -3] وقال هاهنا: { تَبَارَكَ } وهو تفاعَلَ من البركة المستقرة الدائمة الثابتة { الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ } نزل: فَعَّل، من التكرر، والتكثر، كما قال: { وَالْكِتَابِ الَّذِي نزلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزلَ مِنْ قَبْلُ } [ النساء : 136] ؛ لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل (2) مُنَجَّماً مُفَرَّقاً مُفَصَّلا آيات بعد آيات، وأحكاما بعد أحكام، وسوراً بعد سُوَر، وهذا أشد وأبلغ، وأشد اعتناءً بمن أنزل عليه كما قال في أثناء هذه السورة: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا. وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } [ الفرقان : 32 ،33] . ولهذا سماه هاهنا الفرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام.
وقوله: { عَلَى عَبْدِهِ } : هذه صفة مدح وثناء؛ لأنه أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإسراء، فقال: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا } [ الإسراء : 1 ] ، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه: { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } [ الجن : 19]، وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال { تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } .
وقوله: { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } أي: إنما خصَّه بهذا الكتاب العظيم المبين المفصل المحكم الذي: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت : 42]، الذي جعله فرقانا عظيما -إنما خصه به ليخصه بالرسالة إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء، كما قال -صلوات الله وسلامه عليه -"بعثت إلى الأحمر والأسود" (3) . وقال: "أعطيت خمسًا لم
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في أ: "ينزل".
(3) رواه مسلم في صحيحه برقم (521) هو والذي يليه من حديث جابر، رضي الله عنه.
(6/92)

يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" ، فذكر منهن: أنه "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" ، وقال الله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ [لا إِلَهَ إِلا هُوَ ] (1) يُحْيِي وَيُمِيتُ } [ الأعراف : 158] أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال هاهنا: { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ } ، فَنزه نفسه عن الولد، وعن الشريك.
ثم أخبر أنه: { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت قهره [وتسخيره] (2) ، وتدبيره وتقديره (3) .
__________
(1) زيادة من أ وهو الصواب.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ف، أ: "قهره وتقديره وتسخيره وتدبيره".
(6/93)

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)
{ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا (3) }
يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأزمَّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. ومع هذا عَبَدُوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون لعابديهم؟ { وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا } أي: ليس لهم من ذلك شيء، بل ذلك مرجعه كله إلى الله عز وجل، الذي هو يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم ، { مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [ لقمان : 28] ، { وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } [ القمر : 50]، { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ } [ النازعات : 13 ،14] ، { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ } [ الصافات : 19] ، { إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ } [ يس : 53] . فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي لا ولد له ولا والد، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا (5) قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) }
يقول تعالى مخبرًا عن سخافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: { إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ } : أي: كذب ، { افْتَرَاهُ } يعنون النبي (1) صلى الله عليه وسلم، { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين. قال الله تعالى: { فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا } أي: فقد افتروا هم قولا باطلا هم
__________
(1) في ف، أ: "محمدا".
(6/93)

وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون (1) .
{ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا } يعنون: كتب الأوائل استنسخها ، { فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ } أي: تقرأ عليه { بُكْرَةً وَأَصِيلا } أي: في أول النهار وآخره.
وهذا الكلام -لسخافته وكذبه وبهْته منهم -كُلّ أحد يعلم (2) بطلانه، فإنه قد عُلم بالتواتر وبالضرورة: أن محمداً رسول الله لم يكن يعاني شيئا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه، وبره وأمانته ونزاهته من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى أن بُعِث (3) إلا الأمين، لما يعلمون من صدقه وبره. فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، وَرَموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، قال الله تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا } [ الإسراء : 48] .
وقال تعالى في جواب ما عاندوا هاهنا وافتروا: { قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخباراً حقاً صدقاً مطابقاً للواقع في الخارج، ماضيا ومستقبلا { أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ } أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.
وقوله: { إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } : دعاء لهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه. فهؤلاء مع كذبهم وافترائهم وفجورهم وبهتهم وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا، يدعوهم إلى التوبة والإقلاع عما هم فيه إلى الإسلام والهدى، كما قال تعالى: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ المائدة : 73 -74]، وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } [ البروج : 10] . قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة [سبحانه وتعالى] (4) .
{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) }
__________
(1) في ف، أ: "زعموه".
(2) في ف، أ: "بهته كل أحد منهم يعلم".
(3) في أ: "بعثه".
(4) زيادة من ف، أ.
(6/94)

إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)
{ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) } .
(6/94)

يخبر تعالى عن تعنت الكفار وعنادهم وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم: { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ } ، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج إليه، { وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ } أي: يتردد فيها وإليها طلبا للتكسب والتجارة، { لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } يقولون (1) : هلا أنزل إليه ملك من عند الله، فيكون له شاهدا على صِدْق ما يدَّعيه! وهذا كما قال فرعون: { فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } [ الزخرف : 53]. وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم؛ ولهذا قال: { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز } أي: علم كنز [يكون] (2) ينفق منه، { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة { وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا } .
قال الله تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ } أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر" وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك؛ ولهذا قال: { فضلوا } أي: عن طريق الهدى ، { فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا } وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد ومنهج متحد، يُصَدّق بعضه بعضا.
ثم قال تعالى مخبراً نبيه أنه لو شاء لآتاه خيراً مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال [تعالى] (3) { تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } .
قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا، سواء كان كبيرا أو صغيرا (4) .
وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خَيْثَمَة؛ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يُعطى أحد من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: { تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } (5) .
__________
(1) في أ: "يقول".
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من أ.
(4) في ف، أ: "صغيرا أو كبيرا".
(5) رواه الطبري في تفسيره (18/140) من طريق سفيان به مرسلا.
(6/95)

وقوله: { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ } أي: إنما يقول هؤلاء هكذا تكذيباً وعناداً، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرا واسترشادا، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال، { وأعتدنا } أي: وأرصدنا { لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } أي: عذابا أليماً حاراً لا يطاق في نار جهنم.
وقال الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن سعيد بن جبير: "السَّعِير": واد من قيح جهنم .
وقوله: { إِذَا رَأَتْهُمْ } أي: جهنم { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } يعني: في مقام المحشر. قال السدي: من مسيرة مائة عام { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا } أي: حنقا (1) عليهم، كما قال تعالى: { إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ } [ الملك : 7 ،8] أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض؛ من شدة غيظها على من كفر بالله.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأخيف (2) الواسطي: أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيْك، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يقل عَلَيَّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ [مقعده من النار". وفي رواية: "فليتبوأ] (3) بين عيني جهنم مقعدا" قيل: يا رسول الله، وهل لها من عينين؟ قال: "أما سمعتم الله يقول: { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } الآية.
ورواه ابن جرير، عن محمد (4) بن خِدَاش، عن محمد بن يزيد (5) الواسطي، به (6) .
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سليم، عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله -يعني: ابن مسعود -ومعنا الربيع بن خُثَيْم فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خثيم إليها فتمايل ليسقط، فمر عبد الله على أتّون على شاطئ الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا } فصعق -يعني: الربيع بن خُثَيْم -فحملوه إلى أهل بيته (7) ورابطه عبد الله إلى الظُّهر فلم يفق، رضي الله عنه.
وحدثنا أبي: حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.
__________
(1) في أ: "خنقا".
(2) في ف، أ: "الأحنف".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف: "محمود".
(5) في أ: "زيد".
(6) تفسير الطبري (18/140).
(7) في أ: "إلى أهله".
(6/96)

هكذا رواه ابن أبي حاتم مختصرا، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير:
حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، حدثنا عُبَيْد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني. فيقول: أرسلوا (1) عبدي. وإن الرجل ليُجَرّ إلى النار، فيقول: يا رب، ما كان هذا الظن بك؟ فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تَسَعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وهذا إسناد صحيح.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبَيد بن عُمَيْر في قوله: { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا } قال: إن جهنم تزفر زفرة، لا يبقى ملك ولا نبي إلا خَرّ تَرْعَد فرائصه، حتى إن إبراهيم عليه السلام، ليجثو على ركبتيه ويقول: رب، لا أسألك اليوم إلا نفسي (2) .
وقوله: { وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا } قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله (3) بن عمرو قال: مثل الزج في الرمح (4) أي: من ضيقه.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أسيد -يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -أنه سئل عن قول الله { وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ } قال: "والذي نفسي بيده، إنهم ليُسْتَكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط" (5) .
وقوله { مُقَرَّنِينَ } قال أبو صالح: يعني مكتفين: { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } أي: بالويل والحسرة والخيبة . { لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد (6) عن أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أول من يُكسَى حُلَّةً من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه، ويسحبها منْ خَلْفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه، وينادون: يا ثبورهم. حتى يقفوا على النار، فيقول: يا ثبوراه. ويقولون: يا ثبورهم. فيقال لهم: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا، وادعوا ثبورا كثيرا".
لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سِنَان، عن عفان، به: ورواه ابن جرير، من حديث حماد بن سلمة به (7) .
__________
(1) في أ: "أن تنقلوا".
(2) تفسير عبد الرزاق (2/56).
(3) في ف، أ: "عبيد الله".
(4) في ف: "رمحه".
(5) رواه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور (6/240).
(6) في هـ، ف، أ "علي بن يزيد" والصواب ما أثبتناه من المسند (3/252).
(7) المسند (3/152) وتفسير الطبري (18/141).
(6/97)

قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: { لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } أي: لا تدعوا اليوم ويلا واحداً، وادعوا ويلا (1) كثيرا.
وقال الضحاك: الثبور: الهلاك.
والأظهر: أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخسار والدمار، كما قال موسى لفرعون: { وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } [ الإسراء : 102] أي: هالكا. وقال عبد الله بن الزبَعْرى:
إذْ أجَاري الشَّيطانَ في سَنَن الغيَ ... يِ ،وَمنْ مَالَ مَيْلَهُ (2) مَثْبُورُ (3)
{ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا (16) } .
يقول تعالى: يا محمد، هذا (4) الذي وصفناه من حال أولئك الأشقياء (5) ، الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فتتلقاهم بوجه عبوس وبغيظ (6) وزفير، ويُلقَون في أماكنها الضيقة مقرَّنين، لا يستطيعون حراكا، ولا انتصاراً ولا فكاكا مما هم فيه -: أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها.
{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } [أي] (7) : من الملاذ: من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب أحد (8) . وهم في ذلك خالدون أبدا دائما (9) سرمدا بلا انقطاع ولا زوا، ولا انقضاء، لا يبغون عنها حوَلا. وهذا من وَعْد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم، ولهذا قال: { كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا } أي لا بد أن يقع وأن يكون، كما حكاه أبو جعفر بن جرير، عن بعض علماء العربية أن معنى قوله: { وَعْدًا مَسْئُولا } أي: وعدا واجبا.
وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس { كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا } يقول: سلوا الذي واعدتكم -أو قال: واعدناكم -نُنْجِزْ.
وقال محمد بن كعب القُرَظي في قوله: { كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا } : إن الملائكة تسأل لهم ذلك: { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ } [ غافر : 8] .
وقال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فأنجز لنا ما وعدتنا. فذلك قوله: { وَعْدًا مَسْئُولا } .
وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في
__________
(1) في ف، أ: "بلاءا".
(2) في أ: "مثله".
(3) البيت في السيرة النبوية لابن هشام (2/419).
(4) في أ: "أهذا".
(5) في أ: "من هؤلاء الأشقية".
(6) في أ: "وتغيظ".
(7) زيادة من ف، أ.
(8) في ف، أ: "بشر".
(9) في ف: "دائما أبدا".
(6/98)

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
سورة "الصافات" حال أهل الجنة، وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال: { أَذَلِكَ خَيْرٌ نزلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } [ الصافات : 62 -70] .
{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) } .
يقول تعالى مخبراً عما يَقَع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم مَن عبدوا من دون الله، من الملائكة وغيرهم، فقال: { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ (1) وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } . قال مجاهد: عيسى، والعُزَير، والملائكة. { فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ } أي: فيقول الرب تبارك وتعالى [للمعبودين] (2) أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم، من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُم } (3) إلى آخر الآية؛ [ المائدة : 116 -117] ولهذا قال تعالى مخبرًا عما يُجيِب به المعبودون يوم القيامة: { قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ } قرأ الأكثرون بفتح "النون" من قوله: { نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ } أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم قالوا (4) ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا ونحن برآء منهم ومن عبادتهم، كما قال تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } [ سبأ : 40 -41]. (5) وقرأ آخرون: "مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ" أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا، فإنا عبيد لك، فقراء إليك. وهي قريبة المعنى من الأولى.
{ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ } أي: طال عليهم العمر حتى نَسُوا الذكر، أي: نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك.
__________
(1) في ف: "يحشرهم".
(2) زيادة من أ.
(3) بعدها في ف، أ: (إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني).
(4) في أ: "فعلوا".
(5) في هـ: "به" والمثبت من أ، وهو الصواب.
(6/99)

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
{ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } قال ابن عباس: أي هلكى. وقال الحسن البصري، ومالك عن الزهري: أي لا خير فيهم. وقال ابن الزبعرى حين أسلم:
يا رَسُولَ المَليك إنّ لسَاني ... رَاتقٌ ما فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ ...
إذْ أجاري الشَّيطَانَ في سَنَن الغيْ ... يِ ، وَمَن مالَ مَيْلَه مَثْبُورُ ...
قال الله تعالى: { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ } أي: فقد كذبكم الذين عَبَدْتُم فيما زعمتم أنهم لكم أولياء، وأنكم اتخذتموهم قربانا يقربونكم (1) إليه زلفى، كما قال تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } [ الأحقاف : 5 -6] .
وقوله: { فَمَا (2) تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا } أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم ولا الانتصار لأنفسهم، { وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ } أي: يشرك بالله، { نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا } .
{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) }
يقول تعالى مخبرا عن جميع مَنْ بعثه من الرسل المتقدمين: إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به { وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ } أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة [القاهرة] (3) ، ما يستدل به كل ذي لب سليم، وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به من الله عز وجل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } [ يوسف : 109]{ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } [ الأنبياء : 8] .
وقوله: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم مَن يُطيع ممن يعصي؛ ولهذا قال: { أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } أي: بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124] ، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به، ومن لا يستحق ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون، لفعلت، ولكنّي قد أردتُ أن أبتلي العباد بهم،
__________
(1) في أ: "يقربوبكم".
(2) في أ: "فلا" وهو خطأ.
(3) زيادة من أ.
(6/100)

وأبتليهم (1) بهم.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: إني مُبْتَلِيك، ومُبْتَلٍ بك" (2) . وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة"، وفي الصحيح أنه -عليه أفضل الصلاة والسلام -خُير بين أن يكون نبياً ملكا أو عبداً رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا.
__________
(1) في أ: "وأبتليكم".
(2) صحيح مسلم برقم (2865).
(6/101)

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
{ وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا (24) } .
يقول تعالى مخبرا عن تَعَنُّت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ } (1) أي: بالرسالة كما نزل (2) على الأنبياء، كما أخبر عنهم تعالى في الآية الأخرى: { قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } [ الأنعام : 124] ، ويحتمل أن يكون مرادهم هاهنا: { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ } فنراهم عيانا، فيخبرونا أن محمدا رسول الله، كقولهم (3) : { أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا } [ الإسراء : 92]. وقد تقدم تفسيرها في سورة "سبحان"؛ ولهذا قال (4) : { أَوْ نَرَى رَبَّنَا } ولهذا قال الله تعالى: { لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } . وقد قال [الله] (5) تعالى: { وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } [ الأنعام : 111] .
وقوله: { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم (6) ، وذلك يَصْدُق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سَموم وحَميم، وظلِّ من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن (7) ، فيضربونه، كما قال الله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } [ الأنفال : 50]. وقال: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ } أي: بالضرب ، { أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } [ الأنعام : 93]؛ ولهذا قال في هذه الآية
__________
(1) في أ: "عليه" وهو خطأ.
(2) في أ: "تنزل".
(3) في ف، أ: "وكقولهم".
(4) في ف، أ: "قالوا".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في ف، أ: "للمجرمين".
(7) في أ: "الجسد".
(6/101)

الكريمة: { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ } ، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } [ فصلت : 30 -31] .
وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس الطيبة (1) في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان". وقد تقدم الحديث في سورة "إبراهيم" (2) عند قوله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [ إبراهيم : 27] .
وقال آخرون: بل المراد بقوله: { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ } يعني: يوم القيامة. قاله مجاهد، والضحاك؛ وغيرهما.
ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين.
{ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } أي: وتقول الملائكة للكافرين حَرَام محرم عليكم الفلاح اليوم.
وأصل "الحجر" : المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفَه، أو فَلَس، أو صغر، أو نحو ذلك. ومنه سمي "الحجْر" عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطُوَّاف أن يطوفوا فيه (3) ، وإنما يطاف من ورائه. ومنه يقال للعقل "حجر" (4) ؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق.
والغرض أن الضمير في قوله: { وَيَقُولُونَ } عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخُصَيف، وغير واحد. واختاره ابن جرير (5) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى -يعني ابن قيس -عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: { وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } قال: حراما مُحَرّما أن يُبَشَّر بما يبشر به المتقون.
وقد حكى ابن جرير، عن ابن جُرَيْج أنه قال: ذلك من كلام المشركين: { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ } ، [أي: يتعوذون من الملائكة؛ وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة] (6) يقولون: { حِجْرًا مَحْجُورًا } .
__________
(1) في ف، أ: "المطمئنة".
(2) عند الآية: 27.
(3) في ف: "به".
(4) في أ: "حجرا".
(5) تفسير الطبري (19/2).
(6) زيادة من ف، أ.
(6/102)

وهذا القول -وإن كان له مأخذ ووجه -ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد، لا سيما قد نص الجمهور على خلافه. ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهد؛ أنه قال في قوله: { حِجْرًا مَحْجُورًا } أي: عوذاً معاذاً. فيحتمل (1) أنه أراد ما ذكره ابن جريج. ولكن في رواية ابن أبي حاتم، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال: { حِجْرًا مَحْجُورًا } [أي] : (2) عوذا معاذا، الملائكة تقُوله. فالله (3) أعلم.
وقوله تعالى: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } ، وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم -شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية، فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: { وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } .
قال مجاهد، والثوري: { وَقَدِمْنَا } أي: عمدنا.
وقال السدي:(قدمنا) : عَمَدنا. وبعضهم يقول: أتينا عليه.
وقوله: { فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، رضي الله عنه، في قوله: { [ فَجَعَلْنَاهُ] (4) هَبَاءً مَنْثُورًا } ، قال: شعاع الشمس إذا دخل في الكوَّة. وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي. ورُوي مثله عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والسُّدِّي، والضحاك، وغيرهم. وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم (5) ، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { هَبَاءً مَنْثُورًا } قال: هو الماء المهراق.
وقال أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: { هَبَاءً مَنْثُورًا } قال: الهباء رَهْج (6) الدواب . ورُوي مثله عن ابن عباس أيضا، والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة في قوله: { هَبَاءً مَنْثُورًا } قال: أما رأيت يَبِيس الشجر إذا ذرته (7) الريح؟ فهو ذلك الورق.
وقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن يعلى بن عبيد (8) قال: وإن الهباء الرماد.
وحاصل هذه الأقوال التنبيهُ على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم (9) العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال
__________
(1) في ف، أ: "فيحمل".
(2) زيادة من أ.
(3) في أ: "والله".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ف، أ: "أحدكم".
(6) في ف، أ: "وهج".
(7) في أ: "أذرته".
(8) في أ: "عبيد بن يعلى".
(9) في ف: "الحكم".
(6/103)

الله تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ } [ إبراهيم : 18] وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا } [ البقرة : 264] وقال تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } [ النور : 39] وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة.
وقوله: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } أي: يوم القيامة { لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ } [ الحشر : 20]؛ وذلك لأن (1) أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين، حسن المنظر، طيب المقام، { خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } [ الفرقان : 76] ، وأهل النار يصيرون إلى الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات، { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } [ الفرقان : 66] أي: بئس المنزل منظرا وبئس (2) المقيل مقاما؛ ولهذا قال: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه (3) ، بخلاف أهل النار فإنه ليس لهم عمل واحد يقتضي لهم دخول الجنة والنجاة من النار، فَنَبَّه -تعالى -بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } .
قال الضحاك: عن ابن عباس: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويَقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.
وقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } .
وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: هي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل [الجنة فيُنطلق بهم إلى] (4) الجنة، فكانت قيلولتهم [في الجنة] (5) وأطعموا كبد حوت، فأشبعهم [ذلك] (6) كلهم، وذلك قوله: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } .
وقال سفيان، عن مَيسَرة، عن المِنْهَال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، أنه قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ : { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } وقرأ { ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ } [ الصافات : 68] .
__________
(1) في أ: "أن".
(2) في ف: "أو".
(3) في ف: "وصاروا إلى ما إليه صاروا".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) زيادة من ف، أ.
(6) زيادة من ف، أ.
(6/104)

وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
وقال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن (1) عُرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا } [ الانشقاق : 7-9] .
وقال قتادة في قوله: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } أي: مأوى ومنزلا قال قتادة: وحَدّث صفوان بن مُحْرِز أنه قال: يجاء يوم القيامة برجلين، أحدهما كان ملكا (2) في الدنيا إلى الحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ، لم يعمل خيرا فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به. فيقول: صدق عبدي، فأرسلوه. فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله. ثم يدعى صاحب (3) النار، فإذا هو مثل الحُمَمة (4) السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مَقيل. فيقال (5) له: عد (6) ثم يُدعَى بصاحب الجنة، فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: رب، خير مَقيل. فيقال له: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا (7) الصوَّاف حدثه، أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على المؤمن (8) حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وذلك (9) قوله تعالى: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا } (10) .
{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا (29) } .
يخبر تعالى عن هَول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق (11) السماء وتفطرها وانفراجها بالغمام، وهو ظُلَل (12) النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر. ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء.
قال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } [ البقرة: 210] .
__________
(1) في أ: "إذ".
(2) في أ: "ملك".
(3) في أ: "بصاحب".
(4) في ف، أ: "الفحمة".
(5) في أ: "فقال".
(6) في ف، أ: "عده".
(7) في أ: "سعيد".
(8) في أ: "المؤمنين".
(9) في ف، أ: "فذلك".
(10) تفسير الطبري (19/5).
(11) في أ: "اشتقاق".
(12) في أ: "ظل".
(6/105)

قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا مُؤَمِّل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهْرَان، عن ابن عباس، أنه قرأ هذه الآية: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا } قال ابن عباس: يجمع الله الخلق يوم القيامة (1) في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها -وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلائق (2) -فيحيطون بالجن والإنس وبجميع الخلق. ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن الجن والإنس ومن جميع الخلق [فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم والجن والإنس وجميع الخلق (3) ] (4) ثم تنشق السماء الثالثة، فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم، وبالجن والإنس وبجميع الخلق. ثم كذلك كل سماء، حتى تنشق السماء السابعة، فينزل أهلها وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات ومن الجن والإنس، ومن جميع الخلق، فيحيطون (5) بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات، وبالجن والإنس وجميع الخلق، وينزل ربنا عز وجل في ظلل من الغمام، وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السموات السبع ومن الإنس (6) والجن وجميع الخلق، لهم قرون كأكعب القنا، وهم تحت العرش، لهم زَجَل بالتسبيح والتهليل (7) والتقديس لله عز وجل، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين كعبه إلى ركبته (8) مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى حُجْزَته (9) مسيرة خمسمائة عام، وما بين حُجْزَته (10) إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما بين ترقوته إلى موضع القُرط مسيرة خمسمائة عام. وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام، وجهنم مجنبته (11) هكذا رواه ابن أبي حاتم بهذا السياق.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مِهْرَان، أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؟ فيقولون: لم يجئ، وهو آت. ثم تنشق السماء الثانية، ثم سماء سماء على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة. فينزل منها من الملائكة أكثر من [جميع من] (12) نزل من السموات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل (13) الملائكة الكَرُوبيُون، ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول: سبحان الملك القدوس. وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القَبَاء (14) والعرش فوق ذلك.
__________
(1) في ف، أ: "يجمع الله تعالى الخلق كلهم يوم القيامة".
(2) في ف، أ: "الخلق".
(3) في ف، أ: "الخلائق".
(4) زيادة من ف، أ، والدر المنثور 5/68.
(5) في أ: "فيحطون".
(6) في ف، أ: "والإنس".
(7) في ف، أ: "بالتهليل والتسبيح".
(8) في أ: "ركبتيه".
(9) في ف، أ: "أرنبته".
(10) في ف، أ: "أرنبته".
(11) في هـ، ف غير منقوطة، وفي أ: "مجنبته".
(12) زيادة من ف، أ، والطبري.
(13) في ف، أ: "فينزل".
(14) في أ: "القفاء".
(6/106)

ثم وقف، فمداره على عليِّ بن زيد بن جُدْعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته غالبا نكارة شديدة. وقد ورد في حديث الصور المشهور (1) قريب من هذا، والله أعلم.
وقد قال [الله] (2) تعالى: { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ } [ الحاقة : 15 -17] قال شهر بن حَوْشَب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك. وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، رواه ابن جرير عنه.
وقال أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت إليه أبصارهم، ورَجَفت كُلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مَقَرّها من صدورهم إلى حناجرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا معتمر بن سليمان، عن عبد الجليل، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة، فيُصَوّت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع منه (3) القلوب.
وهذا موقوف على (4) عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعله من الزاملتين، والله أعلم.
وقوله تعالى: { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } ، كما قال تعالى: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [ غافر : 16] وفي الصحيح: "إن الله يطوي السموات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى، ثم يقول: أنا الملك، أنا الديان، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون"؟ (5)
وقوله: { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } أي: شديدا صعبا؛ لأنه يوم عدل وقضاء فصل، كما قال تعالى: { [فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ] } (6) "، { فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ } [ المدثر : 8 -10]، فهذا حال الكافرين في هذا اليوم. وأما المؤمنون فكما قال تعالى: { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } [ الأنبياء : 103] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن (7) بن موسى، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله: { يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } ما (8) أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون
__________
(1) تقدم الحديث عند تفسير الآية: 73 من سورة الأنعام.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ف. أ: "له".
(4) في ف، أ: "عن".
(5) صحيح مسلم برقم (2788) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وليس فيه: "أنا الديان".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ف، أ: "حسين".
(8) في ف، أ: "وما".
(6/107)

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا" (1) .
وقوله: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا } : يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول وما جاء به من عند الله من الحق المبين، الذي لا مرْية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة نَدمَ حيثُ لا ينفعه النَدَمُ، وعضّ على يديه حسرةً وأسفا.
وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي مُعَيط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال تعالى: { يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } [ الأحزاب :66 -68] فكل (2) ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويَعَض على يديه قائلا { يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا } يعني: مَن (3) صرفه عن الهدى، وعدل به إلى طريق الضلالة [من دعاة الضلالة] (4) ، وسواء في ذلك أمية بن خلف، أو أخوه أبي بن خلف، أو غيرهما.
{ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ } [وهو القرآن] (5) { بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي } أي: بعد بلوغه إلي، قال الله تعالى: { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا } أي: يخذله عن الحق، ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل، ويدعوه إليه.
{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) }
يقول تعالى مخبرا عن رسوله ونبيه محمد (6) -صلوات الله وسلامه (7) عليه دائما إلى يوم الدين -أنه قال: { يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } ، وذلك أن المشركين كانوا لا يُصغُون للقرآن ولا يسمعونه (8) ، كما قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } [ فصلت : 26] وكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه، وترك [علمه وحفظه أيضا من هجرانه، وترك] (9) الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدولُ عنه إلى غيره -من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره -من هجرانه، فنسأل الله الكريمَ المنانَ القادرَ على ما يشاء، أن يخلّصنا مما يُسْخطه، ويستعملنا فيما يرضيه، من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطرافَ النهار، على الوجه الذي
__________
(1) المسند (3/75) وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(2) في ف، أ: "وكل".
(3) في ف، أ: "لمن".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في أ: "محمدا".
(7) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(8) في أ: "يستمعونه"
(9) زيادة من ف، أ.
(6/108)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)
يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب.
وقوله: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ } أي: كما حصل لك -يا محمد -في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين؛ لأن الله جعل لكل نبي عدوا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } [ الأنعام : 112 -113] ؛ ولهذا قال هاهنا: { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } أي: لمن اتبع رسوله، وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة. وإنما قال: { هَادِيًا وَنَصِيرًا } لأن المشركين كانوا يصدون الناس عن اتباع القرآن، لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن؛ فلهذا قال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } .
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا (32) }
(6/109)

وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
{ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا (34) } .
يقول تعالى مخبراً عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم، وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا: { لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } أي: هلا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله، كالتوراة والإنجيل والزبور، وغيرها من الكتب الإلهية. فأجابهم الله عن ذلك بأنه إنما أنزل منجما في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام لتثبيت (1) قلوب المؤمنين به كما قال: { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنزلْنَاهُ تَنزيلا } [ الإسراء : 106] ؛ ولهذا قال: { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا } . قال قتادة: وبيناه تبيينا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وفسرناه تفسيرا.
{ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } أي: بحجة وشبهة { إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } أي: ولا يقولون قولا يعارضون به الحق، إلا أجبناهم (2) بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصحُ من مقالتهم.
قال (3) سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } أي: بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول { إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } أي: إلا نزل جبريل مِنَ الله بجوابهم .
ثم في هذا اعتناء كبير؛ لشرف الرسول، صلوات الله وسلامه عليه (4) ، حيث كان يأتيه الوحي من الله بالقرآن صباحا ومساء، ليلا ونهارا، سفرا وحضرا، فكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى (5) وأجلُّ، وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد، صلوات
__________
(1) في أ: "ليثبت"
(2) في أ: "جئناهم".
(3) في ف: "ثنا".
(4) في ف: "عليه وسلامه".
(5) في أ: "لعلي".
(6/109)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
الله وسلامه عليه، أعظم نبي أرسله الله وقد جمع الله تعالى للقرآن الصفتين معا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا (1) ثم نزل بعد ذلك إلى الأرض منجما بحسب الوقائع والحوادث.
قال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا أحمد بن سليمان، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال: { وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } ، وقوله { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنزلْنَاهُ تَنزيلا } [ الإسراء : 106] (2) .
ثم قال تعالى مخبرا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة وحشرهم إلى جهنم، في أسوأ الحالات وأقبح الصفات: { الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا } ، وفي الصحيح، عن أنس: أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: "إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يُمشِيَه على وجهه يوم القيامة" (3) وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من المفسرين، [والله أعلم] (4) .
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) }
يقول تعالى متوعداً من كذّب رسولَه محمداً، صلوات الله وسلامه عليه، من مشركي قومه ومن خالفه (5) ، ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه، مما أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى، عليه السلام، وأنه ابتعثه وجعل معه أخاه هارون وزيرا، أي: نبيًا مُوَازرا ومؤيداً وناصراً، فكذبهما فرعون وجنوده،فـ { دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا } [ محمد: 10]. ، وكذلك فعلَ بقوم نوح حين كذّبوا رسوله نوحاً، عليه السلام، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبونه؛ ولهذا قال: { وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ } ، ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم إلى الله، ويحذرهم نقَمه، فما آمن معه إلا قليل. ولهذا أغرقهم الله
__________
(1) في أ: "من السماء الدنيا".
(2) النسائي في السنن الكبرى برقم (11372).
(3) صحيح البخاري برقم (4760) وصحيح مسلم برقم (2806).
(4) زيادة من ف.
(5) في ف، أ: "خالفهم".
(6/110)

جميعا، ولم يَبق منهم أحد، ولم يبق على وجه الأرض من بني آدم سوى أصحاب السفينة فقط.
{ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً } أي: عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } [ الحاقة : 11 -12]. أي: وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لُجَج البحار، لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجَعْلكم من ذرّية مَن آمن به وصَدّق أمره.
وقوله: { وَعَادًا وَثَمُودَ } قد (1) تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة، منها في سورة "الأعراف" بما أغنى عن الإعادة (2) .
وأما أصحاب الرس فقال ابن جُرَيْج، عن (3) ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود.
وقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرَسّ بفَلَج وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فَلَج من قرى اليمامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم [النبيل] (4) ، حدثنا الضحاك بن مَخْلَد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر (5) ، حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله: { وَأَصْحَابَ الرَّسِّ } قال: بئر بأذربيجان.
وقال سفيان الثوري عن أبي بُكَيْر (6) ، عن عكرمة: الرس بئر رَسوا فيها نبيهم. أي: دفنوه بها (7) .
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب [القرظي] (8) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله -تعالى وتبارك -بعث نبيا (9) إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية عدَوا على النبي، فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم (10) قال: "فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، ويشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت". قال: "فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحَزم وفرغ منها فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً، ثم إنه هَبّ فتمطى، فتحول لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب واحتمل حُزْمَته ولا يحسبُ إلا أنه نام ساعة من نهار (11) فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع. ثم ذهب (12) إلى الحفيرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده. وكان قد بدا لقومه فيه بَداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه". قال:
__________
(1) في ف: "وقد".
(2) في ف، أ: "إعادته".
(3) في أ: "قال".
(4) زيادة من ف.
(5) في أ: "بشير".
(6) في ف، أ: "بكر".
(7) في ف: "فيها".
(8) زيادة من ف والطبري.
(9) في ف: "بعث نبيا من الأنبياء".
(10) في ف: "أصم".
(11) في أ: "النهار".
(12) في ف، أ: "ثم إنه ذهب".
(6/111)

وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)
فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود: ما فعل؟ فيقولون له: لا ندري. حتى قبض الله النبي، وَأهبّ الأسودَ من نومته بعد ذلك". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن ذلك الأسودَ لأولُ من يدخل الجنة".
وهكذا رواه ابن جرير (1) عن ابن حميد، عن سلمة عن ابن إسحاق، عن محمد بن كعب مرسلا. وفيه غرابة ونَكارَةٌ، ولعل فيه إدْرَاجاً، والله أعلم. وأما ابن جرير فقال: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن؛ لأن الله أخبر عنهم أنه أهلكهم، وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم، اللهم إلا أن يكون حدث لهم أحداث، آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم.
واختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود، الذين ذكروا في سورة البروج، فالله أعلم.
وقوله: { وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا } أي: وأمما بين أضعاف مَنْ ذُكر أهلكناهم كثيرة؛ ولهذا قال: { وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ } أي: بينا لهم الحجج، ووضَّحنا لهم الأدلة -كما قال قتادة: أزحنا (2) عنهم الأعذار -{ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } أي: أهلكنا إهلاكاً، كقوله: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ } [ الإسراء : 17] .
والقرن: هو الأمة من الناس، كقوله: { ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ } [ المؤمنون : 31] وحدَّه بعضهم (3) بمائة وعشرين سنة. وقيل: بمائة سنة. وقيل: بثمانين سنة. وقيل: أربعين. وقيل غير ذلك. والأظهر: أن القرن هم الأمة المتعاصرون في الزمن الواحد؛ فإذا ذهبوا وخلفهم جيل آخر فهم قرن ثان، كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" الحديث.
وقوله: { وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ } يعني: قوم لوط، وهي سدوم ومعاملتها التي أهلكها الله بالقلب، وبالمطر الحجارة من سجيل، كما قال تعالى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } [ الشعراء : 173]وقال { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ } [ الصافات : 137 -138] وقال تعالى: { وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ } [ الحجر :76] وقال { وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ } [ الحجر : 79]؛ ولهذا قال: { أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا } أي: فيعتبروا بما حَلّ بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم أوامر الله.
وقوله: { بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا } يعني: المارين بها من الكفار لا يعتبرون لأنهم لا يرجون نشوراً، أي: معادًا يوم القيامة.
{ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا (43) }
__________
(1) تفسير الطبري: 19/10.
(2) في أ: "وأزحنا".
(3) في ف، أ: "بعض المفسرين".
(6/112)

أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
{ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا (44) }
(6/112)

أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
يخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول، صلوات الله وسلامه عليه، إذا رأوه، كما قال: { وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } [ الأنبياء : 36] يعنونه بالعيب والنقص، وقال هاهنا: { وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا } ؟ أي: على سبيل التنقص (1) والازدراء -قبَّحهم الله -كما قال: { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } [ الرعد : 32] .
وقولهم (2) : { إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا } يعنون: أنه كاد يثنيهم عن عبادة أصنامهم، لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على عبادتها. قال الله تعالى متوعدا لهم ومتهددا: { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا } .
ثم قال تعالى لنبيه، منبهًا له أن من كتب الله عليه الشقاوة والضلال، فإنه لا يهديه أحد إلا الله.
{ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه، كان دينَه ومذهبَه، كما قال تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر:8] ؛ ولهذا قال هاهنا: { أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا } . قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زماناً، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.
ثم قال: { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا } أي: أسوأ حالا من الأنعام السارحة، فإن تلك تعقل ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، وهم يعبدون غيره ويشركون به، مع قيام الحجة عليهم، وإرسال الرسل إليهم.
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) }
من هاهنا شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } ؟ قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو
__________
(1) في ف، أ: "التنقيص".
(2) في أ: "وقوله".
(6/113)

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
العالية، وأبو مالك، ومسروق، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، والضحاك، والحسن البصري، وقتادة، والسدي، وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. { وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا } أي: دائما لا يزول، كما قال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [ القصص : 71 -72] .
وقوله: { ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا } أي: لولا أن الشمس تطلع عليه، لما عرف، فإن (1) الضد لا يعرف إلا بضده.
وقال قتادة، والسّدي: دليلا يتلوه ويتبعه حتى يأتي عليه كله.
وقوله: { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } أي: الظل، وقيل: الشمس. { يسيرا } أي: سهلا. قال ابن عباس: سريعاً. وقال مجاهد: خفياً. وقال السّدي؛ قبضاً خفَياً، حتى لا يبقى في الأرض ظل إلا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه.
وقال أيوب بن موسى: { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } أي: قليلا قليلا.
وقوله: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا } أي: يلبس الوجود ويُغَشيه (2) ، كما قال: [ { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } [ الليل : 1 ] وقال] (3) { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } [ الشمس : 4] .
{ وَالنَّوْمَ سُبَاتًا } أي: قَطْعَا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعايش، فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات، فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معا.
{ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا } أي: ينتشر الناسُ فيه (4) لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، كما قال تعالى: { وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ القصص : 73] .
{ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (50) } .
وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنه تعالى يرسل الرياح مبشرات، أي: بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع، في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما يحمله، ومنها ما يسوقه، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشِّرا، ومنها ما يكون قبل ذلك يَقُمّ الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر؛ ولهذا قال: { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } أي: آلة يتطهر بها، كالسَّحُور والوقود (5) وما جرى مجراه. فهذا أصح ما يقال في ذلك. وأما من قال: إنه فعول
__________
(1) في ف: "وإن".
(2) في ف: "ويغشاه".
(3) زيادة من أ.
(4) في ف: "فيه الناس".
(5) في أ: "والوجود".
(6/114)

بمعنى فاعل، أو: إنه مبني للمبالغة أو التعدي، فعلى كل منهما (1) إشكالات من حيث اللغة والحكم، ليس (2) هذا موضع بسطها، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، حدثني حُمَيد الطويل، عن ثابت البناني قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطير، وطرق البصرة قذرة، فصلى، فقلت له، فقال: { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } قال: طهره ماء السماء.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وُهَيب (3) عن داود، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } [قال: أنزله الله ماءً طاهراً] (4) لا ينجسه شيء.
وعن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يُلقَى فيها النَّتَن، ولحوم الكلاب -فقال: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" رواه الشافعي، وأحمد وصححه، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي (5) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشعث، حدثنا معتمر، سمعت أبي يحدث عن سَيَّار، عن خالد بن يزيد، قال: كان عند عبد الملك بن مروان، فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر فَيُعْذِبه الرعد والبرق. فأما ما كان من البحر، فلا يكون له نبات، فأما النبات فمما كان من السماء.
وروي عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. وقال غيره: في البر بُر، وفي البحر دُرّ.
وقوله: { لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا } أي: أرضا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء. فلما جاءها الحيا عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان، كما قال تعالى: { فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [ الحج : 5] .
{ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } أي: وليشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي محتاجين إليه غاية الحاجة، لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ } [ الشورى : 28] وقال تعالى: { فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ الروم : 50] .
وقوله: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا } أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب فمر على الأرض وتعداها وجاوزها إلى الأرض الأخرى، [فأمطرتها وكفتها فجعلتها عذقا، والتي وراءها] (6) لم ينزل فيها قطرة من ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة.
__________
(1) في أ: "منها".
(2) في ف، أ: "وليس".
(3) في أ: "وهب".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) الأم للشافعي (1/9) والمسند (3/15) وسنن أبي داود برقم (66) وسنن الترمذي برقم (66) وسنن النسائي (1/174).
(6) زيادة من ف، أ.
(6/115)

وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
قال ابن مسعود وابن عباس: ليس عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا } .
أي: ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنه قادر على إحياء الأموات (1) . والعظام الرفات. أو: ليذكر من منع القَطْر أنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه.
وقال عُمَر مولى غُفْرَة (2) : كان جبريل، عليه السلام، في موضع الجنائز، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا جبريل، إني أحب أن أعلم أمْرَ السحاب؟" قال: فقال جبريل: يا نبي الله، هذا ملك السحاب فسله. فقال: تأتينا صَكاك مُخَتَّمة: اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة. رواه ابن حاتم، وهو حديث مرسل.
وقوله: { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا } : قال عكرمة: يعني: الذين (3) يقولون: مطرنا بنَوء كذا وكذا.
وهذا الذي قاله عكرمة كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوماً، على أثر سماء أصابتهم من الليل: "أتدرون ماذا قال ربكم" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب" (4) .
{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) } .
يقول تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا } يدعوهم إلى الله عز وجل، ولكنا خصصناك -يا محمد -بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغ الناس هذا القرآن، { لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [ الأنعام : 19] ، { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [ هود : 17]{ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } [ الأنعام : 92] ، { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ الأعراف : 158] . وفي الصحيحين: "بعثت إلى الأحمر والأسود" وفيهما: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"؛ ولهذا قال: { فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ } يعني: بالقرآن، قاله ابن عباس { جِهَادًا كَبِيرًا } ، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } [ التوبة : 73،التحريم : 9] .
__________
(1) في ف، أ: "الموتى".
(2) في ف، أ: "عقبة".
(3) في أ: "الذي".
(4) صحيح مسلم برقم (71) من حديث زيد بن خالد الجهني.
(6/116)

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
وقوله: { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزلال. قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا الذي لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات. والله سبحانه إنما أخبر بالواقع (1) لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه تعالى بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم.
وقوله: { وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } أي: مالح مُرّ زعاق لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس وبحر الصين والهند وبحر الروم وبحر الخزر، وما شاكلها وشابهها (2) من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تتموج وتضطرب وتغتلم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجَزْر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض (3) ، فإذا شرع الشهر في النقصان جَزَرت، حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة (4) ثم تشرع في النقص، فأجرى الله سبحانه وتعالى -وله القدرة التامة -العادة بذلك. فكل هذه البحار الساكنة خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان. ولما كان ماؤها ملحا كان هواؤها صحيحا وميتتها طيبة؛ ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" . رواه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل السنن بإسناد جيد (5) .
وقوله: { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا } أي: بين العذب والمالح { برزخا } أي: حاجزاً، وهو اليَبَس من الأرض، { وَحِجْرًا مَحْجُورًا } أي: مانعاً أن يصل أحدهما إلى الآخر، كما قال: { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } [ الرحمن : 19 -21] ، وقال تعالى: { أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } [ النمل : 61] .
وقوله: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعَدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكراً أو أنثى، كما يشاء، { فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } ، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهراً، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات. وكل ذلك من ماء مهين؛ ولهذا قال: { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا } .
{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) }
__________
(1) في أ: "عن الواقع".
(2) في أ: "وأشبهها".
(3) في أ: "وقيض".
(4) في أ: "عشر".
(5) سبق تخريجه عند تفسير الآية: 3 من سورة المائدة.
(6/117)

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) } .
(6/117)

يخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غير الله من الأصنام، التي لا تملك لهم نفعاً ولا ضرا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء، والتشهي والأهواء، فهم يوالونهم (1) ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله [والمؤمنون] (2) فيهم؛ ولهذا قال: { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } أي: عونا في سبيل الشيطان على حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ } [ يس : 74 -75] أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك (3) لهم نصرا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون يقاتلون عنهم، ويَذبُّون عن حَوْزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله في الدنيا والآخرة.
قال مجاهد: { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } قال: يظاهر الشيطان على معصية الله، يعينه.
وقال سعيد بن جبير: { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } يقول: عوناً للشيطان على ربه بالعداوة والشرك.
وقال زيد بن أسلم: { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } قال: مواليا.
ثم قال تعالى لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } أي: بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، مبشرا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيراً بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله.
{ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله، { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } [ التكوير : 28]{ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا } أي: طريقا ومسلكا ومنهجا ُيقتدى فيها بما جئت به.
ثم قال: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ } أي: في أمورك كلها كُن متوكلا على الله الحي الذي لا يموت أبدا، الذي هو { الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الحديد : 3] الدائم الباقي السرمدي الأبدي، الحي القيوم ربّ كل شيء ومليكه، اجعله ذُخْرك وملجأك، وهو الذي يُتَوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤيدك ومظفرك، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [ المائدة : 67] .
__________
(1) في أ: "والتشهي فيهم يوالون لهم".
(2) زيادة من أ.
(3) في أ: "لا يملكون".
(6/118)

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نُفَيْل قال: قرأت على مَعْقِل -يعني ابن عبيد الله -عن عبد الله بن أبي حسين، عن شَهْر بن حَوْشَب قال: لقي سلمانُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في بعض فجاج (1) المدينة، فسجد له، فقال: "لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت" وهذا مرسل حسن (2) .
[وقوله تعالى: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } ، أي: اقرن بين حمده وتسبيحه] (3) ؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سبحانك اللهم رَبَّنا وبحمدك" أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا } [ المزمل : 9] .
وقال: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [ هود : 123]{ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } [ الملك : 29] .
وقوله: { وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } أي: لعلمه (4) التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة.
وقوله: { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها ، { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الرَّحْمَنُ ] } (5) ، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين.
وقوله: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد عُلِم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه، على (6) سيد ولد آدم على الإطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى -فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء، وجب ردّ نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله، وأفعاله فهو الحق، وما يخالفها (7) فهو مردود على قائله وفاعله، كائنا من كان، قال الله تعالى: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } [ النساء : 59] .
وقال: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [ الشورى : 10]، وقال تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } [ الأنعام : 115] أي: صدقا في الإخبار وعدلا في الأوامر والنواهي؛
__________
(1) في أ: "مخارج".
(2) ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/103) من طريق محمد بن أحمد بن سيار عن هشام عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين به
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف، أ: "بعلمه".
(5) زيادة من أ.
(6) في ف، أ: "عليه".
(7) في أ: "وما خالفها".
(6/119)

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
ولهذا قال: { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } قال مجاهد في قوله: { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } قال: ما أخبرتك (1) من شيء فهو كما أخبرتك. وكذا قال ابن جريج.
وقال شمر بن عطية في قوله: { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } قال: هذا القرآن خبير به.
ثم قال تعالى منكرا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ } ؟ أي: لا نعرف الرحمن. وكانوا ينكرون أن يُسَمّى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم" فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم؛ ولهذا أنزل الله: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } [ الإسراء : 110] أي: هو الله وهو الرحمن. وقال في هذه الآية : (2) { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ } ؟ أي: لا نعرفه ولا نُقر به؟ { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } أي: لمجرد قولك؟ { وَزَادَهُمْ نُفُورًا } ، أما (3) المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويُفْرِدُونه بالإلهية ويسجدون له. وقد اتفق العلماء -رحمهم الله -على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجودُ عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم.
{ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) } .
يقول تعالى ممجدا نفسه، ومعظما على جميل ما خلق في السماء من البروج -وهي الكواكب العظام -في قول مجاهد، وسعيد بن جُبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة.
وقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مِهْران الأعمش. وهو رواية عن أبي صالح أيضا، والقول الأول أظهر. اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } [ الملك : 5] ؛ ولهذا قال: { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا } وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: { وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا } [ النبأ : 13] .
{ وَقَمَرًا مُنِيرًا } أي: مضيئا مشرقا بنور آخر ونوع وفن آخر، غير نور الشمس، كما قال: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا } [ يونس : 5] ، وقال مخبرا عن نوح، عليه السلام، أنه قال لقومه: { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } [ نوح : 15 -16] .
__________
(1) في أ: "ما أخبرك".
(2) في ف، أ: "الآية الكريمة".
(3) في ف، أ: "فأما".
(6/120)

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
ثم قال: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } أي: يخلف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان لا يفتران. إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك (1) ، كما قال: { وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } [ إبراهيم : 33 ] ، وقال { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ } [ الأعراف : 54]وقال: { لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ يس : 40] .
وقوله: { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } (2) أي: جعلهما يتعاقبان، توقيتا لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح: "إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل" (3) .
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو حُرّة (4) عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي علي من وردي شيء، فأحببت أن أتمه -أو قال: أقضيه -وتلا هذه الآية: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا] } (5) (6) .
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس [قوله: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } (7) ] يقول: من فاته شيء من الليل أن يعمله، أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل. وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير. والحسن.
وقال مجاهد، وقتادة: { خِلْفَة } أي: مختلفين، هذا بسواده، وهذا بضيائه.
{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } .سب
هذه صفات عباد الله المؤمنين { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا } أي: بسكينة ووقار من غير جَبَرية ولا استكبار، كما قال: { وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا } [ الإسراء : 37]. فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح، ولا أشر ولا بطر،
__________
(1) في أ: "هذا".
(2) في أ: "نشورا" وهو خطأ.
(3) رواه مسلم في صحيحه برقم (2759) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
(4) في أ: "أبو حمزة".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) وهذا منقطع، فالحسن لم يسمع من عمر.
(7) زيادة من ف، أ.
(6/121)

وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع تصنعًا ورياء، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابًا يمشي رُويدًا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدرة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما (1) المراد بالهَوْن هاهنا السكينة والوقار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا" (2) .
وقال عبد الله بن المبارك، عن مَعْمَر، عن يحيى (3) بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا } قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل، ذلت منهم -والله -الأسماعُ والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله ما أحزنهم حزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعُ نفسُه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب، فقد قلَّ علمه (4) وحضَر عذابهُ.
وقوله: { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا } أي: إذا سَفه عليهم الجهال بالسّيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، وكما قال تعالى: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [ القصص : 55] .
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مُقَرّن المُزَني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [وسبّ رجلٌ رجلا عنده، قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما] (5) إن ملكًا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنت وأنت أحق به. وإذا قال له: عليك السلام، قال: لا بل عليك، وأنت أحق به. " إسناده حسن، ولم يخرجوه (6) .
وقال مجاهد: { قَالُوا سَلامًا } يعني: قالوا: سدادًا.
وقال سعيد بن جبير: ردوا معروفًا من القول.
وقال الحسن البصري: { قَالُوا [سَلامًا } ، قال: حلماء لا يجهلون] (7) ، وإن جهل عليهم حلموا. يصاحبون عباد الله نهارهم بما تسمعون (8) ، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل.
__________
(1) في ف، أ: "وأما".
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (635) ومسلم في صحيحه برقم (603) من حديث أبي قتادة رضي الله عنه.
(3) في ف، أ: "عمر".
(4) في أ: "عمله".
(5) زيادة من ف، أ، والمسند.
(6) المسند (5/445) وقال الهيثمي في المجمع (8/75): "رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة".
(7) زيادة من ف، أ.
(8) في ف، أ: "بما يسمعون".
(6/122)

وقوله: { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا } أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: { كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [ الذاريات : 17 -18]، وقال { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [ السجدة : 16] وقال { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ } الآية [ الزمر : 9] ولهذا قال: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } أي: ملازما دائما، كما قال الشاعر (1) :
إنْ يُعَذّب يَكُنْ غَرَامًا، وإن يُعْـ ... ط جزيلا فإنه لا يُبَالي ...
ولهذا قال الحسن في قوله: { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } : كل شيء يصيب ابن آدم ويزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. وكذا قال سليمان التيمي.
وقال محمد بن كعب [القرظي] (2) : { إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } يعني: ما نعموا في الدنيا؛ إن الله سأل الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار.
{ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } أي: بئس المنزل منظرا، وبئس المقيل مقامًا.
[و] (3) قال ابن أبي حاتم عند قوله: { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } : حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش، عن مالك بن الحارث قال: إذا طُرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسا من سُمِّ الأساود والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة، والعصب على حدة، والعروق على حدة.
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عمير قال: إن في النار لجبابًا فيها حيات أمثال البخت، وعقارب أمثال البغال الدلم (4) ، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها فأخذت بشفاههم وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت.
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام -يعني ابن مسكين -عن أبي ظلال، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه -عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عبدًا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان، يا منان. فيقول الله لجبريل: اذهب فآتني بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار مُنكبين (5) يبكون، فيرجع إلى ربه عز وجل فيخبره، فيقول الله عز وجل: آتني به فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به فيوقفه على ربه عز وجل، فيقول له: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب شر مكان، شر مقيل. فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها! فيقول: دعوا عبدي (6) .
وقوله: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } أي: ليسوا بمبذرين في
__________
(1) هو الأعشى - ميمون بن قيس - والبيت في تفسير الطبري (19/23).
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من أ.
(4) في أ: "الدهم".
(5) في أ: "مكبين".
(6) المسند (3/230) وقال الهيثمي في المجمع (10/384): "رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان".
(6/123)

إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } ، كَمَا قَالَ: { وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا } [ الإسراء : 29].
وقال الإمام أحمد: حدثنا عصام (1) بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضَمْرَة، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فقه الرجل رفقه في معيشته". ولم يخرجوه (2) .
وقال [الإمام] (3) أحمد أيضًا: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سُكَين (4) بن عبد العزيز العَبْدي، حدثنا إبراهيم الهَجَري عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما عال من اقتصد" . ولم يخرجوه (5) .
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون (6) حدثنا سعيد (7) بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال -يعني العبسي -عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة" ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة رضي الله عنه (8) .
وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف.
وقال غيره: السرف النفقة في معصية الله.
وقال الحسن البصري: ليس النفقة في سبيل الله سرفا [والله أعلم] (9) .
__________
(1) في أ: "عاصم".
(2) المسند (5/194).
(3) زيادة من أ.
(4) في أ: "مسكين".
(5) المسند (1/447) وقال الهيثمي في المجمع (10/252) "في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف".
(6) في ف، أ: "إبراهيم بن محمد بن محمد بن ميمون".
(7) في، أ: "سعد".
(8) مسند البزار برقم (3604) وقال الهيثمي في المجمع (10/252): "رواه البزار عن سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات".
(9) زيادة من أ.
(6/124)

وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) } .
قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شَقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: الذنب أكبر؟ قال: "أن تَجعل لله ندًا وهو خلقك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعم معك". قال: ثم أي؟ قال: "أن تزاني
(6/124)

حليلة جارك". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا } .
وهكذا رواه النسائي عن هَنَّاد بن السري، عن أبي معاوية، به (1) .
وقد أخرجه البخاري ومسلم، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل -ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي مَيْسَرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به (2) ، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ الحديث .
طريق غريب: وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مُدْرِك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل -حدثنا الشعبي، عن مسروق قال: قال عبد الله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نَشَز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت (3) خلوته وقلت (4) : بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أي الذنوب (5) أكبر؟ قال: "أن تدعو لله ندًا وهو خلقك".قلت: ثم مه؟ (6) قال: "أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك". قلت: ثم مه؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ثم قرأ: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } . [إلى آخر] (7) الآية (8) .
وقال النسائي: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن يَسَاف، عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا إنما هي أربع -فما أنا بأشح عليهن مني منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم -: لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا" (9) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن المديني، رحمه الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان، حدثنا محمد بن سعد (10) الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكَلاعي، سمعت المقداد بن الأسود، رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "ما تقولون في الزنى"؟ قالوا: حَرّمه الله ورسوله، فهو حَرَام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره". قال: "ما تقولون في السرقة"؟ قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره" (11) .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بَقيَّة، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نُطفة وضعها رجل في رَحِم لا يحل له" (12) .
__________
(1) المسند (1/380) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11368).
(2) صحيح البخاري برقم (6811) وصحيح مسلم برقم (68).
(3) في ف: "فاغتنمت".
(4) في أ: "فقلت".
(5) في أ: "الذنب".
(6) في أ: "أي".
(7) زيادة من أ.
(8) صحيح البخاري برقم (6811) وصحيح مسلم برقم (68).
(9) النسائي في السنن الكبرى رقم (11373).
(10) في ف، أ: "سعيد".
(11) المسند (6/8) وقال الهيثمي في المجمع (8/168) "رجاله ثقات".
(12) الورع لابن أبي الدنيا برقم (137) "وهو مرسل، وفي إسناده بقية وهو مدلس وابن أبي مريم ضعيف" أ.هـ مستفادا من كلام المحقق الفاضل محمد الحمود.
(6/125)

وقال ابن جُرَيج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير أنه سمعه يحدث (1) عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزَنَوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا (2) كفارة، فنزلت: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ } ، ونزلت: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ] } (3) [ الزمر : 53] .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي فَاخِتة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: "إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو كلبك، وينهاك أن تزني بحليلة جارك". قال سفيان: وهو قوله: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ } (4) .
وقوله: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا } . روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: { أَثَامًا } واد في جهنم.
وقال عكرمة: { يَلْقَ أَثَامًا } أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا رُوي عن سعيد بن جبير، ومجاهد.
وقال قتادة: { يَلْقَ أَثَامًا } نكالا كنا نحدث أنه واد في جهنم.
وقد ذكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنى، فإن أوله مخافة، وآخره ندامة.
وقد ورد في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره، عن أبي أمامة الباهلي -موقوفا ومرفوعا -أن "غيا" و"أثاما" بئران في قعر جهنم (5) أجارنا الله منها بمنه وكرمه.
وقال السدي: { يَلْقَ أَثَامًا } : جزاء.
وهذا أشبه بظاهر الآية؛ ولهذا فسره بما بعده مبدلا منه، وهو قوله: { يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: يكرر عليه ويغلظ، { وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } أي: حقيرا ذليلا.
وقوله: { إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ [عَمَلا ] صَالِحًا } (6) أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر { إِلا مَنْ تَابَ } في الدنيا إلى الله (7) من جميع ذلك، فإن الله يتوب عليه.
وفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض (8) بين هذه وبين آية النساء: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [ النساء : 93] فإن هذه
__________
(1) في أ: "يحدثه".
(2) في أ: "أن لنا إن عملنا".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) ذكره السيوطي في الدر المنثور (6/277) وعزاه لابن أبي حاتم. ووقع فيه: "عن أبي قتادة" فإن كان كذلك فهو موصول، وإن كان كما هو مثبت هنا فهو مرسل، ولم يتبين لي الصواب منهما، والله أعلم.
(5) تفسير الطبري (19/29).
(6) زيادة من ف، وهو الصواب.
(7) في ف: "إلى الله في الدنيا".
(8) في أ: "ولا معارض".
(6/126)

وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب، لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال [الله] (1) تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [ النساء : 48 ،116] .
وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث.
وقوله: { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } : في معنى قوله: { يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } قولان:
أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك فحوَّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وروى مجاهد، عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية:
بُدّلْنَ بَعْدَ حَرِّهِ خَريفا (2) وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا (3)
يعني: تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها.
وقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا (4) ، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرا.
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم (5) بقتال المسلمين قتالا مع المسلمين للمشركين، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصا، وأبدلهم بالفجور إحصانا وبالكفر إسلاما.
وهذا قول أبي العالية، وقتادة، وجماعة آخرين.
والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما تذكر ما مضى ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية عن السلف، رحمهم الله تعالى -وهذا سياق الحديث -قال الإمام أحمد:
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سُوَيْد، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا إلى الجنة: يؤتى برجل فيقول: نَحّوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئا -
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في أ: "صريفا".
(3) البيت في تفسير الطبري (19/30).
(4) في أ: "هذا يكون في الدنيا".
(5) في ف: "وبدلهم".
(6/127)

فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب، عملت أشياء لا أراها هاهنا". قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. وانفرد به مسلم (1) .
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضَمْضَم بن زرعة، عن شُرَيْح بن عبيد (2) عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك. فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة" (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم قالا حدثنا ثابت -يعني: ابن يزيد أبو زيد -حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته (4) ، فإذا كاد (5) يسوء ظنه نظر (6) في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العَنْبَس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: ليأتين الله عز وجل بأناس (7) يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: مَنْ هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات.
وقال أيضا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف -وكان من أصحاب معاذ بن جبل -قال: يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قلت: لِمَ سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات (8) والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرؤوا سيئاتهم حرفا حرفا -قالوا: يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟. فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا:(هاؤم اقرؤوا كتابيه) ، فهم أكثر أهل الجنة.
وقال علي بن الحسين زين العابدين: { يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } قال: في الآخرة.
وقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات: [رواهما ابن أبي حاتم، وروى ابن جرير، عن سعيد بن المسيب مثله] (9) .
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم،
__________
(1) المسند (5/170) وصحيح مسلم برقم (190).
(2) في ف، أ: "عبدة".
(3) المعجم الكبير للطبراني (3/296) قال الهيثمي في المجمع (10/121) "فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف" ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضا.
(4) في أ: "إساءته".
(5) في أ: "كان".
(6) في أ: "ينظر".
(7) في أ: "أناس".
(8) في أ: "بالحسنات".
(9) زيادة من ف، أ.
(6/128)

حدثنا أبو (1) جابر، أنه سمع مكحولا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط (2) حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله، رجل غدر وفجر، ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله (3) صلى الله عليه وسلم: "أسلمتَ؟" قال (4) : أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن (5) محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل (6) سيئاتك حسنات". فقال: يا رسول الله، وغَدَراتي وفَجَراتي؟ فقال: "وغَدرَاتك وفَجَراتك" . فَوَلّى الرجل يهلل ويكبر (7) (8) .
وروى الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عَمْرو (9) ، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فَرْوَةَ -شَطْب -أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: "أسلمتَ؟" فقال: نعم، قال: "فافعل الخيرات، واترك السيئات، فيجعلها (10) الله لك خيرات كلها". قال: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قال: "نعم". قال فما زال يكبر حتى توارى (11) .
ورواه الطبراني من طريق أبي فَروة الرهاوي، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحِمْصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا (12) .
وقال أيضًا: حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، عن فُلَيْح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد (13) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته. فقلت (14) لا ولا نَعمت العين ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بئسما قلت! أما كنت تقرأ هذه الآية: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } إلى قوله: { إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } فقرأتها عليها. فخرَّت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا.
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله مَنْ لا يُعرف والله أعلم. وقد رواه ابن جرير من
__________
(1) في أ: "ابن".
(2) في أ: "أسقطت".
(3) في أ: "النبي".
(4) في أ: "فقال".
(5) في أ: "وأشهد أن".
(6) في أ: "ويبدل".
(7) في ف، أ: "يكبر ويهلل".
(8) وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (4/384) من طريق نوح بن قيس عن أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عبسة به مرفوعا باختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (1/32) : "رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا".
(9) في أ: "عمر".
(10) في ف، أ: "فيجعلهم".
(11) المعجم الكبير للطبراني (7/314) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (3/352) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي: "روى هذا الحديث غير محمد بن هارون عن أبي المغيرة عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم طويلا شطب الممدود، وأحسب أن محمد بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره".
(12) المعجم الكبير للطبراني (7/53) وقال الهيثمي في المجمع (1/31) : "في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات".
(13) في هـ، ف، أ: "عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس عن أبيه" والمثبت من الطبري.
(14) في أ: "فقال".
(6/129)

وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
حديث إبراهيم بن المنذر الحزَامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجت تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا! أخلق هذا الحسن للنار؟ وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، تَطَلَّبها (1) في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرت ساجدة، وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله عز وجل (2)
ثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته بعباده (3) وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان، جليل أو حقير، كبير أو صغير: فقال { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا } أي: فإن الله يقبل (4) توبته، كما قال تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [ النساء : 110]، وقال { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [ التوبة : 104]، وقال { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الزمر : 53]،أي: لمن تاب إليه.
{ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) }
وهذه أيضا من صفات عباد الرحمن، أنهم: { لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قيل: هو الشرك وعبادة الأصنام. وقيل: الكذب، والفسق، واللغو، والباطل.
وقال محمد بن الحنفية: [هو] (5) اللهو والغناء.
وقال أبو العالية، وطاوس، ومحمد بن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: هي أعياد المشركين (6) .
وقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا.
وقال مالك، عن الزهري: [شرب الخمر] (7) لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" (8) .
وقيل: المراد بقوله تعالى: { لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدا على غيره،
__________
(1) في ف: "فطلبها".
(2) تفسير الطبري (19/27) ورواه ابن مردويه كما في الدر المنثور (6/279) وقال السيوطي: "إسناده ضعيف".
(3) في أ: "لعباده".
(4) في أ: "يتقبل".
(5) زيادة من أ.
(6) في ف: "للمشركين".
(7) زيادة من ف، أ.
(8) رواه الترمذي في السنن برقم (2801) من طريق ليث بن أبي سليم عن طاوس عن جابر به مرفوعا، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه" ثم نقل كلام العلماء في تضعيف ليث بن أبي سليم.
(6/130)

كما [ثبت] (1) في الصحيحين عن أبي بَكْرَة قال: قال (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكْبر الكبائر" ثلاثا، قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: "الشرك بالله، وعقوق الوالدين". وكان متكئًا فجلس، فقال: "ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور [ألا وقول الزور وشهادة الزور]. (3) فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت (4) .
والأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه؛ ولهذا قال: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مرُّوا، ولم يتدنسوا منه بشيء (5) ؛ ولهذا قال: { مَرُّوا كِرَامًا } .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو الحسين العجلي، عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن مَيْسَرة، أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا (6) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد أصبح ابن مسعود، وأمسى كريمًا".
وحدثنا الحسن بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أنا عبد الله، أنا محمد بن مسلم، أخبرني ابن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا فلم يقف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (7) : " لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما" (8) . ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } (9) .
وقوله: { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } [و] (10) هذه من صفات المؤمنين { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [الأنفال:2]، بخلاف الكافر، فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يُقْصر عما كان عليه، بل يبقى مستمرا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: { وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } [ التوبة : 124 -125] .
فقوله: { لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى.
قال مجاهد: قوله: { لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } لم يسمعوا : ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئًا.
وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "عن".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) صحيح البخاري برقم (2654) وصحيح مسلم برقم (87).
(5) في أ: "فيه شيء".
(6) في أ: "فلم يقف".
(7) في أ: "النبي".
(8) زيادة من ف، أ.
(9) ورواه ابن عساكر كما في المختصر لابن منظور (14/55) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.
(10) زيادة من أ.
(6/131)

وقال قتادة: قوله تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } يقول: لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم -والله -قوم عقلوا عن الله (1) وانتفعوا بما (2) سمعوا من كتابه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حُمْران، حدثنا ابن عَوْن قال: سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجودا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا هذه الآية: { وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } يعني: أنه لا يسجد معهم لأنه لم يتدبر آية السجدة (3) فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة من أمره، ويقين واضح بَيِّن.
وقوله: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } يعني: الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.
قال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة، فتقرُّ به أعينهم في الدنيا والآخرة.
وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالا ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين.
وقال الحسن البصري -وسئل عن هذه الآية -فقال: أن يُري الله العبد المسلم من زوجته، ومن أخيه، ومن حميمه طاعة الله. لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من أن يرى ولدا، أو ولد ولد، أو أخا، أو حميما مطيعا لله عز وجل.
وقال ابن جُرَيْج في قوله: { هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } قال: يعبدونك ويحسنون (4) عبادتك، ولا يجرون علينا الجرائر.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يَعْمَر (5) بن بشر (6) حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى الله عليه وسلم! لوددنا أنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت. فاستغضب، فجعلت أعجبُ، ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى مَحْضَرًا غيبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله لقد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام أكبَّهم الله على مناخرهم في جهنم، لم يجيبوه ولم يصدقوه، أو لا تحمدون الله إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين لما جاء به نبيكم، قد (7) كُفيتم البلاء بغيركم؟ لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبيًا من الأنبياء في فترة من جاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان. فجاء بفُرقان فَرَقَ به بين الحق والباطل، وفَرَقَ بين الوالد وولده، حتى إن كان الرجل ليرى والده وولده، أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل
__________
(1) في أ: "الحق".
(2) في أ: "مما".
(3) في ف، أ: "أمر السجدة".
(4) في أ: "فيحسنون".
(5) في هـ، ف، أ: "معمر" والمثبت من المسند.
(6) في أ: "بشير".
(7) في ف، أ: "وقد".
(6/132)

أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها التي قال الله تعالى: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } . وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه (1) .
وقوله: { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير.
وقال غيرهم: هداة مهتدين (2) [ودعاة] (3) إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم (4) وأن يكون هداهم متعديًا (5) إلى غيرهم بالنفع، وذلك أكثر (6) ثوابًا، وأحسن مآبًا؛ ولهذا ورد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية" (7) .
{ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) } .
لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من [هذه] (8) الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال (9) الجليلة (10) -قال بعد ذلك كله: { أُوْلَئِك } أي: المتصفون بهذه { يُجْزَوْن } أي: يوم القيامة { الْغُرْفَةَ } وهي الجنة.
قال أبو جعفر الباقر، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسُّدِّيّ: سميت بذلك لارتفاعها.
{ بِمَا صَبَرُوا } أي: على القيام بذلك { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا } أي: في الجنة { تَحِيَّةً وَسَلامًا } أي: يُبْتَدرُون (11) فيها بالتحية والإكرام، ويلقون [فيها] (12) التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار .
وقوله: { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: مقيمين، لا يظعنون ولا يَحُولون ولا يموتون، ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولا كما قال تعالى: { وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } [ هود : 108] .
وقوله { حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } أي: حسنت منظرا وطابت مَقيلا ومنزلا.
__________
(1) المسند (6/2).
(2) في أ: "مهديين".
(3) زيادة من أ.
(4) في أ: "ذراريهم".
(5) في أ: "متعد".
(6) في أ: "أكبر".
(7) صحيح مسلم برقم (1631).
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في ف، أ: "الأقوال والأفعال".
(10) في أ: "الجميلة".
(11) في أ: "يبتدون".
(12) زيادة من ف، أ.
(6/133)

ثم قال (1) تعالى: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي } أي: لا يبالي ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه؛ فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلا.
وقال مجاهد، وعمرو بن شعيب: { مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي } يقول: ما يفعل بكم ربي.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ } يقول: لولا إيمانكم، وأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه (2) إلى المؤمنين.
وقوله: { فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } أي: أيها الكافرون { فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } أي: فسوف يكون تكذيبكم (3) لزامًا لكم، يعني: مقتضيا لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
وقال الحسن البصري: { فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما. والله أعلم.
__________
(1) في أ: "وقال".
(2) في ف: "حبب".
(3) في أ: "تكذيبهم".
(6/134)

طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الشعراء
وهي مكية. وَوَقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتُها: سورة الجامعة.
{ طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) } .
أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة.
وقوله: { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } أي: هذه آيات القرآن المبين، أي: البين الواضح، الذي يفصل بين الحق والباطل، والغي والرشاد.
وقوله: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ } أي: مهلك { نفسك } أي: مما تحرص [عليهم] (1) وتحزن عليهم { أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } ، وهذه تسلية من الله لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، في عدم إيمان مَنْ لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر:8]، وقال: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا } [الكهف:6].
قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وعطية، والضحاك: { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } أي: قاتل نفسك. قال الشاعر (2)
ألا أيّهذاَ البَاخعُ الحُزنُ نفسَه ... لشيء (3) نَحَتْهُ عَنْ يَدَيه الَمقَادِرُ ...
ثم قال الله تعالى: { إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } أي: لو شئنا لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإيمان قهرا، ولكَّنا لا نفعل ذلك؛ لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري؛ وقال تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } [يونس:99]، وقال: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } [هود: 118 ، 119]، فنَفَذ قَدَرُه، ومضت (4) حكمته، وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) هو ذو الرمة، والبيت في تفسير الطبري (19/37).
(3) في ف: "بشيء".
(4) في ف، أ: "وقضت".
(6/135)

وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
ثم قال: { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، كما قال: { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [يوسف:103]، وقال: { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [يس:30]، وقال: { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } [المؤمنون: 44]؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: { فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } [الشعراء: 227] .
ثم نبه تعالى على عظمته في سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترؤوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر، الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، من زروع وثمار وحيوان.
قال سفيان الثوري، عن رجل، عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } أي: دلالة على قدرة الخالق للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره (1) وارتكبوا زواجره.
وقوله: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } أي: الذي عَزّ كلَّ شيء وقهره وغلبه، { الرحيم } أي: بخلقه، فلا يعجل على مَنْ عصاه، بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، و[محمد (2) ] بن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره.
وقال سعيد بن جبير: الرحيم بِمَنْ تاب إليه وأناب.
{ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) }
__________
(1) في أ: "أوامره".
(2) زيادة من ف، أ.
(6/136)

قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) }
(6/136)

يقول تعالى مخبرًا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران، صلوات الله وسلامه عليه، حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: { أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى } [طه:25-36] .
وقوله: { وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } أي: بسبب ما كان [من] (1) قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر.
{ قَالَ كَلا } أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك كما قال: { قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: برهانا { فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } [القصص:35] .
{ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } كما قال تعالى: { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه:46] أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي.
{ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، وقال في الآية الأخرى: { إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ } [طه:47] أي: كل منا رسول الله إليك، { أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ .[ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ] } (2) [ أي: أما أنت الذي ربيناه فينا (3) ]، وفي بيتنا وعلى فراشنا [وغذيناه (4) ] ، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة، أن قتلت منا رجلا وجحدت نعمتنا عليك؛ ولهذا قال: { وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: الجاحدين. قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.
{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا } أي: في تلك الحال، { وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } أي: قبل أن يوحى إليّ وينعم الله عليَّ بالرسالة والنبوة (5) .
قال ابن عباس، رضي الله عنهما، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: { وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } أي: الجاهلين.
قال ابن جُرَيْج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } أي: الحال الأول انفصل
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ف: "بالنبوة والرسالة".
(6/137)

قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك، فإن أطعته سَلمت، وإن خالفته عَطبت.
ثم قال موسى: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: وما أحسنت إلي وربَّيْتني مقابل ما أسأتَ إلى (1) بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدا وخدما، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفَيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرتَه شيئا بالنسبة إلى ما فعلتَ بهم.
{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) }
يقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون، وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } ؟ وذلك أنه كان يقول لقومه: { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } [القصص:38]، { فَاسْتَخَفَّ (2) قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ } [الزخرف:54] ، وكانوا يجحدون الصانع -تعالى -ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: { إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الزخرف:46] ، قال له: ومَنْ هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: { قَالَ فَمَنْ (3) رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } [طه:49 ، 50] .
ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم؛ أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأل عن الماهية (4) ، بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: { قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع (5) عبيد له خاضعون ذليلون.
{ إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى مَنْ حوله من مَلَئه ورؤساء دولته قائلا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: { أَلا تَسْتَمِعُونَ } أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه: أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ } أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين (6) ، الذي كانوا قبل فرعون وزمانه.
{ قال } أي: فرعون لقومه: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } أي: ليس
__________
(1) في ف، أ: "على".
(2) في أ: "واستخف".
(3) في ف، أ: "ومن" وهو خطأ.
(4) في أ: "ماهيته".
(5) في ف: "والجميع".
(6) في أ: "الأوائل".
(6/138)

قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
له عقل في دعواه أن ثمّ ربا غيري .
{ قال } أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربًا تغرب فيه (1) الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سَخّرها فيه وقدّرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، كما أخبر تعالى عن { الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [البقرة:258] ؛ ولهذا لما غُلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى، عليه السلام، فقال ما أخبر الله تعالى عنه:
{ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) }
لما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل، عدل إلى أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال (2) فقال: { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } . فعند ذلك قال موسى: { أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ } ؟ أي: ببرهان قاطع واضح.
{ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج.
{ وَنزعَ يَدَهُ } أي: من جيبه { فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون -بشقائه -إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: { إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } أي: فاضل بارع في السحر. فَرَوَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به. فقال { يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } ؟ أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ فيه ماذا أصنع به؟
{ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } (3) [أي: أخِّره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحَّار عليم] (4) يقابلونه، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد. فأجابهم إلى ذلك. وكان هذا من تسخير الله تعالى
__________
(1) في ف، أ: "منه".
(2) في هـ: "مقام" والمثبت من ف، أ.
(3) في أ: "ساحر".
(4) زيادة من ف، أ.
(6/139)

فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39)
لهم في ذلك؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.
{ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) }
(6/140)

لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)
{ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) } .
ذكر [الله] (1) تعالى هذه المناظرة الفعلية بين موسى والقبط في "سورة الأعراف" وفي "سورة طه" وفي هذه السورة: وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى (2) الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإيمان، { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } [الأنبياء:18]، { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [الإسراء:81]، ولهذا لما جاء السحرة، وقد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تخييلا في ذلك، وكان السحرة جمعًا كثيرًا، وجمًا غفيرًا، قيل: كانوا اثني عشر ألفًا. وقيل: خمسة عشر ألفًا. وقيل: سبعة عشر ألفًا وقيل: تسعة عشر ألفًا. وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا. وقيل: ثمانين ألفًا. وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم.
قال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعًا إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم: وهم: ساتور وعازور (3) وحطحط (4) ويصقى.
واجتهد (5) الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ] } (6) ، ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم. { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ } أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقا، وجمع حشمه وخدمه [وأمراءه] (7) ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، فقام السحرة بين يدي فرعون (8) يطلبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا، أي: هذا الذي جمعتنا من أجله، فقالوا: { أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة { قَالُوا (9) يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا } [طه: 65 ، 66]، وقد اختصر هذا هاهنا فقال لهم موسى: { أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } ، وهذا كما يقوله
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "فيأبى".
(3) في ف، أ: "وعادون".
(4) في أ. "وحطحة".
(5) في أ: "وحشر".
(6) زيادة من ف.
(7) زيادة من أ.
(8) في ف، أ: "بين يديه".
(9) في أ: "فقالوا" وهو خطأ.
(6/140)

قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)
الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئا: هذا بثواب فلان. وقد ذكر الله في سورة الأعراف: أنهم { سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } [الأعراف:116] ، وقال في "سورة طه": { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } [طه:66 ، 69] .
وقال هاهنا: { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } أي: تختطفه (1) وتجمعه من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئا.
قال تعالى: { فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } [الأعراف:118-122] وكان هذا أمرا عظيما جدًا، وبرهانًا قاطعًا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين استنصر بهم وطلب منهم أن يغلبوا، قد غلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق وبالمعجزة الباهرة، فَغُلِبَ فرعون غَلبًا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحًا جريئًا عليه لعنة الله، فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } [طه:71] ، وقال: { إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف:123] .
{ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) } .
تهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانا وتسليما. وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } ؟ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليَّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع؛ { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } . وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ هذا لا يقوله عاقل.
ثم توعَّدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل والصلب، فقالوا: { لا ضَيْرَ } أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ } أي: المرجع (2) إلى الله، وهو لا يضيع أجر مَنْ أحسن عملا ولا يخفى عليه ما فعلت بنا، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: (3) { إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا } أي: ما قارفناه (4) من الذنوب، وما أكرهتنا عليه من السحر ، { أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: بسبب أنا بادرنا قومنا من القبط إلى الإيمان. فقتلهم (5) كلهم.
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) } .
__________
(1) في ف، أ: "تخطفه".
(2) في ف، أ: "الرجوع".
(3) في ف، أ: "قال".
(4) في أ: "ما فرقناه".
(5) في ف، أ: "قبلهم".
(6/141)

لما طال مُقام موسى، عليه السلام، ببلاد مصر، وأقام بها حُجَج الله (1) وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى، عليه السلام، أن يخرج ببني إسرائيل ليلا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤُمَر، ففعل موسى، عليه السلام، ما أمره به ربه عز وجل. خرج بهم بعدما استعاروا من قوم فرعون حليا كثيرا، وكان خروجه بهم، فيما ذكر غير واحد من المفسرين، وقت طلوع القمر. وذكر مجاهد، رحمه الله، أنه كُسِف القمر تلك الليلة، فالله أعلم، وأن موسى، عليه السلام، سأل عن قبر يوسف، عليه السلام، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه، عليهما السلام، وكان يوسف قد أوصى بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه (2) معهم، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم، رحمه الله، فقال:
حدَّثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر (3) بن أبان بن صالح، حدثنا ابن فضيل (4) عن عبد الله (5) بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي فأكرمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعاهدنا. فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما حاجتك؟" قال (6) ناقة برحلها وأعنز (7) يحتلبها أهلي، فقال: "أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟" فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحِّدثك أن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال (8) لها: دليني على قبر يوسف. فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. قال لها: وما حكمك؟ قالت (9) : حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة -مستنقع ماء -فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه قالت: احتفروا، (10) فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار (11) ".
__________
(1) في ف: "وأقام حجج الله بها"
(2) في أ: "يحتملوه".
(3) في هـ: "عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان".
(4) في هـ: "فضل" والمثبت من أ.
(5) في أ: "يونس".
(6) في ف، أ "فقال".
(7) في أ: "وأعنق".
(8) في أ: "وقال".
(9) في أ: "قال".
(10) في أ: "احفروا".
(11) ورواه أبو يعلى في مسنده (13/236) وابن حبان في صحيحه برقم (2435) "موارد" ، والحاكم في المستدرك (2/571) من طريق محمد بن فضيل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبي موسى به. وقال الهيثمي في المجمع (10/170): "رجال أبي يعلى رجال الصحيح".
(6/142)

فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)
هذا حديث غريب جدًا، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.
فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل؛ لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعا في بلاده حاشرين، أي: مَنْ يحشر الجندَ ويجمعه، كالنّقباء والحُجَّاب، ونادى فيهم: { إِنَّ هَؤُلاءِ } -يعني: بني إسرائيل -{ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } أي: لطائفة قليلة.
{ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا.
{ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم. فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم.
قال الله تعالى: { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق والملك والجاه الوافر في الدنيا.
{ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، كما قال تعالى: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } [الأعراف:137] ، وقال تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [القصص:5 ، 6] .
{ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) }
(6/143)

فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)
{ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) } .
ذكر غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير (1) ، وهو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء والجنود، فأمَّا ما ذكره غير واحد من الإسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دُهْم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم ، ففي ذلك نظر. والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله، سبحانه وتعالى، أعلم. والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم؛ إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم.
{ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ } أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها.
{ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ } أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك { قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } ، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعون قد أدركهم بجنوده، فلهذا قالوا: { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } أي: لا يصل إليكم
__________
(1) في أ "كثير".
(6/143)

شيء مما تحذرون، فإن الله، سبحانه، هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد.
وكان هارون، عليه السلام، في المقدمة، ومعه يوشع بن نون، [ومؤمن آل فرعون وموسى، عليه السلام، في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] (1) ، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى، عليه السلام: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقول: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل، فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه، وقال: انفلق بإذن الله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا (2) محمد بن حمزة [بن محمد] (3) بن يوسف بن عبد الله بن سلام: أن موسى، عليه السلام، لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء والمكون لكل شيء، والكائن قبل كل شيء، اجعل لنا مخرجًا. فأوحى الله إليه: { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } .
وقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة، وله اضطراب (4) ، ولا يدري من أيّ جانب يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله، أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه.
وقال محمد بن إسحاق: أوحى الله -فيما ذكر لي -إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب بعضه بعضًا، فرقا من الله تعالى، وانتظارًا لما أمره الله، وأوحى الله إلى موسى: { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } ، فضربه بها وفيها، (5) سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق.
وذكر غير واحد أنه كناه فقال: انفلق عليّ أبا خالد بحول الله (6) .
قال الله تعالى: { فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم.
وقال عطاء الخراساني: هو الفَجّ بين الجبلين.
وقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سبط طريق -وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يَبَسا (7) كوجه الأرض، قال الله تعالى: { فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى } [طه:77] .
وقال في هذه القصة: { وأزلفنا } أي: هنالك (8) { الآخرين } .
قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: { وأزلفنا } أي: قربنا فرعون وجنوده
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "عن".
(3) زيادة من الجرح والتعديل (3/2/236) والدر المنثور (5/86).
(4) في أ: "اتكل".
(5) في أ: "ففيها".
(6) في ف، أ: "بإذن الله".
(7) في أ: "يابسا".
(8) في ف: "هناك".
(6/144)

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)
من البحر وأدنيناهم إليه.
{ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ } أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك (1) منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده، فلم يبق منهم رجل (2) إلا هلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود -أن موسى، عليه السلام، حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط. فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق. فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى، وهل انفرقت (3) لأحد من ولد (4) آدم فأنفرق (5) لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرجل: أين أمرتَ يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه [يعني: البحر، فأقحم فرسه، فسبح به فخرج، فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] (6) . قال: والله ما كَذَبت ولا كُذبت. ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه؟ قال: والله ما كَذَبت (7) ولا كُذبت. قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه موسى بعصاه، فانفلق، فكان فيه اثنا عشر طريقًا، لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتَتَامّ أصحابُ فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم.
وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خَرَج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطم عليهم البحر، فما رُئِيَ سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله.
ثم قال تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } أي: في هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين؛ لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } تقدم تفسيره.
{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) } .
هذا إخبار من الله تعالى (8) عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدا، صلوات الله وسلامه عليه، أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبرؤ من الشرك وأهله؛ فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نَشَأ وشَب، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله، عز وجل، فقال: { لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } ؟
__________
(1) في أ: "نهلك".
(2) في ف: "رجل منهم".
(3) في ف، أ: "فرقت".
(4) في أ: "بني".
(5) في أ: "فأفرق".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في أ: "ما كذب".
(8) في أ: "عز وجل".
(6/145)

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)
أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟
{ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } أي: مقيمين على عبادتها ودعائها.
{ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } يعني: اعترفوا بأن (1) أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يُهرعون. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: { قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ } أي: إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فَلْتَخْلُص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح، عليه السلام: { فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ } [يونس:71] وقال هود، عليه السلام: { إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [هود:54-56] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: { وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا } [الأنعام:81] وقال تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } [الممتحنة:4] وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الزخرف:26-28] يعني: لا إله إلا الله.
{ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) }
يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } أي: هو الخالق الذي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على [ما] (2) قدّر، وهو الذي يهدي من يشاء ويُضل من يشاء.
{ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويَسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزْنَ، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالا لـ { نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } (3) [الفرقان:49] .
وقوله: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلَقْه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبا، كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ } [الفاتحة:6 ، 7] فأسند الإنعام إلى الله، سبحانه وتعالى، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: { وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } [الجن:10]؛ ولهذا (4) قال
__________
(1) في ف، أ: "أن".
(2) زيادة من أ.
(3) في م: "ليسقيه مما خلق" وهو خطأ.
(4) في ف، أ: "وهكذا".
(6/146)

رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83)
إبراهيم: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه.
{ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد.
{ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } أي: هو الذي لا يقدر على غَفْر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.
{ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) }
(6/147)

وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
{ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } .
وهذا سؤال من إبراهيم، عليه السلام، أن يؤتيه ربه حُكْما.
قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } أي: اجعلني مع (1) الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: "[اللهم الرفيق الأعلى" قالها ثلاثا (2) . وفي الحديث في الدعاء] (3) : اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين" (4) .
وقوله: { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ } أي: واجعل لي ذكرًا جميلا بعدي أذكرَ به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: { وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [الصافات:108-110] .
قال مجاهد، وقتادة: { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ } يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [العنكبوت:27]، وكقوله: { وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [النحل:122] .
قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة.
وقوله: { وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ } أي: أنعم عَليَّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.
وقوله: { وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } كقوله: { رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } [إبراهيم:41] ، وهذا مما رجَعَ عنه إبراهيم، عليه السلام، كما قال تعالى: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } [التوبة:114].
__________
(1) في أ "من".
(2) رواه البخاري في صحيحه برقم (6509) ومسلم في صحيحه برقم (2191) من حديث عائشة، رضي الله عنها، وليس عندهما أنه قالها ثلاثا، وإنما فيهما ما يفيد أنها مرتين، والله أعلم.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) رواه أحمد في مسنده (3/424) من حديث الزرقي، وعنده: "غير خزايا ولا مفتونين".
(6/147)

وقد قطع [الله] (1) تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } [الممتحنة:4] .
وقوله: { وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } أي: أجرني من الخزي يوم القيامة و[يوم] (2) يبعث الخلائق أولهم وآخرهم.
قال البخاري في قوله: { وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَتَرَةُ" (3) .
حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب، إنك وعدتني أنك لا تخزيني (4) يوم يبعثون. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين" .
هكذا رواه عند هذه الآية (5) . وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردا به، ولفظه: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرَةٌ وغَبَرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني (6) فيقول أبوه (7) : فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب، إنك وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يُقال: يا إبراهيم، ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذبح متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار (8) .
وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير قوله: { وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } : أخبرنا أحمد بن حفص (9) بن عبد الله، حدَّثني أبي، حدثني إبراهيم بن طَهْمَان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبرِي، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرة والقَتَرة، وقال (10) له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يا رب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن (11) أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني (12) حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر (13) فإذا ذيخ يتمرغ (14) في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار (15) .
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) صحيح البخاري برقم (4768) .
(4) في ف، أ: "أن لا تخزني".
(5) صحيح البخاري برقم (4769) ولفظه: "وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون".
(6) في ف: "لا تعصيني".
(7) في ف: "أباه" وهو خطأ.
(8) صحيح البخاري برقم (3350).
(9) في ف: "جعفر".
(10) في ف: "فقال".
(11) في أ: "فأي".
(12) في أ: "فإني".
(13) في ف، أ: "فينظر".
(14) في ف: "متمرغ".
(15) النسائي في السنن الكبرى برقم (11375).
(6/148)

وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
هذا إسناد (1) غريب، وفيه نكارة.
والذيخ (2) : هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته (3) ، فيلقى في النار كذلك.
وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه غرابة. ورواه أيضًا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
وقوله: { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ } أي: لا يقي المرء (4) من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبا: { وَلا بَنُونَ } ولو افتدى بِمَنْ في الأرض جميعا، ولا ينفعُ يومئذ إلا الإيمانُ بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: { إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } أي: سالم من الدنس والشرك.
قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث مَنْ في القبور.
وقال ابن عباس: { إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } حَيِي (5) يشهد أن لا إله إلا الله.
وقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: { بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } يعني: من الشرك.
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب [الكافر و] (6) المنافق مريض، قال الله: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } [البقرة:10] .
وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السنة.
{ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) } .
{ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ } أي: قربت الجنة وأدنيت (7) من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة (8) لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها [عملها] (9) في الدنيا.
{ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } أي:
__________
(1) في ف: "سياق".
(2) في أ: "والذابح".
(3) في أ: "بقذرته".
(4) أ: "المؤمن".
(5) في ف، أ: "يعني".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ف: "أدنيت وقربت".
(8) في ف، أ: "مزينة مزخرفة".
(9) زيادة من ف، أ.
(6/149)

كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110)
أظهرت وكُشف (1) عنها، وبدت منها عُنقٌ، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب [إلى] (2) الحناجر، وقيل لأهلها تقريعا وتوبيخا: { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ } (3) أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئًا، ولا تدفع عن أنفسها؛ فإنكم وإياها اليوم حَصَبُ جَهَنم أنتم لها واردون.
وقوله: { فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ } قال مجاهد: يعني: فَدُهْوِرُوا (4) فيها.
وقال غيره: كببوا فيها. والكاف مكررة، كما يقال: صرصر. والمراد: أنه ألقي بعضهم على بعض، من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك.
{ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } أي: ألقوا فيها عن آخرهم.
{ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: يقول الضعفاء الذين استكبروا: { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ } [غافر:47]. ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: نجعل أمركم مطاعًا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع ربِ العالمين.
{ وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ } أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون.
{ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ } قال بعضهم: يعني من الملائكة، كما يقولون: { فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } [الأعراف:53]. وكذا قالوا: { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } أي: قريب.
قال قتادة: يعلمون -والله -أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع.
{ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وذلك أنهم يتمنون أنهم يردُّون (5) إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم -فيما يزعمون -وهو، سبحانه وتعالى، يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون. وقد أخبر تعالى (6) عن تخاصم (7) أهل النار في سورة "ص"، ثم قال: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ } [ص:64] .
ثم قال تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامته الحجج (8) عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) } .
هذا إخبار من الله، عز وجل، (9) عن عبده ورسوله نوح، عليه السلام، وهو أول رسول بُعث
__________
(1) في ف، أ. "وكشفت".
(2) زيادة من أ.
(3) في ف، أ: "تشركون".
(4) في أ: "صوروا".
(5) في ف: "أن يردون" وفي أ: "أن يردوا".
(6) في أ: "الله" وهو خطأ.
(7) في أ: "بتخاصم".
(8) في ف: "الحجة".
(9) في ف، أ: "تعالى"
(6/150)

قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111)
إلى الأرض بعدما عبدت الأصنام والأنداد، بعثه الله ناهيًا عن ذلك، ومحذرًا من وَبيل عقابه، فكذبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم، ويتنزل (1) تكذيبهم له بمنزلة تكذيب جميع الرسل؛ ولهذا قال: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ } أي: ألا (2) تخافون الله في عبادتكم غيره؟
{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي: إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني به، أبلغكم رسالة الله لا أزيد فيها ولا أنقص منها.
{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ] } (3) أي: لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدخر ثواب ذلك عند الله { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني به وأتمنني عليه.
{ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ (111) }
__________
(1) في أ: "وتنزل".
(2) في أ: "لا".
(3) زيادة من ف، أ.
(6/151)

قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)
{ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) } .
يقولون: أنؤمن لك ونتبعك، ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل (1) الذين اتبعوك وصدقوك، وهم أراذلنا (2) ؛ ولهذا قالوا: { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ. قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ؟ أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه لا يلزمني التنقيب عنه والبحث والفحص، إنما عليَّ أن أقبل منهم تصديقهم (3) إياي، وأكل سرائرهم إلى الله، عز وجل.
{ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ } ، كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ليتابعوه (4) ، فأبى عليهم ذلك، وقال: { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: إنما بعثت نذيرًا، فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وكنت منه ، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، أو جليلا أو حقيرًا.
{ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) } .
لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، وجهرًا وإسرارًا، وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ، والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ } أي: عن دعوتك إيانا إلى دينك يا نوح { لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } أي: لنرجمنَّك (5) . فعند ذلك دعا
__________
(1) في أ: "الأرذال".
(2) في أ: "أرذالنا".
(3) في أ: "صدقهم".
(4) في ف: "ليتابعون" وفي أ: "ليبايعوه.
(5) في أ: "لنرجمك".
(6/151)

كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135)
عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال { رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ. فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، كما قال في الآية الأخرى: { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ. فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [القمر:10-14] .
وقال هاهنا { فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ. } . والمشحون: هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيه من كل زوجين اثنين، أي: نجيناه (1) ومن معه (2) كلهم، وأغرقنا مَنْ كذبه وخالف أمره كلهم، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
{ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) } .
وهذا إخبار من [الله تعالى عن] (3) عبده ورسوله هود، عليه السلام، أنه دعا قومه عادًا، وكانوا قومًا يسكنون الأحقاف، وهي: جبال الرمل قريبًا من بلاد حضرموت متاخمة (4) لبلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، [كما قال في "سورة الأعراف": { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ] (5) وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً } [الأعراف:69] وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب، والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات (6) والعيون، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله إليهم رجلا منهم رسولا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه، إلى أن قال: { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ } ، اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة. تبنون هناك بناء محكما باهرًا هائلا؛ ولهذا قال: { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً } أي: معلما بناء مشهورًا، تعبثون، وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه؛ بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ ولهذا أنكر عليهم نبيهم، عليه السلام، ذلك؛ لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم قال: { وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } . قال مجاهد:المصانع: البروج المشيدة، والبنيان المخلد. وفي رواية عنه: بروج الحمام.
__________
(1) في أ: "نجينا نوحا".
(2) في أ: "اتبعه".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف: "متخمة".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في أ: "والجنان".
(6/152)

قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136)
وقال قتادة: هي مأخذ الماء. قال قتادة: وقرأ بعض القراء (1) : وتتخذون مصانع كأنكم خالدون".
وفي القراءة المشهورة: { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } أي: لكي تقيموا فيها أبدًا، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.
وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني عَوْن بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء، رضي الله عنه، لما رأى ما أحدث المسلمون في الغُوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون! ألا تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه كانت قبلكم (2) قرون، يجمعون فيرعون، ويبنون فيوثقون (3) ، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم (4) قبورًا، ألا إن عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابًا، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟.
وقوله: { وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت.
{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أي: اعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم.
ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم فقال: { وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ. وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم.
{ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) }
__________
(1) في ف: "الكوفيين".
(2) في ف: "قد كانت قبلكم" وفي أ: "قد كانت لكم".
(3) في أ: "فيوبقون".
(4) في ف: "منازلهم".
(6/153)

إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
{ إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) }
يقول تعالى مخبرًا عن جواب قوم هود له، بعدما حذرهم وأنذرهم، وَرَغَّبَهُم ورهبهم، وبيَّن لهم الحق ووضحه: { قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ } أي: لا نرجع عما نحن فيه، { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } [هود:53] وهكذا الأمر؛ فإن الله تعالى قال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } [البقرة:6] وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس:96، 97] .
وقولهم: { إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ } : قرأ بعضهم: "إن هذا إلا خَلْق" بفتح الخاء وتسكين
(6/153)

اللام.
قال ابن مسعود، والعوفي عن عبد الله بن عباس، وعلقمة، ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين. كما قال المشركون من قريش: { وقالوا أساطير الأولين [اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } [الفرقان:5]، وقال: { وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا وقالوا أساطير الأولين } [الفرقان: 4 ، 5] ، وقال { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ (1) مَاذَا أَنزلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } ] (2) [النحل : 24] .
وقرأ آخرون: { إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ } -بضم الخاء واللام -يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد. ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد؛ ولهذا قالوا: { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ } يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (3) .
قال الله تعالى: { فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ } أي: فاستمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله، وقد بيَّن سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية، أي: ريحًا شديدة الهبوب ذات برد شديد جدًا، فكان إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ [ذَاتِ الْعِمَادِ] } (4) [الفجر:6 ، 7] وهم عاد الأولى، كما قال: { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى } [النجم:50]، وهم من نسل إرم بن سام بن نوح. { ذَاتِ الْعِمَادِ } أي: الذين كانوا يسكنون العمد. ومن زعم أن "إرم" مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك أصل أصيل. ولهذا قال: { الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ } [الفجر:8]، أي: لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد، وقال: { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } [فصلت:15] .
وقد قَدَّمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا بمقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن (5) الله لها في ذلك، وسلكت وحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ } (6) الآية [الأحقاف:25] ، وقال تعالى: { وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا } [الحاقة:6 ، 7] ، أي: كاملة { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } [الحاقة : 7] ، أي: بقوا أبدانًا بلا رؤوس؛
__________
(1) في ف، أ: "وقيل للذين كفروا" وهو خطأ.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) تفسير الطبري (19/60).
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في أ: "بإذن".
(6) في ف، أ: "لا ترى".
(6/154)

كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)
وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه، وتكسر رأسه، وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر. وقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك (1) من أمر الله شيئا، { إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ } [نوح:4]؛ ولهذا قال: { فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) }
وهذا إخبار من الله، عز وجل، عن عبده ورسوله صالح، عليه السلام: أنه بعثه إلى قوم ثمود، وكانوا عربًا يسكنون مدينة الحجْر، التي بين وادي القُرَى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة. وقد قدمنا في "سورة الأعراف" (2) الأحاديث المروية في مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حين أراد غَزْوَ الشام، فوصل (3) إلى تَبُوك، ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك. وقد كانوا بعد عاد وقبل الخليل، عليه السلام. فدعاهم نبيهم صالح إلى الله، عز وجل، أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه. فأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرا منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله، عز وجل، ثم ذكرهم آلاء الله عليهم فقال:
{ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) }
يقول لهم واعظًا لهم ومحذرًا إياهم نقم (4) الله أن تحل بهم، ومذكرًا بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارّة، وجعلهم في أمن من المحذورات. وأنبت لهم من الجنات (5) ، وأنبع لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات؛ ولهذا قال: { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } . قال العوفي، عن ابن عباس: أينع وبَلَغ، فهو هضيم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } يقول: مُعشبة.
[و] (6) قال إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن أبي عمرو -وقد أدرك الصحابة -عن ابن عباس، في قوله: { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } قال: إذا رطُب واسترخى. رواه ابن أبي حاتم، قال: ورُوي عن أبي صالح نحو هذا .
__________
(1) في ف، أ: "لم يغن ذلك عنهم".
(2) عند الآيات: 73-78.
(3) في أ: "فدخل".
(4) في ف، أ: "نقمة".
(5) في أ: "الحبات".
(6) زيادة من أ.
(6/155)

قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)
وقال أبو إسحاق، عن أبي العلاء: { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } قال: هو المذنب من الرطب.
وقال مجاهد: هو الذي إذا كُبس (1) تهشم وتفتت وتناثر.
وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم أبا أمية، سمعت مجاهدا يقول: { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } قال: حين يطلعُ تقبض عليه فتهضَمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه.
وقال عكرمة: وقتادة، الهضيم: الرطب اللين.
وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة (2) ، وركب بعضه بعضًا، فهو هضيم.
وقال مرة: هو الطَّلْعُ حين يتفرق ويخضر.
وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له.
وقال أبو صخر: ما (3) رأيت الطلعَ حين يُشق (4) عنه الكمّ، فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم.
وقوله: { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ } قال ابن عباس، وغير واحد: يعني: حاذقين. وفي رواية عنه: شرهين أشرين (5) . وهو اختيار مجاهد وجماعة. ولا منافاة بينهما؛ فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين (6) متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم؛ ولهذا قال: { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } أي: أقبلوا على عَمَل ما يعود نفُعه عليكم (7) في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتوحدوه وتعبدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا.
{ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر، ومخالفة الحق.
{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) }
يقول تعالى مخبرا عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح، عليه السلام، حين دعاهم إلى عبادة ربهم { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } . قال مجاهد، وقتادة: يعنون من المسحورين.
وروى (8) أبو صالح، عن ابن عباس: { مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } (9) : يعني من المخلوقين، واستشهد بعضهم على هذا القول بما قال الشاعر (10) : فإن تسألينا: فيم نحن ? فإننا
عصافير من هذا الأنام المسحر
__________
(1) في ف، أ: "مس".
(2) في ف، أ: "حمل النخلة المثمرة".
(3) في ف، أ: "أما".
(4) في ف، أ: "يتشقق".
(5) في ف: "أشرين شرهين".
(6) في أ: "صادقين".
(7) في ف، أ: "عليكم نفعه".
(8) في ف: "وقال".
(9) في ف، أ: "المسحورين".
(10) هو لبيد بن ربيعة، والبيت في ديوانه ص (56) أ.هـ، مستفادا من ط. الشعب.
(6/156)

يعني الذين لهم سُحور، والسَّحر: هو الرئة.
والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة: أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك.
ثم قالوا: { مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى: { أَؤُلْقِيَ (1) الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ } [القمر: 25، 26] .
ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما (2) جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم -أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم -ناقة عُشَراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمنَنَ به، [وليصدقنه] (3) ، وليتبعنه، فأنعموا بذلك. فقام نبي الله صالح، عليه السلام، فصلى، ثم دعا الله، عز وجل، أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَراء، على الصفة التي وصفوها. فآمن بعضهم وكفر أكثرهم ، { قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } يعني: ترد ماءكم يوما، ويوما تردونه أنتم، { وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى. وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها.
{ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ } وهو أن أرضهم زُلزلت زلزالا شديدًا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب عن محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
__________
(1) في ف، أ: "وأنزل" وهو خطأ.
(2) في أ: "فيما".
(3) زيادة من ف، أ.
(6/157)

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) } .
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله لوط، عليه السلام، وهو: لوط بن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم، وكانوا يسكنون "سدوم" وأعمالها التي أهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور، متاخمة لجبال البيت (1) المقدس، بينها وبين بلاد الكَرَك والشَّوبَك، فدعاهم إلى الله، عز وجل، أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، مما لم يسبقهم الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكْران دون الإناث؛ ولهذا قال تعالى:
{ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) } .
__________
(1) في ف، أ: "بيت".
(6/157)

كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)
لما نهاهم نبي الله عن إتيانهم الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم -ما كان جواب قومه له إلا قالوا: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ } يعنونَ: عما جئتنا (1) به، { لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ } أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: { وَمَا (2) كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ (3) مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } [الأعراف:82] ، فلما رأى أنَّهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم فقال: { قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ } أي: الُمبغضين، لا أحبه ولا أرضى به؛ فأنا بريء منكم. ثم دعا الله عليهم قال: { رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ } .
قال الله تعالى { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } أي: كلهم.
{ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } ، وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت (4) مع مَنْ بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في "سورة الأعراف" و"هود" ، وكذا في "الحِجْر" حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتون إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عمّ جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود؛ ولهذا قال: { ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ. وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } .
{ كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) }
هؤلاء -أعني أصحاب الأيكة -هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هنا أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجر ملتف كالغَيضة، كانوا يعبدونها؛ فلهذا لما قال: كذب أصحاب الأيكة المرسلين، لم يقل: "إذ قال لهم أخوهم شعيب"، وإنما قال: { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ } ، فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبا. ومن الناس مَنْ لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير
__________
(1) في ف: "يعني مما جئتنا".
(2) في ف، أ: "فما" وهو خطأ.
(3) في جميع النسخ: "اخرجوا آل لوط" والصواب ما أثبتناه.
(4) في ف، أ: "مهلكة".
(6/158)

أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)
أهل مدين، فزعم أن شعيبًا عليه السلام ، بعثه الله إلى أمتين، ومنهم مَنْ قال: ثلاث أمم.
وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي -وهو ضعيف -حدثني ابن السدي، عن أبيه -وزكريا بن عمر (1) ، عن خَصِيف، عن عِكْرِمة قالا ما بعث الله نبيًا مرتين إلا شعيبًا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظُّلَّةِ.
وروى أبو القاسم البغوي، عن هُدْبَة، عن هَمَّام، عن قتادة في قوله تعالى: { وَأَصْحَابَ الرَّسِّ } .[ق:12] قوم شعيب، وقوله: { وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ } . [ق:14] قوم شعيب.
قال إسحاق بن بشر: وقال غير جُوَيْبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد. والله أعلم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "شعيب" ، من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، بعث (2) الله إليهما شعيبًا النبي، عليه السلام" (3) .
وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا. والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء؛ ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء (4) ، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة (5) .
{ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (183) }
__________
(1) في ف، أ "عمرو".
(2) في ف، أ: "فبعث".
(3) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (10/309).
(4) في ف، أ: "سواء".
(5) في أ: "فدل ذلك على أنهما واحدة".
(6/159)

وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184)
{ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ (184) } .
يأمرهم تعالى (1) بإيفاء المكيال (2) والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: { أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ } أي: إذا دفعتم إلى الناس فكملوا (3) الكيل لهم، ولا تخسروا الكيل فتعطوه ناقصا، وتأخذوه -إذا كان لكم -تامًا وافيًا، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون.
{ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ } : والقسطاس هو: الميزان، وقيل: القَبَّانُ. قال بعضهم: هو معرب من الرومية.
قال: مجاهد: القسطاس المستقيم: العدل -بالرومية. وقال قتادة: القسطاس: العدل.
وقوله: { وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } : أي: تَنْقُصوهم أموالهم، { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ }
__________
(1) في ف، أ: "عليه السلام".
(2) في ف، أ: "الكيل".
(3) في أ: "فكلوا".
(6/159)

قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
: يعني: قطع الطريق، كما في الآية الأخرى: { وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ [وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ] } (1) [الأعراف:86] .
وقوله: { وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ } : يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى، عليه السلام: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ } [الصافات:126]. قال ابن عباس، ومجاهد، والسُّدَّي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: { وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ } يقول: خلق الأولين. وقرأ ابن زيد: { وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا } [يس:62] .
{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) } .
يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها (2) -تشابهت قلوبهم -حيث قالوا: { إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } يعنون: من المسحورين، كما تقدم.
{ وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } أي: تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا.
{ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } : قال الضحاك: جانبا من السماء. وقال قتادة: قطعا من السماء. وقال السدي: عذابًا من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا } ، إلى أن قالوا: { أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا } [الإسراء:90-92]. وقوله: { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال:32]، وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } .
{ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم، وكذلك وقع بهم كما سألوا، جزاءً وفاقًا؛ ولهذا قال تعالى: { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهذا من جنس ما سألوا، من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله، سبحانه وتعالى، جعل عقوبتهم (3) أن أصابهم حر شديد جدا مدة سبعة أيام لا يَكُنُّهم منه شيء، ثم
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "لرسلها".
(3) في أ: "عقوبته".
(6/160)

أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا [كلهم] (1) تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار، ولهبا ووهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم؛ ولهذا قال: { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن (2) كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين؛ وذلك لأنهم قالوا: { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } [الأعراف:88]، فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة. وفي سورة هود قال: { وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } [هود:94]؛ وذلك لأنهم استهزؤوا بنبي الله في قولهم: { أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } [هود:87]. قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: { وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } (3) وهاهنا قالوا: { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحق عليهم ما استبعدوا وقوعه.
{ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
قال قتادة: قال عبد الله بن عمر (4) رضي الله عنه: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم واستظل (5) بها، فأصاب تحتها بردًا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعا، فاستظلوا تحتها، فأجَّجتْ عليهم نارًا.
وهكذا روي عن عِكْرِمَة، وسعيد بن جُبَير، والحسن، وقتادة، وغيرهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بعث الله إليهم الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلهم، كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في الَمقْلَى.
وقال محمد بن كعب القُرَظيّ: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، فَفَرقُوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا (6) أطيب ولا أبرد من هذا. هلموا أيها الناس. فدخلوا جميعًا تحت الظلة، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا جميعًا. ثم تلا محمد بن كعب: { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد -أخو حماد بن زيد -حدثني حاتم بن أبي صغيرة (7) حدثني يزيد الباهلي: سألت ابن عباس، عن هذه الآية { فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } قال: بعث الله عليهم وَمَدَةً (8) وحرا شديدا، فأخذ
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في أ: "مواضع".
(3) في ف: "فأخذتهم الصيحة".
(4) في ف، أ: "عمرو".
(5) في ف، أ: "فاستظل".
(6) في ف: "ما رأيت ظلا كاليوم"
(7) في أ: "ضفيرة".
(8) في ف، أ: "رعدة".
(6/161)

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)
بأنفاسهم [فدخلوا البيوت، فدخل عليهم أجواف البيوت، فأخذ بأنفاسهم] (1) فخرجوا من البيوت هرابًا إلى البرية، فبعث الله سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسلها (2) الله عليهم نارا. قال ابن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة، إنه كان عذاب يوم عظيم (3) .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } : أي: العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين.
{ وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) } .
يقول تعالى مخبرًا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه: { وإنه } أي: القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة في قوله: { وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ } [الآية]. (4) { لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: أنزله الله عليك وأوحاه إليك.
{ نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ } : وهو جبريل، عليه السلام، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعطية العوفي، والسدي، والضحاك، والزهري، وابن جريج. وهذا ما لا نزاع فيه.
قال الزهري: وهذه كقوله { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } الآية[البقرة:97] .
وقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين لا تأكله (5) الأرض.
{ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } [ أي: نزل به ملك كريم أمين، ذو مكانة عند الله، مطاع في الملأ الأعلى، { عَلَى قَلْبِكَ } يا محمد، سالمًا من الدنس والزيادة والنقص؛ { لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } ] (6) أي: لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.
وقوله: { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك [أنزلناه] (7) بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بَيِّنًا واضحًا ظاهرًا، قاطعًا للعذر، مقيمًا للحجة، دليلا إلى المحجة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العَتَكيّ، حدثنا عباد بن عباد الُمهَلَّبي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في يوم دَجْن إذ قال لهم: "كيف ترون بواسقها؟". قالوا: ما أحسنها وأشد تراكمها. قال: "فكيف ترون قواعدها؟". قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها. قال: "فكيف ترون جَوْنَها (8) ؟". قالوا: ما أحسنه وأشد سواده. قال: "فكيف ترون رحاها استدارت (9) ؟". قالوا: ما أحسنها وأشد
__________
(1) زيادة من ف، أ، والطبري.
(2) في ف، أ: "أرسل".
(3) تفسير الطبري (19/67).
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ف: "لا يأكله".
(6) زيادة من ف، أ.
(7) زيادة من ف، أ.
(8) في ف، أ: "حرنا".
(9) في ف: "رحلها استدار".
(6/162)

وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206)
استدارتها. قال: "فكيف ترون برقها، أومَيض أم خَفْو (1) أم يَشُق شَقّا (2) ؟". قالوا: بل يشق شقًا. قال: "الحياء الحياء إن شاء الله". قال: فقال رجل: يا رسول الله، بأبي وأمي ما أفصحك، ما رأيت الذي هو أعربُ منك. قال: فقال: " حق لي، وإنما أنزل (3) القرآن بلساني، والله يقول: { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } (4) .
وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم تَرْجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فَمَنْ دخل الجنة تكلم بالعربية. رواه ابن أبي حاتم.
{ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) } .
يقول تعالى: وإنَّ ذِكْر هذا القرآن والتنويه به لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم، الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك، حتى قام آخرهم خطيبًا في ملئه بالبشارة بأحمد: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } [الصف : 6] ، والزبر هاهنا هي الكتب وهي جمع زَبُور (5) ، وكذلك الزبور، وهو كتاب داود. وقال تعالى: { وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ } [القمر:52] أي: مكتوب عليهم في صحف الملائكة.
ثم قال تعالى: { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك: أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟ والمراد: العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك مَنْ آمن منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عَمَّنْ أدركه منهم ومَنْ شاكلهم. وقال الله تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ } الآية [الأعراف:157] .
ثم قال تعالى مخبرًا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن؛ أنه لو أنزله على رجل من الأعاجم، مِمَّنْ لا يدري من العربية كلمة، وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته، لا يؤمنون به؛ ولهذا قال: { وَلَوْ نزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ. فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } ، كما أخبر عنهم في الآية الأخرى: { وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ } [الحجر:14، 15] وقال تعالى: { وَلَوْ أَنَّنَا نزلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [الأنعام:111]، وقال: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس:96 ، 97] .
{ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الألِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) }
__________
(1) في أ: "خفق".
(2) في أ: "شقاقا".
(3) في ف: "نزل".
(4) ورواه الرامهرمزي في أمثال الحديث ص (155) من طريق عبد الله بن محمد الأموي، عن عباد بن عباد المهلبي به.
(5) في ف، أ: "زبرة".
(6/163)

مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209)
{ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) } .
(6/163)

يقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والجحود والعناد، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين.
{ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي: بالحق { حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } أي: حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار.
{ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } أي: عذاب الله بغتة، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ } ؟ أي: يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلا ليعملوا [من فزعهم] (1) بطاعة الله، كما قال تعالى: { وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ } [إبراهيم:44]، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته، ندم ندمًا شديدًا هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله: { رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [ فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ] } (2) [يونس:88 ، 89]، فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم، { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } [يونس:90 ، 91 ]، وقال: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } [غافر: 84 ، 85] الآية .
وقوله تعالى: { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } : إنكار عليهم، وتهديد لهم؛ فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبًا واستبعادًا: { ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ } [العنكبوت : 29 ] ، كما قال تعالى: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } الآية.[العنكبوت : 53 ] .
ثم قال: { أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } أي: لو أخرناهم وأنظرناهم، وأملينا لهم برهة من الزمان وحينًا من الدهر وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعم، { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } [النازعات:46]، وقال تعالى: { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ } [البقرة:96]، وقال تعالى: { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى } [الليل:11] ؛ ولهذا قال: { مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } .
وفي الحديث الصحيح: "يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة (3) ، ثم يقال له: هل رأيت
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ف: "فيغمس غمسة في النار".
(6/164)

وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
خيرًا قط؟ هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا [والله يا رب] (1) . ويؤتى بأشد الناس بؤسًا كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب" أي: ما كأن شيئًا كان (2) ؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:
كأنَّك لَمْ تُوتِر من الدّهْر لَيْلَةً ... إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الذي كنتَ تَطْلُبُ ...
ثم قال الله تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه: أنَّه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم، والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم وقيام الحجج عليهم؛ ولهذا قال: { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ. ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } كما قال تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } [الإسراء:15]، وقال تعالى: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا (3) ] وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } [القصص:59] .
{ وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) }
يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد: أنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله، { وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ } . ثم ذكر أنه يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه ما (4) ينبغي لهم، أي: ليس هو من بُغْيتهم ولا من طلبتهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة؛ ولهذا قال تعالى: { وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ } .
وقوله: { وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } أي: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: { لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } [الحشر:21] .
ثم بين أنه لو انبغى (5) لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله؛ لأن السماء ملئت حرسًا شديدًا وشهبا في مُدّة إنزال القرآن على رسوله، فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر. وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله؛ ولهذا قال: { إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } ، كما قال تعالى مخبرًا عن الجن: { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } [الجن:8-10] .
{ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) }
__________
(1) زيادة من ف، أ، والمسند.
(2) رواه أحمد في مسنده (3/203) من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه.
(3) زيادة من ف، أ. وفي هـ: "إلى قوله".
(4) في ف: "لا".
(5) في ف: "ابتغى".
(6/165)

يقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ومخبرًا أنّ مَنْ أشرك به عذبه.
ثم قال تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه (1) أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين إليه، وأنه لا يُخَلِّص أحدًا منهم إلا إيمانهُ بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين. ومن عصاه من خلق الله كائنًا مَنْ كان فليتبرأ منه؛ ولهذا قال: { . فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } . وهذه النِّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال: { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [يس:6]، وقال: { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } [الشورى:7]، وقال: { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ } [الأنعام:51 ] ، وقال: { لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } [مريم : 97] ، وقال: { لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [الأنعام:19] ، كما قال: { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [هود : 17].
وفي صحيح مسلم: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".
وقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها:
الحديث الأول:
قال الإمام أحمد، رحمه الله: حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: لما أنزل الله، عز وجل: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه، ثم نادى: "يا صباحاه". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟" . قالوا: نعم. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [ المسد: 1] .
ورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به (2) .
الحديث الثاني:
قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما نزلت: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا صفية ابنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم". انفرد بإخراجه مسلم (3) .
__________
(1) في ف، أ: "صلوات الله عليه وسلامه".
(2) صحيح البخاري برقم (4801) وصحيح مسلم برقم (208) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11714) وسنن الترمذي برقم (3363).
(3) المسند (6/187) وصحيح مسلم برقم (205).
(6/166)

الحديث الثالث:
قال أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمَير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم [قريشا] (1) ، فعمَّ وخصَّ، فقال: "يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. [يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار] (2) ، فإني -والله -ما أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رَحمًا سأبُلها بِبلالها" .
ورواه مسلم والترمذي، من حديث عبد الملك بن عمير، به (3) . وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه. ورواه النسائي من حديث موسى بن طلحة مرسلا لم يذكر فيه أبا هريرة (4) . والموصول هو الصحيح. وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (5) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق -عن أبي الزنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله. يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، لا أُغني عنكما من الله شيئًا، سلاني من مالي ما شئتما".
تفرد به من هذا الوجه (6) . وتفرد به أيضا، عن معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه (7) . ورواه أيضًا عن حسن، ثنا ابن لَهِيعة، عن (8) الأعرج: سمعت أبا هريرة مرفوعا (9) .
وقال أبو يعلى: حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا (10) ضِمَام بن إسماعيل، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يا بني قُصَي، يا بني هَاشم، يا بني عبد مناف. أنا النذير والموت المغير. والساعة الموعد" (11) .
الحديث الرابع:
قال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قَبِيصة بن مُخَارق
__________
(1) زيادة من ف، أ، والمسند.
(2) زيادة من ف، أ، والمسند.
(3) المسند (2/360) وصحيح مسلم برقم (204) وسنن الترمذي برقم (3185).
(4) سنن النسائي (6/248).
(5) صحيح البخاري برقم (4771) وصحيح مسلم برقم (206).
(6) المسند (2/448).
(7) المسند (2/398).
(8) في ف: "ثنا".
(9) المسند (2/350).
(10) في ف: "عن".
(11) مسند أبي يعلى (11/10) وسويد بن سعيد متكلم فيه.
(6/167)

وزُهَير بن عمرو قالا لما نزلت: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } صَعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رَضْمَةً من جبل على أعلاها حجر، فجعل ينادي: "يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ أهله، يخشى أن يسبقوه، فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه".
ورواه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن طِرْخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُل النَّهْديّ، عن قَبِيصة وزُهيَر بن عَمْرو الهلالي، به (1) .
الحديث الخامس:
قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شَرِيك عن الأعمش، عن المْنهَال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي، رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } جمع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا قال: وقال لهم: "من يَضْمَنُ عَني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟". فقال رجل -لم يسمه شريك -يا رسول الله، أنت كنت بحرًا (2) من يقوم بهذا؟ قال: ثم قال الآخر، قال: فعرض ذلك على أهل بيته، فقال عَليٌ: أنا (3) .
طريق أخرى بأبسط من هذا السياق: قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عَوَانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي، رضي الله عنه، قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم -أو دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم -بني عبد المطلب، وهم رَهْطٌ، كلهم يأكل الجذعة ويشرب الفّرَق -قال: وصنع (4) لهم مدًا من طعام فأكلوا حتى شبعوا -قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس. ثم دعا بغُمَرٍ (5) فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس -أولم يشرب -وقال: "يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟". قال: فلم يقم إليه أحد. قال: فقمتُ إليه -وكنت أصغر القوم -قال: فقال: "اجلس". ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: "اجلس". حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي (6) .
طريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر: قال الحافظ أبو بكر البيهقي في "دلائل النبوة": أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونُس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق قال: فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل -واستكتمني اسمه -عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عرفت أنّي إن بادأتُ بها قومِي، رأيت منهم ما أكره،
__________
(1) المسند (5/60) وصحيح مسلم برقم (207) والنسائي في السنن الكبرى برقم (11379).
(2) في أ: "تجري".
(3) المسند (1/111) وقال الهيثمي في المجمع (8/302) "رجال أحمد رجال الصحيح، غير شريك وهو ثقة".
(4) في ف، أ: "فصنع".
(5) في ف، أ: "بعس".
(6) المسند (1/159) وقال الهيثمي في المجمع (8/302) "رجاله ثقات".
(6/168)

فَصَمَتُّ. فجاءني جبريل، عليه السلام، فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك". قال علي، رضي الله عنه: فدعاني فقال: "يا علي، إن الله قد أمرني [أن] (1) أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فَصَمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك. فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي (2) بني عبد المطلب". ففعلتُ فاجتمعوا له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا. فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَةَ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حِذْيَة فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال: "كلوا بسم الله". فأكل القومُ حتى نَهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسقهم يا علي". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نَهِلُوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهَدّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلّمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان الغدُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب؛ فإن هذا الرجلّ قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم". ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسقهم يا علي". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعًا. وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بَدَره أبو لهب بالكلام فقال: لَهَدَّ ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي، عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب؛ فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعتَ قبل أن أكلم القوم". ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم [كما صنع] (3) بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب، إني -والله -ما أعلم شابًا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة".
قال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما (4) سمعه من عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث (5) .
وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب، فذكر مثله، وزاد بعد قوله: "إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة". "وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني (6) على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا وكذا"؟ قال: فأحجم
__________
(1) زيادة من ف، أ، ودلائل النبوة.
(2) في ف: "لنا".
(3) زيادة من ف، أ، ودلائل النبوة.
(4) في ف: "لما".
(5) دلائل النبوة (2/178).
(6) في ف: "وازرني".
(6/169)

القوم عنها جميعًا، وقلت -وإني لأحدثهم سنًا، وأرمصُهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمشهم ساقا. أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ يَرْقُبُني ثم قال: "إن هذا أخي، وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا". قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (1) .
تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعّفه الأئمة رحمهم الله.
طريق أخرى: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن مَيْسَرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال: قال علي رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } ، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا". قال: ففعلت، ثم قال: "ادع بني هاشم". قال: فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل -أو: أربعون ورجل -قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذَعَة بإدامها. قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذرْوَتها ثم قال: "كلوا"، فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها (2) لم يرزؤوا منها إلا يسيرًا، قال: ثم أتيتهم بالإناء فشربوا حتى رَوُوا. قال: وفَضَل فَضْلٌ، فلما فرغوا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتكلم، فبدرُوه الكلام، فقالوا: ما رأينا كاليوم في السحر. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "اصنع [لي] (3) رجل شاة بصاع من طعام". فصنعت، قال: فدعاهم، فلما أكلوا وشربوا، قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي: "اصنع [لي] (4) رجل شاة بصاع من طعام. فصنعت، قال: فجمعتهم، فلما أكلوا وشربوا بَدَرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام فقال: "أيكم يقضي عني دَيني (5) ويكون خليفتي في أهلي؟". قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكتُّ أنا لسِنّ العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله. [فقال: "أنت"] (6) قال: وإني يومئذ لأسوأهم هيئة، وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، حَمْش الساقين .
فهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن علي، رضي الله عنه. ومعنى سؤاله، عليه الصلاة والسلام (7) لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه، ويخلفوه في أهله، يعني إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، ولما أنزل الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [المائدة:67] ، فعند ذلك أمِن .
وكان أولا يحرس حتى نزلت هذه الآية: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } . ولم يكن في بني هاشم إذ ذاك أشد إيمانا وإيقانا وتصديقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من علي، رضي الله عنه؛ ولهذا (8) بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ثم كان بعد هذا -والله أعلم -دعاؤه الناس جَهرًة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عموما وخصوصا، حتى سَمّى مَنْ سَمَّى من أعمامه وعماته وبناته، لينبه بالأدنى على الأعلى، أي: إنما أنا نذير، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
__________
(1) تفسير الطبري (19/40).
(2) في ف: "وهي كهيئتها".
(3) زيادة من ف.
(4) زيادة من ف.
(5) في ف: "ديني عني".
(6) زيادة من ف.
(7) في ف: "صلى الله عليه وسلم".
(8) في ف: "فلهذا".
(6/170)

وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد الدمشقي -غير منسوب -من طريق عمرو بن سَمُرَةَ، عن محمد بن سُوقَةَ، عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء، رضي الله عنه، يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم الأقربون". وذلك فيما أنزل الله، عز وجل: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } ، ثم قال: "إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم". ولهذا قال [الله تعالى] : (1) { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ . وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } (2) .
وقوله: { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } أي: في جميع أمورك؛ فإنه مؤيدك وناصرك وحافظك ومظفرك ومُعْلٍ كلمتك.
وقوله: { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } أي: هو معتن بك، كما قال تعالى: { وَاصْبِرْ (3) لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } [الطور:48] .
قال ابن عباس: { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } يعني: إلى الصلاة.
وقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده.
وقال الحسن: { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } : إذا صليت وحدك.
وقال الضحاك: { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ. } أي: من فراشك أو مجلسك.
وقال قتادة: { الَّذِي يَرَاكَ } : قائما وجالسا وعلى حالاتك.
وقوله: { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } : قال قتادة: { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } قال: في الصلاة، يراك وحدك ويراك في الجَمْع. وهذا قول عكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن البصري.
وقال مجاهد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى مَنْ خلفه كما يرى مَنْ أمامه؛ ويشهد لهذا ما صح في الحديث: "سَوّوا صفوفكم؛ فإني أراكم من وراء ظهري" (4) .
وروى البزار وابن أبي حاتم، من طريقين، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجه نبيا.
وقوله: { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } الآية. [يونس:61] .
__________
(1) زيادة من أ.
(2) تاريخ دمشق (10/587 المخطوط).
(3) في جميع النسخ: "فاصبر". والصواب ما أثبتناه.
(4) رواه البخاري في صحيحه برقم (723).
(6/171)

هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
{ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) } .
يقول تعالى مخاطبًا لِمَنْ زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ليس حقا، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رئيّ من الجن، فنزه الله، سبحانه، جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو [الحق] (1) من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قَبيل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم، وإنما ينزلون (2) على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة؛ ولهذا قال الله: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أي: أخبركم. { عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ. تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } أي: كذوب في قوله، وهو الأفاك الأثيم، أي (3) الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين كالكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضا كذبة فسقة.
{ يُلْقُونَ السَّمْعَ } أي: يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس فيتحدثون بها، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث، كما رواه البخاري، من حديث الزهري: أخبرني يحيى بن عُروَةَ بن الزبير، أنه سمع عُرْوَةَ بن الزبير يقول: قالت عائشة، رضي الله عنها: سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان، فقال: "إنهم ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها (4) الجني، فَيُقَرقرِها في أذن وليه كقَرْقَرة الدجاجة، فيخلطون معها أكثر من مائه كذبة" (5) .
وقال البخاري أيضا: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله، كأنها (6) سلسلة على صَفْوان، حتى إذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع، هكذا بعضهم فوق بعض". ووصف سفيان بيده فَحَرفها، وبَدّدَ بين أصابعه "فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر -أو الكاهن -فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمع (7) من السماء". انفرد به البخاري (8) .
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في أ: "يتنزلون".
(3) في ف: "وهو".
(4) في ف، أ: "يحفظها".
(5) صحيح البخاري برقم (7561).
(6) في ف: "كأنه".
(7) في هـ، ف، أ: "سمعت" والصواب ما أثبتناه من البخاري.
(8) صحيح البخاري برقم (4800).
(6/172)

وروى مسلم من حديث الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريبًا من هذا. وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ : { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ } الآية [سبأ:23] ، [إن شاء الله تعالى] (1) .
وقال البخاري: وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال: أن أبا الأسود أخبره، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الملائكة تَحَدّث في العَنَان -والعَنَان: الغَمَام -بالأمر [يكون] (2) في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فتقرُّها في أذن الكاهن كما تُقَرّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة" (3) .
وقال البخاري في موضع آخر من كتاب "بدء الخلق" عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، بنحوه (4) .
وقوله: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن. وكذا قال مجاهد، رحمه الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما.
وقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان، فينتصر لهذا فِئَامٌ من الناس، ولهذا فئَامٌ من الناس، فأنزل الله: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } .
وقال الإمام أحمد: حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا لَيث، عن ابن الهاد، عن يُحَنَّس (5) -مولى مصعب بن الزبير -عن أبي سعيد قال: بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْج، إذ عَرَض شاعر يُنشد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خذوا الشيطان -أو امسكوا الشيطان -لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا" (6) .
وقوله: { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: في كل لغو يخوضون.
وقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فن من الكلام. وكذا قال مجاهد وغيره.
وقال الحسن البصري: قد -والله -رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتمة (7) فلان، ومرة في مدحة (8) فلان.
وقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل.
وقوله: { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ } قال العوفي، عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله، أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان (9) مع كل
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ، والبخاري.
(3) صحيح البخاري برقم (3288) وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي صالح كاتب الليث عنه، كما في الفتح (6/432).
(4) صحيح البخاري رقم (2210).
(5) في ف: "محنش".
(6) المسند (3/8).
(7) في ف: "شتيمة".
(8) في ف: "مديحة".
(9) في ف: "وكان".
(6/173)

واحد منهما غواة من قومه -وهم (1) السفهاء -فقال الله تعالى: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ } .
. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه.
وهذا الذي قاله ابن عباس، رضي الله عنه، هو الواقع في نفس الأمر؛ فإن الشعراء يتَبجَّحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم؛ ولهذا اختلف العلماء، رحمهم الله، فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حَدًّا: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا لأنهم يقولون ما لا يفعلون؟ على قولين. وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بَكَّار في كتاب الفكاهة: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، استعمل النعمان بن عدي بن نَضْلَة على "ميسان" -من أرض البصرة -وكان يقول الشعر، فقال:
ألا هَل أتَى الحَسْنَاءَ أنّ حَليِلَها ... بِمَيْسَانَ ، يُسقَى في زُجاج وَحَنْتَم ...
إذَا شئْتُ غَنَّتْني دَهاقينُ قَرْيَة ... وَرَقَّاصَةٌ تَجذُو على كل مَنْسم (2)
فإنْ كُنتَ نَدْمانِي فَبالأكْبر اسْقني ... وَلا تَسْقني بالأصْغَر المُتَثَلم (3)
لَعَل أميرَ المؤمنينَ يَسُوءه ... تَنادُمُنا بالجَوْسَق المُتَهَدَم ...
فلما بلغ [ذلك] (4) أمير المؤمنين قال: أي والله، إنه ليسوءني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته. وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم { حم. تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } [غافر:1-3] أما بعد فقد بلغني قولك:
لَعَلَّ أمير المُؤمنينَ يَسُوُءه ... تَنَادُمُنَا بالجَوْسق (5) المُتَهَدّم ...
وايم الله، إنه ليسوءني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بَكَّتَه بهذا الشعر، فقال: والله -يا أمير المؤمنين -ما شربتها قَطّ، وما ذاك الشعر إلا شيء طَفح على لساني. فقال عمر: أظن ذلك، ولكن والله لا تعمل لي على عمل أبدًا، وقد قُلتَ ما قلتَ (6) .
فلم يُذكر أنه حَدّه على الشراب، وقد ضمنه شعره؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه (7) ذمَّه عمر، رضي الله عنه، ولامه على ذلك وعزله به. ولهذا جاء في الحديث: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا، يَرِيه خير له من أن يمتلئ شعرًا" (8) .
والمراد من هذا: أن (9) الرسول صلى الله عليه وسلم (10) الذي أنزل عليه (11) القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر؛
__________
(1) في ف: "فهم".
(2) في ف، أ: "مبسم".
(3) في ف: "المتلثم".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ف، أ: "في الجوسق".
(6) الأبيات في السيرة النبوية لابن هشام (2/266) والطبقات الكبرى لابن سعد (4/140).
(7) في ف: "ولكن".
(8) رواه مسلم في صحيحه برقم (2257) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(9) في ف، أ: "أن هذا الرسول".
(10) في ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".
(11) في ف، أ: "عليه هذا القرآن".
(6/174)

لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة، كما قال تعالى: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } [يس:69] وقال تعالى: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ. وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ. تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الحاقة:40-43] ، وهكذا قال هاهنا: { وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } إلى أن قال: { وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } إلى أن قال: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ. تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ. وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ. أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ } .
وقوله: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } : قال محمد بن إسحاق، عن يزيد (1) بن عبد الله بن قُسَيْط، عن أبي الحسن سالم البَرّاد -مولى تميم الداري -قال: لما نزلت: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } ، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء. فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } قال: "أنتم"، { وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } قال: "أنتم"، { وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } قال: "أنتم".
رواه ابن أبي حاتم. وابن جرير، من رواية ابن إسحاق (2) .
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛ أن حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } يبكيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرؤها عليهما: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } حتى بلغ: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ، قال: "أنتم" (3) .
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة (4) حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عُرْوَة، عن عروة قال: لما نزلت: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } إلى قوله: { يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ } قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، قد علم الله أني منهم. فأنزل الله: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلى قوله: { ينقلبون } .
وهكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، وغير واحد أن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية [في] (5) شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم، ولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه مَنْ كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في
__________
(1) في ف: "زيد".
(2) تفسير الطبري (19/79).
(3) ورواه الحاكم في المستدرك (3/488) من طريق أبي أسامة به.
(4) في ف، أ: "أبو مسلم".
(5) زيادة من ف.
(6/175)

مقابلة ما تقدم من الكلام السيئ، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإسلام وأهله في مقابلة ما كذب (1) بذمه، كما قال عبد الله بن الزبَعْرَى حين أسلم:
يَا رَسُولَ المَليك ، إنّ لسَاني ... رَاتقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أنا بُورُ ...
إذْ أجَاري الشَّيْطانَ في سَنن الغَيْ ... يِ وَمَن مَالَ مَيْلَه مَثْبُورٌ ...
وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن عمه، وأكثرهم له هجوًا، فلما أسلم لم يكن أحد أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما كان يهجوه، ويتولاه بعدما كان قد عاداه. وهكذا روى مسلم في صحيحه، عن ابن عباس: أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن قال: "نعم". قال: معاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال: "نعم". قال: وتُؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال: "نعم". وذكر الثلاثة (2) .
ولهذا قال تعالى: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } قيل: معناه: ذكروا الله كثيرًا في كلامهم. وقيل: في شعرهم،وكلاهما صحيح مُكَفّر لما سبق.
وقوله: { وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين. وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد. وهذا كما ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان: "اهجهم -أو قال: هاجهم -وجبريل معك" (3) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله، عز وجل، قد أنزل في الشعّر ما أنزل، فقال: "إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده، لكأن ما ترمونهم به نَضْح النبْل" (4) .
وقوله: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } ، كما قال تعالى: { يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [غافر:52] وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (5) .
وقال قتادة بن دِعَامَة في قوله: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } يعني: من الشعراء وغيرهم.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تميمة، قال: حضرت الحسن وَمُرَّ عليه بجنازة نصراني، فقال الحسن: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } .
وقال عبد الله بن رَبَاح، عن صفوان بن مُحْرز: أنه كان إذا قرأ هذه الآية -بكى حتى أقول: قد اندق قَضِيب زَوره -{ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } .
__________
(1) في ف، أ: "ما كان".
(2) صحيح مسلم برقم (2501).
(3) صحيح البخاري برقم (6153) وصحيح مسلم برقم (2486) من حديث البراء بن عازب، رضي الله عنه.
(4) المسند (6/387).
(5) صحيح مسلم برقم (2578) من حديث جابر، رضي الله عنه، ولفظه: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".
(6/176)

وقال ابن وهب: أخبرني (1) ابن سُرَيج الإسكندراني، عن بعض المشيخة: أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون (2) عليها -أو: يصطلون -إذا بركاب (3) قد أقبلوا، فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عبُيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم -قال: وصاحب لنا قائم يصلي -قال حتى مَرّ بهذه الآية: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت.
وقيل: المراد بهم أهل مكة. وقيل: الذين ظلموا من المشركين. والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم، كما قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن زكريا بن يحيى الواسطي: حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد (4) النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجير (5) حدثنا هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كتب أبي وصيته سطرين: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قُحَافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويَصدُق الكاذب: إني استخلفت عليكم عُمَر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به، ورجائي فيه، وإن يَجُر ويبدل فلا أعلم الغيب، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } .
آخر تفسير سورة "الشعراء" والحمد لله رب العالمين.
__________
(1) في ف، أ: "حدثنا".
(2) في أ: "يشوون".
(3) في ف، أ: "بركبان".
(4) في ف، أ: "أبو سعيد".
(5) في أ: "الحبر".
(6/177)

طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)
سورة النمل
وهي مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) }
قد تقدم الكلام في "سورة البقرة" على الحروف المتقطعة (1) في أوائل السُّوَر.
وقوله: { تِلْكَ آيَاتُ } أي: هذه آيات { الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ } أي: بين واضح.
{ هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لِمَنْ آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن (2) بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } [فصلت: 44]. وقال: { لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } [مريم: 97] ؛ ولهذا قال هاهنا: { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها { زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ } أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غَيهم فهم يَتيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة، كما قال تعالى: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [الأنعام: 110]، { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ } أي: في الدنيا والآخرة ، { وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ } أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.
وقوله: { وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي: { وَإِنَّكَ } يا محمد - قال قتادة: { لَتُلَقَّى } أي: لتأخذ. { الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ] } (3) [الأنعام: 115] .
{ إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) }
__________
(1) في ف: "المقطعة".
(2) في ف: "وأيقن".
(3) زيادة من ف، أ.
(6/178)

وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) }
(6/178)

يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (1) مذكرًا له ما كان من أمر موسى، كيف اصطفاه الله وكلمه، وناجاه وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: { إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ } أي: اذكر حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي: رأى نارًا تأجج (2) وتضطرم، فقال { لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: عن الطريق، { أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي: تتدفؤون به. وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس منها نورًا عظيمًا؛ ولهذا قال تعالى: { فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: فلما أتاها رأى (3) منظرًا هائلا عظيمًا، حيث انتهى إليها، والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء.
قال ابن عباس وغيره: لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا (4) يَتَوَهَّج.
وفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي أن بورك من في النار. قال ابن عباس: [أي] (5) قُدّس.
{ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: من الملائكة. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -[و] (6) هو الطيالسي -حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مُرَّة، سمع أبا عُبَيْدة يحدث، عن أبي موسى، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل (7) . زاد المسعودي: "وحجابه النور -أو النار -لو كشفها لأحْرَقَتْ سُبُحات وجهه كل شيء أدركه بصره". ثم قرأ أبو عُبَيْدة: { أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } (8)
__________
(1) في ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".
(2) في ف، أ: "تتأجج".
(3) في ف: "ورأى".
(4) في ف: "وإنما نور".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) زيادة من ف، أ.
(7) في ف: "عمل الليل بالنهار وعمل النهار بالليل".
(8) ورواه أحمد في مسنده (4/401) من طريق وكيع عن المسعودي بنحوه.
(6/179)

وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم، من حديث عمرو بن مُرَّة، به (1) .
وقوله: { وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: الذي يفعل ما يشاء ولا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العلي العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات.
وقوله: { يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } أعلمه (2) أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز، الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله.
ثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلا واضحا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء. فلما ألقى موسى تلك العصا (3) من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } والجان: ضرب من الحيات، أسرعه حركة، وأكثره اضطرابا -وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنَّان (4) البيوت (5) -فلما عاين موسى ذلك { وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: لم يلتفت من شدة فرقه { يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطَفيك رسولا وأجعلك نبيًا وجيهًا.
وقوله: { إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على [عمل] (6) شيء ثم أقلع عنه، ورجع وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } [طه: 82]، وقال تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء: 110] والآيات في هذا كثيرة جدًا.
وقوله: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } هذه آية أخرى، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصِدْق من جعل له معجزة، وذلك أن الله -تعالى -أمره أن يُدخل يده في جيب دِرْعِه، فإذا أدخلها وأخرجها خَرجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان يتلألأ (7) كالبرق الخاطف.
وقوله: { فِي تِسْعِ آيَاتٍ } أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أؤيدك بهن، وأجعلهن برهانا لك إلى فرعون وقومه { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } .
وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } [الإسراء: 101] كما تقدم تقرير ذلك هنالك.
وقوله: { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً } أي: بينة واضحة ظاهرة ،
__________
(1) صحيح مسلم برقم (179).
(2) في ف: "اعلم".
(3) في ف، أ: "العصاة".
(4) في ف، أ: "حيات".
(5) صحيح البخاري برقم (3298) من حديث ابن عمر، رضي الله عنهما.
(6) زيادة من أ.
(7) في ف: "تتلألأ"
(6/180)

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
{ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } وأرادوا معارضته بسحرهم فغلبوا [هنالك] (1) { وانقلبوا صاغرين } .
{ وَجَحَدُوا بِهَا } أي: في ظاهر أمرهم ، { وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } أي: علموا في أنفسهم أنها حق (2) من عند الله، ولكن جَحَدوها وعاندوها وكابروها، { ظُلْمًا وَعُلُوًّا } أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، { وَعُلُوًّا } أي: استكبارًا عن اتباع الحق؛ ولهذا قال: { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة كُفرهم (3) ، في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة.
وفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون بمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن محمدًا، صلوات الله وسلامه عليه (4) أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، بما آتاه الله من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه (5) من ربه أفضل الصلاة والسلام.
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) } .
يخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان، عليهما من الله السلام، من النعم الجزيلة، والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين؛ ولهذا قال: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } .
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام (6) : أخبرني أبي، عن جدي قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عَبد نعمة فحمد الله عليها، إلا كان حَمْدُه أفضل من نعمته (7) ، لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل؛ قال الله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } ، وأي نعمة أفضل مما أوتي داود
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "صدق".
(3) في ف، أ: "أمرهم".
(4) في ف: "صلى الله عليه وسلم".
(5) في ف: "عليهم".
(6) في ف: "هشام".
(7) في ف: "نعمه".
(6/181)

وسليمان، عليهما السلام؟
وقوله: { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } أي: في الملك والنبوة، وليس المراد وراثَةَ المال؛ إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائةُ امرأة. ولكن المراد بذلك وراثةُ الملك والنبوة؛ فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم [في قوله] (1) : نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة (2) (3) .
وقوله (4) : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } (5) ، أي: أخبر سليمان بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتى إنه سَخَّر له الإنس والجن والطير. وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يُعطَه أحد من البشر -فيما علمناه -مما أخبر الله به ورسوله. وَمَنْ زعم من الجهلة والرّعاع أنّ الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس -فهو قولٌ بلا علم. ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة؛ إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل (6) البهائم والطيور وسائر المخلوقات من وقت خُلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال. ولكن الله، سبحانه وتعالى، كان قد أفهم سليمان، عليه السلام، ما يتخاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق (7) به الحيوانات على اختلاف أصنافها؛ ولهذا قال: { عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي: مما يحتاج إليه الملك، { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } أي: الظاهر البين لله علينا.
قال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان داود، عليه السلام، فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع". قال: "فخرج ذات يوم وأغلقت (8) الأبواب، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لِمَنْ في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود، عليه السلام، فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب. فقال داود: أنت والله إذًا ملك الموت. مرحبًا بأمر الله، فتزمل داود، عليه السلام، مكانه حتى قبضت نفسه، حتى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان، عليه السلام، للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهما الأرض،
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "ما تركناه فهو صدقة".
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (6727) من حديث عائشة بلفظ: "لا نورث ما تركناه صدقة". قال الحافظ ابن حجر في الفتح (12/8): وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ: "نحن" وانظر بقية كلامه وحمله لمعنى الحديث في الفتح.
(4) في ف: "وقال".
(5) بعدها في ف، أ: "إن هذا لهو الفضل المبين".
(6) في ف: "بل نزل".
(7) في ف: "وما ينطق".
(8) في ف: "وغلقت".
(6/182)

فقال لها سليمان: اقبضي جناحا جناحا" قال أبو هريرة: يا رسول الله، كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، وغلبت عليه يومئذ المضرَحية (1) (2) .
قال أبو الفرج بن الجَوْزيّ: المَضْرَحيّة (3) النسور الحُمر.
وقوله تعالى: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة (4) كبيرة في الإنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم [يكونون] (5) في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حرًّا أظلته منه بأجنحتها.
وقوله: { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي: يكف أولهم على آخرهم؛ لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له.
قال مجاهد: جعل على كل صنف وزعة، يردون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم.
وقوله: { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ } أي: حتى إذا مر سليمان، عليه السلام، بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } .
أورد (6) ابن عساكر، من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أن اسم هذه النملة حرس، وأنها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذّيب (7) .
أي: خافت على النمل أن تحطمها (8) الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها (9) ففهم ذلك سليمان، عليه السلام، منها (10) .
{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } أي: ألهمني أن أشكر نعمتك التي مننت بها علي، من تعليمي منطق الطير والحيوان، وعلى والدي بالإسلام لك، والإيمان بك، { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } أي: عملا تحبه وترضاه، { وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } أي: إذا توفيتني فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.
ومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها.
__________
(1) في ف: "المصرحية".
(2) المسند (2/419) وقال الهيثمي في المجمع (8/206) "فيه المطلب بن عبد الله بن حنطب وثقه أبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(3) في هـ، ف، أ: "المصرحية" والمثبت من لسان العرب، مادة "ضرح".
(4) في ف: "عظيمة".
(5) زيادة من ف.
(6) في ف، أ: "فأورد".
(7) في ف: "الذئب".
(8) في ف: "يحطمها".
(9) في ف: "مساكنهم".
(10) في ف: "عنها".
(6/183)

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)
وعن نَوْف البكالي أنه قال: كان نمل سليمان أمثال الذئاب. هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت. وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم.
والغرض أن سليمان، عليه السلام، فهم قولها، وتبسم ضاحكًا من ذلك (1) ، وهذا أمر عظيم جدا.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مِسْعَر، عن زيد العَمّي، عن أبي الصديق الناجي قال: خرج سليمان (2) عليه (3) السلام، يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان عليه السلام: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم.
وقد ثبت في الصحيح -عند مسلم -من طريق عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] (4) قَرَصَت نبيا من الأنبياء نملة، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه، أفي (5) أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تُسَبِّح؟ فهلا نملة واحدة!" (6) .
{ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) } .
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما، عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان، عليه السلام، على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان، عليه السلام، الجان فحفروا له ذلك المكان، حتى يستنبط (7) الماء من قراره، فنزل سليمان، عليه السلام [يوما] (8) ، بفلاة من الأرض، فتفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، { فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } .
حدَّث يوما عبد الله بن عباس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: "نافع بن الأزرق" ، وكان كثير الاعتراض على ابن عباس، فقال له: قف يا بن عباس، غُلبت اليوم! قال: وَلِمَ؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبي ليضع له الحبة في الفخ، ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد ليأخذها فيقع في الفخ، فيصيده الصبي. فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عباس، لما أجبته. فقال (9) له: ويحك! إنه إذا نزل القَدَر عَمي البصر، وذهب الحَذَر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن
__________
(1) في ف: "من قولها".
(2) في ف، أ: "سليمان بن داود".
(3) في ف: "عليهما".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ف، أ: "أي".
(6) صحيح مسلم برقم (2241).
(7) في ف: "يستنبطوا".
(8) زيادة من ف، أ.
(9) في ف، أ: "ثم قال".
(6/184)

أبدًا (1) .
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله البَرْزيّ -من أهل "بَرْزَةَ" من غوطة دمشق، وكان من الصالحين يصوم [يوم] (2) الاثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين -فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن زيد: أنه سأله عن سبب عَوَره، فامتنع عليه، فألح عليه شهورًا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن وادٍ بها، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامر وأوقدا فيها بخورًا كثيرًا، حتى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يَعْزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار. فاستبشرا بها عظيما، وقالا الحمد لله الذي لم يُخَيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، أنظر ما تحتها كما تُري المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلا فسرت معهما وهما يحدثان، حتى إذا بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا. فلم أزل كذلك ملقى مكتوفًا، حتى مر بي نفر ففَكَّ وَثَاقي. فهذا ما كان من خبر عيني (3) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدثنا عَبّاد بن مَيْسَرة المِنْقَرِيّ، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان عليه السلام: عنبر.
وقال محمد بن إسحاق: كان سليمان، عليه السلام، إذا غدا إلى مجلسه الذي كان يجلس فيه: تفقد الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نُوَبٌ من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلّها من حَضَره إلا الهدهد، { فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟.
وقوله: { لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } : قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد، عن ابن عباس: يعني نتف ريشه.
وقال عبد الله بن شداد: نتف ريشه وتشميسه. وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتف ريشه، وتركه مُلْقًى يأكله الذر والنمل.
وقوله: { أَوْ لأذْبَحَنَّهُ } يعني: قتله ، { أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: بعذر واضح بين.
وقال سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قال له الطير: ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ فقالوا: نعم، قال: { لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } فقال: نجوت إذًا.
__________
(1) رواه الحاكم في المستدرك (2/405) من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير بنحوه.
(2) زيادة من ف.
(3) تاريخ دمشق (19/130 "المخطوط").
(6/185)

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)
قال مجاهد: إنما دفع [الله] (1) عنه ببره بأمه (2) .
{ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) }
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "أمه".
(6/186)

إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
{ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) }
يقول تعالى: { فَمَكَثَ } الهدهد { غَيْرَ بَعِيدٍ } أي: غاب زمانًا يسيرًا، ثم جاء فقال لسليمان: { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك ، { وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } أي: بخبر صدق حق يقين.
وسبأ: هم: حِمْير، وهم ملوك اليمن.
ثم قال: { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } ، قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شَرَاحيل ملكة سبأ.
وقال قتادة: كانت أمها جنية، وكان مُؤخَّر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة.
وقال زهير بن محمد: وهي بلقيس بنت شَرَاحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية.
وقال ابن جُرَيْج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها يلتقة.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان -يعني ابن عيينة -عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان مع صاحبة (1) سليمان ألف قَيْل، تحت كل قيل مائة ألف [مقاتل] (2) .
وقال الأعمش، عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قَيْل، تحت كل قيل: مائة ألف مقاتل.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا (3) مَعْمَر، عن قتادة في قوله: { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } : كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. وكانت بأرض يقال لها مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء.
وهذا القول هو أقرب، على أنه كثير على مملكة اليمن، والله أعلم.
وقوله: { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي: من متاع الدنيا ما (4) يحتاج إليه الملك المتمكن ، { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }
__________
(1) في ف: "كان لصاحبه".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ف: "عن".
(4) في ف: "مما".
(6/186)

يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ.
قال زهير بن محمد: كان من ذهب صفحتاه، مرمول بالياقوت والزبرجد. [طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا.
وقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد] (1) واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها النساء، لها ستمائة امرأة تلي الخدمة (2) .
قال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه (3) ، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساءً؛ ولهذا قال: { وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } أي: عن طريق الحق، { فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ } .
وقوله: { أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ } [معناه: { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ } ] (4) أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [فصلت: 37].
وقرأ بعض القراء: "ألا يا اسجدوا لله" جعلها "ألا" الاستفتاحية، و"يا" للنداء، وحذف المنادى، تقديره عنده: "ألا يا قوم، اسجدوا لله".
وقوله: { الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } : قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد.
وقال سعيد بن المسيب: الخَبْء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض: ما جعل فيها من الأرزاق: المطر من السماء، والنبات من الأرض.
وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عباس وغيره، من أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها.
وقوله: { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال. وهذا كقوله تعالى: { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } [الرعد: 10].
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "امرأة تليها".
(3) في ف: "من شرقية ومثلها من غربية".
(4) زيادة من ف، أ.
(6/187)

قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
وقوله: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه.
ولما كان الهدهد داعيا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد. وإسناده صحيح (1) .
{ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) } .
يخبر تعالى عن قيل سليمان، عليه السلام، للهدهد حين أخبره عن أهل سبأ وملكتهم: { قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } أي: أصدقت (2) في إخبارك هذا، { أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } في مقالتك، فتتخلص (3) من الوعيد الذي أوعدتك؟.
{ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } : وذلك أن سليمان، عليه السلام، كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها. وأعطاه لذلك الهدهد فحمله، قيل: في جناحه كما هي عادة الطير، وقيل: بمنقاره. وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كُوّة هنالك (4) بين يديها، ثم تولى ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرت مما رأت، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } تعني بكرمه: ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به (5) فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم.
{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .فعرفوا أنه من نبي الله سليمان، وأنه لا قبَل لهم به. وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوجازة والفصاحة، فإنه حَصّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قبل سليمان، عليه السلام.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره، حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن الفضل (6) أبو يعلى الحناط (7) ، حدثنا أبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] (8) أبي أمية، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني أعلم آية لم
__________
(1) لم أجده من حديث أبي هريرة إلا عند ابن ماجه في السنن برقم (3223) بلفظ: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد". وهو بهذا اللفظ من حديث ابن عباس في مسند الإمام أحمد ( 1/332) وسنن أبي داود برقم (5267) وسنن ابن ماجه برقم (3224) .
(2) في ف: "صدقت".
(3) في ف: "لتتخلص".
(4) في ف، أ: "هناك".
(5) في ف، أ: "جاء به".
(6) في أ: "المفضل".
(7) في ف، أ: "الخياط".
(8) زيادة من ف، أ.
(6/188)

قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
تنزل على نبي قبلي بعد سليمان بن داود" قال: قلت: يا رسول الله، أي آية؟ قال: "سأعلمكها قبل أن أخرج من المسجد". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسي، ثم التفت إلي وقال { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } (1) .
هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف.
وقال ميمون بن مِهْرَان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
وقوله: { أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ } : يقول (2) قتادة: لا تجيروا علي { وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا علي.
{ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } : قال ابن عباس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عُيَيْنَة: طائعين.
{ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) } .
لما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ } أي: حتى تحضرون وتشيرون.
{ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } أي: مَنوا إليها بعَدَدهم وعددهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: { وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ } أي: نحن ليس لنا عاقة [ولا بنا بأس، إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة] (3) عنه. وبعد هذا فالأمر (4) إليك، مري فينا برأيك (5) نمتثله ونطيعه.
قال الحسن البصري، رحمه الله: فوضوا أمرهم إلى عِلْجة تضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزم رأيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه (6) لا قبل لها بجنوده وجيوشه، وما سُخّر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إليّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا؛ ولهذا قالت: { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } .
__________
(1) ورواه أبو نعيم في تاريخ أصفهان (2/187) من طريق الحسين بن حفص عن أبي يوسف به.
(2) في ف: "قال".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في أ: "وبعدها فالأمر".
(5) في ف: "رأيك".
(6) في ف: "وأنها".
(6/189)

قال ابن عباس: أي إذا دخلوا بلدًا (1) عنْوَة أفسدوه، أي: خَرّبوه، { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر.
قال ابن عباس: قالت بلقيس: { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } (2) ، قال الرب، عز وجل { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } . ثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والمخادعة والمصانعة، فقالت: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } أي: سأبعث إليه بهدية تليق به (3) وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خَرَاجا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقلها في إسلامها وفي شركها!! علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس.
وقال ابن عباس وغير واحد: قالت لقومها: إن قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.
__________
(1) في أ: "بلدة".
(2) في ف، أ: "أذلة وكذلك يفعلون".
(3) في ف: "بمثله".
(6/190)

فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)
{ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) } .
ذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت بلَبِنَة من ذهب. والصحيح أنها أرسلت [إليه] (1) بآنية من ذهب.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زي الغلمان، وغلمان في زي الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبي. قالوا: فأمرهم [سليمان] (2) عليه السلام، أن يتوضؤوا، فجعلت الجارية تُفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك.
وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن (3) يدها قبل ظاهرها، والغلام بالعكس.
وقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن (4) من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم.
وذكر بعضهم: أنها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتى عرقت، ثم ملأه من ذلك، وبخرزة وسلك ليجعله فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات. والظاهر أن سليمان، عليه السلام، لم ينظر إلى ما
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ف: "بطن".
(4) في ف: "يغسلن".
(6/190)

قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه، وقال منكرًا عليهم: { أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ } أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟! { فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ } أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود خير مما أنتم فيه ، { بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } أي: أنتم الذين (1) تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف.
قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، رضي الله عنه: أمر سليمان الشياطين فموهوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلها ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا. وفي هذا دلالة على جواز تهيؤ الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد.
{ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ } أي: بهديتهم، { فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } أي: لا طاقة لهم بقتالهم، { وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا } أي: من بلدهم، { أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } أي: مهانون مدحورون.
فلما رجعت إليها رسلُها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإسلام. ولما تحقق سليمان، عليه السلام، قدومهم عليه ووفودهم إليه، فرح (2) بذلك وسَرّه.
{ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) } .
قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد -والله -عرفتُ، ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكاثرته (3) شيئًا. وبعثت إليه: إني قادمة عليك بملوك قومي، لأنظر ما أمرك وما تدعونا إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه -وكان من ذهب مُفصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ -فجعل في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأبواب، ثم قالت لمن خَلفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك، وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، ولا يَرَينَّه أحد حتى آتيك. ثم شَخَصَت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قَيْل منهم ألوف كثيرة. فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتى إذا دَنت جمع مَنْ عنده من الجن والإنس، مِمَّنْ تحت يديه، فقال: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .
وقال قتادة: لما بلغ سليمان أنها جائية، وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب،
__________
(1) في أ: "الذي".
(2) في ف: "ففرح".
(3) في هـ: "بمكابرته" والمثبت من ف، أ، والطبري (19/100).
(6/191)

وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترًا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق (1) ، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبي الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .
وهكذا قال عطاء الخراساني، والسُّدِّي، وزُهير بن محمد: { قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } فتحرم علي أموالهم بإسلامهم.
{ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ } قال مجاهد: أي مارد من الجن.
قال شُعَيب الجبائي: وكان اسمه كوزن. وكذا قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان. وكذا قال أيضا وهب بن منبه.
قال أبو صالح: وكان كأنه جبل.
{ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ } قال ابن عباس: يعني: قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك، وقال السدي، وغيره: كان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام (2) من أول النهار إلى أن تَزول الشمس.
{ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } : قال ابن عباس: أي قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجوهر.
فقال سليمان، عليه السلام: أريد أعجل من ذلك. ومن هاهنا يظهر أن النبي سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله له من الملك، وسَخَّر له من الجنود، الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده. وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها؛ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يَقْدموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة. فلما قال سليمان: أريد أعجل من ذلك، { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ } قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان. وكذا رَوَى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: أنه آصف بن برخياء، وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم.
وقال قتادة: كان مؤمنا من الإنس، واسمه آصف. وكذا قال أبو صالح، والضحاك، وقتادة: إنه كان من الإنس -زاد قتادة: من بني إسرائيل.
وقال مجاهد: كان اسمه أسطوم.
وقال قتادة -في رواية عنه -: كان اسمه بليخا.
وقال زهير بن محمد: هو رجل من الأندلس (3) يقال له: ذو النور.
وزعم عبد الله بن لَهِيعة: أنه الخضر. وهو غريب جدًا.
وقوله: { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } أي: ارفع بصرك وانظر مُدّ بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك.
__________
(1) في ف: "معاليق".
(2) في ف، أ: "والطعام".
(3) في أ: "الإنس".
(6/192)

وقال وهب بن منبه: امدد بصرك، فلا يبلغ مداه حتى آتيك به.
فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ، ودعا الله عز وجل.
قال مجاهد: قال: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الزهري: قال: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهًا واحدًا، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها. قال: فتمثل له بين يديه.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزهير بن محمد، وغيرهم: لما دعا الله، عز وجل، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس -وكان في اليمن، وسليمان عليه السلام ببيت المقدس -غاب السرير، وغاص في الأرض، ثم نبع من بين يدي سليمان، عليه السلام.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، لم يشعر سليمان إلا وعرشها يحمل بين يديه. قال: وكان هذا الذي جاء به من عُبَّاد البحر، فلما عاين سليمان ومَلَؤه ذلك، ورآه مستقرًا عنده { قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي } أي: هذا من نعم الله علي { لِيَبْلُوَنِي } أي: ليختبرني، { أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } ، كقوله { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } [فصلت: 46]، وكقوله { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } [الروم: 44].
وقوله: { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } أي: هو غني عن العباد وعبادتهم ، { كَرِيمٌ } أي: كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة (1) إلى أحد، وهذا كما قال موسى: { إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ } [إبراهيم: 8].
وفي صحيح مسلم: "يقول الله تعالى: يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم [ثم أوفيكم إياها] (2) فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" (3) .
__________
(1) في أ: "تفتقر".
(2) زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.
(3) صحيح مسلم برقم (2577) من حديث أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه.
(6/193)

قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
{ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) }
لما جيء سليمان، عليه السلام، بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض صفاته، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنه عرشها أو أنه ليس به، فقال: { نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ } .
قال ابن عباس: نزع عنه فصوصه ومرافقه.
وقال مجاهد: أمر به فغير ما كان أحمر جعل أصفر، وما كان أصفر جعل أحمر: وما كان أخضر جعل أحمر، غَيَّر كل شيء عن حاله.
وقال عكرمة: زادوا فيه ونقصوا.
[وقال قتادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه ونقصوا] (1) .
{ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ } أي: عرض عليها عرشها، وقد غير ونُكِّر، وزيد فيه ونقص منه، فكان فيها ثبات وعقل، ولها لُب ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنه غيره، لما رأت من آثاره وصفاته، وإن غير وبدل ونكر، فقالت: { كَأَنَّهُ هُوَ } أي: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الذكاء والحزم.
وقوله: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } : قال مجاهد: سليمان يقوله.
وقوله: { وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } : هذا من تمام كلام سليمان، عليه السلام -في قول مجاهد، وسعيد بن جبير، رحمهما الله -أي: قال سليمان: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } ، وهي كانت قد صدها، أي: منعها من عبادة الله وحده. { مَا (2) كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } . وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد حَسَنٌ (3) ، وقاله ابن جرير أيضا.
ثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون في قوله: { وَصَدَّهَا } ضمير يعود إلى سليمان، أو إلى الله، عز وجل، تقديره: ومنعها { مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: صدَّها عن عبادة غير الله { إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } .
قلت: ويؤيد قول مجاهد: أنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح، كما سيأتي.
وقوله: { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا } وذلك أن سليمان، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرًا عظيما من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه. واختلفوا في السبب الذي دعا
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "بل" وهو خطأ.
(3) في أ: "سعيد بن جبير أيضا".
(6/194)

سليمان، عليه السلام، إلى (1) اتخاذه، فقيل: إنه لما عزم على تزويجها واصطفائها لنفسه؛ ذكر له جمالها وحسنها، ولكن في ساقيها هُلْبٌ (2) عظيم، ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابة. فساءه ذلك، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؟ -هذا قول محمد بن كعب القُرَظي، وغيره -فلما دخلت وكشفت عن ساقيها، رأى أحسن الناس وأحسنه قدمًا، ولكن رأى على رجليها شعرًا؛ لأنها ملكة ليس لها بعل (3) فأحب أن يذهب ذلك عنها فقيل لها: الموسى؟ فقالت: لا أستطيع ذلك. وكره سليمان ذلك، وقال (4) للجن: اصنعوا شيئًا غير الموسى يذهب به هذا الشعر، فصنعوا له النُوْرَةَ. وكان أول من اتخذت له النّورَة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جُرَيْج، وغيرهم.
وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان: ثم قال لها: ادخلي الصرح، ليريها مُلْكًا هو أعزّ من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك أنه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح مُمَرّد من قوارير. فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله وعاتبها في عبادتها الشمس (5) من دون الله.
وقال الحسن البصري: لما رأت العلْجَةُ الصرح عرفت -والله -أن قد رأت ملكًا أعظم من ملكها.
وقال محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج، كأنه الماء بياضا. ثم أرسل الماء تحته، ثم وضع له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ثم قال: ادخلي الصرح، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها { فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا } ، لا تشك أنه ماء تخوضه، قيل لها: { إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ } ، فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله، عز وجل، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله. فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدًا إعظاما لما قالت، وسجد معه الناس، فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع سليمان رأسه قال: ويحك! ماذا قلت؟ -قال: (6) وأنسيت ما قالت (7) فقالت: { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ، فأسلمت وحسن إسلامها.
وقد روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في هذا أثرًا غريبا عن ابن عباس، قال: (8) حدثنا الحسين بن علي، عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدثنا مجاهد، ونحن في الأزد -قال: حدثنا ابن عباس قال: كان سليمان، عليه السلام، يجلس على سريره، ثم تُوضَعُ كراسي حوله، فيجلس عليها الإنس، ثم يجلس (9) الجن، ثم الشياطين، ثم تأتي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم
__________
(1) في ف: "في".
(2) في أ: "هلف".
(3) في ف، أ: "زوج".
(4) في ف: "وقال سليمان".
(5) في ف، أ: "الشيطان".
(6) في ف: "قالت".
(7) في ف: "ما قلت".
(8) في ف: فقال.
(9) في ف: "تجلس".
(6/195)

يغدون قدر ما يشتهي الراكب أن ينزل شهرًا ورواحها شهرًا، قال: فبينما هو ذات يوم في مسير له، إذ تفقد الطير ففقد الهدهد فقال: (1) { مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، قال: فكان عذابه إياه أن ينتفه، ثم يلقيه في الأرض، فلا يمتنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض.
قال عطاء : وذكر سعيد بن جُبَير عن ابن عباس مثل حديث مجاهد { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } -فقرأ حتى انتهى إلى قوله -{ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا } وكتب { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، إلى بلقيس: { أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } ، فلما ألقى الهدهد بالكتاب (2) إليها، ألقي في رُوعها: إنه كتاب كريم، وإنه من سليمان، وأن لا تعلوا علي وأتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال، ارجع إليهم. فلما نظر إلى الغبار -أخبرنا ابن عباس قال: وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومَنْ معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة، قال عطاء: ومجاهد حينئذ في الأزد -قال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين، { قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ } . قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس، كما يجلس الأمراء ثم يقوم -قال: (3) { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ } . قال سليمان: أريد أعجل من ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. قال: [فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره] (4) ، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان، من تحت كرسي كان سليمان يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير. قال: فلما رأى سليمان عرشها [مستقرًا عنده] (5) قال: { هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي } ، { قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا } ، فلما جاءت قيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. قال: فسألته عن أمرين، قالت لسليمان: أريد ماء [من زبد رواء] (6) ليس من أرض ولا من سماء -وكان سليمان إذا سئل عن شيء، سأل الإنس ثم الجن ثم الشياطين. [قال] (7) فقالت الشياطين: هذا هين، أجْرِ الخيلَ ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية. قال: فأمر بالخيل (8) فأجريت، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية. قال: وسألت عن لون الله عز وجل. قال: فوثب سليمان عن سريره، فخر ساجدًا، فقال: يا رب، لقد سألَتْني عن أمر إنه يتكايد (9) ، أي: يتعاظم في قلبي أن أذكره لك. قال: ارجع فقد كَفَيتكهم، قال: فرجع إلى سريره فقال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء. فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء. قال: ونَسوه كلّهم. قال: وقالت الشياطين لسُلَيمان: تُريدُ أن تتخذها لنفسك (10) ، فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد، لم ننفك من عبوديته. قال: فجعلوا صرحًا ممردًا من قوارير، فيه السمك. قال: فقيل لها:
__________
(1) في ف: "قال وتفقد الهدهد قال".
(2) في ف، أ: "هذا الكتاب".
(3) في ف، أ: "فقال".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) زيادة من ف، أ.
(6) زيادة من ف.
(7) زيادة من ف.
(8) في ف: "أمر الخيل".
(9) في ف، أ: "ليتكابر".
(10) في ف، أ: "يريد أن يتخذها لنفسه".
(6/196)

ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، فإذا هي شَعْرَاء. فقال سليمان: هذا قبيح، ما يذهبه؟ فقالوا: تذهبه (1) المواسي. فقال: أثر الموسى (2) قبيح! قال: فجعلت الشياطين النورَة. قال: فهو أول من جُعلت له النورة.
ثم قال أبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث.
قلت: بل هو منكر غريب جدًا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب -سامحهما الله تعالى -فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد (3) والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنانا الله، سبحانه، عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة.
أصل الصرح في كلام العرب: هو القصر، وكل بناء مرتفع، قال الله، سبحانه وتعالى، إخبارًا عن فرعون -لعنه الله -أنه قال لوزيره هامان { ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } الآية [غافر:36 ، 37]. والصرح: قصر في اليمن عالي البناء، والممرد أي: المبنى بناء محكما أملس { مِنْ قَوَارِيرَ } أي: زجاج. وتمريد البناء تمليسه. ومارد: حصن بدومة الجندل.
والغرض أن سليمان، عليه السلام، اتخذ قصرا عظيما منيفا من زجاج لهذه الملكة؛ ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله، تعالى، وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله (4) وعَرَفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، فأسلمت لله، عز وجل، وقالت: { رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها الشمس (5) من دون الله، { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله (6) وحده، لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا .
__________
(1) في ف، أ:"يذهبه".
(2) في أ: "المواسي".
(3) في أ: "النوادر".
(4) في أ: "لأوامر الله".
(5) في ف: "للشمس".
(6) في ف: "في عبادة الله".
(6/197)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) }
يخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح، عليه السلام، حين بعثه الله إليهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } قال مجاهد: مؤمن وكافر -كقوله تعالى: { قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [الأعراف: 75، 76].
(6/197)

وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)
{ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ } ، أي: لم تدعون بحضور العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟ ولهذا قال: { لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } أي: ما رأينا على وجهك ووجوه مَنْ اتبعك خيرا. وذلك أنهم -لشقائهم -كان لا يصيب أحدًا منهم سوءٌ إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه.
قال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن قوم فرعون: { فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ } [الأعراف: 131]. وقال تعالى: { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } [النساء: 78] أي: بقضاء الله وقدره (1) . وقال مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: { قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ } [يس: 18، 19]. وقال هؤلاء: { اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ } أي: الله يجازيكم على ذلك { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية.
والظاهر أن المراد بقوله: { تُفْتَنُونَ } أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال.
{ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) } .
يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلالة والكفر وتكذيب صالح، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضًا، بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيْلَة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به، من أنهم لم يشاهدوا ذلك، فقال تعالى: { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ } أي: مدينة ثمود، { تِسْعَةُ رَهْطٍ } أي: تسعة نفر، { يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود؛ لأنهم كانوا كبراء فيهم ورؤساءهم.
قال العَوْفي، عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة، أي: الذي صدر ذلك عن آرائهم ومشورتهم -قبحهم الله ولعنهم -وقد فعل ذلك.
وقال السُّدِّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: دعمى، ودعيم،
__________
(1) في ف، أ: "بقدر الله وقضائه".
(6/198)

وهرما، وهريم، وداب، وصواب، ورياب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة، أي: الذي باشر ذلك بيده. قال الله تعالى: { فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ } [القمر: 29]، وقال تعالى { إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } [الشمس: 12].
وقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء -هو ابن أبي رباح -يقول: { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } قال: كانوا يقرضون الدراهم (1) ، يعني: أنهم كانوا يأخذون منها، وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددًا، كما كان العرب يتعاملون.
وقال الإمام مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قَطْع الذهب والورق من الفساد في الأرض (2) .
وفي الحديث -الذي رواه أبو داود وغيره -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (3) .
والغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة، كان من صفاتهم الإفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة وغير ذلك.
وقوله: { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } أي: تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح، عليه السلام، من لقيه ليلا غيلة. فكادهم الله، وجعل الدائرة عليهم.
قال مجاهد: تقاسموا وتحالفوا (4) على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين.
وقال قتادة: توافقوا على أن يأخذوه ليلا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم مَعَانيق إلى صالح ليفتكوا به، إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة، قالوا حين عقروها: نُبَيِّت صالحا [وأهله] (5) وقومه فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئا، وما لنا به من علم. فدمرهم الله أجمعين.
وقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعدما عقروا الناقة: هَلُم فلنقتل صالحًا، فإن كان صادقًا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا كنا قد ألحقناه بناقته! فأتوه ليلا ليبيِّتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطؤوا على أصحابهم، أتوا مَنزل صالح، فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه، ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدًا، وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، فإن كان صادقًا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبًا، وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.
__________
(1) تفسير عبد الرزاق (2/70).
(2) الموطأ (2/635).
(3) سنن أبي داود برقم (3449).
(4) في ف: "تحالفوا".
(5) زيادة من أ.
(6/199)

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة وقال لهم صالح: { تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } [هود: 65] ، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحجْر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف، أي: غار هناك ليلا فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه (1) ، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم. فبعث الله صخرة من الهضَب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم فتبادروا (2) فانطبقت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم. فعذب الله هؤلاء هاهنا، وهؤلاء هاهنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه، ثم قرأ: { وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } أي: فارغة ليس فيها أحد { بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } .
{ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) }
__________
(1) في ف، أ: "فقلناه".
(2) في ف، أ: "فبادروا".
(6/200)

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)
{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) } .
يخبر تعالى عن عبده لوط عليه السلام، أنه أنذر قومه نقمة الله بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء -قال (1) { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } أي: يرى بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر؟
{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } أي: لا تعرفون شيئًا لا طبعًا ولا شرعًا، كما قال في الآية الأخرى: { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } [الشعراء: 165، 166].
{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } أي: يتحرجون (2) من فعل ما تفعلونه، ومن إقراركم على صنيعكم، فأخرجوهم من بين أظهركم فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم. فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها.
قال الله تعالى: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ } أي: من الهالكين مع قومها؛ لأنها كانت ردءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت (3) تدل قومها على ضيفان لوط، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش (4) تكرمة لنبي الله صلى الله عليه وسلم (5) لا كرامة لها (6) .
__________
(1) في ف: "فقال".
(2) في أ: "يخرجون".
(3) في ف: "وكانت".
(4) في أ: "الفاحشة".
(5) في ف: "صلوات الله عليه وسلامه".
(6) في أ: "بها".
(6/200)

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60)
وقوله: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } أي: حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد؛ ولهذا قال: { فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } أي: الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه، وَهمُّوا بإخراجه من بينهم.
{ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ (59) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) } .
يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } أي: على نعَمه على عباده، من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العُلى والأسماء الحسنى، وأن يُسَلِّم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام، عليهم من الله الصلاة والسلام، هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى: هم الأنبياء، قال: وهو كقوله تعالى: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الصافات: 180 -182].
وقال الثوري، والسدي: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رضي [الله] (1) عنهم أجمعين، وروي نحوه عن ابن عباس.
ولا منافاة، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ما ذكر لهم (2) ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع (3) أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.
وقد قال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صَبِيح، حدثنا طَلْق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظُهَيْر، عن السدي -إن شاء الله -عن أبي مالك، عن ابن عباس: { وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى } قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه، رضي الله عنهم (4) .
وقوله: { آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ } : استفهام إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى.
ثم شرع تعالى يبين (5) أنه المنفرد بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال: { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ } أي: تلك السموات بارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة، والأرض باستفالها وكثافتها، وما جعل فيها من الجبال والأوعار والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والثمار والبحور (6) والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "بعد ذكره لهم".
(3) في ف: "جميل".
(4) مسند البزار برقم (2243) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/87): "وفيه الحكم بن ظهير، وهو متروك".
(5) في ف: "شرع يبين تعالى".
(6) في ف: "والبحار".
(6/201)

وقوله: { وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } أي: جعله رزقا للعباد، { فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ } أي: بساتين { ذَاتَ بَهْجَةٍ } أي: منظر حسن وشكل بهي، { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا } أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق، المستقل بذلك المتفرد به، دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف (1) به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [الزخرف: 87]، { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [العنكبوت: 63] أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا يرزق، وإنما يستحق أن يُفرَدَ بالعبادة مَن هو المتفرد بالخلق والرزق؛ ولهذا قال: { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } أي: أإله مع الله يعبد. وقد تبين لكم، ولكل ذي لب مما يعرفون (2) به أيضًا أنه الخالق الرازق.
ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } [أي: أإله مع الله] (3) فعل هذا. وهو يرجع إلى معنى الأول؛ لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمَّ أحدٌ فعل هذا معه، بل هو المتفرد به. فيقال: فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال: { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ } [النحل: 17].
وقوله هاهنا: { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ } : { أمن } في هذه الآيات [كلها] (4) تقديره: أمن يفعل هذه الأشياء كَمَنْ لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلى ذلك، وقد قال: { آلله خير أما يشركون } .
ثم قال في آخر الآية: { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } أي: يجعلون لله عدلا ونظيرًا. وهكذا قال تعالى: { أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] أي: أمن هو هكذا كَمَنْ ليس كذلك؟ ولهذا قال: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ } [الزمر: 9] ، { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } [الزمر: 22] ، وقال { أَفَمَنْ (5) هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [الرعد: 33] أي: أمَنْ هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره، كَمَنْ هو لا يعلم ولا يسمع ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها؟ ولهذا قال: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ } [الرعد: 33]، وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها.
__________
(1) في ف: "كما يعرف".
(2) في ف، أ: "يعترفون".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في جميع النسخ: "أمن" والصواب ما أثبتناه.
(6/202)

أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)
{ أَمْ مَنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) } .
يقول: { أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا } أي: قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطًا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك، كما قال في الآية الأخرى: { اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } [غافر: 64].
{ وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا } أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة تشقها في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالا بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم حيث ذرأهم في أرجاء الأرض، سَيَّرَ لهم (1) أرزاقهم بحسب ما يحتاجون إليه، { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } أي: جبالا شامخة ترسي الأرض وتثبتها؛ لئلا تميد بكم { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا } أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة (2) حاجزًا، أي: مانعًا يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بهذا وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس. والمقصود منها: أن تكون عذبة زلالا تسقى الحيوان والنبات والثمار منها. والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها: أن يكون ماؤها ملحًا أجاجًا، لئلا يفسد الهواء بريحها، كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا } [الفرقان: 53]؛ ولهذا قال: { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } أي: فعل هذا؟ أو يعبد على (3) القول الأول والآخر؟ وكلاهما متلازم صحيح، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أي: في عبادتهم غيره.
{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (62) } .
ينبه تعالى أنه هو المدعُوّ عند الشدائد، المرجُوّ عند النوازل، كما قال: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ } [الإسراء: 67]، وقال تعالى: { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } [النحل: 53]. وهكذا قال هاهنا: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } أي: مَنْ هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وُهَيْب، حدثنا خالد الحَذّاء، عن أبي تميمة الهُجَيْمي، عن رجل من بلهجيم قال: قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: "أدعو إلى الله وحده، الذي إن مَسّك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضْلَلْت بأرض قَفْر فدعوتَه رَدّ عليك، والذي إن أصابتك سَنة فدعوتَه أنبتَ لك". قال: قلت: أوصني. قال: "لا تَسُبَّنَّ أحدًا، ولا تَزْهَدنّ في المعروف، ولو أن تلقى أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تُفرغَ من دَلوك في إناء المستقي،
__________
(1) في أ: "إليهم".
(2) في ف، أ: "والملحة".
(3) في ف، أ: "أو بعد هذا".
(6/203)

واتزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، [وإن الله -تبارك تعالى -لا يحب المخيلة] (1) (2) .
وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا يونس -هو ابن عبيد -حدثنا عبيدة الهُجَيْمي (3) عن أبي تَميمَةَ الهُجَيْمي، عن جابر بن سُلَيم الهُجَيمي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُحْتَبٍ بِشَمْلَة، وقد وقع هُدْبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد -أو: رسول الله؟ -فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله، أنا من أهل البادية، وفِيَّ جفاؤهم، فأوصني. فقال: "لا تحقرَنّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك مُنْبَسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن امرؤ شَتَمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزْرُه. وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المَخيلَة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تَسُبَّنّ أحدًا". قال: فما سببت بعده أحدًا، ولا شاة ولا بعيرًا (4) .
وقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقا، وعندهما طرف صالح منه (5) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم (6) حدثنا عبدَةَ بن نوح، عن عمر بن الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل عليَّ طاوس يعودني، فقلت (7) له: ادع الله لي يا أبا عبد الرحمن. فقال: ادع لنفسك، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
وقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول: إن الله يقول: بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن (8) فيهن، والأرض بمن فيها، فإني (9) أجعل له من بين ذلك مخرجًا. ومن لم يعتصم بي فإني (10) أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فأكله إلى نفسه.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل -حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدّينَوَري، المعروف بالدّقّيِّ الصوفي -قال هذا الرجل (11) : كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزّبَدَاني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه، فإنها أقرب. فقلت: لا خبرَةَ لي فيها، فقال: بل هي أقرب. فسلكناها فانتهينا إلى مكان وَعْر وواد عميق، وفيه قتلى كثير، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل. فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكينا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه. فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين؟ فقال: [صل] (12) وعجل. فقمت أصلي فَأرْتِج
__________
(1) زيادة من ف، أ، والمسند.
(2) المسند (5/64).
(3) في هـ، ف، أ: "الهجيمي عن أبيه".
(4) المسند (5/63).
(5) سنن أبي داود برقم (4084) والنسائي في السنن الكبرى برقم (1049-1052).
(6) في أ: "هشام".
(7) في ف، أ: "قال".
(8) في ف: "بمن".
(9) في ف: "أن" ، وفي أ: "أي".
(10) في ف: "فإنه".
(11) في ف: "بالرجل".
(12) زيادة من ف.
(6/204)

عليَّ القرآن فلم يَحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه. افرُغ. فأجرى الله على لساني قوله تعالى: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } ، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده، فخر صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله مَنْ أنت؟ فقال: أنا رسول[الله] (1) الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالما.
وذكر في ترجمة "فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية" قالت: هزم الكفار يوما المسلمين في غزاة، فوقف جَوَاد جَيّد بصاحبه، وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك. إنما كنت أعدّك لمثل هذا اليوم. فقال له الجواد: وما لي لا أقصّر وأنت تَكلُ علوفتي إلى السّواس فيظلمونني ولا يطعمونني (2) إلا القليل؟ فقال: لك عليَّ عهد الله أني لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حِجْري. فجرى الجواد عند ذلك، ونجَّى صاحبه، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حِجْره، واشتهر أمره بين الناس، وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك، وبلغ ملك الروم أمرُه، فقال: ما تُضَام (3) بلدة يكون هذا الرجل فيها. واحتال ليحصّله في بلده، فبعث إليه رجلا من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حَسُنت نيته في الإسلام وقومه، حتى استوثق، ثم خرجا يوما يمشيان على جنب الساحل، وقد واعد شخصا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه رَفَع طرفه إلى السماء وقال: اللهم، إنه إنما خَدَعني بك فاكفنيهما بما شئت، قال: فخرج سبعان إليهما فأخذاهما، ورجع الرجل سالما (4) .
وقوله تعالى: { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } أي: يُخْلفُ قَرنا لقرن قبلهم وخَلَفًا لسلف، كما قال تعالى: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } [الأنعام: 133]، وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } [الأنعام: 165] ، وقال تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة: 30]، أي: قومًا يخلف بعضهم بعضا كما قدمنا تقريره. وهكذا هذه الآية: { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } أي: أمة بعد أمة، وجيلا بعد جيل، وقومًا بعد قوم. ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضَهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم (5) كلهم أجمعين، كما خلق آدم من تراب. ولو شاء أن يجعلهم بعضهم من ذرية بعض (6) ولكن لا يميت أحدا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض (7) وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض. ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم يكثرهم غاية الكثرة، ويذرأهم في الأرض، ويجعلهم قرونا بعد قرون، وأمما بعد أمم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البَرية، كما قدر ذلك تبارك وتعالى، وكما أحصاهم وعَدّهم عَدًا، ثم يقيم (8) القيامة، ويُوفي كلّ عامل عمله إذا بلغ الكتاب
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف، أ: "فيظلموني ولا يطعموني".
(3) في ف، أ: "ما نظام".
(4) تاريخ دمشق (19/489 "المخطوط").
(5) في أ: "لجعلهم".
(6) في ف، أ: "من ذرية بعضهم بعضا".
(7) في ف: "تضيق الأرض عليهم".
(8) في ف: "يوم".
(6/205)

أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63)
أجله؛ ولهذا قال تعالى: { أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } أي: يقدر على ذلك، أو إله مع الله يُعْبد، وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك { قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } (1) أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.
{ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) } .
يقول: { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } أي: بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال: { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [النحل: 16] ، وقال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } الآية [الأنعام: 97].
{ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
__________
(1) في ف، أ: "ما تذكرون".
(6/206)

أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)
{ أَمَّنْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) } .
أي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ (1) الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } [البروج: 12، 13]، وقال { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم: 27].
{ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي: بما ينزل من مطر السماء، وينبت من بركات الأرض، كما قال: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ . وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } [الطارق: 11 ، 12]، وقال { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } [الحديد: 4] ، فهو، تبارك وتعالى، ينزل من السماء ماء مباركًا فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به [منها] (2) أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى ، { كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى } [طه: 54] ؛ ولهذا قال: { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } أي: فعل هذا. وعلى القول الآخر: يعبد؟ { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } على صحة ما تدعونه (3) من عبادة آلهة أخرى ، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان، كما قال [الله] : (4) { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } [المؤمنون: 117].
__________
(1) في ف، أ: "بدأ".
(2) زيادة من ف.
(3) في أ: "من يدعونه".
(4) زيادة من أ.
(6/206)

قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)
{ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) } .
يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلمًا لجميع الخلق: أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب. وقوله: { إِلا اللَّهَ } استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله، عز وجل، فإنه المنفرد بذلك وحده، لا شريك له، كما قال: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ } الآية [الأنعام: 59]، وقال: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [لقمان: 34]، والآيات في هذا كثيرة.
وقوله: { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة، كما قال: { ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً } [الأعراف: 187]، أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجَعْد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: مَنْ زعم أنه يعلم -يعني النبي صلى الله عليه وسلم -ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفِرْية؛ لأن الله تعالى يقول: { لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ } (1) .
وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصلات (2) : جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا [للشياطين] (3) ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه وتكلَّف ما لا علم له به. وإن ناسًا جَهَلَة بأمر الله، قد (4) أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعْرَس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومَنْ سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومَنْ ولد بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والدميم، وما علْمُ هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب! وقضى الله: أنه لا يعلم مَنْ في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون.
رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جليل متين صحيح.
وقوله: { بَلِ ادَّارَكَ (5) عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } أي: انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها.
وقرأ آخرون: "بل أدرك (6) علمهم" ، أي: تساوى علمهم في ذلك، كما في الصحيح لمسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل -وقد سأله عن وقت الساعة -ما المسؤول عنها بأعلم من السائل (7) أي: تساوى في العجز عن دَرْك ذلك علم المسؤول والسائل.
__________
(1) أصله في الصحيحين لكن فيهما الشاهد قوله تعالى: (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) بدل هذه الآية: (قل لا يعلم من في السموات).
(2) في ف، أ: "خصال".
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف، أ: "فقد".
(5) في أ: "أدرك".
(6) في أ: "ادارك".
(7) صحيح مسلم برقم (8).
(6/207)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70)
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { بَلِ ادَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَة } أي: غاب.
وقال قتادة: { بَلِ ادَّارَكَ (1) عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ } يعني: يُجَهِّلهم (2) ربهم، يقول: لم ينفذ (3) لهم إلى الآخرة علم، هذا قول.
وقال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: "بل أدرك علمهم في الآخرة" حين لم ينفع العلم، وبه قال عطاء الخراساني، والسدي: أن علمهم إنما يُدرك ويكمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: { أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } [مريم: 38].
وقال سفيان، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنه كان يقرأ: "بل أدرك علمهم" قال: اضمحل علمهم في الدنيا، حين عاينوا الآخرة.
وقوله: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } عائد على الجنس، والمراد الكافرون، كما قال تعالى: { وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا } [الكهف: 48] أي: الكافرون منكم. (4) وهكذا قال هاهنا: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } أي: شاكُّون في وجودها ووقوعها، { بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ } أي: في عمَاية وجهل كبير في أمرها وشأنها.
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) } .
يقول تعالى مخبرًا عن منكري البعث من المشركين: أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظامًا ورفاتًا وترابًا، ثم قال: { لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ } أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعًا.
وقولهم: { إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } : يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان، { إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي: أخذه (5) قوم عَمَّن قبلهم، مَنْ قبلهم (6) يتلقاه بعض عن بعض، وليس له حقيقة.
قال الله تعالى مجيبًا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: { قُلْ } -يا محمد -لهؤلاء: { سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } أي: المكذِّبين بالرسل وما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نقَمُ الله وعذابه ونكاله، ونجَّى الله من بينهم رسله الكرام وَمَنْ اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته.
ثم قال تعالى مسليًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه: { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي: المكذبين بما جئت به، ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، { وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } أي:
__________
(1) في أ: "أدرك".
(2) في أ: "بجهلهم".
(3) في ف: "يتقدم".
(4) في ف، أ: "منهم".
(5) في ف: "يأخذه" وفي أ: "أخذ".
(6) في أ: "كتبهم".
(6/208)

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)
في كيدك ورَدّ ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهرٌ دينك على مَنْ خالفه وعانده في المشارق والمغارب.
{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) }
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } قال الله مجيبًا لهم: { قُلْ } يا محمد { عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } . [قال ابن عباس أن يكون قرب -أو: أن يقرب -لكم بعض الذي تستعجلون] (1) . وهكذا (2) قال مجاهد، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي.
وهذا هو المراد بقوله تعالى: { وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } [الإسراء: 51]، وقال تعالى { يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } [العنكبوت: 54] .
وإنما دخلت "اللام" في قوله: { رَدِفَ لَكُمْ } ؛ لأنه ضُمن معنى "عَجِل لكم" كما قال مجاهد في رواية عنه: { عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ } : عجل لكم.
ثم قال الله تعالى: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } أي: في إسباغه نعمَه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } [الرعد: 10]، { يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [طه: 7] ، { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } [هود: 5].
ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة -وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه -فقال: { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ } قال ابن عباس: يعني: وما من شيء، { فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } وهذا كقوله تعالى: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [الحج: 70].
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "وعنده".
(6/209)

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)
{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) }
(6/210)

وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)
{ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) } .
يقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان (1) : إنه يقص على بني إسرائيل -وهم حملة التوراة والإنجيل -{ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غَلَوا، فجاء [إليهم] (2) القرآن بالقول الوسط الحق العدل: أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليه [أفضل] (3) الصلاة والسلام، كما قال تعالى: { ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } [مريم: 34].
وقوله: { وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: هدى لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم في العمليات.
ثم قال: { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ } أي: يوم القيامة ، { بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ } في انتقامه ، { الْعَلِيمُ } بأفعال عباده وأقوالهم.
{ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } أي: في أمورك، وبَلّغ رسالة ربك ، { إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك مَنْ خالفك، مِمَّنْ كتبت (4) عليه الشقاوة وحَقَّت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية؛ ولهذا قال: { إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } أي: لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وَقْر الكفر؛ ولهذا قال: { إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } [أي] (5) : إنما يستجيب لك مَنْ هو سميع بصير، السمع والبصر النافعُ في القلب والبصيرة الخاضع لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل، عليهم السلام.
{ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ (82) } .
هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتَرْكِهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض -قيل: من مكة. وقيل: من غيرها. كما سيأتي تفصيله -فَتُكَلِّم الناس على ذلك.
قال ابن عباس، والحسن، وقتادة -ورُوي عن علي رضي الله عنه -: تكلمهم كلاما أي: تخاطبهم مخاطبة.
وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير. وفي هذا [القول] (6) نظر لا يخفى، والله أعلم.
__________
(1) في ف: "والبيان".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف، أ: "كتب".
(5) زيادة من ف، أ.
(6) زيادة من ف، أ.
(6/210)

وقال ابن عباس -في رواية -تجرحهم. وعنه رواية، قال: كلا (1) تفعل يعني هذا وهذا، وهو قولٌ حسن، ولا منافاة، والله أعلم.
وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثار كثيرة، فلنذكر ما تيسر منها، والله المستعان:
قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن فُرَات، عن أبي الطفيل، عن حُذَيفة بن أسيد الغفاري قال: أشرف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعر عدن تسوق -أو: تحشر -الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا" (2) .
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن، من طرق، عن فُرَات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حُذَيفة موقوفا (3) . وقال الترمذي: حسن صحيح (4) . ورواه مسلم أيضًا من حديث عبد العزيز بن رُفَيْع، عن أبي الطفيل، عنه مرفوعًا (5) (6) . والله أعلم.
طريق أخرى: قال أبو داود الطيالسي، عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم، فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عمَير الليثي: أن أبا الطفيل حدثه، عن حذَيفة بن أسيد الغفاري أبي سَريحَةَ، وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود -وحديث طلحة أتم وأحسن -قال: ذَكَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال: "لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خَرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني: مكة -ثم تكمن زمانًا طويلا ثم تخرج خَرْجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية" يعني: مكة. -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها: المسجد الحرام، لم يَرُعْهم إلا وهي تَرْغو (7) بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب. فارفض الناس عنها شتَّى ومعًا، وبقيت عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم فجَلَت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدرّي، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان، الآن تصلي؟
__________
(1) في ف: "كل".
(2) رواه الإمام أحمد في المسند (4/6) ولكن باختلاف في الألفاظ، وهذا اللفظ هو سياق حديث ابن مهدي عن سفيان وهو في المسند (4/7).
(3) في ف، أ: "به مرفوعا".
(4) صحيح مسلم برقم (2901) وسنن أبي داود برقم (4311) وسنن الترمذي برقم (2183) وسنن ابن ماجه برقم (4041).
(5) في ف، أ: "موقوفا".
(6) صحيح مسلم برقم (2901).
(7) في أ: "تربو".
(6/211)

فيقبل عليها فَتَسِمُهُ (1) في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر، اقضني حقي. وحتى إن الكافر ليقول: يا مؤمن، اقضني حقي" (2) .
ورواه ابن جرير من طريقين، عن حذيفة بن أُسَيْد موقوفًا (3) فالله أعلم. ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى بن مريم، وهو يطوف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح (4) .
حديث آخر: قال مسلم بن الحجاج: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي حَيَّان، عن أبي زُرْعَة، عن عبد الله بن عمرو قال: حَفظْتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا لم أنسه (5) بعد: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضُحى، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى (6) على أثرها قريبًا" (7) .
حديث آخر: روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب -مولى الحُرَقَة -عن أبيه: عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستا (8) : طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة" (9) . وله من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستا: الدجال، والدخان، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة وخُويّصة أحدكم" (10) .
حديث آخر: قال ابن ماجه: حدثنا حَرْمَلَة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عَمْرُو بن الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سِنَان بن سعد، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابة الأرض، والدجال، وخُوَيّصة أحدكم، وأمر العامة" . تفرد به (11) .
حديث آخر: قال أبو داود الطيالسي أيضا: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أوس (12) بن خالد، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، عليهما السلام، فتخطم أنف الكافر بالعصا، وتُجلي وجه المؤمن
__________
(1) في أ: "فتشمه".
(2) مسند الطيالسي برقم (1069).
(3) تفسير الطبري (20/10).
(4) تفسير الطبري (20/11).
(5) في ف: "لم أنساه".
(6) في ف: "والأخرى".
(7) صحيح مسلم برقم (2941).
(8) في ف، أ: "ستة".
(9) صحيح مسلم برقم (2947).
(10) صحيح مسلم برقم (2947).
(11) سنن ابن ماجه برقم (4056) وقال البوصيري في الزوائد (3/256): "هذا إسناد حسن، سنان بن سعد مختلف فيه وفي اسمه".
(12) في هـ، ف، أ: "أويس". والمثبت من المسند.
(6/212)

بالخاتم، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر".
ورواه الإمام أحمد، عن بَهْز وعفان ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، به (1) . وقال: "فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر".
ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد المؤدب، عن حماد بن سلمة، به (2) .
حديث آخر: قال ابن ماجه: حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو تُمَيْلة، حدثنا خالد بن عُبَيْد، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه قال: ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع بالبادية، قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تخرج الدابة من هذا الموضع. فإذا فِتْر في شبر".
قال ابن بُرَيدة: فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عصًا له، فإذا هو بعَصاي هذه (3) ، كذا وكذا (4) .
وقال عبد الرزاق عن مَعْمَر، عن قتادة؛ أن ابن عباس قال: هي دابةٌ ذات زَغَب، لها أربع قوائم، تخرج من بعض أودية تهامة (5) .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية قال: قال عبد الله: تخرج الدابة من صِدْع من الصفا كجَرْي الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها.
وقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح قال: سئل عبد الله بن عمرو عن الدابة، فقال: الدابة تخرج من تحت صخرة بجياد، والله لو كنت معهم -أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها. قيل: فتصنعُ ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال: تستقبل المشرق فتصرخ صرخة تنفُذُه، ثم تستقبل الشام فتصرخ (6) صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح (7) بعسفان. قيل: ثم ماذا؟ قال: لا أعلم.
وعن عبد الله بن عمر، أنه قال: تخرج الدابة ليلة جَمْع (8) . ورواه ابن أبي حاتم. وفي
__________
(1) مسند الطيالسي برقم (2564) والمسند (2/295) من حديث عفان ويزيد، و(2/291) من حديث بهز.
(2) سنن ابن ماجه برقم (4066).
(3) في ف، أ: "هذا".
(4) سنن ابن ماجه برقم (4067) وقال البوصيري في الزوائد (3/259) : "هذا إسناد ضعيف".
(5) تفسير عبد الرزاق (2/71).
(6) في أ: "ثم تصرخ".
(7) في أ: "فتضع".
(8) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (15/180) من طريق عبد الملك بن المغيرة، عن ابن البيلمان، عن ابن عمر قال: "تخرج الدابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى فتحملهم بين عجزها وذنبها فلا يبقى منافق إلا خطمته، قال: وتمسح المؤمن، قال: فيصبحون وهم أشر من الدجال".
(6/213)

إسناده ابن البيلمان (1) .
وعن وهب بن منبه: أنه حكى من كلام عُزَير، عليه السلام، أنه قال: وتخرج من تحت سدوم دابة تكلم الناس كل يسمعها، وتضع الحبالى قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجًا، ويتعادى الأخلاء، وتُحرَقُ الحكمة، ويُرفَعُ العلم، وتكلم الأرض التي تليها. وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعبون فيما لا ينالون، ويعملون فيما لا يأكلون. رواه ابن أبي حاتم، عنه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح -كاتب الليث -حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم: أنه سمع أبا هريرة، رضي الله عنه، يقول: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ (2) للراكب.
وقال ابن عباس: هي مثل الحربة الضخمة.
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: إنها دابة لها ريش وزغب وحافر، وما لها ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حُضْر الفرس الجواد ثلاثا، وما خرج ثلثها (3) . ورواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جُرَيْج، عن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيَّل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نَمر، وخاصرتها خاصرة هِرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا [عشر] (4) ذراعًا، تخرج معها عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نَكتَت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيضّ لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن، بكم ذا يا كافر؟ وحتى إنّ أهل البيت يجلسون على مائدتهم، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان، أبشر، أنت من أهل الجنة، ويا فلان، أنت من أهل النار. فذلك قول الله تعالى: { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ } (5) .
__________
(1) في ف: "البيلماني".
(2) في أ: "فرح".
(3) في ف، أ: "ثلثاها".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) وهذا من الإسرائيليات مما لا فائدة من ذكره، وأوصاف الدابة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.
(6/214)

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)
{ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) } .
يقول تعالى مخبرًا عن يوم القيامة، وحشر الظالمين المكذبين (1) بآيات الله ورسله إلى بين يدي الله، عز وجل، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا، وتصغيرًا وتحقيرًا فقال: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا } أي: من كل قوم وقرن (2) فوجًا، أي: جماعة ، { مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا } ، كما قال تعالى : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات: 22]، وقال تعالى { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } [التكوير: 7].
وقوله: { فَهُمْ يُوزَعُونَ } قال ابن عباس، رضي الله عنهما: يدفعون. وقال قتادة: وَزَعَةٌ ترد (3) أولهم على آخرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون.
{ حَتَّى إِذَا جَاءُوا } أي: أوقفوا بين يدي الله عز وجل، في مقام المساءلة، { قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: ويسألون (4) عن اعتقادهم، وأعمالهم فلما لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم: { فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى. وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [القيامة: 31، 32]، فحينئذ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به، كما قال تعالى: { هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } [المرسلات: 35، 37]، وهكذا قال هاهنا: { وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ } أي: بهتوا فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى (5) عليه خافية.
ثم قال تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم، وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاءوا به من الحق الذي لا مَحيد عنه، فقال { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ } أي: فيه ظلام تسكن (6) بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نَصَب التعب في نهارهم. { وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا } أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شؤونهم التي يحتاجون إليها، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
__________
(1) في ف، أ: "الظالمين مع المكذبين".
(2) في ف: "قرن وقوم".
(3) في ف، أ: "يرد".
(4) في ف: "فيسألون".
(5) في ف: "لا يخفى".
(6) في ف: "يسكن".
(6/215)

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)
{ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) }
(6/216)

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)
{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) } .
يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفَزَع في الصُّور، وهو كما جاء في الحديث: "قرن ينفخ فيه". وفي حديث(الصُّور) أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } ، وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون.
قال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عُبَيد الله (1) بن مُعاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم: سمعت يعقوب بن عاصم بن عُرْوَة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تَحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله -أو: لا إله إلا الله -أو كلمة نحوهما -لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يخرب البيت، ويكون ويكون. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين -[لا أدري أربعين] (2) يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا -فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه. ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم دخل في كبد جبل لدخَلَتْه (3) عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك (4) دار رزقهم، حسنٌ عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا [ورفع ليتا] (5) . قال: "وأول مَنْ يسمعه رجل يَلُوط حوض إبله". قال: "فَيَصْعَقُ ويَصعقُ الناس، ثم يرسل الله -أو قال: ينزل الله مطرًا كأنه الطَّل -أو قال: الظل -نعمان الشاك -فتنبت (6) منه أجساد الناس، ثم ينفَخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون. ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين". قال: "فذلك (7) يوم يجعل الولدان شيبا، وذلك يوم يكشف عن ساق" (8) .
وقوله (9) : ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا" الليت (10) : هو صفحة العنق، أي: أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا.
فهذه نفخة الفزع. ثم بعد ذلك نفخة الصعق، وهو الموت. ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق؛ ولهذا قال: { وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } -قُرئ بالمد، وبغيره (11) على الفعل، وكلٌ بمعنى واحد -و { دَاخِرِينَ } أي: صاغرين مطيعين، لا يتخلف أحد
__________
(1) في أ: "عبد الله".
(2) زيادة من ف، أ، وصحيح مسلم.
(3) في ف، أ: "لدخلت".
(4) في أ: "وهي في تلك".
(5) زيادة من ف، وصحيح مسلم. وفي أ: "أصغى ليثا ورفع ليثا".
(6) في ف: "فينبت".
(7) في أ: "فكذلك".
(8) صحيح مسلم برقم (2940).
(9) في ف، أ: "فقوله".
(10) في أ: "إلا أصغى ليثا ورفع ليثا الليث".
(11) في ف: "وغيره".
(6/216)

عن أمره، كما قال تعالى: { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } [الإسراء: 52] ، وقال { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } [الروم: 25]. وفي حديث الصور: أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح، فتوضع في ثقب (1) في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت (2) الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح، تتوهج أرواح المؤمنين نورًا، وأرواح الكافرين ظُلمة، فيقول الله، عز وجل: وعزتي وجلالي لترجعن كل روح (3) إلى جسدها. فتجيء الأرواح إلى أجسادها، فتدب فيها كما يَدب السم في اللديغ، ثم يقومون فينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى: { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } [المعارج: 43].
وقوله: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمر مر السحاب، أي: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: { يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا } [الطور: 9 ، 10] ، وقال { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } [طه: 105، 107]، وقال تعالى: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً } [الكهف: 47].
وقوله: { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كل ما خلق، وأودع فيه (4) من الحكمة ما أودع، { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه.
ثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } -قال قتادة: بالإخلاص. وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله -وقد بيَّن في المكان (5) الآخر (6) أن له عَشْر أمثالها { وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ } ، كما قال في الآية الأخرى: { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ } [الأنبياء: 103]، وقال : { أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } [فصلت: 40]، وقال : { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [سبأ: 37].
وقوله: { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } أي: مَنْ لقي الله مسيئًا لا حسنة له، أو: قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه (7) ؛ ولهذا قال: { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
وقال ابن مسعود وأبو هريرة وابن عباس، رضي الله عنهم، وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النَّخَعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسُّدِّي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، في قوله: { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } يعني: بالشرك.
__________
(1) في أ: "نقب".
(2) في أ: "ما نبتت".
(3) في ف: "كل ريح".
(4) في ف: "به".
(5) في أ: "الموضع".
(6) يشير ابن كثير - رحمه الله - إلى الآية: 160 من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون).
(7) في أ: "الحسنة".
(6/217)

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) } .
يقول تعالى مخبرًا رسوله وآمرًا له أن يقول: { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } ، كَمَا قَالَ : { قُلْ (1) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ } [يونس: 104] .
وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ . الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } [قريش: 3، 4].
وقوله: { الَّذِي حَرَّمَهَا } أي: الذي إنما صارت حرامًا قدرًا وشرعًا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضَد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لُقَطَتُه إلا لِمَنْ عرفها، ولا يختلى خلاها" الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع (2) ، كما هو مبين في موضعه من (3) كتاب الأحكام، ولله الحمد.
وقوله: { وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } : من باب عطف العام على الخاص، أي: هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه ، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له. ب
وقوله: { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ } أي: على الناس أبلغهم إياه، كقوله: { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ } [آل عمران: 58]، وكقوله: { نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [القصص: 3] أي: أنا مبلغ ومنذر، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ } أي: لي سوية الرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخَلَصُوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله، كقوله تعالى: { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } [الرعد: 40]، وقال: { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } [هود: 12].
{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } ، أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة
__________
(1) في هـ: "قال" والمثبت من ف، أ.
(2) صحيح البخاري برقم (1834) وصحيح مسلم برقم (1353) وسنن أبي داود برقم (2018) وسنن الترمذي برقم (1590) وسنن النسائي (5/203) والمسند (1/259).
(3) في ف: "في".
(6/218)

عليه، والإعذار إليه؛ ولهذا قال: { سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا } كما قال تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } [فصلت: 53].
وقوله: { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } أي: بل هو شهيد على كل شيء.
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر: حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، لا يَغْترَّنَّ أحدكم بالله؛ فإن الله لو كان غافلا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة" (1) .
[قال أيضا] (2) : حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي: أخبرني خالد بن قيس، عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلا شيئًا لأغفل ما تعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم.
وقد ذكر عن الإمام أحمد، رحمه الله، أنه كان ينشد هذين البيتين، إما له أو لغيره:
إذَا مَا خَلَوتَ الدهْرَ يَومًا فَلا تَقُل ... خَلَوتُ وَلكن قُل عَليّ رَقيب ...
وَلا تَحْسَبَن الله يَغْفُل ساعةً ... وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيْه يَغيب ...
__________
(1) ورواه الديملي في مسند الفردوس برقم (8167) من طريق أبي أمية بن يعلى به.
(2) زيادة من ف، أ.
(6/219)

طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
[بسم الله الرحمن الرحيم. رب يسر بفضلك] (1)
تفسير سورة القصص
[وهي مكية] (2)
قال الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وَكِيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا { طسم } المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم مَن أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَبَّاب بن الأرَت. قال: فأتينا خَبَّاب بن الأرت، فقرأها علينا، رضي الله عنه (3) .
{ طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) } .
__________
(1) زيادة من ت.
(2) زيادة من ف.
(3) المسند (1/419).
(6/220)

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) } .
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة.
وقوله: { تلك } أي: هذه { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } أي: الواضح الجلي الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن.
وقوله: { نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } كما قال تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [ يوسف : 3 ] أي: نذكر لك الأمر على ما كان عليه، كأنك تشاهد وكأنك حاضر.
ثم قال: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ } أي: تكبر وتجبر وطغى. { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } أي: أصنافا، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته.
وقوله: { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } يعني: بني إسرائيل. وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم. هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويكُدُّهُم ليلا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارا، وخوفا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من أن يوجد منهم غلام،
(6/220)

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)
يكون سبب هلاكه وذهاب دولته على يديه. وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها (1) بقدرته وسلطانه. فبشر إبراهيم عليه السلام ولده أنه سيولد من صلبه وذريته مَن يكون هلاك ملك مصر على يديه، فكانت القبط تتحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكور بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب؛ ولهذا قال: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } . وقد فعل تعالى ذلك بهم، كما قال: { وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } [ الأعراف : 137 ] وقال: { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } [ الشعراء : 59 ] ، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قَدَر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القِدَم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه، وحتفك، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) } .
ذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفْني بني إسرائيل (2) فَيَلُون (3) هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة. فقالوا لفرعون: إنه يوشك -إن استمر هذا الحال -أن يموت شيوخهم، وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يَقُمْن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك. فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون، عليه السلام، في السنة التي يتركون فيها الولدان، وولد موسى، عليه السلام، في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلون بذلك، وقوابل يَدُرْنَ على النساء، فمن رأينها قد حملت
__________
(1) في ف، أ: "ومنعها منه".
(2) في ف: "أن تفنى بنو إسرائيل" وفي أ: "أن يفنى ينو إسرائيل".
(3) في أ: "فيكون".
(6/221)

أحصوا اسمها، فإذا كان وقت ولادتها لا يَقْبَلُها إلا نساء القبط، فإذا ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذبَّاحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا قَبَّحَهُم الله. فلما حملت أم موسى به، عليه السلام، لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى، عليه السلام، لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعا وشرعًا قال الله تعالى: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي } [ طه : 39 ]. فلما ضاقت ذرعًا به ألهمت في سرها، وألقي في خلدها، ونفث في روعها، كما قال الله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } . وذلك أنه كانت دارها على حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومهدَت فيه مهدًا، وجعلت ترضع ولدها، فإذا دخل عليها أحد مِمَّنْ تخاف جعلته في ذلك التابوت، وسيرته (1) في البحر، وربطته (2) بحبل عندها. فلما كان ذات يوم دخل عليها مَنْ تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به (3) على دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، فذهبن به إلى امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يفتتن عليها في فتحه دونها. فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله من كرامتها وشقاوة بعلها؛ ولهذا قال { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا [وَحَزَنًا] } (4) .
قال محمد بن إسحاق وغيره: "اللام" هنا لام العاقبة لا لام التعليل؛ لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك. ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلى معنى السياق فإنه تبقى (5) اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله تعالى، قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًا وحزنًا فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه؛ ولهذا قال: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } .
وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كتب كتابًا إلى قوم من القدرية، في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق: وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: { وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } ، وقلتم أنتم: لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليًا ونصيرًا، والله يقول: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } .
وقوله تعالى: { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } يعني: أن فرعون لما رآه همَّ بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تُحَاجُّ عنه وتَذب دونه، وتحببه إلى فرعون، فقالت: { قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } فقال: أما لك فَنَعَم، وأما لي فلا. فكان كذلك، وهداها الله به، وأهلكه الله على يديه، وقد تقدم في حديث الفتون في سورة "طه" هذه القصة بطولها، من رواية ابن عباس مرفوعًا عن النسائي وغيره.
__________
(1) في ت: "وأرسلته".
(2) في أ: "وأوثقته".
(3) في أ: "حتى قربه".
(4) زيادة من ت، ف، أ.
(5) في ت: "يعني".
(6/222)

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
وقوله": { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } ، وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه. وقولها: { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: أرادت أن تتخذه ولدًا وتتبناه، وذلك أنه لم يكن لها ولد منه.
وقوله تعالى: { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه، من الحكمة العظيمة البالغة، والحجة القاطعة.
{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) } .
يقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أم موسى، حين ذهب ولدها في البحر، إنه أصبح فارغًا، أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وسعيد بن جُبَيْر، وأبو عبيدة، والضحاك، والحسن البصري، وقتادة، وغيرهم.
{ إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لَتُظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثَبَّتها وصبَّرها، قال الله تعالى: { لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ } أي: أمرت ابنتها -وكانت كبيرة تعي ما يقال لها -فقالت لها: { قُصِّيهِ } أي: اتبعي أثره، وخذي خبره، وتَطَلَّبي شأنه من نواحي البلد. فخرجت لذلك ، { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } ، قال ابن عباس: عن جانب.
وقال مجاهد: { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } : عن بعيد.
وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده.
وذلك أنه لما استقر موسى، عليه السلام، بدار فرعون، وأحبته امرأة الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم، فلم يقبل منها ثديًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك. فخرجوا به إلى سوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته، ولم تظهر ذلك ولم (1) يشعروا بها.
قال الله تعالى: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } أي: تحريمًا قَدَريا، وذلك لكرامة الله له صانه (2) عن أن يرتضع غير ثدي أمه؛ ولأن الله -سبحانه -جعل ذلك سببًا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهي آمنة، بعدما كانت خائفة. فلما رأتهم [أخته] (3) حائرين فيمن يرضعه قالت: { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ } (4) لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ .
__________
(1) ففي ت، ف: "فلم".
(2) في ت: "صيانة".
(3) زيادة من ت.
(4) في ت: "يرضعونه".
(6/223)

قال ابن عباس: لما قالت ذلك أخذوها ، وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك نصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظُؤُورة (1) الملك ورجاء منفعته. فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخَلَصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به (2) على أمه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا. وذهب البشير إلى امرأة الملك، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاءً جزيلا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها. ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك. ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت. فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية، قد أبدلها الله من بعد خوفها أمنا، في عز وجاه ورزق دَارٍّ. ولهذا جاء في الحديث: "مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها" ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل: يوم وليلة، أو نحوه، والله [سبحانه] (3) أعلم، فسبحان من بيديه الأمر! ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجًا، وبعد كل ضيق (4) مخرجًا. ولهذا قال تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } أي: به، { وَلا تَحْزَنْ } أي: عليه : { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي: فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين. فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا.
وقوله: { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أي: حُكْمَ الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريها إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } [ البقرة : 216 ] وقال تعالى: { فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } [ النساء : 19 ].
__________
(1) في هـ، ت، ف، أ: "صهر" والمثبت من حديث الفتون. انظر: الجزء الخامس، تفسير سورة طه.
(2) في ت: "بها".
(3) زيادة من أ.
(4) في ت: "ضيقة".
(6/224)

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)
{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) } .
لما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى، عليه السلام، ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكما وعلما -قال مجاهد: يعني النبوة { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } .
(6/224)

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
ثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قَدَّر له من النبوة والتكليم: قضية قتله ذلك القبطي، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلى بلاد مدين، فقال تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء.
وقال ابن المنْكَدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار. وكذلك قال سعيد بن جبير، وعِكْرمة، والسُّدِّي، وقتادة.
{ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ } أي: يتضاربان ويتنازعان، { هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } أي: من بني إسرائيل (1) ، { وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } أي: قبطي، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي بموسى، عليه السلام، ووجد موسى فرصة، وهي غفلة الناس، فعمد إلى القبطي { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } .
قال مجاهد: وكزه، أي: طعنه بجُمْع (2) كفه. وقال قتادة: وكزه بعصا كانت معه.
{ فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: كان فيها حتفه فمات ، قال موسى: { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ . قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } أي: بما جعلت لي من الجاه والعزة والمنعة { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا } أي: معينا { لِلْمُجْرِمِينَ } أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك.
{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) } .
يقول تعالى مخبرًا عن موسى، عليه السلام (3) ، لما قتل ذلك القبطي: إنه أصبح { فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا } أي: من مَعَرّة ما فعل، { يَتَرَقَّبُ } أي: يتلفت ويتوقع (4) ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق، فإذا ذاك (5) الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر موسى، استصرخه على الآخر، فقال له موسى: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } أي: ظاهر الغواية كثير الشر. ثم عزم على البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوَرِه وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: { يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ } وذلك لأنه لم
__________
(1) في ت: "أي إسرائيلي".
(2) في ت: "بجميع".
(3) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(4) في هـ، ت: "أي يتقلب أي يتوقع" والمثبت من ف، أ.
(5) في ت، ف: "ذلك".
(6/225)

وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)
يعلم به إلا هو وموسى، عليه السلام، فلما سمعها ذلك القبطي لقَفَها من فمه، ثم ذهب بها إلى باب فرعون فألقاها عنده، فعلم بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه فبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.
{ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } .
قال تعالى: { وَجَاءَ رَجُلٌ } وصفه بالرّجُولية لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى { إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ } أي: يتشاورون فيك { لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ } أي: من البلد { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } .
{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) }
(6/226)

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) }
لما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قلبه، بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة، { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: يتلفَّت { قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: من فرعون وملئه. فذكروا أن الله، سبحانه وتعالى، بعث له ملكًا على فرس، فأرشده إلى الطريق، فالله أعلم.
{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: أخذ طريقًا سالكًا مَهْيَعا فرح بذلك، { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: إلى الطريق الأقوم. ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعل هاديًا مهديًّا.
{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } أي: ولما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر تَرده رعاء الشاء { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ } أي: جماعة { يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } أي: تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا. فلما رآهما موسى، عليه السلام، رق لهما ورحمهما، { قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟ { قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى.
قال الله تعالى: { فَسَقَى لَهُمَا } قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عَمْرو (1)
__________
(1) في هـ، ت، ف، أ: "عروة بن ميمون" والمثبت من مصنف ابن أبي شيبة.
(6/226)

فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
بن ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن موسى، عليه السلام، لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم. إسناد صحيح (1) .
وقوله: { ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فما وصل مَدْيَن حتى سقطت نعل قدمه. وجلس (2) في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.
وقوله: { إِلَى الظِّلِّ } قال ابن عباس، وابن مسعود، والسدي: جلس تحت شجرة.
وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيّ (3) ، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: حَثثتُ (4) على جمل ليلتين، حتى صَبَّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي -وكان جائعا -فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى، عليه السلام، ثم انصرفت (5) .
وفي رواية عن ابن مسعود: أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها لموسى، كما سيأتي والله (6) أعلم.
وقال السدي: كانت من شجر السَّمُر.
وقال عطاء بن السائب: لما قال موسى { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } ، أسمعَ المرأة.
{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) } .
لما رجعت المرأتان سراعا (7) بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعا، فسألهما عن
__________
(1) المصنف لابن أبي شيبة (11/530).
(2) في هـ، أ: "ولما جلس".
(3) في ف: "عمير العنقزي" وفي أ: "عمير القفقري".
(4) في ف أ: "أخببت".
(5) تفسير الطبري (20/37).
(6) في ف: "فالله".
(7) في أ: "سريعا".
(6/227)

خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى، عليه السلام. فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها قال الله تعالى: { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } أي: مشي الحرائر، كما روي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، أنه قال: كانت مستتَرة بكم درْعها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا [أبي، حدثنا] (1) أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمر بن ميمون قال: قال عمر رضي الله عنه: جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع (2) خَرَّاجة ولاجة. هذا إسناد صحيح.
قال الجوهري: السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النوق: الشديدة.
{ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } ، وهذا تأدب في العبارة، لم تطلبه طلبا مطلقا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا ، { فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } أي: ذكر له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، { قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } . يقول: طب نفسا وَقرّ عينا، فقد خرجتَ من مملكتهم فلا حُكْم لهم في بلادنا. ولهذا قال: { نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل: مَنْ هو؟ على أقوال: أحدها أنه شعيب النبي عليه السلام (3) الذي أرسل إلى أهل مدين. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد. ورواه ابن أبي حاتم.
حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا مالك بن أنس؛ أنه بلغه أن شعيبا هو الذي قص عليه موسى القصص قال: { لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وقد روى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: "مرحبا بقوم شعيب وأَخْتان موسى، هُديت" (4) .
وقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب. وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى، عليه (5) السلام، بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ } [ هود : 95 ]. وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل، عليه السلام (6) بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل، عليهما السلام، مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) في ف: "تستلفع".
(3) في ف: "صلى الله عليه وسلم" وفي أ: "صلى الله عليه".
(4) المعجم الكبير (7/55) من طريق حفص بن سلمة عن شيبان بن قيس عن سلمة بن سعد به، وقال الهيثمي: "فيه من لم أعرفهم".
(5) في ت: "عليهما".
(6) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(6/228)

ذكره غير واحد. وما قيل: إن شعيبا عاش مدة طويلة، إنما هو -والله أعلم -احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا. وما جاء في (1) بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى (2) لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبا إن شاء الله. ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: "ثبرون" ، والله أعلم.
وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: وأثرون (3) وهو ابن أخي شعيب عليه السلام.
وعن أبي حمزة (4) عن ابن عباس: الذي استأجر موسى يثرى صاحب مدين. رواه ابن جرير، ثم قال: الصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر تجب به الحجة في ذلك.
وقوله: { قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ } أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل. قيل: هي التي ذهبت وراء موسى، عليه السلام، قالت لأبيها: { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } أي: لرعْية هذه (5) الغنم.
قال عمر، وابن عباس، وشُريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ } قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمتُ أمامهُ، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اجتنبت (6) الطريق فاحذفي [لي (7) ] بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأتهدّى (8) إليه.
قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عُمَر، وصاحب يوسف حين قال: { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ } [ يوسف : 21 ] ، وصاحبة موسى حين قالت: { يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ } .
قاال: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه (9) ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.
قال شعيب الجبائي: وهما صفورا، وليّا.
وقال محمد بن إسحاق: صفورا وشرقا، ويقال: ليا. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة [رحمه الله تعالى] (10) بهذه الآية على صحة البيع فيما إذا قال: "بعتك أحد هذين العبدين بمائة. فقال: اشتريت" أنه يصح، والله أعلم.
__________
(1) في ت: "من".
(2) في أ: "لموسى".
(3) في أ: "يثرون".
(4) في ف، أ: "أبي هريرة".
(5) في أ: "رعية هذا".
(6) في أ: "اختلفت".
(7) زيادة من أ.
(8) في أ: "لأهتدي".
(9) في ت، ف، أ: "غنمه".
(10) زيادة من ت، ف.
(6/229)

وقوله: { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } أي: على أن ترعى عليّ ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك (1) ، وإلا ففي ثمان كفاية ، { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } أي: لا أشاقك، ولا أؤاذيك، ولا أماريك.
وقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي، فيما إذا قال: "بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة" أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح. وحُمل الحديث المروي في سنن أبي داود: "من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا " (2) على هذا المذهب. وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث على هذا المذهب نظر، ليس هذا موضع بسطه لطوله. والله أعلم.
ثم قد استدل أصحاب الإمام أحمد ومَنْ تبعهم، في صحة (3) استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في كتابه السنن، حيث قال: "باب استئجار الأجير على طعام بطنه" : حدثنا محمد بن المصفّى الحِمْصي، حدثنا بَقيَّة بن الوليد، عن مسلمة (4) بن علي، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رَبَاح قال: سمعت (5) عُتبةَ بن النُّدَّر (6) يقول: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ { طسم } (7) ، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: "إن موسى أجَّرَ نفسه ثماني سنين أو: عشر (8) سنين على عفة فرجه وطعام بطنه (9) .
وهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف (10) ، لأن مسلمة (11) بن علي وهو الخُشَني الدمشقي البلاطيّ ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد رُوي من وجه آخر، وفيه نظر أيضا.
وقال (12) ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لَهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رَبَاح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر السلمي -صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم -يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه" (13) .
. وقوله تعالى إخبارا عن موسى، عليه السلام: { قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } ، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت من أنك استأجرتني على ثمان سنين، فإن أتممت عشرًا فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما [فقد] (14) برئت من العهد، وخرجت من الشرط؛ ولهذا قال: { أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ } أي: فلا
__________
(1) في ت: "لك".
(2) سنن أبي داود برقم (3461).
(3) في أ: "حجة".
(4) في أ: "سلمة".
(5) في ت: "ثم روى بإسناده عن".
(6) في هـ، ت: "المنذر" والمثبت من ف، وسنن ابن ماجه.
(7) في ت: "طس".
(8) في ت: "أو عشرة".
(9) سنن ابن ماجه برقم (2444) وضعفه البوصيري في الزوائد (2/260) لتدليس بقية بن الوليد.
(10) في ت: "وهذا الحديث فيه ضعف من هذا الوجه".
(11) في أ: "سلمة".
(12) في أ: "فقال".
(13) ورواه البزار في مسنده برقم (1495) "كشف الأستار" من طريق يحيى بن بكير عن ابن لهيعة بأطول منه، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.
(14) زيادة من أ.
(6/230)

حرج علي مع أن الكامل -وإن كان مباحًا لكنه فاضل من جهة أخرى، بدليل من خارج. كما قال [الله] (1) تعالى: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } [ البقرة : 203 ].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عمرو الأسلمي، رضي الله عنه، وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر -فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (2) مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر.
هذا وقد دل الدليل على أن موسى عليه السلام، إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما؛ قال البخاري:
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مَرْوان بن شُجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأَلَه. فقدمت فسألت ابن عباس، رضي الله عنه، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. هكذا رواه البخاري (3) وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره، عن سعيد بن جبير. ووقع في "حديث الفُتُون"، من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير؛ أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية. والأول أشبه، والله أعلم، وقد رُوي من (4) حديث ابن عباس مرفوعا، قال ابن جرير:
حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سألت جبريل: أيّ الأجلين قضى موسى قال: أكملهما وأتمهما" (5) .
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحميدي، عن سفيان -وهو ابن عيينة -حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب -وكان من أسناني أو أصغر مني -فذكره.
قلت: وإبراهيم هذا ليس بمعروف.
ورواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره. ثم قال: لا نعرفه مرفوعا عن ابن عباس إلا من هذا الوجه (6) .
وقال (7) ابن أبي حاتم: قُرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن يوسف بن تيرح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) رواه أحمد في مسنده (3/493) والنسائي في السنن (4/185).
(3) صحيح البخاري برقم (2684).
(4) في ت: "روى طرق مرسلة من".
(5) تفسير الطبري (20/44).
(6) قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (1/124) "إبراهيم بن يحيى العدني عن الحكم بن أبان وعنه سفيان بن عيينة بخبر منكر والرجل نكرة، وحديثه عن الحميدي ومتنه: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام أي الأجلين قضى موسى، انتهى. وهذا الرجل ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأزدي: لا يتابع في حديثه، وأخرج الحاكم حديثه المذكور في المستدرك".
(7) في ف: "ثم قال".
(6/231)

الأجلين قضى موسى؟ قال: "لا علم لي" . فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل، فقال جبريل: لا علم لي، فسأل جبريل ملكا فوقه فقال: لا علم لي. فسأل (1) ذلك المَلَك ربه -عز وجل -عما سأله عنه جبريل عما سأله عنه محمد صلى الله عليه وسلم فقال الرب سبحانه وتعالى: "قضى أبرهما وأبقاهما -أو قال: أزكاهما" (2) .
وهذا مرسل، وقد جاء مرسلا من وجه آخر، وقال (3) سُنَيد: حدثنا حجاج، عن ابن جُرَيْج قال: قال مجاهد: إن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل: "أيّ الأجلين قضى موسى؟" فقال: سوف أسأل إسرافيل. فسأله فقال: سوف أسأل الرب عز وجل. فسأله فقال: "أبرهما وأوفاهما" (4) .
طريق أخرى مرسلة أيضا: قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو مَعْشَر، عن محمد بن كعب القُرظي قال: سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: "أوفاهما وأتمهما" (5) .
فهذه طرق متعاضدة، ثم قد (6) روي [هذا] (7) مرفوعا من رواية أبي ذر، رضي الله عنه، قال الحافظ أبو بكر البزار، حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عَوْبَد بن أبي عمران الجَوْني، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل: أيّ الأجلين قَضَى موسى؟ قال: "أوفاهما وأبرهما"، قال: "وإن سئلتَ أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما".
ثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد (8) .
وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عَوبَد بن أبي عمران -وهو ضعيف -ثم قد روي أيضا نحوه من حديث عتبة بن الندر (9) بزيادة غريبة جدا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النّدر (10) يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أيّ الأجلين قَضَى موسى؟ قال: "أبرهما وأوفاهما". ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن موسى، عليه السلام، لما أراد فراق شعيب عليه السلام، أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به. فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالِب لَون. قال: فما مرت شاة إلا ضرب موسى جنبها بعصاه، فولدت قَوَالب ألوان كلها، وولدت ثنتين وثلاثًا كل شاة ليس فيها فَشُوش ولا ضبُوب، ولا كَمِيشة تُفَوّت الكف، ولا ثَعُول". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا (11) افتتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها، وهي السامرية" (12) .
__________
(1) في ف، أ:"عز وجل".
(2) مسند البزار برقم (2245) "كشف الأستار".
(3) في ف، أ: "فقال".
(4) تفسير الطبري (20/44).
(5) تفسير الطبري (20/44).
(6) في ف: "وقد".
(7) زيادة من ف، أ.
(8) مسند البزار برقم (2244) "كشف الأستار".
(9) في ف، أ: "المنذر".
(10) في ف، أ: "المنذر".
(11) في أ: "إنكم إذا".
(12) مسند البزار برقم (2246) "كشف الأستار".
(6/232)

هكذا أورده البزار. وقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا (1) فقال:
حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير، حدثني عبد الله بن لهيعة(ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النُّدّر (2) السلمي -صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم -يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن موسى، عليه السلام (3) آجر نفسه بعفة فرجه وطُعمة بطنه. فلما وفى الأجل -قيل: يا رسول الله، أي الأجلين؟ قال -أبرهما وأوفاهما. فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب (4) لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء، فانطلق موسى، عليه السلام إلى عصاه فَسَمَّاها من طرفها، ثم وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض فلم تصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال: "فأتأمت وأثلثت، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش. قال يحيى: ولا ضبون. وقال صفوان: ولا ضبُوب. قال أبو زرعة: الصواب ضَبُوب -ولا عَزُوز ولا ثَعُول، ولا كميشة تُفَوّت الكف"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية".
وحدثنا أبو زُرْعة، حدثنا صفوان قال: سمعت الوليد قال: فسألت ابن لَهِيعة: ما الفشوش؟ قال: التي تَفُشّ بلبنها واسعة الشَّخب. قلت: فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره. قلت: فما العَزُوز؟ قال: ضيقة الشَّخب. قال فما الثَعُول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين. قلت: فما الكميشة؟ قال: التي تُفَوّت الكف، كميشة الضرع، صغير لا يدركه الكف.
مدار هذا الحديث على عبد الله بن لَهِيعة المصري -وفي حفظه سوء -وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم. وينبغي أن يُرْوَى ليس فيها فشوش ولا عزوز، ولا ضبوب ولا ثَعول ولا كميشة، لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة. وقد روى ابن جرير من (5) كلام أنس بن مالك -موقوفا عليه -ما يقارب بعضه بإسناد جيد (6) ، فقال: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: لما دعا نبي الله موسى، عليه السلام، صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها فذلك ولدها لك. فعمد فرفع حبالا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقًا إلا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام (7) .
__________
(1) في ت: "بزيادة غريبة".
(2) في ت، ف، أ: "المنذر".
(3) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(4) في ت: "قابله".
(5) في ت: "عن".
(6) في ت: "ما يقارب هذا".
(7) تفسير الطبري (20/44).
(6/233)

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) } .
قد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى عليه السلام، قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأنقاهما، وقد يستفاد هذا أيضًا من الآية الكريمة من قوله (1) : { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ } أي: الأكمل منهما، والله (2) أعلم.
قال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: قضى عشر سنين، وبعدها عشرا أخر. وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والله (3) أعلم.
وقوله: { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلا فجعل كلما أورى زنده لا يُضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك [إذ] (4) { آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا } أي: رأى نارا تضيء له على بعد ، { قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } أي: حتى أذهب إليها ، { لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } . وذلك لأنه قد أضل الطريق ، { أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ } أي: قطعة منها (5) ، { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } أي: تَتَدفؤون بها من البرد.
قال الله تعالى: { فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ } أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى (6) : { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ } ، فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لحْف الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرها، فناداه ربه: { مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ } .
قال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى، عليه السلام، سمرة خضراء ترف. إسناده مقارب.
وقال محمد بن إسحاق، عن بعض مَنْ لا يتهم، عن وهب بن منبه قال: شجرة من العُلَّيق، وبعض أهل الكتاب يقول: من العوسج.
وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج.
وقوله تعالى: { أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي: الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا إله غيره، ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في
__________
(1) في أ: "حيث قال".
(2) في ت: "فالله".
(3) في ف: "فالله".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ت: "قطعة من النار".
(6) في ت: "قال الله تعالى".
(6/234)

ذاته وصفاته، وأقواله وأفعاله سبحانه!
وقوله: { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } أي: التي في يدك. كما قرره على ذلك في قوله: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } [ طه : 17 ، 18 ]. والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها ألقها { فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى } فعرف وتحقق أن الذي يخاطبه ويكلمه هو الذي يقول للشيء: كن، فيكون. كما تقدم بيان ذلك في سورة "طه".
وقال هاهنا: { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } أي: تضطرب { كَأَنَّهَا جَانٌّ } أي: في حركتها السريعة مع عظم خَلْق قوائمها (1) واتساع فمها، واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، فتنحدر في فيها تتقعقع، كأنها حادرة في واد. فعند ذلك { وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ } أي: ولم يكن يلتفت؛ لأن طبع البشرية ينفر من ذلك. فلما قال الله له: { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ } ، رجع فوقف في مقامه الأول.
ثم قال الله له: { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق؛ ولهذا قال: { مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } أي: من غير برص.
وقوله: { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } : قال مجاهد: من الفزع. وقال قتادة: من الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير: مما حصل لك من خوفك من الحية.
والظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر عليه السلام، إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف. وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يديه على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يَخف، إن شاء الله، وبه الثقة.
قال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد، قال (3) : كان موسى عليه السلام، قد مُلئ قلبه رعبًا من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره، ففرّغ (4) الله ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار.
وقوله: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ } يعني: إلقاءه العصا وجعلها حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء -دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة مَنْ جرى هذا الخارق على يديه؛ ولهذا قال: { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدين الله، [والله أعلم] (5) .
__________
(1) في ت: "عظم خلقها" وفي ف: "عظم خلقتها".
(2) في ت: "روى".
(3) في ت: "بإسناده".
(4) في ت، ف، أ: "فنزع".
(5) زيادة من ف.
(6/235)

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35)
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) } .
لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون، الذي إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا } يعني: ذلك القبطي، { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } أي: إذا رأوني.
{ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } ، وذلك أن موسى، عليه السلام، كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُيّر بينها وبين التمرة أو الدرّة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، فحصل فيه شدة في التعبير؛ ولهذا قال: { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } [ طه : 27 -32 ] أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم، وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلى هذا الملك المتكبر الجبار العنيد. ولهذا قال: { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا [يُصَدِّقُنِي] } (1) ، أي: وزيرًا ومعينًا ومقويًّا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل؛ لأن خبر اثنين أنجع في النفوس من خبر واحد؛ ولهذا قال: { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } .
وقال محمد بن إسحاق: { رِدْءًا يُصَدِّقُنِي } أي: يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم [عني] (2) .
فلما سأل ذلك قال الله تعالى: { سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } أي: سنقوي أمرك، ونعز جانبك بأخيك، الذي سألت له أن يكون نبيا معك. كما قال في الآية الأخرى: { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى } [ طه : 36 ] ، وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } [ مريم : 53 ] . ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّةً على أخيه، من موسى على هارون، عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال [الله تعالى] (3) في حق موسى: { وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } [ الأحزاب : 69 ].
وقوله تعالى : { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } أي: حجة قاهرة ، { فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا } أي: لا سبيل لهم إلى الوصول إلى أذاكما بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال الله تعالى [لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم] (4) : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [ المائدة : 67 ] (5) . وقال تعالى: { الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } [ الأحزاب : 39 ]، أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا. ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولِمَنْ اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال: { أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } ، كما قال
__________
(1) زيادة من ت.
(2) زيادة من أ.
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(4) زيادة من ت، أ.
(5) زيادة من ت، أ، وفي هـ: "إلى قوله".
(6/236)

تعالى: { كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [ المجادلة : 21 ] ، وقال تعالى : { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ. يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } [ غافر : 51 ، 52 ].
ووجه ابن جرير على أن المعنى: { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } ، ثم يبتدئ فيقول: { بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } ، تقديره: أنتما ومَنْ اتبعكما الغالبون بآياتنا (1) .
ولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلى هذا، والله أعلم.
__________
(1) تفسير الطبري (20/48).
(6/237)

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)
{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) } .
يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، على صدقهما فيما أخبر عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره. فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا: { مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى } أي: مفتعل مصنوع. وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، فما صعد معهم ذلك.
وقوله (1) : { وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ } يعنون: عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون: ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر (2) الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى. فقال موسى، عليه السلام، مجيبا لهم: { رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ } يعني: مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم. ولهذا قال: { وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } أي: النصرة والظفر والتأييد ، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } أي: المشركون بالله.
{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) } .
__________
(1) في ت، ف: "وقولهم".
(2) في ف: "وما نرى".
(6/237)

يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة -لعنه الله -كما قال تعالى: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } [ الزخرف : 54 ] ، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم؛ ولهذا قال: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } ، [و] (1) قال تعالى إخبارا عنه: { فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى } [ النازعات : 23 -26 ] يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين. ولهذا انتقم الله تعالى منه، فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك فقال: { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } [ الشعراء : 29 ].
وقوله: { فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } أي: أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له على الطين، ليتخذ له آجُرّا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع -كما قال في الآية الأخرى: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ } [ غافر : 36 ، 37 ] ، وذلك لأن (2) فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: { وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ } أي: في قوله إن ثَمّ ربًّا غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: { وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ الشعراء : 23 ] وقال: { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } [ الشعراء : 29 ] وقال: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي } وهذا قول ابن جرير.
وقوله: { وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ } أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة (3) ، { فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ .إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } [ الفجر : 13 ، 14 ]، ولهذا قال ها هنا: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } أي: أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ } أي: لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ } أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: { أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ } [ محمد : 13 ]
وقوله: { وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } (4) أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة مَلكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ } . قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ } [ هود : 99 ].
__________
(1) زيادة من ت، ف.
(2) في ت: "أن".
(3) في ت: "لا قيامة ولا معاد".
(4) في ت: "فأتبعناهم".
(6/238)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) } .
يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه.
وقوله: { مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى } يعني: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال: { وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } [ الحاقة : 9 ، 10 ].
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا حدثنا عوف، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد الخُدْري قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله يقول: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى } (1) .
ورواه ابن أبي حاتم، من حديث عوف بن أبي جَميلة (2) الأعرابي، بنحوه. وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده، عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القَطَّان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا (3) . ثم رواه عن نصر بن علي، عن عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد -رفعه (4) إلى النبي صلى الله عليه وسلم -قال:"ما أهلكَ الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى"، ثم قرأ: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى } (5) .
وقوله: { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أي: من العمى والغي، { وهدى } إلى الحق، { ورحمة } أي: إرشادا إلى الأعمال الصالحة، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي: لعل الناس يتذكرون به، ويهتدون بسببه.
__________
(1) تفسير الطبري (20/50).
(2) في أ: "حبلة".
(3) مسند البزار برقم (2247) "كشف الأستار".
(4) في ت: "مرفوعا".
(5) مسند البزار برقم (2248) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (7/88) : "رواه البزار موقوفا ومرفوعا ورجالهما رجال الصحيح".
(6/239)

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)
{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) } .
(6/239)

يقول تعالى منبهًا على برهان نبوة محمد، صلوات الله وسلامه عليه، حيث أخبر بالغيوب الماضية، خبرًا كأن سامعه شاهد ورَاءٍ لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها، قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } [ آل عمران : 44 ]، أي: ما كنت حاضرًا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك. وهكذا لما أخبره عن نوح وقومه، وما كان من إنجاء الله له وإغراق قومه.
ثم قال تعالى: { تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [ هود : 49 ] وقال في آخر السورة { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ (1) الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } [ هود : 100 ] ، وقال بعد ذكر قصة يوسف: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } [ يوسف : 102 ]، وقال في سورة طه: { كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا } [ طه : 99 ] وقال ها هنا -بعدما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له -: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ } يعني: يا محمد، ما كنت بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي، { وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك، ليجعله حجة وبرهانًا على قرون قد تطاول عهدها، ونَسُوا حُجَج الله عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين.
وقوله: { وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } أي: وما كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، حين أخْبرتَ عن نبيها شعيب، وما قال لقومه، وما ردُّوا عليه، { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } أي: ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك للناس رسولا.
{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } -قال أبو عبد الرحمن النسائي، في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حُجْر، أخبرنا عيسى -وهو ابن يونس -عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن علي بن مُدْرِك، عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه { : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } ، قال: نودوا: يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني.
وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث جماعة، عن حمزة -وهو ابن حبيب الزيات -عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن علي بن مُدْرِك، عن أبي زُرْعَة -وهو ابن عمرو بن جرير (2) -أنه قال ذلك من كلامه، والله أعلم.
وقال مُقاتِل بن حَيَّان: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } : أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا
__________
(1) في ت، ف: "الغيب" وهو خطأ.
(2) تفسير الطبري (20/51) والذي فيه من طريق سفيان ويحيى بن عيسى.
(6/240)

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)
بك إذا بعثت.
وقال قتادة: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا } موسى. وهذا -والله أعلم -أشبه بقوله تعالى: { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ } .
ثم أخبر هاهنا بصيغة أخرى أخص من ذلك، وهو النداء، كما قال تعالى: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى } [ الشعراء : 10 ]، وقال: { إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى } [ النازعات : 16 ] ، وقال: { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } [ مريم : 52 ].
وقوله: { وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أي: ما كنت مشاهدًا لشيء من ذلك، ولكن الله أوحاه إليك وأخبرك به، رحمة منه لك وبالعباد بإرسالك إليهم، { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي: لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله عز وجل.
{ وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولتقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن: { أَنْ تَقُولُوا (1) إِنَّمَا أُنزلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنزلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } [ الأنعام : 156 ، 157 ] ، وقال: { رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } [ النساء : 165 ] ، وقال تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ المائدة : 19 ] ، والآيات في هذا كثيرة [والله أعلم] (2) .
{ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) }
__________
(1) في ت، ف: "يقولوا".
(2) زيادة من ف، أ.
(6/241)

وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) } .
يقول تعالى مخبرًا عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول: إنهم لما جاءهم الحق من عنده على لسان محمد، صلوات الله وسلامه عليه (1) قالوا على
__________
(1) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(6/241)

وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد: { لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } ، يعنون -والله أعلم -: من الآيات الكثيرة، مثل العصا واليد، والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وتنقص (1) الزروع والثمار، مما يضيق على أعداء الله، وكفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المنِّ والسلوى، إلى غير ذلك من الآيات الباهرة، والحجج القاهرة، التي أجراها الله على يدي موسى عليه السلام، حجة وبراهين له على فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسى وأخيه هارون، كما قالوا لهما: { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } [ يونس : 78 ]، وقال تعالى: { فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ } [ المؤمنون : 48 ] .ولهذا قال هاهنا: { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } أي: أولم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة. { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا، } ، أي تعاونا ، { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ } أي: بكل منهما كافرون. ولشدة التلازم والتصاحب والمقارنة بين موسى وهارون، دلَّ ذكر أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر:
فمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضًا ... أريدُ الخَيْرَ أيهُمَا يَليني ...
أي: فما أدري أيليني الخير أو الشر. قال مجاهد بن جبر: أمرت اليهود قريشا أن يقولوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الله: { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } قال: يعني موسى وهارون صلى الله عليه وسلم (2) { تَظَاهَرَا } أي: تعاونا وتناصرا وصدق كل منهما الآخر. وبهذا قال سعيد بن جبير وأبو رَزِين في قوله: { ساحِران } يعنون: موسى وهارون. وهذا قول جيد قَويّ، والله أعلم.
وقال مسلم بن يَسَار، عن ابن عباس { قَالُوا ساحِرَانِ تَظَاهَرَا } يعني: موسى ومحمدًا، صلوات الله وسلامه عليهما (3) وهذا رواية عن الحسن البصري.
وقال الحسن وقتادة: يعني: عيسى ومحمدًا، صلى الله عليهما وسلم، وهذا فيه بعد؛ لأن عيسى لم يجر له ذكر هاهنا، والله أعلم.
وأما من قرأ { سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } ، فقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس. يعنون: التوراة والقرآن. وكذا قال عاصم الجَنَديّ، والسُّدِّيُّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال السدي: يعني صَدّق كل واحد منهما الآخر.
وقال عكرمة: يعنون: التوراة والإنجيل. وهو رواية عن أبي زرعة، واختاره ابن جرير (4) .
وقال الضحاك وقتادة: الإنجيل والقرآن. والله سبحانه، أعلم بالصواب. والظاهر على قراءة : { سِحْرَانِ } أنهم يعنون: التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ } ، وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى { قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ } إلى أن قال: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ } [ الأنعام : 91 ، 92 ]،
__________
(1) في ت، ف، أ: "تنقيص".
(2) في ف، أ: "عليهما السلام".
(3) في ف: "عليهما وسلم".
(4) تفسير الطبري (20/53).
(6/242)

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)
وقال في آخر السورة: { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } ، إلى أن قال: { وَهَذَا كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ الأنعام : 155 ] ، وقالت الجن: { إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ] } [ الأحقاف : 30 ] (1) وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل [الله] (2) على موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله لم ينزل كتابًا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (3) ، وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله على موسى بن عمران، عليه السلام، وهو التوراة التي قال الله تعالى فيها: { إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } [ المائدة : 44 ]. والإنجيل إنما نزل متمما للتوراة ومُحلا لبعض ما حُرّم على بني إسرائيل. ولهذا قال تعالى: { قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي: فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل.
قال الله تعالى: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ } أي: فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } أي: بلا دليل ولا حجة { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } أي: بغير حجة مأخوذة من كتاب الله، { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .
وقوله: { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ } قال مجاهد: فصلنا لهم القول. وقال السدي: بينا لهم القول.
وقال قتادة: يقول تعالى: أخبَرَهم كيف صُنع بِمَنْ مضى وكيف هو صانع ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .
قال مجاهد وغيره: { وَصَّلْنَا لَهُمُ } يعني: قريشا. وهذا هو الظاهر، لكن قال حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جَعْدَة، عن رفاعة -رفاعة هذا هو ابن قَرَظَة القُرَظيّ، وجعله ابن منده: رفاعة بن سموال، خال صفية بنت حيي، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير (4) -قال: نزلت { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ } في عشرة أنا أحدهم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديثه (5) .
{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } .
__________
(1) زيادة من أ.
(2) زيادة من ف.
(3) في ف، أ: "صلوات الله وسلامه عليه".
(4) أسد الغابة لابن الأثير (2/228).
(5) تفسير الطبري (20/56) ورواه اللطبراني في المعجم الكبير (5/53) من طريق حماد بن سلمة به.
(6/243)

يخبر تعالى عن العلماء الأولياء (1) من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } [ البقرة : 121 ]، وقال: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ } [ آل عمران : 199 ] ، وقال: { إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا } [ الإسراء: 107، 108 ] ، وقال: { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ . وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } [ المائدة : 82 ، 83 ].
قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: { يس . وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ } حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له.
قال الله: { أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا } أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني] (2) ؛ ولهذا قال: { بِمَا صَبَرُوا } أي: على اتباع الحق؛ فإنَّ تجشُّم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يُؤتَونَ أجْرهم مَرّتَين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورَجُل كانت له أمَة فأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوَّجها" (3) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السَّيلَحيني، حدثنا ابن لَهِيعة، عن سليمان (4) بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتحتَ راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولا حسنًا جميلا وقال فيما قال: "مَنْ أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومَنْ أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا] " (5) (6) .
وقوله { وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } أي: لا يقابلون السيئ (7) بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خَلْق الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم، والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات، وصدقات النفل والقربات.
__________
(1) في ت، ف: "الألباء" وفي أ: "الألباب".
(2) زيادة من ت، ف، أ.
(3) صحيح البخاري برقم (97) وصحيح مسلم برقم (154).
(4) في، أ: "سليم".
(5) زيادة من ف، أ، ومسند أحمد.
(6) المسند (5/259).
(7) في ت، ف، أ: "يقابلون على السيئ".
(6/244)

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)
وقوله: { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ } أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم، بل كما قال تعالى: { وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } [ 0الفرقان : 72 ] .
{ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } أي: إذا سَفه عليهم سَفيه، وكلمهم بما لا يَليقُ بهم الجوابُ عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح، ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب. ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } أي: لا نُريد طَريق الجاهلين ولا نُحبّها.
قال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة عشرون رجلا أو قريب من ذلك، من النصارى، حين (1) بلغهم خبره من الحبشة. فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه -ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة -فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا، دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا (2) لهم: خَيَّبَكُم الله مِنْ ركب. بعثكم مَنْ وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم (3) بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال؛ ما نعلم ركبًا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم. فقالوا [لهم] (4) سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَألُ أنفسَنا خيرًا (5) .
قال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم أيّ ذلك كان (6) .
قال: ويقال -والله أعلم -إن فيهم نزلت هذه الآيات: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } إلى قوله: { لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } .
قال: وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنزلْن (7) ، قال: ما زلتُ أسمع من علمائنا أنهن أنزلهن (8) في النجاشي وأصحابه، رضي الله عنهم، والآيات التي (9) في سورة المائدة: { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا } إلى قوله: { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } [ المائدة : 82 ، 83 ]
{ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) } .
__________
(1) في أ: "حتى".
(2) في أ: "فقال".
(3) في ت: "فتأتونهم".
(4) زيادة من ت، ف، أ.
(5) السيرة النبوية لابن هشام (1/392).
(6) في أ: "كما".
(7) في ت: "نزلت" وفي ف، أ: "نزلن".
(8) في أ: "نزلن".
(9) في أ: "اللاتي".
(6/245)

يقول تعالى لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه: إنك يا محمد { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء } [ البقرة : 272 ]، وقال: { وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } [ يوسف : 103 ].
وهذه الآية أخص من هذا كله؛ فإنه قال: { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } أي: هو أعلم بِمَنْ يستحق الهداية بِمَنْ يستحق الغِوَاية، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عَمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان يَحوطُه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حبًّا [شديدا] (1) طبعيًّا لا شرعيًّا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة (2) التامة.
قال الزهري: حدثني سعيد بن المسَيَّب، عن أبيه -وهو المسيب بن حَزْن المخزومي، رضي الله عنه -قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك". فأنزل الله عز وجل: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } [ التوبة : 113 ] ، بوأنزل في أبي طالب: { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } .
أخرجاه (3) من حديث الزهري (4) . وهكذا رواه (5) مسلم في صحيحه، والترمذي، من حديث يزيد بن كَيْسَان، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: لما حَضَرَتْ وفاةُ أبي طالب أتاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عماه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة". فقال: لولا أن تُعَيّرني (6) بها قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جَزَع الموت، لأقرَرْتُ بها عينَك، لا أقولها إلا لأقرَّ بها عينك. فأنزل الله: { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } . وقال الترمذي: حسن غريب (7) ، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان (8) .
ورواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القَطَّان، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه (9) .
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) في أ: "الحجة".
(3) في ت: "البخاري ومسلم".
(4) صحيح البخاري برقم (1360) وصحيح مسلم برقم (24).
(5) في ت: "وروى".
(6) في ف: "يعيرني".
(7) في ت: "رواه الترمذي وقال: حسن صحيح".
(8) صحيح مسلم رقم (25) وسنن الترمذي برقم (3188).
(9) المسند (2/434).
(6/246)

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)
وهكذا قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عَرَضَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: "لا إله إلا الله" فأبى عليه ذلك، وقال: (1) أيْ ابن أخي، ملةَ الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب.
وقال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم (3) ، عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء (4) إليَّ قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابًا، فأتيته فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره، ثم قال:"مِمَّنْ الرجل؟" قلت: من تنوخ (5) . قال: "هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟" قلت: إني رسول قوم، وعلى دينهم حتى أرجع إليهم. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه وقال (6) : { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (7) .
وقوله: { وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } : [يقول تعالى مخبرًا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع (8) الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } ] (9) أي: نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى، وخالفنا مَنْ حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبا لهم: { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } يعني: هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله جعلهم في بلد أمين، وحَرَم معظم آمن منذ وُضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟.
وقوله: { يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ } أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة { رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا } أي: من عندنا { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فلهذا قالوا ما قالوا.
وقد قال (10) النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جُرَيْج، أخبرني ابن أبي مُلَيْكة قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس -ولم يسمعه منه -: أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: { إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } (11) .
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) } .
__________
(1) في أ: "وكان".
(2) في ت: "وروى".
(3) في ت: "بإسناده".
(4) في أ: "جارا".
(5) في هـ: "تيرح" والمثبت من ف، أ.
(6) في ت، ف، أ: "فقال".
(7) رواه أحمد في المسند (3/441) من طريق حماد بن سلمة بنحوه.
(8) في أ: "اتباعهم".
(9) زيادة من ت، ف، أ.
(10) في ت: "وقد روى".
(11) النسائي في السنن الكبرى برقم (11385).
(6/247)

يقول تعالى مُعَرّضًا بأهل مكة في قوله: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي: طغت وأشرَت وكفرت نعمة الله (1) ، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } [ النحل 112 ، 113 ] ولهذا قال: { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا } أي: دَثَرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم.
وقوله: { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } أي: رجعت خرابًا ليس فيها أحد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم [هاهنا] (2) عن ابن مسعود أنه سمع كعبًا يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام (3) قال للهامة -يعني البومة -ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله عز وجل، ثم تلا { وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ } .
ثم قال الله (4) مخبرًا عن عدله، وأنه لا يهلك أحدًا ظالمًا له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا } وهي مكة { رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } . فيه دلالة على أن النبي الأمي، وهو محمد، صلوات الله وسلامه عليه (5) ، المبعوث من أم القرى، رسول إلى جميع القرى، من عرب وأعجام، كما قال تعالى: { لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا } [ الشورى : 7 ] ، وقال تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } [ الأعراف : 158 ] ، وقال: { لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } [ الأنعام : 19 ] ، وقال: { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [ هود : 17 ] . وتمام الدليل [قوله] (6) { وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } [ الإسراء : 58 ] . فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } [ الإسراء : 15 ] . فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى؛ لأنه مبعوث إلى (7) أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه، صلوات الله وسلامه عليه (8) ، أنه قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود". ولهذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة.
وقيل: المراد بقوله: { حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا } أي: أصلها وعظيمتها، كأمهات الرساتيق والأقاليم. حكاه الزمخشري وابن الجوزيّ، وغيرهما، وليس ببعيد.
__________
(1) في ف: "بنعم الله" وفي أ: "نعم الله".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(4) في ت، ف: "تعالى".
(5) في ت، ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(6) زيادة من ت، أ.
(7) في ت، ف، أ: "في".
(8) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(6/248)

وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)
{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) } .
يقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا (1) ، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال: { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ } [ النحل : 96 ] ، وقال : { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ } [ آل عمران : 198 ] ، وقال : { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ } [ الرعد : 26 ] ، وقال : { بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } [ الأعلى : 16 ، 17 ] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة، إلا كما يَغْمِس أحدكم إصبعه في اليم، فَلْينظُر ماذا يرجع إليه" (2) .
[وقوله] (3) : { أَفَلا يَعْقِلُونَ } (4) أي: أفلا يعقل مَنْ يقدم الدنيا على الآخرة؟.
وقوله: { أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } : يقول: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمَنْ هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أيامًا قلائل، { ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } قال مجاهد، وقتادة: من المعذبين.
ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل: في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد. والظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه، وهو في الدرجات وذاك في الدركات: { وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } [ الصافات : 57 ]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } [ الصافات : 158 ].
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) } .
يقول تعالى مخبرًا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: { أَيْنَ شُرَكَائي الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ }
__________
(1) في ت: "عن الحياة الدنيا وحقارتها".
(2) رواه مسلم في صحيحه برقم (2858) من حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه.
(3) زيادة من ف، أ.
(4) في ف، أ: "تعقلون".
(6/249)

يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال: { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } [ الأنعام : 94 ].
وقوله: { قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } يعني: من الشياطين والمَرَدَة والدعاة إلى الكفر، { رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } ، فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } [ مريم : 81 ، 82 ]، وقال : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } [ الأحقاف : 5 ، 6 ] ، وقال الخليل لقومه: { إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } [ العنكبوت : 25 ] ، وقال الله (1) : { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } [ البقرة : 166 ، 167 ]، ولهذا قال: { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } [أي] (2) : ليخلصوكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ } أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة.
وقوله: { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } أي: فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: { وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا. وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } [ الكهف : 52 ، 53 ].
وقوله: { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ } : النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يُسأل العبد في قبره: مَنْ ربك؟ ومَنْ نبيك؟ وما دينك (3) ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله (4) ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه .. هاه. لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن مَنْ كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ولهذا قال تعالى: { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ } .
وقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب.
وقوله: { فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } أي: في الدنيا، { فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ }
__________
(1) في ت، ف: "تعالى" وفي أ: "الله تعالى".
(2) زيادة من أ.
(3) في أ: "من نبيكم وما دينكم".
(4) في ف، أ: "عبده".
(6/250)

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
أي: يوم القيامة، و"عسى" من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومَنّه لا محالة.
{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) } .
يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.
وقوله: { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [ الأحزاب : 36 ].
وقد اختار ابن جرير أن { مَا } هاهنا بمعنى "الذي" ، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئًا.
ثم قال: { وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } أي: يعلم ما تكن (1) الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } [ الرعد : 10 ] .
وقوله: { وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه { لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ } أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته { وَلَهُ الْحُكْمُ } أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته ، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي (2) كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.
__________
(1) في هـ، أ: "مكتمة" والمثبت من ت، ف.
(2) في ت، ف: "فيجزي".
(6/251)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73)
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) } .
(6/251)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
يقول تعالى ممتنًا على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار، اللذين لا قوَامَ لهم بدونهما. وبين أنه لو جعلَ الليلَ دائمًا عليهم سرمدًا إلى يوم القيامة، لأضرّ ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ } أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه، { أَفَلا تَسْمَعُونَ } .
ثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدًا دائمًا مستمرًّا إلى يوم القيامة، لأضرَّ ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلَّت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم . { أَفَلا تُبْصِرُونَ . وَمِنْ رَحْمَتِهِ } أي: بكم { جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } أي: خلق هذا وهذا { لِتَسْكُنُوا فِيهِ } أي: في الليل ، { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر.
وقوله: { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } [ الفرقان : 62 ]. والآيات في هذا كثيرة (1) .
{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) } .
وهذا أيضا نداء [ثان] (2) على سبيل التقريع والتوبيخ لِمَنْ عبد مع الله إلهًا آخر، يناديهم الرب -تبارك وتعالى -على رؤوس الأشهاد فيقول: { أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } أي: في الدار الدنيا.
{ وَنزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } : قال مجاهد: يعني رسولا. { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } أي: على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء، { فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ } أي: لا إله غيره، أي: فلم ينطقوا ولم يحيروا (3) جوابا، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أي: ذهبوا فلم ينفعوهم.
{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } .
__________
(1) بعدها في ت، ف: "فصل: فانظر إلى هذه الآيات وما تضمنته من العبرة والدلالة على ربوبية الله وحكمته، كيف جعل الليل سكنا ولباسا؟ يغشى العالم، فتسكن فيه الحركات، وتأوى الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وثباتها، وتطلعت إلى معايشها وتصرفها. جاء فالق الإصباح سبحانه بالنهار، فقدم حيثه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وأزالها وكشفها عن العالم، فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان، وتصرف في معايشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من ميعاد! ونشأة دال على قدرة الله سبحانه على المعاد الأكبر، وتكرره ومشاهدة النفوس له بحيث صار عادة ومألفا، منعها من الاعتبار والاستدلال به على النشأة الثانية، وإحياء الخلق بعد موتهم، كما وردت السنة بذلك، أنه يستجاب للعبد إذا قام من نومه يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد موتنا وإليه النشور".
(2) زيادة من أ.
(3) في ت: "فلم يجيبوا".
(6/252)

قال الأعمش، عن المِنْهَال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس قال: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى } ، قال: كان ابن عمه. وهكذا قال إبراهيم النَّخَعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن حرب، وقتادة، ومالك بن دينار، وابن جُرَيْج، وغيرهم: أنه كان ابن عم موسى، عليه السلام (1) .
قال ابن جُرَيْج: هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى بن عمران بن قاهث.
وزعم محمد بن إسحاق بن يَسَار: أن قارون كان عمَّ موسى (2) ، عليه السلام.
قال ابن جرير: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دِعَامة: كنا نُحدّث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنوّر لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله.
وقال شَهْر بن حَوْشَب: زاد في ثيابه شبرًا طولا ترفعًا على قومه.
وقوله: { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ } أي: [من] (3) الأموال { مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } أي: لَيُثقلُ حملُها الفئامَ من الناس لكثرتها.
قال الأعمش، عن خَيْثَمَةَ: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حُملت على ستين بغلا أغر محجلا. وقيل: غير ذلك، والله أعلم.
وقوله: { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } أي: وعظه فيما هو فيه صالح قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون: لا تبطر بما أنت فيه من الأموال (4) { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ } قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.
وقوله: { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة، في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة. { وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } أي: مما أباح الله فيها (5) من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك
__________
(1) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(2) في ف، أ: "موسى بن عمران".
(3) زيادة من ت.
(4) في ت، ف، أ: "المال".
(5) في ت، ف: "لك".
(6/253)

حقًّا، ولزورك عليك حقا، فآت كل ذي حق حقه.
{ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } أي: أحسن إلى خلقه كما أحسن هو إليك { وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ } أي: لا تكنْ همتك بما أنت فيه أن تفسد به الأرض (1) ، وتسيء إلى خلق الله { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } .
__________
(1) في أ: "في الأرض".
(6/254)

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
{ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) } .
يقول تعالى مخبرًا عن جواب قارون لقومه، حين نصحوه وأرشدوه إلى الخير { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } أي: أنا لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: { فَإِذَا (1) مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ } [ الزمر : 49 ] أي: على علم من الله بي، وكقوله تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي } [ فصلت : 50 ] أي: هذا أستحقه.
وقد رُوي عن بعضهم أنه أراد: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } أي: إنه كان يعاني علم الكيمياء: وهذا القول ضعيف؛ لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل؛ لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } [ الحج : 73 ] ، وفي الصحيح عن النبي (2) صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله تعالى: ومَنْ أظلم مِمَّنْ ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة" (3) . وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بِمَنْ يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون على الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون فأما ما يجريه الله تعالى (4) من خَرْق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات، واختياره وفعله، كما روي عن حَيْوة بن شُرَيح المصري، رحمه الله، أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر. والأحاديث والآثار [في هذا] (5) كثيرة جدًّا يطول ذكرها.
__________
(1) في ت، أ: "وإذا" وهو خطأ.
(2) في ف: "رسول الله".
(3) صحيح البخاري برقم (5953) وصحيح مسلم برقم (2111).
(4) في ت، ف: "سبحانه".
(5) زيادة من ت، ف، أ.
(6/254)

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
وقال بعضهم: إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم، فدعا الله به، فتموّل بسببه. والصحيح المعنى الأول؛ ولهذا قال الله تعالى -رادًّا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } أي: قد كان من هو أكثر منه مالا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: { وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } أي: لكثرة ذنوبهم.
قال قتادة: { عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } : على خير عندي.
وقال السدي: على علم أني أهل لذلك.
وقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } قال: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ } [وهكذا يقول مَنْ قل علمه إذا رأى مَنْ وسع الله عليه يقول: لولا أنه يستحق ذلك لما أعطي] (1) .
{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ (80) } .
يقول تعالى مخبرًا عن قارون: إنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه مَنْ يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زُخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، قالوا: { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } أي: ذو حظ وافر من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: { وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون.
[كما في الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (2) [ السجدة : 17 ] (3) .
وقوله: { وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ } : قال السدي: وما يلقى الجنة (4) إلا الصابرون. كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: وما يلقى (5) هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون في الدار الآخرة. وكأنه جعل ذلك مقطوعًا من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك.
{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) }
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) زيادة من ت، ف، أ.
(3) صحيح مسلم برقم (2824).
(4) في أ: "وما يلقاها أي الجنة".
(5) في أ: "وما يلقاها".
(6/255)

لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته، وفخره على قومه وبغيه عليهم، عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح -عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم -أن أباه حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به (1) ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" .
ثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحوه (2) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش، عن عطية (3) ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (4) صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمَنْ كان قبلكم، خرج في بُرْدَيْن أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة". تفرد به أحمد (5) ، وإسناده حسن.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خَيْثَمَةَ، حدثنا أبو معلى بن منصور (6) ، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زيادًا النميري يحدث عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا رجل فيمن (7) كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" (8) .
وقد ذكر [الحافظ] (9) محمد بن المنذر -شكَّر -في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابًّا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني. قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب.
وقد ذُكر أن هلاك قارون كان عن دعوة نبي الله موسى عليه السلام (10) واختلف في سببه، فعن ابن عباس والسدي: أن قارون أعطى امرأة بَغِيَّا مالا على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله، فتقول: يا موسى، إنك فعلت بي كذا وكذا. فلما قالت في الملأ ذلك (11) لموسى عليه السلام، أرْعِدَ من الفَرَق، وأقبل عليها (12) وصلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فَرَق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا و[فعل] (13) كذا،
__________
(1) في ت: "خسف الله به".
(2) صحيح البخاري برقم (5790).
(3) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".
(4) في ت: "النبي".
(5) المسند (3/40).
(6) في هـ: "أبو يعلى بن منصور" والصواب ما أثبتناه من مسند أبي يعلى.
(7) في ف، أ:"ممن".
(8) مسند أبي يعلى (7/279) وقال الهيثمي في المجمع (5/126) : "فيه زياد بن عبد الله النميري وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان وقال: يخطئ".
(9) زيادة من ف، أ.
(10) في ت: "صلى الله عليه وسلم".
(11) في أ: "بذلك".
(12) في أ: "بعد ما".
(13) زيادة من ف، أ.
(6/256)

لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت؟ فقالت: أما إذ نَشَدْتَني فإن قارون أعطاني كذا وكذا، على أن أقول لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خَرّ موسى لله عز وجل ساجدًا، وسأل الله في قارون. فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان (1) ذلك.
وقيل: إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك، وهو راكب على البغال الشّهب، وعليه وعلى خدمه الثياب الأرجوان الصّبغة (2) ، فمر في جَحْفَله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام، وهو يذكرهم بأيام الله. فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلى ما هو فيه. فدعاه موسى عليه السلام، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا موسى، أما لئن كنت فُضِّلتَ عَلَيَّ بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لتخرجن، فلتدعون عليّ وأدعو عليك. فخرج وخرج قارون في قومه، فقال موسى (3) : تدعو أو أدعو أنا؟ قال: بل أنا أدعو. فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى (4) : أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم، مُر الأرض أن تطيعني (5) اليوم. فأوحى الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلى أقدامهم. ثم قال: خذيهم. فأخذتهم إلى ركبهم، ثم إلى مناكبهم. ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوى (6) فاستوت بهم الأرض.
وعن ابن عباس أنه قال: خُسف بهم إلى الأرض السابعة.
وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة.
وقد ذكر ها هنا إسرائيليات [غريبة] (7) أضربنا عنها صفحًا.
وقوله: { فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } أي: ما أغنى عنه مالُه، وما جَمَعه، ولا خدمه و [لا] (8) حشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله [به] (9) ، ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له[لا] (10) من نفسه، ولا من غيره.
وقوله تعالى: { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ } أي: الذين لما رأوه في زينته قالوا { يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ، فلما خسف به أصبحوا يقولون: { وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي: ليس المال بدالّ على رضا الله عن صاحبه [وعن عباده] (11) ؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب" (12) .
{ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } أي: لولا لُطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا، كما خسف
__________
(1) في ف، أ: "وكان".
(2) في ت، ف، أ: "المصبغة".
(3) في ت: "صلى الله عليه وسلم". وفي ف، أ: "عليه السلام".
(4) في ف، أ: "قال: يا موسى".
(5) في ت: "فلتطعني".
(6) في أ: "اذهبوا به لا أرى".
(7) زيادة من ت، ف.
(8) زيادة من ت، ف.
(9) زيادة من أ.
(10) زيادة من أ.
(11) زيادة من أ.
(12) المسند (1/387).
(6/257)

تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)
به، لأنا وَددْنا أن نكون مثله.
{ وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } يعنون: أنه كان كافرًا، ولا يفلح الكافر عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى [ها هنا] (1) : { وَيْكَأَنَّ } ، فقال بعضهم: معناها: "ويلك اعلم أن" ، ولكن خُفّفت فقيل: "ويك"، ودلَّ فتح "أن" على حذف "اعلم". وهذا القول ضعَّفه ابن جرير (2) ، والظاهر أنه قوي، ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة "ويكأن". والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم.
وقيل: معناها: ويكأن، أي: ألم تر أن. قاله قتادة. وقيل: معناها "وي كأن" ، ففصلها وجعل حرف "وي" (3) للتعجب أو للتنبيه، و"كأن" بمعنى "أظن وأحسب". قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة: إنها بمعنى: ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر (4) :
سَألَتَاني الطَّلاق أنْ رَأتَاني ... قَلّ مَالي، وقَدْ جئْتُمَاني بِنُكر ...
وَيْكأنْ مَنْ يكُن له نَشَب يُحْ ... بَبْ ومن يَفْتقر يَعش عَيشَ ضُرّ ...
{ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) } .
يخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، أي: ترفعًا على خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم، ولا فسادًا فيهم. كما قال عكرمة: العلو: التجبر.
وقال سعيد بن جبير: العلو: البغي.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم (5) البطين: العلو في الأرض: التكبر بغير حق. والفساد: أخذ المال بغير حق.
وقال ابن جُرَيْج: { لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ } تعظمًا وتجبرًا (6) ، { وَلا فَسَادًا } : عملا بالمعاصي.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان (7) ، عن أبى سلام الأعرج، عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فيدخل (8) في قوله: { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } .
__________
(1) زيادة من ت، ف، أ.
(2) تفسير الطبري (20/77).
(3) في أ: "أي".
(4) هو زيد بن عمرو بن نفيل، والبيت في تفسير الطبري (20/77).
(5) في أ: "سالم".
(6) في ف: "ولا تجبرا".
(7) في أ: "أشعب السماك".
(8) في أ: "فدخل".
(6/258)

وهذا محمول على ما إذا أراد [بذلك] (1) الفخر [والتطاول] (2) على غيره؛ فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه قال] (3) إنه أوحي إليّ أن تواضَعُوا، حتى لا يفخَرَ أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد" (4) ، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمّل فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي حسنًا ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: "لا إن الله جميل يحبّ الجمال".
وقال (5) : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } أي: يوم القيامة { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } أي: ثواب الله خير من حَسَنَة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافًا كثيرة فهذا (6) مقام الفضل.
ثم قال: { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ، كما قال في الآية الأخرى: { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ النمل : 90 ] وهذا مقام الفصل والعدل.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ت، ف، أ.
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(4) صحيح مسلم برقم (2865) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه.
(5) في ت، ف: "وقوله".
(6) في ف: "وهذا".
(6/259)

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
{ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) } .
يقول تعالى آمرًا رسولَه، صلوات الله وسلامه عليه، ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبرًا له بأنه سيرده إلى معاد، وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة؛ ولهذا قال: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } أي: افترض عليك أداءه إلى الناس ، { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } أي: إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } [ الأعراف : 6 ]، وقال { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ] (1) } [ المائدة : 109 ] [وقال]: (2) { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ } [ الزمر : 69 ].
وقال السدي عن أبي صالح، عن (3) ابن عباس: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } ، يقول: لرادُّك إلى الجنة، ثم سائلك عن القرآن. قال السدي: وقال أبو سعيد مثلها.
وقال الحكم بن أَبان، عن عِكْرمِة ، [و] (4) عن ابن عباس، رضي الله عنهما: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } قال: إلى يوم القيامة. ورواه مالك، عن الزهري.
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) زيادة من ت، أ.
(3) في ت: "وقال".
(4) زيادة من ت.
(6/259)

وقال الثوري، عن الأعمش، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس (1) : { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } : إلى الموت.
ولهذا طُرُقٌ عن ابن عباس، رضي الله عنهما، وفي بعضها: لرادك إلى معدنك من الجنة.
وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة. وكذا روي عن عكرمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي قَزَعَةَ، وأبي مالك، وأبي صالح.
وقال الحسن البصري: أي والله، إن له لمعادًا (2) ، يبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة.
وقد رُوي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه (3) :
حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العُصْفُريّ، عن عكرمة، عن ابن عباس: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } قال: إلى مكة.
وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى -وهو ابن عبيد الطَّنَافِسيّ -به (4) . وهكذا روى العَوْفيّ، عن ابن عباس: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } أي: لرادك إلى مكة كما أخرجك منها.
وقال محمد بن إسحاق، عن مجاهد في قوله: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } : إلى مولدك بمكة.
قال ابن أبي حاتم: وقد روى عن ابن عباس، ويحيى بن الجزار، وسعيد بن جبير، وعطية، والضحاك، نحو ذلك.
[وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة، عن الضحاك] (5) قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجُحْفَة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } إلى مكة.
وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية، وإن كان مجموع السورة مكيا، والله أعلم.
وقد قال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها، وقد رَوَى ابنُ أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ أنه قال في قوله: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } قال: إلى بيت المقدس.
وهذا -والله أعلم -يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة؛ لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، والله الموفق للصواب.
ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجله، صلوات الله وسلامه عليه (6) ، كما فسره ابن عباس
__________
(1) في ت: "وعنه".
(2) في ت: "إنه لمعاد".
(3) في ت: "كما روى البخاري بإسناده".
(4) النسائي في السنن الكبرى برقم (11386) وتفسير الطبري (20/80).
(5) زيادة من ف، أ.
(6) في أ: "أجل النبي صلى الله عليه وسلم".
(6/260)

بسورة { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } أنه أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نُعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الجن والإنس، ولأنه أكمل خلق الله، وأفصح (1) خلق الله، وأشرف خلق الله على الإطلاق.
وقوله: { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: قل -لِمَنْ خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومَنْ تبعهم على كفرهم -قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، ولِمَنْ تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى مذكِّرًا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم: { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } أي: ما كنت تظن قبل إنزال الوحي (2) إليك أن الوحي ينزل عليك، { إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أي: إنما نزل (3) الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة { فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا } أي: معينًا { لِلْكَافِرِينَ } [أي] (4) : ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم.
{ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ } أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك (5) لا تلوي على ذلك ولا تباله؛ فإن الله مُعْلٍ كلمتك، ومؤيدٌ دينك، ومظهر ما أرسلت (6) به على سائر الأديان؛ ولهذا قال: { وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } أي: إلى عبادة ربك وحده لا شريك له، { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .
وقوله: { وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: لا تليق العبادة إلا له ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته.
وقوله: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } : إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } [ الرحمن : 26 ، 27 ]، فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } أي: إلا إياه.
وقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها شاعر [كلمة] (7) لبيد:
ألا كلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ (8)
وقال مجاهد والثوري في قوله: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } أي: إلا ما أريد به وجهه،
__________
(1) في أ: "وأنصح".
(2) في أ: "الذكر".
(3) في ت، أ: "أنزل".
(4) زيادة من أ.
(5) في أ: "طريقتك".
(6) في أ: "ما أرسلك".
(7) زيادة من ف، أ، وصحيح البخاري.
(8) صحيح البخاري برقم (3841) وصحيح مسلم برقم (2256).
(6/261)

وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له.
قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:
أسْتَغْفِرُ اللهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبّ العبَاد، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ ...
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله (1) عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية (2) وهالكة وزائلة إلا ذاته (3) تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.
قال (4) أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب "التفكر والاعتبار": حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان (5) ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخربة فيقف على بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } .
وقوله: { لَهُ الْحُكْمُ } أي: الملك والتصرف، ولا معقب لحكمه، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: يوم معادكم، فيجزيكم (6) بأعمالكم، إن كان خيرا فخير، وإن شرا فشر.
[والله أعلم. آخر تفسير سورة "القصص"] (7)
تفسير سورة العنكبوت
__________
(1) في ف: "به وجه الله" وفي أ: "به وجهه".
(2) في ت: "تفنى".
(3) في ت: "وجهه".
(4) في ت: "وروى".
(5) في ت: "بسنده أن".
(6) في ت: "فيجازيكم".
(7) زيادة من ف، أ.
(6/262)

الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)
بسم الله الرحمن الرحيم
[وهي] (1) مكية.
{ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) } .
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة".
وقوله: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ } استفهام إنكار، ومعناه: أن الله سبحانه وتعالى لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، كما جاء في الحديث الصحيح: "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء" (2) . وهذه الآية كقوله: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } (3) [آل عمران: 142]، ومثلها في سورة "براءة" وقال في البقرة: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [البقرة: 214]؛ ولهذا قال هاهنا : { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } أي: الذين صدقوا في دعواهم الإيمان مِمَّنْ هو كاذب في قوله ودعواه. والله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون (4) . وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة؛ ولهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل: { إِلا لِنَعْلَمَ } [البقرة: 143]: إلا لنرى؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه [يتعلق] (5) بالمعدوم والموجود.
وقوله: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما
__________
(1) زيادة من ف، أ.
(2) المسند (1/172) والترمذي في السنن برقم (2398) من طريق مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(3) هكذا وقعت الآية في جميع المخطوطات، والصواب بعدم إثبات قوله تعالى: (ويعلم الصابرين) لأنها ليست نهاية تذييل الآية ونهاية تذييل الآية: (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون).
(4) في ف، أ: "كيف كان يكون".
(5) زيادة من ف، أ.
(6/263)


الكتاب : تفسير القرآن العظيم
المؤلف : أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي [ 700 -774 هـ ]
المحقق : سامي بن محمد سلامة
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م
عدد الأجزاء : 8
مصدر الكتاب : موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
www.qurancomplex.com
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ، والصفحات مذيلة بحواشي المحقق ] مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6)
هو أغلظ من هذا وأطم؛ ولهذا قال: { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا } أي: يفوتونا، { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي: بئس ما يظنون.
{ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) }
(6/264)

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) } .
يقول تعالى: { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ } أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملا موفورا (1) ، فإن ذلك كائن لا محالة؛ لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات (2) ؛ ولهذا قال: { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .
وقوله: { وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } ، كقوله: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ } [فصلت: 46] أي: من عمل صالحا فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله غني عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل [واحد] (3) منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئا؛ ولهذا قال: { وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } .
قال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد، وما ضرب يوما من الدهر بسيف.
ثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من إحسانه وبره بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما (4) كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويجزي على السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } [النساء: 40]، وقال هاهنا: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ }
{ وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) } .
يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه (5) غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } [الإسراء: 23، 24].
__________
(1) في أ: "موفرا".
(2) في ت: "بصير بالكائنات".
(3) زيادة من أ.
(4) في ت، ف، أ: "الذي".
(5) في أ: "إليه".
(6/264)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)
ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع مَنْ أحب، أي: حبا دينيا؛ ولهذا قال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } .
وقال (1) الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سِمَاك بن حرب قال: سمعت مُصعَب بن سعد يحدث عن أبيه سعد، قال: نزلت فيَّ أربع آيات. فذكر قصة، وقالت أم سعد: أليس قد أمرك الله بالبر؟ والله لا أطعَمُ طعاما ولا أشرب شرابا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شَجَروا فاها، فأنزل الله (2) { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ } الآية.
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي أيضا (3) ، وقال الترمذي: حسن صحيح.
{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) } .
يقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من [المكذبين] (4) الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ ولهذا قال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } .
قال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وكذا قال غيره من علماء السلف. وهذه الآية كقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } [الحج: 11].
ثم قال: { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } أي: ولئن جاء نصر قريب من ربك -يا محمد -وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم، أي [كنا] (5) إخوانكم في الدين، كما
__________
(1) في ت: "وروى".
(2) في ت، ف: "فنزلت".
(3) سنن الترمذي برقم (3079) والمسند (1/181) وصحيح مسلم برقم (1748) وسنن أبي داود برقم (2740).
(4) زيادة من ف، أ.
(5) زيادة من ف.
(6/265)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)
قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [النساء: 141]، وقال تعالى: { فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ } [المائدة: 52].
وقال تعالى مخبرا عنهم هاهنا: { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } ، ثم قال تعالى: { أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } أي: أوليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تكنُّه ضمائرهم، وإن أظهروا لكم الموافقة؟
وقوله: { وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } أي: وليختبرَنّ الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، ومن يطيع الله في الضراء والسراء، إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [محمد: 31]، وقال تعالى بعد وقعة أحد، التي كان فيها ما كان من الاختبار والامتحان: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } الآية [آل عمران: 179]، [والله أعلم] (1) .
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) } .
يقول تعالى مخبرا عن كفار قريش: أنهم قالوا لِمَنْ آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا، واتبعوا سبيلنا، { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } أي: وآثامكم -إن كانت لكم آثام في ذلك -علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: "افعل هذا وخطيئتك في رقبتي". قال الله تكذيبا لهم: { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } أي: فيما قالوه: إنهم يحملون عن أولئك خطاياهم، فإنه لا يحمل أحد وزر أحد، { وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } [فاطر: 18]، وقال تعالى: { وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا. يُبَصَّرُونَهُمْ } [المعارج: 10، 11].
وقوله: { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ } : إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة، أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم، وأوزارًا أخَر بسبب مَنْ أضلوا مِنَ الناس، من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا، كما قال تعالى: { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } [النحل: 25].
وفي الصحيح: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، وَمَنْ دعا إلى ضلالة كان عليه مِنَ الإثم مثل آثام مَنِ اتبعه إلى يوم
__________
(1) زيادة من ف.
(6/266)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)
القيامة، من غير أن ينقص من آثامهم شيئا" (1) وفي الصحيح: "ما قتلت نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سَنّ القتل" (2) .
وقوله: { وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } أي: يكذبون ويختلقون من البهتان.
وقد ذكر (3) ابن أبي حاتم هاهنا حديثا فقال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا عثمان بن حفص بن أبي العالية، حدثني سليمان بن حبيب المحاربي (4) عن أبي أمامة، رضي الله عنه، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغ ما أرسل به، ثم قال: "إياكم والظلم، فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي لا يجوزني اليوم ظلم! ثم ينادي مناد فيقول: أين فلان ابن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال، فيشخص الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي الله الرحمن عز وجل ثم يأمر المنادي فينادي (5) من كانت له تِبَاعة -أو: ظُلامة -عند فلان ابن فلان، فهلمّ. فيقبلون حتى يجتمعوا قياما بين يدي الرحمن، فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي. فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم: خذوا لهم من حسناته. فلا يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة، وقد بقي من أصحاب الظلامات، فيقول: اقضوا عن عبدي. فيقولون: لم يبق له حسنة. فيقول: خذوا من سيئاتهم فاحملوها عليه". ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة: { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } .
وهذا الحديث له شاهد (6) في الصحيح (7) من غير هذا الوجه.
وقال (8) ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء، عن أبي حمزة (9) الثمالي، عن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ، إن المؤمن يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كُحْل عينيه، وعن فتات الطينة بإصبعيه (10) ، فلا ألْفَيَنَّكَ تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك (11) الله منك" (12) .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) }
__________
(1) تقدم تخريج الحديث عند الآية: 2 من سورة المائدة.
(2) تقدم تخريج الحديث عند الآية: 30 من سورة المائدة.
(3) في ت: "روى".
(4) في أ: "البخاري".
(5) في ت، ف: "أن ينادي".
(6) في ف، أ: "شواهد".
(7) بعدها في ت، أ: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال وقد ظلم هذا، وأخذ مال هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبق له حسنة، أخذ من سيئاتهم، فطرح عليه".
(8) في ت: "وروى".
(9) في أ: "عن أبي النسائي".
(10) في أ: "بإصبعه".
(11) في ت، ف: "أتاه".
(12) ورواه أبو نعيم في الحلية ( 10/31) من طريق إسحاق بن أبي حسان عن أحمد بن أبي الحواري به.
(6/267)

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)
{ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) } .
هذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه، يخبره عن نوح (1) عليه السلام: أنه مكث (2) في قومه هذه المدة يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، وسرا، وجهارًا،
__________
(1) في ت: "قوم نوح".
(2) في أ: "لبث".
(6/267)

ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارا عن الحق، وإعراضا عنه وتكذيبا له، وما آمن معه منهم إلا قليل؛ ولهذا قال: { فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت -يا محمد -لا تأسف على مَنْ كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم؛ فإن الله يهدي مَنْ يشاء ويضل مَنْ يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع (1) الأمور ، { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس: 96،97]، واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك، ويذل عدوّك، ويكبتهم ويجعلهم أسفل السافلين.
قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهَك (2) ، عن ابن عباس قال: بعث نوح وهو لأربعين سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وعاش بعد الطوفان ستين عاما، حتى كثر الناس وفشوا.
وقال قتادة: يقال إن عمره كله [كان] (3) ألف سنة إلا خمسين عاما، لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلثمائة سنة، ودعاهم ثلثمائة ولبث بعد الطوفان ثلثمائة وخمسين سنة.
وهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما.
وقال عون بن أبي شداد: إن الله أرسل نوحا إلى قومه وهو ابن خمسين وثلثمائة سنة، فدعاهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ثم عاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة.
وهذا أيضا غريب، رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وقول ابن عباس أقرب، والله أعلم.
وقال الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما. قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا.
وقوله: { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } أي: الذين آمنوا بنوح عليه السلام. وقد تقدَّم ذكر ذلك مفصلا في سورة "هود" ، وتقدَّم تفسيره بما أغنى عن إعادته.
وقوله: { وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } أي: وجعلنا تلك السفينة باقية، إما عينها كما قال قتادة: إنها بقيت إلى أول الإسلام على جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه على الخلق، كيف نجاهم من الطوفان، كما قال تعالى: { وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ . وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ . وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ . إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } [يس: 41-44]، وقال تعالى: { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ . لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } [الحاقة: 11، 12]، وقال هاهنا : { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } ، وهذا من باب التدريج من الشخص إلى الجنس، كقوله تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ } [الملك: 5]
__________
(1) في ف: "يرجع".
(2) في أ: "وائل".
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(6/268)

وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18)
أي: وجعلنا نوعها، فإن التي يرمى (1) بها ليست هي التي زينة للسماء (2) . وقال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } [المؤمنون: 12، 13]، ولهذا نظائر كثيرة.
وقال ابن جرير: لو قيل: إنّ الضمير في قوله: { وَجَعَلْنَاهَا } (3) ، عائد إلى العقوبة، لكان وجهًا، والله أعلم.
{ وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) } .
يخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء: أنه دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده لا شريك له، وتوحيده في الشكر (4) ، فإنه المشكور على النعم، لا مُسْدٍ لها غيره، فقال لقومه: { اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ } أي: أخلصوا له العبادة والخوف، { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة، واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة.
ثم أخبرهم أن الأصنام التي يعبدونها والأوثان، لا تضر ولا تنفع، وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء، سميتموها (5) آلهة، وإنما هي مخلوقة مثلكم. هكذا روى العوفي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، والسدي.
وروى الوالبي (6) ، عن ابن عباس: وتصنعون إفكا، أي: تنحتونها أصناما. وبه قال مجاهد -في رواية -وعكرمة، والحسن، وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جرير، رحمه الله.
وهي لا تملك لكم رزقا، { فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } وهذا أبلغ في الحصر، كقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة: 5]، { رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } [التحريم: 11]، ولهذا قال: { فَابْتَغُوا } أي: فاطلبوا { عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ } أي: لا عند غيره، فإن غيره لا يملك شيئا، { وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ } أي: كلوا من رزقه واعبدوه وحده (7) ، واشكروا له على ما أنعم به عليكم، { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله.
وقوله: { وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي: فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } يعني: إنما على الرسول أن يبلغكم ما أمره الله تعالى
__________
(1) في ف: "ترمى"
(2) في أ: "السماء".
(3) في ت: "وجعلناها آية للعالمين".
(4) في أ: "الشرك".
(5) في ف: "فسميتموها".
(6) في أ: "البخاري".
(7) في ف، أ:"وحده لا شريك له".
(6/269)

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23)
به من الرسالة، والله يضل مَنْ يشاء ويهدي مَنْ يشاء، فاحرصوا (1) لأنفسكم أن تكونوا من السعداء.
وقال قتادة في قوله: { وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } قال: يُعزي نبيه صلى الله عليه وسلم. وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول، واعترض بهذا إلى قوله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } . وهكذا نص على ذلك ابن جرير أيضا (2) .
والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل، عليه السلام[لقومه] (3) يحتج عليهم لإثبات المعاد، لقوله بعد هذا كله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } ، والله أعلم.
{ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) } .
يقول تعالى مخبرًا عن الخليل عليه السلام، أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه، بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم، بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا، ثم وجدوا وصاروا أناسا سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته؛ فإنه سهل عليه يسير لديه.
ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة (4) من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة: الثوابت، والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال، وأودية وبرارٍ وقفار، وأشجار وأنهار، وثمار وبحار، كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: كن، فيكون؛ ولهذا قال: { أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } ، كقوله: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [الروم: 27].
ثم قال تعالى: { قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ } أي: يوم القيامة، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } [فصلت: 53]، وكقوله تعالى: { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ } [الطور: 35، 36].
وقوله: { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ } أي: هو الحاكم المتصرف، الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر، مهما فعل فَعَدْلٌ؛ لأنه
__________
(1) في ت: "فأخلصوا".
(2) تفسير الطبري (20/89).
(3) زيادة من أ.
(4) في أ: "الباهرة".
(6/270)

المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم" (1) . ولهذا قال تعالى: { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } أي: ترجعون يوم القيامة.
وقوله: { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ } أي: لا يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه.
{ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ } أي: جحدوها (2) وكفروا بالمعاد، { أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي } أي: لا نصيب لهم فيها، { وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: موجع في الدنيا والآخرة.
__________
(1) رواه أبو داود في السنن برقم (4699) وابن ماجه في السنن برقم (77) من حديث أبي بن كعب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما.
(2) في ت، ف، أ: "جحدوا بها".
(6/271)

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)
{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) } .
يقول تعالى مخبرا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودفعهم الحق بالباطل: أنه ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة على الهدى والبيان، { إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ } ، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان، وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلى استعمال جاههم وقوة ملكهم، { قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ } [الصافات: 97، 98]، وذلك أنهم حَشَدوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحَوّطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار، فارتفع لها لهب إلى عَنَان السماء: ولم توقد (1) نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفَّة المنجنيق، ثم قذفوا به فيها، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وخرج منها سالما بعد ما مكث فيها أياما. ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إماما. فإنه بذل نفسه للرحمن، وجسده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع على محبته جميع أهل الأديان.
وقوله: { فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ } أي: سَلَّمه [الله] (2) منها، بأن جعلها عليه بردا وسلاما، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يقول لقومه مقرِّعا لهم وموبخا على سوء صنيعهم، في عبادتهم الأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا على عبادتها في الدنيا، صداقة وألفة منكم، بعضكم لبعض في الحياة الدنيا. وهذا على قراءة من نصب { مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } ، على أنه مفعول له، وأما على قراءة الرفع فمعناه: إنما اتخاذكم (3) هذا يُحَصّل لكم المودة
__________
(1) في ت: "توجد".
(2) زيادة من ت، ف.
(3) في ف، أ: "إنما اتخذتم".
(6/271)

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)
في الدنيا فقط { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بَغْضَة وشنآنا، فـ { يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ } أي: تتجاحدون ما كان بينكم، { وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } أي: يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون (1) الأتباع، { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا } [الأعراف: 38]، وقال تعالى: { الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67]، وقال هاهنا { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلى النار، وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله. وهذا حال الكافرين، فأما المؤمنون فبخلاف ذلك.
قال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحْمَسي (3) حدثنا أبو عاصم الثقفي [حدثنا] (4) الربيع بن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن جعدة بن هُبَيْرة المخزومي، عن أبيه، عن جده (5) عن أم هانئ -أخت علي بن أبي طالب -قالت: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "أخبرِك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فَمَنْ يدري أين الطرفان " (6) ، فقالت الله ورسوله أعلم . "ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، فيشرئبون" قال أبو عاصم: يرفعون رؤوسهم . "ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم" قال: "فيقول الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظُلامات الدنيا -يعني: المظالم -ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ليعف بعضكم عن بعض، وعلى الله الثواب" (7) .
{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) } .
يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم: أنه آمن له لوط، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو: لوط بن هاران بن آزر، يعني: ولم يؤمن به من قومه سواه، وسارة امرأة [إبراهيم] (8) الخليل. لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الوارد في الصحيح (9) : أن إبراهيم حين مَرّ على ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة: ما هي منه؟ فقال: [هي] (10) أختي، ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له: "إنك: أختي"، فلا تكذبيني، فإنه ليس على وجه الأرض [أحد] (11) مؤمن غيرك وغيري (12) ، فأنت أختي في الدين. وكأن المراد من هذا -والله أعلم -أنه ليس على وجه
__________
(1) في ت، ف: "المتبوعين" وهو خطأ.
(2) في ت: "روى".
(3) في أ: "الأحمصي".
(4) زيادة من ف، أ.
(5) في ت: "بإسناده".
(6) في ت، ف: "الطرفين".
(7) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (4803) من طريق محمد بن إسماعيل الأحمسي به، وقال: "لا يروى عن أم هانئ إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو عاصم". وقال الهيثمي في المجمع (10/355) : "فيه أبو عاصم - الربيع بن إسماعيل - منكر الحديث، قاله أبو حاتم".
(8) زيادة من ف، أ.
(9) صحيح مسلم برقم (2371).
(10) زيادة من ت.
(11) زيادة من ت، أ.
(12) في ت: "غيري وغيرك".
(6/272)

الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطا عليه السلام، آمن به من قومه، وهاجر معه إلى بلاد الشام، ثم أرسِل في حياة الخليل إلى أهل "سَدوم" وإقليمها، وكان من أمرهم (1) ما تقدم وما سيأتي.
وقوله: { وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } يحتمل عود الضمير في قوله: { وَقَالَ } ، على لوط، لأنه (2) أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلى إبراهيم -قال (3) ابن عباس، والضحاك: وهو المكنى عنه بقوله: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } أي: من قومه.
ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك؛ ولهذا قال: { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ } أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، { الْحَكِيمُ } في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية.
وقال قتادة: هاجرا جميعا من "كوثى"، وهي من سواد (4) الكوفة إلى الشام. قال: وذُكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلى مُهَاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، حتى تلفظهم أرضهم وتقذرُهم روح الله، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقِيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم".
وقد أسند الإمام أحمد هذا الحديث، فرواه مطولا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال (5) : حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، عن شَهْر بن حَوْشَب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البِكَالي، فجئته؛ إذ جاء رجل، فانتبذَ الناس وعليه خَمِيصة، وإذا (6) هو عبد الله بن عمرو بن العاص. فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مُهَاجرَ إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم (7) أرضوهم، تقْذَرهم نفسُ الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير فتبيت معهم إذا باتوا، وتَقِيل معهم إذا قالوا، وتأكل منهم من تَخَلَّف". قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيخرج أناس (8) من أمتي من قبل المشرق، يقرؤون القرآن لا يجاوز تَرَاقِيهم، كلما خرج منهم قرن قُطع، كلما خرج منهم قرن قطع" حتى عَدّها زيادة على عشرين مرة "كلما خرج منهم قرن قطع، حتى يخرج الدجال في بقيتهم" (9) .
ورواه أحمد عن أبي داود، وعبد الصمد، كلاهما عن هشام الدَّسْتُوائي، عن قتادة، به (10)
وقد رواه أبو داود في سننه، فقال في كتاب الجهاد، باب ما جاء في سكنى الشام:
حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني [أبي] (11) ، عن قتادة، عن شهر بن
__________
(1) في ت: "إبراهيم".
(2) في ت، ف: "الذي هو".
(3) في أ: "قاله".
(4) في ف، أ: "من أرض سواد".
(5) في أ: "فقال".
(6) في ف: "فإذا".
(7) في ف: "تلفظهم".
(8) في ت: "ناس".
(9) المسند (2/198).
(10) المسند (2/209).
(11) زيادة من سنن أبي داود.
(6/273)

حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مُهاجَر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضهم وتَقْذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير" (1) .
وقال (2) الإمام أحمد أيضا: حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حيَّة، عن شهر بن حوشب قال: سمعت (3) عبد الله بن عُمَر يقول (4) لقد رأيتُنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم لقد رأيتنا بآخِرَة الآن، والدينار والدرهم أحب إلى أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم الله مذلَّة في أعناقكم، ثم لا تنزع منكم حتى ترجعوا إلى ما كنتم عليه، وتتوبوا إلى الله عز وجل" . وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لتكونن هجرة بعد هجرة إلى مُهاجر أبيكم إبراهيم حتى لا يبقى في الأرضين (5) إلا شرار أهلها وتلفظهم أرضوهم، وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تقيل حيث يقيلون (6) ، وتبيت حيث يبيتون، وما سقط منهم فلها". ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم -قال يزيد: لا أعلمه إلا قال -يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه. كلما طلع منهم قرن قَطعَه الله". فردد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين مرة، أو أكثر، وأنا أسمع (7) .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الحُسَيْن بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن يزيد وهشام بن عمار الدمشقيان قالا حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع -وقال أبو النضر، عمن حدَّثه، عن نافع -عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة، إلى مهاجَر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون (8) وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم".
غريب من حديث نافع. والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، والله أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلى الحفظ.
وقوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } ، كقوله تعالى: { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا } [مريم: 49] أي: إنه لما فارق قومَه أقرّ الله عينه بوجود ولد صالح نبي [وولد له ولد صالح] (9) في حياة جده. وكذلك (10) قال الله: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [الأنبياء: 72]
__________
(1) سنن أبي داود برقم (2482).
(2) في ت: "وروى".
(3) في ت: "عن".
(4) في أ: "سمعت عبد الله بن عمرو قال".
(5) في ت، ف: "الأرض".
(6) في، هـ، ت، ف، أ: "تقيل معهم حيث قالوا" والمثبت من المسند.
(7) المسند (2/84) وقال الهيثمي في المجمع (5/251) "فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف" وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (11/380) "سنده لا بأس به".
(8) في ف: "الأرض.
(9) زيادة من ت، ف.
(10) في ف: "ولذلك".
(6/274)

أي: زيادة، كما قال: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } أي: ويولَد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقر به أعينكما. وكون يعقوب ولد لإسحاق نص عليه القرآن، وثبتت به السنة النبوية، قال الله: { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 133]، وفي الصحيحين: "إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابن الكريم يوسفُ بنَ يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيم" (1) .
فأما ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [نَافِلَةً] } (2) ، قال: "هما ولدا إبراهيم". فمعناه: أن ولد الولد بمنزلة الولد؛ فإن هذا أمر لا يكاد يخفى على من هو دون ابن عباس.
وقوله: { وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } ، هذه خِلْعَة (3) سَنية عظيمة، مع اتخاذ الله إياه خليلا وجعله للناس إماما، أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم عليه السلام، إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سُلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم، فقام في ملئهم مبشرا بالنبي العربي القرشي الهاشمي، خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، الذي اصطفاه الله من صميم العرب العَرْباء، من سلالة إسماعيل بن إبراهيم، عليهم السلام: ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام [من الله تعالى] (4) .
وقوله: { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } أي: جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهنيَّ والمنزل الرَّحْب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، فكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه، كما قال تعالى: { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } [النجم: 37]، أي: قام بجميع ما أمر به، وكمل طاعة ربه؛ ولهذا قال تعالى: { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } ، كما قال تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } [النحل: 120-121].
__________
(1) صحيح البخاري برقم (4688) من حديث ابن عمر، ولم أجده عند مسلم.
(2) زيادة من ف، أ.
(3) في أ: "خلقة".
(4) زيادة من ت، وفي أ: "من الله".
(6/275)

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30)
{ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) }
يقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط عليه السلام، إنه أنكر على قومه سُوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال، في إتيانهم الذكران من العالمين، ولم يسبقهم إلى هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم. وكانوا مع هذا يكفرون بالله، ويكذّبون رسوله ويخالفونه ويقطعون السبيل، أي: يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم، { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } أي: يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئًا من ذلك، فمن قائل: كانوا يأتون بعضهم بعضا في الملأ قاله مجاهد. ومن قائل: كانوا يتضارطون ويتضاحكون؛ قالته عائشة، رضي الله عنها، والقاسم. ومن قائل: كانوا يناطحون بين الكباش، ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك كان يصدر عنهم، وكانوا شرًا من ذلك.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حماد بن أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا سِمَاك بن حرب، عن أبي صالح -مولى أم هانئ -عن أم هانئ (1) قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قوله عز وجل: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } ، قال: "يحذفون أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه".
ورواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة عن أبي يونس القُشَيري، حاتم بن أبي صَغِيرة (2) به (3) . ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة (4) عن سِمَاك.
وقال (5) ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، عن الحكم (6) ، عن مجاهد : { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } قال: الصفير، ولعب الحمام (7) والجُلاهق، والسؤال في المجلس، وحل أزرار القباء.
وقوله: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } ، وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم؛ ولهذا استنصر عليهم نبي الله فقال: { رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } (8) .
__________
(1) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده عن أم هانئ".
(2) في أ: "حيوة".
(3) المسند (6/341) وسنن الترمذي برقم (3190).
(4) في أ: "حيوة".
(5) في ت: "وروى".
(6) في ت: "بإسناده".
(7) في أ: "الحمار".
(8) في أ: "الفاسقين" وهو خطأ.
(6/276)

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)
{ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنزلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) } .
لما استنصر لوط عليه السلام، الله عليهم، بعث الله لنصرته ملائكة فمروا على إبراهيم عليه السلام، في هيئة أضياف، فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رأى أنه لا همَّة لهم إلى الطعام نَكِرَهم، وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة -وكانت حاضرة -فتعجبت من ذلك، كما تقدم بيانه في سورة "هود" و"الحجر". فلما جاءت إبراهيم بالبشرى، وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم يُنظَرون، لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا: { إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ } ، { قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم. ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب حسان، فلما رآهم كذلك ، { سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي: اهتمَّ (1) بأمرهم، إن هو أضافهم خاف (2) عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. { قَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنزلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } ، وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عَنَان السماء، ثم قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل [الله] (3) مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد (4) ، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد؛ ولهذا قال تعالى: { وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً } أي: واضحة، { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ، كَمَا قَالَ { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ } [الصافات: 137، 138].
{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) } .
يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام، أنه أنذر قومه أهل مَدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ } .
. قال ابن جرير: قال بعضهم: معناه: واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله تعالى: { لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ } [الممتحنة: 6].
ثم نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد، وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله
__________
(1) في ف، أ: "اغتم".
(2) في أ: "خوفا".
(3) زيادة من ت، ف، أ.
(4) في ت: "القيامة".
(6/277)

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)
برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها (1) . وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم. وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في سورة "الأعراف، وهود، والشعراء".
وقوله: { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ } ، قال قتادة: ميتين. وقال غيره: قد ألقي بعضهم على بعض.
{ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) }
__________
(1) في ت: "حناجرهم".
(6/278)

وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)
{ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) } .
يخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، فأخذهم (1) بالانتقام منهم، فعاد قوم هود، وكانوا يسكنون الأحقاف وهي قريبة (2) من حضرموت بلاد اليمن، وثمود قوم صالح، وكانوا يسكنون الحجر قريبًا من وادي القرى. وكانت العرب تعرف مساكنهما (3) جيدا، وتمر عليها كثيرًا. وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة. وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطيان الكافران بالله ورسوله .
{ فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ } أي: كانت عقوبته بما يناسبه ، { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } ، وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية شديدة الهبوب جدا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتقلبها عليهم، وتقتلعهم من الأرض فترفع الرجل منهم إلى عَنَان السماء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى بدنًا بلا رأس، كأنهم أعجاز نخل منقعر (4) . { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ } ، وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم (5) الدلالة، من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة، مثل ما سألوا سواء بسواء، ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحا ومَنْ آمن معه، وتوعَّدوهُم بأن يخرجوهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات. { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ } ، وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا، وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } ، وهم (6) فرعون ووزيره هامان، وجنوده عن آخرهم، أغرقوا في صبيحة واحدة، فلم ينج منهم مخبر، { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } أي: فيما فعل بهم، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أي: إنما فعل ذلك
__________
(1) في ت، ف: "وأخذهم".
(2) في أ: "قرية".
(3) في ت: "مساكنهم".
(4) في ف، أ: "خاوية".
(5) في ف، أ: "عليهم".
(6) في ف، أ: "وهو".
(6/278)

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)
بهم جزاء وفاقا بما كسبت أيديهم.
وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال: { فَكُلا (1) أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ } [الآية] (2) ، أي: من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهتُ على هذا لأنه قد روي أن ابن جريج قال: قال (3) ابن عباس في قوله: { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } ، قال: قوم لوط. { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } ، قال: قوم نوح.
وهذا (4) منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جُرْيَج لم يدركه. ثم قد ذكر في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وطال السياقُ والفصلُ بين ذلك وبين هذا السياق.
وقال قتادة: { فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } قال: قوم لوط ، { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ } ، قوم شعيب. وهذا بعيد أيضا لما تقدم، والله أعلم.
{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ (43) }
هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه (5) فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمَنْ يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئا، فلو عَلموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه مستمسك (6) بالعروة الوثقى لا انفصام لها، لقوتها وثباتها.
ثم قال تعالى متوعدا لِمَنْ عبد غيره وأشرك به: إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال، ويعلم ما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.
ثم قال تعالى: { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه.
قال (7) الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ابن لَهِيعة، عن أبي قَبِيل (8) ، عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، قال: عَقَلْتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل (9) .
وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص -رضي الله عنه -حيث يقول [الله] (10) تعالى:
__________
(1) في ت: "فمنهم" وهو خطأ.
(2) زيادة من أ.
(3) في ت: "عن".
(4) في ت: "وهو".
(5) في ت: "وذهابه".
(6) في ف: "متمسك".
(7) في ت: "روى".
(8) في ت: "بإسناده".
(9) المسند (4/203) وقال الهيثمي في المجمع (8/264) "إسناده حسن".
(10) زيادة من ت، وفي ف: "تبارك و".
(6/279)

خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)
{ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } .
وقال (1) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان، عن عمرو بن مرة قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله تعالى يقول: { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } .
{ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) } .
يقول تعالى [مخبرا] (2) عن قدرته العظيمة: أنه خلق السموات والأرض بالحق، يعني: لا على وجه العبث واللعب، { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } [طه: 15]، { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } [النجم: 31].
وقوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية.
ثم قال تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } يعني: أن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش والمنكرات، أي: إن مواظبتها تحمل على ترك ذلك. وقد جاء في الحديث من رواية عمران، وابن عباس مرفوعا: "مَنْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدا" (3) .
[ذكر الآثار الواردة في ذلك] (4) :
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن، عن عمران بن حصين قال: سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } قال: "مَنْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فلا صلاة له" (5) .
__________
(1) في ت: "رواه".
(2) زيادة من ف، أ.
(3) أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه ابن أبي حاتم - كما سيأتي - من طريق عمر بن أبي عثمان عن الحسن عن عمران به، والحسن لم يسمع من عمران بن حصين. وأما حديث ابن عباس، فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير (11/54) من طريق ليث عن طاوس عن ابن عباس به.
(4) زيادة من ف، أ.
(5) وهذا الحديث فيه علتان ذكرهما الشيخ ناصر الدين الألباني في الضعيفة وهما:
1- الانقطاع بين الحسن - وهو البصري - وعمران بن حصين، فإنهم اختلفوا في سماعه منه فإنه ثبت، فعلته عنعنته الحسن فإنه مدلس معروف بذلك.
2- جهالة عمر بن أبي عثمان، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (3/1/123) وقال: "سمع طاوسا قوله، روى عنه يحيى بن سعيد".
(6/280)

وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدا" . ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية (1) .
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس في قوله: { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } قال: فَمَنْ لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدا. فهذا موقوف (2)
. قال ابن جرير: وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن (3) البريد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا صلاة لِمَنْ لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر" . قال: وقال سفيان: { قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ } [هود: 87] قال: فقال سفيان: أي والله، تأمره وتنهاه. (4)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقال أبو خالد مَرَّة: عن عبد الله -: "لا صلاة لِمَنْ لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه (5) عن الفحشاء والمنكر" (6) .
والموقوف أصح، كما رواه الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: قيل لعبد الله: إن فلانا يطيل الصلاة؟ قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها (7) .
وقال ابن جرير: قال علي: حدثنا إسماعيل بن مسلم (8) ، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بُعْدا" (9) .
والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس، والحسن وقتادة، والأعمش وغيرهم، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير -يعني ابن عبد الحميد -عن الأعمش، عن أبي صالح قال: أراه عن جابر -شك الأعمش -قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فلانا يصلي فإذا أصبح سرق، قال: "سينهاه (10) ما يقول" (11) .
__________
(1) المعجم الكبير (11/54) وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: "إسناده لين".
(2) تفسير الطبري (20/99).
(3) في ف: "عن".
(4) تفسير الطبري (20/99) وفيه جويبر وهو متروك.
(5) في ف: "تنهى".
(6) ذكره السيوطي في الدر المنثور (6/465) مرفوعا، وقال: "أخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن مردويه بسند ضعيف" فذكر الرواية التي قبلها.
(7) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (13/298) من طريق زائدة عن عاصم عن شقيق عن ابن مسعود قال: "لا تنفع الصلاة إلا من أطاعها ثم قرأ عبد الله: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر...) الآية".
(8) في هـ، ت، ف، أ: "وقال ابن جرير: حدثنا علي بن إسماعيل بن مسلم" والمثبت من الطبري.
(9) تفسير الطبري (20/99) وهو من مراسيل الحسن.
(10) في ف: "ستنهاه".
(11) مسند البزار برقم (721) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (2/258) "رجاله ثقات".
(6/281)

وحدثنا محمد بن موسى الحَرشي (1) حدثنا زياد بن عبد الله، عن الأعمش عن أبي صالح، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه -ولم يشك (2) -ثم قال: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش واختلفوا في إسناده، فرواه غير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو غيره، وقال قيس عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وقال جرير وزياد: عن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش قال: أنبأنا أبو صالح (3) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن فلانا يصلي بالليل فإذا أصبح سرق؟ فقال: "إنه سينهاه ما يقول (4) (5) ".
وتشتمل الصلاة أيضا على ذكر الله تعالى، وهو المطلوب الأكبر؛ ولهذا قال تعالى: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } أي: أعظم من الأول، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } أي: يعلم جميع أقوالكم وأعمالكم.
وقال أبو العالية في قوله: { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } ، قال: إن الصلاة فيها ثلاث خصال (6) فكل صلاة لا يكون فيها شيء من هذه الخلال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله. فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر القرآن يأمره وينهاه.
وقال ابن عَوْن الأنصاري: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر.
وقال حماد بن أبي سليمان: { إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } يعني: ما دمت فيها.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } ، يقول: ولذكر الله لعباده أكبر، إذا ذكروه من ذكرهم إياه.
وكذا روى غير واحد عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، وغيره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن رجل، عن ابن عباس: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك. قلت: فإن صاحبًا لي في المنزل يقول غير الذي تقول: قال: وأي شيء يقول؟ قلت: قال: يقول الله: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } [البقرة: 152]، فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه. قال: صدق.
قال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل، عن خالد، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس
__________
(1) في ف، أ: "الجرشي".
(2) مسند البزار برقم (722) "كشف الأستار".
(3) في هـ، ت، ف: "أبو صالح أخبرنا" والمثبت من المسند.
(4) في ف: "ستنهاه ما تقول"
(5) المسند (2/447) ورواه البزار في مسنده برقم (720) "كشف الأستار". من طريق الأعمش به، وقال الهيثمي في المجمع (2/258) "رجاله رجال الصحيح".
(6) في أ: "خلال".
(6/282)

في قوله: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } قال: لها وجهان، قال: ذكر الله عندما حرمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا هُشَيْم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } ؟ قال: قلت: نعم. قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة، وقراءة القرآن، ونحو ذلك. قال: لقد قلت قولا عجبًا، وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عندما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه، أكبر من ذكركم إياه (1)
. وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس. وروي أيضا عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
__________
(1) تفسير الطبري (20/99).
(6/283)

وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)
{ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) } .
قال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف.
وقال آخرون: بل هي باقية أو محكمة لِمَنْ أراد الاستبصار منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ليكون أنجع فيه، كما قال تعالى: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } [النحل: 125]، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: { فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } [طه: 44]. وهذا القول اختاره ابن جرير (1) ، وحكاه عن ابن زيد.
وقوله: { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } أي: حادوا عن وجه الحق (2) ، وعَمُوا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل من الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما يردعهم ويمنعهم، قال الله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحديد: 25].
قال جابر: أمرْنَا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف.
قال مجاهد: { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } يعني: أهل الحرب، وَمَنِ امتنع منهم عن أداء الجزية.
وقوله: { وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ } ، يعني: إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نُقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا، ولا على تصديقه، فلعله أن يكون باطلا
__________
(1) تفسير الطبري (21/2).
(2) في ف، أ: "الحجة".
(6/283)

ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو أن يكون منزلا لا مبدلا ولا مؤولا.
وقال البخاري، رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (1) ، رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب (2) يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون". وهذا الحديث تفرَّد (3) به البخاري (4) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة (5) أن أبا نَمْلَةَ الأنصاري أخبره، أنه بينما هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أعلم". قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله وكتبه، فإن كان حقًّا لم (6) تكذبوهم، وإن كان باطلا لم (7) تصدقوهم" (8)
قلت: وأبو نَمْلَةَ هذا هو: عُمَارة. وقيل: عمار. وقيل: عمرو بن معاذ بن زُرَارة الأنصاري، رضي الله عنه.
ثم ليعلم أن أكثر ما يُحدّثون به غالبُه كذب وبهتان؛ لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحا.
قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة بن عمير، عن حُرَيْث (9) بن ظهير، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه تالية، تدعوه إلى دينه كتالية المال (10) .
وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل (11) حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله (12) ، عن ابن عباس قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم أحدث (13) تقرؤونه محضا لم يُشَب، وقد حدَثَكم أن أهل الكتاب بدَّلوا كتاب الله، وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو (14) من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن (15) مسألتهم؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم (16) .
__________
(1) في ت: "روى البخاري بإسناده عن أبي هريرة".
(2) في هـ، ت، ف: "كان أهل التوراة" والمثبت من البخاري.
(3) في ت: "انفرد".
(4) صحيح البخاري برقم (4485 ، 7362).
(5) في ت: "روى الإمام أحمد بإسناده".
(6) في ت: "فلا".
(7) في ت: "فلا".
(8) المسند (4/136).
(9) في أ: "حرب".
(10) تفسير الطبري (21/4).
(11) في أ: "سليمان".
(12) في ت: "روى البخاري بإسناده".
(13) في ت: "أحدث الكتب".
(14) في ف، أ: "وقالوا: هذا هو".
(15) في ف: "من".
(16) صحيح البخاري برقم (7363).
(6/284)

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)
وقال البخاري: وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حُمَيد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة -وذكرَ كعبَ الأحبار -فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب (1) .
قلت: معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد؛ لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة؛ لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع ذلك وقرب العهد وضعت (2) أحاديث كثيرة في هذه الأمة، لا يعلمها إلا الله ومن منحه الله علما بذلك، كل بحسبه، ولله الحمد والمنة.
{ وَكَذَلِكَ أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ (49) } .
قال ابن جرير: يقول الله تعالى: كما أنزلنا الكُتُب (3) على مَنْ قبلك -يا محمد -من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب.
وهذا الذي قاله حسن ومناسبة وارتباط (4) جيد.
وقوله: { فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي: الذين أخذوه فتلَوْه حق تلاوته من أحبارهم العلماء الأذكياء، كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وأشباههما.
وقوله: { وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } ، يعني العرب من قريش وغيرهم، { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ } ، أي: ما يكذب بها ويجحد حقها إلا مَنْ يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل، وهيهات.
ثم قال تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } ، أي: قد لبثت في قومك -يا محمد -ومن قبل أن تأتي بهذا القرآن عُمرا لا تقرأ كتابا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب (5) . وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } الآية [الأعراف: 157]. وهكذا كان، صلوات الله وسلامه عليه [دائما أبدا] (6) إلى يوم القيامة (7) ، لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين
__________
(1) صحيح البخاري برقم (7361).
(2) في ت: "وضعفت".
(3) في أ: "الكتاب".
(4) في ف: "ومناسبته وارتباطه".
(5) في ف: "لا يقرأ ولا يكتب".
(6) زيادة من ف، وفي أ: "دائما".
(7) في ف، أ: "الدين".
(6/285)

يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء، كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه أنه عليه السلام (1) ، كتب يوم الحديبية: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله" فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: "ثم أخذ فكتب": وهذه محمولة على الرواية الأخرى: "ثم أمر فكتب". ولهذا اشتد النكير بين فقهاء المغرب والمشرق على من قال بقول الباجي، وتبرؤوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالا وخطبوا به في محافلهم: وإنما أراد الرجل -أعني الباجي، فيما يظهر عنه -أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال، عليه الصلاة والسلام (2) إخبارا عن الدجال: "مكتوب بين عينيه كافر" وفي رواية: "ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن" (3) ، وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت، عليه السلام (4) حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له؛ قال الله تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَتْلُو } أي: تقرأ { مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ } لتأكيد النفي، { وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } تأكيد أيضا، وخرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: { وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } [الأنعام: 38].
وقوله: { إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } أي: لو كنت تحسنها (5) لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كُتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أمي لا يحسن الكتابة: { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا } [الفرقان: 5]،قال الله تعالى: { قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } [الفرقان: 6]، وقال هاهنا : { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } أي: [هذا] (6) القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يَسَّره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [القمر: 17]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ نبي إلا وقد أعطي ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا" (7) .
وفي حديث عياض بن حمار (8) ، في صحيح مسلم: "يقول الله تعالى: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان" (9) . أي: لو غسل الماء المحلَّ المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل، كما جاء في الحديث الآخر: "لو كان القرآن في إهاب، ما أحرقته النار" (10) ، لأنه محفوظ في الصدور، ميسر (11) على الألسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظًا ومعنى؛ ولهذا جاء في الكتب المتقدمة، في صفة هذه الأمة: "أناجيلهم في صدورهم".
__________
(1) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(2) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(3) رواه البخاري في صحيحه برقم (7131) من حديث أنس رضي الله عنه.
(4) في أ: "صلى الله عليه وسلم".
(5) في ت: "تحسن الكتابة".
(6) زيادة من ت، ف، أ.
(7) رواه البخاري في صحيحه برقم (7274) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وسيأتي إن شاء الله.
(8) في أ: "حماد".
(9) صحيح مسلم برقم (2865).
(10) رواه أحمد في مسنده (4/151) من حديث عقبة بن عامر. وتقدم الكلام عليه في فضائل القرآن.
(11) في ت: "وميسر".
(6/286)

وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)
واختار ابن جرير أن المعنى في قوله تعالى: { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } ، بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا ولا تخطه بيمينك، آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب (1) . ونقله عن قتادة، وابن جريج. وحكى الأول عن الحسن [البصري] (2) فقط.
قلت: وهو الذي رواه العوفي عن عبد الله بن عباس، وقاله الضحاك، وهو الأظهر، والله أعلم.
وقوله: { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ } أي: ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي: المعتدون المكابرون، الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ . وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } [يونس: 96، 97].
{ وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) } .
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات -يعنون -ترشدهم إلى أن محمدا رسول الله كما جاء صالح بناقته، قال الله تعالى: { قُلْ } يا محمد: { إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } أي: إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم؛ لأن ذلك سهل عليه، يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنت والامتحان، فلا يجيبكم إلى ذلك، كما قال تعالى: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا } [الإسراء: 59].
وقوله: { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أي: إنما بعثت نذيرًا لكم بَيِّنَ النذارة فَعَليَّ أن أبلغكم رسالة الله و { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا } [الكهف: 17]، وقال تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [البقرة: 272].
ثم قال تعالى مبينا كثرة جهلهم، وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آيات تدلهم على صدق محمد فيما جاءهم [به] (3) -وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه -فقال تعالى: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } أي: أولم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم، الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدا
__________
(1) تفسير الطبري (21/5).
(2) زيادة من ف، أ.
(3) زيادة من ف.
(6/287)

من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي، كما قال تعالى: { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } [الشعراء: 197] ، وقال تعالى: { وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ (1) مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى } [طه: 133].
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه (2) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" . أخرجاه (3) من حديث الليث (4) .
وقال الله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: إن في هذا القرآن: { لَرَحْمَةً } أي: بيانًا للحق، وإزاحة للباطل و { ذِكْرَى } بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين، { لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
ثم قال تعالى: قل: { كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا } (5) أي: هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه، بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ . لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ . ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ . فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } [الحاقة: 44-47]، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات.
{ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } [أي] (6) : لا تخفى عليه خافية.
{ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } أي: يوم معادهم سيجزيهم على ما فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا، من تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، سيجازيهم على ذلك، إنه حكيم عليم.
__________
(1) في جميع النسخ: (لولا أنزل عليه آية) والصواب ما أثبتناه.
(2) في ت: "وروى الإمام أحمد بإسناده".
(3) في ت: "أخرجه البخاري ومسلم".
(4) المسند (2/341) وصحيح البخاري برقم (4981) وصحيح مسلم برقم (152).
(5) في أ: "كفى بالله شهيدا بيني وبينكم" وهو خطأ.
(6) زيادة من ت، أ.
(6/288)

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) } .
يقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، وبأس الله أن يحل
(6/288)

عليهم، كما قال تعالى: { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال: 32]، وقال هاهنا: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ } أي: لولا ما حَتَّم الله من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبا سريعا كما استعجلوه.
ثم قال : { وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً } أي: فجأة ، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ . يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } أي: يستعجلون بالعذاب، وهو واقع بهم لا محالة.
قال شعبة، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة قال في قوله: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } ، قال: البحر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين. حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي عن مجالد، عن الشعبي؛ أنه سمع ابن عباس يقول: { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } : وجهنم هو هذا البحر الأخضر، تنتثر الكواكب فيه، وتُكور فيه الشمس والقمر، ثم يستوقد فيكون هو جهنم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حُيَي، حدثنا (1) صفوان بن يعلى، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "البحر هو جهنم" . قالوا: ليعلى، فقال: ألا ترون أن الله يقول: { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } [الكهف: 29]، قال: لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبدا حتى أعرض على الله، ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله عز وجل (2) .
هذا تفسير غريب، وحديث غريب جدا، والله أعلم.
ثم قال تعالى: { يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } ، كقوله تعالى: { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [الأعراف: 41]، وقال: { لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [الزمر: 16]، وقال: { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ } [الأنبياء: 39]، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي.
وقوله: { وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ . إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر: 48، 49]، وقال { يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا . هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ . أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ . اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [الطور: 13-16].
__________
(1) في ت: "وروى الإمام أحمد بسنده عن".
(2) المسند (4/233) وقال الهيثمي في المجمع (10/386) "رجاله ثقات".
(6/289)

يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60)
{ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) } .
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم؛ ولهذا قال: { يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } .
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّةُ بن الوليد، حدثني جُبَيْر بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى (1) الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبتَ خيرًا فأقم" (2) .
ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا، على دينهم هناك، فوجدوا هناك خير المنزلين، أصحمة النجاشي ملك الحبشة، رحمه الله، آواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم شُيُوما ببلاده. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة (3)
__________
(1) في ت: "روى الإمام أحمد بإسناده عن".
(2) المسند (1/166) وقال الهيثمي في المجمع (4/72) "فيه جماعة لم أعرفهم".
(3) بعدها في ت- وأظنها من الناسخ - ما يلي: "أما قصة هجرة الحبشة، فقال ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أمه أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا خير جار النجاشي، آمنا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم، أن يبعثوا إلينا رجلين جلدين، وأن يهدوا إلى النجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم سلوه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجنا حتى قدمنا عليه، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار فلم يبق بطريق من بطارقته إلا دفعوا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، ثم قالا لكل بطريق: إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم دينا وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما: نعم، ثم أنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه فقالا: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم وآباءهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهم ليردوهم إلى بلادهم وقومهم، فغضب النجاشي وقال: لاها الله لا أسلمهم إليهم أبدا ولا أكاد، قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان الرجلان. فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى بلادهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني ونزلوا بلادي.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون لهذا الرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول: والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، كائنا في ذلك ما هو كائن، قال: فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، فلما دخلوا عليه سألهم، فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحد من هذه الملل.
قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب. فقال: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه، الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعد عليه أمور الإسلام. فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله عز جل، فعبدنا الله لا نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل كما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: وهل عندك مما جاء به من عند الله شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) .
قالت: فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما يتلى عليهم. وقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا. لا والله لا أسلمهم إليكما ولا أكاد. قالت: فلما خرجا من عنده. قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم.
قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا -: لا تفعل فإن لهم أرحاما، وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يقولون في عيسى قولا عظيما. فأرسل إليهم فسألهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم. فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى إن سألكم عنه. قالوا: نقول فيه ما قال الله عز وجل، وما جاء به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه. قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم، قالت: فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. يقول فيه: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي يده إلى الأرض، فأخذ منها عودا، ثم قال له: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود.
قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. فقال: وإن تناخرتم اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي. والشيوم: الآمنون. مَنْ سَبَّكُم غُرَّم، مَنْ سَبَّكُم غُرَّم، ما أحب أن لي دبرا من ذهب، وأني آذيت رجلا منكم. والدبر: بلسان الحبشة الجبل. وردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين ردَّ علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ، فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما. قالت أم سلمة: فكنت أتعرض لهم ليسبوني فأغرمهم، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
قالت: فوالله ما أغلا لعلى ذلك، إذ انبرى له رجل من الحبشة ينازعه ملكه. قالت: فوالله، ما أعلمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه، عند ذلك تخوفا من أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي. فيأتي رجلا لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ رجل يخرج حتى يشهد وقعة القوم ثم يأتينا بخبر القوم؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت: وكان من أحدث القوم سنا. قالت: فنفخوا له قربة فجعلوها في صدره، ثم سبح حتى خرج إلى النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: ودعونا الله عز وجل للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له من بلاده.
قالت: فوالله إنا لعلى ذلك الحال متوقعين لما هو كائن، إذا طلع الزبير يسعى، ويليح بثوبه، ألا أبشروا، قد ظهر النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، فوالله ما أعلمنا فرحنا فرحة قط مثلها. قالت: ورجع النجاشي وأهلك الله عدوه، ومكن له فى بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده فى خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة.
وروي عن الزبير قال: لما نزل بالنجاشي عدوه من أهل أرضه، جاءه المهاجرون فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم فنقاتل معك، وترى جراءتنا، ونجزيك بما صنعت بنا فقال: ذو ينصره الله خير من الذي ينصره الناس، فأنى ذلك عليهم"
(6/290)

ثم قال: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله، فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه، ولا محيد عنه، ثم إلى الله
(6/291)

المرجع [والمآب] (1) ، فَمَنْ كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمَّ (2) الثواب؛ ولهذا قال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي: لنسكننهم منازل عاليةً في الجنة تجري من تحتها الأنهار، على اختلاف أصنافها، من ماء وخمر، وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا، { خَالِدِينَ فِيهَا } أي: ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا { نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } : نعمت هذه الغرفُ أجرًا على أعمال المؤمنين.
{ الَّذِينَ صَبَرُوا } أي: على دينهم، وهاجروا إلى الله، ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء، ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده وتصديق موعوده.
قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثني أبي، حدثنا صفوان المؤذِنَ، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو معَاتق (3) الأشعري، أن أبا مالك الأشعري حدثه أن (4) رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه : أن في الجنة غُرَفا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لِمَنْ أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وأباح الصيام، وأقام الصلاة (5) والناس نيام (6) .
[وقوله]: (7) { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ، في أحوالهم كلها، في دينهم ودنياهم.
ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب، فإنهم (8) بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار؛ ولهذا قال: { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } أي: لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تؤخر (9) شيئًا لغد، { اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } أي: الله يقيض لها رزقها على ضعفها، وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه، حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء، قال الله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } [هود: 6].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، حدثنا يزيد -يعني ابن هارون -حدثنا الجراح بن مِنْهَال الجزري -هو أبو العطوف -عن الزهري، عن رجل (10) ، عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: "يا بن عمر، ما لك لا تأكل؟" قال: قلت: لا أشتهيه يا رسول الله، قال: "لكني أشتهيه،
__________
(1) زيادة من أ.
(2) في ت: "ووفاه تمام".
(3) في هـ، ت: "أبو معاوية" والصواب ما أثبتناه من ف، أ، والمسند (5/343).
(4) في ت: "روى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي مالك الأشعري".
(5) في أ: "وتابع الصلاة والصيام وقام بالليل".
(6) ورواه الإمام أحمد في مسنده (5/343) من طريق أبي معانق عن أبي مالك به، وسيأتي عند الآية: 20 من سورة الزمر.
(7) زيادة من ت.
(8) في ف: "فهم".
(9) في أ: "ولا يدخر".
(10) في ت: "وروى ابن أبي حاتم بإسناده".
(6/292)

وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا بن عمر إذا بَقِيتَ في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين؟" . قال: فوالله ما برحنا ولا رِمْنا حتى نزلت : { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، فَمَنْ كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله، ألا وإني لا أكنز دينارًا ولا درهمًا، ولا أخبئ رزقا لغد (1) " (2) .
وهذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف.
وقد ذكروا أن الغراب إذا فَقسَ عن فراخه البَيض، خرجوا وهم بيضٌ فإذا رآهم أبواهم كذلك، نفرا عنهم أياما حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحًا فاه يتفقد أبويه، فيقيض الله له طيرًا (3) صغارًا كالبَرغَش فيغشاه فيتقوت منه تلك الأيام حتى يسود ريشه، والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه، فإذا رأوه قد اسودّ ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق، ولهذا قال الشاعر:
يا رازق النعَّاب (4) في عُشه ... وجَابر العَظْم الكَسِير المهيض ...
وقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر، كقول النبي صلى الله عليه وسلم "سافروا تصحوا وترزقوا".
قال البيهقي أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن سِنان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن رَدّاد -شيخ من أهل المدينة -حدثنا عبد الله بن دينار (5) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سافروا تصحوا وتغنموا" . قال: ورويناه عن ابن عباس (6) .
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن دَرّاج، عن عبد الرحمن بن حُجَيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سافروا تربحوا، وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا" (7) .
وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعا، وعن معاذ بن جبل موقوفا (8) . وفي
__________
(1) في ت: "إلى غد".
(2) ورواه البغوي في تفسيره (6/253) من طريق إسماعيل بن زرارة عن الجراح بن المنهال به - وقال الشوكاني في فتح القدير (4/213) : "وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة، وفي إسناده أبو العطوف الجزري وهو ضعيف". أ هـ مستفادا من حاشية تفسير البغوي.
(3) في ت: "طيورا".
(4) في ت: "البغاب" وفي أ: "النعام".
(5) في ت: "وروى البيهقي بسنده"
(6) السنن الكبرى (7/102) ورواه ابن عدي في الكامل (6/190) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن رواد به، وقال: "لا أعلم يرويه غير الرواد هذا، وعامة ما يرويه غير محفوظ" وقال ابن أبي حاتم في العلل (2/306): "سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر".
(7) المسند (2/380) وف