Advertisement

أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية



الكتاب: أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية
المؤلف: عبد الوهاب خلاف (المتوفى: 1375هـ)
الناشر: مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة
الطبعة: الثانية، 1357هـ- 1938م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] مقدمة
...
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم لك الحمد، أقمت الدليل، فأنرت السبيل، وأرسلت المرسلين، مبشرين ومنذرين، وقلت وقولك الحق: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} .
وهذه أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية، جمعت فيها بين مذهب الإمام أبي حنيفة وما عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية المصرية من المذاهب الأخرى، وراعيت قدر استطاعتي أن أبسط عبارة الحكم وأقرنه بدليله وحكمة تشريعه، وأذكر مواد القوانين الموضوعية التي أخذت من المذاهب الأخرى والأسباب الباعثة على الأخذ بها، وما صدر بشأنها من المنشورات والمذكرات الإيضاحية.
وإني أعترف بالفضل للسابقين، وأسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء، ويوفقني إلى ما أبتغيه من خدمة الفقه الإسلامي ونفع طالبيه،
عبد الوهاب خلاف
رجب سنة 1355هـ "أكتوبر سنة 1936م"
(1/3)

الموضوعات:
الزواج:
تعريفه، حكمة تشريعه 13
مقدمات الزواج:
الخطبة، ما يباح فيها16, من تباح خطبتها18, فسخ الخطبة وما يترتب عليه 20.
أركان الزواج:
الإيجاب والقبول وما يشترط فيهما21
شروط الزواج:
شروط انعقاده أربعة 23, شروط صحته اثنان 25, شروط نفاذه اثنان 27, شروط لزومه واحد 28, شروط سماع الدعوى به اثنان 29, شروط تسجيله في الوثيقة الرسمية واحد 32.
صيغة الزواج:
تنجيزها وتعليقها وإضافتها إلى زمن مستقبل واقترانها بشرط 36.
حكم الزواج:
إما فرض أو واجب أو سنة أو حرام أو مكروه 38, حكم الزواج الباطل، حكم الزواج الفاسد 39, حكم الزواج الموقوف، حكم الزواج الصحيح النافذ 42.
المحرمات من النساء:
حكم تحريمهن 44, المحرمات تحريما مؤبدا: بسبب النسب، بسبب المصاهرة 46, بسبب الرضاع 48, المحرمات تحريما مؤقتا: زوجة الغير ومعتدته 51, المحرم على المحرم 52, الخامسة لمن في عصمته أربع 53, المطلقة ثلاثا، من لا تدين بدين سماوي 55, الأمة على الحرة 57.
(1/5)

الولاية على الزواج:
من تثبت عليه ولاية التزويج، من تثبت له ولاية التزويج 58, ترتيب الأولياء في حق التزويج 59, شروط الولي، غيبة الولي وعضله 61, أحكام تزويج الأولياء 62, أحكام تزوج الكبير أو الكبيرة بنفسه 64.
الوكالة بالزواج:
من له حق التوكيل وسلطة الوكيل في إنابة غيره عنه ومهمته 66, متى ينفذ تزويج الوكيل على موكله ومتى لا ينفذ 67, متى ينفذ تزويج الوكيل على موكلته ومتى لا نيفذ 68.
الكفاءة في الزواج:
التكافؤ للزواج معتبر في أمور ستة 70, من له الحق في الكفاءة 72, فيمن تعتبر الكفاءة ومتى تعتبر74.
حقوق الزوجة على زوجها:
1- المهر: تعريفه وسبب وجوبه ودليل وجوبه 76, أقل المهر شرعا وما يصح أن يكون مهرا 77, من له الحق في المهر 78, متى يكون المهر الواجب عشرة دراهم فقط 79, متى يكون المهر الواجب مهر المثل 80, متى يكون المهر الواجب هو المسمى في العقد، متى يكون المهر الواجب أقل هذين المهرين 81, زيادة المهر بعد العقد والحط منه 82, متى يجب للزوجة مهرها بتمامه 83, متى يجب للزوجة نصف مهرها 86, متى يجب للزوجة المتعة 89, متى لا يجب للزوجة شيء من المهر، اقتران المهر بشرط 90, قبض المهر وحق التصرف فيه 93, ضمان المهر 95, هلاك المهر واستهلاكه واستحقاقه 97, قضايا المهر 98, الجهاز وأثاث البيت 102, قضايا الجهاز والأثاث104.
2- نفقة الزوجية: تعريفها ودليل وجوبها وسبب استحقاقها 106, شروط استحقاقها ومن تستحقها ومن لا تستحقها 107, تقدير النفقة وأساس تقديرها 111, نفقة زوجة الغائب 114, متى تكون نفقة الزوجة دينا على زوجها 116.
3- عدم الإضرار بالزوجة: دليله وما يترتب على الإضرار 120.
4- العدل بين الزوجات: دليله والمراد به شرعا 121.
(1/6)

حقوق الزوج على زوجته:
1- الطاعة: دليلها والمراد منها شرعا 122.
2- ولاية التأديب: دليلها وحدودها شرعا 123.
الحقوق المشتركة بين الزوجين:
حسن المعاشرة وحرمة المصاهرة والتوارث وملك المتعة 123.
زواج المسلم بالكتابيات:
حكمه والفروق بينه وبين زواجه بالمسلمة ونظام عقده في مصر 124.
زواج غير المسلمين بعضهم ببعض:
حكمه ومتى يتعرض لهم فيه ومتى لا يتعرض 127.
الطلاق:
تعريفه 131, حكمة تشريعه 132, لم استقل به الزوج دون الزوجة ولم شرع ثلاثا 133, من يقع منه الطلاق 134, من يقع عليها الطلاق 136, ما يقع به الطلاق 138, عدد الطلقات139.
صيغة الطلاق:
إما منجزة أو معلقة أو مضافة إلى زمن مستقبل أو يمين 141.
أنواع الطلاق:
إما رجعي أو بائن بينونة صغرى أو بائن بينونة كبرى 143.
حكم الطلاق:
الأصل فيه الحظر وقد يكون واجبا ومندوبا وسنيا وبدعيا 146, الطلاق الرجعي وحكمه 148, الطلاق البائن بينونة صغرى وحكمه 150, الطلاق البائن بينونة كبرى وحكمه 151. طلاق المريض مرض الموت:
تعريف مرض الموت وحكم الطلاق الواقع فيه 152.
(1/7)

تفويض الطلاق إلى الزوجة:
تكييف التفويض وصيغته وأحوالها 154.
الخلع:
تعريفه. شرطه. صفته. بدله. صيغته. حكمه 157.
الطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على طلب الزوجة:
1- لعدم الانفاق 165.
2- للعيب 168.
3- للضرر 170.
4- لغيبة الزوج سنة فأكثر بغير عذر 171.
5- لحبس الزوج ثلاث سنوات فأكثر 172.
فسخ الزواج:
الفرق بين الطلاق والفسخ، متى يتوقف الفسخ على القضاء172.
العدة:
تعريفها وسبب وجوبها 174, حكمة تشريعها 176, أنواعها: العدة بالقروء 176, العدة بالأشهر، العدة بوضع الحمل 177, تحول العدة من نوع إلى نوع 178, مبدأ العدة 180, واجب المعتدة 181, نفقة المعتدة وشرط استحقاقها ومن تستحقها ومن لا تستحقها 182.
ثبوت النسب بالفراش:
المراد شرعا بالفراش ومتى تعتبر الزوجية فراشا 185, أقل مدة الحمل وثبوت النسب حال قيام الزواج الصحيح 187, ثبوت النسب حال قيام الزواج الفاسد، ثبوت النسب بعد الدخول بشبهة 189, أقصى مدة الحمل وثبوت النسب بعد الفرقة بالطلاق أو الوفاة 190, مقارنة بين مذهب أبي حنيفة وما عليه العمل بالمحاكم الشرعية المصرية في ثبوت النسب 191.
ثبوت النسب بالإقرار:
الفرق بين الإقرار بالبنوة والأبوة وبين الإقرار بالأخوة والعمومة 194.
(1/8)

ثبوت النسب بالبينة:
الفرق بين الدعوى بالبنوة والأبوة والدعوى بغيرهما 197.
اللقيط:
التقاطه والولاية عليه والفرق بينه وبين الدعي 200.
الرضاعة:
الرضاعة المحرمة للزواج 202, الرضاعة الواجبة للطفل. متى تجب على أمه 204, أجرة الرضاعة متى تستحق للأم ولغيرها 205, إذا وجدت متبرعة بالرضاعة 206.
الحضانة:
تعريفها ومستحقوها وترتيبهم 207, شروط الحاضنة 208, مدة الحضانة، أجرة الحضانة ومن تستحقها ومتى تستحق 210, الحضانة فيها حق للصغير والحاضنة 211, التبرع بالحضانة ومقارنته بالتبرع بالرضاعة 212, سفر الحاضنة بالولد 213, بعد انتهاء مدة الحضانة 214.
نفقات الأقارب:
النفقة الواجبة للفرع على أصله في وجود الأب 217, النفقة الواجبة للفرع على أصله في عدم وجود الأب 221, النفقة الواجبة للأصل على فرعه 222, نفقات ذوي الأرحام بعضهم على بعض 224, تقسيم ابن عابدين لمن تجب عليهم النفقة 225, زوجة المستحق للنفقة 228.
مقارنة بين أنواع النفقات:
من جهة سبب الوجوب 229, من جهة حكمة الإيجاب 230, من جهة الشرط فيمن تجب عليه 231, من جهة صيرورتها دينا على من تجب عليه 231, من جهة الاختصاص القضائي 232.
الحجر:
تعريفه 234, دليله وحكمة تشريعه 235, أسبابه 236, أثره في الصغير غير المميز والمجنون 237, أثره في الصغير المميز والمعتوه المميز 238, أثره في السفيه وذي الغفلة 238, متى يثبت الحجر 239, الحجر على المدين 240, رفع الحجر241.
(1/9)

الولاية على المال:
من تثبت له الولاية المالية ومن تثبت عليه، ولاية الأب 243, ولاية وصي الأب 245, ولاية الجد ووصيه 250, ولاية القاضي ووصيه 251, مقارنة بين هذه الأحكام وما عليه العمل بالمجالس الحسبية المصرية 253, محاسبة الوصي والولي 256, أجرة الوصي257, موت الأب أو وصيه مجهلا 258.
المفقود:
تعريفه وإدارة شئونه والمختص بشئونه 259, أحكامه: ما يعتبر حيا بالنسبة له وما لا يعتبر حيا 260, متى يحكم بموته وما يترتب على هذا الحكم 261, ظهور حياته 262.
المريض مرض الموت:
تعريف المرض وتصرفات المريض الإنشائية والإخبارية 263, ديون الصحة وديون المرض 266.
الهبة:
تعريفها وركنها 267, شروطها: في الواهب 269, في الموهوب له 270, في صيغة الهبة 271, في الشيء الموهوب 272, قبض الموهوب 274, هبة المفرز المنفصل عن غيره، هبة المشاع 275, هبة المتصل بغيره 276, الهبة بشرط العوض 277, حكم الهبة: موانع الرجوع فيها 277, جهة الاختصاص بقضايا الهبة 279.
الوصية:
تعريفها وركنها 281, شروطها: في الموصي وفي الموصى له 283, في الموصى به 286, نفاذ الوصية 286, ما تنفذ فيه الوصية: الوصية بالمنفعة 289, حكم الوصية 291, القانون رقم 25 لسنة 1920: 293, القانون رقم 25 لسنة 1929: 296.
(1/10)

الزواج
مدخل
...
الزواج:
تعريفه:
الزواج في اللغة العربية هو الاقتران والازدواج، يقال: زوج الرجل إبله إذا قرن بعضها ببعض. ومنه قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: وقرناءهم، والفعل يتعدى بنفسه وبالحرف، يقال: تزوجت فلانة وتزوجت بها، وزوجنيها وليها وزوجني بها.
وفي الشريعة الإسلامية هو عقد يفيد حل استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، ويجعل لكل منهما حقوقا قبل صاحبه وواجبات عليه.
فهو من عقود التمليك، والملك فيه وارد قصدا على متعة كل واحد من الزوجين بالآخر، ولذا عرفه بعض الفقهاء بقوله: هو عقد يرد على ملك المتعة قصدا.
وهو من عقود التمليك التي يترتب عليها أثرها في الحال غير محدود بزمن، ولذا لا يقبل إضافته إلى زمن مستقبل ولا توقيته بوقت ما طويل أو قصير.
فمتى تحققت أركان العقد وتوافرت شرائطه الشرعية حل استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر بعد ما كان حراما عليهما، واستحقت الزوجة على زوجها المهر والنفقة، والعدل بينها وبين ضرائرها إذا تعددت الزوجات. واستحق الزوج على زوجته الطاعة، وولاية التأديب المشروع، وعدم خروجها عن إذنه. واستحق كل منهما على الآخر حسن المعاشرة، وحرمة المصاهرة، والتوارث. وسنبين بالتفصيل حقوق الزوجية وواجباتها الخاصة المشتركة.
حكمة تشريعه, شرع الله الزواج وأحكامه لحِكَم عدة:
"أولها" بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء إلى الأجل الذي قدر الله أن ينتهي بقاء الإنسان إليه، وبيان ذلك أن مجرد بقاء النوع يتحقق بمجرد الاختلاط
(1/13)

بين ذكوره وإناثه وتوالدهما، كما بقيت أنواع الحيوانات بمجرد اجتماع ذكورها بإناثها، ولكن الله سبحانه تكريما للنوع الإنساني شرع الزواج وأحكامه نظاما لاجتماع أفراده ليكون بقاؤهم على أكمل وجوه البقاء؛ لأن موجب الزواج الشرعي الاختصاص وأن تكون الزوجة حلالا لزوجها وحده لا يملك غيره حق الاستمتاع بها، وهذا الاختصاص يجعل بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء من ناحيتين: إحداهما أنه يحول دون تزاحم عدة من الرجال على امرأة واحدة فيأمن الناس التظالم والتقاتل اللذين يؤدي إليهما ذاك التزاحم. والثانية أنه يحفظ الأنساب ويجعل لأولاد كل زوجة أبا معروفا يتكفل برعايتهم والمحافظة عليهم في طفولتهم وبعدها؛ حتى يبلغوا أشدهم فيأمنوا الضياع والفناء.
ففي سد الذريعة إلى التقاتل والتظالم، وفي قيام كل أب بالمحافظة على بنيه والعناية بهم، بقاء لأفراد النوع على أكمل وجوه البقاء.
ولا كذلك إذا كان الاجتماع على غير نظام الزواج الشرعي ولم يكن الاختصاص بل كان الشيوع والاشتراك فإن هذا يؤدي إلى التقاتل ولا يعرف معه نسب لمولود فينشأ الطفل لا يعرف له أب يدفع عنه غوائل الهلاك في طفولته ويرعاه فيما بعد ذلك حتى يبلغ أشده, فإن نجا من الفناء بقي بقاء الهمل.
فالتناسل، وتوزيع مسئولية المحافظة على النسل والقيام بشئونه بين الآباء وتأمين أفراد النوع من التظالم والتقاتل هي أولى الأغراض من تشريع الزواج وأحكامه.
ومن هذا تفهم الحكمة فيما رواه أبو داود عن معقل بن يسار أن رجلا جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إني أصبت امرأة ذات حسب ومنصب ومال إلا أنها لا تلد أفأتزوجها؟ فنهاه. ثم أتاه الثانية فقال له مثل ذلك. ثم أتاه الثالثة فقال: "تزوجو الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم".
(1/14)

"وثانيها" تحديد العلاقة بين الزوجين وبيان حقوق كل منهما قبل الآخر وواجباته عليه؛ لأنه ما دام اجتماع الذكور بالإناث من الضرورات التي اقتضتها الفطرة الجنسية لا بد من تشريع نظام يقوم على أساسه هذا الاجتماع حتى يأمن أحدهما عدوان صاحبه ويثمر الاجتماع ثمرته المقصودة من تعاون الزوجين, وقيام الزوج بأعباء الحياة الخارجية وقيام الزوجة بالشئون المنزلية, وسكون أحدهما إلى الآخر وأنسه به واطمئنانه إليه وتبادلهما المودة والرحمة التي أشار الله سبحانه إليها بقوله في سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} .
"وثالثها" تحصين النفس وقضاء حاجاتها الجنسية من الطريق التي أحلها الله, والبعد بها عن انتهاك الحرمات. وفي هذا حفظ الأخلاق والأعراض ووقاية من الشحناء والبغضاء. قال الله تعالى في سورة النساء بعد بيان المحرمات: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} ، أي: إن الله سبحانه أحل لكم من النساء ما عدا هذه المحرمات التي بينها لتبتغوها بأموالكم ومهوركم حلائل لكم قاصدين تحصين أنفسكم من الوقوع في الحرام والزنا. وروى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج, فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء1".
وروى البيهقي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليتق الله في النصف الباقي".
فالزواج نظام إلهي شرعه الله لمصلحة المجتمع الإنساني وسعادة أفراده وحفظ كيان الأسرة التي هي عماد الأمة، ولهذا حث عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورغب فيه بعدة أحاديث صحيحة.
__________
1 الباءة: مئونة الزواج وما يقتدر به عليه. والوجاء: الوقاية.
(1/15)

منها ما رواه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة".
وما رواه أبو داود والحاكم عن ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المر: المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته".
وما رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر".
وما رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء سوداء ذات دين أفضل".
وليس شيء أضر بالأمة وأدعى إلى فنائها وانتشار الفسق والفجور فيها من إعراض شبابها عن الزواج، وإذا رئي أن الزواج بين بعض الأزواج مصدر للخصومات والشقاء وتبادل الكيد والإضرار, فليس منشأ هذا أن الزواج نظام غير صالح، وإنما منشؤه أن هؤلا الأزواج أساءوا استعمال هذا النظام ولم يسيروا على سنن الدين لا في خطبة الزوجات ولا في العشرة الزوجية ولم يقفوا عند حدوده, فكانت زوجيتهم مصدر شقائهم، وكذلك كل قانون عادل أو نظام صالح إذا أسيء تطبيقه أنتج نقيض ما شرع لأجله، ولو أن الحياة الزوجية قامت على أساس ما شرعه الله من حسن الاختيار والمعاشرة بالمعروف وقيام كل واحد من الزوجين بواجبه ما كانت مصدر نزاع أو شقاء.
(1/16)

مقدمات الزواج:
ولما كان الغرض من الزواج العشرة الدائمة بين الزوجين للتوالد والتعاون على شئون الحياة وحاجات الإنسان كان لا بد لمن أرادا التزاوج أن يكون كل منهما على بينة من أمر الآخر قبل الارتباط بعقدة الزواج حتى لا يكون الاقتران على عمى. ولهذا شرع الله أحكام الخطبة وهي أن يطلب الرجل المرأة للزواج بها، ومع كون المخطوبة أجنبية من خاطبها ندب الشارع له أن يبصر وجهها وكفيها وقدميها، ويكرر هذا الإبصار إذا دعت الحال، ولكن لا يباح له أن يبصر مخطوبته مختليا بها, بل لا بد أن يكون معهما مَحْرم لها كأبيها أو أخيها أو عمها.
والأصل في هذا ما روي من أن المغيرة بن شعبة خطب امرأة فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسل: "أنظرت إليها"؟ قال لا: فقال عليه السلام: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما".
والحكمة في إباحة إبصار الوجه أنه جماع محاسن الإنسان الخلقية، وملامحه وأسرته تنم عن جملة الحال النفسية فإذا تراءى الخاطب ومخطوبته تعرف منها مثل ما تتعرف منه ووقعت في قلب كل منهما للآخر إحدى المنزلتين من الميل أو النفور.
والحكمة في إباحة إبصار الكف والقدمين أنهما تنمان عن حال الجسم.
فبإبصار الوجه والكفين والقدمين وتكرير هذا الإبصار عند الاقتضاء يتعرف كل منهما جملة حال صاحبه. وأما تعرف الحال الخلقية بالتفصيل فهذا سبيله التحري ممن خالطوا الاثنين بالمعاشرة أو الجوار ولا يجدي في معرفته اجتماع مرة أو مرات في بضع ساعات قد يظهر كل واحد منهما فيها بغير نفسه الحقيقية، كما قيل في أمثال الناس "كل خاطب كاذب".
والحكمة في حظر خلوة الخاطب بمخطوبته, واشتراط أن يكون معهما محرم لها؛ هو سد الذرائع إلى الشر ومقاومة دواعي النفس الأمارة بالسوء.
وهذا السنن في الخطبة هو السنن المستقيم والوسط المعتدل بين إفراط من غلوا في الحجاب، ومنعوا أن يبصر الخاطب مخطوبته فيتم الزواج بين اثنين قد لا تأتلف
(1/17)

روحاهما ولا يؤدم بينهما وهذا مصدر للشقاء، وبين تفريط من أسرفوا في الخيال وأباحوا للخاطب الخلوة والخلطة فعرضوا الأعراض للأخطار ومقالة السوء وخاصة إذا عدل الخاطب عن خطبته، فالإفراط والتفريط غير محمودي العاقبة والخير في الاعتدال.
من تباح خطبتها, ولا يباح للخاطب أن يخطب امرأة للزواج بها إلا إذا توافر فيا أمران: "أولهما" أن تكون المخطوبة خالية من الموانع الشرعية التي تمنع زواجه بها في الحال. و"ثانيهما" ألا تكون مخطوبة لغيره خطبة شرعية.
فإن لم تكن خالية في الحال من الموانع الشرعية بأن كانت محرمة عليه بسبب من أسباب التحريم المؤبدة، كأخته نسبا أو رضاعا، أو المؤقتة كزوجة غيره أو معتدته؛ فلا تباح له خطبتها؛ لأن الخطبة وسيلة إلى العقد ومقدمة له، وإذا كانت النتيجة غير ممكنة الحصول في الحال فالاشتغال بالوسيلة عبث يصان العاقل عنه؛ ولأن في خطبة زوجة الغير أو معتدته إيذاء لهذا الغير واعتداء عليه والله لا يحب المعتدين. ولهذا لا تحل خطبة معتدة الغير سواء كانت معتدة من وفاة أو طلاق رجي أو بائن بينونة صغرى أو كبرى؛ لأنها ما دامت في العدة فحق زوجها متعلق بها, وفي خطبتها اعتداء عليه سواء كانت الخطبة بصريح العبارة أو بطريق التعريض.
واستثنى من هذا حال واحدة، وهي ما إذا كانت المعتدة معتدة وفاة فإنه تباح خطبتها بطريق التعريض فقد ولا تباح بالتصريح.
ودليل هذا الاستثناء قوله تعالى في سورة البقرة: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} .
المراد بالنساء في هذه الآية معتدات الوفاة؛ لأن الآية التي قبلها في شأن الذين يتوفون ويذرون أزواجا, والله نفى الجناح والإثم في التعريض بخطبتهن, فخطبة المتوفى
(1/18)

عنها زوجها بطريق التعريض مباحة. والحكمة في هذا الاستثناء أن الوفاة قطعت رباط الزوجية لا إلى عودة، وهذا من شأنه أن يجعل الراغب في زواج المتوفى زوجها لا يتحرج من خطبتها في عدتها، وإلى هذا أشار الله سبحانه وتعالى بقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} . ولكن لمراعاة جانب ورثة المتوفى وعدم إيذائهم بخطبة زوجة مورثهم وهي لا تزال في عدته. ولحال الحزن والحداد التي تكون عليها المتوفى عنها زوجها وفاء له، حظر التصريح بخطبتها واكتفى بإباحة التعريض بها فقط.
والفرق بين التصريح والتعريض: أن التصريح هو أن تذكر كلاما صريحا تقصد ما يدل عليه، كأن يقول الخاطب: أرغب في زواجك أو أريد أن تكوني زوجة لي. وأما التعريض فهو أن تذكر كلاما لا تريد معناه الظاهر بل تريد به معنى آخر يفهم منه بالقرائن، كأن يقول الخاطب: أنت خير زوجة أو وددت لو يسرت لي زوجة صالحة، والقرائن تدل على ما يريد من خطبتها.
وإن كانت ممن تحل له ولكنها مخطوبة لغيره خطبة شرعية فلا تباح له خطبتها ما دامت خطبة غيره قائمة ولم يبت في أمرها؛ لأن هذا اعتداء على الغير. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه, ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر".
وإذا خطب خاطب امرأة لا تباح له خطبتها شرعا أثم ديانة، ولكن لا أثر لهذا الإثم قضاء، فلو خطب معتدة غيره ثم بعد انقضاء عدتها عقد زواجه بها صح العقد ما دام قد استوفى شرائطه الشرعية. وإثمه الذي ارتكبه بخطبتها خطبة غير مباحة لا أثر له في صحة العقد بعد أن صارت غير محرمة عليه.
ومن مقدمات الزواج التي اعتاد بعض الناس تقديمها عليه: قراءة الفاتحة للدلالة على التراضي به، وحصول الوعد به من الجانبين، وقبول كل منهما هدايا الآخر، وقبول الزوجة أو وليها المهر كله أو بعضه.
(1/19)

وهذه المقدمات من الخطبة أو قراءة الفاتحة أو التواعد أو التهادي أو قبول المهر أو بعضه لا تعتبر زواجا شرعا, ولا تربط أحدهما بالآخر برباط الزوجية، فللخاطب أن يعدل عن خطبته وللمخطوبة أن تعدل عن قبوله, ولكل منهما أن ينقض وعده1.
وإذا فسخت الخطبة سواء أكان بسبب عدول الخاطب أو المخطوبة أو عدولهما معا فإن ما قدمه الخاطب من المهر له الحق في استرداده، فإن كان قائما يجب رده إليه بعينه، وإن كان هالكا أو مستهلكا يجب رد مثله أو قيمته؛ لأنه دفع على أنه مما يجب بالزواج، وما دام الزواج لم يوجد فلم يستحق شيء من هذا الواجب وهو حق خالص للخاطب يجب رده إليه. وأما ما قدمه الخاطب من الهدايا فهو هبة وحكم الهبة أن الواهب له حق الرجوع فيها ما لم يوجد مانع من موانع الرجوع. وعلى هذا إذا كان ما أهداه الخاطب لمخطوبته قائما في يدها لم يطرأ عليه ما يمنع الرجوع فيه, كخاتم أو ساعة أو عقد لم يطرأ عليه طارئ, فللخاطب الحق في استرداده، وأما إذا كان ما أهداه الخاطب لمخطوبته ليس قائما عندها على حاله بأن هلك أو استهلك أو تغير بالزيادة أو باعته، كأن كان طعاما فأكل أو خاتما فضاع أو قماشا فخيط ثوبا، ففي كل هذا ليس للخاطب الحق في استرداد ما أهداه ولا استرداد بدل عنه؛ لأن هلاك الموهوب وخروجه من يد الموهوب له, والزيادة المتصلة فيه كلها من
موانع الرجوع في الهبة على ما سيبين في موضعه، وإذا اختلف الخاطب والمخطوبة في أن ما قدم مهر أو هدية فسيبين الحكم في هذا في قضايا المهر.
وإنما الذي يربط أحدهما بالآخر هو عقد الزواج الشرعي الذي تحققت أركانه واستوفى شرائطه.
__________
1 وهذا هو حكم الفقة والقضاء, وهو مبني على أنه ما دام لم يوجد العقد فلا إلزام ولا التزام، وأما حكم الأخلاق فلا ينبغي للإنسان أن يخلف وعده ويرجع في عزمه. فمن فسخ الخطبة لغير ضرورة ملجئة فقد ارتكب رذيلة وأجرم خلقيا.
وقد حكمت بعض المحاكم الأهلية والمختلطة بالتعويض على من فسخ الخطبة لغير مبرر، وبنت حكمها على أن العدول عن الخطبة حق للخاطب والمخطوبة ولصاحب الحق أن يستعمل حقه, ولكن إذا أدى استعمال حقه إلى إلحاق الضرر بغيره بدون مبرر فعليه التعويض عن هذا الضرر, فله حق العدول وعليه تعويض الضرر، فأساس الحكم أمران: سوء استعمال الحق وترتب الضرر، وقد أفتى المرحوم الشيخ محمد بخيت بأن لا وجه للإلزام بهذا التعويض. وفتواه منشورة بمجلة المحاماة الشرعية ع -1س-2 وهي موضع نظر.
(1/20)

أركان الزواج:
أركان كل عقد هي أجزاؤه التي يتركب منها, ويتحقق بها وجوده وانعقاده وهي العاقدان، والمعقود عليه، وصيغة العقد المكونة من الإيجاب والقبول. ولما كان وجود الصيغة يستلزم وجود العاقدين والمعقود عليه اقتصر أكثر الفقهاء في بيان أركان الزواج على قولهم: أركان الزواج الإيجاب والقبول.
فالإيجاب هو ما صدر أولا من أحد العاقدين تعبيرا عن إرادته في إيجاد الارتباط وإنشائه. والقبول هو ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته ورضاه بما أوجبه الأول، وقد يكون الموجب أي: البادئ هو الزوج أو وكيله أو وليه. والقابل هي الزوجة أو وكيلها أو وليها، وقد يكون العكس. وقد يتولى صيغة العقد اثنان وهو الكثير الغالب. وقد يتولاها واحد قائم مقام اثنين كأن يكون وليا على الزوجين1 أو وكيلا عنهما2 أو أصيلا من جانب ووليا أو وكيلا من الجانب الآخر3, فعبارة هذا الواحد بمنزلة عبارتين، وهو تارة ذو صفة واحدة، وتارة ذو صفتين مختلفتين.
ولا بد في الإيجاب والقبول من تحقق أمرين: أحدهما من حيث صورتهما اللفظية. والثاني من حيث مادتهما واشتقاقهما.
فأما من حيث صورتهما فلا بد أن يكونا بلفظين على صورة الفعل الماضي مثل زوجتك موكلتي، قبلت. أو وهبت لك نفسي، قبلت؛ لأن الغرض من
__________
1 كرجل يزوج بنت أخيه الصغيرة من صغير هو ابن أخيه الآخر والصغيران في ولايته.
2 كرجل يزوج موكلته من موكله.
3 كرجل يزوج نفسه من بنت عمه الصغيرة المشمولة بولايته، أو يزوج نفسه ممن وكلته بأن يزوجها نفسه.
(1/21)

الصيغة التعبير عن حصول رضا من الطرفين وتوافق بين إرادتيهما، والذي يدل على حصول هذا فعلا وقت التعاقد هو ما كان على صيغة الماضي، وأما ما كان على صيغة الحال أو المستقبل فلا يدل قطعا على حصول الرضا فعلا، فلو قال أحدهما تزوجني موكلتك، فقال الآخر: أقبل. لا تتكون بهذين اللفظين صيغة عقد الزواج؛ لأنهما ما دلا قطعا على حصول رضا وقت التكلم؛ لأنه يحتمل أن يراد باللفظ الأول الاستيعاد وبالثاني الوعد. والوعد بالزواج مستقبلا ليس عقدا له في الحال، فما دامت الصيغة تحتمل معنى غير العقد لا ينعقد بها الزواج.
لهذا استعمل الشارع لإنشاء العقود الصيغة التي تدل على تحقق الرضا ووجوده فعلا وهي صيغة الماضي؛ لأنها قطعية في الدلالة على حصول الرضا من العاقدين بالارتباط ولا تحتمل معنى آخر.
ولو قال الخاطب لمخطوبته: زوجيني نفسك، فقالت: زوجتك نفسي انعقد الزواج، مع أن إحدى العبارتين على صيغة المستقبل لا الماضي، ولكن ليس في هذا مخالفة لما تقدم؛ لأن الحقيقة هي أن قوله: زوجيني نفسك ليس هو الإيجاب, وإنما هو توكيل لها في أن تزوجه نفسها, فقولها: زوجتك نفسي عبارة قائمة مقام العبارتين وهي تولت طرفي العقد بالإصالة من جانبها والوكالة عنه وعبارتها على صيغة الماضي. وهذا توجيه قول الفقهاء, وينعقد بإيجاب وقبول وضعا للمضي أو وضع أحدهما للمضي والآخر للاستقبال.
وأما من حيث مادتهما واشتقاقهما فالقبول لا يشترط اشتقاق لفظه من مادة خاصة بل يتحقق بأي لفظ يدل على الموافقة والرضا من أي مادة كانت، مثل: قبلت، رضيت، وافقت، أجزت، نفذت، أمضيت. وأما الايجاب فلا بد أن يكون بلفظ مشتق من الزواج أو النكاح، أو مشتق مما يدل على تمليك العين في الحال مثل: الهبة والتمليك والبيع, وما يرادف ذلك من أي لغة, أما ما لا يدل على التمليك أصلا كالإباحة والإحلال والإيداع, وما يدل على تمليك المنفعة لا العين كالإجارة والإعارة, وما يدل على تمليك العين لكن لا في الحال كالوصية فلا يتحقق
(1/22)

الايجاب بلفظ منها؛ لأن معانيها تنافي معنى الزواج الشرعي المقصود به ملك المتعة في الحال على سبيل التأييد والدوام.
وإذا كان العاقدان حاضرين تكو الصيغة منهما بالعبارة؛ لأنها أدل طرق الدلالة فحيث أمكنت لا يعدل عنها إلى غيرها، وإذا كان أحدهما غائبا عن الآخر تكون الصيغة بالكتابة لتعذر المشافهة، وإذا كان العاقد أخرس فإن كان يحسن الكتابة عقد بها, وإن كان لا يكتب عقد بإشارته المعهودة الدالة على قصده، فلا عقد بالكتابة إلا حيث تعذرت المشافهة بالعبارة. ولا عقد بالإشارة إلا حيث تعذرت الدلالة على القصد بالكتابة، وفي هذا جمع بين الاحتياط واليسر. ولذا قال في الدرر "لو كتب الحاضر على شيء لامرأة زوجيني نفسك فكتبت المرأة على ذلك الشيء عقبه زوجت نفسي منك لا ينعقد الزواج".
(1/23)

شروط الزواج:
للزواج شروط شرعية لانعقاده، ولصحته، ولنفاذه للزومه, وشروط وضعية لسماع الدعوى به قانونا في محاكمنا الشرعية المصرية، وتسجيله في الوثيقة الرسمية.
وهذا بيان الشروط جميعها:
شروط الانعقاد: شروط انعقاد الزواج هي التي تلزم لتحقق أركانه ويترتب على الإخلال بواحد منها إخلال بركن من أركان الزواج فلا ينعقد شرعا ولا تترتب عليه آثار الزواج الشرعي، وهي أربعة:
1- أهلية العاقدين بالتمييز، فإذا كان أحد العاقدين فاقد الأهلية للعقد بفقده التمييز بأن كان مجنونا أو صغيرا غير مميز فلا ينعقد الزواج بعبارته كما لا ينعقد منه أي عقد أو تصرف؛ لأن فاقد التمييز لا إرادة له ولا يتصور منه رضا يعتد به.
2- اتحاد مجلس الايجاب والقبول والمراد باتحاد مجلسهما أنه إذا صدر الايجاب لا يوجد من العاقدين أو أحدهما ما يدل على الإعراض عنه, والاشتغال بغيره حتى يصدر القبول؛ لأنه إن وجد ذلك يعد منهيا للايجاب فلا يصادف القبول
(1/23)

محله ولا ترتبط العبارتان, وليس المراد باتحاد مجلسهما الفور, وأن يكون القبول أثر الإيجاب فورا؛ لأنه لو طال المجلس وتراخى القبول عن الإيجاب ولم يصدر بينهما ما يدل على الاشتغال والإعراض فمجلسها متحد.
وهذا إذا كان العقد بالمشافهة بين عاقدين حاضرين. أما إذا كان العقد بين غائبين بطريق الكتابة أو الرسول فإن مجلس الإيجاب هو مجلس قراءة الغائب للكتاب أما الشهود أو إسماعهم رسالة الرسول، فإذا كتب الرجل إلى امرأة زوجيني نفسك، أو أرسل إليها رسولا بذلك، فلما وصل إليها الكتاب أو الرسول أحضرت الشهود وقرأت عليهم الكتاب, أو عرفتهم مضمونه أو أبلغتهم رسالة الرسول, وأشهدتهم أنها زوجت نفسها منه انعقد الزواج، فلا بد من القبول في مجلس قراءة الكتاب أو بلاغ الرسول بحضرة الشهود ليتحد مجلس الإيجاب والقبول. ولا بد أن يسمع الشهود ما في الكتاب أو رسالة الرسول, ثم يسمعوا القبول ليكونوا سمعوا شطري العقد وشهدوا الإيجاب والقبول.
3- موافقة القبول للايجاب ولو ضمنا حتى يتحقق اتفاق إرادتي العاقدين على شيء واحد, فإذا خالف القبول الايجاب كله أو بعضه لا ينعقد الزواج, إلا إذا كانت المخالفة إلى خير للموجب فإنها تكون موافقة ضمنية.
فإذا قال الموجب: زوجتك ابنتي فلانة على مهر قدره ستون جنيها فقال القابل: قبلت زواجها على المهر المسمى, انعقد الزواج للموافقة الصريحة, وكذا لو قال قبلت زواجها على ثمانين للموافقة الضمنية. أما لو قبل القابل زواج ابنته الأخرى أو على مهر أقل فلا ينعقد الزواج إلا إذا قبل الموجب الزيادة أو النقص في المجلس حينما تكون المخالفة في المهر.
4- سماع كل من العاقدين كلام الآخر مع علم القابل أن قصد الموجب بعبارته إنشاء الزواج وإيجابه, وعلم الموجب أن قصد القابل الرضا به والموافقة عليه وإن لم يفهم كل واحد منهما معاني المفردات لعبارة الآخر؛ لأن العبرة للمقاصد.
(1/24)

وهذه الشروط الأربعة ترجع عند التحقيق إلى شيء واحد وهو تحقق رضا الطرفين وتوافق إرادتيهما؛ لأن الشرط الأول وهو تميز العاقدين؛ إنما شرط لأن الرضا لا يكون إلا ممن له إرادة وفاقد التمييز لا إرادة له فلا يتصور منه رضا. والشروط الثلاثة الباقية إنما شرطت ليتحقق ارتباط رضا كل من العاقدين برضا الآخر, وتتفق إرادتهما على شيء معين دلت عليه عبارتهما.
شروط الصحة:
شروط صحة الزواج هي ما يتوقف عليها صحته بعد انعقاده, وليست شروطا لتحقق أركانه وهي اثنان.
1- أن تكون الزوجة غير محرمة على من يريد التزوج بها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبد أو المؤقت؛ لأن للشارع حكمة في تحريم بعض النساء على الرجل، فمن عقد على من لا تحل له فزواجه غير صحيح ولا يحل ما حرم الله.
2- أن يحضر عقد الزواج شاهدان رجلان أو رجل وامرأتان؛ لأنه عقد له خطره وشأنه لما يترتب عليه من آثار وحقوق فلهذا امتاز شرعا عن سائر العقود بأن اشترط لصحته حضور الشهود؛ ولأنه يترتب على عدم إعلانه بحضور الشهود أن يرتاب الناس ويسيئوا الظن إذا رأوا رجلا يتردد على امرأة من غير أن يكون قد أعلن زواجه بها. ولذا ورد في الحديث: "لا نكاح إلا بشهود1".
ويشترط في الشاهدين أن يكونا عاقلين بالغين حرين؛ لأن هذا العقد الذي له خطره وشأنه لا يعلن إلا عن طريق العقلاء الأحرار البالغين، وأن يسمعا معا كلام العاقدين مع فهمهما أن الغرض منه إيجاب الزواج وقبوله، وإن لم يفهما مفرداته؛ لأنهما إن لم يسمعا معا الصيغة بتمامها فاهمين المراد منها لم يشهدا العقد, فالأصم والنائم والسكران الذي لا يعي ما يسمع لا يصح الزواج بحضورهم؛ لأنهم لا سماع ولا فهم.
__________
1 وقال الإمام مالك: ليس حضور الشهود شرطا لصحة الزواج, وإنما الشرط إعلانه بأي طريق حتى لا يكون سرا، فلو أعلن بغير الشهود صح ولو حضره الشهود وشرط عليهم كتمانه لم يصح.
(1/25)

ولأن الغرض من حضور الشاهدين مجرد إعلان الزواج وإشهاره لا يشترط فيهما العدالة ولا البصر ولا انتفاء التهمة. ولذا يصح الزواج بشهادة فاسقين أو أعميين أو ابني الزوجين أو أحدهما، كما يصح بشهادة رجل وامرأتين، ولا يصح بشهادة النساء وحدهن، وإذا كان الزوجان مسلمين يشترط إسلام الشاهدين. أما إذا كان الزوج مسلما والزوجة كتابية فيصح زواجهما بشهادة كتابيين.
وفي بعض الصور قد يصح عقد الزواج بحضور شاهد واحد في الظاهر كما إذا وكلت امرأة من يزوجها بزوج معين فزوجها الوكيل بمن عينته بحضور شاهد وحضورها صح العقد، وكما إذا وكل الولي من يزوج موليته من معين فزوجها وكيل الولي بحضور شاهد وحضور الولي صح العقد. والحقيقة أن الزواج صح في هاتين الصورتين بحضور شاهدين لا شاهد واحد؛ لأن الضابط العام أنه كلما أمكن اعتبار الموكل مباشرا للعقد بأن كان حاضرا وقت إجرائه يعتبر هو المباشر للعقد ويعتبر الوكيل مجرد سفير ومعبر وكأنه ليس أحد طرفي العقد فيقوم مقام شاهد ثان مع الشاهد الحاضر. ولذلك إذا كان الموكل غير حاضر، بحيث لا يمكن اعتباره هو المباشر للعقد لا يصح إلا بحضور شاهدين.
عقد الزواج رضائي أو شكلي: الباحثون في نطرية العقد عرفوا العقد الرضائي بأنه: ما يكفي في انعقاده اقتران القبول بالإيجاب, ويكون رضا الطرفين وحده موجدا ومكونا للعقد, كالإجارة والوكالة وأكثر العقود، وعرفوا العقد الشكلي بأنه: ما يجب لتكوينه اتباع شكل مخصوص يحدده القانون كالهبة لا توجد قانونا إلا إذا صدرت في ورقة رسمية أمام الموظف العمومي المختص، فبعد أن بينا شرائط انعقاد الزواج وصحته نبين هل هو رضائي أو شكلي.
إذا نظرنا في عقد الزواج نجد أن تكوينه وانعقاده يتم بتحقق ركنه وشرائط انعقاده، وهذه الشرائط مرجعها كما بينا إلى التحقق من تراضي الطرفين وتوافق
(1/26)

إرادتيهما على شيء واحد، وإذا كان انعقاد الزواج يكفي فيه تراضي الطرفين ولا يتوقف على شيء آخر غير رضاهما وتوافق إرادتيهما فهو من هذه الوجهة عقد رضائي؛ لأنه ينعقد بتحقق تراضي العاقدين.
لكن إذا نظرنا إلى أن مجرد انعقاده لا تترتب عليه كل آثاره الشرعية, بل لا بد لترتب آثاره الشرعية عليه من صحته بعد انعقاده، وأن من شرائط صحته شرطا زائدا عن رضا الطرفين وهو إعلانه بحضور الشهود ينتج أنه عقد شكلي؛ لأنه لا تترتب عليه كل آثاره الشرعية إلا بتوفر شيء خارج عن رضا الطرفين وهو حضور الشهود, فهو من هذه الوجهة عقد شكلي. ولكنه ليس شكليا بتمام المعنى الذي أرادوه؛ لأن الشهود المشروط حضورهم يرجع اختيارهم إلى محض إرادة الطرفين؛ ولأن حضور الشهود ليس شرطا متفقا عليه بل فيه خلاف الإمام مالك كما قدمنا.
شروط النفاذ:
شرط نفاذ الزواج هي التي تشترط لنفاذه وعدم توقفه على إجازة أحد بعد انعقاده وصحته وهي اثنان:
1- أن يكون كل من العاقدين كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، فإن كان واحد منهما ناقص الأهلية بأن كان معتوها مميزا أو صغيرا مميزا أو عبدا فإن عقده الذي يعقده بنفسه إذا استوفى شروط الانعقاد والصحة ينعقد صحيحا موقوفا على إجازة الولي أو المالك، فإن أجازه نفذ وإن لم يجزه بطل. والمراد بالولي ولي النفس لا المال.
فلوجود أصل الأهلية في العاقد بوجود التمييز كان العقد منعقدا، ولنقصها بسبب العته أو الصغر أو الرق كان موقوفا ليتسنى للولي عليهم أن يتدارك منع الضرر عنهم.
2- وأن يكون كل من العاقدين ذا صفة تخول له أن يتولى العقد وتجعل له الحق في مباشرته بأن يكون أحد الزوجين أو وكيلا عنه أو وليا عليه، فلو كان أحد العاقدين فضوليا باشر العقد لا بوكالته عن أحد الزوجين ولا بولاية عليهما, أو كان وكيلا ولكن خالف فيما وكل فيه، أو كان وليا ولكن يوجد ولي أقرب منه مقدم
(1/27)

عليه، كان عقد أي واحد من هؤلاء إذا استوفى شروط الانعقاد والصحة منعقدا صحيحا موقوفا على إجازة صاحب الشأن1.
شروط اللزوم:
شروط لزوم الزواج يجمعها شرط واحد وهو ألا يكون لأحد الزوجين ولا لغيرهما حق فسخ العقد بعد انعقاده وصحته ونفاذه، فلو كان لأحد حق فسخه كان عقدا صحيحا نافذا غير لازم.
وعلى هذا إذا تزوجت المرأة ووجدت بزوجها عيبا لا يمكنها أن تعاشره معه إلا بضرر فإن زواجها غير لازم؛ لأن لها الحق في طلب فسخه سواء أكان العيب قبل الزواج ولم تعلم به أم حدث بعده ولم ترض به.
وعلى مذهب أبي حنيفة لا يثبت لها هذا الحق إلا إذا كان العيب واحدا من ثلاثة: الجب والخصاء والعنة. وعلى ما عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية المصرية يثبت لها هذا الحق إذا كان العيب مستحكما, لا يمكن البرء منه, أو يمكن بعد زمن, ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر أيا كان هذا العيب "مادة 9 من القانون سنة 1930" وسيفصل هذا في موضعه".
وإذا زوجت الكبيرة العاقلة نفسها من زوج كفء لها ولكن على مهر أقل من مهر مثلها بدون رضا أقرب عصبتها كان زواجها غير لازم؛ لأن لهذا العاصب حق طلب فسخ الزواج إن لم يتم الزوج مهر مثلها.
وإذا زوج الصغير أو الصغيرة أو من في حكمهما من الكبار غير المكلفين غير الأب والجد من الأولياء عند عدمهما وكان الزوج كفئا, والمهر مهر المثل كان الزواج غير لازم؛ لأن للصغير أو الصغيرة حق طلب فسخ الزواج إذا بلغ.
وسيبين كل هذا مفصلا في مواضعه.
__________
1 إذا تولى العقد اثنان وكان أحدهما أو كلاهما فضوليا كان العقد موقوفا بالاتفاق، أما إذا تولاه واحد هو فضولي من الجانبين أو من جانب واحد كان العقد موقوفا أيضا عند أبي يوسف. وغير منعقد عند الطرفين لعدم اتحاد مجلس الإيجاب والقبول. ومنشأ الخلاف هل عبارة هذا الواحد عقد تام أو شطر عقد.
(1/28)

شروط سماع الدعوى به قانونا:
لما أثبتت الحوادث أن الزواج كثيرا ما يدعى زورا، طمعا في المال أو رغبة في النكاية والتشهير، اشترط الشارع الوضعي في مصر لسماع الدعوى به وجود دليل كتابي يؤيدها على التفصيل الذي سنبينه. كذلك لما تبين أن في زواج صغار السن أضرارا صحية واجتماعية وأريد حمل الناس على عدم عقد الزواج قبل بلوغ الزوجين سنا معينة اشترط الشارع الوضعي في مصر لسماع دعوى الزوجية أن لا تقل سن الزوجة عن 16 سنة وسن الزوج عن 18 سنة وقت الدعوى، كما اشترط لمباشرة العقد لدى الموظف الرسمي المختص أن لا تقل سن الزوجين عن هذه السن وقت العقد.
فالشرط القانوني لسماع دعوى الزوجية في المحاكم الشرعية المصرية أمران: "الأول" وجود مسوغ كتابي على التفصيل الذي سنبينه. "والثاني" بلوغ الزوجين وقت الدعوى سنا حددها القانون، والشرط لمباشرة عقد الزواج لدى الموظف الرسمي المختص بإجرائه هو بلوغ الزوجين وقت العقد السن المحددة.
ونحن نفصل هذه الشروط ونبين مصدرها من لائحة الإجراءات الشرعية وبعض ما صدر بشأنها من المنشورات والمذكرات الإيضاحية.
المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج: يختلف المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج باختلاف الوقت المدعى حصول الزواج فيه؛ وذلك لأن لائحة إجراءات المحاكم الشرعية المصرية التي نصت على عدم سماع دعوى الزوجية في بعض الحالات إلا بمسوغ كتابي صدرت سنة 1897م. ثم عدلت ثانيا في سنة 1910م. ثم عدلت ثالثا في سنة 1931م، وهو المعروف بالقانون رقم 78 سنة 1931، وفي كل تعديل زيدت قيود جديدة في المسوغ رغبة في سد الذريعة إلى دعوى الزواج زورا. ومن هذا التدرج التشريعي اختلف المسوغ باختلاف الوقت المدعى أن الزواج وقع فيه.
(1/29)

فإذا كان الزواج مدعى حصوله قبل سنة 1897م، والدعوى مقامة من أحد الزوجين والمدعى عليه ينكره فلا يشترط وجود دليل كتابي لسماع الدعوى به قانونا، بل يكتفي بشهادة الشهود بشرط أن تكون الزوجية معروفة بالشهرة العامة.
وهذا وارد بالفقرة 2 من المادة 99 من القانون رقم 78 سنة 1931 ونصها:
ومع ذلك يجوز سماع دعوى الزوجية أو الإقرار بها المقامة من أحد الزوجين في الحوادث السابقة على سنة 1897 فقط بشهادة الشهود وبشرط أن تكون الزوجية معروفة بالشهرة العامة.
وإذا كان الزواج مدعى حصوله في المدة من سنة 1897 إلى سنة 1911م والمدعى عليه ينكره, وأحد الزوجين متوفى، فلا تسمع الدعوى به إلا إذا كانت مؤيدة بأوراق خالية من شبهة التزوير تدل على صحتها سواء كانت الدعوى من أحد الزوجين أو من غيره، وهذا وارد بالفقرة 1 من المادة 99 المذكورة ونصها:
لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الطلاق أو الإقرار بهما بعد وفاة أحد الزوجين في الحوادث السابقة على سنة 1911م سواء كانت مقامة من أحد الزوجين أم من غيره، إلا إذا كانت مؤيدة بأوراق خالية من شبهة التزوير وتدل على صحتها.
وإذا كان الزواج مدعى حصوله في المدة من سنة 1911 إلى غاية يوليو سنة 1931 والمدعى عليه ينكره، وأحد الزوجين متوفى فلا تسمع الدعوى إلا إذا كانت ثابتة بأوراق رسمية أو مكتوبة كلها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه كذلك، سواء كانت الدعوى من أحد الزوجين أم من غيره, وهذا وارد بالفقرة 3 من المادة 99 ونصها:
ولا يجوز سماع دعوى ما ذكر كله من أحد الزوجين أو غيره في الحوادث الواقعة من سنة 1911م إلا إذا كانت ثابتة بأوراق رسمية أو مكتوبة كلها بخط المتوفى وعليها إمضاؤه كذلك.
(1/30)

وإذا كان الزواج مدعى حصوله في المدة من أول أغسطس سنة 1931م والزوجية منكرة، فلا تسمع الدعوى به إلا إذا كان ثابتا بوثيقة زواج رسمية صادرة على يد الموظف المختص بمقتضى وظيفته بإصدارها سواء كانت الدعوى في حال حياة الزوجين أو بعد الوفاة. وهذا وارد بالفقرة 4 من المادة 99 ونصها:
ولا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من أول أغسطس سنة 1931.
ومن هذا يتبين أنه لا يشترط المسوغ الكتابي لسماع دعوى الزواج إلا عند إنكار الزوجية. أما إذا كان المدعى عليه مقرا بها فإن المقر يعامل بإقراره في أية مدة ادعى حصول الزواج فيها. ويتبين أن التدرج التشريعي بالمسوغ حصل في أمرين: "أحدهما" في نوع الدليل الكتابي فبعد أن كان يكفي أن يكون الدليل أية ورقة خالية من شبهة التزوير صار لا بد أن يكون ورقة رسمية أو مكتوبة وممضاة بخط المتوفى ثم صار لا بد أن يكون وثيقة زواج رسمية. "وثانيهما" في حال المتداعيين فبعد أن كان لا يشترط المسوغ الكتابي إلا إذا كانت الدعوى بعد وفاة أحد الزوجين صار ابتداء من أغسطس سنة 1931 يشترط المسوغ عند الإنكار مطلقا سواء كانت الدعوى في حياة الزوجين أو بعد وفاتهما أو وفاة أحدهما.
والحكمة في هذا كما قدمنا سد الطريق في وجه من يحاول ادعاء الزوجية زورا وبهتانا طمعا في المال أو رغبة في التشهير.
تحديد سن الزوجين لسماع دعوى الزواج: نصت الفقرة 5 من المادة 99 من لائحة الإجراءات الشرعية على أنه "لا تسمع دعوى الزوجية إذا كانت سن الزوجة تقل عن ست عشرة سنة أو سن الزوج تقل عن ثماني عشرة سنة إلا بأمر منا".
(1/31)

وعلى هذا إذا كانت سن أحد الزوجين وقت الدوى أقل من هذه السن المحددة فلا تسمع دعوى الزوجية بينهما. والغرض من هذا حمل الناس على الامتناع من إجراء زواج لمن لم يبلغوا هذه السن؛ لأنه إذا علم أن الزوجية التي تتم بين من لم يبلغوا هذه السن لا يمكن سماع الدعوى بها قانونا ولا المطالبة أمام القضاء بحق من حقوقها أو أي أثر من الآثار المترتبة عليها ما دامت سن الزوجين أو أحدهما أقل من السن المحددة، إذا علم ذلك كف الناس من تلقاء أنفسهم عن الزواج الذي لم يبلغ فيه الزوجان السن المعينة، فبهذا تتلاقى الأضرار الصحية والاجتماعية التي تنشأ من الزواج بين صغار السن.
وقد جاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة ما نصه:
كانت دعوى الزوجية لا تسمع إذا كانت سن الزوجين وقت العقد أقل من 16 سنة للزوجة و18 للزوج سواء كانت سنهما كذلك وقت الدعوى أم جاوزت هذا الحد، فرئي تيسيرا على الناس وصيانة للحقوق، واحتراما لآثار الزوجية أن يقصر المنع من السماع على حالة واحدة وهي ما إذا كانت سنهما أو سن أحدهما وقت الدعوى أقل من السن المحددة.
وقد توهم بعض القضاة أن هذه السن المحددة شرط لسماع الدعوى إذا كان النزاع في ذات الزوجية. أما إذا كان النزاع في الآثار المترتبة عليها فليست شرطا. ودفعا لهذا التوهم أصدرت وزارة الحقانية المنشور رقم 29 لسنة 1921 تلفت نظر القضاة إلى العمل بإطلاق هذه الفقرة وعدم سماع دعوى الزوجية ممن لم يبلغ السن المحددة مطلقا، سواء أكان النزاع في ذات الزوجية أم فيما يترتب عليها من الآثار كالنفقة والطاعة.
تحديد سن الزوجين لمباشرة عقد الزواج رسميا: نصت الفقرة الثانية من المادة 266 من لائحة الإجراءات على أنه لا يجوز مباشرة عقد الزواج،
(1/32)

ولا المصادقة على زواج مسند إلى ما قبل العمل بهذا القانون ما لم تكن سن الزوجة ست عشرة سنة وسن الزوج ثماني عشرة سنة وقت العقد.
فإذا كانت سن أحد الزوجين وقت العقد أقل من هذه السن المحددة فلا يجوز للموظف الرسمي المختص بمباشرة عقد الزواج أن يجريه رسميا بينهما.
ومما جاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة أن عقد الزواج له من الأهمية في الحالة الاجتماعية منزلة عظمى من جهة سعادة المعيشة المنزلية, أو شقائها والعناية بالنسل أو إهماله، وقد تطورت الحال بحيث أصبحت تتطلب المعيشة المنزلية استعدادا كبيرا لحسن القيام بها ولا تستأهل الزوجة والزوج لذلك غالبا قبل سن الرشد المالي1. غير أنه لما كانت بنية الأنثى تستحكم وتقوى قبل استحكام بنية الصبي. وما يلزم لتأهل البنت للمعيشة الزوجية يتدارك في زمن أقل مما يلزم للصبي كان من المناسب أن يكون سن الزواج للفتى 18 سنة وللفتاة 16سنة. فلهذه الأغراض الاجتماعية حدد الشارع المصري سن الزواج لمباشرة رسميا كما حدد سنا لسماع دعوى الزوجية قانونا.
غير أن تنفيذ هذا القانون لاقى صعوبات من جهة الطرق التي توصل إلى معرفة حقيقة سن الزوجين وقت العقد؛ لأن كثيرا من الأزواج لا يظهرون شهادات الميلاد الرسمية أو لا تكون لديهم شهادات ميلاد. ولذلك أصدرت وزارة الحقانية عدة منشورات بشأن ما يتبع لتعرف سن الزوجين وقت العقد من الاكتفاء بما يدل على السن من أوراق رسمية أو شهادات الأقارب أو من لهم معرفة تامة بحال الزوجين. ثم أصدرت منشورا بالاكتفاء بشهادة الطبيب. ثم أصدرت منشورا بأن للمأذون
__________
1 كان ذلك حين كانت سن الرشد المالي 18 سنة قبل أن يعدل بزيادته إلى 21 بمقتضى المادة 29 من قانون المجالس الحسبية الصادر في أكتوبر سنة 1925 ونصها: "تنتهي الوصاية أو الولاية على المال متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية إلا إذا قرر المجلس استمرارها".
(1/33)

أن يأخذ على مسئوليته بلوغ الزوجين السن القانونية عند عدم الاشتباه، وكان من نتائج ذلك أن هذا القانون قلل من مباشرة الزواج بين صغار السن ولم يمنعه بتاتا.
ومما زاد في صعوبة تنفيذ هذا القانون أن محكمة النقض والإبرام لم تعتبر ذكر الشهود سنا غير حقيقية مع علمهم بالسن الحقيقية جناية تزوير معنوي معاقب عليه بعقوبة التزوير، بناء على أن واقعة السن ليست ركنا أساسيا في عقد الزواج؛ لأن الزواج شرعا بدونها يصح وينفذ ويترتب عليه آثاره الشرعية.
وقد جاء في حكم محكمة النقض والإبرام الصادر في 29 نوفمبر سنة 1930 ما نصه:
"إن الزواج عقد قررته الأحكام الدينية أو المدنية تنظيما لأمر طبيعي لا محيص عنه البتة، وهو الضرورة الدافعة لتلاقي الذكر بالأنثى متى بلغ أيهما حد النضوج الجنسي".
وهذه الضرورة الدافعة يستحيل معها لأي شارع سياسي أن يمس أصل حلية الزواج لأي ذكر وأنثى غير محرمين. وكل ما في الأمر أن ما توجبه الضرورات الاجتماعية من مراعاة الأفراد المتزاوجين مراعاة صحية حميدة الأثر في الأمة تبيح لأولي الأمر من طريق السياسة الشرعية أن يتخذوا من التدابير ما به يقللون جهد الاستطاعة أن يحصل تزاوج بين فردين أحدهما, أو كلاهما لما يبلغ سنا خاصة, معها يغلب على الظن حيازته لدرجة كافية من الخبرة والاتزان العقلي اللازمين لحسن الحال في المعيشة الزوجية ويترجح معها أن الزواج غير مؤذ به.
ولكن مهما تكن تلك التدابير فلا يجوز قطعا أن تصل إلى تحريم الزواج على من لم يبلغ تلك السن، وإلا كان الشارع معاندا للطبيعة فلا تلبث أن تثأر لنفسها بإحباط عمله ومقابلته بفشو الزنا بين صغار السن، ويصبح وقد وقع فيما يريد اتقاءه, وزاد عليه كثرة النسل الضعيف من أولاده الغير الشرعيين.
(1/34)

ولقد أدرك الشارع الوضعي المصري هذه الحقيقة فلم يتعرض قط لحلية الزواج بين صغار السن، بل ترك الناس أحرارا يتزاوجون كما يشاءون في حدود الأوضاع الدينية في أية سن أرادوا، وسلك إلى تحقيق غرضه طريقا غير مباشر ذلك بأن حرم على عماله: قضاة شرعيين كانوا أو مأذونين أن يحرروا عقد زواج رسمي لمن لم تبلغ سن السادس عشرة أو لمن يبلغ الثامن عشرة، كما حرم على المحاكم الشرعية أن تسمع دعوى زوجية من لم يبلغوا هذه السن.
بهذه الطريقة السلبية غير المباشرة رجا الشارع أن يحمل الأفراد على ما يريد من تقليل الزواج بين الصغار جهد الاستطاعة، ولكن بقي مع ذلك دائما أن من يعقد عقدا مستوفيا شروطه الشرعية الأساسية مهما تكن سنه فعقده صحيح ديانة، بل وصحيح قانونا في غير ما نص على عدم اعتباره فيه وهو مجرد عدم سماع الدعوى به؛ لأنه لو لم يكن كذلك لاعتبرت مقاربة الزوج للزوجة الصغيرة هتك عرض يعاقب عليها بالمادة 232 من قانون العقوبات، وهذا لا يستطيع أن يقول به أحد.
وصيانة القانون تحديد السن لمباشرة العقد من التلاعب به صدر أخيرا القانون رقم 44 لسنة 1933 ونص المادة 2 منه ما يأتي:
مادة 2- يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على مائة جنيه كل ما أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانونا لضبط عقد الزواج أقوالا يعلم أنها غير صحيحة أو حرر أو قدم لها أوراقا كذلك متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق.
ويعاقب بالحبس أو بغرامة لا تزيد على مائتي جنيه كل شخص خوله القانون سلطة ضبط عقد الزواج, وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن المحددة في القانون.
(1/35)

صيغة الزواج من حيث إطلاقها وتقييدها:
إذا صدرت صيغة الزواج من العاقدين غير معلقة على شرط، ولا مضافة إلى زمن مستقبل، ولا مقترنة بشرط سمي العقد مطلقا ومنجزا. وحكم هذا العقد المنجز أنه متى استوفى شرائطه صح وترتبت عليه أحكامه في الحال.
وإذا صدرت الصيغة معلقة على شرط بأن جعل تحقق مضمون الإيجاب أو القبول أو مضمونهما معلقا على تحقق شيء آخر بأداة من أدوات التعليق سمي العقد معلقا. وحكم هذا العقد المعلق على التفصيل الآتي:
فإن كان العقد معلقا على أمر معدوم في الحال لا ينعقد الزواج سواء كان المعلق عليه المعدوم في الحال على خطر الوجود في المستقبل أو محقق الوجود في المستقبل، فلو قال لها: إن نجحت في امتحان آخر هذه السنة تزوجتك، فقالت: قبلت. أو قال، لا: إذا جاء فصل الربيع تزوجتك، فقالت: قبلت. لا ينعقد الزواج بصيغة منهما؛ لأن المعلق عليه وهو النجاح في المثال الأول ومجيء الربيع في المثال الثاني معدوم في الحال، والمعلق عل المعدوم في الحال معدوم في الحال فلا زواج؛ لأن الزواج عقد يفيد ملك المتعة في الحال ولا يتراخى حكمه عنه.
أما إذا كان التعليق على أمر محقق في الحال فإن الزواج ينعقد سواء كان محققا وقت التكلم بالصيغة أو تحقق في مجلس صدورها، فلو قالت له: إن كانت سني ست عشرة سنة تزوجتك، فقال: قبلت، وسنها في الواقع 16سنة. أو قالت له: إن رضي أبي تزوجتك، فقال: قبلت. وقال أبوها في المجلس رضيت. انعقد الزواج في الصورتين؛ لأنه ما دام المعلق عليه محققا في الحال فالتعليق صوري والصيغة في الحقيقة منجزة.
وإذا صدرت الصيغة مضافة إلى زمن مستقبل سمي العقد مضافا، كما لو قال لها: تزوجتك في أول الشهر المقبل، أو بعد شهرين، أو غدا، فقالت: قبلت. وحكم
(1/36)

هذا العقد المضاف إلى زمن مستقبل أنه لا ينعقد لا في الحال ولا عند حلول الزمن المضاف إليه؛ لأن موجب عقد الزواج تملك حق الاستمتاع في الحال، والإضافة إلى زمن مستقبل تنافي هذا ولذا لا ينعقد الزواج بلفظ الوصية.
وإذ صدرت الصيغة مطلقة عن التعليق والإضافة ثم قرنها أحد الزوجين باشتراط شرط له فيه مصلحة سمي الزواج مقترنا بالشرط، وحكم هذا العقد المقترن بالشرط على التفصيل الآتي:
فإن كان الشرط صحيحا صح الزواج وصح الشرط وعومل الزوجان بمقتضاه، وإن كان الشرط غير صحيح صح الزواج ولغا الشرط ولا اعتبار له، فلا يجب الوفاء به. والشرط الصحيح هو ما يقتضيه العقد كاشتراط الزوجة أن لها على زوجها النفقة، أو يلائمه كاشتراط الزوجة أن يكفل والد زوجها نفقتها أو مهرها، أو ورد به الشرع كاشتراط الزوج أن له أن يطلقها متى شاء، أو جرى به العرف كاشتراط تعجيل بعض المهر وتأجيل بعضه. وغير الصحيح هو ما لا يقتضيه العقد كاشتراط الزوجة أن تسكن في بيت أبيها, أو اشتراط الزوج أن نفقتها على نفسها، أو يأباه الشرع كاشتراط الزوجين المختلفين دينا أن يتوارثا، أو اشتراط الزوجة على زوجها ألا يتزوج عليها.
وإذا قرنت الصيغة بتوقيتها بوقت معين كأن قال لها: تزوجتك شهرا أو لمدة سنة أو ما دمت مقيما بهذا البلد، فقالت: قبلت، لا ينعقد الزواج؛ لأن اقتران الصيغة بالتوقيت يخرجها عن الدلالة على المعنى المقصود من الزواج وهو الازدواج والانضمام ودوام العشرة للتوالد والمحافظة على النسل. ولذا لا ينعقد بلفظ الإجارة. فالزواج المؤقت لا ينعقد، ولا فرق بين ما إذا طال الوقت أو قصر.
ومثله زواج المتعة، وهو الزواج الذي لا يراد به العشرة والقرار لتربية النسل بل يقصد منه مجرد الاستمتاع الوقتي، فإذا قال لامرأة: متعيني نفسك ما دمت مقيما ببلدك أو مدة معينة، فقالت: قبلت، لا ينعقد الزواج. فهو والزواج المؤقت سيان لا ينعقد واحد منهما، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه.
(1/37)

وقال زفر: الزواج المؤقت زواج صحيح اقترن به شرط غير صحيح, وهو التوقيت فيصح العقد ويلغو الشرط. وإنما كان التوقيت شرطا غير صحيح؛ لأنه لا يلائم مقتضى العقد لما بينا أن الزواج للعشرة والقرار لا للمتعة الوقتية. والصحيح مذهب الإمام وصحابيه؛ لأن الصيغة لما اقترنت بالتوقيت أو اشتقت من مادة تفيد التوقيت لم تكن مما ينعقد به الزواج فيبطل لوجود الخلل في ركنه.
ومن صور الزواج المقترن بشرط غير صحيح زواج الشغار، وهو أن يزوج رجل موليته من آخر على أن يزوجه الآخر موليته, بحيث تكون كل واحدة مهرا للأخرى، فاشتراط أن يكون المهر ما ذكر شرط غير صحيح؛ لأن المشروط لا يصلح مهرا؛ لأنه ليس بمال متقوم وعلى ذلك يصح الزواج ويلغو الشرط ويعتبر العقد خاليا من ذكر المهر؛ ولهذا سمي زواج الشغار أي: الخلو؛ لخلوه من تسمية مهر صحيح، ويجب فيه مهر المثل.
(1/38)

حكم الزواج:
حكم التصرف أو العقد تارة يراد به وصفه الشرعي من الفرضية أو الوجوب أو الحرمة أو الكراهة، كما يقال: حكم البيع وقت النداء لصلاة الجمعة الحرمة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} . وتارة يراد به أثره المترتب عليه شرعا، كما يقال: حكم البيع نقل الملكية في البدلين.
فأما حكم الزواج بمعنى وصفه الشرعي فإنه يكون فرضا على المسلم إذا قدر على المهر والنفقة وسائر واجبات الزوجية، وتيقن من حال نفسه أنه لو لم يتزوج وقع في معصية الزنا. ويكون واجبا عليه إذا قدر على ما ذكر، وخشي أنه لو لم يتزوج وقع في معصية الزنا. ويكون سنة له إذا قدر على ما ذكر, وكان في حال اعتدال بحيث لا يتقين الوقوع في الزنا لو لم يتزوج ولا يخشاه. ويكون حراما عليه الزواج إذا تيقن أنه لو تزوج ظلم زوجته وجار عليها في المعاملة. ويكون مكروها تحريما إذا خاف هذا الجور.
(1/38)

والأصل الذي بنيت عليه هذه الأحكام أن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلا به فهو فرض، وأنه إذا تعارض خوف الجور لو تزوج وخوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج قدم الأول وحظر الزواج؛ لأن الجور معصية متعلقة بالعباد والمنع من الزنا من حقوق الله، وحق العبد مقدم عند التعارض لاحتياجه وغنى المولى سبحانه1.
وأما حكم الزواج بمعنى أثره المترتب عليه شرعا فإنه يختلف باختلاف العقد من حيث استيفاؤه شرائطه الشرعية أو عدم استيفائها، وهذا البيان:
حكم الزواج الباطل:
إذا حصل خلل في صيغة العقد كأن صدرت الصيغة بلفظين يعبر بهما عن المستقبل أو بما لا يدل على تمليك المتعة لا حقيقة ولا مجازا، أو حصل خلل في أصل أهلية العاقد لفقده التمييز بسبب جنون أو صغر، أو فقد أي شرط من شرائط الانعقاد كان الزواج باطلا. ولا يترتب على هذا العقد أثر ويعتبر وجوده كعدمه، ويجب عليهما الافتراق وإن لم يفترقا فرق بينهما القضاء. وإذا دخل الرجل بمن عقد عليها عقدا باطلا كان هذا الدخول بمنزلة الزنا غير أن شبهة العقد تسقط الحد، ولا عدة على المدخول بها بعد المتاركة، ولا يثبت به نسب ولا توارث، ولا يجب به مهر ولا نفقة ولا طاعة ولا أي حق من حقوق الزوجية وواجباتها. وعلى قول من أثبت حرمة المصاهرة بالزنا ودواعيه تثبت بهذا الدخول حرمة المصاهرة. وسيتبين هذا في المحرمات.
حكم الزواج الفاسد: إذا اختل شرط من شروط صحة الزواج كما إذا عقد الزواج بغير حضور الشهود كان الزواج فاسدا. ويجب على الزوجين الافتراق وإن لم يفترقا فرق بينهما القضاء. ومجرد هذا العقد الفاسد لا يترتب عليه أثر، بمعنى أن المتزوجين زواجا فاسدا إذا افترقا قبل الدخول فلا عدة على الزوجة ولا مهر لها،
__________
1 ولا يتوهم من حظر الزواج في هذه الحال إباحة الزنا فإن الزنا حرام لا يباح في أي حال بل على الإنسان في مثل هذه الحال أن يقوم أخلاقه ويقاوم شهواته.
(1/39)

ولا تثبت بينهما حرمة المصاهرة ولا النسب، ولا يتوارثان لو مات أحدهما, ولا يترتب على مجرد هذا العقد أي أثر.
أما إذا دخل الزوج دخولا حقيقيا بمن تزوجها زواجا فاسدا فإنه يترتب على هذا الدخول أربعة آثار من آثار الزوجية وهي:
1- وجوب المهر على الزوج. إما مهر المثل إن لم يكن سمي في العقد مهر, أو الأقل من المسمى ومن مهر المثل إن سمي في العقد مهر؛ وذلك لأن الدخول الحقيقي بالمرأة لا بد أن يترتب عليه في الشريعة الإسلامية أحد أمرين: المهر أو الحد. وحيث انتفى هنا الحد لشبهة العقد فيجب المهر، وهذا معنى قول الفقهاء: الوطء شرعا لا يخلو من عُقر أو عَقر، أي: من حد أو مهر.
2- ثبوت نسب الولد الذي تحمل به من الدخول في هذا الزواج الفاسد، وذلك احتياطا لإحياء الولد وعدم ضياعه.
3- وجوب العدة على الزوجة بعد التفريق بينهما ومبدؤها من وقت التفريق. وحكمة وجوبها اتقاء اختلاط الأنساب.
4- حرمة المصاهرة فيحرم على زوجها أصولها وفروعها وتحرم هي على أصوله وفروعه.
وما عدا هذا من آثار الزواج الشرعي لا يترتب على الدخول بعد العقد الفاسد، فلا تجب به نفقة ولا طاعة ولا يتوارث الزوجان ولا يحل استمتاع أحدهما بالآخر.
فعلى هذا يشترك كل من الزواج الباطل والفاسد في وجوب الافتراق على الزوجين رفعا لهذا البطلان أو الفساد, فإن افترق الزوجان من تلقاء أنفسهما فبها وإلا رفع الأمر إلى القضاء الشرعي ليحكم بالتفريق بينهما. وهذا من المواضع التي ترفع فيها الدعوى حسبة؛ لأنها من باب إزالة المنكر مع مراعاة ما نص عليه في المنشور
(1/40)

1رقم 35 سنة 1981. ويشتركان أيضا في أن مجرد العقد فيهما لا يترتب عليه أثر، وفي أن العقد شبهة تسقط الحد -ويختلفان فيما إذا دخل الزوج بزوجته على ما بينا.
وقد قدمنا أن من شروط صحة الزواج كون الزوجة غير محرمة على زوجها بأي سبب من أسباب التحريم المؤبد أو المؤقت. ومقتضى هذا أن الزواج الذي فقد هذا الشرط يكون فاسدا ويكون حكمه كما ذكرنا من وجوب التفريق وعدم ترتب أثر ما على مجرد العقد, وترتب الآثار الأربعة على الدخول الحقيقي بعد العقد. ولكن يعترض هذا ما نص عليه فقهاء الحنفية من أنه إذا تزوج أحد إحدى محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة أو زوجة غيره أو معتدته, ودخل بها عالما بالحرمة فلا عدة على المرأة بعد التفريق، ولا يحرم وقاعها على الزوج الأول لو متزوجة، وإن دخل بها غير عالم بالحرمة تجب عليها العدة, ويحرم على زوجها الأول وقعاها قبل انقضائها. فمقتضى هذا أن زواج المحارم مع العلم بالحرمة يكون باطلا ولا عدة في الباطل.
وزواجهن مع عدم العلم بالحرمة، كما إذا تزوجها غير عالم أنها أخته رضاعا أو غير عالم أنها معتدة غيره، يكو فاسدا وتجب في الفاسد العدة بعد المتاركة والدخول.
فتكون الخلاصة من هذا أن الزواج الباطل هو ما حصل خلل في ركنه أو أهلية عاقديه أو فقد شرط من شروط انعقاده. ويلحق به في الحكم ما إذا حصل خلل في المعقود عليها بأن كانت محرمة على زوجها معلوما للعاقدين وقت العقد أنها حرام عليه.
__________
1 "إعلانات دعاوى التفريق بين الزوجين بطريق الحسبة يجب أن تحال بمجرد تقديمها للمحكمة على وزارة الحقانية لتتولى عمل التحريات التمهيدية اللازمة في ذلك ثم تعاد الإعلانات إلى المحكمة مرفقة بأوراق التحريات لتستعين بها المحاكم في تقدير النزاع المطروح أمامها حق قدره وفهمه على حقيقته من أن هذه الدعوى يراد بها حقيقة رفع المنكر, أو لا يراد منها إلا التشهير بالغير أو الانتقام منه, أو غير ذلك من المقاصد التي لا تتفق مع مشروعية الحسبة, كالتحايل لإعادة النظر في قضية طلاق سبق الفصل فيها بين الزوجين" نص المنشور 35 سنة 1918.
(1/41)

وأن الزواج الفاسد هو ما لم تحضره شهود أو حصل خلل في المعقود عليها, ولكن لم يكن هذا الخلل معلوما للعاقدين وقت العقد، بأن جهل أنها محرمة. وبهذا يوفق بين الأحكام.
حكم الزواج الموقوف:
قال ابن عابدين: "وحكم الدخول في الزواج الموقوف كالدخول في الفاسد فيسقط الحد ويثبت النسب, ويجب الأقل من المسمى ومهر المثل"؛ وذلك لأن الزواج الموقوف استوفى شرائط انعقاده وصحته فما دام موقوفا، أي: لم يجزه الولي ولم يبطله، تترتب على الدخول الحقيقي فيه الآثار الأربعة التي تترتب على الدخول الحقيقي في الزواج الفاسد. فإذا زوج المعتوه مثلا نفسه وقبل أن يرد وليه هذا الزواج أو يجيزه دخل بزوجته ترتب على هذا الدخول وجوب العدة على الزوجة بعد المتاركة، ووجوب المهر على الزوج، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة. أما بعد أن يرد وليه هذا الزواج فإنه يصير باطلا، وبعد أن يجيزه يكون نافذا.
حكم الزواج الصحيح النافذ:
أما عقد الزواج الصحيح النافذ فبمجرد تمامه تترتب عليه آثار الزوجية من حقوق وواجبات بدون توقف على دخول الزوج بزوجته حقيقة أوحكما.
فنفس العقد الصحيح النافذ يوجب للزوجة على زوجها ما يأتي:
1- المهر إما المسمى إن سمي تسمية صحيحة وإما مهر المثل إن لم توجد تسمية صحيحة، فيكون المهر بمجرد العقد دينا واجبا لها في ذمته وجوبا على شرف التنصيف أو السقوط حتى يوجد ما يقرره، أي: إنه واجب بالعقد ولكنه عرضة؛ لأن يسقط أو ينصف، كما سيبين في أحكام المهر.
2- والنفقة بجميع أنواعها من طعام وكسوة ومسكن، فتكون بالعقد حقا واجبا لها عليه ما لم تمتنع من طاعته بغير حق؛ لأن من لم يقم بالواجب عليه لا يستحق حقه.
(1/42)

3- وعدم الإضرار بها بفعل أو قول أو أي معاملة.
4- والعدل بينها وبين ضرائرها إذا تعددت الزوجات.
ويوجب للزوج على زوجته:
1- دخولها في طاعته في المسكن الشرعي الذي يهيئه لها متى أوفاها معجل صداقها وكان أمينا على نفسها ومالها.
2- وثبوت نسب ولدها منه بالشروط الآتية في ثبوت النسب؛ لأنه بمجرد العقد الصحيح يتحقق الفراش.
3- وقرارها في بيته وعدم خروجها منه بغير حق شرعي إلا بإذنه وامتثالها له فيما لا يمنع مانع شرعي من الامتثال فيه.
4- وولاية تأديبها بالمعروف شرعا.
ويوجب لكل منهما:
1- التوارث، فإذا مات أحدهما بعد العقد ولو قبل الدخول ورثه الحي منهم, ما لم يمنع من إرثه مانع شرعي.
2- وحرمة المصاهرة، فبالعقد تحرم الزوجة على أصول زوجها وفروعه, ويحرم على الزوج أصول زوجته، وأما فروعها فلا تحرم عليه إلا أن دخل بها.
3- وحل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المأذون به شرعا ما لم يمنع مانع شرعي من حيض أو نفاس أو غيرهما.
4- وحسن معاشرة كل منهما لصاحبه.
(1/43)

المحرمات من النساء:
قدمنا أن من شروط صحة الزواج أن تكون المعقود عليها غير محرمة على من يريد الزواج بها بأي سبب من أسباب التحريم.
وهذا تفصيل المحرمات من النساء مؤبدا والمحرمات منهن مؤقتا:
من النساء من يحرم على المسلم أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤبدة دائمة، على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له في وقت من الأوقات. وهن النساء اللاتي تربطه بهن رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع. ومنهن من يحرم عليه أن يتزوج بواحدة منهن حرمة مؤقتة، على معنى أنها لا تحل أن تكون زوجة له ما دامت على حال خاصة قائمة بها، فإن تغير الحال وزال سبب التحريم الوقتي صارت حلالا له أن يتزوجها، وهن من تعلق حق غيره بها بزواج أو عدة. ومطلقته ثلاثا قبل أن تنكح زوجا غيره، ومن يكون في عصمته محرم لها، ومن يكون في عصمته أربع سواها، ومن لا تدين بدين سماوي، والأمة إذا كانت في عصمته حرة.
ومن عدا ذلك من النساء يحل للمسلم أن يتزوج منهن؛ لأن الله سبحانه بعد أن بيّن المحرمات قال عز شأنه: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} .
الحكمة في تحريم من حرم من النساء:
أما تحريم من حرم من النساء مؤبدا بسبب القرابة أو المصاهرة أو الرضاع، فحكمته عدة أمور.
"الأول" أن كل إنسان في هذه الحياة محتاج إلى الارتباط بأفراد نوعه, وإلى عدة وسائل لهذا الارتباط بهم حتى يتبادل معهم الحاجات، ويتعاونوا على ما تتطلبه معيشتهم. وفي صلة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع, ما يكفل إيجاد هذا الارتباط ويحقق تعاون المرتبطين بها. لهذا جعل الزواج وسيلة لإيجاد رابطة أخرى تربط
(1/44)

الزوج بمن تكون أجنبية عنه، لا تربطه بها صلة قرابة أو مصاهرة أو رضاع حتى تكون الزوجية وصلة بين الأجانب، وكم أسر متباعدة صارت بالتزاوج أسرة واحدة.
"الثاني" أن الإنسان كما أنه في حاجة إلى اكتساب رابطة تربطه بالأجانب عنه هو في حاجة إلى الاحتفاظ بصلات من تربطه بهم رابطة القرابة أو المصاهرة أو الرضاع، وفي إباحة الزواج بمن تربطه بهم إحدى هذه الروابط تعريض الوصلة بهم إلى القطيعة؛ لأن تبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين قد يؤدي إلى الخلف والخصومة فتتحول القرابة إلى عداوة، ويفقد المرء آثار الارتباط بمن تربطه بهم تلك الصلات.
"الثالث" أن للقرابة حقوقا وللزوجية حقوقا وقد تتنافى هذه الحقوق وتتعارض فتكون من تجب لها الطاعة واجبا عليها الطاعة ومن له الرياسة مرءوسا. ولهذا التنافي حرم على السيد أن يتزوج أمته، وعلى السيدة أن تتزوج عبدها.
"الرابع" ما قرره الأطباء من أن الزواج بالأقارب ينتج النسل الضعيف، وأن مصلحة الطفل في أن يتولد من أبوين من أسرتين؛ لأن هذا يهيئ له ما قد يكون فيه نماؤه وقوته وسلامته من الأمراض.
وأما تحريم من حرم من النساء لأسباب وقتية فكل سبب من أسباب هذا التحريم الوقتي يشعر بحكمته وهي ترجع إلى منع الإنسان من الاعتداء على غيره، والخروج عن حدود دينه، وقطعه الرحم بين القريبات، واتخاذه زوجة لا تأتلف به غالبا, وليس من شأنها أن تتبادل معه ما تقتضيه الزوجية من مودة ورحمة. وغير ذلك مما سيتبين في تفصيل المحرمات.
(1/45)

المحرمات مؤبدا:
1- بسبب النسب "القرابة":
بيّن الله سبحانه المحرمات بسبب القرابة بقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ} .
فيؤخذ من القرآن الكريم أن المسلم يحرم عليه بسبب القرابة أربعة أنواع من قريباته، وهن:
1- أصوله، أي: أمه، وأم أمه، وأم أبيه، وإن علت؛ لأن لفظ الأم معناه الأصل فيشمل الجميع -حرمت عليكم أمهاتكم- أي: أصولكم من النساء.
2- وفروعه، أي: بنته، وبنت بنته، وبنت ابنه، وإن سفلت؛ لأن لفظ البنت معناه الفرع فيشمل الجميع -وبناتكم- أي: وفروعكم من النساء.
3- وفروع أبويه، أي: أخواته، وبنات إخوته، وأخواته، وإن نزلن لا فرق بين الشقيقة أو لأب أو لأم -وأخواتكم وبنات الأخ وبنات الأخت.
4- وفروع جديه إذا انفصلن بدرجة واحدة، أي: عماته وخالاته، وعمات أصله، وخالاته. أما فروع جدية اللاتي انفصلن بأكثر من درجة فليست من المحرمات، وهن بنات الأعمام والعمات، وبنات الأخوال والخالات وبناتهن -وعماتكم وخالاتكم.
2- بسبب المصاهرة:
بيّن الله سبحانه المحرمات بسبب المصاهرة بقول: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ
(1/46)

فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} . وقوله عز شأنه: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} .
فيؤخذ من القرآن الكريم أن المسلم يحرم عليه بسبب المصاهرة أربعة أنواع، وهن:
1- أصول زوجته، أي: أمها وأم أمها، وأم أبيها وإن علت -وأمهات نسائكم.
2- وفروع زوجته التي دخل بها، أي: بنتها، وبنت بنتها، وبنت ابنها وإن سفلت -وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن.
3- وزوجة أصله، أي: زوجة أبيه وإن علا -ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء.
4- وزوجة فرعه، أي: زوجة ابنه، وابن ابنه، وابن بنته وإن نزل -وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.
فالدخول بالزوجة شرط لتحريم فرعها فقط. أما أصلها وزوجة الأصل وزوجة الفرع فتحرم بمجرد عقد الزواج ولو لم يحصل دخول، ولذا قال الفقهاء: العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات.
وعلى هذا لو عقد زواجه بامرأة ثم ماتت قبل أن يدخل بها أو طلقها قبل أن يدخل بها لا تحرم عليه بنتها ولا أي أنثى من فروعها. ولكن تحرم عليه أمها وكل أنثى من أصولها، ولو مات هو أو طلقها قبل الدخول تحرم هي على أصوله وفروعه. ولو تزوج الابن وقبل أن يدخل بزوجته مات عنها أو طلقها تحرم زوجته على أبيه.
قال أبو حنيفة: ومن زنى بامرأة أو لمسها أو قبلها أو نظر إليها بشهوة ترتب على فعله حرمة المصاهرة، فيحرم على الزاني أصول من زنى بها وفروعها، وتحرم هي على أصوله وفروعه. ففي مذهبه: الزنا تثبت به حرمة المصاهرة ومثله مقدماته ودواعيه،
(1/47)

حتى لو زنى الرجل بأم زوجته أو بنتها حرمت عليه زوجته حرمة مؤبدة. وفي هذا أقوى ردع عن ارتكاب معصية الزنا ودواعيه مع أصول الزوجة أو فروعها.
وأما في مذهب الشافعي فلا تثبت حرمة المصاهرة بالزنا ودواعيه؛ لأن حرمة المصاهرة رابطة تجعل الأجانب محارم كالأقارب. وهذه الرابطة نعمة لا تترتب إلا على العقد أو الدخول الشرعيين ولا تبنى على المحظور.
3- بسبب الرضاع:
بينت المحرمات بسبب الرضاع في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} . وفي السنة بقوله -صلى الله عليه وسلم: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وألحق الفقهاء المصاهرة بالنسب فقالوا: كل من تحرم بالنسب أو المصاهرة تحرم بالرضاع.
فإذا أرضعت امرأة طفلا وهو في سن الرضاع أي: في الحولين الأولين من عمره سواء رضع قليلا أو كثيرا في مرة أو في عدة مرات صارت هذه التي أرضعته أما له من الرضاعة بمنزلة أمه من النسب، وصارت أخواتها خالات له من الرضاعة، وزوجها الذي در اللبن من ثديها بسببه أبا له من الرضاعة، وأخوات هذا الزوج عمات له من الرضاعة, وأولادها وأولاده أخواته وأخوته من الرضاعة، سواء أرضعتهم معه أو قبله أو بعده، وسواء كانوا أولادها من هذا الزوج أو من غيره، وسواء كانوا أولاده منها أو من غيرها، فقد يكون الأخ رضاعا شقيقا أو لأم أو لأب.
فكما يحرم على المسلم بالنسب: أصوله، وفروعه، وفروع أبويه وإن نزلن، وفروع جديه إذا انفصلن بدرجة واحدة، يحرم عليه الرضاع:
1- أصوله، أي: أمه رضاعا، وأمها وإن علت، وأم أبيه رضاعا، وأمها وإن علت، لقوله سبحانه: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} .
(1/48)

2- وفروعه، أي: بنته رضاعا، وبنتها وإن نزلت، وبنت ابنه رضاعا، وبنتها وإن نزلت.
3- وفروع أبويه، أي: أخواته رضاعا، وبناتهن وإن نزلن، وبنات إخوته رضاعا، وبناتهن وإن نزلن -وأخواتكم من الرضاعة.
4- وفروع جديه اللاتي انفصلن بدرجة واحدة، أي: عماته وخالاته رضاعا. أما بنات عماته وأعمامه رضاعا، وبنات أخواله وخالاته رضاعا، فتحل له كما تحل له نسبا.
وكما يحرم على المسلم بالمصاهرة أصول زوجته مطلقا، وفروع زوجته المدخول بها، وزوجات أصوله، وزوجات فروعه، ويرحرم عليه من الرضاع:
1- الأم الرضاعية لزوجته وأمها وإن علت.
2- البنت الرضاعية لزوجته وبنتها وإن نزلت، وبنت ابنها الرضاعي وبنتها وإن نزلت بشرط أن تكون زوجته مدخولا بها.
3- وزوجات أبيه الرضاعي وأبي أبيه وإن علا.
4- وزوجات ابنه الرضاعي وابن ابنه وإن نزل.
فالمحرمات من النساء بالرضاع ثمانية أنواع: وهن الأربع المحرمات بالنسب، والأربع المحرمات بالمصاهرة.
والدليل على تحريمهن قوله تعالى في بيان المحرمات: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} . وهذه الآية الكريمة صريحة في تحريم خصوص الأمهات رضاعا والأخوات رضاعا ولكنها تشير إلى تحريم الباقيات؛ لأنها أطلقت على التي أرضعت أنها أم وعلى أولادها أنهم أخوة وأخوات. فدل هذا الإطلاق على أن الرضاعة تصل الرضيع بمن أرضعته صلة الفرع بأصله؛ لأنه بتغذيه من لبنها صار بعضها وبعض زوجها، وعن هذه الفرعية والأصلية تتفرع سائر المحرمات. وهذا
(1/49)

الذي أشارت إليه الآية صرح به الحديث " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وإذ كانت التي أرضعت كالتي ولدت كل منهما أم، فأم الزوجة رضاعا كأمها نسبا، وبنتها رضاعا كبنتها نسبا. وإذ كان زوج المرضعة أبا للرضيع والرضيع فرع له, فزوجة الأب الرضاعي كزوجة الأب النسبي وزوجة الابن الرضاعي كزوجة الابن النسبي. ولهذا حرم من الرضاع ما يحرم بالمصاهرة كما حرم من الرضاع ما يحرم بالنسب.
وقد توجد بعض صور ظاهرها أنها مستثناة من هذ النص "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ولكن عند التأمل فيها وتحقيق معنى النص يتبين أنه لا استثناء.
من ذلك أنه يحرم على المسلم أم أخيه نسبا؛ لأنه إن كان أخاه الشقيق أو أخاه لأمه فهي أمه، وإن كان أخاه لأبيه فهي زوجة أبيه. ولا تحرم عليه أم أخيه رضاعا؛ لأنها أجنبية منه ولم يتحقق فيها بالنسبة له سبب من أسباب التحريم، وكذلك يحرم على المسلم أخت ابنه نسبا؛ لأنها إما بنته أو بنت زوجته المدخول بها. ولا تحرم عليه أخت ابنه رضاعا؛ لأنها أجنبية منه. كما لا تحرم عليه أخت أخيه رضاعا وجدة ابنه رضاعا.
والضابط العام لهذه الصورة أنها جزئيات في حال القرابة النسبية يتحقق فيها سبب من أسباب التحريم بأن توجد الأصلية أو الفرعية أو فرعية الأبوين أو الجدين.. وفي حال الرضاع لا يتحقق فيها سبب من ذلك فلا يوجد تحريم؛ لأن معنى يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب أنه إذا وجدت من الرضاع أصلية أو فرعية أو فرعية أبوين أو فرعية جدين ... فإنها تحرم كما في حال وجودها من النسب، وعند تحليل هذه الصور يتبين أن ليس فيها سبب تحريم.
(1/50)

المحرمات مؤقتا:
1- زوجة الغير ومعتدته:
يحرم على المسلم أن يتزوج بامرأة هي زوجة غيره أو معتدته. فإذا كانت المرأة زوجيتها بغيره قائمة حقيقة بأن لم تقع بينهما فرقة بأي سبب، أو قائمة حكما بأن كانت في العدة بعد الفرقة فإنه يحرم عليه التزوج بها. لكن إذا انقطعت هذه الزوجية بتاتا بأن طلقت الزوجة أو مات عنها زوجها وانقضت عدتها فإن هذا التحريم يزول لزوال سببه.
والدليل على هذا التحريم قوله تعالى في بيان المحرمات: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . والمراد هنا بالمحصنات المتزوجات فهن من المحرمات. وقوله تعالى في شأن المعتدة من وفاة: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} . أي: ولا تبرموا عقد الزواج حتى تنقضي العدة. وقوله سبحانه في شأن المطلقات: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} أي: ينتظرن ولا يتزوجن. والحكمة في هذا منع الإنسان من الاعتداء على غيره بالتزوج من زوجته أو معتدته، وحفظ الأنساب من الاختلاط والضياع، ولهذا لم يفرق الشارع بين ما إذا كانت زوجة للغير بزواج صحيح، أو مدخولا بها بعد زواج فاسد، أو بناء على شبهة؛ لأنها في الحالات الثلاث فراش يثبت نسب ولدها من زوجها أو ممن دخل بها.
وأما لو كانت المرأة حاملا من الزنى فإنها لم يقم بها سبب هذا التحريم؛ لأنها لا هي زوجة للغير ولا معتدته، فيحل التزوج بها لمن زنى بها ولغيره غير أنه إذا تزوجها من زنى بها لا يحرم عليه قربانها في الحال. وأما إذا تزوجها غير الزاني بها فإنه يحرم عليه أن يدخل بها قبل أن تضع حملها، لقوله -صلى الله عليه وسلم: $"لا يحل لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرع غيره".
(1/51)

2- الجمع بين محرمين:
يحرم على المسلم أن يتزوج بامرأتين محرمين، أي: تحرم إحداهما على الأخرى بأي سبب من أسباب التحريم، لو فرضت إحداهما رجلا.
فلا يحل له أن يجمع بين الأختين ولا بين البنت وأمها أو عمتها أو خالتها لقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} . ولقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم". وذلك لأن العداوة بين الضرائر لا تخفى.
فالمرأتان المحرمان لا يحل الجمع بينهما بالزواج لا حقيقة بأن يجعلهما معا في عصمته ولا حكما بأن يتزوج الثانية وما تزال الأولى في عدته؛ لأنها ما دامت في عدته فهي زوجته حكما، ولا فرق بين أن يكونا محرمين بسبب النسب أو بسبب الرضاع، فالأختان رضاعا كالأختين نسبا لا يحل الجمع بينهما؛ لأن الشارع لا يبيح ما يقطع الصلة ويفكك الروابط ويجعل ذوات القربى ضرائر.
ولا بد أن تكون الحرمة بينهما ثابتة من الجانبين على معنى أن أية واحدة منهما لو فرضت رجلا حرمت عليه الأخرى, فلو كانت الحرمة من جانب واحد جاز الجمع بينهما، فيجوز الجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل؛ لأنه لو فرضت البنت رجلا ما جاز له أن يتزوج بامرأة أبيه ولكن لو فرضت المرأة رجلا جاز له التزوج بالبنت؛ لأنه لا صله بينهما بقرابة أو رضاع، فالحرمة من جانب واحد. ولهذا جاز الجمع1.
ولو أقدم رجل على الجمع بين المحرمين وتزوج الأختين مثلا فإما أن يتزوجهما بعقد واحد أو بعقدين، فإن تزوجهما بعقد واحد وليس بواحدة منهما مانع فسد عقده عليهما، وتجري على هذا العقد أحكام الزواج الفاسد فيجب الافتراق على المتعاقدين
__________
1 وقال زفر: متى ثبت حرمة إحداهما على الأخرى ولو من جانب واحد يحرم الجمع بينهما.
(1/52)

وإلا فرق بينهما القضاء، وإذا حصل التفريق قبل الدخول فلا مهر لواحدة منهما ولا يترتب على مجرد هذا العقد أثر، وإن حصل بعد الدخول فللمدخول بها مهر المثل أو الأقل من مهر المثل والمسمى. ويترتب على الدخول بها سائر الآثار التي تترتب على الدخول بعد الزواج الفاسد. أما إذا كان بإحداهما مانع شرعي بأن كانت زوجة غير أو معتدته مثلا، والأخرى ليس بها مانع، فإن العقد بالنسبة للخالية من المانع صحيح, وبالنسبة للأخرى فاسد تجري عليه أحكامه.
وإن تزوجهما بعقدين متعاقبين واستوفى كل واحد من العقدين أركانه وشروطه وعلم أسبقهما فهو الصحيح واللاحق فاسد، وإن استوفى أحدهما فقط شروط صحته فهو الصحيح سواء كان السابق أو اللاحق.
وإن لم يعلم أسبقهما أو علم ونسي كأن يوكل رجلين بتزويجه فيزوجانه من اثنين يتبين أنهما أختان، ولا يعلم أسبق العقدين, أو علم ونسي فالعقدان غير صحيحين لعدم المرجح وتجري عليهما أحكام الزواج الفاسد.
3- الجمع بين أكثر من أربع زوجات:
يحرم على المسلم أن يجمع في عصمته أكثر من زوجات أربع. فمن في عصمته أربع زوجات وعقد زواجه بخامسة, فإن زواجه بهذه الخامسة فاسد؛ لأنها محرمة عليه ما دام في عصمته أربع سواها، ولا فرق بين أن تكون الأربع في عصمته حقيقة بأن لم يطلق واحدة منهن, أو حكما بأن طلق إحداهن ولكنها ما زالت في عدته.
والدليل على إباحة التزوج بأربع وتحريم ما زاد عليهن قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} . وقوله -صلى الله عليه وسلم- لمن أسلم وكانت له عشر نسوة في الجاهلية أسلمن معه: "أمسك أربعا وفارق سواهن".
(1/53)

والحكمة في إباحة تعدد الزوجات أمور:
منها أن الرجل قد لا تحصن نفسه واحدة فصونا له من الزنا واتخاذ الخليلات أباح الله له التزوج بأكثر من واحدة، ولم يبح للمرأة أكثر من زوج لئلا تضيع الأولاد باختلاط الأنساب.
ومنها أن عدد النساء في الغالب يزيد على عدد الرجال في أكثر الأمم، فإذا لم يبح للرجل إلا واحدة بقي عدد من النساء بلا عائل يقوم بشئؤنهن ومن غير زوج يحصن نفوسهن فيكن عرضة للسقوط.
ومنها أن الغرض الأول من الزواج وهو التوالد والتناسل يكون أكثر تحققا بتعدد الزوجات.
ومنها أن الزوج قد يجد زوجته عقيما ولا يرضى أن يفارقها لعقمها ولا يرضى أن يعيش محروما من نعمة الأبوة، فأباح الله له أن يتزوج معها أخرى للخلاص من هذا الحرج.
ومما يعترض إباحة التعدد أنه يؤدي غالبا إلى فساد الأسر؛ لأن العداوة بين الضرائر لا تنقطع ولها أسوأ النتائج في حل الروابط بين أفراد الأسرة؛ ولأن أولاد الرجل الواحد من أمهات شتى ينشئون متعادين متباغضين؛ ولأن الرجل في الغالب لا يستطيع العدل بين الزوجات ولا القيام بشئونهن جميعا فتكثر الخصومات والمنازعات؛ ولأن شعور الزوجة بأن لزوجها هذا الحق يجعلها غالبا مطمئنة.
ولكن الشارع رأى أن مضار إباحة التعدد أخف من مضار حظره، فاتقى أشد الضررين وأباح التعدد, وقيد هذه الإباحة بالقدرة على العدل بين الزوجات، فمن خاف أن لا يعدل بين المتعددات فلا تباح له إلا واحدة.
وأن ما أباحه الشارع من التعدد مع تقيد العدد بقصره على أربع واشتراط القدرة على العدل بينهن هو وسط معتدل بين ما كانت عليه الجاهلية من إباحة التعدد إلى
(1/54)

غير حد. وما عليه بعض الأمم الآن من حظر التعدد مطلقا، فإن لكل من هذين الطرفين أضرارا لا تخفى على من ينظر بعين النصفة ويبتغي وجه الحق.
4- المطلقة ثلاثا:
من طلق زوجته ثلاث تطليقات فقد استنفد ما يملكه من عدد طلقاتها, وبانت منه بينونة كبرى، وصارت لا تحل له إلا إذا انقضت عدتها منه ثم تزوجها زوج آخر, وفارقها هذا الآخر بعد أن دخل بها وانقضت عدتها، فحينئذ يحل لمطلقها الأول أن يتزوجها ثانيا.
والدليل على هذا قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} . ثم قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} . وبينت السنة أن زواج الثاني لا يحلها للأول إلا بعد الدخول الحقيقي.
والحكمة في هذا أن الزوج إذا علم أنه بإيقاع الطلقات الثلاث تحرم عليه زوجته حتى تتزوج غيره يتروى في إيقاع الطلاق, ولا يتسرع في الإقدام عليه فيكون حل العصمة على أساس التفكير وتدبر العواقب.
وكذلك الزوجة إذا علمت أن وقوع الطلقات الثلاث عليها يحرمها على مطلقها ويضطرها إلى الزواج بغيره حملها ذلك على حس العشرةو واجتاب ما يؤدي إلى إيقاع طلاق عليها.
وحكمة ثانية: أن الزوجة إذا عادت إلى مطلقها بعد أن تزوجت غيره تكون قد خبرت أخلاق الرجال وعادت إلى زوجها الأول بعد هذه التجربة بأخلاق غير الأولى فلا يعود الشقاق الذي كان قد استوجب وقوع تلك الطلقات.
5- من لا تدين بدين سماوي:
يحرم على المسلم أن يتزوج امرأة لا تدين بدين سماوي ولا تؤمن برسول ولا كتاب إلهي بأن تكون مشركة من الوثنيات اللاتي يعبدن الأصنام أو المجوسيات
(1/55)

اللاتي يعبدن النار أو الصابئات اللاتي يعبدن الكواكب. وإنما يباح للمسلم أن يتزوج مسلمة أو كتابية ممن تؤمن برسول وكتاب، كاليهودية التي تؤمن بموسى والتوراة والمسيحية التي تؤمن بعيسى والإنجيل. ولا يباح للمسلمة أن تتزوج إلا مسلما.
أما الدليل عل أن المسلم لا يباح له زواج المشركة فهو قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} . وقوله -صلى الله عليه سلم- في شأن المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم".
وأما الدليل على أن المسلم يباح له زواج المسلمة والكتابية فهو قوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
وأما الدليل على أن المسلمة لا يباح لها أن تتزوج غير المسلم فهو قوله تعالى: {وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} .
والحكمة في هذه الأحكام أن أهم أغراض الزوجية من سكون أحد الزوجين للآخر واطمئنانه إليه, وتعاونهما وتبادلهما المودة والرحمة لا تتحقق غالبا إلا مع اتحاد الزوجين دينا؛ لأن اعتقادهما يكون واحد, وكذلك ما يجب عليهما وما يحرم وما يحل. ولكن لما كان المسلم والكتابية تجمعهما كلمة واحدة وهي كلمة التوحيد كان بينهما من التقارب ما يمكن أن تتحقق معه أغراض الزوجية.
قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} .
(1/56)

فهذه الكلمة السواء بين المسلم وأهل الكتاب قاربت بينهم وأحلت زواج المسلم بالكتابية. ولا كذلك المسلم والمشركة، فإنهما لا تجمعهما كلمة وبينهما غاية البون وشدة الخلف, ولا تتحقق بينهما أغراض الزوجية فلهذا حرمت على المسلم المشركة.
ولما كان للزوج سلطان على زوجته، وهي في الغالب عرضة؛ لأن تتأثر به وتتابعه في دينه حرم على المسلمة أن تتزوج غير مسلم حتى لا تكون عرضة لمفارقتها الإسلام بتأثير زوجها وسلطانه؛ لأن الدين لا يبيح للمتدين به ما يجعله عرضة للخروج منه.
6- الأمة على الحرة:
من في عصمته زوجة حرة يحرم عليه أن يتزوج معها زوجة غير حرة، لقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا تنكح الأمة على الحرة وتنكح الحرة على الأمة". والحكمة في هذا عدم امتهان كرامة الحرة بتزوج الرقيقة عليها, والتنويه بشرف الحرية. ولهذا التنويه جعل الله إباحة زواج الأمة مقيدة بما إذا لم يستطع زواج الحرة. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} . ولكن الطول على مذهب أبي حنيفة يتحقق بوجود الحرة في عصمته فعلا لا بمطلق القدرة المالية على زواج الحرة، فمن في عصمته حرة فهو مستطيع طولا زواج الحرائر فلا يحل له زواج الرقيقات.
(1/57)

الولاية على الزواج:
من تثبت عليه هذه الولاية:
قدمنا في شروط الزواج أن فاقد الأهلية وهو الصغير غير المميز والمجنون لا ينعقد زواجه بنفسه, وإنما الذي يزوجه وليه، وأن ناقص الأهلية وهو الصغير المميز والمعتوه المميز والرقيق المملوك لا ينفذ زواجه بنفسه, وإنما يتوقف على إذن وليه أو إجازته.
فمن هذا يؤخذ أن فاقد الأهلية وناقصها تثبت لغيرهما عليهما ولاية التزويج وهي التي تسمى الولاية على النفس, فلمن له الولاية عليهما أن يزوجهما وينفذ عليها تزويجه جبرا عنهما. ولذا عرف الفقهاء الولاية بأنها تنفيذ القول على الغير جبرا عنه، وليس لواحد منهما الولاية على نفسه؛ لأن فقد أهليته أو نقصها سلبه ولايته على نفسه.
والحكمة في هذا أن الزواج عقد له خطره وشأنه لما يترتب عليه من حقوق وآثار. ووجه المصلحة فيه لا يدركها أصلا فاقد الأهلية، ولا يستقل بفهمها ناقصها. وقد تدعو الحاجة إلى زواج واحد منهما لجلب منفعة أو دفع مضرة، فدفعا لما قد يطرأ من هذه الحاجات، وتلافيا لما قد يلحق فاقد الأهلية أو ناقصها من مباشرته بنفسه زوجية لا مصلحة لهما فيها جعلت ولاية تزويجهما للولي عليهما ليقدر برأيه ونظره وشفقته ما فيه المصلحة ويباشر ما يراه خيرا لهما, وتقوم إرادته ورضاه مقام إرادة المولى عليه ورضاه. وبهذا يجمع بين دفع الحاجة وتلافي الضرر كما جعلت الولاية على مالهما للولي المالي تحقيقا لهذه الحكمة.
من تثبت له هذه الولاية:
أما الرقيق المملوك فولاية تزويجه لمالكه, سواء كان صغيرا أو كبيرا كامل العقل أو فاقده أو ناقصه؛ لأن رقه جعل لمالكه هذ الحق عليه وسلبه حق ولايته على نفسه.
(1/58)

وأما الحر الصغير مميزا كان أو غير مميز، والكبير الملحق به لجنون أو عته فولاية تزويج كل منهما لعصبته وسائر أقاربه، فإن لم يوجد له ولي مستوف شروط الولاية من عصبته وسائر أقاربه فولاية تزويجه للقاضي.
ترتيب الأولياء في حق التزويج:
وترتيب العصبة في الولاية كترتيبهم في الإرث، فيقدم من كان من جهة البنوة, أي: الابن وابن الابن وإن نزل، ثم من كان من جهة الأبوة أي: الأب وأبو الأب وإن علا، ثم من كان من جهة الأخوة أي: الأخ الشقيق والأخ لأب وابن كل منهما وإن نزل، ثم من كان من جهة العمومة أي: العم الشقيق والعم لأب وابن كل منهما وإن نزل، ويسمى هذا تقديما بالجهة.
وبناء عليه إذا اجتمع للمعتوهة ابنها وأبوها, وكل منهما مستوف شروط الولاية, فالولاية لابنها لا لأبيها.
وإذا اجتمع عدة عصبات من جهة واحدة واستوفى كل منهم شروط الولاية قدم أقربهم درجة إلى المولى عليه فيقدم الابن على ابن الابن، والأب على الجد، والأخ على ابنه، والعم الشقيق على ابنه، والعم لأب على ابنه، ويسمى هذا تقديما بقرب الدرجة.
وإذا اجتمع عدة عصبات من جهة واحدة ودرجة واحدة قدم أقواهم قرابة بالمولى عليه فيقدم الأخ الشقيق على الأخ لأب، وابن الأخ الشقيق على ابن الأخ لأب، ويسمى هذا تقديما بقوة القرابة.
أما إذا اجتمع عدة عصبات من جهة واحدة ودرجة واحدة وفي قوة قرابة واحدة كابنين أو أخوين شقيقين واستوفى كل منهما شروط الولاية، فإن كل واحد منهما له ولاية التزويج؛ لأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر. وأي واحد منهما إذا انفرد بتزويج الصغير أو من في حكمه صح عقده.
(1/59)

وإذا لم يوجد له ولي عاصب من هؤلاء ولم يوجد له عاصب من طريق الولاء وهم المعتق وعصبته انتقلت الولاية إلى سائر أقاربه من أصحاب الفروض وذوي الأرحام، ويقدم منهم من كان من جهة الأصول عدا الجد غير الصحيح، أي: تقدم الأم وأم الأب وأم الأم، ثم من كان من جهة الفروع أي: البنت وبنت الابن وبنت البنت، ثم الجد غير الصحيح، ثم من كان من فروع الأبوين أي: الأخوات ثم أولادهن. ثم من كان من فروع الجدين أي: العمات والأعمام لأم. ثم الأخوال والخالات.
وإذا اجتمع عدة من هؤلاء الأقارب من جهة واحدة يقدم أقربهم درجة فتقدم الأم على أم الأب والبنت على بنت الابن. وإن اتحدت جهتهم ودرجتهم يقدم أقواهم قرابة فتقدم أم الأب على أم الأم، وبنت الابن على بنت البنت؛ لأن من ينتسب بعاصب أقوى ممن لا ينتسب به. وإن لم يوجد مرجح كأختين شقيقتين ثبتت لكل منهما الولاية منفردة كما تقدم في العصبات.
وإذا لم يوجد له ولي مستوف شروط الولاية لا من عصبته ولا من سائر أقاربه, فولاية تزويجه للقاضي، حسب الاختصاص المبين بالمادة 28 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ونصها "الإذن بالخصومة في غير الأوقاف بجميع مقتضياته الشرعية من اختصاص رؤساء المحاكم والقضاء الجزئيين في دائرة اختصاصهم. وكذا تزويج من لا ولي له من الأيتام وغيرهم".
وليس لأحد غير من ذكر ولاية التزويج ولا الوصي الذي أوصى إليه الأب بذلك؛ لأن الولاية لمن جعلها له الشرع لا غير. وهذا هو مذهب أبي حنيفة فيمن له ولاية التزويج. وهو الذي عليه العمل.
ومذهب مالك أن ولاية التزويج للأب لا غير، ومذهب الشافعي أن ولاية التزويج للأب والجد الصحيح لا غير، ومذهب الصاحبين أن ولاية التزويج للعصبة
(1/60)

لا غير. فأوسع المذاهب فيمن لهم الولاية على النفس مذهب الإمام أبي حنيفة وأضيقها مذهب مالك.
شروط الولي:
يشترط في الولي أن يكون كامل الأهلية بالحرية والعقل والبلوغ؛ لأنه إن كان فاقد الأهلية أو ناقصها كان هو مشمولا بالولاية فلا تكون له ولاية على غيره؛ ولأنه لا يقدر المصلحة وينظر في وجوه النفع والضرر إلا بكمال أهليته. وأن يكون متحدا في الدين مع المولى عليه، فلو كان للصغيرة أخوان شقيقان أحدهما مسلم والآخر مسيحي، فلو كانت هي مسلمة فالولاية على تزويجها لأخيها المسلم، وإن كانت مسيحية فالولاية للمسيحي؛ لأنه باتحاد الدين تتحد وجهة النظر في تقدير المصلحة ولقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} .
غيبة الولي وعضله:
بما أن الأولياء مرتبون في استحقاق الولاية حسب جهاتهم ودرجتهم وقوة قرابتهم كما بينا لا يكون للبعيد منهم ولاية مع وجود الأقرب منه المستوفي شروط الولاية، فما دام الأب مثلا حاضرا مستوفيا شروط الولاية لا يكون للأخ أو للعم ولاية التزويج، فإن باشر واحد منهما زواج الصغير ومن في حكمه بغير إذن الأب وتوكيله كان فضوليا وعقده موقوف على إجازة من له الولاية وهو الأب.
أما إذا غاب الأقرب بحيث لا ينتظر الخاطب الكفء استطلاع رأيه فإن الولاية تنتقل إلى من يليه حتى لا تفوت المصلحة، وليس للغائب بعد عودته أن يعترض على ما باشره من يليه؛ لأنه لغيبته اعتبر كالمعدوم وصارت الولاية حق من يليه.
وأما إذا امتنع الأقرب من تزويج المولى عليه بغير عذر مقبول والزوج كفء والمهر مهر المثل فإنه في هذه الحال يعد عاضلا أي: ظالما ولا تنتقل الولاية إلى من يليه بل تنتقل إلى القاضي؛ لأن العضل ظلم وولاية رفع المظالم إلى القاضي.
(1/61)

فإذا كان امتناعه؛ لأن الزوج غير كفء أو المهر أقل من مهر المثل أو لوجود خاطب كفء آخر يفضل الثاني بمزايا. لا يعد في هذه الحال عاضلا ولا تنتقل الولاية عنه.
فالفرق بين الغائب والعاضل أن غيبة الغائب أمر حسي مادي لا يقع اختلاف في تحققه فبمجرد تحققه يعتبر كالمعدوم وتنتقل الولاية إلى الحاضر من غير حاجة إلى رفع الأمر للقاضي. وأما عضل العاضل فهو أمر نظري تقديري وربما كان امتناعه الذي يعده الولي الذي يليه عضلا وظلما ليس في الحقيقة كذلك بل هو للمصلحة فيرفع الأمر إلى القاضي حتى إذا تبين أن الولي ظالم بامتناعه رفع الظلم وزوج بنفسه.
أحكام تزويج الأولياء:
لما كان الأولياء ليسوا سواء في وفور شفقتهم بالصغير ومن في حكمه وفي شدة حرصهم على مصلحته, اختلفت أحكام تزويجهم تبعا لاختلاف شفقتهم ودرجات حرصهم.
فالأب وأبو الأب ومثله الابن وابن الابن بالنسبة للمجنونة أو المعتوهة أو المجنون أو المعتوه أوفر الأولياء شفقة وأشدهم حرصا على مصلحة المولى، فما دام لا يعرف بسوء الاختيار لفسقه واستهتاره وعدم مبالاته فتزويجه المولى عليه صحيح نافذ لازم، سواء كان الزوج كفئا أو غير كفء, وسواء كان المهر مهر المثل أو أقل أو أكثر بغبن فاحش أو يسير؛ لأنه لوفور شفقته وشدة حرصه لا بد أن يكون أمعن النظر واختار ما فيه المصلحة, وعوض المولى من الكفاءة والمهر ما هو أنفع له وأبقى.
وإذا كان معروفا بسوء الاختيار وجب الاحتياط للمولى. فإن زوجه بكفء والمهر مهر المثل كان زواجه صحيحا نافذا لازما، وإن زوجه بغير كفء أو على مهر أقل أو أكثر من مهر المثل بغبن فاحش فزواجه غير صحيح؛ لأنه لسوء اختياره لا يوثق بأنه فوت الكفاءة أو مهر المثل إلى ما هو خير منه.
(1/62)

وغير الأب والجد والابن وابن الابن من العصبات وسائر الأقارب والقاضي إذا زوج واحد منهم المولى عليه بغير كفء أو بأقل أو أكثر من مهر المثل بغبن فاحش فزواجه غير صحيح، وإذا زوجه واحد منهم بكفء وبمهر المثل فالزواج صحيح نافذ, ولكنه غير لازم فللمولى عليه أن يختار فسخ الزواج عند بلوغه إذا بلغ عالما به أو عند علمه إذا بلغ غير عالم به؛ وذلك لأن هذا الفريق الثاني من الأولياء ليس كالفريق الأول في الجمع بين وفور الشفقة وكمال الرأي فلا بد أن تكون المصلحة في تزويجه ظاهرة بأن يكون الزوج كفئا والمهر مهر المثل، وإذا تحققت هذه المصلحة الظاهرة فلا بد من أن تتاح للصغير إذا بلغ فرصة يتلافى بها ما قد يكون لحقه من الضرر الخفي بتزويج أخيه أو أخته أو أمه أو القاضي فجعل له الخيار إذا بلغ فإن شاء أمضى الزواج وإن شاء طلب فسخه ولو بعد الدخول.
والأصل في ذلك أنه لما زوج رسول الله أمامة بنت عمه حمزة بن عبد المطلب من سلمة بن أبي سلمة. قال -صلى الله عليه وسلم: "لها الخيار إذا بلغت".
ومن اختار فسخ الزواج عند بلوغه أو عند علمه لا ينفسخ الزواج بمجرد اختياره بل لا بد أن يرفع دعوى يطلب فيها الحكم بفسخ الزواج بناء على أن الولي الذي زوجه غير أبيه وجده, وأنه لم يرض بهذا الزواج صراحة ولا دلالة. وقبل أن يصدر الحكم بفسخ الزواج فهو صحيح نافذ تترتب عليه آثاره من لزوم المهر والتوارث. أما إن رضي به حين بلوغه أو حين علمه صراحة أو دلالة فلا تسمع منه دعوى الفسخ.
ومن الرضا دلالة سكوت البكر عن اختيار نفسها عند بلوغها عالمة بالزواج أو عند علمها به. وأما سكوت الثيب في هذه الحال فلا يعد رضا دلالة فلا بد أن ترضى بقول أو عمل كأن تقول رضيت أو تطلب النفقة أو المهر، ومثل الثيب في هذا
(1/63)

الغلام. وكذلك إذا اسؤذنت البكر من أقرب أقاربها في أن يزوجها فسكتت مختارة اعتبر سكوتها إذنا. ولا كذلك الثيب1.
أما كامل الأهلية وهو الحر العاقل البالغ فهو ولي نفسه وليس لأحد ولاية تزويجه ولا جبره عليه. غير أنه إذا كان كامل الأهلية أنثى ولها ولي عاصب لا يكون تزويجها نفسها صحيحا نافذا لازما إلا إذا كان الزوج كفئا لها, والمهر مهر مثلها حتى لا يعير وليها العاصب بمصاهرة غير الكفء أو بنقصها عن مهر مثلها فهو في ابتداء العقد له حق في الكفاءة ومهر المثل.
فإن زوجت نفسها بغير كفء وبغير رضاء وليها العاصب قبل الزواج فلا يصح العقد ولو رضي العاصب بعد ذلك؛ لأن رضاه لا يجعل غير الصحيح صحيحا2.
وإن زوجت نفسها بمهر أقل من مهر مثلها يصح العقد ولا يلزم، فللولي العاصب أن يطلب إتمام مهر المثل فإن أتمه الزوج لزم العقد وإن لم يتمه رفع الأمر إلى القاضي ليفسخه.
وإن لم يكن لها ولي عاصب بأن كانت لا ولي لها أصلا أو لها ولي غير عاصب فلا حق لأحد في الاعتراض على عقدها سواء زوجت نفسها من كفء أو غير كفء بمهر المثل أو أقل؛ لأن الأمر في هذه الحال خالص حقها.
ولا يتوهمن أحد أن قانون تحديد سن الزواج الذي أشرنا إليه في شروط سماع الدعوى قانونا بالزواج سلب الأولياء حق الولاية على الصغير والصغيرة؛ لأن القانون المذكور إنما منع من سماع دعوى الزوجية قضاء من زوجين أحدهما أقل من السن
__________
1 ووجه الفرق أن البكر تستحي عادة في أمر الزواج من أن تقول نعم, ولا تستحي من أن تقول لا, فإذا سكتت اعتبر سكوتها دليلا على ما يمنعها الحياء من إظهاره وهو الرضا. وأما الثيب فلسبق عشرتها الزوجية لا يمنعها مانع من الإفصاح بقولها نعم أو لا, فسكوتها لا يعتبر دليلا على شيء.
2 وهذه رواية الحسن بن زياد عن الإمام وعليها العمل وبها الفتوى. وفي ظاهر الرواية يكون العقد صحيحا غير لازم وللولي حق الاعتراض عليه وطلب فسخه.
(1/64)

المحددة وقت الدعوى، ومنع المختص بتحرير عقود الزواج أن يباشر العقد إذا كانت سن أحد الزوجين أقل من السن المحددة وقت العقد, ولم يمنع الولي من حقه الذي جعله الشارع له. وإن كان ما نص عليه من عدم تسجيل عقد زواج الصغار وعدم سماع الدعوى منهم مقصودا به أن يمتنع الأولياء من تلقاء أنفسهم أن يزوجوا الصغار، فليست السن المحددة شرطا شرعيا لانعقاد الزواج أو صحته أو نفاذه, وإنما هي شرط لمباشرة الموظف المختص تسجيله ولسماع القضاة الدعوى به، وعقد الزواج متى تحققت أركانه وشرائطه الشرعية فهو عقد صحيح شرعا مهما تكن سن الزوجين أو أحدهما وتترتب عليه جميع الآثار الشرعية.
(1/65)

الوكالة بالزواج:
من القواعد الفقهية المقررة أن من ملك تصرفا من التصرفات كان له أن يباشره بنفسه, وله أن يوكل عنه غيره بمباشرته، ومن لا يملك تصرفا من التصرفات فليس له أن يوكل به غيره؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه. وبما أن كامل الأهلية وهو الحر العاقل البالغ يملك تزويج نفسه، فله أن يوكل عنه من يقوم مقامه في تزويجه، وفاقد الأهلية أو ناقصها لا يملك تزويج نفسه, فليس له أن يوكل عنه من يزوجه.
والولي على كل واحد منهما هو الذي له أن يزوجه فله أن يوكل من شاء بتزويجه.
والتوكيل كما يكون شفويا يكون كتابيا، ولا يشترط لصحته حضور شاهدين وقت صدوره بل يتم بين الموكل والوكيل وحدهما كسائر العقود عدا الزواج. ولكن الأحسن الإشهاد عليه احتياطا خشية الجحود والنزاع.
وليس للوكيل بالزواج أن يوكل غيره؛ لأنه يستمد ولايته من الموكل والموكل أعطاه وحده الولاية ورضي برأيه فقط. فإذا أعطاه الموكل حق توكيله غيره عنه بأن أذنه أن يوكل عنه في هذا التزويج من شاء، أوكله بصيغة التفويض بأن قال له: فوضت أمر زواجي إلى رأيك في كل ما تفعله، ففي هاتين الحالتين للوكيل أن يوكل غيره عنه.
ومهمة الوكيل بالزواج هي مباشرة الصيغة فقط؛ لأنه سفير ومعبر، وبعد انتهاء الصيغة لا يطالب بأي حق من حقوق أحد الزوجين على الآخر، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر ولا النفقة، ولا يطالب وكيل الزوجة بإدخالها في طاعة الزوج؛ لأن السفير لا يطالب بحقوق إلا إذا ضمن الوكيل والتزم بشيء من الحقوق فإنه يطالب بمقتضى التزامه وضمانه لا بمقتضى وكالته.
(1/66)

وإذا تصرف الوكيل في حدود وكالته, ولم يخالف فيما وكل فيه نفذ تصرفه على الموكل. أما إذا جاوز حدود وكالته وخالف فيما وكل فيه فإنه يعتبر فضوليا, ويتوقف نفاذ تصرفه على إجازة الموكل.
بناء على هذا، إذا قال الموكل للوكيل: زوجني، أو زوجني أية امرأة، فزوجه ينفذ زواجه على الموكل سواء كانت الزوجة سليمة من العيوب أو معيبة بأي عيب، وسواء كانت تكافئه أو لا تكافئه؛ لأن التوكيل مطلق فيدخل في حدوده تزويج أية امرأة تحل للموكل -ولا يخرج عنه إلا تزويج من يمنع مانع شرعي من زواجها به؛ لأن خلو المرأة من الموانع الشرعية قيد ملحوظ للموكل معنى وإن لم يصرح به لفظا- ويخرج عنه أيضا بنت الوكيل الصغيرة وأية صغيرة في ولايته للتهمة، فلو زوجه الوكيل موليته توقف على إجازة الموكل؛ لأنها لما اعتبرت خارجة عن حدود وكالته اعتبر فضوليا فيتوقف تزويجه.
وكذلك لو كان الوكيل بالزواج امرأة فزوجت موكلها من نفسها بمقتضى توكيله المطلق لها لا ينفذ الزواج عليه بل يتوقف على إجازته للتهمة. ولأنه لو كان مراده أن يتزوجها هي لقال لها زوجيني نفسك فالظاهر أنه يريد غيرها، وهذا هو مذهب الإمام، فمقتضى الإطلاق في التوكيل عنده أن ينفذ على الموكل تزويج وكيله إياه من أية امرأة تحل له شرعا، سواء كانت المرأة تكافئه أو لا تكافئه، وسواء كانت معيبة أو سليمة، وسواء سمي لها مهر مثلها أو أكثر منه بغبن فاحش أو يسير؛ لأن الإطلاق بالنسبة للزوجة والمهر يقتضي هذا, ولو كان للموكل إرادة معينة بالنسبة لأحدهما لقيد بها وكيله، ولا يخرج عن هذا الإطلاق إلا تزويج الوكيل موكله من بنته أو أية أنثى في ولايته، وتزويج الوكيلة موكلها من نفسها للتهمة في الصورتين. ومواضع التهمة مستثناة معنى وإن لم يصرح باستثنائها لفظا.
وقال صاحباه: التوكيل المطلق يتقيد بالمتعارف، والمتعارف أن يحتاج الموكل إلى الاستعانة بوكيل في أن يزوجه ممن تحل له وتكافئه بغير غبن فاحش عليه
(1/67)

في تسمية مهرها؛ لأن هذا هو الذي قد يعجز المرء عن أن يهتدي إليه بنفسه ويحتاج فيه إلى معونة غيره، وأما الزواج من أية امرأة بأي مهر فلا يعجز عنه أحد ولا يقصد إلى الاستعانة عليه بويل. فعندهما كما يخرج عن حدود الوكالة المطلقة الزواج الذي فيه تهمة الوكيل يخرج عنه أيضا تزويجه الموكل ممن لا تكافئه، وتزويجه ممن تكافئه بأكثر من مهر مثلها بغبن فاحش، فيكون العقد في هذه الحالات الثلاث موقوفا على إجازة الموكل. وقول الصاحبين هو الراجح وعليه العمل؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا.
وأما إذا لم يطلق الموكل لوكيله بل قيده بزوجية معينة فإنه يتقيد بما قيد به ويكون فضوليا فيما عداه، فلو قيده بزوجة معينة بأن قال له: وكلتك في أن تزوجني فلانة فزوجه غيرها, توقف على إجازته. ولو قيده بمهر بأن قال له: وكلتك في أن تزوجني على مهر لا يزيد على مائة جنيه فزوجه على مهر قدره مائة وخمسون توقف أيضا على إجازته ولو التزم الوكيل بدفع الخمسين الزائدة من ماله؛ لأن صاحب المروءة يأبى أن يعير بمنة غيره عليه وخاصة في مهر الزواج. ولو قيده بأن يزوجه واحدة فزوجه باثنتين، فإن كان هذا في عقد واحد بأن قال الوكيل لاثنتين زوجتكما موكلي، فقالت كل منهما: قبلت توقف على إجازته. وإن زوجهما إياه في عقدين نفذ أولهما على الموكل؛ لأنه بمقتضى الوكالة وتوقف الثاني على إجازته لخروجه عن حدود الوكالة لانتهاء مهمة الوكيل بنفاذ العقد الأول.
هذه أحكام توكيل الرجل غيره في أن يزوجه.
وأما إذا وكلت المرأة غيرها في أن يزوجها. فإن كان التوكيل مطلقا بأن قالت لرجل: وكلتك في أن تزوجني ولم تقيده بزوج ولا مهر يخرج عن حدود هذه الوكالة المطلقة الزواج الذي فيه تهمة الوكيل، فلو زوجها من نفسه أو أصله أو فرعه لا ينفذ عليها بل يتوقف على إجازتها لاستثناء مواضع التهمة من الإطلاق؛ ولأنها لو أرادته هو زوجا لها لتزوجته بدل أن توكله. ويخرج عن حدودها أيضا بالاتفاق بين
(1/68)

الإمام وصاحبيه تزويجها من غير كفء لها؛ لأن كفاءة الزوج لزوجته وقت العقد شرط لصحته اتفاقا فالتقييد بالكفء ملحوظ في الوكالة معنى, وإن لم يصرح به لفظا، فلو زوجها الوكيل من غير كفء لها لا يصح العقد ولا تلحقه إجازة؛ لأن الإجازة لا تلحق الفاسد. ويخرج عنها أيضا تزويجها من كفء لها بأقل من مهر مثلها بغبن فاحش، فلو زوجها كذلك يكون موقوفا على إجازتها وإجازة وليها.
فعلى هذا يكون تزويج وكيلها إياها نافذا عليها إذا زوجها من أجنبي عنه يكون كفئا لها على مهر مثلها أو أقل منه بغبن يسير. لأن هذا هو الذي يدخل في حدود وكالته المطلقة.
ويكون فاسدا إذا زوجها من غير كفء لها.
ويكون موقوفا على إجازتها إذا زوجها من نفسه أو أصله أو فرعه.
ويكون موقوفا على إجازتها وإجازة وليها العاصب إذا زوجها بأقل من مهر مثلها بغبن فاحش.
وأما إذا كان توكيلها غيرها في تزويجها مقيدا غير مطلق فإن الوكيل يتقيد بما قيدته به ويكون فضوليا فيما عداه شأن كل توكيل مقيد.
(1/69)

الكفاءة في الزواج:
الكفاءة شرعا مساواة الزوج زوجته في المنزلة بحيث لا تكون الزوجة ولا أولياؤها عرضة للتعيير بهذه المصاهرة حسب العرف.
وقد خص الفقهاء أمورا ستة, اعتبروا أن الكفاءة تتحقق بتحقق المساواة فيها، وأن عدم المساواة فيها أو في أحدها مفوت للكفاءة، وهي التي جمعها بعضهم في قوله:
نسب وإسلام كذلك حرفة ... حرية وديانة مال فقط
ولنبين معنى التكافؤ في كل أمر من هذه الأمور الستة:
1- النسب:
إذا كانت الزوجة نسيبة، أي: معروفا لها نسب متصل بأصل معلوم لا يكون كفئا لها إلا نسيب مثلها متصل نسبه بأصل معلوم، وشرف العلم فوق شرف النسب، فالعالم غير النسيب كفء لأية نسيبة مهما شرف نسبها.
وهذا التكافؤ في النسب خاص بما إذا كان الزوجان من العرب؛ لأنهم هم الذين حفظوا أنسابهم وجعلوها من مفاخرهم وأسباب هجوهم ومدحهم، فالعربية وهي هي التي يعرف اتصال نسبها بقبيلة من قبائل العرب لا يكون كفئا لها غير العربي وهو من لا يعرف اتصال نسبه بقبيلة من القبائل، وليس العرب كلهم متكافئين فقريش بعضهم أكفاء لبعض, أي: إن القرشية لا يكافئها إلا قرشي، وسائر العرب بعضهم أكفاء لبعض أي: إن العربية من غير قريش يكافئها أي: عربي وإن اختلفت القبائل فالقرشي كفء لأية عربية، وغير القرشي من العرب كفء لغير القرشية منهم.
(1/70)

وأما غير العرب فلأنهم لم يحفظوا أنسابهم ولم يعتدوه من مفاخرهم لا يعتبر بين الزوجين منهم التكافؤ في النسب1.
2- الإسلام:
إذا كانت الزوجة مسلمة لها أب وأجداد مسلمون لا يكافئها المسلم الذي ليس له في الإسلام أب ولا جد، ومن لها أب واحد في الإسلام يكافئها من له أب واحد فيه، ومن له أب وجد في الإسلام فهو كفء لمن لها أب وأجداد؛ لأن تعريف المرء يتم بأبيه وجده فلا يلتفت إلى ما زاد.
وهذا التكافؤ في إسلام الأصول إنما يعتبر في غير العرب. أما العرب فلا يعتبر فيهم، فالعربي المسلم الذي ليس له أب في الإسلام كفء للعربية المسلمة التي لها أب وأجداد مسلمون؛ لأن العرب اكتفوا في التفاخر بأنسابهم ولا يتفاخرون بإسلام أصولهم. أما غيرهم فيتفاخرون به.
3- الحرفة:
إذا كانت الزوجة بنت صاحب حرفة شريفة لا يكون كفئا لها صاحب الحرفة الدنيئة. والمعتبر في شرف الحرفة ودناءتها هو العرف، ولذا قال صاحب الفتح، فيكون الحائك كفئا للعطار بالأسكندرية لما هناك من حسن اعتبارها وعدم عدها نقصا ألبتة، وإذا تقاربت الحرف فلا عبرة بالتفاوت فيها، وهذا التكافؤ في الحرف معتبر في كل من يحترف من العرب وغيرهم.
4- الحرية:
إذا كانت الزوجة حرة لا يكون الرقيق كفئا لها, وإذا كانت حرة الأصل لا يكون المعتق كفئا لها, ومن لها أب وجد في الحرية لا يكافئها من له أب فقط، ومن لها أب وأجداد في الحرية يكافئها من له أب وجد فقط، كما قيل في إسلام الأصول، والحكمة في هذا أن الرق منقصة والأحرار يعيرون بمصاهرة الأرقاء.
__________
1 وفي هذا نظر؛ لأنه إذا كان من غير العرب طبقات من الأشراف ذوي البيوتات العريقة يفخرون بأصلهم ويعيرون إذا تزوجت واحدة منهم زوجا غير أصيل فلم لا يكون حكمهم حكم العرب، والعلة واحدة، والعرف له اعتبار.
(1/71)

ولما كان العرب لا يسترقون؛ لأنه لا يقبل منهم إلا أن يسلموا أو يقتلوا كان التكافؤ في الحرية معتبرا في غيرهم فقط؛ لأنهم لا رق فيهم.
5- الديانة:
المراد بها الصلاح والاستقامة، فإذا كانت الزوجة من بنات الأتقياء ذوي الاستقامة لا يكون الفاسق كفئا لها؛ لأنهم لتقواهم واستقامتهم يرون مصاهرة الفاسق عارا لهم، فلا يكون الفاسق كفئا لصالحة بنت صالح وإنما يكون كفئا لفاسقة بنت فاسق أو بنت صالح وهذا رأي الشيخين. وقال محمد: لا عبرة بالديانة والصلاح في الكفاءة؛ لأن الصلاح من أمور الآخرة التي بين المرء وربه, والكفاءة من الأحكام الدنيوية التي ترجع إلى علاقة الناس في الدنيا بعضهم ببعض، وكم من فاسق له بين الناس منزلة واعتبار ولا يعير أي تقي بمصاهرته، لكن إذا كان الفاسق وصل به فسقه إلى أن صار سخرية بين الناس يصفع ويضحك منه فهذا هو العار كله ولا يكون كفئا.
6- المال:
ليس المراد بالتكافؤ بين الزوجين في المال أن يتساويا في الغنى ودرجة اليسار وإنما المراد أن يكون الزوج قادرا على مقدم صداقها والإنفاق عليها شهرا، فمن كان قادرا على ذلك يعتبر كفئا لها ماليا, ولو كانت ثروتها وثروة أبيها أضعاف ماله. أما من كان غير قادر على ذلك فهو ليس كفئا لها ماليا، وهذا قول أبي يوسف وعليه الفتوى؛ لأن الغنى لا ثبات له, والمال غاد ورائح فلا اعتبار في الكفاءة لكثرته وقلته، وقال الطرفان: إنما تتحقق الكفاءة في المال بعدم التفاوت البين بينهما في الغنى واليسار حتى إن الفائقة في اليسار لا يكافئها من لا يقدر إلا على المهر والنفقة الواجبة؛ لأن الناس يتفاخرون بغنى الصهر ويعيرون بفقره.
من له الحق في الكفاءة: قدمنا في مبحث الولاية على الزواج أن الحرة العاقلة البالغة إذا زوجت نفسها من غير كفء لها بغير رضا وليها العاصب قبل الزواج فزواجها غير صحيح مراعاة لحق وليها، وأن الولي -ما عدا الأب الذي
(1/72)

لم يعرف بسوء الاختيار- إذا زوج موليته من غير كفء فتزويجه غير صحيح مراعاة لحق موليته.
فيؤخذ من هذا أن الكفاءة حق للزوجة وللولي معا, وأن رضا أحدهما بتفويت حقه لا يفوت على الآخر حقه1.
وبناء على هذا إذا زوجت الحرة العاقلة البالغة نفسها من رجل ولم تبحث في أمره حتى تعلم أنه كفء لها أو غير كفء, ثم تبين أنه غير كف فليس لها طلب فسخ هذ الزواج لعدم الكفاءة؛ لأنها أسقطت حقها بتقصيرها في البحث فكأنها رضيت به على أي حال.
ولكن أولياءها لم يسقطوا حقهم فلهم طلب الفسخ؛ لأن الكفاءة حق الاثنين وإسقاط أحدهما حقه لا يؤثر في حق الآخر.
وأما زوجها وليها بعلمها وإذنها وبرضاها رجلا من غير بحث في كفاءته أو عدمها, ثم تبين أنه غير كفء فليس للأولياء ولا للزوجة حق طلب الفسخ؛ لأنهم جميعا بتقصيرهم أسقطوا حقهم وكأنهم رضوا به على أي حال.
ولكن إذا شرطت في العقد كفاءة الزوج ثم تبين أنه غير كفء، أو حصل تغرير من الزوج بأن زعم أنه كفء فإذا هو غير كفء لم يسقط حقهما في الحالين؛ لأنه مع الاشتراط أو تغرير الزوج لم يحصل تقصير ولا يعتبر واحد من الزوجة أو وليها مسقطا حقه؛ لأنه ما حصل رضا بزواجه إلا على أنه كفء.
وإذا اختلفت مرتبة الأولياء فالكفاءة حق أقربهم، فإذا رضي الأقرب بغير الكفء فلا حق للبعيد في الاعتراض وطلب الفسخ، وإذا استووا في الدرجة كأخوة
__________
1 وليس في الكفاءة حق للشرع بحيث لو رضيت الزوجة ووليها بزوج غير كفء لها لا اعتراض على هذه الزوجية، وإنما يثبت الاعتراض لمن لم يرض منهما دفعا للعار والضرر عن نفسه, وبهذا يتبيين خطأ القول بأن اعتبار الإسلام للكفاءة يجعله دين الطوائف ويجعل في المسلمين منبوذين وغير منبوذين.
(1/73)

أشقاء فهي حق لكل واحد منهم لا يتجزأ، فإذا رضي أحدهم بغير الكفء فقد سقط حقهم واعتبر رضاه رضا منهم فليس لأحدهم الاعتراض وطلب الفسخ.
فيمن تعتبر الكفاءة: الكفاءة تعتبر من جانب الزوج فقط, أي: إنها تتحقق إذا لم يكن الزوج دون زوجته في أمر من أمورها. أما إذا كانت الزوجة دون زوجها في تلك الأمور أو بعضها فهذا لا ينفي الكفاءة المطلوبة شرعا ولا يمنع التزوج بها؛ لأن العادة جرت بأن الزوجة الشريفة تعير هي وأولياؤها بأن يكون زوجها القوام عليها المنسوب إليه أولادها خسيسا. أما الزوج الشريف فلا يعير بأن تكون زوجته خسيسة، وكم ملوك وخلفاء كانت زوجاتهم من الإماء.
ولا تعتبر الكفاءة من جانب الزوجة إلا في حالتين:
"الأولى" فيما إذا وكل الرجل عنه من يزوجه امرأة غير معينة فإنه يشترط لنفاذ تزويج الوكيل على الموكل أن يزوجه ممن تكافئه على قول الصاحبين وهو الراجح عملا بتقييد العرف.
"الثانية" فيما إذا كان الولي الذي يزوج الصغير غير الأب الذي لم يعرف بسوء الاختيار فإنه يشترط لصحة تزويجه أن تكون الزوجة كفئا له احتياطا لمصلحة الصغير.
متى تعتبر الكفاءة: إنما تعتبر الكفاءة في ابتداء العقد على معنى أنه متى كانت أمور الكفاءة محققة وقت العقد فلا يضر فقد شيء منها بعد، فلو كان الزوج صاحب حرفة شريفة ثم صار إلى حرفة دنيئة أو كان قادرا ماليا ثم أعسر فلا أثر لهذا في صحة العقد؛ لأنه لو شرط بقاء الحال على ما كانت عليه وقت العقد لنال الناس من هذا حرج؛ لأنه دوام الحال من المحال.
وبعض الأئمة لا يعتبر الكفاءة مطلقا؛ لأن الناس سواء وقد قال -صلى الله عليه وسلم: "الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إنما الفضل بالتقوى". وقال: "يا بني هاشم لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب إن أكرمكم عند الله أتقاكم". فكل مسلم كفء لأية امرأة مهما كان أصلها.
(1/74)

حقوق الزوجة على زوجها
مدخل
...
حقوق الزوجة على زوجها:
إذا تم عقد الزواج يستحق شرعا كل واحد من الزوجين على الآخر حقوقا، ويجب على كل منهما أن يوفي صاحبه حقه.
فالزوجة تستحق على زوجها حقوقا مالية وهي المهر، والنفقة، وحقوقا غير مالية وهي أن لا يلحق بها ضررا، وأن يعدل بينها وبين ضرائرها إن تعددت الزوجات.
والزوج يستحق على زوجته حق طاعتها له، وولاية تأديبها بالمعروف.
وكل منهما يستحق على الآخر حق الإرث، وحرمة المصاهرة، وحل الاستمتاع، وحسن المعاشرة.
وقبل تفصيل الأحكام الشرعية لهذه الحقوق نبين بالإجمال الحكمة في أن الزوجة استحقت على الزوج حقوقا مالية، وهو لم يستحق عليها أي حق مالي؛ ذلك لأن الزوج وظيفته في الحياة السعي للرزق والعمل لكسب ما يسد به حاجات المعيشة، فهو قادر على أداء الحقوق المالية واحتمال أعبائها، وأما الزوجة فالشأن فيها أن تكون وظيفتها منزلية وأن تكون مشغولة بحق زوجها وأولادها عن كسب المال والمشاركة فيما تتطلبه الحياة الزوجية من مطالب مالية، فليس من العدل وهذا شأنها أن تكلف حقوقا مالية.
ومن جهة أخرى الزوجة مقصورة على زوجها ومحتبسة لأجل حقه وصيانة نسب أولاده من الاختلاط بغيره، وكل من احتبس لغيره وجبت مئونته على من احتبس له.
وبعض الأمم تسير على نظام يقضي بتكليف المخطوبة أن تدفع مبلغا من المال لخاطبها حسب حالهما وميسرتهما، وكثير من الباحثين من نقدوا هذا النظام ورأوا أنه قد يكون عقبة في سبيل الزواج ووسيلة إلى زلل بعض الفتيات الفقيرات اللاتي يدفعهن الحرص على الزواج إلى الحصول على المال، وقد تكون وسائل الحصول عليه مما تهوي بهن.
وبعض القوانين الأوروبية يوجب على الزوجة إذا كان لها مال أن تساهم بثلث إيرادها في نفقات الأسرة، وهذا لا يتفق والمبدأ العادل الذي يقضي بأن من احتبس لحق غيره ومنفعته تكون نفقته على من احتبس له.
وهذا تفصيل الأحكام الشرعية لحقوق الزوجة على زوجها.
(1/75)

1- المهر:
تعريفه وسبب وجوبه:
المهر هو الحق المالي الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها، أو الدخول بها. ويسمى الصداق، والفريضة، والأجر، والعُقر، والنِّحْلة.
ويثبت وجوبه على الزوج بأحد سببين: إما بمجرد العقد على الزوجة، أو بالدخول الحقيقي بها، فإذا تم عقد الزواج صحيحا شرعا وجب المهر على الزوج بمجرد تمام العقد ولو لم يعقبه دخول بها, بحيث لو مات أحد الزوجين بعد العقد وقبل الدخول كان المهر حقا للزوجة أو لورثتها. وأما إذا كان عقد الزواج فاسدا شرعا كأن عقد بغير حضور شهود فلا يجب على الزوج المهر بمجرد هذا العقد الفاسد، وإنما يجب إذا أعقبه دخول الزوج حقيقة بمن عقد عليها بحيث لو مات أحد الزوجين بزواج فاسد بعد العقد وقبل الدخول أو افتراقا من تلقاء أنفسهما أو بتفريق القضاء قبل الدخول فلا يجيب على الزوج مهر.
دليل وجوبه:
والدليل على وجوب المهر في عقد الزواج قول الله تعالى في سورة النساء: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} . وقوله سبحانه: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ
(1/76)

بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} . فالله أمر بإيتائهن مهورهن وسمى المهر فريضة, فدل على وجوب المهر في الزواج, وأنه لا زواج بلا مهر.
مقداره: أقل المهر شرعا عشرة دراهم فضة تزن سبعة مثاقيل أو ما قيمته ذلك من أي مال، وقد كان وزن الدراهم الفضة في صدر الإسلام مختلفا، فمنها عشرة دراهم تزن عشرة مثاقيل، ومنها عشرة تزن ستة مثاقيل، ومنها عشرة تزن خمسة مثاقيل، وكان هذا الاختلاف يؤدي إلى النزاع بين أرباب المال وجباة الضرائب فاختار عمر بن الخطاب في خلافته المتوسط من هذ الأوزان وهو العشرة الدراهم التي تزن سبعة مثاقيل وصار هو المعتبر في كل نصاب شرعي مقدر بالدراهم، وهذه الدراهم العشرة تساوي بالنقود المصرية خمسة وعشرين قرشا صاغا.
ولا حد لأكثره، فللمتعاقدين أن يزيدا عن العشرة إلى ما شاءا.
أما الدليل على تحديد نهايته الصغرى بعشرة دراهم فهو الحديث: "ولا مهر أقل من عشرة دراهم" 1، وأما الدليل على أنه لا حد لأكثره؛ فلأنه لم يرد نص بتحديد نهايته الكبرى ولا تحديد إلا بنص، ولذا روي أن عمر رضي الله عنه قال في خطبه له: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت له امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا} فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
ما يصح أن يكون مهرا: ولا يلزم أن يكون المهر دراهم مضروبة ولا أن يكون من الذهب أو الفضة بل يصح شرعا أن يكون المهر من الذهب أو الفضة المضروبين وغير المضروبين, ومن كل شيء معلوم له قيمة مالية من عقار أو منقول مكيل أو موزون أو حيوان، ومن منافع الأعيان التي يستحق في مقابلها
__________
1 روى البيهقي عن جابر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم".
(1/77)

المال كسكنى المنزل أو زراعة الأرض، فكل مال معلوم متقوم قيمته عشرة دراهم فضة فأكثر سواء أكان نقدا أم عينا أم منفعة يصح شرعا أن يسمى مهرا. والمعتبر أن تكون قيمته عشرة دراهم وقت العقد حتى لو كان المسمى قيمته عشرة وقت العقد, ثم نقصت قيمته عنها عند التسليم ليس لها المطالبة بالنقص، ولو كانت قيمته وقت العقد أقل فلها المسمى وما يكمل العشرة.
تعجيله وتأجيله: ولا يلزم أن يكون حالا بل يصح أن يكون حالا وأن يكون مؤجلا كله أو بعضه إلى أي أجل يتفق عليه العاقدان أو إلى عدة آجال يدفع عند كل أجل قسط منه حسب عرف البلاد فيما يعجل وفيما يؤجل. والمتعارف في القاهرة تعجيل الثلثين وتأجيل الثلث إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق، وفي بعض البلاد المصرية تعورف تعجيل النصف وتأجيل النصف إلى أحد الأجلين، فإن اتفق العاقدان على المعجل والمؤجل عمل باتفاقهما، وإن لم يتفقا عمل بما يقضي به عرفهما؛ لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا.
من له الحق في المهر: المهر في ابتداء العقد يتعلق به حقان حق الشرع، وحق الزوجة وأوليائها؛ لأن الشرع جعل المهر حكما وأثرا مترتبا حتما على الزواج بحيث لا يكون إلا بمهر، ولذا سماه الله فريضة في قوله: {فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} ، ولا يكون بمهر أقل من عشرة دراهم للحديث: "ولا مهر أقل من عشرة دراهم" فوجوب مهر لا يقل عن عشرة دراهم هذا حق الشرع، ولذا لا تملك الزوجة ولا أولياؤها نفي وجوب المهر أصلا ولا نقص مقداره عن عشرة دراهم؛ لأن المهر إلى عشرة حق الشرع، والإنسان لا يملك إسقاط حق غيره.
وإبلاغ المهر إلى مقدار مهر المثل حق للزوجة وأوليائها، ولذا لو زوجت المكلفة نفسها بأقل من مهر مثلها بغير رضا وليها العاصب كان لوليها طلب الفسخ؛ لأنها برضاها أسقطت حقها هي ولكن بقي للولي حقه، ولو زوج الصغيرة الولي غير الأب
(1/78)

والجد بأقل من مهر مثلها لم يصح تزويجه مراعاة لحقها. هذا في ابتداء عقد الزواج أما بعد أن يتم العقد وتتقرر حقوقه فإن المهر يكون حقا خالصا للزوجة وحدها, تتصرف فيه كما تتصرف في سائر أموالها، فلو أبرأت زوجها منه كله أو بعضه بعد ما وجب لها في ذمته بالعقد الصحيح أو بالدخول صح إبراؤها وبرئت ذمته منه، ولو قبضته ووهبته له صحت هبتها؛ لأن هذا تصرف في خالص حقها، ولذا قال الله تعالى: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} ، ولا حق لزوجها ولا لغيره في الاعتراض على تصرفها في مالها الذي هو خالص حقها ما دامت رشيدة؛ لأن كل مالك رشيد رجلا أو امرأة متزوجة أو غير متزوجة يتصرف في ملكه كما يشاء.
مقدار المهر الذي يجب للزوجة:
في بعض الأحوال يكون المهر الواجب للزوجة عشرة دراهم فقط.
وفي أحوال يكون المهر الواجب لها هو مهر مثلها.
وفي أحوال يكون المهر الواجب هو المسمى المتفق عليه في العقد بالغا ما بلغ.
وفي أحوال يكون المهر الواجب لها هو الأقل من المسمى ومن مهر مثلها.
متى يكون الواجب عشرة دراهم:
إذا سمي في العقد مهر أقل من عشرة دراهم بأن سمي مثلا عشرون قرشا أو شيء قيمته وقت العقد عشرون قرشا ففي هذه الحالة يكون المهر الواجب للزوجة عشرة دراهم فقط "25 قرشا" أو الشيء المسمى وما يكمل العشرة؛ وذلك لأن المهر إلى عشرة دراهم حق الشرع, وما زاد إلى مهر المثل حق الزوجة وأوليائها، فإذا رضيت بأقل من عشرة فقد أسقطت حقها وهذا تملكه, وأسقطت حق الشرع وهذا لا تملكه, فيكمل المهر إلى العشرة مراعاة لحق الشرع الذي لا يملك العاقدان تفويته كله أو بعضه1. وكذلك إذا سمي عشرة دراهم تجب العشرة.
__________
1 وقال زفر: لها في هذه الحالة مهر مثلها؛ لأن تسمية ما لا يصح مهرا شرعا كعدم التسمية وعند عدم التسمية الواجب مهر المثل.
(1/79)

ويراعى أنه إذا كان للزوجة ولي عاصب ولم يرض بهذا المهر فله طلب الفسخ ما دامت العشرة أقل من مهر المثل؛ لأنها لا تملك إسقاط حقه.
متى يكون الواجب مهر المثل:
وإذا لم يسم في العقد مهر أصلا بأن صدرت الصيغة بدوت تسمية مهر "زوجيني نفسك - قبلت". أو كان الزواج على نفي المهر بأن صدرت الصيغة "زوجيني نفسك على أن لا مهر لك - قبلت" أو سمي في العقد مهر لا تصح تسميته شرعا كتسمية شيء مجهول جنسه، أو شيء ليست له قيمة مالية ففي هذه الحالات الثلاث يكون المهر الواجب للزوجة هو مهر مثلها.
وذلك لأن المهر هو من أحكام الزواج وحقوقه المترتبة عليه, وليس ركنا له ولا شرطا من شروطه فالسكوت عن ذكره أو النص على نفيه لا أثر له في انعقاد الزواج ولا صحته فيصح العقد ويترتب عليه وجوب مهر, ولا عبرة بسكوت العاقدين عن ذكره أو بنفيهما له؛ لأن أثر العقد يترتب عليه ولا ينتفي بنفي العاقدين له, أو سكوتهما عنه.
ولما كان الواجب الأصلي هو مهر المثل والمسمى يقوم مقامه فإذا لم يسميا مهرا، أو نفياه، أو سميا مالا تصح تسميته شرعا، يجب الموجب الأصلي وهو مهر المثل.
وتسمى من سكت في العقد عن تسمية مهر لها المفوضة؛ لأنها بسكوتها عن تسمية مهر لها كأنها رضيت بتفويض أمر تقديره إلى زوجها فلها بعد العقد, وقبل الدخول بها أن تطالبه بفرض مهر لها، فإن تراضيا على مهر وجب، وإن لم يتراضيا رفعت أمرها إلى القضاء ليأمره بالفرض فإن لم يفعل قضى لها بمهر مثلها.
وأما لو سكتت عن مطالبته بفرضه حتى دخل بها, ومات أحدهما فالواجب
(1/80)

لها مهر مثلها؛ لأنه هو الموجب الأصلي للعقد في هذه الحالة وقد تقرر وجوبه وتأكد بالدخول أو الموت1.
متى يكون الواجب هو المسمى في العقد:
وإذا سمي في العقد مهر تسمية صحيحة بأن سمي شيء معلوم له قيمة مالية في اعتقاد المتعاقدين يعادل عشرة دراهم فأكثر وكان العقد صحيحا ففي هذه الحالة يكون المهر الواجب هو المسمى كأن يسمى نقودا تعادل عشرة دراهم فأكثر أو خاتم ذهب كذلك أو عقارا أو منقولا معلوما أو منفعة يستحق عليها الأجر.
أما إذا كانت التسمية غير صحيحة فالواجب مهر المثل كما قدمنا.
وتفسد التسمية إذا كان المسمى لا قيمة له في دين المتعاقدين كالخمر والخنزير بالنسبة للزوج المسلم, ولو كانت الزوجة مسيحية, أو كانت له قيمة مالية ولكنه مجهول جهالة فاحشة تؤدي إلى النزاع بأن تزوجها على حلي ولم يبين جنسه ولا نوعه أو تزوجها على عشرة أرادب ولم يبين نوعها، فإن بيّن نوع المسمى كعشرة أرادب قمح كانت الجهالة يسيرة فتصح التسمية, ويكون الواجب مقدر المسمى من النوع الوسط أو قيمته والخيار للزوج في ذلك، ولو تزوجها على مائة جنيه ودار، أي: على معلوم ومجهول فلها مهر مثلها لا ينقص عن مائة جنيه؛ لأنه رضي بأدائها.
متى يكون الواجب أقل الأمرين المسمى ومهر المثل:
وإذا كانت التسمية صحيحة والعقد فاسدا والزوج دخل بزوجته دخولا حقيقيا ففي هذه الحالة يكون المهر الواجب لها هو الأقل من المسمى ومهر مثلها فإن
__________
1 روى أصحاب السنن عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال: "لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط ولها الميراث وعليها العدة". فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بروع بنت واشق مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود.
(1/81)

كان المسمى مائة ومهر مثلها مائتين فالواجب لها مائة؛ لأنها رضيت بها، وإن كان المسمى مائة ومهر مثلها ثمانين فالواجب لها ثمانون؛ لأن ما زاد عن مهر المثل إنما يجب بالعقد الصحيح ولا يصح العقد الفاسد سببا لوجوبه.
ومهر المثل هو مهر امرأة من قوم أبي الزوجة كأختها وعمتها وبنت عمها تساويها وقت العقد سنا وجمالا ومالا وبلدا وعصرا وعقلا ودينا وأدبا وخلقا وعلما وبكارة أو ثيوبة وعدم ولد، فإن لم توجد واحدة من قوم أبيها تساويها في هذه الصفات ينظر إلى مهر زوجة أجنبية تساويها فيها.
وإذا اختلف الزوجان في مقدار مهر المثل فادعى الزوج أنه خمسون جنيها وادعت الزوجة أنه سبعون جنيها، فإن أقام أحدهما بينة قضي له، وإن لم توجد بينة فاليمين على من أنكر الزيادة وهو الزوج، فإن حلف أن مهر مثلها كما ادعى قضي له وإن نكل قضي لها.
زيادة المهر والحط منه:
بعد تمام عقد الزواج وتسمية المهر فيه تسمية صحيحة يجوز للزوج إذا كان كامل الأهلية أن يزيد المهر الذي سماه في العقد بأن يقول لها جعلت مهرك مائة وخمسين جنيها بدل مائة، وهذه الزيادة تلزمه وتعتبر ملحقة بالمهر وجزءا مكملا له بشروط ثلاثة: أن يكون معروفا قدرها، وأن تقبلها الزوجة أو وليها في المجلس، وأن تكون الزوجية قائمة. ويجوز للزوجة أيضا في هذه الحالة إذا كانت كاملة الأهلية أن تحط عن زوجها برضاها وفي حال صحتها كل مهرها أو بعضه إن كان من النقود، وإذا كن مهرها من الأعيان لا من النقود يجوز لها أن تهبه له كله أو بعضه، وعلة هذا واضحة؛ لأن الزوج الكامل الأهلية له أن يتصرف في ماله كيف يشاء ويزيد في مهر زوجته أية زيادة، وكذلك الزوجة الكاملة الأهلية أصبح مهرها بعد العقد خالص حقها فلها أن تتصرف فيه بالإبراء أو الهبة كما تشاء. ولأبي الصغير أو جده أن يزيد في مهر زوجة الصغير بعد العقد من مال الصغير
(1/82)

ويكون حكم هذه الزيادة كحكم زيادة الزوج الكامل الأهلية وكذلك شروط لزومها، ولكن ليس لأبي الصغيرة أو جدها أن يحط عن زوجها شيئا من مهرها بعد العقد1.
متى يتأكد وجوب المهر بتمامه:
قدمنا أن المهر يجب بمجرد العقد في الزواج الصحيح، وبالدخول الحقيقي في الزواج الفاسد.
فأما المهر الواجب بالدخول الحقيقي في الزواج الفاسد فهو واجب وجوبا مؤكدا مستقرا غير معرض لأن يسقط كله أو نصفه بأي فرقة, سواء كان هذا الواجب هو مهر المثل عند عدم التسمية الصحيحة أو الأقل من المسمى ومهر المثل عند وجود تسمية صحيحة؛ وذلك لأن الزوج بدخوله الحقيقي بالزوجة قد استوفى المتعة بها فتقرر وتأكد عليه مهرها كاملا، فإذا افترقا من تلقاء نفسهما أو فرق بينهما القضاء بعد الدخول الحقيقي فمهرها كاملا حق لها عليه.
وكذلك المهر الواجب بالدخول الحقيقي بناء على شبهة كما إذا زفت امرأة إلى رجل وقيل له إنها زوجتك فدخل بها ثم تبين أنها ليست زوجته فإن المهر الواجب لهذه المرأة بسبب الدخول الحقيقي بها وهو مهر مثلها واجب لها بتمامه وجوبا مؤكدا مستقرا, ولا يسقط كله أو نصفه بأي فرقة.
أما المهر الواجب بمجرد العقد في الزواج الصحيح فهو واجب وجوبا غير مستقر بل هو عرضة لأن يسقط كله أو نصفه.
__________
1 وهذا التفريق موضع نظر وكان الظاهر أن يسوى بين الأمرين فإما أن لا يجوز للأب أو الجد الزيادة في مهر زوجة الصغير والحط من مهر الصغيرة؛ لأن هذا تبرع بمال المولى عليه وهو لا يملكه، أو يجوز له الأمران؛ لأنه في ابتداء العقد يملك أن يزيد في مهر زوجة الصغير وينقص من مهر الصغيرة لمصلحة يراها تفوق المال فكذا بعده؛ لأنه لوفور شفقته لا يعمل إلا ما فيه المصلحة، فالتسوية في الجواز أو المنع هو الظاهر وأما التفريق فلا يظهر له مبرر.
(1/83)

وإنما يتأكد هذا الواجب بتمامه إذا دخل الزوج بزوجته حقيقة، أو اختلى بها خلوة صحيحة، أو مات أحدهما قبل الدخول والخلوة، فإذا وجد بعد العقد الصحيح واحد من هذه المؤكدات الثلاثة تأكد وجوب المهر لها بتمامه وصار حقا مستقرا للزوجة لا يسقط بأي فرقة من قبله أو من قبلها؛ وذلك لأنه بالدخول الحقيقي قد استوفى حقه في المتعة فيتأكد للزوجة حقها في المهر كاملا، وبالخلوة الصحيحة قد مكنت الزوجة زوجها من نفسها ولم يوجد ما يمنعه أن يستوفي حقه ويستمتع بها، فكونه مع ذلك لم يستوف حقه لا يمنع من تقرر حقها في مهرها كاملا؛ لأنها أسلمت نفسها وأتت ما وسعها وهو الذي اقتصر على الاستمتاع بالخلوة بها، وقد قال الله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} ، وبموت أحد الزوجين قبل الدخول والخلوة انتفى احتمال طروء فرقة من قبل الزوج تنصف المهر أو فرقة من قبلها تسقطه فتقرر الواجب بالعقد بتمامه، فإذا كان الذي مات هو الزوج أخذت الزوجة مهرها أو ما بقي لها منه من تركته قبل قسمتها بين ورثته؛ لأنه دين يبدأ بسداده، وإذا كانت التي ماتت هي الزوجة أخذ ورثتها مهرها أو ما بقي منه من زوجها بعد خصم ما يخصه منه؛ لأنه من ورثتها يستحق نصف تركتها أو ربعها.
والمراد بالخلوة الصحيحة أن يجتمع الزوجان منفردين في مكان آمنين من اطلاع غيرهما عليهما بدون إذنهما وليس بأحدهما أي مانع حسي أو شرعي أو طبيعي يمنع من الجماع، فإذا لم تتوافر هذه الشروط بأن اختليا في مكان لا يأمنان فيه من اطلاع الغير عليهما، أو اختليا وبهما أو بأحدهما مانع من الجماع شرعي كحيض أو صوم فرض، أو طبيعي كوجود ثالث مميز، أو حسي كصغر ومرض لا يستطاع معه الجماع فالخلوة فاسدة لا يتأكد بها وجوب المهر بتمامه.
وكما أن الخلوة الصحيحة في الزواج الصحيح تشارك الدخول الحقيقي في تأكيد وجوب المهر بتمامه: فهي تشاركه أيضا في إيجاب العدة عليها بعد الفرقة، وفي الآثار
(1/84)

المترتبة على العدة من وجوب النفقة، وحرمة الجمع بينها وبين محرم لها، وحرمة زواج أربع سواها ما دامت في العدة، وفي ثبوت النسب.
ويختلفان في الإحصان. فالدخول الحقيقي يحصن الرجل حتى إذا زنى بعده رجم، والخلوة الصحيحة لا تحصنه حتى إذا زنى بعدها جلد.
وفي حرمة البنات، فالدخول الحقيقي بالأم يحرم بنتها على الزوج الذي دخل بها، وأما مجرد خلوته الصحيحة بها فلا يحرم عليه بنتها.
وفي حل المرأة لمطلقها ثلاثا، فإذا تزوجت المطلقة ثلاثا بآخر واختلى بها فقط خلوة صحيحة لا تحل لمطلقها الأول حتى يدخل بها الثاني دخولا حقيقيا.
وفي الرجعة، فالطلاق بعد الدخول الحقيقي رجعي وبعد الخلوة الصحيحة بائن. وكذلك الدخول الحقيقي بالمطلقة رجعيا يعتبر مراجعة ولكن الخلوة الصحيحة بها لا تعتبر مراجعة.
وفي الميراث، فلو طلقت بعد الدخول الحقيقي ثم مات وهي في العدة ترثه؛ لأن طلاقها رجعي، ولكن لو طلقت بعد الخلوة الصحيحة ثم مات وهي في العدة لا ترثه؛ لأنها بائنة منه.
والخلوتان الفاسدة والصحيحة في الزواج الصحيح تشتركان في إيجاب العدة بعد الفرقة احتياطا في المحافظة على الأنساب وعدم اختلاطها.
ففي الزواج الصحيح: الخلوة الصحيحة تشارك الدخول الحقيقي في بعض الأحكام وتخالفه في بعضها. وتشارك الخلوة الفاسدة فيه كذلك في إيجاب العدة.
وأما في الزواج الفاسد فالخلوة مطلقا سواء كانت صحيحة أو فاسدة لا توجب المهر بتمامه؛ لأن الشأن أن فساد الزواج يكون مانعا لهما من الجماع فلا تعتبر الخلوة تمكينا من الاستمتاع ولا مظنة له.
(1/85)

متى يجب للزوجة نصف المهر:
إذا سمي في عقد الزواج الصحيح مهر تسمية صحيحة, ثم انحلت عقدة الزوجية قبل الدخول أو الخلوة الصحيحة بسبب من قبل الزوج وجب للزوجة نصف مهرها فقط سواء كان سبب الفرقة الذي من قبله تطليقا أو فسخا بغير اختياره نفسه عند البلوغ, والدليل على هذا قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} .
دلت هذه الآية على أن الزوجة التي طلقها زوجها قبل أن يمسها, أي: قبل أن يدخل بها حقيقة أو حكما وكان قد فرض لها مهرا فالواجب المستحق لها عليه نصف ما فرض لها، فإن كانت لم تقبض مهرها فلها مطالبة زوجها بعد الطلاق بنصفه إلا أن تعفو وتتنازل عن مطالبته، وإن كانت قبضته فلزوجها الذي بيده عقدة النكاح مطالبتها بعد الطلاق بأن ترد إليه نصفه إلا أن يعفو ويتنازل عن مطالبتها برده.
ومثل المطلقة في هذا الحكم كل من فارقها زوجها قبل الدخول بها بسبب من قبله, كما إذا ارتد عن الإسلام زوج المسلمة، أو أبى الزوج غير المسلم أن يسلم بعد أن أسلمت زوجته. وأما فسخه بخيار البلوغ فهو فسخ للعقد من أصله فلا يجب عليه شيء ما دام لم يدخل بمن عقد عليها. لا حقيقة ولا حكما؛ لأن العقد إذا انفسخ يجعل كأن لم يكن.
والحكمة في إيجاب نصف المهر في هذه الحال أن لها وجهتين من النظر مختلفتين، فلو نظرنا من وجهة أن الزوج بالفرقة قبل الدخول حقيقة أو حكما لم يستمتع بزوجته أي نوع من الاستمتاع, ولم تقم له بواجب من واجبات الزوجية وحالها بعد الفرقة على ما كانت عليه قبل العقد ينتج أن الزوج لا يجب عليه شيء من المهر، ولو نظرنا من وجهة أن الزوجة بالعقد ملكت زوجها حق المتعة بها ولم تمنعه
(1/86)

أن يستوفي حقه وهو الذي فوت ملكه مختارا بهذه الفرقة الآتية من قبله ينتج أن عليه المهر كله، فالشارع الحكيم وفّق بين الوجهتين وراعى الجانبين وأوجب على الزوج في هذه الحال نصف المهر المسمى فلم يفوت على الزوجة كل حقها, ولم يلزم الزوج بكل ما وجب بالعقد1.
والمتبادر من قوله سبحانه وتعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أن الذي ينصف بالطلاق قبل الدخول حقيقة أو حكما هو المهر الذي فرض حين العقد فرضا صحيحا؛ لأن هذا هو الذي يفهم من إطلاق {مَا فَرَضْتُمْ} 2.
فإذا لم يكن فرض حين العقد مهر فرضا صحيحا بأن سكت عن تسمية المهر أصلا، أو نفي، أو سمي تسمية غير صحيحة ففي هذه الأحوال الثلاثة التي يكون الواجب فيها مهر المثل لو فارق الزوج زوجته قبل الدخول بها حقيقة أو حكما بسبب من قبله لا يجب لها نصف المهر؛ لأن الذي ينصف هو ما فرض في العقد فرضا صحيحا، والواجب لها في هذه الأحوال المتعة كما سيجيء.
وكذلك الزيادة التي تزاد على المهر بعد العقد سواء زادها الزوج إن كان كامل الأهلية أو أبوه أو جده إن كان فاقدها أو ناقصها لا يجب للزوجة نصفها بالطلاق قبل الدخول حقيقة أو حكما بل تسقط عن الزوج؛ لأن الذي ينصف هو ما فرض في العقد وهذه زيدت بعده.
وكذلك المهر الذي يفرض للمفوضة بعد العقد بتراضي الزوجين لا ينصف بالطلاق قبل الدخول حقيقة أو حكما؛ لأنه فرض بعد العقد.
__________
1 الحقيقة أن الزوجة بالعقد استحقت المهر، والطلاق قبل الدخول فوت عليها نصف ما استحقته مراعاة لمصلحة الزوج, فليس النصف الذي تأخذه تعويضا وإنما هر بعض حقها, والطلاق فوت عليها بعضه الآخر.
2 ولو سمى أقل من عشرة دراهم ثم طلقها قبل الدخول وجبت لها خمسة دراهم؛ لأننا لما لم نعتبر تسمية الأقل من العشرة جعل كأنه سمى العشرة، فبالفرقة قبل الدخول يجب عليه نصفها وهو خمسة.
(1/87)

وهذا هو الجاري عليه العمل وهو مذهب الطرفين ومذهب أبي يوسف الأخير، وكان رأيه أولا أن الزيادة التي تزاد على المهر بعد العقد متى استوفت شروط لزومها واعتبرت مكملة للمهر تنصف بالطلاق قبل الدخول كما ينصف أصل المهر. وكذلك ما فرض للمفوضة بعد العقد؛ لأنه صار فرضها وكأنه فرض حين العقد، ولكن القول المفتى به يستند إلى إطلاق قوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} ولا يتسارع إلى الذهن عند الإطلاق إلا الفرض حين العقد فرضا صحيحا.
وإذا كان المهر لم تقبضه الزوجة ولا يزال في ذمة الزوج أو تحت يده فبمجرد وقوع الفرقة من قبله قبل الدخول حقيقة أو حكما يصير نصفه ملكا له يتصرف فيه كيف يشاء بحيث لو كان المهر عشرة أفدنة وطلقها قبل الدخول بها وقبل أن يسلمها لها, فبمجرد الطلاق يكون له الحق أن يتصرف في خمسة منها بالبيع والهبة وسائر تصرفات المالك في ملكه بدون توقف على قضاء له بها، وأما إذا كان المهر قد قبضته الزوجة فلا يصير نصفه ملكا للزوج بمجرد الطلاق قبل الدخول وإنما يصير ملكا له إذا ردته إليه بالتراضي, أو قضى له به القاضي, بحيث لو تصرف فيه قبل القضاء له به أو قبل رده إليه بالرضا لا ينفذ تصرفه شأن تصرف الإنسان فيما لا يملكه.
والفرق بين الحالين أن المهر المستحق للزوجة بالعقد إذا قبضته تقوي ملكها فيه فلا يزول ملكها عن نصفه, ويعود إلى ملك مطلقها بمجرد وقوع الفرقة، بل لا بد من أن ترده إليه برضاها أو يقضي له به القضاء، وأما إذا لم تقبضه فملكها فيه لم يقو فبمجرد الفرقة يزول ملكها عن نصفه ويعود إلى ملك مطلقها.
وإذا نما المهر وهو في يد الزوج بأن كان أوراقا مالية فربحت، أو كان بقرات عجافا فسمنت أو ولدت فبالفرقة قبل الدخول حقيقة أو حكما يكون هذا النماء لهما؛ لأنه نماء ملكهما المشترك لكن إذا كانت الزيادة التي زيدت فيه ليست نماء له
(1/88)

ولا متولدة منه كالبناء فهو لمن زاده، وكذلك الحكم إذا نما وهو في يد الزوجة, وقد قضى بعد الفرقة بنصفه لمطلقها.
وأما إذا كان نماؤه وهو في يد الزوجة قبل القضاء له بنصفه, فالنماء كله لها؛ لأنه نماء ملكها خاصة ما دام لم يصدر حكم بنصفه للزوج، وإذا كانت زيادة غير متولدة كالبناء فهي لها أيضا إذ الظاهر أنها هي التي زادتها وهو في يدها.
متى تجب للزوجة المتعة:
في الحالات الثلاثة التي يجب فيها مهر المثل, وهي ما إذا لم يسم في عقد الزواج الصحيح مهر، أو نفي، أو سمي تسمية غير صحيحة إذا طلق الزوج زوجته أو فارقها بأي سبب من قبله قبل الدخول حقيقة أو حكما وجبت لها المتعة، وكذلك إذا تراضى مع المفوضة على فرض مهر لها بعد العقد, ثم طلقها أو فارقها بأي سبب من قبله قبل الدخول حقيقة أو حكما وجبت له المتعة.
والدليل على هذا قوله تعالى في سورة البقرة: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} أي: لا تبعة عليكم من إيجاب مهر أو نصفه إن طلقتم النساء في حين أنكم لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن، والحكمة في إيجابها أن الزوجة تستحق حقا ماليا بعد ما لحقها من الضرر بهذه الفرقة التي ليست من قبلها, وليس في العقد مهر مفروض حتى يفرض لها نصفه فأوجب الشارع لها المتعة حقا لها.
والمراد بالمتعة ما تمتع به الزوجة وتعطاه تعويضا لها عن إيحاشها بهذه الفرقة من الثياب التي تلبسها المرأة للخروج عادة, أو ما يعادلها من مال أو أي عوض، ولذا قال الفقهاء المتعة الثياب التي تكسى بها المرأة عند الخروج حسب عرف بلدها وليس معنى قولهم أن المتعة لا تكون إلا بهذا، بل كما تكون بالكسوة تكون بقيمتها أو ما يعادلها.
(1/89)

ويراعى في تقدير المتعة حال الزوج المالية يسارا أو إعسارا وتوسطا فتجب متعة الموسر أو المعسر لقوله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} ، وقيل يراعى في تقديرها حال الزوجة فقط؛ لأنها قائمة مقام نصف مهر مثلها, ومهر مثلها يراعى فيه حالها فكذلك ما قام مقامه، وقيل يراعى في تقديرها حالهما معا حتى لا يسوى بين الرفيعة والوضيعة, ولا يرهق الفقير إذا كانت مطلقته غنية، والقول الأول هو الراجح؛ لأنه صريح قول الله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} .
وعلى كل حال يشترط أن لا تزيد المتعة على مقدار نصف مهر المثل؛ لأنها قائمة مقامه ولا تنقص عن خمسة دراهم؛ لأنه أقل نصف المهر شرعا.
متى يسقط المهر ولا يجب للزوجة منه شيء:
إذا حصلت الفرقة بين الزوجين قبل الدخول حقيقة أو حكما, وكان سبب الفرقة آتيا من قبلها سقط مهرها ولا حق لها في شيء منه، فإن كانت لم تقبضه فليس لها مطالبة الزوج به، وإن كانت قبضته فعليها رده, وذلك كما إذا اختارت نفسها عند البلوغ في الحال التي لها فيها خيار الفسخ، أو ارتدت عن الإسلام، فلا تستحق شيئا من مهرها؛ لأنها هي التي فوتت على الزوج حقه وحالت بينه وبين المتعة؛ ولأنها بإقدامها على سبب الفرقة مع علمها بأنه لم يوجد ما يؤكد لها مهرها تعتبر كأنها متنازلة عنه، وباختيارها الفسخ بالبلوغ نقضت العقد من أصله فلا يستحق لها شيء، وكذلك إذا كان سبب الفرقة آتيا من قبل ولي الزوجة, كما إذا فسخ الزواج لعدم كفاءة الزوج قبل الدخول بناء على طلب الولي أو فسخ بناء على طلبه؛ لنقصان المهر عن مهر المثل فتعتبر هذه فرقة من قبل الزوجة؛ لأن وليها من قبلها.
اقتران المهر بشرط:
إذا سمي المهر مطلقا غير مقترن بشرط لأحد الزوجين أو محارمهما كان الواجب هو المسمى على ما بينا.
(1/90)

أما إذا سمي المهر وقرن به شرط فهذا له أحوال ثلاثة:
"الأولى" أن يسمي الزوج لزوجته مهرا أقل من مهر مثلها ويشترط لها على نفسه في نظير ذلك شرطا فيه منفعة، مباحة شرعا، مقصودة لها، يتوقف تحققها على فعله، سواء كانت المنفعة لشخصها أو لقريبها المحرم، كأن يكون مهر مثلها مائة, ويسمي لها ثمانين على أن لا يتزوج أو لا ينقلها من بلدها أو أن يطلق ضرتها.
ففي هذه الحالة يعتبر المهر الذي رضيت به الزوجة مجموع الأمرين القدر المسمى, والمنفعة المشروطة, فإذا وفى الزوج بالشرط فلها المسمى الذي تراضيا به، وإن لم يوف بالشرط تستحق مهر مثلها لا المسمى؛ لأن هذا المسمى لم ترض به مع نقصه عن مهر مثلها, إلا مع تحقيق المنفعة المشروطة لها، فإذا فاتت المنفعة فات رضاها بالمسمى فيجب الموجب الأصلي لكل زواج لم يتراض فيه على تسمية, وهو مهر المثل؛ لأن المنفعة كانت عوضا لها عن الفرق بين المسمى ومهر مثلها.
ولهذا إذا كان المسمى لا ينقص عن مهر مثلها فلا أثر للإخلال بهذا الشرط, كما لا يكون أثر للإخلال به إذا كان المشروط مضرة لا منفعة، كأن يتزوج عليها، أو منفعة غير مباحة شرعا كأن يسقيها خمرا، أو منفعة لأجنبي منها، ففي هذه الحالات يكون الواجب هو المسمى، فالمراد أن تكون المنفعة المشروطة مباحة مقصودة يستحق بفواتها العوض, وهو الفرق بين المسمى ومهر المثل.
"الثانية" أن يسمي الزوج لزوجته مهرا أكثر من مهر مثلها, ويشترط لنفسه عليها في نظير ذلك شرطا فيه منفعة له, كأن يكون مهر مثلها مائة ويسمي لها مائة وخمسين, على أن تكون عذراء أو سليمة من الأمراض أو بيضاء، ففي هذه الحالة إذا تحقق المشروط للزوج فعليه المسمى, وإن لم يتحقق فليس عليه إلا مهر مثلها؛ لأنه إنما رضي بالزيادة على مهر مثلها في مقابلة هذا الوصف الذي يرغب فيه, فإذا فات ما يرغب فيه فات رضاه بما زاد عن مهر المثل فلا يجب عليه إلا مهر المثل.
(1/91)

هذا إذا كان في عبارة العاقدين ما يفيد أنهما تراضيا على جعل المنفعة المشروطة لها في مقابل النقص عن مهر مثلها في الحالة الأولى, وجعل الوصف المرغوب فيه منه في مقابل الزيادة على مهر مثلها في الحال الثانية، وأما إذا شرط أحد الزوجين في العقد شرطا فيه منفعة له, ولم تجعل هذه المنفعة في مقابل نقص عن مهر المثل أو زيادة عليه بل كان اشتراطها للرضا بالزواج نفسه, لا بمقدار المهر المسمى فيه فمذهب الحنفية أنه لا أثر لهذا الاشتراط, ولا يترتب على الإخلال به شيء؛ لأن الزواج في مذهبهم لا يدخله خيار شرط ولا رؤية ولا عيب1.
ومذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه إذا شرط أحد الزوجين شرطا فيه نفع مقصود له وفات الشرط فللمشروط له خيار الفسخ؛ لأنه ما رضي بالزوجية إلا على هذا الشرط, ولا يسقط حقه في الفسخ إلا إذا أسقطه أو رضي بمخالفة الشرط، ودليله أن الرضا بالزواج إنما تم على هذا الشرط فإذا فات الشرط فات الرضا فيثبت الخيار؛ ولأن الحديث الصحيح صريح في أن أحق الشروط أن يوفى بها ما استحلت به المتعة بالزوجات.
"الثالثة" أن يسمي الزوج لزوجته مهرا على شرط ومهرا آخر على شرط آخر كأن يتزوجها على مائة, إن كانت سليمة من الأمراض وعلى خمسين إن كانت غير سليمة.
فعلى قول الصاحبين التسميتان صحيحتان, فإن كانت سليمة فلها المائة, وإن كانت غير سليمة فلها الخمسون، ووجه هذا ظاهر؛ لأنهما تم تراضيهما عليه.
وعلى قول زفر التسميتان غير صحيحتين؛ لأن المسمى مردد بين شيئين والترديد مورث للجهالة وتسمية المجهول غير صحيحة، فالواجب لها مهر مثلها لا يزيد على مائة؛ لأنها رضيت بها ولا ينقص عن خمسين؛ لأنه رضي بها.
__________
1 فيتنبه للفرق بين اقتران عقد الزواج بشرط وبين اقتران تسمية المهر فيه بشرط، ففي الأول الرضا بالزواج نفسه مشروط بهذا الشرط، وفي الثاني الرضا بالمسمى بهذا الشرط، وأما الزواج فغير مشروط به.
(1/92)

وعلى قول أبي حنيفة المسمى الأول على التقدير الأول صحيح، فإن تحقق أول الشرطين وجب المسمى له. وأما الثاني فغير صحيح؛ لأنه ورد بعد الأول الذي صح فلم يصادف محلا، فإن تحقق الشرط الثاني بأن تبين أنها غير سليمة في المثال المذكور, فالواجب لها مهر المثل لا يزيد عن مائة. والراجح قول الصاحبين1.
قبض المهر وتصرف الزوجة فيه:
قدمنا أن المهر بعد العقد يصير حقا خالصا للزوجة، فإن كانت كاملة الأهلية غير محجور عليها للسفه فهي التي تقبضه بنفسها, أو بمن توكله عنها في قبض مهرها, سواء أكانت بكرا ثيبا, ويراعى أن توكيل الثيب لأبيها أو جدها في قبض مهرها لا بد أن يكون بتصريحها. وأما البكر فيكون توكيلها بتصريحها وبسكوتها عن نهيه أن يقبض؛ لأن العادة جارية بأن ولي البكر هو الذي يقبض مهرها ويتولى تجهيزها فيكون سكوتها رضا بقبضه جريا على العرف. وأما الثيب فالمتعارف أنها تباشر شئونها بنفسها, فلا بد من إذنها له بالقبض بصريح القول أو الفعل.
وإن كانت غير كاملة الأهلية فالذي يقبض مهرها هو ولي مالها.
والولي المالي هو واحد من ستة على هذا الترتيب: الأب ثم وصيه ثم الجد ثم وصيه ثم القاضي ووصيه، وكل من الأب والجد له الولاية على نفس الصغيرة ومالها, فله تزويجها وله قبض مهرها. ومن عدا الأب والجد من الأقارب له الولاية على نفس الصغيرة فقط فله تزويجها, وليس له قبض مهرها إلا إذا كان مقاما وصيا عليها. والوصي له الولاية على مال الصغيرة فقط, فله قبض مهرها وليس له تزويجها, إلا إذا كان قريبا لها ولا يوجد أقرب منه، فمن له الولاية على النفس والمال معا
__________
1 قال في الدر: لو تزوجها على ألف إن كانت قبيحة وعلى ألفين إن كانت جميلة يصح الشرطان بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه, ووجهه عند الإمام أن الجهالة هنا غير فاحشة؛ لأنها وقت الشرط على صفة واحدة من الجمال أو القبح وجهل الزوج بصفتها لا يوجب خطرا. وفي هذا نظر.
(1/93)

يملك التزويج وقبض المهر، ومن له الولاية على أحدهما فقط لا يتعداه إلى الآخر. فإذا قبضت الكبيرة العاقلة مهرها بنفسها أو بوكيلها برئت ذمة الزوج منه. وإذا قبض مهر الصغيرة واحد ممن لهم الولاية على مالها فقبضه معتبر, وتبرأ به ذمة الزوج، وليس للصغيرة بعد بلوغها أن تطالب زوجها بشيء منه وشأنها مع وليها. وإذا قبضه واحد ممن ليست لهم الولاية على مالها فقبضه غير معتبر ولا تبرأ به ذمة الزوج، فللزوجة بعد بلوغها أن تطالب زوجها به, وهو يرجع على من أقبضه إياه. كما إذا قبض مهر الكبيرة أحد بدون توكيل منها.
وبما أن المهر يصير بعد العقد خالص حق الزوجة, فلها أن تتصرف فيه بكل التصرفات الجائزة لها شرعا, شأن كل مالك في ملكه, فلها أن تشتري به وتبيعه وتهبه لأجنبي أو لزوجها. وليس لأحد يجبرها على فوات شيء منه لزوجها أو لغيره ولو كان أباها أو أمها. وإذا ماتت قبل أن تستوفيه كان تركة لها يستوفيه ورثتها, مع مراعاة أن زوجها من ضمن ورثتها كما تقدم.
وإذا كان المهر من الأعيان التي تتعين بالتعيين كعشرة فدادين محدودة ووهبتها الزوجة لزوجها, أو وهبت له نصفها ثم طلقها قبل الدخول بها حقيقة أو حكما, فسواء كانت هبتها له بعد القبض أو قبله ليس له مطالبتها بشيء؛ لأنه بالطلاق قبل الدخول حقيقة أو حكما يستحق خمسة فدادين من هذه العشرة, وقد عاد له عين ما يستحقه وإن كان عوده من طريق الهبة.
وكذلك إذا كان المهر مما لا يتعين بالتعيين كمائة جنيه أو عشرة أرادب قمح هندي أو عشرة قناطير قطن أشموني, وقبل أن تقبضه وهبته له أو وهبت له نصفه, ثم طلقها قبل الدخول حقيقة أو حكما فليس له مطالبتها بشيء؛ لأنه بالطلاق قبل الدخول وقبل تسليمها المهر يستحق براءة ذمته من نصف المهر, وقد برئت ذمته منه فقد استوفى حقه. وأما إذا كان مما لا يتعين بالتعيين كمائة جنيه وقبضته ثم وهبته له
(1/94)

فطلقها قبل الدخول فإنه يطالبها برد نصف المهر إليه؛ لأن المائة التي أخذها بالهبة ليست هي التي أعطاها إياها مهرا, فكأنها وهبته أي مائة.
فالأصل أنه إذا عاد للزوج بالهبة من زوجته عين ما يستحقه بالطلاق قبل الدخول لا يطالب الزوجة بشيء. ولا عبرة بكونه عاد إليه من طريق الهبة وهو استحقه من طريق الطلاق قبل الدخول؛ لأن اختلاف الطريق لا يضر ما دام عين الحق قد وصل.
فلو كانت إعادته إليه لا بطريق الهبة بأن باعته له فهذا لا يؤثر في استحقاقه نصف المهر على أي حال؛ لأن الذي يسقط حقه في مطالبتها هو عود عين حقه إليه بغير عوض.
ضمان المهر:
بما أن المهر يكون بالعقد الصحيح دينا للزوجة في ذمة زوجها إن كان من النقود أو المثليات، وفي ضمانه إن كان من الأعيان القيمية فلها أن تستوثق لاستيفائه, بأخذ رهن منه تكون أحق به حتى تستوفي مهرها. أو بأخذ كفيل يضمن لها مهرها، ولا فرق بين أن يكون الزوج صغيرا أو كبيرا, وبين أن يكون الكفيل أجنبيا أو ولي أحد الزوجين.
ولهذا جعل في وثيقة الزواج الرسمية في مصر سطر خاص بالكفالة؛ ليدون فيه هل كفل أحد الزوج في المهر والنفقة أو في أحدهما أو لم يتعرض لها.
وبما أن الكفالة عقد فهي كسائر العقود تتم بالإيجاب والقبول، فإذا كفل الزوج أبوه في مهر زوجته فلا بد لصحة الكفالة ونفاذها من أن تقبلها الزوجة في مجلس إيجابها, إن كانت كبيرة عاقلة أو يقبلها عنها وليها, إن كانت صغيرة ليست أهلا للقبول. وإذا كفل أبو الزوجة الصغيرة مهرها لها قامت عبارته مقام إيجابه وقبوله لما له من الولاية عليها.
(1/95)

وبما أن الكفالة من التبرعات1؛ لأنها التزام الكفيل بأن يطالب مع الأصيل بدين على الأصيل لا عليه. والتبرعات في حالة صحة المتبرع نافذة أيا كان الشخص المتبرع له, ومهما بلغ مقدار المتبرع به. وفي حال مرض الموت حكمها حكم الوصية فإن كان المتبرع له وارثا توقف نفاذ التبرع على إجازة سائر الورثة. وإن كان غير وارث نفذ التبرع فيما يعادل ثلث تركة المتبرع وتوقف فيما زاد على إجازة سائر الورثة.
بناء على هذا إذا كفل الزوج أبوه في مهر زوجته فهو متبرع لابنه بالكفالة بهذا المهر، وإذا كفل أبو الزوجة مهرها لها فهو متبرع لبنته بها، فإذا كان الكفيل منهما في حال صحته فكفالته صحيحة نافذة غير متوقفة على إجازة أحد، وإذا كان في مرض موته فكفالته في حكم الوصية والمتبرع له وارث وهو ابنه المكفول عنه في الصورة الأولى وبنته المكفول لها في الصورة الثانية، ولهذا يتوقف نفاذ الكفالة في الصورتين على إجازة سائر الورثة مهما كانت قيمة المهر المكفول.
وأما إذا كان الكفيل أجنبيا من المكفول له أو المكفول عنه، فإن كان في حال صحته فكفالته نافذة، وإن كان في مرض موته فكفالته نافذة فيما لا يتجاوز ثلث تركته, وتتوقف على إجازة ورثته فيما زاد عنه.
ومتى تمت الكفالة كان للزوجة أن تطالب بمهرها الزوج أو الكفيل، فإذا أدى الأصيل وهو الزوج فقد برئت ذمته، وإذا أدى الكفيل رجع بما أداه على الأصيل إذا كانت الكفالة بأمره وإذنه، وإلا فلا رجوع له على الأصيل.
وإذا كان الكفيل أبا الزوج والزوج كبير فهو على هذا الأصل العام إن ضمنه بإذنه رجع عليه بما أداه وإلا فلا رجوع، أما إذا كفل الأب ابنه الصغير الفقير فليس له الرجوع عليه بالمهر الذي أداه, إلا إذا أشهد عند أدائه أنه أداه ليرجع
__________
1 إذا كانت الكفالة بغير أمر المدين وإذنه تكون تبرعا ابتداء وانتهاء, وإذا كانت بإذنه تكون تبرعا ابتداء فقط.
(1/96)

به عليه؛ وذلك لأن العادة جارية بأن الآباء يدفعون مهور أبنائهم الفقراء, فهي قرينة على أن الأب متبرع بما ضمن, فإذا أراد خلاف المعتاد فلا بد أن يشهد على ذلك، ولو مات أبو الصغير الفقير قبل أن يدفع المهر الذي ضمنه لزوجته فللزوجة أخذه من تركته, ولباقي الورثة الرجوع به في نصيب الصغير من ميراث أبيه.
وإذا لم يكفل الأب ابنه الصغير في مهره فليس للزوجة مطالبة الأب به؛ لأنه ليس مدينا ولا كفيلا، لكن إذا كان الصغير غنيا فللزوجة مطالبة أبيه بأن يدفع لها مهرها من مال الصغير المشمول بولايته ولو لم يضمن.
هلاك المهر، واستهلاكه، واستحقاقه: 1
إذا قبضت الزوجة مهرها وهلك في يدها فهو ملكها وهلاكه عليها, لا ترجع على الزوج بشيء, وكذلك إذا استهلكته هي أو استهلكه غيرها كان ضمانه على من استهلكه.
وأما إذا هلك في يد الزوج قبل أن تقبضه منه فهو ضامن لمثله أو قيمته سواء هلك من نفسه أو بفعل الزوج, إلا إذا كان هلاكه بعمل من الزوجة فإنها باستهلاكه تعتبر مستوفية له، وإذا كان هلاكه بفعل أجنبي فضمانه على من استهلكه، والزوجة بالخيار إن شاءت ضمنت هذا المستهلك وإن شاءت ضمنت زوجها, وهو يرجع على المستهلك بما أداه.
وأما إذا استحق المهر بأن تبين أن المنزل المسمى مهرا ليس ملكا للزوج, بل هو ملك غيره فسواء أكان ثبوت استحقاقه قبل القبض أو بعده فالزوج ضامن لمثله أو قيمته.
__________
1 المهر إذا كان مما لا يتعين بالتعيين فإنه بمجرد العقد الصحيح يثبت دينا للزوجة في ذمة الزوج، وإذا كان مما يتعين بالتعيين يكون بمجرد العقد الصحيح ملكا للزوجة, وفي ضمان الزوج ما بقي في يده، فأداء المهر في الحال الأولى يبرئ ذمة الزوج منه، وأداؤه في الحال الثانية يبرئه من ضمانه.
(1/97)

وإذا استحق بعضه كثلثه أو نصفه وكان المهر من المثليات أخذت الزوجة الباقي ورجعت على الزوج بمثل المستحق، وإن كان من القيميات كمنزل مثلا خيرت الزوجة بين أن تأخذ الباقي وقيمة المستحق من الزوج وتصير شريكة مع المستحق, وبين أن تأخذ قيمة المسمى كله وتترك للزوج الباقي منه ليكون هو شريك المستحق؛ لأنها لا تجبر على شركة في مهرها قد لا ترضاها.
قضايا المهر:
قضايا المهر والمنازعات بشأنه بين الزوجين أو ورثتهما ليست محصورة في مسائل معينة, فقد يكون النزاع في أن المهر المستحق بالطلاق كل المسمى أو نصفه، وقد يكون النزاع في مقدار مهر المثل ما هو، وقد يكون النزاع في أن صيغة الكفالة المدونة بالعقد تتناول المهر أو لا تتناوله، إلى غير ذلك من صور المنازعات، ولكن فقهاء الحنفية اقتصروا في هذا البحث على ذكر قضايا أربع:
"الأولى" إذا ادّعت الزوجة بعد الدخول بها حقيقة أن مهرها جميعه باق في ذمة زوجها, وأنها لم تقبض شيئا من مقدم صداقها والزوج ينكر ذلك, لا تسمع هذه الدعوى؛ لأنها دعوى يكذبها الظاهر إذ الغالب أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا بعض قبض مقدم صداقها أو شيء منه.
فإن ادّعت أنه باق لها بذمته بعض المقدم لا كله تسمع دعواها، وإن دفعها الزوج بأنه أوافها جميع المقدم فعليه إثبات ما دفع به. والمرجع في أن الظاهر يكذب دعواها أو لا يكذبها إلى العرف.
"الثانية" إذا ادّعى أحد الزوجين أنه سمي في العقد مهر تسمية صحيحة، وأنكر الآخر حصول تسمية فالبينة على من ادعى التسمية واليمين على من أنكرها، فإن أقام المدعي البينة قضي بالمسمى الذي ادعاه، وإن عجز عن إقامة البينة وطلب تحليف
(1/98)

المنكر وجهت إليه اليمين، فإن نكل عن الحلف حكم عليه بسبب نكوله؛ لأنه بمثابة اعتراف منه بدعوى المدعي، وإن حلف أنه لم تحصل تسمية حكم برفض دعوى المدعي, ويكون الواجب حينئذ مهر المثل؛ لأنه هو الموجب الأصلي لكل زواج لم يثبت حصول تسمية للمهر فيه على أن لا ينقص مهر المثل الواجب عما ادعاه الزوج, إن كان هو مدعي التسمية ولا يزيد على ما ادعته الزوجة إن كانت هي مدعية التسمية؛ لأن ادعاء واحد منهما مسمى معينا يعد رضا منه به، فالزوج راض بأن يزيد مهر المثل إلى ما ادعاه، والزوجة راضية بأن ينقص إلى ما ادعته.
وظاهر أنه إنما يكون الواجب مهر المثل إذا كان هذا النزاع في حالة تستحق فيها الزوجة المهر بتمامه, بأن كانت الزوجية الصحيحة قائمة أو حصلت فرقة, ولكن بعد وجود ما يؤكد وجوب المهر بتمامه من دخول حقيقي، أو حكمي.
وأما إذا كان النزاع بعد الفرقة وقبل وجود واحد من مؤكدات وجوب المهر بتمامه, فإنه إذا حلف المنكر ترفض الدعوى, ويكون الواجب المتعة؛ لأنها هي التي تقوم مقام نصف المهر المثل, على أن لا تنقص عن نصف ما سماه الزوج إن كان هو المدعي, ولا تزيد على نصف ما سمته الزوجة إن كانت هي المدعية.
هذا إذا كان النزاع في أصل التسمية بين الزوجين أنفسهما ومثله, ما إذا كان النزاع بين أحدهما وورثة الآخر، أو بين ورثتهما. وهذا قول الصاحبين وبه يفتى. وخالفهما الإمام فيما إذا كان النزاع بين ورثتهما وطال العهد بموت الزوجين وموت أقرانهما, فقال إنه في هذه الحال لا يمكن معرفة مهر المثل حتى نوجبه, وعلى قوله هذا إذا حلف المنكر ترفض دعوى المدعي, ولا يقضى بشيء لا بالمسمى لعدم ثبوته ولا بمهر المثل لعدم معرفته، فإن لم يتقادم عهد موتهما وأمكن معرفة مهر المثل فالإمام وصاحباه متفقون على وجوبه بعد الحلف.
(1/99)

"الثالثة" إذا اختلف الزوجان في قدر المسمى بأن ادعت الزوجة أن المهر المسمى مائة جنيه, وادعى الزوج أنه ثمانون فقال أبو يوسف: إن الزوجة تدعي الزيادة والزوج ينكرها، فإن أقامت البينة على ما ادعت قضى لها به، وإن عجزت عن البينة وطلبت تحليف الزوج وجهت إليه اليمين فإن نكل قضي بما ادعته وإن حلف قضي بالقدر الذي ذكره هو, إلا أن يكون قدرا أقل من مهر مثلها بحيث يستنكر عادة أن يسمى لمثلها فيحكم مهر المثل.
وقال الطرفان: إن كل واحد منهما مدع ومنكر, فالزوج يدعي أن مهرها ثمانون وينكر دعواها في زيادة العشرين, وهي تدعى عليه بالعشرين وتنكر أن له الحق في إدخالها في طاعته حتى تتسلمها.
وإذا كان كل منهما مدعيا فمن أقام منهما بينة على دعواه قضي له، وإن أقاما بينتين فإن كان مهر المثل يشهد لإحدى البينتين كانت مرجوحة, والبينة الأخرى التي لا يشهد لها مهر المثل راجحة.
ففي المثال المذكور إذ أقام الزوج بينة على أن المسمى ثمانون وأقامت هي بينة على أنه مائة, فإن كل مهر مثلها ثمانين أو ستين أو أقل رجحت بينتها هي وقضي لها بالمائة, وإن كان مهر مثلها مائة أو مائة وعشرين أو أكثر رجحت بينته هو وقضي بالثمانين.
وقالوا في تعليل هذا إن البينات شرعت لإثبات خلاف الظاهر, والظاهر هنا مهر المثل فالبينة التي تخالفه راجحة1.
__________
1 وفي هذا التعليل نظر؛ لأن كون البينات شرعت أصلا لإثبات خلاف الظاهر لا يقتضي أن وجود قرائن وشواهد تعضدها يجعلها مرجوحة, ويجعل الأخرى التي تكذبها القرائن والشواهد راجحة, مع أن الظاهر قد يكون وحده شهادة فكيف إذا أيد بينة يضعفها.
(1/100)

وإذا كان مهر المثل لا يشهد لإحدى البينتين بأن كان تسعين في المثال المذكور أي: أكثر مما قال وأقل مما قالت فلا مرجح لإحدى البينتين المتعارضتين, فتسقطان ويقضى بمهر المثل.
وإن لم يكن لأحدهما بينة فالقول لمن يشهد له مهر المثل بيمينه، فإن شهد للزوج وجهت إليه اليمين بطلبها، وإن شهد للزوجة وجهت إليها اليمين بطلبه، فمن نكل قضي عليه بما ادعاه خصمه، ومن حلف قضي له بما ادعاه. وإن كان مهر المثل لا يشهد لواحد منهما تحالفا أي: وجهت اليمين إلى كل منهما ليحلف على نفي دعوى صاحبه، فإن حلفا جميعا قضي بمهر المثل، وإن نكل أحدهما قضي عليه بما ادعاه خصمه، ويبدأ بتحليف الزوج.
والعمل في المحاكم الشرعية المصرية بمذهب أبي يوسف فقد جاء في المادة 16 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ما نصه:
"إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر فالبينة على الزوجة، فإن عجزت كان القول للزوج بيمينه إلا إذا ادعى ما لا يصح أن يكون مهرا لمثلها عرفا فيحكم مهر المثل، وكذلك الحكم عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر أو بين ورثتهما" والأخذ بقول أبي يوسف في هذا أعدل وتطبيقه قضاء أيسر؛ لأن تحكيم مهر المثل وترجيح البينة التي لا يشهد لها قد يكون متعذرا في بعض الحالات.
"الرابعة" إذا أعطى الخاطب مخطوبته أو أعطى الزوج زوجته قبل الدخول بها أو بعده شيئا من النقود أو الحلي أو الثياب أو الطعام أو غيرها, ولم يعين وقت إعطائه أنه هدية أو من المهر، ثم اختلفا فادعت هي أنه هدية وادعى هو أنه من المهر، فإن أقام أحدهما بينة على ما ادعاه قضي له, وإن أقاماها جميعا رجحت بينتها؛ لأنها تثبت خلاف الظاهر, إذ الظاهر أن المعطي أعطى ليؤدي الواجب عليه، فإن الإنسان يعمل أولا على تخليص ذمته مما عليه ثم يهدي
(1/101)

ويتبرع، وإن عجزا عن إقامة البينة فالقول لمن يشهد له العرف بيمينه، فإن كان العرف جاريا بأن هذا المعطى يعتبر هدية فالقول فيه للمرأة بيمينها، وإن كان لم يتعارف بأنه هدية فالقول فيه للرجل بيمينه، وإن لم يكن عرف فالقول للرجل بيمينه؛ لأنه هو المعطي وإليه المرجع في بيان على أي وجه كان الإعطاء، لكن إذا كان ما أعطاه مما يستنكر أن يكون مهرا كطعام مهيأ للأكل من سمك أو شواء ونحوه فلا يكون القول فيه, وتصدق فيه هي بيمينها؛ لأن الظاهر أن مثل هذا من الهدايا.
وفي كل موضع يثبت فيه أن المعطى مهر سواء كان ثبوته بالبينة أو اليمين، فإن كان هذا المعطى موجودا في يد الزوجة فهي بالخيار إن شاءت احتسبته من مهرها واستوفت ما بقي لها منه, وإن شاءت ردته واستوفت مهرها كاملا، وإن كان قد هلك في يدها أو استهلك احتسب عليها بقيمته واستوفت الباقي لها من مهرها إن بقي لها منه شيء.
وإذا عدل الخاطب عن الخطبة بعد أن قدم لمخطوبته نقودا أو حليا أو ثيابا أو طعاما أو غير ذلك فما تبين أنه قدمه على أن يكون من المهر يسترده بنفسه إن كان قائما ويسترد مثله أو قيمته إن كان هالكا أو مستهلكا؛ لأنه قدمه على أنه واجب ولم يجب، وما تبين أنه قدمه هدية يسترده إن كان موجودا على حاله، وأما إن هلك أو استهلك فلا يسترد بدله أي شيء, وكذلك إذا منع من الرجوع فيه مانع مما يمنع رجوع الواهب في هبته.
الجهاز ومتاع البيت:
إذا اشترى الأب جهازا لبنته من ماله فهو متبرع لها بما اشتراه، فإن كانت كبيرة فلا تملكه إلا إذا تسلمته؛ لأن الأب متبرع بالشراء لها والتبرع لا يفيد الملك إلا بالقبض، ومتى تسلمته وملكته فليس لأبيها ولا لغيره أن يسترده أو شيئا منه؛ لأن الهبة للقريب المحرم لا يصح الرجوع فيها.
(1/102)

وأما إذا كانت صغيرة فإنها تملكه بمجرد الشراء لها؛ لأنها في ولايته ويده يدها، ومتى صار ملكا لها بالشراء فليس لأبيها ولا لغيره استرداد شيء منه؛ لأنه هبة للقريب المحرم.
وبما أن هذا تبرع من الأب أفاد التمليك بالتسليم في الحال الأولى أو بمجرد الشراء في الحال الثانية، فإن كان الأب في حال صحته وقت التسليم لابنته الكبيرة, أو وقت الشراء لابنته الصغيرة ملكت كل واحدة منهما ما تبرع به لها أبوها ملكا نافذا غير متوقف على إجازة أحد شأن كل تبرع يصدر من صحيح أهل للتبرع، وإن كان الأب وقت التسليم للكبيرة أو الشراء للصغيرة مريضا مرض الموت توقف نفاذ تبرعه على إجازة سائر ورثته؛ لأن التبرع في مرض الموت في حكم الوصية والوصية لوارث لا تنفذ إلا بإجازة سائر الورثة أيا كان مقدار المتبرع به.
وبما أن الجهاز يصير بالتسليم أو الشراء ملكا لابنته, فلو كان باقيا من ثمنه شيء فهو عليه هو, يطالب به في حياته ويستوفى من تركته بعد مماته, وليس لورثته الرجوع على البنت بشيء.
والجهاز ملك خالص للزوجة سواء اشترته بمالها أو اشتراه لها أبوها من ماله ولا حق للزوج ولا لأحد غيره فيه، ولا تجبر على استعماله لزوجها أو لأحد من ضيوفه، وإذا رضيت هي أن ينتفع به كان له الانتفاع, وإذا لم ترض كان عليه أن يعد مسكنه إعدادا شرعيا, ويجعله مستكملا كل ما يلزمه من فرش وأدوات، وهي أيضا لا تجبر على أن تجهز نفسها لا من مهرها ولا من غيره، فلو زفت بجهاز قليل لا يتناسب مع المهر الكثير الذي دفعه الزوج, أو بلا جهاز أصلا فليس له مطالبتها ولا مطالبة أبيها بشيء, ولا نقص شيء من المهر الذي تراضيا عليه، وإن بالغ الزوج في زيادته رغبة منه في كثرة الجهاز؛ لأن المهر حق تستحقه الزوجة في مقابلة تمليكه حق المتعة بها لا في مقابلة جهاز تزف إليه به.
(1/103)

قضايا الجهاز وأثاث البيت:
قضايا الجهاز والأثاث ليست محصورة، فقد يقع النزاع بشأن امتناع الزوج عن تسليم أعيان الجهاز أو بعضها لزوجته، وقد يقع النزاع بشأن قيمة هذه الأعيان إذا استهلكت، وقد يكون في غير ذلك، ولكن الفقهاء هنا اقتصروا على ذكر قضيتين اثنتين:
"الأولى" إذا جهز الأب بنته من ماله وزفها إلى زوجها بجهاز ولم يصرح بأنه ملّكها هذا الجهاز, أو أعاره إياها ثم ادعى هو أو أحد ورثته بعده أن أعيان الجهاز التي زفت بها أو بعضها كانت عارية لا ملكا للزوجة, وطلب الحكم بردها فادعت الزوجة أو زوجها بعد وفاتها أن هذه الأعيان كانت ملكا لا عارية ولا حق للأب أو ورثته في استردادها، فمن حيث إن كان واحد من المتداعيين مدع، فمن أقام منهما بينة على دعواه قضي له سواء أكان بحجة غير معارضة، وإن كان لكل منهما بينة رجحت بينة من يثبت خلاف الظاهر؛ لأن البينات لإثبات خلاف الظاهر، والظاهر هنا هو العرف فإن كان العرف يشهد أن مثل هذه الأعيان المتنازع فيها يجهز الأب بها ابنته تمليكا لها رجحت بينة مدعي الإعارة, وهو الأب أو ورثته بعده، وإن كان العرف يشهد بأنها تجهز بها إعارة رجحت بينة مدعي التمليك وهو الزوجة أو زوجها بعدها، وإن كان العرف مشتركا لا يشهد لواحد منهما ولا عليه رجحت بينة الأب أو ورثته؛ لأن الأب هو الذي أعطى الجهاز وجهة الإعطاء تعلم منه وورثته خلفاؤه يعلمون جهة تصرفاته.
وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالقول لمن يشهد له الظاهر بيمينه، فإن كان الظاهر وهو العرف يشهد أن مثل هذه الأعيان تسلم إعارة فالقول للأب أو ورثته باليمين، وإن كان يشهد بأنها تسلم تمليكا فالقول للزوجة أو الزوج باليمين، وإن كان العرف مشتركا لا يشهد لواحد منهما ولا عليه فالقول للأب أو ورثته باليمين, لما قدمناه من أنه هو المعطي وإليه المرجع في بيان جهة الإعطاء؛ ولأن ورثته من
(1/104)

بعده هم خلفاؤه ... وكذلك يكون القول للأب أو ورثته باليمين إذا كانت أعيان الجهاز أكثر مما تجهز به مثل هذه الزوجة عادة؛ لأن كثرته عن جهاز أمثالها ظاهر يشهد للأب بأنه أعار ولم يملك.
والأم والجد كالأب في ذلك النزاع؛ لأن العرف يحكم بأن تجهيز الأم لبنتها والجد لبنت ابنه كتجهيز الأب لابنته؛ لأنهما يقومان مقامه.
"الثانية" إذا اختلف الزوجان في أثاث البيت الذي يسكنانه, فادعى الزوج أنه له وادعت الزوجة أنه لها فمن حيث إن كلا منهما مدع, فمن أقام البينة قضي له, سواء كان الاختلاف حين قيام الزوجية أم بعد حصول فرقة، وسواء كان البيت الذي يسكنان فيه ملكا لأحدهما أم مستأجرا، وسواء شهد الظاهر لمن أقام البينة أم خالفه؛ لأن بينته أثبتت دعواه. وإن كان لكل منهما بينة رجحت بينة من يثبت خلاف الظاهر؛ لأن البينات كما قدمنا لإثبات خلاف الظاهر. والظاهر هنا هو صلاحية الشيء المتنازع فيه لأيهما, فإن كان يصلح له خاصة كثيابه الخصوصية أو أدوات الرسم لمهندس أو العيادة لطبيب رجحت بينتها، وإن كان يصلح لها خاصة كثيابها الخصوصية وأدوات زينتها رجحت بينته, وإن كان يصلح لهما كالسرر والبسط والأواني, فلا مرجح لإحدى البينتين, والقول قول الزوج بيمينه؛ لأن يده على البيت وما فيه ظاهر يشهد له بلا معارض. وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالقول لمن يشهد له الظاهر بيمينه، فما يصلح للرجال خاصة القول فيه للزوج بيمينه، وما يصلح للنساء خاصة القول فيه للزوجة بيمينها, وهذا بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه.
وأما ما يصلح لهما ففيه خلاف. قال الطرفان: يكون القول فيه للزوج بيمينه؛ لأنه صاحب اليد وظاهر يده شاهد له. وقال أبو يوسف إن العادة جارية بأن الزوجة تزف إلى زوجها بشيء من الجهاز ولو قليلا, ويندر أن تزف الزوجة بلا جهاز أصلا, فهذه الأعيان الصالحة لهما من سرر وفرش وأوان وشبهها لا بد أن تكون
(1/105)

الزوجة حسب الغالب زفت إلى زوجها بشيء منها, فيجعل لها من هذه الأعيان قدر ما تجهز به عادة, ويكون القول لها فيه بيمينها عملا بشهادة العادة الغالبة، وما زاد عن ذلك يكون القول فيه للزوج بيمينه عملا بشهادة اليد. وأبو يوسف لم يفرق بين ما إذا كان الاختلاف في الصالح لهما بين الزوجين أنفسهما أو بين أحدهما وورثة الآخر, فجعل القول للزوجة أو ورثتها باليمين في قدر ما تجهز به عادة وجعل القول للزوج أو ورثته باليمين فيما زاد. ومحمد لم يفرق أيضا فجعل القول في الحالين للزوج أو ورثته باليمين؛ لأنه صاحب اليد ورثته خلفاؤه. وأبو حنيفة فرق فقال: إذا كان الاختلاف في الصالح لهما بين الزوجين أنفسهما فالقول للزوج بيمينه؛ لأنه صاحب اليد وحده، وإذا كان بين أحدهما وورثة الآخر فالقول للحي منهما بيمينه سواء كان الزوج أو الزوجة؛ لأن يد الحي منهما ظاهر شاهد له.
(1/106)

2- نفقة الزوجة:
تعريفها ودليل وجوبها على الزوج: نفقة الزوجة هي ما تحتاج إليه من طعام وكسوة ومسكن وفرش وخدمة, وكل ما يلزم لمعيشتها حسب المعروف، وهي حق واجب لها على زوجها لقوله تعالى في سورة البقرة: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} وقوله عز شأنه في سورة الطلاق: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} . وقوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم في صحيحه: " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله, واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف".
سبب استحقاقها: تستحق الزوجة النفقة على زوجها جزاء احتباسها وقصرها عليه لحقه ومنفعته؛ وذلك لأن موجب عقد الزواج الصحيح أن تصير الزوجة مقصورة على زوجها لا يحل لغيره أن يستمتع بها صيانة لنسب أولاده عن الاختلاط، وأن تجب عليها طاعته والقرار في بيته للقيام بواجباته، وإذا كانت
(1/106)

الزوجة محتسبة على الزوج لحقه وواجبه فنفقتها واجبة عليه, عملا بالأصل العام "كل من احتبس لحق غيره ومنفعته فنفقته على من احتبس لأجله" فهي واجبة على الزوج في مقابل ما له من الحقوق ولهذا تستحق النفقة الزوجة المسلمة والكتابية والغنية والفقيرة؛ لأن سبب الاستحقاق وهو الاحتباس متحقق فيهن جميعا, ولو كان السبب هو الصلة ما استحقتها الزوجة المخالفة في الدين, ولو كان السبب هو سد الحاجة ما استحقتها الزوجة الغنية، وتجب النفقة على الزوج الغني والفقير؛ لأنه بالعقد يثبت له الحق عليها, وتستحق من حين تمام العقد؛ لأنه من حين تمامه تثبت له الحقوق عليها فيجب لها عليه واجبها ما دام لم يفت عليه حقه.
شروط استحقاقها:
إذا تحقق بالعقد الصحيح سبب استحقاق النفقة وهو الاحتباس يشترط لترتيب المسبب عليه وهو جوب النفقة أمران: أحدهما أن يكون الاحتباس موصلا للغرض الأول المقصود من الزواج, وهو المتعة بالمباشرة الجنسية ودواعيها، فإن كانت الزوجة طفلة لا تشتهى للمباشرة الجنسية ولا لدواعيها فاحتباسها كعدمه، وثانيهما أن لا يفوت على الزوج حقه وواجبه من هذا الاحتباس بسبب ليس من قبله، فإن فات عليه ما يستحقه من هذا الاحتباس, وكان تفويته عليه من غيره فهو احتباس كعدمه، وتفصيل هذين الشرطين يتبين فيما يأتي:
من تستحق النفقة من الزوجات ومن لا تستحقها: مما قدمنا في بيان سبب استحقاق النفقة وشرطه يؤخذ أن التي تستحق النفقة من الزوجات هي الزوجة التي تم عقد زواجها صحيحا شرعا، وكانت صالحة للمعاشرة الزوجية ولو لمجرد المؤانسة، ولم يفت على زوجها حقه في احتباسها بغير مبرر شرعي، فاللازم توفره لوجوب النفقة للزوجة على زوجها أمور ثلاثة:
"الأول" أن تكون زوجة بعقد زواج صحيح شرعا، فالزوجة بعقد زواج فاسد. والمدخول بها بناء على شبهة لا تجب لواحدة منهما نفقة؛ لأن الزواج الفاسد والدخول
(1/107)

بشبهة لا يجعل للزوج حق احتباس زوجته، بل الواجب على الزوجين الافتراق رفعا للفساد، وإذا لم يثبت حق الاحتباس للزوج لا تستحق الزوجة النفقة لعدم توفر سبب استحقاقها، حتى لو حكم بنفقة للزوجة زواجا فاسدا قبل ظهور الفساد, ثم أداها الزوج تنفيذا للحكم كان له بعد ظهور فساد العقد أن يسترد ما أداه. وأما لو أنفق عليها بغير حكم فهو متبرع وليس له استرداد ما أنفق.
"الثاني" أن تكون الزوجة صالحة لمتعة الزوج ولو بالمؤانسة فقط, ولتحقيق أغراض الزوجية وواجباتها بأن تكون الزوجة كبيرة أو صغيرة تشتهي للأزواج، فإن كانت صغيرة دون سبع سنين لا تشتهي للأزواج بأي حال فلا نفقة لها؛ لأن احتباسها كعدمه حيث لا يوصل إلى الغرض المقصود من الزواج.
وقال أبو يوسف: إذا استبقى الزوج هذه الصغيرة في بيته وأمسكها للاستئناس بها, وجبت لها النفقة لرضاه هو بهذا الاحتباس الناقص، وإن لم يمسكها في بيته فلا نفقة لها، وهذا القول هو المفتى به.
واختلف في الزوجة المريضة مرضا يمنعها من مباشرة الزوج لها, هل تستحق معه النفقة على زوجها أو لا تستحقها؟ والقول المفتى به أنها تستحق النفقة عليه مطلقا سواء مرضت عنده بعد زفافها إليه, أو مرضت في بيت أبيها ولم تمتنع من الانتقال إليه؛ لأن المرض طارئ وقتي كالحيض والنفاس, وليس من حسن المعاشرة الزوجية أن يكون طروء هذا الطارئ مفوتا ما يجب لها من النفقة فلا فرق بين الصحيحة والمريضة, على المفتى به الجاري عليه العمل.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا مرضت قبل زفافها وانتقالها إلى منزل زوجها فلا نفقة لها ما دامت مريضة, ولم تنتقل إلى منزله، وإن زفت إليه وهي مريضة فحكمها حكم الصغيرة التي لا تشتهى, إن أمسكها في بيته فلها النفقة وإن لم يمسكها فلا نفقة لها، وإن زفت إليه سليمة ثم مرضت في بيته فلها النفقة سواء بقيت مدة مرضها في بيته أو عادت إلى بيت أهلها بإذنه.
(1/108)

ومثل المريضة المعيبة بعيب نسائي يمنع من مباشرة الزوج لها فالقول المفتى به لها النفقة مطلقا. وعلى ما روي عن أبي يوسف هي على التفصيل في المريضة؛ لأن هذا العيب ليس إلا نوعا من المرض.
"الثالث" أن لا يفوت على زوجها حقه في احتباسها بغير مبرر شرعي, وبسبب ليس من قبله.
فالزوجة الناشزة لا نفقة لها، والناشزة هي التي خرجت من بيت زوجها بلا إذنه بغير وجه شرعي، أو امتنعت عن الانتقال إليه بغير حق، أو منعته من الدخول عليها في بيتها المقيم معها فيه, ولم تكن سألته النقلة فأبى.
ففي كل حالة من هذه الحالات الثلاث تكون الزوجة ناشزة, أي: مستعصية عليه وخارجة عن طاعته ومفوتة حقه في الاحتباس فلا تستحق النفقة؛ لأنها واجب في مقابلة حق, وما دامت ناشزة فلا حق لها في النفقة، فإن أقلعت عن نشوزها استحقت النفقة من حين إقلاعها عن نشوزها.
وكذلك الزوجة المحبوسة في جريمة أو دين أو ظلما لا تستحق النفقة مدة حبسها؛ لأنها فوتت عليه حقه فيفوت عليها واجبها إلا إذا كان هو الذي حبسها في دين له؛ لأنه هو الذي فوت حقه.
وكذلك الزوجة التي غصبها غاصب وحال بينها وبين زوجها لا تستحق النفقة عليه مدة غصبها؛ لأن الغصب سبب ليس من قبله, وقد فوت عليه حقه في الاحتباس كحبسها ظلما.
وكذلك الزوجة المسافرة ولو لأداء فريضة الحج مع محرم لها لا تستحق نفقة مدة سفرها. لكن إذا حجت مع زوجها نفسه استحقت نفقة الحضر لا نفقة السفر.
وكذلك الزوجة المحترفة التي تخرج نهارا لحرفتها إذا منعها زوجها فلم تمتنع لا تستحق نفقة.
(1/109)

والعلة في هذا كله أن نشوزها وحبسها وغصبها وسفرها واحترافها فيه تفويت لحق زوجها في احتباسها بغير وجه شرعي، فلو كان تفويتها حقه لوجه شرعي, كما إذا خرجت من طاعته؛ لأن المسكن ليس شرعيا، أو لأن الزوج غير أمين على نفسها أو مالها، أو امتنعت من الانتقال إلى منزله؛ لأنه لم يوفها عاجل صداقها ولو بعد الدخول بها، فلا تعد في هذه الأحوال ناشزة وتجب لها النفقة. وقال الصاحبان إذا سلمت الزوجة نفسها إلى زوجها برضاها قبل أن تأخذ معجل صداقها أو ما بقي منه فليس لها بعد ذلك أن تمتنع عن تسليم نفسها إليه لاستيفائه، وإذا امتنعت تكون ناشزة ولا نفقة لها1، وتجب لها النفقة أيضا إذا كان فوات حقه في احتباسها بسبب من قبله هو, بأن كان مريضا مرضا يمنعه من مباشرة النساء، أو معيبا بعيب كذلك كعنة وجبّ وخصاء أو محبوسا في جريمة ارتكبها أو دين ماطل في أدائه، ففي هذه الأحوال هو الذي فوّت حقه على نفسه, فتبقى نفقتها واجبة عليه.
فالخلاصة أن الزوجة بعقد صحيح إذا فات على زوجها حقه في احتباسها بغير وجه شرعي لا تجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك، وإن لم يفت عليه حقه أصلا، أو فوتته هي عليه بمبرر شرعي، أو فوته هو على نفسه بسبب من قبله فنفقتها واجبة عليه.
واختلف في سفر الزوج بزوجته إلى بلد غير البلد الذي كانت تقيم معه فيه, هل هو حق للزوج بحيث إذا أبت أن تسافر معه تعد مفوتة حقه في احتباسها بغير حق, فلا تجب لها النفقة أو ليس حقا له إذا كان السفر بعيدا, بحيث إذا امتنعت لا تكون ناشزة، وأصح الأقوال أن للزوج أن ينقل زوجته إلى أي بلد قريبة أو بعيدة متى كان مأمونا على نفسها ومالها، وأوفاها معجل صداقها ولم يقصد بنقلها الكيد لها والإضرار بها، فإذا أبت أن تسافر مع زوج هذه حاله فهي ناشزة ولا نفقة لها ما دامت
__________
1 وعلى قول الصاحبين سارت بعض المحاكم الشرعية المصرية، وهذا حسن في بعض قضايا يكون الدفع فيها لعدم استيفاء مقدم الصداق جميعه ليس الغرض منه إلا الخروج عن طاعة الزوج والكيد له.
(1/110)

كذلك فإن كان غير مأمون على نفسها أو مالها أو كان قاصدا المضارة بنقلها, أو لم يوفها معجل صداقها, فلا يعد امتناعها عن السفر معه في هذه الحال نشوزا وتجب لها النفقة، وهذا هو ما عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية الآن.
تقدير النفقة:
نفقة الزوجة تشمل طعامها وكسوتها ومسكنها وخدمتها وكل ما يلزم لمعيشتها حسب المعروف كما قدمنا.
وما دامت الزوجية قائمة والزوج معاشر زوجته فهو الذي يتولى الإنفاق عليها, ويجيئها بما فيه كفايتها من طعام وكسوة وغيرهما، وما دام متوليا هذا الإنفاق وقائما بالواجب فليس للزوجة طلب فرض نفقة.
فإذا شكت مطله في الإنفاق, وأنه تاركها بلا نفقة بغير حق وطلبت فرض نفقة لها بأنواعها الثلاثة: الطعام والكسوة والمسكن وثبت ذلك, فرض لها القاضي النفقة بأنواعها, وأمر الزوج بأداء ما فرض لها, ويصح أن تكون النفقة المفروضة أصنافا بأن يفرض على الزوج أن يرتب لطعامها مقادير معينة من خبز ولحم وخضر وما يستلزمه طعامها. ويرتب لكسوتها شتاء ثيابا معينة وصيفا كذلك. ويصح أن يفرض لها بدل طعامها وكسوتها نقودا, وهي تشتري بها ما يلزمها.
أساس تقدير النفقة: يراعى في تقدير النفقة بأنواعها أمران:
"أولهما" حال الزوج المالية حين فرضها, فإن كان موسرا فرضت لها نفقة اليسار, ولو كانت هي معدمة، وإن كان معسرا فرضت لها نفقة الإعسار, ولو كانت هي ثرية، وإن كان متوسط الحال فنفقة الوسط، وهذا هو الجاري به العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية تطبيقا للمادة 16 من القانون رقم 25 سنة 1929، ونصها: "تقدر نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا وعسرا مهما كانت حال الزوجة". وهو مذهب الشافعي, وقول صحيح في مذهب الحنفية. وأما القول الآخر في مذهب الحنفية وهو الذي كان عليه العمل قبل سنة 1929 فهو أن النفقة
(1/111)

تقدر بحسب حال الزوجين معا، فإن كانا موسرين فنفقة اليسار، وإن كانا معسرين فنفقة الإعسار، وإن كانا مختلفين فنفقة الوسط، ويؤمر الزوج المعسر بأداء ما في وسعه، والزائد دين عليه إلى الميسرة.
ولكن ما عليه العمل الآن هو صريح القرآن الكريم في قوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} وقوله عز شأنه: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} .
"وثانيهما" غلاء الأسعار ورخصها حين الفرض؛ لأن المفروض إنما هو ثمن لشراء حاجيات، والأثمان تختلف باختلاف الأسعار.
فإذا تغيرت الأسعار عن وقت الفرض إلى زيادة، أو تحسنت حال الزوج المالية عما كانت عليه حين الفرض كان للزوجة أن تطلب زيادة نفقتها.
وإذا تغيرت حال الأسعار إلى نقص، أو حال الزوج المالية إلى أسوأ كان للزوج أن يطلب تخفيض النفقة.
ولا يلزم أن تفرض النفقة شهرية بل يصح أن تفرض يومية إذا كان الزوج من العمال الذين يقتضون أجرتهم يوما فيوما وطلب ذلك، وأن تفرض أسبوعية أو سنوية على حسب ما هو ميسر للزوج. وتعطى نفقة أية مدة مقدما حتى تستطيع الزوجة قضاء حاجاتها منها.
والجاري عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية فرض بدل طعامها شهريا وبدل كسوتها عن ستة شهور, على اعتبار أنها تحتاج في السنة إلى كسوتين واحدة للصيف وأخرى للشتاء. وبعض القضاة يفرض مبلغا شهريا لطعامها وكسوتها وسكنها بدون تفصيل, مراعيا أن فيما يفرضه كفاية لها في الأنواع الثلاثة حسب حال زوجها.
(1/112)

وإذا تبين بعد فرض النفقة أن التقدير كان خطأ لا يقوم بكفاية الزوجة حسب حال زوجها؛ لأن ما فرض لطعامها لا يسد حاجتها, وما فرض لكسوتها كذلك مع أنها لم تستعمل ثيابها غير الاستعمال المعتاد, عدّل القاضي المفروض لطعامها وكسوتها تعديلا يتفق وكفايتها مع رعاية حال الزوج.
والمسكن الذي يهيئه الزوج لزوجته ويجب عليها أن تطيعه فيه, بحيث إذا امتنعت من الطاعة فيه تعتبر ناشزة هو المسكن اللائق لحالة الزوج المالية, سواء كان منزلا مستقلا أو شقة في منزل أو حجرة من شقة حسب ميسرة الزوج, بشرط أن يكون خاليا من أهله وأهلها, وفيه المرافق الشرعية, وبين جيران صالحين تأمن فيه على نفسها ومالها، فإذا أعد لها مسكنا مستكملا هذه الشروط فقد قام بما يجب عليه.
وليس له أن يجبرها على إسكان أحد معها في مسكنها من أهله وأولاده من غيرها, سوى ولده الصغير غير المميز، كما أنها ليس لها أن تسكن معها أحدا من أهلها وأولادها من غيره, ولا ولدها الصغير غير المميز، والغرض من هذا منع إضرار واحد منهما بصاحبه وتوفير أسباب الراحة لهما.
وإذا كان في منزل شقق متعددة أو في دار بيوت متعددة والزوجة تسكن في إحداها، وللزوج قريبات كأمه وأخته وبنته تسكن في الأخرى, فليس لها أن تطلب النقلة إلى مسكن آخر, إلا إذا آذينها بفعل أو قول. وأما إذا كان في الشقة الأخرى من المنزل أو في البيت الآخر من الدار ضرتها فلها أن تطلب النقلة إلى مسكن آخر بعيد عنها مطلقا؛ لأن مجرد وجود الضرة إيذاء لها1.
وإذا لم يهيئ الزوج هذا المسكن الشرعي فرض القاضي عليه بدل سكناها, مراعيا حاله وأجور المساكن وأمره بأدائه لها.
__________
1 ذكر ابن عابدين أن المسكن يراعى فيه العرف, وأن على المفتي أن ينظر إلى حال أهل زمانه وبلده, فمن الناس من لا يسكنون في بيت من دار مشتملة على أجانب فيلزمون بدار من بابها, ومنهم من يسكنون بالزوجة في بيت من دار ولو مع أحمائها وضرتها, فينبغي مراعاة حال الأزواج واختلاف الزمان والمكان.
(1/113)

وإذا كان الزوج معسرا فلا تجب عليه نفقة خادم؛ لأن الواجب على المعسر نفقة الكفاية, وهي تكتفي بخدمة نفسها، وإذا كان موسرا وجبت عليه نفقة ما تحتاج إليه من خادم أو أكثر, حسب يساره وحاجتها متى كان هذا الخادم مملوكا لها ومتفرغا لخدمتها، وفلو لم يكن لها خادم مملوك لا يلزمه إحضار خادم يخدمها بل يلزمه أن يحضر لها ما تحتاجه.
نفقة زوجة الغائب:
إذا طلبت الزوجة فرض نفقة لها على زوجها الغائب فرض لها ولا تمنع غيبة الزوج من القضاء عليه بنفقة زوجته.
وإذا كان لهذا الغائب مال من جنس النفقة كالغلال والنقود, وكان هذا المال في يد الزوجة فرض القاضي لها النفقة, وأمرها بأخذ المفروض لها مما في يدها من ماله.
وإن كان مال الزوج الغائب الذي هو من جنس النفقة وديعة عند أحد أو دينا في ذمة أحد, وطلبت الزوجة فرض نفقة لها على زوجها وأمر المودع أو المدين بأداء المفروض لها, فإن كان كل من المودع أو المدين معترفا بالزوجية وبالوديعة أو الدين فرض القاضي النفقة, وأمر المودع أو المدين بأداء المفروض لها؛ لأنه معترف بأن لها حقا فيما عنده للغائب. وإن كانا غير معترفين بهما أو بأحدهما والقاضي يعلم ما أنكره فرض وأمر بالأداء أيضا إعانة لصاحبة الحق على وصلها إلى حقها. وإن كان كل منهما غير معترف بالزوجية ولا بالوديعة أو الدين ولا علم للقاضي بهما تسمع الدعوى من الزوجة وتطلب منها البينة على ما أنكر، فإذا أقامتها قضي لها بالنفقة وأمر المنكر بالأداء. وهذا قول زفر المفتى به, ووجهه أن القضاء هنا هو بمجرد النفقة سدا لحاجة الزوجة ولا ضرر فيه على الزوج؛ لأنه يحتاط لحقه بأخذ كفيل منها بما أخذت، وتحليفها اليمين على أنها تستحقه. وله المعارضة بعد عودته ودفع دعواها بما يبطلها.
وقال الإمام وصاحباه لا تسمع دعواها على المودع أو المدين عند إنكارهما الزوجية والوديعة أو الدين؛ لأنه ليس واحد منهما خصما لها في إثبات ما أنكره؛ لأن
(1/114)

إثبات الوديعة أو الدين يكون من المودع أو الدائن. وإثباتها الزوجية يكون في مواجهة الزوج، وإذا لم تكن خصومة فلا تسمع الدعوى.
وفي كل موضع يقضى على الغائب بنفقة لزوجته يحتاط القاضي لحقه, بأخذ كفيل من الزوجة يكون ضامنا لما أخذته إن تبين أنها لا تستحقه، وبتحليفها اليمين على أنها تستحق نفقة عليه.
وللغائب بعد عودته أن يعارض في الحكم, ويدفع دعواها بما يبطلها, كأن يدفعها بأنها مطلقة انقضت عدتها أو ناشزة, أو أنه ترك لها قبل غيبته ما تنفق منه على نفسها. وإذا أثبت ما دفع به بالبينة, وتقرر قبول الدفع ونقض الحكم المعارض فيه, فله الرجوع على زوجته أو كفيلها بما أخذت من ماله بغير حق.
هذا إذا ترك الغائب مالا من جنس النفقة. أما إذا ترك ما لا ليس من جنس النفقة, بأن كان ماله عقارات مثلا فلا يباع شيء من عقاراته تنفيذا لنفقتها، بل تكون نفقتها في أجرة ما يؤجر منها؛ لأن مال المدين لا يباع في دينه عند الإمام مطلقا، ولا يباع عند الصاحبين إلا إذا امتنع من أدائه، ومع الغيبة لم يثبت امتناع.
وإذا لم يترك مالا أصلا لا من جنس النفقة ولا من غيره قضى القاضي لها بالنفقة وأمرها أن تستدينها, وتجب الإدانة على من تجب عليه نفقتها من أقاربها لو لم تكن متزوجة. ولو طلبت تطليقها منه لإعساره لا تجاب إلى طلبها؛ لأن إعسار الزوج سواء كان غائبا أو حاضرا ليس مسوغا لتطليق زوجته منه؛ لأن اليسر عرض يزول والمال غاد ورائح.
هذا هو مذهب الحنفية وهو ما كان عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية قبل صدور القانون 25 سنة 1920 أم بعد صدرو هذا القانون فقد قضت المادة الخامسة منه بأن الغائب إذا كان له مال ظاهر يمكن التنفيذ فيه بالطرق المعتادة نفذ حكم النفقة فيه سواء كان هذا المال من جنس النفقة أو من غير جنسها. والمراد بالطرق المعتادة
(1/115)

في التنفيذ ما ورد في لائحة التنفيذ من البدء بالتنفيذ على النقود الموجودة عينا, ثم على المنقولات, ثم على العقار في حالة عدم وجود منقولات, أو عدم كفاية ثمنها، ولا يجوز بيع منزل السكنى، وإن لم يكن له مال ظاهر يمكنها أن تنفذ حكم نفقتها فيه, وطلبت تطليقها منه طلقها القاضي مه في الحال، أو بعد إعذاره ومضي الأجل المضروب له على التفصيل بين الغائب غيبة بعيدة والغائب غيبة قريبة, الذي يتبين في فرق الزواج كما سيتبين أن لزوجة الغائب إذا غاب سنة فأكثر بلا عذر أن تطلب تطليقها منه ولو كان له مال ظاهر كما نص على هذا في القانون رقم 25 سنة 1929.
متى تكون النفقة دينا على الزوج: نفقة الزوجة واجبة على زوجها بالعقد الصحيح عليها, ولكنها في مذهب الحنفية لا تصير دينا في ذمة الزوج بمجرد امتناعه عن الإنفاق, مع وجوبه بل هي على التفصيل الآتي:
النفقة المستحقة للزوجة إذا لم يصدر حكم بها, أو لم يتراض الزوجان عليها, وأنفقتها الزوجة على نفسها من مالها أو مما استدانته من غيرها في مدة شهر أو أكثر, لا تكون دينا على الزوج بحيث إذا طلبت الحكم لها بنفقتها عن مدة ماضية سابقة على وقت التقاضي أو التراضي شهر فأكثر لا تجاب إلى طلبها؛ لأن ما أنفقته على نفسها من غير قضاء أو رضا لا ترجع به على زوجها، غير أنه يجاب طلبها عن مدة سابقة على الحكم أقل من شهر؛ لأن هذه المدة تعتبر فترة التقاضي, ولا بد أن يمضي مثلها على المدعية قبل القضاء لها.
أما نفقة الزوجة التي صدر بها حكم أو تراضى الزوجان عليها, ولكن لم يقرن الحكم أو التراضي بإذن الزوجة باستدانتها فإنها تكون دينا للزوجة على زوجها, تطالبه بما تجمد لها منه سواء أنفقت على نفسها من مالها أو مما استدانته من غيرها. ومثله ما أنفقته على نفسها من غير قضاء أو تراض ولكن في مدة أقل من شهر. ولكنه دين ليس صحيحا من كل وجه بل هو دين ضعيف ولهذا يسقط بما يسقط به الدين
(1/116)

الصحيح وهو الأداء أو الإبراء ويسقط أيضا بواحد من ثلاثة، بنشوز الزوجة فإذا خرجت الزوجة عن طاعة زوجها بغير حق شرعي, وكان لها متجمد من هذا الدين سقط بنشوزها، وبموت أحد الزوجين فإذا مات أحدهما وفي ذمة الزوج متجمد من هذا الدين سقط عنه, فلو كان هو الذي مات ليس لها أن تأخذه من تركته, ولو كانت هي التي ماتت ليس لورثتها أن يطالبوا زوجها به، وبطلاقها الذي بني على سبب من قبلها كسوء خلقها، فإذا طلقها سقط المتجمد لها عليه من هذا الدين, إذا ثبت أنه كان له العذر في تطليقها؛ لأنها هي التي اضطرته إليه لسوء معاشرتها أو سوء سمعتها مثلا. وقيل إن الطلاق أيا كان سببه لا يسقط هذا الدين. وقيل إن الطلاق أيا كان سببه يسقط هذا الدين والمختار هو التفصيل المتقدم.
وأما نفقة الزوجة التي صدر حكم بها أو تراضى الزوجان عليها، وأذنت الزوجة من القاضي أو من زوجها باستدانتها واستدانتها الزوجة فعلا للإنفاق على نفسها, فهي دين صحيح لا يسقطه إلا الأداء أو الإبراء, ولا يسقطه واحد من النشوز أو الموت أو الطلاق.
ففي مذهب الحنفية النفقة الواجبة للزوجة إذا لم يؤدها الزوج لها مع وجوبها قد لا تكون دينا عليه أصلا، وقد تكون دينا ضعيفا، وقد تكون دينا صحيحا.
وكان عمل المحاكم الشرعية على هذا إلى أن صدر القانون رقم 25 لسنة 1920 ونص في المادة الأولى منه على أن نفقة الزوجة المستحقة لها شرعا تعتبر دينا صحيحا لها في ذمة زوجها, من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما, ولا يسقط هذا الدين إلا بالأداء أو الإبراء. ونص في المادة الثانية منه على أن المطلقة التي تستحق نفقة العدة تعتبر نفقتها كذلك دينا صحيحا من تاريخ طلاقها. وهذا مأخوذ من مذهب الشافعي.
(1/117)

وهذا نص المادتين المشار إليهما وتعليمات وزارة الحقانية بشأنهما:
مادة 1- تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها ولو حكما دينا في ذمته من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق, مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما ولا يسقط دينها إلا بالأداء أو الإبراء.
مادة 2- المطلقة التي تستحق النفقة تعتبر نفقتها دينا كما في المادة السابقة من تاريخ الطلاق.
التعليمات: اشتملت هاتان المادتان على حكمين مخالفين لما كان العمل جاريا عليه قبل صدور هذا القانون وهما:
1-أن نفقة الزوجة أو المطلقة لا يشترط في اعتبارها دينا في ذمة الزوج القضاء أو الرضا، بل تعتبر دينا من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق مع وجوبه.
2- أن دين النفقة من الديون الصحيحة, وهي التي لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء.
ويترتب على هذين الحكمين:
1- أن للزوجة أو المطلقة أن تطلب الحكم لها بالنفقة على زوجها من مدة سابقة على الترافع, ولو كانت أكثر من شهر إذا ادعت أن زوجها تركها من غير نفقة, مع وجوب الإنفاق عليها في هذه المدة طالت أو قصرت, ومتى أثبتت ذلك بطريق من طرق الإثبات ولو كان شهادة الاستكشاف المنصوص عليها في المادة 177 من اللائحة حكم لها بما طلبت.
2- أن دين النفقة لا يسقط بموت أحد الزوجين ولا بالطلاق ولو خلعا، فللمطلقة مُطْلقا الحق فيما تجمد لها من النفقة حال قيام الزوجية ما لم يكن عوضا لها عن الطلاق أو الخلع.
(1/118)

3- أن النشوز الطارئ لا يسقط متجمد النفقة, وإنما يمنع النشوز مطلقا من وجوبها ما دامت الزوجة أو المعتدة ناشزة.
وظاهر أن هذين الحكمين هما المنصوص عليهما في هاتين المادتين, وأما ما عداهما من أحكام النفقة فالمرجع فيه إلى الأرجح من مذهب أبي حنيفة طبقا لما نص عليه في اللائحة, وعلى هذا يكون المرجع فيمن تجب لها النفقة ومن لا تجب هو مذهب أبي حنيفة.
ومن المقارنة يتبين أن ما كان عليه العمل قبل سنة 1920 وهو مذهب الحنفية كان يفوت على الزوجات نفقتهن عن كل مدة سابقة على وقت الحكم شهر فأكثر، ولذلك ما كانت تصدر أحكام النفقات مستندة إلى تاريخ سابق على الحكم بأكثر من شهر، وما صار عليه العمل بعد سنة 1920 وهو مذهب الشافعية جعل للزوجة الحق في أن تطلب الحكم لها بالنفقة عن كل مدة سابقة طالت أو قصرت.
وقد تبين أن بعض الزوجات استغلت هذا التعديل لإرهاق الأزواج بمبلغ باهظ متجمد عن عدة سنين فيتركن المطالبة بالنفقة حتى تمضي مدة طويلة ويتجمد فيها مبلغ باهظ يرهق الزوج، ولهذا تدورك الأمر ونص في الفقرة 6 من المادة 99 من القانون رقم 78 لسنة 1931 "اللائحة" على ما يأتي: "ولا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضية لأكثر من ثلاث سنوات ميلادية نهايتها تاريخ رفع الدعوى".
وجاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة ما نصه:
"أما النفقة عن المدة الماضية فقد رئي أخذا بقاعدة جواز تخصيص القضاء ألا تسمع الدعوى بها لأكثر من ثلاث سنوات ميلادية نهايتها تاريخ قيد الدعوى. ولما كان في إطلاق إجازة المطالبة بالنفقة المتجمدة عن مدة سابقة على رفع الدعوى احتمال المطالبة بنفقة سنين عديدة, ترهق الشخص الملزم بها, رئي من العدل دفع صاحب الحق في النفقة إلى المطالبة بها أولا فأولا بحيث لا يتأخر أكثر من ثلاث
(1/119)

سنين، وجعل ذلك من طريق منع سماع الدعوى وليس في ذلك الحكم ضرر على صاحب الحق في النفقة إذ يمكنه أن يطالب به قبل مضي الثلاث سنين1".
وبما أن نفقة الزوجة التي تستحقها على زوجها تعتبر دينا في ذمته من وقت امتناعه عن الإنفاق, يصح أن تبرئه الزوجة من دين نفقتها كله أو بعضه متى صادف الإبراء دينا في ذمته. وبما أنها تعتبر دينا صحيحا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء, فإذا كان للزوج دين في ذمتها وطلب أحدهما مقاصة الدينين أجيب إلى طلبه لاستواء الدينين في القوة.
وإذا عجل الزوج لزوجته نفقة مدة مستقبلة كشهر مثلا, ثم طرأ في أثناء المدة ما يجعلها لا تستحق النفقة بأن نشزت في نصف الشهر أو مات أحد الزوجين، قال الشيخان: لا يسترد شيء مما عجل من النفقة؛ لأنها وإن كانت جزاء احتباس فيها شبهة الصلة، والصلة بين الزوجين لا رجوع فيها. وقال محمد والشافعي: يسترد من المعجل نفقة المدة التي لا تستحق نفقة عنها؛ لأنها إنما أخذته جزاء احتباسها، ومتى فات الاحتباس فلا حق لها فيه، فعليها أن ترده.
ومقتضى الأخذ بمذهب الشافعي في اعتبارها دينا صحيحا من حين وجوبها أن يؤخذ بهذا فيكون له استرداد ما عجله مما تبين عدم وجوبه عليه.
__________
1 ولم تعرف الحكمة في تحديد المدة بخصوص ثلاث سنين ولا ما استند إليه في هذا التحديد. كما أن بعض الباحثين يرى أنها كثيرة وسبيل للإرهاق إذا كانت النفقة المحكوم بها شهريا كثيرة.
(1/120)

3- عدم الإضرار بالزوجة:
من حق الزوجة على زوجها أن لا يضرها بقول أو فعل أو خلق قال تعالى: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} فإذا لم يوفها زوجها هذا الحق وأضر بها كأن كان
يضربها أو يؤذيها بأقواله أو أفعاله، ففي مذهب الحنفية ليس لها أن تطلب تطليقها منه لهذا, وإنما ترفع أمرها للقاضي ليزجره ويعزره ليرتدع عن الإضرار بها1.
ولكن لما كانت أحكام مذهب الحنفية في هذا الباب ليس فيها مخلص من شقاء الزوجية وإضرار الزوج بزوجته, أخذت المحاكم الشرعية في مصر بمذهب مالك دفعا للضرر، فكان لها أن تتخلص من زوجيته وتطلب تطليقها منه، كما شرع لها أن تطلب التطليق لغيبة زوجها عنها سنة فأكثر بلا عذر، ولحبسه، ولإعساره عن نفقتها ولامتناعه عن الإنفاق عليها مع قدرته، ولوجوب عيب أو داء مستحكم به. والغرض من هذا تمكينها من دفع الضرر عن نفسها, وحمل زوجها على عدم الإضرار بها. وسترى كل هذا مفصلا في كتاب الطلاق.
__________
1 نقل ابن عابدين أنها لو قالت إنه يضربني ويؤذيني فمره أن يسكنني بين جيران صالحين، فإن علم القاضي ذلك زجره ومنعه من التعدي في حقها، ثم ذكر ما يفهم منه أنها لو طلبت تعزيره عزره بما يردعه.
(1/121)

4- العدل بين الزوجات:
من حق الزوجات على زوجهن أن يعدل بينهن؛ لأن الله تعالى أمر بالاقتصار على زوجة واحدة عند خوف الجور، وهذا يقتضي وجوب العدل بينهن إذا تعددن قال تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} وقالت عائشة: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسم فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
والواجب أن يعدل الزوج بينهن فيما يملك فيسوي بينهن في الإنفاق عليهن؛ لأن النفقة حسب حاله هو على ما عليه العمل الآن. ويسوي بينهن في المبيت عندهن بحيث يؤنس كل واحدة بالمبيت عندها عددا من الليالي مثل عدد ليالي الأخرى. أما ما لا يملك وهو ميل القلب فلا يكلف المساواة فيه؛ لأنه لا تكلف نفس إلا وسعها وهو المراد بقوله سبحانه وتعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} .
(1/121)

فالعدل المشروط لإباحة التعدد هو القدر المستطاع من المساواة. والذي نفيت استطاعته هو المثل الأعلى من العدل والمساواة في كل شيء بغاية الدقة, بلا نقص أو زيادة فيه حتى في الود القلبي.
ومدة الإقامة عند كل واحدة يقدرها هو وينبغي أن لا تكون طويلة والرأي له فيمن يبدأ بها، وإذا كان ممن يشتغلون ليلا تكون المناوبة نهارا، ولا ينبغي أن يقيم عند واحدة أكثر من الأخرى إلا إذا رضيت إحداهن بذلك، ولا يدخل على غير صاحبة الدور إلا لعذر كعيادتها إن مرضت. ولا فرق في هذا كله بين الجديدة والقديمة، والبكر والثيب، والمسلمة والكتابية، والمريضة والصحيحة. وإذا سافر فله أن يسافر بمن يشاء؛ لأن السفر يحتاج إلى معونة قد تكون إحداهن أقدر عليها من الأخرى والأولى أن يعمل قرعة بينهن تطييبا لقلوبهن.
والغرض من هذا أن لا يؤذي واحدة بإيثار الأخرى, وأن يعمل ما في وسعه ليرضين جميعا، وإذا كان العدل المطلق لا يستطاع فالعدل الممكن في استطاعته. وإذا جار بينهن في المعاملة فلمن يلحقها الضرر بهذا الجور أن تطلب طلاقها منه دفعا للضرر عن نفسها، على ما عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية الآن. وأما على مذهب الحنفية فلها أن تطلب من القاضي تعزيره زجرا له.
(1/122)

حقوق الزوج على زوجته
مدخل
...
حقوق الزوج على زوجته:
الأصل الذي بنيت عليه حقوق الزوج على زوجته هو قوله تعالى في سورة النساء: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} . فقوله سبحانه: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} أثبت للأزواج حق الطاعة؛ لأن القيّم لا يكون قيّما إلا إذا نفذت كلمته ووجبت طاعته. وقوله سبحانه: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} الآية أثبتت للأزواج ولاية التأديب.
(1/122)

1- الطاعة:
إذا أعد الزوج لزوجته المسكن الشرعي المستكمل لحاجات معيشتها الخالي من أهلهما, الذي تأمن فيه على نفسها ومالها, وكان هو أمينا عليها وأوفاها معجل صداقها يجب عليها أن تقيم معه في هذا المسكن، وإذا خرجت منه تعد ناشزة. وكذلك يجب عليها أيضا أن تمتثل أمره إلا فيما نهى الله عنه. وأن تقر في المسكن الذي أعده لها ولا تخرج منه بغير إذنه إلا لضرورة، كزيارة أبويها في كل أسبوع مرة، ومحارمها في كل سنة مرة، ولا تبيت عند أحد منهم إلا بإذن زوجها، كما لا تزور أي أحد آخر إلا بإذنه، ولا تسمح بدخول أحد في بيته إلا بإذنه، وإذا كان أبوها مريضا واحتاج إليها, وليس له من يقوم بشأنه غيرها, وأبى الزوج أن يأذنها بالذهاب إليه فلها أن تذهب إلى أبيها المريض بغير إذنه، ولا يعد هذا خروجا عن الطاعة الواجبة عليها؛ لأن حق الوالدين مقدم على حق الزوج عند التعارض.
(1/123)

2- ولاية التأديب:
قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} فإن خالفت الزوجة فيما تجب عليها الطاعة فيه، فلزوجها أن يؤدبها بادئا بالموعظة الحسنة، ثم بالهجر في المضجع بأن لا يبيت معها في فراش واحد، ثم بالضرب غير المبرح. وليس له أن يضربها ضربا أليما مبرحا لأي سبب, فإن فعل فهو إضرار بها يستحق عليه التعزير على مذهب الحنفية. ويخول لها أن تطلب التفرقة على ما عليه العمل الآن. وليس له أي ولاية على مالها، فهو ملك خالص لها تتصرف فيه كما تشاء لا فرق بين مال زفت إليه به ومال تملكته بعد زفافها.
(1/123)

الحقوق المشتركة بين الزوجين:
أما الحقوق المتبادلة بينهما فهي حرمة المصاهرة، والتوارث، وحل الاستمتاع، وحسن المعاشرة، قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خطبته يوم حجة الوداع: "ألا واستوصوا بالنساء خيرا, فإنما هن عوار عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك, إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا أن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقا, فحقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهون, ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون, وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن".
وقال -صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم".
(1/124)

زوج المسلم بالكتابيات
...
زواج المسلم بالكتابيات:
بينا أنه يحل للمسلم أن يتزوج الكتابية التي تدين بدين إلهي, وتؤمن برسول وكتاب منزل. وهذا الزواج مع إباحته مكروه كراهة التنزيه؛ لأن الأصل أن تبادل المودة والرحمة والمعونة والمواساة على وجه الازدواج, إنما يكون بين الزوجين المتحدين في الدين، ولذا قال في الفتح: "ويجوز للمسلم تزوج الكتابيات, والأولى أن لا يفعل إلا للضرورة". وكل الشروط التي تشترط لانعقاد الزواج وصحته ونفاذه, كما يجب توافرها في عقد زواج المسلم بالمسلمة يجب توافرها في عقد زواج المسلم بالكتابية. وجميع الأحكام والحقوق والواجبات التي تترتب على عقد زواج المسلم بالمسلمة تترتب على عقد زواج المسلم بالكتابية. فالكتابيتان المحرمان لا يجوز للمسلم أن يجمع بينهما كالمسلمتين المحرمين. والكتابية إن كانت كبيرة مكلفة تباشر عقد زواجها بنفسها كالمسلمة، وإن كانت صغيرة أو في حكمها لجنون أو عته يباشر عقد زواجها وليها المتحد معها في الدين. وإذا تم عقد زواجها بالمسلم سواء أكانت بمباشرتها أم بمباشرة وليها وجب لها من المهر، والنفقة, وعدم الإضرار بها، والعدل بينها وبين
ضرائرها ما يجب للزوجة المسلمة. ووجب لزوجها المسلم عليها من الحقوق والواجبات ما يجب له على الزوجة المسلمة، فعليها طاعته وله ولاية تأديبها بالمعروف ومنعها عن الخروج من بيته إلا بإذنه، وله أن يطلقها متى شاء وأن يتزوج عليها
(1/124)

واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، وتثبت بينهما حرمة المصاهرة, ويجب لكل منهما على الآخر حسن المعاشرة. ولا فرق بين المسلمة والكتابية إلا في أمور:
1- أن الزوجة المسلمة يشترط في الشاهدين اللذين يحضران عقد زواجها أن يكونا مسلمين، ولكن الزوجة الكتابية لا يشترط في شاهدي عقد زواجها أن يكونا مسلمين، بل يصح زواجها بشهادة المسلمين وبشهادة الكتابيين, ولو كانا مخالفين لها دينا كما إذا كانت يهودية وشاهدا عقدها مسيحيين.
2- أن من أحكام زواج المسلم بالمسلمة ثبوت التوارث بينهما إذا مات أحدهما والزوجية باقية، ولكن زواج المسلم بالكتابية لا يثبت به التوارث إذا مات أحدهما وكل على دينه, فلا يرث الزوج المسلم زوجته الكتابية إذا ماتت قبله، ولا ترث الزوجة الكتابية زوجها المسلم إذا مات قبلها؛ لأن اختلاف الدين من موانع الإرث على ما هو مبين في موضعه.
3- الأولاد الذين يولدون للمسلم من زوجته الكتابية يكونون مسلمين تبعا لدين أبيهم لا فرق بين ذكورهم وإناثهم، ولا يتبع أحد منهم أمه في دينها، ويترتب على هذا أنهم يرثون أباهم ويرثهم أبوهم لاتحادهم وإياه في الدين، ولا يرثون أمهم ولا ترثهم أمهم لاختلافهم معا في الدين، وأما أولاد المسلم من المسلمة فيتوارثون مع أبويهم لاتحادهم جميعا في الدين.
وإذا تزوج المسلم كتابية ثم انتقلت بعد الزواج من دينها السماوي إلى دين سماوي آخر كما إذا كانت يهودية فتنصرت استمر زواجها على صحته؛ لأن دينها الذي انتقلت إليه يصح زواجها عليه ابتداء فيصح بقاء؛ لأن القاعدة أن ما لا يمنع ابتداء العقد لا يمنع بقاءه. لكن إذا ارتدت عن دينها السماوي, ولم تعتنق دينا سماويا آخر فهي لا دين لها, ولا يحل زواجها بالمسلم ابتداء, فلا يحل أن تبقى زوجة للمسلم فيبطل العقد ويجب التفريق بينهما إن لم يفترقا من تلقاء أنفسهما.
(1/125)

وزواج المسلم بالكتابيات في مصر ليس للمأذون الشرعي أن يباشره، وإنما يباشره القاضي الشرعي بعد تحريات وإجراءات خاصة، وقد وضعت لهذا الزواج وثيقة خاصة دون فيها أكثر حقوق الزوجية التي تقضي بها الشريعة الإسلامية. وعلى القاضي ألا يباشر العقد إلا بعد أن يفهم الطرفين أن الشريعة الإسلامية تقضي بهذه الأحكام, وبعد تلاوتها عليهما وفهم كل منهما جميع ما اشتملت عليه, وقبولهما المعاملة بمقتضاها وبمقتضى باقي أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالزوجية وحقوقها يجري عقد الزواج بينهما.
وهذه هي الأحكام التي دونت في الوثيقة المذكورة:
1- أنه يجوز للزوج أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع في آن واحد رغم معارضة الزوجة التي تكون في عصمته إذا لم يكن هناك مانع شرعي.
2- وله أن يطلق زوجته متى شاء قبلت الزوجة ذلك أم لم تقبل، وله أن يمنعها عن الخروج من منزله إلا بإذنه، وله أن يطلبها إلى مسكنه الشرعي, ويلزمها طاعته جبرا على الوجه الشرعي.
3- طلاق الزوج لزوجته إن كان رجعيا فله الحق في مراجعته إياها بدون رضاها ما دامت في عدته. أما إذا كان الطلاق بائنا فليس له مراجعتها إلا برضاها وبعقد ومهر جديدين، وإذا كان الطلاق ثلاثا فلا تجوز له حتى تنكح زوجا غيره, ثم يطلقها أو يموت عنها.
4- إذا طلق الزوج زوجته, فإن كان سمى لها مهرا وكان الطلاق قبل الدخول بها فلا تستحق إلا نصف المهر المسمى، وإن كان الطلاق من بعد الدخول بها تستحق مهرها بتمامه، فإذا كان عجل لها منه شيئا طالبته بباقيه، وإن لم يكن سمى لها مهرا وطلقها قبل الدخول بها فلا تستحق عليه سوى كسوة مبينة في الشرع، وإن كان الطلاق بعد الدخول تستحق على الزوج مهر مثلها بحسب
(1/126)

تقدير القاضي أو اتفاق الطرفين، كذلك تستحق نفقة العدة إن كان الطلاق بعد الدخول ولا تستحقها إن كان قبله, وتقدير قيمتها يكون بمعرفة القاضي أو تراضي الطرفين.
5- إذا كان للزوجة من زوجها أولاد يكونون تابعين في الدين لمذهب الزوج المسلم، فإذا طلقها بائنا يكون لها الحق في إرضاع أولادها بأجرة على والدهم، وكذلك حضانة أولادها تكون من حقها بالقيمة التي يقررها القاضي الشرعي أو يتفق عليها الطرفان, وتكون مدة الحضانة سبع سنين للابن وتسع سنين للبنت ما لم ير القاضي خلاف ذلك لمانع.
6- اختلاف الدين مانع من موانع الميراث فلا يرث أحد الزوجين الآخر إذا مات.
(1/127)

زواج غير المسلمين بعضهم ببعض:
المراد بغير المسلمين ما يشمل أهل الكتاب والمشركين وكل من لا يدينون بالإسلام، والأساس الذي بني عليه الإسلام معاملة المسلمين لمن في بلادهم من غير المسلمين أننا أمرنا بتركهم وما يدينون وعدم التعرض لهم فيما يعتقدون.
وعلى هذا الأساس كل زواج تم بين اثنين منهم صحيحا حسب دينهم, لا يجوز للمسلم الاعتراض عليه ولا للقضاء الإسلامي التعرض له, سواء أكانا من أهل الكتاب أم من المشركين أم من غيرهم، وسواء أكان هذا الزواج صحيحا في حكم الإسلام أم غير صحيح في حكمه لفقده أي شرط من شروطه.
فلو تزوج اليهودي إحدى محارمه نسبا أو رضاعا أو مصاهرة، أو تزوج المسيحي بغير حضور شهود، أو تزوج المجوسي معتدة مجوسي آخر, وكان ذلك كله جائزا في دينهم فهم وما يدينون ولا يجوز التعرض لهم في زوجيتهم1 حتى لو اختصما
__________
1 نصت الفقرة الأخيرة من المادة 99 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية على أنه لا تسمع دعوى الطلاق من أحد الزوجين غير المسلمين على الآخر إلا إذا كانا يدينان بوقوع الطلاق.
(1/127)

إلينا في بعض آثار هذه الزوجية كأن طلبت زجة المسيحي من القاضي الشرعي الحكم لها على زوجها المسيحي بنفقة، أو طلب هو الحكم له عليها بالطاعة تسمع الدعوى ويقضى بالنفقة أو الطاعة, ولو كانت الزوجية غير صحيحة في حكم الإسلام ما دامت صحيحة في دينهم ولم يختصما إلينا فيها؛ لأنا أمرنا بتركهم وما يدينون.
ولكننا نتعرض لهم ونمضي حكم الإسلام في زوجيتهم في حالات ثلاث:
"الأولى" أن يختصما في الزوجية ويترافعا إلينا طالبين حكم الإسلام فيها1 فحينئذ يفصل في هذه الزوجية بما تقضي به الشريعة الإسلامية عملا بقوله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ولأنهما بالترافع إلينا رضيا حكم شريعتنا وطلبا إمضاءه في زواجهما.
فإذا ثبت أن الزواج المتنازع فيه بينهما كان حين عقده مستوفيا الشرائط الشرعية وصحيحا في حكم الإسلام قضى القاضي بصحته؛ لأن كل زواج صحيح بين المسلمين فهو صحيح بين غيرهم.
وإذا ثبت أنه كان حين عقده غير صحيح في الإسلام لعدم حضور شهود؛ أو لأن الزوجة حين العقد عليها كانت في عدة كتابي كان زوجا لها من قبل، قضى القاضي أيضا بصحته ما دام ذلك جائزا في دينهم؛ لأنهما لما رضيا بحكم الإسلام لم يلتزما بمذهب معين من مذاهب أئمة المسلمين، وما دام الزواج بغير حضور شهود صحيحا في بعض المذاهب الإسلامية, وهو مذهب مالك؛ لأن الشرط عنده إعلانه ولو بغير الشهود, فإنه يقضى بصحته بينهم ما دام متفقا ودينهم.
وأما إذا ثبت أنه كان حين عقده غير صحيح في الإسلام لكون الزوجة إحدى محارم الزوج بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أو لكونها كانت حين العقد عليها معتدة
__________
1 ولا يجوز التعرض لزوجيتهما، إلا إذا ترافعا إلينا معا، وأما لو رفع أحدهما فقط وأبى الآخر فلا نتعرض لهما؛ لأن في هذا اعتداء على حق من أبى، وهذا هو مذهب الإمام وعليه العمل. وقال محمد: يكفي أن يرفع أحدهما الأمر إلينا؛ لأنه رضي بحكم الإسلام فصار كما إذا أسلم.
(1/128)

لمسلم فإنه يقضى ببطلانه وبالتفريق بينهما؛ لأنه بإجماع أئمة المسلمين زواج غير صحيح في حكم الإسلام فلا يقرهما عليه القضاء الشرعي1.
"الثانية" أن يكون في زوجيتهما اعتداء على حق مسلم كما إذا كانت كتابية متزوجة بمسلم فطلقها فتزوجها كتابي وهي في عدة المسلم، فإن القاضي يفرق بينهما ولو لم يترافعا إلينا محافظة على حق المسلم.
"الثالثة" أن يسلم الزوجان أو أحدهما، فإن أسلما معا وكانت زوجيتهما مما يقرها الإسلام بأن كانت صحيحة في حكمه لاستيفائها شروطه، أو غير صحيحة لعدم حضور شهود؛ أو لأن الزوجة حين العقد عليها كانت معتدة لغير مسلم يقران على زوجيتهما ولا يتعرض لهما، وإن كانت زوجيتهما مما لا يقرها الإسلام بأن كانت غير صحيحة؛ لأن الزوجة إحدى محارم الزوج؛ أو لأنها حين العقد عليها كانت معتدة لمسلم فلا يقران على زوجيتهما. وإن لم يفترقا من تلقاء أنفسهما يقضى بالتفريق بينهما ولم لم يترافعا إلينا؛ لأنهما بإسلامهما التزما إمضاء حكم الإسلام فيهما وهذه زوجية لا يقرها الإسلام فيجب عليهما الافتراق وألا فرق بينهما القضاء شأن كل مسلمين تعاشرا بزواج غير صحيح شرعا.
وإذا أسلم الزوج وحده وكانت زوجته كتابية فزواجها باق على حاله ما دامت زوجيتهما مما يقرها الإسلام؛ لأن زواج المسلم بالكتابية يحل ابتداء فيحل بقاء. وأما إذا أسلم وكانت زوجته غير كتابية بأن كانت مشركة فإنه يعرض عليها الإسلام، فإن أبت أن تسلم أو تدين بأي دين إلهي فرق بينهما؛ لأن زواج المسلم بغير الكتابية
__________
1 كل زواج صح حسب شريعة الزوجين من غير المسلمين ولم يصح في الشريعة الإسلامية إن كان عدم صحته لفقد شرط متفق على اشتراطه بين أئمة المسلمين لا يعتبر صحيحا، وإن كان عدم صحته لفقد شرط مختلف فيه يعتبر صحيحا.
ويبحث وجه التسوية بين زواج لم يحضره شهود وزواج المعتدة من كتابي؛ لأن الأول مختلف فيه فهل الثاني كذلك؟
(1/129)

لا يصح ابتداء فلا يصح بقاء، وإن أسلمت أو اعتنقت أي دين سماوي فزواجهما باق على حاله ما دام مما يقره الإسلام.
وإذا أسلمت الزوجة وحدها فسواء أكان الزوج كتابيا أم غير كتابي يعرض عليه الإسلام إن كان أهلا لعرض الإسلام عليه, بأن كان بالغا عاقلا أو صبيا مميزا أو معتوها مميزا، فإن أبى أن يسلم فرق بينهما القضاء؛ لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة لغير مسلم، وإن أسلم فزواجهما باق على حاله ما دام مما يقره الإسلام1.
وإن كان غير أهل لعرض الإسلام عليه بأن كان صغيرا غير مميز أو مجنونا ففي الصغير غير المميز ينتظر حتى يبلغ سن التمييز، فإن صار مميزا عرض عليه الإسلام كما تقدم. وفي المجنون يعرض الإسلام على أبويه, فإن أسلم أحدهما تبعه ابنه, واستمرت زوجيتهما ما دامت مما يقرها الإسلام، وإذا أبى كل من أبويه الإسلام فرق القاضي بين الزوجين. وكذلك يفرق بينهما إذا لم يكن للمجنون أب ولا أم بعد أن يقيم وصيا للخصومة عن المجنون يكون حكم التفريق في مواجهته.
وإنما فرق في الحكم بين الصغير غير المميز وبين المجنون؛ لأن بلوغ الصغير سن التمييز له أمد معلوم يمكن انتظاره، ولكن شفاء المجنون ليس له وقت معلوم، وربما طال سنين عديدة فتتضرر الزوجة التي أسلمت فمنعا للضرر عنها يعرض الإسلام على أبوي زوجها المجنون فربما يكونان حريصين على بقاء الزوجية, وتبعثهما أو أحدهما الشفقة الأبوية على الإسلام, فيتبعه المجنون ويبقى الزواج.
__________
1 إذا أسلمت الزوجة وكان زوجها غير المسلم غائبا غيبة منقطعة لا يدرى مكانه حكم بالتفريق بينها وبينه بدون عرض الإسلام عليه لانعدام الولاية التي تمكننا من عرض الإسلام عليه "اقرأ حكم محكمة الجمالية الشرعية في مجلة القضاء الشرعي عدد 2 سنة أولى".
وإذا أسلمت وطلب زوجها للحضور لعرض الإسلام عليه ولم يحضر وتكرر ذلك منه اعتبر تخلفه المتكرر بعد طلبه إباء منه, وفرق بينه وبين زوجته, وقد صدرت بهذا عدة أحكام من المحاكم الشرعية المصرية.
(1/130)

الطلاق
مدخل
...
الطلاق:
تعريفه:
الطلاق في اللغة العربية رفع القيد الحسي أو المعنوي، فكما يطلق على فك عقال البعير يطلق على إباحة إبداء الرأي ومثله الإطلاق، فالطلاق والإطلاق في اللغة يستعملان لحل القيد حسيا كان أو معنويا، غير أن العرف قصر الإطلاق على رفع القيد الحسي, وقصر الطلاق على رفع القيد الزوجي، ففي العرف يقال: السجين مطلق سراحه، ولا يقال طالق سراحه، ويقال: طلق الرجل زوجته ولا يقال أطلقها؛ ولهذا كان الإطلاق وما اشتق منه من الكنايات عن الطلاق, لا من الصريح بحكم العرف وسيتبين هذا.
وأما الطلاق شرعا فهو حل رباط الزوجية الصحيحة في الحال أو المآل، بعبارة تفيد ذلك صراحة أو دلالة، تصدر من الزوج أو نائبه أو من القاضي بناء على طلب الزوجة. أم الزوجية غير الصحيحة فلا تثبت بها رابطة شرعية تحل بالطلاق، والفرقة فيها فسخ لعقد لم يصح لا رفع لقيد ثبت بالزواج، ولذلك لا طلاق من زواج غير صحيح.
فإذا أراد أحد الزوجين التخلص من رابطة الزوجية لأسباب تحمله على ذلك، فإن كان هو الزوج فله أن يستقل بحل هذه العقدة بعبارة تصدر منه مسندة إلى زوجته تدل على طلاقها منه, ورفع القيد الذي يربطهما كأن يقول لها أنت طالق أو زوجتي فلانة طالق، وإن كانت الزوجة فلها أن ترفع أمرها إلى القضاء طالبة تطليقها من زوجها للسبب الذي تستند إليه في طلبها، ومتى أثبتت سببا مسوغا شرعا لتطليقها حكم لها القاضي بما طلبت وطلقها من زوجها.
وإذا كان الطلاق الذي صدر من الزوج أو حكم به القاضي رجعيا لا تحل به عقدة الزواج في الحال, وإنما تحل به في المآل, أي: إذا انقضت عدة المطلقة من غير
(1/131)

أن يراجعها مطلقها في أثنائها، وإذا كان بائنا حلت به عقدة الزوجية في الحال, أي: من حين صدوره بحيث لا تحل له بعقد ومهر جديدين وبتراضيهما.
وقد تكون العبارة التي تصدر من المطلق صريحة في دلالتها على معنى التطليق بحيث لا تحتمل معنى آخر مثل أنت طالق، وقد تكون كناية عن الطلاق بحيث تحتمله وغيره, ولا تتعين له إلا بالنية أو القرينة مثل أنت بائن أو أنت مطلقة.
حكمة تشريعه:
شرع الطلاق في الإسلام1 ليستطيع الزوجان التخلص من رابطة الزوجية إذا تبين أنها مصدر الشقاء وأنه لا يمكن أن يتعاشر الزوجان بالمعروف, ولا أن يقوم كل منهما بحقوق الزوجية وواجباتها وذلك لأسباب عدة.
منها أن الزوجين قد يتبين لهما بعد المعاشرة الزوجية أن بينهما تباينا في الأخلاق وتنافرا في الطباع, وأن ما بذلاه من البحث والتحري في وقت الخطبة لم يظهر الحقيقة التي أظهرتها المعاشرة الزوجية, وأنهما مع هذا التباين والتنافر لا يتبادلان مودة ولا رحمة, ولا يقوم واحد منهما بحقوق الزوجية وواجباتها. فلرفع الحرج عنهما فتح الله لهما بابا للخلاص من هذا الشقاء والتباغض ليستبدل كل منهما زوجا آخر قد يأتلف به ويتبادل معه المودة والرحمة. {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ} .
ومنها أنه قد يتحقق الزوجان أن أهم مقاصد الزواج وهو التوالد والاستمتاع الجنسي لا توصل إليه هذه الزوجية؛ لأن بعض النساء قد تكون عقيما مع زوج وولودا مع آخر، وكذلك بعض الأزواج قد يولد له من زوجة ولا يولد له من أخرى, وكم زوجين عاشا عقيمين فلما افترقا ولد له من زوجته الأخرى وولد لها من زوجها الآخر، وكذلك الشهوة الجنسية قد تكون مفقودة لبعض النساء وغير مفقودة
__________
1 كما شرع الطلاق في الإسلام شرع في اليهودية والنصرانية، غير أنه في اليهودية لا يباح إلا لسبب من ثلاثة: الزنا، والعقم، وعيب الخلق والخلق. وفي النصرانية من طلق زوجته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني. وفي الإسلام أبيح لأي سبب يدعو إلى الخلاص.
(1/132)

لأخرى. فمن الحكمة أن شرع الله سبيلا لتخلص مثل هذين الزوجين من زوجية لا تحقق أغراضها.
ومنها أن الزوج قد يرتاب في زوجته أو يجد فيها من العيوب الخلقية أو الخلقية ما لا يستطيع معه المعاشرة بالمعروف والقيام بحقوق الزوجية.
ومنها أن الزوجة قد تجد من زوجها ما يحملها على حل العقدة التي تربطهما, كأن يمرض بداء عضال لا يمكن البرء منه ولا معاشرته معه، أو يضارها بأقواله أو أفعاله أو أخلاقه، أو يكيدها بعدم الإنفاق عليها, أو يعسر عن نفقتها، أو يغيب عنها المدة الطويلة بلا عذر.
فلا ريب في أنه قد تدعو الحاجة القاهرة إلى حل عقدة الزواج، وأن الحاجة قد تبعثهما معا على الرغبة في الطلاق وقد تحمل أحدهما، فلو لم يشرع الله سبيلا لحل عقدة الزواج عند الحاجة القاهرة لنال بعض الأزواج حرج, وكانت بعض الزوجيات مصدر شقاء دائم، مع أن الله شرع الزواج ليكون مصدر معونة متبادلة ورحمة ومودة.
وإنما أباح الله لكل واحد من الزوجين أن يحل عقدة الزواج وحده ولم يلزم تراضيهما وتوافق إرادتهما عليه, كما لزم تراضيهما على عقده؛ لأن الحاجة الملجئة إلى الطلاق قد تدعو أحدهما إلى الخلاص ويتعنت الآخر ولا يوافقه، فزوجة المسلول أو المجذوم تريد الخلاص من زوجيته وهو لا يرضى، وزوج المريبة يريد الخلاص من زوجيتها وهي لا ترضى. فلهذا لا يشترط تراضيهما على إيقاع الطلاق, بل لكل منهما الانفراد به دفعا للضرر عن نفسه.
وإنما شرع للزوج أن يستقل بحل رباط الزوجية ويطلق بنفسه, ولم يكن للزوجة أن تحل رباط زوجيتها إلا بواسطة القضاء لسببين:
"الأول" أن المرأة في الغالب سريعة الانفعال شديدة التأثر تدفعها انفعالاتها إلى أبعد مدى، فلو كان حل العقدة الزوجية بيدها كانت هذه الرابطة مهددة بالحل
(1/133)

وعرضة للخطر بأوهى الأسباب، ولا ينقض هذا أن من النساء من هن ذوات عقل وأناة وقدرة على ضبط أنفسهن حين الغضب, وأن من الرجال من يغلب عليهم الحمق, ويخضعون لسلطان الغضب؛ لأن التشريع يبنى على الغالب وما هو الشأن في الرجال والنساء, ولا يبنى على الآحاد والجزئيات.
السبب الثاني: أن الطلاق يلزم الأزواج حقوقا مالية؛ لأنه يحل به المؤجل من الصداق وتلزمه نفقة العدة, ويضيع عليه ما أنفقه من مهر ونفقة في الزوجية التي يحلها, ويحتاج إلى بذل مال جديد لإيجاد زوجية جديدة، وهذه التبعات المالية التي تترتب على الطلاق من شأنها أن تحمل الرجل على التروي في إيقاعه، وأما الزوجة فلا يستحق عليها بالطلاق حق مالي يحملها على التروي في إيقاعه.
وإنما شرع على ثلاث دفعات لتكون الأولى والثانية بمثابة إنذارين لتنبيه الزوج إلى أن يجرب نفسه ويروضها على الصبر والاحتمال، وتنبيه الزوجة إلى أن تحسن العشرة وتجنب ما يدعو إلى الفرقة، حتى إذا لم يفد الإنذار بعد الإنذار ووقعت الطلقة الثالثة علم أنه ليس في زوجيتهما خير وأن الانفصال البات بينهما أحق وأولى.
فالحقيقة أن الإسلام شرع الطلاق ليكون وسيلة إلى الخلاص من زوجية لا خير في بقائها، ولا يمكن معها أداء حقوق ولا واجبات، وشرع إيقاعه على سنن يكفل تدارك الخطأ فيه. ولو أن الناس ساروا على سنن الشرع, ولم يتعدوا حدود الله وراعوا أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله, ولم يلجئوا إليه إلا للضرورة وأوقعوه على سننه المشروع ما كان هذا النظام موضع شكاية ولا مبعث شقاء للأسرة الإسلامية؛ لأن الأصل فيه الحظر وإباحته للضرورة والواجب أن تقدر الضرورة بقدرها.
من يقع منه الطلاق:
الذي يقع طلاقه هو الزوج العاقل البالغ المختار اختيارا صحيحا، الذي يعي ما يقول، سواء كان صحيحا أو مريضا، رشيدا أو سفيها، فإذا توافرت في الزوج هذه الشروط فهو أهل لإيقاع الطلاق، وإذا صدر الطلاق منه أو من رسوله أو وكيله وصادف محله وقع وانحل به رباط الزوجية.
(1/134)

أما غير الزوج أو رسوله أو وكيله فلا يملك إيقاع الطلاق، فليس للولي أن يطلق زوجة موليه, وليس للسيد أن يطلق زوجة عبده؛ لأن الطلاق حق شخصي للزوج لا يملكه غيره إلا بتوكيل منه أو تفويض.
وأما غير العاقل وهو المجنون والمعتوه ومن اختل عقله لكبر أو مرض أو مصيبة فاجأته فلا يقع طلاق واحد منهم لعدم أهليتهم لإيقاعه؛ لأنه تصرف لا يصح شرعا إلا من كامل العقل الذي يقدر المصلحة من إيقاعه.
وأما غير البالغ وهو الصبي مميزا أو غير مميز، فلا يقع طلاقه؛ لأنه من التصرفات الضارة التي لا يكون الصبي أهلا لها حتى يبلغ الحلم ويتم ببلوغه عقله.
وأما غير المختار وهو المكره على الطلاق فلا يقع طلاقه؛ لأنه ما صدر منه عن إرادته والعبرة للقصد لا اللفظ؛ لأن المكره لم يكن الباعث له على إيقاع الطلاق إرادته ورأيه، وإنما حمل عليه بإرادة المكره ورأيه, فهو خضوع لهذا الباعث الخارجي وتوقيا من الخطر المهدد به أوقع طلاقا لا يريده، فاختياره أهون الشرين اختيار غير صحيح وهو كعدمه.
وكذلك من لا يعي ما يقول وهو السكران, والنائم لا يقع طلاق واحد منهما؛ لأنه لا إرادة له.
وكان العمل جاريا على وقوع طلاق المكره والسكران, إذا سكر بشرب محرم باختياره. طبقا لمذهب الحنفية، حتى صدر القانون رقم 25 سنة 1929، ونص في المادة رقم "1" منه على أنه لا يقع طلاق السكران والمكره. وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وعليه عمل المحاكم الشرعية المصرية.
ولا فرق في الأهلية لإيقاع الطلاق بين الزوج الصحيح والزوج المريض؛ لأن المرض ما دام لم يؤثر في العقل لا يعدم الأهلية ولا ينقصها.
(1/135)

ولا بين الرشيد والمحجور عليه للسفه، ولا بين الجاد والهازل، ولا بين القاصد والمخطئ والغافل والساهي؛ لأن كل واحد من هؤلاء عاقل بالغ مختار يعي ما يقول، والسفه والهزل والخطأ والغفلة والسهو لا يعدم الأهلية ولا ينقصها1.
ولأن الوقوف على الحقيقة متعذر, فربما لم يكن هازلا ولا خاطئا ولا غافلا ولا ساهيا, وبعد أن وقع الطلاق ادعى ذلك والقضاء يبني على الظاهر.
ولهذا نص علماؤنا على أن من نطق بالطلاق خطأ أي: أراد التكلم بغير الطلاق فسبق لسانه إلى الطلاق لا يقع عليه الطلاق ديانة أي: فيما بينه وبين ربه، وتبقى زوجته حلالا له، لكن إذا تنازعا أمام القضاء، فالقاضي يحكم بوقوع الطلاق لصدور صيغته ممن هو أهل لإيقاعه.
من يقع عليها الطلاق:
بما أن الطلاق حل رباط الزوجية الصحيحة فهو لا يقع إلى على الزوجة القائمة زوجيتها الصحيحة حقيقة، والمعتدة من طلاق رجعي، والمعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى، والمعتدة من فرقة هي طلاق، والمعتدة من فسخ الزواج بسبب إباء الزوجة المشركة الإسلام إذا أسلم زوجها. وبسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام؛ وذلك لأن الزوجة حال قيام الزوجية الصحيحة قبل وقوع أي فرقة الرابطة بينها وبين زوجها متحققة بثبوت الملك والحل معا, فهي محل لوقوع الطلاق عليها، ومثلها المعتدة من طلاق رجعي. والمعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى ملكها زال ولكن حلها باق، وأثر الزوجية وهو العدة باق فهي محل لوقوع الطلاق عليها ومثلها المعتدة من فرقة هي طلاق.
أما الأجنبية التي لم يربطها بالرجل عقد الزواج أصلا، والتي ارتبطت به بعقد زواج غير صحيح شرعا، والتي طلقت وزال أثر زوجيتها بانقضاء عدتها. والمعتدة من طلاق بائن بينونة كبرى، والمعتدة من فسخ الزواج بسبب غير السببين السابقين
__________
1 السفيه هو المبذر المسرف الذي يصرف ماله في غير مصلحة. والهازل من ينطق باللفظ لاعبا غير قاصد معناه وآثاره. والمخطئ من يريد النطق بغير الطلاق فيسبق لسانه إلى الطلاق. والغافل والساهي من صدر منه لفظ الطلاق غافلا عن المقصود منه.
(1/136)

كالفسخ بخيار البلوغ، أو لنقصان المهر عن مهر المثل1، فليست واحدة منهن محلا لوقوع الطلاق عليها، فلو قال الرجل لواحدة منهن أنت طالق فهو قول لغوو بحيث لو عقد عليها ملك ثلاث طلقات.
وبما أن المطلقة قبل الدخول تبين ولا عدة عليهاو فتكون أجنبية من مطلقها بمجرد الطلاقو فلا تكون محلا لطلاقه بعد ذلكح لأنها لا هي زوجته ولا معتدته.
وعلى هذا لو قال الزوج لزوجته المدخول بها حقيقة أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. وقعت عليها ثلاث طلقاتح لأن الأولى صادفتها والزوجية قائمة حقيقة، والثانية والثالثة صادفتاها وهي في العدة، فكانت محلا لوقوع الطلقات الثلاث فوقعن؛ لأن كل جملة من هذه الثلاث صيغة تامة لإنشاء الطلاق صدرت مرة بعد مرة من زوج أهل لإيقاعه, وصادفت محلا لوقوعه.
أما لو قال لزوجته غير المدخول بها حقيقة أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق. وقعت بالأولى فقط طلقة بائنة؛ لأنها صادفتها والزوجية قائمة، أما الثانية والثالثة فهما لغو لا يقع بهما شيءح لأنهما صادفتاهما وهي ليست زوجته ولا معتدته.
وقد أوجبت المادة 32 من لائحة المأذونين على من يباشر إشهاد الطلاق أن يذكر في إشهاد الطلاق تاريخ الزواج والجهة التي حرر فيها، والذي باشره، وإلا وجب قيد تصادق على الزوجية أولا ثم إثبات الطلاق بعد ذلك، والغرض من هذا التحقق قبل إيقاع الطلاق من أن المطلقة محل لوقوعه.
__________
1 فسخ الزواج بسبب عدم كفاءة الزوج، أو لنقصان المهر عن مهر المثل، أو بخيار البلوغ، أو بسبب ظهور عدم صحة العقد لفقد شرط من شروطه, يرجع كله إلى نقض العقد من أصله، فلا تكون المعتدة منه محلا للطلاق؛ لأن الطلاق رفع القيد الثابت بالعقد الصحيح. وأما فسخ الزواج بسبب رده أحد الزوجين أو إباء الزوجة الإسلام فهو لطارئ طرأ يمنع بقاء العقد بعد أن وقع صحيحا، ولهذا فرق بين الفسخ بهذين السببين والفسخ بغيرهما؛ لأن المعتدة من فسخ بأحد هذين السببين لا تزال مرتبطة بزوجها بعدة هي أثر لزوجية صحيحة، فتكون محلا لطلاقه بحيث لو قال لها وهي في العدة أنت طالق وقع عليها, ولو كان مسبوقا بطلقتين بائت بينونة كبرى.
(1/137)

ما يقع به الطلاق:
يقع الطلاق بكل لفظ يدل على حل عقدة الزوجية من أي لغة، وبما يقوم مقام اللفظ من كتابة وإشارة.
فاللفظ قد يكون صريحا إذا كان يفهم منه عند النطق به معنى الطلاق، ولا يستعمل عرفا إلا فيه. مثل أنت طالق ومطلقة وكل مشتقات الطلاق والتطليق, وكل لفظ استعمله الناس لرفع قيد الزواج مثل الحرام.
وقد يكون كناية إذا كان يحتمل معنى الطلاق وغيره ولم يتعارف في الاستعمال قصره على معنى الطلاق مثل أنت بائن -أنت حرام- أمرك بيدك؛ لأن بائن يحتمل البينونة عن العصمة والبينونة عن الشر، وحرام يحتمل حرمة المتعة بها وحرمة إيذائها، وأمرك بيدك يحتمل تمليكها عصمتها وتمليكها حرية التصرف في شأنها، وهكذا كل لفظ كنائي.
والصريح يقع به الطلاق بدون توقف على نيته؛ لأنه ظاهر الدلالة ومعناه متعين وغير محتاج إلى نية تبين المراد منه، حتى لو قال الناطق باللفظ الصريح لم أنو به الطلاق, وإنما نويت معنى آخر لا يصدق قضاء ويقع عليه الطلاق، وأما الكناية فلا يقع الطلاق بها إلا بنيتهح لأن اللفظ يحتمل معنى الطلاق وغيره، والذي يعين إرادة الطلاق به هو نية المطلق حتى لو قال الناطق بالكناية لم أنو الطلاق, وإنما نويت معنى آخر يصدق قضاء ولا يقع عليه الطلاق.
وهذا هو الذي عليه العمل الآن, وهو مذهب مالك والشافعي وهو المنصوص عليه في المادة 4 من القانون رقم 25 لسنة 1929، ونصها "كنايات الطلاق وهي ما تحتمل الطلاق وغيرها لا يقع بها الطلاق إلا بالنية".
وعلى مذهب أبي حنيفة يقع الطلاق بها بالنية أو دلالة الحال، فعنده تقوم قرينة الحال مقام النية، وعلى ما عليه العمل لا بد من النية حتى لو قال الناطق بالكناية لم أنو الطلاق, لا يقع مهما كانت الحال.
(1/138)

ويقوم مقام اللفظ الكتابة ولو كان الكاتب قادرا على النطق، فمن أراد أن يطلق زوجته فله أن يشافهها به وله أن يكتبه إليها.
والكتابة المستبينة المرسومة كألفاظ الصريح يقع بها الطلاق بدون توقف على نية، والكتابة المستبينة غير المرسومة كألفاظ الكنايات لا يقع الطلاق بها إلا بالنية.
والكتابة غير المستبينة لا عبرة بها ولا يقع بها طلاق.
والمراد بالمستبينة البيّن أثرها بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها، وغير المستبينة ما لا يبيّن لها أثر كالكتابة في الهواء أو على الماء.
والمراد بالمرسومة المكتوبة برسم الزوجة وعنوانها الخاص بها كائن يكتب: إلى زوجتي فلانة. أما بعد إن علمت من أمرك ما علمت فأنت طالق، وغير المرسومة ما لم تكن بعنوان خاص كأن توجد ورقة مكتوب فيها بخط الزوج فلانة طالق وفلانة اسم زوجته، ولا يدري إن كانت هذه العبارة كتبها لإيقاع الطلاق، أو لتجربة قلم أو مداد، فلا بد من النية ليتعين المقصود.
ويقوم مقام اللفظ أيضا إشارة الأخرس المعهودة في الدلالة على قصده لإيقاع الطلاق. والراجح أنه لا يقع طلاقه بالإشارة إلا إذا كان لا يعرف الكتابة. أما إذا كان قادرا على الكتابة فلا يكتفي بالإشارة؛ لأن الكتابة أدل على المراد، والإشارة أداة تفهم يكتفى بها للضرورة ومع القدرة على الكتابة لا ضرورة.
ويشترط لوقوع الطلاق أن يكون لفظه مضافا, أي: مسندا إلى الزوجة إضافة حقيقية أو معنوية, فالإضافة الحقيقية مثل أنت طالق أو زوجتي فلانة طالق، والإضافة المعنوية مثل علي الطلاق على رأي من يوقع به؛ لأن معناه يلزمني طلاقك.
عدد الطلقات:
يعتبر عدد الطلقات بالزوجات لا بالأزواج, فإذا كانت الزوجة حرة ملك عليها زوجها ثلاث طلقات سواء كان هو حرا أو عبدا، وإذا كانت الزوجة أمة ملك عليها زوجها طلقتين سواء كان هو حرا أو عبدا.
(1/139)

قال الله تعالى في سورة البقرة: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} إلى أن قال: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} دلت هذه الآية على أمور:
"أحدها" أن عدد الطلقات ثلاث فقط؛ لأنها رتبت على كل مرة من المرتين إمساكا بمعروف أو تسريح بإحسان، والإمسكاك بالمعروف يكون بالرجعة في العدة. والتسريح بالإحسان يكون بتركها حتى تنقضي عدتها، ورتبت على الثالثة أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فدل هذا على أنه بالثالثة انتهى ملكه وحله، فليس له إلا ثلاث طلقات.
"ثانيها" ما يترتب على الطلاق في كل مرة. فالطلاق أول مرة وثان مرة يترتب عليه أن يكون للزوج حق في إمساك الزوجة بالمعروف, وذلك بمراجعتها في عدتها أو في التسريح بالإحسان, وذلك بتركها حتى تنقضي عدتها, والطلاق للمرة الثالثة يحرمها عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره.
ومقتضى إطلاق الآية أن لا يفرق بين الحرة والأمة, ولكن الحديث المشهور وهو قوله -صلى الله عليه: $"طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان". قيد إطلاق الآية ودل على أنها خاصة بالحرة, فعدد الطلقات ثلاث للحرة وهو ثابت بالقرآن، وثنتان للرقيقة وهو ثابت بالسنة.
"ثالثها" أن هذه الطلقات الثلاث لا تقع إلا مرة بعد مرة ولا تقع دفعة واحدة؛ لأن معنى قوله: الطلاق مرتان: التطليق مرة بعد مرة, وعلى هذا لو أوقع الثلاث مرة واحدة لا تقع الثلاث، وإنما تقع طلقة واحدة فلو قال لزوجته أنت طالق ثلاثا أو بالثلاث أو هكذا وأشار بأصابعه الثلاث لا تقع إلا واحدة والعدد لغو، وهذا هو ما عليه العمل الآن وهو الوارد بالمادة "3" من القانون رقم 25 سنة 1929، ونصها:"الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا واحدة".
وهذا مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة وموافق لمذاهب أئمة آخرين من فقهاء الصحابة ومجتهدي المسلمين, وفي الأخذ به صيانة لرباطة الزوجية من العبث وحمل الأزواج على اتباع السنن المشروع لإيقاع الطلاق مرة بعد مرة.
(1/140)

أحوال صيغة الطلاق:
الطلاق من الإسقاطات كالعتق والإبراء, وهي يصح تعليقها على الشرط، وإضافتها إلى الزمن المستقبل، ولا كذلك الزواج فهو من التمليكات كالبيع والهبة، وهي لا يصح تعليقها على الشرط, ولا إضافتها إلى الزمن المستقبل.
وعلى هذا فالطلاق إما منجز وهو ما كانت صيغته غير معلقة على شرط ولا مضافة إلى زمن مستقبل وقصد به إيقاع الطلاق فورا مثل أنت طالق، أنت علي حرام. وحكم هذا أنه متى صدر من أهل لإيقاعه وصادف محلا لوقوعه وأسند إليها وقع في الحال, وترتبت عليه آثاره بمجرد صدوره.
وأما مضاف إلى زمن مستقبل وهو ما كانت صيغته مقرونة بوقت مستقبل قصد إيقاع الطلاق حين حاوله مثل أنت طالق غدا أو أول الشهر المقبل، وحكم هذا أنه متى صدر من أهله وصادف محله انعقد في الحال سببا للطلاق، ولكنه لا يقع ولا تترتب عليه آثاره إلا حين حلول الزمن المضاف إليه الطلاق، فلا يقع على زوجته الطلاق إلا إذا جاء الغد أو أول الشهر المعين, بشرط أن تكون حين حلول الوقت المضاف إليه لا تزال محلا لوقوع الطلاق عليها حتى يصادف الوقوع محله.
وأما معلق وهو كانت صيغته معلقا فيها حصول الطلاق على حصول شيء آخر بأداة من أدوات التعليق مثل إن خرجت من منزلي بغير إذني فأنت طالق، وحكم هذا على ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية أنه إن كان غرض المتكلم به التخويف أو الحمل على فعل الشيء أو تركه وهو يكره حصول الطلاق ولا وطر له فيه فهو لغو لا يقع به الطلاق، وإن كان يقصد به حصول الطلاق عند حصول
(1/141)

الشرط؛ لأنه لا يريد المقام مع زوجته عند حصوله، مثل إن مرضت بالسل فأنت طالق، فهذا يقع به الطلاق عند وجود الشرط المعلق عليه1.
وأما طلاق على صيغة اليمين أي: مقصود به تقوية العزم على فعل شيء مستقبل أو تركه أو تقوية تصديقه في الإخبار عن شيء مضى، مثل علي الطلاق لأسافرن غدا أو لا أسافر غدا أو ما سافرت أمس، وحكم هذا الطلاق الوارد على صيغة اليمين على ما عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية المصرية أنه لغو لا يقع به شيء؛ لأنه ليس الغرض به حل قيد الزواج، بل حمل نفسه على فعل أو ترك أو حمل مخاطبه على شيء.
فالمنجز والمضاف إلى زمن مستقبل، والمعلق الذي لا يقصد به مجرد التخويف أو الحمل على فعل شيء أو تركه: يقع بها الطلاق إما فورا، أو حين حلول الزمن، أو عند وجود الشرط.
وأما المعلق المقصود به الحمل على فعل شيء أو تركه، واليمين، فهما لغو لا يقع بواحد منهما الطلاق.
وهذا هو الجاري عليه العمل الآن وهو الوارد بالمادة2 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ونصها: "لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير".
والتعليق المقصود به حصول الطلاق عند حصول المعلق عليه إنما يصح ويترتب عليه وقوع الطلاق بشرطين:
__________
1 وكون التعليق مقصودا به مجرد التخويف والتهديد والحمل على فعل شيء أو تركه، أو مقصودا به حل رابطة الزوجية إذا حصل المعلق عليه، يرجع في بيانه إلى قصد المعلق وإلى مادة صيغة التعليق؛ لأن مثل قوله إن مات ابني فأنت طالق لا يحتمل قصد الحمل على فعل شيء أو تركه كما يحتمله قوله إن زرت فلانة فأنت طالق.
(1/142)

"الأول" أن يكون المعلق عليه معدوما وقت التعليق على خطر التحقق في المستقبل؛ لأنه إن كان محققا وقت التعليق كان تعليقا صوريا, وكانت الصيغة منجزة ووقع بها الطلاق في الحال، مثل قوله إن كانت الشمس طالعة فأنت طالق والحال أنها طالعة.
وإن كان مستحيلا تحققه فهو لغو لا يقع به طلاق، مثل قوله إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق؛ لأن الغرض من مثل هذا القول المبالغة في نفي الطلاق لا إيقاع الطلاق.
"الثاني" أن يحصل التعليق ويوجد الشرط المعلق عليه والمرأة محل الوقوع للطلاق عليها بأن كانت زوجة أو معتدة لغير بائن بينونة كبرى، فمن قال لأجنبية منه إن مات أبوك فأنت طالق ثم تزوجها ثم مات أبوها لا يقع عليها الطلاق المعلق؛ لأنها وقت التعليق لم تكن محلا له، ومن قال لزوجته إن مات أبوك فأنت طالق ثم نجز عليه وبعد انقضاء عدتها منه مات أبوها لا يقع عليها الطلاق المعلق؛ لأنها وقت وجود الشرط لم تكن محلا له، فلا بد أن تكون المعلق طلاقها محلا للطلاق وقت انعقاد السبب وهو وقت التعليق ووقت ترتب الحكم وهو وقت وجود الشرط.
(1/143)

أنواع الطلاق:
الطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على طلب الزوجة يكون رجعيا في حالة واحدة وهي ما إذا كان سببه عدم إنفاق الزوج على زوجته أو عسره.
ويكون بائنا فيما عدا ذلك من الأحوال التي يوقع القاضي الطلاق كالتطليق للضرر وللعيب وللمرض ولغيبة الزوج أو سجنه على ما سيبين بعد.
وأما الطلاق الذي يوقعه الزوج فيكون كله رجعيا إلا في حالات ثلاث: الطلاق قبل الدخول حقيقة، والطلاق في مقابلة مال، والطلاق المكمل للثلاث.
فكل طلاق من الزوج رجعي إلا في هذه الثلاث، ولا فرق بين صريح اللفظ وكنايته إلا في أن الصريح لا يحتاج الوقوع به إلى نية. والثاني يحتاج إليها والدليل على ذلك قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فقد دلت هذه الآية على أن الطلاق المشروع مرة بعد مرة ورتبت عقب الطلاق في كل مرة حقا للزوج في إمساك زوجته بمعروف، وإمساكها بالمعروف يكون بمراجعتها في عدتها، وإنما يكون له هذا الحق في مراجعتها إذا كان الطلاق رجعيا، فالطلاق المشروع هو الرجعي مرة بعد مرة وهذا معنى قول الفقهاء الطلاق شرع معقبا للرجعة، واستثنيت الحالات الثلاث التي وقع الطلاق فيها بائنا بالنص.
أما الطلاق قبل الدخول حقيقة فلقوله تعالى في سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} . وإذا كانت المطلقة قبل الدخول بها لا عدة عليها فلا يكون الطلاق الواقع عليها رجعيا؛ لأن المراجعة لا تكون إلا في العدة، وبما أنه لا عدة عليها فلا مراجعة لها فطلاقها بائن، والمطلقة بعد الخلوة طلاقها بائن أيضا، والعدة الواجبة عليها للاحتياط لا للمراجعة.
وأما الطلاق في مقابل مال فلقوله تعالى في سورة البقرة: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} . سمى الله سبحانه إعطاء الزوجة مالا لزوجها في مقابل طلاقها افتداء، والافتداء إنما يتحقق بخلاصها منه، والخلاص إنما يتحقق بالبائن؛ ولأن الزوجة إذا طلبت من زوجها أن يطلقها في مقابلة أن تعطيه مائة جنيه، أو في مقابل أن تبرئه من مؤخر صداقها، أو من نفقة عدتها، فإنها إنما تلتزم بالعوض لتخلص لها عصمتها، فإذا طلقها في مقابل ما التزمت به استحق هو العوض واستحقت هي الخلاص من عصمته, وهذا الخلاص لا يكون إلا بالبائن.
وأما الطلاق المكمل للثلاث؛ فلأن الله سبحانه بعد أن رتب على الطلاق في كل مرة من المرتين الأوليين الإمساك بالمعروف رتب على الطلاق في المرة الثالثة نفي
(1/144)

حلها له حتى تنكح زوجا غيره، فقال سبحانه: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} . فدل على أن الطلاق في المرة الثالثة تبين به المطلقة، وتحرم به على مطلقها حرمة مؤقتة.
فكل طلاق من الزوج يكون رجعيا إلا في هذه الحالات الثلاث فإنه يكون بائنا. وكل طلاق من القاضي بناء على طلب الزوجة يكون بائنا إلا في حالة واحدة وهي ما إذا كان سبب التطليق عدم الإنفاق فإنه يكون رجعيا، فلو أيسر الزوج واستعد للإنفاق فله مراجعتها ما دامت في العدة.
وهذا هو الجاري عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية المصرية وهو مذهب مالك والشافعي وهو الوارد في المادة 5 من القانون رقم 25 لسنة 1929، ونصها "كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث، والطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون والقانون رقم 25 لسنة 1930".
وأما مذهب الحنفية الذي كان عليه العمل قبل هذا القانون فكل طلاق من الزوج يقع رجعيا إلا في سبع حالات: الطلاق قبل الدخول، والطلاق على مال، والطلاق المكمل للثلاث، والطلاق الموصوف بوصف يدل على البينونة مثل أنت طالق طلقة شديدة أو بائنة أو لا رجعة فيها، والطلاق المقرون بأفعل تفضيل يدل على البينونة مثل أنت طالق أشد الطلاق أو أكبره أو أسوأه، والطلاق المشبه بما يدل على البينونة مثل أنت طالق طلقة كالجبل أو كأشد ما يكون من الطلاق، والطلاق بلفظ من ألفاظ الكنايات إذا اقترنت به النية أو دلالة الحال مثل أنت بائن أو خلية أو برية أو بتة. ففي هذه الحالات السبع يكون الطلاق بائنا عند الحنفية، ودليلهم على وقوعه بائنا في الحالات الثلاث الأولى ما قدمناه من نصوص القرآن. ودليلهم على وقوعه بائنا في الحالات الأربع الباقية أن المطلق استعمل لإيقاع الطلاق صيغة لا تدل على الرجعي؛ لأن اللفظ الذي عبر به أو الوصف الذي وصف به أو التشبيه الذي شبه به ينافي الرجعي، وبما أن الطلاق يتنوع إلى رجعي وبائن وهو استعمل صيغة لا تحتمل الرجعي فيتعين البائن.
ولكن ما عليه العمل الآن هو الذي تدل عليه نصوص القرآن, والمطلق لا يملك تغيير المشروع. والمشروع هو الطلاق الرجعي إلا فيما استثنى، فكل لفظ أو وصف أو تشبيه يقصد به تغيير المشروع فهو لغو, وكأن الصيغة صدرت غير مقرونة به فيقع به الطلاق على ما شرع وهو الرجعي.
(1/145)

حكم الطلاق:
أما حكمه بمعنى وصفه الشرعي من الحظر أو الإباحة فقال بعض العلماء إنه مباح؛ لأن الله سبحانه في عدة آيات نفى الجناح والإثم عن المطلق فقال: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} ؛ ولأن الأصل في ما شرع الإباحة، والذي حققه الكمال بن الهمام أن الأصل فيه الحظر ولا يباح إلا للضرورة؛ وذلك لأنه قطع لرابطة الزوجية التي ارتبط بها الزوجان تحقيقا لعدة مصالح دينية ودنيوية وأداء لما طلبه الشارع على سبيل الندب أو الوجوب. وكل ما فيه تضييع للمصالح وتفويت للواجب أو السنة فهو محظور، ولكن لما كانت الحاجة قد تدعو إلى ارتكاب هذا المحظور اتقاء لما هو شر منه أباحه الشارع عند تحقيق الحاجة إلى الخلاص؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات1.
__________
1 وعلى هذا الاختلاف اختلفت وجهة نظر المحاكم الأهلية في قضايا التعويض التي ترفع إليها من بعض المطلقات للحكم لهن بتعويض عما لحقهن من الضرر بسبب الطلاق.
ففي 20 يناير سنة 1926 في القضية رقم 1281 سنة 1925 حكمت الدائرة المدنية التجارية بمحكمة مصر الابتدائية الأهلية حضوريا بإلزام المطلق بأن يدفع للمطلقة تعويضا قدره ألف جنيه ومؤخر صداقها وقدره مائة جنيه والمصاريف وأتعاب المحاماة.
ومما جاء في أسباب حكمها "أنه قد تعتري الزوجية أمور تكون فوق طاقة الزوجين وأهلهما فقضت حكمة المولى جل شأنه وجود مشروعية الطلاق فهو إذا حق مشروع ولكن للضرورة، وليس من المروءة والإنسانية ولا من الإيمان أن يتزوج شخص بامرأة ولغير سبب يطلقها فهو باستعماله ذلك الحق الذي أعطى له قد أساء إلى الحق وإلى نفسه وإلى غيره، وليس لصاحب الحق قانونا أن يسيء إلى الغير باستعماله ما خول له من الحقوق "وأنه" وإن كانت المحكمة لا تنازع في أن المدعى عليه له الحق في الطلاق في أي وقت يشاء, ولكنها تتفق مع فقهاء الشرع الشريف في أنه يجب ألا يساء استعمال ذلك الحق الممقوت، وليس أدل على ذلك من قوله سبحانه: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} .=
(1/146)

وقد يكون الطلاق واجبا إذا فات الإمساك بالمعروف ولم يمكن أن يقيم الزوجان حدود الله سواء كان بسبب من قبله أو من قبلها, وقد يكون مندوبا إليه إذا كانت الزوجة مؤذية أو ترتكب ما نهى الله عنه أو لا تطيعه فيما يجب عليها طاعته فيه، وقد يكون حراما إذا كان لغير حاجة تدعو إليه أو كان طلاق البدعة ولم يكن على السنة.
والفرق بين طلاق السنة وطلاق البدعة أن طلاق السنة هو ما كان على سنن الطلاق المشروع من جهة كيفية إيقاعه، والحال التي تكون عليها الزوجة وقت وقوعه. فالسنن المشروع لإيقاعه مبين في قوله تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أي: التطليق المشروع مرة بعد مرة يعقب كل مرة حق الزوج في الرجعة، والسنن المشروع لحال الزوجة وقت وقوعه عليها مبين في قوله تعالى في سورة الطلاق: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} أي: طلقوهن وهن مستقبلات لاعتدادهن بأن يكن طاهرات في طهر لم تحصل فيه مباشرة؛ لأنها إن طلقت وهي حائض فستنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مدة طهرها ثم تبتدئ عدتها من الحيضة التالية، وإن طلقت في طهر حصل فيه وقاع فلا يدرى إن كانت
__________
= وفي 22 يناير سنة 1931 في القضية رقم 408 حكمت محكمة استنئاف مصر العليا برفض دعوى طالبة التعويض عن طلاقها.
ومما جاء في أسباب حكمها "أن الطلاق مباح فلا يترتب عليه في الشريعة الإسلامية أية مسؤلية إلا الحقوق التي يخولها الشرع للمطلقة من حيث المهر ونفقة العدة حتى لو كان الطلاق بلا سبب، فليس على المطلق من حرج إلا أن يكون مبغوضا من الله كمن يرتكب معصية دينية؛ لأن الحقوق التي بين الإنسان وربه لا يسأل عنها في الدنيا ولكن يسأل عنها في الآخرة".
أقول: الذي يؤخذ من نصوص الشريعة أن من أوقع الطلاق لغير حاجة إلى الخلاص فطلاقه واقع وهو آثم شرعا، وإثمه دليل على أنه أساء استعمال الحق الذي جعله الشارع, ولم يستعمل حقه على وجهه المشروع, وإذا كان إثمه دليلا على إساءته استعمال الحق، فكل مطلق أثم شرعا بإيقاع طلاقه فهو مسيء استعمال حقه، فإذا ترتب ضرر للمطلقة يلزم بتعويض هذا الضرر. أما إذا طلق لحاجة إلى الخلاص، أو لم يترتب للمطلقة ضرر فلا تعويض.
قال في فتح القدير: وإنما أبيح للحاجة, وأما إذا لم تكن حاجة فمحض كفران نعمة وسوء أدب فيكره.
(1/147)

حملت أو لا ولا يعلم بم تعتد. ففي الحالين لا تستقبل عدتها أثر طلاقها، فطلاق السنة أن يطلقها واحدة رجعية في طهر لم يمسها فيه.
وطلاق البدعة ما لم يكن على السنن المشروع بأن يطلقها أكثر من واحدة دفعة واحدة أو يطلقها وهي حائض أو في طهر قد مسها فيه.
ومذهب الحنفية أن من طلق طلاق البدعة فهو آثم لمخالفته السنن المشروع, ولكن طلاقه واقع ولا تنافي بين أن يكون في الفعل إثم وبين أن يترتب أثره عليه كالصلاة في ثوب مغصوب فيها إثم الغصب وتجزئ عن الفرض، والبيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة فيه الإثم بمخالفة قوله تعالى: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} ويفيد التمليك. هذا هو حكم الطلاق من حيث حظره وإباحته وندبه ووجوبه.
وأما حكمه بمعنى أثره المترتب عليه فإنه يختلف باختلاف نوع الطلاق الواقع وذلك؛ لأن الطلاق إما رجعي وهو الطلاق في غير حالة من الحالات الثلاث التي بيناها، وإما بائن بينونة صغرى وهو البائن غير المكمل للثلاث، وإما بائن بينونة كبرى وهو المكمل للثلاث ويسمى أيضا الطلاق البت. ولكل نوع من هذه الثلاثة حكم, أي: أثر يترتب عليه.
فأما الطلاق الرجعي:
فهو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة، إيقاعا مجردا عن أن يكون في مقابلة مال, ولم يكن مسبوقا بطلقة أصلا أو كان مسبوقا بطلقة واحدة، وحكمه سواء أكان أول الطلقات أم ثانيها أنه يترتب عليه أثران:
"أولهما" نقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته بمعنى أنه متى وقعت طلقة رجعية، فإن كانت الأولى لم يبق للزوج إلا طلقتان، وإن كانت الثانية لم تبق له إلا واحدة، والمراجعة لا تمحو هذا الأثر.
"وثانيهما" تحديد الرابطة الزوجية بانقضاء العدة بعد أن كانت غير محددة بمعنى أنه إذا وقع الرجعي وانقضت العدة من غير مراجعة بانت الزوجة بانقضاء العدة.
(1/148)

وهو لا يرفع قيد الزوجية, ولا يزيل ملكا ولا حلا بمعنى أنه لا يزيل ملك الاستمتاع الثابت بالزواج, ولا يجعل المطلقة محرمة بسبب من أسباب التحريم على مطلقها فيحل له الاستمتاع بها ما دامت في العدة ويصير بذلك مراجعا، وإذا مات أحدهما قبل انقضاء العدة ورثه الآخر، ونفقتها واجبة عليه، ولا يحل به مؤخر الصداق المؤجل لأحد الأجلين الموت أو الطلاق, وإنما يحل بانقضاء العدة. والسبب في هذا كله أن الطلاق الرجعي لا يرفع في الحال قيد الزواج، والزوجية بعده لا تزال قائمة وللزوج مراجعة زوجته ما دامت في العدة، فهو ينعقد سببا للفرقة ولكن لا يترتب عليه مسببه ما دامت المطلقة في العدة, فإذا انقضت العدة من غير رجعة ترتب أثره وبانت منه.
والرجعة هي استدامة الزواج القائم وإلغاء عمل السبب الذي حدد الزوجية بانقضاء العدة، وهي حق للزوج ما دامت مطلقته رجعيا في العدة، لقوله تعالى بعد أن قال {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} , {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ، أي: وأزواجهن أحق بإرجاعهن إلى عصمتهم في ذلك الوقت الذي تربصنه، ولكونها حقا جعله الشرع للزوج لا يملك إسقاطه، فلو قال لا رجعة لي فله الرجعة، ولا يشترط لصحتها رضا الزوجة ولا علمها، ولا حضور شهود لها, وإنما ينبغي له أن يشهد عليها خشية أن تنكرها الزوجة بعد انقضاء عدتها فيعجز عن إثباتها، وينبغي له أن يعلمها بها حتى لا تتزوج بغيره بعد انقضاء مدة العدة ظنا منها أنها بانت بانقضائها.
وكما تكون بأي قول يصدر منه يدل على معناها مثل راجعتك أو راجعت زوجتي تكون بالفعل وهو الوقاع ودواعيه, التي توجب حرمة المصاهرة سواء كانت منه أو منها، ويشترط في الرجعة بالقول أن تكون منجزة لا معلقة على شرط ولا مضافة إلى وقت مستقبل؛ لأنها كالزواج من بعض الوجوه، والزواج لا يقبل الإضافة إلى الزمن المستقبل، ولا التعليق على شرط غير محقق في الحال.
وإذا انقضت عدة المطلقة رجعيا بانت ولا تصح مراجعتها، بل لا بد لإعادة زوجيتها من عقد ومهر جديدين، وأقل مدة تصدق فيها الزوجة أن عدتها
(1/149)

انقضت ستون يوما؛ لأنها تحتاج إلى ثلاث حيض كاملة يتخللها طهران فللحيضات الثلاث ثلاثون يوما بمراعاة أكثر مدة للحيض وهي عشرة أيام, وللطهرين ثلاثون يوما بمراعاة أقل مدة للطهر وهي خمسة عشر يوما، فإذا مضى عليها من تاريخ طلاقها ستون يوما فأكثر وادعت انقضاء عدتها صدقت بيمينها ولا تصح الرجعة بعد ذلك، وإذا مضى عليها من تاريخ طلاقها أقل من ستين يوما لا تصدق في دعواها انقضاء عدتها وتصح مراجعتها.
وإذا اختلف الزوجان في أصل الرجعة فادعى الزوج أنه راجعها وأنكرت الزوجة دعواه، فإن كان هذا النزاع والزوجة لا تزال في العدة فالقول للزوج؛ لأنه يخبر عن أمر يملك إنشاءه في الحال فلا معنى لتكذيبه فيه، وإن كان هذا النزاع بعد انقضاء العدة فالبينة على مدعي الرجعة وهو الزوج فإن لم تكن له بينة فالقول للزوجة بلا يمين.
وإذا اختلف الزوجان في صحة الرجعة فادعى الزوج أنها صحيحة؛ لأنها وقعت قبل انقضاء العدة وأنكرت هي صحتها؛ لأنها وقعت بعد انقضاء العدة فالقول للزوجة بيمينها إذا كانت المدة بين الطلاق وبين الوقت الذي تدعي فيه انقضاء عدتها يحتمل ذلك بأن كان ستين يوما فأكثر.
وأما الطلاق البائن بينونة صغرى:
فهو طلاق الزوج لزوجته قبل الدخول الحقيقي بها، أو طلاقه إياها في مقابل مال تفتدي به نفسها، ولم يكن مسبوقا بطلقة أصلا أو كان مسبوقا بطلقة واحدة، وحكمه سواء أكان أول الطلقات أم ثانيها أنه يترب عليه نقص عدد الطلقات، وإزالة قيد الزوجية في الحال بمعنى أنه بمجرد صدوره يزيل ملك الاستمتاع الذي كان ثابتا بالزواج, ولا يعود هذا الملك إلا بعقد ومهر جديدين بتراضي الزوجين في العدة وبعدها, ولكنه لا يزيل الحل بمعنى أن المطل ق بائنا بينونة صغرى يحل له أن يعقد على مبانته في العدة وبعدها بدون حاجة إلى زوج آخر يحلها؛ لأنها بالبينونة الصغرى لم يقم بها سبب من أسباب التحريم المؤبدة أو المؤقتة.
(1/150)

وإذا كان البائن بينونة صغرى يرفع قيد الزواج بمجرد صدوره فلا يحل لأحد الزوجين الاستمتاع بالآخر ولا الخلوة به وتكون منه بمنزلة الأجنبية، وإن مات أحدهما في العدة أو بعدها فلا يرثه الآخر إلا في حالة الفرار كما سيجيء، ويحل به مؤخر الصداق المؤجل إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق.
وأما الطلاق البائن بينونة كبرى:
فهو ما كان مكملا للثلاث، وحكمه أنه يزيل في الحال بمجرد صدوره الملك والحل معا فلا يملك المطلق المتعة بمطلقته, وتصير من المحرمات عليه مؤقتا حتى تتزوج زوجا غيره بزواج شرعي صحيح نافذ، ويدخل بها الزوج الثاني دخولا حقيقيا ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه لقوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} .
ولا توارث بينهما إذا مات أحدهما سواء كانت العدة باقية أو انقضت، ويحل به مؤخر الصداق المؤجل إلى أحد الأجلين الموت أو الطلاق لانقطاع رابطة الزوجية به في الحال.
فيؤخذ مما تقدم أن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك ولا الحل، وأن البائن بينونة صغرى لا يزيل الحل ويزيل الملك، وأن البائن بينونة كبرى يزيل الملك والحل معا.
بناء على هذا لو راجع الزوج زوجته بعد أن طلقها رجعيا أو عقد عليها عقدا جديدا بعد أن بانت منه بينونة صغرى تعود إليه بما بقي له من الطلقات؛ لأن الحل الأول ما زال وكأنه هو الذي عاد فيعود بما بقي من عدد الطلقات. أما لو بانت بينونة كبرى ثم تزوجها غيره وبعد أن طلقها عقد عليها زوجها الأول تعود إليه بحل جديد, ويملك عليها ثلاث طلقات؛ لأن الزوج أنهى الحل الأول فالعقد الجديد أنشأ حلا جديد كامل عدد الطلقات.
هذا متفق عليه، والصورة المختلف فيها هي ما إذا بانت منه بينونة صغرى وانقضت عدتها ثم تزوجها غيره وبعد أن طلقها عقد عليها زوجها الأول، فالشيخان يقولان تعود إليه بحل جديد؛ لأن زواجها بالثاني قطع الحل الأول, وأنها فتعود بحل مبتدأ كالبائنة بينونة كبرى، ومحمد يقول تعود إليه بما بقي؛ لأن الحل الأول لا يزيله إلا الزوج الثاني بعد الطلاق الثلاث كما هو نص الآية، والراجح قول الشيخين. وهذه المسألة هي التي يعبر عنها الفقهاء بمسألة الهدم أي: هل الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث من الطلقات كما يهدم الثلاث أو لا.
(1/151)

طلاق المريض مرض الموت:
مرض الموت هو المرض الذي يعجز الرجل عن القيام بمصالحه خارج البيت، ويعجز المرأة عن القيام بمصالحها داخل البيت أي: يعجز كلا منهما عن القيام بما من شأنه أن يقوم به، ويغلب فيه الهلاك، ويتصل به الموت.
فإن كان المرض لا يعجز أحدهما عن ذلك، أو كان يعجزهما ولا يغلب فيه الهلاك، أو لم يتصل به الموت بأن برئ المريض منه، لا يعتبر مرض موت وتكون التصرفات في أثنائه كتصرفات الصحيح، فلا بد لاعتباره مرض الموت من تحقق العجز وغلبة الهلاك واتصال الموت به.
وألحق بمرض الموت وجود الإنسان السليم في حالة يغلب خوف هلاكه فيها, ويتصل بها الموت كمن
قدم لتنفيذ حكم إعدامه، أو خرج من صف القتال ليبارز, أو كان في سفينة اشتدت بها العاصفة وتلاطمت عليها الأمواج وخيف غرقها، فهؤلاء وأمثالهم أصحاء ولكنهم إذا تصرفوا أثناء هذه الحالة الخطرة, ثم اتصل بها الموت تعتبر تصرفاتهم كتصرفات المريض مرض الموت.
وإذا تقدم المرض المعجز بأن مضت على المريض سنة فأكثر ولم تتغير حاله، فتصرفاته بعد السنة كتصرفات الصحيح، فإذا ازداد ما به من مرض ثم اتصل الموت به، فتصرفاته بعد الزيادة تصرفات المريض مرض الموت.
(1/152)

فمن كان مريضا مرض الموت أو ملحقا به بأن كان في حال يغلب فيها خوف الهلال, وطلق امرأته بائنا وهو كذلك، بلا رضاها، ومات في مرضه أو في حالته الخطرة بهذا السبب أو بغيره، والزوجة لا تزال في العدة فإن الطلاق البائن يقع على زوجته، وتبين منه من حين صدوره. ولكنها ترثه بشرط أن تكون أهلا لإرثه من وقت إبانتها إلى وقت موته.
وإنما وقع عليها الطلاق؛ لأنه أهل إيقاعه؛ لأن الصحيح والمريض سيان في أهليتهما لإيقاع الطلاق، وإنما ورثته مع أن المطلقة بائنا لا ترث لانقطاع الزوجية بمجرد الطلاق؛ لأنه لما أبانها في مرضه أو في حالته الخطرة اعتبر للاحتياط فارا وهاربا من أن ترثه فيرد عليه قصده السيئ ويثبت لها الإرث.
فلو طلقها المريض رجعيا لا يعتبر فارا؛ لأنها ترثه في عدة الرجعي على كل حال، ولو طلقها بائنا برضاها لا يعتبر فارا ولا ترثه. وكذلك لا ترثه إذا مات بعد انقضاء عدتها؛ لأنه لم تبق بينهما أية صلة، ولا ترثه أيضا إذا قام بها مانع من إرثه كاختلافهما دينا، سواء قام بها المانع وقت الإبانة أو وقت الموت أو فيما بين ذلك، فالشرط لإرثها أن تستمر أهليتها لإرثه من وقت إبانتها إلى وقت موته.
وإذا حصل سبب الفرقة من قبل الزوجة وهي مريضة مرض الموت أو ملحقة به بأن كانت في حالة يغلب فيها خوف الهلاك كأن اختارت نفسها بالبلوغ، أو فعلت ما يوجب حرمة المصاهرة مع أحد أصوله أو فروعه وماتت وهي في العدة فإن الزوج يرثها؛ لأنها تعتبر للاحتياط هاربة وفارة من إرثه فيرد قصدها السيئ عليها كما يرد قصده السيئ عليه.
ويراعى أن طلاق الفار على ما عليه العمل الآن من أن الطلاق لا يكون بائنا إلا في ثلاثة أحوال: إنما يتصور فيما إذا كان الطلاق الصادر منه في مرضه أو حالته الخطرة مكملا للثلاث، والزوجة مدخول بها؛ لأنه هو الذي تتحقق فيه الشروط السابقة.
(1/153)

أما لو أبانها بالطلاق قبل الدخول فإنه لا عدة عليها ولا ترث على أي حال. ولو أبانها بالطلاق على مال فإنه يكون برضاها وبقبولها التزام المال. وكذلك يتصور فيما إذا فعل وهو مريض ما يوجب التفريق كأن اختار نفسه بالبلوغ، أو فعل بأصولها أو فروعها ما يحرم المصاهرة.
ولم يشترط لتحقق الفرار أن يكون المطلق طائعا مختارا؛ لأنه لو كان مكرها لا يقطع طلاقه أصلا على ما عليه العمل الآن. وأما على مذهب الحنفية فيشترط لاعتبار المطلق فارا أن يكون قد أبانها طائعا مختارا، فلو طلقها مكرها وقع الطلاق ولا يعتبر فارا، ولا ترث منه.
(1/154)

تفويض الطلاق إلى الزوجة:
قدمنا أن الطلاق حق يملكه الزوج، وكل من ملك حقا كان له أن يباشره بنفسه وأن ينيب عنه غيره في مباشرته، فإذا أناب الزوج عنه غيره في تطليق زوجته كان هذا توكيلا. وإذا أناب عنه زوجته في تطليق نفسها منه كان هذا تفويضا.
فالتفويض هو تمليك الزوج زوجته أن تطلق نفسها منه سواء أكان هذا التمليك حين عقد الزواج أي: مقترنا بإيجابه وقبوله أم بعده أي: في أثناء قيام الزوجية.
وهذا التفويض ليس تمليكا من كل وجه، ولا توكيلا من كل وجه، بل يخالف التمليك في بعض أحكامه ويخالف التوكيل في بعض أحكامه.
فهو يخالف التمليك في أن التفويض لا يسلب المفوض حق التصرف فيما فوض فيه، فللزوج أن يطلق زوجته بعد أن يفوض إليها تطليق نفسها مع أن المملك بعد التمليك لا يملك التصرف فيما يملكه غيره لانتهاء حقه فيه. كالبائع والواهب لا يملك واحد منهما التصرف فيما باعه أو وهبه.
ويخالفه في أن التفويض يتم من جانب الزوج وحده ولا يتوقف تمامه على قبول الزوجة, مع أن التمليك لا يتم إلا بالإيجاب والقبول من المملك والمملك، فلو رجع الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر
صح رجوعه؛ لأنه لما يتم العقد.
(1/154)

ويخالفه في أنه يبقى إلى ما بعد مجلس الإيجاب إذا كانت الزوجة غائبة مع أنه في التمليكات لا بد من القبول في مجلس الإيجاب حتى إذا كان الإيجاب والقبول ليسا في مجلس واحد يتم عقد التمليك1.
ويخالف التوكيل في أن المفوض ليس له الرجوع عن التفويض، ولا عزل زوجته عنه, مع أن الموكل له الرجوع عن الوكالة وعزل الوكيل.
وفي أن التوكيل لو صدر بصيغة مطلقة لا يتقيد الوكيل بالتصرف فيما وكل فيه بمجلس التوكيل, مع أن المفوض إليها بصيغة مطلقة تتقيد بالمجلس.
فإعطاء الزوج زوجته الحق في أن تطلق نفسها هو تمليك خاص يشبه التوكيل من بعض الوجوه.
صيغة التفويض:
سواء كان التفويض حين عقد الزواج أو بعده في أثناء الزوجية فإن صيغته تكون بعبارة من ثلاث، أن يجعل لها اختيار نفسها، بأن يقول لها: لك أن تختاري نفسك، أو يجعل أمرها بيدها بأن يقول لها: جعلت أمرك بيدك أو يجعل لها أن تطلق نفسها بأن يقول لها: لك أن تطلقي نفسك. ولا بد من مراعاة أمرين: الأول أنه إذا كان التفويض بعبارة من هذه الثلاث في حين عقد الزواج أي: مقترنا بالإيجاب والقبول، فلا يصح إلا إذا كان البادئ بالإيجاب المقترن بشرط التفويض هو الزوجة، كأن تقول امرأة لرجل زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد فيقول لها: قبلت. فبهذا القبول يتم الزواج ويصح التفويض ويكون لها الحق في أن تطلق نفسها كما أرادت؛ لأن قبوله ينصرف إلى الزواج، ثم إلى التفويض.
أما إذا كان البادئ بالإيجاب المقترن بالتفويض هو الزوج كأن يقول رجل لامرأة: تزوجتك على أن تكون عصمتك بيدك تطلقين نفسك كلما أردت فتقول:
__________
1 نص الفقهاء على أن التمليك إذا كان لغائب فملجس الإيجاب هو مجلس وصول الكتاب به أو الرسول إلى الغائب، وعلى هذا تملك المفوض إليها إيقاع الطلاق فيه؛ لأنه هو في الحقيقة مجلس التفويض. فمجلس التفويض هو مجلس صدور الإيجاب للحاضرة ومجلس العلم للغائبة.
(1/155)

قبلت، فبهذا يتم الزواج ولا يصح التفويض، ولا يكون للزوجة أن تطلق نفسها. والفرق أنه في الصورة الأولى قَبِلَ الزوج التفويض بعد تمام العقد فيكون قد ملك التطليق بعد أن ملكه بتمام عقد الزواج، وأما في الثانية فإنه ملك التطليق قبل أن يملكه؛ لأنه ملكه قبل تمام عقد الزواج إذ لم يصدر إلا الإيجاب وحده.
"الأمر الثاني" أن العبارتين الأوليين مع عبارات التفويض الثلاث وهما جعله لها أن تختار نفسها وجعله أمرها بيدها هما من كنايات الطلاق فلا يثبت التفويض بهما, إلا إذا نوى تفويض الطلاق. والعبارة الثالثة وهي جعله لها أن تطلق نفسها هي من الصريح لا يتوقف ثبوت التفويض بها على النية.
وسواء أكان التفويض إليها بالصريح أم بالكناية فإنها إذا طلقت نفسها بمقتضى هذا التفويض أولى الطلقات أو الثانية وكانت مدخولا بها حقيقة تقع عليها طلقة رجعية، وإن كان غير مدخول بها حقيقة تقع عليها طلقة بائنة؛ لأن المفوض لو طلق زوجته بعد الدخول بها بلفظ صريح أو كناية طلاقا مجردا عن العوض يقع طلاق رجعي، ولو طلق قبل الدخول يقع طلاق بائن تملك بالتفويض ما يملكه هو؛ لأنها تستمد الحق منه.
أحوال صيغة التفويض:
وكل عبارة من عبارات التفويض الثلاث سواء كانت حين العقد أو بعده قد تكون مقرونة بما يدل على التعميم, وعدم تقييد التفويض بوقت كأن يجعل لها أن تختار نفسها متى شاءت, أو يجعل أمرها بيدها تطلق نفسها كلما أرادت. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في أي وقت سواء أكانت حاضرة حين التفويض لها أم غائبة؛ لأنه ملكها هذا الحق تمليكا عاما فتملكه ملكا عاما في أي وقت شاءت بمقتضى قيد التعميم الذي قرنه بصيغة التفويض.
وقد تكون العبارة مقرونة بما يدل على توقيت التفويض بوقت معين كأن يجعل لها أمرها بيدها مدة سنة معينة, أو يجعل لها أن تطلق نفسها ما دام مسافرا. وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في الوقت المعين فقط، وأما بعد مضيه
(1/156)

فلا حق لها في التطليق، حتى لو كانت غائبة حين التفويض ولم تعلم به إلا بعد فوات وقته المعين, ليس لها أن تطلق نفسها؛ لأن مالك الحق ملكه إياها على وجه خاص فلا تملكه في غيره.
وقد تكون عبارة التفويض مطلقة عن قيد يدل على التعميم وعن التوقيت بزمن معين, كأن يجعل لها أمرها بيدها أو أن تختار نفسها أو تطلق نفسها ولم يزد على الصيغة شيئا، وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في مجلس التفويض فقط إن كانت حاضرة فيه، وإن كانت غائبة عنه، كان لها ذلك الحق في مجلس علمها به فقط حتى لو انتهى أو تغير مجلس التفويض، أو مجلس العلم ولم تطلق نفسها لم يكن لها هذا الحق بعد ذلك؛ لأن الصيغة مطلقة فتنصرف إلى المجلس فإذا فات فلا تمليك1.
__________
1 صدر من بعض المحاكم الشرعية المصرية الجزئية حكم بني على أن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج وبصيغة مطلقة لا يتقيد بالمجلس، وللزوجة أن تطلق نفسها متى شاءت وإلا خلا التفويض من الفائدة، وأيد هذا الحكم استئنافيا.
وهذا الحكم ظاهره مخالف لما ذكر من أن صيغة التفويض المطلقة تفيد التمليك في المجلس فقط، إلا أن يقال إن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج فهو مقترن بقرينة حالية تدل على التعميم, إذ لا يعقل أن يقصد المفوض تمليكها تطليق نفسها في نفس مجلس زواجها، فالصيغة بدلالة الحال تفيد التعميم, وهم لم يشترطوا أن يدل على تعميم التفويض دليل لفظي فيشمل دلالة الحال ودلالة اللفظ, فتكون الصيغة المطلقة حين العقد في معنى صيغة التفويض المقرونة بما يفيد التعميم فهي مطلقة لفظا فقط، ولكنها تفيد التعميم بقرينة الحال.
(1/157)

الخلع:
تعريفه:
الخلع هو حل عقدة الزوجية بلفظ الخلع أو ما في معناه، في مقابلة عوض تلتزم به الزوجة، كأن يقول الزوج لزوجته خالعتك على مائة جنيه فتقول: قبلت. فبمجرد قبولها تطلق بائنا، وتلزمها
المائة، وتترتب سائر أحكام الخلع التي ستبين بعد, فلا يتحقق الخلع شرعا وتترتب عليه أحكامه إلا
إذا استعمل لفظ الخلع أو ما في معناه, وكان في مقابلة مال، فإذا قال لها خلعتك ولم يذكر عوضا فحكم هذا حكم ما إذا قال لها: أبنتك أو خلصتك أوحرمتك أو أي لفظ من ألفاظ الكنايات إن نوى به الطلاق وقعت طلقة رجعية على ما عليه العمل الآن، ولا يلزمها مال ولا تترتب أحكام الخلع، وإن لم ينو الطلاق لا يقع شيء، وإذا حل عقدة الزوجية في مقابلة مال لكن لا بلفظ الخلع أو ما في معناه، كأن قال لها أنت طالق أو خالصة على مائة جنيه فقالت: قبلت فبمجرد قبولها تطلق بائنا وتلزمها المائة ولا تترتب سائر أحكام الخلع، فلفظ الخلع الذي لا يتوقف على قبول الزوجة ولا يقترن بعوض إذا نوى به الطلاق، كلفظ الطلاق مجردا عن العوض يقع به طلاق رجعي. ولفظ الخلع أو ما في معناه في مقابلة عوض هو الخلع الشرعي الذي تترتب عليه أحكامه. ولفظ الطلاق في مقابلة مال هو طلاق بائن يجب به المال على الزوجة ولا تسقط به الحقوق المالية التي تسقط بالخلع.
شرطه: وشرطه أن يكون الزوج المخالع أهلا لإيقاع الطلاق, والزوجة محلا لوقوعه؛ لأنه كما تبين من تعريفه نوع من الطلاق على مال.
صفته: وصفته أنه من جانب الزوج يمين، ومن جانب الزوجة معاوضة. ومعنى هذا أن الزوج يقصد منه تعليق طلاقها على قبولها إعطاءه البدل فهو منه بمنزلة تعليق الطلاق على قبولها والتعليق يمين، والزوجة تقصد افتداء نفسها وتخليص عصمتها بالبدل الذي تدفعه فهو منها بمنزلة مبادلة ومعاوضة1. ويترتب على هذا أنه تراعى فيه أحكام اليمين من جانبه، وأحكام المعاوضة من جانبها، ويتبين ذلك فيما يأتي:
1- إذا ابتدأ الزوج بالخلع فقال لها: خلعتك على عشرين جنيها لا يملك الرجوع عن هذا الإيجاب قبل قبولها، ولا يبطل إيجابه بقيامه أو قيامها من المجلس قبل القبول؛ لأن اليمين تلزمه بمجرد صدورها. ولكن إذا ابتدأت الزوجة بالخلع
__________
1 إذا قال لها خالعتك على مائة، فإن قوله هذا معناه إن أديت لي مائة خلعتك من عصمتي فهو تعليق طلاقها على التزامها أداء البدل والتعليق يمين، وإذا قالت هي قبلت فهذا معناه رضيت أن أشتري عصمتي منك بهذا البدل فهي معاوضة منها.
(1/157)

فقالت له اختلعت نفسي منك على عشرين جنيها أدفعها لك، فلها أن ترجع عن هذا الإيجاب قبل قبوله ويبطل إيجابها بقيامها أو قيامه من المجلس قبل قبوله؛ لأن المعاوضة ما لم تتم بالإيجاب والقبول في المجلس فالموجب في حل من إيجابه.
2- للزوج المخالع أن يعلق الخلع على شرط، وأن يضيفه إلى زمن المستقبل كأن يقول إن سافرت فقد خلعتك على عشرين جنيها أو خلعتك على عشرين جنيها في آخر هذا الشهر؛ لأنه من جانبه يمين واليمين تقبل التعليق والإضافة إلى زمن مستقبل، فلو قبلت الزوجة حين وجود الشرط المعلق عليه أو حلول الوقت المضاف إليه وقع الطلاق ولزمها المال وترتبت آثار الخلع، ولكن ليس للزوجة أن تعلق الخلع على الشرط أو تضيفه إلى الزمن المستقبل؛ لأنه من جانبها تمليك والتمليكات لا تقبل التعليق ولا الإضافة.
3- يشترط في الزوجة أن تكون في إيجابها الخلع أو قبولها له راضية غير مكرهة عليه, وأن تكون عالمة بمعناه؛ لأن شرط صحة المعاوضات التراضي والعلم بمعنى عباراتها، ويصح لها أن تشترط الخيار لنفسها في إيجابه أو قبوله مدة معينة؛ لأن المعاوضات يصح شرط الخيار فيها، وأم الزوج فلكونه يمينا من جانبه لا يصح شرط الخيار له لا في إيجابه ولا في قبوله، وعلى مذهب الحنفية يعتبر منه تعليقا صحيحا ولو كان مكرها عليه؛ لأن يمين المكره عندهم منعقدة.
أحوال صيغته:
إذا خالعها بقوله خلعتك بلا ذكر بدل كان هذا كقوله خلصتك لا يتوقف وقوع الطلاق به على قبولها، بل إن نوى الطلاق وقع، وإن لم ينوه لم يقع فهو لفظ منجز من ألفاظ الكنايات.
وإذا خالعها بقوله خلعتك على عشرين جنيها توقف وقوع الطلاق على قبولها؛ لأنه كما تقدم بمنزلة طلاق معلق على شرط فلا يقع إلا عند قبولها دفع البدل.
وإذا خالعها بصيغة المفاعلة أو بصيغة الأمر بأن قال لها خالعتك أو اختلعي، فسواء ذكر مالا مع صيغة منهما أو لم يذكر مالا لا يقع الطلاق إلا بقبولها،
(1/158)

أما في حالتي ذكر المال فالعلة واضحة؛ لأنه علق خلعها على قبولها المال، وأما في حالتي عدم ذكر المال؛ فلأن الصيغة نفسها وهي المفاعلة أو الأمر تقتضي لزوم قبولها؛ لأن المفاعلة تقتضي المشاركة وهي لا تتم بعبارة واحدة؛ ولأن الأمر بمنزلة التفويض إليها فما لم تقبل لم تباشر ما فوض إليها فلا يقع طلاق. ففي خمس حالات يتوقف الخلع على قبولها وفي واحدة لا يتوقف.
بدله: وبدل الخلع يصح من كل ما يصح تسميته مهرا أي: من كل مال معلوم متقوم في حق الزوجين. وليس له نهاية صغرى ولا نهاية كبرى بل يصح الخلع ببدل قليل أو كثير سواء كان دون المهر الذي تزاوجا به أو مساويا له أو أكثر منه. فالبدل الذي يتراضى عليه الزوجان أيا كان قدره يكون ملكا للزوج ملزمة به الزوجة؛ لأن الله تعالى قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي: فلا جناح ولا إثم على الرجل فيما أخذ ولا على المرأة فيما أعطت.
ففي القضاء يملك الزوج البدل بالغا قدره ما بلغ؛ لأنه أسقط حقه في مقابل عوض التزمت به الزوجة برضاها وهي أهل لالتزامه، ولا فرق بين أن يكون النشوز الذي أدى إلى الاختلاع من جهة الزوج أو من جهة الزوجة أو منهما.
وأما ديانة فإذا كان النشوز من جانب الزوج, وهو الذي رغب في الفرقة ليستبدل زوجة مكان زوجة فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا في مقابل طلاقها, لا قليلا ولا كثيرا حتى لا يجمع عليها بين إيحاشها بفرقة ليست هي الباعثة عليها, وبين أخذ بدل منها، وهذا صريح قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} .
وإذا كان النشوز منهما أو منها وحدها فلا جناح ولا إثم على الزوج في أن يأخذ منها عوضا لقوله تعالى في سورة البقرة: {وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ
(1/160)

عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} . ولكن لا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه لها مهرا لما روي أن جميلة بنت عبد الله بن أبي كانت زوجة ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فأتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت يا رسول الله: لا أنا ولا ثابت ولا يجمع رأسي ورأسه شيء والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضا، وكان قد أصدقها حديقة فقال: "أتردين عليه حديقته" قالت: نعم وزيادة، فقال الرسول "أما الزيادة فلا". فاختلعت منه بمهرها فقط.
ففي الديانة إذا أخذ الزوج أي عوض في الحال الأولى أو أخذ زيادة عما أمهرها في الحال الثانية لا يطيب له ما أخذ ويملكه ملكا خبيثا.
ويصح أن يكون بدل الخلع إرضاع الطفل مدة الرضاعة كأن يقول لها خالعتك على أن ترضعي ابني منك مدة السنتين بلا أجر فتقول قبلت؛ لأن الرضاعة منفعة متقومة يستحق في مقابلتها المال، وأجرتها حق خالص لها فعليها أن ترضعه بغير أجرة المدة المحددة حتى لو لم ترضع لوفاة الطفل أو هربها أو وفاتها كان له الرجوع بقيمة الرضاعة عن المدة أو ما بقي منها.
ويصح أن يكون بدل الخلع نفقة ابنه الصغير منها كأن يقول لها خالعتك على أن تنفقي على ابني من الآن حتى يبلغ سبع سنين فتقول قبلت فيلزمها الإنفاق عليه في المدة المحددة، حتى إذا لم تقم بالإنفاق بسبب وفاة الولد أو وفاتها أو امتناعها كان له أن يرجع عليها بمثل نفقته في المدة أو ما بقي منها.
ويصح أن يكون بدل الخلع حضانة ابنه منها مدة حضانته بلا أجر؛ لأن حضانتها الصغير في مدة الحضانة منفعة متقومة يستحق في مقابلتها المال كإرضاعه، وأجرتها حق خالص لها وإذا لم تقم بحضانته لوفاته أو وفاتها أو خروجها عن أهلية الحضانة أو امتناعها رجع عليها بقيمة الحضانة في المدة أو فيما
بقي منها.
(1/161)

ولا يصح الخلع على أن تمسك الصغير عندها بعد تجاوز سن الحضانة إلى أن يبلغ الحلم؛ لأن ذلك تراض على إضاعة حق الصغير؛ لأن الشارع مراعاة لمصلحته جعل الحق في إمساكه بعد تجاوز سن الحضانة للأب لا للأم، فالتراضي على أن يكون إمساكه بعد تجاوز سن الحضانة للأب لا للأم، فالتراضي على أن يكون إمساكه للأم لا للأب غير صحيح، كما إذا تراضيا على أن يكون الصغير أو الصغيرة في مدة الحضانة بيد الأب لا الأم. أما إذا اختلعت على إمساك بنتها عندها إلى أن تبلغ الحلم فلها ذلك؛ لأنه ليس فيه إضرار بالبنت.
وهذا هو الوارد بالمادة 287 من كتاب الأحوال الشخصية للمرحوم محمد قدري باشا، ولك الظاهر ألا يفرق بين البنت والغلام، فالاتفاق على إمساك أحدهما بعد تجاوزه سن الحضانة إلى بلوغ الحلم بيد الأم يكون باطلا، كالاتفاق على إمساكهما مدة الحضانة بيد الأب؛ لأن الشرع جعل لكل مدة يدا بلا فرق بين بنت وغلام.
حكمه: وحكمه أنه متى تحقق معناه الشرعي بأن كان بلفظ الخلع أو ما في معناه في مقابلة بدل وقبلت الزوجة ترتبت عليه آثار ثلاثة: وقوع طلاق بائن؛ لأن الطلاق في مقابلة المال بائن، ولزوم المال في ذمة الزوجة؛ لأن الزوج علق طلاقه على قبولها هذا الالتزام وقد رضيت به، وسقوط كل حق ثابت وقت الخلع لكل واحد من الزوجين قبل الآخر مما يتعلق بالزواج الذي وقع الخلع منه، فيسقط ما للزوجة من مهر لم تقبضه ونفقة متجمدة لم تستوفها استحقتهما من هذا الزواج، ويسقط ما للزوج من نفقة عجلها ولم تمض مدتها ومهر سلمه إليها ولم تستحقه بتمامه في هذه الزوجية.
وهذا قول الإمام وعليه الفتوى ولا فرق عنده في إسقاط هذه الحقوق بين لفظ الخلع وبين ما في معناه كالمبارأة، ووجه قول أن الخلع ينبئ عن الفصل, والمبارأة تنبئ عن براءة كل منهما عن الآخر، وقد صدر كل من اللفظين غير مقيد فينصرف إلى الانفصال التام والبراءة التامة، وذلك إنما يكون بقطع آثار هذه الزوجية الحاصل
(1/162)

منها الخلع وسقوط الحقوق الثابتة بها. ولكن لا تسقط نفقة العدة؛ لأنها لم تكن حقا ثابتا وقت الخلع وإنما ثبتت بعده، فلا تسقط إلا إذا نص عليها صراحة في بدل الخلع. ولا يسقط ما لأحدهما قبل الآخر من غير حقوق الزوجية كثمن مبيع أو دين قرض، ولا تسقط حقوق زوجية سابقة مثل مؤخر صداق.
وقال محمد لا يسقط بالخلع والمبارأة شيء من الحقوق, ويقتصر فيهما على ما سماه الزوجان؛ لأن المعاوضات يقتصر فيها على ما تم التراضي عليه، فيقع عليه الطلاق البائن ويلزمها البدل المسمى فقط.
وأبو يوسف مع أبي حنيفة في المبارأة ومع محمد في الخلع.
وعلى ما عليه العمل الآن من أن نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها، ولو حكما تعتبر دينا صحيحا في ذمة الزوج من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه، ولا يسقطها إلا الأداء أو الإبراء، وأنها لا تسقط بالطلاق ولو خلعا تكون النفقة المتجمدة للزوجة مثل نفقة عدتها إذا نص على أنها من بدل الخلع تسقط وإن لم ينص على أنها منه لا تسقط.
ومن حكم الخلع يتبين الفرق بينه وبين الطلاق على مال، فالطلاق على مال يترتب عليه أثران: وقوع البائن، ولزوم المال. والخلع تترتب عليه آثار ثلاثة: هذان الاثنان، وسقوط حقوق الزوجية على ما بينا.
خلع الزوجة التي ليست أهلا للتبرع:
قدمنا أن الخلع من جانب الزوجة معاوضة, ولكنه لما كان معاوضة مال بغير مال؛ لأن الزوجة تدفع مالا هو بدل الخلع ولا يدخل في ملكها مال، بل تخلص لها عصمتها اعتبرت الزوجة كأنها متبرعة بالبدل الذي تلتزم به، ولهذا لا يلزمها البدل ولا يتحقق معنى الخلع الشرعي المترتبة عليه آثاره الثلاثة إذا كانت الزوجة المخالعة أهلا للتبرع، أي: بالغة عاقلة غير محجور عليها لسفه أو مريضة مرض الموت.
(1/163)

فإن كانت الزوجة صغيرة مميزة وقال لها زوجها خلعتك على مؤخر صداقك أو على عشرين جنيها فقالت: قبلت. وقع عليه طلاق رجعي، ولا يلزمها المال، أما عدم لزوم المال فوجهه أنها صغيرة ليست أهلا للتبرع بهذا البدل الذي التزمته بقبولها، وقبولها لا يلزمها، وأما وقوع الطلاق؛ فلأن عبارة الزوج معناها تعليق الطلاق على قبولها, وقد صح التعليق لصدوره من أهله ووجد المعلق عليه وهو القبول ممن هي أهل له؛ لأن الأهلية للقبول تكون بالتمييز وهي هنا صغيرة مميزة، ومتى وجد المعلق عليه وقع الطلاق المعلق. وكان رجعيا؛ لأنه لما لم يصح التزام المال كان طلاقا مجردا ليس في مقابلة مال فيقع رجعيا، فإن لم تقبل الصغيرة أو قبلت وهي ليست أهلا للقبول بأن كانت غير مميزة فلا يقع طلاق أصلا لعدم وجود المعلق عليه وهو القبول ممن هو أهله.
وإذا جرى الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها بأن قال زوج الصغيرة لأبيها خالعت ابنتك على مهرها أو على مائة جنيه من مالها، ولم يضمن الأب البدل له، وقالت قبلت: طلقت، ولا يلزمها المال ولا يلزم أباها، أما وقوع الطلاق فلأن الطلاق المعلق يقع متى وجد المعلق عليه, وهو هنا قبول الأب وقد وجد، وأما عدم لزومها المال؛ فلأنها ليست أهلا لالتزام التبرعات ولم تلتزم، وأما عدم لزوم أبيها المال فلأنه لم يلتزمه بالضمان ولا إلزام بدون التزام، ولهذا إذا ضمنه لزمه، وقيل لا يقع الطلاق في هذه الحال؛ لأن المعلق عليه قبول دفع البدل وهو لم يتحقق، وهذا القول ظاهر ولكن العمل بالقول الأول.
وإذا خالع أبا الصغيرة على بدل من مال الأب نفسه تم الخلع بقبول الأب ولزم الأب أن يقع البدل من ماله ولا رجوع له على مال الصغير.
وإذا كانت الزوجة محجورا عليها للسفه وخالعها زوجها على مال وقبلت لا يلزمها المال، ويقع عليها الطلاق الرجعي المعلق على قبولها؛ لأنها ليست أهلا للتبرع كالصغيرة ولكنها أهل للقبول كالمميزة.
(1/164)

وإذا كانت الزوجة مريضة مرض الموت وخالعها زوجها على مال وقبلت صح الخلع ويلزمها المال بشرط ألا يزيد عن ثلث ما تملكه؛ لأنها متبرعة والتبرع في مرض الموت وصية والوصية لا تنفذ إلا من الثلث للأجنبي، والزوج بالخلع صار أجنبيا.
وإذا ماتت هذه المخالعة المريضة وهي في العدة لا يستحق زوجها إلا أقل هذه الأمور، بدل الخلع، وثلث تركتها، وميراثه منها؛ لأنه قد تتواطأ الزوجة مع زوجها في مرض موتها وتسمى له بدل خلع باهظا يزيد عما يستحقه بالميراث، فلأجل الاحتياط لحقوق ورثتها وردا لقصد المتواطئ عليه، قلنا إنها إذا ماتت في العدة لا تأخذ إلا أقل الأشياء الثلاثة، فإن برئت من مرضها ولم تمت منه فله جميع البدل المسمى؛ لأنه تبين أن تصرفها لم يكن في مرض الموت.
أما إذا ماتت بعد انقضاء عدتها فله بدل الخلع المتفق عليه بشرط ألا يزيد عن ثلث تركتها؛ لأنه في حكم الوصية كما قدمنا، ولا نظر إلى مقدار ما يرثه؛ لأنه في هذه الحال ليس من ورثتها.
(1/165)

الحالات التي يطلق فيها القاضي:
قدمنا أن الطلاق قد يكون من الزوج وقد يكون من القاضي بناء على طلب الزوجة، وبينا أن الزوج له حق الطلاق في أي حال ما دام أهلا لإيقاعه، وأما القاضي فلا يطلق الزوجة بناء على طلبها إلا في خمس حالات: نص القانون رقم 25 سنة 1920 على اثنتين منها: وهما التطليق لعدم الإنفاق، والتطليق للعيب. ونص القانون رقم 25 سنة 1929 على الثلاث الباقية وهي التطليق للضرر، والتطليق لغيبة الزوج بلا عذر، والتطليق لحبسه، وهذا بيان حكم كل منها1:
1- التطليق لعدم الإنفاق:
إذا كان للزوج مال ظاهر يمكن تنفيذ النفقة فيه بالطرق المبينة بلائحة التنفيذ، فللزوجة أن تستوفي نفقتها منه وليس
__________
1 وسنذكر نصوص هذين القانونين في آخر هذا الكتاب ليرجع إليها من أراد.
(1/165)

لها أن تطلب تطليقها منه لعدم إنفاقه عليها، سواء كان الزوج حاضرا أو غائبا قريب الغيبة أو بعيدها؛ لأن غرضها وهو حصولها على نفقتها يتحقق بالتنفيذ في ماله الظاهر.
وإذا لم يكن للزوج مال ظاهر يمكنها أن تنفذ نفقتها فيه، فإما أن يكون حاضرا أو غائبا، غيبة قريبة أو بعيدة.
فإن كان حاضرا وادعت عليه زوجته أنه تاركها بلا نفقة وليس له مال ظاهر تستوفي نفقتها منه وطلبت تطليقها منه لذلك، فإن قال إني معسر وصادقته الزوجة على إعساره، أو لم تصادقه فأثبته بالبينة، ففي هاتين الحالتين اللتين ثبت فيهما إعساره بتصادقهما أو ببينته يمهله القاضي مدة لا تزيد على شهر، فإن أنفق فلا تطلق وإلا طلقها منه القاضي بقوله طلقتك منه.
وإن اعترف بأنه موسر، أو سكت عن بيان حاله من يسار أو إعسار، أو قال إني معسر ولم يثبت قوله بمصادقتها أو بينته، وأصر في كل حالة من هذه الحالات الثلاث على عدم الإنفاق، وأصرت هي على طلب التطليق طلق عليه القاضي في الحال بدون إمهال.
والفرق أنه في الحالين اللتين ثبت فيهما إعساره بالتصادق أو البينة ظاهر حاله أنه غير متعنت, ولا يقصد الإضرار بها, وأنه ما منعه من الإنفاق عليها إلا عسره فيمهل مدة قصيرة لا تزيد على شهر لعل الله يجعل من عسره يسرا، ولا ضرر على الزوجة في اصطبار هذه المهلة القصيرة، وأما في الحالات الثلاث التي اعترف فيها بيساره أو لم يثبت فيها إعساره، فإن الظاهر من إصراره على عدم الإنفاق مع اعترافه باليسار أو عجزه عن إثبات الإعسار أنه يقصد العنت والإضرار بها، فلا فائدة في إمهاله ويطلق عليه في الحال.
وإن كان الزوج غائبا غيبة قريبة وادعت عليه أنها زوجته وغاب عنها وتركها بلا نفقة وليس له مال ظاهر تنفذ فيه، وأثبتت وقائع دعواها جميعها يضرب القاضي لهذا الغائب أجلا يقدر مدته بحسب ما يراه, ويقرر أنه إذا لم يرسل الغائب
(1/166)

في خلال تلك المدة ما تنفق الزوجة منه على نفسها النفقة الحاضرة الواجبة لها عليه أو لم يحضر للإنفاق عليها تطلق عليه، ويكلف قلم الكتاب إعلان الغائب بصورة من هذا القرار والأجل المضروب له، فإن مضت المدمة وحل الأجل ولم يرسل الزوج لزوجته ما تنفق منه على نفسها ولم يحضر للإنفاق عليها وتحققت المحكمة من وصول الإعلان إليه طلقها القاضي منه ما دامت مصرة على طلبها.
ومثل الغائب غيبة قريبة المسجون إذا طلبت زوجته تطليقها منه لعدم إنفاقه عليها وعدم وجود مال ظاهر له لا يطلقها القاضي إلا بعد ضرب أجل له وإعذاره كما تقدم؛ لأنه ما خرج عن كونه غائبا غيبة قريبة.
وإن كان الزوج غائبا غيبة بعيدة وادعت عليه أنها زوجته وغاب عنها وتركها بلا نفقة، وليس له مال ظاهر تنفذ فيه وأثبتت وقائع دعواها جميعها يطلقها القاضي منه في الحال بدون ضرب أجل ولا إعذار.
ففي حضور الزوج يطلق زوجته بدون إمهال في حالات ثلاث، ويمهله في حالتين، وفي غيبته يطلق بدون إمهال في الغيبة البعيدة، ويمهل بحسب ما يرى في القريبة.
ومثل الغائب غيبة بعيدة: الغائب الذي لا يدري مكانه ولا يعلم له محل إقامة، والمفقود الذي لا يعلم أحي هو أو ميت، فمتى أثبتت زوجة الواحد منهما وقائع دعواها التي بيناها تطلق منه في الحال، بدون ضرب أجل ولا إعذار.
والمراد بالغيبة القريبة أن يكون الغائب بمكان يسهل وصول قرار المحكمة إليه بضرب الأجل في مدة لا تتجاوز تسعة أيام، وبالغيبة البعيدة ما ليست كذلك.
ووجه الفرق بين الغائب غيبة قريبة ومن في حكمه وهو المسجون، والغائب غيبة بعيدة ومن في حكمه وهما المجهول محل إقامته والمفقود، أنه في الحالة الأولى يمكن الاحتياط بإعذار الزوج قبل تطليق زوجته منه، ولا ضرر على الزوجة في هذا الاحتياط. وأما في الحالة الثانية فلا يمكن هذا الاحتياط بغير إضرار بالزوجة؛ لأن
(1/167)

الفرض أنه بعيد الغيبة أو مجهول محله أو مفقود فإعذاره متعذر أو ممكن بضررها لحاجته إلى أمد طويل.
والطلاق الذي يوقعه القاضي لعدم الإنفاق في أي حال من هذه الأحوال السابقة رجعي ما دام إيقاعه بعد دخول الزوج بزوجته, فيجوز للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة بشرطين: أن تثبت قدرته على الإنفاق عليها، وأن يستعد للقيام بهذا الإنفاق، فإذا لم يتوافر الشرطان لم تصح الرجعة؛ لأن سبب التطليق قائم. وأحكام التطليق لعدم الإنفاق التي بيناها مأخوذة من مذهب الإمام مالك، ودليله أن الزوج عجز عن الإمساك بالمعروف فيجب التسريح بالإحسان، وما دام الزوج لم يسرحها من تلقاء نفسه فإن القاضي ينوب عنه. "المواد 4 و5 و6 من القانون رقم 25 لسنة 1920".
وأما على مذهب الحنفية فلا تطليق لعدم الإنفاق ولا للعجز عنه؛ لأن الزوج إن كان ذا عسر فنظرة إلى ميسرة، وتؤمر الزوجة باستدانة نفقتها ممن تجب عليهم نفقتها عند عدم الزوج ويؤمرون بالإدانة، وكذلك الحال في نفقة من يستحقون النفقة من أولادها, وإن كان موسرا يحبس حتى ينفق على زوجته.
2- التطليق للعيب:
إذا وجدت الزوجة بزوجها عيبا مستحكما لا يمكن البرء منه أو يمكن بعد زمن طويل, ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص، فلها أن تطلب من القاضي تطليقها منه, سواء كان ذلك العيب بالزوج قبل العقد ولم تعلم به أم حدث بعد العقد ولم ترض به، فإن تزوجته عالمة بالعيب، أو حدث العيب بعد العقد، ورضيت به صراحة أو دلالة بعد علمها، فليس لها طلب التطليق لأجله.
وليست عيوب الزوج التي تسوغ طلب التطليق محصورة, وإنما المدار على كون العيب مستحكما لا يمكن البرء منه أو يمكن بعد زمن طويل, ولا تستطاع العشرة معه إلا بضرر أيا كان نوعه.
(1/168)

ويستعان بأهل الخبرة من الأطباء في معرفة العيب, وما إذا كان متحققا فيه هذه الأوصاف ومسوغا طلب التطليق أو لا.
ومن العيوب التي تتحقق فيها هذه الصفات وتسوغ طلب التطليق: العنة، والجبّ، والخصاء. والعنين هو من لا يقدر على مباشرة النساء، والمجبوب هو الذي استؤصل مه عضو التناسل، والخصي هو الذي سلت خصيتاه.
فإذا تزوجت المرأة ووجدت زوجها عنينا أو مجبوبا أو خصيا ولم تكن قد علمت حين العقد بحقيقة حاله, ولم ترض بالمقام معه على ذلك صراحة أو دلالة وطلبت تطليقها منه، فإن كانت دعواها أنه مجبوب وثبت أنه مجبوب طلقها القاضي منه في الحال ولا فائدة في الانتظار؛ لأن الجب أمر حسي يمكن تعرفه في الحال.
وإن ادعت عليه أنه عنين "ومثله الخصي" وطلبت تطليقها منه؛ لأنه لم يصل إليها بسبب عنته سأله القاضي عن دعواها فإن أقر بها وصادقها على أنه لم يصل إليها يؤجله سنة قمرية ليتبين بمرور الفصول الأربعة المختلفة ما إذا كان عجزه عن مباشرة النساء لعارض يزول أو لعيب مستحكم وهو العنة. ولا يحتسب من السنة أيام غيبتها أو مرضها أو مرضه إن كان مرضا لا تستطاع معه المباشرة، وابتداء السنة من يوم الخصومة إلا إذا كان الزوج مريضا أو به مانع شرعي أو طبعي يمنعه من المباشرة، فإن كان كذلك فيكون ابتداء السنة من حين زوال المانع، فإن مضت السنة وعادت الزوجة إلى القاضي مصرة على طلبها؛ لأنه لم يصل إليها طلقها القاضي منه.
وأما إن سأله القاضي عن دعواها فأنكرها, وقال إنه وصل إليها فإن كانت ثيبا من الأصل فالقول للزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له إذ الأصل في الإنسان السلام, فإن حلف أنه وصل إليها رفضت دعواها، وإن نكل اعتبر نكوله مصادقة لها فيؤجل سنة كما في حال المصادقة السابقة، وإن كانت بكرا من الأصل عين القاضي امرأتين يثق بهما للكشف عليها، فإن قالتا هي ثيب فالقول للزوج بيمينه؛ لأن الظاهر يشهد له والقول بيمينه أيضا في أنه أزال بكارتها بالوقاع لا بالأصبع مثلا. وإن قالتا هي بكر يؤجله سنة كما مر.
(1/169)

فإذا مضت السنة وعادت الزوجة مصرة على طلبها؛ لأنه لم يصل إليها أراها لامرأتين يثق بهما مرة ثانية، فإن قررتا أنها ما تزال بكرا طلقها القاضي منه، وإن قررتا أنها ثيب فالقول للزوج بيمينه.
والسبب في اتخاذ هذه الإجراءات بشأن عيب العنة خاصة أن الوقوف على حقيقة العنة متعذر وليس لأهل الخبرة من الأطباء في هذا العيب رأي قاطع, وقد يكون عجز الرجل عن مباشرة زوجته لعارض سريع الزوال، وليس عيبا مستحكما لا يمكن البرء منه، وقد يعجز الرجل عن مباشرة امرأة دون أخرى أو في حين دون آخر. فلهذا إذا أقر أنه لم يصل إليها يمهل سنة حتى تستبين حاله، وإذا ادعى أنه وصل إليها والظاهر يشهد له صدق يمينه. وإن كان الظاهر يكذبه بأن كانت ما تزال بكرا كما كانت, يمهل والغرض من هذا بناء التطليق على عيب مستحكم لا على مجرد عارض قد يكون سريع الزوال.
والفرقة بالعنة وبأي عيب من العيوب المستحكمة التي لا يمكن البرء منها طلاق بائن، والمأخذ لأحكام التفريق بالعيوب هو مذهب محمد من أئمة الحنفية ومذاهب الأئمة الثلاثة "المواد 9 و10 و11 من القانون رقم 25 سنة 1920".
3- التطليق للضرر:
إذا ادعت الزوجة على زوجها إضراره بها بأي نوع من أنواع الضرر الذي لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها، كأن ادعت عليه أنه يضربها ضربا مبرحا، أو أنه يسبها أو يكرهها على محرم, وطلبت من القاضي تطليقها منه بناء على هذا الضرر، فإذا ثبت الضرر الذي ادعته سواء كان ثبوته باقرار الزوج أو بينته الزوجة وكان من أنواع الضرر الذي لا تستطاع معه العشرة بين أمثالهما, وعجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها منه.
وإذا عجزت عن إثبات الضرر الذي ادعته قررت المحكمة رفض دعواها، فإذا جاءت ثانية مكررة شكواها طالبة التطليق لإضراره بها ولم تثبت ما تشكو منه،
(1/170)

فحينئذ يعين القاضي حكمين رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن وإلا فمن غيرهم ممن لهم خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما.
وعلى الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح، فإن أمكن على طريقة معينة قرارها, وإذا عجزا عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو منهما أو جهل الحال قررا التفريق بينهما بالطلاق. وأما إذا كانت الإساءة من الزوجة فلا تطلق، وإذا اختلفا أَمَرَهما القاضي بمعاودة البحث فإن استمر الخلاف بينهما حَكّم غيرهما، وعلى الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه، والطلاق الذي يوقعه القاضي بناء على الضرر الذي أثبتته الزوجة أو بناء على تقرير الحكمين طلاق بائن. ومأخذ هذه الأحكام مذهب مالك ومستنده قوله تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} . "المواد 6 و7 و8 و9 و10 و11 من القانون رقم 25 سنة 1929".
4- التطليق لغيبة الزوج:
إذا ادعت الزوجة على زوجها أنه غاب عنها سنة فأكثر بلا عذر مقبول وطلبت تطليقها منه لتضررها من بعده عنها هذه المدة الطويلة وأثبتت وقائع دعواها، فإن كان زوجها الغائب لا يمكن وصول الرسائل إليه بأن كان غير معلوم محل إقامته أو معلوما ولا سبيل إلى مراسلته طلقها القاضي منه في الحال، وإن كان يمكن وصول الرسائل إليه ضرب القاضي له أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها, أو ينقلها إليه أو يطلقها, فإذا انقضى الأجل ولم يفعل ولم يبد عذرا مقبولا طلقها القاضي منه, ولو كان له مال تستطيع أن تنفق على نفسها منه؛ لأن هذا تطليق لتضررها ببعده عنها المدة الطويلة بلا عذر, وليس سببه عدم وجود ما تنفق منه، والتطليق لهذه الغيبة طلاق بائن؛ لأنه من
(1/171)

أنواع التطليق للضرر ومأخذه مذهب الإمام مالك، والمراد بالسَّنة التي عَدَد أيامها 365 يوما "المادتان 12 و13 من القانون رقم 25 سنة 1929".
5- التطليق لحبس الزوج: إذا صدر على الزوج حكم بسجنه ثلاث سنين فأكثر وصار هذا الحكم نهائيا، فلزوجته بعد مضي سنة من سجنه أن تطلب تطليقها منه لتضررها من بعده عنها هذه المدة الطويلة، ومتى تثبت للقاضي أن الحكم صدر بالسجن لمدة ثلاث سنين فأكثر. وأنه أصبح نهائيا، وأنه نفذ على الزوج, ومضت سنة فأكثر من تاريخ تنفيذه طلقها القاضي منه.
والتطليق لهذا الحبس طلاق بائن؛ لأنه أيضا من نوع التطليق للضرر ومأخذه كذلك مذهب الإمام مالك والمراد بالسنة التي عدد أيامها 365 "المادة 14 من القانون رقم 25 سنة 1929".
(1/172)

فسخ الزواج:
الفرقة بين الزوجين قد تكون بالطلاق الذي يصدر من الزوج أو من القاضي بناء على طلب الزوجة وهذا تقدم بيانه.
وقد تكون بفسخ العقد أي: نقضه بسبب خلل وقع فيه. أو بسبب طارئ طرأ يمنع بقاءه.
ففسخ الزواج لخلل وقع فيه يكون في حالات:
منها الفسخ بسبب ظهور أن العقد وقع غير صحيح كما إذا تبين أن الزوجة أخت زوجها رضاعا أو زوجة غيره أو معتدته.
ومنها الفسخ بخيار البلوغ سواء أكان من الزوج أم من الزوجة في الحال التي يكون فيها الخيار لأحد الزوجين إذا بلغ.
ومنها الفسخ لعدم كفاءة الزوج لزوجته وعدم رضا وليها العاصب به وقت العقد.
(1/172)

ومنها الفسخ لنقصان مهر الزوجة عن مهر مثلها, وعدم رضا وليها به وامتناع الزوج عن إكماله.
وفسخ الزواج لطارئ يمنع بقاءه يكون في حالات:
منها الفسخ بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام1.
ومنها الفسخ بسبب إباء الزوجة غير الكتابية أن تسلم بعد أن أسلم زوجها.
ومنها الفسخ بسبب فعل أحد الزوجين مع أصول الآخر أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة من الزنا ودواعيه.
فسواء أكانت الفرقة بسبب خلل في العقد أم بسبب طارئ يمنع بقاءه فإنها في هذه الحالات جميعها تعتبر فسخا ولا تعتبر طلاقا.
والفرق بين الفرقة التي هي طلاق والفرقة التي هي فسخ من وجوه: "أولها" أن الطلاق يتنوع إلى رجعي لا يحل عقدة الزواج في الحال وإلى بائن يحل عقدة الزواج في الحال. وأما الفسخ فهو بجميع أسبابه يحل عقدة الزواج في الحال. "وثانيها" أن الفرقة التي هي طلاق تنقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج بحيث لو طلق الزوج زوجته طلقة واحدة, ثم راجعها وهي في عدتها أو عقد عليها عقدا جديدا بعد انقضاء عدتها لا يملك عليها إلا طلقتين, وتحسب عليه تلك الواحدة. وأما الفرقة التي هي فسخ فلا تنقص عدد الطلقات بحيث لو فسخ الزواج بخيار البلوغ مثلا أو لعدم الكفاءة ثم تزاوجا ثانيا ملك الزوج على زوجته ثلاث طلقات ولا يحتسب هذا الفسخ مما ينقص ما يملكه. "وثالثها" أن كل فرقة هي طلاق تكون من الزوج قبل الدخول بزوجته حقيقة أو حكما توجب للزوجة نصف مهرها، وليست كذلك كل فرقة هي فسخ فإن الزوج لو اختار نفسه عند بلوغه وفسخ الزواج بهذا الخيار, وكان ذلك قبل الدخول حقيقة أو حكما لا يجب عليه من المهر شيء.
__________
1 هذا على قول الشيخين وهو ظاهر المذهب. وقال محمد الفرقة بردة الزوج طلاق وبردة الزوجة فسخ.
(1/173)

وقد يتوقف الفسخ على حكم القضاء بمعنى أنه ما لم يصدر حكم بالفسخ فالعقد باق وذلك في الحالات التي يبنى الفسخ فيها على أسباب تقديرية تكون موضع خفاء, كالفسخ بعدم كفاءة الزوج؛ لأن الكفاءة لا تعرف بالحس وأسبابها مختلفة. وكالفسخ بنقصان المهر من مهر المثل؛ لأنه متوقف على تعيين المثل, ومهر المثل ومقارنة المسمى به. والفسخ بخيار البلوغ؛ لأنه مبني على قصور الشفقة في الولي وله شرائط. والفسخ بإباء الزوجة غير الكتابية الإسلام إذا أسلم زوجها؛ لأنها قد لا تأبى فلا يفسخ العقد.
وقد لا يتوقف الفسخ على حكم القضاء بمعنى أنه على الزوجين أن يفسخا من تلقاء أنفسهما, وذلك في الحالات التي يكون سبب الفسخ فيها جليا ليس موضع خفاء ولا تقدير، كالفسخ بسبب ظهور فساد العقد، أو بسبب ردة أحد الزوجين عن الإسلام. أو بسبب فعل أحدهم بأصول الآخر أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة.
ومن استقراء أنواع الزواج يتبين الضابط العام لتمييز الفرقة التي هي طلاق من الفرقة التي هي فسخ, وهو أن كل فرقة تكون من الزوج ولا يتصور أن تكون من الزوجة فهي طلاق. وكل فرقة تكون من الزوجة لا بسبب من الزوج، أو تكون من الزوج ويتصور أن تكون من الزوجة فهي فسخ.
(1/174)

العدة:
تعريفها:
العدة شرعا أجل حدده الشارع لانقضاء ما بقي من آثار الزواج بعد الفرقة، فالزوجة المدخول بها بعد حل عقدة زواجها بأي سبب كان تتربص وتنتظر ولا تتزوج بغير زوجها الأول, حتى تنقضي عدتها بانتهاء ذلك الأجل المحدود، والزوجة المتوفى عنها زوجها قبل الدخول بها تتربص كذلك الأجل المحدود.
أما الزوج إذا فارق زوجته بأي سبب فليس عليه أن يتربص أي مدة ويمنع عن الزواج فيها إلا إذا كانت من يريد الزواج بها محرما لمن طلقها، فإن عليه أن ينتظر حتى تنقضي عدة مطلقته لئلا يكون جامعا بين المحرمين، وكذلك إذا كانت له زوجات أربع وطلق واحدة منهن لا يحل له التزوج قبل انقضاء عدتها، لئلا يكون جامعا بين أكثر من أربع.
سبب وجوبها:
وسبب وجوب العدة على الزوجة هو وقوع الفرقة بينها وبين زوجها سواء كانت الفرقة بالوفاء، أو بالطلاق، أو بالفسخ.
لكن إذا كانت الفرقة بسبب وفاة الزوج بزواج شرعي صحيح وجبت العدة على الزوجة مطلقا، سواء كانت وفاته بعد أن دخل بها وعاشرها معاشرة الأزواج, أو قبل أن يدخل بها لقوله تعالى في سورة البقرة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} من غير تقييد الزوجات اللاتي يتربصن بكونهن مدخولا بها، فدل الإطلاق على أن كل زوجة شرعية توفي عنها زوجها وجبت عليه العدة. ولأن من حكمة إيجاب العدة على المتوفى عنها زوجها الوفاء لزوجها المتوفي بحدادها وحزنها عليه مدة بعد وفاته، وهذا الوفاء حق لكل زوج شرعي سواء توفي بعد الدخول بزوجته أو قبله.
فإن كان الزواج غير صحيح شرعا وقبل أن يفترق الزوجان منه توفي الزوج ولم يكن قد دخل بزوجته لا تجب عليها العدة, وتحل للأزواج في الحال؛ لأن الآية في الذين يتوفون ويذرون أزواجا شرعيات بعقد صحيح. ولأن هذا الزوج بعقد غير صحيح ليس من حقه عليها الوفاء له، وإن توفي هذا الزوج غير الشرعي بعد أن دخل بمن تزوجها وجبت عليه العدة, ولكنها عدة للتحقق من براءة رحمها من الحمل لا للوفاء لهذا الزوج المتوفى. ولذا تكون عدتها في هذه الحال ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر لا أربعة أشهر وعشرة أيام.
وأما إذا كانت الفرقة بغير الوفاة بأن كانت بالطلاق أو بالفسخ فلا تجب العدة على الزوجة إذا رفعت هذه الفرقة بعد الدخول بها حقيقة أو حكما في الزواج
(1/175)

الصحيح، وحقيقة فقط في الزواج الفاسد أو الوطء بشبهة. فإن وقعت هذه الفرقة قبل الدخول فلا تجب على الزوجة العدة لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} . ولأن الحكمة الأولى لإيجاب العدة بعد الطلاق أو الفسخ هي التحقق من براءة الرحم من الحمل, منعا لاختلاط الأنساب، وهذا إنما يكون إذا وقعت الفرقة بعد الدخول، ولا كذلك الفرقة بالوفاة، فإن الحكمة الأولى لإيجاب العدة بها هي الوفاء، والوفاء حق لكل زوج شرعي توفي قبل الدخول أو بعده.
حكمة تشريعها: وحكمة إيجاب العدة تعرف براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب، وإعطاء الزوج فرصة يتمكن فيها من إعادة زوجيتها، كما أشار الله سبحانه إلى ذلك بقوله: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} . وبقوله: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا} والحداد والأسف على الزوج المتوفى، فكل عدة أوجبت فهي لتحقيق حكمة أو أكثر من هذه.
أنواعها: أنواع العدة ثلاثة: حيض، وأشهر، ووضع حمل
العدة بالحيض: إذا كانت المرأة من ذوات الحيض وحصلت الفرقة بينها وبين زوجها بعد الدخول بها حقيقة أو حكما بسبب غير الوفاة، سواء أكان طلاقا أو فسخا ولم تكن حاملا وقت الفرقة فعدتها تنقضي بثلاث حيضات كوامل بعد الفرقة لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} . والقرء الحيض.
ويؤخذ من تقييد الحيضات بثلاث كوامل أنه لو كانت الفرقة في أثناء حيضها لا تحتسب هذه الحيضة إحدى الثلاث؛ لأنها ليست حيضة كاملة، فلا بد أن تحيض ثلاث حيضات كاملة بعد طهرها من هذه الحيضة التي وقعت الفرقة في أثنائها.
وتنقضي عدتها بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة، فإذا انقطع لعشرة أيام من رؤيته وهي أكثر مدة الحيض انقضت العدة بمجرد انقطاعه. وأما إذا انقطع لأقل
(1/176)

من عشرة أيام فلا تنقضي العدة بمجرد انقطاعه، بل لا بد أن يعقب انقطاعه اغتسالها أو مضي وقت صلاة عليها حتى يتحقق من أنه انقطاع لا إلى عودة، وأقل مدة تصدق فيها المرأة أنها انقضت عدتها بحيضها ثلاث حيضات كوامل هي ستون يوما من تاريخ الفرقة, وقدمنا توجيه ذلك في الرجعة.
العدة بالأشهر: اللاتي تعتد بالأشهر من النساء اثنتان 1:
"الأولى" الزوجة التي ليست من ذوات الحيض، بأن كانت صغيرة أو مراهقة أو بلغت بالسن وهي خمس عشرة سنة ولم تحض، أو وصلت إلى سن الإياس وهي خمس وخمسون سنة ولم تحض، وحصلت الفرقة بينها وبين زوجها بسبب غير الوفاة، ولم تكن حاملا وقت الفرقة تنقضي عدتها بثلاثة أشهر من تاريخ الفرقة لقوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} .
"الثانية" المتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملا، سواء أكانت من ذوات الحيض أم ليست منهن تنقضي عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الوفاة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} إلا إذا كان زواجها فاسدا فعدتها ثلاث حيضات لا بالأشهر كما قدمنا.
العدة بوضع الحمل: إذا كانت الزوجة حاملا وقت الفرقة فسواء أكانت الفرقة بالوفاة أم بغيرها، وسواء أكانت الفرقة من زواج صحيح أو فاسد أو وطء بشبهة، فإن عدتها تنقضي بوضع حملها, ولو كان الوضع بعد الفرقة بلحظة بشرط أن ينفصل الحمل ظاهرا كل خلقه أو بعضه حتى يصدق عليها إنها وضعت حملا وتنقضي عدتها به. قال تعالى: {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} .
__________
1 إذا وجبت العدة في غرة الشهر تحتسب بالأشهر, ولو نقص الشهر عن ثلاثين يوما، وإذا وجبت في أثناء الشهر تحتسب بالأيام فلا تنقص عن تسعين يوما أو 130 يوما.
(1/177)

أما إذا انفصلت منها علقة أو مضغة غير مخلقة فلا تنقضي عدتها به؛ لأنه لا يصدق عليها أنها وضعت؛ ولأنه لا جزم بأنها كانت حاملا والعدة لا تنقضي بالشك.
تحول العدة من نوع إلى نوع:
قد تجب العدة بالأشهر ثم يطرأ ما يوجب الاعتداد بالحيض، وقد تجب بالحيض ثم يطرأ ما يوجب الاعتداد بالأشهر، وقد يجب الاعتداد بثلاثة أشهر أو ثلاث حيض ثم يطرأ ما يوجب الاعتداد بأربعة أشهر وعشرة أيام. ويتبين ذلك في المسائل الآتية:
1- إذا كانت المعتدة ممن تعتد بالأشهر بأن كانت مراهقة أو آيسة وبعد الفرقة بدأت عدتها بالأشهر, ثم حاضت في أثناء مدة العدة وجب عليها أن تستأنف الاعتداد بالحيض، ولا تنقضي عدتها إلا بثلاث حيضات كوامل، ولا تعتبر المدة التي مضت بعد الفرقة من العدة؛ لأنها قد وجب عليها الاعتداد بالأشهر على اعتبار أنها ليست من ذوات الحيض، فلما تبين قبل تمام عدتها أنها من ذوات الحيض وجب عليها أن تتربص ثلاثة قروء؛ لأنها الأصل الاعتداد بالحيض والشهور خلف عنها.
وأما إذا حاضت بعد تمام عدتها بالأشهر فالعدة التي تمت قد انقضت وليس عليها أن تعتد بدلها بثلاث حيضات, ولكنها صارت من ذوات الحيض بحيث لو تجب عليها في المستقبل عدة تكون بثلاثة قروء.
2- إذا كانت المعتدة من ذوات الحيض ثم استمر نزول الدم عليها بدون انقطاع, بحيث لا يمكن تمييز أيام طهرها من أيام حيضها, ولا تحديد ثلاث حيضات كوامل بعد الفرقة, وليس لها عادة معروفة لطهرها وحيضها أو لها عادة ونسيتها فهذه المتحيرة أو ممتدة الدم تنقضي عدتها بسبعة أشهر بعد الفرقة, على اعتبار ثلاث حيضات في شهر؛ لأن أكثر مدة الحيض عشرة أيام وثلاثة أطهار في ستة شهور لكل طهر شهران للاحتياط فتلك سبعة أشهر، وقيل تنقضي عدتها بثلاثة أشهر ولكن المفتى به هو الأول وإن كان الظاهر هو الثاني.
(1/178)

3- إذا كانت المعتدة من ذوات الحيض ثم انقطع حيضها ولم تعد تراه فإنها تستمر معتدة حتى تحيض ثلاث حيضات, أو تبلغ سن الإياس خمسا وخمسين سنة, فتصير من ذوات الأشهر وتعتد بثلاثة شهور وتسمى هذه ممتدة الطهر.
وهذا الحكم كان مصار الشكايات وكانت تستولي به المعتدة على نفقة العدة عدة سنوات، ولكن هذا تدورك أخيرا بالمادة 17 من القانون رقم 25 سنة 1929 التي نصت على أنه "لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق" بعد أن عولج أولا بانقضاء عدتها بسنة بيضاء, ولم تقطع الشكوى؛ لأن بعض المعتدات كانت تأخذ نفقة لمدة خمس سنوات.
4- إذا طلقت الزوجة طلاقا رجعيا ثم مات زوجها وهي في العدة يجب عليها أن تعتد عدة الوفاة، وتنهدم عدة الطلاق؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل ملكا ولا حلا والزوجية بعد قائمة, ما دامت الزوجة في العدة فيصدق عليها أنها متوفى عنها زوجها فتعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
أما إذا طلقت طلاقا بائنا ثم مات زوجها في العدة فإنها تتم عدة طلاقها؛ لأن الطلاق البائن قطع الزوجية من حين صدوره، فقد توفي مطلقها وهي مبانة منه فلا تعتد عدة وفاة، إلا إذا كان طلقها بائنا وهو في مرض موته وتحققت الشروط التي يعد بها فارا بحيث ترثه إذا مات, وهي في العدة، ففي هذه الحال متى مات وهي لا تزال في عتدها، تعتد بأبعد الأجلين من عدة الوفاء وعدة الطلاق فأيتهما كانت أطول فهي عدتها؛ وذلك لأننا إذا رايعنا أنها مبانة كانت زوجيتها غير قائمة وليس عليها عدة وفاة، وإذا رايعنا أنها وارثة كانت زوجيتها قائمة وعليها عدة وفاة، فمراعاة للاعتبارين قررنا أنها تعتد العدتين عدة الطلاق وعدة الوفاة، على أن تتدخل أقلهما في أطولهما، وهذا معنى قولنا تعتد بأبعد الأجلين من عدة الطلاق، أو الوفاة. وقال أبو يوسف: تعتد عدة الطلاق فقط ككل مبانة والفتوى بالأول.
(1/179)

5- إذا طلق الرجل زوجته المدخول بها طلاقا بائنا بينونة صغرى ثم تزوجها وهي في العدة وبعد أن دخل بها في الزواج الثاني طلقها فعليها عدة مبتدأة بهذه الفرقة؛ لأنها فرقة بعد الدخول ولها المهر الثاني كله؛ لأنه تأكد بالدخول.
أما إذا طلقها قبل أن يدخل بها في الزواج الثاني فمذهب الشيخين كذلك عليها عدة مبتدأة, ولها المهر كاملا؛ لأنها لما عادت إلى عصمته بالعقد الجديد كأنها عادت إلى حالها الأولى وحالها الأولى كانت مدخولا بها، فكأنها بعد العقد الثاني مدخول بها، فإذا طلقت فعليها العدة ولها المهر الكامل وهذا هو المفتى به. ومذهب محمد عليها إتمام العدة الأولى ولها نصف المهر؛ لأنها طلقت قبل الدخول في الزواج الثاني فلا عدة عليها من فرقته فتستمر في إتمام عدتها الأولى حتى تنقضي ولها نصف المهر الثاني؛ لأنه الواجب بالطلاق قبل الدخول. ومذهب زفر لا عدة عليها أصلا؛ لأن العدة الأولى انهدمت بزواجه الثاني، والفرقة من زواجه الثاني فرقة قبل الدخول لا توجب العدة، ولها نصف المهر؛ لأنه الواجب بالإطلاق قبل الدخول، وقول زفر مبني على مقدمة غير صحيحة؛ لأن الزواج الثاني لم يهدم العدة مطلقا، بل هدمها في حق المطلق نفسه فقط، فإذا انقطع هذا الهادم عاد وجوبها.
مبدأ العدة:
بما أن سبب وجوب العدة هو الفرقة فابتداؤها يكون من حين الفرقة فورا من الزواج الصحيح، سواء كانت الفرقة بطلان أو فسخ ويكون ابتداؤها من حين المتاركة أو تفريق القاضي في الزواج الفاسد، ويكون ابتداؤها عقب الموت مطلقا في زواج صحيح أو فاسد.
ولا يتوقف ابتداؤها على علم الزوجة؛ لأن المسبب يترتب على سببه بلا توقف؛ ولأن العدة أجل حدده الشارع بعد الفرقة فلا يشترط العلم بمضيه حتى لو لم تعلم الزوجة بالوفاة أو الطلاق إلا بعد مضي أجل العدة انقضت عدتها شرعا.
(1/180)

وإذا ادعت الزوجة على زوجها أنه طلقها في وقت معين وأنكر الزوج دعواها فأثبتتها الزوجة بالبينة، وحكم لها القاضي بما ادعته ثبت الطلاق مسندا إلى الوقت المعين بدعواها، ويكون ابتداء العدة من ذلك الوقت لا من وقت الحكم.
وأما إذا ادعت عليه أنه طلقها في وقت معين فأقر بدعواها أو أقر هو ابتداء أنه طلقها منذ كذا من الزمن، فإن العدة تبتدئ من وقت إقراره لا من الوقت المسند إليه الطلاق.
والفرق أنه لما ثبت بالبينة المتصل بها القضاء إن الطلاق وقع في وقت معين كان ذلك الوقت هو وقت الفرقة حتما, فتبتدئ منه العدة. لكن لما كان في الحالة الثانية سند الإضافة إلى الوقت المعين هو مجرد الإقرار احتمل أن يكونا متواطئين على الإضافة إلى زمن سابق, لتقر بانقضاء عدتهاحتى تصير أجنبية فتنفذ وصيته لها، أو يصح إقراره لها بالدين أو غير ذلك، فلا جزم بحصول الفرقة في الوقت المسندة إليه فتبتدئ العدة من المقطوع بحصول الفرقة فيه وهو وقت الإقرار.
واجب المعتدة:
يجب على المعتدة أمران:
"الأول" أن تنقضي عدتها في المنزل الذي كانت تسكنه حال قيام الزوجية حتى إذا وقعت الفرقة وهي خارج هذا المنزل وجب عليها أن تعود إليه. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} . فاعتداد المطلقة في منزل العدة حق قرره الشارع لتكون المطلقة على مقربة من مطلقها يراقب حفظها وصيانتها حتى ينتهي ما بقي من آثار زوجيتها بانقضاء عدتها, ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. ولتكون الأرملة على ذكر من زوجها المتوفى فتقوم بواجب الوفاء له، وليس للمعتدة من طلاق أو وفاة أن تسكن في غير منزل العدة إلا إذا وجد عذر يمنع من إقامتها فيه، كأن ينهدم أو يخشى سقوطه أو تخاف فيه على نفسها أو مالها
(1/181)

أو يخرجها الورثة منه أو يأبى مالكه أن يؤجره أو لا تقدر هي على دفع أجرته، أو غير ذلك من الضرورات التي تبيح لها أن تقضي عدتها في غير هذا المنزل، وإذا وجدت ضرورة تبيح لها الانتقال منه، فإن كانت معتدة وفاة وجب عليها أن تسكن في أقرب منزل من مسكن العدة, لتكون على ذكر من المتوفى ما أمكن، وإن كانت معتدة طلاق تسكن حيث يسكنها مطلقها.
وإن سكنت في غير منزل العدة بلا عذر يبيح لها الانتقال منه تعتبر ناشزة ولا تستحق نفقة العدة.
"الثاني" أن تحد المبانة، والمتوفى عنها زوجها وهذا الحداد يكون أن تترك الزينة ولا تلبس حليا ولا تمس طيبا ما دامت في عدتها إظهار للأسف على وفاة زوجها أو على انقطاع زوجيتها بهذه الإبانة، وهذا واجب خلقي من باب الوفاء للعشير وخاص بالمعتدة من وفاة أو طلاق بائن. أما المعتدة من طلاق رجعي فلم تنقطع زوجيتها حتى تلبس ثوب الحداد على فوات نعمة الزواج، بل يستحب لها أن تتزين ليرجعها زوجها إلى عصمته.
نفقة المعتدة:
المعتدة ما دامت في العدة فهي محتبسة لحق زوجها لا يحل لها أن تتزوج بغيره حتى تنقضي عدتها، ولهذا تجب لها على مطلقها النفقة بأنواعها الثلاثة من طعام وكسوة وسكنى، ويراعى فيها ما روعي في نفقة الزوجة فتقدر بحسب حال الزوج يسارا وإعسارا, وحال الأسعار غلاء ورخصا. ويشترط لاستحقاقها أن لا يفوت احتباسها بسبب من قبلها، كأن تخرج من مسكن العدة بغير عذر يبيح لها ترك الإقامة فيه، وتعتبر دينا صحيحا للمطلقة التي تستحقها من تاريخ الطلاق فلا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، ولا تتوقف على القضاء بها أو التراضي عليها.
من لا تستحق النفقة من المعتدات: ثلاث من المعتدات لا نفقة لهن أصلا وهن معتدة الوفاة، والمعتدة بسبب فرقة جاءت من قبلها وهي محظورة
(1/182)

غير مشروعة، والمعتدة من فرقة بعد زواج فاسد أو دخول بشبهة؛ وذلك لأن معتدة الوفاة لا سبيل لإيجاب نفقتها على أحد لا على الزوج؛ لأنه بعد الوفاة لا ملك له وليس أهلا للإيجاب عليه ولا على ورثته؛ لأن نفقة الزوجية حق شخصي على الزوج لا ينوب عنه فيه ورثته؛ ولأن من جاءت الفرقة من قبلها بسبب محظور كأن ارتدت عن دينها أو فعلت بأصول زوجها أو فروعه ما يوجب حرمة المصاهرة تستحق الزجر والعقاب بحرمانها من حقها في نفقة العدة؛ ولأن الزواج الفاسد والشبهة لا يفيد أحدهما الاحتباس شرعا، فالزواج الفاسد لا يفيد احتباسا شرعيا فلا يوجب النفقة لا قبل الافتراق ولا بعده.
من تستحق النفقة منهن:
من عدا هذه الثلاث من المعتدات تستحق النفقة وهما المعتدة لفرقة من قبل الزوج سواء كانت طلاقا أو فسخا بسبب محظور أو غير محظور، والمعتدة لفرقة من قبل الزوجة بسبب غير محظور كأن اختارت نفسها عند البلوغ أو فسخ الزواج لنقصان المهر عن مهر المثل.
والفرقة التي تصدر من القاضي في الأحوال التي يطلق فيها أو يفسخ العقد فيها تعتبر من قبل الزوج؛ لأنه في الحقيقة ينوب عنه في تطليق زوجته.
ويراعى في كل موضع تستحق فيه المعتدة نفقة عدة أنها إنما تستحقها إذا لم تكن ناشزا بأن لم تخرج من مسكن العدة بغير عذر.
ويراعى في كل موضع لا تستحق فيه المعتدة النفقة أن الذي لا يستحق إنما هو نفقة الطعام والكسوة، وأما السكنى في مسكن العدة فهو كما قدمنا حق الشرع لا يسقط بأي حال إلا لعذر يتعذر معه السكنى فيه، ولهذا لو أبرأت مطلقا من نفقة عدتها صح عن طعامها وكسوتها؛ لأنهما حقها تتصرف فيهما ولا يشمل السكنى؛ لأنها حق الشرع فلا تملك إسقاطه.
(1/183)

وعلى ما عليه العمل الآن بالمحاكم الشرعية تطبيقا للفقرة الأولى من المادة 17 من القانون رقم 25 لسنة 1929 لا تأخذ المعتدة نفقة عدة لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق، فإذا مضت عليها سنة بعد الطلاق تؤمر قضاء بالكف عن المطالبة بنفقة عدة؛ لأنه لا حق لها فيها بعد ذلك. وهذا نص ما جاء في المذكرة الإيضاحية بشأن هذه الفقرة: "بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الآن بمقتضى القانون رقم 25 لسنة 1920 تستطيع المطلقة أن تأخذ نفقة عدة مدة طويلة بدون حق، فإنها إذا كانت مرضعا قد تدعي أن الحيض لم يأتها طول مدة الرضاعة وهي سنتان، ثم تدعي بعد ذلك أنه لا يأتيها إلا مرة واحدة كل سنة وقولها مقبول في ذلك، وتتوصل إلى أن تأخذ نفقة عدة مدة خمس سنين، وإذا كانت غير مرضع قد تدعي أن الحيض يأتيها مرة واحدة في كل سنة، فتتوصل إلى أن تأخذ نفقة عدة مدة ثلاث سنين، فقطعا لهذه الادعاءات الباطلة، وبناء على ما قرره الأطباء من أن أكثر مدة الحمل سنة وضعت الفقرة الأولى من المادة 17 ومنعت المعتدة من سماع دعواها نفقة العدة لأكثر من سنة من تاريخ الطلاق1.
__________
1 يلاحظ الفرق بين انقضاء العدة شرعا وبين استحقاق الحق المالي المترتب عليها وهو النفقة, فانقضاء العدة شرعا للمطلقة هو ما بيناه، للحامل بوضع حملها، وللصغيرة التي لم تحض والآيسة التي انقطع حيضها بثلاثة أشهر، ولمن تحيض بثلاث حيضات. وإذا انقطع حيض واحدة من ذوات الحيض لعارض من العوارض انتظرت معتدة حتى تحيض ثلاث حيضات أو تدخل في سن اليأس فتعتد بثلاث أشهر, ولكن لما شاع في النساء الكذب وادعاء انقطاع الحيض، والجرأة على اليمين الباطلة لإرهاق الرجال بنفقة العدة سنين طويلة، عولج أخيرا أمر العدة بالنسبة للنفقة فقط بمنع المعتدة من استحقاق نفقة العدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق، فهو تحديد لمدة استحقاق النفقة فقط، وليس تحديدا لأجل انقضاء العدة؛ لأن هذا لا يملكه الشارع الوضعي، ولو أن مطلقة من ذوات الحيض مضت عليها سنة من تاريخ الطلاق ولم تر فيها العادة إلا مرة واحدة أو مرتين، فهي شرعا لا تزال معتدة، ولا يحل لها أن تتزوج بغير مطلقها, وإن كانت قانونا ليس لها بعد السنة أن تطالب بنفقة عدة.
(1/184)

الأولاد:
قدمنا أن الحكمة الأولى في تشريع الزواج هي بقاء النوع الإنساني على أكمل وجوه البقاء، وذلك بالتوالد بين الزوجين. وانتساب كل مولود لأبيه. والتزام كل أب بشئون بنيه، وبعد أن بينا الزواج، وأحكامه، وحقوق الزوجين, وما يطرأ على الزوجية من فرق، وما يترتب على الفرقة من آثار، نبين أحكام الأولاد الذين هم ثمرة الزوجية وأهم أغراضها.
وقد شرع الله سبحانه أحكاما تحفظ الأولاد وتكفل رعايتهم من حين ولادتهم إلى أن يبلغوا رشدهم, فشرع أحكاما لثبوت نسبهم، وتدبير رضاعتهم، وحضانتهم، والإنفاق عليهم حتى يبلغوا حد الكسب، وإدارة شئونهم المالية حتى يبلغوا سن الرشد.
والحكمة الإجمالية في تشريع هذه الأحكام هي حماية الأنساب من الضياع، وصيانتها عن الاختلاط، حتى لا يحرم ولد من عاطفة والده، ولا ينسب إلى والد غير والده، ورعاية الطفل في طوري رضاعه وحضانته حتى يبلغ السن التي يستطيع فيها أن يستغني عن غيره، ويتولى شئون نفسه، وحفظ أمواله حتى يبلغ رشده ويقدر على التصرف فيها وحده.
(1/185)

ثبوت النسب
ثبوت النسب بالفراش
...
ثبوت النسب:
النسب يثبت شرعا بواحد من أدلة ثلاثة: الفراش، والإقرار، والبينة.
1- ثبوت النسب بالفراش:
المراد شرعا بالفراش الزوجية القائمة حين ابتداء الحمل. فمن حملت وكانت حين حملت زوجة يثبت نسب حملها من زوجها الثابتة زوجيتها به حين حملت، من غير حاجة إلى بينة منها، أو إقرار منه، وهذا النسب يعتبر شرعا ثابتا بالفراش.
وعلة ثبوت النسب بالفراش أن مقتضى عقد الزواج الاختصاص، وأن تكون الزوجة مقصورة على زوجها وحده لا يحل لغيره أن يستمتع بها. ومقتضى هذا الاختصاص أن تكون علقت بحملها من زوجها القائمة زوجيتها به حين حملت؛ لأن الأصل حمل حال الناس على الصلاح، وعدم اعتبار الاحتمالات المبنية على سوء الظن والمؤدية إلى الفضيحة وضياع الأولاد.
ولذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خطبته يوم حجة الوداع: "والولد للفراش وللعاهر الحجر". والمراد أن الولد نتيجة للفراش وثمرة للزوجية. وأما العاهر الذي لا يتخذ زوجة تختص به فلا ثمرة له ولا ينسب إليه ولد, وعبر عن هذا بأنه له الحجر. إذ يقال لمن خاب ولم يجن ثمرة: بيده التراب أو له الحجر.
وأحكام ثبوت النسب بالفراش مبنية على ثلاثة أصول:
1- ما يشترط لاعتبار الزوجية فراشا يثبت به النسب.
2- أقل مدة الحمل.
3- أقصى مدة الحمل.
فأما ما يشترط لاعتبار الزوجية فراشا يثبت به النسب فهو أن تكون زوجية يتصور عادة أن يكون الحمل منها من جهة أهلية الزوج؛ لأن تحمل منه زوجته. ومن جهة التلاقي بين الزوجين، وقد تفرع على هذا ما يأتي:
لا يثبت نسب الولد من زوج صغير السن ليس بالغا ولا مراهقا؛ لأنه ليس أهلا لأن تحمل منه زوجته فلا تعتبر زوجيته فراشا يثبت به النسب.
ولا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد؛ لأنه مع ثبوت عدم التلاقي بين الزوجين من حين العقد لا يتصور عادة أن يكون الحمل من هذا الزوج، فإذا أنكره ونفى أنه ابنه لا تسمع عليه دعوى نسبه؛ لأنها دعوى يكذبها الظاهر.
وكذلك لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها؛ لأن ولادتها بعد سنة من غيبته دليل على أنها حملت وهو غائب
(1/186)

عنها، بناء عل ما قرره الطب الشرعي من أن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنة. فإذا أنكر الزوج هذا الولد ونفى أنه ابنه لا تسمع عليه دعوى نسبه؛ لأن كل دعوى يكذبها الظاهر لا تسمع" "المادة 15 من القانون رقم 25 سنة 1929".
وأما أقل مدة الحمل: فمن المقرر شرعا أنها ستة أشهر لأن الله تعالى قال في سورة الأحقاف: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} . وقال في سورة لقمان: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} . فقد دلت الآية الأولى على أن الحمل والفصال أي: الرضاع معا في ثلاثين شهرا. ودلت الآية الثانية على أن الفصال وحده في عامين، فاستنتج من هذا أن الحمل وحده في ستة أشهر، فهي أقل مدة يتكون فيها الجنين حتى يولد حيا، وقد تفرع على هذا ما يأتي:
أ- ثبوت النسب حال قيام الزواج الصحيح:
إذا ولدت الزوجة حال قيام الزواج الصحيح ولدا لأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد عليها لا يثبت نسب ولدها هذا من زوجها؛ لأنها ولدته لأقل من ستة أشهر من تاريخ العقد، ومدة الحمل لا تقل عن ستة أشهر، فحين حملت به لم تكن زوجة ولا فراشا لزوجها فلا يثبت نسبه منه. ولكن إذا أقر الزوج أنه ابنه لا من زنا يثبت نسبه منه بإقراره، ويحمل على أنه كان زوجا لها سرا قبل العقد العلني، أو أنه دخل بها بناء على شبهة فحملت منه، فحملا لحال الزوجين على الصلاح، ومعاملة للمقر بإقراره، وصيانة للولد من الضياع، أثبتنا نسبه ممن أقر أنه ابنه لا من زنا بالإقرار لا بالفراش والمقر أعلم بنفسه والأصل حسن الظن بالناس.
وإذا ولدت حال قيام الزواج الصحيح ولد لتمام ستة أشهر أو لأكثر من تاريخ العقد الصحيح عليها ثبت نسب ولدها هذا من زوجها؛ لأنها حين حملت به كانت
(1/187)

فراشا له بالعقد الصحيح والولد للفراش. فإذا نفى الزوج نسب هذا الولد منه فلا ينتفي إلا بشرطين.
"الأول" أن يسارع إلى نفيه بأن ينفيه ساعة ولادته، أو في وقت شراء أدواتها، أو في أيام التهنئة المعتادة؛ لأنه إن سكت عن نفيه في هذه الأوقات اعتبر سكوته إقرارا بنسبه فلا يقبل منه نفيه بعد ذلك.
"والثاني" أن يلاعن زوجته؛ لأنه بنفيه نسب ولدها منه يرميها بأنها زانية، وهي ترميه بأنه قاذفها، فلا بد من شهادات منهما مقرونات بالأيمان تدرأ حد الزنا عنها، وحد القاذف عنه، بأن يشهد الزوج أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتشهد الزوجة أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وهذه الشهادات المقرونات بالأيمان هي اللعان، فإذا بادر الزوج إلى نفي الولد ولاعن زوجته وهما مستوفيان شروط اللعان بأن كان كل منهما أهلا لأداء الشهادة، وزوجيتهما صحيحة، والمرأة عفيفة عن الزنا وقته. قضى القاضي بالفرقة بين الزوجين بطلاق بائن، وحكم بنفي نسب الولد من أبيه وإلحاقه بأمه.
والأصل في هذا ما روي عن عبد الله بن مسعود قال: كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل أنصاري فقال: يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع زوجته رجلا فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ ثم قال: اللهم افتح، فنزلت آية اللعان في سوة النور، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .
(1/188)

ب- ثبوت النسب حال قيام الزواج الفاسد:
إذا ولدت الزوجة المدخول بها بعقد زواج فاسد قبل مفارقة زوجها ولدا لأقل من ستة أشهر من تاريخ الدخول الحقيقي بها، لا يثبت نسب ولدها هذا من زوجها؛ لأنها حملت به قبل أن تكون فراشا له بالدخول بها، وإذا ولدت لتمام ستة أشهر أو لأكثر من تاريخ الدخول الحقيقي بها ثبت نسب ولدها من زوجها؛ لأنها حملت به بعد أن صارت فراشا له بالدخول بها. ولا يمكنه أن ينفي نسب هذا الولد أصلا؛ لأن النفي في حال قيام الزواج الصحيح إنما كان بعد اللعان. ولا لعان بين الزوجين بزواج فاسد؛ لأن الآية واردة في الذين يرمون أزواجهم، والزواج عند إطلاق الشارع لا ينصرف إلا إلى الزواج بعقد صحيح.
ويؤخذ من هذا أمران: "الأول" أن الفراش في الزواج الصحيح يتحقق بنفس العقد، وفي الزواج الفاسد لا يتحقق إلا بالدخول الحقيقي بعد العقد الفاسد، ولهذا احتسبت مدة الحمل في حال الزوجية الصحيحة من تاريخ العقد، وفي حال الزوجية الفاسدة من تاريخ الدخول لا العقد. "الثاني" أن الفراش الثابت بالدخول الحقيقي في الزواج الفاسد أقوى من الفراش الثابت بنفس العقد في الزواج الصحيح من جهة أن النسب الثابت بالفراش الأول لا يمكن نفيه أصلا، وأن النسب الثابت بالفراش الثاني يمكن نفيه بالشرطين السابقين.
جـ- ثبوت النسب بعد الدخول بشبهة: إذا دخل رجل على امرأة بشبهة ثم ولدت ولدا، فإن ادعى أنه ابنه ثبت نسبه بهذه الدعوة، وإن لم يدع نسبه لا يثبت منه؛ وذلك لأن الشبهة التي بني عليها دخوله بها أثبتت شبهة فراش، فلا بد لثبوت النسب أن تنضم إليها الدعوة. ولا فرق بين أن تكون الشبهة شبهة في الحكم وهي التي تسمى شبهة الملك, وذلك بأن يشتبه عليه الدليل الشرعي فيفهم منه الإباحة, كما إذا واقَعَ الأب جارية ابنه بشبهة الحديث "أنت ومالك لأبيك" أو واقع المطلق
(1/189)

بلفظ من ألفاظ الكنايات مطلقته وهي في العدة بشبهة الأثر "الكنايات رواجع1" أو شبهة في العقد، كما إذا عقد على امرأة ودخل بها ثم تبين أنها أخته رضاعا، أو شبهة في الفعل، كما إذا زفت إلى الرجل امرأة على أنها زوجته ثم تبين أنها ليست زوجته.
فالدخول بأي شبهة من هذه لا يثبت النسب فيه إلا بادعاء الزوج للولد في أي وقت من تاريخ دخوله بمن اشتبه فيها؛ لأنه أعلم بحال نفسه، فهو نسب ثابت بالإقرار لا بالفراش.
وأما أقصى مدة الحمل: فلم يرد في القرآن الكريم، ولا في السنة الصحيحة المتفق عليها ما يحددها. ولهذا تعددت فيها آراء المجتهدين، فالإمام مالك حددها بأربع سنين، والإمام أبو حنيفة حددها بسنتين. والظاهرية حددوها بتسعة أشهر.
فمن أجل هذا الاختلاف، ولعدم ورود نص يرجع إليه سئل رجال الطب الشرعي وهم أهل الذكر في هذا عن أقصى مدة يمكثها الحمل في بطن أمه، فقرروا بناء على بحوثهم واستقراءائهم أن أقصى مدة الحمل تعتبر عند التشريع سنة عدد أيامها 365 يوما لتشمل جميع الأحوال النادرة، وعلى هذا سارت المحاكم الشرعية المصرية وتفرع عليه ما يأتي:
إذا وقعت الفرقة بين الزوجين سواء كانت بالطلاق، أو بالوفاة، أو بالفسخ. وسواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، ثم ولدت الزوجة بعد الفرقة ولدا لسنة أو أقل من تاريخ الفرقة ثبت نسب ولده من زوجها الذي وقعت الفرقة بينها وبينه؛ لأن
__________
1 هذا على مذهب الحنفية القائلين بأن الطلاق إذا كان بلفظ من ألفاظ الكنايات يقع بائنا ولا تحل المطلقة لمطلقها إلا بعقد جديد، فإذا واقعها قبل أن يعقد بشبهة أن الطلاق الواقع رجعي، كان دخولا بشبهة. وأما على ما عليه العمل الآن فلا فرق بين ألفاظ الصريح وألفاظ الكنايات، والطلاق الواقع بالكنايات رجعي ما دام مجردا عن العوض، وبعد الدخول، وليس مكملا للثلاث، فإذا واقع مطلقته في عدتها كان مراجعا لها؛ لأنها حلال له ما دامت في العدة.
(1/190)

ولادتها لسنة أو أقل من تاريخ الفرقة دليل على إمكان أنها كانت حاملا قبل حصول الفرقة حين كان الفراش قائما فيثبت به النسب.
وأما إذا وقعت الفرقة بين الزوجين سواء كانت بالطلاق، أو بالوفاة، أبو بالفسخ. وسواء كان الطلاق رجعيا أو بائنا، ثم ولدت الزوجة بعد الفرقة ولد لأكثر من سنة من وقت الفرقة وأنكر زوجها الذي وقعت الفرقة بينها وبينه، أو ورثته، أنه ابنه فلا تسمع عليه دعوى نسبه؛ لأن ولادتها لأكثر من سنة من تاريخ الفرقة دليل على أنها حملت به بعد الفرقة بناء على أن أقصى مدة الحمل سنة, فدعواها على من فارقها أو على ورثتها أنه ابنه دعوى يكذبها الظاهر فلا تسمع عند الإنكار.
هذه هي أحكام ثبوت النسب بالفراش على ما عليه عمل المحاكم الشرعية المصرية, وهي مبنية على ما يشترط لاعتبار الزوجية فراشا يثبت به النسب، وعلى ما قرره الشرع من تحديد أقل مدة الحمل بستة أشهر، وما قرره الطب الشرعي من تحديد أقصى مدته بسنة، وما تقرر شرعا من جواز تخصيص القاضي بالحادثة والزمان والمكان، وما دعا إلى هذا التخصيص من شيوع فساد الذمم والجرأة على ادعاء نسب أولاد غير الشرعيين.
وهذه الأحكام تخالف مذهب أبي حنيفة في مواضع:
"الأول" أن الزوجية الصحيحة في مذهب أبي حنيفة تعتبر من حين العقد فراشا يثبت به النسب مهما تباعد الزوجان، ولا عبرة بثبوت عدم تلاقيهما من حين العقد، ولا بغيبته عنها؛ لأن التلاقي ممكن عقلا، والإمكان العقلي كافٍ لثبوت النسب، محافظة على الأولاد من الضياع. وعلى هذا يثبت نسب ولد المغربية من زوج مشرقي ولو ثبت عدم تلاقيهما من حين العقد.
"الثاني" أن أقصى مدة الحمل في مذهب أبي حنيفة سنتان بناء على أثر ورد عن عائشة: "ما تزيد المرأة في الحمل عن سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل". وبناء على هذا يثبت نسب ولد المطلقة بائنا، والمتوفى عنها زوجها، إذا أتت به لأقل
(1/191)

من سنتين من تاريخ الطلاق، أو الوفاة، ولا يثبت نسب إذا ولدته لتمام سنتين أو لأكثر من تاريخ الطلاق أو الوفاة.
"الثالث" أنه في مذهب أبي حنيفة ما دام يوجد احتمال ولو بعيد يبنى عليه ثبوت نسب الولد يحكم بثبوت نسبه، إبقاء على حياة الولد وسترا على أمه وترجيحا لجانب حسن الظن بالناس وحفظ الولد من الضياع. وبناء على هذا فالمطلقة رجعيا إذا كانت كبيرة ممن تعتد بالحيض ولم تقر بانقضاء عدتها, وولدت ولدا لسنتين من تاريخ طلاقها أو لأقل أو لأكثر ولو لعدة سنين يثبت نسب ولدها من مطلقها؛ لأن المطلقة رجعيا ما لم تقر بانقضاء عدتها، فزوجيتها قائمة حكما، فلاحتمال أن عدتها طالت بامتداد طهرها، وأن مطلقها راجعها بوقاعها، يثبت نسب ولدها منه، سترا على الأعراض وحفظا للولد من الضياع. وأما إذا أقرت هذه المطلقة رجعيا بانقضاء عدتها في مدة تحتمله، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر من تاريخ الإقرار ثبت نسب ولدها من مطلقها، وظهر كذبها في إقرارها بانقضاء عدتها، وإن ولدت لتمام ستة أشهر أو لأكثر من وقت الإقرار لا يثبت نسب ولدها من مطلقها.
ولكن لما كان اعتبار الزوجية فراشا لمجرد إمكان الزوجين عقلا ولو ثبت عدم تلاقيهما حسا مما يابأه العقل, ولا ينبغي أن تبنى عليه الأحكام. ولما كان تحديد أقصى مدة الحمل بسنتين مما يخالف المشاهد في مختلف العصور ولم يقره الطب الشرعي الذي أفتى بأن الحمل لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنة، ولما كان إثبات النسب بمجرد الاحتمال ولو بعيدا مما جرأ على الدعاوي الباطلة وأثار شكايات الناس. لهذا كله بنيت أحكام ثبوت النسب بالفراش على الأصول الثلاثة التي بيناها, وسارت المحاكم الشرعية المصرية على هذه الأحكام طبقا لنص المادة 15 من القانون1 رقم 25 لسنة 1929.
__________
1 ومما ينبغي التنبه له أن المادة المذكورة إنما منعت القضاة من سماع دعوى النسب عند الإنكار في الأحوال التي نصت عليها. ولم تتعرض لموضوع النسب نفسه، ولذا لم تنص على أنه لا يثبت النسب في هذه الأحوال. وإنما نصت على أنه لا تسمع الدعوى به عند إنكاره، فهي تمنع سماع الدعوى عند إنكار النسب فيها، ولا تنفي ثبوته فيها.
(1/192)

وهذا نص المادة: "لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها، ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة".
وهذا نص مذكرتها الإيضاحية: "بناء على الأحكام الواجب تطبيقها الآن يثبت نسب ولد الزوجة في أي وقت أتت به مهما تباعد الزوجان، فيثبت نسب ولد زوجة مشرقية من زوج مغربي عقد الزواج بينهما مع إقامة كل في جهته دون أن يجتمعا من وقت العقد إلى وقت الولادة اجتماعا نصح معه الخلوة. وذلك بناء على مجرد جواز الاجتماع بينهما عقلا.
كذلك يثبت نسب ولد المطلقة بائنا إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الطلاق. ونسب ولد المتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأقل من سنتين من وقت الوفاة.
ويثبت نسب ولد المطلقة رجعيا في أي وقت أتت به من وقت الطلاق ما لم تقر بانقضاء العدة. والعمل بهذه الأحكام مع شيوع فساد الذمم وسوء الأخلاق أدى إلى الجرأة على ادعاء نسب أولاد غير شرعيين. وتقدمت بذلك شكاوى عديدة.
ولما كان رأي الفقهاء في ثبوت النسب مبنيا على رأيهم في أقصى مدة الحمل, ولم يبين أغلبهم رأيه في ذلك إلا على أخبار بعض النساء, بأن الحمل مكث كذا سنين. والبعض الآخر كأبي حنيفة بنى رأيه في ذلك على أثر ورد عن السيدة عائشة يتضمن أن أقصى مدة الحمل سنتان، وليس في أقصى مدة الحمل كتاب ولا سنة1.
فلم تر الوزارة مانعا من أخذ رأي الأطباء في المدة التي يمكثها الحمل، فأفاد الطبيب الشرعي بأنه يرى أنه عند التشريع يعتبر أقصى مدة الحمل 365 يوما، حتى يشمل جميع الأحوال النادرة.
وبما أنه يجوز شرعا لولي الأمر أن يمنع قضاته من سماع بعض الدعاوى التي يشاع فيها التزوير والاحتيال، ودعوى نسب ولد بعد مضي سنة من تاريخ الطلاق بين الزوجين أو وفاة الزوج. وكذا دعوى نسب ولد من زوج لم يتلاق مع زوجته في وقت ما، ظاهر فيها الاحتيال والتزوير. لذلك وضعت المادة "15" من القانون.
__________
1 وأما الأثر الذي روي عن عائشة وهو قولها: "ما تزيد المرأة في الحمل عن سنتين قدر ما يتحول ظل المغزل". وهو الذي استند إليه أبو حنيفة فهو ليس حجة؛ لأن في سنده رواية مجهولة؛ ولأن الظاهر أنها أخذت هذا التقدير عن بعض الحوامل لا عن الرسول. ولهذا لم تتفق الأئمة على الأخذ به. ولما حدث مالك به قال: من قال هذا؟ من أجل ذلك لا مانع من الأخذ بقول أهل الذكر من الأطباء الذين بنوا قولهم على استقرار الحوامل في مختلف الأزمان والبلدان.
(1/193)

2- ثبات النسب بالإقرار:
الإقرار بالنسب نوعان:
إقرار يقتضي ثبوت نسب المقر له من نفس المقر ابتداء، ويتفرع عنه ثبوت نسبه من غير المقر، وإقرار يقتضي ثبوت نسب المقر له من غير المقر ابتداء، ويتفرع عنه ثبوت نسبه من المقر.
فإقرار الرجل الغلام أنه ابنه يقتضي أولا ثبوت نسب الغلام من هذا المقر. ويتفرع عنه أن يكون أبو المقر جدا له، وأولاد المقر إخوة له، وإخوة المقر أعماما له. ومثل هذا إقرار المرأة لولد أنه ابنها. وإقرار الولد لرجل أنه أبوه، أو لامرأة أنها أمه، وكل إقرار ببنوة أو أبوة أو أمومة.
وأما إقرار الرجل الآخر أنه أخوه فهذا يقتضي أولا ثبوت نسب المقر له من أبي المقر، ويتفرع عنه ثبوت إخوته للمقر؛ لأن معنى إخوته له أن أباهما واحد، وكذا الإقرار لآخر أنه عمه، أو ابن ابنه، أو ابن أخيه.
وهذا معنى قول الفقهاء الإقرار بالنسب نوعان: نوع فيه حمل النسب على نفس المقر. ونوع فيه حمل النسب على غيره. ولكل من النوعين حكم يخصه.
(1/194)

فأما الإقرار بالنسب الذي فيه تحميل ابتداء على نفس المقر كالإقرار بالبنوة أو الأبوة أو الأمومة فإنه يثبت به النسب؛ لأن الإقرار حجة على المقر.
وبناء على هذا من أقر بأن هذا الغلام ابنه أو هذه الطفلة بنته يكون إقراره حجة عليه، ويثبت بهذا الإقرار بنوة الغلام، أو الطفلة له، وأبوته لهما، ويكون لكل منهما عليه حقوق الأولاد على أبيهم, وله عليهما حقوق الأب على أولاده بشرط توافر شروط ثلاثة:
"الأول" أن يكون الغلام أو الطفلة مجهولي النسب لا يعرف لواحد منهما أب؛ لأنه إن كان أحدهما ثابتا نسبه من غير المقر لا يصح الإقرار؛ لأن النسب الثابت لا يقبل الفسخ.
"الثاني" أن يكون هذا الغلام أو هذه الطفلة ممن يولد مثله لمثل المقرن؛ لأنه إن كان أحدهما لا يولد مثله لمثل المقر، كأن كان يساويه في السن أو يدانيه كان الظاهر مكذبا هذا الإقرار فلا يصح.
"الثالث" أن يصادقه الغلام أو البنت إذا كانا أهلا للمصادقة بأن كانا في سن التمييز؛ لأن هذا الإقرار في الحقيقة هو اعتراف على نفس المقر بأنه أب، ودعوى على المقر له بأنه ابن، دعوى الإنسان على غيره لا تثبت إلا ببينة، أو بمصادقة المدعى عليه. فلهذا اشترطنا مصادقة المقر له إن كان مميزا. وأما إذا كان غير أهل للمصادقة بأن كان غير مميز، فإنه يعتبر مصادقا؛ لأن مصلحته في أن يكون ثابتا نسبه والشأن فيه أن يصادق.
ومن أقرت بأن هذا الغلام ابنها أو هذه البنت بنتها وتوافرت هذه الشروط الثلاثة، ثبت بهذا الإقرار أمومتها للغلام أو البنت وبنوتهما لها, ويكون لها عليهما حقوق الأم على أولادها ولهما عليها حقوق الأولاد على أمهم.
وإذا كانت هذه المقرة زوجة أو معتدة وصادقها زوجها على إقرارها كانت هذه المصادقة إقرارا منه بنسب الغلام أو البنت فيثبت بهذه المصادقة إبوته لهما
(1/195)

وبنوتهما له. وأما إذا لم يصادقها فإن قال ليس ابني من ولدته زوجتي أو معتدتي فهذا إنكار نسب ولد ثابت نسبه بالفراش وسبيله اللعان كما تقدم.
وأما إذا لم يصادقها بأن قال لم تلد أصلا وهذا المقر له لقيط، أو قال لم تلد هذا المقر له بعينه؛ لأن من ولدته بنت وهذا غلام، ففي هاتين الحالين يكتفى من الزوجة في الإثبات بشهادة القابلة العادلة.
وإذا أقر غلام مميز أو صغيرة مميزة بأن هذا الرجل أبوه أو هذه المرأة أمه وتوافرت الشروط الثلاثة ثبت بهذا الإقرار بنوة الغلام أو الطفل للمقر له، وأبوة الرجل وأمومة المرأة المقر، معاملة للمقر بإقراره وللمصادق بمصادقته.
هذه أحكام الإقرار بالبنوة أو الأبوة.
وأما الإقرار بالنسب الذي فيه تحميل النسب ابتداء على غير المقر كالإقرار بأن هذا أخوه، أو عمه، أو ابن ابنه، فهذا لا يثبت به النسب ممن حمل عليه، فلا يكون المقر له بالأخوة ابنا لأبي المقر، ولا يكون المقر له بالعمومة ابنا لجد المقر، ولا يكون المقر له الأخير ابنا لابن المقر؛ لأن الإقرار حجة قاصرة على نفس المقر، وليس حجة على غيره، إلا إذا صادفه هذا الغير أو أقيمت عليه بينة.
بناء على هذا من أقر لآخر أنه أخوه لا تثبت بهذا الإقرار أخوته، فلا يعتبر ابنا لأبيه، ولا أخا لأخوته، ولا عما لأولاده، وإنما يترتب على هذا الإقرار معاملة المقر نفسه بإقراره في حق نفسه فقط بحيث لا يكون لهذه المعاملة أثر في حق غيره. فإذا كان المقر له فقيرا والمقر غنيا تفرض له عليه نفقة الأخ على أخيه، وإذا مات المقر وليس له ورثة أصلا أو ورثته زوجته فقط استحق المقر له كل تركته في الحال الأولى وما بقي بعد نصيب الزوجة في الحال الثانية؛ لأنه ما دام لا ضرر على أحد في معاملة المقر بإقراره يعامل به فيكون المقر له أولى بتركة المقر, أو بما بقي بعد نصيب زوجته، وإذا مات أبو المقر فإن ما يرثه المقر من تركة أبيه يشاركه فيه المقر له, إما مناصفة أو للذكر مثل حظ الأنثيين حسب الفريضة الشرعية؛ لأن إقرار المقر لشخص بأنه أخوه هو اعتراف منه بأن له نصيبا في تركة أبيه، فيعامل باعترافه في حق نفسه فقط، ويشاركه المقر له في نصيبه، ويعتبر ما في أيدي سائر الورثة بمنزلة الهالك لعدم قيام حجة عليهم بإخوته، وكأن تركة المتوفى هي ما في يد المقر فقط فيشاركه فيه.
(1/196)

ثبوت النسب بالبينة
...
3- ثبوت النسبة بالبينة:
كما يثبت النسب بالفراش وبالإقرار على ما تقدم يثبت بالبينة الكاملة, أي: بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين عدول. فإذا ادعى واحد على آخر بنوة، أو أبوة، أو أخوة، أو عمومة، أو أي نوع من القرابة, وأنكر المدعى عليه دعواه، فإن للمدعي أن يثبت النسب الذي ادعاه بالبينة الكاملة، ومتى صحت دعواه، وكانت بينته كافية لإثباتها، وحكم له بثبوت نسبه الذي ادعاه، صارت له كل الحقوق والأحكام المقررة شرعا بسبب البنوة، أو الأبوة، أو الأخوة، أو العمومة أو غيرها من أنواع القرابة.
غير أنه يراعى الفرق بين دعوى البنوة والأبوة، وبين دعوى الأخوة والعمومة وشبهها.
فإذا كانت الدعوى بالأبوة، أو البنوة، والأب أو الابن المدعى عليه حي، تسمع الدعوى مجردة عن أن تكون في ضمن حق آخر. ويراد الإثبات على النسب قصدا, وأما إذا كان الأب أو الابن المدعى عليه ميتا فلا تسمع الدعوى إلا في ضمن دعوى حق آخر. ولا يراد الإثبات على النسب قصدا، بل يثبت في ضمن إثبات الحق المدعي ووجه الفرق أن البنوة أو الأبوة في حال حياة الأب أو الابن المدعى عليه تقصد لذاتها ويدعى بها قصدا. وأما بعد موتهما فلا تكون البنوة أو الأبوة مقصودة لذاتها، بل لما يترتب عليها من حقوق وأحكام, فيكون موضوع الخصومة هو هذه الحقوق فلا بد أن تكون الدعوى في موضوع الخصومة الحقيقي, والنسب يثبت في ضمن إثبات الحق الذي يترتب عليه.
(1/197)

وأما إذا كانت الدعوى بالأخوة أو العمومة أو غيرهما من أنواع القرابة، فلا تسمع الدعوى بهذا النسب إلا في ضمن دعوى حق آخر، ولا يراد الإثبات على هذا النسب قصدا سواء كان المدعى الانتساب إليه حيا أو ميتا؛ لأن هذا النسب لا يقصد لذاته لا في حال الحياة ولا بعد الوفاة، وإنما المقصود ما يترتب عليه من الحقوق كالنفقة، والإرث، والاستحقاق في وقف، فهذه الحقوق هي موضوع الخصومة الحقيقي والدعوى يشترط لصحتها أن تكون في موضوع خصومة حقيقية بين المتداعيين. لهذا لا بد في دعوى هذا النسب أن تكون في ضمن دعوى حق آخر مطلقا.
وإنما تلزم البينة الكاملة لإثبات النسب عند الإنكار إذا لم يكن النزاع بين الزوج وزوجته أو معتدته.
أما إذا تنازع الزوج وزوجته حال قيام الزوجية في شأن ولد ولدته لتمام ستة أشهر أو أكثر بعد العقد فهذا النزاع له صور ثلاث:
"الأولى" أن يصادقها على أنها ولدت هذا الولد وينفي نسبه منه.
"الثانية" أن يصادقها على أنها ولدت وينكر أنها ولدت هذا الولد بعينه, بأن يقول أنها ولدت بنتا وهذا غلام.
"الثالثة" أن ينكر أنها ولدت أصلا بأن يقول إنه ما ولدت وهذا الولد لقيط.
ففي الصورة الأولى يفصل في النزاع بطريق اللعان؛ لأن الزوجية الصحيحة قائمة، والولادة لتمام ستة أشهر فأكثر، فلا ينتفي نسب الولد إلا باللعان وبالشروط التي قدمناها.
وفي الصورتين الثانية والثالثة النزاع إنما هو في تعيين المولود، أو في الأصل الولادة، فللزوجة أن تثبت ما أنكره زوجها من تعيين المولود، أو أصل الولادة بشهادة امرأة حرة مسلمة معروفة بالعدالة ولا يلزم للإثبات بينة كاملة, أي: رجلان
(1/198)

أو رجل وامرأتان؛ وذلك لأن النسب ثابت بالفراش، والمراد إثباته هو تعيين المولود أو أصل الولادة, وهما من الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء، فإذا لزم لإثبات مثل هذه الأمور بينة كاملة نال الوالدات حرج، والحرج مدفوع شرعا. وقد أجاز رسول الله شهادة القابلة. وقال ابن شهاب الزهري: "قضت السنة بجواز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن من ولادة النساء وعيوبهن" وكذلك لها أن تثبت ما أنكره بشهادة الطبيب الذي باشر ولادتها، أو أي رجل شاهد ولادتها غير متعمد.
وأما إذا كان النزاع بين الزوج ومعتدته، فإذا ادعت المعتدة الولادة لأقل من سنتين من وقت الفرقة وأنكرها الزوج فهذا له حالتان:
"الأولى" أن يكون الزوج لم يقر بالحبل وليس الحبل ظاهر.
"الثانية" أن يكون الزوج أقر به أو كان ظاهرا.
فإن كان الزوج لم يقر بالحبل وليس حبلها ظاهرا، فلا تثبت الولادة التي أنكرها الزوج إلا ببينة كاملة أي: بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين وذلك لانقطاع الزواج بسبب انقضاء العدة بالولادة، فصارت أجنبية، وثبوت النسب من الأجنبية لا يكفي فيه إلا بالبينة الكاملة -وهذا قول الإمام-
وقال الصاحبان: تكفي شهادة القابلة في هذه الحالة؛ لأن الفراش قائم بقيام العدة فالنسب ثابت به، والمحتاج إلى إثباته هو الولادة، وتكفي في إثباتها شهادة القابلة.
وأما إن كان الزوج قد أقر بالحبل أو كان الحبل ظاهرا فالولادة تثبت بمجرد دعوى المعتدة من غير حاجة إلى شهادة أصلا؛ لأن الحبل المفضي إلى الولادة ثابت بظهوره، أو بالاعتراف به، فيثبت ما يفضي إليه وهو الولادة -وهذا قول الإمام- وقال الصاحبان: لا تثبت إلا بشهادة القابلة؛ لأن دعواها أنكرها الزوج فلا بد من إثبات ما أنكره.
ومثل المعتدة من الطلاق في هذه الأحكام معتدة الوفاة إذا نازعها الورثة وأنكروا ما ادعته من الولادة لأقل من سنتين من حين الوفاة.
(1/199)

وأما إذا ادعت المعتدة من طلاق أو وفاة الولادة لأقل من سنتين، ولم ينكر المطلق ولا الورثة نفس الولادة، وإنما أنكروا أن هذا هو المولود بعينه فهذا التعيين يثبت بشهادة القابلة.
ويراعى أن هذه الأحكام بالنسبة للمعتدة تخالف ما عليه العمل بالمحاكم الشرعية من بعض الوجوه؛ لأن المادة 15 من القانون رقم 25 لسنة 1929 نصت على أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها, إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق والوفاة.
ويراعى أيضا أنه لو أقيمت بينة على الإقرار بالنسب تقبل، وإذا حكم بهذه البينة ثبت الإقرار وعومل المقر بإقراره, ولكن ذلك مقيد بما جاء بالمادة 129 من القانون رقم 78 لسنة 1931 ونصها: "لا تقبل دعوى بالإقرار الصادر قبل قيام الخصومة أو بعدها، ولا الشهادة به، إلا إذا كان صدوره أمام قاض بمجلس القضاء، أو كان مكتوبا وعليه إمضاء المقر وختمه، أو وجدت كتابة تدل على صحته".
(1/200)

اللقيط:
اللقيط مولود حديث العهد بالولادة غالبا، رماه أهله فرارا من تهمة الزنا، أو خوفا من الفقر، أو لأي باعث حملهم على هذا.
التقاطه: والتقاطه فرض عين على من وجده في مكان يغلب فيه هلاكه، بحيث لو تركه كان آثما مضيعا نفسا حية، ومن وجده في مكان لا يغلب فيه هلاكه يندب له التقاطه شفقة عليه.
وهو حر يعامل في نفسه وماله بأحكام الأحرار؛ لأن الأصل في الإنسان الحرية. ومسلم يعامل بأحكام المسلمين؛ لأن الظاهر فيمن يوجد ببلد إسلامي أنه مسلم. إلا إذا وجد في محلة هي مقر غير المسلمين وكان واجده غير مسلم فإنه يكون على دين واجده.
(1/200)

إمساكه: وملتقطه أحق بإمساكه1؛ لأنه هو الذي أحياه بالتقاطه وسبقت يده إليه، فليس لأحد من حاكم أو غيره أن يأخذه منه جبرا عنه إلا أن وجد سبب يقتضي أخذه منه كأن يكون غير أهل لحفظه، وإن التقطه أكثر من واحد فالأحق بإمساكه منهم أرجحهم بالإسلام أو الحرية أو القدرة على الحفظ أو غير ذلك من المرجحات، فإن استووا ولا مرجح فالرأي للقاضي يجعله عند أيهم يراه خيرا للقيط.
الولاية عليه: ولا ولاية على اللقيط لأحد لا في نفس ولا في مال، ولا للملتقط ولا لغيره، والولاية عليه للمحاكم؛ لأنه ولي من لا ولي له، وإنما يكون لملتقطه الذي يمسكه ولاية المحافظة على نفسه وماله فيشتري مالا بدله منه من طعام وكسوة، ويتخذ ما يلزم لتعليمه علما أو حرفة, ويقبض ما يوهب له أو يتصدق به عليه. وإن وجد معه حين التقاطه مال فهو ملك له ليس لأحد ولاية التصرف فيه, وعلى الملتقط أن يحافظ عليه, وليس له أن ينفق عليه منه إلا بإذن القاضي, فإن أنفق على اللقيط بغير إذن القاضي ولم يشهد عند الإنفاق أنه أنفق ليرجع في مال اللقيط فهو متبرع. وإذا لم يوجد مع اللقيط مال ولم يوجد من ينفق عليه فنفقته في بيت المال.
نسبه: وبما أن اللقيط مجهول النسب ومن مصلحته أن يثبت نسبه فإذا ادعى أي شخص سواء كان الملتقط أو غيره أنه ابنه ثبت نسبه منه بمجرد الدعوة. وإذا ادعاه الملتقط وغيره رجح الملتقط إلا إذا أقام الآخر بينة على دعواه. وإذا ادعاه اثنان ليس أحدهما الملتقط رجحت دعوى أسبقهما ادعاء، إلا إذا أقام الآخر البينة، وأن ادعياه معا فهو لمن أقام البينة، وإن لم تكن لأحدهما بينة فهو لمن وصفه بعلامة تبين أنها فيه، وكذلك إذا دعت امرأة أنه ابنها ثبتت أمومتها له بمجرد الدعوة.
__________
1 والنظام المتبع الآن أن من وجد لقيطا يسلمه إلى رجال البوليس, وهؤلاء يرسلونه إلى ملجأ اللقطاء, ومن أراد أخذ لقيط لتربيته يسلم إليه بعد تحريات وتعهدات تكفل مصلحة الطفل وتربيته والمحافظة عليه.
(1/201)

التبني: كل موضع يثبت فيه نسب اللقيط ممن ادعاه يكون ابنا شرعا لمدعيه, ويكون لكل منهما على الآخر ما للأب على ابنه وما للابن على أبيه؛ لأنه مجهول النسب وهذه الدعوة إقرار بنسبه. وهذا بخلاف ما إذا كان ولد معروفا نسبه وتبناه رجل غير أبيه، فهذا التبني لا يثبت به نسب من المتبني؛ لأن النسب الثابت كما قدمنا لا يقبل الفسخ، وعلى هذا لا يكون المتبنَّى "ويسمى الدَّعِي" ابنا لمن تبناه، ولا يجب لأحد منهما على الآخر حق أبوة ولا بنوة، قال تعالى في سورة الأحزاب: {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} .
(1/202)

الرضاعة:
للرضاع أحكام من حيث هو سبب من أسباب تحريم الزواج. وأحكام من حيث هو واجب للطفل في أول حياته.
الرضاع الموجب للتحريم:
فأما الرضاع الذي هو سبب من أسباب تحريم الزواج فهو مص الرضيع اللبن من ثدي آدمية في مدة الرضاع التي هي الحولان الأولان من حياته. لقوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} . وقول سبحانه: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} . فإذا رضع الطفل من المرأة في أثناء الحولين الأولين من عمره كانت هذه المرضعة أما له من الرضاعة، وأولادها أخوة له من الرضاعة سواء ولدتهم قبل الرضاعة أو وقته أو بعده، وزوجها الذي كان سببا في إدرار لبنها أبا له من الرضاعة، وحرم بهذا الرضاع ما يحرم بالنسب والمصاهرة. على ما تقدم بيانه في المحرمات من النساء.
وأما إذا رضع الطفل من المرأة بعد الحولين الأولين من عمره، فهذا الرضاع لا يكون سببا من أسباب التحريم سواء كان الطفل قد فطم أو لم يفطم. وعلة هذا
(1/202)

أن السبب في التحريم بالرضاع هو كون الإرضاع يجعل الرضيع كجزء من مرضعته, فيكون بمنزلة المولود من والدته، وهذه الجزئية إنما تتحقق إذا تغذى الطفل بهذا اللبن في الوقت الذي لا ينبت فيه لحمه وعظمه غالبا إلا به, وهو الحولان الأولان من عمره فالرضاعة في الحولين الأولين هي وحدها في الغالب سبب تكوين الطفل فتثبت بها الجزئية والتحريم. وأما بعد الحولين فلا تكون في الغالب غذاء الطفل وحدها ولا تثبت بها البعضية ولا التحريم، ولا فرق بين قليل الرضاع وكثيره متى تحقق حصوله في مدة الرضاع؛ لأن الله سبحانه قال في بيان المحرمات: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} . وبالمرة والمرات والقليل والكثير يصدق أنها أرضعت، فلا يشترط للتحريم عدد من الرضعات ولا مقدار من لبن المرضعة، وإنما الشرط للتحريم أن يتحقق من وصول لبن المرضعة إلى جوف الطفل في مدة الرضاعة سواء كان بطريق امتصاصه ثديها، أو سقيه له، فإذا لم يتحقق من وصول اللبن إلى جوفه بأن التقم الثدي ولم يدر أرضع أم لا، فلا يثبت التحريم؛ لأنه لا يثبت بالشك.
وإذا اختلط لبن الآدمية بطعام ونضج بالنار فلا يتعلق به تحريم. وأما إذا خلط بسائل آخر من لبن أو ماء أو دواء، فإن كان هو الغالب يتعلق به التحريم، وإن كان مغلوبا لا يتعلق به التحريم.
وإذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى تعلق التحريم بأغلبهما. فإن استويا حرمتا. وقال محمد تحرمان مطلقا الغالب لبنها وغيرها، وهذا هو الظاهر.
وإذا تزوج رجل امرأة ثم تبين أنها تحرم عليه رضاعا وجب عليهما الافتراق رفعا لهذا الزواج الفاسد، وإن لم يفترقا رفع أي إنسان بطريق الحسبة دعوى تفريق. فإذا افترقا أو حكم بالفرقة كان الحكم حكم الفرقة بعد أي زواج فاسد.
(1/203)

متى تجب على الأم الرضاعة:
إرضاع الأم ولدها واجب عليها شرعا تجبر على القيام به إذا تعينت له بأن كان ولدها لا يقبل ثدي غيرها. أو لا توجد من ترضعه سواها. أو لم يكن للولد ولا لأبيه مال تستأجر به مرضعة. لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ} أي: يجب عليهن الإرضاع، كما في قوله سبحانه: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} . أي: يجب عليهن التربص.
فإذا لم تتعين أم الطفل لإرضاعه بأن لم توجد حال من الحالات الثلاث السابقة فلا يجب عليها إرضاعه ولا تجبر على القيام به إذا امتنعت منه. وعلى أبيه في هذه الحالة أن يستأجر مرضعة له, وأجرتها عليه في ماله إذا لم يكن للطفل مال؛ لأنها من نفقته, والأب ملزم بنفقة ابنه الصغير الفقير.
والمرضعة التي تستأجر لإرضاع الطفل تسمى الظئر. وعقد الإجارة معها على إرضاعه عقد صحيح, يلزم أباه بالأجر المتفق عليه. ويلزمها بأن ترضع الطفل في المدة المتفق عليها، وعلى حسب الاتفاق يكون إرضاعها له. فإما أن تقيم به عند حاضنته أما كانت أو غيرها، وإما أن ترضعه عندها ثم تذهب وتعود، وإما أن يحمل إليها في منزلها لترضعه. وإذا لم يتفق على شيء من هذا فعليها أن ترضعه عند حاضنته حتى لا يفوت على الحاضنة حقها في حضانته. وإذا انقضت مدة إجارة الظئر والطفل لا يقبل ثدي غيرها تجبر على مدة الإجارة حتى يقبل ثدي غيرها, أو يستغنى عن لبنها بأية وسيلة صيانة له من الهلاك.
وإذا كان الطفل يقبل ثدي أمه وغيرها وأرادت أمه إرضاعه فهي أحق بإرضاعه، وليس لأبيه أن يعطيه لغيرها ترضعه إلا بمبرر شرعي كأن توجد من تتبرع بإرضاعه وتأبى أمه أن ترضعه إلا بأجر.
(1/204)

أجرة الرضاعة:
إذا أرضعت الطفل أمه سواء كان إرضاعه واجبا عليها فيما إذا تعينت له، أو غير واجب عليها فيما إذا لم تتعين له، وكانت زوجيتها بأبيه قائمة حقيقة. أو كانت في عدة طلاقه الرجعي أو البائن. فلا تستحق أجرة على هذا الارضاع؛ لأن لها على أبيه نفقة الزوجية أو نفقة العدة، فلا تستحق مع نفقتها أجرة إرضاع ولدها, وفي المذهب قول آخر راجح يقضي بأن معتدة الطلاق البائن تستحق أجرة إرضاع ولدها؛ لأنها بالبائن انقطعت زوجيتها. ولكن عمل المحاكم الشرعية على الأول بلا فرق بين معتدة الرجعي والبائن؛ لأن لكل منهما النفقة فلا تستحق معها أجرة رضاعة.
وأما إذا أرضعت الطفل أمه بعد انقضاء عدتها من أبيه فإنها تستحق أجرة على إرضاعه؛ لأنها انقطعت زوجيتها ولا نفقة لها على أبيه. قال تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} . والظاهر أن المعتدة التي مضت عليها سنة من تاريخ الطلاق وصارت لا حق لها في المطالبة بنفقة العدة حسب المادة 17 من القانون رقم 25 لسنة 1929 تستحق بعد تمام السنة أجرة الرضاعة؛ لأنها بمنعها من المطالبة بنفقة العدة لمضي سنة صارت مثل التي انقضت عدتها في أنها لا نفقة لها.
وأما إذا أرضعت الطفل غير أمه سواء كانت قريبة له أو أجنبية منه فإنها تستحق الأجرة على إرضاعه في كل حال.
وأجرة الرضاع هي من نفقة الصغير والفصل فيها من اختصاص المحاكم الشرعية الجزئية المصرية، ويكون حكمها فيها نهائيا إذا لم يزد ما يطلب الحكم به على مائة قرش في الشهر، أو لم يحكم بأكثر من ذلك إن كان الطلب غير معين. ويكون حكمها فيها ابتدائيا قابلا للاستئناف إذا زاد المطلوب أو المحكوم به عن ذلك.
وفي الحالة التي تستحق فيها الأم أجرة الرضاع, وهي فيما إذا انقضت عدتها تكون هذه الأجرة حقا لها من حين قيامها بالإرضاع ولا يتوقف استحقاقها لها
(1/205)

على عقد إجارة مع الأب. وتكون من الديون الصحيحة التي لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ولا تسقط بموت الرضيع ولا بموت الأب، وتكون مستحقتها دائنة له أسوة غرمائه. ويصح لها أن تصالح أباه على شيء معين تأخذه بدلا عنها؛ لأن هذه الأجرة المستحقة لها دين صحيح خالص حقها فتصطلح على أخذ بدل عنه كيفما تشاء, وعلى الأب أن يؤدي لها البدل الذي اصطلحا عليه.
أما في الحال التي لا تستحق فيها أم الطفل أجرة الرضاع, وهي فيما إذا كانت زوجة لأبيه أو معتدته فلا يكون لها حق قبله على إرضاعه، وإذا صالحها على بدل لا يصح الصلح ولا يلزم بشيء.
التبرع بالرضاعة: إذا أبت الأم أن ترضع طفلها إلا بأجر معين, ووجدت امرأة قريبة له أو أجنبية منه ترضعه مجانا أو بأقل من أجر أمه فالمتبرعة أو الراضية بالأجر الأقل أولى؛ لأن الغرض تغذية الطفل بإرضاعه وفي إعطائه للمتبرعة تحقيق هذا الغرض من غير إضرار الأب بإلزامه أجرا لا تقتضيه ضرورة: قال تعالى: {لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} وإذًا فالأم تخير بين أن ترضعه تبرعا أو بالأجر الأقل وبين أن تسلمه للمتبرعة، وعلى المتبرعة أن ترضعه عندها حتى لا يفوت عليها حقها في حضانته. ومحل هذا إذا كانت الأم غير متعينة لإرضاعه بأن كل الطفل يقبل ثديها وثدى غيرها، وستأتي مقارنة بين المتبرعة بالرضاعة والمتبرعة بالحضانة.
(1/206)

الحضانة والنفقات
الحضانة
...
الحضانة:
تعريفها:
الحضانة شرعا تربية الطفل والقيام بشئونه في سن معينة ممن له حق في تربيته من محارمه.
من له حق الحضانة: لما كانت حاجة الطفل في أول أطوار حياته ترجع إلى تدبير طعامه وملبسه ونومه ونظافته, وأمثال هذه الحاجات التي تقدر عليها النساء أكثر من الرجال لوفور شفقتهن وصبرهن, كان الأحق بحضانة الطفل محارمه من النساء. فإن لم توجد له محرم من النساء، أو وجدت وليست أهلا لحضانته انتقل الحق في حضانته إلى محارمه من الرجال العصبة. فإن لم يوجد عاصب محرم له، أو وجد وليس أهلا لحضانته انتقل الحق في حضانته إلى محارمه من الرجال غير العصبة، ولما كانت أم الطفل أوفر محارمه شفقة به كانت أحق بحضانته ما دامت أهلا لها، سواء كانت زوجة لأبيه أو مطلقة منه، وكانت محارمه اللاتي ينتسبن إليه بأمه أحق بحضانته من محارمه اللاتي ينتسبن إليه بأبيه عند استواء المرتبة قربا. وعلى هذا فترتيب أرباب الحق في الحضانة من المحارم كما يأتي:
أحق النساء المحارم بحضانة الصغير أمه1. ثم أم أمه وإن علت، ثم أم أبيه وإن علت، ثم أخواته بتقديم الشقيقة فالأخت لأم. فالأخت لأب. ثم بنت أخته الشقيقة ثم بنت أخته لأم، ثم خالاته بتقديم الشقيقة فالخالة لأم فالخالة لأب، ثم بنت الأخت لأب، ثم بنات الأخوة بتقديم بنت الأخ الشقيق فبنت الأخ لأم فبنت الأخ لأب، ثم عماته بتقديم العمة الشقيقة، فالعمة لأم فالعمة لأب، ثم خالات أبيه، ثم عمات أمه، ثم عمات أبيه بتقديم الشقيقة في كل منهن فالتي لأم فالتي لأب:
فإن لم توجد من هاته المحارم واحدة، أو وجدت وليست أهلا للحضانة انتقل الحق في حضانة الصغير إلى العصبة المحارم من الرجال على حسب ترتيبهم في الإرث.
__________
1 المراد الشخص الصغير سواء كان بنتا أو غلاما فلا فرق بين طفل وطفلة وصغير وصغيرة.
(1/207)

فالأحق بحضانة الصغير من عصبته المحارم أبوه، ثم أبو أبيه وإن علا. ثم أخوه الشقيق، ثم أخوه لأب. ثم ابن أخيه الشقيق، ثم ابن أخيه لأب، ثم عمه الشقيق، ثم عمه لأب، ثم عم أبيه الشقيق، ثم عم أبيه لأب.
فإن لم يوجد من عصبته الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلا للحضانة انتقل حق حضانته إلى محارمه من الرجال غير العصبة على هذا الترتيب.
للجد لأم، ثم للأخ لأم، ثم لابن الأخ لأم، ثم للعم لأم، ثم للأخوال بتقديم الشقيق، فالخال لأب فالخال لأم.
فمن هذا يتبين أن الحق في حضانة الطفل لأقربائه المحارم من النساء والرجال بتقديم محارمه النساء، فمحارمه الرجال العصبة، فمحارمه الرجال غير العصبة، على أن يراعى في الترتيب بين أفراد كل فريق ما قدمناه.
واذًا فقريباته وأقاربه غير المحارم لا حق لهم في حضانته، فلا حق لبني العم والعمة والخال والخالة في حضانة الصبية لعدم المحرمية ولهم الحق في حضانة الصبي. ولا حق لبنات العم والعمة والخال والخالة في حضانة الصبي ولهن الحق في حضانة الصبية. والمحارم غير القريبات كالأم رضاعا, والأخت رضاعا لا حق لهن في الحضانة.
الأهلية للحضانة: يشترط في الحاضنة أما كانت أو غير أم شروط ثمانية إذا توفرت فيها مع توفر شفقتها بقرابتها المحرمية تحقق الغرض المقصود وهو تربية الصغير والقيام بشئونه خير قيام. وهي أن تكو حرة؛ لأن المملوكة مشغولة بخدمة مالكها عن تربيته، عاقلة؛ لأن غير العاقلة لا تحسن القيام بشئونه ويخشى عليه منها، بالغة؛ لأن أخته الصغيرة مثلا في حاجة إلى الحضانة. قادرة على تربيته والمحافظة عليه، فلو كانت كفيفة أو مريضة بأي مرض يعجزها عن القيام بشئونه والمحافظة عليه لا تكون أهلا لحضانته، أمينة عليه، فلو كانت كثيرة المغادرة لمنزلها ومهملة شئون
(1/208)

الأولاد بحيث يترتب على هذا خشية ضياعهم أو لحوق الضرر بهم لا تكون أهلا للحضانة، غير مرتدة؛ لأن المرتدة عن الإسلام تحبس حتى تعود إليه فلا تقدر على الحضانة، غير متزوجة بأجنبي من الصغير، بأن تكون غير متزوجة أصلا، أو متزوجة بقريب محرم من الصغير كعمه مثلا؛ لأن زوجها إذا كان أجنبيا منه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية بتربيته، غير مقيمة في بيت فيه من يبغضه؛ لأن في مقام الطفل مع من يبغضه للخطر والضرر.
وكذلك إذا انتقل حق الحضانة إلى الرجال المحارم. سواء كانوا العصبة أو غيرهم لا يكون المحرم منهم أهلا لحضانة الصغير إلا إذا كان أمينا عليه، قادرا على تربيته، فلو كان فاسقا أو مفسدا أو غير قادر على تربيته لجنون أو عته أو مرض، فلا حق له في حضانته.
والحاضنة أما كانت أو غير أم، لا يشترط في أهليتها لحضانة الصغير اتحادها معه في الدين، فلو كانت أم الصغير المسلم غير مسلمة فهي أحق بحضانته؛ لأن الشفقة الباعثة على قيام الأم بشئون ابنها أو الأخت بشئون أخيها لا تختلف باختلاف الدين، إلا إذا ظهر أن في وجوده معها خطرا على إسلامه فلا تكون أهلا لحضانته. وأما إذا انتقلت الحضانة للعصبة من الرجال المحارم فيشترط في أهلية العاصب منهم لحضانة الصغير اتحاه معه في الدين؛ لأن حق حضانتهم يعتمد على التوارث ولا توارث مع اختلاف الدين.
والظاهر أنه إذا انتقل حق الحضانة إلى المحارم الأقارب من الرجال غير العصبة لا يشترط اتحاد الدين؛ لأن علة الاستحقاق هي القرابة المحرمية لا التوارث.
وإذا وجد أكثر من واحدة أو واحد كلهم أهل لحضانة الصغير ودرجة قرابتهم به واحدة، كعدة أخوات شقيقات أو عدة أخوة أشقاء فالأحق منهم بحضانته أصلحهم، لتربيته، فإن تساووا من كل جهة يختار القاضي من بينهم من يشاء.
(1/209)

ومجرد فسق الحاضنة أو سوء سلوكها لا يجعلها غير أهل لحضانة الصغير, إلا إذا كان يؤدي ذلك إلى ضياع الولد أو اعتياده أخلاقا تضره.
مدة الحضانة:
أصل المذهب أن مدة الحضانة للصغير والصغيرة تنتهي باستغنائهما عن خدمة النساء, وقدرة الواحد منهما على أن يقوم وحده بحاجاته الأولية من أكل ولبس ونظافة. ولم تقدر لهذا سن معينة، ولكن مجتهدي المذهب قدروا سن الاستغناء للغلام بسبع سنين، وللبنت بتسع سنين وهذا ما عليه الفتوى. وعليه تنتهي مدة حضانة الغلام إذا أتم سبع سنين، وتنتهي مدة حضانة البنت إذا أتمت تسع سنين، ولكن رئي أن الحاجة داعية لأن يكون للقاضي حرية النظر في تقدير مصلحة الصغير بعد سبع، والصغيرة بعد تسع، فإن رأى مصلحتهما في بقائهما في حضانة النساء قضى بذلك إلى تسع في الصغير، وإحدى عشرة في الصغيرة. وإن رأى مصلحتهما في غير ذلك قضى بضمهما إلى غير النساء. ولهذا وضعت المادة 20 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ونصها: "للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع. وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشرة سنة إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك". وتقدير هذه المصلحة موكول إلى القاضي.
أجرة الحضانة:
أجرة الحضانة كأجرة الرضاعة لا تستحقها الأم حال قيام الزوجية حقيقة أو حكما؛ لأن لها نفقة الزوجية أو نفقة العدة، وتستحقها بعد انقضاء عدتها، أو منعها من المطالبة بنفقة عدتها لمضي سنة من تاريخ طلاقها على ما استظهرناه. وأما غير الأم فتستحق أجرة الحضانة مطلقا، وهي أيضا من نفقة الصغير كأجرة رضاعه. والفصل فيها من اختصاص المحاكم الشرعية الجزئية المصرية تارة بصفة نهائية وتارة بصفة ابتدائية على ما بينا في أجرة الرضاعة. وتكون هذه الأجرة حقا لمن تقوم بالحضانة من حين قيامها بها بلا توقف على القضاء؛ لأنها جزاء على عمل. وتكون دينا صحيحا لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ويصح لمن تستحقها أن تصالح
(1/210)

أبا الصغير عنها على بدل تأخذه ويلزم الأب بهذا البدل؛ لأن أجرتها دين صحيح هو خالص حقها.
وإذا لم يكن للحاضنة مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير، فلها أن تطلب من الأب إعداد مسكن لحضانته فيه أو فرض أجرة مسكن.
وإذا احتاجت في حضانته إلى خادم وأبوه موسر فلها أن تطالبه بإحضار خادم أو فرض أجرة خادم.
وعلى هذا فقد يحكم للصغير على أبيه بنفقة لإصلاحه. وأجرة لرضاعه. وأجرة لحضانته. وأجرة مسكن لحاضنته. وأجرة خادم له. وبدل فرش وغطاء.
الحضانة فيها حق للصغير وللحاضنة:
الحضانة بمعنى تربية الطفل في سن معينة فيها حق للطفل نفسه، وحق لمن تقوم بتربيته؛ لأن الشارع قدر مصلحة الصغير في أن يقوم بتربيته في أطوار صغره من هو أقدر على تربيته، فجعل لأمه وسائر قريباته المحارم الحق في أن تمسكنه في سن هن أقدر على تدبير شئونه فيها. وجعل لأبيه وسائر أقاربه المحارم من عصبته الحق في أن يمسكوه في سن بعد ذلك هم أقدر على تدبير شئونه فيها.
ويتفرع على أن الحضانة فيها حق للصغير، أنه ليس للأم أن تصالح أباه على أن تتركه عنده في مدة حضانته في أي مقابل؛ لأن هذا صلح فيه تفويت حق الصغير، فلا يصح الصلح ولا يستحق بدله. وأنه لو اختلعت الأم مع زوجها على أن تترك ولدها عنده مدة الحضانة فالخلع جائز والشرط باطل, لما فيه من تفويت حق الصغير، وأنه إذا امتنعت الحاضنة عن الحضانة مع تعينها لها لعدم وجود غيرها تجبر عليها مراعاة لحق الصغير.
ويتفرع على أن الحضانة فيها حق للحاضنة، أنه إذا أرضعت الطفل مرضعة غير حاضنته يجب عليها أن ترضعه عند حاضنته حتى لا يفوت عليها حقها. وأنه
(1/211)

ليس للأب أن ينقل الصغير من البلد الذي تقيم فيه حاضنته؛ لأن في هذا تفويت حقها. وأنه ليس للأب أن يأخذه من يد حاضنته المستوفية شروط الحضانة ليعطيه من دونها في المرتبة؛ لأن هذا إضاعة لحقها، إلا في حال المتبرعة على التفصيل الآتي.
ويراعى التفريق بين نفس الحضانة والأجرة عليها. فالحضانة نفسها ليست حقا خالصا للحاضنة بل فيها حقها وحق الصغير على ما بينا. وأما الأجرة عليها فهي خالص حقها فلها أن تصالح عليه وتختلع نفسها بها وتتنازل عنها؛ لأن صاحب الحق يتصرف في خالص حقه كيف شاء.
التبرع بالحضانة: إذا أبت أم الصغير أن تحضنه إلا بأجر ووجدت من محارمه من هي أهل لحضانته. كجدته لأبيه أو عمته تتبرع بحضانته، فإن كان الأجر مستحقا على الصغير في ماله بأن كان له مال ونفقته بأنواعها واجبة فيه، فإنه يسلم للمتبرعة؛ لأن في هذا صيانة ماله من غير إضرار به؛ لأن المتبرعة بحضانته ليست أجنبية عنه بل هي من محارمه.
وإن لم يكن للصغير مال وكان أجر حضانته مستحقا على الأب، فإن كان الأب موسرا لا يعطى للمتبرعة بل يبقى عند أمه, ويجبر الأب على دفع أجرتها؛ لأن حضانة الأم أصلح للولد من حضانة غيرها لوفور شفقتها, ولا ضرر على الأب لأنه موسر. وإن كان معسرا يعطى للمتبرعة؛ لأن في إلزامه بالأجر مع إعساره إضرار به, ولا تقتضيه ضرورة مع وجود المتبرعة من المحارم.
ومن المقارنة بين التبرع بالرضاعة والتبرع بالحضانة يتبين أن بين أحكامها فرقا من وجهين:
"الأول" أنه لا فرق في المتبرعة بالرضاعة بين أن تكون قريبة للطفل أو أجنبية منه. وقد اشترطنا في المتبرعة بالحضانة أن تكون من محارم الصغير التي هي أهل لحضانته، بحيث إذا كانت المتبرعة بحضانته أجنبية منه أو محرما فاقدة شرطا من شروط الحاضنة لا يلتفت إليها, وكأنه لم توجد متبرعة.
(1/212)

"والثاني" أنه عند وجود متبرعة بالرضاعة يعطى لها سواء كان للطفل مال أو لا، وسواء كان الأب موسرا أو معسرا. وأما عند وجود متبرعة بالحضانة فلا ينزع من أمه, ويعطى لها إلا إذا كان الصغير لا مال له والأب موسر. ومنشأ التفريق أن الغرض من الرضاعة تغذية الطفل, وهو يتحقق من الأم كما يتحقق من غيرها قريبة أو أجنبية فلا فرق بين متبرعة وأخرى، ولا مبرر لإلزام الصغير أو أبيه بمال لا ضرورة له. وأما الحضانة فالغرض منها التربية ممن هي أهل لها. وهذه الأهلية لا تكون إلا بالقرابة المحرمية مع استيفاء الشروط، فإذا لم تكن المتبرعة فيها هذه الأهلية فات الغرض ولم يتحقق معنى الحضانة. ولا شك أن قيام الأم بهذه التربية خير للطفل من قيام حاضنة أخرى بها، فلا يعدل عن خير الطفل إلا لموجب وهو عسر الأب أو عدم إضاعة مال الولد.
وإذا أبت أم الصغير الحضانة إلا بأجر ولا توجد متبرعة من محارمه، وليس للصغير مال، والأب معسر تجبر الأم على القيام بحضانته وتكون أجرتها دينا على أبيه. وكذلك الحال في أجرة الرضاعة إذا لم توجد متبرعة، وليس للصغير ولا لأبيه مال.
سفر الحاضنة بالولد:
إذا كانت الحاضنة الأم وزوجيتها بأبي الولد قائمة, فليس لها الانتقال إلى أي بلد آخر إلا بإذن زوجها؛ لأن قرارها في المسكن الشرعي الذي أعده لها حق له واجب عليها. وإذا كانت في عدة طلاقه الرجعي أو البائن فليس لها الانتقال مطلقا لا بإذنه ولا بغير إذنه؛ لأن اعتدادها في مسكن العدة حق للشرع واجب عليها. وإذا كانت مطلقة انقضت عدتها فلها أن تسافر بولدها بغير إذن أبيه إلى بلدها الذي هو وطنها, وكان عقد زواجهما فيه، سواء كان هذا البلد قريبا من بلد الأب أو بعيدا عنه، وسواء كان مصرا أو قرية؛ لأن مقتضى عقده عليها في بلد هو وطنها التزامه الرضا بإقامتها فيه. وليس لها أن تسافر به بغير
إذن أبيه إلى بلد انتفى فيه الأمران أو أحدهما, بأن كان لا هو وطنها ولا عقد عليها فيه، أو كان وطنها ولم يعقد عليها فيه، أو عقد عليها فيه وليس وطنها، إلا إذا كان هذا
(1/213)

البلد الذي انتفى فيه الأمران أو أحدهما مصرا قريبا بحيث يمكن الأب أن يذهب إليه, ويرى ولده ويعود قبل أن يدخل الليل. فإن كان مصرا بعيدا أو قرية مطلقا, سواء كانت قريبة أو بعيدة فليس لها أن تنتقل إليها إلا بإذن الأب.
وأما غير الأم من الحاضنات فليس لها الانتقال بالولد من محل حضانته إلا بإذن أبيه مطلقا.
والحكمة في هذا مراعاة مصلحة الصغير بالجمع بين حضانته بواسطة أمه وقريباته المحارم. وبين إشراف أبيه على تربيته حتى لا تضار والدة بولدها, ولا مولود له بولده, ولا يحرم صغير من شفقة حاضنته ورعاية أبيه.
ولهذه الحكمة نفسها ليس للأب أن يخرج الصغير من البلد الذي تقيم فيه أمه ما دام في حضانتها التي هي أهل لها؛ لأن في هذا الإخراج تفويت حقها وحق الصغير فيمنع منه سواء كان البلد الذي يريد نقله إليه قريبا من أمه أو بعيدا. إلا إذا سقط حق الأم في الحضانة لسبب من الأسباب, ولم يكن في البلد الذي هي فيه من ينتقل إليه حق حضانة الصغير، فله أن ينقله من بلد أمه إلى البلد الذي فيه من لها الحق في حضانته. وإذا زال المانع من أهلية الأم للحضانة وعاد إليها استحقاقها وجب على الأب أن يعيده إليها حيث تقيم. ومثل الأم في هذا غيرها من الحاضنات.
وفي كل حالة لا يكون للحاضنة حق السفر بالصغير إذا أبت إلا أن تسافر سقط حقها في حضانته, وانتقل الحق إلى من يليها من الحاضنات.
بعد انتهاء مدة الحضانة:
الغلام إذا انتهت مدة حضانته بأن بلغت سنه سبعا أو تسعا صار الأحق بإمساكه أبوه. فإن لم يكن له أب فالأحق بإمساكه جده لأبيه. فإن لم يكن له أب ولا جد فالأحق بإمساكه أقرب عصبته من الرجال، سواء كانوا محارم كأخوته أشقائه، أو غير محارم كأبناء عمه؛ لأن الغلام بعد بلوغه هذه السن يستغني عن خدمة النساء، ويصير في حاجة إلى التأديب والتثقيف والتخلق بأخلاق الرجال والأخذ في أسباب الحياة. وأبوه وسائر عصبته من الرجال أقدر على تدبير هذا من أمه وسائر قريباته من النساء.
(1/214)

ولا خيار للغلام ولا لأبيه وسائر عصبته في ذلك بل يجبر الغلام على أن يكون عند أبيه أو عاصبه في هذا الطور من عمره، ويجبر أبوه أو أقرب عصبته على إمساكه إذا امتنع من طلبه؛ وذلك لأن الشراع رأى مصلحة الصغير في أن يمسكه أبوه أو عاصبه بعد تجاوزه سن الحضانة ليهذبه ويربيه، فليس للغلام أن يختار غير ما رآه الشارع، وليس لأبيه أو عاصبه أن يمتنع عن القيام به؛ لأن حق الشرع لا يملك أحد تفويته. وإذا لم يكن للغلام أب ولا عاصب ولا وصي يبقى عند حاضنته إلا إذا رأى القاضي مصلحته في أخذه منها, وإبقائه عند غيرها ممن يختاره.
ويستمر هذا الحق ثابتا على الغلام لعصبته إلى أن يبلغ الحلم.
فإذا بلغ الغلام الحلم بأن بلغت سنه خمس عشرة سنة أو رأى أمارة من أمارات البلوغ قبلها, وكان عاقلا ذا رأي يستغني به صار أحق بنفسه وليس لأبيه ولا لأي واحد من عصبته إمساكه جبرا عنه، بل يكون مخيرا إن شاء انفرد بإقامته. وإن شاء أقام مع أبيه أو أمه أو غيرهما، إلا إذا كان بعد بلوغه الحلم مفسدا لا يؤمن على نفسه فإن لأبيه أو عاصبه الحق في إمساكه للمحافظة عليه, ودفع الفتنة والعار وتأديبه إذا وقع منه شيء يستوجب التأديب حتى يصير مأمونا على نفسه.
وأما البنت فإذا انتهت مدة حضانتها بأن بلغت سنها تسعا أو إحدى عشرة سنة صار الأحق بإمساكها أبوها، ثم جدها لأبيها، ثم أقرب عصبتها من الرجال المحارم كأخوتها الأشقاء وأعمامها، وليس لعصبتها من الرجال غير المحارم كأبناء عمها حق في إمساكها؛ لأن البنت بعد تجاوزها سن الحضانة واستغنائها عن خدمة النساء تكون حاجتها إلى المحافظة عليها وتأديبها وصونها وتحصينها. وعصبتها من الرجال المحارم أقدر على هذا من قريباتها من النساء. ولا خيار للبنت ولا لأبيها أو عاصبها المحرم في ذلك بل تجبر هي على أن تكون عند عاصبها المحرم، ويجبر عاصبها المحرم على إمساكها إذا امتنع؛ لأن هذا حق الشرع لا يملك أحد تفويته.
(1/215)

ويستمر هذا الحق ثابتا على البنت لأبيها أو عاصبها المحرم إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت صار حق إمساكها لزوجها. لكن إذا بلغت البنت الحلم ولم تتزوج وكانت بكرا مسنة، واجتمع لها رأي وعفة، أو كانت ثيبا تؤمن على نفسها، فإن كل واحدة من هاتين تكون أحق بنفسها، وليس لعاصبها المحرم أن يجبرها على الإقامة عنده بل تكون في هذا كالغلام إذا بلغ الحلم عاقلا ذا رأي يكون أحق بنفسه.
وفي كل موضع يكون للأب أو العاصب الحق في إمساك الغلام أو البنت، إنما يثبت له هذا الحق إذا كان أمينا غير مفسد لا يخشى على أحدهما منه، فإن كان غير مأمون عليهما؛ لأنه مفسد مستهتر لا تتحقق مصلحة الصغير بإمساكه فلا حق له ويعتبر كعدمه وينتقل الحق إلى من يليه.
(1/216)

نفقة الأقارب:
القرابة سبب لوجوب نفقة القريب على قريبه، كما أن الزوجية سبب لوجوب نفقة الزوجة على زوجها.
ولا توجب القرابة النفقة إلا إذا كانت محرمة للزواج، فإن كانت القرابة غير محرمة للزواج كقرابة أولاد الأعمام والعمات، وأولاد الأخوال والخالات، فلا توجب النفقة، وعلى هذا لا تجب نفقة الفقير على ابن عمه أو ابن خاله.
وإذا كانت الصلة بين الأقارب جزئية بعضهم من بعض تسمى قرابتهم قرابة الولاد كقرابة الأصول والفروع المنحصرة في عمود النسب، وإذا كانت الصلة ليست كذلك كقرابة الأقارب الخارجين عن عمود النسب، كالأخوة والأخوات تسمى قرابتهم قرابة غير الولاد, أو قرابة الحواشي، أو قرابة ذوي الأرحام1، وعلى هذا ينحصر بحث نفقة الأقارب فيما يأتي:
نفقة الفرع الواجبة له على أصله.
الأصل الواجبة له على فرعه.
الأقارب غير الأصول والفروع الواجبة لبعضهم على بعض.
النفقة الواجبة للفرع على أصله:
في حال وجود الأب: إذا كان الأب موجودا غير عاجز عن الكسب فنفقة أولاده المستحقين للنفقة واجبة عليه وحده لا يشاركه فيها غيره من أم أو جد أو سواهما.
__________
1 ففي اصطلاح الفقهاء. ذوو الأرحام في باب النفقات هم الأقارب الذين ليسوا من الأصول والفروع كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والخالات. وأما ذوو الأرحام في باب المواريث فهم الأقارب الذين ليسوا من أصحاب الفروض ولا من العصبة كالجد لأم والعمة والخال والخالة وبنات الأخ وبنات الأخت.
(1/217)

دليل وجوبها:
والدليل على وجوبها قوله تعالى في سورة البقرة: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} فقد أوجب سبحانه على المولود له رزق الوالدات وكسوتهن, وهذا الرزق وهذه الكسوة من نفقة الأولاد. وقد ورد في الحديث أن زوجة أبي سفيان قالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي, إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
سبب وجوبها:
وسبب وجوبها الجزئية أي: كون الولد جزءا من أبيه، وكما تجب على الإنسان نفقة نفسه تجب عليه نفقة جزئه. وهذه الجزئية هي السبب في وجوب النفقة بين كل فرع وأصله. ولهذا تجب نفقة الأصول على فروعهم والفروع على أصولهم ولو لم يتحقق التوارث كما إذا اختلفوا في الدين لتحقق الجزئية وهي سبب الوجوب.
شرط وجوبها: ويشترط لوجوب نفقة الأولاد على أبيهم شرطان:
"الأول" أن يكون الأولاد فقراء, عاجزين عن الكسب؛ لأنهم إذا لم يكونوا فقراء بأن كان للولد منهم مال فنفقته في ماله عملا بالأصل العام. كل من له مال فنفقته في ماله ولا تجب على غيره نفقته, وإن كانوا فقراء غير عاجزين عن الكسب فلا تجب نفقة القادر منهم أن يكتسب, بل تكون نفقته في كسبه، والعجز عن الكسب يتحقق بكون الولد صغيرا. أو بكونه كبيرا ذا عاهة تمنعه من التكسب، أو بكونه أنثى؛ لأن الشأن في الإناث أن لا يعملن للكسب.
فالمستحقون للنفقة من الأولاد هم الفقراء الصغار، والفقراء الكبار العاجزون عن الكسب، والفقيرات من البنات مطلقا سواء كن صغيرات أو كبيرات قادرات على الكسب أو عاجزات عنه.
(1/218)

"الثاني" أن يكون الأب قادرا على نفقتهم بأن يكون غنيا أو كسوبا يكسب من عمله ما يفي بحاجته وحاجتهم: بناء على هذا تتفرع الأحكام الآتية:
الابن إذا كان فقيرا صغيرا وأبوه غني أو كسوب تجب نفقته على أبيه بأنواعها من طعام وكسوة وسكنى وأجرة رضاع وحضانة, وكل ما يحتاج إليه الصغير مما يقدر عليه أبوه.
فإذا بلغ الابن الفقير سنا يكون فيها أهلا للكسب سواء كانت سن البلوغ أو قبله، فإن كان قادرا على الكسب وليس به مانع يمنعه منه فلا تجب نفقته على أبيه, بل تكون نفقته في كسبه، وللأب أن يضعه في عمل أو حرفة يكتسب منها وينفق عليه من كسبه، فإن لم يف كسبه بنفقته فعلى الأب تكميل كفايته، وإن كان عاجزا عن الكسب لشلل أو عاهة أو أي مرض يعجزه عن الكسب فنفقته بأنواعها واجبة له على أبيه؛ لأن عجز الكبير عن الكسب يجعله في حكم الصغير. ومن الكبار العاجزين عن الكسب أولاد الأشراف الذين لا يستأجرون للأعمال. وطلبة العلم الذين يشغلهم تعلمه عن كسب الرزق ولا يهتدون إلى طرقه. فهؤلاء تجب لهم النفقة وهم كبار أصحاء.
وأما البنت فإذا كانت فقيرة صغيرة وأبوها غني, أو كسوب فنفقتها بأنواعها واجبة لها على أبيها، وكذلك إذا كبرت وهي فقيرة فنفقتها واجبة على أبيها، سواء كانت قادرة على الكسب أو عاجزة عنه، لكن إذا اكتسبت فعلا من وظيفة أو حرفة فلا تجب نفقتها على أبيها، بل تكون نفقتها فيما كسبته؛ لأنها استغنت به، إلا إذا كان ما كسبته لا يفي بحاجتها فعلى أبيها تكميل كفايتها.
فإذا تزوجت سقط وجوب نفقتها عن أبيها ووجبت نفقتها على زوجها، فإذا طلقت وانقضت عدتها من مطلقها وصارت لا نفقة لها على زوجها عاد وجوب نفقتها على أبيها، وكذلك إذا كانت زوجيتها قائمة وسقط وجوب نفقتها عن زوجها بسبب نشوزها مثلا تجب نفقتها على أبيها ما دامت ناشزا.
(1/219)

فنفقة البنت الفقيرة إما على أبيها، أو على زوجها، أو في كسبها إن كسبت فعلا.
وإذا كان الأولاد ممن لا يستحقون النفقة على أبيهم بأن كان لهم مال أو كسب, وأنفق عليهم أبوهم من ماله هو فهو متبرع ولا يرجع على أحد منهم بما أنفق, إلا إذا استأذن القاضي في الإنفاق عليهم ليرجع بما أنفق، أو أشهد عند الإنفاق أنه أنفق ليرجع، فلو أنفق الأب من ماله على ابنه الصغير الغني، أو على ابنه الكبير الكسوب، أو على ابنته المدرسة فهو متبرع بما أنفق، إلا إذا احتاط بالإشهاد عند الإنفاق، أو استئذان القاضي.
فإذا كان الأب فقيرا وقادرا على الكسب, ولكن لم ييسر له عمل يكتسب منه أو يسر له عمل يكتسب منه ولكن كسبه قليل, لا يفي بحاجته وحاجة من تجب عليه نفقتهم من أولاده، ففي هذه الحال تجب عليه النفقة لأولاده ولكن لا يؤمر هو بأدائها، بل تؤمر بأدائها لهم أمهم إذا كانت موسرة, ويكون ما تؤديه الأم دينا لها ترجع به على أبيهم إذا أيسر. وإذا كانت الأم غير موسرة أمر أبو الأب الموسر بالأداء. ويكون ما يؤديه دينا على الأب إذا أيسر.
وأما إذا كان الأب فقيرا وعاجزا عن الكسب لمرض أو كبر سن أو أي عاهة تعجزه عن الكسب، فيعتبر كالمعدوم وتجب النفقة على من عداه من أقارب الأولاد عند عدم أبيهم. على التفصيل الآتي في حال عدم وجود الأب.
فتنبه للفرق بين أب فقير قادر على الكسب، وأب فقير عاجز عن الكسب، فإن الأول لا يسقط وجوب النفقة عنه بل يحكم عليه بالنفقة, ولكن لا يؤمر بأدائها، وإنما يؤمر بأدائها الموسر من أقرب أقارب الأولاد. ليكون دينا على الأب. وأما الثاني فيعتبر كالمعدوم ويسقط وجوب النفقة عنه, ولا يحكم عليه بها, وإنما يحكم بها على الأقارب عدا الأب على ما يبين بعد.
(1/220)

في حال عدم وجود الأب:
وإذا لم يوجد للأولاد المستحقين للنفقة أب، أو كان لهم أب ولكنه فقير وملحق بالمعدوم لعجزه عن الكسب، وكان أقاربهم القادرون على الإنفاق عليهم كلهم من أصولهم سواء كانوا أصولا لهم من ناحية أبيهم, أو من ناحية أمهم فوجوب النفقة عليهم على هذا التفصيل.
إذا كان هؤلاء الأصول كلهم وارثين تجب عليهم النفقة جميعا, بنسبة إرثهم سواء تساوت درجة قرابتهم أو اختلفت.
فمن له أم، وأبو أب، فنفقته عليهما بنسبة الإرث. على الأم ثلث نفقته، وعلى الجد ثلثاها.
ومن له أم أم، وأم أب، وأبو أب فنفقته عليهم بنسبة الإرث. على الجدتين سدسها، وعلى الجد خمسة أسداسها، إلا إذا كان أبو الأب قائما فعلا مقام الأب, بأن حجب من الإرث بعض العصبة الذين يحجبهم الأب، فحينئذ يكون بمنزلة الأب ويجب عليه وحده النفقة ولا يشاركه فيها أحد. فمن له أم، وعم، وأبو أب، فنفقته على جده وحده ولا شيء على الأم؛ لأن الجد لما حجب العم في هذه الصورة من الإرث كان فعلا كالأب، والأب لا يشاركه في الإنفاق على أولاده أحد.
وإذا كان هؤلاء الأصول كلهم غير وارثين بأن كانوا من الأجداد أو الجدات غير الصحيحة. تجب النفقة على أقربهم درجة للأولاد، فإن تساوت درجتهم وجبت النفقة عليهم جميعا.
فمن له أبو أم، وأو أم أب، فنفقته على أبي أمه؛ لأنه أقرب درجة.
ومن له أبو أم أم، وأبو أبي أم، فنفقته عليهما معا بالتساوي لتساويهما في الدرجة.
وإذا كان هؤلاء الأصول بعضهم وارثا وبعضهم غير وارث، فإن تساووا في الدرجة تجب النفقة على الوارثين منهم بنسبة إرثهم، ولا يجب على غير الوارثين منهم شيء.
(1/221)

فمن له أبو أب، وأم أب، وأم أم، وأبو أم، فنفقته على أصوله الوارثين بنسبة إرثهم، وهم جده الصحيح وجدتاه الصحيحتان، على الجد خمسة أسداسها وعلى الجدتين سدسها. ولا شيء منها على جده غير الصحيح وهو أبو الأم؛ لأنه جد غير وارث. وفي درجة الوارثين.
وإن اختلفوا في الدرجة تجب النفقة على أقربهم درجة ولو كان غير الوارث.
فمن له أبو أبي أب، وأبو أم، فنفقته على أقربهما درجة وهو أبو الأم. وإن كان الذي رثه إذا مات هو أبو أبي الأب. والعلة لهذا أن سبب استحقاق الفروع نفقة على الأصول هو الجزئية، وكلما قربت الدرجة قوي السبب فيرجح الأقرب في الوجوب عليه. وإن كان مثل هذه الصورة الأخيرة لا يتفق حكمها مع قاعدة "الغرم بالغنم" لأن الذي يرث لا تجب عليه نفقة، والذي تجب عليه النفقة هو من لا يرث.
النفقة الواجبة للأصل على فرعه:
إذا كان الأصل فقيرا1 سواء كان أبا أو أما أو جدا أو جدة، وله فروع قادرون على الإنفاق عليه، تجب نفقته على أقربهم له درجة. فإن تساووا في القرب فنفقته عليهم جميعا بالتساوي، من غير نظر إلى الإرث؛ لأن علة وجوب النفقة هي الجزئية كما قدمنا، فكلما تحقق السبب وهو الجزئية تحقق المسبب وهو الوجوب بصرف النظر عن الإرث، وكلما قوي السبب بقرب الدرجة ترجح.
فمن له بنت، وابن ابن فنفقته على بنته وحدها لقربها.
ومن له بنت، وابن فنفقته عليهما بالسوية.
__________
1 يلاحظ أن الأصل يستحق النفقة إذا كان فقيرا, سواء كان قادرا على الكسب أو عاجزا عنه. وأما الفرع فلا يستحق النفقة إلا إذا كان فقيرا عاجزا عن الكسب, سواء كان عجزه لصغر أو مرض أو لكونه أنثى.
فالأب الفقير القادر على الكسب تجب له النفقة على ابنه الموسر، والابن الفقير الكبير القادر على الكسب لا تجب له النفقة على أبيه الموسر.
(1/222)

ومن له بنت بنت، وابن ابن فنفقته عليهما بالسوية.
ومن له ابنان مسلم، وغير مسلم وهو مسلم فنفقته عليهما بالسوية.
وإذا اجتمع للفقير أقارب قادرون من أصوله ومن فروعه تجب النفقة على أقربهم درجة. فإن تساووا في الدرجة تجب النفقة عليهم بنسبة الإرث.
فمن له أب وابن ابن فنفقته على الأب وحده لقربه درجة.
ومن له أبو أب، وابن ابن فنفقته عليهما معا بنسبة الإرث على الجد سدسها، وعلى ابن الابن خمسة أسداسها.
وكان مقتضى هذا أن من له أب وابن تكون نفقته على أبيه وابنه بنسبة الإرث لتساويهما في الدرجة. ولكن هنا تجب النفقة على الابن وحده؛ لأن للأب شبهة في مال ابنه بمقتضى الحديث "أنت ومالك لأبيك" فمتى وجد الابن القادر تجب عليه وحده نفقة أبيه الفقير وأمه الفقيرة وكل أصوله
الفقراء، ولا يشاركه فيها أحد، كما أنه إذا وجد الأب القادر تجب عليه وحده نفقة ابنه الفقير ولا يشاركه فيها أحد.
وإذا اجتمع للفقير أقارب قادرون من أصوله، ومن فروعه، ومن حواشيه أي: أقاربه الذين ليسوا من أصوله وفروعه كأخوته وأخواته وأعمامه، فلا يجب على الحواشي شيء من النفقة؛ لأنهم مع وجود
الفروع يعتبرون كعدمهم, وكأن الموجودين الأصول والفروع فقط.
وإذا اجتمع للفقير أقارب قادرون من أصوله, ومن فروعه, ومن حواشيه، فإن كان الصنفان وارثين فالنفقة عليهم
بنسبة الإرث.
فمن له أم وأخ شقيق تجب على الأم ثلث نفقته, وعلى أخيه ثلثاها بنسبة الإرث، وإن كان أحد الصنفين غير وارث فالنفقة على الأصول وحدهم ولو كانوا غير وارثين.
(1/223)

فمن له أبو أب، وأخ شقيق فنفقته على جده وحده، ومن له أبو أم، وأخ شقيق فنفقته على جده لأمه وحده لترجحه بالجزئية، وإن كان غير وارث والإرث للأخ الشقيق.
نفقة ذوي الأرحام بعضهم على بعض:
إذا كان الفقير المستحق للنفقة أقاربه القادرون كلهم من الحواشي أي: من الأقارب الخارجين عن عمود النسب, الذين ليسوا من أصوله ولا فروعه كأخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته, فهؤلاء تجب نفقته عليهم بنسبة الإرث، فالمحجوب من الإرث لا تجب عليه النفقة، والوارث تجب عليه النفقة بنسبة نصيبه في الإرث.
وهذا مقتضى الآية الكريمة إذ قال الله سبحانه في سورة البقرة: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} . فقد أوجب سبحانه رزق الوالدات وكسوتهن على الوارث إذا لم يوجد المولود له، وعبر عنه بوصف الوارث إشارة إلى أن إرثه هو سبب وجوب النفقة عليه، عملا بقاعدة "الغرم بالغنم".
فمن له ثلاثة أخوة أشقاء قادرون فنفقته عليهم أثلاثا:
ومن له أخوات متفرقات شقيقة، ولأب، ولأم، فنفقته عليهن أخماسا، على الشقيقة ثلاثة أخماسها، وعلى الأخت لأب خمسها، وعلى الأخت لأم خمسها. ومن له عمة، وخال فنفقته عليهما على العمة ثلثاها وعلى الخال ثلثها.
ومن له أخ لأم وخال فنفقته على الأخ لأم فقط؛ لأنه الوارث وحده.
وبعض المذاهب يجعل نفقة جميع الأقارب بعضهم على بعض على أساس الإرث بلا تفريق بين قرابة الولاد وغيرها، فمن لا يرث بعد الممات لا تجب عليه النفقة في الحياة، ومن يرث تجب عليه النفقة بنسبة إرثه عملا بالقاعدة "الغرم بالغنم"
(1/224)

وهذا هو التقسيم الذي ذكره العلامة ابن عابدين في صفحة 727 من الجزء الثاني من حاشيته ونصه1:
"لا يخلو إما أن يكون الموجود من قرابة الولاد شخصا واحدا، أو أكثر. والأول ظاهر وهو أنه تجب النفقة عليه عند استيفاء شروط الوجوب. والثاني لا يخلو إما أن يكونوا فروعا فقط، أو فروعا وحواشي، أو فروعا وأصولا، أو فروعا وأصولا وحواشي، أو أصولا فقط، أو أصولا وحواشي. فهذه ستة أقسام وبقي قسم سابع تتمة الأقسام العقلية, وهو الحواشي فقط نذكره تتميما للأقسام, وإن لم يكن من قرابة الولاد".
"القسم الأول" الفروع فقط, والمعتبر فيهم القرب والجزئية أي: القرب بعد الجزئية دون الميراث. ففي ولدين لمسلم فقير ولو أحدهما نصرانيا أو أنثى تجب نفقته عليهما سوية، للتساوي في القرب والجزئية, وإن اختلفا في الإرث. وفي ابن، وابن ابن على الابن فقط لقربه، وكذا تجب في بنت، وابن ابن على البنت فقط لقربها، ويؤخذ من هذا أنه لا ترجيح لابن ابن على بنت بنت, وإن كان هو الوارث لاستوائهما في القرب والجزئية، ولتصريحهم بأنه لا اعتبار للإرث في الفروع، وإلا لوجبت أثلاثا في ابن وبنت، ولما لزم الابن النصراني مع الابن المسلم شيء وبه ظهر أن قول الرملي في حاشية البحر أنها على ابن الابن, لرجحانه مخالف لكلامهم.
"القسم الثاني" الفروع مع الحواشي والمعتبر فيه أيضا القرب والجزئية دون الإرث، ففي بنت، وأخت شقيقة على البنت فقط وإن ورثتا، وتسقط الأخت لتقديم الجزئية. وفي ابن نصراني، وأخ مسلم على الابن فقط، وإن كان الوارث هو الأخ أي: لاختصاص الابن بالقرب والجزئية. وفي ولد بنت، وأخ شقيق على
__________
1 ذكرت نص هذا التقسيم ليرجع إليه من أراد الوقوف على بعض التفصيل في نفقة الأقارب.
(1/225)

ولد البنت، وإن لم يرث أي لاختصاصه بالجزئية، وإن استويا في القرب لإدلاء كل منهما بواسطة. والمراد بالحواشي هنا من ليس من عمود النسب, أي: ليس أصلا ولا فرعا فيدخل فيه ما في الذخيرة لو له بنت، ومولى عتاقة فعلى البنت فقط، وإن ورثا أي: لاختصاصها بالجزئية.
"القسم الثالث" الفروع مع الأصول والمعتبر فيه الأقرب جزئية، فإن لم يوجد اعتبر الترجيح، فإن لم يوجد اعتبر الإرث. ففي أب، وابن تجب على الابن لترجحه بأنت ومالك لأبيك، أي: وإن استويا في قرب الجزئية. ومثله أم، وابن لقول المتون ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد. قال في البحر: لأن لهما تأويلا في مال الولد بالنص؛ ولأنه أقرب الناس إليهما ا. هـ. فليس ذلك خاصا بالأب كما يتوهم بل الأم كذلك، وفي جد؟ وابن ابن على قدر الميراث أسداسا للتساوي في القرب، وكذا في الإرث وعدم المرجح من وجه آخر، وظاهره أنه لو له أب وابن ابن أو بنت بنت، فعلى الأب؛ لأنه أقرب في الجزئية، فانتفى التساوي ووجد القرب المرجح وهو داخل تحت الأصل المار عن الذخيرة والبدائع. وكذلك تحت قول المتون ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد.
"القسم الرابع" الفروع مع الأصول والحواشي وحكمه كالثالث, لما علمت من سقوط الحواشي بالفروع لترجحهم بالقرب والجزئية, فكأنه لم يوجد سوى الفروع والأصول, وهو القسم الثالث بعينه.
"القسم الخامس" الأصول فقط فإن كان معهم أب فالنفقة عليه فقط لقول المتون، ولا يشارك الأب في نفقة ولده أحد، وإلا فإما أن يكون بعضهم وارثا, وبعضهم غير وارث أو كلهم وارثين، ففي الأول يعتبر الأقرب جزئية لما في القنية له أم، وجد لأم، فعلى الأم أي: لقربها ويظهر منه أن أم الأب كأبي الأم. وفي حاشية الرملي: إذا اجتمع أجداد وجدات فعلى الأقرب وإن لم يدل به الآخر ا. هـ. فإن تساووا في القرب فالمفهوم من كلامهم ترجح الوارث, بل هو صريح قول البدائع
(1/226)

في قرابة الولاد إذا لم يوجد الترجيح اعتبر الإرث ا. هـ. وعليه ففي جد لأم وجد لأب تجب على الجد لأب فقط اعتبارا للإرث. وفي الثاني أعني لو كان كل الأصول وارثين فكالإرث, ففي أم وجد لأب تجب عليهما أثلاثا في ظاهر الرواية.
"القسم السادس" الأصول مع الحواشي، فإن كان أحد الصنفين غير وارث اعتبر الأصول وحدهم ترجيحا للجزئية, ولا مشاركة في الإرث حتى يعتبر فيقدم الأصل سواء كان هو الوارث, أو كان الوارث الصنف الآخر. مثال الأول ما في الخانية لو له جد لأب وأخ شقيق فعلى الجد ا. هـ. ومثال الثاني ما في القنية لو له جد لأم وعم فعلى الجد ا. هـ. أي: لترجحه في المثالين بالجزئية مع عدم الاشتراك في الإرث؛ لأنه هو الوارث في الأول والوارث هو العم في الثاني. وإن كان كل من الصنفين أعني الأصول والحواشي وارثا اعتبر الإرث ففي أم وأخ عصبي أو ابن أخ كذلك أو عم كذلك على الأم الثلث وعلى العصبة الثلثان.
ثم إذا تعددت الأصول في هذا القسم بنوعيه ننظر إليهم, ونعتبر فيهم ما اعتبر في القسم الخامس مثلا لو وجد في المثال الأول المار عن الخانية جد لأم مع الجد لأب نقدم عليه الجد لأب, لترجحه بالإرث مع تساويهما في الجزئية. ولو وجد في المثال الثاني المار عن القنية أم مع الجد لأم نقدمها عليه لترجحها بالإرث وبالقرب, وبهذا يسقط الإشكال الذي سنذكره عن القنية كما ستعرفه، وكذلك لو وجد في الأمثلة الأخيرة مع الأم جد لأم نقدمها عليه لما قلنا، ولو جد معها جد لأب بأن كان للفقير أم وجد لأب وأخ عصبي أو ابن أخ أو عم كانت النفقة على الجد وحده, كما صرح به في الخانية, ووجه ذلك أن الجد يحجب الأخ وابنه والعم, لتنزيله حينئذ منزلة الأب, وحيث تحقق تنزيله منزلة الأب صار كما لو كان الأب موجودا حقيقة, وإذا كان الأب موجودا حقيقة لا تشاركه الأم في وجوب النفقة فكذا إذا كان موجودا حكما فيجب على الجد فقط بخلاف ما لو كان للفقير
(1/227)

أم، وجد لأب فقط، فإن الجد لم ينزل منزلة الأب. فلذا وجبت النفقة عليهما أثلاثا في ظاهر الرواية كما مر.
"القسم السابع" الحواشي فقط والمعتبر فيه الإرث بعد كونه ذا رحم محرم, وتقديره واضح في كلامهم كما سيأتي:
ثم هذا كله إذا كان جميع الموجودين موسرين، فلو كان فيهم معسر فتارة ينزل المعسر منزلة الميت، وتجب النفقة على غيره، وتارة ينزل منزلة الحي وتجب على من بعده بقدر حصصهم من الإرث -انتهى تقسيم ابن عابدين.
زوجة المستحق للنفقة:
إذا كان الأب مستحقا للنفقة على ابنه فنفقة زوجته أيضا تجب على ابنه, إذا كان الأب في حاجة إليها ولا يمكنه أن يستغني عنها، لعاهة أو مرض أو نحوهما, وإذا كان غير محتاج إليها فلا تجب نفقتها على ابنه. ولهذا لا يجب على الابن إلا نفقة زوجة واحدة لأبيه؛ لأن الواحدة تندفع بها حاجته.
وأما إذا كان الابن مستحقا للنفقة على أبيه فنفقة زوجته لا تجب على أبيه, إلا إذا كان كفيلا بها, فإنها تجب نفقتها عليه بمقتضى الكفالة، وإنما يؤمر بأداء النفقة المفروضة لها على ابنه ليرجع بها عليه إذا أيسر.
ومثل زوجة الابن زوجة سائر من تجب لهم النفقة.
أما الخادم فإن كان ضروريا لمستحق النفقة ومن تجب عليه النفقة موسر، فهو من النفقة الواجبة لا فرق بين أب على ابنه وابن على أبيه.
(1/228)

مقارنة بين أنواع النفقات بعضها وبعض:
الزوجية والقرابة كل منهما موجب للنفقة، والقرابة كما قدمنا قرابة الولاد أي: الأصول والفروع المنحصرة في عمود النسب، وقرابة غير الولاد أي: الخارجين عن عمود النسب الذين ليسوا من الأصول ولا الفروع، والنفقة الواجبة بكل سبب من هذه الثلاثة تختلف في بعض الوجوه والأحكام.
"أولا" من جهة سبب الوجوب:
فسبب وجوب نفقة الزوجة على زوجها هو الجزاء على احتباسها لحق الزوج ومنفعته، ولهذا تستحق النفقة كل زوجة سلمت نفسها لزوجها ولو حكما، سواء كانت غنية أو فقيرة، وسواء كانت متحدة معه دينا أو مختلفة معه دينا، وسواء كان الزوج غنيا أو فقيرا، قادرا على الكسب أو عاجزا عنه؛ لأنه متى صح عقد الزواج وسلمت الزوجة نفسها ولو حكما وجد الاحتباس, فوجبت النفقة جزاء له.
وأما سبب وجوب النفقة بقرابة الولاد فهو الجزئية أي: كون الفرع جزءا من أصله، والإنسان كما تجب عليه نفقة نفسه تجب عليه نفقة جزئه، فمتى وجدت الجزئية وتحققت الحاجة إلى النفقة وجبت، ولا عبرة بكون الأصل وارثا فرعه أو الفرع وارثا أصله، أو غير وارث. ولهذا تجب نفقة الأصل على فرعه، والفرع على أصله ولو تخالفا في الدين؛ لأنه لا اعتبار للإرث. وتجب النفقة على الأقرب من الأصول أو الفروع ولو كان غير الوارث لترجح الجزئية بالقرب. وتجب نفقة الأب على ابنه وبنته الموسرين بالسوية لتساويهما في الجزئية وإن اختلفا في الإرث. وتجب نفقة الأب على ابن ابنه وبنت بنته بالسوية لتساويهما في الجزئية، وإن كان أحدهما وهو بنت البنت غير وارثه أصلا، والعلة في هذا أن سبب وجوب النفقة بقرابة الولاد هو الجزئية ثم القرب دون الميراث، وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ} فدل على أن العلة كونه مولودا له. أي: إن التوالد هو سبب الوجوب.
(1/229)

وأما سبب وجوب النفقة بقرابة غير الولاد فهو الإرث عملا بقاعدة الغرم بالغنم, فكما أن القريب المحرم يرث قريبه إذا مات، تجب عليه نفقته في حال الحياة إذا احتاج. ولهذا لا تجب النفقة بين هؤلاء الأقارب المحارم إذا اختلفوا دينا؛ لأن اختلاف الدين من موانع الإرث فهو من موانع وجوب النفقة بينهم. وتجب عليهم النفقة بقدر حصصهم من الإرث. والمحجوب منهم عن الإرث لا تجب عليه نفقة.
فمن له أخت شقيقة، وأخ شقيق موسران فنفقته عليهما أثلاثا. ومن له عم شقيق، وعمة شقيقة موسران فنفقته على عمه وحده، ومسلم له أخوان شقيقان موسران مسلم ومسيحي نفقته على أخيه المسلم وحده. والعلة في هذا أن سبب وجوب النفقة بقرابة غير الولاد التوارث، فغير الوارث لا تجب عليه نفقة، والورثة تجب عليهم النفقة بقدر حصصهم من الإرث. وإلى هذا أشار الله سبحانه بقوله: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} . فدل على أن العلة كونه وارثا. أي: إن التوارث هو سبب الوجوب.
"ثانيا" من جهة حكمة الشارع في إيجابها:
فنفقة الزوجة الحكمة في إيجابها أن احتباس الزوج لها لحقه ومنفعته يستوجب عليه القيام بنفقتها؛ لأنه يشغلها بحقوقه وواجباته. ولهذا تجب كما قدمنا للغنية والفقيرة على الغني والفقير. ويراعى في تقديرها حال الزوج المحتبس لها يسارا وعسرا؛ لأن الجزاء يراعى في تقديره مقدرة المفروض عليه.
وأما نفقة القريب على قريبه فالحكمة في إيجابها سد حاجة المحتاج منهم وصلة رحمه بمنعه من السؤال. ولا فرق في هذه الحكمة بين قرابة الولاد وقرابة غير الولاد. ولهذا لا تجب نفقة قريب على قريبه إلا إذا كان محرما له، فلا نفقة بين أبناء الأعمام والعمات، وأبناء الأخوال والخالات لعدم المحرمية، ولا تجب لقريب إلا إذا كان فقيرا محتاجا إلى النفقة حتى يكون ذا حاجة يجب على قريبه أن يسدها. ولا تجب على قريب إلا إذا كان موسرا أو قادرا على الكسب أو كسوبا وفي ماله فضل يفي بالإنفاق على غيره.
(1/230)

وأما إذا كان ماله أو كسبه على قدر حاجته فقط، فلا يجب عليه الإنفاق على غيره. ويراعى في تقديرها كفاية من تجب له لا يسار من تجب عليه. والعلة في هذا كله أنها تجب لسد الحاجة فلا تجب إلا لمحتاج، على قادر، وبمقدار ما يسد الحاجة.
"ثالثا" من جهة الشرط فيمن تجب عليه:
أما نفقة الزوجة فتجب على زوجها مهما كانت حاله من يسر أو عسر أو قدرة على الكسب أو عجز عنه.
وأما نفقة الفرع على أصله والأصل على فرعه، فيشترط فيمن تجب عليه القدرة على الكسب لا اليسار. ولذلك إذا كان الأب معسرا قادرا على الكسب تجب عليه نفقة أولاده المستحقين للنفقة, ولا يمنع إعساره من إيجابها عليه ما دام قادرا على الكسب، وتؤمر أمهم إذا كانت موسرة بأداء ما وجب على الأب لأولاده منها، على أن يكون ما تنفقه دينا لها ترجع به على الأب إذا أيسر. وإذا كان الابن كسوبا ذا عيال وليس لكسبه فضل عن نفسه وعن عياله، وله أب فقير لا كسب له أجير الابن على ضم أبيه إلى عياله، ولا يجبر على أن يعطيه شيئا على حدة، والأم في هذا كالأب.
وأما نفقة ذوي الأرحام بعضهم على بعض، فيشترط فيمن تجب عليه اليسار لا مجرد القدرة على الكسب، فالقريب غير الموسر لا تجب عليه نفقة.
واختلف في تحديد هذا اليسار. فروى عن أبي يوسف أن من ملك نصابا فاضلا عن حاجاته الأصلية، ولو كان غير نام، اعتبر موسرا في حق نفقة ذوي الأرحام. وقال محمد: الموسر في باب النفقات هو من في كسبه فضل عن نفقة نفسه ونفقة عياله، وهذا هو الذي عليه العمل في المحاكم الشرعية المصرية.
"رابعا" من جهة صيرورة النفقة الواجبة دينا على من تجب عليه. فنفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها ولو حكما تعتبر على ما عليه العمل الآن دينا صحيحا في ذمة زوجها, من وقت امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما. ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء. ولهذا كان للزوجة أن تطلب
(1/231)

الحكم لها بالنفقة على زوجها عن مدة سابقة على وقت التقاضي إذا أثبتت أنه امتنع عن الإنفاق عليها في تلك المدة مع وجوبه، ويقضي بها مستندة إلى مبدأ تلك المدة. على أن لا تزيد المدة السابقة على ثلاث سنين نهايتها تاريخ رفع الدعوى، فنفقتها من حين استحقاقها دين صحيح من كل وجه.
وأما نفقة الصغير المستحق للنفقة فلا تكون دينا على من تجب عليه إلا من وقت القضاء بها فقط، ولهذا لا يطلب الحكم بها عن مدة سابقة على وقت التقاضي، ولا يقضى بها مسندة إلى وقت سابق على تاريخ القضاء، وإذا حكم بها صارت دينا من تاريخ الحكم ولكنها لا تكون دينا صحيحا من كل وجه؛ لأن المتجمد منها كما يسقط بالأداء أو الإبراء يسقط بموت الصغير أيضا؛ لأنها واجب من باب الصلات والصلات تسقط بالموت.
وأما نفقه سائر الأقارب المستحقين للنفقة عدا الصغير فلا تكون دينا على من تجب عليه إلا قضى القاضي بها، وأذن باستدانها، واستدانها فعلا المقضى له، ولهذا لا يطلب الحكم بها عن مدة سابقة على وقت التقاضي، وإذا قضى بها وتجمد من المحكوم به مبلغ لو يؤد للمحكوم عليه, ولم يكن في الحكم إذن بالاستدانة، أو كان في الحكم إذن بالاستدانة ولم يستدنه فعلا المقضى له، ومضت مدة شهر فأكثر فإنه يسقط وليس للمحكوم له حق المطالبة به؛ لأن مضي المدة دليل الاستغناء ولا نفقة مع استغناء.
"خامسا" من جهة الاختصاص القضائي: نفقة الزوجة على زوجها، ونفقة الصغير على أبيه، يكون حكم المحكمة الشرعية الجزئية فيها نهائيا إذا لم يزد ما يطلب الحكم به في كل نوع منها على مائة قرش في الشهر أو لم يحكم بأكثر من ذلك، ويكون ابتدائيا إذا زاد المحكوم به في كل نوع أو المطلوب الحكم به فيه على ذلك.
أما نفقة الصغير على غير أبيه كعمه وجده وأخيه، ونفقة سائر الأقارب فيكون حكم المحكمة الشرعية الجزئية فيها ابتدائيا قابلا للاستئناف دائما, مهما كانت قيمة المبلغ المحكوم به أو المطلوب الحكم به.
(1/232)

والسبب في هذا أن نفقات الأقارب في شروط استحقاقها, وتشعب أحكامها, ووجوه الترجيح بين قريب وقريب ما يقضي بأن تكون قابلة للاستئناف مطلقا, حتى يمكن ضمان العدالة وتدارك الخطأ. ولا كذلك الحال في نفقة الزوجة على زوجها, ونفقة الصغير على أبيه؛ لأن الزوج والأب لا يشاركهما أحد في الإنفاق على الزوجة والابن.
خاتمة: إذا كان الفقير العاجز عن الكسب ليس له أقارب تجب عليهم نفقته، أو له أقارب فقراء عاجزون مثله فنفقته في بيت المال؛ لأن بيت المال تئول إليه تركة من لا وارث له. وكل مال لا يعرف صاحبه، فعليه الإنفاق على كل من لا يجد من ينفق عليه, عملا بالقاعدة العادلة "الغرم بالغنم"1.
__________
1 وقد أصدرت وزارة الحقانية في شأن هذا المنشور رقم 36 لسنة 1922، ونصه: علمت الوزارة أن بعض المحاكم رفعت أمامها دعاوى على وزارة المالية بطلب فرض نفقة لفقر المدعين: وعجزهم عن الكسب. وعدم وجود من تجب نفقتهم عليه.
ومن حيث إن هذه الدعاوى غير مسموعة شرعا؛ لأن شرط سماع الدعوى أن تكون ملزمة, وهذه الدعاوى غير ملزمة شرعا:
"أولا" لما يؤخذ من القنية عن الإمام الوبري من أن الإمام ليس بملزم قضاء بإعطاء من له حظ في بيت المال بل له الخيار في المنع والإعطاء. وأما ما قاله ابن عابدين تعليقا على عبارة القنية من "أنه ليس للإمام الخيار في المنع والإعطاء من بيت المال مطلقا، وإنما له ذلك بالنسبة للمال الذي أخذه صاحب الحظ بدون علمه" فهو تأويل منه لصريح عبارة القنية. وحمل لها على خلاف ظاهرها لم يستند فيه إلى نص من كتب المذهب, فضلا عن مخالفته لروح الأحكام الشرعية المنصوص عليها في أبواب بيت المال فلا يعول عليه، وقد نقل عبارة القنية شارح الوهبانية وصاحب البحر والفتاوى الهندية وغيرهم من الفقهاء، ولم يعلقوا عليها بمثل ما علق به ابن عابدين.
"ثانيا" نص الزيلعي وصاحب البحر والبدائع وغيرهم على ما يؤخذ منه أن صرف أموال بيت المال في مصارف مفوض لرأي الإمام, وموكول إلى اجتهاده, وظاهر من هذا أن الإمام لا يطالب قضاء بالصرف لشخص معين من المصارف.
"ثالثا" أن الفقير الذي هو أحد مصارف البيت الرابع من بيوت المال ليس متعينا للصرف عليه منه لتعدد مصارف هذا البيت، فليس له ولاية المطالبة قضاء كالفقير في الزكاة والفقير في الوقف على الفقراء؛ لأن دعواهما غير ملزمة فلا تسمع إذن.
لهذا
توجه الوزارة نظر المحاكم إلى عدم سماع هذه الدعاوى،
تحريرا في 3 سبتمبر سنة 1922
وزير الحقانية
إمضاء
(1/233)

الحَجْر:
تعريفه:
الحجر لغة المنع. وشرعا هو المنع من نفاذ العقود والتصرفات القولية. فمن قام به سبب من أسباب الحجر الستة الآتي بيانها منع من أن يباشر عقدا أو تصرفا قوليا, بحيث إذا باشر شيئا من ذلك لا ينفذ, ولا يلزمه حكمه على التفصيل الذي سيذكر لكل محجور عليه.
ومن هذا التعريف يؤخذ أن الحجر إنما يكون عن العقود والتصرفات القولية؛ لأنها هي التي يتصور الحجر فيها بالمنع من نفاذها, وعدم ترتب حكمها عليها فكأنها شرعا لم تكن. أما أفعال الجوارح فلا يتصور الحجر فيها؛ لأن الفعل متى وقع لا يمكن رفعه. وبناء على هذا فالمحجور عليه بأي سبب من أسباب الحجر مؤاخذ بأفعاله, وإن كانت لا تنفذ عليه تصرفاته القولية. فإذا أتلف المجنون أو المعتوه أو الصبي مالا أو نفسا أو ما دونها ضمنوا ما أتلفوه؛ لأن اعتبار الفعل لا يتوقف على القصد، كالنائم إذا انقلب على مال إنسان فأتلفه ضمن وإن عدم القصد1. ومتى لزمهم الضمان فإن كان للمتلف منهم مال ألزم الولي عليه بأن يؤدي الضمان من ماله، وإذا لم يكن للمتلف مال لا يخاطب بأداء ضمان ما أتلفه، إلا عند القدرة كالمعسر لا يطالب بالدين إلا إذا أيسر.
وهذا إذا لم يكن صاحب المال المتلف هو الذي سلط المحجور عليه على ماله بدون إذن الولي أو الوصي عليه. أما إذا أقرض إنسان ماله لمجنون أو معتوه أو صبي أو أي محجور عليه بدون إذن الولي عليه، أو أودعه وديعة، أو أعاره عارية، فهلك القرض أو الوديعة أو العارية، أو استهلك في يد المحجور عليه، فلا ضمان عليه، والمالك هو المفرط؛ لأنه عرض ماله للضياع وسلط عليه يدا لا تحفظه. لكن إذا فعل صاحب المال شيئا من ذلك بإذن الولي فأتلفه المحجور عليه وجب الضمان.
__________
1 ولهذا نصوا على أن الصبي أو المجنون إذا قتل أحدهما إنسانا كان مؤاخذا بفعله، غير أن ليس لواحد منهما عمد، بل القتل منهما يعتبر خطأ يوجب الدية على العاقلة.
(1/234)

دليله:
الأصل الذي بني عليه الحجر هو قوله تعالى في سورة النساء: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} .
نهى الله سبحانه الولاة أن يؤتوا السفهاء أموالهم؛ لأن في إعطائها لهم تعريضها للضياع، وهذا يدل على منع هؤلاء السفهاء من التصرف فيها؛ لأنهم لو نفذت تصرفاتهم فيها لأضاعوها, وهي في يد الولاة ببيعها أو هبتها أو أي تصرف فيها, فلا يكون لحبسها عنهم فائدة ولا للنهي عن إيتائهم أموالهم ثمرة.
حكمة تشريعه: لما كان فاقد العقل وهو المجنون والصغير غير المميز ليس أهلا للقصد, ولا يتصور منه الرضا لعدم التمييز. وناقص العقل وهو المعتوه والصبي المميز ليس أهلا لتقدير المصلحة, حجر الشارع على كل واحد منهم ومنعه من التصرف في ماله حتى لا تضيع أموالهم وحتى يحال بينهم وبين من يحتالون عليهم لأخذ أموالهم بالباطل رحمة بهم، وصيانة لمالهم, كما حجر على السفيه وذي الغفلة رحمة بهما وحفظا لمالهما. وكما حجر على المدين دفعا للضرر عن دائنيه. وكم حجر على الطبيب الجاهل بمنعه من مزاولة مهنته دفعا للضرر عن الأبدان. وعلى المفتي الماجن الذي يعلم الناس الحيل دفعا للضرر عن الأديان. وعلى المكاري المفلس صيانة الأموال، ففي الحجر على كل من حجر عليهم مصلحة خاصة ومصالح عامة وكلها ترجع إلى حفظ مال من لا يستطيع المحافظة على ماله, وإلى دفع الضرر عنهم وعن الناس، فالحجر على المجنون والمعتوه والصبي والسفيه هو لمصلحة أنفسهم بحفظ أموالهم من أن يبددوها, ومن أن يسلبها الناس منهم بالباطل. والحجر على المدين, والطبيب الجاهل, والمفتي الماجن، هو لمصلحة الناس بحفظ حقوقهم وأبدانهم ودينهم.
وليس في الحجر أضرار بأموال المحجور عليهم؛ لأن الشارع جعل عليهم ولاة ماليين يحفظون أموالهم, ويستثمرونها بالمعروف وبما فيه نفعهم. ومن لا ولي له
(1/235)

من أب أو جد أو وصي أوجب الشارع على القاضي أن يدير شئون أمواله بما يتفق ومصلحته بواسطة من يقيمهم من الوصاة أو القوام.
أسبابه: أسباب الحجر ستة
الصغر، والجنون، والعته، والسفه، والغفلة، والدين. والأسباب الثلاثة الأولى ترجع إلى فقد الأهلية أو نقصها. ولذا كان الحجر بها متفقا عليه بين الإمام وصاحبيه. أما الأسباب الثلاثة الأخيرة فلا ترجع إلى فقد الأهلية أو نقص فيها؛ لأن كلا من السفيه والمدين وذي الغفلة بالغ عاقل لا قصور في أهليته, وإنما عرض لهم ما يقتضي الحجر عليهم دفعا للضرر عنهم وعن الناس. ولكونهم لا قصور في أهليتهم لم يتفق الإمام وصاحباه على الحجر عليهم، فالإمام لا يرى الحجر عليهم، وصاحباه يريان الحجر عليهم.
استدل الإمام بأن الإنسان متى بلغ عاقلا رشيدا، فقد كملت أهليته, وكان له بمقتضى كمال أهليته حرية التصرف في ملكه، فالحجر عليه بمنعه من التصرف في ملكه فيه إضاعة لأهليته، وإهدار لآدميته، وإلحاق له بالعجماوات، وفاقدي الأهلية. ولا ينبغي إهدار آدمية الإنسان خوفا على ماله من الضياع؛ لأنه لا يرتكب الضرر الأعلى اتقاء للضرر الأدنى. فالإمام يحمي أهلية الإنسان وحرية تصرفه إلى أبعد مدى. ويرى أن لا يحجر على السفيه وذي الغفلة, وإن أضاعا مالهما؛ لأن المال غاد ورائح. كما لا يرى الحجر على المدين فلا توقف تصرفاته ولا يباع ماله عليه جبرا, بل يلجأ بالحبس إلى أن يبيع بنفسه ويسدد دينه، وعلى هذا الأساس نفسه رأى أن الوقف غير لازم؛ لأنه تصرف لا يخرج العين الموقوفة عن ملك الواقف، وما دام ملك المالك ثابتا فلا يسلب حق التصرف في ملكه.
أما الصاحبان فاستدلا بقول الله تعالى: {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} . وهذا النهي عن إعطاء السفهاء أموالهم يدل على منعهم من التصرف فيها؛ لأنهم لو أبيح لهم التصرف فيها أضاعوها, وهي في يد أوليائهم فضاعت حكمة النهي. وبأن الصبي المميز والمعتوه حجر عليهما
(1/236)

مع أن إضرارهما بمالهما محتمل، فالسفيه وذو الغفلة أولى بالحجر عليهما؛ لأن إضرارهما بأموالهما محقق؛ ولأن في عدم الحجر على المدين إضاعة لحقوق الدائنين, وإضرارا بهم والضرر مدفوع شرعا. والمفتى به مذهب الصاحبين وعليه العمل.
والمحجور عليهم لفقد الأهلية أو نقصها أو للسفه أو الغفلة خاضعون الآن بمصر في كل ما يتعلق بالحجر عليهم، وبرفع الحجر عنهم، وتدبير شئونهم المالية للمجالس الحسبية بمقتضى المادة 3 من قانون المجالس الحسبية الصادر في أكتوبر سنة 1925، أما المدين فالنظر في تصرفاته والفصل ببطلانها أو عدمه من اختصاص المحاكم الأهلية المدنية, فهي التي يطلب منها الدائنون الحكم ببطلان تصرف مدينهم الضار بحقوقهم. ومن هذا ما نص عليه في المادة 53 من القانون المدني من أنه لا يجوز لأحد أن يوقف ماله إضرارا بمداينيه، وإن وقف كان الوقف باطلا.
أثر الحجر:
يختلف أثر الحجر في تصرفات المحجور عليه باختلاف سببه بمعنى أن أثر الحجر في تصرف الصغير يخالف من بعض الوجوه أثره في تصرف المجنون أو المعتوه أو السفيه. وهذا البيان:
الصغير غير المميز والمجنون:
الصغير غير المميز هو الطفل الذي لم تبلغ سنه سبع سنين، ولا يفهم ما يترتب على العقود والتصرفات. ولا يميز الغبن الفاحش من اليسير، والمجنون جنونا مطبقا هو من فقد عقله واستوعب جنونه جميع أوقاته. هذان فاقدا الأهلية وليس واحد منهما أهلا لأي تصرف، سواء كان نافعا أو ضارا، أو دائرا بين النفع والضرر، فكل عقد أو تصرف يباشره أحدهما يكون باطلا غير منعقد؛ لأن عبارة العاقد إنما تعتبر شرعا لما تدل عليه من الرضا والقصد. وهذان لا تمييز عندهما فلا رضا ولا قصد، فعبارة الواحد منهما لغو.
أما إذا كان المجنون جنونه غير مطبق, بأن كان يذهب عقله في بعض الأوقات ويعود إليه في بعضها، فإن تصرفاته في وقت ذهاب عقله تكون باطله؛ لصدورها
(1/237)

من فاقد الأهلية. وتصرفاته في وقت عودة عقله إليه، تكون صحيحة لصدورها من كامل الأهلية بشرط أن يكون في وقت عودة عقله إليه مفيقا إفاقة تامة.
الصغير المميز والمعتوه المميز:
الصغير المميز هو من بلغ سبع سنين. ويفهم ما يترتب على العقود والتصرفات. ويميز الغبن الفاحش من اليسير. والمعتوه المميز هو من كان قليل الفهم مختلط الكلام, سيئ التدبير لاضطراب عقله، هذان ناقصا الأهلية وليسا فاقديها؛ لأن أصل الأهلية يكون بالتمييز وهو متحقق فيهما، ولوجود أصل الأهلية فيهما ونقصها كان حكم تصرف الواحد منهما على ما يأتي:
إن كان تصرفه نافعا له نفعا محضا كقبوله الهبة له أو الوصية صح, ونفذ بدون توقف على إجازة وليه. وإن كان تصرفه ضارا به ضررا محضا كتبرعه بشيء من ماله، أو إقراضه، أو إعارته، بطل، ولا تصححه إجازة الولي؛ لأن الإجازة إنما تلحق الصحيح الموقوف ولا تلحق الباطل. وإن كان تصرف محتملا النفع والضرر كبيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره, وسائر معاوضاته صح, وكان موقوفا نفاذه على إجازة وليه، فإن أجازه إجازة معتبرة شرعا بأن كان التصرف الذي أجازه ليس فيه غبن فاحش نفذ، وإن لم يجزه أو أجازه مع أن فيه غبنا فاحشا لم ينفذ، فلوجود أصل الأهلية صححنا التصرف الدائر بين النفع والضرر، ولنقصها جعلناه موقوفا نفاذه على إجازة الولي ليجبر برأيه وتقديره ما نقص من أهلية الصغير المميز أو المعتوه1.
السفيه وذو الغفلة:
السفيه هو من يبذر ماله ويضيعه فيما لا مصلحة له فيه، ولا يرتضيه عقل ولا دين، وذو الغفلة هو السليم القلب الذي يغبن في المبايعات ولا يهتدي إلى الرابح من التصرفات.
__________
1 وبعض الصبيان المميزين يأذنهم الولي عليهم بالاتجار لما يأنسه فيهم من خبرة، وبهذا الإذن تنفذ تصرفاتهم التجارية من بيع وشراء ورهن وصلح وتأجيل دين وكل ما تستلزمه التجارة، ولكن ليس له أي تبرع. فالإذن السابق كالإجازة اللاحقة, ويسمى الصبي المأذون له بالتجارة.
(1/238)

هذان بالغان عاقلان ليسا فاقدي الأهلية ولا ناقصيها، والحجر عليهما على مذهب الصاحبين المفتى به ليس لقصور أهليتهما، وإنما هو لدفع الضرر عنهما, ودفع الضرر عن الناس بمعاملتهما، فإذا وجد من إنسان ما يدل على سفهه أو غفلته حجر عليه. ولكمال أهليتهما وكون الحجر عليهما إنما هو لحفظ مالهما كان كل منهما مخاطبا بجميع العبادات، وأهلا للتكاليف، وكان حكم تصرف الواحد منهما بعد الحجر عليه على ما يأتي:
إن كان تصرفه مما لا يقبل الفسخ ولا يبطله الهزل كان صحيحا نافذا، ولذا كان زواج كل منهما وطلاقه صحيحا نافذا لصدوره من كامل الأهلية.
وإن كان تصرفه مما عدا ذلك من العقود والتصرفات فحكمه حكم تصرف الصبي المميز والمعتوه المميز. فإن كان نافعا له نفعا محضا صح ونفذ. وإن كان ضارا به ضررا محضا بطل ولا تلحقه إجازة1. وإن كان محتملا النفع والضرر صح وكان موقوفا على إجازة القيّم عليه، فإن أجازه ولم يكن فيه غبن فاحش نفذ، وإن لم يجزه أو أجازه وفيه غبن فاحش لا ينفذ.
مبدأ ثبوت الحجر: ومع إتفاق الصاحبين على الحجر على السفيه وذي الغفلة اختلفا في أن الحجر هل يثبت بمجرد ظهور دلائل السفه والغفلة ويزول بزوالها، أو لا يثبت إلا بصدور قرار بالحجر من الجهة المختصة، ولا يزول إلا بصدور قرار منها برفعه.
قال محمد إن المسبب يدور مع سببه وجودا وعدما، فإذا وجدت دلائل السفه أو الغفلة يثبت الحجر من حين ظهورها، سواء صدر قرار الحجر معها أو بعدها، وإذا زالت هذه الدلائل ارتفع الحجر سواء صدر قرار رفعه معها أو بعدها.
وقال أبو يوسف إن مجرد وجود وقائع السفه أو الغفلة لا يثبت بها الحجر حتى يصدر قرار بالحجر بناء عليها فيكون محجورا عليه من حين القرار. وكذلك مجرد ظهور
__________
1 وعلى هذا تكون تبرعات المحجور عليه للسفه باطلة، لكن استثني من ذلك وقفه على نفسه في حياته ثم من بعده على أي جهة عينها؛ لأن وقفه على نفسه حفظ العين وضمان ريعها له، واستثني أيضا وصيته بثلث في سبيل الخير؛ لأن الوصية لا تخرج العين عن ملكه حال حياته. وهو بعد موته في حاجة إلى الثواب لا إلى المال.
(1/239)

دلائل الرشد لا يرتفع بها الحجر حتى يصدر قرار برفع الحجر فيكون غير محجور عليه من حين القرار؛ وذلك لأن وقائع السفه أو الغفلة قد تشتبه وقد تقدر وقائع سفه مع أنها ليست كذلك. وكذا الحال في وقائع الرشد، وإنما الذي يقدر هذه الوقائع ويحكم بأنها أمارات السفه أو أمارات رشد هو القضاء, فيناط الحجر أو رفعه بقراره. ولأن الحجر بالسفه والغفلة مختلف فيه. وإنما يرجحه قضاء الحاكم به. ولأنه إذا اعتبر محجورا عليه قبل صدور قرار بالحجر عليه كان في هذا تغرير بالناس الذين يعاملونه, بناء على أنه لم يقرر حجر عليه. والعمل جار بمذهب أبي يوسف؛ لأنه أضبط ووجهته أوضح.
وعلى هذا الخلاف فكل تصرفات السفيه وذي الغفلة بعد ظهور أمارات سفهه وغفلته, وقبل صدور قرار الحجر عليه تكون على قول أبي يوسف كتصرفات المطلق غير المحجور عليه. وعلى قول محمد حكمها حكم تصرف المحجور عليه.
وتصرفات المحجور عليه للسفه أو الغفلة بعد ظهور أمارات رشده, وقبل صدور قرار برفع الحجر عنه هي كتصرفات الرشيد على قول محمد, وكتصرفات السفيه أو ذي الغفلة على قول أبي يوسف.
المدين:
إذا طلب الدائنون الحجر على مدينهم فعلى مذهب الصاحبين المفتى به يجابون إلى طلبهم, ويحجر على المدين أن يتصرف تصرفا يضر بحقوق الدائنين, بحيث لو باشر تصرفا فيه إضرار بحقوقهم كان غير نافذ وتوقف على إجازتهم، ولهذا لو وقف المحجور عليه للدين فوقفه موقوف نفاذه على إجازة الغرماء، فإن أجازوه نفذ ولزم، وإن لم يجيزوه بطل. ولو وهب أو أوصى فكذلك، وإذا امتنع المدين من أداء ما عليه من الديون, فعلى قول الصاحبين للقاضي أن يبيع من أمواله ما يفي بالدين المطلوب منه مراعيا البدء ببيع ما يخشى عليه التلف منها، ثم بيع سائر المنقولات، ثم بيع سائر العقار. ويترك له ما يلزم له, ولمن تجب عليه نفقتهم بقدر الكفاية من طعام وكسوة وسكنى.
(1/240)

رفع الحجر:
يرفع الحجر عن المحجور عليه متى زال السبب الذي بني عليه الحجر، فيرفع الحجر عن السفيه إذا ظهر رشده وأمارات حرصه على ماله، ويرفع الحجر عن ذي الغفلة إذا ظهرت خبرته واهتدى إلى حسن التصرف، وعن المجنون إذا شفي وعاد إليه عقله. وعن المعتوه إذا كملت قواه العقلية وزال اختلاطه. وأما الصغير فما دام دون سبع سنين فهو غير مميز والحجر عليه كلي يشمل كل تصرف، فإذا بلغ سبع سنين فأكثر فهو مميز والحجر عليه إنما هو في التصرفات الضارة، والدائرة بين النفع والضرر، فإذا بلغ الحلم عاقلا رشيدا فلا حجر عليه, وله حرية التصرف ولا ولاية لأحد عليه في نفس ولا مال.
وبلوغ الحلم للبنت والغلام يكون بظهور علامة من علامات البلوغ كالاحتلام والأحبال، والحيض، فإن لم يظهر على أحدهما شيء من علامات البلوغ، فإنه يحكم ببلوغ كل منهما الحلم متى وصلت سنه خمس عشرة سنة على القول المفتى به.
وأما بلوغ الرشد فإنه على ما عليه العمل الآن في المجالس الحسبية يكون ببلوغ القاصر أو القاصرة إحدى وعشرين سنة ميلادية, وقد جاء في المادة 29 من قانون المجالس الحسبية ما نصه: "تنتهي الوصاية أو الولاية على المال متى بلغ القاصر من العمر إحدى وعشرين سنة ميلادية إلا إذا قرر المجلس استمرارها. ومع ذلك فمتى بلغ القاصر 18 سنة، ولم يمنع من التصرف، جاز له تسلم أمواله ليديرها بنفسه. ويكون للقاصر في هذه الحالة قبض دخله مدة إدارته والتصرف فيه، والتأجير لمدة لا تتجاوز سنة، وزراعة أطيانه، وإجراء ما يلزم للعقارات من أعمال الحفظ والصيانة، ويعد القاصر رشيدا بالنسبة إلى هذه التصرفات، ويبقى قاصرا فيما عداها, ويستمر الوصي في أداء وظيفته بالنسبة إليه".
والرشد شرعا هو كون الشخص مصلحا في ماله لا ينفقه في غير مصلحة ولا يعمل فيه بالتبذير والإسراف، وليس له في الشرع سن محددة غير سن بلوغ الحلم، فإذا بلغ الشخص خمس عشرة سنة رشيدا أصبح ذا أهلية تامة للتصرفات الشرعية جميعها
(1/241)

فتكون له الولاية التامة في ماله، ويصح أن يكون ناظرا على الأوقاف، وأن يكون وليا على غيره في النفس أو المال، وتحديد القانون الحسبي سنا للرشد بعد سن البلوغ إنما هو للاحتياط, ولأجل التحقق من إيناس الرشد.
تنبيه: إذا بلغ الصبي الحلم غير رشيد بأن قارن سفهه بلوغه منع عنه ماله بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه؛ لأن الله سبحانه شرط لدفع أموال اليتامى إليهم شرطين: بلوغ الحلم، وإيناس الرشد في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} . فمتى بلغ الصبي الحلم سفيها لا يدفع إليه ماله حتى يرشد, مهما امتد زمن سفهه ولو بلغ من السن أي مبلغ وهذا قول الصاحبين. وأما الإمام فقال: إذا بلغ سفيها لا يدفع إليه ماله حتى يرشد أو يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها دفع إليه ماله على أي حال كان؛ لأنها مظنة رشده وكافية لتجربته, ولا فائدة في الانتظار بعدها.
فعلى مذهب الصاحبين لا فرق بين من بلغ غير سفيه ثم طرأ عليه السفه، وبين من بلغ سفيها، كل منهما يمنع عنه ماله ويحجر عليه أن يتصرف فيه إلى أن يرشد.
وأما على مذهب الإمام فالذي بلغ غير سفيه, ثم طرأ عليه السفه لا يمنع عنه ماله ولا يحجر عليه أن يتصرف فيه. والذي بلغ سفيها يمنع عنه ماله حتى يرشد أو يبلغ خمسا وعشرين سنة فهو يفرق بين السفه المقارن والسفه الطارئ.
(1/242)

الولاية على المال:
الصغير والمجنون والمعتوه تثبت الولاية شرعا على أموالهم لستة أشخاص بهذا الترتيب الأب ثم وصيه، ثم الجد ثم وصيه، ثم القاضي ثم وصيه.
والسفيه وذو الغفلة تثبت الولاية على أموالهما للقاضي، ثم للقيم الذي يعينه. فالصغير ومن في حكمه من الكبار غير المكلفين لجنون أو عته لا ولاية للقاضي ولا وصيه على أموالهم إذا كان لأحدهم ولي شرعي أب أو وصيه أو جد أو وصيه، والسفيه وذو الغفلة الولاية على أموالهما للقاضي أو القيم الذي يعينه، ولو كان لأحدهما أب أو جد.
والشرط العام في ولي المال أن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية، وأن يكون متحدا في الدين مع المولى عليه, إذا إذا كان الولي القاضي فلا يشترط فيه اتحاد الدين؛ لأن اتحاد الدين إنما يشترط في الولاية الخاصة. أما الولاية العامة وهو ولاية القاضي فلا يشترط فيها اتحاد الدين.
والولاة الستة على أموال الصغار ومن في حكمهم لكل منهم حدود خاصة لولايته. وهذا البيان:
1- ولاية الأب:
إذا كان أبو الصغار ومن في حكمهم من الكبار غير المكلفين معروفا بالعدالة، أو مستور الحال لا يعرف عنه ما ينفي عدالته، فله الولاية المطلقة على أموالهم لا فرق بين ذكورهم وإناثهم, ولا فرق بين أن يكونوا في حضانة حاضنتهم أو في يده. وعليه أن يحفظ مالهم ويستثمره. وله أن يتصرف فيه بكل ما فيه حفظه واستثماره، فله التجارة فيه. ودفعه لمن يعمل فيه على سبيل المضاربة. وله أن يؤجر منقولاته وعقاراته وأطيانه. وله أن يبيع مال الصغير عقارا أو منقولا ويشتري للصغير بماله عقارا أو منقولا, بشرط أن لا يكون في البيع أو الشراء غبن
(1/243)

فاحش، فإن باع مال الصغير بغبن فاحش بطل البيع، ولو أجازه الصغير بعد بلوغه لا تلحقه الإجازة؛ لأن الإجازة لا تلحق الباطل. وإذا اشترى للصغير بغبن فاحش نفذ الشراء, ولكن عليه هو لا على الصغير؛ لأن الشراء متى وجد نفاذا نفذ، ولا ضرر على الصغير في نفاذه على الأب، وله أن يرهن مال الصغير بدين عليه أو على نفسه. وله أن يودعه ويعيره لمن يحفظه. وله أن يبيع مال نفسه لولده. ويشتري مال ولده لنفسه، ويرهن ماله لولده ويرتهن مال ولده لنفسه. ويتولى هو طرفي العقد. وليس له أن يتبرع بمال الصغير، فلا يجوز له أن يهب شيئا منه بغير عوض. ولا أن يقرضه. ولا يقترضه ولا يقفه ولا يوصي به.
وكل التصرفات النافعة، والدائرة بين النفع والضرر التي يقتضيها حفظ المال واستثماره يجوز له مباشرتها في مال ولده، وأما التصرفات الضارة فليس له مباشرتها.
أما إذا كان الأب معروفا بسوء الرأي وفساد التدبير فله الولاية أيضا على أموال ولده الصغير, ومن حكمه من الكبار غير المكلفين, ولكنه ليس مطلق التصرف كالأب العدل أو مستور الحال، بل لا يجوز تصرفه إلا إذا كان ظاهر النفع فله التصرف النافع نفعا محضا، وله التصرف الدائر بين النفع والضرر, بشرط التحقق من نفعه, بأن يبيع عقار الصغير بضعف قيمته ويشتري له العقار بنصف قيمته، ويبيع المنقول بزيادة نصف قيمته ويشتريه بنقص ثلث قيمته، بأن يبيع ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ويشتري ما يساوي خمسة عشر بعشرة. وهذا الاحتياط نتيجته في الحقيقة قصر تصرف الأب المعروف بفساد التدبير على النافع نفعا محضا؛ لأنه في الغالب لا يتيسر له تحقيق هذا الشرط في بيع العقار أو المنقول.
أما إذا كان الأب مبذرا متلفا مال ولده غير أمين على حفظه فإنه تسلب ولايته وينزع مال ولده الصغير, ومن في حكمه من يده ويعيه بدله وصي كما إذا لم يكن له أب.
(1/244)

وعلى هذا العمل الآن بالمجالس الحسبية، فالولي الشرعي له سلطة التصرف في أموال الصغير ومن في حكمه حسبما هو سائغ له شرعا، إلا إذا كان سيئ التصرف بحيث يحلق الضرر بمال الصغير، فتحد سلطته، ويلزم بالاستئذان في إجراء التصرفات المحتملة للنفع والضرر المنصوص عليها في المادة 21 من قانون المجالس الحسبية، فإن بلغ سوء تصرفه إلى درجة الخطر على أموال ولده تسلب ولايته ويعين وصي بدله. فلا سلطان للمجلس الحسبي على الولي الشرعي إلا إذا أساء التصرف بمقتضى ولايته، فإن أساء التصرف كان للمجلس الحسبي عليه سلطان الحد من سلطته، أو سلب ولايته.
وهذا نص المادة 28 من قانون المجالس الحسبية التي تقرر ذلك:
"لا يجوز الحكم بسلب ما للأولياء الشرعيين من السلطة على أموال الأشخاص المشمولين بولايتهم إلا بناء على طلب النيابة العمومية، وبشرط أن يكون سوء تصرفهم في أموال المذكورين ملحقا الضرر برأس مالهم نفسه، فإذا رأى المجلس أن عدم الثقة بالولي لا يبلغ درجة تبرر سلب جميع سلطته على تلك الأموال، فله أن يحظر عليه إجراء كل التصرفات المبينة في المادة الحادية والعشرين أو بعضها بدون إذن خاص".
2- ولاية وصي الأب:
وهو المسمى الوصي المختار. وهو من يختاره الأب ويوصي إليه بأن يكون خلفا عنه بعد موته على أولاده يدير شئونهم، وهو بهذا الإيصاء تكون له على قُصَّر الموصي ولاية مالية فقط, وليست له ولاية على أنفسهم، ويكون في ولايته الماية مقدما على جدهم لأبيهم بحيث لو وجد أبو الأب ووصي الأب كانت الولاية على نفس القصر لجدهم وعلى مالهم لوصي أبيهم.
إقامته:
الإيصاء عقد يتم بايجاب من الموصي، وقبول من الوصي، والإيجاب يكون بأي لفظ يدل عليه. مثل: أوصيت إليك بأولادي، أو فلان وصي مالي ... والقبول يكون بما يدل على الرضا من قول كأن يقول الوصي قبلت،
(1/245)

أو رضيت، أو تعهدت، أو فعل كأن يباشر شأنا من شئون تركة الموصي بعد موته، أو يشتري للورثة شيئا من حاجاتهم، أو يقضي بعض ديون الموصي، أو يقتضي بعضها.
فمتى صدر الإيجاب من الموصي وهو أهل له باستكماله أهليته تم الإيجاب من جانبه, سواء صدر منه في حال صحته أو مرضه، ومتى قبل الوصي لزمته الوصاية، فإن قبلها في حياة الموصي وعلم بقبوله، واستمر على هذا القبول حتى مات الموصي كانت الوصاية لازمة له لتمامها من جانبه، وليس له أن يخرج نفسه إلا إذا جعل له الموصي الحق في أن يخرج نفسه متى شاء، وإن ردها في حياة الموصي وعلم برده لم تلزمه, ويبطل الإيجاب حتى لو قبل بعد ذلك لا تتم، لعدم مصادفة القبول لإيجاب، وإن سكت في حياة الموصي ولم يقبل ولم يرد حتى مات الموصي كان له بعد موته القبول أو الرد. وإذا لزمت الوصي الوصاية بقبوله إياها بعلم الموصي فليس له أن يعزل نفسه عنها في حياته إلا بعلمه، وليس له أن يعزل نفسه عنها بعد موته, إلا إذا كان له الحق بمقتضى الإيصاء أن يخرج نفسه متى شاء، والحكمة في هذا عدم التغرير بالموصي. ومتى تم عقد الإيصاء كان للوصي بعد موت الموصي الولاية على أمواله.
تثبيت الوصي المختار: على ما عليه العمل الآن بالمجالس الحسبية ليس مجرد اختيار الموصي للوصي المختار يجعل له حق التصرف في تركته بعد موته، بل لا بد من عرض أمر هذه الوصاية على المجلس الحسبي المختص, ليقرر تثبيت الوصي في الوصاية, بعد أن يتحقق من لياقته لها واستيفائه الشروط الواجب توفرها في الوصي، وإذا تبين للمجلس أن الموصي اختار للوصاية من لا يليق لعدم استيفائه تلك الشروط يعتبر هذا الاختيار كأن لم يكن, ويعين المجلس وصيا من قبله، كما إذا مات الموصي ولم يعين وصيا. وإذا ثبته ثم طرأ عليه ما يخل بلياقته. عزله وعين غيره. وإن رآه عاجزا عن القيام وحده بشئون التركة ضم إليه غيره.
(1/246)

ولذا جاء في المادة 3 من قانون المجالس الحسبية المبينة اختصاص المجالس. "وتثبيت الأوصياء المختارين اللائقين للوصاية. وتعيين المشرفين. وعزل جميع المتولين المذكورين. واستبدال غيرهم بهم".
شروط الوصي:
يشترط في الوصي شرعا أن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية. متحدا في الدين مع المولى عليه. أمينا حسن التصرف. قادرا على إدارة شئون التركة.
وزاد قانون المجالس الحسبية ألا يكون محكوما عليه في جريمة سرقة أو خيانة أمانة أو نصب أو تزوير، أو في جريمة من الجرائم المخلة بالآداب أو غير ذلك من الجرائم الماسة بالشرف أو النزاهة، وألا يكون محكوما بإفلاسه إلى أن يحكم برد شرفه إليه. وألا يكون قد قرر الأب حرمانه من التعيين من قبل وفاته بإشهاد شرعي. أو بكتابة صادرة بخطه.
وهذه الشروط التي زيدت في قانون المجالس الحسبية هي تفصيل لشرط الأمانة المشترط شرعا، وهي تشترط في الوصي المختار، وفي الوصي الذي يعينه المجلس ما عدا الشرط الأخير فإنه خاص بالوصي الذي يعينه المجلس.
تخصيص الوصي المختار:
ذا خصص الأب الوصي الذي اختاره بنوع خاص من التصرفات, كأن اختاره ليكون وصيا في زراعة أطيانه أو إجارة عقاراته أو تحصيل ديونه، قال أبو حنيفة: لا يقبل الوصي المختار التخصيص بل يكون وصيا عاما، ولو اختار عدة أوصياء وخصص كل واحد منهم بنوع كان كل منهم وصيا عاما. وقال أبو يوسف: الوصي المختار يتخصص بما خصص به، ولا تكون له ولاية على غيره.
وجه قول الإمام أن الولاية لا تتجزأ, فمن ولي تصرفا ملك الولاية كاملة في كل أنواع التصرفات. وأن الموصي رضي برأي هذا المختار في بعض التصرفات, فيكون
(1/247)

أولى ممن لم يرض برأيه في تصرف ما، فتكون ولايته عامة. ووجه قول أبي يوسف أن تخصيص الموصي للوصي ببعض التصرفات دليل على أنه لا يثق برأيه فيما عداها، ورب امرئ يحسن تصرفا ولا يحسن آخر، فجعله وصيا عاما إهدار لمعنى التخصيص، وبَعُدَ عن غرض الموصي وهو أحرص الناس على شئون تركته. والفتوى على قول أبي حنيفة. والظاهر قول أبي يوسف.
تعدد الوصي المختار:
إذا أوصى الأب إلى أكثر من واحد، فإن نص في إيصائه على أن لكل منهم أن ينفرد بالتصرفات، أو نص على وجوب الاشتراك اتبع ما نص عليه، وإذا أطلق ولم ينص على اشتراك أو انفراد. فأبو يوسف يرى أن لكل منهما أن ينفرد بالتصرفات؛ لأن اختيار كل واحد منهما مع الإطلاق له أكسبه ولاية كاملة. والطرفان يريان أنه يجب عليهما الاشتراك في التصرفات، وإلا ضاع غرض الموصي من تعيين اثنين فأكثر، فليس لأحدهما أن ينفرد بالتصرف، إلا في المسائل التي لا تقتضي الاشتراك، وهذه المسائل ترجع إلى قسمين:
"الأول" التصرفات التي يخشى من تأخيرها الضرر كبيع ما يخشى عليه التلف، وشراء حاجات القصر الضرورية، وتجهيز المتوفى وتكفينه.
"الثاني" التصرفات التي لا يحتاج فيها إلى الرأي كرد الودائع المعروفة إلى أصحابها. وقضاء الديون الثابتة المطلوبة. وتنفيذ الوصية المعينة الصحيحة لمعين.
تصرفات الوصي المختار:
إذا كانت التركة مشغولة بدين أو وصية فعليه أن يسدد الدين، وينفذ الوصية. وإذا كان الوفاء بالدين يقتضي بيع التركة كلها من منقول وعقار فله بيعها؛ لأنه لا تركة إلا بعد أداء الدين وتنفيذ الوصية الجائزة.
وإذا كانت التركة غير مشغولة بدين أو وصية والورثة كلهم كبار حاضرون، فليس للوصي المختار ولاية عليهم؛ لأنهم غير محجور عليهم, وكل ما يملكه بمقتضى الوصاية أن يقتضي ديون الموصي. ويقبض حقوقه ويدفعها إلى ورثته.
(1/248)

وإن كانوا كلهم كبارا غير حاضرين فله مع ذلك أن يبيع المنقولات فقط إذا رأى أن أثمانها أبقى منها؛ لأن هذا من باب الحفظ.
وإذا كان الورثة كلهم صغارا فله الولاية المالية عليهم، وله بمقتضى هذه الولاية أن يتصرف في أموالهم بما فيه حفظها واستثمارها من إجارة ومضاربة ومزارعة. وليس له أن يتبرع بشيء منها لا هبة ولا وصية ولا صدقة ولا وقفا. وكل ما يملكه الأب من التصرف المالي يملكه وصيه؛ لأنه قائم مقامه، إلا أن الأب له أن يبيع مال الصغير عقارا كان أو منقولا بثمن المثل, أو بغبن يسير ولو لم يوجد أحد المسوغات الشرعية لبيع العقار. وأما وصية فليس له أن يبيع العقار إلا بمسوغ شرعي. والمسوغات ترجع إلى قسمين:
"الأول" أن يتعلق بالتركة حقوق لا يمكن إيفاؤها إلا ببيع العقار كأن يكون على المتوفى دين, أو في التركة وصية ولا يفي بذلك بيع المنقولات.
"الثاني" أن يكون بيع العقار خيرا للصغير من بقائه. كأن يوجد راغب فيه يشتريه بضعف قيمته أو أكثر، أو تكون ضريبته وما يصرف عليه للصيانة، أو الزراعة تزيد على غلاته، أو يكون العقار مبنيا وبناؤه آيل إلى السقوط ولا نقود عند الوصي لترميمه وتلافي سقوطه، أو يحتاج القاصر إلى النفقة وليس في التركة نقود ولا عروض, ولا سبيل إلى تدبير نفقته إلا بيع عقاره، أو يخشى على العقار من متسلط يغصبه ظلما ولا يمكن دفعه عنه ولا استرداده منه بعد غصبه. ففي هذه الحالات وأمثالها يكون خير القاصر ومنفعته في بيع عقاره.
فالوصي المختار من الأب له أن يتصرف في أموال القصر التصرفات النافعة نفعا محضا، كقبض ما يوهب لهم أو يوصى إليهم به، وقبض ديونهم، وتحصيل غلاتهم. وله أن يتصرف التصرفات الدائرة بين نفع القصر وضررهم. فله أن يتجر لهم بأموالهم. وله أن يبيع منقولاتهم بمثل القيمة أو بغبن يسير. وله أن يشتري لهم عقارا أو منقولا بمثل القيمة أو بغبن يسير. وله أن يؤجر مالهم. وله أن يبيع
(1/249)

مال نفسه لليتيم، ويشتري مال اليتيم لنفسه، ويتولى هو طرفي العقد. وللاحتياط ودفع التهمة اشترط في هاتين الحالتين أن يكون في البيع والشراء نفع ظاهر للقاصر بأن يبيع للقاصر العقار بنصف قيمته، ويشتري منه العقار بضعف قيمته. وفي غير العقار بأن يبيع له ما يساوي خمسة عشر بعشرة، ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر. وليس له أن يتصرف في أموالهم تصرفا ضارا فلا يتبرع بشيء من مال الصغار بأي نوع من التبرع، ولا يتنازل عن حق ثابت لهم، ولا يقر بحق غير ثابت عليهم، وغير ذلك مما فيه إضرار ظاهر بالقصر.
ومن هذا يتبين أن تصرفات الوصي المختار تخالف تصرفات الأب في مسألتين: "الأولى" أن الأب له بيع منقولات أولاده القُصر وعقاراتهم بثمن المثل أو بغبن يسير. وأما وصيه المختار فله بيع منقولاتهم فقط بثمن المثل أو بغبن يسير. وأما عقاراتهم فليس له بيعها إلا بمسوغ شرعي من المسوغات التي بيناها. "الثانية" أن الأب إذا تولى طرفي العقد بينه وبين ولده بأن باع مال نفسه لولده، أو اشترى مال ولده لنفسه، فلا يشترط تحقق النفع الظاهر في المبادلة بالمعنى الذي بيناه، بل يكفي أن لا يكون في المبايعة غبن فاحش. وأما الوصي فإذا تولى طرفي العقد بينه وبين القاصر فلا بد من تحقق النفع على ما بيناه.
وعلة التفريق واضحة؛ لأن شفقة الأب وحرصه على مصلحة أولاده لا حاجة معهما إلى ضمان آخر، ولا كذلك الوصي فإنه قد يؤثر مصلحة نفسه على مصلحة القاصر. ولذلك إذا كان بيعه مال القاصر لأجنبي أو شراؤه له من أجنبي لم تشترط الخيرية بالمعنى السابق، بل إن كان المبيع منقولا بثمن المثل أو بغبن يسير. وإن كان عقارا صح بوجود المسوغ.
2- ولاية الجد:
إذا آلت الولاية للجد الصحيح وهو أبو الأب وإن علا، ملك التصرفات التي يملكها الوصي المختار من الأب. إلا أن الجد ليس له أن يبيع من التركة لا من عقاراتها ولا منقولاتها لتسديد دين على المتوفى أو تنفيذ
(1/250)

وصية له, مع أن الوصي المختار له أن يبيع التركة كلها من عقار ومنقول إذا اقتضى ذلك إيفاء ما على المتوفى من ديون أو تنفيذ وصاياه الجائزة. وإنما يملك الجد بيع التركة لقضاء ديون القصر أنفسهم. وبناء على هذا إذا كان على المتوفى دين أو في تركته وصية والولاية للجد، فالدائن أو الموصى له لا يطالب الجد ببيع شيء من التركة لسداد الدين أو تنفيذ الوصية، وإنما يرفع الأمر إلى القاضي ليجري هو بيع ما يفي بالسداد أو التنفيذ.
وهذا تفريق لا يظهر له وجه. ولذا قال محمد: الجد يملك عند عدم الأب أو وصيه كل ما يملكه الأب من التصرفات -وهذا القول هو الظاهر- ولكن المفتى به هو الأول.
4- ولاية وصى الجد:
إذا اختار الجد وصيا على أولاد ابنه من بعده، كان هذا الوصي المختار من الجد له الولاية المالية التي كانت للجد على مال أولاد ابنه, وملك من التصرفات المالية ما يملكه الجد؛ لأنه مستمد ولايته منه. وأحكامه من حيث إقامته، والشروط الواجب توافرها فيه، وتثبيته من المجلس الحسبي المختص، وعدم تخصصه بالتخصيص، وما يجوز له عند التعدد من الانفراد أو عدم الانفراد، هي الأحكام التي قررناها للوصي المختار من الأب.
5- ولاية القاضي ووصيه:
إذا كان فاقدو الأهلية وناقصوها من الصغار ومن في حكمهم من الكبار غير المكلفين لجنون أو عته ليس لهم ولي شرعي لا أب ولا وصيه، ولا جد ولا وصيه، تكون الولاية على أموالهم للقاضي، وقد حل محل القاضي الآن المجلس الحسبي. فمن ليس له ولي شرعي على ماله من القصر ومن في حكمهم، فالولاية الشرعية على أموالهم للمجلس الحسبي المختص، وبما أن القاضي قديما والمجلس الحسبي حالا لا يستطيع أن يباشر شئون هذه الولاية بنفسه، ولا أن يتصرف في أموال القصر بيده، كان لا بد أن يعين عنه وصيا يدير شئون القصر
(1/251)

المالية نيابة عنه. وهذا هو الوصي المعين، وهو شرعا متى عين صارت له الولاية المالية وملك من التصرف المالي ما يملكه الوصي المختار من كل تصرف نافع نفعا محضا، أو دائر بين النفع والضرر على ما فصلناه، وليس له أن يتصرف أي تصرف مالي ضار بالقصر. إلا أن الوصي المعين يفترق شرعا عن الوصي المختار في مسائل:
1- الوصي المختار لا يقبل التخصيص على المفتى به، ولكن الوصي المعين يقبل التخصيص، فإذا عين وصي لإدارة شئون الأطيان الزراعية فقط تخصص بها, ولم تكن له ولاية على غيرها؛ لأن ولاية القاضي تتخصص فكذلك ما استمد منها.
2- الوصي المختار له أن يبيع مال نفسه للقاصر, ويشتري مال القاصر لنفسه, بشرط أن تتحقق الخيرية في المعاوضة بالقدر الذي بيناه، ولكن ليس للوصي المعين أن يعقد هذه المعاوضة لا لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادتهم له كابنه وأبيه؛ لأنه نائب عن القاضي، والقاضي لا يملك ذلك؛ لأنه فعله قضاء وهو لا يقضي لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادتهم له دفعا للتهمة، فمثله من استمد الولاية منه.
3- الوصي المختار له ولاية التصرف بنفسه في حياته، وله أن يوصي إلى غيره من بعده ويكون هذا الوصي الثاني وصيا في التركتين في تركة الوصي نفسه وفي التركة التي هو وصي فيها، ولكن الوصي للعين لا يملك أن يعين وصيا من بعده على التركة التي هي معين فيها, إلا إذا جعل له الحق في هذا التعيين؛ لأنه يتخصص بالتركة وبنوع التصرف.
فمما تقدم يؤخذ أن ولاية الأب المالية أشمل من ولاية وصيه المختار، وأن ولاية وصيه المختار أشمل من ولاية الجد، وإن ولاية الجد ووصيه حدودهما واحدة, وولاية الوصي المعين أضيق الولايات حدودا. ومنشأ هذا كما قدمنا الاحتياط لمصلحة القصر، والتفريق بين ولاية الولي الشرعي ومن اختاره، وبين ولاية الأجنبي المعين من قبل القضاء.
(1/252)

ويؤخذ أيضا أن تصرفات الولاة الماليين الستة مقيدة بالمصلحة. ولذا حظر عليهم كل تصرف ضار بمصلحة الصغير ومن حكمه. وأبيح لهم التصرف النافع والدائر بين النفع والضرر, مع وجوه الاحتياط التي فصلناها في ولاية كل منهم. والأصل في هذا قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} .
ما عليه العمل الآن: كل ما قدمناه من الأحكام في حدود الولاية على المال هو ما تقرر في مذهب أبي حنيفة, تحديدا لسلطان الولاة الماليين وبيانا للفروق بينهم.
وقانون المجالس الحسبية الجاري به العمل الآن وهو الصادر في أكتوبر سنة 1925 قد وضع حدود الولاية المالية على أسس هذه الأحكام. وزاد بعض ما اقتضته رعاية مصلحة القصر من الأحكام. ونحن نبين بالإجمال ما سنه قانون المجالس الحسبية المذكور. ومنه يتضح أن الخلاف إنما هو في وسائل الاحتياط.
إذا كان للقصر ولي شرعي أب أو جد صحيح، فلا تكون للمجالس الحسبية ولاية على أموال هؤلاء القصر، وإنما الولاية لوليهم الشرعي أبيهم أو جدهم. وليس للمجالس الحسبية سلطان على هذا الولي الشرعي، فله أن يتصرف في أموال القصر بكل ما يسوغ له شرعا أن يتصرف فيه, بدون استئذان المجلس أو رجوع إليه. وليس له أن يتصرف ما حظر عليه شرعا. ولكن إذا أساء الولي الشرعي التصرف في أموال القصر بحيث تكون تصرفاته مضرة بهذه الأموال، كان على المجلس أن يتدخل في ولايته، فإن رأى تصرفات مضرة بهذه الأموال، كان على المجلس أن يتدخل في ولايته، فإن رأى تصرفات الولي تجعله غير أمين وغير موثوق به قرر سلب ولايته على أموالهم، وصار القصر كأنهم لا ولي لهم وعيّن المجلس الحسبي من يختاره وصيا عليهم. وإذا رأى أن تصرفاته لا تبلغ من السوء درجة تجعله غير أمين وأن لا مبرر لسلب
(1/253)

ولايته، فله أن يتخذ الاحتياط لتصرفه بحيث يحظر عليه التصرفات الدائرة بين النفع والضرر "وهي الواردة بالمادة 21" كلها أو بعضها إلا بإذن المجلس "المادة 28 من قانون المجالس الحسبية".
وإذا لم يكن للقصر ولي شرعي كانت الولاية على أموالهم للمجلس الحسبي المختص, غير أنه إذا كان الولي الشرعي قد اختار قبل وفاته وصيا على القصر المشمولين بولايته كان على المجلس أن ينظر في هذا الوصي المختار، فإن تبين أنه لائق للوصاية بتوافر شروط الوصي فيه ثبته فيها وكانت له الولاية. وإن رآه غير لائق لها لعدم استيفائه الشروط عيّن وصيا من قبله, وكأن هذا الاختيار لم يكن. وإذا لم يكن للولي الشرعي وصي مختار من قبله, أو كان له وصي مختار ولم يثبته المجلس. عيّن المجلس الحسبي من يشاء ممن استكمل الشروط الواجب توفرها شرعا وقانونا في الوصي.
والوصي المختار بعد تثبيته، والوصي المعين بعد تعيينه، سيان في الخضوع لرقابة المجلس الحسبي، ووجوب تقديمهما الحساب له. وما يجوز لهما من التصرف في أموال القصر، وما لا يجوز.
فالتصرفات الضارة ضررا محضا كالهبة: والإقراض، والإعارة، والإقرار على الصغير بدين غير ثابت، والتنازل عن حق ثابت. وكل ما فيه إخراج شيء من ملك القاصر بغير عوض، أو تعريض ماله أو حقه للضياع. ليس للوصي مطلقا مختارا كان أو معينا. ولا للقيّم على المحجور عليه. ولا للوكيل عن الغائب أن يباشر شيئا منها، وإذا باشر شيئا منها كان تصرفه باطلا بطلانا جوهريا لا تلحقه إجازة المجلس لو أجازه، ولا إجازة القاصر بعد بلوغه "مادة 22 من قانون المجالس الحسبية".
وهذا يطابق الحكم الشرعي تمام المطابقة.
والتصرفات النافعة نفعا محضا مثل قبول الهبات والوصايا له. وما يقتضيه استثمار الأعيان وصيانتها وحفظها, مثل التأجير للمدة القصيرة التي تقل عن ثلاث سنوات، وتحصيل الإيراد، ودفع الضرائب والديون الثابتة، وبيع المنقولات التي يكون حفظ
(1/254)

ثمنها خيرا من بقائها، وتسجيل العقود، وترميم البناء. يجوز للوصي مطلقا سواء كان مختارا أو معينا أن يباشرها من غير توقف على إذن المجلس.
وهذا أيضا يطابق الحكم الشرعي تمام المطابقة.
والتصرفات الدائرة بين النفع والضرر، لا يجوز للوصي على القصر مختارا كان أو معينا، ولا للقيّم على المحجور عليه، ولا للوكيل عن الغائب، أن يباشر شيئا منها إلا بإذن المجلس, بحيث إذا باشر شيئا منها بدون إذنه كان تصرفه باطلا, ولكنه بطلان نسبي، فلو أجازه المجلس نفذ لأن الإجازة اللاحقة كالإذن السابق. وهذه التصرفات عدها القانون في المادة 21 وهذا العد ليس حصرا, وإنما هو بيان لما يكثر وقوعه.
وهذا هو ما دون بالمادة 21 المذكورة:
1- شراء العقارات، أو بيعها أو استبدالها، أو ترتيب حقوق عينية عليها.
2- التصرف بالبيع أو الرهن في الأوراق المالية.
3- تقليل التأمينات المقررة لمنفعة القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب.
4- الاعتراف بدين سابق على الوفاة، أو الحجز، أو الغيبة.
5- الصلح أو التحكيم.
6- إجراء القسمة بالتراضي.
7- طلب القسمة القضائية عند عدم الاتفاق.
8- قبول الهبة إذا كانت مقترنة بشرط.
9- التأجير لمدة أكثر من ثلاث سنوات.
10- الاقتراض.
11- شراء شيء لأنفسهم من ملك القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب، أو بيع شيء من ملكهم لواحد منهم.
12- استئجار ملك القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب.
13- قبول التنازل لهم عن حق، أو دين على القاصر، أو المحجور عليه، أو الغائب.
(1/255)

ووجوب حصول الوصي على إذن خاص لمباشرة هذه التصرفات الدائرة بين النفع والضرر يغاير ما قدمناه من الحكم الشرعي الذي يسوغ هذه التصرفات للوصي المختار. والوصي المعين بمقتضى الإيصاء بدون توقف على إذن. ولكن إذا روعي أن الوصي المعين من قبل المجلس الحسبي يستمد ولايته من المجلس, وأنه يتخصص بما خصصه به, وتتقيد ولايته بالحدود الذي حدها له. وأن الوصي المختار لا يملك الولاية إلا بعد تثبيت المجلس له, وهو بهذا التثبيت يتقيد بما قيده به. وأن الشارع أباح التصرفات الدائرة بين النفع والضرر مع إيجاب احتياطات خاصة في التصرفات. وأن الغرض من توقف التصرف على إذن المجلس هو التحقق من رعاية هذا الاحتياط وتوفير مصلحة الصغير ومن في حكمه، يتبين أن توقف هذه التصرفات على الإذن لا يخرج عن حدود ما قررته الشريعة من اتخاذ الاحتياط لمصلحة القاصر، وأن لا يقرب ماله إلا بالتي هي أحسن.
فعلى أساس هذا الاحتياط نص القانون على ما لا يجوز للوصي من التصرفات في المادة 22، وعلى ما يجوز له بإذن خاص في المادة 21، ومفهومه أن ما عدا المنصوص عليه في المادتين المذكورتين يجوز له مباشرته بدون إذن خاص, وهي التصرفات التي ترجع إلى حفظ التركة واستثمارها وجلب النفع للقاصر نفعا محضا.
محاسبة الوصي: إذا بلغ القاصر رشيدا فله أن يحاسب الوصي عن إدارته في مدة وصايته، ومصروفات المحاسبة عليه؛ لأنها في مصحلته. وإذا كان الوصي معروفا بالأمانة اكتفى منه بالحساب الإجمالي وصدق بيمينه فيما يدعيه من إيراد أو مصروف إذا كان الظاهر لا يكذبه، فإن كان الظاهر يكذبه فلا يصدق بيمينه، بل لا بد من البينة إلا إذا بين سببا مقبولا لمخالفة الظاهر. مثلا إذا قدم الوصي في الحساب أنه أنفق على القاصر في الشهر مائة جنيه في نفقته, وكان الظاهر يكذبه فلا يصدق بيمينه, إلا إذا بيّن سببا مقبولا بأن قال إن ثيابه سرقت وجدد بدلها أو احتاج إلى علاج استنفذ مبالغ كبيرة، أو غير ذلك مما يحتمل أن يصرف فيه هذا
(1/256)

القدر. وإن كان غير معروف بالأمانة فلا يكتفى منه بالحساب الإجمالي، بل لا بد من حساب تفصيلي لأبواب الإيراد وأبواب الصرف, ويصدق بيمينه فيما لا يكذبه فيه الظاهر من كل تصرف سائغ له شرعا. وفيما عدا ذلك لا يصدق إلا بالبينة. هذا هو الحكم الشرعي في محاسبة الوصي, وهو مبني على أنه أمين والأمين يصدق.
وكذلك للقاصر إذا بلغ رشيدا أن يحاسب وليه الشرعي أباه أو جده، ويعامل كل منهما في المحاسبة على أساس أنه أمين يصدق فيما يدعيه من إيراد ومصروف ما لم يكذبه الظاهر.
أما الذي عليه العمل الآن بمقتضى المادة 24 وما بعدها، فإن كل وصي ملزم بأن يقدم حسابا تفصيليا في آخر كل سنة إلى المجلس الحسبي التابع له، وبأن يرفق بهذا الحساب جميع المستندات التي تؤيده. وملزم بأن يقدم الحسابات النهائية إلى المستحق, أو الذي يولى إدارة التركة بدله. بلا تفريق بين وصي مختار ومعين، ولا بين معروف بالأمانة وغير معروف بها. واعتماد المجلس الحسبي للحساب المقدم من الوصي لا يمنع ذوي الشأن من الطعن فيه أمام المحاكم المختصة؛ لأن نظر المجلس في الحساب وتصديقه من باب الرقابة لا من باب القضاء به, فهو لا يأخذ قوة الشيء المحكوم به1.
أجرة الوصي:
للوصي أجرة مثل عمله إن كان فقيرا محتاجا. وإن كان غنيا فلا أجر له. قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} . ولكن لتغير الأيام صار المفتى به أن الوصي مطلقا غنيا أو فقيرا له الأجر إذا أبى أن يعمل إلا بأجر. والقاضي يقدره بما يراه.
والجاري عليه العمل الآن أن الوصي إذا طلب تقدير أجر على عمله يعين له المجلس الحسبي هذا الأجر بمراعاة قيمة الأموال التي يديرها. والعمل الذي استوجبته إدارتها. والفائدة التي عادت على القاصر منها. ويكون ذلك بقدر الإمكان بتقدير
__________
1 بعض الدوائر القضائية رأت أن القاصر إذا بلغ رشده ليس له أن يحاسب الوصي على حساب اعتمده المجلس الحسبي, بناء على أن المجلس نائب عن القاصر, فهو يمثله في المصادقة على الحساب المقدم من الوصي.
(1/257)

مبلغ معين في المائة من صافي الإيراد السنوي المتحصل، على أن لا يزيد الأجر على كل حال عن ثمانية في المائة من صافي الريع، أو من جملة الإيراد بعد خصم الأموال ومصاريف الزراعة، ومصاريف صيانة العقار.
موت الأب أو وصيه مُجَهِّلا:
المراد بموت أحدهما مجهلا أن يموت من غير أن يبين ما للقاصر من عقار ومنقول ونقود وديون, وتصرفاته بمقتضى ولايته, بيانا يجعل كل شيء للقاصر معروفا محفوظا. والقاعدة الفقهية أن الأمين ملزم بالحفظ وضامن بالتعدي. وأن إهماله بتجهيله الأمانة نوع من التعدي يكون به ضامنا. وعلى هذا وضعت القاعدة -الأمين يضمن بموته مجهلا- ولكن الأب ووصيه مع كون كل منهما أمينا في مال القاصر الذي تحت يده مستثنيان من هذه القاعدة. فإذا مات أحدهما مجهلا مال القاصر، فما وجد من هذا المال أخذ، وما لم يوجد لا يكون مضمونا في تركة أحدهما؛ وذلك لأن كل واحد منهما له ولاية التصرف في مال القاصر، فيحتمل أنه اتجر فيه فخسر. أو باع منه شيئا فضاع الثمن. أو تصرف أي تصرف من التصرفات الجائزة له فكانت سببا في ضياع شيء منه بخلاف سائر الأمناء، فإن عليهم الحفظ وليس لهم التصرف، فما لم يوجد من المال الذي تحت يدهم بعد موتهم يكون مضمونا عليهم.
والظاهر أن الجد ووصيه في هذا مثل الأب ووصيه؛ لأن كلا منهما أمين له ولاية التصرف فَعِلَّة الاستثناء متحققة.
(1/258)

المفقود:
تعريفه:
المفقود شرعا هو غائب لا يدرى مكانه, ولا يعلم أحي هو أم ميت.
إدارة شئونه:
إذا ترك المفقود وكيلا كان قد وكله عنه قبل فقده، تستمر وكالة هذا الوكيل، ويكون له الحق بمقتضاها في حفظ أمواله, واستثمارها والنظر في شئونها من تحصيل غلات وقبض ديون، وغير ذلك من كل تصرف يقتضيه الحفظ أو الاستثمار. ولا يعتبر الوكيل بفقد موكله معزولا من الوكالة بل يبقى نائبا عنه في إدارة شئونه. وليس لورثة المفقود التعرض له، ولا لمندوب بيت المال عند عدم وجود ورثة له؛ لأنه ما دام لم يحكم بموت المفقود فما له باق على ملكه، ووكيله قائم فيه مقامه، ولا حق فيه للورثة ولا لبيت المال، ولا يملك هذا الوكيل تعمير عقاراته إلا بإذن القاضي.
وإذا لم يترك المفقود وكيلا عنه عيّن له وكيل يحفظ أمواله ويستثمرها بما فيه المصلحة.
جهة الاختصاص بشئونه:
المجالس الحسبية هي المختصة الآن بتعيين الوكيل في مال المفقود، ومراقبة الوكيل الذي أنابه عنه المفقود قبل فقده، ولها الحق في محاسبته وفي عزله, وتعيين غيره إن رأته غير صالح لإدارة المال، ولها ضم غيره إليه إن رأته غير قادر عليها وحده. وشأنه في ذلك شأن الوصي على القاصر والقيّم على المحجور عليه.
والمحاكم الشرعية هي المختصة بالحكم بموت المفقود، وقسمة تركته بين ورثته، وشئون زوجيته.
وتصرفات الوكيل في أموال المفقود على ما عليه العمل الآن بالمجالس الحسبية حكمها حكم تصرفات الوصي في مال القاصر، والقيم في مال المحجور عليه، فلا يجوز له التبرع بشيء منه, ولا تغييره كما نص على ذلك في المادة 22، ويجب عليه استئذان
(1/259)

المجلس لإجراء أي تصرف من التصرفات الواردة في المادة 21، وما عدا ذلك فهو سائغ له بغير اسئذان؛ لأن المواد المذكورة جعلت حكمها ساريا على الأوصياء والقامة. والوكلاء عن الغائبين. بغير تفريق بين وصي مختار ومعين, وبين وكيل مختار ووكيل معين.
أحكام المفقود:
يعتبر المفقود حيا وترتب عليه أحكام الأحياء ما دام لم يثبت موته ولم يحكم به؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره. وعلى هذا لا يفرق بينه وبين زوجته ولا تحل لأحد غيره، ولا يقسم ماله بين ورثته، ولا تفسخ إجارته. وتجب عليه في ماله النفقة لزوجته, ولكل من تجب عليه نفقتهم شرعا؛ لأنه معتبر حيا في غيبته. فلا ترتب عليه أحكام الموتى فتبقى زوجته على عصمته، وماله على ملكه، وإجارته قائمة، ويبقى أهلا لوجوب النفقة عليه.
ولكن بما أن حياته هذه اعتبارية, وليست محققة فلا ترتب عليها الأحكام التي شَرْطها التحقق من الحياة، وعلى هذا لا يرث فعلا من غيره. ولا يستحق فعلا الموصى له به؛ لأن الشرط لاستحقاق الإرث والوصية التحقق من حياة الوارث أو الموصى له بعد موت المورث أو الموصي. وبما أن المفقود ليست محققة حياته بل هو معتبر حيا فقط، فلا يرث فعلا ولا يستحق الموصى به فعلا، ولكن لاحتمال حياته يوقف له نصيبه في الميراث الذي يستحقه لو كان محقق الحياة، ويوقف له الموصى له به، فإذا ظهر حيا أخذ النصيب الموقوف المحفوظ له؛ لأنه تبين أنه استحقه، وإذا لم يظهر حيا وحكم بموته، يرد الموقوف من الميراث إلى ورثة المورث، وترد الوصية إلى ورثة الموصي؛ لأن المفقود لما لم تظهر حياته كان كأنه عند موت المورث أو الموصي غير موجود، فلا حق له في الإرث، ولا الوصية، ويكون ما وقف له حقا لورثة المورث أو الموصي:
وهذا معنى قول الفقهاء يعتبر المفقود حيا في الأحكام التي تضره, وتترتب على ثبوت موته كقسمة ماله بين ورثته وانقطاع زوجيته. ويعتبر ميتا في حق الأحكام
(1/260)

التي تنفعه وتضر غيره, وتترتب على ثبوت حياته. كإرثة من غيره واستحقاقه وصية غيره له.
متى يحكم بموته:
أصل المذهب أن المفقود يحكم بموته بالبينة. فإن لم توجد بينة فبموت أقرانه، أو بمضي تسعين سنة من تاريخ ولادته.
والجاري عليه العمل الآن في المحاكم الشرعية وهو مأخوذ من مذهب أبي حنيفة وأحمد بن حنبل: أن المفقود إذا فقد في حالة يظن معها موته كمن خرج ليقضي حاجة قريبة ويعود ففقد. أو خرج للقتال في الميدان ففقد، فهذا يحكم بموته بناء على طلب ذي الشأن فيه، إذا مضت عليه أربع سنين كاملة من حين فقده ولم يعد، وبحث عنه فلم يوجد. وإذا فقد في حالة يظن معها بقاؤه حيا, كمن سافر للسياحة أو التجارة أو طلب العلم ففقد، فهذا يحكم بموته بناء على طلب ذي الشأن فيه إذا مضت عليه من حين فقده مدة لا يعيش مثل المفقود إلى غايتها، وتحرّي عنه بما يوصل إلى معرفة حاله فلم يوجد. وتقدير هذه المدة موكول إلى رأي القاضي يقدرها بمراعاة سن المفقود وحالته الصحية حين فقده، وقد تكون أربع سنين أو أقل أو أكثر.
والفرق بين الحالين أنه لما كان الفقد في الحالة الأولى على حال يغلب فيها الهلاك حددت أربع سنوات يكون مضيها مرجحا موته. ولما كان الفقد في الحالة الثانية على حال يظن معها بقاؤه حيا ترك أمر تقدير المدة التي يحكم بموته إذا مضت إلى القاضي, ليراعي سن المفقود وصحته وسائر أحواله. ولزم التحري في الحالتين للاحتياط. وقبل صدور الحكم بموته يعتبر حيا على ما قدمنا مهما طالت مدة فقده.
ومتى حكم بموته اعتدت زوجته عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام من تاريخ الحكم بموته. وبعد انقضائها تحل للأزواج. وقسمت تركته بين ورتثه الموجودين وقت الحكم بموته. ورد الموقوف له من الإرث أو الوصية إلى ورثة مورثه أو الموصى كما قدمنا.
(1/261)

ومن هذا يتبين أن الحكم بموت المفقود لا يستند إلى تاريخ فقده بالنسبة لإرث غيره منه. ولهذا لا يرثه إلا ورثته الموجودون وقت الحكم بموته. أما من ماتوا قبل الحكم فلا يرثونه, ولو ماتوا بعد فقده. ويستند إلى تاريخ فقده بالنسبة لإرثه من غيره، ولهذا يرد النصيب الموقوف من الإرث أو الوصية إلى ورثة المورث أو الموصى كأن المفقود لم يكن موجودا.
ظهور حياته:
إذا حكم بموت المفقود على أي حال كان فقده ثم جاء، أو ظهرت حياته بأي دليل. فأما زوجته فهي له ما لم يتزوج بها آخر, ويستمتع بها غير عالم بحياة الأول. فإن وجدها كذلك أي تزوجت بآخر وتمتع بها غير عالم بحياة الأول فهي لزوجها الثاني, إلا أن يكون عقد عليها في عدة وفاة الأول. وأما ماله فالموجود منه في أيدي ورثته يأخذه منهم. وأما ما استهلكوه منه فهو غير مضمون عليهم؛ لأنهم أخذوه بحكم القاضي. وكذلك الحكم فيما كان موقوفا له من إرث أو وصية ورُدّ إلى ورثة المورث أو الموصى بعد الحكم بموته يأخذ الموجود منه بأيديهم, وأما المستهلك فلا ضمان له.
مادة 21 من القانون رقم 25 لسنة 1929: "يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنين من تاريخ فقده. وأما في جميع الأحوال الأخرى فيفوض أمر المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى القاضي. وذلك كله بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة, الموصلة إلى معرفة إن كان المفقود حيا أو ميتا".
مادة 22 من القانون نفسه: "بعد الحكم بموت المفقود بالصفة المبينة في المادة السابقة تعتد زوجته عدة الوفاة، وتقسم تركته بين ورثته الموجودين وقت الحكم".
مادة 7 من القانون رقم 25 لسنة 1920: "إذا جاء المفقود أو لم يجئ, وتبين أنه حي فزوجته له ما لم يتمتع بها الثاني، غير عالم بحياة الأول، فإن تمتع بها الثاني غير عالم بحياة الأول كانت للثاني, ما لم يكن عقده في عدة وفاة الأول".
(1/262)

المريض مرض الموت
مدخل
...
المريض مرض الموت:
قدمنا أن مرض الموت هو: المرض الذي يعجز الرجل عن القيام بمصالحه خارج بيته, ويعجز المرأة عن القيام بمصالحها داخل بيتها. ويغلب فيه الهلاك. ويتصل به الموت. وأن من كان صحيحا ولكن وجد في حال يغلب هلاكه فيه، ثم مات حكمه وهو في حالته الخطرة حكم المريض مرض الموت. ومن هذا يؤخذ أن المرض لو أعجز صاحبه عن القيام بمصالحه, ولكن حصل الشفاء منه لا يعتبر مرض موت. وكذلك لو أعجز صاحبه, ولكن لم يكن بحيث يغلب فيه الهلاك, أو لم يعجزه ولم يغلب فيه الهلاك, تكون تصرفات المريض فيه تصرفات الصحيح. وقالوا إن المريض إذا طالت علته بأن مضت عليه سنة فأكثر من غير تغير وازدياد, يعتبر مرضه مرضا لا يغلب فيه الهلاك، وتكون تصرفات المريض بعد ظهور تطاول مرضه بمضي السنة عليه كتصرفات الصحيح. فلا يمكن الحكم على المريض بأنه مريض مرض موت إلا بعد موته، وما دام حيا لا اعتراض لأحد على أي تصرف له لاحتمال أن يبرأ من مرضه, فلا يكون مرض موت وتكون تصرفاته فيه كتصرفات الأصحاء.
تصرفاته:
بما أن المريض مرض الموت تتعلق بماله وحقوق دائنيه وورثته. وهو في مرضه عرضة للتهمة في تصرفه. فلا يكون حر التصرف في ماله, بل تكون أحكام تصرفاته على هذا التفصيل المقصود منه المحافظة على حقوق الدائنين والورثة ونفي التهمة.
فأما تصرفاته الإنشائية التي هي معاوضات محضة, وليس فيها محاباة في العوض ولا أي تبرع، مثل البيع والإجارة ببدل المثل، فهذه نافذة ولا حق لدائن أو وارث في الاعتراض على تصرف منها بعد موت المريض؛ لأن ما خرج عن ملك المريض دخل في ملكه بدله, وحقهم إنما تعلق بمالية ملكه لا بخصوص أعيانها، فبيعه وإجارته
(1/263)

وكل مبادلاته ما دامت بثمن المثل فهي نافذة. ولكن إذا كان بيعه لأحد ورثته توقف نفاذ البيع بعد موته على إجازة سائر الورثة نفيا للتهمة ولو كان البيع بثمن المثل1.
وأما تصرفاته الإنشائية التي هي تبرعات كالهبة والوقف والضمان والمحاباة في المعاوضات، فهذه تصرفات تضر بحقوق الدائنين، والورثة؛ لأنها تخرج شيئا من ملك المريض بغير عوض. ولذلك يكون حكمها حكم الوصية وإن صدرت منجزة. فإذا وهب المريض مرض الموت أو وقف أو ضمن أو حابى في مبادلة كان هذا التصرف منه بمنزلة الوصية، فإن مات مدينا بدين مستغرق تركته توقف نفاذ تصرفه على إجازة دائنيه. وإن مات غير مدين, وكان تبرعه لوارث توقف نفاذه على إجازة سائر الورثة, أيا كان المقدار المتبرع به. وإن مات غير مدين وكان تبرعه لغير وارث نفذ في ثلث تركته وتوقف فيما زاد عنه على إجازة سائر الورثة. مع مراعاة التفريق بين وقفه ووصيته كما هو مبين في موضعه.
ويؤخذ من هذا أن تبرعات المريض مرض الموت سواء صدرت منجزة, أو مضافة إلى ما بعد الموت حكمها حكم الوصية. وأما تبرعات الصحيح، فإن صدرت مضافة إلى ما بعد الموت فهي وصية. وإن صدرت منجزة فهي نافذة ولا يسري عليها حكم الوصية.
وأما تصرفه الإخباري وهو إقراره بحق على نفسه لغيره، فإن صدر إقراره هذا لأحد ورثته، كما إذا أقر لزوجته بأن لها عليه ألف جنيه، أو أقر لأحد أبنائه بمثل ذلك، يعتبر هذا الإقرار منه حكمه حكم تبرعه، فيتوقف على إجازة سائر ورثته بعد موته, أيا كان مقدار المقر به لاحتمال أنه أراد إيثار بعض الورثة على بعض. ولما لم يملك التبرع عمد إلى صورة الإقرار فيرد قصده عليه, ويعتبر إقراره لوارثه وصية دفعا للتهمة. وأما إن
__________
1 وهذا قول الإمام والعلة الابتعاد عن الشبهات, وعن إيثار بعض الورثة ببعض الأعيان. وقام أبو يوسف: البيع للوارث بثمن المثل صحيح نافذ؛ لأنه ما دام بثمن المثل فلا شبهة. ولا حق لسائر الورثة في الاعتراض عليه بعد موت مورثهم.
(1/264)

كان إقراره لأجنبي فهو صحيح نافذ؛ لأنه لا تهمة، فيعتبر مجرد إخبار عن ملك سابق للمقر له، لا إنشاء تمليك في الحال.
ويستثنى من عدم نفاذ إقرار المريض لوارث, إلا إذا أجازه سائر الورثة ثلاث مسائل, الإقرار في كل واحد منها لم يحدث شيئا جديدا يجعل المقر موضع تهمة:
فيكون نافذا بعد موت المقر بدون توقف على إجازة سائر الورثة.
"الأولى" إذا كان للوارث وديعة معلومة عند مورثه المريض، فأقر المريض بها نفذ إقراره؛ لأنه لو لم يقر ومات مجهلا للوديعة كانت مضمونة في تركته, وكان الوارث أخذ مثلها أو قيمتها؛ لأن الأمين يضمن بموته مجهلا، فالإقرار لم يحدث شيئا جديدا.
"الثانية" إذا كان الوارث عنده وديعة للمورث، فأقر المورث في مرضه بأنه أخذها نفذ؛ لأن الوارث أمين, ولو قال رددتها له يصدق.
"الثالثة" إذا كان الوارث وكيلا عن المورث في قبض ماله من الديون، فأقر المورث في مرضه بأنه أخذ الديون من وكيله نفذ؛ لأن الوكيل أمين, ولو قال دفعت إليه ما قبضته يصدق.
ففي هذه المسائل الإقرار لم يحدث شيئا، فعدم تنفيذه لا أثر له, وإذًا يكون نافذا.
والمراد هنا بالوارث الذي لا ينفذ إقرار المريض له من قام به سبب الإرث وقت الإقرار, ولم يمنع من إرثه مانع وقت الموت، كما إذا أقر لزوجته ومات وهي على عصمته, ولم يمنعها من إرثها منه اختلاف دين أو أي مانع، أو أقر لأخيه الشقيق ولم يوجد عند الموت من يحجبه من الميراث. وغير الوارث هو من فقد فيه الأمران بأن كان أجنبيا وقت الإقرار والموت، أو أحدهما بأن وجد فيه سبب الإرث وقت الإقرار, ولكن منع من إرثه مانع وقت الموت، أو ورث وقت الموت ولم يكن قام به سبب الإرث وقت الإقرار، وهذا بخلاف الوارث في باب الوصية فإن الوارث هناك من ورث فعلا وقت موت الموصي، سواء قام به السبب وقت الوصية، أم لا. وغير الوارث من لا يرث فعلا وقت موت الموصي.
(1/265)

ديون الصحة وديون المرض:
دين المرض هو الدين الذي ثبت على المريض بإقراره في مرضه بمعنى أنه لم يكن طريق لثبوته غير إقرار المريض به. أما الدين الذي يثبت على المريض بغير إقراره كأن يثبت بالبينة. والدين الذي يثبت على الصحيح، سواء كان بإقراره أو بالبينة فهو دين صحة. فالدين يعتبر دين مرض في صورة ودين صحة في ثلاث صور.
وبما أن المريض مرض الموت إذا كان مدينا يتعلق حق دائنيه بذمته وبأمواله, فليس له أن يقضي دين بعض غرمائه دون بعض، فإن قضى دين بعض دائنيه كان لباقيهم حق الاعتراض, لتعلق حقهم جميعا بماله. وهذا إذا كانت الديون كلها متساوية بأن كانت كلها ديون صحة أو كانت كلها ديون مرض. وأما إذا اختلفت بأن كان بعضها ديون صحة, وبعضها ديون مرض فلا حق لدائن المرض في الاعتراض على قضاء دين الصحة؛ لأن ديون الصحة مقدمة في الإيفاء على ديون المرض. ولهذا إذا كانت تركة المريض بعد موته لا تفي بسداد جميع ديونه يبدأ بتسديد ديون الصحة، فإن وفت بها وفيت، وإن لم تف بها قسمت بين دائينيها قسمة تناسبية. وإن وفت بها وبقي بعد ذلك الإيفاء شيءٌ يفي بديون المرض وفيت، وإن لم يف قسم بين دائنيه قسمة تناسبية.
والعلة في هذا أن دين المرض موضع اتهام فيقدم عليه دين الصحة الذي لا تهمة فيه. وإن الغرماء المتساوين في ديونهم تتعلق بمال المريض حقوقهم على السواء. فلا ينفذ إيثار بعضهم بالإيفاء إلا برضا الباقين.
(1/266)

الهبة:
تعريفها:
الهبة في اللغة التبرع والتفضل بما ينفع الموهوب له من مال وغيره. قال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} وقال سبحانه: {يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ، أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا} .
وفي اصطلاح الفقهاء هي عقد يفيد تمليك العين في الحال بغير عوض. فهي من عقود التمليك المجاني والملك وارد فيها قصدا على العين. ومنفعتها تملك تبعا لها. بخلاف الإعارة فإنها تمليك في الحال بغير عوض ولكن للمنفعة لا العين. وبخلاف الوصية فإنها تمليك العين أو الدين أو المنفعة بغير عوض, ولكن لا في الحال بل فيما بعد موت الموصي. وبخلاف البيع والإجارة فإن التمليك للعين في البيع وللمنفعة في الإجارة ليس بالمجان, وإنما هو في مقابلة الثمن أو الأجرة.
ركنها:
ركنها ركن كل عقد الإيجاب والقبول. فالإيجاب ما صدر أولا من أحد العاقدين للدلالة على الرضا. والقبول ما صدر ثانيا من الآخر للدلالة على موافقته والرضا بما رضي به. وإيجاب الهبة قد يكون بلفظ صريح لا يحتمل معنى غير الهبة كقول الواهب وهبتك. تبرعت لك. هذا لك. وقد يكون بلفظ غير صريح يحتمل الهبة وغيرها مثل أطعمتك. نحلتك. فاللفظ الصريح يتم به إيجاب الهبة بدون توقف على نية الواهب أو دلالة الحال. وغير الصريح لا يعتبر إيجابا للهبة إلا بالنية أو دلالة الحال، وقبول الهبة قد يكون باللفظ كقول الموهوب له قبلت. رضيت. وقد يكون بالفعل وذلك بأن يقبض الموهوب له العين الموهوبة فيقوم قبضه مقام قوله قبلت. غير أن هذا القبض إن كان في مجلس الإيجاب تم به العقد والملك ولو لم يأذن به الواهب صراحة. وإن كان بعد مجلس الإيجاب لا يعتبر قبولا إلا إذا أذن الواهب به صراحة. فإذا قال شخص لآخر وهبتك هذا
(1/267)

الكتاب فخذه فإذا تناوله الموهوب له تم العقد بتناوله وملكه، سواء كان التناول في مجلس الإيجاب أو بعده. وإذا قال وهبتك هذا الكتاب ولم يقل فخذه فإن تناوله في مجلس الإيجاب ملكه؛ لأن سكوت الواهب إذن بالقبض دلالة. وإن تناوله بعد مجلس الإيجاب لا يملكه؛ لأنه قبض بغير إذن لا صراحة ولا دلالة فهو غير معتبر شرعا كما سيجيء.
وهل إيجاب الهبة مثل قبولها كما يكون بالقول يكون بالفعل بمعنى أن المالك إذا سلم شيئا من ملكه إلى آخر أو أرسل إليه شيئا منه ودلت القرائن على أنه يتبرع له به، هل يكون هذا الإرسال أو الإعطاء أو التسليم هبة بالفعل كالهبة بقول وهبت؟ الذي يؤخذ من أقوال فقهائنا أنه يكون هبة. فقد نصوا على أن الأب إذا سلم ابنته جهازها الذي جهزها به من ماله, ولم يصرح بأنه وهبه لها يعتبر هبة إذا كان العرف يشهد بأنه يوهب. ونصوا على أن الخاطب إذا أرسل إلى مخطوبته حلية أو ثوبا ولم يصرح بأنه من مهرها أو هبة لها يعتبر هبة إذا كانت العادة أن مثل هذا يوهب. ونصوا على أن الأب إذا أنفق على أولاده الأغنياء الذين لا تجب نفقتهم عليه يعتبر متبرعا، فالذي يؤخذ من هذا إن إيجاب الهبة كقبولها, كما يكون بالقول يكون بالفعل, إذا دلت القرينة على إرادة الهبة بهذا الفعل. وهذا استحسان كما صرحوا في البيع بأنه ينعقد بالتعاطي. والقياس أن العقود إنما تكون باللفظ ولكن قد يقوم الفعل مقام اللفظ بدلالة الحال, فيكون التسليم والتناول هبة وقبضا كما يكون التعاطي بيعا.
وقد يقوم إيجاب الواهب مقام قبول الموهوب له وقبضه، فتتم به الهبة كما إذا وهب الأب لولده الصغير، أو وهب أي ولي لمن هو في ولايته فإن عبارة الولي بمنزلة إيجاب منه وقبول عن المولى عليه، ويده نائبة عن يده فإيجابه هو في المعنى إيجاب وقبول وقبض.
(1/268)

شروطها:
1- في الواهب:
يشترط في الواهب شروط لصحة هبته. وشروط لنفاذها بدون توقف على إجازة أحد.
فيشترط لصحة هبته أن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ. وأن يكون غير محجور عليه للسفه أو الغفلة. وأن يكون مختارا غير مكره.
فإن كان فاقد الأهلية وهو المجنون والصغير غير المميز. أو ناقص الأهلية وهو المعتوه المميز والصبي المميز. أو محجورا عليه للسفه أو الغفلة. أو مكرها. فهبة كل واحد منهم غير صحيحة؛ لأنها صادرة من غير أهل لها؛ لأنهم فريقان: فريق لا يتصور منه الرضا أصلا وهو فاقد الأهلية، وفريق لا يتصور منه الرضا الصحيح الذي يعتبر شرعا رضا وهم الباقون. ولكون هبة الواحد منهم غير صحيحة لا تلحقها إجازة الولي أو القيم. ولا تلحقها إجازة الواهب نفسه بعد كمال أهليته أو رفع الحجر أو الإكراه عنه؛ لأن الإجازة لا تلحق غير الصحيح. فبطلان هبتهم بطلان جوهري1.
ويشترط لنفاذ هبته أن يكون مع توافر شروط الصحة فيه غير محجور عليه للدين. وأن يكون صحيحا غير مريض مرض الموت. وأن يكون مالكا للعين الموهوبة.
فإن كان محجورا عليه للدين فهبته صحيحة موقوفة على إجازة دائنيه, ما دامت تضر بحقوقهم فإن أجازوها نفذت وإن لم يجيزوها بطلت. وإن كان مريضا مرض الموت فهبته حكمها حكم الوصية إن كانت لأحد ورثته توقفت على إجازة سائر الورثة بعد موته أيا كان مقدار الموهوب. وإن كانت لغير وارث نفذت فيما يخرج من ثلث تركته فقط, وتوقفت فيما زاد عنه على إجازة الورثة بعد موته. وإن كان غير مالك
__________
1 قال صاحب البدائع في كتاب الإكراه: "وأما النوع الذي يحتمل الفسخ، فالبيع والشراء والهبة والإجارة ونحوها. فالإكراه موجب فساد هذه التصرفات عند أصحابنا الثلاثة. وعند زفر: يوجب توقفها على الإجارة كبيع الفضولي. وعند الشافعي: يوجب بطلانها أصلا". ثم قال: "المكره على الهبة والصدقة إذا سلم طائعا لا يجوز".
(1/269)

لما وهب فهو فضولي, وتصرف الفضولي يتوقف على إجازة المالك. ومن هذا هبة الرقيق؛ لأنه غير مالك فتتوقف هبته على إجازة المالك.
2- في الموهوب له:
يشترط في الموهوب له أن يكون موجودا تحقيقا وقت الهبة له. وأن يكون معينا. فإن كان غير موجود كما إذا قال الواهب وهبت داري لابن فلان, ولم يولد لفلان ابن فالهبة باطلة. وكذلك إن كان الموهوب له غير معين معلوم, كما إذا قال الواهب وهبت داري لفلان أو أخيه فالهبة باطلة؛ وذلك لأن الهبة تمليك العين في الحال, ولا تمليك إلا لموجود معلوم يتملك بنفسه أو بوليه, والمعدوم والمجهول لا يتملكان بنفسهما ولا بوليهما؛ لأنه لا ولاية لأحد عليهما فلا يتحقق معنى الهبة إذا كان الموهوب له واحدا منهما، وعلى هذا فالهبة للحمل غير صحيحة؛ لأن الحمل غير موجود تحقيقا فلا يملك بنفسه، ولا ولاية لأحد عليه وهو حمل إذ الولاية عليه تبتدئ من حين ولادته. بخلاف الوصية للحمل فإنها صحيحة، وسبب التفريق بينهما أن الهبة تمليك محض في الحال ولا تتم إلا بالقبض. والحمل ليس أهلا؛ لأن يتملك في الحال ولا أن يقبض لا بنفسه ولا بولي عليه. وأما الوصية فهي تمليك من وجه واستخلاف من وجه، ولذا قيل إنها أخت الميراث. ولا يشترط لتمامها القبض.
فمتى كان الموهوب له موجودا تحقيقا ومعلوما صحت الهبة له، غير أنه إن كان كامل الأهلية فهو الذي يقبل الهبة ويقبضها بنفسه أو بنائبه، وإن كان فاقد الأهلية بأن كان مجنونا أو طفلا غير مميز فالذي يقبل الهبة له, ويقبضها بنفسه, أو بوكيله هو الولي المالي عليهما؛ لأنهما ليسا أهلا للقبول والقبض. وإن كان ناقص الأهلية وهو الصبي المميز والمعتوه المميز أو محجورا عليه لسفه أو غفلة فالذي يقبل الهبة ويقبضها هو الولي عليهم أو هم بأنفسهم؛ لأن قبول الهبة من التصرفات النافعة نفعا محضا فيملكونها بأنفسهم.
(1/270)

3- في صيغة الهبة:
يشترط في صيغة الهبة أن تكون منجزة. لا معلقة على شرط. ولا مضافة إلى زمن مستقبل؛ لأن معناها التمليك في الحال. والتعليق يجعل التمليك عند وجود المعلق عليه لا في الحال. وكذلك الإضافة تجعل التمليك حين حلول الزمن المضاف إليه. فلو قال الواهب وهبت لك كتابي هذا إن نجحت في الامتحان فهي هبة باطلة، وكذلك لو قال وهبت لك كتابي في أول السنة المقبلة. إلا إذا كان التعليق صوريا, بأن كان المعلق عليه محققا وقت التكلم كما إذا قال إن كان هذا الكتاب ملكي فقد وهبته لك, وهو في الواقع ملكه؛ لأن هذه في الحقيقة صيغة منجزة في صورة معلقة. والأصل في عقود التمليك التام أنها تفيد الملك في الحال ولا تقبل توقيتا ولا تعليقا ولا إلى إضافة إلى مستقبل.
وأما اقترانها بالشرط: فإذا اقترنت الصيغة بشرط صحيح يلائم مقتضى العقد صحت الهبة, والشرط كما إذا وهبه كتابا, وشرط عليه أن يهديه هدية عينها. وأما إذا اقترنت بشرط لا يلائم مقتضى العقد, فالهبة تصح والشرط يبطل, كما إذا وهبه كتابا بشرط أن لا ينتفع به، أو بشرط أن لا يملكه ورثته من بعده.
والعمري هي هبة مقرونة بشرط باطل, ولذلك صحت وبطل الشرط. وصورتها أن يقول شخص لآخر وهبتك داري مدة عمرك, أو حياتك فإذا مت أنت فهي رد علي. أو وهبتك داري مدة عمري أو حياتي فإذا مت أنا فهي رد على ورثتي، أو يقول أعمرتك داري أو داري لك عمري, فهذه هبة مقرونة بشرط وهو تقييد الملك المقصود بها بوقت, هو مدة عمر الواهب أو الموهوب له, وهذا الشرط لا يلائم العقد؛ لأن مقتضى عقود التمليك التام استفادة الملك مطلقا غير موقت. ولذلك صحت الهبة وبطل الشرط فتكون الدار للمعمر له ولورثته من بعده.
وأما الرُّقبي فهي هبة معلقة على شرط غير محقق في الحال ولذلك كانت باطلة، وصورتها أن يقول شخص لآخر داري لك رقبي إن مت قبلك فهي لك، وإن مت قبلي فهي لي كأن كل واحد منهما يرقب موت صاحبه، فهذه هبة معلقة على موت
(1/271)

الواهب قبل الموهوب له فهي باطلة. وحينئذ لا تفيد الملك للموهوب له. ويظل الشيء المرقب على ملك مرقبه ولورثته من بعده, ويكون في يد المرقب له عارية.
في الشيء الموهوب:
يشترط في الشيء الذي يوهب شروط لصحة هبته، وشروط لنفاذها، وشروط لتمام ملكيته.
فيشترط لصحة هبته أن يكون وقت عقد الهبة مالا, متقوما، موجودا، معلوما، مملوكا في نفسه، سواء كان من العقارات أو المنقولات.
ويشترط فيه لنفاذها أن يكون وقت عقد الهبة مملوكا للواهب.
ويشترط فيه لتمام ملكيته أن يقبضه الموهوب له.
وهذا تفصيل الإجمال في هذه الشروط.
1- كونه مالا: فلو كان الشيء الموهوب ليست له قيمة مالية أصلا, ولا يتمول كالميتة حتف أنفها والدم المسفوح، فلا تصح هبته؛ لأن الهبة تمليك ولا تمليك إلا لما له قيمة مالية يتملك.
2- كونه متقوما: فلو كان الشيء الموهوب غير متقوم في حق العاقدين, أو أحدهما كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلمين، فلا تصح هبتهما؛ لأنهما في حق المسلمين غير محل للملك والتملك والهبة عقد تمليك.
3- كونه موجودا: فلو كان الشيء الموهوب معدوما وقت عقد الهبة فلا تصح الهبة؛ لأنه لا محل للعقد، فلو وهب إنسان لآخر فرسا ثم تبين أنها ماتت قبل العقد فالهبة باطلة. ولو وهب لإنسان ما تثمره نخلته هذه السنة. أو ما تلده نعجته هذه المرة. أو ما في بطن بقرته من حمل، أو ما في ضرعها من لبن. فلا تصح الهبة في هذا كله؛ لأن المعدوم في الحال لا يتحقق فيه معنى الهبة, وهو التمليك في الحال. وكذلك لا تصح الهبة إذا كان الموهوب في حكم المعدوم فلو وهب لإنسان
(1/272)

ما في هذا البر من دقيق، أو ما في هذا اللبن من سمن، أو ما في هذا القصب من سكر، فلا تصح الهبة؛ لأن عين الوهوب غير موجود بشخصه فهو في حكم المعدوم.
4- كونه معلوما: علم الموهوب يتحقق بتعيين قدره، كما إذا قال: وهبت لك نصف منزلي، أو بتعيين شخصه، كما إذا قال: وهبتك كتابي هذا؛ لأن الملكية لا ترد إلا على معلوم، فلو كان الشيء الموهوب مجهولا قدره وشخصه فلا تصح هبته، كما إذا وهب إنسان لآخر جزءا من داره ولم يبين قدره، أو وهب له أحد فرسيه ولم يعين أحدهما، أو شاة من غنمه ولم يبينها.
5- كونه مملوكا في نفسه: والمراد بهذا كون الشيء الموهوب في ذاته مما ترد عليه الملكية, ويقبل التداول وانتقال ملكيته من يد إلى يد؛ لأنه لو كان مما لا يتملك ولا يقبل التداول لا يتحقق معنى الهبة فيه، فلو كان الشيء الموهوب من المباحات: كالماء في النهر، والسمك في البحر، والطير في الهواء. فلا تصح هبته؛ لأن المباح وهو مباح لا ملكية لأحد له ولا يرد عليه التمليك. ومن هذا لا تصح هبه المساجد والزوايا؛ لأنها ببنائها مساجد أو زوايا خرجت عن ملك بانيها, ولم تدخل في ملك أحد فصارت غير مملوكة في نفسها وغير قابلة للتداول.
وأساس هذه الشروط الخمسة أن الهبة عقد تمليك في الحال, فلا بد أن يكون محل العقد وهو الشيء الموهوب مما يملك في وقت وجود عقد الهبة, وذلك بكونه وقت العقد مالا متقوما موجودا معلوما مما يملك ويملَّك.
كونه مملوكا للواهب:
هذا شرط لنفاذ الهبة لا لصحتها، فلو وهب الإنسان ما هو مملوك لغيره فهو فضولي وهبته موقوفة على إجازة المالك، فإن أجازها المالك, وهو أهل لإجازتها بأن كان أهلا للتبرع نفذت، وإن لم يجزها بطلت. وكذلك إذا كان المالك غير أهل للإجازة. ولهذا بطلت هبة الولي المالي أي شيء من مال
(1/273)

من له الولاية عليه، كهبة الأب أو الجد أو الوصي مال الصغير؛ لأن المالك هو الصغير وهو ليس أهلا للإجازة.
فيلاحظ الفرق بين اشتراط كون الموهوب مملوكا في نفسه وبين اشتراط كونه مملوكا للواهب، فإن الأول شرط صحة, ويتفرع عليه أن هبة المباحات غير صحيحة. والثاني شرط نفاذ ويتفرع عليه أن هبة المملوك للغير صحيحة ولكنها موقوفة على إجازة المالك.
قبض الموهوب:
قبض الشيء الموهوب ليس شرطا لانعقاد الهبة, ولا لصحتها ولكنه شرط لانتقال الملكية من الواهب إلى الموهوب له، فبمجرد الإيجاب من الواهب والقبول من الموهوب له، واستيفاء الشروط التي بيناها في العاقدين. وفي صيغة العقد. وفيما يوهب. ينعقد العقد ويصح. ولكن لا يترتب عليه أثره وهو انتقال الملكية, إلا إذا قبض الموهوب له ما وهب له سواء كان عقارا أو منقولا. وقبل القبض تبقى العين الموهوبة ملكا للواهب وأي تصرف له نافذ. ولا يتعلق بها حق للموهوب له. وعللوا ذلك بما ورد من الأثر "لا تجوز الهبة إلا مقبوضة" وبأنه لو ثبت الملك في الشيء الموهوب بمجرد الإيجاب والقبول قبل القبض ثبت للموهوب له حق المطالبة بتسليمه, فينقلب عقد الهبة من عقد تبرع إلى عقد ضمان وفي هذا قلب للمشروع.
وإنما يكون القبض معتبرا شرعا وتنتقل به الملكية بشرطين: "أحدهما" أن يكون القبض بإذن الواهب. فإن كان الإذن صراحة كما إذا قال الواهب للموهوب له: اقبض ما وهبت لك، أو خذه، أو تسلمه، صح القبض في مجلس العقد وبعده. وإن كان الإذن دلالة كما إذا تناول الموهوب له العين الموهوبة على مرأى من الواهب وهو ساكت عن نهيه صح القبض في مجلس العقد لا بعده. "وثانيهما" أن يتولى القبض الموهوب له إن كان مميزا، أو وليه إن كان غير مميز، أو زوج الصغيرة بعد زفافها إليه؛ لأنه بعد الزفاف يعولها ويقوم على حفظها فيقبض ما يوهب لها.
(1/274)

وقد ينوب القبض القائم وقت الهبة عن تجديد قبض بعدها، فإذا أودع علي عند محمد وديعة، أو أعار له عارية، أو غصب محمد من علي عينا فقال علي: وهبت لك الوديعة، أو العارية، أو العين المغصوبة، وقال محمد: قبلت: فإن محمدا يملك ما وهب له مما تحت يده من وديعة أو عارية أو غصب بمجرد الإيجاب والقبول، وينوب قبضه القائم عن قبض يجدده بعد الهبة.
والقبض نوعان: قبض كامل، وقبض ناقص. فالقبض الكامل يتحقق بحيازة العين الموهوبة مفرزة غير شائعة في غيرها ولا متصلة به، والقبض الناقص يتحقق بمجرد التخلية بين الموهوب له والشيء الموهوب.
وفي بعض الهبات لا تنتقل الملكية إلا بالقبض الكامل. وفي بعضها قد يكتفى بالقبض الناقص وتنتقل به الملكية، وهذا هو التفصيل:
هبة المفرز المنفصل عن غيره: فإذا كان الشيء الموهوب مفرزا ليس شائعا في غيره ولا متصلا به كهبة دار محدودة ليست مشغولة بشيء للواهب. أو هبة خاتم معين أو كتاب معين، فلا تنتقل الملكية بالهبة فيه، إلا إذا قبضه الموهوب له قبضا كاملا بأن يتسلمه ويحوزه لنفسه.
هبة المشاع:
وأما إذا كان الشيء الموهوب مشاعا في غيره كهبة نصف هذ المنزل أو ربع هذا الحمام أو ثلث هذه الأرض الزراعية. فإن كان المشاع الموهوب بعضه يقبل القسمة كخمسين فدانا وهب خمسها أو منزل كبير وهب نصفه فإنه لا ينتقل الملك فيه إلا بالقبض الكامل، أي: بالقسمة وإفراز القدر الموهوب وتسليمه للموهوب له وحيازته لنفسه. وإن كان المشاع الموهوب بعضه لا يقبل القسمة كفرس أو منزل صغير، فإنه يكتفى بالقبض الناقص, وتنتقل الملكية فيه بقبض الموهوب على الشيوع. ووجه التفرقة بين الحالين إنه لما كان المشاع يقبل القسمة كان القبض الكامل ممكنا بالإفراز والحيازة، فلا تنتقل الملكية إلا به. ولكن
(1/275)

لما كان المشاع لا يقبل القسمة كان القبض الكامل غير ممكن، فاكتفى بالقبض الناقص الممكن, وهو القبض على الشيوع، والأصل في هذا أن النص شرط القبض. والقبض عند الإطلاق ينصرف إلى القبض الكامل، فحيث أمكن القبض الكامل لا تنتقل الملكية إلا به، وحيث لا يمكن يكتفى بالقبض الناقص.
والمراد بما يقبل القسمة ما يبقى منتفعا بأجزائه بعد القسمة, الانتفاع الذي كان منتفعا به قبلها, كعشرة أفدنة من خمسين فدانا، أو نصف منزل كبير يقبل أن يقسم منزلين. والمراد بما لا يقبل القسمة ما لا يبقى منتفعا به بعد القسمة الانتفاع الذي كان قبلها بأن كان لا يبقى منتفعا به أصلا، كحبة من اللؤلؤ لو قسمت لا ينتفع بها, أو يبقى منتفعا به, ولكن بغير الانتفاع الأول كبقرة أو منزل صغير.
ومن هذا يتبين أن المشاع سواء أكان يقبل القسمة أم لا يقبلها تصح هبة جزء معين منه، وأن شيوع الموهوب في غيره لا يبطل هبته غير أنه إن كان شائعا فيما يقبل القسمة لا يملك إلا بالقبض الكامل, أي: بالإفراز والحيازة، وإن كان شائعا فيما لا يقبل القسمة ملك بالقبض الناقص وهو قبضه على الشيوع.
هبة المتصل بغيره:
إذا كان الشيء الموهوب متصلا بغيره فإما أن يكون اتصاله اتصال ملاصقة أو اتصال جوار. واتصال الملاصقة إما أن يكون خلفيا كاتصال الزرع بالأرض والثمر بالشجر أو صناعيا كاتصال البناء بالأرض. واتصال الجوار كاتصال الدار بالأثاث الموضوع فيها. واتصال الأثاث بالدار، والهبة مع هذا الاتصال بكل أنواعه صحيحة، ولا تنتقل الملكية بها إلا بالقبض، غير أنه في اتصال الملاصقة بنوعيه: الخلقي والصناعي, وفي أحد نوعي اتصال الجوار هو ما إذا كان الموهوب مشغولا بما اتصل به، لا تنتقل الملكية إلا بالقبض الكامل, أي: بفصل الموهوب مما اتصل به, وتسليمه للموهوب له وحده. وأما في النوع الآخر من اتصال الجوار وهو أن يكون الموهوب شاغلا لما اتصل به فإنه تنتقل الملكية بالقبض الناقص
(1/276)

أي: بمجرد التخلية بين الواهب والموهوب له. وعلى هذا لو وهب ما في الأرض من زرع. أو وهب الأرض بدون زرعها. أو البناء القائم على الأرض. أو الأرض المقام عليها البناء بدونه. أو الدار المشغولة بأثاثه أو المكتبة المشغولة بكتبه، ففي كل هذا لا يملك الموهوب إلا بفصله مما اتصل به وقبضه وحده. ولو وهب ما في داره من أثاث, أو في مكتبته من كتب ملك الموهوب له الموهوب بمجرد التخلية بينه وبينه.
الهبة بشرط العوض:
إذا اشترط الواهب على الموهوب له أن يعطيه عوضا عن هبته صح ذلك. ولا يقال إن هذا ينافي كون الهبة تمليكا بغير عوض؛ لأن معنى كونها بغير عوض أنه ليس شرطا في تحققها وجود العوض كالبيع. وهذا لا ينافي أنها في بعض جزئياتها يشرط فيها العوض. فإذا وهب واحد لآخر كتابا على أن يهديه كتابا صحت الهبة والشرط, وتكون هبة ابتداء ومعاوضة انتهاء فيشترط فيها ما يشترط في الهبة ولا تنتقل الملكية إلا بالقبض، وإذا تمت روعي فيها أحكام البيع فيملك كل منهما ما أخذه ملكا لازما. وهذا هو مذهب الحنفية. وأما غيرهم فقالوا إن الهبة بشرط العوض بيع ابتداء وانتهاء فيراعى فيها أحكام البيع من حين العقد؛ لأن العبرة للمعاني لا الألفاظ.
حكم الهبة: إذا تمت الهبة مستوفية أركانها وشروطها وقبض الموهوب له العين الموهوبة, وترتب عليها حكمها وهو تملك الموهوب له للعين الموهوبة, ولكنه ملك غير لازم1؛ لأن الواهب له أن يرجع في هبته ويعيد إلى ملكه ما وهبه، ما لم يمنع من رجوعه أحد الموانع السبعة الآتية:
أما السبب في أن الواهب له حق الرجوع؛ فلأنه قد يكون أخرج العين من ملكه بغير عوض رغبة في أن يحقق له غرض من الأغراض الدنيوية, فإذا لم يحقق
__________
1 الهبة إذا كانت لفقير محتاج أو لجهة من جهات البر تسمى صدقة, ويتم الملك فيها بالقبض، ولا يصح الرجوع فيها؛ لأن المقصود منها إذن مثوبة الله، ولا يصح الرجوع عن قصد الثواب من الله. بخلاف ما إذا كانت غير صدقة, فإن الواهب قد يكون قصده منها منفعة شخصية خاصة, فإذا فات قصده كان له الرجوع في هبته.
(1/277)

له هذا الغرض كان غير راض بالتمليك فيرجع فيه؛ لأن أساس التمليكات الرضا:
وهذا الحكم وتعليله موضع نظر؛ لأن العبرة في كل عقود التمليكات الرضا وقت العقد, وقد اعتبر صدرو الإيجاب منه اختيارا دليلا على الرضا, من غير نظر إلى ما تنطوي عليه نفسه. فمتى قال الواهب المستوفي الشروط وهبت, اعتبر راضيا بإخراج العين الموهوبة من ملكه بغير عوض، ولا عبرة بما ينويه ولا بما يطرأ بعد ذلك. ولهذا كان الرجوع في الهبة من وجهة الدين والخلق رزيلة تأباها المروءة وكرم الخلق؛ لأن فيه تغريرا بالموهوب له، ونقضا لالتزام تم من الواهب. ولذا قال الشافعي: لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إلا فيما يهب الوالد لولده.
وأما الموانع السبعة التي تمنع الواهب أن يرجع في هبته فهي المرموز لها بحروف "دمع خزقة" وهي:
1- الزيادة المتصلة سواء كانت متولدة من الأصل, أو غير متولدة فمن وهبت له دابة فسمنت ونمت عنده، أو وهبت له قطعة أرض فبناها منزلا. أو وهب له منزل ذو طبقتين فبنى عليهما ثالثة، فليس للواهب أن يرجع في هبته؛ لأن الزيادة التي تولدت من الأصل كسمن الدابة أصبحت ملك الموهوب له؛ لأنها نماء مكله. والزيادة التي زادها الموهوب له كالبناء. هي ملكه أيضا, والواهب ليس له الرجوع إلا في ملكه خاصة وهو الأصل. وفصل الأصل من الزيادة قد يتعذر كما في سمن الدابة, أو يضر الموهوب له كما في البناء. وإذا فرجوع الواهب فيما وهب مع طروء هذه الزيادة المتصلة بنوعيهما إما متعذر وإما مضر بالموهوب له، فلهذا امتنع رجوعه في هذه الحال إلا إذا زالت الزيادة فيزول المانع ويعود له حق الرجوع. ومن هذا التعليل يفهم أن الزيادة المنفصلة لا تمنع الرجوع. كما إذا وهب له فرس فأسرجه.
2- موت أحد العاقدين الواهب أو الموهوب له فإذا مات الواهب فليس لورثته الرجوع في الهبة؛ لأن الرجوع حق شخصي للواهب مبني على غرضه وقصده من الهبة فما دام لم يظهر له غرض آخر حتى مات اعتبر راضيا تمام الرضا بما وهب.
(1/278)

وإذا مات الموهوب له انتقل الملك في العين الموهوبة إلى ورثته, وليس للواهب الرجوع عليهم؛ لأنهم لم يتلقوا الملك منه بل من مورثهم.
3- العوض فإذا كانت الهبة بشرط عوض أداه الموهوب له فليس للواهب الرجوع؛ لأن هذه في الحقيقة بيع لا هبة. وكذلك إذا لم تكن الهبة بشرط العوض, ولكن الموهوب له من تلقاء نفسه وبدون اشتراط عليه بعد أن تمت الهبة أعطى الواهب شيئا من ماله فأخذه. فسواء كان العوض مشروطا أو غير مشروط فهو مانع من الرجوع لحديث "الواهب أحق بهبته ما لم يثب عنها" أي: ما لم يعوض عنها.
4- خروج الموهوب من ملك الموهوب له بأي سبب كالهبة والبيع والوقف؛ لأن الموهوب له تصرف في ملكه التصرف الجائز له, والواهب ليس له نقض هذا التصرف ولا الرجوع إلا على الموهوب له. وملكه الآن لغير الموهوب له.
5- الزوجية: فإذا وهب أحد الزوجين للآخر شيئا فليس له الرجوع في هبته؛ لأن هذه الهبة في معنى الصلة للعلاقة الزوجية, وفي الرجوع قطع لهذه الصلة. والعبرة أن تكون الزوجية قائمة وقت الهبة، فلو وهب لأجنبية ثم تزوجها كان له الرجوع؛ لأن الزوجية وقت الهبة لم تكن قائمة. ولو وهب لزوجته ثم أبانها لم يكن له الرجوع؛ لأن الزوجية وقت الهبة كانت قائمة.
6- القرابة المحرمية، فمن وهب لذي رحم محرم منه فليس له الرجوع حتى لا يكون بهذا الرجوع قاطعا لمن وصله من ذوي رحمه المحارم.
7- هلال العين الموهوبة في يد الموهوب له؛ لأن ملك الواهب زال بالهلاك, وهو إنما يرجع في ملكه ولا يضمن الموهوب له مثلها, أو قيمتها؛ لأنها هلكت وهي على ملك الموهوب له, والمرء لا يضمن ملك نفسه عند هلاكه.
المحاكم المختصة بقضايا الهبة:
قضايا الهبة والوصية تتنازع اختصاصها في مصر. المحاكم الشرعية والمحاكم الأهلية. ومنشأ هذا النزاع أن المادة 16 من
(1/279)

لائحة ترتيب المحاكم الأهلية نصت على أنه ليس للمحاكم المذكورة أن تنظر في أمور منها: مسائل الهبة والوصية والمواريث وغيرها مما يتعلق بالأحوال الشخصية، فعلى هذا النص تستند المحاكم الشرعية في أن قضايا الهبة من اختصاصها، ولكن رئي أن القانون المدني نص على بعض أحكام الهبة في مواده, وهذا يقتضي أن للمحاكم الأهلية اختصاصا في قضايا الهبة تطبق فيه تلك النصوص.
لهذا جرى عمل كثير من المحاكم على توزيع الاختصاص, والتفريق بين القضايا المتعلقة بأصل الهبة والقضايا المتعلقة بغير أصلها, للتوفيق بين هذه النصوص.
فإذا كان موضوع النزاع انعقاد الهبة وصحتها, ونفاذها وأهلية الواهب وغير ذلك, مما يرجع إلى أركان الهبة وشروطها فالمختص بنظره المحاكم الشرعية. وأما إذا كان موضوع النزاع الإجراءات الشكلية, والتسليم وغير ذلك مما يتفرع من المنازعات, فالمختص بنظره المحاكم الأهلية.
ولكون الهبة اعتبرت من الأحوال الشخصية من جهة أن الواهب في الغالب ينوي بهبته التصدق والقربة، فالمرجع في أحكامها إلى الشريعة الإسلامية فيما لم ينص عليه القانون المدني. فالمختص بقضاياها نوعان من المحاكم ومرجع القضاء الأهلي في أحكامها إلى مصدرين: الشريعة الإسلامية والقانون المدني.
(1/280)

الوصية:
تعريفها:
الوصية شرعا يفيد تمليك عين أو دين أو منفعة بلا عوض تمليكا مضافا إلى ما بعد موت الموصي. فهي كالهبة في أنها من عقود التمليك بغير عوض. ولكنها تخالف الهبة من وجهين: "أولهما" أن التمليك يستفاد بالهبة في الحال، وأما التمليك المستفاد بالوصية فلا يكون إلا بعد موت الموصي.
"وثانيهما" أن الوصية تكون بالعين وبالدين وبالمنفعة, والهبة لا تكون إلا بالعين. وأما هبة الدين لمن عليه الدين فهي إبراء, وتمليك المنفعة في الحال بلا عوض فهو إعارة.
ركنها:
ركنها الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له. فالإيجاب من الموصي يكون بكل لفظ يصدر منه يدل على التمليك المضاف إلى ما بعد موته بغير عوض، مثل أوصيت لفلان بداري أو بسكناها أو بما لي على فلان من دين. أو وهبت له ذلك بعد موتي أو ملكته بعدي. والقبول يكون من الموصى له بعد موت الموصي؛ لأنه ما دام التمليك مسندا إلى ما بعد الموت فيكون ما بعد الموت هو وقت قبوله، وأما في حياة الموصي فلا تمليك فلا عبرة بالقبول أو الرد حال حياته1.
وإذا صدر الإيجاب من الموصي لا يكون ملزما له، بل يكون له حق الرجوع عنه ما دام حيا؛ لأن الموجب له حق الرجوع عن إيجابه قبل القبول في عقود المعاوضات، فبالأولى يكون له هذا الحق في عقود التبرعات.
وعلى هذا يجوز للموصي أن يرجع عن وصيته ما دام حيا. وهذا الرجوع كما يكون صراحة بالقول، مثل أن يقول عدلت عن وصيتي أو أبطلتها، أو رجعت فيها، يكون
__________
1 قال صاحب البدائع: "وإذا ثبت أن القبول ركن في عقد الوصية فوقت القبول ما بعد موت الموصي. ولا حكم للقبول والرد قبل موته. حتى لو رد قبل الموت ثم قبل بعده صح قبوله؛ لأن الوصية إيجاب الملك بعد الموت. والقبول أو الرد جواب. فيكون بعد إيجاب الملك".
(1/281)

دلالة بالفعل، مثل أن يعمد الموصي إلى الشيء الموصى به فيتصرف فيه تصرفا يخرجه عن ملكه, كأن يبيعه أو يهبه. أو تصرفا يغيره ويجعله شيئا آخر كأن يبني على قطعة الأرض الموصى بها منزلا، أو يخلط الشيء الموصى به بشيء آخر من ملكه بحيث لا يمكن تمييزه أصلا أو لا يمكن إلا بعسر، كأن يخلط أردب القمح الموصى به بأردب آخر من نوعه أو بأردب من شعير. أو يزيد في الشيء الموصى به زيادة لا يمكن تسليمه إلا بها، كأن يوصي بدار من طبقتين ثم يبني عليهما طبقة ثالثة.
فإذا رجع الموصي عن وصيته صراحة أو دلالة بطل إيجابه, وليس للموصى له أن يبني عليه قبولا. كما يبطل الإيجاب بجنون الموصي جنونا مطبقا؛ لأنه لا بد لصحته من بقاء الموجب على أهليته إلى وقت موته، وكما يبطل الإيجاب بهلاك الموصى به إذا كان عينا مشارا إليها لفوات محل العقد.
وإما إذا لم يرجع الموصي عن وصيته لا بقول ولا بفعل، بل بقي مصرا عليها حتى مات، فإن للموصى له الحق في أن يقبلها وأن يردها. فإن ردها بطلت الوصية وبقي الموصى به على ملك ورثة الموصي. وإن قبلها تمت الوصية وملك الموصى به سواء كان عينا أو منفعة ملكا لازما ليس لأحد حق نقضه. وإن سكت الموصى له فلم يقبل ولم يرد إلى أن مات اعتبر قابلا, وتمت الوصية وملك ورثته العين الموصى بها إلى مورثهم.
ومن هذا يؤخذ أن تمام عقد الوصية من جانب الموصي بأن يصدر منه إيجاب الوصية, ويستمر على أهليته وإيجابه من غير رجع عنه بقول أو فعل حتى يموت. ومن جانب الموصى له بأن يقبلها بعد موت الموصي. أو يسكت عن الرد والقبول حتى يموت. فإن شئت قلت ركن الوصية الإيجاب من الموصي وعدم الرد من الموصى له بأن يقع اليأس عن رده بموته.
وهذا إذا كان الموصى له معينا بالشخص حتى يتأتى منه القبول أو الرد. أما إذا كان غير معين بالشخص كمن أوصى لفقراء بلده، أو في أي سبيل للخير.
(1/282)

فهذه الوصية في الحقيقة صدقة تتم بالإيجاب وحده من الموصي؛ لأن قصد الموصي بالوصية للفقراء أو في وجه من وجوه الخير التقرب إلى الله بإخراج ماله إليه سبحانه لا التمليك لأحد.
شروطها:
1- في الموصي:
يشترط لصحة الوصية أن يكون الموصي أهلا للتبرع, بأن يكون كامل الأهلية بالعقل والبلوغ والحرية. وأن يكون مختارا غير مكره, وغير محجور عليه لسفه أو غفله؛ لأن التبرعات من غير هؤلاء باطلة لا تقبل الإجازة كما بينا في الهبة. وتستثنى من هذا جزئيتان:
"الأولى" تصح وصية الصغير المميز الخاصة بأمر تجهيزه ودفنه, ما دامت في حدود المصلحة؛ لأنها من حاجاته بعد موته.
"الثانية" تصح وصية المحجور عليه للسفه في وجه من وجوه الخير كبناء مستشقى. أو تعليم فقراء. وإن كان له وارث وأجازها نفذت من كل ماله، وكذا إذا لم يكن له وارث أصلا. وأما إن كانت له ورثة ولم يجيزوا هذه الوصية فإنها تنفذ من ثلث ماله فقط، والسبب في صحة وصيته في سبل الخير أن الحجر على السفيه إنما هو للمحافظة على ماله في حياته, حتى لا يصرفه في غير مصلحة, ولا يعيش عالة على غيره, وهو بالوصية لا يخرج شيئا عن ملكه حال حياته، بل يخرجها بعد مماته إلى وجوه البر التي يكون في أشد الحاجة إلى المثوبة عليها لا إلى المال. ولهذا السبب صح وقف المحجور عليه للسفه إذا وقف على نفسه ثم على جهة عينها؛ لأن الحجر إنما هو للمحافظة على أمواله, ووقفه بهذه الطريقة يحقق هذه المحافظة؛ لأنه يمنع العين من التصرف فيها بأي تصرف ناقل للملكية ويضمن ريعها لنفسه ما دام حيا.
2- في الموصى له:
إذا كان الموصى له معينا يشترط لصحة الوصية له أن يكون موجودا وقت الوصية تحقيقا أو تقديرا، فإذا قال الموصي أوصيت
(1/283)

بداري لفلان وكان فلان موجودا وقت إيجاب الوصية صحت الوصية له، بحيث إذا مات الموصي مصرا عليها ولم يردها فلان بعد موته ملك الدار الموصى له بها. وأما إذا كان فلان ميتا وقت إيجاب الوصية له فلا تصح الوصية.
وكذلك إذا قال الموصي أوصيت لحمل فلانة وكان الحمل موجودا في بطنها وقت إيجاب الوصية له صحت الوصية، بحيث إذا مات الموصي مصرا على وصيته ملك الحمل ما أوصى له به. وقدمنا في الهبة وجه التفريق بين الهبة للحمل والوصية للحمل.
وأما إذا لم يكن الموصى له بالشخص, فيشترط أن يكون موجودا وقت موت الموصي تحقيقا أو تقديرا، ولا يشترط وجوده وقت الوصية. فإذا قال الموصي أوصيت بداري لأولاد أخي علي, ولم يعين هؤلاء الأولاد, ومات مصرا على وصيته ملك الدار من يكونون موجودين من أولاد علي وقت موت الموصي، سواء منهم الموجود تحقيقا أو تقديرا كالحمل، ولو لم يكونوا موجودين وقت إيجاب الوصية.
والتحقق من وجود الحمل وقت الوصية, أو وقت موت الموصي يكون بولادته حال قيام زوجية الحامل لأقل من ستة أشهر من وقت الوصية, أو من وقت موت الموصي. وإذا كانت الحامل الموصى لحملها معتدة من طلاق بائن أو وفاة فالتحقق من وجوده بولادته لأقل من سنتين من تاريخ الطلاق أو الوفاة؛ لأنه ما دام الشارع حكم بثبوت نسبه فقد حكم بوجوده وقت الوصية له.
ويشترط في الموصى له لنفاذ الوصية له أن يكون غير وارث للموصي. وأما إذا كان أحد ورثته فيتوقف نفاذ الوصية له على إجازة باقي الورثة.
والمراد بالوارث هنا من يرث الموصي فعلا بعد وفاته, ولو لم يقم به سبب الإرث وقت الوصية. وغير الوارث هو من لم يرث فعلا وقت موت الموصي, ولو كان من الورثة وقت الوصية. فإذا أوصى لأجنبية ثم تزوجها ومات وهي على
(1/284)

عصمته فهي وارثة لا تنفذ الوصية لها إلا بإجازة سائر الورثة. ولو أوصى لزوجته، ثم طلقها وانقضت عدتها ومات وهي ليست على عصمته فهي أجنبية والوصية لها نافذة. وهذا خلاف المراد بالوارث وغير الوارث في إقرار المريض.
ويشترط في الموصى له لنفاذ الوصية له أن لا يقتل الموصي قتلا محرما مباشرا, لقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لقاتل" فإذا قتل الموصى له الموصي لا تنفذ الوصية له إلا بإجازة الورثة1، بشرط أن يكون قتلا مباشرا ومحرما، سواء كان عمدا أو شبه عمد أو خطأ أو جاريا مجرى الخطأ. وأما القتل بالتسبب، كما إذا حفر الموصى له بئرا في طريق عام فتردى فيها الموصي. والقتل دفاعا عن النفس. والقتل من فاقد الأهلية أو ناقصها كالمجنون والصبي والمعتوه فلا يمنع نفاذ الوصية2.
ويشترط أيضا في الموصى له أن لا يكون مجهولا جهالة لا يمكن إزالتها؛ لأنه معها لا يمكن تسليم الموصى به، ولا تنفيذ الوصية، بأن يكون معينا بالشخص مثل أوصيت لفلان، أو بالنوع، مثل أوصيت لفقراء بلدي. أو لطلبة العلم بمعهد كذا، ولا يشترط أن يتحد الموصى له في الدين مع الموصي, فتصح وصية المسلم للمسلم ولغيره ما لم يكن حربيا. ولا يشترط أن يكون الموصى له من أهل التملك فتصح الوصية للملاجئ والمساجد والمدارس وسبل الخير والنفع, وتكون الوصية في هذه الحال صدقة تتم بإيجاب الموصي وحده؛ لأن القصد منها بإخراج الملك إلى وجه الله لا تمليك أحد كما تقدم.
__________
1 وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وهو مبني على أن حرمان القاتل من الوصية هو لحق الورثة. وقال أبو يوسف: القاتل تبطل الوصية له, ولا تلحقها إجازة الورثة؛ لأن من تعجل بالشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، فكما لا إرث لقاتل لا وصية لقاتل. وقول أبي يوسف: هو المعقول. وعلى قوله يكون هذا الشرط شرط صحة لا شرط نفاذ كقولهما.
2 القتل أنواع خمسة: عمد، وشبه عمد، وخطأ، وجار مجرى الخطأ، وقتل بالتسبب. فالنوع الخامس لا يمنع من نفاذ الوصية كما لا يمنع من الميراث. والأنواع الأربعة الأولى تمنع من نفاذ الوصية, كما تمنع من الميراث بشرط أن يكون القاتل عاقلا بالغا ليس مدافعا عن نفسه, ولا منفذا حدا أو قصاصا.
(1/285)

3- في الموصى به:
يشترط في الموصى به أن يكون بعد موت الموصي قابلا للتمليك بأي سبب من أسباب الملك، فتصح الوصية بكل مال متقوم من الأعيان؛ لأنها تملك بالبيع أو الهبة. ومن المنافع لأنها تملك بالإجارة أو الإعارة، وتصح الوصية بما يثمره شجره؛ لأنه يملك بعقد المساقاة. وبما في بطن بقرته أو نعجته؛ لأنه يملك بالإرث، فما دام وجوده محققا وقت موت الموصي استحقه الموصى له، وتصح الوصية بالدين؛ لأنها في الحقيقة وصية بالعين التي تقتضي من المدين سدادا للدين.
ولا تصح بما ليس مالا كالميتة. وما ليس متقوما في حق العاقدين أو أحدهما، كالخمر للمسلمين، ولا بمعدوم لا يقبل التمليك بأي عقد وقت الوصية، كالوصية بما ستلده غنمه.
وكما يصح أن يكون الموصى به معلوما، كما إذا أوصى الموصي لفلان بألف جنيه أو أوصى له بثلث تركته يصح أن يكون مجهولا، كما إذا أوصى لفلان بجزء من ماله, ويكون بيان هذا الجزء حقا للورثة بعد موت الموصي.
نفاذ الوصية: إذا استوفت الوصية شروطها, ومات الموصي مصرا عليها، فنفاذها يختلف باختلاف حال الموصي، والموصى به، والموصى له.
فإن كان الموصي وقت الوصية مدينا بدين مستغرق تركته, ومات على ذلك فلا تنفذ وصيته في قليل من ماله ولا كثير، لا لوارث ولا لأجنبي، إلا إذا أجازها الدائنون؛ وذلك لأن حق الدائن مقدم على حق الموصى له والوارث، فما دامت التركة مستغرقة بالدين فالحق فيها للغرماء؛ لأنه لا وصية إلا بعد سداد الدين، ولا تركة إلا بعد سداد الدين وتنفيذ الوصية الجائزة.
وإن كان الموصي مدينا بدين غير مستغرق تركته, ومات على ذلك فما يعادل الدين من تركته فهو متعلق به حق الدائنين، فلا تنفذ وصيته فيه إلا بإجازتهم.
(1/286)

وما زاد يعتبر كأنه تركة مستقلة خالية من الدين, فتسري في تنفيذ الوصية فيه الأحكام الآتية:
وإن كان الموصي غير مدين, وليس له وارث نفذت وصيته مطلقا، سواء كان الموصى به قليلا أو كثيرا، ولو استغرق جميع تركته؛ لأنه ما دام لم يتعلق بالتركة حق لدائن ولا لوارث فوصية الموصي نافذة، وليس لأحد الاعتراض على نفاذها، وليس لبيت المال اعتراض عليها؛ لأن مرتبته في الاستحقاق بعد الموصى له. وعلى هذا إذا أوصى شخص لأحد أو لجهة بِرٍّ بكل ماله ومات، وليس عليه دين، وليس له وارث استحق الموصى له كل تركته. وإذا أوصى أحد الزوجين للآخر بكل ماله ومات وليس عليه دين, وليس له وارث آخر, استحق الموصى له كل تركته.
وإن كان الموصي غير مدين. وله ورثة، فإن كانت وصيته لوارث فلا تنفذ إلا بإجازة سائر الورثة، سواء كان الموصى به قليلا أو كثيرا، لقوله -صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى أعطى كل ذي حق حقه, فلا وصية لوارث1". ولأن في إيثار بعض الورثة على بعض بطريق الوصية إيغارا للصدور, وتوليدا للأحقاد, وقطيعة للرحم. ولكن إذا أجاز الورثة أو بعضهم الوصية لأحدهم نفذت في حق من أجازوا؛ لأنهم تنازلوا عن حقهم.
وإن كان الموصي غير مدين وله ورثة ووصيته لأجنبي، فإن كان الموصى به لا يتجاوز ثلث تركته نفذت الوصية بدون توقف على إجازة أحد. وإن تجاوز الموصى به ثلث تركته نفذت في الثلث فقط, وتوقف نفاذها فيما زاد على إجازة الورثة،
__________
1 وأما قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} فالمراد بها والله أعلم بمراده الوصية للوالدين اللذين يمنع من إرثهما شرعا مانع كاختلاف الدين مثلا. والأقربين الذين لا يرثون كالعمة الشقيقة مع العم الشقيق، وبنت الأخ الشقيق مع ابنه، وكل قريب ليس له في الإرث نصيب. فالله شرع الوصية لتدارك ما فات في الإرث.
(1/287)

فإن أجازوا نفذت فيه أيضا، وإن ردوا بطلت فيه, ولم يكن للموصى له غير الثلث. وإن أجازها بعضهم وردها بعضهم نفذت في حق الذي أجاز وبطلت في حق من لم يجز. فلو أوصى رجل لأجنبي بنصف ماله ومات وله ابنان، فإن أجاز الابنان الوصية استحق الموصى له نصف التركة، وورث الابنان النصف الباقي لكل منهما الربع. وإن لم يجز الابنان الوصية استحق الموصى له ثلث التركة، وورث الابنان الثلثين الباقيين لكل منهما الثلث. وإن أجازها أحدهما ولم يجزها الآخر استحق من أجاز ربع الترك، كما لو أجازا معا، واستحق من لم يجز ثلث التركة، كما لو لم يجيزا معا، والباقي يكون للموصى له. فللمجيز ربع. ولغير المجيز ثلث. وللموصى له الباقي 5/ 12.
ولو مات الموصي عن ورثة هم أمه. وأخته الشقيقة. وأختاه لأمه، وقد أوصى لأجنبي غير وارث له بنصف تركته، وكان مقدار تركته 72 فدانا.
فإذا أجاز ورثته كلهم وصيته أخذ الموصى له 1/ 2 تركته 36 فدانا. وأخذ ورثته فروضهم من نصفه الباقي، فللأم 1/ 6 النصف 6 فدادين. وللأخت الشقيقة 1/ 2 النصف 18 فدانا. وللأختين لأم 1/ 3 النصف 12 فدانا.
وإذا لم يجز ورثته وصيته أخذ الموصى له 1/ 3 تركته 24 فدانا. وأخذ ورثته فروضهم من الثلثين الباقيين، فللأم 1/ 6 الثلثين 8 فدادين، وللأخت الشقيقة 1/ 2 الثلثين 24 فدانا. وللأختين لأم 1/ 3 الثلثين 16 فدانا.
وإذا أجاز الوصية بعضهم ولم يجزها الآخر أخذ الموصى له 1/ 3 التركة، وأخذ معه ما استفاده من إجازة المجيز، وهو الفرق بين نصيبه في حال عدم الإجازة. وفي حال الإجازة. ففي هذا المثال إن كان المجيز الأم فقط أخذ الثلث 24 فدانا + 2 فدانان. وإن كان المجيز الأخت الشقيقة فقط أخذ 24 فدانا + 6 فدادين. وإن كان المجيز الأختين لأم فقط أخذ 24 24فدانا + 4 فدادين. وهكذا إذا كان المجيز اثنين منهم.
(1/288)

فمتى عرف نصيب الموصى له، وكل وارث عند عدم إجازتهم جميعا، ونصيب الموصى له، وكل وارث عند إجازتهم جميعا. يسهل معرفة نصيب الموصى له، وكل وارث عند إجازة بعضهم وعدم إجازة بعضهم.
وإنما نفذت الوصية للأجنبي في الثلث فقط, وتوقفت فيما زاد على إجازة الورثة لحديث سعد بن أبي وقاص حيث كان مريضا فعاده الرسول -صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أأوصي بكل مالي؟ قال: "لا" قال: أأوصي بالثلثين؟ قال: "لا". قال: أأوصي بالنصف؟ قال: "لا". قال: أأوصي بالثلث؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم: "الثلث والثلث كثير, إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس".
وكل موضع توقف نفاذ الوصية فيه على إجازة الورثة لا تكون هذه الإجازة صحيحة يترتب عليها أثرها، وهو نفاذ الوصية إلا بشرطين: "الأول" أن تكون الإجازة بعد موت الموصي؛ لأنه قبل موته لم يثبت للمجيز حق فلا اعتبار لإجازته. وعلى هذا لو أجاز بعض الورثة الوصية في حياة الموصي ثم ردها بعد موته، فالعبرة لرده ولا اعتبار لإجازته، "والثاني" أن يكون المجيز وقت إجازته من أهل التبرع, بأن يكون كامل الأهلية غير محجور عليه لسفه أو غفلة؛ لأن إجازته في حكم التبرع منه والتنازل عن حقه.
المال الذي تنفذ فيه الوصية: إذا كانت الوصية بمال غير معين بالشخص بأن أوصى الموصي بثلث ماله أو ربعه مثلا استحق الموصى له ثلث أو ربع مال الموصي الموجود عند وفاته، سواء كان له هذا المال وقت الوصية أو لا؛ لأن التمليك في الوصية مضاف إلى ما بعد الموت، فيتعلق بالمال الموجود وقت التمليك والتملك. وإذا كانت الوصية بمعين بالذات بأن أوصى الموصي بهذا المنزل أو هذه المكتبة استحق الموصى له عين الموصى به، بحيث لو هدم المنزل أو حرقت المكتبة في حياة الموصي بطلت الوصية لفوات محلها.
(1/289)

الوصية بالمنفعة:
تبين من تعريف الوصية أنها كما تكون بالعين تكون بالدين وبالمنفعة، والوصية بالمنفعة تارة تكون بأن ينتفع الموصى له بنفسه بالعين الموصى بها، كما إذا أوصى له بسكنى داره، أو بركوب فرسه، أو بالقراءة في كتبه. وتارة تكون بأن ينتفع الموصى له بغلة العين الموصى بها، كما إذا أوصى بأن يستغل الموصى له داره أو أرضه أو أي عين يملكها.
والشرط لنفاذ الوصية بالمنفعة هوالشرط لنفاذ الوصية بالعين، فإن كان الموصى له بالمنفعة وارثا توقف نفاذ الوصية له على إجازة سائر الورثة, مهما كانت قيمة العين الموصى بمنفعتها. وإن كان غير وارث نفذت الوصية له بالمنفعة, إذا كانت قيمة العين الموصى بمنفعتها لا تتجاوز ثلث التركة. فإن تجاوزت الثلث توقفت فيما زاد عن الثلث على إجازة الورثة؛ وذلك لأن الوصية لغير الورثة بمنفعة عين من الأعيان تحول بين الورثة وبين الانتفاع بالعين الموصى بمنفعتها. ولا يجوز للموصي أن يعطل انتفاعهم بأكثر من ثلث ماله إلا بإجازتهم.
وهنا في الوصية بالمنفعة بحثان: "الأول" ما الذي يملكه الموصى له بالمنفعة من ضروب الانتفاع. "والثاني" ما أمد هذا الانتفاع.
أما الأول فإذا نص الموصي في وصيته على أن للموصى له الحق في أن ينتفع بالعين الموصى بها بنفسه. وأن يستغلها كان له الانتفاع والاستغلال، فإن شاء سكن المنزل، وإن شاء أجره وانتفع بأجرته.
وإذا نص على أن له السكنى فقط, لم يكن له الاستغلال عملا بنص الموصي, فله أن يسكن المنزل وليس له أن يؤجره.
وإذا نص على أن له الاستغلال فقط. قيل ليس له الانتفاع بنفسه؛ لأن الموصي ملكه أن ينتفع على وجه خاص فليس له غيره. وقيل له الانتفاع بنفسه أيضا؛ لأن
(1/290)

تمليك الإنسان المنفعة لغيره فرع عن ملكيته لها، إذ لو لم يملكها بنفسه ما أمكنه أن يملكها غيره، وهذا الرأي الثاني هو الراجح.
ومذهب الإمام أحمد أن من أوصى له بالانتفاع ملك الاستغلال، ومن أوصى له بالاستغلال ملك الانتفاع. وهذا مذهب معقول المعنى؛ لأن الموصي ما أراد بوصيته إلا نفع الموصى له. وقد يتعذر على الموصى له أن ينتفع بنفسه لبعد الدار الموصى بها عن محل إقامته, أو ضيقها عن حاجته أو لأي سبب، فإذا لم يكن له الاستغلال بقيت الدار في مثل هذه الحالات معطلة, وضاع غرض الموصي من نفع الموصى له. وهذا الخلاف جار أيضا فيمن وقف دارا على فلان ليسكنها1.
وأما الثاني فإذا أطلق الموصي بالمنفعة وصيته أو نص على الأبد، كما إذا قال أوصيت لفلان بسكنى منزلي أو بسكنى منزلي أبدا، كان للموصى له الانتفاع ما دام حيا، فإذا مات ترد العين الموصى بمنفعتها إلى ورثة الموصي. وإذا حدد مدة كان للموصى له الانتفاع في المدة المحددة فقط. فإذا قال أوصيت لفلان بسكنى داري أو محصول أرضي سنة، فله ذلك بعد موت الموصى سنة فقط. وإذا قال أوصيت لفلان بسكنى داري السنة الثالثة بعد مماتي فله السكنى تلك السنة، وبعد المدة المحددة تعود العين إلى ورثة الموصي. فالوصية بالمنفعة ينتهي أمدها بانتهاء المدة إذا حددت لها مدة. وبانتهاء حياة الموصى له إذا أطلقت عن تحديد مدة أو نص فيها على الأبد. ولا تنتقل المنفعة إلى ورثة الموصى له؛ لأنهم غير موصى لهم بها؛ ولأن المنافع لا تورث وحدها، بل تورث تبعا لإرث الأعيان.
حكم الوصية:
إذا تمت الوصية باستيفاء ركنها وشروطها ترتب عليها حكمها، وهو ثبوت الملك بعد موت الموصي للموصى له فيما أوصى له به. فإذا كان موصى له
__________
1 وقد أخذنا بمذهب الإمام أحمد في مشروع الإصلاح لبعض أحكام الوقف، وبينا في مذكرتنا ما في الأخذ به من مصالح.
(1/291)

بالعين ملكها ملكية تامة، وكان له بعد موت الموصي حق التصرف فيها بجميع التصرفات التي للمالك في ملكه, وتورث عنه بعد مماته. وإذا كان موصى له بالمنفعة ملكها على حسب نص الوصية من حيث نوع الانتفاع وأمده على ما بينا، وتكون في هذه الحال رقبة العين الموصى بمنفعتها ملكا لورثة الموصي. ولكن ملكيتها ناقصة حتى يستوفي الموصى له حقه في منفعتها. وقد قدمنا أن الموصي ما دام حيا له الرجوع عن وصيته؛ لأنه لم يحصل إلا الإيجاب وحده فله العدول عنه؛ لأنه لم يتم العقد. وهذا من الوجهة القضائية. أما من الوجهة الخلقية فمن شرع في خير فعليه أن يمضي فيه، والله يحب إذا عمل عملا أن يتمه، وهو سبحانه يمد بمعونته من أراد الخير ويوفقه إلى أن يتمه وأن يتبع الخير بخيرات:
والحمد لله على نعمة التوفيق
(1/292)

قانون نمرة 25 لسنة 1920 خاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية:
نحن سلطان مصر:
بعد الديباجة, رسمنا بما هو آت:
الباب الأول: في النفقة
القسم الأول: في النفقة والعدة
مادة 1- تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها ولو حكما دينا في ذمته, من وقت امتناع الزوج عن الإنفاق مع وجوبه بلا توقف على قضاء أو تراض منهما, ولا يسقط دينها إلا بالأداء أو الإبراء.
مادة 2- المطلقة التي تستحق النفقة تعتبر نفقتها دينا كما في المادة السابقة من تاريخ الطلاق.
مادة 3- من تأخر حيضها بغير رضاع تعتبر عدتها بالنسبة للنفقة بسنة بيضاء لا ترى فيها الحيض، فإن ادعت أنها رأت الدم في أثنائها أخرت إلى أن ترى الدم مرة أخرى، أو إلى أن تمضي سنة بيضاء، وفي الثالثة إن رأت الدم انقضت عدتها, وإن لم تره تنقضي العدة بانتهاء السنة.
فإن كانت مرضعا وحاضت في أثناء الرضاع اعتدت بالإقراء, وإن تأخر حيضها بعد انقضاء مدة الرضاع، كان الحكم في تأخر حيضها هو ما تقدم. وفي الحالتين لا تسمع دعوى أن لها عادة في الحيض لأكثر من سنة1.
__________
1 ألغيت هذه المادة بالقانون رقم 25 لسنة 1929.
(1/293)

القسم الثاني: في العجز عن النفقة
مادة 4- إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته، فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله، فإن لم يكن له مال ظاهر ولم يقل إنه معسر أو موسر، ولكن أصر على عدم الإنفاق طلق عليه القاضي في الحال. وإن ادعى العجز فإن لم يثبته طلق عليه حالا. وإن أثبته أمهله مدة لا تزيد على شهر، فإن لم ينفق طلق عليه بعد ذلك.
مادة 5- إذا كان الزوج غائبا غيبة قريبة فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله، وإن لم يكن له مال ظاهر أعذر إليه القاضي بالطرق المعروفة وضرب له أجلا، فإن لم يرسل ما تنفق منه زوجته على نفسها أو لم يحضر للإنفاق عليها, طلق عليه القاضي بعد مضي الأجل.
فإن كان بعيد الغيبة لا يسهل الوصول إليه، أو كان مجهول المحل، أو كان مفقودا وثبت أنه لا مال له تنفق منه الزوجة طلق عليه القاضي.
وتسري أحكام هذه المادة على المسجون الذي يعسر بالنفقة.
مادة 6- تطليق القاضي لعدم الإانفاق يقع رجعيا، وللزوج أن يراجع زوجته إذا ثبت إيساره واستعد للإنفاق في أثناء العدة، فإذا لم يثبت إيساره ولم يستعد للإنفاق لم تصح الرجعة.
الباب الثاني: في المفقود.
مادة 7- إذا كان للمفقود وهو من انقطع خبره مال تنفق منه زوجته جاز لها أن ترفع أمرها إلى القاضي, وتبين الجهة التي يظن أنه سار إليها, ويمكن أن يكون موجودا بها. وعلى القاضي أن يبلغ الأمر إلى وزارة الحقانية لتجري البحث عنه بجميع الطرق الممكنة. فإذا مضت مدة أربع سنين من حين رفع الأمر إلى القاضي ولم يعد الزوج ولم يظهر له خبر، يعلن القاضي الزوجة، فتعتد عدة وفاة أربعة أشهر وعشرة أيام. وبعد انقضاء العدة يحل لها أن تتزوج بغيره1.
__________
1 ألغيت هذه المادة بالقانون رقم 25 لسنة 1929.
(1/294)

مادة 8- إذا جاء المفقود أو لم يجئ, وتبين أنه حي فزوجته له ما لم يتمتع الثاني بها غير عالم بحياة الأول، فإن تمتع بها الثاني غير عالم بحياته كانت للثاني ما لم يكن عقده في عدة وفاة الأول.
الباب الثالث: في التفريق بالعيب
مادة 9-للزوجة أن تطلب التفريق بينها وبين زوجها إذا وجدت به عيبا مستحكما لا يمكن البرء منه, أو يمكن بعد زمن طويل، ولا يمكنها المقام معه إلا بضرر كالجنون والجذام والبرص, سواء كان ذلك العيب بالزوج قبل العقد, ولم تعلم به أم حدث بعد العقد ولم ترض به، فإن تزوجته عالمة بالعيب أو حدث العيب بعد العقد ورضيت به صراحة أو دلالة بعد علمها فلا يجوز التفريق.
مادة 10- الفرقة بالعيب طلاق بائن.
مادة 11- يستعان بأهل الخبرة في العيوب التي يطلب فسخ الزواج من أجلها.
الباب الرابع: في أحكام متفرقة.
مادة 12- تسري أحكام المادة الثالثة من هذا القانون على المعتدات اللاتي حكم لهن بنفقات عدة بمقتضى أحكام نهائية صادرة قبل تنفيذ هذا القانون1.
مادة 13- على وزير الحقانية تنفيذ هذا القانون، ويسري العمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
صدر بسراي رأس التين في 25 شوال سنة 1328 "12 يوليه سنة 1920".
فؤاد
وزير الحقانية بأمر الحضرة السلطانية
أحمد ذو لفقار رئيس مجلس الوزراء
محمد توفيق نسيم
__________
1 ألغيت هذه المادة بالقانون رقم 25 لسنة 1929.
(1/295)

مرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 خاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية
نحن فؤاد الأول ملك مصر:
بعد الديباجة, رسمنا بما هو آت:
1- الطلاق:
مادة 1- لا يقع طلاق السكران والمكره.
مادة 2- لا يقع الطلاق غير المنجز، إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير.
مادة 3- الطلاق المقترن بعدد لفظا أو إشارة لا يقع إلا واحدة.
مادة 4- كنايات الطلاق، وهي تحتمل الطلاق وغيره، لا يقع بها الطلاق إلا بالنية.
مادة 5- كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث. والطلاق قبل الدخول. والطلاق على مال، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون والقانون رقم 25 سنة 1920.
2- الشقاق بين الزوجين والتطليق للضرر:
مادة 6- إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما. يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق، وحينئذ يطلقها القاضي طلقة بائنة إذا ثبت الضرر وعجز عن الإصلاح بينهما، فإذا رفض الطلب ثم تكررت الشكوى, ولم يثبت الضرر بعث القاضي حكمين، وقضى على الوجه المبين بالمواد "7 و8 و9 و10 و11".
(1/296)

مادة 7- يشترط في الحَكَمين أن يكونا رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن، وإلا فمن غيرهم ممن له خبرة بحالهما وقدرة على الإصلاح بينهما.
مادة 8- على الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الإصلاح، فإن أمكن على طريقة معينة قررا.
مادة 9- إذا عجز الحكمان عن الإصلاح وكانت الإساءة من الزوج أو منهما. أو جهل الحال. قررا التفريق بطلقة بائنة.
مادة 10- إذا اختلف الحكمان أمرهما القاضي بمعاودة البحث، فإن استمر الخلاف بينهما حكم غيرهما.
مادة 11- على الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه، وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاة.
3- التطليق لغيبة الزوج أو لحبسه:
مادة 12- إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول، جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها بائنا إذا تضررت من بعده عنها، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
مادة 13- إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضي أجلا وأعذر إليه بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للإقامة معها, أو ينقلها إليه أو يطلقها، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل, ولم يبد عذرا مقبولا فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة.
وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل.
مادة 14- لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائيا بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر، أن تطلب إلى القاضي بعد مضي سنة من حبسه التطليق عليه بائنا للضرر، ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه.
(1/297)

4- دعوى النسب:
مادة 15- لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها، ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة.
5- النفقة والعدة:
مادة 16- تقدر نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا وعسرا, مهما كانت حالة الزوجة.
مادة 17- لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد عن سنة من تاريخ الطلاق. كما أنه لا تسمع عند الإنكار دعوى الإرث بسبب الزوجية لمطلقة توفي عنها زوجها بعد سنة من تاريخ الطلاق.
مادة 18- لا يجوز تنفيذ حكم بنفقة صادر بعد العمل بهذا القانون لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق. ولا يجوز تنفيذ حكم صادر قبل العمل بهذا القانون لمدة بعد صدوره, إلا بمقدار ما يكمل سنة من تاريخ الطلاق.
6- المهر:
مادة 19- إذا اختلف الزوجان في مقدار المهر فالبينة على الزوجة، فإن عجزت كان القول للزوج بيمينه، إلا إذا ادعى مالا يصح أن يكون مهرا لمثلها عرفا فيحكم مهر المثل.
وكذلك الحكم عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر أو بين ورثتهما.
7- سن الحضانة:
مادة 20- للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع، وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشرة سنة, إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك.
(1/298)

8- المفقود:
مادة 21- يحكم بموت المفقود الذي يغلب عليه الهلاك بعد أربع سنين من تاريخ فقده.
وأما في جميع الأحوال الأخرى، فيفوض أمر المدة التي يحكم بموت المفقود بعدها إلى القاضي، وذلك كله بعد التحري عنه بجميع الطرق الممكنة الموصلة إلى معرفة إن كان المفقود حيا أو ميتا.
مادة 22- بعد الحكم بموت المفقود بالصفة المبينة في المادة السابقة, تعتد زوجته عدة الوفاة, وتقسم تركته بين ورثته الموجودين وقت الحكم.
مادة 23- المراد بالسنة في المواد "12 إلى 18" هي السنة التي عدد أيامها 365 يوما.
مادة 24- تلغى المواد "3 و7 و12" من القانون نمرة 25 سنة 1920 التي تتضمن أحكاما بشأن النفقة ومسائل أخرى متعلقة بالأحوال الشخصية.
مادة 25- على وزير الحقانية تنفيذ هذا القانون، ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.
نأمر أن يبصم هذا القانون بخاتم الدولة، وأن ينشر في الجريدة الرسمية وينفذ كقانون من قوانين الدولة.
صدر بسراي عابدين في 28 رمضان سنة 1347 "10 مارس سنة 1929".
فؤاد
بأمر حضرة صاحب الجلالة
وزير الحقانية رئيس مجلس الوزراء
أحمد محمد خشبة محمد محمود
(1/299)