Advertisement

__الاستخراج لأحكام الخراج_



[ الاستخراج لأحكام الخراج - ابن رجب ]
الكتاب : الاستخراج لأحكام الخراج
المؤلف : عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي
الناشر : دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة الأولى ، 1405
عدد الأجزاء : 1 كتاب الاستخراج لأحكام الخراج
(1/1)

الباب الأول
في معنى الخراج
قال بعضهم هو المال الذي يجبى ويؤتى به لأوقات محدودة ذكره ابن عطية قال وقال الأصمعي الخراج الجعل مرة واحدة والخراج ما ردد لأوقات ما قال ابن عطية هذا فرق استعمالي وإلا فهما في اللغة بمعنى وقد ورد في كتاب الله أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وقرأ حمزة والكسائي أم تسألهم خراجا فخراج ربك خير وقرأ ابن عامر خرجا في الموضعين وقال تعالى في قصة ذي القرنين فهل نجعل لك خرجا وقرىء خراجا أيضا قال ابن عباس رضي الله عنه خرجا يعني أجرا وقال أبو عبيد الخراج في كلام العرب إنما هو الغلة ألا تراهم يسمعون غلة الأرض والدار والمملوك خرجا ومنه حديث النبي صلىالله عليه وسلم أنه قضى بالخراج بالضمان وحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم لما حجمه أبوطيبة كلم أهله فوضعوا عنه من خراجه فسمى الغلة خراجا وقال الأزهري الخراج اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال ويقطع على القرية وعلى مال الفيء ويقع علىالجزية على الغلة والخراج المصدر انتهى والجزية تسمى خراجا وقد كتب النبي
(1/9)

صلى الله عليه و سلم إلى قيصر كتابا مع دحية يخبره بين إحدى ثلاث منها أن يقر له بخراج يجري عليه والحديث في مسند الامام أحمد وغيره
(1/10)

الباب الثاني
فيما ورد في السنة من ذكر الخراج قد وردت أحاديث تدل على وقوعه
تقريره في صحيح مسلم من طريق اسماعيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مديها ودينارها ومنعت مصر أردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه وروى أبو اسحق الفزاري في كتاب السير له عن الأوزاعي عن عروة ابن رويم قال جاء نفر إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا يا رسول الله إنا كنا حديثي عهد بجاهلية فكنا نصيب من الايتام والربا فأردنا أن نحبس أنفسنا في بيوت نعبد الله حتى نموت قال فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال إنكم ستجندون أجنادا ويكون لكم ذمة وخراج وستفتح لكم أرضون على سيف البحر منها مدائن وقصور فمن أدرك ذلك منكم فاستطاع أن يحبس نفسه في مدينة من تلك المدائن أو قصر من تلك القصور حتى يموت فليفعل وكذلك رواه عمر بن عبدالواحد في مسائله عن الاوزاعي به وهو مرسل
(1/11)

وجاءت أحاديث آخر تدل على كراهة الدخول فيه قال أبو داود في سننه باب في الدخول في أرض الخراج حدثنا هارون بن محمد بن بكار ابن بلال حدثنا محمد بن عيسى يعني ابن سميع حدثنا زيد بن واقد حدثني أبو عبدالله عن معاذ أنه قال من عقد الجزية في عنقه فقد برىء مما عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا موقوف وأبو عبدالله لا يعرف
وأخرجه أبو عبيد عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد عن زيد بن واقد قال حدثني أبو عبدالله مسلم بن مشكم قال من عقد الجزية في عنقه فقد برىء مما عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم هذه الرواية أصح وهي مرسلة وصدقة بن خالد أحفظ من ابن سميع ثم قال أبو داود حدثنا حيوة بن شريح الحضرمي حدثنا بقية حدثني عمارة بن أبي الشعثاء حدثني سنان بن قيس حدثني شبيب بن نعيم حدثني يزيد بن خمير حدثني أبو الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من أخذ أرضا بجزيتها فقد استقال هجرته ومن نزع صغار كافر من عنقه فجعله في عنقه فقد و لى الاسلام ظهره قال فسمع مني خالد بن معدان هذا الحديث فقال لي أشبيب حدثك قلت نعم قال فإذا قدمت فسله أن يكتب لي بالحديث قال فكتبه له فلما قدمت سألني ابن معدان القرطاس فأعطيته فلما قرأه ترك ما في يده من الارض حين سمع ذلك قال أبو داود هذا يزيد بن خمير اليزني ليس هو صاحب شعبة انتهى ومراده أن يزيد بن خمير هذا غير الذي يروي عنه شعبة وهو كذلك ويزيد هذا يزني متقدم يحدث عنه بشير بن عبيدالله وغيره وشيخ شعبة يروي عنه صفوان بن عمرو ونحوه وشبيب بن نعيم الكلاعي يقال له أيضا شبيب بن أبي روح الوحاظي الحمصي يروي عنه حريز الرحبي وغيره ذكره ابن حبان في ثقاته وقال أبو داود شيوخ حريز كلهم ثقات وسنان بن قيس ويقال سيار ذكره ابن حبان في ثقاته
وروى عنه معاوية بن صالح أيضا وعمارة بن أبي الشعثاء وأخراج
(1/12)

هذا الحديث الحافظ أبو أحمد الحاكم في كتاب الكنى من طريق المعافي بن عمران عن أبي عبدالرحمن الشامي عن عمارة بن عثمان القرشي عن شبيب بن نعيم الكلاعي عن يزيد بن خمير عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم بنحوه وقال هذا حديث منكر رواية من فوق المعافي الى يزيد بن خمير مجاهيل قال وأبو عبدالرحمن خليق أن يكون محمد بن قيس المصلوب والله أعلم وفي هذا الاسناد مخالفة لرواية بقية التي أخرجها أبو داود وفيه زيادة أم الدرداء
وفيه حديث آخر من رواية نصير بن محمد الرازي صاحب ابن المبارك عن عثمان بن زائدة عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك رضي الله عنه رفعه قال من أقر بالخراج وهو قادر على أن لا يقر به فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا قال ابن أبي حاتم حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن هذا الحديث فقال هذا حديث منكر ما سمعنا بهذا وقال ابن أبي حاتم وقال أبي هذا حديث باطل لا أصل له وقال الميموني كتبت الى أحمد أسأله عن هذا الحديث فأتاني الجواب ما سمعنا بهذا هو حديث منكر
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكره الدخول في الخراج وإنما كان الخراج في عهد عمر رضي الله عنه ونقل صالح في مسائله عن أبيه نحو هذا الكلام وخرج هذا الحديث يحيى بن آدم في كتابه عن عبيد الله الاشجعي عن سفيان الثوري عن الزبير بن عدي عن رجل من جهينة عن النبي صلى الله عليه و سلم وهذا أشبه والجهني مجهول لا يعرف
(1/13)

@ 14 @
(1/14)

الباب الثالث
في أصل وضع الخراج وأول من وضعه في الاسلام
ذكروا أن سواد العراق كان الخراج موضوعا عليه قبل الاسلام في زمن ملوك الفرس فذكر يحيى بن آدم في كتاب الخراج عن الحسن بن صالح قال سوادنا هذا يعني سواد الكوفة سمعنا أنه كان في أيدي النبط فظهر عليهم أهل فارس فكانوا يؤدون اليهم الخراج فلما ظهر المسلمون على أهل فارس تركوا السواد ومن لم يقاتلهم من النبط والدهاقين على حالهم ووضعوا الجزية على رؤس الرجال ومسحوا عليهم ما كان في أيديهم من الارض ووضعوا عليها الخراج وقبضوا على كل أرض ليست في يد أحد فكانت صوافى إلى الامام قال الناصري من أصحابنا في كتاب المستوعب ذكر شيخنا في شرحه يعني أبا حكيم النهرواني أنه وجد في بعض الكتب عن أبي الحسين اسحاق بن يحيى بن شريح أن السواد كان في القديم علىالمقاسمة وأول من نقله من المقاسمة الى الخراج قباز بن فيروز وكان سبب نقله من المقاسمة الى الخراج أن كسرى قباز بن فيروز ركب في بعض الايام للتصيد فانفرد عن أصحابه في طلب طريدة فأشرف على بستان فيه ثمرة وامرأة تخبز ومعها ابن لها فكان الصبي كلما هم بأخذ شيء من الثمرة من البسان تركت خبزها ومنعته من تناول شيء من الثمرة فناداها كسرى قباز لم منعت الصبي من ذلك فقالت إنها مقاسمة للملك فيها حق ولم يأت عامله ليقبضه فرق لها قباز وأمر باطلاق
(1/15)

الغلات والثمار لأهل السواد ووضع على ذلك المسايح وألزم أهلها الخراج
ولم يزل السواد على المساحة والخراج الى أن زال ملك الاكاسرة عنه وافتتحه عمر رضي الله عنه على يد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد تقدم قول الامام أحمد رضي الله عنه إنما كان الخراج على عهد عمر رضي الله عنه يعني أنه لم يكن في الاسلام قبل خلافة عمر رضي الله عنه ولا ريب أن عمر رضي الله عنه وضع الخراج على أرض السواد ولم يقسمها بين الغانمين وكذلك غيرها من أراضي العنوة
وذكر أبو عبيد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاذ بن جبل أشارا على عمر رضي الله عنهم بذلك
وروي من طريق اسرائيل عن أبي سحاق عن حارثة بن مضرب عن عمر رضي الله عنه أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين فأمر أن يحصوا فوجد الرجل نصيبه ثلاثة من الفلاحين فشاور في ذلك فقال له علي ابن أبي طالب دعهم يكونوا مادة للمسلمين فتركهم وبعث عليهم عثمان ابن حنيف فوضع عليهم ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثنى عشر
ومن طريق يحيى بن حمزة حدثني تميم بن عطية العنسي أخبرني عبد الله بن قيس قال قدم عمر رضي الله عنه الجابية فأراد قسم الأرض بين المسلمين فقال معاذ رضي الله عنه إذن والله ليكونن ما تكره إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك الى الرجل الواحد أو المرأة ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون في الاسلام مسدا وهم لا يجدون شيئا فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم وفي رواية أخرى له قال فصار عمر الى قول معاذ رضي الله عنهما
(1/16)

وروي أبو زرعة الدمشقي وأخرجه من طريقه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر عن هشام بن حماد عن الوليد بن مسلم عن تميم بن عطية حدثني عبدالله بن قيس الهمداني قال كنت فيمن يلقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه مقدمة من الشام والجابية يريد قسم ما فتحناه من الأرضين قال فتلقيناه خلف أذرعات مع أبي عبيدة رضي الله عنه فذكر الحديث وقال فيه فمضى عمر رضي الله عنه حتى نزل الجابية فذكر عمر رضي الله عنه قسم الأرضين فأشار عليه معاذ بن جبل رضي الله عنه بايقافها فأجابه عمر رضي الله عنه الى ايقافها وعبدالله بن قيس قال أحمد ثقة وقال أبو حاتم صالح وتميم بن عطية قال أبو حاتم محله الصدق
قلت أما ما أشار به معاذ رضي الله عنه فهو وضع الخراج على الأرض وتركها فيأ للمسلمين وأما ما أشار به علي رضي الله عنه فإنما هو في رقاب الأسارى ولذلك بعث عثمان بن حنيف فوضع عليهم الجزية
وقد جاء ذلك صريحا في رواية أخرى فرواه الحسن بن زياد اللؤلؤي في كتاب الخراج له عن اسرائيل باسناده المتقدم ولفظه أنا عمر رضي الله عنه لما افتتح السواد أراد أن يقسم رؤس الرجال بين المسلمين وذكر بقية الحديث وقال في آخره بعث عثمان بن حنيف فوضع على رؤس الرجال من أهل السواد علىالموسر منهم ثمانية وأربعين درهما وعلى المقتصد أربعة وعشرين وعلى الدون احدى عشر درهما وجعل ذلك جزية عليهم يؤدونها في كل عام وقد روي أن عمر
(1/17)

رضي الله عنه خيرهم بين الاسلام والجزية فاختاروا الجزية فلم يضرب الجزية عليهم بغير اختيارهم
فروى يحيى بن آدم في كتاب الخراج حدثني محمد بن طلحة بن مصرف عن محمد بن المساور عن شيخ من قريش عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أتاه رؤساء السواد وفيهم ابن الرفيل فقالوا يا أمير المؤمنين إنا قوم من أهل السواد وكان أهل فارس قد ظهروا علينا وأضروا بنا ففعلوا وفعلوا حتى ذكروا النساء فلما سمعنا بكم فرحنا بكم وأعجبنا ذلك فلم نرد كفكم عن شيء حتى أخرجتموهم عنا فبلغنا أنكم تريدون أن تسترقونا فقال عمر ر ضي الله عنه فالآن إن شئتم فالاسلام وإن شئتم فالجزية فاختاروا الجزية ولعل عمر رضي الله عنه أراد قسمة الارض وأهلها جميعا ويدل عليه ما رواه الاعمش عن أبي اسحاق عن طلحة بن مصرف قال قسم عمر رضي الله عنه السواد بين أهل الكوفة فأصاب كل رجل منهم ثلاثة فلاحين فقال له علي رضي الله عنه فما يكون لمن بعدهم فتركهم أخرجه ابن أبي شيبة والاثرم
وفي صحيح البخاري من رواية زيد بن أسلم عن ابيه أنه سمع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس بيانا ليس لهم شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه و سلم خبير ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها
ولم يزل أمر السواد على الخراج الى دولة بني العباس فجعله المنصور مقاسمة حيث رخصت الاسعار فلم تف الغلات بخراجها وخرب السواد فجعله مقاسمة ثم تبعه على ذلك ابنه المهدي وجعله مقاسمة بالثلث فيما سقي بالدوالي وبالربع فيما سقي بالدواليب والنواضح
(1/18)

الباب الرابع
فيما يوضع عليه الخراج من الأرضين وما لا يوضع
الأرض أما أن تكون للمسلمين أو للكفار فأماأرض المسلمين فهي قسمان أحدهماأرض لها مالك معين من المسلمين وهي ما أحياها المسلمون من غير أرض العنوة أو ما أسلم أهلها عليها ولم يكن ضرب عليهم خراج قبل الاسلام فهذه لاخراج عليها وكذلك ما ملكها بعض المسلمين من الكفار ابتداء كأرض قاتلوا عليها الكفار وقسمها الامام بين الغانمين فكل هذه من أراضي المسلمين مملوكة لمن هي في يده ولا خراج على المسلم في خالص ملكه الذي لا حق لأحد فيه وهذا لا يعلم فيه خلاف ونص عليه الامام أحمد في إحياء الموات وفيمن أسلم على أرض بيده ونقل حنبل عنه فيمن أسلم على شيء فهو له ويؤخذ منه خراج الارض قال القاضي هذا محمول على أنه كان في يده أرض من أرض الخراج فلا يسقط خراجها بإسلامه
وفي مسائل حرب قال احمد مرة أرض الصلح هي خراج قيل كيف قال الرجل يكون في يده الأرض فيسلم ويصالح على أرضه فهذا هو خراج قال حرب هذا عندي وهم ولا أدري كيف هذا لأن الرجل اذا لم يسلم وصالح على أرضه أخذ منه ما صالح عليه فإذا أسلم بعد الصلح فان أرضه عشر انما الخراج العنوة
(1/19)

وقال لي أحمد مرة أخرى أرض الصلح هي عشر كيف يؤخذ منها الخراج ولا أدري لعلي أنا لم أفهم عن أبي عبد الله القول الأول في أرض الصلح
وسمعت أحمد مرة أخرى يقول اذا فتح المسلمون الأرض عنوة فصارت فيأ لهم فهو خراج قال وأرض العشر الرجل يسلم بنفسه من غير قتال وفي يده الأرض فهو عشر مثل المدينة ومكة
وفي كتاب الخلال عن حرب ويعقوب بن بختان عن احمد في الذمي يسلم وله أرضون قال يقوم بخراجها ويمكن تأويله على أنه كانت بيده أرض خراج كما تأول عليه القاضي رواية حنبل والله أعلم
وذهب الحنفية الى أن من حيى مواتا في أرض الاسلام وسقاه من أرض الخراج أن عليه الخراج وهذا بنوه على أصلهم في أن الاعتبار في وجوب الخراج بالماء المسقي به لا بالارض
القسم الثاني
أرض للمسلمين عموما ليس لها مالك معين فهذه التي يوضع عليها الخراج في الجملة وسواء كانت في أيدي المسلمين أو الكفار وأما أرض الكفار التي صالحونا على أنها لهم ولنا عليها الخراج فيثبت الخراج عليها أيضا بحسب ما صالحوا عليه وهذا كله مجمع عليه في الجملة لا يعلم فيه خلاف إلا أن يحيى بن آدم حكي في كتابه عن شريك أنه قال إنما أرض الخراج ما كان صلحا على خراج يؤدونه الى المسلمين قال وأما السواد فانه أخذ عنوة فهو فيء ولكنهم تركوا فيه ووضع عليهم شيء وليس بالخراج وكأن مأخذه في ذلك والله أعلم أن الخراج ما وضع على الكفار على وجه الصغار عليهم والذلة و هذا انما يكون فيما وضع على
(1/20)

أرضهم بسبب الكفر كالجزية الموضوعة على رؤسهم بسبب الكفر وسمى الجزية خراجا كما سبق ذكره بخلاف ما وضع على أرض المسلمين فانه ليس موضوعا على وجه الصغار وانما هو في الحقيقة كالاجرة له وهذا نزاع لفظي لا يترتب عليه حكم شرعي ويحتاج ههنا الى الكلام على مسألتين
أحداهما الارض التي لعموم المسلمين نوعان أحدهما أرض الفيء وهي ما لم يتعلق حق مسلم معين بها ابتداء كأرض هرب أهلها من الكفار واستولى المسلمون عليها فهذه فيء
وأرض من مات من الكفار ولا وارث له فانها فيء عند الشافعي واحمد في المشهور عنه وكذا عند أبي حنيفة وأصحابه إلا أنهم جعلوها مصروفة في مصالخ خاصة وعند مالك والنخعي ماله لأهل ملته ودينه وعن احمد نحوه
واختلف العلماء في حكم أرض الفيء هل تصير وقفا بمجرد انتقالها الى المسلمين أم لا نص الشافعي أنها تصير وقفا ما عدا الخمس لأن الفيء عنده يخمس واختلف أصحابه على طريقين
أحدهما أن يصير هذا بالوقفية على قوله أن مصرف الفيء المصالح فأماعلى قوله انه للمقاتلة فيجب قسمتها بينهم
والثاني أنه وقف على القولين جميعا لكن ان قلنا مصرف الفي المصالح صرفت غلة هذه الأرض في المصالح وان قلنا المقاتلة خاصة صرفت الغلة في مصالحهم
واختلف أصحابنا هل تصير أرض الفي وقفا بمجرد استيلاء المسلمين عليها أم لا على وجهين
فمنهم من حكى هذا لخلاف في الارض التي جلى أهلها عنها خاصة
(1/21)

كأبي الخطاب ومن تبعه ومنهم من حكاه في أرض من مات ولا وارث له خاصة كالقاضي في الاحكام السلطانية وجعل حكمها حكم أرض العنوة على ما سيأتي ان شاء الله تعالى
وذكر أن الامام له أن يصطفي لبيت المال من مال الغانمين باستطابة نفوسهم أو بحق الخمس ويكون ملكا لجميع المسلمين أو لأهل الخمس فان شاء الامام استغله ومنهم من حكى في الارض التي جلى عنها الكفار حتى تصير وقفا بمجرد ذلك أم لا تصير وقفا بدون وقف الامام روايتين ولم يحك في أرض بيت المال الموروثة أنها لا تصير وقفا بدون وقف الامام كصاحب المحرر والمنصوص عن أحمد في ذلك ما نقله عنه صالح وأبو الحارث قال كل أرض جلي عنها أهلها بغير قتال فهي فيء
ونقل عنه المروزي انه قال الأرض الميتة اذا كانت لم تملك فان ملكت فهي فيء للمسلمين مثل من مات وترك مالا لا يعرف له وارث والقاضي يتأول قول أحمد أنها فيء بأن المراد أنها وقف وظاهر كلام احمد يأبى ذلك ويدل على أنها مملوكة لعموم المسلمين
ومن الأصحاب من جعل أرض العنوه المضروب عليها كذلك كما سنذكره ان شاء الله تعالى
وإذا قلنا لا تصير وقفا بدون وقف الامام فحكمها قبل ذلك حكم مال الفيء المنقول صرح به صاحب المحرر وكذا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية في أرض بيت المال الموروثة دون الارض التي اصطفاها الامام لبيت المال فانه جعلها كالوقف المؤبد وفي ذلك نظر
وروي عن عمر بن عبدالعزيز أنه أمر أن يزارع أرض الصوافي بجزء معلوم فان لم يوجد من يزارع عليها فلتمنح فان لم يوجد من يأخذها أنفق عليها من بيت المال ولا تبور أخرجه يحيى بن آدم
(1/22)

ونقل يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح في جميع هذه الأراضي أن أمرها إلى الامام فان شاء أقام فيها من يعمرها ويؤدي الى بيت مال المسلمين عنها شيئا ويكون الفضل له وان شاء أنفق عليها من بيت المال واستأجر من يقوم فيها ويكون فضلها للمسلمين وإن شاء أقطعها رجلا ممن له غناء عن المسلمين
وقد روي عن عمر رضي الله عنه ما يدل على أنه جعلها كأرض العنوة في التخيير سواء
قال الأثرم حدثنا عفان حدثنا عبدالواحد بن زياد حدثنا أبو طلق حدثني أبو حنظلة بن نعيم أن سعدا كتب إلى عمر رضي الله عنه إنا أخذنا أرضا لم يقاتلنا أهلها فكتب اليه عمر رضي الله عنه إن شئتم أن تقسموها بينكم فاقسموها وإن شئتم أن تدعوها فيعمرها أهلها فمن جاء منكم بعد ذلك كان له فيها نصيب فإني أخاف أن تشاحنوا فيها وفي شربها فيقتل بعضكم بعضا
ورورى الحسن بن زياد في كتاب الخراج عن الحسن بن عمارة عن محمد بن عبيد الله وعبدالرحمن بن سابط عن يعلى بن أمية أن عمر رضي الله عنه استعمله على نجران وأوصاه أيما أرض جلي عنها أهلها فادفع الأرض وما فيها من النخيل والشجر إلى من يعملها ويقوم عليها على أن ما كان يسقى سيحا أو تسقيها السماء فلهم الثلث وللمسلمين الثلثان وما كان يسقى بغرب فلهم الثلثان وللمسلمين الثلث واسناده ضعيف جدا
النوع الثاني ما تعلق به ابتداء حق مسلم معين وهي أرض العنوة
(1/23)

التي قوتل الكفار عليها واخذت منهم قهرا فاختلف العلماء قديما وحديثا في حكم هذه الارض اختلافا كبيرا وحاصله يرجع الى أقول ثلاثة
أحدهما أنه يتعين قسمتها بين الغانمين بعد اخراج الخمس منها كما تقسم المنقولات وهذا قول الشافعي وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور واختاره وحكاه الخلال في كتاب الاموال رواية عن أحمد من رواية عبدالله عنه وإلى الآن لم نقف على نقل صريح عن أحد معين قبل الشافعي بهذا القول إلا أن يحيى بن آدم حكاه عن قائل لم يسمه وحكاه أحمد عن أهل المدينة وأما ما روي عن الزبير رضي الله عنه من طلب قسمة أرض مصر وعن بلال رضي الله عنه من طلب قسمة أرض الشام فذاك إنما يدل على جواز قسمته لا على أنه لا يجوز غير ذلك ولهذا لما أبى عمر رضي الله عنه عليهم القسمة لم ينكروا عليه ولا قال أحد منهم إن ذلك غير جائز أو أنه مخالف لكتاب الله عز و جل
والقول الثاني أنها تصير فيأ للمسلمين بمجرد الاستيلاء عليها لا يملكها الغانمون ولا يجوز قسمتها عليهم وهذا قول مالك وأصحابه وهو رواية عن أحمد واختاره أبو بكر من أصحابنا قال أحمد في رواية حنبل ما كان عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدا وعمر ترك السواد لذلك ومما روي عنه أن أرض العنوة فيء من السلف الحسن البصري وعطاء بن السائب وشريك بن عبدالله النخعي والحسن بن صالح ويحيى بن آدم لكنه مع ذلك قال يتخير الامام بين قسمتها وتركها ولعل من قبله يقول كذلك الا مالكا فانه منع القسمة
القول الثالث أن الامام يخير بين الامرين إن شاء قسمها بين
(1/24)

الغانمين وان شاء لم يقسمها لعموم المسلمين وهذا قول أكثر العلماء في الجملة منهم أبو حنيفة والثوري وابن المبارك ويحيى بن آدم وأحمد في المشهور عنه وأبو عقيل وإسحاق واختلفوا في كيفية تخير الامام فقالت طائفة يخير بين أن يقسمها بين الغانمين وبين وقفها وهو المشهور عن أحمد
وروي عن الثوري وابن المبارك وأبي عبيد واختلفوا هل تخمس اذا قسمها أم لا على قولين حكاهما يحيى بن آدم والقول بالتخميس منصوص عن أحمد والثوري وعلى هذا فلا يجوز أن ترد على أهلها تمليكا بخراج ولا غيره ذكره القاضي أبو يعلى في خلافه وغيره وقالت طائفة يخير بين قسمتها وأهلها بين الغانمين وبين إقرار أهلها عليها ويجعل عليها وعليهم الخراج فتكون ملكا لهم هذا قول أبي حنيفة وحكاه الطحاوي عن الثوري
وحكي عن أبي حنيفة أنه إن شاء أيضا صرف عنها أهلها ونقل إليها قوما بالخراج وليس له عنده وقفها
وقالت طائفة يخير بين أربعة أشياء الوقف والقسمة وإقرار أهلها على ملكهم بالخراج والجزية وأن يجلي أهلها عنها وينقل إليها قوما لذلك وهذا قول طائفة من أصحابنا كالقاضي في المحرر ومن تابعه واختلفوا هل يوضع الخراج على جميع أراضي العنوة أم يستثنى بعضها فمن أصحابنا من قال يوضع الخراج على جميع أراضي العنوة حتى على مزارع ملكة إذا قلنا فتحت عنوة وهو قول أبي الخطاب في كتاب الانتصار والسامري وغيرهما وقيل إن قولهما خلاف الاجماع وقالت طائفة لا خراج على مزارع مكة سواء قلنا فتحت عنوة أو صلحا وهو قول أبي عبيد واكثر أصحابنا فان النبي صلى الله عليه و سلم لما رد مكة على أهلها لم يضرب عليهم خراجا وقد قيل في تعليله إن مكة لا يقر فيها كافر بحال فكذلك ما هو في الأصل على الكافر
(1/25)

والخراج في معنى الجزية فتصان مكة عنه وإن قيل انه أجرة فبيوت مكة لا تؤجر لكن من منع إجارة بيونتها فأكثرهم خصوا ذلك بالمساكن إلا أن القاضي ابا يعلى ذكر في الاحكام السلطانية أن ما هو داخل في حدود الحرم كله لا يباع ولا يؤجر وذكر أن أحمد نص عليه في رواية مثنى الانباري
وقيل في تعليل منع وضع الخراج على مزارع مكة إن العرب كما لا جزية على رقابهم فكذلك لا جزية على أرضهم ولكن في أخذ الجزية منهم نزاع مشهور ومقتضى هذا التعليل أنه لا يضرب الخراج على جميع أرض العرب الذي لا يؤخذ منهم الجزية وهذا قول الكوفيين الحسن بن صالح ويحيى بن آدم وحكي عن أبي حنيفة وفي كلام أبي عبيد ما يدل عليه
وأعلم أن مآخذ الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ينبني على تحرير الكلام في ثلاثة أصول
أحدهما أن الأرض المأخوذة عنوة هل هي داخلة في آية الغنيمة أو في آية الفيء
الثاني حكم خبير وهل قسمها النبي صلى الله عليه و سلم أو لم يقسمها
الثالث ما فعله عمر رضي الله عنه بأرض السواد وغيره من أرض العنوة
الأصل الأول أن الأرض المعنوة هل هي داخلة في آية الغنائم المذكورة في سورة الانفاق وهي قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه الآية أم هي داخلة في آية الفيء المذكورة في سورة الحشر وهي قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الآية ثم ذكر تلاوة اصناف المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم فقالت طائفة الأرض داخلة في آية الغنيمة فانه تعالى قال واعلموا أن ما غنمتم
(1/26)

من شيء وشيءنكره في سياق النفي فيعم كل ما يسمى شيئا قالوا وأية الفي لم يدخل فيها حكم الغنيمة كما أن آية الغنيمة لم يدخل فيها الفيء بل الغنيمة والفيء لكل واحد منهما حكم يختص به وهذا قول من قال من الفقهاء إن الأرض تتعين قسمتها بين الغانمين وقال طائفة بل الأرض داخلة في آية الفيء وهذا قول أكثر العماء صرحوا بذلك وممن روي عنه عمر بن عبدالعزيز وقد سبق ذكر من قال من السلف إن السواد فيء ونص عليه الامام أحمد
ووجه دخول الأرض في الفي أن الله تعالى قال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول إلى قوله والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا الآية فجعل الفيء لثلاثة أصناف المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم ولذلك لما تلا عمر رضي الله عنه هذه الآية قال استوعبت هذه الآية الناس فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق غلا بعض من تملكون من أرقائكم أخرجه أبو داود من طريق الزهري عن عمر رضي الله عنه منقطعا
وروي من وجه آخر عن الزهري موصولا ورواه هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه أيضا ثم إن عمر رضي الله عنه جعل أرض العنوة فيأ وأرصدها للمسلمين إلى يوم القيامة فدل على أنه فهم دخولها في آيات الفيء ولذلك قرره أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز في رسالته المشهورة التي بين فيها أحكام الفيء وقد اعتمد عليها مالك وأخذ بها كما ذكر ذلك القاضي إسماعيل في كتاب أحكام القرآن وساقها بتمامها باسناده
(1/27)

وذكر البخاري في صحيحه بعضها تعليقا وبين دخول الأرض في الفيء وان هذه الآيات ليست بسبب بني النضير وبنو النضير أجلاهم النبي صلى الله عليه و سلم من المدينة بعد أن حاصرهم
قال الزهري حاصر رسول الله صلى الله عليه و سلم بني النضير وهم سبط من اليهود بناحية من المدينة حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلت الابل من الأمتعة إلا الحلقة فأنزل الله فيهم يعني أول سورة الحشر أخرجه أبو عبيد وخرجه أبو داود مطولا من طريق الزهري عن عبدالرحمن بن كعب عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم فذكر حديثا طويلا وفيه ان النبي صلى الله عليه و سلم غزا على بني النضير بالكتاب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء فجلت بنو النضير واحتملوا ما أقلت الابل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها فدل أن نخل بني النضير لرسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة أعطاه الله إياها وخصه بها فقال تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب يقول فأعطى النبي صلى الله عليه و سلم أكثرها للمهاجرين وقسمها بينهم وقسم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجة وبقي منها صدقة رسول الله صلى الله عليه و سلم التي في أيدي بني فاطمة رضي الله عنها وهذا الكلام أكثره مدرج من قول الزهري والله أعلم
وخرج أبو داود من قوله كانت بنو النضير للنبي صلى الله عليه و سلم الى آخره من قول الزهري
وثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه و سلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت فيهم هذه الآية ما قطعتم من لينة أو تركتموها الآية
(1/28)

وفي الصحيحين أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجب المسلمون عليه بخيل ولا ركاب وكانت لرسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة ثم ما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز و جل وإذا علم أن الآية نزلت بسبب بني النضير فبنو النضير بما تركوا أرضهم ونخلهم و سلاحهم وقد جعله الله فيأ وخصه برسوله إما لأنه كان يملك الفيء في حياته أو لإنه كان يقسمه باجتهاد ونظره بخلاف الغنيمة
ولا ريب أن بني النضير لم يتركوا أرضهم إلا بعد حصار ومحاربة ولم ينزلوا من حصونهم إلا خشية القتل ومع هذا فقد جعل الله أرض بني النضير فيأ وقوله تعالى فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب تذكير بنعمة الله عليهم في أنهم لم يحتاجوا في أخذ ذلك إلى كثير عمل ولا مشقة
وقال مجاهد في قوله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب قال يذكرهم ربهم أنه نصرهم بغير كراع ولا عدة في بني قريضة وخيبر خرجه آدم بن أبي إياس عن ورقاء عن أبي نجيح عنه
ومعلوم أن خيبر وقع فيها قتال لكن يسير فتكون الآية كقوله ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وحينئذ فاما أن تكون الأرض تستثنى من عموم قوله واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية فيكون ذلك تخصيصا من العام وإما أن يكون هذا ناسخا لحكم الأرض من آية الغنيمة فان قصة بني النضير بعد قصة بدر بالاتفاق والأشبه التخصيص إلا أن يقال إن قصة بدر لم يدخل فيها إلا المنقولات إذ لم يكن في غنيمة بدر أرض وهذا على قول من يرى التخصيص
(1/29)

بالسبب ظاهر ومما يدل على تخصيص آية الغنيمة بالمنقولات أن الله تعالى خص هذه الأمة باباحة الغنيمة كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه كثيرة
والذي خصت باباحته هو المنقولات دون الأرض فان الله تعالى أورث بني إسرائيل أرض الكفار وديارهم ولم يكن ذلك ممتنعا عليها لأن الأرض ليست بداخلة في مطلق الغنيمة وإنما كان ممتنعا عليهم المنقولات ولهذا كانوا يحرقونها بالنار وانما خص الغانمون من هذه الأمة بالمنقولات دون الأرض لأن قتالهم وجهادهم لله عز و جل لا للغنيمة وانما الغنيمة رخصة من الله تعالى ورحمة بهم فخصوا بما ليس له أصل يبقى وأما ماله أصل يبقى فانه يكون مشتركا بين المسلمين كلهم من وجد منهم ومن لم يوجد بعد ذلك ويبين هذا أن الله تعالى نسب الغنيمة للغانمين فقال واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأما الأرض فاضافها الى الرسول لقوله ما أفاء الله على رسول من أهل القرى إشارة إلى أن كل قرية يفيئها الله على أمته الى يوم القيامة فهي مضافة الى الرسول غير مختصة بالغانمين والامام يقول مقام الرسول في قسمتها بالاجتهاد وقوله ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى من الأرض خاصة وقد صح عن عطاء بن السائب والحسن البصري وغيرهما من السلف انهم قالوا الأرض فيء وإن أخذت بقتال وتقدم ذكر ذلك عن جماعة من العلماء يدل على ذلك انه جعلها لثلاثة أصناف المهاجرين والانصار ومن جاء بعدهم من المسلمين وهذا لا يمكن في المنقولات قطعا لأن المنقولات تستهلك ويختص به من يأخذه فلا يمكن اشتراك جميع المسلمين فيه
وقد قيل ان هذه الآية نزلت في قرى عرينة التي فتحت على النبي صلى الله عليه و سلم أو فيها وفي قرى بني قريظة والنضير وحنين وقيل بل الآية تعم كل
(1/30)

ما فتح الى آخر الدهر وهو أصح وان كان سبب نزولها في قرى عرينة فان سبب النزول لا يخص الحكم العام قال معمر بلغنا أن هذه الآية نزلت في الجزية والخراج خراج القرى يعني القرى تؤدي الخراج ذكره ابن أبي حاتم
وكذا قال الحسن بن صالح إن الفيء ما أخذ من الكفار بصلح من جزية أو خراج وكذا فسر أحمد الفيء بأنه ما صولح عليه من الأرضين وجزية الرؤس وخراج الأرض وقال فيه حق لجميع المسلمين ولم يذكر في هذه الآية بغير إيجاف كما ذكره في الآية الأولى
وقد تقدم عن مجاهد أنه حمل الآية الأولى على خيبر وقريظة مع ما فيها من نفي الايجاف فما لم يذكر فيه نفي الايجاف أولى أن يحمل على حالة القتال فمن هنا قالت طائفة من السلف المراد به ما أخذه المسلمون بقتال من الأرض
ذكر ابن إسحاق عن أبيه عن المغيرة بن عبدالرحمن قال ابن إسحاق وحدثني عبدالله بن أبي بكر دخل حديث أحدهما في الآخر قال أنزل الله تعالى في بني النضير سورة الحشر فكانت أموال بني النضير مما لم يوجف المسلمون عليه خيلا ولا ركابا فجعل الله أموالهم لنبيه صلى الله عليه و سلم يضعها حيث شاء ثم قال ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ما أوجف المسلمون عليه بالخيل والركاب وفتح بالحرب فلله وللرسول ولذي القربى فهذا قسم آخر بين المسلمين على ما وضعه الله عز و جل فقسم الفيء لمن سمي من المهاجرين والأنصار ولمن جاء بعدهم أخرجه القاضي إسماعيل
ونحو هذا قال قتادة ويزيد بن رومان وإن هذه القرى مما أخذ بالقتال لكنهم قالوا نسخ ذلك بآية الأنفال فان أرادوا النسخ الاصطلاحي وهو رفع الحكم فلا يصح لأن آية الأنفال نزلت عقب بدر
(1/31)

قبل بني النضير وإن أرادوا أنها بينت أمرها وأن المراد بأية الحشر خمس الغنيمة خاصة وهذا قول عطاء الخراساني ذكره آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي شيبة عنه على تقدير أن يكون المراد الخمس خاصة ولو قيل على تقدير أني كون المراد الخمس خاصة بآية الحشر أنها بينت ان خمس الغنيمة لا يختص بالاصناف الخمس بل يشترك فيها جميع المسلمين كان متوجها ويستدل بذلك على أن مصرف الخمس كله مصرف الفيء وهو أقوى الاقوال وهو قول مالك وقرره عمر بن عبدالعزيز في رسالته في الفيء تقريرا بليغا شافيا رضي الله عنه فهذه ثلاثة أقول في الآية
إذا قلنا إن الفيء هنا ما أخذ بقتال هل هي منسوخة أو أن المراد بها خمس الغنيمة أو أن المراد بها الأرض خاصة وهذا الثالث أصح ويقرر هذا أن الفيء يستعمل كثيرا فيما أخذ بقتال
وروى إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه قال أفاء الله على رسوله خيبر فأقرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم كما كانوا وذكر الحديث
وروى يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهما وذكر الحديث خرجه أبو داود وإذا تقرر هذا فمن رأى دخول الأرض في أية الغنيمة خاصة أوجب قسمتها بين الغانمين ومن رأى دخولها في آية الفيء خاصة فمنهم من أوجب ارصادها للمسلمين عموما كقول مالك وأصحابه ومنهم من خير بين ذلك وبين قسمتها وهو قول الأكثرين
ثم أن أبا عبيد زعم ان الصحابة رضي الله عنهم رأوا دخولها في كلتا الأثنتين فلذلك منهم من أشار بقسمتها ومنهم من أشار بحبسها ورد ذلك أصحاب مالك وقالوا لو دخلت في آية الغنيمة لكانت حقا للغانمين
(1/32)

كالمنقولات فكيف يخير الامام بين اعطائها لأهلها المستحقين لها وبين منعهم حقهم وقد يقال ان من رأى قسمتها كالزبير وبلال رضي الله عنهما وهو أول اختياري عمر رضي الله عنه لم يكن مأخذه في ذلك دخولها في آية الغنيمة وإنما يكون مأخذهم في ذلك أنها لما كانت فيئا لجميع المسلمين وحقا مشتركا بينهم جاز تخصيص الغانمين بها لانهم من جملة المسلمين ولهم خصوصية على غيرهم بحصول هذه الارض بقتالهم عليها فإذا كانت المصلحة في تخصيصهم بها جاز وهذا كما أقطع عثمان رضي الله عنه جماعة من الصحابة بعض أرض السواد إقطاع تمليك ونظيره وقف الامام بعض أراضي بيت المال على بعض المسلمين وقد أفتي بجواز ذلك ابن عقيل من أصحابنا وطوائف من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة ومن الشافعية من منع ذلك وسنذكر ذلك مستوفى فيما بعد إن شاء الله تعالى
الأصل الثاني حكم خيبر وقد اختلف الناس فيما فعله فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت طائفة قسمها جميعا بين أهل الحدبية ومن شهد خيبر ومن غاب عنها وهذا قول الزهري ذكره أبو داود في سننه وقد تقدم أن عمر رضي الله عنه قال لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه و سلم خيبر وكذا روى ابن وهب في مسنده عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عمن سمع عبدالله بن المغيرة بن أبي بردة يقول سمعت سفيان بن وهب الخولاني يقول لما افتتحت مصر قال الزبير بن العوام لعمرو بن العاص رضي الله عنهما أقسمها كما قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبر فقال عمرو لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين فكتب إلى عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر رضي الله عنه
(1/33)

أن دعها حتى يغزو منها حبل الحبلة وأخرجه الامام أحمد وأبو عبيد
وروى أبو إسحاق الفزاري في كتاب السير عن ابن المبارك عن جرير ابن حازم قال سمعت نافعا يقول أصاب الناس فتحا بالشام فيهم بلال قال وأظنه ذكر معاذا فكتبوا إلى عمر رضي الله عنه إن الفيء الذي أصيب لك خمسه ولنا ما بقي ليس لأحد فيه شيء كما صنع النبي صلى الله عليه و سلم بخيبر فكتب عمر رضي الله عنه إنه ليس على ما قلتم ولكن أقفها للمسلمين فراجعوه الكتاب وراجعهم بأبون ويأبى فلما أبوا قام عمر رضي الله عنه فدعا عليهم فقال اللهم اكفني بلالا وأصحاب بلال فما حال الحول حتى ماتوا جميعا
وقالت طائفة لم يقسم فيها شيء في عهد النبي صلى الله عليه و سلم إنما قسمت في عهد عمر رضي الله عنه فهذا قول الطحاوي قال وإنما كان النبي صلى الله عليه و سلم يقسم غلاتها ولم يقسم الأرض وإنما قسم أرضها عمر رضي الله عنه في خلافته حين أجلى اليهود عنها
وقالت طائفة بل قسم بعضها وترك بعضها بغير قسمة للمصالح وهذا هو الأظهر
ويدل عليه ما خرجه أبو داود من رواية أسامة بن زيد عن الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رضي الله عنه أنه قال جزأ رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبر ثلاثة أجزاء جزأين بين المسلمين وجزء نفقة لأهله فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين
وخرج أيضا من طريق ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن أبي حثمة قال قسم رسول الله صلى الله عليه و سلم خيبر نصفين نصف
(1/34)

لنؤائبه وحاجته ونصف بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما
ومن طريق أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار قال لما أفاء الله على نبيه صلى الله عليه و سلم خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فعزل نصفها لنوائبه وما ينزل به وعزل النصف الآخر فقسمه بين المسلمين
وأخرجه أيضا من طريق أبي شهاب عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار أنه سمع نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قالو فذكر هذا الحديث وقال كان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله صلى الله عليه و سلم وعزل النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب
وأخرجه أيضا من طريق محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير ابن يسار عن رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله صلى الله عليه و سلم والمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود والامور ونوائب الناس فهذا صريح في أن نصف خيبر قسم على أهلها ونصفها تركه النبي صلى الله عليه و سلم فيأ يتصرف فيه تصرفه في الفيء
وخيبر انما قسمت على أهل الحديبية خاصة
وروى علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كانت خيبر فقال الزهري وابن اسحاق كان منهم من غاب عنها وأخذ من نصيبه وقال موسى بن عقبة لم يتخلف عن خيبر أحد من أهل الحديبية
واختلفوا هل اعطى من القسمة من شهد خيبر ممن لم يشهد الحديبية على قولين حكاهما القاضي إسماعيل في كتاب الاموال له
(1/35)

وذكر ابن إسحاق ان خيبر قسمت على نخل من شهدها من أهل الحديبية قال القاضي إسماعيل ولم تختلف الرواية أنها قسمت بين أهل الحديبية من شهد منهم خيبر ومن غاب عنها
وفي صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه لما أجلى اليهود من خيبر قال من كان له سهم بخيبر فليحضر فقسمها عمر رضي الله عنه بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية
وهذا يدل بمفهومه على أنه لم يقسم منها لمن لم يشهد خيبر من أهل الحديبية وقد أشرك النبي صلى الله عليه و سلم معهم جماعة جاءوا بعد الفتح منهم جعفر وأبو موسى وأصحابه وأبو هريرة وأصحابه فقيل كان ذلك برضى من المستحقين قاله موسى بن عقبة ومحمد بن سعد
وفي مسند أحمد حديث يدل على ذلك ويحتمل أن يكون أعطاهم من الخمس واختلفوا هل كانت خيبر كلها عنوة أم لا
وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى خيبر فأصبناها عنوة
وقال الزهري بلغني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال خرجه أبو داود من طريق يونس عنه
وخرج أيضا من طريق مالك عن ابن شهاب أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحا
وعن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم اففتح بعض خيبر عنوة
وخرج أيضا من طريق ابن إسحاق عن الزهري وعبدالله بن أبي بكر وبعض ولد محمد بن مسلمة قالوا بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا
(1/36)

فسألوا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يحقن دماءهم ويسيرهم ففعل فسمع بذلك أهل فدك فنزلوا على مثل ذلك فكانت لرسول الله صلى الله عليه و سلم خاصة لأنه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب
قال القاضي إسماعيل ما كان من خيبر أخذ من غير قتال جرى مجرى بني النضير
وسئل الامام أحمد عن أرض خيبر فقال ما صح لي من أمرها شيء نقله عنه اسحق بن منصور وعن إسحاق بن راهويه مثله
وإذا تقرر هذا فمن زعم أن خيبر كلها قسمت استدل بذلك على وجوب قسمة الأرض بين الغانمين ومن زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يقسم شيئا من أرضها استدل بذلك على أن الأرض لا تقسم بل تترك فيأ وأما قسمة عمر رضي الله عنه لها دون أرض العنوة التي فتحها فلأن المسلمين كثر فيهم من يعمل على الأشجار فاستغنوا عن اليهود وأرض خيبر من أرض الحجاز وهي أرض عرب فلا يضرب عليهم الخراج ولا يبقى فيها كافر بعد إجلاء عمر رضي الله عنه اليهود عنها فتعين قسمتها بين أهلها ليشتغل كل واحد منهم نصيبه ومن رأى أن بعضها قسمه النبي صلى الله عليه و سلم وبعضها تركه فيأ استدل بذلك على جواز الأمرين وزعم ابن جرير الطبري أن ما قسمه النبي صلى الله عليه و سلم منها كان فتح عنوة وما لم يقسم منها كان أخذه صلحا واعترض القاضي إسماعيل على من استدل بقسمة خيبر على قسمة أرض الفيء بأن قسمة خيبر لا يجوز القياس عليها لأنها قسمت على أهل الحديبية من غاب منهم ومن حضر واشترك فيها من لم يحضر الوقعة من غير أهل الحديبية ومع هذا يمتنع الحاق غيرها بها ويجاب على ذلك بأنه يحتمل أن أهل الحديبية لم يتخلف منهم أحد عن شهود فتح خيبر كما ذكر موسى بن عقبة ويحتمل أن اعطاء أبي موسى وأبي هريرة وأصحابهما رضي الله عنهم
(1/37)

كان بطيب نفس الغانمين كما قاله موسى بن عقبة ومحمد بن سعد وأن يكون لحوقهم قبل احراز الغنيمة فاستحقوا مع الغانمين بناء على ان الغنيمة لا تملك بدون الحيازة فمن أدركهم قبل حال الملك ملك معهم وهو كلام الخرقي من أصحابنا
وأيضا فان النبي صلى الله عليه و سلم من غنائم بدر لبعض من كان غائبا عنها كعثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم وهذا يدل على أن الغنيمة ليست كمباح اشترك فيه ناس مثل الاصطياد والاحتطاب فان ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة فان المقصود للجهاد اعلاء كلمة الله والغنائم لم تبح لمن كان قبلنا وإنما ابيحت لنا معونة على مصلحة الدين وأهله فمن نفع المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جعل منهم وان لم يحضر ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم المسلمون يد واحدة يسعى بذمتهم أدناهم ويرد مستريهم على قاعدهم فانما المتسري انما يسري بقوة القاعد فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين فاذا رأىالامام اشراك من فيه منفعة للمسلمين في الغنيمة جاز كما يجوز أن يفضل بعض الغانمين على بعض للمصلحة في أصح القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد ويدل عليه اعطاء النبي صلى الله عليه و سلم المؤلفة من غنائم حنين وكان شيئا كثيرا لا يحتمله الخمس
ومما يستدل به على أن الأرض لا يجب قسمتها فان النبي صلى الله عليه و سلم فتح مكة وكان فتحه عنوة على أصح القولين كما دلت عليه النصوص الصحيحة ولم يقسمها بل أطلقها لأهلها ومن عليهم بأنفسهم وديارهم واموالهم حيث أسلموا قبل قسمة ذلك كله ولم يعوض أحدا من الجيس معه عن ذلك شيئا بخلاف مال هوازن لما رده عليهم بعد القسمة فانه عوض من لم يرض بالرد
(1/38)

الأصل الثالث فعل عمر رضي الله عنه في أرض العنوة التي فتحت في زمانه فانه لم يقسمها بين الغانمين وكان قد عزم على قسمة بعضها ثم رجع عن ذلك ورأى قسم بعضها ثم استردها قسمة كما سنذكره إن شاء الله تعالى
وقد سبق بعض الآثار عن عمر رضي الله عنه بذلك وسيأتي بعضها إن شاء الله تعالى فاختلف الناس في وجه ما فعله عمر رضي الله عنه فقالت طائفة رأى أن الأرض تكون فيأ للمسلمين فلا تقسم بين الغانمين وهذا قول جمهور العلماء كمالك وسفيان وأحمد وغيرهم وقد سبق عن عمر رضي الله عنه ما يدل على ذلك وروى أبو عبيد من طريق الماجشون قال قال بلال لعمر رضي الله عنه في القرى التي فتحوها عنوة أقسمها بيننا وخذ خمسها فقال عمر رضي الله عنه لا هذا عين المال ولكني أحبسه فيما يجري عليهم وعلى المسلمين
قال وأخبرني زيد بن أسلم قال قال عمر رضي الله عنه فيما فعله أحد من الصحابة
ولما ولي عثمان رضي الله عنه بعده أقر الأمر على ما كان عليه ولكن أقطع من السواد لبعض الصحابة رضي الله عنهم وهذا يدل على أنه رأه فيأ ولم يره ملكا للغانمين وكذلك على بعذه أقر الأمر على ذلك ولم يغيره وروي أنه هم بقسمه ثم تركه فروى يحيى بن آدم في كتابه عن قران الأسدي عن أبي سنان الشيباني عن عميرة عن علي رضي الله عنه قال لقد هممت أن أقسم السواد ينزل أحدكم القرية فيقول قريتي ليدعوني وإلا قسمته
(1/39)

ومن طريق ثعلبة بن يزيد عن علي رضي الله عنه لولا أني ضرب بعضكم وجوه بعض لقسمت السواد بينكم وهذا يدل على أنه لم ير قسمته لازمة بل رآها سائغة موكولة إلى اجتهاد الامام ولعله أراد قسمة بعضه بين بعض المسلمين كما أقطع عثمان رضي الله عنه بعضهم
وقالت طائفة إنما وقفه عمر رضي الله عنه وجعله فيأ للمسلمين باستطابة نفوس الغانمين وعوض من لم يرض بترك حقه منه مجانا وهذا قول الشافعي وأصحابه واستدلوا بما روي عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال رأيت بجيلة ربع الناس يوم القادسية فجعل لهم عمر ربع السواد فأخذوا سنتين أو ثلاثا قال فوفد عمار بن ياسر إلى عمر ومعه جرير رضي الله عنهم فقال عمر لجرير رضي الله عنهما يا جرير لولا إني قاسم مسئول لكنتم على ما جعل لكم وأرى الناس قد كثروا فأرى أن ترده عليهم ففعل ذلك جرير رضي الله عنه بثمانين دينارا وروى إسماعيل أيضا عن قيس قال قالت امرأة من بجيلة يقال لها ام كرز لعمر رضي الله عنه يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد وإني لم أسلم فقال لها يا أم كرز إن قومك قد صنعوا ما قد علمت قالت إن كانوا صنعوا ما صنعوا فاني لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء وتملأ كفي ذهبا قال ففعل عمر رضي الله عنه ذلك فكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارا أخرجهما يحيى بن آدم وأبو عبيد وغيرهما وأجاب أبو عبيد عن ذلك بأن جريرا رضي الله عنه وقومه كان عمر قد نفلهم ذلك قبل القتال ثم أمضى لهم نفلهم بعده فكانوا قد ملكوه بذلك ولم يأخذوه بالقسمة من الغنيمة ثم روي من طريق داود عن الشعبي أن عمر رضي الله عنه كان أول من وجه إلى الكوفة جرير بن عبدالله رضي الله عنه بعد قتل أبي عبيد فقال له هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد الخمس فقال نعم فبعثه وأجاب
(1/40)

ابن المذنر عما قال أبو عبيد بجوابين أحدهما أن أثر الشعبي منقطع فلا يعارض المتصل لأن الشعبي لم يسمع من عمر وإسماعيل بن أبي خالد سمع منه والثاني أنهما مختلفان في المعنى فلا تنافي بينهما فيجوز أن يكون عمر رضي الله عنه جعل لهم الثلث نفلا ثم أعطاهم الربع قسمة حيث كانوا ربع أهل القتال ويمكن الجواب عن حديث إسماعيل بن أبي خالد بجواب آخر غير ما ذكره أبو عبيد وهو أنا نسلم أن جريرا وقومه من بجيلة قسم لهم عمر رضي الله عنه ربع السواد لكونهم ربع المقاتلة فان الامام يجوز له أن يقسم الأرض بين الغانمين وأن لا يقسم كما سبق تقريره فما قسم لهم عمر رضي الله عنه ذلك ملكوه بالقسمة ثم رأى عمر رضي الله عنه أن ترك السواد كله فيأ أصلح للمسلمين فاحتاج الى استرضائهم وتعويض من لم يرض بترك حقه مما ملكه بغير عوض وهذا واضح لا إشكال فيه على قول من يرى أن الامام مخير بين القسمة وتركها وإنما يشكل على قول من يرى أن القسمة لا تجوز كمالك ومن وافقه ثم أن قصة جرير مع عمر رضي الله عنهما تدل على أن القسمة غير واجبة لأن عمر رضي الله عنه لم يقسم بقية السواد بين الغانمين ولم يستطب نفوس بقية الغانمين ممن لم يقسم لهم فلو كانت الأرض حقا ثابتا للغانمين جميعهم لاحتاج عمر رضي الله عنه إلى استطابة نفوس الغانمين جميعهم من قسم لهم ومن لم يقسم فلما استطاب نفوس من قسم له خاصة دل على أن من لم يقسم له لا حق له ثابت حتى يحتاج الى استطابة نفسه وأن المقسوم له كان له حق وقد ملكه بالقسمة
وقالت طائفة من أصحابنا منهم أبو بكر عبدالعزيز أن عمر رضي الله عنه كان أقطعهم ذلك اقطاعا ثم رجع فيه وإنما عوضهم عنه لأن الاقطاع تملك وقدنقل حنبل عن أحمد أن عمر رضي الله عنه كان أقطع بجيلة من السواد ثم رجع وروى أبو طالب عن أحمد كلاما فيه اشكال
(1/41)

قال في حربه كان لهم سهم في قرية فخرجوا يقاتلون المسلمين فقتلهم المسلمون كيف تصنع بأرضهم هذه قال هذه فيء المسلمين من قاتل عليه حتى أخذه فيؤخذ خمسة فيقسم بين خمسة واربعة اخمسا كاللذين أفاءوا ويكون سهم الأمير خراجا للمسلمين مثل ما أخذ عمر رضي الله عنه السواد عنوة فأوقفه على المسلمين ذكره الخلال في كتاب الاجارة وقوله يكون سهم الأمير خراجا يقتضي أنه لا يوقف إلا سهم الأمير الذي هو حقه ويقتضي أن عمر رضي الله عنه صار السواد كله حقا له وقالت طائفة إنما لم يقسم عمر رضي الله عنه الأرض بين الغانمين لأنهم لم يستولوا عليها قهرا ولم يملكوها عنوة وهذا قول ساقط ظاهر الفساد ومن أنكر أن يكون شيء من أرض السواد أو أرض العراق أو مصر أو الشام أخذ عنوة فهو مكابر مباهت فلا حاجة الى الكلام معه ومن تأمل كتب التواريخ والسير وغيرها علم بطلان ذلك قطعا وقالت طائفة ممن يقول إن الأرض فيء وليست غنيمة إنما ترك عمر رضي الله عنه الخراج مع الدهاقين لأنه رد عليهم الأرض ملكا وضرب الخراج على أرضهم كما ضرب الجزية على رؤسهم فصارت الأرض ملكا لهم وللمسلمين عليهم الخراج وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وسفيان في رواية عنه وهؤلاء وافقوا على أن الأرض فيء لا يقسم لكنهم زعموا أن الامام له ردها على أهلها والمن عليهم كما من النبي صلى الله عيه وسلم على أهل مكة إلا أنه لا يمن عليهم بذلك مجانا بل يضرب على أرضهم الخراج أو على رؤسهم الجزية إذا كانوا من أهل الجزية وهذا يرده قول عمر رضي الله لعتبة بن فرقد لما اشترى أرضا من أرض الخراج ممن هي في يده أذ باعه الأرض ليس مالكها انما مالكها أهل القادسية وسنذكره فيما بعذ إن شاء الله تعالى ويرده اقطاع عثمان رضي الله عنه لبضع أرض السواد ويرده أيضا قول علي رضي الله عنه لتدعنني وإلا قسمته يعني السواد فلو كان السواد ملكا
(1/42)

لمن هو في يده من الكفار لجاز الشراء منهم ولما جاز إقطاعه للمسلمين ولا قسمه بينهم
فصل احتج من أوجب قسمة الأرض بين الغانمين بما في صحيح مسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم إيما قرية أقمتم بها فسهمكم فيها وأيما قرية عصت الله ورسوله فان جميعها لله وروسوله ثم هي لكم قال ابن مشيش سألت أحمد عن هذاالحديث ما معناه قال أيما قرية كانوا فيها ففتحوها فسهمكم فيها قلت فهذا خلاف ما حكم عمر رضي الله عنه قال أي لعمري انتهى وقد يقال ليس في الحديث ان القرية التي سهمهم فيها كانوا قد افتتحوها ولهذا فرق بين القرية التي أقاموا فيها والتي عصت الله ورسوله فالمفتتحة هي الثانية دون الأولى فيمكن ان يراد بالاقامة في القرية إحياء الموات ونحوه وأما القرية التي عصت الله وروسوله فقوله أن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم لا يدل على أنها ملك للغانمين لوجوه أحدهما أنه يجوز ان يكون المراد أموال القرية المنقولة كمافي قوه تعالى فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة وقوله وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله الاية وقوله وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله وأمثال هذا كثير في القرآن والمراد بذلك أهل القرى ومنه قوله تعالى وأسأل القرية الثاني أنه إن كان المراد نفس الأرض فهذا الحديث يدل على جواز قسمة الأرض بين الغانمين وانتفاء وجوبه مدلول عليه بأدلة اخرى والثالث إن قيل إن الحديث يدل على وجوب ذلك هو حجة على أنها ليست ملكا للغانمين بخصوصهم لأن قوله ثم هي لكم خطاب لعموم المسلمين وهذا يقضي كونها فيأ إذ لو كانت مختصة بالغانمين لقال ثم هي لمن قاتل عليها أو لمن أخذها ونحو ذلك فلما قال ثم هي لكم دل على أنها مستحقة أو مملوكة لعموم المسلمين كقوله عادى الأرض لله ورسوله ثم هو لكم فان هذا إباحة
(1/43)

لعموم المسلمين أن يملكوه
المسألة الثانية أرض الخراج التي بيد الكفار نوعان أحدهما أرض صالحونا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج فالمشهور عند أصحابنا أنها تصير وفقا على المسلمين بمجرد ملكنا لها وحكى طائفة منهم رواية أخرى أن الامام يخير فيها كما يخير في أرض العنوة وحقيقة القول في هذه الأرض عندنا أنا تملكناها منهم بشرط أن نكريها منهم قال الشيخ أبو العباس بن تيمية رحمه الله وجواز مثل هذا في البيع قوي على أصلنا فإنا إذا جوزنا أن تشتري الأرض وتبقى منفعتها للبائع بلا عوض فكذلك بالعوض لكن فيه جمع بين عقدين انتهى
وخرج ابن عقيل وجها بصحة الجمع بين بيع سلعة وإجارتها من المشتري مدة معينة في عقد واحد بناء على أنه استثنى المنفعة وأجره إياها فصح فإجارة المشتري للبائع أولى بالجواز قال القاضي أبو يعلى في كتاب الأحكام السلطانية ويكون الخراج المضروب على هذه الأرض أجرة لا تسقط باسلامهم وقر في أيديهم ما أقاموا على صلحهم ولا تنزع من أيديهم كما لا تنزع الأرض المستأجرة من مستأجرها وذكر القاضي وأبو الخطاب أنها تصير دار اسلام لا يقرون فيها يغير جزية سنة كاملة دون ما دونها وأخذ القاضي ذلك من قول أحمد في رواية حنبل ما فتح عنوة فهو فيء المسلمين وما صولحوا عليه فهو لهم يؤدون الى المسلمين ما صولحوا
(1/44)

عليه ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين قال فقد بين أن الأرض فيء وهذا على أن الأرض لنا فتكون فيئا يعني وقفا وذكر ابن عقيل في التذكرة أنه روي عن أحمد ما يدل على أن خراجها يسقط باسلامهم
النوع الثاني
أن يصالحونا على أن الأرض لهم على شيء معلوم من خراج أو غيره فالأرض ملكهم وما صولحوا عليه لازم لهم مدة بقائهم على كفرهم والدار دار كفر يقرون فيها بغير جزية سواء صولحوا على جزية رؤسهم أو على خراج أرضهم أو على عشر زرعهم وثمارهم أو على صدقة مواشيهم وسواء كان المصالح عليه قدر الجزية أو دونها أو أزيد منها هذا مذهبنا ومذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي
قال صالح بن أحمد قلت لأبي ما يؤخذ من مواشي أهل الذمة وأراضيهم قال إن كانت أرض صلح فعليهم ما صولحوا وقال جعفر ابن محمد سمعت أبا عبدالله احمد يقول اذا صالح الكفار السلطان على شيء معلوم في أرض ثم أسلموا فعليهم العشر قال وسمعت أبا عبدالله سئل عن الصلح فقال إذا صالح الامام قوما صلحا يؤدونه على أنفسهم يقرهم على كفرهم ثم اسلموا سقط عندي عنهم الصلح وعليهم العشر قيل فان صولحوا على شيء معلوم لم يزد الامام عليه شيئا قال لا وقال أبو حنيفة هذه الدار دار اسلام كأرض العنوة فاذا صالحوا على خراج أرضهم وجزية رؤسهم كان حكم ذلك حكم أرض العنوة التي فتحت ثم ردها الامام الى أهلها وضرب عليهم الخراج وهذا بناء على أصله المتقدم في أرض العنوة وعلى قوله إذا أسلموا سقط عنهم جزية رؤسهم وبقي عليهم خراج الأرض كأرض العنوة سواء ووافقهم على
(1/45)

قولهم جماعة من الكوفيين منهم ابن شبرمة والحسن بن حي وأما على أصلنا وأصل مالك والشافعي فسقط ما صولحوا عليه من خراج أو غيره بالاسلام لأن حكمه حكم جزية الرؤوس وهو قول سفيان أيضا قال حرب سألت أحمد قلت أرض صلح على النصف أو أكثر أو أقل أخذ السلطان حقه هل فيما بقي العشر قال أرض الصلح هي أرض العشر كيف يؤخذ النصف قلت إنهم يأخذون قال يظلمون ولم ير عليه فيما بقي شيئا وقال إذا أخذ منه السلطان فلا شيء عليه فأنكر أحمد أن يؤخذ منه بعد الاسلام شيء من الصلح وقال أنه ظلم ثم أنه اعتد له بذلك من العشر إذا أخذه السلطان وهذا قد يقال إنه يشبه ما إذا ظلم الساعي بأخذ زيادة في الزكاة هل يعتد به زكاة في سنة أخرى أو مال آخر أم لا وفيه روايتان لأن هذا الذي أخذه السلطان كان مقاسمة فهو مأخوذ من نفس الزرع فيحسب به من عشرة والله أعلم قال ابن منصور قلت لأحمد قول سفيان ما كان من أرض صولح عليها ثم أسلم أهلها بعد وضع الخراج عنها قال أحمد جيد قال سفيان وما كان من أرض أخذت عنوة ثم أسلم صاحبها وضعت عنها الجزية وأقر على أرضه بالخراج قال أحمد جيد
ومما يدل على سقوط هذا الخراج عنهم بالاسلام ما روى موسى بن أعين عن ليث عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال لأهل الذمة ما أسلموا عليه من أموالهم وأرضهم وذراريهم وعبيدهم وماشيتهم ليس عليهم فيها إلا الصدقة أخرجه الامام أحمد والبزاز وحكى طائفة من أصحابنا كأبي الخطاب وابن عقيل ومن تابعهما رواية عن أحمد أن خراج هذه الأرض لا يسقط بالاسلام مما نقله حنبل عن أحمد قال ما فتح عنوة فهو فيء للمسلمين وما صولحوا عليه فهو لهم
(1/46)

يؤدون عنه ما صولحوا عليه ومن أسلم منهم تسقط عنه الجزية والأرض للمسلمين يعني خراجها
ونقل عنه حنبل أيضا أنه قال من أسلم على شيء فهو له ويؤخذ منه خراج الأرض وتأول القاضي هذه الرواية الثانية على أن الأرض كانت من أراضي العنوة التي عليها الخراج للمسلمين ورد ذلك أبو الخطاب وقال لفظ الرواية الأولى يسقط تأويله يعني أن أحمد فرق بين أرض العنوة والصلح
وفي مسائل أبي داود قلت لأحمد أرض صولحوا على مال مسمى يؤدي كل سنة فيؤدون العشر أعني من غلاتهم من الزروع والتمر أيؤدون هذا الذي صولحوا عليه قال نعم يؤدونه
وفي كتاب زاد المسافر لأبي بكر قال أبو عبدالله في رواية حنبل الذي صولحوا عليهم فدمهم لهم وعليهم الجزية ويؤدون الى المسلمين الذي صولحوا عليه في رقابهم وهذا يدل على مثل قول أبي حنيفة أن أرض الصلح دار إسلام لا يقيمون فيها بدون جزية ونقل حرب عن أحمد أن الخراج لا يسقط بالاسلام إلا أنه قال هذا عندي وهم وقد سبق حكايته في أول هذا الباب
وحكى أبو عبيد في أهل الصلح اذا أسلموا قولين أحدهما أن الخراج باق حكاه عن الزهري وعمر بن عبدالعزيز والثاني أنه يسقط عنهم الخراج حكاه عن ابن سيرين والحسن بن صالح ومالك وبني هذا الخلاف على أن أرض الصلح هل هي ملك للمسلمين أو للكفار كذا قاله وفيه نظر ولا يجيء هذا فيما إذا صولحوا على أن الأرض لهم وحكي عن أبي حنيفة أن الصلح باق بحاله بعد الاسلام وروى المغيرة عن محمد بن يزيد عن حيان الأعرج أن العلاء بن الحضرمي قدم البحرين فقال تكون
(1/47)

الأرض بين رجل مسلم ومشرك فيأخذ من هذا الخراج ومن هذا العشر وأخرجه الحاكم من طريق أبي حمزة السكوني عن المغيرة الازدي عن محمد ابن يزيد عن حيان الأعرج عن العلاء بن الحضرمي قال قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخليطين يكون أحدهما مسلما والآخر مشركا إن أخذ من المسلم العشر ومن المشرك الجزية وأرض البحرين صلح بغير خلاف ولم يفرق بين من أسلم ابتداء ومن أسلم بعد وضع الخراج عليه
وروى الحرث الكرماني حدثنا أبو معمر الرقاشي حدثنا أبو عمران الرازي حدثنا الحسن بن محمد التميمي حدثناابو جرير حدثنا عامر الشعبي أن حذيفة كتب إلى عمر رضي الله عنه إني وضعت الخراج فأسلم رجال قبل أن أضع الخراج على أرضهم وعلى رؤسهم فكتب اليه عمر رضي الله عنه أيما رجل أسلم قبل أن تضع الخراج على أرضه وعلى رأسه فخذ من أرضه العشر والغ عن رأسه ولا تأخذ من مسلم خراجا وأيما رجل أسلم بعدما وضعت الخراج على أرضه ورأسه فخذ من أرضه فقد أحرزنا أرضه في شركة قبل أن يسلم اسناده فيه نظر ولا يمكن حمله على أرض العنوة لأن أرض العنوة يوضع عليها الخراج بكل حال ولا عبرة باسلام من هي في يده وهذا بخلاف ما رواه يحيى بن آدم باسناده عن النخعي قال جاء رجل الى عمر رضي الله عنه فقال إني أسلمت فضع عن أرضي الخراج قال لا لأن أرضك أخذت عنوة فان هذا صريح في أنه كان معه من أرض العنوة وروى يحيى بن آدم من طريق جابر عن الشعبي قال أسلم رجل فأعطاه عمر رضي الله عنه أرضه بخراجها وفرض له العين فأرضه كانت صلحا كما رواه يحيى عن قيس بن الربيع عن ابراهيم بن مهاجر عن شيخ من بني زهرة أن الرفيل أتى عمر رضي الله عنه فقال يا أمير
(1/48)

المؤمنين على ما صالحتمونا قال على أن تؤدوا الينا الجزية ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم وذكر الحديث
وحكى يحيى بن آدم في كتابه عن الحسن بن صالح أن من صولح من الكفار على شيء فعليه ما صولح عليه ويخلى بينه وبين أرضه ولا يوضع عليها شيء ما أقاموا بما صولحوا عليه فان عجزوا عن ذلك خفف عنهم وان احتملوا أكثر من ذلك فلا يزاد عليهم ولا يطرح عنهم شيء مما صولحوا عليه لموت من مات ولا لاسلام من أسلم منهم ويؤخذ بذلك جميعه من بقي منهم ما كانوا يطيقونه ويحتملونه فمن أسلم منهم رفع الخراج عن رأسه وأرضه وتصير أرضه أرض عشر إلا أن يكونوا صولحوا على أن توضع على رؤسهم الجزية وعلى أرضهم الخراج فمن أسلم رفعت الجزية عن رأسه وكان الخراج على أرضه بماله قال يحيى وسمعنا في بعض الحديث أن ر جلين من اهل الليس ماتا أو أسلما فرفع عمر رضي الله عنه جزيتهما من جميع الخراج وذلك أن أهل الليس كانوا صلحا انتهى
ومراده أنه روي عن عمر رضي الله عنه خلاف ما قاله الحسن بن صالح في أن الصلح لا يخفف عنهم بموت من مات منهم ولا باسلام من أسلم منهم وحاصل قول الحسن بن صالح هذا أنه يفرق بين أن يصالحوا على شيء مطلقا أما مع الجزية أو بدونها فسقط باسلام من أسلم منهم وبين أن يصالحوا على وضع الخراج على أرض فلا يسقط بالاسلام ووافقه يحيى على هذا في موضع آخر من كتابه وقال إذا وضع عليها الخارج فهي أرض خراج لا يغير وفي كلام ابن أبي موسى من أصحابنا في كتاب الارشاد ما يقتضي موافقة الحسن بن صالح على مقالته فانه قال وأما أرض الذمة فلا عشر فيها وإن كانت أرض صلح لم يكن عليهم إلا ما صولحوا عليه وشرط
(1/49)

لهم ما أقاموا على كفرهم فان أسلموا سقط عنهم الصلح ولزمهم العشر وإن كانت ارضهم أرض خراج قرره عليهم الامام لم يكن عليهم إلا الخراج ولا عشر عليهم وإن ابتاعها منهم مسلم كان عليه الخراج ومن أحيا من أهل الذمة مواتا فهي له ولا عشر عليه فيما أخرجت
وقد روي عنه رواية أخرى أنه لا خراج على أهل الذمة في أرضهم ويؤخذ منهم العشر فيما يخرج مضاعفا عليهم والأول عنه أظهر فهذا الكلام يدل على أن الصلح إن كان على شيء في الذمة سقط بالاسلام وإن كان على خراج مضروب على الأرض لم يسقط كما لا يسقط بانتقاله الى مسلم ولا يحمل ذلك على أرض العنوة لأن تلك ليس له بيعها ولا شراؤها وقد صرح بذلك ابن أبي موسى بعد هذا كله فقال وليس للذمي أن يبتاع أرضا فتحها المسلمون عنوة وحاصل الأمر أن هذه الأرض التي صالحونا عليها ملك لأهلها من الكفار لا نعلم في ذلك خلافا إلا ما حكاه أبو عبيد عن عمر بن عبدالعزيز والزهري وليس كلامهما بالبين في ذلك أما الزهري فانه قال قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم الجزية من مجوس البحرين قال الزهري فمن أسلم منهم قبل اسلامه وأحرز نفسه وماله إلا الأرض فانها فيء للمسلمين من أجل أنه لم يسلم أول مرة وهو في منعة قال أبو عبيد ليس يريد بقوله أرضه فيء أنها تنتزع منه إنما يريد أنها تكون أرض خراج على حالها لأنها فيء للمسلمين وأما عمر بن عبد العزيز فانه قال أيما قوم صولحوا على جزية يعطونها فمن أسلم منهم كانت أرضه لبقيتهم قال أبو عبيد مراده أنه تكون سنته كسنتهم وحكمه في الأداء عنها كحكمهم وهذا فيه نظر وقد روي عن عمر رضي الله عنه من وجوه أخر لكن في أهل الأرض العنوة وتلك لا إشكال فيها
واخرج يحيى بن آدم عن حفص بن غياث عن ابن أبي ذئب عن
(1/50)

الزهري قال قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه فإنها فيء للمسلمين لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون ورواية أبي عبيد المتقدمة رواها عن يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري وهي أصح ويزيد أحفظ من حفص وهو قد جعله من كلام الزهري لم يرفعه
وأرض صلح ليست عنوة وعلى قول الجمهور أنها ملك لأهلها فيجوز لهم بيعها وهبتها وسائر التصرفات فيها لكن هل يكره للمسلم شراؤها فيه قولان أحدهما يكره لما فيه من الدخول في الصغار وهو الخراج وهو قول شريك وغيره ممن يقول لا يسقط خراجها بالاسلام ونقل عن أحمد كراهية شراء أرض الخراج لأنه صغار وحمله القاضي في المجرد على أرض الصلح لأن أرض العنوة لا يصلح بيعها عنده بحال والقاضي وان كان يقول يسقط الخراج بالاسم المصالح إلا أنه يقول في كتاب المجرد إن للامام في أرض العنوة أن يردها إلى أهلها بخراج يضربه عليها فهذا لا يسقط بالاسلام
روى عن عمر وغيره من الصحابة رضي الله عنهم النهي عن شراء أرض الخراج لما فيه من الدخول في الصغار إلا أن الحسن علل نهي عمر رضي الله عنه بأن الأرض فيء للمسلمين وهذا انما يكون في أرض العنوة
والثاني وهو قول الجمهور لا يكره بناء على أنها إذا انتقلت إلى مسلم لم يكن عليه خراج وهو قول مالك وأحمد والشافعي وروي عن عبدالله ابن معقل بن مقرن وهو قول الحسن بن صالح وحكى أبو الخطاب وغيره رواية أخرى عن أحمد أن خراجها باق عليها على الرواية التي تقول أن
(1/51)

خراجها لا يسقط بالاسلام وهو ظاهر كلام ابن أبي موسى الذي تقدم بلفظه
واخلتف أصحاب مالك فيما إذا باعها من مسلم أو ذمي فقال ابن القاسم الخراج باق على الكافر البائع إلا أن يسلم فيسقط عنه ولو شرط المسلم المشتري خراجها عليه لم يصح وقال أشهب بل الخراج على المشتري ويزول عنه باسلام البائع
وروى ابن نافع عن مالك في أهل الذمة إذا صالحوا على الجزية فان أرضهم يجوز لهم بيعها وهي كغيرها من أموالهم إذا لم يكن على الأرض جزية هذا كله نقله صاحب التهذيب البرادعي منهم ورواية ابن نافع تدل على أنه إذا كان عليها خراج لم يصح بيعها من مسلم وقال أصحاب الشافعي إذا ضرب الامام جزية الرقبة على ما يخرج من أرض الذمي من ثمر أو زرع جاز فإن باع الأرض من مسلم صح البيع لأنه ماله وينتقل ما ضرب عليها إلى رقبته ذكره صاحب المهذب وغيره
وعند أصحابنا إن باعها المصالح من أهل الصلح أيضا فالخراج بحاله وإن باعها من مسلم سقط على الصحيح وإن باعها من ذمي غير أهل الصلح فوجهان
(1/52)

الباب الخامس
في معنى الخراج وهل هو أجرة أو ثمن أو جزية
أرض الخراج نوعان صلح وعنوة
فأما أرض الصلح فقد سبق ذكرها وأن خراجها عند الجمهور في معنى الجزية فيسقط بالاسلام وعند أبي حنيفة هو في معنى ثمن للأرض كخراج العنوة عنده ولعل هذا أيضا مأخذ الكوفيين الذين قالوا إن الأرض متى وضع الخراج عليها لم يتغير عنها بحال
وأما أرض العنوة فاختلفوا في خراجها فقالت طائفة هو ثمن أيضا وهو قول الحنفية الذين قالوا إن عمر رضي الله عنه ملكهم الأرض بالخراج وقاله أيضا طائفة من الشافعية كابن سريج وأبي إسحاق المروزي وقالت طائفة بل هو أجرة وهو قول من يقول إن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين وجعل الخراج أجرة عليها يؤخذ ممن أقرت بيده من مسلم ومعاهد وهذا هو المشهور عند أصحابنا ونص عليه الشافعي في سير الواقدي واختاره الاصطخري وغيره من أصحابه وهو قول أبي عبيد والمالكية وغيرهم
قال يحيى بن آدم قال شريك إنما الخراج على الذمي في أرضه بمنزلة الاجارة قال يحيى لعله يعني أن عمر رضي الله عنه مسح عليهم كل عامر وغامر يقدر على زرعه عمله صاحبه أو تركه فعليه خراجه ولكن عمر
(1/53)

رضي الله عنه لم يقدر مدة الاجارة بل أطلقها وهذا يخالف أصول الاجارات واختلف أصحابنا في الجواب عن هذا فمنهم من قال المعاملة بين المسلمين والمشركين أو ما كان في حكم أملاك المشركين يغتفر فيها من الجهالة ما لا يغتفر في عقود المسلمين بينهم كما قالوا في معاملة النبي صلى الله عليه و سلم أهل خيبر من غير تقدير مدة المساقاة وهذا أجاب به القاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وغيرهم وهو جواب ضعيف جدا وقد رده أصحابنا على الحنفية في مسألة المساقاة ولأن أهل الذمة في المعاملات كالمسلمين سواء ومنهم من أجاب بأنه يجوز استئجار كل سنة بكذا من غير تقدير المدة عندنا وعند كثير من الفقهاء وهذا في معناه قاله أبو الخطاب ومنهم من أجاب بأن عمر رضي الله عنه إنما لم يقدر المدة لما في ذلك من عموم المصلحة فاغتفر في هذا العقد قاله القاضي وغيره ومن أصحابنا من قال ليس بأجرة حقيقية وإنما هو في معنى الاجرة
قال ابن عقيل في عمد الأدلة الخراج لا يتحقق أجرة بل عقد على المصلحة والنظر للاسلام ولذلك زاد عمر رضي الله عنه عليه ولا يملك المؤجر الزيادة بغير رضاء المستأجر بالاجماع فعلم أنه لم يخرج ذلك مخرج عقود الاجارات
وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية رحمه الله التحقيق أن وضع الخراج معاملة قائمة بنفسها ذات شبه من البيع ومن الاجارة يشبه في خروجها عنهما المصالحة على منافع مكانه للاستطراق أو وضع الجذوع ونحوها بعوض ناجز فانه لم يملك العين مطلقا ولم يستأجرها وإنما منع هذه المنفعة مؤبدة وكذلك وضع الخراج لو كان إجارة محضة لدخل فيها المساكن ولكان دفعها مساقاة ومزارعة أنفع ولكان يعتبر فيها أجرة المثل فإن الخراج دونها بكثير ولو كانت بيعا لدخلت المساكن أيضا ولا بيع يكون بثمن مؤبد الى يوم القيامة فالخراج أصل ثابت بنفسه لا يقاس بغيره
(1/54)

الباب السادس
فيما وضع عليه عمر رضي الله عنه الخراج في الأرض
الأرض قسمان عنوة وصلح فأما ارض الصلح فقد سبق الكلام في حكم خراجها وأما أرض العنوة فيجوز وضع الخراج على جميع ما يفتحه الامام عنوة عند من لا يوجب قسمته على ما سبق تقريره وأما ما فعله عمر رضي الله عنه فانه لم يثبت عنه أنه وضع خراجا على أرض صلح وأما ارض العنوة فان عمر رضي الله عنه وضع على السواد الخراج وهذا متفق عليه
واختلف الناس في أرض مصر وغيرها لاختلافهم هل فتحت عنوة أو صلحا أو بعضها عنوة وبعضها صلحا قال أحمد في رواية حرب وغيره الأرض أرضان أرض خراج وأرض العشر قال وأرض العشر هي الصلح قال الأثرم سئل أبو عبدالله عن أرض العنوة من أين هي إلى أين وأرض الصلح من أين هي قال ومن يقوم على هذا قال وذكر أبو عبدالله أرض خراسان فقال ما دون النهر صلح وما وراءه عنوة
ونقل حرب عن أحمد قال ما وراء النهر كله عنوة قال حرب قلت لأحمد كرمان عشرا أو خراج قال لا أدري قال وطبرستان خراج
وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد أرض الشام عنوة الا حمص
(1/55)

وموضع آخر وقال في رواية المروزي أرض الذي خلطوا في أمرها فأما ما فتح عنوة فمن نهاوند وقال في رواية يعقوب بن شعيب خراسان أرضهم صلح وكلما كان صلحا فرقابهم وأموالهم حلال وكلما كان من أرض العنوة فانهم أرقاء لأن عمر رضي الله عنه تركهم يؤدون الخراج وهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه وضع الخراج على كل الأرض العنوة
وهكذا ذكر أصحابنا في جميع ما فتحه عمر رضي الله عنه ولم يقسمه كأرض الشام ومصر وأرض العراق إلا ما استثني منها من الجيزة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا فإنها أرض صلح
قال أحمد في رواية أبي طالب السواد فتح بالسيف إلا الجيزة وبانقيا وبني صلوبا فهؤلاء صلح
ونقل ابن منصور عن أحمد وإسحاق السواد عنوة إلا ما كان منه صلحا وهي أرض الجيزة وأرض بانقيا فانها زعموا صلح وقال أحمد اليمن كلها صلح وحضرموت صلح ومن أصحابنا من ذكر أن مصر فتحت صلحا منهم الآمدي وغيره وقال أبو عبيد أرض الشام عنوة ما خلا مدنها فانها فتحت صلحا إلا قيسارية افتتحت عنوة وأرض السواد والجبل ونهاوند والأهواز ومصر والمغرب
وقال موسى بن علي بن رباح عن أبيه المغرب كلها عنوة وأما أرض الصلح فأرض هجر والبحرين وايلة ودومة الجندل وأدرج ومدن الشام كلها إلا قيسارية وبلاد الجزيرة كلها صلح وبلاد خراسان كلها صلح أو أكثرها
وذكر يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال كنا نسمع ان ما دون الجبل من سوادنا فهو فيء وما وراء الجبل فهو صلح وأما أصبهان فقال أحمد هي صلح وقال عبدالرحمن بن مهدي هي عنوة وقال بعضهم
(1/56)

بعضها فتح عنوة وبعضها فتح صلحا قال سليمان بن حرب لا يباع فيها ولا يشترى يعني أنها عنوة وذكر ذلك الحافظ أبو نعيم في تاريخ أصبهان وأما نيسابور فروى أنه فتحت عنوة وقال الحاكم أما مشايخنا فأجمعوا أنها فتحت صلحا لكن كان فتحها زمن عثمان رضي الله عنه وذكر أبو عمر ابن عبد البر أن عمر رضي الله عنه لم يقسم أرض السواد ومصر والشام وجعلها مادة للمسلمين ولمن يجيء بعد الغانمين وقد تقدم أن معاذا أشار على عمر رضي الله عنه بترك الشام مادة للمسلمين وان عمر قبل منه ذلك وأن عمر أرسل إلى عمرو بن العاص أن يترك مصر ولا يقسمها
وروى أبو عبيد عن أبي اليمان عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية ابن قيس أن ناسا سألوا عمر بن الخطاب أرضا من أرض اندركيسان لمربط خيلهم فأعطاهم طائفة منها فزرعوها فانتزعها منهم وأغرمهم وهذا يدل على أن الشام فيء إذ لو كانت صلحا لم يحتاجوا الى سؤال شيء منها ولما انتزعها عمر رضي الله عنه منهم بعد اعطائهم
وحكى أبو عبيد في أرض مصر قولين أحدهما أنها صلح سوى الاسكندرية وحكاه عن يزيد بن أبي حبيب والليث والثاني أنها عنوة وحكاه عن مالك وابن لهيعة ونافع بن يزيد وغيرهما من المصريين واختار أبو عبيد أنها أخذت صلحا ثم نقضوا العهد فأخذت منهم عنوة
قال أبو عبيد وكان أبو اسحاق الفزاري يكره الدخول في بلاد الثغر لأنها عنوة ولم يتخذ بها زرعا حتى مات يعني ثغور الشام قال القاضي أبو يعلى ومن الصلح بيت المقدس افتتحه عمر صلحا وكذلك فسطاط مصر صالحهم عليها عمرو بن العاص ومن الناس من قال لا خراج على غير السواد وحكي عن الشافعي وحكى الجرجاني من أصحابه أنه لا خلاف أنه يجوز بيع أراضي بالشام لأنها غير موقوفة وإنما صالح الامام
(1/57)

أهلها على أن تكون الأراضي لهم بخراج معلوم وهذا الذي قاله لا يصح فقد ذكرنا قول أحمد وأبي عبيد وابن عبد البر أن الشام كلها عنوة إلا ما استثنوه منها وقد سبق أن عمر أراد قسمتها لما قدم الجابية حتى أشار عليه معاذ بتركها ولو كانت مملوكة لأهلها لم تجز قسمتها بين المسلمين
وروى أبو عبيد عن أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن عامر بن حديم مالك تبطىء بالخراج فقال أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم إلى غلاتهم قال أبو مسهر ليس لأهل الشام حديث في الخراج غير هذا قلت وتسميتهم فلاحين يدل على أنهم متقلون للأرض بالخراج لاملاك لها وههنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الشام قد ذكر الامام احمد أنها فتحت عنوة ولم يستثن منها شيئا وأبو عبيد ذكر أن مدنها فتحت صلحا بخلاف مزارعها فيجب أن ينظر على قوله في مسألة وهي اذا حاصر الجيش بلدا واستولوا على ما حوله ثم فتح البلد صلحا فهل يكون ما حوله مأخوذا على وجه الصلح أو العنوة فذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أن الجيش قد ملكوا الأرض التي حوله بمجرد استيلائهم عليها حتى أجاز قسمتها وذكر أنه مذهب الشافعي ويستدل لهذا بما في سنن أبي داود من طريق حماد بن سلمة عن عبدالله بن عمر قال أحسبه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قاتل أهل خيبر فغلب على النخل والأرض وألجأهم الى قصرهم فصالحوه فذكر بقية الحديث وظاهر أنه ملك النخل والأرض قهرا وهم حصونهم الحديث وظاهر أنه ملك النخل والأرض قهرا وهم في حصونهم
وقال أبو العباس ابن تيمية لا يملك ما حول المدائن والحصون إلا بإزالة المنعة عن أهل الحصون ولو وقع الاستيلاء على ما حولها كأن يحرز بعض المنقول حال القتال قبل أن تقضى الحرب فما لم يحصل منع أهل
(1/58)

البلد من الأرض منعا مستقرا إما بفتح البلد أو باستيطان ما حوله لم يكن فتحا ولهذا حاصر النبي صلىالله عليه وسلم الطائف شهرا فلم يفتحها حتى أسلموا فكانت أرضهم لهم وكذلك أرض بني النضير لما حاصرهم النبي صلى الله عليه و سلم ثم صالحهم على الجلاء فكانت فيئا لا غنيمة لأن أيدي أصحابها المحاصرين ما أزيلت انتهى
وقد ذكرنا فيما تقدم أن المحاصرين إذا نزلوا خشية السيف فالمأخوذ منهم غنيمة عند أصحابنا وقد يقال إن الاستيلاء على ما حول الحصون مشروط بإزالة منعة أهل الحصون لأنه تابع للحصون في الصلح إلا أن يشترط لهم في عقد الصلح
فرع قال القاضي أبو يعلى في الأحكام السلطانية إذا اختلف العامل ورب الأرض في حكمها فادعى العامل أنهاأرض خراج وادعى ربها أنها أرض عشر وقولهما ممكن فالقول قول المالك دون العامل فان اتهم استحلف قال ويجوز أن يعمل في دفع الخراج على البروزات يعني الوصولات السلطانية إذا عرف صحتها اعتبارا بالعرف المعتاد فيها انتهى فظاهر هذا أن ما لم يتحقق هل هو خراجي أو عشري من الأرض عمل فيه بما جرت به العادة المستمرة في ديوان السلطان
فصل وأرض العنوة تنقسم الى مساكن وأرض ذات شجر ومزارع وهي الأرض البيضاء التي لها ماء القابلة للزرع وأرض لا ينالها الماء وأرض موات فهذه خمسة أقسام
القسم الأول المساكن فلا خراج عليها هذا قول مالك والحنفية وأصحابنا وأحد وجهي أصحاب الشافعي ولهم وجه آخر أنها وقف أيضا فيكون حكمها حكم الزارع وقال أبو عبيد في المساكن ما علمنا أحدا كره بيعها قال وقد قسمت الكوفة خططا في زمن عمر رضي الله عنه
(1/59)

باذنه والبصرة وسكنها أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وكذلك الشام ومصر وغيرهما من البلدان ولم ينكر ذلك أحد
وفي تاريخ الشام لأبي القاسم الدمشقي الحافظ من رواية الوليد بن مسلم بن عبدالرحمن بن عامر أخي عبدالله حدثتني ابنة واثلة بن الاسقع قالت سمعت رجلا يقول لواثلة أرأيت هذه المساكن التي اقتطعها الناس يوم فتحت مدينة دمشق أماضية هي لأهلها قال نعم قال فإن ناسا يقولون هي لهم سكنى وليس لهم بيعها ولا اتلافها بوجه من الوجوه من صدقة ولا مهر ولا غير ذلك فقال واثلة ومن يقول ذلك بل هي لهم ملك ثابت يسكنون ويمهرون ويتصدقون
وروي عن أحمد رحمه الله ما يدل على أن مساكن الامصار ليست وقفا بخلاف مساكن القرى المزروعة قال المروزي في كتاب الورع قيل لأبي عبدالله في رجل يبيع داره قال في السواد لا يعجبني أن يبيع شيئا قلت والبصرة والكوفة قال لا الكوفة والبصرة كانت عنده بمعنى آخر ثم قال السواد فيء للمسلمين وكذلك نقل محمد بن الحكم عن احمد قال أكره أن تباع الدار من أرض إلا أن يباع البناء يعني لا تباع نفس الأرض ونقل الأثرم وغيره عنه الفرق بين مساكن البصرة ومساكن الكوفة فقال الكوفة من السواد والبصرة موات أحيوها وهو يرجع الى أن المساكن كالأرض ثم الاعتبار بالمساكن التي وقع الفتح عليها فأما ما بني بعد ذلك من المساكن في مواضع الخراج فهل يجب الخراج عليها اعتبارا بموضعها وقت الفتح أم لا فهذه المسألة تكلم العلماء فيها لما بنيت بغداد فانها كانت مزرعة من أرض السواد
وذكر الخطيب في تاريخه من طريق محمد بن خلف قال زعم عبدالله بن أبي سعد حدثني أحمد بن حميد بن جبلة حدثني أبي عن جدي جبلة
(1/60)

قال كانت مدينة أبي جعفر مزرعة للبغداديين يقال لها المباركة وكانت لستين نفسا من البغداديين فعوضهم عنها عوضا أرضا فأخذ جدي جبلة قسمة عليهم ولما بنيت مدينة بغداد وسكنها الناس تكلم في ذلك طائفة من أهل العلم والتدقيق في الورع فمنهم من قال هي مغصوبة
وقد روي ذلك عن الفضيل بن عياض وغيره وذكر أبو مزاحم الخاقاني حدثني أحمد بن محمد الصيداوي سمعت أبا بكر الدوري وهو محمد ابن حفص بن عمر أخو أبي جعفر يقول خرج أحمد بن حنبل إلى مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم وبها نسل المبارك الذين افتتحوا الجانب الغربي فأرسل اليهم دراهم صالحة واستحلهم من نزوله وهذا غريب فان أحمد لا يرى اختصاص الفاتحين بالأرض إذا جعلها الامام فيئا للمسلمين والمشهور عن الامام أحمد وغيره من أهل الورع كبشر بن الحارث أنهم كانوا يعدونها من جملة أرض السواد الذي هو فيء للمسلمين وعليه خراج وكانوا يرون إخراج الخراج عنها
وذكر أبو جعفر بن المنادي عن جده عبدالله بن محمد قال لي أحمد بن حنبل أنا أبيع هذه الدار التي أسكنها وأخرج الزكاة عنها في كل سنة أذهب في ذلك الى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد والله أعلم
القسم الثاني
الأرض ذات الشجر إن عمر رضي الله عنه و ضع على جريب الكرم شيئا معينا من الخراج وعلى جريب النخل أيضا وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى
وكذلك روي عن علي رضي الله عنه خرجه حرب من طريق
(1/61)

يونس بن أرقم الكندي عن مصعب بن بريدة الانصاري عن أبيه قال بعثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ما سقي الفرات وأمرني أن أضع على كل جريب فذكر أرض الزرع ثم قال وأمرني أن أضع على البساتين التي تجمع النخل والشجر على كل جريب عشرة دراهم وعلى كل جريب الكرم إذا مضى عليه ثلاث سنين ودخل في الرابعة عشرة دراهم وأمرني أن الفيء كل نخل شاذ عن القرى يأكله من قربه وذكر بقية الحديث وقد أخذ الأئمة بهذا وجعلوا على جريب النخل والكرم خراجا معينا نص عليه أحمد وغيره لكن هذا على من يقول إن عمر رضي الله عنه ملكهم الارض بالخراج غير مشكل لأن أصول الشجر تكون ملكا لمن يؤدي الخراج كما يقوله أبو حنيفة ومن وافقه من الكوفيين وغيرهم وأما على أصل من يرى ان عمر رضي الله عنه ترك الارض فيئا للمسلمين وضرب عليها الخراج بالاجرة كما يقوله مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم فهو مشكل على أصولهم لأن من أصولهم انه لا تجوز اجارة الشجر لأخذ ثمرها إلا أنه حكي عن مالك أنه تجوز إجارة الشجر تبعا للأرض إذا كانت الشجر تقدر بالثلث فما دون كما يجوز بيع الثمر الذي لم يبد صلاحه تبعا لأصوله وعلى هذا فقد يقول في شجر أرض العنوة انه يجوز دخوله تعبا وأما على قول الجمهور بالمنع من ذلك فلا يتجه هذا وقد أنكر أبو عبيد أن يكون عمر رضي الله عنه وضع الخراج على الشجر الذي في الأرض لهذا المعنى وقال إنما وضع على الأرض البيضاء وأما الشجر فانه ألغاه ولم يجعل له أجرة قال وهذا هو الثابت عندي قال ويجوز أني كون بعد ما دفعها اليهم بيضاء غرسوا فيها من ماله فصار الخراج على موضع ذلك الغرس من الأرض هذا مضمون ما ذكره وفيه نظر فإنه لا ريب أن أرض السواد كان فيها شجر عظيم جدا وقت فتحها وإنما سمي سوادا لكثرة خضرة شجره ورؤيته من بعد كالسواد فان أراد
(1/62)

أن عمر رضي الله عنه أهمل ذلك وفوته على المسلمين ولم يأخذ له عوضا فهو بعيد جدا وهو مخالف لما روي عنه من الوضع على جريب النخل والكرم ولم ينقل أحد أن عمر رضي الله عنه ساقى عليه ولا باعه بثمن آخر
وقد اختلف المتأخرون من أصحابنا وأصحاب الشافعي في حكم الشجر الذي يكون في أرض العنوة عند وضع الخراج عليها وحكوا فيه وجهين في المذهبين أحدهما أن الشجر حكمه حكم الأرض يكون وفقا معها ولا يجوز لمن الأرض في يده الانتفاع بثمره بل يبيعه الامام ويصرفه في المصالح ولا عشر فيه لكونه وقفا على غير معين بل على عموم المسلمين وهو اختيار أبي الخطاب من أصحابنا وابن عقيل في كتاب عمد الأدلة منهم أيضا والثاني يكون لمن هو في يده تبعا للأرض كما يستحق النظر ويقع البئر تبعا للاجارة كذا علله القاضي في بعض تعاليقه وأما في كتاب الخلاف فانه قال الخراج على الأرض إلا أن الاجرة تختلف المنفعة بالأرض التي فيها الشجر أكثر فجعل الشجر من جملة منافع الارض التي وقع العوض عنها وعلى هذا فقد يقال إنه إذا باد الشجر وغرس بدله من ماله كان تبعا للأرض وفيه نظر وقد صرح أبو الخطاب وابن عقيل بخلاف ذلك وإن ما غرسه من يؤدي الخراج من ماله فهو ملكه وقال ابن عقيل في الفنون إن لأحمد ما يدل على هذا الوجه وعلى هذا فيجب في ثمره العشر لأنه لمن عليه الخراج صرح به غير واحد من الأصحاب
وفي الأحكام السلطانية للقاضي أن ما كان موجودا من الأشجار في الأرض العنوة إذا صارت وقفا معها ويضرب الامام عليها الخراج ولا يجب في ثمره عشر وقال في أرض بيت المال إذا صارت وقفا كان ما فيها من النخل وقفا معها لا يجب في ثمره عشر ويكون الامام الذي فتحها مخيرا
(1/63)

بين وضع الخراج عليها والمساقاة على ثمرها وقال في أرض بيت المال التي ليست بوقف كالتي يصطفيها الامام بتطييب نفوس الغانمين أو يأخذها بحق الخمس أنها تكون ملكا لكافة المسلمين و يصير حكم رقبتها كالوقف المؤبد أن الامام مخير بين أن يستغلها لبيت المال كما فعل عمر رضي الله عنه وبين أن يضع عليها خراجا مقدرا يكون أجرة لها قال فان كان ما وضعه من الخراج مقاسمة على شطر من الثمار والزروع جاز في النخل وجوازه في الزروع معتبر باختلاف الفقهاء في جواز المخابرة قال وقيل بل يجوز الخراج هنا بها وإن منع من المخابرة عليها لما يتعلق بها من عموم المصالح التي يتسع حكمها عن أحكام العقود الخاصة ويكون العشر واجبا في الزروع دون الثمر لأن الزرع ملك لزارعه والمثر ملك لكافة المسلمين مصروفة في مصالحهم انتهى فقد صرح هنا بان خراج هذا الشجر هو مقاسمة بالمسافاة فيحمل قوله بوضع الخارج على أرض العنوة وشجر بيت المال الموقوف على مثل ذلك وإلا لو كان خراجه أجرة معينة لوجب العشر على مؤديه كما صرح به الأصحاب وأما ما حكاه من القول بجواز المقاسمة في الزرع ههنا وجعله خراجا وان منع من المزارعة في غير هذه الأرض معلللا بعموم المصلحة فيه فقد يقول هذا من يمنع المزارعة ويجيب بمثل ذلك عن معاملة النبي صلى الله عليه و سلم لأهل خيبر وهو قريب من قول الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا في معاملة المسلمين مع الكفار في أموالهم وفي حكم أموالهم أنه يجوز فيها ما لا يجوز في معاملة المسلمين بينهم وقد سبق أنه قول ضعيف
وقد يقال مثل ذلك على الوجه الثاني في جواز جعل خراج الشجر هنا أجرة معينة ويكون لهذا الوجه مأخذان أحدهما أن مثل هذا جاز هنا لعموم المصلحة فيه للمسلمين وان لم يجز في غيره أو لكونه معاملة في حكم أموال المشركين والثاني ما تقدم من التعليل بالتبعية ولكن لا يستقيم
(1/64)

التعليل بها إلا أن يكون مع هذه الشجر أرض بيضاء أكثر منها إلا أن يقال أن شجر أرض الخراج تبع لبياضها في الجملة فيجوز وضع الخراج عليه تبعا ولو انفرد بتقبله وأخذه وفيه نظر وما ذكره ابن عقيل في فنونه أن لأحمد ما يدل على جواز مثله فقد رأيت في مسائل حرب الكرماني قيل لأحمد الرجل يستأجر الأرض وفيها شجرات قال أخاف أن يكون استأجر ثمرا لم يبد صلاحه وكأنه لم يعجبه أظنه إذا أراد الشجر لم أفهم من أحمد اكثر من هذا هكذا نقله حرب في مسائله فانه كان حفظ ذلك عن أحمد فانه يدل على أنه اجازه اذا كان الشجر تابعا غير مقصود كما يجوز اشتراط دخوله في عقد البيع مع أصله بشرط أن يكون غير مقصود أيضا وقد نص أحمد على هذا القيد في بيع الثمر الذي لم يبد صلاحه مع أصوله وكذلك ذكره ابن بطة وغيره لكن
وحكى الشيخ أبو العباس ابن تيمية عن ابن عقيل أنه أجاز إجازة الشجر تبعا للأرض مطلقا ولم يعتبر قلة الشجر لأن الحاجة داعية الى إجارة الأرض البيضاء التي فيها شجر وافرادها عنها بالاجارة متعذر أو متعسر لما فيه من الضرر فأجاز دخول الشجر في الاجارة تبعا كما جوز الشافعي ذلك في المزارعة مع المساقاة وقد سبق عن مالك أنه جوزه إذا كان الشجر بقدر الثلث وذهب الأوزاعي الى جوازه اذا كان الشجر أقل من البياض تبعا فان كانا نصفين استأجر الأرض وساقى على الشجر وان كان الشجر أكثر دخل البياض في المساقاة تبعا كذلك ذكره حرب الكرماني عنه باسناده
ومن الناس من رخص في ذلك مطلقا وان كان الشجر مفردا وهم طائفتان طائفة زعموا أن نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن بيع الثمرة قبل اصلاحها كان
(1/65)

على التنزيه دون التحريم وحكى الطحاوي هذا القول عن قوم لم يسمهم وهو مذهب الشعية وذكروه عن جعفر بن محمد وذكروا عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر بن محمد أنهما أجازا بيع ثمرة النخل سنين وقالوا إن لم تطلع في هذه السنة أطلعت في غيرها وكرهوه في سنة واحدة قبل صلاح التمر
وحكى ابن عبدالبر عن عثمان الليثي أنه سئل عن بيع التمر قبل أن يزهى قال لولا ما قال الناس فيه ما رأيت به بأسا وقد يحتج لهذا القول بما خرجه البخاري في صحيحه تعليقا فقال وقال لليث عن أبي الزناد كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الانصاري أنه حدثه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم يبتاعون الثمار فاذا جذ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان وأصابه مراض أصابه قشام عاهات يحتجون بها فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لما كثرت عند الخصومة في ذلك فأما لا فلا تبتاعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم
وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر قال البخاري رواه علي ابن بحر
حدثنا حكام حدثنا عنبسة عن زكريا عن أبي الزناد عن عروة عن سهل عن زيد هذا ما ذكره البخاري في صحيحه وخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح عن عنبسة بن خالد
(1/66)

حدثني يونس قال سألت أبا الزناد فذكره بنحوه وخرجه الطحاوي والدارقطني من طريق وهب الله بن راشد أبي زرعة الحجري عن يونس بن يزيد به وخرجه أبو زرعة الدمشقي في تاريخه عن أحمد بن صالح كما خرجه أبو داود عنه وزاد في حديثه قال أبو الزناد لما توفي أسيد بن حضير أوصي إلى رجل وأشرك في الوصية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وكان عليه دين فبيعت رقاب تمره في دينه فرد عمر رضي الله عنه البيع وباع سنين عددا قال أبو الزناد وكان أبو بكر بن عمرو بن حزم كتب إلى عمر بن عبدالعزيز في بيع ثمر سنين فتوفي عمر بن عبدالعزيز رحمه الله قبل أن يرد جواب الكتاب
قال أبو الزناد وكان ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف يحدث عن أبيه أنه ابتاع كذلك قال أحمد بن صالح فحدثت به أحمد بن حنبل فأعجبه واستزادني مثله فقلت ومن أين مثله قال أبو زرعة قلت لأحمد بن صالح فالحديث الذي يحدث به الوليد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن عروة قال زيد بن ثابت غفر الله لرافع بن خديج أنا أعلم بالحديث منه ما أراد قال أراد هذا كذا قال وحديث الوليد لفظه إن زيدا قال يغفر الله لرافع بن خديج أنا والله أعلم بالحديث منه إنما كان رجلان اقتتلا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع فسمعع رافع قوله لا تكروا المزارع خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والطائفة الثانية زعموا أن ضمان الشجرة وتقبلها لأمد ثمرها جائز لأن الأعيان المستخلفة شيئا فشيئا حكمها حكم المنافع قالوا وليس ذلك من البيع وانما هو من نوع الاجارة فيكون مؤنة العلم على المستأجر لا على المؤجر بخلاف بيع الثمر ولو تلف منه شيء ثبت له الفسخ أو الارش بمنزلة من استأجر منافع فتلف بعضها قبل استيفائه وليس هو من باب اجاحة المبيع في شيء وهذا اختيار أبي العباس ابن
(1/67)

تيمية وزعم أن ما فعله عمر والصحابة رضي الله عنهم هو من هذا الباب لا من باب البيع لان في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه نهى عن بيع المثرة حتى تصلح
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه ضمن حديقة سنين فدل على أنه كان يفرق بين البيع والتقبل وقد اختلف السلف في حكم تقبل الشجر فأكثرهم نهوا عنه وقالوا هو ربا وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير والحسن وميمون بن مهران وعمر بن عبدالعزيز وكتب الى أهل البصرة ينهاهم عن ذلك ونص عليه أحمد وغيره من الائمة وقال أبو عبيد لا نعلم المسلمين اختلفوا في كراهة القبالات وقد روي عن طائفة منهم ما يقتضي الرخصة وقد سبق عن عمر وعبدالرحمن ابن عوف وروي عن عمر رضي الله عنه من وجه آخر خرجه حرب الكرماني عن سعيد بن منصور حدثنا عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسيد بن حضير رضي الله عنه توفي وعليه ستة آلاف درهم دين فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه غرماءه فقبلهم أرضه سنين وفيها الشجر والنخل
وروى أبو القاسم البغوي حدثنا عبدالأعلى بن حماد عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن أسيد بن حضير مات وعليه دين أربعة آلاف درهم فبيعت أرضه فقال عمر رضي الله عنه لا أترك بني أخي عالة فرد الأرض وباع ثمرها من الغرماء أربع سنين بأربعة آلاف كل سنة بألف
وفي مصنف عبدالرزاق عن ابن عيينة عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر قال كنت على صدقة النبي صلى الله عليه و سلم فأتيت محمود بن لبيد فسألته قال كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يبيع مال يتيم عنده ثلاث سنين
(1/68)

يعني ثمره قال وأخبرنا ابن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر رضي الله عنه كان يبيع مال يتيم عنده ثلاث سنين ولكن روى مالك عن يزيد بن قسيط عن محمود بن لبيد أن أسيد بن حضير هلك وترك دينا فكلم عمر رضي الله عنه غرماءه فأخروه وروى محمد بن سعد في طبقاته حدثنا خالد بن مخلد حدثنا عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال هلك أسيد بن الحضير وترك أربعة آلاف درهم دينا وكان ماله يغل كل عام ألفا فأرادوا بيعه فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبعث الى غرمائه فقال هل لكم أن تقضوا كل عام ألفا فتستوفونه في أربع سنين قالوا نعم يا أمير المؤمنين فأخروا ذلك وكانوا يقتضون كل عام ألفا وهذه الرواية متصلة وهي موافقة لرواية مالك بالتأخير فقط وإن كان يدفع الى الغرماء في كل عام بغلة وعروة بن الزبير لم يسمع من عمر رضي الله عنه بل يرسل عنه قال أبو حاتم الرازي وغيره ورواية مالك مقدمة على رواية ابن اسحاق بلا ريب وروي أيضا عن ابن الزبير أنه كان يبيع ثمرة نخله سنين من وجوه متعددة وكان جابر ينكر ذلك عليه وأما ابن عمر رضي الله عنهما فانه قال القبالات ربا رواه شعبة عن جبلة بن سحيم عن ابن عمر رضي الله عنه قال من يقبل أرضا فلا يزدادن شيئا على رأس ماله فمن أزداد فهو ربا خرجه الأثرم وهذا يشعر بأن ابن عمر رضي الله عنهما إنما نهى عن الربح فيها لأنه من باب ربح ما لم يضمن كما كره من كره إجارة من استأجره بربح لهذا المعنى وهو رواية عن أحمد وذلك يدل على أنه يبيح أصل القبالة ويشهد له ما رواه أبو عبيد عن شريك عن الأعمش عن عبدالرحمن بن زياد قال قلت لابن عمر إنا نتقبل الأرض فنصيب من ثمارها قال أبو عبيد يعني الفضل قال ذلك الربا العجلان
(1/69)

القسم الثالث
الأرض البيضاء القابلة للزرع وهي التي بها ما يسقيها فهذه ضرب عمر رضي الله عنه عليها الخراج ووافقه الصحابة رضي الله عنهم على ذلك ولم يعلم عن أحد إنكاره ولكن من السلف من كان يكره إجارة الأرض بالذهب والفضة كطاوس ولا يعلم قوله في الخراج إلا أن يكون يفرق بين معاملة المسلمين وأهل الذمة
وقد روي عن الحسن البصري رحمه الله أنه كره المزارعة بجزء مشاع في أرض الصدقة العشرية وأجازها في أرض الخراج ولعل طاوسا يقول في الاجارة كذلك إلا أن طاوسا لم يكره المزارعة بحاله وكأنه لحظ أن المزارعة مشاركة فهي كالمضاربة وأما إجارة الأرض للزرع فتشبه بيع الزرع قبل صلاحه أو وجوده لأن الزرع منعقد من أجزاء الأرض ترابها وهوائها ومائها لا من البذر الذي يبذره المستأجر لأنه يستهلك
وينشيء الله تعالى من الأرض عينا أخرى وهذه أيضا حجة احتج بها من سوى بين المزارعة واستئجار الاشجار لثمرتها في الجواز وأيضا فان عمر رضي الله عنه وضع على كل جريب من الزرع قفيزا ودرهما وهذه إجارة للأرض بجنس ما يخرج منها وفي ذلك خلاف مشهور بين الفقهاء
القسم الرابع
الأرض التي لا ماء لها ويمكن زرعها في الجملة هل يوضع عليها خراج يؤخذ ممن كان في يده أم لا في ذلك قولان للعلماء أحدهما لا خراج عليه وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد نقلها عنه أبو الحارث قال الخراج يجب على أرض السواد على العامر إذا ناله الماء وهي اختيار الخلال والقاضي والثاني عليه الخراج وهي الرواية الثانية عن أحمد قال
(1/70)

في رواية الميموني وإبراهيم بن هانىء يمسح العامر والجبال وان لم يبله الماء ماء السماء يناله
ونقل عنه الأثرم قال عمر رضي الله عنه وضع على العامر والغامر قيل له وأنت تذهب إليه قال نعم واختلف أصحابنا في محل هاتين الروايتين فمنهم من قال محلها فيما يمكن زرعه بماء السماء ولا ماء له مستحق في أرضه وهو قول أبي الخطاب و صاحب المجرد وقالت طائفة بل ما يناله ماء السماء المعتاد يجب فيه الخراج رواية واحدة لأنه يصح استئجاره للزراعة وإنما الروايتان فيما يناله الأمطار النادرة من السيول التي لا تعتاد أو يمكن زراعته بالدواليب المستخرجة والكلف وهو قول ابن عقيل في كتاب الروايتين وفي كتاب الفنون وكذا ذكر صاحب الكافي أن ما يمكن زرعه والانتفاع به بأي وجه كان يجب فيه الخراج رواية واحدة وإنما الروايتان في موات لا يمكن زرعه وهو مضيعة يمكن بالبنيان وغيره وهذا فيه نظر فان الحوانيت والمساكن لا خراج عليها وأما وضع عمر الخراج على العامر والغامر فالعامر ما زرع والغامر ما لم يزرع لكن له ماء وسمي غامرا لأن الماء يبلغه فيغمره فاعل بمعنى مفعول وما لا يناله الماء من الأرض لا يقال له غامر كذا نقله صاحب الصحاح
وقال حرب سمعت إسحاق يقول في حديث عمر رضي الله عنه أنه وضع الخراج على العامر والغامر يعني من ماءيبلغه الماء وكذلك نقل الكوسج هذا التفسير عن أحمد واسحاق
وقال يحيى بن آدم وضع عمر الخراج على كل عامر وغامر من أرضهم يناله الماء ويقدر على عمارته ولا فرق بين أن يكون الماء من أرض الخراج أو من غيرها عندنا وعند الأكثرين
(1/71)

ونص أحمد على أن الخراج جزية على رقبة الأرض كجزية الروس على رقاب الآدميين
وقال أبو حنيفة لا خراج فيما سقي من ماء الخراج وان كانت أرضه غير خراجية ومنع لمن يسقى بماء أحدهما من أرض الآخر وعند الجمهور لا يمنع ذلك فان الخراج على رقبة الأرض والعشر على رقبة الزرع والماء لا خراج عليه ولا عشر ولا اعتبار به وإذا قلنا لا خراج على ما لا ماء له فزرعه من هو بيده بماء نقله اليه بكلفة فقال ابن عقيل في الفنون خرجها بعض القضاة من أصحابنا على الروايتين قال ابن عقيل وهو غلط على المذهب لأن الروايتين في أرض لا ماء لها ولا زرعها من هي بيده فأما إذا زرعها فقد وجد سبب إيجاب الخراج لأنه كالأجرة والأجرة تجب بالتمكين أو بالفعل ولهذا اذا كان لها ماء ولم يزرع وجب الخراج فاذا زرع فقد وجد حقيقة التصرف بالمقصود فهو كالأرض المستأجرة إذا نضب ماء البئر أو النهر فأراد الفسخ كان له ذلك ولا أجرة فان زرع فيها لم تسقط الأجرة لحصول الانتفاع حقيقة انتهى
وأيضا فيقال منفعة هذه الأرض مملوكة للمسلمين فمن استوفاها كان عليه ضمانها بعوض مثلها إلا أن تكون مواتا ففي وجوب الخراج على من أحياها خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى وأما إذا استولى عليها من غير انتفاع ففي ضمانه الروايتان لأنه استولى على ما لا نفع فيه أو ليس له نفع مقصود وهذا إذا كانت الأرض على هذه الصفة من ابتداء وضع اليد عليها فأما إن طرأ لها ذلك بأن ذهب ماؤها فان كان بفعل من هي في يده لم يسقط الخراج ولم ينقض وألزم بعمارته لئلا يتعطل حق المسلمين وإن كان من غير جهته وجب على الامام عمله من بيت المال من سهم المصالح وسقط الخراج عنهم ما لم يعمل فان أمكن الانتفاع بها في غير
(1/72)

الزراعة لمصائد أو مراعي جاز أن يوضع عليها الخراج بحسب ما يحتمله الصيد والمراعي بخلاف أرض الموات لأن هذه الأرض مملوكة وأرض الموات مباحة فإن قلنا لا موات في أرض العنوة فهو مملوك يوضع عليه الخراج ذكر ذلك كله القاضي في كتاب الاحكام السلطانية
ونقل الكوسج عن اسحاق بن راهويه في موات العنوة أن للامام أن يدفعه لمن يشاء حتى يحييه إذا كان ذلك نظرا لأهل القرية قال لأنها لو تعلت يوما حتى لا يقدروا على احتمال خراجها كان على الامام التخفيف عنهم فكذلك له أن ينتج مواتها حتى يحيى ويضع عليه قدر طاقته وقدر ما يعرف من المؤنة التي تلزم في إحيائه عشرا كان أو غيره فان كل شيء يوظفه عليه كان عليه اسقاطه من في إسقاطه من جملة خراج أهل القرية إذا أخذ أرضا بخراجها للزرع فمضت مدة الزرع ولم يزرعع وجب عليه الخراج نص عليه أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب واستدل بوضع عمر رضي الله عنه الخراج على العامر والغامر وقد سبق أن العامر هو ما يمكن زرعه ولم يزرع وهكذا قال يحيى بن آدم وإسحاق بن راهويه والحنفية وقالوا لو منعه مانع من الزرع آدمي أو غيره فلا خراج عليه قال أبو البركات بن تيمية ويحتمله مذهبنا أنه لا خراج عليه إذا منعه غيره من الزرع
وقال الحسن بن صالح إن لم يزرعه من غير عذر فعليه الخراج وإن تركه من عذر خفف عنه ولا يكلف فوق طاقته وقالت الحنفية أيضا يجب الخراج عند بلوغ الغلة ومتى أصاب الزرع آفة سقط الخراج عن صاحبه قالوا ولا يؤخذ منه الخراج كاملا إلا إذا أخرجت الأرض مثل قدره أو
(1/73)

أكثر فان أخرجت قدر الخراج أخذ منه نصفه لأن أخذ أكثر الغلة اجحاف هذا مع قولهم ان أرباب الخراج ملاك للأرض بالخراج وهذا عجيب وأما عند من يقول إن الخراج أجرة فلا يسقط منه شيء بذلك كما لا تسقط الأجرة للزرع بذلك ذكره أبو البركات بن تيمية قال فقد نص أحمد في رواية حنبل أن من استأجر أرضا للزرع فاصاب الزرع جائحة أو آفة ولم ينبت تلزمه الأجرة ذكر أبو بكر في الشافي وكذلك ذكر هذا النص صاحب المغني وذكر أنه لا يعلم فيه خلاف
ويشهد له ما روى اسرائيل عن عبدالأعلى التغلبي عن محمد بن علي عن علي رضي الله عنه قال مر النبي صلى الله عليه و سلم على رجلين أحدهما يلزم صاحبه فقال ما شأنكما قال أحدهما يا رسول الله استأجر مني أرضا بكذا وكذا وسقا فزرعها قال الآخر يا رسول الله أصابت زرعي آفة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أن صاحبك أصابه ما ذكر فان رايت أن تجاوز عنه فافعل قال فقد فعلت يا رسول الله خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده والاسماعيلي في مسند علي وعبدالأعلى هذا فيه ضعب وقد روى عنه عن ابن الحنفية مرسلا
وأفتى جماعة من متأخري الشافعية والحنفية في الأجرة أنها تسقط أيضا بتلف الزرع لتعذر الانتفاع المقصود بالأرض وقال ابن الصلاح الظاهر أنه لا يجب كمال الأجرة مع ذلك واختار أبو العباس بن تيمية سقوطها لفوات المقصود في الاجارة وهو بقاء الزرع في الأرض إلى حين إمكان أخذه وهذا إذا أفسدت الجائحة الزرع وحده فان أفسدت الارض بان أخرجتها عن صلاحية الزرع فذكر صاحب التلخيص من أصحابنا في الاجارة وجهين أحدهما ينفسخ العقد فيما بقي من الزمان الثاني له الخيار قال وهل يلزمه أجرة الماضي إذا تلف الزرع بعد فسادها يحتمل
(1/74)

وجهين إذ أول الزرع غير مقصود بخلاف الدار فان عليه أجرة الماضي وجها واحدا قال وكذلك إذا أفسدت بعض الارض انفسخت الاجارة فيما تعطل ويتخير في الباقي بين إمساكه بالحصة أو الفسخ فيه انتهى
وعلى الوجه الآخر في الآدمي لا تنفسخ وله الخيار وعلى هذا فاذا حصلت هذه الافة في أرض الخراج فهل يسقط الخراج كله أو يجب منه بالحصة الى حين التلف يحتمل تخريجه على الوجهين المذكورين في لزوم أجرة الماضي
فصل ولو أخذ الارض للزرع فبنى فيها فعليه الخراج ذكره القاضي في الاحكام السلطانية وقال هو ظاهر كلام أحمد في رواية يعقوب بن بحتان وذكر روايته التي ذكرناها في المساكن فظاهر كلام أحمد في اخراجه خراج مساكنه أنه يخرج عن البناء خراج الزرع قفيزا ودرهما مع العلم بتفاوت الضرر بينهما وعلى قياسه لو أخذ للزرع فغرس فظاهر كلام أبي الخطاب وابن عقيل في خلافهما أنه يعتبر خراج الغراس وقياسه في البناء كذلك
وقال القاضي لو زرع غير المنصوص على خراجه اعتبر بأقرب الزرع شبها ونفعا من المنصوص عليه وهذا أيضا يدل على اعتبار الخراج بما انتفع لا بما أخذ له وهو القياس ولو فوت الزرع بالكلية فعليه خراج أقل ما يزرع فيها وهو قفيز ودرهم ذكره القاضي وابن عقيل لأنه لو اقتصر على زرعه لم يمنع
القسم الخامس
الموات في أرض العنوة هل هو ملك للمسلمين أو مباح فيه قولان مشهوران وينبني عليهما هل يملك بالاحياء أم لا أحدهما أنه مملوك
(1/75)

للمسلمين فلا يملك بالأحياء حكاه إسحاق عن المغيرة الضبي والأوزاعي وسفيان وغيرهم ونص أحمد أن لا موات في أرض السواد في رواية جماعة وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى وغيره واحد من الأصحاب واحتج أحمد والأصحاب بأن عمر رضي الله عنه مسح العامر والغامر ووضع الخراج على الجميع
وروي حرب الكرماني من طريق أبي حدير عن الشعبي أن ناسا أتوا أبا بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا إن بأرضنا رسوما قد كانت أرحاء على عهد أهل عاد فإن أذنت لنا حفرنا آبارها وعملناها فأصبنا منها معروفا وانتفع بها الناس فأرسل إلى عمر رضي الله عنه بعدما كتب لهم كتابا فقال عمر رضي الله عنه إن الأرض فيء للمسلمين فان رضي جميع المسلمين بهذا فاعطهم وإلا فليس أحد أحق بها من أحد وليس لهؤلاء أن يأكلوها دونهم
وبه عن الشعبي عن عبدالعزيز بن أبي أسماء أن ناسا قدموا من البحرين على ابن عباس رضي الله عنهما بالبصرة فقالوا إن بأرضناأرضا ليس لأحد من الناس قد خربت منذ أباد الدهر فأعطناها فكتب لهم إلى علي رضي الله عنه فلحقوه بالكوفة فقال الأرض فيء للمسلمين ما خرج منها فهو بينهم سواء ولو رضوا كلهم أعطيتكموه ولكن لا يحل لي أن أعطيكم ما لا أملك والثاني أنه مباح قال أحمد في رواية العباس بن محمد الخلال وسأله عما أحي من الأرض السواد يكون لمن أحياه فقال أما مثل التلول والرمال فيما بينك وبين الانبار فهو لمن أحياه وقال حرب سألت أحمد عن أرض العشر قال ما أحيي الرجل من الموات قلت وان كانت تلك الأرضون من بلاد الخراج قال نعم إذا كان مواتا فليس إلا العشر ورجحه القاضي وكثير من المتأخرين وهو قول الحسن وابن جريج وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأبي ثور
(1/76)

وروى يحيى بن آدم باسناده عن محمد بن عبيد الله الثقفي أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال إن بالبصرة أرضا ليست من أرض الخراج ولا يضر بأحد من المسلمين فكتب عمر رضي الله عنه إن كانت ليست تضر بأحد من المسلمين وليست من أرض الخراج فاقطعها إياه
وعن عوف الأعرابي قال قرأت في كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه إن أبا عبدالله سألني أرضا على شاطىء دجلة فيها خيله فان كانت ليست من أرض الجزية ولا يجري اليها ماء الجزية فأعطاها إياه
وروى حرب الكرماني من طريق المسيب بن شريك عن رزام أبي الحجاج النخعي عن أبيه قال عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأتاه رجل فقال إني آتي أرض الجزية من أرض السواد فأزرعها ببذري وبقري فيضعف أضعافا مضاعفة قال له أنت معمر غير مخرب ومصلح غير مفسد فكل رغدا
وقد استدل بعضهم باقطاع عثمان رضي الله عنه من السواد وفيه كلام نذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى
وأما وضع عمر رضي الله عنه الخراج على العامر والغامر فقد سبق أن العامر ما ناله الماء ولم يزرع وليس هو البراري المقفرة التي لم يضع عمر رضي الله عنه عليها الخراج ونحوها على أن من الأصحاب من قال إن الرواية الأولى تخص بارض السواد دون بقية أرض العنوة فانه قد قيل أن السود كله كان عامرا في زمن عمر رضي الله عنه فإذا خرب منه شيء بعد ذلك لم يكن مواتا لأنه ملك للمسلمين فإذا تقرر هذا فإن قلنا تملك بالاحياء فلا خراج عليها إذا أحياها مسلم وعليه العشر نص عليه أحمد في رواية حرب فيمن أحيي مواتا من أرض خراج أو عشر قال إذا لم يكن لها
(1/77)

مالك فليس إلا العشر قال وسألت إسحاق عن ذلك فقال إذا أتى جبالا ودكادك فأحيي مواتا فهو عشر وإن قلنا لا تملك بالاحياء ضرب عليها الخراج لأنها من أرض الفيء التي يستحقها المسلمون عموما وهو قول أبي عبيد ونقله ابن منصور عن إسحاق وقال لا يحييها أحد إلا باذن الامام هذا إذا كان المحبي لها مسلما فان كان ذميا وقلنا يملكها فاختلف العلماء فيه فقال طائفة لا شيء عليه وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه
وقالت طائفة عليه عشر لئلا يسقط حق المسلمين من عشر الأرض نقله حرب عن أحمد أنه قال مرة هو عشر وقال مرة لا شيء عليه قال وقال مرة أنا أقول لا شيء عليه وأهل الديونة يقولون في هذا قولا حسنا يقولون لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر قال وأهل البصرة يقولون قولا عجبا يقولون يضاعف عليه العشر فجعل أحمد حكم أحياء الذمي لموات دار الاسلام فمن هنا حكي ابن أبي موسى رواية عنه أن عليه عشرين كما في قوله في الشراء على رواية عنه وفهم من قوله هنا هو عشر أي أنها تصير أرضا عشرية لا أن الواجب فيها عشر واحد وهذا أظهر والله أعلم
وخص القاضي في خلافه وصاحب المحرر هذه الرواية بما عدا أرض العنوة وقالت طائفة يوضع على أرض الذمي المحيي للموات والخراج وهو قول سفيان وابي حنيفة واسحاق بن راهويه نقله عن ابن منصور ونقل عنه حرب الكرماني لا يملك من ذلك فان فعل أخذت منه واعطي قيمتها من بيت المال وكل هؤلاء لم يخصوا ذلك بأرض العنوة ولا غيرها وذكر القاضي في خلافه وصاحب المحرر من أصحابنا أنه إذا أحيي موات العنوة فان عليه الخراج
وفرق صاحب المحرر بينه وبين المسلم وكأن الفرق بينهما أن المسلم
(1/78)

إذا قلنا يملك بالأحياء في أرض العنوة فقد زادهم خيرا لانتفاعهم بعشره وأما الذمي فلا ينتفعون بعشره فتعين تعويضه بالخراج وفيه نظر وقد تقدم أن صاحب الكافي ذكر أن موات العنوة إذا كان بحيث يمكن إحياؤه فهل يوضع عليه الخراج على الروايتين
ويشبه هذا ما قاله أبو حنيفة في رواية ابن المبارك عنه إذا اشترى الذمي أرض العشر من مسلم وضع عليها الخراج فلا يسقط عنها باسلامه ولا ببيعها من مسلم
وقال سفيان لا خراج عليها وهو قول الجمهور لكن اختلفوا هل يوضع عليه عشر مضاعف أم لا على قولين هما روايتان عن أحمد هذا في إحياء موات العنوة فأما أرض الخراج إذا كانت صلحا فان صولحوا على أن الأرض لهم ولنا خراجها فهل يملك المسلم مواتها بالاحياء فيه قولان أحدهما لا يملك وهو قول جريج والشافعي والقاضي أبو يعلى ومن بعده من أصحابنا لأن الصلح أوجب اختصاصهم ببلادهم معمورها ومواتها والثاني يملك بالاحياء وهو قول بعض الشافعية قال بعض متأخري أصحابنا وهو الأقوى لأن الموات على الاباحة والصلح إنما ينصرف على ابقاء أملاكهم فلا يدخل الموات بدون شرطه وأما إن صولحوا على أن الأرض لنا ونقرها بأيديهم بالخراج فان قيل تصير بذلك وقفا فحكمها حكم أرض العنوة كما سبق وإلا فهي كأرض المسلمين العشرية يملك مواتها بالاحياء
(1/79)

@ 80 @
(1/80)

الباب السابع
في مقدار الخراج
خرج البخاري في صحيحه من طريق حصين عن عمرو بن ميمون قال رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال كيف فعلتما أخاف أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق قال قالا حملناها أمر هي له مطيقة ما فيها كثير فضل قال انظرا أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق قالا لا فقال عمر رضي الله عنه لئن سلمني الله لادعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا قال فما أتت عليه إلا أربعة أيام حتى أصيب رضي الله عنه
وروى شعبة عن الحكم قال سمعت عمرو بن ميمون يقول شهدت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأتاه ابن حنيف فجعل يقول والله لئن وضعت على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام لا يشق ذلك عليهم ولا يجهدهم
قال الامام أحمد وأبو عبيد أصح شيء في الخراج عن عمر رضي الله عنه حديث عمرو بن ميمون هذا رواه عمر بن شبة باسناده وزاد فيه أنه وضع على القادسية درهما وعلى الدقلتين درهما
وروى أبو عبيد حدثنا أسماعيل بن مجالد عن أبيه مجالد بن سعيد
(1/81)

عن الشعبي أن عمر رضي الله عنه بعث عثمان بن حنيف فسمح السواد فوجده ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على كل جريب درهما وقفيزا قال وحدثنا معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال وضع عمر رضي الله عنه على أهل السواد على كل جريب عامر درهما وقفيزا وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أقفزة وعلى جريب الشجرة عشرة دراهم وعشرة أقفزة قال ولم يذكر النخل
وقد روي في حديث عثمان بن حنيف حين بعثه عمر رضي الله عنه قال فكان لا يعد النخل خرجه عمر بن شبة في كتاب أخبار الكوفة وروى صالح بن أحمد في مسائلة حدثنا هشيم بن خالد عن الشعبي أن عمر رضي الله عنه بعث عثمان بن حنيف فأمره أن يمسح السواد ففعل قال فبلغت مساحته بضعة وثلاثين ألف ألف جريب قال وأمره أن يضع على كل جريب قفيزا ودرهما قال إني أخشى أن لا يكون سمعه يعني هشيما ليس فيه خير
قال وحدثني أبي حدثنا بهز بن أسد حدثني سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر قال بعث يعني عمر رضي الله عنه الى جرير وإلى الأشعث ان ردا علي ما كنت جعلت لكما قال فكتبا اليه أن قد رددناه عليك فبعث عثمان بن حنيف الى السواد قال طرز عليهم خراجا ودع لأهل الأرض ما يصلحهم قال فقدم عثمان فطرز الخراج فوضع على جريب الشعير درهمين وعلى الحنطة أربعة وعلى القضب يعني الرطبة ستة وعلى النخل ثمانية وعلى الكرم عشرة وعلى الزيتون اثني عشر ووضع على الرجال درهمين في الشهر قال فجبيا الأموال
ورووي عن عمر رضي الله عنه وجه آخر من رواية قتادة عن أبي مجلز لا حق ابن حميد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث عثمان
(1/82)

ابن حنيف على مساحة الأرض قال فمسح الأرض فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم وعلى جريب النخل خمسة دراهم وعلى جريب القضب ستة دراهم وعلى جريب البر أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين خرجه أبو عبيد وخرجه حرب ولم يذكر فيه أبا مجلز وقال فيه جريب العنب ثمانية دراهم وعلى جريب النخل عشرة دراهم والباقي بمعناه
وروي عن علي أنه وضع الخراج على وجه آخر خرجه حرب الكرماني حدثنا أبو أمية الطرسوسي حدثنا علي بن عبدالله عن يونس بن أرقم الكندي حدثنا يحيى بن أبي الأشعث الكندي عن مصعب بن يزيد الأنصاري عن أبيه قال بعثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه على ما سقي الفرات وأمرني علي أن أضع على كل جريب زرع من البر غليظ الزرع درهما ونصفا وصاعا من طعام وعلى كل جريب زرع من البر وسط الزرع درهما وعلى كل جريب زرع من البر رقيق الزرع ثلثي درهم ومن الشعير نحو ذلك وأمرني أن اضع على البساتين التي تجمع النخل والشجر على كل جريب عشرة دراهم وعلى كل جريب من الكرم اذا مضى عليه ثلاث سنين ودخل في الرابعة عشرة دراهم وأمرني أن ألغي كل نخل شاذ عن القرى يأكله من مربه وأمرني أن لا أضع على الخضروات شيئا على المقاثي وعلى الحبوب والسماسم والقطن ثم ذكر جزية الرؤس قال فجبيتها على ما أمرني به ثمانية ألف ألف وخمسمائة ألف ونيف
قال الامام أحمد في رواية مثنى وظيفة عمر رضي الله عنه في أرض السواد في الكرم عشرة وفي النخل ثمانية وفي القضب ستة وفي الحنطة أربعة ومن الشعير درهمان من كل جريب والقضب الرطبة وعلى الدقلتين درهم وعلى القادسية درهم واختار حديث عمرو بن ميمون على الجريب قفيزا ودرهما وقال في رواية الأثرم ومحمود بن داود في الخراج في كل جريب في
(1/83)

البر والشعير قفيز ودرهم وقال في رواية ابن منصور وضع عمر رضي الله عنه على أرض السواد الخراج على كل جريب درهم وقفيز من الحنطة والشعير وما سوى ذلك من القضب والزيتون والنخل أشياء موظفة يؤدونها ونقل صالح أيضا عن أبيه قال لكل جريب من الحنطة قفيز ودرهم وعلى جريب الكرم عشرة وعلى جريب الرطبة خمسة قال وقال الشعبي وضع على جريب الشعير درهمين وعلى الحنطة أربعة وعلى اقضب ستة و على النخل ثمانية وعلى الكرم عشرة وعلى الزيتون أثني عشر و قال أبو مجلز بعث عمر عمارا وابن مسعود وعثمان بن حنيف فوضع عثمان على جريب الكرم عشرة وعلى النخل ثمانية وعلى القضب ستة وعلى جريب البر أربعة وعلى جريب الشعير درهمين قال أبو الحسن الآمددي الصحيح من المذهب أن المأخوذ من جريب النخل عشرة دراهم ومن الكرم وعلى الشجر والرطب ستة وعلى الزرع درهم وقفيز من حنطة ان كان حنطة وشعير ان كان شعيرا وقد قيل الخراج على الشعير درهمان وعلى البر أربعة وعلى الرطبة ستة وعلى النخل ثمانية وعلى الكرم عشرة وهذا أكبر ما فيه قال والأول أصح وقالت الحنفية في أرض الزرع قفيز ودرهم وعلى الرطبة خمسة دراهم وما سوى ذلك من الأصناف يوضع عليه بحسب الطاقة
وقال الشافعي في جريب الحنطة أربعة دراهم وفي الشعير درهمان وفي الرطبة ستة دراهم وكذلك الشجر كالرطبة واختلف أصحابه فمنهم من وافقه ومنهم من قال في جريب النخل عشرة دراهم وفي الكرم ثمانية دراهم وقال الماوردي جميع ما جاء عن عمر رضي الله عنه صحيح وإنما اختلف لاختللاف النواحي فوضع على كل موضع قدر ما يحتمله ويليق به
وحكي يحيى بن آدم عن الحسن بن صالح قال إن أرض الخراج عليها الخراج الذي وضعه عمر رضي الله عنه على الجريب قفيز ودرهم
(1/84)

وعلى النخل والرطب والكرم والشجر ما وضعه عليهم عمر رضي الله عنه قال ولا نعلم عليا خالف عمر رضي الله عنهما ولا غير شيئا مما صنع حين قدم الكوفة
وروى يحيى بن آدم باسناده عن الشعبي قال قال علي رضي الله عنه حين قدم الكوفة ما كنت لأحل عقدة شدها عمر رضي الله عنه وانكر أبو عبيد وضع عمر رضي الله عنه على جريب الاشجار شيئا كما تقدم وثبت أنه وضع على جريب الزرع قفيزا ودرهما إذا تقرر هذا فهل يتقرر خراج أرض السواد وغيره من أرض العنوة الذي وضعه عمر رضي الله عنه ولا تجوز الزيادة عليه ولا النقص منه أم لا اختلف العلماء في ذلك على أقوال أحدهما أنه يتقرر ذلك بما وضعه عمر رضي الله عنه من غير زيادة ولا نقص وحكي هذا عن مالك والشافعي وهو رواية عن أحمد بل روي عنه أنه رجع اليها فنقل العباس بن محمد بن موسى الخلال عن أحمد أنه قال الخراج يقرر في أيديهم مقاسمة على النصف وأقل إذا رضي بذلك الأكره يحملهم بقدر ما يطيقون وقال بعد ليس للامام أن يغيرها على ما أقرها عليه عمر رضي الله عنه قال الخلال هذا قول أولى لأبي عبدالله وذكر غير واحد عنه أن للامام النظر في ذلك فيزيده وينقص وهذا الذي قاله الخلال عجيب فان العباس هذا روى عن أحمد أنه كان يقول بذلك ثم رجع عنه فكيف يكون ما رجع اليه هو قوله الأول وهذه الرواية هي اختيار الخرقي في جزية الرؤس واختيار القاضي في خفه وهو آخر كتبه ومن اتبعه عليه ووجه ذلك ان هذا ضربه عمر رضي الله عنه بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم وعمل به الخلفاء الرشدون رضي الله عنهم بعده فيصير اجماعا لا يجوز نقضه ولا تغيره
(1/85)

وقد تقدم عن الحسن بن صالح أنه قال لا نعلم أن عليا رضي الله عنه غير ما صنع عمر رضي الله عنه ولا غير شيئا مما صنع حين قدم الكوفة وهذا يدل على ضعف ما روي عن علي رضي الله عنه أنه وضع الخراج على غير ما وضع عمر رضي الله عنه ويدل أيضا على منع الزيادة ما روي منصور عنه هلال بن يساف عن رجل من ثقيف عن رجل من جهينة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلكم تقاتلون قوما فتظهرون عليهم فيتقونكم بأموالهم دون أنفسهم وأبنائهم فيصالحونكم على صلح فلا تصيبوا منهم فوق ذلك فانه لا يصح لكم خرجه أبو داود وقال يحيى بن آدم هذا يشبه بحال سواد أهل الكوفة وفي الاستدلال بهذا الحديث نظر فان الحديث إنما هو ظاهر فيمن صولح على حقن دمه وماله بشيء وأما رفع السواد اليهم فهو عقد معاوضة لم يجبروا عليها إنما أخذوها باختيارهم فليس هذا من الصلح بسبيل وعلى مثل هذا حمله أبو عبيد وذكر باسناده عن الزهري أن عمر رضي الله عنه كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم عليه لا يضع عنهم شيئا ولا يزيد عليهم ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئا نظر عمر رضي الله عنه في أمورهم فان احتاجوا خفف عنهم وان استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم
وخرج أبو داود أيضا من طريق ابن وهب حدثني أبو صخر المدني ان صفوان بن سليم أخبره عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم عن آبائهم رضي الله عنهم دنية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة وهذا مع ضعف اسناده محمول على الأخذ بغير حق فأما الأخذ بحق فلا يدخل تحت هذا الوعيد وهذا كالحديث الذي خرجه أبو داود من حديث خالد بن الوليد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها ويروي نحوه من حديث المقدام بن معدي كرب
(1/86)

عن النبي صلى الله عليه و سلم والقول الثاني تجوز الزيادة عليه والنقص منه بحسب ما يرى الامام المصلحة وهذا هو المشهور عن أحمد نقله عنه الأثرم وابن مشيش وغير واحد اختاره الخلال وجماعة من الاصحاب واستدل احمد بأن عمر رضي الله عنه إنما وضعها بحسب الطاقة كما في حديث عمرو بن ميمون عنه وإذا كان وضعها بحسب الطاقة فذلك يختلف باختلاف الازمان
قال أحمد كان عمر رضي الله عنه قد زاد عليهم وقال ما أرى هذا يضر بهم وروى شعبة عن الحكم قال سمعت عمرو بن ميمون قال دخل عثمان بن حنيف على عمر رضي الله عنه فسمعه يقول لئن زدت على كل راس درهمين وعلى كل جريب أرض درهما وقفيزا من طعام لا يضرهم ذلك ولا يجهدهم أو كلمة نحوها قال نعم قال فكان على كل رأس ثمانية وأربعون فجعلها خمسين خرجه الأثرم وخرج أيضا من طريق شعبة عن أبي عمران الجوني قال سئل عائذ بن عمرو عن الزيادة على أهل فارس فلم ير بذلك بأسا وقال إنما هو حق لكم واحتج به احمد أيضا
وقد تقدم عن علي رضي الله عنه أنه وضع الخراج على وجه يخالف ما وضعه عمر رضي الله عنه قال أحمد في رواية منصور إنما أقرهم عمر رضي الله عنه ليعملوا فيها ويعمروها وما أخرج الله من شيء أخذوا منه ما يقيمهم وردوا سائر ذلك الى المسلمين قال وما يبين ذلك قوله لعثمان ابن حنيف لئن وضعت على كل جريب قفيزا ودرهما لا يجهدهم ولا يضرهم
وروى يحيى بن آدم عن وكيع عن المسعودي عن أبي عون قال أسلم دهقان من أهل عين النمر فقال له علي رضي الله عنه أما جزية
(1/87)

رأسك فنرفعها وأما أرضك فللمسلمين فان شئت فرضنا لك وان شئت جعلناك قهرمانا لنا فما أخرج الله من شيء ائتنا به وهذا يدل على أن من بيده شيء من أرض الخراج إنما هو عامل للمسلمين يترك له كفايته بعمله ويؤخذ منه ما فضل وحكي هذا القول عن الثوري واسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وأبو عبيد إنما ذكره في الجزية ولم أر له في الخراج كلاما
والقول الثالث تجوز الزيادةعليهم دون النقص وهو رواية عن أحمد قال القاضي نقلها يعقوب بن بحتان وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى ونقل أبو طالب عن أحمد إن زاد أرجو أن لا بأس إذا كانوا يطيقون مثل ما قال عمر رضي الله عنه وقال في رواية ابن مشيش ان أخذ منه أقل من قفيز ودرهم اخرج من عنده التمام ونقل ابن مشيش عنه ان أخذ السلطان منه الخراج وكان أقل مما وضع عمر رضي الله عنه فقد أجزأ وقد يستدل لذاك بأن عمر رضي الله عنه زاد عليهم ولم ينقص وفيه نظر والقول الرابع عكسه يجوز النقض إذا عجزوا عن التمام دون الزيادة وهو قول الحسن بن صالح وأبي يوسف
وكتب عمر بن عبدالعزيز الى عامله بالكوفة لا يأخذ من الخراج الا ما يطيق ولا من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض خرجه أبو عبيد
قال أبو بكر الخلال الامام الذي يعبر الخراج هو الخليفة ولا يجوز لمن دونه النقص بحال ثم ذكر عن الميموني قال قلت لأبي عبدالله الوالي قبلنا يدع خراجا أقبله قال لي إنما الخراج فيء فكيف يدعه لك لو تركه هذا يعني أمير المؤمنين كان فاما من دونه فلا ولكن هذه الرواية
(1/88)

انما تدل على ان تركه بالكلية يختص بالامام لأنه تصرف في الفيء وهذه المسألة غير مسألة تنقيصه وزيادته وذكر الاثرم في مسائله أن مراد أحمد بقوله هو على قدر ما يرى الامام أنه الامام العادل قال لأنه أنكر على من في زمانه أنهم لا يجعلون على الغامر شيئا لمخالفتهم لعمر رضي الله عنه
وقال أبو الحسن الآمدي إنما يملك الزيادة في الجزية والخراج على أصلنا العادل من الأئمة دون من كان جائرا هذا هو ظاهر المذهب قال ولا يجري هذا مجرى جباية الزكاة والخراج لأن الجباية ليس تغيير لما فرضه الأئمة والشرع قد أمرنا بالدفع اليهم وليس كذلك التغيير بالزيادة والنقص لأن فيه ازالة حكم اجتهدت فيه الأئمة ومن تأمل هذا القيد الذي قيد به محققو الاصحاب علم أنه لا تجوز الفتيا في كثير من هذه الأزمان المتأخرة بتغيير الخراج سدا للذريعة لأن ذلك يتطرق به كثيرا إلى الظلم والعدوان فان غالب الملوك في الأزمان المتأخرة استأثروا على المسلمين بمال الفيء وصار كثير من الأرض الخراجية املاكا للمسلمين ويؤدى عنها خراج يسير وكثير ممن هو في يده مستحق من مال الفيء فلو فتح للمستأثرين بالفيء أبواب زيادة الخراج أو انتزع هذه الأراضي لبيت المال لأدى ذلك إلى ضرر عظيم على المسلمين وقد ينزل القول الراجح المجتهد فيه الى غيره من الأقوال المرجوحة اذا كان في الافتاء بالقول الراجح مفسده وقرأت بخط القاضي مما كتبه من خط أبي حفص أن ابن بطة كان يفتي أن الرهن أمانة فقيل له إن ناسا يعتمدون على ذلك ويجحدون الرهون فأفتى بعد ذلك بأنه مضمون
واعلم أن هذه المسألة أصولية اختلف الناس فيها وهي أن ما عقده بعض الخلفاء الأربعة هل يجوز لمن بعدهم نقضه كصلح بني تغلب وخراج الجزية والرؤس وفيه قولان لأصحابنا أشهرهما المنع لأنه صادف
(1/89)

اجتهادا سائغا فلا ينقض وهذا يرجع الى أن فعل الامام كحكمه وفيه خلاف أيضا واختار ابن عقل جواز تغييره بالاجتهاد لاختلاف المصالح باختلاف الأزمنة ومن الأصحاب من استثنى من ذلك ما علم أن ما عقده لعلة فيزول بزوالها ويتغير بتغيرها كضرب عمر رضي الله عنه الخراج فانه ضربه بحسب الطافة وهي تختلف باختلاف الأوقات ذكره الحلواني وغيره
فصل ويعتبر الخراج الى المقاسمة على الثمر والزرع هو من أنواع تغير الخراج بالزيادة تارة وبالنقص أخرى وفيه زيادة تغيير بنقل الخراج من الذمة الى المشاركة في عين الثمرة والزرع وقد تقدم عن أحمد من رواية العباس الخلال أنه أجازه إذا رضي به الاكره وكانوا يطيقونه ثم رجع الى أنه لا يجوز تغيير ما وضعه عمر رضي الله عنه ومعلوم أن المذهب عند أكثر الأصحاب أو كثير منهم بجواز تغيير ما وضعه عمر رضي الله عنه بزيادة ونقص فينبغي أن يكون المذهب عندهم جواز المقاسمة ولا سيما إذا كانت أصلح للمسلمين وقد تقدم أن أوائل خلفاء بني العباس نقلوا الخراج الى المقاسمة
قال القاضي في الأحكام السلطانية اختلف كلام أحمد في المقاسمة فقال في رواية العباس بن محمد الخلال فيمن كانت في بديه أرض من أرض السواد هل يأكل مما أخرجت من زرع أو تمر إذا كان الامام يأخذهم بالخراج مساحة أو صيرها في أيديهم مقاسمة على النصف أو الربع فقال يأكل إلا أن يخالف السلطان قال القاضي فظاهر هذا أنه قد أجاز المقاسمة في الخراج قال وقال في رواية هارون الجمال السواد كله أرض خراج فذكر له المقاسمة فقال المقاسمة لم تكن انما هو شيء حدث قال القاضي وظاهر هذا أنه لم ير ذلك إلا أنه لم يصرح بالمنع لكنه أخبر أنه لم يكن في وقت عمر رضي الله عنه قال القاضي والذي يوجبه الحكم ان
(1/90)

خراجها هو المضروب عليها أولا وتغير إلىا لمقاسمة إذا كان بسبب حادث اقتضاه اجتهاد الائمة أمضى مع بقاء سببه وأعيد الى حكمه الأول عند زوال سببه إذ ليس للامام أن ينقض اجتهاد من تقدم من الأئمة انتهى فجعل هذا من باب نقض الاجتهاد لما فيه من تحويل الحق من محل الى محل بخلاف مجرد الزيادة والنقص ورجح الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية جواز المقاسمة إذا رأى الامام مصلحة قال فان النبي صلى الله عليه و سلم ترك خيبر في أيدي اليهود مقاسمة
وعن عمر رضي الله عنه أنه جعل الأرض مخارجة ثم استغنى المسلمون عن يهود خيبر فأجلاهم عمر رضي الله عنه منها وصار المسلمون يعمرونها فصار عمر رضي الله عنه يخير من له سهم بخيبر بين أن يعطيه الأرض يستغلها وبين أن يستغلها هو ويعطيه مقدارا معينا وذلك استئجار لها من صاحبها بجنس ما يخرج منها وهو الطعام وهو جائز في أصح الروايتين وقول أكثر العلماء انتهى
تنبيه تجويز أحمد الأكل لمن عليه الخراج من الثمر والزرع سواء كان خراجه مقاسمة ومماسحة يدل على أن الشريك في المال أوالعامل فيه له الأكل منه بالمعروف بغير أذن ونظيره أكل الوكيل والأجير وقدنقل جنبل عن أحمد جوازه والعامل في المساقاة أولى لأن الثمر والزرع يجوز عندنا الأكل منه للمارة إذا كان غير محفوظ بحائط أو ناظر كما دلت عليه السنة فجوازه للحافظ والناظر أولى مع جريان العادة به وتسامح الملاك به غالبا
فصل وهذا الذي تقدم كله في أرض الخراج التي وضع خراجها أحد من أئمة الهدى فأما لو فتح الآن أرض عنوة وأراد الامام وضع الخراج عليها ابتداء فذكر القاضي في كتاب الأحكام السلطانية أنه يضعه بحسب ما يحتمله الأرض فانها تختلف من ثلاثة أوجه يؤثر كل منها في زيادة الخراج
(1/91)

ونقصانه أحدها ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها والثاني ما يختص بالزرع من اختلاف أنواعه فان من الحبوب والثمار ما يكثر ثمنه ومنه مايقل ثمنه فيكون الخراج بحسبه والثالث ما يختص بالسقي والشرب لأن ما يسقى بمؤونة وكلفة لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ماسقي بغير مشقة وكلفة فلا بد لواضع الخراج من اعتبار ذلك كله ليعلم قدر ما تحتمله الأرض فيقصد العدل فيها بين أهلها وأهل الفيء من غير زيادة تجحف بأهل الخراج ولا نقصان يضر بأهل الفيء ولا يستقصي في وضع الخراج غاية ما يحتمله وليجعل فيه لأرباب الأرض بقية يجبرون بها النوائب والجوايح
ويعتبر واضع الخراج أصل الأمور من ثلاثة أحوال أحدها أن يضعه على مشايخ الأرض الثاني أن يضعه على مشايخ الزرع
الثالث أن يجعله مقاسمة فان وضعه على مشايخ الأرض كان معتبرا بالسنة الهلالية وإن وضعه على مشايخ الزرع فقد قيل يكون معتبرا بالسنة الشمسية وإن جعله مقاسمة كان معتبرا بكمال الزرع وتصفيته فاذا استقر على أحدها مقدرا بشروطه المعتبرة فيه صار ذلك مؤبدا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص منه ما كانت الأرضون على أحوالها في شروطها ومصالحها فان تغيرت شروطها ومصالحها الى زيادة أو نقصان فذلك ضربان احدهما أن يكون حدوث ذلك بسبب من جهة أهل الارض كزيادة حدث بشق أنهار واستنباط مياه أو نقصان حدث لتقصير في عمارة ولعدول عن مصلحة فيكون الخراج عليهم بحالة لا يزاد عليهم فيه لزيادة عمارتهم ولا ينقص منه لنقصانها ويؤخذون بالعمارة نظرا لهم ولأهل الفيء لئلا يستدام خرابه
(1/92)

فيتعطل والثاني أن يكون حدوث ذلك من غير جهتهم فان كان نقصا فانه يجب على الامام عمله لهم من بيت المال من سهم المصالح وسقط عنهم خراجه ما لم يعمل اذا كان انتفاعهم به ممتنعا وان كان زيادة كعين أحدثها الباري جلت قدرته أو حفرها سيل فان كان ذلك عارضا لا يوثق بدوامه لم تجز الزيادة لأجله في الخراج وان وثق بدوامه راي الامام فيه المصلحة لأهل الأرض وأهل الفيء وعمل في الزيادة أو المتاركة بما يكون عدلا بين الفريقين هذا ما ذكره القاضي رحمه الله ويؤخذ منه أنه لا تجوز زيادة لزيادة الاسعار ولا نقص لنقصها وفي ذلك نظر فان خلفاء بني العباس إنما غيروا السواد من الخراج الى المقاسمة لذلك
وقوله إنه ان وضع الخراج مقاسمة اعتبر بكمال الزرع وتصفيته وان وضع على مساحة الأرض اعتبر بالسنة الهلالية أو على مساحة الزرع فقيل إنه يعتبر بالسنة الشمسية يدل على أنه إذا وضع مقاسمة لم يعتبر إلا بكمال الزرع وتصفيته دون السنة الهلالية بخلاف ما إذا وضع على مساحة الأجربة وقالت الحنفية يجب الخراج عند بلوغ الغلة قالوا وللعامل أن يحول بينه وبين غلته حتى يستوفي الخراج ولم يفرقوا بين أن يكون مماسحة أو مقاسمة بل لم يذكروا الخراج إلا مماسحة وذكروا أنه لو تعجل الامام الخراج قبل وجوبه ثم انقطع وجوبه عنه رد عليه ان كان باقيا وان كان قد صرف إلى القابلة فلا شيء له كالزكاة المعجلة
وذكره صاحب المحيط وغيره وكأنهم جعلوه من حقوق الله عز و جل فهو كالزكاة قال أبو البركات بن تيمية في تعليقه على الهداية وقياس مذهبنا أنه يرد عليه مطلقا لأنه أجرة محضة وليس بقربه ليقع نفلا إذا بطل الوجوب ليشير إلى الفرق بينه وبين الزكاة المعجلة على أحد الوجهين بهذا ولكنه مع قوله هذا ذكر في كتاب المحرر في الزكاة أن الخراج من قبيل
(1/93)

ديون الله تعالى يمنع الزكاة نظرا إلى أنه مستحق لعموم المسلمين المستحقين الفيء فهو كمال الكفارة المستحقة لجهة الفقراء وأما ابن عقيل وصاحب المغني فجعلاه من ديون الآدميين
(1/94)

الباب الثامن
في حكم تصرفات أرباب الأرض الخراجية فيها
قد ذكرنا أن الأرض الخراجية على ضربين مملوكة لأهلها وهي أرض الصلح بالخراج على ثبوت ملكهم فيها فهؤلاء ملاك يتصرفون فيها تصرف الملاك وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم وذكرنا حكم الشراء منهم وأن أبا عبيد حكى في ملكهم خلافا وقد سبق ذلك كله مستوفى في آخر الباب الرابع والثاني أرض العنوة فمن قال إن عمر رضي الله عنه ملكهم أياها بالخراج فحكمها عنده حكم أرض الصلح المذكور وهو قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة وسفيان وغيرهم وأما من قال ليست ملكا لمن في يده وإنما هي فيء للمسلمين وهو قول العنبري وابن شبرمة ومالك والشافعي وأحمد واسحاق وأبي عبيد وعيرهم فهؤلاء يقولون هي لعموم المسلمين وأكثرهم يقول هي وقف على المسلمين عموما وقد ذكر أبو بكر في كتاب زاد المسافر أن أحمد قال هي وقف وأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين في رواية جماعة من أصحابه منهم الميموني وحنبل وغيرهما ولكن أكثر كلام أحمد إنما فيه أنها فيء وأنها مشتركة بين المسلمين فمن الأصحاب من قال إن عمر رضي الله عنه وقفها وقفا خاصا على المسلمين بلفظه وادعوا أن الارض لا تصير وقفا بدون لفظ من الامام منهم القاضي وغيره إذا قلنا إن الامام مخير فيها بين القسمة والوقف بخلاف ما إذا قلنا يصير وقفا بمجرد الاستيلاء كما هو مذهب مالك فانها تصير وقفا بغير لفظ
(1/95)

وقال المحققون كصاحب المغني وغيرهم من المتأخرين لا يحتاج إلى لفظ بكل حال بل وقفها هو تركها فيئا لجميع المسلمين يؤخذ خراجها يصرف في مصالحهم ولا يختص أحد بملك شيء منها وهذا معنى الوقف لا سيما على قول من يقول إن الوقف يصح بالفعل الدال عليه كفتح المساجد للصلاة ونحو ذلك فها هنا تركها من غير قسمة وضرب الخراج عليها فعل يدل على تحبيسها على المسلمين وان لم يكن بمعنى الوقف الخاص
وقد صرح أحمد بأنها وقف في رواية جماعة أيضا ويمكن أن يكون عنه في المسألة روايتان وإذا تقرر أنها ليست مملوكة لأحد معين من المسلمين ولا لمن هي في يده من الكفار أو غيرهم فيتفرع على ذلك مسائل كثيرة
الأولى بيع رقبتها وهو ممتنع على هذا الأصل الذي قررناه لانتفاء الملك عليها المعني هذا قول من سمينا قوله إنها فيء وممن نهى عن شرائها من السلف عبدالله بن معقل بن مقرن والنخعي والحسن بن صالح وقال مجاهد لا تشترها ولا تبعها وقد نص أحمد على منع بيعها في رواية جماعة منهم حنبل فقال السواد وقفه عمر رضي الله عنه على المسلمين فمثله كمثل رجل وقف أرضا على رجل وعلى ولده لاتباع وهو الذي أوقف عليه فاذا مات الموقوف عليه كان لولده بالوقف الذي أوقف الأب لا يباع كذلك السواد لا يباع ويكون الذي بعده يملك منه مثل الذي يملك الذي قبله على ذلك أبدا ويدل على ذلك ما روى الشعبي قال اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شط الفرات فذكر ذلك لعمر رضي الله عنه فقال ممن اشتريتها قال من أربابها فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر رضي الله عنه قال هؤلاء أهلها فهل اشتريت منهم شيئا قال لا قال فارددها على من اشتريتها منه وخذ مالك خرجه أبو عبيد وخرجه يحيى بن آدم عن الشعبي عن عتبة بن فرقد قال اشتريت
(1/96)

عشرة أجربة من أرض السواد فذكرت ذلك لعمر رضي الله عنه فقال لي اشتريتها من أصحابها قلت نعم قال رح إلى فرحت إليه فقال يا هؤلاء أبعتموه شيئا قالوا لا قال ابغ مالك حيث وضعته
وروى ابن أبي شيبة عن حميد بن عبدالرحمن عن حسن بن صالح عن مطرف عن بعض أصحابه قال اشترى طلحة بن عبيدالله أرضا عند السيلحين فأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر ذلك له فقال إني اشتريت أرضا معجبة فقال له عمر رضي الله عنه ممن اشتريتها اشتريتها من أهل الكوفة اشتريتها من القادسية قال طلحة وكيف اشتريتها من أهل القادسية كلهم قال إنك لم تصنع شيئا إنما هي فيء
وروى أبو عبيد باسناده عن الحسن قال قال عمر رضي الله عنه لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أرضهم قيل للحسن ولم قال لأنهم فيء للمسلمين
وروى يحيى بن آدم باسناده عن قتاة عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره أن يشتري من أرض الخراج شيئا ويقول عليها خراج المسلمين
وروى الاحوص بن حكيم عن أبي عون عن سعيد بن المسيب قال أرسل ابن عمر إلى رافع بن خديج رضي الله عنه يسأله عن قول رسول الله صلى الله عليه و سلم في أرض العجم قال نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن بيع أرض العجم وشرائها وكرائها خرجه حرب عن إسحاق بن راهويه عن عيسى بن يونس عن الأحوص به والأحوص ضعيف جدا ولا ريب أن بيع رقبة أرض العنوة عند من يرى أنها فيء أو وقف لا يجوز لمن هي في يده لأنه غير مالك لها فان كان فيها بناء له فان
(1/97)

كان البناء من تراب الأرض فحكمه حكمها وإن كانت بناء بآلة مملوكة لصاحبها فهو مملوك له
وحكى القاضي وابن عقيل وصاحب المغني وغيرهم من أصحابنا روايتين عن أحمد في جواز بيعه إحداهما المنع لأن أحمد قال في رواية المروزي وابن بختان إذا قال أبيعك النقض يعني البناء ولا أبيعك رقبة الارض هذا خداع والثانية الجواز نقلها محمد بن الحكم
وروى أبو بكر الخطيب باسناده عن جعفر بن محمد المؤدب أنه سأل أحمد وبشر بن الحرث عن بيع أرض السواد فاتفق قولهما على بيع الانقاض دون الارض وهذه الرواية أصح عند القاضي وابن عقيل ولم يذكر ابن أبي موسى سواها لان هذا البناء مملوك له فجاز بيعه كبنائه في أرض الوقف المستأجرة ومن الاصحاب من تأول الأولى على أن البناء كان بآلات من الأرض وتأوله القاضي في كتاب الروايتين والآمدي على أن البناء لم يعلم هل كان قبل الوقف أو بعده فمنع من بيعه لعدم تحقق ملكه فأما أن تحقق أنه ليس بوقف جاز بيعه رواية واحدة
قال الآمدي ونقل حنبل عن أحمد في النزول في السواد فقال قد ورثت شيئا فأنا فيه أصلحه وأعمره ولا أرى بيعه ولا هبته لأحد فاذا مت تركته على وقفه والعمارات والبناء والغرس للذي أحدث فيها وإنما أوقف القرى والارضين وقال نقلها الخلال في كتاب الاموال والاظهر أن أحمد إنما أراد النهي عن أخذ العوض عن رقبة الارض بهذه الحيلة وبهذا قال هذا خداع وهذا يفيد أنه لا يجوز بيع آلاته بأكثر من قيمتها وقد صرح بذلك في رواية المروزي
قال في كتاب الورع قلت لأبي عبدالله يبيع الرجل سكنى داره قال أي شيء يبيع قلت ماله من الوقوف قال يبيع الذي له بما يسوي وكره أن يبيع بأكثر من ذلك وأنكر هذا البيع
(1/98)

وكذلك نقل ابن هاني عن أحمد قال يقوم دكان وما فيه من غلق وكل شيء يحدثه فيه فيعطي ذلك ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكان ولو كان له فيها غراس أو زرع فباعه بقيمته فلا يوقف في جوازه وقد ذكره القاضي في كتاب الروايتين وأما في الأحكام السلطانية فجعل الغراس كالبناء على الخلاف فيه وأما بيع ماله من الانتفاع بأرض العنوة كبيع سكنى دورها فقد أنكره أحمد وعلى قياسه بيع منافع أرض الزرع التي يستحقها بالخراج ومن الناس من أجاز بيعها وجعله اجارة لها حكاه القاضي في الأحكام السلطانية وذكر ان كلام أحمد يدل على خلافه لأنه فرق بين البيع والاجارة وكذلك حمل أبو عبيد شراء ابن مسعود أرض الخراج لى أن يكون خراجها على البايع على الكري وذكر باسناده عن الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن القرطبي قال ليس بشرى أرض الجزية بأس يريد كراها قال وقال ذلك أبو الزناد وقول من قال أن الشرى هنا يراد به الكري إن أراد به أن يكون إجارة إلى مدة معينة فاطلاق البيع ينافي ذلك وإنما الخلاف في صحة الاجارة بلفظ البيع اذا قدرت المدة وإن أريد به الاجارة إلى غير مدة فهذا في الحقيقة نقل اليد بعوض ومعاوضة عن المنافع المملوكة وقد رجح جواز ذلك الشيخ أبو العباس بن تيمية وخرجه من نص أحمد على جواز دفع هذه الارض عوضا عن الصداق الذي يستحقه قال وقال هذه الأرض إن قيل إنها وقف فإنها تخالف الوقف على معين لأن هذه توقف وتوهب ولا يبطل حق المسلمين من خراجها بانتقالها من يد إلى يد بخلاف الوقف على معين فإنه يبطل حق البطن الثاني بانتقاله إلى غيرهم ولهذا يورث المكاتب ويوهب ويجوز بيعه عندنا ويبقى مكاتبا على حاله
وأيضا فقد سبق أن التحقيق في معنى كونها وقفا أنها محبوسة عن القسمة متروكة فيئا مشتركة بين عموم المسلمين أولهم وآخرهم وحقهم في
(1/99)

خراجها وخراجها لا يبطل بانتقالها من رجل إلى آخر وأصل هذه المسألة مسألة بيع المنافع المجردة عن الأعيان وقد صرح طائفة من الأصحاب فيها بالمنع كالقاضي وابن عقيل والتحقيق في ذلك أن المنافع نوعان أحدهما منافع الأعيان المملوكة التي تقبل المعاوضة مع أعيانها فيجوز بيعها مفردة وذلك في صور منها أصل وضع الخراج على أرض العنوة على قولنا إنها فيء فإنه ليس بأجرة محضة بل شبيه بالأجرة ومتردد بينها وبين البيع كما سبق بل هو للبيع للإطلاق مدته أقرب ومنها المصالحة بعوض على وضع الاخشاب وفتح الابواب ومرور المياه في الاملاك وهو أيضا شبيه بالبيع ومنها لو أعتق عبده واستثنى خدمته سنة فهل له أن يبيعها منه على روايتين عن أحمد منصوصتين عنه فان هذه المنافع كان يملك المعاوضة عليها قبل العتق وقد استبقها في العتق بحق الملك فاستمر حكم المعاوضة عليها كما يستمر عندنا حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة ثم إن الكتابة عقد معاوضة على المنافع أيضا
والنوع الثاني المنافع المملوكة مجردة عن الأعيان ومنافع الأعيان التي لا تقبل المعاوضة فإن كانت المعاوضة عنها مؤقتة جاز كإجارة العين المستأجرة والوقف ونحوه وإن كانت مؤبدة فالمذهب عدم جوازه كالمعاوضة عن الكلب المباح نفعه فإنه لا يجوز عندنا ان كانت المدة مطلقة وإن كانت مؤقته على وجه الاجارة فوجهان وجعلوا المعاوضة هنا على نقل اليد ولو كان ذلك صحيحا لجاز نقل اليد فيه بعوض مطلقا ولما ورد النهي عن بيعه دل على أنه لا يجوز أخذ العوض عنه إلا أن يقال هذا لا مالية فيه ولا يملك منفعته بل الانتفاع به وكذا من يحجر مواتا أو قطعه له الامام فانه لا يملكه بذلك ويثبت له فيه حق التملك وينتقل عنه بهبة وميراث وفي نقله بعوض وجهان إلا أن يقال هنا ثبت له حق التملك لا ملك شيء من المنافع ولا غيرها وهذا بخلاف منافع الأرض الخراجية فإنها مملوكة لمن هي
(1/100)

في يده كمنافع الوقف وأم الولد لكن لم يثبت لنا إلى الآن جواز المعاوضة عن هذه المنافع المملوكة وحدها على وجه التأبيد بل على وجه الاجارة لكن قد يقال إن من بيده الأرض الخراجية مستأجرة على التأبيد فله أن يؤجر على التأبيد كما هو مستأجر عليه وأما الكلام في إصداقها فسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى
وعن أحمد رواية أنه يجوز الشري دون البيع فمن الأصحاب من حكاها مطلقة لأن أحمد أطلق جواز الشراء دون البيع في رواية منها وغيره ومنهم من قيد ذلك بالحاجة بقدرها ومنهم القاضي في الأحكام السلطانية لأن أكثر نصوص أحمد مقيدة بذلك
وقال في رواية المروزي لا يشترى إلا مقدار القوت فإن كان أكثر من القوت تصدق به وقال أيضا في روايته لمن سأله عن الشراء إن كنت في كفاية فلا وقال في رواية أبي طالب يشترى ما يقوم به ويوقت عياله فما كان أكثر من القوت فلا وقال في رواية المروزي ليس هنا قياس إنما هو استحسان وذكر أن أصله أن الصحابة رضي الله عنهم رخصوا في شراء المصاحف دون بيعها وقال في رواية الأثرم كان الشري أسهل يشتري الرجل بقدر ما يكفيه عن الناس هو رجل من المسلمين كأنه يقول إنما هي أرض المسلمين فهذا إنما في يديه ما يستغني به وهو رجل من المسلمين
وكره البيع في أرض السواد قال الأصحاب لأن المشتري مستنقذ لها من الظالم البايع فهو كافتداء الأسير ونحوه قال القاضي وهذا العقد بين المسلمين و المشركين فهو كافتداء الأسير وفي هذا التعليل ضعف سبق التنبيه عليه
وقال ابن عقيل إنما يصح الشراء للافتكاك لا للتمليك وهو أيضا مخالف لنص أحمد فإن أحمد أجاز شراء قدر القوت قدل على أنه أراد الشراء
(1/101)

للاشتغال ووجه اعتبار الحاجة أنه قد يجوز في حال الحاجة من العقود مالا يجوز مع عدمها كما في بيع العرايا قال صاحب المغني وشراؤها هو نقل لليد فيها بعوض لا نقل بملك الرقبة
وروي عن الحسن والحسين أنهما اشتريا من أرض الخراج وهو مشهور عنهما ذكره يحيى بن آدم وأبو عبيد في كتابيهما
وروي أيضا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال عمرو بن علي الفلاس سمعت عبدالله بن داود قال سمعت إسحاق بن الصباح من ولد الاشعث بن قيس يحدث عن عبدالملك بن عمير قال اشترى موسى ابن طلحة أرضا من أرض السواد فأرسل الى القاسم بن عبدالرحمن يستشهده فأبى فقال موسى فأنا أشهد على أبيك يعني عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه اشترى أرضا من أرض السواد واشهدني عليها وذكر عن يحيى القطان كلاما يدل على أنه أنكره من أجل إسحاق بن الصباح فانه ليس بمشهور
ومن الاصحاب من حكى رواية بجواز البيع والشراء منهم الحلواني وابنه ولعلها تؤخذ من مفهوم قول أحمد في رواية حنبل ليس لأهل الذمة أن يشتروا ما فتحه المسلمون عنوة وكذا وقع في كلام أبي بكر تخصيص أهل الذمة بالمنع معللا بأن الأرض ملك للمسلمين فلا يثبت للكفار معهم ملك لكن مقتضى هذا منع أهل الذمة من شرائها دون المسلمين
وقد قال أحمد في رواية جماعة لا يعجبني بيعها وقوله لا يعجبني يقتضى الكراهة على أحد طريقي الأصحاب وابن عقيل يشير إلى أن لنا رواية أنه قسمت وملكت وسنذكر ذلك فيما بد إن شاء الله تعالى
وللمنع من شراء أرض العنوة مأخذ آخر وهو أن المسلم إن اشتراها
(1/102)

فان التزم خراجها فقد ألزم نفسه جزية وصغارا وإن أسقط خراجها فقد أسقط حق المسلمين من فيئهم
وروى يحيى بن آدم من طريق قتادة عن سفيان العقيلي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نهى أن يشتري أحد من أرض الخراج أو رقيقهم شيئا وقال لا ينبغي للمسلم أن يقر بالصغار في عنقه
ومن طريق كليب بن وائل قال قلت لابن عمر رضي الله عنهما اشتريت أرضا قال الشراء حسن قلت فإني أعطي من كل جريب درهما وقفيزا من طعام قال لا تجعل في عنقك الصغار
ومن طريق ميمون بن مهران عن عمر رضي الله عنهما قال ما يسرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها بالصغار على نفسي
ومن طريق جابر الجعفي عن القاسم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار يعني بالطسق الخراج وخرج أبو عبيد من طريق شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال تبعنا ابن عباس رضي الله عنهما فسأله رجل قال إني أكون بهذا السواد فاتقبل ولست أريد أن أزداد ولكني أدفع عني الضيم فقرأ عليه ابن عباس قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله إلى قوله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون قال ابن عباس رضي الله عنهما لا تنزعوه من أعناقهم وتجعلوه في أعناقكم
وروي باسناده عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال ألا أخبركم بالراجع على عقبيه رجل أسلم فحسن إسلامه وهاجر وحسنت
(1/103)

هجرته وجاهد فحسن جهاده فلما فعل حمل أرضا بجزيتها فذلك الراجع على عقبيه
وعن قبيصة بن ذؤيب قال من أخذ أرضا بجزيتها فقد باء بما باء به أهل الكتابين
وقال الأوزاعي جمع أصحابنا بين خصلتي سوء دخلوا في الخراج وهو شريعة من شريعة الكفر ومنعوا به فريضة من فرائض الاسلام أخرجه حرب الكرماني وكأنه يريد به من قال إن العشر لا يؤخذ مع الخراج
وقد سبق في الباب الثاني عن خالد بن معدان وغيره التغليظ في ذلك مع أحاديث مرفوعة وقد علل بهذا الامام أحمد وأبو عبيد أيضا
قال أحمد في رواية حنبل لا تشتري الضياع بالسواد يؤدي الخراج هو من الصغار وقال في رواية حرب في المسلم يشتري من أرض الخراج ويؤدي الخراج قال مكروه
وذكر عن عمر رضي الله عنه أنه قال هو صغار وفسر إسحاق بن راهويه في كتاب الجامع القبالات التي كرهها الصحابة رضي الله عنهم كأبن عمر وابن عباس بتقبل أرض الخراج لما فيه من الصغار وعلى هذا المأخذ فلو اشتراها المسلم بشرط أن يكون خراجها على البائع فقد أجازه ابن مسعود رضي الله عنه وفعله كما روى يحيى بن آدم من طريق حجاج عن القاسم بن عبدالرحمن قال جاء دهقان إلى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقال اشتر مني أرضي فقال عبدالله على أن تكفيني خراجها قال نعم فاشتراها منه وقد سبق قول ابن مسعود من أقر بالفسق فقد أقر بالصغار فإذا اشتراها على أنه لا يؤدي الخراج فقد تخلص من
(1/104)

الصغار وتأوله أبو عبيد على أنه استأجرها لأنه لو اشتراها لم يكن خراجها على البايع ولكن لعل ابن مسعود رضي الله عنه رأى جواز هذا الشرط في البيع وينبني على هذا المأخذ أيضا جواز بيع أرض الخراج دون شرائها وهو مذهب إسحاق نقل عنه حرب أنه قال في بيع أرض الخراج رخص فيه سفيان واشترى الحسن والحسين من أرض الخراج قلت أتكرهه قال إنما كرهوا الشراء فأما البيع فلا بأس به ورخص فيه وينبني عليه أيضا أنه لو باعها من وصي لم يكره وأنكر آخرون أن يكون الخراج جزية وقالوا بل هو أجرة محضة كأجرة أرض الوقف
وذكل الليث بن سعد عن عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه قال إنما الجزية على الرؤوس وليس على الأرض جزية خرجه أبو عبيد قال وحدثنا ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن رجاء أبي المقدام عن نعيم بن عبدالله أن عمر بن عبدالعزيز أعطاه أرضا بجزيتها قال عبدالرحمن يعني من أرض السواد
ويدل على أن الخراج ليس جزية أنه يستدام على الكافر بعد إسلامه فلو كان جزية لسقط باسلامه فدل على أنه أجرة وقد أقر عمر وعلي وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم الدهاقين بعد إسلامهم على أرضهم بخراجها ولا نعلم في هذا خلافا إلا ما سنذكره على الأوزاعي رحمه الله ولما كان أكثر أصحابنا يقولون إن الخراج أجرة أشكل على بعضهم كراهة الدخول في الخراج فقال ابن عقيل في كتاب عمدة الأدلة لم يكرهه أحمد لكونه ليس بأجرة وإنما كرهه لما كان من زيادة السلاطين في زمنه على وظيفة عمر رضي الله عنه وحبسهم وضربهم على ذلك وأخذه وصرفه فيما لا يشرع صرفه قال ولا يجوز أن ينصرف كراهته الى الخراج الذي دخلت فيه الصحابة رضي الله عنهم ورضيت به أداء وأخذا ولكن الحوادث حدثت أو جبت معاونة ومشاركة في الباطل انتهى
(1/105)

وهذا تعليل غريب وهو مخالف لنفي أحمد
قال الأثرم سئل أبو عبدالله عن الذي يأخذ السلطان من الخراج من أصحاب القرى أيدخل في المعونة لهم قال لا ثم قال أرجو أن لا يدخل ثم قال الخراج لا بد منه والخراج مكروه قال وسئل عن المؤدي اليهم آثم في جور السلطان قال أرجو أن لا يكون عونا لهم
وذكر بعضهم مأخذا آخر لكراهة شراء المسلم الأرض الخراجية وهي أنه يسقط خراجها فيسقط بذلك حق المسلمين فينهي عنه كما ينهي الذمي عن شراء الأرض العشرية لما فيه من إسقاط حق المسلمين من العشر ثم هل يسقط عنه العشر إذا فعل أو يضاعف عليه أو يبطل بيعه على أقوال معروفة وهذا إن أريد به أن المسلم إذا اشتراها فلا خراج عليه فهذا لا نعلم به قائلا وإن أريد الواقع كان بينهم كذلك فالمنهي عنه هو إسقاط حق المسلمين من الخراج لا اشتراء الأرض الخراجية وقد روي عن عمر ما يشهد لهذا من رواية مجالد عن الشعبي أن عتبة بن فرقد اشترى أرضا من أرض الكوفة فطلب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجعلها صدقة فقال اشتريتها من أهلها قال اشتريتها ممن كانت في يده قال اشتريتها من أهلها ثم أدى عنها الخراج خرجه حرب الكرماني
وذكر بعضهم مأخذا آخر للكراهية وهو الاشتغال بالفلاحة عن الجهاد وذلك مذموم وقد سبق عن عبدالله بن عمرو بن العاص ما يدل عليه ولكن على هذا المأخذ لا فرق بين أرض الخراج وأرض العشر وقد وردت أحاديث تدل على كراهة الاشتغال عن الجهاد بالحراثة والتجارة كما ورد في سنن أبي داود عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنهم لما أرادوا أن يثمروا أموالهم ويدعوا الجهاد نهوا عن ذلك وأنزل الله عز و جل وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وفيها أيضا عن ابن
(1/106)

عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا تبايعتم بالعينة وتبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه رأى سكة حرث فقال ما دخلت هذه دار قوم إلا دخلهم الذل وخرج الاسماعيلي من طريق بكر بن عمرو المعافري عن عبدالله بن هبيرة السبائي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ألا أخبركم بنكثان الهجرة بينما الرجل في أريضته وبقيراته وغنيماته إذ وقع في نفسه الهجرة فخرج حتى إذا استحر بدار الهجرة قال لو رجعت فاتخذت أريضة إلى أريضتي وبقيرة إلى بقيراتي وغنيمة الى غنيمتي فذلك نكثان الهجرة غريب ومنكر ولعله موقوف
وقد روي عن علماء الشاميين لكراهة شراء الأرض الخراجية مأخذا آخر غير ما تقدم فروى أبو القاسم بن عساكر من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي وغيره أن عمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وBهم أجمع رأيهم على إقرار ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون عنها خراجا إلى المسلمين فمن أسلم منهم رفع عن راسه الخراج وصار ما كان في يده من الأرض وداره بين أصحابه من أهل قريته يؤدون عنها ما كان يؤدي من خراجها ولا يرون أنه وإن أسلم أولى بما كان في يديه من ارضه من أصحابه من أهل بيته وقرابته لا يجعلونها صافية للمسلمين ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض كرها لما احتجوا به على المسلمين من إمساكهم عن قتالهم فهابوا لذلك قسمتهم وأخذ ما في أيديهم من الأرض وكرهوا للمؤمنين شراءها طوعا لما كان من ظهور المسلمين على البلاد وعلى من كان يقاتلهم عنها ولتركهم
(1/107)

فان البعث إلى المسلمين وولاة الأمر في طلب الآمان قبل ظهورهم عليه قالوا كرهوا شراها منهم طوعا لما كان من وقف عمر رضي الله عنه وأصحابه الأرض محبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين المجاهدين لا تباع ولا تورث قوة على جهاد من لم يظهروا عليه بعد من المشركين انتهى
وهذا الكلام يتضمن أن من أسلم من أهل الخراج تؤخذ الأرض منه وتنقل إلى أهل قريته من أهل الذمة وهو غريب جدا وهو خلاف المروي عن عمر وعلي رضي الله عنهما من وجوه متعددة أنهما كان يقران من أسلم منهم في أرضه يؤدي عنها خراجا إذا اختار ذلك وعليه جمهور العلماء ويتضمن أيضا أن الأرض الخراجية لا تورث وسيأتي الكلام في إرثها إن شاء الله تعالى ويتضمن أن منع الصحابة من قسمتها بين الغانمين إنما هو لأن الدهاقين الذين كانت أرض الخراج بأيديهم ادعوا أنهم لم يقاتلوا المسلمين وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان ينهي عن قتل الفلاحين لكن هب أنهم لم يقاتلوا أليسوا كفارا والكافر وإن لم يحارب يجوز أخذ ماله وإنما يمتنع قتل من لا أهلية فيه للقتال كالشيوخ ونحوهم ولا يمنع ذلك أخذ أموالهم ولعل الأوزاعي وأهل الشام يقولون من امتنع قتله لعدم أهليته للقتال يمتنع أخذ ماله وهو غريب وظاهر قول الأوزاعي أن الأرض كانت لهم وأنها تركت لهم ملكا وقد سبق ما يدل على أن الأرض لم تكن للفلاحين إنما كانت معهم مخارجة كما كانت معهم في حال الاسلام ويتضمن أيضا أن منع المسلمين من شرائها منهم له مأخذان أحدهما أنه لما تعارض في حقهم أمارتان أحدهما يقتضي حقن دمائهم وأموالهم وهو ما تقدم والثانية يقتضي إباحتها وهي ظهور المسلمين على البلاد عموما وترك هؤلاء طلب الأمان قبل الفتح وذلك يقتضي أن الأرض فيء للمسلمين أو غنيمة لهم فلما تعارضت هاتان الأمارتان تركت
(1/108)

الأرض لهم ولم يتعرض عليها بعد ذلك بشراء منهم ولا غيره وهذا فيه نظر فان الأرض إذا كانت في الظاهر للمسلمين وقامت شبهة فيها للكفار فاذا تركت الأرض لهذه الشبهة لم يمتنع ذلك أخذنا لها منهم بعقد تراض من شراء أوغيره والمأخذ الثاني هو مأخذ الوقفية الذي نص عليه أحمد وغيره وقد سبق تقريره
وتوقف الشعبي في شراء أرض الخراج وقال لا آمر به ولا أقول هو ربا وروي عن شريح أنه اختصم اليه في ذلك فلم يقض فيه بشيء وقال عبدالله العنبري إذا جوزه السلطان فهو جائز يشير إلى أنه عقد مختلف فيه والسلطان له الحكم في المختلفات وكذلك قال صاحب المغني من أصحابنا أنه لو باع منه الامام شيئا لمصلحة عمارة ونحوها جاز قال ولو حكم بصحة البيع مطلقا حاكم نفذ حكمه للاختلاف فيه وهذا في الحكم بالصحة لا إشكال فيه
وأما بيع الامام فينبني على أن فعله هل هو حكم أم لا وفيه وجهان أحدهما هو حكم وهو قول أبي الخطاب وغيره فينفذ ولا يجوز نقضه والثاني ليس بحكم قاله القاضي في خلافه وصاحب المحرر فيحتاج الى حكم به منه أو من غيره ليمتنع نقضه وكلام صاحب المغني هاهنا أنه حكم إلا أن يفرق بين الامام الأعظم ومن دونه ولو أذن الامام في بيع بعض أراضي بيت المال فقد قيل إنه ينفذ إما لأن أذنه حكم في مختلف فيه وإما لوجوب طاعته فيما لا يعلم أنه معصية
وقد وقع في كلام طائفة من أصحابنا وغيرهم ما يقتضي وجوب طاعة السلطان فيما لا يعلم أنه محرم واعترض ذلك بعض أئمتنا المتأخرين وقال إنما يطاع في الأمر المجهول من علم علمه وعدله وأما من ليس كذلك فلا يطاع إلا فيما علم أنه ليس بمعصية وهذا أشبه بكلام الامام أحمد والله أعلم
(1/109)

وها هنا فرع قرأته بخط القاضي أبي يعلى قال إنسان ابتاع من أرض الخراج في نصف الحول احتمل أن يسقط خراج هذه السنة كما لو أسلم في أثناء الحول سقط الجزية وهما سؤالان هذا خراج الرؤوس وهذا خراج الأرض انتهى ولعل مراده أنه يسقط الخراج عن البائع ويستأنف المشتري حولا وظاهره أنه يسقط خراجها مطلقا فأما سقوط الخراج عن البائع بالبيع في أثناء الحول فظاهر لأن الخراج إنما يجب في آخر الحول إذا كان مماسحة وإن كان مقاسمة فيجب عند تصفية الزرع كما سبق فاذا زال الملك قبل ذلك فلا وجوب كما لا يجب الزكاة على النصاب إذا زال الملك قبل الحول فيه وأما التعليل بأنه جزية فيسقط بالاسلام فضعيف لوجهين أحدهما أن الخراج أجرة عند أصحابنا لا جزية والأجرة لا تسقط بانتقال الملك لكن ظاهر كلام أصحابنا أنه لا تسقط على مدة الحول كالأجرة وإنما يجب بآخر المدة ويدل عليه مسألة تعجيل الخراج التي ذكرناها في آخر الباب الماضي والثاني أن الاسلام لا يسقط الخراج فيكف يصح إلحاقه بالجزية وأما المشتري فظاهر كلام القاضي أنه لا خراج عليه في هذه السنة ولا يستألف حولا من حين ملكه بخلاف مشتري نصاب الزكاة والفرق بينهما أن الخراج مضروب على عموم الأرض في وقت واحد وكل أهله مشتركون في وقت وجوبه فلا يفرد بعضهم فيه بحول عن بعض بخلاف أموال الزكاة وفي هذا نظر ولا يبعد أن المشتري أن كان اشتغل في مدة ملكه أن الخراج عليه لأن الخراج عليه معتبر بالتمكن من الانتفاع وقد تمكن وانتفع وكذا لو تمكن ولم ينتفع وأما ان كان الخراج مقاسمة فلا إشكال في وجوبه على المشتري اذا اشتغل في مدته وهذا حكم الوارث اذا انتقل إليه أرض موروثه الخراجية في أثناء الحول
فصل قد سبق قول أحمد إن أرض السواد لا يشتري منها أكثر من
(1/110)

القوت وأن ما زاد عليه يتصدق به وله مثل ذلك نصوص كثيرة قال المروزي عن كتاب الورع قال أبو عبدالله هذه الغلة ما يكون قوتنا وإنما ذهب فيه إلى أن لنا فيه شيئا قال ودار بيني وبينه كلام وأخبرته عن رجل قال لو أن أبا عبدالله ترك الغلة وكان يبضع له صديق كان أعجب إلي فقال أبو عبدالله هذه طعمة سوء أو قال ردية من تعود هذا لم يصبر عنه ثم قال هذا اعجب إلي يعني الغلة ثم قال لي أنت تعلم إلى أن هذه الغلة لا تقيمنا وإنما آخذها على الاضطرار وذهب إلى أن يأخذ الرجل من السواد القوت ويتصدق بالفضل قلت له وترى أن يتخذ الرجل الضيعة في السواد قال حسبك يكون الرجل يتخذ القوت قال وقال لي أبو عبدالله بشر بن الحارث كان يأكل من غلة بغداد قلت لا هو كان ينكر على من يأكل قال إنما قوي بشر لأنه كان وحده لم يكن له عيال ليس من كان معيلا كمن كان وحده لو كان إلى ما بالبيت ما أكلت قال وسمعت أبا عبدالله يقول لو وجدت السبيل لخرجت من ها هنا
قال وسئل أحمد عن مسألة من الورع فقال أنا لا ينبغي لي أن اتكلم فيها أنا آكل من غلة بغداد لو كان بشر كان ينبغي أن يتكلم
وقال أحمد في رواية أبي طالب لا يتمول الرجل من السواد فان عمر رضي الله عنه أوقفه على المسلمين وإنما يجوز له قوته وقوت عياله
وقال في رواية حنبل أقمت ما ورثت من السواد مقام المضطر الذي ليست له حيلة أن يأكل ما لا بد له منه من الميتة فعلى هذا المعني أنزل السواد والمقام فيه وأحمد رحمه الله كان قد ورث من أبيه دورا وحوانيت ببغداد فكان ينزل الدور ويكري الحوانيت ويقتات منها وعنده أن بغداد من جملة أرض السواد نص على ذلك في رواية صالح وغيره لأنها كانت من أرض الخراج في زمن عمر رضي الله عنه
(1/111)

قال القاضي في الأحكام السلطانية الأصل في بغداد أنها وقف وقد تداولتها أيدي السلاطين وغيرهم بالبيع والاقطاع ورفع أيدي القوم الذين أقرهم فيها بالخراج الذي هو أجره فتحصل في حكم المغصوبة ومن أصله أن الزرع في الأرض المغصوبة لصاحب الأرض ولهذا اختار التقلل منها لأنها حال ضرورة والضرورة قد تؤثر في الاباحة انتهى
فالقاضي ظن أن غلة بغداد التي كرهها أحمد زرعها وليس كذلك ولم يكن لأحمد بها زرع ولا بالسواد وإنما كان له ببغداد حوانيت يؤجرها فما وجه القاضي به كلام أحمد ها هنا غير متوجه
وقال في كتاب المجرد قال أحمد التجارة أحب الي من غلة بغداد وإنما أخذها على الاضطرار فقيل له لم كرهتها وقد وقفها عمر رضي الله عنه فقال من أجل ما غير هؤلاء قال القاضي فقد بين علة الكراهة وهو ان حكم هذه الأرض أنها وقف على جماعة المسلمين لا يجوز لأحد أن ينفرد منها بزيادة على الحاجة وقد حدث من لم يعتبر هذا بل يملكها واستكثر منها فما يكون من غلتها يكون في أرض بغير حق ولهذا كرهه انتهى وهو عائد الى ما قبله من أن الغلة هي الزرع المزروع في الأرض وقد بينا أنه ليس ذلك مراد احمد وقال في كتاب الخلاف كلام أحمد هذا يدل على أن الفيء يصرف في الحاجات قال في رواية المروزي من كان في العطا إنما أخذوا على الفقر وأعجبه حديث طلحة قال مالك قلت لطلحة يا أبا عبدالله لو وجدت غنا عن العطاء لتركته قال طلحة هكذا نقول قال وقال في رواية بكر بن محمد الفيء لكل مسلم فيه حق إن رآه الامام وإعطاء الناس وأن يبلغ ذلك ولم يعط الامام وكان عدلا وهو على ما يرى فيه ويجتهد وهذا المحمل أشبه بكلام أحمد مما قبله وإن الفيء عنده يتقدم فيه ذوو الحاجات بقدر حاجاتهم وأنه على حسب اجتهاد
(1/112)

الامام العادل ولكن الامام العادل يتعذر وجوده في أغلب الأوقات فيأخذ كل مستحق منه بقدر حاجته عند الضرورة وليس له الزيادة على الحاجة ولهذا قال لا يتمول الرجل من السواد فإن عمر رضي الله عنه أوقفه على المسلمين وإنما يجوز له قوته وقوت عياله وهذا يدل على أن الأموال المشتركة إما بين عموم المسلمين أو بين قوم موصوفين بصفة كالوقف على الفقهاء ونحوهم لا يتمول منه وإنما يأخذ الانسان منه قدر قوته وقوت عياله لا سيما ان لم يوجد أمام عادل يقسمه بالعدل وذلك هو الغالب ولا يقال إن منه ما يوجد أجرة عن عمل كالتدريس ونحوه لا أولا لا نسلم أن ذلك أجرة محضة بل هو رزق وإعانة على العلم بهذه الأموال وأيضا فلو سلم أنه أجرة فالواقفون إنما أرادوا به إعانة جنس طلبة العلم مثلا لتكثيره ونشره فلا يجوز لواحد الاستبداد بالجميع فان هذا ينعكس به المقصود وأيضا فلو كان قوم من العمال يطلبون العمل في موضع فجاء من يستعملهم فطلب واحد منهم أن يتقبل جميع الأعمال في ذمته ويقيم من يعملها ويمنع بقية رفقائه من العمل فان هذا لا يخفي قبحه وتحريمه وهو أشد تحريما من احتكار الأقوات المحتاج اليها ومن تلقي الأجلاب وبيع الحاضر للبادي ونحو ذلك مما نهي عنه للتضيق على الناس
ولكن المشهور عن أحمد أن الفيء مشترك بين الغني والفقير نقله عنه جماعة من أصحابنا فعلى هذا ينبغي أن يجوز الأخذ منه للغني والفقير لا سيما إن أعطاه الامام لكن مع تخصيص الامام لم توجد القسمة المعتبرة ولهذا اختلف في ذلك الحسن وابن سيرين فتورع ابن سيرين من الأخذ لكونهم لم يعملوا بالقسمة وأخذ الحسن لأن الامام له ولاية التخصيص وان كان غير عدل ثم إن ههنا حالتين إحداهما أن يحصل للانسان من مال بيت المال بقسمة من هو غير عادل فهنا توقف أحمد وغيره من أهل التدقيق في الورع كابن سيرين كما توقفوا في أخذ العطاء من المملوك
(1/113)

وعلل أحمد بأن الثغور معطلة غير مشحونة والفيء غير مقسوم بين أهله وهذا لأن الفيء يجب فيه البداءة بمهمات المسلمين العامة ثم الباقي يقسم بين عموم المسلمين على رواية عنه وعلى أخرى يقدم ذوو الحاجات بقدرها ويقسم بالسوية من غير تفاضل على إحدى الروايتين فإذا خص بعضهم قبل سد مهمات المسلمين لم يعلم أنه يستحق بقدر ما أخذه وأيضا فهو كتخصيص المدين لبعض غرمائه بالعطاء دون بعض وهو غير جائز ولهذا يثبت للآخر حق الرجوع عليه وقد يجاب عن هذا بأن الفيء إذا علم أن فيه فضلا عن المهمات وقلنا يجوز قسمته على التفاضل فلا مانع حينئذ من الأخذ
والحالة الثانية أن يحصل في يد الانسان شيء بغير قسمة فسنذكره في باب مفرد إن شاء الله تعالى فمن ها هنا كان أحمد يتورع عن أجرة دور بغداد فتارة كان يخرج منها الخراج وتارة كان لا يخرج ويقدم حاجته ويتصدق بالفضل وأما أرض السواد فان كان الملوك يعطونها بغير خراج فهي كدور بغداد إلا أن يضعوا عنه الخراج فان فيه خلافا بين أحمد وإسحاق وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى
وأما إن كانوا يعطونها بالخراج فهذه مأخوذة معاوضة والأئمة لهم ولاية ذلك فلا ينبغي التوقف في جوازه وإنما وقعت الكراهة في كلام أحمد على الحالة الأولى لأن الغالب كان في زمانه استيلاء الملوك على السواد واستقطاعه واستصفاؤه لأنفسهم وأعوانهم ولهذا كان أهل الورع الدقيق من العلماء كابن سيرين والثوري وأحمد يتشددون في قطائع الأمراء وصوافهم لأنفسهم وأعوانهم ولا يرون السكنى فيها ولا الأكل من زعرها لأنها في أيديهم كالغصب لأنها من مال الفيء وهم مستولون عليها بغير حق ولا يعطون المسلمين بخراج ولا غيره
(1/114)

وفي زاد المسافر قال أبو عبدالله في رواية حنبل مكة إنما كره إجارة بيوتها لأنها عنوة دخلها النبي صلى الله عليه و سلم بالسيف فكلما كان عنوة كان المسلمون فيه شرعا واحدا وعمر رضي الله عنه إنما ترك السواد لذلك وقال عمر رضي الله عنه لا يمنعوا نازلا بليل أو نهار لأهل مكة لأنه لم يجعل لهم ملكا دون الناس فالحاج فيه سواء العاكف فيه والباد المقيم فيه والقادم والسواد وكل عنوة كذلك انتهى وتمام هذه الرواية ذكرها غير أبي بكر وهو قال ولا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم قيل لأبي عبدالله فأراد السلطان أن يفعل ذلك قال كل إمام يقوم بذلك وكان له ذلك إلى السلطان الامام يصرف كيف شاء إلا الصلح لهم ما صولحوا عليه وهذا غريب جداأن السواد وكل عنوة لا يؤجر كبيوت مكة ويكون الناس فيه شرعا واحدا والمعروف من مذهب أحمد أن مكة لا تباع دورها ولا تؤجر فمن الأصحاب من بني ذلك على القول بأنها فتحت عنوة كما دل عليه كلام أحمد
هذا وقال إن قلنا فتحت صلحا فهي ملك لأهلها فتباع وتؤجر ومنهم من قال بل تباع وتؤجر على القولين لأن النبي صلى الله عليه و سلم فتحها عنوة ثم ردها إلى أهلها ولم يقسمها فصارت ملكا لهم وهو اختيار صاحب المغني وقد أنكر أحمد في رواية الميموني قول من قال إن دورهم ليست لهم ومنهم من علل بأنها بقاع المناسك ويحتاج المسلمون كلهم الى نزولها فيشتركون فيها للحاجة الى ذلك ثم منهم من يقول هذا على كلا القولين سواء قلنا فتحت عنوة أو صلححا ويجب بذل الفاضل من المساكن عليهم مجانا للواردين كما يجب بذل فضل الأموال في مواضع ومنهم من يقول بل النبي صلى الله عليه و سلم أزال ملكهم عنها بعد الفتح وجعلها مشتركة بين المسلمين وأما الحاق أراضي العنوة بها في ذلك وأنه لا يمنع منازلها ولا أرضها فهو غريب جدا وإنما يكون ذلك في فاضل المنازل المتسعة للسكنى خاصة كما في بيوت
(1/115)

مكة وأولى وإذا منع أهلها من النزول إلا بأجرة فانه يعطيهم الأجرة وإن لم يجز لهم أخذها كما يعطي الحجام الأجرة وإن لم يطب له أكلها كذلك نص عليه أحمد في درو مكة وكان سفيان يهرب ولا يعطيهم شيئا وأنكر ذلك أحمد من فعله قال القاضي لأنه لما استأجر منهم فقد عقد عقدا مختلفا فيه فيكره مخالفته وظاهر كلام القاضي أنه لا يجب عليه الوفاء لهم بالأجرة وكلام أحمد يدل على خلافه
المسئلة الثانية إجارة أرض العنوة وهي نوعان إجارة الدور للسكنى وإجارة المزارع للاستغلال أما إجارة الدور للسكنى فقد ذكر آنفا رواية حنبل عن أحمد لا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم وهذه والله أعلم على طريق الكراهة لا التحريم فان أحمد كان له ببغداد دور يكريها ويقتات من كرائها إلى أن مات ووصى عند موته أن يقضي دينه من أجرتها إلا أنه كان يتأول في ذلك أنه مضطر إليه وأماإجارة المزارع للأزدراع فيجوز قال أحمد في رواية الأثرم وأبي داود ومحمد بن حرب إذا استأجر أرضا من أرض السواد ممن هي في يده فجائز ويكون فيها مثلهم
وأكثر الأصحاب لم يحكوا في جواز ذلك خلافا لأن أرض الخراج مستأجرة في يد متقبلها بالخراج فيجوز له إجارتها كسائر الأرض المستأجرة من الوقف وغيره وفرق القاضي بين إجارة أرض العنوة واجارة بيوت مكة كان أرض العنوة ضرب الخراج عليها إجارة لها وقد فعله من فتحها بخلاف بيوت مكة فإن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن إجارتها لكن النهي المرفوع عن إجارة بيوت مكة يضعف والصواب وقفه على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
وحكى القاضي وابن عقيل أيضا رواية أخرى بعدم جواز إجارة أرض العنوة مطلقا من غير تفصيل بين المساكن والمزارع وذكر في كتاب
(1/116)

الروايتين أنها اختيار أبي بكر وجزم بذلك ابن عقيل في فتوته وإن حكم إجارتها حكم بيعها فلا ترد الاجارة إلا على البنيان دون المزارع مع أن في بيع البنيان خلافا سبق ذكره وعلل القاضي المنع بأنها أرض عنوة فلم تجز إجارتها كرباع مكة وهذه الرواية تؤخذ من روايته السابقة التي سوى أحمد فيها بين بيوت مكة وغيرها وقال لا يعجبني بيع منازل السواد ولا أرضهم فسوى بين المزارع ولكن القاضي إنما أخذها مما رواه إسحاق بن هانيء عن أحمد في الرجل يستأجر أرضا من أرض السواد قال يزارع رجلا أحب إلي من أن يستأجرها قال في كتاب الروايتين فظاهر هذا في رجل استأجر من أرض السواد شيئا ممن هو في يديه هو جاز يكون فيها مثلهم وقال يزارع رجلا أحب إلي من أن يستأجرها فصرح بجواز الاجارة مع استحبابه المزارعة عليها
قال القاضي في الأحكام السلطانية وإنما اختار المزارعة على الاجارة لأن الاجارة أخذ عوض عن منفعة الأرض وقد منع من أخذ العوض عليها والمزارعة بذل منفعة عن عوض العامل ولذلك اختاره على الاجارة انتهى
ومتى كانت اجارة أرض الخراج إجارة عين مستأجرة فينبغي أن يتخرج فيها الخلاف المذكور في إجارة عين المتسأجرة وهل يجوز بأزيد من الأجرة مطلقا أم لايجوز مطلقا لدخوله في ربح ما لم يضمن أو يفرق بين أن يكون قد جدد فيها شيئا أم لا وإذا قلنا يصح استئجارها وهو الصحيح فيكون الخراج باقيا علىالمؤجر وعلى المستأجر له الأجرة هذا قول أكثر أصحابنا القاضي ومن اتبعه وهو قول شريك والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأبي بكر بن عياش وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز والزهري في المسلم إذا زرع في أرض الخراج من غير تفصيل بين
(1/117)

الاجارة وغيرها ووجه ذلك أن الخراج لازم لمن كانت الأرض في يده على الدوام وهو المتقبل بالخراج ويده باقية على الانتفاع والتمكن منه زرع أو لم يزرع فاذا أجر فقد انتفع بالأرض فاستقر الخراج عليه وقال أبو حفص العكبري من أصحابنا الخراج على المستأجر لأنه المنتفع بالأرض حقيقة وأخذ ذلك من رواية أبي الصفر عن أحمد في الرجل يتقبل الأرض من أرض السواد يتقبلها من السلطان فعلى من يتقبلها أن يؤدي وظيفة عمر رضي الله عنه ويؤدي العشر بعد وظيفة عمر رضي الله عنه وللأصحاب في رواية أبي الصفر تأويلان أحدهما أن أحمد أراد ما أخذ المسلم أرضا من أرض الخراج من السلطان بخراجها وهذا لا إشكال فيه فإن هذا بمنزلة من يقبل الأرض بخراجها من عمر رضي الله عنه عند الفتح وليس هذا بمستأجر ممن عليه الخراج لأن السلطان لا خراج عليه وإنما هو ناظر للمسلمين وعلى هذا حمله القاضي في الأحكام السلطانية وأبو البركات بن تيمية وهو الصحيح والثاني أن المستأجر رضي بالتزام الخراج من جملة الأجرة وكان الخراج معلوما عنده فصار مستأجرا بقدر الخراج المؤجل وبالأجرة المعجلة قاله ابن عقيل وفيه بعد
وفي مسائل الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن الرجل يستأجر أرضا من قصر عبدويه الجريب بكذا وكذا فقال أرض السواد من استأجر منها شيئا ممن هو في يديه فهو جائز يكون فيها مثله قيل له إنها من هذه القطائع من قصر عبدويه فقبض يده وقال أما هذه فلا أدري ما هي ثم قال هذه القطائع يخرجونها من أيدي من شاؤا ويدفعونها إلى من شاؤا وكره الدخول فيها قلت لأبي عبدالله فما كان من أرض السواد في يدي من كانت في يديه فلا بأس أن يستأجرها رجل بأجر معلوم يؤدي الذي في يديه قال نعم لا بأس بهذا
ونقل محمد بن أبي حرب عن أحمد معنى ذلك وظاهر قوله يكون فيها
(1/118)

مثله أي مثل المؤجر فيؤدي خراجها وقد تأوله القاضي في بعض تعاليقه على أنه استأجرها بأجرة معلومة وبقدر خراجها كما تأول ابن عقيل رواية أبي الصفر وفيه بعد ومن المتأخرين من حملها على أنه يقبلها ممن عليه الخراج على التأبيد فيقبل يده عنها بعوض فقام مقامه في تأدية الخراج عنها والانتفاع بها إلى غير غاية وهذا معنى بيع منفعتها كما تقدم وفيه أيضا نظر ويحتمل أن يقال قوله فيها هو مثله أي في جواز الانتفاع والاستغلال لكن هذا يقتضي أيضا عموم الانتفاع ولو كان مستأجرا حقيقة لكان انتفاعه مختصا بما استأجر له وتفريق أحمد بين الاستئجار ممن عليه الخراج وبين الاستئجار من المقطعين لأن المقطع قد تملكها بغير خراج وذلك منهى عنه كما سبق بخلاف المتقبل لها بالخراج فإنها في يده بحق
فصل فلو ساقى على أرض الخراج أو زارع عليها فالخراج عليه لا ينتقل عنه ذكره القاضي في المجرد وهو ظاهر ما نقله صالح بن أحمد عن أبيه وكان ابن سيرين يدفع أرضه الخراجية بالثلث ويؤدي عنها الخراج ولو أعار أرض الخراج فالخراج عليه أيضا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية وكذا ذكره يحيى بن آدم في كتابه ويتخرج أن الخراج على المستعير كالمستأجر ولو غصب أرض الخراج فزرعها الغاصب واستغلها فقال أبو البركات بن تيمة قياس المذهب أنه كالمستأجر عليه العشر وفي الخراج روايتان قال وقال محمد بن الحسن إن نقصت الأرض الرزاعة دخل بعض الأرض في الخراج فان كان النقص مثل الخراج أو أكثر فالخراج في ذلك النقص وإن كان أقل فالخراج على الغاصب ويسقط النقص لدخوله فيه وقال أبو يوسف قول أبي حنيفة إن الخراج على الغاصب لأنه لما لزمه غرامة النقص صار كالمستأجر وأما العشر فلا يجب عندهم بحال انتهى
(1/119)

وقد سبق الحكاية عن ابي حنيفة أن الخراج على المؤجر وهو مخالف ما ذكره هنا فليحقق
المسئلة الثالثة رفع صاحب الخراج يده عنها بالكلية وأصل ذلك أن تقبل الأرض بخراجها عقد لازم من جهة الامام ما دام المتقبل قادرا على أداء خراجها وعمارتها فان عجز عن عمارتها رفعت يده عنها وكذا إن امتنع من أداء الخراج
روى حصين بن عبدالرحمن قال كتب عبدالحميد بن عبدالرحمن إلى عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه إن شاء أهل السواد سألوا أن يوضع عليهم الصدقة ويرفع عنهم الخراج فكتب إليه عمر إني لا أعلم شيئا أثبت لمادة الاسلام من هذه الأرض التي جعلها الله تعالى فيأ لهم فاسألهم فمن كان له في الأرض أهل ومسكن فأجر على كل جدول منها ما يجري على أرض الخراج ومن لم يكن له بها أهل ولا مسكن فارددها إلى البنك من أهلها قال حصين وأصل هذا أنه من كانت في يده أرض فرضي بأن يؤدي عنها الخراج وإلا فليردها فيمن يؤدي عنها الخراج من أهلها خرجه يحيى بن آدم وأبو عبيد واللفظ له وإنما أقر عمر رضي الله عنه من له أهل ومسكن بالخراج لأن أخذ مسكنه منه وإخراج أهله منه فيه عليه ضرر بخلاف إخراج من ليس له أهل ولا مسكن وهو عقد جائز من جهة المتقبل فله أن يخرج من الأرض إذا شاء وقد خير عمر وعلي وغيرهما من الخلفاء رضوان الله عليهم أجمعين من أسلم على أرض خراج إن شاء أقام وإن شاء ترك أرضه للمسلمين
ولو أراد أحدهم الخروج وله ماء أو غراس في الأرض فهل يقال للامام أن يتملكه للمسلمين من مال الفيء إذا رآه أصلح كما يتملك الناظر للوقف ما غرس فيها أو بنى بالأجرة بعد انقضاء المدة لا يبعد أن
(1/120)

يجوز ذلك بل هي أولى بذلك من ناظر الوقف لوقوع الاختلاف في ملك الموقوف عليهم لرقبة الوقف وأما المسلمون فانهم يملكون رقبة أرض العنوة وإن وهب للأرض وآثر بها غيره جاز أيضا وقام الثاني مقامه في الانتفاع وأداء الخراج ذكره أصحابنا و منهم من قال لا يصح هبتها ولذلك نص عليه أحمد معللا بالوقفية ومراده هبة رقبتها لأنها ليست مملوكة له أما رفع يده عنها ونقلها إلى غيره بغير عوض فيجوز ولو وصى بداره من أرض السواد جاز فإن كان فيها بناء يملكه فهو محسوب من الثلث ولا يحسب رقبة الأرض من الثلث
قال أحمد في رواية بكر بن محمد في رجل له دار يريد أن يوصي بثلث داره فقال أحمد أكره أن تباع الدار من أرض السواد إلا أن يباع البناء فإذا كان للرجل مال وله دار نظر إلى بناء الدار والملك الذي عنده فإذا أوصي بثلث ذلك وكان له دار تساوي عشرة آلاف دينار وبناؤها خمسة آلاف سوى بحسبها على خمسة آلاف ولو وقف داره من أرض السواد قال أحمد في رواية أبي طالب فيمن كانت له دار في الربض أو بقطيعة فأراد أن يخرج منها ويتنزه عنها كيف يصنع قال يوقف قلت لله قال نعم وسألته عن القطائع توقف قال نعم إذا كان للمساكين يرجع إلى الأصل إذا جعلها للمساكين وحمل القاضي هذه الرواية على أحد أمرين إما على أن الوقف كان للبناء المملوك وفيه بعد أو على أن وقفه طابق الوقف الأول لا أنه أنشأ وقفا جديدا وأخذ ابن عقيل من هذا رواية بأن أرض السواد يملكها من هي في يده بالخراج وهذا مخالف لما تواتر عن أحمد فلا يثبت عنه خلاف ذلك بكلام محتمل والأظهر أنه أراد بوقفها وقف بنائها ورفع يده عن رقبتها إلى مستحقها وهم المساكين لأنهم مستحقوا الفيء ولكن يقال الفيء لا يختص المساكين باستحقاقه بل هم أحد جهاته فكيف يخصون بما هو مشترك بينهم وبين المسلمين عموما وقد يخرج
(1/121)

هذا على قوله بتقديم الفقراء والمساكين منه كما تقدم تقريره وكذلك المروزي عن أحمد فيمن ورث ضياعا وأراد التنزه عنها قال لا يدعها في يد أخوته لكن يشهد أن ميراثه منها وقف قال وأعجب إلي أن يقفها على قرابته فإن لم يكن فجيرانه أو من أحب من أهل المسكنة قوم يعرفهم يقفها لهم ويدعها في أيديهم ثم يخرج فإن كانت هذه الضياع من أرض السواد فهذا نص من أحمد على جواز وقفها على بعض مستحقي الفيء وإن كانت من غير السواد وإنما تنزه عنها لشبهة غصب ونحوه فالأمر واضح لأن المغصوب التي لا يعرف أربابها يتصدق بها واقفها على بعض جهات البر كالصدقة بها ويحتمل أن يقال إن الوقف هنا للمنفعة المملوكة له ملكا مؤبدا مدة حياته و تورث عنه بعد وفاته وإذا كان ذلك فيحتمل أن وقفها يأتي على منفعة للأرض دائما لكونها مالا له موروثا عنه وليس في ذلك إبطال لحق المسلمين لأن حقهم في الخراج وهو باق عليها ويحتمل أن يقال يصح وقفها مدة حياته فقط كوقف أم الولد عند من أجازه من الشافعية ولكن وقف المنافع مما لا يجوز عند الأصحاب
وقال أحمد في رواية المروزي في رجل وقف غلته على المساكين أو على أم ولده قال الغلة لا توقف أنما توقف الأرض فما أخرج منها فهي عليهم وهذا يدل على الثمرة لا توقف إنما يوقف أصلها ولكن الوقف في منافع الأرض الخراجية ليس واردا على عين ما يخرج من ثمر وزرع بل على منفعة الأرض المملوكة بالخراج التي يستحق بها الزرع والغراس في الأرض وأرض العنوة إنما هي فيء للمسلمين ليست وقفا على معنى الوقف الخاص كما تقدم تقريره
وذكر القاضي وابن عقيل فيمن وقف ضيعة قال تكون الغلة بعد عمارتها وحق السلطان الى جهة عينها أنه يصح وهذا يدل على صحة وقف
(1/122)

الأرض الخراجية كما ذكرناه فان منفعهتها مملوكة لمن هي في يده بعقد لازم من جهة الأمام وهي تورث عنه ويده ثابتة على رقبتها فهي كاملاكه المحضه
فصل وأما انتقالها ميراثا إلى الورثة فهو ثابت لا سيما إن كان فيها بناء أو غراس ذكره القاضي وأخذه من نص أحمد في رواية حنبل على أن السواد كوقف وقفه رجل على ولده ثم على ولد ولده وقد ذكرنا لفظه فيما سبق وبعضهم نقل الإجماع عليه
وممن ورث الأرض الخراجية ابن سيرين و رثها عن أبيه وكان يزارع عليها مع تشدده ومبالغته في الورع وكذلك الأمام أحمد ورث عن أبيه دورا وكان يستغلها حتى مات وورث من زوجته أيضا قال أبو جعفر بن المنادي سأل رجل أحمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله وسكن في دار منه كيف سبيله عنده فقال هذا شيء قد ورثته عن أبي فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه ودفعت اليه وقال الخلال أخبرني محمد ابن علي السمسار قال كانت لأم عبدالله بن أحمد دار معنا في الدرب يأخذ منها درهما حق ميراثه فاحتاجت الى نفقة فأصلحها عبدالله فترك أبو عبدالله الدرهم الذي كان يأخذه وقال قد افسده علي
وقد سبق عن الأوزاعي نحو ذلك ولعل مراده القربة أيضا قال القاضي ونقل المروزي أن أحمد سئل هل ترى أن يورث الرجل من السوادقال وهل يجري في هذا ميراث قال القاضي إنما أراد أن رقبته لا تورث وهذا حق
وفي مسائل صالح سألت أبي عن رجل مات وترك ورثة وترك دكانا عليه خراج للسلطان فأحرق الدكان فأعطى بعض الورثة الخراج كله وبني الدكان من عنده بعلم الورثة إلا أنهم لم يروا فجاءوا بعد يطلبون حصتهم
(1/123)

من الدكان وقالوا هو بيننا قال أبي أما الخراج فيلزمهم كلهم وأما البناء فإن كانوا أذنوا فهو بينهم جميعا فإن لم يكونوا أذنوا فالبناء بناؤه ولهم أن يقولوا انقض بناءك فهو لك وحقهم ثابت في الدكان إلا أن يتراضوا به بينهم ويؤدوا إليه ما أنفق وهذا نص في إرث أرض الخراج وان خلت عن بناء لأن البناء المورث لهم ملكا قد احترق كله و بقيت عرصة الأرض ومع هذا فقد جعلها حقا بين الورثة كلهم وجعل الخراج عليهم جميعا
المسئلة الرابعة قضاء الديون منها ولها ثلاث أحوال
أحدها أن يبيعها في قضاء الدين فإن باع رقبتها لذلك لم يجز نص عليه وإن باع البناء وحده ففيه ما سبق
الحالة الثانية أن يقضي الدين من أجرتها أو من ثمن ما يستغله منها من ثمرة أو زرع فيجوز لأن ذلك كله يملكه ونقل المروزي وغيره أن أحمد وصى في مرضه أن عليه خمسة وأربعين دينارا دينا فأوصى أن تعطى الغلة حتى يستوفي حقه يعني من أجرة ما يكون يكريه وذلك في وصيته أنه يعطي فورا كل شهر شيئا مسمى من الغلة ويعطي أم ولده ثمانية دراهم في كل شهر ما أقامت على ولدها قال القاضي ووجه ذلك أنها في يده بعقد إجارة يعني الخراج والاجارة لا تبطل بموت المستأجر فكانت باقية على حكم ملكه ولذلك يصح وصيته منها وقوله إن الدور كانت معه بعقد إجارة ممنوع بل كانت معه ميراثا ولم يكن على مساكن بغداد خراج وإنما كان أحمد أحيانا يؤدي الخراج من عنده على ما سبق وقوله إن الاجارة لا تبطل بالموت فتبقى على حكم ملكه يقتضي أن استأجر شيئا مرة ثم مات في أثنائها فإن منافع بقية مدة الاجارة كمنافع الأعيان المملوكة له ومنافع الأعيان المملوكة له له الوصية بها كمنافع دوره
(1/124)

ورقيقه وما يحدث من حمل شجرة وأمانة وما يقبض من نجوم كتابة رقيقه فله التصرف في ذلك كله بالوصية وله أيضا أن يوصي بقضاء ديونه من بعضها كما يوصي بقضاء دين عليه من نجوم مكاتبه بعد موته فيصح ويلزم تنفيذها وقد صرح بذلك أصحابنا كالقاضي وابن عقيل والسر في ذلك أن المالك يملك منافع أمواله وفوائدها أبدا فالتصرف فيما يحدث منها بعد موته نفذ تصرفه والوراث إنما يستحق ما فضل عن حقوق موروثه وتصرفاته المعتبرة وليس له الاعتراض على ما تعلق به حق موروثه وتصرفاته المعتبرة وليس له الاعتراض على ما تعلق به حق موروثه من المنافع والأعيان ثم القاضي وابن عقيل ذكرا في باب الكتابة أن الثمرة الحادثة بعد موت الموصي كالثمرة الموصي بها وكنجوم الكتابة لا يدخل في التركة وهذا خلاف ما قرراه في وصاياهما فإن أرادا أنها تحدث ابتداء على ملك الموصي له ولا يحسب من ثلث مال الميت فهذا مخالف لما قرراه وهو بعيد وإن أرادا أن الوصية به لا تصح لحدوثه على ملك الورثة فكذلك أيضا وصرح طائفة من أصحابنا بقضاء ديون الميت من ثمرة أشجاره ونمائه مطلقا سواء أوصى بذلك أو لم يوص ومنهم ابن السني وقد دل عليه قضاء عمر دين أسيد بن حضير من ثمره أربع سنين كما تقدم ذكره وأما ما يتجدد من منافع الأعيان الموقوفة فإنها تنتقل إلى من يستحق الوقف بعده بمجرد موته لأن الطبقات كلها تتلقى الوقف عن الواقف على الصحيح ولا نعلم في شيء من ذلك خلافا إلا ما قاله المالكية فيمن كان له سكنى دار وقفا عليه فمات أن امرأته تستحق السكنى حتى تنقضي عدتها لأنه من تمام سكنى عياله المتعلق به وإذا تقر هذا فمنافع الأرض الخراجية إذا كانت مع من هو متقبل لها بالخراج أو مع من يجوز له الانتفاع بها من مستحقي الفي فهو مالك لها وما يحدث من أجورها أو ثمراتها حكمه حكم ثمرات ملكه الخالص فلذلك جازت الوصية بقضاء الديون من نجوم الكتابة كما صرح به الاصحاب وكما تصح الوصية بذلك تبرعا
(1/125)

للأجنبي ولهذا تورث الأرض الخراجية بخلاف الأوقاف على معين وقد أثر كل هذا على كثير من الأصحاب فلم يجوزوه وظنوا أن الخراجية إذا قلنا هي وقف كالوقف على معين فلا يقضي ما يحدث بعد موت المستحق لها شيء من ديونه ولا يتعدى وصاياه ولما رأوا وصية الامام أحمد بخلاف ذلك قالوا أرض الخراج مختلف فيها هل هي ملك أو وقف فلما دخلها الشبه والتأويل ألحقت بالملك كما أجاب بذلك الآمدي وهو جواب ضعيف
الحالة الثالثة يدفع الأرض بمنافعها معاوضة عن الديون اللازمة له فيصح نص عليه أحمد في رواية حنبل ومحمد بن أبي حرب الجرجاني في رجل لامرأته عليه صداق وله ضيعة بالسواد امرأته وغيره بالسواد يسلمها إليها وقال في رواية إسحاق بن هانيء في ر جل يكون له ضيعة بالسواد وعليه دين لا يبيع ضيعته في السواد وإن كان لامرأته عليه مهر يدفع إليه بمالها من الأرض ولا يبيعها قال القاضي معناه أنه يسلم إليه حقه من منافعها ولم يرد تسليم الرقبة وهذا ظاهر لأن ملكه إنما هو المنافع وأما الرقبة فهي يده لاستيفاء المنافع المستحقة له كالعين المستأجرة فأراد أحمد أن يجوز دفع هذه المنافع عوضا عن الديون التي عليه لأنها مال قابل للمعاوضة ولا سيما إن كان فيها له ملك من بناء أو غراس ولو تزوج امرأة وأصدقها هذه المنافع ابتداء صيح نص عليه أحمد في رواية ابنه عبدالله في رجل تزوج امرأة على أرض السواد ثم طلقها قال إن دخل بها تدفع إليها الأرض وإن لم يدخل بها فلها نصف الأرض قال القاضي ظاهر هذا يقتضي جواز أن يكون منفعة السواد عوضا في الصداق مع قوله لا يجوز بيعها وغير ممتنع أن تكون منفعة الرقبة صداقا وإن لم يجز بيع الرقبة كمنفعة الوقف على رجل يعينه وكمنفعة أم الولد قال ويجب أن تكون المسئلة محمولة على أنه شرط لها مدة معلومة كما يجوز ذلك في منفعة
(1/126)

الوقف على معين وفي منفعة أم الولد أو شرط أجلا مطلقا فتكون مدته الفرقة انتهى وحاصله أن المهر يجوز أن يكون منفعة مملوكة وإن كانت الرقبة غير قابلة للمعاوضة كمنافع الوقف وأم الولد ونحوهما وأما منافع الحر ففي صحة أصداقها خلاف وتفصيل ليس هذا موضعه لكونها غير مملوكة حيقيقة
ولو قدر أنها ملحقة بالأموال منافع الأرض الخراجية كمنافع الوقف بل هي من جملة منافع الوقف عند كثير من الأصحاب فيصح أن يكون صداقا ومن هنا أخذ بعضهم جواز بيع هذه المنافع قال لأنه إذا جاز جعلها صداقا جاز جعلها ثمنا وأجرة حيث قال الأصحاب ما جاز أن يكون ثمنا وأجرا أن يكون صداقا قال وما جاز أن يكون ثمنا جاز ان يكون مثمنا وأما قول القاضي أن المسألة محمولة على أنه شرط مدة معلومة كمنافع الوقف وأم الولد ففيه نظر وظاهر كلام أحمد أنه جعل صداقها منافع الأرض أبدا والفرق بينهما وبين منافع أم الولد والوقف أن تلك لا تستحق منافعها على التأبيد بل يبطل حقه من منافعها بموته بخلاف هذه المنافع فانه يستحقها كما يستحق منافع أملاكه فكذلك ملك المعاوضة عليها على التأبيد وقوله انه إذا أطلق الشرط كانت مدته الفرقة يعني إذا أصدقها منافع الأرض الخراجية مطلقا من غير توقيت كانت موفية بمدة الزوجية كما قالوا إذا تزوجها على مهر مؤجل فانه يحل بالفرقة وقد بينا أن كلام أحمد إنما يدل على أن الصداق هو هذه المنافع على التأبيد فتقوم الزوجة مقامه فيها ويكون الخراج عليها وأما الدين المؤجل فلا بد من حلوله وإلا لم يكن له فائدة فجعل أجله الفرقة
(1/127)

@ 128 @
(1/128)

الباب التاسع
في حكم تصرفات الامام في أرض العنوة بعد أن تصير فيئا للمسلمين أو وقفا
قد سبق حكم دفعها بالخراج وحكم بيع بعضها إذا رآة مصلحة كما ذكره أصحابنا أو مطلقا كما قاله العنبري قاضي البصرة وحكم بيع ما انتقل الى بيت المال ولم يصر وقفا وبقي مسائل أخر منها إذا أراد إعادتها الى القسمة بين الغانمين فان قلنا هي وقف لم يجز وإن قلنا فيء وهو الصحيح فقد تقدم على علي رضي الله عنه أنه هم بقسم السواد وذلك دليل على أنه يجوز للامام العادل تغيير ما فعله من قبله من الأئمة العدل إلا أنه لم يفعله
وإذا أراد تخصيص بعض المسلمين بشيء منها فله صورتان إحداهما أن يقطع بعضها لبعض المسلمين فان قلنا هي وقف لم يجز وصرح بذلك الأصحاب القاضي وغيره معللا بأن تغيير الوقف لا يجوز وقرأت بخط القاضي قال أحمد في رواية الأثرم دور البصرة أقطعت على عهد عمر رضي الله عنه قيل له فالكوفة كيف يسن فيها قطايع هذه الأرض السواد وتلك أرض أحيوها فاستخرجوها يعني البصرة قلت وتمام هذه الرواية قال وقد اقطعوا أيضا بالكوفة فذكر حديث عثمان رضي الله عنه أنه أقطع عبدالله وخبابا وهي في كتاب العلل للأثرم وساقها الخلال في كتاب العلل من طريق الأثرم ومن رواية إبراهيم بن الحارث عن أحمد أيضا
(1/129)

وقد تكاثرت نصوصه بكراهة ما أقطعه الملوك من أرض السواد والأمر بالتنزه عنها وعن مغلها وجعله في حكم المغصوب المستولي عليه بغير حق وكان يسهل القول في اقطاع من ينتفع المسلمون به لجهاده قال المروزي سئل أبو عبدالله عن القطائع التي بطرسوس هي مثل قطائع بغداد فقال لا بل تلك عندي أسهل في نحر العدو انتهى
وهذا يدل على أن الاقطاع إذا كان لمن ينتفع به المسلمون كان شبيها بإقطاع عثمان رضي الله عنه وروى عنبسه ما يدل على جواز الاقطاع للامام العادل من أرض العنوة على أنها أرض فيء وليست وقفا وفي كلام أحمد ما يدل على كلا القولين بل فيه تصريح بهذا وبهذا أعني أنها وقف وأنها فيء فأما أن يحمل ذلك على اختلاف قولين أو على أن الوقف أريد به معنى الوقف لا حقيقة قال في رواية ابن منصور الأرضون التي يملكها ربها ليس فيها خراج مثل هذه القطائع التي اقطعها عثمان رضي الله عنه في السواد لسعد بن مسعود وخباب رضي الله عنهم فرأى عمر رضي الله عنه أن يدع الأرض للمسلمين ورأى عثمان رضي الله عنه لمنزلة هؤلاء من الاسلام وما يأتوا ففيه أن يقطعهم فيها ونقل صالح عن أبيه نحوه و قال الأثرم قلت لأبي عبدالله أليس قد اقطع عثمان عبدالله وخبابا وغيرهما رضي الله عنهم فقال هذا أيضا يقوي أن أرض السواد ليست بملك لمن هي في يده أن عمر رضي الله عنه لم يقطع وعثمان أقطع بعد فلو كان عمر رضي الله عنه ملكها من هي في يده لم يقطع عثمان رضي الله عنه بعد قيل لأبي عبدالله إنهم يقولون إنما أقطع عمر رضي الله عنه أرض كسرى ودار البريد فنفض يده وقال ليس هذا بشيء قلت فاحتجوا بقول عبدالله ويزادان ما يزدان فقال نعم عثمان رضي الله عنه أقطعه أي حجة في هذا وفي مسائل أبي داود قال أحمد أرض السواد
(1/130)

فيها الخراج لكن القطائع ليس يؤدوا عنها الخراج وهذا نصوص بصحة اقطاع الامام العادل أرض السواد
وقد أنكر قول من قال إنما أقطعهم من أرض كسرى وأرض البريد وهذا كان يقوله بعض الكوفيين قالوا إنما أقطع عثمان أرضا اصطفاها عمر رضي الله عنه جعلها لبيت المال لم يقطع الأرض الخراجية لأنها عندهما ملك لمن هي في يده بالخراج فأنكر أحمد ذلك
وقد روي في هذه الصوافي آثار متعددة قال يحيى بن آدم حدثني قيس بن الربيع عن رجل من بني أسد عن أبيه قال اصطفى حذيفة أرض كسرى وأرض آل كسرى ومن كان كسرى اصفى أرضه وأرض من قتل ومن هرب والاجام ومغيض الماء
قال يحيى وحدثنا عبدالله بن المبارك عن عبدالله بن الوليد عن عبدالله بن معقل حدثني عبدالملك بن أبي حرة عن أبيه قال اصفى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من هذا السواد عشرة أصناف أصفى أرض من قتل في الحرب ومن هرب من المسلمين وكل أرض لكسرى وكل أرض كانت لأحد من أهله وكل مغيض وكل دين يزيد قال ونسيت أربعة قال وكان خراج ما أصفى سبعة آلاف ألف فلما كانت الجماجم أحرق الناس الديوان فأخذ كل قوم ما يليهم
قال وحدثني عبدالسلام بن حرب عن عبدالله بن الوليد المزني عن رجل من بني أسد قال لم أدرك بالكوفة أعلم بالسواد منه قال بلغت غلة الصوافي على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربعة آلاف ألف قلت وما الصوافي قال إن عمر أصفى كل أرض كانت لكسرى أو لآل كسرى أو رجل قتل في الحرب أو رجل لحق بأهل الحرب أو مغيض
(1/131)

الماء أو دير بريد وهذه الأسانيد فيها جهالة ثم إن في بعضه أن هذه الأرض كان عليها الخراج فلم يبق حينئذ يبنها وبين بقية السواد فرق إلا أن يدعي أن هذه لم تملك وإنما كان خراجها إجارة بخلاف أرض الدهاقين التي أقرت في أيديهم فانهم ملكوها بالخراج وهذه دعوى مجردة
ومن متأخري أصحابنا من ادعى أن اقطاع عثمان رضي الله عنه كان من موات السواد وهو أبعد وأبعد وممن قال إن عثمان رضي الله عنه إنما أقطع من الصوافي أبو عبيد أيضا لأنه يرى أن أرض السواد كالوقف قال وهذه الصوافي كان أهلها قد جلسوا عنها فلم يبق بها ساكن ولا لها عامر فكان حكمها إلى الامام كالموات قال فاقطعها عثمان رضي الله عنه لمن يعمرها ويقوم بخراجها وهذا بناء منه على أن موات أرض السواد لا يملك إلا بالاحياء فيكون فيه الخراج على من عمره وذكر القاضي أبو يعلى متابعة للماوردي أن إقطاع عثمان رضي الله عنه كان من هذه الصفايا وأن عثمان أقطعها وشرط على من أقطعها أن يأخذ منه حق الفيء فكان ذلك منه اقطاع إجارة لا إقطاع تمليك وقد رد ذلك بعض أصحابنا وقال الاقطاع ينافي الاجارة فان المفهوم منه الاباحة فحمله على الاجارة غير معروف لغة ولا عرفا
وذكر القاضي أن هذه الصفايا اصطفاها عمر رضي الله عنه بتطييب نفوس الغانمين وهذا بيعد على أصلنا لأن الامام له عندنا أن يقفها كلها بغير رضى الغانمين وإنما هذا مأخوذا من كلام الماوردي وذكر القاضي أن حكم مثل هذه الصفايا أنه تصير لبيت المال كالوقوف المؤبدة فلا يجوز للامام بيعها ولا إقطاعها وذكر في أرض بيت المال المنتقلة إليه عمن لا وارث له أنه يجوز بيعها وصرف ثمنها في المصالح على قولنا أنها لا تصير وقفا وهل يجوز إقطاعها على قولين وضعف القول بمنعه وقد سبق من
(1/132)

كلام أحمد ما يدل على أن حكم أرض العنوة كلها كذلك يجوز أن يقطعها الامام العادل لأنها فيء للمسلمين فله أن يترك خراجها مشتركا بينهم وله أن يخص بها من شاء منهم وقد تأول القاضي قول أحمد إنها تصير مملوكة ولا خراج عليها بأن عثمان رضي الله عنه أقطعهم خراجها وهذا فاسد لأن أحمد صرح بأنها مملوكة لأربابها وعلى ما ذكره القاضي تكون باقية على ملك المسلمين وخراجها باق إلا أن الامام اختص به هؤلاء المقطعين
وروى يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن ابراهيم بن مهاجر عن موسى بن طلحة قال أقطع عثمان خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود وخباب وأسامة بن زيد قال وأراه قال والزبير فأما أسامة فباع أرضه وخرجه أبو عبيد عن قبيصة عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر به مختصرا وخرجه أيضا عن أبي نعيم عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن موسى بن طلحة عن عثمان رضي الله عنه مثله قال أبو عبيد سألت قبيصة هل ذكر فيه السواد قال لا وروى هذا الأثر محمد بن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم بن مهاجر عن موسى ابن طلحة قال أقطع عثمان رضي الله عنه اسبيتا وأقطع لخباب رضي الله عنه صعما واقطع لسعد رضي الله عنه قرية هرمز خرجه الخلال في العلل وذكر عن أحمد انه قال قالوا أليس هو كما ابن فضيل في سبيتا إنما هو كذا وكذا يعني أنه أخطأ في تسمية هذه القرية وهذا تصريح بأنه من أرض السواد ويدل عليه أيضا قول ابن مسعود رضي الله عنه وبرذان ما برذان يعني أن تلك كان برذان
وروى الحسن بن زياد في كتاب الخراج عن الربيع عن أشعث ابن سوار عن موسى بن طلحة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منح
(1/133)

سعدا وابن مسعود رضي الله عنهما أرضا من ارضهما وهذا غلط وإنما منح عثمان رضي الله عنه وذكر الخلال من طريق حنبل قال قيل لأبي عبدالله فما أقطع عمر في السواد يصح لمن كان في يده منها شيء قال قد أقطع عمر رضي الله عنه بجيلة ثم رجع ورأى أن ليسوا بأحق به من المسلمين واقطاع عمر رضي الله عنه ما أقطع من غير السواد ليس في قلبي منه شيء وهذا يدل على التوقف في إقطاع السواد وأما قوله أقطع عمر رضي الله عنه بجيلة ثم رجع ورأى أن ليسوا أحق به من المسلمين فهذا يخالف ما نقله عنه الأثرم في قطائع السواد أن عمر رضي الله عنه لم يقطع وأن عثمان رضي الله عنه أقطع والأثرم أحفظ من حنبل بما لا يوصف وقد سبق أن عمر رضي الله عنه إنما أعطى بجيلة من السواد قسمة لهم من غنيمتها ثم رأى أن تركها فيئا للمسلمين أصلح فلذلك استرجعها منهم
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه أقطع من السواد من وجه آخر رواه يحيى بن آدم عن قيس بن الربيع عن إبراهيم بن مهاجر عن شيخ من بني زهرة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى سعد يقطع سعيد بن زيد رضي الله عنهم أرضا فأقطعه أرضا لنبي الرفيل فأتى ابن الرفيل عمر رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين على ما صالحتمونا قال على أن تؤدوا إلينا الجزية ولكم أرضكم وأموالكم وأولادكم قال يا أمير المؤمنين أقطعت أرضي لسعيد بن زيد قال فكتب إلى سعد يرد عليه أرضه وهذا فيه جهالة وقد يتعلق به من يرى أن عمر رضي الله عنه رد عليهم أرضهم ملكا
وذكر المروزي في كتاب الورع قال سمعت أبا عبدالله يقول كان محمد أفضل من أبيه عبدالله بن إدريس قال وسمعت عبدالوهاب
(1/134)

يعني الوراق يقول كان ابن إدريس يجري على ابنه محمد وعلى زوجته عشرة في كل شهر من قطيعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابن إدريس هو عبدالله بن إدريس الكوفي العالم المشهور بالعلم والدين وكان شديدا في أمر السواد ويقول في كل من معه شيء منه أن يرده على أهل القادسية ومع هذا فقد أخذ من هذه القطيعة التي لعمر رضي الله عنه وكان ابنه محمد شابا متعبدا وكان أحمد وغيره يفضلونه على أبيه في الورع والزهد والعباد رضي الله عنهما
هذا كله في إقطاع رقبة أرض العنوة فأما اقطاع الامام منافعها وخراجها فيجوز وقد حمل القاضي رواية ابن منصور عن أحمد على ذلك كما سبق وسيأتي القول في إقطاع الخراج دون المنافع فيما بعد إن شاء تعالى
الصورة الثانية أن يقف الامام بعض العنوة على طائفة مخصوصة من المسلمين أو واحد منهم فإن قلنا أرض العنوة وقف فلا يجوز تغيير وقفها الأول عما هو عليه بغير رضى باقي الغانمين وإن قلنا إنها فيء يشترك في منافعها المسلمون الامام بعض المسلمين بها وقفا فهذه المسئلة حدثت في وسط الدولة العباسية واختلف الفقهاء فيها فقالت طائفة لا يجوز ذلك وحكي عن أبي حامد الاسفرايني من الشافعية ووجهه بعضهم بأن المصلحة قد تقتضي في مستقبل الزمان صرفه إلى ما هو أولى فلا احتياط في ذلك بخلاف التمليك فانه يجوز عندهم وقالت طائفة منهم يجوز ذلك وقيل إنه مذهب الشافعي وأخذوه من قول الشافعي في سير الواقدي فيما فتح عنوة فمن طاب نفسا عن حقه فجائز للامام أن يجعله وقفا على المسلمين يقسم بينهم على أهل الخراج والصدقة وحيث يرى الامام قالوا وقوله حيث يرى الامام كالصريح منه في جواز الوقف على
(1/135)

معين وفيه نظر فان الشافعي إنما قال يجعله وقفا على المسلمين وأما قسمة الغلة ففي أهل الخراج والصدقة وحيث يراه هذا ظاهر كلامه وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأرض المغنومة من الكفار داخلة في الفيء وأنها مشتركة بين المسلمين وإن تخصص الغانمين بها إذا رآة الامام يكون من باب تخصيص بعض المسلمين بما هو مشترك بين جميعهم وينبغي أن يكون وقف الامام لبعض أرض العنوة على بعض المسلمين ينبني حكمه على حكم إقطاعها كما تقدم فان قلنا لا يجوز إقطاعها فوقفها أولى وإن قلنا يجوز إقطاعها فوقفها كذلك
وقد سبق ما حكيناه عن الشافعية وأنه يقتضي جواز التمليك وأن الخلاف عندهم في الوقف وهو منقول من كلام ابن الرفعة ولكن ما ذكره من التفريق بين الوقف والتمليك بأن المصلحة قد تقتضي الصرف في المستقبل الى ما هو أولى والوقف بمنعه فيقال وكذلك التمليك أيضا فلا فرق بينهما ثم إن المنقول في كتب أصحابهم أن إقطاع التمليك لا مدخل له في العامر من أرض العنوة ولا غيرها وإنما ذكر الماوردي منهم جواز اقطاع الامام بعض أرض العنوة إقطاع إجارة كما سبق عنه فاذا منعوا من إقطاع أرض العنوة وتمليكها به فكيف يجوزون الوقف هذا مشكل جدا وذكر بعضهم وأطنه عبدالسلام أن وقف الملوك على جهة إن كانوا متمكنين في الشريعة من تمليك تلك العين تملك الجهة ابتداء صح الوقف كالوقف على جهة بر ما يستحقه تلك الجهة ومن ذلك بناء المدارس والربط وان لم يكونوا متمكنين من ذلك شرعا كإيقافهم الضياع على أولادهم وإمائهم لم يصح لعدم جلبهم مصلحة تحصل للمسلمين قال ولو وقفنا على مدرسة أكثر مما يستحق كمدرسة يوقف عليها نصف أقليم مثلا لم يصح فيما زاد على ما يستحقه
ووجد في بعض مجاميع أبي عمرو بن الصلاح بخطه صورة فتيا كتبت
(1/136)

بعد الخمسمائة في مواضع ينتفع بها ليس لها مالك معين ووقفها الامام على رجل من أهل العلم ثم على عقبة ثم على الفقراء أو اتصل بالوقف أحكام القضاة والاسجال به فهل هذا الوقف صحيح وهل يجوز لأحد من الولاة تغييره وصرفه الى جهة أخرى أجاب ابن عقيل أن ما لا يعرف له مالك فتصرف الامام فيه نافذ بما يراه من المصلحة من وقف وغيره ولا يملك أحد من خلق الله اعتراضه ولا تغييره وكتبه ابن عقيل وبعده جوابي مثله وكتب محمد بن أحمد بن الشاشي جوابي مثله وكتب أحمد بن علي بن برهان وبعده الجواب وبالله التوفيق أنه ينفذ حكم الحاكم ولا يرد ولا يعترض عليه وكتب أحمد بن الشاشي وبعده الجواب صحيح وكتب الزيني الجواب صحيح وكتب ابن الحلواني الأجوبة المشار إليها موافقة للشرع وكتب أحمد المهني وسئل عن مثل ذلك جماعة من الطبقة الأخرى عبدالله بن محمد بن أبي عصرون وعبدالرحمن بن محمد الغرنوي الحنفي ويونس بن محمد بن منعة ومسعود النيسابوري فافتوا جميعا بالصحة قال ابن الصلاح قلت ولصحة هذا الوقف اتجاه انتهى
ولكن ليس هذا السؤال في أرض العنوة وإنما هو في أرض ليس لها مالك معين فيحتمل أنها أرض انتقلت الى بيت المال ممن لا وارث له ونحو ذلك فقد تقدم أن القاضي أبي يعلى ذكر أن هذه يصح إقطاعها وتمليكها بخلاف أرض الفي ويمكن أن يفرق بينهما من وجهين أحدهما أن أرض العنوة قد سبق للخلفاء الراشدين فيها أحكام فلا تغير أحكامهم ولا يعترض عليها والثاني أن أرض بيت المال إذا انتقلت من مسلم لا وارث له وقلنا إنها تنتقل إرثا فالمسلمون كلهم جهة واستيعابهم بالقسمة غير ممكن فتخصيص الواحد منهم تعيين المستحق بالميراث فيمتنع
وها هنا فرع يقع كثيرا في هذه الأزمان المتأخرة وهو أنه يوجب كثيرا
(1/137)

هنا في أرض السواد وأرض الشام أو غيرهما مما فتح عنوة أرض مملوكة أو موقوفة بيد أربابها وهي ثابتة الملك أو الوقف عند الحكام وقال بعض متأخري الشافعية لا يغير ذلك ولا يزيلها عن يد من هي في يده لاحتمال أن تكون صارت اليه بطريق صحيحة وتكون خارجة عن وقف عمر رضي الله عنه قال وعلى القاضي أن يحترز في سماع هذه البينة لئلا يعتمد اليد المحتملة للملك انتهى
ويجوز أيضا أن يكون من فتوح عمر رضي الله عنه وباعها من يدري ان عمر رضي الله عنه ملكها لأربابها بالخراج وحكم بذلك من يراه ومتى كان عليها خراج مستمر الى الان قوي هذا الاحتمال فتصير الأرض ملكا أو وقفا لمن هي في يده والخراج حق لبيت المال عليها وقد وقع السؤال في هذا الزمان عن جواز زيادة هذا الخراج فرأى بعض الفقهاء أنه لا يجوز زيادته لأنه لا يعرف أصل وضعه هل هو بحق أم لا فلا يجوز الزيادة فيه مع هذا التردد ويقتصر على القدر الذي هو موضوع على هذه الأرض ولا سيما إن طال أمد ذلك وتقادم ولكن تقادم عهده مع ما نقل من فتح عمر رضي الله عنه لهذه البلاد عنوة ووضعه الخراج عليها مما يقوي أن وضعه بحق فإذا صارت رقبة الارض وقفا أو ملكا خاصا بالطريق المذكور لم يسقط بذلك خراج الأرض وأيضا فيجوز أن تلك الارض بعينها فتحت صلحا ووضع عليها خراج أقررناها به على ملكهم لها ثم اسلموا وحكم حاكم باستمرار الخراج فانه محل اجتهاد ومثل هذا الخراج لا يزاد فيه بغير خلاف أما لو علم أن ذلك من أرض فتح عمر رضي الله عنه عنوة ووضع عليها الخراج ولم يوجب مع أصحابها إلا كتب ثابتة بملك مطلق من غير تعرض لمحل الخلاف بين العلماء في مسئلة تملك أرض العنوة وبيعها وشرائها فإن كان الحاكم ممن لا يرى ان أرض العنوة تملك رقابها فيبعد نفوذ هذا الحكم ولزومه لأن من صادف حكمه مختلفا فيه ولم يعلم به
(1/138)

وكان لا يراه فله نقضه إلا أن يتصل به حكم آخر ممن يرى جواز ذلك وان كان ممن يرى ذلك فلزومه متوجه
فصل ويثبته وقف الامام لبعض أراضي الوقف من مال الفيء إذا كان فيه مصلحة عامة ذكره الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله واستدل له بأن النبي صلى الله عليه و سلم أعتق بني هوازن بعد قسمهم بين المسلمين وعوض من لم يطب نفسه برد نصيبه منهم من مال الفيء فدل على أنه يجوز أن يشتري بمال الفيء من يعتقه للمصلحة هي ها هنا تألف هوازن على الاسلام واذا قلنا يجوز للرجل أن يعتق من زكاة نفسه فعتق الامام من زكوات الناس أولى وإذا جاز اعتاقه من الزكوات فمن مال المصالح العامة أولى قال ويجوز أيضا أن يعتق من مال المصالح وان كانت المصلحة تختص بالعتق لأن اعتاق الرقيق بمنزلة اعطائه لو كان حرا بل الاعتاق أوسع من الاعطاء ولهذا يجيز للمريض اعتاق وارثه من ثلاثة بخلاف اعطائه إذ الاعتاق اسقاط لا تملك فيه وأما حكم ولائهم فقال يحتمل أن يقال لا ولاء عليهم لاحد بمنزلة عبدالكافر إذا أسلم وهاجر ويحتمل أن يقال الولاء عليهم للمسلمين قال وعلى هذا اذا اشترى السلطان رقيقا ونفذ ثمنهم من مال بيت المال ثم اعتقهم كان الملك فيهم ثابتا للمسلمين ويكون ولاؤهم مع عدم نسيب لهم في بيت المال لأن ولاءهم إما لبيت المال استحقاقا أو لكونهم لا وارث لهم فيوضع مالهم في بيت المال و ليس ميراثهم السلطان لأنه اشتراهم بحكم الملك لا بحكم الملك ولو احتمل أن يكون اشتراهم لنفسه وأن يكون اشتراهم للمسلمين حمل تصرفه على الجائز وهو شراؤهم للمسلمين دون المحرم وهو شراؤهم لنفسه من بيت المال فانه ممتنع قال ولو عرف أنه اشتراهم لنفسه بمال المسلمين حكم بأن الملك للمسلمين لا له لأن له ولاية الشراء
(1/139)

للمسلمين من بيت مالهم فاذا اشترى بمالهم شيئا كان لهم دونه ونية الشراء لنفسه بمالهم محرمة فتلغى ويصير كأن العقد عري عنها
وهذا ملخص ما ذكره وبكل حال فبين العتق والوقف فرق وهو أن الموقوف إذا كان أرضا ففيه قطع استحقاق المسلمين عموما الى يوم القيامة لمنافعها الى يوم القيامة وهذا بخلاف اعتاق الرقيق نعم لو وقف منقولا من مال بيت المال كان مثل عتق الرقيق والله أعلم
(1/140)

الباب العاشر
في حكم مال الخراج ومصارفه والتصرف فيه
وفيه مسائل الأولى أن الخراج على من هو عليه حكمه حكم الديون واجب في ذمته لأجل أرضه فهو موضع على رقبة الأرض كما توضع الجزية على رقاب الآدميين هذا نص أحمد وإسحاق
وروي عن عمر بن عبدالعزيز وهو قول مالك والشافعي والأكثرين من العلماء الذين يقولون يجتمع وجوب الخراج والعشر لأن الخراج أجرة الأرض واجبة في الذمة والعشر واجب في الزرع فهو كما لو استأجر أرضا أو اشتراها بثمن في ذمته وزرعها وخالف في ذلك أبو حنيفة وطائفة من الكوفيين
وروي عن عكرمة وغيره وقالوا لا عشر مع الخراج وجعلوا الخراج متعلقا بنفس الثمرة والزرع وهذا يشبه قولهم أنه يسقط بتلف الثمرة والزرع جائحة وأنه لا يوجد كاملا إلا إذا أخرجت الأرض مثليه فان أخرجت مثله أخذ منه نصفه وقد روي عن عكرمة أنه كان لا يأخذ من أرض الخراج عشرا باسناد مجهول وان صح فان أرض الخراج في وقته كانت من أهل الذمة وليسوا من أهل العشر ورووا فيه حديثا مرفوعا من رواية يحيى بن عنبسة عن أبي حنيفة عن حمار عن ابراهيم بن علقمة عن عبدالله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال لا يجتمع على المسلم خراج
(1/141)

وعشر قال ابن عدي هذا الحديث لا يرويه غير يحيى بن عنبسة بهذا الاسناد عن أبي حنيفة وإنما يروى هذا من قول ابراهيم ويحكيه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم من قوله وهو مذهب أبي حنيفة وجاء يحيى بن عنبسة فرواه عن أبي حنيفة فأوصله الى النبي صلى الله عليه و سلم فأبطل فيه قال ويحيى بن عنبسة هذا مكشوف الأمر في ضعفه لرواياته عن الثقات الموضوعات ومن السلف من قال يدخل الخراج في العشر ويؤخذ الفاضل من العشر
روى بقية عن سعيد بن عبدالعزيز حدثني ابراهيم بن أبي عبلة قال كانت لي أرض أؤدي عنها الجزية فكتب فيها عبدالله بن عوف الكناني وكان واليا عليهم قال فكتب اليه عمر يعني ابن عبدالعزيز أن اجعل الجزية من العشر ثم خذ الفضل وإذا تقرر أن الخراج دين في الذمة كان حكم استيفائه حكم استيفاء سائر الديون فان كان من هو عليه موسرا حبس به وان كان معسرا أنظر به ولا يباع عليه فيه إلا ما يباع في وفاء غيره من ديون الآدميين ولا يعذب على أدائه
روى اسماعيل بن ابراهيم بن مهاجر حدثنا عبدالملك بن عمر حدثني رجل من ثقيف أن عليا استعمله على عكبرا قال ولم يكن السواد يسكنه المصلون فقال لي بين أيديهم استوف منهم خراجهم ولا يجدون فيك رخصة ثم قال لي إذا كان عند الظهر فأتني فأتيته فقال إني لم استطع أن أقول لك إلا الذي قلت لك بين أيديهم لأنهم قوم خدع ولكن آمرك وإن يبلغني عنك خلاف ما آمرك به عزلتك لا تبيعن لهم رزقا يأكلون ولا كسوة شتا ولا صيف ولا تضربن رجلا منهم سوطا في طلب درهم فانا نؤمر بذلك ولا تبيعن لهم دابة يعملون عليها إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو قلت إذا أجيك كما ذهبت قال وان فعلت قال فأتيتهم فاتبعت
(1/142)

ما امرني به فرجعت والله ما بقي علي درهم واحد إلا أوفيته خرجه يعقوب بن شيبة
وخرج أيضا من طريق جعفر الاحمر عن عبدالملك بن عمير به نحوه وزاد فيه ولا يقيمن رجلا قائما في طلب درهم وقال فيه إنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو يعني الفضل وروى هذا الحديث خلف بن تميم عن اسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبدالملك بن عمير به عن أبي مسعود الثقفي عن علي رضي الله عنه
روى أبو عبيد حدثنا أبو مسهر حدثنا سعيد بن عبدالعزيز قال قدم سعيد بن حديم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له عمر رضي الله عنه مالك تبطيء بالخراج فقال أمرتنا أن لا نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم على ذلك ولكنا نؤخرهم الى غلاتهم فقال عمر رضي الله عنه لا عزلتك ما حييت
قال أبو عبيد إنما وجه التأخير الى الغلة للرفق بهم قال ولم نسمع في استيفاء الخراج والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا
ثم روي عن مروان بن معاوية عن خلف مولي آل جعدة عن رجل من آل أبي المهاجر قال استعمل علي رضي الله عنه رجلا على عكبرا فذكر نحو حديث عبدالملك بن عمير مختصرا وقال فيه لا تبيعن لهم في خراجهم حمارا ولا بقرة ولا كسوة شتاء ولا صيف وأرفق بهم
وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا يباع لهم شيء في الخراج قال صالح سألت أبي عن الرجل يبيع الشيء على حد الضرورة أيشتري منه قال لا كأنه يؤخذ بخراج فيبيع ليؤدي قال لا يعجبني أن يشتري منه
(1/143)

وذكر الحسن بن زياد اللؤلؤي في كتاب الخراج أنهم ان كسروا من الخراج شيئا لم يبع لهم عرضا ولم يعدل بهم وإن صار على أحد منهم ما شد بعدما مضت السنة لم يأخذه بالماشد
وفي صحيح مسلم عن هشام بن عروة عن أبيه عن هشام بن حكيم ابن حزام قال مر بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤسهم الزيت فقال ما هذا قيل يعذبون في الخراج قال أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا وفي رواية أخرى له حبسوا في الجزية
المسئلة الثانية في مصرف الخراج ومصرفه مصرف الفيء عند الجمهور وقد سبق لأحمد نصوص متعددة بذلك وأن حكم السواد حكم الفيء يعني مغله وخراجه وكذلك قال في رواية بكر بن محمد وابي النصر الفيء ما صولحوا عليه من الأرضين وجزية الرؤس وخراج الأرضين فهذا لكل المسلمين فيه حق الغني والفقير وهذا أيضا مذهب الحسن بن حي والشافعي ونقل صاحب التهذيب من المالكية وهو البرادعي قال الأوزاعي وقف عمر والصحابة رضي الله عنهم الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده فمن افترض فيه ونيته الاجتهاد فلا بأس به قال قال مالك أما جزية الأرض فلا أدري كيف كان يصنع فيها إلا أن عمر رضي الله عنه أقر الأرض ولم يقسمها بين الذين فتحوها وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضاه من أهل العلم والأمانة من أهل البلد كيف كان الأمر في ذلك
وإنما توقف فيه مالك لأن الخراج ليس مأخوذا من الكفار خاصة بل يؤخذ من الكفار وغيرهم وهو مأخوذ بعقد معاوضة لكنه لما كان عوضا عن
(1/144)

منفعة الأرض المستحقة للمسلمين التي هي فيء لهم صرف مصرف الفيء وقد تقدم عن معمر أنه قال بلغنا أن هذه الآية ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى نزلت في الجزية والخراج
وذكر ابن المغلس الظاهري من أصحاب داود أن مال الجزية عندهم يصرف في المصالح وليس بفيء فان الفيء عندهم يخمس كله ولم يذكر قولهم في مصرف الخراج وقد ذكر طائفة من أصحابنا الاختلاف في تخميس الفيء وعدوا ما من جملة أموال الفيء المختلف في تخميسه الجزية والخراج ومنهم من قال لا يخمس الخراج وان قلنا بتخميس الفيء كذا ذكره القاضي في الأحكام السلطانية إلا أنه علل بأن أصله قد خمس وهو الأرض المغنومة وهذا لا يجيء على المذهب فان المذهب أن الأرض كلها توقف من غير تخميس
وحكى طائفة من أصحابنا منهم أبو الخطاب الاجماع على أن الجزية لا تخمس فالخراج أولى إذ الجزية مأخوذة من مال الكفار وأما الخراج فهو عوض عن مالهم
السئلة الثالثة للامام ولاية المطالبة بالخراج كجزية الرءوس وقد كان عمر وعثمان وعلي ومن بعده يبعثون عمالهم على جباية الخراج وهذا متفق عليه فان طالب للامام وجب الدفع اليه وما لم يجز تفرقته وذكر القاضي والاصحاب في كتاب الزكاة أنه لا يجوز تفرقته دون الامام بخلاف الزكاة وفرقوا بينهما بأن الزكاة فرض من فروض الاسلام ومصارفها معينة فجاز لمن وجبت عليه أن يتولاها بنفسه والخراج والجزية يصرف في المصالح العامة ويحتاج الى اجتهاد ويتعلق بها حق جميع المسلمين والامام هو النائب لهم
(1/145)

والمجتهد في تعيين مصالحهم وكذا ذكر القاضي في الأحكام السلطانية متابعة للماوردي أن أموال الصدقات تجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها بخلاف من في يده من مال الفيء فانه ليس له أن ينفرد بقسمته في مستحقيه حتى يتولاه أهل الاجتهاد من الأئمة
وذكر القاضي في خلافه الكبير في مسائل الاحتهاد أن المنصوص عن أحمد أنه يجوز لمن عليه الخراج أن يتولى تفرقته بيفسه على مستحقيه ثم ذكر قول أحمد في رواية محمد بن العباس وسئل عن الرجل يكون له الغلات في مثل هذا البلد يعني بغداد فيمسحها ويخرج خراجها على ما وظف عمر رضي الله عنه على السواد ويقسم على المساكين قال إن فعل فهو حسن وكذلك نقل يعقوب بن بختان في الرجل عما في يديه على ما وظف عمر رضي الله عه على كل جريب يتصدق به قال ما أجود هذا ثم علله القاضي بأنه مال لا قوام غير معنيين فجاز لمن حصل في يديه تفرقته كاللقطة والزكاة قال ويتخرج المنع وأنه يحمله الى الامام لأنه قال فيمن كانت في يده رهون لا يعرف مالكها أنه يتصدق بها ويرفعها الى الحكام
وللقاضي طريقة ثالثة كتبها بخطه على ظهر جزء من خلافه انه يجوز عند تعذر الامام المجتهد العادل لمن عليه الخراج أن يتولى إخراجه بنفسه على مستحقيه بغير خلاف وذكر نص أحمد المتقدم ثم قال والوجه فيه أنه قد تعذر الوصول الى جهة الامام الذي تولى إخراج ذلك في وجوهه قال وقد أجاز أحمد ما هو في معنى هذا فيمن في يده وديعة ولا يعرف مالكا جاز له أن يتصدق بها وكذلك قال في الرهون إذا عدم أصحابها قال والوجه فيه أنه مال ليس له مالك معين فجاز لمن حصل في يده أن يتولى صرفه بنفسه كاللقطة قال فإن كان من وجب عليه الخراج يجوز
(1/146)

صرفه عليه فهل يجوز له صرف ذلك إلى نفسه نقل عن أحمد ما يدل على جوازه لأنه قال في رواية الميموني في الوالي يدع الخراج فقال لا الخراج فيء لو تركه أمير المؤمنين كان فأما من دونه فلا قال فقد أجاز إسقاط الخراج عنه قبل قبضه منه لذلك في حق من وجب عليه لأن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه وتفارق الزكاة لأنها تجب في العين فلهذا إذا وجبت عليه وهو ممن يجوز أن يرد عليه أنها تقبض منه قال ويحتمل المنع لأنه قد وجب عليه إخراج ذلك من ماله ولا يجوز له أخذه لحق نفسه من تحت يده كزكاة ماله إذا كان به حاجة اليها انتهى ما ذكره
وعندي أن كلام أحمد في جواز صرف الخراج الى مستحقه إنما هو فيما إذا لم يطالب به الامام فان كلام أحمد انما هو في دور بغداد كما كان هو يفعل بداره ومعلوم أن دور بغداد لم يكن السلطان يطالب بخراجها فاما مع مطالبه الامام وبعثه الجباة لأخذ الخراج فليس في كلام أحمد جواز تولى أخراج ذلك لمن هو عليه وأما أخذه من رواية الميموني أن من عليه الخراج له أخذه لنفسه فان رواية الميموني تدل على عكس ذلك فانه لم يجز فيها لمن دون الامام الأعظم من ولاة الأمور الاستبداد باسقاطه فكيف يجيز ذلك لمن هو عليه أن يسقطه عن نفسه وانما في نصه هذا أن إيتاء الخراج ليس بواجب بخلاف الزكاة وسنذكر هذه المسئلة إن شاء الله تعالى
ومذهب أبي حنيفة إذا أخرج الخراج بدون إذن الأمام فله أخذه منه ثانيا وان لم يطلبه الامام أخرجه المالك
المسئلة الرابعة إن قبض الخراج ليس بواجب عندنا بل يجوز للامام اسقاطه عمن وجب عليه اذا كان من مستحقه وقد تقدم نص أحمد بذلك
(1/147)

في رواية الميموني وهو قول أبي يوسف وقال محمد بن الحسن وإسحاق ابن راهويه فيما نقله عنه حرب لا يجوز بل يجب فيه القبض كعشر الزكاة وقد تقدم أن القاضي فرق بين الزكاة والخراج بأن الخراج حق في الذمة فلا معنى لأخذه منه ورده عليه كما يقول في تقاضي الدينين في الزكاة عندنا وعند الاكثرين وهذا الفرق انما يجب عندنا بوجوب الزكاة في العين أما على قولنا بوجوبها في الذمة فلا يتوجه وفرق غيره بينهما بأن الزكاة يجب ايتاءها لله عبادة وطهرة فالاخراج فيها واجب ولهذا يشترط لها النية ولا يحصل ذلك بالاسقاط بخلاف الخراج فانه حق لبيت المال من جنس حقوق الآدميين العامة كثمن ما اشتراه من بيت المال وقيمة ما أتلفه له فيجوز للامام اسقاطه عمن هو عليه وأيضا فالزكاة يعتبر فيها تمليك المستحق ويجوز صرفها الى من لا يملك بخلاف مال الفيء فانه يصرف في المصالح العامة كسد البتوىء وكري الأنهار وعمارة القناطير فجاز أن يبرأ منه من هوعليه
المسئلة الخامسة اقطاع الامام الخراج قال القاضي في الأحكام السلطانية الخراج يختلف حكم اقطاعه بخلاف حال مقطعه وله ثلاثة أحوال
أحدها أن يكون من أهل الصدقة فيجوز لأنه يجوز صرف الفيء في أهل الصدقة وقال قوم لا يجوز صرف الفيء إلى أهل الصدقة كما لا يستحق الصدقة أهل الفيء
الحالة الثانية أن يكون من أهل المصالح ممن ليس له رزق مفروض فلا يصح أن يقطعوه على الاطلاق وان جاز أن يقطعوا من مال الخراج لأن ما يقطعونه إنما هو من صلات المصالح فان جعل لهم من مال الخراج شيء أجري عليه حكم الحوالة والتسبيب لا حكم الاقطاع فيتعين في
(1/148)

جوازه شرطان أحدهما أن يكون بمال مقدر وقد وجد سبب استباحته والثاني أن يكون مال الخراج قد حل ووجب فيصح التسبب عليه والحوالة به فيخرج بهذين الشرطين عن حكم الاقطاع
والحالة الثالثة أن يكون من أهل فرض الديوان وهم الجيش فهم أخص الناس بجواز الاقطاع لأن لهم أرزاقا مقدرة تصرف إليهم مصرف الاستحقاق لأنها أعواض عما أصدروا نفوسهم له من حماية البيضة والذب عن الحريم وإذا صح أن يكونوا من أهل الاقطاع روعي حينئذ حال الخراج فان له حالين حال تكون جزية وحال تكون أجرة فأما ما كانن جزية فهو غير مستقر على التأبيد لأنه مأخوذ مع بقاء الكفر وزائل مع حدوث الاسلام فلا يجوز إقطاعه أكثر من سنة لأنه غير موثوق باستحقاقه بعدها فان أقطعه سنة بعد حلوله واستحقاقه صح وإن أقطعه في السنة قبل استحقاقه لم يجز لأنه مضروب للوجوب
وأما ما كان من الخراج أجرة فهو مستقر الوجوب على التأبيد فيصح إقطاعه سنين وإذا كان كذلك لم يخل حال إقطاعه من ثلاثة أقسام أحدها أن يكون بسنين معلومة كاقطاعه عشر سنين فيصح إذا روعي فيه شرطان أحدهما أن يكون رزق المقطع معلوم القدر عند باذل الاقطاع فان كان مجهولا عنده لم يصح والثاني أن يكون قدر الخراج معلوما عند المقطع وعند باذل الاقطاع فان كان مجهولا عندهما أو عند أحدهما لم يصح وإذا كان كذلك لم يخل حال الخراج من أحد أمرين أما أن يكون مقاسمة أو مساحة فان كان مقاسمة فمن جوز من الققهاء وضع الخراج على المقاسمة جعله من المجهول الذي لا يجوز إقطاعه وإن كان الخراج مساحة فهو على ضربين أحدهما أن لا يختلف باختلاف الزرع فهذا معلوم يصح
(1/149)

إقطاعه والثاني أن يختلف باختلاف الزروع فينظر رزق مقطعه فان كان في مقابلة أقل الخراجين صح اقطاعه لأنه راض بنقص ان دخل عليه وإن كان في مقابلة أقل الخراجين لم يصح اقطاعه لأنه قد يوجد فيه زيادة لا يستحقها ثم يراعى بعد صحة الاقطاع في هذا القسم حال المقطع مدة الاقطاع فانها لا تخلو من ثلاثة أحوال أحدها أن يبقى إلى انقضائها على السلامة فهو على استحقاق الاقطاع إلى انقضاء المدة الحالة الثانية أن يموت قبل انقضاء المدة فيبطل الأقطاع في المدة الباقية بعد موته ويعود إلى بيت المال فان كانت له ورثة دخلوا في إعطاء الدراري لا في أرزاق الأجناد وكان ما يعطى تسبيبا لا إقطاعا
الحالة الثالثة أن تحدث زمانة فيكون باقي الحياة مفقود الصحة ففي بقاء إقطاعه بعد زمانته احتمالات أحدها أنه باق عليه إلى انقضاء مدته إذا قيل إن رزقه بالزمانة لا يسقط والثاني يرجع منه إذا قيل إن رزقه بالزمانة يسقط فهذا حكم القسم الأول إذا قدر الاقطاع بمدة معلومة القسم الثاني من أقسامه أن يستقطعه مدة حياته ثم لورثته وعقبه من بعده فهذا الاقطاع باطل لأنه قد خرج بهذا الاقطاع عن حقوق بيت المال إلى الاملاك الموروثة وإذا بطل كان ما اجتباه منه مأذونا فيه عن عقد فاسد فيرى أهل الخراج نقيصته وحوسب به من جملة رزقه فان كان أكثر رد الزيادة وان كان أقل رجع بالباقي وأظهر السلطان فساد الاقطاع حتى يمتنع من القبض ويمتنع أهل الخراج من الرفع فإن رفعوه بعد إظهار ذلك لم يبروا منه
القسم الثالث أن يستقطعه مدة حياته ففي صحة الاقطاع إحتمالان أحدهما أن صحيح اذا قيل أن حدوث زمانة لا يقتضي سقوط رزقه والثاني أنه باطل إذا قيل أن حدوث زمانته موجب لسقوط رزقه وإذا صح
(1/150)

الاقطاع فأراد السلطان إسترجاعه من مقطعه جاز ذلك فيما بعد السنة التي هو فيها ويعود رزقه الى ديوان العطاء فأما في السنة التي هو فيها فينظر فإن حل رزقه فيها قبل حلول خراجها في رزقه جاز استرجاعه منه لأن تعجيل المؤجل إن كان جائزا فليس بلازم
فأما ارزاق من عدا الجيش إذا اقطعوا بها مال الخراج فينقسم ثلاثة أقسام
أحدها من يرزق على عمل غير مستديم كعمال المصالح وجباة الخارج فالاقطاع بأرزاقهم لا يصح ويكون لهم من مال الخراج تسبيبا وحوالة استحقاق الرزق وحلول الخراج
القسم الثاني من يرتزق على علم مستديم يجري رزقه مجرى الجعالة وهم الناظرون في أعمال البر التي يصح التطوع بها إذا إرتزقوا عليها كالمؤذنين والأئمة فيكون ما جعل لهم في أرزاقهم تسبيبا به وحوالة عليه ولا يكون أقطاعا
القسم الثالث من يرتزق على عمل مستديم يجي رزقه مجرى الاجارة وهو من لا يصح نظره إلا بولاية وتقليد مثل القضاة والحكام وكتاب الدواوين فيجوز أن يقطعوا بأرزاقهم خراج سنة واحدة ويحتمل جوازا قطاعهم أكثر من سنة و فيه وجهان أحدهما يجوز كالجيش والثانيه لا يجوز لما يتوجه اليه من العزل والاستبدال انتهى ما ذكره وفي بعضه نظر وتأمل وحاصل ما ذكره أنه لا يكون إقطاع الخراج إقطاعا صحيحا لازما إلا إذا كان على عمل مستديم ويكون الرزق فيه يجري مجرى الاجارة وهذا ما لا يصح الدخول فيه بدون تولية من الامام وأذن منه وهو على قسمين
أحدهما من لا يجوز صرفه ما دام أهلا للعمل كالجند فهذا اقطاع صحيح
(1/151)

والثاني من يجوز الاستبدال به فهل هو إقطاع صحيح أم لا فهو على وجهين وأدخل القضاة في هذا القسم وهذا إنما يصح على القول بجواز عزل القاضي فان قلنا لا يجوز عزله كان كالمجاهدين وأما من يأخذ على غير عمل كالفقراء أو على عمل لا يدوم كجباة الخراج ونحوهم فلا يصح إقطاعهم من الخراج وكل من لا يصح إقطاعه كان ذلك حواله له على الخراج فيصح بعد حلول رزقه إن كان له رزق بعد حلول الخراج وكلامه يدل على أن رزق المقطع في الديوان لا يبطل بهذا الاقطاع وإنما يكون هذا الاقطاع عوضا عنه حتى أنه لم يجز أن يقطع زيادة على رزقه وفي هذا نظر بل الأظهر أن للامام أن يزيد رزق من شاء من المقاتلة وما ذكره من إقطاع الجندي من الخراج مدة حياته ينبني على الخلاف في سقوط رزقه من الديوان بالزمانة ففيه نظر إذ الأصل السلامة وما ذكره من الفرق بين اقطاع الخراج والجزية وأنه لا يجوز الجزية الاقطاع أكثر من سنة واحدة لجواز اسلام الذمي إنما يصح في اقطاع جزية معين من أهل الذمة
فأما إقطاع جزية أهل بلد يمتنع في العادة اسلامهم فلا يتأتى ذلك وهذا كله في خراج العنوة وأما خراج الارض التي صالحونا أنها لهم بالخراج فهي كالجزية إذا قلنا إن خراجها يسقط بالاسلام ويستفاد من كلامه هذا أن أهل فرض الديوان من المجاهدين يأخذون ما يأخذونه من الديوان عوضا عن أعمالهم فلو أقطع أحدهم منافع أرض بيت المال كمنافع الأرض الخراجية فانه يملكها بمجرد اقطاعه لأنه إنما أخذها بمعاوضة عن عمله وقد تردد المتأخرون من الشافعية والحنفية في ذلك وزعم بعضهم أنما يأخذونه على وجه الاباحة فلا يملكون شيئا منها بدون قبضة ومنهم من زعم أنه لا يملكها بحال بل يستبيح الانتفاع بها كطعام الضيف وبنوا على ذلك أنه لا يجوز إجارتها كالعارية وقال كثير من الشافعية وأصحابنا يجوز إجارتها لما ذكرناه ولأن الامام يأذن في ذلك عرفا فهو كاذن المعين في إجارة
(1/152)

العارية على تقدير أن يكون إباحة حتى عدى بعض أصحابنا القول بمنع إجارة الاقطاع من البدع الحادثة وزعم أن الاجماع القديم إنعقد على جوازه ولكن يقال الاقطاعات القديمة إنما تعرف في إقطاع التمليكات وأما إقطاع الاستغلال فلا يعرف في زمان السلف وقد أنكر الامام أحمد على أمراء زمانة أنهم يقطعون من شاءوا ثم ينتزعون منه ذلك والاقطاع لا ينتزع ممن أقطعه وهذا يدل على أنه لم يعهد إقطاع الاستغلال للمنافع حتى زعم بعض أعيان الشافعية المتأخرين أن أصحابهم لم يذكروا في كتبهم بالكلية وكأنه لم يقف على كلام الماوردي في الأحكام السلطانية فانه ذكر فيها إقطاع الخراج كما ذكرها القاضي بل القاضي أتبعه في ذلك وذكر أن القاضي عياضا المالكي ذكر جواز إقطاع الاستغلال من أرض بيت المال وقد حمل بعضهم إقطاع النبي صلى الله عليه و سلم من البحرين على أنه إقطاع من جزية أهلها لأن البحرين كانت صلحا ولم تؤخذ عنوة حتى يملك المسلمون رقاب أهلها ولكن روي عن الزهري ما يخالف ذلك وأنها كانت أرض فيء موقع سبق ذكره
وممن صرح باقطاع المنافع للاستغلال القاضي أبو يعلى في كتاب الأحكام السلطانية وحمل كلام أحمد في إقطاع عثمان رضي الله عنه من السواد على ذلك كما سبق ذكره وكذلك قال ابن عقيل في الفصول
المسئلة السادسة لو أخذ السلطان من صاحب الخراج أقل من قدر الخراج الواجب عليه فنص أحمد في رواية الاثرم وابن مشيش وأبي داود وصالح على أنه لا يجوز ولا بد من بقية الخراج ونص في رواية ابن مشيش أيضا على أنه يجزيه ذلك وهذا ينبني على أن قدر الخراج هل يجوز تغييره بحسب اجتهاد الامام أم لا يزاد ولا ينقص على ما وضعه عمر رضي
(1/153)

الله عنه وقد سبق الكلام في ذلك مستوفى وإن أخذ منه زيادة على الخراج الواجب عليه فان كانت الزيادة باجتهاد سائغ فلا كلام وان كانت ظلما محضا فقال في رواية الأثرم أي شيء يفعل يشير إلى أنه كمغصوب منه ماله قهرا وحكى أبو الخطاب في الهداية في جواز الاحتساب من العشر روايتين عن أحمد وأن الجواز اختيار أبي بكر عبد العزيز وأصل المسئلة ما إذا ظلم الساعي في الزكاة يأخذ زيادة بغير تأويل هل يحتسب بها رب المال أم لا على روايتين واختيار أبي بكر أنه يحتسب بها من سنة أخرى أو من مال آخر وقد سبق في الباب الرابع نص أحمد في رواية حرب فيمن أخذ السلطان منه بعض ثمرته مقاسمة على وجه الخراج من أرض الصلح أنه يحتسب بها من العشر وهذا ظاهر لان المأخوذ منه مقاسمة مأخوذ من ثمرته وقد أخذ منه بجهة باطلة وعليه حق في الثمرة بوجه صحيح فيحتسب بذلك من الواجب الذي عليه ونظيره أن تؤخذ منه زكاة عن مال قد خرج عن ملكه ظلما وعدوانا فيحتسب به من زكاة في ملكه من جنسه فأما أن أخذ منه على وجه الخراج فاحتسب به من العشر فقد اختلف الجنسان
ونقل حرب أنه سئل اسحق بن راهويه عن قناة عندهم كانت عشرا فجاء سلطان جائر فحولها إلى الخراج هل يحل لنا أن ندخر عنهم شيئا قال هي عشر كما كانت وقال يحل ذلك ورخص فيه يعني الادخار وهذا يشعر بانه لا يحتسب بما يأخذه من الخراج ظلما من العشر اللهم الا أن يكون هذا الظالم يجمع بين أخذ الخراج الذي أحدثه والعشر وقد اختلف الاصحاب في محل الروايتين في الاحتساب بالزيادة التي يأخذها الساعي ظلما فمنهم من حكاها على الاطلاق كأبي بكر وغيره ومنهم من نزلها على اختلاف حالين ثم اختلفوا فقالت طائفة منهم ان كان المال المأخوذ باقيا في يد الساعي أو الامام ونوى به صاحبه الزكاة أجزأه وان تلف قبل ذلك لم
(1/154)

يجزأه ونزلوا الروايتين على ذلك ومنهم القاضي أبو يعلى وقالت طائفة إن نوى عند أخذ الساعي التعجيل أو نحوه اعتد بذلك والا فلا ونزلوا الروايتين على سبيل الغصب لم يعتد بها وان كان أخذها على وجه الزكاة ونوى الدافع التعجيل أو نحوه اعتد بها ونزلوا الروايتين على ذلك ومنهم صاحب المحرر في شرح الهداية ونزل حفيده أبو العباس الروايتين على أن الساعي ان اعتد له بها ظلمه اجزأته وإلا لم يجزه وفي كلام أحمد ما يشهد لطريقة أبي البركات
ففي مسائل أبي داود قلت لأحمد بلاد صالحوا على مال مسمى فكان على أرض رجل مائة درهم فيخرج عليه أعني زيادة على المائة قلت فيحتسب الزيادة التي زادوا عليه من العشر قال لا قال هذا مثل غصب يغصب هذا على أنه يؤخذ منه يعين عليه مثل مؤنة بحفر الانهار والمؤن التي تلزم صاحب الارض وآخر الرواية بدل على أنه ان أخذ منه بسبب الخراج احتسب به من العشر وان أخذ منه بسبب آخر غير الخراج من مؤن الارض ونحوها لم يحتسب فتتفق حينئذ رواية حرب السابقة ورواية أبي داود انتهى ما ذكره الشيخ فسح الله في مدته والله سبحانه وتعالى أعلم
(1/155)