Advertisement

نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد



الكتاب: نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد
المؤلف: أبو العباس البسيلي التونسي (المتوفي 830 هـ)
مما اختصره من تقييده الكبير عن شيخه الإمام ابن عرفة (ت 803 هـ) وزاد عليه
وبذيله (تكملة النكت لابن غازي العثماني المكناسي) المتوفي (919 هـ)
تقديم وتحقيق: الأستاذ / محمد الطبراني
الناشر: منشورات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - المملكة المغربية
الطبع: مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء
الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء: 3
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ـ[نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد]ـ
المؤلف: أبو العباس البسيلي التونسي (المتوفي 830 هـ)
مما اختصره من تقييده الكبير عن شيخه الإمام ابن عرفة (ت 803 هـ) وزاد عليه
وبذيله (تكملة النكت لابن غازي العثماني المكناسي) المتوفي (919 هـ)
تقديم وتحقيق: الأستاذ / محمد الطبراني
الناشر: منشورات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - المملكة المغربية
الطبع: مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء
الطبعة الأولى: 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء: 3
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
* * * * * * * *
تعريف بالكتاب
أخذ مؤلفه أبو العباس البسيلي مادة كتابه هذا من مجالس التفسير لأستاذه شيخ الإسلام بأفريقية أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي المتوفى سنة 803هـ، وزاد عليه ثم اختصره حسبما ذكر في مقدمته. ثم انقطع اختصاره عند سورة الصف، فانبرى لإكماله بعده أبو عبد الله محمد بن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي المتوفى سنة 919هـ.

مميزات هذا الكتاب:
1 - الجمع بين ما يوهم التعارض في القرآن وتوجيه الآيات المتشابهات في اللفظ، والكشف عن أسرار النظم القرآني وأسئلة القرآن، ومناقشة الفرق الكلامية، والعناية بالمنطق وتطبيقاته على الآي.

2 - نقده لتفاسير مشهورة كأحكام القرآن لابن العربي، والمحرر الوجيز لابن عطية والكشاف للزمخشري، وتفسير الرازي والبحر المحيط لأبي حيان.

3 - اقتصر على نكت التفسير ودقائقه ومشكلاته دون ما لم يكن كذلك.

4 - توثيقه للمصادر والموارد التي نقل منها بأسماءها.

5 - اجتمع فيه علم ثلاثة علماء هم ابن عرفة والبسيلي والمكناسي رحمهم الله جميعاً.
(/)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

مقدمة
الحمد لله الذي إليه تمامُ كل ظن، وبيده نواصي كلِّ أمر، وعليه التكلان فيما يُرتجى ويؤمل، وليس إلا عليه المعول، أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم بباذخ الشأن، وابتعثه شهابا رصدا تصدى للظلمة فبدَّد مادتها، وكسر من غلواء الجهالة فَفَتَّ في عضدها، به سلكنا السبيل إلى الله، وبه المنة في أن كنا مسلمين، والحمد لله رب العالمين.
أما بعد:
فقد تعلقت همتي مذ قيض الله لي أن أطلب العلم الشريف المنيف، بخدمةِ كتاب الله جل وعز والتوسلِ بأسبابه، والورودِ من سلسبيل عيونه وأمواهه، زلفى إلى مولاه، وتعلةَ أن أسلك فيمن أوتي بعض فهم من معناه، وما يعلم تأويله إلا الله.
وقد أكدتْ وسائلي حينها أن أظفر بمخطوط في فن من فنون القرآن وتفسيره لعَلَم من كبار أساطين الأندلس، لكون الكثرة الكاثرة من طلبتي كان قد حُقق أو على وشك أن يحقق، وكم مرة خلت أنني أصبحت على طرف الثمام من بغيتي، فيفجؤني خلاف ذلك ليرتد الطرف إلى حسيرا، فلا عليك إذن أن تعلم كم بت بهذا الغرض معنى، وأنني تصديت إليه بعد ذاك متيحا مِعنا، بيد أنني بحمد الله لم أك أخْيبَ من حنين، ولا مفوت كلتا الحسنين، فقد اقتنيت خلال التنقيب مصورات لم يقذف في رُوعي أن أعمل عليها، وإنما تشوفت لقراءتها عند الفراغ، فلما سُقِط في يدي، ولم أجد مناصا من الإسراع في التسجيل، عمدت إليها أتصفحها، فألفيت بينها كتابا قمينا بالإخراج، حقيقا بالتحقيق، فاستخرت الله تعالى في العمل عليه، والعكوف على إخراجه، فهممت ففعلت، وما توفيقي إلا بالله عليهِ توكلت.
(1/9)

التعريف بموضوع الكتاب
أما موضوع العمل، فتحقيق لكتاب "النكت والتنبيهات في تفسير القرآن المجيد" لأبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد البسيلي التونسي (ت 830 هـ)، وهو علق ثمين من أنفس الآثار الإفريقية للتفسير القرآني العقلي في القرن التاسع، في جودة مبانيه وانتظام أصوله ومكنة صاحبه، رسم فيه أبوابا من علم التفسير ونكته وتنبيهاته ودقائقه، تفتح على المنتهي أبوابا من وثيق علم التأويل القرآني، وتجري به في مضمار فرسانه، وتهديه أقوم السبل إلى تجديد النظر في معاني كتاب الله جل وعز.
وقد أخذ مؤلفه العالم أبو العباس البسيلي، مادته الجلى من مجالس التفسير لأستاذه شيخ الإسلام بإفريقية أبي عبد الله محمد ابن عرفة الورغمي التونسي (ت 803 هـ)، وزاد عليه ثم اختصره حسبما ذكر في ديباجته، ثم انقطع اختصاره عند سورة الصف، فانبرى لإكماله بعده أبو عبد الله محمد ابن غازي العثماني المكناسي ثم الفاسي (ت 919 هـ).

دوافع الاختيار
درأني إلى تحقيق الكتاب أمور تالية:
1 - تشوفي القديم العهد، للإسهام في حركة بعث التراث الإسلامي من رفوف الخزائن، وإخراجه إلى النور إخراجا علميا، عوض أن يتكفل بذلك بعض من يمسخ الأصول، ويحيل الحقائق، ويعبث بتراث الأمة كيفما اتفق.
2 - أهمية الكتاب، من حيث إنه يعطي صورة عن واقع التفسير بإفريقية في النصف الأخير من القرن الثامن وأوائل القرن التاسع، وينفي ما علق بالأذهان من أن هذه الفترة لم تكن إلا فترة جمع غاب فيها الإبداع.
3 - قيمته العلمية التي حدت بشيخ الإسلام ابن حجرٍ إلى أن يقول في معرض التعريف بابن عرفة: "وعلق عنه بعض أصحابنا في التفسير كلاما ... كثير الفوائد، كان يلتقطه وقت قراءتهم عليه، وكلامه يدل على توسع في الفنون، وإتقان وتحقيق"، ولعله عين ما دفع أحمد بابا التنبكتي (ت 1360 هـ) إلى وصفه بأنه "تقييد جليل في التفسير، فيه فوائد وزوائد ونكت ... "، ولعل هذا كله مئنة الاهتمام به، فقد كان للسلطان المنصور السعدي اعتناء بتفسير الإمام البسيلي حسبما نص عليه الفشتالي في مناهل الصفا، فليس
(1/10)

بدعا من الأمر، أن نجد له فوق ذلك، أثرا في مصادر كثيرة ثَرَّة كمواهب الجليل لأبي عبد الله الحطاب (ت 945 هـ) وكفاية المحتاج للتنبكتي (1036 هـ) وأزهار الرياض لشهاب الدين المقري التلمساني (ت 1041 هـ) والحلل السندسية للوزير السراج الأندلسي (ت 1149 هـ) والإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام للعباس بن إبراهيم (ت 1378 هـ) والفكر السامي لمحمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (ت 1376 هـ) وفهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني (ت 1388 هـ). ولا غرابة أن يهتبلَ العلماء به، فمن بعض ما احتجن بين دفتيه، مما تميز به الكتاب في مجال علم التفسير: الجمعُ بين ما يوهم التعارض في القرآن، وتوجيهُ الآيات المتشابهات في اللفظ، والكشفُ عن أسرار النظم القرآني وأسئلة القرآن، ومناقشةُ الفرق الكلامية المحادة الحائدة عن نهج السبيل، والعنايةُ بالمنطق وتطبيقاته على الآي، وتوظيفُ معطيات العلوم الطبيعية لخدمة التفسير، وتركيزُه على نقد تفاسيرَ طائرة الصيت، كأحكام ابن العربي ومحرر ابن عطية وكشاف الزمخشري ومفاتيح الفخر الرازي وبحر أبي حيان، ثم إنه - وحسبك به - أنموذج عن تفسير شيخ الإسلام ابن عرفة، وهو ممن لا تخفى إمامته ولا تدفع ريادته.
4 - أنه واحد من المؤلفات الإفريقية في التفسير في القرن التاسع، التي سلمت من عوامل الحدثان، وهو أمر تنفِسُهُ عليه كتب للتفسير كثيرة لا نعرفها لوما رُسمتْ أسماؤها في كتب البرامج والفهارس والمعاجم.
5 - كون هذا الكتاب نموذجا جديدا في حينه في طرائق التصنيف، وذلك أنه لم يجعل وكده تفسير القرآن كله، بقدر ما اهتبل بنكت التفسير ودقائقه وتوجيه مشكلاته، ومعنى هذا أنه لم يخض إلا في المواضع التي يستشكلها علماء التفسير؛ ومن ثم كان تفسيرا حي المباحث، مستقل الأنظار، متين المباني غزير الفوائد.
6 - علو قيمته من حيث منهجه في التصريح بالموارد، فحفظ لنا بذلك نقولا كثيرة عن مصادر منها ما هو مفقود أو مخطوط.
7 - أنه يمثل رافدا علميا تواشجت فيه صلات العلم بين أقطار المغرب العربي، فالتقت فيه على قدَر جهود ثلاثة علماء أفذاذ هم على الولاء: أبو عبد الله محمد بن عرفة التونسي وأبو العباس البسيلي التونسي وأبو عبد الله بن غازي المكناسي المغربي؛ ولعل ذلك ما رغبنى أن أكون بإخراج هذا الكتاب من هؤلاء الشُّداة النشأ الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل.
(1/11)

التعريف بالمؤلف
وليسعنا في الحديث عن معالم سيرة البسيلي وثقافته أن نختصر القول اختصارا وأن نعتصره اعتصارا فنقول: المؤلف أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد البسيلي (ت 380 هـ)، شيخ عالم مفسر منطقي مشارك، وُصف بأنه كان كثير الصمت قليل الخوض فيما لا يعني، عليه آداب العلم من وقار وسكينة، وكان يقرئ بسقيفة داره كثيرا، وتقصده الطلبة تسأله عن المسائل المشكلة، وكان يحدثهم عن شيخه الإمام ابن عرفة رحمه الله تعالى.
ونضيف أنه -عدا ابنِ عرفة- قد أخذ عن المقرئ أبى عبد الله ابن مسافر العامري (ت 786 هـ) والنحوي أبي العباس أحمد ابن القصار الأزدي (ت 790 هـ) ومحدث تونس أبي عبد الله محمد البطرني التونسي (ت 793 هـ)، والمؤرخ ابن خلدون الحضرمي (ت 808 هـ)، وإمام جامع الزيتونة أبي مهدي عيسى الغبريني (ت 845 هـ) وغيرهم، وتتلمذ له كثيرون منهم الفقيه الرصاع شارح الحدود، والقاضي أبو العباس ابن كحيل التجاني التونسي، وغيرُهم.
وله من التآليف كتاب حاذى به مختصر ابن عرفة الفقهي ثم اختصره، وتفسيرا كبيرا، وآخرَ صغيرا هو انتخاب من الأول مع زوائد، وهو كتابنا هذا، مع شرح للمدونة، وآخرَ على قصيدة الرامزة في العروض لضياء الدين الخزرجي، وثالثا على الجمل في المنطق لأفضل الدين الخونجي (ت 646 هـ).
يرتكز تفسير البسيلي على مجالس ابن عرفة التفسيرية التي شهدها في الفترة ما بين 783 هـ و 803 هـ، وعليه يظهر أن جمع المادة قد استغرق من البسيلي عشرين سنة إلى وفاة ابن عرفة، منضافة إلى خمس سنوات بعدها، إذ يرجع آخر تاريخ مذكور في التفسير إلى سنة 808 هـ، وإذا ما أخذنا في الاعتبار أنه قد استعان بمدونات سابقة على حضوره مجالس ابن عرفة عرفنا أن نكت البسيلي صورة حية عن مجالس ابن عرفة في التفسير خلال ما يزيد على ثلاثة عقود.
وعلاوة على ما سبق، فإن المدونات التي تتغيا تقييد مجالس الدرس لا تتخذ صبغة التأليف المنهجي المدرسي، ولذلك يتضح أن تقييد البسيلي بالشكل الذي بين أيدينا قد خضع لعمليات متعددة بدءا من تخريج ما هو مدون سلفا دون ما دونه صاحبنا، ثم انتقاء النكت وترتيبها، مرورا بالإضافات التي ليست من فوائد ابن عرفة ولا ذكرها بحال.
(1/12)

إننا أمام عمل في التفسير في فترة تاريخية حرجة، ومنعرج حضاري كبير، عمل يجمع بين أمور مميزة: فرادته من حيث زهد العلماء وقصر باع أغلبهم في التفسير، ثم مَيْزُهُ على المستوى الأفقي، حيث إن مادته غنية تمثل لونا آخر من ألوان المنهج العقلي اللغوي في التفسير، يعالج مشكله ونكته ويبرز انفتاح البسيلي على فنون كثيرة من علوم القرآن والحديث والفقه والأصلين والنحو واللغة والأدب والتصوف والمنطق والرياضيات والتاريخ مما يصب في خدمة المعنى، مع ظهور للمنطق المدرسي بشكل لافت.
وفوق ذلك كله، فالكتاب أثر إفريقي مغاربي في التفسير، طبعته ملامح مدرسة علمية كبرى هاجسها التفقه، تتسلسل بابن زيتون وابن عبد السلام وابن عرفة.

التعريف بمراحل العمل وماهيته
من فصل الخطاب، الإقرار أنه من العسير تلخيص الأعمال التي تتصل بالتراث، وتقوم على التحقيق العلمي لنصوصه، ومن ثَمَّ فلست هنا بصدد التلخيص بما يعنيه المصطلح، بقدر ما أنا واصف لمراحله وأهم مضامينه ... ، وعليه فقد جعلت مقدمة التحقيق فصولا ثلاثة، أهم أولها أن يقدم إلماعة حول الحركة العلمية في عصر السلطنة الحفصية، من خلال مبحثين: أولهما عوامل النهضة العلمية في عهد الحفصيين. والثاني: نشاط الدراسات القرآنية في العصر الحفصي، تتبعنا فيه النتاج الإفريقي في علوم القرآن، مما هو منسوب أو مخطوط أو مطبوع.
أما الفصل الثاني فخصصته لحياة أبي العباس البسيلي وآثاره، من حيث مصادر ترجمته والأوهام الكثيرة التي عَلقتْ بها وما ادَّارأ فيه المترجمون، ثم بما أثير حول نسبه وأصالة تونسيته وما إلى ذلك، مما درج المترجمون على إيراده من قبيل ذكر الإسم والنسب، والمولد والوفاة، والشيوخ والتلاميذ والمؤلفات؛ إلا أن الذي وسم هذه الترجمة أنها لم تعول على الترجمة المكرورة القصيرة التي نقلها المترجمون أولهم فى إثر آخرهم آخذين بإخذ واحد، وإنما استقينا أكثر مادتها من خلال تلقف الإشارات والإلماعات والفوائد الموضوعية التي تناثرت بشكل متباعد خلال كتب المؤلف، مستعينين في ذلك الترميم، بالاستنتاج والمقارنة وجمع القرائن والمعطيات، مما أغنى هذه الترجمة، بالتعريف بكثير من أعلام أسرة البسيلي وبالتوسع في تراجم شيوخه
(1/13)

وتلاميذه، والاهتمام بعلاقته بهم، ومبلغ تأثيره فيهم أو تأثرهم به؛ وساقنا كل ذلك إلى الوقوف على مؤلفاته وتقديمها. وأتبع الترجمة ذكر علاقة المؤلف بالحفصيين، وذكر صفاته الخلقية والخلقية، وما أثنى به العلماء عليه، فجاءت هذه الترجمة ضرورية لفقر المعلومات عن صاحبنا.
ثم ثنيت العنان في الفصل الثالث إلى أن أفردته للإفاضة في الحديث عن الكتاب ودراسته، من حيث عنوانه وتوثيقه وتحقيق نسبته إلى البسيلي وما احتف بتأليفه من حكاية ذكرها المؤرخون، مع تقدير تاريخ التأليف، ثم أفضت في تِبيان ملامح المنهج ْالعقلي في التفسير عند المؤلف متخلصا إلى سرد مصادره في "النكت والتنبيهات" مع المقارنة بين هذا وتقييد آخر عن ابن عرفة، هو تفسير أبي القاسم الشريف السلاوي، وجر ذلك الإلماع إلى جملة فضايا وثيقة الوشيجة بتجلية الكتاب للقارئ كمبحث عناية العلماء بتفسير البسيلي والنقل عنه، والوقوف عند بعض مآخذ على المؤلف لم تمنعنا إمامته من زبرها مقرونة بالبينات عليها، ولم يعزب عنا ما اشتكاه ابن غازي عند تكملته من رداءة نسخته من التقييد الكبير، فأفردنا لعمله في الاختصار قرصا من العرس، ثم عرجنا على ما طبع من التقييد الكبير، فقومنا ميله وسناده حين بدا لنا أنه اتخذ ظهريا قواعد التحقيق، وتجانف عن الصواب وسبيل التدقيق. وقادنا ذلك كله إلى أن يقدُمَ النص المحقق ذَرْوٌ من الكلام هو منه بسبيل مقيم، عدّا للنسخ ووصفا لها، فلا ريب أن سلكت في خطة التحقيق جَدَدَ المحققين الجلة، أمنا للعثار، ولم أحد عن نهجهم إلا بمقدار يفرضه حال النص، فكان أن قدمت بين يدي الغرض التنقيبَ في فهارس المخطوطات وذخائر الكتب، فلم أعثر مع مزيد البحث الجاد والعَنَتِ اللاحق، إلا على ثلاث نسخ، تبين أنه لا يُعرف غيرُها لحينِه، بعد سؤال العارفين بالمخطوطات والمهتمين بها؛ وأما ما بقي من النسخ، فهي نسخ من التقييد الكبير، عدنا إليها للمقابلة باطراد، وللاحتكام إليها -أحيانا- فيما أشكل علينا، إلا أنه قد عنانا الحصول عليها، فلم نفِد منها إلا بعد لأي. وقد قابلت بين النسخ لأول الأمر، واصطلحت كالمعهودِ على رموز واختصارات غير يسيرة صدَّرت النص المحقق بها، وجعلت ما زادت به نسخة الأصل على غيرها بين مُعكَّفين، وما ربت به النسختان الأخريان عليه بين زاويتين متقابلتبن، وما خلت منه النسخ من سقط لازم أو تتمة مُثْلى بين قوسين، ونبهت على أنه زيادة لدنية اقتضاها النص واستقام بها، ولم أفعل هذا إلا لماما. وأثبت أرقام مخطوط الأصل في صلب النص بين معكفين، وأرقام الباقيتين بالحاشية بحسب الورود. ورسمت الحروف القرآنية موضع التنبيهات بالرسم التوقيفي على ما اقتضت قراءة نافع
(1/14)

من رواية ورش، إلا مواطن لم تسعفني مميزات الطبع، فأثبتها على حالها ريثما أصوبها يدويا، وأخرى تركتها بياضا سودته باليد بعد الطبع؛ فمن الأول القاف والفاء عند المغاربة، ومن الثاني الألفات المحذوفات والياءات الموقوصات، وعلامة الصلة والإقلاب وما سوى ذلك. وجعلت ناصية كل آية منبَّه عليها رقمَها، تيسير على القارئ ومنعا للتشغيب عليه بالعَوْد المطّرِد إلى الحواشي عند كل آية. وضبطت الآيات والأحاديث والشواهد والأغربة ضبطا تاما وصوبت الأوهامَ والهناتِ الواردةَ بالنص، وأشرت إلى مصادر التصحيح وخرجت آيات الاستشهاد بالحاشية، لأني رأيت فعل ذلك في النص مع كثرة الآي مذهبا لطلاوته، كما خرجت القراءات متواترَها وشاذَّها ونصصتُ على القرَأَة بها، ومثلَها الأحاديثُ النبوية الشريفة، ناقلا عن علماء الحديث أحكامهم عليها بالتصحيح أو التضعيف، وصدّرْت التخريج بها. معرفا في أطواء الكتاب بمصطلحات الفقه والأصول والمنطق، وبعض أسماء الأماكن والكتب مخطوطها ومطبوعها. ثم عرضت ما أشكل من نص الكتاب على أصله "التقييد الكبير"، حين لا تكون النكتة من الزوائد.
وقد خرّجت شواهد الشعر والرجز بالعوْد إلى دواوين أصحابها، وإلى كتب الأدب والنحو واللغة والتفسير، كما شرحت الأمثال والأقوال ووثقت الحكايات وضريبَ ذلك كله، وترجمت للأعلام كل بحسب طبقته. ثم انتقلت بعد ذلك إلى عرض محمولات النص على كتب التفسير والنحو واللغة والحديث والأصلين، باعتبار موضوع كل نكتة، ولم أخْلِ مع ذلك نفسي من عهدة عرضي لمادة الكتاب برمتها على التفاسير المعتبرة المشهورة، محترزا أن أصيد الحوت في غير بحره، إلا حين يَنْضُبُ معينُ المظان، فلم أبغ بدلا عن توثيق مسائل الأصول مثلا من كتب الأصول، ومسائل المنطق من كتب المنطق، وقضايا الكلام من كتب الكلام ... وهكذا دواليك إلا فيما ندر؛ تعِرَّة أن أكون حاطب ليل.
ولم تكن نقول البسيلي خالصةً للاستظهار ليس إلا، بل أوردها على أحوال شتى، فتارة تكون نصا في الموضوع، وتارة لتكون مادة للتعقب، وقد ألزمت نفسي فرددت غالب النقول الكثيرة بالنص على أصولها، ليستبين وجه الحق في نقلها، فتكشَّف لي أحيانا ما في النقل منِ العَسْف أو الاختصار المخل، على ما في ربط النقول بمصادرها المخطوطة من نصَبٍ ووصَب يخبره العارفون، سيما حين يكون توثيق النقول من كتاب مخطوط أو نادر لا يخضع لترتيب، ويعرى عن فهرسة، وبقدر
(1/15)

ما كان ذلك نقمة عليَّ، فقد كان حُبرة سابغة على الكتاب، صححت مبانيَه، ووضحتْ معانيَه.
هذا وقد انتحيت في التعليق تفصيل المجمل أو توضيح المبهم أو التنبيه على الوهم أو إرشاد القرأة إلى مزيد البحث في المصادر، ولربما أرخيت العبارة في التعليق زيادة بيان أو حرصا على فائدة أو محاذاة لكلام المؤلف بما يشاكله ويماثله، فكان أن "رفعت أحيانا العنق إلى النص، وملت عن الأعم إلى الأخص، وأدمجت باع العبارة في فتر الإشارة، وفي مواضع أجحف فيها الحذف، وتقلص ثوب المعنى فلم يضف، مددت بقدر الحاجة من أنفاسها، وأضفيت إلى حد الكفاية من لباسها".
وتوجت العمل بأن ختمته بفهارس تفصيلية، بلغت أحد عشر ككواكب يوسف، وهي على الولاء: فهرس الآي والآثار والأشعار والأعلام والأماكن والأمثال والكتب المذكورة في المتن والجماعات والفرق، والمصطلحات المنطقية وجريدة المصادر والمراجع، وفهرس مواد التقديم والتحقيق، ثم دليل الفهارس.

من نتائج البحث
1 - أنني أقدم اليوم، أول كتاب للبسيلي يحقق كاملا فيما أحسب، وما إخال أن الكتاب كان سيتأخر به العهدُ ليرْتد بصيرًا لولا عَمَهُ الأفارقة عن تراثهم، وغضُّهم على جاري عادتهم مما لم يكن من القرون الأولى، وذاك -كما ترى- "قضاءٌ في القضاء مذومُ".
2 - أنني قدمت أوفى ترجمة للبسيلي بحمد الله، ولو كانت هاته مبسوطة في الكتب قريبةَ الجني، لما التفت إلى تسويد الأوراق بأمر هو على مرمى حجر من كل باحث، ولكن البسيلي من هؤلاء النكرات المجاهيل الذين حاق بهم من التاريخ إغماض غير يسير، فلم يحظوا في كتبه إلا بنتف يسيرة كالضريع، فاستدعى مني شح الترجمة وخمول الرجل أن أسلك قيافة الإشارات والتلميحات التي تحتف به وبأسرته، مما تضمنته تلافيفُ كتبه، ومَطَاوي تراجِمِ المتَلبسين به، مستخدما قرائنَ الأحوال، والجمْعَ بين المُشاكلِ والمؤالف، مما مكنني أن أرمِّم هذه الترجمة بذكر لفيف من شيوخه وأعلام أسرته، ووضع اليد على بعض من مؤلفاته التي نعرِّف بها لأول مرة فيما أحسب.
(1/16)

3 - أنني عدوتُ على كرهٍ تصحيح المتن، إلى مناقشة المؤلف وتعقب بعض أوهامه، فاتخذ ذلك صورا متباينة، كالتنبيه على ما نقله غيرَ مصرِّح بمأخذِه، ومن ثم رَدهِ إلى أصله، أو تبيينِ ما وَهِمَ في نسبته، أو تصحيح ما يعتري؛ لامه من الخطأ، كلُّ ذلك مع الاعتذار له لغلبة إحسانه، وشفوف إتقانه، إذ من ألف فقد استهدف.
4 - أن البحث قادنا إلى إثبات حقيقة أن تفسير ابن عرفة لم يعكس الانزلاق التاريخي وبداية الخرف الحضاري في إفريقية، بل بقي لدنا متفتحا على بوابات الاجتهاد المشرعة.
5 - أنني كنت مجدودا بأن قادني البحث إلى اكتشاف مخطوطات نادرة كانت إلى الأمس القريب ضائعة سائعة، من أهمها قطعة صالحة من رواية بلديِّنا أبي القاسم الشريف السلاوي، لتفسير شيخِه الإمام ابن عرفة، وهي روايةٌ طالما تشوف إلى معرفتها أعلام في العلم، وجزم بفقدانها كُبراء منهم. ومن ذلك أيضا كتاب المحاذي لمختصر ابن عرفة في الفقه، وهو شرح موسع لصاحبنا، ما ذكره أحد ممن ترجم له ألبتَّة، ولا وقفنا على أحد نقل عنه أو دل على وجوده.
وغانٍ عن البيان، أن أقول إنني قد انتحيتُ عند بدء التحقيق تَرْكَ التعليق ما وَسِعني، مُقِلا منه كيما لا يطغى على النص، بيد أن مادة الكتاب المكتنزة، وعمقَ نكَته ودقائقه، وإبحارَه في فنون شتى، درأني إلى الشرح والتوضيح، فجاءت تعليقاتي غير زائغة عن هذا المضمار إلا فيما ندر.
وختاما فإن هذه المقدمة لا تغني بحال عن قراءة الكتاب والوقوف على مبلغ الجهد فيه، فقد علم الله ما كلفني من سفر وسهر، على حين ما عاد البحث العلمي يغري أحدا، ولا يدر مالا لبدا، فنحن فيه نحتسب الله جل وعز أكثَر مما نرجِّي من وراءه بغية أو طلبة، ولو لم نفد منه إلا الاشتغال بالعلم عن الخلق، والالتقاء بنفر من السادة العلماء الأماثل، لكان ذلك من أكبر النجح، وأعظم الربح.
هذا والمأمول من بِرِّ الواقف عليه، أن يذكر أن إعداد هذا السفر، قد تم في أحوال شتى لا تُظاهر على العمل، ولا تزيد في المُنَّة، مما حقه أن يطوى ولا يروى، وهي كلها شهد الله دواعٍ تجعلني في أكمل العذر، وتبسط لي أحسن التّعلات؛ على أنني لم أتخذ ذلك ذريعة إلى الترك، بل جهدت جهد المقل، وجهد المقل غير قليل، (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).
(1/17)

اختصارات الدراسة
- و: وجه.
- ظ: ظهر.
- أ: وجه.
- ب: ظهر.
- ع: ابن عرفة.
- رموز المخطوطات:
ن خ ع ك: نسخة الخزانة العامة بالرباط، حرف ك (كتاني).
ن خ ع ق: نسخة الخزانة العامة، حرف ق (أوقاف).
ن خ ع ح: نسخة الخزانة العامة، حرف ح (الحجوي).
ن خ ح د: نسخة الخزانة العامة، حرف د.
ن خ م: نسخة الخزانة الملكية، بالقصر الملكي بالرباط.
ن م ع ف: نسخة مؤسسة علال الفاسي.
الكبر (ص): نسخة الجزائر من "التقييد الكبير".
- الكبر: اختصار للتقييد الكبير.
- ت: توفي.
- هـ: هجرية.
- اهـ: انتهى.
- ن: انظر.
(1/18)

الفصل الأول
الحركة العلمية في عصر السلطنة الحفصية
وفيه مبحثان:
1 - عوامل النهضة العلمية في عهد الحفصيين.
2 - نشاط الدرسات القرآنية في العهد الحفصي.
(1/19)

المبحث الأول:
عوامل النهضة العلمية في عهد الحفصيين
أ - رعاية خلفاء بني حفص للحركة العلمية:
يبتدئ العصر الحفصي بإمارة الشيخ أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي -صاحب الإمام المهدي- على البلاد التونسية، عام 603 هـ، وينتهي بعد ذلك سنة 981 هـ، وقد تقلبت السلطنة في هذا المجال الزمني بين دَعَةٍ وأمن، واختلالٍ وفسادِ حال؛ وليس وكْدُنا تقرير ما أطنب المؤرخون فيه؛ وإنما القصد أن نبرز بعض ما أحاط به ملوك بني حفص العلم من عناية ورعاية.
شهد هذا العصر احتفالا بالعلم وأهله، واستطاع النشاط العلمي أن يغدوَ ميْسما لازباً لتونس، تُذكر فيُذكر، ويُعرف فلا يُنكر، حتى إن الرحالةَ العبْدري، وهو النَّقادة الذي "ما رأيناه مَدح بلدةً ولا سكانهَا إلا مدينة تونس" -حسبما أفاد ابن عبد السلام الناصري فى الرحلة الحجازية- يعطف على هذه البلدة سنة 688 هـ، فيُلْفى فيها أخْدَانه سَدَنَةَ العلم وأضرابَه في الطلب، ويُسَرِّح طرْفه وفكره فيما تلذّه الأنفس وتقرّ الأعين من الأنظار العقلية والأبحاث العلمية الجارية بين علماء الحضرة، فلا تمنعه محاققتُه الفذّةُ من أن يقول عن تونس: إنه "لا تنْشُدُ بها ضالةً من العلم إلا وجدتها ولا تلتمسُ فيها بغيةً معْوِزة إلا استفدتَها؛ أهلُها ما بين عالم كالعَلَم رافع بين أهله للعِلم، ومعطِّل حدَّ الظُبى بالقلم".
بل إن العبدري يُثبت أنه قد أقفر ما بين المغرب وتونس من العلم، ولم يجد له رسما إلا عندما دخلها، وذلك حَادِيهِ للقول: "ولولا أني دخلتُها لحكمت بأنَّ العلم في أفق
(1/21)

الغرب قد مُحِيَ رسمه، وضاع حظُّه وقَسْمُه، ولكنْ قضى الله بأنّ الأرض لا تخلو من قائم له بحجة يرى سبيل الحق ويوضّح المحجة، وما مِن فنّ من فنون العلم إلا وجدت بتونس به قائما، وبها من أهل الرواية والدراية عدد وافر، يجلُو الفخارُ بهم عن محيّاً سافر، وينير علمهم، وقد ألقت ذُكاء يمينها في يد كافر". وهُو لا يجيء في حكمه شيئا إدًّا، إذا عُلم أن عِدةَ رجالِ العلم والأدب التونسيين المذكورين طَيَّ رحلتِه يُربي على غيرهم ممن لقيه في حجازيته كلِّها، فيذكر منهم ستة عشر عَلَماً ما منهم إلا شهيرُ الذكر، خطير القدر. ولو لم تكن تونس على ما ذكر العبدري، لما أطال بها ابن رشيد السبتي الورود والصدور، حيث ضمّن "ملء العيبة" أسماء الكثير من علمائها.
ويعرِّج أبو البقاء البلوي على تونس في رحلته، فيُقيم بها من (يوم السبت فاتح شعبان عام 736 هـ، إلىٍ يوم السبت 17 ربيع الثاني عام 737 هـ)، فَلا يقَصِّر وصفُه عن وصف قرينَيْه، ويراها جنة حُفتْ من طرقها بالمكاره، وعقيلةً عقَلت قلب الطائع والكاره، فهي الدمية الغراء، والقبة اللعْساء، والخريدة العيناء، تزهى بها المحافل، ويحتقبها الطالع والآفل ... ؛ وينشد في مدحها:
لَتُونُسُ تُونِسُ مَن جاءها ... وتُودِعُهُ لوعةً حيث سَارْ
فيغْدُو ولوْ حَلَّ أرضَ العراق ... يحِنّ إليها حنين الحُوَارْ
ويأمُلُ عَوْدا ويشتاقُه ... اشتياقَ الفرزدق عَوْدَ النّوار
ولعل السبب في ابتهاجه بحلول تونس هو ما سيذكرُه بعدُ، وهو أنه ظلّ يلقى أكابر الأولياء، والعلماء الأتقياء، وسيذكر منهم لفيفا مهما.
(1/22)

وهذه النهضة العلمية التي يشيد بها هؤلاء العلماء الرُّحْلة، هي في بعض منها، من ثمار الحظوة التي حازها حملة العلم عند بني حفص، هؤلاء الذين "حرصوا على تشجيع العلماء وتنشيطهم والمساعدة لهم، فأقاموا بذلك على أيديهم دولة باهرة، وحضارة زاهرة". وقد درأت هذه العناية ابن حريز، لينشئ ديوانا في مدح الحفصيين، سماه "مهبّ نواسم المدائح ومصب غمائم المنائح في مدح الخلافة الحفصية"، وصفات الرجل التي خلعها عليه البلوى تمنع مظنة التزلف والانتجاع، فقد كان الرجل كريما يُقصد ولا يقصد، فمدْحُه يصادف محلا:
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... ما لم يجدوا عنده آثار إحسان
وقد أدرك الفقهاء سطوة لدى الحفصيين، بَلَغَ من قدرها في العهد الحفصي الأول أن كان للفقهاء دورٌ حتى في خلْعِ أو تعْيين الخليفة، "فقد كان لرجال الدولة الحفصية الحظّ الأوفر من نصرة الحق وإعانة القضاة على إجرائه، فوسَّعوا للقاضي في السلطة والنفوذ، وأعانوه على المباشَرة، ومكَّنوه حتى من أنفسهم وبنيهم"؛ مِن ذلك ما حُكي عن أبي محمد المرجاني (ت 699 هـ)، وذلك أنه لما مرض أبو حفص عمر، عُهد بالملك لولده عبد الله، فتحدث الموحدون والفقهاء والقاضي مع المرجاني المذكور، تحدثوا معه في أن الولد صغير، واتفق رأيهم على أبي عبد الله المعروف بأبي عصيدة، ابن الواثق بالله بن المستنصر.
ولم يكن يمتنع عن الفقهاء والقضاة في إجراء الأحكام الأمراءُ فمَنْ دونَهم، فمن ذلك أن أبا عبد الله المعروف بأبي ضربة، لما فَرَّ والدُه وبويع هو إنما أُخْرج من السجن بعد أن كان مثقَّفاً على يد قاضى الوقت أبي إسحق بن عبد الرفيع (ت 733 هـ)، بسبب جناية.
(1/23)

وأكبرُ أولاد أبي بكر الأمير الحفصي، حدثَتْه نفسه بأن يطلب الملك لنفسه، فحال بينه وبين ذلك القاضي أبو علي عمر بن عبد الرفيع (ت 766 هـ).
وفيما يتلو عروجٌ على مساهمات أعلام السلطنة الحفصية في الأنشطة العلمية وإقامتهم لصروح العلم، وبعثهم للمنتديات البحثية الرصينة.
- أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي (603 - 618):
كان عالما فاضلا خَيِّرًا فطنا؛ فمِن إدراكه ما حكاه كاتبه ابنُ نَخِيل عنه، قال: دخل عليه الفقيه أبو محمد عبد السلام البُرْجِيني من تلامذة الإمام المازري، وكان تحت جَفْوَةٍ منه، فقال الشيخ: كيف حالك يا فقيه أبا محمد عبد السلام؟ فقال: في عبادة. فقال له الشيخ: نُعَوِّضُ صبرَك إن شاء الله بالشكر. قال ابن نخيل: فسألت الشيخَ عن المراد: فقال: أراد قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انتِظَارُ الفَرَجِ بِالصبْرِ عِبَادَة".
- أبو زكرياء يحيى الأول، بن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص (خلافته:625 هـ - 647 هـ):
وهو الباني للمدرسة الشَّمَّاعية، وزوجته عَطْف، هي مُنشئة المدرسة التوفيقية، سنة 639 هـ وهي المسمّاة اليوم، بمدرسة جامع الهواء، وقد أحدثتْ معها جامع التوفيق، ونظمت بها دروسا، وجعلتْ لإقامةِ ذلك أوقافاً واسعة.
(1/24)

وقد كان مجلس أبي زكريا قبلة للعلماء والأدباء، بل لقد كان هو نفسُه معدودا في العلماء والأدباء والشعراء والنبلاء؛ يجالسُهم ويشاركهم، وله شعر؛ فمِنه ما كان سببُه أن الأمير استدعى جماعة من خواصِّه وشعرائه لنزهة في رِياضه المسمى بأبي فِهْر، فنظموا في وصفه قصائدَ رفعوها إلى الأمير، فأجابهم بأبيات تتضمن تفضيل شعر أبي عمرو ابن عربية على شعر جميع من حضرها وفيهم ابن الأبار وغيره، وأبيات أبي زكرياء: [طويل]
ألا إنّ مضمارَ القريض لَمُمْتدُّ ... بِهِ شُعَرَاءُ السبْقِ أربعةٌ لُدُّ
فأما المجلِّي فهْو شاعرُ جَمّة ... أتى أولا والناس كلَهمُ بعدُ
وأما المصلى فهو حبْر قضاعة ... بآدابه تزهو الإمارة والمجد
في أبيات أخر.
وقد أَخَذَ عن الشيخ الفقيه المقرئ أبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الرُّعَيْني السّوسي (ت 662 هـ)، ختم عليه المستصفى للغزالي وغيره. وتتلمذ أيضا لأبي الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البَيَّاسِي (ت 653 هـ)، حيث جَمَعَ له أحاديث "المستصفى" واستخرجها من الأمهات ونَبَّهَ على الصحيح منها والسقيم؛ وبرسمه ألّف كتاب "الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الإسلام".
(1/25)

وقد كان يستدعى إليه العلماء، كما فعل مع أبي العباس الْمَلْتَاني (ت 644 هـ)؛ وهذا الأمير هو الذي هرع إليه ابن الأبار -الذي سَيَلِي له العلامةَ فيما بعد- سفيرًا لابن مرْدَنِيش، يستفْتِحُ به ويستصْرخُه، لرتق ما انخرق من حُلَّة الوجود الإسلامي بالأندلس، إذْ أنشد بين يديه سينيته المبكية التي ولع بها المتأدبون -والتي لا تضارعها إلا نونية الرندي-:
أَدْرِكْ بخَيْلِك خيل الله أَنْدَلُسا ... إنَّ السبيلَ إلى مَنْجَاتِهَا دَرَسَا
ويجمُل ذِكرُ أنه قد استُصرخ بقصيد آخر لم ينسبْه المقري -مرعىً ولا كالسعدان! - طالِعَته:
نادتْك أندلسٌ فلب نداءَها ... واجْعَلْ طواغيتَ الصَّلِيبِ فِدَاءَها
وناهيك برجلٍ يهْتَبِلُ بالأصول العلمية، فيفتشُ عنها ويتطلّبُها تطلب الصادي للماء القراح، حتى لقد سمع بنسخة من "فصيح" ثعلب بخط اللغوي أبي إسحق إبراهيم بن الأجدابي بيعت بطرابلس، فَبَرَدَ بريدا إليها في البحث عنه، فبُحث عنه ووجِّه به إليه؛ وسمع كرةً أخرى بوجود نسخة من "أمثلة الغريب" لأبي الحسن الهنائي المعروف بكُرَاعِ النمل بخط الأجدابي المذكور، فوجه إليها بطرابلس. وقد خلَّف من الكتب ستة وثلاثين ألف مجلّد.
وهو من الحفصيين الذين شجعوا العلماء على التصنيف في مختلف مجالات العلم حتى الطب، فهذا أحمد بن محمد، ابن الحشَّا، الطبيب التونسي (من رجال ق 7 هـ)
(1/26)

ألّف بطلب من أبى زكريا معجما في الطب سماه "مفيد العلوم ومبيد الهموم".
ويرفِّع ابن سعيد في "المغرب" بتونس في عهده فيقول: "ومدينة تونس بإفريقية قد انتقلت إليها السعادة التي كانت في مراكش بسلطان إفريقية الآن أبي زكرياء يحيى بن أبى محمد ... وعُرَفَاءِ صنَّاعه من الأندلس ... ووجوهُ صنائع دولته لا تجدُهم إلا من الأندلس".
ويبدو أن وَلَدَهُ كان لاحقا لشأوه، فقد حاز مِدَحَ ابن عربية، وله ألف "الروضة الريَّا في امتداح الأمير أبي يحيى".
- أبو عبد الله المستنصر (خلافته: 647 هـ - 675 هـ):
عالم متمكن عظيمُ الشأن في ملوك بني حفص، لِما اجتمع بحضرته من أعلام الناس الوافدين على أبيه، وخصوصا الأندلس، من شاعر مُفْلِقٍ، وكاتب بليغ، وعالم نِحْرير، وملك أرْوَع، وشجاع أهْيَس، متفيّئين ظلَّ ملكه، مُتَنَاغين في اللياذ به لِطُمُوسِ معالم الخلافة شرقا وغربا على عهده، وخُفُوتِ صوت الملك إلا في إيوانه. ومن تقديره للعلماء وزكانته في انتقائهم لِمَا أهمَّه أنه عهد إلى أبي موسى عمران ابن مَعْمَر المتضلع في المذهب بمنصب قاضي تونس، وقرَّب أبا العباس اللُّلِيَاني -وهو ممن عكف على دراسة المدونة-، ووجَّه ممن حاضرة تونس إلى أبي محمد عبد الحميد ابن أبي الدُّنْيا الطرابلسي، الذي شَيَّدَ بعدُ -باسمه- مدرسةً بطرابلس
(1/27)

سماها المدرسة المستنصرية، ثم ولى له قضاء الجماعة والأنكحة والخطابة بالجامع الأعظم.
وقد عُرف عنه تقريبُه للعلماء والأدباء، يجالس طلبة العلم ويشاركهم أحسن مشاركة من غير مُمَارَاة، ولا إظهارِ إِيَّالة على أحدٍ منهم؛ فمِمَّن حظي عنده ونفقت سوقُه لديه: أبو المطرف ابن عميرة المخزومي (ت 658 هـ)؛ وأبو العباس أحمد بن إبراهيم الغساني (ت 668 هـ)، الذي جَلَّ عنده حتى بلغ الغاية لأنه كان من ظرفاء الأدباء. وابن الأبار القضاعي الذي استدعاه المستنصر فكان أول إنشاده لما مَثُلَ بين يديه:
بُشْرَايَ بَاشَرْتُ الهدَى وَالنُّورَا ... فِي قَصْدِيَ المسْتَنْصِرَ المنصُورَا
وإذا أميرُ المومنين لقيته ... لم ألق إلا نضْرة وسرورا
واستدعى إليه أبا بكر ابن سيّد الناس لما اشتهر حاله، ونقل الناقلون ذَكاءه وفهمَه؛ ولم يكن ينمي إلى خبره جوازُ عالم لبلدِه إلا استدعاه، كما فعل مع أبي على الحسن بن موسى بن معمر الهواري الطرابلسي وأبي العباس الجدلي الشريف
(1/28)

الأصبهاني الرُّحْلة. واختص بأبي القاسم ابن البراء التنوخي اختصاصا كليا. وأما ابن عصفور فكان أحد خواص مجلس المستنصر، وقبل انتقال الإمارة إليه كان يقرأ عليه، لكنه قَلَبَ له ظهر المجن عقيب ذلك وعفَّى على سوالف المنن بكبائر المحن. أما حازم القرطاجني، فقد أشاد بتشجيع المستنصر للعلم وحملته، وأدار مقصورته على مدحه، حتى أثار ذلك المكودي ليعارضه ولكن بمدح سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ قال حازم:
وقد رفعتَ عِمادا للعُلا فَغَدَا ... يعلُو قياما ويعلُو قدرُه قِيَمَا
أقمتمُ وزنَ شمس العدل فاعتدلت ... فلم يدَعْ نورُها ظُلْما ولا ظُلُما
فتونسُ تؤنِس الَأبصار رؤيتُها ... وتمنع الأُمم الآلاء والأَمَما
كأنما الصبح فيها ثغر مبتسم ... وحوة الليل فيها حوَّةٌ وَلَمَى
فأقبلتْ نحوها للناس أفئدةٌ ... تَرْتَادُ غَيْثاً من الإحْسَانِ مُنْسَجِمَا
فكلُّهم حضروا في ظلِّ حضْرتكم ... فأصبحت لهمُ الدنيا بها حُلُما
وقد مدحه مِدَحا باقيات صالحات؛ فمما ارتجله منها، وهذا طالعها: [الكامل]
بَلَغْتَ فِي الأعداءِ كلِّ مُرَاد ... وَغَدَا لَكَ التأييدُ ذَا إِسْعَاد
ولم يكن المستنصر بحاثَّةً فحسب، بل كان نقَّادة يهتم بتقويم التآليف، فقد دفع بكتاب "وشي الحلل في شرح الجمل" لما رفعه إليه أبو جعفر اللَّبْلِي، إلى أبي الحسن
(1/29)

القرطاجني، وأمره أن يتعقب ما فيه من خلل وَجَدَه، فسعى اللبلي لتعرُّفِ مواضع التعقب فَبَشَرَها بمعرفة حازم.
ومن المفيد أنه قد حفظت لنا كتب الأدب نماذج مما كان يجوس خلال مجالس المستنصر من أبحاث ومساجلات؛ ذكر صاحب "التذييل والتكميل" أن من غريب الحكايات ما حدثه به بعض أدباء تونس، والعهدة عليه: "أن الفقيه المحدث أبا القاسم ابن البَرَاء، كان يحرِّض شيخنا الأديب الحافظ أبا الحسن حازم بن محمد ابن حازم، على أن يشتغل بالفقه ويكُفَّ عن الأدب، فحضر حازم وجماعة عند المستنصر ملك إفريقية، وذكروا قراءة ابن كثير (وَكائِن)، واستغربوها، وقالوا: لم يجئ منها في كلام العرب إلا قول الشاعر:
وَكائِنْ بِالأبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ
فقال لهم حازم: قد ورد منها ما لا يُحصى، فطلبوا ذلك منه، فأنشدهم من هذه اللغة ألف بيت!، فدفع له المستنصر ألف دينار من الذهب، فجاء بها إلى ابن البراء فقال له: هذه مسألةٌ من الأدب أخذْتُ منها ألف دينار، فأَرني أنتَ مسألة من الفقه حصل بها المختبر ألف دينار. -زاد الإفرانى-: والذي أقوله، أَن هذه المسألة كانت مُبَيَّتة، طُولع فيها دواوين أياما كثيرة؛ على أن حازما كان من الحفظ في غاية لا يُشارك فيها.
وقد كانت المساجلات الدائرة بحضرة المستنصر تتطور فتثمر تأليفا ينصر أو يرُدُّ بعض ما اعتوره العلماء بالنقاش، ففي تفسير أبي القاسم السلاوي -عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِق} -: "ع: ويُحكى عن شيخ يقال له ابن عبد القادر، كان قرأ عليه الشيخ ابن الدَّراس الطبيب، أنه اجتمع مع الفقهاء عند السلطان المستنصر، فبحثوا ثَمَّ في التشاؤم بعدد التسع وأنه مستَقْبَحٌ مرجوح، فبحث هو على أنه مستحسن؛ وألف فيه كتابا".
(1/30)

- أبو زكريا يحيى الملقب بالواثق بالله (خلافته: 675 - 678 هـ):
وهو على قِصَرِ آمَد خلافته، جدد بناء ما اختل من جامع الزيتونة وسائر المساجد، وقد كانت مجالا للمطارحات العلمية والتدريس.
- الأمير أبو زكرياء يَحْيَى بن السلطان أبي إسحق إبراهيم الحفصي:
وهو الذي أسس مدرسة المعْرِض، ويبقى أن تعرف أن وَلَعَ الرجل بالعلم دعاه إلى أن يحدث كُوَّةً في منزله ليسمع منها ما يقرأ بالمدرسة التي بناها بإزاء داره وزودها بالكتب النفيسة من كل فنون العلم. وكان يحضر مجلس الوعظ يومي الإثنين والجمعة، فيطلق العنبر والعود ما دام المجلس.
- زكريا ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ اللحياني محمد بن يَحْيَى بن عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي، أبو يَحْيَى الحفصي (خلافته: 711 - 717 هـ):
العالم المحدث، الكاتب الشاعر، أمه أم ولد اسمها محرم أصلها رومية. قرأ علي جماعة بتونس، ورحل إلى المشرق، ولقي جماعة، سماه ابن عمه السلطان الواثق بالله الملقب بأبي عصيدة، شيخاً للموحِّدين، عندما تولى المملكة سنة 694 هـ.
من مؤلفاته: ديوان شعر، جمعه مدة إقامته بمصر. و "روضات الجنات" وهي خطب جمعية طبعت طبعة حجرية بالهند.
- أبو العباس أحمد الحفصي (خلافته: 772 - 796 هـ):
وهذا أول خليفة أرجِّح أن البسيلي عاصره، فضلا عن أبي فارس كما سيأتي.
وقد طرَّزَ أبو العباس حاضرةَ تونس ببدور علمية بادِيَةِ الوَضاءة، كالإمام ابن عرفة، وابن خلدون المؤرخ، الذي أكرم الأمير وفادَتَه، وآوى من عنايته إلى ظل ظليل، وهو الذي كلَّفه -لما لمْ يَخْلُ له وقت لمذاكرة العلماء- بالإكباب على تأليف تاريخه "العبر"،
(1/31)

لتشوفه إلى المعارف والأخبار، واقتناء الفضائل، فلما أتمه ابن خلدون رفع منه نسخة إلى الخزنة الأميرية، وشفع ذلك بقصيدة يقول فيها:
هَذَا أبُو العبَّاس خيرُ خليفةٍ ... شَهِدَتْ لهُ الشِّيَمُ التي لا تُجْهَل
إلى أن يقول:
وَإليكَ من سِيَر الزمانِ وأهلِه ... "عِبَرا" يَدِينُ بفضْلِهَا مَنْ يعدِل
صحُفا تُتَرْجِمُ عن أَحَاديث الأُليَ ... غَبَرُوا فتُجْمِلُ عنهمُ وتفصِّل
ثم قال:
أَهْدَيْتُ منه إلى عُلاَكَ جَواهِرا ... مكنونةً وكواكباً لا تَأفُلُ
وجعلتُهُ لِصِوَانِ مُلْكِكَ مَفْخَرا ... يَبْأى النَّدِيُّ به ويزهو المحفل
ويحس ابن خلدون، أنه قد ينازعه في مديحه مَن يسِمه -كابن عرفة- بالمبالغة وتزويق الخلان وإطراء المنتجع، فيؤكد على صفة الصدق فيما قاله، ويستظهر عليه بأن الأمير عالم كريم التحيتة، نافذ النظر:
وَلأنتَ أرْسَخُ في المعارف رُتْبَة ... مِنْ أن يُمِّوهَ عنده متطفِّل
والله ما أسرفْتُ فيما قلتُه ... شيئا ولا الإسرافُ مما يجمُل
ويلاحظ أن خلافةَ أبي العباس هذا أنفقها في تمهيد البلاد وقمع المخالفين، وتجهيز الحركات لاستتباب الأمن، ولو وافق رخاء وأمنا لكانت له في إنعاش العلوم الشرعية والأدبية اليد الطولى؛ ويؤيد هذا الظن قولُ ابن الشماع إنه "وجد نظام الملك بإفريقية قد اختل، والعرب قد ملكوا من الجبال الجل"، وفي أيامه نزل النصارى بالمهدية فأجلاهم.
(1/32)

- عبد العزيز الحفصي (796 - 837 هـ):
لم يكد يفرغ من تمهيد البلاد حتى هرع إلى قضاء حق العلم، ويرسم ابن القنفذ صورة عن مجلسه العلمي فيقول: "وفي سنة 782 حضرت مجلسه -نصره الله- في العلم، بقصبتهم السعيدة في الحضرة العلية في التفسير والحديث والفقه، والقائمُ حينئذ بِرَسْمِ العلم في مجلس الأمير قاضي الجماعة بالحضرة العلية الشيخ الحافظ أبو مهدي عيسى بن أبي العباس أحمد الغبريني؛ وهو شيخٌ نَالَ من المعارف ما اشتهى، وحازَ من العلوم الغايةَ والمنتهى، وهو في درسه حَسَنُ العبارة، لَيِّنُ القول قريبُ الإشارة، شاهدت المفيد درسه، وحضر جماعة من الطلبة مجلسه، وكان الشيخ الفقيه المدرس الخطيب المفيد أبو زكرياء يحيى بن منصور الأصبحي يحضر هذا الدرس، ولا يختص الخليفة فيه بطِنْفِسَةٍ ولا بغيرِها، بل جلوسُهُ على البساط الذي يجلس عليه الطلبة؛ وكان الخليفةُ يقرأ على القاضي المذكور دولته في "الرسالة" بعد افتراقِ المجلس؛ ورأيتُ في أيام حضوري بمرْفَعِ الكتب بالقُبَّة شَرْحِي لرسالة ابن أبي زيد في أربعة أسفار، رَفَعَهُ للخليفة من نَسْخِهِ".
ويُظاهر ما سُقْناه عن ابن قنفذ ما ذكره ابن الشماع عنه: "ومن فضائله ملازمتُه لقراءة العلم بمجلسه سَفَراً وحَضَرا وتواضعُه وجلوسُه على الحصير حين قراءتِه للحديث النبوي، وشاهدتُ ذلك منه رحمه الله أيام حضوري مع الوالد؛ وكانت تصدُرُ عنه حين القراءة نكتٌ تدل على جودة فهمِه وقوةِ ذهنِه، وكان هو الذي يستدعي الوالد في كثير الأوقات للقراءة، ولاسيما حين يَرد عليه من يَرِدُ من فحول العلم من الأندلس والمغرب، وكان مولعا بتمييز الرجال، وكان يعترف للوالد بأنه أحرز قصب السبق". ووالد ابن الشماع المذكور هو القاضي أبو العباس أحمد الشماع الهنتاتي (ت 833 هـ)، وقد ألف كتاب "مطالع التمام ونصائح الأنام ومنجاة الخواص والعوام" بناء على مسألة أحيلت للنظر بين يدي أبي فارس في مجلسه، وهي مسألة العقوبة بالمال. وخاطبه في الكتاب بقصيدة طويلة تخلص فيها بعد المدح إلى القول:
(1/33)

فَوَفِّ بما عقَدتَ ولا تماطِل ... فما تدري متى يأتى السفِيرُ
ولا تتْبعْ هوى من لا يُبالي ... بما يريد فالمولى غَيُورُ
فقد وَضَحَ السبيلُ لِمن يراه ... وبانَ الحق واتَّجَه المسيرُ
"أقيموا الدينَ" قال اللهُ حقا ... وعمّا به شرعت فلا تجور
فلا يخدعْكُم عنها خيال ... ووسواس يلتمُّ به الغرور
ثم ختم قصيدته الموجهة لأبي فارس بوعظ مباشر:
بذلتُ نصيحتي شَغَفاً وحُبّا ... وألجأ للإله وأستجير
به من شَرِّ مَن يُرْدي ويُعْدي ... فما لله ضدٌّ أو نظير
فلا تحتجَّ لأكل المال ظلما ... فظلمُ الناس شر مستطير
ولا يغررْك غرارُ قوم ... عبوس من ورائك قمطرير
ولا ترجع بما عاملت ربا ... به إن التجارة لا تبور
وقم بالشكر إن الله يرضى ... بشكر عباده وهو الشكور
وليس علينا شيء مما ارتكبه الشماع في نظمه المهلهل هذا من ضرائر الشعر وتكلف الإجادة، فهو شعرُ فقيه؛ ولكننا أردنا من سَوْقِهِ بيانَ أن أبا فارس لم يكن ضيَّقَ العطن ليتبرم بهذا النصح الصريح الذي خاطبه به الهنتاتي، ولم يكن هذا ليسوقَهُ إلى ممدوحه لولا دَالَّتُه عليه، وعِلمُه بقدر ما يُكِنُّ للعلماء من التجلة والإكبار.
وقد بالغ في إكرام العلماء والأدباء، ومن مفاخره إقامتُه لخزانة الكتب التي جعلها بجوف جامع الزيتونة، وقد أوقف عليها أحباسا عظمى من الزياتين وغيرها بدرجة تفوق كفايتها.
...

- محمد بن أحمد الحفصي الأمير، ابن السلطان أبي العباس، أخو السلطان أبي فارس صاحب تونس، ويعرف بالحسين:
كان من جلة فقهاء تونس وعلمائها، علامة محققا، أخذ عن ابن عرفة وعيسى الغبريني وغيرهما؛ ورافق البسيلي في الطلب، وهو الذي طالبه بنسخة من تفسيره في
(1/34)

القصة المعروفة. ولي إفتاء العسكر لأبي فارس، وخرج على ابن أخيه أبي عمرو عثمان إثر تولي هذا الأخير السلطنة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى قبض عليه، وأودع السجن حتى توفي في ربيع الثاني سنة 839 هـ.
وهو من الحفصيين الذين اندرجوا في سلك المؤلفين، بأجوبته عن مسائل الإمام أبي الحسن على بن محمد ابن سمعت الأندلسي الغرناطي المنوعة، حين وجهها إلى إفريقية، ذكرها القاضي الوزير أبو يحيى بن عاصم، ونقل عنه أبو القاسم ابن ناجي في "شرح المدونة"، ونقل عنه في "المعيار".
...

ب - هجرة العلماء الأندلسيين إلى الحاضرة التونسية:
لما ساءت الأحوال في الأندلس، بعد سقوط طليطلة، توجس العلماء خيفة من المقام بها، فأجابوا نداء شاعرهم:
يا أهلَ أَنْدَلُسٍ شُدُوا رِحَالَكُمُ ... فما المُقَامُ بها إلا من الغَلَطِ
السِّلْكُ يُنثَرُ مِن أطْرافه وأَرَى ... سلكَ الجزيرَةِ مَنثُورًا مِنَ الوَسَطِ
مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لا يأمَنْ بَوَائِقَهُ ... كيف الحياة مَعَ الحيَّاتِ في سَفَطِ؟!
فعملوا في الهجرة إلى ما جاورهم من بلدان، وكان مقصدهم من ذلك تلمسان والمغرب الأقصى ثم إلى تونس. وبدخول رحَّالَةِ الأندلس أصبحت هاته الأقاليم وارثةَ العلوم الأندلسية.
وقد لقي هؤلاء الواردون مناخا علميا طيبا، ولَقِحَتْ منهم ثقافة الأفارقة، وحظوا عند الملوك والأمراء، وتبوؤوا مقاما عليا، خاصة بتونس حيث سهل أبو زكرياء الحفصي هجرتهَم، وجَلَبَ العديد منهم صَنَائِعَ لغلبة الموحدين ومزاحمتهم؛
(1/35)

وغَدَتْ هذه الحاضرة الإفريقية قبلتَهم، يستأنسون فيها لمواصلة نشاطهم العلمي، ويجدون أيْدًا على نقل الثقافة الأندلسية إلى قطَّانها؛ وقد تفطَّن حازم لهذا الأمر فضمَّنَهُ قوله:
قد نَدَّ فيها الأَسى عَنْ أَهْلِ أنْدَلُسٍ ... والأنْسُ فيها عليهم وفْدُه قَدِمَا
وأُبْدِلُوا جَنَّةً من جنة حُرِمُوا ... منها وقد بُوِّؤُا من ظِلِّها حُرُما
بل إن بعض الباحثين ذهب إلى حدِّ أن هؤلاء الوافدين الأندلسيين زاحموا علماء وأدباء البلد من أهل تونس، ممن ساءهم أن يروا المهاجرين الأندلسيين يحتلون أرفع المناصب في الدولة الحفصية ويزاحمونهم عليها بما يملكون من ثقافات ومواهب، أي أن هناك نزعة بلدية ضيقة لا تنظر بارتياح إلى تسنم الوافدين الغرباء من الأندلسيين أعلى المناصب وأن في هؤلاء غرورا واعتدادا بأنفسهم وثقافتهم وكونهم أهلها وأحق بها من غيرهم.
وإيّا ما يكون، فعناية بني حفص بالعلماء؛ حملت الكثير من علماء الأندلس على انتجاع ربوعهم والانقطاع لخدمتهم، إجابة للرغبة العلمية الصادقة ووفاء بالواجب المفروض، فبثُّوا العلم ونشروا الأدب، وقدَّموا التآليف الجليلة لخزائن ملوك آل حفص، ونثروا على الأسماع محامدهم، وأشادوا بمفاخرهم.
وقد كان لهؤلاء الطارئين لواء مرفوع في نشر العلم، ووصل سلاسل إسناده بين الضفة الإفريقية والأندلس؛ حتى إن ابن خلدون يدين في شطر من ثقافته لهؤلاء، حيث كان يعكف على لقاء المشيخة من أهل المغرب والأندلس الوافدين في غرض السفارة، ويُقِرُّ أنه حصل من الإفادة منهم على البُغية.
وحاصلُه أنهم طائفةٌ من جلة العلماء وأفذاذ الأدباء والشعراء من مهاجرة الأندلس إلى تونس اتخذوا القطر الإفريقي وطنا امتزجوا بسكانه، وانتظموا في سلك ذوي الرتب العليا به، اختاروه لهم وطنا ثانيا آواهم في حياتهم، واحتضن رفاتهم بعد مماتهم، فأصبحوا كآحاد أبنائه الأصليين.
(1/36)

وقد تتبعتُ ذِكرَ هؤلاء الأندلسيين في كتب التراجم والرحلات، فتحصل لي منهم عدد غير يسير؛ فمنهم:
- محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز، ابن نخيل الأندلسي (ت 618 هـ)، نزيل تونس، الأديب المؤرخ.
- محمد بن يحيى، ابن هشام الخضراوي نسبة إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس، يعرف بابن البرذعي (ت 646 هـ)، نزيل تونس، النحوي اللغوي.
- يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البياسي البلنسي الأندلسي جمال الدين أبو الحجاج نزيل تونس (ت 653 هـ).
- عبد الرحيم بن أبي جعفر أحمد بن علي بن طلحة الأنصاري المعروف بابن عُليم السبتي، أمين الدين، أبو القاسم (ت 655 هـ)، نزيل تونس، والمتوفى بها، المحدث الرحال.
- أحمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن أحمد بن عَميرة المخزومي، أبو المطرف البلنسي (ت 658 هـ): نزيل تونس، الفقيه العالم الأديب.
- محمد بن أحمد بن عبد الله بن سيد الناس اليعمري الإشبيلي، أبو بكر، المقرئ المحدث الفقيه اللغوي، نزيل تونس، والمتوفى بها سنة 659 هـ.
- محمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي العاص الأنصاري الأوسي البسطي الأندلسي، أبو الجيش، نزيل تونس، (ت 662 هـ).
- على بن مؤمن، ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي، أبو الحسن (ت 669 هـ)، نزيل تونس، النحوي اللغوي.
(1/37)

- محمد بن الحسين ... يعرف بابن أبي الحسين الغرناطي (ت 671 هـ)، نزيل تونس، من أسرة ابن سعيد المعروفة بالعلم والأدب.
- محمد بن الحسن ... ابن حَبيش، أبو بكر اللخمي المرسي، نزيل تونس، الأديب الفقيه الحافظ المتفنن (ت 679 هـ).
- الترجمان عبد الله، واسمه الأصلي أتسلم ترمودا، قسيس إسباني من مدينة ميورقة، أسلم في عهد السلطان أبي العباس أحمد بن المستنصر الحفصي، له "تحفة الأريب في الرد على أهل الصليب".
- حازم بن محمد بن الحسن ... الأوسي القرطاجني (ت 684 هـ): الأديب الشاعر الكاتب المشارك في العلوم العقلية.
- إبراهيم بن محمد الخزرجي الأنصاري الجَزْري الأندلسي، نزيل تونس، أبو إسحق الفقيه الأصولي (كان حيا سنة 684 هـ).
- أحمد بن محمد بن ميمون الأشعري المالقي المعروف بابن السَّكَّان، نزيل تونس (ت 689 هـ)، الفقيه الأديب الكاتب الشاعر المؤرخ.
- أحمد بن يوسف بن يعقوب بن علي الفهري اللبلي، أبو العباس (ت 691 هـ): النحوي الأديب الراوية المحدث المقرئ.
- محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى الخزرجي الشاطبي (ت 691 هـ): نزيل تونس، الفقيه القاضي.
(1/38)

- أحمد بن محمد القرشي، الشريف الغرناطي، أبو العباس (ت 692 هـ): نزيل تونس، الحافظ المحدث المؤرخ المعمر، نقل البسيلي عن كتابه "المشرق".
- أحمد بن محمد بن حسن بن محمد بن عبد الرحمن الأزدي الخزرجي، ابن الغماز البلنسي (ت 693 هـ): نزيل تونس، العلامة المقرئ الأديب.
- محمد بن أحمد بن عبد الله الكلاعي المعروف بابن الرومي، وابن النجار، أبو عبد الله (ت 693 هـ): نزيل تونس، الصوفي المحدث.
- أبو العباس أحمد بن عثمان بن عجلان القيسي الإشبيلي (توفي في عشر التسعين وستمائة بتونس).
- عبد الله بن محمد بن هارون القرطبي (ت 702 هـ)، نزيل تونس، المحدث الأديب الشاعر.
- عمر بن محمد بن خليل ... السكوني، أبو علي الإشبيلي الأصل، نزيل تونس (ت 717 هـ)، المتكلم المشارك في علوم.
- عبد المهيمن بن محمد بن عبد المهيمن الحضرمي السبتي (ت 749 هـ).
- محمد بن محمد البدوي الأندلسي (ت 750 هـ).
(1/39)

- علي بن محمد بن أبي القاسم، ابن رزين التجيبي المرسي، أبو الحسن، نزيل تونس، الفقيه الأديب.
- أبو العباس أحمد البلنسي الشهير بابن الحاجة.
- يوسف بن إبراهيم بن أحمد، ابن عقاب الجذامي الأندلسي، نزيل تونس.
- عبد الله بن يوسف بن موسى الخِلاَسِي الأندلسي، أبو محمد، الفقيه الصالح.
- أحمد ابن القصير الإشبيلي، نزيل تونس.
- أبو الحسن علي، الشهير بابن الزيات، من شيوخ ابن أبي جمرة الأندلسي، استوطن حاضرة إفريقية.
- إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى الإيادي القرموني ثم المالقي، ابن حبي، نزيل تونس.
- أبو بكر محمد بن أحمد بن شبرين الجذامي السبتي ثم الغرناطي، ورد على تونس في الخامس لذي القعدة عام 703 هـ؛ فأقام بها مدة ثم ارتحل عنها عائدا إلى وطنه سبتة، في التاسع عشر من شهر المحرم عام 704 هـ؛ توفى عام 747.
******
(1/40)

ج. حملة أبي الحسن المريني على تونس، وتلاقح الثقافات المغربية والإفريقية والأندلسية:
كان في حملة السلطان أبي الحسن على تونس، عندما ملك إفريقية سنة 748 هـ، عدا رجال الدولة جماعة كبرى من العلماء والأئمة والأدباء والنابغين بالمغرب، يُلزمهم شهود مجلسِه، ويتَجَمَّلُ بمكانهم فيه، ولا بدْعَ، فقد كان محُبا للعلماء مقدِّرا لهم، عاملا بما يرونه في صالح الدولة والأمة؛ وبعمله هذا فقد سبق نابليون في حملته على مصر.
فمنهم:
- شيخ الفتيا بالمغرب، وإمام مذهب مالك، أبو عبد الله محمد بن سليمان السطي.
- إمام المحدثين والنحاة بالمغرب، أبو محمد عبد المهيمن الحضرمي.
- الشيخ أبو العباس أحمد الزواوي إمام المقرئين بالمغرب.
- شيخ العلوم العقلية، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الآبلي (ت 757 هـ بفاس).
- أبو القاسم عبد الله بن يوسف ابن رضوان المالقي.
- أبو عبد الله محمد بن محمد ابن الصباغ المكناسي (ت 750 هـ).
(1/41)

- أبو عبد الله محمد بن عبد الله، ابن عبد النور.
- أبو عبد الله محمد بن النجار التلمساني.
- أبو العباس أحمد بن شعيب الجزنائي التازي.
- أبو عبد الله بن أحمد بن مرزوق.
- أبو عبد الله محمد الرندي الفاسي.
ولم يقتصر على من جلبه معه من علماء المغرب الأقصى، بل استصحب معه عند عروجه على تلمسان، أبا موسى بن الإمام معه مكرما موقرا عالي المحل، قريب المجلس منه.
وتحتفظ قصيدة لأبي القاسم الرحوي في مدح علماء أبي الحسن المريني بأسماء لفيف من هؤلاء العلماء؛ فمنها:
همُ القومُ كلُّ القوم أمَّا حُلُومُهم ... فأرسَخُ مِنْ طَوْدَيْ ثَبِيرٍ وثَهْلاَنِ
فَلا طَيْشَ يَعْرُوهُمْ وَأما علومُهم ... فأعلامُها تَهْديك من غيرِ نِيران
فلم يُبْقِ نأْيُ ابنِ الإمام شماخَةً ... على مدن الدنيا لأنف تلمسان
وبعد نوى السطي لم تَسْطُ فاسُه ... بفخْرٍ على بغدانَ في عصر بَغْدَانِ
وبالآبلي استسقَتِ الأرضُ وَبْلَهَا ... ومستوبل ما مال عنه لأِظْعَانِ
(1/42)

وهامت على عبد المهيمن تونسٌ ... وقد ظفِرتْ منه بوصْل وقُرْبان
وما علقَت مني الضمائرُ غيرَه ... وإن هويت كلا بحب ابن رفوان
ويقول في قصيدة أخرى:
فيا عسكرا قد ضمَّ أعلامَ عالم ... به طاب في الدنيا لنا متقَلَّبُ
هم الفئة العليا والمعشر الذي ... إذا حل شعب فهو للحق مشعب
ثم يتخلص لمدح أبى الحسن:
وأعليتَ قدْرَ العلم إذْ كنتَ عالما ... ففيه وفي طلابِه لكَ مأرَبُ
وقد أثرى هؤلاء العلماء الساحة العلمية بمناقشاتهم ومساجلاتهم بمحضر أبي الحسن في مجالسه، فحفظت لنا كتب التاريخ والتراجم صورا منها. فمن ذلك ما في بعضها من ذكر انقطاع علماء فاس المصاحبين للسلطان أمام ابن عبد السلام، بعد أن ناقشوه وأبدوا اعتراضاتهم فقطعهم واحدا بعد واحد. وهذا عبد المهيمن الحضرمي السبتي (ت 749 هـ) يجلس للتدريس بتونس في مجلس السلطان أبي الحسن المريني، وكان القارئ هو الشيخ ابن عرفة في صحيح مسلم حديث مالك بن مغول -بكسر الميم وفتح الواو- فقال له عبد المهيمن وابن الصباغ: مغول بفتح الميم وكسر الواو، فأعادها القارئ ابن عرفة كما قرأها أول مرة قاصدا خلافه، فضحك السلطان وأدار وجهه لعبد المهيمن، وقال له: أراه لم يسمع منك، فأجابه بقوله: {لا تبديل لخلق الله}.
والبسيلي يورد نماذج مما كانت تحفل به مجالس أبي الحسن من مساجلات علمية، فقد أورد عند قوله تعالى: {وَكُنتُمْ قَوْماً مُجْرمِينَ} قوله: "أتى هذا على الترتيب الوجودي؛ والإجرام أمر حسي لأن الاستكبارَ سبب في الإجرام. وأشار بقوم إلى كونهم جماعة اجتمعوا على ضلالة. فإن قلت: هلَّا قيل: "فأجرمتم وكنتم قوما
(1/43)

مستكبرين". فالجواب أن الاستكبار أمر معنوي ... فناسب التعبير عنه بالإسم المقتضي للثبوت؛ لا يقال: هذا السؤال دوري، لأنه لا دور مع ظهور المناسبة. قال شيخنا: وكان في مجلس الأمير أبي الحسن المريني، يورد ابن الصباغ على ابن هارون أسئلة فيقول له: هذه دورية، فيقول ابن الصباغ: لكنك تورد كذلك. فيقول ابن هارون: إنما أوردناه لكون صاحب "الكشاف" أورده، فما أورده أوردناه وما لا فلا".
وذكر ابن عرفة أنه وقع البحث بين الفقهاء بالقصبة في مجلس السلطان: هل المنافقون يدخلهم الخلاف في خطاب الكفار بفروع الشريعة أم لا؟. ...
وكان أبو الحسن يلزم أولاده حضور مجالسه العلمية، فعند قراءة قوله تعالى: {رَبِّ اِغْفِرْ لي وَلِوَلِدَيَّ}، برسم التفسير، التفت إلى بعض ولده وقال: الله الله، أكثر من قراءة هذه السورة، فإنها مشتملة على الدعاء.
وقد حمل أبو الحسن معه بعض العوائد، من قبيل استعماله ليلة الميلاد النبوي، بمحضر العلماء أهل تونس وغيرهم.
ولم تكن حملة أبي الحسن الداعية للعلماء إلى الورود على تونس، بل نجد أن كثيرا من العلماء الأفارقة، حلوا بها للاستزادة من العلم، أو إحياء رسوم الرحلة فمن المغاربة الواردين على تونس:
- محمد بن عبد الرزاق الجزولي (ت 758 هـ).
- أحمد السلاوي ثم التونسي المالكي (ت 773 هـ في الطاعون).
- أبو زيد عبد الرحمن العدنانى المراكشي، قاضي الجماعة بتونس.
(1/44)

- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الفاسي الأصل، القسنطيني التونسي.
...

د - انتشار مدارس العلم:
تعددت أماكن التلقي عند الأفارقة، فلم تقتصر على المدارس المتخصصة والمساجد الجوامع، بل شملت مساجد الأرباض ومدارس سكنى الطلبة والمنتديات ودور الأشياخ. واتخُّذ للمدارس أحباسٌ ينفَق عليها من ريعها، ورُسِم لها الإمام والوقَّاد والنقيب، يدل على ذلك ما حكاه ابن عرفة عن القاضي ابن عبد السلام، أن الفقيه أبا القاسم ابن البرا، لمّا ولي القضاء والتدريس بمدرسة الشماعين، ودخلَها جعل يسأل عن تحبيسها ومصْرِفِه فقيل له: فيها الإمام. فقال: الطّلبة كلُّهم عدول، مَن حضر منهم يؤُمّ، فقيل له: وفيها الوَقَّاد. فقال: لا حاجة إليه، مَن أتى يُشعل الفتيلةَ يُشعِل القنديل. فقيل له: وفيها النَّقيب. فقال: "إنما كانت النّقَبَاء في بني إسرائيل، فهذا إسرافٌ في الحبس؛ فأنكروا ذلك عليه".
فمن المدارس المتخصصة التي ذكرَتْها كتبُ التراجم والفهارس:
- مدرسة الكتبيين:
كان يدرِّس بها ابن عبد الستار وقرأ بها البَلَوي واستوطنها مدة.
- مدرسة ابن عبد السلام:
ذكرها المجاري في "برنامجه".
- المدرسة الشماعية:
أسسها أبو زكرياء ابن عبد الواحد بن أبي حفص سنة 633 هـ، وسميت بذلك لوقوعها بسوق الشماعين، وهي أعرق المدارس المعَدَّةِ لسُكنى الطلبة ولإلقاء الدروس بها ممن
(1/45)

يتولى النظر فيها، مثل ابن عرفة والبرزلي والأبي. لقَّبها أبو عبد الله محمد بن مرزوق (ت 781 هـ)، بأمِّ المدارس، وقد ولي التدريس بها للسلطان أبي إسحق (176)، وقرأ بها ابن رُشَيد على ابن زيتون، والبسيلي على ابن عرفة، والرصاع على أبي العباس أحمد القلشاني، ودرَّس بها ابن عبد السلام وابن قداح والقلشاني وأبو عبد الله محمد البحيري.
- المدرسة الحكيمية:
نسبةً إلى محمد بن علي اللخمي المعروف بابن الحَكِيم، المنتسب إلى بيت العَزَفيِّ الرؤساء بسبتة. وبهذه المدرسة كان البسيلي يلقي دروسه في المنطق، وبها أخذ عنه الرصاع.
- المدرسة التوفيقية:
بَنَتِ الأميرةُ عَطْف زوجة أبي زكريا يَحْيَى الأول جامع التوفيق والمدرسة التوفيقية في عهد ابنها المستنصر، وأشرفت على تعيين المدرِّسين بها، وجعلت لإقامة الدروس بها أوقافا واسعة.
قرأ بها البسيلي والأبِّي والقَلْشاني على ابن عرفة، والرصاع على القلشاني؛ وتولى التدريس بها أبو عبد الله محمد المسراتي، ثم خلفه عليها أخوه من بعده.
(1/46)

وذكر ابن غازي في "فهرسه" أن ابن عرفة كان يقعد للتدريس بمدرسته بتونس من بعد صلاة الغداة إلى الزوال، وكان يقري فنونا يبتدئها بالتفسير، فهل المقصود التوفيقية أم مدرسة أخرى لابن عرفة؟.
- المدرسة المنتصرية:
وتعرف بمدرسة سوق الفلقة أيضا. ابتدأ المنتصر تأسيسها ومات قبل إكمالها سنة 831 هـ، وأتمها أخوه عثمان.
ختم بها الرصاع التفسير على ابن عُقَاب، وكان مُعيداً بها. وتولى التدريس بها أبو عبد الله محمد الزواري وابن عُقاب كما مرَّ، وسكن بها القلصادي في رحلته الحجازية، أثناء مقامه بتونس، وسمع فيها التفسير وبعض "صحيح مسلم" و "الموطأ" وكتبا شتى من "مختصر المدونة" للبراذعي، وبعض "الرسالة" وابن الجلاب وابن الحاجب الفرعي، ورواية صحيح البخاري غير مرة، وكتاب "الشفاء" لعياض.
- المدرسة السيجومية:
بناها الأمير أبو عبد الله محمد بن أبي فارس الحفصي، ونسبت إلى الشيخ حسن بن عطية السيجومي. قرأ بها الرصاع على ابن عقاب.
- مدرسة المعرض:
أسسها الأمير أبو زكرياء يحيى بن أبي إسحق الحفصي سنة 683 هـ، وبناها بإزاء داره، وأحدث كوَّة في منزله يسمع منها ما يُقرأ. الزركشي: وحبس عليها ريعا كثيرا من ماله،
(1/47)

مع مكتبة نفيسة في كل فن من فنون العلم، ولما كمل بناؤها، جلس فيها المدرِّس أبو العباس الغرناطي، ووجَّه للمدرِّس قرطاسين من ذهب، وقال له: فرِّقها على كل من يجد في المدرسة، فسمع الناس بذلك فجاؤوها من كل المدارس، حتى امتلأت، ولم يجد أحد أين يجلس ... وأجرى على المدرس رزقا كثيرا.
وبها درس أبو عبد الله بن الستار، حضر مجلسه محمد المقَّري، حسبما صرح به في كتابه "نظم اللآلي في سلوك الأمالي".
- مدرسة دار صولة:
بناها أبو عمرو عثمان بن أبي عبد الله محمد بن أبي فارس، آخر بني حفص. وجعل بها مسجدا للصلاة ودرسا للعلوم أعدّ للطلبة.
- مدرسة ابن تافراكين:
أسسها الوزير ابن تافراكين (ت 766 هـ)، فحملت اسمه وضمت جثمانه، وقد كانت واقعة بحي باب اسويقة. درَّس بها على التوالي أبو القاسم القسنطيني والفقيه أبو البركات محمد بن محمد بن عصفور.
- مدرسة القائد قبيل:
ولي مشيختها أبو العباس اليزليتني، عرف بحُلُولُو.
وقد مثلت المساجد معاهد عليمة متخصصة، إلى جانب المدارس الرسمية، فمن هذه المساجد:
- جامع الزيتونة.
- مسجد القطانين:
جلس للإقراء به أبو عبد الله محمد البلنسي.
(1/48)

- مقصورة سيدي محرز بن خلف:
وهي خزانة كتب بالمقصورة الشرقية من جامع الزيتونة، مشتملة على أمهات العلوم، أوقف عليها أبو عمرو عثمان وقفا كافيا يقوم بإصلاح ما تخرم منها، وما يقوم بالقائمين بخدمتها.
- مسجد حرز الله:
قرأ به الرصاع المنطق، على أبي يوسف يعقوب المصمودي.
- مسجد المشرف:
درس فيه الرصاع على أبي حفص عمر القلشاني.
- دويرة جامع الزيتونة:
درَّس بها ابن عرفة، وعنه أخذ بها ابن القنفذ.
- مسجد الشيخ المقرئ أبي عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري قريباً من القباقبيين:
به درس البسيلي القرآن.
- مسجد الحنابليين:
كانت تعقد به مجالس العلم، ويجلس فيه الشيخ أبو إسحق البسيلي جد صاحبنا.
******
ولم تكن مجالس العلم حكرا على المدارس والمساجد، بل عرفتها أيضا مساجد الأرباض ومدارس سكنى الطلبة والمنتديات ودور الأشياخ، وهذه الأخيرة كثيرة
(1/49)

جدا، حيث جرت العادة باستقبال الشيوخ لتلامذتهم الرحالة أو نظرائهم بمنازلهم، فالبلوي قرأ على ابن عبد السلام "الموطأ" في مجالس كثيرة بمنزله، وقرأ ابن رشيد على ابن زيتون بداره بتونس، وكان البسيلي يقرئ بسقيفة داره كثيرا حسب شهادة تلميذه الرصاع.
(1/50)

المبحث الثاني: نشاط الدراسات القرآنية في العهد الحفصي
لا شك أن مجالس ابن زيتون ومن بعده ابن عبد السلام وتلميذه ابن عرفة، أنعشت سوقا نافقة في تدريس التفسير وإجالة النظر في مرامي كتاب الله عز وجل؛ وقد آتت هذه السوق أكلها بإنتاج ضخم في التفسير وعلوم القرآن؛ فمن ذلك:
- " تفسير جزء من القرآن" لابن عصفور الإشبيلي (ت 669 هـ)؛ قال أبو العباس الغبريني: "شرح جزءا من كتاب الله العزيز، وسلك فيه مسلكا لم يسبق إليه من الإيراد والإصدار والإعذار، بما يتعلق بالألفاظ ثم بالمعاني، ثم بإيراد الأسئلة الأدبية على أنحاء مستحسنة، وقال: لو أعانني الله وأمدني بالمعونة منه وأكمل هذا الشرح على هذا المنزع، لكان ذخيرة العالم".
- "البيان والتحصيل المطلع على علوم التنزيل، الجامع بين مقاصد الزمخشري وابن عطية في تفسيرهما، المكمل بزيادات عن غيرهما ... " لابن بزيزة عبد العزيز بن إبراهيم ابن أحمد القرشي التميمي التونسي (ت 673 هـ):
خ ق 28: المجلد 6، ابتداء من آخر سورة القصص، حتى نهاية سورة القتال.
- "إيجاز البرهان في إعجاز القرآن"، لإبراهيم بن محمد الجزْري الأندلسي (بقيد الحياة سنة 684 هـ).
- "منتهى الغايات في شرح الآيات" للجزري أيضا.
- "الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة" لأبي بكر بن أبي محمد عبد الغني، المعروف باللبيب؛ منها نسخ كثيرة، منها بالمغرب:
(1/51)

ن خ ح 8009.
ن خ ح 3893.
ن خ ع د 2262.
ن خ ع ق 399.
- "مختصر في الألفات المحذوفات والثابتات والياءات المحذوفات والثابتات والموصول وما كتب من هاء التأنيث بالياء"، للبيب أيضا، مخطوطة بالمكتبة الوطنية التونسية، رقم 9676.
- "تآليف وتصانيف على كتاب الله تعالى" لأبي العباس الغرناطي (ت 692 هـ)، قال الغبريني: طالعت بعضها.
- "الفتوحات الربانية في المواعظ المرجانية"، أمالي في التفسير، لعبد الله بن محمد بن عبد الملك ... التونسي الإسكندري المعروف بالمرجاني (ت 699 هـ)، وهي دروس تفسير 26 سورة جمعها ابن السكري من كلامه. ومنها مخطوطة في دار الكتب المصرية، تيمورية، رقم 261 تفسير.
- "نظم قراءة يعقوب من طريق أبي عمرو الداني"، لأبي العباس البطرني الأنصاري (ت 710 هـ)، شيخ تونس، حلاه الشمس ابن الجزري بالأستاذ، ووصف نظمه بأنه حسن.
- "التنوير مختصر التفسير"، لمحمد بن أبي القاسم ابن جميل الربعي (ت 715 هـ):
(1/52)

اختصر فيه "مفاتيح الغيب" للرازي، الجزء السادس منه بدار الكتب الوطنية التونسية في 253 ورقة، تحت رقم 213، نسخ سنة 704 هـ في حياة المؤلف، وجزء آخر بالقاهرة، المكتبة الأزهرية، رقم 13، أوله تفسير سورة الأنفال وآخره تفسير سورة يس. و 5 أجزاء متفرقة بالمكتبة الوطنية بباريس، تحت أرقام: 615؛ 617؛ 618 - 619؛ 614؛ 616.
- "التمييز لما أودعه صاحب الكشاف من الاعتزال في الكتاب العزيز"، لأبي علي بن خليل، عمر بن محمد بن محمد السكوني الإشبيلي نزيل تونس (ت 717 هـ):
انظر مخطوطاته في "الفهرس الشامل"، حيث عُدت له 26 نسخة.
- "الاعتراض المشرق على كثير من أهل المنطق" للسكوني أيضا، وهي حاشية على الكشاف للزمخشري:
ولي الدين، تحت رقم 330.
- "مقتضب التمييز"، له أيضا:
مخطوطات أوقاف الجزائر، تحت رقم 272، ت ن 1186 هـ، عدد أوراقه 121.
المكتبة الوطنية التونسية: 56؛ 7262.
مكتبة فيض الله باستانبول 239.
- "تحصيل الكفاية من الاختلاف الواقع بين التيسير والتبصرة والكافي والهداية"، لأبي عبد الله محمد بن جماعة التنوخي المهدوي (كان حيا بين سنتي 725 و 729 هـ.
(1/53)

- "اختصار تفسير ابن الخطيب"، المسمى "نفحات الطيب في اختصار تفسير ابن الخطيب" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد النور التونسي (ت 726 هـ)، في سبعة أسفار؛ قيل إنه اختصار حسن.
- "تفسير القرآن"، لأبي فارس عبد العزيز ابن الدروال التونسي (ت 733 هـ): قال ابن مرزوق: وهو من أعجب ما صنف؛ زاد الثعالبي: لم يكمل.
- "المجيد في إعراب القرآن المجيد"، لإبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي التونسي (ت 742 هـ): له 55 نسخة ورد ذكرها في "الفهرس الشامل"؛ طبع جزء منه.
- "أحكام القرآن" للسفاقسي المذكور:
مخطوط الحرم النبوي رقم 228، ت ن 758 هـ.
- "تفسير القرآن"، لأبي العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم المرادي، شهر العشَّاب (ت 736 هـ): جمع بين تفسيري " المحرر الوجيز" و "الكشاف"؛ ذكر ابن الجزري أنه تفسير صغير، والموجود منه نسخة في عشرة أجزاء ينقصها الجزء 3 وبعض 6، مخطوط بدار الكتب المصرية، رقمها 147 تفسير. وبمراجعة وصفه يظهر أنه كبير خلاف ما ذكر ابن الجزري، وإليك عدد أوراق كل جزء منه:
(1/54)

ج 1: 156 و؛ ج 2: 228 و؛ ج 4: يبتدئ بقوله تعالى: {وإذ نتقنا الجبل} إلى آخر سورة هود؛ ج 5: 199 و؛ ج 6: 50 وقطعة منه؛ ج 7: 207 و؛ ج 8: 173 و؛ ج 9: 128 و؛ ج 10 يبتدئ بتفسير سورة القلم، وينتهي بأول العاديات.
- اختصار تفسير ابن الخطيب المسمى "تحفة اللبيب في اختصار ابن الخطيب" لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (ت 736 هـ).
- "الدر الثمين في علم التفسير"؛ له أيضا.
- "مفردة يعقوب"، لمحمد بن محمد بن حسن بن سلامة، أبو عبد الله الفقيه المقرئ (ت 746 هـ): جمع فيها بين مفردة أبي عمرو الداني، ومفردة محمد بن شريح الرعيني الأندلسي (253).
- نظم قراءة يعقوب، لأبي عبد الله بن عرفة (ت 803 هـ).
- أرجوزة في ألفات وضادات القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الصَّفار (حي في عام 825 هـ):
مخطوط بدار الكتب الوطنية التونسية، رقم 19469 ضمن مجموع.
- أرجوزة في ألفات القطع والوصل؛ له أيضا ضمن المجموع السابق.
(1/55)

- تفسير القرآن، لأبي عبد الله محمد بن خلفة بن عمر الوشتاتي الأبي (ت 827 هـ):
مخطوط؛ منه النسخ التالية:
ن خ ع ك 2030 ج 1، 2.
ن خ ع ك 2028 جزء.
مكتبة بلدية الإسكندرية 1069 بـ: 3 مج.
مكتبة بلدية الإسكندرية 606، بـ: 2 مج.
- تفسير أبي القاسم الشريف السلاوي رواية عن ابن عرفة: كان مفقودا، فوفقنا الله إلى العثور على مجلد يغلب الظن أنه منه.
- "نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد" لأبي العباس البسيلي (ت 830 هـ)؛ وهو موضع عملنا هذا.
- "تفسير القرآن" لأبي عبد الله محمد بن محمد بن عيسى بن كرامة العقدي الزنديوي (ت 874 هـ).
- "الجمع الغريب في ترتيب آي مغني اللبيب" لمحمد بن أبي القاسم الرصاع (ت 894 هـ):
وهو تفسير للشواهد القرآنية الواردة في "مغني اللبيب" لابن هشام بعد أن أفردها، ورتبها على السور، وتكلم عليها في جزئين، يوجد الأول منه بمكتبة الزاوية الحمزاوية بتافيلالت، رقم 89، بخط مغربي.
(1/56)

الفصل الثاني
حياة أبي العباس أحمد البسيلي وآثاره
وفيه مباحث:
1 - مصادر ترجمته وأوهام المترجمين.
2 - اسمه ونسبه.
3 - مولده ووفاته.
4 - شيوخه.
5 - تلاميذه.
6 - مؤلفاته.
7 - علاقته بالحفصيين.
8 - صفاته الخُلُقية والأعمال التي تولاها.
9 - ثناء العلماء عليه.
(1/57)

المبحث الأول: مصادر ترجمته وأوهامها
أ. مصادر ترجمته:
- المصادر المخطوطة:
- "محاذي مختصر ابن عرفة في الفقه" لأبي العباس البسيلي (ورقة 1).
- "نكت وتنبيهات في تفسير كتاب الله المجيد"؛ للمترجم له:
أ - ن خ ع ق 271.
ب - ن خ ع د 2/ 1743 ضمن مجموع.
ج - ن م ع ف.
- "التقييد الكبير":
أ - ن خ ع ق 611.
ب - ن خ ع خ 34.
ج - ن خ ع ك 2038.
- المصادر والمراجع المطبوعة أو المرقونة:
- "التقييد الكبير في تفسير كتاب الله المجيد" للمنوه به آنفا: تفسير سورة البقرة وآل عمران، تحقيق د. عبد الله بن مطلق الطوالة.
- "فهرست الرصاع" لأبي عبد الله محمد الأنصاري (ت 894 هـ): (177 - 175).
(1/59)

- "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت 902 هـ): (11/ 195؛ قسم الأنساب).
- "توشيح الديباج وحلية الإبتهاج" لبدر الدين القرافي (ت 914 هـ): (58).
- "نيل الإبتهاج بتطريز الديباج" لأحمد بابا التنبكتي (ت 1032 هـ): (461 - 462: أصالة)؛ (297؛ 466؛ 469؛ 432؛ 635؛ 268؛ 107؛ 115؛ 252: عَرَضاً).
- "كفاية المحتاج" للتنبكتي: (1/ 108 - 159؛ رت: 51).
- البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان: لأبي عبد الله محمد، الملقب بابن مريم المديوني التلمساني: (193؛ 197؛ 200 عرضا).
- "تفسير الإمام ابن عرفة برواية الأبي"، تحقيق د. حسن المناعي: (1/ 27 - 31؛ 32 - 36).
- "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت 1067 هـ): (1/ 304).
- "الحلل السندسية في الأخبار التونسية " للوزير السراج، محمد بن محمد الأندلسي (ت 1149 هـ): (1 / ق 3: 650).
- "شجرة النور الزكية في طبقات المالكية" لمحمد مخلوف المنستيري (ت 1360 هـ): (1/ 251).
- "تعريف الخلف برجال السلف" لأبي القاسم محمد بن الشيخ الحفناوي (ت 1361 هـ): (2/ 73).
- "الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام" للعباس بن إبراهيم (ت 1378 هـ) (عَرَضاً في المواضع التالية: 2/ 271؛ 8/ 107؛ 5/ 248).
- "أعلام المغرب العربي" للأستاذ عبد الوهاب بن منصور (4/ 403).
- "تاريخ الأدب العربي" لكارل بروكلمان (ت 1375 هـ): "طبعة الهيئة المصرية للكتاب": (ق 4: 466).
(1/60)

- "فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات" لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني (ت 1382 هـ): (1/ 278؛ عرضا).
- "طبقات المفسرين" للأدنه وي (1/ 63 - 64).
- "كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين" لحسن حسني عبد الوهاب (ت 1388 هـ): (1/ 172 - 174).
- "الأعلام" لخير الدين الزركلي (ت 1390 هـ): (1/ 727).
- "معجم المؤلفين" لعمر رضا كحالة: (2/ 85).
- "تراجم المؤلفين التونسيين" لمحمد محفوظ (1/ 103 - 105).
- "مدخل لدراسة تفسير ابن عرفة الورغمي" لسعد غراب؛ ضمن ملتقى الإمام ابن عرفة: (397 - 406).
- "منتخبات من نوادر المخطوطات بالخزانة الملكية بالرباط" للمنوني: (73 - 74).
- "التفسير والمفسرون بالمغرب الأقصى" لسعاد أشقر، د دع تحت إشراف د. الشاهد البوشيخي، برسم السنة 1994، كلية الآداب بفاس.
- "فهرس المخطوطات القرآنية المحفوظة بأشهر الخزائن المغربية"، لمحمد صقلي حسيني: (255 - 256): بحث لنيل الإجازة، تحت إشراف د. الشاهد البوشيخي، برسم السنة 1986 كلية الآداب بفاس.
- مجلات:
- مجلة البحث العلمي، عدد 7؛ 1966؛ "فصلة تصف الدراسة بالقرويين أيام المنصور السعدي" تقديم وتحقيق محمد المنوني (ص 261 - 263؛ حاشية رقم 34).
- مجلة تطوان، عدد 8، 1936؛ "مكتبة الزاوية الحمزية"، لمحمد المنوني: (111).
- مجلة دعوة الحق، عدد ذي القعدة 1393 هـ: (155).
(1/61)

- مجلة دار الحديث الحسنية، العدد 3، 1982؛ "مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث"، لمحمد المنوني: (58 - 59).

ب- أوهام المترجمين:
- توهم الأدنه وي أن البسيلي تلميذ أبي عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة الواسطي النحوي (ت 323 هـ)، وبينهما شُقَّة تاريخية تحيل احتمال التلمذة. وإليك سياق قوله:
"إبراهيم بن محمد بن عرفة، أبو عبد الله الواسطي، نفطويه النحوي العالم الفاضل، صنف التفسير، اشتهر بتفسير ابن عرفة، وجمعه بعد وفاته، تلميذه العالم التقي الفاضل الزكي الشيخ أحمد بن محمد الشهير بالمسيلي".
- سمى محمد مخلوف المنستيري في "شجرة النور الزكية"، والد البسيلي "عمر" بدلا من "محمد"، ولعله تصحيف.
- جعل السخاوي وفاة البسيلي متأخرة إلى سنة 848 هـ؛ وهو وهم تابعه فيه حسن حسني عبد الوهاب. ولعل السخاوي نقل عن ابن عزم التونسي من "دستور الأعلام"؛ ويظهر أنه يَهِم في مواطن تظهر بالتَّتبُّع لمسَاق المنقول عنه.
- وقع للأستاذ عبد الوهاب بنمنصور تردُدٌ بين عَلَمين، وغَلَب على ظنه أخيرا أنهما واحد، فخلط بين البسيلي والمسيلي، وقال: "وهذا الفقيه من المترجمين من يذكره مرتين، مرة باسم أحمد بن محمد البسيلي الذي كان حيا سنة 787 هـ، ومرة باسم أحمد ابن أبي القاسم بن أبى عمار المسيلي المتوفى سنة 789 هـ؛ ويغلب على الظن أن الترجمتين لرجل واحد".
- تابع محقق "كفاية المحتاج" ما ورد في "أعلام المغرب العربي"، فوقع في الوهم عينه، في موضعين اثنين.
(1/62)

- نسب د. سعد غراب وتابعه محقق الزهراوين من "التقييد الكبير" البسيلي إلى المسيلة الجزائرية، وجوزا إبدال الباء في اسمه بالميم، وسيأتي خلافه وعدم استقامته.
- رسم محقق "نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي" البسيلي بالميم، وجزم بكونه أحمد بن أبي القاسم المسيلي (ت 787 هـ)، كما وهم في أبي القاسم الشريف السلاوي، فظنه ابن المجراد، وكل ذلك غلط.
(1/63)

المبحث الثاني:
اسمه ونسبه
أ- اسمه:
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد البسيلي؛ كذا ترجمته المصادر التي بين أيدينا، وهي تكاد تكون مطبقة على هذا، فيما عدا أن صفحة العنوان من إحدى نسخ "نكت وتنبيهات" (نسخة خ ع ق 271)، والتي يرجع تاريخ نسخها لسنة ثلاثة وسبعين وتسعمائة (973 هـ)، تَشِذُّ فتسوق كنيته ولقبه كالآتي: "أبو عبد الله، شهاب الدين أحمد البسيلي". ولم أظفر إلى اليوم بمستند يدعم هذه الرواية، وإن كنت أرجح أن الناسخ قد يكون واهما، لوهمه فيما تلا هذه الرواية مباشرة، وذلك قوله: "هذا المجموع بخط أبي عبد الله شهاب الدين أحمد البسيلي، تلميذ ابن عرفة"، وظاهر وهمه من حيث إن
وفاة البسيلي متقدمة على تاريخ النسخ المذكور آنفا بنحو من ثلاث وأربعين ومائة سنة؛ وعليه يستحيل كون المجموع بخطه. ثم إن الورقة 85، وجها وظهرا منسوخة بخط مخالف، ويندُرُ أن نجد هذا في أصول تآليف العلماء؛ لأنهم لا يأمنون عندئذ على تصنيفهم من التغيير، اللهم إلا أن يكون ما نسخ بخط مغاير إملاء من المصنف على غيره.

ب - نسبه وسلفه:
لم يرد فيما بين أيدينا من المصادر ما يبل نقعة الصديان، بصدد أصل البسيلي، وكل ما يوجد هنالك استنتاج مبني على احتمال كون الباء الموحدة في اسمه مبدلة عن ميم، إذْ يصير أصله حينها جزائريا نسبة إلى "مسيلة" عاصمة "الزاب" الشهيرة في محافظة "قسنطينة" بالجزائر. والذين قرَّت أعينُهم بهذا الوجه ووجاهته، يُزكّون ذلك بأن الشيخ صاحب الترجمة -حسب "النيل"؛ نقلا عن "التقييد الكبير" - إنما ابتدأ حضوره
(1/64)

عند ابن عرفة عام (783 هـ)، غير أنهم في هذا يحتاجون إلى عاضد من نقل أو أَثَارَةٍ من علم، سيما وأننا لسنا على بينة من الوِجهة التي وَرَدَ منها، ناهيك أنه ليس بالمكْنة استبعاد كون البسيلي من أهل تونس أصالة، وهو عند ورود حاضرتها للأخذ عن ابن عرفة، إنما ورد من مكان متاخم لها؛ وأيّاً ما يكون، فصاحبُنا بتوطنه تونس ووفاته بها من أهل تونس بلا ريب، وهو الذي جرى عليه البحاثة حسن حسني عبد الوهاب، حين ترجمه في "كتاب العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين".
وأستطيع أن أجزم بتونسية البسيلي لأمور:
- تصريح المؤلف بتلقيه عن ابن مُسافر -وهو بتونس- وهو صغير، حمله أبوه إليه.
- كون جدّ البسيلي لأبيه إمام وخطيب جامع الزيتونة؛ وقد جرى في عرف أهل تونس ألا يوهمهم به إلا بَلَدِيُّهُم.
- أن لسلف البسيلي مقبرة بتونس عرفت باسم أبي إسحق إبراهيم البسيلي، ودفن فيها ابن أخته عبد العزيز البسيلي. ويكفي أن لأسرة البسيلي مقبرة عرفت باسم أحد أعلامها ليكون ذلك أدل على عراقتها بتونس.
فيَبْعُد لكل ما ذكرنا أن ننفي عن البسيلي أصالةَ كونِه تونسيا. ثم إن هذا الخلاف في إبدال اسمه لم يثبت من طريق نركن إليها، فإن المغايرة بين العَلَمين متأكدة بأمور منها: أن البسيلي نفسه ينقل عن المسيلي في "تذكرته"؛ ولوْ جَازَ على النُّسّاخ الوَهَمُ في رسم البسيلي بالميم، لجاز عليهم ذلك أيضا في رسم المسيلي بالباء، فلما لم يفعلوا ثبتت المغايرة. ثم إن تعليل جواز كون الأصل في البسيلي، المسيلي بالتقارب بين مخرجي الميم والباء، واستساغة الإبدال بينهما -والذي نقل عن الأستاذ سعد غراب- إنما يسري على غير الأسماء.
وقد كفاني مؤنة الرد على هذا التعليل الأستاذ محمد محفوظ، حين تعقب الأستاذ سعد غراب وهذا سياق كلام كل منهما:
(1/65)

- كلام سعد غراب:
"فالراجح أن اسمه في الأصل هو المسيلي، نسبةً إلى المسيلة عاصمة الزاب الشهيرة" إلى أن قال: "والإبدال بين الميم والباء أمر معروف شائع في العربية، وهما حرفان شفويان متقاربان، ومن أشهر الأمثلة القديمة بين هذين الحرفين أنه يقال مكة وبكة، ولا ندري متى وقع هذا الإبدال في نسبة البسيلي، هل كانت شائعة في عهده في بعض اللهجات، وعلى كل فهو سمي في بعض المراجع الجزائرية المسيلي (خاصة "تعريف الخلف" و "أعلام الجزائر". والتحريف -فيما يبدو لي- قديم لذا لي نشأ إصلاحه".
- تعقب محمد محفوظ:
"ويلاحظ على كلامه أن الأنساب لا مجال للقياس والاجتهاد فيها وأن الإبدال بين الميم والباء إذا كان شائعا في اللغة الفصحى، فهو كذلك في اللهجة الدارجة العامية، ومن المعلوم أن ما هو شائع ومطرد في الفصحى لا يلزم أن يكون كذلك في اللهجة الدارجة؛ لأن لها قواعد وخصائص في الاستعمال غير التي في الفصحى. وإذا كان قد ذكر مثالا للإبدال بين الميم والباء في الفصحى، فلماذا لم يذكر مثالا من ذلك في اللهجة العامية ليكون كلامه أدنى إلى القبول ومقنعا وليكون القياس بدون وجود فارق؟، وما نقله عن بعض المراجع الجزائرية هي مراجع حديثة وعمدتها ومعولها هي المصادر القديمة، فإذا خالفتها فإنه ينظر إلى هذا بعين الحذر والاحتراز، بل الرفض إن لم يوجد بعد البحث ما يؤيد خلافها المبني على الإجتهاد الشخصي بدون حجة ولا مستند" اهـ.
وأضيف أن إطباق النسخ المخطوطة من التقييد الكبير أو الصغير على رسم اسم البسيلي بالباء الموحدة، وكذا ورود اسم ابن عم والد المؤلف، أبي فارس عبد العزيز في "التقييد الكبير" مرسوما بالباء أيضا قاطع للجاجة في هذا الشأن.
وحين سكتت معاجم البلدان عن ذكر بسيلة التي يمكن أن تكون نسبة البسيلي إليها أسعفني مخطوط خاص بهذا الأمر، فوجدت فيه ما نصه: "البسيلي، منسوب إلى
(1/66)

بَسِيلَةَ، وهي قرية من قرى الأندلس، أظنها على قرب من غرناطة". ولعلها مثوى أسرة البسيلي قبل أن ينزحوا إلى تونس.
ومن سلف البسيلي:
4 - أبوه: أبو عبد الله محمد البسيلي:
لم يأت في المعلوم من كتب الرجال عنه شيء، إلا أنه كان مهتبلا بالعلم، فحمل ابنه صغيرا إلى ابن مسافر ليجود القرآن، وتلك خصيصة حمدها الولد للوالد فذكرها طيَّ تفسيره.
وأسعفنا "محاذي مختصر ابن عرفة"، بأن ظفرنا فيه بتحليةٍ، جعلتنا منضافة إلى اسمه المعروف، نظن أن لهذا الرجل شأنا بعد أن عثرنا على عَلَم يوافقه في الإسم والكنية والنسبة، والفترة الزمنية، في مخطوط نادر خاص، هو "تلخيص التلخيص"، من سماع أحد تلاميذه عنه، نفسُه عال، يزكي نص منه ما ذهبنا إليه بُدَاءة من رفض الإبدال في اسمه بين الباء والميم، إذْ ينسبه هذا النص إلى الأندلس ويجعله تبعا لذك أندلسيا، والتلميذ المجهول الذي أسند هذا النص تلميذ لابن مرزوق والبسيلي الأندلسي، ولكنه لم يأخذ عنه إلا خارج الأندلس، فليس يبعد أنه تلقى عن الرجل بعد أن نزح من غرناطة إلى تونس، حين فساد الأحوال في الأندلس، وإليك النصان:
- النص الأول:
"قال الشيخ الفقيه الإمام المتفنن، أبو العباس أحمد بن الشيخ الصالح الصدر أبي عبد الله محمد بن الشيخ".
والصفة التي تستوقفنا في التحلية صفة الصدر، وليس تقال -والله أعلم- إلا لمن تصدر للعلم وأخذ عنه، وهي صفة تجعلنا نأنس إلى نسبة المؤلف المذكور إليه.
(1/67)

- النص الثاني:
بعد الحمدلة والتصلية: " ... فهذا تلخيص التلخيص، أرجوا به الفوز في الجنان، ومثوبة الرحيم الرحمن، مما سمعته من الفقيه المحصل المحقق الحافظ المقدس المرحوم سيدي أبي عبد الله محمد الأندلسي، الشهير بالبسيلي ... وقد قال شيخنا الرحلة العلم سيدي أبو عبد الله محمد بن مرزوق، أنه كتب إليه من جزيرة الأندلس بأنه لم يترك بها أحفظ منه".
وإذا ما وضعنا في الاعتبار أن ابن مرزوق ولد سنة عشر وسبعمائة (710 هـ) وطوَّف البلاد للأخذ، ورجع إلى الغرب سنة سبع وثلاتين (730 هـ) فأقام، ثم صُرِف إلى الأندلس إلى أن استدعاه أبو عنان إلى تونس سنة أربع وخمسين (754 هـ)، حيث يصدُقُ عليه حينَها قول صاحب التلخيص إنه كُتِبَ إليه من جزيرة الأندلس، بأنه لم يترك بها أحفظ من البسيلي، فإن عمره حينها يكون أكثر من أربع وأربعين سنة، وهو أهل ليؤخذ عنه. وإذا ما اعتبرنا أيضا أن أول ما أخذ المنكِّت عن ابن عرفة، كان ذلك سنة 783 هـ، وأن عمره على الأقل خمس وعشرون سنة، علمنا أن أباه كان حيا على التقدير سنة 758 هـ، وهي سنة تأتي بعد سنة 754 هـ، حيث يحتمل أن يكون هو المقصود بقول الملَخِّص.
ولكنْ يشغِّب على هذه الاحتمالات أن المتبادر مما نعرف عن سلف البسيلي وأفراد أسرته المذكورين بعدُ أنهم قطَّان تونس، وأن ورودَهم من الأندلس إن كانوا منها كان قبل القرن السابع بكثير. وأيا ما يكون، فالبسيلي نفسُه يورد حكاية دالة على اتصال أسرته بابن مرزوق -سنذكرها بعد- مما يجعل القطع بيقين في هذا الأمر معروضا للشك.
2 - جده: أبو العباس أحمد البسيلي:
حلَّاه ناسخ "المحاذي" بالشيخ الصالح.
(1/68)

3 - جده لأبيه: أبو إسحق إبراهيم البسيلي (ت 759 هـ):
إمام جامع الزيتونة. ذكره الوزير السراج؛ وخطيبه أيضا، حلاَّه ابن عرفة بالشيخ الصالح. دفن بمقبرة عرفت باسمه، ودفن فيها ابن أخته عبد العزيز البسيلي.
عرض له البسيلي بالذكر عند قوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا في نَفْسِك} " وقال: "وهو جدي لأبي ... ومما يحقّق صحة اتصال نسبي بالشيخ أبي إسحق المذكور، أني لما أردت تجويد القرآن العزيز وأنا صغير، مضيت مع والدي إلى الشيخ المقرئ أبي عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري ... فوجدناه جالسا بإثر صلاة الظهر وحده ليس معه أحد، ولم يكن ذلك وقت جلوسه، فلمّا رآني قال: تكون فلانا؟. قلت: نعم -ولم يكن يعرفني قبل ذلك- فقال: إنى البارحة رأيت وأنا نائم الشيخ أبا إسحق المذكور ... فقال لي: إن حفيدي يأتيك غدا ليجود عليك القرآن فاحتفظ عليه".
نقل ابن عرفة أن أبا إسحق هذا ذَكرَ في الخطبة لفظَ النفس في الله تعالى، فأنكرِ ذلك عليه الفقيه أبو عبد الله محمد بن مرزوق، فردَّ عليه بقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا في نفْسِي وَلاَ أعْلَمُ مَا فيِ نَفْسِكَ}، فَسَكَتَ وسلَّم له.
4 - عم والده: أبو فارس عبد العزيز البسيلي (ت 28 شعبان 784 هـ):
ولولا أنْ أتى على ذكره البسيلي في نكته ما عرفناه، وسياقُ ذكْرِه التدليلُ على بعض مناقب ابن عرفة وثبوت فضله حتى في الرؤى، كالرؤيا التي أسندها المنكِّت المنبِّه عن قريبه، قال: "وَأَخبرِني عنهُ عم والِدِي، الشَّيخُ الصَّالحُ الزَّاهِدُ العَابِدُ أَبُو فارِس عبدُ العزيزِ البَسِيلِي؛ أنه رَأى في نَوْمِهِ بعضَ مَنْ كَان مُعَاصِراً لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ -وكَانَ فيِ نفسِهِ منْهُ شيءٌ- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالة لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللهِ تعَالى، فقال له نعم. قالَ لي
(1/69)

العَمُّ: فالْتَقَيتُ بالشيخ ابن عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى. وَلَم يَزِدْ عَلَى ذَلك".
وتحليةُ البسيلي لعَمِّ والده بالشيخ الصالح الزاهد العابد، بعيدةٌ عن مظنة القرابة، وليس هو بالغمْر حتى يخلِّد في كتابه ذكْرَ من لا يشرفُ بذكره؛ ناهيك عن أن القصة تشي بالدالة التي للعم على الشيخين الكبيرين، الأكبر من مجرد المعرفة، فهو شفيعٌ أهلٌ لابن حيدرة -حتى وإن كانَ ذلك في المنام! -، ودانٍ إلى ابن عرفة ودودٍ إلى حدٍّ يسمح له بأن يقُصَّ عليه رؤاه، ونحن نعلم أن الرؤى لا تُقَصُّ إلا على الأخلاء. وليس من شك عندي في صلاح هذا العم، لأن الرؤية التي رآها، حتى على فرض عدم صحتها دليلٌ على حسن طويته، وسعيِه الحثيث إلى إصلاح ذاتِ بَيْنِ الرجلين، وأنْ يستحلَّ لأحدهما مظلمة الآخر.
وأخيرا فالقصة سيقت أصالةً للترفيع بابن عرفة، وذكْرُ العمّ فيها عارضٌ، فلم يكن مقصودُ المنكت التكثُّرَ بأهله، ولو شاء لتحدث عن نفسه، ولم يفعل ... وليته!.
وفي ثنايا "التقييد الكبير"، عند تفسيره للآية 28 من سورة الذاريات، نجد ما نصه:
"قال كاتبه: وأخبر ابن عم والدي وهو الشيخ الصالح العابد الزاهد أبو فارس عبد العزيز البسيلي أنه حين صلاته بالليل يرى الملائكة تدخل عليه ببيته وتسلم عليه في صفة طيور ذوي أجنحة.
قلت: ولما توفي رحمه الله، صبيحة يوم الخميس 28 من شعبان عام 784 هـ، رأيت كأني بين السماء والأرض، وإذا برُقْعة هابطةٍ من السماء فيها مكتوب بخط بَيِّنٍ: عبد
(1/70)

العزيز البسيلي من أهل الجنة!. ودُفِنَ رحمه الله بمقبرة خالِه الشيخ أبي إسحق إبراهيم البسيلي. قال لي شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني: لَمْ أَرَ أحدا في زماننا على طريق السلف غيرَه".
وشهادة الغبريني في هذا الرجل، دالة على فضله ونبله.
وهؤلاء المذكورون قبْلا من آل البسيلي بالبتِّ، والذين يلونهم بعدُ، هُم ممن اتفقت نسبتُهم مع البسيلي، ولا يُدرى قدْرُ الوشيجة الجامعة بينهم؛ فمنهم:
- أبو محمد عبد الله بن محمد البسيلي، الملقب بجمال الدين (ت 744 هـ):
فقيه أصولي ترجمه الونشريسي في وفياته. عثرت له على تأليف في أصول الفقه، سماه "غاية المحصول"، لا تزال مكتبة السليمانية بتركيا قسم الفاتح، تحتفظ بالجزء الثاني منه، تحت رقم 1362، في 380 صفحة، ولعله أن يكون شرحا لمحصول الرازي؛ وله أيضا شرح مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، يوجد الجزء الأول منه مخطوطا بمكتبة المسجد الأقصى -انتقذه الله من براثن الصهاينة الغاصبين- رقم 65، نسخه محمد بن عبد الغني الخزامي الحنبلي بتاريخ 766 هـ، عدد أوراقه 214، مقياسه 18 × 25.5 ولسنا نعرف لهذا البسيلي صلة بصاحبنا.
- أبو محمد البسيلي:
أندلسي من تلامذة ابن رُشَيْد، كان صديقا لابن البرذعي؛ حسبما أفادته حكاية للمقري.
- أبو عبد الله شهاب الدين أحمد البسيلي:
لم يَرِدْ له ذكر في أي المصادر، ولكننا استدللنا عليه بما كتبه أحد من تملكوا نسخة "نكت وتنبيهات" (خ ع ق 271) على ظهرها، والكنية واللقب المذكوران، مما يبعد
(1/71)

أن يقترحه المرء من تلقاء نفسه، فالمتملك لا شك وقف عليهما في كتاب أو غيره، فتوهم أن شهاب الدين صاحبنا وهو غيره، وليس يبعد أن يكون من أسرته.
وهناك غير هؤلاء، بسيلي آخر، ليست بينه وبين صاحبنا شبهة صلة، وهو أسد بن البسيلي ثم القاهري، ترجم له السخاوي.
(1/72)

المبحث الثالث: مولده ووفاته
أ- مولده:
ضربت المصادر صَفْحاً عن أن تذكر تاريخ ولادة البسيلي أو مكانها، وهذا أمرٌ يكثر في تراجم الرجال، وليست علَّتُه دائما تواضع أسرة العلم أو خمول ذكرها، فليس علينا من حرج إذن أن لا ننسب عدم الإشارة إلى تاريخ مولده إلى ذلك.
وقد حاول الأستاذ محقق "التقييد الكبير" تقدير مولده فقال: "يمكن تقدير مولده، وذلك أنه قدم تونس سنة (785 هـ) وتوفي بها سنة (830 هـ)، فتكون مدة إقامته بها خمسا وأربعين سنة مضافة إلى إقامته بتونس، فيكون مجموع عمره سبعين سنة تقريبا، تطرح من تاريخ وفاته عام (830 هـ) فتكون ولادته: (760 هـ) ".
وليس ينازع أحد حق الدكتور في التقدير، إذْ هذا المسلك مطروق، وما هو بأبي عذره، ولا بالمبتدع فيه، ولكنى آخذ عليه تجانفه عن الصواب، حين أثبت تاريخ الولادة الافتراضي على صفحة عنوان "التقييد الكبير" غفْلاً عن أي إشارة إلى كونِه افتراضيا، وكان يكفيه لوْ جعل على يسار هذا التاريخ علامةَ استفهام أو صدَّرَه بكلمة: "نحوٍ" أو "في حدود" أو غيرها مما يحول بين القارئ وبين تَلَقُّفِه تاريخ مولده هذا، حقيقة تاريخية، ثقة بالباحث ورُكُونا إليه.

ب - وفاته:
عدا السخاوي الذي يجعل وفاة البسيلي متأخرة إلى سنة 848 هـ، فإنَّ كل مترجميه يثبتون تاريخ وفاته في سنة 830 هـ.
(1/73)

المبحث الرابع: شيوخه
تتلمذ البسيلي لجملة من الشيوخ، لهم يد طولى في العلوم الشرعية، وحظ وافر من الرسوخ، على ناصيتهم شيخ الإسلام بتونس الإمام ابن عرفة، الذي به تخرج وتفقه ولولاه ما عرف؛ فمنهم:

1 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري (بقيد الحياة سنة 786 هـ):
شيخ مقرئ، جلس للإقراء بتونس بمسجده قريبا من القباقبيين؛ أقدّر أنه ثاني من أخذ عنه البسيلي بعد المكَتِّب، تلقى عنه التجويد؛ وحدّثنا عن بداية ذلك فقال: "ولما أردت تجويد القرآن العزيز -وأنا صغير- مضيتُ مع والدي إلى الشيخ المقرئ أبي عبد الله محمد بن محمد بن مسافر العامري، بمسجده الذي كان يقرئ به قريباً من القباقبيين، فوجدناه جالسا بإِثْر صلاة الظهر وحدَه ليس معه أحد، ولم يكن ذلك وقتَ جلوسه، فلما رآني قال: تكون فلانا؟ قلت: نعم -ولم يكن يعرفني قبل ذلك- فقال: إني البارحة رأيت وأنا نائم الشيخ أبا إسحق ... [يعني جد البسيلي لأبيه] في مسجد الحنابليين فقال لي: إن حفيدي يأتيك غدا ليجوِّد عليك القرآن فاحتفظ عليه".
وسيطولُ العمر بالشيخ -إن تمحَّض أنه هو- حتى يكاتِفَ تلميذَه يأخذان معاً عن ابن عرفة، فقد ذكر البسيلي عند الآية 80 من سورة يوسف في "نكت وتنبيهات" الصغير: "هذا عشر يوم السَّبت، سابع شهر شعبان، منْ عام ستةٍ وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيثِ مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ اللَهِ بنُ مُسَافِرٍ، عِوَضاً عَنْ سَيِّدِي عِيسَى الغُبْرِيني".
(1/74)

2 - أبو العباس أحمد ابن القصار (حي في سنة 790 هـ):
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، شهر بالقصَّار الأزدي التونسي، من علمائها، عاصر ابن عرفة، كان على ما قيل إماما علامة محققا؛ تتلمذ له ابن خلدون، وقال فيه إنه كان ممتعا في صناعة النحو، متقدما فيه. له:
- شرح شواهد المقرب: ولاشك أنه نحوي لغوي أريب حتى يُقْدم على صرح هذه الشواهد البالغة 355 شاهدا، قال التنبكتي عن كتاب إنه نفيس جدا في مجلد، ولعله وقف عليه، وعبارته تشي بذلك.
- ونسب له القرافي تحشية على الكشاف؛ وهو أهل لذلك؛ فقد حكى الرصاع عن بعض شيوخه قوله: "إن آخر من كان يقرئ سيبويه بالحضرة الشيخ أبو العباس أحمد القصار"؛ وقد بقيت لنا قطعة صالحة من هذه الحاشية، في خزانة الجامع الكبير بمكناس، رقم 37، تبتدئ بشرح سورة مريم، وبداخلها بتر، أوراقها 318 ورقة.
- وله أيضا شرح حسن على البردة؛ استطاع أن يسْلَمَ من أيدي الحدثان، فقد وصلنا مخطوطا ثاويا بدار الكتب الناصرية، تحت رقم 1614؛ إلا أن فيه اسم المؤلف محمد بن عبد الرحمن الأزدي القصار، بإسقاط أحمد، وإثباته لازم، لأن تلميذَه ابن خلدون نسب هذا الشرح له.
(1/75)

وقد تتلمذ له ابن مرزوق الحفيد والبسيلي. ومن أدلِّ الدلائل على تلمذة البسيلي للقصار، أنه نقل عنه في "التقييد الكبير" وصرح بأنه شيخه، وذلك عند قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوا كَمَ أهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن القُرُونِ أَنَهُمُ إليهِمْ لَا يَرْجِعُون}، حيث قال: "قال ابنُ خَروف في "شرحه" يريد أنه بَدَلٌ من المعنى، كقولك "عرفت زيدا أبو من هو"، أي: عرفت كنية زيد أبو من هو. وكذلك هذا بدل من المعنى، انتهى ... قال الزمخشري: لأنّ عدمَ الرجوع هو بمعنى الإهلاك، والكونُ يصدق على الكثرة وعدمِها، فهو لا ينافي الكثرة، فيصحُّ أنه بدلُ شيء من شيء، وبدليل قولِ الزمخشري في الوجه الذي بعده: والبدل على هذه القراءة بدلُ اشتمال. ويظهر من كلامه أن تمثيله بـ "ألم يروا كثرة إهلاكنا" تمثيلُ معنىً لا تمثيلُ إعراب، وليس مراده البدل على هذا المعنى، بل بدل الاشتمال يتنزل على تفسير الإعراب، وهو: "ألم يروا كثيرا أهلكنا"، وهذا على أن شرط الإضافة في بدل الاشتمال فيه نظر، هل هو مُطَّرِد في جميع بدل الاشتمال أو إنما هو اتفاقي. قال شيخنا أبو العباس بن القصار: ولا أعلم أحدا شَرَطَ ذلك من النحويين".
وقد نَدَّ عن المؤرخين ضبطُ تاريخ وفاة ابن القصار، فذكروا أنه كان حيا بعد 790 هـ؛ وعليه يحتمل أن يكون أخذ البسيلي عنه قبل هذه السنة، والبسيلي لا يزال شابا، ومن ثم لا يُشْكِل ما نُلفيه في "الكبير"، من العَزْوِ إليه بعد القول "وقال صاحبنا الأستاذ أبو العباس أحمد ابن القصار"، إذْ يكونُ ذلك من قول ابن عرفة لا من قولِ تلميذه.

3 - أبو عبد الله محمد بن أحمد بن موسى البطرني الأنصاري التونسي (703 - 793 هـ):
يكنى بأبي الحسن أيضا. الأستاذ الفقيه المميز الخطيب الصالح، زاد البرزلي: الراوية المحدث المسن المقرئ، محدث تونس.
(1/76)

قال أبو الطيب ابن علوان: سيدنا وولي الله ابن الحافظ أبي العباس، كان إماما راوية متقنا مشاورا أصيلا خطيبا.
أخذ عن والده أبي العباس البطرني وماضي بن سلطان، خديم أبي الحسن الشاذلي، يروي عنه أحزابه، وأجازه من المشرق نور الدين ابن فرحون (ت 746 هـ) والعز ابن جماعة.
وأخذ عنه أبو عبد الله بن علوان المصري وأبو القاسم البرزلي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الوانُّوغي، وأبو العباس أحمد ابن قنفذ القسنطيني، أخذ عنه بتونس سنة 777 هـ، ونقل عنه في "أنس الفقير وعز الحقير"، سندَه في أدعية الشاذلي، قال: "أخذتها عن الخطيب أبي الحسن محمد بن أحمد الأنصاري شُهر البطرني عن الشيخ أبي العزائم ماضي بن سلطان عن الشاذلي".
وذكر الشيخ مخلوف أن ابن خلدون أخذ عنه، ولم يذكر ذلك في "التعريف"، وإنما ذكر والده أبا الحسن البطرني عرَضاً في عِداد شيوخ أبي عبد الله محمد بن سعد بن بُرَّال الأنصاري، شيخِ ابن خلدون في القراءات.
ومن إنشاداته ما ذكر البرزلي أنه أنشده شيخه الشيخ الصالح أبو الحسن محمد البطرني عن شيخه أبي عبد الله عن شيخه أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حيان لنفسه رحمه الله في سنده لكتاب "الشفاء":
أَأَحْبَابَنَا هَذَا الشِّفَا ... بالْقُرْبِ في سَنَدِ الشِّفَا
بَيْنِي وَبيْنَ عِيَاضِهِ ... شيْخَانِ مِنْ أَهْلِ الصفَا
(1/77)

شرَفُ الوجُودِ بأسرِهِ ... قُرْبُ النبي المصْطَفَى
صَلَّى عليه اللهُ مَا ... شَفَعَ الحبيبُ وشرّفَا
توفي عن سن عالية سنة 793 هـ.
نقل عنه البسيلي في "التقييد الكبير"، عند قوله تعالى: {فَلَن أكُونَ ظَهيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ}.

4 - أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي (716 - 803):
ذكره أبو حامد ابن ظَهَيرة في "معجمه" وأثنى عليه ثناء جميلا. قرأ بالروايات على أبي عبد الله محمد بن محمد بن سلامة وغيره، وبرع في الأصول والفروع والعربية والبيان والمعاني والقراءات والفرائض والحساب، وسمع من ابن عبد السلام الهواري
(1/78)

"الموطأ" والفقه والأصول، ومن الوادي آشي "الصحيحين"، وكان رأسا في العبادة والزهد والورع، ملازما للشغل بالعلم، رحل إليه الناس وانتفعوا به، ولم يكن في المغرب من يجري مجراه في التحقيق ولا من اجتمع له في العلوم ما اجتمع له. وكانت والفتيا تأتي إليه من مسافة شهر.
ووقع في "أزهار الرياض": "وأما الإمام ابن عرفة، فانتفع به جماعة. وكان أصحابه كأصحاب سحنون؛ أئمةً في كل بلد، فمنهم أيضا من بلغ درجة التأليف ووقع الإتفاق على إمامته، وتقدمه وسمو رتبته ... وأمَّا من نجب من تلاميذ شيخ شيوخنا ابن عرفة، وتمكن من ملكة التعليم، فخَلْق يطول عددُهم، فمنهم من أدركناه وأخذنا عنه وأجازنا مروياته، ومنهم من لم ندركه".
وقد حلَّى ابنَ عرفة، أبو عبد الله المجاري الأندلسي (ت 862 هـ)، بالشيخ الفقيه المفتي المحدث الراوية، إمام أهل زمانه في فتح أقفال المشكلات، وكشف نقاب الشُّبَهِ المعْضِلات.
وهذا أبو العباس أحمد بابا التنبكتي في كفايته، يعد ابن عرفة مجدد القرن الثامن؛ وذلك حيث قال: "ابن عرفة ... إمام المغرب وشيخ الإسلام العلامة المحقق القدوة النظار العالم المبعوث على رأس المائة الثامنة، حسبما ذكر السيوطي في نظمه رحمه الله".
ولعل كلام التنبكتي يوهم أن السيوطي عدَّ ابن عرفة مجدد القرن الثامن، والواقعُ خلافه فهو -أي السيوطي- في منظومته "تحفة المهتدين بأسماء المجددين"، إنما يذكر البلقيني والعراقي:
والثامنُ الحَبْرُ هو البُلْقِينِي ... أوْ حافظُ الأنامَ زَيْنُ الدِّين
(1/79)

وعلى كثرة المترجمين لابن عرفة، تبدو ترجمة البسيلي له أصيلة من حيث إنه تلميذه، وباعتبار أنها كتبت بعد وفاته، فهي شهادةٌ حية لا يخامر الشكُّ في صدقها؛ ناهيك عن اهتمامها بالجانب الوجداني والاجتماعي الذي تغفل عنه كتب التراجم غالبا. وهذا سياق نصين من "نكت وتنبيهات"، ونص ثالث من "التقييد الكبير" تترجم كلها لابن عرفة.
- النص الأول:
"قلت: وولد شيخنا أبو عبد الله محمد بن عرفة سنةَ ستَّ عشْرَة وسبعمائة، وتوفي رحمه الله ضَحْوَةَ يوم الثلاثاء، الرابع والعشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الأُخْرى، عام ثلاثة وثمانمائةٍ، ودُفِنَ بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء غَدَ تارِيخِه، وله من العمر ستَّةٌ وثمانونَ عاماً وأَشْهُر؛ وحج حجة الفريضة؛ كان خروجه لذلك من تونس بعد صلاةِ الظهر مِنْ يوم الإثنين الحادي والعِشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الآخِرَةِ من عام اثنين وتسعين وسبعمائةٍ، وقدَ كان بلغ في تفسيرِ القُرآنِ إلى قوله تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السًاعَة}، ورجع من حجه فدخل تونس يوم الثُّلاثَاءِ، التاسع عشَرَ لشهر جمادى الأُولى، مِن عام ثلاثة تِسْعيَن وسبعمائةٍ قرب الزوال. وحَبَّسَ قبل موته كثيرا من الرّبَاع، وتصدق قرب موته بمالٍ كثيرِ، وترك موروثا عنه ما قيمته ثمانيةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينارٍ ذَهَبَاً كبيرة، ما بين عَيْنٍ ودراهم وحُلِيٍّ وطعام ورِباع وكتب؛ وكان رحمه الله مستجاب الدعاء.
وَممَّا رأيت من بركته، أنِّي كنتُ أجلسُ قُبَالَتَهُ بمجلسِ تدريسِه، فرُبَّمَا تكلَّمَ مَعِي بمَا يقع في خاطِرِي.
وَأَخبرنيِ عنهُ عم والِدِي، الشَّيخُ الصالِحُ الزاهِدُ العَابِدُ أَبُو فارِس عبدُ العزيزِ البَسِيلِي، أنه رَأَى في نوْمِهِ بعضَ مَنْ كانَ مُعَاصِرًا لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ -وكانَ في نفسِهِ منْهُ شيءٌ- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالَّةَ لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللهِ تَعَالى فقال له نعم. قالَ لي العَمُّ: فالْتَقَيتُ
(1/80)

بالشيخِ ابنِ عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلك".
- النص الثاني:
" ... عام ستة عشر، هو عام مولد شيخنا ابن عرفة، ولد ليلة سبع وعشرين من شهر رجب من العام المذكور ... وتوفي ... يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة، وله من العمر سبعة وثمانون عاما غير شهرين وثمانية أيام. ومن نظمه قرب وفاته:
بلغت الثمانين بل جزتها ... فهان على النفسِ صعبُ الحِمام
وآحادُ عصري مضوْا جملة ... وصاروا خيالا كطيف المنام
وأرجوا به نيل صدر الحديث ... بحب اللقاء وكره المقام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
... وأنشدني بعضُ أصحابنا تخميسَه بقوله:
علمت العلوم وعلمتها ... ونلت الرياسة بل حزتها
وهاك سنِينِيَ عدَّدْتُها ... بلغت الثمانين بل جزتها
فهان على النفس صعب الحمام
******
فلم تُبْقِ لي في الورى رغبة ... ولا في العلا والنهى بغيةً
وهيهات أرجيهما لحظةً ... وآحاد عصري مضوا جملةً
وعادوا خيالا كطيف المنام
******
ونادى الرحيل وما لي مغيث ... وحث المطية كل الحثيث
وإني لراج وحبي أثيث ... وأرجو به نيل صدر الحديث
بحب اللقاء وكره المقام
(1/81)

فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بدارك عما قليل
فيمسى رجائي بموتي كفيل ... وكانت حياتي بلطف جميل
لسبق دعاء أبي في المقام"
- النص الثالث:
يطرز البسيلي ترجمة ابن عرفة بنص ثالث، أورده في "التقييد الكبير"، وإليك سياقه:
" ... وهذه الأسولة وأجوبتها وأمثالها مما ذكرنا في كتابنا هذا هو مما كان يقع بين الطلبة في مجلس شيخنا ابن عرفة رحمه الله، أو بينه وبينهم، وذلك مما يدل على علو مرتبته وعظم منقبته، ولذلك كان حذاق الطلبة يفضلونه على غيره من مجالس التدريس، وأنشدنا من نظمه في هذا المعنى:
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَجْلسِ العلِم نُكْتَةٌ ... بتَقْرير إيضَاح لمشْكِل صُورَةِ
وِعزوُ غريبِ النقْلِ أو حَلُّ مشْكلٍ ... أَو إشكالٍ أبدَتهُ نتيجة فكرَةِ
فدَعْ سَعيَهُ وانْظرْ لنفسِكَ واجْتَهِد ... وإياكَ تَرْكاً فهْوَ أقبَحُ خلَّةِ
ولتلميذه الفقيه أبي عبد الله محمد بن خلفة الأبي جوابا لها:
يميناً بمن أوْلاك أرفَعَ رتبةِ ... وَزَانَ بك الدنيا بأكمل زينةِ
لَمجلسُكَ الأعلى الكفيلُ بكُلِّها ... على حينِ ما عنْها المجالسُ وَلَّتِ
فأبقاك مَن رَقَّاكَ للخلق رحمةً ... وللدِّين سَيْفاً قاطعا كل بِدْعَةِ
وقد أساء الأدب بعض من ينتمي إلى العلم، ووصْفُ الجهل ألْيَقُ به، فذَمَّ هذا
المجلس بشعر سخيف لا يليق كتْبُهُ، ولم يشعر بقلْبِ النكتة عليه، حسبما قرّره
الجدَلِيُّون، وقال فيه شيخنا:
وما حال من يهجو أخاه بلفظة ... كذا داكر المروي عند الأئمة
وعلم أصول الفقه والبحث والنظر ... سوى حال من قد ساءه قلب نكتة
(1/82)

فباء بفسق قاله سيد أتى ... بذكر وقرآن ووعظ وحكمة
روى مسلم مع شيخه عند قوله ... سباب لذي الإسلام فسق بحجة
بصغرى وكبرى ينتجان فسوقه ... فبالله أعرض عنه وادفعه بالتي"
...

تآليفه الموجودة:
- المختصر الفقهي:
وهو أعظم آثاره؛ عرف بأسماء عديدة؛ منها: "المبسوط في الفقه"، "التقييد الكبير في المذهب"، لم يُسبق به في تهذيبه وجمعِه وحدودِه وأنيق أبحاثه، لضبطه في المذهب مسائلَ وأقوالا مع زوائدَ مكمِّلة، والتنبيهِ على مواضَع مشكلة، وتعريف الحقائق الشرعية، ابتدأ تصنيفه عام اثنين وسبعين وكمله عام ستة وثمانين وسبعمائة. وقد أقرأه ابنُ عرفة بتونس والمشرق، ويحدِّدُ الدمَاميني تاريخَ سماعِه للمختصر بإقْرَاِء مؤلفه بالإسكندرية سنة 792 هـ، حيث كان هو القارئ، وهو ينقلُ لنا حكايةً عن بعض ما كان يجوسُ خلال مناقشة ابن عرفة لطلابه، حين يساجل المؤلفَ من لا أَيْدَ له في العلم، مِن قصير يطاول، وضعيفٍ يُقَاوي؛ قال الدماميني: "كان شخص من الطلبة الموسومين بالتشدق والتّكَثُّرِ بما لم يُعْطَ حاضرا بالمجلس، فَمَرَّ موضع من كلام الشيخ عائد فيه ضمير على مضاف إليه، فقال له ذلك الشخص بجرأة: النحويون يقولون: لا يعود الضمير على المضاف إليه، فكيف أعدتموه؟. فقال الشيخ على الفور بلا تعلم: قال تعالى: {كمَثَلِ الحمَارِ يَحْمِلُ أَسفَاراً}، ولم يزد على ذلك؛ وفيه من اللطف ما لا يخفى، ولا شك أن النحاة لم يقولوا ما نقل هذا الرجل".
(1/83)

وقد جاء "المختصر" منسوجا على منوال واحد في عُمْق النظر وعلوِّ الحكم، كبقية تآليفِ ابن عرفة، إلا أنَّه هو الذي سُلِّم له الفوزُ من غير نظير.
والمميز في "المختصر" أن صاحبَه خرج بالفقه من المنهج التقليدي الذي رَسَخ في البيئة الثقافية الإفريقية إلى هذه الطريقة الجديدة، والمعتمِدة على جَمْعِ الأنظار الفقهية، ومقارنِتها واستخلاص النتائج منها، بحسب منهج البحث العلمي المؤسَّس على المنطق والأصول.
والحدودُ التي أُخِذَت عن المختصر بالغة الأهمية، إذِ اعتبرت عمدةً في ضبط المسائل وتعريف الحقائق لدى علماء المغرب والمشرق، حيث أنه ما منْ تأليف كلي أو بحثٍ فقهي في القرن التاسع وما بعدَه، يأخذُ في بسْط بابٍ من أبواب الفقه إلا وهو معتمدٌ قبل كل شيء على إيرادِ تعريفِ ابنِ عرفة لتلك الحقيقة. وقد أعانه على هذه الصياغة الدقيقة المحكمة التي أثارت الإعجابَ شغفُه بالمنطق، وله فيه مختصر مركز.
وقد قصد في تأليفه أمرين اثنين:
- الأول: جمعُ أقصى ما يمكن جمعُه من مسائلِ الفقه ليمكنَ الرجوعُ إليها في القضاء والفتوى جمعَ تحقيق وترجيح.
- الثاني: تعريف أبواب الفقه تعريفا دقيقا موجزا مدخلا ومخرجا.
وقد دفع تقدير الأبي لهذا التأليف أن يمدحه فقال ناظما:
أيا طالِبي العلمِ يبْغون حفظَه ... هلُمُّوا فإن العلمَ هانت سبيلُه
فهذا هُدِيتمْ للصوابِ ابنُ عَرْفَة ... أتاكم بوضْعٍ لم يُشاهَدْ مثِيلُه
فدونكُمْ يُغْنِي عن الكُتْبِ كلها ... وإنْ قَل حجماً والعِيَانُ دليلُهُ
وحَلَّ من التَحْقِيقِ أرفَعَ رُتْبَةٍ ... وهُذِّب مَبْنَاهُ فَصَحَّتْ نُقُولُه
(1/84)

وأَحْكَمَ مِنْ كُلِّ الحقائِق رَسْمَهَا ... فلا خَلَلٌ يُخْشى لديها حُلُولُهُ
وَرَدَّ مِن التخريج والنقْلَِ وَاهِياً ... وأوْردَ تنْبيهاً فحَقَّ قَبُولُه
كذا فليكُنْ وضْعُ التآليف لو يدم ... ولا غَرْوَ ذاك العلْمُ هَذَا قَلِيلُهُ
فإنْ جاء فَرْضاً من يُرِيدُ اعْتِرَاضَهُ ... فَدَعْ أَمْرَهُ إِنّ التعسُّف قِيلُه
لكن أليس غريبا أن يكون الكتاب بهذا القدر، فلا يكتب له الاشتهار الذي وسم "المختصر الخليلي"؟. والجوابُ من وجهين:
1 - أنه شديد الغموض، وَصَفه بهذا ابن حجر، وهو عيْنُ مُؤَدَّى حكايةِ القباب مع ابنِ عرفة حين اجتَمعا بتونس، فأراه ما كتب من المختصر الفقهي -وقد شرع في تأليفه- فقال له القبَّاب: ما صنعتَ شيئا. فقال له ابن عرفة: ولم؟ فقال: لأنه لا يفهمُه المبتدي ولا يحتاجه المنتهي؛ فتغَيَّرَ وجهُ الشيخ ابن عرفة، ثم ألقى عليه مسائلَ فأجابه عنها. ويقال: إن كلامه هذا هو الحاملُ لابن عرفة أنْ ليَّن عبارته في أواخر كتابه. بل إن استغلاقَه لم يَجُزْ على عامة الباحثين فحسب، بل تعداه إلى مؤلفه، حتى إنه في آخر عمره صار يصعب عليه هو نفسه بعض المواضع منه، كما وقع له في تعريف الإجارة.
والحقيقة أن الغموض لم يكن وحده علة خبوِّ وهَج الكتاب، فمختصر خليل أغمض منه وأعوص، ولكن هناك سببا آخر، وهو التالي:
2 - أن الكتاب لم يكن من "مقررات" الوقت، وكان مغربيا فجنى عليه ذلك، فلم يرتفع له صوت في المشرق، بدليل أن كل شراحه على قلَّتهم مغاربة، يُبين ذلك أن فقهاء مصر في ق 9 هـ كانوا يرفضون دراسة كتب ابن عرفة، هذا بهرام الدميري (ت 805 هـ) شرح المختصر الخليلي شرحين، وكان شيخَ الشيخونية، ومعه فضلاء مغاربة، فطلب منهم تصحيحه بين يديه على عادة الشيوخ فأبوا عليه حسدا وقالوا: لا نسمع كتبك ولا كتب شيخك ولا ابن عرفة، ولا نسمع إلا كتاب ابن عبد السلام فمن فوقه.
(1/85)

ويأتي كلام ابن حجر، أحد الآخذين عن ابن عرفة، حَكَما عدلا على هذا الكتاب بقوله: "وله كتاب في الفقه سماه المختصر، يبلغ عشرة أسفار أو دونها، جامع لغالب أمهات المذهب والنوازل والفروع الغريبة وكثرة البحث مع ابن شاس في "الجواهر" وابن بشير في "التنبيه" وابن الحاجب في اختصاره لهذين الكتابين، وشيخه ابن عبد السلام في "شرحه على ابن الحاجب"، إلا أن التفقه به صعب".
ولعل بَعْثَ ابنِ عرفة للأنظار المهجورة في الفقه، وتَعَبُّدَ الفقهاء بألفاظ الكتب، سيما شراح ابن الحاجب، صَرَفهم عن معاناة الكتاب ورَدّ تلك الأقوال إلى أصولها والترجيح بينها وبين المشتهر في الإفتاء وما جرى به العمل، وهو عمل لا يطيقه إلا النَّظَّار المسْتبحر؛ فلعل هذا مظنة عدم إقبال العلماء على شرحه. إلا أن ذلك لم يمنع محمد بن أبي القاسم بن حمد الْمَشَذَّالي (ت 866 هـ)، الفقيه المحقق من استدارك ما صرَّح ابن عرفة فيه في مختصره بعدم وجوده؛ في تأليف اختصر فيه أبحاث ابن عرفة في مختصره، المتعلقة بكلام ابن شاس وابن الحاجب، وشرحه مع زيادة شيء يسير في بعض المواضع مما لم يطلع عليه ابن عرفة في سِفْر، نحو 17 كراسا من القالب الكبير.
وقد سبق المشذالي، عيسى بنُ علال المصْمُودي الفاسي (ت 823 هـ)، فاستدرك على مختصر ابن عرفة، ووضع تَعْلِيقَةً عليه.
ثم ألف ابن غازي "تكميل التقييد وتحليل التعقيد"، ومسمَّاه مغْن عن سيماه، ولكن الكتاب تُعُقِّب بقول محفوظ شهير: "أما التقييد فقد كمله، وأما التعقيد فما حلله".
وممن شرح المختصر شرحا وافيا جاء في مجلدات، ثم اختصر الشرح بعد ذلك، أبو العباس البسيلي، وسيأتي الحديث عنه.
(1/86)

ومخطوطات الكتاب كثيرة، احتفل المطوي والبكوش في ذكرها (35 نسخة من أجزاء متفرقة). وظهرت أخيرا نسخ عزب ذكرها عنهما، وهي كثيرة؛ فمنها:
- خزانة وزان:
- رقم 890 (أول الكتاب - كتاب النكاح)، ت ن 981 هـ، خط مغربي مليح.
- رقم 891 (النكاح - بعض البيع).
- رقم 892 (بقية البيع - كتاب الشركة).
- رقم 980 (مبتور الأول؛ ج 5) خط مغربي.
- المعهد الإسلامى بتطوان، رقم 892. جزآن، غير تام.
- المختصر الشامل في أصول الدين.
عارض به "طوالع" البيضاوي، وأتم تأليفه في سنة 789 هـ، وحقق د. سعد غراب فصل الإمامة، ونشره بحوليات الجامعة التونسية، عدد 9، 1972؛ [177 - 234]. منه نسخ بتونس، وبالمغرب، وقفنا منها على ما يلي:
- ن خ م ع ف 600.
- ن م خ ع ف 55 ون خ ع ك 1.
- المختصر المنطقي:
وهو تأليف مدرسي تعليمي، قال عنه الوزير السَّرّاج: "فيه من القواعد ما يعجز عنه الفحول"، على صِغرِ جرمه.
(1/87)

وقد حققه وقدم له د. سعْد غراب، ونشره مرْفقا بـ "جمل الخونجي"، تحت عنوان: "رسالتان في المنطق"، عن مركز الأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس، 1976، في 136 صفحة.
وقد استفاد منه البسيلي، وصرح بالنقل عنه في "التقييد الكبير"؛ مثاله قولُه: "قال شيخنا في "مختصره المنطقي": لو استلزم المحال مُحالا لما صَدَقَتْ قضية مُقَدَّمُها كاذبٌ، مع أنها قد تصدق وقد تكذب".
وممن شرح هذا المختصر:
(أ) محمد بن يوسف السنوسي (ت 895 هـ)، ومخطوطاته كثيرة.
(ب) محمد الشافعي العوني (ت 1173 هـ)، وقد سماه: "نتائج الفكر في شرح المختصر"، توجد منه نسخة بدار الكتب الوطنية التونسية، رقمها 16328.
ج) مجهول، يوجد شرحه بدار الكتب الناصرية، رقم 1737، بخط مغربي، ولعله أن يكون أحد السابِقَيْن.
- شرح ابن الحاجب الأصلي:
نقل عنه الرصاع، وذكره التنبكتي وجان فونتان، ومحققا "كتاب العمر".
وقد أحال هذان الأخيران إلى الكتاب باعتباره موجودا، وعيَّنُوا مخطوطةً ظهر أنها شرح لأصلي ابن الحاجب لا المختصر الفقهي، وهي مخطوطةٌ فريدة بالخزانة الحسنية
(1/88)

بالرباط، تحت رقم 2091، وقد وقفتُ عليها، وهي في 536 صفحة (268 ورقة)، من القطع المتوسط، 23 سطرا في كل صفحة، بمعدل 12 كلمة في كل سطر، تاريخ تمام تأليفه 15 ذي الحجة سنة 799 هـ. والكتاب يحتاج إلى دراسة وافية لبيان قيمته، وإيفائه حقه.
- مختصر الحوفية في الفرائض:
وهو أول تآليفه. و "الحوفية" نسبة إلى الفرضي البارع أبي القاسم أحمد بن محمد بن خلف الحوفى الإشبيلي (ت 588 هـ)؛ وهي مما بلغ فيه الغاية، تحصيلا لعلمها وتقريبا لأغراضها وضبطا لأصولها، وتيسيرا على ملتمسها.
ونسخ هذا الاختصار كثيرة، ذكرُها في "كتاب العمر". ولست أدري أشرح هي أم اختصار، تلك النسخة الوثقى بدار الكتب الناصرية، تحت رقم 1861؛ مبتورة الأول، بخط تونسي، وبأولها سماعُ محمد بن أحمد بن بلال اللوّاتي تلميذ المؤلف، بتاريخ 5 شوال عام 756 هـ. وفائدة هذا السماع، بيانُ أن تاريخ التأليف كان قبل سنة 756 هـ إن لم يكن قبلها.
- الحدود الفقهية:
وجملتُها 260 حدا، عرَّفَتِ الحقائق الشرعية المذكورة في كتب الفقه، شملت 72 كتابا من "المبسوط"، بداية بكتاب الطهارة، وانتهاء بكتاب الفرائض.
(1/89)

وتوجد مجردةً مخطوطة، بالخزانة الكَنونية نسخةٌ منها تحت رقم 10193. وهي التي شرحها الرصاع. والحق أن في عَدِّ هذا الكتاب تأليفا مستقلا بعضُ تسامح؛ لأن فرز الحدود ليس من عمل ابن عرفة، وإنما هو عملٌ إجرائي أقدم عليه الشراح.

تآليفه المفقودة:
- نظم قراءة يعقوب:
بروايتي أبي عمرو الداني وابن شريح.
- نظم تكملة القصيد:
كذا ذكره البدْر القرافي، نقلاً عن إجازة أحمد بن علوان لابن مرزوق؛ وعنه نقل صاحب "الحلل". والمقصود بالقصيد حرْزُ الشاطبي؛ كما أفاده البسيلي.
- مختصر في النحو.
- تساعيات وعشاريات.
- نظم في أصول الفقه.
- الفتاوى:
وهى متفرقة في دواوين النوازل، لم يذكر المترجمون أنها مجموعة؛ وفي "المعيار" الشيء الكثير منها؛ انظر على سبيل التمثيل الجزء الأول: الصفحات:
(1/90)

9؛ 18 - 19؛ 23 - 24؛ 24 - 25؛ 68، 146؛ 176 - 177؛ 280 - 281؛ 319؛ 384؛ 384 - 385 ... وقد بلغتُ في جمعها منه ومن نوازل البرزلي شوطا بعيدا، يسر الله في الإتمام.
- تآليف غفل عنها مترجموا ابن عرفة، وذكرها تلاميذه عرضا:
- شرح المدونة:
لم يكمِّلْه؛ أفاده البسيلي في "محاذي مختصر ابن عرفة الفقهي".
- نتيجة النكتتين في بيان وحدة الليلتين:
نقل عنه البسيلي في "التقييد الكبير"، عند قوله عز وجل في سورة القدر: {مِنْ كلِّ أمْرٍ}؛ وعنه نقل ابن غازي في "تكملة النكت الصغير".
- تقييد في تحقيق القول بالجهة والسمت:
نقل عنه الرصاع في "الهداية الكافية الشافية".

5 - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن جابر بن خلدون الحضرمي (732 - 808 هـ):
إشبيلي الأصل، تونسي المولد، أبو زيد ولي الدين القاضي العلامة المؤرخ الحافظ.
ترجم له صديقُه ابن الخطيب في "الإحاطة" -وهو أعرف الناس به- فقال: كان فاضلا حسن الخلق جم الفضل، باهر الخصال رفيع القدر، ظاهر الحياء وقور المجلس، عالي الهمة قوي الجأش، طامح للرئاسة متقدم في فنون عقلية ونقلية متعدد المزايا،
(1/91)

سديد البحث، كثير الحفظ صحيح التصوّر، بارع الخط، مُغْرىً بالتَّجِلَّةِ جواد الكف حسن العشرة، من مفاخرالمغرب، من ذرية وائل ابن حُجْر.
قرأ على أبي عبد الله محمد ابن بُرَّال الأنصاري القراءات، وأخذ العربية عن والده، وأبي عبد الله بن العربي الحصَائرِي، وعلى أبي عبد الله محمد بن الشّواش الزَّلْزَالي، وعن أبي العباس أحمد بن القَصَّار، وأبي عبد الله محمد بن بحر، وشمس الدين أبى عبد الله محمد بن جابر القيسي الوادي آشي، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الجَيَّاني، وأبي القاسم بن القصير، وأبي عبد الله محمد بن عبد السلام، وأبي عبد الله محمد السَّطِّي، وأبي محمد الحضرمي وأبي العباس أحمد الزواوي، وأبى عبد الله الآبِلِّي وغيرهم.
ولي العلامة بتونس، ثم ولى الكتابة بفاس لأبي عنان، وسجن سنة 758 هـ، نحو عامين. ودخل بجاية، فراسله صاحبُها فدبَّرَ أمورَه، وبعد وفاته استدعاه صاحا تلمسان، ولم تطُلْ بها إقامتُه، ثم استدعاه عبد العزيز بفاس، فمات قبل دخوله إليها فقبض عليه ثم خلص فسار إلى مراكش، وتنقلت به الأحوال، ثم رجع إلى تونس سنة 780 هـ فأكرمه سلطانها، ووقعت سِعايةٌ ضده لديه، فتحيَّنَ
(1/92)

الفرصة وفَرَّ إلى المشرق في سنة 781 هـ، فنزل القاهرة وولي قضاء المالكية بها ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية ثم عزل عنها، وولي القضاء مرارا آخرها في 26 رمضان سنة 808، فباشره ثمانية أيام، وأدْركه الحِمَام فجأة يوم الأربعاء، ودُفن بمقابر الصوفية.
وكان ممن رافق العسكر إلى تيمورلنك واجتمع به وأعجبه كلامه وبلاغته وحسن تَرَسُّلِه.
كان يسلك في إقرائه مسلك الأقدمين كالغزالي والرازي مع الغض على طريقة طلبة العجم، ويقول: إن اختصار الكتب في كل فن، والتعبُّدَ بالألفاظ على طريقة العَضُدِ وغيره من مُحْدَثَاتِ المتأخرين، والعلمُ مِنْ وراء ذلك كلِّه. وكان شاعرا أيضا، أورد هو لنفسه كثيرا من القصائد في "التعريف"، وساق جملة من ذلك، صاحب "عنوان الأريب".
...

من تآليفه:
- كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر (ط)، صدَّره بالمقدمة الفذة التي ضارع بها أساطين فلاسفة التاريخ؛ وشرحها الشيخ أحمد المقري المغربي. وهي تُعَدُّ من أصول علم الاجتماع، ترجمت هي وأجزاء منه إلى الفرنسية وغيرها. قال الحجوي: كفى بتاريخه آية على فضله.
(1/93)

- شرح الردة: وهو شرح بديعٌ دل على تفننه وغزارة حفظه.
- اختصار محصول الفخر.
- التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا، كراريس بذيل تاريخه، حققها مجردة ابن تاويت الطنجي -رحمه الله-، عن نسخة أصلية بخط ابن خلدون، واهتم فيها بنقل ما ضبطه المؤلف ضبط قلم.
- كتاب في الحساب.
- رسالة في المنطق.
- شرح رجز ابن الخطيب في أصول الفقه.
- لباب المحصل للرازي، طبع عن نسخة بخط المؤلف.
- تلخيص كثير من كتب ابن رشد.
- شفاء السائل لتهذيب المسائل، طبع.
أخذ عنه كثير منهم: الإمام ابن مرزوق، والبسيلي والدماميني والبساطي.
ويتعلق بتلمذة البسيلي لابن خلدون، أسئلة ثلاثة:
- الأول: عن زمن أخذه عنه، وابن خلدون بارَحَ تونس إلى مصر سنة 784، والبسيلي يذكر أنه أول ما أخذ عن ابن عرفة سنة 783 هـ، وهو أول تاريخ معروف يتعلق
(1/94)

بالبسيلي، حتى دفع ذلك بعض الباحثين إلى القول بأنه وارد على تونس وليس من أهلها. فلم يبق إلا القول أن أخذه عنه كان سنة 783 أو قبلها على القول أنه تونسي، وهو الذي نرجحه.
- الثاني: إذا سلمنا أن أخذ البسيلى عن ابن خلدون كان في الفترة ما بين سنة 783 هـ، تاريخ حضوره مجلس ابن عرفة وسنة 784، أوان رحيل الخلدوني إلى مصر. أفلم يكن تزامن الأخذ عن الشيخين، في أوْجِ استحكام العداوة بينهما داعياً لابن عرفة إلى الانقباض عن تلميذه، وذلك ما لا شاهدَ عليه؟!. والذي دَرَأَنَا لطرح السؤال هو هذا النص الذي أثبته ابن خلدون في التعريف بنفسه: "ولما قدمتُ تونسَ انثَالَ عليَّ طلبةُ العلم من أصحابِ ابن عرفة وسواهم، يطلبون الإفادة والاشتغال، وأسعفْتُهم بذلك، فَعَظُم عليه، وكان يُسِرُّ التنفيرَ إلى الكثير منهم فلم يَقْبَلُوا، واشتدت غيرتُه ... ".
- الثالث: لماذا نقل البسيلي عن ابن خلدون في تفسيره، وهو على خلاف مع ابن عرفة؟.
الظاهر والله أعلم أن ما نقله البسيلي، هو من زياداته لا من أصل إملاءات ابن عرفة، لفساد ما بينه وبين ابن خلدون، وما كان لينقل عنه في دروسه وذلك مظنة الفضل والتقدم، فلعل البسيلي إنما جرَّأه على ذلك أن تأليفه لكتابه كان بعد موت ابن عرفة (803)، بضميمة أنه يذكر تاريخ 808 هـ في أطواء التفسير، وحينها فلا ضير من أن يثبت ما عنَّ له.
وقد صرح البسيلي بأخذه عن ابن خلدون بما لا يدع للشك مجالا، فهو يقول عند تفسير قوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطرِ}، عند تخلصه للحديث عن حكم راء
(1/95)

"القطر" في الأداء: "قلت: [يقصد نفسه]: وسمعت الشيخ الفقيه أبا زيد عبد الرحمن ابن خلدون يقول: كان بعضهم يُورِدُ على قول الحُصْرِيِّ في أول منظومة هذا في قوله:
إذَا قُلْتُ أَبْيَاتاً حسَاناً من الشِّعْرِ ... فلا قُلْتُها في وصْف وَصْل ولا هَجْرِ
ولا مدحِ سلطان ولا ذَمِّ مسلم ... ولا وصفِ خِلّ بالوفاء أو الغدْر
ولكنني في ذَمِّ نَفْسِى أقولُها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال: قوله "ولا ذم مسلم" مع قوله "ولكنني في ذم نفسي أقولها"، يُنتِج الشكلَ الثاني، أنه غيرُ مسْلم!؛ على قوةِ دَعْوَاهُ، وشدّة عارضته في قوله "ولو كُتِبَتْ بِالمِسْكِ"؛ و "لَمْ أَرَهُمْ يَدْرُونَ وَرْشاً قِرَاءَةً" وقوله "وبَاعُهُمُ في النَحْوِ أَقْصَرُ مِنْ شِبْرِ"، إلى غير ذلك".
...

6 - أبو مهدي عيسى الغبريني (ت 815 هـ):
عيسى بن أحمد بن محمد الغبريني التونسي، أبو مهدي، خطيبُ جامع الزيتونة وإمامه ومدرِّسُه، العالم الصالح، حافظ المذهب. قال أبو زيد الثعالبي:
(1/96)

شيخُنا أوحَدُ زمانه علما وديناً. وقال ابن ناجي: ممن يُظَن به حفظُ المذهب بلا مطالعة، ما رأيت أصح منه نقلا ولا أحسن منه ذهنا ولا أنصَفَ منه، مع كمال الرياسة. كان صحيح العقيدة متين الدين، سَجَدَ بين يديْه بعض جهلة المؤدِّبين مشْتكياً بشخص فصاح عليه وانتهره وغضب لمخالفته السنة وحلَفَ لا يسمع منه الآن كلمة.
وقال تلميذه الأمير محمد الحسين بن أبي العباس الحفصي: "كان شيخنا ابن عرفة وشيخنا الغبريني من مجتهدي المذهب، والعيان شاهد بذلك".
وهو شيخ البسيلي والثعالبي وابن ناجي والبرزلي وأحمد القلشاني والشرف العجيسي. قال التنبكتي: بل أخذ عنه غالب متأخري أصحاب ابن عرفة وغيرهم كالبسيلي، وأبي يحيى بن عَقيبَةَ وأبي القاسم القسنطيني، وأبي الحسن ابن عصفور والأبي والزَّلَدِيوِي وأبي عبد الله محمد بن عُقَاب وأبي عبد الله محمد بن عبد الله المغِربي في خلق. وكان يُقدِّم للعدالة من استوثق من دينه وأمانته من الطلبة، وهو الذي كلَّم أبَا فارس الحفصي في تقديم أبي عبد الله محمد بن أبي بكر. وقد استنابه ابن عرفة أثناء سفره للحج سنة 792 هـ، وتولى الإمامة بجامع الزيتونة بعد موته.
وقد مكث الغبريني 12 سنة يقرأ المعقولات، وندم على ذلك آخر عمره فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لكانت مدة قراءتي في المعقول كلها في الفقه؛ ولذا عكف على "المدونة" بشرح ابن يونس، وسأله والد الرصاع عن ذلك فقال: لأن صاحب هذه الدار؛ يعني الشيخ القاضي ابن حيدرة -وكان ساكنا بداره وتتلمذ له-
(1/97)

يقول: عليكم بابن يونس فإنه عجوز الدار، وهو مرْويٌّ كله، ولذا يقول فيما لم يروه: وهذا لم أروه.
وكان الغبريني هو قارئ العشر في مجلس ابن عرفة، قال البسيلي عند الآية 80 من سورة يوسف: "هذا عشر يوم السبت، سابع شهر شعبان، منْ عام ستّةٍ وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيثِ مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ اللَهِ بنُ مُسَافِرٍ، عِوَضاً عَنْ سَيِّدِي عِيسَى الغُبْرِيني". وقد صرح البسيلي بتلمذته عليه، فقال عند تعريفه بالزمخشري: "وله يَرْثي شيخه أبا مُضَرٍ، حسبما وجدته مقَيًدًا بخطّ شيخِنا أبي مهْدِي عِيسَى الغُبْرِيني:
وقَائلَةٍ مَا هذِه الدُّرَرُ التِي ... تساقط مِنْ عينِكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْن
فقُلْتُ هُو الدُّرُّ الذي قدْ حَشَا بِهِ ... أبُو مُضَرٍ أذْني تسَاقَطَ مِنْ عَيْنِي"
وساق من فوائده عند تفسيره لسورة الفلق: "ع: مما يسئل عنه هنا: لم قال (إذا وقب) و (إذا حسد)، ولم يقل من شر النفاثات إذا نفثت؟. فأجابه الفقيه عيسى الغبريني: بأنَّ الوسط الذي هو (النفاثات) لَمَّا أَنْ كان كله شرا وليس فيه من الخير شيء، لم يحتج لتقييد، ولما أن كان الطرفان يصلحان للخير والشر قُيِّدَا؛ ألا ترى أن غَسَقَ الليل فيه ما هو محمود ومحل لرجاء الخير وقبول الدعاء، وهو آخِرُه، لِمَا وَرَدَ فيه؛ وألا ترى أن الحسد لشكله شرا للحديث "لا حسد إلا في اثنتين".
ولم يذكر المترجمون أنه ترك تأليفا، لكنني عثرت على "شرح للبردة البوصيرية" للغبريني، وراجعت تراجم من عُرِفُوا بهذه النسبة، أبي العباس الغبريني صاحب "عنوان الدراية" وولديه الأخوين أبي القاسم وأبى سعيد، فلم أجد نسبة التأليف
(1/98)

لأحدهم، فيبقى للتحقيق بالوقوف على المخطوط، وهو بالخزانة المكلية، من رصيد م عبد الرحمن بن زيدان، ورقمه بها 776 في سفرين، بخط الحسن بن محمد البكري السيفي (بقى بقيد الحياة عام 1143 هـ، وتوفي بسوس).
وقد توفى الغبريني ليلة السبت سابع وعشرين من ربيع الأول عام 815 هـ؛ وقيل: سنة 813؛ والأول أصحُّ لأنه منقول عن تلميذه القلشاني.

7 - أبو الفضل بن القاسم بن أبي الحسن علي الأندلسي:
الشيخ المقرئ الراوية، سمع عليه البسيلي "الشفا" لعياض، في شهر رمضان من عام 808 هـ. وهذا الذي دَرَأَنَا إلى أن نسْلُكَهُ في عِداد شيوخه، بعد أن ذكر المقيِّد بيتين وقال: "وجدنا هذين البيتين على ظهر جزء من أجزاء بعض نسخ لكتاب "الشفا" لعياض، وهي النسخة المشرقية من كتب خزانة مولانا السلطان أمير المومنين أبي فارس عبد العزيز، وذلك حَالَ مقابلتِهَا بجامع الزيتونة بقراءة الشيخ المقرئ الراوية أبي الفضل بن القاسم بن أبي الحسن على الأندلسي".
******
ولعل للبسيلي شيوخا آخرين غيرَ مَن ذَكرْنا، لم نستطع الاستدلال عليهم، لِتَلافيهِ ذِكرَ أسمائهم، وخلوّ كتب التراجم التي بين أيدينا من أسمائهم، ولربما كان بعضُهم مقصودا بقوله في تضاعيف الكتاب، "بعض شيوخنا"، كصنيعه عند قوله تعالى: {في آِذَانِهِمْ وَقْرٌ}: "وكان بعض الشيوخ ينشد عند تفسيره للآية:
تصامَمْتُ إذ نَطَقَتْ ظَبْيَةٌ ... تَصِيدُ الأسُودَ بأَلْحَاظِهَا
ومَا بيَ وقْرٌ وَلَكِنَّنِي ... أَرَدْتُ إِعَادَةَ أَلفَاظِهَا
وقد حكى البسيلي في تفسيره عن علماءَ عَاصَرَهُم، لا ندري مبْلَغَ الصلة الجامعة بينه وبينهم، كأبي العباس أحمد بنِ حُلُولُو، إذْ بالنظر إلى وفاته المتأخرة، سنة 898 هـ، نتوقف في عَدِّهِ من شُيُوخه، إلى أن نعْثُرَ على دليل قاطع.
(1/99)

المبحث الخامس: تلاميذه
ليس بدْعاً من القول تقريرُ أنّ البسيلي كان مُزاحما من كُثْر من الشيوخ ينصرف أكثر التلاميذ إلَيهم دونَه، لما أوتي هؤلاء الشيوخ من علم وشهرة تكاد تربو في الغالب الأعمِّ على شهرة البسيلي، إذْ فيهم مَن سَبَقَهُ إلى التلقي عن ابن عرفة وملازمته، وظهر فضلُه في فَنٍّ من الفنون يقصده الطلبة من أجله؛ فمنهم: أبو عبد الله الأُبِّي (ت 827 هـ)، الذي وصفه ابن حجر في "المشتبه" "بالأصولي عالم المغرب في المعقول"، وابن مرزوق الحفيد (ت 842 هـ) صاحب "المتْجر الرّبيح والمسْعى الرّجيح على الجامع الصحيح"، وابن ناجي التنوخي القيرواني (ت 838 هـ) صاحب الشرح النفيس على الرسالة القيروانية، وأبو عبد الله الوانُّوغي (ت 819 هـ)، وأبو عبد الله الزَّندِيوِي (ت 874 هـ على الأرجح) الذي قال في شأنه العلامة زروق البرنسي الفاسي: "هو شيخُ تونس في وقته"، وغيرهم.
إلا أن البسيلي كان شديدَ العارضَةِ في علم المنطق، طويلَ الباع فيه، بحيثُ لستُ أشُك أن كثيراً ممن جلس بين يديه، إنما تغَيَّا الإستفادةَ منه في هذا العلم؛ فهذا أبو عبد الله الرصاع يصرح إنْ بتفوقِ صاحبنا في المنطق أو بقراءته هو المنطق عليه فيقول: "وكان عارفا بالمنطق، حضرتُ مجلسه بالمدرسة الحَكِيمِيةِ، وقرأت عليه "جُمَلَ "الخُونْجِي" بها ... ولازمتُه شهورا في قراءة المنطق وغيره".
ثم هذا صاحب "تراجم المؤلفين التونسيين"، يذكر أنّ أبا العباس التجاني -وهو معدود من تلاميذه- إنما أخذ عن البسيلي المنطق وعلم الكلام؛ قلت: وفي هذا الحصر بهذه الصفة إيماءٌ إلى ما ذكرنا من قبل.
(1/100)

غير أن كثرةَ الشيوخ الجلَّة الْمُجَايلين لصاحبنا، لم تُفْلِحْ في جعْلِهم يستأثرون بالتلاميذ دونه فله أيضا قرْصٌ في العرس؛ فمن تلاميذه:

1 - أبو عبد الله محمد بن قاسم الأنصاري نسبا، التلمساني مولدا، التونسي تربية، الرصاع شهرة المالكي مذهبا (ت 894 هـ):
قاضى الجماعة الفقيه العالم الصالح المفتي من عائلة هي من كرائمِ عائلاتِ الأنصار بمدينة تلمسان، ولم يكن لهم وهم بتلمسان سابقةٌ راسخة في العلم، وجدُّ المؤلف الرابع للأب كان نجارا تميز بالبراعة وروعة الدقَّة في التَّرْصيع في الخشب فعُرِف بالرّصّاع، واشتهر بعد ذلك، بعد ترصيع جامع العُبَّاد.
كان أبوه كثير الإقامة بحاضرة تونس، متردّداً على أهل العلم بها. وقدِم ولدُه محمد إلى تونس صغير السن فاعتنى به، وعرفه على مشاهير علماء الزيتونة، فتتلمذ لجماعة من الأعلام، منهم: البرزلي وأبو عبد الله محمد بن عُقاب؛ ختم عليه التفسير وهو الذي عيَّنه مُعيدا بالمدرسة المنتصرية، وأبو محمد عبد الواحد الغرْيَاني وأبو العباس أحمد السَّلاَوي، قرأ عليه العربية والوانُّوغي وأبو الحسن محمد البَطَرْني وأبو عبد الله الزنديوي وأبو القاسم العبْدُوسي وأبو محمد عبد الله البَحِيرِي وأبو القاسم العُقْبَاني وبَلْقَاسَمْ القسنطيني وأبو حفص عمر
(1/101)

القَلْشَاني وأخوه أحمد، وصهرُ الرصاع أبو عبد الله محمد الرملي وأبو عبد الله محمد البلنسي، وأبو القاسم الغرناطي وأبو يوسف يعقوب المصمودي، وقرأ على الأخيرين المنطق، وأبو العباس أحمد البسيلي.
ولي قضاء العسكر ثم الأنكحة ثم الجماعة، ثم اقتصر على إمامة جامع الزيتونة، وخطابتها، متصدّيا للإفتاء ولإقراء الفقه وأصول الدين والعربية والمنطق وغيرها، درَّس بالمنتصرية وزاوية باب البحر سنة 865، خَلَفا للفقيه أحمد كحيل، واستُفتي من خارج تونس.
ولم يزل كعبةَ الآخذين عنه بالزيتونة مفتيا وإماما وخطيبا، حتى توفي سنة 894 هـ، ودفن بمنزله بتونس.

مؤلفاته:
- الهداية الشافية الكافية، لبيان حقائق ابن عرفة الوافية.
- الأجوبة التونسة على الأسئلة الغرناطية، بعث إليه بها الموَّاق من غرناطة، فأجابه عنها.
(1/102)

- الجمع الغريب في ترتيب آي مغني اللبيب: وهو تفسير للشّواهد القرآنية الواردة في "مغني اللبيب" لابن هشام بعد أن أفردها، ورتّبها على السور، وتكلم عليها في جزئين، يوجد الأول منه بمكتبة الزاوية الحمزاوية بتافيلالت، رقم 89، بخط مغربي.
- التسهيل والتقريب لرواية الجامع الصحيح: انتقاء من "فتح" ابن حجر. (خ).
- فهرست الرصاع: طبعت بتحقيق العنابي بتونس، سنة 1967.
- تذكرة المحبين في أسماء سيد المرسلين (خ): مخطوطاته كثيرة للغاية، وبعضها خزائني كُتب بأوضاع غاية في الجمال.
- تحفة الأخيار في فضل الصلاة على النبي المختار (خ): نسخه كثيرة.
- الخمسمائة صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وشرحها (خ).
- رسالة في أسماء الأجناس وأحكامها.
- جزء في كراسة أو ثلاثة في أحكام "لو".
- جزء في صرف اسم "أبي هريرة".
(1/103)

- شرح على جمل الخونجي في المنطق: مخطوط بدار الكتب الوطنية التونسية، من رصيد ح ح عبد الوهاب رقم 18194.
- جزء في إعراب كلمة الشهادة.
- شرح وصية الشيخ محمد الظريف: (خ).
- مقاصد التعريف في فضل اسم محمد الشريف.
- تفسير شرع فيه: أفاده السخاوي.
- فتاوى متفرقة: ذكر بعضها الونشريسي في "المعيار" (2/ 229)؛ (4/ 370)؛ (9/ 92)؛ (9/ 93)؛ (11/ 290)؛ (11/ 316).
نقل عن شيخه البسيلي دون أن يسميه في ذيل "الهداية الكافية"؛ ولربما كان يقصده بقوله في أطواء الكتاب: "فممَّا رأيته بخط بعض المشايخ تلامذة الإمام ابن عرفة أسكنه الله دار السلام ... "؛ "ووجدت أيضا عن بعض المشايخ من تلامذته ... "؛ "قال بعض تلامذته رحمه الله: ... "؛ "ثم وقفت على خط بعض أشياخي من تلامذته أنه ... ".
ويتعلق بتلمذة الرصاع للبسيلي إشكالٌ مفاده أن الرصاع يذكر في فهرسه أنه رحل من تلمسان إلى حاضرة تونس، في حدود إحدى وثلاثين، فإذا كانت هذه سنة وروده فأين ومتى أخذ عن البسيلي وقد توفى قبل هذا التاريخ؟.
(1/104)

وقد يقال إن هذه السنة كانت سنة استقراره بتونس، لا سنةَ وروده عليها لأول مرة، إذْ كان أبوه كثير الإقامة بحاضرة تونس، مترددا على أهل العلم بها فلعله أخذ عن البسيلي صحبة ولده ولَمَّا يبارحْ تلمسانَ بالمرة، لكنَّ ما يشغب على افتراضِنا أنه أخَذَ عنه قبل هذا التاريخ، تعبيرُه عن اندهاشه الكبير لما رَأى في تونس، ولا ريب أن هذا العجبَ لا يكون من المتردد على المدينة، وهو أحْرى بزائرها لأول مرة، فهو يقول: "ثم لما كنت حدود إحدى وثلاثين، رحلت من بلد تلمسان إلى حضرة تونس المحروسة ... ثم دخلناها بالغدوة فرأينا بلدة عظيمة بها رجال كرام وشيوخ عظام، وبها قوة شهيرة، وحضارة كثيرة ... ". ثم إن هذا الفرض يتهافت إذا علمنا أن أخْذَ الرصاع قبل هذا التاريخ غيرُ مستقيم، لأنه يكونُ حينَها صغيرا جدا؛ فَمَا بين 831 سنةِ وُرُودِه و 894 سنةِ وفاته، ثلاثٌ وستون سنة، وإذا قدرنا أن عمرَه الافتراضي كان 75 سنة، فلن يكون عمرُه حين ورد على تونس غير 12 سنة وهي سنٌّ بالْكَاد تؤهّله لتحصيل فنِّ المنطق سيما وأنه معضل صعب، فكيف مع القول إنه تلَقَّاه قبل هذه السن؟.
وهناك احتمالُ أن يكون قولُ الرصاع إنه ورد على تونس في حدود إحدى وثلاثين، تاريخا تقريبيا لا غير، فيكون قد أخذ عنه قبيل وفاته سنة 830 هـ. ولا مانع يمنع من هذا الفرض، لأن الرصاع لم يلازم البسيلي إلا شهورا في قراءة المنطق وغيره.

2 - أبو العباس التجاني (802 - 895 هـ):
أحمد بن محمد بن عبد الله بن علي بن أبي الفتح محمد بن أبي البركات محمد بن علي ابن أبي القاسم بن حسن بن عبد القوي التِّجَّاني -بكسر الفوقية والجيم المشددة-، نسبة إلى قبيلة بالمغرب، يعرف بابن كَحِيل التونسي القاضي المالكي.
(1/105)

كان فاضلا مفوها، طلْق العبارة، حسن المحاضرة، بهي المنظر، حسن الخبر والمخبر، والغالب عليه التصوف والصلاح.
ولد بتونس في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة؛ أخذ النحو عن أبي عبد الله ابن آجُرُّوم الصنهاجي، صاحب الآجرومية، وأبي الحسن المعروف بسَمِعْت، والمنطق والكلام على أبي عبد الله الأبي، وعن أبي القاسم البرزلي، وإبراهيم المطماطي، وأبي القاسم العبدوسي، وأبي يوسف يعقوب الزغبي وأبي عبد الله محمد بن مرزوق العجيسي، والرصاع والبسيلي؛ وقد دَرَسَ عليه المنطق.
ولا ريب أن أخْذَه عن البسيلي، كان في ريعان شبابه، وهو بالبتِّ لم يستوفِ عِقْده الثالث؛ لأن البسيلي توفي في رأس الثلاثين من القرن التاسع، وعمر التجاني 28 سنة.
وانتصب للتدريس بزاوية باب البحر، ثم في سنة 846 هـ، عينه السلطان الحفصي قاضيا لركب الحجاج فزار مصر واجتمع فيها بأفاضل، كابن حجرالعسقلاني وغيره. وبعد رجوعه تولى قضاء المحلة ثم قدم للإفتاء سنة 865 هـ. وأقام على هذه الخطة إلى أن مات. توفي على خلافٍ سنة 865 هـ، وهي رواية الزركشي، أو سنة 869 هـ وهي رواية السخاوي، ورجَّح محمد العروسي المطوي وبشير البكوش الرواية الأولى -خلافا لحسن حسني عبد الوهاب-، لأن الزركشي متابع للأحداث، وله اطلاع قريب على الحياة العلمية، بل يُعتبر معاصرا له، ناهيك أن عبارة السخاوي فيها كثير من الضعف "وبَلَغَنَا أنه مات قريب (كذا) سنة تسع وستين ... ".
(1/106)

وقد تعاطى صاحبنا لصناعة التأليف، فصنف ثلاثة كتب، ذكرها السخاوي، وتُنُوقِلَتْ عنه، وهي:
- متن في الفقه: سماه المقدمات، وهو في مجلد لطيف.
- كتاب في الوثائق: سماه الوثائق العصرية، وقال التنبكتي إنه كتاب في وثائق العصر، كذا.
- عون السائرين إلى الحق: وهو كتاب في التصوف.
******
تنبيه:
عدَّ محقق "التقييد الكبير" من تلاميذ البسيلي؛ ثلاثة علماء وهم:
- أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله الباجي القلشاني (ت 848 هـ).
- أبو المواهب محمد بن أحمد بن محمد بن داود بن سلامة، ابن الحاج اليزليتني، ابن زغدان (ت 882 هـ).
- أبو القاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيرواني (ت 839 هـ).
وبالرجوع إلى تراجم هؤلاء لم نُلْفِ ما ينص على تلمذتهم للبسيلي؛ ولعل الدكتور الطوالة اغتر بقول مترجمي هؤلاء: "أخذ عن ابن عرفة وأصحابه كالغبريني والأبي والبرزلي ويعقوب الزغبي والسلاوي ... وغيرهم"؛ "أخذ عن بعض أصحاب ابن عرفة كالبرزلي ولقي جماعة من شيوخ تونس وعلمائها ... "؛ "أخذ عن الأئمة ... "؛ ظنا منه أن البسيلي منهم بالتغليب. وغلبة الظن لا تغني من الحق شيئا.
(1/107)

المبحث السادس: تآليفه
1 - محاذي المختصر الفقهي لابن عرفة ومختصرُه:
عدا عبارة الرصاع التي أجمل فيها تواليف شيخه البسيلي: "وله تواليف عديدة وتصانيف حسنة ... "، لم يذكر أحد قط أن للبسيلي تأليفا في الفقه المالكي حاذى به المختصر الفقهي لشيخه، حتى ظفرت بقطعة من مخطوط نادر، هو إحدى ذخائر جائزة الحسن الثاني لسنة 1984 تملكه أحد المراكشيين، ثم صور عنه شريط فلمى، لكن تصويره كان رديئا إلى حد استحالة استخلاص صورة عنه، فتجشمت قراءته بصعوبة بالغة لعله يضيف زخما جديدا إلى ترجمة البسيلي المكرورة والقصيرة.
والمخطوط من القطع الكبير، تشي فاتحته بعد التحلية، أنه كُتِبَ والبسيلي لا يزال حيا أو نُقل عن نسخة كتبت في حياته، ناهيك عن أن التحلية بإضافاتها الموضوعية المميطة للثام عن بعض الغموض المتعلق بأسرة البسيلي، تُنْبِي عن معرفةٍ للناسخ أكيدةٍ به وبأسرته.
ومقدمة الكتاب وجيزة على ما عوَّدنا البسيلي في ديباجتي النكت الكبير والصغير، أفصح فيها عن أمور تالية:
- أنه وضع تأليفا في الفقه المالكي محاذيا لمختصر شيخه، رام من ورائه شرح معانيه المستغلقة، وتوضيح قواعده الفقهية، وشرح ألفاظه وغريب لغاته، وتوجيه أقواله، والتنبيه على ما قد يكون وقع من الوهم فيه، بيد أنه جاء في مجلدات كثيرة تصرف القارئ عن العكوف عليها لطولها.
(1/108)

- أنه اختصر محاذي مختصر ابن عرفة في مجموع، شأنه في ذلك شأنه صنيعه في روايته لتفسير ابن عرفة.
تأتي ديباجة الكتاب إذن، مختصرة للغاية، متضمنة الغرض من التأليف، يتخلص بعدها البسيلي ليعرف بالمؤلف ابن عرفة: نسبه ومولده ووفاته وتواريخهما وعمره على التفصيل وموروثه وما حبس قبل موته ومبتدأ حجه ومنتهاه، ومثالا عن نظمه قرب وفاته، وتخميس ذلك النظم، وتآليفه، ومصطلحه في عزو الأقوال في المختصر الفقهي.
ثم ينتقل إلى أصل تأليفه، فيسوق بعض كلامه، ثم يشرحه أو يعقب عليه، على طريقة الفنقلة، قال فقلت.
وهذه مقدمة "مختصر محاذي مختصر ابن عرفة":
" ... بعد حمد الله كما يجب لجلاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله، خاتم رسله وأنبيائه، مُبَلِّغِ وَحْيِهِ وأنبائه.
فإنني وضعتُ تأليفا في الفقه المالكي، حَاذَيْتُ به مختصرَ شيخِنا الإمام أبي عبد الله محمد بن عرفة، مُبَيِّناً لمعانيه، موضِّحا لقواعدِه ومَبَانيه، لأقواله موجها، وعلى ما لا عاصم للبشر منه، مُنْتَبذاً فضولَ الكلام في ذلك، إلى ما تَحْوِيه مجلداتٌ كثيرة، يقصر عنها العجز البشري، ويمنع من استيفائِهَا الشُّغْل الدنيوي، فاختصرتُ من ذلك ما قيَّدْتُه في هذا المجموع. ومن الله سبحانه أسال الفوزَ والتوفيق، والهداية إلى سواء الطريق".
ويأتي بعد هذه المقدمة نصُّ التعريف بابن عرفة، حذو القُذَّة بالقذة لما ذكره في "نكت وتنبيهات" الصغير إلا أنه يضيف هاهنا ذكر تآليفه، ويُردِفُ ذلك بسَوْقِ اصطلاحِ ابنِ عرفة في عَزْوِ الأقوال في المختصر الفقهي؛ وهو اصطلاحٌ وُجِدَ بخط
(1/109)

الشيخ القاضي العلامة تلميذ المؤلف، أبي مهدي عيسى الغبريني، غير أن البسيلي يسوقُهُ دون ذكر مأخذه.
وقد كنت مجْدُوداً في العثور على نسخة من لفظ هذا الاصطلاح، مكتوب على ظهر أول ورقة من نسخة أميرية لكتاب ابن مرزوق الجد (ت 781 هـ) "الأحاديث الأربعون النبوية من رواية الخلافة العلوية" الذي تملكه ابن عرفة، وقد قابلت بين رواية البسيلي وما وجد بخط الغبريني، وخلصت إلى هذا النص:
" [واعلم أن اصطلاحَه في "مُختصره" هذا في عزْوِ الأقوال] جعْلُ أولِ الأقوال [لأول] مذكور من القائلين على الترتيب، على طريق اللفّ والنشر، فإنْ تَقَدم القائلون للقول، أتى بلفظة "مع" مصحوبةً مع أولِ قائلِ ذلك القول مخفوضاً بها القائلُ الثاني معطوفاً عليه القائلُ الثالثُ والرابع، ويُعْلَمُ انتهاءُ قائلي ذلك القولِ [إما] بأنْ يكون بإضافةِ كل المعطوفين على المخفوضِ بها يؤدي إلى بقاء بعض الأقوال غير معزو، ويترك من المعطوفين ما بقي ببقية الأقوال. على أن كل قول منسوب لقائل واحد لا أكثر.
وأما الإتيان بلفظة "مع" مرة ثانية، فيعلم أيضا انتهاء القائلين قبل القائل الذي قبلها، ويكون الحكم فيما بعدها أيضا كالأولى. وأما القرينان فهما أشهب
(1/110)

وابن نافع، لأنَّ العُتْبِيَّ قَرَنَهُما في السماع، بسبب أن ابن نافع كان أعمى، فكان أشهب هو الذي يكتب له، حسبما ذكره عياض في "مداركه". وأما الأخوان فمُطَرِّف وابن الماجشون، بسبب كثرة موافقتهما ومصاحبتهما في كتب الفقهاء كحمزة والكسائي في القراءات".
إلى هنا ينتهي نص البسيلي، ويزيد عليه مقيد الغبريني بإضافات مهمة، نوردها لمزيد الفائدة:
"والشيخ، المراد به ابن أبي زيد؛ والإمام يريد به المازري؛ والقاضي يريد به عبد الوهاب، والصقلي يريد به ابن يونس. هذا ما وجدنا من خط الشيخ القاضي العلامة تلميذ المؤلف أبي مهدي عيسى الغبريني رحمه الله تعالى".
بقي لنا أن نتساءل عن الذي حذا بالبسيلي إلى أن ينتصب لشرح مختصر شيخه، وليس لقائل أن يقول: إنه نفس ما دَرَأه إلى تدوين التفسير؛ لأننا نعرف أن ابن عرفة لم يدون تفسيرا كاملا، فكانت الحاجةُ ملحة إلى أن يُحتفظ بدروسه ضمن تأليف جامع. والواقعُ بخلافِ ذلك في المختصر، فهو تأليف مستقل لابن عرفة، واستغلاقُه من الشهرة بمكان، لدرجة أن تعقيد عبارته جعل مؤلفه يذهل في بعض المواطن عن مقصوده منها!. فظاهرٌ إذن أن مرادَ البسيلي كان تحليل التعقيد -على حد عبارة ابن غازي-، ولذلك جاء شرحه الوافي في مجلدات كثيرة يقول المؤلف عنها إنها مما "يقصر عنها العجز البشري، ويمنع من استيفائها الشغل الدنيوي".
2 - تفسير القرآن الكريم:
كبير وصغير.
أ - الكبير:
جمعه من إملاءات شيخه ابن عرفة، وزاد عليه من كلام غيره حسبما قرره في ديباجة الكتاب، حيث قال "تفسير على كتاب الله المجيد، قصدت منه جمع ما تيسر حفظه
(1/111)

وتقييده من مجالس شيخنا أبي عبد الله محمد بن عرفة رحمه الله تعالى، مما كان يبديه هو أو بعض حذاق طلبة المجلس، زيادة على كلام المفسرين وغيرهم، وأضفت إلى ذلك في بعض الآيات شيئا من كتب التفسير".
وأغلب نسخه واقعة في مجلدين، ومنه عدة نسخ هذا تفصيل ما هو موجود منها في المكتبات؛ حسبما وقع العثور عليه:
- الخزانة العامة بالرباط:
خ ع ك - 2038: نسخة تامة خالية من البتر، تقع في سفرين.
خ ع ق - 611: سفران يتخللهما بتر.
خ ع ك - 2118: سفر يشتمل على النصف الثاني فقط.
خ ع ج - 34.
- الخزانة الحسنية بالقصر الملكي بالرباط:
خ ح - 98: سفران يتخللهما بتر من آخر سورة يوسف، حتى آخر سورة الكهف.
خ ح - 679: سفران يتخللهما البتر المشار إليه.
- خزانة الزاوية الحمزية بالرشيدية، إقليم تافيلالت:
رقم 93 نسخة تامة في مجلد ضخم، بخط أندلسي، به ملزمة بخط مغربي من الورقة 740 إلى آخر الكتاب.
(1/112)

رقم 693 نسخة تامة بخط مشرقي.
- دار الكتب الناصرية، بتامكَروت:
النصف الثاني في مجلد، بخط مغربي مبتور الطرفين تحت رقم 2862.
- خزانة جامع القرويين، بفاس:
رقم 53.
- دار الكتب الوطنية التونسية:
رقم 10972، مبتورة الأول.
- المكتبة الوطنية الجزائرية:
رقم 349. وذكر موقع وزارة الأوقاف الجزائرية على الإنترنت، أن بها نسخة منه في 248 ورقة، بمقياس 27 × 19.
- خزانة فيض الله أفندي باستانبول:
رقم 64.
- قليج علي باشا، بتركيا:
رقم 101.
- المكتبة الوطنية بمدريد:
رقم CCCLXXXII.
- مكتبة ممّا حيدرة بتنبكتو، بالسودان:
رقم 2776.
(1/113)

- الرحلة الجغرافية للتقييد الكبير:
ذكر التنبكتي أن الكتاب وقع للأمير الحفصي بعد إلحاحه على البسيلي في المطالبة به، فَبَقِيَ بيده إلى أن توفي وبِيعَ في تركته فسافر به مشتريه إلى السودان، ومن هناك انتشرتْ نسخُه.
وتتبُّعُ نسخ التقييد الكبير يؤيد هذه الحكاية؛ إذْ أغلب النسخ منه ثاويةٌ بالمغرب، بالزاوية الحمزية ودار الكتب الناصرية، الموجودةِ في خطِّ السير إلى السودان في الجنوب المغربي، وما وُجد بخزانتي الرباط وعلال الفاسي فهي نسخٌ منقولة عن المتقدمة أو هي نسخٌ مشرقية مصرية، ليس يبعُدُ أنها وردَتْ على مصر من جارتها السودان، ثم استقْدَمَها الحجاج العلماء المغاربة في حجازياتهم.
ومما يعضد كلام التنبكتي أيضا، أنني عثرتُ على نسخةٍ من البسيلي بالسودان ناقصة، في 265 ورقة، بخط صحراوي سودانى، توجد بمكتبة مما حيدرة بتنبكتو رقم 2776.
ب - الصغير: نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد.
سيأتي الحديث عنه في الفصل الثالث.
3 - شرح المدونة:
لم نعثر له على ذكر فيما وقع لنا من فهارس المخطوطات، وأظنه كبيرا، بالنظر إلى حجم "المدونة" نفسها؛ ولو لم يذكر المترجمون أنه له شرحا على "المدونة" لكان لمتصفح تفسيره المختصر أن يلحظ ذلك الاهتمام بها، والحشْدَ الوافرَ من النقول المتقَنة عنها (31 مرة)، خلاف ما اعتدناه على البسيلي من النقل بالمعنى.
4 - شرح على الخزرجية في العروض:
والخزرجية هي قصيدة الرامزة في علم العروض، لضياء الدين عبد الله بن محمد الخزرجي الأندلسي (ت 626 هـ)، عِدَّتُها 96 بيتا، وفاتحتها:
(1/114)

وَلِلشِّعْرِ مِيزَانٌ تُسَمَّى عَرُوضَهُ ... بهَا النَّقْصُ والرُّجْحَانُ يَدْرِيهِمَا الْفَتَى
وهذا الشرح معدودٌ في المفقود. وإقدام البسيلي على شرحها دليلٌ على علمه بالعروض، ومشاركتِه في فنون الأدب. بلْ إنه تعاطى لصناعة النظم، فمِنْ ذلك ما ذكره عن نفسه من نظمه لقصيدةِ مديح رَفَعَهَا إلى أبي فارس قال فيها:
وأفعالُه ينْوي بها البرَّ كلها ... فمنْ قصْده صار المباحُ تعبُّدا
فإمَّا رِباطاً إنْ أقام بِساحل ... وإمَّا جهادا إن توتجَّه للعِدَا
5 - شرح على جمل الخونجي في المنطق:
وهذه الثلاثة التآليف الأخيرة ذكرها الرصاع تلميذ المصنف، بعد أن قال: "وله تواليف عديدة، وتصانيف حسنة".
وهناك نشاط علمي اضطلع به البسيلي غير التأليف، وهو تلك المداخلاتُ التي كان ينشط بها حلقة ابن عرفة، والتي كانت تَلْقى من ابن عرفة القبول والاستحسان، حسبما صرع المؤلف، عند قوله تعالى: {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ}، حيثُ رَدَّ على البيضاوي استدلاله بالآية على صحّةِ إرادته بالإغواء، بما أوردَه الفخر من أن ملازمة الشيء للشيء لا يدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، ثم قال البسيلي عقيبه: "وقد ذكرتُ هذا في مجلس درسِ شيخنا ابنِ عرفة فاستحْسَنَه".
******
تنبيه:
نسب بعض المترجِمين للبسيلي تقييدا في الوفيات؛ وليس للبسيلي كتاب في هذا الفن، والذي أوهمهم هذا الأمْرَ عبارةُ التنبكتي التالية -عند ترجمته لابن بزيزة-: "لم أقفْ على تاريخ وفاته، ثم رأيت في تقييد للبسيلي ما ملخصه: ... ". والمقصود لدى صاحب "نيل الابتهاج" هو "نكت وتنبيهات" الصغير، موضوع تحقيقنا، لا غيره.
(1/115)

المبحث السابع: علاقته بالحفصيين
شحَّتِ المصادر في هذه البابة، وكلما باليَدِ رفْضُ البسيلي تسليمَ الأمير الحسين الحفصي "التقييد الكبير" ومماطلتُه في ذلك، ثم رضوخُه وتسليمُه آخِرَ الأمر، بعد أن كلِفَتِ الرسلُ ببابه لا تَرِيم أو تعود بالطَّلِبة. وهي حكايةٌ إن لم تدُل على ما ساء مِن علاقة الرجلين -ربما بسبب المجايَلَة-، فلا أقل من إيماضها إلى ازْورار من البسيلي عن مخالطة الأمير أو قصْدِ التزلف إليه، وقد كان بمسْطَاعِهِ أن يفعل؛ وبالنظر إلى زهَادَةِ الرجل وإيثارهِ خمولَ الذكر، فقد كان عازفاً عن ذوي المناصب السياسية بإيحاءٍ مِنْ سَنَن شيخِه، ناهيك أنه أثبت -هو نفسُه- من فَلَتَات ولَفَتَات ابن عرفة في التفسير، ما يمَكنُ أن يفسِّرَ تحاشيه الأمير، فقد أورد عند قوله تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ}، قولَه: "ابن عطية: احتج العلماء بها على مَنْعِ خِدْمَةِ الظَّلَمَة. قال شيخنا أبو الحسن محمد البطرني: سئل سيدي أبو الحسن المنتصر عن خياطة الثياب لهم، فقال: النظرُ في صانع الإبرة، وأما الخياط ففي قعر جهنم!. قال شيخنا ابن عرفة: يريد: إنْ كان خاصّاً بهم، كما قال ابن رشد فيمن يخيط للكفار". وذلك أيضا واضح عند قوله: "وَوَقعَ لابن خليل -يعنى السكوني- في شرحه أن السلطان لو أَمَرَهُ إذا دُعي إلى معصية فإنه يجبُ اتباعه؛ وهذا خطأٌ صُراح، وحديث مسلم في كتاب الإمارة يرد عليه".
وإقراوُه بسقيفة داره كثيرا، دون المدارس الكثيرة المنتشرة، قرينةٌ على حبِّه للخمول، وتلافيه لمقاربة ذوي الأمر، سيما إذا عُلِمَ أن المدارس بمدرسيها وطلابها،
(1/116)

كانت تدين لبُناتها وأعقابهم بالجِرَايات وأسباب الإمداد، ولم يكن يدرِّسُ بها إلا من أوتي بسطةً في العلم، ورضا من السلطان، وليست البسطةُ بِشَفيع ما لم يكاتِفْها رضا.
على أن البسيلي وإن لم يتولَّ مناصب رسمية -فيما نعلمه عنه-، ولم يفارق انقباضَه عن أولي الأمر، فإن ذلك لم يمنعْه من المساهمة العلمية حين يقتضي الأمر، فقد ذكر عن نفسِه -عَرَضا- أنه شارك في مقابلة كتُب خزانة أبي فارس بجامع الزيتونة، ولم يحُلْ بينه وبين حُسن الثناء على ملوك بني حفص، وإيلائهم من الاحترام والطاعة ما يجب لأمثالهم، فهو يقول في موضعٍ من تفسيره، إثْر كلام طويل: " ... قال كاتبه -عفا الله عنه-: وهذه سيرةُ مولانا السلطان صالح السلاطين ... أبي فارس عبد العزيز بن مولانا أمير المومنين أبي العباس أحمد، في أفعالِه كلِّها مسافرا أو حاضرا -يريد بروره وقصده للخير-؛ وقد ضمَّنْتُ هذا المعنى في قصيدةٍ نظمتُها له، قلتُ فيها:
وأفعالُه ينْوي بها البرَّ كلِّها ... فمنْ قصْده صار المباحُ تعبُّدا
فإمَّا رِباطا إنْ أقام بِساحل ... وإمَّا جهادا إن توتجَّه للعِدَا"
(1/117)

المبحث الثامن: صفاته الخلقية والأعمال التي تولاها
أ - صفاته الخُلقية:
مما يشهدُ له الشرِع، وتؤيِّدُه العادة، أنَّ مَن نشأ في حِجْر نقيٍّ طاهر، وأُرْضع حُبَّ القرآنِ على صِغر، وتَنَقَّلَ في أطوار الحياة، يُسْلِمُه طوْرٌ لطور، وهو يعُبّ من حياض العلم، ويتفيؤ ظلالَ مجالسه، لا يمكن ولا ينبغي له إلا أن يكون شخصا متخلِّقا أُشْرِبَ حب الدين، وبدا ذلك في سلوكه، وصار سمة لازبة له؛ والبسيليُّ لم يعدم الأصل الطيّب، فقُعْدُدُ نسبه يزدان بصدور العلم، ورجال المحاريب، وهو نفسُه قد فتح مغاليق عينيْه وهو في المكتب يحفظ القرآن ويجوده، وقد أنفق بعْدُ شطرا من عمره يلزم ابنَ عرفة -يقرأ ويقرئ-، فلا بِدْعَ أن يكون صاحبُنا كما وصفه تلميذه وأعرف الناس به، أبو عبد الله الرصاع، حيث قال: "وكان شيخنا هذا عالما ... عليه وقار ... كثير الصمت، قليل الخوض فيما لا يعني؛ عليه آداب العلم من وقار وسكينة".
صفةٌ أخرى، لا تخطئُها العين في تلافيف كتاب البسيلي، وهي إنصافُه البالغ، وذلك داعيه -مثلا- إلى أن يخلع صفة الحذق على قرين له في الطلب، حين أنشدَه تخميسا لأبيات للأبي في ابن عرفة. وحاديه إلى أن ينقل عن تآليف مخالفي ابنِ عرفة، دون أن يكون لما شَجَرَ بينهما دخلٌ في الاستفادة العلمية، كنقْلِهِ عن الضرير المراكشي، وابن خلدون.
(1/118)

وليس يخفى على القارئ اللبيب نزوعُ صاحبنا إلى التصوف، وتبجيلُه الجلي للقوم، فهو يحكي عن أبي محمد المرجاني، وأبي الحسن المنتصر، بلفظ سيدي. ويصِفُ المتصوفَ أبا محمد عبد العزيز المهدوي بالشيخ الصالح العالم، وهي أوصاف لم يُحَلِّ بها غيرَ شيخِه وعمِّه. بل إنه لَيَعتقد فيهم اعتقادا لا يخامره ريب، وينقل حكاياتهم من غير توقف؛ فقد قال عند قوله تعالى: {فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقيَةٍ}:
"فإنْ قلت: قد قيل إن هذه الهيئة العادية، التي عند قرطاجنة، من بناءاتهم؛ وقد أَخْبَرَ سيدي محرز في "كتاب كراماته" أنه التقى عند المعلقة بالخضر عليه السلام فأخبره بذلك، وبأشياءَ من أمورها غير واحدة". قلت: ليس على الله بمستكثر أن يخص من يشاء أنى شاء بما يشاء من مواهب الفيوضات، وفتوحات الغيب، ولكن حكايات الصالحين وكرامات الأولياء رضوان الله عليهم، لا تصلح دليلا على كلام الله، ولا حجة يستنصر بها المتأول لمعاني الذِّكر.
ْوهو بعدُ ينقل عن أصولٍ للتصوف، كرسالة القشيري وحلية أبي نعيم، وإحياء الغزالي؛ بل إنه لينقل نصا طويلا عن أبي مدين شعيب الأندلسي -أحد القائلين بوحدة الوجود-، وينشد أبياتا تنسب للشوذي المتصوف الغالي، صاحب النحلة.
(1/119)

ولكن البسيلي متصوف على طريقة الزهادة والأخذ بالرقائق، ولذلك نأى عن شطحات بعض المتصوفة، ولم يُحْجِمْ أن يرد عليهم، فعندما نَقَلَ عن أبي عمرو عثمان الصقلي قولَ ابنِ عربي الطائي في قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا}، أن المراد به طلوع شمس الحياة من مغرب الأبدان!، تدخّل وقال: "قلت: هذا لا ينبغي اعتقاده". وحين عَرَضَ لحديث "من رآني فقد رآني حقا"، ذَكَرَ مذاهب أهل العلم في تأويله دون أن يحمله على مقتضى ظاهِرِه، كما يفعل بعضُ غلاة المتصوفة، ثم قرَّرَ أنه لا يثبتُ حكمٌ بالمرائي النومية.
ب - الأعمال التي تولاها:
نذر البسيلي نفسه للعلم، فلم يُنقل عنه أنه تولى منصبا سياسيا أو إداريا أو رسميا، بل اقتصر على التدريس بالمدرسة الحكيمية أو الإقراء بسقيفة داره، حيث كانت تقصده الطلبة تسأله عن المسائل المشكلة.
(1/120)

المبحث التاسع: ثناء العلماء عليه
- الرصاع:
أ - "الشيخ الفقيه العالم".
ب - "كان عالما مشاركا".
ج - "كان عارفا بالمنطق".
د - "كان الرجل كثير الصمت قليل الخوض فيما لا يعني، عليه آداب العلم من وقار وسكينة، وكان يقرئ بسقيفة داره كثيرا، وتقصده الطلبة تسأله عن المسائل المشكلة".
- أحمد بابا التنبكتي: "الشيخ العالم المفسر، المحصل".
- ناسخ "محاذي مختصر ابن عرفة الفقهي" للبسيلي "الشيخ الفقيه الإمام المتفنن".
- الأدنه وي: "العالم التقي الفاضل الزكي الشيخ".
- الزركلي: "مفسر من أهل تونس".
- محمد محفوظ: "الفقيه المفسر".
(1/121)

الفصل الثالث دراسة الكتاب
وفيه مباحث:
1 - اسم الكتاب وتوثيقه.
2 - تحقيق نسبته إلى البسيلي.
3 - قصة اختصار التقييد الكبير، وتاريخه التقريبي.
4 - منهج البسيلي في الكتاب.
5 - مصادر البسيلي في "نكت وتنبيهات".
6 - المقارنة بين تقييدين عن ابن عرفة: تفسير البسيلي وتفسير أبي القاسم الشريف السلاوي.
7 - عناية العلماء بتفسير البسيلي والنقل عنه.
8 - مآخذ على المؤلف.
9 - عمل ابن غازي في "تكملة النكت".
10 - نقد تحقيق مقدمة "نكت وتنبيهات".
11 - وصف النسخ الخطية ومنهجي في التحقيق.
(1/123)

المبحث الأول: اسم الكتاب وتوثيقه
جُلُّ المترجمين يطلقون على الكتاب "التقييد الصغير"، تمييزا له عن الكبير، وهم في ذلك لا يستندون إلى تسميةِ الشيخ لكتابه، ولا لتسْمية المترجمين، متجاهلين الصنيع الأسلم من استخراج التسمية من صلب الكتاب حين لا يسميه مؤلفه. وعذيري في تسمية الكتاب بـ "نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد"، أمور ثلاثة: الأول أنها تسمية مأخوذة عن كلام المؤلف في ناصية الكتاب: "قصدت في هذا التقييد جمع نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد"، والثانية أن هذا العنوان ورد هكذا في مخطوطتين للكتاب: ن خ ع ق 271 ون الزاوية الحمزية رقم 693. الثالث، أنها التسمية الأكثر إعرابا عن مضمون الكتاب ومادته، ناهيك أن وصف الكتاب بالتقييد، يغض من شأنه؛ إذْ عهد الباحثون أن التقاييد لا تتخذ شكل التأليف المنهجي المستقل، ووقر عندهم أنها إلى التعليقات العابرة أقرب، وبالكناشات المدرسية أشبه، والله أعلم.
(1/125)

المبحث الثاني: تحقيق نسبته إلى البسيلي
ما من شك في صحة نسبته إليه، فقد صرحت بذلك مصادر كثيرة، منها:
- نيل الإبتهاج، لأحمد بابا التنبكتي: (77).
- كفاية المحتاج: (1/ 108؛ رت: 51).
- الحلل السندسية، للوزير السراج: (ج 1 /ق 3: 650).
- تكملة ابن غازي: 1 - ظ.
إضافة إلى التصريح بالنسبة في كل نسخ الكتاب المخطوطة.
(1/126)

المبحث الثالث: قصة اختصار التقييد الكبير وتاريخه التقريبي
أ - تاريخ تأليفه:
حضر البسيلي درس ابن عرفة سنة 783 هـ، حسبما أفاد طَيَّ تفسيره، ومكث بعد ذلك عشرين حجة يتتلمذ لشيخه، يختمُ عنده التفسير، وهي مدة ليست باليسيرة، تخوِّل لصاحبنا أن يبدئ ويعيد في تنقيح مسودة كتابه ومدوّناته، بل نفْض يده منه، ولكنه عكْسَ المتبادِر لم يأت على إتمامه إلا بعدَ وفاة شيخه، بل بعدَه بأربع سنوات على الأقل؛ تأويلُه أنك تجده ينقل عن ابن عرفة -وهو يتحدث بلسان الأشاعرة- أنه "يجوز أن يَقْدِرَ الجسم اللطيفُ على حمل الجسم الكثيف ... ويشهدُ لهذا ما جرى في عام 771 هـ، كيف رَمَتِ الريحُ الأشجار العظيمة. قلت - (أي البسيلي) -: ووقع مثلُه بتونس في عام ستة وثمانمائة (806 هـ)، وُجد في صبيحة تلك الليلة كثيرٌ من الأشجار العظيمة من الزيتون وغيره، ورأيتُه عِيانا مطروحا على وجه الأرض"، وهو يذكر في موضع آخر تاريخ 808 هـ.
ونخلُص مما يَشف عنه هذا النص إلى ما يلي:
- أن البسيلي مكث يؤلف كتابَه أو يتعهده على الأقل حتى بعد وفاة ابن عرفة، ويقْوَى هذا الأمرُ بضميمة أننا نجد في "نكته" الصغرى والكبرى، ترجمة محررة لابن عرفة وضبطا لتاريخ وفاته.
(1/127)

- أن البسيلي لم يبرحْ تونس بعد وفاة ابن عرفة، حيث ألفته سنة 806 هـ ثمة، مما مكَّنه من الشهادة على الإعصار الذي ضرب المدينة، ثم هو يذكر أنه قرأ "الشفا" على أبي الفضل بن القاسم بن أبي الحسن علي الأندلسي، بجامع الزيتونة، سنة 808 هـ.
- أن مطالبة الأمير محمد بن أحمد الحفصي المعروف بالحسين -ابن السلطان أبي العباس التونسي، وأخ السلطان أبي فارس صاحب تونس- صاحبَنا بالتقييد الكبير، كانت بالبتِّ بعد سنة 808 هـ وقبل سنة 830 هـ، ولهذه المطالبة قصة سترِدُ بعد:
ب - قصة اختصار "التقييد الكبير":
ساق التنبكتي قصةً ذاتَ دلالة -تلقَّفَها عنه المؤرخون من بعدِه-، مفادها أن البسيلي لما أتم تأليف "التقييد الكبير"، سمع بذلك الأمير الفقيه الحسين، الآنفُ الذكر، فراسَلَه وطلبه منه، فامتنع البسيلي ومَاطَلَه أياما، ثم أرسل الأميرُ إليه وأمر رسلَه أن لا يفارقوه حتىِ يسلِّمَه لهم، فلما رأى الشيخ الجِدَّ في الأمر، أَخَذَ منه سورة الرّعد إلى الكهف، ودَفع لهم الباقي فمشوا به.
وتشي القصةُ بأن ما بين الأمير والبسيلي مِن وُدِّ الصحبة أيامَ الطلب قد انفرط عِقْدُه بعروج ذاك إلى مِرْقَاة الحكم -إذْ حاول تسَنُّمَ ذُرَاهُ بانقلاب فاشل أوْدى به-، وانزواءِ هذا في دارِه مقرئا بسقيفتها، أو لعله على الأقل قد وَهَى إلى قدْرٍ لم يَدَعْ دَالَّةً للأمير على صاحبه، ولا درأه إلى موافاته بطَلِبَتِه؛ ولسنا على ذُكْر من الداعي للبسيلي أن يمنع الأمير مُرَادَه، فلعله أن يكون قد فرغ من "التقييد الكبير" ولما يَرْتَضِ إبرازَه لِبَدَاءٍ أو تنقيح أو تلَبُّثٍ، وإخراجُه من يده قاطعٌ لأي تغيير واردٍ بعدُ.
ويبدو من إصرار الأمير على تحصيل الكتاب وإلحاحِه في ذلك، مبلغ ما يعرفه للكتاب من قدْر؛ وهو أهلٌ لأن يعرفه، فقد كان من جِلَّة فقهاء تونس وعلمائِها.
أمرٌ آخر تصرح به قصة "كفاية المحتاج"، وهو أن الداعي لاختصار التقييد الكبير، هو مطالبةُ الأمير؛ ولعل ذلك ما أَعْجَلَ صاحبَنا عن إتمام اختصاره، حين خلتْ يدُه من الأصل، فوقَفَ اختصارُه عند سورة الصف.
(1/128)

المبحث الرابع: منهج البسيلي في الكتاب
1 - اعتماده على القرآن الكريم:
لا غِنى للمفسر عن تلمُّس معنى الآية في القرآن إنْ وُجِدَ، إيضاحاً لمبهم، أو تفصيلا لمجمل، أو دفْعا لتعارض، أو تدليلا لحكم، أو استظهارا لمعنى، وقد استغل البسيلي هذا المعطى ووظّفه خلال كتابه وإنْ بشكل محتشم، بيْدَ أنه لم يتضح عنده اتضاحا يصبغُ تفسيره بميسم أَثَرِيٍّ، وإنما كان يلتمع خلال الكتاب على استحياء.
وهو لا يلتزم عند ذكر الآية إيرادَها برُمَّتها، بل يقتصر في الجُلِّ على موضع الشاهد منها، حتى إذا طالتْ أطلق لفظ الآية تعويلا على القارئ الحافظ، وهو لا يذكرُ اسم السورة إلا لماما بلْه أن ينُصَّ على رقمها.
فتارة يأتي بآيات نظيرةٍ في اللفظ، مستقْريا وجودَها في القرآن، لإجرائها على وجهٍ واحد في التأويل، كما في قوله تعالى: (فَزَادَهُمُ)، حيث قال: "لَهَا نظائِرُ في آلِ عِمْرَان (فزَادَهُمْ إِيمَاناً)، وفيٍ الأَنفال (زَادَتْهُمْ إيمَاناً)، وفي بَرَاءَة (زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، (فزَادَتْهُمْ رجْسا)، وفيِ مرْيم (وَيَزِيدُ اللهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدى)، وفي النَحْل (زَدْنَاهُمْ عَذَاباً فوْقَ العَذَابِ)، وفي الأحْزَابِ (يُضَاعَفُ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْن)، وفي الفتح (لِيزْداَدُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ)، وفي
(1/129)

القتال (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً)، وفي المدثِّر (وَيَزْدَادُ الذِين آمَنُوا) ".
وحيناً يورِد نظير الآية في المعنى، كما في قوله تعالى: (قلَ اَتَخَذتُّمْ عِندَ اَللهِ عَهْدًا)، حيث قال: "ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وقالوا لن يدخل الجنة) الآية، إلى قوله: (قل هاتوا برهانكم) ". ومثل ذلك أيضا قوله عند قوله تعالى: (مَا خَلَقْت هَذا بَاطِلاً) إذ قال: "ومثلُ هذه الآية، (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ والارْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلاّ بالحقِّ) ولها نظائر". وكقوله عند قوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَ اَلْبَحْرَيْن حَاجِزًا): "هذا كقولِهِ: (مَرَجَ الْبَحْريْن يلْتَقِيَانِ بيْنَهُمَا بَرْزخ) ".
وقد يجمع بين التنظير اللفظي والمعنوي كما في قوله تعالى: (وَمَنَ اَظْلَمُ)، حيث قال: "وَقَع هذا اللفظُ في آيات، والجمعُ بينها بالتساوي".
(1/130)

وقد يأتي بالآية مفسِّرة لمصطلح شرعي، فقد استدل بقوله تعالى: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ)، على أن الخلق في الشرع قد يُطلق تارة على المخلوق، وتارة على "الإنشاء والاختراع والتكوين" كما في قوله تعالى: (إِنَّ في خَلْق اِلسَّماواتِ).
ولربما يأتي بالآية تخصِّصُ عمومَ أخرى، كصنيعِه عند قوله تعالى: (ليْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ)، فقد قال: "هذه أعمّ من آية (إتك لَا تَهْدِي مَن أَحْبَبْت)؛ لاقتضاء هذه نفيَ التكليف بالهداية، وإثباتَ القدرة عَليها لله تعالى؛ وتلك اقتضت نفي كون الهداية مقدورة له، وإثبات القدرة عليها لله تعالى". ومثل ذلك قوله عند قوله جل وعزٍ: (أوِ اِنفِرُوْا جَمِيعاً): "هى مخصوصة بآية (وَمَا كانَ المُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّة) ". وعند قوله تعالى: (إلا أَن تَفْعَلُوْا)، قال: "هو أعم من قوله: (وَأُولُوا الاَرْحَامِ بَعْضُهُمُ أَوْلَى بِبَعْضٍ) وقال عند قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ): "يجب تخصيصه بقوله تعالى: (ربنا لا تواخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، كما خصص به صدر تلك الآية، وهو (وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).
ومرة يأتي بآية تعضد ما استشفه من معنى في الآية، كما في قوله تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ اِلشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْر ... )، حيث قال: "الآية تدلّ على مَرْجوحية الاستعجال مطلقاً؛ كما في قوله: (إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ).
(1/131)

وقد ينتقد تفسيرا للآية، فيستشهد على ما يخالفه بنص قرآني، كقوله عند قوله تعالى: (فَأَوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً): "قولُ ابنِ عطية: أضمر في نفسِه خيفةً، أعني أَدْركَ خيفة". صوابُهُ: تَصَوَّرَها في ذهنِه لَا أدْركَها؛ لقولهِ تعالى: (إِنّي لَا يخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ) ".
وهو حين يقرر قاعدة نحوية، يطلب لها شاهدا قرآنيا، كما في قوله: "لَوْ" إنما تِدخلُ على ما يُتوهم إخراجُه مما قبله، حسبما قاله النحويون ... في قولِه تعالى: (وَمَا أنتَ بِمُومِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقينَ).
وقد يوضّح فرقا لغويا، فينتصر له بالتعبير القرآني، كما فعل عند تفريقه بين الإفك والكذب، حيث قال في قوله سبحانه: (إِفْكٌ): "الإفْكُ ما خالفَ العلْمَ الضروريَّ، والكذِبُ ما خالفَ النَّظريَّ؛ ولِذا قالَ: (إِنَّ الذينَ جاءوا بالإفْكِ) ولَمْ يقلْ "بالكذِبِ".
وأحيانا يورد الآية للاستدلال بها على حكم فقهي، كقوله: "قلت: واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كل حيوان تابع للحمه؛ فمتى حكمنا للحم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تحله الحياة، لقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَةٍ) ".

2 - إيراده للقراءات القرآنية:
لم يقتصر جهد البسيلي على نقل القراءات كزوامل الأسفار، ولا التكثر بها، بل وظفها أحسن توظيف، وتمثلها في تفسيره أحسن تمثل، واعتبرها من أعون الوسائل
(1/132)

على فهم معاني كتاب الله، باعتبارها وجوها دلالية أغنت المعنى، ويسرت القرآن للذكر. وأول ما يناسب ذكره هنا أنه يقدم القراءة المتواترة أبدا، دون أن يمنعه ذلك من إيراد الشاذ، ناصّا عليه، ذاكرا إياه بذَيْل الأول.
وغالبا ما يوردُ القراءة للاحتجاج بها على وجْهٍ نحوي، أو لتوجيهها؛ وهذه أمثلة من ذلك:
- المثال الأول: قوله: "إن العامل إذا أُضْمِر ضغف عملُه، وإذا تقدّم معمولُه عليه ضعف عملُه أيضا، تقول: "لزيد ضربت"، ولا يجوز: "ضربت لزيد" إلا في ضرورة، وتقول: "ضربت زيدا"، فإنْ قدمْتَ "زيدا" جاز رفعُه على الابتداء لضعف عاملِه بتأخيره عنه؛ ومنه: (وَكلٌّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى) على قراءة ابن عامر".
- المثال الثاني: قوله عند آية: (وَمَا ظَنُّ الذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اِلْكَذِبَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ): "أبو حيان: العاملُ في "يَومَ" "ظنُّ" المصدرُ، على قراءةِ الجمهور بالرفع. وأَما على قراءةِ " ظنَّ": ماضيا هو بمعنى "يظن" لعملِه في المستقبل. ع: "وعلى القراءتين لا يصحُّ عملُه في "يوم"؛ لأن يوم القيامة لا ظنَّ فيه، إنما فيه اليقينُ، بل العامل محذوفٌ تقديرُه على قراءةِ الجمهور: ما حالُهم يوم القيامة؟، وعلى القراءة الشاذة: ما جزاؤُهم؟ ".
- المثال الثالث: قوله عند قوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَرًا): "وقراءَ ةُ الجمهُورِ على لغةِ أهْلِ الحجازِ في عَمَلِ "مَا". وقراءةُ ابنِ مسْعودٍ برفْعِ (بشرًا) على لُغَةِ بني تميم".
وقد يؤيد وجها نحويا بقراءة؛ فمنه ترجيجه أن معنى "مثل" في قوله تعالى: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ)، أي "صفة" -وفاقا لأبي حيان-، لا "شبه"، كما قال الفارسي، محتجا لذلك بأن قراءة "أمثال" تؤيد أنه بمعنى صفة؛ لأن "شبه" مصدر، وهو لا يثنى ولا يجمع.
(1/133)

وهو لا يمانع أن يفاضل بين القراءات أيها أبلغ، كقوله عند قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اِلسِّجْنُ): "قرأَ يعقوبُ بفتحِ السِّينِ على أنّه مصْدرٌ، وقراءَةُ الجماعةِ بكسْرها أدْخَلُ في الشِّدَّةِ؛ لأنَّه اسْمُ مفعول يدُل على قبْحِ المكانِ المُعَدِّ لذلك".
وقد يوجه القراءة على مقتضى الاختلاف، كقوله في (خَيْرٌ): "هو على قراءة الغيبة في (يَجْمَعُون) فَعْلٌ، وعلى قراءة الخطاب فيه أَفْعَل. وقوله في: (نُدْخِلْهُ): "قول الزمخشري: "هو على قراءة الغَيْبة التفاتٌ"، هو على مذهب السكّاكي في مثل هذا؛ لأن المعنى " تلك حدودُنا، ومنْ يطعْنا"؛ وخالَفَه غيرُه. وأمّا على قراءة التكلُّم، فكونُه التفاتاً بَيِّن".
ومما يميز تعامل المؤلف مع القراءات، أنه يحاذي قصيد الشاطبي، ويتتبع بعض مشكلاته، ويتعهده مرارا بالتفسير، وهذه أمثلة من ذلك:
- المثال الأول: قوله عند قوله تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ): "قول الشاطبي:
.................................. يَسْتَبِينَ صُحْبَةٌ ذَكَّرُوا وِلا
مشكل؛ لأن ضد التذكير التأنيث، لكنْ نافعٌ من الباقين قرأ بتاء الخطاب ونصب (سَبيلَ) وغيره بتاء التأنيت، ورفع (سبيل). وجواب هذا الإشكال، أن الشاطبي اعتبرَ اللفظ، وهو واحد في الخطاب والتأنيث. وجواب آخر، وهو أن يكون المعنى: "ولتستبين أمتك"، والتاء للتأنيث".
- المثال الثاني: قوله عند قوله جل وعز: (أَرْجِهِ): "قول الشاطبي:
وَعَى نَفَرٌ أَرْجِئْهُ بِالْهَمْزِ سَاكناً .............................
(1/134)

يوهم أن قراءة الباقين بالهمز غير ساكن؛ وجوابه أن القراءة ما دخلت عليه الباء، وهو الهمز".
غير أن هذا التوفيق في استغلال القراءات، لا يمنع أن هناك بعض المآخذ على المؤلف، ولعل أكبرها، هو ما نقله عن شيخه ابن عرفة من أن المقصود بالأحرف السبعة، القراءات السبع، من دون أن ينبه على ضعف هذا الرأي ومخالفته لما انعقد عليه رأي الجمهور.
وتتخلل "الكبير" مناقشات تتعلق بقضايا قرائية من قبيل: هل السبع متواتر؛ وهو مضمَّنُ سؤالٍ وُجِّه لابن عرفة فأجاب عنه، وحشَدَ له الخلاف، ونقله البسيلي برمته.
وقد تعامل البسيلي مع مصادر قرائية مهمة، من قَبيلِ "الهداية" للمهدوي، و "لامية" الشاطبي، و "مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب القيسي، و "التبيان" العكبري، و "القصيدة الحصرية في قراءة نافع" للحصري الضرير.

3 - عنايته ببعض علوم القرآن:
من خلال:

أ - التعريف بعلم التفسير في اللغة والاصطلاح.
ب - جمع القرآن:
حيث عقد فصلا في إثبات أنه تهيأ لثلة من الصحابة أن يجمعوا القرآن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستظهر لذلك بكلام المازري وعياض وابن عبد البر في المسألة، كل ذلك في
(1/135)

معرض الرد على قول ابن عطية إنه كانَ القُرْآنُ في مدةِ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَفَرّقاً في صُدُورِ الرِّجال.

ج - المكي والمدني:
يميز تعامل البسيلي مع هذا العلم القرآني المنيف، سمات بارزة، منها:
(أ) أنه لا يكتفي بسرد الخلاف في كون السورة أو الآية مكية أو مدنية، بل يحاول اعتمادا على ضوابط علمية أن يرجح نوعها؛ فمن ذلك صنيعُه مُفْتَتَح سورة الأنفال، حيث قال: "الزمخشري: مدنية. ابن عطية: إلا قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بكَ الذِينَ كَفرُوا).
قال شيخنا: سببُ القولين أنها ليلة خروجه - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا إلى مكة، فَمَنْ رأى أن اسمَ الهجرةِ إنما يصدُقُ بعد استقرارِه - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قال: هي مكية، ومَنْ جَعَلَه مِنْ حِينِ خروجِه قال: مدنية".
مثال آخر عند سورة الرعد، حيث قال: "نقل ابن عطية هلْ هذهِ السورةُ مكيةٌ أوْ مدنيةٌ؟. والأرجح أنها مدنية؛ لأنه إذا تعارض التقدم والتأخر، عمل على المتأخر لاستلزامه المتقدم".
(ب) أنه لا يسلم باطّرادِ الأقوال بمكيةِ أو مدنيةِ السورة وقد يردُّها، اعتمادا على قرينة راجحة أو ضابط علمي مختص:
مثاله أنه رد قول ابن عطية في سورة القصص إنها مكية إلا قوله: (إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّك إلَى مَعَادٍ)، لأنها نزلت بالجُحْفة، في وقت هجرته - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة. ورأى فيه نظرا لقولهم: ما نزل قبل الهجرة مكي وإن نزل بغير مكة. وما نزل بعد الهجرة مدني وإن لم ينزل بالمدينة؛ ولذا قال الزمخشري هي مكية، ولم يستثنِ.
(1/136)

(ج) أنه قد يحدد عند استثناء المكي من المدني أو العكس، مكان نزول المستثنى، دليلا على استثنائه، كقوله في الآية قبل إنها نزلت بالجحفة.
(د) أنه يتوسل بمعرفة المكي والمدنى إلى توجيه المتشابه القرآني، أوْ رَدِّ تأويل؛ فمن الأول ما وقع له عند قوله تعالى: (هذا البلد آمنا)، حيث قال: "وفي سورةِ البقَرةِ (بلداً)؛ لأنَّ هذه مكية، وآيةُ البقرةِ مدنية، والمَكِّيُّ متقَدِّمٌ".
ومن الثاني رده لقول من قال في قوله تعالى: (وَرَفَعنَا لَكَ ذِكْرَكَ): معناه، "جعلنا اسمك مقارنا لاسمنا في الأذان والخطبة"، بأن الأذان شرع بالمدينة والسورة مكية.
(هـ) أنه يكتفي بعدِّ الأقوال، عند اتساع الخلاف إلى قدر يعسر معه الترجيح، كما فعل بُداءةَ سورة الحج، عند قوله: "حكى ابنُ عطيةَ والزَّمخشري في كونِها مكيةً أوْ مدنيةً سبعةَ أقوالٍ".
(و) أنه يجعل المكي والمدني قرائن في أولية النزول، مثلما فعل عند قول الله جل وعز: (هل أتاك حديث موسى)؛ حيسا نقل أن هذا -والله أعلم- أول ما نزل من قصص موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لأن السورة مكية.
(ز) أنه يذكر ضوابط معرفة المكي والمدني للتمييز بينهما، وهذا قدر زائد على نقل الأقوال:
ومنه قوله: "الأكثر في المكي من القرآن العزيز، الوعد والوعيد والبراهين على الحشر والنشر ونحو ذلك، وأكثر الأحكام في المدني".
(1/137)

د - أسباب النزول:
نصَّ المؤلف في مناسباتٍ مختلفة على سبب نزول الآية، عندما يكون لها سبب واحد، كذِكْرِه عند قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْه)، أن الآية نزلت في قتل حمزة والتمثيل به.
وقد يذكر للآية سببين، فيحمل ذلك على تكرار النزول، كما نص العلماء، مثاله قوله عند قوله تعالى: (وَمَا كانَ لِمُومِن وَلا مُومِنَةٍ إذَا قَضَى الله ورسولُه أمْرًا أنْ تَكونَ لهم الخِيَرَةُ من أمرهم): "لأن زينب لمَّا خطَبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزيد، امتنعت هي وأخوها عبد الله، فنزلت الآية فأذعنت وامتثلت أمره. وكذلك أم كلثوم بنت عقبة لما وهبت نفسها للنبي وقَبلَهَا، وزوَّجها لزيد كرهت ذلك هي وأخوها، فالمخالفة منهم قد وقعت، فيلزم عليه إماَ الخلف في الخبر أو كونُ المخالِفِ له غير مومن، فتعَيَّنَ كونُه نهياً، كذا قال ابن عرفة".
وقد ينص على مكان نزول الآية، كبيانه أن آية (إِنَّ الذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّك إِلَى مَعَادٍ)، نزلت بالجُحْفة.
وقد يحكى اتفاقَ المفسرين في سبب نزول ما، كصنيعه عند قوله عز وجل: (إن المسلمين والمسلمات ... ): " ... قد قال المفسرون: سبب نزولها أَن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن له: "قد ذكر الله تعالى في كتابه الرجال ولم يذكر النساء"؛ فنزلت الآية".
وقد يمنعه تحريه أن ينساق وراء جمهور المفسرين في قضية ما، فتراه يحقق أقوالهم ولا يقبل منها إلا ما أيدته النصوص وشواهد الحال، فمن ذلك أنه تعقب اتفاقهم على أن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) نزل في الوليد بن
(1/138)

عقبة بن أبي معيط، بأنه لا يصح؛ لأنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابن ثمانية أعوام أو عشرة، فكيف يبعثه رسولا إلى الكفار.
وأحيانا يكون إيراد سبب النزول مقدمة تحصيل معنى معين فحسب، من غير أن يكون السبب بعينه مقصودا، كما وقع له عند ذكر سبب نزول قوله تعالي: (إِنْ يَّعْلَم اِللَّهُ في قلُوبِكُمْ خَيْرا).

هـ - النسخ:
ذكَر البسيلي اختلاف الأصوليين في الاستدلال له بقوله تعالى: (ما ننسخ). ثم عرَض لاصطلاح المتقدمين والمتأخرين في النسخ، عند قوله تعالى: (ليس عليك هداهم). حيث أورد قول ابن عطية: "نُسخ ذلك بآيات (إنما الصدقات للفقراء) الآية"، ثم بين أنه على اصطلاح المتقدمين من أن ذلك نسخ، والمتأخرون يقولون: العام إن عمل به ثم ورد بعده الخاص فهو ناسخ، وإذا كان قبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ. وهذه قاعدة في الفرق بين النسخ والتخصيص.
وهو يستشكل قول اليهود الذي نقله القرآن على لسانهم في قوله تعالى: (حتى ياتينا بقربان تأكله النار)، بأنهم أنكروا النسخ حسبما تقرر في أصول الفقه، وهذا القول منهم إقرار بالنسخ؛ لاقتضائه أن شريعتهم تنسخ إذا أتاهم رسول بقربان تأكله النار. ثم يجيب عن ذلك.
والبسيلي يتثبت في دعوى النسخ، وقد يردها تنزيلا للقواعد الأصولية، كصنيعه في تعقب قول ابن عطية عند قوله تعالى: (وما أدري ما يفعل بي ولا بكم): "هي
(1/139)

منسوخة في أحد التأويلات"، حيث رده بوجهين أحدهما أنه خبر، والخبر لا ينسخ.

وفضائل القرآن:
يرتبط التدليل على فضل آية أوآيات أو سورة بعينها عند البسيلي بعلة من العلل يوقِفُ القارئ عليها، فهو في استدلاله على فضل سورة يس يعلل ذلك بما فيها من تقرير الحشر بأضفى مما في غيرها. فيورد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس"، ثم يردفه بقول الغزالي: "وذلك لأن الإيمان يحصل بالاعتراف بالحشر، وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ مما في غيرها، فلذا جعلت قلبا".
وعندما يُسْلِمُه التفسير إلى خواتم سورة الحشر: (هُوَ الله الذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَهَادَة) إلى آخر السورة، يستظهر أنها هي المقصودة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال حين يصبح: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثلاث مرات، ثم قرأ ثلاث آيات من سورة الحشر، وُكِّلَ به سبعون ألف ملك يستغفرون له، وإن مات في يومه ذلك مات شهيدا".

ز - تكرار القصص في القرآن:
حاول البسيلي توجيه التكرار لقصة واحدة في القرآن، في موطنين:
- الأول: عند قوله: "وقدْ ذُكِرتْ قصةُ موسى في القرآنِ بألفاظٍ مخْتلفة، فإما أنْ يكونَ الواقعُ جميع ذلكَ وذُكِرَ مفرَّقاً في سُوَرٍ، أوْ نُقلَ بالمعنى".
- الثاني: عند سوقه لسؤال ورد على ابن عرفة من بلد قفصة عن تكرير القصص في القرآن في مواضع بألفاظ مختلفة. فكان أن نقل عن شيخه أوجها ثلاثة:
أ - أن الوفود كانت تاتي أفواجا، فيحضر بعضهم القصة ويسمعها دون بعض، فكررت ليعلمها الجميع.
(1/140)

ب - أنه ليس كل الناس يحفظ كل القرآن، فكررت لتقع في البعض المحفوظ.
ج - أن ذلك مبالغة في القصِّ والتحذير.

ح - مناسبات القرآن:
ألَمَّ بها يسيرا، دون أن تغدو ميسما منهجيا يطبع تفسيره، مثلما فعل البقاعي مثلا؛ وهذه أمثلة لما أورده منها:
1 - عند قوله تعالى: (وَءَايَةٌ لهُمُ أَنَا حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ في اِلْفُلْكِ اِلْمَشْحُونِ)؛ حيث قال: "مناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه".
2 - عند قوله تعالى: (تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)؛ حيث قال: "وجهُ مناسَبتهِ ظاهرٌ، وهو أنَّهُ تعالى أخبَرَ عنهمْ في قولهِ: (وَإذَا مَسكُمُ الضُّرُّ في الْبَحْرِ) إلى آخرها، بأنهم في حالةِ مسَّهم الضُّر وحَّدُوا الله تعالى وَلجؤوا إليه، فلما نجاهم كفروا، فناسَب في هذه الآية ذكرُ نفيِ نقيضِ فعْلِهم في حالة الإنجاء".
3 - عند التنبيه على قوله تعالى: (عَدُوًّا وَحَزَناً)؛ إذ قال: "منَاسبٌ لِمَا مَرَّ في قولِه: (وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي) فالحزنُ مُصَرحٌ به، والخوفُ مِنْ لازِم قولهِ (عَدُوًّا)؛ لأنَّ الخوفَ أكثَرُ مَا يُتوقَّعُ مِنَ العدُو".
4 - عند النكتة الخاصة بقول الله جل وعز: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزقَ) الآية؛ حيث قال: "ذكَرَ ابن عطية في ربْطِها بما قبلَها ذَمَّ الأغنياء من الكفار. وقرّر بعضُهم ربطَها بوجه آخر، وهو أنها شِبْهُ دليلٍ لما قبلَها، وهو أنه تعالى خَلَقَ من اتّصف بقوله: (الذِينَ يُوفُونَ بعَهْدِ الله) إلى آخره، وخَلَقَ مَنِ اتصف بقوله: (الذِينَ يَنقُضُون) إلى آخر الصفات، وكل ذلك بفضلِه وعدلِه، فكذلك بسْطُ الرزق وتقديرُه".
(1/141)

ط - الأحرف السبعة:
هذا المبحث من مقدمات البسيلي لتفسيره، حين عرض لمعنَى حديثِ "إِنَّ هذَا القُرْآنَ أُنزِلَ على سبْعةِ أحرُفٍ"، ثم نسب لشيخه ابن عرفةَ تفسيرها بالقراآتِ السَّبْعِ المشهورة. وإيراد هذا الرأي على ضعفه دون تعقيب، محل نظر.

ي - مقدار ما فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرآن:
حيث عرض بالتفسير لمَا رُوِيَ عنْ عائشة: "مَا كانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفسِّر من القُرآن إلاَّ آياً بِعَدَدٍ عَلَّمَهُ إيَّاهُنَّ جبريلُ"، ثم توقف في تأويله ورد معنَاهُ إلى مغَيَّبَاتِ القرآنِ وتفسيرِ مجملِه ونحوِ ذَلك، مِمَّا لَا سبيلَ إليهِ إلاّ بتَوْقيفٍ من اللهِ تعَالَى.

ك - العلوم التي يحتاج إليها المفسر:
هذان المبحثان من زوائد "نكت وتنبيهات"، تصدَّرا الكتاب؛ لخصهما البسيلي بإحكام عن أبي حيان.

ل - طبقات المفسرين:
خص هذا المبحث بمقدمة ذكر فيها أن صَدْرَ المفَسِّرِينَ عليُّ ابنُ أبي طَالبٍ، ثم عبدُ اللهِ بنُ عبَّاس، وعنه أَخَذ، ثم عبدُ اللهِ بنُ مسْعودٍ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ وزيْدُ بنُ ثابتٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العَاصِي؛ ثم مِنَ التابعين الحسن بنُ أبي الحسَنِ ومُجَاهِدُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ، ثم عِكْرِمةُ والضحَّاكُ بنُ مُزَاحم والسُّدِّيُّ. ثُمَّ حَمَلَ التفسيرَ عُدُولُ كُلِّ خَلَفٍ، وأَلَّفَ الناس فيهِ كعبدِ الرزاقِ، والمفضَّلِ وعلي بنِ أبي طَلْحَةَ والبخاري وغيْرِهم. ثُمَّ إِنَّ محمدَ بنَ جريرٍ الطبري جَمَعَ أَشْتَاتَ التفسيرِ، وقَرَّبَ البَعِيدَ، وشفَى في الإِسْنَادِ. وأما أبُو بكرٍ النقَّاش، وأبو جعفرٍ النَّحَّاسُ، فكثيرًا ما استدْرَكَ الناسُ عليْهِما، وتَبِعَهُما مكيُّ بنُ أبي طالبٍ؛ وأبو العباسِ المهْدَوِيُ مُتْقَنُ التَّأليفِ".
(1/142)

ثم ترجم لمفسرين متأخرين، منهم الزمخشري وابن عطية والفخر الرازي وابن بزيزة التونسي وابن عرفة.
والملاحظ أنه في هذا المبحث -عدا الترجمة لهؤلاء الذين أدار كتابه على النقل عنهم أو انتقادهم- عالة على ابن عطية، ولا مزية له فيه إلا النقل.

4 - اعتماده على الحديث النبوي:
أفرد البسيلي أحاديث لها صلة وثقى بحقل الدراسات القرآنية، فتكلم على كل واحد منها على حدة، وجعلها مقدمات موجزة ترتبط بإشكالات محورية:
- الأشكال الأول: قدر ما فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرآن، وهو مرتبط بحديث عائشة رضى الله عنها: "مَا كانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُفسِّر من القُرآن إلا آياً بعَدَدٍ عَلَّمَهُ إياهُنَّ جبريلُ".
- الإشكال الثاني: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف، ويرتبط بحديث "إِنَّ هذَا القُرْآنَ أُنزِلَ على سبْعةِ أحرُفٍ".
- الإشكال الثالث: الرد على الملحدين في شبهاتهم حول جمع القرآن وعدد من جمعه حفظا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويرتبط هذا الإشكال بالخبر الذي فيه: "جَمَعَ القرِآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْبَعَةٌ كلُّهمِ منِ الأنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كعْبٍ، ومُعَاذُ بن جَبَل، وزيْدُ بنُ ثَاِبتٍ، ورجلٌ منَ الأنصارِ يُكْنَى أبَا زيْدٍ، وهُوَ مِن قولِ أنسِ بنِ مَالك".
وهذا الإيراد الاستشكالي يلقي الضوء على رغبة البسيلي الظاهرة والمبطنة، في تلافي تعارض القرآن مع الحديث، إذ يراهما كمفسر متكاملين متعاضدين على خدمة المعنى، من ذلك أنه قال عند قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ اَلْمَوْتَ): "الجمعُ
(1/143)

بين هذا وبين حديث "لاَ تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا الله العَافِيةَ"، بأنّ ذلك كان أولَ الإسلام وقلّةِ المسلمين، فنُهُوا عن تمنِّي لقاءِ العدو، ولأدائِه إلى هلاكهم. أو المعنى في الآية: كنتم تمنون الشهادة؛ أو نزلتْ هذه قبل النهي".
وحين يحتمل حديث مشهور معنى غير مقبول، بطريق التأويل الفاسد، يتوسل إلى دفع التعارض بتأويل الحديث أو بيان معناه الوجيه، فعندما قرر البسيلي أنه لا يثبت حكم بالمرائي النومية، عرج على قوله: "من رآني فقد رآني حقا، فإن الشيطان لا يتمثل بي"، فبين وجه الحق فيه، لكيلا ينخرم ما قرره بإيراد من معترض فهم الحديث على غير الوجه السليم. وحين استدل بعضهم على جواز خط الرمل، بحديث "أن نبيئا من الأنبياء كان يخط، فمن صادف خطه فذاك"، ذكر البسيلي أن الحديث مخرج عند مسلم في كتاب الطاعون، ثم ألمع إلى أن عياضا حكى فيه قولين: في كتاب الصلاة، في حديث "الخط باطل"، وفي باب نسخ الكلام في الصلاة، عن معاوية بن الحكم، وأن ابن العربي أنكره في "أحكام القرآن"، واتفق مع ابن رشد في "الأجوبة" على أن الحديث على معنى الاستبعاد والفرض، وليس المراد أن أحدا يصادف خط ذلك النبي، فهو من فرض المحال.
وإيراده للحديث محكوم باعتبارات، فهو يورده تارة لتحديد مصطلح فقهي، كما فعل عند سوق الخلاف في ترادف القبول والإجزاء، حيث استدل في السياق بحديث "لا يقبل الله صلاة بغير طهور". أو لتفسير لفظة قرآنية كما هو الحال عند قوله تعالى: (ولقد همَّت به)، حيث ساق قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "منْ هَمَّ بحسنةٍ فلمْ يعملْها كُتِبَتْ له حسنةٌ، ومن هَمَّ بسيِّئةٍ فلمْ يعملْها ... "الحديث".
وهو يستدل بالحديث لإثبات قضايا مختلفة، فقد استدل على جواز أن يقال "زيد رب الدار" وشبهه، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رب الدابة أولى بمقدمها"، وبقوله أيضا: "أن تلد الأمة ربتها". واستدل على أن من السلام أنواعا أحدها سلام الرحمة، وهو
(1/144)

السلام على الموتى في قبورهم، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "السلام عليكم دار قوم مومنين".
وعلى أن الأرض تحدث أخبارها حقيقة يوم القيامة، استدل عن طريق التنظير بقوله - صلى الله عليه وسلم - "فإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المؤَذِّنِ جِنٌّ وَلاَ إِنسٌ وَلاَ شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة".
ويستحضر المؤلف الأحاديث الصحاح عند ردوده على المخالفين، فمن ذلك أنه رد قول ابن عطية أنَّ مَنْ خُيِّرَ بين شيئين يُعَدُّ متَنَقِّلا، بحديث "كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ". وتعقَبَ ابنَ خليل السكوني في ما وقع له في شرحه للكشاف، من أن السلطان لو أمره إذا دعى إلى معصية فإنه يجب اتباعه، وعدَّه خطأ صُراحا؛ وقال: "حديث مسلم في كتاب الإمارة يرد عليه".
ومن المهم بيان أن البسيلي يتحرى صحة الأحاديث التي يوردها، ولا ينص دائما على أصولها، وقد يسمى راوي الحديث أو يقطعه، وقد يكتفي بالتنبيه على ما في الحديث من انقطاع أو ضعف، بقوله "في صحته نظر"، كما وقع له في حديث "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك"، ولا ذكر للأسانيد عنده إلا لماما.
والملاحظ أنه حين ينقل الحديث عن عالم به، كابن الصلاح، لا ينص على درجة صحته، اعتمادا على مصدره، كقوله: "وروى ابنُ الصَّلاحِ في "علوم الحديث"، في بابِ "روايةِ الأبناءِ عنِ الآباء"، حديثاً يقتضي اتِّصافَ اللهِ بالحنانِ. وحَكى في سَنَدٍ متَّصل إلى عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ " الحنَّانَ هوَ الذي يُقْبِلُ على مَنْ أعرضَ عنه، والمَنَّانَ هُو الذي يبْدأ بالنَّوَالِ قبلَ السؤال".
ولكن حين يتعلق الأمر بالنقل عن مفسر غير محدث كالفخر، فإن البسيلي كان يتحرى درجة صحة الأحاديث التي ينقلها عنه، فعند قوله تعالى: (فَقالَ إِني سقِيمٌ)، نقل عن الفخر قوله: "حديث "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كِذبات"، غير صحيح". ثم رد عليه البسيلي بأنه في صحيح مسلم، ثم زاد على ذلك التصريح بأن
(1/145)

الفخر في الحديث ضعيف، والحديث في مسلم في كتاب المناقب في فضائل الأنبياء، وخرجه أيضا في أحاديث الشفاعة: "فياتي الناس إلى إبراهيم ... فذكر كذباته". ومما يدل على ما مر أنه عندما ينقل الحديث عن المفسرين، فإنه يحاول أن يجد له مصدرا إضافيا ليتأكد منه، مثاله أن نقل عن ابن عطية قوله: "وفعَلَ ذلك نبيُّنا عليه السلام قبلَ البعثةِ، حكاهُ النَّقَاشُ، وخرَّجهُ الترمذي"؛ فزاد البسيلي: "ونقلَهُ عِيَاضُ في "الشِّفا " ذكَر أنَهُ انتظر موعدَه ثلاثةَ أيامٍ، وذَكَرَهُ ابنُ ماجة حديثاً". إلا أن هذا الحديث ليس عند ابن ماجة، بل انفرد به من بين أصحاب الكتب الستة أبو داود في "سننه" (4/ 299؛ رح: 4996)؛ كتاب الأدب، بابٌ في العِدَة.
وعدا هذا فإنه لم يغتر بأحاديث فضائل السور، فلم يوردها رغم متابعته لمفسرين أوردوها كالزمخشري. وما طغى به القلم من الأحاديث الضعيفة التي أوردها -على قلتها- جاءت في فضائل الأعمال لا الأحكام، كحديث الترمذي: "مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: أعُوذُ بالله السمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَيْطَانِ الرجِيمٍ ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَرَأَ ثَلاَثَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الحشرِ، وُكِلَ بِهِ سَبْعُون ألْف مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُون لَهُ، وَإِنْ مَاتَ في يَوْمِهِ ذَلِكَ مَاتَ شَهِيدًا"، ولربما خرج من العهدة في هذا الحديث، إذ ذكر أنه عند الترمذي وابن حنبل، ومن أسند لك فقد أحالك على تتبع أحوال الرواة حسبما هو مقرر في علم مصطلح الحديث.
ومن المفيد الإشارة إلى أن نكت البسيلي قد تضمنت في أحوال نادرة، إشارات عرضية إلى قضايا تتعلق بالصناعة الحديثية؛ كمناقشة قضية تعداد الأحاديث المتواترة، وهل يصح أنها لا تتجاوز حديثين كما عند أبى عمرو بن الصلاح؟. ومسألة نقل الحديث بالمعنى؛ وما هو الأصح من الحديث؛ بيد أن هذه ووصيفاتها إلماعات خافتة، لا تجعل من البسيلي محدثا ولا تطبع كتابه بطابع التفسير بالمأثور، وإن كان -حقا- قد تلافى ما يقع فيه غالب أهل التفسير بالرأي المقبول من تساهل في تحري الصحة في الأحاديث التي يستشهدون بها.
(1/146)

ومما يدل على اهتمام المؤلف بتصحيح أحاديث الأحكام، اعتماده على كتب وقع التسليم لها عند أهل الفن، كأحكام عبد الحق الأزدي الإشبيلي، وبيان وهمه وإيهامه، لابن القطان الفاسي؛ حيث صرع برجوعه إليهما في الحديث الذي نقله الزمخشري آخر سورة الواقعة، وهو "مَن قَرَأ سُورَةَ الوَاقِعَةِ كُل ليلةٍ لم تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا"، فقال: "أخرجه عبد الحق في "الأحكام" وصححه، وضعفه ابن القطان".
وقد تعامل البسيلي مع الصحاح، البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة ... ؛ ولكنه كان بكتاب مسلم أحفل، وبه أعرف، وبشروحه المغربية أشد ولعا، لا يحتاج ذلك إلى كد في تبينه، فقد نقل عن صحيح ابن الحجاج غير مرة، أكثر من غيره؛ فمن ذلك قوله في مواطن متباينة: "في صَحِيحِ مسْلِم: جَمَعَ القرآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللهِ"؛ " ... وحديث "من اغتصب شبرا من أرض، طوقه الله من سبع أرضين"، صحيح أخرجه البخاري ومسلم ... ". "ومن النَسبة للأمِّ محمد بن الْحَنَفِيَّة؛ وفي "صحيح مسلم": "كان - صلى الله عليه وسلم - يحمل أمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رقبتِه في الصلاة". وفي "مسلم" أيضاً، في كتاب الطب "عن زينب بنت أم سلمة". " ... والحديث في مسلم في كتاب المناقب في فضائل الأنبياء، وخرجه أيضا في أحاديث الشفاعة: "فياتي الناس إلى إبراهيم ... فذكر كذباته".
وأما اهتمامه بشروح المغاربة على مسلم فبادٍ أيضا تعضده النقول المتوافرة التي تطرز الكتاب وتوشي تضاعيفه.
والقول الفصل الناتج عن تتبع تصريف البسيلي للحديث، يُنْبي عنْ تَحَرٍّ منه لإيراد الصحيح، وتتبعه في مظانه، مع الخروج من العهدة عند النقل عن المحدثين كابن
(1/147)

الصلاح، والتعويل على مكين عارضتهم، بخلاف حين ينقل عن غيرهم ممن وجهتُه غيرُ الحديث كالزمخشري والفخر؛ وهو ينقل عن كتب الحديث المعتمدة، ويغلِّب الأخذ عن صحيح مسلم؛ وقد يشير إلى الكتاب والراوي من غير اطراد، وهو أكثر تحريا للصحة، حين يكون الحديث دليلا يسوقه للرد على مخالف. وبين يديك جدول سقنا فيه جملا مما ضمنه من الحديث في كتابه، أخذناها اعتباطا من غير روية ولا اختيار، لندلل عند التمييز بين صحيحها وضعيفها على غلبة الصحة على ما يورده المؤلف، وأن ما ساقه من ضعيف، لا يعدو أن يكون خرج من عهدته بالإحالة على مصدره من كتب السنة، أو أن الحديث ليس غير شاهد أو متابع قدَّم المؤلف عليه ما هو أصح منه ثم ذكره عقيبه؛ أو نقله اغترارا بمأخذه كما مر.
الأحاديث الصحيحة:
- من رآنى فقد فقد رآنى ...
- لا حسد إلا في اثنتين
- إنما الأعمال بالنيات
- من كذب على متعمدا ...
- لا يتقبل الله صلاة ...
- الحمد لله حمدا يوافي نعمه ...
- الحمد لله حمدا كثيرا طببا ...
- من همَّ بحسنة ...
- أنزل القرآن على سبعة أحرف ...
- من اغتصب شبرا من أرض ...
- رَبُّ الدابة أولى بمقدمها
- أن تلد الأمة ربتها ...
- السلام عليكم دار قوم مؤمنين ...
- لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ...
- فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن ...
- لا تتمنوا لقاء العدو ...
- سبقت رحمت غضبي ...
- إن من الشعر لحكمة
- إن نبيا من الأنبياء كان يخط ...
- ... أنه جعل العظم زادهم ...
- ... إنه ليخطر بين المرء وقلبه، فيقول: ....
...
الأحاديث الضعيفة
- من قال حين يصبح: أعوذ بالله السميع ...
- ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفسر من القرآن ...
- أعط السائل ولو أتاك على فرس.
- إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس.
(1/148)

ومما يمت بصلة لما مر:

- الاعتماد على الأخبار الصحيحة، ورد الإسرائيليات والأخبار التي لا مستند لها:
ظهر من خلال نكت البسيلي أنه كان يتحرى مجانبة الأخبار والقصص التي لا أصل لها، خاصة إذا انضافت إلى ذلك ضميمةُ مسِّها بمنصب النبوة، أو تعلقت بالعقائد، مثال ذلك ما وقع له عند قوله تعالى: (وَلاَ في اِلسَّمَاَءِ)، حيث قال: "وفى آية الشورى، لم يقل "ولا في السماء"، فقال صاحب "برهان القرآن": إنما قال هنا (وَلاَ في السَّمَاءِ)؛ لأن نمرودا صعد إلى جهة السماء، وآية الشورى ليس فيها ذلك". ثم تعقب ذلك بقوله: "وهذا يحتاج إلى خبر صحيح".
وأوضحُ منه أن ابن عطية حين قال عند تفسير قوله تعالى: (وَتُخْفِي في نَفْسِكَ): "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقع منه استحسان لزينب وهي في عصمة زيد. وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو، ثم إن زيدا لما أخبره بأنه يريد فراقها، ويشكو منها غلظة قولٍ وعصيانَ أمرٍ وأذى باللسان وتعظُّما بالشرف، قال له (اتق الله)، أي: فيما تقول عنها، و (أمسك عليك زوجك) وهو يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا هو الذي كان يخفي الحرص على طلاق زيد إياها. وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر المعروف". تصدى له البسيلي فقال: "كلامُ ابن عطية هنا لا يَحِلُّ كتْبه؛ لاقتضائه التّنقيص بلِ الصواب والحق أن الله أوحى إليه أن يتزوجها. وما نقله ابن عطية لم يَرِدْ في حديث صحيح، وإنما ذكره المفسرون".
(1/149)

ولا يمنعه إكبار الفخر، من أن يتعقبه في سوق الأخبار الضعيفة، مثاله قوله: "تكلم الفخر في "الأربعين" على أصل السماء، وأتى في ذلك بأخبار غريبة لا يصح منها شيء".

5 - منهجه في عرض القضايا الفقهية:
يأتي في ناصية القول، تقرير أن البسيلي فقيه ومؤلف في الفقه أيضا، فقد حاذى مختصر ابن عرفة في الفقه، بمجلدات كثيرة، ونقل مترجموه أنه شرح المدونة؛ وعليه، فقد طبع تعامله مع الفقه، سمات بارزة، أهمها:
(1) أنه مالكي في الفروع:
ذكر ذلك مترجموه، وصرح في مقدمة "مختصر محاذي مختصر ابن عرفة"، أنه وضعه تأليفا في الفقه المالكي، فنص على مذهبه؛ وهو أمر من الظهور في كتابه، بحيث يستغني عن التصريح به، فقد ورد ذكر مالك رحمه الله في "نكته" ما يربو على 28 مرة؛ وهذا جردها:
" ... قول مالك في "المدونة" ... "؛ "وفى مذهب مالك ... "، " ... وهو مذهب مالك في "المدونة"؛ " ... وهو الصحيح لقول مالك ... "؛ "والمشهور من مذهب مالك ... "؛ "قال مالك في كتاب الرجم من "المدونة" ... "؛ " ... هذا مذهب مالك وجماعة"؛ "وقال مالك في الأسير ... "؛ "وقد اختلف قول مالك
(1/150)

في مسألة ... "؛ "قال مالك ... "؛ " ... كما قال مالك في "المدونة" ... "؛ "قال مالك في "المدونة" ... "؛ "ووقع الاستحسان لمالك ... "؛ " ... وقال به مالك"؛ " ... وهو مذهب مالك"؛ " ... وهو قول مالك"؛ " ... ولذا قال مالك"؛ " ... عند مالك"؛ "وأجمع المالكية ... "؛ " ... وكذلك قال مالك"؛ " ... ومن هذا المعنى قول مالك ... "؛ "واستدل المالكية ... "؛ " ... وبه احتج المالكية"؛ "وقد سئل مالك ... "؛ "وعلى هذا يشكل قول مالك ... "؛ "واضطرب فيه قول مالك ... "؛ "لكن مذهب مالك ... "؛ "ولذلك قال مالك في كتاب الوصايا من "العتبية".
(2) أنه لا يذكر الخلاف العالي إلا لماما، ويعتمد ذكر الخلاف النازل داخل المذهب:
- المثال الأول، قول البسيلي عند قوله تعالى: (وَأَدْنى أَلَّا تَرْتَابُوْا): "الشاهد إذا رأى خطَّه ولم يذكرِ الشهادةَ لم يؤدِّها، لِمَا دخل عليه من الرِّيبَة. وفيه ثلاثة أقوال:
(1/151)

(أ) قال في "المدونة": "يُؤديها ولا ينتفع"، وذلك في الدَّين والطَّلاق". قلت: وفائدةُ أدائِها، احتمالُ حكم القاضي بها، ويدلُّ على أنَّ كل مجتهدٍ مصيب.
(ب) في "كتاب محمد": لا يؤديها.
(ج) قال مُطَرِّف وابن الماجِشُون والمغيرة: "يؤدِّيها وتنفع، إذا لم يشُك في كتابه؛ وبهذا العمل".
- المثال الثاني، قول البسيلي عند قوله تعالى: (ذَاتِ حَمْل): "قولُ ابنِ عطيةَ: "العَلَقَةُ هي الدَّمُ العَبيطُ"، يعنى الطريَّ، خلافُ قولِ الفقهاءِ؛ لأنَّهُم فرَّقوا بينَ العلقةِ والدَّم المجتمع. قال ابنُ القاسم في الأَمَةِ: إذا وضَعتْ مِنْ سيدِها دماً مجتمعاً كانتْ به أمَّ ولدَ.
وقال أشهبُ: لَا، حتى تضعَ علقةً. والعلقةُ هيَ القطعةُ الملْتحمةُ التي إذا جُعلتْ في ماءٍ سخن لمْ تنقطعْ، بخلافِ الدَّم المجتمع. وعَكَس عياض في "الإكمال"، نقلَ قولِ ابنِ القاسمِ وأشهب".
وهذان المثالان -ولهما نظائر كثيرة- دالة على علو نفس البسيلي في الفقه، وهو ما هيأه لاستنباط الفوائد الحكمية، وحزّ المفصل في تبيان مقاصد آيات الأحكام، مما يظهر بالتتبع لنكته وتنبيهاته.
(3) غلبة مؤلفات المدرسة القيروانية والأندلسية على مصادره الفقهية:
فنقوله عن الأوليين، أكثر كما يظهر بالمقارنة؛ فقد نقل من كتب الأفارقة، عن رسالة ابن أبى زيد، ونظائر أبى عمران، وتهذيب البراذعي وأسولة المازري،
(1/152)

وأحكام ابن عبد الحق، وشرح الجلاب للتلمساني، ومختصر ابن عرفة الفقهي.
ومن كتب الأندلسيين في الفقه، استفاد من أحكام ابن العربي، واستذكار ابن عبد البر، وبيان ابن رشد ومقدماته، وتنبيهات عياض.
وتبدو المصادر الفقهية المشرقية أقل، كمدونة ابن القاسم، وتلقين ومعونة القاضي.

6 - طريقة استغلاله لمفاهيم علم أصول الفقه:
يظهر تمكن البسيلي من علم الأصول، من خلال القضايا الأصولية التي عالجها طي كتابه؛ كقضية النسخ وبعض مباحثه، و "هل الترك فعل أم لا؟ "، و "هل يرد في القرآن ما لا يفهم" وقضية "هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ "، والاستحسان، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا، وهل الاستثناء من النفي إثبات، ودلالات الأمر عند الأصوليين، وهل الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده؟،
(1/153)

وهل وقع تكليف ما لا يطاق، والاختلاف في حد القياس، والخلاف في "هل كل مجتهد مصيب" ... وغيرها من القضايا.
ويميز موقف البسيلي من أصول الفقه، أمور تالية:
- أنه متأثر بمدرسة المتكلمين في أصول الفقه:
ويبدو ذلك من خلال أمرين:
(أ) أنه ينقل عن كتبهم: كمعالم الرازي ومحصوله، وتحصيله للسراج الأرموي، وحاصله للتاج الأرموي، ومستصفى الغزالي، وشرح الحاصل لابن سرور، ومحصول ابن العربي ...
(ب) أنه يتناول قضايا مشتركة بين علم أصول الفقه، وعلم أصول الدين؛ من قبيل:
- التحسين والتقبيح العقلي.
- الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه.
- شيئية المعدوم.
- الخلاف في تعليل أفعال الله.
- الخلاف في ورود ما لا يفهم في القرآن.
- الخلاف في خطاب الكفار بفروع الشريعة.
- هل الأمر يستلزم الإرادة.
- الخلاف في عصمة الأنبياء من الصغائر.
إلا أن الغالب على البسيلي تعامله المدرسي مع هذا العلم، فقلما يشي توظيفه لمعطياته بموقف قاطع من الخلاف في مباحثه، يظهر ذلك من خلال أنه يجعل الآية موضوع النكتة دالة على جواز الشيء، وآية أخرى دالة على منعه؛ فيختفي موقفه،
(1/154)

ويكون الأمر أشبه بتمرين عقلي على عزو الأقوال ومعرفة الخلاف دون ترجيح أو اختيار.

7 - اعتماده على النحو واللغة:
لا تكاد نكتة أو تنبيه، على امتداد الكتاب من أن تخلو من مناقشة أو ملمح نحوي أو لغوي، وقد اعتمد البسيلي في ذلك على مصادر أصيلة أو خاصة بإعراب القرآن، وأحال على أعمدة اللغة والنحو في المدرستين الكوفية والبصرية.
ويمكن إجمال الخصائص التي طبعت تعامل المؤلف مع النحو واللغة في النقط التالية:
(أ) بيان معاني المفردات اللغوية وأصل اشتقاقها:
وقد تكون هذه المفردات قرآنية صرفة، أو أغربة وردت طي كتب التفسير، كما سيظهر في الأمثلة:
- قول البسيلي عند قوله تعالى: (وَلَقدَ اَخَذْناَهُم بالْعَذَابِ): "الزمخشري: وأخذهُمُ اللهُ بالسِّنيِن حتى أكَلُوا العِلْهِزَ؛ قلت: العلهز هَوَ الدَّمُ المخْتلطُ بالشعر، وقيل: هو القُرَاد".
- قوله عند قوله تعالى: (أَرْجِهِ): "قالوا: أي أَخِّرْه، فَظاهرُه التَرادُفُ.
ع: "أرجه" تأخيرٌ معَ الطَّمعِ في إِعْلالِهِ؛ لأنَّهُ مشتقٌّ منَ الرجاء، بخلافِ "أخِّرْه".
(1/155)

- قول المؤلف عند قول الله تبارك (وَأَنّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ): "هو التناول عن قريب".
- قول البسيلي عند قوله تعالى (أقسَطُ): "وقول الزمخشري: أقسط من قاسط؛ يُرَدُّ بأنَّ الاشتقاق من الفعل لا من اسم الفاعل. وقول ابن عطية: انظرْ هل هو مِن "قسُط" بالضم، لا يصحّ؛ إذْ لم يقلْ أحدٌ فيه".
- قول المؤلف عند قول الله جل وعز (وَلاَ تَهِنُوْا): "قولُ ابن عطية: هو من "وَهَنَ"، ومنه " المومِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"؛ لم يتعقبه أبو حيان. ويُرَدُّ بأنَّ "وهن" معتلّ الفاء، و "هيِّن" معتل العين، فالمادة مختلفةٌ".
(ب) بيان الجوانب الصرفية.
- قوله عند قوله تعالى (الشهَوَات): "قولُ أبي البقاء: حُرِّكت الهاء لأنه اسمٌ غيرُ صفة؛ يوهِمُ منْعَ الإسكان، وهو جائزٌ؛ لأنه جمعُ "شهوة " معتل اللام؛ وليست لاَمَ أمْرٍ فيجوز فيها ثلاثة أوجه، منها وجهان يرجعان إلى واحد، وهما إِتْبَاعُ العين الفاءَ وفتحُ العين، حسبما بيَّنَه ابنُ عصفور في باب التثنية والجمع.
وقال ابن مالك:
وَمِثْلُ خُطْوَةٍ وسِدْرَةٍ أَتَتْ ... في جَمْعِهَا لُغى ثَلاَث رُوِيَت"
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (بِغَيْرِ عَمَدٍ): أبو حيان: "عَمَد" اسم جمع لا جمع، ومن قال إنه جمع، أراد أنه يفيد ما يفيده الجمع، لا أنه جمع حقيقة". ثم قال: "ومفرده "عماد""، وهو خلاف قوله أولا لاقتضاء هذا أنه جمع.
والجواب أن مفرده "عماد"، لم يُبْنَ الجمعُ عليه".
(1/156)

(ج) بيان وجوه الإعراب في الآية:
- قول البسيلي عند قوله تعالى (إِذ تُصْعِدُونَ): "ضعَّف أبو حيان كونَ العامل فيه "اذْكر"؛ بأنه مستقبل، و "إذْ" ماض. ويُجاب بوجهين:
- أحدهما: أن عملَه فيه، عملُ المفعول لا عملُ الظرف.
- الثاني: التقدير: "اذكروا حالَكم إذْ تصعدون".
الزمخشري: "هو صفةٌ لـ "طائفة"، و "يظنون" صفة أخرى؛ أو حالٌ بمعنى "ظانين"؛ أو استئنافٌ للبيان للجملة قبلَها، و "يقولون" بدلٌ من "يظنون"".
ابن هشام في "المغني": "كأنه نسِيَ المبتدأ فلم يجعل له خبرا، أو رآه محذوفا، أي: "ومعكم طائفةٌ صفتُهم كيتَ وكيتَ".
والظاهر أن الجملةَ الأولى خبر، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرة ثَمَّ صفةٌ مقدّرة، أي: "وطائفة مِن غيركم"، مثل "السَّمْنُ مَنَوَانِ بدرهم"، أي: مَنَوَانِ منه، أو اعتمادُه على واو الحال، كقوله في الحديث: "دَخَلَ عَلَيْهِ الصلاَةُ وَالكلاَمُ وَبرْمَةٌ عَلَى النارِ".
- قول البسيلي عند قوله تعالى (مَن تُدْخِل النَّارَ فقد اَخْزَيْتَهُ): "ذكر أبو حيان في إعراب "من" ثلاثة أوجه، ويحتمل رابعا، وهو أن يكون مبتدأ، والخبر "تدخل" وحده، على الوجه الضعيف في قوله:
.......................................... كلُّه لم أصنع
بالرفع، وفي قوله:
............................. فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُر"
(د) بيان الفروق بين الكلمات:
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ): "التمحيص" تخليصُ شيء من شيء وتصفيتُه، فَنَاسَبَ تعليقُه بالمقصود من الإنسان
(1/157)

وهو القلبُ. وأما "الابتلاء" فراجعٌ إلى علم الله تعالى، فناسَب تعليقُه بالأعم وهو الصدرُ".
- قول البسيلي عند قوله جل وعز (أَمْ يَقُولُونَ اَفْتَراهُ) الآية "الفرقُ بين الافتراءِ والكذب أَنَّ متعلّق الافتراء القولُ، ومتعلقَ الكذبِ الفعل؛ مثالُه من قال: "قال زيد كذا" ولم يكن قاله فهو افتراءٌ، وإِنْ قال "قام زيد" ولم يقمْ فهو كذِبٌ. وذكر ابنُ عطية فرقاً آخر".

8 - الاعتناء بالبلاغة:
وظف البسيلي البلاغة لخدمة المعنى، فجاءت الإشارات البلاغية في تفسيره على قلتها دالة على حسن استخدامه لعلوم الآلة، ومعرفته بقضايا البلاغة ومصطلحاتها، فيكثر دورها عنده، فيطلقها أحيانا اعتمادا على معرفة القارئ بها، أو يسوقها تارة أخرى مع تعريفها إذا لزم الأمر، أو يقرر وجه البلاغة في الآية دون احتفال بالمصطلحات.
فمما أطلق فيه مصطلحات البلاغة دون شرح أو بيان، مصطلحات اللف والنشر والاستخدام.
ومن المواضع التي وقف فيها عند المصطلح البلاغي، فأوفاه بعض حقه من الشرح، قوله عند قوله تعالى (فَزَادَهُمُ إيمَاناً)، إنه يشبه قلب النكتة، ثم تخلص إلى بيانه بقوله: "وهو الاحتجاجُ بدليلِ الخصم على نقيضِ دعْواه". وكذلك فعل عند قوله تعالى (إنَّا لَنَراهَا في ضَلاَلٍ مُبين)، حيث قرر أن في الآية المذهب الكلامي، ثم أردف ذلك بقوله: "أي: مذْهبُ علم الكلام؛ وهو إِطلاقُ لفظٍ يشْتمِلُ على صِحَّةِ دعْوى المُدَّعي، ولوْ طولِبَ النِّسْوةُ بالدَّليلِ لأجبْنَ به". وهو يورد ذلك في "الكبير" بأوفى
(1/158)

مما سقنا، فهو يقول: "أبو الأصبغ: المذهب الكلامي: الاحتجاج على المقصود بحجة عقلية؛ لأنه من علم الكلام، وهو إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية، ونسبت تسميته إلى الجاحظ، وزعم ابن المعتز أنه لا يوجد في القرآن، فهو محشو به، ومنه قوله تعالى (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) إلى قوله تعالى (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا) ... ".
وقد يرخي عنان القول في مضمار البلاغة، فيخال مُجاريه لوْما علم أن الكتاب تفسير، أن مساق الكتاب برمته بلاغي صرف، كصنيعه في شرح مصطلح التجريد، عند وروده عند ابن عطية، فقد قال البسيلي ناقلا عن ابن الأثير: "التجريد إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد نفسك، من "جردت السيف إذا نزعته من غمده"، وله فائدتان، طلب التوسع في الكلام، وتمكن المخاطب من إجراء أوصاف مقصودة له من مدح وغيره على نفسه؛ وهو قسمان، محض وغير محض.
- المحض: أن تاتي بالكلام خطاب لغيرك، تخاطب به نفسك، فتكون جردت الخطاب عن نفسك لغيرك، وأنت تريد به نفسك، كقوله:
إِلاَمَ يراكَ المرءُ في زيِّ شاعر ... وقد نَحَلَتْ شوقاً فروعُ المنابر
كتَمتَ بصِيتِ الشعرعلما وحكمة ... ببعضها ينقادُ صعبُ المفاخر
أَمَا وَأبَيكَ الخير إنكَ فارسُ الـ ... مقال ومُحْيي الدَّارِساتِ الغوابر
وإنك أعيَيْتَ المسامعَ والنُّهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر
فأجرى الخطاب على غيره، وهو يريد نفسه، ليتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة.
- الثاني: غير المحض؛ وهو خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد .... ". وقد استرسل هذا النقل فشغل قريبا من
(1/159)

صفحة وثلت الصفحة؛ وفي هذا النقل طول، وله نظائر تكررت عند البسيلي، فكانت داعيته إلى الاعتذار للقارئ.
ومن المواضع التي قرر فيها الصور البلاغية، عند قوله تعالى (إلَّا كباسِطِ)؛ فقد قرر أن في الآية تأكيدا للذم بما يشبه المدح، وتشبيها أيضا، وذلك قوله: "هذا الاستثناء من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقوله:
هو الكَلْبُ إِلاَّ أنَّ فيه مَلاَلَة ... وسوءَ مُرَاعَاةٍ وما ذَاكَ في الكَلْبِ
والتشبيه في (كبَاسِط) إما تشبيه حسي بحسي، أو معنى بمعنى، أي: خيبة الذين يدعون كخيبة باسط كفيه؛ لأن "خيبة" مصدر، والمصدر معنى؛ وعلى الأول فالحسي الأول "الذين يدعون"، لأنه واقع على الكفار، والثاني "باسط كفيه".
ومن فوائد الكتاب من الوجهة البلاغية، عدا المعرفة البلاغية النظرية وتطبيقاتها التفسيرية، إيماؤه إلى فروق دقيقة بين مصطلحات متقاربة، كالفرق بين التأسيس والتأكيد، تظهر من خلال التتبع دون تصريح، وهو مما ينمي المعرفة البلاغية عند القارئ.
وقد تند عنه نظرات بلاغية تبين -على وجازتها- الذوق الأدبي عنده، فمن قبيل ذلك قوله: "والبلاغة تقتضي تغيير اللفظ وإن اتحد المعنى".
ثم إن المؤلف قد نقل عن مصادر بلاغية رائجة في عصره، تدل على تمثله لثقافته، كـ "المفتاح في علم البيان" للسكاكي، وأرجوزة الضرير، وتأليف ابن عزوز
(1/160)

السجلماسي في البيان، وكتاب السماكي، وشرح التفتازاني "لتلخيص المفتاح" و "المثل السائر"، و "الفلك الدائر".
ويتعلق باعتنائه بالبلاغة، موقفه من قضية بلاغية، هي قضية الإعجاز، وهذا مطلب تالٍ.
...

موقفه من الإعجاز:
له طريقة في فهم الإعجاز، مدارها على كونه واقعا في اللفظ لا في المعنى، خلافا للجمهور من أن الإعجاز مشترك بين اللفظ والمعنى، وهو في النظم أحرى؛ فقد قال عند مفتتح سورة الحجر: "أبو حيان: "تلكَ" إشارةٌ إلى حروفِ المعجم. ع: وفيهِ دقيقةٌ، وهي أَنَّ إِعْجازَ القرآنِ بألفاظِهِ وحُرُوفِه لَا بمعانيه".
وهو يتابع رأي شيخه مرتضيا له، ويؤكد هذا الرأي كرة أخرى، فينقل عن الفخر قوله: " ... معجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ؛ فالشاعر يقدم ويؤخر للسجع، فيكون اللفظ حاملا له على تغيير المعنى، وأما القرآن فحكمته بالغة المعنى، فلا يقدم فيه ولا يؤخر". ثم يقول البسيلي عقيبه: "قلت: قوله: "معجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ" خلاف المختار".

9 - توظيف البسيلي للشعر في "نكت وتنبيهات":
يتوزع الشاهد الشعري في كتاب البسيلي على وظائف محددة؛ فيتنوع إلى شاهد نحوي، أو بلاغي أو لغوي صرف، أو شاهد معنوي يُظاهر المعنى ويخدمه، أو أنظام
(1/161)

تعليمية، أو إنشادات تاتي غالبا في سياق الترجمة لعلم من الأعلام، كابن عرفة أو الفخر أو غيرهما.
ويحوز الشاهد النحوي قصب السبق بالغلبة من حيث الإيراد، تتلوه الإنشادات فالأنظام التعليمية، ليأتي بعدهما على الوِلاء الشاهد اللغوي ثم المعنوي، فيما يقل الشاهد البلاغي قلة تسترعي الانتباه.
والغالب على البسيلي ألا يعزو ما يورده من أشعار إلا لماما. وباستثناء الشاهد النحوي والأنظام التعلميمة التي يقتصر منها غالبا على الموضع المراد، فإنه يتم الإنشادات وشواهد المعنى.
وإليك توزيع الشواهد في كتاب البسيلي بحسب الغرض من إيرادها، وبحسب ما أورد منها:
- الشواهد النحوية:
- فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُرْ
- ................ كلّهُ لَمْ أصْنَعٍ
- فَفَاضَتْ دُمُوعُ العَينِ مِنِّي صَبَابَة
- وما بقيت إلا الضلوع الجراشع
- بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِو مِنْ أسِيرِهَا
- أنا ابنُ ماويةَ إذْ جَدَّ النَّقُر
- جَاؤُوا بِمَذْقٍ: هَلْ رَأَيْتَ الذِّيبَ قَط؟
- إِذَا كنْتَ تُرْضِيهِ ويُرْضِيكَ صَاحِبٌ ... جِهَارًا فكُنْ في الغَيْبِ أَحْفَظَ للْوُد
- الإنشادات:
1 - وقَائِلَةٍ مَا هذِه الدُرَرُ التِي ... تساقط مِنْ عينِكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ
فقُلْتُ هُو الدُّرُّ الذي قدْ حَشَا ... بِهِ أبُو مُضَرٍ أذْنِي تسَاقَطَ مِنْ عَيْنِي
2 - رَحَلْتُ إِلَى خُوَرِزْمَ بَيْنَ عصَابَةٍ ... عِطَاشٍ إِلى التحْقِيقِ أَخْطَاَهَا الرَّيُّ
فَسَاقَ إِلَيْنَا اللهُ مِن بعدِ خَيْبَةٍ ... إِمَاماً كفَيْضِ البَحْرِ أخرَجَهُ الرَّيُّ
(1/162)

3 - لحثالة سموا عماهم معدلا ... وحثالة حمر لكي موقفه
قد شبهوه بالمحال فعطلوا ... وتستروا بالذات من نفي الصفة
4 - بلغْتُ الثمانين بل جُزْتُها ... فهان على النفسِ صعبُ الحِمام
وآحادُ عصري مضوْا جملةً ... وصاروا خيالا كطيف المنام
وأرجوا به نيلَ صَدْرِ الحديث ... بحبِّ اللقاء وكُرْهِ المُقام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
5 - علِمتُ العلوم وعلّمتها ... ونلتُ الرياسةَ بل حُزتُها
وهاك سنِينِيَ عددْتُها ... بلغت الثمانين بل جزتها
فهان على النفس صعب الحمام
********
فلم تُبْقِ لي في الورى رغبةً ... ولا في العلا والنهى بغية
وهيهاتَ أرجِّيهما لحظةً ... وآحاد عصري مضوا جملة
وعادوا خيالا كطيف المنام
*********
ونادى الرحيل وما لي مغيث ... وحثَّ المطيةَ كل الحثيث
وإني لَرَاجٍ وحبي أثيث ... وأرجو به نيل صدر الحديث
بحب اللقاء وكره المقام
*********
فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بدارك عما قليل
فيمسى رجائي بموتي كفيل ... وكانت حياتي بلطف جميل
لسبق دعاء أبي في المقام
*********
- الأنظام التعلمية:
(أ) من قصيد الشاطبي:
- وَإِخْفَاؤُهُ فَصْلٌ أَبَاهُ وُعَاتُنَا ... وَكمْ مِنْ فَتىً كالْمَهْدَوِي فيهِ أَعْمَلا
(1/163)

- ومهما تصلها ..................
- وَمَا لَمْ يَمُتْ لِلْكُل جَاءَ مُثَقَّلاَ
- ..... يَسْتَبِينَ صُحْبَة ذَكَرُوا وِلاَ
- وَعَى نَفَرٌ أرْجِئْهُ بِالْهَمْزِ سَاكناً
- وَقَرْنَ افْتَحْ إِذْ نَصُّوا .........
(ب) من الدرة الألفية لابن معطي:
- وَمِثْلُ خُطْوَة وسِدْرَة أَتَتْ ... في جَمْعِهَا لُغى ثَلاَث رُوِيَتْ
- معنوي: مكر مفر مقبل مدبر معا.
- بلاغي: على لاحب لا يهتدى بمناره.

10 - إيراده لإفادات موضوعية دفينه بالكتاب:
فطن كثير من العلماء إلى أن كتاب البسيلي يحوي أخبارا وفوائد تاريخية، استفادوا منها استفادة بالغة، كما سيظهر في مبحث النقول عنه. وقد تنوعت هذه الإفادات وتعلق أغلبها بتراجم الأعلام؛ فمنها:
- ترجمته لابن عطية والزمخشري.
- ترجمته لابن بزيزة.
- ترجمته لابن عرفة.
- ترجمته للفخر الرازي.
- الإشارة إلى غدرة عبد الملك بن مروان بعمرو بن سعيد الأشدق.
- الإشارة إلى بعض عوائد السلطان أبي الحسن المريني.
(1/164)

- إيراد حكاية ابن عصفور وابن هشام الخضراوي مع أبى عبد الله المستنصر حول شواهد "كائن" على قراءة ابن كثير.
- احتفاظه ببعض تواريخ دروس ابن عرفة، كقوله عند قوله تعالى: (فَلَمَّا اَسْتَيئسُوا مِنْهُ ... ) الآية؛ "هذا عشر يوم السبت، سابع شهر شعبان، منْ عام ستّةٍ وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيثِ مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ اللَهِ بنُ مُسَافِرٍ، عِوَضاً عَنْ سَيدِي عِيسَى الغُبْرِيني". وقوله عند ناصيةَ سورة الرعد: "ابتدأنا تفسيرها في يوم الثلاثاء رابع عشرين من شعبان، عام ستة وثمانين وسبعمائة".
- إخباره عن إعصارين ضربا تونس سنة 771 هـ، وعام 806 هـ.

11 - مظاهر التفسير بالرأي المحمود عند البسيلي:
أ - اهتمامه بالجمع بين ما يوهم التعارض من آي القرآن:
ومن الأمور التي أولاها البسيلي اهتماما ظاهرا، الجمع بين الآيات الموهمة للتعارض، حتى إنه يكاد يكون هذا الأمر، لفرط ما تلفيه بين تضاعيف الكتاب، مقصدا تغياه المؤلف أو جنح إليه من حيث يحتسب أو لا يحتسب، وحسبك أن تعلم أن التفات المؤلف إليه بشكل مطرد، يجعل من كتابه كتابا في المشكل القرآني أكثر من كونه تفسيرا لآيات مخصوصة. ويظهر من خلال نكت من كتابه أنه يربط بين التفسير وبين حل المشكل القرآني، فقد ساق عند قوله تعالى: (وَأَبًّا)، حكاية عمر، حين "سأل الناس ما الأب؟. فقال: اتبعوا ما بُيِّنَ لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه". ثم استشف البسيلي من الحكاية أنها كأنّها تنهَى عن تتبُّع معاني القرآن ومشكلاته، ثم أجاب عن هذا الإشكال بما تراه في موضعه. وقد صرح خلال كتابه أنه لا يكون المفسر ماهرا حتى يتمكن من الجمع والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، وذلك قوله: "الواجب على المفسر الماهر أن يراعي في تفسيره فيكل مقام، ما يسلم به من الخطأ، وأما التوفيق
(1/165)

بين مفردات الألفاظ، فمن أجل المقاصد، ولا يعلم كنهه بحسب اقتضاء كل مقام إلا الله سبحانه".
وهكذا فقد حاول أن يجمع بين الآيات أو الآثار التي ظاهرها التعارض، ففعل ذلك في الآيات التالية:
- بين قوله تعالى: (تَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ)، وقوله: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمُ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ويُقَلِّلكُم).
- بين قوله تعالى: (يَمِيزَ اَلْخَبيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ) وقوله عز وجل: (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كثْرَةُ الْخَبِيثِ).
- بين قوله تعالى: (قُل لا يَعْلَمُ مَن في اِلسَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ اِلْغَيْبَ إِلاَّ الله) وبين قوله تعالى في سورة الجن: (عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبهِ أَحَدا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُول).
- كيفَ قال في سورة القصص: (فَأخاف)، وقدْ قالَ قبل: (لاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنينَ)؟
- كيف تتقرر المغفرةُ لهم (أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُم مغْفِرَةً): [يقصد: المسلمين والمسلمات ... ]، مع قوله تعالى: (إن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيئاتِ)؟. وهذه الأوصاف كلُّها محصِّلةٌ للثواب المذْهِب للذنوب، فلم يبْقَ ما يُغفر!.
(1/166)

- عند قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ)، أزاح الإشكال عن الآية، بإجابته عن سؤاله: "إنْ قلت: قد كان عنده ولدُه إبراهيم والقاسم والطاهر والطيب".
- كيف الجمع بين قوله تعالى: (وَمَاَ أَنتَ بمُسْمِعٍ مَّن في اِلقبُورِ)، وبين حديث أهل القليب يوم بدر، حيث قال: "ما أنتم بَأسمع منهم".
- كيف الجمع بين آية يس (فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ)، وآية الزمر (فَإِذا هُمْ قِيَامٌ).
- كيف قال: (حَمَلْنَا ذُرياتِهمْ)، فمنَّ عليهم بحمل ذرياتهم، وقال: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكمْ في الْجَاِريَةِ) فَمَنَّ عليهم بحمل أنفسهم.

ب - اهتمامه بتوجيه الآيات المتشابهات في اللفظ:
اهتم البسيلي بتوجيه الآيات التي لا توهم التعارض، وإنما تتشابه فتزيد أو تنقص بخلاف يسير، كما في الاختلاف الواقع:
- بين قوله تعالى: (بِغَيْرِ حَق) وقوله: (بغير الحق).
- بين قوله تعالى: (اجعل هذا بلدا آمنا) وبين قوله: (اجعل هذا البلد آمنا).
(1/167)

- بين قوله سبحانه: (وَلَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ) وبين قوله في التي قبلها (عَذَابٌ عَظِيمٌ).
- بين قوله تعالى: (إِن رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) وآية الأعراف (لسريع العقاب).
- بين قوله تعالى: (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) وبين الآية التي قبلها (أَلاَ إِنَّ لله مَا في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
- بينِ قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ... )، وآية (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ).
- بين قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه)، وآيةِ القَصص زيادَةُ (واسْتوى).
- بين قوله تعالى: (وَيُذبحُون) وآية البقرة (يُذبحُونَ) -بغير واو-.
(1/168)

- بين ما ورد من قوله: (ألَمْ)، كقوله تعالىْ (ألَمْ يَاتِكُمْ)، تارة تقع "ألم " دون واو كهذه، وتارة مع الواو كقوله: (أَولَم يَرَوا).
- بين قوله تعالى: (وَلاَ خِلاَلٌ)، وقوله تعالى في البقرة: (وَلاَ خُلَةٌ).
- بين قوله تعالى: (إِن اَلإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كفَّارٌ)، وقوله في سورةِ النحل: (إنَّ اللهَ لغَفُورٌ رحِيم).
- بين قوله تعالى: (وَمَآ أَنتَ إِلا بَشَرٌ)، حيث عطف هنا بالواوِ، وقول قومِ صالح (مَا أَنتَ) دونَ واو.
- بين قوله تعالى: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله)، وقوله سبحانه: (وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ).
- بين قوله تعالى في سورة النمل: (هَذَا نَحْنُ) وقوله سبحانه في سورةِ المومنين: (نحنُ وآباؤُنا هذَا).
(1/169)

- بين قوله تعالى: (وَلاَ في اِلسمَآء) وآية الشورى، حيث لم يقل "ولا في السماء".
- بين قوله تعالى: (قلْ كفى باللَّهِ بَيْني وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا)، وقوله: (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم) في الإسراء والرعد، فوقع في آياتِ القرآنِ تقديم (شهيدا) إلا في هذه الآية.
- بين قوله تعالى: (تَنزيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فيهِ)، وقوله سبحانه في البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا ريْبَ فيهِ).
- بين قوله تعالى: (عَذَابَ النَّارِ اِلتي كنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ) "وقوله تعالى في سورة السجدة: (الذِى كنتُمْ بِهِ).
- بين قوله تعالى: (وَجَآءَ مِنَ اَقصَا اَلْمَدِينَةِ)، وآية القصص (وَجَاءَ رَجلٌ).
- بين قوله تعالى في سورة العنكبوت: (وَلاَ في اِلسمَآء)، وآية الشورى، حيث لم يقل "ولا في السماء".
(1/170)

ج - الاهتمام بأسرار النظم القرآني وأسئلة القرآن (النكت والتنبيهات):
أفرزت المدرسة التونسية، امتدادا من ابن زيتون وابن عبد السلام وابن عرفة، وانتهاء إلى تلاميذ هذا الأخير، عرفا خاصا في مجالس الدرس، يعتمد على مبدأ التفقه، والسجال العلمي بين الأستاذ وتلاميذه، بشكل يحيل وجود الصوت الواحد في حلقة الدرس، كما هو المعهود؛ ومن ثم فقد نهض التحصيل العلمي على استنبات الإشكالات العلمية وحلها، وطرح الأسئلة المتناسلة، والإجابة عنها في جو من الحوار العلمي المقنع.
وهذا الذي ذكرنا نجد له ترجمة واضحة في كتاب البسيلي، كأنه صدى حي لمجالس ابن عرفة في التفسير، من حيث الاهتبال بأسرار النظم القرآني، وإثارة الأسئلة القرآنية؛ وهذه طائفة صالحة منها، ساقها وأردفها بالإجابة عنها، شاهدة على كونها كانت طرفا من منهج البسيلي في التعاطي مع تفسير كتاب الله جل وعز:
- عند قوله تعالى: (لَهُمُ، أَجْرُهُمْ): "لم يؤْتَ بالفاء هنا كما أَتَى بها في الآية المتقدمة؛ ... ".
- عند قوله تعالى: (إن كنتم صادقين): "فإن قلت: إنما نفوا القتل، فلم ذكر في الرد عليهم الموت ... ؟ ".
- عند قوله تعالى: (وَاعْبُدُوْا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوْا بهِ شَيْئاً)، حيث تساءل عن علة تقديم العبادة على التوحيد وهي متأخرة عنه، ثم أجَاب عنه.
- عند قوله تعالى: (إلاَّ اَتِّبَاعَ اَلظَّنّ)، استشكل استثناء الظن من الشك، وهما ضدان، ثم أجاب عن ذلك.
(1/171)

- عند قوله تعالى: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ) الآية "ذكر أربع جهات، ولم يذكر جهتي "فوق" و "تحت" ... ".
- عند قوله تعالى: (وَنَادى نُوحٌ ربَّهُ فَقال) الآية "إذا كان النداء هو قوله "رب" فكيف عطف "قال رب" على "نادى" بالفاء؟ ... ".
- عند قوله تعالى: (وَأَخَذَ اَلذِينَ ظَلَمُوْا الصيْحَة): "وجمعُ الديارِ معَ الصيحةِ وإِفْرادُها معَ الرجفةِ ... ".
- عند قوله تعالى: (قل من رب السماوات): "وعبَّر عن السماوات بلفظ الجمع، وعن الأرض بلفظ الإفراد في مواضعَ من القرآن ... ".
- عند قوله تعالى: (الَمْ يَاتِكُمْ): "تارة تقع "ألم" دون واو كهذه، وتارة مع الواو كقوله (أَوَلَمْ يَروا) ... ".
- عند قوله تعالى: (قالَتْ لَهُمْ): "أتى بـ "لهم" في هذه الآية دون التي قبلها ... ".
- عند قوله تعالى: (سُبُلَنَا): "إنْ قلت: سبيلُ الحقّ واحدةٌ بخلاف سُبُلِ الباطل، كما تقرَّرَ في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ... ".
(1/172)

- عند قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي): "قُدِّمتِ الأنثى هُنا على الذَّكرِ، وعُكِسَ في قوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) ... ".
- عند قوله تعالى: (مِن بُيُوتِكُمُ): "ذُكرَ وإنْ كانَ لَا جُناحَ فيهِ؛ لإفادةِ التسوية بينَهُ وبينَ ما عُطِفَ عليه؛ وقدَّمَ بيوتَ الآباءِ لتكرُّرِ دخولِ الأبناءِ إياها؛ لأن نفقتَهم عَلى آبائهمْ. وقُدِّمت العمَّةُ على الخالةِ لتقْديمِها عليها في الحَضانةِ عند مالك، وأفْردَ الصديقُ لقلته! ".
وهذه طائفة صالحة من أسئلة القرآن، أوردها البسيلي على شاكلة: "لماذا قال كذا ولم يقل كذا؟ ":
- عند قوله تعالى: (اِلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): "لَمْ يَقُلْ "غيرِ الذينَ غَضِبْتَ عليهِم"؛ كمَا قَالَ: (الذِينَ أنعمْتَ عليهِمْ) ".
- عند قوله تعالى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ): "ولم يقل في الرعد "يكاد كذا"".
- عند قوله تعالى: (وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ): "لم يقل "بناتكم" في مقابلة " أبنائكم".
- عند قوله تعالى: (مِنَ اَلتَّعَفُفِ): "لم يقلْ "من تعففهم" ... ".
(1/173)

ْ- عند قوله تعالى: (في أوْلاَدِكُمْ): "لم يقلْ "في أبنائكم"؛ لصِدْقِ "الابن" على التبنّي، وليسَ مُراداً هنا".
- عند قوله تعالى: (وَإن كانَ رَجُلٌ): "إنْ قلت: هلَّا قيل "أحد" مكان (رجل)، ليتناول الكبيرَ والصَغير، والذكرَ والأنثى؟ ".
- عند قوله تعالى: (وأخرى كافرة): "لِمَ .... لم يقلْ "وأخرى تقاتلُ في سبيل الطاغوت""؟.
- عند قوله تعالى: (مَا تَقولُونَ)، لم عدل عن قوله "ما تتكلمون"؟.
- عند قوله تعالى: (فَلَن تَجِدَ له نصيرا): "لم يقلْ: "ناصرا" ... ".
- عند قوله تعالى: (وَمَا كانَ هَذَا اَلْقُرْآنُ أَنْ يُّفْتَرى مِن دُونِ اِللَّهِ): "الأصل "على الله"؛ لأنه المطابق لقولهم "افترى على الله"، وعدل عن هذا الأصل .... ".
- عند قوله تعالى: (أنزِلَ بِعِلْمِ اِللَّهِ): "ولم يقلْ: "مِنْ عند الله". ...
- عند قوله تعالى: (التي هُوَ في بَيْتِهَا): "لمْ يقُلِ امْرَأَةُ العزيزِ" .... ".
- عند قوله تعالى: (مِنَ اَلْخَاطِئينَ): "لمْ يقلْ: من الخاطئاتِ ... ".
(1/174)

- عند قوله تعالى: (في اِلْمَدِينَةِ): "لمْ يقلْ "مِن المدينةِ" ... ".
- عند قوله تعالى: (أم الله): "لمْ يقُل: "أَمِ الربُّ" ... ".
- عند قوله تعالى: (مِنَ أَبْوَابٍ مُتتَفَرِّفَةٍ): "لم يقلْ "متعددةٍ" ... ".
- عند قوله تعالى: (ويذبحون أبناءكم): "ولم يقل "بناتكم" في مقابل "أبناءكم" ... ".
- عند قوله تعالى: (لَنُهْلِكَنَّ اَلظَّالِمِينَ): "لم يقل "الكافرين" ... ".
- عند قوله تعالى: (إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ اَلْحَق): "لم يقل "وعد الباطل" كما قال "وعد الحق" أي الصدق؛ ولم يقل في وعد الله "فصدقكم" كما قال في وعد الشيطان (فَأخْلَفْتُكُمْ) ... ".
- عند قوله تعالى: (ذَاتِ حَمْل): "لمْ يقلْ "حاملٍ" كَما قالَ "مرضِع" ... ".
- عند قوله تعالى: (مَاذَا يَرْجِعُونَ): "لَمْ يقلْ "ماذا يُجيبُون" ... ".
(1/175)

- عند قوله تعالى: (أمْ تَكُونُ مِنَ اَلذِينَ لَا يَهْتَدُونَ): "لمْ يقلْ "أمْ لاَ تهتدي" ... ".
- عند قوله تعالى: (أهَكَذَا): "لم يقلْ "أهذا؟ " ... ".
- عند قوله تعالى: (علا في الأرْض): "لم يقل "استعلى" كما قال (لَعَالٍ في الأرْض) دون "مستعل" ... ".
- عند قوله تعالى: (لأخْتِهِ): "لمْ يقلْ "لابنتِها" ... ".
- عند قوله تعالى: (سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ): "لمْ يقلْ "مَا يعملونَ" ... ".
- عند قوله تعالى: (لجَاءَهُمْ): "لم يقل "لعاجلهم" ... ".
- "وقال في ذكر مريم بنت عمران (وَكانَتْ مِنَ الْقَانِتِين) فأدخلَها في وصف الذكور، ولم يقل "وكانت من القانتات" ... ".
- "وسؤال آخر: قال فيما تقدم (وَآيَةٌ لَهُمُ الاَرْض)، (وَآيَةٌ لَهُمُ الليْلُ) ولم يقل هنا "وآية لهم الفلك تحملهم" ... ".
(1/176)

- "فإنْ قلت: لِمَ لَمْ يقل: "ولا منقذ"؛ كما قال (فلاَ صَرِيخَ)، أو يقول "فلا يصرخون" كقوله (يُنقِذُونِ) ... ".
- عند قوله تعالى: (سَاعَة من نَهارٍ): "لم يقل تعالى "ساعة من ليل" ... ".
- عند قوله تعالى: (فَأَصَمَّهُمْ): "لم يقل "فأصمَّ آذانَهم"، كما قال (وَأَعْمى أَبْصَارَهُمْ) ... ".
- عند قوله تعالى: (أَفلاَ يَتَدَبَّرُونَ): "لم يقل "يتفكرون ولا يتذكرون" ... ".
- عند قوله تعالى: (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَة): "لم يقل "لِنَرْميَ" ... ".
- عند قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتاَنِ): "وقال (خَافَ): فعبر بالفعل ولم يقل "وللخائف"، فيعبر بالاسم ... ".
- عند قوله تعالى: (مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ): "ولم يقل "يختارون" ... ".
- عند قوله تعالى: (أَجْسَامُهُمْ): "لم يقل "أجسادهم" ... ".
(1/177)

- عند قوله تعالى: (يكذب بالدِّين): "وإنما قال: "يكذب" بلفظ المضارع، ولم يقل "كذب" ... ".
- عند قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً): "لم يقل "فأصبحت" ... ".
- "مما يسئل عنه هنا: لم قال (إذا وقب) و (إذا حسد)، ولم يقل من شر النفاثات إذا نفثت؟ ... ".
- عند قوله تعالى: (في صُدُورِ اِلناس): "لم يقل "في قلوب الناس" ... ".
...

د - مناقشة الفرق الكلامية خاصة المعتزلة:
عرض البسيلي لمحاجَّة المعتزلة في أصولهم، ورَدَّ عليهم في مواطن كثيرة، غير ما تحرَّاه من تعقّب المزالق الاعتزالية التي جَازتْ على بعض المفسرين، وقد عددتُ له 26 موضعا، ناقش فيها المعتزلة، تكاد تكفي قارئها لرسم صورة عن أهم الملامح الاعتقادية لهذه الفرقة الكلامية، فانظر المواضع التالية من "النكت":
12 ظ؛ 16 ظ؛ 17 و؛ 20 و؛ 30 ظ؛ 33 ظ؛ 41 و؛ 42 ظ؛ 44 ظ؛ 70 ظ؛ 78 ظ؛ 82 ظ؛ 97 و؛ 123 و - 124 ظ؛ 128 ظ - 129 و؛ 130 ظ؛ 134 ظ؛ 141 و؛ 144 ظ؛ 147 و؛ 148 ظ؛ 149 و؛ 154 ظ؛ و "تكملة ابن غازي": 3 و؛ 8 ظ؛ 14 ظ؛ 21 و.
ويتعلق بما مَرَّ من مناقشة المعتزلة، التنبيه على ما وقع في تفاسير أهل السنة كابن عطية من نزغات اعتزالية غير مقصودة، فمن ذلك عند تعالى (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)، حيث انتقد على ابن عطية قوله: "إن الله تعالى يحب التوفيق على العموم"،
(1/178)

وعدّها نزغة اعتزالية لم يتفطن لها ولم يقصدها؛ وبيَّن أن مذهبنا أنه تعالى يحب الخير ويحب الشر".
ثم جعل البسيلي نقْل ابنِ عطية عن النَّقَّاش: "المعنى: فيغفر لمن يشاء، أي: لِمَن يَنْزَعُ عنه، ويعذب من يشاء، أي أقام عليه"؛ اعتزالا، وهو أن المعاصي إنما تُغفر بالتوبة".
وعند قوله جل وعز: (وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ اِلْمُنكَر)، يقول ابن عطية: "يريد بعد امتثَالِه في نفسِه"، فيعتبره البسيلي اعتزالا. ولما بلغ ابن عطية تفسير قوله تعالى: (بِالحَقِّ)، عقب عليه البسيلي بقوله: "فسره ابن عطية بوجهين، ثانيهما اعتزال لم يشعر به!؛ وقد تقدم له نظيره في أول هذه السورة"، ومثل ذلك عند قوله تعالى: (فَكَرِهْتُمُوهُ)، يقول البسيلي: "نقلُ ابن عطية عن الرُّمَّاني أن كراهة هذا اللحم يدعوا إليها الطبع، وكراهة الغيبة يدعوا إليها العقل، اعتزالٌ غفل عنه؛ لأنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، وأن العقل يحسن ويقبح".
ومع حرصه على دحض شبهات الاعتزال، والوقوف مع "الكشاف" -خاصة- في دسائسه الاعتزالية الخفية، إلا أنه لم يكن ليتَوَانَ عن رفع هذه الشبهة حين يحتملُ الكلام وجوها، فلا يكون خالصا في إثباتها، فعند قوله تعالى: (وَأَنَهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى)، نقل قول الزمخشري في تفسيره: "أي: خَلَقَ القوةَ على الضحك والبكاء". ثم قال: "فإنْ أُورِدَ أنَ هذا اعتزال مبْنيٌّ على مذهبه في أن العبد يخلق أفعاله، وهو يوافقُنا في الدَّاعي أنّه خَلْقٌ لله تعالى "؟. فالجواب أن عادةَ الشيوخ أنهم لا يحملون على الاعتزال إلا ما هو صريحٌ فيه، وأمّا المحتَمَل الذي يوجِّهُهُ السُّنِّي على مذهبِه والمعتزلي على مذهبه فَلاَ، وهذا منه؛ بل ما فسَّره به الزمخشري أوْلى، لأن الآية حينئذٍ
(1/179)

تكون عامةً تتناولُ ما إذا كان الإنسانُ غيرَ ضاحكٍ ولا باكٍ، ووجودُ الضحك عند التعجب، ووجودُ البكاء عند الحزن نقولُ نحن إنه أمر عادي خلقه الله تعالى عند ذلك لاَ بِهِ، ويقول المعتزلة إنه أمرٌ عقلي مِنْ فِعل العبد وطبعِه".
كما وقع له ذلك مع السكوني حيث صرح أنه لا يتعين كون قول الزمخشري -عند قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء) - "لا يستطيع أحد شفاعة إلا بشرطين؛ أحدهما أن يكون المشفوع له مرتضى". لا يتعين أن يكون قوله "مرتضى" اعتزالا كما زعم ابن خليل في "التمييز"؛ لاحتمال كون معنى "مرتضى" أي مومنا، ولا يتعين تقييده بالطائع".
وقد يتجاوز البسيلي مناقشة الزمخشري إلى مناقشة شراحه، كالطيبي والسكوني، فيرى أن قول الزمخشري: "إن سبب الحكمة والمصلحة" اعتزال، ثم يورد عليه كلام صاحب "فتوح الغيب"، ويتعقبه في قوله: "معنى بالحق أي بالثواب"؛ بأنه إن أراد الثواب الشرعيَّ لا العقليَّ فهو مذهبنا، وأمّا المعتزلة فيقولون بالتحسين والتقبيح، وأن الله تعالى يجب عليه عقلا أن يُثِيبَ الطائع؛ فمعنى كلام الطيبي أن الله تعالى خلق السماوات والأرض بسبب الثواب والعقاب شرعا.
ومع أنه يمتح من معين شراح الكشاف، إلا أنه يخالفهم في أحايين في تقرير موضع الاعتزال، فعندما فسر الزمخشري قوله تعالى: (إلا بِإِذْنِ اِللَّهِ)، بقوله: "أي بمشيئته وإرادتِه"؛ أورد البسيلي بعده قول السُّكوني: "اعتزالٌ هنا، بناءً على نفْي الكلام، والمرادُ بالإذن قولُه تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ اِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيكُونُ). لكنه توقف في قبول كلامه فقال: "حدواثُ الحادِثِ لا يتوقَّفُ عقْلا على الكلام، بلِ على العِلمِ والقدرةِ والإرادة، وأمَّا شرعاً فيتوقف على الكلام، لقوله تعالى: (إِنَّمَا أمْرُهُ إِذَا أرَادَ شَيْئاً) الآية، وإنما اعتزالُ الزمخشري هنا مِن
(1/180)

حيثُ قولُه إِن العبدَ يخلُق أفعالَه، فلذلك قال "إلا بإرادته"، ولم يقلْ: "إلا بقدرته"".

هـ - عنايته بالمنطق وتطبيقاته على الآي القرآنية:
لم يعزب عن ذهن الرصاع وهو يأخذ عن البسيلي تضلعه في فنون منها المنطق، ولعل هذا الأمر هو الداعي لقوله "لازمته شهورا في قراءة المنطق وغيره". وهو يقول في موضع آخر من "فهرسته" "ينبغي في حق الطالب أن يأخذ العلم من أصله، وصاحب حقيق العلم المشتهر به هو الأحق بالأخذ عنه، لأنه أقعد به، لأن رب الدابة أولى بمقدمها، وصاحب الدار أولى بالإمامة فيها، وسمعت بعض مشايخنا يذكر في مثل ذلك مثلا عاميا أن ألذ ما تاكل الهريسة في حانوت السفاج، وقد كان أهل الطلب والرواية يرحلون لمن اختص بالعلم للقراءة عليه لأنه أقعد بذلك. وقد كانت الأوائل من العلماء رحمهم الله كل عالم في علم لا يخلط معه غيره تحقيقا لأصول ذلك العلم وبيانا لاصطلاحهم ... ".
وعلو كعب البسيلي يجد تفسيره في أخذه عن ابن عرفة، الذي "لو لم يكن ضليعا في المنطق، متمرسا بأساليب الجدل بين الفرق، لما ألف فيه مختصره الوجيز المحكم، وأنتم تعلمون أن المنطق في الفلسفة القديمة، هو قطبها الهادي وفلكها الدائرة حوله كواكبها".
وأظن أن البسيلي، على ما تشهد له ترجمته به من إخلاص للنهج العلمي لشيخه ابن عرفة، وعكوفه على كتبه بالتلخيص والشرح والتقييد، لم يخرم هذه القاعدة إلا مرة واحدة، حين عن له أن يشرح "جمل الخونجي" في المنطق، متجاهلا كتاب شيخه، فيؤلف كتابا مستقلا، لا يحاذي كتاب شيخه، ولا يشرحه، ولا يختصره، فكأنه استشعر في هذا الفن استقلاله العلمي التام، وسلم له ذلك طلبة العلم، فقصدوه لدراسته عليه.
ولئن كان لي رأي في إدارة مصطلحات المنطق وفروضاته في تفسير كتاب الله جل وعز، يجعلني أذهب مذهب من يرى أن نحو العرب منطق كاف يغني عن التلمظ
(1/181)

بعبارات تحصيل حاصلها يقع لذوي الأفهام السليمة والأذواق النقية والشفوف الروحاني الإيماني، من دون كد في طلب مفاهيم أكثرها يمجه الطبع، ويوقر به السمع. مع ذلك فإني أرى أن البسيلي كان جريئا في عرض المقولات المنطقية على آي الكتاب، وما ساقه منها أشبه بتطبيقات عملية لا يقدم عليها إلا من أوتي بسطة في هذا العلم. وهذه أمثلة لتطبيقاته المنطقية:
- المثال الأول: عند قوله تعالى: (وَإِن تُومِنُوْا وَتَتَقُوا يُوتِكُم أجُورَكمْ وَلاَ يَسْألْكُمُ أَمْوَالَكُمُ)؛ حيث استعرض ما في الآية على اصطلاح المناطقة، فقال: "هنا شرطيتان لما تتقرر في علم المنطق، من أن الشرطيةَ تتعدد بتعدد أجزاء تاليها، ومفهوم الأولى من الشرطيتين معمل؛ لأنهم إذا لم يومنوا ويتقوا لا أجر لهم؛ والثانية لا مفهوم لها، لأنهم إذا لم يومنوا لا يسألون أموالهم".
- المثال الثاني: قوله عند قوله جل وعز: (وَمَنْ يَتَوَل الله): "هو قياس شرطي اقتراني، إحدى مقدماته مضمرة؛ التقدير: ومن يتول الله ورسوله فهو من حزب الله، وكل من هو من حزب الله غالب، فمن يتول الله ورسوله غالب، وعلى هذا التقدير لا إشكال، فإن المرتب على هذا الشرط ثابت في نفس الأمر".
- المثال الثالث: ما قرره على قوله تعالى: (وَلَوْ كانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله)؛ حيث قال: "هذا من قياس الضمير، وهو مركب من مقدمتين: إحداهما مذكورة، والأخرى مضمرة. التقدير: القرآن ليس من عند غير الله، وكل ما ليس من عند غير الله، هو من عند الله. بيان الصغرى بما ذكر في الآية، وبيان الكبرى بأنه لا ثالث".
- المثال الرابع: وقع له عند قوله تعالى: (قل لوْ كَنتُمْ في بُيُوتِكُمْ)؛ وذلك قوله: "الآيةُ إمَّا تكذيبٌ للقضية المتقدمة، بِصِدْق نقيضِها، وإمّا إبطالٌ لإحدى مقدِّمَتَي
(1/182)

القياس، وهي الكبرى. فالمعنى على الأول أنهم قالوا: لوْ كان لنا من الأمر شيءٌ لَمَا خرجْنا، ولو لم نخرجْ ما قُتِلْنا. فأُبْطِل ذلك كلُّه بأَنْ قيل لهم: بل لو كان لكم من الأمر شيء لخرجتم. والمعنى على الثاني -وهو منعُ الكبرى وإبطالُها- وهي: "كلما لم نخرُجْ لم نُقتَلْ"، فصدق الأخص من نقيضها؛ لأن كونَهم في بيوتهم، أخصُّ مِن قولهم (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَىْءٌ)، فإذا رُتِّبَ الموتُ على كونهم في بيوتهم، فأحْرَى أن يترتَّبَ على عدمِ خروجهم".
وقد يستطرد عند التفسير إلى عرض مبادئ علم المنطق، كما وقع له في مواضع متعددة؛ منها عند قوله تعالى: (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ)، حيث استفاد من الآية فائدة أصلية، وهي إفادة التعريف بالخاصة، ثم قال: "وهو الصحيحُ في علم المنطق عندهم -خلافا لنصير الدين السمرقندي- فإنه مَنَع التعريفَ بالمفردِ الجنس وحدَه أو الخاصَّةِ وحدها، قائلا: "لم يُعرِّف المتقدمون بذلك، بل من المركَّب من الجنس والخاصة"، واختاره الشيرازي في شرحِه "أصْلِي بنِ الحاجب". وجميعُ المناطقة على خلافه، لذِكْرِهم في المعرفات: الرّسم الناقصُ ما كان بالخاصَّة فقط، أو بها وبالجنس".
والبسيلي عند عرضه معنى الآي على مقتضى قواعد المنطق، يصادف إشكالات لم يُخْل كتابه من ذكرها، فمنها عند تنكيته على قوله تعالى: (إِنْ يُّعْفَ عَن طَآئفَة)؛ حيث قال: "في فهمِها على قاعدةِ المنطق إشْكالٌ، وهو أن القضيةَ الشرطيةَ المتصلةَ يلزمُهَا منفصلةٌ مانعةُ الجمع، مِنْ عينِ مُقَدَّمِها ونقيضِ تالِيهَا، ومنفصلةٌ مانعةُ الخلُوِّ من نقيض مقدَّمِها وعينِ تاليها متعاكستين عليها، وتقريرُ ذلك هنا أن اللازم: "إما أن يُعْفى عن طائفةٍ منكم، وإمّا ألا تعذبَ طائفةٌ"، ولا عِنَادَ بين هذين، فليست مانعةَ جمع". ثم نقل عن ابن عرفة قوله: "وأجابني الآبلي وبعض طلبته، بأن ذلك إنما يلزم في القضايا العقلية، وأما الشرعية الجُعْلية فلا. ويكون اللزومُ هنا اتفاقيا، مثل: "كلما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا".
(1/183)

ويحتاج البسيلي في تقريره للتطبيقات المنطقية، إلى تذكير القارئ بين الفينة والأخرى بمقولات هذا العلم، وما قرره أهله، فتتناثر طي كتابه مصطلحات المنطق وقواعده، من دون أن تخطئها العين، لكثرتها ووضوحها؛ فمن ذلك، قوله في مواضع مختلفة:
- "تقرر في علم المنطق في العكوسات أن هذا من باب استلزام الأعم أمرا لا من باب نفي الأعم، فهو نفي لاستلزام الأعم أمرا، ولا يلزم من عدم استلزامه إياه عدم استلزامه الأخص".
- " ... يرد بأنَّ المنطقيين ذكروا الفرق بين الحكم على الموضوع من حيث ذاته، والحكم عليه من حيث صفته".
- "وأَوْرَدَ على ذلك قولَ المنطقيين أن السالبة الدائمة تنعكس كنفسها".
- "كقول المنطقيين في الضرورة إنها تشمل الأزلية والزمانية".
- "خلاف قول المنطقيين أن التعجب لازم للإنسان بغير وسط، فلا يقال: تعجب لأجل كذا".
- "يؤخذُ من الآية أيضاً إفادةُ الرسمِ التعريفَ -كما يقولُه المناطقة-".
- "في جملةِ أَحكام القَضايا عندَ المنَاطقَةِ، مِنْ ضرورةٍ وإِمكانٍ وإِطْلاقٍ ودوامٍ وغيرِهَا".
وقد صرح المؤلف بمصادره من كتب المنطق، ونقل عنها، وهي مصادر أصيلة طائرة الصيت عند أهل الفن؛ فمنها:
(1/184)

- "الجمل في المنطق" لأفضل الدين أبي عبد الله محمد الخونجي (ت 646 هـ)؛ قال فيه ابن خلدون: "على كتبه معتمد المشارقة لهذا العهد، وله في هذه الصناعة ... مختصر "الجمل"، في قدر أربعة أوراق، أخذ بمجامع الفن وأصوله، فتداوله المتعلمون لهذا العهد فينتفعون به، وهجرت كتب المتقدمين وطرقهم كأن لم تكن"؛ وقد نقل البسيلي عنه في مواضع.
- "شرح جمل الخونجي" لابن واصل: والمقصود محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم، ابن واصل الحموي، جمال الدين (ت 697 هـ)، واسم شرحه "شرح ما استغلق من ألفاظ كتاب الجمل في المنطق". نقل عنه الموً لف في "التقييد الكبير"، والكتاب مخطوط، منه نسخة مبتورة الأخير، بخط مغربي، في دار الكتب الناصرية، رقم 1570، أول مجموع.
- "المختصر المنطقي" لابن عرفة؛ تقدم التعريف به. نقل البسيلي عنه مرات.
...

وتوظيفه لمعطيات العلوم الطبيعية:
قديما استشعر الفخر الرازي أن استغراقه في الاهتمام بالآيات الكونية وذكرِ نُبَذٍ من علم الهيئة والحساب والفلك وغيرها، قد يدفع نقّاده إلى وصفه بالتزيد والإكثار من ذلك؛ فاعتذر في تفسيره بقوله: "وربما جاء بعض الجهال والحمقى وقال إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم، وذلك على خلاف المعتاد، فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل لعرفت فساد ما ذكرته، وتقريره من وجوه:
- الأول: أن الله تعالى ملأ من كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار ... وذكر هذه الأمور في أكثر السور وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزا لما ملأ الله كتابه منها.
(1/185)

- الثاني: أنه تعالى قال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ)، فهو حثٌّ على التأمل في أنه كيف بناها، ولا معنى لعلم الهيئة إلا التأمل في أنه كيف بناها وكيف خلق كل واحد منها.
- الثالث: أنه تعالى قال: (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فبين أن عجائب الخلقة وبدائع الفطرة في أجرام السماوات أكثر وأعظم وأكمل مما في أبدان الناس، ثم إنه تعالى رغب في التأمل في أبدان الناس بقوله: (وفى أنفسكم أفلا تبصرون)، فما كان أعلى شأنا منها أولى بأن يجب التأمل في أحوالها.
- الرابع: أنه تعالى مدح المتفكرين في خلق السماوات والأرض ... ولو كان ذلك ممنوعا لما فعل.
- الخامس: ... أن كل من كان وقوفه على دقائق كتابٍ ولطائفه أكثر، كان اعتقاده في عظمة ذلك المصنف وجلالته أكمل".
وإذا علمنا أن تفسير الرازي كان من مآخذ البسيلي الأولى، فهمنا أنه يشاطر الفخر أن إيراد الفوائد العلمية واللطائف الحكمية، ليس على سبيل التكثر، وإنما هي ضرورة دعته إليها طبيعة تفسير كتاب الله. وقد أورد في تفسيره جملا من مبادئ العلوم الكونية، استعان بها على إصابة المعنى المراد، فاستفاد من الهندسة والرياضيات وعلم الفلك والتوقيت.
فمن استغلاله لمبادئ علم الهندسة، استدلاله عند قوله الله تعالى: (عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْءِ)، على أن ما حل بهم من العذاب لا ينتهي؛ لأنه عبر بالدائرة، وهي كما تقرر في الهندسة لا طرف لها ولا آخر.
(1/186)

وقد يفزع للاستدلال على معنى من المعاني بمقولات رياضية، مثلما فعل عند قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ)؛ حيث قرر أن الذي أَصَاب قومَ نوح الغَرَقُ، والذِي أَصَابَ قوْمَ هودٍ الصَّيْحَةُ، والذي أَصابَ قومَ صالح الهلاَكُ. ثم ساق قول أقليدس: "الأشياءُ المساوية لشيءٍ واحدٍ مُتساوية"، واستشكلً ذلك بأن هذه متَبَاينةٌ، فكيْفَ يُصيبُهم مثْلُها؟. ثم أجاب أَنَّ المُماثَلَةَ في القدْرِ المشتَرَكِ بيْنهما، وهو مُطْلَقُ الإِهلاكِ.
ومما يدل على إلمامه بالرياضيات، إحالته على كتاب في الفن شهير، وهو "رفع الحجاب عن أعمال الحساب" لأبي العباس ابن البناء العددي المراكشي؛ والذي وصفه ابن خلدون بأنه مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني، وهو كتاب جليل؛ فقد قال البسيلي عند قوله جل وعز: (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة): "وفرق ابن البناء في "رفع الحجاب" بين العدد والعدة بأوجه؛ فانظره".
وهو يستفيد من علم الفلك أيضا، مثاله قوله بمناسبة تفسير قوله تعالى: (تُولِجُ الليلَ في اِلنَّهارِ): "إن قلت: في الآية رد على قول من قال إن وسط الأرض يستوي ليله ونهاره دائما، وأن بعض المواضع يدوم نهاره، وبعضها يدوم ليلها، فالجواب من وجهين:
- الأول: أن الآية مطلقة لا عامة. ويرد عليه أن الإطلاق في الإيلاج لا في لفظ الليل والنهار لتعريفهما بـ "أل" فيعم.
- الثاني: أن المقصود من الآية ذكر حال المعمور من الأرض دون غيره، ويرد عليه أن وسط الأرض وهو موضع خط الاستواء معمور أيضا، وأما ما بعده من جهة الجنوب، فقال بطليموس: "المعمور منه قدر ست عشرة درجة من الفلك".
(1/187)

وهو موفق في استثماره لهذا العلم، في حل المشكلات الفقهية، ومحاذاة تفسير كلام الله، فعند قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها)، يورد ما يلي: "سئل الفقيه المفتي أبو عبد الله محمد السكوني: كيف يتقرر الصيام بالنسبة إلى أهل الجزر الخالدات، الذين ليلهم ستة أشهر، ونهارهم ستة أشهر، فقال: لعلهم لم تبلغهم الدعوة!. قال بعضهم: بل الصواب أن يقال: إن الشمس إذا لاقت جزءا من الفلك الذي هو ثلاثمائة وستون درجة، فإذا عادت إلى محاذاة ذلك الجزء، فهي الدورة، وبها يحسبون الليل والنهار، وكذا إذا كان زمنهم كله ليلا أو كله نهارا".
والجدير بالذكر أن البسيلي لا يتابع فيما ترى الفخر أو غيره، بل يعتمد مصادره الخاصة، والتي يعرب عنها أحيانا، فقد ذكر من مآخذه النادرة: "رصد الشيخ عبد الخالق"، و "رمح" الرقام.
وحاصله أنه يستفيد من العلوم الكونية في توجيه معاني الآيات، ولكنه لا يُطغي هذا الجانب إلى حد يخرجه عن التفسير كما لوحظ عند الفخر، بل يطرز به كتابه، ويدلل به على مدى الانفتاح العلمي الذي بلغه علماء إفريقية في القرن الثامن والتاسع.

12 - عناية البسيلي بالنقل عن المفسرين ونقد التفاسير:
لقد غلب على تفسير البسيلي التوسع في اللغة ومباحثها، ونقد المفسرين المشهورين بالاتجاه اللغوي والبياني، كلما عثر لهم على خطأ في الفهم والتأويل، وخاصة الزمخشري وابن عطية وأبا حيان الأندلسي.
وقد زخر الكتاب بنقول وافرة عن ابن عطية والفخر والزمخشري وأبي حيان وابن العربي، وهي تاتي مرة لتكون من مادة التفسير العاضد لرأي المؤلف، فتكون نقولا صرفة، وأحيانا يوردها البسيلي للانتقاد؛ وقد استقريت نقوله عن المفسرين المذكورين ومواطن تعقبه لهم، فجاءت على النحو التالى:
(1/188)

من هذه الصفحة وحتى آخر صفحة 165 جداول غير مهمة ويتعذر وضعها في تقنية الشاملة. اهـ (مصحح النسخة الإلكترونية).
(1/189)

المبحث الخامس: مصادر البسيلي في "نكت وتنبيهات"
إن المتصفح لنكت البسيلي، يستوقفه لا ريب هذا الزخم المتنوع من المصادر المشرقية والمغربية يكاتف فيها النحو التفسير، ويصَافُّ فيها الحديث والفقهُ العلومَ الحِكَمِيةَ والفلسفية لتشكل برمتها كشكولا بديعَ النسق، متواشج العلائق، لا ينبو به الفكر، ولا تسمُجُ فيه العبارة، مع غلبة ظاهرة مبرَّرة لكتب التفسير.
وسنسوق موارده موردا موردا، مصنفين الموارد إلى الفنون التالية:
أ - كتب التفسير وعلوم القرآن.
ب - كتب القراءات وتوجيهها.
ج - كتب الحديث، وفقهه.
د - كتب الفقه.
هـ - كتب أصول الفقه.
وكتب الأدب واللغة والنحو والبلاغة.
ز - كتب أصول الدين والعقائد والرقائق وكتب الحكمة.
ح - كتب السيرة والتراجم.
ط - التقييدات الخطية والأسئلة، ومتفرقات.
أ - كتب التفسير وعلوم القرآن ومعانيه:
- البحر المحيط، لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت 745 هـ).
- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي أبى محمد عبد الحق بن غالب ابن عطية الأندلسي (ت 542 هـ).
(1/196)

- مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، للإمام فخر الدين الرازي (ت 606 هـ).
- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، لمحمود بن عمر الزمخشري (ت 538 هـ).
- أحكام القرآن، للقاضي أبي بكر بن العربي المعافري المالكي (ت 543 هـ).
- الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت 671 هـ).
- معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفراء (ت 207 هـ).
- الكتب بفتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب للحسن بن محمد بن عبد الله شرف الدين الطِّيبِي (ت 743 هـ).
- المجيد في إعراب القرآن المجيد لبرهان الدين أبي إسحق إبراهيم السفاقسي (ت 742 هـ).
- ملاك التأويل، القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل، توجيه المتشابه من اللفظ من آي التنزيل، لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي (ت 708 هـ).
- كتاب الفرائض وشرح آية الوصية، للإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله، السهيلي الخثعمي المالقي الحافظ (ت 581 هـ).
- قانون التأويل لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت 543 هـ).
- الانتصاف، لأبي العباس أحمد بن محمد ناصر الدين بن المنير الجذامي الإسكندراني (ت 683 هـ).
- التمييز لما دسه الزمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز، لأبي علي عمر بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن خليل السُّكُونى (ت 717 هـ).
ب - كتب القراءات وتوجيهها:
- شرح الهداية، لأبي العباس أحمد بن عمار المهدوي (ت نحو 440 هـ).
(1/197)

- حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع، للإمام المقرئ القاسم بن فيرُّه الشاطبي (ت 590 هـ).
- مشكل إعراب القرآن، لأبي محمد مكي بن أبي طالب حموش القيسي الأندلسي (ت 437 هـ).
- التبيان لأبي البقاء عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبري (ت 616 هـ).
ج - كتب الحديث وفقهه:
- صحيح الإمام البخاري.
- صحيح الإمام مسلم.
- سنن الترمذي.
- مسند الإمام أحمد.
- المعلم بفوائد مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري الصقلي (ت 536 هـ).
- شرح الجوزقي للمازري أيضا.
- إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي (ت 544 هـ).
- الأذكار، لأبي زكريا يحيى بن شرف الدين النووي (ت 676 هـ).
- علوم الحديث لأبي عمرو عثمان ابن الصلاح الشهرزوري (ت 642 هـ).
- المنتقى شرح موطأ مالك، للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت 474 هـ).
- المسالك في شرح الموطأ لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت 543 هـ).
- عارضة الأحوذي لابن العربي أيضا.
(1/198)

- الاستذكار الجامع لمذهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي النمري (ت 463 هـ).
- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر أيضا.
- الأحكام الوسطى لأبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الإشبيلي، ابن الخراط (ت 581 هـ).
- بيان الوهم والإيهام لابن القطان، أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الحميري الكتامي الفاسي (ت 628 هـ).
د - كتب الفقه:
- الأحكام لإسماعيل القاضي، أبي إسحق بن إسحق بن إسماعيل بن حماد الأزدي البصري المالكي (ت 282 هـ).
- المدونة للكبرى للإمام أبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العُتَقي بالولاء (ت 191 هـ).
- التبصرة، تعليق على المدونة، لأبي الحسن على بن محمد الربعي، شهر اللخمي (ت 478 هـ).
- الفروق في القواعد الفقهية للقرافي، المسمى بـ "أنوار البروق في أنواء الفروق"، لأبي العباس شهاب الدين القرافي (ت 684 هـ).
- العتبيية لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي (ت 254 أو 255).
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي (ت 520 هـ)، وضمنه "المستخرجة من الأسمعة المعروفة بالعتبية" لمحمد العتبي القرطبي (ت 255 هـ).
- مسائل أبى الوليد ابن رشد الجد (ت 520 هـ).
- الرسالة للإمام أبى محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (ت 386 هـ).
(1/199)

- الجامع لمسائل المدونة وزياداتها ونظائرها وشرح ما أشكل منها، وتوجيهه والفرق بينه وبين ما شاكله، مجموع بالاختصار وإسقاط التكرار وإسناد الآثار من أمهات الدواوين للأئمة المالكيين؛ للشيخ الفقيه أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي القيرواني، شهر الصقلي (ت 451 هـ).
- النظائر لأبي عمران موسى بن عيسى الفاسي الغفجومي (ت 430 هـ).
- تهذيب المدونة والمختلطة، لأبي سعيد خلف بن أبي القاسم الأزدي، ابن البراذعى (ت بعد 386 هـ).
- المعونة على مذهب أهل المدينة، للقاضي عبد الوهاب البغدادي (ت 422 هـ).
- التلقين في المذهب المالكي، للقاضي عبد الوهاب أيضا.
- جامع الأمهات، وهو المختصر الفقهي لجمال الدين أبي عمرو عثمان بن عمرو بن أبي بكر، ابن الحاجب (ت 646 هـ).
- شرح التلقين.
- شرح التهذيب للشرمساحي عبد الله بن عبد الرحمن بن عمر المغربي الزواوي الإسكندري (ت 693 هـ).
- شرح التفريع لشرف الدين أبي محمد عبد الله بن يحيى بن علي الفهري، المشهور بابن التلمساني (ت 644 هـ).
- المبسوط، وهو المختصر الفقهي للإمام أبي عبد الله محمد ابن عرفة الورغمي التونسي (ت 803 هـ).
- المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات، لابن رشد الجد (ت 520 هـ).
- شرح الفرائض الحوفية، لأبي عبد الله محمد بن علي بن سليمان السّطّي (ت 749 هـ).
- النهاية والتمام لأبي الحسن علي بن عبد الله الأنصاري المتِّيطي (ت 570 هـ).
(1/200)

- الجواهر الثمينة لأبي محمد عبد الله بن نجم بن شاس الجذامي السعدي (ت 610 هـ).
- التنبيهات المستنبطة على كتب المدونة والمختلطة، وتقييد مهملاتها وشرح غريب كلامها وبيان اختلاف رواتها وإصلاح الغلط الواقع من بعض رواتها ... للقاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي (ت 544 هـ).
- الاستغناء في أدب القضاء والأحكام، لخلف بن مسلمة، يُعرف بابن عبد الغفور الأقليشي (ت نحو 440 هـ).
هـ - كتب أصول الفقه:
- شرح "الحاصل من المحصول لتاج الدين الأرموي" لابن سرور قاضي الأنكحة بتونس، المتوفى بها سنة 700 هـ.
- المحصول في علم أصول الفقه، للإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت 606 هـ).
- المعالم في علم أصول الفقه، للفخر أيضا.
- التحصيل للسراج الأرموي.
- شرح المعالم الفقهية لشرف الدين، أبي محمد عبد الله بن يحيى بن علي الفهري، المشهور بابن التلمساني (ت 644 هـ).
- الحاصل لتاج الدين الأرموي.
- شرح المختصر الأصولي، المسمى بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، لمحمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أبي بكر، العلامة شمس الدين أبو الثناء الأصبهاني الشافعي (ت 749 هـ).
- منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، لجمال الدين أبي عمرو عثمان ابن عمرو بن أبي بكر، ابن الحاجب (ت 546 هـ).
- المحصول في أصول الفقه لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت 543 هـ).
(1/201)

- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، لسلطان العلماء العز بن عبد السلام السلمي (ت 660 هـ).
- مفتاح الوصول في بناء الفروع على الأصول للشريف محمد بن أحمد التلمساني (ت 771 هـ).
و كتب الأدب واللغة والنحو والبلاغة:
- المقتضب لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد (ت 285 هـ).
- كتاب الجمل في النحو، لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحق الزجاجي (ت 340 هـ).
- شرح جمل الزجاجي الكبير، لابن عصفور الإشبيلي (ت 669 هـ).
- المقرب في النحو، لابن عصفور أيضا.
- شرح الإيضاح لابن عصفور.
- الدرة الألفية في النحو لابن معط، أبى الحسين زين الدين الزواوي المغربي (ت 628 هـ).
- مغني اللبيب لابن هشام أبى محمد عبد الله جمال الدين ابن هشام الأنصاري (ت 761 هـ).
- نقد المقرب لعلي بن محمد الكتامي الإشبيلي، أبي الحسن المعروف بابن الضائع (ت 680 هـ).
- شرح كتاب سيبويه لعلي بن محمد، نظام الدين أبي الحسن بن خروف الأندلسي النحوي (ت 606 هـ).
- المقدمة النحوية لأبي الحسن طاهر بن أحمد ابن بابشاذ النحوي المصري (ت 469 هـ).
(1/202)

- شرح تسهيل ابن مالك لأثير الدين محمد بن يوسف، أبي حيان الغرناطي الجياني (ت 745 هـ).
- تأليف للقرافي في إعراب "فضلا".
- محاجاة في مسائل نحوية لجار الله محمود بن عمر الزمخشري (ت 538 هـ).
- شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد البكري (ت 478 هـ).
- فقه اللغة وسر العربية، لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي (ت 429 هـ).
- كتاب الأمالي، لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي البغدادي (ت 356 هـ).
- الاقتضاب في شرح شرح أدب الكتاب، لأبي محمد عبد الله بن محمد ابن السِّيد البطليوسي (ت 521 هـ).
- تثقيف اللسان وتلقيح الجنان، لابن مكي الصقلي (ت 501 هـ).
- المثل السائر لضياء الدين أبي الفتح، نصر الله ابن الأثير (ت 637 هـ).
- مفتاح العلوم للإمام أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكاكي (ت 626 هـ).
- البردة لمحمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله البوصيري الصنهاجي (ت 697 هـ).
ز - كتب أصول الدين والعقائد والرقائق وكتب الحكمة:
- المتوسط في الاعتقاد لأبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري الإشبيلي (ت 543 هـ).
- سراج المريدين لابن العربي أيضا.
- الإرشاد لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (ت 478 هـ).
- الشامل للجويني أيضا.
(1/203)

- التلخيص في أصول الدين للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (ت 474 هـ).
- الاقتصاد لأبي حامد محمد بن محمد، زين الدين الطوسي الغزالي (ت 505 هـ).
- التفرقة بين الإيمان والزندقة للغزالي أيضا.
- الحقائق للغزالي.
- إحياء علوم الدين للغزالي.
- نهاية الإقدام، لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت 548 هـ).
- الإشارات والتنبيهات لأبي علي الحسين بن عبد الله، ابن سينا (ت 428 هـ).
- محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين للإمام فخر الدين الرازي (ت 606 هـ).
- شرح الإرشاد في أصول الاعتقاد، لأبي الفتح تقي الدين مظفر بن عبد الله الشافعي، المعروف بالمقترح (ت 612 هـ).
- عقيدة المقترح، المسماة بالأسرار العقلية في الكلمات النبوية.
- الفصل في الملل والأهواء والنحل لأبي محمد على بن حزم القرطبي (ت 456 هـ).
- الهداية للقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت 403 هـ).
- لحن العامة والخاصة في المعتقدات لأبي علي عمر بن محمد بن محمد بن أحمد، ابن خليل السُّكُوني (ت 717 هـ).
- مختصر الإمام ابن عرفة في علم الكلام (الشامل).
- موازنة الأعمال لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي الظاهري (ت 488 هـ).
- شرح المعالم الدينية لشرف الدين، أبي محمد عبد الله بن يحيى بن علي الفهري، المشهور بابن التلمساني (ت 644 هـ).
(1/204)

- التذكرة في علم أصول الدين أبو علي الحسن بن علي المسيلي القاضي.
- جمل الخونجي في المنطق.
- قوت القلوب لأبي طالب محمد بن علي بن عطية المكي الواعظ المذكر (ت 386 هـ).
- العاقبة في ذكر الموت، لأبي محمد عبد الحق الإشبيلي (ت 581 هـ).
- تلبيس إبليس، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (ت 597 هـ).
ح - كتب السيرة والتراجم والفهارس:
- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر القرطبي النمري (ت 463 هـ).
- الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام، لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي (ت 581 هـ).
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض بن موسى بن عياض السبتي الأندلسي (ت 544 هـ).
- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض أيضا.
- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430 هـ).
- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، لأبي العباس شمس الدين أحمد بن خلكان (ت 681 هـ).
- فهرست اللبلي، أحمد بن يوسف بن يعقوب بن علي الفهري (ت 691 هـ).
- المُشرق في ذكر علماء المغرب والمشرق لأبي العباس أحمد بن عبد الله القرشي الشريف الغرناطي (ت 692 هـ).
(1/205)

ط - التقييدات الخطية والأسئلة، ومتفرقات:
- نتيجة النكتتين في بيان وحدة الليلتين، للإمام ابن عرفة (ت 803 هـ).
- كتاب أقليدس في الرياضيات.
- كتاب بطليموس في الهيئة.
- أسئلة وردت على ابن عرفة.
- طرر للزبيدي على ابن عطية.
- الأسئلة لأبي عبد الله محمد بن علي بن عمر المازري الصقلي (ت 536 هـ).
- نقول وحكايات عن المعاصرين.
- سؤال وجه لأبي محمد عبد العزيز المهدوي (ت 623 هـ).
- نقول خطية عن شيخيه ابن عرفة وأبي مهدي عيسى الغبريني.
(1/206)

المبحث السادس: المقارنة بين تقييدين عن ابن عرفة: تفسير البسيلي وتفسير أبي القاسم الشريف السلاوي (بين تقييدي البسيلي والسلاوي)
يظهر بالمقارنة البسيطة تهافت القول بأن واحدا من مقيدات البسيلي والأبي والسلاوي قد جمع تفسير ابن عرفة، دليله أنك تجد في بعضها ما لا تجده في الآخر، فعند قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق)، نجد السلاوي يبحث في عدد السماوت، وهل تقوم الآية دليلا على المشهَّر منْ أنها سبع، ثم يحكي عقيبه الخلاف، مستشهدا بقيل الفلاسفة وبطليموس، ثم يسوق الحكاية التالية: "ويحكى عن شيخ يقال له ابن عبد القادر، كان قرأ على الشيخ ابن الدراس الطبيب، أنه اجتمع مع الفقهاء عند السلطان المستنصر، فبحثوا ثم في التشاؤم بعدد السبع، وأنه مستقبح مرجوح، فبحث هو على أنه مستحسن، وألف فيه كتابا وقال في جملة احتجاجه أن السموات سبع"؛ ثم ينقل السلاوي عن ابن عرفة أنه أعدل الأقوال.
وقد أضرب البسيلي صفحا عن ذكر كل هذا، وأوجز ما أورد فيه عن ابن عرفة بقوله: "وفي كتب الهيئة في عدد الأفلاك خلاف". ولعل هذا الاقتضاب مئنة فقه البسيلي
(1/207)

وإدراكه أن الخوض في مثل ما ذكر، ليس من التفسير في شيء، ويعفيه من عدم ذكره أنه لم يلتزم بنقل كلام ابن عرفة برمته، ولا أخلى نفسه من عهدة التصرف فيه، والزيادة عليه.
وقد يدع البسيلي التنكيت على آية ما، فيما أن السلاوي يثبت ما لابن عرفة عليها من الكلام، مثاله ما أورده أبو القاسم على قوله تعالى: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر)،: "قال [ابن عرفة]: فيه حجة للقول بأن المياه كلها من السماء، وقال الإمام فخر الدين: قال بعضهم: المراد السحاب، وسماه سماء لعلوه، والمعنى أن الله تعالى أصعد الأجزاء المائية من قعر الأرض إلى البحار، ومن البحار إلى السماء، حتى صارت عذبة بسبب ذلك التصعيد، فائتلفت وتكاثفت، ثم أنزلها الله على قدر الحاجة إليها. قال الفخر ابن الخطيب: واعلم أن هذا إنما ينتحله من ينكر الفاعل المختار؛ قال ابن عرفة: يريد به الفلاسفة. قال: وهذا لا يصح نسبته للفلاسفة، فإن القاضي أبا بكر بن العربي ذكر في تفسيره هذا القول بعينه؛ قال: إن جميع فضلات الأرض يخرج إلى البحر، وتجتمع فيه وتصعد بخارا ... إلى آخره. وسكت عنه ولم يعزه للفلاسفة، وظاهره أنه عنده صواب، وهو من عادته التشنيع عليهم. وحكى ابن رشد في كتاب السواد والأنهار في سماع أشهب، في ذلك ثلاثة أقوال. وأما الأنهار التي في الجنة، فسيحان بالهند، وجيحان، ويقال: سيحون وجيحون، والدجلة والنيل والفرات، فسيحان بالهند، وجيحان ببلخ، والدجلة والفرات بالعراق، والنيل بمصر".
وما سقناه لا ذكر له عند البسيلي لا في "التقييد الكبير" ولا في اختصاره.
(1/208)

وقد يذكر البسيلي والسلاوي عند إيراد الآية ما لا يذكره كل منهما منفردا، فيزيد أحدهما على الآخر بتفصيل أو زيادة.
فعند قوله تعالى: (وإنا على ذهاب به لقادرون)، يرى البسيلي أن "الآية دالة على تعلق القدرة بالعدم الإضافي"؛ وهذ كل كلامه على الآية، فيما أن السلاوي يأتى بكلام أئمة التفسير على الآية -ابن العربي والزمخشري-، مطرزا له بانتقادات ابن عرفة، مردفا له بحكاية عن أحمد بن حنبل، لصيقة الدلالة بالآية.
وليس يغضي من قيمة تفسير البسيلي الإقرار بأن كلام الشريف أقوم بالمعنى وأوعى في النقل، وأخلص في التوجيه؛ وهذا سياق كلامهما عن قوله تعالى: (فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب)، ليتبدى لك ما أسلفته. قال البسيلي: "نسب الإنشاء إلى الماء، وإن شاركه التراب؛ لأن الماء هو الجزء المكمل". ويورد الشريف عن ابن عرفة ما يشفي الغلة ويوضح المعنى فيقول: "فإن قلت: إن السبب في خروج النبات التراب والأرض والماء، فلم أسند إنشاءه في جميع آيات القرآن إلى الماء خاصة دون ما عداه؟. فأجاب: بأنه إشارة إلى إبطال مذهب الطبائعية ومن تبعهم، وتنبيه على أن جميع الكائنات إنما هي بقدرة الله تعالى، لأنه لو أسند ظهور النباتات إلى التراب والأرض، لكان فيه إبهاما ودليلا للطبائعية، لأن الأراضي مختلفة بالجودة والرداءة والتوسط، والنبات لاختلف الطعم والروائح والألوان، فكأن يقول الطبائعي: هذا الاختلاف في النبات لاختلاف الأراضي، فأسند ظهور النبات إلى المطر المنزل من السماء، وهو متحد في اللون والطعم والريح، فدل أن ذلك الاختلاف في النبات لا لسبب ولا لطبع ولا طبيعة، بل بقدرة الله تعالى وإرادته، ولو يشاء أن ينبت تلك الأشياء بغير مطر لأنبتها، ولو شاء أن ينبتها في غير تراب لأنبتها ولكنه أجراها على الأمور العادية المألوفة، وهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال: وهذا ذكره الناس في كتبهم؛ قال الضرير في أرجوزته:
وَرُدَّ قولُ الطَّبَعِيِّ الجاحدِ ... بقوله (تُسْقى بماء واحد)
(1/209)

وقد انفرد البسيلي في هذا الموضع ببيان أن الآية اشتملت على العلل الأربعة: المادية وهو الماء؛ والصورية، وهو اختلاف الأنواع؛ والغائية وهو الأكل؛ والفاعل وهو الله تعالى".
وسيظهر من خلال هذا الجدول الذي يبين الآيات التي تكلم عليها كل من المفسِّريْن في سورة المومنون، أن ما يورده السلاوي على الآية أغزر مادة وأوفى نقلا:
(1/210)

نتائج:
نستخلص بادي الرأي من هذا الجرد، أن السلاوي أكثر استيفاء للكلام على الآية، إذ قد يطول ما يورده عنها، ففي حين أن نكت البسيلي على مجمل سورة المومنون في صفحات كبيرة (552 - 557، بإدخال الغاية)، بلغت عند السلاوي 11 صفحة متوسطة بخط دقيق (مج 3: 1 - 12)، وهي تستوعب ثلث السورة فقط؛ إذ أول السورة وآخرها
(1/211)

مبتور، والقطعة المتضمنة لتفسير السورة تبتدئ بقوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق)، وتنتهي بقوله تعالى: (وأكثرهم للحق كارهون).
ثم إن تفسير السلاوي، صورة خالصة عن مجلس ابن عرفة، ينقل فيها الشريف كلامه ومناقشات تلاميذه، فإن كان الكلام للشيخ سماه، أو رمز له بحرف العين، وإن كان النقل سؤالا من لدن حاضر، أورده على شاكلة "قيل لابن عرفة"، فإن أجاب أثبت الجواب على طريقة الفنقلة. وقد يعتور النكتة أسئلة شتى، فيثبتها على الولاء، دون أن يتدخل بالزيادة أو الحذف، مثاله عند قوله تعالى: (وَنجِّنِي ومَن معي من المومنين): (قال ابن ع: في هذا إشارة إلى ما ورد في الحديث في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له: "أنهلك وفيما الصالحون؟. فقال: نعم؛ إذا كثر الخبث". فكأن نوحا عليه السلام استشعر هذا فاحترز منه بهذا الدعاء. قيل لابن ع: هلاّ قال: فنجني ومن اتبعني من المومنين؟، فيكون مقابلا لما تقدم، فقال: أعرض عن مقالتهم، ولم يلتفت إليها بالكلية وهو الأنسب في العدو مع عدوه الذي لا يأبه به".
ولا حضور لذاتيته خلال التفسير، فهو لا يسمي نفسه حتى، ولا يذكر شيئا من أمور دراسته أو أسرته، ولا ذكر عنده لحكايات موضوعية إلا ما ذكره الشيخ؛ وقد يقتصر تدخله في النص على تعقيب بسيط لا تجده إلا لماما، فمن هذه المواضع النادرة التي تدخل فيها بالزيادة قوله عند قوله تعالى: (قالوا أنومن لك واتبعك الأرذلون)، -على قول من قال إن المقصود الحاكة! -: "وحكى بعض الطلبة أنه رأى في تاريخ الأندلس أن القاضي ابن السليم، بلغه عن شاهد أنه حائك، فرد شهادته. قال ابن ع: ولا ينبغي هذا في زماننا، وهي عندنا الآن من أشرف الصنائع وأحسنها. قلت: وهذا نص على أن الحاكة هم الحريريون. قال الزمخشري: وقيل: الأرذلون غوغاء الناس. قال ابن ع: ولهذا قال بعضهم فيهم، هم الذين إذا اجتمعوا لم يمنعوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. قلت: ونقل عن القاضي ابن عبد السلام، أنه أرسل إليه الأمير عمرو في تقديم أمين على الحجامين، فقرأ الآية، وقال: قيل: هم الحاكة والحجامون". وتعليقاته على عزتها
(1/212)

عند التصفح وجيزة لا تطغى على طبيعة النص التفسيري لابن عرفة، وهي مميزة غالبا بقوله "قلت"؛ مثال ذلك عند قوله تعالى: (فذرهم في غمرتهم)، وإليك سوق الكلام برمته: "قال ابن عطية" هذه موادعة منسوخة بآية السيف. قال ابن ع: انظر هذا فإن ابن عطية كثيرا ما يقوله وليس هو كذلك هنا، إذ لا يُحتاج إلى النسخ إلا عند الضرورة، ولنا أن نقول: معنى هذه الآية: "لا يهمك أمرهم". فيكون المراد بالترك، تركه التأسف عليهم والتحسر على كفرهم، لا أنه أمر بترك قتالهم. قلت: وعلى هذا يجيء من باب تعارض النسخ والتخصيص، فالتخصيص أولى".
ولم يقتصر الشريف السلاوي على نقل كلام ابن عرفة، بل إنه حكى سكوته أيضا، ولم أر أدق من هذا في نقل صورة مجالس الدرس، مثاله أنه قال: "قيل لابن ع: إن المعذبين في قبورهم أحياء. فسكت ولم يجب! ". وحين يناقش ابن عرفة طلبته على سبيل السجال، كان السلاوي يثبت ذلك أيضا؛ مثاله قوله: "قوله تعالى: (كذبت عاد المرسلين)، وقال قبله: (كذبت قوم نوح)؛ فأجيب بوجهين:
- الأول: قال ابن ع: عادتهم يجيبون بأن عادا صار علما على قومه بخلاف قوم نوح.
- الثاني: قال بعض أعرف الطلبة -طلبة ابن ع-: وذلك أن قوم نوح كانوا كثيرين متفرقين؛ لأنه أول رسول بعث إلى أهل الأرض كافة، فلذلك قال قوم نوح، بخلاف غيره من الرسل. ولم يرضه ابن ع".
وحاصل الأمر أن السلاوي التزم بنقل صورة أمينة عن مجالس التفسير لدى الشيخ، ولو بقيت لنا مقدمة روايته، لربما كنا نجده أفصح عن هذا الأمر دون مواربة.
والبسيلي حين ينقل ابن عرفة لا يلتزم تسميته في كل حين، ولا التخليص في النقل عنه، فتراه يذكر قيله مرة يصدِّره بالنسبة (الإمام، ابن عرفة، شيخنا ... )، وتراه أخرى
(1/213)

يذكر فحوى كلامه فحسب، كأن يقول: ورده ابن عرفة، أو تعقبه، وقد يسكت عن نسبة الكلام إليه، وتجده عند الأبي أو السلاوي معزوا إليه. أما السلاوي فلا يريم عن نهجه في الإتيان بكلام ابن عرفة بنصه عقيب الآية، ولا يتخلف عن هذا الصنيع إلا حين يورد أصل كلام مفسِّر سيتعقبه ابن عرفة، فيورده ثم يردفه بما قاله الشيخ في التنكيت عليه؛ فمما أخلص النقل فيه عن ابن عرفة، ما أورده عند قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون): "نقل ابن عرفة هنا كلام ابن العربي وقصة الشعراء مع عمر بن عبد العزيز، واستوفى جميع شعرهم، وما أجابهم به؛ ثم قال: الظاهر أن في الشعر قبيحا وحسنا. قال: واختلفوا فيمن قذف فيه أحدا، هل يُحد بذلك أم لا؛ بناء على أنه قال ما لا يفعل أو لم يقل. قيل له: قد قال بعضهم: الدليل على ذمه مقدمتان ونتيجة؛ وهو أن الشاعر يقول ما لا يفعل عملا بهذه الآية؛ وكل من يقول ما لا يفعل ممقوت، عملا بقوله تعالى: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)، فالشاعر ممقوت. قال ابن عرفة: نمنع أن كل شاعر يقول ما لا يفعل؛ لأنهم نصوا على أن بعضهم لا يقول إلا ما يفعل. قال: وقال المبرد في أول "الكامل"، عن عمر رضى الله عنه أنه قال: تعلموا العوم، والرمي بالنبل، واحفظوا من الشعر ما يجمل، وخير خصال النساء المغزل. قال ابن ع: ولفظ الشعراء عندي عام لوجهين: الأول الألف واللام، والثاني الاستثناء منه، والعام إذا استثني منه كان ذلك دليلا على عمومه فيما بقي".
ومما قدم فيه السلاوى كلام المفسرين على كلام ابن عرفة، باعتبار هذا تحشية على ذاك ما أورده عند قوله تعالى: (ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون): "قال ابن الخطيب (الرازي): إن قلت: إذا جوزوا الكذب على المنزِل، فكذلك يجوزوه على الكتاب الذي تكتبه الحفظة وهي الصحف. وأجاب بجواب حسن حاصله أن قال: يفعل الله ما يشاء على أنه لا يبعد أن يكون ذلك الكتاب مصلحة للمكلفين من الملائكة. قال ابن عرفة: وحاصله أن الشيخ عز الدين ذكر أن الأحكام قسمان: منها ما علمنا تعليله، ومنها ما لم ندرك ذلك منه، وهي التعبدية، وهذه
(1/214)

التعبدية قال عز الدين: اختلفوا فيها فقيل: إنها لها تعاليل استأثر الله بعلمها لم ندركها نحن. وقيل: إنها لا تعليل لها، ولذلك كانت تعبدية، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال ابن عرفة: والصحيح عندي أن يقال في الجواب عن السؤال المذكور أن الصحف إذا ظهرت يوم القيامة، وخالفوا فيها، تقوم عليهم الشهادة على صحة مكتوبها وصدوره منهم؛ قال تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). قال: وقوله: (ولدينا كتاب ينطق بالحق)، هو عندي من مجاز الإسناد".
(1/215)

المبحث السابع: عناية العلماء بتفسير البسيلي والنقل عنه
أ - نموذج من عناية المغاربة به:
للمغاربة ولع بذخائر الكتب، يشهد لذلك ما يعج به بلدنا من خزائن عامة وخاصة، غير أن هذا الولع لم يقف عند حد الإقتناء والتملك، بل جاوزه إلى الاستفادة والتمثل؛ ينطلي هذا على تفسير البسيلي خصوصا والمقيدات عن ابن عرفة عموما. وقد سبقت الإشارة إلى شغف المنصور السعدي بتقييد البسيلي، حيث يذكر الفشتالي في "مناهل الصفا" أن هذا السلطان كان له اعتناء بتفسيري الإمامين البسيلي والسلوي، ويحضرهما عند قراءة ورده من المصحف الكريم لمراجعة ما يستشكل. وقد ندب العلامة الجليل أبا عبد الله محمد بن أبي عبد الله الرجراجي إلى الجمع بين هذين التفسيرين، مع شرح ما لم يتكلم عليه المقيدان، ووفى هذا الشيخ بالشرط، وتخطى ذلك إلى الكلام مع ابن عرفة نفسه. وقد كان هذا التفسير الذي جمعه الرجراجي، من محتويات خزانة المنصور السعدي".
وفي فاس المنصور السعدي، كان لهذه التقييدات، حضور في مجالس الدرس، حيث يعتمدها العلماء في حصص التفسير، ومنهم أبو محمد عبد الواحد بن أحمد الحميدي، الذي كان "في فصل الشتاء يقرأ التفسير على الكرسي الكائن عن يمين الخارج من الباب المقابلة لوجه الخارج بانحراف يسير لدرب ابن حيون، وبعد التفسير يقرأ رسالة ابن أبي زيد وحكم ابن عطاء الله، وكان يحضر مجلسه خواص الطلبة والفقهاء، يطرز تفسيره -رحمه الله- بنكث وغرائب مفيدة من أبحاث الإمام المحتسب أبي عبد الله ابن عرفة، وجدت مقيدة عنه، على اختلاف في مقيدها واختلاف في نسخها، وكانت أول مرة غريبة الوجود: الغالب في الظاهر أنها كانت بيده، ثم انتشرت بعد ذلك".
(1/216)

ثم إن إكمال ابن غازي المكناسي للتقييد الصغير اعتمادا على الكبير، من أكبر ما يدل على قيمة الكتاب وتقدير المغاربة له.
ب - نماذج من النقول عنه:
أ - ما جاء في "فهرس الفهارس" للكتاني؛ عند الترجمة لابن تيمية: "ومن أشنع ما نقل عن ابن تيمية، قوله في حق شفاء القاضي عياض "غلا هذا المغيربي". وقد قال في ذلك شيخ الإسلام بإفريقية، الإمام أبو عبد الله بن عرفة التونسي:
شفاء عياض في كمال نبينا ... كواصف ضوء الشمس ناظ رقربها
فلا غرو في تبليغه كنه وصفه ... وفي عجزه عن وصفه كنه شخصها
وإن شئت تشبيها بذكر أمارة ... بأصل ببرهان مبين لنقصها
وهذا بقول قيل عن زائغ غلا ... عياض فتبت ذاته عن محيصها
وقد نقل نفس الحكاية، شهاب الدين المقري التلمساني، في "أزهار الرياض".
2 - نقل محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (ت 1376 هـ) في "الفكر السامي" بدوره عن البسيلي؛ وذلك قوله: "قال عز الدين بن عبد السلام: السياسة الراجعة لأمور الناس والمصالح العامة من أفضل الأشياء، لأن فيها جلب مصالح ودرء مفاسد" اهـ، نقله البسيلي في تفسيره، لدى قوله تعالى: (وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي)؛ في سورة ص، الآية 35".
3 - أفاد منه الوزير السراج، في "الحلل السندسية في الأخبار التونسية"، إفادات موضوعية كثيرة، منها ما نقله حين ترجمته لابن عرفة: "وفى "تفسير البسيلي" في
(1/217)

سورة الأحزاب ما نصه: وتهذبت بين يديه طائفة من الأعيان، كأبي عبد الله الأبي والمشذالي والوانوغي وابن ناجي وغيرهم".
4 - نقل أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الحطاب (ت 954 هـ) عنه في "مواهب الجليل" في عدة مواطن؛ منها:
- "فائدة: قال البسيلي في "نكت التفسير" عن ابن عرفة، أن رجلا جاء إلى الأمير أبي الحسن بلؤلؤة صغيرة ذكر أنه أخرجها من الماء العذب، وشهد له بذلك شهود لا بأس بهم، انتهى".
- " ... وقال البسيلي: كل ما صنعه هذا المؤذن حسن مأمور به، مرغب فيه، قديم من فعل الصالحين؛ كان عروة يقوم بالليل يصيح في الطرق يحض ويخوف ويتلوا (أوأمن أهل القرى) إلى (يلعبون) ".
- "قال البسيلي في "نكت التفسير": قال شيخنا -يعني ابن عرفة-: كان شخص يقال له النحاس، له في امرأته طلقتان، فخالعها ثم ردها قبل زوج، بناء على أن الخلع فسخ، ففرق بينهما ولم يحد للشبهة؛ اهـ".
5 - استفاد منه جان فونتان، عند ترجمته لابن عرفة.
6 - نقل عنه التنبكتي في "نيل الابتهاج" في غير موضع؛ منها: (297؛ 466؛ 469؛ 432؛ 635؛ 268؛ 107؛ 115"؛ 252. وفي كفاية المحتاج": (1/ 286)؛ (2/ 72) ...
7 - أفاد منه ابن غازي وصنع له تكملة بالاعتماد على الكبير.
(1/218)

المبحث الثامن: مآخذ على المؤلف
منها:
1 - مواطن نقل فيها بالحرف ولم يعين مظنة النقل، ولم يعزها إلى أحد، فأوهمت أنها للمؤلف:
4 - الموطن الأول، عند كلامه على الاستعاذة؛ وذلك قوله:
"واختلف في الجن والشياطين على القول بوجودهما؛ وهو مذهب أهل الحق. قيل هما نوع واحد، والشياطين متمردة الجن. ثم قال المتكلمون إنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل. وزعمت الفلاسفة أنها لا متحيزة ولا قائمة بمتحيز، وأكثرهم على أنها مخالفة بالنوع لأرواح البشر، ومنهم من يقول: الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها كانت شديدة الانجذاب إلى ما يشاكلها إن خيرة فخيرة، وإن شرية فشرية، وتعينها على الخير أو الشر، متعلقة بها ضربا من التعلق، وهي الشياطين.
وأوائل الفلاسفة والمعتزلة أنكروا الشياطين قائلين: إن كانت بلطافة الهواء لم تقو على شيء من الأفعال وأفسد تركيبها أدنى سبب، وإن كثفت لزم رؤيتها. والجواب: عدم لزوم الرؤية ما لم يخلقها الله سبحانه".
والنص المذكور نقل عن "المختصر الكلامي" لابن عرفة. انظره في ن خ ع ك 1: 91 - و.
2 - الموطن الثاني عند حديثه عن البسملة:
"ثم اختَلفُوا في الْمَجَازِ المرادِ بِهَا، فقال الشيْخُ أبُو الحسَنِ الأَشْعَرِيُّ: "المرادُ بِهَا إرادةُ الإحسَانِ"، وقال القَاضِي أبُو بكْرٍ البَاقِلاني: "المرادُ بها نفْسُ الإِحْسَان"، فهيَ صِفَةُ فِعلٍ، وعَلَى الأَولِ صفةُ ذَاتٍ؛ وفي القرآن مواضِعُ يتَعَيّنُ فيها مَذْهَبُ الشَيْخ، ومواضعُ يتعَيَّنُ فيهَا مذْهَبُ القَاضِي، ومواضعُ تحتَمِلُ المذْهبَيْن:
(1/219)

- فالأَولُ: كقولِه تعَالى: (رَبنَا وَسِعْتَ كل شَىْءٍ رحمَةً وعِلْما)، فهذا ظاهِر فِي الإرادَةِ؛ لأنَّ الوُسْعَ عبارةٌ عنْ عُمُومِ التعلق، ويدُل على ذلك أيضاً اقترانُها بالعِلْم، وأن وُسْعَ الرحمةِ كوُسْعِ العِلم. وهذا ظاهِرٌ في الإِرَادةِ.
- وأمَّا مَا يَتَعَيَّنُ فيه مَذْهبُ القاضِي فقولُهُ تعَاَلى: (هَذا رَحْمَةٌ مِن ربِّي) إشارةً إلى السَّدِّ، وهُو إحسانٌ مِنَ اللهِ تَعالى، لَا إِرَادَتُهُ القديمَةُ.
- وأما مَا يحتمِلُ الأَمْرَيْن، فهَذَا الموضِعُ، والذِي في فاتِحَةِ الكِتَابِ.
وَمَذهبُ الشَيْخ أقربُ منْ مذهبِ القَاضي؛ لأَن الرحمةَ التي وُضِعَ اللفْظُ بإِزَائِها حقيقة فيها هيَ رقة الطّبْع، ويلْزَمُهَا أمْران: الأَوَّلُ إرادةُ الإحْسانِ، والثاني الإحسانُ نفسُه؛ فهُمَا لازِمَان للرِّقَّةِ التي هي حقيقةُ اللفْظِ. والتَّعبيرُ بلفْظِ الملْزُوم عَنِ اللازم مجازٌ عُرْفيٌّ شائِعٌ، وإنْ شئْتَ جعلتَهُ مِنْ إطْلاقِ اسْمِ السبَبِ على الْمُسببَ، غيرَ أن إرادةَ الإحسانِ ألزَمُ للرِّقَةِ؛ فإِنَّ كلَّ مَن رحمتَهُ فأحسنتَ إليْه، فقدْ أرَدْتَ الإحسانَ إليه، وقد تريدُ الإحسانَ وتقْصُرُ قدرتُكَ عنه، فَثَبَتَ أن الإرادةَ أكثرُ لزوماً للرِّقَةِ، ومَتَى قَرُبَتِ العلاقةُ كانَ مجازُها أرْجَحَ".
والنص بطوله للقرافي في "فروقه"، وهو أيضا في "ترتيب الفروق واختصارها" للبقوري: 1/ 458 - 459.
3 - الموطن الثالث، عند شرحه لبيت الشاطبي:
ومهما تصلها مع أواخر سورة ... فلا تقفن الدهر فيها فتثقلا
"وقوْلُ الشاطبي: "ومهما": عَامَّةٌ، فَيَصِح فيهَا الابتداءُ والنَصبُ بفعْل يُفَسِّرُهُ "تَصِلْ"، والتَّقدير: وَأيُّ بسْملةٍ تصلُ "تَصِلْهَا"، والظَرْفيةُ بمعْنى: وَأَيّ وقتٍ تصلُ البسملةَ علَى القَوْلِ بجَوَازِ ظَرْفيَّتِهَا. وأما هُنَا فيتعَين كونُها ظرْفاً لـ "تصِل"، بتقْدير: "وأيّ وقْتٍ تَصِلُ بَراءَةَ". أوْ مفعولاً بهِ حُذِفَ عاملُه: أي "وَمَهْمَا تَفْعَلْ"، ويكوَن "تصل" و "بَدَأتَ" بَدَلَ تَفْصِيل من ذلكَ الفِعْل.
وأمَّا ضميرُ "تَصِلْهَا" فَلَكَ أَّنْ تُعيدَه على اسْم مضمرٍ قَبْلَه محذوف، أَيْ: ومهْمَا تفعل في تصلها، أوْ بَدَأْتَ بِهَا، وحَذَفَ "بِهَا". ولَمَّا خَفِيَ المعنى بحذفِ مرْجِعِ الضميرِ، ذَكَرَ بَرَاءَةَ بياناً له، إِمَّا على أنَّهَا بَدَلٌ منه، أوْ على إضمارِ "أعْني". وَلَكَ أن تعيدَه
(1/220)

على ما بعدَه وهو بَرَاءَة، إما علىِ أنَّه بدلٌ منه، مثل: "رأيتُه زيدًا"، فمفعولُ بدأتَ محذوفٌ، وإِمَّا على أنَّ الفعليْنِ تَنَازعَاهَا، فأُعْمِلَ الثاني منهُما، وأُضْمِرَ الفضلةُ في الأول على حَدَ قولِه:
إِذَا كُنْتَ تُرْضِيهِ ويُرْضِيكَ صَاحِب ... جِهَارًا فكُنْ فِي الغَيْبِ أَحْفَظَ للْوُدِّ"
وهذه الفقرات مثبتة برمتها عند ابن هشام في "مغني اللبيب"، ولم يعزها البسيلي إليه.
4 - الموطن الرابع: عند تعقبه للزمخشري في تفسيره معنى المحبة بالميل:
"كلام الزمخشري هنا لا يحل كتبه، فقد نبه عليه الفخر قائلا مع عياض في "الإكمال": "محبة العبد لله ليست بمعنى الميل، لاقتضائه ممالا إليه في جهة"؛ قلت: قولهما في جهة ممنوع".
والتعقب في أصله لابن عرفة، نص عليه في "مختصره الكلامي"، انظره في ن خ ع ك 1:103 و.
ب - مواطن ذكر فيها مظنة النقل، بعزوه إلى معين، ثم أظهر البحث أنه لغيره:
منها أنه نقل في موضع عن القرافي في "الفروق"، ثم عطف عليه نقلا يظهر بادي الرأي أنه تابع له؛ غير أني مع مزيد البحث لم أجده في الفروق، إلى أن عثرت عليه في "أحكام ابن العربي". وإليك كلامه: "قال: ولا يُقال للمريض: اللهم اجعل له بهذا المرض كفارةً؛ لأنّه تحصيل الحاصل، مع كونِه سوءَ أدبٍ".
قال: "وقال علماؤنا: هذه الآية تدُلُّ على القَوَدِ مْن شريك الأب -خلافاً لأبي حنيفة- ومِن شريكِ الخاطئ قد اكتسب القتلَ، وهما يقولان: اشتراكُ مَن لا يُقتَصُّ منه مع مَن يُقتص منه (شبهة) في درْء ما يدْرأ بالشبهة". فالنقل الأول عند القرافي في "الفروق"
(1/221)

(4/ 235). والثاني لابن العربي في "الأحكام" (1/ 264). ثم إن البسيلي رحمه الله لم يخلص النقل في الثاني، فسقطت كلمة "شبهة " من كل النسخ، ولا استقامة للمعنى بدونها.
- ومنها أنه أورد ما يلى: "وقال ابن مالك:
وَمِثْلُ خُطْوَةٍ وسِدْرَةٍ أتَتْ ... في جَمْعِهَا لُغى ثَلاَث رُوِيَتْ"
ولم أُلفه في أنظام ابن مالك، وتبيَّنَ لي بعدُ أن الصحيح نسبتهُ لابن معط، أبى الحسين زين الدين الزواوي المغربي (ت 628 هـ): صاحب الألفية في النحو، المقصودة بقول ابن مالك "فائقة ألفية ابن معطي". والبيت فيها؛ انظر "الصفوة الصفية في شرح الدرة الألفية" لتقي الدين النيلي (1/ 154).
- ومنها أنه قد ينقل عن كتاب ما بواسطة، فيوقعه ذلك في الخطأ في العزو، مثاله أنه كثيرا ما يعول على السفاقسي في حكاية أقوال أبي حيان -كما تتبعته فيكتابه-، اعتمادا على كونه اختصارا له في الغالب، إلا أنه غفل عن كون كتاب المجيد، يحتوي أيضا إفادات العكبري في "التبيان"، كما صرح به السفاقسي في صدركتابه، عند قوله: "ولما كان كتاب أبي البقاء المسمى بالبيان في إعراب القرآن، كتابا قد عكف الناس عليه، ومالت نفوسهم إليه، جمعت ما بقي فيه من إعرابه مما لم يضمنه الشيخ في كتابه وضممت إليه من غيره ما ستقف عليه إن شاء الله تعالى". فتراه يحيل على كلام أبي حيان، فلا تجده في "البحر"، وتجده بحروفه في "التبيان"، مثاله عند تفسير قوله تعالى: (عِندَ بَيْتِكَ اَلْمُحَرم)، فقد قال: "يحتملُ كونه حالاً منَ النَّكِرَةِ الموصوفةِ. وذَكرَ أبو حيان وجهين: صفةٌ لـ "وادٍ"، أوْ بدل". ولم أجد الكلام في "البحر"، وهو بحروفه في "التبيان" للعكبري (2/ 69).
ج - أنه ربما يقول عقيب قول أو رأي: "فيه نظر"، ثم لا يفصح عن مراده وعن علة عدم ارتضائه، فينبهم على القارئ مقصود المؤلف بذلك:
فمنه قوله: "تكلّم الفخر هنا في الفرق بين القدر والقضاء بكلام فيه نَظر". وقد أغفل أن يبين لنا سبب توقفه في قبول كلام الفخر.
(1/222)

ثم إنه كثيرا ما يحيل القارئ على كلام العلماء في بعض كتبهم، فيحار أيَّ كلامهم المقصود؛ وقد وقعتُ في حيص بيص، حين أردت أحيانا أن أحدد بعض هاته النقول؛ خاصة عندما تطول فلا يكفي الاستدلال عليها بالآية موضوعِ النكتة، وتحتاج إلى إعمال النظر غير يسير حتى تستدل عليها بسياق الكلام. ويعضل الأمر حين يحيل على كتب غير مسماة أو نادرة، ويعتاص حين يصطاد الحوت في غير بحره، فيفيد نكتة تفسيرية من غير كتب التفسير.
فمن أمثلة ما طال فيه الكلام المحال عليه، فأغلق على القارئ تبين أيِّه المقصود، قوله عند قوله تعالى: (وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ): "انظرْ كلامَ الفخر، فإنه لا يتِمُّ؛ للفرق بين العزة القديمة التي هي صفةُ ذاتِه تعالى، والعزةِ الحادثة التي هي فعلُه. وقد قال الفقهاء في الحالف بعزة الله إن أرادَ الحادثةَ فلا كفارةَ". ولك أنْ تعود إلى كلام الفخر على الآية، لتتحقّق ما قلتُه.
وقد يحيل على تفاسير ابن عطية والزمخشري والفخر وأبي حيان، فيكون الوقوف على مراده أيسر، لأن هذه المظان أعرف، بيد أن ذلك يشتد على المتفحصِ حين يحيل على كتب نادرة لا يسمِّيها، مثلما فعل عند قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنسِيَ خَلْقَهُ)، عند قوله -من كلام طويل-: "واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كل حيوان تابع للحمه؛ فمتى حكمنا للحم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تحله الحياة، لقوله تعالى: (قُلْ يُحْيِيهَا الذِي أنشَأَهَا أَولَ مَرة).
والظاهر إضافة الحياة إلى نفس العظام، لكن في الآية (قُلْ يُحْييهَا الذِي أَنشَأَهَا)، فأضاف الإحياء إلى الدار الآخرة، والإنشاء إلى الدنيا،
(1/223)

والإنشاء تركيب لا إحياء، لكن اجتمعت الأمة على أن العودة في حلول الحياة كالبَدْأَة، فيكون معنى إنشائها هاهنا إحياؤها ... انتهى من ابن بشير، وانظر ابن عبد السلام". فقد أحال البسيلي هنا على ابن عبد السلام الهواري، ويغلب على ظني أنه يقصد من كتبه "شرح المختصر الفقهي" لابن الحاجب، وهو مخطوط تفرقت أجزاؤه في الخزائن، وقد حاولت أن أقع على موضع النقل في ما وصلت إليه يدي من أجزائه فلم أوفق. وشبيه بما مرّ قوله عند قوله تعالى؛ (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا): "أبو حيان: لا يجوز أن تقول "ما ضربت إلا ضربا" لعدم الفائدة. ثم ذكر الجواب من ثلاثة أوجه، انظرها في ابن عرفة. فقول المؤلف هنا "انظرها في ابن عرفة" مشكل.
وأظن أن البسيلي كان يحيل بدقة وتحديد على المصادر التي كانت ماثلة بين يديه، -وهو أمر لا تخطئه العين-، فيما كان يكتفي بمجرد الإرشاد إلى تلك التي لم تبلغها يده، دون تحديد موضع النقل، مثال الأول، قوله: "انظر "سراج المريدين" لابن العربي في الاسم الثامن والتسعين"؛ أو قوله: "انظر "سراج المريدين" في اسم "العابد""؛ أو قوله: "انظر "سراج المريدين" لابن العربي في الاسم 28". ومثال الثاني، قوله: "انظر مقدمات ابن رشد".
د - أنه قد يطيل في بعض النقول، إطالة تدعوه إلى الاعتذار:
فقد نقل مرة عن التفتازاني في "شرح تلخيص المفتاح"، نصا يتعقب فيه كلام صاحب الأصل، فأحس بالإطناب، فنقل أيضا عبارة التفتازاني في الاعتذار عن الإطالة: "قال: وإنما أطنبت الكلام في هذا المقام، لأنه من مسارح الأنظار، ومطارح الأفكار، فكم من زلت فيه بالأفاضل أقدامهم، وكلت دون الوصول إلى الحق أفهامهم". ومثل هذه الإطالة واقعة أيضا عند تفسير الهم في قوله تعالى: (وَلَقَدْ
(1/224)

هَمَّتْ بهِ)، حيث شغل نص منقول، قرابة صفحات ثلاث من الأصل المخطوط.
هـ - أنه قد يوهِّم غيره فيما أنه هو الواهم:
مثاله أنه عدّ قول أبي عمران في "النظائر": "لا يُستكشف شهودُ السرقة" غلطا؛ وقال: "وشرطُه اتحادهم في زمن الأداء كشهود الزنا، غلطٌ منه أيضا".
والحق أن البسيلي هو الذي التبس عليه كلام أبي عمران، وإلا فمحصَّل كلامه وجوب استكشاف شهود السرقة، إلا أن يكونوا من أهل العلم، الانتباه، فلا يسئلوا؛ وهاك نصَّ كلام أبي عمران بتفصيل:
"أربع مسائل يكشف فيها عن شهادة الشهود، من ذلك: الشهود على الزنا والسرقة، فلا بد أن يسئلوا عن صفة الزنا والسرقة كم هي وإخراجها من الحرز. وكذلك يكشف عن الشهود إذا شهدوا على الدابة: هل علموا أنه باعها أو لم يعلموا. وإذا شهدوا على معتَق أنه مولى لفلان، فإنهم يسألوا (كذا) من أعتقه؟، فإن منعوا أن يسألوا أو يكشفوا فشهادتهم داحضة؛ فإن غابوا قبل السؤال فإنه يكشف عن شهادتهم؛ وإن كانوا من أهل العلم والانتباه فلا يسألون، وإلا فلا يحكم بشهادتهم حتى يسألوا".
و أنه لا يراعي باطراد ترتيب الآي في التنبيهات والنكت، فيقدم في بعض الأحيان، بعض الآيات على بعض.
(1/225)

المبحث التاسع: عمل ابن غازي في "تكملة النكت"
1 - التعريف بابن غازي وذكر مصادر ترجمته:
أ - التعريف به:
"محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن غازي، العثماني المكناسي ثم الفاسي، شيخ الجماعة، العلامة الحافظ الحجة المحقق، خاتمة علماء المغرب وآخر محققيهم. قال في "الروض الهتون": العثماني نسبة لأبي عثمان، قبيلة من كتامة، نشأتُ بمكناسةَ وقرأتُ بها ثم رحلتُ لفاس لطلب العلم سنة ثمان وخمسين ظنّاً، وأقمت بها زمنا، ولقيت بها جماعة من الأشياخ، ثم عدت لمكناسة زمانا ثم رحلت لفاس مستوطنا، اهـ.
وقال تلميذه عبد الواحد الونشريسي: شيخنا الإمام العالم الأثير السيد. كان إماما مقرئا مجودا، صدرا في القراءات، متقنا فيها عارفا بوجوهها وعللها، طيِّبَ النعمة قائما بعلم التفسير والفقه والعربية، متقدما في الحديث حافظا له واقفا على رجاله وطبقاتهم ضابطا لذلك، معتنيا به، ذاكرا السير والمغازي والتواريخ والأدب. فاق في كلِّه أهلَ وقته. ولد بمكناسة وأخذ العلم بها وبفاس عن الأستاذ النيجي والقَوْري وغيرهما. أنفذ عمره في طلب العلم ونشره وتقييده وألَّف في القراءة والحديث والفقه والعربية والفرائض والحساب والعروض وغيرهما تآليف نبيلة. وخطب بمكناسة ثم بفاس الجديد ثم بالقرويين. وليس في عصره أخطب منه. يُسمِع في كل شهر رمضان صحيح البخاري. وتخرج به عامة طلبة فاس وغيرها. ورحل إليه الناس وتنافسوا فيه.
(1/226)

كان عذب المنطق حسن الإيراد والتقرير فصيح اللسان عارفا بصنعة التدريس ممتع المجلس، جميل الصحبة، سري الهمة، نقي الشَّيبة حسن الأخلاق والهيبة، عذب الفكاهة، معظما عند الخاصة والعامة. مجالس إقرائه في غاية الاحتفال. وبالجملة فهو آخر المقرئين وخاتمة المحدثين، لم يزل يحرض الناس في خطبه ومجالس تدريسه على الجهاد والاعتناء به. وحضر بنفسه مواقف عديدة ورابط مرات. وخرج آخر عمره لقصر كتامة للحراسة فمرض ورجع لفاس، فتوفي يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة تسع عشرة. وكثر الناس في جنازته وحضرها السلطان فمن دونه، وتبعه ثناء حسن، وعظم التأسف عليه، اهـ.
قلت: وممن أخذ عنه بوعبد الله بن العباس والدقون وعلي بن هارون وغيرهم. ألف "شفاء الغليل في حل مقفل خليل"، بين فيه مواضع مشكلة منه، ونبه على ما سها فيه بهرام، من أحسن حواشيه، عم نفعه مشرقا ومغربا. و "تكميل التقييد وتحليل التعقيد" على المدونة، كمل به تقييد أبي الحسن الزرويلي مع حل عقائد ابن عرفة، في ثلاثة أسفار، ويذكر أن بعض معاصريه كان يقول: أما التكميل فكمله، وأما التعقيد فما حلله. و "حاشية لطيفة على الألفية"، نبه فيها على مواضع من كلام المرادي مع نقل بعض تحقيقات الإمام الشاطبي ونكته. و "منية الحساب"، في الحساب، بديع النظم، وشرحها "بغية الطلاب"، في سفر. و "ذيل الخزرجية" في العروض. و "نظم
(1/227)

مشكلات الرسالة". و "حاشية لطيفة في أربع كراريس على البخاري"، و "إنشاد الشريد في ضوال القصيد"، على الشاطبية. و "فهرسة شيوخه". و "الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون". و "المطلب الكلي في محادثة الإمام القلي". و "المسائل الحسان المرفوعة لحبر فاس وتلمسان"، و "الجامع المستوفي بجداول الحوفي".
"نظم مراحل الحال" و "شرحه". واستنبط من حديث "أبا عمير، ما فعل النغير؟ " مائتي فائدة، وترجمها في ورقتين.
(1/228)

قال الشيخ أحمد المنجور: ولد عام أحد وأربعين وثمانمائة".
ب - مصادر ترجمته:
- الروض العاطر الأنفاس في أخبار الصالحين من أهل فاس، المنسوب للشراط محمد بن محمد بن محمد بن طاهر بن عيشون الفاسي (ت 1109 هـ): ن خ ع في 525؛ 1246؛ 1419؛ ن خ ع ك 2401.
- طبقات المالكية (ن خ ع د 3928: 456 - 457).
- قصيدة تعزية مطولة في محمد بن أحمد بن غازي، لأحمد المدعوّ بشقرون بن أبي جمعة الوهراني (ت 917 هـ): دار الكتب الناصرية، ضمن مجموع (يَب).
- إجازة ابن غازي لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن المعافري الوقاد المكناسي، مؤرخة بعام 891 هـ: شريط مصورات جائزة الحسن الثاني، سنة 1974، في قطاع إقليم بني ملال.
- دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر لابن عسكر الحسني الشفشاوني: 46 - 47.
- كفاية المحتاج: 2/ 217 - 218؛ رت: 622.
- نيل الابتهاج: 359.
- درة الحجال: 1/ 224.
(1/229)

- الموسوعة المغربية: 2/ 73 - 74.
- شجرة النور الزكية: 1/ 276.
- إتحاف أعلام الناس: 4/ 2.
- مقدمة تحقيق "التعلل برسوم الإسناد" (7 - 17).
- صلة الخلف بموصول السلف: 21؛ ومواضع متفرقة.
- تاريخ الشرفاء لبروفنصال:224.
- المصادر العربية لتاريخ المغرب: 1/ 120؛ 1/ 122؛ 1/ 124.
- فهرست المنجور: 17.
- الفكر السامي: 2 /ق 4: 314 - 315؛ رت: 701.
- سلوة الأنفاس: 2/ 73 - 74.
- معلمة الفقه المالكي: 91 - 92.
- حلقة ابن غازي من "ذكريات مشاهير رجال المغرب".
2 - عمله في اختصار التكملة:
صدّر ابن غازي تكملته بقوله: " ... استخرت الله تعالى في تكميله بذكر عيون نكت انتقيتها من "التقييد الكبير"، وجعلت علامة ع للإمام ابن عرفة". فعمله إذن تكملة وانتقاء، وقد غلب على اختياره انتقاء النكت التي ترتبط بأنظار فقهية أو عقدية لأعلام في الفتوى والفقه، أو حتى بعض نظراتهم في التفسير، فنقل بعضا من ذلك عن ابن سلامة وابن الحباب وأبي العباس ابن حيدرة وابن عبد السلام
(1/230)

وابن الجوزي، وساق بعضا من المساجلات كتلك الواقعة بين المازري وشيخه عبد الحميد.
ولم يُخْلِ نكتَه من تنبيهات نحوية أو تعقبات لأقوال تفسيرية، وهي في مجملها تنم عن ذوق رفيع في الانتقاء، وفهم عميق لمحمولات النصوص.
إلا أن نسخة التكملة تطرح إشكالا بارزا؛ لأنها تخالف خواتيم كل أصول "التقييد الكبير"، فالأصل الذي انتقى منه ابن غازي، يتفق مع كل الأصول في بعض النكت، ويخالفها في الأخرى، وتوجد به نكت توجد في نسخة من التقييد الكبير ولا توجد في أخرى، وقد يأتي بنكتة لا وجود لها ألبتة في نسخ تقييد البسيلي، فيما هي واردة عند الأبي، فهي خليط من تقييد الأبي والبسيلي وتقييد آخر لم نتمكن من معرفته.
(1/231)

المبحث العاشر: نقد تحقيق مقدمة "نكت وتنبيهات"
لم يطبع من كتابنا هذا غير مقدمة حققها د. الطوالة بعد أن سلخها عنوة وأثبتها صدر "التقييد الكبير" رغم أنها منه براء، وليس تمت بصلة إلا للتقييد الصغير، إذ هي ثابتة في نسخه المعروفة؛ وقد استغرقت هذه المقدمة نحوا من ثماني صفحات في مخطوط خ ع ق.
ورغم ما بدا من جهد للأستاذ المحقق في أن يخرج الكتاب في صورة علمية، إلا أن عمله على النص، قد شابته هنات ونواقص، فما شئت من أسقاط وأوهام، وخلط وخبط في تراجم الأعلام وتحديد الموارد، منشأ ذلك كله أمران: الاجتراء على النص بالحذف والإضافة، وإعواز التلبث والتثبت. ونحن لا نعذله بل نعذره، ولا ننقم عليه بل نقومه، ولم نتتبع كل ما تجانف فيه عن الصواب في تضاعيف الكتاب، فليس ذلك من شرط كتابنا هذا، فلا علينا ألا ننقد منه إلا ما ألحق به شططا، وأقحم فيه عنتا، ويكفي من القلادة ما أحاط بالطلى؛ فمن ذلك، أنه:
1 - أسقط فقرة كاملة ثابتة في النسخة التي اعتمدها من النكت الصغير؛ وها هي بتمامها:
"وله يَرْثي شيخه أبا مُضَرٍ، حسبما وجدته مقَيَّداً بخطِّ شيخِنا أبي مهْدِي عِيسَى الغُبْرِيني:
وقَائِلَةٍ مَا هذِه الدُرَرُ التِي ... تساقط مِنْ عينِكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ
فقُلْتُ هُو الدُّرُّ الذي قدْ حَشَا بِهِ ... أبُو مُضَرٍ أذْنِي تسَاقَطَ مِنْ عَيْنِي
قال أبو حيان: "وذكر الوزير أبُو نصْرٍ الفتْحُ بنُ خَاقَان الإشبيليُّ، في كتابه المسمى
"قلائِدَ العِقْيَان في مَحَاسِنِ الأعْيَان"، أبَا محمَّد بن عطيّة وأَثْنَى عليه، وأثْبَتَ له نظماً ونثراً".
(1/232)

2 - أسقط المحقق النص التالي برمته -وهو يتعلق بترجمة ابن بزيزة- من كتاب البسيلي، رغم ثبوته في النسخة المخطوطة المعتمدة عنده؛ وإليكها:
"عَرَّف به الحافظ أبو العبَّاس الأغرناطي في كتابه المسمى بـ "الْمُشْرِق في ذِكرِ علماءِ المغربِ والمشرِق"، قال:
"تفقَّه بأبي عبد الله السُّوسي وأبي محمدٍ البُرْجِيني والقاضي أبي القاسم بن الْبَرَاء، وكان حافظاً للفِقْهِ والحديثِ والشِّعرِ والأدَبِ، مشاركاً مُصَنِّفا. لهُ في التفسيرِ "الجمع بين ابن عطية والزمخشري"، وله "شرح التَّلْقينِ والأحكامِ الكبرى"، و "شرح الإرشاد".
3 - حرّف العبارة التي وردت في الأصول هكذا: "ولد بتونس يوم الإثنين رابع عشر محرم عام 606، ومات رابع ربيع الأول من عام 663" إلى النحو التالي: "ولد بتونس يوم الإثنين رابع عشر محرم عام ستة عشر وستمائة، وتوفي ليلة الأحد أربع ربيع أول سنة اثنين وستين وستمائة".
4 - أسقط المحقق فقرة كاملة ثابتة أيضا في النسخة التي اعتمدها من كتاب "النكت" الصغير؛ وها هي بتمامها:
"وَأَخبرني عنهُ عم والدي، الشيخ الصالح الزاهد العابد أَبو فارِس عبدُ العزيزِ البسِيلِي؛ أنه رَأى في نومه بعضَ من كان مُعَاصِرا لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العباسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ -وكَانَ فيِ نفسِهِ منْهُ شيء- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالَّةَ؛ لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللهِ تعَالى فقال له نعم. قالَ لي العَمّ: فالْتَقَيتُ بالشيخِ ابنِ عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلك".
5 - صحف كلمة "يضيف" إلى "يضعف" في عبارة الأصل: " ... وكَانَ اعْتِمادُهُ في التفسير على ابنِ عَطيَّةَ والزمخشريّ معَ الطيبِي، ويضيفُ تفسيرَ ابنِ الخَطِيب".
6 - مسخ عبارة المؤلف "تفقه بمراغة على مذهب الشافعي"، إلى ما يلي: "المعروف بابن الخطيب، فقيه على مذهب الشافعي! ".
(1/233)

7 - استحالت عبارة النسخة "ودفن في الجبل المصاقب لقرية مزداخان"، إلى ودفن في الجبل المقابل لقرية مركاخان".
8 - سلخ المحقق نصا طويلا من مقدمة الكتاب، رغم أنه ثابت في كل نسخ "النكت" الصغير؛ وهذا هو النص المحذوف:
"ومِنْ فهْرَسَةِ اللبلي: قال أحمدُ بنُ محمدِ بنِ خِلِّكَان في تاريخهِ: الإمامُ فخرُ الدين، هو أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ الحسينِ بن الحسن بن بنِ عليِّ البَكْريُ الطبَرِسْتَاني الأصْل، الرازي الموْلِد، المعروف بابن الخطيب.
ولد في خامس عشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعينَ وخمسمائةٍ بالرَّي، وتُوفي يومَ عيدِ الفِطْر، سنةَ ستٍّ وستمائةٍ بِهَرَاة، مِنْ أعمالِ خُرَاسَان، ودُفِنَ آخرَ النهارِ بالجبل الْمُصَاقِبِ من قرية مزداخان.
أَخَذَ الأصُولَ عنْ والدِه، وأَخَذَ والدُه عنْ أبي القاسِمِ سليمان بنِ ناصرٍ الأنْصَارِي.
وذَكَرَ لي شيخُنَا الخُسْروشاهيٍ بِدِمشْق أَشْيَاءَ مِنْهَا، أنَّه ما كان يُنْفِقُ إلا مِن نَسْخِه. وأخْبَرَني ابنُ الطباخ بالقاهرة، أن بعضَهُمْ كانَ يَحضُرُ تدريسَ ابنِ الخَطِيبِ، ويقعُدُ بَعيداً، فقال له ابنُ الخطِيبِ: لِمَ تَبْعُدُ عنَّا؟. فقال: مجلسُكَ البحْرُ، وأنَا امْرُؤٌ لَا أحْسِنُ السبْحَ فأخْشَى الغَرَقَ؛ فقَربَهُ منْه. وأخْبَرَني بها أَيْضا، أنًه كان يقْرأ على ابن السَّكَاك النحْوَ، يذهبُ إليهِ بعدَ فراغِ مجلسِه، فَعظُم على ابنِ السَّكَّاك مجيئُهُ، وقال له: أَنت إمامٌ حقُّك أنْ يُؤْتَى إِليكَ. فقَال لهُ ابنُ الخطِيب: هذا الذِي أفعلُه هو الواجِبُ. قال ابنُ السكَّاك: بَحَث مَعِي الإمامُ في كتاب "المفصَّل"، ففي الجزءِ الأولِ ربما يكونُ مثْلِي أوْ دُوني يسِيرًا، وأما الجزءُ الثاني فإِنه كانَ يحُلُ لي المشْكلاتِ التي كانتْ تَعْتَاصُ علَيَّ.
قال ابنُ الطبَّاخِ: وكانَ الإمامُ ابنُ الخطِيبِ على فضْلِهِ شِيعِيّا (1) يَرَى محبَّةَ أهلِ البَيْتِ.
قال: وكذَلكَ كان التاج الأَرمَوِيُ.
وَأَنْشَدَني بدمشقَ شيخُنا الْخُسْرُوشَاهى لبعضِهِم فيهِ:
رَحَلْتُ إِلَى خُوَرِزْمَ بَيْنَ عصَابَةٍ ... عِطَاشٍ إِلى التحْقِيقِ أَخْطَأهَا الرَّيّ
فَسَاقَ إِلَيْنَا اللهُ مِن بعدِ خَيْبَةٍ ... إِمَاماً كفَيْضِ البَحْرِ أخرَجَهُ الرَّيُّ"
__________
(1) هذا الكلام فيه نظر، وكان اللائق بمحقق الكتاب أن يدحضه ويبين عواره، وهل محبة أهل البيت دليل على التشيع؟؟!!!
فأهل السنة أشد من الشيعة حبًّا لآل البيت - رضي الله عنهم - يقول الإمام الشافعي - رضي الله عنه -
يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم ... مَن لم يصل عليكم لا صلاة له
ومن يطالع التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للإمام فخر الدين الرازي يجد خلاف ذلك، ويكفي مراجعة تفسيره في قوله تعالى في سورة التوبة (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ... الآية) والله أعلم. اهـ (محقق النسخة الإلكترونية).
(1/234)

9 - استحالت عبارة النسخ: "ابن عطية: ما روي عن عائشة: "ما كان .... " إلى: "قال ابن عطية: ما روي عن عائشة رضي الله عنها: "ما كان ... ". فزاد المحقق كلمة "قال" في صدر العبارة، ولفظ الترضية، رغم خلو النسخ منه، وسيزيده مرة أخرى في الصفحة 208 من الجزء الأول.
15 - انقلبت عبارة المخطوط: "وصدر المفسرين علي بن أبي طالب"، إلى "وأما صدر المفسرين فعلي بن أبي طالب"، والعبارة صحيحة، ولكنها مخالفة لما في النسخة التي اعتمدها ولما في غيرها، فصنيعه هذا تحريف.
11 - أسقط "إن" من العبارة "ثم إن محمد بن جرير الطبري .... "؛ وهي ثابتة في النسخة التي اعتمدها.
12 - حذف العبارة التالية: "وهو من قول أنس بن مالك"، وهي ثابتة؛ وموضعها في المطبوع، بعد قول المؤلف " ... من الأنصار يكنى أبا زيد"، وقبل قوله "قال المازري: هذا الحديث ... ".
13 - استحالت عبارة المازري: "هذا الحديث مما ذكره بعض الملحدة في مطاعنها "إلى" هذا الحديث مما ذهب بعض الملحدة في طعنها".
14 - استحالت عبارة "مئون لا يحصون" إلى "خلائق لا يحصرون". وليس في نسخة من النسخ تعويض "مئون" بـ "خلائق".
15 - استبدل المحقق عبارة المخطوط " ... لم يحفَظْ كل مائةٍ سوَى البيتِ الذِي روَتْهُ لكانتْ مُتَوَاتِرَةً"، بقوله "ولم يحفظوا غيره من أبياتها لجعلت كلها متواترة! ".
(1/235)

16 - وانظر رعاك الله إلى بعد الشقة بين ما في المخطوط، وبين ما أثبت المحقق في المطبوع؛ فالعبارة في المخطوط هي: "من كثرة من حفظ القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد عددنا ... ". وفي المطبوع: "من كثرة من حفظ القرآن جزم النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أصحابه. وقد عددنا ... ". فقد حرفت "زمن" إلى "جزم"، وأقحم المحقق العبارة بين المعكفين، وعلق في الهامش: "زيادة يقتضيها سياق الكلام؛ لأن في الكلام بتر" (كذا).
(1/236)

المبحث الحادي عشر: وصف النسخ الخطية ومنهج التحقيق
أ - وصف النسخ:
مذ استخرت الله تعالى في تحقيق هذا الكتاب، وأنا أبحث عن نسخه، ولقد أكديت نفسي في التنقيب في فهارس المخطوطات وذخائر الكتب، فلم أعثر مع مزيد البحث الجاد، إلا على ثلاث نسخ، وقد تبين أنه لا يُعرف غيرُها لحينِه، بعد سؤال العارفين بالمخطوطات والمهتمين بها؛ فأما الأولى فأول من أشار إليها العلامة محمد المنوني رحمه الله في تعليقاته على "فصلة تصف الدراسة بالقرويين"، مقتصرا عليها، وأما الثانية، فمودعة بالخزانة العامة بالرباط، فيما أن الثالثة من مخطوطات مؤسسة خزانة علال الفاسي، وأما "تكملة ابن غازي" فقد قرت ثاوية بالخزانة الحمزية.
- النسخة الأولى: مخطوطة الخزانة العامة بالرباط: 271 ق.
وهي مخطوطة من قطع الوزيري الكبير (20 × 30 سم تقريبا)؛ مؤرخة بتاريخ غرة شوال، عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة (973 هـ)، فهي أقدم نسخ "النكت" كبيرها وصغيرها، نسَخها علي بن أحمد بن حسن، شهر الجزاني، ويبدو أن عليا هذا كان من أهل العلم، ولذلك جاءت نسخته على قدر كبير من الصحة، ولولاها ما استقام تحقيق الكتاب على النسختين الأخريين لما اعتراهما من سقم ظاهر وتصحيف سافر.
ومما يزيد في أهمية النسخة أنها سلكت نظام التعقيبة (الرقاص)، وبها تصويبات بيد ناسخها الأصلي، وإلحاقات بخط غيره، عدا كونها مقابلة على نسخة أخرى،
(1/237)

حسبما هو مقيد على طررها، إذ عمد من قابلها إلى وضع كلمة "بلغة" في مواضع متفرقة، مما دل على أنه فرغ من مقابلتها في عدة مجالس؛ وقد كتب هو نفسه بخطه آخر النسخة ما يلي: "انتهت المقابلة على يد الفقير إلى الله محمد بن أبى النمر، لطف الله تعالى به". وبالزاوية السفلية اليسرى من آخر المخطوط، عبارة مأروضة لم يبق منها إلا كلمة "قرءه .... ". وهي منتسخة برسم أحدهم عُفّي على اسمه بالكشط. والبلاغات المذكورة متعددة لا أجزم بتحديدها، لاحتمال خفاء بعضها بسبب فوات تصوير بعض الهوامش؛ فمنها:
- البلاغ الأول: يوجد بالصفحة 49.
- البلاغ الثاني: يوجد بالصفحة 67.
- البلاغ الثالث: يوجد بالصفحة 84.
- البلاغ الرابع: يوجد بالصفحة 126.
- البلاغ الخامس: يوجد بالصفحة 145.
ويلاحظ أنه يفصل بين أغلب البلاغات، 18 صفحة، وإذا سلمنا اطراد هذا الأمر، فقد كان يلزم التنصيص على البلاغ بكلمة "بلغة" التي درج عليها الناسخ في عشرة مواضع.
وقد عمد الناسخ أو غيره، فقسم النسخة إلى ملازم بمعدل 20 صفحة (عشر ورقات) لكل ملزمة، ورقَّمها من النازل للعالي (واحد، اثنان ... )، وكتب الرقم بالحروف في الزاوية العلوية اليسرى، بحيث يخفى على غير المتفحص، وذلك باب في الصفحات 1؛ 85؛ 105؛ 125.
وقد أثبت أحدهم بخط مشرقي تعليقات -أثبتنا بعضها- انقطعت بعد الصفحة العشرين، وهي تشي بعلم الرجل وسعة اطلاعه.
وقد آلت هذه النسخة إلى محمد بن علي المالكي، قبل أن تنتقل إلى شيخ الزاوية الناصرية، أحمد بن محمد بن ناصر، وخطه المعروف مثبت على أولى صفحاته. وهي الآن مودعة بالخزانة العامة، من ضمن ما استقدم من خزانة الزاوية الناصرية.
(1/238)

وجاء على صفحة العنوان العبارات التالية:
1 - مجموع فيه كتاب "نكات وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد" لخاتمة المحققين والمدققين، أبي عبد الله محمد بن عرفة المالكي؛ جمع تلميذه شهاب الدين أحمد البسيلي المالكي رحمهما الله. (بخط النسخ).
2 - في ملك الفقير إلى الله تعالى أحمد بن ( ....... ) الشرعي ( ...... ) والده ( ...... ) بكرم الله تعالى محمد بن علي ( .... ) رحمه الله تعالى ( ..... ) بتاريخ ثامن عشر رمضان ( ......... ). (تمليك بخط النسخ الجميل).
3 - وفيه كتاب "ما تضمنته كلمات خير البرية من غامض أسرار الصناعة الطبية"، للعلامة أبو (كذا) الفضل قاسم اللمتوني المغربي، طاب ثراه. (بخط النسخ، وهو نفس خط التعليق رقم 1).
4 - ملك لله تعالى بيد أحمد بن محمد بن ناصر، كان الله له، آمين. (تمليك بخط مغربي مسند، وهو خط العلامة ابن ناصر الدرعي).
5 - وفيه: كتاب "لحن العوام" للشيخ العارف بالله تعالى سراج الدين عمر السكوني، تلميذ الإمام محمد بن عرفة؟ طاب ثراه (بنفس خط التعليقين 1 و 3).
6 - لمحمد علي المحلي المالكي، لطف الله به. (تمليك بخط النسخ).
7 - هذه نكات وتنبيهات على تفسير القرآن المجيد، للإمام محمد ابن عرفة المالكي، جمع تلميذه البسيلي، وهو بخطه؟، طاب ثراهما، آمين.
8 - هذا المجموع بخط أبي عبد الله شهاب الدين أحمد البسيلي تلميذ ابن عرفة رحمهما الله، وهذا الخط مما يتبرك به؛ اللهم انفعنا بكاتبه، آمين!؟. (بخط النسخ).
وتحت كل هذا ختمان، الأول ختم مكتبة الزاوية الناصرية، والثاني، ختم مخطوطات الأوقاف، بالخزانة العامة بالرباط.
(1/239)

وتقع النسخة في مائة وخمسة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، في كل صفحة 24 سطرا، بمعدل 12 إلى 14 كلمة. وهي مكتوبة بخط مغربي مجوهر، ينفرد باصطلاحات مهجورة في الإملاء، والنسخة مكتوبة بخط واحد، إلا في الصفحتين 85 و86، فإنهما بخط مغاير جميل.
وقد نالت الأرضة من أسفل هامش الورقة الأيسر، فضاعت بعض الإلحاقات والتعليقات، بيد أنه أمكن استفادتها من النسخ الأخرى.
ولصحة النسخة وتقدمها الزمني، فقد اخترتها معتمدا في التحقيق -وإن سلكت سبيل النص المحرر- وسأرمز لها بحرف "ق".
- النسخة الثانية: مخطوطة الخزانة العامة: 1743/ 2 د:
هذه النسخة ضمن مجموع من قطع الوزيري الكبير، يتضمن عداها "شرح ابن حمامة المغراوي لغريب الشهاب"، حيث تبدأ من الصفحة 235 إلى الصفحة 385. وهي خالية من اسم الناسخ أو تاريخ النسخ، كما تقع في مائة وخمسين صفحة، في كل صفحة 20 سطرا، بمعدل 18 كلمة تقريبا، عليها طرر يسيرة، وهي تامة منسوخة بخط مغربي معتاد، كتبت فيها عناوين السور والآيات المفسرة بخط بارز أحمر.
ويبدو أن الناسخ نقل عن أصل مصحف أو غفل أثناء النسخ، ولذا تفشت في النسخة تصحيفات وتحريفات متنوعة، تجعل هذه النسخة تالية لسابقتها، ومفيدة في تبين بعض السقط الذي أتت عليه الأرضة من طرر نسخة الأصل في مواضع يسيرة. وسأرمز لهذه النسخة بحرف "ك".
- النسخة الثالثة: نسخة مؤسسة خزانة علال الفاسي:
وهي ضمن مجموع رقم 297 ع، من قطع هو ما بين الوزيري والوزيري الصغير، يحتوي غير كتابنا على "فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن" لزكريا الأنصاري، الذي يشغل من المجموع [125 - 293]. الورق صقيل أصفر يغلب على الظن أنه من ورق القرن 11 هـ. والمجموع غير مرقم، تشغل فيه نسختنا 122 صفحة، أي 61 ورقة، في كل صفحة 25 سطرا، بمعدل 12 كلمة في السطر، مقياسها 14.8/ 21.3 سم، ليس عليها بلاغ ولا قراءة ولا ما يفيد أنها مقروءة برسم التصحيح، إلا طررا يسيرة نبه بها الناسخ إلى فوائد توجد في صلب الكتاب.
(1/240)

وهي خالية من تاريخ النسخ، أو اسم الناسخ، مكتوبة بخط مسند رديء الأوضاع، وهي على حال من الرداءة والأسقاط والأوهام والأخطاء التركيبية بحيث لا تصلح معه للتحقيق منفردة.
- تكملة ابن غازي: نسخة الزاوية الحمزية:
هي نسخة مكتبة الزاوية الحمزية، بالريش بإقليم تافيلالت، ثاني مجموع يحمل رقم 279، تشغل 22 صفحة من الصفحة 371 إلى الصفحة 393، من قطع الوزيري الكبير، وهي مكتوبة بخط مغربي، كتبها عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الخالق الجزولي، من خط المؤلف مباشرة. في كل صفحة 21 سطرا، بمعدل 9 كلمات في كل سطر، الآيات والعناوين بالحمرة، وفي أسفل كل صفحة تعقيبة، وقد اعتمدنا على شريط مصور عنها، غير أنه أتى على أسفل المخطوط، فطمست عبارات منها ما لفَّقناها بالعود إلى أصولها، ومنها ما تركنا موضعه بياضا إلى أن ييسر الله الاطلاع على النسخة الأصلية.

ب - منهج التحقيق:
كانت النسخ الثلاث منضافة إلى نسخة التكملة، مع نسخ من التقييد الكبير، عمدتي في إخراج النص، مع ما انضاف إلى ذلك من الاجتهادات اللدنية التي أيدتها المصادر ونصرها المعنى، مما لا سبيل إلى الإخلال بها، لتوقف تمام النص عليها، وبعض ما أحوج إليها هو من أوهام النساخ التي أطبقت عليها النسخ، والآخر من الهنات التي علقت بعمل المؤلف نتيجة إسراعه في عملية الاختصار؛ وإليك بعض المواطن التي اضطررنا فيها إلى تقويم النص وإتمامه، ناصين على ذلك، واضعين إياه بين قوسين خشية أن يلتبس على القارئ المتيقظ:
(التكملة للجزء 2).
- ص 569، س 10.
- ص 596، س 7.
- ص 634، س 2، س 9.
(1/241)

- ص 636، س 2، س 3.
- ص 637، س 3.
- ص 640، س 9.
- ص 641، س 1.
- ص 643، س 12.
- ص 647 س 1 س 6.
- ص 649، س 6.
- ص 659، س 11.
- ص 660، س 2، س 3.
- ص 664، س 3.
- ص 668، س 4.
- ص 670، س 6.
- ص 673، س 6.
وقد سلكت جَدَدَ المحققين الجلة، أمنا للعثار، ولم أحد عن نهجهم إلا بمقدارٍ يفرضه حال النص، فكان أن اتبعت الخطوات التالية:
- جعلت ما زادت به "ق" على "ك" بين مُعكَّفين، وما ربت به الأخيرة على الأولى أو "س" بين زاويتين متقابلتين، وما خلت منه النسخ من سقط لازم أو تتمة مُثْلى بين قوسين، ونبهت على أنه زيادة لدنية اقتضاها النص واستقام بها، ولم أفعل هذا إلا لماما.
- أثبت أرقام مخطوط "ق" في صلب النص بين معكفين، وأرقام "ك، س" بالحاشية بحسب الورود.
- رسمت الحروف القرآنية موضع التنبيهات بالرسم التوقيفي على ما اقتضت قراءة نافع، إلا مواطن لم تسعفني مميزات الطبع، فأثبتها على حالها لشيوعها، أو تركتها بياضا أكتبها باليد بعد؛ فمن الأول القاف المنقوطة نقطة واحدة من فوق، والفاء المنقوطة نقطة واحدة من تحت، ومن الثاني الألفات المحذوفات والياءات المردودات، وعلامة الصلة والإقلاب وما سوى ذلك.
(1/242)

- جعلت ناصية كل آية منبَّه عليها رقمَها، تيسيرا على القارئ ومنعا للتشغيب عليه بالعَوْد المطّرِد إلى الحواشي عند كل آية.
- ضبطت الآيات والأحاديث والشواهد والأغربة ضبطا تاما.
- صوبت الأوهام والهنات الواردة بالنص، وأشرت إلى مصادر التصحيح.
- خرجت الآيات بالحاشية، لأني رأيت فعل ذلك في النص مع كثرة الآي مذهبا لطلاوته.
- خرجت القراءات متواترها وشاذها ونصصت على القرَأَة بها.
- خرجت الأحاديث النبوية الشريفة، ونقلت عن علماء الحديث أحكامهم عليها بالتصحيح أو التضعيف، وصدرت التخريج بها.
- عرفت بمصطلحات الفقه والأصول والمنطق، وبعض أسماء الأماكن والكتب.
- عرضت ما أشكل من نص الكتاب على أصله "التقييد الكبير"، حين لا تكون النكتة من زوائد الصغير.
- رددت غالب النقول الكثيرة بالنص على أصولها، ليستبين وجه الحق في نقلها، فتكشَّف لي أحيانا ما في النقل من العَسْف أو الاختصار المخل؛ على ما في ربط النقول بمظانها المخطوطة من نصب ووصب يخبره العارفون.
- خرجت شواهد الشعر والرجز بالعوْد إلى دواوين أصحابها، وإلى كتب الأدب والنحو واللغة والتفسير.
- خرَّجت الأمثال والحكايات وضريب ذلك كله، وتر جمت للأعلام.
- عرضت محمولات النص على كتب التفسير والنحو واللغة والحديث، باعتبار موضوع كل نكتة، ولم أخْلِ مع ذلك نفسي من عهدة عرضي لمادة الكتاب برمتها على التفاسير المعتبرة المشهورة.
- انتحيت في التعليق تفصيل المجمل أو توضيح المبهم أو التنبيه على الوهم أو إرشاد القارئ إلى مزيد البحث في المظان، ولربما أرخيت العبارة في التعليق زيادة بيان أو حرصا على فائدة أو محاذاة لكلام المؤلف بما يشاكله ويماثله.
(1/243)

- ختمت التحقيق بفهارس تفصيلية:
فهرس الآي.
فهرس الآثار.
فهرس الأشعار.
فهرس الأعلام.
فهرس الأماكن.
فهرس الأمثال.
فهرس الكتب المذكورة في المتن.
فهرس الجماعات والفرق.
فهرس المصطلحات المنطقية.
جريدة المصادر والمراجع.
فهرس مواد التقديم والتحقيق.
(1/244)

مطبعة النجاح الجديدة
الدار البيضاء
(1/248)

النَّصُّ المحقَّق
(2/2)

اختصارات المتن والحاشية:
و: وجه
ظ: ظهر.
أ: وجه.
ب: ظهر.
ع: ابن عرفة.
ع س: ابن عبد السلام (لم يرد هذا الاختصار إلا مرة واحدة).
خ: الفخر.
ز: الزمخشري.
رموز المخطوطات المعتمدة في تحقيق النص:
- ق: نسخة الخزانة العامة أوقاف.
- ك: نسخة الخزانة العامة كتاني.
- س: نسخة خزانة علال الفاسي.
< >: ما زادت به نسخة "ك" و "س" على "ق".
[]: ما زادت به "ق" على "ك" أو "س".
(): زيادة لدنية يقتضيها السياق، وتخلو النسخ منها.
ح: رقم الحديث.
رت: رقم الترجمة.
رش: رقم الشاهد.
ن خ ع ك: نسخة الخزانة العامة بالرباط، حرف ك (كتاني).
ن خ ع ق: نسخة الخزانة العامة، حرف ق (أوقاف).
ن خ ع ح: نسخة الخزانة العامة، حرف ح (الحجوي).
ن خ ح د: نسخة الخزانة العامة، حرف د.
ن خ م: نسخة الخزانة الملكية، بالقصر الملكي بالرباط.
ن م ع ف: نسخة مؤسسة علال الفاسي.
الكبير: اختصار للتقييد الكبير.
"الكبير" (ز): نسخة الجزائر من "التقييد الكبير".
ت: توفي.
هـ: هجرية.
اهـ: انتهى.
ن: انظر.
محمد بن أبي النمر: مقابل نسخة "ق".
المحلي: أحد من تملكوا الكتاب، وقد أثبتَ على الكتاب تعليقات أثبت بعضها.
(2/3)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلَّى اللَّهُ على سيدِنا محمدٍ وعلى آلِه وسلم تسليماً.
يقول عُبيد اللَّهِ الفقيرُ إليه أحمدُ بنُ محمد البَسِيلي رحمه الله تعالى ورضى عنه بعد حَمْدِ اللَّهِ كما يجبُ لجلاله، والصلاةِ على نَبيه محمد وآلِه:
"قصدتُ في هذا التقييد جمعَ نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، مما كان يمشى لنا بدرس شيخِنا أبي عبد اللَّه محمدِ بنِ عرفة -رحمه الله تعالى- معَ زِيَاداتٍ وتنبيهاتٍ أضفتُها إلى ذلكَ مِنْ كَلامِ المفسرينَ وغيرهم، وبالله أسْتعين".
(2/4)

(التعريف بعلم التفسير في اللغة والاصطلاح)
قال الشّيخُ أبو حيّان في تفسيرِهِ المسمى بِالبَحْرِ:
"التفسير لغة: الاستِبانة والكشف، قاله ابن دريْد. واصطلاحاً: علم
(2/5)

يبحث فيه عن كيفية النُّطقِ بألفاظِ القُرآن ومدلولاتِها وأحكامِها الإفرادية والتركيبية، ومَعانِيها التي تُحْمَلُ عليها حالةَ التركيبِ وتَتْميماتٍ لذلكَ.
فقولنا "عِلم" جنسٌ لسائرِ العلوم. وقولنا "يُبحث فيه عنْ كيْفية النّطقِ بألفاظِ القرآن" هو علْمُ القراءَاتِ. وقولُنا "ومَدْلولاتِها" هو علمُ اللُّغَةِ. وقولنا "وأَحكامِها الإِفْراديَّةِ والتَّركيبيَّة"، يشمل علمَ التَّصْريفِ وعلمَ الإعرابِ وعلمَ البَيَان. وقولنا "ومعَانِيهَا التي تحمل عليها حالَةَ التَّركيبِ"، يشْملُ مَا دلالةُ التَّركيبِ عليهِ بالحقيقةِ ومَا دَلالتُه عليه بالمجاز؛ فإن التركيب قد يقتضي ظاهِرُهُ شيئاً ويمنع من الحمل على ذلكَ الظَّاهرِ مانعٌ، فيُحْمَلُ على غير ظاهره وهو المجازُ. وقولنا "وتَتميماتٍ لذلك"، هو مثل مَعرفة النسخ وسبب النزول وذكر قصة ونحوِ ذلك".
(2/6)

(العلوم التي يحتاجُ إليها المفسِّر)
قال: "والنظر في تفسير كتابِ الله تعالى من أوجُهٍ:
(أ) عِلْمُ اللغة اسما وفعلا وحرفا؛ فالحروف لقِلَّتِها تكلم على معانيها النحاةُ؛ فيؤخذ ذلك من كتبهم؛ وأما الأسماءُ والأفعالُ فتؤخذ من كتب اللغة.
(ب) معرفة أحْكام الكلمة العربية من جهة إفرادها ومن جهة تركيبها؛ ويؤخذ ذلك من علم النحو.
(ج) معرفة كون بعض الألفاظ أو بعض التراكيب أحسن وأفصح؛ ويؤخذ ذلك من علم البيان.
(د) تعيين مبهم وتبيين مجمل وسبب نزول ونسخ؛ ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح، وذلك من علم الحديث.
(2/7)

(هـ) معرفة الإجمال والتبيين، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ودلالة الأمر والنهي وما أشبه ذلك؛ ويختص أكثرُ هذا الوجه بأحكام القرآن، ويؤخذ من أصول الفقه، ومعْظَمُه يؤخَذ في الحقيقة من علمِ اللُّغةِ، إذِ الكَلامُ فيهِ عَلَى أوْضاعِ العَربِ؛ لكنْ تَكَلَّمَ فيه غيْرُ اللُّغويِّين والنحويِّين ومَزَجُوهُ بأشْياءَ مِنْ وجوهِ حُجَجِ الْمَعْقول.
(و) النَّظَر فيما يَجِب للَّه تعالى ومَا يَجُوزُ في أَفْعالِه ومَا يستحيلُ عَليْه، ويَخْتصُّ هذا الوجهُ بالآياتِ التي تَضَمنَتْ ذلك؛ ويؤخذُ هذا مِنْ علم الكَلام.
(ز) اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص أو تغيير حركة أو إتيان بلفظ بدل لفظ، أو ما يتواترُ أو آحَادٍ؛ ويؤخذ هذا الوجه من علم القراءات، وقد ألفت فيه كتابَ "عِقْدِ اللآلئ" قَصيداً في عروضِ قَصيدِ الشَّاطبي
(2/8)

ورَويِّهِ، يشتمل على أَلْفِ بيْتٍ وَأربعةٍ وأَرْبَعينَ بيْتاً، صَرَّحْتُ فيه بأسماء القراء من غير رَمْزٍ ولا لغْزٍ ولا حُوشِيِّ لغةٍ".
"فهذه سبْعةُ أوجُهِ لا ينبغي أَن يُقْدِمَ على تفْسير كتاب اللَّه تعالى، إِلا مَن أحاط بجملةٍ كافيةٍ مِن كُلِّ وجْهٍ منها.
وأما الوقف فقد صنف الناس فيه كُتُباً مرتبةً على السور، ومَنْ عنده حَظٌّ من علم العربية لم يحتجْ إليها".
قال: "وقد ألفت هذا الكتابَ المسمى بـ "البحر" بمصْر، في أواخر سنةِ عشْرٍ وسبعمِائةٍ، وهيَ أوائلُ سنةِ سبعٍ وخْمسينَ مِن عمري؛ وبِمِصْرَ صنفت جميع تصانيفي".
(2/9)

(التعريفُ بابنِ عطيَّةَ والزمخشري)
قال: "وأبو القاسم محمودُ بنُ عمرَ المشرقيُّ الخوارِزْميُّ الزمخشري، وأبو محمَّدِ عبد الحق بنُ غالبِ ابنِ عطيةَ المغربيُّ الأندلُسيُّ الغرناطي، هما فارسا علَمِ التَّفسيرِ، وكانَاَ مُتعاصِريْن في الحياة، مُتَقَارِبيْن في الممات.
وُلد الزمخشري بزَمَخْشَر -قرْيةٌ من قرى خُوَارِزْم- يوم الأربعاء، السَّابع عشَرَ لرجب، سنةَ سبعِ وستِّينَ وأربعمائةِ، وتوفي بكُرْكَانج -قَصَبَةُ خُوَارزم- ليلة عرفة سنةَ ثمانٍ وثلاثينَ وخمسَمِائةٍ.
وولد ابن عطيةَ سنةَ إحْدَى وثَمَانينَ وأربعمائةٍ، وتُوفي بلُورْقَة في الخامسِ والعشْرينَ لشهرِ رمضانَ سنةَ إِحْدى وأربعينَ؛ وقيلَ سنةَ اثْنينِ وأرْبعِينَ وخمسمائةٍ.
(2/10)

وكتاب ابن عطية أنْقَلُ وأجمع وأَخْلصُ؛ وكتابُ الزَّمخْشريِّ ألْخَصُ وأغْوَصُ.
وللزمخشري تَصانيفُ غيْرُ تفسِيرِه، منْها: "الفائِقُ فِي لغات الحديث"، و "مختلف الأسماء ومؤتلفها"، "وربيعُ الأبْرارِ"، و "الرَّائضُ في الفرائض"، و "الْمُفَصَّل" ... وغيرُ ذلك".
قلت: وله "مُحَاجاة في مسائل نحوية" أذكُرُ منها في هذا التقييد إن شاء اللَّه تعالى.
وله يَرْثِي شيخه أبا مُضَرٍ، حسبما وجدته مقَيَّداً بخطِّ شيخِنا أبي
(2/11)

مهْدِي عِيسَى الغُبْرِينِى (49):
وقَائِلَةٍ مَا هذِه الدُّرَرُ التِى ... تساقط مِنْ عينِكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنِ
فقُلْتُ هُو الدُّرُّ الذي قدْ حَشَا بِهِ ... أبُو مُضَرٍ أذْنِي تسَاقَطَ مِنْ عَيْنِي
قال أبو حيان: "وذكر الوزير أبُو نصْرٍ الفتْحُ بنُ خَاقَان الإشبيليُّ، فيِ كتابه المسمى "قلائِدَ العِقْيَان في مَحَاسِنِ الأعْيَان"، أبَا محمد بن عطيّة وأثْنَى عليه، وأثْبَتَ له نظماً ونثراً".
قلْتُ: وجمع بين تفسيرِ ابنِ عطيةَ والزمخشريِّ، أبو فارسٍ عبدُ العزيزِ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ القُرشِيُّ التَّميميُّ التُّونسيُّ، شُهِرَ بابن بزيزة؛ عَرَّف
(2/12)

به الحافظ أبو العباس الأغرناطي في كتابه المسمى بـ "الْمُشْرِق في ذِكْرِ علماءِ المغرب والمشرِق"، قال: "تففه بأبي عبد اللَّه السُّوسي وأبي محمدَِ البُرْجِيني والقاضي أبي القاسم بنِ الْبَرَاء، وكان حافظاً للفِقْهِ والحَديثِ والشِّعرِ والأدَبِ، مشاركاً مُصَنِّفاً. لهُ في التفسيرِ
(2/13)

"الجمع بين ابن عطية والزمخشري،وله "شرح التلْقينِ والأحكامِ الكبرى، و "شرح الإرشاد" -قلت: وسماه كتاب الإسْعاد- و "شرح المفصَّل والجُمل. وكان من أهل الدِّين والعلمِ، ولد بتونس يوم الإثنين رابع عشر محرم عام 606، ومات رابع ربيع الأول من عام 663".
(2/14)

(التعريفُ بابن عرَفَةَ شيخ البسيلي)
قلت: وولد شيخنا أبو عبد اللَّه محمد بن عرفة، سنةَ ستَّ عشْرَة وسبعمائة، وتوفي -رحمه اللَّه- ضَحْوَةَ يوم الثلاثاء، الرابع والعشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الأُخْرى، عام ثلاثة وثمانمائةٍ، ودُفِنَ بعد صلاة الصبح من يومِ الأربعاء غَدَ تارِيخِه، وله من العمر ستةٌ وثمانونَ عاماً وأَشْهُر. وحج حجة الفريضة؛ كان خروجه لذلك من تونس بعد صلاةِ الظهر مِنْ يومِ الإثنين الحادي والعِشْرينَ لشهرِ جُمَادَى الآخِرَةِ من عام اثنين وتسعين وسبعمائة، وقد كان بلغ في تفسميرِ القُرآنِ إلى قوله تعالى (إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ)، ورجع من حجه فدخل تونس يوم الثُّلاثَاءِ، التاسع عشَرَ لشهر جمادى الأُولى، مِن عام ثلاثة وتِسْعيَن وسبعمائةٍ قرب الزوال. وحَبَّسَ قبل
(2/15)

موته كثيراً من الرّبَاعِ، وتصدق قرب موته بمالٍ كثيرٍ، وترك موروثا عنه ما قيمته ثمانيةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ ذَهَباً كبيرة، ما بين عَيْنٍ وجوهر وحُلِيٍّ وطعام ورِباع وكتب؛ وكان رحمه اللَّه مستجاب الدعاء.
وَمما رأيت من بركته، أنِّي كنتُ أجلسُ قُبَالَتَهُ بمجلسِ تدريسِه، فرُبمَا تكلَّمَ مَعِي بِمَا يقع في خاطِرِي. وَأَخبرني عنهُ عم والدي، الشيخ الصالح الزاهد العابد أَبو فارِس عبدُ العزيزِ البسِيلِي؛ أنه رَأَى في نومه بعضَ من كان مُعَاصِراً لشيخِنَا ابنِ عَرَفَةَ، وَهُوَ الشيخُ الفقيهُ المفْتي القاضِي أبُو العبَّاسِ أحمدُ بنُ حَيْدَرَةَ
(2/16)

-وكَانَ في نفسِهِ منْهُ شيءٌ- فقالَ له: اطلُبْ لي منْهُ المُحَالَّةَ؛ لأنِّي رأيتُ لهُ منزلةً عظيمةً عندَ اللًهِ تَعَالى فقال له نعم. قالَ لِي العَمُ: فالْتَقَيتُ بالشيخِ ابنِ عَرَفَةَ وأخبرتُهُ بذلك، فقال لي: الْمُلْتَقَى بيْنَ يَدَي اللَّهِ تَعَالَى. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلك.
قُلت: وكَانَ اعْتِمادُهُ في التَّفسير على ابنِ عَطيةَ والزمخشريِّ معَ الطِّيبِي، ويضيفُ تفسيرَ ابنِ الخَطِيب.
قال ابنُ سُرورٍ في شرحِ "الحاصِل من الْمَحْصُول" لتاج الدِّينِ الأرمَوِي: "وفخرُ الدِّين، هو أبو عبدِ اللًهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ خَطِيبِ الرَّيّ بنِ الحسينِ بنِ على البَكْري الرَّازي، والرَّازي مَنْسُوبٌ إلى الرَّيِّ على غيرِ قِيَاسٍ؛ تَفَقَّهَ بمراغة
(2/17)

على مَذْهبِ الشافعي، وتقدمَ في الفقْهِ وصناعةِ الكَلام، وصَنَّفَ التصانيف، وانتهتْ إليه رئاسةُ الكلامِ. وُلِدَ بالرَّيِّ في الرابع عشرَ مِنْ شهرِ رمَضَانَ سنةَ أرْبَعٍ وأربعينَ وخمسمائةٍ، وتُوفِّي يومَ الأضحى سنةَ عشرٍ وستِّمائةٍ، وهو ابنُ ثَلاثٍ وسبعينَ سنةً، ودُفِنَ في الجبلِ الْمُصاقِبِ لقريةِ مزداخانَ.
ويُقَالُ: إِنَّ تَصَانيَف الفخْرِ لَمَّا وَصَلتْ مِصْرَ لم يُقْبِلُواْ عليْهَا لِمُخالفتِها نظْم كُتُبِ المتقدِّمين، حَتَّى اشْتَغَلَ بها تَقِيُّ الدِّينِ الْمُقْتَرِحُ، فقَرَّبَهَا لأفْهَامِهِم، فَعكَفُوا عليها وترَكُوا كتُبَ المتقدِّمِينَ".
(2/18)

ومِنْ فهْرَسَةِ اللبلي: "قال أحمدُ بنُ محمدِ بنِ خِلِّكَان في تاريخهِ: الإمامُ فخرُ الدِّين، هو أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ عمرَ بنِ الحسينِ بن الحسن بن عليِّ البَكْريُّ الطبَرِسْتَانِي الأصْلِ، الرَّازي الموْلِد، المعروف بابن الخطيب.
(2/19)

ولد في خامس عشرين من شهر رمضان سنة أربع وأربعينَ وخمسمائةٍ بالرَّي، وتُوفي يومَ عيدِ الفِطْر، سنةَ ستٍّ وستِّمائةِ بِهَرَاة، مِنْ أعمالِ خُرَاسَان، ودُفِنَ آخرَ النهارِ بالجبل الْمُصَاقِبِ من قريةَ مزداخان.
أخَذَ الأصُولَ عنْ والدِه، وأَخَذَ والدُه عنْ أبي القاسِمِ سليمان بنِ ناصرٍ الأنْصَارِي".
وذَكَرَ لي شيخُنَا الخُسْروشاهي بِدِمشق أَشْيَاءَ مِنْهَا، أنه ما كان يُنْفِقُ إِلا مِن نَسخه. وأخْبَرَني ابنُ الطباخ بالقاهرة، أنَّ بعضَهُمْ كانَ
(2/20)

يَحضُرُ تدريسَ ابنِ الخطِيبِ، ويقعُدُ بَعيداً، فَقَال له ابنُ الخطِيبِ: لِمَ تَبْعُدُ عنا؟. فقال: مجلسُكَ البحْرُ، وأَنَا امْرُؤٌ لَا أُحْسنُ السَّبْحَ فأخشى الغَرَق؛ فقَرَّبَهُ منْه. وأخْبَرَني بها أَيْضاً، أنَّه كان يقْرأُ على ابنِ السَّكَّاك النَّحْوَ، يذهبُ إليهِ بعدَ فراغِ مجلسِه، فَعظُم على ابنِ السَّكَّاك مجيئُهُ، وقال له: أنت إمامٌ حقُّك أنْ يُؤْتى إليكَ. فقَال لهُ ابنُ الخطِيب: هذا الذِي أفعلُه هو الواجِبُ. قال ابنُ السَّكَّاك: بَحَثَ مَعِي الإمامُ في كتاب "المفصَّل"، ففي الجزءِ الأوَّلِ ربما يكونُ مثْلِي أوْ دُوني يسِيراً، وأمَّا الجزءُ الثَّاني فإِنَّه كانَ يحُلُّ لي المشْكلاتِ التي كات تَعْتَاصُ علَيَّ.
قال ابنُ الطباخ: وكانَ الإمامُ ابنُ الخطِيبِ على فضْلِهِ شِيعِيًّا (1) يَرَى محبَّةَ
__________
(1) هذا الكلام فيه نظر، وكان اللائق بمحقق الكتاب أن يدحضه ويبين عواره، وهل محبة أهل البيت دليل على التشيع؟؟!!!
فأهل السنة أشد من الشيعة حبًّا لآل البيت - رضي الله عنهم - يقول الإمام الشافعي - رضي الله عنه -
يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم القدر أنكم ... مَن لم يصل عليكم لا صلاة له
ومن يطالع التفسير الكبير (مفاتيح الغيب) للإمام فخر الدين الرازي يجد خلاف ذلك، ويكفي مراجعة تفسيره في قوله تعالى في سورة التوبة (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ... الآية) والله أعلم. اهـ (محقق النسخة الإلكترونية).
(2/21)

أهلِ البَيْتِ. قال: وكذَلكَ كانَ التَّاجُ الأَرمَوِيُ.
وَأَنْشَدَني بدمشقَ شيخُنا الْخُسْرُوشَاهي لبعضِهِم فِيهِ:
رَحَلْتُ إِلَى خُوَرِزْمَ بَيْنَ عصَابَةٍ ... عِطَاشٍ إِلى التحْقِيقِ أَخْطَأَهَا الرَّيُّ
فَسَاقَ إِلَيْنَا اللَّهُ مِن بعدِ خَيْبَةٍ ... إِمَاماً كَفَيْضِ البَحْر أخْرَجَهُ الرَّيُّ".
(2/22)

(فصل)
ابنُ عطيَّةَ: "مَا رُوِيَ عنْ عائشة: "مَا كانَ رَسُولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُفسِّر من القُرآن إلاَّ آياً بِعَدَدٍ عَلَّمَهُ إيَّاهُنَّ جبريلُ"، معنَاهُ في مغَيَّبَاتِ القرآنِ وتفسيرِ مجملِه ونحوِ ذَلك، مِمَّا لَا سبيلَ إليهِ إلاَّ بتَوْقِيف من اللَّهِ تعَالَى.
(2/23)

(فصل)
وَصَدْرُ المفَسِّرِينَ عليُّ ابنُ أبي طَالبٍ، ثم عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، وعنه أَخَذ، ثم عبدُ اللَّهِ بنُ مسْعودٍ وأُبَيُّ بنُ كعبٍ وزيْدُ بنُ ثابتٍ، وعبدُ
(2/24)

اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العَاصِي.
ثم مِنَ التابعين الحسنُ بنُ أبي الحسَنِ ومُجَاهِدُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ،
(2/25)

وعَلْقَمَةُ، ثم عِكْرِمةُ والضَّحَّاكُ بنُ مُزَاحم والسُّدِّيُّ. ثُمٌ حَمَلَ التفسيرَ عُدُولُ كُلِّ خَلَفٍ، وألفَ الناس فيهِ كعبدِ الرَّزاقِ، والمفضَّلِ وعليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ والبخاري وغيْرِهم.
(2/26)

ثُم إِنَّ محمدَ بنَ جريرٍ الطبري جَمَعَ أَشْتاتَ التفسيرِ، وقَرَّبَ البَعِيدَ، وشَفَى فِي الإِسْنَادِ.
وأمَّا أبُو بكرٍ النَّفاش، وأبو جعفرٍ النَّحاسُ، فكثيراً ما اسْتَدْرَكَ الناسُ عليْهِما، وتَبِعَهُما مكّيُّ بنُ أبي طالبٍ؛ وأبو العباسِ
(2/27)

المهْدَوِيُّ مُتْقَنُ التأليفِ".
(2/28)

(فصل)
معنَى حديثِ (1) "إِن هذَا القُرْآنَ أُنزِلَ على سبْعةِ أحرُفٍ".
قلت: كانَ شيْخُنا ابنُ عرفَةَ يُفَسِّرُها بالقراآتِ السَّبْعِ
__________
(1) صحيح:
بل عده السيوطى في "تدريب الراوي، من المتواتر؛ إذ رواه سبعة وعشرون صحابيا. وهو عند مسلم في "صحيحه " (1/ 560؛ رح: 88)؛ كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب بيان أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وبيان معناه.
(2/29)

المشهورةِ.
(2/30)

(فصل فيمَن جَمَع القُرآنَ)
ابنُ عَطيَّة: "كَانَ القُرْآنُ في مدةِ رسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُتَفَرِّقا في صُدُورِ الرجالِ".
قُلتُ: في صَحِيحِ مسْلِم: "جَمَعَ القرآنَ عَلَى عهْدِ رسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْبَعَةٌ كلُّهم من الأنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كعْبٍ، ومُعَاذُ بن جَبَلٍ، وزَيْدُ بنُ ثَاِبتٍ،
(2/31)

ورجلٌ منَ الأنصارِ يُكْنَى أَبَا زَيْدٍ"، وهُوَ مِن قولِ أنسِ بنِ مَالك".
قَال الْمازَرِي: "هَذَا الحديثُ مِمَّا ذَكَرَهُ بعض الملحِدَةِ في مَطَاعنِهَا، وحاوَلَتْ بذلك القدْحَ في الثِّقَةِ بنَقْلِ القُرآنِ ولا مُسْتَرْوحَ لها في ذلك؛ لأنَّا لوْ سلَّمْنا الأمرَ كمَا ظنُّوا وأنه لم يُكْمِلِ القرآنَ سوى أربعةٍ فقط، فقدْ حَفِظَ جميعَ أجْزَائِهِ مِئُونَ لَا يُحْصَوْنَ. وليس
(2/32)

مِنْ شرطِ كونِه مُتَواتراً أنْ يحفَظَ الكُلُّ الكُلَّ، بَلِ الشيءُ الكثيرُ إذَا رَوَى جُزْءاً منْهُ خلقٌ كثيرٌ، عُلِمَ ضَرُورةً وحَصَلَ متَواتِراً؛ ولوْ أن:
قِفَا نَبْكِ ...................... [طويل]
رَوَى كل بيتٍ منهَا مائةُ رجلٍ مَثَلاً، لم يحفَظْ كلّ مائةٍ سوَى البيتِ الذِي روَتْهُ لكانتْ مُتَوَاتِرَةً؛ فَهَذَا الجوابُ عنْ قدْحِهِمْ.
وَأَمَّا الجوابُ عنْ سؤَالِ مَنْ سَأَلَ مِنَ الإسْلامِيِّينَ عنْ وجْهِ الحديثِ، فهُوَ أنْ يُقَالَ لَهُ: قدْ عُلِمَ ضرورةً مِنْ تَدَيّنِ الصًّحَابَةِ ومُبَادَرَتِهِم إلى الطاعَاتِ والقُرَبِ التي هي أدْنَى مَنْزِلَةً مِنْ حِفْظِ القُرْآنِ، مَا يُعْلَمُ منْه مع كثْرتِهِم استحالةُ ألا يحفظَهُ منْهم إلاَّ أرْبعةٌ. كيَف ونحنُ نَرَى أهلَ عصرِنا يحفظُه منْهم أُلُوفٌ لَا تُحْصَى؟، مَعَ نقْصِ رغبتِهِمْ في الخيْرِ عنْ رَغْبَةِ الصَّحَابَةِ. فَكَيْفَ بهمْ على جلالةِ قَدْرِهِمْ؟! وهَذَا مَعْلُومٌ بالعَادَةِ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: وهُوَ أَنَّا نعلمُ أن القرآنَ كانَ عنْدَهُم منَ البَلاَغَةِ بحيثُ هُو، وَكَانَ كُفَّارُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْجَبُونَ مِنْ بلاغَتِهِ ويَحَارُونَ فِيها، فتارةً
(2/33)

ينْسُبُونَهُ إِلى السِّحْرِ، وتَارَةً ينسُبُونهُ إِلَى أَسَاطِيرِ الأولِين، ونحْنُ نَعلمُ مِنْ عادةِ العَرَبِ شدةَ حِرْصِهَا عَلَى الكَلاَمِ البَلِيغِ وتَحَفُّظِهَا لَه، ولَمْ يكُنْ لَهَا شُغْلٌ سِوَى ذَلك. فَلَوْ لم يكُنْ للصَّحَابَةِ بَاعِثٌ عَلَى حِفْظِ القُرْآنِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ، لَكَانَ مِن أَدَلِّ الدَّلائلِ على أَن هذا الحديثَ ليسَ على ظاهِرِه، وأَنهُ مُتَأَوّلٌ.
وَطَريقٌ آخرُ: وهُو مَا ثَبَتَ في الأخبارِ بنَقْلِ الثِّقَاتِ، مِنْ كَثْرَةِ مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ في زَمَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقَدْ عَدَدْنَا مَنْ حَفِظْنَاه منْهُمْ، وَسَمَّيْنَا نحوَ خمسةَ عَشَرَ صاحِباً مِمن نُقِلَ عنه حِفْظُ جميعِ القرآنِ في كتابِنَا الْمُتَرْجَمِ بِـ "قطْعِ لِسَانِ النَّابح في المتَرْجَمِ بالوَاضِحِ"، وهو كتابٌ نَقَضْنَا فيه كلامَ رجُلٍ وَصَفَ نفسَه بأنه كانَ مِنْ علماءِ المسْلِمِين، ثم ارْتَدَّ وأَخَذَ يُلَفِّقُ قَوَادِحَ في الإسْلامِ، فَتَقَضيْنَا أقوالَه في هذا الكتابِ وأشْبَعْنا القولَ في هذِه المسألةِ وبَسَطْناهُ في أوْراقٍ، وقدْ أشَرْنَا فيهِ إِلَى تَأويلاتٍ للحديثِ المذْكُورِ، وَذَكَرْنَا اضْطِرَابَ الرِّوايَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى؛ فَمِنْهُم مَنْ
(2/34)

زَادَ فِي هَذَا الْعَدَدِ ومِنْهُم منْ نَقَصَ عنْهُ، ومِنْهُم مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَجْمَعَهُ أَحَدٌ، وأَنَّه قَدْ يُتَأَوَّلُ عَلَى أَن المرَادَ بِهِ لم يجمعْهُ بجميعِ قِراءَاتِهِ السَّبْع وفِقْهِهِ وأحكامِه ومنْسُوخِه سِوَى أرْبَعَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أيضاً أنْ يُرَادَ بِهِ أنَّهُ لمْ يذْكرْ أَحَدٌ عَن نفسِه أنهُ أكمَلَهُ في حياةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - سِوَى هؤلاءِ الأرْبَعَةِ؛ لأَن مَنْ أكْمَلَهُ إذ ذَاكَ غَيْرَهُم كانَ يَتَأَوَّل نزولَ القرآنِ مَا دَامَ - صلى الله عليه وسلم - حيّاً، فقدْ لا يسْتَجِيزُ النُّطْقَ بأَنَّهُ أكمَلَه، وهؤلاء اسْتَجَازُوا ذلِك، ومُرَادُهُم أنهم أكمَلُوا الحاصِلَ منهُ، ويحتمل أَيْضاً أنْ يَكونَ مَنْ سِوَاهُمْ لم ينْطِقْ بإكْمَالِه خوفَ الرِّياءِ واحْتِيَاطاً عَلَى حُسْنِ النِّيَّةِ كَفِعْلِ الصَّالِحِين في كثيرٍ من اَلعبادات، وأَظْهَرَ هؤُلاءِ ذلِكَ لأَمْنِهِم على أنفسِهم.
وكَيف تعرفُ النَّقَلَةُ أنه لم يُكْمِلْه سوى أربعةٍ والصَّحَابةُ متفرِّقونَ في البلادِ؟. هَذَا أيْضاً لَا يُتَصَورُ حتَّى يلْقَى الناقِلُ كلَّ رجلٍ منهم فيخبِرَهُ عنْ نفسِه أنه لم يُكْمِلِ القُرْآنَ، وهذَا بعِيدٌ عادةً. وكيفَ وقدْ نَقَلَ الرُّوَاةُ إكمالَ بعضِ النِّسَاء لقراءتِه!؛ وقدِ اشتهرَ حديثُ عائشةَ وقولُها: "كنْتُ جَارِيَةً حديثةَ السِّنِّ لا أَقرأُ كثيراً من القرآنِ". وأيضاً لم يُذْكَرْ في هذه الأربعةِ أبو بكرٍ وعمر، وكيفَ يحفظُ القرآنَ مَنْ سِوَاهما دُونَهُماَ؟!.
(2/35)

وأيضاً يحتملُ أنْ يكونَ أنسٌ أخبَرَ عن علْمِه، أو أرادَ مَنْ أكمَلَه مِنَ الأنصارِ وإِنْ كانَ قدْ أكملَه مِنَ المهاجرين خلقٌ كثيرٌ".
قلت: وهذا تأويلُ أبي عُمَرَ في "الاستيعاب"؛ انظُره في حرفِ القَافِ عند ذِكْرِهِ قَيْسَ بنَ السكن.
عياض: "لوْ لمْ يكنْ في بيانِ الغَرَضِ منْ هذَا الحديثِ ورَفْعِ
(2/36)

إشْكالِهِ إلاّ مَا تَوَاتَرَ بِهِ الْخَبَر، أنَّهُ قُتِلَ يومَ اليمامَةِ في خلافَةِ أبي بكرٍ سبعُونَ مِمَّنْ جَمَعَ القُرْآنَ، وهي سنة وفَاةِ النبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأَوَّلُ سِنِّي خلافةِ أبي بكرٍ ... فانْظُرْ مَن بِقيَ مِمَّنْ جَمَعَهُ مِمَّنْ لم يُقْتَلْ فيها ومِمَّن لم يحضُرْها وبَقِيَ بالمدينةِ ومكَّةَ وغيرِهِما مِنْ أرضِ الإسلامِ حِينئِذٍ! ".
(2/37)

(فصل)
ابنُ عطيَّة عنْ مَكِّيِّ: "ترتيبُ الآيِ في السُّوَر ووضْعُ البسمَلَةِ في الأوائِلِ هو مِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -".
قلْتُ: ويحتملُ أن يكون ذلِكَ باجتهادٍ منهُ - صلى الله عليه وسلم - أوْ بِوَحْيٍ.
(2/38)

(الاستعاذة)
قُدِّمت عَلَى البسْمَلَةِ لتَكونَ تَطْهِيراً للْقَلْبِ واللِّسانِ مِنْ ذِكْرِ غير اللهِ تَعَالَى، ليَصْلُحَ لذكْرِ اسمِ اللَّهِ. ولأَن دفعَ المولم آكدُ مِنْ جَلْبِ الْمُلائِمِ.
فإنْ قُلتَ: لم تَرَكَ تقديمَ المستَعَاذِ بِهِ ليُفيدَ الحصْرَ معَ تقديمِ اسْمِ اللَّهِ؟.
قلتُ: لِمَا قُلناهُ مِنْ أن تقديمَ الاسْتِعَاذَةِ للتطهُّرِ قبلَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ.
ولفْظُ أَعُوذُ خبر في معنى الدعاء، أي: اللهم أعذني. وعبر بالمضارع المقتضي للتجدد، لتكرر وسوسة الشيطان للإنسان مدة حياته.
وانظر هل تكون الاستعاذة في الجنة أو لا؟؛ والأول أظهر، لما ورد من أن أهل الجنة يقرؤون القرآن، وفيه (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
(2/39)

الرَّجِيمِ).
وحكم الاستعاذة: قيل الوجوب، وقيل الندب؛ علي اختلاف الأصوليين في صيغة "افعل" مجردة عن القرائن. وظاهر "المدونة" قول ثالث بالتخيير؛ لقوله فيها: "ومن قرأ في غير صلاة، تعوذ قبل القراءة إن شاء"؛ وبعض القراء يتعوذ بعد القراءة؛ لظاهر (فَإِذَا قَرَأتَ)، وبعضهم قبل وبعد؛ فالأقوال ثلاثة.
ولما كان كل ما نهى الله عنه مستعاذا منه، وذلك إما اعتقادات قلبية -والمتكفل بذلك مسائل علم الكلام-؛ وإما أعمال بالجوارح -والمتكفل بذلك مسائل الفقه وأصوله-، اندرج تحت تفسير الاستعاذة علي التفصيل ما لا يحصره العد من المسائل، ولا يحصل استيفاء ذلك إلا في مدة طويلة.
وجعل المستعاذ به، الاسم الدال علي الذات وجميع صفاتها وهو الله. وآكد الصفات في هذا المقام صفتا العلم والقدرة، إذ بهما يحصل دفع الشيطان.
فإن قلت: من جعل اسم اللَّه مشتقا غير مرتجل، يلزمه كون القديم
(2/40)

مسبوقا بغيره، ضرورة أن المشتق منه سابق على المشتق. فالجواب: أن المشتق اللفظ لا مدلوله. أو نقول: ليس المراد هنا الاششقاق حقيقة، الذي هو إنشاء فرع من أصل، بل مجازا وهو تقارب الألفاظ والمعاني.
المهدوي في "شرحه" على كتابه في القراءات المسمى بـ "الهداية": "ما روي عن حمزة من أنه كان يخفي التعوذ ويظهر البسملة في أول سورة الحمد، فوجهه التفرقة بينهما؛ إذ التعوذ ليس من القرآن بإجماع، والبسملة عنده آية من القرآن، فكره أن يظهر التعوذ مع إظهار البسملة، فيتوهم السامع أنه جعله من أم القرآن كما جعل (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آية منها، وأخفاه ليكون قد أزال اللبس، وفعل ما أمره الله به من التعوذ".
قلت: وإلى هذا أشار الشاطبي بقوله:
وَإِخْفَاؤُهُ فَصْلٌ أَبَاهُ وُعَاتُنَا ... وَكَمْ مِنْ فَتىً كالْمَهْدَوِي فيهِ أَعْمَلَا
(2/41)

يعني: روى إخفاء التعوذ عمن رمز له بالفاء والألف، وهما حمزة ونافع، وهذا أول رمز وقع في نظمه. والواو في "وعاتنا" للفصل. ثم قال: "وكم من فتى" أي: أن جماعة من العلماء اختاروا الإخفاء واحتجوا له كالمهدوي وغيره. وأما قوله: "فصل أباه وعاتنا"، فيحتمل أن يريد أنه فصل من فصول القراءة كرهه أشياخنا وحفاظنا، ويحتمل -وهو الظاهر- أن يكون إشارة منه إلى وجه الإخفاء، وهو الفصل بين ما هو من القرآن وما ليس منه، كما نقلناه عن المهدوي. فجملة "إخفاؤه فصل" ابتدائية، وجملة "أباه وعاتنا" فعلية، هي صفة الفصل على الاحتمال الأول، وهي مستأنفة على الاحتمال الثاني، وأبوا على الإخفاء لأن الجهر إظهار لشعار القراءة. وقوله "فيه أعملا"، أي: أعمل فكره.
فإن قلت: الاستعاذة في معنى النفي، و "الشيطان الرجيم" أخص من مطلق "الشيطان"، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم. قلت: هو نفي أعم لا نفي أخص، بمعنى أن الوصف بـ "الرجيم" بعد الاستعاذة والمستعاذ به ومنه.
والشيطان في اللغة يطلق على كل عاتٍ متمردٍ من الجنِّ والإنسِ
(2/42)

والدواب، والعرب تسمي الحيات شيطانا، وبه فسر بعضهم قوله تعالى {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65)} أي الحيّات، نقله الفرَّاء.
واختلف في الجن والشياطين على القول بوجودهما؛ وهو مذهب أهل الحق. قيل: هما نوع واحد، والشياطين متمردة الجن. ثم قال المتكلمون إنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل. وزعمت الفلاسفة أنها لا متحيزة ولا قائمة بمتحيز، وأكثرهم على أنها مخالفة بالنوع لأرواح البشر، ومنهم من يقول: الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها كانت شديدة الانجذاب إلى ما يشاكلها إن خيرة فخيرة، وإن شرية فشرية، وتعينها على الخير أو الشر، متعلقة بها ضربا من التعلق، وهى الشياطين.
وأوائل الفلاسفة والمعتزلة أنكروا الشياطين قائلين: إن كانت
(2/43)

بلطافة الهواء لم تقو على شيء من الأفعال وأفسد تركيبها أدنى سبب، وإن كثفت لزم رؤيتها. والجواب: عدم لزوم الرؤية ما لم يخلقها اللَّه سبحانه.
(2/44)

(البسملة)
الفخر: "قيل: كلُّ العلوم في الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، والجميع في الفرقان، وذلك كله في سورة الفاتحة منه، وعلومها كلها في البسملة، وجميع ذلك كله في حرف الباء من (بسم اللَّه).
وبيان ذلك: أن المقصود من جميع العلوم، إنما هو الوصول إلى اللَّه تعالى، وهذا هو معنى الباء؛ لدلالتها على الإلصاق، فتضمحل عندها جميع العبارات، وتتلاشى بحقيقتها جميع الإشارات؛ وهي متعلقة بمقدر اسم أو فعل متقدم عليها أو متأخر، فالأوجه
(2/45)

أربعة؛ وجاء مقدما في (اقرأ باسم ربك) ومؤخرا في (بسم الله مجراها) ".
الزمخشري: الأصلُ تأخيرُ المقدّم؛ "لأنّ الأهمّ من الفعل والمتعلّق به هو المتعلق به، لأنهم كانوا يبْدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون: "باسْم اللات، باسم العزَّى"، فوجَب أن يقصد به الموحّدُ معنى اختصاص اللَّه تعالى بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما في قوله (إياك نعبد)، حيث صرَّح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص". ثم قال: "وأمّا (اقرأ باسم) فتقديم الفعل فيه أوْقَعُ؛ لأنها أولُ سورة نزلت، فكان الأمْرُ بالقراءة أهمّ".
الفخر: "العماد: إذا قدَّرنا العاملَ في (بسم اللَّه) متقدماً على اسم اللَّه فهو الأصل؛ لأنّ الأصل أن يتقدم العاملُ على المعمول، ولا تفوتُنا البداية في نطقنا بـ بسم اللَّه، فيحصُلُ لنا المقصودان: التقدير على الأصل، والبداية بـ بسم
(2/46)

اللَّه في اللفظ؛ ولأن العامل إذا أُضْمِر ضعُف عملُه، وإذا تقدّم معمولُه عليه ضعف عملُه أيضا، تقول: "لزيد ضربت"، ولا يجوز: "ضربت لزيد" إلا في ضرورة، وتقول: "ضربت زيدا"، فإنْ قدَّمْتَ "زيدا" جاز رفعُه على الابتداء لضعف عاملِه بتأخيره عنه؛ ومنه: [المتقارب]
ْ "فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْب أَجُرْ"
{وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} "على قراءة ابن عامر".
قال: "واستدلالُ الزمخشري بـ (إياك نعبد) يُردُّ بأنّ العاملَ فيه
(2/47)

ظاهر، فتبَين في اللفظ قصْدُ الاختصاص. وأمّا (بسم اللَّه مجراها) فيحتمل تعلّق "بسم اللَّه" بـ "اركبوا" ويكون (مجُراها ومُرْسَاهَا) منصوبين على الظرف، أي اركبوا ملتبسين ببسم اللَّه وقتَ إجرائها وإرسائها، وأنْ يتعلق "بسم اللَّه " بمحذوف، خبر لـ (مجراها)، والتقديم أولى؛ لقول القُشيري: "يقول المحقّقون: ما رأينا شيئا إلا رأينا اللَّه بعدَه"، فقال له الشيخ أبو سعيد بنُ أبي الخير: "هذا مقام المريدين، وإنما يقول المحققون: ما رأينا شيئا إلا رأينا اللَّه قبلَه". وبيان ذلك أن الصّعود من المخلوق إلى الخالق، إشارةً إلى برهان الإِنّ، والنزول من الخالق إلى المخلوق إشارةً إلى برهان اللِّمَ
(2/48)

وهو أشرف".
واعلم أن ما يثبت قرآنا شرطه القطع، والأحاديث في البسملة آحاد، فلا يتمسك بها في ذلك، فالأولى ترك الكلام في المسألة؛ لأن الحق إن كان الثبوت فالنافي أسقط آية، وإن كان النفي فالمثبت زاد آية، وكلاهما كفر.
قال القاضي الباقلاني: "الخطأ في هذه المسألة وإن لم يبلغ حد التكفير لكثرة القائل بكل قولٍ من القولين، فلا أقل من التفسيق".
(2/49)

قال ابن الحاجب: "وقوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير".
وجعل الفخر المسألة اجتهادية، للمخطئ فيها أجر وللمصيب أجران، فقال: "تواتر أن اللَّه سبحانه أنزلها على رسوله -يعني في أوائل السور- كتبت في المصحف، وإنما الخلاف في أن لها حكم القرآن فيصلى بها ولا يقرأها الجنب ولا يمسها المحدث". قال: "وهذه أحكام اجتهادية لا قطعية، فسقط ما يقول به القاضي".
قلت: فيما قاله نظر، والظاهر أن المسألة علمية لا عملية.
فإن قلت: كل ما هو قرآن متواتر، وينعكس بعكس النقيض: كل ما ليس بمتواتر لا يكون قرآنا، والبسملة لم تتواتر في أوائل السور قرآنا فليست بقرآن.
(2/50)

فالجواب: أن المشترط تواتره في المحل دون تواتر كونه قرآنا فيه، وهذا الشرط حاصل، لأن جماعة من القراء السبع أثبتوها في أوائل السور، والقراءات السبع متواترة؛ لا يقال: يلزم على هذا تكبير ابن كثير قرب الختم قرآنا لتواتر محله؛ لأنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط وفيه نظر. ومن أثبتها من السبع معارض لمن لم يثبتها، والْحَقُّ أنَّ منْ قَرَأَهَا منْهم إنما قَصَدَ التبرُّكَ، لا كونَها آيةً.
(2/51)

وجعل مَكِّي ذكر "الرحمن الرحيم" في الفاتحةِ دليلا على أنَّ البسْمَلَةَ ليستْ آيةً منْهَا، وَإِلاَّ لَزِمَ تجاوُرُ آيتيْنِ بمعنىً واحدٍ.
ورَدَّه أبو حيان في "البحر"، بأَن تَكْرَارَ صِفَتَيِ "الرَّحمنِ الرحيم" تَنْبِيهٌ على عِظَمِ قدرِهِما وتأكُّدِ أمرِهِما.
ونَقَلَ السُّهيلي في كتابهِ المسمَّى بـ "الرَّوْض الأُنُف"، أَن
(2/52)

البسملَةَ آيةٌ مِنَ القُرْآنِ مقرونة مَعَ السُّوَرِ؛ نَقَلَه عن داود وأبي حَنِيفَةَ، قال: "وهُوَ قَوْلٌ بَيِّنٌ لِمَنْ أنْصَفَ".
فإنْ قُلْتَ: لِمَ قُدِّمَ الرَّحمنُ وهو أبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ؟ والأَصْلُ فِي الصِّفَاتِ الترَقِّيَ؛ ولِذَا عِيبَ عَلَى الْمُتَنَبِّي قولُهُ:
شمسُ ضُحَاهَا هلالُ ليلتِهَا ... دُرُّ تَقَاصيرِها زَبَرْجُدها
(2/53)

فَالجوابُ مِنْ أوْجُهٍ:
- أَحَدُهَا: أَنَّ "الرَّحمنَ" غَلب عليه الإسْمِية لِوِلاَيَتِهِ العَوَامِلَ؛ مِنْ ذَلِك (أو ادْعُوا الرحمنَ). وَأَمَّا "الرحيمُ" فَبَاقٍ عَلَى الوَصْفِيةِ؛ ومَرْتَبَةُ الصِّفَةِ بعْدَ الْمَوْصُوفِ.
- الثَّانِي: أَنَّ نَتِيجَةَ الرّحْمَانِيةَ مُتَقَدِّمَةٌ فِي الوُجُودِ.
- الثالثُ: أَن الترقِّيَ فِي الأوْصَافِ إِنَّمَا يكونُ فِيمَنْ يَصِحّ أنْ ينْتَقِلَ مِنَ الأدْنَى إِلَى الأَعْلَى، وأما مَنْ يستحيلُ ذلكَ في حَقِّهِ، فَلَك أنْ تبتدِئ بأيِّ أَوْصَافِه شِئْتَ.
واعْلَمْ أن "الرحمن" خَاصٌّ باعتِبَارِ التَّسْمِيَةِ، لَا يُوصَفُ بِهِ إِلا اللَّهُ سُبْحَانَه، عامٌّ فِي تَعَلُّقِهِ، يَعُمُّ الْمُومِنَ والكافرَ في الدُّنْيَا. و "الرحيمُ" عامٌّ باعتبَارِ الإطْلاقِ،
(2/54)

يُوصَفُ بهِ البَارِي وغيرُه، خاصٌّ باعتبَارِ تَعَلُّقِهِ بالمومِنِينَ في الآخِرَةِ. وقولُهُمْ "رحمان اليمامة" مِنْ كُفْرِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ، قَصَدُوا بِذَلِكَ التسْمِيَةَ بِاسْمِ اللَّهِ سبحانَهُ، ولمْ يقْصِدُوا الْحَقِيقَةَ، فَالرحمنُ مَجَازٌ لَا حقيقةَ لَهُ؛ لأنَّ حقيقةَ الرحْمةِ رِقَّةُ القلْبِ، وذلِك مُحَالٌ على اللَّهِ سبحانَه!.
ثم اختَلفْوا في الْمَجَازِ المرادِ بِهَا، فقال الشَّيْخُ أبُو الحسَنِ الأَشْعَرِيُّ.
(2/55)

"المرادُ بِهَا إرادةُ الإِحسَانِ". وقال القَاضِى أبُو بكْرٍ البَاقِلاني: "المرادُِ بها نفْسُ الإِحْسَانِ"، فهيَ صِفَةُ فِعْلٍ، وعَلَى الأَوَّلِ صفةُ ذَاتٍ؛ وفي القرآن مواضِعُ يتَعَيّنُ فيها مَذْهَبُ الشَّيْخِ، ومواضعُ يتعَيَّنُ فيهَا مذْهَبُ القَاضِي، ومواضعُ تحتَمِلُ المذْهبَيْن:
- فالأَؤلُ: كقولِه تعَالى {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا}، فهذا ظاهِر في الإرادَةِ؛ لأن الوُسْعَ عبارة عنْ عُمُومِ التعلُّق، ويدُلُّ على ذلك أيضاً اقترانُها بالعِلْمِ، وأَنَّ وُسْعَ الرحمةِ كوُسْعِ العِلم. وهذا ظاهِر في الإِرَادةِ.
- وأمَّا مَا يَتَعَيَّنُ فيه مَذْهبُ القاضِى فقولُهُ تعَاَلى {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي} إشارةً إلى السَّدِّ، وهُو إحسانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لَا إِرَادَتُهُ القديمَةُ.
- وأمَّا مَا يحتمِلُ الأَمْرَيْنِ، فهَذَا الموضِعُ، والذِي في فاتِحَةِ الكِتَابِ.
وَمَذهبُ الشيخ أقربُ منْ مذهب القَاضي، لأَن الرَّحمةَ التي وُضِعَ اللفْظُ بإِزَائِها حقيقةً فيها هِيَ رقَّةُ الطبْعِ، ويلْزَمُهَا أمْرانِ: الأَوَّلُ إرادةُ
(2/56)

الإحْسانِ، والثاني الإحسانُ نفسُه؛ فهُمَا لازِمَان للرِّقَّةِ التي هي حقيقةُ اللفْظِ. والتعبيرُ بلفْظِ الملْزُومِ عَنِ اللازِمِ مجاز عُرْفِيٌّ شائع، وإنْ شئْتَ جعلتَهُ مِنْ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَب على الْمُسَبَّبِ، غيرَ أن إرادةَ الإحسانِ ألْزمُ للرِّقَّةِ؛ فإِنَّ كل مَن رحمتَهَُ فأحسنتَ إليْه، فقدْ أرَدْتَ الإحسانَ إليه، وقد تريدُ الإحسانَ وتقْصُرُ قدرتُكَ عنه، فَثَبَتَ أن الإرادةَ أكثرُ لزوماً للرِّقةِ، ومَتَى قَرُبَتِ العلاقةُ كانَ مجازُها أرْجَحَ.
وينْبَنِي على قَوْلَيِ الشيْخِ والقَاضي مسألةٌ فقهيةٌ، وهي: الْحَلِفُ بهذه الصِّفة، أعْني صفة الرحمةِ؛ فإنْ قلنَا بمذهبِ الشيخِ فهي قَديمة يَجُوزُ الْحَلِفُ بها، ويلزمُ في الحنث بها الكفَّارَةُ؛ وعَلَى مذهبِ القاضي فَهِيَ مُحْدَثَة لا يلزَمُ بالحنثِ فيها كَفارةٌ، ويُنْهَى عنِ الحلفِ بها إِمَّا نَهْيَ تَحْريمٍ على قولِ اللَّخْمِيِّ، أوْ نهيَ كراهةٍ على قولِ ابنِ رشْد.
(2/57)

وَفي "المدَونَةِ": "أكْرَهُ اليمينَ بغيرِ اللَّه".
العِمَاد: "ووجْهُ اختصاصِ هاتَيْنِ الصِّفتيْن بهذَا الموْضِعِ، أن التسْميةَ لَمَّا كانتْ مَبْدَأ لجميعِ أفعَالِ الخيْرِ، كانَ الأَلْيَقُ بِهَا، الصِّفتيْن المشْتَمِلَتَيْن عَلى جلِيلِ النِّعَمِ ودَقِيقِها، فكَأَن القائِلَ لهَاَ يقولُ: أستَعينُ على الْخَيْرِ بِمُولِي جميعِه. وإِنَّمَا لم يقلْ: "قُولُوا بسمِ اللَّهِ"؛ لأن تعليمَهُ بقولِه في أولِ كلِّ سورَةٍ".
وقوْلُ الشاطبي "وَمَهْمَا": عَامَّةٌ، فَيَصِحِّ فيهَا الابتداءُ والنصبُ بفعْلٍ يُفَسِّرُهُ "تَصِلْ"، والتَّقديرُ: وَأي بسْملةٍ تصلُ "تَصِلْهَا"؛ والظَّرْفِيةُ بمعْنى: وَأَيّ وقتٍ تصلُ البسملةَ علَى القَوْلِ بِجَوَازِ ظَرْفيَّتِهَا.
وأمَّا هُنَا فيتعَيَّنُ كونُها ظرْفاً لـ "تصِل"، بتقْديرِ: "وأيّ وقْت
(2/58)

تَصِلُ بَرَاءَةَ". أَوْ مفعولاً بِهِ حُذِفَ عاملُه: أي "وَمَهْمَا تَفْعَلْ"، ويكون "تصل" و "بَدَأْتَ" بَدَلَ تَفْصِيلٍ من ذلك الفِعْلِ.
وأما ضميرُ "تَصِلْهَا" فَلَكَ أنْ تُعيدَه على اسْمٍ مضمرٍ قَبْلَه محذوف، أَيْ: ومهْمَا تفعل في تصلها، أوْ بَدَأْتَ بِهَا، وحَذَفَ "بِهَا". ولَمَّا خَفِيَ المعنى بحذفِ مرْجِعِ الضميرِ، ذَكَرَ بَرَاءَةَ بياناً له، إِمَّا على أنهَا بَدَلٌ منه، أوْ على إضمارِ "أعْني". وَلَكَ أن تعيدَه على ما بعدَه وهو بَرَاءَةُ، إما على أنه بدلٌ منه، مثل: "رأيتُه زيداً"، فمفعولُ بدأْتَ محذوفٌ، وإِما على أن الفعليْنِ تَنَازَعَاهَا، فأُعْمِلَ الثاني منهُما، وأُضْمِرَ الفضلةُ في الأوَّل على حَدِّ قولِه: [طويل]
إِذَا كُنْتَ تُرْضِيهِ ويُرْضِيكَ صَاحِبٌ ... جِهَاراً فكنْ فِي الغَيْبِ أَحْفَظَ للود
(2/59)

سورة أم القرآن
النَّوَوِي في "الأذْكَارِ": "سُئلَ الحافِظُ أبُو عَمْرو بنُ الصلاَح عنِ الحالِفِ ليَحْمَدَنَّ اللَّهَ بجمِيعِ محامِدِهِ، فَأَجَاب بأنه إنما يَبَرُّ بقولِه: "الحمْدُ للَّهِ حمداً كثيراً طيِّباً مبارَكا فِيه"؛
(2/60)

أو بقولِه: "الحمْدُ للَّهِ حمْداً يُوَافِي نِعَمَهُ ويُكَافِئ مَزِيدَهُ"، ونَقَلَهُ حديثاً عنِ النبِيِّ صلى اللَّه عليه وسلم". قال: "ولاَ يَبَرُّ بقولِه الحمدُ للَّهِ".
قلتُ: الظَّاهرُ بِرُّه بذلك؛ لأنَّ "ال" في "الحمْدُ" للعُمُومِ، وصيغةُ العُمُومِ كُلِّيَّةٌ، فيَتَنَاوَلُ جميعَ المحامِدِ.

4 - {إِيَّاكَ}:
لَمَّا أجْرَى الحَامدُ مَا ذكرْنَا منَ الصِّفاتِ علَى اسْم الذاتِ، صَارَ كالْحَاضِرِ الْمُشَاهَدِ، فَصَلُحَ لَأنْ يُخَاطَبَ بقولِه {إِيَّاكَ}.
(2/61)

اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

5 - {اهْدِنَا}:
جَمَعَ الضميرَ إشارةً لِطَلَبِ الاجْتِماعِ في الدُّعاءِ والصلاةِ.

7 - {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}:
لَمْ يَقُلْ "غيرِ الذين غَضِبْتَ عليهِم"؛ كمَا قَالَ: {الذِينَ أنعمْتَ عليهِمْ}، فهُوَ منْ بَابِ قولِه: ................................ 000000
(2/62)

"وَالشرّ لَيْسَ إِلَيْك".000000
(2/63)

سورة البقرة
10 - {فَزَادَهُمُ}:
لَهَا نظائِرُ فِي آلِ عمْرَان (فزَادَهُمْ إٍيمَاناً)، وفي الأَنفال (زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، وفي بَرَاءَةً (فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، (فزَادَتْهُمْ رِجْساً)، وفي مرْيم (وَيَزِيدُ اللَّهُ الذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً)، وفي النحْلِ (زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَاب)، وفي الأحْزَابِ (يُضَاعَفُ لَهَا العَذَابُ ضعْفَيْنِ)، وفي الفتح (لِيَزْداَدُوا إِيمَاناً مَعَ إيمَانِهِمْ)، وفي القتال (والذينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً)، وفي المدثِّر (وَيَزْدَادَ الذِين آمَنُوا).
(2/64)

وليسَتِ الزِّيادةُ بتَكْثِيرِ أمْثالٍ في الْمَحَلِّ الواحِدِ لاِسْتِحالتِهِ، بلْ يَتَقَرَّرُ بِزِيادةِ جواهر في القلب يكون محلا للمزيد، أو مزاد في أزمنة المرض.

17 - {وَتَرَكَهُمْ}:
الآمِدِي: "منع المعتزلة وصفه تعالى بـ"الترك"، وأجازه أهل السنة مستدلين بهذه الآية".

20 - {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}:
ولم يقل في الرعد "يكاد كذا"، لإتيان البرق بغتة فلا يستعد له، ويستعد للرعد لدلالة البرق قبله عليه.

48 - {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}:
قول ابن عطية: "أحاديث الشفاعة متواترة"، يعني التواتر المعنوي؛
(2/65)

لقول ابن الصلاح: "لم يصح تواترا غير حديثين".

49 - {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}:
لم يقل "بناتكم" في مقابلة "أبنائكم"؛ لتركهم البنات إلى أن يصرن نساء.

50 - {فَأَنْجَيْنَاكُمْ}:
قدم على "الإغراق" مع أن دفع المؤلم آكد من جلب الملائم، مراعاة للترتيب الوجودي.
(2/66)

59 - {فَبَدَّلَ}:
قَدْ يستدِلُّ به من يمنع نقْلَ الحديث بالمعنى.
- {قَوْلًا}:
مفعول لمقدر، أي: "ذكروا قولا"؛ ولا يصح كونه مفعولا لـ "بَدَّلَ" لفساد المعنى.

73 - {بِبَعْضِهَا}:
لم يسألوا تعيين البعض لتماثل الأبعاض، بخلاف آحاد البقر.
(2/67)

80 - {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا}:
إنْ قلت: الصحيحُ عند الجدَلِيِّين أن النّافي لا يطالَبُ بدليل.
فالجواب: أن الذي لا يُطالب بالدليل عليه هو النفيُ الأصليُّ، لَا مَا تقدمه إثْباتٌ؛ وهؤلاء قد أقرُّوا بدخولِهُم النارَ ثم ادَّعَوا خروجَهم منها. ولا يُجاب بأنهم نَفَوا وأثبتوا فطُولِبُوا بدليلِ ما أثْبَتُوا؛ لأنّ مَنِ ادّعى ما يُوافِقُ عليه خصمُه لم يطالَبْ بدليله، وذلك قولهُم "إن النار تمسهم أياما معدودة".
ونظير هذه الآية قوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) الآية، إلى قوله (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ).
(2/68)

84 - {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}:
يدُلّ أن الإقرارَ ليس بشهادةٍ، خلاف مذهب "المدونة"؛ وفيه خلافٌ.

85 - {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}:
ذَمَّهم على الإيمان بالبعض مِن حيث قصْرُ الإيمان عليه. ولمَّا كان قد يُتوهم أن إيمانَهم بالبعض قد يخفِّف عنهم العذاب، ذكَر جزاءَههم بصيغة الحصر، وإنْ كان عدمُه في مثل هذا التركيب أبْلغَ.

86 - {اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}:
أخذ ابن عطية منه أن مَنْ خُيِّرَ بين شيئين يُعَدُّ متَنَقِّلا، يُرَدّ بحديث "كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"؛ لا يقال:
(2/69)

كلُّ كافر مرتد؛ لأن حقيقةَ المرتد مَن كَفَرَ بعد إيمانه بالفعلِ لا بالحكْم.

87 - {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}:
قولُ ابنِ عطية: "يجوز كونُ "الكتابِ" مفعولاً أولاً أو ثانيا"، يُرَدُّ بأنّ مفْعولَيْ "أعطى" أولُهما هو الفاعلُ في المعنى، <وموسى هو آخذُ الكتاب، فهو الفاعلُ في المعنى>.

89 - {مَا عَرَفُوا}:
ابن عطية: "أي محمد" يريد. و "ما" واقعةٌ على صفته لا على ذاته؛ وفسره الزمخشري بـ "الحق".
ويؤخذُ من الآيةِ الاكتفاءُ بالصفةِ في الشهادات والأحكام، كما في كتاب
(2/70)

اللقطة من "المدونة" في مسألة من اعْترفَتْ بيدِه دابةٌ. والموَثِّقون منهم من يكتبُ الصفةَ والتعريفَ بِعَيْنِ المشْهودِ عليه أنّه فلانُ بنُ فلانٍ، ومنهم من يكتفي بالتّعريف، ومنهم من يكتفي بالصفة؛ وقد يُقال: الإتيانُ بالمعجزات قرائنُ تقومُ مقامَ التعيين.
ويؤخذُ من الآية أيضاً إفادةُ الرسمِ التعريفَ -كما يقولُه المناطقة.

106 - {مَا نَنْسَخْ}:
استدلّ بها الفخر في "المحصول" على جَوازِ النسخ، ورده السِّراج في "التحصيل" -اختصارِه-، بأنه لا يلزمُ من ملازمة الشيء للشيء جوازُ وقوعِه.
(2/71)

وأجاب الخطيب شمس الدّين الجزري بأنّ الآية خرجتْ مخرج التمَدُّح، وإنما يكون بالممْكن الواقع.

114 - {وَمَنْ أَظْلَمُ}:
وَقَع هذا اللفظُ في آيات، والجمعُ بينها بالتساوي.
(2/72)

116 - {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
استدل بها اللخْمي على أنَّ مَن مَلَك ابنَه عُتِقَ عليه.

120 - {حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}:
حذف من الأول لدلالة الثاني.
- {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} الآية:
تدلُّ على نَفْىِ التحسين والتقبيح عقْلا. وقولُه {مِنَ العِلْمِ}، يدلُّ أن الحاصل للمقلِّد ليس بِعِلْم.

124 - {بِكَلِمَاتٍ}:
قول الزمخشري هنا: " ... والتعْريف"، يعني الوقوف بعرفة.
(2/73)

125 - {لِلطَّائِفِينَ}:
يدُلُّ على أنّ الطوافَ للقادِمِ أفضلُ من التنَفُّل.

188 - {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}:
إنْ جُعِلَ عُدُولا، تَرَجَّحَ العطفُ، وإنْ جُعِلَ سلبْاً تَرَجَّحَ كونُه حَالاً.
(2/74)

222 - {قُلْ هُوَ أَذًى}:
يدُلُّ أنّ أقل الحيضِ لا حَدَّ له، قاله الشيخ، وإنما يَتِمُّ لو انْعَكست كنفسِها، وإنما تنعكسُ جزئيةُ "بعض الأذى حيض".

229 - {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}:
ذكر ابن يونس أن كتابته في الصدُقاتِ أثَرٌ وَرَدَ عن ابن عمر.

233 - {أَوْلَادَهُنَّ}:
وَقَعَ جمْعُ القلّة هنا موقعَ جمعِ الكثرة.
(2/75)

272 - {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ}:
هذه أعَمُّ مِن آية (إِنكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)؛ لاقتضاء هذه نفيَ التكليف بالهداية، وإثباتَ القدرة عليها لله تعالى؛ وتلك اقتضتْ نَفْيَ كونِ الهداية مقدورةً له، وإثباتَ القدرة عليها للَّه تعالى؛ وقولُ القائل: "أنت قادر على أن تهدي من أحببت"، أخصُّ مِن "أنت تهدي من أحببت"، ونفيُ الأخص أعمُّ من نفى الأعم.
وظاهرُ ما نَقَلَ ابن عطية عن ابن جبيرٍ والنَّقاش، أن هذا الخطاب خاصٌّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وما نَقَلَهُ عن ابن عباس يقتضي العموم، وعلى تقدير الخصوص فهو يستلزم العموم، لأنه إذا رُفعَ التكليف بذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو رسول مأمورٌ بالتبليغ، فأحْرَى مَن سِوَاه.
وقولُ ابن عطية: "نُسِخَ ذلك بآية (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ)
(2/76)

الآية"، هو على اصطلاح المتقدمين من أن ذلك نسخ، والمتأخرون يقولون: العام إنْ عُمِلَ به ثم وَرَدَ بعد الخاص فهو ناسخ، وإذا كان قبل العمل به فهو تخصيصٌ لا نسخ.
وقوله: "الهُدَى" المنفيُّ هو خلْقُ الإيمان في قلوبهم، لا الدعاءُ إلى الإيمان"؛ أمّا خلْق الإيمان فنفيُه معلوم، وأما الدعاءُ إلى الإيمان فغير منفي، ويبقى قسم ثالث وهو الدعاء المحصِّل للإيمان الكسْبي لا الجبري، وهذا هو المنفي.
وقوله تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)، ليس المراد به الجبْر. وما بعد "ولكن" هنا خلاف لما قبلها، لاقتضاء ما قبلَها أنه غيرُ مكلف بالهداية، واقتضاءِ ما بعدَها إثباتَ القدرة للَّه تعالى عليها.
(2/77)

وأما في آية (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ)، فما بعد "لكن" ضدٌّ لما قبلَها؛ لاقتضاء ما قبلَها نفيَ القدرة، واقتضاءِ ما بعدها إثباتها. وقال ابن عصفور: "المطلوبُ كونُ ما بعد "لكن" مضادا لما قبلَها".
واختُلِفَ هل يصحُّ كونُه خلافاً غيرَ ضد؟.
- {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ}:
في المقدار.
- {وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}:
في الصفة؛ فهو تأسيس.

273 - {مِنَ التَّعَفُّفِ}:
متعلِّقٌ بـ "يحسبهم" لا بـ "أغنياء"، وإلاّ لم يكن جاهلا بهم؛
(2/78)

قاله ابن هشام.
ولم يقلْ "من تعففهم" إشارةً إلى اتصافِهم بأبلغِ وجوه التعفف.

274 - {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ}:
ابن عطية: "دَخَلتِ الفاءُ؛ لأن الموصول وُصِل بالفعل ولم يدخلْ عليه عاملٌ يغيِّر معناه"؛ أبو حيان وابن عصفور في "المقرب" و "شرح الإيضاح": "وكذا إذا كانت الصلة ظرفا أو مجرورا".
فإن قلت: الظرف والمجرور محَلُّ، ولا يصحُّ التعليل به عند الأصوليين، بل بالصفة. فالجواب: أن المحل هنا نَابَ مَنَابَ متعلّقِه، وهو "كائن" أو "مستقر" -الذي هو صفة- ولِذَا لا يجوز الجمعُ بينهما.
(2/79)

أبوحيان: "ومِن شروط دخولِ الفاء كونُ الخبر مستحقاً بالصِّلة كهذه الآية". قيل: كونه مستحَقّاً بالصلة، إنما يُعلم بدخول الفاء، فلا يصحُّ كونُه شرطاً فيها لامتناع تأخُّرِ الشرط عن المشروط.
أجيب بأن هذا بالنسبة إلى السامع لا إلى قصْدِ المتكلِّم.
قال الشيخ: "وعادة الشيوخ يَرُدُّون قول أبي حيان المذكور بقوله تعالى: (الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِين)؛ لاستلزامه مذهبَ المعتزلة القائلين بوجوب مُراعاة الأصلح.
ويجيبون عنه بأنّ المعنى: "الذي خلقني هذا الخلقَ الخاصَّ على صفةِ النبوة"؛ ونظيرُه: (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

275 - {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ}:
اختَلف الفقهاء في لفظ "البيع"؛ قيل: مجملٌ ثم بُيِّنَ. وقيل: عامٌّ ثم خُصِّص. وقيل: لم يُخصص؛ فعلى الأول هو حقيقةٌ لغوية، وعلى الثالث هو حقيقةٌ شرعية؛ لأنه إذا كان غيرَ مخَصَّص فهو عبارة عن البيع الشرعي، فلا يتناول إلا الحلالَ من البياعات".
(2/80)

276 - {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}:
قولُ ابنِ عطية: "إن اللَّه تعالى يحب التوفيق على العموم"، نزْغةٌ اعتزالية لم يتفطَّن لها ولم يقْصدها؛ بل مذهبُنا أنه تعالى يحب الخير ويحب الشر.

277 - {لَهُمْ أَجْرُهُمْ}:
لم يؤْتَ بالفاء هنا كما أَتَى بها في الآية المتقدمة؛ لأنَّ دخول "إن" على الموصول هنا، يمنع كونَها بمعنى الشرط.

279 - {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}:
أي تتركوا الربا، فيدُل أن التركَ فعل، إلاَّ أن يُقال: هو كَفٌّ؛ قال ابن الحاجب في "أصْلِيِّه: "الأمر
(2/81)

طلبُ فعلٍ غيرِ كفٍّ"، فجعل الكَفَّ فعلا. ويتبين الفرق بين الكف والفعل بمثالِ طعامٍ بين يديْ رجلين تَرَكَا أكلَه، أحدُهما جائع والآخر شبعان؛ فالجائع كفَّ نفسَه عن الأكل، والشبعان ترك أكلَه دون كفِّ نفسِه عنه، لأنها لا تستدْعيه.
ويحتمل رجوعُ قولِه (فَإن لمْ تفعَلُوا) لقوله (اتقُوا اللَّه) احتمالا مرجوحا؛ لأنّ الآية سِيقَتْ لتحريم الربا، وبها احتج الفقهاء في كتبهم.

280 - {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ}:
قولُ ابن عطية في سورة الرعد، في آية (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةِ للناسِ عَلَى
ظُلْمِهِمْ) يدُلّ على تقليل المغفرة، خلافَ قولَ عياضٍ في
وصايا "الإكمال" -في حديث سعد- قال: "قولك "زيد ذو مال"
(2/82)

أبلغ من قولك "زيد له مال"؛ ونحوُه للزمخشري في سورة آل عمران، في آية (والله عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)، وفي سورة غافر (إنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاس). ولابن الخطيب في سورة الروم في آية (فَآتِ ذَا القُرْبَى).
ولمْ يقلْ في هذه "وإن كان معْدِما"؛ لأنّ مَن له دارٌ وخادم وفرس، لا فضْلَ في ذلك عنه، يُباع ذلك عليه في دَيْنٍ عليه وإنْ كان يُعطَى من الزكاة".
ابن عطية: "مِن هنا يظهر أنّ الأصل الغنى".
قلت: هذا في الدَّين الذي لَا عن عِوَضٍ؛ كدَين نفقة الزوجات والأولاد والأبوين، وأما الدَّين عن عوض فالأصلُ فيه الملا واستصحابُ الحال ببقاءِ ذلك العوض.
(2/83)

- {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}:
القرافي في "قواعده": "ثوابُ الواجب أعظمُ من ثواب المندوب"، ودلَّتِ الآيةُ على العكس؛ وجوابُه أنّ المندوب هنا -وهو الإسقاطُ- تضمَّنَ الواجبَ وهو الإنظار وزادَ الإسقاط.

281 - {تُرْجَعُونَ فِيهِ}:
الفخر: "للإنسان ثلاثُ حالات:
- حالةٌ في بطْن أمِّه، وأمرُه فيها إلى الله، ولا تدبيرَ له معه ولا كسب.
(2/84)

- وحالةُ كونِه في الدنيا، وله فيها ذلك.
- وحالةُ الموت وما بعدَه، وفي هذه الحال يعود إلى حالته الأولى، وهو معنى رجوعِه إلى اللَّه".

282 - {بِدَيْنٍ}:
قول الؤمخشري: "أفادَ ذِكْرُه عَوْدَ الضَّمير عليه"؛ يُرَدُّ بصحة عوْده على المصدر المفهوم من الفعل، كما في قوله (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ).
ابن عطية: "ذكَرَه لأنّ "تداين" في كلام العرب مشترك؛ يقال: "تداينوا" أي جَازَى بعضُهم بعضاً، و "تداين" أَخَذَ الدَّين. فقال (بِدَيْنٍ)، ليبين أن المرادَ أخْذُ الدَّيْن".
ويُرَدُّ بأن الفعلَ مشتقٌّ من المصدر عندَ البصريين، فإذا كان الفعلُ مشتركا كان المصدرُ كذلك، إلاَّ أن يُقال: مصدرُ "تداينَ"، "تدايُناً " لا "دَيْناً".
(2/85)

وقولُ مالك في "المدونة" -لمّا تَلاَ هذه الآية-: "هذا يجمعُ الدَّيْن كلَّه"، يُتَعَقَّبُ بأن لفظ "دين"، نَكِرة في سياق الثّبوت فلا تَعُمُّ. وأُجيبَ بأنها في سياق الشرط، وهو عند النحويين بمنزلة النفي، ولأن "إذا" عامّة. ورُدَّ بأنّ عمومَها في الزمان لا في الدَّين.
فإنْ قلت: الآيةُ لا تتناول الدَّين الحَالَّ؛ فالجوابُ أنه لا يحتاج في الغالب إلى كَتْبٍ.
- {بَيْنَكُمْ}:
قُدِّم على الفاعل لأنه المقصود، فهو أهم.
- {بِالْعَدْلِ}:
ابن عطية: "أي بالحقِّ". قال: "والباء متعلِّقة بـ "يكتب" لا بـ "كاتب"، وإلا لَزِمَ ألاّ يكتُب وثيقةً وإلا العدْلُ في نفسِه،
(2/86)

وقد يكتب الصبي والعبد والمسخوط إذا وَفَّوْا بها؛ إلا أنّ المنتصبين لها يجب على الولاة كونُهم عُدولا مرْضيين".
قلت: يُردّ بأنّ لفظ "كاتب"، إنْ كان الحكمُ عليه باعتبار الموضوع لم يصحّ؛ إذْ ليس المرادُ ذاتَ الكاتب، فيتعيّن كونُ الحكم عليه باعتبار العنوان؛ وإذا كان كذلك، فلا فَرْقَ بين تعلُّق المجرور بـ "كاتب"، وتعلُّقه بـ "يكتب".
وبقي شيء آخرُ لم يذكرْه ابن عطية، وهو أنّ التعلُّقَ بالفعل أولى من التعلق بالإسم، حسبما قاله الزمخشري في آية (إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ)، قائلا من قول العرب: "إذا جاء نهرُ اللَّه بَطَّلَ نهرَ مَعْقل".
(2/87)

- {سَفِيهًا}:
ابن عطية: "السَّفيهُ هو الذِي لا يُحسِنُ الأخذَ لنفسِه ولا الإعطاءَ منها، وهذه الصفةُ لا تخلوا من حَجْرِ أبٍ أو وصيٍّ".
قلت: أو قاض.
- {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ}:
ابن العربي: "يدلُّ على خروج العبد من ذلك، إذْ لا يستقل بنفسِه فتُمْكِنَه الإجابة؛ لأنَّ تصرفه بإذْن سيِّدِه".
(2/88)

قال: "واختُلفَ في هذا النَّهي، والصحيحُ عندي أن المرادَ به حالة التحمل لا حالة الأداء؛ لأنها مذكورة في قوله (وَلاَ تَكْتُمُوا الشهَادَةَ). ودلَّتِ الآيةُ على أنَّ الشاهدَ هو الآتي للحاكم، ومن أمثال العرب: "في بيتِه يُؤتى الحكم". وهو أمر عُمِلَ به في كل دين".
قلت: هذا خلافُ ما اختارَه مِنْ أنّ المرادَ حالة التحمّل.
- {إِلَى أَجَلِهِ}:
حال؛ أي: مستقرّاً إلى أَجَلِه. ولا يتعلق بـ "تكتبوه"؛ لأنه يلزم عليه استمرارُ الكتابة إلى أَجَل الدَّيْن.
- {ذَلِكُمْ}:
أي الاشهاد والكتب.
(2/89)

{أَقْسَطُ}:
أي الإشهاد. {وَأَقْوَمُ}: أي الكَتْب؛ فهو لَفٌّ ونشْر.
ْوقول الزمخشري: "أقسط من قاسط"؛ يُرَدُّ بأن الاشتقاق من الفعل لا من اسم الفاعل.
وقول ابن عطية: "انظرْ هل هو مِن "قسُط" بالضم" لا يصحّ؛ إذْ لم يقلْ أحدٌ فيه.
- {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا}:
إنْ حُمِل على مطلق الاحتمال، دَلَّ على منع الشهادةِ على المفهوم، وإنْ أُريد الشّكُّ لم يدُلَّ.
ابن العربي: "يدلُّ على أن الشاهد إذا رأى خطَّه ولم يذكرِ الشهادةَ لم يؤدِّها، لِمَا دخل عليه من الرِّيبَة.
(2/90)

وفيه ثلاثة أقوال:
(أ) قال في "المدونة": "يُؤديها ولا ينتفع"، وذلك في الدَّين والطلاق". قلت: وفائدةُ أدائِها، احتمالُ حكم القاضي بها، ويدلُّ على أن كل مجتهدٍ مصيب.
عنه قال:
(ب) في "كتاب محمد": لا يؤديها.
(ج) قال مُطَرِّف وابن الماجِشُون والمغيرة: "يؤدِّيها وتنفع، إذا لم يشُك في كتابه؛ وبهذا العمل".
(2/91)

قلت: لا دليل في الآية كما قالَهُ؛ لأنّ معناها: وأقْرَبُ لاِنْتِفَاءِ الريبة؛ فلمْ تَنْتَفِ جملةً، بلْ دلَّتْ على أن ثَمَّ ريبةً والكَتْبُ يزيلُها أو ينقصُ منها.

283 - {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ}:
قول الزمخشري: "كتمانُها من فِعل القلب"، يُرَدُّ بأنه من فعل اللسان.

284 - {فَيَغْفِرُ}:
رَدُّ أبي حيان قولَ الزمخشري: "قُرئ (فيغفرَ) بالنّصب في جواب
(2/92)

الشرط"، بأنَّ النحويين نَصُّوا على أنَّ الفاء إنما تنصِب في الأجوبة الثمانية، والشرطُ ليس منها؛ يُرَدُّ بأن الشَّلَوْبِين قال:
"لا مفهومَ لهذا العدد، بل مُرادُ النحويين كلّ ما ليس بخبرٍ واجبٍ، فيدخلُ فيه الشرط".
ونقْلُ ابنِ عطية عن النَّقَّاش: "المعنى: فيغفر لمن يشاء، أي: لِمَن يَنْزَعُ عنه، ويعذب من يشاء، أي أقام عليه"؛ ظاهرُه اعتزال، وهو أن المعاصي إنما تُغفَر بالتوبة.

285 - {وَالْمُؤْمِنُونَ}:
أي: وآمن المومنون. وأَفَادَ بهذا الإشهاد بتقييدِه بقوله:
(2/93)

(بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، فهو إيمانٌ خاص أُسْنِدَ إلى من اتصف بحقيقة الإيمان.
{كُلٌّ}:
وقولُ ابنِ عطية: " {كُلٌّ} لفظة تصِحُّ للإحاطة، وقد تُسْتعمَل غيرَ محيطةٍ على جهةِ التشبيه بالإحاطة، والقرينةُ تُبَيِّنُ ذلك"، يقتضي أنها ليست نصّا في العموم. وقد فَرَّقُوا بين رفعِها ونصبِها في قوله: (رجز)
................ كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ
(2/94)

وأراد باستعمالها غير محيطة مثل قولهم: "كلّ الصَّيد في جوف الفَرَا"، و "رأيت رجلا كلَّ الرجال"، و "أكلت شاةً كلَّ شاة".
ومن الإيمان بالملائكة اعتقادُ كونِهم أجساماً متحيزة متنقلة؛ وتوقَّفَ المقْتَرِحُ في "شرح الإرشاد" في إثبات الجوهر المُفَارِقِ.

286 - {لَهَا مَا كَسَبَتْ}:
قولُ القرافي في "قواعده": "تدل هذه الآية على أن المصائبَ لا يُثَابُ عليها؛ لأنها غيرُ مكتسبة"، يُرَدّ بعدم الحصر في الآية، وبأن الصبرَ عليها والرضا مكتَسَبٌ بالقلب.
ويُجاب عن الأول بأنّ وجهَ الدليلِ من الآية مفهومُ الصفة
(2/95)

لا مفهومُ الحصر.
قال: "وتكفيرُ المصائب للذّنوب بشرطِ حصول الألم، فلوْ لم يتألمْ والدٌ لفقْدِ ولده لم يُكفَّر عنه شيء"؛ قال: "ولا يُقال للمريض: اللهم اجعل له بهذا المرض كفارةً؛ لأنّه تحصيل الحاصل، مع كونِه سوءَ أدبٍ".
قال: "وقال علماؤنا: هذه الآية تدُلُّ على القَوَدِ مْن شريك الأب -خلافاً لأبي حنيفة- ومِن شريكِ الخاطئ قد اكتسب القتلَ، وهما يقولان: اشتراكُ مَن لا يُقتَصُّ منه مع مَن يُقتص منه (شبهة) في درْء
(2/96)

ما يدْرأ بالشبهة".
(2/97)

سورة آل عمران
قول الغزالي: "أخصُّ أسمائِه تعالى "القيوم"؛ لأنه القائمُ بأمور العباد ولا يشاركُه في ذلك غيرُه، بخلاف غيرِ هذا الاسم من الأسماء"، إنما يتمُّ على مذهب الفلاسفة القائلين بِقِدَمِ العالمَ؛ والجاري على مذهبِ أهلِ الحق أنّ الأخَصَّ وصفُ القِدم.

7 - {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}:
الخلافُ في عطفِه واستئنافِه، على الخلافِ هلْ بين العلم القديم والعلم الحادث اشتراكٌ أمْ لا؟.
(2/98)

13 - {وَأُخْرَى كَافِرَةٌ}:
إنْ قلت: المطابقةُ في كلام العرب معْتبرة، وهي من أنواع البديع؛ فلِمَ عَدَلَ في الآية عنها؟ فلم يقلْ "وأخرى تقاتلُ في سبيل الطاغوت".
فالجوابُ أنّه من حذْف التقابل.
فإنْ قلت: لِمَ عَبَّرَ أولاً بالفعل وثانياً بالاسم؟.
فالجوابُ: أن القتال من الأفعال المتجدِّدة، فعُبِّر عنه بما يقتضي
(2/99)

التجدُّد، وهو الفعلُ المضارع؛ والكفر اعتقادٌ ثابتٌ في القلب.
- {تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ}:
هذا قبلَ الشروع في القتال، وقولُه في الأنفال (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ) هو في حالِ القتال.

14 - {الشَّهَوَاتِ}:
قولُ أبى البقاء: "حُرِّكت الهاء لأنه اسمٌ غيرُ صفة"، يوهِمُ
(2/100)

منْعَ الإسكان، وهو جائزٌ؛ لأنه جمعُ "شهوة" معتل اللام؛ وليست لامَ أمْرٍ فيجوز فيها ثلاثةُ أوجه، منها وجهان يرجعان إلى واحد، وهما إِتْبَاعُ العين الفاءَ وفتحُ العين، حسبما بيَّنَه ابنُ عصفور في باب التثنية والجمع.
وقال ابن مالك:
وَمِثْلُ خُطْوَةٍ وسِدْرَةٍ أَتَتْ ... في جَمْعِها لُغى ثَلاَث رُوِيَتْ
(2/101)

14 - {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} الآية:
قولُ الفخر: "لم يذكُرِ اللباسَ لِذِكر ما يُشترى به وهو الذهبُ والفضة"؛ يُرَدُّ بأنَّ ما ذكر من الخيل المسوَّمَةِ والأنعام والحرث يُشترى بالذهب والفضة أيضا.
- {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}:
أي مِنْ حيثُ التزيينُ والشهوةُ، وهو متاعُ الآخرة إذا قُصِدَ به الطاعةُ.
- {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}:
عنديةُ تشريف؛ لأن عنده أيضاً سوءَ المآب.

21 - {بِغَيْرِ حَقٍّ}:
نَكَّرَ "حق" هنا وعَرَّفَ في البقرة؛ لأنّ هذه نزلت قبلُ، كقول الزمخشري في (بَلَداً آمِناً). وأجاب ابن الزبير بأنّ هذه في متقَدِّمِي
(2/102)

بني إسرائيل، لم يومن منهم إلا قليل، فَنَاسَبَ التنكيرُ المقتضي للخصوص.

26 - {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ}:
انظرْ كلامَ الفخر، فإنه لا يتِمُّ؛ للفرق بين العزّة القديمة التي هي صفةُ ذاتِه تعالى، والعزةِ الحادثة التي هي فعلُه.
(2/103)

وقد قال الفقهاء في الحالف بعزة الله إنْ أرادَ الحادثةَ فلا كفارةَ.

27 - {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ}:
قولُ ابن عطية: "أي ما يُنتقصُ من النهار يُزاد في الليل وبالعكس؛ في فصلٍ"، صوابُه في كلّ يوم.
وتدلُّ الآية على تقَدُّمِ النهار على الليل؛ لأنّ المولَجَ فيه ظرْفٌ للمولِج، والظرفُ سابقٌ على المظروف. وتدلُّ أيضا على بطلان كونِ الفَضْلَة بين الفجر وطلوع الشمس ليست مِن الليل ولا من النهار، لاقتضاءِ الإيلاجِ اتِّصالَ المولِج بالمولجَ فيه دون فاصل، إلا أن يُجَابَ بعدمِ الحصر في الآية،
(2/104)

وذلك لا ينافى كونَ الفضلة مولجةً أيضا، مع إيلاجِ أحدِهما في الآخر؛ أو يقالُ: إيلاجُ بعض الفضلة في أحدِهما بعد إيلاج أحدهما فيه، يستلزمُ إيلاج أحدهما في الآخر، ولا يتَقَرَّرُ قياسا من الشكل الأول، لعدَم تكرُّر الوَسَط.
فإنْ قلت: في الآية ردٌّ على قول من قال إنّ وسط الأرض يستوي ليلُه ونهارُه دائما، وأنّ بعضَ المواضع يدومُ نهارُه، وبعضَها يدوم ليلُها؛ فالجواب من وجهين:
- الأول: أن الآية مطلقةٌ لا عامّة. ويرد عليه أن الإطلاق في الإيلاج لا في لفظ الليل والنهار لتعريفهما بـ "أل" فيعمّ.
- الثاني: أن المقصودَ من الآية ذِكْرُ حال المعمور من الأرض دون غيرِه، ويردّ عليه أن وسط الأرض وهو موضعُ خطِّ الاستواء معمورٌ أيضا، وأما ما بعدَه من جهة الجنوب، فقال بَطْلِيمُوس:
(2/105)

"المعمورُ منه قدْرُ ست عشرة درجةً من الفلك".
27 - {مِنَ الْمَيِّتِ}:
قول الشاطبي:
"وَمَا لَمْ يَمُتْ لِلْكُلِّ جَاءَ مُثَقَّلاَ"
يريد قوله (تعالى (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)، (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ)، قُرِئَ بالوجهين.
ابن عطية: "قيل: الميْت بالتخفيف إنما يُستعمل فيمن قد مات، والمشدّد يُستعمل فيهما معاً".
(2/106)

30 - {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}:
قول الزمخشري: "نفسُه هي ذاتُه المَمَيَّزَةُ من سائر الذوات، متصفةٌ بعلمٍ ذاتيٍّ لا يختصُّ بمعلوم، وبقدرةٍ ذاتية لا تختصُّ بمقْدورٍ"، فيه تناقض؛ لأنّ قوله "بعلم وقدرة"، يقتضي إثباتَهما، وقولَه "ذاتي وذاتية"، يقتضي نفيَهما.

34 - {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ}:
كلام الزمخشري هنا لا يَحِلّ كَتْبُه.
(2/107)

فقد نَبَّهَ عليه الفخر قائلا مع عياضٍ في "الإكمال": "محبة العبد للَّه ليست بمعنى الميْل؛ لاقتضائِه مُمَالاً إليه في جهة"؛ قلت: قولهُما "في جهة" ممنوع.

33 - {عَلَى الْعَالَمِينَ}:
ألفاظُ القرآن التي وقع الإعجاز بها مِن جُملة العالم لحدوثِها، فنبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -
(2/108)

أفضلُ منها، وبهذا يتقرَّر قولُ البوصيري في "البردة":
"لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُهُ عِظَماً ... أَحْيَا اسْمُه حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ"

35 - {إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي}:
نذَرَتْ ما تمْلك مِنْ أُنْسِهَا به. الزمخشري: "نذرَتْ قبل أن تحمِل"؛ ابن عطية وابن العربي: "نذرتْ بعد حملها"، وهو أظهر.
- {فتقبل}:
نَقَلَ ابنُ دقيق العيد خلافا في ترادف القبول
(2/109)

والإجْزَاءِ وتبايُنِهما، أوِ القبولُ أخصُّ؟، وهما عند الفقهاء مترادفان، بدليل استدلالهم على وجوب الطهارة بحديث: "لاَ يَقْبَلُ اللَّه الصَّلاَةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ".
(2/110)

ومن قال القبولُ أخصُّ، يُقَدِّرُ الاستدلالَ بالحديث، بأنَّ الإِجْزَاءَ مُجَوِّزٌ للقبول، فإجزاءُ الطهارة مجوّزٌ لقبولها، فإذا انتفى القبولُ انتفى الإجْزاءُ دون عكس، أي: مهْما ثَبَتَ إمكانُ القبول ثبتَ الإجزاء، ومهما انتفى إمكانُ القبول انتفى الإجزاء.

39 - {يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى}:
يَرُدُّ قولَ ابنِ عصفور في بحثِه مع صاحب "الجمل" حيث قال: "والحدثُ المصدر، وهو اسْمُ الفعل"؛ قال: "الاسم بعد المسمّى".
(2/111)

ونظيرُ هذه الآية قولُه تعالى في سورة مريم (بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى).
- {وَسَيِّدًا}:
كَرِهَ في "العُتبية" الدعاءَ بـ "يا سيدي"؛ وحكى ابنُ رشد قوليْن في ذلك.
(2/112)

وانظر كلامَ ابنِ عطية هنا في معاوية وأبي بكر وعمر، فإنه لا يحلُّ كَتْبُهُ.

40 - {أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ}:
الفخر: "دعا أولا بالولد ثم استبْعَدَهُ"؛ وأجاب بأوجُه.
وانظر كلامَ ابنِ عطية هنا في الأنبياء، فلا يَحِلُّ كَتْبُهُ.

44 - {إِلَّا رَمْزًا}:
جَعلَ الزمخشري هذا الاستثناء منقطعاً، بناءً على أن إطلاقَ الكلام على
(2/113)

الكتابة والإشارة ودلالةِ الحالِ مجازٌ، خلاف ظاهرِ قول ابنِ عصفور: "الكلام لغة يطلق على الكتابة والإشارة، وما يُفهمُ من حَالَِ الشيء".
- {بِالْعَشِيِّ}:
قُدِّم ليتناول عَشِي كلِّ يوم، وبكرةً وغُدوة، ولو عُكِس لم يتناول إلا طَرَفَيِ اليومِ الواحد، ولأنّ أول صلاة صلاها جبريلُ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - صلاةُ الظهر، وهي من العشيِّ.

104 - {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}:
الزمخشري: "الأمرُ بالمعروف حُكْمُهُ تابعٌ لحكم المأمورِ به، إنْ كان واجبا فواجبٌ، وإنْ كان مندوباً فمندوب. وأما النهي عن المنكر فواجب كلّه؛ لأن تركَ المنكر واجبٌ لاتِّصافِه بالقبح".
ابن بشير في الصلاة الثاني، في مسألة الوِتر: "اختلف الأصوليون هل
(2/114)

يجب الأمرُ بالمعروف فيما طريقُهُ الندب، أو هو ندْبٌ".

106 - {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ}:
قول ابن عطيَّة: "يُحْتمل كونُه من آثار الوضوء"، يُرَدُّ بأنَّ الآية في التقسيم المستوفي، فيلْزَمُ على ما قال أنّ من لم يتوضأ أوْ لم يَعْرِضْ عليه الوضوءُ كافرٌ.

112 - {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا}:
راجعٌ لكفرهم.
- {وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}:
بقتلهم الأنبياء.
(2/115)

117 - {أَصَابَتْ}:
عبَّر بالماضي؛ لأنّ المشبَّه به يكون أَعْرَفَ عند المخاطَب.

139 - {وَلَا تَهِنُوا}:
قولُ ابن عطية: "هو من "وَهَنَ"، ومنه: المومِنُ هَيِّن لَيِّنٌ"؛ لم يتعقبه أبو حيان. ويُرَدُّ بأنَّ "وهن" معتلّ الفاء، و "هيِّن" معتل العين، فالمادّة مختلفةٌ.
وقولُه: "ومنه فِعْل عمْرو بنِ سعيدٍ مع عبد الملك بنِ مروان عند قتلِه إياه". صوابُه: فعلُ عبدِ الملك بعمرو؛ لأنّ عبد الملك هو الذي مَكَرَ بعمرو لا
(2/116)

العكس.

140 - {قَرْحٌ}:
خلط ابن عطية لحُكْم المجاور بحرف الحلق بحكمه؛ لأنّ ما وسطه حرفُ حلق يجوز فتحُه وتسْكينه؛ وفيما آخرُه حرفُ حلقٍ خلافٌ.

141 - {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}:
عبَّر عن وصف الإيمان بالفعل، وعن وصف الكفر بالاسم، إشارةً إلى سَعَةِ الرحمة، أي: من اتّصف بأدْنى الإيمان بالفعل مغفورٌ له، ومن اتّصف بأخصِّ الكفر هو المغضوب عليه.

142 - {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}:
عبَّرَ بالاسم لثبوتِ الصبر ولزومِه في كل عبادة، مِن فعلٍ أو ترك.
(2/117)

143 - {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ}:
الجمعُ بين هذا وبين حديث "لاَ تَتَمَنَّوا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّه العَافِيةَ"، بأنّ ذلك كان أولَ الإسلام وقلّةِ المسلمين، فنُهُوا عن تمنِّي لقاءِ العدو، ولأدائِه إلى هلاكِهم. أو المعنى في الآية: كنتم تمنون الشهادة؛ أو نزلتْ هذه قبل النهي.

144 - {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ}:
(2/118)

أي بعدَ البعثة، فالقضية حَيْنِيةٌ لا دائمة، هذا إنْ جُعِلَتْ خارجية، وأمّا إنْ جُعِلت حقيقيةً فهي دائمة.
والحصر حقيقةٌ؛ لاستلزام الرسالةِ جميعَ أوصافِ الكمال.

446 - {وَكَأَيِّنْ}:
أنشد ابن عطية هنا:
وَكَائِنْ تَرَى مِنْ صَامتٍ لَكَ مُعْجِبٍ ... زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْضهُ في التكَلُّمِ
(2/119)

أبو عُبيد في "الأمثال": "البيتُ للأحْنف بنِ قيس، كان بعض مُجَالسيه يُطيل الصمت، حتى أُعجِب به الأحنف، ثم إنه تكلم يوماً فقال للأحنف: يا أبا بَحْر: أتقْدر أن تمشي على (شُرُفَاتِ) المسجد؟، فعند ذلك تمثَّل الأحنف بالبيت. وبعدَه:
لِسَانُ الفَتَى نِصْفٌ وَنِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا صُورَةُ اللّحْمِ وَالدَّمِ".
قال الشيخ ابن عرفة: "أخبرني شيخُنا ابنُ الحُبَابِ، قال: أخبرني
(2/120)

شيخنا أبو العبّاس أحمد التّلمساني السّلَمِي قال: قلت لشيخنا الأستاذِ أبي الحسن عليِّ بنِ عصفور: لِمَ أكثرتَ من الشواهد في "شرحك للإيضاح"، على "كائن"، فقال: لأني دخلتُ على السلطان أبي عبد اللَّه المستنصر، فلقِيتُ ابن هشام خارجاً مِن عنده، فأخبرني أن السّلطان سأله عمّا يحفظ من الشواهد على قراءة "كائن"، فلمْ يحضرني غير بيت "الإيضاح": [وافر]
وَكَائِنْ بِالأَبَاطِحِ مِنْ صَدِيقٍ ... يَرَانِي لَوْ أُصِبْتُ هُوَ الْمُصَابَا
(2/121)

قال ابن عصفور: "فلما دخلتُ وسألني السلطان ذلك قلتُ له: أحفظ في ذلك خمسين بيتا؛ وشرعْت في إنشادها، فلما أنشدته نحوَ العشرة قال: حسبك. ثم أعطاني خمسين دينارا، فلمّا خرجتُ مِن عِنده، وجدتُ ابنَ هشام بالباب فأعطيتُه شطرَها".
- {فَمَا وَهَنُوا}:
الوهن أشدُّ مما عُطِف عليه، فهو أخصُّها؛ فالترتيبُ حسنٌ إذْ هو تأسيس؛ لأن نفي الأخص أعمّ من نفي الأعم.
وحُذِفَ مِن الثاني {لِمَا أَصَابَهُمْ} لدلالة الأول عليه.
(2/122)

ودلتِ الآيةُ على أن من ترك شيئا لله أو فعله له، مِن غير مشقة عليه في ذلك، يسمَّى صابراً.

147 - {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} الآية:
قولُ ابن عطية: "الخبرُ فيما بعد "إلا"، يُرَدُّ بقول "الإيضاح" وغيرِه: "لا يجوز "إن الذاهبة جاريته صاحبها"".

152 - {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ}:
قول أبي حيان: "العامل في "إذْ"، "وَعْدَهُ""، يُرَدُّ بأنَّ الوعد قديم، وإنما العامل "صَدَقَ".

153 - {إِذْ تُصْعِدُونَ}:
ضغف أبو حيان كونَ العامل فيه "اذْكر"، بأنه مستقبل، و "إذْ" ماض.
ويُجاب بوجهين:
(2/123)

- أحدهما: أن عملَه فيه، عملُ المفعول لا عملُ الظرف.
- الثاني: التقدير: "اذكروا حالَكم إذْ تصعدون".

154 - {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ}:
الزمخشري: "هو صفةٌ لـ "طائفة"، و "يظنون" صفة أخرى؛ أو
حال بمعنى "ظانين"؛ أو استئنافٌ للبيان للجملة قبلَها، و "يقولون" بدلٌ من "يظنون".
ابن هشام في "المغني": "كأنه نسِيَ المبتدأ فلم يجعل له خبرا، أو رآه محذوفا، أي: "ومعكم طائفةٌ صفتُهم كيتَ وكيتَ".
والظاهر أن الجملةَ الأولى خبر، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرة ثَمَّ
(2/124)

صفةٌ مقدّرة، أي: "وطائفة مِن غيركم"، مثل "السَّمْنُ مَنَوَانِ بدرهم"، أي: مَنَوَانِ منه، أو اعتمادُه على واو الحال، كقوله في الحديث: "دَخَلَ (عَلَيْهِ الصلاَةُ وَالسلاَمُ) وَبرْمَةٌ عَلَى النارِ".
- {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ}:
الآية إما تكذيبٌ للقضية المتقدمة، بصِدْقِ نقيضها، وإمّا إبطالٌ لإحدى مقدِّمَتَيِ القياس، وهي الكبرى. فالمَعنى على الأول أنهم قالوا: لوْ كان لنا من الأمر شيءٌ لَمَا خرجْنا، ولو لم نخرج ما قُتِلنَا. فأُبْطِل ذلك كلُّه بِأنْ قيل لهم: بل لو كان لكم من الأمر شيء لخرجتم. والمعنى على الثاني -وهو منع الكبرى وإبطالُها- وهي: "كلما لم نخرُجْ لم نُقتَلْ"، فصدق
(2/125)

الأخص من نقيضها؛ لأن كونَهم في بيوتهم، أخصُّ مِن قولهم {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَىْء}، فإذا رُتِّبَ الموتُ على كونهم في بيوتهم، فأحْرَى أن يترتبَ على عدمِ خروجهم.
وقولُ ابن عطية: "هذا من المنافقين قولٌ بأن للإنسان أجلَيْنِ"؛ يُردُّ بأنه منهم وقوفٌ على العادة، فقال: "والملازمة في شرطيتِهم عادية لا عقلية".
{وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}:
"التمحيص" تخليصُ شيء من شيء وتصفيتُه، فَنَايسَبَ تعليقُه بالمقصود من الإنسان وهو القلبُ. وأما "الابتلاء" فراجع إلى علم الله تعالى، فناسَب تعليقُه بالأعم وهو الصدرُ.
(2/126)

155 - {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ}:
الفخر: "احتج به الكَعْبيّ من المعتزلة، على أنّ الشر لا يقعُ من اللَّه".
قلت: يجَاب بأن نسبتَه إلى الشيطان على معنى الأدب مع اللَّه تعالى؛ أوِ الحصرُ راجعٌ للتبعيض.
وقول الزمخشري: "هو كقوله تعالى (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) "، بناء على أن المعنى: "مما كسبوا من الشر"، ويُحتَمَلُ أنْ يُرادَ الخيرُ والشر، والمقصود هو الشر.
(2/127)

156 - {كَالَّذِينَ كَفَرُوا}:
قول الفخر: "هذا يردُّ قولَ الكرامية: مجردُ النطق بالشهادتين كافٍ، وإنْ لم يعتقد بقلبه"، يُرَدُّ بأنَّ هؤلاء اعتقدوا النقيض، وقولُ الكرَّامية فيمن لم يعتقد شيئاً.
{وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ}:
ذُكِرا معاً إشارةً إلى التسوية، أي: كما شاهدتم الإحياءَ دون سبب، فكذلك الإماتة.

157 - {أَوْ مُتُّمْ}:
لم يقَيَّدْ بقوله "في سبيل الله" كما قُيِّدَ المعطوفُ عليه؛ ليتناول من مات قبل حضورِ القتال، ومن مات بعدُ دون قتال. وحُذِف من الثاني لدلالة الأول.
{لَمَغْفِرَةٌ}:
قُدِّمت على "الرحمة"؛ لأن "المغفرة" راجعةٌ لدفْعِ المولِمِ، وهو آكدُ.
(2/128)

{خَيْرٌ}
هو على قراءة الغيبة في (يَجْمَعُونَ) فَعْلٌ، وعلى قراءة الخطاب فيه أَفْعَل.
فإن قلت: كيف خُوطِب من مات؟.
قلت: هي حكايةُ حالٍ ماضية؛ وبَدَأَ بالقتل تهْيِيجاً على القتال.

159 - {لِنْتَ لَهُمْ}:
لم يقل: "كنتَ لهم ليِّنا"؛ إشارةً إلى توسُّط حالِه في ذلك، أو لأنّ المطلوبَ لِينُهُ لهم دون مَن لم يومن.
{فَاعْفُ}:
الفاءُ هي للسبب لا عاطفةٌ؛ إذْ لا يُعطَف الإنشاءُ على الخبر.
ودلَّتِ المعطوفاتُ على أنهم ثلاث فرق:
(2/129)

- فريقٌ فرُّوا ولم يرجعوا، فأُمِرَ بالعفو عنهم.
- وفريق رجَعوا بعد أن فروا، فأُمِرَ بأنَّ يستغفر لهم.
- وفريق ثبَتوا ولم يفِرُّوا، فأُمِرَ بمشاورتهم؛ وإنْ كان الفخر قال: "المشاوَرون أبو بكر وعمر"، مع أنّ عمرَ لم يثْبُتْ، لكن منصبَه معلومٌ.
وقول ابن عطية: "مَن لا يستشير أهلَ العلم والدين، فإنّ عزلَه واجب بلا خلاف"، غيرُ صحيح؛ ولم يقلْه غيره. وهذه المسألة مذكورةٌ في باب الإمامة من علم أصول الدين، وفي كتُب الحديث وفي كتب الفقه؛ وقد ذكروا فيها إذا صَدَرَ عن الإمام ما هو أشدُّ من عدم مشاورة أهل العلم والدين؛ ولم يوجِبُوا عزلَه بذلك.

168 - {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}:
قول الزمخشري: "إنْ قلت: فقد كانوا صادقين في دفعهِمُ القتلَ عن أنفسِهم
(2/130)

بالقعود"؛ ثم أجاب بوجهين:
- "الأول: أن النجاةَ من القتل يجوز كونُ سببِها القعودُ وغيرُه. وقد يكون الوقوفُ والمقاتلةُ سبباً في النجاة".
يُرَدُّ بأنَّ قوله (لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) موجبة جزئية، وإنما نقيضُها سالبةٌ كلّية، وأما السّالبة الجزئية فلا تناقِضُها بوجه.
فإن قلت: إنما نَفَوا القتلَ، فلِمَ ذُكِرَ في الردِّ عليهم الموتُ؟.
فالجواب أن الموت أعم، فعجزُهم عن دفعه يستلزم عجزَهم عن دفعِ الأخص منه.
(2/131)

وقال "ادرءوا" ولم يقل "لا تموتون" إشارةً إلى لزوم الموت لهم.

169 - {وَلَا تَحْسَبَنَّ}:
قول ابن عطية: "أراد قراءةَ الغيبة بضمِّ الباء"، إنما يحسُن على عدم تواتر السبع".

172 - {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا} الآية:
هو على التوزيع: مِنهم من بلغ درجةَ الإحسان كأبي بكر وعمر، ومنهم من لم يبلغْ ذلك، فهو مُتَّقٍ.

173 - {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}:
يشبه قَلْبَ النكتة، وهو الاحتجاجُ بدليلِ الخصم على نقيضِ دعْواه.
وذكر ابن عطية هنا، الخلافَ في زيادة الإيمان. والتحقيقُ فيه: أن ما
(2/132)

يُنجي من الخلود في النار لا يزيدُ ولا ينقص، والإيمان الكامل يزيد وينقص. لا يقال: زيادتُه ملْزومةٌ لاجتماعِ الأمثال في المحلِّ الواحد؛ لأن الإيمانَ عَرَضٌ لا يبْقى زمانين فيخلِفَ بعضُه بعضا؛ قاله إمامُ الحرمين في "الإرشاد".

177 - {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}:
وقال في التي قبلها (عَذَابٌ عَظِيمٌ)؛ لأن كفرَ مَن سارعَ أشدُّ.

178 - {عَذَابٌ مُهِينٌ}:
تمييزٌ مناسب للإملاء؛ لأنه بحسب ظاهرِ الأمر إكرامٌ لهم،
(2/133)

فناسَبَ الإهانةَ والإذلال.

179 - {يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}:
يقتضي أن الخبيثَ أقلُّ، خلافَ قوله (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبيثِ)، لكنها شرطيةٌ لا تدلُّ على الحصول.
ويؤخذُ منه مذهبُ أبي حنيفةَ أن الأصلَ في الناس العدالة؛ وفي مذهب مالك، أن الصفقة المحتملة للصحة والفساد، تُحْمَل على الصحّة ما لم يكن الفسادُ أغلبُ.
وقد يقال: الآية في أهل العصر الأول والغالبُ عدالتُهم، ومفهومُه: حتى يتقرر بحصول معرفة المومن من الكافر، ولا يزالون مختلطين بالسكنى والمعاشرة وغيرِ ذلك!.
{أَجْرٌ عَظِيمٌ}:
يدل على أن المتقي أخص من المؤمن، وهو مذهب مالك في
(2/134)

"المدونة"، في مسألة متعة المطلقة؛ لأنه استدل بقوله تعالى (حَقّاً عَلَى المتقِينَ) على عدم وجوبها.

180 - {يَبْخَلُونَ}:
عبر بالمضارع لتجدد البخل، بخلاف الكفر في قوله (كَفَرُوا).

181 - {قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ}:
أكدوا نسبة الفقر إلى الله، دون نسبة الغنى إليهم، كأنه عندهم جلي لا ينكر.

{سَنَكْتُبُ}:
عبر بالمستقبل؛ لأن المرادَ لازِمُ الكَتْب وهو الجزاء، وذلك مستقبل، بخلاف قوله (سَمِعَ).
{وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ}:
نسبة القتل إليهم مجاز، أو على حذف مضاف، أي: "قتل آبائهم"،
(2/135)

فيتعارض الإضمار والمجاز، ثالثها الاستواء.

183 - {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ}:
فهمه مشكل، لإنكار اليهود النسخ.

186 - {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} الآية:
ترتيب هذه المعطوفاتِ خلافُ ترتيب الأصوليين الكليات الخمس، قالوا: حفظُ الأديان، ثم النفوس، ثم العقول، ثم الأنساب، ثم الأموال. هكذا رتبها الآمدي وابن الحاجب.
وقال ابن التلمساني: "الأديان، ثم النفوس، ثم الأنساب، ثم الأعراض، ثم
(2/136)

العقول ثم الأموال". ولا شك أنّ حفظَ النفوس آكدُ من حفظ الأعراض، إذْ فيها حَدُّ القذف أو الأدب، وفي النفوس القصاصُ في الدنيا، والعقابُ في الآخرة. وقال ابنُ عباس وغيرُه، بخلود القاتل عمداً ولا تنفعُه التوبة.
{وَتَتَّقُوا}:
أي: تبْتغون بصبْركم وجْهَ الله لا التجَلُّدَ والحَمِيةَ في الباطل. وجواب الشرط محذوف تقديره: تؤجروا أجرا عظيما.
{فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}:
فالمذكورُ دليلُ الجوابِ وعلَّتُه.
(2/137)

187 - {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ}:
إنْ قلت: لو عُكِس الترتيبُ كان العطفُ تأسيساً؛ لأن عدمَ كتمانِه يحصُل بذكْرِه ولوْ غيرَ مبين، فذِكْرُه مبيّناً أخصُّ.
فالجواب أنه رُوعي في ذلك قاعدةُ كونِ نفْىِ الأعمِّ يستلزم نفيَ الأخصّ، وثبوت الأخص يستلزم ثبوتَ الأعمّ.
{وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ}:
إنْ قلت: وراءُ الظهر هو الوجه، فيقتضي أنهم طَرَحُوهُ أمامَهم؛ فالجوابُ أنّ هذه الإضافة من باب إضافة "خاتم حديد".

189 - {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}:
حكى ابن عطية عن الباقلانى، أن هذا العموم مخصوص بالواجب
(2/138)

والمستحيل، بناء على صدق لفظ "شيء" عليه، وهو قول بعض الأصوليين؛ وأكثرهم منع ذلك، كابن التلمساني والمقترح.
وقال تاج الدين في "الحاصل"، والسراج في "اختصار المحصول": "اتفق أهل السنة والمعتزلة على أن المعدوم المستحيل لا يطلق عليه "شيء"، وإنما اختلفوا في المعدوم الممكن".
وحكى الشيرازي في "شرحه لابن الحاجب" الإجماع على منعه في المستحيل، وحكى الأصبهاني -شارح ابن
(2/139)

الحاجب- أن المستحيل "شيء"؛ قاله في باب العام والخاص، لما ذكر ابن الحاجب التخصيص بالعقل، فذكر الأصبهاني هذه الآية، وهي مخصوصة بواجب الوجود وبالمستحيل.
وقال الشيرازي أيضا في قول ابن الحاجب: "القياس حمل معلوم على معلوم": وإنما لم يقل "حمل شيء" ليدخل المعدوم الممكن عندنا، والمستحيل عندنا وعند المعتزلة".
وأما الحال فليست بشيء باعتبار ذاتها، إذ ليست بموجودة ولا معدومة، وهى باعتبار ما هي تابعة له "شيء".

190 - {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ}:
احتج من قال: "إن الخلق غير المخلوق" بإضافته إليه؛ إذ الشيء لا يضاف
(2/140)

إلى نفسه. ودليل من قال إنه هو: أنه لو كان غيره لزم قدم العالم إن قلنا إن ذلك الخلق لا يفتقر إلى خلق آخر، أو التسلسل إن افتقر.
والتحقيق أنه في الشرع يطلق تارة على "المخلوق" كقوله تعالى (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ)، وتارة على "الإنشاء والاختراع والتكوين" كهذه الآية.

191 - {مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا}:
قال شيخنا ابن عرفة: "سُئِلْتُ عن فهم الآية على مذهب أهل السنة في نفي العلة والغرض والتحسين والتقبيح؛ فأجبتُ بأنَّ المعنى: ما خلقْتَ هذا مخالفاً لما أنبأتْنا به الرسلُ عنك، من الحشر والنشر والإعادة والثواب والعقاب، بل هو موافقٌ لذلك ودليلٌ عليه، لَا أنه لأجلِه وعِلَّة فيه؛ ومثلُ هذه الآية (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) ولها نظائر. والارتباطُ في ذلك عندنا عادي شرعي، وأفعاله تعالى غيرُ معلّلة. ولابن
(2/141)

سلامة هنا كلام ضعيف.

192 - {مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ}:
ذكر أبو حيان في إعراب "من" ثلاثة أوجه، ويحتمل رابعا، وهو أن يكون مبتدأ، والخبر "تُدْخِلِ" وحده، على الوجه الضعيف في قوله: [رجز]
............. كلُّه لم أصنع
بالرفع، وفي قوله: [المتقارب]
فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أَجُر.
(2/142)

193 - {ذُنُوبَنَا}:
قول الزمخشري: "الذنوب الكبائر، والسيئات الصغائر"، صوابه العكس، وإلا كان العطف تكرارا؛ لأن مغفرة الكبائر تستلزم مغفرة الصغائر، إذ الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، ويؤيد هذا قوله (لأُكَفِّرَنَّ عَنهمْ سَيِّئاتِهمْ وَلأدْخِلَنهُم جَناتِ)، فالمراد بالسيئات الكبائر، والمغفرة الستر، فلا يلزم منها المحو، فلذا زِيدَ (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) لفائدة محو الذنوب من أصل، والله تعالى يستر على العبد في الدنيا معصيته، ثم يعاقبه عليها في الآخرة. والداعي بالمغفرة فقط، يقصد بها الستر في الدنيا والآخرة، وإن طلب في دعائه التكفير، فقد سأل الستر في الدنيا والمحو في الآخرة.

195 - {لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ}:
يدل أن الإيمان عمل. وقول أبي طالب مكي،
(2/143)

وصاحب موازنة الأعمال وغيرهما: "لا يوزن الإيمان؛ لأنه لو وزن لرجح جميع السيئات"، وذكر في ذلك حديثا. قال شيخنا: "الصواب أنه يوزن، ولا
(2/144)

يلزم منه رجحانه لجميع السيئات، والمسألة علمية، فلا يحتج فيها بخبر الآحاد، والحديث المشار إليه لم يصححه أحد؛ وحديث "مَنِ اغْتَصَبَ شِبْراً مِنْ أَرْضٍ، طَوقَهُ اللَّهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ"، صحيحٌ أخرجه البخاري ومسلم، ومع ذلك لا يُحتَجُّ به على كون الأرضين سبعا.

200 - {وَرَابِطُوا}:
ابن عطية عن ابن المواز: (المرابط) هو الذي يشْخص من
(2/145)

الثغور ليُرابط فيه مدّة، فأمّا سكان الثغور دائما بأهْلِيهِم، فليسوا مرابطين".
قلت: لما نقل هذا الباجي، في أواخر كتاب الجهاد قال: "الظاهر أن الإقامة بالأهل لا تنافي الرباط". قال الشيخ ابن عرفة: "وهو الصحيح؛ لقول مالك في "المدونة": "لا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى مثل السواحل، لا إلى دار الحرب في الغزو، إلا أن يكون في عسكر عظيم لا يخاف عليهم".
(2/146)

قلت: لا يلزم من جواز خروجه بأهله كونه مرابطا. والظاهر إن كان قصده الرباط لا غيره أن يكون مرابطا.
قال شيخنا: "وكان السلطان أبو الحسن المريني إذا خرج للجهاد، يأمر من عنده زوجة بإخراجها معه". قال: "وإذا كان يؤجر على اللقمة يجعلها في فم امرأته -كما في الصحيح-، فأحرى أن يؤجر على مجاهدته عنها، وكذا في الرباط يكون حرصه على السلامة من العدو أشد، لأنه يناضل عن نفسه وعن حريمه وعن المسلمين".
(2/147)

سُورَةُ النسَاء
1 - {مِنْ نَفْسٍ}
هي لابتداء الغاية فقط، دون انتهائها؛ لأنّ العَرَضَ لا يبْقى.
واختلافُ خلْقهم مع كونِهم من نفس واحدة، يُبْطل القولَ بالطبيعة؛ خلاف ما قاله الفخر.
{كَثِيرًا}
الكثرة مفْهومةٌ من لفظ "بث"، ووُصِف بها الرجال دون النساء، فالحذفُ من الثاني لدلالة الأول، أوْ لأنّ ذلك تذكيرٌ بالنعمة، ومِن شأن العرب حبُّ كثرةِ الرجال دون النساء؛ ولذا قال رجالا ولم يقل
(2/148)

"ذكورا"، فيشملُ الصغارَ لأنهم كانوا يتَقَوَّوْن بالرجال في الحروب. وقال نساء ولم يقل "إناثا" لأن التمتعَ بالبالغات منهنّ.

2 - {وَآتُوا الْيَتَامَى}
من إقامة المسبّب مقام سبَبه، أي: احفظوا أموالَهم عليهم لتُعطوها لهم إذا كبروا، فأوْقع "الإيتاء" وهو المسبّب مقامَ سببه وهو "الحفظ".

11 - {فِي أَوْلَادِكُمْ}
لم يقلْ "في أبنائكم"؛ لصِدْقِ "الابن" على التبنّي، وليسَ مُراداً هنا.
{لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}
أي: حالَ اجتماعِهما معه، وإلاّ لزِم أن يكون له الثلثان؛ لأنّه حظُّهما حالَ انفرادِهما.
(2/149)

12 - {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ}
خاصٌّ بالأحرار؛ لأن العبد لا يرث. و (وَمَا تَرَكَ) مخصوص بالوَلاء. و "أزواج" مخصوص بالكتابيات والإماء، إذ لا يرث المسلم الكافر. والأمة إنما يرثها سيدها لا زوجها، ولا يقال هو مخصوص أيضا بالنكاح الفاسد، لأنه إن كان فيه الميراث فهي، وإلا فليس بنكاح وليست بزوجة.
{إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ}
قدَّم جواب الشرط عليه، وأخَّر عن الذي بعده، لأنّ جوابه كالمقتضي، وعدم الشرط كالمانع، وهو متأخِّر عن المقتضي. فالحكم اقتضى أنّ للأزواج من أزواجهن النصف، ووجود الولد مانع منه.
ويجاب أيضا، بأنَّ هذا الحكم مشروط بوصف العدمي، وهو عدم الولد، والعدم متقدم على الوجود، فأخر عنه لفظا.
(2/150)

{فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ}:
يتناولُ ولدَ الزِّنا وولدَ الرِّشْدة.
{إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ}:
لا يتناولُ ولدَ الزنا؛ لأنه إنما يُنسب لأمه لا لأبيه.
{وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ}:
إنْ قلت: هلاَّ قيل "أحد" مكان (رجل)، ليتناول الكبيرَ والصغير، والذكرَ والأنثى؟.
فالجواب: أنه تنبيهٌ على الصّورة النادرة. وجوابُ السهيلى بأن "بعدَه (مِن بَعْدِ وَصِية)، والصبيُّ لا تصحُّ منه"، يُرَدُّ بصحتها من المميز في "المدونة" في كتاب الوصايا الأول: "تجوز وصيةُ الصبي ابنِ عشْرِ سنين فأقل مما يُقاربها، إذا أصابَ وجه الوصية، وبصحَّةِ الإتيان أوّلاً باللفظ العام"، ثم ذَكَرَ بعضَ صُوره.
(2/151)

وذكرَ ابن عطية هنا، "الفريضة الحمارية"، وأنها زوجٌ وأم وإخوة لأم، وإخوة شقائق؛ وكذا في "رسالة ابن أبي زيد"، وقال الفرَّاض وابن الحاجب: أمّ أو جدة مع بقية من ذُكِرَ.
{فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ}:
يدل أن الشركةَ المطلقة تقتضي التساوي، كما في كتاب السَّلَم الثالث من "المدونة": "إنِ ابْتاع رجلان عبداً، فسألهما رجلٌ أن يُشاركاه فَفَعَلا، فهو بينهم أثْلاثا"، خلافَ قوله في كتاب القراض: "إنْ أقرضه على أنّ له شركاءَ في المال -لم يُسَمِّه- كان على
(2/152)

قَرَاضِ مثلِه إن عمل".

{غَيْرَ مُضَارٍّ}
قولُ ابن عطية: "المضارةُ إنما هي في أكثرَ من الثلث، وأما الثلث، فالمشهور من مذهب مالك: إنْ ضارَّ فيه تمضي الوصية. وقيل: تُرَدُّ وإنْ كانت في الثلث"، صوابُه العكسُ؛ لأن المشهور أنه إنْ قصَدَ الضرر، بطلت الوصية؛ قال في كتاب الوصايا الثاني من "المدونة" -ما نصُّه-: "وإذا أوصى بثُلثه لوارثٍ وقال: فإنْ لم يُجِزْه باقي الورثة فهو في السبيل؛ لم يجز ذلك، وهو من الضرر. وكذلك لو أوصى لوارث بعبْدٍ وقال: فإن لم يجيزوا فهو حُر؛ فإنها تبطل، ويورث إن لم يجيزوا؛ ولو قال: عبدي حر أو في السبيل، أو داري أو فرسي في السبيل، إلا أنْ يشاء ورثتي أن يُنَفِّذُوا ذلك لابني، فذلك نافذٌ صحيحٌ على ما أوصى". ففرَّق بين تقديمِه الوارثَ على الأجبي وعكسه، فجعل تقديمَه الوارثَ في لفظِه قرينةً في إرادة الضرر، فتبطُل الوصيةُ كلُّها.
(2/153)

{عَلِيمٌ}:
بمن يُوَفّي بما أمرَه به.
{حَلِيمٌ}:
عمَّن خالفَ وعصى، فلا يُعاجِلُه بالعقوبة،

13 - {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}
(تلك) مبتدأ، (حدود اللَّه) خبره؛ لو جهين:
(أ) - أن الحدودَ أُضِيفت إلى اسم اللَّه تعالى تعظيماً لها، فهي الجزءُ المستفادُ من الجملة.
(ب) - أنها أعمُّ، وكذا الخبر يكونُ أعم من المبتدإ.
{نُدْخِلْهُ}:
(2/154)

قول الزمخشري: "هو على قراءة الغَيْبة التفاتٌ"، هو على مذهب السكّاكّي في مثل هذا؛ لأن المعنى "تلك حدودُنا، ومنْ يطعْنا". وخالَفَه غيرُه. وأمّا على قراءة التكلُّم، فكونُه التفاتاً بَيِّن.
وفي الآية حذفُ المقابل، فتأمَّلْه.

14 - {وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ}
تأسيسٌ؛ لأن تاركَ المندوب عاصٍ حسبما قاله المازري في كتاب النكاح من "المعلم"، في حديث "مَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى
(2/155)

أَبَا الْقَاسِمِ". وبيانُ كونِه تأسيسا، أنّ العصيان أعمُّ من ترك الواجب والمندوب، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، فكان ذِكْرُ الأخَصِّ بعدَه تأسيسا.
وتقريرُ هذه الآية على مذهبنا، أن المرادَ بالمعصية وتعدِّي الحدودِ الكفرُ، والمرادُ بالخلودِ طولُ الإقامة لَا التأبيدُ. وأيضا إن الآية دليلٌ لأهل السنة؛ لأن قولَه (وَمَنْ يُطِع)، فِعلٌ في سياق الثبوت، فهو مطلقٌ يَصْدُقُ بأدنى طاعة، فيتناولُ العاصي لأنه مطيعٌ بإيمانه، فَتَعَينَ حملُ قولِه (وَمَن يعْصِ) على الكافر، لئلا يتناقض؛ لكِنْ يُعارَضُ هذا بلزوم مثلِه في (ومن يعص) بِعَيْنِ ما ذَكَرَهُ.
وقولُ ابنْ عطية: "يُراعَى لفظ "مَنْ" ثم معناها، ولا يجوز العكس"،
(2/156)

غيرُ صحيح. بل يجوز، لكنٌ الأولَ أكثر. وقد وقع هذا الكلامُ لابن عطية في مواضعَ مِن كتابه.

15 - {مِنْ نِسَائِكُمْ}
تُخْرَجُ الذّمّية، قال مالك في كتاب الرجم من "المدونة": "وإنْ زنا مسلم بذمية، حُدَّ هُوَ، ورُدَّت إلى أهل دينها، فإن شاءوا رجْمَها لم أمنعْهم".
ابن العربي: "ولا تدخلُ الأَمَةُ كما لم يدخُل العبدُ في قوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ).
ويُسْتَكْشَفُ شهودُ الزِّنا؛ لأن المقصودَ الستر، فيُسْأَلون عن المكان والزمان والحال، وكذا يُسأل شهودُ السرقة؛ لأنّ أكثر الناس لا يفرقون بين السرقة والاختلاس، والتعدّي والغصْب، والنهب والخيانة، والغِيلَةِ والحِرَابة؛ وأحكامُها مختلفة".
(2/157)

وقول أبي عمران في "النظائر":"لا يُستكشف شهودُ السرقة" غلط؛ وشرطُه اتحادَهم في زمن الأداء كشهود الزنا، غلطٌ منه أيضا.
ابن عطية: "قيل: الشهود الأربعة في الزنا، اثنان على الرجل واثنان على المرأة، وهو ضعيف". قلت: تقديرُ ضعفِه، أنه لوْ شهِد اثنان على رؤية الرجل، واثنان على إقرار المرأة، حُدُّوا حَدَّ القذف، وكذلك لو شهد الأربعةُ على إقرارِهِمَا.
قال: "لا خلافَ في البكر أنَّه يُجلد. واختُلِف في نفْيِه وتغْريبِه، فقال الخلفاءُ الأربعةُ ومالك والشافعي: لا يُنفَى. وقال جماعةٌ: يُنفى. وقيل: نفيُه سجنُه. ولا تُنفى المرأةُ ولا العبدُ، هذا مذهب مالك وجماعة".
(2/158)

قلت: ما قالَه غَلَط؛ لأنّ في كتاب الرجم من "التهذيب" ما نصُّه: "ولا نَفْيَ على النساء ولا على العبيدِ ولا تغْريب، ولا يُنفى الحرُّ إلاَّ في الزنا أو في حِرَابَةٍ، فيُسْجَنَان جميعاً في الموضع الذي يُنْفَيَان إليه، يُسجن الزاني سنةً، والمحارِبُ حتى تُعْرَفُ توبتُه".

20 - {مَكَانَ زَوْجٍ}:
أفادَ عَوْدَ ضميرِ إِحْدَاهُن، ويسمى الاسْتِخْدَام.

25 - {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا}
قال ابن عطية: "وقال أشهب في "المدونة": جائزٌ للعبد المسلم
(2/159)

أن يتزوجَ أَمَةً كتابية".
يُرَدُّ بأنَّ ابنَ يونس واللخمي إنما نَقَلا عنه جوازَ التمادي على ذلك بعد الوقوع، فينبغى لابنِ عطيةَ أن ينقله كذلك.

26 - {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}:
اختلف الأصوليون: هل يَرِدُ في القرآن ما لا يُفهم؟. وهذا الخلاف إنما هو في اللفظ، وأما المعنى القديم فيستحيلُ فيه ذلك.
(2/160)

{وَيَهْدِيَكُمْ}:
إن فُسِّرتْ بالهداية الأعمّية لزم التكْرَارُ؛ لأنّ ذلك نفسُ التبيين، وإِنْ فُسِّرت بالأخصية يلزم الخلْفُ في الخبر؛ لأن الكافر وعصاةَ المومنين غيرُ مهْديين.

27 - {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}
قول ابن عطية: "هو تكرار للتأكيد"، يرد بوجهين:
(أ) - أن البيانيين فرّقوا بين قولك "زيد يقوم" وقولك "يقوم زيد"، فقوله (وَاللَّهُ يُرِيدُ) أخص من قوله "يريد اللَّه"، فهو تأسيس.
(ب) -: أن الأول تضمَّن مشروعيةَ التوبة، والثاني إخبارٌ بقبولها، وأنّ
(2/161)

ذلك واجبٌ شرعا لا عقلا. وردّه أبو حيان بأنَّ معْمولَ الإرادة أولاً هو التكاليفُ، أي: "يريد الله تكاليفكم وليبين لكم".
قال المختصِر: "في هذا نظر"؛ يريد: لأن التوبة متعلقة بالفعل وراجعة إليه، والتقدير: "يريد اللَّه تكاليفكم وليبين لكم ويتوب عليكم"، فكأنه معمول له.

34 - {تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ}:
أي: تعلمون أو تخافونه ووقع.
(2/162)

وكذا قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ ... حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا)، لم يقل "حكمين من أهلهما"، وإن كان أخصر؛ لأن المراد أن يكون كل واحد من الحكمين من أهل أحد الزوجين لا من أهلهما معا.

36 - {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}:
إن قلت: العبادةُ متأخرةٌ عن التوحيد الذي من لوازِمِه نفْيُ الشريك، والمقدَّم على المقدّم مُقَدَّم. فالجواب من وجهين:
(أ) - المراد بالشرك هنا الرياء لا الكفر.
(ب) - أفاد حصول الدلالة مرتين، بالمطابقة وباللزوم.
وجواب ثالث: وهو أن نفي الشريك أحد صور العبادة لا متقدم عليها،
(2/163)

لكن يرد عليه أنه لو كان عبادة لافتقر إلى نية، وفيه بحث. وأما التوحيد فقال الفخر في "المحصول": "لا يفتقر إلى نية وإلا لزم التسلسل".
ابن العربي: "يؤخذ من الآية منع السفر بنية التجارة والحج والوضوء للعبادة والنشاط أو النظافة؛ لأن ذلك تشريك".

{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}:
سئل ع عمن دعاه كل من أبويه إلى نقيض ما دعاه إليه الآخر منهما. فأجاب بأنه يطيع الأم مع التساوي، وإلا فمن دعا إلى الأرجح. والمراد
(2/164)

بالأبوين، الأب وإن علا والأم وإن علت.
{مُخْتَالًا فَخُورًا}:
"المختال" المتكبر بالفعل، و "الفخور" المتكبر بالقول، أو به وبالفعل.

41 - {مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ}:
يدُلُّ أن العقلَ لم يَخْلُ من سمع، إلا أنْ يكونَ التقدير: "منْ كلِّ أمة مرسل إليهم"، لئلا يلْزَم الخُلْفُ في الخبر؛ لأن غيرَ المرسَلِ إليهم لا شهيدَ فيهم.
{عَلَى هَؤُلَاءِ}:
أىِ: ولهم، فحذف المعطوف، كقول ابن عصفور في قوله تعالى (تَقِيكُمُ الْحَرَّ)، أي والبرد، وإن كان ما قاله غير لازم؛ لأن الخطاب لأهل الحجاز، والغالب في أرضهم الحر لا البرد.
43 - {مَا تَقُولُونَ}:
لم يقل "ما تتكلمون"؛ لأن القول أعم، لصدقه على المفرد والمركب.
(2/165)

فإن قلت: هل في الآية دليلٌ للقول بتكليف ما لا يُطاق، لدلالَتِها على أن السكران مُكلَّفٌ حال سُكرِهِ بأنْ لا يقْرَبَ الصلاة؟. فالجوابُ من وجهين:
(أ) - أنه نهيٌ عن سبب السّكر وهو الشراب.
(ب) - فرْقٌ بين ابتداء التكليف واستمرارِه، والطاقةُ شرطٌ في الأول دون الثاني، قاله ابن التلمساني.
فإن قلت: دلَّتِ الآيةُ على أن السكرَ كان جائزاً عندهم، وهذا مع قضية حمزةَ يُعارِضُ ما قاله الأصوليون مِن حفظ الكليات الخمس، التي منها حفظُ العقول.
(2/166)

فالجوابُ بالفرقِ بين السُّكر الطَّافِحِ الذي يغيبُ معه (العقل)، والذي يبْقى معه منه بقية.
وتدلُّ الآيةُ على أنّ مفهومَ الغاية أصْرَحُ من مفهوم الصفة؛ إذْ لم يكتف فيها بقوله (وَأَنتُمْ سُكَارَى)، إلا أن يُقال: مفهومُ الغاية هنا أخصُّ من مفهوم الصفة.
{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى}:
أي "جنباً مرضى"، فلا يكونُ في الآية تقديمٌ وتأخير كما قاله ابن يونس.
{أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ}:
ولم يقل "أو لامس أحد منكم"، كما عبر في المعطوف عليه، لأن الأول ضروري لكل أحد، بخلاف الثاني.

48 - {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}:
قول ابن عطية: "التائبُ إذا مات على توبته، هو عند أهل السنة وجمهورِ فقهاءِ
(2/167)

الأمّة لاحِقٌ بالمومن المحْسن، إلا أنّ قانونَ المتكلمين أنّه في المشيئة"، يُرَدُّ بأنَّ ذلك لم يقلْه أحدٌ من المتكلمين، بل أجمعوا على أنه في الجنة إذا أتى بشروط التوبة؛ وإنما اختلفوا هل قبولُ توبتِه قطعية أو ظنية؟.

49 - {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي}:
إنْ قلت: ما بعد "بل" هنا عينُ ما قبلَها على مذهب أهل السنة، إذْ أفعالُ العبد خلقٌ لله، فَتَزكِيَتُهُم أنفسَهم فِعْلٌ لله. فالجوابُ أنّ المضروبَ عنه دعواهُمُ التزكية، والمضروب به خَلْقُ اللَّه لهم الأعمالَ الصالحة التي بها التزكية؛ ولِذَا قال (وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلا).
ع: ويجوز للإنسان أن يطلُب مِن غيرِه أن يُعَدِّلَه، وليس من تزكيتِه نفسَه".

50 - {الْكَذِبَ}:
قول أبي حيان: "هو مفعول"، أى: لفعل مضْمَر تقديرُه "ينسبون" لا
(2/168)

لـ "يفترون" وإلا كان مصدرا.

52 - {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ}:
أي: "ومن لعنه"؛ لأنه وَسَطٌ في المقدمتين فيجب اتحادُه.
{فَلَنْ تَجِدَ}:
أبلغُ من "لا نصير". ولم يقلْ: "ناصرا" وإنْ كان نفيُ الأعمِّ أبلغَ؛ لأنه موضعٌ لا ينفعُ فيه إلاّ الأخصُّ.

53 - {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ}:
الزمخشرى -ما حاصله-: أنّ تَسَلُّطَ الإنكار إمّا على الجملتين، أوْ على الأولى فقط.
54 - {أَمْ يَحْسُدُونَ}:
الحسد أشدُّ من البخل، فهو تَرَقٍّ في الذّمِّ.
{فَقَدْ آتَيْنَا}:
حسَدُ من لم يختَصَّ بالمحسود عليه، أشدُّ منه في المخْتصِّ به.
(2/169)

56 - {كَفَرُوا بِآيَاتِنَا}:
تسجيلٌ عليهم بكفرهم، مع وضوح الآيات؛ فلذا قيل: (بآياتنا).
{كُلَّمَا نَضِجَتْ}:
لا يقال: يلزم التسلسل؛ لأنه هنا في الآثار لا في المؤثِّرات، وهو غيرُ مستحيل. فإنْ قلت: الجلودُ المبْدَلُ بها لم تَعْص، فلم بُدِّلت؟. قلت: لأنّها خلِقت من اللحم الذي نضَج وهو قد عصى. ويتأكّد هذا السّؤال على قاعدة المعتزلة في التّحسين والتّقبيح. وأجاب الزمخشري بأنَّ المعذَّبَ الأرواحُ الكائنةُ في الجلود.

57 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا}:
لم تؤَكّدْ هذه الجملة كالتي قبلها؛ لأن المومنين لا ينكرونها.
(2/170)

{سَنُدْخِلُهُمْ}:
أتى هنا بالسين، وفي وعيد الكفار بـ "سوف" التي هي أبلغ، لما قلناه في التأكيد بـ "إن".
وجواب ثان عن السوالين معا، وهو يقتضي "سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي".

58 - {إِلَى أَهْلِهَا}:
لا يُوخذُ منه أنّ مَن خان إنسانا في شيء، ثم ائْتَمَنَهُ على ما يَسْتوفِي منه، حقه، لم يخنْهُ فيه؛ لأن صاحبَ الأمانة هنا، ليس من أهلها.
(2/171)

ابن رشد في جامع "البيان": "أظهر الأقوال فيها الإباحة".
قلت: وأخْذُ ذلك من قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ)، يُرَدُّ بأنَّ الاعتداء غير الاختلاس والجحد، والآية نزلت في قتل حمزة والتمثيل به.
ع: "وحديث "أد الأمانة إلى من ائتمنك" في صحته نظر"، وقال مالك في الأسير يؤتمن على مال: لا يخون فيه. وأما من اؤتمن
(2/172)

على نفسه، فأجاز سحنون هروبه، ومنعه غيره.

59 - {مِنْكُمْ}:
احتراس؛ لأن النفوس تأْنَفُ مِن أن يَأْتَمَّ عليها من هو مثلها، أو من قبيلتها أو قرابتها.

65 - {ثُمَّ لَا يَجِدُوا}:
أتى بـ "ثُمَّ" لأن ما يوجد حين الحكمِ من الحرج معْفُوٌّ عنه لأنه جِبِلِّي.

66 - {مَا فَعَلُوهُ}:
ضميرُه المنصوب، عائدٌ على المذكور وهو المكتوب، ولا يصحُّ عَوْدُه على أحد الشيئين؛ لأنّ ثبوتَ أحدِهما لا يرتفعُ إلا بنفْيِهما، ضرورةَ أنّ الموجبةَ الجزئية، تُناقِضُها السالبة الكلية.
(2/173)

{إِلَّا قَلِيلٌ}:
لا يصحُّ كونه صفة؛ لأن المضمرَ لا يُوصف، انظر أبا حيان؛ وقوله "قراءة النصب مخالفة لقراءة الرفع" لا ينتج له مطلوبه.

71 - {أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا}
ابن العربي: "هي مخصوصة بآية (وَمَا كَانَ المُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافةً) ".
قلت: وكرر الفعل في المعطوف لاختلاف الفعلين، بحسب كثرة الخوف وقلته.

74 - {الَّذِينَ يَشْرُونَ}:
جعلوه فاعلا، ويحتمل كونه مفعولا متصلا بقوله (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن
(2/174)

ليُبَطِّئَن)، أي هذا المنافق الذي اتصف بذلك، (فَلْيُقَاتِلْ) الآية.
75 - {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا}
ع: "المدخلون" عصاة في بقائهم تحت حكم الكفار".

76 - {يُقَاتِلُونَ}:
معناه الأمر، والإلزام إما الخُلْفُ في الخبَر، أو مذهبُ المعتزلة أنّ من قاتل لا لإعلاء كلمة الإسلام غير مومن.

{إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ}:
لم يقل "كيد أوليائه"، لتلازمهما.

79 - {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ}:
إن كان خطابا له - صلى الله عليه وسلم -، فهي شرطية لا تقتضي الوقوع، وإلا صح
(2/175)

كون "ما" موصولة، فتكون القضية حملية وهي الأصل.

80 - {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}:
تنعكس كنفسها.

82 - {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}:
يدل على وجوب تحصيلِ المواد التي يُفهم بها القرآن، من النحو واللغة والأصول، وإذا كانت موادَّ له، جاز قراءتُها في المسجد، بخلاف ما لا تعلُّقَ له بالقرآن، كـ "كتاب أقليدس" وشبهه.
وقول الفخر: يدل أنه ليس في القرآن ما لا يفهم؛ بناء على أن لفظ "القرآن" في الآية اسم جنس لا اسم كل.
(2/176)

{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ}:
هذا من قياس الضمير، وهو مركب من مقدمتين: إحداهما مذكورة، والأخرى مضمرة. التقدير: القرآن ليس من عند غير اللَّه، وكل ما ليس من عند غير اللَّه، هو من عند اللَّه. بيان الصغرى بما ذكر في الآية، وبيان الكبرى بأنه لا ثالث.

84 - {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ}:
يدلُّ على جوازِ تكليفِ ما لا يُطاق، وهو "فعل الغير"؛ إذْ لو كان منْفيا عقلا، لم يحتجْ إلى نفيه شرعا.

86 - {وَإِذَا حُيِّيتُمْ}:
ابن العربي: "حَمَلَها أبو حنيفة على الهدية، فعليْه؛ لا يُرَدٌ مثلُها، واحتج بأنّ السلامَ لا يُمكن ردّه بعيْنِه".
(2/177)

قلت: ومثله قول المتنبي:
قِفِي تغرم الأُولى مِنَ اللحْظِ مُقْلَتي ... بثانيةٍ والمتلفُ الشيء غَارِمُهْ"
ابن العربي، عن القاضي عبد الوهاب:
"من سلَّم على جماعةٍ فيهم مَن بَينَه وبينه صداقةْ، وَجَبَ على صديقه الردُّ بعينِه، وإنْ لم يكن فيهم صديقٌ له، كان الردُّ سنةً على الكفاية".
ع: "وظاهرُ أقوالِ المذهب، أنَّ المسلم إذا قال "سلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، رد الرادُّ كذلك، خلاف قول عبد الو هاب في "التلقين"
(2/178)

و "المعونة": "نقل عن المذهب أنه يجزي في الرد: وعليك".
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}:
يدل أن هذا الأمر للوجوب.

88 - {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}:
قول ابن عطية: "هو توبيخ للمومنين"، صوابه "عنف". فإنْ قلت: يُؤخذ منه ترجيحُ الاتفاق على الاختلاف. قلت: هذا في مسائل الاعتقاد لا في مسائل الاجتهاد.
ويؤخذ من الآية تقديمُ الغالب على الأصل إذا تَعَارَضَا، والأصوليون يقدمون الأصل. وقد اختلف قولُ مالك في ذلك، في مسألة وُلُوغ مَن عادتُه استعمالُ النجاسة مما لا يَعْسُرُ الاحترازُ منه، وفي مسألة
(2/179)

الحمار الوحشي إذا تَأنَّسَ، قال: لا يؤكل. فمَن قال بإيمان هؤلاء المنافقين قدَّمَ الأصل، لأنهم كانوا مومنين؛ ومَن قال بكفرهم، اعتبر الغالب؛ لِمَا ظهر منهم من دلائل الكفر.
{مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ}:
أي أراد ضلاله.
{وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ}:
إنْ كانتْ وقتيةً فهو عام مخصوص، وإنْ كانت دائمةً فلا تخصيص.
{فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا}:
لم يقلْ: "فلا سبيل له" مع كونِه أبْلغ؛ لأن المقامَ مقامُ نظرٍ وتأمُّل.

92 - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا}:
هو على مذْهبِ أهلِ السنة خبرٌ في معْنى النهي، وعلى مذهب المعتزلة
(2/180)

أن قاتلَ العمد كافرٌ، هو خبرٌ حقيقةً.
{خَطَأً}:
قول الزمخشري: "هو مفعول من أجله"، يرد بأداء ثبوت ذلك إلى نفيه؛ لاستدعاء المفعول من أجله القصد إليه، والقصد يصيره عمدا؛ وقبله أبو حيان.
ويؤخذُ من الآيةِ أن ما لم يُعلَم كونُه عمداً أو خطئا، محمولٌ على العمد، لأن الأقل هو المخْرَج من الأكثر. قال مالك: "إذا قام وليُّ الدم وقال: "قَتَلَه عمدا"، وقال القاتل: "قتلْتُه خطئا"، فالقولُ قولُ ولي الدم".
ابن رشد في "الأجوبة": "مَنْ ضرب زوجته، أو مَثَّلَ بعبده أو أَمَتِهِ، وزَعَمَ أن ذلك خطأ، وادَّعَى مَنْ ذَكَرَ العمد، فالقولُ قولُ ولي الدم، وهو الصحيح. وقيل: قولُ الضارب. وقال ابن الحاجب في "الديات": "هو
(2/181)

محمولٌ على الخطأ".
{وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً}:
عَبَّرَ بالماضي لوُقوع سبب النزول، وبذا يترجَّحُ كونُ "مَن" موصولة لا شرطية، وأيضا فالحملية أصل الشرطية.
ويؤخذ من الآية أنّ الجهلَ بالصفة جهلٌ بالموصوف، لتفسيرهم الخطأَ هنا، بأن يَضْرِبَ طائرا فيصادفَ رجلاً، أو يقصدَ كافرا فيصادفَ مسلما.
وفي كتاب الغصب من "المدونة" ما يُؤخذُ منه مثلُ هذا، وهي مسألة "مَنْ غَصَبَ عبداً لرجل، وادَّعى هلاكَه، فغرم قيمتَه، ثم وُجِدَ العبدُ على غيرِ ما وَصَفَا".
(2/182)

{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ}:
أي فالواجبُ؛ وتقديرُ أبي حيان: "فعليه تحرير"، يَلْزَمُ مثلُه في (وَدِيَّةٌ) المعطوف، والدِّية ليست عليه، بلْ على عاقِلَته.
فإنْ قلت: إذا لم يحكم على بعض العاقلة بالأداء، فهل يؤدي نصيبه من الدية طوعا؟.
قلت: أما إنْ كان في بلدِ قاضٍ أو نائبِه، فلا يلْزَمُه ذلك يحكم به عليه، وإلا لزِمَه إذا ثبَتَ عنده القتلُ الموجِبُ للدِّية.
{تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}:
إن قلت: ما معنى التوبة في الخطأ، وهو مرفوع عن هذه الأمة؟.
قلت: هو كما قال مالك في "المدونة"، في تارك الإقامة عمدا: "يستغفر
(2/183)

الله)؛ مع أن الإقامة سنة. قيل: استغفاره لاحتمال إخلاله ببعض الواجبات، فعوقب على ذلك بحرمانه ثواب الإقامة بتركها.
{وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ}:
قَدم هنا "الدية" وفي التي قبلها "تحرير الرقبة"؛ لأن الأولَ مومنٌ له قرابة، والثاني كافرٌ من قومٍ كفار، فقدْ يُتَوَهَّم فيه سقوطُ الدية، فقُدِّمت اهتماماً بها.

93 - {مُتَعَمِّدًا}:
لم يقل "عَمْدا" كما قال في التي قبلها "خطئا".

95 - {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}:
يدلُّ أنّ ثوابَ فرْضِ الكفايةِ حاصل لمن فعل ولمن لمْ يفعل.
(2/184)

102 - {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ}
ورَدَ في صلاة الخوف، حديثُ سهْل وهو في البخاري ومسلم. وحديث يزيد انفرد به البخاري، وحديث جابر انفرد به مسلم. قال ابن الصلاح: "الأصح ما اتفق عليه الصحيحان".
{فَأَقَمْتَ لَهُمُ}:
أفاد (لهم) لزوم نية الإمام الإمامة هنا، وهو أحد الأربعة المواضع التي هي: الجمع والجمعة والخوف والاستخلاف.
{وَخُذُوا حِذْرَكُمْ}:
احتراس.
(2/185)

103 - {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}:
يدل أن الكفار غير مخاطبين بها.

141 - {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}:
يوخذ منها أن الكافر إذا أعتق مسلما لم يكن له عليه ولاء؛ خلافا لأشهب.

143 - {لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ}:
أي: لا هم مع المومنين في الحقيقة، ولا هم مع الكافرين في ظاهر الأمر، فلا يشكل بامتناع الخلو عن النقيضين.
و (هؤلاء) الأول، يحتمل كونه للمومنين أو للكافرين، وكذا الثاني.

152 - {سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ}:
يبطل القول بالإحباط.
(2/186)

157 - {رَسُولَ اللَّهِ}:
جعله الزمخشري من كلامهم استهزاء، فيؤخذ منه أن الشاهد إذا شهد بحكم على موصوف بصفة، لم يستلزم ذلك بشهادته باتصاف المحكوم عليه بتلك الصفة، خلاف ما قاله الشيخ ابن سلامة، حين حضر للإشهاد في صداق ولد الشيخ ابن عبد السلام.
وجعله ابن عطية من كلام اللَّه.
{وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}:
قول الفخر بأنه "شبه به غيره فقتلوه، سفسطةٌ"؛ يُرَدّ بورود المعجزات بمثل ذلك.
وادِّعاءُ اليهود تواترَ قتلِه -إنْ سُلِّمَ-، فإنما نُقل قتلُ ذاتٍ شبيهة بذات عيسى، ولم يتواتر أن المقتول هو عيسى؛ وهذا أحسنُ من جواب ابن الحاجب
(2/187)

في "الأصلي"، بأنَّ أصل التواتر عندهم باطل. وظاهر الآية أنه شُبِّه للقاتلين لا لغيرهم، خلاف ما حكى ابن عطية.
{إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ}:
إن قلْت: الظن مضادٌّ للشك فلا يُستثنى منه؛ لا متصلا ولا منفصلا. قلت: يحتمل أنهم شكُّوا أولا ثم ظنوا، أو بعضُهم شك وبعضهم ظن، أو المرادُ الشكّ اللغويّ، وهو مطْلَقُ التردُّدِ الأعمّ من التساوي والترْجيح، فيُطلق على الظن.
(2/188)

161 - {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا}:
وقعت في "المدونة" في كتاب المأذون: "وأكلهم الربا"، وهو وَهَمٌ، والأكل أخصُّ من الأخذ.
واحتج بها الشَّرْمِسَاحِي في "شرح التهذيب"، على أن المسلم لا يرث عبده اليهودي لتعامله بالربا. قال غيره: وكذلك النصراني. والذي في "المدونة" في كتاب الولاء، أنه يرثه.
{وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ}:
يؤخذ منه أن قول الراوي: نهى رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -"، يدل على التحريم.
(2/189)

سُورَةُ الْمائِدَةِ
5 - {وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ}:
يدل أنهم مخاطبون بفروع الشريعة.
(2/190)

6 - {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا}:
نقل ابن عطية عن عمر بن الخطاب وابن مسعود، أن الجنب إذا عدم الماء لا يتيمم، بل يدع الصلاة حتى يجد الماء. ونقله التلمساني في "شرح الجلاب"، عن القاضي إسماعيل في كتاب "الأحكام"؛ قال شيخنا: "ولم أره في كتب الفقه"؛ قلت: قال مالك في "المدونة" -لما ذكر أن الجنب يتيمم للصلاة فإن وجد الماء بعد لم يعد، قال-: "وكان ابن مسعود يقول غير هذا"؛ قيل: كان يقول لا يصلي حتى يجد الماء"، كما نقله
(2/191)

ابن عطيَّة.

17 - {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا}:
الفاءُ جوابُ شرطٍ مقدر، أي: إنْ كان ما قالوه حقّا، فمن يملك؟ وهو استدلالٌ بقياسٍ يتقرٌر حَمْليا ويتقرر شرطيا؛ أمّا الأول فهو: كلُّ قابلٍ للإهلاك غيرُ اللَّه، والمسيحُ ابن مريم قابل للإهلاك، فليس بإله. وأما الثاني، فتقريرُه: كلما كان المسيح ابن مريم قابلا للإهلاك، كان غيرَ إله؛ والمقدم حقٌّ فالثاني حق، والملازمة بَيِّنَةٌ.

31 - {فَأُوَارِيَ}:
الزمخشري: "منصوبٌ على جواب الاستفهام". ورده أبو حيان، بأن شرط ما ينتصب جوابا بعدَ الفاء، أن ينْسَبِكَ مع ما هو جوابٌ له شرط وجزاء، كقوله تعالى (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا)،
،
(2/192)

أي إن يكن لنا شفعاء. ولو قلنا: أَنْ عجزت أن أكون مثل هذا الغراب فَأُوَارِيَ سوءة أخي"، لم يصح.
ع - وكتبه بخطه - ما نصه: "ما في سياق الاستفهام كالاستفهام، وما في سياق الشرط كالشرط، فالتقدير هنا: "إنْ أكنْ مثلَ هذا الغراب، أواري سوأة أخي". وما قاله أبو حيان، إنما هو في الاستفهام الذي يُرَادُ به الإيجابُ لا النفي، وهو هنا بمعنى النفي، ويستقيم مع انعقاد الشرط والجزاء، أي: إن لم أعجز أن أكون مثل هذا الغراب، واريت أخي. ثم يُستثْنَى نقيضُ التالي فيُنتج ثبوتَ عجزِه وهو قبيح، فلِقُبْحِهِ نادى الويلَ وطلب حضورَه إياه".
{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ}:
قول أبي حيان: "قبله جملة محذوفة، أي: فوارى سوأة أخيه فأصبح ... "، يُرَدُّ بأنه لا حاجة إليه؛ لأنّ ندمَه ليس على المواراة، بل على قتلِ أخيه وحملِه إياه على عاتقه عاما كاملا، وحيرتِه به حتى بعث إليه الغراب، فالمواراةُ إزالةُ الندم وليست سبباً فيه كما قال. وقد يجاب
(2/193)

بقول الزمخشري، أنه نَدِمَ على تعلّمه من الغراب.

33 - {يُحَارِبُونَ}:
ابن العربي: "وقعتْ مسألة وهي: محارب حارب قوما وقاتلهم على امرأة ليتمكن من الزنا بها، فأفتى العلماء بأنَّه غيرُ مُحارب، وهو جهل عظيم؛ يالله ثم يا للمسلمين! كيف يقال في هذا غيرُ محارب؟!، مع أن مفسدةَ الزنا أشدُّ من مفسدة أخذ المال".
ع: "الصواب معهم، ألا ترى أنه لو حاربهم لمجرد قتلِهم لم يكن محارِبا، وإنما الحِرَابَةُ المقاتلةُ لأخذ المال".
(2/194)

56 - {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ}:
هو قياس شَرطي اقتراني، إحدى مقدماتِه مُضْمَرة؛ التقدير: "ومن يتول اللَّه ورسولَه فهو من حزب اللَّه، وكلُّ من هو من حزب اللَّه غالبٌ، فمَن يتول اللَّه ورسولَه غالب"، وعلى هذا التقدير لا إشكال، فإن المرتب على هذا الشرط ثابتٌ في نفس الأمر.

64 - {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا} الآية:
يدلُّ على أن ارتباطَ الدليل بالمدلول عادي كما يقوله الأشعري، لا عقلي كما يقوله الإمام، إلا أن يُقال: لم يخلق الله لهم العثورَ على الوجه الذي منه يَدُلُّ الدليل، وهو الوسَطُ في المقدّمتين.
(2/195)

89 - {إِذَا حَلَفْتُمْ}:
يدل أن موجب الكفارة اليمين.
(2/196)

سُورةُ الأنعَامِ
55 - {وَلِتَسْتَبِينَ}:
قول الشاطبي:
..... يَسْتَبِينَ صُحْبَةٌ ذَكَّروا وِلاَ
مشكل؛ لأن ضد التذكير التأنيث، لكنْ نافعٌ من الباقين قرأ بتاء الخطاب ونصْبِ (سَبِيلَ)، وغيرُه بتاء التأنيث، ورفعِ (سبيل).
وجواب هذا الإشكال، أن الشاطبي اعتبرَ اللفظ، وهو واحدٌ في الخطاب والتأنيث. وجوابٌ آخر، وهو أن يكون المعنى: "ولتستبين أمتك"، والتاء للتأنيث.
(2/197)

91 - {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى}:
تقدير هذا الردِّ عليهم، بأنَّ السالبةَ الكلية، تُناقِضها الموجبة الجزئية؛ انظر الفخر.

115 - {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ}:
يردّ قولَ التلمساني في أول "شرح المعالم": "التمام يقتضي التركيب".
{لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}:
دليل لأهل السنة، أن الأمر لا يستلزم الإرادة؛ لأن إيقاع
(2/198)

غير المراد تبديل.

138 - {وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ}:
في "الأحكام" هنا، والقرافي، وغيرهما: احتج بها من أنكر الاستحسان، وهو غير القياس. قال أشهب في كتاب الخيار من "المدونة" -في مسألة ختلاف الورثة في إرث الخيار-: "القياس: ليس لهم إلا أن يأخذوا جميعا أو يردوا. والاستحسان: أن لمن أجاز منهم أخذ نصيب الراد".
ونقل ابن يونس في كتاب الصلاة -في ترجمة وقت من صلى إلى غير القبلة- عن أصبغ في "العتبية": "الاستحسان عماد الدين، ولا يكاد
(2/199)

المغرق في القياس ألا يفارق السنة، ووقع الاستحسان لمالك في "المدونة".
ابن العربي في كتابه "المحصول في أصول الفقه": "الاستحسان أنكره الشافعي وأصحابه، وكفروا أبا حنيفة في القول به تارة، وبدَّعوه تارة.
وقال به مالك؛ واختلف أصحاب أبي حنيفة في تأويله على أربعة أقوال؛ وأما أصحاب مالك فلم يكن فيهم قوي الفكر، ولا شديد العارضة يبرزه إلى الوجود، وقد تتبعناه في مذهبنا، فألفيناه ينقسم أربعة:
(أ) ترك الدليل للعرف، كرد الأثمان للعرف.
(ب) تركه للمصلحة، كتضمين الأجير المشترك، والدليل يقتضي أنه مؤتمن.
(ج) تركه لإجماع أهل المدينة، كإيجاب القيمة على من قطع ذنب بغلة القاضي.
(د) ترك الدليل في اليسير لرفع المشقة، وإيثار التوسعة على الخلق،
(2/200)

كجواز التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة، وإجازة اجتماع بيع وصرف في اليسير.
{افْتِرَاءً عَلَيْهِ}:
ابن التلمساني في باب النسخ: "اختلف في تكفير من كذب على الله، وأجمعوا على تكفير من كذب الله".

142 - {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ}:
صيغة "افعل" هنا للامتنان، واستدل بها الفخر للمعتزلة أن الرزق خاص بالحلال. وتقريره من الشكل الثاني: "هذا الرزق مأذون في أكله، ولا شيء من الحرام بمأذون في أكله، ينتج: لا شيء من الحرام برزق"؛ ويرد هذا الاستدلال بمنع كلية الصغرى؛ لأن "من" في الآية للتبعيض.

152 - {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ}:
سئل شيخنا عن معلمِ يتيم يزيده وصيه على واجبه، فأجاب: "إن كان الوصي مَلِيًّا قَيلَ المعلم الزيادة، وإلا فلا".
(2/201)

165 - {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ}:
وفي سورة الأعراف (لَسَرِيعُ الْعِقَابِ).
ابن العربي عن الطرطوشي: "هذه الآية دخل فيها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الخطاب، وهي أمة مرحومة معصومة في الدنيا، إنما تعاقب في الآخرة، فلم تؤكد هذه العقوبة بلام التوكيد، وآية الأعراف لبني إسرائيل، فناسب
(2/202)

التأكيد فيها".
(2/203)

سُورَةُ الأعْرافِ
7 - {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ}:
احتراس بعد قوله (فَلَنَسْأَلَنَّ)، أي ليس هو سؤال استعلام.

17 - {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ} الآية:
ذكر أربع جهات، ولم يذكر جهتي "فوق" و "تحت"؛ لطفا من الله سبحانه بإنزال الرحمة من فوق، وتثبيت الأرجل على الحق من تحت. انظر "سراج المريدين" لابن العربي في الاسم.

22 - {بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا}:
يحتمل الكل والكلية، ومثلهما بعد، (لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا)،
(2/204)

وانظر هل يؤخذ من ذلك، نظر أحد الزوجين عورة صاحبه؟.

111 - {أَرْجِهْ}:
قول الشاطبي:
وَعَى نَفَرٌ أَرْجِئْهُ بِالْهَمْزِ سَاكِناً
يوهم أن قراءة الباقين بالهمز غير ساكن؛ وجوابه أن القراءة ما دخلت عليه الباء، وهو الهمز.

115 - {إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ}:
هي مانعة خلوّ، وقد أظهروا عندي هنا
(2/205)

القوة، خلاف قولهم قبل (إِنْ كُنا نَحْنُ الْغَالبِينَ)، فيحتمل تغير حالهم.

143 - {قَالَ لَنْ تَرَانِي}:
أنشدنا شيخنا جوابا عن هجو الزمخشري أهل السنة:
(2/206)

"لَحُثالة سمّوا عَمَاهُم معْدلا ... وحثالة حمر لكَيٍّ مُوقَفَهْ
قد شبَّهوه بالمحال فعطَّلوا ... وتستروا بالذات من نفي الصفة"
(2/207)

سُورَةُ الأَنفالِ
الزمخشري: "مدنية". ابن عطية: "إلا قوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذِينَ كَفرُوا) ".
قال شيخنا: سببُ القولين أنها ليلة خروجه - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا إلى مكة، فَمَنْ رأى أن اسمَ الهجرةِ إنما يصدُقُ بعد استقرارِه - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة قال: هى مكية؛ ومَنْ جَعَلَه مِنْ حِينِ خروجِه قال: مدنية.

33 - {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}:
عبر عن هذا بالاسم في قوله (مُعَذِّبَهُمْ)، وفي التي قبلُ بالفعل في قوله (لِيُعَذبَهُمْ)، وأكدَه باللام دون الثاني.
ووجْهُ ذلك أن وجودَه - صلى الله عليه وسلم - (فيهم)، أقْوى في دَفْعِ العذاب من استغفارهم، فأتى في الأول بالنفي الأخَصِّ، لأن الاسمَ أخصُّ من الفعل لدلالته
(2/208)

على الثبوت، ونفْىُ الأخص أعمُّ من نفي الأعم، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص.

41 - {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ}:
يدل أنّ من لوازم العلمِ العملُ؛ لأنه المقصودُ في الآية، ويلْزَم من نفي اللازم نفىُ الملزوم.
فإنْ قلت: هل المراد بالعلم قَسِيمُ الظن أو الأعمُّ منه؟. قلت: أما بالنسبة إلى الصحابة - رضي الله عنهم - فالأول، وأما غيرُهم فعلى الخلاف في دلالةِ القرآن، هل هي قطعيةٌ أو ظنية، أو أنه قطعيُّ المتنِ ظنيُّ الدلالة؛ والظاهرُ الأول؛ لاستدلال الأصوليين بآيات القرآن في المطالب العِلْمية.
و"ما" يترجح كونُها موصولة، لأن الحملية أصلُ الشرطية في القضايا.
(2/209)

فإن قلت: ما رجحت به مُعَارَضٌ بأنَّ كونَها شرطيةً يفيد العموم فيما يُستقبل من المغانم. قلت: وكذا إذا كانت حمليةً وجُعِلَتْ حقيقية لا خارجية.

60 - {وَأَعِدُّوا لَهُمْ}:
هو احتراس.

70 - {إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا}:
قول العباس حسبما نقل عنه المفسرون:
"هذا خير مما أخذ مني، وأرجو المغفرة"،
(2/210)

يتقرر بتعدد الشرطية بتعدد أجزاء تاليها، فتأمله!.
(2/211)

سُورَةُ بَرَاءَة
ترك البسملة في أولها من مسائل أوائل الجامع الأول من "العتبية".

46 - {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}:
يوخذ منها اعتبار العادات، وهو مذهب مالك؛ وبذلك تقرر
(2/212)

الملازمة في الشرطية، وهذا من العادات الفعلية؛ وفيها خلاف.
{وَلَكِنْ كَرِهَ}:
الإمامُ في "الشامل"، والمسيلي في "التذكرة": "يدلّ أن الأمرَ لا يستلزم الإرادة، لأنهم أُمِرُوا في قولِه (انْفِرُوا)، وأُخْبِرُوا هنا أنه لم يُرِدِ انبعاثَهم"، ويُرَدُّ بوجهين:
(أ) - أن مُتَعَلَّقَ الكراهة انبعاثٌ خاص، وهو انبعاثُهم كارهين؛ لأنهم لم يريدوا الخروجَ كما أخبر تعالى عنهم، ومُتَعَلَّقُ الإرادة هو انبعاثُهم طائعين.
(ب) - أن كراهتَه تعالى بمعنى المنع، وهو صفةُ فعل، وذلك لا يُنافي الإرادةَ التي هي صفة ذات.
(2/213)

66 - {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ}:
في فهمِها على قاعدةِ المنطق إشْكالٌ، وهو أن القضيةَ الشرطيةَ المتصلةَ يلزمُهَا منفصلةٌ مانعةُ الجمع، مِنْ عينِ مُقَدمِها ونقيضِ تالِيهَا، ومنفصلةٌ مانعةُ الخلُوِّ من نقيض مقدمِها وعينِ تاليها متعاكستين عليها، وتقريرُ ذلك هنا أن اللازم: "إما أن يُعْفى عن طائفة منكم، وإمّا ألا تعذبَ طائفةٌ"، ولا عِنَادَ بين هذين، فليست مانعةَ جمع.
قال شيخنا: "وأجابني الآبِلِّي وبعض طلبته، بأن ذلك إنما يلزم في القضايا العقلية، وأما الشرعية الجُعْلية فلا. ويكون اللزومُ هنا اتفاقياً، مثل: "كلما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا".
(2/214)

ع: "والجواب الحقيقيّ أن الطائفةَ الأولى غير الثانية؛ قاله الزمخشري فانظره! ".

92 - {وَأَعْيُنُهُمْ}:
إن قلت "أعين" جمعُ قلة، وهي اثنا عشر لقول الزمخشري كانوا ستةً. قلت: أوْقعَ جمعَ القلة موضع جمع الكثرة، أو المعنى: وأعينُ كلِّ واحد منهم بمعنى الكليةِ لا الكَلّ، كما هي صيغُ العموم
(2/215)

وهذا منها، لأنه جمعٌ مضافٌ إلى معرّف.
{حَزَنًا}:
قولُ الزمخشري هو مفعولٌ من أجله؛ يُردّ بعدمِ اتحاد الفاعل، لأن فاعلَ الفيضِ العينُ وفاعلَ الحزنِ القلبُ؛ ولذا أعْربه ابن عطية مصدراً، ومنه قول امرئ القيس:
فَفَاضَتْ دُمُوعُ العَينِ مِنِّي صَبَابَةً ......................

103 - {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}:
قولُ ابنِ عطية: "لفظُ الأموالِ عامٌّ مخصوص بما لا زكاةَ فيه كالثِّياب والرِّبَاع" وهَمٌ، بلْ هو مجملٌ. و "مِن" للتبعيض. وجمع
(2/216)

الأموال على معنى التوزيع، أي: بعضُ مالِ كلِّ شخصٍ.

105 - {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ}:
العملُ معنىً موجود، ودلّتِ الآيةُ على أن اللَّه يراه، ومُصَحِّحُ رؤيته الوجود؛ لا يقال: هي بمعنى العلم، لقوله بعدُ (عَالِمِ الغَيبِ وَالشهَادَةِ).
(2/217)

سُورَةُ يُونُس
11 - {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ} الآية:
تدلّ على مَرْجوحية الاستعجال مطلقاً؛ كما في قوله: (إِن هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ). وقولُه (فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) مِن إيقاع الظاهرِ موقعَ المضمر، والأولُ مندرجٌ فيه، فيدُلُّ أن المستعجِلَ لا يرجو لقاء الله.

13 - {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ}:
قيل: القرن عبارة عن الزمان. وقيل: عن أهله؛ فعلى الأول يكون المعنى: "ولقد أهلكنا أهل القرون" على حذفِ مضافٍ؛ كقوله: (وَاسْاَلِ الْقَرْيَةَ)، وعلى الثاني لا حذفَ فيه.
(2/218)

{كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}:
يدلّ على تساوي الظلم والإجرام، والآيةُ فيمن علم اللَّه أنه لا يومن.

35 - {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ} الآية:
أبو حيان: "هَدى" تتعدى باللام وبـ إلى". ع: "الأول أبلغ، لأن " إلى " غاية، وما بعدها مخالف لما قبلها، فقوله (مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ) أي لأوائله، (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) أي لمجموعه.
فإن قلت: فما تفعل في قوله (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ)، لأن المراد به اللَّه سبحانه؟.
قلت: إذا كان اتباع من يهدي لأوائل الحق واجباً، فأحْرى من يهدي لمجموعه.
(2/219)

37 - {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ}:
الأصل "على اللَّه"؛ لأنه المطابق لقولهم "افترى على اللَّه"، وعدل عن هذا الأصل احترازا من مفهوم "افترى على غير اللَّه"، فنفى الأعم من قولهم، فيلزم نفي الأخص.
{وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}:
أبو حيان: (لكنْ) هنا وقعت بين متماثلين"، وقرّره بأنّ قولَه (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ) نفي فيبقى التصديق؛ ويردّ بأن النّحويين إنما ينظرون بين المعطوف والمعطوف عليه، لا بين الجملتين، والمعطوف هاهنا التصديقُ، والمعطوف عليه الافتراء، فوقعتْ "لكن" بين متضادين.

41 - {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي} الآية:
فيها لفٌّ ونشْر موافق.
{أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ}:
راجعٌ لقوله (لِي عَمَلِي)، (وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) لقوله (وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ).
(2/220)

42 - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ} الآية:
رُوعي أوّلا معنى "مَن" وثانياً لفظُها، لتعدّد جهاتِ السمع واتحادِ جهةِ النظر.
فإن قلت: "لَوْ" إنما تدخلُ على ما يُتوهم إخراجُه مما قبله، حسبما قاله النحويون في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أعط السائل ولو أتاك على فرس"، وقولِه تعالى (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، وإذا لم يُسمِع الصمَّ فلا يُتوهَّم إسماعُه من لا يعقل!.
فالجوابُ من وجهين:
- أحدهما: أنّ الاستفهامَ هنا بمعنى النفْي، وهو نفيٌ أخصُّ لا نفيٌ أعمُّ،
(2/221)

دخل على الجملة التي هى ... (أَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُون).
- الثاني: أنه نفيٌ؛ لحرصه على إيمانهم يُسمع أصمَّهم ولو علِم أنه لا يعقل.
وذكر البيانيُّون أنّ التقسيم قسمان: مُستوفىً وغير مستوفى، والآيةُ من الثاني؛ لاحتمال أن يكون منهم مَن لا يسمعُ ولا ينظر.

44 - {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا}:
الظلم التصرفُ في مِلْك الغير، ولا مالكَ غيرُ الله، فيستحيلُ الظلمُ بالنسبة إليه.
{وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}:
أي كلُّ واحدٍ يظلم نفسه ويظلم غيرَه.

46 - {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ}:
وقع التقسيمُ هنا بـ "إِمَّا" و "أوْ"، وفي سورة القتال (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) بـ بـ "إِمَّا".
والفرقُ أنّ هذه مانعةُ جمع؛ لأنّ الرؤية والتّوفي لا يجتمعان
(2/222)

في الخارج، وتلك مانعةُ خلوٍّ لاجتماعِ المنِّ والفداء.

47 - {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ}:
يُؤخذُ منه أنَّ شرعَ مَن قبلَنا ليس شرعاً لنا.
{وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}:
إما حال من ضمير بينهم، أو مفسرة "للقسط"؛ كجملة (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذْنٌ) مفسرة لـ "يُوذون" قبلها.

60 - {وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}:
أبو حيان: "العاملُ في "يَومَ" "ظنُّ" المصدرُ، على قراءةِ الجمهور
(2/223)

بالرفع. وأَما على قراءةِ "ظن" ماضياً هو بمعنى "يظن" لعملِه في المستقبل".
ع: "وعلى القراءتين لا يصحُّ عملُه في "يوم"؛ لأن يوم القيامة لا ظن فيه، إنما فيه اليقينُ، بل العامل محذوفٌ تقديرُه على قراءةِ الجمهور: ما حالُهم يوم القيامة؟، وعلى القراءة الشاذة: ما جزاؤُهم؟ ".

61 - {وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ} إلى قوله {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ}:
فيها التفاتٌ عن التّكلّم إلى الغيبةِ، وهو (إِلَّا كُنَّا) إلى الغيبة وهو (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ) الآية؛ يدلّ على أن الاستتْناءَ من النفْي إثْباتٌ.

66 - {أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ}:
وفي التي قبلَها (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). والجوابُ أن "ما" أعمُّ، فاستَغنى عن إعادةِ "ما" بعمومها.
(2/224)

{وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ}:
المنْفيُّ الشركاءُ حقيقة، والواقع في الخارجِ الشركاءُ في زعْمِهم.

91 - {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ}:
مفهومُه: لوْ آمن مِن قبلُ لَنفعه وإِنْ كان مقلِّداً؛ لدلالةِ الآيةِ على أن المانعَ مِن قبولِ إيمانه، تأخيرُه إلى هذا الوقت، وأنه لو كان قبْلُ لَقبِلَ منه مطلقاً ولو تقليدا.

108 - {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ} الآية:
إنْ قلْت: أجيرُ الحجِّ إذا حجَّ مهتدٍ، وكلّ مهتدٍ ثوابه لنفسه، ويُنتج ما يخالفه إجازتهم الإجارةَ على الحجّ.
فالجواب أنّ الحديثَ دل على إجازةِ الإجارة عليه، فهو مخصّص.
(2/225)

سُورَةُ هُود
5 - {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}:
إِمّا مساوٍ، لتساوي تعلُّقِ علمه تعالى بهما؛ أوْ هو من باب الدلالة مرتين: بمفهًومِ أحْرى أولاً والمنطوقِ ثانياً، أو بدلالة الالتزام أوّلَاً ودلالة المطابقةِ ثانياً.

9 - {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} الآية:
النعماءُ أعمُّ من الرحمة وأتمُّ؛ لأن الفرحَ والفخرَ يكون بالوجه الأبلغ. و (كَفُور) راجع لـ (أَذَقْنَا) و (يَئُوسٌ) راجع لـ "نزعنا"، فهو من اللف والنشر المخالف. وقولُه (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا) راجعٌ لقوله
(2/226)

(ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ)؛ وقولُه (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) راجعٌ لقوله (وَلَئِنَ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ) إلى آخره؛ وقولُه (مَغْفِرَةٌ) راجعٌ لقوله (صَبَرُوا)؛ (وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) راجعٌ لقوله (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).

13 - {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} الآية:
الفرقُ بين الافتراءِ والكذب أَن متعلّق الافتراء القولُ، ومتعلقَ الكذبِ الفعل؛ مثالُه من قال: "قال زيد كذا" ولم يكن قاله فهو افتراءٌ، وإِنْ قال "قام زيد" ولم يقمْ فهو كذِبٌ. وذكَر ابنُ عطية فرقاً آخر.
وقوله (مِثْلِهِ)، إِنْ قلت: قال النحاةُ: من شرط النّعت مساواتُه المنعوتَ في الإفراد والجمع، وهنا وُصِف الجمع وهو (عَشْرِ سُوَرٍ) بالمفرد وهو (مِثْلِهِ)، فالجوابُ مِن وجهين:
- الأولُ قولُ المبرِّد في "المقتضَب": "جمع التكسير يوصف بالمفرد
(2/227)

ويوصف المفردُ به"، و (سُوَرٍ) جمع تكسير.
- الثاني: أن يكون من باب اللف والنشْر الموافق؛ فقولُه (مِثْلِهِ) لقوله (عَشْرِ)؛ لأن لفظَه مفردٌ و (مُفتَرَيَاتٍ) لقوله (سُوَرٍ).

14 - {فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا}:
عبَّر بـ "إنْ" دون "إذا"، لأن "إنْ" تدخل على الممكن والمستحيل، و "إذا" تدخل على ما يتحقَّق وقوعُه، وأيضاً "إِنْ" تدخل على ما يُطلبُ وقوعهُ، وعدمُ استجابتهم ممَّا طلب عدمُ وقوعِه.
{فَاعْلَمُوا}:
صيغةُ "افْعَلْ" هنا للتحقيق، وهو زائد على السّتة عشر التي ذكرها
(2/228)

التلمساني في مَحَامِلها.
{أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ}:
ولم يقلْ: "مِنْ عند الله"؛ لأن قولَه "بعلم اللَّه" إشارةٌ إلى علمِه بقولِهم (افْتَرَاهُ)، مع دلالتِه على أنه مِن عند اللَّه، وإلى هذا أشار بقولِه (وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، لأنه إذا لم يكن إِلهٌ غيرُه تعين كونُه مِن عنده، وكأنه احتراسٌ وتكميل، إذْ لا يلزمُ مِن إنزاله بعلمه كونُه مِن عنده إلا بعد ثبوتِ الوحْدانية.
(2/229)

16 - {وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}:
تأسيس؛ لاقتضاءِ اسْمِ الفاعلِ الثُّبوتَ، و (حبِطَ) فعلٌ لا يقْتضيه.

17 - {مِنَ الْأَحْزَابِ}:
أفادَ التَّنْصيصَ على الكفّارِ المعاصرين للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
{فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ}:
النَّارُ خبرٌ مقدم ليُفيد الحصرَ بخلافِ العكْس.

18 - {وَمَنْ أَظْلَمُ}:
وقع هذا اللفظُ في مواضع، وذلك يقْتضي تساوي جميعِها.
{عَلَى رَبِّهِمْ}:
ذكر الرَّبّ هنا دون اسْمِ الجلالة المذْكورِ في أولِ الآيةِ، لاستشْعارِ العبدِ الوقوفَ بين يدي الرَّبِّ المحسنِ إليه المُنْعِمِ عليه وعرْضَه عليه، لاقتضاء لفظ الرَّبِّ ذلك.
(2/230)

21 - {وَضَلَّ عَنْهُمْ}:
إشارةٌ إلى أن الخُسرانَ في الآخرةِ أشدُّ منه في الدنيا؛ لأنه في الدنيا قد يجدُ مَن ينصرُه.
وفي هذه الآية إلى آخرِها حذفُ التقابُلِ، وذَكر أوّلاً لازمَ الخلودِ في النار وهو الضلالُ ولمْ يذْكرِ الْملزوم؛ وقد ذكره ثانياً في قوله (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ولم يذكرِ اللازم.

34 - {إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ}:
تأسيسٌ؛ لأنَّ الناصحَ قد ينصحُ مَن لا يريد نصحَه، لكونِه مأموراً بالنُّصح.

41 - {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا}:
قال المفسرون: إِنّ نوحاً - عليه السلام -، كان إذا أراد إجْراءها قال بسم الله، وإذا أراد إمْساكها -وهو المراد بقوله تعالى (مرساها) - قال (بسم الله). وكان بعض الشّيوخ يقول: الذي يقتضيه لفظُ الآية أنه كان إذا أراد إجراءها قال: "بسم اللَّه مُجراها"، وإذا أراد إمساكها وإرساءها، قال: "بسم الله مُرساها".
(2/231)

{إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}:
لم يقلْ "إن ربي على كلّ شيء قدير"؛ لدلالةِ أولِ الآيةِ على ذلك.
42 - {وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ}:
أبْلغُ مِن قوله "ولا تكن مع المُغْرقين".

43 - {سَآوِي}:
السِّينُ إِما للتّحقيق أو للاستقْبال.
{بَيْنَهُمَا}:
أيْ بين نوحٍ وولدِه، لا بين ولدِ نوحٍ والجبل لأنّه غيرُ عاصم، لقوله تعالى (لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ).
{فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}:
أبْلغُ مِن "فكان غريقاً".

44 - {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي}:
قدَّمَ إِبْلاعَ الأرضِ لأنه أهمُّ، والأصلُ تقديمُ إقلاعِ السماءِ.
(2/232)

{وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ}:
قال المفسّرون: قولُه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) عامٌّ في إِنْجاء مَن آمن وغرقِ مَن كفر. وكان بعض الشّيوخ يقول: في الآيةِ اللفُّ والنَّشْرُ الموافق، (وَغِيضَ الْمَاءُ) راجعٌ إلى قوله (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ)، وقولُه (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) لقولِه (وَيَا سَمَاءُ اقْلِعِي).
{وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}:
يدُلُّ على شُؤْم الظلم وأنه أَشدُّ من الكفْر.

45 - {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ} الآية:
نقل ع سؤالَ الزمخشري وجوابَه، ثمّ نقل عن بعضِ شُيوخه أنه استقرأ جميعَ ما وَقع في القرآن مِنْ أمثالِ هذه الآية، فوجده ثلاثةَ أقسامٍ:
- قسمٌ تكون المصلحةُ فيه عائدةً على المنادَى، فلا يؤْتى بـ "الفاء"، ولا بـ "قال" وذلك نحو قوله تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) الآية.
- وقسمٌ تكون فيه المصلحةُ عائدةً على المنادِي ولا بُعْدَ فيه، فيوتَى فيه
(2/233)

بـ "قال" دون الفاء، وذلك نحو قوله تعالى -حكايةً عن زكرياء - عليه السلام - (إِذْ نَادى رَبهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ) الآية، فالمصلحة فيه عائدة على المنادِي، ولا بُعْدَ في التجاء العبد إلى ربه.
- والثالث أن تكون المصلحة عائدة على المنادِي؛ وفيه بُعد، كما في هذه الآية؛ لأن الله تعالى قد أمَرَه بحمْل أهلِه ونجّاهم، وولدُه من أهله مع أنه قد غرق، فالمصلحة فيها غرابة وبُعْد، فهذا القسم يوتى فيه بـ "الفاء" و "قال" معاً.

47 - {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ} الآية:
الفرْقُ بيْن هذه وبيْن آيةِ (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِي)، هو أنّ مُتَعَلّقَ الاستعاذَةِ في هذِه قدْ حصَل: وهو سؤالُهُ عنْ حالِ ابنِهِ، فلذلك أتى بلفْظٍ يدُلُّ على الاستعاذَةِ في الحالِ وفي الاسْتقْبالِ؛ وفي تلكَ لما فهِم مِنْ حالِهم أنهم يرْجُمونه أخْبرَهم أنه تقدم له اسْتعاذةٌ من ذلك.

52 - {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}:
تكلمَ ابنُ عطيّةَ هنا في "التوبةِ"، وفي كلامِه تناقضٌ؛ لأنه جعَلَ نفْسَ إِيمانِ الكافرِ توبةً، ثم عرَّفَ التوبةَ وجعلَ مِنْ لوازِمِها الندَمَ، وهذا غيرُ لازمٍ في إِسْلامِ الكافر.
(2/234)

53 - {قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ}:
يُحتَمَلُ أنهم نفَوْا مُطلَقَ بيِّنةٍ وهي المعْجزة، أوْ نفَوْا معجزةً موْصوفةً بالبيان.
{وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}:
جُملة مؤَكِّدة للتي قبلَها؛ لأنَّهم إِذا لمْ يتْرُكوا آلهتَهم لمْ يومِنوا.

54 - {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ}:
نَسَبوهُ إِلى الجُنونِ وأنه مِنْ قِبَلِ آلِهَتِهم، وهذا مِنْ جُرْأَتهم.

57 - {فَإِنْ تَوَلَّوْا} الآية:
ذكَر الزّمخشري هنا سؤالاً وجوابَهُ، وأنّه إنمَا يَرِدُ على أن التبْليغَ قبْلَ التولِّي، وأما على أنه قبلَه وبعدَه فلا يَرِدُ.
(2/235)

ويُرَدُّ جوابُه بأنَّ الحَرَجَ المنْفِيَّ إِنْ كان قبلَ التَّبليغِ فباطلٌ، إذْ ليسَ قبلَ التّبليغِ حرجٌ؛ وإن كان بعدَ التّبليغِ فتحْصيلُ الحاصل، لأنّه قدْ بلَّغَ فلا حَرَجَ عليه.

61 - 62 - {وَإِلَى ثَمُودَ} إلى قوله {مُرِيبٍ}:
يدُلُّ أنٌ الأمْرَ بالشيءِ نهْيٌ عن ضدِّه؛ لأنَّه أمَرَهم بعبادةِ اللَّهِ فأجابوه بقوْلِهم (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)، إلا أنْ يُقال: أجابوه عنْ قولِه (مَالَكُم مِّنِ إلَهٍ غيره).

63 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي}:
لما ذَكَرَ الشّيخُ ابنُ عَرَفَةَ سؤالَ الزمخشري وجوابَه في قولِه (إِن كُنتُ)، نقَل عن بعضِ شيوخِه أن جوابَ
(2/236)

نوحٍ مِنْ بابِ المقابلةِ، مثل (وَمَكَرواْ وَمَكَرَ الله)؛ لأنَّ قولَهم (قدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا) إلى قولِهم (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا) أَتوْا فيه بثلاثة شُكوكٍ:
- الأولُ "قد"؛ لأنها للتوقُّعِ المعروضِ للشكِّ.
- الثاني (مَرْجُوّاً)؛ لأنّ الرّجاءَ معْروضٌ للشكّ.
- الثالثُ تصْريحُهم بقولِهم (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ).
فأجابهم بقولِه (إِنْ كُنْتُ) على معنى المقابلةِ، وقابَلَ قولَهم (يَا صَالحُ) بقوله (يَا قَوْمِ).
وقال ابنُ عطيّة في هاءِ {بَيِّنَةِ} أنها للمبالَغة كعَلَّامَةٍ ونسَّابةٍ. زادَ ع عن بعضِ شُيُوخه أَنها لِمَا هو أخصُّ وهو الوحْدةُ؛ وإِذا كانتِ البيّنةُ الواحدةُ معجزةً فأحْرى ما زادَ.
(2/237)

64 - {وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً}:
تعقبَ أبو حيّان كَلاَمَ الزمخشريّ في تعلُّقِ "لكم".
ع - مُقَرِّراً كلامَ أبي حيان في التَّعلُّقِ المعنويِّ -: "يحتَمِلُ تعلُّقُ "لكم" ثلاثةَ أوْجه:
- الأولُ أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، أي: هذه لكم.
- الثاني أنْ يتعلَّقَ بـ "نَاقَةُ".
- الثالث أن يتعلقَ بـ "آيةُ"، كما قاله الزمخشري.

66 - {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}:
التفاتٌ منَ التَّكَلُّمِ، وهوَ (أَمرُنَا)؛ وما بعْدَه إلى الْغَيْبَةِ.

67 - {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ}:
الحُكْمُ على الأَعَمِّ وهو الظُّلمُ يسْتلزِمُ الحكمَ على الأَخَصِّ وهو الشِّرْكُ.
(2/238)

وتذْكِيرُ الفعل معَ أَن الفاعلَ مؤَنَّثٌ، إِمَّا للفصْلِ أوْ لكونِ التأنيثِ غيرَ حقيقيٍّ، أوِ الصيحةُ بمعنى الصياحِ.
وجمعُ الديارِ معَ الصيحةِ وإِفْرادُها معَ الرجفةِ؛ لأن الرَّجفةَ أشَدُّ، فتُرَدُّ الديارُ كدارٍ واحدةٍ.

74 - {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ}:
قُدِّمَ المجْرورُ لأنَّهُ المقصودُ، ولِشَرَفِ إبْراهيم.

89 - {وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ} الآية:
الذي أَصَاب قومَ نوحِ الغَرَقُ، والذِي أَصَابَ قوْمَ هودٍ الصيْحَةُ، والذي أَصابَ قومَ صالحِ الهلاَكُ وقال أقليدس: "الأشياءُ المساويةُ لشيءٍ واحدٍ مُتساوية"، وهذه متَبَاينةٌ، فكيْفَ يُصيبُهم مثْلُها؟.
والجوابُ: أَن المُماثَلَةَ في القدْرِ المشتَرَكِ بيْنهما، وهو مُطْلَقُ الإِهلاكِ.

92 - {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ}:
(2/239)

الهمزَةُ للاسْتفهامِ بمعْنى الإِنكَارِ، وهمْ لمْ يجْعَلُوا رهطَه أَعَز، بلْ أثبتُوا لهُمُ العِزةَ ونفَوْهَا عنِ اللَّهِ، وإِنَّما يُنْكَرُ على الإنسانِ مَا صَدَرَ منه.
والجوابُ أنه إِذا أنكَرَ عليهم جعْلَهُمْ رهطَهُ أَعَزَّ، فأحْرى حصْرَ العزَّةِ فيهمْ.

99 - {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ}:
(فِي هَذِهِ): في الدّنيا.
فإِنْ قلتَ: إنما فائدَةُ اللعنةِ توبيخُ الملْعُونِ وذلكَ مَعَ حُضُورِهِ، وهؤلاءِ قدْ غرقوا .... !
فالجوابُ: أن لعْنتَهم ذَمٌّ لهمْ وتفيدُ ثوابِ لاَعِنِهِمْ.

118 - {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}:
الجملةُ الثانيةُ مؤسِّسة؛ لأن مفهُومَ الجمْلَةِ الأولى، حصولُ الاختِلافِ الأعَمّ مِنْ دوامه وَعدمِهِ. ومفهومُ الجملةِ الثانيةِ دوامُهُ.
(2/240)

سُورَةُ يوسُف
21 - {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ} الآية:
إِنْ جُعِلَ قولُهُ قبْلُ (وَشَرَوْهُ) عَلى بابهِ مِنَ الشِّراءِ، دلتْ هذِه وتلْكَ على أنهُ بِيعَ مرتينِ. وإنْ جعِلَ (شرَوْهُ) بمعنى "باعُوهُ" فمرةً واحدةً.
وصيغَةُ (أَكْرِمِي) للوجُوب.

22 - {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}:
وفي آيةِ القَصَصِ زيادَةُ (واسْتوى). والفرْقُ: أن الصادِرَ منْ موسى بالْوحْيِ والنُّبُوءةِ، فناسَبَ ذِكْرُ القوةِ والاستواء؛ والصادِر منْ يوسُفَ باعتبارِ رُؤْيَاهُ، فناسَبَ ذِكْرُ القوةِ دونَ الاستواء.
(2/241)

{وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}:
يَدُلُّ أن يوسُفَ منَ المُحْسِنينَ.

23 - {وَرَاوَدَتْهُ}:
مفَاعَلَةٌ؛ منْها: بالمطالبةِ بالفعْلِ، ومنْه: المطالبة بالتركِ.
{الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا}:
لمْ يقُلِ "امْرَأَةُ العزيزِ"، إِشارةً إلى كَمالِ عِصْمةِ يوسفَ؛ لامتناعِهِ معَ كونِه في بيْتِها وتحتَ حُكْمِها.
{وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ}:
قولُ ابنِ عطيةَ: "ليسَ هذا التضْعيفُ للتعْديةِ بلْ للمبالغَةِ"؛ تقريرهُ: أن هذا الفِعْلَ متعَدِّ قبلَ التضعيفِ، تقول: غَلقتُ الباب.
{أَحْسَنَ مَثْوَايَ}:
(2/242)

يدُلُّ أن الآمِرَ بالشيء كَفاعلِهِ إذا قبِلَهُ المأمورُ؛ لأن العزيزَ قال لامرأتِهِ: (أكرمي مثواه)، فجَعَلَه يوسفُ فاعلاً للإكرامِ.
{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}:
يدُلُّ على شؤمِ الظالِمِ وعَدَمِ فلاحِهِ وسوءِ عاقِبَتِه وإِنْ حصَلَ مقْصودُهُ.
24 - {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ}:
سُئِلَ عنها الشيخُ الصَّالح العالِمُ أبو محمدٍ عبدُ العزِيزِ المهْدَويُّ فأجابَ:
(2/243)

"اعْلمْ أن الأنبياء عليْهِمُ السلامُ مَنَزَّهونَ عنِ الفواحِش، معْصومونَ منَ الكبَائِرِ. وعندَنا عالَمانِ:
- عالَمُ العِلمِ والإرادةِ، وهو المُعبَّرُ عنه بالعالمِ العُلْويِّ، المسمَّى بعالَمِ الملَكوتِ.
- وَعالَمُ الملكِ والشهادةِ، وهو المعبَّرُ عنه بالعالَم السُّفْليِّ.
فالعالَمُ المَلَكُوتِيُّ هو الذي لا يَقْتضي الترْتيبَ ولاَ الزَمانَ ولا المكانَ، وإِنما هو أَمْر ربَّانيٌّ إِراديٌّ، (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، إِذْ ليسَ في وجودِه تقْديمٌ ولا تأخيرٌ ولاَ زيادةٌ
(2/244)

ولا نَقْصٌ؛ فهذا عبارةٌ عنِ العالمِ الملَكوتيِّ المسْتمرِّ على حقيقةٍ واحدةٍ، وهو الأَزَليُّ الذي لَا كسب فيه، وإنَّمَا الكسْبُ في عالم الملكِ والشَّهَادةِ، المُضَافِ إليه القدرةُ المُصَرِّفَةُ للحكمَةِ، وفيه الترتيبُ والكسْبُ والزمان والمكانُ والأكوانُ والأحكامُ.
فعبّر عما ظَهَر في عالَم الأمرِ والإرادةِ المسَمَّى بالعالَمِ الملكوتي بالأَزَلِ، وعبّر عمَّا ظَهَر في اخْترَاعِ القدْرَةِ المُصَرِّفَةِ للحكمةِ المسَمَّى بعالَمِ الملك والشهادةِ بالأبَدِ؛ إذْ في تبايُنِهِمَا ظَهَر الترتيبُ الحُكْمِيُّ والارتباطُ الزمنِيّ، وظَهَر الكسُب وشُرِعتِ الشَّرائعُ، وخرجتْ لا إله إلا الله محمدٌ رسول اللَّه على هذِه النِّسْبة مِنْ معنى العالَميْنِ اللذَيْنِ هما عالَمُ الملْك والشهادةِ، وعالَمُ الملكوتِ والأزَلِ والأبدِ؛ فلذلكَ لا إله إلا الله أزليةٌ لِفَراغِ الخَلْقِ منها، وهيَ صفَةُ عالَمِ المَلَكوت، ومحمدٌ رسُولُ الله أبديَّةٌ، وهي مِنْ صفةِ عالَمِ الملْكِ، فَماَ يظْهَرُ منَ الكسْبِ يعزى إلى الأبد، وما نَزَلَ معَ ترتيبِ الأحكامِ بالكسب يعزى إِلى الأزلِ، ولهذَا المعْنى لمَّا شاهَدَ الخضر - عليه السلام - الغلامَ في دائرَةِ العلْم والإرادَةِ التي هيَ مَلَكوتيَّةٌ، وعَلِمَ أنهُ سيكونُ منْهُ مَا قَصَّ اللَّهُ عليْنا قتَلَهُ، فأنكَر عليهِ موسى - عليه السلام -؛ لأنهُ حَكَمَ على
(2/245)

الغُلامِ بحكْمِ عالم الملْك والشَّهادَةِ، قالَ له: أقتلْتَ نَفْساً ... الآية، أي: لَا تقْتُلْهُ حتى تَبْلُغَ الزَّمَنَ الذي يَخْرُجُ منه فيهِ الفعلُ ويفعله، وحينَئذ تُعاقبُهُ عليهِ بالقتلِ؛ فهذا حكمُ الشرائعِ المسَطورةِ والأخبارِ المأْثورَةِ، فقال له: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، قال له موسى: (إِنْ سَاَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بعْدَهَا) الآية. وليسَ مُرَاد موسى - عليه السلام - إِنْكَار عِلْم، وإنّمَا هو إِنكارُ اختلاف تباين الأحكَام، إذْ أحكامُ عالم الملَكُوتِ تُبايِنُ أحكامَ عالم الملْكِ والشهادةِ، مِنْ جهةِ الشرْط والمشْروطِ؛ لأنَّ حُكمَ عالم الملكوتِ باللَّهِ لا يُقَامُ في عالم الملْك حتى يبْلُغَ الوقتُ ويظْهَرَ مشْرُوطهُ، فمِنْ هاهُنا كانَ إنكارُه.
وإنما أسسْتُ هذا لك لأُعَرِّفَكَ مِنْ أينَ كانتْ هِمَّةُ يوسف وهمَّةُ زليخَا، وأن الأنبياءَ عليهمُ السلامُ إنما تولّوا إلى الخلْقِ مِنْ دائرَةِ العلمِ والإرادَةِ التي هي عالم الملكوتِ، إلى دائرةِ الملك والشَّهادةِ؛ فهمَّةُ يوسف - عليه السلام - بزليخا إنما كانتْ مِنْ عالَمِ المَلَكوتِ لأنَّه عاينَ في تلكَ الدائرةِ ملْكا له، وبقي الوقتُ المرتبط بعالم الملكِ والشهادةِ الذي لمْ يبْلُغْ وقتَهُ، فعرَضَ له جبريل -الذي هو مِنْ عالَم الملَكوتِ- في صُورةِ والِدِه الذي هو من عالَمِ
(2/246)

المُلْكِ عاضّاً على أُصبُعِهِ، برهانا له لِيَقَعَ التناسبُ، بيْنَ العوَالِمِ بعضِها ببعْضٍ، فسُجِنَ في دائرةِ العلمِ والإرادَةِ حتَّى بَلَغَ الوقتُ في دائرةِ عالَمِ الملكِ والشهادةِ، ولما وقَعَ السِّجنُ بالأمرِ الإلهيِّ في دائرةِ عالَم الملكوتِ، تمنَّى يوسُف - عليه السلام - السجنَ هنا في دائرةِ الملكِ والشهادةِ على مقْتضى الترتيب الحكميِّ والأمْرِ الشرْعيِّ، وليسَ منْ شأْنِ الأنبياءِ عليهم السلامُ التَّعَرُّضُ للبلايا، إِنما شأنهم طلبُ العافيةِ والرِّضا.
وهمَّةُ زليخا إنما كانَ باطنُها محبَّة أزليَّة، وظاهرُها شَهْوَانية، فانْحَجَبتْ عنِ المحبةِ الأزلية بالشَّهوةِ الطبيعيةِ، وكذلك لمَّا قالت: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) فكلامُها ظاهرٌ وباطنٌ، فظاهرُهُ خطابٌ للعزيزِ لأنها منْ أهلِه، وأن يوسف - عليه السلام - أَرَادَ بها السُّوءَ، وباطنُهُ في الحقيقةِ خطابٌ للحقِّ؛ كأنها قَالت: يا ربِّ ما جَزاءُ منْ أرادَ بأهلِكَ سوءاً إلا أن يسجن؛ لأن يوسَف - عليه السلام - في الحقيقةِ منْ أهلِ اللهِ، وهي التي أرادَتْ بهِ السُّوءَ؛ لغَلَبَةِ محبة الطبيعةِ على المحبةِ الأزليةِ، فسجَنَ العزيزُ يوسفَ - عليه السلام -
(2/247)

في سجنِ الحبْسِ، وسَجَنَ الحقُّ زليخا في سجْنِ العَمَى، إذْ حقيقةُ السجن عدَمُ التصَرُّفِ في الأشياءِ، إِلا أنَّه لمَّا كانَ الأصلُ صحيحاً في العالَم الملَكوتي خرجَ يوسف - عليه السلام - منْ سجْنِ الحبسِ، وخرجتْ زليخا من سجْنِ العمَى، وعادتْ إلى الصُّورةِ التي رآها عليها في الدائرةِ الأولى، ولما رجعتْ إلى صورتِها الأولى التي كانتْ عليها، وقَعَ الاتفاقُ بينَ دائرةِ العلمِ والإرادةِ ودائرةِ الملكِ والشهادةِ، فدَخَل بها وطلبها في نفسِها، فأبتْ عليهِ وفرَّتْ بينَ يديْهِ، حتَّى جذَبهَا وقَدَّ القميصَ عليها مِنْ دُبُرٍ، ونُوديَ يا يوسف: جذبةٌ بجَذْبة، وهربةٌ بهربة، وتمْزيقٌ بتمزيق. وكانَ سببُ نُفُورِها منهُ أنها رأتْ برْهانَ ربِّها، وهو رُجوعُها إلى صُورَتِها الأولى: البَصَر بعد العَمَى، والغِنَى بعد الفقْرِ، فهربتْ إلى محبةِ اللَّه تعالى عنْ غيْرِهِ، ولَمْ تزلْ كذلك حتى نُودِيَ
(2/248)

(يَا يوسُفُ) أخبرها أَن رِضَا اللَّهِ في رضاكَ. فعند ذلكَ سَكَنَتْ وطَابَتْ نفْسُها، وتزوَّجها، ووَلَدَتْ لَه اثْني عشَرَ ولداً ذَكَراً كلّهم أنبياءُ مرسلونَ، ومِنْ هذا المعْنى يُفهم "منْ همَّ بحسنةٍ فلمْ يعملْها كُتِبَتْ له حسنةٌ، ومن همَّ بسيئةٍ فلمْ يعملْها ... " الحديث".
{لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}:
ذَكَر المفَسِّرونَ في معْناهُ مَا حاصِلُهُ ثلاثةُ أُمورٍ: البرهانُ بالقَوْل، أوْ بالفعلِ أوْ
(2/249)

بالفِكْر؛ وهو أنها سَتَرَتِ الصَّنَمَ فتذكر هُوَ وخافَ مِنْ رؤيةِ اللَّهِ تعالى لهما.
فإنْ قلْت: همُّها بهِ قدْ عُلِمَ منْ قوله (وَرَاوَدَتْه)، فلِمَ أقسمَ عليه؟.
ويتأكدُ هذَا السؤالُ على قولِ الزمخشري: "يحْسُنُ الوقفُ على (هَمَّتْ بهِ)، ووجْهُهُ تغايُرُ الهمَّيْن؛ لأن همَّها دائمٌ، وهمّه كانَ خَطْرَةً".
فالجوابُ: أَن القسَم لاِستبْعادِ همِّها به لكونهِ نبيئاً معْصوماً، معَ اتِّخاذِها إِياهُ ولَداً.
وقولُ ابنِ عطيةَ: "همُّهُ هذا منَ الصغائر المسْتسْهلَةِ"، خطأ؛ لإجماعهمْ على أن ما هو مباحٌ للأنبياءِ إنْ ذُكِرَ على وجْهِ التنقيص بهمْ قُتِلَ قائله. وإنْ ذُكِرَ على معنى التَّسَلِّي أُدِّبَ؛ وهذا كقولِ القائل: إِنه - رضي الله عنه - رعا الغنَم.
(2/250)

29 - {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا}:
الصوابُ تقديرُ حذْفِ النِّداء بِالهمزةِ الدَّالَّةِ على القرْبِ.
{مِنَ الْخَاطِئِينَ}:
لمْ يقلْ: من الخاطئاتِ؛ فجَعَله الفخْر منَ التغْليب. وفي بعضِ نُسَخِه: "أي: منْ جنسِ الخاطئين"، وفي بعضها: "من نسْلِ الخاطئين"، وهذا لا يُناسِب!؛ لأن المقصودَ أَنها مِنَ الخاطئينَ لا منْ نسْلهِم.

30 - {فِي الْمَدِينَةِ}:
لمْ يقلْ "مِن المدينةِ"، إشارةً إِلى شيَاعِ ذلكَ فيه.
{إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}:
فيه المذْهبُ الكلاَمِيُّ، أيْ مذْهبُ علم الكلامِ؛ وهو إِطلاقُ لفظٍ يشْتمِلُ على صِحةِ دعْوى المُدَّعي، ولوْ
(2/251)

طولِبَ النِّسْوةُ بالدليلِ لأجبْنَ به.

31 - {وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا}:
يحتَمِلُ الكُلَّ ويحْتمِلُ الكليةَ، لكنَّ قولَهُ (وقطعْنَ أيْدِيَهُن) يدُلُّ على الكليةِ، ولوْ قيل: "سِكِّينًا سِكِّينًا"، تعَيَّنَ معنى الكليةِ.
{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ}:
هذا أبْلغُ مِنْ "فلمّا خرجَ"، وإِنْ كانَ هو المطابقَ لقوْلها (اخرُجْ)، لاقْتضاءِ مَا ذُكِرَ أنهنَّ أكبرنهُ بنفْسِ رؤْيتِهِن إيَّاه قبلَ خروجِه.
{مَا هَذَا بَشَرًا}:
كونُه بشراً حقيقةٌ لا مجازٌ، فيُرَدُّ قولُ الأصوليِّينَ: "منْ علاماتِ المجازِ صحةُ النَّفْيِ"؛ لأن كونَهُ بشراً حقيقةٌ.
وقراءَةُ الجمهُورِ على لغةِ أهْلِ الحجازِ في عَمَلِ "مَا". وقراءةُ ابنِ
(2/252)

مسْعودٍ برفْعِ بشراً على لُغَة بني تميم. وحكى ابنُ مالكٍ في بعضِ كتُبِه لغةً ثالثةً لأهلِ نجد: وهو أن خبرَ "ما" يكونُ مجروراً بالباءِ لزوماً؛ وذلكَ على لغة الحجازِيِّينَ جائزٌ غيرُ لازمٍ.

32 - {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي}:
إدْخالُ الفاءِ في المقُولِ دونَ القوْلِ وإِنْ كان قولُهنَّ (ما هذا بشراً) سببَ قولِها، إشارَةٌ إلى جَهْلِهِنٌ سببَ محبَّتها.

33 - {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ}:
قرأَ يعقوبُ بفتحِ السِّينِ على أنه مصْدرٌ، وقراءَةُ الجماعةِ بكسْرها أدْخَلُ في الشِّدةِ؛ لأنه اسْمُ مفعولٍ يدُلُّ على قبْحِ المكانِ المُعَدِّ لذلك.
(2/253)

{أَحَبُّ}:
ليستْ على بابِها منَ الشركةِ، إذْ لمْ يُحبَّ ما طُلب منه؛ فهيَ منْ بابِ: "العسلُ أحْلى من الخلِّ"، فهي فعل لا أفعل.
{أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ}:
مِنْ تقديمِ المُسَبَّبِ على السببِ لأنه المقْصودُ الأهمُّ. والجهلُ هنا هو المرَكبُ.

34 - {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ}:
قيل: "أجابَ" أعم منِ "اسْتجابَ" لإتْيانه في الموافقِ والمخالفِ، و"اسْتجابَ" في الموافق خاصةً. وقيل بالعكسِ؛ فعلى هذا، تكونُ جملَةُ (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ) تأسيساً، وعلى الأولِ تكونُ تأكيداً. والتأسيسُ أوْلى، فتدُلُّ الآيةُ على القوْلِ الثَّاني.
(2/254)

وقوْلُ الزمخشري: "لمْ يتقدمْ منْ يوسفَ دعاءٌ"، يُرَدُّ بأن قولَهُ (ربِّ السِّجن أحبُّ إليَّ) ... إلى آخِرِه، يدُل بالالتزام على الطلب؛ كما قاله المنطقيُّونَ في قولِ السيِّدِ لعبدِه: "أنا عطشانٌ"، وأَنه أبلغُ من قولهِ "اسْقِني"؛ لدلالتِهِ على حاجتهِ لذلك نصّاً، ودلالةِ "اسْقني" على حاجتِهِ للشُّربِ ظاهراً لا نصّاً، وقدْ لا تقْوى حاجتُهُ لذلك، وقدْ يكونُ شربُهُ لاختبارِ حالِ المَاءِ.
{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ}:
لدُعاءِ الداعي.
{الْعَلِيمُ}:
بإِخْلاصِهِ في دعائِهِ.

35 - {مِنْ بَعْدِ}:
يقتضي أولَ أزْمنَةِ البَعْديَّةِ، فهو أبْلغُ منْ عدَمِ الإتيانِ بـ منْ.
(2/255)

{الْآيَاتِ}:
الأظْهَرُ أنَّها مِنْ قولِه: (فلمَّا رأَى قَمِيصَهُ) إلى قولِه (مِنَ الْخاطِئِينَ)؛ فالآيةُ الأولى قَدُّ القميصِ، والثانيةُ نسْبة الذنْبِ إليها، والثالثةُ دُخولُها في جملَةِ الخاطئين.

36 - {وَدَخَلَ مَعَهُ}:
ابنُ عطية: "يحتملُ دخولَهم جميعاً أوْ مفْتَرِقين".
ع: "بناءً على صِدْقِ "دخَل" على الاستقرارِ في المكانِ، أوْ على الانتقالِ إِليه. ومنهُ الخلاف فيمنْ حلفَ لا أدخُلُ على فلانٍ بيتاً، فدخَلَ المحْلُوفُ عليه على الحالف".
{نَبِّئْنَا}:
طلبُوا النَّبَأَ الذي هو أخصُّ منَ الخبَر.
{إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}:
(2/256)

تعْليلٌ وتفْسير، والأولُ أظهر.
37 - {مِمَّا عَلَّمَنِي}:
يدل على أن تفسيرَ الرؤيا مِنْ جملةِ عُلوم عَلِمَهَا.
{إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ}:
المِلَّة ما اعْتُقِدَ كونُهُ ديناً أعم منْ كونِهِ باطلاً أوْ حقاً. والدِّينُ يُقَيِّدُ كونه حقاً.
{وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}:
هذه الجملةُ إِما مفَسِّرةٌ للتي قبلَها -وهو الأظهر-، أو مستأنفة.

38 - {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ ... } الآية:
بدأَ بإبراهيمَ لأنهُ أبو الكلِّ وأصْلُهم، ثم ما بعدَهُ على الترتيب.
{مَا كَانَ لَنَا}:
يعنى: هو وآباؤُه.
{وَعَلَى النَّاسِ}:
يعني الأممَ الذينَ بُعِثُوا إليهم، وآمنوا بهم.
(2/257)

39 - {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ}:
أتى بِـ "يَا" دونَ الهمزةِ معَ حصولِ القُرْبِ، إشارَةً إلى بُعْدِ مقامِهِ مِنْ مقامهما.
{أَأَرْبَابٌ}:
جعلَ الفخْرُ الهمزَةَ للاسْتفهامِ في معنى الإنكارِ؛ لأنهمْ كانوا عَبَدَةَ أوْثانٍ. ويحتملُ أنْ يكونَ للاسْتِنْطاق.
{أَمِ اللَّهُ}:
لمْ يقُلْ: "أَمِ الرَّبُّ"؛ لدلالةِ اسْمِ الجلالةِ على الخلقِ والاختراعِ.
40 - {الْقَيِّمُ}:
ابنُ عطية: "أي: المسْتقيم".
ع: "أوِ الظاهرُ القائمُ على غيرِه، وهو مفعولُ "لا يعلمونَ"".

41 - {أَحَدُكُمَا}:
يحتملُ أنه لمْ يعَيِّنْهُ وهو الأظهَرُ، تلَطُّفاً في الجوابِ، ويحتملُ تعيينهُ.
(2/258)

42 - {ظَنَّ}:
فاعلُهُ ضميرٌ يعودُ على يوسف، أوْ على "الذي" على التَّفْسيريْنِ في الظَّانّ منْ هو؟.
{اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ}:
قيل: بِمَا رأيْتَ منْ علمي وإحْساني، وقيلَ: بأنّي مظلومٌ. والصوابُ الأمرانِ معاً.
{فَأَنْسَاهُ}:
ذَكَر المفسّرونَ خلافاً في عَوْد الضميرِ، والصَّوابُ التفريقُ في راجِحِيةِ السّببِ ومرْجوحِيتِه، فهو في الأمْرِ الدّينيِّ راجحٌ، وفي الأمْرِ الدُّنيويّ مرْجوحٌ.
{ذِكْرَ رَبِّهِ}:
على أَن ضميرَ (أنساهُ) لِيوسف، التقْديرُ "أنْ يذْكُرَ ربَّهُ"؛ وعلى أَنه للساقي، فالتقديرُ:
(2/259)

"ذِكْرَ عنْد رِّبه".

43 - {أَرَى}:
للتصوير؛ لِتَقَدُّمِ رؤيتِهِ؛ كقولِهِ تعالى: (فتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً).
{سِمَانٍ}:
مَن نصَبَ جعَلَ المُخرَجَ منهنَّ غيرَ سِمَانٍ، ومنْ خَفَضَ فعلى العكسِ. وانظرْ فرْقَ الزمخشري.

45 - {نَجَا}:
عَبَّرَ هنا بالماضي، وفي التي قبلَها باسمِ الفاعِل؛ لأن الماضي يقتضي الحُصُولَ والثُّبوت، فناسب هَاهنا. وفيما تقدمَ النجاةُ مظْنونةٌ، لاسيَماَ على قولِ من قالَ إِن تفسيرَ الرؤيا لمْ يكن بوحي.

48 - {ثُمَّ يَأْتِي}:
أتى بـ "ثُمَّ" المقتضيةِ للمهْلة باعتبارِ المكانِ لا الزمانِ، إِذْ لا مهلةَ بينَ
(2/260)

السبْعِ وعامِ الإغاثَةِ.

62 - {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ}:
معطوفٌ على قولِه (فإن لمْ تَأتُوني بهِ)، لأن جملةَ (سَنُرَاوِدُ) منْ قولِ إخوتِه.
وقرئَ بجمعِ القلةِ وجمعِ الكثرةِ؛ فالقلَّةُ باعتبارِ المثْلينِ، والكثرةُ باعتبارِ المقولِ لهم.

67 - {مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ}:
لم يقلْ "متعدِّدةٍ"؛ لأنهُ أراد تباعُدَ ما بينهَا، لأنهُ أدْخَل في مُرادِه.

72 - {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ}:
أُخِذَ منه جوازُ الجُعل، مُنضَمّاً إلى أن شرعَ مَن قبلَنا شرعٌ لنا.
وكان ابنُ عبد السَّلام يقول: "لا يؤخذُ منه؛ لأن قائلَ هذه المقالةِ عَلِمَ
(2/261)

موضِعَ الصُّواعِ، ولا يجوزُ عندنا أنْ يجعلَ الإنسانُ شيئاً في مكانٍ ثم يجعل جُعْلا لمن يستخْرجُه".
ع: "وكنا نجيبُهُ باحتمالِ أن يكونَ القائلُ غيرَ عالم بموضعِ الصُّواع".
والحِملُ إنْ كان معلوماً عندهم فبَيِّنٌ، وإِلا فإنْ كانَ شرعُهم مخالفاً لشرعِنا فبَيِّنٌ أيضاً. قال في "المدونة": "لا يجوزُ له أن يقولَ: أبيعُك قَدْرَ مِلْءِ هذه الغرارة، أوْ أبيعُك هذه الغرارةَ ومثْلَ ملئِها مَعَها؛ لأن ملأها مجهولٌ"، والذي في الآيةِ جُعْلٌ، وشرطهُ علْمُ المجْعولِ به.
وأخَذَ منها ابنُ العربي جوازَ الإجارَةِ -قائلاً: "إِنما خالفَ فيها الأصمُّ"- وجوَّزَ الجعل والحمالةَ من قولِه (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ).
(2/262)

قلت: إنْ قيل الإجارةُ والجعالَةُ لا يجتمعانِ، فلا يَصحُّ أخْذُهما معاً من الآيةِ، بلْ أحدُهما. فالجوابُ أنَّ الواقعَ في القصةِ جُعْلٌ، وقال في "المدونة": "كلُّ مَا جازَ فيه الجعلُ جازتْ فيهِ الإجارَةُ".

80 - {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ ... } الآية:
هذا عشر يوم السبت، سابع شهر شعبان، منْ عامِ ستّة وثمانينَ وسبعِمِائةٍ؛ وابْتَدَأَ قراءَةَ العشرِ والحدِيث مِنْ هَذَا اليَوْم، الفقيهُ أبُو عبدِ الله بنُ مُسافِر، عِوَضا عَن سَيدي عِيسَى الغُبْرِينبي.
الفاءُ في "فلمَّا" عاطفةٌ، إما على جملةِ (معاذَ اللَّهِ)؛ لقُرْبِها، وإما على جملةِ (قَالُوا جَزَاؤُهُ)، ليَكُونَ المعطوفُ والمعْطوفُ عليهِ منْ مَقُولِهِمْ. أوْ تكونُ الفاءُ للاسْتئنافِ.
{قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا}:
خاطبَ إخْوتَه دونه، مَعَ أنهُ مِمنْ أخَذَ عليه يَعْقُوبُ الميثاقَ؛ لأنه بقوله (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ) إلى آخره، أَخْرَجَ نفسَه منْهُم.
(2/263)

{حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي}:
قدّمَ المجرورَ لأنَّهُ المقْصودُ لا مطلق الإذْنِ.
{أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي}:
أي: بغيرِ إِذْنِ الأب؛ لأنهُ بحكمٍ من اللَّهِ.

81 - {ارْجِعُوا}:
للوجوب.
{فَقُولُوا}:
للإرْشادِ.
{وَمَا كُنَّا}:
الواوُ إِمَّا عاطفةٌ، أوْ واوُ الحَال.
{وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ}:
اعْتذارٌ، أي: لوْ علِمْنا أَن الأمر يؤُولُ لِمَا وقعَ، لَما شهِدْنا عليه.
(2/264)

وهذا مُشْكلٌ على مذْهبِنا في الشهادةِ على القَريبِ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) إلى قولِه (أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ).

83 - {بَلْ سَوَّلَتْ}:
إِضْرابُ إبطالٍ عنْ سَمَاعِ قولِهم، وفَوَّضَ الأمرَ إِلى اللَّهِ تعالى، أوِ انتقالٌ، انتقَلَ عنْ سَماعِ قولِهم إلى تذْكيرِهم بتفْريطِهم في يوسف.

85 - {تَاللَّهِ تَفْتَأُ}:
هذَا منَ الحلِفِ على أَمْرٍ مظْنونٍ. وفيهِ في شرْعِنا خلافٌ، ومُختارُ ابنِ الحاجِبِ المنع؛ لقولِه: "قلتُ: والظَّاهرُ أن الظن كذلك"، أي: غَمُوسٌ كالشكِّ.

110 - {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا}:
دكَرَ ابنُ عطية في "الظنِّ" هلْ هو على بابِهِ أوْ بمعنى
(2/265)

اليقين؟.
ع: "إنْ كانَ المُكَذِّبونَ أكثَرَ منَ المُصَدِّقينَ، فالظنُّ بمعنى اليقين".
(2/266)

سُورَةُ الرَّعْد
ابتدأنا تفسيرها في يوم الثلاثاء رابع عشرين من شعبان، عام ستة وثمانين وسبعمائة.
نقل ابن عطية هلْ هذهِ السُّورةُ مكيةٌ أو مدنية؟. ع: "الأرجح أنها مدنية؛ لأنه إذا تعارض التقدم والتأخر، عمل على المتأخر لاستلزامه المتقدم".

1 - {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ}:
يدل على وقوع تكليف ما لا يطاق؛ لأنْ أُمِرَ الناسُ بالإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبما جاء به، ومن جملة ما جاء به أن أكثر الناس لا يومنون بما جاء به، فقد
(2/267)

أمروا أن يومنوا بأن لا يومنوا، كما في قضية أبي جهل.

2 - {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ}:
البناء على اسم الجلالة يفيد الاختصاص والعظمة والقدرة.
{بِغَيْرِ عَمَدٍ}:
أبو حيان: "عَمَد" اسم جمع لا جمع، ومن قال إنه جمع، أراد أنه يفيد ما يفيده الجمع، لا أنه جمع حقيقة". ثم قال: "ومفرده "عماد""، وهو خلاف قوله أولا لاقتضاء هذا أنه جمع.
(2/268)

والجواب أن مفرده "عماد"، لم يُبْنَ الجمعُ عليه.
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ}:
لما نقل ابن عرفة كلام ابن عطية والزمخشري قال: "الأظهر أن التدبير نصف الأدلة السمعية، والتفصيل نصف الأدلة الحسية، وهو الاستدلال بالكون والحدوث، فالأول استدلال عقلي، والثاني حسي".
{بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ}:
أوْقَعَ الظاهر موقعَ الضمير، واليقينُ أخصُّ من الإيمان.

3 - {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ}:
البناءُ على المضْمَرِ والموصول يُفيد الحصرَ والتعظيم. وقوله "فيها" دون "عليها"؛ يدُلُّ على الرّسوخ والثّبوت.

4 - {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ} إلى قوله {وَغَيْرُ صِنْوَانٍ}:
"مِنْ" إمّا لبَيان الجنس أو للتبعيض. وتعقَّبَ أبو حيان قولَ ابن عطية
(2/269)

"و "زرع" وما بعده معطوف على "جنات"، بأنَّ فيها ما ليس معطوفاً وهو "صنوان".
ويُرَدُّ تعقّبُه بأنَّه وإنْ كان فيها ما ليس بمعطوف لفظاً فهو مَعْنى؛ لأنّ "صنوان" صفةٌ لـ "نخيل" المعطوف، فكذا "صِنْوَان".
{بِمَاءٍ وَاحِدٍ}:
إما واحد بالشخص أو بالمعنى.
{وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ}:
يدل أن النصفَ بعضٌ؛ لأنّه إنْ كان البعضُ المفضَّل نصفا، فقد صَدَقَ عليه أنه بعض، وإنْ كان لأقل من النصف، فقد صَدَقَ على الباقي أنه بعضٌ لقوله "على بعض"، وهو أكثرُ من النصف. فصِدْقُ البعضِ على النصف أحْرى؛ وأيضا تنوينُ "بعض" تنوينُ عِوَضٍ، أي: بعضها على بعض.
(2/270)

6 - {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ}:
هو أبلغ من "ويسألونك".
{بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}:
يحتمل أنهم طلبوا نزولَ عقابِ السيئات بهم دون ثوابِ الحسنات، أو قبلَ ثواب الحسنة، كقولهم في قولك "جاء زيدٌ قبلَ عمرو"، ويحتمل مجيء عمرو وعدم مجيئه؛ وقد تَعَينَ عدمُ وقوع ما بعدَ "قبل" كما في قوله تعالى (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي)؛ هذا امتناعٌ عقلي، وقد يمتنعُ حِسّاً كما في قوله تعالى (آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنَ آذَنَ لَكُمُ).
وتَذَكَّرْ قولَ البراذعي في "اختصار المدونة": "ويبدأُ الجنُبُ بالوضوء قبل الغسل، فإنْ توضّأ بعدَه أجْزَأَهُ"، وقولَ الإمام في "الإرشاد"، إنه تعالى يبدأ بالنعم قبل استحقاقِها؛ وتعقَّبَه المقْتَرِح.
(2/271)

8 - {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ}:
ذكر أبو حيان ثلاثة أقوال فيها، واختار ع كونها موصولة؛ لأنه أبلغ من كونها مصدرية، لأن تقديرها: "حِمْلَ كلِّ أنثى، مِن ذكر أو أنثى، كاملِ الخلقة وناقصِها"؛ وهذا لا يعلمه إلا اللَّه تعالى. والقول الثالث أنها استفهامية بعيد!.

9 - {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ}:
عطف "الشهادة" على "الغيب" لتحصل الدلالة عليها مرتين، أولا باللزوم وثانيا بالمطابقة، بخلاف العكس.
{الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}:
"الكبير" صفة عظمة، و "المتعال" صفة علو؛ وهو احتراس، أي:
(2/272)

المتعال عن صفة الحدوث التي يوهمها "الكبير".

11 - {يَحْفَظُونَهُ}:
أي: يحصون أعماله.
{مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}:
أي: بأمره وقدره.
{وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ} الآية:
احتراس بعد قوله (يَحْفَظُونَهُ)، أي: لا يحفظونه مما أراد اللَّه وقوعه به.

14 - {إِلَّا كَبَاسِطِ}:
هذا الاستثناء من باب تأكيد الذم. مما يشبه المدح، كقوله: [الطويل]
(2/273)

هو الكَلْبُ إِلا أنَّ فيه مَلاَلَةً ... وسوءَ مُرَاعَاةٍ وما ذَاكَ في الكَلْبِ
والتشبيه في (كَبَاسِطِ) إما تشبيه حسي بحسي، أو معنى بمعنى، أي: خيبة الذين يدعون كخيبة باسط كفيه؛ لأن "خيبة" مصدر، والمصدر معنى؛ وعلى الأول فالحسي الأول "الذين يدعون"، لأنه واقع على الكفار، والثاني "باسط كفيه".
{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}:
أُخِذَ منه عدمُ حضورِ أهلِ الذمة في الاستسقاء. ورُد بأنَّ المراد في الآية دعاؤُهم الأصنامَ.
(2/274)

وأجيب بأنَّ خصوص السبب لا يمنع عمومَ ما رُتِّب عليه.

15 - {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} الآية:
فيها شبه اللف والنشر، فـ (طوعا) لمن في السماوات، (وكرها) لبعض من في الأرض.

16 - {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ}:
الأمر بتبليغ اللفظ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبمعناهُ له ولمن يَسْأل عنه من أمته.
و"من" للاستفهام بمعنى الإنطاق؛ واستدل بها بعضُهم على منع أن يُقال "زيد رب الدار" وشبهه.
وأُجيبَ بأنَّ الذي في الآية (ربِّ السمَاوَاتِ والأرْضِ)، وقد وَرَد ذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - "ربُّ الدابة أوْلى بمقَدَّمِها"، وقولِه في شروط الساعة "أنْ تلد
(2/275)

الأمَةُ ربَّتَها".
ورُدّ هذا بأنه خاص به - صلى الله عليه وسلم -.
وعبَّر عن السماوات بلفظ الجمع، وعن الأرض بلفظ الإفراد في مواضعَ من القرآن؛ لأن تعَدُّدَ السماوات يُدْرَك بالحسِّ -لاسيما مَن نَظَرَ في هَيْئات الأفلاك- بخلاف الأرض.
16 - {أَوْلِيَاءَ}:
عَدَمُ صرْفِه لشبه همزته بهمزة "حمراء".
{نَفْعًا وَلَا ضَرًّا}:
تقديم نفي النفع على نفي الضر أبلغ من عكسه.
(2/276)

{هَلْ يَسْتَوِي}:
استفهام بمعنى الإنكار والتوبيخ والإبطال.

{أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا}:
توبيخ؛ إذ لا يشك أحد في ذلك.
{خَلَقُوا كَخَلْقِهِ}:
فيه فائدتان:
- الأولى: صحة العمل بالقياس.
- والثانية: بطلان قول المعتزلة أن العبد يخلق أفعاله، وهذه ذكرها الفخر.
{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}:
يدل على أن المعدوم ليس بشيء؛ لأنه غيرُ مخلوق، وهو من الشكل الأول، أي: "المعدوم غير مخلوق، وغير المخلوق ليس بشيء"، أما الصغرى فبَيِّنَةٌ، لأن الخلْقَ الإيجادُ، والمعدوم غير موجود. وأما الكبرى فهي عكسُ
(2/277)

نقيضِ القضية المذكورة في الآية؛ وهو "كل شيء مخلوق".

{وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}:
يحتمل العطف على القول والاستئناف، حسبما أشار إليه أبو حيان.

17 - {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}:
يدل أن الماء أصله من السماء لا من البحر، وهو أحد القولين حكاهما ابن رشد في "البيان".

18 - {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ}:
كون "جهنم" خبرا لا مبتدأ أولا، ليفيد الحصر.

19 - {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى}:
يدُلُّ على أن اعتقادَ المقلِّدِ علْم، وإلا كان أعمى.

20 - {الَّذِينَ يُوفُونَ} إلى {عُقْبَى الدَّارِ}:
(2/278)

فيها ثلاثة موصولات:
- الأول فعلان.
- والثاني ثلاثة.
- والثالث أربعة.

23 - {جَنَّاتُ عَدْنٍ}:
ذكر أبو حيان في إعرابه ثلاثة: بدل وخبرُ مبتدأ مقدر، ومبتدأ وخبر. زاد ع رابعا، وهو خبر بعد خبر. والأول (أولئك لهم عقبى الدار) وهذا الوجه أبلغ.

{وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}:
هذا الترتيب جاء على الأصل؛ لأن الآباء قبل الأزواج، والأزواج قبل الذرية.
(2/279)

وإعراب أبي حيان (وَمَنْ صَلَحَ) بأنه مفعول معه، يرد بأن الأول متبوع في الآية وهو في المفعول معه تابع، تقول: "جاء زيد مع عمرو"، فزيد تابع لعمرو. والمعنى في الآية أن من صلح من المذكورين تابع لمن اتصف بالموصولات الثلاث.

24 - {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}:
إما من قول اللَّه أو الملائكة.

25 - {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الآية:
(مِنْ بَعْدِ) أبلغ من "بعد"، لدلالة "من" على قرب زمن نقضهم من زمن عهدهم.
وهذه الآية ترهيب، ولذا ذكر فيها ثلاثة؛ والآي المتقدمة ترغيب، وهي قوله (الذِينَ يُوفُونَ) إلى آخره.
(2/280)

وقال بعضهم: قوله (الذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ) راجع إلى التوحيد والعهد. وقوله (أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ) وقوله (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يوصَلَ) راجع إلى الرسالة، فإن الرسول موصل لكلام اللَّه إلى من أرسل إليهم. وقوله (وَيُفْسِدُونَ فِي الأرضِ) راجع إلى العصاة؛ ولعنتهم دخولهم النار.
وتدل الآية على أن المندوب غير مأمور به؛ لأن المندوب لا يذم تاركه.
ودلت الآية على من قطع ما أمر الله به أن يوصل. وقوله "لهم" تهكم.
و (سوء الدار) إما الدنيا أو الآخرة.

26 - {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} الآية:
ذكَرَ ابن عطية في ربْطِها بما قبلَها ذَمّ الأغنياء من الكفار. وقرّر
(2/281)

بعضُهم ربطَها بوجه آخر، وهو أنها شِبْهُ دليل لما قبلَها، وهو أنه تعالى خَلَقَ من اتّصف بقوله (الذِينَ يُوفُونَِ بعَهْدِ اللَّهِ) إلى آخره، وخَلَقَ مَنِ اتّصف بقوله (الذِينَ يَنقُضُونَ) إلى آخر الصفات، وكلُّ ذلك بفضلِه وعدلِه، فكذلك بسْطُ الرزق وتقديرُه.
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ}:
أبو حيان: "تقديره: وما الحياة القريبة كائنة في جنب الآخرة ... ".
وقَدَّرَه غيرُ واحد: وما متاعُ الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع، أي: وما عمل الصالحات في الآخرة إلا متاع.

27 - {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا}:
عَبَّرَ بالمضارع مع أنّ القولَ قد وقع، إشارةً إلى تجدُّدِ هذا القولِ منهم.
{آيَةٌ}:
أي: مطلق آية، أو آية مخصوصة كإنزال الحجارة عليهم وغير ذلك.
{قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}:
(2/282)

فيها حذف التقابل، أي: يُضِلّ من يشاء ممن أَعْرَضَ، ويهدي إليه من يشاء ممن لم يُعرضْ وأَنَابَ.

28 - {بِذِكْرِ اللَّهِ}:
أى: بذكرهم الله.

33 - {عَلَى كُلِّ نَفْسٍ}:
يختلف في بقائه على عمومه وتخصيصه، بناءً على إطلاقِ النفس على القديم وعدمه، حسبما ذكر المفسرون في قوله تعالى (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِى وَلاَ أَعْلَمُ مَا فيِ نَفْسِكَ): لا يقال: النفس هنا موصوفة، فَتَخُصُّ الحادث؛ لأن قوله (بِمَا كَسَبَتْ) متعلق بـ "قائم" لا صفة لـ "نفس".

35 - {مَثَلُ الْجَنَّةِ} الآية:
أبو حيان: ""مثل" أي صفة"، ونَقَلَ عن الفارسي إنكار
(2/283)

هذا قائلا: "هو بمعنى شبه". وقراءة "أمثال" تؤيد أنه بمعنى صفة؛ لأن شبه مصدر، وهو لا يثنى ولا يجمع.
وذكر أبو حيان في أوجه إعراب "مثل"، أنه مبتدأٌ وخبرُه "جنة" محذوفة بقِيَتْ صفتُها، وهى "تجري". ويُرَدُّ بقول ابن عصفور: "إذا كانت الصفة جملة فعلية لم يَجُزْ حذفُها وبقاءُ موصوفِها، إلا إذا كانت فيها "مِن"؛ ومنه المثال المشهور: "مِنَّا ظَعَنَ ومِنَّا أَقَامَ".
{أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا}:
أي: المذكورُ دائمٌ غيرُ منقَطِعِ، والمرادُ بالظِّل الراحة؛ لأنّ الجنةَ لا شمسَ فيها، وإنما يكونُ الظلُّ حيث تكَون الشمس.
- {اتَّقَوْا}: عبَّر بالفعل؛ {الْكَافِرِينَ}: عبَّر بالاسم إشارةً إلى سَعَةِ
(2/284)

رحمة الله لأهل التقوى بحصُولِ مُطْلَقِ تقْواهم.

36 - {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}:
الواو إما عاطفةُ جملةٍ على جملةٍ، أو استئنافيةٌ.
{وَلَا أُشْرِكَ بِهِ}:
من باب الدلالة مرتين: أولا باللزوم، وثانيا بالمطابقة.
{إِليْهِ}:
تقديم المجرور للاختصاص والتشريف.

37 - {وَلَا وَاقٍ}:
الواقي أعم من الوالي، فهو عطف تأسيس؛ إذ لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
(2/285)

سُورَةُ إِبْرَاهيم
{وَيُذَبِّحُونَ}:
وفي البقرة (يُذَبِّحُونَ). والجوابُ أن (سوءَ العذاب) أعَمُّ، والذبحُ والاستحياء أخصُّ؛ والأخصّ تارةً يُعطف على الأعمّ، وتارة يؤتى به مفسِّراً له دون عطْف.
وقال الزمخشري: "التذبيحُ والاستحياءُ هنا غيرُ داخِلَيْن في سوء العذاب، وفي آيةِ البقرة هما داخلان فيه". وهذا لا يَدْرَأُ السؤال، إذْ يُقال: إنْ كانا مُغَايِرَيْنِ له، لزِمَ الإتيان بالواو في الآيتين، وإلا لم يوتَ بها فيهما، وإلا الجوابُ اختيارُ التَّغاير، لكنْ تغاير الأعمّ والأخصّ كما قرَّرْناه.
و"سوء العذاب" إمّا المجموعُ من التذبيح والاستحياء، أو التذبيح
(2/286)

فقط، أو بِقَيْدِ استحياء النساء.
ولم يقل "بناتكم" في مقابل "أبناءكم"؛ لأنّ مقصودَهم باستحيائهن أنْ يصِرْنَ نساءً يُمْتَهَن في الخدمة.

9 - {أَلَمْ يَأْتِكُمْ}:
تارة تقع "ألم" دون واو كهذه، وتارة مع الواو كقوله (أَوَلَم يَرَوا). وضابطه: إن كان ما بعد "لم" مناسبا لما قبلها، أتى بالواو، وإلا فلا.
{لَا يَعْلَمُهُمْ}:
إما المجموع أو الذين "من بعدهم".
{وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ}:
إما عطفُ خاص على عام، لأن الكفرَ يكون بالشك وغيره؛ أو عطفٌ مغاير، لأن متعلَّق الكفر ذاتُ الله وصفاتُه، ومتعلَّق الشك ما أتى به الرسل من المعجزات أو العكس، بدليل قول الرسل: (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ)، دون "أفي آياتنا شك".
(2/287)

ويؤخذ من قولهم (وَإِنَّا لَفِي شَك) أن الشَّاكَّ حاكم، إذْ بذلك يتقرَّرُ ردُّهم.

10 - {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ}:
الزمخشري: "دخلتْ همزةُ الاستفهام على المجرور إنكاراً للشك في الوحدانية"، لقولهم: (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ).
ع: "وهذا أبلغُ من دخولهِا على "الشك"؛ لأنّ القومَ جعلوا أنفسَهم مظْرُوفين للشك، والشك ظرفاً لهم. وجوابُ الرسل بإنكار جعلِهِم الشكَّ مظروفاً، فأحْرى جعلِه ظرفاً".
وقرر بعضهم كونَه أبلغَ باعتبار الحيز والمتحيز؛ فالقوم جعلوا الشك حيِّزاً، وهم متحيّزون فيه. وجوابُ الرسلِ بجعلِهم ألشك متحيزا والوحدانيةَ حيزا، والمتحيز يستلزم الحيز دون عكس، فإذا أنكروا الشك في الوحدانية باعتبار كونِها حيزا، فأحْرى باعتبار كونِها متحيّزاً.
11 - {قَالَتْ لَهُمْ}:
أتى بـ "لهم" في هذه الآية دون التي قبلها، لإفادةِ تعْيين الخصمِ الذي
(2/288)

أُبْطلت حجتُه بقوله، (إِنَ أنتُمُ إِلا بَشَرٌ مثْلُنَا)، وفي الآية المتقدمة لم يات بحجةٍ على دعْواه.
وفي هذه اللف والنشر الموافق؛ فقولهم (إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مثْلُكُمْ) راجع لقول القوم (إِنَ أنتُمُ إِلاَّ بَشَرٌ مثْلُنَا)، وهو شبه القول بالموجب، (وَلَكِن اللَّه يَمُنُّ) إلى آخره راجع لقولهم (فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ).

12 - {سُبُلَنَا}:
إنْ قلت: سبيلُ الحقِّ واحدةٌ بخلاف سُبُلِ الباطل، كما تقررَ في قوله تعالى (وَجَعَلَ الظّلُمَاتِ وَالنُّورَ)، فالجوابُ أنّ جمْعَهَا باعتبار الأشخاص، وإنما تُوَحَّدُ إذا ذُكِرَتْ مع سُبُلِ الباطل.

13 - {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ}:
(2/289)

وُصِفُوا بالكفر هنا، ولم يوصَفوا به في قولهم (إِنَ أنتُمُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا)؛ لأن هذه المقالة تصدُر من الكافر المصمِّم. ومن يريد الإيمان يقول: "أنت بشر مثلي، فاتني بدليل صدقك".
وأما مقالةُ (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنَ أرْضِنَا) فإنما تصدُر من مُصَمِّمٍ على كفره.
وقدَّموا الإخراجَ على العودةِ لأنه مقصودُهم.

{لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}:
لم يقل "الكافرين"؛ لأن الحكم على الأعم حكم على الأخص دون عكس.

14 - {وَخَافَ وَعِيدِ}:
عطف تَرَقٍّ.

17 - {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}:
الآية احتراس، والواو للحال.
(2/290)

21 - {وَبَرَزُوا}:
أي: ظهروا؛ والبراز هو الموضع الذي يبْرُزُ ما فيه ويظهر.
{فَقَالَ}:
الفاء للسبب؛ لأنَّ بروزَهم سببُ مقالتهم.
{الضُّعَفَاءُ}:
عبَّر بالاسم في قوله (للذِينَ اسْتُضْعِفُوا) بالفعل؛ لأن هذه طَلَبوا بها الإغناءَ عنهم من عذاب اللَّه، فإذا لم يُغْنُوا عنهم من حيثُ اتصافُهم بأخصِّ الضعف فأحْرى مِن حيث اتصافُهم بأعَمِّهِ؛ وتلك سِيقَتْ لبيان عدمِ إيمان المستضعفين لوجود المستكبرين، فإذا امتنعَ إيمانُ مَنِ اتَّصَفَ بأدنى الاستضعاف فأحْرى من اتصفَ بأعْلاه.
{قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ}:
حَادُوا عن الجواب، لأنهم لم يسألوهم عمّا أجابُوهُم به!.

22 - {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا}:
يحتمل أن يكون قبلَ قولِ الضعفاء؛ لأنّ الواو لا تُرَتِّب، والقَبْلِيةُ إنما هي باعتبار مقالاتِهم في الدار الآخرة، لاقتضاءِ الفاءِ التعقيبَ في "فقال".
(2/291)

{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ}:
أكد وعد الله بـ "إن" دون وعد الشيطان؛ ولم يقل "وعد الباطل" كما قال "وعد الحق" أي الصدق؛ ولم يقل في وعد الله "فصدقكم" كما قال في وعد الشيطان (فَأَخْلَفْتُكُمْ)، فيحتمل أن يكون من حذف التقابل.
{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ}:
نفي قابلية.
{فَاسْتَجَبْتُمْ}:
أخص من "أجبتكم"، لأن "استجاب" في الموافق، و "أجاب" فيه وفي المخالف.
{فَلَا تَلُومُونِي}:
كذَبَ في نفْيِ اللّومِ عنه فيما أَمَرَ به؛ لأنه يُلام كما يُلام الفاعل، ويحتمل نفْي اللوم عنه في وَعْدِه بما لا دليلَ عليه؛ ويبقى لومُه في عدمِ إيمانه.
(2/292)

23 - {وَأُدْخِلَ}:
الواو إما للحال، وفيه حصولُ عذابٍ معنوي للظالمين مع عذابِهِم الحسي؛ أوْ للعطف، وقرَّرَ أبو حيان المعطوفَ عليه؛ أو للاستئناف.
ولَمَّا ذَكَرَ في الآية السابقة قِسْمَ الأشقياء البُعَدَاء، ذَكَرَ في هذه قِسْمَ الأتقياء السعداء.
وعطفُ العملِ على الإيمان يدُلُّ على مُغَايَرَتِه له، إلاّ النَّوافل ففيها خلافٌ للمعتزلة، فيُحتَمل أن تكون المرادةَ في الآية.
{بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}:
يحتمل تعلقه بـ "خالدين"، وهو وجه زائد على ما قاله أبو حيان.
{سَلَامٌ}:
إما هذا اللفظُ أو معناه؛ ويؤخذ منه أحدُ القولين في الخروج به
(2/293)

من الصلاة منكَّرا على التفسير الأول، وعلى الثاني يكونُ المرادُ تهنئتُهم بسلامتِهم من العذاب ونعيمُهم.

24 - {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا}:
هو استفهامٌ بمعنى التقرير، فيدلُّ على تقدُّمِ ضربِ المثَل قبل نزول هذه الآية.

26 - {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ}:
أضيف المثل في هذه دون الأول؛ لأن المراد بالأول الغرابة، وبالثاني الصفة، ولم يذكر في هذه مقابل قوله في الأولى (تُوتِي أُكْلَهَا)، فيحتمل حذفه لدلالة ما قبله عليه.
{مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}:
تأسيس؛ لأن ما اجْتُثَّ قد يبقى أصلُه، فنفى ذلك في الحياة الدنيا.
فإن قلت: هل يجري تعلق هذا المجرور على ما قاله الزمخشري في قوله تعالى (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ)، فيتعلق بـ (يُثبتُ) لا بـ (الثَّابِتِ)؟.
(2/294)

قلت لا؛ لأن مادة الفعل والمصدر في تلك واحدة، وهنا مختلف لأن اسم الفاعل من يُثبتُ "مثبت"، و (الثَّابِت) اسم فاعل من "ثبت".

27 - {وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}:
احتراس، أي: ليس ذلك باستحقاق عقلي، بل هو تفضل على المومنين وعدل في الكافرين.

28 - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا}:
الهمزة للتحقيق؛ أي: تحقيق ذلك، وإذا ذموا على تبديل نعمة فأحرى على تبديل نعم لا تحصى!.
{وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ}:
يدل باللزوم على أنهم أحلوا أنفسهم.

30 - {لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ}:
قراءة ضم الياء أبلغ؛ لاستلزامها الأخرى.

31 - {يُقِيمُوا الصَّلَاةَ}:
(2/295)

ذكر أبو حيان في جزم (يُقِيمُوا) أوجها، منها أنه مجزوم بفعل مضمر، أي: "أقيموا يقيموا". واعترضه بلزوم الخلف في الخبر. وأجاب بأنَّه خطاب للمومنين، فيلزم من القول أن يقيموا. ورد بأن بعضهم لم يمتثل، ويجاب بأنَّ الخطاب لعباد خُصِّصُوا بالإضافة.
{وَلَا خِلَالٌ}:
مثله في البقرة (وَلاَ خُلَّةٌ)، وأثبت الخلة للمتقين في قوله (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ).
ويجاب بأنَّ الذي أثبت لهم في الآخرة عدم العداوة، وإنما الخلة بينهم في الدنيا ... وانظر الفخر.
(2/296)

32 - {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ}:
الآية تدلّ باللزوم على التفَكُّر فيها، وهو وجْهُ الربط بينها وبين ما قبلَها.
{بِأَمْرِهِ}:
احتراس؛ لأن للنّواتيّة كسْباً في جَرْيِها.

33 - {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ}:
تقديمه يدل على أنه الأصل في التاريخ؛ ويُؤخذ منه أن الظلمةَ أمرٌ وجودي إنْ قلنا إن الليل هو الظلمة. وعلى أنه قطعة من الزمان تصحَبُهُ الظلمة -كما قيل- لا يؤخذ منه!.

34 - {مِنْ كُلِّ}:
(مِن) للتبعيض باعتبار آحاد الأشخاص، و (كُلِّ) للعموم باعتبار الأنواع، فلا يقال: "من" للتبعيض، و "كل" للعموم
(2/297)

فلا يجتمعان!. أو نقول: المعنى أن كل إنسان أعطي بعض كل ما سأله مجموع الأشخاص.
{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ}:
أي: وإنْ ترِيدُوا أنْ تعُدُّوا، ولا تناقُضَ؛ لأن كل معدودٍ مُحْصىً.
{نِعْمَتَ}:
كونُها اسْماً أبْلغُ منْ كونِها مصْدراً؛ لأنهُ إِذا لمْ تُحْصَ النعمةُ الواحدةُ، فأحْرى ما كَثُرَ منها. والوجهانِ ذَكرهما أبو حيان.
{إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}:
وقال في سورةِ النحل (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، والجوابُ: أَنهُ رُوعيَ هنا
(2/298)

حالُ المنعَمِ عليه، وفي تلكَ حالُ المنْعِم. وانظر الفخر.
وفي لفظِ "كفار" مبالغةٌ؛ لأن فعَّالا أبلغُ منْ فعولٍ وفي معناهُ أيضاً؛ لأن الكفرَ أشدُّ من الظُّلم، فَلِذا أوتيَ بصيغتهِ أبلغَ منْ صيغةِ الظُّلْمِ.

35 - {هَذَا الْبَلَدَ}:
وفي سورةِ البقَرةِ (بَلَداً)؛ لأن هذه مكية، وآيةُ البقرةِ مدنية،
(2/299)

والمَكِّيُّ متقَدِّمٌ. فالدعاءُ في هذه متقدِّمٌ فبُولِغَ فيه بالتعيين، والدعاءُ في تلكَ متأخِّرٌ فهو مؤكِّدٌ للدُّعاءِ الأولِ، فلمْ يحتجْ فيه إلى المُبالغةِ بالتعريف.
ولقائل أنْ يقول: لا يلزمُ منْ تقدُّم النزولِ تقدمُ دعاءِ إبراهيم، ولا مِنْ تأخُره تأخُرُه.
ويُحتمَلُ أنْ تكونَ آيةُ البقرةِ متقدمةَ النزول، فناسَبَ تعريفُ المتأخِّر؛
مثل: (أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ).
فإنْ قلت: الأصلُ في الآيتين "هذا بلدٌ آمنٌ"، "هذا البلدُ آمنٌ"، فـ "بلدٌ" في الأولى خبرٌ فيكون مجْهولاً، و "البلدُ" في الثانية مبتدأ فيكون معْلوماً، وذلكَ مُتنَافٍ.
(2/300)

فالجوابُ أنهُ معلومٌ منْ حيثُ ذاتهُ فقط، مجهولٌ مِنْ حيثُ كونُهُ آمناً.
{وَبَنِيَّ}:
الواوُ إِمَّا عاطفةٌ وهو الأظْهرُ، أوْ بمعنى "مع" على أن ما بعدَها تابعٌ لِمَا قبلَها.

36 - {رَبِّ إِنَّهُنَّ}:
إِعادةُ لفظِ "ربّ"، تطْريةٌ ودعاءٌ. وانظر أبا حيان في هذا الْجَمْعِ.

37 - {إِنِّي أَسْكَنْتُ}:
أَكدَ بِـ "إنَّ" باعتبارِ نفسِه إلى أَنها رضيتْ بسُكنى وادٍ غيرِ ذي زرْعٍ، مَعَ أَنَّ الأصلَ. كراهةُ النُّفوسِ لذلكَ. وأما المُخاطَبُ وهو اللَّهُ تعالى فهو عالمٌ بذلكَ.
{عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}:
يحتملُ كونه حالاً منَ النكِرَةِ الموصوفةِ. وذَكرَ أبو حيان وجهين: صفةٌ لـ "وادٍ"، أوْ بدلٌ.
{رَبَّنَا}:
(2/301)

تَطْريةٌ أيضاً.
{وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}:
يدُلُّ أن الغنى أفضل.

38 - {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ ... } الآية:
شبهُ احتراسٍ لِمَا تقدمَ.
{وَلَا فِي السَّمَاءِ}:
انظُرْ وجْهَ إِفْرادِ السماءِ.

39 - {عَلَى الْكِبَرِ}:
يدُلُّ أنٌ النِّعمةَ على الكِبَرِ بالولدِ أتَمُّ.
{لَسَمِيعُ}:
أي: مجيبُ؛ لأنَّهُ سميعُ الدُّعاءِ وغيرِه.

42 - {وَلَا تَحْسَبَنَّ}:
شبهُ احْتراسٍ لِمَا تقَدَّمَ منْ دعائهِ بالمغفرةِ لجميعِ المومنينَ، أي: لا يغترّ الظالمونَ بذلكَ.
(2/302)

وَدخلَ النفْيُ بعدَ النّونِ المؤَكِّدةِ، فهوَ نفيٌ أعمُّ لَا نفيٌ أخصُّ.

48 - {يَوْمَ تُبَدَّلُ}:
يحتملُ أنْ يكونَ الْعاملُ فيهِ "وَعْد"، بمعنى الموعود، وذَكَر أبو حيان أوجهاً أُخَر.
49 - {يَوْمَئِذٍ}:
تنوينُ عِوَضٍ منْ جملةِ (تُبَدَّلُ) وما عُطِفَ عليها.

52 - {وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ}:
يؤخذُ منهُ ثبوتُ الوحدانيةِ بالسمع، وفيه قوْلان.
(2/303)

سُورةُ الْحِجْر
ْ1 - {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ}:
أبو حيان: "تلكَ" إشارةٌ إلى حروفِ المعجم".
ع: "وفيهِ دقيقةٌ، وهى أن إِعْجازَ القرآنِ بألفاظِهِ وحُرُوفِه لاَ بمعانيه".
(2/304)

3 - {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا}:
لاَ مفهومَ لهذا الشَّرْطِ المقدَّر.
وتدُلُّ على منع ما زادَ منَ الأكل على مِقْدَارِ الحاجَة، وَهو قولُ الأقل خلافَ قولِ الأكثرَ.

4 - {وَمَا أَهْلَكْنَا}:
الواوُ للاستئنافِ. ووجْهُ مناسَبتِها لِمَا قبلَها، أَنهُ لما قالَ (فسوْفَ يَعْلمونَ)، أي: لَا تستعجلْ هذا الوعيدَ فلهُ أجلٌ مقدَّرٌ.
{مِنْ قَرْيَةٍ}:
عدَمُ تقديرِ مضافٍ أبلغُ؛ لأنها إذا هلَكتْ هلكَ أهلُها.
(2/305)

سُورةُ مَرْيَم
7 - {اسْمُهُ يَحْيَى}:
قالَ ابنُ عصفور: "الاسْمُ بعدَ المُسَمَّى"؛ قالَهُ عند قولِ الزجاجِي:
"والحَدَثُ المصْدرُ، وهو اسْمُ الفعلِ، والفعلُ مشتقٌّ منه".
شيخُنا في "مختصره": "قال ابنُ عتَّاب: حكى ابنُ مُغِيثٍ:
(2/306)

ليسَ لِوَصيٍّ في إِنكاحِ ذاتِ وليٍّ شيءٌ؛ قالهُ منذِرُ بن سَعِيدٍ، محتجّاً بقولهِ تعالى حكايةً عنْ زكرياءَ: (هبْ لي مِن لدنْكَ وليًّا يرثُنِي) ".
والوَصِيُّ ليسَ بوارثٍ، فدَلَّ أنَّهُ غيرُ وَلِيٍّ.
شيخُنا: "يُرَدُّ بأنٌ يَرِثُنِي مخصِّصٌ لوليِّ لا تفسيرٌ له؛ أوْ بأنهُ إنِ ادعَى كونَ الصُّغرى: "كلُّ وليٍّ وارثٌ، ولا شيْءَ مِنْ وَصيٍّ بوارث" منَعْنَا كليةَ الصُّغرى، وإِنِ ادَّعَاهَا جزئيةً سلمناها وأنتج: "بعضُ الولِيِّ ليسَ بوَصيٍّ"، وليسَ مُدَّعاهُ، ولاَ مُسْتلزماً لهُ بحَال! ".

12 - {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}:
ابنُ العربي في "أحكامِه" هنا -ولمْ يقلْهُ نصّاً غيرُه-: إيتاءُ النُّبُوءَةِ للصَّغيرِ ممكنةٌ جائزةٌ عقلاً، لكنّها لمْ تقعْ.
(2/307)

وقال الشهْرَسْتانِي في "نهايةِ الإقدامِ"؛ " لاَ خلافَ بينَ أهلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يجوزُ أنْ يختصَّ اللَّهُ من يشاءُ مِنْ عبادهِ بالنُّبوءةِ أوْ بالولايةِ".
فظاهرُ هذا العمومِ يتناولُ الصغيرَ. والمعتزلةُ يمنعونَ ذلكَ بناءً على قاعدة التَّحسيَنِ والتقبيحِ. ويصِحّ ذلكَ على مذْهبِ الفلاسفَة؛ لأن النُّبوءةَ عندهمْ راجعةٌ لطبْع مزاجيٍّ خاصٍّ بالنبيِّ. وظاهرُ كلامَِ الفَخرِ هنا أن ذلكَ واقعٌ، وأنَّ يحيى وعيسى بُعثا صغيريْنِ.

13 - {وَحَنَانًا}:
ابنُ عطية والزمخشري: "أي: وخلقْنا في قلبهِ حَناناً، أو آتيناهُ حناناً منَّا عَليه".
(2/308)

وروى ابنُ الصلاحِ في "علومِ الحديث"، في بابِ "روايةِ الأبناءِ عنِ الآباءِ"، حديثاً يقتضي اتِّصافَ اللَّهِ بالحنانِ.
وحكى في سَنَدٍ متَّصلٍ إلى عليِّ بن أبي طالبٍ، أَنَّ "الحنَّانَ هوَ الذي يُقْبِلُ على مَنْ أعرضَ عنه، والمَنَّانَ هُو الذي يبْدأُ بالنَّوَالِ قبلَ السُّؤالِ".

54 - {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ}:
ابنُ عطية: "الجُمهورُ على أنهُ الذَّبيح". ابنُ رشْدِ في "المقدِّمات": "الأكثرونَ على أنهُ إِسْحقُ، وهو قولُ مالكٍ في "الَعتبيةِ". اللخْميِّ:
(2/309)

"الأصحُّ أنهُ إسماعيل".

{إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ}:
ابنُ عطية: "وعَدَ رجلاً أنْ يلقاهُ في موْضعٍ، فانتظَرَهُ إسماعيلُ يوماً وليلةً؛ وقيلَ: انتظره سنة"؛ ولم يذكر الزمخشري القول الأول مع تأخره عن ابن عطية.
قال ابنُ عطيةَ: "وفعَلَ ذلك نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - قبلَ البعثةِ، حكاهُ النَّقاشُ، وخرَّجهُ
(2/310)

الترمذي"؛ ونقلَهُ عِيَاضُ في "الشِّفا": ذكَر أنَّهُ انتظرَ موعدَه ثلاثةَ أيامٍ، وذَكَرَهُ ابنُ ماجة حديثاً.

75 - {إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ}:
هيَ مانعةُ خُلُوٍّ لا جمع.

88 - {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا}:
اتِّخَاذُ الولدِ بالتَّبَنِّي، وتنْزيلُهُ منزلَةَ وَلَدِ النَّسِب وإِطلاقُهُ، يُوهِمُ إرادَةَ وَلَدِ النَّسَب، فيوخذُ مِنَ الآيةِ منعُ وصفِهِ تعالى بِمَا يوهِمُ لفظُهُ، وإِنْ سَلِمَ اعتقادُ الواصفِ.

98 - {هَلْ تُحِسُّ}:
يَرُدُّ قولَ ابنَ مكِّي في "تثقيف اللسان": "قولُهمْ: المحسوساتُ
(2/311)

لحنٌ؛ إذْ لا يقالُ "أحَسَّ" بلْ "حَسَّ"".
(2/312)

سُورَةُ طه
10 - {آنَسْتُ نَارًا}:
الثعالبي: "كُلُّ شجرٍ يخرج منهُ النارُ إِلاَّ شجرة العُناب"؛ وحكاهُ الزمخشري في سورة يس عنِ ابنِ عباسٍ.
وقدْ ذُكِرتْ قصةُ موسى في القرآنِ بألفاظٍ مخْتلفة، فإما أنْ يكونَ الواقعُ جميع ذلكَ وذُكِرَ مفرّقاً في سُوَرٍ، أوْ نُقلَ بالمعنى؛ كقولِ اللَّخمي
(2/313)

منفرداً به: "يجوزُ نقلُ القرآنِ بالمعنى"، وأنْكرهُ عليه المازَرِي إنكاراً تامّاً.

58 - {فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ}:
هَذا كالمُعَارضةِ في الدليلِ.
ابنُ العربي في "قانونِ التأويل": "يقالُ في السحرِ حقيقةٌ لَا حقّ"، وقالَ في "العارضة": "السِّحرُ قولٌ مؤلفٌ يُعَظمُ فيه غيرُ اللَّهِ تعالى".
قلت: وقال شيخنا: "هو أمْرٌ ينشأُ عنهُ باعتبارِ قصْدِ فاعلِهِ -على أوضاعِ مخْصوصةٍ- أثرٌ خارقٌ للعادةِ، بذاتِهِ أوْ بِنِسبتهِ إليهِ"؛ فقولُنا "بذاتِهَ" كالطيرانِ في الهواءِ والمشْىِ على الماءِ، فإنهُ خارقٌ للعادةِ
(2/314)

بذاته. وقولُنا "أوْ بنِسْبَتِهِ إليهِ" فَـ كالتمريضِ، فإِن المرضَ بذاتِهِ أمرٌ معهودٌ، وإِنَّمَا هو خارقٌ بالنِّسبةِ إلى حُدُوثِهِ عنْ أفعالٍ فعَلهَا الساحر.
وحكى اللخميُّ عنِ ابنِ المَؤاز فيمَنْ يُخَيَّلُ للنَّاسِ أَنهُ يضربُ نفسَه بخنجرٍ، أوْ يقطع به الحبل، أنَّهُ ساحرٌ يُقْتل.

67 - {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً}:
قولُ ابنِ عطية: "أَضمر في نفسِه خيفةً، أعني أَدْركَ خيفةً".
صوابُهُ: تصَوَّرَها في ذهنِه لَا أدْركَها؛ لقوله تعالى (إِنِّي لَا يخَافُ لَدَي المُرْسَلُونَ).
وَحُكي عن سيدي أبي محمد المرجاني أنَّه قال: "إنما خافَ موسى
(2/315)

لأنَّهُ سمِعَ جبريلَ يقولُ للسحرة: تقدَّموا يا أولياء اللَّهِ". هذا باعتبارِ الظاهر، وأما في الباطِنِ فالْمُناسبُ سُرُورُهُ بذلك.

73 - {وَمَا أَكْرَهْتَنَا}:
يدُلُّ أن المُكرَهَ عندَهم مواخَذٌ بِمَا أُكرِه عليه.
وقولُ أبي حيَّان: "جعَلَ بعضُهم "ما" نافيةً، و (مِنَ السحرِ) متعلِّقٌ بـ"يَغْفِرَ"؛ يُردُّ بأن "ما" النافية، لها صدْرُ الكلامِ، فلا يعملُ ما قبلَها فيما بعدَها.

105 - {فَقُلْ يَنْسِفُهَا}:
السّطّي في "شرح الحوفية": "أينما وقعَ في القرْآنِ "يسألونكَ"
(2/316)

فجوابُهُ دونَ فاءٍ، إِلَّا في هذه الآيةِ. ووجْهُهُ أَنَّهمْ حينَ نزُولِها لمْ يكونُوا سألُوا، فالتقديرُ: إِنْ سألوكَ فقُل".
(2/317)

سُورَةُ الأنبياء
20 - {لَا يَفْتُرُونَ}:
أيْ: عنِ العبادَةِ؛ لأن لهمْ عباداتٍ غير التسبيحِ.

79 - {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا}:
قيل: القولُ بأنَّ كل مجتهدٍ مصيبٌ، يؤدِّي ثبوتُه إلى نفْيِهِ، ومَا أَدى ثبوتُه إلى نفيِهِ فهُو باطلٌ، فالقولُ بأنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ باطلٌ؛ وبيانُ أداءِ ثبوتِهِ إلى نفيِهِ أنَّه معَارَضٌ بِقولِ مَن قالَ: المُصيبُ واحدٌ ... ؛ لأن هذا القائلَ مِنْ جملةِ المجتهدينَ فهو مُصيبٌ.
وأُجيبَ بأنَّ الخلافَ هلْ كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ أوِ المصيبُ واحدٌ، إِنما هو في الفرُوعِ والأحكامِ الشَّرعية، وأَمَّا هذهِ المسألةُ فهيَ مِنَ الأصولِ والعقلياتِ.
(2/318)

ابنُ عطية: "وتَوَصَّلَ لذلكَ داوُد وسليمانُ، إِمَّا بوحي أوْ باجتهادٍ منهما"؛ فالأقسامُ أربعةٌ. ويَدُلُّ على أن تلكَ باجتهادٍ قولُه (فَفَهَّمْنَاهَا).
(2/319)

سُورَةُ الْحَجِّ
حكى ابنُ عطيَّةَ والزمخشري في كونِها مكيةً أوْ مدنيةً سبعةَ أقوالٍ.

2 - {ذَاتِ حَمْلٍ}:
لمْ يقلْ "حاملٍ" كَما قالَ "مرضِع"؛ ليَشمَلَ منْ تضعُ علَقةً أوْ مُضغةً.
(2/320)

وقولُ ابنِ عطيةَ: "العَلَقَةُ هي الدَّمُ العَبيطُ"، يعني الطريَّ، خلافُ قولِ الفقهاءِ، لأنَّهُمْ فرقوا بينَ العلقةِ والدَّمِ المجتمع. قال ابنُ القاسم في الأَمَةِ: إذا وضَعتْ مِنْ سيدِها دماً مجتمعاً كانتْ به أمَّ ولد.
وقال أشهبُ: لَا، حتَّى تضعَ علقةً. والعلقةُ هيَ القطعةُ الملْتحمةُ التي إذا جُعلتْ في ماءٍ سخن لمْ تنقطعْ، بخلافِ الدَّمِ المجتمع. وعَكَس
(2/321)

عياض في "الإكمال"، نقلَ قولِ ابنِ القاسمِ وأشهب.
وَلما نقلَ المتِّيطي الخلافَ في أقصى الحملِ، هلْ هو خمسُ سنينَ أوْ سبعٌ أوْ ثلاث أوْ أربعٌ، نقلَ عنْ بعضهم تسعةَ أشهر.
(2/322)

ع: "إِنما هذا أقصى الحمْلِ الطَّبيعيِّ لَا الشرعيِّ، قال الحكماءُ: إِنْ بقيتِ النطفةُ في الرحِمِ ثلاثينَ يوماً، تَبَيَّن حملُها لمثلِها شهْرين، ووُضِعَ لثلاثةِ أمثالِ ذلك ستة أشْهُر. وإنْ بقيتْ خمسةً وثَلاثِين يَوْماً تَبَيَّنَ لِمِثْلِها سبْعِين يَوْماً، ووُضِعَ لثَلاثَةِ أمْثَالِ ذلك سبعة أشْهُر. وإنْ بقيتْ أربعينَ يَوماً تَبَينَ لمثلِها ثَمَانِينَ يَوْماً، ووُضِع لثلاثَةِ أمثال ذلك ثمانية أشهر؛ معَ أنهُ قَلَّ ما يعيشُ مَنْ وُضِعَ لِمِثْل ذلك. وإِنْ بَقِي خمسةً وأرْبعينَ يَوْماً تَبَيَّنَ لمثلِها ثلاثة أشْهُر، ووُضِع لثلاثةِ أمثالِها تسعة أشْهُر؛ وهُوَ أقْصَى الحمْلِ الطبِيعِيِّ".

6 - {وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى}:
إِنْ قلت: عطْفُ هذه المذْكوراتِ على قولِهِ (هو الْحَقُّ)، يدُلُّ على وجوبِ الإعادَةِ عقلاً.
قلت: لَا يدُلُّ؛ لأن المعطوفَ إِنما يُشارِكُ المعْطوفَ عليهِ في الإعْراب والمعنى، لَا في جملةِ أَحكام القَضاياَ عندَ المنَاطقَة، منْ ضرورةٍ وإِمكانٍ وإِطْلاقٍ ودوامٍ وغيرِهَا.
(2/323)

8 - {بِغَيْرِ عِلْمٍ}:
قولُ الزمخشريِّ: "المُرَادُ العلمُ الضروريّ"؛ يُرَدّ بأنَّ التكليفَ شرْطُهُ العقلُ، وهو علومٌ ضروريةٌ، حسْبمَا قالَهُ الإمامُ في "الإرشاد".

73 - {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا}:
إنْ قلت: الذرَّةُ أحقَرُ مِن الذّبابِ، فنفْيُ خلقِها أبلَغُ. قلت: بلِ العكْسُ؛ لأن معنى خلقِ الذرَّةِ إيجادُها عنْ عدَمٍ، وهذا لم يَدَّعِهِ أحدٌ؛ وأما خلقُ الذُّبابِ فمعناهُ جمعُ أجزائهِ ونفخُ الرُّوحِ فيه، وخلقُ الأعراضِ له، وهذا زَعَمَهُ اْلمْعْتزلةُ في خَلْقِ الأفعالِ. وقد كانَ عيسى - عليه السلام - يُحْيي
(2/324)

الموتَى، فإِيجادُ الذُّبابِ أسْهَلُ مِنْ إيجادِ الذَّرَّةِ، فالعَجزُ عنهُ يسْتلزِمُ العجْزَ عنها، لاَسِيَمَا إِذا قُلْنا إِن القَادِرَ على إِيجادِ الجُزْءِ المُكَمِّلِ قادرٌ على الجميعِ، فالقادِرُ على إِيجادِ الحَياةِ خالق للذاتِ لأَن بِفِعْلِه يحصُلُ كمالُ الذات.
(2/325)

سُورَةُ المؤمنين
17 - {فَوْقَكُمْ}:
يدُلُّ أَن السَّماءَ بسيطةٌ، إِلَّا أنْ يُقال: ما تحْتنا منْها فوق غيرِنا؛ ويدُل أن الجسمَ لا يبقى زمانَيْنِ؛ إذْ لَا يتقَرَّرُ خلقُها فوقَنا إلا بعدَ وجودِنا، وهِي في كلِّ آنٍ معدومةٌ وتخلق.

18 - {عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ}:
يَدُل على تعلُّقِ القدرةِ بالعَدَمِ الإضافِيِّ.

19 - {فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ}:
أي، بالمَاءِ.
واشتمَلَت الآيةُ على العِللِ الأربعةِ: الماديةِ وهو الماءُ؛ والصُّوريةِ وهو اختلاف الأنواعِ؛ والغائيةِ وهو الأكْلُ؛ والفاعلُ وهو اللَّه تعالى.
(2/326)

76 - {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ}:
الزمخشريُّ: "وأخذهُمُ اللَّهُ بالسِّنيِن حتَّى أكَلُوا العِلْهِزَ"؛ قلت: العلهز هوَ الدَّمُ المخْتلطُ بالشعر، وقيل: هو القُرَادُ.

95 - {وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ}:
يدُلُّ على تَعلُّقِ قدْرتهِ بمَا عَلِمَ عدَمَ وقوعِهِ، وهو اختيارُ الإمامِ في "الإرشاد" قائلاً: "ويتبيَّنُ ذلك بالمثالِ أَنّ إقَامَةَ الساعَةِ مقْدُورةٌ لله تَعَالى في وَقْتِنَا، وإِنْ علِمَ أَنّها لا تَقَعُ نَاجِزَةً، وقدِ اضطرَبَ قولُ المتَكَلِّمينَ فيِ هذا الفصْلِ، ولاَ محصُولَ للاختلاَفِ فِيه عِنْدي؛ فإن المعْنَى يكُونُ خِلاَف المعْلُومِ الذي لا يقع مقدوراً لله تعالى أنَّه في نفْسِه مُمْكِنٌ، وأَن القدرةَ في نفسِهَا صَالِحَةٌ، لكنْ لَا يقتصِرُ تَعَلُّقُها عنه حَسَبَ قُصُورِ تَعَلُّقِ القُدْرَة
(2/327)

الحادثةِ عنِ الأَوَانِ، فهَذَا معنيَ كونِه مقْدُوراً، ثُمَّ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعَالى أَنه لاَ يقَعُ فَلا يَقَعُ قَطعاً".
قلت: وعَزَا في "الشامل" عَدَمَ التعَلُّقِ للمُعْتزلة، وقَرَّرَ المقتَرِحُ عدَمَ تحقُّق الاختلاف في هذه المسْأَلة، وِعَدَمَ تَوَارُد المختَلفينِ على مَوْرِد واحِد، بأن خلافَ الَمعلومِ يَصَحُّ أن يُقَال أنهُ غيرُ مقْدُوَرِ بمعْنى أن القادرَ لَمْ يُوقعْهُ، ويَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هُوَ مقْدُورٌ بمعْنَى أنهُ متَمَكنٌ مَنْ إيقاعِه، فواحد ينظُرُ إلى الوُقُوعِ فيقُولُ: مَا عَلِمَ اللَّهُ أنهُ لا يَقَعُ فلاَ يقعُ قَطْعاً، فلا معنَى لتعَلُّقِ القدرة بالمقْدُورِ مَعَ أَن القادِرَ لَا يُوقِعُهُ. وآخرُ يقُولُ: القَادِرُ متَمَكِّن منْ إِيقَاعِهِ وإِن لَمْ يُوقعْهُ وهو ممكنٌ باعْتبَارِ ذاته، وتَعَلُّقُ العلم بأنهُ لَا يقَعُ، لَا ينْفي إمكانَهُ، وصَلاحيةُ القدْرَة لا قَصورَ فَيها، وقدْ قامَ اَلدليلُ على عُمُومِ تَعَلُقِها بجميع الممكِنَات، فيجبُ الَقولُ بكونه مَقْدُوراً فَصَارَ خَبَرُ هَذِهِ الدعْوِى عُبِّرَ عنهُ بلفظَ مُشْتَرَكَ، فَلاَ يَقَعُ التناقُضُ بيَن الْخَصْمَيْن فِي الدعْوَى، فَكَانِ النفْيَ والإثْبَات فِي اللفْظ غيرُ جَارٍ عَلَىِ حُكْم النقيضَيْن، َ فَصَح قولُ الإمام أن الاختلافَ فِي هذه المسأَلَةِ لَا حَاصلَ له!.

96 - {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ}:
إِنْ أُريدَ الإحسانُ عُرْفاً، أُخِذَ منهُ الأخْذُ بأخَفِّ ما قيلَ في مقادير العُقوباتِ، وإِنْ أريدَ الإحْسانُ شرعاً فلأجْلِ العكْس!.
(2/328)

108 - {وَلَا تُكَلِّمُونِ}:
قولُ ابنِ عطيَّةَ: "هُمْ لا يسْتطيعُونَ الكلامَ"؛ يُرَدُّ بأنهم يقولونَ: (يَا مَالِكُ لِيقْضِ علينَا ربُّكَ) وغيرَ ذلك.

109 - {رَبَّنَا آمَنَّا}:
يَدُلُّ على عدَمِ وجُوبِ التَّقْييدِ بالمشيئَةِ، إِلاَّ أنْ يُقالَ: هَذا إنشاءٌ لاَ خبرٌ.
(2/329)

سُورَةُ النُّورِ
2 - {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي}:
قُدِّمتِ الأنثى هُنا على الذكَرِ، وعُكسِ في قولهِ (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ)، اعتباراً بالغَالب؛ لأن الزِّنا في الإناثِ أغْلَبُ، والسرقةَ في الذُّكورِ أغْلب.
وقولُ ابنِ عطيَّةَ: "حكمُ المُحْصنينَ منسوخٌ، قيلَ: بالسُّنَّةِ المتواترةِ ... "؛ يُرَدُّ بقولِ ابنِ الصَّلاحِ: "لمْ يتواترْ منَ الأحاديثِ غيرُ حديثيْنِ: حديثُ "منْ كذَبَ عليَّ متعمِّداً فلْيتبوَّأْ مقعدَه منَ النَّارِ" وحديثُ "إِنَّما الأعمالُ
(2/330)

بالنِّياتِ"، والباقي أخبارُ آحاد".

3 - {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً}:
قُدِّمَ الذَّكَرُ هنا لأنَّهُ الأصلُ في النِّكاحِ، وهو المخَاطِبُ والفاعِلُ للوَطْءِ.
(2/331)

4 - {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}:
ذَكَر قذْفَ المحْصناتِ دونَ المحصنينَ؛ لأن لُحوقَ المعَرَّةِ للنِّساءِ؛ ولِذا قالَ مالك: "لاَ يُحدُّ قاذِفُ الصَّبيِّ غيرِ المطيقِ للوطْءِ، ويُحَدُّ قاذفُ الصبيةِ المطيقةِ للوطء".

6 - {إِلَّا أَنْفُسُهُمْ}:
يدُلُّ على أنهُ إذا كانَ الزَّوْجُ أحدَ الأربعةِ حُدَّ الثلاثةُ، لاقتضاءِ الآيةِ إِلغاءَ شهادةِ الزوج وحدَه، فكذا معَ غيرِه؛ قالهُ في "المدونة"، في آخر كتاب اللِّعان.

13 - {فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}:
يدُلُّ أن للمقْذُوفِ أنْ يقومَ بحقِّهَ ولوْ عَلِم صدقَ قاذِفه؛ لأن معنى
(2/332)

"عندَ اللَّه" أي: في حكْمهِ لَا في علمهِ.

16 - {أَنْ نَتَكَلَّمَ}:
عبَّرَ بالكلام في طَرَف الثّبوتِ، وبالقولِ في طرف النَّفْي، والأصلُ باعتبارِ الفهْمَ العكسُ؛ لأن المَسْموعَ هو لفظٌ مركب مَفيدٌ، وإنكارُهُ بالقوكِ القلبيِّ واللفظِيِّ.

22 - {وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}:
دليلٌ لعدَم الإحباطِ؛ لأنَّ مِسْطحا ممَّن تكلَّمَ في الإفْكِ.

35 - {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
ع: "عنْ ع س: قُرِئَ صَدَاقٌ بحضرةِ القاضي أبي إِسْحاق بنِ عبد
(2/333)

الرفيعِ، ضِمْنَ خُطبتهِ هذهِ الآيةُ إلى قولِهِ مِصْباحٌ، فامتنعَ القاضي منَ الشهادةِ فيهِ؛ لِعَدَمِ تكميلِ الآيةِ، قائلاً: باقي الآيةِ صفةٌ لمصباح. ع: هذا غيرُ لازمٍ".

50 - {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ}:
نفْي للإيمان.
{أَمِ ارْتَابُوا}:
شَكٌّ في ثبوته.
{أَمْ يَخَافُونَ} إلى آخِرِه:
نفْيٌ للازِمِه.

61 - {مِنْ بُيُوتِكُمْ}:
ذُكرَ وإنْ كانَ لَا جُناحَ فيه؛ لإفادة التسوية بينَهُ وبينَ ما عُطِفَ عليه؛ وقدَّم بيوتَ الآباءِ لتكرُّرِ دخولَ الأبناءَِ إياها؛ لأنَّ نفقتَهم عَلى آبائهِمْ.
(2/334)

وقُدِّمتِ العمَّةُ على الخالةِ لتقْديمِها عليها في الحَضانةِ عند مالك، وأُفْردَ الصَّديقُ لقلَّته!.

62 - {فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ}:
هُوَ اجْتهادٌ في مَحَلِّ الحكم.
(2/335)

سُورَةُ الفُرْقَانِ
1 - {تَبَارَكَ}:
الزمخشري: "مُطاوِعُ "باَركَ"".
ع: "أَفعالُ المُطاوعةِ إِذا اسْتُقْرِيَت، فالفعلانِ فيها مختلفانِ، وهُنا ليسَ كذلكَ، فإما أنْ يكونَ ذلكَ هوَ الأكْثَر فيها، أَوْ لاتِّحادِ الفاعلِ هنا".

3 - {وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا}:
يدُلُّ أن الموْتَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ، وكذا مِنْ قولهِ (خَلَقَ المَوْتَ)، إِلا أنْ يُؤَولَ الخلقُ بالتقْديرِ.
والمعْطوفاتُ تأسيسٌ؛ لِعَدَمِ تلازُمِهَا.
(2/336)

4 - {إِفْكٌ}:
ابنُ عطية: "هُوَ الكذب". ع: الإفْكُ ما خالفَ العلْمَ الضروريَّ، والكذِبُ ما خالفَ النَّظري؛ ولِذا قالَ (إِن الذينَ جاءوا بالإفكِ) ولَمْ يقلْ "بالكذِبِ".
{افْتَرَاهُ}:
تأْسيسٌ؛ لأن الإفْكَ قَدْ يُنقلُ عنِ الغيْر.
- {آخَرُونَ}:
أَفادَ أَنهمْ مِنْ قبيلَتِهمْ.
{وَزُورًا}:
ابنُ عطية: "أي: تحْسيناً، ومنْهُ "زَوَّرْتهُ"". ع: ليسَ منه؛ لأن
(2/337)

(زوراً) إنما هوَ بمعنى "كذب"، وأمَّا زوَّرَ فبِمعْنى حسَّنَ.

5 - {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ}:
هذا القائلُ غيرُ الأولِ فلا تناقُضَ.
{بُكْرَةً وَأَصِيلًا}:
إِما على بابِهِ، أوْ منْ بابِ "مُطِرْنا السَّهْلَ والجبلَ"، وأرادُوا العُمومَ في جميعِ الأزمنةِ.

6 - {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ}:
تقْديرُ الرَّدِّ عليهم بذلكَ، أن مَنْ يعلمُ السِّرٌ قادرٌ على إرْسالِ الرُّسُلِ بمعجزَةٍ ظاهرةٍ.

39 - {الْأَمْثَالَ}:
لَمَّا كانَ قولُهمْ باطلاً جُعِلَ كالمثَلِ لغَرابته!.
(2/338)

40 - {أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا}:
راجِع للقياسِ التَّمْثيليِّ.
{بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا}:
راجعٌ لاسْتلزامِ المُقَدِّمتينِ للنتيجةِ، وهذَا أقوى؛ وكذَلكَ الأصلُ في "بلْ" أَنْ يكونَ ما بعدَها أقوى مِما قبلَها. وبيانُ لُزومِ هذهِ النتيجةِ أَن إِهْلاكهمْ بعدَ إيجادِهمْ دليلٌ على قدرتِهِ تعالى وإِرادتهِ.

43 - {إِلَهَهُ هَوَاهُ}:
قولُ الزمخشريِّ: "فيهِ تقديمٌ وتأخيرٌ" غيرُ لازم.
(2/339)

50 - {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ}:
يدُلُّ على أَن أقلَّ القياسِ مقَدِّمتانِ.

51 - {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا}:
يؤْخذُ منهُ أَن مَا عَلمَ اللَّهُ عدَمَ وقوعه منَ الممْكنات، تتعلَّقُ به قدرتُهُ؛ وهو اختيارُ الإمام في "الإرشَادِ".

53 - {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}:
اختلاطُهُما بذاتيهِما، وافتراقُهُما بصفتيهمَا العذوبة والمُلُوحة.
وَذُكِرَ أن بسبتة وادٍ يَصُبُّ فيهِ البحرُ المالحُ فلا يُغَيِّرُهُ، وبالعكْسِ!.

64 - {سُجَّدًا وَقِيَامًا}:
أَخَّرَ القيامَ إِمَّا لأنَّ المرادَ به ما بعدَ السُّجودِ، أوْ لرءوسِ الآيِ.
(2/340)

سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
18 - {أَلَمْ نُرَبِّكَ}:
إنْكارٌ لرسالتِهِ بأمْرٍ عاديٍّ؛ لأن العادةَ عدمُ رِفعةِ الْمُرَبَّى على مَنْ ربَّاهُ.

19 - {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ}:
إنكارٌ لها بأَمرٍ عقلي؛ لاعتقادِهِ عدَمَ نبوءَةِ مَنْ تصْدُرُ منهُ الكبائرُ.

21 - {حُكْمًا}:
إِمَّا النبوءةُ أوْ علمٌ أَخَصُّ منها، وهوَ أظهَرُ؛ لقولِهِ (وجعَلَنِي).
(2/341)

28 - {إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}:
ردٌّ لقول فرْعونَ: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)، أي: أنا عاقلٌ في مقالتِي، فلوْ كنتمْ تعقلونَ لصَدقتُموني ولَمْ تنْسُبوني إِلى الجُنونِ.

20 - {إِذًا}:
جوابٌ وجزاءٌ، وشَبَّهوها بـ "نَعَم"، في كونِهاَ عِدَةً وتصْديقاً. وفي التّشبيهِ بها نظرٌ، لاتِّفاقهمْ على ملازمةِ الجوابِ لـ إذَنْ، بخلافِ "نعم"، اختلفوا فيها.
وأفادَ قولُهمُ فينَا أَنَّها تربيةُ محبَّةٍ وشفقةٍ، لَا بخدمةٍ وامْتهان. وأدْخَلَ همزةَ التقريرِ في الأولى لِمُوافقتهِ عليهِ دونَ الثاني.
(2/342)

21 - {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا}:
يدُلُّ أَنَّ النُّبوءَةَ غيرُ مكتسبةٍ.

31 - {إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}:
قولُ الزمخشريِّ: "يدلُّ أنَّ المعجزةَ لا ياتي بها إِلاَّ الصادقُ في دعْواهُ؛ لأنَّها تصْديقٌ منَ اللَّهِ لِمُدَّعي النبوءَةِ، والحكمةُ أَلاَّ يُصَدَّقَ الكاذِبُ.
ومنَ العجَبِ أن مِثْلَ فرعونَ لمْ يخفَ عليه هذا، وخفِيَ على ناسٍ منْ أهلِ القِبلة، حيثُ جوَّزوا القبيحَ على اللَّهِ تعالى، حتَّى لزمهُمْ تصديقُ الكَذابينَ في المعجزَاتِ؛ تقريرُه: لوْ لمْ يكنِ العقلُ يُحَسِّنُ ويقَبِّحُ لَصحَّ صدُورُ المعجزاتِ على يديِ الكاذبِ، واللازِمُ باطلٌ، فالملْزومُ مثلُهُ. وجوابُ الطِّيبِي بالاستقْراءِ ضعيفٌ بلِ الجوابُ مِنْ وجهين:
(2/343)

- الأول: منعُ بطلانِ اللزومِ؛ لأن تلكَ المعجزاتِ إِنْ تنزٌلتْ منزلةَ صِدْقٍ وَعِيدِيٍّ، فدلالتُها إِمَّا عقليةٌ أوْ عاديةٌ، والدلالةُ العقليةُ يسْتحيلُ تخلُّفها، فيسْتحيلُ صُدُورُ المعجزاتِ على يديِ الكاذِبِ. وإِنْ كانتْ عاديةً فلا يقْدحُ في دلالتها التجويزُ العقلي، لأنهُ لا يقدحُ في العلومِ العاديةِ.
- الثاني: منعُ الملازمةِ؛ لأنَّ ظهورَ المعجزةِ على يديِ الكاذِبِ يوجِبُ التباسَ النبِيِّ بالمُتَنبي، وذلكَ باطلٌ.

32 - {فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ}:
هذا الحَمْلُ إِمَّا حمْلُ مواطأة، مثل "الإنسانُ عالمٌ"، أوْ حَمْلُ تشبيهٍ،
(2/344)

مثل "أبو يوسف أبو حنيفة".

33 - {وَنَزَعَ يَدَهُ}:
عَبَّرَ بِـ "نَزَعَ" دونَ "أخرجَ" مبالغةً؛ كأنَّهُ فارقَ يدَه لشِدةِ مخالفةِ لونها للوْنِهِ.
وذَكَر في الأول ما لَمْ يذْكرْ في الثاني وبالعكس، فيحتملُ كونُهُ منْ حذْف التَّقابُلِ، أي: "ألقَى عَصاهُ فإذا هيَ ثعبانٌ مبينٌ لَلنَّاظرينَ، ونزَعَ يدَهُ فإذا هي بيضاءُ للناظرينَ مبينةٌ"، أوْ لأن الثعبانَ جرْمٌ عظيمٌ، فلذَا وصفهُ بقوله "مبينٍ". وبياضُ اليد إنما يظهرُ للناظر المتأمل، فَلذَا قَرنَهُ بقَولَه "للناظرين".

35 - {بِسِحْرِهِ}:
الباءُ للسَببِ، أوْ للاستعانةِ.
{فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}:
قولُ الزمخشري: "هذا انْخفاضٌ منه"، يتأَكَّدُ على أصْلهِ أنَّ الأمرَ يسْتلزمُ العُلُو.
(2/345)

36 - {أَرْجِهْ}:
قالوا: أي أَخِّرْه، فَظاهرُه الترادُفُ.
ع: ""أرجه" تأخيرٌ معَ الطمعِ في إِعْلائِهِ، لأنَّهُ مشتقٌّ منَ الرَّجاء، بخلافِ "أَخِّرْه"".

{وَابْعَثْ}:
ظَاهرُ أقوالهمْ أنهُ مُرادفٌ لـ "أَرْسِلْ".
ع: "غالبُ "أرْسِلْ" فيما يُلائمُ، ومنه إرسالُ الرُّسلِ".

43 - {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ}:
إِنْ قلت: إِلْقاؤهمْ معارضٌ، فينبغي تأخُّرُهُمْ عنِ المعجزة. قلت: هذَا في المعجزة الابتدائية، وقدْ تقدمتْ لهُ معَ فرعونَ حيَثُ ألقى عَصَاهُ ونزَعَ يدَهُ، وأما هذهَ معَ السَّحَرة، فهيَ لدفْع المعَارِضِ.

45 - {تَلْقَفُ}:
قولُ ابنِ عطية: "قرأَ البَزِّيُّ بتشْديدِ التَّاءِ، ويلزَمُ إذَا ابتدأَ جَلْبُ
(2/346)

همزةِ الوصْلِ، وهيَ لا تدخُلُ على الأفعالِ المُضارِعةِ"، ظاهرُه أنهُ قرأَ كذلكَ وَصْلاً وَوقفاً، وليسَ كذلكَ، بلْ وصْلاً فقط.

63 - {فَانْفَلَقَ}:
قالوا: أي، ضَربَ فانفلقَ. ع: "الْمقَدَّرُ فعْلَانِ، أي: ضربَهُ وفلقَهُ فانفلق؛ لأنهُ مطاوِعٌ. وقيل: التقديرُ "اضربْ بعصاكَ البحرَ ينْفلقْ"، فَضَرَبَ فانفلقَ.
وقصصُ القرآن فيها حذْفٌ دَل عليهِ السِّياقُ، إِلَّا في قولِهِ (قال ألْقِهَا يا موسى فأَلْقَاها): ذَكرَ إلقاءَهَا ولَمْ يحذفْهُ؛ لأنَّ انقلابَ العَصَا حيَّةً غيرُ معهودٍ، بخلافِ الانفلاقِ وانفجَارِ الماءِ إِثْرَ الضَّربِ هو معْهودٌ.

105 - {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}:
جَمَعَ "المرسلينَ" إمَّا لأن أقل الجمعِ اثنان، وهما آدَمُ ونوحٌ؛ وعلى
(2/347)

أَن نوحاً أولُ رسولٍ أُرسِلَ، فالجمعُ لأنَّ مَنْ كذَّبَ رسولاً واحداً، فقدْ كذَّبَ جميعَ المرسلينَ، فهو من اسْتعمالِ اللفْظِ في حقيقتهِ ومجازهِ.

106 - {أَلَا تَتَّقُونَ}:
تَحْضيضٌ.

109 - {وَمَا أَسْأَلُكُمْ}:
احتراسٌ؛ لأن التَّحْضِيضَ مَظِنَّةُ طلبِ الْمُجازَاةِ.

112 - {وَمَا عِلْمِي}:
تقريرُ كونِه جَواباً مِنْ وجهينِ:
- أحدُهما: أن قولَكمْ إِنَّهمْ أراذِلُ؛ لا أعلمُهُ، بلْ هم خير منكُمْ لإيمانِهمْ.
- الثاني: أَن قولَكم: أراذلُ لِصِناعتهمُ الدَّنيَّةِ راضينَ بها؛ لعل لهمْ وجْهاً يُصَيِّرُ المرجوحَ عندي راجحاً ولَمْ أعلمْهُ.
(2/348)

128 - {أَتَبْنُونَ}
وجْهُ إِنكارهِ ذلكَ عليهمْ، أَنَّهُمُ اشْتغلُوا بالبناءِ وترَكُوا النَّظَرَ في معْجزَتهِ الدالةِ على صِدْقِه.

142 - {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ}:
قالوا: العامَلُ في "إِذْ"، "كَذبتْ".
ع: "ليسَ متَعلَّقُ التكذيبِ قولهُ (أَلاَ تتقُونَ)؛ لأنَّهُ إنشاءٌ، بلْ قولُهُ (إِنِّي لكمْ رَسُولٌ أمِينٌ).

152 - {وَلَا يُصْلِحُونَ}:
أَتى به لأن (يُفْسدُونَ) فعلٌ في سياق الثُّبوت فلاَ يَعُمُّ، فاستُفيدَ العمُومُ مِنْ قولهَ (وَلاَ يُصلَحونَ).
وانظَرْ سؤالَ الزَمخشريِّ وجوابَه.

165 - {أَتَأْتُونَ}:
المعْطوف معَ المعْطوفِ عليه، تارةً ينصب العامل كليهما منْ حيثُ ذاتيهما، وتارةً منْ حيث كونُ المعطوفِ سبباً في المعْطوف عليه؛ مثالُ الأول: "أتاكلُ السُّحتَ وتغْتابُ النَّاسَ؛"، ومِثالُ الثاني: "أتاكُلُ السُّحْتَ
(2/349)

وتبيعُ الدِّينارَ بالدِّيناريْنِ؟ ". والآيةُ منَ الثاني.
وأوْرَد الشرِيفُ التِّلِمْسَاِنيّ على ابنِ عرفةَ سؤالاً، قال: "إِنْ كانَ الإنكارُ مُنْصَبّاً على الفِعْليْنِ بمعنى الكلِّيَّةِ لَا الكلّ، لَزِمَ مخالفةُ القاعدةِ الشَّرْعيةِ مِنْ عدمِ وجوبِ النِّكاحِ على الأعْيانِ، وإنْ كانَ منْصَبّاً عليْهما مجتَمعيْنِ، لَزِمَ مخالفةُ القاعدةِ النحويةِ مِنْ نصبِ الفعلِ المعْطوفِ على الفعل في جوابِ الاسْتفهامِ، فكانَ يلزَمُ حذْفُ النّونِ مِنْ (تَذَرُونَ) للنصْبِ".
وأجابَ أَما بالأولِ، وتقول: إِنَّ منْ يؤدِّي عدَمُ تزويجِهِ إلى إتْيانِ الذكَرِ معَ قدرتهِ على التزْويجِ، يجبُ عليه. أَوْ بالثَّاني، ويمنعُ وجوبَ النصبِ.

176 - {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ}:
الكذِبُ عدَمُ المُطابقةِ، وأما التكذيبُ فيحتَمِلُ أنْ يكونَ الجزمَ بعدَمِ
(2/350)

المطابقةِ، أوْ عدمَ الجزمِ بها؛ فالشاكُّ مكذِّبٌ على الثاني لَا الأولِ.

181 - {أَوْفُوا الْكَيْلَ}:
الآيةُ أمرٌ بالوفاءِ في الكيْلِ، وبالقُسْطاسِ المستقيمِ في الوزْنِ؛ لأن نقصَ الكيلِ يخْفَى، وَلِمُتَوَلِّيهِ قدرةٌ على التحَيُّلِ فيه، فاحْتيطَ فيهِ بالوفاء المقْتضي زِيادةً مَا، بخلافِ القُسْطاسِ ذي الكِفتيْنِ. لَا يخفى اننقصُ فيهِ لأنهُ مشاهَدٌ، وإِنْ أمكنَ متَوَلّيهِ نقْصُ ما يوزنُ به، فيُمْكنُ اختبارُهُ بوزنٍ أيضاً بِالقُسطاس.

185 - {مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} 186 - {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ}:
العطْفُ هنا بالواو يدُلُّ أنهمْ أرادُوا بكونِهِ مُسَحَّراً غَلَبَةَ السِّحْرِ عليهِ. وقولُ قومِ صالحٍ (مَا أَنتَ) دونَ واوٍ، يدُلُّ أنهمْ أرادُوا بكونهِ مُسَحَّراً كونَهُ بشراً.
(2/351)

198 - {الْأَعْجَمِينَ}:
فسَّرُوهُ بالحيوانِ غيرِ الناطقِ وبالجمادِ، فقالَ التِّلمْسانيّ "هذا خلافُ قوْله (لوْ أنزلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشعاً مُتَصَدِّعاً)، لِدلالتِهِ على ظهُورِ الموْعظَةِ فيه، فيكونُ في إِنزالهِ عليهِ فائدةٌ، وعلى تفسيرهمْ لاَ تَكونُ فيه فائدةٌ".

202 - {بَغْتَةً}:
يقتضي عدمَ تقَدُّمِ رؤيتهِ، خلافَ قولهِ (حتَّى يَرَوْا).
(2/352)

ويُجابُ بأنَّ إِتْيانَه بغتةً لَا يُنافي رؤْيتَهُ حينَ إتيانِه.

210 - {وَمَا تَنَزَّلَتْ}:
"تَنَزَّلَ" أخَصُّ مِنْ "نَزَلَ"، لاقتضائهِ تكَلُّفاً، فإذَا لَمْ يسْتطيعُوا معَ تكلُّفِهمْ، فأحْرى لَا معَهُ!.

211 - {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ}:
تأْكيدٌ إِنْ كانَ مَعنى "لَا ينْبغِي" لَا يُمْكنُ، وإنْ كانَ بمعنى لَا يليقُ ْفتأسيسٌ. أو معنى "ينبغي لهمْ"، أي: لَا يختصُّونَ بالاستماع، ومعنى "لَا يسْتطيعونَ" أي: لَا يُسْتعانُ بهمْ في تبليغِ ما يسمع.

213 - {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}:
وفي آيةٍ أخرى (وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ) ومَجْمُوعُهُمَا يُنتجُ نفْيَ الشريكِ.
(2/353)

سُورَةُ النَّمْلِ
9 - {إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ}:
قولُ الزمخشريِّ: "أي: مُكَلِّمُكَ أَنا"، صوابُهُ على مذْهبهِ "مُنَادِيكَ أَنا"؛ لأنهُ ينفي الكلامَ.

12 - {وَأَدْخِلْ يَدَكَ}:
هذهِ المعجزةُ بالنِّسبةِ إلى قولِهِ (فَلَمَّا رآهَا تَهْتَزُّ)، يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ بابِ تأكيدِ الأقوى بالأقوى، أوْ مِنْ بابِ تأكيدِ الأضعفِ بالأقْوى.

20 - {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} الآية:
أتى سُليمَانُ - عليه السلام - بالموجب أولاً، وهو قولُه (أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبينَ)، وبالمُوجبِ ثانياً، وهو قولُهُ (لأعذِّبَنهُ أوْ لأذْبَحَنهُ)، وبالمانعِ
(2/354)

ثالثاً، وهو قولُهُ (أوْ لَيَاتِيَنِّي).
{الْهُدْهُدَ}:
انْظرْ مَا حكاهُ ابنُ عطيةَ مِنْ جوابِ ابنِ عبِّاسٍ سؤالَ نافعِ بنِ الأزرقِ. فالجوابُ الحقيقيُّ أَن الهدهدَ يرى الفَخَّ والحَبَّ الذي فيه، ويجهلُ التحَيُّلَ به.

24 - {مِنْ دُونِ اللَّهِ}:
معرفةُ الهُدْهُدِ أَن سُجودَهمْ للشمْسِ منْ دونِ اللَّهِ، إِما بإلْهامٍ من اللَّه، أوْ بإِدراكٍ أدْركهُ فسمِعَ قولَهمْ للشمسِ: "أنتِ رَبُّنَا لاَ غيْرُكِ".
(2/355)

28 - {مَاذَا يَرْجِعُونَ}:
لًمْ يقلْ "ماذا يُجيبُونَ" معَ أَنَّ العادةً إتيان الرّسُلِ بجَوابِ الكتابِ لَا بمَا يرجع. والجوابُ أَنَّهما نسْبتانِ:
- نسبةٌ بينَ المبعوثِ إليهِ وبينَ الرسولِ.
- ونسبةٌ بينَ المبْعوثِ إليه وبينَ الباعثِ.
فالنِّسبةُ الأولى، التَّعبيرُ فيها "بمَا يرجعونَ". وهو المقصود في الآيةِ؛ لأنَّك تقولُ "رجع الرسول بالكتابِ".

35 - {إِلَيْهِمْ}:
جمعُ الضمير معَ أن المرادَ سليمانُ، إِمَّا تعظيماً له لِدُخولِه في قولها (إِنَّ الملُوكَ)، أوْ ألْهمَها اللَّهُ تعظيمَهُ تشريفاً له.
{بِهَدِيَّةٍ}:
تنْكيرُها، لِعِظَمِهَا في زَعْمِهَا.
{فَنَاظِرَةٌ}:
يتَعينُ أنْ يكونَ بمعنى "متأخَرَةٌ".
(2/356)

41 - {نَكِّرُوا لَهَا}:
أفادَ قولُهُ "لها"، التخصيصَ والدلالةَ على أَن التنكيرَ في شيءٍ لمَنْ يعْرفُهُ قبلَ تنكيرهِ، أقربُ منَ التنكيرِ لِمنْ لَا يعرفهُ قبلَ ذلك.
{نَنْظُرْ}:
إِمَّا بمعنى "نعلمُ" أوْ بمعنى "نختبِرُ"، أوْ بمعنى "نتأخَّرُ".

{أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ}:
لمْ يقلْ "أمْ لَا تهتديْ"، إشارةً إلى لُطفِ سليمانَ ورحمتِه؛ لأن نسبةَ أمرٍ بينَ شيئينِ إنْ كانَ على التَّساوي بينهما فهو العَدْلُ، وإِنْ كانَ على التفاوتِ، فإنْ كانَ التفاوتُ في جهةِ الذَّم فهوَ لُطْفٌ، وإنْ كانَ في جهةِ المدْحِ فهو تشَدُّدٌ، وبيانُهُ في الآيةِ أَن سليمانَ - عليه السلام -، رضيَ منها بصدور مطلق هدى، وحكَمَ عَلَيْهَا بِأنَّهَا إِنْ لَمْ تمكن اهتدائها فَهِيَ مِنَ الذِينَ لَا يَهْتَدُونَ.

42 - {أَهَكَذَا}:
لم يقلْ "أهذا؟ ": تَشْبيه للجَوَابِ، لأنَّ جوابَ سُؤَالِ التشبيه أقربُ من جواب السؤالِ عن الحقيقةِ، فقولُكَ "أهذا كزيد"؟، أقربُ إلى
(2/357)

الجوابِ مِنْ قولكَ "أَهذَا زيدٌ"؟.

46 - {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ}:
السُّؤالُ بـ "لِمَ" عنِ العلَّة، وبالهمزة عنِ الفعلِ. فإذَ قلتَ: "أَقتلتَ زيداً"؟ فسُؤالكَ عن نفسِ الفَعَلِ؛ وإذا قلتَ: "لِمَ قتلتهُ"؟، فسؤالكَ عن علَّة قتله. فإذا تقررَ هذا فَيَرِدُ في الآية سؤالٌ، وهو أَنِّ المناسَب الهمزةُ دونَ "لَمَ"؛ لأنَّهُ إنكارٌ للفعلِ لَا لعلَّتهِ. والجوابُ أنهمْ نزَّلوا أَنْفُسَهُمْ منزلةَ الخَصم، لقوله ( ... فَإِذَا هُمْ فَريقَان يخْتَصِمُونَ)، فعامَلهمْ صالحُ معاملةَ الخصم، فسَألهمْ عن العَلَّة والحجَّة؛ لأن الَخصمَ هوَ الذي يُدْلي بحجته وعلَّته.

61 - {وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا}:
هذا كقولِهِ (مَرَجَ الْبَحْريْنِ يلْتَقِيَانِ بيْنَهُمَا بَرْزَخٌ)، فيُحْتَمَلُ أنْ يكونَ الحاجزُ هو نفس قولِهِ (بينهما)، وقولُهُ (بَرْزَخٌ)، دونَ شيءٍ ظاهر للناظر. وهذا أغْربُ في قدرةِ اللَّهِ، خَلَقَ بحْريْنِ أحدُهما حُلْوٌ والآخرُ
(2/358)

أُجاجٌ وَلا يلتقيانِ؛ ويحتملُ أنْ يكونَ الحاجزُ غيرَ قولِهِ (بينهما)، بلْ بينهما محَلٌّ للحاجزِ، وهذا أظْهَرُ وأجْلى للناظرِ.
{بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}:
هذَا الإضرابُ أشَدُّ مِنْ إضْرَابِ قولهِ (بلْ هُمْ قومٌ يَعْدِلُونَ)؛ لأن الأولَ جهل مركَّبٌ، وهو علْمُهُم الحقَّ وعُدُولُهم عنه، والثانيَ جهْلٌ بسيطٌ، وهو عدمُ علمِهمْ، فإِذَا ذُمُّوا على البسيطِ فأحْرى المُرَكب.

62 - {قَلِيلًا مَا تَذَّكَّرُونَ}:
إشارةٌ إلى اعْتبارِ نِعَمِ اللَّهِ والشُّكرِ عليها، وأن الإنسانَ يتذَكرُ انتقالَهُ مِنْ حالةٍ إلى أحسنَ منها، ويشْكُرُ اللَّهَ على ذلكَ.

63 - {وَمَنْ يُرْسِلُ}:
وجهُ تكرُّر "مَنْ" هنا، دونَ قوله (ويكْشفُ السُّوءَ ويجعَلُكُمْ)، هو أن متعلقَ (أَمَّنْ يُجِيبُ) إليَ آخرِها، شيءٌ واحدٌ وهو القدرةُ، ومتعلَّقُ هذه شيئان العلمُْ والَقدرةُ؛ أمَّا الَعلُم فلقوله (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ) أي يرْشدُكُمْ، وأمَّا القدر فلقولهِ (يُرْسِلُ).
(2/359)

{تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}:
وجهُ مناسَبتهِ ظاهرٌ، وهو أنَّهُ تعالى أخبَرَ عنهمْ في قولهِ (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُرُّ في الْبَحْرِ) إلى آخرها، بأنّهم في حالةِ مسهم الضُّر وحَّدُوا اللَّه تعالى ولجؤوا إليه، فلما نجاهم كفروا، فنابَ في هذه الآية ذكرُ نفْيِ نقيضِ فعْلِهم في حالة الإنجاء.

64 - {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ}:
وجه تكرير لفظة "مَن"، ما تقدم.
64 - {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ}:
إن قلت: هم منكرون ونافون للإعادة، والنافي لا يطالب بدليل.
(2/360)

فالجواب أن النافي على قسمين:
- نافٍ لما لم يقُم عليه دليل، فهذا لا يُطالب بدليل.
- وناف لما قام عليه دليل، فهذا يُطلب منه الدليل، والإعادَة من هذا القسم الثاني.

65 - {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}:
وفي سورة الجن: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ). والجواب أن الغيب قسمان:
- قسم أطلع اللَّه عليه بعض رسله.
- وقسْم لم يُطْلع عليه أحدا؛ وهو المراد في هذه الآية. و (مَن) مفعول، و (الْغَيْبَ) إمَّا مفعولٌ ثان لـ (يَعْلَمُ)، أو بَدَلُ اشتمال، أو حالٌ على جواز كونِها معرفة، و (اللَّه) فاعل.
{وَمَا يَشْعُرُونَ}:
نفى عنهم مبادئ العلم.
(2/361)

66 - {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ}:
أخبر عنهم أنهم غير حاكمين بشيء.
{بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ}:
حكمَ عليهمْ بأنهمْ حكموا بالباطِلِ.

68 - {هَذَا نَحْنُ}:
وفي سورةِ المومنين (نحنُ وآباؤُنا هذَا).
والجوابُ أنهُ تقدم في تلكَ حالُ الأمم، وهو قولهُ (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا) الآية، فناسب تقديمُ ضميرهم على اسم الإشارةِ، والمتقدم في هذه هو حال المشكوك فيه، فناسب تقديمه على ضميرهم، وذلك قولهم (أَئذَا كُنا تُرَاباً).
(2/362)

79 - {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}:
التوكُّلُ هو استحضارُ انحصارِ جميعِ الكائناتِ في نسبتها إلى اللَّه تعالى، وعَلَّل ذلك بعلتين:
- إحداهما: متقدمة، وهي قوله (إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ).
- والثانية: متأخرة، وهي قوله (إِنكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتى).

86 - {أَلَمْ يَرَوْا}:
كالدليل للتي قبلَها، وهى (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ)، الآية. كأنَّ قائلا قال: لأيِّ شيء؟. فقيل: لأنهم قد أتاهم آياتٌ ظاهرة، من جملتها ما ذُكِر.
وفي الآية حذْف التقابل، حذف من الليل الإبصار، وفي النهار الإسماع؛
(2/363)

لأن آية (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا) يقتضي أن للنهار نعمتين، الضياء والإسماع، ولليل نعمتين، السكون والإبصار.
وانظر سؤال الزمخشري وجوابه.
{لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}:
يحتمل من آمن أوْ مَنْ سيومن، كقول الزمخشري في (هُدىً للْمُتقِين) أي للصائرين إلى التقوى.

87 - {فَفَزِعَ}:
عبَّر بالماضي إشارة إلى التحقيق كقوله (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) ويُنْفَخُ جاء على الأصل، فإن قلت: فهلَّا عكس؟.
(2/364)

قلت: الفزع إنما يكون بعد النفخ.
{إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ}:
إن قلت: هل يرد قول ابن عصفور: "لا يكون المستثنى إلا معلوماً، فلا تقول "جاءني قوم إلا رجالا"".
قلت لا؛ لأن من شاء اللَّه معلومٌ له، ولأن "من" معرفة بخلاف "رجالا" في المثال، قد لا يعرفهم من استثناهم.

88 - {وَهِيَ تَمُرُّ}:
الواو للحال، ويحتمل معنيين:
- أحدهما: (تحسبها جامدة) حالة كونها تمر.
- الثاني: (تحسبها جامدة) وهي في نفسها تمر.
(2/365)

{صُنْعَ اللَّهِ}:
في إطلاق اسم فاعل منه خلاف، ومنه إطلاق أهل علم الكلام لفظ "الصانع".
{خَبِيرٌ}:
أخَصُّ من "عليم".
89 - {مَنْ جَاءَ}:
يترجحُ كون "مَن" موصولة لا شرطية؛ لأن الأصل في القضايا الحملية.
(2/366)

سُورَةُ القَصَصِ
ابن عطية: "مكية إلا قوله (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ)، نزلت بالجُحْفة، في وقت هجرته - صلى الله عليه وسلم - إلى، المدينة".
ع: "وفيه نظر؛ لقولهم: ما نزل قبل الهجرة مكي وإن نزل بغير مكة. وما نزل بعد الهجرة مدني وإن لم ينزل بالمدينة؛ ولذا قال الزمخشري هي مكية، ولم يستثن.
(2/367)

وقول ابن عطية: "الطاء مقْتَطعة من الطوْل، والسِّين من السَّلام، والميم من المُنْعم أو من الرحيم"، هو من باب دلالة الالتزام مع القرينة.

3 - {نَتْلُو عَلَيْكَ}:
أخصُّ من "نقُصُّ"، لكثرة وقوع "نَقُصُّ" في القرآن مقيّداً، و "نتلوا" مطلقاً.

4 - {فِي الْأَرْضِ}:
إشارة إلى كَوْنِ الأرض لا تُناسِب التكبُّر لاِنْسِفَالِها. ولم يقل "استعلى" كما قال (لَعَالٍ فِي الاَرْضِ) دون "مستعل"، إشارةً لحصول مطلوبه.

5 - {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ}:
"نريد" بمعنى الْمُضِيِّ، باعتبارِ إخبارِ محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعلى بَابِه باعتبار إخبار موسى.
{وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً}، وما بعدُ:
من عطْفِ الخاصِّ على العام؛ لأنّ الْمَنَّ وهو التفضُّل يتناولُ جميعَ ذلك.
(2/368)

8 - {لِيَكُونَ}:
قال أكثرُ المفسرين: هي لام العاقبة، وقَرّرُوا وجْهه؛ وجعلَها الزمخشريُّ هي لام التعليل، وقرر وجهَه.
ع: هي لام "كي" التي للتعليل، وتقريرُه أنّ فعلَ الإنسان ينقسم باعتبار الكسب وباعتبار الخلق إلى القسمين المذكورين، فتَعَذَّرَ هنا الكسب؛ لأن الالتقاطَ غير مكسوب. قال ابن عطية: "الالتقاط هو الأخذ عن غير قصد"، فتكون للتَّعليل باعتبار المعنى الثاني.
(2/369)

{عَدُوًّا وَحَزَنًا}:
منَاسبٌ لمَا مَرَّ في قولِه: (وَلاَ تَخَافي وَلاَ تَحْزَنِي)، فالحزنُ مُصَرَّحٌ به، والخوفُ مِن لازِمِ قولهِ (عَدُوًّا)، لأن الخوفَ أكثَرُ مَا يُتوقَّعُ مِنَ العدُوِّ.

11 - {لِأُخْتِهِ}:
لمْ يقلْ "لابنتِها"؛ إِمَّا لأنهُ كانَ أخاهَا مِنْ أبيها، أوْ تعليقاً للطلبِ على الوصْفِ المنَاسِبِ لهُ، لاقتضَاءِ وصْفِ الأُخُوةِ الحنَانَ والشفقةَ.

14 - {وَاسْتَوَى}:
لم يذكر في قوله في يوسف (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ). أَمَّا مناسبةُ ذكرِهِ هنَا، فَلِصُدُورِ الوكْزِ منْ موسى، وإنما يكون معَ الاسْتواءِ بخلافِ المُرَاوَدَةِ.
(2/370)

27 - {قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ}:
يُؤخَذُ منهُ تقدِيمُ سمَاعِ الشهادَةِ منَ الوَلِيِّ، لأنَّهُ البائعُ قبلَ السماعِ منَ الزوج.

29 - {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ}:
يترجَّحُ كونُ الأجلِ العشْر، بأنَّ "ال" إنْ كانتْ للعهْدِ عادتْ على أقْربِ مذْكورٍ وهوَ العشرُ -كمَا في عَوْدِ الضميرِ- وإنْ كانتْ للعمومِ، فإما بمعنى الكُلِّ وإما بمعنى الكُلِّيةِ، وعلى كلِّ تقديرٍ، فالعشرُ مُرَادةٌ؛ أَمَّا علَى الأولِ فظاهرٌ، وأما على الثاني فلِصِدْقِ الكليةِ على ما وقعَ بهِ الاتْمامُ وهوَ الاثْنانِ.

33 - {إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ}:
فيها سؤَالانِ:
- الأولُ: أن إلقاءَ الجملةِ مؤَكدةً بـ (إنَّ)، إنما يكونُ لإنْكارِ المخَاطَبِ أوْ لتوهُّمِ إنكارِهِ، والمخاطَبُ هنا هوَ اللَّهُ تعالى، وهوَ عالمٌ بِقَتْلِهِ.
(2/371)

- السُّؤالُ الثاني: كيفَ قال (فَأخافُ)، وقدْ قالَ (لَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ). وجوابُ الأولِ أنهُ أكدَ بإن إخبارَهُ عنْ خوفِه، فأكد الجملةَ بهذا الاعتبارِ، من التعبيرِ عن الخوفِ الحاصِلِ في نفسِهِ على معنى المبالغَةِ، لَا خوفَ الإنكارِ عليهِ، لعلمهِ تعالى بمَا في نفسِهِ أيضاً.
وجوابُ الثاني: أنهُ فهِمَ قولهُ (لاَ تخفْ) مُقَيَّداً لا مُطلقاً على أحدِ التفْسيرينِ في ذلكَ.

34 - {أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا}:
هو معْنى قولِهِ (واحْلُلْ عُقْدةً مِّن لِّسَانِي)؛ لأنها في بعضِ الحروفِ.

36 - {مُفْتَرًى}:
ذكَرَ الزمخشريُّ فيه ثَلاثَةَ احتمالاتٍ، ويحتمل رابعاً، أي: مخترعا لم تسبقْ إليه، بدليل (ومَا سَمِعْنَا بهَذَا) أي الآيات
(2/372)

لَمَّا كذبوا بها، جعَلوها كشيءٍ واحدٍ مذكور.

37 - {وَقَالَ مُوسَى}:
قُرِئَ بالواوِ على حكايةِ المعنى، وبغيرِ واوٍ على حكايةِ اللفْظ. وانظر الزمخشري.

39 - {وَاسْتَكْبَرَ}:
الاستكْبارُ اسْتعْلاءُ امْرئٍ على غيرهِ معَ حقارة المسْتعلِي للْمسْتعْلَى عليهِ.
{بِغَيْرِ الْحَقِّ}:
إِما سلبٌ، أي: اسْتكبروا بغيرِ سببٍ، فيرجع إلى نفسِ الاسْتكبارِ؛ أوْ عُدُول، أيْ: بسببٍ هُوَ غيرُ حقٍّ، فيرجعُ إلى متعلقِ الاستكبارِ، وهو أظْهَرُ.
(2/373)

{وَظَنُّوا}:
الأرْجحُ حملُهُ على بابِهِ، وإِذا ذُمَّ عليْه فأحْرى على الاعْتقادِ المُصَمّم.

43 - {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}:
يدُلُّ أَن العُلُومَ تَذْكيريَّةٌ. والترتيبُ في بَصَائِرَ وَ (هُدىً) (ورحمةً)؛ لأن مَنْ تبصَّرَ بهِ اهتدى بهِ، ومنِ اهتدى بهِ رُحِمَ به.

44 - {الْأَمْرَ}:
أيْ: أمرَ موسى، مِنْ إلقاءِ العَصَا وغيرِهِ.

45 - {وَلَكِنَّا}:
وجْهُ الاسْتدراكِ، أي: أَنتَ لَمْ تحضرْ لذلكَ الذي جَرى لموسى، لكنْ أنتَ رسولٌ، فعلمْتَ ذلكَ مِنْ قِبَلِنَا.
(2/374)

47 - {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ}:
"لوْلا" هُنَا حرْفُ وُجُودٍ لامتناعٍ.
فإنْ قلتَ: شرْطُ ما تدْخُلُ عليهِ أنْ يكونَ موْجوداً لَا مقدَّرَ الوجودِ، وهو في الآية مقدر الوجود.
فالجوابُ أن "لولا" هنا دخَلتْ على مقدرٍ محذُوفٍ، أي: لوْلاَ سبب أنْ تصيبهُمْ.

63 - {الْقَوْلُ}:
إِنْ قلت: لِمَ جَعَلَ التذَكُّرَ علَّةً للقولِ الذي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الكلامِ؟.
قلت: إنمَا جُعِلَ علَّةً له مِنْ حيثُ كونُهُ جزءَ كلام، ومَا لَزِمَ الجزءَ لزِمَ الكُل.

67 - {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ}:
التوبةُ هنا الإقلاعُ عنِ الشِّرْكِ، والإيمانُ التصْديقُ بنبُوةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فهو تأسيسٌ.
(2/375)

{وَعَمِلَ صَالِحًا}:
العطفُ يقتضي مغايرَةَ العمَلِ للإيمانِ، إِلاَّ أنْ يُفَسَّرَ بالنوافلِ. وللمعتزِلَةِ في كونها من الإيمانِ قوْلانِ.
فإنْ قلت: الأصلُ فيما فُصِلَ بأمَّا أنْ يتقدمهُ مجملٌ كقوله: "جاءَ القومُ، أمَّا الصُّلَحَاء فأكرمتهم، وأمَّا الطُّلَحَاء فأهنتهُمْ". وَلاَ بُدَّ مِنْ صدقِ المُفَضَّل على كلِّ قسمٍ، فلا تقولُ: "جاءَ القومُ، أمَّا الكلابُ فضربتهُمْ، وأَما الَدَّوابُّ فعلفتهم"؛ ولَمْ يتقدمْ هنا غيرُ قوله تعالى (فَعَميَتْ عَلَيْهِمُ الأنبَاءُ) وهو لا يَحْسُنُ لِمَا ذكرنا.
قلت: هو تفصيلٌ لقولهِ تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسناً) الآية، أَوْ لِمفهومِ (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ)؛ لأن المبعوثَ إليهم منهمْ منْ آمنَ وعملَ صالحاً، ومنهمْ منْ لمْ يومنْ.
(2/376)

سُورَةُ الْعَنْكَبُوت
4 - {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}:
لمْ يقلْ "مَا يعملونَ"، لاسْتلزامِ الحكم العمَل؛ لأن الحاكمَ عاملٌ دونَ عكسٍ.

8 - {وَوَصَّيْنَا}:
هوَ أبلغُ مِنْ "أمَرْنَا"؛ لاقتضاءِ "وَصَّى" التَّكرارَ، بخلافِ "أَمَرَ".
{وَإِنْ جَاهَدَاكَ} الآية:
شبهُ احتراسٍ.

12 - {اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا}:
أي: سبيلَناَ الواضحَ البَيِّنَ لنا ولغيْرنا، ولذا لَمْ يقولوا "اتَّبعونَا" وإنْ كانوا هُمُ الحاملينَ.
(2/377)

{إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}:
تأسيسٌ لقولهِ (ومَا هُمْ بحَامِلينَ)؛ لأنهمْ قالوا (ولْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ).
الزمخشري: "هذا إنْكار منهمْ للحشْرِ، فقال تعالى (وَمَا همْ بحاملينَ مِنْ خَطَايَاهُم) رَدّاً لظاهرِ قولهمْ (إنَّهُمْ لَكَاذبُونَ) في إنكارهم الحشر، بلْ هم غير حاملين خطاياهم، والحشر حق".
وفي الآية رد على ابن قتيبة أنّ الكذبَ إنما يتعلق بالماضي، وأمَّا
(2/378)

ما يتعلق بالمستقبل فخُلْفٌ لا كذب؛ وتقريرُ الردِّ أن اللَّه كذّبهم في قولهم (وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) وعلَّقوا ذلك على اتِّباعِهم سبيلَهم؛ والصحيحُ أن الكذب هو "الإخبار بالأمر على خلاف ما هو" أعمّ مِن أن يكون متَعلَّقُه ماضياً أو مستقبلا.

22 - {وَلَا فِي السَّمَاءِ}:
وفي آية الشورى، لم يقل "ولا في السماء"، فقال صاحب "برهان القرآن":
"إنما قال هنا (وَلاَ فِي السَّمَاءِ)؛ لأن نمرودا صعد إلى جهة السماء، وآية الشورى ليس فيها ذلك".
(2/379)

ع: "وهذا يحتاج إلى خبر صحيح؛ والفرق عندي بين الآيتين قَصْدُ الإطناب في هذه، لتَقَدُّم قوله (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ) فعلَّق ذلك على المشيئة التي لا كسْب للعبد فيها، فناسَبَ الإطناب؛ وأما في آية الشورى فتقدَّمَها قوله (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فعلَّقَ ذلك على كسبِ أيديهم، وعقَّبه بذِكْر العَفو، فناسب ذكر الأرض خاصّة".

52 - {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا}:
الواقعُ في آياتِ القرآنِ تقديم (شهيداً) إلا في هذه الآية، ووجْه تقديم الظرف هنا أنه الأهمُّ لتقدّم ذكر المجادلة المقتضِية للبيِّنة.
(2/380)


الكتاب: نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد
المؤلف: أبو العباس البسيلي التونسي (المتوفي 830 هـ)
مما اختصره من تقييده الكبير عن شيخه الإمام ابن عرفة (ت 803 هـ) وزاد عليه
وبذيله (تكملة النكت لابن غازي العثماني المكناسي) المتوفي (919 هـ)
تقديم وتحقيق: الأستاذ / محمد الطبراني
الناشر: منشورات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - المملكة المغربية
الطبع: مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء
الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء: 3
أعده للشاملة/ أبو إبراهيم حسانين
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] 53 - {لَجَاءَهُمُ}:
لم يقل "لعاجلهم" مع كونه المناسبَ لـ "يستعجلونك"، لئلا يُتَوهم أن سببَ نزول العذاب بهم هو استعجالُهم.
(2/381)

سُورَةُ الرُّوم
30 - {حَنِيفًا}:
فسروا الحنيفَ بالمائل، ولم يذكروا مُتَعَلَّقَ الميل، وهو باعتبار فروع الشرائع، فإنّ شريعتَنا مائلةٌ باعتبار الفروع؛ لأنّ فروعَها أخفُّ من فروع غيرِها؛ واتّفق الكلُّ على الوحدانية.

55 - {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ}:
هذا مُتَعَلَّق القسَم، ووجْه الرّدّ عليهم بقول الذين أوتوا العلم، أنّ المجرمين حصروا لُبْثهم في ساعة، فردُّوا عليهم بأنَّ لبثهم غيرُ محصور ولا موَقَّت، بل هو إلى يوم القيامة، وهو غيرُ معلوم.
(2/382)

سُورَةُ لُقْمَان

6 - {بِغَيْرِ عِلْمٍ}:
عُدولٌ يقتضي وجود الموضوع، أي بشيء وهو غير علم، والمراد بـ "العلم" ما يستنبط بالعقل وبـ "الهدى" ما يستفاد من الغير وبـ "الكتاب" الدليل السمعي من القرآن والسنة.

7 - {وَلَّى مُسْتَكْبِرًا}:
يقتضي سماعه الآيات تتلى وقوله (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا): نَفَى السماعَ النافع.

17 - {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ}:
(2/383)

قول ابن عطية: "يريد بعد امتثَالِه في نفسِه"، اعتزال.

34 - {عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}:
وجْه حُكم الحصرِ في عِلْمُ الساعَةِ تقديمُ الظرف، وفي (يُنَزِّلُ الْغَيْثَ) من مفهوم (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ ماذَا تَكْسُب غَداً)، فإنه إذا لم يَدْرِ ما له فيه كسب، فأحْرى ما لا كسب له فيه، وهو إنزالُ الغيث.
(2/384)

سُورَةُ تَنْزِيل
2 - {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ}:
نَفَى الريب عن (تنزيل الكتاب)، وفي البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ ريْبَ فِيهِ)، نفى الريب عن الكتاب، فدلَّ مجموعُ الآيتين على نفْي الريب عن الكتاب وعن تنزيله. ويحتمل عَوْدُ ضميرِ "فيه" هنا على "الكتاب".

4 - {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ}:
الآية كالدليل للتي قبلها؛ لدلالة قوله (لِتُنذِرَ) على رسالته، فاستدل على ذلك بأنَّ مرسله خالق كل شيء، ومن ذلك ما ياتي من المعجزات.
(2/385)

{وَمَا بَيْنَهُمَا}:
مِن جمْلة ما بينهما أعمالُ العباد، فهى خلقٌ للَّه تعالى كما يقوله أهل السنة. وتثنية الضمير يدل أن ليس بين السماوات خرق.
{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}:
ظرفٌ للمخلوق دون الخالق، كقوله "قتل زيد عمراً يوم الجمعة في المسجد"، إذا كان عمرو داخله وزيد خارجه. والمراد بالأيام تقديرها، لأن الزمان إنما وُجِدَ بعد خلق السماوات.
{وَلِيٍّ}:
هو مَن يكون مِن جهة من يشفع فيه، ولا شفيعَ أعَمُّ مِن كونِه من جهتِه أوْ لا، فالعطف تأسيس.
فإن قلت: "شفيع" و "قتيل" أخصُّ من شافع، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
(2/386)

قلت: الذي يحتاج إليه في هذا المقام، هو الشّديد الشفاعةِ لا مطلَقُها.

5 - {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}:
ذكر ابن عطيَّة ست تأويلات، والزمخشري ثمانية.

13 - {وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا}:
قولهم: أي لو شئنا هدايةَ كلِّ نفس لهديناها. يرد عليه أن تَعلُّقَ المشيئة بالهداية إنْ كان تنجيزيا لزم تحصيل الحاصل، وإن كان صَلاحيا لزِمَ تناهي الإرادة القديمة لتناهي متعلقاتها، وهي النفوس؛ وما ثبت لأحد المتلازمين ثبت للآخر.
(2/387)

سُورَةُ الأحْزَابِ
4 - {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ}:
الظّاهرُ أنّ امتناعَ ذلك سمعاً، وتقريرُ الزمخشري امتناعَه عقلاً، بأنّه "إنْ فعَل بأحدهما مثلَ ما فَعل بالآخر فتحصيلُ الحاصل، وإلا لزم اتصافُ الجملةِ بالنّقيضين، وهو كونُه مريداً كارهاً عالماً ظانًّا"، هوَ بناءً على قاعدة المعتزلة مِنْ أنَّ الصفة إذا قامتْ بجزء من الذاتِ أوجبتِ الحكمَ لجميع الذات -حسبما ذكروه في باب النظر- فإذا قام العلمُ بأحد القلبين أوجب للذات كلها كونَها عالمةً، وإذا قام الجهل بالقلب الآخر، أوجب للذات كلِّها كونها جاهلةً، فيجتمعُ النقيضان.
فإن قلت: وقوله "إن فعل بأحدهما مثل ما فعل بالآخر، فتحصيل الحاصل"
(2/388)

لازمٌ في حاستَي السمع وحاستي البصر؛ لأن الحاصل من إحداهما مثل الحاصل من الأَخرى.
قلت: أمَّا على مذهب الأشعري في إدراكِ الحواسِّ أنّه من قبيل العلوم فلازم. وأمَّا على قول غيرِه أنها مُوصِلَةٌ إلى القلب كالطَّاقات له، وليست صفةُ الإدراكِ قائمةً بها بلْ بالقلب، فلا يلزم.
ويؤخذ من الآية منْعُ تزويجِ نَسَمَة مِنْ سُرَّتها إلى فوق صورةُ امرأتين، وإلى أسفل صورةُ امرأة واحدة؛ لأنهما أختان، بدليل اختلافِ أخلاقِهما كما حكاه عياضُ في "مداركه" في التي تزوجها الشافعي، ولو كانت واحدةً لكان لها قلبان.
(2/389)

5 - {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ}:
صيغة "افعل" هنا للوجوب؛ لرجوع ذلك لحفظ الأنساب، وهو أحد الكليات الخمس. وقول الفخر هي للإرشاد، يُرَدُّ بأنَّه في اصطلاح الأصوليين خاصٌّ بالأمور الدنيوية، حسبما قرَّره ابن التِّلمساني. ولَمَّا كان "ادعوهم" بمعنى انسُبوهم، تعدّى باللام.
ولفظُ الآية في الذكور والإناث، وهو عمومٌ خرج على سَبب، وفيه خلاف.
(2/390)

ومن النِّسبة للأمِّ محمد بن الْحَنَفِية؛ وفي "صحيح مسلم": "كان - صلى الله عليه وسلم - يحمل أمامةَ بنتَ زينب بنتِ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - على رقبتِه في الصلاة".
وفي "مسلم" أيضاً، في كتاب الطب "عن زينب بنت أم سلمة"، والظاهر أن ذلك لخصوصيةٍ فلا يُقاسُ عليه.
{هُوَ أَقْسَطُ}:
(2/391)

وقع لعياض في "الإكمال": "قسط بمعنى عدل، وتعقَّبه بعض الأندلسيين قائلا: سمعْتُهم يرْوونه كذلك فأنكرتُه عليهم فأصلحوه؛ وقال صاحب "المثل السائر" -ضياء الدين أبو الفتح المعروف بابن الأثير- في فصل الفصاحة: "قد يُعَبَّرُ عن الكلمة بغير موضوعِها العربيِّ، كقولِ البحتري:
شَرْطيَ الإنصافُ إنْ قيل اشترطْ ... وصديقي بَرٌّ إذا صَافى قَسَطْ
أي عدل. وإنما موضوعُ هذا اللفظ بمعنى "جَارَ".
(2/392)

{فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ}:
يدُلُّ أنّ ولدَ الملاعنة لا يُنسب لأمِّه.
{وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} الآية:
يدل أن الطلاقَ لا يلزم بمجرد اللفظ دون نية.
ابن رشد في "جامع البيان": "ورُفِع الحرجُ بهذه الآية عمَّن نَسَب الرجلَ إلى مواليه، أو إلى أنه أخٌ للمسلمين إذا لم يعلمْ أباه.
وأوجب عليه الحرجَ إذا تعمّده عالماً أنه غيرُ أبيه".
(2/393)

وقيل: معناها رفعُ الإثم عمن تعمَّد نسبةَ الرجل إلى غير أبيه قبل أن يَعرف نهيَ الله عن ذلك، وأوجب الحرجَ على من تعمد مخالفةَ أمر اللَّه بعد أن علِم.
فالخطأ الذي رفع الله فيه الحرج بهذه الآية وبالحديث على وجوهٍ منها:
- أن يفعل المحظور ظانًّا أنه مباح.
- ومنها أن يفعلَه في وقتٍ يظنُّه مباحاً فيه، كمَن أفطر في شهر رمضان ظانًّا أن الشمس قد غربت، وكمنْ يطأ الحائض ظانًّا أنها قد طهرت.
- ومنها: أن يفعله دون قصد إليه ولا إرادةٍ له، كالذي يرْمي الحجر حيث يجوز له، فيصيبُ به إنساناً فيقتله".

6 - {إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا}:
قولُ الزمخشري: "هو استثناءٌ من أعمِّ العام"، تقريرُه أن المستثنى منه عام في جميعِ وجوهِ المنفعة، من وصية أو هبة أو صدقة أو غيرِ ذلك،
(2/394)

وهو أعم من قوله (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ) لعمومِه في وجوه الميراث فقط؛ فالعامُّ هم المومنون والمهاجرون لعمومهم في جميعِ أفرادهم، والأعمُّ أحوالُهم من الإرث والعطايا المتنوعة للهبة والصدقة والحبس والوصية، لأن العام في الأشخاص المشهورُ أنه مطلق في الأحوال والأزمنة، فهذا الاستثناء متصلٌ.
ابن التلمساني: "الاستثناء قسمان:
- إخراج ما لولاه لوجب دخوله.
- وإخراج ما لولاه لصح دخوله".
فالاستثناء من أشخاص المومنين والمهاجرين هو مِنْ إخراج ما لولاه لوجب دخوله. والاستثناء من أحوالهم هو من إخراج ما لولاه لصلَح دخوله.
والفرق بين الأعم والعام بَيِّنٌ في الأصول. وقد تكرر هذا المعنى للزمخشري
(2/395)

بعد هذا في قوله تعالى (لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النبِيء إلاَّ أَنْ يُّوذَنَ لَكُمُ)، وفي سورة يوسف في قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ)، وفي سورة هود في قوله تعالى (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنَ امْرِ اللَّه إلا مَن رحِمَ)، ومن ذلك حديث "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل".
الطيبي: "أراد الزمخشري أنه استثناءٌ مُفَرغٌ في الثُّبوت". وقاعدة
(2/396)

المفَرَّغ أنه إنما يكون في النفي.

15 - {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ}:
أي حين القتال، وهؤلاء رجعوا قبل القتال؛ ومَنْ حلف ألا يولي الدُّبُرَ في قتاله لم يحنث برجوعه قبل القتال.
والجواب: إما أنهم رجعوا حين القتال عند استواء الصَّفَّيْنِ، أو أنهم عاهدوا ألا يرجعوا عن نصرة اللَّه ورسوله، فرجوعُهم عنها قبل القتال وبعدَه سواء.

16 - {إِنْ فَرَرْتُمْ}:
لوْ لم يُوتَ به لاَحْتمل كونَْ عدمِ نفعِ الفرارِ لعدم وقوعِه منهم؛ لأنّ السّالبة لا تقتضي وجودَ موضوعِها.
(2/397)

{مِنَ الْمَوْتِ}:
تعلقه بـ "فررتم" يؤدي إلى تناقض أولِ الآية وهو (لنْ يَنفَعَكُمُ) مع آخرها وهو (لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا) فقد نفعهم.

28 - {قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ}:
الظاهرُ أنه وعْد بالتخيير لا تخْيير؛ وأجمع المالكية على أنها إذا اختارت المُقام فلا طلاق بتخييرها كما قيل خارج المذهب؛ ويستشْكِل
(2/398)

على الخلاف عندنا فيمن خُيِّرَ بين شيئين هل يُعَدُّ منْتقلا، لأن على كونِه يعد منتقلا كان يلزمُ الطلاق، وهذا وجهُ القولِ به.
والجواب أن التخيير أمر جُعْلي جعَله الزوجُ بيد المرأة، ولا يتعلق الحكمُ إلا بما تبرِزه ويظهرُ للوجود، ولم يجعلْ بيدها ما في قلبِها.
ومسائلُ مَنْ خُيِّرَ بين شيئين قاصرةٌ على المخَيَّر دون غيره، وليس التخيير فيها جعليا فتعلق باللفظ والنية، وهنا لم يجعل لها الزوج إلا ما تلفظ به.
وقول الفخر: "تبليغُه - صلى الله عليه وسلم - لفظَ الآية واجبٌ لا معناها"، يُردُّ بأن تبليغ لفظِها يستلزم تبليغَ معناها، وذلك يستلزم وجوبَ التخيير، فقال (يُضَاعَفْ) إشارةً إلى كمال الرحمة والكرم، كما أنَّ الكريم الحَيِيَّ عند النفع يُظهر نفسَه وفعلَه، وعند الضرر لا يُظهر نفسه.
(2/399)

32 - {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ}:
قولُ الزمخشري: "المقصود تفضيلُ المجموع على المجموع"، يُرَدُّ بأنَّ الضمائر والمجموع كلية لا كل على الصحيح.
فإن قلت: قولك "ليس أحدٌ من الناس كزيد" أبلغُ من قولك "ليس زيد أحد من الناس"؛ لاقتضاء الأولِ ثبوتَ صفةِ الفضل له أصلا، واقتضاءِ الثاني عُرُوضَهَا له.
قلت: الفضيلة لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم -، إنما تثبت لهن من أجله، فهي عارضةٌ لهن.
فإن قلت: قال النحويون: تقول "ما كان أحدٌ مثلَك" و "ما مثلك أحد".
وقال القرافي: قولك " ليس أحد مثلك دائماً" لا ينعكس، فلا تقول "ليس
(2/400)

مثلك أحد دائماً". وأَوْرَدَ على ذلك قولَ المنطقيين أن السالبة الدائمة تنعكس كنفسها.
قلت: التحقيق في ذلك أنه إنْ أُريد نفيُ الحقيقة لم تنعكس، وإن أريد نفىُ الصفة انعكست؛ وكذا قولُ النحويين في قولك "ما كان أحد مثلك"، إن أريد نفي الحقيقة لم يجز، وإن أريد نفي الصفة جاز.

33 - {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}:
قولُ الشاطبي:
وَقَرْنَ افْتَحْ إِذْ نَصُّوا. ........
إشارة إلى أنها لغة منصوصٌ عليها، وهي لغة من قال "قرِرت" بكسر الراء، "أقَرُّ" بفتح القاف.
ابن عطية: "وهي لغة ذكرها أبو عبيد في "الغريب
(2/401)

المصنف" والزَّجَّاج".
والظاهر أن هذا الأمرَ بملازمة بيوتهن ليس نهياً عن مطلَق الخروج، بل عن خروج التبرج، فالجملة المعطوفة وهي (لَا تَبَرَّجْنَ) في معنى الجملة المعطوفِ عليها.
وأما بكاءُ عائشة رضي اللَّه عنها في آخرِ عمرها على خروجها يوم الجمل، فهو ورعٌ منها لا أنها فعلتْ منهياً عنه، وسَوْدَةُ أخذت بظاهر
(2/402)

الآية، وهو أن النهي عن مطلق الخروج.
{تَبَرَّجْنَ}:
دخل على النهي لا العكس، فلا مفهوم له.

35 - {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ}:
قال شيخنا ابن عرفة: "كان بعضهم يقرِّر وجه الترتيب في هذه المعطوفات بثلاثة أمور: الظَّاهر والأظْهر، والسّبب والمسبّب، والتّعدي والقُصُور؛ فقدّم الإسلام لظهوره وخفاءِ الإيمان.
وقدّم الإيمان على القنوت لأنه أظهر من القنوت؛ لأن "القانت هو القائمُ بالطاعة الدائمُ عليها"، قاله الزمخشري؛ فيُعْرف إيمانُ الإنسان بمجرّد مخالطته، ولا يُعلم أنه قانتٌ إلا بدوام مخالطته؛ ولأنّ القنوتَ مشروطٌ بالإسلام، ورتبةُ الشرط أن يكون مقدّماً على المشْروط.
(2/403)

وقدَّم القانتين على الصادقين والصابرين؛ لأنّ الصادقَ هو الذي يصدُق في نيته وقوله وعمله، والصّابر الذي يصبر على فعل الطاعة وعن المعاصي، فحُصُولُ وصْف القنوت لهم مع الإسلام، سببٌ في اتِّصافهم بالصدق والصّبر، ورتبةُ المسبّب أن يكون بعد سببه. أو نقول: القنوت عبارة عن مطلق الطاعة؛ والصدق عبارة عن مطابقة الأمر، فيرجعُ لامتثال المأمورات؛ والصبر اجتناب المنهيات، لأنه منع النفس عن شهواتها، وكلُّها مُتَعَلَّقاتُ الطاعة، فَذَكَرَهَا بعدَها كالتفسير بعد الإجمال.
ثم قال (والْخَاشِعِينَ)، إشارةً إلى أن منْ حصلت له هذه الأوصاف، لا ينبغي له أن يثق بعمله، بل لا يزالُ خائفاً خاشعًا؛ لأن هؤلاء مع فعلِهم هذا كلِّه متَّصفون بالخوف والخشوع.
وأخَّر (المتصدقين) إمَّا لأن ما قبلَه أوصافٌ قاصرةٌ، وهو وصفٌ بطاعة متعدية للغير، وإمَّا لِما في حديثِ أولِ كتابِ الطهارة من "صحيح مسلم" من أن "الصدقة برهان"، فهي كالدليل على صحةِ ما تقدم من الطاعات، ورتبةُ
(2/404)

الدليل أن يكون بعْدَ المدلول.
وأخَّر الصيام لأنه أمرٌ عَدَمي راجعٌ لترْك الأكل والشرب والاستمتاع، وجميعُ ما قبلَه أمرٌ وُجُودي، والوجودُ أشرف من العدم. فقَدَّم الصومَ على حفظ الفروج؛ لأن الصومَ تركٌ غيرُ دائم في زمانٍ ما وهو النهار فقط، وحفظُ الفروج تركٌ دائم في كل الأزمان، فالصومُ أقرب إلى الوجود، وحفظُ الفروج أبْعدُ منه. وأخَّرَهَا عن المتصدقين لأن الصدقات مَظِنَّةُ الغنى، ومنْ حصَل له الغنى فهو متمكن من شهوتَيْ بطنِه وفرجه، فأفادَ أنهم مع ذلك يتركون شهوةَ بطونهم بالصوم، وشهوةَ فروجهم بحفظها عن المحارم، فجاء هذا شبه الاحتراس والتكميل.
وأخَّرَ الذاكرين اللَّه كثيرا، إشارةً إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر قوله لا إله إلا اللَّه دخل الجنة"؛ أو لأنه كالعلّة الغائِيّةِ التي قال الحكماء فيها: "أولُ الفكرة آخرُ العمل"، فأفاد أن فعلَهم ذلك كلَّه إنما كان لذكرِهم اللَّه تعالى واستحضارِهم مقامَ الهيبة والإجلال.
(2/405)

المقترح في "الأسرار العقلية": "لا ثواب في الذكر العَرِيِّ عن النية، وهو كصوت ما لا يعقل".
قلت: ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الأعمال بالنيات".
والذكر في الآية يحتملُ الذكرَ اللساني والذكر القلبي أو هما معاً.
ونذكر بحث الشيخ بن عبد السلام مع الشريف التلمساني.
الزمخشري: "إن قلت: أي فرقٍ بين عطف الإناث على الذكور وعطفِ الزوجين على الزوجين؟ "، يريد: أي فرق بين عطف مجموعِ كلِّ صنفٍ من هذه المزدوجات من إناث وذكور على مجموعِ الصنفِ الآخر وبين عطف إناثِ كلِّ صنف على ذَكَرِه؟.
فأجاب: "لأن عطف الإناث على الذكور عطف ذَوَاتٍ، وعطف المجموع
(2/406)

على المجموع عطف صفات". قال: "معناه أن الجامعين لهذه الطاعات أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً". انتهى.
ويُرَدُّ عليه بقوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) الآيةِ، فليس المراد ألا يأخذها إلا من اجتمعت فيه هذه الأوصاف، بلْ كلُّ نوع من هذه المذكورات له فيها حظِ؛ وكذلك قال مالكِ فيمن أوصى بثلث ماله للعلماء والفقراء والمجاهدينِ والصلحاء، أَنه لا يُقْصَرُ على من جمع هذه الأوصاف، بل للعالم حظ منها وإن كان غنياً غير مجاهد، وكذلك الفقير وإن لم يكن عالماً ولا مجاهداً، وكذلك المجاهد
(2/407)

وإن لم يكن عالماً ولا فقيراً. لا يقال: لَمَّا رَتَّبَ عليه الأجرَ الأخصَّ وهو العظيمُ وَجَبَ قصْرُهُ على الأخصِّ وهو مَنْ جمع الأوصافَ كلَّها؛ لأن فضل اللَّه تعالى واسع.
وقال في ذكر مريم بنت عمران (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين) فأدخلَها في وصف الذكور، ولم يقل "وكانت من القانتات"، وذلك تشريف لها وتعظيم. وهنا لم يكْتَفِ بوصف الذكور عن وصف الإناث، مع أن الجمع يتناولهن على جهة التغليب.
فإن قلت: قد قال المفسرون: سبب نزولها أَن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - قلن له: "قد ذكر اللَّه تعالى في كتابه الرجال ولم يذكر النساء"؛ فنزلت الآية.
قلت: التصريح بذكرهن أَدْخَلُ في مقام التَّطْمِين لنفوسهن.
{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً}:
قيل: كيف تتقرر المغفرةُ لهن مع قوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)؟ وهذه الأوصاف كلُّها محصِّلةٌ للثواب المذْهِب للذنوب، فلم يبْقَ ما يُغفر.
(2/408)

وأُجيبَ بأنها سبب في المغفرة وتنكيرُها للتعظيم، كقوله تعالى (وَلَيَالٍ عَشْرٍ).

36 - {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ}:
قيل: هو خبرٌ في معنى النهي، وليس بنفي ولا بخبر حقيقةً؛ لأن زينبَ لما خطبها رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لزيد، امتنعت هي وأخوها عبد اللَّه، فنزلت الآية فأذعنت وامتثلت أمره.
وكذلك أم كلثوم بنت عقبة لما وهبت نفسها للنبي وقَبِلَهَا، وزوجها
(2/409)

لزيد كرهت ذلك هي وأخوها؛ فالمخالفة منهم قد وقعت، فيلزم عليه إما الخلفُ في الخبر أو كونُ المخالِفِ له غير مومن، فتعَيَّن كونُه نهياً، كذا قال ابن عرفة.
ويجاب بأنَّ المنفي ثبوتُ ذلك لهما حكماً لا الوقوع، كما تقول لمن فعل فعلا "ليس لك أن تفعله". وعبَّرَ الزمخشري عن ذلك بقوله "وما صَحَّ".
وهذه الآية مما يحْسُن مثالا للعام الذي لم يخصص، وهو من آيات الأحكام. وقد قال الفخر: "عمومات القرآن مخصوصة إلا قوله تعالى (وَاللَّه بِكُلِّ شَئءٍ عَلِيمٌ) "، فردَّه ابن التلمساني بعدم انحصاره في ذلك، بل منه قوله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)،
(2/410)

وقوله (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)، وقوله (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). ونُقِل عن ابن الحاجب أنه كان يقول: "الأَوْلى تمثيل ذلك بآية ينبني عليها حكم متفق عليه، وذلك قوله تعالى (وَلاَ تُنكحُوا الْمُشْركِينَ حَتى يُومِنُوا) ".
قال شيخنا: "نَقَل عنه ذلك الشيخ بن عبد السلام، فذكرته للشيخ الشَّطِّي، فقال: "قد اختلفوا هل يصح أن يتولى المسلم عقد نكاح المشركة من المشرك أو لا، والآية محتملة لهذا".

37 - {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ}:
كلامُ ابن عطية هنا لا يَحِلُّ كَتْبه؛ لاقتضائه التّنقيص. بلِ الصوابُ والحق أن الله أوحى إليه أن يتزوجها. وما نقله ابن عطية لم يَرِدْ في
(2/411)

حديث صحيح، وإنما ذكره المفسرون.
وقول ابن العربي: "في الآية دليل على عدم اشتراط الكفاءة في الحسب؛
لأن زيداً كان مُعْتَقاً". يُرد بوجهين: إمَّا رضيت أو هي قضيةُ عين.

38 - {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}:
تكلّم الفخر هنا في الفرق بين القدر والقضاء بكلام فيه نَظر.
ع: "الفرق عندي بينهما أن القدرَ عبارةٌ عن القدرة على الشيء بالإطلاق، والقضاءَ عبارة عن وقوعه بالفعل، فهو أخصّ".

40 - {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ}:
المقصودُ نفيُ الأبوّة عن زيد، فأَتَى بما يسْتلزم ذلك؛ لأن السّالبة
(2/412)

الكليةَ تستلزم سلْب الموجِبة الجزئية.
الزمخشري: "إنْ قلت: قد كان عنده ولدُه إبراهيم والقاسم والطاهر والطيب".
قلت: قد أُخْرجوا من حكم النّفي بقوله (مِن رِّجَالِكُمْ) من وجهين:
- أحدهما: أن هؤلاء لم يبلغوا مبالغ الرجال.
- والثاني: أنه قد أضاف الرجال إليهم، وهؤلاء رجالُه لا رجالهُم.
فإن قلت: أَمَا كان أباً للحسن والحسين؟.
(2/413)

قلت: بلى، ولكنهما لم يكونا رجلين حينئذ، وهما أيضاً من رجاله لا من رجالهم، وشيء آخر: وهو أنه إنما قَصَدَ وَلَدَه خاصة، لا ولد ولدِه. فأجاب بأن المرادَ بقوله (مِن رِّجَالكُمْ) حين نزولِ الآية، وإبراهيم والقاسم لم يكونا حينئذ من الرجال".
قلت: ومِنْ هذا المعنى قولُ مالك في "المدونة": "فمَنْ أوصى بعتق عبيده المسلمين، وله حينئذ عبيدٌ مسلمون وعبيد نصارى فلم يمُتْ حتى أسلموا، إنما يُعْتَقُ مَن كان مسلما حين الوصية"؛ فجَعَلَهَا حقيقيةً لا خارجية.

{وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}:
قُرِئ بفتح التاء بمعنى أنه في النبيئين كالطّابع الذي يختم به الكتاب،
(2/414)

وقُرئ بكسر التاء بمعنى آخرهم، والختْمُ على الأوّل مسندٌ لأمْر الله، وعلى الثاني إليه. و"خاتَم" بالفتح اسم جامد، وبالكسر صفة بمعنى اسمِ الفاعل، ومن هذا المعنى كتْب تاريخ الكتْب في الموفى ثلاثين بفتح الفاء وكسرها، وكذا الموفى عشرون.
وتكلم ابن عطية في الغزالي وفي القاضي أبي بكر الباقلاني، وهما من كبار أهل السنة؛ أما القاضي أبو بكر، فكتب الفقيه أبو عبيد الزبيدي بخطه في طرَّة هذا الموضع من ابن عطية، أنّ القاضي لم يقل ما نقله ابن عطية عنه في "الهداية" بوجْه، وأن ابنَ عطية أخطأ وَوَهِم في ذلك. وأما الغزالي فقال في "الاقتصاد": "إن خاتم من الألفاظ المحتملة للتأويل".
(2/415)

ابن الحُبَاب: "يُحتاجُ هنا إلى معرفة حقيقةِ النَّص فنقول:
هو اللفظ الدال على معنىً لا يحتمل غيره بذاته حسبما قاله الفخر في "المحصول" قائلا: احتمالُه غيرَ معناه لأمر خارجِ، ممكنٌ في كلِّ نصٍّ؛ لأن قولَك "له عندي عشرة"، لفظُ عشرةٍ فيه مُحْتَمِلٌَ للاستثناء والتقييد إما بالصفةِ أو بالشرطِ أو غيرِ ذلك، فلا يوجَدُ بهذا الاعتبار نصٌّ أصلًا، وإنما يقال: هو اللفظُ الدالُّ على معنىً لا يحتمل غيرَه لذاتِه؛
(2/416)

ولفظُ ابن عطية قال: لفظ هذه الآية مع قوله "أَنَا خَاتِمُ الأنْبياء" عند علماء الأمة نص صريح في أنه لا نبي بعده. وما ذكره القاضي الباقلاني في كتاب "الهداية" من أنه ظاهر ليس بنص، وما ذكره الغزالي في "الاقتصاد" أيضا إلحادٌ وتَطَرُّقٌ إلى إفْساد عقيدة المسلمين في ختمه للنبوءة.
قلت: ولفظ الغزالي في آخر "الاقتصاد": "الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يَرِدْ فيه نص قطعي، وذهب النَّظَّام إلى
(2/417)

عدم العمل به.
قال: "وهو مردود بقوله تعالى (وَخَاتِمَ النبِيئِين).
قلت: فكلامه هذا يدلُّ أن ختمه للنبيئين إذاً ثبت عنده بالإجماع. وقال الفخر في "كتابه" أن الأدلة الشرعية لا تفيد الظنَّ فضلاً عن اليقين، لإمكانِ تأويلها، وسَلَّم ذلك له التلمساني. وحَكى القاضي أبو الوليد الباجي في تأليف له في أصول الدين -سماه "التلخيص"- عن جماعة من المبتدعة
(2/418)

تجويز بعثةِ رسولٍ بعده - صلى الله عليه وسلم -؛ وسمى هذه الطائفة الخويزمندادية.

41 - {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}:
لما ورد الشيخ الفقيه أبو عبد اللَّه محمد الشريف التلمساني شارح "الجمل" الخونْجي حضرةَ تونس، حضر يوماً مجلس الشيخ ابن عبد السلام، فجرى بينهما بحث في المراد بالذكر في الآية هل اللساني أو القلبي؛ فرجَّح ابن عبد السلام كونَه القلبي، بأن الضدين يجب اتحادُ محلِّهما، والذكرُ ضدُّه النسيان ومحلُّه القلب؛ فعارضه الشريف بأنَّ الذكر ضده الصمت ومحله اللسان. وقيل: أصل الكلام للشريف، وجوابه لابن عبد السلام.
وقد ذكر هذا البحث ناصر الدين بن المنير وابن العربي في "المسالك"، ثم إن ابن عبد السلام قرأ على الشريف "إشارات" ابن
(2/419)

سينا، والشريف حينئذ صغير السن جدا، لأن ذلك كان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة، وولد الشريف عام ستة عشر، وهو عام مولد شيخنا ابن عرفة: ولد ليلة سبع وعشرين من شهر رجب من العام المذكور، وتوفي الشريف عام اثنين وسبعين، وتوفي شيخنا ابن عرفة يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة، وله من العمر سبعة وثمانون عاما غير شهرين وثمانية أيام. ومن نظمه قرب وفاته:
بلغْتُ الثمانين بل جُزْتُها ... فهان على النفسِ صعبُ الحِمام
وآحادُ عصري مضوْا جملةً ... وصاروا خيالا كطيف المنام
وأرجوا به نيلَ صَدْرِ الحديث ... بحبِّ اللقاء وكُرْهِ المُقام
وكانت حياتي بلطف جميل ... لسبق دعاء أبي في المقام
(2/420)

أراد حديث "من أحب لقاء اللَّه أحب الله لقاءه"؛ هذا صدره، وقوله "وأرجوا به" أي بالعمر المذكور، وأنشدني بعض أصحابنا تخميسه بقوله:
علِمتُ العلوم وعلّمتها ... ونلتُ الرياسةَ بل حُزتُها
وهاك سنِينِيَ عدَّدْتُها ... بلغت الثمانين بل جزتها
فهان على النفس صعب الحمام
فلم تُبْق لي في الورى رغبةً ... ولا في العلا والنهى بغيةً
وهيهاتَ أرجِّيهما لحظةً ... وآحاد عصري مضوا جملةً
وعادوا خيالا كطيف المنام
ونادى الرحيل وما لي مغيث ... وحثَّ المطيةَ كل الحثيث
وإني لَرَاجٍ وحبي أثيث ... وأرجو به نيل صدر الحديث
بحب اللقاء وكره المقام
فيا رب حقق رجاء الذليل ... ليحظى بدارك عما قليل
(2/421)

فيمسى رجائي بموتي كفيل ... وكانت حياتي بلطف جميل
لسبق دعاء أبي في المقام
الزمخشري: "التسبيح أفضل من الذكر". ابن عرفة: "التفضيل حكم شرعي لا عقلي، ولم يَرِدْ في الشرع في ذلك شيء، والنظر يقتضي كونَ الذكر أفضلَ؛ لأنه ثبوتي، والتسبيح سلبي، والوجود أشرف من العدم".
قلت: يُعارَض بأنَّ التسبيحَ دعاءُ أهلِ الجنة، قال تعالى (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ). وقول ابن عباس: "المراد بالآية دوام الذكر"، يريد بحسب الإمكان، وإلا لزم تكليفُ ما لا يطاق.

50 - {إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ}:
ابن عطية: "عن ابن زيد: أي: وأحللْنا لك جميع النساء. وعن ابن عباس: المرادُ أزواجُه التسعُ اللاتي هنَّ في عصمته".
(2/422)

قلت: فعلى الأول تكون القضيةُ حقيقيةً، وعلى الثاني خارجيةً، وهما أيضا على قَوْلَيِ الفارابي وابنِ سينا في صدْقِ العنوان على الموضوع بالقابلية أو بالفعل.
فإن قلت: قولُ ابنِ عباس يلزم عليه تحصيلُ الحاصل. قلت: أفاد لازمَ الإحلالِ وهو شرفُهُنَّ به، ويحتمل كونُ (أَحْلَلْنَا) خبراً لا إنشاء.

53 - {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ}:
من شرط ما بعد "لكنْ" كونُه مناقضاً لِمَا قبلَها؛ وفي صحّةِ كونِه مخالفا فقط قولان، وهو هنا موافقٌ في الظّاهر؛ لأنه عينُ مفهومِ ما قبلَها. والجواب أن ما قبلها اقتضى جوازَ الدخول بعد الإذن باعتبارِ مفهومِه وهو أعمُّ من الوجوب، وما بعدها اقتضى وجوبَ الدخول لأنّ صيغة "افعل" للوجوب، وهو مخالف للجواز ومغايِرٌ له مغايرةَ الأعمِّ للأخص، والجزءِ للكل.
ابن العربي: "يوخذ من الآية أن طعامَ الضيافة لا يملك الضيفُ غيرَ الانتفاعِ به لا ذاتَه "
(2/423)

قلت: كذا في الأيمان والنذور من "العتبية": "وهو مَنْ حلف لا أكَلَ طعام نفسِه في المسجد، فأخرج ابنُه لقمةً لسائِل، ثم ردَّها إلى المسجد فأكلها هو حَنَثَ". قال: "ولو أضافه إنسان بطعام فأكله في المسجد لم يحنث؛ لأنه لم يأكلْه إلا على ذمَّةِ إلا ربِّه، وليس له فيه سوى الانتفاع".
(2/424)

(الجزء الثالث)

سورة سبأ
12 - {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ}:
أي: وسخرنا لسليمان الريح. وقال في داود: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوودَ الْجبَالَ) ولم يقل "لداود" كما قال "لسليمان"؛ لأن اللام فيها معنى التسَليط. ولما حصل للجبال وللطير شرفٌ بالتسبيح، نَاسب الإتيان بـ "مع" مضافةً إلى داوود، الدالّ على المشاركة في الفضيلة معه؛ بخلاف الريح لما لم يحصلْ لها ذلك الفضل، ناسب الإتيان معها باللام الدالّة على أنها مسّخرة تسخير المملوك لمالكه؛ إذْ لا مشاركة بين المملوك والمالك في الشرف؛ قاله الفخر.

24 - {إِلَّا لِنَعْلَمَ}:
قول ابن عطية: "أي نعلمه موجودا". يُردّ بأنّ علمَه به تعالى سابقٌ على
(3/425)

وجوده، كذا قال ابن عرفة؛ وهو بناءً منه على أن "موجودا" في كلام ابن عطية حال مقارنة، ويحتمل كونها مقدّرة أو هو مفعول ثان.
الزمخشري: "المراد بالعلم ما تعلّق به العلم" الفخر: "أي ليَقَعَ في العلم صُدُورُ الإيمان من المومن والكفر من الكافر، وكان في العلْمَ قبلَ صدور ذلك أنه يكفر زيد ويومن عمرو؛ لأن علمَه تعالى من الأزلَ إلَى الأبد محيطٌ بكل معلوم، وعلمُه لا يتغير، ولكن يتغير تعلُّقُ علمِه، فإنّ العلم صفةٌ كاشفة يظهر بها كلُّ ما في نفسِ الأمر؛ فعلم اللَّه تعَالى في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وُجد علمَه بذلك العلم، وإذا عُدِمَ علمَه معدوماً بذلك، مثاله: المرآة الصقيلة فيها الصفاء، ويظهرَ فيها صورة زَيد إن قابَلَهَا، ثم إنْ قابلها عمرو تظهر فيها صفتُه، والمرآة لا تتغير في ذاتها ولا تتبدل في صفاتها، إنما التغيُّر في الخارجات".
(3/426)

24 - {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ} الآية:
وفي الذاريات (وَفِي السمَاءِ رِزْقُكُمْ)، والجواب أن أصله في السماء.

42 - {عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}:
وفي سورة السجدة (الذِي كُنتُمْ به): جُعل المكَذَّبُ به هناك العذابُ، وهنا النار؛ وهم كانوا يكذبون بالكل.
أجاب الفخر بأنَّ هناك لم يكن أول ما رأوا النار، بل كانوا فيها من زمان، بدليل قوله (كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ)،َ أي الَعذاب المَؤبد الَذي أنكرتموه بقولكم (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً)، أي قلتم:
(3/427)

إن العذاب إنْ وقع فلا يدوم فذوقوا الدائم. وها هنا أول ما رأوا النار، لأنه مذكورٌ عَقيبَ الحشر والسؤال، فقيل لهم: (هَذه النَّارُ التِي كنتُم بهَا تُكَذِّبُونَ).

47 - {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}:
أي رقيبٌ مهيْمِنٌ مُطَّلِعٌ على دَعْوَايَ الرِّسالة، فإظهارُه المعجزات على وفْق دَعْواي دليلٌ على صدقي؛ كما في المثال الذي ذكره الإمام في "الإرشاد"، في القائل "أنا رسول الْمَلْك إليكم، وهو في ملأ من الناس، بمرأى من الملك ومسمع. وقال أيها الملكَ: إن كنت صادقا في قولي إني رسولك فغير عادتك، ففعل ذلك" ... إلى آخر ما قال.

49 - {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}:
الحق هو الموجود، فما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - من التوحيد والرسالة والحشر حق لا يمكن انتفاؤه، وما يأتون به من الإرْصَادِ والتكذيب لا يمكن وجوده،
(3/428)

فهو باطل لا ثبوت له، وهو معنى (وَماَ يُبْدئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)، أي لا ثبوت له أولاً ولا آخرا، وهو معنى قوله في الآية الأخرى (بَلْ نَقْذفُ بالْحَقِّ عَلَى الْبَاطل فَيَدْمَغُه)، أي فيظهرُ بطلانُه الذي لم يزل كذلَك؛ (فَإذَا هُوَ زَاهقٌ)، أي زهوقه ثابت له غيرُ متجدّد، ولهذا عبّر بالاسمِ وألزَمه الإشَارةَ بقوله تعالى في موضع آخر (وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)، أي ليس ذلك أمراً متجددا.

50 - {قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}:
أصل التقابل "فإنما أهتدي لنفسي"، كقوله (مَنْ عَمِلَ صَالحاً فَلنَفْسه وَمَنَ اسَاءَ فَعَلَيْهَا)، وقوله (فَمَنِ اهْتَدَى فَلنَفْسه وَمَن ضَلَ فَإنَّمَاَ يَضَلّ عَلَيْهَا)؛ أو يقال: "فإنما أضل لنفسي".
أجاب الزمخشري " بأنهما متقابلان من جهة المعنى؛ لأن النفسَ كلُّ ما عليها فهو بها، أي كلُّ ما هو وَبَالٌ عليها وضارٌّ لها فهو بها وبسببها
(3/429)

لأنّها الأمَّارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فَبِهدايةِ ربها وتوفيقِه".
قلت: قوله "فهو بها"، على مذهبه خلْقا وعلى مذهبنا كسْبا؛ ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل. قال: "وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله بأنَّ يُسنده إلى نفسه؛ لأنه إذا دَخل تحتَه جلالة محلِّه، كان غيرُه أولى به".
قلت: وقال الفخر: "المعنى أن ضلال نفسي كضلالكم، وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم، وإنما هو بالوحي المبين".

52 - {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ}:
هو التناول عن قريب؛ أي: كيف يقدرون على الظفر بالمطلوب وذلك لا يكون إلا في الدنيا، وهم في الآخرة، والدنيا من الآخرة بعيدة، لكن الآخرة من الدنيا قريبة؛ لأن الماضي لا وصول إليه، والمستقبل قريب،
(3/430)

وكل آت قريب. وجعل ظرف الفعل وهو الزمان كظرف الجسم وهو المكان، فقال مِن مكَانٍ بَعِيدٍ، والمراد ما مضى من الدنيا.
(3/431)

سُورَةُ فَاطِر
10 - {وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ}:
إما من حذف الموصوف، أي: المكَرات السيئات، أو يمكرون بمعنى يفعلون، فيتعارض الإضمار والمجاز.

19 - {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ}:
نذكر مسألة ابن الحاجب "الأصلي" في باب العموم: "العموم في مثل لا يستوي".
(3/432)

وذكر في الآية أربعة أمثال؛ قدَّم الأشْرف في مثلين، وهما الظل والحَرُور، وأخَّره في مثلين وهما البصير والنور. فقال الفخر: "يقول المفسرون في مثل هذا إنه لتواخي أواخر الآي وهو ضعيف؛ لأن تواخي آخرِ الآي راجعٌ إلى السجع، ومعجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ؛ فالشاعر يقدِّم ويؤخِّرُ للسجع، فيكون اللفظُ حاملا له على تغْيير المعنى، وأمّا القرآنُ فحكمتُه بالغةُ المعنى، فلا يقدَّم فيه ولا يؤخر".
قلت: قوله "معجزة القرآن في المعنى لا في مجرد اللفظ" خلافُ المختار.
قال: "فالجواب أن الكفر لَمَّا كان متقدما في الزمان على الإيمان قدَّمه عليه في اللفظ، ثم لما ذَكَر المآل والمرجعَ قدَّم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب، لحديث "سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي".
قال: "وكرر "لا" بين الظلمات والنور وبين الظل والحرور وبين الأحياء والأموات، ولم يكرِّرْ بين الأعمى والبصير؛ لأنّ المنافاة بين ما عَدَا الأعمى والبصير أشدُّ منها بين الأعمى والبصير، إذ المنافاةُ بينهما مِن حيث، الوصف، وقد يجتمعان في شخص واحد، والأعمى والبصير يشتركان
(3/433)

في مطلق الإدراك".
سؤال آخر، قال: "قَابَلَ الأعمى بالبصير بلفظ الإفراد، وكذلك الظل بالحرور، وقابل الأحياء بالأموات، والظلمات بالنور بلفظ الجمع فيهما؟.
والجواب أنه قابل في الإفْراد الجنسَ بالجنس دون الأفراد؛ لأن في أَفراد هذا الجنس ما يتقارب؛ إذْ قد يكون الأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البليدَ البصير، لكنَّ جنسَ البصير خيرٌ من جنس الأعمى، وما مِن ميتٍ يساوي في الإِدراك حيّا من الأحياء.
وأما جمع الظلمات فلتعدُّد طُرُق الباطل، وتوحيدُ النور لاتِّحاد الحق وهو التوحيد، كما قال تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ). فذووا الباطل منهم من عَبَدَ الكواكب، ومنهم من عبد النار، ومنهم من عبد الأصنام التي على صور الملائكة ... إلى غير ذلك، وهذه الظلمات كلُّها ليس فيها ما يساوي النور؛ وأيضا النور يتوقَّف على وجود النور ومحلِّ الاستنارة، وعدمِ الحائل
(3/434)

بينهما، ومتى فُقِدَ شيء من هذه الأمور الثلاثة كانتِ الظلمةُ فيه أكثر".
قلت: فالحاصل مما مَرَّ ثلاثةُ أسئلة وأجوبتُها.

22 - {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}:
انظر الجمع بينهما وبين حديثِ أهل القليب يومَ بدر، قال: "مَا أنتم بِأَسْمَعَ منهم" حين ناداهم - صلى الله عليه وسلم -.
(3/435)

والجواب: لا تعارض بين عام وخاص، بل يخص به العام.

24 - {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ}:
يُؤخذ منه أنه لَمْ يَخْلُ عقْل مِنْ سَمْع؛ وفيه خلافٌ ذَكَرَه ابنُ بشر وغيرُه في أول كتاب الجهاد في مسألة الدعوة قبل القتال.

27 - {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}:
الفخر: "ذُكرَ هذا الدليلُ على سبيل الاستخبار؛ والدليلُ المتقدم -وهو قوله (وَالله الذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ) - على سبيل الإخبار.
والجواب من وجهين:
- أحدهما: أن إنزال الماء أظهرُ، إذْ لا يخفى على أحدٍ رؤيتُه، والاستفهام بمعنى التقرير إنما يكون في الشيء الظاهر جدا.
- الثاني: أنه تقدم ذكر أدلة حصل بها للمدعي، بَصَارَةٌ بوجوه، الدلالات، فقيل له: أنت صرت بصيرا بما ذكرناه من الأدلة، ولم يبق لك عذر، ألا ترى هذه الآية! ".
(3/436)

28 - {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}:
قول ابن عطية: "قال بعضهم: الخشية رأس العلم. والصحيح العكس"؛ يُرَدُّ بأن الصحيح قولُ بعضِهم، للحديث الذي ذكره فانظره.

34 - {أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}:
قيل: المراد به كراء الدار، نقله الزمخشري.
قلت: ويفهم من مناسبة قوله (الذِي أَحَلنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ) أي الإقامة.

36 - {كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ}:
المشبه أضعف من المشبه به، وهنا العكس؛ لأن "كفور" أبلغ من "كافر".
(3/437)

ويجاب بأنَّه من عكس التشبيه.

40 - {مَاذَا خَلَقُوا}:
لا يقال: هذا يقتضي أن من لوازم الإله اتصافه بالخلق، فيلزم قِدَمُ العالم.
وجوابُه أنه لمّا كانت الألوهية أمرا نظريا لا ضروريا، استدل عليها بأثرها.
أي: لو كانوا آلهة لظهر أثر قدرتهم.
فإن قلت: لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.
قلت: يلزم من عدم العلم بالدليل بعدَ البحثِ عنه، عدمُ العلم بالمدلول.
- {أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ}:
إن قلت: كيف يتقرر الردُّ عليهم بهذا؟، مع امتناع اجتماع مُؤَثِّرَيْنِ على مؤثر واحد.
قلت: هو تَنْزِيلٌ مُقيمٌ على ما يفهمه العَوَامّ؛ لأنهم يتصورون اجتماع رجلين فأكثر على الفعلَ الواحد.
- {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا}:
نفْي للدليل السمعي، وما قبلَه نفيٌ للدليل العقلي؛ ثم عقَّب ذلك بدليل
(3/438)

عقلي دالٍّ على وحدانيته تعالى، وهو (اِنَّ اللَّه يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ).

41 - {إِنْ أَمْسَكَهُمَا}:
أي: فلا راد لهما ولا ممسك.
ابن عطية: "إنْ" الأولى بمعنى "لو"؛ والمعروف إتيان "لو" بمعنى "إنْ" لا العَكس.

42 - {مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ}:
أي من المحق في الأمم.
ابن رشد، في كتاب الإيلاء من "البيان" وفي "المقدمات":
(3/439)

"من حلف لا وطئ زوجتَه أكثرَ من ستة أشهر، فهو مُولٍ؛ وإنْ قال: إن وطئتُها لأكثرَ مِن أربعة أشهر، فكلُّ مملوك أملكُه حُرّ، فإنه إذا وطئها تنعقد عليه اليمين، ولا يكون مُوليا" قال: "وهذا مثلَ ما لو قال: واللَّهِ لا آكل أحدَ هذين الرغيفين، فأكَل أحدَهما فإنه لا يحنث، بل تنعقد عليه اليمين في الآخر، فإذا أكله حنث".
(3/440)

سُورَةُ يس
من جامع "العتبية": "لا ينبغي لأحد أن يتسمى بياسين".
ابن رشد: "الكراهةُ مراعاةً للخلاف؛ إذْ قيل إنه من أسماء اللَّه تعالى،
(3/441)

وقيل من أسماء القرآن، فعلى هذا لا يجوز التسمية به؛ وقال ابن عباس: معناه بالحبشية يا إنسان، وقال مجاهد: هو مفتاح افتتح الله به كتابه، فعلى هذا يجوز التسمية به".

20 - {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ}:
وفي سورة القصص (وَجَاءَ رَجُلٌ).
ع: "كان شيخنا أبو عبد الله محمد بن سلامة يجيب بأنَّ تقديم "رجل" في تلك لئلا يظن نبينا - صلى الله عليه وسلم -، أن الذي جاء هو فرعون أو بعض أعداء
(3/442)

موسى فيحزن لذلك؛ وأما في هذه الآية فتقدُّمُ ذكر المرسلين يَنْفِي هذا الاحتمال".

22 - {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ}:
من قرأ بسكون الياء في قوله (مَا لِي لَا أَرَى الْهُدْهُدَ) وبفتحها في هذه، يفرق بأن السكون يشبه الوقف والابتداء بما بعده؛ ولو ابتدأ هنا
(3/443)

بقوله (لا أعبد) فتح بخلاف الآية الأخرى.
الزمخشري: "نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فُضِّل على كل رسول، فضْلا عن حبيب النجّار". الطيبي: "وفي بعض نسخه: فضلا على". قال: "فـ "عن" تقتضي السلب، والثاني لا فضل له، و "على" تقتضي ثبوت الفضيلة للثاني".
(3/444)

ع: "رأيت تأليفا للقرافي، ذكر فيه أنه بحث عن إعراب "فضلا" في قول الفخر في "المعالم": "لو كان احتمال الاشتراك مساويا لاحتمال الانفراد، لما أفادت الدلائل السمعية الظن، فضلا عن اليقين". وزعم أنه ما وجد من يعربها، وسمعت الشيوخ يقولون: هي مصدرٌ موضوعٌ موضع الحال، بمعنى مفعول، مثل: "قتله صبرا"، أي: مصبورا، فقوله "فضلا عن اليقين"، أي مفضولة، وإلا فلا يصح أن يقال: "فضلت اليقين فضلا" لما يلزم عليه من كون الظن أفضل من اليقين.
(3/445)

20 - {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}:
وقال مومن آل فرعون "اتبعوني"، ففرق الفخر بأنَّ هذا الرجل جاءهم ناصحا وما رأوا سيرته، ومومن آل فرعون كان فيهم معلوم السيرة عندهم.

29 - {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً}:
قال ابن عطية: "قراءة الرفع إنما تصح على أن "كان" تامة".
ع: "قالوا: الفعل تابع للفاعل في تذكيره وتأنيثه، ما لم يفصل بينهما بإلا، فلا يجوز التأنيث إلا شاذا كقوله:
(3/446)

وَمَا بَقِيَتْ إِلَّا الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ
قال: "ورأيت نقدا على "المقرب" لابن عصفور، لابن الضائع في قول ابن عصفور: "إذا فصل بين الفعل والفاعل، تعين التذكير". قال ابن الضائع: "ما لم يكن جوابا عن سؤال، كقولك لمن قال: من قام من النساء؟. فتقول: ما قامت إلا هند".
ع: "فيحتمل كون الآية من ذلك جوابا عن سؤال مقدّر، كأنّ قائلا يقول: كيف كان آخرتهم؟. فقيل: إن كانت أي الآخرة إلا صيحة واحدة -وهذا يقتضيه كلام الزمخشري لقوله: "لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة"- فقدّر الفاعل مذكرا، فإذا تقدم السؤال عنه مؤنثا كان هو مؤنثا.
(3/447)

30 - {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ}:
قول ابن عطية: "فسر بعضهم قراءةَ التنوين بأنَّ الحسرةَ من العباد أنفسِهم، وهو بعيد". يعني: لو كانت منهم لأُضيفتْ إليهم.
وغالب استعمال لفظ العباد في الطائعين، وأتى هنا على خلاف ذلك، لكنّه غيرُ مضاف لله تعالى.

39 - {كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ}:
قول الزمخشري: "لو قال: كل مملوكٍ لي قديمٍ حرٌّ، عُتِقَ عليه ما له عنده
(3/448)

سنة"، هو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه حنفي.
الفخر: "أما في الوصية فيُعتبر العُرف، فإنْ لم يكنْ عُرفٌ اجتُهد في ذلك بخلاف التبتيل". ع: "ليس في مذهبنا فيها نصّ، والمعتبر في ذلك العرف كما قال".

40 - {وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ}:
عبر في سَابِقُ بالاسم، وفي (تُدْرِكَ) بالفعل؛ لأن القمر أسرع سيرا من الشمس، فكانت السَّبْقيةُ ملازمةً له.
الزمخشري: "ولا يسبق الليل النهار: يعني آية الليل آية النهار، وهما النَّيِّران". قال: "فإن قلت: لم جُعلت الشمسُ غيَر مدركة والقمرُ غيرَ سابق؟. قلت: لأن الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمرُ يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمسُ جديرةً أن توصف بالإدراك لتباطئ سيرِها عن سير
(3/449)

القمر، والقمر خليقا بأنَّ يوصف بالسبق لسرعة سيره".

41 - {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}:
مناسبتها لما قبلها من ثلاثة أوجه:
(أ): أنه لما ذَكَرَ الأرض التي هي مكان الحيوانات، ذَكَرَ هنا أنه جعل للإنسان مع ذلك سُلُوكاً في البحر، كما في البرِّ كما قال (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) وكذا قال هنا (وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْله مَا يَرْكَبُونَ) أي الإبل، فإنها سُفُنُ البَرَارِي.
(ب): أنه لما بيّن سباحةَ الكواكب ذَكَر ما هو مثله، وهو سباحةُ الفلك.
(ج): أنه لما ذكر ما هو ضروريّ للإنسان من المكان والزمان، ذَكَر الحَاجيَّ، وذَكَر من الأول اثنين، ومن الثاني اثنين. وأما قولُه في القِسْم الأولَ (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَناتٍ من نَخِيلٍ وأَعْنَابٍ) وإن كان منْ غيرِ
(3/450)

الضّروري لكنه تَبَعٌ له، وأما سُفُن البحر والبَرّ فمقصود لا تَبَع.
(ز): وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، وأَدْخَلُ في التَّعْجِيبِ من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح.
قلت: ولأن الحمل حاصل في الذرية لا بد منه؛ وأما فيهم، فكثير من الناس لا يركب الفلك. ولما كان الأكل عامّاً قال فيما تقدم (فَمِنْهُ يَاكُلُونَ).
خ: "ولأن الموجودين كانوا كفارا، فكانَ الحمْلُ لما في أصْلاَبِهِم من المومنين هو المقصود، كحَمْل وِعَاءٍ لما فيه".
والفلك تجمع تارة وتفرد أخرى، والحركة فيها مختلفة في المعنى، وإن تماثَلَتْ صورةً؛ مثاله "سجد يسجد سجودا" للمصدر، وهم قومٌ سُجُودٌ في جمع ساجد، فحركة المصدر أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر، وحركة الجمع فيه متغيرة؛ لأن الجمع يشتق من الواحد، والمشتق يلحقه تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لَمَّا أردنا أن نشتق منه لفظ جمع غيَّرْناه،
(3/451)

فالسجود للمصدر، والجمع ليس بمشترك.
فإن قلت: ما واحد الفلك جمعا؟. قلت: إما فلكة أو غيرها مما يستعمل كواحد النساء.
سؤال: قال هنا (حَمَلْنَا ذُرِّيَّاتِهِمْ)، مَنَّ عليهم بحمل ذرياتهم، وقال (إنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَاِريَةِ) فَمَنَّ عليهم بحمل أنفَسهم.
جوابه: أن المقصود هنا كمال المنفعة وهو الشَّحْن؛ لأنه ذُكرَ في معرض الامتنان، والمقصود في تلك النجاة، وكلما كانت الفلك أخفّ كَانت أشدّ جرْيا، وحملُهم دون ذرياتهم أخفّ على الفلك، وأيضا دفْعُ الضرر عن الذرية بإنجائهم لا يستلزم دفعَ الضرر عنهم في أنفُسهِم، بخلاف جلْب النفع للذرية يستلزم نفعَ الآباء.
قلت: كمَن حَلَفَ لا نَفَع فلانا بشيء، فنفع ابنَه حنث. ومثله في "المدونة".
(3/452)

قال: فإن قلت: قال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ولم يقل "وحملنا ذرياتهم" مع أن المقصود الامتنان. قلت: لما قال (فِي البَرِّ وَالبَحْرِ) عَمَّ الجميع؛ لأن ما مِن أحد إلا وحُمِلَ في برٍّ أو بحر، وأما الحمل في البحر فلا يعُمّ.
وفي قوله (الْمَشْحُون) فائدةٌ أخرى أيضا، وهي الردُّ على الطبائعيين القَائلين: إنما حَمَلَ المَاءُ الفلك لخفّتها. فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء رُدَّ بإثباته، فَتَعَيَّنَ أنّ حفظَ الثّقيل فوقَ الماء إنما هو بالفاعل المختار.
وسؤال آخر: قال فيما تقدم (وَآِيَةٌ هُمُ الاَرْضُ)، (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ) ولم يقل هنا "وآية لهم الفلك تحملهم".
جوابه أن حمْلَهم في الفلك هو العجب، أما نفسُ الفلك فليس بعَجَب؛ لأنه كبَيْتٍ مبْني من خشب، ونفْسُ الأرض عجب، وكذا نفس الليل، لا قدرةَ لغير لله عليهما.
(3/453)

43 - {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ}:
فيه رد على قول الطبيعي: حمل الماء السفينة بمقتضى الطبيعة. لأن المجوف لا يرسب، وفيه إشارة إلى أن الإنسان في حال النعمة لا يأمن النقمة.
- {فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ}:
يمنعهم الغرق.
- {وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ}:
بعد الوقوع فيه، كقوله (لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ).
فإنْ قلت: لِمَ لَمْ يقل: "ولا منقذ"؛ كما قال ... (صَريخَ)، أو يقول "فلا يصرخون" كقوله (يُنقِذُونِ).
قلت: يحتمل كونُه من حذْف التقابل.
(3/454)

47 - {أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ}:
خ: "إنْ قلت: المطابقُ "أَنُنْفقُ". قلت: إذا أُمرُوا بالإنفاق الدَّاخلِ فيه الإطعامُ وغيرُه، فلمْ يأتوا بأقلِّ الإنفاقِ -وهو الإطعَامُ- كانَ أبلغَ في مخالفتهم؛ كالقائل لغيره: أعْط زيدا دينارا. فيقول: لا أعطيه درهما".

48 - {مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}:
أي إنْ كنتم صادقين فَأَخْبِرُونا متى هذا الوعد؟؛ لأنّ "متى" استفهام لا يصلُح جزاء.

51 - {فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ}:
خ: "وفي أخرى (فَإذَا هُمْ قيَامٌ) ولا منافاة؛ لأن الماشيَ قائم، والمشي أيضا لا ينافي النَظر. وجَواب آخر: وهو أنّ سرعةَ الأمر يومئذٍ، كأنَّ ذلك في زمان واحد، كقول القائل:
(3/455)

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ معاً

58 - {مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ}:
مناسبةُ ذكرِ الرَّبِّ الرحيم أنَّ الربَّ هو المالك، وسلامُ السيد المالكِ على عبدهِ رحمةٌ منه له، كسلام الوالد على ولده؛ وأمَّا سلامُ الوَلد على أبيه فتوقيرٌ له وتعظيمٌ.
ومِن أنواعِ السلام سلامُ الموادعة والمتَارَكة، وهو السلامُ على الجاهل، قال تعالى (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)، وقال (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ).
وسلامُ الرحمة السلامُ على الموتى في قبورِهمْ، كما ورد: "السلامُ عليكمْ دَارَ قَوْمٍ موَمِنينَ"، أي أهل دار.
(3/456)

59 - {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ}:
ذكر الزمخشري وجهين: "إمّا امتازوا عن المومنين أو بعضهم من بعض"، ويحتمل وجها ثالثا قاله خ: "وهو أن المرادَ امتيازُهم بسِيما، وهو سوادُ وجوهِهِم. وهو أمْرُ تكوين".

60 - {أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}:
خ: "اختلف الناس في إخراج الذنب المذنبَ من الإيمان؟. سببه وقُوعُ نَظَرِ الخصمين على أمرين متباينين، فالذنبَ الذي بالجسد لا بالقلب لا يخرجِ، بل قد يزيد في الإيمان، والذنب الذي بالقلب يُخَافُ معه الخروجُ عن رِبْقة الإيمان.
وكذلك اختلافُهم في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والأشبه أن
(3/457)

الجسدي جائزٌ عليهم، والقرآنُ دليلٌ عليه، والقلبي لا يجوز عليهم".

65 - {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ}:
خ: "وجْهُ الترتيب أنهم حين يقالُ لهم "بما كنتم تكفرون؟ " -إذا أنكروا كفرهم- شهِدَت عليهم أرجلُهم، وأيضا لما قال (أَلَم اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) سكتوا وخرسوا، وتكلمتْ أعضاؤُهم.
فإنْ قلت: لم أَسْند فعلَ الختم إلى نفسه، والكلامَ والشهادةَ إلى الأيدي والأرجل؟.
فالجواب: أنه لو قيل "وننطق أيديهم وأرجلهم"؛ لقيل: إن ذلك منهم كان جبْراً وقهرا، والإقرارُ بالإجبار غيرُ مقبول.
فإن قلت: لِمَ جَعَلَ الكلامَ للأيدي والشهادةَ للأرجل؟.
(3/458)

فالجواب أن الأفعال تسند إلى الأيدي، قال تعالى (وَمَا عَملَتْهُ أَيْدِيهِمْ)، فالأيدي عاملة، والشاهدُ غيرُ العامل.
فإن قلت: لمَ لَمْ يجعل الشهود من الملائكة والصديقين. فالجواب أنهم أعداء لهم، وشهادة العدوّ على عدوّه لا تقبل، فجَعَلَ الشاهدَ عليهم منهم".
قلت: عداوة الدِّين لا تقْدَحُ في قبول الشهادة.
قال: "فإن قلت: الأيدي والأرجل صَدَرَت الذنوبُ منها فهي فاسقة، وشهادةُ الفاسق لا تقبل!.
فالجواب أن نقولَ في رَدِّ شهادتها، لأنها إنْ كذبت في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمر، ولا بد من أَن يكون ذنبا في الدنيا، وإن صدقت
(3/459)

في ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا؛ وهذا كمن قال للفاسق: "إن كذبتَ في نهار هذا اليوم فعبدي حر". فقال الفاسق: "كذبتُ في نهار هذا اليوم"؛ فقد وجد الشرط وترك الجزاء. وإن كذب في قوله "كذبت"، فقد كذب في نهار ذلك اليوم، فوجد الشرط أيضا؛ بخلاف ما لو قال في اليوم الثاني: "كذبتُ أمسِ في نهارِ اليومِ الذي علّقتَ عتقَ عبدِكَ على كذبي فيه".
إشارة: الختْمُ لازمٌ للكفار، ففي الدنيا على قلوبهم وفي الآخرة على أفواههم، فلم يَبْقَ إلا قولهم بأعضائهم.
قلت: ويُجاب أيضا عن الأسولة المتقدمة بأحد الوجهين اللذين ذكرهما خ، وهو "أن الكلامَ والشهادةَ كنايةٌ عن ظهور الأمر، بحيث لا يُسمعَ معه إنكار، وليس ثَم كلامٌ ولا شهادةٌ". قال: "وهذا كما يقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار، إشارةً إلى ظهور الحزن".
(3/460)

66 - {وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ}:
خ: "عُرْفُ القرآن إذا ذَكَرَ متمسّك الجبرية ذَكَرَ متمسّك القَدَرية، وبالعكس، وكذا هنا لما قال: (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بمَا كَانُوا يَكْسبُونَ) (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ) -وكان ذلكَ متمسك القدرية، حيث أسند الكسب والكفر إليهم- عقب ذلك بما يدلُّ على أنّ كفرهم وكسبَهم بمشيئة الله تعالى، يسلب القوة العقلية كما يسلب القوة الحسية، حتى لو شاء لَمَسخَ المكلَّف على مَكَانَتِهِ، وأقامه بحيث لا يتحرك يَمْنَةً ويسرة، ولا يقْدِرُ على المضِيِّ والرجوع.
وقدّم الطمس والإعماء على المسخ، وذلك من حسن الترتيب والتدريج، فإنه لما قال (لَطَمَسْنا عَلَى أعْيُنهِمْ) فقد يقال: الأعمى يهتدي إلى الطريق بأمارات عقلية أو حسية غير حسِّ البصر كالأصوات وحس اللمس، فقال: (لَوْ نَشَاءُ لمَسَخْنَاهُمْ) وسَلبنَا قُوّتهم الكلية، فلا يهتدون إلى الصراط بوجْهِ من الوجوه.
(3/461)

وقدّم المضي على الرجوع، لأنه أهون من المضي؛ إذ المضيُّ لا يقتضي تقدُّمَ سلوك الطريق بخلاف الرجوع، فكأنه قال: "لا يسَتطيعون مُضيّاً ولا أقل من ذلكَ".
قلت: فالعطف تأسيس لا تأكيد.

68 - {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ}:
خ: "قد مَرَّ أنّ قوله (أَلمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) الآية، قطع الأعذار بسبق الإنذار. وشَرَعَ هنا في قطع عذرَ آخَر، وهو أن الكافر يقول: لم يكن لُبْثُنا في الدنيا إلا يسيرا، ولو عمرتنا لما قصّرنا. فقال: ألا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعُفتم، وقد عمرناكم مقدارَ ما تتمكنون من النظر؛ كما قال تعالى (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ) وعلمتم أنّ الزمانَ كلما مَر عليكم ازداد ضعفُكم فعصيتم زمان الإمكان".

69 - {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}:
خ: "لما ذكر أصل الوحدانية في قوله (ألَمَ اَعْهَدِ اِلَيْكُمْ) الآية، إلى قوله (وَأَنُ اعْبُدُونِي)، ثم ذكر أصل الحشر في قوله (اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا
(3/462)

كُنتُمْ تَكْفُرُونَ)، وقوله (الْيَوْمَ نَخْتمُ) إلى غير ذلك، ذكر هنا الأصل الثالث وهو الرسالة.
وقوله (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ)، إشارة إلى أنه مُعَلَّم من عند اللَّه، يعلّمه ما أراد، ولما كان تحدِّيه - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن، وكان الكفار ينسبونه إلى الشعر، خصّ الشعر بنَفْي التعليم، مع أن الكفار كانوا ينسبون له السحر والكهانة، لكنهم إنما ينسبون إليه السحر عندما يفعل ما لا يقدرُ عليه غيرُه كشقّ القمر وتكلّم الحصى والجذع وغير ذلك، والكهانةَ عند إخبَاره بالغيب، فلم يقل "وما علمناه الكهانة والسحر" لما قلناه؛ لأن المقصد في هذا المقام ما كانوا يقْدَحون به في القرآن، والشعر هو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصدا أوليا، فقَصْدُ المعنى دون الوزن ليس شعراً كقوله تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، فالشارع لفظه تَبَعٌ لمعناه، والشاعر بالعكسَ، المعنى عنده تَبَعٌ للفظ، لأنه يقصد لفظا به
(3/463)

يصحُّ وزنُ الشعر وقافيتُه، فيحتاج إلى التحَيُّل بمعنىً ياتي به لأجل ذلك اللفظ.
وقد يوجد في كلام الناس في الأسواق ما يكون موزونا واقعا في بحْرٍ منْ بحور الشعر، ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعرا لعدم القصد إلى اللفظ أولا.
(3/464)

لطيفة: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ مِنَ الشِّعْر لَحكْمَةً"، أي قد يقصد الشاعر اللفظ فيوافقُه معنىً حكمي، كَما أن الحكيم قَد يقصد معنىً يوافقه وزنٌ شعري، لكن الحكيم بسبب ذلك الوزن لا يصيِر شاعرا، والشاعر بسبب ذلك الذكر يصير حكيما، حيث ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - "أن منَ الشِّعْرِ حكْمَةً"، ونفى اللَّه تعالى كون النبي - صلى الله عليه وسلم - شَاعرا، وذلكَ لأن اللفظَ قالَبُ المعنى، والمعنى قلبُ اللفظ وروحُه، فإذا وُجدَ القلبُ لم ينظر إلى القالب، فيكون الحكيم الموزون كلامه، والشاعر المقتصر كلامه حكيما".

75 - {وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ}:
خ: "قيل: أي الأصنام جُنْدٌ للعابدين؛ وعلى هذا ففيه معنىً لطيف، وهو أنّ من حضر ثم عجَزَ عن النُّصْرَة يكون في غاية الضعف، بخلاف من لم يحضر ولم يتأَهَّبْ لذلك".
(3/465)

77 - {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ}:
خ: "لمّا ذَكَرَ دليلا من الآفاق على وجوب عبادته بقوله (أَوَلَمْ يَرَوا انا خَلَقْنَا لَهُم مِّما عَملَتَ اَيْدِينَا أَنْعَاماً)، ذَكَر دليلا من الأنفس، وهو أشمل وأكمل، وأَتَمُّ وألزم، إذْ لا يغيب أحد عن نفسِه.
وقولُه (مِن نُّطْفَةٍ) إشارة إلى وجه الدلالة، أي: خلق من نطفة متشابهة الأجزاء، وهو مختلف الصور، فدلّ على اختيار الفاعلِ وقدرتِه، كقوله تعالى (تُسْقى بمَاء واحدٍ)؛ وتَمَّمَ هذا المعنى بقوله (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)، أي: القوة الناطقة والقوة الفاهمة لا تقتضيهما النطفة، فأنواع النطق والفهم أعجب وأغرب من أنواع الخلق والجسم، فقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق؛ لأنه أعلى أحوال الناطق، فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه كما يبينه وهو متكلم مع غيره، إذا لم يكن خصما لا يجتهد في البيان كما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه؛ فقوله (مُبِينٌ) إشارة إلى قوة عقله؛ لأن العاقلَ عند الإيهَام أعلى درجةً منه عند عدمه، فقوله من (نُطْفَة) إشارة إلى أدنى ما كان عليه؛ وقوله (خَصِيمٌ مُبِينٌ) إشارة إلى أعلى ما حصل عليه، كقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الانسَانَ مِن سُلَاَلَة مِّن طِين) إلى قوله (ثُمَّ أَنشَاْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ) صَيَّرْناهُ ناطقا عاقلا، كقوله هنا (مُبِينٌ).
(3/466)

76 - {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ}:
إشارة إلى شأن الحشر. واعلمْ أن منكريه منهم من لم ينكرْ بشبهة بل مجرد الاستبعاد، وادَّعى الضرورة وهم الأكثرون، قال تعالى حكايةً عنهم في كثير من الآيات (وَقَالُوا أَئذَا ضَلَلْنَا فِي الاَرْضِ ... )، (أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً. .. )، (أئنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِين أَئذَا متْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ... ) وكذا هنا (مَنْ يُّحْيي الْعِظَامَ وَهِيَ رَميمٌ) على طريق الاستبعاد، فبدأ أولا بإبطال استبعادهم بقوله (وَنَسيَ خَلْقَهُ)، إذ خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن محل الحياة أصلا، فلا يستبعد إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه؛ وأما استبعادهم من جهة تفرق الأجزاء فرده بكون المعيد قادرا عالما.
وقوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً) أي جعل قدرتنا كقدرتهم، ونسي خلْقَه العجيب، وبَدْأه الغريب؛ ومنهم من ذَكَرَ شبهة وإنْ كان آخرُها يعود إلى الاستبعاد، وهي على وجهين:
(3/467)

- أحدهما: أنه بعد العدم لم يُبق شيئا، فكيف يحكم على العدم بالوجود؟.
وأجاب تعالى عن هذه الشبهة بقوله: (الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)، أي: كما خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، فكذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا. - والوجه الثاني: أن من تفرقت أجزاؤه في الجهات وفي أبدان السباع وغيرها، كيف يُجمع؟. وأبعد من هذا أن إنسانا إذا أكل إنسانا فصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل، فإن أعيد فأجزاء المأكول إمّا أن تُعاد إلى بدن الآكل فلا يبقى للمأكول أجزاء يخلق منها أعضاء، وإما أن تعاد إلى بدن المأكول فلا يبقى الآكل أجزاء؛ فقال تعالى في إبطال هذا الوجه من الشبهة (وَهُوَ بكُلِّ خَلْقٍ عَليمٌ)؛ ووجْهُه أنّ في الآكل أجزاءَ أصليةً وأجزاء فضْلية، وفَي المأكول كذلكَ، فإذا أكل إنسان إنسانا صار الأصلي من أجزاء المأكول فضليا من أجزاء الآكل. والأجزاء الأصلية للآكل ما كان له قبل الأكل، والله بكل خلق عليم، يعلم الأصلي من الفضلي، فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل، وينفخ فيه من روحه، وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في الأماكن.
(3/468)

قلت: واستدل المالكية على أن العظام من أجزاء كلِّ حيوان تابعٌ للحمه؛ فمتى حَكَمْنَا للَحْم بالطهارة حكمنا بذلك للعظم، لأنه مما تَحُلُّه الحياة، لقوله تعالى (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ). والظاهر إضافةُ الحياة إلى نفسِ العظام، لكن في الآية (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا)، فأضاف الإحياء إلى الدار الآخرة، والإنشَاء إلى الدنيا، والإنشاء تركيبٌ لا إحياء، لكن اجتمعت الأمة على أن العودة في حلول الحياة كالبَدْأَة، فيكون معنى إنشائها هاهنا إحياؤها، والبلاغة تقتضي تغيير اللفظ وإن اتحد المعنى. انتهى من ابن بشير، وانظر ابن عبد السلام.

80 - {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا}:
خ: "عاد إلى تقرير ما تقدّم من دفع استبعادهم وإبطالِ إنكارهم وعنادهم. وقدَّم ذكر النار في الشجر على ذَكر خلقَ الأكبر وهو خلقُ السماوات والأرض، لأنّ استبعادَهم كان بالصريح واقعا على الإحياء حيث قالوا: (مَنْ يُّحْيِي الْعِظَامَ)، ولم يقولوا "من يجمعها ويؤلفها". والنار في الشجر
(3/469)

تناسب الحياة، أي: لا تستبعدوا إحياء العظام وإيجادَ حرارة فيها، فإنّ النار في الشجر الأخضر الذي يقطُرُ منه الماء أعجبُ وأغرب؛ وإن استبعدتم خلقَ الجسم فقد خلق اللَّه السماوات والأرض، ثم أكَّدَ بيانَ ذلكَ بقوله (إِنَّمَا أَمْرُهُ) الآية، فبيّن فسادَ تمثيلهم وقياسهم الغائب على الشاهد.
واستدل المعتزلة بقوله (شَيْئاً) على أن المعدوم شيء؛ لأنه قبل القول له "كن" غير كائن، وهو في تلك الحالة شيء، لقوله (إذَا أَرَادَ شَيْئاً).
والجواب: أي: شيئا حين تَعَلُّقِ الإرادة، وهو حينئذ موجود. فإن قلت: يلزم إيجاد الموجود؛ فنقول: نحن نجيب عن هذا الإشكال فِي موضعه.
قلت: وكان شيخنا ابن عرفة يجيب عنه بأنه موجودٌ بإرادة وجوده لا بغيرها، فلا يلزمُ إرادةُ وجود الموجود؛ وبهذا كان يجيب أيضاً على سؤال واردٍ على تعلق القدرة بالممكن حين إيجاده، وهو أنّه إنْ كان حينئذ معدوما لزم اجتماعُ الوجود والعدم، وإنْ كان موجودا لزم اجتماع الوجود والعدم باختيار أنه موجود بتلك القدرة لا بغيرها.
خ: "استدل بها الكرامية على حدوث إرادته تعالى من وجهين:
(3/470)

- أحدهما: أنه جعل لها زمانا، لأن "إذا" ظرف زمان، وكل زمان حادث.
- الثاني: أنه تعالى جعل إرادته متصلةً بقوله "كُنْ"، وقولَه "كن" متصلا بكون الشيءِ ووقوعِه، لأنّ الفاء في (فَيَكُونُ) للتعقيب، لكنّ الكونَ حادثٌ، وما قبل الحادث متصلاً به حادث، والفلاسفة وافقوهم في ذلك من وجه آخر فقالوا: إرادتُه متصلةٌ بأمره، وأمرُه متصل بالكون، لكنّ إرادتَه قديمةٌ، فكذا مكوناتُه.
وجوابُهما أن المفهوم من قوله (إِذَا أَرَادَ) من حيث اللغة، إذا تعلقت إرادته بالشيء؛ لأن أداة الشرط إذا دخلت على الماضي صيَّرتْه مستقبلا، ونحن نقول: مفهوم قولنا "أراد ويريد وعلم ويعلم"، يجوز أن يدْخُلَه الحدوث، وأن للَّه صفة قديمة هي الإرادة، فتلك الصفة إذا تعلقت بشيء نقول "أراد ويريد"، وقبل التعلق لا نقول "أراد"، وإنما نقول: له إرادة وهو بها مريد. فالإرادة أمر ثابت، إن تعلقت بوجود شيء قيل: أراد وجوده أو يريد وجوده؛ وهذا معنى قول أهل السنة: تعلق الإرادة حادث.
وقال المعتزلة والكرامية: كلام اللَّه تعالى حروف وأصوات، وهو حادث؛ أما أنه حادث، فلما مرَّ من الوجهين: أحدهما أنه زماني؛ والثاني أنه متصل بكون حادث.
(3/471)

والجواب أن الكلام ينطلق على معنيين: أحدهما ما عند المتكلم، والثاني ما عند السامع؛ ثم إن أحدهما ينطلق عليه أنه هو الآخر، فالكلام الذي عند اللَّه هو صفة له ليس بحرف، والذي عند السامع حرف وصوت، وأحدُهما الآخرُ، وبيانه أن من قال لغيره؛ عندي كلام أقوله لك غدا. ثم إن السامع أتاه غدا وسأله عن الكلام الذي كان عنده أمس، فيقول له: أريد أن تحضر عندي اليوم؛ فهذا الكلام أطلق عليه المتكلم أنه كان عنده أمس، ولم يكن عند السامع بحرف وصوت، ويطلق عليه أن هذا الذي سمعت هو الذي كان عندي، والصوت لم يكن عند المتكلم أمس، ولا الحرف؛ لأن الكلام الذي عنده جاز أن يذكره باللسان العربي أو غيره من اللغات، وحروف اللغات مختلفة، والكلام الذي عنده وَوَعَدَهُ به واحد. فقوله: هذا ما كان عندي أمس من الكلام؛ أي: هذا يؤدي إليك ما كان عندي. وهذا أيضا مجاز؛ لأن الذي عنده ما انتقل إليه، وإلا علم ذلك وحصل عنده به علم مستفاد من السمع أو البصر في القراءة والكتابة أو الإشارة.
الزمخشري: "كُنْ" كناية عن سرعة التكوين، وليس ثَمَّ قولٌ".
(3/472)

قال شيخنا ابن عرفة: "كلامه هذا يحتمل كونُه على أصْلِ مَن نَفَى صفةَ الكلام، ويحتمل أن يريد أن إيجاد الحادث لا يتوقف على صفة الكلام، إنما يتوقف على صفتي القدرة والعلم حسبما تقرر في علم الكلام".

83 - {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}:
لما تقرر الوحدانية والإعادة، وأنكروها، وجعلوا للَّه تعالى شريكا، نزَّهَ سبحانه نفسه عن الشريك، وأخبر أنه بيده ملكوتُ كل شيء، وكلُّ شيء ملكُه، فكيف يكون الملوك شريكا للمالك؟.
قلت: كما لا يكونُ ولداً له؛ حسبما أشار إليه في قوله في سورة مريم (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93))، وبهَ احتج الماَلكية على عتق الولد عليَ أَبيه.
{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}:
رد لإنكارهم الإعادة.
(3/473)

خ: "قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس"، قال فيه الغزالي: وذلك لأن الإيمان يحصل بالاعتراف بالحشر، وهو مقرر في هذه السورة بأبلغ مما في غيرها، فلذا جعلت قلبا".
خ: "وقد اشتملت على تقرير الأصول الثلاثة بأقوى البراهين؛ ابتدأتْ بيان الرسالة بقوله (إنَّكَ لَمنَ الْمُرْسَلينَ) وقدَّمَ دليلَها بقوله (وَالْقُرْآن الْحَكيم)، وبقوله بعدُ (لتُنذرَ قَوْماً) الآية، وختمَ السورةَ ببيان الوحدانيةَ والحشَر بقوله (الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)، إشارة إلى التوحيد؛
(3/474)

وقولُه (وإِلَيْه تُرْجَعُونَ) إشارة إلى الحشر. وليس في هذه السورة إلا هذه الأحوال الثلاَثة ودلائلها وتوابع ذلك، ومن حصل له ذلك فقد حصل نصيب قلبه وهو التوحيد والتصديق، فلما كان فيها أعمال القلب لا غير، سماها قلبا".
وأما وظيفة اللسان وهو القول، فكما في قوله تعالى (وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إلَى الله) الآية. وقوله (وَقُولُوا قَوْلاً سديداً) و (بالْقَوْل الثابتِ) وَ (أَلْزَمَهُمْ كَلمَةَ التَّقْوى) و (إِلَيْه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطيِّبُ)، إلى غير ذلك. وأما وظيفة الأركان وهو العمل،َ فكما في قوله (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) و (اعْمَلُوا صَالِحاً) وغير ذلك.
(3/475)

ومن الحديث تلقينُها عند النَّزْعِ (1)، وقراءتُها عند رأسه لضعف لسانِه، لكنَّ قلبَه مقْبلٌ على اللَّه، فيزدادُ بها قوة".
__________
(1) ضعيف:
(3/476)

سُورَةُ وَالصَّافَّاتِ
89 - {فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ}:
قول الفخر: "حديثُ" لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات"، غير صحيح". يرد بأنَّه في "صحيح مسلم"، لكنه في عنعنته، أي الزبير عن جابر، وقد ضعفوه؛ والفخر في الحديث ضعيف، والحديث في مسلم في كتاب المناقب في فضائل الأنبياء، وخرجه أيضا في أحاديث الشفاعة: "فياتي الناس إلى إبراهيم
(3/477)

فذكر كذباته".

91 - {فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ}:
ليس من الاستدلال على عدم الألوهية بعدم الأكل، إذ ليست من لوازمها، بل هو بيان لكونهم أخفض درجة من الأجسام التي تأكل.
ولما لم يجيبوا قوله (أَلَا تَاكُلُونَ)، قال: (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ)، أي
(3/478)

بالجواب. ولم يقل "لا تتكلمون"، لأن النطق أعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.

94 - {يَزِفُّونَ}:
قول الشاطي:
وَفِي يُنْزَفُونَ الزَّايَ فَاكْسِرْ شَذاً وَقُلْ. . . في الاُخْرى ثَوَى وَاضْمُمْ يَزِفُّونَ فَاكْمُلَا
إن قلت: من أين يفهم منه قراءة حمزة بضم الياء؟. قلت: يفهم من قوله "فأكملا"؛ لأن على ضم الياء يكون من "أَزَفَّ يَزِفُّ" رباعيا، بخلاف فتحها مع ضم الزاي فإنه ثلاثي، والرباعي أكمل. وظاهر كلامه يعطي أنه يتكلم في الزاي فقط؛ فيوهم أن الضمَّ في الزاي ولم يقرأ به أحد، ويلزم عليه أن يكون ضده -وهو فتح الزاي- قرئ به أيضا، وليس كذلك
(3/479)

96 - {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}:
قول الطيبيّ: "جعل "ما" مصدرية أَوْلى؛ لأنه ليس المراد الإخبار عن المخلوق من حيث ذاته، إذْ لا فرق بينه وبين غيره من الحَجَر والمَدَر وغيرهما؛ وإنما المراد الإخبار عنه من حيث الصنعة التي اتصف بها، وهذا هو خلق الأعمال".
يرد بأنَّ المنطقيين ذكروا الفرق بين الحكم على الموضوع من حيث ذاته، والحكم عليه من حيث صفته، وذلك في الوجهين حكم على الذات لا على الصفة، فكذلك هنا: أخبر عنه؛ أي: عن خلق الموضوع من حيث الصنعة لا عن خلق الصنعة؛ فلا دليل في الآية لا لنا ولا للمعتزلة.
(3/480)

سُورَةُ (ص)
2 - {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ}:
أي ممانعة وتعنت، وأما قوله تعالى (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) فهي فيه بمعنى الرِّفعة والعلوّ. والشقاق أخصّ مَنَ العَزة؛ لأنه ممانعةٌ مع مكابرةٍ ومجاهرة بالسوء.

24 - {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ}:
أنكر الزمخشري ما يذكر القُصَّاصُ عن داود في سبب خطيئته،
(3/481)

وقد وقعت القصة لمالك في جامع "العتبية". ابن رشد: لم يكن داود علم أنّ عليه في ذلك إثمًا، وكذلك الأنبياءُ لا يعلمون علمَ تعمُّد المعصية، بلْ على تأويلٍ أو غفلةٍ أو نسيانٍ".
وذَكَر الزمخشري هنا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأعرض عن مذهب مالك؛ وكان الشيخ الفقيه أبو عبد اللَّه محمّد بن سلامة يقول: كان مالك يكفِّر المعتزلة، فلذلك لم يذكرْه إلا في مواضعَ قليلةٍ من كتابه: في سورة
(3/482)

البقرة في مواضع، وفي سورة النساء في قوله تعالى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) وفي سورة الطلاق.

27 - {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}:
رَدَّ بها الآمدي قول العَنْبَرِيِّ أن الكافر غيَر المعاند لا يخلَّد في النار؛ والعجَبُ من البيضاوي كيف اقتصرَ على ذكر هذا المذهب. ونقل نحوَه عياضُ في "الشفا" عن الغزالي، ولم يعيِّنْ في أيِّ كتبه، وهو له في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة"، وفي كتابه المسمى بـ "الحقائق"، خلاف ما له في كتاب "الاقتصاد".
(3/483)

77 - {فَاخْرُجْ مِنْهَا}:
ابن العربي: "كيف أُخْرجَ من الجنة وهي دار القَرَارِ، منْ دخلَها لا يخرج منها؟ "؛ وأجاب بأنَّ التَي أخرج منها ليستِ التي وُعِدَ المتقون.
ع: "لم يثْبت كونُ مَن دخلها لا يخرج منها بدليل العقل بل بالشرع، ولعلّها لم تكنْ حينئذ دارَ قرار".
(3/484)

سُورَةُ تَنْزِيلُ (الزُّمَر)
22 - {فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ}:
أفاد قوله (مِنْ رَبِّهِ)، أنّ ارتباطَ الدليل بالمدلول عاديٌّ لا عقلي. وفي الآية حذف التقابل.

41 - {إِنَّا أَنْزَلْنَا}:
هذا قطْعٌ لحجّتهم؛ أي: أنزلنا عليك الفاصلَ بين الحق والباطل.
{بِالْحَقِّ}:
(3/485)

فسَّرَه ابنُ عطية بوجهين، ثانيهما اعتزالٌ لم يشعر به!، وقد تقدم له نظيرُه في أول هذه السورة.
{وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}:
أتى بالحصر في هذا دون الأول لوجهين:
(أ): أن المبالغةَ في مقام الإنْذارِ آكدُ منها في مقام البشارة؛ لأنْ دفع المؤلم آكد من جلْبِ الملائم.
(ب): أنه إشارةٌ إلى قول رؤسائهم لأتباعهم: (اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ)، ولمْ يذكر أنهم قالوا لهم "إنْ كَان لنا ثواَبٌ فهو لكم، وأنَتم شركاؤُنا فيه".

43 - {شُفَعَاءَ}:
قول الزمخشري: "لا يستطيع أحد شفاعةً إلا بشرطين:
- أن يكون المشفوع له مرتضىً.
- وأن يكون الشفيعُ مأذوناً له.
(3/486)

وهاهنا الشرْطان مفْقودان".
لا يتعيّن كونُ قوله "مرتضى" اعتزالا كما زعم ابنُ خليل في "التمييز"؛ لاحتمال كون معنى "مرتضى" أي مومنا، ولا يتعين تقييده بالطائع. أو نقول: الشفاعة التي خالفنا فيها الزمخشري إنما هي في خروج المومنين من النار، ووافقنا على إثبات الشفاعة فِي رفع الدرجات.

44 - {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}:
تكميل وتتميم، لاقتضاء الأول نفي الشفاعة عن الأصنام فقط؛ لقوله (وَلاَ يَعْقِلُونَ).
وقول الفخر: "احتج المعتزلة على نفْي الشفاعة".
(3/487)

يُجَابُ بإجماعنا على تخصيصها بالشفاعة فِي رفْع الدرجات، فكذا تخصُّ أيضا بالشفاعة فِي الخروج من النار.
ومعنى كونها لله، أىِ بإذنه؛ كقوله (وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلَّا لمَنِ ارْتَضَى)، ولأنه وَرَد في الحديث "أن الأنبياءَ يَشْفَعُونَ، فَيَخْرُجُ من يخَرج من النار، حتى لا يبقى شفيع، فيشفع الله تعالى لنفسه". ويصح تخصيص القرآن بالسنة.
{لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
(3/488)

كالدليل لما قبله.

45 - {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ}:
وجه نظم هذه مع التي قبلها، ما قرره الأصوليون والجدَلِيُّون، أنّ وجه الترتيب في المناظرة أن يبدأ المستدلُّ بإبطال مذهب الخصم، ثم يصحِّحُ مذهبَه، ثم إنْ كان في مقالة خصمِه تناقضٌ أو تهافتٌ بيَّنَه له؛ وعلى هذا الترتيب أتتْ هذه الآيات؛ أنكَرَ أوّلا على الكفار مُدَّعاهم، مقْرونا ذلك الإنْكارُ بالدّليل الدالِّ على بطلان تلك الدعوى، وهو قولُه (أَم اتَّخَذُوا) الآية؛ ثم ذكَر مُدَّعى المومنين مقرونا بدليل صحّته، فقاَل (قُل للَّهِ الشفَاعَةُ جَميعاً)؛ ثم أكّد دليلَ إبْطال مُدَّعَى الكفار بتناقضهم في دعْواهم فقال (وَإِذَاَ ذُكِرَ اللَّهُ)؛ وبيانُ التناقض أنهم زعموا أن تلكَ الآلهةَ تشْفع لهم عند اللَّه تعالى، والمشفوعُ عنده أعلى رتبةً من الشفيع، فالمناسبُ إذا ذُكر اللَّه وحده أن تطمئن قلوبُهم إليه، فنفورُها عند ذلك مع كونه مشْفوعا له تناقض منهم.
(3/489)

فإن قلت: لم قيل (لَا يُومنُونَ بِالآخرَة)، والمطابق "لا يومنون باللَّه" أو "لا يومنون به"؟ فإن الآية ردّ عَلى دعْواهَمَ التشْريك لا جحْدهم الآخرة.
قلت: هو إشارةٌ إلى أنَّهُم إنما ادَّعَوا شفاعةَ الأصنام في الدنيا وأنكروها في الآخرة. وقولُ ابن فورك: "الآية ردٌّ على من يقول إنَّ معرفةَ الصانع ضرورية؛ لأنها لِو كانت كذلك لما اشمأزت قلوبُهم وإنْ أنكروا بألسنتهم"، إنْ أراد أنَّ ثَمَّ من يقول إن معرفة وجود الصانع ضرورية فمسَلَّم، وليس في الآية ما يردّ عليه؛ لأنها ردّ علِي الكفار، وهم إنما خالفوا في الوحدانية لا في الوجود. واتّفقت الملل كلُّها على أن الوحدانيةَ نظريةٌ لا ضرورية، والأكثرون على أنّ معرفةَ وجود الصانع نظريّة، وحكى الشهرستاني في "نهاية الإقدام" وابن حزم في "النحل والملل" قولا بأنها ضرورية، لأنها لو كانت نظرية لزم التسلسل؛ لأن القول بأنها نظرية يؤدي إلى إبطال موجب التسلسل أو علَّة التسلسل، على مذهب الآخرين القائلين بالعِلِّيَّة.
(3/490)

62 - {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}:
لما ذكر البشارة والنِّذَارةَ، رجَع إلى تأكيد دليلِ التّوحيد الذي هو سببٌ في النجاة. وقَولُ ابن عطية: "هذا عامّ مخصوص بوجود ذات اللَّه وصفاته"، والمشهورُ الاحتجاج بالعامّ بعد تخصيصه؛ فالآيةُ ردٌّ على قول المعتزلةَ باستقلال العبد بأفعاله. وهذه القضية إنْ جُعلت خارجية باعتبار الموجودين حين نزولِ الآية فظاهرٌ، وإن جُعلت حقيقية تتناول كل مَنْ سيُخلق إلى قيام الساعة، فإنما تتقرّر على أن المعدومَ شيء؛ أوْ يقال: إنه على تقديرِ وجودِه فهو مجاز. ولقائل أن يقول: لا يصح تعميم اسم الفاعل
(3/491)

في الأزمنة الثلاثة، الماضي والحال والاستقبال، فيرجع إلى ابتداء الخلق وأصله.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}:
راجعٌ لدوام المخلوق وبقائه بخلْق الأعراض له؛ لأنَّها لا تبقى زمانين، وبقاءُ نوعها شرطٌ فيِ بقاء الجوهر، وكذا على قولِ من يقول بانعدام الجواهر، وأمَّا تُخلقُ في كل زمان كالعَرَض.

75 - {حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ}:
يدل أنَّهُم أجسام؛ لدلالته على الجهة، وهي دليلُ الجسمية.
و (حَوْل): ما في مقعَّره من داخل، أو في مخْرجه من خارج، بناءً على أن: هلْ خَارجه الخلا أو الملا.
(3/492)

سُورَةُ غَافِر
3 - {وَقَابِلِ التَّوْبِ}:
جعلَه الزمخشري عطْفَ تفسير، على مذهبه أن المغفرة للمومنين مشروطةٌ بالتوبة. والآية دليل لنا؛ لاقتضاء العطف المغايرة.
ولما كان كونُه شديدَ العقاب معلومٌ أنه مغايرٌ لكونه غافر الذنب وقابل التوب، استُغْني فيه عن ذكر الواو.
وقول ابن عطية: ""التَّوْبُ" اسم جنس، لأن واحده توبة" وَهَم، بل هو من المصدر المحدود، كضَرْبٍ وضربة، قاله ابن عرفة.
الفخر: "في لفظ التَّوب قولاَن، الأول أنه مصدر، وهو قول أبي عبيدة؛ والثاني أنه جماعة التوبة وهو قول الأخفش. قال المبَرِّد:
(3/493)

يجوز أن يكون مصدرا، يقال: تاب يتوب توبا وتوبة، مثل: قال يقول قولا وقولة؛ ويجوز أن يكون جمعا لتوبة، فيكون تَوْبَة وتَوب مثل تمرة وتمر، إلا أن المصدر أقرب؛ لأنّ على هذا التقدير، يكون تأويلُه: أنه يقبل هذا الفعل".
قال: "والآية مُشْعرَةٌ بترجيح جانب الرحمة؛ لأنه تعالى لما أراد أن يصف نفسَه بكونه شديد العقَاب، ذكر قبلَه صفتَيْ كونه غافر الذنب وقابل التوب، وذكر بعد صفةَ ذي الطَّوْلِ".
(3/494)

سُورَةُ فُصِّلَتْ
عبر ابنُ شَاس عن سجدتها بـ "سجدة المومن" وهو وَهَم.

38 - {فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا}:
جوابُه محذوف، أي فاللَّه غنيٌّ عنهم.

44 - {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا}:
(3/495)

ع: -ورأيته بخطه أيضا-، هذه الآية كالاحتراس بعد قوله: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ)، فالمماثلة إِنما هي في المعاني لا في اللفظ، للعلة التَي أشِير إليهاَ هنا،َ ولقوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ).
وفرَّق ابن عطية بين الأعجمى والعجمى؛ وابنُ السِّيد في "شرح آدب الكتاب" لابن قتيبة، جعلهما بمعنى واحد.
ابن بابشاذ في "مقدمته": "لولا" إنْ دخلت على المضارع كانت
(3/496)

للتَّحضيض، وإنْ دخلتْ على الماضي كانت للتوبيخ"؛ ونحوُه لابن عصفور وابن هشام المصري.
{أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ}:
أنشد بعض الصوفية:
إذا نَطَقَ الوُجُودُ أَصَاخَ قومٌ ... بآذَانٍ إلى نُطْقِ الوُجُودِ
(3/497)

وذَاكَ النُّطْقُ ليس بِهِ انْعِجَامٌ ... ولَكِنْ دَق عَن فَهْمِ الْبَلِيدِ
فَكُنْ فَطِناً تُنَادَى مِنْ قَرِيبٍ ... وَلا تَكُ مَن يُّنَادَى مِن بَعِيدِ
(3/498)

سُورَةُ الشورى وسُورَةُ الزخرف: لا شيء فيهما

سُورَةُ الدُّخَان
3 - {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}:
وَقَعَ في كلام الفخر هنا، ما يُستدلّ به على فضيلة ليلةِ القدر على ليلة المولد، وهو مفْهومٌ مِن تعقّبِهِم قولَ البوصيري:
لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آياتُهُ عِظَماً ... أَحْيَا اسمُه حين يُدْعَى دَارِسَ الرِّمَمِ
(3/499)

4 - {فِيهَا يُفْرَقُ}:
يردُّ قول القرافي: "فُرِّقَ بين "فَرَقَ" و "فَرَّقَ"".

17 - {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ}:
وَرَدَ سؤال من بلد قَفْصَة لشيخنا ابن عرفة، عن تكرير القصص في القرآن في مواضع بألفاظ مختلفة. فأجاب بثلاثة أوجه:
(أ) - أنّ الوفود كانت تأتي أفواجاً، فيحضرُ بعضُهم القصةَ ويسمعُها دون بعض، فكُرِّرتْ ليعْلَمَها الجميع.
(ب) - أنّه ليس كلُّ الناس يحفظ كل القرآن، فكُرِّرتْ لِتَقَعَ في
(3/500)

البعضِ المحفوظ.
(ج) - أنّ ذلك مبالغةٌ في القَصِّ والتحذير.
قلت: إلا قصة يوسف، فإنها لم تتكرر.
(3/501)

سُورَةُ الجاثية
2 - {الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}:
الزمخشري: "يحتمل كونه صفة للكتاب"، فتعقّبه أبو حيان بالفصْل بين الصفة والموصوف بأجنبي؛ ويُرَدُّ بأنَّه وإنّ كان أجنبيا عن المنعوت فليسَ أجنبياً عن الجملة، وقد قال تعالى (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، والجوازُ هَنا أوْلَى لاتِّسَاع العرب في الظروف والمجرورات، وَقَال أبو حيان في "شرح تسهيل ابن مالك" في باب التّابع:
" يجوز الفصل بين الصفة والموصوف بـ:
- المبتدأ الذي خبرُه في متعلّق الموصوف، كقوله تعالى (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
(3/502)

- وبالخبر نحو "زيدٌ قائمٌ العاقلُ".
- وبجواب القسم والمقسمُ به موصوف، كقوله تعالى ( ..................
- ......................... ) (1) (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ).
- وبمعمول الصفة، كقوله تعالى (ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ).
- وبالفعل العامل في الموصوف، نحو "أزيداً ضربتَ القائمَ".
- وبالمفسَّر كقوله تعالى (إِن امْرُؤ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ)، ففصل بـ "هلك" المفسر.
- وبجملة الاعتراض، كقوله تعالى (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ)،
__________
(1) سقط وقع في كل الأصول.
(3/503)

وتقول "جاء زيدٌ وأنا أعرف الطويلَ".
- وبالاشتثناء، نحو "ما جاء أحدٌ إلا زيداً خيرٌ منك".
- وبالمعطوف إذا لم يكن شريكه في الصفة، حكى سيبويه: "هذان رجلان وزيدٌ منطلقان".

23 - {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}:
أي على علم اللَّه به، وعلمِه هو. وقولُ ابن عطيَّة: "هي حجّة للجبْرية"، يُرَدُّ بأنها إنما هي حجة لأهل السنة؛ والمعنى: على علم من العبد، إشارةً إلى حالة صدور الفعل من المكلف مع علمه به وعدم امتثاله، وذلك كسْبٌ، فانْتفَى الجبر.
(3/504)

27 - {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ}:
يؤخذ منها أن ربعَ مال التجارة، إنما يُعتبر يومَ حصولِه لا يومَ حصولِ أصله، وهو قول ابَنِ القاسم في أوائل كتاب الزكاة الأول من "المدَونة"، في مسألة من مضى لعشرَة دنانيرَ عندَه حَوْلٌ، فأنفق منها خمسةً واشترى بالخمسة الأخرى سلعة باعها بخمسة عشر. قال: "لا شيء عليه حتَّى يبيع بعشرين". فجعل الربحَ إنما يُعدّ حاصلا يوم حصوله خلافَ قولِ الغير.
وتقرير الأخذ من هذه الآية، أنه جَعَلَ فيها خُسران المبْطلين كائناً يومَ القيامة، فَدَلَّ عليَ أن مقابلَه وهوِ ربحُ الْمُحقِّين كذلك؛ لأنَّها تجارةٌ في المعنى، قال الله تعالى (هَل اَدُلكمْ عَلَى تجَارَة) وقال (إن اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُومِنِينَ) الآية.

29 - {يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ}:
(3/505)

النطق أعم من الكلام، لكنْ قُيِّدَ بالحق، ولازم الأعمّ لازمُ الأخصّ، فإذا لزم نطقُه الحقَّ لزم الكلامُ.

30 - {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا} الآية:
فيها حذف التقابل.
{فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ}:
السُّكُوني في "لحن العوام" له: "لا يقال: اللهم اجعلْنا في مستَقَرِّ الرحمة؛ إذْ لا مُستَقَرَّ لها".
ع: "إنْ أُريدَ محلّ استقرارها فكلُّ ما دخل في الوجود مُتَنَاهٍ، كنعيم أهل الجنة، ما وُجد من مُتناهٍ وما لم يقعْ بعدُ غيرُ متناهٍ؛ وإنْ أريدَ نفسُ الرحمة، فإنْ رجعتْ إلى صفة الفعل فهي حادثة، وإنْ كانت بمعنى الإرادة فقديمةٌ غيرُ متناهية".
(3/506)

32 - {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا}:
الزمخشري: "أصله: "نظن ظنا"، ومعناه إثباتُ الظن فقط، فأدخل عليه حرف النفي والاستثناء، ليُفيدَ إثبات الظن ونفيَ ما سواه، ثم أكدَ نفيَ ما سوى الظنِّ بقوله (وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِين) ".
أبو حيان: "لا يجوز أن تقول "ما ضربتُ إلا ضرباً" لعدم الفائدة". ثم ذكر الجوابَ من ثلاثة أوجه، انظرها في ابن عرفة.
أولُ ما وَرَدَ علينا بتونس، "مختصرُ أبي حيان " جاء به أبو الفضل بن أبي مدين، نظرنا فيه هذا الموضع، فقال بعضُ نحاة التونسيين: ما نصّ أحدٌ من النحاة على منع "ما ضربتُ إلاّ ضرباً" كما زَعم أبو حيان؛ وليس ذلك في كتاب سيبويه، والفارسي وابن جني وابن عصفور، وغيرِهم.
(3/507)

وعلى تسليم منْعه، فذلك في الفعل الماضي لوقوعه على صفة واحدة قد مضتْ وانقطعَت، فلا يَعْرِضُ لها التغْيير؛ وأما المضارع فهو قابلٌ للتغير والاختلاف، فتأكيدُه يفيدُ عَدَمَ انتقالهم عن ذلك الظن.
وأجاب بعضُهم بأنَّ (ظَنًّا) أفادَ بتنكيره التقليل. وفي الآية لَفٌّ ونشْر، فجملة (مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ) لقوله (وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا)، وجملة (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) لقوله (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، وكذا جملة (وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)، والعطفُ ترقٍّ، أي لم يحصلْ لنا منها إلا الظن، بل عدم اليقين الأعم من الظن والشك.
(3/508)

سُورَةُ الْأَحْقَافِ
3 - {إِلَّا بِالْحَقِّ}:
قول ابن عطيَّة: أي بالواجب الحسَن الذي قد حَقَّ أن يكون"، عبارةٌ اعتزالية، وإنْ أراد الوجوبَ الشَرعي لا العقلي.
وقول الزمخشري: "إن سببَ الحكمة والمصلحة" اعتزال، على أصل المعْتزلة في مراعاة الأصْلح، وأنّ أفعالَه تعالى معلّلة، وَقدْ بيَّنا عدمَ تعليلِها لاقتضائه العجْز؛ إذْ لا يفعل الشرَّ لتحصيل الغرض إلاّ من عجز عن تحصيلِه دونَه، والله تعالى قادر على كل شيء، فيفعلُ الشيءَ دون تحصيلِ سببه، وأحكامُه تعالى عندنا معلّلة شرعا لا عقْلا.
(3/509)

وقول الطيبيّ: "معنى بالحق أي بالثواب"؛ إن أراد الثّواب الشرعي لا العقلي فهو مذهبُنا، وأمّا المعتزلة فيقولون بالتحسين والتقبيح، وأنّ اللَّه تعالى يجب عليه عقلا أن يُثيبَ الطائع؛ فمعنى كلام الطيبي أن اللَّه تعالى خلق السماوات والأرض بسبب الثواب والعقاب شرعا.
ع: "ويحتمل غير ما قالوه، وهو أن الحقَّ تارة يُراد به ضدُّ الباطل، وهو الأمر الثابت الموجود، وتارة يرادُ به الصدقُ وهو ضدُّ الكذب؛ فالأول لا يصحُّ حمل الآية عليه، لتناوُله دينَ المومنين والكافرين؛ لأن كلاّ منهما موجود ثابت، فيلزم كون الكفر حَقّا، وهذا لم يقُلْه أحد، فتُحْمَل الآية على المعنى الثاني، أي ما خلقناهما إلا بالصدق، وهو (حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) هو صدق، لإخبار الرسل به عن الملائكة عن اللَّه، وَيتوقف ذلكَ عليَ وجود الباري ووحدانيته، ويدل على ذلك عقلا السماوات والأرض.

4 - {أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ}:
استدلالٌ بنفي اللازم العقلي؛ لأنّ من لوازم المعبود عقلا العلم بكونه خالقا، وليس اللازمُ نفسَ الخلق، لأنه يلزم عليه قِدَمُ العالم.
- {ائْتُونِي بِكِتَابٍ}:
استدلالٌ بنفي اللازم الجُعْلي وهو قسمان: تواترٌ وهو الكتب
(3/510)

السابقة وآحاد، وهو قوله (أَوَ اَثَارَة مِّنْ عِلْمٍ).
ولم يقل "أم لهم شرك في الأرض"؛ لأنّ خلقَ السماوات أعظم.
واستدل بعضُهم بهذه الآية على جوازِ خَطِّ الرمل، ولحديث "أن نبيئا من الأنبياء كان يخط، فمن صادف خطه فذاك"، خرَّجه مسلم في كتاب الطاعون، وحكى فيه عياض قولين في كتاب الصلاة، في حديث "الخَطُّ بَاطِلٌ"، وفي باب نسخ الكلام في الصلاة، عن معاويةَ بنِ الحكم؛ وأنكره ابن العربي في "أحكام القرآن" له، وابنُ
(3/511)

رشد في "الأجوبة"؛ قالا: الحديث على معنى الاستبعاد والفرض، وليس المرادُ أن أحداً يصادف خط ذلك النبي، فهو من فرْضِ المُحال.
قال ابن رشد: "ولا يحلُّ الجلوسُ لمن يخُطُّه، ولا السلامُ عليه حين خطّه، ولا أخذ الأجرة عليه".

7 - {هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}:
قول ابن العربي: "يقال: السحر حقيقة ولا يقال له حَقٌّ، خلاف قولهم "السحر حقّ والعين حقّ".
الفخر: "تعلُّم السِّحر واجب، ليُعلَم كيفيةُ الحكمِ فيه"، يريد؛ لأن
(3/512)

تصوّر الشيء شرطُ الحكْم عليه؛ ولأبي فراس الحمداني -وذَكَرَه الزمخشري في سورة البقرة-:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشـ ... رِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيه
وَمَن لا يَعْرفِ الشرَّ من الـ ... ناس يقعْ فيهِ
وفي قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام جواز تعلمه.

9 - {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ}:
قول ابن عطيَّة: "هي منسوخة في أحد التأويلات" يُرَدُّ بوجهين:
(3/513)

- الأول أنه خبر، والخبر لا ينسخ.
- الثاني: أن "ما" النافية، إنما تنفي الحال لا الاستقبال، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يدري في الحال ما يُفعل به ولا بهم، فلمّا أعْلم بذلك صار دَارياً. وتقديمُ نفسِه للتشريف.

15 - {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ}:
(3/514)

ابن عطيهْ: "للأمّ ثلاثه أرْباع البرِّ، وللأب ربعُه". عياض: "للأب ثلُثه وللأم ثلُثاه". انظر "سراج المريدين" لابن العربي، في الاسم الثامن والتسعين.
(3/515)

ابن أبي زيد في "رسالته": "ويطيع أبويه ولو كانا كافرين، ولو كانا مشركين"، يريد فيما لا معصية فيه لله تعالى.
وِفي "المدونة": "لا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أنْ يضيعَ فلْيُوَارِهِ".
{حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كَرْهًا}:
أي من الإحساس به.
(3/516)

{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا}:
قول ابن عطية: "الحمل والفصَالُ كالطّهر والحيض، فبقَدْر ما يُنتقص من أحدهما يزداد في الآخر" غيرُ صحيح؛ ويلزم عليه إنْ تحَاكم إلينا نساءُ زماننا في الرضاع، أنْ يُحكم لهن بأحد وعشرين شهرا، لأنّ أمَدَ حملهن تسعَةُ أشهر، وليس كذلك، فالحكم لهنّ بحوْليْن كاملين. والآية لم تتضمنْ مطلقَ الحمل بل الحمل الشرعي، وأقلُّ الحمل الشرعيِّ ستةُ أشهر، فإذا وضَعَتْه لأقلّ منها فهو للثاني لا للأول، فالحمل والفصال يكونان أكثرَ من ثلاثة أشهر، والذي في الآية أقلّه شرعا.
وسُمِّيَ أمد الرضاع فصالا من باب تسمية الشيء باسم ضدِّه للملابسة التي بينهما، وهى مشاركةُ الفصال لآخر زمَنِ الرضاع، كقول ابن التلمساني في قولهم "جرى الميزَابُ"، "وإنما جرى الماء فيه، لكنْ بينهما ملابسة".
{حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}:
(3/517)

أكثر النحويين أن حتَّى حرف غاية، وحكى ابن خروف في "شرح كتاب سيبويه" قولا بأنَّ حتّى الجارَّةَ هي التي تلزمُها الغايةُ، وأما غيرُها فَلاَ.

19 - {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ}:
في زيادة الإيمان ونقصه، ثالثُها يزيد ولا ينقص؛ وسكتوا عن الكفر فلم يذْكروا فيه خلافاً، وظَاهرُ الآية أنه كالإيمان في الزيادة والنقص؛ لأنّ لفظ الدرجات يعمُّهما لصدْقه على منازلِ النعيم ومنازل العذاب.
(3/518)

الزمخشري: "يقال في النعيم درجات وفيِ العذاب دَرَكَاتٌ"، فجعله ابن عطية القدْرَ المشترك بينهما، وهو التفاوت، فيكون مبهما؛ وجعله الزمخشري خالصا فيكون مبَيَّناً، والبيان أوْلى من الإبهام، لكنْ يلزَمُ الزمخشريَّ المجازُ أو التغليبُ لاستعمال اللفظة هنا في النعيم والثواب معا.
وسُئل المازري في "أسولته" عن الجن هل ينعمون في الدار الآخرة بدخول الجنة أم لا؟، فأجاب بأنهم ينعمون بذلك، وكذلك قال عياض في "المدارك"، لما عرَّفَ بمحمد بنِ عبد اللَّه بنِ عبد الحكم، قال: "سئل هل للجن جزاءٌ في الآخرة عن عملهم، فقال نعم؛ واحتج بقوله تعالى (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ) الآية".
(3/519)

وحكى الزمخشري عن أبي حنيفة أن اِلجنَّ مكلَّفُون، وأنهم ينعمون بالثواب كما يعذبون، وفي الحديث "أنَّهُ جَعَل العَظْمَ زَادَهُمْ، والرَّوْثَ زَادَ دَوَابِّهِمْ".
(3/520)

وذكر أبو نعيم في "الحلية" عن سهْل ابن عبد اللَّه التُّسْتَري أنه رآهم يأكلون العظم والرَّوْث.

21 - {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ}:
عُرْفُ القرآن الكريم في ذِكْرِ ما فيه تسليةٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم -، التعبيرُ بلفظ
(3/521)

"اذكر"، وأما ما هو إنذارٌ لأمته فيعبِّر عنه بلفظ "اتل" مثل (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ).
{وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ}:
أي تضافرت بالإنذار، فيوخذ منه الترجيح بالعدد في باب الشهادة، وتقريرُه أن الآية دلَّتْ على أنّ اشتراك المماثل مع مماثله في قول مفيدٌ، وكل مفيد مرجّح، فاشتراكُ الأمثال مرجّح؛ بيان الصغرى أن قوله تعالى (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ) بمعنى تضافرت بالإنذار، وهو مماثل لهم في إنذار قومه أيضا، فدل عَلى أن العدد يفيد.

23 - {قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ}:
الذي لا يعرض له التبدل عند اللَّه.
{وَلَكِنِّي}:
شرطُ الاستدراك بـ "لكن" مخالفةُ ما بعدَها لما قبلها، وتقريرُه أن الاستدراكَ فيها مِن لازم ماَ قبلَها، لأنّ لازمَ التبليغ علمُ المبَلّغ إليهم بما يسمعون، فأخبَر عنهم أنَّهُم جاهلون، أي الجهلَ المركب؛ لأن الجهل البسيط مشتركٌ بينهم وبين غيرِهم من المومنين، علموا وهؤلاء لم يعلموا.
(3/522)

24 - {فَلَمَّا رَأَوْهُ}:
أي السحاب الذي يسيّره الريح.

31 - {وَآمِنُوا بِهِ}:
أي وحِّدُوه.
وقد اختار المقْترح وابن التّلمساني والمتأخرون أنّ الوحدانيةَ يصحُّ إثباتُها بالسمع.
{مِنْ ذُنُوبِكُمْ}:
الزمخشري: "أشار بالتّبعيض إلى أن الإسلامَ إنما يَجُبُّ الذنوبَ التي بين
(3/523)

العبد ورِبِّه، لا التي بينه وبين الناس". انتهى. فالذِّمِّيُّ إذا سرق ثم أسلم، فإنه يُطالب بذلك ولا يَجُبُّه الإسلام؛ لأنّ ذلك ليس نقضاً للعهد عندنا إذْ ليس بغصْب، فلو كان أخذ شيئا جهارا ثم أسلم لجبَّه الإسلام، كالحربيِّ يأخذ شيئا فهذا نقضٌ للعهد.
ابن عصفور في "شرح الإيضاح": "التبعيض في (مِّن ذُنُوبكُم) السابقة على الإسلام هي التي تغفر، لا ما يحدثُ بعده".

35 - {أُولُو الْعَزْمِ}:
ذكر ابن عطية فيهم إبراهيم. وقوله "إِنَّهُ صبَرَ على النار" صوابه "على
(3/524)

الرمي بالمنجنيق في النار"؛ لأنَّها صارتْ عليه برداً وسلاما.
{سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ}:
لم يقلْ تعالى "ساعة من ليل"، وإنْ كانت العرب تؤرِّخ به؛ لأنّ ساعات النهار يعقُبُها ظلامُ الليل، وساعات الليل يعقبها ضياء النهار، فلُبْثُ ساعة منَ الليل يعقُبُها الفرَج، ومن النهار بخلافه.
(3/525)

سُورَةُ الْقِتَالِ
1 - {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}:
إما لا تَقَرُّرَ لها بوجْه، أو لها تقرر، لكنْ لا ثوابَ لها.
الفخر: "الخلافُ في خطاب الكفار بفروع الشريعة إنما تظهرُ ثمرتُه في تضْعيف العذاب عليهم في الدار الآخرة". وقال ابن بشير وابن رشد: "تظهر ثَمَرتُه في مسائل من الفقه؛ منها: مسألةُ جبْرِ المسلم زوجتَه النصرانيةَ على الاغتسال من الحيض؛ ومسألة الخَليطَيْن أحدُهما كافر، ولكلٍّ منهما دون النصاب منفرداً فإذا اجتمعا صَارَا نِصاباً".
وحكى اللخْميّ عن المغيرة أنّ الكافر إنْ زنا يُحَدُّ حدَّ البكر؛ وحكى عنه أيضا أنه إذا طلّق امرأته بالثلاَث ثم أسلم، لم تحل له إلاَ بعدَ زوج. وحكى ابن رشد الخلاف في عِدَّةِ الكافرة هل ثلاث حِيَضٍ أو حيضة واحدة.
(3/526)

وقال المازري: "إذا قدِمَ المسافر نهارا في رمضانَ لا يجوز له وطْؤُ زوجته المسلمة. واختلفوا في النصرانية"، قال: "وأشياخُنا يُجْرُون ذلكَ على الاختلاف: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ ".

2 - {وَهُوَ الْحَقُّ}:
أي إيمانهم أو الذي نزل.
(3/527)

7 - {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ}:
في مواطن أخر.

10 - {وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا}:
في الجنس لا في الصنف.

11 - {لَا مَوْلَى لَهُمْ}:
أي لا ناصر؛ فلا يناقض قوله (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ)، وهي في قوة سالبة كلية، وتلك موجبة جزئية.

12 - {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ}:
أسندَ إدخالَهُم الجنةَ إلى نفسه تشريفاً لهم، وقال في الكافرين (النَّارُ مَثْوًى لَهُمْ)، وعبَّر عنهم بالاسم المقتضي الثبوتَ والدوامَ واللّزومَ؛ وعبَّر عن
(3/528)

إيمان المومنين بالفعل، إشارةً إلى الاكتفاء منهم بمطلقِ إيمانٍ ومطلقِ عملٍ.

23 - {فَأَصَمَّهُمْ}:
لم يقل "فأصمَّ آذانَهم"، كما قال (وَأَعْمى أَبْصَارَهُمْ)؛ لأنّ العمى يكونُ في البَصَرِ وفِي البصيرة، فبيَّن المرادَ منهما، وأما الصَّمَمُ فمَحَلُّه شيءٌ واحدٌ وهو الأذن.
فإن قلت: ما الجمع بين هذه وبين قوله (فَإنَّهَا لَا تَعْمَى الاَبْصَارُ) فنفى في تلك ما أثبت في هذه!.
فالجوابُ أن البصر شيئْان حسِّي ومعنوي، فالحسِّيُّ رؤيةُ المخلوقات وعجائبِها، والمعنوي الاستدلالُ على الوحدانية، وهو الإبصارُ النّافع، والأولُ شرطٌ في الثاني، وقدْ يحصُل عنه وقدْ لا يحصُل، فالمنْفِيُّ هناك عن أبصارهم العَمَى الحسي، واتصافها بالإبصار النافع، والمثْبَت هنا العمى المعنوي، بمعنى أنَّهُم ينظرون فلا ينتفعون بنظرهم، فكأنهم ليس لهم إدراكٌ ألبَتَّةَ، فالمثبت غير المنفي.

24 - {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ}:
لم يقل "يتفكرون ولا يتذكرون"؛ لأنّ هذيْن استحضار في متوقّعٍ في
(3/529)

الماضي تُنُوسى، والتدبُّر استحضارُ أمْرٍ مستقبَل متوقّع مجيئُه؛ والكفارُ لم يكن لهم شعورٌ بالقرآن بوجْهٍ، لنزولِه شيئا بعد شيء.
{أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}:
"قلوب" جمع كثرة، و "أقفال" جمع قلة، والقليلُ إذا وُزِّعَ على الكثير لا يعُمه، والجوابُ من وجهين:
(أ) - أن كلّ قلبٍ عليه أقفال.
(ب) -: أن " أقفال" مصدرٌ لا جمعٌ، بدليل قراءة كسر الهمز من (أسرَارَهُمْ)، قُرِئ بفتح الهمزة وبكسرِها، إمّا جمع "سِرّ"، أو مصدر، وهو أبلغ؛ لأنّ إدراكَ المعنى يستلزمُ إدراك اللفظ.

30 - {فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ}:
يؤخذ منه شهادةُ الشاهدِ على خطِّه، هذه فائدةٌ فقهية؛
(3/530)

ويؤخذ منه أيضا فائدةٌ منطقية، وهى إفادةُ الرسم معرفة المعرّف.
فإن قلت: الرؤية تُغْني عن السِّيما، لأنّ رؤيةَ البصر أبلغ، فكيف أكَّدَ الأقوى بالأضعف؟. فقولُ الشاهدِ: هذا هو الذي شهِدتُ عليه؛ هو أبلغُ من معرفتِه إياه بصفاته.
فالجوابُ: أن السِّيما لدوام المعرفة في المستقبل، أو كان أولاً يعرفهم بالسيما، ثم عَرَفَهم بالرؤية التي هي أبلغ.
- {فِي لَحْنِ الْقَوْلِ}:
أي مقتضاه، كقول الأصوليين لحن الخطاب. وقد أطال أبو علي القالي في "الأمالي" الكلامَ في لفظ اللحن، وقال: "لحن القول" ولم يقل
(3/531)

"لحن الكلام"، ليتناولَ الكلمةَ المفردة.
وقولُ ابنِ عطية: "احتجَّ بها من أوْجَبَ الحدَّ في التعريض بالقذف"؛ ووجهُهُ أنّ هؤلاء قالوا قولاً ظاهرُه الإسلام وباطنُه الكفر، فحكم لهم بحكم النفاق، فكذا المعَرِّض بالقذف، يقول قولاً ظاهرُه غيرُ القذف وباطنُه القذف. يُرَدُّ بقلب النكتة، فتكون حجة لعدم الحد؛ لأن القذفَ نظيرُ الكفر، والتعريض نظير النفاق، فَكمَا أن المنافق يُعتبر ظاهرُه، فكذلك المعرِّضُ بالقذف، يعتبر ظاهرُ لفظِه.
فإن قلت: المنافقُ لا يُصَلَّى عليه إذا مات. قلت: وكذلك المعرِّض بالقذف لا تُقبل شهادتُه، ويكونُ تعريضُه جرْحَةً وإنْ لم يحدّ.
(3/532)

36 - {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}:
هنا شرطيتان لما تتقرر في علم المنطق، من أن الشرطيةَ تتعدّد بتَعَدُّد أجزاء تَاليهَا، ومفهوم الأولى من الشرطيتين معمل؛ لأنهم إذا لم يومنوا ويتقوا لا أجرَ لهم؛ والثانية لا مفهوم لها، لأنهم إذا لم يومنوا لا يسألون أموالهم.
فإن قلت: بل يُسألونها؛ لأنّ مالَ الحربي مباح.
قلت: لا يقال فيه أنه يسأل ماله وإنْ كان مباحا، بل يقال: مالُه غيرُ محفوظ؛ لأنه غيرُ مكلَّف، والمومن إذا لم يملكْ نصابَ الزكاة لا يُسأل مالَه، فإن ملَك نصابا وجبتْ عليه الزكاة. أو يكونُ المفهوم في الآية أحْرى، لأنه إذا لم يسأل المومن المتقي ماله مع أنه مكلف فأحرى الكافر غير المكلف؛ أو نقول بخطاب الكفار بالفروع.
(3/533)

فإن قلت: إنما المفهوم "لم يوتكم أجوركم" مع أنه لا أجرَ هُنَالك بوجْه؟.
قلت: السالبةُ لا تقتضي وجودَ الموضوع.
(3/534)

سُورَةُ الْفَتْحِ
1 - {إِنَّا فَتَحْنَا}:
قال صاحب "المفتاح في علم البيان": "التأكيد بـ "إن" في هذه الآية، لتعْظِيمِ المخاطب".

2 - {مَا تَقَدَّمَ}:
نقل ابن عطية عن سُفيان: "ما تقدَّم قبلَ النبوّة وما تَأَخَّر ما لم
(3/535)

يعلمه"، ونقله عياض في "الشفا" عن أحمد بن نصر قال: "وتكونُ "ما" الأولى موصولةً، والثانية واوُها للحال، أي: ما تقدَّم من ذنبك حالةَ كونِه لمْ يتأخر منه شيءٌ عن النبوءة".

3 - {نَصْرًا عَزِيزًا}:
قول الزمخشري: "أي: عزيزاً صاحبُه". يريد: حذف المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مَقَامَه، وهو الضمير المستتر.

4 - {السَّكِينَةَ}:
هي العِلْمُ والداعِي. الفخر في "المُحَصَّل": "قال رؤساء
(3/536)

المعتزلة: لولا العلم والدّاعي لَصَحَّ الاعتزالُ وتَمَّتِ الدَّسَّةُ.

6 - {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ}:
عبَّر بالدائرة إشارةً إلى أن ما حَلَّ بهم من العذاب لا ينتهي؛ لأنَّ الدائرةَ كما تَقَرَّرَ في الهندسة لا طَرَفَ لها ولا آخر.

8 - {شَاهِدًا}:
قولُ ابن عطية: "إنْ أُريدَ بالشهادة التحمّل، فهي حالٌ محصَّلة، وإنْ أريد به الأداء فهي حالٌ مقَدَّرة؛ لأنَّ الأداءَ يوم القيامة، فهو مستقبل متأخّر عن زمن الإرسال".
قلت: فإنْ قلت: بلْ هي حالٌ مقدَّرة مطلقا، لأن تحملَ الشهادة متأخر عن الإرسال؛ لأنه يرسل إليهم أولا، ثم يدعوهم إلى الإيمان، فإمّا أن يطيعوا أولا، فحينئذ يشهد عليهم.
قلت: ليس المراد بـ "أرسلنا" ابتداء الإرسال، بل حالة اتِّصافه
(3/537)

بالرسالة، وهو متصفٌ بها دائما، لكن تقسيم ابن عطية الشهادة إلى تحمل وأداء، أمّا بالتحمّل فهي حقيقةٌ لغوية، وفي الأداء حقيقةٌ اصطلاحية.
فإنْ قلت: استعمل لفظ "شاهدا" في حقيقته ومجازه؛ لأنه شاهد على من رآه وعاصَرَه حقيقةً وعلى الأمم السابقة بالسَّمَاع.
قلت: بل الكلُّ حقيقة، لنَصِّ ابن رشد على أن شهادة السماع إنما تَصْدُقُ على ما لم يُحَصَّل فيه العلم، وأما إذا كان السماع فاشياً مُحَصِّلا للعلم، فلا يقال في الشهادة المستنِدة إليه أمَّا شهادةُ سماع، كعِلْمِنا بوجود مكةَ وشبهها.
(3/538)

فإن قلت: هذه حقيقة شرعية لا لغوية، وكلامُنا في اللغوية، قلت: بل الكلام في الشرعية.

9 - {لِتُؤْمِنُوا}:
راجعٌ لقوله (شَاهداً)، أي يشهد على من آمن وعلى من كفر.
{وَتُعَزِّرُوهُ}:
راجعٌ لقوله (وَمُبَشِّراً)؛ لأنه إذا بشَّرَهم فالواجبُ أن يعظموه وينصُرُوه.
(3/539)

{وَتُوَقِّرُوهُ}:
راجعٌ لقوله (وَنَذيراً)؛ لأن الإنذارَ يوجبُ الهيْبة وهي سببُ التّوقير.

10 - {فَمَنْ نَكَثَ}:
في الآية حذفُ التقابل، أىِ فإنما ينكُثُ على نفسه وسنُعذِّبُه عذابا أليما، ومن أوفى بما عاهد عليه اللَّه، فإنما ثوابهُ لنفسه، وسنوتيه أجرا عظيما.

11 - {وَأَهْلُونَا}:
قلتُ لشيخنا ابن عرفة: هو جمعُ "أهل" بالواو والنون، وشرطُه عند النحاةِ في الجامد العَلَمية؛ فأجاب: لعل ذلك على تلميح الصفة؛ لأنه من التَأهُّل فهو مشتق، والمشتق لا تُشترط فيه العَلَمية.
وقال أبو حيان في "شرح تسهيل الفوائد" لابن مالك: "فأما أهْلُون، فجمع أهل، وأهل ليس بعَلَم ولا وصف، ويحسُن جمعُه بالواو والنون شذوذاً، لأنه قد يُستعمَل استعمال "مستحق"، تقول: هو أهل كذا
(3/540)

وأهل له، جرى في الجمع مجْرى مستحق"، قال: (ومثل جمع أهل على أهلون جمع مَرْء على مَرْئين في قول الحسَن: "أحسنوا مَلأكمْ أيها المرْءُون"، وهو شَاذّ.
ابنِ عصفور في "مقربه"، -في أوائل جمع التكسير-: هذا وأرَضُون وحَرُّونَ (842) وإوَزُّونَ، من شذوذ الجمع، وفي سورة المائدة (مِنَ اَوْسَطِ مَا تطُعِمُونَ أَهْلِيكُمُ).
(3/541)

11 - {بِمَا تَعْمَلُونَ}:
أي من ترْك خروجكم للجهاد. فيدُلُّ أن التّرْكَ فعل، والصحيح أنه ليسَ بفعل، وإلا لزم عدمُ وجود العالم أو عدمُ حدوثه؛ هذا عند المتكلمين، وأمّا عند الفقهاء، فالصحيحُ أنه فعل كما في مسَألة مَنْ مَرَّ بصيد في الحِبالة فتركه حتَّى مات، ومسألة من رأى أعمى يقَعُ في مَهوَاةٍ فتركه، وغيرِ ذلك من المسائل.

13 - {وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ}:
قول ابن عطية: "المراد: وأنتم كذلك، فأنتم ممن أُعِدَّتْ لهمُ السّعير"؛ هو قياسُ الضمير، حُذِفَتْ فيه إحدى القضيتين، لدَلالة السياق عليها، وتقريره: أنتم غيرُ مومنين باللَّه ورسوله، وكلُّ من لم يومن باللَّه ورسولَه أعتَدْنَا له سعيرا، فأعتدْنَا لكم سعيرا. وذكر وصف الكفر إشارة لقياس العكس، وأنهم استحقوا السعير بوصف الكفر.

14 - {يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ}:
(3/542)

الزمخشري: "يغفرُ ويعذبُ بمشيئته، ومشيئتُه تابعةٌ لحكمتِه، وحكمتُه المغفرةُ للتائب، وتعذيبُ المصرِّ. الطيبي: "بل حكمتُه تابعةٌ لمشيئته".
ابن عرفة "ليستْ إحداهما تابعةً للأخرى، بل كل واحدة مستقلةٌ بنفسها؛ لكنْ إنْ أُريدَ بالحكمة المصالح الدنيوية، فهي تابعةٌ للمشيئة، وإنْ أريد بها صفة المعنى، فليست تابعةً للمشيئة".

15 - {إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ}:
يدل أن الخروجَ للجهاد لا يُنَافيه قصْدُ الغنيمة.

18 - {إِذْ يُبَايِعُونَكَ}:
قول ابن عطية: "هو تعليلٌ للرضى إنْ رَجَعَ لصفة الفعل، وإنْ رجع لصفة المعنى وهو الإرادة لم يكنْ تعليلاً له". تقريره: أنه إذا رجع
(3/543)

لصفة الفعل كان متأخرا عن بيعتهم، وإذا رجع لصفة المعنى لم يصحَّ تعليلُه بالبيعة لتأخُّرِها عنه.
فإن قلت: "إذ" ظرف زمان لما مضى، فيقتضي تقدم البيعة في الزمان.
قلت: التقدم أعمُّ من التقدم الزماني أو الأزلي، كقول المنطقييين في الضرورةِ إمَّا تشمل الأزليةَ والزمانيةَ.
{تَحْتَ الشَّجَرَةِ}:
قال أبو عمر في "شرح الموطأ" -بعد أن حكى أن الصحابة حين حج عمر اختلفوا في الشجرة ما هي وأين هي؟! - "لا ينبغي التعريفُ بموضعها خشيةَ أن تُعبَدَ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَتخِذُوا قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ".
(3/544)

{فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ}:
يقتضي لفظ "على" أن السكينة عَمَّتْهُم؛ فهذه أبلغُ من آية (أَنزَلَ السكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُومِنِينَ).

19 - {يَأْخُذُونَهَا}:
قول أبي حيان: "هي حالٌ مؤكّدة"، يُرَدُّ بأنها مبيّنة لقول الفقهاء: إذا خرج سَرِيَّتَان للجهاد، فسبقتْ إحداهُما فغنِمَت، فالغنيمة مشتركةٌ بينهما. فالثانية أخذتها حسّاً والأولى أخذتها حُكماً.
ولما أسْند في الآية الأخذ للفاعل والأصل الحقيقة، دَلَّ على أنّ الأخذَ حقيقة، فدلَّ على أن الذين ياخذون الغنيمةَ هم المباشرون لها خاصّةً، وكذلك كان في فتح خَيْبَرَ، إنما أخذ الغنيمة مَن حضرها، لكنْ يرد على هذا أن الآية سيقت امتنانًا على المومنين، وهذا لا يُناسب اختصاص من حضر الغنيمة بأخذها.

26 - {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ}:
إن قلت: الحمية هي الداعي، فكيف تكون من جعلهم -إما كسبا على مذهب أهل السنة، وإما استقلالا عند المعتزلة- وهو خلاف
(3/545)

الإجماع؟ لاتفاق أهل السنة والمعتزلة على أن الداعي خلق لله تعالى؛ ولذلك قال المعتزلة: لولا العلم والداعي، لصح الاعتزال، وتمت الدسة.
فالجواب من أوجه:
(أ) - أن الحميَّةَ ليست هي الداعي، بل حَمَلَها المفسرون على الأفعال الظاهرة، مِنَ الكَتْبَ والمحْوِ في وثيقة صلح الحديبية، وذلك من فعل العبد إمّا كسْباً عندنا أو استقلالا عند المعتزلة.
(ب) - أنه لَمَّا دَلَّ الدليلُ العقلي على أن الداعي مخلوق لله تعالى، وخالفَ ذلك ظاهرَ الآية، وجبَ تأويلُها بأنها من إطلاقِ اسم المسبّب على السبب؛ لأن الداعي سببٌ في الأفعال الظاهرة.
(ج) - تقرّر في الأصول ثلاثةُ أمور: الفعل، والداعي للفعل، والقصد إلى الفعل.
فأما الفعل فيُختلف فيه بين أهل السنة القائلين بالكسب، والمعتزلة القائلين باستقلال العبد بفعلِه، والْمُجْبِرَةِ القائلين بنفي الكسب.
(3/546)

فأما الداعي فمتفقٌ عليه كما مَرَّ، والقصد إلى الفعل محلُّه القلب، وهو من فعل العبد، فالجعْلُ في الآية بمعنى القصد إلى الفعل.
(د) - جعل بمعنى صَيَّرَ، وفاعله ضمير عائد على الله تعالى. و "الذين" مفعول أول، والجملة مفعول ثان.
{وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}:
إعادة حرف "على" إشارة إلى أن السكينة مقولة بالتشكيك، وأنها على الرسول أعظم.
{وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}:
أي بالجعل الشرعي والإرادة الأزلية؛ لأن ذواتهم اقتضت ذلك لتساوي الذوات؛ وفي "القوت" لأبي طالب المكي كلام حسن في هذا المعنى.
{وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}:
هي كلية لا كل؛ لتعلق علمه تعالى بالجزئيات.
(3/547)

27 - {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}:
جعله أبو حيان حالا مقَدَّرة، بناءً على قصْرِ مُسَمَّى الدخول على قطعِ المسافة، ويحتمل كوْنها محصّلة، بناء على أن الاستقرارَ دخولٌ؛ وهو أحدُ القولين في الحالف لَا دَخَلَ بيتاً وهو كائنٌ فيه، أنه إنْ لم يبرحْ مكانَه حنث.
ودلّت الآية على أن الحِلاقَ والتقصيرَ نُسُكٌ، وهو مذهبُنا؛ وقيل تحللٌ كقصِّ الأظفار وإزالةَ الوسخ والشَّعَثِ؛ وقيل نسُكٌ في الحجِّ دون العمرة، وتقريرُ الأخذ من الآية أنها خرجتْ مخرجَ الثناء عليهم، وإنما يكونُ الثناءُ بما هو نُسٌكٌ، وكذلك حديث "يَرْحَم اللَّه المحَلِّقينَ"، قال في الرابعة: "وَالمقَصِّرِينَ".

28 - {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ}:
(3/548)

انظر ابن عطية.
{عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}:
هذا أبلغ من "على كل الدين" لوجهين:
(أ) - أنه عموم من جهتين.
(ب) - أنه أفاد اعتبار آحادهم ومجموعهم، وفي كل الدين اعتبار الهيئة الاجتماعية فقط، وهذا كقولك "أكرم بني تميم كلهم"، هو أبلغ من قولك "أكرم كل بني تميم"، للوجهين المذكورين.

29 - {فَآزَرَهُ}:
قول ابن عطية: "الأزْرُ الشدة"، صوابُه القوة؛ لقوله تعالى (اشْدُدَْ بهِ أَزْرِي) أي قوتي.
(3/549)

سُورَةُ الْحُجُرَاتِ
6 - {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ}:
اتّفق المفسرون على أمَّا نزلت في قضية الوليد بنِ عُقْبةَ بن أبي مُعَيْط. وقال أبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب": "لا يصحُّ ذلك؛ لأنه كان
(3/550)

في زمن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ابنَ ثمانية أعوام أو عشرة، فكيف يبعثُه رسولاً إلى الكفّار".
وأَخَذَ منها ابنُ العربي، منْعَ إمامة الفاسق؛ لأنه إذا أُمرَ بالتثبّت في قوله فأحْرَى في فعله، واحتجَّ بها الأصوليون في العمل بخبر الواحد بناءً على اعتبار المفهوم.
ويُؤخذ من الآية أن الأصلَ العدالة؛ لأنّ نقيض الفسق: لا فسق؛ فيتناول مستوِرَ الحال؛ ودل المفهومُ على أنه لا يُؤمر بالتثبُّت في نبأه، لكنّ قوله (بِجَهَالةٍ) يدل على أن المفهوم خاصٌّ بمن ثبتَتْ عدالتُه.

7 - {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}:
أفادت هذه الجملةُ باعتبارِ دلالةِ الالتزام، لا باعتبار دلالة المطابقة.

12 - {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ}:
ابن عطية: "-عن سَلْمَانَ الفارسي-:
(3/551)

"إني لَأَعُدُّ عُراق قِدْري مخافة الظن".
ع: "إنما يشْفِي الظنّ بخَتْمه على القدْر، لاحتمال القطْع من كلِّ لحمة، فلا يُفيدُ عدُّ اللحَم".
وفي آخر جامع "العتبية": "حدثني أشهبُ عن نافع بن عمرَ الجُمَحي عن ابن أبي مُلَيْكَةَ أن عمر بن الخطاب قال: "لاَ يَحِلُّ
(3/552)

لاِمْرِئٍ مسلمٍ يسمعُ منْ أخيه كلمةً أَنْ يَظُن بها سُوءاً، وهو يجدُ لها في شيءٍ من الخير عُذْرا". ابنِ رشد: "هذا صحيح، يشهد له قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ).
{وَلَا تَجَسَّسُوا}:
ع: "كان بعضُ قضاة المغرب يَزْطِمُ الديارَ على الناس ويتجسّس عليهم، فمَنْ رأى عندهَ أمارةَ معصيةٍ من شرب خمر ونحوِه عاقَبَه، فخَطَّأهُ بعضُ فقهاء عصره، وجعل فعلَه من التجسس المنهَيِّ عنه؛ ومنهم من صَوَّبَ فعلَه لغلبة الفساد على الناس".
ع: "والصوابُ عندي أنّ من عُرِفَ بالفساد فالتجسسُ عليه مطلوبٌ أو واجب، وأما المستورُ الحالِ فلا يَحِلُّ التجسس عليه".
(3/553)

{فَكَرِهْتُمُوهُ}:
نقلُ ابن عطية عن الرُّمَّاني أن "كراهةَ هذا اللحم يدْعوا إليها الطبْعُ، وكراهة الغيبة يدعوا إليها العقل"، اعتزالٌ غَفَل عنه؛ لأنه مبْنيٌّ على قاعدة التَحسين والتقبيح، وأنّ العقل يحسِّن ويقبِّح.

13 - {شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}:
ذكر عياض الشعوب والقبائل في كتاب النكاح من "التنبيهات"، ورتّبها كما رتبها ابن عطية
(3/554)

والزمخشري هنا.

14 - {قَالَتِ الْأَعْرَابُ}:
نقَلَ ابنُ عطية "أنّه - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقرأ (قَالَت الاَعْرَابُ) بغير همز، فَرَدَّ عليه بهمز وقَطْعٍ"، صوابه: يقرأ " قالتَ العُرْبُ"؛ وما نَقَلَهُ فهى قراءةُ ورش بنقل الحركة.
وقد سُئل مالك في رسْم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم في كتاب الصَلاة من "العُتْبية" عن النَّبْرِ في القرآن في الصلاة، فقال: إني لأكرهُه وما يُعجبني ذلك. ابن رشد: "يُريدُ بالنَّبْر إظهار الهمز في كلِّ موضع على الأصل، فكَرِهَهُ في الصلاة، واستَخَفَّ فيها
(3/555)

التسهيل على رواية ورش؛ لمَا جاء أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من لغته الهمز، وروي أنه أتي بأسير يُرْعَدُ، فقال " أدْفُوهُ"، يريد "أدفئوه" من الدفء، فذهبوا به فقتلوه، فَوَدَاهُ من عنده، ولو أراد قتلَه لقال "دافوه" أو "دافوا عليه"؛ ولهذا المعنى كان جارياً بقرطبةَ قديماً لا يقرأ الإمام في الصلاة إلا برواية ورش".
قال: "ويحتمل أن يريد بالنَّبر الترجيعَ الذي يحدث في الصوت معه نبرا، والتحقيقَ الكثيرَ الهمزات".
{آمَنَّا}:
خبرٌ لا إنشاء، بدليل تكذيبهم فيه؛ لأن التكذيب إنما يَعْرِضُ للخبر لا للإنشاء. ويدل على عدم لزوم استثناء القائل "أنا مومن".
(3/556)

وقول الزمخشري: "الإيمان هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس"، غفلةٌ عن مذهبه أن العمل جزء من ماهية الإيمان.
ابنُ العربي في تأليفه في أصول الدين، المسمى بـ "المتوسط" وفي "سراج المريدين" وفي "العارضة":
"أجمعوا على أنه لا بد من النطق بالشهادتين، وأن الاعتقادَ القلبي غيرُ كاف لمن قَدَرَ على النطق". ع: "لا أعلم من حكى هذا الإجماع غيرَه".
وقول ابن أبي زيد في "رسالته": "وأن الإيمان قولٌ باللسان وإخلاصٌ بالقلب، وعمل بالجوارح"، أراد به الإيمان الكامل.
والذي عليه أهل السنة أنه يكفي مجرد التصديق بالشهادتين والمعاد وكلِّ ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجملة. وشَرطَ الأكثرون استحضارَ المعادِ مع
(3/557)

الشهادتين، وما عداه يكفي فيه التصديقُ الجُمْلي، وأما النطق بالشهادتين فهو عملٌ من الأعمال، ولم يشترط العمل مع الإيمان إلا المعتزلة.
وحَكَى ابن العربي فيمَنْ آمَنَ، وعصى بترك الفروع قولين لأهل السنة؛ فأكثرُهم لا يسميه كافرا، وبعضُهم سماه كافرا لكنه غيرُ مخلَّد في النار، وهو عند المعتزلة مخلَّدٌ فيها؛ ومثله لابن حبيب في التكفير بترك الصلاة وحدَها
(3/558)

دون غيرها من قواعد الإسلام، لأنه مما عُلم وجوبُه ضرورة، ولظواهر الأحاديث الواردة في تركِها. وحُكِيَ عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبَةَ أنه قال ذلك في الزكاة أيضا؛ وخَطَّؤُوهُ.

16 - {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} الآية:
لما تضمن الكلام السابق تكذيب قولهم (آمَنَّا)، عقَّبَه ببيان أنهم على تقدير صدْقهم في ذلك، فإخبارُهم به لمَنْ هو عالم بضمائرهم تحصيلُ الحاصل؛ وَعلَى هذا يُشْكلُ قول مالك في "المدونة" في كتاب الأيمان والنذور: "مَنْ حَلفَ لرجل إنْ عَلمَ كذا ليُخْبِرَنَّه أو ليُعلمنَّه، فَعَلِمَاهُ جميعا لم يَبَرَّ حتَّى يُعْلِمَهُ أو يُخْبِرَه"!.
(3/559)

سُورَةُ (ق)
2 - {أَنْ جَاءَهُمْ}:
كونُه مفعولاً من أجله كما أعْرَبَه الزمخشري، خلاف قولِ المنطقيين أن التعجُّبَ لازمٌ للإنسان بغير وَسَطٍ، فلا يُقال: تعجّب لأجل كذا؛ وقد يُجابُ بأن مجىءَ المنذر منهم بسببٍ لا وسطٍ.
{فَقَالَ}:
الفاء تؤذِنُ بمبادرتهم بالتكذيب.

4 - {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ}:
هو رَدٌّ على قولهم (أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا). وتقريرُه أن إعادةَ الشيء بعينه، مِن شرطه قدرةُ المُعيد وعلمُه؛ وكونُه تعالى قادرا، معلومٌ لهم بالضرَورة؛ فَبَيَّن لَهم كونَه عالما. ولمّا كان العلم بما ينتقص
(3/560)

في المستقبل أبلغَ من العلم بما انتقص في الماضي قيل "تنقص" دون "نقصت".

6 - {فَوْقَهُمْ}:
يَرُدُّ كونَه حالاً أنها غيرُ منْتَقلة ولا في حكمِها، لأنها من حيثُ كونُها سماءً لا تقبل غيرَ الفوقية؛ ولا جوابَ إلاّ بقولِ ابن هشام: "الأوْلَى عدمُ اشتراط الانتقال". ويرد كونه ظرفا أن الظرف محَلٌّ للفعل والفاعل، ولا يصحُّ هنا إلا أن يُقال: إنما ذلك في الفعل الذي لا يَطْلُبُ مفعولا.
وأفاد ذكْرُ (فَوْقَهُمْ) تمكّنهم من النظر إليها، وإلا فقد قال النحاة: إنّ قولَ القائل "السماء فوقنا" لا يُفيدُ.

7 - {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ}:
أُخِذَ منه أن من حلف لا يستقرُّ في أرضٍ لا يحنث باستقراره على جبل، بناءً على اعتبار اللفظ دون العُرْفِ العاديِّ.
(3/561)

8 - {تَبْصِرَةً}:
مفعولٌ من أجله، وكذا ما عُطف عليه، وذلك بَيِّنٌ على أصلنا في خلق الأفعال لاتحِّادِ الفاعل، ولا يتقرّرُ عَلى مذهب المعتزلة لعدم اتحاده.

10 - {لَهَا طَلْعٌ}:
قولُ ابن عطية: "الْكُفُرَّى"، هو الْجُفُّ الذي يكون فيه العُرْجُون.

14 - {وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ}:
قول ابن عطية: "الألف واللام منِ الأيكة غير معرّفتين؛ لأن "أَيْكة" اسمُ عَلَمٍ كطلحة، يقال أيكة ولَيْكة، فهي كالألف واللام في الشمس والقمر، وفي الصفات الغالبة". قال: "وفي هذا نظر"؛ يريد: لأن ليكة
(3/562)

علم، فالألف واللام فيه زائدتان، كما هو في الزّيد والعَمْرو في قوله: [رجز]
بَاعَدَ أُمَّ الْعَمْرِو مِنْ أَسِيرِهَا
بخلافهما في الشمس والقمر، هما فيه للتعريف، لأنهما قبل دخولهما نكرتان.

16 - {تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ}:
إنْ قلت: إذا كانت النفسُ موسوِسة فمن الموسوَس؟. قلت: الروح.
وقد نَقَل ابنُ يونس في كتاب الجنائز عن ابن حَبيب، أن الروحَ
(3/563)

والنفس ما دَامَا في الجسد هما شيئان، فإذَا خَرَجَا منه صارا شيئا واحدا، وقد رَدَّ ذلك شيخُنا ابنُ عرفة في "مختصره الكلامي"، لبُطْلان القول بالاتحاد.
والسؤالُ المذكورُ إنما يَردُ على إعراب "ما" مصدرية، لا على كونِها موصولةً.
{مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}:
أي من قرب حبل الوريدِ، القربَ المجازي، وهو قرب الرب
(3/564)

تعالى.

18 - {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ}:
عبّر بالقول لأنه أعمُّ من الكلام، لكنْ لا يتناول قولَ النفس، لقوله (يَلْفِظُ).

20 - {ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ}:
انظرْ ما نَقَله الفخرُ عن الزمخشري وتعقَّبه عليه، فليس كما نَقَله.

21 - {كُلُّ نَفْسٍ}:
أي: مكلّفة.

30 - {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}:
الرماني: "أي تقولُ خَزَنَتُها"، بناءً منه على أصل المعتزلةِ أن شرطَ
(3/565)

الكلام البنية مع الحياة، ونقَلَهُ ابنُ عطية ولم ينَبِّهْ عليه، بل قال: "كونها هي القائلةُ أظهر".

33 - {بِالْغَيْبِ}:
قول الزمخشري "هو حالٌ من المفعول"؛ تعقَّبه أبو على عمر بن خليل السُّكُوني، بأنه أطْلق على الله لفظَ الغَيبة ولفظَ "مفعول".
أما تعقُّبه الأولُ فغيرُ لازم، إذ لم يزلْ إمامُ الحرمين وغيرُه يقولون "قياس الغائب على الشاهد"، فيُطلِقون لفظ "الغائب" على الله تعالى.
(3/566)

سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ
33 - {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً}:
لم يقل "لِنَرمِيَ"، إشارةً إلى أنهم لا يُؤْبَهُ بهم؛ لأنّ الرميَ يكون بقوّة.
قال ابن القاسم في "المدونة" في رمْي الجمار: "إنْ وَضَعَ الحصاةَ وضعاً أوْ طَرَحَهَا لم يُجْزِ"؛ ففرق بين الرمي والإرسال.

56 - {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}:
انظر "سراج المريدين" في اسم "العابد".
(3/567)

سُورَةُ الطُّورِ
9 - {يَوْمَ تَمُورُ}:
مَكِّيّ: "العاملُ فيه "واقع"، ولا يصحُّ كونه دَافِع". أبو حيان: "لمْ يبيِّنْ وجهَ ذلك".
قلت: وجْهُه أن القضيةَ السالبةَ لا تقتضي وجودَ الموضوع، ولا إمْكَانَ وجوده؛ فأَثْبَتَ أولا وقوعَ العذاب، والإطلاقُ أعمُّ مِن كونه في ذلك اليومَ أو غيرِه، ثم أخبر أنه ليس له دافعٌ في ذلك اليوم، ونفْيُ الَدافع أعمُّ من وجود المدفوع في ذلك اليوم -وهو العذاب- وعدم وجوده، وإذا كان العامل فيه "واقع"، اقتضى وقوعَ العذاب في ذَلك اليوم.
(3/568)

{مَوْرًا}:
التأكيدُ يرفعُ المجاز، فيُرَدُّ قولُ الطبائعيين أن السماوات لا تقبل الانفطار.

21 - {وَالَّذِينَ آمَنُوا}:
قيل: المراد بهم المتقون المتقدم ذِكْرهم، المتصفون بأخصِّ الإيمان لا بأعَمِّه، وإلاَّ لَزِمَ الترجيح من غير مُرَجِّح؛ لأنّ الوصفَ الذي جُعِلَ عِلَّةً للإلحاق هو الإيمان، فليس إلحاقُ الذريةِ بالآباء بأَوْلَى من العكسَ، وَلا يلزم ذلك في الأخصِّ لأنّه أقوى.
وجوابُهُ عدمُ تسليم لزُومِ الترجيح دونَ مُرَجِّح، بل المرجِّح موجود، وهو سبْقيةُ إيمانِ الآباء وتَقدُّمُ وجودِهم.
وفي سماع أصبغ عن ابن القاسم في جامع "العتبية" -فيمن يُولَدُ مخْبُولا أو يصيبُه الخَبَلُ قبل أن يبلغ-، قال: "ما سمعتُ فيه شيئا إلا قولَه تعالى (وَالذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ) الآية، وأرجوا أن يجعلهم الله معهم؛ فأمَّا مَنِ احتلَم وجَرَى عليه القلم، ثم أصيبَ بعد ذلك، فقال بعض أهل العلم والفضل: يُطْبَعُ على عمله كَمَن مات".
ابن رشد: "ما رَجَاهُ ابنُ القاسم من إلحاقهم بآبائهم يُروى عن
(3/569)

النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ورُوي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله لَيَرْفعُ ذريةَ المومن معه في جنته، وإن لم يبلغْها في العمل ليُقِرَّ بهم عينه"، ثم قرأ: (وَالذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيتهُمْ) الآية".
ابن العرِبي في "أحكامه": "فأما اتباع الصغير لأبيه في أحكام الإسلام فلا خلاف فيه؛ وأما تَبَعيَّتُهُ لأمِّه، فاختلف فيه العلماء واضطرب فيه قولُ مالك؛ والصحيحُ أنه في الدِّين يتَّبِعُ مَن أسلم مِن أبويْه، للحديث الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "كنتُ أنا وأمِّي من المستضعَفين من المومنين"؛ وذلك أن أمَّه أسلمتْ قبل أبيه العباس، فتبِع أمَّه في الدِّين".
ع: "هذا خلافُ ما في كتاب الديات من "المدونة"، قال فيه: "مَن أسلمتْ تحت نصراني ففي جنينِها ما في جنينِ النصرانية، وذلك نصفُ
(3/570)

عُشُرِ ديةِ أبيه".
وظاهرُ الآية إلحاقُ جميع الذرية وإنْ بَعُدُوا، لقوله (ذُرِّياتِهِمْ) بالجمع، وأفرد في قوله (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيتُهُمْ)، وهذا في الدار الآخرة.
وليس في الآية دليلٌ على أن الابن يكرم من جهة جدِّه لأمه في الدنيا.
{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}:
احتراس، وفي سورة المدثر (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهينَةٌ إِلا أَصْحَابَ الْيَمين)، فإن اتَّحَدَ زمانُ الآيتين خُصَّت هذه بتلك، وإلا كَانتْ هذه قبلُ، فيكَون جميعُ الَخَلق في الحشر وعند الحساب مُرْتَهنين بأعمالهم، ثم يدخلُ بعضُهم الجنةَ وبعضُهم النار، وقيل: هذه تدلُّ على أن الذريةَ الملْحَقين بالآباء، إنما هم الذين آمنوا وماتوا على الإيمان وهم غيرُ عاصين، أوْ عصَوا وتابوا؛ وأما غيرُ التائبين فلا يُلْحَقون بآبائهم، بلْ كلُّ امرئٍ منهم بما كسب رهين.
(3/571)

25 - {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ}:
ابن عبد البرِّ في جامع "الاستذكار": "يُستحبُّ التحدثُ على الطعام، وترْكُه من فعل المجوس"، ومثلُه للنواوي في "الأذكار"؛ وللغزالي: "ويكون التحدُّثُ بما لا يُكَدِّرُ الأكلَ مما يُستَقْذر".

34 - {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ}:
عِ: "رأيتُ للمعرّي تأليفا في معارضة سُوَر المفصّل في غاية الغَثَاثةِ والسّقوط".
(3/572)

سُورَةُ الرَّحْمَنِ
41 - {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}:
يُؤخذُ منه فائدتان: فرعيةٌ وأصلية. أمّا الفرعيةُ فالاكتفاءُ في أداء الشهادة بالصِّفة، وهو أن الشاهدَ إذا رأى شهادتَه وخطَّه، وعَايَن صفات المشهودِ عليه، وقابَلَها مع المكتوب في الوثيقة، فَعَلِمَ أنه هو الذي شَهِدَ عليه، فإنّه يؤدي شهادتَه.
فإن قلت: السِّيما في الآخرة لا تَشْتبه على الملائكة، وأمّا في الدنيا فتجِدُ الصفات مشْتَبهات، وكثيرٌ من الناس تتّفق صفاتُهم.
قلت: فرْقٌ بين إدراك الشاهد صفةَ المشهود عليه، وبين حصولِ العلم له بعد إدراكها أنَّه هوَ الذي كان شهِد عليه؛ وكلامُنا فيما بعدَ حصولِ العلم له، وأمَّا قبلَه فإنه لا خلافَ أنه لا يجوز له أداءُ شهادتِه.
وإنما الجوابُ أن دار الآخرة ليست دارَ تكليف بخلاف دار الدنيا.
(3/573)

وأما الفائدةُ الأصلية، فإفادةُ التعريفِ بالخاصَّة، وهو الصحيحُ في علم المنطق عندهم -خلافاً لنصير الدين السمرقندي- فإنّه مَنَع التعريفَ بالمفرد الجنس وحدَه أو الخاصة وحدها، قائلا: "لم يُعرِّف المتقدمون بذلك، بل من المركَّب من الجنس والخاصة"، واختاره الشيرازي في شرحه "أصْلِيَّ ابنِ الحاجب". وجميعُ المناطقة على خلافه، لذِكْرِهم في اَلمعرفات: الرّسم الناقصُ ما كان بالخاصة فقط، أو بها وبالجنس.
(3/574)

46 - {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}:
يحتمل كونه كلاّ أو كلّية؛ وتثْنيةُ (جَنَّتَان) باعتبار النوع، لأنّ الجنةَ كثيرة كما في الحديث؛ وعلى أنه كليةَ يكونُ لكلّ شخص جنتان، فالشخص لا يشاركه غيرُه فيهما.
وذكر الربِّ في قوله (مَقَامَ رَبِّه)، إشارة إلى أن الخائفَ غَلَبَ عليه خوفُه، مع استحضار صفة الربوبية المقتضية للحنان والشفقة، فكيف مع عدم استحضارها؟.
وفي الآية حذف، أي: "هول مقام".
وقال (خَافَ): فعبَّر بالفعل ولم يقل "وللخائف"، فيعبِّر بالاسم، لأن ذلك أدْخلُ في باب الرجاء والطمِع؛ لاقتضائه حصولَ الثواب المذكور لمن اتّصفَ بمطلق الخوف لا بِقَيْدِ أبْلغِهِ.

50 - {تَجْرِيَانِ}:
أي إلى حيثُ يريدون، وإلا فلفظ "عين" يدلُّ على الجريان.
(3/575)

52 - {مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ}:
إما أن طعام الجنة كلُّه فاكهة، أو اكتفى بذكْرِها عن ذكر الطعام والشراب المحصِّل للقوت، ولا أَلمَ في احتياجهم إليه لملازمته لهم وعدمِ فقدِهم إياه إذا احتاجوه، كما يتفق لبعض أهل الدنيا.

54 - {مُتَّكِئِينَ}:
الاتكاء حالةَ الأكل في الدنيا مكروه، لأنها دارُ تكليف بخلاف الجنة.
وقال الغزالي في "الإحياء": "يجوزُ الاتِّكاءُ حالَةَ التفَكُّه، لا حَالةَ أكْلِ طعام القُوتِ"، مستدِلاًّ برواية نَقَلَها عن عليٍّ وغيرِه.
(3/576)

سُورَهُ الْوَاقِعَةِ
17 - {وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}:
الغزالي في آخر "الإحياء": "مَن يشتهي الولادةَ في الجنة يُولَدُ له".
عبد الحق في "العاقبة": "يمكن حمْلُ المرأة في الجنة، وتلد في ساعة
(3/577)

واحدة، ولكن أهل الجنة لا يشتهون ذلك".

20 - {مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ}:
ولم يقل "يختارون"، مع أن "تَفَعّلَ" يقتضي تكلُّفا، إشارةً إلى حصول لاَزِم التَّخير، وهو كونُ المختار في أعلى دَرجات الحسْن، فهي دلالةُ التزامَ لا مطابقة؛ وعَكسَ الفخر، وخَصَّ التخيُّرَ بالفاكهة، والشهوةَ بلحْم الطير؛ لأنّ الفاكهةَ تتنوع، فَنَاسَبَ التخيّر، ولِقُرْب الفاكهة منهم في أَشجارها كما قال (وَجَنَى الْجَنَّتيْنِ دَانٍ)، والعادةُ تخيُّرُ الإنسان فيما قَرُبَ منه، وأمَّا ما بَعُدَ منه فيشْتهيه.

23 - {كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ}:
أتى بأضعف وجوه التشبيه؛ لأنهنّ لا يُشْبهن اللؤلؤ إلا في وجهٍ واحد وهو صفاؤُه. ووجوهُ التشبيه ثلاثةٌ أبلغُها كقولك "زيد أسد" ثم "زيد كالأسد"، ثم "زيد كمثل الأسد". ومن صفات اللؤلؤ دقَّتُه وكونُه جمادا.
(3/578)

وجمع "أمثال" لجمع الحور.

25 - {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا}:
من باب نفْي الشيءِ بإيجابه، مثل: [طويل]
"عَلَى لاَحِبٍ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ"
أو نقول: هو من باب نفْي الشيء بنفي لازمه والمعنى واحدٌ؛ لأنّ قوله "لا يهتدى بمناره" يُوهمُ أن له مناراً، كمَا أن قوَله تعالى (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً) يوهم أن فيها لغْوا.
وقال (لَا يَسْمَعُونَ)، مع أن نفيَ السماع لا يستلزمُ نفْيَ وقوع اللغْو، لأجْل قوله (إِلَّا سَلَامًا)، لأنهم يسمعونه؛ وفي سورة الطور (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ).
(3/579)

33 - {لَا مَقْطُوعَةٍ}:
قدّم على (مَمْنُوعَة)، لأنّ (مقطوعة) أعمّ من (ممنوعة)؛ لأنها قد تكون موجودةً ويُمنعون منهاً، والمقطوعة غير موجودة. ونفْيُ الأعمِّ أخصُّ من نفي الأخص؛ وقاعدةُ البيانيين في الترتيب البدايةُ بالأخص ثم الأعم، فمقطوع أعم من ممنوع، فنقيضُه لا مقطوع أخص من نقيض لا ممنوع.

68 - {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ}:
صَرَّح هنا باسْم المشروب، ولم يصرِّحْ فيما قبلَه باسم الحَبِّ الذي يُحرث، لأنّ ما يشربُ ماءٌ وغيرُه من لبن وعسل، وما يُحرث هو الحبُّ لا غيْر.

70 - {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}:
وفي التي قبل (لَجَعَلْنَاهُ) باللام.
ع: "سألني بعضُ طَلَبة الديار المصرية عن ذلك، فأجبته بأنَّ إنبات الزّرع
فيه للمخلوق تسبُّبٌ وكسب، بخلاف إنزال الماء. وإفسادُ الفاعل ما فعله بنفسه أيسَرُ عليه من إفساد ما عملَه غيرُه وحدَه أو شاركه في عمله، فأكّد الأوَل لذلك".
وأجاب الزمخشري بوجهين آخرين. والحديث الذي نقله آخر
(3/580)

السورة وهو "مَن قَرَأَ سُورَةَ الوَاقِعَةِ كُل ليلةٍ لم تُصبْهُ فَاقَةٌ أَبَداً"، أخرجه عبد الحق في "الأحكام" وصححَه، وضعَّفه ابن القطان.
(3/581)

سُورَةُ الْحَدِيدِ
21 - {عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ}:
إن كانتْ كُوريّة فعرْضُها قدْرُ دائرتها، وطولُها محيطُها.
(3/582)

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ
ذُكِرَ فيها اسمُ الجلالة أربعين مرة.

2 - {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ}:
هي موجبَةٌ معْدولة لا سالبة؛ لأنّ موضوعَها غيرُ موضوعِ التي قبلها، أي: هُنَّ غيرُ أمهاتهم.
{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}:
قيل: الظِّهَارُ إنشاء، ولا شيءَ منَ الإنشاء بكذب، فلا شيءَ من الكذب بظهار، ثم نَضُمُّ له مقدمةً أخرى، فنقول: الظهار زورٌ بمقتضى هذه الآية، ولا شيءَ مِنَ الزور بظهارٍ بمقتضى المقدمة، يُنْتِجُ: لا شيءَ مِنَ الظِّهار بظهار، فَتَأمَّلْ جوابَه!.

3 - {ثُمَّ يَعُودُونَ}:
انظر "مقدمات" ابن رشد؛ حَكَى في العَوْدِ المُوجِبِ للكفارةِ
(3/583)

ستةَ أقْوال.

7 - {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ}:
قولُ ابنِ سلامة: "قولُ الزمخشري: مَن عَلم بعضَ الأشياء بغير سبب، فقد علمَهَا كلَّها. في قوله "بغير سبب": اعتزالَ"؛ يُرَدُّ بأن علمَه تعالى لا سبَبَ لَه، بخلاف العلم الحادث. وقولنا: "عالم بعلم"، الباء فيه للمصاحبة لا للسبب.

10 - {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ}:
الزمخشري: "أي بمشيئته وإرادته". السُّكوني: "اعتزالٌ هنا، بناءً على نفْيِ الكلام، والمرادُ بالإذن قولُه تعالى (إِنمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ
(3/584)

اِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).
ع: "حدوثُ الحادِثِ لا يتوقَّفُ عقْلا على الكلام، بل على العلم والقدرة والإرادة، وأمَّا شرعاً فيتوقف على الكلام، لقوله تعالى (إنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً) الآية، وإنما اعتزالُ الزمخشري هنا مِن حيث قوله إِن العبدَ يخلُق أفعالَه، فلذلك قال "إلا بإرادته"، ولم يقلْ: "إلا بقدرته".

11 - {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}:
قولُ ابن العربي: "الإيمانُ في الدنيا نَظَريٌّ؛ لأنّ الدلائلَ الدالةَ عليه نظرية، إذْ لوْ أظهرَها اللَّه تعالى الظهورَ البَيِّنَ، لَصَارَتْ ضرورية، فيكونُ الإيمان إلجَائِيّاً ضروريا": جار على مذهب المعتزلة؛ بلْ لوْ أظهر الدلائلَ كلها، لجَازَ ألاّ يومنوا لأَنّ الأشياءَ عندَها لا بِهَا، ولو قلنا إنّ ارتباطَ الدليل بالمدلول عقْليٌ -كَمَا هو مذهبَ الإمام-، فَشرْطُهُ العثورُ على وجْه الدليل.
(3/585)

سُورَةُ الْحَشْرِ
قولُ الزمخشري: "قَتَلَ محمّدُ بنُ مَسْلَمَةَ كَعْباً غِيلَةً" صوابُه: على غِرَّة؛ لأنّ الغِيلَةَ القتلُ خُفْيةً لأخذ المال.
(3/586)

الطِّيبِي عن "مسند أحمد بن حنبل" والترمذي؛ "مَنْ قَالَ حِينِ يُصْبِحُ: أعُوذُ بِاللَّه السمِيع العَليمِ مِنَ الشيْطَان الرَّجيم ثلاثَ مَرَّات، ثم قَرَأ ثَلاَثَ آيات مِنْ سُورَة الحَشْرِ، وُكِلَ بهِ سبْعُونَ أَلفَ مَلَكٍ يَسْتَغفِرُونَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ في يَوْمِهِ ذَلكَ مَاتَ شَهِيداً".
ع: "الظاهرُ أنّ أوَّلَ هذه الآيات: (هُوَ اللَّه الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) إلى آخر السورة.
(3/587)

سُورَةُ الْمُمْتَحنة
3 - {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ}:
إنْ قلت: لمَ قدَّم الأرحامَ وهي أعمّ، وتقرَّر أنّ نفيَ الأعم أخصُّ من نفي الأخص. فَهَلاَّ اكتفى بذكر الأرحام عن ذكر الأولاد؟؛ لأنّ نفيَ الأعم يستلزم نفي الأخص.
فالجوابُ أنّه ذكر أوّلا لاحتمال صورة التخصيص، لأنه قد يخصّص ذلك العام بالأولاد. فإن قلت: فتقدم الأولاد على الأرحام ليكون العطف تأسيسا.
قلت: تقرَّرَ في علم المنطق في العُكُوسات أن هذا من باب استلزام الأعم أمْراً لا من باب نفْي الأعم، فهو نفيٌ لاستلزام الأعم أمرا، ولا يلزم من عدم استلزامه إياه عدم استلزامه الأخص.

4 - {عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا}:
قال صاحب "لحن العامة": "مِن لَحْنِهِم، قولُهم: "توكلت على اللَّهِ وعليك"، وإنما يقال توكلت على اللَّه ثم عليك". ع: "والصوابُ عدَمُ إطلاق التوكّل على المخلوق مطلقا".
(3/588)

سُورَةُ الصَّفِّ
8 - {مُتِمٌّ نُورَهُ}:
قُرِئَ بالإضافة وعدمِها. ابنُ عطية: "وفي كونِ هذه الإضافة بمعنى الانفصال نَظرٌ".
قلت: هو أن اسمَ الفاعل هنا مجرّدٌ عن الزمان، لإسناده إلى الله تعالى، فليس بمعنى الحال والاستقبال ولا المُضِيِّ، وهذا نظرٌ إلى أنه صفة معنوية، والنصبُ نظرٌ إلى ظاهر لفظ الصفة، وهي في اللفظ بمعنى الماضي لأنه مسندٌ إلى اللَّه تعالى.
(3/589)

انتهى الكتاب المبارك، على يد عبده وابن عبده الفقير الحقير علي
ابن أحمد بن حسن، شهر الجزاني -وفقه اللَّهُ- للأخ في الله والمحبوب من أجله، بل السيد الأفضل، الزكي الأكمل، أبي عبد الله محمد بن علي، أكرمه الله تعالى، وجعل ذلك خالصا لوجهه الكريم، بمنِّهِ وكرمه، بتاريخ غرة شوال من عام ثلاثة وسبعين وتسعمائة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
انتهت المقابلة على يد الفقير إلى الله محمد بن أبي النمر لطف الله تعالى به.
(3/590)

تكملة التقييد الصغير التقييد الصغير لابن غازي المكناسي
عن النسخة الوحيدة المحفوظة بخزانة الزاوية الحمزية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وصلى اللَّهُ على سيدِنا محمدٍ وآلِه.
يقول محمد بن أحمد بن غَازِي سامح اللَّه له بمنِّه وفضله:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والتسليم على سيدنا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
أما بعد:
فقد كان أبو العبّاس البَسِيلي، قيَّد عن شيخه الإمام ابنِ عرفةَ رحمه اللَّه تعالى تقييداً كبيراً على تفسير القرآن العزيز، وَأَوْدَعَهُ زَيادات من غيره، ثم اختصر منه نُبَذاً حسَنةً، وانقطع اختصارُه عند سورة الصف، على ما في هذه النسخة الواصلة إلينا ... !، فاستخرتُ اللَّه تعالى في تَكميله، بذِكْرِ عُيُون نكت انتقيتُها من "التقييد الكبير"، وجعلت علامة ع للإمام ابن عرفة؛ وَمن الله سبحانه أستمِدُّ التوفيق والهداية إلى سواء الطريق.
فمِن:
(3/591)

سُورَةُ الصَّفِّ

14 - {فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ}:
ع: "جلستُ يوما عند الشيخ ابنِ سلامة، فجاءه رجُلان، فقال له أحدُهما: يا سيدي، هذا قال لي: لَعَنَ اللَّه طائفتَك!. فقال له: ارفَعْهُ للقاضي.
فلمّا رَفَعه للقاضي -وكانَ ابنَ عبدِ السلام- أعْرض عنه، وأخذ يبحث مع أصحابه في مُسَمَّى الطائفة، وكأنه لم يَرَ لمقالته مُوجباً".
(3/592)

سُورَةُ الْجُمُعَةِ
5 - {ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا}:
العطفُ بـ "ثم" تنبيهٌ على أنَّهُم كفروا بعدَ تأمُّل ونَظر، وهو أشدُّ ممن كَفَرَ بالكتاب قبل أن يتأمله.

8 - {فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ}:
ع: "كان شيخُنا أبو عبد الله بن الْحُبَابِ يقول: الفرارُ من الموت سببُ ملاقاةِ الموت؛ أي: الموتُ الذي تفرُّون منه ياتيكم من قُدَّامِكم، فإذا فرَرتم منه فإليْهِ تفرُّون، ولذلك لم يقل "فإنه مُدْرِكُكمْ"، لأن الذي يُدرِك الهاربَ ياتيه من خَلفه".
(3/593)

سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ
4 - {أَجْسَامُهُمْ}:
لم يقل "أجسادهم"؛ لأنَّ الجسمَ أعمُّ من الجسد، فجاءت العبارة باللفظ الذي يشاركهم فيه الجمادات.

{خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ}:
كان القاضي أبو العباس بنُ حَيْدَرَةَ يقول: أفاد ذكْرُ "مسندة" أنها غيرُ منْتَفَعٍ بها؛ لأن غيرَ المسنَّدة إما سقفٌ أو عَمَدٌَ أو غير ذلك ممّا فيه منفعة.

7 - {وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
ابن عطية: "قيل لحاتمٍ الأصَمِّ: مِن أين تأكل؟. قال: من خزائن السماوات والأرض".
(3/594)

الجوزي في "تلبيس إبليس": "أجمع الفقهاء أن داخِلَ البادية بلا زَاد عاصٍ، وليس التوكّلُ ترك الأسباب؛ وقد تزوّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمّا خرج إلى لغار، وتزود موسى - عليه السلام - الحوت". على أنهم قالوا: كتابُ "التلبيس" أضعفُ كتب الجوزي.

10 - {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}:
يشهد لأكثر أهلِ السنة أن الموتَ أمرٌ وجوديّ، إلا أن يكون بحذف مضاف، أي: "أسباب الموت".
(3/595)

سُورَةُ التَّغَابُنِ
2 - {فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ}:
قول ابن عطية: "هي في موضع الحال" وهَم؛ لأن جملةَ الحال لا تقارنهُا الفاء، كما قال ابن مالك آخر باب الحال.

6 - {وَاسْتَغْنَى اللَّهُ}:
قال ابن عطية: "السين هنا للتحقيق لا للطلب".
وعليه ففي قوله تعالى (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، احتراسٌ يرفَعُ كونَها للطلب.
(3/596)

9 - {وَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا}:
ع: "فسَّر الفقيه الصالح أبو عبد اللَّه بن سَلاَمَة العملَ الصالح بفعْل السّنن"؛ وهي غفلةٌ منه، لأنّ هذا إنما يُجْزِئُ على مذهب المعتزلة الذَين يشترطون في الإيمان فعلَ المفروضات.
(3/597)

سُورَةُ الطَّلَاقِ
2 - {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}:
يقتضي منْعَ أخْذ الأجرة عليها، إلا أن يكون معنى إقامتِها للَّه، الإتيانُ بها على وجهها، فَلا يُنافي أخذ الأجرة.

12 - {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}:
وفي حديث مسلم: "مَنِ اغْتَصَبَ شِبْراً مِنَ الأرْضِ ظُلْماً، طَوَّقَهُ اللَّه يَوْمَ القيامة مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
وفي "المعلم" من المراجعة بين المازري وشيخِه عبد الحميد في
(3/598)

المسألة ما هو معروف. وزاد المازري في "شرح الجوْزَقي" أن ذلك كان بعدَ ما انقطع عبدُ الحميد في آخرِ عمره للعبادة؛ إلا أن ظاهرَ كلامهما أن المسائلَ العلمية لا تثبتُ إلا بالدلائل القطعية مطلقا، والأظهرُ أن ذلك إنما يلزم فيما يرجعُ منها للعقائد، كالأحكام المتعلقة بالذات العَليَّة؛ مثل جواز رؤيته تعالى، مع تنزيهه عن الجهة والمكان، والحكم بكَونه سميعا بصيرا مع تنزيهه عن الجارحة، وأحكام النبوة وختمها، وأن غير العقائد منها كمسألتنا، وأفضلية الصحابة بعضهم على بعض، وكون
(3/599)

الكفار مخاطبين بالفروع أم لا على رأي الباقلاني ... ؛ والأكثر أن ثمرة ذلك خاصة بالآخرة، وكجواز كرامات الأولياء، وهو قول جمهور أهل السنة، وكون الذبيح إسماعيل أو إسحق فهذا يصحُّ إثباته بالدلائل الظنية.
(3/600)

سُورَةُ التَّحْرِيم
1 - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ}:
التّصديرُ بـ (أَيُّهَا النَّبِيُّ) إعظامِ لمنصبه - صلى الله عليه وسلم -، فهو من نوع تمهيد العذْرِ في (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ).
(3/601)

سُورَةُ الْمُلْكِ
10 - {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ}:
ع: "رُجوعُ الماضي غيرُ مقْدورٍ للبشر، فتشْبه مسألة "المدونة" في من حلف بالطلاق: لو كنتُ حاضراً لشرِّكَ مع أخي لفَقَأْتُ عينَك. وعلَّقه على "نسمع" دون "سمعنا"، لإفادة المضارع التجدّد، ولا يفيدُ الماضي إلا مطلق الوقوع".

19 - {فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ}:
وفي النحل (مُسَخرَاتٍ في جَوِّ السَّمَاءِ). ع: "الفوقُ أعمُّ من الجوِّ".
(3/602)

{مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ}:
وفي النحل. (مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ).
ع: كان يمشي لنا أن هذه سيقت للتذكير بالنعمة، فناسبت الرحمة؛ وتلك سيقت لبيان الإلهية وكمال القدرة، فناسبت اللفظ الدال على الذات العلية، بدليل قوله قبلها (والله أَخْرَجَكُم من بُطُون أُمَّهَاتكُمْ) وبعدها (إِن فِي ذَلِكَ لآياتٍ لقَوْمٍ يومِنُونَ).

22 - {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا}:
ع: هذا التركيبُ غيرُ مُسَاوٍ لعكسه، وهو "أفمن يمشي سويا أهدى أمن يمشي مُكِبّاً على وجهه؟ "، وإلا فَاتَ التهكُّم به، في كون حالتهم مساوية لحالة غيرهم، إذْ لا يحصُلُ ذلك إلا بالتصْدِيرِ بهم.

30 - {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}:
قيل: جوابه أول السورة (تَبَارَكَ الذِي بيدِهِ الملكُ).
(3/603)

سُورَةُ (ن)
35 - {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}:
ع: هذا إشارة إلى قطع معذرتهم عقلا ونقلا، فالعقلي بقوله (أَفَنَجْعَلُ) أي: أفَنُسَوِّي بين منْ لا استواءَ بينهما، والنقلي، قوله (أمْ لَكمْ كتَابٌ فيه تَدْرُسُونَ).

43 - {يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}:
ع: كان بعضُهم عند قراءتنا هذا المحل على الشيخ يصيح، ويقول: واللَّه ما سَلمُوا؛ وهذه العبارةُ قَلقَةٌ، لكن مرادَه صحيحٌ؛ لأن معنى سالمون في الآية متمكنون من الإتيان بالتكاليف حتى لا عذْرَ لهم، ومعنى قول هذا "ما سلموا" أن اللَّه تعالى علم أنهم لا يهتدون، فهو من باب التكليف بما علم اللَّه تعالى أنه لا يقع، ولوْ لمْ يُرِدْ هذا لكان كفرًا لمخالفته صريحَ الآية، فحاصلُه عدمُ اتحاد المثبت في (سالمون)،
(3/604)

والمنفى في "ما سلموا".

45 - {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}:
قيل لابن عرفة: يؤخذُ جوازُ إطلاق هذا من غير توقُّف على مقابلةٍ، كـ (مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ)، فقال: القرينة السِّياقية كاللفظية.
(3/605)

سُورَةُ الْحَاقَّةِ
23 - {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ}:
ع: "هذا احتراس: لمّا وصفها بالعلو، بيَّن أنها مع علوها قريبة التناول، سهلة المأخذ".

27 - {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ}:
ع: كان بعضهم يقول: هذه تردُّ قولَ المتكلمين "الوجودُ خَيرٌ كلُّه، والعدم شرٌّ كلُّه"؛ فإن هذا قد تمنى العدم وهو عنده خير من الوجود.
والجواب: أنه إنما تمنى العدم لمَا ناله من شدة العذاب في وجوده.
وقولهم: العدم شر كله؛ بالنظَرِ لنفسَه فقط، لا لعارِضٍ يعرِضُ له.
(3/606)

سُورَةُ الْمَعَارِجِ
19 - {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا}:
قيل لابن عرفة: يؤخذُ منه أن الملائكةَ أفضل؛ لأن مَنْ خُلِق غيرَ هلوع أفضلُ. فقال: لو كان التفضيل عندنا عقلا صحّ ما قلتَ؛ وإنما هو شرعي، ولا امتناعَ من خلقه هلوعا وضعيفا ومن عجَل، مع تشريفه!؛ لأن اللَّه تعالى يفعل ما يشَاء ويحكم ما يريد.
(3/607)

سُورَةُ نُوحٍ
28 - {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}:
ع: لما قرأْنا هذا المحَلَّ عند السلطان أبي الحسن قال لبعض ولده: الله الله، أكثِرْ من قراءة هذه السورة، فإنها مشتملةٌ على الدعاء.
ع: وألزمه بعضُهم أنه لا يصحُّ دعاءٌ من قرآن، لأنه متى دعا به لنفسه، فقد أخرجَ الآية عما أُريدَ بها. والصواب عندي أنه على قسمين؛ فإنْ كانت الآية عامة، أي لم يكن المراد بها واحدا، بل جميع المكلفين جَازَ وإلاَّ فَلاَ.
(3/608)

سُورَةُ الْجِنِّ
10 - {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}:
هذا تأدُّبٌ عجيب في نسبة الخير إلى اللَّه تعالى دون الشرّ، وإنْ كان الجميع من فعلِه، وتقدم الكلام في مثله في (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ).

12 - {وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا}:
ع: "هذا يُبْطل قولَ الحكماء أن الجنَّ جواهرُ مفارقة لا متحيِّزةٌ ولا قائمةٌ بالمتحيِّز، فإنَّ الهَرَبَ في الأرض من عَوَارِضِ الأجسام، إذْ هو انتقالٌ بسرعة، وذلك عَيْنُ الحرَكَة".
(3/609)

سُورَةُ الْمُزَّمِّل
20 - {وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ}:
المرادُ هنا بالطائفة جماعة كثيرة، لأنَّ الآيةَ في مَعْرِضِ الثناء والمِدْحَةِ، ولا يكونُ المدحُ على فَرْضٍ نَادِرٍ.
(3/610)

وَسُورَةُ الْمُدَّثِّر
31 - {وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ}:
قيل: إنْ عاد الضميرُ على "سقر"، فلعلَّ تخصيصَ البشر لأن النار فيهم أكثرُ تأثيرا، إذ الجنُّ