Advertisement

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير



الكتاب: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير
المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (المتوفى: 1403هـ)
الناشر: مكتبة السنة
الطبعة: الرابعة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمات:
شعار الكتاب وشيء من مزايا هذه الطبعة الخامسة:
{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقا} . "قرآن كريم"
عن ابن عباس قال: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث، تقرؤنه محضا لم يشب؟ 1 [وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب. وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم"] 1.
__________
1 من الزيادات الكثيرة والمهمة التي تركها المؤلف رحمه الله في ثنايا نسخته الخاصة والتي قدمها لنا ولده: الدكتور عمر بن محمد أبو شهبة- حفظه الله ووفقه، وتجدها في طبعتنا هذه بين قوسين [-] وانظر على سبيل المثال صفحة 5، 15، 22، 26، 27، 28، 37، 40، 46، 49 وغيرها وهذه إحدى مزايا طبعتنا هذه فضلا عن التصويبات الكثيرة وغيرها مما سيراه القارئ إن شاء الله. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصاحات.
"الناشر".
(1/3)

مقدمة الكتاب لفضيلة الدكتور محمد محمد أبو شهبة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الكتاب لفضيلة الدكتور محمد محمد أبو شبهة
الحمد لله الذي أنزل على عبده محمد الكتاب، ولم يجعل له عوجا، قيِّما، لا تزيع به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يتطرق إليه تحريف ولا تبديل، ولا يميل به عن الجادة الباطل: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} 1.
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا. محمد، المؤيد بالقرآن معجزة عظمى، وآية باقية على وجه الدهر، ووكل إليه بينه وتفسيره فقال سبحانه: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} 2.
وعلى آله وأصحابه، والمهتدين بهديه، ما بقي مسلم على وجه الأرض.
أما بعد:
فقد رغب إلي فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ: عبد الحليم محمود، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالجامع الأزهر المعمور بالعلم والعلماء، أن أولف كتابا أبين فيه الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفاسير، مع تزييفها وبيان بطلانها، وقد صادف هذا البحث المفيد هوىً في نفسي؛
1- لأني أعلم شدة حاجة المسلمين إلى مثل هذا المؤلف الذي يذب عن كتاب الله تعالى ما علق بتفسيره من الأباطيل والخرافات والأكاذيب التي كادت تطغى على التفسير الصحيح لكتاب الله تعالى وتخفى الكثير من جلاله، وجماله، وهدايته التي هي أقوم الهدايات: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} 3، وعقائده التي هي أسمى العقائد وأحقها بالقبول، وأليقها بالفطر البشرية، وأقربها إلى العقول، وأمسها
__________
1 سورة فصلت: آية 41، 42.
2 سورة النحل: آية 44.
3 الإسراء: آية رقم 9.
(1/4)

بالقلوب، وتظهر الإسلام أمام الباحثين، ولا سيما في العصر الأخير: عصر تقدم العلوم الكونية، والمعارف البشرية، بمظهر الدين الذي يشتمل على الخرافات والترهات؛ لأن كتابه الأكبر هو: القرآن الكريم، وهذه هي: تفاسيره، فيها كثير مما يخالف حقائق العلم، وسنن الله الكونية!! ومؤلفوها هم من علماء الإسلام، بل ومن كبارهم، فهي صورة للإسلام، ولتفكير المسلمين، وذلك مثل: ما روي في بدء الخليقة، وأسرار الوجود، وتعليل بعض الظواهر الكونية، مثل: الرعد، والبرق، والخسوف، والكسوف، وبرودة مياه الآبار في الصيف، وحرارتها في الشتاء، ومثل: ما روي في تفسير: {ق} وأنه الجبل المحيط بالأرض وتفسير قوله تعالى: {ن} وأنه الحوت الذي على ظهره الأرض، وما روي في قصص الأنبياء والمرسلين من إسرائيليات باطلة لا تليق بمقام الأنبياء، وعصمتم إلى نحو ذلك، وما أكثره في كتب التفاسير.
وطالما رغب إلي الكثيرون في تأليف كتاب يحق الحق، ويبطل الباطل، ويزيح عن تفسير كتاب الله تعالى هذا الركام من الموضوعات والإسرائيليات والأباطيل، ولأني عنيت من عهد طلب العلم بتتبع الدخيل في كتب التفسير ونحوها، والرد عليها، فقد كانت ولا زالت مثار شبه، وتشكيك، واعتراضات، وتجنيات على الإسلام، والقرآن، والنبي صلوات الله وسلامه عليه.
وقد حمل كبر هذا الإثم [القساوسة] والمستشرقون، فقد وجدوا في هذه الإسرائيليات والمختلقات ما يشبع هواهم، ويرضي تعصبهم الممقوت، ويشفي نفوسهم المريضة الحاقدة على الإسلام ونبيه، والقرآن؛ هذا الحقد والضغن الذي يعتبر امتدادا للحروب الصليبية التي شنوها على الإسلام والمسلمين، والتي لا تزال إلى عصرنا هذا تتخذ أشكالا شتَّى، ومظاهر متعددة.
والعجب من هؤلاء المبشرين، والمستشرقين: أنهم في سبيل إرضاء صليبيتهم الموروثة، والتي رضعوها في لبان أمهاتهم، يصححون الموضوع والمختلق المنحول، على حين نراهم يحكمون بوضع كثير من الأحاديث الصحيحة، حتى ولو كانت في الصحيحين اللذين هما أصح الكتب البشرية على الإطلاق وذلك مثل: ما روي زورا وكذبا في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش، وما روي في: قصة الغرانيق، مما هو
(1/5)

من صنع زنادقة اليهود والفرس، وأضرابهم، ونحو ذلك مما طبل له المستشرقون والمبشرون، وزمروا، وزادوا فيه، وأعادوا.
ومما يؤسف له غاية الأسف أن بعض المتعلمنين والمثقفين الذين تثقفوا بثقافة غير إسلامية، ولا سيما من صنعتهم أوروبا على عينيها، وربتهم على يديها، ويتسمون بأسماء المسلمين، قد تابعوا سادتهم المستشرقين فيما زعموا وصاروا أبواقا لهم، يرددون ما يقوله هؤلاء؛ لأنهم ينظرون إليهم على أنهم قمم في العلم والمعرفة، والشأن في المغلوب كما قال واضع أساس علم الاجتماع: العلامة ابن خلدون أن يقلد الغالب وتنماع شخصيته في شخصيته، وبذلك ساعدوا على نفث هذه السموم بين المتعلمين من شباب المسلمين!!
ولقد كان ضرر هؤلاء أشد من ضرر سادتهم المبشرين والمستشرقين؛ لأن القارئ المسلم حَذِر ولو بعض الحذر مما يقول هؤلاء أو لا يركن إليهم الركون كله، أما الكاتب المسلم: فالأمنة من جانبه أكثر، والاغترار بما يقوله أكبر.
وقد كانت المدة المحددة لهذا المؤلف ثلاثة أشهر، ولكني اشترطت ستة أشهر، وقبل الأمين العام للمجمع، ولكن ماذا تكفي ستة أشهر؟! وأنا أتولى عمادة كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط وإن شئت الحقيقة، فأنا أقوم بتأسيس فرع للجامعة بعاصمة الصعيد أسيوط.
وأقوم ببعض المحاضرات في الكلية وخارجها، وفي بعض الشهور كرمضان، والمحرم، وربيع الأول، قد تستوعب المحاضرات العامة الشهر كله، وهو جهد ينوء به الشاب، فضلا عن الشيخ المثقل بشتى المسئوليات والأعباء!! فلا عجب إذا كانت الأشهر الستة قد تضاعفت. ولما تولى فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ: محمد عبد الرحمن بيصار أمانة المجمع، بعد أن تولى سلفه الجليل وكالة الأزهر، كرر الرغبة في إنجاز هذا الكتاب النافع المفيد، لذلك لم يكن لي بد من أن أضاعف الجهد، وأتابع السهر، وأواصل البحث حتى أفرغ من هذا المؤلف الذي أعتقد أنه من أوجب الواجبات على علماء المسلمين، حتى أفي بما وعدت.
وهذا الموضوع1 ليس بالأمر الهين الذي يقوم به فرد واحد ولكنه يحتاج إلى جهود.
__________
1 هذه كلمة حق لا مرية فيها فإذا كان المشرفون جادين، فليعدوا العدة لهذا العمل كاملة: من مراجع وموظفين ... إلخ.
(1/6)

متعاونة متضافرة من جماعة متخصصين في الأصلين الشريفين: القرآن والسنة، وعلومهما وغيرهما من العلوم الإسلامية، ولهم إلمام وعلم بالتقدم العلمى في الطب، والفلك وعلم سنن الله الكونية، وعلم الاجتماع البشرى، وعلم النفس وعلم الأجناس ونحوها، حتى يؤيدوا بطلان الإسرائيليات، وتهافتها بما جد من نظريات علمية مستقرة، وبذلك يتم لهم نقدها نقدا خارجيا: نقد السند، ونقدا داخليا: نقد المتن، من جهة النقل والعقل والعلم، ويكونون قد أضافوا إلى ما ذكره الأقدمون في نقدها جديدا من النقد، وجديدا من العلم.
ولكن لو أننا انتظرنا حتى تكون هذه الجماعة، وتبدأ في العمل لمضت السنون، ولم ننجز عملا، بل قد لا تتفق الجماعة على رأي في كثير من الإسرائيليات، والموضوعات؛ إذ التكوين الثقافي ليس واحدًا، والأنظار ليست واحدة، وهذه طبيعة البشر. والنقاد في كل عصر، منهم المتشدد، ومنهم المتساهل، ومنهم المتوسط المعتدل، لذلك رأيت ألا أحجم عن الكتابة في هذا الموضوع الضخم الخطير الجليل، وأن أؤدي عن علماء المسلمين فرضا مفروضا في هذا المضمار واستعنت بالله تعالى، وسألته التوفيق، والسداد، والرشاد.
وهأنذا أفي بما وعدت، وأقدم ما أنجزت، فإن كان ما وصلت إليه صوابا فمن الله تبارك وتعالى، وإن كان خطأً فمن نفسي ومن الشيطان، وبحسبي أن اجتهدت، وبذلت غاية الوسع في الاجتهاد فلن أخلو من الأجر، وصدق المبلغ عن رب العالمين صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" رواه البخاري ومسلم.
وقد كان اقتراح عنوان الكتاب أن يكون: الإسرائيليات في كتب التفسير"، ولكني رأيت أن أضم إلى الإسرائيليات الموضوعات أيضا في كتب التفسير؛ فإن فيها موضوعات ذات خطر على الإسلام والنبي، وذلك مثل: ما وضعه الزنادقة وأعداء الإسلام من يهود، ومجوس، ونصارى، وغيرهم، من قصص وروايات تقدح في عصمة النبي، وتظهر الإسلام بمظهر الدين الساذج الذي يشتمل على الخرافات.
ومنها: ما كان من أثر الخلافات السياسية، والدينية، والمذهبية ومنها ما وضعه قوم زعموا وبئس ما زعموا أنهم يخدمون الإسلام، ويرغبون فيه وذلك مثل: الأحاديث التي وضعت في فضائل القرآن وفي فضائل السور، وفي فضائل الأشخاص
(1/7)

والأزمنة، والأمكنة، فقد استباح بعض الزهاد وبعض المتصوفة الوضع في باب الترغيب والترهيب وزعموا جهلا وزورا أن ذلك حسبة إلى الله، ومن المؤسف أن بعض أهل العلم لا يزالون يرددون أمثال هذه المرويات، ويستولون بسببها على قلوب العامة والسذج، مع أنها قد نص على وضعها واختلاقها كثير من الحفاظ، وأئمة النقد.
وبهذا وذلك: يكون الكتاب فائدته أعظم، وثمرته أعم وأشمل، ولا يفوتني في هذا المقام: أن أنوه بما قام به بعض زملائنا من جهاد مذكور مشكور في هذا الباب، وهو أخونا الأستاذ الدكتور الشيخ محمد حسين المذهبي الأستاذ بكلية أصول الدين، في كتابه "التفسير والمفسرون"، وفي الكتيب القيم الذي نشره له مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
ماذا يمكن في هذا الموضوع:
وآراء الناس وأفكارهم متباينة في معالجة هذا الموضوع الخطير؟:
1- فمنهم من يرى الاستغناء عن كتب التفسير التي اشتملت على الموضوعات والإسرائليات التي جنت على الإسلام والمسلمين وجرت عليهم كل هذه الطعون والهجمات من أعداء الإسلام، وذلك بإبادتها أو حرقها، حتى يحال بين الناس، وبين قراءتها، والاكتفاء بالكتب الخالية أو المقلة منها، وتأليف تفاسير أخرى خالية من هذه الشوائب والمناكير وهو رأي فيه إسراف وغلو؛ إذ ليس من شك في أن هذه الكتب فيها بجانب الإسرائيليات علم كثير، وثقافة إسلامية أصيلة، وأن ما فيها من خير وحق أكثر مما فيها من شر وباطل، فهل لأجل القضاء على الشر نقضي على الخير، ولأجل الإجهاز على الباطل نجهز على الحق أيضا؟ أعتقد أن هذا لا يجوز عقلا، ولا شرعا.
ثم إن هذا الرأي غير ممكن تنفيذه عمليا، فنحن إذا أعدمنا ما يوجد من هذه التفاسير في المكاتب العامة، فكيف يمكن ذلك في المكاتب الخاصة؟! ومن أصحابها من يضن بها ضنه بنفسه، وليس من حق أحد أن يغتصب مال غيره، ويعدمه تعللا بهذه العلة.
الحق: أن هذا رأي فيه إسراف وغلو، وغير ممكن تنفيذه عمليا وفي الحق: أن هذه الكتب التي اشتملت على الموضوعات والإسرائليات لو وجد في عصر طبعها من تنبه لما فيها، وكان من أهل التمييز بين الصحيح والضعيف، وما هو من قبيل الإسرائيليات، وما ليس منها علق على هذه الكتب عند طبعها، لوقانا شر هذه الإسرائيليات
(1/8)

والأكاذيب، ولما تسممت بها العقول والأفكار، ولكفانا ما نقوم به اليوم، ولكن "لو" لا تجدي الآن.
2- وهناك فريق آخر يرى أن نجمع ما طبع من هذه الكتب ونخفيها عن أعين الناس، ثم نعيد طبعها بعد تنقيتها من الإسرائيليات والموضوعات، ولكن أية قوة في العالم الإسلامي يمكنها أن تفعل هذه؟! ثم هو إن أمكن في المكاتب العامة، فكيف يمكن في المكاتب الخاصة المخفية في بيوت أصحابها؟ الحق أن هذا الرأي وإن كان أقل إسرافًا وغلوًّا من الرأي الأول، فهو غير ممكن أيضا من الناحية العلمية.
وأيضا: فهذه الإسرائيليات والموضوعات، وإن لم تكن لها قيمتها الدينية والتشريعية في نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأنها مختلقة عليهم، منتحلة، لكن لها في نظر بعض الباحثين والمؤلفين في الحياة العقلية في الإسلام قيمتها العلمية، فهي تدل على ثقافة العصر، وأفكار أهله، وتلاقح الثقافات وتأثير بعضها في بعض؛ لأن الذي وضعها ونسبها لهؤلاء لم يكن خارجا عن البيئة، ولا منعزلا عن روح العصر، وإنما كان مؤثرا ومتأثرا، وهذا الرأي قد ردده بعض الباحثين في كتبه1، ولكني لست منه على ثلج2، ولا على اتفاق مع قائله؛ لأنها سممت الأفكار، وتجنت على التفسير والحديث، وكان لها آثارها السيئة في كتب العلوم الإسلامية، فضررها أعظم بكثير من نفعها المزعوم.
3- فلم يبقَ إلا الطريق الثالث: وهو رأي القائلين بالتنصيص على هذه الإسرائيليات والموضوعات وردها من جهة العقل والنقل وبيان أنها دخيلة على الإسلام، ومدسوسة على الرواية الإسلامية وبيان من أين دخلت عليه، وذلك بتأليف كتاب، أو كتب في هذا ونشرها نشرا موسعا، بحيث يستفيد منها كل مثقف، وكل متعلم، بل وكل من يحسن القراءة، وبذلك نقضي على ما في بعض كتب التفسير من شرور الإسرائيليات وسمومها التي أفسدت عقول كثير من الناس، ولا سيما العامة، وصاروا يتناقلونها على أن لها أصلا في الرواية الإسلامية، وما هي منها في شيء.
__________
1 هو الأستاذ أحمد أمين رحمه الله في كتابيه: "فجر الإسلام ص 251و "ضحى الإسلام" ج2. ص143.
2 على ثلج أي على اطمئنان. نهاية.
(1/9)

منهجي في هذا الكتاب:
أما منهجي في هذا الكتاب: فسأقدم للبحث الأصلي بمقدمات أبين فيما معنى التفسير والتأويل ومعنى الإسرائيليات، وما المراد بالموضوعات؟ وما المنهج الذي يجب أن يتبع في تفسير القرآن، والكلام عن التفسير بالمأثور، وأقسامه، والتفسير بالرأي والاجتهاد المقبول منه والمردود ودخول الوضع والإسرائيليات في التفسير بالمأثور، وأسباب ذلك وما وجه إلى هذا النوع من التفسير من نقد، والآثار السيئة التي خلفتها هذه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير وغيرها.
ثم أعرض لما قام به حفاظ الحديث، وأئمة النقد، والتعديل والتجريح من جهاد مشكور في التنبيه إلى الموضوعات والإسرائيليات في كتب التفسير، ثم أعرض لأشهر كتب التفسير بالمأثور، مبينا بإيجاز قيمة كل كتاب من جهة الرواية، ولأشهر كتب التفسير بالرأي المقبول، من حيث اشتمالها على الموضوعات والإسرائيليات قلة أو كثرة، أو عدم اشتمالها من غير تعرض لما فيها من جوانب كمال أو جوانب نقص أخرى، فليس ذلك من غرضي، ولا مما يتصل بالغرض الذي وضع له الكتاب، إلى غير ذلك مما عرضت له.
وهذه المقدمات أو التمهيدات على طولها لا بد منها، حتى يكون القارئ لهذا الكتاب على بينة من أمر هذه المباحث، التي ستسلمه إلى المقصد الأصلي من الكتاب في غير اقتضاب.
ثم بعد ذلك آخذ فيما قصدت، وهو: الإبانة عن الإسرائيليات والكشف عن الموضوعات في كتب التفسير، سواء منها ما اختص بالتفسير بالمأثور، أو ما جمع فيها بين المأثور وغيره، أو ما غلب عليها التفسير بالرأي والاجتهاد، ومما ينبغي أن يعلم، أن هذه الكتب الأخيرة لا تخلو من التفسير بالمأثور قط، ولا يمكن أن تخلو منه.
وليس من غرضي في هذه الدراسة وهذا البحث أن أتناول الكتب كتابا كتابا، فهذا أمر يطول، ويلزم منه التكرار، أو الإحالة على ما فات.
ولكني سأعرض لهذه الإسرائيليات والموضوعات، وأردها من جهة العقل والنقل.
(1/10)

متأسيا في ذلك بأقوال جهابذة العلماء من حفاظ الحديث، وأئمة النقد الذين إليهم المرجع في التصحيح والتضعيف والتمييز بين الغث والسمين، والمقبول والمردود، وجمعوا بين المعقول والمنقول، وكذلك غيرهم ممن ليسوا من حفاظ الحديث، ولكنهم تناولوا إبطال بعض هذه الإسرائيليات، والموضوعات، من جهة العقل والنظر، وأزيد على ما ذكروه ما استفدناه من العلوم الحديثة، وما استجد من نظريات علمية مستقرة لم تكن معروفة في عصورهم وما منَّ الله به على من دراساتي القرآنية، والحديثية، ثم أنبه على مواضعها وأماكنها في كتب التفسير التي ذكرتها، من غير رد لها ونص على بطلانها وتهافتها، أو التحذير منها، حتى يكون القارئ لهذه التفاسير على بينة من حقيقة هذه المرويات، وعلى حذر من الاغترار بها وتصديقها.
والله أسأل أن يلهمني الصواب والرشد، وأن يمدني بروح من عنده إنه سميع مجيب.
كتبه
أبو السادات
محمد بن محمد أبو شهبة
من علماء الأزهر الشريف.
والمتخصص في الأصلين الشريفين:
القرآن والسنة
المحرم 1391هـ
مارس 1971م.
(1/11)

معنى إسرائيليات وموضوعات وتفسير
الإسرائيليات
...
معنى: إسرائيليات، وموضوعات، وتفسير
يقتضينا منهج البحث التحليلي أن نبين معنى كلمة: "إسرائيليات" والمراد من "الموضوعات" و"التفسير" والتأويل، حتى يكون القارئ على علم بها نقول:
أ- الإسرائيليات:
جمع إسرائيلية، نسبة إلى بني إسرائيل، والنسبة في مثل هذا تكون لعجُز المركب الإضافي لا لصدره، وإسرئيل هو: يعقوب عليه السلام أي عبد الله وبنو إسرائيل هم: أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد، إلى عهد موسى ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى عليه السلام وحتى عهد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
وقد عرفوا "باليهود" أو بـ "يهود" من قديم الزمان، أما من آمنوا بعيسى: فقد أصبحوا يطلق عليهم اسم "النصاري" وأما من آمن بخاتم الأنبياء: فقد أصبح في عداد المسلمين، ويعرفون بمسلمي أهل الكتاب"1
وقد أكثر الله من خطابهم ببني إسرائيل في القرآن الكريم تذكيرا لهم بأبوة هذا النبي الصالح، حتى يتأسوا به، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتركوا ما كانوا عليه من نكران نعم الله عليهم وعلى آبائهم وما كانوا يتصفون به من الجحود، والغدر، واللؤم، والخيانة وكذلك ذكرهم الله سبحانه باسم اليهود في غير ما آية، وأشهر كتب اليهود هي: التوراة، وقد ذكرها الله في قوله تعالى: {الم، اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ، مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ
__________
1 أهل الكتاب يطلَقون على اليهود والنصارى، ولكنهم في مثل هذا يراد بهم اليهود غالبا؛ لأنهم الذين كانوا يسكنون بالمدينة وما جاورها.
ولأن الكثرة الكاثرة من الإسرائيليات دخلت عن طريق اليهود.
(1/12)

الْفُرْقَان} 1. وقال: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا} 2 والمراد بها التوراة التي نزلت من عند الله قبل التحريف والتبديل، أما التوراة المحرفة المبدلة، فهي بمعزل عن كونها كلها هداية، وكونها نورا، ولا سيما بعد نزول القرآن الكريم، الذي هو الشاهد والمهيمن على الكتب السماوية السابقة، فما وافقه فهو حق، وما خالفه فهو باطل.
ومن كتبهم أيضا: الزبور وهو كتاب داود عليه السلام، وأسفار الأنبياء، الذين جاءوا بعد موسى عليه وعليهم السلام، وتسمى التوراة وما اشتملت عليه من الأسفار الموسوية وغيرها "بالعهد القديم".
وكان لليهود بجانب التوراة المكتوبة التلمود، وهي التوراة الشفهية، وهو مجموعة قواعد ووصايا وشرائع دينية وأدبية، ومدنية وشروح، وتفاسير، وتعاليم، وروايات كانت تتناقل وتدرس شفهيا من حين إلى آخر ... وقد اتسع نطاق الدرس والتعليم فيه إلى درجة عظيمة جدا، حتى صار من الصعب حفظه في الذاكرة، ولأجل دوام المطالعة، والمداولة، وحفظا للأقوال والنصوص، والآراء الأصلية المتعددة والترتيبات، والعادات الحديثة، وخوفا من نسيانها وفقدانها مع مرور الزمن، وخصوصا وقت الاضطهادات، والاضطرابات، قد دونها الحاخامون بالكتابة سياجا للتوراة، وقُبِلَت كسنة من سيدنا موسى عليه السلام3.
ومن التوراة وشروحها، والأسفار وما اشتملت عليه، والتلمود وشروحة، والأساطير والخرافات، والأباطيل التي افتروها، أو تناقلوها عن غيرهم: كانت معارف اليهود وثقافتهم، وهذه كلها كانت المنابع الأصلية للإسرائيليات التي زخرت بها بعض كتب التفسير، والتاريخ والقصص والمواعظ، وهذه المنابع إن كان فيها حق، ففيها باطل كثير، وإن كان فيها صدق، ففيها كذب صراح، وإن كان فيها سمين، ففيها غث كثير، فمن ثم انجر ذلك إلى الإسرائيليات، وقد يتوسع بعض الباحثين في الإسرائيليات، فيجعلها شاملة لما
__________
1 آل عمران: 1- 4.
2 المائدة: 44.
3 من التلمود: ص7، 8.
(1/13)

كان من معارف اليهود، وما كان من معارف النصارى التي تدور حول الأناجيل وشروحها، والرسل وسيرهم ونحو ذلك؛ وإنما سميت إسرائيليات لأن الغالب والكثير منها إنما هو من ثقافة بني إسرائيل، أو من كتبهم ومعارفهم، أو من أساطيرهم وأباطيلهم1.
والحق: أن ما في كتب التفسير من المسيحيات أو من النصرانيات هو شيء قليل بالنسبة إلى ما فيها من الإسرائيليات، ولا يكاد يذكر بجانبها، وليس لها من الآثار السيئة ما للإسرائيليات؛ إذ معظمها في الأخلاق، والمواعظ، وتهذيب النفوس، وترقيق القلوب، وأما:
__________
1 التفسير والمفسرون ج 1 ص 165.
(1/14)

ب- الموضوعات:
فهي جمع موضوع، اسم مفعول، وهو في اللغة مأخوذ من وضع الشيء يضعه وضعا، إذا حطه وأسقطه. أو من وضعت المرأة ولدها إذا ولدته1، وأما في اصطلاح أئمة الحديث فالموضوع: هو الحديث المختلق2 المصنوع، المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على من بعده من الصحابة والتابعين، ولكنه إذا أطلق ينصرف إلى الموضوع على النبي صلى الله عليه وسلم؛ أما الموضوع على غيره فيقيد، فيقال مثلا: موضوع على ابن عباس، أو على مجاهد مثلا، والمناسبة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي ظاهرة، أما على المعنى اللغوي الأول: فلأنه منحط ساقط عن الاعتبار، وأما على الثاني: فلما فيه من معنى التوليد، والتسبب في الوجود؛ والموضوع من حيث مادته ونصه نوعان:
1- أن يضع الواضع كلاما من عند نفسه، ثم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى الصحابي، أو التابعي.
2- أن يأخذ الواضع كلاما لبعض الصحابة أو التابعين، أو الحكماء، والصوفية، أو ما يروى في الإسرائيليات، فينسبه إلى رسول الله؛ ليروج وينال القبول، مثال ما هو من قول الصحابة: ما يروى من حديث: "أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون
__________
1 انظر القاموس والمصباح المنير مادة "وضع".
2 الاختلاق أعم من أن يكون ابتدع كلاما لم يسبق إليه. أو أخذ كلام الغير، ثم نسبه إلى النبي، فيكون الاختلاق في نسبته إليه.
(1/14)

بغيضك يوما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما"، فالصحيح أنه من قول سيدنا علي كرم الله وجهه، ومثال ما هو من قول التابعين: حديث: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل...." فهو من كلام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ومثال ما هو من كلام الحكماء "المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء"، فمن قول الحارث بن كلدة طبيب العرب.
[ومثال ما هو من كلام المتصوفة ما يروى: "كنت كنزا مخفيا، فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق، فعرفتهم بي، فعرفوني"]
ومثال ما هو من الإسرائيليات: "ما وسعني سمائي ولا أرضى ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن". قال الإمام ابن تيمية: هو من الإسرائيليات، وليس له أصل معروف عن النبي صلى الله عليه وسلم.
[ومثل ذلك ما روي عن ابن عباس من أن: "عمر الدنيا سبع آلاف سنة" فهو من الإسرائيليات.
وقد نسب إلى النبي وإلى الصحابة والتابعين كثير من الإسرائيليات في بدء الخلق والمعاد وأخبار الأمم الماضية، والكونيات، وقصص الأنبياء، وسأذكر الكثير من ذلك فيما بعد، وبعضها من الخطورة على الدين بمكان.
حكم الكذب على رسول الله:
جمهور العلماء سلفا وخلفا على أن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر، ولا يكفر من فعل ذلك إلا إذا كان مستحلا الكذب عليه وبالغ الإمام أبو محمد الجويني1 والد إمام الحرمين من أئمة الشافعية فقال: "يكفر من تعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم" نقل ذلك عنه ابنه إمام الحرمين وقال: إنه لم يره لأحد من الأصحاب، وأنه هفوة من والده.
ووافق الجويني على هذه المقالة: الإمام ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير.
__________
1 هو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيويه الفقيه الشافعي والد إمام الحرمين المتوفى في ذي القعدة سنة ثمانٍ وثلاثين، وقيل: أربع وثلاثين، وأربعمائة بنيسابور، والجويني نسبة إلى جوين -بضم الجيم، وفتح الواو، وسكون الياء- ناحية من نواحي نيسابور تشتمل على قرى مجتمعة.
(1/15)

المالكي1 وغيره من الحنابلة، ووافقهم الإمام الذهبي في تعمد الكذب في الحلال والحرام، ولعل مما يشهد لهم قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه} 2 فقد نفت الآية الإيمان عمن يفتري الكذب على الله، والكذب على الرسول كذب على الله، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 3.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن كذبا علي ليس ككذبٍ على أحد، فمن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وقد روى من طريق متكاثرة، حتى قال العلماء: إنه متواتر، ففي قوله: "إن كذبا علي ليس ككذب على أحد" ما يشعر بأن حكم الكذب عليه ليس كحكم الكذب على غيره، والكذب على غيره كبيرة، فيكون الكذب عليه أكثر من كبيرة، أو أكبر الكبائر.
وفي معنى الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم الكذب على الصحابة والتابعين، ولا سيما فيما لا مجال للرأي فيه مما لا يعرف إلا من المشرع؛ لأن له حكم المرفوع إلى النبي كما نبه على ذلك أئمة الحديث4؛ وأيضا فبعض الفقهاء يعتبر قولهم حجة في التشريع، إلا أني لم أقف على من قال: إن الكذب عليهم كفر، وإنما الذي قال الجويني: إنما هو في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم:
ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى؛ لأنها إنما أجازها العلماء لعارف بالألفاظ ومدلولاتها معرفة دقيقة عالم بالشريعة ومقاصدها خبير بما يغير المعاني ويفسرها، فهي لم تخرج عند التحقيق عن مدلول اللفظ الأصلي.
هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟:
ولما للكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم من إفساد في الشريعة وإبطال في الدين: ذهب
__________
1 هو الإمام أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري المالكي قاضي الإسكندرية وعالمها المشهور المتوفى سنة 683هـ وصاحب كتاب "الانتصاف على تفسير الكشاف".
2 النحل: 105.
3 النجم: 3، 4.
4 هذا بالنسبة إلى ما يروى عن الصحابي، أما ما روي عن التابعين فهو مرفوع مرسل، وهناك شرط آخر؛ وهو ألا يكون الصحابي أو التابعي معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا وإلا احتمل أن يكون من الإسرائيليات "نزهة النظر في شرح نخبة الفكر" للحافظ ابن حجر، التدريب للسيوطي ص 63، 64".
(1/16)

جمهور المحدثين إلى أن من كذب في حديث واحد فسق، وردت روايته، وبطل الاحتجاج بها، وإن تاب وحسنت توبته، ومن هؤلاء الأئمة: أحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي والصيرفي، والسمعاني1.
قال أبو بكر الصيرفي: "كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله لتوبة تظهر" وقال أبو المظفر السمعاني: "من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه".
وخالف في ذلك الإمام النووي، فقال: والمختار القطع بصحة توبته في هذا، وقبول رواياته بعدها، إذا صحت توبته بشروطها2. والحق أن ما ذهب إليه النووي قوى من جهة الاستدلال، ولكن مذهب الجمهور أحوط للأحاديث، وأبعد من الريبة في الرواية، ومن ثم نرى: أن أئمة الحديث احتاطوا له غاية الاحتياط، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
حكم رواية الموضوعات والإسرائيليات الباطلة:
قال العلماء سلفا وخلفا: لا يحل رواية الحديث الموضوع في أي باب من الأبواب، إلا مقترنا ببيان أنه موضوع مكذوب، سواء في ذلك ما يتعلق بالحلال والحرام، أو الفضائل، أو الترغيب والترهيب أو القصص والتواريخ3، ومن رواه من غير بيان وضعه فقد باء بالإثم العظيم، وحشر نفسه في عداد الكذابين، والأصل في ذلك: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين" 4 وفي حكم الموضوعات الإسرائيليات التي ألصقت بالنبي زورا، وكذبا عليه.
__________
1 علوم الحديث لابن الصلاح ص 128.
2 صحيح مسلم بشرح النووي ج 1 ص 70.
3 علوم الحديث لابن الصلاح ص 109 والتدريب للسيوطي ص 98.
4 روي "يرى" بضم الياء بمعنى يظن، وبفتح الياء بمعنى يعلم فيشمل الوعيد من علم أو ظن وروي "الكاذِبَيْن" بصيغة المثنى بفتح الباء وكسر النون أي من وضعه ومن رواه؛ لأنه أذاعه وبصيغة الجمع بكسر الباء وفتح النون أي صار في عدادهم وواحدا منهم؛ لإشاعته الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/17)

تحذير من يروي الموضوع المكذوب:
وقد حكم كثير من علماء الحديث وأئمته على من روى حديثا موضوعا من غير تنبيه إلى وضعه وتحذير الناس منه بالتعزير والتأديب، قال أبو العباس السراج: شهدت محمد بن إسماعيل البخاري، ودفع إليه كتاب من ابن كرام يسأله عن أحاديث، منها حديث الزهري عن سالم عن أبيه1 مرفوعا: "الإيمان لا يزيد ولا ينقص" فكتب محمد بن إسماعيل على ظهر كتابه: "من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد، والحبس الطويل".
بل بالغ بعضهم، فأحل دمه، قال يحيى بن معين -وهو من كبار أئمة الجرح والتعديل- لما ذكر له حديث سويد الأنباري: "من عشق، وعف، وكتم، ثم مات مات شهيدا.
قال: هو حلال الدم2!!
وقد سئل الإمام ابن حجر الهيثمي عن خطيب يرقى المنبر كل جمعة، ويروي أحاديث، ولم يبين مخرجيها ودرجتها فقال: ما ذكره من الأحاديث في خطبه من غير أن يبين رواتها، أو من ذكرها فجائز، بشرط أن يكون من أهل المعرفة بالحديث، أو ينقلها من مؤلفٍ صاحبُه كذلك.
وأما الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من أهل الحديث، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك، فلا يحل؛ ومن فعل عزر عليه التعزير الشديد، وهذا حال أكثر الخطباء؛ فإنهم بمجرد رؤيتهم خطبة فيها أحاديث حفظوها، وخطبوا بها من غير أن يعرفوا أن لتلك الأحاديث أصلا أم لا، فيجب على حكام كل بلد أن يزجروا خطباءها عن ذلك.
__________
1 هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
2 من المؤسف المحزن أن بعض أهل الهوى والغرام، وبعض الكتاب الهدامين للأخلاق لا يزالون يرددون هذا الحديث المكذوب، فمن لهم بمثل يحيى بن معين يحل دماءهم؟!
(1/18)

ما أشبه الليلة بالبارحة:
أقول: لا يزال بعض الخطباء، ومقيمي الشعائر الدينية الذين ليس له علم بالحديث رواية ودراية، ولا سيما من لم يتأهلوا التأهل اللازم لمن يتولى الإمامة والخطابة، والذين لا يزالون يخطبون من الدواوين، أو يعتمدون في خطبهم على الكتب التي لا يُعتمد عليها في معرفة الأحاديث والتمييز بين صحيحها، وضعيفها، وموضوعها، والذين جعلوا غايتهم استرضاء الجماهير، فيذكرون لهم أحاديث في الترغيب والترهيب، وحكايات وقصصا مثيرة عجيبة، أغلب الظن أنها من وضع القصاص، وجهلة الزهاد الذين استجابوا ذلك، وكان جل هممهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات، والتهاويل والعجائب، والغرائب وما أجدر هذه الفئة بأن يحال بينها وبين الخطابة، والوعظ، والتذكير، حتى لا يسمموا أفكار الناس ويفسخوا القيم الدينية والخلقية الصحيحة، وتكون حجة على الإسلام لا حجة له، وأحب أن أقول لهؤلاء وأمثالهم: إن في الأحاديث الصحاح والحسان، والقصص الثابت الصحيح غنية عن الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة والقصص، وجهلة الزهاد الذين استباحوا ذلك، وكان جل همهم تملق الجماهير، واستمالتهم بذكر المبالغات، والتهاويل والعجائب، والغرائب وما أجدر هذه الفئة بأن يحال بيها وبين الخطابة، والوعظ، والتذكير، حتى لا يسموا أفكار الناس ويفسخوا القيم الدينية والخلقية الصحيحة، وتكون حجة على الإسلام لا حجة له، وأحب أن أقول لهؤلاء وأمثالهم: إن في الأحاديث الصحاح والحسان، والقصص الثابت الصحيح غنية عن الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة والقصص المكذوب لمن يريد أن يرقق القلوب ويستولي على النفوس، فليتق الله هؤلاء في الناس، وفي أنفسهم.
ومن الحق في هذا المقام أن أقول أيضا: إن الكثيرين من المدرسين الأزهريين والوعاظ، والمرشدين، والدعاة إلى الله، والأئمة والخطباء المؤهلين تأهيلا علميا سليما، في الأزهر، وجامعته والجامعات الإسلامية الأخرى لهم من علمهم، ووعيهم الديني والثقافي وسعة اطِّلاعهم ما يعصمهم من الوقوع في رواية الموضوعات والقصص الباطلة، والإسرائيليات الزائفة، وتحري الصدق والحق في رواية الأحاديث، وذكر الأقاصيص، وأخذهم أنفسهم بالرجوع في ذلك إلى كتب العلماء الثقات الحفاظ للحديث، أو الذين لهم علم به ودراية، وهو أثر من آثار النهضة العلمية الحديثة من يوم أن أنشئت الدراسات العليا التخصصية في كليات الجامع الأزهر الشريف، عمره الله بالعلم والعلماء.
فقد كان من شعب هذه الدراسات: "شعبة التفسير والحديث" منذ ما يقرب من نصف قرن، وقد أتى على هذه الشعب حين من الدهر كان الطلاب فيها يستوعبون كل ما كتب وأُلِّفَ في العلم الذي تخصصوا فيه، وكذلك كان هناك تخصص في "الدعوة
(1/19)

والإرشاد"، ويا ليت هذه التخصصات تعود كما كانت؛ مناهج، ودراسة.
وكذلك كان من أسباب هذه النهضة الحديثة: إنشاء دور "للحديث في مصر، وفي الحجاز وغيرهما من الأقطار الإسلامية شرقا وغربا، وظهور علماء في كل قطر إسلامي أحبوا دراسة الحديث وعلومه" وإنا لنرجو أن يعود للحديث وعلومه سيرته الأولى، ومجده الغابر فاللهُمَّ حقق.
متى نشأ الوضع في الحديث؟:
كان من أثر اتساع رقعة الإسلام: دخول كثير من أبناء الأمم المغلوبة فيه ومنهم الفارسي، ومنهم الرومي، ومنهم المصري، ومنهم المخلص للإسلام، ومنهم المنافق الذي يكن في نفسه الحقد على الإسلام ويتظاهر بحبه، ومنهم الزنديق الذي يسعى بشتى الوسائل لإفساده وتشكيك الناس فيه، ومنهم اليهودي الذي لا يزال مشدودا إلى يهوديته، ومنهم النصراني الذي لا يزال يحن إلى نصرانيته.
وقد انتهز أعداء الإسلام من المنافقين، والزنادقة، واليهود سماحة السيد الحيي: عثمان بن عفان رضي الله عنه ودماثة خلقه، فبذروا البذور الأولى للفتنة، فكان ابن سبأ اليهودي الخبيث يطوف في الأقاليم، ويولب عليه الناس، وقد أخفى هذه السموم التي كان ينفثها تحت ستار التشيع، وحب سيدنا علي، وآل البيت الكرام، فصار يزعم أن عليا رضي الله عنه هو وصي النبي، والأحق بالخلافة حتى من أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما ووضع على النبي صلى الله عليه وسلم حديثا: "لكل نبي وصي، ووصيِّي عليٌّ". لم يقف الأمر عند حد هذه الدعوة، بل ادعى ألوهيته، وقد طارده سيدنا عثمان، فهرب، فلما كان عهد سيدنا علي طارده وأحل دمه، فما كان ليرضى بهذه الدعوات الخبيثة التي يشنها هذا المغيظ المحنق على الإسلام والمسلمين.
ومما يؤسف له أن دعوته وجدت آذانا صاغية من بعض الأمة وبخاصة أهل مصر، وقد نجح هذا اليهودي الماكر في إثارة الفتة التي أطاحت برأس الخليفة الثالث: عثمان رضي الله عنه، وما إن تولى الخلافة سيدنا علي حتى وجد التركة مثقلة بالخلافات، فقد ناصبه أنصار عثمان العداوة من أول يوم، واستفحلت الفتنة، ووقعت حروب طاحنة، فني فيها كثيرون من خيرة المسلمين، وظهرت طائفة أخرى وهم الخوارج الذين لم يرتضوا
(1/20)

التحكيم بين على، ومعاوية، وكانت النهاية؛ أن أطاحت الفتنة ركنا آخر من أركان الإسلام، وهو الخليفة الرابع، وأضحت الأمة الإسلامية في فرقة واختلاف، ودب إليها داء الأمم قبلها، وتمخضت الفتنة عن شيعة1 ينتصرون لسيدنا علي، وعثمانية ينتصرون لسيدنا عثمان، وخوارج2 يعادون الشيعة وغيرهم، ومروانية ينتصرون لمعاوية وبني أمية، وقد استباح بعض هؤلاء لأنفسهم أن يؤيدوا أهواءهم ومذاهبهم بما يقويها، وليس ذلك إلا في الحديث بأنواعه من أحكام، وتفسير، وسير، وغيرها.
وكان ذلك حوالي سنة أربعين للهجرة، وما زالت حركة الوضع تسير، وتتضخم حتى دخل بسببها على الحديث بلاء غير قليل، وهذا العصر هو ما يعرف بعصر صغار الصحابة وكبار التابعين.
روى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه بسنده عن طاوس، قال: "جاء هذا إلى ابن عباس -يعني بشير بن كعب- فجعل يحدثه، فقال له ابن عباس: عد لحديث كذا، وكذا. فعاد له، ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له: لا أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا، أم أنكرت حديثي كله، وعرفت هذا، فقال له ابن عباس: إن كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن يكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه".
وابن عباس توفي سنة ثمان وستين للهجرة.
وروى بسنده عن مجاهد، قال: "جاء بشير العدوي إلى ابن عباس، فجعل يحدِّث، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل ابن عباس لا يأذن3 لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يابن عباس: ما لي أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله
__________
1 هم أنصار سيدنا علي، وهم طوائف وفرق كثيرة وأخبث هذه الطوائف وأبعدهم عن الإسلام الرافضة الذين رفضوا إمامة الشيخين: أبي بكر، وعمر، بل وكفروهما وأعدل طوائف الشيعة وأقربهم إلى الإسلام الزيدية وهم يفضلون عليا على غيره، ولكنهم يجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل.
2 هم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بعد قبوله التحكيم بينه وبين معاوية وقالوا: لا حُكْم إلا لله، وقالوا بصحة خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان في سنيه الأولى قبل أن يغير ويبدل، وصحة خلافة علي قبل الرضا بالتحكيم، وهم من أصلب الطوائف في عقيدتهم وأكثرهم عبادة.
3 أي لا يسمع.
(1/21)

صلى الله عليه وسلم- ولا تسمع، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".
وروى بسنده عن طاوس، قال: "أتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه، فمحاه إلا قدر"1 وأشار سفيان بن عيينة بذراعه، وروى بسنده عن أبي إسحاق قال: "لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله، أي علم أفسدوا" قال الإمام النووي: أشار بذلك إلى ما أدخلته الروافض، والشيعة في علم علي -رضي الله عنه- وحديثه، وتقولوه عليه من الأباطيل وأضافوه إليه من الروايات، والأقاويل المفتعلة، والمختلقة2.
وذكر الإمام الذهبي في "التذكرة": عن خزيمة بن نصر، قال: "سمعت عليا بصفين يقول: قاتلهم الله، أي عصابة بيضاء سودوا وأي حديث من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفسدوا"3
وروى الإمام مسلم بسنده، عن سفيان بن عيينة، قال: سمعت رجلا سأل جابرا4 عن قوله عز وجل: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} فقال جابر: لم يجئ تأويل هذه!! قال سفيان: وكذب، فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول: إن عليًّا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده، حتى ينادي منادٍ من السماء -يريد عليا أنه ينادي: اخرجوا مع فلان.
يقول جابر: فهذا تأويل هذه الآية، وكذب، كانت في إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم5 وهذا لون من ألوان الدس، والوضع في التفسير، وسيأتي من ذلك أمثلة لا تحصى.
__________
1 أي قدر أي ذراع بدليل تفسير سفيان، والظاهر أنه كان درجا مستطيلا.
2 صحيح مسلم بشرحه ج1 من ص 80-83.
3 تذكرة الحفاظ ج 1 ص 11 ترجمة سيدنا علي [ولعل مراده ما وضعه محبوه في مدحه، وما وضعه مبغضوه في ذمه] .
4 أي ابن يزيد الجحفي الشيعي الغالي قال فيه الإمام أبو حنيفة: "ما رأيت أكذب من جابر الجحفي" والشيعة يعتبرونه من شيوخهم.
5 صحيح مسلم بشرح النووي ص 102.
(1/22)

وروى بسنده عن ابن سيرين1 قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة، فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" وروى بسنده عن ابن المبارك قال: "بيننا وبين القوم القوائم"، يعني الإسناد2.
قال الإمام النووي: ومعنى هذا الكلام: إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلا تركناه، فجعل الحديث كالحيوان؛ لا يقوم بغير إسناد، كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم. إلى غير ذلك من الروايات التي تدل على ظهور الوضع بعد عصر الفتنة، وأن كبار أئمة الحديث والجرح والتعديل كانوا للحركة بالمرصاد.
عرض سريع لحركة الوضع:
في عصر التابعين ومن جاء بعدهم ضعفت الخاصية التي كانت في العصر الأول وهي: التثبت والتحري في الحديث، فكثرت الرواية وانتشر الحديث، وفشا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض صحابته، وبعد أن كان الخلفاء الراشدون المهديون يدعون إلى التحوط، والتثبت في المرويات، أضحى الأمراء والخلفاء في شغل عن ذلك بالملك والسياسة.
وقد اشتدت الخصومة بين الأحزاب السياسية، وجاءت الدولة العباسية فتقرب إليها ضعفاء الإيمان بالاختلاق في فضائلها، والحط من شأن أعدائها، بل بلغ من بعضهم أنه كان يضع الأحاديث، أو يتزيد فيها، إرضاء لما يهوى بعض الخلفاء، وذلك كما حدث من أبي البختري الكذاب: فقد دخل وهو قاضٍ على الرشيد، وهو يطير الحمام، فقال له: هل تحفظ في هذا شيئا، فروى حديثا: "أن النبي كان يطير الحمام"، وقد أدرك الرشيد كذبه، وزجره، وقال: لولا أنك من قريش لعزلتك3!! وكما حدث من
__________
1 ابن سيرين ولد لسنتين من خلافة عثمان وتوفي سنة 110، وهو من خيار التابعين.
2 صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص 84، 88.
3 ويا ليته عزله لينزجر، ويرعوي غيره.
(1/23)

غياث ابن إبراهيم أنه دخل على المهدي وهو يلعب بالحمام، فروى له حديث: "لا سبق إلا في نصل أو حافر، أو جناح"، فزاد "أو جناح" إرضاء للمهدي، وقد روي أن المهدي قال له وهو خارج: أشهد أن قفاك قفا كذاب، وأمر بذبح الحمام، والكذب هو اللفظ الأخير فحسب، أما أصل الحديث فثابت، رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة.
وكذلك كان لنشأة الفرق الكلامية وغيرها من أهل السنة ومعتزلة، ومرجئة، وجبرية، وجهمية وكرامية و..... أثر كبير في إذكاء حركة الوضع، فقد حاول ضعفاء الإيمان، وأرقاء الدين منهم أن يؤيدوا بعض مذاهبهم وآرائهم بالأحاديث، وقد وضعت أحاديث في نصرة بعض هذه المذاهب، أو في الرد على بعضها الآخر، بحيث لا يشك الناظر فيها أنها مختلقة موضوعة، وذلك مثل: ما روي: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص"، ومثل: "الإيمان قول، والعمل شرائعه لا يزيد ولا ينقص" ومثل: ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -وقد سئل عن الإيمان: هل يزيد وينقص، فقال: "لا، زيادته كفر، ونقصانه شرك" وإن أصبع الإرجاء لتظهر واضحة في مثل ما روي: "كما لا ينفع مع الشرك شيء، كذلك لا يضر مع الإيمان شيء"، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يظهر عليها أثر الصنعة والاختلاق1، وكذلك كان للخلافات الفقهية أثر في إذكاء حركة الوضع، فوضعت أحاديث في فضائل بعض الأئمة، كما وضعت أحاديث أخرى في ذم بعضهم، وكذلك وضعت أحاديث في الاستشهاد لبعض الفروع الفقهية ليس عيها شيء من نور النبوة، وإنما أقرب إلى قواعد الأصوليين والفقهاء، وكتب التخاريج لبعض كتب الفقه فيها من ذلك شيء غير قليل.
وكذلك وجد القصاص وأمثالهم من جهلة المتصوفة الذين استجازوا وضع الأحاديث حسبة لله تعالى، "وسنرد عليهم فيما يأتي إن شاء الله تعالى"، وقد كان القصاص في كل عصر سبب شر كثير.
وكذلك جدت أحداث استغلت للوضع كفتنة خلق القرآن وكحركة الشعوبية2،
__________
1 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للإمام السيوطي ج1 ص 22 وما بعدها.
2 الشعوبية: هم الذين يفضلون العجم على العرب، وقد نشأت في آخر العهد الأموي، وقويت في عهد الدولة العباسية.
(1/24)

والتعصب للجنس، أو اللون، أو اللغة، أو المكان، فوضعت أحاديث في تكفير من قال بخلق القرآن، وتفضيل العجم على العرب، وفي فضائل بعض الشعوب، وفي فضائل بعض الأقاليم والبلدان.
وقد استمرت حركة الوضع إلى عصور متأخرة، فابن الجوزي يذكر في كتبه ما كان من قصاص زمانه، وهذا هو: "الرتن الهندي" يدعي الصحبة في المائة السادسة للهجرة1، ويضع الأحاديث المكذوبة والسيوطي المتوفى سنة 911هـ. يذكر ما ناله من بعض قصاص زمانه لما أنكر عليه رواية أحاديث موضوعة يدعي أنه سمعها، والشيخ اللكنوي الهندي يذكر: أنه اطلع على رسالته في: "تحريم التنباك"؛ وقد استدل فيها مؤلفها ببعض الأحاديث التي وضعها، مثل: "كل دخان حرام".
ومهما يكن من استمرار سوق الوضع قرونا، فقد ناهضها العلماء ولا سيما أئمة الحديث وجهابذته، الذين ألفوا الكتب، ودونوا الدواوين: وميزوا فيها بين الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع وكذلك وضعوا في التنصيص على الأحاديث الموضوعة كتبا لا يحصيها العد، وكشفوا عن عوارها، وحذروا الناس من الاغترار بها، فجازاهم الله أعظم ما جازى علماء أمة.
__________
1 اقرأ ما كتب عنه في كتب الرجال لترى العجب العجاب. انظر "ميزان الاعتدال" و"لسان الميزان" للحافظ ابن حجر.
(1/25)

جـ التفسير:
التفسير لغة: مصدر فسره بتشديد السين مأخوذة من الفسر بمعنى البيان يقال: فَسَرت الكتاب "بتخفيف السين" أفسره فسرا وفسَّرته بالتشديد أفسره تفسيرا، وقيل: هو مقلوب من السفر بتقديم الفاء على السين مثل الجذب، والجبذ والمعنى واحد يقال: أسفر الصبح إذا أضاء ففيه معنى الكشف والتوضيح، وقيل: مأخوذ من التفسرة وهي: اسم لما يعرف به الطبيب المرض.
وأما في الاصطلاح: فقد اختلفت أساليب العلماء في تعريفه.
فمنهم من أطال في تعريفه فقال: هو علم نزول الآيات، وشئونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها، ومدنيها وبيان محكمها، ومتشابهها، وناسخها،
(1/25)

ومنسوخها، وخاصها، وعامها، ومطلقها، ومقيدها، ومجملهان ومفسرها، وحلالها وحرامها ووعدها، ووعيدها، وأمرها، ونهيها، وعِبَرها، وأمثالها ونحو ذلك1.
ومنهم من توسط كأبي حيان في البحر المحيط فقال في تعريفه: علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية، والتركيبية، ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك، ثم أخذ في شرح تعريفه2.
وهذا التعريف غير جَلِيٍّ ولا واضح، وكذلك لم يصرح بالغرضين الأهمين اللذين نزل لهما القرآن: وهما: كونه كتاب الهداية البينة التي هي أوضح الهدايات، وأقومها، والتي لو اتبعها البشر لحققت لهم السعادتين: الدنيوية والأخروية.
والكتاب السماوي المعجز، فهو المعجزة العظمى والآية الكبرى الباقية على وجه الدهر لنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقال الزركشي في البرهان: التفسير: علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه، وحِكَمِه، واستمداد ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ3.
وهذا التعريف أوضح، وأيسر من التعريفين السابقين، وأدل على الغرضين الأهمين، اللذين ذكرناهما آنفا.
ومن العلماء من أوجز في التعريف، فقال: هو علم يبحث فيه عن أحوال القرآن الكريم؛ من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية4.
[وأزيد في التعريف فأقول: ومن حيث كونه المعجزة العظمى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم] . والمراد بأحوال القرآن الكريم من حيث كونه كتاب الهداية الأقوم، وكتاب العربية الأكبر، والمعجزة الخالدة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
[ويدخل في ذلك كل ما يتوقف عليه معرفة ذلك من العلم بأسباب النزول، ومناسبات
__________
1 الإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 174.
2 البحر المحيط ج1 المقدمة.
3 البرهان ج1 بحث التفسير.
4 منهج الفرقان في علوم القرآن ج 2 ص 6. مناهل العرفان في علوم القرآن ج 1 ص 406 ط الأولى.
(1/26)

الآيات، والمكي والمدني، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ وغيرها] . كل ما يحتاج إليه المفسر من العلوم فهي وسائل لتحقيق هذين الغرضين الأكبرين، ثم إن المفسر حينما يفسر القرآن الكريم سواء أكان بالتفسير بالمأثور، أم بالاجتهاد والرأي المقبول لا يمكنه الجزم والقطع بأن هذا مراد الله تبارك وتعالى، فمن ثَمَّ كان الجزء الأخير في التعريف: "بقدر الطاقة البشرية" احتراسا لا بد منه، ولا يتأتى هذا القطع إلا لنبي مرسل يوحى إليه من ربه، وأما غيره فلا.
والمناسبة بين هذه التعاريف الاصطلاحية، والمعاني اللغوية للكلمة ظاهرة، ولا سيما على المعنيين اللغويين الأولين؛ فإن التعاريف تدور على معنى التبيين، والتوضيح والظهور بعد الخفاء.
وأما على المعنى الثالث: فلأن المفسر كأنه يسبر المعاني بمسبار1 الطبيب الماهر، ويختبرها بمخابره العلمي، حتى يتضح له المراد.
التأويل:
التأويل لغةً: أصله من الأول، وهو الرجوع، فكأن المؤول للآية رجع بها إلى ما تحتمله من المعاني.
وقيل: مأخوذ من الإيالة وهي السياسة، كأن المؤول للكلام ساسه، وتناوله بالمحاورة والمداورة حتى وصل إلى المراد منه.
أما معناه في الاصطلاح: فقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام، وطائفة من العلماء: هما بمعنى، وعلى هذا: فيعرف بما عرف به التفسير.
وقد أنكر ذلك بعض العلماء، بل بالغوا في الإنكار.
وقال الراغب الأصفهاني في "مفرداته": التفسير أعم من التأويل وأكثر استعمالاته في الألفاظ ومفرداتها، وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل في الكتب الإلهية، وأما التفسير فيستعمل فيها وفي غيرها.
[وقال غيره: التفسير بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا. والتأويل: توجيه لفظ
__________
1 شيء من فتيل، أو آلة توضع في الجرح؛ ليتعرف غوره، وقد توسع فيها حتى شملت كل ما يتعرف به على الخفي الغامض: داء أو غيره.
(1/27)

متوجه إلى معانٍ مختلفة إلى واحد منها، بما ظهر من الأدلة.
وقال الماتريدي: التفسير: القطع على أن المراد من اللفظ هذا، والشهادة على الله أنه عني بهذا اللفظ هذا؛ فإن قام دليل مقطوع به فصحيح، وإلا فهو تفسير بالرأي، وهو المنهي عنه. والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة على الله] . وقال أبو طالب التغلبي: التفسير: بيان وضع اللفظ إما حقيقة أو مجازا، كتفسير الصراط بالطريق، والصيب بالمطر، والتأويل: تفسير باطن اللفظ مأخوذ من الأول، وهو الرجوع لعاقبة الأمر، فالتأويل إخبار عن حقيقة المراد، والتفسير، إخبار عن دليل المراد؛ لأن اللفظ يكشف عن المراد، والكاشف دليل، مثاله قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَاد} تفسيره: أنه من الرصد، يقال: رصدته إذا رقبته، والمرصاد: مفعال منه، وتأويله: التحذير من التهاون بأمر الله، والغفلة عن الأهبة والاستعداد للعرض عليه: [وقواطع الأدلة تقتضي بيان المراد منه على خلاف وضع اللفظ في اللغة] .
وقال بعض العلماء: التفسير: يتعلق بالرواية، أي التفسير بالمأثور، والتأويل: يتعلق بالدراية؛ أي التفسير بالرأي والاجتهاد1.
ومهما يكن من شيء فقد شاع واشتهر أن التفسير أعم من أن يكون بالمأثور، أو بالرأي والاجتهاد، وأعم من أن يكون متعلقا باللفظ أو بالمعنى، وقد أصبح في ذلك حقيقة عرفية، وهذا ما سأسير عليه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
الحاجة إلى علم التفسير:
علم تفسير القرآن من العلوم المهمة التي يجب على الأمة تعلمها وقد أوجب الله على الأمة حفظ القرآن، وكذلك أوجب عليهم فهمه وتدبر معانيه، قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} 2، وقال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} 3، وقال: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} 4، فقد دلت الآية الثانية على أنه أنزل للتدبر، وحثت الآيتان الأخريان على تدبره، وتدبر القرآن بدون فهم معانيه غير ممكن، وفهم معانيه إنما يكون بمعرفة تفسيره، فتفسير القرآن فرض على الأمة، ولكنه فرض كفائي بمعنى: إذا قام
__________
1 الاتفاق في علوم القرآن ج 2 ص 173.
2 النساء 82.
3 سورة ص 29.
4 محمد: 24.
(1/28)

به أهل العلم المتأهلون له من الأمة الإسلامية سقط عن الباقين.
والله سبحانه وتعالى إنما يخاطب كل قوم بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه، وأنزل كتابه بلغتهم، وقد نزل القرآن بلسان عربي مبين، في وقت بلغ فيه العرب الغاية في الفصاحة والبلاغة وكانوا يعرفون ظواهره وأحكامه، وأما دقائق معانيه وحقائق تأويله: فإنما كان يظهر لهم بعد البحث، والنظر، والتأمل، وما كان يخفى عليهم منه، أو يشكل، كانوا يسألون عنه النبي صلى الله عليه وسلم وذلك كسؤالهم له لما نزل قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون} 1 فقالوا: وأينا لم يظلم؟ وفزعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فبين لهم أن المراد بالظلم الشرك، واستدل عليه بقوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} 2 وكبيانه للسيدة عائشة رضي الله عنها أن المراد بالحساب اليسير في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} 3: العرض أي: استعراض الأعمال من غير مناقشة، وكقصة عدي بن حاتم في الخيط الأبيض، والخيط الأسود، وظنه أن المراد الحقيقة، حتى بين له النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالخيط الأبيض بياض النهار، وبالخيط الأسود سواد الليل، إلى نحو ذلك مما خفي عليهم، ونحن محتاجون إلى مثل ما كانوا محتاجين إليه، بل وزيادة عما كانوا محتاجين إليه؛ لقصورنا عنهم في العلم باللغة، وأساليبها، والبلاغة وأسرارها، والعلم بأسباب النزول، والفقه في الدين، ومعرفة الحلال والحرام، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه.
وقد بين لهم النبي معاني القرآن، كما بين لهم ألفاظه، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} 4، فمن ثم حفظوا ألفاظه، وفهموا معانيه، وفقهوا أحكامه.
قال أبو عبد الرحمن السلمي5: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم
__________
1 الأنعام 82.
2 لقمان: 13.
3 الانشقاق: 8.
4 النحل: 44
5 هو عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَة "بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء المكسورة" السُلَمي "بضم السين" الكوفي التابعي. الجليل.
(1/29)

يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا، وهذا النص يبين لنا منهج المسلمين الأولين في موقفهم من القرآن، وأنهم كانوا يجمعون إلى الحفظ: العلم، والعمل.
ولذلك: كانوا يبقون مدة طويلة في حفظ السورة الواحدة وهذا هو السر في أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام على حفظ البقرة ثماني سنين، أخرجه مالك في الموطأ، وروي عن أنس، قال: "كان الرجل منا إذا قرأ البقرة وآل عمران جد1 في أعيننا" رواه أحمد في مسنده2.
وكذلك جاء عن السلف الصالح؛ الصحابة فمن بعدهم، فقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} 3 قال في تفسير الحكمة: المعرفة بالقرآن: ناسخه، ومنسوخه ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، وحلاله، وحرامه، وأمثاله.
وأخرج أيضا عن أبي الدرداء في قوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَة} ، قال: قراءة القرآن والفكرة فيه، وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال: "ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني؛ لأني سمعت الله يقول: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} 4.
وأخرج أبو عبيد عن الحسن" قال: "ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيما أنزلت، وما أراد بها".
فالواجب على الأمة الإسلامية حفظ القرآن، وفهم معانيه، ومعرفة تفسيره معرفة لا تشوبها الإسرائيليات، ولا الموضوعات والأباطيل، والتزامه سلوكا وعملا من الأفراد والجماعات في كل شأن من شئون الحياة، وبذلك يستعيدون مجدهم الغابر" وعزتهم التي
__________
1 أي عظم وجل.
2 رسالة في أصول التفسير ص 6.
3 البقرة: 269.
4 العنكبوت: 43.
(1/30)

نوه الله بها في القرآن الكريم حيث قال: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} 1، وأرضهم السليبة، وسلطانهم المرهوب في الأرض.
التفسير من أشرف العلوم:
والعلم بالتفسير من أشرف العلوم الشرعية، وأجلها؛ فالشيء إنما يشرف إما بشرف موضوعه وإما من جهة غايته والغرض منه، وإما من جهة الحاجة إليه.
وموضوع علم التفسير هو: كلام الله، أشرف الكلام، وأصدقه، وهو أصل الدين، ومنبع الصراط المستقيم، وينبوع كل حكمة، ومعدن كل فضل.
وغايته هي: الاعتصام بالعروة الوثقى، والوصول إلى السعادتين: الدنيوية والأخروية.
وأما شدة الحاجة إليه: فلأن كل كمال ديني أو دنيوي، عاجل، أو آجل، مفتقر إلى العلوم الشرعية، والمعارف الدينية وهي: متوقفة على العلم بكتاب الله سبحانه وتعالى.
العلوم التي لا بد منها للمفسر:
وهاك ما قاله الإمام السيوطي في الإتقان: مع زيادة التوضيح، وحسن التصرف: قال بعض العلماء: اختلف الناس في تفسير القرآن: هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم: لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالما، أديبا، متسعا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو، والأخبار، والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
ومنهم من قال: يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علما:
"أحدها": اللغة؛ لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله، إذا
__________
1 المنافقون: 8.
(1/31)

لم يكن عارفا بلغات العرب، قال الإمام مالك: لا أوتى برجل غير عالم بلغة العرب يفسر كتاب الله إلا جعلته نكالا"، أقول: والمراد: العلم باللغة الواسع، المتعمق، ولا يكتفى باليسير منه، فقد يكون اللفظ مشتركا، وهو يعلم أحد المعنيين، ويكون المراد الآخر، وكذلك العلم بالفروق اللغوية. والعلم باللغة، نثرها ونظمها من الأسباب التي مكنت لابن عباس أن يكون حبر القرآن، ورأس المدرسة المكية التي هي آصَلُ المدارس التفسيرية.
"الثاني": النحو لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره. أخرج أبو عبيد عن الحسن -أي البصري: أنه سئل عن الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته؟ فقال: حسن فتعلمها؛ فإن الرجل يقرأ الآية فيَعْيَى بوجهها، فيهلك فيها.
أقول: ومن لم يعرف النحو فربما يقع في أخطاء فاحشة، قد تؤدي إلى الكفر، ومثل ذلك الرجل الذي قرأ قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ" بجر "رسوله" فكاد يقع في الكفر وهو لا يعلم، فكان هذا من الأسباب الحاملة على وضع علم النحو1.
"الثالث" علم التصريف؛ لأن به تعرف أبنية الكلمات والصيغ قال ابن فارس: ومن فاته علمه فاته المعظم؛ لأن "وجد" مثلا كلمة مبهمة، فإذا صرفناها اتضحت بمصادرها؛ فإنها تستعمل في العثور على الدابة، وفي الحصول على المطلوب، وفي الغضب، وفي الغنى، وفي الحب، وإنما تتميز بالمصادر، يقال: وجد ضالته وِجدانا بكسر الواو، ومطلوبه وُجودًا بضمها، وفي الغضب موجدة بكسر الجيم، وفي الغنى وُجْدًا بضم الواو، وفي الحب وَجْدًا بفتح الواو2.
وقال الزمخشري في تفسيره: من بدع التفاسير قول من قال: إن الإمام في قوله
__________
1 تفسير روح المعاني للألوسي ج 10 ص 47.
2 نقله ابن الصلاح في مقدمته ص 167 عن المعافى بن زكريا النهرواني، وقد بيَّن العراقي في تعليقاته على المقدمة أن هذه المصادر ليست موضع اتفاق وهو الحق، كما يعلم ذلك من مراجعة "القاموس" و"لسان العرب" فلعل مراد هذا القائل أن ذلك هو الغالب والكثير في الاستعمال.
(1/32)

تعالى: {يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} 1 أنه جمع "أُمٍّ" وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم. قال: وهذا جهل أوجبه جهله بالتصريف؛ فإن أُمّ لا تجمع على إمام، وصدق الزمخشري رحمه الله، فهذا من بدع التفاسير حقا.
"الرابع" علم الاشتقاق؛ لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين اختلف المعنى باختلافهما، كالمسيح2: أهو من السياحة، أو المسح، فمن الأول يسمى المسيح مسيحا؛ لكثرة سياحته، وأما من الثاني: فلأنه كان لا يمسح على ذي عاهة إلا بَرَأَ بإذن الله تعالى ومثل ذلك أيضا النبي، أهو من النبأ بمعنى الخبر، فهو مخبر بكسر الباء عن الله، أو مخبر بفتح الباء منه أو هو من النبوة بمعنى الرفعة، وليس من شك في أن المعنى يتغير بتغير أصل الاشتقاق.
"الخامس، والسادس، والسابع": علوم المعاني، والبيان والبديع؛ لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعاني، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام، وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر؛ لأنه لا بد له من أن يعلم ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يدرك بهذه العلوم.
وقال السكاكي: أعلم أن شأن الإعجاز عجيب، يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، ولا طريق لتحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلا التمرن على علمى المعاني والبيان.
أقول: وتعلم البلاغة بالطريقة التي وضعها السكاكي وأمثاله ممن قَعَّدوا القواعد، وفلسفوها، لا تكون ملكة، ولا تربي ذوقا، وكثير ممن درس البلاغة على هذا النحو الجاف لا يستطيع أن يكتب صحيفة، أو يحبر مقالا رائقا مشرقًا، يأخذ بمجامع القلوب، ويستولي على النفوس، فضلا عن كتاب.
وإنما الذي يجدي في تكوين الملكة، وتربية الذوق البلاغي، وإرهاف الحس الأدبي، هو: مزاولة الجيد من القول، والبليغ من كلام العرب نثرا ونظما،
__________
1 الإسراء: 71.
2 فهو على الأول فعيل بمعنى فاعل، وعلى الثاني فعيل بمعنى مفعول.
(1/33)

والمقارنة والموازنة بين الأساليب وطرق البيان، وكثرة المدارسة والممارسة لكلام البلغاء والفصحاء، وهي طريقة الإمام عبد القاهر الجرجاني ومدرسته، وذلك كما صنع في كتابيه الجليلين: "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة"، حينئذ يتسهل على المفسر لكتاب الله إدراك ما فيه من فصيح الكلام، وبليغ المعاني وأسرار الإعجاز، وما أحسن ما قاله ابن أبي الحديد في هذا، قال: اعلم أن معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق والأرشق من الكلام أمر لا يدرك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة عليه، وهو بمنزلة جاريتين: إحداهما بيضاء مشربة بحمرة، دقيقة الشفتين، نقية الثغر، كحلاء العين، أسيلة الخد، دقيقة الأنف معتدلة القامة، والأخرى دونها في هذه الصفات والمحاسن، لكنها أحلى في العيون والقلوب منها، ولا يدرى سبب ذلك، ولكنه يعرف بالذوق والمشاهدة، ولا يمكن تعليله، وهكذا الكلام!! نعم يبقى الفرق بين الوصفين، إن حسن الوجوه، وملاحتها، وتفضيل بعضها على بعض يدركه كل من له عين صحيحة، وأما الكلام: فلا يدرك إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو، واللغة، والفقه، يكون من أهل الذوق، وممن صلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق هم الذين اشتغلوا بعلم البيان، وراضوا أنفسهم بالرسائل، والخطب، والكتابة والشعر، وصارت لهم بذلك دراية، وملكة تامة، فإلى هؤلاء ينبغي أن يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض.
وقال الزمخشري: من حق مفسر كتاب الله الباهر، وكلامه المعجز أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها، وما وقع به التحدى سليما من القادح.
أقول: والزمخشري: من خير إن لم يكن خير من له في إدراك إعجاز القرآن باع طويل، وخير من أفصح عن أسرار إعجاز القرآن الكريم بطريقة العرب الفصحاء البلغاء، لا بطريقة أهل الفلسفة والكلام.
"الثامن": علم القراءات؛ لأنه به يعرف كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض.
"التاسع": علم أصول الدين؛ ليعرف وهو يفسر القرآن ما يجب لله وما يستحيل عليه، وما يجوز له، وليعرف الفرق بين العقائد والشرائع، وما هو من أصول الدين، وما هو من فروعه.
(1/34)

"العاشر": علم أصول الفقه؛ لأن به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام، وطريقة استنباطها من النصوص.
"الحادي عشر": علم أسباب النزول، وعلم القصص والأخبار؛ لأن بمعرفة سبب النزول يعرف المعنى المراد من الآية، كما أنه يزيل الإشكال عن بعضها، ويبين بعض حكم الله في التشريع، وبعلم القصص يعلم ما هو من الإسرائيليات التي دست في الرواية الإسلامية، وما ليس منها وما هو حق، وما هو باطل.
"الثاني عشر": علم الناسخ والمنسوخ، وهو مهم للمفسر، وإلا وقع في خطأ كبير.
"الثالث عشر": علم الفقه؛ إذ به يعرف مذاهب الفقهاء، ومن احتج منهم بالآية ومن لم يحتج بها، وطريقة كل منهم في فهم الآية والأخذ بها، أو الإجابة عنها.
"الرابع عشر": علم الأحاديث والسنن والآثار المبينة؛ لتفصيل المجمل، وتوضيح المبهم، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، إلى غير ذلك من وجوه بيان السنة للقرآن.
"الخامس عشر": علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى من عمل بما علم، وإليه الإشارة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم" 1، قال ابن أبي الدنيا: وعلوم القرآن، وما يستنبط منه بحر لا ساحل له.
فهذه العلوم التي هي كالآلة للمفسر لا يكون مفسرًا إلا بتحصيلها فمن فسر القرآن بدونها كان مفسرا بالرأي المنهى عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرا بالرأي المنهي عنه، والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من النبي صلى الله عليه وسلم:
قال الإمام السيوطي: ولعلك تستشكل علم الموهبة، وتقول: هذا شيء ليس في قدرة الإنسان، وليس كما ظننت من الإشكال، والطريق إلى تحصيله: ارتكاب الأسباب الموجبة من العمل، والزهد.
قال الزركشي في البرهان: اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة، أو كبر، أو هوى، أو حب الدنيا، أو وهو مُصِرٌّ على ذنب، أو
__________
1 رواه أبو نعيم عن أنس.
(1/35)

غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حجب، وموانع بعضها آكد من بعض.
قال السيوطي: ويدل على هذا المعنى: قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} 1 قال سفيان بن عيينة: يقول: "أنزع عنهم فهم القرآن" أخرجه ابن أبي حاتم2.
أقول: وعلم الموهبة ثمرة من ثمرات التقوى، والتقوى لها معنيان: معنى نفسي وهو: خشية الله ومراقبته في السر والعلن، وهذا هو ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: "التقوى ههنا" ثلاثا، وأشار إلى صدره، رواه مسلم، ومعنى ظاهري، وهو الاستقامة على الدين، وذلك بامتثال المأمورات، واجتناب المنهيات، وقد تسمو بصاحبها، فتصل به إلى حد فعل النوافل والمستحبات أيضا، واتباع مكارم الأخلاق، وتوقي الشبهات، خشية الوقوع في المآثم والمحرمات، والتقوى بمعنييها لا بد منها لمن يتصدى لشرح كتاب الله، وفي هذا المعنى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} 3 أي معنى في القلب يفرق به بين الحق والباطل.
وليتمثل المفسر لكتاب الله أنه يفسر كلامًا لا ككلام الناس، وأنه قائم بين يدي الله الواحد، الأحد، الجبار، الكبير، المتعال، المنتقم وأن أي تقصير، أو تساهل فيه، يعتبر كذبا على الله، وافتراءًَ عليه.
وسلوا بطانات الملوك، والرؤساء، والأمراء، والوزراء ينبئوكم بأن الواحد منهم محسوب عليه كل كلمة، بل كل حرف ينطق به ومؤاخذ على كل ما يصدر منه مهما قَلَّ، وأن كلمة يقولها، ربما تطيح بعنقه، أو تقصيه عن منصبه، فما بالكم بمن يفسر كلام رب الأرباب وملك الملوك؟!! ويقول: مراد الله كذا، أو عني الله كذا؟!
وهذا هو السر في أن بعض كبار الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم كان يتحرج غاية
__________
1 الأعراف: 146.
2 الإتقان ج 2 ص 180- 182.
3 الأنفال: 29 والفرقان: مصدر كالرجحان والغفران.
(1/36)

التحرج، من القول في تفسير القرآن الكريم، مع ما كانوا عليه من العلم الغزير، والعقل المستنير، والقلب المستضيء.
علوم أخرى لا بد منها للمفسر:
وقد جاء الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، فزاد هو وتلميذه السيد محمد رشيد رضا بعض العلوم الأخرى كالعلم بتاريخ البشر، وعلم السيرة والعلوم الكونية، وقد زدت والله الحمد والمنة كما زاد غيري بعض العلوم وها أنذا أجمل ذلك فيما يأتي:
1- أن يكون عالما بالأحاديث: صحيحها، وحسنها، وضعيفها، ولئن عز ذلك في عصرنا هذا فليكن واقفا على ما قاله العلماء، وجمعه الأئمة فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم، وبيان فضائل آياته وسوره، ولو أن المفسرين جميعهم كانوا من حفاظ الحديث ونقاده المميزين لغثه من سمينه، وأئمته الذين جمعوا بين الرواية والدراية، لما وقع في كتب التفاسير كل هذا الدخيل، من الإسرائيليات والأحاديث الضعيفة والموضوعة، ولما عانى المسلمون ما يعانونه اليوم من الآثار السيئة، التى ترتبت على وجود هذه الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير.
2- أن يكون عالما بالسير، ولا سيما سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسير أصحابه النبلاء رضوان الله عليهم وعالما بالتواريخ، وأحوال الأمم الماضية، ولا سيما تاريخ الأنبياء السابقين، والملوك الغابرين؛ فإن ذلك يعين المفسر على إصابة وجه الحق والصواب.
[ففي القرآن كثير من الآيات لا يمكن تفسيرها إلا لعالم بالسير كالآيات المتعلقة ببدر وأحد والخندق والحديبية والفتح وتبوك، وكثير من الآيات المتعلقة بقصص الماضين وأولياء الله الصالحين والملوك الغابرين لا يمكن تفسيرها إلا بمعرفة التواريخ، وذلك كقصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين وقصة الخضر مع موسى عليه الصلاة والسلام] .
3- أن يكون على علم بعلم الاجتماع البشري، وعلم النفس؛ فإن هذين العلمين يعينان المفسر على فهم المراد من بعض الآيات، وتفسيرها تفسيرًا علميا صحيحا، والكشف عما فيها من أسرار اجتماعية، ونفسية، وقارئ التفسير اليوم تستهويه التفاسير المدعمة بالمباحث النفسية والاجتماعية.
وكيف يتأتى المفسر الذي يجهل قواعد هذين العلمين الصحيحة أن يفسر هذه الآيات.
(1/37)

وأمثالها، كقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 1، وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} 2، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} 3، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} 4 وقوله تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} 5 إلى نحو ذلك من الآيات:
4- أن يكون على علم بتاريخ الأديان السماوية السابقة، كاليهودية والنصرانية، وما دخلهما من تحريف وتبديل، حتى يستطيع أن يفسر قوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِه} 6، والمذاهب الدينية غير السماوية: كالبرهمية، والبوذية، والمزدكية، والمانوية ونحوها، وبذلك يستطيع المفسر أن يصل إلى الحق والصواب حينما يعرض للآيات التي جادلت أهل الكتاب، ولا سيما النصارى في عقيدتي التثليث والصلب والفداء، وكيف تأثروا في هاتين العقيدتين بالديانات والنحل القديمة وإلى ذلك أشار الله تبارك وتعالى في قوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} 7.
فإذا كان من يتعرض لتفسير كتاب الله على علم بهذه العلوم كلها ما ذكرها الإمام السيوطي وغيره، وما ذكرناه، فقد استأهل أن يفسر القرآن الكريم، وإلا فليرح نفسه، وليرحنا معه، ولا يخبط في كتاب الله خبط عشواء8.
__________
1 البقرة: 213
2 هود: 118، 119.
3 الرعد: 11.
4 آل عمران: 119.
5 محمد: 30
6 المائدة: 41.
7 التوبة: 30.
8 هذا الفصل وما يعقبه من بحوث من الأهمية بمكان، ولا بد من ذكرها قبل المقصود؛ لأنها تعين على معرفة الحق من الباطل، والإسرائيليات من غيرها، والموضوع من غيره، والمقبول من المردود.
(1/38)

ما يجوز الخوض في تفسيره وما لا يجوز:
من التفسير ما هو ظاهر واضح، يعلمه العالم باللسان العربي، ومنه ما لا يعذر أحد بجهالته، ومنه ما لا يجوز التكلم فيه إلا للعلماء الراسخين في العلم، ومنه ما لا يجوز الاشتغال به؛ لأنه مما استأثر الله بعلمه، فلا يخرج منه الباحث بطائل.
وقد أُثِرت عن الصحابي الجليل حبر القرآن ابن عباس رضي الله عنهما مقالة في هذا يستحسن أن نذكرها، فقد أخرج ابن جرير وغيره من طرق، عن ابن عباس، قال: "التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعرفه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى" ثم رواه مرفوعا1 بسند ضعيف، بلفظ: "أُنزِلَ القرآن على أربعة أحرف أي أوجه: حلال، وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير العرب وتفسير تفسيره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب، وفي إسناده محمد بن السائب الكلبي، وهو متَّهم بالكذب2 وقد وضح لنا كلمة ابن عباس، وشرحها الإمام الزركشي في البرهان فقال:
هذا تقسيم صحيح، فأما الذي تعرفه العرب فهو: الذي يُرجَعُ فيه إلى لسانهم، وكذلك: اللغة والإعراب فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها، ولا يلزم ذلك القارئ، ثم إن كان ما يتضمنه ألفاظها يوجب العمل دون العلم، كفى فيه خبر الواحد والاثنين، والاستشهاد بالبيت والبيتين، وإن كان يوجب العلم لم يُكتفَ بذلك، بل لا بد أن يستفيض ذلك اللفظ، وتكثر شواهده من الشعر، وأما الإعراب: فما كان اختلافه محيلا للمعنى: وجب على المفسر والقارئ تعلمه؛ ليتوصل المفسر إلى معرفة الحكم، ويسلم القارئ من اللحن، وإن لم يكن محيلا للمعنى: وجب تعلمه على القارئ؛ ليسلم من اللحن، ولا يجب على المفسر لوصوله إلى المقصود بدونه3.
وأما ما لا يعذر أحد بجهله: فهو ما تتبادر النصوص إلى معرفة معناه من النصوص.
__________
1 المرفوع: ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي.
2 تفسير ابن كثير والبغوي ج1 ص 15 ط المنار.
3 مثال ذلك قول الله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فسواء أعرب لفظ السماء مبتدأ أو جعل فاعلا لفعل محذوف، فالمعنى لا يختلف لكن الرفع لازم للقارئ، ولو قرأ بالنصب يعتبر لاحنا.
(1/39)

المتضمنة شرائع الأحكام، ودلائل التوحيد، وكل لفظ أفاد معنى واحدا جليا يعلم أنه مراد الله تعالى: فهذا التقسيم لا يلتبس تأويله؛ إذ كل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} 1، وأنه لا شريك له في الإلهية، وإن لم يعلم أن "لا" موضوعة في اللغة للنفي و"إلا" للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر، ويعلم كل أحد بالضرورة أن مقتضى قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ونحوه، طلب إيجاب المأمور به، وإن لم يعلم أن صيغة "افعل" للوجوب فما كان من هذا القسم لا يعذر أحد يدعى الجهل بمعاني ألفاظه؛ لأنها معلومة لكل أحد بالضرورة. وأما ما لا يعلمه إلا الله تعالى: فهو ما يجري مجرى الغيوب، نحو الآي المتضمنة لقيام الساعة، وتفسير الروح، والحروف المقطعة في أوائل السور،2 وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق، فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف بنص من القرآن أو الحديث، أو إجماع الأمة، على تأويله.
وأما ما يعلمه العلماء ويرجع إلى اجتهادهم، فهو: الذي يغلب عليه إطلاق التأويل، وذلك استنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدًا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعليهم اعتماد الشواهد والدلائل دون مجرد الرأي؛ فإن كان أحد المعنيين أظهر، وجب الحمل عليه، إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي، وإن استويا والاستعمال فيهما حقيقة لكن في أحدهما حقيقة لغوية أو عرفية، وفي الآخر شرعية: فالحمل على الشرعية أولى3؛ إلا إن دل دليل على إرادة الحقيقة اللغوية، كما في قوله: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} 4 ولو كان في أحدهما حقيقة عرفية، وفي الآخر لغوية، فالحمل على العرفية أولى5، وإن اتفقا في ذلك أيضا: فإن تنافى اجتماعهما، ولم يمكن إرادتهما باللفظ
__________
1 محمد: 19.
2 مثل: الم، والمص، وحم، وطس.
3 وذلك مثل لفظ الصلاة، والزكاة؛ فإن الصلاة معناها في اللغة الدعاء، والزكاة معناها النماء والطهارة لكن لهما معنى شرعي، وهو في الصلاة: الأقوال والأفعال المبتدأة بالتكبير المختتمة بالتسليم، والزكاة: إخراج جزء من المال بشروطه لفقير وغيره من مصارف الزكاة، فالكلمتان عند الإطلاق تنصرفان إلى المعنى الشرعي.
4 أي ادع لهم وهم الذين يأتون بزكاة أموالهم؛ تطييبا لقلوبهم، وشرحًا لصدورهم.
5 وذلك مثل لفظ المسجد، فإن معنى لغويا وهو مكان السجود، ومعنى عرفيا وهو المكان المعد للعبادة؛ فلفظ مسجد ينصرف عند الإطلاق إلى الحقيقة العرفية.
(1/40)

الواحد، كالقرء للحيض، والطهر، اجتهد في المراد منهما بالأمارات الدالة عليه، فما ظنه فهو مراد الله تعالى في حقه، وإن لم يظهر له شيء: فهل يتخير في الحمل على أيهما شاء. ويأخذ بالأغلظ حكما، أو بالأخف؟ أقوال؛ وإن لم يتنافيا وجب الحمل عليهما عند المحققين، ويكون ذلك أبلغ في الإعجاز، والفصاحة، إلا إن دل دليل على إرادة أحدهما1. وقال ابن النقيب: اعلم أن علوم القرآن ثلاثة أقسام:
"الأول": علم لم يُطلِع الله عليه أحدا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته، وغيوبه التي لا يعلمها إلا هو، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه بوجه من الوجوه إجماعا.
"الثاني": ما أطْلَعَ الله عليه نبيه من أسرار الكتاب، واختصه به وهذا لا يجوز الكلام فيه إلا له صلى الله عليه وسلم، أو لمن أذن له، وأوائل السور من هذا القسم، وقيل: من القسم الأول.
"الثالث": علوم علمها الله نبيه، مما أودع في كتابه من المعاني الجلية والخفية، وأمر بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين:
1 منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع، وهو أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ والقراءات واللغات، وقصص الأمم الماضية وأخبار ما هو كائن من الحوادث، وأمور الحشر، والمعاد.
2 ومنه ما يؤخذ بطريق النظر، والاستدلال، والاستخراج من الألفاظ وهو قسمان:
1 قسم اختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهة في الصفات2.
__________
1 الإتقان ج 2، ص 182.
2 الآيات المتشابهة مثل: "الرحمن على العرش استوى"، "وجاء ربك"، "ويبقى وجه ربك"، "يد الله فوق أيديهم". والعلماء في هذا على فريقين: السلف وهؤلاء يؤمنون بالآيات المتشابهة كما وردت من غير تأويل ولا تشبيه، ولا تكييف مع اعتقاد تنزيه الله عن ظواهرها المعروفة لنا، والخلف: هؤلاء أولوا هذه الآيات على حسب المعروف من اللغة، وقواعد الشرع، والعقل، والأول هو الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، والتابعون والسلف. وقد قالوا: إن مذهب السلف أحكم، ومذهب الخلف أسلم، فلنكن على ما كان عليه السلف رضوان الله عليهم.
(1/41)

2- وقسم اتفقوا عليه وهو: استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية1 لأن مبناها على الأقيسة، وكذلك فنون البلاغة، وضروب المواعظ والحكم والإشارات لا يمتنع2 استنباطها منه، واستخراجها لمن له أهلية.
وروي عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو خبر عن أحد من أصحابه، أو إجماع العلماء، ومن هذه النصوص الجيدة التي تدل على العمق في البحث، والأصالة في الرأي، والدقة في التفكير نعلم أن من القرآن ما لا يجوز الخوض فيه قط، وأن منه ما الأولى عدم الخوض فيه؛ لأنه لا يؤدي إلى أمر تَرْكَن إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، وأن هذا وذاك لم يرد فيه عن المعصوم صلى الله عليه وسلم روايات صحيحة ثابتة، وإنما الكثرة الكاثرة منها روايات ضعيفة أو واهية أو مكذوبة مختلقة.3.
وما ورد فيهما عن الصحابة والتابعين فمعظمه لم يصح عنهم؛ لأنهم ما كانوا يخوضون في مثل هذا والكثير منه من قبيل الإسرائيليات والأخبار الباطلة التي تلقوها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، واتخذت في ظاهر الأمر شكل الرواية الإسلامية، وما هي منها في شيء.
__________
1 أي استنباط وأخذ القواعد النحوية؛ فإن القرآن الكريم هو أوثق المصادر التي يعتمد عليها في إثبات اللغة، وقواعد النحو.
2 التعبير بـ "لا يمتنع" غير دقيق؛ فإن القرآن هو أصل الفصاحة والبلاغة، والبيان المعجز، وهو المصدر الأول الذي تعرفه منه فنون البلاغة، والفصاحة، والأساليب الفحلة الجزلة: {نزل به الروح الأمين، على قلبك لتكون من المنذرين، بلسان عربي مبين} .
3 الإتقان ج 2، ص 182، 183.
(1/42)

أقسام التفسير
التفسير بالمأثور
مدخل
...
أقسام التفسير:
التفسير المعتدُّ به عند جمهور العلماء سلفا وخلفا ينقسم إلى قسمين الأول: التفسير بالمأثور.
الثاني: التفسير بالرأي السديد، والاجتهاد الصحيح المبني على العلوم والمعارف التي سقناها آنفا.
وكتب التفسير بالمأثور منها ما هو خالص فيه، ومنها ما فيه زيادة توجيه الأقوال والآراء، والتفسير بالرأي والاجتهاد لا ينفك عن المأثور في الجملة أيا كانت ألوانه، واتجاهاته.
ولم نقف على تفسير بالاجتهاد خلا عن المأثور قط.
ولذلك: رأيت التعريف بكلا القسمين: وأشهر الكتب المؤلفة فيهما، حتى يكون القارئ لهذا الكتاب على بينة من كتب هذا العلم. التي سنعرض لبيان ما فيها من موضوع، وإسرائيليات، فأقول وبالله التوفيق:
1- التفسير بالمأثور:
المأثور1: اسم مفعول من أثرت الحديث أثرًا "من باب قتل": نقلته، والأَثَر بفتحتين: اسم منه، وحديث مأثور أي منقول.
فالتفسير بالمأثور أي بالمنقول، سواء أكان متواترًا أم غير متواتر.
وعلى هذا: يشمل المنقول عن الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم والمنقول عن
__________
1 المصباح المنير مادة أثر.
(1/43)

النبي صلى الله عليه وسلم والمنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم والمنقول عن التابعين رحمهم الله، وعلى هذه الأنواع الأربعة يدور التفسير بالمأثور.
(1/44)

أ- تفسير القرآن بالقرآن:
هو تفسير بعض آيات القرآن بما ورد في القرآن نفسه؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضا. فما أجمل في مكان قد فُسِّر وبُيِّن في مكان آخر، وما أوجز في موضع قد بسط وبين في مكان آخر، ولذلك أمثلة.
أمثلة من تفسير القرآن بالقرآن:
قوله تعالى في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين} .
فقد فسر المنعم عليهم بقوله سبحانه: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} 1.
وقوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم} 2 فقد فسرت الكلمات في آية أخرى، قال تعالى: {قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 3 وقد روي هذا عن كثير من التابعين4.
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد} 5.
فقد فسر قوله: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم} بقوله بعد: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ
__________
1 النساء: 69.
2 البقرة: 37.
3 الأعراف: 23.
4 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 146، 147.
5 المائدة: 1.
(1/44)

وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِْ} 1.
وقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَة} فقد فسر بما يعده: {فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} 2.
وقوله تعالى: {إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا} ، فقد فسر بما بعده: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} 3 إلى غير ذلك.
__________
1 المائدة: 3
2 الواقعة: 7-11.
3 المعارج: 9-21
(1/45)

ب- تفسير القرآن بالسنة:
فإن لم يوجد تفسير للقرآن في القرآن، فليبحث عما ثبت وصح في السنة، والأحاديث؛ فإنها شارحة للقرآن، ومبينة له، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} 1، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة} 2.
وعن المقدام بن معد يكرب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إنني أوتيت الكتاب ومثله معه 3؛ ألا يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته 4 يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه؛ ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا أكل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلَّا أن يستغنى عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فعليه أن يعقبهم 5 بمثل قراه". رواه أبو داود في سننه.
قال الإمام الخطابي رحمه الله: قوله: "أوتيت الكتاب ومثله معه"،
__________
1 النحل: 44
2 الجمعة: 2
3 هي السنن والأحاديث.
4 المراد أنه من أهل الترفه والدعة الذين لزموا البيوت ولم يطلبوا العلم من مظانه.
5 روي مشددا، ومخففا من المعاقبة أي يأخذ من أموالهم بقدر الضرورة، وهو يدل على منزلة التكافل الاجتماعي في الإسلام.
(1/45)

وجهين: أحدهما: أن معناه: أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من الظاهر المتلو.
والثاني: أنه أوتي الكتاب وحيا يُتلَى، وأوتى من البيان مثله، أي أذن له أن يبين ما في الكتاب، فيعمم ويخص، ويزيد عليه، ويشرح ما في الكتاب، فيكون في وجوب العمل به، ولزوم قبوله كالظاهر المتلوّ من القرآن.
وقوله: "يوشك رجل...." يحذر بهذا القول من مخالفة السنن التي سنها مما ليس له في القرآن ذكر، على ما ذهبت إليه الخوارج والروافض؛ فإنهم تمثلوا بظاهر القرآن، وتركوا السنن التي قد ضمنت بيان الكتاب، فتحيروا، وضلوا1.
وفي حديث معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: "بم تحكم"؟ قال: بكتاب الله قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأي ولا آلو. أي لا أقصر، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
قال ابن كثير في تفسيره2: وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد.
وروى ابن المبارك عن الصحابي الجليل: عمران بن حصين أنه قال لرجل سأله عن أشياء وطلب منه أن يجيبه بالقرآن: "إنك رجل أحمق، أتجد الظهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة، ثم عدد عليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجده في كتاب الله مفسرًا؟! إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنة تفسر هذا، وقال مكحول: القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن، وقال الإمام أحمد بن حنبل: "إن السنة تفسر الكتاب وتبينه"3.
وهذا النوع من التفسير المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الطراز المعلم، ويجب الاعتماد في هذا النوع على الأحاديث الصحاح، والحسان، وتجنب الأحاديث الضعيفة والموضوعة،
__________
1 تفسير القرطبي ج 1 ص 38.
2 تفسير ابن كثير والبغوي جـ1 ص 6، وقد اختلف العلماء في هذا الحديث؛ فمنهم من صححه ومنهم من حسنه ومنهم من ضعفه وممن صححه ابن القيم في إعلام الموقعين.
3 أعلام المحدثين ص 9.
(1/46)

فقد اختُلِقَ على النبي في تفسير القرآن كما اختُلِقَ عليه في غيره.
وقد قال الزركشي في البرهان: إنه قد صح من ذلك كثير.
ورد عليه السيوطي في الإتقان، فقال: "الذي صح من ذلك قليل جدا، بل أصل المرفوع في غاية القلة، وسأسردها في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى"1.
والحق: أني لا أوافق السيوطي على مقالته؛ وهي أنَّ ما صح في التفسير عن النبي قليل جدا، ولعل مراده القلة النسبية، أي بالنسبة إلى ما ورد عن الصحابة والتابعين، وإلا فقد ذكر الإمام البخاري في صحيحه في ذلك كتابا كبيرا، وهو: "كتاب التفسير"، استغرق نحو جزء من ثلاثة عشر جزءا من تجزئة الإمام الحافظ ابن حجر في شرحه: "فتح الباري".
وليس أدل على ما ذهبت إليه مما ذكره الحافظ بعد ما فرغ من شرح: "كتاب التفسير"، قال: خاتمة: اشتمل كتاب التفسير على خمسمائة حديث، وثمانية وأربعين حديثا، من الأحاديث المرفوعة، وما في حكمها، الموصول من ذلك أربعمائة حديث، وخمسة وستون حديثا، والبقية معلق2، وما في معناه، المكرر من ذلك فيه، وفيما مضى أربعمائة وثمانية وأربعون حديثا، والخاص منها يعني من غير تكرار مائة حديث وحديث، وافَقَه مسلم على تخريج بعضها، ولم يخرج أكثرها؛ لكونها ليست ظاهرة الرفع، والكثير منها من تفاسير ابن عباس رضي الله عنهما وهي ستة وستون حديثًا، وفيه من الآثار3 عن الصحابة فمن بعدهم خمسمائة وثمانون أثرا...."4 وهذا يدل على أن ما صح في التفسير المرفوع غير قليل.
السبب في أن الصحابة لم ينقلوا عن النبي كل التفسير:
وليس من شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن القرآن كله للصحابة، ولا سيما ما أشكل
__________
1 الإتقان: ج 2 ص 178، 179.
2 المعلق في اصطلاح المحدثين: ما حذف من مبتدأ إسناده راوٍ أو أكثر، والمراد بأول السند من جهة الإمام الراوي وذلك مثل قول البخاري: وقال مجاهد كذا، وقال ابن عباس كذا.
3 أي الموقوفة على الصحابة.
4 فتح الباري جـ 8 ص 604، 605.
(1/47)

عليهم أو خفى عليهم المراد منه، ولكن لم ينقل إلينا عنه صلى الله عليه وسلم كل ما يتعلق بآيات القرآن؛ ولعل السبب في هذا: أنهم كانوا لفهمهم الكثير من آيات بمقتضى فطرتهم اللغوية، وعلمهم بالشريعة، رأوا ألا حاجة لنقل كل ما يتعلق بتفسير القرآن؛ ظنا منهم أن من يأتي بعدهم فهو مثلهم، أو يدانيهم وأيضًا فاشتغالهم بالجهاد، والفتوحات، ونشر الإسلام لم يدع لهم وقتا للتفرغ للعلم والرواية.
السبب في أن ما نقل عن النبي في التفسير أقل مما نقل في الأحكام:
وقد كان من حكمة الله البالغة: أن ما نقل عن النبي في تفسير القرآن ولا سيما فيما يتعلق بنشأة الكون، وأسرار الوجود، والآيات الكونية والنفسية أقل مما نقل في الأحكام؛ وذلك لأن الأحكام الشرعية ثابتة دائمة، لا تتغير بتغير الأزمان والعصور، أما الآيات الكونية والآفاقية والنفسية فهي مجال للنظر، والتفكر، والتدبر، ويختلف تناولها والاستفادة منها بتغير العقول، والفهوم، وتتطور بتطور الأزمان والأجيال، وهي عرضة للتقدم العلمي، فمن ثم كان موقف القرآن منها موقف الداعي إلى التفكر والتدبر، والملاحظة والتجربة والاستفادة بما أودعه الله فيها من أسرار، وخصائص، وسنن؛ وبذلك فتح القرآن للعقول أبواب التقدم العلمي على مصراعيها، حتى بلغ هذا التقدم إلى ما ترى وقد صيغت هذه الآيات الكونية والنفسية صياغة في غاية المرونة1، فمن ثم صلحت لكل زمان ومكان، وكان ذلك سرًّا من أسرار إعجاز القرآن الكريم.
وكذلك كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآيات الكونية؛ الحث على البحث فيها، والتفكر، والتدبر، والتنبيه إلى فوائدها دون الإخبار عن حقائقها وأسبابها، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في التفصيل في الآيات الكونية -كالسماوات، وجوهرها ومم خُلقت ومقدار ما بين كل سماء والأخرى- إلا شيء قليل جدا، وأغلب ما ورد في ذلك لم يصح، ولم يثبت عنه.
__________
1 في القاموس المحيط "مرن مرانة، ومرونة: لان في صلابة...." وهذا ما أردته من مرونة الألفاظ القرآنية.
(1/48)

ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن الهلال: لم يبدو دقيقا، ثم يزيد، حتى يمتلئ نورا؛ أي يصير بدرا، ثم يعود دقيقا كما كان1 نزل القرآن منبها إلى الفائدة دون الإجابة عن الحقيقة العلمية مع أنها محطُّ السؤال قال عز من قائل: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} 2، والله سبحانه وتعالى وهو خالق الكون؛ علويّه وسفليّه، ومدبره، والعليم بكل أسراره كان يعلم الحقيقة العلمية ولا ريب، وكان من الممكن اليسير أن يعلمها لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ ليجيب بها، أو لعله أعلمه بها، ولكن جاء القرآن على هذا الأسلوب الحكيم بالتنبيه إلى الفائدة والغاية من هذا رحمة بالناس، ورفقا بعقولهم فليست كل العقول كانت متهيئة في هذا الزمن البعيد لتقبل الحقيقة العلمية، وقد يكون لبعضهم فتنة، فمن ثم ترك ذلك إلى العقول؛ لتصل إلى الحقيقة بعلمها وجدها، وبحثها، والعالم في تقدمه مدين لهذا المنهج القرآني، فهو الذي فتح للبشرية آفاق العلم، والمعرفة، وقد كان صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم، واستعداداتهم، وله في ذلك السياسة الحكيمة، والتوجيهات الرشيدة، وفي الأثر الصحيح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". رواه مسلم في مقدمة الصحيح وروى البخاري في صحيحه تعليقا عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟! ".
حديث منكر غريب:
ومهما يكن من شيء فقد فسَّر النبي صلى الله عليه للصحابة جلَّ القرآن، إن لم يكن كله، وأما الحديث الذي رواه ابن جرير الطبري بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفسر شيئا من القرآن إلا آيًا بعدد، علمهن إياه جبريل عليه السلام" فإنه حديث منكر غريب؛ لأن جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قال فيه البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث3.
وقد تكلم عليه الإمام ابن جرير بما حاصله: أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف.
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي جـ1 ص 430.
2 البقرة: 189.
3 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 15.
(1/49)

عن الله تعالى مما أوقفه عليها جبريل، وهذا التأويل مقبول لو صح الحديث، ولكنه لم يصح.
أمثلة لتفسير القرآن بالسنة:
من ذلك: تفسير المغضوب عليهم: باليهود، والضالين: بالنصارى، في سورة الفاتحة، أخرج أحمد، والترمذي، وحسنه وابن حبان في صحيحه، عن عدي بن حاتم: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المغضوب عليهم هم: اليهود، وإن الضالين هم: النصاري" ويؤيد هذا التفسير، قوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} 1 فإن المراد بهم: اليهود2، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} 3 وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود عنوانا على كل من فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، والنصارى: عنوانا على الذين فقدوا العلم، والوصول إلى الحق، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق.
ومن ذلك تفسير الظلم في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} 4 روى أحمد والشيخان وغيرهم عن ابن مسعود، قال: "لما نزلت هذه الآية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على الصحابة، فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} 5، إنما هو الشرك".
ومن ذلك: تفسير القوة بالرمي، في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّه
__________
1 المائدة: 60.
2 تفسير: ابن كثير والبغوي جـ 3 ص 187.
3 المائدة: 77.
4 الأنعام: 82.
5 لقمان: 13 والمراد بالعبد الصالح لقمان.
(1/50)

يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} 1.
روى مسلم وغيره عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة؛ ألا وإن القوة الرمي؛ ألا وإن القوة الرمي؛ ألا وإن القوة الرمي".
وقد جاءت الكلمة القرآنية معجزة، فإن المراد بالقوة أسبابها، وهي كل ما يكون به القوة، ولما كانت أسباب القوة وهي أسلحة الحرب، وآلات القتال تختلف باختلاف العصور، جاءت الكلمة على هذه المرونة الفائقة، التي جعلتها صالحة لكل زمان ومكان.
وكذلك جاء المفسِّر معجزا كالمفسَّر "بفتح السين المشددة"، فهما من مشكاة واحدة، فالرمي: كلمة مرنة صالحة لتطور الأسلحة بتقدم الزمان، فإن كلمة الرمي: يدخل فيها الرمي بالقوس، والنبال، والرمي بالحراب، والرمي بالمجنيق، ويدخل فيها أيضا: كل ما استحدث فيما بعد، كالرمي بالمدفع، والقنابل الذرية، والهيدروجينية والصواريخ ونحوها، ومن ذلك تفسير الحساب اليسير: بالعرض، أخرج الشيخان وغيرهما، عن عائشة، قالت قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نوقش الحساب عذب"، قلت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} 2 قال: "ليس ذاك الحساب؛ وإنما ذاك العرض"، وهذا لفظ مسلم.
والعَرْض "بفتح العين وسكون الراء" أي عرض أعمال المؤمن عليه، حتى يعرف منَّة الله تعالى عليه في سترها عن الناس في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة.
ومن ذلك تفسير الكوثر في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} أخرج أحمد ومسلم عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الكوثر: نهر أعطانيه ربي في الجنة" قال السيوطي: له طرق لا تحصى3. وفي الصحيحين عن أنس قال: "لما عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء قال: "أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر".
__________
1 الأنفال: 60
2 الانشقاق: 8
3 الإتقان في علوم القرآن جـ2 ص 191- 204.
(1/51)

جـ- تفسير الصحابة:
فإن لم نجد في القرآن، ولا في السنة والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، رجعنا في ذلك إلى ما صح وثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ فإنهم أدرى منا بتفسير القرآن الكريم؛ فقد بين لهم النبي معاني القرآن، وشرح لهم مجمله، وأزال مشكله، وأيضا: هم أعلم بتفسيره منا؛ لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي أحاطت بنزول القرآن الكريم، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، والقلب المستضيء، والعقل الذكي، ولا سيما كبراؤهم، وعلماؤهم كالخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وأمثالهم.
ولعلك على ذكر مما رواه أبو عبد الرحمن السلمي، التابعي الجليل عن كبار حفاظ القرآن، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا نزل عليهم عشر آيات لم يتجاوزوها، حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن، والعلم، والعمل جميعا.
وروي عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود أنه قال: "من كان منكم متأسيا، فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم".
وروى الإمام أحمد والبيهقي عن الشافعي رحمه الله: أنه ذكر الصحابة في رسالته القديمة، وأثنى عليهم بها هم أهله، ثم قال: "وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع، وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به حكم، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا"1.
وقد روي عن الصحابة في التفسير كثير جدا، وفيه الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر، والموضوع، وما هو من الإسرائيليات ونحوها، وقد عني أئمة
__________
1 علوم الحديث لابن الصلاح ص 263.
(1/52)

الحديث وجهابذته1 بنقد ما روي، وتمييز المقبول من المردود، والغث من السمين، ولكنها مفرقة مبثوثة في كتب كثيرة، وهي تحتاج إلى جهد جهيد في الوصول إليها، وإلى صبر وأناة في تتبعها، والانتفاع بها.
أقوال الصحابة في التفسير:
وقد اختلف العلماء في أقوال الصحابة في التفسير: أهي لها حكم الرفع، أم هي موقوفة عليهم؟، فمنهم من قال: إن تفسير الصحابي له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال ذلك الحاكم: في "المستدرك"2.
وقال أبو الخطاب من كبار علماء الحنابلة: يحتمل ألا يرجع إليه، إذا قلنا: إن قوله ليس بحجة؛ قال: والصواب الأول؛ لأنه من باب الرواية لا الرأي.
وما قاله الحاكم وغيره نازعه فيه الإمام ابن الصلاح وغيره، من المحققين المتأخرين، وقالوا: إن ذلك مخصص بما فيه سبب نزول أو نحوه، مما لا دخل للرأي فيه، وأما ما يتعلق باللغة والأحكام الاجتهادية، فليس من قبيل المرفوع3.
وقد صرح الحاكم نفسه بذلك في كتابه: "علوم الحديث" فقال: ومن الموقوفات: تفسير الصحابة، وأما من يقول: إن تفسير الصحابة مسند أي مرفوع، فإنما يقوله فيما فيه سبب نزول، فقد خصص هنا وعمم في المستدرك، فلعل هذا ما أراده في المستدرك أو رجع عنه إلى هذا.
والمحققون من العلماء كالحافظ الكبير ابن حجر: على أن أقوال الصحابة في التفسير لها حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشرطين:
__________
1 جمع جهبذ بكسر الجيم والباء: النقاد الخبير العالم.
2 كتاب قصد بتأليفه استدراك الأحاديث الصحيحة التي فاتت الشيخين: البخاري ومسلم، وهي على شرطهما، أو على شرط أحدهما، وزاد قسما ثانيا: وهو: ما أداه اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرطها ولم يسلم له كل ما قال.
3 علوم الحديث بشرح العراقي ص 53.
(1/53)

الأول: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه، كأسباب النزول، وأحوال القيامة، واليوم الآخر ونحوها.
الثاني: ألا يكون الصحابي معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أي غير معروف برواية الإسرائيليات1.
لأن من عادة الصحابة وأخلاقهم: ألا يتكلموا فيما لا مجال للرأي فيه إلا بسماع وتوقيف، ولا يتهجموا على ذلك من عند أنفسهم؛ والسماع إما من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من بعض أهل الكتاب الذين أسلموا فإذا انتفى الثاني، فقد تعين الأول.
وهذا الشرط الثاني يدل على بعد نظر أئمة الحديث ونقاده، وأنهم لم تجز عليهم هذه الإسرائيليات التي رويت عن بعض الصحابة فقد علموا كذبها، وعلموا أنها دخيلة على الرواية الإسلامية.
وقد كان كثير من التابعين يتحاشون الرواية، عن بعض الصحابة الذين عرفوا بالأخذ عن أهل الكتاب، وليس أدل على ذلك من أن عبد الله بن عمرو بن العاص قد شهد له أبو هريرة بأنه كان أكثر حديثا منه؛ لأنه كان قارئا كاتبا، رواه البخاري في صحيحه، ومع هذا: فقد جاءت مروياته أقل من مرويات أبي هريرة؛ لأنه كانت وقعت له كتب من كتب أهل الكتاب في موقعة اليرموك، تبلغ حمل بعيرين، فكان يحدث ببعض ما فيها، فمن ثم تحاشى بعض الرواة الرواية عنه، فكان هذا سبب من أسباب قلة مروياته عن أبي هريرة رضي الله عنه2.
أمثلة من تفسير الصحابة:
من ذلك: ما روي عن سلمة بن الأكوع في تفسير قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها3 فنسختها"4.
__________
1 نزهة النظر شح نخبة الفكر ص 43 ط الاستقامة.
2 فتح الباري جـ1 ص 167.
3 يريد قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه} .
4 صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة. باب: فمن شهد منكم الشهر فليصمه.
(1/54)

وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس: أنها ليست بمنسوخة، وأنها في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فعليهما أن يطعما مكان كل يوم مسكينا1.
وهذا: إنما يتأتى على من يفسر الإطاقة: بأنها تحمل الشيء بتكلف وجهد، ويشهد له: قراءة "يُطَوَّقُونَه" بضم الياء، وفتح الطاء، وفتح الواو المشددة، وأما قراءة العامة من القراءة المشهورة فتشهد للرأي الأول، وهذا إلى جانب كونه مثالا لتفسير الصحابي، لون من ألوان اختلاف الصحابة في التفسير.
ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ} 2، قال: كانت السماوات رتقًا لا تمطر وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق الله هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع السائل له إلى ابن عمر رضي الله عنهما، فأخبره بما قاله ابن عباس، فقال ابن عمر: كنت أقول: ما تعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علما". أخرجه أبو نعيم في الحلية، وذكره السيوطي في الإتقان3.
ومن ذلك ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها لما سألها ابن أختها عروة بن الزبير عن قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} فقالت: يابن أختي: هذه اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن ذلك، إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا لهن أعلى سنتهن، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن"4.
ومن ذلك: ما روي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} .
__________
1 المرجع السابق باب قوله تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَات....} الآية.
2 الأنبياء: 30.
3 جـ 3 ص 187,.
4 صحيح البخاري كتاب التفسير سورة النساء باب: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} .
(1/55)

روى البخاري في صحيحه، بسنده من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر،
فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال، لم تدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم1، فدعاهم ذات يوم، فأدخلني معهم، فما رؤيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذا نصرنا، وفتح علينا، وسكت، فلم يقل شيئا فقال لي: أكذاك تقول يابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أَجَل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له، قال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} ، وذلك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} ، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول2.
ومن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه" قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن الناس يزعمون أنه نهر في الجنة، قال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه". ولا منافاة بين هذا التفسير وما صح عن النبي من أنه الكوثر؛ لأن الكوثر من هذا الخير الكثير، ويدخل في هذا الخير الكثير النبوة والرسالة والقرآن والسنة.
تفاسير التابعين:
وأما أقوال التابعين3 في التفسير: ففيها خلاف بين العلماء؛ فبعضهم عدها من المأثور؛ لأن الغالب أنهم تلقوها عن الصحابة رضوان الله عليهم.
وبعضهم: عدها من التأويل والتفسير بالرأي والاجتهاد؛ لكثرة اختلافهم أكثر من الصحابة، قال الزركشي في البرهان: وفي الرجوع إلى قول التابعي روايتان4 عن أحمد، واختار ابن عقيل المنع، وحكوا عن شعبة بن الحجاج أنه قال: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير، لكن عمل المفسرين على خلافه، فقد
__________
1 يعني قرابته من رسول الله وذكاءه، وفطنته.
2 صحيح البخاري كتاب التفسير سورة النصر، باب قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} .
3 التابعي: هو من لقي الصحابي وهو مؤمن سواء سمع منه أم لا، سواء طال لقيه به أم لا.
4 الإتقان: جـ 2 ص 179.
(1/56)

حكوا في كتبهم أقوالهم؛ لأن غالبها تلقوها عن الصحابة.
والتحقيق: أنهم إن أجمعوا على شيء فلا يرتاب في كونه حجة ويكون تلقوه عن الصحابة، أما إذا اختلفوا: فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض، وعلى من بعدهم، وحينئذ للمفسر للقرآن أن يرجع إلى الطرق والوسائل، التى يستفاد منها التفسير الصحيح1.
وقد رويت عن التابعين في التفسير روايات كثيرة لا يحصيها العد، ولا سيما تلاميذ ابن عباس: مجاهد بن جبر، سعيد بن جبير، وعكرمة مولاه، وعطاء وغيرهم، وقد ذكر منها ابن جرير في تفسيره كثرة كاثرة، والسيوطي في "الدر المنثور"، والبغوي وابن كثير وغيرهم، وسنعرض إن شاء الله فيما يأتي لبيان القيمة العلمية لتفاسير التابعين.
__________
1 مقدمة في أصول التفسير ص: 50.
(1/57)

المفسرون من الصحابة
مدخل
...
المفسرون من الصحابة:
اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين؛ أما الخلفاء الأربعة فإن أكثر من روى عنه منهم في التفسير علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لتخليه عن مهام الخلافة طيلة مدة الخلفاء الثلاثة، ولتأخر وفاته عنهم.
وأما الخلفاء الثلاثة الأول فالرواية عنهم في التفسير قليلة جدا1؛ وذلك بسبب تقدم وفاتهم ولانشغالهم بمهام الخلافة فالصديق: كان شاغله الأكبر القضاء على الفتنة، فلما قضى عليها شرع في نشر الإسلام في الشام والعراق، فلم يكن عنده متسع للرواية، وأما الفاروق عمر رضي الله عنه فكان شاغله الأكبر الفتوحات الإسلامية، واستكمال بناء الدولة، وإن كانت الرواية عنه أكثر من الرواية عن سلفه العظيم.
وذو النورين: عثمان رضي الله تعالى عنه شعل بإتمام الفتوحات، وبالفتنة الكبرى في عهده التي انتهت بقتله، وإن كانت الرواية عنه أكثر من الرواية عن الشيخين، فقد
__________
1 قال السيوطي: لا أحفظ عن أبي بكر رضي الله عنه في التفسير إلا آثارا قليلة جدًّا.
(1/57)

كان متفرغا طيلة عهدهما، والمكثرون من هؤلاء هم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عباس وإليك كلمة موجزة عن كل منهم.
(1/58)

1- علي بن أبي طالب:
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
هو: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها، وقد كانت نشأته في بيت النبوة من الأسباب المهمة في كثرة ما حمل من علم، وما اشتهر به من فقاهة، هذا إلى ما وهبه الله من فطرة سليمة لم تتدنس بشيء من أمور الجاهلية، فلم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرا، ولا اقترف إثمًا، وما كان يتمتع به من قلب مضيء وعقل ذكي، ولسان فصيح بليغ، وقد روى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل، قال: "شهدت عليا يخطب وهو يقول: "سلوني؛ فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به، وسلوني عن كتاب الله؛ فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم: أبليل نزلت أم بنهار؟ أم في سهل أم في جبل؟ ".
وأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده عن علي قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت؟ وأين نزلت؟ إن ربي وهب لي قلبا عقولا، ولسانا سئولا"، وقد اشتهر بالفصاحة، والبلاغة، والبيان، والفتيا، وحل المشاكل، حتى قيل فيه: "قضية ولا أبا حسن لها".
وقد ابتلي رضي الله عنه بشيعة أسرفوا في حبه، فوضعوا روايات كثيرة جدا في فضائله، وفي التفسير وغيره وألصقوا به ما هو بريء منه، وقابلهم المبغضون له، فوضعوا في ذمه، ولمزه، وهمزه شيئا غير قليل، وهكذا: نجد أنه هلك فيه رجلان: محب غالٍ، ومبغض قالٍ.
وقد نقد أئمة الحديث وحفاظه هذه المرويات، وبَيَّنُوا الصحيح، والضعيف، والمكذوب، والمقبول من المردود، وسيأتي إن شاء الله بيان الكثير من ذلك.
(1/58)

2- عبد الله بن مسعود:
هو عبد الله بن مسعود، بن غافل، بن حبيب، بن شمخ، بن هذيل مات أبوه في الجاهلية، وأسلمت أمه وصحبت النبي، فلذلك نسب إليها أحيانا.
(1/58)

أسلم قديما، وكان كثير الملازمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب سواكه، ومطهرته، وحامل نعليه، كان من حفاظ القرآن المجيدين له، والمعروفين بإقرائه للصحابة وغيرهم، وفي صحيح البخاري عن شقيق بن سلمة قال: "خطبنا عبد الله، فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وما أنا بخيرهم".
وفي صحيح البخاري عن مسروق، قال: ذكر عبد الله بن مسعود عند عبد الله بن عمرو -يعني ابن العاص، فقال: لا أزال أحبه بعد ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خُذُوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب"، وقد كان من أعلم الناس بتفسير القرآن الكريم، بل كان يرى نفسه أنه أعلم الناس بكتاب الله؛ روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن مسعود قال: "والله الذي لا إله غيره ما أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه1.
وناهيك برجل زكاه علي بن أبي طالب، وشهد له بسعة علمه بالقرآن والسنة، أخرج أبو نعيم عن أبي البختري، قال: قالوا لعلي: أخبرنا عن ابن مسعود قال: "عَلِمَ القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما" وشهد له من التابعين: مسروق بن الأجدع من خيار التابعين وفضلائهم قال: وجدت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل الإخاذ2 يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم3 وإن عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ".
وقد كان له تلاميذ أخذوا عنه، وتخرجوا به، وملأوا الأرض من علمه، روي عن الإمام على بن المديني أنه قال: "لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له أصحاب
__________
1 صحيح البخاري، كتاب الفضائل، باب مناقب عبد الله بن مسعود، وكتاب فضائل القرآن باب القراء من أصحاب النبي.
2 الإخاذ: بكسر الهمزة الموضع الذي يحبس الماء كالغدير.
3 أي لرجعوا وهم مرتوون جميعا.
(1/59)

يقومون بقوله في الفقه، إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، كان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله، ويفتون الناس".
وقد رويت عنه روايات كثيرة في التفسير، وقد عني بها أئمة الحديث ونقدوها، وبينوا الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، وقيل ثلاث وثلاثين فرضى الله عنه وأرضاه.
(1/60)

3- أبي بن كعب:
هو: أبي بن كعب بن قيس، من بني النجار الأنصاري الخزرجي يكنى: أبا المنذر وأبا الطفيل، كان من السابقين إلى الإسلام، من الأنصار. شهد العقبة، وبدرا، وما بعدهما، وهو أحد المشهورين بحفظ القرآن من الصحابة، وبإقرائه، وقد سبق ذلك آنفا، وقد قال فيه عمر: "أبي أقرؤنا" رواه البخاري.
ومن فضائله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليه القرآن، روى البخاري في صحيحه بسنده، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} 1 قال: وسماني؟ قال: "نعم"، فبكى"2.
وإنما قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليزداد علما بالقراءة من النبي صلى الله عليه وسلم ويزداد تثبتا فيها، وليكون عرض القرآن وأخذه عن شيخ مقرئ سنة متبعة، وللتنبيه على فضيلة أبي وتقدمه في حفظ القرآن، وليس المراد أن يتعلم منه النبي شيئا، أو يستذكره منه بهذا العرض، وقد روى عنه في التفسير نسخة كبيرة، يرويها أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عنه، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم منها كثيرا، وكذا الحاكم في مستدركه، وأحمد في مسنده، وكانت وفاته سنة ثلاثين، فرضي الله عنه.
__________
1 يعني سورة البينة؛ وذلك لما فيها على وجازتها من التوحيد، والرسالة والإخلاص في العبادة، وفي ذكر الكتب المنزلة إجمالا، وذكر الصلاة، والزكاة، والمعاد، وبيان أهل الجنة والنار.
2 صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب أبي بن كعب؛ وإنما بكى لأن تسمية الله له تشريف عظيم فبكى؛ إما فرحا، وإما خشوعا وخوفا، ألا يقوم بشكر تلك النعمة.
(1/60)

4- زيد بن ثابت:
هو: زيد بن ثابت بن الضحاك، بن زيد بن لوذان، من بني مالك بن النجار، كاتب الوحي وأحد فقهاء الصحابة، وحفاظهم القرآن، والمشهورين بإقرائه، وقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة عن أنس رضي الله عنه. قال: "جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل وأبو زيد، وزيد بن ثابت1، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي"، وقد اختلف في اسم أبي زيد هذا على أقوال، أرجحها: أنه قيس بن السكن، من بني حرام الأنصاري النجاري، رواه ابن أبي داود2.
وبحسبه فضلا ومفخرة أنه هو الذي جمع القرآن في الصحف في عهد الصديق، بعد أن كان مفرقا في العسب، والأكتاف، واللخاف، والظرر3، وأنه رئيس الجماعة التي كتبت المصاحف في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه4.
وقد كان له أصحاب تفقهوا به، وأخذوا عنه، ونشروا علمه، وقد سبقت في ذلك مقالة الإمام ابن المديني آنفا، وقد ورد عنه في التفسير مرويات كثيرة، إلا أنه أقل من سابقيه، وقد نقدها الأئمة الحفاظ، وبينوا منزلتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، وكانت وفاته سنة خمس وأربعين للهجرة، فرضي الله عنه وأرضاه.
__________
1 المراد بجمعه: حفظه واستظهاره عن ظهر قلب، والمراد: أنهم أكثر الصحابة حفظا للقرآن من الأنصار من قبيلة الخزرج، وإلا فقد كان يحفظه العدد الجم من المهاجرين، وغيرهم من القبائل.
2 فتح الباري جـ9 ص 44، وانظر تحقيق هذا في كتابنا: المدخل لدراسة القرآن الكريم.
3 الظر، والظررة، والظرر: الحجر عامة. وقال ابن شميل: حجر أملس عريض "لسان العرب".
4 صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن.
(1/61)

5- عبد الله بن عباس:
هو: عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وهو ترجمان القرآن، دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". رواه أحمد والطبراني وفي صحيح البخاري بلفظ:
(1/61)

"اللهم علمه الحكمة" وفي رواية: "اللهم علمه الكتاب"، وهو مفسِّر لما قبله، وأن المراد بالحكمة: علم القرآن، وكان ابن عباس من أعلم الصحابة بتفسير القرآن، قال فيه ابن مسعود: "نِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس" رواه ابن سعد، والبيهقي في الدلائل، وقد عرف بغزارة العلم، حتى لقب بالحبر، والبحر، وكانت له مدرسة لها سماتها وخصائصها، وأصحاب يقومون بعلمه، ويقولون بقوله، ونشروا علمه على أوسع ما يكون النشر، ولعلك على ذكر من مقالة ابن المديني الآنفة، وكان الفاروق عمر رضي الله عنه يجلسه على حداثة سنة في مجلسه ويعرف قدره حتى كان يدخله مجسه مع الأشياخ من الصحابة، يروي عن الحسن البصري: أن ابن عباس كان من القرآن بمنزل، كان عمر يقول: "ذاكم فتى الكهول، إن له لسانا سئولا، وقلبا عقولا" وقد مر أنه لما وجد بعض الصحابة من إدخاله معهم، وقالوا: إن لنا أبناء مثله دعاه، ودعاهم، ثم سألهم وسأله، فتبين لهم أنه ليس كغيره، وأن له من العلم ما يؤهله لذلك، ومن أراد زيادة في هذا فليرجع إلى الإتقان1.
وقال الأعمش عن أبي وائل: "استخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك، والديلم لأسلموا"2.
وقد ورد عنه في تفسير القرآن ما لا يحصى كثرة، ورويت عنه من طرق كثيرة، وفيها الصحيح، والحسن، والضعيف، بل والموضوع شيء كثير، وأما التفسير المطبوع المنسوب إليه، ففي صحة نسبته إليه شك غير قليل، وليس هنا موضع بيان ذلك.
وقد نقد أئمة الحديث، وصيارفته العارفون بالرجال جرحا، وتعديلا، وبالعلل المرويات عنه، وطرقها عنه، وبيَّنوا الغث من السمين، والمقبول من المردود. وما حمله عن أهل الكتاب الذين أسلموا من الإسرائيليات، مما حمله عن غيرهم، وسنعرض لذلك بالتفصيل في نقد التفسير بالمأثور إن شاء الله تعالى، وكانت وفاته بالطائف سنة ثمانٍ وخمسين للهجرة، وقبره هناك معروف، فرضي الله عنه وأرضاه.
__________
1 الإتقان جـ 2 ص 187، 188.
2 مقدمة في أصول التفسير ص 45.
(1/62)

أما أبو موسى، وعبد الله بن الزبير، فما روي عنهما في التفسير أقل مما روي عن سابقيهما، وقد ورد عن جماعة من الصحابة غير هؤلاء اليسير من التفسير، كأنس، وأبي هريرة، وابن عمر، وجابر، وغيرهم، وقد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبار كثيرة في التفسير ولا سيما فيما يتعلق بقصص الأنبياء، وأخبار الفتن، وأحوال يوم القيامة، قال السيوطي: وما أشبهها بأن تكون مما تحمَّله عن أهل الكتاب: يعني من الإسرائيليات1.
__________
1 الإتقان في علوم القرآن جـ 2 ص 189.
(1/63)

"المفسرون من التابعين":
وقد اشتهر بالتفسير من التابعين كثيرون، من أعيانهم: مجاهد بن جبر، وسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم كثيرون.
(1/63)

مدارس التفسير
مدخل
...
مدارس التفسير:
وقد كانت هناك مدارس متعددة في التفسير، لكل مدرسة خصائصها، ومميزاتها وأساتذتها، وطلابها، فكانت هناك مدرسة الحجاز، وهي تشمل مدرستين: مدرسة مكة، وأستاذها الأكبر ابن عباس، ومدرسة المدينة، ومن أساتذتها: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، ومدرسة العراق، وأستاذها الأكبر: ابن مسعود، ومدرسة الشام، ومن أساتذها من الصحابة: أبو الدراء الأنصاري الخزرجي، وتميم الداري راهب عصره، وعابد أهل فلسطين، ومدرسة مصر وأستاذها الأكبر: عبد الله بن عمرو بن العاص، ومدرسة اليمن وأستاذاها الأكبران: معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، إلى غير ذلك من المدارس التي انتشرت في العالم الإسلامي.
(1/63)

وكان آصل هذه المدارس، وأعلمها بالتفسير، مدرسة مكة؛ لأن أستاذها وشيخها: ابن عباس حبر القرآن وترجمانه، قال الإمام ابن تيمية: "أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك: ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير مثل: زيد بن أسلم: الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب"1.
وسأقتصر على ذكر المشاهير من مدارس مكة، والمدينة، والعراق، والشام، ومصر، واليمن مع التعريف بهم.
__________
1 مقدمة في أصول التفسير ص 23، 24.
(1/64)

أ- مدرسة مكة:
1- مجاهد بن جبر المكي:
مولى السائب بن أبي السائب، وُلِدَ سنة إحدى وعشرين، وهو من المبرزين من تلاميذ ابن عباس، وأكثرهم ملازمة له، قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدًا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين عرضة، وعنه أيضا قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات1، أقف عند كل آية منه وأسأله عنها: فيم نزلت؟ "وكيف كانت؟ "، وروى ابن جرير بسنده، عن ابن أبي مليكة، قال: "رأيت مجاهدًا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، فيقول ابن عباس: اكتب، حتى سأله عن التفسير كله".
ولذا قال الإمام سفيان الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك"، وقال ابن تيمية: "ولذا يعتمد على تفسيره الشافعي، والبخاري وغيرهما من أهل العلم"2.
__________
1 ولا منافاة بين الروايتين؛ لأن الأولى عرض حفظ، والثانية عرض مع العلم بالتفسير.
2 مقدمة في أصول التفسير ص 7.
(1/64)

وقال السيوطي في الإتقان: "وغالب ما أورده الفريابي في تفسيره عنه، وما أورده فيه عن ابن عباس أو غيره قليل جدًّا"، وكانت وفاته بمكة وهو ساجد، سنة اثنتين ومائة.
2- سعيد بن جبير 1:
مولى بنى والية، من بني أسد بن خزيمة، أخذ العلم عن ابن عباس وابن عمر، وعبد الله بن مغفل المزني، وغيرهم، وكان من تلاميذ ابن عباس، المتخرجين في مدرسته، وكان في أول أمره كاتبًا لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم لأبي بردة الأشعري، ثم تفرغ للعلم حتى صار إماما علما.
قال سفيان الثوري: "خذوا التفسير عن أربعة: سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، والضحاك" وقال قتادة: وكان أعلم الناس أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام"، ولما خرج عبد الرحمن بن الأشعث على عبد الملك بن مروان، انضم إليه سعيد بن جبير، فلما قتل عبد الرحمن، وانهزم أصحابه فر إلى مكة، فقبض عليه واليها خالد بن عبد الله القسري، وأرسله إلى الحجاج فقتله، وكان ذلك بواسط سنة خمس وتسعين، وقد استحق الحجاج بفعلته الآثمة المنكرة غضب الله، والناس أجمعين، قال الإمام أحمد: "قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه" فرضي الله عنه وأرضاه.
3- عطاء بن أبي رباح:
أصله يمنِيٌّ من الجَنَد2 التي قد نزلها سيدنا معاذ بن جبل مبعوثا من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تحول إلى مكة، وأقام بها، وبلغ مرتبة الإمامة والفقه، وانتهت إليه الفتوى بمكة، قال فيه ابن عباس لأهل مكة: "تجتمعون علي وعندكم عطاء"، قد سمعتَ آنفا مقالة
__________
1 بضم الجيم وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء المثناة.
2 الجند: بفتحتين، بلد باليمن.
(1/65)

قتادة فيه، وقال فيه إمام الفقهاء أبو حنيفة النعمان: "ما رأيت أفضل من عطاء بن أبي رباح"، وهو من أعلام المدرسة المكية في التفسير، وكانت وفاته سنة أربع عشرة ومائة.
4 عكرمة مولى ابن عباس:
هو أبو عبد الله: عكرمة بن البربري، أحد الأئمة الأعلام، وقد أخذه ابن عباس بالتربية والتثقيف من صغره، وربما كان يقسو عليه في هذا، قال عكرمة: "كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل1، ويعلمني القرآن والسنن" وكان يقول: كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عباس"، وقال أيضا: "لقد فسرت ما بين اللوحين": يعني ما بين جلدتي المصحف، وقد اختلف العلماء فيه ما بين معدل له، ومجرح، والأكثرون على توثيقه وتعديله وبحسبه توثيقا رواية إمام الأئمة البخاري عنه في صحيحه2، ومن أراد زيادة اليقين في هذا، فليرجع إلى ما كتبه الإمام الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح3، وقد شهد له بعض كبار الأئمة.
قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة": وكانت وفاته سنة خمس ومائة.
__________
1 الكبل: القيد.
2 وأما مسلم فخرج له حديثا واحدًا في الحج، مقرونًا بسعيد بن جبير، وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه، مع أن مالكا روى له في الموطأ في الحج، وصرح باسمه، ومال إلى روايته عن ابن عباس وترك عطاء في تلك المسألة مع كونه أجل التابعين.
3 مقدمة فتح الباري جـ 1 من ص 148-152.
(1/66)

ب- مدرسة المدينة:
كانت المدينة دار الإسلام، وقطب رحاه، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة، ثم صارت بعد وفاة النبي، مركز الخلافة الإسلامية الرشيدة، إلى ما يقرب من سنة أربعين من الهجرة، وبعد أن انتقلت الإمارة إلى بني أمية، ونقلوا عاصمة ملكهم إلى دمشق لم تزل للمدينة مكانتها، وبقيت مركزا من مراكز العلم الأصيلة، فقد بقي بها جمهور الصحابة، الذين عنهم أخذ التابعون، وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو أبي بن كعب، ومن أشهر علماء هذه المدرسة في التفسير:
(1/66)

1- زيد بن أسلم:
كان أبوه مولى سيدنا عمر بن الخطاب، أخذ العلم عن أبيه، وعن عبد الله بن عمر وعائشة وغيرهم، وقد أخذ عنه العلم والتفسير ابنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، توفي سنة ست وثلاثين ومائة.
2- أبو العالية:
أبو العالية اسمه: رفيع1 بن مهران الرياحي، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد وفاة النبي بسنتين، روى عن علي، وأبي بن كعب، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، وروى عنه بديل بن ميسرة، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما، وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وهو من كبار التابعين، وروى عنه أنه قال: "قرأت القرآن على عهد عمر ثلاث مرات، وقال فيه ابن أبي داود: ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقراءة من أبي العالية".
وقد روى عن أبي بن كعب نسخة كبيرة في التفسير، ورواها عنه الربيع بن أنس، وعنه أبو جعفر الرازي، وهي صحيحة، كما قدمنا في ترجمة أبي، وتوفي سنة تسعين.
3- محمد بن كعب "القرظي":
هو: أبو حمزة، أو أبو عبد الله: محمد بن كعب القرظي المدني، روى عن علي، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وروي عن أبي بن كعب بالواسطة، قال فيه ابن سعد: كان ثقة، عالما، كثير الحديث، ورعا، وهو من رجال الكتب الستة، وقال فيه ابن عون: ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من القرظي، وكانت وفاته سنة ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وقيل غير ذلك.
__________
1 قال الحافظ في التقريب: رفيع "بالتصغير" ابن مهران الرياحي، بكسر الراء، وبالتحتانية، ثقة، كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة تسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك. روى له الجماعة.
وهناك أبو العالية آخر: البَرَّاء بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء البصري اسمه: زياد بن فيروز، وقيل: غير ذلك، قال العجلي: تابعي ثقة، وكانت وفاته في شوال سنة تسعين للهجرة. خ. م. س.
(1/67)

جـ- المفسرون من مدرسة العراق:
ومن المدارس التي أصبحت لها قيمتها العلمية: مدرسة العراق، وكان تلاميذ هذه
(1/67)

المدرسة منهم من كان ببغداد، ومنهم من كان بالكوفة، ومنهم من كان بالبصرة، وأستاذ هذه المدرسة الأكبر هو: عبد الله بن مسعود، ولما ولَّى سيدنا عمر عمار بن ياسر على الكوفة سير معه عبد الله بن مسعود معلما، ووزيرا، وقد شرب من علمه أهل العراق عللا بعد نهل1، وأصبحوا متأثرين بطريقته في الاجتهاد في الفقه، والأحكام، والتفسير، وهي حرية الرأي في الاجتهاد وحسن التصرف في النصوص، وعدم الجمود عليها.
وقد روي عن مسروق أنه قال: وجدت علم أصحاب النبي صلى الل عليه وسلم انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله: يعني ابن مسعود، وفي رواية أخرى: ذكر أبا موسى بدل أبي الدرداء2، ولكن الحروب لم تدع لأبي الحسن علي متسعا للرواية والزعامة العلمية بعد الخلافة، فمن ثم صارت الزعامة لابن مسعود، ومن أشهر طلاب هذه المدرسة:
1- مسروق بن الأجدع:
هو: أبو عائشة: مسروق بن الأجدع بن مالك بن أمية، الهمداني الكوفي، العابد، العالم، العامل، روى عن الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي بن كعب وغيرهم.
وكان أعلم أصحاب ابن مسعود، وأكثرهم أخذا عنه، قال علي ابن المديني: ما أُقَدِّم على مسروق أحدًا من أصحاب عبد الله -يعني ابن مسعود، وقال الشعبي: ما رأيت أطلب للعلم منه، وقد قال فيه ابن معين: ثقة، لا يُسأل عن مثله، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة في كتبهم وقد ورد عنه في التفسير رويات كثيرة، استفادها من شيخه ابن مسعود؛ فقد روى عنه أنه قال: كان عبد الله -يعني ابن مسعود- يقرأ علينا السورة، ثم يحدثنا فيها، ويفسرها عامة النهار، وتوفي سنة ثلاث وستين من الهجرة على الأصح.
__________
1 العلل: الشربة الثانية، والنهل: الشربة الأولى
2 علوم الحديث لابن الصلاح ص 262، 263.
(1/68)

2- قتادة بن دعامة:
هو: أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي الأكمه2، عربي الأصل كان يسكن البصرة، روى عن بعض الصحابة والتابعين، وكان واسع الاطلاع في الشعر العربي، بصيرًا بأيام العرب، عالمًا بأنسابهم، متضلعًا في اللغة العربية، وقد اكتسب شهرة في التفسير، قال فيه سعيد بن المسيب: "ما رأيت عراقيا أحفظ من قتادة"، وقد احتج به أصحاب الكتب الستة، إلا أنه كان يخوض في القدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ذكر القدر فأمسكوا"، فمن ثم تحاشى بعض العلماء الأخذ عنه، وكانت وفاته سنة سبع عشرة ومائة.
3- الحسن البصري:
هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، مولى الأنصار، وأمه خيرة مولاة السيدة أم سلمة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، ونشأ بوادي القرى، وكان فصيحا، ورعا، زاهدا، واعظا، لا يجارى في وعظه، روى عن بعض الصحابة والتابعين، وروى عنه الكثيرون من أتباع التابعين، قال فيه ابن سعد: كان الحسن جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، مأمونا، عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما، وقيل: إنه اكتسب هذه الفصاحة، لأنه رضع من السيدة أم سلمة مولاة أمه2، وقيل: إنه أفضل التابعين، وقد رويت عنه في التفسير روايات كثيرة، وقد تعرض لها العلماء بالنقد، وبيَّنوا الصحيح من الضعيف، وكان وفاته سنة عشر ومائة.
4- مرة الهمداني:
هو أبو إسماعيل: مرة بن شراحيل الكوفي العابد، المعروف بمرة الطيب، ومرة الخير؛ لكثرة عبادته، وشدة ورعه، وتقواه، روى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، وروى عنه الشعبي وغيره، وثقه ابن معين وغيره من أئمة الجرح.
(1/69)

والتعديل، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكان من المعروفين بتفسير القرآن، توفي سنة ست وسبعين من الهجرة.
5- الضحاك بن مزاحم:
هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، مولاهم الخراساني، روى عن بعض الصحابة، وأخذ عنهم العلم، وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، وأبو زرعة، وكان له شهرة بالتفسير، توفي سنة خمس ومائة.
(1/70)

د- مدرسة الشام:
وقد اشتهر منهم:
1- عبد الرحمن بن غنم الأشعري:
وقد بعثه الفاروق عمر بن الخطاب إلى الشام؛ كي يُفَقِّهَ الناس ويعلمهم القرآن والسنة، وكان قد لقي معاذ بن جبل، وروى عنه وكان كبير القدر. صادقًا فاضلًا. توفي سنة 78هـ.
2- عمر بن عبد العزيز بن مروان:
وهو: الخليفة الثامن من بني أمية، ولد بالمدينة، ونشأ بمصر. حدث عن أنس بن مالك، وعن كثير من التابعين، وكان إماما فقيها، مجتهدا، عارفا بالقرآن، والسنن، كبير الشأن في العلم زاهدا، قانتا لله، وكان يقرن بعمر بن الخطاب في عدله، وبالحسن البصري في زهده، وبالزهدي في علمه، قال مجاهد: "أتيناه لنُعلِّمه، فما برحنا حتى تعلمنا منه"، وله الفضل الأكبر في الأمر بجمع السنن والأحاديث، وكانت وفاته سنة واحد ومائة هجرية.
3- رجاء بن حيوة الكندي:
شيخ أهل الشام، وعالمهم، روى عن معاوية، وعبد الله بن عمر، وجابر وغيرهم،
(1/70)

قال ابن سعد: كان رجاء فاضلا، ثقة، كثير العلم، توفي سنة ثلاث عشر ومائة.
4- كعب الأحبار:
وستأتي الكتابة عنه بتوسع إن شاء الله، وبيان ما له، وما عليه.
(1/71)

هـ- مدرسة مصر:
وقد اشتهر بالعلم، والرواية، والتفسير من هذه المدرسة:
1- يزيد بن أبي حبيب الأزدي:
كان عالم مصر في عصره، قال فيه الليث بن سعد: "يزيد عالمنا وسيدنا"، وهو أحد ثلاثة عهد إليهم عمر بن عبد العزيز بالفتيا في مصر1، وهو بربري الأصل، أبوه من دنقلة، ونشأ بمصر، توفي سنة ثمان وعشرين ومائة.
2- أبو الخير: مرثد بن عبد الله اليزني:
روى عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني، وتوفي سنة تسعين.
__________
1 ضحى الإسلام جـ 2 ص 87.
(1/71)

و مدرسة اليمن:
وقد اشتهر من مدرسة اليمن:
1- طاوس بن كيسان اليماني:
سمع زيد بن ثابت، وعائشة، وأبا هريرة وغيرهم، قال فيه عمرو بن دينار: "ما رأيت أحدا مثل طاووس"، وقال فيه الذهبي "كان طاوس شيخ أهل اليمن"،
(1/71)

وكان كثير الحج، فاتفق موته بمكة سنة ست ومائة، وله آراء في تفسير القرآن الكريم.
2- وهب بن منبه الصنعاني:
عالم أهل اليمن، روى عن ابن عمر، وابن عباس وجابر، وغيرهم، وكان ثقة، توفي سنة أربع عشرة ومائة، وقد روي عنه في التفسير روايات كثيرة جدًّا، مما في كتب أهل الكتاب، وسيأتي الكلام عنه بما له، وما عليه.
(1/72)

طبقة أخرى من المفسرين بالمأثور:
ثم بعد هذه الطبقة أُلِّفت تفاسير تجمع أقوال الصحابة والتابعين كتفسير سفيان الثوري المتوفي سنة 161هـ، وسفيان بن عيينة، المتوفى سنة 198هـ، ووكيع بن الجراح، المتوفى سنة 196هـ، وشعبة بن الحجاج المتوفى سنة 160هـ، ويزيد بن هارون المتوفى سنة 206هـ، وعبد الرزاق الصنعاني، المتوفى سنة 1211هـ، وآدم بن أبي إياس، وإسحاق بن راهويه، المتوفى سنة 238هـ، وروح بن عبادة، وعبد بن حميد، المتوفى سنة 249هـ، وسنيد1 م "220"هـ وأبي بكر بن أبي شيبة م "235" هـ وآخرين غيرهم.
والظاهر أن هذه التفاسير كانت مستقلة عن الحديث، وأن هذا العصر كانت فيه الطريقتان: طريقة التأليف في التفسير، على أنه جزء من الحديث، وطريقة التأليف في التفسير على سبيل الاستقلال.
طبقات أخرى بعد هذه الطبقة:
ثم جاء بعد هؤلاء طبقات أخرى، ألفت في التفسير وذلك مثل الإمام أحمد بن حنبل "م 241"، والبخاري "م 256هـ"، وبقى بن مخلد القرطبي "م 279هـ" وابن ماجه "م 273هـ"، ثم محمد بن جرير الطبري، "م310هـ"، وابن أبي
__________
1 بضم السين المهملة، وفتح النون، وسكون الياء آخره دال مهملة، لقب الحسين بن داود المصيصي، وله تفسير مسند. المتوفى سنة عشرين ومائتين.
(1/72)

حاتم، "م327هـ" ثم الحاكم، 405هـ" وابن مردويه، "م401هـ"، وأبو الشيخ ابن حيان في آخرين غيرهم وتفاسير هؤلاء كانت مسندة إلى الصحابة والتابعين، وأتباعهم، وليس فيها غير ذلك، إلا ما كان من تفسير ابن جرير، فإنه يتعرض للاستشهاد بالشعر على المعاني القرآنية، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط فهو يفوقها بذلك.
والظاهر: أن القرن الثالث الهجري، لم ينفصل فيه التفسير عن الحديث كل الانفصال، وأنه كانت فيه الطريقتان، طريقة التأليف في التفسير كجزء من الحديث، وطريقة التأليف فيه على سبيل الاستقلال. وليس أدل على ذلك، من أن الإمام البخاري ذكر في ضمن كتابه: "الصحيح" كتاب التفسير نحو عشر الصحيح، وألف في التفسير على سبيل الاستقلال كتابه: "التفسير الكبير"1 كما ألفه فيه ابن جرير الطبري على سبيل الاستقلال، ثم جاء بعده ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم، فألفوا في التفسير على سبيل الاستقلال.
حذف الأسانيد وغلبة الدخيل:
ثم ألف في التفسير بعد هذا خلائق كثيرون، فاختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال من غير أن يعزوها إلى قائلها، فمن ثم دخل الدخيل من ذي قبل، والتبس الصحيح بالعليل، وصار كل من يسنح له قول يورده، ومن يخطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك من يجيء بعده ظانًّا أن له أصلا غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح، ومن يرجع إليهم في التفسير، وولع المفسرون بالإكثار من الأقوال حتى رأينا بعضهم ذكر في تفسير قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} عشرة أقوال، مع أن تفسيرها باليهود، والنصارى هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الصحابة، والتابعين، وأتباعهم، حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافا بين المفسرين2.
__________
1 أعلام المحدثين للمؤلف ص 116.
2 الإتقان في علوم القرآن جـ 2 ص 190، مقدمة في أصول التفسير ص 33، 34.
(1/73)

وقد كان حذف الأسانيد مما ساعد على شيوع القصص الإسرائيلي في كتب التفسير، وعلى رواج الروايات الواهية، والمختلقة المكذوبة؛ لأن ذكر الأسانيد كثيرا ما يدل على موضع العلة، ومكمن الداء، ومن هو سبب البلاء.
(1/74)

تلون كتب التفاسير بثقافة مؤلفيها:
ثم ألفت بعد ذلك كتب يغلب عليها التأويل، والتفسير الاجتهادي لعلماء برعوا في بعض العلوم، وبرزوا فيها، ومنهم: من هُم من أهل السنة والجماعة، ومنهم: من هم من أهل الزيغ والابتداع، فصار كل واحد منهم يميل بالتفسير إلى إبراز ما برع فيه، فالنحوى ليس له هم إلا الإعراب وذكر الأوجه المحتملة في الآية، ونقل قواعد النحو ومسائله وخلافياته كأن كتب التفسير مجان للتمرين النحوي، واستذكار القواعد، وذلك: كالزجاج، والواحدي في البسيط، وأبي حيان في البحر المحيط.
والإخباري ليس له هَمٌّ إلا ذكر القصص. واستيفاؤها عمن مضى من الأنبياء، والأمم، والملوك، وذكر ما يتعلق بالفتن والملاحم وأحوال الآخرة، ولا عليه بعد هذا إن كانت صحيحة، أو باطلة؛ لأنه لم يتحر الصدق، ولم يبحث عن الرواة، وكونهم ثقات أو غير ثقات، وذلك كما فعل الثعلبي في تفسيره، فقد حشاه بالكثير من القصص الإسرائيلي، والروايات المكذوبة الموضوعة.
والفقيه: يكاد يسرد فيه مسائل الفقه جميعها، وكثير ما يستطرد إلى إقامة الأدلة، وبيان منشأ الخلاف إلى غير ذلك مما لا تعلق له بالآية والأدهى من ذلك أنه يفيض في أدلة مذهبه، والميل بالآية إليه، ومحاولة إضعاف مذهب غيره، وذلك: كما فعل الإمام القرطبي في تفسيره، فإن ما فيه من التفسير أقل مما فيه من الأحكام الفقهية، ولا سيما على مذهب إمام دار الهجرة مالك رحمه الله تعالى.
وصاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء، والفلاسفة وشبههم، والرد عليهم، ويخرج من شيء إلى شيء، ويستطرد، ثم يستطرد حتى ينسى الإنسان أنه في كتاب تفسير، ويخيل إليه أنه يقرأ كتابا من كتب الكلام، والملل والنحل، كما صنع الإمام
(1/74)

الجليل: فخر الدين الرازي، ولذلك: قال أبو حيان في: "البحر المحيط": جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء1: "فيه كل شيء إلا التفسير".
وفي الحق: أنا لا أوافق هذا القائل؛ فإن فيه تفسيرًا كثيرا، ولو أنه رحمه الله اقتصر على التفسير واقتصد في مناقشة آراء الفلاسفة والمتكلمين، وسرد أقوالهم، لكان أولى وأجمل.
ومن العلماء المتأخرين المحققين من أكثر من الاستطراد، وذكر أدلة الموافق والمخالف في كل مسألة من المسائل، وقد يسر له هذا تأخره الزمني، وسعة اطلاعه على أقوال من سبقوه، ومؤلفاته، حتى إنه ليذكر في بعض الموضوعات، والمسائل، ما يصل إلى حجم رسالة صغيرة، فمن ثم: جاء كتابه شاملا، أو خلاصة لكلام كل من سبقوه في التفسير وغيره أو إن شئت فقل: معلمة للتفسير وغيره، وذلك كما صنع الإمام الجليل الآلوسي في تفسيره العظيم2.
__________
1 قيل: هو ابن عطية.
2 الإتقان جـ 2 ص 190.
(1/75)

تفسيرات المبتدعة والباطنية والملحدة:
وأصحاب المذاهب المبتدعة: كالشيعة، والمعتزلة، وأضرابهم. قد نحوا بالتفسير ناحية مذاهبهم، وفي سبيل ذلك قد حرفوا بعض الآيات وخرجوا بها عن معانيها المرادة، وعن قواعد اللغة، وأصول الشريعة وصار الواحد منهم كلما لاحت له شاردة من بعيد اقتنصها، أو وجد موضعا له فيه أدنى مجال لإظهار بدعته وترجيح مذهبه سارع إليه، ومن هذه التفاسير تفاسير جليلة خدمت القرآن خدمة جليلة، وذلك كتفسير الكشاف للإمام الزمخشري، ولولا ما فيه من آراء اعتزالية، لكان أجل تفسير في بابه.
(1/75)

قال الإمام البلقيني: استخرجت من "الكشاف" اعتزالا بالمناقيش، من قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ، قال الزمخشري: "وأي فوز أعظم من دخول الجنة"؟ أشار به إلى عدم رؤية الله في الآخرة، الذي هو مذهبهم1.
ومنها: تفاسير باطلة، ضالة مضلة، كتفاسير الباطنية2، والروافض، وبعض المتصوفة، والملحدين3 فقد ألحدوا في آيات الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وخالفوا القواعد اللغوية والشرعية وافتروا على الله ما لم يرده من كتاب: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّه} .
ومن تفسيرات الباطنية: قولهم في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ} أن الإمام عليا ورث النبي في علمه، ويقولون: الكعبة هي: النبي، والباب هو: علي، إلى غير ذلك من أباطيلهم.
ومن تفسيرات الباطنية: قولهم في قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان} : أن المراد بهما علي، وفاطمة، وقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَان} : أن المراد: الحسن والحسين، وقولهم في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةَ} هي: عائشة، إلى غير ذلك: من تحريفاتهم للنصوص القرآنية4. ومن تفسيرات الملحدة: قولهم في قوله تعالى حكاية عن قول الخليل إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} : أنه كان له صديق وصفه بأنه قلبه، وفي قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه} : إنه الحب، والعشق، إلى غير ذلك من تخريفاتهم وتحريفاتهم للقرآن الكريم.
__________
1 الباطنية: فرقة من الفرق الضالة، قالوا: للقرآن ظاهر وباطن، والمراد منه باطنه دون ظاهره، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشر.
2 فرقة مغالية من الشيعة رفضوا إمامة الشيخين أبي بكر وعمر وكفروهما.
3 قوم مالوا عن الحق إلى الباطل ويطعنون في دين الإسلام بنشر الآراء الضالة، والأفكار الزائفة، وهم أضر الطوائف؛ لأنهم يتسترون بالإسلام فيخدع الناس بآرائهم ومنهم: الباطنية وأمثالهم من منحرفي المتصوفة.
4 مقدمة في أصول التفسير ص 38.
(1/76)

ومن تحريفات بعض المتصوفة في كلام الله: قول بعضهم في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} أن معناه "من ذل" أي من الذل، "ذي": إشارة إلى النفس، "يشف": من الشفا جواب من، و"ع" أمر من الوعي.
وقد سئل الإمام سراح الدين البلقيني: عمن قال هذه: فأفتى بأنه ملحد، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا} ، قال ابن عباس: هو أن يوضع الكلام على غير موضعه1، وبحسبنا هذا القدر في هذا المقام.
وهي تخريفات، وتحريفات للقرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وصرف له عن ظاهره المراد لغة وشرعًا، وهؤلاء أضر على الإسلام من أعدائه، والعدو المداجي المتستر بالتشيع، أو التصوف ونحوه شر من العدو المكاشف، المستعلن، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفئات الضالة، المضلة المحرفة لكتاب الله، فقال فيما رواه عنه حذيفة: "إن في أمتي أقواما يقرأون القرآن، ينثرونه نثر الدقل2، يتأولون القرآن على غير تأويله".
وقد حاول هؤلاء أن يؤيدوا آراءهم ومذاهبهم، فافتروا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صحابته الأطهار، فمن ثم: دخل في تفاسيرهم من المرويات الباطلة شيء كثير.
__________
1 الإتقان ج2 ص 184.
2 الدفل: ردى النمر.
(1/77)

التفسير بغير المأثور
مدخل
...
2- التفسير بغير المأثور:
وقد اختلف العلماء في التفسير بغير المأثور، فذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالما أديبا متسعا في معرفة الأدلة، والفقه، والنحو والأخبار، والآثار، وليس له أن ينتهى إلا إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى صحابته الآخذين عنه، ومن أخذ عنهم من التابعين.
وأجاز تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد الأكثرون من السلف الصالح والعلماء، ولكلٍ وجهة، ولكلٍ أدلة.
(1/77)

أدلة القائلين بعدم جواز التفسير بالرأي والاجتهاد:
1- ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"، رواه أبو داود، والترمذي، وقال فيه: هذا حديث غريب، والنسائي.
2- ما روي أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الحديث عليَّ إلا ما علمتم؛ فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار". رواه الترمذي وأبو داود.
3- ما روي عن السلف الصالح من الصحابة، فمن بعدهم من التحرج من الكلام في تفسير القرآن، فمن ذلك ما رواه ابن أبي مليكة، قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن تفسير حرف من القرآن فقال: "أي سماء تظلني؟، وأي أرض تقلني؟، وأين أذهب؟، وكيف أصنع إذا قلت في حرف1 من كتاب الله بغير ما أراد الله؟، وفي رواية: "إذا قلت في كتاب الله بما لا أعلم؟ ".
ومنه: ما ورد عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: "أنا لا أقول في القرآن شيئا"، وكان سعيد إذا سئل عن الحلال والحرام تكلم، وإذا سئل عن تفسير آية من القرآن سكت، كأن لم يسمع شيئا.
ومنه: ما روي عن الشعبي أنه قال: "ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن، والروح: والرؤى2" وما روي عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة: يعني السلماني -وهو تابعي جليل- عن آية من القرآن فقال: "ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد"3، وروي عن مسروق: أنه قال: اتقوا التفسير فإنما هو الرواية عن الله". إلى نحو ذلك من النقول4.
__________
1 أي كلمة.
2 تفسير الأحلام وفي بعض الكتب "والرأي".
3 أي الصوب وهو عدم الخوص في تفسير القرآن.
4 تفسير القرطبي جـ1 ص 34، تفسير ابن كثير والبغوي جـ1 ص 12-14.
(1/78)

مناقشة هذه الأدلة:
وقد ناقش المجوزون للتفسير بالرأي والاجتهاد هذه الأدلة فقالوا:
1- أما الحديث الأول: ففي صحته وثبوته نظر؛ لأن أحد رواته وهو: سهيل بن أبي حزم القطيعي قد تكلم فيه، وعلى فرض صحتهما والتسليم بهما، فقد أجاب عنهما العلماء بما يأتي:
أ- أن المراد من يقول في القرآن بمجرد رأيه وهواه، بأن يجعل الرأي أصلًا والقرآن تبعًا؛ وذلك بأن يكون له في المسألة رأي، وإليه ميل بطبعه وهواه، فيتأول القرآن على وفق رأيه وهواه؛ ليحتج به على تصحيح غرض، ولو لم يكن ذلك الرأي والهوى لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى، ومثل هذا إن صادف الحق والصواب في الواقع ونفس الأمر فإنما هو اتفاق من غير قصد، ورمية من غير رامٍ، وهذا الصنف من الناس قد يكون معه علم وذلك: كالذين يحتجون ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، كالمعتزلة، والشيعة، والخوارجن وأمثالهم، وقد يكون مع الجهل، وذلك، كالمعتزلة، والشيعة والخوارج، وأمثالهم، وقد يكون مع الجهل، وذلك: كما يصنع بعض الذين يدعون العلم اليوم، ويتهجمون على تفسير كتاب الله بالهوى والاستحسان، فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويخرجون بالقرآن عن منهجه الواضح المستقيم.
ب- أن المراد بالحديثين من يفسر المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.
جـ- أو الذي يفسر القرآن، ولم يعرف من العلوم اللغوية والشرعية ما يؤهله لهذا، فمثل هذا، وإن أصاب الصواب فقد أخطأ الطريق الصحيح في تفسيره1.
1 أما ما ذكرتموه عن السلف الصالح، من الصحابة والتابعين: فهو معارض بما يخالفه، فقد روي عن الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن الكلالة فقال:
أقول فيها برأيي؛ فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له، ولا والد"، فلما ولي الخلافة الفاروق عمر رضي الله عنه قال: "إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 12.
(1/79)

رآه"، رواه ابن جرير، وغيره1، وهذا يدل على أنه قوله: "أي سماء تظلني....." إنما أراد به ما لم يقم عليه دليل، وما لا علم له به، أو تخوفا من أن لا يصيب مراد الله، وكذلك: يحمل ما روي عن بعض السلف مما ذكروه على هذا.
قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره: "فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف، محمولة على تحرجهم من الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا: فلا حرج عليه2، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد؛ فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه، مما يعلمه، لقوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَه} 3، ولما جاء في الحديث الذي جاء من طرق: "من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" 4 رواه الترمذي.
وأيضا: فقد روي عن كثير من الصحابة رضي الله عنهم القول في تفسير القرآن، وذلك كالسادة الأخيار: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأنس، وأبي هريرة، وغيرهم، فلولا أن تفسير القرآن جائز لمن تأهل له لما فعلوه؛ لأنهم كانوا أشد الناس ورعا، وتقوى، ووقوفا عند حدود الله.
وكذلك: ورد تفسير القرآن عن كثير من خيار التابعين، كسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، وعكرمة، وقتادة، والحسن البصري، ومسروق، والشعبي، وغيرهم، مما يدل على أن من امتنع منهم من تفسير القرآن إنما كان زيادة احتياط، ومبالغة في التورع.
ولعلهم رضي الله عنه أرادوا بهذا أن يتريث من يريد تفسير كلام الله، ثم يتريث قبل أن يتكلم فيه، ويحجم قبل أن يقدم، وأن يكونوا قدوة حسنة لمن سيجيء بعدهم، وعسى أن يكونوا في موقفهم هذا مع جلالتهم وعلمهم بالقرآن مذكر لهؤلاء الذين يتجاورون
__________
1 الإتقان جـ 2 ص 179، 183.
2 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 2 ص 370، 371.
3 آل عمران: 187.
4 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 14.
(1/80)

طورهم ويتهجمون على تفسير القرآن بغير علم، ويتطاولون على من يبصرهم بالحق، والمنهج الرشيد، بالسفاه والهجر من القول.
(1/81)

جواز التفسير بالرأي والاجتهاد:
وإذا كانت الأدلة التي استند إليها المانعون من التفسير بالاجتهاد لم تنهض أمام البحث والنظر، فقد تبين للباحث المنصف جواز التفسير بالرأي المتئد البصير، والاجتهاد الذي توفرت لصاحبه أسبابه، وهي: العلم بالعلوم التي ذكرناها في صدر الكتاب، وأيضا: لو لم نفسر القرآن بالاجتهاد لفات معنى التدبر والتأمل في القرآن الذي حثنا الله عليه في غير آية1، ولفات كثير مما اشتمل عليه الكتاب الكريم من الأحكام والآداب، وألوان المعارف والعلوم، التي لا يزال يظهر منها في كتاب الله كل يوم جديد.
وليس من شك: في أن الصحيح الثابت، المروي في تفسير القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم قليل، بالنسبة إلى ما لم يرو عنه فيه شيء، وكذلك ما روي عن الصحابة والتابعين لم يستوعب كل آيات الكتاب الكريم هذا إلى ما فيه من الضعيف، والموضوع، والإسرائيليات وهو شيء كثير ولا سيما في الآيات الكونية، التي يتجدد العلم فيها عصرا بعد عصر، وظهر بطلان ما فسرت به بطريق اليقين، فكان لا بد إذًا من فتح باب الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم، وإلا لاستعجم شيء غير قليل من آيات القرآن الكريم، وبقيت غير مفهومة المعنى، ولا معروفا منها المراد، وهذا ينافي كونه كتاب الهداية الكبرى، والمرشد الأعظم للبشرية في عصورها المتعاقبة والمعجزة العظمى، والآية الباقية لخاتم الأنبياء، والمرسلين، على وجه الدهر.
التفسير بالرأي؛ المذموم، والممدوح:
والخلاصة: أن تفسير القرآن بالرأي والاجتهاد نوعان:
__________
1 قد ذكرت بعضها في وجوب التفسير، وكونه فرض كفاية في صدر الكتاب.
(1/81)

الأول: التفسير المذموم المردود: وهو التفسير من غير تأهل له بالعلوم التي لا بد منها للمفسر، أو التفسير بالهوى والاستحسان، أو التفسير المقصود به تأييد المذهب الفاسد، والرأي الباطل، أو تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا اللون من التفسير كثيرا ما يشتمل على المرويات الواهية، والباطلة.
الثاني: التفسير الممدوح المقبول: وهو التفسير المبني على المعرفة الكافية بالعلوم اللغوية، والقواعد الشرعية، والأصولية: أصول الدين، وأصول الفقه، وعلم السنن والأحاديث، ولا يعارض نقلا صحيحا، ولا عقلا سليما، ولا علما يقينا ثابتا مستقرا، مع بذل غاية الوسع في البحث والاجتهاد والمبالغة في تحري الحق والصواب، وتجريد النفس من الهوى، والاستحسان بغير دليل، ومع مراقبة الله غاية المراقبة في كل ما يقول.
(1/82)

المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم
مدخل
...
المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم:
على من يفسر كتاب الله تعالى أن يبحث عن تفسيره في القرآن، فإن لم يجد فليطلبه فيما صح وثبت في السنة، فإن لم يجد فليطلبه في أقوال الصحابة، وليتحاش الضعيف، والموضوع، والإسرائيليات، فإن لم يجد في أقوال الصحابة، فليطلبه في أقوال التابعين، وإن اتفقوا على شيء كان ذلك أمارة غالبا على تلقيه عن الصحابة، وإن اختلفوا: تخير من أقوالهم، ورجح ما يشهد له الدليل، إن لم يجد في أقوالهم ما يصلح أن يكون تفسيرا للآية؛ لكونه ضعيفا، أو موضوعا، أو من الإسرائيليات التي حملوها عن أهل الكتاب الذين أسلموا؛ فليجتهد رأيه ولا يألو أي لا يقصر، إذا استكمل أدوات هذا الاجتهاد، وعليه أن يراعي القواعد الآتية:
1- أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر للمفسر، وأن يتحرز في ذلك عن نقص لما يحتاج إليه في إيضاح المعنى، أو زيادة لا تليق بالغرض، أي لا يوجز فيخل، ولا يطيل ويستطرد فيمل.
(1/82)

2- أن يعنى بأسباب النزول؛ فإن أسباب النزول كثيرا ما تعين على فهم المراد من الآية1.
3- أن يعنى بذكر المناسبات بين الآيات؛ لأن في ذلك الإفصاح عن خصيصة من خصائص القرآن الكريم وهي: الإعجاز، وللمناسبات في الكشف عن أسرار الإعجاز ضلع كبير.
وقد اختلفت مناهج المفسرين في هذين الأخيرين، فمنهم: من يذكر المناسبة؛ لأنها المصححة لنظم الكلام، وهي سابقة عليه، وبعضهم: يذكر السبب أولا؛ لأن السبب مقدم على المسبب.
والتحقيق: التفصيل بين أن يكون وجه المناسبة متوقفا على سبب النزول كآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} 2، فهذا ينبغي فيه تقديم السبب على المناسبة؛ لأنه حينئذ من باب تقديم الوسائل على المقاصد، وإن لم يتوقف وجه المناسبة على ذلك: فالأولى تقديم المناسبة على سبب النزول لبيان تآلف نظم القرآن، وتناسقه، وأخذ آياته بعضها بحجز بعض.
4- أن يجرد نفسه من الميل إلى مذهب بعينه، حتى لا يحمله ذلك على تفسير القرآن على حسب رأيه ومذهبه، ولا يزيغ بالقرآن عن منهجه الواضح، وطريقه المستقيم.
5- مراعاة المعنى الحقيقي والمجازي، حتى لا يصرف الكلام عن حقيقته إلى مجازه إلا بصارف، وليقدم الحقيقة الشرعية على اللغوية وكذلك الحقيقة العرفية، ولْيراعِ حمل كلام الله على معانٍ جديدة أولى من حمله على التأكيد، ولْيراعِ الفروق الدقيقة بين الألفاظ.
__________
1 فإنه بمعرفة سبب النزول يتبين لنا ارتباط الآية بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} الآيات، فقد فضل اليهود دين الوثنية على دين التوحيد، فكان ذلك منهم خيانة للأمانة التي أخذها الله عليهم أن يقولوا الحق ولا يجحدوا، واستحقوا بهذا التوبيخ، والوعيد، فمناسب بعد هذا أن يذكر بالأمانة العامة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُم} .
2 النساء: 58.
(1/83)

6- مراعاة تأليف الكلام، والغرض الذي سبق له، فإن ذلك يعينه على فهم المعنى المراد، وإصابة الصواب، قال الزركشي في البرهان: ليكُنْ مَحَطَّ نظر المفسر مراعاة نظم الكلام الذي سبق له، وإن خالف أصل الوضع اللغوي؛ لثبوت التجوز.
7- يجب على المفسر البداءة بما يتعلق بالمفردات، وتحقيق معانيها، ثم يتكلم عليها بحسب التركيب، فيبدأ بالإعراب إن كان خفيًّا، ثم ما يتعلق بالمعاني، ثم البيان، ثم البديع، ثم ليبين المعنى المراد ثم ما يستنبط من الآيات من الأحكام والآداب، وليراعِ القصد فيما يذكر من لغويات، أو نحويات، أو بلاغيات، أو أحكام، حتى لا يطغى ذلك على جوهر التفسير.
8- التحاشي عن ذكر الأحاديث والآثار الضعيفة والموضوعة، والروايات المدسوسة: من الإسرائيليات ونحوها، حتى لا يقع فيما وقع فيه كثير من المفسرين السابقين من الموضوعات، والإسرائيليات في أسباب النزول، وقصص الأنبياء والسابقين، وبدء الخلق والمعاد ونحوها. ومن هنا يتبين لنا صلة هذا الموضوع بالبحث الذي هو مقصود من هذا الكتاب.
(1/84)

غلبة الضعف على التفسير بالمأثور:
قلنا: إن التفسير بالمأثور يشمل التفسير بالقرآن الكريم، أو بالسنة أو بأقوال الصحابة، والتابعين.
أما تفسير القرآن بالقرآن: فهو لا غبار عليه، ولا اعتراض، وإنما يأتي الغلط من المفسر، بأن يفسر الشيء بما ليس بتفسير له عند التحقيق.
وأما تفسير القرآن بما صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو على العين والرأس، وليس لأحد أن يرفضه، أو يتوقف فيه بعد ثبوته، وقد صح عن الأئمة الأربعة المجتهدين في الأحكام أن كل واحد منهم قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط"1، وإذا كان هذا في الحلال والحرام، فما بالك بالتفسير الذي لا يتعلق
__________
1 عرض الحائط: أي جانبه والمراد إهماله، وعدم الأخذ به.
(1/84)

بالحلال والحرام؟ إنه واجب الاتباع من باب أولى، وأما الضعيف والموضوع المختلق على النبي: فأحرى به أن يرد.
وأما تفاسير الصحابة والتابعين، وهي أكثر من أن تحصى: ففيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع، والإسرائيليات، التي تشتمل على خرافات بني إسرائيل، وأكاذيبهم، وقد تدسست إلى الكتب الإسلامية، ولا سيما كتب التفسير، وأصبحت تكون ركاما، غثًّا مجموعًا من هنا وهناك، سواء في ذلك ما كان خاصا بالتفسير المأثور وما جمع بين المأثور وغيره، فما كان من هذه الروايات صحيحا أو حسنا: أخذنا به، وما كان ضعيفا، أو واهيا، أو موضوعا، أو من الإسرائيليات: نبذناه ولا كرامة.
(1/85)

ملاحظة الأئمة القدامي لهذه الظاهرة:
وقد تنبه العلماء المحدثون القدامى، إلى هذه الظاهرة، وهي: غلبة الضعف على الرواية بالمأثور، فقد روي عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل أنه قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم، والمغازي"، وقال المحققون من أصحاب الإمام: مراده: أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وإلا فقد صح من ذلك شيء غير قليل، كما قلنا فيما سبق، وحققناه، وقيل: لأن الغالب عليها المراسيل1.
وروي عن الإمام الكبير الشافعي أنه قال: "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"، ومهما كان في هذه الكلمة من مبالغة، فهي تدل على كثرة ما وضع على ابن عباس، وألصق به، ونسب إليه زورا.
__________
1 المرسل عند جمهور المحدثين: هو ما رواه التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصحابي، وأما المرسل عند الفقهاء وبعض المحدثين فهو: ما لم يتصل إسناده على أي وجه، سواء أكان المحذوف الصحابي أم غيره، وسواء أكان المحذوف واحدا من الرواة، أو أكثر.
(1/85)

أسباب الضعف في التفسير بالمأثور:
لقد دخل الوضع والكذب في الحديث، فلا جرم أن دخل في التفسير بالمأثور، فقد كان التفسير كما قلنا جزءا من الحديث، وإن أقدم كتاب وصل إلينا في الحديث وهو: موطأ الإمام مالك اشتمل على "كتاب التفسير"، وقد سار على هذا بعض المؤلفين في
(1/85)

الحديث، حتى بعد أن انفصل التفسير بمعناه الفني الدقيق، وصار علما مستقلا، كما ذكرنا.
ويرجع الضعف والوضع في التفسير بالمأثور إلى أسباب أهمها:
1- ما دسه الزنادقة من اليهود والفرس والرومان وغيرهم في الرواية الإسلامية، فقد دخل هؤلاء الإسلام وهم يضمرون له الشر والعداوة والكيد، وتستروا بالإسلام، بل بالغ بعضهم في التستر فتظاهر بحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كانوا لا يمكنهم مواجهة سلطان الإسلام لا عن طريق الحرب والعداوة السافرة، ولا عن طريق الحجة والبرهان، فقد توصلوا إلى أغراضهم الدنيئة عن طريق الوضع، والاختلاق، والدس في المرويات الإسلامية على النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، والتابعين، وكان للتفسير ولا ريب كفل من هذا، وكان هذا الصنف من أخبث الوضاعين، فقد وضعوا على النبي أحاديث يخالفها المحسوس، أو يناقضها المعقول، أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها، وإسفافها، مما لا يليق بالعقلاء.
2- الخلافات السياسية والمذهبية: فقد سولت هذه الخلافات لأرقاء الدين، وضعفاء الإيمان أن يضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، وأحاديث في فضائل متبوعيهم، وفي مثالب مخالفيهم، وذلك: كما فعل الشيعة، ولا سيما الروافض، فقد وضعوا في فضل سيدنا علي وآله أحاديث كثيرة، ونسبوا إليه كل علم وفضل، وفيها ما يتعلق بتفسير بعض آيات القرآن، وبأسباب النزول، كما وضعوا أحاديث في ذم السادة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم.
وكذلك: فعل أنصار العباسين، فقد وضعوا على ابن عباس روايات كثيرة، ولا سيما في تفسير القرآن، وصوروه بصورة العالم بكل شيء وقولوه ما لم يقل، كما وضعوا أحاديث في مثالب الأمويين وذمهم، وقابلهم أنصار الأمويين بالمثل، فضلا عن أعقل العقلاء، وإنما ينصبون بذلك المكيدة لضعفاء الأحلام، وأرقاء الدين، حتى يقعوا في ريبة فتتزلزل من نفوسهم عقيدة: أن الإسلام تنزيل من حكيم عليم.
قال ابن قتيبة1. "الحديث مدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة: الزنادقة، واجتيالهم للإسلام، وتهجينه ببث الأحاديث المستبشعة، والمستحيلة، كالأحاديث التي
__________
1 تأويل مختلِف الحديث لابن قتيبة ص 355.
(1/86)

قدمنا ذكرها من عرق الخيل، وعيادة الملائكة، وقفص الذهب على جمل أورق، وزغب الصدر ونور الذراعين، مع أشياء ليست تخفى على أهل الحديث"1.
وقال حماد بن زيد: "وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث ولما جيء بعبد الكريم بن أبي العوجاء، خال معن بن زائدة، الذي قتله محمد بن سليمان بن علي العباسي، أمير البصرة، بعد سنة مائة وستين في زمن المهدي، اعترف حينئذ بوضع أربعة آلاف حديث مما يحرم فيها الحلال، ويحلل فيها الحرام، وكان عبد الكريم هذا متهما بالمانويه، وكان يضع أحاديث بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له بالجرح والتعديل. وتلك الأحاديث ضلالات في التشبيه، والتعطيل وبعضها بعيد عن أحكام الشريعة2، كما كان ينتسب إلى الرافضة في الظاهر، ووضع لهم الأحاديث التي اغتروا بها3، وقد كان الزنادقة حملوا الكثير من الخرافات والأباطيل، مما هو مسطور في كتبهم، ودسوها في الرواية الإسلامية وفسروا بها بعض الآيات القرآنية، ونسبوها زورًا إلى النبي، أو الصحابة، والتابعين، فجاء من لا يعلم الحقيقة، فطعن في الإسلام بسبب هذه المرويات الباطلة مثل حديث: "عوج بن عوق"، وأمثاله وقد ناهض العلماء حركة الزندقة بالتنبيه إلى ضلالاتهم ودسهم: كما قاومهم الخلفاء، والأمراء بقتلهم، وصلبهم.
وكذلك فعل الخوارج4، والقدرية5، والمرجئة6، والكرامية7، والباطنية8.
__________
1 حديث عرق الخيل هو ما روي كذبا: "أن الله لما أراد أن يخلق نفسه خلق الخيل وأجراها، فعرقت فخلق نفسه منها" قال ابن عساكر: هذا موضوع وضعه الزنادقة ليشنعوا على أهل الحديث في روايتهم المستحيل، وهو مما يقطع ببطلانه عقلا وشرعا، أما حديث عيادة الملائكة فهو ما روي كذبا: "أن الله اشتكت عيناه فعادته الملائكة" أما حديث قفص الذهب فلعل المراد به ما روي كذبا: "ينزل ربنا عشية عرفة على جمل أورق يصافح الركبان، ويعانق المشاة"، قال ابن تيمية: هو من أعظم الكذب، أما حديث زغب الصدر، فهو ما روي زورا: "خلق الله تبارك وتعالى الملائكة من شعر ذراعيه وصدره أو نورهما".
2 الفرق بين الفرق للبغدادي ص 256.
3 التبصير في الدين ص 81.
4 هم الذين خرجوا على "على" ومعاوية وأتباعهما بعد ارتضائهما بالتحكيم وقالوا: "لا حُكْم إلا لله".
5 القدرية: هم الذين يقولون: "إن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية"، فقد سلبوها عن الله، ونسبوها لأنفسهم.
6 المرجئة: هم الذين يؤخرون الأعمال عن الإيمان، ويقولون: "لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة".
7 هم أتباع محمد بن كرام السجستاني.
8 هم الذين يقولون: "إن للقرآن ظاهرا وباطنا، والمراد الباطن، ونسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة اللب إلى القشرة".
(1/87)

وأضرابهم، فقد وضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم، دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة، ثم القرامطة1، وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة، والقرامطة، والرافضة؛ فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ} هما: أبو بكر وعمر، قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 2 أي: بين أبي بكر، وعمر، وعلي في الخلافة، وقالوا في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} 3 هي: عائشة وقوله: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} 4: طلحة والزبير، وقوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ} : عليا وفاطمة، وقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} 5: الحسن والحسين، وقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} 6 هو: علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو: تصدقه بخاتمه في الصلاة وكذلك قوله: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} 7: نزلت في علي لما أُصيب بحمزة، ومما يقارب هذا من بعض الوجوه: ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار} 8: إن "الصابرين": رسول الله، و"الصادقين": أبو بكر، و"القانتين": عمر، والمنفقين": عثمان، والمستغفرين" علي، وفي مثل قوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَه} : أبو بكر، {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار} : عمر، {رُحَمَاءُ بَيْنَهُم} : عثمان، {تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} 9: علي، وأعجب من ذلك:
__________
1 القرامطة: فرقة من الباطنية نسبوا إلى أولهم، الذي دعا إلى مذهبهم، وهو رجل يسمى حمدان قرمط، وهي إحدى قرى واسط.
2 الزمر: 65.
3 البقرة: 67.
4 التوبة: 12.
5 الرحمن: 19، 22.
6 المائدة: 55.
7 البقرة: 157.
8 آل عمران: 17.
9 الفتح: 29.
(1/88)

قول بعضهم: {وَالتِّينِ} : أبو بكر، {وَالزَّيْتُونِ} : عمر، {وَطُورِ سِينِين} : عثمان، {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين} 1: علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه2، وقد أطلت القول في هذا، في كتابي: "الوضع في الحديث وآثاره السيئة في كتب العلوم"3.
3- القُصَّاص: فقد كانت هناك فئة تقص بالمساجد، وتذكر الناس، وترغبهم، وترهبهم، ولما كان هؤلاء ليسوا من أهل العلم بالحديث، وكان غرضهم من ذكر القصص استمالة العوام، فقد اختلقوا بعض القصص الباطل، وروجوا البعض الآخر بذكرهم له، وفي هذا الكثير من الإسرائيليات والخرافات والأباطيل، وقد تلقفها الناس منهم؛ لأن من طبيعة العوام الميل إلى العجائب والغرائب.
ويعجبني في هذا: ما ذكره ابن قتيبة عن القصاص، قال: فإنهم يميلون وجه العوام إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير، والأكاذيب من الأحاديث، ومن شأن العوام: القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب، فإذا ذكر الجنة قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل في ميل، ويبوِّئ الله وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء، فيها سبعون ألف مقصورة، في كل مقصورة سبعون ألف قبة، ولا يزال هكذا في السبعين ألفا، لا يتحول عنها.
ومن هؤلاء القصاص: من كان يبتغي الشهرة والجاه بين الناس، ومنهم: من كان يقصد التعيش والارتزاق، ومنهم من كان سيء النية خبيث الطوية، يقصد الإفساد في الدين، وحجب جمال القرآن بما يفسره به من أباطيل وخرافات.
وقد حدثت بدعة القص في آخر عهد الفاروق: عمر رضي الله عنه، وقد كان ملهما حقا، حينما أبى أن يقص قاص في المسجد، وفيما بعد صار حرفة، ودخل فيه من لا خلاق له في العلم، وقد ساعدهم على الاختلاق: أنهم لم يكونوا من أهل الحديث.
__________
1 سورة التين: 1، 2،
2 مقدمة في أصول التفسير 38-40.
3 هي الرسالة التي نلت بها العالمية من درجة أستاذ "الدكتوراه" ولم تطبع بعد. وقد تولد منها كتابان: دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، والثاني: هذا الكتاب.
(1/89)

والحفظ، وغالب من يحضرهم جهال، فجالوا وصالوا في هذا الميدان، وأتوا بما لا يقضى منه العجب.
ومن صفاقاتهم في هذا: ما روي أنه صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين بمسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معينن قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان"، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة! فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى ينظر إليه فقال: أنت حدثته بهذا! قال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما انتهى أشار له يحيى، فجاء متوهما نوالا، فقال له يحيى: من حدثك بهذا؟ قال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى. وهذا أحمد، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عيه وسلم، فإن كان ولا بد فعلى غيرنا، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل أحمقان، ما تحققته إلا الساعة، فقال له يحيى: وكيف؟ قال: كأنه ليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما، لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين! 1 فما كان منهما إلا ان رضيا من النقاش بالسلامة.
ومن يدري، فلعلهما لو أطالا معه القول، لنالهما ما نال الشعبي، فقد دخل مسجدا، فإذا رجل عظيم اللحية، وحوله ناس يحدثهم، وهو يقول: إن الله خلق صورين، في كل صور نفختان، قال: فخففت صلاتي، ثم قلت له: اتق الله يا شيخ، إن الله لم يخلق إلا صورا واحدا، فقال لي: يا فاجر أنا يحدثني فلان، وفلان، وترد علي، ثم رفع نعله، وضربني فتتابع القوم علي ضربا، فو الله ما أقلعوا عني حتى قلت لهم: إن الله خلق ثلاثين صورا في كل صور نفختان!! وهكذا كان القصاص مصدر شر وبلاء على الإسلام والمسلمين.
4- بعض الزهاد والمتصوفة: فقد استباح هؤلاء لأنفسهم وضع الأحاديث، والقصص في الترغيب، والترهيب، ونحوهما، وتأولوا في الحديث المتواتر المعروف:
(1/90)

"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، وقالوا: إنما تكذب للنبي ولا نكذب عليه1. وهو جهل منهم باللغة والشرع، فكل ذلك كذب عليه؛ لأن الكذب هو عدم مطابقة الأمر للواقع، فكل من ينسب إلى النبي، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين ما لم يقولوه، فقد كذب عليهم، قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: "رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا؛ حسبة لوجه الله". وعن طريق هؤلاء دخل في التفسير شيء كثير.
5- النقل عن أهل الكتاب الذين أسلموا ككعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري وأمثالهم، وقد حمل هؤلاء الكثير من المرويات المكذوبة، والخرافات الباطلة، الموجودة في التوراة وشروحها، وكتبهم القديمة التي تلقوها عن أحبارهم ورهبانهم جيلا بعد جيل، وخلفا عن سلف، ولم تكن هذه الإسرائيليات والمرويات مما يتعلق بأصول الدين، والحلال والحرام، وهي التي جرى العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم على التثبت منها، والتحري عن رواتها، وإنما كانت فيما يتعلق بالقصص، وأخبار الأمم الماضية، والملاحم2، والفتن، وبدء الخلق، وأسرار الكون، وأحوال يوم القيامة.
وقد تنبه إلى هذا بعض الأئمة القدامى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، المتوفى سنة 728هـ، في أثناء الكلام عن تفاسير الصحابة، قال: "وهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير3، في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود، وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل
__________
1 أي لترويج دينه وشريعته، لا للطعن فيهما.
2 جمع ملحمة وهو المواقع العظيمة.
3 السدي الكبير مختلف فيه: فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، أما السدي الصغير فهو متهم بالكذب.
(1/91)

ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين1 من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث، من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد"2، وقال أيضًا في رده على البكري، منكرًا عليه استدلاله بالحديث الذي يرويه، عن استشفاع آدم بالنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحديث، وأمثاله لا يُحتج به في إثبات حكم شرعي، لم يسبقه أحد من الأئمة إليه..... فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد حسن، ولا صحيح، بل ولا ضعيف يستأنس به، ويعتضد به، وإنما نقل هذا وأمثاله كما تنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب وتنقل عن مثل كعب، ووهب، وابن إسحاق، ونحوهم، من أخذ ذلك عن مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم كما روي: أن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك من الإسرائيليات، وكان يحدث منها بأشياء"3.
وقد وافق ابن تيمية على مقالته أحد تلاميذه، وهو: الإمام الحافظ المفسر ابن كثير، فذكر نحوا من ذلك في مقدمة تفسيره4.
وقد جاء بعد ابن تيمية: الإمام العالم المؤرخ، واضع أساس علم الاجتماع: عبد الرحمن بن خلدون، المتوفى سنة 808، فأبان عن ذلك بأوفى وأتم في هذا في مقدمته المشهورة في أثناء الكلام عن علوم القرآن من التفسير والقراءات، قال: "وصار التفسير على صنفين تفسير نقلي، مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي: معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، ومقاصد الآي، وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين، وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث، والسمين، والمقبول، والمردود.
__________
1 الزاملة البعير الذي يحمل عليه -يعني حمل بعيرين.
2 مقدمة في أصول التفسير ص 45.
3 الرد على البكري ص 6.
4 تفسير ابن كثير والبغوي جـ 1 ص 8.
(1/92)

والسبب في ذلك: أن العرب لم يكونوا أهل كتاب، ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة، والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة وأسرار الوجود؛ فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير، الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا علي ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان1، والملاحم، وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل ويتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها -كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ"2.
وفي كتب التفسير من هذه الإسرائيليات طامات وظلمات، والكثير منها لم ينبِّه ناقلوه على أصله، ولم يوقف على قائله، فكانت مثارا للشك، والطعن، والتقول على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم.
6- نقل كثير من الأقوال، والآراء المنسوبة إلى الصحابة والتابعين من غير إسناد، ومن غير تحرٍّ عن رواتها، فمن ثم التبس الصحيح بالضعيف، والحق بالباطل، وصار كل من يقع على رأي يعتمده ويورده، ثم يجيء من بعدهم فينقله؛ على اعتبار أن له أصلا، وتحسينا للظن بقائله، ولا يكلف نفسه مؤنة البحث عن منشأ الرواية، وعمن رويت، ومن رواها عنه.
__________
1 حدثان الدهر: أحداثه المشهورة.
2 مقدمة ابن خلدون: بحث التفسير ص 368 ط الأزهرية.
(1/93)

خطورة رفع هذه الإسرائيليات إلى النبي صلى الله عليه وسلم:
ولو أن هذه الإسرائيليات ولا سيما المكذوب والباطل منها وقف بها عند قائليها، لكان الأمر محتملا بعض الشيء، ولكن الشناعة وكبر الإثم: أن بعض الزنادقة، والوضاعين وضعفاء الإيمان، قد رفعوا هذه الإسرائيليات إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ونسبوها إليه صراحة، وهنا يكون الضرر الفاحش والجناية الكبرى على الإسلام والتجني الآثم على النبي صلى الله عليه وسلم 0؛فإن نسبة الغلط، أو الخطأ أو الكذب إلى الراوي أيا كان أهون بكثير من نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن ما اشتملت عليه بعض الإسرائيليات من الخرافات، والأباطيل ليصد أي إنسان -مهما بلغ من التسامح في هذا العصر الذي نعيش فيه -عن الدخول في الإسلام، ويحمله على أن ينظر إليه نظرة الشك، والارتياب.
ولهذا: ركز المبشرون والمستشرقون طعونهم في الإسلام ونبيه على مثل هذه الإسرائيليات والموضوعات؛ لأنهم وجدوا فيها ما يسعفهم على ما نصبوا أنفسهم له من الطعن في الإسلام، وإرضاء لصليبيتهم التي رضعوها في لبان أمهاتهم.
وهذه الأباطيل والخرافات مهما بلغ إسنادها من السلامة من الطعن فيه، لا نشك في تبرئة ساحة النبي صلى الله عليه وسلم عنها: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} .
الموقوف من الإسرائيليات على الصحابة والتابعين:
ولو أن هذه الإسرائيليات جاءت مروية صراحة عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه، أو عبد الله بن سلام، وأضرابهم، لدلت بعزوها إليهم أنها مما حملوه، وتلقوه عن كتبهم ورؤسائهم قبل إسلامهم، ثم لم يزالوا يذكرونه بعد إسلامهم. وأنها ليست مما تلقوه عن النبي أو الصحابة، ولكانت تشير بنسبتها إليهم إلى مصدرها، ومن أين جاءت وأن الرواية الإسلامية بريئة منها.
ولكن بعض هذه الإسرائيليات بل الكثير منها جاء موقوفا على الصحابة، ومنسوبا إليهم رضي الله عنهم فيظن من لا يعلم حقيقة الأمر، ومن ليس من أهل العلم بالحديث أنها متلقاة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، فلها
(1/94)

حكم المرفوع إلى النبي، وإن لم تكن مرفوعة واضحة.
تَحَوُّط دقيق للمحدثين:
وقد كان أئمة علم أصول الحديث، والرواية، أبعد نظرًا، وآصل تفكيرًا، وأوسع اطلاعًا، وأدق في تقعيدهم لقواعد النقد في الرواية حينما قالوا: إن الموقوف على الصحابة يكون له حكم المرفوع إلى النبي بشرطين:
1- أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
2- أن لا يكون راويه معروفًا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا وبرواية الإسرائيليات، ومن ثم: يجد الباحث الحصيف المنصف مخارج لهذه الروايات الموقوفة على الصحابة، وهي في نفسها مكذوبة وباطلة فهي: إما إسرائيليات، أخذها بعض الصحابة الذين رووها، عن أهل الكتاب الذين أسلموا؛ ورووها ليعلم ما فيها من الغرائب والعجائب، ولم ينبهوا على كذبها وبطلانها اعتمادا على ظهور كذبها وبطلانها، ولعلهم نبهوا إلى كذبها وعدم صحتها، ولكن الرواة لم ينقلوا هذا عنهم، وإما أن تكون مدسوسة على الصحابة، وضعها عليهم الزنادقة، والملحدون، كي يظهروا الإسلام وحملته بهذا المظهر المنتقد المشين، وأما ما يحتمل الصدق والكذب منها، وليس فيه ما يصدم نقلًا صحيحًا، أو عقلا سليمًا، فذكروه لما فهموه من الإذن لهم في روايتها من قوله صلى الله عليه وسلم: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وهذا النوع أقل خطرًا من الأول، إلا أنه لا فائدة تُذكَر من الاشتعال به، بل كان حجابا لجمال القرآن، وتفسيره الصحيح.
وكذلك جاء الكثير جدًّا من هذه الإسرائيليات عن التابعين، واحتمال أخذها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أكثر من احتمال أخذها عن الصحابة، فمنشؤها في الحقيقة هو ما ذكر لك، وهي: التوراة وشروحها، والتلمود وحواشيه، وما تلقوه عن أحبارهم، ورؤسائهم الذين افتروا، وحرفوا وبدلوا، ورواتها الأول، هم: كعب الأحبار، ووهب بن منبه وأمثالهما؛ والنبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم بريئون من هذا.
ويجوز أن يكون بعضها مما ألصق بالتابعين، ونسب إليهم زورا ولا سيما أن أسانيد
(1/95)

معظمها لا تخلو من ضعيف أو مجهول، أو متهم بالكذب، أو الوضع، أو معروف بالزندقة، أو مغمور في دينه وعقيدته.
(1/96)

بعض الإسرائيليات قد يصح السند إليها:
ولعل قائلا يقول: أما ما ذكرت من احتمال أن تكون هذه الروايات الإسرائيلية مختلقة، موضوعة على بعض الصحابة والتابعين، فهو إنما يتجه في الروايات التي في سندها ضعيف أو مجهول، أو وضاع، أو متهم بالكذب، أو سيء الحفظ، يخلط بين المرويات، ولا يميز، أو نحو ذلك، ولكن بعض هذه الروايات حكم عليها بعض حفاظ الحديث بأنها صحيحة السند أو حسنة السند، أو إسنادها جيد، أو ثابت، ونحو ذلك، فماذا تقول فيها؟!
والجواب: أنه لا منافاة بين كونها صحيحة السند، أو حسنة السند أو ثابتة السند، وبين كونها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، وأكاذيبهم فهي صحيحة السند إلى ابن عباس، أو عبد الله بن عمرو بن العاص، أو إلى مجاهد، أو عكرمة، أو سعيد بن جبير وغيرهم، ولكنها ليست متلقاة عن النبي، لا بالذات، ولا بالواسطة ولكنها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا، فثبوتها إلى من رويت عنه شيء، وكونها مكذوبة في نفسها، أو باطلة، أو خرافة، شيء آخر، ومثل ذلك: الآراء والمذاهب الفاسدة اليوم، فهي ثابتة عن أصحابها، ومن آرائهم ولا شك، ولكنها في نفسها فكرة باطلة، أو مذهب فاسد.
(1/96)

رواية الكذب ليس معناه أنه هو الذي اختلقه
...
راوية الكذب ليس معناه أنه هو الذي اختلقه:
وأحب أن أنبه هنا إلى حقيقة، وهي: أنه ليس معنى أن هذه الإسرائيليات المكذوبات والباطلات مروية عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم أنها من وضعهم، واختلاقهم، كما زعم ذلك بعض الناس اليوم، وإنما معنى ذلك: أنهم هم الذين رووها، ونقلوها لبعض الصحابة والتابعين من كتب أهل الكتاب ومعارفهم، وليسوا هم الذين اختلقوها، وإنما اختلقها، وافتجرها أسلافهم القدماء.
ولم يقل أحد من أئمة الجرح والتعديل على حصافتهم، وبُعد نظرهم: أن كعبا،
(1/96)

ووهبا، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وأمثالهم كانوا وضاعين، يتعمدون الكذب، والاختلاق من عند أنفسهم، وإنما الذي قالوه عنهم: أنهم كانوا هم الواسطة في حمل ونقل معارف أهل الكتاب إلى المسلمين، وأن البعض رواها عنهم، فليس الذنب ذنبهم، وإنما الذنب ذنب من نقلها، ورواها عنهم من غير بيان لكذبها وبطلانها.
ولما كانت رواية الإسرائيليات تدور غالبا على كعب، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأنهم هم الذين كان الاتهام منصبا عليهم أكثر من غيرهم، فسأذكر لكل منهم ترجمة، كي يتبين المنصف آراء أئمة الجرح والتعديل فيهم:
(1/97)

ترجمات:
1- عبد الله بن سلام:
هو: أبو يوسف عبد الله بن سلام1 بن الحارث من بني قينقاع، وهو: من ذرية يوسف الصديق عليه السلام، وكان اسم عبد الله بن سلام في الجاهلية الحصين، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله رواه ابن ماجه، وكان من حلفاء الخزرج من الأنصار، أسلم أول ما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة2 ولإسلامه قصة ذكرها البخاري في صحيحه؛ ذلك أن النبي مدة مقامه في دار الصحابي الجليل: أبي أيوب الأنصاري قدم عليه أحد أحبار اليهود وعلمائهم، وهو: عبد الله بن سلام، وكان يعلم من كتبهم أوصاف النبي المبعوث في آخر الزمان فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سأله بعض أسئلة، تأكد منها أنه نبي؛ لأنه ما يعلمها إلا نبي مرسل، فأسلم، وقال للرسول: لا تعلن إسلامي، حتى تسأل اليهود عني؛ لأنهم إن علموا إسلامي فسينقصونني، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، فلما أخبرهم بإسلامه، قالوا: شرنا وابن شرنا. وإليك هذه القصة، كما رواها البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال في حديث هجرة النبي، وصاحبه الصديق إلى المدينة: "فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء
__________
1 بفتح السين. وتخفيف اللام.
2 فتح الباري ج 7 ص 101 ط البهية.
(1/97)

عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم، وابن أعلمهم فادعهم، فاسألهم عني، قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فأقبلوا، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه؟ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاث مرار1، قال: "فأي رجل فيكم عبد الله ابن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم"؟ قالوا: حاشا الله ما كان ليسلم...." وكررها ثلاثا وأجابوه كذلك ثلاثا"، قال: "يا ابن سلام، اخرج عليهم"، فخرج عليهم، فقال: يا معشر اليهود: اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، وفي رواية أخرى: أنهم قالوا: شرنا، وابن شرنا، وتنقصوه قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله2، وقد أسلم بإسلامه أهل بيته، وعمة له تسمى: خالدة3.
وقد بشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، وقالوا: إنه فيه نزلت الآية الكريمة: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِه} 4 الآية، روى البخاري في صحيحه بسنده، عن سعد بن أبي وقاص، قال: وما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام5، قال: وفيه: نزلت هذه
__________
1 يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كرر عليهم مقالته ثلاثا، وهم كرروا ردهم هذا ثلاثا.
2 صحيح البخاري، باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة، وباب من غير إضافة، مذكور قبل باب إتيان اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة.
3 فتح الباري ج 7 ص 202.
4 الأحقاف الآية: 10.
5 الظاهر أن سيدنا سعدا قال ذلك بعد موت معظم المبشرين بالجنة؛ لأن عبد الله بن سلام عاش بعدهم، ولم يتأخر معه من العشرة إلا سعد، وسعيد، على أنه سماعه ذلك في حق عبد الله بن سلام لا ينفي سماعه مثل ذلك في حق غيره.
(1/98)

الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِه} الآية1 قال: لا أدري قال مالك: الآية، أو في الحديث2.
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن قيس بن عباد، قال: "كنت جالسا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوَّز3 فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم4، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روض، ذكر من سعتها، وخضرتها، وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارق، قلت: لا أستطيع، فأتاني مِنْصَف5 فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت العروة فقيل لي: استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود، عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الإسلام، فأنت على الإسلام حتى تموت"، وذاك الرجل: عبد الله بن سلام6.
وقد روى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه أبناه: يوسف ومحمد، وأبو هريرة، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعرى، وعطاء بن يسار وغيرهم، وشهد مع سيدنا عمر رضي الله عنه فتح بيت المقدس والجابية، وقد عده بعضهم في
__________
1 فإن قيل السورة مكية؟ قلنا: لا ينافي هذا كون السورة مكية، فقد حزم بعض العلماء بأن الأحقاف مكية إلا هذه الآية، ولا مانع أن تكون السورة كلها مكية، وتقع الإشارة فيها إلى ما سيقع بعد الهجرة، من شهادة عبد الله بن سلام.
2 يعني أن نزول الآية في حق عبد الله قاله الإمام مالك من قبل نفسه، أو هو مروي في الحديث، وقد رجح الحافظ في الفتح" أنها من قول مالك.
3 أي تخفف فيهما.
4 هذا إما أن يكون قاله تواضعا، أو لبيان أنهم إن قالوا ذلك فإنما قالوه عن علم؛ لأنه ليس لأحد من أهل العلم والتثبت أن يقول ما لا يعلم، ويؤيد هذا القصة التي ذكرها.
5 بكسر الميم وسكون النون وفتح الصاد: أي خادم.
6 صحيح البخاري، باب فضائل الصحابة، باب مناقب عبد الله بن سلام.
(1/99)

البدريين، وأما ابن سعد: فذكره في الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق، وما بعدها وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين من الهجرة.
فها نحن نرى: أنه كان من أعلم اليهود؛ بشهادتهم، وأنه كان من علماء الصحابة بعد إسلامه، وبحسبه فضلا: شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، وشهادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم له كما سمعت، فهل يجوز في العقل أن يشهد النبي بالجنة لرجل يصدر منه الكذب، وفي أي شيء؟ في الحديث!! ثم هو صحابي، والصحابة كلهم عدول، فمن المستبعد جدًّا أن يكذب في الرواية، ولم أر أحدا من علماء الجرح والتعديل، وأئمة العلم والدين تناوله، أو ذكر فيه ما يخدش عدالته إلا ما كان من الكتاب المتأخرين الذين تأثروا بكلام المستشرقين، وأتباعهم، ونوايا المستشرقين ولا سيما اليهود منهم، نحو الإسلام، والنبي، والصحابة موسومة بالخبث، والعداوة، وسوء الظنة، ولا أدرى كيف نعدل عن كلام الأئمة الأثبات، ونأخذ بكلام المستشرقين؟!!
وأحب أن أقرر هنا: أن حفاظ الحديث، ونقاده البصيرين به قد تعرضوا لكل المرويات عن عبد الله بن سلام وغيره، وبينوا الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود.
ونحن لا ننفي أن عبد الله بن سلام، روى بعض ما علمه من معارف أهل الكتاب وثقافتهم، ورويت عنه، ولكن الذي ننفيه، أن يكون ألصق هذه المرويات بالنبي صلى الله عليه وسلم ونسبها إليه زورا، وأنه كان وضاعا كذابا، ومن يرى خلاف هذا فنحن نطالبه بالحجة، والبرهان، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين للهجرة.
2- كعب الأحبار:
هو: كعب بن ماتع1، بن عمرو بن قيس من آل ذي رعين، وقيل: ذي الكلاع الحميري، وقيل: غير ذلك في اسم جده ونسبه، يكني أبا إسحاق، كان في حياة
__________
1 بكسر التاء المثناة بعدها عين مهملة.
(1/100)

النبي صلى الله عليه وسلم رجلا، وكان يهوديا عالما بكتبهم، حتى كان يقال له: كعب الحبر، وكعب الأحبار1.
وكان إسلامه في خلافة سيدنا عمر، وقيل: في خلافة الصديق، وقيل: إنه أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن تأخرت هجرته، فمن ثم لم يره، والأول هو الأصح والأشهر، وقد سكن المدينة وغزا الروم في خلافة عمر، ثم تحول في عهد سيدنا عثمان إلى الشام، فسكنها، إلى أن مات بحمص، في خلافة عثمان سنة اثنتين، أو ثلاث، أو أربع وثلاثين، والأول هو الأكثر، وقد كان عنده علم بكتب أهل الكتاب، والثقافة اليهودية، كما كان له حظ من الثقافة الإسلامية ورواية الأحاديث.
روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه مرسل؛ لأنه لم يلقَ النبي ولم يسمع منه، وعن عمر، وصهيب، والسيدة عائشة، وروى عنه من الصحابة معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس، وبقية العبادية، وعطاء بن أبي رباح، وغيره من التابعين.
وقد أثنى عليه العلماء، قال ابن سعد: ذكروه لأبي الدرداء فقال: "إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا" والظاهر أنه أراد مما يتعلق بكتب أهل الكتاب، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال: قال معاوية: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عند العلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين"، وقال فيه الحافظ ابن حجر في "الفتح": كان من أخيار الأحبار2.
رأي علماء الجرح والتعديل فيه:
وعلماء الجرح والتعديل، وهم الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راوٍ، مهما تستر، لم يتهموه بالوضع والاختلاق، والجمهور على توثيقه، ولم نجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين، وقد ترجم له الإمام الذهبي ترجمة قصيرة في: "تذكرة الحفاظ"، وتوسع ابن عساكر في ترجمته، في: "تاريخ دمشق"، وأطال أبو نعيم في: "حلية الأولياء".
__________
1 الحبر "بكسر الحاء، وتفتح": المداد الذي يكتب به، ويجمع على أحبار ولقب به العالم لكثرة كتابته، وملازمته له.
2 فتح الباري ج 13 ص 285.
(1/101)

في أخباره، وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له الحافظ ابن حجر في: "الإصابة"، و: "تهذيب التهذيب"، وتكاد تتفق كلمة النقاد على توثيقه1.
مقالة سيدنا معاوية بن كعب:
ولكن قد يعكر على ما ذكرنا: ما ورد في حقه في الصحيح: روى البخاري في صحيحه بسنده، عن حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية وهو يحدث رهطا من قريش بالمدينة -يعني لما حج في خلافته- وذكر كعب الأحبار، فقال: "إن كان من أصدق -وفي رواية: لمن أصدق- هؤلاء الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب"2.
وظاهر كلام معاوية، يخدش كعبا في بعض مروياته، كما يدل أيضا على أن الذين كانوا يحدثون بمعارف أهل الكتاب، كان فيهم صادقون، وأن كعبا كان من أصدق هؤلاء، ولكنها لا تدل على أنه وضاع أو كذاب.
وقد حسن العلماء الظن بكعب، فحملوا هذه الكلمة على محمل حسن قال ابن التين: وهذا نحو قول ابن عباس في حق كعب المذكور: "بدل من قبله فوقع في الكذب، قال والمراد بالمحدثين، أنداد كعب ممن كانوا من أهل الكتاب، وأسلموا، فكان يحدث عنهم، وكذا من نظر في كتبهم، فحدث عما فيها، قال: ولعلهم كانوا مثل كعب إلا أن كعبا كان أسد منهم بصيرة، وأعرف بما يتوقاه، وقال ابن حبان في "الثقات": أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به، ولم يرد أنه كان كذابا، وقال ابن الجوزي: المعنى: أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذابا، لا أنه يتعمد الكذب3.
والظاهر: أن سيدنا معاوية رضي الله عنه لم يقل مقالته هذه في كعب الأحبار إلا بعد أن اختبره في مروياته، وآرائه، فوجد بعضها لا يوافق الحق والصدق، وأنه كان
__________
1 مقالات الكوثري ص 31.
2 صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.
3 فتح الباري ج 13 ص 284، 285.
(1/102)

يذكر آراء، وأقوالا ليست صحيحة، وتحتاج إلى المراجعة والتثبت.
وليس أدل على هذا: من هذه الحادثة التي كانت بين معاوية، وكعب، فقد روى ابن لهيعة قال: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟! فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} ، وهذا إن صح: يدل على أنه كان يذكر آراء من عند نفسه، وباجتهاده في بعض الروايات، وهي غير صحيحة، وإلا فلو كان موجودا في التوراة أو في غيرها لكان الأقرب في الرد أن يقول في الرد: وجدت ذلك في كتب الأولين.
وقد علق على هذه الحادثة الحافظ ابن كثير، فقال: وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في هذا الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب، يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه: أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل، مصحَّف، محرَّف، مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير، وفساد عريض. وتفسير كعب قول الله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} بأنه يربط خيله بالثريا غير صحيح، ولا مطابق للواقع؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وإنما التفسير الصحيح: أن الله يسر له الأسباب أي الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم والبلاد، وكسر الأعداء، وكبت الملوك، وإذلال أهل الشرك فقد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا1.
وكذلك: نجد أبا هريرة أيضا يراجع كعبا في بعض أقواله، فقد سأله عن الساعة التي في يوم الجمعة، لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئا، إلا أعطاه إياه"، فيجيبه كعب: بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له: أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبي
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 5 ص 223، 224.
(1/103)

هريرة، فيرجع إليه، وكذلك: نجد أبا هريرة يسأل عبد الله بن سلام، عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني ولا تضنَّ علي، فيجيبه ابن سلام، بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال الرسول: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي"؟!، وتلك الساعة لا يصلى فيها، فيجيبه بقوله: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"؟ 1.
ولو أن الصحابة راجعوا أهل الكتاب في كل مروياتهم التي أخذوها عنهم، لكان من وراء ذلك خير كثير، ولخلت كتب التفسير من هذا الركام من الإسرائيليات، التي تصادم العقل السليم، والنقل الصحيح، ولكن هذا ما كان.
ومع هذا: لم نعلم أحدًا طعن فيه، ورماه بالكذب والاختلاق إلا ما كان من بعض المتأخرين2.
ومهما يكن من شيء فقد تبين لنا أنه ما كان وضاعا يعتمد الكذب، وأن الإسرائيليات التي رواها، إن كان وقع فيها كذب، وأباطيل، فذلك يرجع إلى من نقل عنهم من أسلافه الذين حرفوا وبدلوا، وإلى بعض كتب اليهود التي حشيت بالأكاذيب، والخرافات وإما إلى خطئه في التأويل كما في قصة ذي القرنين، وزعم كعب أنه كان يربط خيله في الثريا، ويفسر بعض الآيات الواردة في القصة بذلك.
وإما إلى إستناده إلى الظن والحدس من غير دليل، كما في قصته مع الصحابي الجليل أبي هريرة في الساعة التي في يوم الجمعة، وزعمه أنها في جمعة واحدة في السنة، لا في كل جمعة، ثم رجوعه إلى ما رآه أبو هريرة من أنها في كل جمعة من العام.
ومع هذا: ترى أنه كان أولى به وأجمل وهو عالم مسلم، لو أنه تحرى الحق، والصدق، وميز في مروياته بين الغث والسمين، وما يجوز نقله، وما لا يجوز، فإن ناشر مثل هذا لا يخلو من مؤاخذة وإثم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "من
__________
1 التفسير والمفسرون ج 1 ص 170، 171، عن القسطلاني ج 2 ص 190.
2 هو السيد محمد رشيد رضا في مقدمة تفسير "المنار" ج 1 ص 9، والأستاذ أحمد أمين في فجر الإسلام ص 198، وفي ضحاه وكذلك قالا في وهب بن منبه.
(1/104)

حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"، رواه مسلم، وكنا نحب لو أنه أراحنا من كل هذا الركام المتهافت، الذي سمم العقول والأفكار، وجرَّ على المسلمين البلاء.
3- وهب بن منبه:
وهب بن منبه الصنعاني اليمني، وهو: من خيار التابعين، وُلِدَ في آخر خلافة عثمان رضي الله عنه، روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، وروى عنه عمرو بن دينار المكي، وعوف بن أبي جميلة العبدري، وابناه عبد الله، وعبد الرحمن، وغيرهم وأخرج له البخاري1، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وكانت وفاته بصنعاء، سنة عشر ومائة.
وثقه الجمهور، وخالف الفلاس، فقال: كان ضعيفا، وكان شبهته في هذا أنه كان يُتَّهَم بالقول بالقدر2، وصنف فيه كتابا، ثم صح عنه أنه رجع عنه، قال حماد بن سلمة: عن أبي سنان، سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر، حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتاب الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر". فتركت قولي"3، ولم أر أحدًا طعن فيه بالوضع، أو الاختلاق، والكذب، إلا ما قاله بعض المتأخرين كما أسلفت، وكان كثير النقل عن كتب أهل الكتاب، ويظهر أنه كانت له ثقافة واسعة بكتب الأولين، وحكمهم، وأخبارهم، وقد ذكر عنه ابن كثير في بدايته حكما صائبة، ومواعظ كثيرة، وقصصا استغرقت بضعا وعشرين صحيفة، وليس فيها ما يستنكر إلا القليل وكذلك نقل عنه في التفسير روايات كثيرة جدا، وجلها من الإسرائيليات.
ونحن لا ننكر أنه بسببه دخل في كتب التفسير إسرائيليات، وقصص بواطل، ولكن الذي ننكره أن يكون هو الذي وضع ذلك، واختلقه من عند نفسه، ولكنا مع هذا: لا نخليه من التبعة، والمؤاخذة؛ أن كان واسطة من الوسائط التي نقلت هذا إلى المسلمين، وألصقت بالتفسير إلصاقا، والقرآن منها بريء ويا ليته ما فعل.
__________
1 روى له البخاري حديثًا واحدًا، صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم.
2 أي أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية.
3 مقدمة فتح الباري ج 2 ص 171 ط منير.
(1/105)

أقسام الإسرائيليات
مدخل
...
أقسام الإسرائيليات:
أخبار بني إسرائيل، وأقاويلهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو: الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو: حق وصدق، وما خالفه فهو: باطل وكذب، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} 1.
وهذا القسم صحيح، وفيما عندنا غنية عنه، ولكن يجوز ذكره، وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم، وذلك مثل: ما ذكر في صاحب موسى عليه السلام، وأنه الخضر فقد ورد في الحديث الصحيح، ومثل ما يتعلق بالبشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبرسالته2، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدل على الحق.
وفي هذا القسم ورد قوله: صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار" 3، قال الحافظ في الفتح: أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية؛ خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار4.
__________
1 المائدة: 48، 49.
2 قد أفضت القول في هذا في كتابي "السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة" ص 253-259.
3 كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
4 المائدة: 41.
(1/106)

القسم الثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه، وذلك مثل: ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء عليه الصلاة والسلام، كقصة يوسف، وداود، وسليمان ومثل: ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره إلا مقترنا ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه، وبدلوه، قال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه} .
وفي هذا القسم: ورد النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك رحمه الله في حديث: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج": المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن: أما ما عُلِم كذبه فلا1.
ولعل هذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر المسلمين: كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم أحدث 2، تقرءونه لم يشب 3، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم" 4.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، لاحتمال أن يكون حقا فنكذبه، أو باطلا فنصدقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم. ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة، قال: "كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم" 5 الآية، ومع هذا: فالأولى عدم ذكره، وأن لا نضيع الوقت في
__________
1 فتح الباري ج 6 ص 388.
2 أحدث: آخر الكتب السماوية نزولا من عند الله.
3 لم يخلط بغيره قط، لأنه محفوظ من التبديل، والزيادة,
4 صحيح البخاري كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء".
5 المرجع السابق، وكتاب التفسير سورة البقرة، باب: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ... الآية. والآية التي أشار إليها في سورة العنكبوت: 46.
(1/107)

الاشتغال به، وفي هذا المعنى: ورد حديث أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة والبزار، من حديث جابر: أن عمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، قال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق، فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" ورجاله موثقون؛ إلا أن في مجالد -أحد رواته- ضعفًا، وأخرج البزار أيضا من طريق عبد الله بن ثابت الأنصاري: أن عمر نسخ صحيفة من التوراة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء"، وفي سنده جابر الجعفي؛ وهو ضعيف، قال الحافظ في الفتح: واستعمله: "يعني البخاري" في الترجمة: يعني عنوان الباب، لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح.
قال ابن بطال عن المهلب: "هذا النهي في سؤالهم عما لا نص فيه؛ لأن شرعنا مكتفٍ بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نص، ففي النظر والاستدلال غنىً عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة1 يعني.
__________
1 فتح الباري ج 13 ص 284، 285.
(1/108)

تشديد سيدنا عمر على من كان يكتب شيئًا من كتب اليهود:
وقد كانت مقالة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر، وغضبه لكتابته شيئا من التوراة درسا تعلم منه سيدنا عمر، ومنهجا أخذ الناس به.
روى الحافظ أبو يعلى، بسنده، عن خالد بن عرفطة قال: "كنت جالسا عند عمر؛ إذ أتى برجل من عبد القيس، مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟!
فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} 1 فقرأها عليه.
__________
1 يوسف: 1-3.
(1/108)

ثلاثا، وضربه ثلاثا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! قال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ 1، قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم2، والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه، ولا تقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحدًا من الناس، لأنهكنك عقوبة، ثم قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم3، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما هذا في يدك يا عمر؟ " قلت: يا رسول الله: كتاب نسخته؛ لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: أغضب نبيكم؟ السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوه بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم، وخواتيمه، واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون" 4.
قال عمر: فقمت، فقلت: "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبك رسولا، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم" وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي بسنده عن جبير بن نفير: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر رضي الله عنه فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكان قد اكتتبا من اليهود شيئا في صحيفة، فأخذاها معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين عمر، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلاما تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه ونترك؟ فقال: سأحدثكما ... ثم ذكر قصته لما كتب شيئا أعجبه من كلام اليهود، وقرأه عليه، فغضب الرسول، وصار يمحوه بريقه ويقول: "لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا، وتهوكوا" 5، حتى محا آخره، حرفا حرفا، ثم قال عمر: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئا جعلتكما نكالا لهذه الأمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئا، ثم خرجا بصحيفتهما، فحفرا لها، وعمقا في الحفر، ودفناها، فكان آخر
__________
1 أحد أنبياء بني إسرائيل.
2 الماء الحار.
3 أديم: جلد.
4 في القاموس: "المنهوك المتحير" أي المتحيرون الشاكون.
5 أي شكوا، وشككوا غيرهم.
(1/109)

العهد منها1، وليت من جاء بعد عمر فعل هذا.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله في حديث: "حدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج": "من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم"، ولا يرد الإذن2، ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه3.
وقال الحافظ في الفتح في حديث: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم": أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي رحمه الله ويؤخذ من هذا الحديث: التوقف عن الخوض في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا، يحمل ما جاء عن السلف من ذلك"4.
وبهذا البيان والتوفيق بين المرويات في هذا الباب: ظهر أن لا تعارض بينها، ولا يخالف بعضها بعضا، وأن لكل حالة حكمها.
مقالة لابن تيمية في هذا:
وللإمام تقي الدين أحمد بن تيمية في هذا: مقالة جيدة، قال رحمه الله: الاختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم بغير ذلك، إذا العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق والمنقول: إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم..... وهذا هو النوع الأول، فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه، والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا القسم الثاني من المنقول، وهو: ما لا طريق إلى
__________
1 تفسير ابن كثير ج 4 ص 412-413.
2 هكذا في النسخة التي تحت يدي، ولعل فيها نقصا أي ولا يزد الإذن فيما علم كذبه حتى يكون الكلام متناسقًا متجهًا.
3 فتح الباري ج 6 ص 388.
4 فتح الباري ج 8 ص 138.
(1/110)

الجزم بالصدق منه، فالبحث عنه مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام، وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته: فإن الله نصب على الحق فيه دليلا.
فمثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في أحوال "أصحاب الكهف"، وفي البعض الذي ضرب به موسى البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها: النقل، وما لم يكن كذلك، بل كان يؤخذ من أهل الكتاب، كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن أخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوا بباطل فتصدقوه".
وكذلك: ما نقل عن التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحا: فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو من بعض من سمعه منه أقوى من نقل التابعي، ومع جزم الصاحب فيما يقوله، كيف يقال: إنه أخذه من أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم1؟! والمقصود بيان أن الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه، ولا يفيد حكاية الأقوال فيه: هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته، وأمثال ذلك. وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه: فهذا موجود فيما يحتاج إليه، ولله الحمد2.
وقال في وضع آخر: "وغالب ذلك: يعني المسكوت عنه مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا تختلف أقوال علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون
__________
1 قد أجبنا عن ذلك: بأنهم أخذوا عنهم لما فهموا من الإذن والإباحة من قوله صلى الله عليه وسلم حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" ما دام لم يدل دليل على كذبه.
2 مقدمة في أصول التفسير ص 18-20.
(1/111)

كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به المقتول من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى ذلك1، مما أبهمه الله في القرآن الكريم، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم، ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى:
{سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} 2.
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام: وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة اقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده على ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: {قل ربي أعلم بعدتهم} ، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} ،
أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأنه ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف، وثمرته، لئلا يطول النزاع، والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل عن الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا، فقد تعمد الكذب، أو جاهلا، فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى قول، أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان، وأكثر مما ليس بصحيح، فهو
__________
1 مما ذكر آنفا في مقالته السابقة ولم يذكره هنا.
2 الكهف: 22.
(1/112)

كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب1.
__________
1 مقدمة في أصول التفسير ص 46، 47.
(1/113)

أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد
مدخل
...
أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي والاجتهاد:
يمكننا إجمال أهم أسباب الخطأ والغلط في التفسير بالمأثور في الأمور الآتية:
1- تنزيل اللفظ القرآني على غير ما يراد منه، وإلصاق ذلك بالقرآن لصقا، من غير أن يكون في اللفظ دلالة عليه، بحيث لا يشهد له سياق، ولا سباق، ويصير كالبقلة الشاذة بين الزهور، والورد.
2- عدم التمييز بن الصحيح والضعيف، والموضوع، وبين المقبول، والمردود، وعدم التفرقة بين الجيد والرديء، والاكتفاء بذكر الأسانيد من غير نقد للرواة.
3- عدم التمييز بين الدخيل، وغير الدخيل، والإكثار من النقل عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وفيه الكثير من الإسرائيليات والخرافات، والأباطيل التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم.
4- حذف الأسانيد، ونقل الأقوال من غير عزوها إلى قائليها، ولا بيان مم استُقِيَتْ؟ ومن أين جاءت؟ وبذلك التبس الحق بالباطل، واختلط الخطأ بالصواب، فصار من يسنح له رأي يذكره، ولو كان خطأ، ومن يقع على قول ينقله، ولو كان باطلا، فجاء من بعدهم فنقله، ظانا أن له أصلا، وهو قول مخترع، مبتدع، باطل.
وقال الإمام ابن تيمية ما خلاصته:
وأما التفسير بالرأي والاجتهاد: فقد وقع فيه الغلط من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا، لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل: تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع بن الجراح، وعبد بن حميد، ومثل: تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأمثالهم، والذين أخطأوا في التفسير فريقان: "أحدهما"، قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
(1/113)

ثانيهما: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، المنزل عليه، والمخاطب به.
فالأولون: راعوا المعنى الذي رأوه، من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون: راعوا مجرد اللفظ. وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه، وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه، ولم يرد به، وفي كل الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه، وإثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل، والمدلول، وقد يكون حقا، فيكون خطؤهم في الدليل، لا في المدلول، وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن، فإنه وقع في تفسير الحديث.
فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول مثل: طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط، الذي لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة، وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في آرائهم، ولا في تفسيرهم، وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم، ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه.
ومن هؤلاء: فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة وغيرهم.
(1/114)

تفاسير المعتزلة:
والمعتزلة من أعظم الناس كلاما وجدالا، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل: تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل ابن علية، الذي كان
(1/114)

يناظر الشافعي، ومثل: كتاب أبي على الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، والتفسير لعلي بن عيسى الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري.
والمقصود: أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم، ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلا على قولهم، أو جوابا على المعارض لهم، ومن هؤلاء: من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس السم في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى أنه يروج على خلق كثير من أهل السلف كثير من تفاسيرهم الباطلة.
(1/115)

تفسير ابن جرير وابن عطية وأمثاله:
وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبَعُ للسنة، وأسلَمُ من البدعة، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف، لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام، الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كان أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب.
فإن الصحابة، والتابعين، والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر؛ لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين، صار مشاركا للمعتزلة، وغيرهم من أهل البدع، في مثل هذا.
وفي الجملة: من عدل عن مذاهب الصحابة، والتابعين، وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه، فالمقصود بيان طرق العلم، وأدلته، وطرق الصواب.
ونحن نعلم: أن القرآن قرأه الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم
(1/115)

بتفسيره، ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف، وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا..... والمقصود هنا: التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه: البدع الباطلة، التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير ما أُيد به وتأولوه على غير تأويله.
وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول: فمثل كثير من الصوفية والوعاظ، والفقهاء وغيرهم، يفسرون بمعانٍ صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي1 في حقائق التفسير وإن كان فيما ذكروه ما هو معانٍ باطلة فإن ذلك يدخل في القسم الأول، وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدا2. أقول: وهو فصل قيم جيد، يدل على علم واسع بالتفسير والمفسرين ومثل هذا: يمكن أن يقال في التفسير بالمأثور، فقد يذكرون قصة صحيحة، ولكن لفظ القرآن لا يدل عليها فيكون الخطأ في الدليل، يعني: في دلالة الألفاظ على هذا، وقد تكون القصة باطلة في نفسها ولا يدل لفظ القرآن عليها، ويتكلف في دلالة اللفظ عليها، فيكون الخطأ في الدليل والمدلول، وذلك مثل: ما ذكره بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ} 3، الآيات، فقد ذكروا في هذا قصة باطلة وهي: قصة داود مع "أوريا": قائد جيشه، وزوجته الجميلة، التي أراد داود ضمها إلى نفسه، مع أنه كانت له تسع وتسعون امرأة ... بالقصة باطلة قطعا، كما سنبين ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى ثم إنهم في سبيل هذا فسروا النعجة بالمرأة، وبذلك أخطأوا في الدليل والمدلول
__________
1 هو غير أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل الذي ذكرناه في صدر الكتاب.
2 مقدمة في أصول التفسير من ص 33-42 والإتقان في علوم القرآن ج 2 ص 178.
3 سورة ص 21-24.
(1/116)

الاختلاف بين السلف في التفسير اختلاف تَنَوُّع:
قلنا: إن الصحابة تلقوا معظم تفسير القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذا: كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو: إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في ذلك بالاستنباط والاستدلال، بل ربما تكلموا في ذلك بما سمعوه من أهل الكتاب الذين أسلموا.
والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وأما خلافهم في الأحكام: فهو أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى: اختلاف تنوع وتفنن في العبارة، لا اختلاف تضادٍّ، وذلك نوعان:
"أحدهما": أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى كتفسيرهم:
"الصراط المستقيم" فقال بعضهم: هو القرآن -أي اتباعه- لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: "هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم"، وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان، الذي رواه أحمد، والترمذي والنسائي مرفوعا: "ضرب الله مثلا، صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداعٍ يدعو على رأس الصراط" قال: فالصراط المستقيم: هو الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب: محارم الله، والستور المرخاة هي: حدود الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مؤمن. فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ "صراط": يشعر بوصف ثالث.
وكذا قول من قال: هو السنة والجماعة: وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
(1/117)

"الصنف الثاني": أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل ذلك: ما نقل في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه} 1 فمعلوم: أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول: فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق، يدخل فيه من سبق، فتقرب بالحسنات أي النوافل مع الواجبات فالظالمون هم: أصحاب الشمال، والمقتصدون هم: أصحاب اليمين، والسابقون هم المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق: الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه، الذي يؤخِّر العصر إلى الإصفرار، أو يقول السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة.
وهذا الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير؛ تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، هو الغالب في تفسير سلف الأمة، الذي يظن أنه مختلف.
ومن التنازع الموجود منهم، ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين؛ إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ القسورة2 الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ عسعس3، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين كالضمائر، في قوله تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} 4 وكلفظ: {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} وما أشبه ذلك. فمثل هذا يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك،
__________
1 فاطر: 32.
2 المدثر: 51.
3 التكوير: 17.
4 النجم: 8، 9.
(1/118)

فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد به هذا تارة، وهذا تارة أخرى، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وإما لكون اللفظ متواطئا، فيكون عاما إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان، كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس اختلافا: أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل وأما في ألفاظ القرآن: فإما نادر، وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، فإذا قال القائل: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا} 1، إن المور هو: الحركة كان تقريبا؛ إذ المور حركة خفيفة سريعة، وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام: أو قيل: أوحينا إليك: أنزلنا إليك أو قيل: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ} 2 أي أعلمنا، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق، فإن الوحي هو: إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم، أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم، والعرب تضمِّن الفعل معنى الفعل، وتعدِّيه تعديته ... ومثل ذلك ما قاله أحدهم في قوله تعالى: {وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَت} 3 أي تحبس. وقال الآخر: ترتهن، ونحو ذلك، لم يكن اختلاف التضاد وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنا، وقد لا يكون؛ إذ هذا تقريب للمعنى، كما تقدم.
وجميع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدا؛ لأن مجموع عباراتهم أدل على المقصود، من عبارة أو عبارتين وهذا الفصل الذي لخصته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، من النفاسة بمكان4.
__________
1 الطور: 9.
2 الإسراء: 4.
3 الأنعام: 70.
4 مقدمة في أصول التفسير 8-16، الإتقان ج 2 ص 176-177.
(1/119)

التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالاجتهاد وما يتبع في الترجيح بينهما:
1- التعارض معناه: التقابل والتنافي، بأن يدل أحدهما على إثبات والآخر على نفي مثلا، بحيث لا يمكن اجتماع مقتضاهما، كأن كلا منهما وقف في عرض الطريق، فمنع الآخر من السير فيه، وأما إذا كانا غير متنافيين، بأن جاز اجتماعهما، فلا يسمى تعارضا، ولو كانا متغايرين وذلك مثل ما ذكرناه آنفا في تفسيرهم: "الصراط المستقيم": بأقوال كثيرة، ولكنها غير متنافية، ومثل ما ذكروه في تفسير قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} ، فإنها وإن كانت متغايرة فهي غير متنافية، ويمكن اجتماعها؛ لأن كل واحد ذكر فردا من أفراد العام.
2- التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن الرأي إما أن يكون قطعيًّا، إن كان موافقا للدليل العقلي، أو للدليل النقلي القطعي، وإما أن يكون ظنيا، أما الأول. فلأنه تعارض بين قطعتين، وأما الثاني: فلأن الرأي الخالي من الدليل العقلي والنقلي اجتهاد، يستند إلى القرائن والأمارات والدلالات الظاهرة فحسب، وذلك لا يوصل إلا إلى الظن فحسب، ولا يوصل إلى علم قطعي، ولا يمكن أن يعارض الظني القطعي وإلا لزم مساواة المرجوح بالراجح، وذلك باطل في قضية العقل.
3- أما إذا كان المأثور ليس نصا قطعيا بل ظاهرا، أو خبر آحاد أو نحو ذلك، مما لا يوجب العلم القطعي، وقد عارضه التفسير بالرأي والاجتهاد.
وفي هذه الحالة لا يخلو: إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه كسبب النزول، أو أحوال القيامة، واليوم الآخر، أو للرأي فيه مجال.
فإن كان الأول: لم يقبل الرأي، وكان المعوَّل عليه فيه هو المأثور فقط، إن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابي بشرط أن لا يكون معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب، كما أسلفنا، وإن كان الثاني: فلا يخلو: إما أن يمكن الجمع بين المأثور والرأي، أم لا.
فإن أمكن الجمع: حمل النظم الكريم عليهما، وذلك مثل: تفسير القوة، في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} بالرمي، فإن هذا
(1/120)

لا ينافي تفسيره بكل مستحدث من أنواع الأسلحة التي تستعمل في القذف، والرمي كالمدافع، والصواريخ والقنابل، ونحوها؛ لأنها كلها داخلة تحت مسمى الرمي.
وإن لم يمكن الجمع: حمل النظم الكريم على ما ورد من المأثور، إن كان ثابتا بطريق صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أو بطريق صحيح عن الصحابة، بشرط أن لا يكون الصحابي معروفا برواية الإسرائيليات؛ لأن الصحابة أعلم بالقرآن والمراد به منَّا؛ لمشاهدتهم الوحي وتنزلاته، والملابسات المحيطة به، ولأنهم عربة فصحاء أصلاء. وأما المنقول عن التابعين، ولا سيما أهل الكتاب الذين أسلموا: فإن التفسير بالرأي حينئذ يكون متقدما على التفسير بالمأثور.
أما إذا لم ينقل عن أهل الكتاب، أو عمن عرف بالأخذ عنهم، وكان معارضا للرأي: فينظر في الأمر: فما ثبت منهما بدليل سمعي، أو شهد له دليل سمعي، حمل النظم الكريمة عليه، وأما إذا لم يثبت أحدهما بسمع، ولم يؤيد بسمع، فإن كان الاستدلال طريقا إلى تقوية أحدهما، وترجيحه، رجح ما قواه الدليل، فإذا تعارضت الأدلة في المراد: علم أنه قد صار من المتشابهات، فيؤمن به على ما أراد الله تعالى، ولا يتهجم على تعيين المراد من النظم الكريم: وينزل حينئذ منزلة المجمل قبل تفصيله، والمشتبه قبل بيانه.
4 يقدم المأثور الثابت بطريق صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضوان الله عليهم كما تقدم، إذا لم يكن المعنى الذي دل عليه بالرأي والاجتهاد موافقا لما قام عليه الدليل العقلي، أو موافقا لقطعي آخر نقلي، أو مستندا إلى قطعي علمي كالنظريات العلمية، التي أصبحت حقائق ثابتة مقررة، ككُرَوية الأرض مثلا، ودورانها حو نفسها، وحدوث الخسوف والكسوف، وإلا ففي هذه الحالة يؤول المأثور ليرجع إلى الرأي الموافق للدليل العقلي، أو النقلي القطعي، أو العلم القطعي، إذا أمكن تأويله، جمعا بين الأدلة؛ وذلك لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وإن لم يكن حمل النظم الكريم في هذه الحالة على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، ترجيحا للراجح حينئذ على المرجوح1.
__________
1 منهج الفرقان في علوم القرآن ج 2 ص 50-52.
(1/121)

أهم كتب التفسير بالمأثور
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري
...
أهم كتب التفسير بالمأثور:
وسأقتصر في هذا الفصل على الكتب المطبوعة التي هي في أيدي الناس، ولن أذكر من المخطوطات، إلا إذا كان أصلا لبعض المطبوعات كتفسير الثعلبي، فإنه أصل لتفسير البغوي، في التفسير المأثور، كما ذكر ذلك البغوي في مقدمة تفسيره1.
ومن هذه الكتب: ما كله أو معظمه في التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير، والسيوطي، ومنها: ما اشتمل على المأثور، والرأي، والاجتهاد كتفسير الثعلبي، والبغوي، وابن كثير، وإليك كلمة موجزة عن كل منها:
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري:
ومؤلفه: هو الإمام الحافظ، المفسر، الفقيه، المؤرخ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري2 ولد بآمل من بلاد طبرستان، سنة أربع وعشرين ومائتين للهجرة، لقي الكثيرين من الشيوخ وأخذ عنهم، وروى عنه الكثيرون، وكان من القناعة والزهد بمكان، وهو رأس المفسرين الذين وصلت إلينا كتبهم، جمع من العلوم ما لم يشاركه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله عالما بالقراءات بصيرا بالمعاني، عالما بالسنن، وطرقها، وصحيحها وسقيمها وناسخها، ومنسوخها، عالما باللغة، والأدب، عالما بأحوال الصحابة والتابعين، وكان مثالا مشرفا للتفاني في العلم والبحث والتأليف، وما ظنك برجل مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة؟! وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم، والتأليف، توفي ببغداد، ليومين بقيا من شوال، سنة عشر وثلاثمائة، وقد صلى على قبره عدة شهور، ورثاه خلق كثير3.
منهج ابن جرير في تفسيره:
وتفسيره من أجل التفاسير بالمأثور، وأعظمها قدرا، ذكر فيه ما روي في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين، وأتباعهم.
__________
1 تفسير البغوي مع تفسير ابن كثير ص 4.
2 نسبة إلى طبرستان إقليم من بلاد العجم لا إلى طبرية في أرض الشام.
3 أعلام المحدثين للمؤلف ص 293 وما بعدها.
(1/122)

وقد كانت التفاسير قبل ابن جرير لا يذكر فيها إلا الروايات الصرفة، من غير أن يذكروا من عندهم شيئا، حتى جاء ابن جرير، فزاد توجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وذكر الأعاريب والاستنباطات، والاستشهاد بأشعار العرب على معاني الألفاظ.
ثناء الأئمة عليه:
وقد حظي تفسير ابن جرير بثناء الأئمة عليه، قال الإمام النووي في تهذيبه: "وكتاب ابن جرير لم يصنف أحد مثله"، وقال الشيخ الإمام أبو حامد الإسفراييني شيخ الشافعية: "لو رحل رجل إلى الصين، حتى يَحصُلَ على تفسير ابن جرير، لم يكن ذلك كثيرا عليه"، وقال الإمام ابن تيمية: "هو من أجل التفاسير، وأعظمها قدرا"1، ولم أجد من فضَّل غيره عليه، إلا ما كان من ابن حزم، فقد فضل عليه تفسير الإمام بقي بن مخلد، حيث قال: أقطع إنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير ابن جرير ولا غيره"2 وهو غير مطبوع.
ما أُخِذَ على تفسير ابن جرير:
وقد أُخِذ على تفسير ابن جرير: أنه يذكر الروايات من غير بيان وتمييز لصحيحها من ضعيفها، والظاهر أنه من المحدثين الذين يرون أن ذكر السند، ولو لم ينص على درجة الرواية، يخلي المؤلف عن المؤاخذة والتبعة.
ولم يسلم تفسير ابن جرير على جلالة مؤلفه من الروايات الواهية والمنكرة، والضعيفة والإسرائيليات، وذلك مثل ما ذكره من حديث الفتون، وفي قصص الأنبياء، وما ذكره في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش، على ما يرويها القصاص والمبطلون، وإن كان ذكر الرواية الصحيحة، ويا ليته اقتصر عليها، وسأنبه على ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
__________
1 الإتقان ج 2 ص 178، 190.
2 أعلام المحدثين ص 106.
(1/123)

الدر المنثور في التفسير المأثور
...
الدر المنثور في التفسير بالمأثور:
ومؤلفه هو: الإمام الحافظ جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي ولد سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وتوفي والده وهو صغير، فأوصى به إلى جماعة منهم: الإمام الكمال بن الهمام، وقد لقي الكثيرين من الشيوخ، وأخذ عنهم، وافتن وتبحر في كثير من العلوم حتى قال: إنه وصل فيها إلى رتبة الاجتهاد، وترك من المؤلفات كثرة كاثرة، حتى قيل: إنها تزيد عن الخمسمائة، وكان من حفاظ الحديث وعلمائه المتبحرين فيه، العالِمِين به رواية ودراية، متنا، ورجالا، ومصطلحا، وقد اعتزل الناس في آخر حياته، وترك التدريس والإفتاء، وتفرغ للعبادة، وكانت وفاته بمقياس الروضة، بالقاهرة المُعِزِّيَة، سنة إحدى عشرة وتسعمائة، فرضي الله عنه، وأرضاه.
منهجه في تفسيره:
وكتابه: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور": جمع فيه الروايات عن النبي، والصحابة، والتابعين، ولم يذكر فيه إلا المرويات الصرفة، وقد ذكر في مقدمته، أنه لخصه من كتابه: "ترجمان القرآن"، وهو التفسير المسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الصحابة والتابعين، وقد التزم فيه إخراج الأسانيد التي روى بها الأئمة هذه المرويات، وعزى كل رواية إلى من أخرجها.
ما أُخِذَ عليه:
وقد أُخِذَ على هذا التفسير: أنه وإن عزى الروايات إلى مخرجيها لكن لم يبين لنا منزلتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف أو الوضع وقلما ينبه إلى ذلك، ويا ليته بيَّن ذلك، وليس كل قارئ للكتاب يمكنه أن يعرف ذلك بمجرد ذكر السند، ولا سيما في عصورنا المتأخرة والذي يظهر لي: أنه من المحدثين الذين يرون أن إبراز السند يخلي من العهدة والتبعة، وفي الكتاب إسرائيليات وبلايا كثيرة، ولا سيما في قصص الأنبياء، وذلك مثل ما ذكره في قصة هاروت وماروت وفي قصة الذبيح، وأنه إسحاق، وفي قصة يوسف، وفي قصة داود، وسليمان، وفي قصة إلياس، وأسرف في ذكر المرويات في بلاء أيوب عليه السلام، ومعظمه مما لا يصح، ولا يثبت، وإنما هو من إسرائيليات بني
(1/124)

إسرائيل، وأكاذيبهم على الأنبياء، وسأعرض لكل ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
(1/125)

كتب جمعت بين المأثور وغيره:
1- الكشف والبيان عن تفسير القرآن:
ومؤلفه: هو الشيخ أبو إسحاق: أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري صاحب التفسير والعرائس في قصص الأنبياء، وقد نقل ابن خلكان عن السمعاني1 أنه يقال له الثعلبي والثعالبي2، وهو لقب له، وليس بنسب، وكان مقرئا، مفسرا، واعظا، أديبا، حافظا كما قال ياقوت في معجمه3، وقد ذكره الإمام عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في كتابه: "تاريخ نيسابور"، وقال: هو صحيح النقل موثوق به، روى عن أبي طاهر ابن خزيمة، والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وعنه أخذ الإمام أبو الحسن الواحدي التفسير، وأثنى عليه، وكانت وفاته سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقيل سبع وثلاثين4.
منهجه في تفسيره:
ولم يقصر تفسيره على المأثور فحسب، بل جمع فيه إلى المأثور ذكر الوجوه، والقراءات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات..... ثم ذكر في أول الكتاب: أسانيده إلى مصنفات أهل عصره، وكتب الغريب، والمشكل، والقراءات5.
__________
1 ضبط الأعلام لتيمور ص 24.
2 هو غير الثعالبي مؤلف "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" وهو الشيخ العالم الإمام عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، الجزائري المغربي المالكي المتوفى سنة 876هـ ست وسبعين وثمانمائة عن نحو تسعين سنة، ودفن بمدينة الجزائر رحمه الله وأثابه.
3 معجم الأدباء ج 5 ص 37.
4 ضبط الأعلام للعلامة تيمور باشا ص 24.
5 التفسير والمفسرون ج 1 ص 229.
(1/125)

قيمة تفسيره من جهة الرواية:
لئن كان أثنى عليه بعض العلماء: كعبد الغفار الفارسي، فقد آخذه، ونقده البعض الآخر من علماء الرواية، والدراية، وأئمة النقد، فقد ملأ كتابه هذا بالموضوعات والقصص الإسرائيلي، الذي فسر به بعض القرآن الكريم، وهذا هو الحق والصواب، وذلك مثل: ما ذكره في تفسير قوله تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْف} : فقد ذكر عن السدي، ووهب، وغيرهما كلاما طويلا في أسماء أصحاب الكهف وعددهم بل يروي أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من ربه رؤية أصحاب الكهف، فأجابه الله: بأنه لن يراهم في دار الدنيا، وأمره بأن يبعث لهم أربعة من خيار أصحابه، ليبلغوهم رسالته، إلى آخر القصة التي لا يكاد العقل يصدقها.
وكذا ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ، وما ذكره في تفسير سورة مريم، عن قوله تعالى: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُه} ، فقد روى عن السدي ووهب وغيرهما قصصًا كثيرة، وأخبارًا في نهاية الغرابة والبعد1، إلى غير ذلك مما ذكره في فضائل السور، وفضائل بعض الصحابة كسيدنا علي.
ومن العجيب حقا: أنه ذكر في مقدمة تفسيره2 أن الله رزقه ما عرف به الحق من الباطل، وميز به الصحيح من السقيم، وعاب من جمع بين الغث والسمين، والواهي، والمتين!!.
ولا أدري كيف يكون حال كتابه لو لم يرزق ذلك؟!
وقد نقد الإمام ابن تيمية كتابه هذا، فقال: "والثعلبي هو في نفسه كان في خير ودين، وكان حاطب ليل3، ينقل ما وجد في كتب التفسير: من صحيح، وضعيف، وموضوع4.
__________
1 المرجع السابق ص 232.
2 هو مخطوط بمكتبة الأزهر الشريف ولكنه غير تام.
3 يعني لا يميز بين الصحيح والضعيف، والغث والسمين، والنافع، والضار.
4 مقدمة في أصول التفسير ص 32.
(1/126)

الصنيع المذموم، ومن وجد فيه شيئا مما سأذكره عند نقد المرويات تفصيلا فلنبذه، ولا يذكره إلا مقترنًا ببيان وضعه، أو ضعفه.
(1/127)

2- معالم التنزيل:
ومؤلفه هو: العلامة الشيخ أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي1، الفقيه الشافعي، المحدث، المفسر، يعرف بأبي القراء، ويلقب بمحيي السنة وركن الدولة وكان تقيا، ورعا، زاهدا متقشفا، قانعا، لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وإذا أكل لا يأكل إلا الخبز وحده، ثم صار يأتدم بالزيت، وله المؤلفات المفيدة، منها: "شرح السنة" وكتاب: "المصابيح" في الحديث، وتفسيره هذا، وغيرها، وكانت وفاته سنة عشر وخمسمائة، وقيل سنة ست عشرة وخمسمائة2.
منهجه في التفسير:
قال صاحب كشف الظنون: "معالم التنزيل في التفسير".... وهو كتاب متوسط، نقل فيه عن مفسري الصحابة، والتابعين ومن بعدهم.
وليس خالصا للتفسير بالمأثور، بل جمع فيه بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد المقبول، كما لم يذكر فيه الأسانيد، اكتفاء بذكرها في أول كتابه، كما صنع الثعلبي، في تفسيره الذي هو أصل تفسيره ومرجعه.
قيمة تفسيره العلمية:
وهذا التفسير من خيرة التفاسير، وأسهلها وأبعدها عن التعقيد، وعدم الاستطراد، وعدم الإكثار من المباحث اللغوية، والنحوية، والفقهية.
__________
1 قال ابن خلكان: بفتح الباء، والغين المعجمة، وبعدها واو هذه النسبة إلى بلدة بخراسان، بين مرو، وهواه يقال لها بغ وبغشور.... وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل؛ قاله السمعاني في كتاب الأنساب.
2 ضبط الأعلام ص 17.
(1/127)

وقد جمع فيه بين الصحيح، والضعيف، وذكر فيه كثيرا من الإسرائيليات، كأصله، وذلك كما صنع في قصة: "هاروت وماروت" وقصة "داود"، و"سليمان"، وكما صنع في تفسير قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فقد ذكر: أن "ن هو: الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو ولا شك من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم، قال فيه ابن تيمية: "والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكن صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة"1.
مناقشة ابن تيمية:
أما صيانته عن الآراء المبتدعة فمسلم، أما أنه صانه عن الأحاديث الموضوعة: فإن أراد الحديث الطويل في فضائل السور سورة سورة، فمسلم، وإن أراد غير ذلك: فلست موافقا لشيخ الإسلام؛ لأنه ذكر في كتابه بعض الموضوعات، والإسرائيليات بكثرة، اللهم إلا أن يقال: إنه أقل من تفسير الثعلبي في الموضوعات والإسرائيليات، وسأعرض للكثير منها عند التفصيل إن شاء الله تعالى.
__________
1 مقدمة في أصول التفسير ص 32.
(1/128)

3- تفسير القرآن العظيم:
ومؤلفه هو: الإمام الجليل: الحافظ: عماد الدين أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، الدمشقي، الفقيه، الشافعي، ولد حوالي سنة سبعمائة. سمع من ابن الشحنة، والآمدي، وابن عساكر، كما لازم الحافظ المزي وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، وهو من أخلص تلاميذ ابن تيمية، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، وهو من أخلص تلاميذ ابن تيمية، وأشدهم اتباعًا له في آرائه الفقهية، والتفسيرية، حتى كان يفتي برأيه في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وأوذى بسبب ذلك. قال فيه الحافظ الذهبي في المعجم المختص: الإمام، المفتي، المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، ومفسر.... وله تصانيف مفيدة، وقال فيه الحافظ ابن عمر في: "الدرر الكامنة" إنه كان من محدثي الفقهاء، وقال: سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها بعد وفاته، ومن تأليفاته.
(1/128)

القيمة: كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وهو أجل كتب التاريخ من جهة الرواية، وتحقيق معاني المرويات وطبقات الشافعية، وشرع في شرح البخاري ولكنه لم يتمه..... وبعد حياة حافلة بالعلم، والتأليف، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة هـ، فرضي الله عنه وأرضاه.
منهجه في تفسيره وخصائصه:
وتفسيره من أجل التفاسير، إن لم يكن أجلها وأعظمها، جمع فيه بين التفسير، والتأويل والرواية والدراية، مع العناية التامة بذكر الأسانيد، وبيَّن صحيحها من ضعيفها من موضوعها، ونقد الرجال، والجرح، والتعديل، واستيفاء الآيات في الموضوع الأول وتفسير القرآن بالقرآن، مع حسن البيان، وعدم التعقيد، وعدم التشعيب في المسائل، والاستطراد الكثير، ومن خصائص هذا التفسير العظيم: أنه يعتبر نسيج وحده في التنبيه على الإسرائيليات والموضوعات في التفسير، تارة يذكرها، ويعقب عليها بأنها دخيلة على الرواية الإسلامية، ويبين أنها من الإسرائيليات الباطلة المكذوبة، وتارة لا يذكرها بل يشير إليها، ويبين رأيه فيها، وقد تأثر في هذا بشيخه الإمام ابن تيمية1، وزاد على ما ذكره كثيرا، وكل من جاء بعد ابن كثير من المفسرين، ممن تنبه إلى الإسرائيليات والموضوعات، وحذر منها، هم عالة عليه في هذا، ومدينون له فيها بهذا الفضل: كالإمام الآلوسي، والأستاذ الإمام محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا رحمهم الله تعالى، ولهذا الكتاب فضل كبير علي في تنبيهي إلى الإسرائيليات، والموضوعات في كتب التفسير وهو معتمدي، ومرجعي الأول في هذا الباب، وللإمام ابن كثير حاسية دقيقة، وملكة راسخة في نقد المرويات والتنبيه إلى منشئها ومصدرها، وكيف تدسست إلى الرواية الإسلامية، وقد تعقب ابن جرير على جلالته وتقدمه في بعض الإسرائيليات والموضوعات التي ذكرها في تفسيره، ولا عجب في هذا، فهو من مدرسة عرفت بحفظ الحديث، والعلم به رواية، ودراية، وأصالة النقد، والجمع بين المعقول والمنقول، وهي مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه: ابن القيم
__________
1 وليس أدل على هذا من أن ما ذكره في مقدمة تفسيره يكاد يكون نص ما ذكره شيخه في "مقدمة في أصول التفسير"، وتظهر روحه هذه في المسائل التي يكون لشيخه ابن تيمية رأي معروف مخالف فيه لغيره.
(1/129)

والذهبي، وابن كثير، وأمثالهم، فجازاه الله على صنيعه هذا خير الجزاء. وسيظهر ذلك بوضوح فيما سأذكره إن شاء الله في هذا الكتاب.
(1/130)

نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد
الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
...
نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد:
وفي هذا الفصل: سأذكر أشهر كتب التفسير، سواء منها ما كان على منهج أهل السنة والجماعة، أم على مذهب أهل الاعتزال، أم على منهج أهل الكلام، مع تعريف موجز بها، وبمؤلفيها، وسأتناولها من الجانب الذي يتصل بهذا البحث فحسب، لا من جوانبها الأخرى.
ومما ينبغي أن يعلم: أن كتب التفسير بالرأي والاجتهاد أيا كان لونها واتجاهها لا تخلو من الروايات المأثورة؛ إذ من شرط التفسير بالاجتهاد: أن يعتمد على ما ثبت بالنقل، فمن ثم: اشتملت على الأحاديث الموضوعة والإسرائيليات الباطلة، وإن اختلفت في ذلك قلة وكثير، وسأقتصر على المطبوع منها، وسأنبه على ما إذا كانت بها إسرائيليات أم لا، وسأدع التفصيل لحينه إن شاء الله تعالى.
1- الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل:
ومؤلفه هو: الإمام محمود بن عمر بن محمد بن عمر النحوي اللغوي، الأديب، المعتزلي الزمخشري1 الملقب بجار الله، لأنه ارتحل إلى مكة، وأقام بها مجاورا للبيت، وفيها ألف كتابه هذا، ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وقد برع في اللغة، والأدب والنحو، ومعرفة أنساب العرب، وأيامهم حتى فاق أقرانه، كما كان عالما بكثير من العلوم الإسلامية، كالفقه، ولا سيما الفقه الحنفي، والأصول والتفسير وغيرها، ثم
__________
1 زمخشر: كسفرجل: قرية بنواحي خوارزم نسب إليها إمامنا هذا.
(1/130)

اعتنق مذهب الاعتزال، ودعا إليه، وصار من أئمة المعتزلة، والمنافحين عنهم، وله مؤلفات كثيرة، منها: ربيع الأبرار، والأساس، والفائق، وكانت وفاته سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة.
قيمة تفسير الزمخشري العلمية:
إن تفسير الكشاف من خير كتب التفسير وأجلها، ولولا نزعته الاعتزالية في بعض الآيات القرآنية، لما تناوله المعترضون بالنقد، ولما شنأه بعض الناس، وبحسب هذا الكتاب فضلا ومنزلة أن كل من جاء بعد الزمخشري عالة عليه فيما يذكره فيه من أسرار الإعجاز، والغوص على المعاني البلاغية الدقيقة.
ولبراعته في الكلام، وتمكنه من فنون القول، وبعد غوره يدس بعض آرائه في أثناء تفسيره، وتروج على خلق كثير من أهل السنة ولذا قال البلقيني: استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش من قوله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز} 1.
قال: أي فوز أعظم من دخول الجنة2، أشار إليه به إلى عدم الرؤية3، وقال ابن تيمية أثناء الكلام عن تفاسير المعتزلة: ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، يدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة كثير من تفاسيرهم الباطلة4.
ومن مميزات هذا التفسير:
1- خلوه من الحشو والتطويل.
2- سلامته من القصص الإسرائيلي غالبا، وإذا ذكر بعضه فإنه قد يفنده، كما فعل في قصة داود وسليمان، ولكن وجدت به بعض الموضوعات التي لا تدرك بالعقل، وإنما يعلمها أئمة الحديث ونقاده، وذلك مثل الحديث الطويل المروي في فضائل السور، سورة سورة، وكذلك ما روى في قصة السيدة زينب بنت جحش،
__________
1 آل عمران: 185.
2 تفسير الكشاف عند هذه الآية.
3 الإتقان ج2 ص 190.
4 مقدمة في أصول التفسير ص 38.
(1/131)

وحاول تبريره، وقد يذكر بعض الإسرائيليات، ولا ينفدها، مثل ما ذكره: في قصة يأجوج ومأجوج، بل ذكر هنا حديثا موضوعا على النبي صلى الله عليه وسلم1 وسأتناول ذلك بالتفصيل فيما يأتي إن شاء الله تعالى:
3 اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم في الخطاب.
4 عنايته الفائقة بالإبانة عن أسرار الإعجاز القرآني بطريقة فنية قائمة على الذوق الأدبي.
5 اتباعه طريقة السؤال: "إن قلتَ "بفتح التاء"، ويقول في الجواب: "قلتُ: بضم التاء" وهي طريقة من طرق التشويق، في التعليم وترسيخ المعاني في النفس.
الانتصاف:
وقد قيض الله لهذا الكتاب من نبه إلى ما فيه من اعتزاليات، وبين ما فيه من انحراف، وميل باللفظ القرآني إلى مذهب أهل الاعتزال، وهو: الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن المنير، عالم الإسكندرية وقاضيها، وخطيبها، فألف كتابه: "الانتصاف"2، وهو يدل على علو كعب هذا الإمام في العلوم الشرعية، والبلاغية، وأصول الدين، وأصول الفقه، وبهذا الكتاب النفيس يمكن للقارئ لتفسير الكشاف أن يقرأه مع الأمن عليه أن يزيغ، أو يضل في متاهات الاعتزال.
تخريج أحاديث الكشاف:
وقد تنبه إلى ما في تفسير الكشاف من الروايات الضعيفة، والموضوعة، بعض المحدثين، فقام بإكمال هذا النقص خير قيام، وسد هذه الثغرة التي دخل منها على القراء ضرر كثير، فقد ألف الإمام الحافظ الفقيه: عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة 772هـ رسالة في تخريج أحاديث الكشاف، وما فيه من قصص وآثار، بيَّن فيها الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، وقد لخصها الإمام الحافظ
__________
1 تفسير الكشاف في سورة الكهف عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} .
2 طبع مع الكشاف في معظم طبعاته.
(1/132)

الفقيه أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة 852هـ، في رسالة سماها: "الكافِ الشافِ في تخريج أحاديث الكشاف"، وقد طبعت مع الكشاف في بعض الطبعات، فجزاهما الله خير الجزاء.
(1/133)

2- تفسير مفاتيح الغيب:
ومؤلفه هو الإمام، النظار، المتكلم فخر الدين: محمد ابن العلامة ضياء الدين عمر الرازي1، المشتهر بخطيب الري، وهو عربي، قرشي من سلالة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان مولده سنة 543هـ ثلاث وأربعين وخمسمائة في مدينة الري، وكانت حينئذ العاصمة الكبرى لبلاد العراق العجمي، وقد بادت الآن، وتوجد خرائبها، وآثارها على مقربة من مدينة: "طهران" عاصمة المملكة الإيرانية.
وقد تنقل الإمام فخر الدين في البلاد الأعجمية، من الري إلى خراسان، وبخارى إلى العراق، والشام، وكان أكثر استقراره وتدريسه "بخوارزم"2، ثم استوطن مدينة: "هراة" من البلاد الأفغانية، وكانت وفاته بها سنة 606هـ ست وستمائة3.
وقد كان الإمام من كبار أهل العلم بالأصلين: أصول الدين، وأصول الفقه، وكبار علماء الكلام على مذهب أهل السنة، فمن ثم ناقش -وأكثر- أهل الاعتزال وغيرهم، وكذلك كان عالما بالفلسفة، ومذاهب الفلاسفة، فمن ثم: سلك مسلك الحكماء الإلهيين، فصاغ أدلته في مباحث الإلهيات، على نمط استدلالاتهم العقلية، ولكن مع تهذيبها بما يوافق أصول أهل السنة، وتعرض لآراء الفلاسفة، في قدم العالم وغيره وشبههم، وتفنيدها، ونقضها في مواضع من كتابه.
وكذلك: سلك مسلك الحكماء الطبيعين في الكونيات، فتكلم في خلق السماوات، والأرض، وما فيها من إنسان، وحيوان، ونبات، مبينا حكمة الله في مخلوقاته، مستدلا
__________
1 الرازي نسبة إلى الري على غير قياس.
2 مدينة شرق بحيرة قزوين.
3 التفسير ورجاله ص 68، 69.
(1/133)

بها على وجود الله، وعلمه، وقدرته وإرادته وسائر صفاته.
وقد قصد الإمام الرازي من دراسته التفسيرية: أن يبين تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرق الفلسفية، وانفراد القرآن بهداية العقول البشرية، إلى غايات الحكمة، من طريق العصمة، فقد كتب في وصيته التي أملاها عند احتضاره:
"لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظيم والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك الحقائق العميقة والمناهج الخفية".
قيمة تفسيره العلمية:
إن تفسير: مفاتيح الغيب" من أجل التفاسير، وإن كان أطال في الاستدلال، ورد الشبه، إطالة كادت تغطي على كونه كتاب تفسير ولست مع ابن عطية الذي قال فيه: "فيه كل شيء إلا التفسير"؛ فإنه رحمه الله مع الاستطراد إلى ذكر الأدلة والبراهين، قد وفى التفسير حقه، ولولا أن هذا ليس من غرضي في هذا الكتاب، لأقمت على هذا ألف دليل، ومن مميزات هذا التفسير الجليل: أنه يكاد يخلو من الإسرائيليات، وإذا ذكر شيئا فذلك لأجل أن يبطله، وذلك كما صنع في قصة هاروت وماروت، وقصص داود، وسليمان وغيرهما، كما تعرض بالتزييف لبعض المرويات التي تخل بعَظَمَة النبي صلى الله عليه وسلم وأبطلها كما صنع في قصة الغرانيق، وسنعرض لإبطالها إن شاء الله.
نعم قد ذكر بعض المرويات التي تعتبر من الإسرائيليات، وذلك مثل ما روي في: "ن" وأنه الحوت الذي على ظهره الأرض، وإن كان ضعفه فيما ضعف من أقوال في هذه الآية، ولكن لم يعوَّل في التضعيف على مخالفتها للعقل، أو ضعفها من جهة النقل، أو كونها من الإسرائيليات، وإنما اعتمد على وجه أخر يرجع إلى النحو1.
__________
1 انظر تفسير الفخر في قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} ,
(1/134)

3- أنوار التنزيل، وأسرار التأويل:
ومؤلفه هو: الشيخ الإمام، قاضي القضاة، ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي، الشافعي، أصله من "شيراز" في جنوب إيران، وبها كانت نشأته العلمية الأولى، وبها تخرج في الفقه والأصول، والمنطق، والكمة، والكلام والأدب، وبرع في الأصوليين، وضم علوم العربية والأدب إلى علوم الشريعة والحكمة، ولى قضاء شيراز مدة، وكانت وفاته بتبريز سنة خمس وثمانين وستمائة1 وقيل: سنة إحدى وتسعين وستمائة2، ومن مؤلفاته القيمة: كتاب المنهاج وشرحه في أصول الفقه، وكتاب "الطوالع" في أصول الدين، وأنوار التنزيل، وأسرار التأويل، وهو ما نحن بصدده وغيرها.
تفسيره وقيمته العلمية:
وتفسيره جامع بين التفسير والتأويل على مقتضى القواعد اللغوية والشرعية، وهو متأثِّر في طريقته في بيان الألفاظ، والتراكيب، ونكت البلاغة- بتفسير الكشاف للزمخشري، ولكنه قرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة، وهو في هذا متأثر بالإمام فخر الدين الرازي.
وقد صاغ الإمام البيضاوي تفسيره صياغة محكمة دقيقة، فهو لا يضع الكلمة إلا بميزان، ونحا فيه منحى الإيجاز والتركيز، فمن ثم: وضعت عليه التعاليق، والحواشي؛ لشرح دقائقه، وحل رموزه وأَجَلُّ حواشيه حاشية الشهاب الخفاجي3، وهي ديوان علم وأدب، وفيها غاية التحقيقات، والتدقيقات فيها عرضت له من مسائل وقضايا علمية.
وقد كان تفسير البيضاوي وحواشيه -ولا يزال- مشغلة الدارسين في الجامعات الإسلامية أحقابا من الزمان، وحبب الناس فيه: خلوه من النزعات الاعتزالية التي نفرت الكثيرين من تفسير الكشاف، الذي هو كأصله.
__________
1 البداية والنهاية ج 3 ص 307.
2 التفسير والمفسرون ج 1 ص 297.
3 وهناك غيرها: حاشية زادة، وحاشية النووي.
(1/135)

والإسرائيليات في هذا التفسير قليلة جدا، ولكن مما أخذ عليه: اشتماله على بعض الروايات الموضوعة، التي لا تدلك بالعقل والنظر، وإنما يعرف حقيقتها حفاظ الحديث، ونقاده، ولا سيما في باب الفضائل1 فقد ذكر في آخر كل سورة، الحديث الطويل الموضوع في فضائل السور سورة سورة، ومن ثم نرى أن البيضاوي على جلالته وعلمه لم يسلم مما وقع فيه صاحب الكشاف قبله من ذكره هذا الحديث وغيره من الأحاديث، من غير بيان لدرجتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، أو الوضع، وهو أمر وقع فيه معظم المفسرين، ممن ليسوا من أهل العلم بالحديث رواية ودراية، وقد كفاه وكفى الدارسين لهذا الكتاب الإمام المحدث الشيخ عبد الرءوف المناوي، فألف كتابا سماه: "الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي"، وكذلك قام الإمام الشهاب الخفاجي ببيان هذه الروايات الموضوعة، والضعيفة، فلهما من الله جزيل الجزاء.
__________
1 البداية والنهاية جـ 3 ص 307.
(1/136)

4- الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان:
ومؤلفه هو: الإمام أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح1 الأنصاري. الخزرجي الأندلسي، القرطبي، المفسر، كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة كانت أوقاته كلها معمورة مشغولة ما بين عبادة، وتأليف، وكانت وفاته سنة إحدى وسبعين، وستمائة، ومن مؤلفاته كتاب: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"، وكتاب: "التذكار في أفضل الأذكار"، وكتاب: "شرح التقصي وغيرها"2.
تفسيره وقيمته العلمية:
تفسير القرطبي من أجل التفاسير، وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ،
__________
1 بسكون الراء، ثم حاء مهملة بعدها.
2 مقدمة في تفسير القرطبي.
(1/136)

وذكر عوضا عنها أحكام القرآن بتوسع، حتى حافَ بها على التفسير، واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ.
ومن محاسن هذا التفسير: أنه يخرج الأحاديث، ويعزوها إلى من رووها من الأئمة غالبا، كما أنه صان كتابه عن الإكثار من ذكر الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة، كما أنه إذا ذكر بعض الإسرائيليات والموضوعات مما يخل بعصمة الملائكة، أو الأنبياء، أو يخل بالاعتقاد؛ فإنه يكر عليها بالإبطال، أو يبين أنها ضعيفة، وذلك كما فعل في قصة هاروت وماروت، وقصة داود، وسليمان وقصة الغرانيق، وقصة زواج النبي بالسيدة زينب بنت جحش، وربما ينبه أيضا على بعض الموضوعات في أسباب النزول، وذلك: مثل ما رواه القصاص، وأمثالهم، في سبب نزول قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} الآيات1.
غير أنه قد وجد فيه بعض الإسرائيليات والموضوعات على قلة مثل ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض} 2 وعند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} ، فقد ذكر في البرهان أمورا إسرائيلية، ولا تصح، وعند تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد} 3 إلى غير ذلك مما سأعرض لبيانه، وتزييفه، فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
__________
1 الإنسان: 8-12.
2 الكهف: 94.
3 الفجر: 6-8.
(1/137)

مدارك التنزيل وحقائق التنزيل
...
5- مدارك التنزيل، وحقائق التأويل:
ومؤلفه هو: الإمام أبو البركات: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي1، المتوفى سنة إحدى وسبعمائة للهجرة.
__________
1 نسبة إلى نسف بلد من بلاد ما وراء النهر.
(1/137)

كان إمامًا بارعًا في الفقه، والأصول، عالمًا بالتفسير والحديث، وإن لم يكن من حفاظه وأئمته، وله من المؤلفات كنز الدقائق في الفقه، والمنار في أصول الفقه والعمدة في أصول الدين، ومدارك التنزيل، وحقائق التأويل، وهو ما نحن بصدده، وغيرها.
قيمة تفسيره العلمية:
هو من كتب التفاسير الوسيطة، لا هو بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وهو يعتبر بحق مختصرًا لتفسير الكشاف غير أنه صانه من الآراء الاعتزالية التي بثها الزمخشري في تفسيره، وحذف منه طريقة السؤال والجواب، في الإفصاح عن وجوه البلاغة، وأسرار الإعجاز، وبيان المعاني، وهي الطريقة التي عرف بها الزمخشري، وهو من التفاسير التي تعنى بالتنبيه إلى القراءات السبع المتواترة، ونسبة كل قراءة إلى قارئها.
وقد جاء الكتاب كأصله مقلًّا من ذكر الإسرائيليات، وقد يذكر بعضها وينبه على عدم صحته، وذلك كما صنع في قصة داود وسليمان والغرانيق، وقد يذكر بعض الخرافات والموضوعات، من قصص وأحاديث ولا يفطن إليها، وذلك: كما ذكر في تفسير قوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيه} ، فقد ذكر الرأي الباطل، وهو: إخفاء حبها في قلبه، وتفسير قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ، فقد ذكر: أنها نزلت في على، وفاطمة، والحسن والحسين، مع أن السورة كلها مكية، وتفسير: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد} : فقد ذكر هنا: أن المراد بها مدينة وذكر في وصفها عجائب وغرائب، وهي من خرافات بني إسرائيل وكذلك ذكر في كتابه الحديث الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة، فلتكن على حذر من كل هذا.
(1/138)

6- لباب التأويل في معاني التنزيل:
ومؤلفه هو: علاء الدين أبو الحسن على بن محمد إبراهيم، الشيحي1 البغدادي، الشافعي الصوفي، المشهور بالخازن؛ وذلك لأنه كان خازن كتب خانقاه2
__________
1 نسبة إلى بلد اسمها شيحة من أعمال حلب.
2 أصل الخانقاه: مكان يسكنه أهل الصلاح، والخير، والصوفية، معربة، حدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة وجُعِلَت لمتخلي الصوفية فيها لعبادة الله.
(1/138)

السميساطية، بدمشق، ولد ببغداد سنة ثمانٍ وسبعين وستمائة، قال ابن قاضي شهبة: وكان من أهل العلم، جمع، وألَّف وحدث ببعض مصنفاته. وكان صوفيا، حسن السمت، بشوش الوجه، متوددًا للناس، ومن مؤلفاته: شرح عمدة الأحكام، ومقبول المنقول في عشر مجلدات، جمع فيه بين مسندي الشافعي، وأحمد بن حنبل، والكتب الستة، والموطأ وسنن الدارقطني، ورتبة على الأبواب، وهذا يدل على أنه كانت له مشاركته في العناية بالحديث وإن لم يكن من حفاظه، ونقاده، و "لباب التأويل، في معاني التنزيل" وهو ما نحن بصدده.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وقد صدر كتابه هذا بمقدمة مفيدة في فضل القرآن وتلاوته، ووعيد من تكلم في تفسير بغير علم، وجمع القرآن وترتيبه ونزوله على سبعة أحرف، ومعنى التفسير والتأويل، وقد جمع كتابه هذا من تفسير البغوي، وغيره من التفاسير التي تقدمته، وليس له فيه كما يقول في ديباجته سوى النقل، والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل.
ومن حسنات هذا الكتاب: عناية صاحبه بتخريج الأحاديث: أي بيان من رواها من الأئمة في كتابه، مشيرا إلى صاحب الكتاب بالحرف تارة، وذاكرا الاسم تارة، وما لم يكن في الكتب المشهورة ورواه البغوي؛ عزاه إليه، وما أخذه البغوي عن الثعلبي بينه.
وقد امتلأ هذا التفسير كأصليه: تفسير البغوي، وتفسير الثعلبي بالقصص، والأخبار، والإسرائيليات الباطلة، ولا سيما في قصص الأنبياء، وأخبار الأمم الماضية، والفتن، والملاحم، ومن الحق أن نقول هنا: إن الخازن قد يكر على بعض الإسرائيليات والموضوعات ولا سيما ما يتعلق منها بالطعن في عصمة، وما يخل بالعقيدة الصحيحة بالإبطال والإطناب في ذلك: كما فعل في قصة الغرانيق، وقصة هاروت وماروت، وداود، وسليمان ونحوها.
كما أنه قد يذكر الكثير من الإسرائيليات المشتملة على العجائب والغرائب، والتي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم، ولا يعقب بتضعيف أو إبطال، وسأنبه عليها إن شاء الله تعالى.
(1/139)

7- البحر المحيط لأبي حيان:
ومؤلفه هو: الإمام أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي، الغرناطي، الجياني، الشهير بأبي حيان، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة من الهجرة، وتوفي سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
كان رحمه الله ملمًّا بالقراءات؛ متواترها، وصحيحها، وشاذها، كما كان على جانب كبير من العلم باللغة وآدابها، والعلم بالنحو والصرف حتى صار إماما فيهما، وذا رأي معتبر في مسائلهما، ولذلك غلب عليه في تفسيره: الإكثار من النحو، والصرف، واللغة؛ كما أسلفت وله مؤلفات منها: غريب القرآن في مجلد، وشرح التسهيل وهو كتاب جليل، وكتاب "البحر المحيط" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن، وقد عكف على تأليفه لما نصب مدرسا للتفسير في قبة السلطان الملك المنصور، وفي دولة ولده: الملك الناصر. وكان ذلك في أواخر سنة عشر وسبعمائة، وقد خطا سنه نحو السابعة والخمسين من عمره المبارك1.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وقد اعتمد أبو حيان في تفسيره على تفاسير من تقدمه، ولا سيما تفسير الإمامين الجليلين: أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، وأبي محمد عبد الحق المعروف بابن عطية، وعلى ثقافته اللغوية، والنحوية، والصرفية، والأدبية، التي يظهر أثرها واضحا في كتابه، وهو من كتب التفسير بالرأي والاجتهاد الممدوح.
وكتاب التفسير لأبي حيان لم يخلُ كغيره من كتب التفسير من ذكر الروايات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة، والتابعين.
وهو: من التفاسير التي يقل فيها ذكر الإسرائيليات، والموضوعات وقد عني بالتنبيه إلى الكثير منها، وبيان عدم صحتها، وتحذير القارئ من الاغترار بها، وكثيرا ما يضرب عن ذكرها، مشيرا إلى بطلانها، وقد يوجزها، ثم يكر عليها بالإبطال والتزييف،
__________
1 مقدمة في تفسير أبي حيان.
(1/140)

ولا سيما فيما يدرك بطلانه وكذبه بالعقل والنظر، لا بنقد الأسانيد، والتعديل، والتجريح؛ لأنه لم يكن من أئمة الحديث، ونقاده المميزين بين صحيحه وضعيفه.
وذلك مثل ما فعل في تزييف قصة هاروت وماروت1، وما روي في قصة يوسف عليه السلام وهَمِّهِ والبرهانِ الذي رآه2، وقصة داود عليه السلام وزوجة أوريا3، وقصة سليمان عليه السلام4، وما روي في سبب فتنة أيوب، على ما ذكره الزمخشري5، وإن كان وافق على بلائه، على ما روي، وذكر في ذلك حديثا عن النبي، وأنه تساقط لحمه.
ولم يسلم تفسير أبي حيان من الإسرائيليات، والروايات الموضوعة المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم أو على الصحابة، وذلك مثل ما ذكره في حجر موسى، وعلى أي هيئة كان، وما ذكره من الحديث المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الكواكب الاثني عشر التي رآها يوسف عليه السلام، وكذا وقع فيما وقع فيه الزمخشري وغيره: في ذكر الروايات الباطلة في قصة إرم ذات العماد6. مهما يكن من شيء فتفسير أبي حبان من التفاسير المتحفظة، والمقلة في ذكر الإسرائيليات والموضوعات، فرحمه الله، وأثابه.
__________
1 تفسير أبي حيان جـ 1.
2 المرجع السابق ج 5 ص 295.
3 ج 6 ص 391.
4 ج 6 ص 397.
5 ج 6 ص 400.
6 ج 6 ص 496.
(1/141)

8- السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير:
ومؤلفه هو: الشيخ العلامة: شمس الدين محمد بن محمد الشربيني الشافعي، الخطيب، نشأ بالقاهرة، وعلى شيوخ عصره أخذ، ولما رأوه أهلا للفتوى، والتدريس أجازوه بهما، فدرس، وأفتى، وانتفع به خلق كثير.
(1/141)

وقد كان رحمه الله على جانب من الصلاح، والورع، والزهد، وكثرة العبادة، وكان يعتكف طوال شهر رمضان من كل عام، توفي عصر يوم الخميس الثاني من شعبان سنة 977، سبع وسبعين وتسعمائة هجرية.
ومن مؤلفاته: شرح كتاب المنهاج، وشرح كتابه التنبيه، و"السراج المنير" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وهو تفسير وسط بين الإطناب والإيجاز، اقتصر فيه على أصح الأقوال غالبا، ولم يذكر من الأعاريب إلا ما كانت الحاجة ماسة إليه، اعتمد فيه صاحبه على تفاسير من سبقه كالزمخشري والبيضاوي، والبغوي، والرازي وغيرهم، وقد ينقل فيه بعض تفسيرات مأثورة عن السلف، كما التزم فيه أن لا يذكر من الأحاديث إلا صحيحها، وحسنها، دون ذكر الضعيف والموضوع، ولذلك يتعقب الزمخشري، والبيضاوي في ذكرهما للحديث الموضوع الطويل في فضائل السور سورة، سورة، كما ينبه على الأحاديث الضعيفة إن روى شيئا منها في تفسيره1.
ولم يخلُ تفسير الخطيب من ذكر بعض القصص الإسرائيلي، منها ما يمر عليها مرورا مع غرابتها، من غير تعقيب لها بتصحيح، أو تضعيف، أو بيان منشئها، ومن أين جاءت، وغالب ذلك فيما يحتمل الصدق والكذب من أخبار بني إسرائيل، وليس فيه طعن في عصمة الأنبياء ومنها ما يذكره، ثم يتعقبه بما يدل على ضعفه، أو بطلانه، وهو يصنع ذلك في القصص الإسرائيلي الذي فيه ما يخل بعصمة الأنبياء، وذلك: مثل ما فعل في قصة سيدنا داود، على ما يرويها القصاص.
__________
1 التفسير والمفسرون ج 1 ص 338 وما بعدها.
(1/142)

9- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم:
ومؤلفه هو: الإمام القاضي المفتي أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، ولد سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، بقرية قريبة من القسطنطينية، ونشأ في
(1/142)

بيت عرف بالعلم، والفضل، والدين، تتلمذ على والده، وغيره من العلماء، وعلَّ من معينه بعد نَهْلٍ، حتى صار علما من أعلام العلم، تولى التدريس مدة، ثم ولى القضاء، وصار يتنقل فيه من بلد إلى بلد، حتى انتهى به الأمر إلى الإفتاء، وكان أبو السعود عالما، أديبا، متمكنا من اللغات الثلاث العربية، والفارسية، والتركية، وقد مكنت له معرفته بهذه اللغات الاطلاع على الكثير من الكتب التي أُلِّفَتْ بها، فاكتسب علمًا غزيرًا، ولم يدع له التدريس، وولاية القضاء، والتنقل بين البلاد مجالا للتأليف، فلم يترك لنا إلا تفسيره هذا، وبعض حواشٍ أخرى على تفسير الكشاف، وعلى شرح العناية على الهداية، وهي ناقصة، وبعد هذه الحياة العلمية الحافلة توفي بالقسطنطينية في أوائل جمادي الأولى سنة اثنتين وثمانين، وتسعمائة من الهجرة، ودفن بجوار الصحابي الجليل: أبي أيوب الأنصاري، فرضي الله عنه، وأرضاه.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
اشتغل العلامة أبو السعود في حياته بتدريس الكتابين المشهورين: الكشاف، وتفسير البيضاوي، حتى في الأوقات التي كان يخرج فيها مع السطان سليمان القانون غازيا، كان يشتغل بالتدريس لطلبته الذين كانوا لا يفارقونه، وقد كانت نفسه تتوق إلى تفسير جامع بين تفسير الكشاف، وتفسير البيضاوي، وأن يضيف إليهما ما اكتسبه من غيرهما من الكتب، ومن الفهوم التي فتح الله بها عليه في تفسير القرآن حتى حقق الله هذه الأمنية في آخر حياته، فكان ثمرة ذلك هذا التفسير العظيم الذي اشتهر بشهرة صاحبه، وعكف أهل العلم من يومها على دراسته، وسماه: "إرشاد العقل السليم، إلى مزايا القرآن الكريم"1، ولكنه خلصه من اعتزاليات الزمخشري، ونهج فيه منهج أهل السنة.
ومن أهم مميزات هذا التفسير: أنه خال من الاستطرادات والتوسع في ذكر الأحكام الفقهية والنحوية، ويكاد يكون خالصا للتفسير، وقد عني فيه عناية بالغة بإبراز وجوه البلاغة وأسرار الإعجاز في القرآن الكريم، ولا سيما في باب الفصل والوصل، ووجوه المناسبات بين الآيات، ولما كان أبو السعود ليس عربي المربى، وتغلب عليه الناحية العقلية، فقد جاءت عباراته وأساليبه في تفسيره فيها شيء كثير من العمق والدقة اللذين
__________
1 تفسير أبي السعود على هامش تفسير الفخر الرازي ص 19 وما بعدها.
(1/143)

يبدُوَانِ في نظر القارئين له لونا من ألوان التعقيد والغموض والإغراب، وقد يذكر المبتدأ، أو الشرط ولا يذكر الخبر، أو جواب الشرط إلا بعد بضعة أسطر، ومن مميزاته خلوه غالبا من القصص الإسرائيلي، وإذا ذكر شيئا منه فإنه يذكره مضعفا له، أو منكرا أو مبطلا، ومبينا منشأه، وذلك مثل ما صنع في قصة هاروت، وماروت، قال: "وأما ما يحكى من أن الملائكة عليهم السلام لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيروهم..... فمما1 لا تعويل عليه؛ لما أن مداره رواية اليهود، مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل2" وقصة يوسف عليه السلام، في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} : فقد ذكر ما روى من الإسرائيليات في رؤيته برهان ربه، ثم قال: "إن كل ذلك إلا خرافات، وأباطيل تمجها الآذان، وتردها العقول، والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها، أو سمعها وصدقها"3.
نعم: قد ذكر بعض الإسرائيليات التي لا تخل بعصمة الأنبياء، ولكن فيها غرابة وبُعد، ولم يعقب عليها، وذلك مثل ما ذكره في الحجر الذي ضربه سيدنا موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشر عينا، وما ذكره في صفة يأجوج ومأجوج، وأن طول الواحد منهم ستمائة ذراع، وصفة إرم ذات العماد، مما هو من خرافات بني إسرائيل ومما يؤخذ عليه، ذكره متابعا للزمخشري والبيضاوي الأحاديث المروية في فضائل القرآن سورة سورة، وهي موضوعة باتفاق أهل العلم بالحديث، ومثل الحديث الذي ذكره في فضل سورة الفاتحة، حيث قال: وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في "الكتاب" 4!!: الحمد لله رب العالمين، فيسمعه الله، فيرفع عنهم العذاب أربعين سنة"، وما ذكره متابعا للزمخشري وغيره في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، وسأعرض لهذا ولغيره عند التفصيل. إن شاء الله تعالى.
__________
1 هذا يشهد لما قلته عن خبرة ودراسة، فقد ذكر جواب الشرط بعد نحو صحيفة.
2 تفسير أبي السعود على هامش تفسير الفخر من ص 650- 652.
3 المرجع السابق ج 5 ص 179.
4 مما يدل على وضعه فضلا عن الطعن في سنده هذه اللفظة لأن كلمة "الكتاب" مستحدثة.
(1/144)

10- روح المعاني في تفسير القرآن، والسبع المثاني:
ومؤلفه هو: خاتمة المحققين، وعمدة المدققين، وإمام المفسرين، أبو الثناء شهاب الدين السيد الإمام محمود بن عبد الله الآلوسي1 البغدادي، الحنفي2، مفتي بغداد، وعالمها في القرن الثالث عشر الهجري.
وُلِدَ سنة سبع عشرة ومائتين بعد الألف من الهجرة، في جانب الكرخ من بغداد.
نبغ في العلوم من صغره، وأخذ عن كثير من فحول علماء عصره منهم والده، والشيخ خالد النقشبندي، واشتغل بالتدريس، والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة، وقد تتلمذ عليه كثيرون، وتخرج على يديه بعض العلماء الفضلاء من بلاد مختلفة، ولما ولي الإفتاء شرع يدرس كل العلوم في داره، بجوار جامع الشيخ عبد الله العاقولي بالرصافة، وقد ساعده على ذلك: نبوغه في علوم شتى، وجمع إلى العلم النقلي والعقلي الأدبَ وفنونَه، فمن ثم عرف بجزالة التعبير، وسلاسة الأسلوب، وحسن التصرف في القول، وبروحه اللطيفة الفكهة، ومن تعبيراته اللطيفة التي لا تخلو من الفكاهة تسميته للحروف الزائدة بأنها: "سيف خطيب"، وعن النكات البلاغية بأنها: "كالوردة، إن دعكتها أزلت ما فيها من رائحة وجمال".
ولم يترك لنا من المؤلفات كثيرًا، على ما كان يمتاز به من التبحر في كل علم، وفن، وسعة الإطلاع، وإجادة الاختيار والاختصار ومن مؤلفاته: شرح السلم في المنطق، وقد فقد، "والأجوبة العراقية عن الأسئلة الاهورية"، و"الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية" و"درة الغواص في أوهام الخواص"، و"النفحات القدسية في المباحث الإمامية"، و"الفوائد السنية في علم آداب البحث"، وبحسبه "روح المعاني"، الذي اشتمل على مباحث: بعضها يصل إلى رسالة صغيرة، وكانت وفاته بعد هذه الحياة.
__________
1 نسبة إلى "آلوس" جزيرة في نهر الفرات بين بغداد والشام، كانت موطن أهله وأجداده.
2 لست مع الذين يقولون: إنه كان شافعيا ويقلد أبا حنيفة في كثير من المسائل، فكتاب التفسير طافح بقوله: وعندنا..... ثم يسوق مذهب الحنفية.
(1/145)

العلمية المباركة: عام سبعين ومائتين وألف1 بعد الهجرة، فرضي الله عنه وأرضاه.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وتفسير "روح المعاني" خير تفسير، وأجمعه، وأوفاه، وقد جمع فيه خلاصة كل كتب التفسير قبله وحواشيها، ولا سيما حاشية: تفسير الكشاف، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي، وقد حل بعض رموزها، وعباراتها الخفية التي استعصى فهم المراد منها على العلماء، وله استدراكات قيمة، وتعقبات دقيقة لمن سبقه من العلماء.
وكثيرًا ما يدلي برأيه بين الآراء، فهو ليس مجرد ناقل، بل له شخصيته العلمية البارزة، وأفكاره النيرة، وليس في تفسيره ما يؤاخذ عليه إلا كثرة الاستطرادات، والتوسع فيما يستطرد إليه، حتى يكاد يغرق القارئ لكتابه في بحر هذه الاستدراكات، ولو أن أحدا نزع ما استطرد إليه من كتابه، لجاءت في رسائل كثيرة، وكذلك ذكره للتفسير الإشاري، فليس ثمة ما يدعو إليه؛ ولعله فعل ذلك لنزعة تصوُّفية، وليجيء كتابه جامعا لكل الألوان التفسيرية، ومرضيا لجميع الأذواق.
ولما كان الإمام الآلوسي من المتأخرين، وكانت له مشاكرة علمية في كثير من العلوم، وسعة اطلاع على كلام من سبقوه، ولا سيما علماء الحديث، وأئمته العارفين بمتونه وأسانيده، فمن ثم لم يقع فيما وقع فيه بعض المفسرين السابقين له من ذكر الأحاديث الموضوعة في الفضائل وغيرها، وكذلك خلا تفسيره من الاغترار بالإسرائيليات، وهو إنما ذكرها لينبه إلى اختلاقها، وبطلانها وتحذير المسلمين ولا سيما طلبة العلم وأهله من التصديق بها أو أن لها أصلا في الإسلام، ولم أعلم أحدا من المفسرين، بعد العلامة الحافظ ابن كثير في تفسيره، حارب الإسرائيليات، والموضوعات، مثل ما فعل الإمام الآلوسي في تفسيره، فقد أفاض في رد هذه الإسرائيليات والمختلفات، كما صنع في قصة اسماعيل، وإسحاق، وأيهما الذبيح؟ وبيان أن كونه إسحاق رأي باطل تدسس إلى الرواية الإسلامية وفي قصة يوسف وداود وسليمان وأيوب ونحوها الغرانيق......... وقد
__________
1 انظر ترجمته في أول الجزء الأول من النسخة الأميرية المطبوعة في بولاق.
(1/146)

مكث هذا الإمام في تأليف كتابه خمس عشرة سنة1؛ بحث ونقب، وقرأ، واختصر، وسهر فيه الليالي الطوال، وكان كثيرا ما ينشد، وحق له ذلك:
سهري لتنقيح العلوم ألذَّ لي ... من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربا لحل عويصة ... أشهى وأحسن من مدام الساقي
وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لدفع الرمل عن أوراقي2
__________
1- ابتدأ تأليفه في رجب سنة 1252هـ، وفرغ منه في ربيع الآخر سنة 1267هـ أي قبل وفاته بنحو ثلاث سنين.
2 كان من عادة السابقين، وقد أدركناهم أنهم يجففون كتاباتهم بوضع التراب عليها.
(1/147)

والخلاصة:
أن كتب التفسير ما عدا القليل منها سواء منها ما كان بالمأثور صرفا، أو غلب عليه المأثور أو كان بالرأي والاجتهاد، لم تخل غالبا من الإسرائيليات الباطلة، والأحاديث الموضوعة، والواهية.
وبحسبنا ما قدمته من ذكر أشهر كتب التفسير أيا كان لونه، والتعريف بكل تفسير، ولا سيما من الجهة التي ألفت لأجلها كتابي هذا، لأن هذا الكتاب ليس دراسة موضوعية لكتب التفسير، وإلا لتناولت كل تفسير من جوانبه المتعددة.
ولا يضير القارئ: أني لم أذكر كل كتب التفسير: مخطوطها، ومطبوعها؛ لأن منهجي كما أسلفت: التنبيه إلى الإسرائيليات، والموضوعات، وبيان من ذكرها في تفسيره في حدود ما استطعت، واطلعت عليه، فإذا وجدها القارئ في أي كتاب في التفسير، بل وفي غيره ككتب الوعظ والأخلاق، والتاريخ، والقصص، والأدب..... فلا يغتَرَّ بها، وليحذر من اعتقاد ما فيها، أو إذاعته ونشره، وبذلك تكون الفائدة بهذا الكتاب أعم، وأشمل إن شاء الله تعالى.
(1/147)

نقد التفسير بالمأثور إجمالا:
ذكرت فيما سبق: نقد بعض العلماء الأئمة المحدثين للتفسير بالمأثور إجمالا.
فمن ذلك: قول الإمام أحمد: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي".
1- ابتدأ تأليفه في رجب سنة 1252هـ، وفرغ منه في ربيع الآخر سنة 1267هـ أي قبل وفاته بنحو ثلاث سنين.
2 كان من عادة السابقين، وقد أدركناهم أنهم يجففون كتاباتهم بوضع التراب عليها.
(1/147)

وقد حملها المحققون من أصحاب الإمام: على أن مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وقيل: لأنها يغلب عليها المراسيل، وقال الخطيب البغدادي: هذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة، فأشهرها كتابان للكلبي، ومقاتل ابن سليمان، وقد قال الإمام أحمد في تفسير الكلبي: إنه من أوله إلى آخره كذب، لا يحل النظر فيه.
وكذلك: روي عن الإمام الشافعي أنه قال: "لم يثبت1 عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"، ومهما كان فيه من مبالغة: فهي تدل على كثرة ما وضع على ابن عباس.
__________
1 لم يثبت: أعم من: "لم يصح"؛ لأن الثابت أعم من أن يكون صحيحًا، أو حسنا.
(1/148)

نقد الطرق والرواة تفصيلا
الطرق عن ابن عباس
...
نقد الطرق والرواة تفصيلا:
وكذلك نقد العلماء المحدثون النقاد الرواة الذين رووا التفسير بالمأثور، والطرق التي رويت بها هذه التفاسير تفصيلا، وتنصيصًا.
وسأذكر جميع ما ذكروه في هذا، ليتبين لنا أنهم رضي الله عنهم قاموا بما يجب عليهم من البيان خير قيام، وإنما الناس هم الذين فرطوا في الوقوف على كلامهم، والسير على منهجهم، حتى يتبين الصحيح من الضعيف، والحق من الباطل، والجيد من الرديء.
1- الطرق عن ابن عباس:
طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس:
من جيد الطرق والأسانيد عن ابن عباس: طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي
(1/148)

طلحة، لو رحل رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا، أسنده أبو جعفر النحاس في "ناسخه".
وقال الخليلي في الإرشاد: تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رواه الكبار عن أبي صالح، عن معاوية.
وأجمع الحفاظ على أن علي بن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس.
طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس:
وقال أيضا: وهذه التفاسير الطوال، التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية، ورواتها مجاهيل، كتفسير جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس.
الطرق عن ابن جريج 1:
قال الخليلي أيضا: وعن ابن جريج2 في التفسير: جماعة رووا عنه، وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج، وفيه نظر.
وروى محمد بن ثور عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار، وتلك صحيحة. وروى الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، نحو جزء، وذلك صحيح، متفق عليه.
طريق شبل بن عباد المكي:
وتفسير شبل بن عباد المكي، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قريب إلى الصحة.
__________
1 هو أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمور مولاهم أصله رومي نصراني، كان من علماء مكة ومحدثيهم، وهو من أوائل من دوَّن الحديث، وصنف الكتب، وقد اختلفت فيه أنظار العلماء، فمنهم من وثَّقَه، ومنهم من ضعفه، وقالوا: إنه كان يدلس، والموثقون له أكثر من المجرحين، وقد ذكر الخزرجي في "خلاصته": أنه مجمع عليه من أصحاب الكتب، وقد رويت عنه في التفسير أجزاء كثيرة عن ابن عباس؛ فيها الصحيح والضعيف، والمقبول والمردود، ولد سنة ثمانين 80هـ وتوفي سنة خمسين ومائة 150هـ وقيل: سنة تسعة وخمسين 159هـ.
2 يعني عن ابن عباس.
(1/149)

تفسير عطاء بن دينار، وأبي روق:
وتفسير عطاء بن دينار يكتب، ويحتج به، وتفسير أبي روق نحو جزء صححوه.
تفسير إسماعيل السدي:
قال: وتفسير إسماعيل السدي يورده بأسانيد إلى ابن مسعود، وابن عباس.
وروى عن السدي: الأئمة مثل: الثوري، وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير: تفسير السدي.
فأما ابن جرير؛ فإنه لم يقصد الصحة، وإنما روى في كل آية من الصحيح والسقيم.
تفسير مقاتل بن سليمان:
قال: وأما تفسير مقاتل بن سليمان: فمقاتل في نفسه ضعفوه، وقد أدرك الكبار من التابعين، والشافعي أشار إلى أن تفسيره صالح1، يعني: للاحتجاج به.
مقالة الإمام الحافظ ابن حجر:
وللإمام الحافظ ابن حجر كلام طويل في هذه المرويات عن الصحابة والتابعين، ونقد الطرق التي رويت بها، ذكره في أوله كتابه: أسباب النزول الذي سماه: "العجب العجاب، في بيان الأسباب". قال رحمه الله وأجزل ثوابه: "والتابعون من أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما والطرق عنهم والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما وفيهم ثقات، وضعفاء".
روايات الثقات عن ابن عباس:
فمن الثقات: مجاهد، وابن جبير، ويروى التفسير عنه من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية.
__________
1 الإتقان ج 2 ص 188.
(1/150)

ومنهم: عكرمة، ويروى التفسير عنه من طريق: الحسن بن واقد النحوي عنه، ومن طريق: محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد؛ مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير هكذا بالشك ولا يضر؛ لكونه عن ثقة.
ومن طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعلي صدوق، ولم يلقَ ابن عباس، لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري، وأبو حاتم، وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة.
ومن طريق ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، لكن فيما يتعلق بالبقرة، وآل عمران، وما عدا ذلك هو الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، فيكون منقطعا، إلا إن صرح ابن جريج بأنه عطاء بن أبي رباح1.
روايات الضعفاء عن ابن عباس، وطرقها:
محمد بن السائب الكلبي "متهم بالكذب":
ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس رضي الله عنهما التفسير المنسوب لأبي النصر محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه يرويه عن أبي صالح وهو مولى أم هانئ عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب.
السدي الصغير "كذاب":
قال: ومع ضعف الكلبي فقد روى عنه تفسيره مثله، أو أشد ضعفا محمد بن مروان السدي الصغير، وروى عن محمد بن مروان مثله، أو أشد ضعفا، وهو صالح بن محمد الترمذي.
__________
1 هذا مثل من أمثلة دقة المحدثين، وتمييزهم بين الأشخاص، وبين ما رواه هذا مما رواه ذاك ولعل في هذا زاجرا للذين يتقولون على أئمة الحديث، وزيادة علم ويقين لمن يعرفون لهم فضلهم.
(1/151)

من روى التفسير عن الكلبي من الثقات والضعفاء حفظا:
وممن روى التفسير عن الكلبي من الثقات، سفيان الثوري، ومحمد بن فضيل بن غزوان، ومن الضعفاء من قبل الحفظ حبله بكسر الحاء المهملة، وتثقيل الموحدة، وهو على العنزي بفتح المهملة، والنون بعدها زاي منقوطة.
ومنهم1 جويبر بن سعيد وهو واه: روى التفسير عن الضحاك بن مزاحم وهو صدوق عن ابن عباس وهو لم يسمع منه شيئا.
من روى التفسير عن الضحاك:
وممن روى التفسير عن الضحاك: علي بن الحكم وهو ثقة، وعلي بن سلمان وهو صدوق وأبو روق عطية بن الحارث، وهو لا بأس به.
عثمان بن عطاء الخراساني:
ومنهم: عثمان بن عطاء الخراساني، يروي التفسير عن أبيه، عن ابن عباس، ولم يسمع أبوه من ابن عباس:
إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير:
ومنهم: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي2 بضم السين المهملة وتشديد الدال وهو كوفي صدوق، لكن جمع التفسير من طرق منها:
- عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم وخلط روايات الجميع، فلم تتميز روايات الثقة من الضعيف، ولم يلقَ السدي من الصحابة إلا أنس بن مالك، وربما التبس بالسدي الصغير الذي تقدم ذكره.
__________
1 ومنهم أي: من الضعفاء، كذا كل ما عطف عليه بعدما بين ضعفه.
2 نسبة إلى سدة مسجد الكوفة كان يبيع فيها المقانع والسدة: رحبة المسجد التي تكون أمامه، قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال ابن عدي: مستقيم الحديث، صدوق، وعن يحيى بن معين أنه ضعيف. توفي سنة 127هـ فهو يحتج به عند من يقول فيه صدوق، أما السدي الصغير محمد بن مروان فمتهم بالكذب بل قيل: إنه كذاب.
(1/152)

طريق إبراهيم بن الحكم:
ومنهم: إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني، وهو ضعيف، يروي التفسير عن أبيه، عن عكرمة؛ وإنما ضعفوه لأنه وصل كثيرا من الأحاديث بذكر ابن عباس، وقد روى عنه تفسيره عبد بن حميد.
طريق اسماعيل بن أبي زياد:
ومنهم: إسماعيل بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف جمع كثيرا؛ فيه الصحيح والسقيم، وهو في عصر أتباع التابعين.
طريق عطاء بن دينار:
ومنهم: عطاء بن دينار وفيه لين يروي التفسير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ويرويه عنه ابن لهيعة، وهو ضعيف.
قتادة والطرق عنه:
ومن تفاسير التابعين: ما يروى عن قتادة رحمه الله تعالى وهو من طرق منها: رواية عبد الرزاق عن معمر عنه.
ورواية آدم بن أبي إياس، وغيره، عن شيبان عنه.
ورواية يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة.
تفسير الربيع بن أنس عن أبي العالية:
ومن تفاسيرهم: تفسير الربيع بن أنس، عن أبي العالية، واسمه: رفيع بضم الراء، وفتح الفاء وسكون الياء الرياحي بالمثناة التحتية، والحاء المهملة وبعضه لا يسمى الربيع فوقه أحدا، وهو يروي من طرق؛ منها رواية أبي عبيد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عنه.
تفسير مقاتل بن حيان:
ومنها: تفسير مقاتل بن حيان، من طريق محمد بن مزاحم، عن بكير بن معروف
(1/153)

عنه، ومقاتل هذا صدوق1، وهو غير مقاتل بن سليمان الآتي ذكره.
تفسير زيد بن أسلم:
ومن تفاسير ضعفاء التابعين فمن بعدهم: تفسير زيد بن أسلم من رواية ابنه عبد الرحمن عنه، وهي نسخة كبيرة يرويها ابن وهب وغيره، عن عبد الرحمن عن أبيه، وفيه أشياء كثيرة لا يسندها لأحد، وعبد الرحمن من الضعفاء، وأبوه من الثقات2.
تفسير مقاتل بن سليمان:
ومنها: تفسير مقاتل بن سليمان، وقد نسبوه إلى الكذب، وقال الشافعي: مقاتل قاتله الله، وإنما قال الشافعي رضي الله عنه فيه ذلك؛ لأنه اشتهر عنه القول بالتجسيم وروى تفسير مقاتل هذا أبو عصمة: نوح بن أبي مريم الجامع، وقد نسبوه إلى الكذب3.
ورواه أيضا عن مقاتل الحكم بن هذيل، وهو ضعيف، لكنه أصلح حالا من أبي عصمة.
تفسير يحيى بن سلام المغربي:
ومنها: تفسير يحيى بن سلام المغربي، وهو كبير، في نحو ستة أسفار، فيه النقل عن التابعين وغيرهم، وهو لين الحديث4، فيما يروي مناكير5 كثيرة، وشيوخه مثل: سعيد بن أبي عروبة، ومالك الثوري.
__________
1 هو من المرتبة الرابعة من مراتب التعديل عند بعض العلماء، والمراد به أصل الصدق إن كان في الأصل يدل على المبالغة، وبعضهم يرى أن المراد المبالغة فيكون في مرتبة أعلى من ذلك، ومنهم من قال في صدوق مرتبة خاصة.
2 جمع ثقة وهو العدل الضابط.
3 هو واضع الحديث الطويل في فضائل القرآن سورة سورة.
4 من المرتبة السادسة من مراتب التجريح، وهي أدنى الدرجات جرحا.
5 فلان له مناكير مرتبة فوق السابقة تجريحا.
(1/154)

تفسير سنيد:
ويقرب منه تفسير سنيد1، واسمه: الحسين بن داود، وهو من طبقة شيوخ الأئمة الستة، يروي عن حجاج بن محمد المصيصي كثيرا، وعن أنظاره، وفيه لين، وتفسيره نحو تفسير يحيى بن سلام، وقد أكثر ابن جريج التخريج منه.
تفسير موسى بن عبد الرحمن الصنعاني:
ومن التفاسير الواهية، لوهاء رواتها: التفسير الذي جمعه موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين، يسنده إلى ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما وقد نسب ابن حبان موسى هذا إلى وضع الحديث، ورواه عن موسى عبد الغني بن سعيد الثقفي، وهو ضعيف.
__________
1 بضم السين، وفتح النون، وياء ساكنة، ابن داود المصيصي المحتسب، أخذ عن حماد بن زيد، وشريك، وابن المبارك، وعنه أبو زرعة، وأبو بكر الأثرم. توفي سنة 220هـ.
(1/155)

طرق المرويات في سبب النزول:
وقد يوجد كثير من أسباب النزول في كتب المغازي، فما كان منها من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه، أو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، فهو أصلح مما فيه من كتاب محمد بن إسحاق، وما كان من رواية محمد بن إسحاق أمثل مما فيه من رواية الواقدي1.
وقال الإمام السيوطي في الإتقان بعد ما ذكر كلام الخليلي في "الإرشاد" الذى ذكرته آنفا: وتفسير السدي -يعني: السدي الكبير- يورد منه ابن جرير كثيرا من طريق السدي عن أبي مالك: عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة هكذا، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئا؛ لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه، لكن من طريق مرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه، وناس فقط دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة.
__________
1 الدر المنثور ج 6 ص 422.
(1/155)

الطرق الجياد عن ابن عباس:
ومن جيد الطريق عن ابن عباس: طريق قيس، عن عطاء ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكثيرا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه، ومن ذلك طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد؛ مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه -أي: ابن عباس- هكذا بالتردد وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن، وقد أخرج عنها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرا، وفي معجم الطبراني الكثير منها أشياء.
أوهى الطرق عن ابن عباس:
وأوهى طرقه طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فإذا انصم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير، فهي سلسلة الكذب، وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي، لكن قال ابن عدي في الكامل: للكلبي أحاديث صالحة، وخاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه، ولا أشبع. وبعده -في أن روايته أوهى- مقاتل بن سليمان، إلا أن الكلبي يفضَّل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الردية.
الطرق الضعيفة عن ابن عباس:
وطريق الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس منقطعة؛ فإن الضحاك لم يلقه، فإذا انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبي روق، عنه، فضعيفة؛ لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرا ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك، فأشد ضعفا؛ لأن جويبرا شديد الضعف، متروك، ولم يخرج ابن جرير، ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئا، إنما خرجها ابن مردويه، وأبو الشيخ ابن حيان.
وطريق العوفي عن ابن عباس، أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرا، والعوفي ضعيف، ليس بِوَاهٍ، وربما حسن له الترمذي1.
__________
1 أي قال: إن حديثه حسن.
(1/156)

قال السيوطي: ورأيت في فضائل الإمام الشافعي، لأبي عبد الله بن أحمد بن شاكر القطان، أنه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث".
(1/157)

2- تفسير أبي بن كعب والطرق عنه:
وأما أبي بن كعب، فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عنه، وهذا إسناد صحيح.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم منها كثيرا، وكذا الحاكم في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده1.
ومن الطرق الحسنة عنه: طريق وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، وهذه الطريق يخرج منها الإمام أحمد في مسنده، وهي على شرط الحسن؛ لأن عبد الله بن محمد بن عقيل؛ وإن كان صدوقا تكلم فيه من جهة حفظه، قال الترمذي في سننه: "عبد الله بن محمد بن عقيل، هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد -يعني: البخاري: هو مقارب الحديث"، ونص الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، على أن حديثه حسن2.
__________
1 الإتقان ج 2 ص 188، 189.
2 التفسير والمفسرون ج1 ص 93.
(1/157)

3- أشهر الطرق عن ابن مسعود:
1- طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد قيل: إنها أصح الأسانيد.
(1/157)

2- طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد قيل: إنها أصح الأسانيد أيضا1.
3- طريق الأعمشن عن أبي الضحي، عن مسروق، عن ابن مسعود وهي من أصح الطرق وأسلمها، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه.
4- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وهي صحيحة أيضًا، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه.
5- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وهذه طريق صحيحة، يخرج منها البخاري في صحيحه، وكفى بتخريج البخاري شاهدًا على صحة هذا الطرق الثلاث.
6- طريق السدي الكبير، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وقد ذكرناها فيما سبق.
__________
1 الباعث الحثيث ص7، وص 9 "هامش".
(1/158)

4- أصح الطرق عن علي رضي الله عنه:
1- طريق محمد بن سيرين، عن عبيدة1بفتح العين وكسر الياء السلماني بفتح السين، وسكون اللام عن علي، وقد قال علي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس: إنها أصح الطرق.
2- طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: إنها أصح الأسانيد.
3- طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدهن عن على، وهي من أصح الطرق أيضا كما قيل.
4- طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن الحارث بن سويد، عن علي، وهي من أصح الطرق أيضا2.
__________
1 هو ابن عمرو، وقيل: ابن قيس.
2 الباعث الحثيث إلى علوم الحديث ص 7، 8 "هامش".
(1/158)

أشهر الطرق الضعيفة والواهية والساقطة:
طريق أبي يعلى، عن إسماعيل بن السدي، عن علي بن عباس، عن مسلم الملائي، عن حبة بن جوين، عن علي، عن أنس بن مالك قالوا: حبة لا يساوي حبة1.
طريق يحيى بن عبد الحميد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية عن علي.... وموسى بن طريف ضعيف يحتاج إلى من يعدله، وعباية: أقل منه، ليس بشيء حديثه2. طريق شريك عن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن على3 إلى غير ذلك من الطرق التي نقدها أئمة الحديث، وبينوا الصحيح من الضعيف.
__________
1 البداية والنهاية ج 7 ص 333.
2 المرجع السابق ص 355.
3 المرجع السابق ص 358.
(1/159)

5- المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في التفسير:
وقد روي عن عبد الله بن عمرو تفاسير كثيرة، فيما يتعلق بالقصص وأخبار الفتحة، والآخرة، وما أشبهها، بأن تكون مما تحمله عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وما وجده في كتبهم التي أصاب منها في اليرموك زاملتين، وقد نقد العلماء كل ذلك، وبينوا الصحيح من العليل والمقبول من المردود.
ومما ذكرنا: يتبين جليا أن العلماء المحدثين نقدوا طرق المرويات في التفسير وغيره، وبينوا الصحيح والضعيف، والموضوع ونبهوا إلى الإسرائيليات، وحذروا منها، ولو أن المفسرين كانوا من أهل الحديث، والنقد، لنزهوا كتبهم مما وقع فيها من المرويات من غثاء وزبد، ولما وقع فيها كل هذا الركام من الإسرائيليات، والخرافات، والأوهام، ولنأخذ في بيان المقصود فنقول -وبالله التوفيق:
(1/159)

الإسرائيليات في القرآن
الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت
...
1- الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت:
روى السيوطي في الدر المنثور، في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت} روايات كثيرة وقصصا عجيبة رويت عن ابن عمر، وابن مسعود،
(1/159)

وعلي، وابن عباس، ومجاهد، وكعب، والربيع، والسدي، رواها ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن مردويه، والحاكم، وابن المنذر، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، والخطيب في تفاسيرهم وكتبهم1.
وخلاصتها: أنه لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيها من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي رب، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك، وطاعتك، وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، وفي بعض الروايات أن الله قال لهم: لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا، وفي رواية أخرى: قالوا: لا. فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري، وأنهاهما عن معصيتي، فاختاروا هاروت، وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وركبت فيهما الشهوة، وأمرا أن يعبدا الله، ولا يشركا به شيئا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلبثا على ذلك في الأرض زمانا، يحكمان بن الناس بالحق، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أراداها2 على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنما، فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فصبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على دينها، وأن يعبدا الصنم الذي تعبده، فأبيا، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذا الخمر، فقالا: هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر، وسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها3 فمر بهما إنسان، وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما، فقتلاه، فلما أن ذهب عنهما السكر، عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا وكشف الغطاء فيما
__________
1 الدر المنثور ج 1 من ص2 97-103، تفسير ابن جرير ج1 ص 362-367 ط بولاق.
2 راودها عن نفسها.
3 أي فعلا بها الفاحشة.
(1/160)

بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما بها يعذبان معلقين بأرجلهما، وفي بعض الروايات، أنهما علماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء، فصعدت، فمسخها الله، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة1.
ويذكر السيوطي أيضًا في كتابه ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه2، والبيهقي في سننه: عن عائشة، أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل، وأنها أخبرتها أنها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر، ولم يمض غير قليل، حتى وقفتا ببابل، فإذا هما برجلين معلقين بأرجلهما، وهما هاروت وماروت، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصة عجيبة غريبة.
ويذكر أيضا: أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي، عن هارون بن رباب، قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة، وهو متكئ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت، وماروت فقالوا له: حدثنا رحمك الله: فأنشأ الرجل يحدث بقصة عجيبة غريبة3.
وكل هذا من خرفات بني إسرائيل، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل، ولا نقل، ولا شرع، ولم يقف بعض رواة هذا القصص الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ولكنهم أوغلوا باب الإثم، والتجني الفاضح، فألصقوا هذا الزور إلى النبي صلى الله عليه وسلم ورفعوه إليه، فقد قال السيوطي: أخرج سعيد، وابن جرير، والخطيب في تاريخ، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل:
__________
1 الزُّهَرة كرُطَبة -يعني بضم الزاي وفتح الهاء- نجم في السماء كما في القاموس وغيره.
2 تصحيح الحاكم غير معتدٍّ به؛ لأنه معروف أنه متساهل في الحكم بالتصحيح كما قال ابن الصلاح وغيره، وقد صحح أحاديث تعقبها الإمام الذهبي وحكم عليها بالوضع.
3 الدر المنثور ص 101 تفسير الطبري ج1 ص 366.
(1/161)

قال: يا نافع: انظر: هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثا، ثم قلت: قد طعلت، قال: لا مرحبا بها، ولا أهلا: قلت: سبحان الله!! نجم مسخر، ساع، مطيع!! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وإن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت، فنزلا، فألقى الله عليهم الشبق، قلت: وما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها: الزهرة فوقعت في قلبيهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء، وتهبطان، فأبيا، ثم سألاها أيضا، فأبتن ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا، وقطع أجنحتها، ثم سألا التوبة من ربهما، فخيرهما بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أن ائتيا "بابل"1 فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، معذبان إلى يوم القيامة، ثم ذكر أيضا رواية أخرى، مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تخرج في معناها عما ذكرنا2، ولا ينبغي أن يشك مسلم عاقل فضلا عن طالب حديث في أن هذا موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم مهما بلغت أسانيده من الثبوت فما بالك إذا كانت أسانيدها واهية، ساقطة، ولا تخلو من وضاع، أو ضعيف، أو مجهول؟!! ونص على وضعه أئمة الحديث!!
وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام أبو الفرج ابن الجوزي3، ونص الشهاب العراقي على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما: فهو كافر بالله.
__________
1 بابل: بلد من بلاد العراق.
2 الدر المنثور ج1 ص 97 تفسير الطبري ج 1 ص 364.
3 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1 ص 82.
(1/162)

العظيم1، وقال الإمام القاضي عياض في "الشفاء"، وما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت: لم يرد فيه شيء لا سقيم2، ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو شيئًا يؤخذ بالقياس.
وكذلك: حكم بوضع المرفوع من هذه القصة: الحافظ: عماد الدين ابن كثير، وأما ما ليس مرفوعا: فبين أن منشأة روايات إسرائيلية عن كعب وغيره، ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام، قال رحمه الله في تفسيره بعد أن تكلم على الأحاديث الواردة في هاروت وماروت، وأن روايات الرفع غريبة جدا، وأقرب ما يكون في ذلك أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن ابن عمر، عن كعب، ورفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي كذب واختلاق ألصقه زنادقة أهل الكتاب، زورا وبهتانا" وذكر مثل ذلك في البداية والنهاية3.
أقول: وهذا الذي قاله العلامة ابن كثير هو: الحق الذي لا ينبغي أن يقال غيره. وليس أدل على هذا من أن ابن جرير رواها بالسند الذي ذكره ابن كثير، وبغيره عن ابن عمر، عن كعب الأحبار4، ولكن بعض الرواة غلطا، أو سوء نية، رفعها ونسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا ردها المحققون من المفسرين الذين مهروا في معرفة أصول الدين، وأبت عقولهم أن تقبل هذه الخرافات: كالإمام الرازي، وأبي حيان، وأبي السعود، والآلوسي،
ثم هذه من ناحية العقل غير مسلمة، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر، التي لا تصدر من عربيد، وقد أخبر الله عنهم بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما ورد في بعض الروايات التي أشرت إليها آنفا رد لكلام الله، وفي رواية أخرى: أن الله قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا
__________
1 روح المعاني ج1 ص 341.
2 لعله أراد به الضعيف، واعتبر ما روى مرفوعا ساقطا عن الاعتبار.
3 البداية والنهاية ج 1 ص 37.
4 تفسير الطبري ج 1 ص 363.
(1/163)

يا رب ما عصيناك!! ورد كلام الله كفر، ننزه عنه من له علم بالله وصفاته، فضلًا عن الملائكة.
ثم كيف ترفع الفاجرة إلى السماء، وتصير كوكبا مضيئا، وما النجم الذي يزعمون أنه: "الزهرة" وزعموا أنه كان امرأة، فمسخت إلا في مكانه، من يوم أن خلق الله السموات والأرض.
وهذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرا يقينا، ولا أدرى ماذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك، والكونيات، إذا نحن لم نزيف هذه الخرافات، وسكتنا عنها، أو انتصرنا لها؟!!
وإذا كان بعض العلماء المحدثين1 مال إلى ثبوت مثل هذه الروايات التي لا نشك في كذبها، فهذا منه تشدد في التمسك بالقواعد، من غير نظر إلى ما يلزم من الحكم بثبوت ذلك من المحظورات، وأنا لا أنكر أن بعض أسانيدها صحيحة أو حسنة، إلى بعض الصحابة أو التابعين، ولكن مرجعها ومخرجها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، والراوي قد يغلط، وبخاصة في رفع الموقوف، وقد حققت هذا في مقدمات البحث، وأن كونها صحيحة في نسبتها لا ينافي كونها باطلة في ذاتها، ولو أن الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتب عليه فائدة ما لغضضنا الطرف عن مثل ذلك، ولما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى بطلانها، ولكنها فتحت على المسلمين باب شر كبير، يجب أن يغلق.
ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد البصير: ابن كثير فقد نبه على أصل الداء، ووصف له الدواء، وبيَّن الحق والصواب في موقف المسلم من هذه الخرافات.
ما التفسير الصحيح للآية؟
وليس من شأني في هذا الكتاب مجرد الهدم والإبطال لهذه الإسرائيليات والخرافات فحسب، ولكني إلى ذلك سأعنى بتفسير الآيات التي حرفت عن مواضعها، تفسيرا علميا صحيحا، يشهد له النقل الصحيح، والعقل السليم، والسابق واللاحق من الآيات،
__________
1 هو الحافظ ابن حجر، وتابعه السيوطي.
(1/164)

حتى يزداد القارئ يقينا أنها دخيلة على القرآن الكريم، وإليك التفسير الصحيح.
قوله تعالى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} 1.
وليس في الآية ما يدل ولو من بعد على هذه القصة المنكرة، وليس السبب في نزول الآية ذلك، وإنما السبب: أن الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويُلْقُونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم. وقد دوَّنها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان عليه السلام حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنس، والجن، والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} 2.
ثم عطف عليه: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبوابا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحرا، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه، وقد احتاط الملكان عليهما السلام غاية الاحتياط، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه، ويقولا له: إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار، فلا تكفر بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته، وقد دلت الآية: على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به
__________
1 البقرة: 102.
2 لأن تعلم السحر للعمل به كفر.
(1/165)

مباح، ولا إثم فيه، وأيضا تعلمه؛ لإزالة الاشتباه بينه، وبين المعجزة، والنبوة مباح، ولا إثم فيه، وإنما الحرم والإثم في تعلمه أو تعليمه للعمل به، فهو مثل ما قيل:
عرفت الشر لا للشر ... لكن لتوقِّيهِ
ومن لا يعرف الشر ... من الناس يقعْ فِيهِ
واليهود عليهم لعائن الله لما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يعلمون أنه النبي الذي بشرت به التوراة حتى كانوا يستفتحون به على المشركين قبل ميلاده وبعثته، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ونبذوا كتابهم التوراة، وكتاب الله القرآن وراء ظهورهم، وبدل أن يتبعوا الحق المبين اتبعوا السحر الذي توارثوه عن آبائهم والذي علمتهم إياه الشياطين، وكان الواجب عليهم أن ينبذوا السحر، ويحذروا الناس من شره، وذلك كما فعل الملكان: هاروت وماروت من تحذير الناس من شروره، والعمل به، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، لا ما زعمه المبطلون الخرفون وبذلك: يحصل التناسق بين الآيات وتكون الآية متآخية متعانقة، ولا أدري ما الصلة بين ما رووه من إسرائيليات، وبين قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ} الآية.
والعجب: أن الإمام ابن جرير حوَّم حول ما ذكرناه في تفسير الآية ثم لم يلبث أن ذكر ما ذكر! والخلاصة: على القارئ أن يحذر من هذه الإسرائيليات؛ سواء وجدها في كتاب تفسير، أو حديث أو تاريخ أو مواعظ، أو أدب أو.......
__________
1 تفسير ابن جرير ج1 ص 359، 360.
(1/166)

2- إسرائيليات في المسوخ من المخلوقات:
ويوغل بعض زنادقة أهل الكتاب، فيضعون على النبي صلى الله عليه وسلم خرافات في خلق بعض أنواع الحيوانات التي زعموا أنها مسخت، ولو أن هذه الخرافات نسبت إلى كعب الأحبار وأمثاله، أو إلى بعض الصحابة، والتابعين لَهَانَ الأمرُ، ولكن عظيم الإثم أن
(1/166)

ينسب ذلك إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم، وهذا اللون من الوضع والدس من أخبث وأقذر أنواع الكيد للإسلام ونبي الإسلام.
فقد قال السيوطي عفا الله عنه بعد ما ذكر طامات وبلايا في قصة هاروت وماروت، من غير أن يعلق عليها بكلمة؛ أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، وابن مردويه، والديلمي، عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسوخ1 فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث2، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموص، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهر، فقيل: يا رسول الله وما سبب مسخهن؟ وإليك التخريف والكذب الذي نبرئ ساحة رسول الله منهما فقال: أما الفيل: فكان رجلًا جبارًا لوطيا، لا يدع رطبا، ولا يابسا، وأما الدب: فكان مؤنثًا يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير: فكان من النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا، وأما القردة: فيهود اعتدوا في السبت، وأما الجريث: فكان ديوثا3، يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب: فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط: فكان رجلا يسرق الثمار من رءوس النخل، وأما العقرب: فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص4: فكان نَمَّامًا يُفَرق بين الأحبة، وأما العنكبوت: فامرأة سحرت زوجها، وأما الأرنب: فإمرأة كانت لا تطهر من حيضها، وأما سهيل: فكان عشَّارًا باليمن، وأما الزهرة: فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت، وماروت؛ ألا قبَّح الله من وضع هذا الزور والباطل، ونسبه إلى من لا ينطق عن الهوى.
ومما لا يقضي منع العجب: أن السيوطي ذكر هذا الهراء من غير سند، ولم يعقب عليه بكلمة استنكار، ومثل هذا: لا يشك طالب علم في بطلانه، فضلا عن عالم كبير، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقد ذكره السيوطي في اللآلئ، وتعقبه بما لا يجدي، وكان من الأمانة العلمية أن يشير إلى هذا، وبعد هذا الكذب والتخريف ينقل السيوطي ما رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف كذا قال: عن عمر بن الخطاب قال: جاء
__________
1 جمع مسخ أي الممسوخ من حالة إلى حالة أخرى.
2 في القاموس: "الجِرِّيث كسكيت سمك".
3 الديوث الذي لا يغار على زوجته.
4 الدعموص بضم الدال دويبة أو دودة سوداء تكون في الغدران إذا أخذ ماؤها في النضوب.
(1/167)

جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غير حينه، ثم ذكر قصة طويلة في وصف النار، وأن النبي بكى، وجبريل بكى، حتى نوديا: لا تخافا إن الله أمنكما أن تعصياه1، وأغلب الظن: أنه من الإسرائيليات التي دست في الرواية الإسلامية.
__________
1 الدر المنثور ج1 ص 102، 103.
(1/168)

3- الإسرائيليات في بناء الكعبة: البيت الحرام والحجر الأسود:
وكذلك أكثَرَ السيوطي في تفسيره: "الدر المنثور" عند تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 1، من النقل عن الأزرقي، وأمثاله من المؤرخين والمفسرين الذين هم كحاطبي ليل، ولا يميزون بين الغث والسمين، والمقبول، والمردود، في بناء البيت، ومن بناه قبل إبراهيم: أهم الملائكة أم آدم؟ والحجر الأسود ومن أين جاء؟ وما ورد في فضلهما، وقد استغرق في هذا النقل الذي معظمه من الإسرائيليات التي أخذت عن أهل الكتاب بضع عشرة صحيفة2، لا يزيد ما صح منها أو ثبت عن عُشْرِ هذا المقدار.
ولو أنه اقتصر على الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحه3، ورواها غيره من العلماء الأثبات، لأراحنا، وأراح نفسه، ولما أفسد العقول، وسمم النفوس بكل هذه الإسرائيليات، التي نحن في غنية عنها بما تواتر من القرآن، وثبت من السنة الصحيحة؛ وفي الحق: أن ابن جرير كان مقتصدا في الإكثار من ذكر الإسرائيليات في هذا الموضع، وإن كان لم يسلم منها، وذكر بعضها، وذلك مثل ما رواه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده، كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان، رفع، فكانت الأنبياء يحجونه، ولا يعلمون مكانه4، حتى بوأه الله إبراهيم
__________
1 البقرة: 127.
2 الدر المنثور ج1 من ص 125- 137.
3 صحيح البخاري كتاب أحاديث الأنبياء باب "واتخد الله إبراهيم خليلا".
4 ولا أدري كيف يحجونه ولا يعلمون مكانه؟
(1/168)

عليه السلام وأعلمه مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من حراء، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر.
وأعجب من ذلك: ما رواه بسنده عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة: كان رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء!! يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها، وفي صلاتها، فوجه إلى مكة، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوف به، حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم، فبناه، فذلك قول الله تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} 1 إلى غير ذلك مما مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وخرافاتهم، ولم يصح في ذلك خبر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، ويرحم الله الإمام الحافظ ابن كثير؛ فقد بين لنا منشأ معظم هذه الروايات التي هي من صنع بني إسرائيل، ودس زنادقتهم، فقد قال فيما رواه البيهقي في الدلائل من طرق عن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم: "بعض الله جبريل إلى آدم، فأمره، ببناء البيت، فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به، وقال له: أنت أول الناس، وهنا أول بيت وضع اللناس".
قال ابن كثير: إنه من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف، والأشبه والله أعلم أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص، ويكون من الزاملتين2 اللتين أصابهما يوم اليرموك، من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث بما فيهما3.
وقال في "بدايته": ولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم: أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله: {مَكَانَ الْبَيْتِ} فليس بناهض ولا ظاهر، لأن مراده: مكانه المقدر في علم الله تعالى، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم4.
__________
1 تفسير ابن جرير ج1 ص 428، 429.
2 الزاملة: البعير الذي يحمل عليه المتاع.
3 تفسيري ابن كثير والبغوي ج1 ص 316 ط المنار فتح الباري ج6 ص 310.
4 البداية والنهاية ج1 ص 163، ج 2 ص 299.
(1/169)

4- الإسرائيليات في قصة التابوت:
ومن الإسرائيليات، التي التبس فيها الحق بالباطل: ما ذكره غالب المفسرين في تفاسيرهم: في قصة طالوت، وتنصيبه ملِكًا على بني إسرائيل، واعتراض بني إسرائيل عليه، وإخبار نبيهم لهم بالآية الدالة على ملكه، وهي التابوت، وذلك عند قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 1.
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي في: "الدر" وغيرهم في تفاسيرهم كثيرا من الأخبار عن الصحابة والتابعين، وعن وهب بن منبه، وغيره من مسلمة أهل الكتاب في وصف التابوت، وكيف جاء، وعلام يشتمل، وعن السكينة وكيف صفتها.
فقد ذكروا في شأن التابوت: أنه كان من خشب الشمشاد2، نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، كان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاده، إلى إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل، ثم يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل، إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت شمويل، وكان عندهم حتى عصوا، فغلبوا عليه؛ غلبهم عليه العمالقة.
وهذا الكلام وإن كان محتملا للصدق والكذب، لكننا في غنية ولا يتوقف تفسير الآية عليه.
وقال بعضهم: إن التابوت إنما كان في بني إسرائيل، ولم يكن من عهد آدم عليه السلام، وأنه الصندوق الذي كان يحفظ فيه موسى عليه السلام التوراة، ولعل هذا أقرب إلى الحق والصواب، وكذلك أكثروا من النقل في: "السكينة"، فروى عنه
__________
1 البقرة: 248.
2 في البغوي بالمعجمتين والدال المهملة، وفي القرطبي بالمعجمة ثم ميم ثم سين مهملة آخره راء، وفي بعض التفاسير والذال المعجمة.
(1/170)

علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي: ريج فجوج1 هفافة، لها رأسان ووجه كوجه الإنسان.
وقال مجاهد: حيوان كالهِرِّ، لها جناحان، وذَنَب، ولعينيه شعاع، إذا نظر إلى الجيش انهزم، وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة: رأس هرة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر، وهذا من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم، وعن وهب بن منبه أيضا قال: السكينة: روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تتكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون.
وعن ابن عباس: السكينة طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاه الله موسى عليه السلام.
والحق أنه ليس في القرآن ما يدل على شيء من ذلك، ولا فيما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هذه من أخبار بني إسرائيل التي نقلها إليها مسلمة أهل الكتاب، وحملها عنهم بعضهم الصحابة والتابعين ومرجعها إلى وهب بن منبه، وكعب الأحبار وأمثالهما.
التفسير الصحيح للسكينة:
والذي ينبغي أن تفسر به السكينة: أن المراد بها: الطمأنينية، والسكون الذي يحل بالقلب، عند تقديم التابوت أمام الجيش، فهي من أسباب السكون، والطمأنينة، وبذلك: تقوى نفوسهم، وتشتد معنوياتهم فيكون ذلك من أسباب النصر، فهو مثل قوله تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْه} 2 أي طمأنينته، وما ثبت به قلبه، ومثل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} 3.
وقوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} 4. فالمراد بالسكينة طمأنينة القلوب، وثبات النفوس.
__________
1 شديد المرور في غير استواء ولا أدري كيف يكون للريح رأسان، ووجه كوجه الإنسان؟
2 التوبة: 40.
3 الفتح: 4.
4 الفتح: 26.
(1/171)

ويعجبني في هذا ما قاله الإمام أبو محمد: عبد الحق، ابن عطية حيث قال: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة، من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس، وتقوى1.
وكذلك: ذكروا في مجيء التابوت أقوالا متضاربة، يرد بعضها بعضًا، مما يدل على أن مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل، وابتداعهم، وأنه ليس فيه نقل يعتدُّ به.
فروى عن ابن عباس أنه قال: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون، وعن السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون وأطاعوا طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء2، فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة، ووضعته بينهم، وقال قتادة: بل كان التابوت في التيه، خلفه موسى عند يوشع بن نون، فبقي هناك حتى حملته الملائكة، ووضعته في دار طالوت، فأقروا بمكة.
وذكر غيرهم: أن التابوت كان بأريحاء، وكان الذين استولوا عليه وضعوه في بيت آلهتهم: تحت صنمهم الأكبر، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه، فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، مُلقىً بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها أمراض في رقابهم، وقيل: جعلوه في مخرأة3 قوم لهم، فكان كل من تبرز هناك أصيب بالناسور وقيل: بالباسور، فتحيروا في الأمر، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل، من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة، بإشارة تلك المرأة، وحملوا عليها التابوت، ثم علقوها على ثورين، وضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل، فكسرا نيريهما4، وقطعا حبالهما، ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل، ورجعا إلى
__________
1 تفسير القرطبي ج3 ص 249.
2 هذا مع أنهم رووا كما سلف أنه لما عصوا وأفسدوا غلبتهم عليه العمالقة.
3 مكان تغوطهم.
4 النير ما يوضع على رقبة الثور عند الحرث، والجر.
(1/172)

أرضهما، فلم يُرع بني إسرائيل إلا التابوت، فكبروا، وحمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: {تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ} ، أي تسوقه.
وكل هذا من أخبار بني إسرائيل الذين غيروا، وبدلوا، فالله أعلم بصحتها، وأقرب هذه الأقوال من الصحة، وما يدل عليه القرآن هو: ما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وكذلك اختلفوا في تعيين البقية الباقية مما ترك آل موسى وآل هارون1، وكانت محفوظة في التابوت.
فعن ابن عباس، قال: عصاه -أي موسى- ورضاض2 الألواح؛ لأنها انكسرت لما ألقاها موسى عليه السلام حين عاد، فوجدهم يعبدون العجل، وكذا قال قتادة، والسدي، والربيع بن أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة.
وقال أبو صالح: عصا موسى. وعصا هارون، ولو حين من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل في التيه، وقيل: عصا موسى، ونعلاه، وعصا هارون وعمامته، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح، إلى غير ذلك.
وهي أقوال متقاربة، ولا يرد بعضها بعضا، وهي محتملة، والله أعلم بالصواب منها، وهي من الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، فلا نصدقها، ولا نكذبها.
والذي نقطع به، ويجب الإيمان به: أنه كان في بني إسرائيل تابوت أي صندوق من غير بحث في حقيقته وهيئته، ومن أين جاء؛ إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم، وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات من مخلفات موسى، وهارون عليهما السلام مع احتمال أن يكون تعيين ذلك في بعض ما ذكرنا آنفا، وأن هذا التابوت كان مصدر سكينة، وطمأنينة لبني إسرائيل، ولا سيما عند قتال عدوهم، وأنه عاد إلى بني إسرائيل، تحمله الملائكة، من غير بحث في الطريق التي حملته بها الملائكة، وبذلك
__________
1 المراد بآل موسى وآل هارون هما ذاتهما وهذا أمر معهود في لغة العرب، وفي الحديث الشريف: "ولقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود"، أي صوتا حسنا، ولم يكن في آل داود حسن الصوت أحد إلا هو، فالمراد بآل داود: داود نفسه.
2 فتات الألواح وما تهشم منها.
(1/173)

كان التابوت آية دالة على صدق طالوت في كونه ملكا عليهم، وما وراء ذلك من الأخبار التي سمعتها لم يقم عليها دليل.
(1/174)

5- الإسرائيليات في قصة قتل داود جالوت:
ومن الإسرائيليات: ما يذكره المفسرون في قصة قتل داود، وهو: جندي صغير في جيش طالوت جالوتَ الملك الجبار، وذلك عند تفسير قوله تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} 1.
فقد ذكر الثعلبي، والبغوي، والخازن، وصاحب "الدر المنثور"، وغيرهم، في تفاسيرهم ما خلاصته: أنه عبر النهر فيمن عبر مع طالوت ملك بني إسرائيل إيشا: أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم، وكان يرمي بالقذافة2 فلا يخطئ، وأنه ذكر لأبيه أمر قذافته تلك، وأنه دخل بين الجبال، فوجد أسدا فأخذ بأذنيه، فلم يهجه، وأنه مشى بين الجبال، فسبح، فما بقي جبل حتى سبح معه، فقال له أبوه: أبشر؛ فإن هذا خير أعطاك الله تعالى إياه.
فأرسل جالوت إلى طالوت: أن ابرز إليَّ، أو أبرز إليَّ من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت، فنادى في عسكره: من قتل جالوت زوجته ابنتي، وناصفته ملكي، فهاب الناس جالوت، فلم يجبه أحد.
فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس، وتنور من حديد، فقيل: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه، فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه، ولا يسيل على وجهه، بل يكون على رأسه كالإكليل3، ويدخل هذا التنور فيملؤه، ولا يتقلقل فيه.
فدعا طالوت بني إسرائيل، فجربهم، فلم يوافقه منهم أحد، فأوحى الله إلى نبيهم:
__________
1 البقرة: 251.
2 شيء يقذف به كالمقلاع فلا يخطئ هدفه.
3 ما يلبسه الملوك على رءوسهم.
(1/174)

إن في ولد "إيشا" من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت إيشا، فقال: اعرض هذا على بنيك، فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري1، فجعل يعرضهم على القرن، فلا يرى شيئا فقال لإيشا: هل بقي لك ولد غيرهم؟ فقال: لا فقال نبي هذا الزمان: يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال الله: كذب، فقال هذا النبي لإيشا: إن الله كذبك!!
فقال إيشا: صدق الله، يا نبي الله، إن لي ابنا صغيرا، يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته فخلفته في الغنم يرعاها، وهو في شعب كذا وكذا، وكان داود رجلا قصيرا، مسقاما، مصغارا، أزرق أمعر2، فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج إليه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل، ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم، فدعاه، ووضع القرن على رأسه، ففاض يعني من غير أن يسيل على وجهه فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت، وأزوجك ابنتي، وأجري خاتمك في ملكي؟ قال: نعم، قال: وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله؟ قال: نعم، وذكر بعض ذلك.
فأخذ طالوت داود، ورده إلى عسكره، وفي الطريق مر داود بحجر، فناداه: يا داود احملني؛ فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته، ثم مر بآخر، فناداه قائلا: إنه حجر موسى الذي قتل به ملك كذا، فأخذه في مخلاته، ثم مر بحجر ثالث، فناداه قائلا له: احملني؛ فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت، فوضعه في مخلاته.
فلما تصافوا للقتال، وبرز جالوت، وسال المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرسا، ودرعا، وسلاحا، فلبس السلاح، وركب الفرس، وسار قريبا، ثم لم يلبث أن
__________
1 جمع سارية، وهي العمود أي: أنهم كالعمد الطويلة.
2 أمعر: قليل الشعر، أو نحيف الجسم، وهذا من أكاذيب بني إسرائيل، ورميهم الأنبياء بأبشع الصفات فقاتلهم الله أنى يؤفكون، وما كان لأبيه وقد أخبره داود بما ذكره أول القصة، أن ينتقصه، وبصفه بهذه الأوصاف.
(1/175)

نزع ذلك، وقال لطالوت: إن لم ينصرني الله لم يغنِ عني هذا السلاح شيئا!!، فدعني أقاتل جالوت كما أريد، قال: فافعل ما شئت، قال: نعم.
فأخذ داود مخلاته، فتقلدها، وأخذ المقلاع، ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشد الرجال، وأقواهم، وكان يهزم الجيش وحده، وكان له يبضة فيها ثلاثمائمة رطل حديدا1 فلما نظر إلى داود ألقى الله في قلبه الرعب، وبعد مقاومة بينهما، وتوعد كل منهما الآخر، أخرج داود حجرا من مخلاته، ووضعه في مقلاعه وقال: باسم إله إبراهيم، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق، ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال:
باسم إله يعقوب، ووضعه في مقلاعه، فصارت كلها حجرا واحدا، ودور داود المقلاع، ورمى به، فسخر له الله الريح، حتى أصاب الحجر أنف البيضة، فخلص إلى دماغه، وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله تعالى الجيش، وخر جالوت قتيلا، فأخذه يجره، حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح جيش طالوت فرحا شديدا، وانصرفوا إلى مدينتهم، والناس يذكرون بالخير داود.
فجاء داود طالوت، وقال له: أنجز لي ما وعدتني، فقال: وأين الصداق؟، فقال له داود: ما شرطت على صداقا غير قتل جالوت، ثم اقترح عليه طالوت أن يقتل مائتي رجل من أعدائهم، ويأتيه بغلفهم2، ففعل، فزوجه طالوت ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود، وأحبوه، وأكثروه ذكره، فحسده طالوت، وعزم على قتله، فأخبر ابنة طالوت رجل من أتباعه، فحذرت داود، وأخبرته بما عزم أبوها عليه، وبعد مغامرة من طالوت لقتل داود، ومكيدة وحيلة من داود، أنجى الله داود منه، فلما أصبح الصباح، وتيقن طالوت أن داود لم يقتل، خاف منه، وتوجَّس خيفة، واحتاط لنفسه، ولكن الله أمكن داود منه ثلاث مرات، ولكن لم يقتله، ثم كان أن فر داود من
__________
1 البيضة: ما يلبسه المحارب على رأسه، وهذا من أكاذيبهم، وتخريفاتهم، ولا أدري عاقل يدري كيف يمكن لجالوت أن يحارب، وعلى رأسه هذا القدر من الحديد؟ أي: نحو مائة وخمسين كيلو جراما من الحديد، ولعل الرطل في زمانهم كان أثقل من رطلنا اليوم، فيكون حمل على رأسه ما يزيد على ثلاثة قناطير من الحديد ومما ذكروه في وصفه أن ظله كان ميلا، وهذا ولا شك خرافة.
2 الغلفة بضم الغين القطعة التي تقطع من الصبي عند الختان.
(1/176)

طالوت في البرية، فرآه طالوت ذات يوم فيها، فأراد قتله، ولكن داود دخل غارًا، وأمر الله العنكبوت، فنسجت عليه من خيوطها، وبذلك نجا من طالوت، ولجأ إلى الجبل، وتعبد مع المتعبدين.
فطعن الناس في طالوت بسبب داود، واختفائه، فأسرف طالوت في قتل العلماء والعباد، ثم كان أن وقعت التوبة في قلبه، وندم على ما فعل، وحزن حزنا طويلا، وصار يطلب من يفتيه أن له توبة فلم يجد حتى دل على امرأة عندها اسم الله الأعظم، فذهب إليها، وأمن روعها، فانطلقت به إلى قبر "شمويل"، فخرج من قبره وأرشده إلى طريق التوبة، وهو أن يقدم ولده ونفسه في سبيل الله حتى يقتلوا، ففعل، وجاء قاتل طالوت إلى داود لخيبره بقتله، فكانت مكافأته على ذلك: أن قتله، وأتى بنو إسرائيل إلى داود، وأعطوه خزائن طالوت، وملكوه على أنفسهم، وقد استغرق ذلك من تفسير البغوي بضع صحائف1.
وفي هذا الذي ذكروه الحق والباطل، والصدق، والكذب، ونحن في غنية عنه بما في أيدينا من القرآن والسنة، وليس في كتاب الله ما يدل على ما ذكروه، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره، فلا تلقِ إليه بالا، وارم به دبر أذنيك، فإن فيه تجنِّيًا على من اصطفاه الله ملكا عليهم، وكذبا على نبي الله داود، ويرحم الله الإمام العلامة ابن كثير فقد أعرض عن ذكره، ونبه إلى أنه من الإسرائيليات، فقال في قوله تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت} : "ذكروا في الإسرائيليات2 أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به، فأصابه، فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} الذي كان بيد طالوت، {وَالْحِكْمَةَ} أي: النبوة بعد شمويل، {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} من العلم الذي اختصه به عليه الصلاة والسلام.
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 1 من ص 604-608.
2 ويؤكد أنه من الإسرائيليات أن هذا جله مأخوذ من التوراة: انظر التوراة، سفر صمويل الأول الإصحاح 16، 17، 18، 19، يحصل لك اليقين بهذا.
(1/177)

6- الإسرائيليات في قصص الأنبياء والأمم السابقة:
وقد جاء في كتب التفسير على اختلاف مناهجها إسرائيليات كواذب، ومرويات بواطل، لا يحصيها العد، وذلك فيما يتعلق بقصص الأنبياء والمرسلين والأمم والأقوام السابقين وقد رويت عن بعض الصحابة، والتابعين وتابعيهم، وورد بعضها مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذبًا وزورًا.
وهذه المرويات والحكايات لا تَمُتُّ إلى الإسلام، وإنما هي من خرافات بني إسرائيل وأكاذيبهم، وافتراءاتهم على الله، وعلى رسله، رواها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أو أخذها من كتبهم بعض الصحابة والتابعين، أو دست عليهم، بل فيها ما حرفوا للأجله التوراة، وذلك مثل ما فعلوا في قصة إسحاق بن إبراهيم، وأنه هو الذبيح، كما سيأتي.
ولا يمكن استقصاء كل ما ورد من الإسرائيليات، وإلا لاقتضى هذا مجلدات كبارا، ولكني سأكتفي بما هو ظاهر البطلان، ولا يتفق وسنن الله في الأكوان، وما يخل بالعقيدة الصحيحة في أنبياء الله ورسله التي يدل عليها العقل السليم، والنقل الصحيح.
(1/178)

7- ما ورد في قصة آدم عليه السلام:
{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه} .
فمن تلك الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير1 في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه قال: لما أسكن الله آدم وذريته أو زوجته -الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه "وذريته"- ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم2، وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستنزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربعة قوائم، كأنها بختية3 من
__________
1 هو الإمام ابن جرير، وقد شك في اللفظ الذي سمعه ممن أخذ عنه، أهو ذريته أم زوجته؟ فيذكر ذلك رعاية للأمانة في الرواية والظاهر لفظ "زوجته" لأن آدم عليه السلام لم تكن له ذرية في الجنة.
2 وكيف والملائكة لا تأكل ولا تشرب؟
3 ناقة.
(1/178)

أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت إلى آدم، فقالت له مثل ذلك حتى أكل منها، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها، لعنة يتحول عمرها شوكا.... ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي؛ فإنك لا تحملين حملا إلا حملتيه كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك، أشرفت على الموت مرارا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم، وهم أعداؤك.... قال عمرو: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل!! قال: يفعل الله ما يشاء1، قال ابن جرير: وروى ابن عباس نحو هذه القصة.
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس، وعن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام2، وفي السند أسباط عن السدي، وعليهما تدور الروايات، وقد قدمنا حالهما في الرواية.
وكذلك: ذكر السيوطي في "الدر المنثور" ما رواه ابن جرير وغيره في هذا، مما روي عن ابن عباس، وابن مسعود، ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب من منبه3، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه، وخلطوا حقا بباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس، وغيره من الصحابة والتابعين، وفسروا به القرآن الكريم.
ويرحم الله ابن جرير، فقد أشار بذكره الرواية عن وهب: إلى أن ما يرويه عن ابن عباس، وابن مسعود إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مُسلِمة أهل الكتاب، ويا لتيه لم ينقل شيئا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا.
__________
1 هذا تهرب من الجواب، وعجز عن تصحيح هذا الكذب الظاهر.
2 تفسير ابن جرير ج 1 ص 186، 187
3 الدر المنثور ج 1 ص 53.
(1/179)

وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكون فيما يروونه لهم، فقد جاء في آخرها: "قال عمرو1، قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟!! قال: يفعل الله ما يشاء" فهم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟! وهو لم يأتِ بجواب يُعتدُّ به.
ووسوسة إبليس لآدم عليه السلام لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله يوم خلقها على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي، ولا شيء من هذا2.
ما ذكر في قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} :
ومن الروايات التي لا تثبت ما ذكره السيوطي في "الدر" قال: أخرج الطبراني في المعجم الصغير، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء، فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى الله إليه، ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك، لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب، "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه: يا آدم إنه آخر النبيين، من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك" ثم قال: وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسند واه3 عن علي، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه} فقال: إن الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند سنة باكيا على خطيئته، حتى بعث الله إليه
__________
1 هو عمرو بن عبد الرحمن بن مهرب الراوي عن وهب.
2 انظر التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثالث؛ لتزداد يقينا أنه من الإسرائيليات وليس منه شيء عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.
3 السند الواهي: هو الشديد الضعف الذي ربما يصل إلى حد السقوط والوضع.
(1/180)

جبريل، وقال: يا آدم ألم أخلُقْك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أُسْجِد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء، وقد أخرجت من جوار الرحمن، قال: فعليك بهذه الكلمات، فإن الله قابل توبتك، وغافر ذنبك، قل: اللهم إني أسألك بحق محمد، وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك، لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم. ولا أدري ما دام سنده واهيا لم ذكره؟! ومثل هذا عليه أمارات الوضع والاختلاق.
ويسترسل السيوطي في الدر، فيذكر عن ابن عباس: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فتاب عليه، قال: "سأل بحق محمد، وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على، فتاب عليه"، ومثل هذا لا يشك طالب حديث في اختلاقه وأنه من وضع الشيعة، واختلاقهم، ثم يسترسل في الرواية، فيذكر: أن آدم لما هبط كان مسودًّا جسمه ثم بيض الله جسده بصيامه ثلاثة أيام، ولذلك سميت بالأيام البيض، وأنه عليه السلام كان يشرب من السحاب، بل يروى عن عكب أنه أول من ضرب الدينار والدرهم، إلى غير ذلك مما لا يخرج عن كونه من الإسرائيليات.
التفسير الصحيح للكلمات:
والصحيح في الكلمات هو: ما روي عن طرق عدة: أنها قوله تعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وقدر واه السيوطي في الدر1 من طرق عدة، ولكنه خلط عملا صالحا، وآخر سيئا، وقد أفاض ابن جرير في تفسيره في ترجيح هذا القول، وإن ذكر غيره من الأقوال التي هي بعيدة عن الحق والصواب.
ما نسب إلى ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر:
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين كابن جرير الطبري في تفسيره، والسيوطي في
__________
1 الدر المنثور ج1 ص 58، 6، 61.
(1/181)

تفسيره: "الدر المنثور" في قصة ابني آدم: قابيل، وهابيل، وقتل أولهما الآخر، ما روى عن عكب: أن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم، وعن وهب: أن الأرض نشفت دم ابن آدم فلعن ابن آدم الأرض، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دما بعد دم هابيل إلى يوم القيامة، وأن قابيل حمل هابيل سنة في جراب على عنقه، حتى أنتن وتغير، فبعث الله الغرابين قتل أحدهما الآخر، فحفر له، ودفنه، برجليه ومنقاره، فعلم كيف يصنع بأخيه، مع أن القرآن عبر بالفاء، التي تدل على الترتيب والتعقيب من غير تراخٍ، قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيه} 1.
وروى أيضا: أنه لما قتله أسودَّ جسده، وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلا، قال: بل قتلته فلذلك أسودَّ جسدك، إلى نحو ذلك.
فكل هذا وأمثاله عدا ما جاء في القرآن من إسرائيليات بني إسرائيل، وقد جاءت بعض الروايات صريحة عن كعب، ووهب، وما جاء عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، فمرجعه إلى أهل الكتاب الذين أسلموا2.
ما نسب إلى آدم عليه السلام من قول الشعر:
ومن الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير في تفسيره، وما ذكره السيوطي في الدر: من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر، مكث مائة عام لا يضحك حزنا عليه، فأتى على رأس المائة، فقيل له: حياك الله وبياك، وبشر بغلام، فعند ذلك ضحك.
وكذلك ما ذكره من أن آدم عليه السلام رثى ابنه بشعر، روى ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم، فقال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغير قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقلَّ بشاشة الوجه المليح
__________
1 المائدة: من الآية 31.
2 تفسير ابن جرير عند قوله تعالى في سورة المائدة: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ} ... الآيات، الدر المنثور ج1 ص 270.
(1/182)

قال السيوطي: وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم عليه السلام: وذكر البيتين السابقين باختلاف قليل.
فأجابه إبليس عليه اللعنة:
تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك الفسيح
وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح1
وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: ميزان الاعتدال، وقال: إن الآفة فيه من المحزمي أو شيخه2.
وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر"3.
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} 4.
وقال الإمام الآلوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "من قال: آدم عليه السلام قد قال شعرا فقد كذب، إن محمدًا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم في النهى عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرا عربيا" وذكر بعض علماء العربية:
__________
1 تفسير ابن جرير في الموضع السابق، الدر المنثور ج1 ص 276، 277.
2 ميزان الاعتدال ج1 ص 73.
3 تفسير الكشاف ج1 ص 431.
4 سورة يس: الآية 69.
(1/183)

أن في ذلك لحنا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة1.
والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر من اختلاق إسرائيلي، ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء.
__________
1 روح المعاني ج 6 ص 115.
(1/184)

8- الإسرائيليات في عظم خلق الجبارين وخرافة عوج بن عوق:
ومن الإسرائيليات التي اشتملت عليها كتب التفسير: ما يذكره بعض المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا.....} 1.
فقد ذكر الجلال السيوطي في "الدر" كثيرًا من الروايات في صفة هؤلاء القوم، وعظم أجسادهم، مما لا يتَّفق وسنة الله في خلقه، ويخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وذلك مثل ما أخرجه ابن عبد الحكم عن أبي ضمرة قال: "استظل سبعون رجلا من قوم موسى في خف رجل من العماليق!! ومثل ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن يزيد بن أسلم قال: بلغني أنه رؤيت ضُبُع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العماليق!! ومثل ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه، حتى نزل قريبا من المدينة، وهي "أريحاء" فبعث إليهم اثني عشر نقيبا، من كل سبط منهم عين؛ ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرا عظيما من هيبتهم، وجسمهم، وعظمهم، فدخلوا حائطًا أي: بستانًا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه، فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا
__________
1 سورة المائدة الآية: 22.
(1/184)

إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أخاه وصديقه، ويقول: اكتم عني، فأشيع في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان: يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما: {قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُون} .
ويروي ابن جرير بسنده، عن مجاهد نحوا مما قدمنا، ثم يذكر أن عنقود عنبهم لا يحمله إلا خمسة أنفس، بينهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس وأربعة1، إلى غير ذلك من الإسرائيليات الباطلة.
خرافة عوج بن عوق 2:
ومن الإسرائيليات الظاهرة البطلان، التي ولِعَ بذكرها بعض المفسرين والأخباريين، عند ذكر الجبارين: قصة عوج بن عوق، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يمسك الحوت، فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، وأنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، وأن موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، ووثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة إلى نحو ذلك من الخرافات، والأباطيل التي تصادم العقل والنقل، وتخالف سنن الله في الخليقة، ولا أدري كيف يتفق هذا الباطل، هو وقول الله تبارك وتعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} 3.
اللهم إلا إذا كان عوج أطول من جبال الأرض!!
فمن تلك الرويات الباطلة المخترعة: ما رواه ابن جرير بسنده عن أسباط، عن السدي، في قصة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل وبعث موسى النقباء الاثني عشر،
__________
1 تفسير ابن جرير ج 6 ص 112، الدر المنثور ج1 ص 270.
2 منهم من يقول: ابن عوق: ومنهم من يقول: ابن عنق كما ذكر العلامة ابن كثير، وفي القاموس: "وعُوج بن عُوق بضمهما أي: العينين رجل ولد في منزل آدم فعاش إلى زمن موسى، وذكر من عظم خلقه شناعة".
3 هود: من الآية 42 والآية 43.
(1/185)

وفيها: فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: عوج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته1، وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: بل خلِّ عنهم، حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، وكذلك ذكر مثل هذا وأشنع منه غير ابن جرير والسيوطي بعض المفسرين، والقصصيين وهي كما قال ابن قتيبة: أحاديث خرافة، كانت مشهورة في الجاهلية، ألصقت بالحديث بقصد الإفساد2.
وإليك ما ذكره الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره، قال: وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا، وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيى من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق آدم، وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن"، ثم ذكروا: أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه، وهذا كذب وافتراء؛ فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} ، وقال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} ، وقال تعالى: {لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِم} ، وإذا كان ابن نوحٍ الكافرُ غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر، وولد زينة؟! هذا لا يسوغ في عقل، ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له: عوج ابن عنق نظر، والله أعلم3.
وقال العلامة ابن قيم الجوزية، بعد أن ذكر حديث عوج: "وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث، وكذب على الله، وإنما العجب ممن يدخل هذا في كتب العلم
__________
1 الحجزة: موضع التكة من السروال.
2 تأويل مختلف الحديث ص 362 وروح المعاني 6 ص 6.
3 تفسير ابن كثير والبغوي ج3 ص 115 ط المنار.
(1/186)

من التفسير وغيره، فكل ذلك من وضْع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء، والسخرية بالرسل وأتباعهم، أقول: وسواء أكان عوج بن عوق شخصية وجدت حقيقة، أو شخصية خيالية: فالذي ننكره هو: ما أضفوه عليه من صفات وما حاكوه حوله من أثواب الزور والكذب والتجرؤ على أن يفسر كتاب الله بهذا الهراء، وليس في نص القرآن ما يشير إلى ما حكوه وذكروه، ولو من بعد، أو على وجه الاحتمال، ثم أين زمن نوح من زمن موسى عليهما السلام وما يدل عليه آية: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا} كان في زمن موسى قطعًا، ولا مرية في هذا فهل طالت الحياة بعوق حتى زمن موسى؟! بل قالوا: إن موسى هو الذي قتله، ألا لعن الله اليهود، فكم من علم أفسدوا، وكم من خرافات وأباطيل وضعوا.
(1/187)

9- الإسرائيليات في قصة التيه:
فمن هذه الأخبار العجيبة التي رويت في قصة التيه: ما رواه ابن جرير بسنده عن الربيع، قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى أنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأسَ على القوم الفاسقين، وهم يومئذ ستمائة ألف مقاتل فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادين، لكي يخرجوا مها، حتى يمسوا، وينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، وأنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم فأنزل عليهم المن والسلوى1، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته، وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما أنزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم..... وكذلك: روي أن ثيابهم ما كانت تبلى، ولا تتسخ، وكذلك نقل بعض المفسرين كالزمخشري وغيره: بأنهم كانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا،
__________
1 المن: شيء كالعسل كان ينزل على الشجر من السماء فيأخذونه ويأكلونه، والسلوى: طير كالسماني.
(1/187)

وكذلك: ذكروا أن الحجر كان من الجنة، ولم يكن حجرا أرضيا، ومنهم من قال: كان على هيئة رأس إنسان، ومنهم من قال: كان على هيئة رأس شاة، وقيل: كان طوله عشرة أذرع، وله شعبتان تتقدان في الظلام، إلى غير ذلك من تزيدات بني إسرائيل، وليس في القرآن ما يدل على هذا الذي ذكروه في وصف الحجر، مع أنه لو أريد بالحجر الجنس، وأن يضرب أي حجر ما، لكان أدل على القدرة، وأظهر في الإعجاز.
وقد لاحظ ابن خلدون من قبل المغالط التي تدخل في مثل هذه المرويات، فقال في مقدمته المشهورة:
اعلم: أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم، وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبُّت، يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، طبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني. ولو قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلَّة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين، والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات، والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا، أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر، والبصيرة في الأخبار فضلُّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم، والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال، والعساكر إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر، ولا بد من ردها إلى الأصول، وعرضها على القواعد، وهذا: كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، وأن موسى أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من كان يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين، فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام، واتساعها لمثل هذا العدد من الجيوش، لكل مملكة حصة من الحامية.
(1/188)

تتسع لها، وتقوم بوظائفها، وتضيق عما فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة، والأحوال المألوفة.....
ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، يشهد لذلك: ما كان من غلبة بختنصر لهم، والتهامه بلادهم، واستيلائه على أمرهم، وتخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم، وسلطانهم وهو من بعض عمال مملكة فارس..... وكانت ممالكهم بالعراقين، وخراسان، وما وراء النهر، والأبواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير، ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبا منه، وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرين ألفا، كلهم متبوع على ما نقله "سيف" قال: وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف، وعن عائشة، والزهري: أن جموع رستم التي حف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا كلهم متبوع.
وأيضا: فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد، لاتسع نطاق ملكهم، وانفسح مدى دولتهم، فإن العمالات، والممالك في الدول على نسبة الحامية، والقبيل القائمين بها في قلتها وكثرتها حسبما نبين ذلك في فصل الممالك من الكتاب الأول1، والقوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الأردن، وفلسطين من الشام، وبلاد يثرب، وخيبر، من الحجاز على ما هو المعروف.
وأيضا: فالذي بين موسى، وإسرائيل إن هو إلا أربعة آباء، على ما ذكره المحققون، فإن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهَِث بفتح الهاء وكسرها بن لاوي بكسر الواو وفتحها ابن يعقوب وهو إسرائيل الله، هكذا نسبه في التوراة، والمدة بينهما على ما نقله المسعودي، قال: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، وأولادهم، حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا، وكان مقامهم بمصر، إلى أن خرجوا مع موسى عليه السلام إلى التيه مائتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد!! وإن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان ومن بعده، فبعيد أيضا؛ إذ ليس بين سليمان، وإسرائيل إلا أحد عشر
__________
1 يريد بالكتاب الأول "مقدمته المشهورة" وقد قسمها إلى فصول.
(1/189)

أبا ... ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى هذا العدد الذي زعموه، اللهم إلا المئين والآلاف، فربما يكون، وأما أن يتجاوز هذا إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد، واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد، والقريب المعروف تجد زعمهم باطلًا، ونقلهم كاذبًا.
قال: والذي ثبت في "الإسرائيليات": أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفًا خاصة، وأن مقرباته كانت ألفا، وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه، هذا هو الصحيح من أخبارهم، ولا يلتفت إلى خرافات العامة منهم، وفي أيام سليمان عليه السلام، وملكه كان عنفوان دولتهم، واتساع ملكهم1.
وهذا الفصل من النفاسة بمكان، فلذلك حرصت على ذكره؛ لأنه يفيدنا في رد الكثير من الإسرائيليات التي وقعت فيها المغالط، والأخبار الباطلة، والخرافات التي كانت سائدة في العصور الأولى.
__________
1 مقدمة ابن خلدون من ص 7-9.
(1/190)

10- الإسرائيليات في "المائدة التي طلبها الحواريون":
ومن الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} 1.
وقد اختلف العلماء في المائدة: أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن، فقد وعد الله، ووعدُهُ محقق لا محالة، وذهب الجنس
__________
1 المائدة من الآية 112-115.
(1/190)

ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله سبحانه لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد خافوا أن يكفر بعضهم، فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، ولا أدرى ما الحامل لهم على هذا؟!
وقد أحيطت المائدة بأخبار كثيرة، أغلب الظن: أنها من الإسرائيليات رويت عن وهب بن منبه، وكعب، وسلمان، وابن عباس، ومقاتل، والكلبي، وعطاء، وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنها نزلت خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا لغد" وفي رواية: بزيادة "ولا يخبئوا، فخانوا وادخروا، ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير"، ورفع مثل هذا إلى النبي غلط، ووهم من أحد الرواة على ما أرجح، فقد روى هذا ابن جرير في تفسيره مرفوعان وموقوفان والموقوف أصح، وقد نص على أن المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي فقال: بعد أن روى الروايات المرفوعة: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة"، وبعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال: "وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلا"1.
وقد اختلفت المرويات في هذا، فروى العوفي عن ابن عباس: أنها خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءوا، وقال عكرمة عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة، وأريغفة2، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم.
وقال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم.
وقال وهب بن منبه: أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة ألاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل.
__________
1 سنن الترمذي، كتاب التفسير، باب: سورة المائدة.
2 التصغير للتقليل هنا.
(1/191)

وقال وهب أيضا: نزل عليهم أقرصة من شعير، وأحوات1، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلونن ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون، ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم، وأفضلوا، وهكذا لم يتفق الرواة على شيء، مما يدل على أنها إسرائيليات مبتدعة، وليس مرجعها إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم والحق أبلج، والباطل لجلج لا يُتفق عليه غالبا.
وسأكتفي بذكر الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم، في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه وخلاصتها: "أن الحواريين لما سألوا عيسى ابن مريم عليه السلام المائدة كره ذلك؛ خشية أن تنزل عليهم، فلا يؤمنوا بها، فيكون فيها هلاكهم، فلما أبوا إلا أن يدعو لهم الله لكي تنزل، دعا الله، فاستجاب له، فأنزل الله تعالى سفرة حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من السماء، تهوي إليهم، وعيسى عليه الصلاة والسلام يبكي خوفا من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه، والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة، لم يجدوا رائحة مثلها قط، وخرَّ عيسى عليه الصلاة والسلام والحواريون سجَّدًا، شكرا لله تعالى وأقبل اليهود ينظرون إليهم، فرأوا ما يغمهم، ثم انصرفوا، فأقبل عيسى عليه السلام ومن معه ينظرونها فإذا هي مغطاة بمنديل، فقال عليه السلام: من أجرؤنا على كشفه، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه، حتى نراها، ونحمد ربنا سبحانه وتعالى ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا روح الله وكلمته، أنت أولى بذلك، فقام واستأنف وضوءا جديدا، ثم دخل مصلاه، فصلى ركعات، ثم بكى طويلا، ودعا الله تعالى أن يأن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة، ورزقا، ثم انصرف، وجلس حول السفرة وتناول المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عنها، فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير2، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن3.
__________
1 أحوات: جمع حوت، في القاموس: الحوت: السمك، جمعه: أحوات، وحوتة، وحيتان.
2 أي: قشر، ففي رواية البغوي: ليس عليها فلوسها.
3 أي: الدهن؛ لسمنها.
(1/192)

منها، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، وفي رواية: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد1 فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟! ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية، فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالا2 يا ابن الصديقة، فقال عيسى عليه السلام ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة.
فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية: فقال عليه السلام: سبحان الله تعالى أما اكتفيتم؟! ثم قال: يا سمكة عودي بإذن الله تعالى حية كما كنت، فأحياها الله، وعادت حية طرية، يا سمكة عودي بإذن الله تعالى كما كنت مشوية، فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا، حتى يكون هو البادئ، فأبى، ثم دعا لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله تعالى الذي أنزلها لكم، فيكون مهنئوها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله تعالى، واختتموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها، كل واحد منهم شبعان يتجشَّأ، ونظر عيسى والحواريون، فإذا ما عليها كهيئته، إذ نزلت من السماء، لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها وبرئ كل زمن أكل منها، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم، إلى يوم الممات3.
__________
1 قديد: أي لحم مجفف.
2 لعل مراده سؤال تعنت، وأنهم لا يريدون بالسؤال أن يطعمهم الله من رزقه وخيره.
3 هذا مما يضعف القصة ويدل على الاختلاق، وإلا فكيف يطلبونها، ثم يمتنعون عن الأكل؛ لأن عيسى لم يبدأ به؟
(1/193)

وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك: أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضا، فلما رأى ذلك، جعلها نوبا تنزل يوما ولا تنزل يوما، ومكثوا على ذلك أربعين يوما، تنزل عليهم غبا، عند ارتفاع النهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قالوا1 ارتفعت عنهم إلى جو السماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض، حتى تتوارى عنهم2.
فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام: أن اجعل رزقي لليتامى، والمساكين، والزمنى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء، وعمصوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح، والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، فلما علم عيسى ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح، سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم، فلما فعل، وأنزلها عليكم رحمة، ورزقا، وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها، وشككتم فيها فأبشروا بالعذاب؛ فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله تعالى، وأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات.
قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره: "هذا أثر غريب3 جدا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم، وأكمل، والله سبحانه وتعالى أعلم".
أقول: ومن هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام والمسلمين؛ لأن غالبها لا يصح، ولذا قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: "لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء".
__________
1من القيلولة: الراحة وسط النهار.
2 القرآن الكريم يدل دلالة واضحة على أن المائدة لم تنزل إلا مرة واحدة، وهذا يدل على تكرر نزولها، وهذا أيضا يدل على اختلاق تفاصيل القصة وأنها من تزيدات بني إسرائيل.
3 الغريب: ما تفرد به رواته في كل السند أو بعضه، ومنه الصحيح، ومنه غير الصحيح وهو الغالب والكثير.
(1/194)

وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس" وقال ابن المبارك: "العلم: الذي يجيئك من ههنا وههنا" يعني المشهور الذي رواه الكثيرون. رواها البيهقي في المدخل وروى عن الزهري أنه قال: "ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرِف وتواطأت عليه الألسن1".
وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت بالقرآن الذي لا شك فيه وإنما موضع الشك في كل هذه التزيدات التي هي من الإسرائيليات.
وقد ذكر المفسرون جميعا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة2، والعجب أن أحدا لم ينبه على أصل هذه المرويات، والمنبع الذي نبعت منه، حتى الإمامين الجليلين: ابن كثير والآلوسي، وإن كان ابن كثير قد أشار من طرف خفي إلى عدم صحة معظم ما روى، ولعلهم اعتبروا ذلك مما يباح روايته، ويحتمل الصدق والكذب، فذكروه من غير إنكار له، وكان عليهم أن ينزهوا التفسير عن هذا وأمثاله.
وقد شكك في القصة الطويلة التي اختصرناها الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، فقال: قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده3.
ثم عرض بعد لما روي مرفوعا، وموقوفا، وذكر ما قاله الإمام أبو عيسى الترمذي: من أن الموقوف أصح، وأن المرفوع لا أصل له4.
التفسير الصحيح للآيات:
ولأجل أن نكون على بينة من أن تفسير الآيات، والانتفاع بها، والاهتداء بهديها.
__________
1 تدريب الراوي ص 192.
2 انظر تفسير ابن جرير عند هذه الآيات، وتفسير الدر المنثور عندها أيضا، وتفسير الزمخشري، والفخر الرازي، وأبي السعود عند تفسير الآيات، وتفسير ابن كثير والبغوي ج3 ص 274- 279، والآلوسي ج7 من ص 62- 65 والقرطبي ج 6 من ص 369-372 إلا أنه قال: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده.
3 تفسير القرطبي ج 6 ص 372 ط الأولى.
4 هذه العبارة تطلق عند بعض المحدثين على ما هو موضوع وليس من شك في أن رفع هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إن كان عمدا فهو كذب واختلاق عليه، وإن كان غلطا وسهوا فهو ملحق بالوضع، كما نبه إليه أئمة علوم الحديث كابن الصلاح وغيره.
(1/195)

ليس متوقِّفًا على ما رووا من أخبار وقصص، تفسر لك الآيات تفسيرا صحيحا، كما هو منهجنا في كل ما عرضنا له، فأقول وبالله التوفيق:
قال الله تعالى:
{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} إذ: ظرف لما مضى من الزمان، وهو مفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر -يا محمد- ما حدث في هذا الزمن البعيد؛ ليكون دليلًا على صدق نُبُوَّتِك، فما كنت معهم، ولا صاحب أهل الكتاب، ولم تكن قارئا، ولا كاتبا.
الحواريون: جمع حواري وهم: المخلصون الأصفياء من أتباع عيسى عليه السلام ويطلق أيضا على الأصحاب المخلصين من أتباع الأنبياء، وفي الحديث الصحيح: "إن لكل نبي حواريا وحواري: الزبير "يعني ابن العوام".
المائدة: الخوان الذي عليه الطعام، فإن لم يكن عليها طعام فهو خوان: السماء؛ إما المعروفة أو المراد بها جهة العلو؛ فإنها قد تطلق ويراد بها كل ما علا.
وليس المراد بالاستفهام هو أصل الاستطاعة، وأنهم ما كانوا يعلمون هذا؛ لأن السائلين كانوا مؤمنين، عارفين، عالمين بالله وصفاته، بل في أعلى درجات هذه الصفات، وإنما المراد بالسؤال: الإنزال بالفعل، من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى: هل يجيبنا ربك -يا نبينا عيسى- إلى ذلك أم لا؟
وقال بعض العلماء: ليس ذلك بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطُّف في السؤال، وأدب مع الله تعالى بهذه الصيغة المهذبة كقول الرجل لآخر: هل تستطيع أن تعتبني على كذا، وهو يعلم أنه يستطيع.
وأما قول من قال: إنه من قول من كان مع الحواريين، فبعيد؛ لخروجه عن ظاهر الآية، ولا سيما أن تفسير الآية مستقيم غاية الاستقامة على ما ذكرنا.
وهذا السؤال إما لفقرهم وحاجتهم، وإما لتعرف فضل نبيهم عيسى، وفضلهم وكرامتهم عند ربهم.
وأما ما روي أن عيسى أمرهم بصيام ثلاثين يومًا، ثم ليسألوا ربهم ما يشاءون،
(1/196)

فصاموا وسألوا، فلست منه على ثلج {قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين} .
ليس هذا شكا في إيمانهم، وإنما هو أسلوب معهود، حملا على التقوى، كما قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين، من هذه الأمة المحمدية: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} 1 والمعنى: اتقوا الله ولا تسألوه، فعسى أن يكون فتنة لكم، وتوكَّلوا على الله في طلب الرزق، أو اتقوا الله ودعوا كثرة السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عن اقتراح الآيات؛ لأن الله سبحانه إنما يفعل الأصلح لعباده {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} 1، من أهل الإيمان بالله ورسله، ولا سيما أنه سبحانه آتاكم من الآيات ما فيه غنية عن غيره {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} بدأوا بالغذاء المادي، ثم ثنوا بالغذاء الروحي، فقالوا: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} ، وهو مثل قول الخليل إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} 2. {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} أي: نزداد علما، ويقينًا بصدقك، وحقيقة رسالتك: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} أي: المقرين المعترفين لله بالوحدانية، ولك بالنبوة، والرسالة، أو: من الشاهدين عليها لمن لم يرها ويعاينها.
{قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا} .
العيد: يوم الفرح والسرور، {لِأَوَّلِنَا} : لأول أمتنا، {وَآخِرِنَا} : لآخر أمتنا أو لنا، ولمن بعدنا.
{وَآيَةً مِنْك} أي: دليلا، وحجة على قدرتك، على كل شيء، وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، {وَارْزُقْنَا} أي: من عندك رزقًا هنيئًا لا كلفة فيه، ولا تعب، {وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي: خير من أعطى ورزق؛ لأنك الغني الحميد.
{قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} .
__________
1 الأنفال: 1.
2 البقرة: 260.
(1/197)

أي: فمن يكفر أي: يكذب بها من أمتك يا عيسى، وعاندها، فإني أعذبه عذابا، لا أعذبه أحدًا من عالمي زمانكم، وهذا على سبيل الوعيد لهم، والتهديد. وليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا، ولا على أن غيرهم قد كفر بها، ولا على أنهم استعفوا من نزول المائدة، وإنما الذي دعا بعض المفسرين إلى هذه الأقوال ما سمعت من الروايات الإسرائيلية، وها نحن قد فسرنا الآيات تفسيرًا علميًّا صحيحًا من غير حاجة إلى ما روي، مما يدل دلالةً قاطعةً على أن مفسر القرآن في غنية عن الإسرائيليات التى شوهت جمال القرآن وجلاله.
(1/198)

11- الإسرائيليات في سؤال موسى ربَّه الرؤيةَ:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} الأعراف الآية 143" فقد ذكر الثعلبي، والبغوي، وغيرهما عن وهب بن منبه، وابن إسحاق قالا:
"لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب، والصواعق، والظلمة، والرعد، والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى، فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران1 البقر، ينبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود، لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى، وسمع، واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟
فقال له خير الملائكة2 ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت، فقليل من كثير
__________
1 جمع ثور، وهذا من سوء أدب بني إسرائيل مع الملائكة.
2 هو جبريل عليه السلام.
(1/198)

ما رأيت، ثم أمر ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور، لهم قصف ورجف، ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح، والتقديس كجلب الجيش العظيم، ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى، واشتد فزعه، وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا، فاعترضوا على موسى بن عمران، فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتقديس، والتسبيح، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم، فاصطكت ركبتاه، وارتعد قلبه، واشتد بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران: اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت.
ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أن اهبطوا، فاعترضوا على موسى، فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم، فامتلأ جوفه خوفا، واشتد حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك، حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه.
ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارا أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قلبهم من ملائكة السماوات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، رب العزة أبدا لا يموت، وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته، يسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت، وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت1 يا ابن عمران أن يشتد خوفك، وينخلع قلبك، فاصبر للذي سألت.
__________
1 لا أدري كيف يتفق هذا وما ذكر من قبل من شدة خوفه وفزعه في المرات الخمس وهذا من أمارات التهافت.
(1/199)

ثم أمر الله أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة، فلما بدا نور العرش، انفرج الجبل من عظمة الرب جلا جلاله، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا، يقولون: سبحان الملك القدوس، رب العزة أبدا لا يموت، بشدة أصواتهم، فارتج الجبل، واندكت كل شجرة كانت فيه، وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح، فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى، وجعله كهيئة القبة؛ لئلا يحترق موسى1 فأقام موسى يسبح الله، ويقول: آمنت بك ربي، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، ربِّ تُبْتُ إليك، الحمد لله لا شريك لك، ما أعظمك، وما أجللك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} ، وبعد أن ذكر الأقوال الكثيرة فيما تبدى من نور الله، قال: ووقع في بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل، وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وورقان ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحراء2.
وهذه المرويات وأمثالها مما لا نشك أنها من إسرائيليات بني إسرائيل، وكذبهم على الله، وعلى الأنبياء، وعلى الملائكة، فلا تلقِ إليها بالًا، وليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويات، والآية ظاهرة واضحة، وليس فيها ما يدل على امتناع رؤية الله في الآخرة كما دل على ذلك القرآن الكريم، والسنة الصحيحة المتواترة، وغاية ما تدل عليه امتناع الرؤية البصرية في الدنيا؛ لأن العين الفانية لا تقدر أن ترى الذات الباقية.
ومن ذلك أيضا: ما ذكره الثعلبي، والبغوي، والزمخشري في تفاسيرهم عند قوله تعالى: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} أي: مغشيا عليه، وليس المراد ميتا كما قال قتادة.
فقد قال البغوي: في بعض الكتب: إن ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه، فجعلوا يركلونه بأرجلهم، ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية
__________
1 وهذا تهافت آخر وأمارة من أمارات الاختلاق، أليس الله بقادر على حمايته من غير الروح، والحجر؟.
2 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج3 من ص 547- 550.
(1/200)

رب العزة؟ 1!! وذكر مثل هذا الزمخشري في تفسيره، وقد نقلها؛ لأنها تساعده على إثبات مذهبه الفاسد وجماعته، وهو استحالة رؤية الله في الدنيا، والآخرة.
وهذا وأمثاله مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة، وموقف بني إسرائيل من موسى، ومن جميع أنبياء الله معروف، فهم يحاولون تنقيصهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
وقد تنبه إلى هذا الإمام أحمد بن المنير صاحب "الانتصاف من صاحب الكشاف"، فقال: وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونا وظهرا على المعتقد الفاسد، والوجه التورّك بالغلط على ناقلها، وتنزيه الملائكة عليهم السلام من إهانة موسى الكليم بالوكز بالرجل، والغمص في الخطاب2.
ويرحم الله الإمام الآلوسي حيث قال في تفسيره: "ونقل بعض القصاصين، أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ، فيلكزونه بأرجلهم، ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية ربك؟ وهو كلام ساقط لا يُعوَّل عليه بوجه؛ فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل، والغمص في الخطاب3.
__________
1 المرجع السابق ص 551.
2 تفسير الكشاف عند تفسير قوله: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} .
3 تفسير الآلوسي ج 9 ص 46 ط. منير.
(1/201)

12- الإسرائيليات في ألواح التوراة:
ومن الإسرائيليات: ما ذكره الثعلبي والبغوي، والزمخشري، والقرطبي والآلوسي وغيرهم، عند تفسير قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} "الأعراف: 145" فقد ذكر في الألواح: مم هي؟ وما عددها؟ أقوالا كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وعن كعب، ووهب، من أهل الكتاب الذين أسلموا مما يشير إلى منبع هذه الروايات، وأنها من إسرائيليات بني إسرائيل، وفيها من المرويات ما يخالف المعقول.
(1/201)

والمنقول، وإليك ما ذكره البغوي في هذا، قال:
قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَه} : يعني لموسى، {فِي الْأَلْوَاح} : قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة، وفي الحديث: "كانت من سدر الجنة، طول اللوح اثنا عشر ذراعا". وجاء في الحديث: "خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده" 1.
وقال الحسن: كانت الألواح من خشب، وقال الكلبي: كانت من زبرجدة خضراء.
وقال سعيد بن جبير، كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع: كانت الألواح من برد2.
وقال ابن جريج: كانت من زمد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد من نهر النور!!
وقال وهب: أمر الله بقطع الألواح من صخرة صماء، لينها الله له، فقطعها بيده، ثم شققها بيده، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع، على طول موسى!!
وقال مقاتل ووهب: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ} كنقش الخاتم.
وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى3.
فكل هذه الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم صلى الله عليه وسلم وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل، حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين.
__________
1 لم يخرج البغوي كما هي عادته الحديثين ولم يبرز سندهما، وقد ذكر الآلوسي أن الحديث الأول رواه ابن أبي حاتم، واختار القول به إن صح السند إليه، وأما الحديث الثاني فقال: إنه مروي عن على، وعن ابن عمر، وعن غيرهما من التابعين "تفسير الآلوسي ج 7 ص 57".
2 الظاهر أنها بضم الباء وسكون الراء: الثوب المختط، وإلا فلو كانت من بَرَد بفتح الباء والراء حبات الثلج فكيف يكتب عليها؟
3 لا أدري كيف يقبل عقل أنها حمل سبعين بعيرا، وإذا لم يقرأها إلا أربعة فلماذا أنزلها الله؟
(1/202)

بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به، أن الله أنزل الألواح على موسى، وفيها التوراة1، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به، والأَوْلى عدم البحث فيه؛ لأن البحث فيه لا يؤدي إلى فائدة، ولا يوصل إلى غاية،
ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين في قوله تعالى: {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فقد جعلوا التوراة مشتملة على كل ما كان وكل ما يكون، وهذا مما لا يعقل، ولا يصدق، فمن ذلك: ما ذكره الإمام الآلوسي في تفسيره قال: وما أخرجه الطبراني، والبيهقي في "الدلائل" عن محمد بن يزيد الثقفي، قال: اصطحب قيس بن خرشة، وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يراق ببقعة من الأرض مثله.
فقال قيس: ما يدريك؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به؟!! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى، ما يكون منه، وما يخرج منه إلى يوم القيامة!!
وهو من المبالغات التي روي أمثالها عن كعب ولا نصدق ذلك، ولعلها من الكذب الذي لاحظه عليه الصحابي الداهية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على ما أسلفنا سابقا، ولا يعقل قط أن يكون في التوراة كل أحداث الدنيا إلى يوم القيامة.
والمحققون من المفسرين سلفا وخلفا على أن المراد أن فيها تفصيلا لكل شيء، مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره، وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب، وأخلاق لا توجد في التوراة قط.
وقد ساق الإمام الآلوسي هذا الخبر؛ للاستدلال به لمن يقول: إن كل شيء عام،
__________
1 وقيل: إن الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والصحيح الأول.
(1/203)

وكأنه استشعر بُعده فقال عقبة: "ولعل ذكر ذلك من باب الرمز، كما ندعيه في القرآن1".
وإني لأقول للآلوسي ومن لف لفه: إن هذا مردود وغير مقبول، ونحن لا نسلم بأن في القرآن رموزا، وإشارات لأحداث، وإن قاله البعض، والحق أحق أن يتبع.
__________
1 تفسير الآلوسي ج 7 ص 56، 57ط، منير.
(1/204)

13- إسرائيلية مكذوبة في سبب غضب موسى لما ألقى الألواح:
ومن الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير في تفسيره، والبغوي في تفسيره، وغيرهما في سبب غضب سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام حتى ألقى الألواح من يديه، وذلك في قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ 1 وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} "الأعراف: الآية: 150".
فقد روي عن قتادة أنه قال: نظر موسى في التوراة، فقال: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون -أي: آخرون في الخلق- سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم، يقرءونها، وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا، ولم يعرفوه، وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم، قال: رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول، وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فصول الضلالة، حتى ليقاتلون الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون
__________
1 طرحها وألقى بها.
(1/204)

عليها، وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة، فقبلت منه بعث الله نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم، قال: رب فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة، إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون، والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد.
قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد.
أقول: إن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه، والسند مطعون فيه، وهي أمور مأخوذة من القرآن، والأحاديث، ثم صيغت هذه الصياغة الدقيقة، وجعلت على لسان موسى عليه السلام والظاهر المتعين أن إلقاء سيدنا موسى بالألواح إنما كان غضبا وحمية لدين الله وغيره لانتهاك حرمة توحيد الله تبارك وتعالى وأما ما ذكره قتادة فغير مسلم.
وإليك ما قاله الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره1 قال: "ثم ظاهر السياق أنه -أي: سيدنا موسى- ألقى الألواح؛ غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون، ووضاعون، وأفاكون، وزنادقة.
وصدق ابن كثير فيما قال، وأرجح أن يكون من وضع زنادقتهم كي يظهروا الأنبياء بمظر المتحاسدين، لا بمظهر الإخوان المتحابين.
وقال الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: {وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ} أي: مما اعتراه من الغضب والأسف، حين أشرف على قومه، وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم، قاله سعيد بن جبير ولذا قيل: "ليس الخبر كالمعاينة"، ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح، ولا يصح أن إلقاء الألواح إنما كان لما رأى من فضيلة أمة محمد.
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 3 ص 755.
(1/205)

صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى عليه السلام1.
ومما يؤيد أنه من وضع الإسرائيليين الدهاة أن نحوا من هذا المروي عن قتادة قد وراه الثعلبي وتلميذه البغوي عن كعب الأحبار ولا خلاف إلا في تقديم بعض الفضائل وتأخير البعض الآخر، إلا أنه لم يذكر إلقاء الألواح في آخره:
"فلما عجب موسى من الخبر الذي أعطى الله محمد وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي} إلى قوله: {دَارَ الْفَاسِقِين} ، {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} 2 قال: فرضى موسى كل الرضاء.
__________
1 تفسير القرطبي ج7 ص 288.
2 الأعراف، الآيات: 144، 145، 159.
(1/206)

14- إسرائيليات وخرافات في بني إسرائيل:
ومن الإسرائيليات والخرافات: ما ذكره بعض المفسرين، عند تفسيره قوله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} 1.
فقد ذكر ابن جرير في تفسير2 هذه الآية خبرًا عجيبًا، فقال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} .
قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا وسألوا الله عز وجل أن يفرق بينهم، وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا، حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا.
__________
1 الأعراف، 159.
2 تفسير ابن جرير: ج 8.
(1/206)

قال ابن جريج، قال ابن عباس: فذلك قوله: {وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا} .
ووعد الآخرة: عيسى ابن مريم.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفا، وقال ابن عيينة، عن صدقة، عن أبي الهذيل، عن السدي: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شهد وقد وصف ابن كثير ما رواه ابن جرير: بأنه خير عجيب!!.
وقال البغوي في تفسيره1: قال الكلبي، والضحاك، والربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق، على نهر مجرى الرمل، يسمى: نهر أرداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، ويصحون بالنهار، ويزرعون لا يصل إليهم منا أحد، وهم على دين الحق، وذكر أن جبريل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أُسرِي به إليهم، فكلمهم، فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، فقال لهم: هذا محمد؛ النبي الأمي، فآمنوا به، فقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه مني السلام، فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون2، فأمرهم أن يجمعوا، ويتركوا السبت، وقيل: هم الذين اسلموا من اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح!!
وهي من خرافات بني إسرائيل ولا محالة، والعجب من البغوي أن يجعل هذه الأكاذيب أصح من القول الآخر الذي هو أجدر بالقبول وأولى بالصحة، ونحن لا نشك في أن ابن جريج وغيره ممن رووا ذلك؛ إنما أخذوه عن أهل الكتاب الذين أسلموا، ولا يمكن أبدًا أن يكون متلقَّى عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام الآلوسي بعد ذكر ما ذكرناه: "وضعَّف هذه الحكاية ابن الخازن، وأنا
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 3 ص 572-573.
2 أي: يعظمون السبت كاليهود.
(1/207)

لا أراها شيئا، وأظنك لا تجد لها سندًا يُعوَّل عليه ولو ابتغيت نفقًا في الأرض، أو سلما في السماء"1.
التفسير الصحيح للآية:
والذي يترجح عندي أن المراد بهم أناس من قوم موسى عليه الصلاة والسلام اهتدوا إلى الحق ودعوا الناس إليه، وبالحق يعدلون فيما يعرض لهم من الأحكام والقضايا، وأن هؤلاء الناس وجدوا في عهد موسى وبعده، بل وفي عهد نبينا صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى بهذا: أن اليهود وإن كانت الكثرة الكاثرة فيهم تجحد الحق وتنكره، وتجور في الأحكام، وتعادي الأنبياء، وتقتل بعضهم، وتكذب البعض الآخر، وفيهم من شكاسة الأخلاق والطباع ما فيهم، فهنالك أمة كثيرة منهم يهدون بالحق، وبه يعدلون، فهم لا يتأبون عن الحق، ففيه شهادة وتزكية لهؤلاء، وتعريض بالكثرة الغالبة منهم، التي ليست كذلك، والتي جحدت نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيمن جحدها من طوائف البشر، وناصبته العداوة والبغضاء، وهو ما يشعر به قوله سبحانه قبل: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وبذلك تظهر المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها مباشرة، والآيات التي قبل ذلك.
أما ما ذكروه: فليس هناك ما يشهد له من عقل، ولا نقل صحيح، بل هو يخالف الواقع الملموس، والمشاهد المتيقن، وقد أصبحت الصين وما وراءها معلوما كل شبر فيها، فأين هم؟ ثم ما هذا النهر من الشهد؟! وما هذا النهر من الرمل؟! وأين هما؟! ثم أي فائدة تعود على الإسلام والمسلمين من التمسك بهذه الروايات التي لا خطام لها، ولا زمام؟! وماذا يكون موقف الداعية إلى الإسلام في هذا العصر الذي نعيش فيه، إذا انتصر لمثل هذه المرويات الخرافية الباطلة؟! إن هذه الروايات لو صحت أسانيدها لكان لها بسبب مخالفتها للمعقول، والمشاهد الملموس ما يجعلنا في حل من عدم.
__________
1 تفسير الآلوسي ج 9، ص 84، 85.
(1/208)

قبولها فكيف وأسانيدها ضعيفة واهية؟! وقد قلت غير مرة: إن كونها صحيحة السند فرضا لا ينافي كونها من الإسرائيليات.
(1/209)

15- الإسرائيليات في نسبة الشرك إلى آدم وحواء:
ومن الروايات التي لا تصح، ومرجعها إلى الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 1، 2، 3.
وهذه الآية تعتبر من أشكل آيات القرآن الكريم؛ لأن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم وحواء، وذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بالنفس الواحدة: نفس آدم عليه السلام وبقوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} حواء رضي الله عنهما، وقد أول العلماء المحققون الآية تأويلا يتَّفق وعصمة الأنبياء في عدم جواز إسناد الشرك إليهم عليهم الصلاة والسلام، كما سنبين ذلك إن شاء الله.
الحديث المرفوع، والآثار الواردة في هذا:
وقد زاد الطين بلة ما ورد من الحديث المرفوع، وبعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين، في تفسير قوله تعالى: {جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} . وقد اغترَّ بهذه الروايات كثير من المفسرين، كابن جرير4، والثعلبي، والبغوي5
__________
1 ليجد فيها سكن النفس وطمأنينة القلب.
2 أي: باشرها كما باشر الرجل زوجته.
3 الأعراف: 189، 190.
4 تفسير ابن جرير عند جرير عند تفسير هذه الآية.
5 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج 3 ص 611، 612.
(1/209)

والقرطبي1، وإن كان ضعف الروايات، ولم تركن نفسه إليها، واعتبرها من الإسرائيليات وصاحب "الدر المنثور"2.
والعجيب: أن إماما كبيرا له في رد الموضوعات والإسرائيليات فضل غير منكور، ومفسرا متأخرا وهو: الإمام الآلوسي قد انخدع بهذه المرويات، فقال: وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل، ونزاع عريض، وما ذكرناه، هو الذي يشير إليه الجبائي، وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات.... ثم قال: "وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر: أن الآية نزلت في تسمية آدم، وحواء ولديهما بعبد الحارث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرًا للآية....... وأنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأراه قد صح، ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري، في ميدان التأويل، كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب3".
وبعض المفسرين أعرض عن ذكر هذه المرويات، وذلك كما صنع صاحب الكشاف، وتابعه النسفي.
وبعض المفسرين عرض لها، ثم بيَّن عدم ارتضائه لها، وذلك كما صنع الإمام القرطبي في تفسيره، فقال: ونحو هذا مذكور في ضعيف الحديث، وفي الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس لها إثبات، فلا يعوِّل عليها من له قلب، فإن آدم وحواء، وإن غرهما بالله الغرور، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر، وكتب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض" 4.
__________
1 تفسير القرطبي ج 7 ص 338-339.
2 الدر المنثور عند تفسير هذه الآية.
3 تفسير الآلوسي: ج 9 ص 139، 142.
4 تفسير القرطبي: ج 7 ص 338.
(1/210)

فارس الحلبة الإمام ابن كثير:
ولكن فارس هذه الحلبة هو الإمام ابن كثير، فقد نقد المرويات نقدا علميا أصيلا، على مناهج المحدثين وطريقتهم في نقد الرواة وبين أصل هذه المرويات، وأن مرجعها إلى الإسرائيليات، وإني لأعجب كيف أن الإمام الآلوسي، وهو المتأخر الباقعة1، لم يشر إلى كلامه!! لعله لم يطلع عليه.
وسأذكر كلام الإمام ابن كثير بنصه، وبطوله لنفاسته، وشدة الحاجة إليه في هذا المقام قال رحمه الله وأثابه:
يذكر المفسرون ههنا آثارا، وأحاديث، سأوردها وأبيِّن ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة.
قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد "قال"2 حدثنا عمرو بن إبراهيم، قال: حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ولما وَلَدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش فسمته عبد الحارث، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان، وأمره"، وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد بن الوارث به3، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد، به، وقال: هذا حديث حسن غريب، يعني: انفرد به راويه، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد، ولم يرفعه، يعني: لم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث عبد الصمد مرفوعا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد4، ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره،
__________
1 الذكي العارف الذي لا يفوته شيء كما في القاموس.
2 جرت عادة المحدثين أن يحذفوا من الأسانيد لفظ: "قال" خطًّا، ولكنهم ينطقون بها عند الرواية وقد ذكرتها خطًّا حتى لا يشكل الأمر على قارئ السند.
3 يعني ببقية السند المذكور أولًا.
4 من المعروف عند المحدثين أن الحاكم متساهل في التصحيح، فلا يؤاخذ بقوله ولا سيما في مثل هذا.
(1/211)

عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به؛ أي: ببقية السند مرفوعًا وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، في تفسيره، من حديث شاذ ابن فياض، عن عمر بن إبراهيم مرفوعا.
قلت -أي ابن كثير: وشاذ هو هلال، وشاذ لقبه.
والغرض: أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا. فالله أعلم.
الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر عن أبيه قال: حدثنا بكر بن عبد الله، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب، قال: "مي آدم ابنه عبد الحارث".
والثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} ، قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم، وحدثنا1 محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده، يعني: {جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} وحدثنا2 بشر قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهودوا ونصروا3.
وقال ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية
__________
1، 2 القائل: "وحدثنا" هو ابن جرير.
3 فيه إشارة إلى قوله صلى الله عليه وسلم "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه" رواه البخاري ومسلم، وما روي عن الحسن رضي الله عنه ليس اختلاف تضاد، وإنما هو اختلاف تغاير في اللفظ، والمدلول واحد أو متقارب.
(1/212)

بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأَوْلى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو، ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله، وورعه.
فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب؛ من آمن منهم مثل كعب، أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم1.
فأما الآثار، فقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادا فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله، وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، فقال: إنما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلا، فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة} إلى آخر الآية، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله في آدم: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة} إلى قوله: {فَمَرَّتْ بِه} شكَّت أحملت أم لا؟ {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} الآية، فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا فقال لهما الشيطان: إنكما لم تسمياه بي، لم يخرج سويا ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} الآية.
وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} قال الله تعالى: {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} : آدم "حملت" أتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما، لتطيعاني، أو لأجعلن له قرني أيل2، فيخرج من بطنك،
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي: ج 3 ص 611، 612.
2 الأيل بضم الهمزة وكسرها، والياء فيها مشددة مفتوحة: ذَكَرُ الأوعال، وهو التيس الجبلي، المصباح المنير.
(1/213)

فيشقه، ولأفعلن، ولأفعلن، يخوفهما، فسَمِّيَاه1 عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، يعني الثانية فأتاهما، فقال لهما مثل الأول، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة، فأتاهما أيضا فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسَمَّيَاه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: {جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا} رواه ابن أبي حاتم.
وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين: جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه والله أعلم مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب2، كما رواه ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو الجماهر، قال: حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب3، قال:
لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل فولدت، فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة، فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبها، فأطاعا.
قال: وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وبعد أن بين أن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أقسام:
1 فمنها ما علمنا صحته مما بأيدينا من كتاب أو سنة.
2 ومنها: ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا.
3 ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله عليه الصلاة والسلام: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وهو الذي لا يصدق، ولا يكذب،
__________
1 بصيغة الأمر.
2 وعلى هذا فلا يكون له حكم الرفع؛ لأنه سمعه من صحابي مثله.
3 ويكون أُبَيٌّ قد سمعه من بعض مُسلِمة أهل الكتاب.
(1/214)

قال: وهذا الأثر من الثاني أو الثالث فيه نظر1.
قال: فأما من حدث به: من صحابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث؛ يعني: ما يحتمل الصدق، والكذب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق: آدم وحواء وإنما المراد من ذلك: المشركون من ذريته، ولهذا قال الله تعالى: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} 2 فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من الشخص إلى الجنس، وهذا الذي ذهب إليه هذا الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تخريج الحديث والآثار هو الذي يجب أن يصار إليه، وهو الذي ندين الله عليه، ولا سيما أن التفسير الحق للآيتين لا يتوقَّف على شيء مما روى.
التفسير الصحيح للآيتين:
والمحققون من المفسرين: منهم من نحا منحى العلامة ابن كثير فجعل الآية الأولى في آدم وحواء وجعل قوله: {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا} الآية في المشركين من ذريتهما، أي: جعلا أولادهما شركاء لله فيما أتاهما، والمراد بهم، الجنس، أي: جنس الذَّكَر والأُنْثى، فمن ثم حسن قوله: {فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون} بالجمع، ويكون هذا الكلام من الموصول لفظا المفصول معنى، ومنهم من جعل الآيتين في ذرية آدم وحواء، أي: خلقكم من نفس واحدة، وهي نفس الذَّكَر، وجعل منها، أي: من جنسها: زوجها وهي: الأنثى، فلما آتاهما صالحا، أي: بشرا سويا كاملا، جعلا -أي: الزوجان الكافران- لله شركاء فيما آتاهما، وبذلك: أبدلا شكر الله؛ كفرانا به وجحودًا، وعلى هذا: لا يكون لآدم وحواء ذكر ما في الآيتين، وهنالك تفاسير أخرى، لست منها على ثلج، ولا طمأنينة3.
__________
1 هكذا في النسخة المطبوعة، ولعلها: "وفيه نظر: أي: في كونه من القسم الثالث؛ والذي أقطع به والله أعلم أنه من القسم الثاني؛ لقيام الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء من مثل ذلك.
2 تفسير ابن كثير والبغوي: ج 3 ص 613، 614 ط المنار.
3 انظر تفاسير الكشاف، والقرطبي، وأبي السعود، والآلوسي، وغيرها.
(1/215)

16- الإسرائيليات في سفينة نوح:
ومن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير، كتفسير ابن جرير، و "الدر المنثور" وغيرهما: ما روي في سفينة نوح عليه السلام فقد أحاطوها بهالة من العجائب والغرائب، من أي خشب صنعت؟ وما طولها؟ وما عرضها؟ وما ارتفاعها؟ وكيف كانت طبقاتها؟ وذكروا خرافات في خلقة بعض الحيوانات من الأخرى، وقد بلغ ببعض الرواة أنهم نسبوا بعض هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال صاحب الدر: وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كانت سفينة نوح عليه السلام لها أجنحة وتحت الأجنحة إيوان"، أقول: قبح الله من نسب مثل هذا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه: عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم" وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، ثم قال: وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر، عن ابن عباس: "أن نوحا لما أمر أن يصنع الفلك، قال: يا رب، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين سنة..... إلى أن قال: "فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها، وستين ذراعا في الأرض يعني عمقها، وعرضها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون2 وأمر أن يطليها بالقار3، ولم يكن في الأرض قار، ففجر الله له عين القار، حيث تنحت السفينة، تغلي غليانا، حتى طلاها، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب، وأطباقها، وحمل فيها السباع، والدواب، فألقى الله على الأسد الحمى، وشغله بنفسه عن الدواب وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، ثم أطبق عليهما.....
__________
1 هذا أمارة على أن ذلك من رواية ابن عباس عن أهل الكتاب وأن من رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد غلط.
2 لا ندري بأي رواية نصدق، أبرواية ابن عباس هذه، أم بالسابقة، وهذا الاضطراب أمارة الاختلاق ممن وضعوها أولا، وحملها عنهم ابن عباس وغيره.
3 في القاموس: القبر، والقار: شيء أسود تطلى به الإبل، أو هو الزفت.
(1/216)

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن، قال: "كان طول سفينة نوح عليه السلام ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع"، وإليك ما ذكره بعد هذا من العجب العجاب، قال: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم عليهما السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها، فانطلق بهم، حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب على رأسه، قد شاب، قال له عيسى عليه السلام: هكذا هلكت؟! قال: لا؛ مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة قامت، فمن ثم شبت قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب، والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب: أوحى الله إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير وخنزيرة!! فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر يخرب السفينة بقرضه أوحى الله إلى نوح: أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور، وسنورة، فأقبلا على الفأر فأكلاه.
وفي رواية أخرى: أن الأسد عطس، فخرج من منخره سنوران: ذكر وأنثى، فأكلا الفأر، وأن الفيل عطس، فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى السفينة وأنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذني الحمار، وأخذ إبليس بذنبه، فجعل نوح عليه السلام يجذبه، وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل يا شيطان. -ويريد به الحمار- فدخل الحمار، ودخل معه إبليس، فلما سارت السفينة جلس إبليس في أذنابها يتغنى، فقال له نوح عليه السلام: ويلك من أذن لك؟ قال: أنت. قال: متى؟ قال: أن قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت بإذنك ...
وزعموا أيضا: أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر، وبدا حياها، ومضت النعجة فدخلت من غير معاكسة فمسح على ذنبها، فستر الله حياها يعني فرجها وزعموا أيضا: أن سفينة نوح عليه السلام
(1/217)

طافت بالبيت أسبوعا بل رووا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلت عند المقام ركعتين"!!
وهذا من تفاهات عبد الرحمن هذا، وقد ثبت عنه من طريق أخرى، نقلها صاحب التهذيب "ج 6 ص 179" عن الساجي، عن الربيع، عن الشافعي، قال: "قيل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن جدك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين؟ "!! قال: نعم، وقد عرف عبد الرحمن بمثل هذه العجائب المخالفة للعقل وتندر به العلماء، قال الشافعي فيما نقل في التهذيب أيضا: "ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه، عن نوح"!!
وأن لما رست السفينة على الجودي وكان يوم عاشوراء صام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله، إلى غير ذلك من التخريفات والأباطيل1 التي لا نزال نسمعها، وأمثالها من العوام والعجائز، وهذا لا يمكن أن يمت إلى الإسلام بصلة، وإنا لننزه المعصوم صلى الله عليه وسلم من أن يصدر عنه ما نسبوه إليه، وإنما هي أحاديث خرافة اختلقها اليهود وأضرابهم على توالي العصور، وكانت شائعة مشهورة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين، وهؤلاء رووها بحسن نية، ولم يزيفوها اعتمادا على أنها ظاهرة البطلان، وأوغل زنادقة اليهود وأمثالهم في الكيد للإسلام ونبيه، فزوروا بعضها على النبي صلى الله عليه وسلم وما كنا نحب لابن جرير، ولا للسيوطي، ولا لغيرهما أن يسودوا صحائف كتبهم بهذه الخرافات والأباطيل، فاحذر منها أيها القارئ في أي كتاب من كتب التفسير وجدتها، وألق بها دبر أذنيك، وكن عن الحق منافحًا وللباطل مزيفًا.
__________
1 تفسير ابن جرير الطبري: ج 12 من ص 21-29، الدر المنثور: ج 3 من ص 327-335.
(1/218)

17- الإسرائيليات في قصة يوسف عليه السلام:
وقد وردت في قصة يوسف عليه السلام إسرائيليات ومرويات مختلفة مكذوبة، فمن ذلك، ما أخرجه ابن جرير في تفسيره والسيوطي في: "الدر المنثور" وغيرهما في قوله تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} "يوسف: الآية 4".
قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه1، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معا في الدلائل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال:
"جاء بستاني اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام ساجدة له، ما أسماؤها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء. فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البستاني اليهودي فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها" قال: نعم: قال: "حرثان، والطارق والذيال وذو الكفتان، وقابس، ودنان، وهودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور2، رآها في آفق السماء ساجدة له فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد" فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها3.
والذي يظهر لي أنه من الإسرائيليات وألصقت بالنبي زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأي كواكب بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا؟!!
ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال
__________
1 تصحيح الحاكم غير معتدٍّ به إلا إذا وافقه غيره.
2 في تفسير ابن جرير: جربان بدل جرثان، ووثاب بدل دنان، وعمودان بدل هودان، والفليق بدل الفيلق، وذو الفرغ بدل الفريخ، وأيضا فعدتها ثلاثة عشر لا أحد عشر.
3 تفسير ابن جرير: ج 12 ص 90، 91، الدر المنثور: ج 4 ص 4.
(1/219)

الجوزجاني: ساقط، وهو صاحب حديث حسن يوسف1".
وقال الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال2": قال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وقال مرة: تركوه، وهو راوي حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"!! فهل مثل هذا تعتبر روايته في مثل هذا، وبحسبه سقوطا مقالة البخاري فيه: "منكر الحديث" و: "تركوه".
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي: ج4 ص 414، 415.
2 ميزان الاعتدال ج ص 268 ط السعادة.
(1/220)

الإسرائيليات في قوله تعالى: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه
مدخل
...
18- الإسرائيليات في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه}
ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلا ولا نقلا: ما ذكر ابن جرير في تفسيره، وصاحب: "الدر المنثور" وغيرهما من المفسرين في قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} فقد ذكروا في هم يوسف عليه الصلاة والسلام ما ينافي عصمة الأنبياء وما يخجل القلم من تسطيره، لولا أن المقام مقام بيان وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم.
فقد رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن هم يوسف عليه السلام ما بلغ؟ قال: حل الهميان -يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخائن، فصيح به: يا يوسف: لا تكن كالطير له ريش، فإن زنى قعد ليس له ريش، ورووا مثل هذا عن على رضي الله عنه وعن مجاهد وعن سعيد بن جبير.
ورووا أيضا في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنه نودي: أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء وقيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، وقيل: في سقف الحجرة وأنه رآه على إبهامه، وأنه لم يتعظ بالنداء، حتى رأى أباه على هذه الحال، بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليات الباطلة، فزعموا أنه لما لم يرعوِ من رؤية
(1/220)

صورة أبيه عاضا على أصابعه، ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله، ولأجل أن يؤيد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء، يزعمون أيضا أن كل أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا، بل زعموا أيضا في تفسير البرهان، فما روي عن ابن عباس أنه رأى ثلاث آيات من كتاب الله: قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ} وقوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه} ، وقوله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} وقيل: رأي: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} !!، ومن البديهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا، بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذا الآيات بلغتهم التي يعرفونها، بل قيل في البرهان: إنه أري تمثال الملك، وهو العزيز، وقيل خياله1، وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما.
وليس أدل على هذا: مما روي عن وهب بن منبه قال: "لما خلا يوسف، وامرأة العزيز، خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت} ، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: {إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} ، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوب عليها: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} وانصرفت الكف، وقاما مقامهما فعادت الكف الرابعة مكتوب عليها بالعبرانية: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} ، فولَّى يوسف عليه السلام هاربا2.
__________
1 تفسير الطبري: ج 12 ص 108- 114، الدر المنثور: ج4 ص 13، 14، وتفسير ابن كثير والبغوي: ج4 ص 430-432.
2 الدر المنثور: ج 4 ص 14.
(1/221)

وقد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيًّا بارعًا حينما زعم أن ذلك كان مكتوبا بالعبرانية، وبذلك أجاب عما استشكلته، ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذب إلا على الأغرار والسذج من أهل العلم ولا أدرى أي معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بين فخذيها، وخلع سرواله؟! وما امتناعه عن الزنا عن مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب؟!
ولو أن عربيدا رأى صورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية لكف عنها، وانزجر، فأي فضل ليوسف إذًا، وهو نبي من سلالة أنبياء؟!!
ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات؟! أليس الاضطراب الذي لا يمكن التوفيق بينه كهذا من العلل التي رد المحدثون بسببها الكثير من المرويات؟! لأنه أمارة من أمارات الكذب والاختلاق، والباطل لجلج، وأما الحق فهو أبلج.
ثم كيف يتفق ما حيك حول نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام وقول الحق تبارك عقب ذكر الهم: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين} 1، فهل يستحق هذا الثناء من حل التكة، وخلع السروال، وجلس بين رجليها؟! ولا أدرى أنصدق الله تبارك وتعالى، أم نصدق كذبة بني إسرائيل ومخرفيهم؟!!
بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه الله عز وجل عن زليخا بطلة المراودة، حيث قالت: {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين} 2 وهو اعتراف صريح للبطلة التي أعيتها الحيل عن طريق التزين حينا، والتودد إليه بمعسول القول، حينا آخر،
__________
1 قرئ في السبع بضم الميم وفتح اللام، أي: الذين اصطفاهم واختارهم لنبوته ورسالته، وقرئ بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا لله التوحيد والعبادة، والمعنى الثاني لازم للأول، فمن اصطفاه الله لا بد أن يكون مخلصا.
2 يوسف: 51.
(1/222)

والإرهاب والتخويف حينا ثالثا، فلم تفلح: {لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِين} ,
وانظر ماذا كان جواب السيد العفيف، الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم صلوات الله وسلامه: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 2، وقصده عليه السلام بقوله: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُن} : تبرؤ من الحول والطول، وأن الحول والقوة إنما هما من الله، وسؤال منه لربه، واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهن، وهكذا: شأن الأنبياء.
بل قد شهد الشيطان نفسه ليوسف عليه السلام في ضمن قوله كما حكاه الله سبحانه عنه بقوله: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين} 3 ويوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.
وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها4، فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم} 5، وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخا: امرأة العزيز.
فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة، وتلك الروايات المزورة؟!! وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، والثعلبي، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي، وقد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيا من غير أن ينبه إلى زيفها، وهو الناقد البصير!!
__________
1 يوسف: 32.
2 يوسف: 33، 34.
3 ص: 82، 83.
4 قيل: كان رجلا عاقلا حكيما مجربا من خاصة الملك، وكان من أهلها، وقيل: كان صبيا في المهد وكان ذلك إرهاصا بين يدي نبوة يوسف، إكراما له.
5 يوسف: 26-28.
(1/223)

ومن العجيب حقا: أن الإمام ابن جرير على جلالة قدره يحاول أن يضعف في تفسيره مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور والبهتان، ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة، وقواعد الشرع، وما جاء في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، ويعتبر هذا المرويات التي سُقْتُ لك زروًا منها آنفا، هي: قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم1!!! وكذلك تابعه على مقالته تلك الثعلبي والبغوي في تفسيريهما2!!
وهذا المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، ويجزم العقل والنقل باستحالتها على الأنبياء عليهم السلام هي التي اعتبرها الطبري ومن تبعه أقوال السلف!!
بل يسير في خط اعتبار هذا المرويات، فيورد على نفسه سؤالا فيقول: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا وهو لله نبي؟! ثم أجاب بما لا طائل تحته، ولا يليق بمقام الأنبياء3 قاله الواحدى في تفسيره: "البسيط".
وأعجب من ذلك: ما ذهب إليه الواحدي في: "البسيط" قال: قال المفسرون الموثوق بعلمهم، المرجوع إلى روايتهم، الآخذون للتأويل، عمن شاهدوا التنزيل: هَمَّ يوسف عليه السلام بهذه المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة منه.
وهي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة لا نرضاها، ولولا أني أنزه لساني وقلمي عن الهجر من القول، وأنهم خلطوا في مؤلفاتهم عملا صالحا وآخر سيئا لقسوت عليهم، وحق لي هذا، لكني أسأل الله لي ولهم العفو والمغفرة.
وهذه الأقوال التي أسرف في ذكرها هؤلاء المفسرون: إما إسرائيليات وخرافات وضعها زنادقة أهل الكتاب القدماء، الذي أرادوا بها النيل من الأنبياء والمرسلين، ثم
__________
1 تفسير الطبري: ج 12 ص 110.
2 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير: ج 4 ص 43.
3 تفسير الطبري: ج 12 ص 109، 110.
(1/224)

حملها معهم أهل الكتاب الذين أسلموا وتلقاها عنهم بعض الصحابة، والتابعين، بحسن نية، أو اعتمادا على ظهور كذبها وزيفها.
وإما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة، دسها عليهم أعداء الأديان، كي تروج تحت هذا الستار، وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد، وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة الصحيحة، وهذا ما أميل إليه!.
(1/225)

الفرية على المعصوم صلى الله عليه وسلم:
في قول الله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب} .
ولكي يؤيدوا باطلهم الذي ذكرناه آنفا، رووا عن الصحابة والتابعين ما لا يليق بمقام الأنبياء، واختلقوا على النبي صلى الله عليه وسلم زورًا، وقولوه ما لم يقله، قال صاحب "الدر": وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: {حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين} ، قال يوسف: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} ، فغمزه جبريل عليه السلام فقال: ولا حين هممت بها؟ فقال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} .
قال: وأخرج ابن جرير عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدي مثله، وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه والديلمي عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قال: لما قال يوسف ذلك قال جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء} ، قال: وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله، وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم: عن حكيم بن جابر في قوله: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ
__________
1 تفسير المنار: ج 13 ص 12.
(1/225)

أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} قال جبريل: ولا حين حللت السراويل؟ إلى غير ذلك من المرويات المكذوبة، والإسرائيليات الباطلة، التي خرجها بعض المفسرين الذين كان منهجهم ذكر المرويات وجمع أكبر قدر منها، سواء منها ما صح وما لم يصح، والإخباريون الذين لا تحقيق عندهم للمرويات، وليس أدل على ذلك من أنها لم يخرجها أحد من أهل الكتاب الصحيحة، ولا أصحاب الكتب المعتمدة الذين يرجع إليهم في مثل هذا.
القرآن يرد هذه الأكاذيب:
وقد فات هؤلاء الدساسين الكذابين أن قوله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب} ... الآيتين1 ليس من مقالة سيدنا يوسف عليه السلام، وإنما هو من مقالة امرأة العزيز، وهو ما يتفق وسياق الآية، ذلك: أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فأحضر النسوة، وسألهن، وشهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بدا من الاعتراف، فقالت: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب} .... الآيتين1 ليس من مقالة سيدنا يوسف عليه السلام وإنما هو من مقالة امرأة العزيز، وهو ما يتفق وسياق الآية، ذلك أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فأحضر النسوة، وسألهن، وشهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بدا من الاعتراف، فقالت: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَق} إلى قوله: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} فكل ذلك من قولها: ولم يكن يوسف حاضرا ثَمَّ؛ بل كان في السجن، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده العزيز؟.
وقد انتصر لهذا الرأي الذي يوائم السياق والسباق: الإمام ابن تيمية، وألف في ذلك تصنيفا على حدة.
قال الإمام الحافظ المفسر ابن كثير في تفسيره: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب} :
تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت؛ ليعلم أني بريئة، {وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي؛ فإن النفس تتحدث، وتتمنى، ولهذا راودته لأن
__________
1 يوسف: 52، 53.
(1/226)

{النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} أي: إلا من عصمه الله تعالى: {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} وهذا القول هو الأشهر والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فأفرده بتصنيف على حدة.
وبعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذي ذكرناه آنفا عن ابن عباس، وتلاميذه، وغيره قال: والقول الأول أقوى، وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك1.
__________
1 تفسير ابن كثير: ج4 ص 449 ط المنار.
(1/227)

التفسير الصحيح لقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا}
والصحيح في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} أن الكلام تم عند قوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه} وليس من شك في أن همها كان بقصد الفاحشة، {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} .
الكلام من قبيل التقديم والتأخير، والتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فقوله تعالى: {وهم بها} ، جواب "لولا" مقدم عليها ومعروف في العربية أن "لولا" حرف امتناع لوجود، أي: امتناع الجواب لوجود الشرط، فيكون الهم ممتنعا لوجود البرهان الذي ركزه الله في فطرته، والمقدم إما الجواب، أو دليله على الخلاف في هذا بين النحويين، والمراد بالبرهان: هو حجة الله الباهرة الدالة على قبح الزنا وهو شيء مركوز في فطر الأنبياء، ومعرفة ذلك عندهم وصل إلى عين اليقين، وهو ما نعبر عنه بالعصمة، وهي التي تحول بين الأنبياء والمرسلين وبين وقوعهم في المعصية، ويرحم الله الإمام: جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما حيث قال: البرهان: النبوة التي أودعها الله في صدره، حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل.
(1/227)

وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، ويدعو إليه السابق واللاحق، وأما كون جواب لولا لا يجوز أن يتقدم عليها فهذا أمر ليس ذا خطر، حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب، إلى التفسيرات الأخرى الباطلة، لهم يوسف عليه السلام والقرآن هو أصل اللغة، فورود أي أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبا عربيا فصيحًا، وفي تأصيل أي قاعدة من القواعد النحوية فلا يجوز لأجل الأخذ بقاعدة نحوية أن نقع في محظور لا يليق بالأنبياء كهذا.
وقد قال الإمام الآلوسي في تفسيره في الرد على المبرد في تشنيعه على قراءة حمزة -أحد القراء السبعة- في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} 1 بجر لفظ الأرحام عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة حرف الجر، وهو أحد القراء السبعة الذين قال أساطين الدين: إن قراءتهم متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا، لم يقرأ به وحده، بل قرأ به جماعة من غير السبعة، كابن مسعود، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وقتادة ومجاهد وغيرهم كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور، هو مذهب البصريين، ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في "البحر" الكلام في الرد عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من الجواز، وورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وإلى ذلك ذهب ابن مالك"2.
وقيل: إن ما حصل من هَمِّ يوسف كان خطرة، وحديث نفس بمقتضى الفطرة البشرية، ولم يستقر، ولم يظهر له أثره، قال البغوي في تفسيره: "قال بعض أهل الحقائق: الهَمُّ هَمَّان: همٌّ ثابت، وهو إذا كان معه عزم، وعقد، ورضا، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهمٌّ عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار، ولا عزم مثل هم يوسف عليه السلام والعبد غير مأخوذ به، ما لم يتكلم به أو يعمل"3، وقيل: همت به هم شهوة وقصد للفاحشة، وهم هو يضربها، ولا أدري
__________
1 النساء: 1.
2 تفسير الآلوسي: ج4 ص 184، وانظر البحر المحيط عند تفسير هذه الآية.
3 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير: ج 4 ص 431.
(1/228)

كيف يتفق هذا القول وقوله تعالى: {لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه} .
والقول الجزل الفحل هو ما ذكرناه أولا، والسر في إظهاره في هذا الأسلوب والله أعلم: تصوير المشهد المثير المغرى العرم، الذي هيأته امرأة العزيز لنبي الله يوسف، وأنه لولا عصمة الله له، وفطرته النبوية الزكية، لكانت الاستجابة لها، والهم بها أمرا محققا، وفي هذا تكريم ليوسف، وشهادة له بالعفة البالغة، والطهارة الفائقة.
(1/229)

19- الإسرائيليات في سبب لبث يوسف في السجن:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين في مدة سجن يوسف عليه السلام وفي سبب لبثه في السجن بضع سنين، وذلك عند تفسير قوله تعالى:
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين} [يوسف: الآية 42] .
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وغيرهم أقوالا كثيرة في هذا، فقد قال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين1.
وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك. قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى يوسف، وقال: يا رب، أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة، ولن أعود.
وقال الحسن البصري: دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، إني أراك بين الخاطئين؟! فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحيت مني أن استشفعت بالآدميين؟! فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال يوسف: وهو في ذلك عني راضٍ؟ قال: نعم، قال: إذًا لا أبالي.
__________
1 لا أدري ما المناسبة بين نبي الله، وبختنصر الذي أذل اليهود وسباهم؟
(1/229)

وقال كعب الأحبار: قال جبريل ليوسف: إن الله تعالى يقول: من خلقك؟ قال: الله عز وجل. قال: فمن حبَّبَك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء، والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ 1، فلما انقضت سبع سنين قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمسة2 التي قبل ذلك جاء الفرج من الله، فرأى الملك ما رأى من الرؤيا العجيبة، وعجز الملأ عن تفسيرها، تذكر الساقي يوسف وصدق تعبيره للرؤى، فذهب إلى يوسف، فعبرها له خير تعبير، فكان ذلك سبب نجاته من السجن، وقول امرأة العزيز: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين} .
وأغلب الظن عندي: أن هذا من الإسرائيليات، فقد صورت سجن يوسف على أنه عقوبة من الله لأجل الكلمة التي قالها، مع أنه عليه السلام لم يقل هجرا، ولا منكرا، فالأخذ في أسباب النجاة العادية، وفي أسباب إظهار البراءة والحق، لا ينافي قط التوكل على الله تعالى، والبلاء للأنبياء ليس عقوبة، وإنما هو لرفع درجاتهم، وليكونوا أسوة وقدوة لغيرهم، في باب الابتلاء، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل، فالأمثل".
وقد روى ابن جرير ههنا حديثا مرفوعا فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو لم يقل -يعني يوسف- الكلمة التي قالها ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله".
ولو أن هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا: لكان للمتمسكين بمثل هذه الإسرائيليات التي أظهرت سيدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان وجهة، ولكن الحديث شديد الضعف، لا يجوز الاحتجاج به أبدا.
__________
1 تفسير البغوي: ج4 ص 444، 445.
2 بعض المفسرين لا يكتفي بالسبع بل يضم إليها خمسا قبل ذلك ولا أدري ما مستنده في هذا؟ وظاهر القرآن لا يشهد له ولو كان كذلك لصرح به القرآن، أو لأشار إليه.
(1/230)

قال الإمام الحافظ الناقد: ابن كثير: "وهذا الحديث ضعيف جدا"1؛ لأن سفيان بن وكيع الراوي عنه ابن جرير ضعيف، وإبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضا، وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسلات ههنا لا تقبل2، ولو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم3" وقد تكلف بعض المفسرين للإجابة عما يدل عليه هذا الحديث، وحاله كما سمعت بل تكلف بعضهم، فجعل الضمير في: "فأنساه" ليوسف وهو غير صحيح، والذي يجب أن نعتقده أن يوسف عليه الصلاة والسلام مكث في السجن كما قال الله تعالى بضع سنين.
والبضع: من الثلاث إلى التسع، أو إلى العشر من غير تحديد للمدة، فجائز أن تكون سبعا، وجائز أن تكون تسعا، وجائز أن تكون خمسا، ما دام ليس هناك نقل صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم وكذلك: نعتقد أنه لم يكن عقوبة على كلمة وإنما هو بلاء ورفعة درجة ثم كيف يتفق هذا الحديث الضعيف هو وما روي عن النبي في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ... ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" وفي لفظ للإمام أحمد: "لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر".
__________
1 الضعيف جدًّا لا يحتج به لا في الأحكام ولا في الفضائل فما بالك في مثل هذا؟
2 لأن المرسل احتج به بعض الفقهاء أما في مثل الذي فيه إدانة بعض الأنبياء، وإلقاء اللوم عليه فلا.
3 تفسير ابن كثير: ج 4 ص 448.
(1/231)

20- الإسرائيليات في شجرة طوبى:
ومن الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} 1.
فمن ذلك ما رواه ابن جرير بسنده، عن وهب، قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرتها رياط، وورقها برود،
__________
1 الرعد: 29.
(1/231)

وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر، واللبن، والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم؛ إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نجبًا1 مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنا، ووبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال2 ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس، وإستبرق، فيفتحونها، يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه، وتسلموا عليه، قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجبا من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه، وهو يكلمه، ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى ولا برك3 راحلة برك الأخرى، حتى أن الشجرة لتتنحى عن طريقهم؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم، حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام، ومني السلام، وعليكم السلام، حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب، وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب، ولا عبادة ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنية، فيسألونه، حتى أن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم، فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك.
ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني؛ لأنه ليس في عطائي نكد، ولا قصر يد، قال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب،
__________
1 أي: إبلًا كرامًا.
2 الرحال: ما يوضع على البعير ليركب عليه.
3 البرك: الصدر.
(1/232)

مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبه كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له1.
وقد وصف ابن كثير في تفسيره هذا الأثر: بأنه غريب عجيب وساقه، وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده، عن وهب أيضا وزاد زيادات أخرى2.
التفسير الصحيح لقوله: {طُوبَى لَهُم}
والمأثور عن السلف في تفسير طوبى غير ذلك، فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: فرح لهم وقرة عين، وقال عكرمة: نِعَم لما لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقال إبراهيم النختي: خير لهم وكرامة.
وروي أيضًا عن بعض الصحابة، وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، بل وَرَدَ ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "طوبى شجرة في الجنة، ظلها مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" 3.
بل قيل: إنها الشجرة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" رواه أحمد، والبخاري، ومسلم في بعض روايات أحمد والبخاري: اقرأوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُود} 4.
ونحن لا ننكر احتمال أن تكون هذه الشجرة المذكورة في الحديث الصحيح، ولكن
__________
1 تفسير ابن جرير عند تفسير هذه الآية، الدر المنثور عند تفسير هذه الآية.
2 تفسير ابن كثير والبغوي: ج 4 ص 414، 415.
3 المرجع السابق.
4 الواقعة: 30.
(1/233)

الذي ننكره، ونقول: إنه من الإسرائيليات: هذه الزيادات التي زادها وهب، ومن أخذ عنه، ونحن في غنية عن هذا بما ثبت في الأحاديث الصحاح، وها نحن نرى أنها جاءت خالية من هذه التخريفات والتهويلات التي ننزه عنها الرواية الإسلامية.
(1/234)

21- الإسرائيليات في إفساد بني إسرائيل:
ومن الإسرائيليات في كتب التفسير: ما يذكره بعض المفسرين عند قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء: الآيات من 4-8] .
وليس من قصدنا هنا: تحقيق مَرَّتَىْ إفسادهم، ومن سلط عليهم في كلتا المرتين، فلذلك موضع آخر1.
وإنما الذي يتصل ببحثي: بيان ما روي من الإسرائيليات في هاتين المرتين، واسم من سلط عليهم، وصفته وكيف كان، وإلام صار أمره، وقد كانت معظم الروايات في بيان العباد ذوي البأس الشديد الذين سلطوا عليهم تدور حول "بختنصر" البابلي، وقد أحاطوه بهالة من العجائب، والغرائب، والمبالغات التي لا تصدق، وقد أخرج هذه الروايات ابن جرير في تفسيره، وأكثر منها جدا2، وابن أبي حاتم والبغوي3، وغيرهم عن ابن عباس،
__________
1 الذي أرجحه أن العباد ذوي البأس الشديد الذين نكلوا بهم، وأذلوهم، وسبوهم هم بختنصر وجنوده وأن الآخرين الذين أساءوا وجوههم، ودخلوا المسجد الأقصى هم "طيطوس" الروماني وجيوشه، فقد أساموهم سوء العذاب، وتأمل في قوله: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} فإنه يدل على أنهم سيعودون ثم يفسدون، فيرسل الله لهم من يسومهم العذاب ألوانًا.
2 تفسير ابن جرير ج 15 من ص 16-34.
3 ج 5 ص 144-154.
(1/234)

وابن مسعود، وعن سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعن السدي، وعن وهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهم، وخرجها من غير ذكر أسانيدها مع عزوها إلى مخرجيها السيوطي في "الدر المنثور"1.
وفيها ولا شك الكثير من أكاذيب بني إسرائيل التي اختلقها أسلافهم، وتنوقلت عليهم، ورواه أخلافهم من مسلمة أهل الكتاب الذين أسلموا، وأخذها عنهم بعض الصحابة والتابعين تحسينا للظن بهم، ورواها من غير تنبيه إلى ما فيها.
وفي هذه الأخبار الإسرائيلية ما يحتمل الصدق والكذب، ولكن الأولى عدم الاشتغال به، وأن لا يفسر القرآن به، وأن نقف عند ما قصه الله علينا، من غير أن نفسد جمال القرآن، وجلاله بمثل هذه الإسرائيليات.
وقد أكثر ابن جرير هنا من النقل عن ابن إسحاق، وفي بعضها روي عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه2، وفي بعضها بسنده عن وهب بن منبه في ذكر ابن إسحاق، وبذلك وقفنا على من كان المصدر الحقيقي لهذه المرويات، وأنه وهب، وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب.
وقد سود ابن جرير بضع صفحات من كتابه في النقل عن ابن إسحاق وعن وهب ولا أحب أن أنقل هذا بنصه؛ فإن في ذلك تسويدًا للصفحات، ولكني سأذكر البعض ليكون القارئ لهذا التفسير على حذر من مثل ذلك.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني ابن إسحاق قال: "كان مما أنزل الله على موسى3 في خبره عن بني إسرائيل، وفي إحداثهم، ما هم فاعلون بعده، فقال: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} إلى قوله: {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} .
فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم.
__________
1 ج 4 ص 163-166.
2 تفسير ابن جرير ج 15 ص 29.
3 المراد: أنزل معناه لا لفظه، فالتوراة لم تكن بالعربية، ولا كان لسان موسى عليه الصلاة والسلام عربيا.
(1/235)

متعطفا عليهم، محسنًا إليهم، فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر على لسان موسى، مما أنزل بهم في ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع: أن ملكًا منهم كان يدعى صديقه، وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيا يسدده، ويرشده، ويكون فيما بينه، وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة، والأحكام التي فيها وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة، فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعياء بن أمصيا، وذلك قبل مبعث زكريا، ويحيى وعيسى، وشعياء الذي بشر بعيسى، ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل، وبيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه، عظمت فيهم الأحداث، وشعياء معه، بعث الله عليهم: "سنجاريب" ملك بابل، ومعه ستمائة ألف راية1 فأقبل سائرا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض، في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء، فقال له: يا ملك بني إسرائيل: إن "سنجاريب" ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده، ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس، وفَرَقُوا2 منهم، فكبُر ذلك على الملك فقال: يا نبي الله، هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به؟ كيف يفعل الله بنا، وبسنجاريب وجنوده؟ فقال له النبي عليه السلام: لم يأتني وحي أُحدث إلي في شأنك، فبينما هم على ذلك: أوحى الله إلى شعياء النبي: أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته، فإنك ميت ...
ثم استرسل ابن جرير في الرواية، حتى استغرق ذلك أربع صفحات كبار من كتابه3 لا يشك الناظر فيها أنها من أخبار بني إسرائيل، وفيما ذكره ابن جرير عن ابن إسحاق الصدق، والكذب، والحق، والباطل، ولسنا في حاجة إليه في تفسير الآيات.
وفي الإفساد الثاني، ومن سلط عليهم، روى ابن جرير أيضا قال: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه قالا: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا ابن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه.
__________
1 من المبالغات التي لا تصدق، وكن على ذكر مما نقلناه عن العلامة ابن خلدون فيما سبق.
2 أي: خافوا.
3 ج15 من ص 18-21.
(1/236)

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يُتَّهَم، عن وهب بن منبه اليماني واللفظ لحديث ابن حميد أنه كان يقول يعني وهب بن منبه: قال الله تبارك وتعالى لأرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ولأمر عظيم اختبأتك، فبعث الله "أرميا" إلى ذلك الملك من بني إسرائيل، يسدده، ويرشده ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه، وبين الله، قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله سبحانه وتعالى صنع بهم، وما نجاهم من عدوهم "سنجاريب" وجنوده، فأوحى الله إلى أرمياء: أنت أئت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم، وعرفهم أحداثهم ...
واسترسل وهب بن منبه فيما يذكره من أخبار بني إسرائيل حتى استغرق ذلك من تفسير ابن جرير ثلاث صفحات كبار1 إلى غير ذلك، مما ذكره ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما، من قصص عجيب غريب في "بختنصر" هذا، وما خرب من البلاد وما قتل من العباد.
الكذب على رسول الله بنسبة هذه الإسرائيليات إليه:
ولو أن هذه الإسرائيليات والأباطيل وقف بها عند رواتها من أهل الكتاب الذين أسلموا، أو عند من رواها عنهم من الصحابة والتابعين لهان الأمر، ولكن عظم الإثم أن تنسب هذه الإسرائيليات إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم ولا أشك أن هذا الدس من عمل زنادقة اليهود أو الفرس.
روى ابن جرير في تفسيره، قال: حدثنا عصام بن داود بن الجراح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري قال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بني إسرائيل لما اعتدوا، وعلوا، وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم ملك فارس:
__________
1 ج 15، من ص 29-33.
(1/237)

بختنصر" وكان الله ملكه سبعمائة سنة1 فسار إليهم، حتى دخل بيت المقدس، فحاصرها، وفتح، وقتل على دم زكريا سبعين ألفا، ثم سبي أهلها، وبني الأنبياء، وسلب حلي بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة من حلي، حتى أوردها بابل"2، قال حذيفة: فقلت يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله، قال: "أجل، بناه سليمان بن داود من ذهب، ودر، وياقوت، وزبرجد وكان بلاطة من ذهب، وبلاطة من فضة، وعمده ذهبا، أعطاه الله ذلك، وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار" بختنصر" بهذه الأشياء، حتى دخل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة، تعذبهم المجوس، وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء، وأبناء الأنبياء ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس، يقال له: "كورش" وكان مؤمنا، أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم فسار "كورش"، ببني إسرائيل، وحلي المقدس حتى رده إليه.
فأقام بنو إسرائيل مطيعين الله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلط الله عليهم "بطيانموس" فغزا بأبناء من غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها، وأحرق بيت المقدس، وقال لهم: يا بني إسرائيل، إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء، فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث، ملك رومية، يقال له: "فاقس بن أسبايوس3" فغزاهم في البر والبحر فسباهم، وسبى حلي بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا من صنعة حلي بيت المقدس، ويرده المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة، وسبعمائة سفينة، يرسي بها على على "يافا" حتى تنقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين، والآخرين"، وعفا الله عن ابن جرير، كيف استجاز أن يذكر هذا الهراء، وهذه التخريفات عن المعصوم صلى الله عليه وسلم وكان عليه أن يصون كتابه عن أن يسوده بأمثال هذه المرويات الباطلة.
__________
1 وأي جرم أعظم من أن ينسب هذا التخريف إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟
2 مبالغات وأكاذيب تنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها.
3 في تفسير البغوي: "قاقس بن استيانوس".
(1/238)

ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد ابن كثير، حيث قال في تفسيره:
"وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب، كيف راجَ عليه مع جلالة قدره، وإمامته، وقد صرح شيخنا: أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب يعني كتاب تفسير ابن جرير وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية، لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها: ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم، ومنها: ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها ولله الحمدن وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله، ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغَوا، وبغَوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم، وقهرهم جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا كثيرا من الأنبياء والعلماء1.
التفسير الصحيح للآية:
وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يصار إليه في الآية، والقصص القرآني لا يعنى بذكر الأشخاص، ولا الأماكن؛ لأن الغرض منه العبرة، والتذكير، والتعليم والتأويل، والذي دلت عليه الآية: أنهم أفسدوا مرتين في الزمن الأول، وظلموا وبغوا، فسلط الله عليهم في الأولى من أذلهم وسباهم، ولا يغنيني أن يكون هذا "سنجاريب" أو "بختنصر" وجيشه؛ إذ لا يترتب على العلم به فائدة تُذكر، وسلط الله عليهم في الثانية من أذلهم، وساء وجوههم، ودخل المسجد الأقصى، فأفسد فيه، ودمر، ولا يعنينا أن يكون هذا الذي نكل بهم هو: "طيطوس" الروماني أو غيره؛ لأن المراد من سياق قصته ما قضاه الله على بني إسرائيل أنهم أهل فساد، وبطر، وظلم، وبغي، وأنهم لما أفسدوا وطغوا، وتجبروا سلطه الله عليهم من عباده من نكل بهم، وأذلهم، وسباهم، وشردهم، ثم إن الآيات دلت أيضا على أن بني إسرائيل لا يقف طغيانهم، وبغيهم، وإفسادهم عند المرتين الأوليين، بل الآية توحي بأن ذلك مستمر إلى ما شاء الله، وأن الله سيسلط عليهم من
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 5 ص 148- 150.
(1/239)

يسومهم العذاب، ويبطش بهم، ويرد ظلمهم وعدوانهم، قال عز شأنه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} ، أليس في قوله هذا إنذار ووعيد لهم إلى يوم القيامة؟! بلى.
وما يؤكد هذا الإنذار والوعيد قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} 1، فهل يسلط الله عليهم اليوم من يرد ظلمهم وبغيهم، وطردهم أهل فلسطين من ديارهم، واغتصاب الديار، واستذلال العباد، واستهانتهم بالقيم الخلقية، والحقوق الإنسانية؟
ذلك ما نرجو، وما ذلك على المسلمين والعرب بعزيز، لو وحدوا الكلمة، وجمعوا الصفوف، وأخذوا الحذر والأهبة، وأعدوا العدة فاللهم حقق وأعِنْ.
__________
1 الأعراف: 167.
(1/240)

22- الإسرائيليات في قصة أصحاب الكهف:
ومن قصص الماضين التي أكثر فيها المفسرون من ذكر الإسرائيليات قصة أصحاب الكهف، فقد ذكر ابن جرير، وابن مردويه، وغيرهما الكثير من أخبارهم التي لا يدل عليها كتاب الله تعالى، ولا يتوقف فهم القرآن وتدبره عليها.
فمن ذلك: ما ذكره ابن جرير في تفسيره، عن ابن إسحاق، صاحب السيرة في قصتهم، فقد ذكر نحو ثلاث ورقات، وذكر عن وهب بن منبه، وابن عباس ومجاهد أخبارا كثيرة1 أخرى وكذلك ذكر السيوطي في "الدر المنثور"2، الكثير مما ذكره المفسرون عن أصحاب الكهف، عن هويتهم، ومن كانوا؟ وفي أي زمان ومكان وجدوا؟ وأسمائهم؟ واسم كلبهم؟ وأهو قطمير أم غيره؟ وعن لونه أهو أصفر أم أحمر؟ بل روى ابن أبي حاتم من طريق سفيان، قال: رجل بالكوفة يقال له عبيد وكان لا يتهم بالكذب قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر، كأنه كساء أبنجاني3، ولا
__________
1 تفسير ابن جرير ج 15 ص 133 وما بعدها.
2 الدر المنثور ج4 ص 211- 218.
3 نسبة إلى أنبج بلد تعرف بصنع الأكسية.
(1/240)

أدرى كيف كان لا يتهم بالكذب، وما زعم كذب لا شك فيه، فهل بقي كلب أصحاب الكهف حتى الإسلام؟! وكذلك ذكروا أخبار غرائب في الرقيم، فمن قائل: إنه قرية، وروي ذلك عن كعب الأحبار، ومن قائل: إنه وادٍ بفلسطين، بقرب أيلة، وقيل: اسم جبل أصحاب الكهف إلى غير ذلك مع أن الظاهر أنه كما قال كثير من السلف أنه: الكتاب أو الحجر الذي دون فيه قصته وأخبارهم، أو غير ذلك، مما الله أعلم به، فهو فعيل بمعنى مفعول، أي: مرقوم، وفي الكتاب الكريم: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون} 1، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَرْقُوم} 2.
وفي هذه الأخبار: الحق والباطل، والصدق والكذب، وفيها: ما هو محتمل للصدق والكذب، ولكن فيما عندنا غنية عنه، ولا فائدة من الاشتغال بمعرفته وتفسير القرآن به، كما أسلفنا عن ابن تيمية، بل الأولى والأحسن، أن نضرب عنه صفحًا، وقد أدَّبنا الله بذلك حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا} 3.
وغالب ذلك ما أشرنا إليه وغيره متلقى عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين لغرابته، والعجب منه، قال العلامة ابن كثير في تفسيره: "وفي تسميتهم بهذه الأسماء، واسم كلبهم نظر في صحته والله أعلم، قال: غالب ذلك تُلُقِّيَ من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: {فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا} أي: سهلا هينا لينا: فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة "ولا تستفت فيهم منهم أحدا! أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولون من تلقاء أنفسهم، رجما بالغيب، أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال"4.
__________
1 المطففين 19، 20.
2 المطففين: 8، 9.
3 الكهف: 22.
4 تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} .
(1/241)

23- الإسرائيليات في قصة ذي القرنين:
ومن الإسرائيليات التي طفحت بها بعض كتب التفسير: ما يذكرونه في تفاسيرهم، عند تفسير قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا} 1 الآيات.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأولى، أنه كان يقول: "ذو القرنين: رجل من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، وإنما سُمِّيَ ذا القرنين؛ أن2 صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله عز وجل له: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن، والإنس، ويأجوج ومأجوج ... ثم استرسل في ذكر أوصافه، وما وهبه الله من العلم والحكمة، وأوصاف الأقوام الذين لقيهم، وما قال لهم، وما قالوا له، وفي أثناء ذلك يذكر ما لا يشهد له عقل ولا نقل وقد سود بهذه الأخبار نحو أربعة صحائف من كتابه3، وكذلك ذكر روايات أخرى في سبب تسميته بذي القرنين، بما لا يخلو عن تخليط وتخبط، وقد ذكر ذلك عن غير ابن جرير: السيوطي في الدر قال: وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والشيرازي في الألقاب، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأولى أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، وإنما سمي ذا القرنين: أن صفحتي رأسي كانتا من نحاس ... "4، وأنا لا أشك في أن ذلك مما تلقاه وهب عن كتبهم، وفيها ما فيها من الباطل، والكذب، ثم حملها عنه بعض التابعين، وأخذها عنهم ابن إسحاق وغيره من أصحاب كتب التفسير،
__________
1 الكهف، الآية 83: وما بعدها.
2 أي: لأن.
3 جامع البيان ج 15 من ص 14-18.
4 الدر المنثور ج 4 من ص 242-246.
(1/242)

والسير، والأخبار، ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد: ابن كثير، حيث قال في تفسيره: وقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلا، عجيبا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له وفيه طول، وغرابة، ونكارة، في إشكالهم، وصفاتهم وطولهم، وقصر بعضهم، وآذانهم، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة، لا تصح أسانيدها، والله أعلم"1 وحتى لو صح الإسناد إليها، فلا شك في أنها من الإسرائيليات، لأنه لا تنافي بين الأمرين، فهي صحيحة إلى من رويت عنه، لكنها في نفسها من قصص بني إسرائيل الباطل، وأخبارهم الكاذبة.
ولو أن هذه الإسرائيليات وقف بها عند منابعها، أو من حملها عنهم من الصحابة والتابعين، لكان الأمر محتملا، ولكن الإثم وكِبْر الكذب أن تنسب هذه الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو أنها كما أسلفت كانت صحيحة في معناها ومبناها لما حل نسبتها إلى رسول الله أبدا، فما بالك وهي أكاذيب ملفقة، وأخبار باطلة؟!
وقد روى ابن جرير وغيره عند تفسيره قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} : حديثًا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حدثنا أبو كريب قال: حدثنا زيد بن حباب، عن ابن لهيعة، قال: حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من تجيب، أنهما انطلقا إلى عقبة بن عامر، فقالا له: جئنا لتحدثنا فقال: كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه فأخبرته فقال: "ما لي، وما لهم، ما لي علم إلا ما علمني الله"، ثم قال: "اسكب لي ماءًا" فتوضأ، ثم صلى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور على وجهه، ثم قال: "أدخلهم علي، ومن رأيت من أصحابي"، فدخلوا، فقاموا بين يديه فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبًا، وإن شئتم أخبرتكم، قالوا: بلى، أخبرنا، قال: جئتم تسألون عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم، كان شابًّا من الروم، فجاء، فبنى مدينة مصر الإسكندرية، فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء،
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 5 ص 329.
(1/243)

فقال له: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبت العالم، فأتى به السد، وهو جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم"1. ثم عقب ذلك بسرد المرويات في سبب تسميته بذي القرنين.
وذكر السيوطي في "الدر المنثور"2 مثل ذلك، وقال: إنه أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل وكل هذا من الإسرائيليات التي دست على النبي صلى الله عليه وسلم ولو شئت أن أقسم بين الركن والمقام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال هذا، لأقسمت، وابن لهيعة ضعيف في الحديث.
وقد كشف لنا الإمام الحافظ ابن كثير عن حقيقة هذه الرواية في تفسيره، وأنحى باللائمة على من رواها، فقال: "وقد أورد ابن جرير ههنا، والأموي في مغازيه، حديثا أسنده، وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر: أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: أنه كان شابا من الروم، وأنه بني الإسكندرية، وأنه على به ملك في السماء وذهب به إلى السد، ورأى أقواما وجوههم مثل وجوه الكلاب ... وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.
والعجب: أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتاب "دلائل النبوة"، وذلك غريب منه، فيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم: الإسكندر الثاني، وهو ابن فيلبس المقدوني، الذي تؤرخ به الروم ... وكان وزيره.
__________
1 جامع البيان لابن جرير ج 15 ص 7، 8.
2 ج 4 ص 241.
(1/244)

أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم1.
ومن هو ذو القرنين؟:
والذي نقطع به: أنه ليس الإسكندر المقدوني؛ لأن ما ذكره المؤرخون في تاريخه لا يتفق وما حكاه القرآن الكريم عن ذي القرنين، والذي نقطع به أيضا أنه كان رجلا مؤمنا صالحا، ملكه شرق الأرض وغربها، وكان من أمره ما قصه الله تعالى في كتابه، وهذا ما ينبغي أن نؤمن به، ونصدقه، أما معرفة هويته، وما اسمه؟ وأين؟ وفي أي زمان كان؟ فليس في القرآن، ولا في السنة الصحيحة ما يدل عليه، على أن الاعتبار بقصته، والانتفاع بها، لا يتوقف على شيء من ذلك، وتلك سمة من سمات القصص القرآني، وخصيصة من خصائصه أنه لا يعنى بالأشخاص، والزمان، والمكان مثل ما يعنى بانتزاع العبرة منها، والاستفادة منها فيما سيقت له.
__________
1 تفسير ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ} ج 5 ص 322.
(1/245)

24- الإسرائيليات في قصة يأجوج ومأجوج:
من الإسرائيليات التي اتسمت بالغرابة، والخروج عن سنة الله في الفطرة، وخلق بني آدم ما ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم عند قوله تعالى: {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} 1.
فقد ذكروا عن يأجوج ومأجوج الشيء الكثير من العجائب والغرائب، قال السيوطي في "الدر المنثور"2: أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عدي، وابن عساكر، وابن النجار عن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يأجوج، ومأجوج، فقال: "يأجوج ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كلٌّ حمل السلاح" قلت: يا رسول الله، صفهم
__________
1 الكهف: 94.
2 ج 5 ص 250، 251.
(1/245)

لنا، قال: "هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثالا الأرز" قلت: وما الأرز؟ قال: "شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل، ولا حديد، وصنف منهم، يفترش إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل، ولا وحش، ولا جمل، ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية".
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره هذه الرواية وغيرها من الروايات الموقوفة، وكذلك صنع القرطبي في تفسيره، وإذا كان بعض الزنادقة استباحوا لأنفسهم نسبة هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف استباح هؤلاء الأئمة ذكر هذه المرويات المختلقة المكذوبة على رسول الله في كتبهم؟!
وهذا الحديث المرفوع نص الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في موضوعاته وغيره على أنه موضوع1، ووافقه السيوطي في اللآلئ، فكيف يذكره في تفسيره ولا يعقب عليه؟! وحق له أن يكون موضوعا؛ فالمعصوم صلى الله عليه وسلم أجلُّ من أن يروى عنه مثل هذه الخرافات، وفي كتب التفسير من هذا الخلط وأحاديث الخرافة شيء كثير، ورووا في هذا عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعن كعب الأحبار، ولكي تتأكد أن ما رفع إلى رسول الله إنما هي إسرائيليات نسبت إلى النبي زورا وكذبا: نذكر لك ما روي عن كعب، قال: "خلق يأجوج ومأجوج، ثلاثة أصناف، صنف كالأرز، وصنف: أربعة أذرع طول، وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى، يأكلون مشائم2 نسائهم".
وعلى حين نراهم يذكرون من هول وعظم خلقهم ما سمعت، إذ هم يروون عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج شبر، وشبران، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم"، بل رووا عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثني الله ليلة أسرى بي إلى يأجوج، ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار، مع من عصى من ولد آدم وإبليس" والعجب أن السيوطي قال عن هذا
__________
1 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1 ص 90.
2 جمع مشيمة، وهي: ما ينزل مع الجنين حين يولد وبها يتغذى في بطن أمه.
(1/246)

الحديث: إن سنده واهٍ، ولا أدرى لم ذكره مع وهاء سنده؟! قال صاحب الدر: وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ونسك".
قال: وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غدًا، ولا يستثني فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس: قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه إن شاء الله ويستثني1، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء، قسوا، وعلوا، فيبعث الله عليهم نغفا2 في أعناقهم فيهلكون"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فوالذي نفس محمد بيده: إن دواب الأرض لتسمن، وتبطر، وتَشْكَر شكرًا3 من لحومهم"4.
ومهما كان سند مثل هذا؛ فهو من الإسرائيليات عن كعب وأمثاله، وقد يكون رفعها إلى النبي غلطًا وخطأً من بعض الرواة أو كيدًا يكيد به الزنادقة اليهود للإسلام، وإظهار رسوله بمظهر من يروي ما يخالف القرآن، فالقرآن قد نص بما لا يحتمل الشك على أنهم لم يستطيعوا أن يعلوا السد، ولا أن ينقبوه، قال تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} 5.
__________
1 يعني يقول: "إن شاء الله" لأنها في معنى الاستثناء، يعني: إلا أن يشاء الله تعالى.
2 النَغَف "محرَّكة": دود يكون في أنوف الإبل والغنم واحدة نغفة.
3 أي: تسمن سمنًا.
4 الدر المنثور ج 4 ص 251.
5 الكهف: 97.
(1/247)

وإليك ما ذكره في هذا الإمام الحافظ، الناقد، البصير ابن كثير في تفسيره، قال بعد أن ذكر من رواه: وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية: يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه، ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار، أنهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون: غدا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه، ويقولون: غدا نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسهن ويحدثنه، فحدث به أبو هريرة، فتوهَّم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم1.
ومن الإسرائيليات المستنكرة في هذا ما روي: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، وزعموا: أن آدم كان نائما فاحتلم، فمن ثم اختلط منيه بالتراب، ومعروف أن الأنبياء لا يحتملون؛ لأن الاحتلام من الشيطان.
قال ابن كثير: وهذا قول غريب جدًّا، لا دليل عليه، لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث المفتعلة. والله أعلم2.
والخلاصة:
إن أصحاب الكهف، وذا القرنين، ويأجوج ومأجوج، حقائق ثابتة لا شك، وكيف لا، وقد أخبر بها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار هذه الخرافات والأساطير التي حكيت حولهم، وتدسست إلى المرويات الإسلامية، والله ورسوله بريئان منها، وإنما هي من أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم، وتحريفاتهم.
__________
1 تفسير ابن كثير والبغوي ج 5 ص 333.
2 المصدر السابق.
(1/248)

25- الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ:
ومن الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: الآية 44] .
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي والبغوي، والخازن، وغيرهم: "أن سليمان أراد أن يتزوجها، فقيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شَعْرَاء الساقين، فأمرهم، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوضه، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فكره ذلك، فسأل الإنس ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسي، فقالت بلقيس: لم تمسني حديدة1 قط، وكره سليمان ذلك، خشية ان تقطع ساقيها، فسأل الجن: فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين؟ فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا لها النورة 2 والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ"3.
وقد روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج وغيرهم.
وروي أيضا: أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين قالت له: أريد ماء ليس من أرض ولا من سماء!! فسأل سليمان الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين، فقالت الشياطين: هذا هين، أجر الخيل، ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية، فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ العرق فملأ من الآنية!!
وسألته عن لون الله عز وجل فوثب سليمان عن سريره، وفزع من السؤال، وقال: لقد سألتني -يا رب- عن أمر، إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، ولكن الله
__________
1 المراد: الموسي التي تزيل الشعر.
2 مادة يزال بها الشعر.
3 كذاب ظاهر، كأن النورة والحمام لم يكونا إلا لها، وكأن سليمان عليه السلام لم يكن له هَمٌّ إلا إزالة شعر ساقيها، وهو تجنٍّ صارخ على الأنبياء، وإظهارهم بمظهر المتهالك على النساء ومحاسنهم، فقبح الله اليهود.
(1/249)

أنساه، وأنساهم ما سألته عنه.
وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان، وجاءت بولد، أن يبقوا في عبوديته، فصنعوا له هذا الصرح الممرد1، فظنَّته ماء، فكشفت عن ساقيها لتعبره، فإذا هي شعراء، فاستشارهم سليمان: ما يذهبه؟. فجعلت له الشياطين النورة2.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر بعض المرويات: والأقرب في مثل هذه السياقات: أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كرواية كعب، ووهب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد3، والغرائب والعجائب مما كان، وما لم يكن، ومما حرف، وبدل، ونسخ، وقد أغنانا الله عن ذلك ما هو أصح منه، وأنفع، وأوضح، وأبلغ، ولله الحمد والمنة.
التفسير الصحيح لبناء الصرح:
والحق: أن سليمان عليه الصلاة والسلام أراد ببنائه الصرح: أن يريها عظمة ملكه، وسلطانه، وأن الله سبحانه وتعالى أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها، فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة، وحاشا لسليمان عليه السلام وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكما يوافق حكمه -أي: الله، فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل، حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه، وهما ساقاها، وهو أَجَلُّ من ذلك وأسمى.
ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، والخلق الرفيع، لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
__________
1 الصرح: هو القصر المشيد المحكم البناء، المرتفع في السماء، والممرد: الناعم الأملس، القوارير: الزجاج الشديد الصفاء.
2 تفسير ابن كثير والبغوي ج 6 ص 286، 289.
3 جمع آبدة: وهي: الأمور المشكلة البعيدة المعاني، واصل الآبدة النافرة من الوحش التي يستعصى أخذها، ثم شبه بها الكلام العويص المعاني.
(1/250)

26- الإسرائيليات في هدية ملكة سبأ لسيدنا سليمان:
ومن الإسرائيليات: ما ذكره كثير من المفسرين كابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وصاحب الدر، في الهدية التي أرسلتها بلقيس إلى سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام وإليك ما ذكره البغوي في تفسيره، وذلك عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: الآية 35] .
قال البغوي:
فأهدت إليه وصفاء ووصائف، قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا كي لا يعرف الذكر من الأنثى، وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري، وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: مائة وصيف، ومائة وصيفة1، وقال مجاهد ومقاتل: مائتا غلام، ومائتا جارية، وقال قتادة وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير، وديباج ...
وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام، وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم أقراطا، وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان: الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة2، والغلمان على خمسمائة برذون3 على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر، وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجا مكللا بالدر، والياقوت، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود وعمدت إلى حقة، فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة مثقوبة معوَجَّة الثقب، وأرسلت مع الهدية رجالا من عقلاء قومها، وكتبت معهم كتابا إلى سليمان بالهدية، وقالت: إن كنت نبيا فميز لي بين الوصائف والوصفاء، وأخبرني بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقبا مستويا، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن، ورووا أيضا: أن سليمان عيه
__________
1 أي: خادم، وخادمة.
2 أنثى البغال.
3 البغل.
(1/251)

السلام أمر الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة، ثم أمرهم أن يفرشوا الطريق من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة!!! وأن يعدوا في الميدان أعجب دواب البر والبحر، فأعدوها، ثم قعد على سريره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ، وأمر الوحوش، والسباع والهوام، والطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه، وعن يساره، فلما دنا القوم من الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم ترَ أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة، تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا، ثم كان أن استعان سليمان بجبريل، والشياطين، والأرضة في الإجابة عما سألته عنه1.
ومعظم ذلك مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة2، وأي ملك في الدنيا يتسع لفرش تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة؟!! وفي رواية وهب ما يدل على الأصل الذي جاءت منه هذه المرويات، وأن من روى ذلك من السلف فإنما أخذه عن مسلمة أهل الكتاب وما كان أجدر كتب التفسير أن تتنزه عن مثل هذا اللغو، والخرافات التي تدسست إلى الرواية الإسلامية فأساءت إليها.
__________
1 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج 6 ص 278، 280.
2 تفسير ابن كثير ج 6 ص 281 ط المنار.
(1/252)

الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِي} 1.
فقد روى كثير من المفسرين، منهم ابن جرير2 والبغوي3، و "صاحب الدر"4 في هذا روايات كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وكعب الأحبار: أن الذبيح هو إسحاق.
ولم يقف الأمر عند الموقوف على الصحابة والتابعين، بل رفعوا ذلك زورا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
روى ابن جرير، عن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذبيح إسحاق".
وهو حديث ضعيف ساقط لا يصح الاحتجاج به؛ فالحسن بن دينار متروك، وشيخه علي بن زيد بن جدعان منكر الحديث5.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن داود سأل ربه فسأله، فقال: اجعلني مثل إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر".
وبما أخرجه الدارقطني، والديلمي، في مسند الفردوس بسندهما عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذبيح إسحاق".
وهي أحاديث لا تصح ولا تثبت، وأحاديث الديلمي في مسند الفردوس شأنها
__________
1 الصافات: من 99-113.
2 تفسير ابن جرير عند تفسير هذه الآيات.
3 تفسير البغوي على هامش ابن كثير ج 7 ص 147.
4 تفسير الدر المنثور ج 5 من ص 279-284.
5 تفسير ابن كثير والبغوي ج 7 ص 154.
(1/253)

معروف، والدارقطني ربما يخرج في سننه ما هو موضوع1.
وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي، إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا إسحاق: سلْ تُعطَه قال: أما والله لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان: اللهم من مات لا يشرك بالله شيئا قد أحسن فاغفر له".
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعيف، ويروي المنكرات، والغرائب فلا يحتج بمروياته، وقال ابن كثير: الحديث غريب منكر، وأخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة، وهو قول: "إن الله لما فرج ... " وإن كان محفوظا، فالأشبه أنه إسماعيل، وحرفوه بإسحاق، إلى غير ذلك من الأخبار، وفيها من الموقوف، والضعيف، والموضوع كثير، ومتى صح حديث مرفوع في أن الذبيح إسحاق قبلناه، ووضعناه على العين والرأس، ولكنها كما رأيت لم يصح منها شيء2.
والحق: أن المرويات في أن الذبيح إسحاق هي من إسرائيليات أهل الكتاب، وقد نقلها من أسلم منهم، ككعب الأحبار، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين تحسينا للظن بهم، فذهبوا إليه، وجاء بعدهم العلماء فاغتروا بها، وذهبوا إلى أن الذبيح: إسحاق3، وما من كتاب من كتب التفسير، والسير، والتواريخ إلا ويذكر فيه الخلاف بين السلف في هذا، إلا أن منهم من يعقب ببيان وجه الحق في هذا، ومنهم من لا يعقب اقتناعا بها، أو تسليمًا لها.
وحقيقة هذه المرويات: أنها من وضع أهل الكتاب؛ لعداوتهم المتأصلة من قديم الزمان للنبي الأمي العربي، وقومه العرب، فقد أرادوا أن لا يكون لإسماعيل الجد الأعلى للنبي والعرب فضل أنه الذبيح حتى لا ينجرَّ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الجنس العربي.
__________
1 انظر أعلام المحدثين للمؤلف.
2 تفسير الآلوسي ج 23 ص 135، 136 ط منير.
3 تفسير ابن كثير والبغوي ج 7 ص 154.
(1/254)

تحريفهم للتوراة:
ولأجل أن يكون هذا الفضل لجدهم إسحاق عليه السلام لا لأخيه إسماعيل حرفوا التوراة في هذا، ولكن الله أبى أن لا يغفلوا عما يدل على هذه الجريمة النكراء، والجاني غالبا يترك من الآثار ما يدل على جريمته، والحق يبقى له شعاع، ولو خافت، يدل عليه، مهما حاول المبطلون إخفاء نوره، وطمس معالمه، فقد حذفوا من التوراة لفظ: "إسماعيل"، ووضعوا بدله لفظ: "إسحاق" ولكنهم عن كلمة كشفت عن هذا التزوير، وذاك الدس المشين.
(1/255)

نص التوراة:
ففي التوراة: "الإصحاح الثاني والعشرون فقرة 2": فقال الرب: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه: إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ... ".
وليس أدل على كذب هذا، من كلمة، "وحيدك" وإسحاق عليه السلام لم يكن وحيدا قط! لأنه ولد ولإسماعيل نحو أربع عشرة سنة كما هو صريح توراتهم في هذا، وقد بقي إسماعيل عليه السلام حتى مات أبوه الخليل، وحضر وفاته، ودفنه وإليك ما ورد في هذا:
ففي سفر التكوين: "الإصحاح السادس عشرة الفقرة 16" ما نصه:
"وكان أبرام -يعني إبراهيم- ابن ست وثمانين سنة، لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام"، وفي سفر التكوين: "الإصحاح الحادي والعشرون فقرة 5" ما نصه: "وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه......".
وفي الفقرة 9 وما بعدها ما نصه:
-9 ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمرح.
10- فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق.
11- فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه.
12- فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام، ومن أجل جاريتك، في كل ما تقول سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل
13- وابن الجارية أيضا سأجعله أمة؛ لأنه نسلك"2 ... إلى آخر القصة.
فما قولكم يا أيها اليهود المحرفون؟! وكيف يتأتى أن يكون إسحاق وحيدًا؟! مع هذه النصوص التي هي من توراتكم التي تعتقدون صحتها، وتزعمون أنها ليست
__________
1 وقد ذكرت القصة في التوراة في 14 فقرة فليرجع إليها من يشاء لتكون لنا الحجة عليهم من نفس كتابهم المقدس.
2 ويصدق هذه كتابُ الله الشاهد على الكتب السماوية كلها قوله سبحانه حكاية لمقالة إبراهيم، وإسماعيل عليهما السلام بعد أن بنيا البيت: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} ولو أن اليهود وعوا ما جاء في التوراة والقرآن لعلموا أنه ستكون أمة لها شأنها من نسل إسماعيل، ولما حسدوا العرب على هذا الفضل.
(1/256)

محرفة!!، ثم ما رأيكم أيها المغترون بروايات أن الذبيح إسحاق، بعد ما تأكدتم تحريف التوراة في هذا؟
وقد دل القرآن الكريم، ودلت التوراة، ورواية البخاري في صحيحه1: على أن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام أسكن هاجر وابنها عند مكان البيت المحرم، حيث بُنِيَ فيما بعد، وقامت مكة بجواره، وقد عبرت التوراة بأنهما كانا في برية فاران، وفاران هي مكة، كما يعبر عنها في العهد القديم، وهذا هو الحق في أن قصة الذبح كان مسرحها بمكة ومنى، وفيها يذبح الحجاج ذبائحهم اليوم، وقد حرف اليهود النص الأول وجعلوه: "جبل المريا"، وهو الذي تقع عليه مدينة أورشليم القديمة مدينة القدس العربية اليوم ليتمَّ لهم ما أرادوا، فأبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم!!
وقد ذكر العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن كثير: أن في بعض نسخ التوراة: "بكرك"2 بدل: "وحيدك" وهو أظهر في البطلان، وأدل على التحريف؛ إذ لم يكن إسحاق بكرا للخليل بنص النوراة، كما ذكرنا آنفا.
الذبيح هو إسماعيل عليه السلام:
والحق: أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، وهو الذي يدل عليه ظواهر الآيات القرآنية، والآثار عن الصحابة والتابعين، ومنها ما له حكم الرفع بتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له.
فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم وأئمة العلم والحديث، منهم الصحابة النجباء، والسادة العلماء: علي، وابن عمر3، وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبو جعفر محمد الباقر، وأبو صالح والربيع
__________
1 صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: "واتخذ الله إبراهيم خليلا".
2 أول مولود يولد للشخص.
3 ذكروا أن الفاروق عمر كان يقول: إنه إسحاق، وأنا استبعد ذلك جدا، وهو أيقظ من أن يخدع برواية كعب ولو صح ما نقل عنه لتأثر الابن بأبيه، وكذلك اختلف في عليٍّ فالبغوي على أنه يقول: إسحاق، وابن أبي حاتم على أنه يقول: "إسماعيل". تفسير ابن كثير ج 7 ص 155.
(1/257)

ابن أنس، وأبو عمرو بن العلاء وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهو إحدى الروايتين وأقواهما عن ابن عباس.
وفي زاد المعاد، لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة، نقلوه بالتواتر جيلا عن جيل، وذكره أمية بن أبي صلت في شعر له.
العلماء المحققون على أنه إسماعيل:
وقد نقل العلامة ابن القيم، عن شيخه الإمام: ابن تيمية في هذا الموضوع كلاما جيدا، قال ما خلاصته:
ولا خلاف بين النسابين: أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام وإسماعيل هو القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل من عشرين وجها وسمعت شيخ الإسلام: ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: "إن الله أمر إبراهيم بذبح ابنه بكره"، وفي لفظ: "وحيده" ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين: أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر هؤلاء: أنه في التوراة التي بأيديهم: "اذبح ابنك إسحاق" قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تناقض قوله: "اذبح بكرك ووحيدك" ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويختاروه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله.
وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب، قال تعالى: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب} 1.
فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد، وللولد ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، ويدل عليه أيضا: أن الله ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات ثم قال: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِين} وهذا.
__________
1 هود: 71.
(1/258)

ظاهر جدًّا في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه، وغير معقول في أفصح الكلام وأبلغه أن يبشر بإسحاق بعد قصة يكون فيها هو الذبيح، فتعين أن يكون الذبيح غيره.
وأيضا: فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامته لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه ...
ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب لكانت القرابين والنحر بالشام، لا بمكة، وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليما: {قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيم} 1. وهذا إسحاق بلا ريب؛ لأنه من امرأته وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية2، وأيضا فلأنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد، فكان ابتلاؤهما بذبحه أمرا بعيدا، وأما إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك.... إلى آخر ما قال3.
دلالة الآثار على أن الذبيح إسماعيل:
وكذلك دلت بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين على أن الذبيح إسماعيل، روى الحاكم في المستدرك وابن جرير في تفسيره بسنده، وغيرهما، عن عبد الله بن سعيد الصنابجي، قال: حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل، وإسحاق أيهما الذبيح؟ فقال بعضهم: إسماعيل، وقال البعض: إسحاق، فقال معاوية: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابسا، والمال عابسا4، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله تعالى عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر الله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه، فلما فرغ أسهم بينهم، فكانوا عشرة، فخرج السهم
__________
1 الذاريات: 28.
2 أي: الجارية.
3 زاد المعاد ج1 ص 28-30.
4 المراد به: الحياة، أي: عابسا من شدة الجوع، والعطش.
(1/259)

على عبد الله، فأراد أن ينحره فمنعه أخواله: بنو مخزوم، وقالوا: أرْضِ ربك، وافدِ ابنك، ففداه بمائة ناقة، قال معاوية: هذا واحد، والآخر إسماعيل1.
وشهد شاهد من أهلها:
وروى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي، أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان يهوديا، فأسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، وهذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه، قال ابن كثير في تفسيره: والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت، وأصح، وأقوى والله أعلم"2.
وبعد هذا التحقيق والبحث، يتبين لنا أن الصحيح أن الذبيح إسماعيل عليه السلام وأن ما روي من أنه إسحاق؛ المرفوع منه إما موضوع، وإما ضعيف لا يصح الاحتجاج به، والموقوف منه على الصحابة أو على التابعين إن صح سنده إليهم هو من الإسرائيليات التي رواها أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنها في أصلها من دس اليهود، وكذبهم، وتحريفهم للنصوص حسدًا للعرب، ولبني العرب. فقاتلهم الله أنَّى يؤفكون.
وقد جاز هذا الدس اليهودي على بعض كبار العلماء كابن جرير، والقاضي عياض، والسهيلي، فذهبوا إلى أنه إسحاق، وتحير بعضهم في الروايات فتوقف، كالسيوطي، وحاول بعضهم الجمع بينهما فزعم أن الذبح وقع مرتين، والحق: ما وضحناه لك، فلا تجوز، ولا تتوقف ولا تقل بالتكرار، والله الهادي إلى الحق.
__________
1 هذا الحديث في حكم المرفوع؛ لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي على مقالته، وقد اختلف فيه فمن مصحح له، ومن مضعف.
2 تفسير ابن كثير والبغوي ج 7 ص 106.
(1/260)

27- الإسرائيليات في قصة الذبيح، وأنه إسحاق:
ومن الإسرائيليات ما يذكره كثير من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 1، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي
__________
1 أضجعه على جبينه على الأرض، وللإنسان جبينان والجبهة بينهما.
(1/27)

28- الإسرائيليات في قصة إلياس عليه السلام:
ومن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير: ما ذكروه في قصة إلياس.
(1/260)

عليه السلام عند تفسير قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} 1.
فقد روى البغوي، والخازن، وصاحب "الدر"، وغيرهم، عن ابن عباس، والحسن وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، مرويات تتعلق بإلياس عليه السلام.
قال صاحب "الدر المنثور": أخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} قال: "إن الله تعالى بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قوما يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، وكان الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره، ويقتدي برأيه، وهو على هدى من بين أصحابه، حتى وقع إليهم قوم من عبدة الأصنام، فقالوا: ما يدعون إلا إلى الضلالة، والباطل، وجعلوا يقولون له: اعبد هذه الأوثان التي تعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه، يأكلون، ويشربون وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم من ربهم الذي تزعم أنه باطل، وما لنا عليهم من فضل، فاسترجع إلياس، فقام شعر رأسه، وجلده، فخرج عليه إلياس.
قال الحسن: وإن الذي زين لذلك الملك امرأته وكانت قبله تحت ملك جبار، وكان من الكنعانيين في طول، وجسم، وحسن، فمات زوجها فاتخذت تمثالا على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوتتين، وتوجته بتاج مكلل بالدر والجوهر، ثم أقعدته على سرير، تدخل عليه، فتدخنه، وتطيبه، وتسجد له، ثم تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه، وكانت فاجرة قد قهرت زوجها، ووضعت البعل في ذلك البيت، وجعلت سبعين سادنا2 فعبدوا البعل، فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعدا، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك، فغير ما بهم من نعمتك، فأوحى الله إليه: إني قد جعلت
__________
1 الصافات: 123-130.
2 هو الذي يقوم بخدمة الأصنام.
(1/261)

أرزاقهم بيدك، فقال: اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلى الملك فتاه اليسع، فقال: قل له: إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل على عبادة الله. واتبعت هوى امرأتك. فاستعد للعذاب والبلاء، فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه الله تعالى من شرك الملك، وأمسك الله عنهم القطر، حتى هلكت الماشية والدواب، وجهد الناس جهدا شديدا وخرج إلياس إلى ذروة جبل، فكان الله يأتيه برزق، وفجر له عينا معينا لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلو البعل أن يفرج ما بنا، فأخرجوا أصنامهم، فقربوا لها الذبائح، وعطفوا عليها، وجعلوا يدعون، حتى طال ذلك بهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابة من هؤلاء، فبعثوا في طلب إلياس، فأتى، فقال: أتحبون أن يفرج عنكم؟ قالوا: نعم، قال: فأخرجوا أوثانكم، فدعا إلياس عليه السلام ربه أن يفرج عنه، فارتفعت سحابة مثل الترس1، وهم ينظرون، ثم أرسل الله عليهم المطر، فتابوا ورجعوا.
قال: وأخرج ابن عساكر، عن كعب رضي الله عنه قال: "أربعة أنبياء اليوم أحياء، اثنان في الدنيا: إلياس والخضر، واثنان في السماء: عيسى وإدريس".
قال: وأخرج ابن عساكر، عن وهب رضي الله عنه قال: دعا إلياس عليه السلام ربه، أن يريحه من قومه، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار فاركبها. فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس، لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه، فانطلق به، فكان آخر العهد به، فكساه الله الريش، وكساه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار في الملائكة عليهم السلام.
قال: وأخرج ابن عساكر، عن الحسن رضي الله عنه قال: إلياس عليه السلام موكل بالفيافي. والخضر عليه السلام بالجبال، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى2 وأنهما يجتمعان كل عام بالموسم.
__________
1 ما يلبسه المحارب.
2 يعني النفخة الأولى في الصور.
(1/262)

قال: وأخرج الحاكم، عن كعب رضي الله عنه قال: كان إلياس صاحب جبال وبرية يخلو فيها يعبد ربه عز وجل وكان ضخم الرأس، خميص البطن، دقيق الساقين، في صدره شامة حمراء، وإنما رفعه الله إلى أرض الشام، لم يصعد به إلى السماء، وهو الذي سماه الله ذا النون1.
وكل هذا من أخبار بني إسرائيل وتزيداتهم واختلافاتهم، وما روي منها عن بعض الصحابة والتابعين: فمرجعه إلى مسلمة أهل الكتاب ككعب، ووهب وغيرهما، وقد رأيت كيف تضارب وتناقض كعب ووهب، فكعب يقول: لم يصعد به إلى السماء، ويزعم أنه ذو النون، ووهب يقول: إنه رفعه إلى السماء، وصار في عداد الملائكة عليهم السلام وأن بعض الروايات تقول: إنه الخضر والبعض الآخر يقول: إنه غير الخضر، إلى غير ذلك من الاضطرابات والأباطيل، كزعم مختلق الروايات الأولى: "أن الله أوحى إلى إلياس إني قد جعلت أرزاقهم بيدك"، بينما في بعض الروايات الأخرى: أن الله أبى عليه ذلك مرتين، وأجابه في الثالثة، وهكذا الباطل يكون مضطربا لجلجا، وأما الحق: فهو ثابت أبلج.
ولم يقف الأمر عند نقل هذه الإسرائيليات عمن ذكرنا، بل بلغ الافتراء ببعض الزنادقة والكذابين إلى نسبة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم كي يؤيد به أكاذيب بني إسرائيل وخرافاتهم وكي يعود ذلك بالطعن على صاحب الرسالة العامة الخالدة صلى الله عليه وسلم.
قال السيوطي في "الدر": وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخضر هو: إلياس".
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، وضعفه عن أنس رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفورة، المثاب لها، فأشرفت على الوادي، فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع وأكثر، فقال: من أنت؟ قلت: أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك قال: فأته،
__________
1 الدر المنثور ج5 ص 280، 281.
(1/263)

وأقرئه مني السلام، وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فجاء حتى عانقه، وقعدا يتحدثان فقال له: يا رسول الله: إني إنما آكل في كل سنة يوما، وهذا يوم فطري فكل أنت، وأنا، فنزلت عليهما مائدة من السماء، وخبز، وحوت، وكرفس، فأكلا، وأطعماني، وصليا العصر، ثم ودعني، وودعته، ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الإمام الذهبي: بل هو موضوع، قبح الله من وضعه، قال -أي الذهبي: وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا.
وأخلق بهذا أن يكون موضوعا، كما قاله الإمام الحافظ الناقد البصير الذهبي.
(1/264)

29- الإسرائيليات في قصة داود عليه السلام:
ومن الإسرائيليات التي تخل بمقام الأنبياء، وتنافي عصمتهم، ما ذكره بعض المفسرين في قصة سيدنا داود عليه السلام عند تفسير قوله تعالى:
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا 1 وَعَزَّنِي 2 فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} 3.
فقد ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبغوي، والسيوطي في: "الدر المنثور"4
__________
1 أكفلنيها: ضمها إلى.
2 عزني: غلبني في القول لقوته، وجاهه، وضعفي.
3 ص الآية: 21-25.
4 ج 5 ص 300-302.
(1/264)

من الأخبار ما تقشعر منه الأبدان، ولا يوافق عقلا، ولا نقلا، عن ابن عباس، ومجاهد، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، والسدي، وغيرهم ما محصلها: أن داود عليه السلام حدث نفسه: إن ابتلي أن يعتصم فقيل له: إنك ستبتلى وستعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلى فيه فأخذ الزبور1، ودخل المحراب، وأغلق بابه، وأقعَدَ خادمه على الباب، وقال: لا تأذن لأحد اليوم، فبينما هو يقرأ الزبور، إذ جاء طائر مذهب يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله نفضت شعرها، فغطت جسدها به، وكان زوجها غازيا في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة: أن اجعله في حملة التابوت2، وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا، فقدمه في حملة التابوت، فقُتِل، وفي بعض هذه الروايات الباطلة أنه فعل ذلك ثلاث مرات، حتى قتل في الثالثة، فلما انقضت عدتها، خطبها داود عليه السلام، فتسور عليه الملكان، وكان ما كان، مما حكاه الله تعالى: "رُفِع ذلك إلى النبي".
ولم يقف الأمر عند هذه الروايات الموقوفة عن بعض الصحابة والتابعين، ومسلمة أهل الكتاب بل جاء بعضها مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
قال صاحب: "الدر": وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن أنس رض الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقمل: "إن داود عليه السلام حين نظر إلى المرأة، قطغ3 على بنى إسرائيل وأوصى صاحب الجيش، فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت"، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم معه الجيش، فقتل، وتزوج المرأة، ونزل الملكان على داود عليه السلام فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه،
__________
1 كتاب داود عليه السلام.
2 صندوق فيه بعض مخلفات أنبياء بني إسرائيل فكانوا يقدمونه بين يدي الجيش كي ينصروا.
3 هي هكذا في "الدر المنثور" وفي تفسير البغوي ولعلها قطع.
(1/265)

فأكلت الأرض جبينه، وهو يقول في سجوده: "رب ذل داود ذلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود، وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده، فجاء جبريل عليه السلام من بعد أربعين ليلة، فقال: يا داود إن الله قد غفر لك، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي عند داود قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، فإن شئت لأفعلن، فقال، نعم، فعرج جبريل، وسجد داود عليه السلام، فمكث ما شاء الله، ثم نزل، فقال: قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلني فيه، فقال: قل لداود: إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت، وما اشتهيت عوضًا"، وقد رواها البغوي أيضا عن طريق الثعلبي1 والرواية منكرة مختلقة على الرسول. وفي سند هذه الرواية المختلقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن لهيعة، وهو مضعف في الحديث، وفي سندها أيضا: يزيد بن أبان الرقاشي، كان ضعيفا في الحديث.
وقال فيه النسائي، والحاكم أبو أحمد: إنه متروك، وقال فيه ابن حبان: كان من خيار عباد الله، من البكائين بالليل، غفل عن حفظ الحديث شغلا بالعبادة، حتى كان يقلب كلام الحسن يجعله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب2.
وقال العلامة ابن كثير في تفسيره3: "وقد ذكر المفسرون ههنا قصة، أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس رضي الله عنه، ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة".
ومن ثم يتبين لنا: كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نكاد نصدق ورود هذا عن المعصوم، وإنما هي اختلاقات، وأكاذيب من إسرائيليات أهل
__________
1 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج 7ص 191، 192، الدر المنثور ج5 ص 300-301.
2 تهذيب التهذيب ج11 ص 309.
3 ج 7 ص 189 "ط المنار".
(1/266)

الكتاب، وهل يشك مؤمن عاقل يقر بعصمة الأنبياء في استحالة صدور هذا عن داود عليه السلام، ثم يكون على لسان من؟ على لسان من كان حريصا على تنزيه إخوانه الأنبياء عما لا يليق بعصمتهم، وهو: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومثل هذا التدبير السيء، والاسترسال فيه على ما رووا لو صدر من رجل من سوقة الناس وعامتهم، لاعتبر هذا أمرا مستهجنا مستقبحا، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس، زكت نفسه، وطهرت سريرته، وعصمه الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو الأسوة الحسنة لمن أرسل إليهم؟!!
ولو أن القصة كانت صحيحة كانت صحيحة لهذبت بعصمة داود، ولنفرت منه الناس، ولكان لهم العذر في عدم الإيمان، فلا يحصل المقصد الذي من أجله أرسل الرسل، وكيف يكون على هذه الحال من قال الله تعالى في شأنه: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} ، قال ابن كثير في تفسيرها: "وإن له يوم القيامة لقربة الله عز وجل بها وحسن مرجع وهو: الدرجات العالية في الجنة لنبوته وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في حكمهم وما ولوا" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحب الناس إلى يوم القيامة وأقربهم مني مجلسًا إمام عادل، وإن أبغض الناس إليَّ يوم القيامة، وأشدهم عذابا: إمام جائر" رواه أحمد، والترمذي1.
ولكي يستقيم هذا الباطل قالوا: إن المراد بالنعجة هي: المرأة، وأن القصة خرجت مخرج الرمز والإشارة، ورووا أن الملكين لما سمعا حكم داود، وقضاءه بظلم صاحب التسع والتسعين نعجة لصاحب النعجة، قالا له: وما جزاء من فعل ذلك؟ قال: يقطع هذا، وأشار إلى عنقه، وفي رواية: "يضرب من ههنا، وههنا وههنا" وأشار إلى جبهته، وأنفه، وما تحته، فضحكا، وقالا، "أنت أحق بذلك منه، ثم صعدا".
وذكر البغوي في تفسيره وغيره، عن وهب بن منبه: أن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا يرقأ دمعه ليلا، ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة، وهو ابن
__________
1 المرجع السابق ص 195.
(1/267)

سبع وسبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي، والجبال، والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، ويبكي معه الشجر، والرمال، والطير، والوحش، حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، وتبكي معه الجبال، والحجارة، والدواب والطير، حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، وتبكى معه الحيتان، ودواب البحر وطير الماء والسباع1 ...
والحق: أن الآيات ليس فيها شيء مما ذكروا، وليس هذا في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وهي التي عليها المعول، وليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه، ولا ما يصرف القصة عن ظاهرها إلى الرمز والإشارة.
وما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض: "لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب، الذين بدلوا، وغيروا ونقله بعض المفسرين، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص عليه في قصة داود: {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} وليس في قصة داود، وأوريا خبر ثابت2.
والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي، قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، وقد روي عن سيدنا علي أنه قال: من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وذلك حد الفرية على الأنبياء3، وهو كلام مقبول من حيث المعنى، إلا أنه لم يصح عن الإمام ذلك كما قال العراقي.
__________
1 تفسير البغوي على هامش ابن كثير ج 7 ص 195.
2 الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى ج 2 ص 158.
3 لأن حد القذف لغير الأنبياء ثمانين، فرأى رضي الله عنه تضعيفه بالنسبة إلى الأنبياء وفي الكذب عليهم رمي لهم بما هم براء منه ففيه معنى القذف لداود بالتعدي على حرمات الأعراض والتحايل في سبيل ذلك.
(1/268)

التفسير الصحيح للآيات:
وإذا كان ما روي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يجوز أن تفسر بها الآيات، فما التفسير الصحيح لها إذًا؟
والجواب: أن داود عليه السلام كان قد وزع مهام أعماله، ومسئولياته نحو نفسه، ونحو الرعية على الأيام، وخص كل يوم بعمل، فجعل يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء وفصل الخصومات، ويومًا للاشتغال بشئون نفسه وأهله، ويومًا لوعظ بني إسرائيل ففي يوم العبادة: بينما كان مشتغلا بعبادة ربه في محرابه، إذ دخل عليه خصمان تسورا عليه من السور، ولم يدخلا من المدخل المعتاد، فارتاع منهما، وفزع فزعًا لا يليق بمثله من المؤمنين، فضلًا عن الأنبياء المتوكلين على الله غاية التوكل، الواثقين بحفظه، ورعايته ومثل الأنبياء في علوم شأنهم، وقوة ثقتهم بالله والتوكل عليه ألا تعلق نفوسهم بمثل هذه الظنون بالأبرياء، ومثل هذا الظن وإن لم يكن ذنبا في العادة، إلا أنه بالنسبة وظن بهما سوءا، وأنهما جاءا ليقتلاه، أو يبغيا به شرًّا، ولكن تبين له أن الأمر على خلاف ما ظن، وأنهما خصمان جاءا يحتكمان إليه، فلما قضى بينهما، وتبين له أنهما بريئان مما ظنه بهما، استغفر ربه، وخر ساجدا لله تعالى؛ تحقيقًا لصدق توبته والإخلاص له، وأناب إلى الله غاية الإنابة.
للأنبياء يعتبر خلاف الأولى، والأليق بهم، وقديما قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، فالرجلان خصمان حقيقة، وليسا ملكين كما زعموا، والنعاج على حقيقتها، وليس ثمة رموز ولا إشارات، وهذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن ويتفق وعصمة الأنبياء، فالواجب الأخذ به، ونبذ الخرافات، والأباطيل، التي هي من صنع بني اسرائيل، وتلقفها القصاص وأمثالهم ممن لا علم عندهم، ولا تمييز بين الغث والسمين. وقيل: إن الذي صنعه داود: أنه خطب على خطبة أوريا، فآثره أهلها عليه، وقد كانت الخطبة على الخطبة حرام في شريعتهم، كما هي حرام في شريعتنا.
وقيل: إنه طلب من زوجها أوريا أن ينزل له عنها وقد كان هذا في شريعتهم، ومستساغا عندهم، وقيل: إنه أوخذ؛ لأنه حكم بمجرد سماعه لكلام أحد الخصمين،
(1/269)

وكان عليه أن يسمع كلام الخصم الآخر1، وقد قيل: إذا جاءك أحد الخصمين، وقد فقئت عينه، فلا تحكم له؛ لجواز أن يكون خصمه قد فقئت عيناه، وهذه الأقوال الثلاثة ونحوها لست منها على ثلج، ولا اطمئنان، فإنها وإن كانت لا تخل بالعصمة لكنها تخدشها، ثم هي لا تليق بالصفوة المختارة من الخلق، وهم الأنبياء، فالوجه الجدير بالقبول في تفسير الآيات هو الأول فعض عليه، واشدد به يديك.
__________
1 الشفا ج2 ص158.
(1/270)

30- الإسرائيليات في قصة سليمان عليه السلام:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاَبَ} 1.
وقد ذكر الكثير منها في تفاسيرهم، ابن جرير، وابن أبي حاتم، والثعلبي، والبغوي، وغيرهم، وذكركل ما روى منذ لك من غير تمييز بين الصحيح والضعيف، والغث والسمين، السيوطي، في "الدر المنثور" وليته إذ فعل نقد كل رواية، وبين منزلتها من القبول والرد، وما هو من الإسرائيليات، وما ليس منها، قال السيوطي في "الدر": أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، بسند قوي عن ابن عباس-رضي الله عنهما- قال:
أراد سليمان –عليه السلام- أ، يدخل الخلاء2، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه، دانت له الجن، والإنس، والشياطين، فلما خرج سليمان –عليه السلام- من الخلاء، قال لها: هاتي خاتمي، فقالت: قد أعطيته سليمان، قال: أنا سليمان، قالت: كذبت، لست سليمان، فجعل لا يأتي أحدا يقول له: أنا سليمان إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك: عرف أنه من أمر الله –عز وجل- وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان –عليه السلام- سلطانه ألقى الله في قلول الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى
__________
1 سورة ص: 34.
2 المرحاض.
(1/270)

نساء سليمان –عليه السلام- فقالوا لهن: أيكون من سليمان شء؟ قلن: نعم، إنه يأتينا1 ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك! فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له: ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبا فليها سحر، ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها2، وقرأوه على الناس، قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس، ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة، فأخذته، وكان سليمان –عليه السلام- يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل، فاشترى سمكا؛ فيه تلك السمكة في بطنها الخاتم، فدعا سليمان –عليه السلام- فقال له: تحمل لي هذا السمك، ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان –عليه السلام- فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الإنس، والجن، والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان –عليه السلام- في طلبه، وكان شيطانا مريدا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما، فجاؤوا فبنوا عليه بناينا من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه: وجاءوا به إلى سليمان –عليه السلام-، فأمر به، فنقب له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر، فذلك قوله: {ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا ... } ، يعني الشيطان الذي كان تسلط عليه.
وقد روى السيوطي في "الدر" روايات أخرى، عن ابن عباس وقتادة، في أن هذا الشيطان كان يسمى صخرا، وروي عن مجاهد: أن اسمه آصف، وأن سليمان سأله: كيف تفتنون الناس؟! فقال الشيطان: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، حتى كان ما كان من أمر السمكة، والعثور على الخاتم، ورجوع ملك سليمان إليه.
غير أن في رواية قتادة، ومجاهد: أن الشيطان لم يسلط على نساء سليمان، ومنعهن الله
__________
1 يباشرنا.
2 أخرجوها.
(1/271)

منه، فلم يقربهن، ولم يقربنه1
ونحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل، وأباطيلهم، وأن ابن عباس وغيره تلقوها عن مسلمة أهل الكتاب وليس أدل على هذا مما ذكره السيوطي في "الدر" قال: وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي؟ حتى سألت عنهن كعب الاحبار رضي الله عنه ... وذكر منها وسألته عن قوله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان عليه السلام الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف؛ إذ تصدق عليه بتلك السمكة فاشتواها، فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه2.
وكذا ذكرها مطولة جدا البغوي في تفسيره، عن محمد ابن إسحاق عن وهب بن منبه3.
قوة السند لا تنافي كونها إسرائيليات:
وأحب أن أؤكد هنا ما ذكرته قبل: من أن قوة السند لا تنافي كونها مما أخذه ابن عباس وغيره عن كعب الأحبار وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب، فثبوتها في نفسها لا ينافي كونها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، وافتراءتهم على الأنبياء.
سلفي من العلماء في رد هذا الغثاء:
وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك: الإمام القاضي عياض في "الشفا": "ولا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله"4، وكذلك الإمام الحافظ الناقد: ابن كثير في تفسيره 5 قال بعد أن ذكر الكثير منها:
__________
1 الدر المنثور ج 5 ص 309-311.
2 المرجع السابق ص 310.
3 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج 7 ص 2091.
4 الشفا ج 2 ص 162.
5 ج 6 ص 206، 207.
(1/272)

وهذه كلها من الإسرائيليات، ومن أنكَرِها ما قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالوا: حدثنا أبو معاوية "قال": أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} قال: أراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدخل الخلاء..... ثم ذكر الرواية التي ذكرناها أولا.
ثم قال: إسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما إن صح عنه من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف: أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهن الله عز وجل منه، تشريفا، وتكريما لنبيه عليه السلام، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين، وكلها متلقاة عن أهل الكتاب، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
أقول: كلها أكاذيب، وتلفيقات، ولكن بعض الكذبة من بني إسرائيل كان أحرص، وأبعد غورا من البعض الآخر، فلم يتورط فيما تورط فيه البعض، من ذكر تسلط الشيطان على نساء داود عليه السلام وذلك حتى يكون لما لفقه، وافتراه، بعض القبول عند الناس، أمام البعض الآخر، فكان ساذجا في كذبه، مغفلا في تلفيقه،، فترك آثار الجريمة بينة واضحة، وبذلك: اشتمل ما لفقه على دليل كذبه.
ومن العجيب: أن الإمام السيوطي نبه في كتابه: "تخريج أحاديث الشفاء": أنها إسرائيليات، تلقاها ابن عباس عن أهل الكتاب، وليته نبه إلى ذلك في التفسير.
نسج القصة مهلهل:
والحق: أن نسج القصة مهلهل، عليه أثر الصنعة والاختلاق، ويصادم العقل السليم، والنقل الصحيح في هذا.
(1/273)

وإذا جاز للشيطان أن يتمثل برسول الله سليمان عليه السلام فأي ثقة بالشرائع تبقى بعد هذا؟! وكيف يسلط الله الشيطان على نساء نبيه سليمان، وهو أكرم على الله من ذلك؟!
وأي ملك أو نبوة يتوقف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه، ويزولان بزواله؟! وما عهدنا في التاريخ البشري شيئا من ذلك.
وإذا كان خاتم سليمان عليه السلام بهذه المثابة فكيف يغفل الله شأنه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية ولم يذكره بكلمة؟! وهل غير الله سبحانه خلقة سليمان في لحظة، حتى أنكرته أعرف الناس به، وهي: زوجته جرادة؟!!
الحق: أن نسج القصة مهلهل، لا يصمد أمام النقد، وأن آثار الكذب والاختلاق بادية عليها.
نسبة بعض هذه الأكاذيب إلى رسول الله:
وقد تجرأ بعض الرواة، أو غلط، فرفع بعض هذه الإسرائيليات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال السيوطي في "الدر المنثور": وأخرج الطبراني في الأوسط1، وابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولد لسليمان ولد، فقال الشيطان تواريه من الموت، قالوا: نذهب به إلى المشرق، فقال: يصل إليه الموت، قالوا: فإلى المغرب قال: يصل إليه الموت، قالوا: إلى البحار، قال: يصل إليه الموت، قالوا: نضعه بين السماء والأرض، قال: نعم، ونزل عليه ملك الموت، فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض فلم أصبها، فبينا أنا قاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده، حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} ".
وهذا الحديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يكون ذلك من عمل بعض الزنادقة، أو غلط بعض الرواة، وقد نبه على وضعه الإمام: الحافظ أبو الفرج ابن
__________
1 يعني في كتابه "المعجم الأوسط".
(1/274)

الجوزي، وقال: يجيى -يعني: ابن كثير- يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، ولا ينسب إلى نبي الله سليمان ذلك، ووافقه السيوطي على وضعه1، ولا يشك في وضع هذا إلا من يشك في عصمة الأنبياء عن مثله، وأحرى بمثل هذا أن يكون مختلفًا على نبينا صلى الله عليه وسلم، وعلى نبي الله: سليمان عليه السلام، وإنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل وأكاذيبهم.
ما هو الصحيح في تفسير الفتنة؟!:
والصحيح المتعين في تفسير الفتنة هو ما جاء في الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه 2: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل واحدة منهن شيئا، إلا واحدة جاءت بولد ساقط إحدى شقيه"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله أجمعين".
فهذا هو المتعين في تفسير الآية، وخير ما يفسر به كلام الله هو ما صح عن رسول الله، وقد بينت بعض الروايات: أن الترك كان نسيانا، والمراد بصاحبه: الملك كما جاء في بعضها.
__________
1 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج 2 ص 221.
2 يعني: قرينه من الملائكة.
(1/275)

31- الإسرائيليات في قصة أيوب عليه السلام:
ومن القصص التي تزيَّد فيها المتزيدون، واستغلها القصاصون، وأطلقوا فيها لخيالهم العنان: قصة سيدنا أيوب عليه السلام، فقد رووا فيها ما عصم الله أنبياءه عنه، وصوروه بصورة لا يرضاها الله لرسولٍ من رسله.
فقد ذكر بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
(1/275)

أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ، وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} 1. ذكر السيوطي في "الدر المنثور" وغيره، عن قتادة رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ} ... الآية، قال: ذهاب الأهل والمال، والضر الذي أصابه في جسده، قال: ابتلي سبع سنين وأشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرَّج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن.
قال: وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبى حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إن الشيطان عرج إلى السماء فقال: يا رب سلطني على أيوب عليه السلام، قال الله: قد سلطتك على ماله، وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل: فجمع جنوده فقال لهم: قد سلطت على أيوب عليه السلام فأروني سلطانكم فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف: فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب، ألم ترَ إلى ربك: أرسل على زرعك عدوا، فذهب به، وجاء صاحب الإبل، وقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على إبلك عدوا، فذهب بها، ثم جاء صاحب البقر، فقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على بقرك عدوا، فذهب بها، وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون؛ إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم، فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّةً سمع بها أهل السماء وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء، فقال: أي
__________
1 ص: 41-44.
(1/276)

رب، إنه قد اعتصم، فلسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة، قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد، حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه، حتى قالت له: أما ترى يا أيوب، قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمك، فادع الله أن يشفيك، ويريحك، قال: ويحك؛ كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل عليه السلام يومًا فأخذ بيده، ثم قال: قم: فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضا، فقال: اركض برجلك فنبعت عين أخرى، فقال له: اشرب منها، وهو قوله: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} ، وألبسه الله حلة من الجنة.
فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين المبتلى الذي كان هنا، لعل الكلاب ذهبت به، أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك، أنا أيوب!! قد رد الله علي جسدي، ورد الله عليه ماله، وولده عيانًا ومثلهم معهم ... 1.
قال: وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال: ابتلي أيوب بماله، وولده، وجسده، وطرح في المزبلة، فجاءت امرأته تخرج، فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك، فكان يأتي أصحاب الخير والغنى، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها، وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها، فجعلوا لا يدنونها منهم، ويقولون تباعدي ونحن نطعمك، ولا تقريبنا ...
وقد ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم الكثير من هذه الروايات في تفسيريهما، منها: ما هو موقوف، وبعضها مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ذكر ابن جرير والبغوي، وغيرهما، عند تفسير قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
__________
1 الدر المنثور ج 5 ص 315، 316.
(1/277)

الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} 1 الكثير من الإسرائيليات.
فقد رويا قصة أيوب وبلائه عن وهب بن منبه، في بضع صحائف، وقد التبس فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب2.
وقال ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: "وقد روي عن وهب بن منبه في خبره -يعني أيوب- قصة طويلة، ساقها ابن جرير، وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة، تركناها لحال الطول.
ومن العجيب: أن الحافظ الناقد ابن كثير وقع فيما وقع فيه غيره في قصة أيوب، من ذكر الكثير من الإسرائيليات ولم يعقب عليه3، مع أن عهدنا به أنه لا يذكر شيئا من ذلك إلا وينبه على مصدره، ومن أين دخل في الرواية الإسلامية، ولا أظن أنه يرى في هذا أنه مما تباح روايته!!!
فقد ذكر أنه يقال: إنه أصيب بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله عز وجل، حتى عافه الجليس، وصار منبوذا في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه غير زوجته، وتحملت في بلائه ما تحملت، حتى صارت تخدم الناس، بل قد باعت شعرها بسبب ذلك، ثم قال: وقد روي: أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن يعني البصري وقتادة: ابتلي أيوب عليه السلام سبع سنين وأشهرا ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء، وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي4: تساقط لحم أيوب، حتى لم يبق إلا العصب والعظام ... ثم ذكر قصة طويلة.
__________
1 الأنبياء: 83، 84.
2 تفسير البغوي على هامش تفسير ابن كثير ج5 من ص 509-518.
3 تفسير ابن كثير ج5 ص 509-518.
4 إن كان السدي الصغير فهو كذاب، وإن كان السدي الكبير فمختلف في تعديله.
(1/278)

ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم بسنده، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب، والبعيد، إلا رجلين من إخوانه له، كانا يغدوان إليه، ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب عليه السلام: ما أدرى ما تقول، غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أَمُرُّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده، حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه،: أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب".
وقال ابن كثير: رفع هذا الحديث غريب جدا، وقال الحافظ ابن حجر: وأصح ما ورد في قصته: ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وصححه ابن حبان، والحاكم، بسند عن أنس: أن أيوب ... ثم ذكر مثل ذلك.
أقول: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء، والأصحية هنا نسبية، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات، كما قلت مرارًا، والإمام الحافظ ابن حجر على جلالته ربما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلة العقلية والنقلية، كما فعل في قصة الغرانيق، وهاروت وماروت وكل ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه، في قصة أيوب، التي أشرنا إليها آنفا، وما رواه ابن إسحاق أيضا، فهو مما أخذه عن وهب، وغيره.
وهذا يدل أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب مما أخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وجاء القصاصون المولعون بالغرائب، فزادوا في قصة أيوب، وأذاعوها، حتى اتخذ منها الشحاذون، والمتسولون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس، واستدرار العطف عليهم.
(1/279)

الحق في هذه القصة:
وقد دل كتاب الله الصادق، على لسان نبيه محمد الصادق على أن الله تبارك وتعالى ابتلى نبيه أيوب عليه الصلاة والسلام في جسده وأهله وماله، وأنه صبر حتى حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، وقد أثنى الله عليه هذا الثناء المستطاب، قال عز شأنه: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب} ، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدًا، والواجب على المسلم: أن يقف عند كتاب الله، ولا يتزيد في القصة كما تزيد زنادقة أهل الكتاب، وألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرأوا على أنبياء الله ورسله فحسب بل تجرأوا على الله تبارك وتعالى ونالوا منه وفحشوا عليه، ونسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على استحالته عليه سبحانه وتعالى من قولهم: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} 1 وقولهم:: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} 2، عليهم لعائن الله.
والذي يجب أن نعتقده: أنه ابتلي، ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب، من أنه أصيب بالجذام3، وأن جسمه أصبح قرحة، وأنه أُلقِيَ على كناسة بني إسرائيل، يرعى في جسده الدود، وتعبث بن دواب بني إسرائيل، أو أنه أصيب بمرض الجدري.
وأيوب عليه صلوات الله وسلامه أكرم على الله من أن يلقى على مزبلة، وأن يصاب بمرض ينفر الناس من دعوته، ويقززهم منه، وأي فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحال المرزية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله؟.
والأنبياء إنما يبعثون من أوساط4 قومهم، فأين كانت عشيرته فتواريه، وتطعمه؟! بدل أن تخدم امرأته الناس، بل وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه!!
بل أين كان أتباعه، والمؤمنون منه، هل تخلَّوا عنه في بلائه؟! وكيف والإيمان ينافي ذلك؟!
__________
1 آل عمران: 181.
2 المائدة: 64.
3 الجذام: مرض من أخبث الأمراض، وأقذرها.
4 خيارهم وأكرمهم نسبا وعشيرة.
(1/280)

الحق: أن نسج القصة مهلهل، لا يثبت أمام النقد، ولا يؤيده عقل سليم، ولا نقل صحيح، وأن ما أصيب به أيوب من المرض إنما كان من النوع غير المنفر، والمقزز، وأنه من الأمراض التي لا يظهر أثرها على البشرة، كالروماتيزم، وأمراض المفاصل، والعظام ونحوها، ويؤيد ذلك: أن الله لما أمره أن يضرب الأرض بقدمه، فنبعت عين، فاغتسل، منها، وشرب، فبرأ بإذن الله، وقيل: إنه ضرب الأرض برجله فنبعت عين حارة، فاغتسل منها، وضربها مرة أخرى، فنبعت عين باردة، فشرب منها، والله أعلم بالصواب، وظاهر القرآن عدم التعدد في الضرب ولا في نبع الماء.
مقالة الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي:
ويعجبني ما قاله الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله قال: "ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى في قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ ... } والثانية في "ص": {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} وأما النبي صلى الله عليه وسلم: فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: "بينما أيوب يغتسل، إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب ... " 1 الحديث، وإذا لم يصح فيه قرآن، ولا سنة إلا ما ذكرنا فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟!، والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصم عن سماعها أذنيك؛ فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا، وفي الصحيح واللفظ للبخاري: أن ابن عباس قال: "يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم" 2 وقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة".
__________
1 هو ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل أي جماعة جراد من ذهب فجعل يحثي في ثوبه فناده ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك".
2 صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.
(1/281)

وقال الإمام الآلوسي في تفسيره، بعد أن ذكر بعض مما ذكرنا: وعظم بلائه عليه السلام مما شاع وذاع ولم يختلف فيه اثنان، لكن في بلوغ أمره إلى أن ألقي على كناسة، ونحو ذلك فيه خلاف.
قال الطبرسي: قال أهل التحقيق: إنه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها؛ لأن في ذلك تنفيرًا، فأما الفقر والمرض، وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله تعالى بذلك.
وفي هداية المريد للَّقاني: أنه يجوز على الأنبياء عليهم السلام كل عرض بشري، ليس محرما ولا مكروها، ولا مباحا مرزيا، ولا مزمنا، ولا مما تعافه الأنفس، ولا مما يؤدي إلى النفرة، ثم قال بعد ورقتين: واحترزنا بقولنا: ولا مزمنا ولا مما تعافه الأنفس.
عما كان كذلك كالإقعاد، والبرص والجذام، والعمى، والجنون.
وأما الإغماء: فقال النووي: لا شك في جوازه عليهم؛ لأنه مرض بخلاف الجنون، فإنه نقص، وقيد أبو حامد يعني الغزالى الإغماء بغير الطويل، وجزم به البلقيني، قال السبكي: وليس كإغماء غيرهم، لأنه إنما يستر حواسهم الظاهرة، دون قلوبهم، لأنها معصومة من النوم الأخف، قالك ويمتنع عليهم الجنون، وإن قل، لأنه نقص، ويلحق به العمى، ولم يعمى نبي قط، وما ذكر عن شعيب من أنه كان ضريرا لم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت. انتهى.
وفرق بعضهم في عروض ذلك بين أن يكون بعد التبليغ وحصول الغرض من النبوة: فيجوز، وبين أن يكون قبل: فلا يجوز، ولعلك تختار القول بحفظهم مما تعافه النفوس، ويؤدي إلى الاستقذار والنفرة كما يشعر به ما روي عن قتادة، ونقله القصاص في كتبهم، وذكر بعضهم أن داءه كان الجدري، ولا أعتقد صحة ذلك، والله تعالى أعلم1.
__________
1 تفسير الآلوسي ج 23 ص 208 ط منير.
(1/282)

32- الإسرائيليات في قصة إرم ذات العماد:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين: كالطبري، والثعلبي، والزمخشري، وغيرهم في تفسير قول تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ
(1/282)

الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ} 1.
فقد زعموا أن إرم مدينة، وذكروا في بنائها، وزخارفها ما هو من قبيل الخيال، ورووا في ذلك: أنه كان لعادٍ ابنان: شداد، شديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، وسورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، ولما تم بناؤها سار إليها بأهب2 مملكته، فلما كان منها مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء، فهلكوا.
وروى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها يعني مدينة إرم، فحمل منها ما قدر عليه، وبلغ خبره معاوية، فاستحضره، وقص عليه فبعث إلى كعب الأحبار، فسأله عنها فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانه أحمر، أشقر، قصير، على حاجبه خال، ثم التفت، فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذاك الرجل3.
وهذه القصة موضوعة، كما نبه إلى ذلك الحفاظ، وآثار الوضع لائحة عليه، وكذلك ما روي أن إرم: مدينة دمشق، وقيل: مدينة الإسكندرية، قال السيوطي في "الدر المنثور": وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: إرم هي دمشق، وأخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله، وأخرج ابن عساكر، عن سعيد بن المسيب، مثله، قال: واخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: إرم هي الإسكندرية4.
وكل ذلك من خرافات بني إسرائيل، ومن وضع زنادقتهم، ثم رواها مسلمة أهل الكتاب فيما رووا، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين، وألصقت بتفسير القرآن.
__________
1 الفجر: 6-8.
2 جمع أهبة، والأهبة بضم الهمزة العدة كما في القاموس.
3 انظر الكشاف للزمخشري عند تفسير هذه الآية، وتفسير البغوي، والنسفي، والخازن عند تفسير هذه الآية.
4 الدر المنثور ج 6 ص 347.
(1/283)

الكريم، قال ابن كثير في تفسيره: ومن زعم أن المراد بقوله: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} : مدينة إما دمشق، أو اسكندرية، أو غيرها، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ} إن جعل بدلا أو عطف بيان1؟ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم، وإنما نبهت على ذلك؛ لئلا يُغتَرَّ بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عن هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك ... فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم؛ ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك، وقال فيما روي عن ابن قلابة: فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك، أو أصابه نوع من الهوس، والخيال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وهذا ما يقطع بعدم صحته2، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة، والطامعين، والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب والفضة ... فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة، والسفهاء، فيأكلونها بالباطل، في صرفها في بخاخير، وعقاقير، ونحو ذلك من الهذيانات، ويطنزون بهم.
الصحيح في تفسير الآية:
والصحيح في تفسير الآية: أن المراد بعاد، إرم ذات العماد، قبيلة عادة المشهورة، التي كانت تسكن الأحقاف، شمالي حضرموت، وهي عاد الأولى، التي ذكرها الله سبحانه في سورة النجم، قال سبحانه: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} ، ويقال لمن بعدهم: عاد الآخرة وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قال ابن إسحاق وغيره: وهم الذين بعث فيهم رسول الله هودًا عليه السلام فكذبوه، وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكهم {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ
__________
1 أي لفظ، إرم ... بدل من عاد أو عطف بيان.
2 تفسير ابن كثير ج 8 ص 196.
(1/284)

نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، َهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة} ؟
وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما وضع؛ ليعتَبِر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد} : بدل من عاد أو عطف بيان زيادة تعريف بهم، وقوله تعالى: {ذَاتِ الْعِمَادِ} لأنهم كانوا في زمانهم أشد الناس خلقة، وأعظمهم أجساما، وأقواهم بطشا، وقيل: ذات الأبنية التي بنوها، والدور، والمصانع التي شادوها، وقيل: لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الغلاظ الشداد، والأول أصح وأولى، فقد ذكرهم نبيهم هود بهذه النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة الله تبارك وتعالى الذي خلقهم ومنحهم هذه القوة فقال: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 1. وقال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} 2. وقوله هنا: {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد} أي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، وفي زمانهم؛ لقوتهم، وشدتهم وعظم تركيبهم.
ومهما يكن من تفسير ذات العماد: فالمراد القبيلة، وليس المراد مدينة، فالحديث في السورة إنما هو عمن مضى الأقوام الذين مكن الله لهم في الأرض، ولما لم يشكروا نعم الله عليهم، ويؤمنوا به وبرسله، بطش بهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ففيه تخويف لكفار مكة، الذين هم دون هؤلاء في كل شيء وتحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء.
ما روي في عظم طولهم لا يصح:
وليس معنى قوتهم، وعظم خلقهم، وشدة بطشهم، أنهم خارجون عن المألوف في الفطرة، فمن ثم لا نكاد نصدق ما روي في عظم أجسامهم، وخروج طولهم عن المألوف المعروف حتى في هذه الأزمنة، فقد روى ابن جرير في تفسيره، وابن أبي حاتم وغيرهما عن قتادة قال: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، كان يقال لهم: ذات
__________
1 الأعراف: 69.
2 فصلت: 15.
(1/285)

العماد، كانوا أهل، {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد} ، قال: ذكرنا لنا أنهم كانوا اثنى عشر ذراعا1 طولا في السماء، وهذا من جنس ما روي في العماليق، وأغلب الظن عندي أن من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنه من الإسرائيليات المختلقة.
وأيضا لا نكاد نصدق ما روي عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في هذا، فقد روى ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه، عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: "كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة، فيحملها على كاهله، فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم" 2 ولعل البلاء، والاختلاق فيه من المجهول، وروى مثله ابن مردويه3.
ولعن الله من نسب مثل هذا الباطل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نشك أن هذا من عمل زنادقة اليهود والفرس وأمثالهم، الذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام، فسلكوا في محاربته مسلك الدس، والاختلاق، بنسبة أمثال هذه الخرافات إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم، وأنا أعجب لمسلم يقبل أمثال هذه المرويات التي تزري بالإسلام، وتنفر منه، ولا سيما في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم، والمعارف، وأصبح ذكر مثل هذا يثير السخرية، والاستنكار والاستهزاء.
__________
1 حوالي ستة أمتار أو تزيد.
2 تفسير ابن كثير ج 8.
3 الدر المنثور ج 6 ص 347.
(1/286)

الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق وأسرار الوجود وتعليل بعض الظواهر الكونية
مدخل
...
الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق وأسرار الوجود وتعليل بعض الظواهر الكونية:
والتابعين، وجاء بعضه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا تكون الطامة؛ لأن هذه الروايات متهافتة باطلة، فنسبتها إلى المعصوم صلى الله عليه وسلم من الخطورة بمكان.
وكأن هؤلاء الذين وضعوها وألصقوها بالنبي صلى الله عليه وسلم زورا، كانوا يدركون ببعد نظرهم أنه سيأتي اليوم الذي تتكشف فيه الحقائق العلمية لهذه الأمور الكونية، ومعرفة عصمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ما ينطق عن الهوى، ويقللوا الثقة بالأنبياء، وهم قوم من الزنادقة الذين جمعوا بين الزندقة، والعلم، والمعرفة ببعض الظواهر، والعلوم الكونية، وهم أعظم الطوائف كيدا للإسلام، لخبث نياتهم، وإحكام كيدهم.
ولا أدري ماذا يكون موقف الداعي إلى الله في المجتمعات العلمية، والبيئات المتحضرة إذا وُوجِهَ بمثل هذه الروايات الباطلة التي تغض من شأن الإسلام وهو منها براء؟ ولو أن هذه المرويات صحت أسانيدها لربما كان للمتمسكين بها، والمنتصرين لها بعض المعذرة، أما وهي ضعيفة أسانيدها، واهية مخارجها، فالواجب ردها ولا كرامة، وأحب أن أقول: إن معظم هذه المرويات في الأمور الكونية تخالف مخالفةً ظاهرةً المقرراتِ والحقائقَ العلميةَ التي أصبحت في حكم البديهات والمسلمات ككرويةِ الأرض، ودورانها، وسبب حدوث الخسوف والكسوف ونحوها، والانتصار لهذه المرويات التي تصادم الحقائق العلمية الثابتة، مما يعود على الإسلام بالضرر والنقض، وينفر منه المفكرون وذوو العلم، والمعرفة، بل هي أضر على الإسلام من طعن أعدائه فيه.
ويعجبني غاية الإعجاب في هذا المقام، ما ذكره الإمام حجة الإسلام الغزالي في مقدمة كتابه: "تهافت الفلاسفة" وسأنقله بنصه؛ لنفاسته، وعظم نفعه في بيان ما ينبغي أن يكون موقف المسلم الواعي الفطن، من النظريات والمقررات العلمية. قال رحمه الله:
القسم الثاني1: ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلًا من أصول الدين، وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم منازعتهم فيه، كقولهم: إن
__________
1 يعني من الأقسام التي يقع الخلاف فيها بين الفلاسفة وغيرهم.
(1/287)

كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوء القمر، بتوسط الأرض بينه، وبين الشمس، من حيث إنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة، والسماء محيط بها من الجونب، فإذا وقع القمر في ظل الأرض، انقطع عنه نور الشمس، وكقولهم: إن كسوف الشمس معناه: وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس، وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة، وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله؛ إذ لا يتعلق به غرض، ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين، وضعف أمره؛ فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية، وحسابية، لا تبقى معها ريبة، فمن يطلع عليها، ويتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما، ومدة بقائهما إلى الانجلاء، إذا قيل له: إن هذا خلاف الشرع لم يسترب فيه، وإنما يستريب في الشرع، وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقة، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقة، وهو كما قيل: عدو عاقل خير من صديق جاهل.
فإن قيل: فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر لآيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى، والصلاة" 1، فكيف يلائم هذا ما قالوه؟ قلنا: وليس في هذا ما يناقض ما قالوه؛ إذ ليس فيه إلا نفي وقوع الكسوف لموت أحد، أو لحياته، والأمر بالصلاة عنده، والشرع الذي يأمر بالصلاة عند الزوال، والغروب، والطلوع من أين يبعد أن يأمر عند الكسوف بها استحبابا؟
فإن قيل: فقد روي: أنه قال في آخر الحديث: "ولكن الله إذا تجلى لشيء خضع له"، فيدل على أن الكسوف خضوع بسبب التجلي، قلنا: هذه الزيادة لم يصح نقلها، فيجب تكذيب ناقلها، وإنما المروي ما ذكرناه2، كيف؟ ولو كان صحيحا لكان.
__________
1 رواه الشيخان وغيرهما.
2 بين الحافظ في الفتح ج 3 ص 430 أن هذه الزيادة ثابتة من رواية أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححها ابن خزيمة والحاكم، وكذا قال غيره: إن الزيادة ثابتة، وقد حاول بعضهم أن يجعل هذه الزيادة مبطلة لقول أهل العلم بالفلك والهيئة؛ أقول: ولو سلمنا ثبوتها فلا ينافي ذلك ما قاله علماء الفلك؛ لأن المراد بهذه الزيادة خضوع هذه الأجرام لله، وجريانها وفق إرادته، ووفق ما أوجده من الأسباب العادية لحدوثها، فهو من التمثيلات العربية البديعة ولعل هذا هو ما أراده الغزالي بالتأويل.
(1/288)

تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية، فكم من ظواهر أولت بالأدلة القطعية التي لا تنتهي في الوضوح إلى هذا الحد!! وأعظم ما يقدح به الملحدة، أن يصرح ناصر الشرع، بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع، إن كان شرطه أمثال ذلك؛ وهذا لأن البحث في العالم عن كونه حادثًا، أو قديمًا، ثم إذا ثبت حدوثه فسواء كان كرة، أو بسيطا، أو مثمنا أو مسدسا، وسواء كانت السماوات وما تحتها ثلاث عشرة طبقة، كما قالوه، أو أقل، أو أكثر، فنسبة النظر فيه إلى البحث الإلهي كنسبة النظر إلى طبقات البصل، وعددها، وعدد حب الرمان، فالمقصود كونها من فعل الله فقط، كيفما كانت"1.
وقد سقت هذا الكلام القيم ليعتبر به هؤلاء الذين لا يزالون في عصرنا هذا ينكرون كروية الأرض، ودورانها، وأسباب حدوث بعض الظواهر الكونية كالخسوف، والكسوف، وحدوث الرعد، والبرق، والصواعق وقانون الجاذبية، ونحوها: مما لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه.
وليعتبر به أيضا هؤلاء الذين ينكرون بعض المكتشفات العلمية التي جدت في عصرنا كغزو الفضاء، والوصول إلى القمر، وانعدام الوزن في حالات خاصة، ونحوها باسم الدين، فإن ذلك كما قال الإمام العظيم الغزالي أضر على الدين من طعن أعدائه فيه، ولْنأخذ بعد هذه المقدمة الللازمة في بيان الإسرائيليات والأكذوبات في الكون، وما يتعلق به.
__________
1 تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ص 4، 5.
(1/289)

ما يتعلق بعمر الدنيا:
فقد ذكروا في عمر الدنيا، أنه سبعة آلاف سنة، وأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعث في آخر السادسة، فقد ورد ذلك مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع في كتابه: "الموضوعات"، وأحرى به أن يكون مختلقا مكذوبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك: جاء بعض هذه الأخبار موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما، وقد
(1/289)

ذكر ذلك في كتب التفسير، وبعض كتب الحديث، وكتب التواريخ ونحوها، وقد قال السيوطي: إنها صحيحة.
أقول: وعلى فرض تسليم صحتها، فصحتها عن ابن عباس لا ينفي أنها من الإسرائيليات التي تحملها ابن عباس وغيره، لما فهموه من الإذن في الأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وهذا لا ينافي كونها باطلة في نفسها، فمعظم الإسرائيليات من هذا النوع.
ولا أدري ماذا يقول المنتصرون لمثل هذه الأباطيل، فيما هو ثابت: من أن عمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك، حتى أصبح ذلك من البدهيات المسلمات، وإن التمسك بمثل هذه الروايات أضر على الدين من طعن أعدائه.
ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث كما يقولون في آخر المائة السادسة، لقامت القيامة من زمن مضى، فظهر أن الواقع والمشاهدة يكذبان ذلك أيضا، ويردانه.
(1/290)

ما يتعلق بخلق الشمس والقمر:
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والثعلبي، وغيرهم من المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} 1.
فقد رووا عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لما أبرم خلقه، فلم يبقَ من خلقه غير آدم عليه السلام خلق شمسا من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا، فإنه خلقها مثل الدنيا، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمرا، فإنه خلقها مثل الشمس في الضوء، وإنما يرى الناس صغرهما؛ لشدة ارتفاعهما، ولو تركهما الله كما خلقهما في بدء الأمر لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولكان الأجير ليس له وقت يستريح فيه، ولكان الصائم لا يدري إلى متى يصوم، ومتى يفطر، إلى أن قال: فأرسل جبريل، فأمرَّ
__________
1 الإسراء: 12.
(1/290)

جناحه على وجه القمر ثلاث مرات، وهو يومئذ شمس فمحا عنه الضوء، وبقي فيه النور، فذلك قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ} فالسواد الذي ترونه في القمر هو: أثر ذلك المحو".
وكذلك روى هذا الباطل ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وسنده واهٍ؛ لأن فيه نوح بن أبي مريم وهو وضَّاع دجال وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع والاختلاق1, ومنشؤه من الإسرائيليات التي ألصقت بالنبي زورا، وفيه من الركاكة اللفظية، والمعنوية ما يشهد بوضعه على النبي، وليس عليه شيء من نور النبوة.
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعرض للكونيات بهذا التفصيل، ولما سئل عن الهلال لم يبدو صغيرا ثم يكبر حتى يصير بدرا، ثم يصغر، أجاب بالفائدة، فقال: {هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} ؛ لأن بالأهلة تعرف السنون، والشهور، وعليها تتوقف مصالح الناس الدينية والدنيوية، فيها يعرفون حجهم، وصومهم، وإخراج زكاتهم، وحلول آجال ديونهم ونحوها، وليس من الحكمة التعرض لمثل هذه الكونيات بالتفصيل، فتركها لعقول الناس، وإدراكاتهم أولى، ولا سيما أنه لا يتوقف على معرفة الأمة لمثل هذه الأمور فائدة دينية، والقرآن والسنة النبوية حينما يعرضان للحديث عن الكونيات يكون غرضهما انتزاع العبرة، والاستدلال بما أودع فيهما على وجود الله جل وعلا، ووحدانيته، وقدرته، وعلمه، وسائر صفاته ولذلك لا نقف فيما صح وثبت من الأحاديث على مثل هذا التفصيلات التي نجدها في الآثار الضعيفة، والإسرائيليات الباطلة.
ويعجبني في هذا ما نقله الآلوسي في تفسيره، عن بعض العلماء قال: "وذكر بعض الفضلاء: أنه لم يجئ في ترتيب الأجرام العلوية، والسفلية، وشرح أحوالهما كما فعل الفلاسفة عن الشارع شيء؛ لما أن ذلك ليس من المسائل المهمة في نظره عليه الصلاة والسلام وليس المهم إلا التفكر، والاستدلال بها على وحدة الصانع، وكماله جل شأنه وهو حاصل بما يحسن منها فسبحان من رفع السماء بغير عمد، ومد الأرض، وجعل فيها رواسي"2.
__________
1 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ج1 ص 24 وما بعدها.
2 تفسير الآلوسي ج 13 ص 99 ط/ منير.
(1/291)

ما يتعلق بتعليل بعض الظواهر الكونية:
ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين، وما يوجد في بعض كتب الحديث في غروب الشمس، وأنها إذا غربت ابتلعها حوت، وما يتعلق بالسماوات، والأجرام السماوية ومن أي الجواهر هي، والأرض وعلام استقرت، وأنها على ظهر حوت، وما يذكرونه في تعليل برودة الآبار في الصيف، وسخونتها في الشتاء، وعن منشأ الرعد والبرق، وعن منشأ السحاب، إلى نحو ذلك مما لا نصدق وروده عن المعصوم صلى الله عليه وسلم وما ورد منه موقوفا، فمرجعه إلى الإسرائيليات الباطلة، أو إلى الزنادقة الذين أرادوا أن يظهروا الإسلام بمظهر الدين الخرافي الذي ينافي العلم، والسنن الكونية.
فقد روي عن أبي أمامة الباهلي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "وُكِّلَ بالشمس تسعة أملاك، يرمونها بالثلج كل يوم، لولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته" رواه الطبراني.
وفي أحد رواته عقير بن معدان، وهو ضعيف جدا، ولو أن الحديث صحيح السند، أو ثابت، لتمحلنا، وقلنا: إنه من قبيل التمثيل، أما وهو بهذا الضعف، فلنلق به دبر آذاننا.
وعن ابن عمر، قال: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: أرأيت الأرض على ما هي؟ قال: الأرض على الماء" قيل: الماء على ما هو؟ قال: "على صخرة" فقيل: الصخرة على ما هي؟ قال: "هي على ظهر حوت يلتقي طرفاه بالعرش" قيل الحوت على ما هو؟ قال: "على كاهل ملك، قدماه على الهواء". رواه البزار عن شيخه عبد الله بن أحمد -يعني ابن شبيب، وهو ضعيف، وعن الربيع بن أنس قال: "السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: صخرة، والثالثة: حديد، والرابعة: نحاس، والخامسة: فضة، والسادسة: ذهب، والسابعة: ياقوت" رواه الطبراني في الأوسط هكذا موقوفا على الربيع، وفيه أبو جعفر الرازي، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه النسائي وغيره1.
وروى الطبراني في الأوسط بسنده، فقال: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازي
__________
1 مجمع الزوائد للهيثمي ج 8 ص 131.
(1/292)

الخطيب، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السلمي، قال: حدثنا أبو عمران الحراني، قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أن خزيمة بن ثابت -وهو ليس بالأنصاري المشهور- كان في عير لخديجة وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معه في تلك العير، فقال له: يا محمد؛ أرى فيك خصالا، وأشهد أنك النبي الذي يخرج من تهامة وقد آمنت بك، فإذا سمعت بخروجك أتيتك، فأبطأ عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى كان يوم فتح مكة أتاه فلما رآه قال: "مرحبا بالمهاجر الأول" و ...
ثم قال: يا رسول الله؛ أخبرني عن ضوء النهار، وظلمة الليل، وعن حر الماء في الشتاء، وعن برده في الصيف، وعن البلد الأمين، وعن منشأ السحاب وعن مخرج الجراد، وعن الرعد والبرق، وعن ما للرجل من الولد، وما للمرأة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ظلمة الليل، وضوء النهار، فإن الشمس إذا سقطت تحت الأرض، فأظلم الليل لذلك، وإذا أضاء الصبح ابتدرها سبعون ألف ملك، وهي تقاعس كراهية أن تعبد من دون الله، حتى تطلع، فتضيء، فيطول الليل بطول مكثها، فيسخن الماء لذلك، وإذا كان الصيف: قل مكثها، فبرد الماء لذلك، وأما الجراد: فإنه نثرة حوت في البحر، يقال له: "الأبوات"، وفيه يهلك، وأما منشأ السحاب: فإنه ينشأ من قبل الخافقين، ومن بين الخافقين تلجمه الصبا والجنوب، ويستدبره الشمال والدبور، وأما الرعد: فإنه ملك بيده مخراق1 يدني القاصية: ويؤخر الدانية، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت، وأما ما للرجل من الولد، وما للمرأة فإن للرجل العظام، والعروق، والعصب، وللمرأة اللحم، والدم، والشعر، وأما البلد الأمين: فمكة".
وقال الهيثمي في زوائده: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يوسف بن يعقوب أبو عمران، ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، ولم يذكر تضعيفه عن أحد! 2.
أقول: والحق أن الذهبي حكم ببطلان هذا الخبر، وقال: إن راويه عن يوسف بن يعقوب مجهول، وهو محمد بن عبد الرحمن السلمي المذكور، وأحرى به أن يكون
__________
1 المخراق خرق تفتل ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا والمراد هنا آلة تزجر بها الملائكة السحاب
2 مجمع الزوائد للهيثمي ج 8، ص 132.
(1/293)

باطلا، ورحم الله الإمام الحافظ الناقد أبا عبد الله الذهبي، الذي أبان لنا قيمة هذه المرويات الباطلة، من منذ بضعة قرون.
وإليك ما قاله الإمام الذهبي بنصه قال: يوسف بن يعقوب، أبو عمران، عن ابن جريج، بخبر باطل طويل، وعنه إنسان مجهول، واسمه: عبد الرحمن السلمي، قال الطبراني: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازي الخطيب.
ثم ذكر الإسناد الذي ذكرته آنفا، وبعض المتن، إلا أنه قال: "إن خزيمة بن ثابت الأنصاري" ... وقال: ذكره أبو موسى في الطوالات وروى بعضه عبدان الأهوازي، عن السلمي هذا1.
فكيف يقول الهيثمي، ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، ولم ينقل تضعيفه عن أحد؟! إنه والله العجب!! وقد وافق الذهبي فيما قال الإمام الحافظ ابن حجر في: لسان الميزان"2، فقد ذكر ما ذكره الذهبي، غير أنه قال: عن جابر بن عبد الله أن خزيمة بن ثابت وليس بالأنصاري كان في عير لخديجة ... وذكر القصة السابقة.
وما ذكره الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" من أنه ليس بالأنصاري هو الصحيح، فهو خزيمة بن حكيم السلمي، ويقال له: ابن ثابت أيضا، كان صهر خديجة أم المؤمنين، فهو غير خزيمة بن ثابت الأنصاري، المشهور بأنه ذو الشهادتين قطعا3.
ومما يروى في مثل هذا ما روي عن صباح بن أشرس، قال: "سئل ابن عباس عن المد والجزر، فقال: إن ملكًا موكَّلًا بناموس البحر، فإذا وضع رجله فاضت، وإذا رفعها غاضت"، قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه من لم أعرفه. أقول: والبلاء غالبا، إنما يكون من المجاهيل.
وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المجرة التي في السماء هي عرق حية تحت العرش"، روه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط، وقال: لا يروى عن
__________
1 ميزان الاعتدال في نقد الرجال ج 3، ص 335 ترجمة رقم 2866 ط السعادة.
2 ج 6 ص 330 ط الهند.
3 الإصابة ج 1، ص 427 ترجمة 2258.
(1/294)

النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد، وفيه عبد الأعلى بن أبي سحرة، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، أقول: والبلاء من هذا الذي لا يُعرَف.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معاذ؛ إني مرسلك إلى قوم هل عناد، فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل: هي لعاب حية تحت العرش" رواه الطبراني، وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف1. أقول: وأحرى بمثل هذا أن لا يروى إلا من طريق ضعيف.
وكل هذا الذي ذكرناه، وأمثاله مما لا نصدق وروده عن المعصوم صلى الله عليه وسلم وإنما هو من أكاذيب بني إسرائيل وخرافاتهم أو من وضع الزنادقة الخبثاء، وألصق بالنبي زورا، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتكلم في الكونيات، والفلكيات وأسباب الكائنات بهذا التفصيل، كما حققت لك آنفا، وفي هذه المرويات من السذاجة العلمية، والتهافت ما لا يليق بعاقل؛ فضلا عن أعقل العقلاء، الذي ما كان ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.
وأيضا: فهذه التعليلات لا تتفق هي والمقررات العلمية المستقرة الثابتة، التي أصبحت في حكم اليقينات اليوم، ولا أدري كيف يكون حال الداعية إلى الإسلام اليوم في البلاد المتقدمة في العلم والمعرفة إذا لهج بمثل هذه الأباطيل التي تضُرُّ بالدين أكثر مما ينال منه أعداؤه؟ ولو أن هذه المرويات كانت في كتب معتمدة من كتب الحديث، والرواية التي تعنى بذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة، لكان للمنتصرين لها بعض العذر؛ أما وهي كما علمت غير معتدٍّ بها؛ لضعف أسانيدها، ومخالفتها للعقل، والعلم اليقيني، فاضرب بها عرض الحائط ولا كرامة، وكفى إفسادها العقول والأفكار أحقابا من الزمان، ورحم الله أئمتنا الأوائل الذين تنبهوا إليها، ونقدوها وزيفوها.
__________
1 مجمع الزوائد ج 8 ص 138.
(1/295)

ما ذكره المفسرون في الرعد والبرق في كتبهم:
ومعظم كتب التفاسير بالمأثور وغيره ذكرت أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب، وأن الصوت المسموع صوت زجره السحاب، أو صوت تسبيحه، وأن البرق أثر من المخراق الذي يزجر به السحاب، أو لهب ينبعث منه، على أن المخراق من نار، وذلك عند
(1/295)

تفسير قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه} 1 الآية، ويكاد لم يسلم من ذلك أحد منهم، إلا أن منهم من يحاول أن يوفق بين ظاهر الآية وما قاله الفلاسفة الطبيعيون في الرعد والبرق فيؤول الآية، ومنهم: من يبقي الآية على ظاهرها، وينحي باللائمة على الفلاسفة وأضرابهم، الذين قاربوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه العلماء في العصر الحديث ففي تفسير الخازن2 قال: أكثر المفسرين على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه، ثم أورد على هذا القول أن ما عطف عليه، وهو قوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} يقتضي أن يكون المعطوف عليه مغايرا للمعطوف؛ لأنه الأصل ثم أجاب بأنه من قبيل ذكر الخاص قبل العام تشريفا!
وقد بسط الإمام الآلوسي في تفسيره كما هي عادته الأقوال في الآية، وذكر أن للعلماء في إسناد التسبيح إلى الرعد قولين: أن في الكلام حذفا؛ أي: سامعوا الرعد، أو أن الإسناد مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب والحامل عليه، والباء في "بحمده" للملابسة أي يسبح السامعون لذلك الصوت متلبسين بحمد الله، فيقولون: سبحان الله، والحمد لله.
ومن العلماء من قال: إن تسبيح الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال حيث شبه دلالة الرعد على قدرة الله وعظمته، وإحكام صنعته، وتنزيهه عن الشريك والعجز، بالتسبيح والتنزيه والتحميد اللفظي، ثم استعار لفظ "يسبح" لهذا المعنى، وقالوا: إن هذا المعنى أنسب وأقعد من الآخر.
وكل هذا من العلماء في الحقيقة تخلص من حمل الآية على ظاهرها، وأن المراد بالرعد، الملك الموكل بالسحاب، ثم قال الآلوسي: والذي اختاره أكثر المحدثين أن الإسناد حقيقي، بناء على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، فقد رأى أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وآخرون عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال عليه الصلاة
__________
1 الرعد: 13.
2 ج 3 ص 80.
(1/296)


الكتاب: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير
المؤلف: محمد بن محمد بن سويلم أبو شُهبة (المتوفى: 1403هـ)
الناشر: مكتبة السنة
الطبعة: الرابعة
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] والسلام: "ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيديه مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله تعالى"، قالوا: فما ذلك الصوت الذي نسمعه؟ قال: "صوته" قالوا: "صدقت".
وهذا الحديث إن صح: يمكن حمله على التمثيل، ولكني لا يطمئن قلبي إليه، ولا أكاد أصدق وروده عن المعصوم صلى الله عليه وسلم وإنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل ألصقت بالنبي صلى الله عليه وسلم زورا، ثم كيف يتلاءم ما روي مع قوله قبل: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ} وقوله تعالى: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} ، فالآية في بيان قدرة الله وعظمته في إحداث هذه الآيات الكونية على حسب ما خلقه الله في الكون من نواميس، وأسباب عادية! وإنما المناسب أن نفسر تسبيح الرعد بلسان الحال، وعطف الملائكة على الرعد يقتضي أن يكون الرعد غيرها لما ذكرنا، وكأن السر في الجمع بينهما: بيان أنه تواطأ على تعظيم الله وتنزيهه الجمادات والعقلاء، وأن ما لا يعقل منقاد لله وخاضع لانقياد العقلاء سواء بسواء، ولا سيما الملائكة الذين هم مفطورون على الطاعة والانقياد، ومن الحق أن نذكر أن بعض المفسرين كانت لهم محاولات؛ بناء على ما كان من العلم بهذه الظواهر الكونية في عصرهم جادة، في تفسير الرعد والبرق، كابن عطية رحمه الله فقد قال: وقيل: إن الرعد ريح تخفق بين السحاب، وروي ذلك عن ابن عباس، واعترض عليه أبو حيان، واعتبر ذلك من نزغات الطبيعيين، مع أن قول ابن عطية أقرب إلى الصواب من تفسير الرعد بصوت الملك الذي يسوق السحاب، والبرق بضوء مخراقه، وقد حاول الإمام الرازي التوفيق بين ما قاله المحققون من الحكماء، وما ورد في هذه الأحاديث والآثار، وقد أنكر عليه أبو حيان هذا أيضا.
ثم ذكر الإمام الآلوسي آراء الفلاسفة في حدوث الرعد، وتكوُّن السحاب وأنه عبارة عن أبخرة متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء، ثم تكثفت بسبب البرد، ولم يقدر الهواء على حملها، فاجتمعت وتقاطرت، ويقال لها: مطر.
أقول: وقد أصابوا في تكون السحاب ونزول المطر، فآخر ما وصل إليه العلم اليوم هو.
(1/297)

هذا، وأما في تكوُّن الرعد، والبرق فقد حاولوا، وقاربوا، وإن لم يصلوا إلى الحقيقة العلمية المعروفة اليوم، وبحسبهم فضلا هذا.
وبعد أن ذكر الآلوسي الردود، والاعتراضات على ما قاله الفلاسفة، وهي -والحق يقال- لا تنهض أن تكون أدلة في رد كلامهم، قال: وقال بعض المحققين: لا يبعد أن يكون في تكون ما ذكر أسباب عادية، كما في الكثير من أفعاله تعالى، وذلك لا ينافي نسبته إلى المحدث الحكيم جل شأنه، ومن أنصف لم يسعه إنكار الأسباب بالكلية، فإن بعضها كالمعلوم بالضرورة، قال: وبهذا أنا أقول1. وأنا بهذا أيضا أقول، وكون الظواهر الكونية جعل الله نواميس خاصة لحدوثها، لا ينافي قط أنه سبحانه الخالق للكون، والمدبر له سبحانه، فهو سبحانه هو الموجد لهذه النواميس، وهو الموجد لهذه السنن التي يسير عليها الكون، فإن بعض هذه النواميس والسنن أصبحت معلومة فإنكارها باسم الدين، أو التشكيك فيها -ومنها تكون السحب، وحدوث الرعد، والبرق، والصواعق- إنما يعود على الدين بالضعف، ويضره أكثر من طعن أعدائه فيه، ولعلك على ذكر مما ذكرته عن حجة الإسلام الغزالي رحمه الله في هذا المقام.
__________
.
1 تفسير الآلوسي ج13 ص 106، 107 ط منير.
(1/298)

أقوال الرسول عند سماع الرعد ورؤية البرق:
وقد وردت أحاديث أخرى صحاح وحسان، تبين ما كان يقوله صلى الله عليه وسلم عند حدوث هذه الظواهر الكونية، وهي تدل على كمال المعرفة بالله، وأنه سبحانه هو المحدث لها، وأنها تدل على تنزيه الله، وتعظيمه، وحمده؛ فقد أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع صوت الرعد، والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك"؛ لأن احتمال الإهلاك والتعذيب بهذه الآيات الكونية أمر قريب ممكن.
وأخرج أبو داود في مراسيله عن عبد الله بن أبي جعفر: أن قومًا سمعوا الرعد فكبروا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الرعد فسبحوا، ولا تكبروا"،.
(1/298)

وذلك لما فيه من التأدب بأدب القرآن وأسلوبه في قوله تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه} ، ولأن دلالته على تنزيه الله من النقص والشريك أولى من دلالته على التعظيم، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام كان يقول إذا سمع الرعد: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم".
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي هريرة قال: كان صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد قال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده".
فهذا هو اللائق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبعصمته لا ما روي من أن الرعد ملك أو صوت زجره للسحاب، وأن البرق أثر سوطه الذي يزجر به السحاب.
(1/299)

رأي العلم في حدوث الرعد، والبرق، والصواعق:
وإكمالا للفائدة سأذكر ما وصل إليه العلم في حدوث هذه الظواهر الكونية، فأقول -وبالله التوفيق: يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي رحمه الله وأثابه في كتابه "سنن الله الكونية":
الرياح والكهربائية الجوية:
إن الكهربائية التي تتولَّد في الهواء والتي ذكرنا لك بعض مصادرها يكتسبها السحاب عند تكونه على الأيونات التي تحملها تلك الكهربائية في الطبقات العليا الجوية، ولا يُدرَى الآن كيف يفصل الله الأيونات السالبة، من الأيونات الموجبة، قبل تكاثف البخار عليها إن كان هناك فصل لها؟ أم كيف يكون السحاب عظيم التكهرب؛ إما بنوع من الكهرباء، وإما بالنوع الآخر إذا حدث التكاثف على الأيونات وهي مختلطة، ومهما يكن من سر ذلك؛ فإن السحاب مكهرب من غير شك، كما أثبت ذلك فرانكلن لأول مرة في عام 1752م وكما أثبت غيره، عظم تكهربه بشتى الطرق بعده، وأنت تعرف أن نوعي الكهربائية يتجاذبان، وأن الموجب والموجب، أو السالب والسالب يتدافعان، أو يتنافران، كما تشاء أن تقول.
هذا التدافع أو التنافر من شأنه تفريق الكهربائية، ثم إذا شاء الله ساق السحاب.
(1/299)

بالريح، حتى يقترب السحاب الموجب، من السحاب السالب قربا كافيا، في اتجاه أفقي، أو في اتجاه رأسي أو فيما شاء الله من الاتجاهات، فإذا اقتربا تجاذبا، ومن شأن اقترابهما هذا أن يزيد في كهربائية مجموع السحاب بالتأثير، ولا يزالان يتجاذبان، ويتقاربان، حتى لا يكون محيص من اختلاطهما واتحاد كهربائيتهما أو من اتحاد كهربائيتهما من بعد، وعندئذٍ تحدث شبه شرارة عظمى كهربائية، هي البرق الذي كثيرا ما يُرى في البلاد الكثيرة الأمطار.
والمطر نتيجة لازمة لحدوث ذلك الاتحاد الكهربائي، سواء حدث في هدوء أو بالإبراق، فإذا حدث بهدوء حدث بين القطيرات المختلفة في السحابتين، فتجذب كل منهما قرينتها أو قريناتها، حتى تتحد، وتكون قطرة فيها ثقل، فتنزل، وتكبر أثناء نزولنا بما تكتسب من كهربائية، وما تجتذب من قطيرات، أثناء اختراقها السحاب المكهرب، الذي يكون بعضه فوق بعض في السحاب الركام، أما إذا حدث الاتحاد الكهربائي، في شدة البرق، وعنقه، فإنه يحدث لا بين القطيرات، ولكن بين الكتل من السحل، ويسهل حدوثه تخلخل الهواء، أي قلة ضغطه في تلك الطبقات.
والبرق: يمثل قوة كهربائية هائلة، تستطيع أن تكوِّن فكرة عنها إذا عرفت أن شرارته قد تبلغ ثلاثة أميال، في طولها أو تزيد، وأن أكبر شرارة كهربائية أحدثها الإنسان لا تزيد عن بضعة أمتار.
فالحرارة الناشئة عن البرق لا شك هائلة، فهي تمدد الهواء بشدة، وتحدث مناطق جوية عظيمة مخلخلة، الضغط داخلها يعادل الضغط خارجها، ما دام الهواء داخل المنطقة ساخنا، حتى إذا تشععت حرارته وبردت تلك المناطق برودة كافية، وما أسرع ما تبرد، خف منها الضغط، وصار أقل كثيرا من ضغط الطبقات الهوائية السحابية المحيطة بها، فهجمت عليها فجأة بحكم الفرق العظيم بين الضغطين وتمددت فيها، وحدث لذلك صوت شديد هو صوت الرعد وهزيمه، هذا الصوت قد يكون له صدى بين كتل السحاب، يتردد، فنسميه قعقعة الرعد، أما صوت الشرارة الكهربائية البرقية، فهو: بدء الرعد، ويكون ضعيفا بالنسبة لهزيمه وقعقعته، لذلك: تسمع الرعد ضعيفا في الأول ثم يزداد، كأنما أوله إيذان بتضخمه، كما قد تؤذن الطلقة الفردة بانطلاق بطاريات.
(1/300)

برمَّتها، من المدافع الضخمة في الحروب، فالرعد يحدث لا عند اتحاد الكهربائيتين حين يحدث البرق فقط، ولكن يحدث أكثره بعد ذلك عند تمدد الكتل الهوائية الهاجمة في المنطقة المفرغة، وهي إذا تمددت بردت برودة شديدة، فيتكاثف ما فيها من البخار، ومن كتل السحاب، فينزل على الأرض إما مطرا، وإما بردا، حسب مقدار البرودة الحادثة في تلك المناطق، وهذا هو السبب في أن الرعد والبرق يعقبهما في الغالب مطرات شديدة، سواء أكانت المطرة مائية، أم بردية، وقطرات الماء أو حبات البرد تنمو بعد ذلك باختراقها كتل السحاب المتراكم تحت المنطقة التي حدث فيها التفريغ1.
الصواعق:
وقد يحدث التفريغ الكهربائي بين السحاب والأرض، بدلا من بين السحاب والسحاب، وهذا يكون عادة إذا كان السحاب عظيم الكهربائية، قريبا من الأرض، فإذا حدث التفريغ ظهر له كالعادة ضوء وصوت، نسمي مجموعهما بالصاعقة، أي أن الصاعقة تفريغ كهربائي بين السحاب والأرض، إذا أصاب حيوانا أو نباتا أحرقه، وهو يحدث أكثر ما يحدث بين الأجسام المدببة على سطح الأرض من شجر أو نحوه، وبين السحاب، ولذا كان من الخطأ الاستظلال بالشجر، أو المظلات في العواصف ذات البرق، على أن الإنسان قد استخدم سهولة حدوث التفريغ بين الأجسام المدببة، والسحاب؛ لوقاية الأبنية من الصواعق، وذلك بإقامته على سطوحها قضبانا حديدية أو نحاسية، مدببة الأطراف، بحيث يكون طرف القضيب المدبب أعلى قليلا من أعلى نقطة في البناء، والطرف الآخر متصلا بلوح فلزي مدفون في أرض رطبة، ومن شأن الأطراف المدببة، أن يكون كل منها بابًا تخرج منه الكهربائية المتجمعة على السطح تدريجًا إلى السحاب الذي يظله، فيحدث التفريغ، أي الاتحاد كهربائية الأرض، وكهربائية السحاب تدريجا، فيمتنع ذلك التفريغ الفجائي المعروف بالصاعقة، على أنه إذا نزلت الصاعقة بالبناء رغم ذلك فالأرجح جدًّا أنها تصيب القضيب المدبب أول ما تصيب، وتنصرف الكهربائية إلى الأرض، بدلا من أن تدك البناء، ولذا يسمى مثل هذا القضيب المدبب الواصل إلى الأرض: بصارفة الصواعق، وقد وجدوا أن السطح الخارجي.
__________
1 سنن الله الكونية ص 158-160.
(1/301)

للقضيب هو الطريق الذي تمر به الكهربائية إلى الأرض، لذلك: كلما كان هذا السطح أكبر كان الصرف أعظم، والبناء أحصن، ولذا كانت الصفائح أفعل في حفظ الأبنية، من مثل كتلتها من الأسلاك1.
__________
1 سنن الله الكونية ص 162.
(1/302)

جبل قاف المزعوم، وحدوث الزلازل:
ومن ذلك: ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد} : فقد ذكر صاحب "الدر المنثور" وغيره، روايات كثيرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "خلق الله من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلا يقال له: "قاف"، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أيضا مثل تلك الأرض سبع مرات، واستمر على هذا حتى عد سبع أرضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سماوات".
وهذا الأثر لا يصح سنده عن ابن عباس، وفيه انقطاع، ولعل البلاء فيه من المحذوف، ولو سلمنا صحته، فقد أخذه من الإسرائيليات.
وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عنه أيضا قال: خلق الله تعالى جبلا يقال له: قاف، محيط بالعالم، وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فيحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فيزلزلها، ويحركها، ثم تحرك القرية دون القرية.
وكل ذلك كما قال القرافي لا وجود له، ولا يجوز اعتماد ما لا دليل عليه، وهو من خرافات بني إسرائيل الذين يقع في كلامهم الكذب، والتغيير، والتبديل، دست على هؤلاء الأئمة، أو تقبلوها بحسن نية، ورووها لغرابتها، لا اعتقادا بصحتها، ونحمد الله أن وجد في علماء الأمة من رد هذا الباطل، وتنبه له قبل أن تتقدم العلوم الكونية كما هي عليه اليوم، ومن العجيب أن يتعقب كلام القرافي ابن حجر الهيتمي فقال: ما جاء عن ابن عباس مروي من طرق خرجها الحفاظ وجماعة ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول.
(1/302)

الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه: حكمه حكم المرفوع إلى النبي.
وأنا أقول للشيخ الهيتمي: إن تخريج من التزم الصحة ليس بحجة، وكم من ملتزم شيئا لم يفِ به، والشخص قد يسهو ويغلط مع عدالته، وأنظار العلماء تختلف، والحاكم -على جلالته- صحَّح أحاديث حكم عليها الإمام الذهبي وغيره بالوضع، وكذلك ابن جرير على جلالته، أخرج روايات في تفسيره، حكم عليها الحفاظ بالوضع، والكذب، ولو سلمنا صحتها عن ابن عباس: فلا ينافي ذلك أن تكون من الإسرائيليات الباطلة، كما قلت غير مرة.
وأما أنَّ لها حكم الرفع فغير مسلم؛ لأن المحققين من أئمة الحديث على أن ما لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، إذا لم يكن الصحابي ممن عرف بأنه يأخذ عن مسلمة أهل الكتاب، وابن عباس ممن أخذ عنهم.
ثم إني أقول للهيتمي ومن يرى رأيه: أي فائدة نجنيها من وراء هذه المرويات التي لا تتقبلها عقول تلاميذ المدارس فضلا عن العلماء؟!! اللهم إلا أننا نفتح بالانتصار لها بابا للطعن في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم وإذا جاز هذا في عصور الجهل والخرافات فلا يجوز اليوم، وقد أصبح رواد الفضاء يطوفون حول الأرض، ويرونها معلقة في الفضاء بلا عمد، ولا جبال، ولا بحار، ولا صخرة استقرت عليها الأرض، فهذه الإسرائيليات مخالفة للحس والمشاهدة قطعا، فكيف نتعلق بها؟!.
ورحم الله الإمام الآلوسي حيث قال: والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي، من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحس، فقد قطعوا هذه الأرض؛ برها وبحرها على مدار السرطان مرات، فلم يشاهدوا ذلك، والطعن في صحة الأخبار، وإن كان جماعة من رواتها ممن التزم تخريج الصحيح أهون من تكذيب الحس، وأمر الزلازل لا يتوقف أمرها على ذلك الجبل، بل هي من الأبخرة، يعنى المتولدة من شدة حرارة جوف الأرض وطلبها الخروج مع صلابة الأرض يعني، فيحصل هذا الاهتزاز وإنكار ذلك مكابرة عند من له عرق من الإنصاف1، ولا أدري لو أن الإمام الجليل الآلوسي عاش.
__________
1 روح المعاني للآلوسي ج 26-120.
(1/303)

في عصرنا هذا، ووقف على ما وقفنا عليه من عجائب الرحلات الفضائية، ماذا كان يقول؟ إن كل مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح، والنظر الثاقب البعيد ما لهذا الإمام الكبير.
وإليك ما قاله عالم حافظ ناقد، سبق الإمام الآلوسي بنحو خمسة قرون1: فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: وقد روي عن السلف أنهم قالوا: "ق": جبل محيط يجمع الأرض يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق، ولا يكذب، وعندي: أن هذا، وأمثاله، وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة، مع جلالة قدر علمائها، وحفاظها، وأئمتها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمر بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. والله أعلم2.
قال: وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب، في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمة الله عليه أورد هنا أثرًا غريبًا، لا يصح سنده عن ابن عباس، ثم ساق السند، والمتن الذي ذكرناه آنفا.
ثم قال: فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع؛ أي: راوٍ سقط من رواته، والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: "ق": هو اسم من أسماء الله عز وجل والذي ثبت عن مجاهد وهو من تلاميذ ابن عباس الملازمين.
__________
1 الإمام ابن كثير توفي سنة 774هـ، والإمام الآلوسي توفي سنة 1270هـ.
2 تفسير ابن كثير. والبغوي ج 8 ص 37.
(1/304)

له، الناشرين لعلمه أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله تعالى: "ص، ن، حم، طس، آلم"، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما1.
__________
1 المرجع السابق.
(1/305)

الإسرائيليات في تفسير: {نْ وَالْقَلَم}
ومن ذلك: ما يذكر كثير من المفسرين في قوله تعالى: {نْ وَالْقَلَم} من أنه الحوت الذي على ظهره الأرض، ويسمى: "اليهموت"، وقد ذكر ابن جرير، والسيوطي روايات عن ابن عباس، منها: أول ما خلق الله القلم، فجرى: بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، وخلقت منه السماوات، ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، فاضطرب النون، فمادت الأرض1، فأثبتت بالجبال، وقد روي عن ابن عباس أيضا: أنه الدواة، ولعل هذا هو الأقرب، والمناسب لذكر القلم، وقد أنكر الزمخشري ورود نون بمعنى: الدواة في اللغة، وروى عنه أيضا: أنه الحرف الذي في آخر كلمة: "الرحمن"، وأن هذا الاسم الجليل فرق في: "الر" و "حم"، و "ن".
واضطراب النقل عنه يقلل الثقة بما روي عنه، ولا سيما الأثر الأول عنه، والظاهر أنه افتراء عليه، أو هو من الإسرائيليات ألصق به.
وإليك ما قاله إمام حافظ، ناقد، من مدرسة اشتهرت بأصالة النقد، وهو الإمام ابن قيم الجوزية، قال في أثناء كلامه على الأحاديث الموضوعة: "ومن هذا: حديث أن قال: جبل من زمردة خضراء، محيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان، والسماء واضعة أكنافها عليه".
ومن هذا: حديث: أن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه، تحركت الصخرة، فهذا من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل.
__________
1 تحركت ومالت.
(1/305)

وقال الإمام أبو حيان في تفسيره: لا يصح من ذلك شيء ما عدا كونه اسما من أسماء حروف الهجاء1.
__________
.
1 وهذا الرأي هو الراجح في فواتح السور من أمثال "الم" و "حم" و "ن" فهي أسماء مسمياتها الحروف الهجائية، لتكون بمثابة الدليل على إعجاز القرآن، كأن الله قال: إن القرآن مؤلَّف من جنس هذه الحروف، ومن كلمات من هذه الحروف وقد تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم الإنس والجن فعجزوا؛ وما ذلك إلا لأنه ليس من كلام بشر، وإنما هو من عند خالق القوى والقدر.
(1/306)

الموضوعات وكتب التفسير
مدخل
...
الموضوعات وكتب التفسير:
وكذلك: اشتملت بعض كتب التفسير على أحاديث موضوعة في فضائل السور والآيات القرآنية، وكذلك: فيما يتعلق بأسباب النزول وفيما يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم كقصة الغرانيق وتزوجه ببعض أزواجه، وهي: السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها.
ومن هذه الموضوعات: ما هو خفي دقيق لا يدركه إلا الحفاظ المتقنون العارفون بقواعد الجرح، والتعديل، وتواريخ الرجال، وهذا النوع راجَ على بعض الكتاب وأهل العلم، وتداولوه في كتبهم، وأحاديثهم، وخطبهم، ووعظهم وتذكيرهم للناس.
ومنها: ما يدركه من ليس له قدم ثابتة في حفظ الحديث، ونقده والعلم برجاله وأحوال رواته لمصادمته للمعقول، ولما أجمع عليه العلماء من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن مثله فقد ردوا بعض هذه المكذوبات من جهة العقل والنظر، ولم يتوسعوا في نقده من جهة النقل، والرواية، فكان على أن أستدرك ما فاتهم، وأن أتوسع في نقده من جهة السند والمتن، أو بعبارة أخرى: من جهة النقد الداخلي، والنقد الخارجي، وبذلك لا تبقى هناك أية شبهة في التمسك بهذه المرويات الواهيات الساقطات عن درجة الاعتبار.
ومن هذه المرويات المختلقة ما أجمع العلماء على الحكم بوضعه، واختلاقه، ولكن الوقوف على كلامهم وكتبهم ليس متيسرا، ولا سهلا على كل قارئ لهذه.
(1/306)

التفاسير، فمن ثم وقع فيما وقع فيه الكثيرون من الاغترار بهذه المرويات، وأمثالها، وزعمهم أن لها أصلًا، فكان علي أن أبحث، وأنقب، وأضع بين يدي القارئ ما قاله الأئمة، حتى يكون على حذر منها، ومنها ما اختلف فيه أئمة كبار: منهم من حكم بزيفه، ومنهم من حكمت عليه الصنعة الحديثية، فانتصر لها، وجعل لها أصلا، ولكنه ركب الصعب في بيان المراد منها، وذلك كقصة الغرانيق، فكان لزاما عليَّ أن أرد عليهم بمقتضى القواعد الحديثة أيضا التي أخذناها من كتب الأئمة، وعليها تتلمذنا.
لذلك: رأيت إتماما للفائدة، وإكمالا للبحث أن أتعرض لما وصله إليه علمي من الموضوعات بعد الفراغ من الإسرائيليات، وأكشف عما قاله العلماء في تزييف هذه الموضوعات، ومن الله أستمد العون والتوفيق فاللهم أَعِنْ وسدِّدْ.
(1/307)

الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيات
حديث أبي بن كعب الطويل
...
الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيات:
لقد وضعت أحاديث كثيرة في فضائل السور والآيات، وقصد واضعوها ترغيب الناس في قراءة القرآن الكريم، وزعموا أن في ذلك حسبة إلى الله تعالى، وقد بينت فيما سبق غلطهم، وفساد قصدهم، وبطلان زعمهم، وأن ذلك داخل تحت الوعيد، في قوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليَّ معتمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه الشيخان وغيرهما، وأنه لا فرق بين الكذب عليه، والكذب له.
1- حديث أبي بن كعب الطويل:
فمن ذلك: الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل القرآن سورة سورة.
فقد بحث مؤمل بن إسماعيل، حتى وصل إلى من اعترف بوضعه، قال مؤمل: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: رجل بالمدائن، وهو حيٌّ، فسرت إليه، فقلت: من حدثك، بهذا؟ قال: حدثني شيخ بواسط، فسرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فسرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني شيخ بعبادان، فسرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني.
(1/307)

بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ الذي حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك بهذا؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن1.
وقد روي هذا الحديث من طريق علي بن زيد بن جدعان، وعطاء ابن أبي ميمونة، كلاهما عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، ومن طريق هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، ومن طريق آخر، والحديث بجميع طرقه باطل موضوع2، وروي عن ابن المبارك أنه قال: أظنه من وضع الزنادقة، ومن ذلك أيضا: حديث عكرمة، عن ابن عباس، في فضائل القرآن سورة سورة، فقد سئل عنه واضعُه نوحُ بن أبي مريم3، فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة!! 4.
وقد خطأ المحدثون من ذكر هذه الأحاديث من المفسرين في كتبهم كالثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي، والبيضاوي، والمولى أبي السعود، ولكن من أبرز سنده، وذكره كالأولين، الثعلبي والواحدي فهو أبسط لعذره؛ إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، والبحث عن رواته، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه.
وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم، فخطؤه أفحش، وعذره أبعد، وذلك كالآخرين: الزمخشري، والنسفي، والبيضاوي وأبي السعود.. قال الإمام ابن الجوزي: وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما خصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، قال: ولا أعجب منهما؛ لأنهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود في كتابه الذي صنفه في:
__________
.
1 مقدمة ابن الصلاح بشرحها للعراقي ص 111-113.
2 اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة ص 117، 118.
3 نوح بن أبي مريم لقب بالجامع؛ لجمعه علوما كثيرة، أخذ النقد عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والتفسير عن الكلبي، والمغازي عن محمد بن إسحاق، والحديث عن حجاج بن أرطأة، قيل: إنه كان جامعا لكل شيء إلا الصدق.
4 مما ينبغي أن يعلم أن الصحابي ومن رواه عنه من الثقات برءاء من اختلاق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعًا، وإنما الذي افترى ذلك عليهم وعلى النبي نوح وأمثاله من الكذابين الوضاعين.
(1/308)

"فضائل القرآن"، وهو يعلم أنه حديث محال مصنوع بلا شك1.
طريقة الثعلبي في ذكر هذا الحديث والواحدي:
وقد رجعت إلى تفسير الثعلبي2 فوجدته يبرز السند كاملا تارة، وتارة يقول: عن أبي بن كعب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم ومن ذلك: ما ذكره في صدر سورة هود؛ قال: وعن أبي بن كعب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق نوحًا، وهودًا، وصالحًا، ولوطًا، وموسى".
وفي صدر سورة يوسف قال: وعن أبي بن كعب، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقرأوا سورة يوسف؛ فإنه ما من مسلم تلاها وعلَّم أهله إلا هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد أحدا".
وكذلك الواحدي: يذكر الفضائل في أول السورة؛ ليكون أدعى إلى عناية القارئ وتنشيطه.
طريقة الزمخشري ومتابعيه:
أما الزمخشري ومتابعوه: فإنهم يذكرون الفضائل في آخر السورة وقد سئل والزمخشري عن هذا، فأجاب بأن الفضائل صفات، وهي تستدعي الموصوف، يعني والموصوف مقدم على صفته، كما أنهم لا يذكرون شيئا من السند حتى الصحابي، وسأضرب أمثلة لما ذكر الزمخشري وغيره، من هذا الحديث الطويل عقب كل سورة حتى يكون القارئ على حذر منها ومن أمثالها، وقد لاحظ واضع هذا الحديث، أن يذكر فيه ما يكون ملائما لما في السورة.
فمن ذلك: ما ذكروه في آخر سورة آل عمران: حيث قال: " ... وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم" وعنه عليه الصلاة والسلام: "من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة، صلى الله عليه وسلم وملائكته، حتى تحجب الشمس".
__________
.
1 اللآلئ المصنوعة ج 1 ص 118.
2 هو مخطوط ناقص في المكتبة الأزهرية.
(1/309)

وقال في آخر سورة المائدة: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورُفِعَ له عشر درجات، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا".
أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب:
وقد يذكر بعض المفسرين في فضائل السور أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب، وذلك مثل: ما ذكره الزمخشري والبيضاوي في فضل الفاتحة، قالا: وعن حذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: "الحمد لله رب العالمين"، فيرفع الله عنهم العذاب أربعين سنة".
قال ولي الدين العراقي: في سنده الجويباري، ومأمون الهروي كذابان، فهو من وضع أحدهما1.
وقد يذكر المفسرون في فضائل الآيات ما لا يعرفه المحدثون، وذلك مثل ما ذكره الزمخشري، وتبعه النسفي وغيره، في فضل آية الكرسي2 من قوله صلى الله عليه وسلم: "ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة، أربعين ليلة، يا علي؛ علِّمها ولدك، وأهلك، وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها". وكذا الحديث الذي ذكره بعده، وهو أن الصحابة تذاكروا أفضل ما في القرآن، فقال لهم علي رضي الله عنه: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي: سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي"، فقد قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف: لم أجدهما.
__________
1 محاسن الصور في الكشف عن أحاديث السور للمغربي مخطوط.
2 الكشاف ج1 ص 279 ط بولاق.
(1/310)

المفسرون قد يذكرون أحاديث صحيحة في الفضائل:
ولا يتوهمَنَّ متوهمٌ أن جميع ما ذكره الزمخشري، والبيضاوي وأمثالهما في الفضائل موضوع، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث، ولا أهل التحقيق، فقد ذكرا وغيرهما أحاديث في غاية الصحة، وذلك مثل: ما ذكره الزمخشري، من قوله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" فقد رواه البخاري ومسلم، وقوله: "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يؤتهن نبي قبلي"، فقد أخرجه النسائي، وأحمد1.
وكذا ينبغي أن يعلم: أن كل ما ذكره الزمخشري وأمثاله عن أبي بن كعب يكون موضوعا، كلَّا، وحاشا، فقد يذكر عن أبي بن كعب ما هو صحيح أو حسن، وذلك مثل: ما ذكره في آخر تفسيره سورة الفاتحة، حيث قال: وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب: "ألا أخبرك بسورة لم تنزل في التوراة، والإنجيل، والقرآن مثلها"؟ قلت: بلى يا رسول الله: قال: "فاتحة الكتاب؛ إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" 2أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي، والحاكم، وصححه على شرط مسلم.
وتفسير الحافظ ابن كثير أجل ما يعتمد عليه في أحاديث الفضائل ما صح منها، وما لم يصح، والسور التي صحت في فضائلها الأحاديث: الفاتحة، والزهراوان، والأنعام، والسبع الطوال مجملة، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان، وما عداها لم يصح فيها شيء، وأصح ما ورد في فضائل السور هو، ما ورد في سورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} .
وكذلك ورد في فضائل السور أحاديث حسان، وأحاديث ضعاف لم تصل إلى حد الوضع، فكن من ذلك على بينة.
__________
.
1 تفسير الكشاف ج1 ص 292 ط بولاق.
2 الكشاف ج 1 ص 59 ط بولاق.
(1/311)

الموضوعات في أسباب النزول:
ومن الأحاديث، والآثار الموضوعة، المذكورة في كثير من كتب التفاسير: ما يتعلق بأسباب النزول، وسأذكر منها ما تيسر لي الوقوف عليه، منها: ما لا يَتنَبِه إليه إلا الحافظ الناقد المتقن، ومنه ما يدركه الحافظ وغير الحافظ، لظهور بطلانها عقلا ونقلا، كقصة الغرانيق، وقصة زواجه صلى الله عليه وسلم بالسيدة زينب بنت جحش، وسنعرض لبيان بطلانهما فيما يأتي إن شاء الله، فمن ذلك ما روي في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} 1، فقد روي عن ابن عباس: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، حينما خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقال ابن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد الصديق، فقال: مرحبا بالصديق: سيد بني تميم، وثاني رسول الله في الغار. وأخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بالفاروق، ثم أخذ بيد علي، فقال: مرحبا بابن عم النبي، وختنه2، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله!! ثم افترقوا، فقال ابن أبي لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء، فإذا قابلتموهم، فافعلوا مثل ما فعلت.
وهو من رواية السدي؛ أي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: هو سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوضع لائحة عليه، وسورة البقرة: نزلت في أوائل الهجرة، وزواج علي بفاطمة كان في السنة الثانية3.
وقد ذكر هذا السبب الثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي في تفاسيرهم ولم يتنبه أحد منهم إليه وتنبه له ابن جرير، فلم يذكره، وكذا ذكره السيوطي في الدر، إلا
__________
1 البقرة الآية 14.
2 يعني زَوْج ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها.
3 انظر كيف نقد الحافظ من جهة السند والمتن، وهذا يرد مزاعم المستشرقين وأتباعهم من أنهم عنوا بنقد السند دون المتن.
(1/312)

أنه قال: بسند واهٍ، وكان عليه أن لا يذكره، ما دام سنده واهيا، وقد سمعت مقالة الإمام الحافظ ابن حجر فيه.
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا} الآية1.
فقد روى أبو نعيم في الدلائل من رواية محمد بن مروان السدي عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: "راعنا بلسان اليهود: السب القبيح، فكانت اليهود تقولها لرسول الله سرا، فلما سمعها أصحابه أعلنوا بها، فكانوا يقولونها، ويضحكون منها، فسمعها سعد بن معاذ منهم، فقال: لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه فنزلت.
قال الحافظ ابن حجر في تخريجه: السدي الصغير متروك، وكذا شيخه، أقول: وهي سلسلة الكذب كما تقدم، وقد ذكر هذا الزمخشري، والبيضاوي، والآلوسي، وغيرهم.
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين} 2 فقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن خباب بن الأرت، قال: جاء الأقرع بن حابس، وعيينة ابن حصن الفزاري، فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب، وبلال وعمار، وخباب قاعدا في أناس من الضعفاء، فلما رأوهم حول النبي حقروهم، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلسا يعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم، قال: "نعم" قالوا: اكتب لنا كتابا بذلك، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، فنزل جبريل بهذه الآية
__________
.
1 البقرة: الآية 104.
2 الأنعام: 52.
(1/313)

وهذا غير صحيح، فإن الآية مكية، بل قيل: إنها نزلت كلها جملة واحدة، والأقرع بن حابس، وعيينة إنما أسلما بعد الفتح وهذان من المؤلفة قلوبهم، فكيف يعقل نزول الآية بسبب مقالتهم؟ والصحيح أن القائل هم المشركون، ولعل هذا السبب هو ما عناه ابن تيمية بقوله في: "المنهاج"1: وكقولهم: إن آية: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِين} .. نزلت في أهل الصفة فإن هذا الكتاب مما لا يخفى على غير أهل الحديث.
وقد ذكر هذا السبب الآلوسي وغيره، ولم ينبهوا إليه، إلا أن الخازن عقب بما يدل على عدم صحته، ومن ذلك: ما ذكره المفسرون: كالزمخشري والنسفي، والخازن، وغيرهم في سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} 2، فقد ذكروا أنها نزلت في سيدنا علي رضي الله عنه حينما مر به سائل، وهو في الصلاة، فطرح له خاتمه، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، كما حكم عليه بالوضع أيضا: الإمام ابن تيمية وأثر التشيع ظاهر عليه، وجميع أسانيده لا تخلو من ضعف وجهالة3 والمعروف عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم ما كانوا يشتغلون في الصلاة بغيرها، بل كانوا في غاية الخشوع والاستغراق في الصلاة، والركوع هنا على معناه اللغوي، وهو: الخشوع، والخضوع.
قصة الغرانيق موضوعة:
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 4.
فقد ذكر بعض المفسرين في سبب ذلك ما قاله السيوطي: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن المنذر، من طريق بسند صحيح: "كما زعم" عن سعيد بن جبير،
__________
.
1 منهاج السنة ج 4 ص 115-116.
2 المائدة: 55.
3 تفسير ابن كثير ج 3 ص 183.
4 الحج 52-54.
(1/314)

قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بمكة: {وَالنَّجْمِ} فلما بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجدوا وسجد، فنزلت، وأخرجه البزار، وابن مردويه، بوجه آخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فيما أحسبه وقال: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، وبعد أن ذكر له طرقا كثيرة قال: وكلها إما ضعيفة، وإما منقطعة، سوى طريق سعيد بن جبير الأولى وهذا الطريق وطريقان آخران مرسلان عند ابن جرير هم معتمد المصححين للقصة، كابن حجر والسيوطي1.
وهذه القصة غير ثابتة: لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل والنظر. أما من جهة النقل: فقد طعن فيها كثير من المحققين والمحدثين، قال البيهقي؛ وهو من كبار رجال السنة: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقال القاضي عياض في: "الشفاء"2: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، والمولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذا المقالة من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع منها حديث شعبة، عن أبي البشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -فيما أحسب- "الشك في وصل الحديث": "أن النبي كان بمكة وذكر القصة" قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعرفه يروى عن النبي بإسناد متصل، إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فقد بيَّن أبو بكر أنه لا يعرف عن طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي: فمما لا يجوز الرواية منه، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه. ا. هـ. وكذا أنكر القصة القاضي أبو بكر ابن العربي وطعن فيها من جهة النقل، وسئل محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن
__________
.
1 أسباب النزول للسيوطي على هامش تفسير الجلالين ج2 ص 14-16.
2 جزء 2 ص 116 وما بعدها ط عثمانية.
(1/315)

هذه القصة، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا1 وذهب إلى وضعها الإمام: أبو منصور الماتريدي، في كتاب "حصص الأتقياء" حيث قال: الصواب أن قوله: تلك الغرانيق العلى من جملة إيحاء الشياطين إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقَّاء الدين؛ ليرتابوا في صحة الدين، والرسالة بريئة من مثل هذه الرواية.
فها نحن نرى أن من أنكرها وقضى بوضعها أكثر مما صححها اعتمادا على روايات مرسلة.
اضطراب الرواية:
ومما يقلل الثقة بالحديث: اضطراب الروايات اضطرابا فاحشا؛ فقائل يقول: إنه كان في الصلاة، وقائل يقول: قالها في نادي قومه، وثالث يقول: قالها وقد أصابته سنة، ورابع يقول: بل حديث نفسه فَسَهَا. ومن قائل: إن الشيطان قالها على لسانه، وإن النبي لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا اقرأتك؟ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي قرأها كما رويت: تلك الغرانيق العلى على أنحاء مختلفة، وكل هذا الاضطراب مما يوهن الرواية، ويقلل الثقة بها، والحق أبلج والباطل لجلج.
القصة لم يخرجها أحد ممن التزموا الصحيح:
والقصة لم يخرجها أحد ممن التزموا الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، والذي روي في البخاري عن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس"، وفي رواية ابن مسعود: "أول سورة أنزلت فيها سجدة: والنجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا"2. أما سجود المسلمين: فاتباعا لأمر الله، وأما سجود المشركين: فلما سمعوه من أسرار البلاغة.
__________
.
1 هكذا قال الرازي في تفسيره، إنه محمد بن إسحاق بن خزيمة، وفي الآلوسي نقلا عن تفسير البحر: إنه محمد بن إسحاق جامع السيرة وقد بحثت فتبين لي أن ابن إسحاق جامع السيرة ممن ذكرها في سيرته فاستبعدت معه أن يكون هو الذي فندها ورجحت الأول. وابن خزيمة من الحفاظ الكبار توفي سنة 311 هـ.
2 فتح الباري ج 8ص 498.
(1/316)

الفائقة، وعيون الكلم الجوامع، مع التهديد والإنذار، وقد كان العربي يسمع القرآن، فيخر له ساجدا، أضف إلى ذلك ما فيه من موافقة الجماعة، والشخص إذا كان في جماعة يندفع إلى موافقتها من غير ما يشعر، ولو كان الأمر على خلاف ما يهوى ويحب، وهذا أمر مشاهد، وفي علم النفس ما يؤيده، وذكر البخاري في تفسير سورة الحج قال: وقال ابن عباس: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه} : إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم آياته ويقال: أمنيته قراءته، فقد حكى الثاني بصيغة التمريض، التي تدل على الضعف، وليس في هذا ولا ذاك ما يشير إلى ما يزعمون.
المعتمدون للقصة:
ومع ما ذكرنا من قول المحققين في القصة: فقد حكمت الصنعة والقواعد الاصطلاحية على الحافظ ابن حجر، فصحح القصة وجعل لها أصلا، قال في "الفتح"1 في تفسير سورة الحج، بعد ما ساق في الطرق الكثيرة، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير؛ إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا، مع أن لها طريقين مرسلين آخرين، رجالهما على شرط الصحيح؛ أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكر نحوه، والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتكمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، وبعد أن ذكر كلام القاضي أبي بكر ابن العربي، وعياض قال: وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد؛ فإن الطرق إذا كثرت وتبينت مخارجها: دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج لاعتداد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، فإنه لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إن كان مغايرا لما جاء به من التوحيد، لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك، وبعد أن ذكر الكثير
__________
1 جزء ثامن ص 354-355.
(1/317)

منها، ولم يرتضه، ارتضى لتصحيح القصة هذا التأويل، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتل القرآن ترتيلا، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمة محاكيا نغمته، بحيث سمعها من دنا، فظنه من قوله، وأشاعها بين الناس: قال: وهو الذي ارتضاه القاضي عياض وأبو بكر ابن العربي. ا. هـ، والقاضيان: عياض وأبو بكر رأيهما البطلان نقلا وعقلا ولكنهما ارتضيا ذلك تنزلا على تسليم الصحة.
الذي أجيب به على ما ذكره الحافظ:.
1- أن جمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني: فلا يؤمَن أن يكون كذابا1، والإمام مسلم قال في مقدمة كتابه: والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار: ليس بحجة. وقال ابن الصلاح في مقدمته: "وذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، وتداولوه في تصانيفهم"، والاحتجاج به مذهب مالك، وأبي حنيفة والشافعي، بشروط ذكرها في رسالته، ونقلها العراقي في شرح ألفيته، وقد قالوا في مراسيل أبي العالية: إنها كالريح كما في "التدريب" وإني لأذكر الحافظ بما ذكره من البلاء في الاحتجاج بالمراسيل في مقدمة كتابه لسان الميزان2.
2- الاحتجاج بالمرسل إنما هو في الفرعيات التي يكفي فيها الظن، أما الاحتجاج به على إثبات شيء يصادم العقيدة وينافي دليل العصمة فغير مسلم، وقد قال علماء التوحيد: إن خبر الواحد لو كان صحيحا لا يؤخذ به في العقائد؛ لأنه لا يكتفى فيها إلا باليقين، فما بالك بالضعيف.
__________
.
1 نزهة النظر شرح نخبة الفكر للحافظ ص 27 ط الاستقامة.
2 قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "لسان الميزان": روي عن شيخ من الخوارج أنه قال بعدما تاب: "إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا" قال الحافظ: "وهذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل؛ إذ بدعة الخوارج كانت في الصدر الأول، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين، ومن بعدهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثًا، وأشاعوه، فربما سمعه الرجل السني فحدث به، ولم يظهر من حدث به فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع، فيحتج به، ويكون أصله ما ذكرت" وهو كلام من الدقة والنفاسة بمكان، وأنا لا أؤاخذ الحافظ إلا بما قال.
(1/318)

3- هذا التأويل الذي ارتضاه ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع متأوله فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على النبي، فالتسلط عليه بالمحاكاة، كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات، وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذي نطق في أثناء سكوت الرسول، فكيف لا يسمع ما حكاه الشيطان؟ وإذا سمعها، فكيف لا يبادر إلى إنكارها؟ والبيان في مثل هذا واجب على الفور، وإذا لم يسمع النبي، ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا، فكيف يسكتون؟ وإذا لم يسمعوا فهل بلغ من تسلط الشيطان أن يحول بينهم وبين السماع؟.
ومثل هذا: ما ذكره موسى بن عقبة في مغازيه: من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين، فهل كان الشيطان يسر في آذان المشركين دون المؤمنين؟ ثم كيف يتفق هذا وما روي من أن النبي حزن حزنا شديدا، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا.
الحق: أن نسج القصة مهما تأول فيه المتأولون فهو مهلهل متداعٍ لا يثبت أمام البحث.
مصادمة القصة للقرآن المتواتر:
فقد أفادت القصة: "تسلط الشيطان على النبي بالزيادة في القرآن ما ليس منه، وهو مخالف لقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان} وأي شخص أحق بهذه العبودية من الأنبياء بله رسول الله؟ وقال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وأي بشر أصدق إيمانا وأقوى توكلا من رسول الله؟ وقد صدق الشيطان ذلك، كما حكاه الله تعالى عنه بقوله: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} بفتح الللام وكسرها، ومن أحق من الأنبياء بالأصطفاء، أو من أشد إخلاصا منهم؟.
وأما بطلان القصة من جهة العقل والنظر:
فقد قام الدليل وأجمعت الأمة على عصمته، عليه الصلاة والسلام من مثل ما روي إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهة العرب وهو كفر، أو أن.
(1/319)

يتسور عليه الشيطان، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ذلك، حتى ينبهه جبريل، وذلك ممتنع في حقه أن يقوله من قبل نفسه عمدا وهو كفر، أو سهوًا وهو معصوم، وقد ثبت بالبراهين والإجماع عصمته من جريان ذلك على لسانه، أو قلبه، لا عمدا ولا سهوا، أو يكون للشيطان سبيل عليه في التبليغ، ولو جوزنا ذلك لذهبت الثقة بالأنبياء، ولوجد المارقون سبيلا للتشكيك في الأديان1.
ووجه آخر لفساد هذه القصة: وهو أن الله تعالى ذم الأصنام في هذه السورة، وأنكر على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وما التمسك بأذيالها إلا أوهام وظنون، فلو أن القصة صحيحة: لما كان هناك تناسب بين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظْم مفككا، والكلام متخاذلا، وكيف يقع مدح بين ذمين؟ بل كيف يجوز هذا ممن كمل عقله على كل العقول، واتسع في باب البيان ومعرفة الفصيح علمه؟ وكيف يطمئن إلى مثل هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، ومنهم أعداؤه الذين يتلمسون له الزلات والعثرات؟ ولو أن ما روي كان واقعا لشغب المعادون، وارتد الضعفاء من المؤمنين، ولقامت قيامة مكة، كما حدث في الإسراء، ولكن شيئا من ذلك لم يكن.
ووجه ثالث: وهو أن بعض الروايات ذكرت أن فيها نزلت: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} 2، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله ذكر: أنهم كادوا يفتنونه ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم، ومفاده: أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته، حتى لم يكد يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلا عن الركون، لمكان العصمة والتثبت، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم وهذا ضد مفهوم الآيتين، وهو تضعيف للحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟ ولقد طالبته قريش وثقيف؛ إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل، ولا كان ليفعل، فكيف يدعي المتخرصون أنه مدح أصنامهم؟ ومما يدل على افتعال القصة: ما ذكره الأستاذ الإمام الشيخ: محمد عبده في رده.
__________
.
1 الشفاء للقاضي عياض ص 119 جزء ثان ط عثمانية.
2 الإسراء الآيتان: 73، 74.
(1/320)

هذه الفرية، وهو أن وصف العرب لآلهتهم بالغرانيق لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم، إلا ما جاء في: "معجم ياقوت" من غير سند ولا معروف بطريق صحيح، والذي تعرفه اللغة: أن الغرنوق والغرانيق: اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه: الشاب الأبيض الجميل، ويطلق على غير ذلك "راجع القاموس"، ولا شيء من معانيه اللغوية يلائم معنى الإلهية والأصنام، حتى يطلق عليها في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان، ولا يجوز أن يكون هذا من قبيل المجاز، بتشبيه الأصنام والآلهة بالغرانيق؛ لأن الذوق الأدبي العربي يأبى ذلك.
زعم مردود:
وقد حاول أحد أعداء الدين، وهو "سيرموير" المستشرق؛ الذي طبل لهذه القصة وزمر، أن يدعمهما بما يزعم أنه صحيح، وهو ما روي أن النبي لما قال ذلك، تهادن المسلمون والمشركون، وترامى الخبر إلى مهاجري الحبشة، فرجعوا إلى وطنهم، وهو باطل، والسبب في رجوع مهاجري الحبشة، هو إسلام السيد الهمام: عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد أعز الله به الإسلام، وقوى شوكة المسلمين، فخفف المشركون من غلوائهم مما رغب مهاجري الحبشة في الرجوع إلى وطنهم، وانضم إلى ذلك: حدوث ثورة في بلاد النجاشي، كان اعترافه بأن ما جاء به القرآن في عيسى وأنه عبد الله ورسوله حق مصدق لما جاء به الإنجيل، وإيواؤه المسلمين بعض أسبابها، فآثر المسلمون العودة على المقام بالحبشة، خشية أن يتطاير إليهم بعض الشرر والضرر.
وإذا كانت القصة غير ثابتة من جهة النقل، وهي مخالفة للقرآن المتواتر، ومناقضة لما ثبت بالعقل، مع تعذر التأويل، فلا جرم أن التحقيق يدعوني إلى أن أصدع بأن حديث الغرانيق مكذوب مختلق وضعه الزنادقة، الذين يحاولون إفساد الدين والطعن في خاتم الأنبياء.
وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الموفقة: فما معنى الآية حينئذ؟ وللإجابة عن ذلك: أذكر خلاصة ما ذكره الأستاذ الإمام في تفسيرها، وفي تفسيرها وجهان: الأول، أن.
(1/321)

التمني بمعنى القراءة1. إلا أن الإلقاء لا بالمعنى الذي ذكره المبطلون، بل بمعنى إلقاء الأباطيل والشبه مما يحتمله الكلام، ولا يكون مرادا للمتكلم، أو لا يحتمله، ولكن يدعي أن ذلك يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين، الذين دأبهم محاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان حينئذ؛ لأنه مثير الشبهات بوساوسه، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيا أنزل الله فيه هداية لهم، قام في وجهه مشاغبون يتقولون عليه ما لم يقله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجالدونهم ويجاهدون في سبيل الحق، حتى ينتصر، فينسخ الله ما يلقي الشيطان من شبه، ويثبت الحق، وقد وضع الله هذه السنة في الخلق ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن ضعفاء الإيمان الذين في قلوبهم مرض، ثم يتمحص الحق عند أهله، وهم الذين أوتوا العلم، فيعلمون أنه الحق من ربهم، وتخبت له قلوبهم.
ثانيا: أن التمني: المراد به تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون، والأمنية من هذا المعنى: وما أرسل الله من رسول، ولا نبي ليدعو قومه إلى هدى جديد، أو شرع سابق إلا وغاية مقصوده، وجل أمانيه، أن يؤمن قومه، وكان نبينا من ذلك في المقام الأعلى: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} ، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} ، ويكون المعنى: وما أرسلنا من رسول ولا نبي، إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية، ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات ووسوس في صدور الناس، فثاروا في وجهه، وجادلوه بالسلاح حينا وبالقول حينا آخر، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها، ونالوا منه وهو قليل الأتباع، ظنوا أن الحق في جانبهم، وقد يستدرجهم الله جريا على سنته، يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا، فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق، ولكن سرعان ما يمحق الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات، وينشيء من ضعف أنصار الآيات قوة، ومن ذلهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ليعلم
__________
.
1 هذا التفسير ورد في صحيح البخاري تعليقا إلا أنه جعله مرجوحا لا راجحا وكذلك أشار إلى الوجه الثاني وهو تفسير التمني بالتشهي، وجعله هو الراجح "صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الحج".
(1/322)

الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق، فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، هذا هو الحق، وما عدا ذلك فهو باطل.
(1/323)

3- إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها:
ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} 1.
فقد روي عن قتادة وابن زيد2 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بيت زيد في غيبته، فرأى زينب في زينتها. وفي رواية: أن الريح كشفت عن ستر بيتها، فرآها في حسنها، فوقع حبها في قلبه فرجع وهو يقول: سبحان الله العظيم، سبحان مقلب القلوب، فلما حضر زيد أخبرته بكلام رسول الله، فذهب زيد، وقال: بلغني أنك أتيت منزلي، فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك، فأفارقها، فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك، واتق الله، فنزلت الآية، وقد ذكر هذا السبب في تفسير الجلالين، وفسر المفسر الجلال الآية على هذه الرواية، فيقول: وتخفي في نفسك ما الله مبديه تظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجتها، وذكر مثله الزمخشري، والنسفي، وابن جرير، والثعلبي، وغيرهم، إلا ان ابن جرير ذكر بجانب هذا الباطل المدسوس رواية تتفق مع الواقع والحق، وذكر مثل هذه الروايات الباطلة، التي ليس لها من شاهد من نقل ولا عقل، غفلة شديدة، وإن كان من أبرز سنده تبعته أخف، وهذه الرواية إنما هي من وضع أعداء الدين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم متهم بالكذب، والتحديث بالغرائب، ورواية الموضوعات، ولم يذكر هذا إلا المفسرون والإخباريون المولعون بنقل
__________
1 الأحزاب: 37.
2 هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما بين ذلك الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف.
(1/323)

كل ما وقع تحت أيديهم من غث أو سمين، ولم يوجد شيء من ذلك في كتب الحديث المعتمدة التي عليها المعول عند الاختلاف، والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك، وليس فيه هذه الرواية المنكرة، روى البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ} : نزلت في شأن زينب ابنة جحش، وزيد بن حارثة واقتصر على هذا القدر، وليس فيه شيء من هذا الخلط، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر رواية قتادة: "ووردت آثار أخرى، أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، وما أوردته هو المعتمد"، وهذه شهادة لها قيمتها، والذي أورده هو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن طريق السدي، في هذه القصة، فساقها سياقا واضحا حسنا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب: عمة رسول الله، وكان رسول الله أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم رضيت بما صنع رسول الله، فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه بعد، أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى أن يعيب عليه الناس، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا. وهو السبب الصحيح، وروى ابن أبي حاتم أيضا، والطبري، كلٌّ بسنده عن علي ابن الحسين بن علي، قال: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها، وقال له: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك"، قال الله: قد أخبرتك أني مزوِّجُكَها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه1، وقال ابن كثير في تفسيره2 عند قول الله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} : "ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا أثارا عن بعض السلف رضي الله عنهم أحببنا أن نضرب عنهم صفحًا؛ لعدم صحتها فلا نوردها".
التفسير الصحيح للآية:
وهاك تفسير الآية الذي يساير روحها ونصها، وتشهد له الروايات الصحيحة، وتتجلى
__________
.
1 فتح الباري ج 8 ص 425 ط الأزهرية.
2 جزء 6 ص 560 ط المنار.
(1/324)

فيه حكمة الله العالية؛ ذلك: أن العرب كان من عادتها التبني، وكانت تلحق الابن المتبنى بالعصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث، وحرمة زوجته على من تبناه، وكانت تلك العادة متأصلة في نفوسهم، كما كان كبيرا أن تتزوج بنات الأشراف من موالٍ، وإن أعتقوا، وصاروا أحرارا طلقاء، فلما جاء الإسلام، كان من مقاصده: أن يزيل الفوارق بين الناس التي تقوم على العصبية، وحمية الجاهلية، فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وأن يقضي على حرمة زوجة الابن المتبنى، وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من قريش هو زيد، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة -حرمة زوجة الابن المتبنى- هو رسول الله، وما على بنات الأشراف أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم، وقد قضوا منهن وطرا، وإمام المسلمين، ومن يصدع بأمر الله، قد فتح هذا الباب، وتزوج حليلة متبناه بعد فراقها، وقد كان كل ما أرد الله، فرسول الله يخطب زينب لزيد، فتأبى، ويأبى بعض أهلها، ويكرر رسول الله الطلب، وينزل الوحي بذلك: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا} فلم يبقَ إلا الإذعان من زينب وأهلها، ولكن زيدا وجد منها تعاظما، فيرغب في فراقها، ويستشير الرسول، فينصحه بإمساكها، وكان جبريل قد أخبر رسول الله بأن زينب ستكون زوجة له، وسيبطل الله بزواجه منها هذه العادة، ولكن النبي وجد غضاضة على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقها، ويتزوجها من بعد، فتشيع المقالة بين الناس، أن محمدا تزوج حليلة ابنه، وبذلك: يصير عرضة للقيل والقال من أعدائه، وهو في دعوته إلى دين الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، فهذا المقدار من خشية الناس حتى أخفى ما أخبره الله به -وهو نكاحها- هو ما عاتبه الله عليه، وقد صرح الله في كلامه بالسبب الباعث على هذا الزواج فقال: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} ، هذا هو التفسير الذي يتفق مع الحق والواقع.
وقد نسج المستشرقون، والمبشرون، أعداء الدين، من تلك الروايات المختلقة الواهية
__________
.
1 الأحزاب الآية 36.
(1/325)

ثوبا من الكذب والخيال، وصوروا السيدة زينب وقد رآها النبي الطاهر، كما يصور الشباب الطائش إحدى غادات المسرح، وطعنوا في غير مطعن، فالروايات ليس لها أساس من الصحة فبناؤهم على غير أساس.
يقول الدكتور هيكل في "حياة محمد"1:
ويطلق المبشرون والمستشرقون لخيالهم العنان، حين يتحدثون عن تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ليصور بعضهم زينب ساعة رآها النبي، وهي نصف عارية أو تكاد، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها، الناطق بما يكنيه من كل معاني الهوى، وليذكر آخرون: أنه حين فتح باب بيت زيد لعب الهواء بأستار غرفة زينب، وكانت ممدودة على فراشها في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه، وإن لم يُطِقِ الصبر على ذلك طويلا!! وأمثال هذه الصور التي أبدعها الخيال كثير، تراه في موير وفي درمنجم وفي واشنطن ارفنج، وفي لامنس. وغيرهم من المستشرقين والمبشرين.
وثمة حجة دامغة تذهب بالقصة من أساسها، فالسيدة زينب هي: بنت أميمة بنت عبد المطلب، بنت عمة رسول الله، وقد ربيت على عينه، وشهدها وهي تحبو، ثم وهي شابة، وله بحكم صلة القرابة معرفة بها، وبمفاتنها، ولا سيما: والنساء كن يبدين من محاسنهن ما حرم الإسلام منه بعد، وهو الذي خطبها على زيد مولاه، وكرر الطلب، حتى استجيب له، روى ابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب: إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك، قالت: لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي، وبنت عمتك، فنزلت الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ} قالت: قد أطعتك، فاصنع ما شئت، فغير معقول، والحال كما ذكرت، ألا يكون شاهدها، فلو كان يهواها، أو وقعت من قلبه، فأي شيء كان يمنعه من زواجها، وإشارة منه كافية؛ لأن يقدموها له وما ملكت؟ فمثله وهو في الذروة من قريش نسبا وخلقا ودينا، ما كان يُقدَع أنفه2. ومن بعد ذلك، فحياة رسول الله من.
__________
1 حياة محمد ص 308.
2 مثل يضرب للرجل الكفء الكريم، والأصل فيه أن الفحل من الإبل إذا كان غير كريم ضربوا أنفه ودفعوه حتى يبعد عن الناقة، فإذا كان كريما تركوه فصار مثلا: "مثل الفحل لا يقدع أنفه".
(1/326)

صباه إلى كهولته إلى أن توفي ترد هذه الفرية؛ فحياته لم تكن حياة حب واستهتار، ولا عرف عنه أنه كان زير نساء، ولا صريع الغواني؛ وإنما كانت حياة الشرف والكرامة، ما عرفت الدنيا أطهر ذيلا منه، ولا أعف منه، ولا لمست يده قط يد امرأة لا تحل له بشهوة، وكيف يكون على هذا الحال الذي افتروه من خاطبه من يعلم السر وأخفى، بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم} ، ولو كان رسول الله صاحب هوى، أو غرام لأشبع رغبته وهو في ميعة الصبا وشرخ الشباب، أيام أن كان الغيد الكواعب من بنات الأشراف تشرئب أعناقهن إلى أن يكن حليلات له، ولكنه قضى شبابه مع سيدة تزيد على الأربعين، ورضيها زوجا له، حتى توفاها الله، ومهما قيل في جمالها: فهناك غيرها من الأبكار الشابات من يفقنها في الجمال، وللأبكار ما لهن من جاذبية وروعة، ومن قضى بغير ذلك: فقد خالف سنة الله في الفطرة، واتبع شواذ العادات.
ولم يكن زواج رسول الله بزوجاته إلا لحكم ومقاصد سامية: فزواجه بعائشة وحفصة توكيد للعلاقة بينه وبين وزيريه، وزواجه بالسيدتين، سودة وزينب بنت عبد الله تكريم لهما، وللعقيدة القوية في شخص زوجيهما1، وزواجه بالسيدة أم سلمة جبر لكسرها، وتعويض لها عن فقد عائلها، وعرفًا لتضحياتها وتضحيات السيد أبي سلمة زوجها، ومهما قيل في أم سلمة، وأنها كانت ذات جمال في شبابها؛ فقد كان في كبر سنها وما مرت به من أحداث جسام، من الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وما أنجبت من أولاد، وما رزئت به في فقد الرجل الذي ما كانت تظن أن هناك من هو خير منه. لقد كان في كل ذلك ما يذوي بهذا الجمال، إن لم يذهب به، ثم أليس في غيرها من بنات المهاجرين والأنصار الأبكار من تفوقها جمالا، وشبابا، وثروة، ونضرة؟!.
وزواجه بالسيدة: أم حبيبة بنت أبي سفيان حفظ لها من الضيعة وهي في بلاد نائية عن بلادها، فقد تنصر زوجها: عبيد الله بن جحش ومات على نصرانيته، وثبتت هي على إيمانها، وتحملت آلام الوحدة والغربة؛ فلم يكن ثم شيء أجمل مما صنعه الرسول
__________
.
1 فقد هاجرت السيدة سودة مع زوجها إلى الحبشة فمات هناك، وأما السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله فكانت تحت عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أحد شهداء بدر، وقيل كانت زوجة عبد الله بن جحش شهيد "أحد".
(1/327)

معها، وقد تزوجها النبي وهي بالحبشة ولم يدخل بها إلا عام سبع بعد خيبر فكيف يكون هذا حال من أولع بالنساء، وصار همه إشباع رغباته الشهوانية ونهمه الجنسي؟!.
وزواجه بالسيدة: زينب بنت جحش؛ لإبطال هذه العادة، ويطول بي القول لو استقصيت الحكم في زواجه صلى الله عليه وسلم فلذلك مقام آخر. والعجب من هؤلاء الطاعنين إذا وقعوا على ما يشفي غليلهم من باطل الروايات، تمادوا في قلب الحقائق، وأنكروا عقولهم، وتجاهلوا الظروف والملابسات، والبيئة، وأحكامها، والعادات وسلطانها إلى غير ذلك مما يتفيهقون به، بينما يطيشون بالحكم على روايات في غاية الصحة بأنها موضوعة ولا حامل لهم في الحالين إلا الهوى والتعصب. وبعد: فإذا كانت القصة كما رأيت، لا سند لها من جهة النقل، وحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تكذبها، وطبيعة البيئة التي جرت فيها تجلت أصولها، فلم يبقَ إلا أنها موضوعة.
(1/328)

سبب نزول مشهور على الألسنة وهو موضوع
...
4- سبب نزول مشهور على ما هو موضوع:
ومن ذلك ما يذكره غالب المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} ؛ فقد روي عن ابن عباس، أن الحسن والحسين مَرِضَا، فعادهما جدهما رسول الله، ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما من عادهما من الصحابة، فقالوا لعلي كرم الله وجهه: لو نذرت على ولديك، فنذر علي، وفاطمة، وجارية لهما إن برءا أن يصوموا ثلاثة أيام شكرًا لله، فألبس الله الغلامين ثوب العافية، فاستقرض سيدنا علي ثلاثة آصع، فجاء بها، فقامت السيدة فاطمة إلى صاع، فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم، فوقف بالباب سائل، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا شيئا، وفي اليوم الثاني: جاء يتيم فأعطوه الأقراص الخمسة كذلك، وفي اليوم الثالث: جاء أسير فعل مثل الأولين، وقد اشتمل الخبر على شعر ركيك، فهبط جبريل على النبي، فقال: خذها يا محمد، فأقرأه: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} السورة. وقد أخرج هذا الخبر معظم المفسرين، ويكاد لم يسلم تفسير منه، حتى إن الحافظ السيوطي ذكره في: "الدر" مع أنه وافق على ضعفه في اللآلئ: وقد نبه على وضعه: الحكيم الترمذي، والحافظ ابن الجوزي، وابن حجر في:
(1/328)

"التخريج"، وقال: آثار الوضع لائحة عليه لفظا ومعنى، فبناء سيدنا علي بالسيدة فاطمة كان بالمدينة في السنة الثانية، مع أن السورة مكية، كما روي عن ابن عباس والجمهور1، فليس من المعقول أن يكون هذا هو السبب، ومن العجيب: أن الإمام الآلوسي قد حاول إثبات الخبر بالخلاف في مكيتها ومدنيتها، وبأن ابن الجوزي متساهل في الحكم بالوضع. ومعظم التفاسير ذكرت هذا السبب؛ لأن الحكم بوضعه يخفي إلا على الحافظ الناقد البصير.
__________
1 هذا يدل على أن المحدثين كانوا يعنون بنقد المتون عنايتهم بنقد الأسانيد، وهذا يرد ما تقوَّله عليه المستشرقون وأتباعهم.
(1/329)

5- سبب نزول عليه أثر العصبية السياسية:
ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} ، قال السيوطي في "الدر المنثور": أخرج الترمذي، وضعفه، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن مازن الرؤاسي، قال: قام رجل إلى الحسين بن علي، بعدما بايع معاوية، فقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك الله؛ فإن النبي رأى بني أمية على منبره، فساءه ذلك فنزلت: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ، ونزلت: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ،} يملكها بنو أمية، يا محمد، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقال فيه ابن كثير: إنه منكر جدا، وحكم ببطلان هذا التأويل أيضًا ابن جرير في تفسيره، حيث قال بعدما ذكر هذا الحديث ضمن أقوال ذكرها، قال: وأشبه الأقوال بظاهر التنزيل من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وأما الأقوال الأخر، فمعانٍ باطلة لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التنزيل1، وهذا الحديث معناه غير صحيح، فإن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استقل بالملك حين سلم إليه الحسن سنة 40هـ، واستمر ملكهم إلى سنة 132هـ، لم يخرج ملكهم إلا الحرمان، والأهواز، مدة ابن
__________
1 تفسير الطبري ج 30 ص 167.
(1/329)

الزبير وهي تسع سنين، وخروج بعض الجهات عن ملكهم في هذه المدة لا يكون مبررا لإنقاصها من ملكهم، فمدتهم إذًا: اثنان وتسعون عاما، وهي أكثر من الألف، ولو سلمنا إنقاص مدة ابن الزبير، فمدتهم لا توافق الألف وإن كانت تقرب منها فالحديث المزعوم كيفما حملناه فمعناه غير صحيح، مع أن لوائح الوضع ظاهرة عليه، والترمذي قال فيه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم، وهو ثقة، وشيخه مجهول، والبلاء غالبا من المجاهيل، ومما يوهن الحديث ويدل على وضعه أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم، وأيضا: فإن ليلة القدر شريفة، والسورة الكريمة نزلت لبيان شرفها، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية، وهي مذمومة بمقتضى هذا الحديث، فالحديث لا يعطي ما أراده الواضع من ذم أيامهم، كما يعارض ما دلت عليه السورة من شرف هذه الليلة، مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان وقديما قيل:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
(1/330)

ما ذكره بعض المفسرين في تأييد رأي أو بيان معنى: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء"
فمن ذلك ما ذكره الزمخشري في كشافه، وتابعه النسفي في تفسيره، عند تفسير قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} 1.
ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني، حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه، فقال: وما هي؟ قال، قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا} ، فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب؟ فقال: قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة، فقال: وما هي؟ قال: في قوله: "المعدة بيت الداء، والحمية2 رأس الدواء، واعط
__________
الأعراف: 31.
2 الامتناع أو التقليل من الطعام.
(1/330)

كل بدن ما عودته" فقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا نبيكم لجالينوس طبا أقول: ولئن أصاب في الآية، فقد أخطأ في ذكره الحديث؛ فإنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من "كلام الحارث بن كلدة" "طبيب العرب1، فنسبته إلى النبي كذب واختلاق عليه، نعم هناك من قول النبي صلى الله عليه وسلم ما أهو أدق وأوفى من هذا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "ما ملأ ابن آدم وعاء شراء من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات -أي لقيمات- يقمن صلبه، فإن كان ولا بد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه"، رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وقد كان الإمام البيضاوي على حق حينما ذكر القصة التي ذكرها الزمخشري، ولكنه اكتفى بالآية، ولم يذكر الحديث، فقد علمت أنه ليس من كلامه صلى الله عليه وسلم.
__________
1 كشف الخفاء ومزيل الإلباس ج 2 ص 214.
(1/331)

7- حديث: أنا "ابن الذبيحين":
ومن ذلك: ما ذكره الزمخشري في كشافه، وتبعه النسفي في تفسيره، وغيرهما، عند قوله تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين} الآيات1 فقد ذكرا في الاستدلال على أن الذبيح: إسماعيل؛ ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" يعني جده الأعلى: إسماعيل، وأباه: عبد الله بن عبد المطلب.
وهذا الحديث لا يثبت عند المحدثين، قال الإمامان: الزيلعي، وابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: لم نجده بهذا اللفظ، وقال الحافظ العراقي: إنه لم يقف عليه، ولا يعرف بهذا اللفظ، وأما حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبا العطاء: فقال فيما قال: "فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه"، فهو حديث حسن، بل صححه الحاكم، وقد ورد من طرق عدة يقوي بعضها بعضا2.
__________
1 الصافات 101-107.
2 كشف الخفاء ومزيل الإلباس ج 1 ص 199.
(1/331)

8- تفسير شيعي:
ومن ذلك ما ذكره بعض المفسرين: كابن جرير في تفسيره، والسيوطي في: "الدر المنثور" ومفسروا الشيعة في تفاسيرهم، عند تفسير قوله تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} 1 فقد فسروا المنذر: بالنبي صلى الله عليه وسلم، والهادي بأنه علي رضي الله عنه، والجمهور من المفسرين سلفا وخلفا على أن المنذر والهادي هو رسول الله وكذلك ما روي عند تفسير قوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَة} 2 من أن المراد بها: أذن علي، فقد رووا: أن النبي صلى الله عليهوسلم لما نزلت الآية أخذ بأذنه وقال: "هي أذنك يا علي"، وفي رواية: "اللهم اجعلها أذن علي"، وهما موضوعان كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من الأئمة.
__________
1 الرعد: 7.
2 الحاقة: 12.
(1/332)

9- بعض القراءات الموضوعة:
ومن الموضوعات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير: كالزمخشري، والنسفي، القراءات الشاذة التي تنسب إلى الإمام أبي حنيفة، وهو بريء منها، ولكنها اختلفت وقد بين ذلك الإمام الخطيب في تاريخه، والإمام الذهبي في: طبقات القراء"، وابن الجزري في "الطبقات" أيضا.
وواضعها هو: محمد بن جعفر الخزاعي، المتوفى سنة سبع وأربعمائة ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي، قال الذهبي في الميزان في ترجمة: "محمد بن جعفر" هذا: ألف كتابا في قراءة الإمام أبي حنيفة، فوضع الدارقطني خطه عليه، بأن هذا موضوع لا أصل له، وذلك مثل قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ} برفع لفظ الجلالة، ونصب لفظ العلماء، وإذا كانت موضوعة فلا حاجة للتكلف بتصحيح معناها كما فعل الزمخشري في تفسيره1.
__________
1 فقد فسر الآية بأنه يجلهم ويعظمهم فهو تفسير باللازم.
(1/332)

خاتمة الكتاب:
1- ها أنذا قد انتهيت ولله الحمد من هذا الكتاب الذي نرجو أن ينفع الله به المسلمين، وأن يبصرهم بحقيقة كتاب ربهم، ويوقفهم على الدخيل الذي دخل كتب التفاسير، وكان جناية على الإسلام والمسلمين.
ولست أدَّعِي أني استقصيت كل ما في كتب التفسير من إسرائيليات وموضوعات، فذلك يحتاج إلى عمل طويل، وجهد جهيد، ولكنني ولله الحمد والمنة قد وفقت إلى التنبيه إلى معظمها، والكثير منها، ولا سيما ما يخل بتوحدي الله وصفاته، أو ما يطعن في عصمة الأنبياء، أو ما يصادم الحقائق العلمية، أو ما يباين المعقول، أو يخالف الصحيح من المنقول.
ولن يكون هذا بآخر المطاف في هذا الموضوع المهم الخطير، ولكني سأتابع الدرس، والسهر، والبحث والتنقيب، حتى آتي على آخر المستطاع من الإسرائيليات والموضوعات إن شاء الله تعالى.
2- لقد بذلت غاية الجهد، في الوصول إلى الحق والصواب، ولم يكن من شأني -عَلِمَ اللهُ- التساهل أو التسرع، وإنما كان دأبي التثبت والتروي، ثم التروي، حتى يطمئن قلبي، وينشرح صدري، وترتاح نفسي إلى ما وصلت إليه.
ومن الحق والإنصاف أن أقول: إن الكثير مما وصلت إليه قد تنبه إليه العلماء المحققون، والأئمة الحفاظ النقاد المتقنون، من سلف هذه الأمة الإسلامية الخالدة، التي تكفل الله جل جلاله بأن يبعث لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.
وقد حرصت على أن أبين سلفي من العلماء فيما قلته، فلست ممن يستسمي بما ليس فيه، ولا ممن يجحد فضل علمائنا من سلف الأمة، وخلفها، ولست أيضا ممن يرتفع على أنقاض غيره، وجحود فضل غيره، ومن المؤسف: أن هذه اللوثة قد أصبحت سمة من سمت الكثيرين من الباحثين، والكاتبين، والمؤلفين في هذا العصر الأخير، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه، وأما ما اختلف فيه بعض الأئمة الكبار بالإثبات، والنفي، والحكم بالوضع، وعدم الوضع، كقصة هاروت وماروت، وقصة الغرانيق مثلا، فقد
(1/333)

سلكت فيه مسلك الترجيح من إبداء الحجة والبرهان، مهتديا في ذلك بقولة الإمام الكبير إمام دار الهجرة: "مالك بن أنس" رحمه الله تعالى: "كل أحد يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذا المقام"، وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد خالفت فيهما رأي إمامين كبيرين: الإمام الحافظ ابن حجر، والإمام الحافظ السيوطي على جلالتهما، والحق في الإسلام لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ورضي الله تبارك وتعالى، عن سيدنا علي حيث قال: اعرف الحق تعرف أهله، وحسبي في كلا الحالين: ما وافقت فيه، وما خالفت أني مجتهد، والمجتهد مأجور؛ أصاب أم أخطأ، وصدق المبلغ عن رب العالمين صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إذا اجتهد الحاكم، ثم أصاب فله أجران، وإذا اجتهد ثم أخطأ فله أجر" رواه مسلم في صحيحه.
3- لم يكن من خلقي إذا ما خالفت عالما مهما كان رأيه، أو مرويه، أن أتطاول عليه، أو أجهل؛ فليس ذلك من خلق العلماء في الإسلام وإنما هو من سمات الأدعياء، المغرورين العاجزين، وإنما كان ديدني: النقد الذاتي، الموضوعي، فأقابل الحجة -إن كانت- بالحجة، والبرهان بالبرهان، والشبهة بالحق واليقين؛ لأن علماءنا وأئمتنا الأوائل -عفا الله عنا وعنهم- حسناتهم أكثر بكثير من سيئاتهم -إن كانت- وصوابهم أوفى من خطئهم، وحقهم أعظم بكثير من باطلهم، وهم ليسوا بمعصومين، وإنما العصمة لله عز وجل ولرسله الكرام.
فمن ثم كنت رفيقًا غاية الرفق بالمفسرين الذين ذكروا الإسرائيليات والموضوعات في تفاسيرهم من غير تنصيص عليها، وكنت أغلِّب جانب الاعتذار عنهم، على جانب التثريب، والاستنكار، كما كنت في غاية الأدب مع الصحابة والتابعين الذين رووا هذه المرويات وحاولت الاعتذار عنهم غير مرة بأنهم إما رووها تحسينا للظن برواتها فيما هو محتمل للصدق والكذب، أو رووها، ولم ينبهوا إلى ما فيها من أكاذيب وخرافات، وأباطيل اعتمادا على ظهور ذلك لقارئها، أو أنهم رووها على سبيل الاستنكار لما فيها، ولكن الراوي عنهم لم ينقل لنا ذلك، أو أن هذه المرويات قد دست عليهم فيما دس في المرويات في الإسلام ومحاولة الاعتذار عنهم هو الأليق بأهل القرون الفاضلة الأولى بشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم-
(1/334)

وإذا استساغ المستشرقون، والمبشرون، ومتابعوهم، لأنفسهم السفاه، والتجني في النقد على السلف الصالح، ولا سيما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين زكاهم الله ورسوله فكيف يستسيغ كاتب مسلم لنفسه، فضلا عن عالم أن يسفه هو الآخر عليهم، ويصمهم بأقبح الصفات وهو الكذب؟! أو يجاريهم في نقل سفاههم، وتجنيهم عليهم، إنه وايم الحق للأمر العجب، والخطب الجلل.
إن هؤلاء السلف الصالح مهما كانت عليهم مؤاخذات ففضلهم عظيم، وخيرهم كثير، ونفعهم عميم.
4- إن الكثيرين، أو الكثرة الكاثرة من القراء حينما يقرءون ما كتبت، فسيقدرون جهدي وتعبي ونصبي، حتى أخرجت لهم هذا الكتاب، وسيوافقونني، على ما أظن على كل ما قلت أو معظم ما قلت.
وقد تكون هناك فئة أخرى لا توافقني على كل ما قلت، وقد تخالفني في بعض ما قلت، وربما يتصايحون: أين هذا المؤلف من فلان، وفلان من العلماء، يرد أقوالهم، ويفند مروياتهم، ويتعقبهم فيما يذكرون، ويستدرك عليهم ما فاتهم!!.
وأحب أن أقول لهذه الفئة -إن كانت- إن معرفة الحق ليست قصرا على شخص دون شخص، ولا على جيل دون جيل، والعلم ليس قصرا على أحد وهو فضل من الله يؤتيه من يشاء، وأحب أن أقول لهم أيضا: اقرأوا الكتاب مثنى، وثلاث، ورباع، ثم لتتفكروا ولتتفكروا، وسيظهر لكم بعد التروي، والتأني والهدوء ما ظهر لي، فإن أبوا إلا التمسك بآرائهم: فبحسبي أنني ذكَّرت؛ {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر} 1 وبحسبي أنني حذرت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} 2 وبحبسبي أنني بلغت؛ {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} 3، وبحسبي أنني مجتهد، وللمجتهد إذا أصاب أجران، وإذا أخطأ أجر، وبحسبي أنني لا أريد إلا الخير لهذه الأمة، وإصلاح ما فسد من أمرها: {إِنْ
__________
.
1 الغاشية: 21، 22.
2 المائدة: 105.
3 النور: من الآية 54.
(1/335)

أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} 1.
5- ليعلم من لا يعلم تحدُّثًا بنعمة الله تعالى علي: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث} 2 لا افتخارا ولا تمنُّنًا؛ فالمنة لله، ولرسوله: أنني قد وقفت حياتي لخدمة القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، والذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن صحابته الطيبين الطاهرين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وأني قد وجدت في ذلك لذة دونها كل لذة، وشرفا دونه أي شرف وجاها دونه أي جاه، وأني قد ألفت في ذلك بعض الكتب3 التي انتفع منها طلاب العلم والمعرفة، وأرجو أن يتقبلها الله سبحانه وتعالى، وأنا ولله الحمد والفضل أَغْيَرُ على الأحاديث والسنن من نفسي، وأهلي، وولدي وعرضي، وأنها من أحب الأشياء إلى نفسي، وأبعد ما يظن بي أني أتسور على القرآن الكريم، فأفسره بغير الوارد عن السلف، وأني أتهجم على الاحاديث، والسنن فأردها وأبطلها، وأني أصدر فيما قلت عن هوى، أو شهوة أو حب جاه، فمعاذ الله، ثم معاذ الله، أن أكون أحد أولئك.
وفي الحق: أنني حينما اجتهدت وحكمت، فإنما كنت دائما أصدر عن قول الرسول الكريم: "من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار". رواه الشيخان وغيرهما، وقوله: "من حدَّثَ عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين"، رواه مسلم، فقد كان غرضي، ذَبُّ الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته، والرد على ما يثار حول الرسول، وصحابته، من طعون بسبب هذه الإسرائيليات والموضوعات، والرد على ما يثار على الإسلام من شبه وتجنيات عليه بسببها.
6 ومع كل هذا: فأنا أفسح صدري لكل نقد نزيه مبرَّأً من الهوى، والشهوة، والرجوع إلى الحق إذا ظهر لي؛ فإني من المؤمنين بمقولة الفاروق عمر رضي الله عنه، وكلمته الحكيمة في كتابه الجامع لسيدنا أبي موسى الأشعري، هذا الكتاب الذي يعتبر من أصول القضاء في الإسلام، قال رضي الله تعالى عنه: ولا يمنعك قضاء.
__________
.
1 هود: 88.
2 والضحي: الآية 11.
3 منها: المدخل لدراسة القرآن الكريم، ودفاع عن السنة، وردُّ شُبَهِ المستشرقين والكتاب المعاصرين، وأعلام المحدثين، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة.
(1/336)

قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك، وهديت فيه إلى رشدك، أن ترجع عنه؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل..".
والحمد لله في النهاية، كما حمدناه في البداية، وصلى الله تبارك وتعالى على إمام الهدى والتقى، ومعلم الدنيا، ومخرج الناس من الظلمات إلى النور؛ سيدنا، ومولانا، ونبينا محمد، وعلى آله وصحابته، ومن تبعهم بإحسان، إلى يوم الدين، وأعنا معهم بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، اللهم آمين.
كتبه خادم القرآن والسنة محمد بن محمد أبو شهبة.
غفر الله له، ولوالديه، وللمؤمنين، والمؤمنات.
(1/337)

مراجع الكتاب:
1- القرآن الكريم.
2- تفسير ابن جرير الطبري، ط بولاق.
3- تفسير الثعلبي، مخطوط ناقص بمكتبة الأزهر الشريف.
4- تفسير البغوي، مطبوع على هامش تفسير ابن كثير.
5- تفسير الكشاف، مطبوع.
6- تفسير النسفي، مطبوع.
7- تفسير البيضاوي، مطبوع.
8- تفسير ابن كثير، مطبوع ط المنار.
9- تفسير الفخر الرازي، مطبوع.
10- تفسير أبي حيان، مطبوع.
11- تفسير الخازن، مطبوع.
12- تفسير أبي السعود العمادي، مطبوع.
13- تفسير الخطيب، مطبوع.
14- تفسير "الدر المنثور" للسيوطي، مطبوع.
15- تفسير القرطبي، مطبوع ط دار الكتب المصرية.
16- تفسير الآلوسي، مطبوع.
17- صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري، مطبوع.
18- صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، مطبوع.
19- مسند الإمام أحمد بن حنبل، مطبوع.
20- موطأ الإمام أحمد بن حنبل، مطبوع.
21- سنن أبي داود السجستاني، مطبوع.
22- سنن الترمذي، مطبوع.
23- سنن النسائي، مطبوع.
24- سنن ابن ماجه، مطبوع.
25- سنن الدارقطني، مطبوع.
26- مستدرك الحاكم أبي عبد الله، مطبوع بالهند.
(1/338)

27- فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر، ط عبد الرحمن محمد.
28- مقدمة فتح الباري للحافظ ابن حجر، مطبوع.
29- شرح صحيح مسلم للنووي، مطبوع.
30- البرهان في علوم القرآن للزركشي، ط محمود توفيق.
31- الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، مطبوع.
32- مقدمة في أصول التفسير للإمام ابن تيمية، مطبوع ط الاستقامة.
33- الشفا للإمام القاضي عياض، مطبوع ط اسطنبول.
34- شرح المواهب اللدنية للإمام الزرقاني، مطبوع.
35- زاد المعاد في هدى خير العباد لابن القيم، مطبوع.
36- مقدمة العلامة ابن خلدون، مطبوع.
37- محاسن الصور في الكشف عن أحاديث السور للمغربي، مخطوط بدار الكتب المصرية.
38- تخريج أحاديث الكشاف للحافظ ابن حجر.. مطبوع مع التفسير في بعض الطبعات.
39- القول المسدد في الذب عن مسند أحمد، مطبوع.
40- منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوع.
41- علوم الحديث لابن الصلاح بشرحها للعراقي، مطبوع.
42- اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، مطبوع.
43- الموضوعات الكبرى للشيخ على القارئ، مطبوع ط الأستانة.
44- تدريب الراوي شرح تقريب النواوي للسيوطي، مطبوع.
45- الباعث الحثيث إلى علوم الحديث للحافظ ابن كثير، مطبوع.
46- نخبة الفكر بشرحها للحافظ ابن حجر، مطبوع.
47- تذكرة الحفاظ للذهبي، مطبوع.
48- ميزان الاعتدال للذهبي، مطبوع.
49- لسان الميزان للحافظ ابن حجر، مطبوع.
50- تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، مطبوع.
51- البداية والنهاية لابن كثير، مطبوع.
52- التفسير والمفسرون للدكتور الشيخ الذهبي، مطبوع.
53- مناهل العرفان لأستاذنا الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، مطبوع.
54- منهج الفرقان في علوم القرآن الشيخ محمد على سلامة، مطبوع.
55- مقالات العلامة الشيخ زاهد الكوثري، مطبوع.
56- الوضع في الحديث، وآثاره السيئة في كتب العلوم للمؤلف، مخطوط.
(1/339)

57- السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة جزءان للمؤلف، مطبوع.
58- ظفر الأماني شرح مختصر الجرجاني للشيخ اللكنوي، مطبوع بالهند.
59- الموضوعات الكبرى للحافظ ابن الجوزي، مخطوط.
60- تحذير المسلمين من الأحاديث الموضوعة للشيخ ظافر الأزهري، مطبوع.
61- الفتاوي الحديثية لابن حجر الهيثمي، مطبوع.
62- تحذير الخواص من أكاذيب القصاص للسيوطي، مطبوع.
63- تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للحافظ العراقي، مطبوع على هامش الإحياء.
64- دلائل النبوة للإمام البيهقي، مطبوع.
65- الفرق بين الفرق للبغدادي، مطبوع.
66- التبصير في الدين، والفرق بين الفرق الناجية والهالكين لأبي ظفر الإسفراييني، مطبوع.
67- الآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة للشيخ اللكنوي، مطبوع على هامش تفسير الجلالين.
72- تفسيرة سورة الفاتحة، وإبطال قصة الغرانيق وقصة زواج النبي بالسيدة زينب بنت جحش للأستاذ الإمام محمد عبده، مطبوع ط المنار.
73- سنن الله الكونية للدكتور محمد أحمد الغمراوي، مطبوع.
74- مجمع الزوائد للهيثمي، مطبوع.
75- تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا، مطبوع.
76- القول السديد في علم التوحيد للشيخ محمود أبو دقيقة، مطبوع.
77- رسالة في الأحاديث الموضوعة للإمام ابن تيمية، مطبوعة.
78- الإصابة في تاريخ الصحابة للحافظ ابن حجر، مطبوع.
79- مختصر مستدرك الحاكم للإمام الحافظ الذهبي، مطبوع مع المستدرك.
80- فجر الإسلام وضحاه للأستاذ أحمد أمين، مطبوع.
81- كتب العهد القديم "التوراة والأسفار"، مطبوع.
82- القاموس المحيط للفيروزأبادي، مطبوع.
83- المصباح المنير للفيومي، مطبوع.
(1/340)

فهرس الكتاب:
الموضوع الصفحة
شعار الكتاب، وشيء من مزايا هذه الطبعة الخامسة 3
مقدمةا لكتاب لفضيلة الدكتور محمد محمد أبو شهبة 4
معنى إسرائيليات وموضوعات وتفسير 12
حكم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم 15
هل تقبل رواية من كذب في الحديث وإن تاب؟ 16
حكم رواية الموضوعات والإسرائيليات الباطلة 17
ما أشبه الليلة بالبارحة 19
متى نشأ الوضع في الحديث 20
عرض سريع لحركة الوضع 23
التفسير 25
التأويل 27
الحاجة إلى علم التفسير 28
التفسير من أشرف العلوم 31
العلوم التي لا بد منها للمفسر 31
علوم أخرى لا بد منها للمفسر 37
ما يجوز الخوض في تفسيره وما لا يجوز 39
أقسام التفسير:
1- التفسير بالمأثور 43
تفسير القرآن بالقرآن 44
أمثلة من تفسير القرآن بالقرآن 44
تفسير القرآن بالسنة 45
السبب في أن الصحابة لم ينقلوا عن النبي كل التفسير 47
السبب في أن ما نقل عن النبي في التفسير أقل مما نقل في الأحكام 48
حديث منكر غريب 49
(1/341)

أمثلة لتفسير القرآن بالسنة 50
تفسير الصحابة 52
أقوال الصحابة في التفسير 53
أمثلة من تفسير الصحابة 54
تفاسير التابعين 56
المفسرون من الصحابة 57
علي بن أبي طالب 58
عبد الله بن مسعود 58
أبي بن كعب 60
زيد بن ثابت 61
عبد الله بن عباس 63
المفسرون من التابعين 63
مدارس التفسير 63
مدرسة مكة 64
مجاهد بن جبر 64
سعيد بن جبير 65
عطاء بن أبي رباح 65
عكرمة مولى ابن عباس 66
مدرسة المدينة 66
زيد بن أسلم 67
أبو العالية 67
محمد بن كعب القرظي 67
المفسرون من مدرسة العراق 67
مسروق بن الأجدع 68
قتادة بن الأجدع 68
قتادة بن دعامة 69
الحسن البصري 69
مرة الهمداني 69
الضحاك بن مزاحم 70
مدرسة الشام 70
عبد الرحمن بن غنم الأشغري 70
(1/342)

عمر بن عبد العزيز 70
رجاء بن حيوة الكندي 70
كعب الأحبار 71
مدرسة مصر 71
يزيد بن أبي حبيب الأزدي 71
أبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني 71
مدرسة اليمن 71
طاووس بن كيسان اليماني 71
وهب بن منبه الصنعاني 71
طبقة أخرى من المفسرين بالمأثور 72
طبقات أخرى بعد هذه الطبقة 72
حذف الأسانيد وغلبة الدخيل 73
تلون كتب التفاسير بثقافة مؤلفيها 74
تفسيرات المبتدعة والباطنية والملحدة 75
2- التفافسير بغير المأثور 77
أدلة القائلين بعدم جواز التفسير بالرأي والاجتهاد 78
مناقشة هذه الأدلة 79
جواز التفسير بالرأي والاجتهاد 81
التفسير بالرأي المذموم والممدوح 81
المنهج القويم في تفسير القرآن الكريم 83
غلبة الضعف على التفسير بالمأثور 84
ملاحظة الأئمة القدامى لهذه الظاهرة 85
أسباب الضعف في التفسير بالمأثور 85
خطورة رفع هذه الإسرائيليات إلى النبي 94
تحوط دقيق للمحدثين 95
بعض الإسرائيليات قد يصح السند إليها 96
رواية الكذب ليس معناه أنه هو الذي اختلقه 96
عبد الله بن سلام 97
كعب الأحبار 100
رأي علماء الجرح والتعديل فيه 101
(1/343)

مقالة سيدنا معاوية في كعب 102
وهب بن منبه 105
أقسام الإسرائيليات 106
تشديد سيدنا عمر على من كان يكتب شيئا من كتب اليهود 108
مقالة لابن تيمية في هذا 110
أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد 113
تفاسير المعتزلة 114
تفسير ابن جرير وابن عطية وأمثاله 115
الاختلاف بين السلف في التفسير اختلاف تنوع 117
التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالاجتهاد وما يتبع في الترجيح بينهما 120
أهم كتب التفسير بالمأثور 122
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري 123
ما أخذ على تفسير ابن جرير 123
الدر المنثور في التفسير بالمأثور 124
كتب جمعت بين المأثور وغيره 125
الكشف والبيان عن تفسير القرآن 125
معالم التنزيل 127
تفسير القرآن العظيم 128
نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد 130
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل 130
تفسير مفاتيح الغيب 133
أنوار التنزيل وأسرار التأويل 135
الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي القرآن 136
مدارك التنزيل وحقائق التأويل 137
لباب التأويل في معاني التنزيل 138
البحر المحيط لأبي حيان 140
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير 141
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 142
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني 145
الخلاصة 147
(1/344)

نقد التفسير بالمأثور إجمالا 147
نقد الطرق والرواة تفصيلا 148
الطرق عن ابن عباس 148
الطرق عن ابن جريج 149
طريق شبل بن عباد المكي 149
تفسير عطاء بن دينار وأبي روق 150
تفسير مقاتل بن سليمان 150
مقالة الإمام الحافظ ابن حجر 150
روايات الثقات عن ابن عباس 150
روايات الصعفاء عن ابن عباس 151
محمد بن السائب الكلبي متهم بالكذب 151
السدي الصغير كذاب 151
من روى التفسير عن الكلبي من الثقات والضعفاء حفظا 152
من روى التفسير عن الضحاك 152
عثمان بن عطاء الخراساني 152
إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير 152
إبراهيم بن الحكم 153
إسماعيل بن أبي زياد 153
عطاء بن دينار 153
قتادة 153
تفسير الربيع بن أنس عن أبي العالية 153
تفسير مقاتل بن حيان 153
تفسير زيد بن أسلم 154
تفسير مقاتل بن سليمان 154
تفسير يحيى بن سلام المغربي 154
تفسير سنيد 155
تفسير موسى بن عبد الرحمن الصنعاني 155
طرق المرويات في سبب النزول 155
(1/345)

الطرق الجياد عن ابن عباس 156
أوهى الطرق عن ابن عباس 156
الطرق الضعيفة عن ابن عباس 156
تفسير أبي بن كعب والطرق عنه 157
أشهر الطرق عن ابن مسعود 157
أصح الطرق عن علي رضي الله عنه 158
أشهر الطرق الضعيفة والواهية والساقطة 159
المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في التفسير 159
الإسرائيليات في المسوخ من المخلوقات 161
الإسرائيليات في بناء الكعبة 162
الإسرائيليات في قصة التابوت 170
التفسير الصحيح للسكينة 171
الإسرائيليات في قصة قتل داود جالوت 174
الإسرائيليات في قصص الأنبياء والأمم السابقة 178
ما نسب إلى ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر 181
ما نسب إلى آدم من قول الشعر 182
الإسرائيليات في عظم خلق الجبارين وخرافة عوج بن عنق 184
الإسرائيليات في قصة التيه 187
الإسرائيليات في المائدة التي طلبها الحواريون 190
الإسرائيليات في سؤال موسى ربه الرؤية 198
الإسرائيليات في ألواح التوراة 201
إسرائيليات وخرافات في بني إسرائيل 206
الإسرائيليات في نسبة الشرك إلى آدم وحواء 209
فارس الحلبة الإمام ابن كثير 211
الإسرائيليات في سفينة نوح 216
الإسرائيليات في قصة يوسف 219
الإسرائيليات في شجرة طوبى 231
الإسرائيليات في إفساد بني إسرائيل 234
(1/346)

الكذب على رسول الله بنسبة هذه الإسرائيليات إليه 237
الإسرائيليات في قصة أصحاب الكهف 240
الإسرائيليات في قصة ذي القرنين 242
الإسرائيليات في قصة يأجوج ومأجوج 245
الإسرئيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ 249
الإسرائيليات في قصة الذبيح وأنه إسحاق 252
الذبيح هو إسماعيل عليه السلام 257
الإسرائيليات في قصة إلياس عليه السلام 260
الإسرائيليات في قصة داود 264
الإسرائيليات في قصة سليمان 270
الإسرائيليات في قصة أيوب 275
مقالة الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي 281
الإسرائيليات في قصة إرم ذات العماد 282
الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق إلخ 286
ما يتعلق بعمر الدنيا 289
ما يتعلق بخلق الشمس والقمر 290
ما يتعلق بتعليل بعض الظواهر الكونية 292
ما ذكره المفسرون في الرعد والبرق 295
أقوال الرسول عند سماع الرعد ورؤية البرق 298
الصواعق 301
جبل "ق" المزعوم وحدوث الزلازل 302
الإسرائيليات في تفسير "ن والقلم" 305
الموضوعات وكتب التفسير 306
الأحاديث الموضوعة في فصائل السور والآيات 307
حديث أبي بن كعب 307
طريقة الثعلبي في ذكر هذا الحديث 309
طريق الزمخشري 309
أحاديث موضوعة عن غير أبي 310
المفسرون قد يذكرون أحاديث صحيحة في الفضائل 311
الموضوعات في أسباب النزول 312
(1/347)

قصة الغرانيق 314
زعم مردود 321
إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها 323
سبب نزول مشهور على الألسنة وهو موضوع 328
سبب نزول عليه أثر العصبية السياسية 329
ما ذكره بعض المفسرين في تأييد رأي أو بيان معنى "المعدة بيت الماء إلخ" 330
حديث: "أنا ابن الذبيحين" 331
تفسير شيعي 332
بعض القراءات الموضوعة 332
خاتمة 333
مراجع الكتاب 338
الفهرس 341
(1/348)