Advertisement

البرهان في أصول الفقه 001



الكتاب: البرهان في أصول الفقه
المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)
المحقق: صلاح بن محمد بن عويضة
الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
الطبعة: الطبعة الأولى 1418 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] المجلد الأول
مقدمة المؤلف
...
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر يا كريم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد واله
1- قال الشيخ الإمام1 أبو المعالي إمام الحرمين رضي الله عنه حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها يستمد [ذلك] الفن وبحقيقته [وفنه] وحده2 إن أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحد وإن عسر فعليه أن يحاول الدرك بمسلك التقاسيم والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلمه مع حفظ من العلم الجملى بالعلم الذي يحاول الخوض فيه. فأصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه.
2- والكلام نعني به معرفة العالم وأقسامه وحقائقه وحدثه والعلم بمحدثة وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه وما يجوز في حقه والعلم بالنبوات وتميزها بالمعجزات عن دعاوى المبطلين وأحكام النبوات والقول فيما يجوز ويمتنع من كليات الشرائع ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حد وهو يستمد من الإحاطة بالميز بين العلم وما عداه من الاعتقادات والعلم بالفرق بين البراهين والشبهات ودرك مسالك النظر.
3- ومن مواد أصول الفقه العربية فإنه يتعلق طرف صالح منه بالكلام على مقتضى الألفاظ [ولن] يكون المرء على ثقة من هذا الطرف حتى يكون محققا مستقلا باللغة والعربية.
4- ومن مواد الأصول الفقه فإنه مدلول الأصول ولا يتصور درك3 الدليل دون درك المدلول ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه [يتمثل بها] في كل.
__________
1 الإمام: المقتدى به في الأمور.
2 حدة: تعرفه.
3 درك: معرفة
(1/7)

باب من أصول الفقه فإن قيل فما الفقه قلنا هو في اصطلاح علماء الشريعة العلم بأحكام التكليف فإن قيل معظم متضمن مسائل الشريعة ظنون قلنا ليست الظنون فقها وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون ولذلك قال المحققون أخبار الآحاد وأقيسة الفقه لا توجب عملا لذواتها وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل وهي الأدلة القاطعة على وجوب العمل عند رواية أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة.
5- فإن قيل فما أصول الفقه قلنا هي أدلته وأدلة الفقه هي الأدلة السمعية وأقسامها نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع ومستند.
جميعها قول الله تعالى:.
ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه من الكلام.
6- فإن قيل تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع قلنا حظ الأصولي إبانة القاطع في العمل بها ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط الدليل به.
فصل.
7- قد ذكرنا أن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية ونحن نذكر الآن معنى الأحكام ذكرا جمليا ثم نفصلها بعد ذلك.
8- فليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة فيه ثابتة فإذا قلنا شرب الخمر محرم لم يكن التحريم صفة ذاتية للشرب وإذا أوجبنا الشرب عند الضرورة فهو كالشرب المحرم عند الاختيار والمعنى بكونه محرما أنه متعلق النهى وبكونه واجبا متعلق الأمر وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة صفة حقيقية من ذلك القول وهو كتسميتنا الشيء معلوما مع القطع بأنه ليس له من تعلق العلم به صفة حقيقية.
9- ثم من أحكام الشرع التقبيح والتحسين وهما راجعان إلى الأمر والنهي فلا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه كما لا يحسن شيء لعينه.
10- وقسمت [المعتزلة الأفعال] قسمين فقالوا يثبت حكم القبح والحسن في أحدهما مستدركا بالعقل غير متوقف على ورود الأمر والنهي ثم قسموا هذا القسم قسمين فزعموا أن أحدهما يدرك القبح والحسن فيه ضرورة ببديهة العقل.
(1/8)

والثاني: يدرك الأمران فيه بالنظر العقلي الجامع بينه وبين الضروري ومثلوا ذلك في التقبيح بالكذب الذي لا فائدة فيه والكذب المفيد فقالوا ما لا يفيد من الكذب يدرك قبحه ببديهة العقل والمفيد ملحق بغير المفيد بمسلك [لهم] نظري سنذكره في شبههم وكذلك قولهم في الظلم الذي لا يفيد مع المفيد منه فهذا أحد القسمين.
والقسم الثاني: ما يقضي الشرع بالتقبيح فيه والتحسين والعقول لا تستدركها وزعموا أن معظم تفاصيل الشريعة في المأمورات والمنهيات تنحصر في هذا القسم ثم قالوا إنما يرسم الشارع عليه السلام منها ما يرسم لوقوعها في المعلوم ألطافا داعية إلى الخير والشارع إنما يأمر بما يعلم أن امتثال أمره فيه يدعو إلى المثابرة على المستحسنات العقلية وكذلك القول في نقيضها من النهي في التفصيل.
واضطرب1 النقلة عنهم في قولهم يقبح الشيء لعينه أو يحسن فنقل عنهم أن القبح والحسن في المعقولات من صفات أنفسها ونقل عنهم أن القبح صفة النفس وأن الحسن ليس كذلك ونقل ضد هذا عن الجبائي2 وكل ذلك جهل بمذهبهم فمعنى قولهم يقبح ويحسن الشيء لعينه أنه يدرك ذلك عقلا من غير إخبار مخبر.
11 - وقد سلك القاضي [أبو بكر3 - رحمه الله] في الرد عليهم مسلكين:.
أحدهما أنه قال ما ادعيتم الضرورة فيه فأنتم منازعون فيه ويتبين ذلك بمخالفة عددنا لهم وافترائهم في دعوى الضرورة فإن ما يدرك بمبادئ العقول لا يجوز في استمرار العرف مخالفة الجمع العظيم فيه وإنما ينشأ الخلاف في النظريات لانقسام الناس إلى الناظرين والمضربين ثم ينقسمون بعد افتتاح النظر لاختلاف القرائح4 والطبائع ولهذا لا يجوز اتفاق العقلاء في نظري عقلي كما لا يسوغ.
__________
1 اضطرب: اختلف.
2 الجبائي: هو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمدان البصري. أخذ عن أبي يوسف يعقوب الشحام البصري وغيره أخذ عنه ابنه أبو هاشم والشيخ أبو الحسن الأشعري ثم اعرض الأشعري عن طريق الاعتزال وتاب منه. مات سنة "303" له ترجمة في: البداية والنهاية "11/125" والنجوم الزاهرة "3/189" ووفيات الأعيان "3/398"
3 القاضي أبو بكر هو: محمد بن الطيب أبو بكر الباقلاني رأس المتكلمين على مذهب الشافعي وهو من أكثر الناس كلاما وتصنيفا فيه له مصنفات كثيرة أهمها الرد على الباطنية الذي سماه "كشف الأسرار" مات سنة "403". له ترجمة في: البداية والناهية "11/350".
4 القرائح: جمع قريحة وهي الطبيعة التي جبل عليها الإنسان فالعطف هنا للتفسير "المعجم الوجيز" ص "496".
(1/9)

اختلافهم في ضروري ثم إذا ظهر النزاع وبطل دعوى الضرورة في الأصل بطل النظر المستند إليه فإن قيل أنتم توافقوننا في تقبيح ما نقبحه وتحسين ما نحسنه ولكنكم تنسبون ذلك إلى السمع فيئول الخلاف إلى المأخذ وليس ذلك بدعا قلنا نحن نريكم من أصلنا تحسين ما تقبحونه ادعاء منكم وذلك أنا نقول إيلام البهائم والأطفال لا أعواض لها وليس مترتبا على استحقاق سابق حسن والإيلام على هذا الوجه قبيح بضرورة العقل عندكم.
والمسلك الثاني للقاضي: أنه قال: نرى كذبة تنجى أمما والكف عنها 1ذريعة إلى هلاكهم فما وجه قبحها؟ ومعتمدكم الرجوع إلى [تعاقل] العقلاء فلئن جاز لكم تحسين ألم لنفع يبر قدره عليه فما المانع من مثل ذلك في الكذب؟ وهذا لا جواب عنه حتى استجرأ بعض المتأخرين وشبب2 بتحسين الكذب في الصورة المفروضة فقيل له فجوز أن يخلق الله تعالى عن قول المبطلين كذبا نافعا يكون كاذبا به والكذب عندهم من صفات الفعل إذ هو من أقسام الكلام فتبلد ولم يحر جوابا.
12- والمسلك الحق عندي في ذلك الجامع لمحاسن المذاهب الناقض لمساويها أن نقول لسنا ننكر أن العقول تقتضي من أربابها اجتناب المهالك وابتدار المنافع الممكنة على تفاصيل فيها وجحد3 هذا خروج عن المعقول [ولكن ذلك في حق الآدميين] . [والكلام في مسألتنا مداره] على ما يقبح ويحسن في حكم الله تعالى وإن كان لا ينالنا منه ضرر ولا يفوتنا بسببه نفع لا يرخص العقل في تركه وما كان كذلك فمدرك قبحه وحسنه من عقاب الله تعالى إيانا وإحسان إلينا عند أفعالنا وذلك غيب والرب سبحانه وتعالى: لا يتأثر بضررنا ونفعنا فاستحال والأمر كذلك الحكم بقبح الشيء في حكم الله تعالى وحسنه ولم يمتنع إجراء هذين الوصفين فينا إذا تنجز ضرر أو أمكن نفع بشرط أن لا يعزى إلى الله ولا يوجب عليه أن يعاقب أو يثيب.
وتتمة القول فيه أنه لو فرض ورود الأمر الجازم من الله سبحانه وتعالى: من غير وعيد على تركه لما كان للحكم بالوجوب معنى معقول في حقوقنا.
__________
1 ذريعة: وسيلة وسببا. "المعجم الوجيز" ص 244333".
2 شيب: تعزل. "المعجم الوجيز" ص "333".
3 جحد: إنكار. "المعجم الوجيز" ص "93".
(1/10)

فليتأمل الناظر في هذا فهو من لطيف الكلام ولا يغمض معه في النفي والإثبات شيء على المتأمل في هذا الباب.
شبه المعتزلة1:.
13- قال أبو هاشم2: من تصدى له أمر مرغوب فيه وهو يناله بالصدق ويناله بالكذب على حد سواء فالعقل يتقاضاه الصدق فدل ذلك على أن الكذب قبيح لعينه قلنا له كيف يستويان والكاذب ملوم شرعا فإن قال أفرض ذلك في حق من لم يبلغه الشرع قلنا قد يكون في قوم يعتقدون اعتقادكم فإن انتهى الأمر في التصوير إلى حقيقة الاستواء لم يسلم له قضاء العقل بتعيين الصدق.
شبهة أخرى:.
14- فإن قالوا البراهمة مع إنكارهم الشرائع قبحت وحسنت قلنا جهلوا كجهلكم فلا استرواح3 إلى مذهبهم هذا إن عزوا التقبيح والتحسين إلى حكم الله تعالى وليس الأمر كذلك فإنهم يردون ما يحسنون ويقبحون إلى حقوقنا الناجزة وقد اشتمل كلامنا على تسليم ذلك.
مسألة.
15- ترسم بشكر المنعم لا يدرك وجوب شكر المنعم بالعقل عندنا وهذا يندرج تحت الأصل الذي سبق عقده وقال من خالف في الجملة المتقدمة وجوب شكر المنعم مدرك بالعقل وليس ذلك عند المخالفين واقعا في قسم الضروريات وإنما هو مدرك بالنظر منوط بمسلك لهم نوضحه في شبههم.
16- والبرهان القاطع في بطلان ما صاروا إليه أن الشكر تعب للشاكر ناجزا.
__________
1 المعتزلة: ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا وقالوا: لفظ القدرية يطلق على من يقول بالقدر خيره وشره من الله – تعالى – واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في المصاحف حكايات عنه ... إلخ, "الملل والنحل" للشهرستاني "1/43-45".
2 أبو هاشم: هو عبد السلام بن عبد الوهاب الجبائي. له تصانيف و"تفسير وكان من رءوس المعتزلة هو وأبوه. وكان موته هو وابن دريد في يوم واحد سنة "321" ببغداد. له ترجمة في: البداية والنهاية "12/150" وتذكرة الحفاظ "4/1208" والنجوم الزاهرة "5/156".
3 استرواح: اطمئنان. "المعجم الوجيز" ص "281".
(1/11)

ولا يفيد المشكور شيئا فكيف يقضي العقل بوجوبه فإن قيل إنه يفيد الشاكر الثواب الجزيل في الآجل والعقل قاض باحتمال التعب العاجل لارتقاب النفع الآجل المربى على التعب المحتمل قلنا: كيف يدرك ذلك بالعقل ومن أين يعرف العقل هذا؟ والمشكور يقول: لا يجب على نفعك ابتداء وما نفعتني فأعوضك فإن قيل يدرأ الشاكر بالشكر العقاب المرتقب على ترك الشكر قلنا كيف يعلم ذلك؟ والكفر والشكر سيان في حق المشكور فإن قيل إن لم يقطع بالعقاب لم يأمنه قلنا إذا تحقق استواء الأمرين فارتقاب العقاب على ترك الشكر كارتقابه على فعله ولا يبقى بعد ذلك مضطرب.
17- ومما ذكره الأستاذ أبو إسحاق1 - رحمه الله عليه - في مفاوضة له إذ قال الشاكر متعب نفسه وهو ملك خالقه فقد يتوقع على تنقيص ملك المالك من غير إذنه فيما لا ينفع به المالك عقابا.
18- وللخصوم مسلكان: أحدهما: التعلق [بتعاقل] العقلاء شاهدا فيزعمون أن الشكر واجب شاهدا ثم يقضون بذلك على الغائب وهذا ظاهر السقوط فإن ما ذكروه إن سلم لهم فهو من جهة انتفاع المشكور والرب تعالى متعال عن قبول النفع والضر كما سبق.
والمسلك الثاني: في توقع العقاب وقد اندرج تحت ما سبق سؤالا وجوابا.
19- ومما يعد من غوامض الأسئلة كلام للخصوم في وجوب النظر والمسألة وإن كانت مرسومة في الشكر فكل ما يدعى الخصم وجوبه عقلا فمأخذ الكلام فيه واحد.
فإن قالوا: لو لم نقض بوجوب النظر عقلا لانحسمت دعوة الأنبياء عليهم السلام وخصموا إذا دعوا فلم يجابوا فإن المدعوين يقولون لا ننظر فيما جئتم به فإن الوجوب مستدرك بالشرع ولم يتقرر عندنا شرع يتضمن وجوب النظر.
__________
1 أبو إسحاق هو: الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الإمام العلامة ركن الدين الفقيه الشافعي المتكلم صاحب التصانيف في الأصلين جامع الحلى في مجلدات والتعليقة النافعة في "أصول الفقه". سمع الكثير من الحديث وأخذ عته البيهقي والشيخ أبو الطيب الطبري والحاكم والنيسابوري وأثنى عليه. مات سنة "418". له ترجمة في: البداية والنهاية "12/24".
(1/12)

وهذا أولا ليس برهانا في إثبات وجوب النظر فيقع الدور في لزوم الدعوى ولا يستمر هذا برهانا في إثبات وجوب النظر وإنما هي غائلة أبدوها في دعوة الأنبياء وحقها أن تذكر في مشكلات الدعوة والإجابة.
20- ثم نفس العقل لا يدرك به وجوب النظر [البتة] ولا بد من فكر مفض على زعمهم إليه فامتناع المدعوين عن الفكر المرشد إلى وجوب النظر العقلي كامتناعهم عن النظر المرشد إلى الواجب السمعي فإن تعسف غبي وزعم أن نفس العقل يدرك به وجوب النظر كان مباهتا ملتزما ألا يخلو عاقل في مضطرب أحواله عن العلم بوجوب النظر وكيف يستقيم ادعاء ذلك مع مخالفتنا لهم أم كيف ينقدح ما قالوه مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم؟
21- فإن قالوا يبعث الله إلى كل مدعو ملكا ينفث في روعه ويردده بين إمكان العقاب لو ترك النظر واستحقاق الثواب لو نظر ثم العقل يستحثه على اجتناب العقاب قلنا هذا يوجب أن [لا] يخلو مدعو عن تقابل خاطرين ونحن نعلم معظم المدعوين مضربين عن هذه الفنون ولو سلم ما قالوه من معنى فكيف يدرك المدعو كلام الملك والكلام عند الخصوم أصوات وإن أدركه فلا يبالي به وأي حاجة إلى ذلك وفي دعوى النبي مقنع عما هذوا به؟
22- ثم التحقيق فيه أن النظر ممكن وإنما يمتنع إيجاب مالا يمكن إيقاعه فإن امتنع ممتنع تعرض للوعيد الذي بلغه النبي ولا يشترط في وجوب الشيء علم المخاطب بوجوبه عليه بل يشترط تمكنه من العلم والسر في ذلك أن النظر الأول لا يتصور إلا كذلك سواء فرض أخذه من السمع المنقول أو من مدارك العقول وعن هذا قيل إن القربة التي لا يتصور التقرب بها إلى الله تعالى هي النظر الأول.
مسألة.
23- لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع بناء على أن [الأحكام] هي الشرائع بأعيانها وليست الأحكام صفات للأفعال وهذه المسألة تفرض فيما لا يقضى الخصوم فيه بتقبيح عقلي أو تحسين.
وقد افترقت المعتزلة فذهب بعضهم إلى أن مالا يعين العقل فيه قبحا ولا حسنا فهو على الحظر قبل ورود الشرع وذهب آخرون إلى أنه على الإباحة.
فأما أصحاب الحظر فيلزمون الأضداد التي لا انفكاك عن جميعها وليس يتحقق العرو عن جملتها فإن حظروا جميعها كان ذلك تكليف مالا يستطاع وإن خصصوا.
(1/13)

بالحظر شيئا عن شيء من غير تقبيح العقل وتحسينه لم يخف سقوط هذا المذهب وإن خصصوا الحظر بما يعتقدون جواز الخلو عنه أصلا فمرجعهم إلى أن التصرف في ملك الغير من غير إذنه قبيح وقد مضى من الكلام ما يدرأ هذا الفن.
24- ثم قال الأستاذ رحمه الله من ملك بحرا لا ينزف واتصف بالجود واستغنى عن وجود الملك ومملوكه عطشان لاهث والجرعة تروية والنفية من الماء تكفيه ومالكه ناظر إلى عطشه فلا يدرك بالعقل تحريم القدر النزر من البحر الذي لا ينقصه ما يؤخذ منه نقصا محسوسا ولا حاجة إلى هذا الفن مع وضوح مسالك البرهان.
وأما أصحاب الإباحة فلا خلاف على الحقيقة بيننا وبينهم فإنهم لم يعنوا بالإباحة ورود خبر عنها وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك والأمر على ما ذكروه.
نعم لو قالوا حق على المالك أن يبيح فهذا ينعكس [عليهم] الآن بالتحكم في تفاصيل النفع والضر على من لا ينتفع ولا يتضرر.
فصل
يجمع التكليف ومعناه ومن يكلف وما يجوز التكليف به.
25- فأما التكليف فقد قال القاضي أبو بكر1 - رحمه الله - إنه الأمر بما فيه كلفة والنهي عما في الامتناع عنه كلفه وإن جمعتهما قلت الدعاء إلى ما فيه كلفة وعد الأمر على الندب والنهي على الكراهية من التكليف.
26- والأوجه عندنا في معناه أنه إلزام ما فيه كلفة فإن التكليف يشعر بتطويق المخاطب الكلفة من غير خيرة من المكلف والندب والكراهية يفترقان [بتخيير] المخاطب والقول في ذلك قريب فإن الخلاف فيه آيل إلى المناقشة في عبارة الشرع نعم الشرع يجمع الواجب والحظر والندب والكراهية فأما الإباحة فلا ينطوي عليها معنى التكليف.
وقد قال الأستاذ2 - رحمه الله -: إنها من التكليف وهي هفوة ظاهرة.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبقت ترجمته.
(1/14)

ثم فسر قوله بأنه يجب اعتقاد الإباحة والذي ذكره رد الكلام إلى الواجب وهو معدود من التكليف فإن قيل هل تعدون الإباحة من الشرع قلنا هي معدودة منه على تأويل أن الشرع ورد بها.
27- ونحن نذكر بعد ذلك من يكلف وما يكلف به وذلك يستدعي قولا مقنعا في تكليف مالا يطاق.
فقد نقل الرواة عن [الشيخ] أبي الحسن1 الأشعري رضي الله عنه أنه كان يجوز تكليف مالا يطاق ثم نقلوا اختلافا عنه في وقوع ما جوزه من ذلك وهذا سوء معرفة بمذهب الرجل فإن مقتضى مذهبه أن التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة وهذا يتقرر من وجهين:.
أحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل والأمر بالفعل يتوجه على المكلف قبل وقوعه وهو إذ ذاك غير مستطيع ولا يدفع ذلك قول القائل إن الأمر بالفعل نهى عن أضداده والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرا على الفعل فهو قادر على ضد من أضداده ملابس له فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن أضداده وأيضا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل والفعل مقصود مأمور به وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه فهذا أحد الوجهين.
والثاني أن فعل العبد عنده واقع بقدرة الله تعالى والعبد مطالب بما هو من فعل ربه ولا ينجى من ذلك تمويه المموه بذكره الكسب [فإنا سنذكر سر ما نعتقده في خلق الأعمال] , [إذ لا يحتمله هذا الموضع] .
28- فإن قيل فما الصحيح [عندكم] في تكليف مالا يطاق قلنا إن أريد بالتكليف طلب الفعل فهو فيما لا يطاق محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب وإن أريد به ورود الصيغة وليس المراد بها طلبا كقوله سبحانه وتعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} 2 فهذا غير ممتنع فإن المراد بذلك كوناهم قردة خاسئين.
فكانوا كما أردناهم وأما سر ما نعتقده في خلق الأعمال فلا يحتمله هذا الموضع.
__________
1 أبو الحسن الأشعري هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان مالكيا صنف لأهل التصانيف وأقام الحجج على إثبات السنن وكان أبو الحسن القابسي يثني عليه وله مؤلفات مفيدة جدا ككتاب "الحث على البحث" و" البرهان" و "أدب الجدل" مات سنة "334" له ترجمة في: البداية والنهاية "11/187" وتذكرة الحفاظ "3/821".ووفيات الأعيان "2/446".
2 آية [65] سورة البقرة.
(1/15)

فإن قيل قد كلف الله تعالى أبا جهل أن يصدقه فيما يخبر به وكان سبحانه وتعالى: أخبر بأنه لا يصدقه فكان هذا تكليفا منه أن يصدقه بأنه لا يصدقه وهذا طلب جمع النقيضين قلنا لا يصح تكليف التصديق على هذا الوجه على معنى تحقيق الطلب ولكن كلفه الإيمان به وتصديق رسله والتزام شرائعه فأما تكليفة الجمع بين نقيضين في التصديق فلا.
فإن قيل ما علم الله تعالى أنه لا يكون وأخبر على وفق علمه بأنه لا يكون فلا يكون والتكليف بخلاف المعلوم جائز قلنا إنما يسوغ ذلك لأن خلاف المعلوم مقدور في نفسه وليس امتناعة للعلم بأنه لا يقع ولكن إذا كان لا يقع مع إمكانه في نفسه فالعلم يتعلق به على ما هو عليه وتعلق العلم بالمعلوم لا يغيره ولا يوجبه بل يتبعه في النفي والإثبات ولو كان العلم يؤثر في المعلوم لما تعلق العلم بالقديم [سبحانه وتعالى:] وتقرير ذلك في [فن] الكلام.
فهذا منتهى الغرض في منع تكليف مالا يطاق فنعود بعده إلى المقصود بالفصل في ذكر من يكلف وما يقع التكليف به.
29- فالقول الوجيز أنه يكلف المتمكن ويقع التكليف بالممكن ولا نظر إلى الاستصلاح ونقيضه.
مسألة.
30- السكران يمتنع تكليفه خلافا لطوائف من الفقهاء والدليل على امتناع تكليفه استحالة فهم الخطاب والامتثال قصدا إليه غير ممكن دون فهم الخطاب فإن تمسك الفقهاء بما يصح من أقوال للسكران وما ينزل فيه من أحواله منزلة الصاحي فحكم الشرع بالصحة والفساد متبع [ولا] استحالة فيه وإنما الاستحالة في توجيه الخطاب على من لا يفهم الخطاب.
31- فإن قيل هل يجوز تكليف الناسي في استمرار نسيانه قلنا القول فيه كالقول في السكران.
مسألة.
32- المكره لا يمتنع تكليفه لإمكان الفهم والامتثال وإن كان على الكره.
وذهبت المعتزلة إلى أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفا بها وبنوا ذلك على.
(1/16)

أصلهم في وجوب إثابة المكلف والمحمول على الشيء لا يثاب عليه وهذا الأصل باطل عندنا فلا يمتنع التكليف من غير إثابة وقاعدة القول في الثواب والعقاب تستقصي في غير هذا الفن.
وقد ألزمهم القاضي رحمه الله [إثم] المكره على القتل فإنه منهي عنه آثم به لو أقدم عليه وهذه هفوة عظيمة فإنهم لا يمنعون النهى عن الشيء مع الحمل عليه فإن ذلك أشد في المحنة واقتضاء الثواب وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى فعل مع الأمر به.
مسألة:
33- ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة1 إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة وظاهر مذهب الشافعي2 رحمه الله أنهم مخاطبون بها.
وفصل فاصلون من العلماء بين المأمورات والمنهيات وقالوا هم معاقبون على ارتكاب المنهيات غير معاقبين على ترك المأمورات.
34- والقول في هذه المسألة يتعلق بطرفين أحدهما في جواز المخاطبة عقلا وإمكان ذلك والثاني في وقوع ذلك إن ثبت جوازه فأما الجواز فالذي حمل الصائرين إلى منع ذلك والقضاء باستحالته أنه لو فرض الخطاب بإقامة الفروع لكان ذلك خطابا بتصحيح الفروع وذلك مستحيل مع الإصرار على الكفر وفي تجويز مخاطبتهم بإقامة الشرائع مع تقدير استمرارهم على الكفر تجويز تكليف ما لا يطاق وقد سبق بطلانه وهذا منقوض أولا باعتقاد النبوات واعتقاد صدق الأنبياء عليهم السلام فإن ذلك غير ممكن فيمن لا يعتقد الصانع المختار ولا خلاف أن الكفار أجمعين مخاطبون بتصديق الأنبياء عليهم السلام وإن اقتضى وقوع ذلك.
__________
1 أبو حنيفة: هو النعمان بن ثابت التميمي الكوفي فقيه أهل العراق وإمام أصحاب الرأي قال ابن معين: كان ثقة لا يحدث من الحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظه وقال ابن المبارك: ما رأيت في الفقه مثله مات سنة "150" له ترجمة في البداية والنهاية "10/107" وتاريخ بغداد "13/323" ووفيات الأعيان "2/163".
2 الشافعي: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع القرشي المطلي المكي. نزيل مصر وإمام الأئمة وقدوة المة قال ابن مهدي: ما أصلي صلاة إل وأنا أدعو للشافعي فيها مات سنة "211" له ترجمة في البداية والنهاية "10/251" وتاريخ بغداد "2/56" وتذكرة الحفاظ "1/361" ووفيات الأعيان "1/447".
(1/17)

تقديم قواعد العقائد في الإلهيات وكذلك المحدث مأمور بالصلاة عند دخول وقتها وإن كان لا يتأتي منه إقامتها ما لم يقدم رفع الحدث عليها.
ثم التحقيق في ذلك كله عندي أن الكافر في حال كفره يستحيل أن يخاطب بإنشاء فروع على الصحة وكذلك القول فيما يقع آخرا من العقائد في حق من لم يصح عقده في الأوائل وكذلك المحدث مستحيل أن يخاطب بإنشاء الصلاة الصحيحة مع بقاء الحدث ولكن هؤلاء مخاطبون بالتوصل إلى ما يقع آخرا ولا يتنجز الأمر عليهم بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط ولكن إذا مضى من الزمان ما يسع الشرط والمشروط والأوائل والأواخر فلا يمتنع أن يعاقب الممتنع على حكم التكليف.
معاقبة من خالف أمرا توجه عليه ناجزا فمن أبي ذلك قضى عليه قاطع العقل بالفساد ومن جوز تنجيز الخطاب بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط فقد سوغ تكليف ما لا يطاق ومن أراد أن يفرق بين الفروع وبين أواخر العقائد وبين صلاة المحدث فهو مبطل قطعا.
وقد نقل عن أبي هاشم الجبائي أنه قال ليس المحدث مخاطبا بالصلوات [ولو استمر حدثه دهره لقي الله تعالى غير مخاطب بصلاة في عمره] .
فإن أراد الرجل ما ذكرناه فهو الحق الذي لا خفاء به وإن أراد أنه لا يعاقب على ترك الصلاة لتركه التوصل إليها فقد خرق إجماع الأمة فهذا هو الكلام في طرف الجواز.
35- فإن قيل إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل وفرض العقاب فكيف الواقع من ذلك قلنا ذكر القاضي رحمه الله أن ذلك من [مجال] الفقهاء وهو مظنون مطلوب من مسالك الظنون.
والذي نراه أن الكفار مأمورون بالتزام الشرع جملة والقيام بمعالمة تفصيلا فمن أنكر وقوع وجوب التوصل إليه فقد جحد أمرا معلوما وهذا على التقدير مترق عن مرتبة الظنون.
فإن قيل أتقطعون بأنهم معاقبون في الآخرة على ترك فروع الشرع قلنا أجل والموصل إليه أنه قد ثبت قطعا وجوب التوصل وثبت أن تارك الواجب.
متوعد بالعقاب إلا أن يعفو الله تبارك وتعالى وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله لا يعفو عن الكفار.
(1/18)

القول في العلوم ومداركها وأدلتها
مدخل
...
القول في العلوم ومداركها وأدلتها.
36- الوجه تصدير الباب بقول مقنع في العقل فإنا سنسند حقائق العلوم إلى مدارك العقل ولا بد من الإحاطة بحقيقته على حسب ما يليق بهذا المختصر.
قال القاضي [أبو بكر1 رحمه الله] العقل من العلوم إذ لا يتصف بالعقل خال عن العلوم كلها وليس من العلوم النظرية فإن النظر لا يقع ابتداؤه إلا مسبوقا بالعقل فانحصر في العلوم الضرورية وليس كلها فإنه قد يخلو عن العلوم بالمحسوسات من اختلت عليه حواسه وإن كان على كمال من عقله ثم لم يزل يبحث حتى قال العقل علوم ضرورية لا يخلو عنها المتصف بالعقل ولا يتصف بها من لا يتصف بالعقل ثم سبر على ما زعم واستبان أن العقل علوم ضرورية بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ولا يتصف بهذه الفنون إلا عاقل كما لا يتصف بها من ليس بعاقل فهذا لباب كلامه بعد تطويل وإطناب.
والذي ذكره رحمه الله فيه نظر فإنه بنى كلامه على أن العقل من العلوم الضرورية لأنه لا يتصف بالعقل عار من العلوم كلها وهذا يرد عليه أنه لا يمتنع كون العقل مشروطا بعلوم وإن لم يكن منها وهذا سبيل كل شرط ومشروط.
فإن قيل ما الذي يبطل ما ذكره القاضي رحمه الله في معنى العقل قلنا نرى العاقل يذهل عن الفكر في الجواز والاستحالة وهو عاقل.
37- فإن قيل فما العقل [عندكم] قلنا ليس الكلام فيه بالهين وما حوم عليه أحد من علمائنا غير الحارث2 [بن أسد] المحاسبي رحمه الله فإنه قال العقل غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها فالقدر الذي يحتمل هذا المجموع ذكره أنه صفة إذا ثبتت تأتي بها التوصل إلى العلوم النظرية ومقدماتها من الضروريات التي هي مستند النظريات.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 الحارث بن أسد المحاسبي أبو عبد الله البصري المولد البغدادي المنزل والوفاة قال الهيتمي هو إمام المسلمين في "الفقه" و "التصوف" و "الحديث" و "الكلام" وقال الغزالي: "المحاسبي جبر الأمة في علم المعاملة" مات سنة "243" له ترجمة في: حلية الأولياء "10/73-110" وشذرات الذهب "2/17".
(1/19)

ولا ينبغي أن يعتقد الناظر في هذا الكتاب أن هذا مبلغ علمنا في [حقيقة العقل] ولكن هذا الموضع لا يحتمل أكثر من هذا فإذا ثبت ما حاولناه في العقل فنتكلم بعده في إثبات العلوم وذكر تفاصيلها وحدها ومداركها والأدلة عليها إن شاء الله تعالى.
فصل
38- لم ينكر من يبالي به من العقلاء أصل العلوم ونقل أصحاب المقالات عن السوفسطائية إنكار العلوم وهم أربع فرق.
قال فريق منهم وهم غلاتهم نعلم ألا علم أصلا وعمموا الجحد في الضروري والنظري.
وقال فريق [منهم] لم يثبت عندنا علم بمعلوم فلم يعلم انتفاء العلوم.
وقال فريق لا ننكر العلوم ولكن ليس في القوة البشرية الاحتواء عليها لأن الذين يحاولونها سيالون لا يستقرون في حال وإنما تحصل الثقة لمستقر ينتظم آخر عثوره على المطلوب بإنشاء الطلب.
وذهبت فرقة إلى أن العقود المصممة كلها علوم فمعتقد قدم العالم على علم ومعتقد حدثه على علم ومثلوا ذلك باختلاف أحوال ذوي الحواس فالصحيح يدرك الماء الفرات عذبا ويدركه من هاجت عليه المرة الصفراء ممقرا [مرا] .
39- وقد اختلف المحققون في مكالمتهم فذهب الأكثرون إلى الانكفاف عنهم فإن غاية المناظر اضطرار خصمه إلى الضروريات فإذا كان مذهبهم جحدها والتمادي فيها فكيف الإنتفاع بمكالمتهم؟ ومن النظار من كلمهم بالتقريبات وضرب الأمثال وإلزام التناقض فقال للأولين أنكرتم العلوم وادعيتم العلم بانتفائها [كلها] وهذا تناقض لا ينكره عاقل.
والذي أراه أنه لا يتصور أن يجتمع على عقدهم فرقة من العقلاء من غير فرض تواطوء على الكذب.
(1/20)

فصل في حد العلم وحقيقته.
40- قال قائلون منا العلم تبين المعلوم على ما هو به وهذا مدخول من جهة أن التبين مشعر بوضوح الشيء عن إشكال وهذا يخرج العلم القديم عن الحد.
وقال [الشيخ] أبو الحسن رحمه الله العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالما.
وهذا وإن كان يطرد وينعكس فهو مدخول فإن من جهل العلم وحمله جهله به [على] السؤال عنه فهو جاهل بكل اسم مشتق منه ووضوح ذلك يغنى عن بسطه وأصدق شاهد في فساده جريانه في كل صفة يفرض السؤال عنها وهو بمثابة قول القائل العلم ما علمه الله تعالى علما.
وقال الأستاذ أبو بكر1 [بن فورك] رحمه الله العلم ما يصح من المتصف به إحكام الفعل وإتقانه.
وليس من المقولات في حد العلم أظهر فسادا من هذا فإنه أولا حد العلم بكيفية العمل وخلى معظم العلوم على أن العلم لا يتأتى به الإحكام دون القدرة فيلزم من ذلك إدراج القدرة في حد العلم وإخراجها عن الرأي الذي رآه.
وقالت المعتزلة2: حد العلم اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس.
وهذا بعد تطويل لا يليق بهذا المجموع باطل باعتقاد المقلد المصمم على عقده فإنه ليس علما عندهم وإن أنكروا الطمأنينة فيه كانوا مباهتين فإنا نرى الحشوي3 من الحنابلة مصمما على عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به مع إنكاره.
__________
1 أبو بكر بن فورك هو: أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني الحافظ الكبير الثبت العلامة روى عن أبي سهل بن زياد القطان وآخرين وعنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وآخرون كان قيما بعلم الحديث بصير بالرجال طويل الباع مات سنة "410" له ترجمة في: تاريخ أصبهان "1/168" والعبر "3/102" والنجوم الزاهرة "4/245".
2 تقدم التعريف بهذه الفرقة.
3 الحشوي: قوم تمسكوا بالظواهر فذهبوا إلى التجسيم وغيره وسموا بذلك لأنهم كانوا في الحلقة الحسن البصري فوجدهم يتكلمون كلاما غير كلامه فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة. "كشاف اصطلاحات الفنون" ص "394".
(1/21)

النظر ولو نشر بالمنشار لم يكع ولم يرجع وكيف يتجه إنكار الطمأنينة والكفار مطمئنون إلى كفرهم ومن أنكر ذلك منهم مع اتفاقهم على الإخبار عن طمأنينتهم وهم الجم الغفير والعدد الكثير الذي لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد فقد خرق حجاب الهيبة واستأصل قاعدة العرف فقد بطل حدهم.
وقال القاضي أبو بكر رحمه الله: العلم معرفة المعلوم على ما هو به فإذا قيل له المعرفة هي العلم قال مجيبا الحد هو المحدود بعينه ولو كان غيره لم يكن حده وإنما على الحاد أن يأتي بعبارة يظن السائل عالما بها إن جهل ما سأل عنه فإن جهل العبارات كلها فسحقا سحقا.
ولست أرى ما قاله القاضي سديدا فإن الغرض من الحد الإشعار بالحقيقة التي بها قيام المسئول عن حده وبه تميزه الذاتي عما عداه وهذا لا يرشد إليه تغاير العبارات فإن قيل قد تتبعتم عيون كلام المحققين بالنقض فما المرتضى عندكم في حقيقة العلم وهل العلم مما تحويه صناعة الحد أم لا فليس كل شيء محدودا.
41- قلنا: الرأي السديد عندنا أن نتوصل إلى درك حقيقة العلم بماحثة نبغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه فإذا انتفضت الحواشي وضاق موضع النظر حاولنا مصادفة المقصد جهدنا.
42- فنقول: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو به والعلم خالفه في ذلك ويتميز عنه والشك والظن يترددان بين معتقدين وهو بخلافهما في ذلك فلا يبقى إلا النظر في عقد يتعلق بالمعتقد على ما هو به من مقلد في ذلك مع التصميم والاستقرار مع القطع بأنه ليس علما والنظر في العلم الحق وما يتميز به عن عقد المقلد فليجرد الناظر فكره لمحاولة المميز بينهما فإن استتب له ذلك فقد أحاط بحقيقة العلم فإن ساعدت عبارة سديدة في الحد حد بها وإن لم تساعد اكتفى بدرك الحقيقة ولم يضر تقاعد العبارة فليس كل من يدرك حقيقة شيء تنتظم له عبارة عن حده ولو فرضنا رفض اللغات ودروس العبارات لاستقلت العقول بدرك المعقولات وإيضاح ذلك بالمثال أن ذا العقل يدرك [حقيقة] رائحة المسك ولو رام أن يصوغ عبارة عنها لم يجدها.
فنقول: عقد المقلد إذا لم يكن له مستند عقلي فهو على القطع من جنس الجهل وبيان ذلك بالمثال أن من سبق إلى عقده أن زيدا في الدار ولم يكن فيها.
(1/22)

ثم استمر العقد فدخلها زيد فحال المعتقد لا يختلف وإن اختلف المعتقد وعن ذلك نقل النقلة عن عبد السلام بن الجبائي وهو أبو هاشم أنه كان يقول العلم بالشيء والجهل به مثلان وأطال المحققون ألسنتهم فيه وهذا عندي غلط عظيم في النقل فالذي نص عليه الرجل في كتاب الأبواب أن العقد الصحيح مماثل للجهل وعنى بالعقد اعتقاد المقلد وقد سبق أن الوجه القطع بمساواة عقد المقلد الجهل فإذا ظهر ذلك قدمنا أمرا آخر وقلنا الشاك يرتبط عقده بأن زيدا في الدار أم لا والمقلد سابق إلى أحد المعتقدين من غير ثقة مستمر عليه إما عن وفاق أو عن سبب يقتضيه اتباع الأولين وحذار مخالفة الماضين.
ومن أحكام عقد المقلد أنه لو أصغى إلى جهة في التشكيك ولم يضرب عن حقيقة الإصغاء لتشكك لا محالة كالذي يتنبه وهو يأرق في وقفته.
43- ومن عجيب الأمر ظن من ظن أن العلم [عقد من العقود أو نوع منها] وهو عندي نقيض جميعها فإن معنى العقد ربطك الفكر بمعتقد والاعتقاد افتعال منه والعلم يشعر بانحلال العقود وهو الانشراح والثلج والثقة.
وحق ذي العلم ألا يتصور تشككه وإن تناهى في الإصغاء إلى جهة التشكيك فإن أورد متحذق مسلكا في التشكيك على واثق بالعلم الحق كان العالم على حالات إحداها أن يتبين له سقوط جهة التشكيك والأخرى ألا يفهمها ولا يتخالجه ريب في معلومة لعدم علمه بما أورد عليه والأخرى أن ينقدح له اندفاع الشك ولا يتحرر له عبارة في دفعه ويرى معارضة جدلا محجاجا.
44- وقد يقرأ على العالم المحقق في أمر سؤال صادر عن عقد له تقليدي والسؤال يلزم لزوما لا دفع له لو كان ذلك العقد علما فإذا كان الأول علما والثاني نقيضه فلا يستريب ذو التحصيل في بطلان عقده ولا يستطيع لو أنصف مراء وقد يكيع عن تغير عقده حذارا من أمر فتثور منه ثوائر في عقد التقليد والعلم السابق [يجاذبه] وليس ذلك شكا أرشدتم فيما تقدم وإنما هو إيثار ذهول عن الأول ليستمر ما يحاوله من الاستقرار على العقد التقليدي [و] لن يبالي بذلك إلا من ضعف غريزة عقله وهذا أوان الوقوف على هذا المنتهى فإن مجاوزته تزيد على قدر هذا المجموع وسأتحفك إن ساعدت الأقدار بلباب هذه الفنون مستعينا بالله وهو خير معين.
(1/23)

فصل
يحوي الأقاويل في مدارك العلوم.
45- حكى أصحاب المقالات عن بعض الأوائل حصرهم مدارك العلوم في الحواس ومصيرهم إلى أن لا معلوم إلا المحسوسات.
ونقلوا عن طائفة يعرفون بالسمنية أنهم ضموا إلى الحواس أخبار التواتر ونفوا ما عداها.
وحكى عن بعض الأوائل أنهم قالوا لا معلوم إلا مادل عليه النظر العقلي وهذا في ظاهره مناقض للقول الأول ومتضمنة أن المحسوسات غير معلومة.
والذي أراه أن الناقلين غلطوا في نقل هذا عن القوم وأنا أنبه على وجه الغلط.
قال الأوائل العلوم كل ما تشكل في الحواس وما يفضي إليه نظر العقل مما لا يتشكل فهو معقول فنظر الناقلون إلى ذلك ولم يحيطوا باصطلاح القوم وقال المطلعون من مذاهبهم على أن لا معلوم إلا المحسوس من أصلهم أن المدارك تنحصر في الحواس وقال من رآهم يسمون النظريات معقولات من أصل هؤلاء أن المدارك منحصرة في سبل النظر وهذا ظن ولا أرى خلافا في المعنى وقال قائلون مدارك العلوم الإلهام.
وقال آخرون من الحشوية المشبهة لا مدارك للعلوم إلا الكتاب والسنة والإجماع وقال المحققون مدارك العلوم الضروريات التي تهجم مبادئ فكر العقلاء عليها والنظريات العقليات والسمعيات على ما سيأتي تفصيلها فأما الضروريات فإنها تقع بقدرة الله تعالى غير مقدورة للعباد والنظريات في رأى معظم الأصحاب مقدورة بالقدرة الحادثة.
46- والمرتضى المقطوع به عندنا أن العلوم كلها ضرورية والدليل القاطع على ذلك أن من استد نظره وانتهى نهايته ولم يستعقب النظر ضد من أضداد العلم بالمنظور فيه فالعلم يحصل لا محالة من غير تقدير فرض خيرة فيه ولن يبلغ المرء مبلغ التحقيق في ذلك حتى يعرف مذهبنا في حقيقة النظر وسنبدي أنه تردد في أنحاء الضروريات ومراتبها على ما سيأتي شرحنا عليه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
(1/24)

47- فأما المعتزلة فإنهم فهموا أن العلوم ليست مباشرة بالقدرة وعلموا أن النظر يستعقبها استعقابا لا دفع له فزعموا أن النظر يولدها توليد الأسباب مسبباتها.
والمقدور الذي هو مرتبط التكليف والثواب هو النظر عندي.
48- ثم رتب أئمتنا أدلة العقل ترتيبا ننقله ثم نبين فساده ونوضح مختارنا فنكون جامعين بين نقل تراجم المذاهب والتنبيه على الصواب منها.
قالوا أدلة العقول تنقسم أربعة أقسام أحدها بناء الغائب على الشاهد والثاني إنتاج المقدمات النتائج والثالث السبر والتقسيم والرابع الاستدلال بالمتفق عليه على المختلف فيه.
ثم قالوا أما بناء الغائب على الشاهد فلا يجوز التحكم به من غير جامع عقلي ومن التحكم به شبهت المشبهة وعطلت المعطلة وعميت بصائر الزنادقة.
فقالت المشبهة: لم نر فاعلا ليس متصورا وقالت المعطلة: الموجود الذي لا يناسب موجودا غير معقول ثم حصروا الجوامع في أربع جهات أحدها الجمع بالعلة والثاني الجمع بالحقيقة والثالث الجمع بالشرط والرابع الجمع بالدليل فأما الجمع بالعلة فكقول [مثبتي] الصفات إذا كان كون العالم عالما شاهدا [معللا] بالعلم لزم طرد ذلك غائبا.
والجمع بالحقيقة كقول القائل حقيقة العالم شاهدا من له علم فيجب طرد ذلك غائبا.
والجمع بالشرط كقولنا العلم مشروط بالحياة شاهدا فيجب الحكم بذلك على الغائب.
[والجمع] بالدليل كقولنا الحدوث والتخصيص والإحكام يدل على القدرة والإرادة والعلم شاهدا فيجب طرد ذلك غائبا.
وأما بناء النتائج على المقدمات فهو كقولنا الجواهر لا تخلو عن حوادث مستندة إلى أولية فهذه هي المقدمة والنتيجة أن مالا يخلو عن الحوادث لا يسبقها.
والاستدلال بالمتفق على المختلف كقياسنا الألوان على الأكوان [في] استحالة تعري الجواهر عنها.
فهذا سياق كلام الأصحاب في ذلك.
(1/25)

ثم قالوا قد تكون المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية وهذا هو الأكثر كقولنا تحرك الجوهر ولم يكن متحركا فهذه مقدمة ضرورية نتيجتها أنه لا بد والحالة هذه من فرض زائد على الذات.
وقد تكون المقدمة نظرية والنتيجة ضرورية كقولنا الجوهر لا يخلو عن الحوادث التي لها أول وهذه مقدمة نظرية لا يتوصل إليها إلا بدقيق النظر والنتيجة أن ما لا يخلو عن الحوادث التي لها أول حادث وهذا ضروري.
49- فأما نحن فلا نرتضى شيئا من ذلك فأما بناء الغائب على الشاهد فلا أصل له فإن التحكم به باطل وفاقا والجمع بالعلة لا أصل له إذ لا علة ولا معلول عندنا وكون العالم عالما هو العلم بعينه.
والجمع بالحقيقة ليس بشيء فإن العلم الحادث مخالف للعلم القديم فكيف يجتمعان في الحقيقة مع اختلافهما فإن قيل جمعتهما العلمية فهو باطل مبنى على القول بالأحوال وسنوضح بطلانها على قدر مسيس الحاجة.
والقول الجامع في ذلك أنه إن قام دليل على المطلوب في الغائب فهو المقصود ولا أثر لذكر الشاهد وإن لم يقم دليل على المطلوب في الغائب فذكر الشاهد لا معنى له وليس في المعقول قياس وهذا يجري في الشرط والدليل.
وأما المقدمة والنتيجة فلست أرى في عد ذلك صنفا من أدلة العقول معنى ولا حاصل للفصل بين النظري والضروري والعلوم كلها ضرورية كما سبق تقريره.
والاستدلال بالمتفق على المختلف لا أصل له فإن المطلوب في المعقولات العلم ولا أثر للخلاف والوفاق فيها.
وأما السبر والتقسيم فمعظم ما يستعمل منه باطل فإنه لا ينحصر في نفى وإثبات كقول من يقول لو كان الإله مرئيا لرأيناه الآن فإن المانع من الرؤية القرب المفرط أو البعد [المفرط] أو الحجب إلى غير ذلك مما يعدونه وهذا الفن لا يفيد علما قط ويكفى في رده قول المعترض بم تنكرون على من يثبت مانعا غير ما ذكرتموه فلا يجد السابر المقسم من ذلك محيصا.
فأما التقسيم الدائر بين النفي والإثبات فقد ينتهض ركنا في النظر الصحيح كما ذكرناه في كتاب النظر في الكلام.
(1/26)

فصل
يجمع قول الأصحاب في مراتب العلوم وما نختار من ذلك.
50- قال الأئمة رحمهم الله مراتب العلوم في التقسيم الكلي عشر.
الأولى: علم الإنسان بنفسه ويلتحق بذلك علمه بما يجده ضروريا من صفاته كألمه ولذاته.
والدرجة الثانية: تحوي العلوم الضرورية كالعلم باستحالة المستحيلات وهذا دون الدرجة الأولى من حيث إنه يستند العلم فيه إلى فكر في ذوات المتضادات وتضادها.
والثالثة: تجمع العلوم بالمحسوسات وهذه الرتبة دون الثانية لأن الحواس عرضة الآفات والتخييلات.
والمرتبة الرابعة تحوي العلم بصدق المخبرين تواترا وهذا دون العلم بالمحسوسات ولما يتطرق إلى إخبار المخبرين من [إمكان] التواطؤ وإن كثر الجمع فلا بد من نوع من الفكر ولذلك ألحق الكعبي هذا القسم بالنظريات.
والمرتبة الخامسة: العلم بالحرف والصناعات وهي محطوطة عما تقدم لما فيها من المعاناة والمقاساة وتوقع الغلطات.
والمرتبة السادسة: في العلوم المستندة إلى قرائن الأحوال كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل وغضب الغضبان وإنما استأخرت هذه المرتبة لتعارض الاحتمالات في محامل الأحوال وخروجها عن الضبط.
والمرتبة السابعة: العلوم الحاصلة بأدلة العقول وهي مستأخرة لا محالة عن الضروريات المذكورة في المراتب السابقة.
والثامنة: العلم بجواز النبوات وابتعاث الرسل وجواز ورود الشرائع.
والتاسعة: في العلم بالمعجزات إذا وقعت.
والعاشرة: في العلم بوقوع السمعيات الكلية ومستندها الكتاب والسنة والإجماع.
(1/27)

51- ثم في بعض الأقسام التي ذكروها مواقع خلاف على ما نشير إليها.
فمن الجملة التي اختلف فيها الخائضون في التقسيم المحسوسات فقال قائلون كلها في درجة واحدة وقال آخرون السمع والبصر مقدمان على ما سواهما ثم من هؤلاء من قدم البصر على السمع لتعلقه بجميع الموجودات بزعمه ومنهم من سوى بينهما.
52 - وذهب بعض أصحاب الأقاويل إلى تقديم السمع على البصر لوجهين أحدهما أن السمع لا يحتاج إلى الأشعة المتعرضة للحركات والتعريجات والأخر أن السمع لا يختص في دركه بجهة بخلاف البصر وذكر القتبي1 هذا واختاره وذكر أن الباري سبحانه وتعالى: قدم السمع على البصر فقال: {أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} 2 ثم قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ} 3 وجمع من هذا كثيرا وهو ولاج هجوم على مالا يحسنه ومما قاله: إن الله لم يبتعث أصم وفي الأنبياء عليهم السلام عميان.
ومما خاض فيه الخائضون أنا قدمنا ما يدرك بالحواس على ما يدرك بالعقل وهو اختيار شيخنا أبي الحسن الأشعري4 رحمة الله عليه وقدم القلانسي المعقولات بالأدلة النظرية على المحسوسات من حيث إن العقل مرجع المعقولات ومحلها ومرجع المحسوسات إلى الحواس وهي عرضة الآفات فهذه جمل من المقالات.
53- والحق عندنا بعيد نازح عن هذه المسالك وما أرى المقسمين بنوا تقاسيمهم إلا على الرضا والقناعة لعقود ظاهره لا تبلغ الثلج ومسلك اليقين ومن أحاط بحقيقة العلم واعتقد العلوم كلها ضرورية لم يتخيل فيها تقديما [ولا] تأخيرا.
نعم الطرق إليها قد يتخيل أن فيها ترتيبا في تعرضها للزلل فأما العلوم في نفسها إذا حصلت على حقيقتها فيستحيل اعتقاد ترتيبها.
__________
1 القبتي: هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الكاتب نزيل بغداد قال الخطيب: كان رأسا في العربية واللغة والأخبار وأيام الناس ثقة دينا فاضلا صنف "إعراب القرآن" و "معاني القرآن" و "مختلف الحديث" و "غريب الحديث". مات سنة "267" له ترجمة في البداية والنهاية "11/48" وتاريخ بغداد "10/170" وشذرات الذهب "2/169" ووفيات الأعيان "2/246".
2 آية "42" سورة يونس.
3 آية "43" سورة يونس.
4 سبقت ترجمته
(1/28)

فصل
فيما يدرك بالعقل لا غير وفيما يدرك بالسمع لا غير وفيما يجوز فرض إدراكه بهما جميعا.
54- فأما مالا يدرك إلا بالعقل فحقائق الأشياء ودرك [استحالة] المستحيلات وجواز الجائزات ووجوب الواجبات العقلية لا التكليفية الضرورية منها والنظرية.
وأما ما لا يدرك إلا بالسمع فوقوع الجائزات وانتفاؤها وأما ما يشترك فيه السمع والعقل وبذكره ينضبط ما تقدم من القسمين فنقول فيه كل مدرك يتقدم على ثبوت كلام صدق فيستحيل دركه من سمع فإن مستند السمعيات كلها الكلام الحق الصدق.
وبيان ذلك بالمثال: أن وجود الباري سبحانه وتعالى: وحياته وأن له كلاما صدقا لا يثبته سمع فأما من أحاط بكلام صدق ونظر بعده في جواز الرؤية وفي خلق الأفعال وأحكام القدرة فما يقع من هذا الفن بعد ثبوت مستند السمعيات لا يمتنع اشتراك السمع والعقل فيه.
فصل
يشتمل على مقدار من مدارك العقول تمس الحاجة إليه في مسائل الأصول.
55- فنقول لا يجول العقل في كل شيء بل يقف في أشياء وينفذ في أشياء ولا يحصل مقدار غرضنا في هذا المجموع من مضمون هذا الفصل العظيم القدر إلا بتقديم قاعدة موضع استقصائها كتاب النظر من الكلام.
فالنظر عندنا مباحثة في أنحاء الضروريات وأساليبها ثم العلوم الحاصلة على أثرها كلها ضرورية كما سبق تقرير ذلك وتلك الأنحاء يئول حاصل القول فيها إلى تقاسيم منضبطة بالنفي والإثبات منحصرة بينهما يعرضها العاقل على الفكر العقلي ويحكم فيها بالنفي والإثبات فإن كان ينقدح فيها نفى أو إثبات قطع به وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر من ذي نحيزة صحيحة إلى جهة يتطرق إلى مثلها العقل فإذا استد النظر وامتد إلى اليقين والدرك فهو الذي يسمى نظرا ودليلا.
وبيان ذلك بالأمثلة الهندسية والأرتماطيقية والكلامية فمن المقدمات الهندسية ما تهجم العقول عليها من غير احتجاج إلى فكر كالعلم بأن الجزء أقل من الكل والكل.
(1/29)

أكثر من الجزء والخطوط المستقيمة الخارجة من مركز الدائرة إلى محيطها متساوية إلى غير ذلك من الأمثلة إلى تسمى المصادرات.
فإذا بنى المهندس على هذه المقدمات شكلا وركب عليها دعاوي وبرهنها بما يستند إلى تلك المقدمات فقد يحتاج في ترتيب الاستخراج إلى فكر طويل وإذا أحاط بما يبغيه فعلمه به على حسب علمه بالمقدمات وكذلك القول في العدديات.
ويقول المتكلم في الجسم الساكن إذا تحرك [قد] تجدد أمر لم يكن وهذا مهجوم عليه من غير نظر ثم إن استد فكره في جهة إثبات [الأعراض] [قال] هذا التجدد جائز أم لا فيفرض التقسيم بين النفى والإثبات ثم يفكر فيطيل فكره أو يقصره على التفاوت في احتداد القرائح وكلالها فيعلم من غير وسيلة ما يسمى دليلا أن الحكم بوجوب التحرك محال فيعلم الجواز ثم يعن له تقسيم آخر في أن ما علم جوازه يثبت لنفسه أم لا فيفكر كما تقدم فيتعين له أحد القسمين تعيينا ضروريا.
فهذا هو التردد في أنحاء الضروريات ولكنها لما انقسمت إلى مهجوم عليه وإلى ما يحتاج فيه إلى تقسيم وفكر سمى أحد القسمين نظريا والثاني ضروريا.
فإذا تقرر ذلك فالقول الضابط في مقصود الفصل أن كل ما يتجه فيه تقسيم مضبوط وينقدح تعيين أحدهما فهو الذي يتطرق العقل إليه وما لا ينضبط فيه التقسيم أو ينضبط ولا يهتدي العقل مع الفكر الطويل إلى تعيين أحدهما فهو من [محارات] العقل.
وبيان ذلك بمثالين: أحدهما: أن من أخذ يبغي جواز رؤية الباري سبحانه وتعالى: من النظر في أن مصحح الرؤية ماذا فهذا وقبيله لا يحصره النفي والإثبات فلا ينتهي النظر فيه قط إلى العلم.
وأما المثال الثاني: فهو أن من نظر وقد عن له تقسيم بين نفى وإثبات في أن الجوهر هل يجوز أن يخلو عن الألوان أم لا فهذا تقسيم منضبط ولكن العقل لا يعين أحد القسمين وإن تمادى فيه فكر العاقل أبد الآباد ومن أراد أن يأخذ ذلك من القياس على الأكوان فقد نأى عن مسلك العقل فليس في العقل قياس.
والتحقيق فيه: أن النظر الذي اقتضى استحالة العرو عن الأكوان إن قام في الألوان أغناك عن الاستشهاد بالأكوان فإذا لم يقم في الألوان فالعقل لا يحكم على الأكوان بحكم الألوان من غير بصيرة.
(1/30)

56- ومما يتعين على الطالب الاهتمام به في مضايق هذه الحقائق أن يفصل بين موقف العقل وبين تبلده وقصوره لفرض عوائق تعوق.
57- ومما يجب الاعتناء به الميز بين الجواز الذي هو حكم مدرك [بالعقل] وبين الجواز الذي معناه التردد.
ونحن نذكر لمساق كل مقصد مسلكا مؤيدا بمثال على قدر ما يليق بهذا المجموع إن شاء الله تعالى.
فأما الموقف الذي يحكم به ويحيل تعديه فهو الإحاطة بأحكام الإلهيات على حقائقها وخواصها فأقصى إفضاء العقل إلى أمور [جملية] منها والدليل القاطع في ذلك رأى الإسلاميين أن ما يتصف به حادث موسوم بحكم النهاية يستحيل أن يدرك حقيقة مالا يتناهى وعبر الأوائل عن ذلك بأن قالوا تصرف الإنسان في المعقولات بفيض ما يحتمله من العقل عليه ويستحيل أن يدرك الجزء الكل ويحيط جزء طبيعي له حكم عقلي بما وراء عالم الطبائع وهذه العبارات وإن كانت مستنكرة في الإسلام فهي محومة على الحقائق ولكن لا يعدم العاقل العلم بكلى ما وراء [عالم] الطبائع فأما الاحتواء على الحقيقة فهو حكم سلطنة الكل على الجزء.
وأما [ما يحمل] على تبلد العقل فهو ما يقتضيه طارئ من الاعتلال أو الاختلال ولا يكاد ينكر ذلك العاقل من نفسه ثم يتصدى له طوران أحدهما أن يعلم قصوره والمطلوب مضطرب العقل والثاني أن يتمارى أنه مضطرب العقل أم لا وبالجملة لا يحكم لمن هذا حاله بتوقف العقل كحكمنا الأول فيما تقدم.
58- وقد صار معظم الأوائل إلى أن درك خواص الأجسام [وحقائقها] من مواقف العقول [فليس] من الممكن أن يدرك بالعقل الخاصية الجاذبة للحديد في المغناطيس وهذا عندي فيه نظر فإنها وإن دقت فهي من عالم الطبائع فالجزئي من العقل مسيطر على كل الطبائع ولكن ينقدح [عندي] في ذلك أمر يحمل التعذر عليه وهو إن تهيأ مفيض العقل من الإنسان للفيض الطبيعي فلا يكاد يبلغ هذا التركيب والتهيؤ مبلغا يفيض من العقل عليه ما يحيط بالخواص وأيضا فليست الخاصية قضية طبيعية محضة وإنما هي سلطنة النفس في المحل المختص ولا بعد في قصور [جزئي] العقل عن سلطان النفس.
وبالجملة لا يقوم برهان على التحاق هذا [القسم] بالمواقف إلا أن يعتمد المعتمد.
(1/31)

الاستقراء ويعلم أن هذا لو كان ممكنا لجرى الإمكان في زمان ما مع تكرر المقتضيات والله المستعان.
59- وأما الميز بين الجواز المحكوم به وبين الجواز بمعنى التردد والشك فلائح [واضح] ومثاله أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن وهذا الجواز حكم مبتوت للعقل وهو نقيض الاستحالة وأما الجواز بمعنى التردد والشك فكثير ونحن نكتفي فيه بمثال واحد فنقول تردد المتكلمون في انحصار الأجناس كالألوان فقطع قاطعون بأنها غير متناهية في الإمكان كآحاد كل جنس وزعم آخرون أنها منحصرة وقال المقتصدون لا ندري أنها منحصرة أم لا ولم يثبتوا مذهبهم على بصيرة وتحقيق.
والذي أراه قطعا أنها منحصرة فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها بأجناس لا تتناهى على التفصيل وذلك مستحيل فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا بآنافهم وقالوا الباري سبحانه عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات [في الكلام] وبالجملة علم الله تعالى إذا تعلق بجواهر لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير فرض تفصيل الاحاد مع نفى النهاية فإن ما يحيل دخول مالا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم والأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل استرسال العلم عليها فإنها متباينة بالخواص وتعلق العلم بها على التفصيل مع نفى النهاية محال وإذا لاحت الحقائق فليقل الأخرق بعدها ما شاء.
فصل
مدارك العلوم في الدين ثلاثة في التقسيم الكلي.
60- أحدها: العقول والمطلوب منها درك الجواز في كل جائز ودرك المخصص له بالوجه الذي وقع عليه ودرك وجوب مخالفة المخصص للجائزات في أحكام الجواز ودرك وجوب صفات المخصص [التي] لا يصح كونه مخصصا دونها فهذا حظ العقل المحض في الديانات.
61- والمدرك الثاني: هو المرشد إلى ثبوت كلام صدق وهذا لا يتمحض العقل فيه فإن مسلكه المعجزات وارتباطها بالعادات انخراقا واستمرارا والقول في ذلك يطول.
(1/32)

62- والمدرك الثالث أدلة السمعيات المحضة وهي إذا فصلت على مراسم العلماء [ثلاثة] الكتاب والسنة والإجماع وعد عادون خبر الواحد والقياس والتحقيق في ذلك يستدعي تقديم أصلين ثم بعدهما نعد السمعيات.
63 - فأحد الأصلين: في ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات العلم بكلام الله سبحانه وتعالى: الصدق ولا مطمع في استقصاء القول في ذلك ولكن القدر الذي يتفطن له العاقل أن العالم لا يخلو عن نطق النفس ثم النطق النفسي لا يكون إلا على حسب تعلق العلم وإذا كان كذلك لم يكن إلا صدقا وإن فرض فارض إجراء شيء في النفس على خلاف العلم فهو وسواس وتقديرات لا يتصور فرضها [إلا حادثة] وهذا القدر على إيجازه مقنع في غرض هذا الفصل.
64- والأصل الثاني: في إثبات اقتضاء المعجزة صدق من ظهرت على يديه ولا سبيل إلى الخوض في شرائطها وأحكامها كملا ولكن قدر غرضنا من ذلك أن المعجزة تكون فعلا لله سبحانه وتعالى: خارقا للعادة ظاهرا على حسب سؤال مدعى النبوة مع تحقيق امتناع وقوعه في الاعتياد من غيره إذا كان يبغي معارضة ووجه دلالتها يقرب من إشعار قرائن الأحوال بالعلوم البديهية فإذا قال من يدعى النبوة قد علمتم ربا مقتدرا على ما يشاء وتحققتم أن إحياء الموتى ليس مما يدخل تحت مسالك الحيل ومدارك القوى البشرية وإنما ينفرد بالقدرة عليه إله الخلق تعالى ثم يقول أي رب إن كنت صادقا في دعواي فأحي هذه العظام الرميم فإذا ائتلفت وتمثلت شخصا ينطق فلا يستريب ذو لب في أن ذلك جرى قصدا إلى تصديقه.
وهذا يناظر ما ضربه القاضي أبو بكر رحمة الله عليه في كتبه مثلا حيث قال إذا تصدى ملك للداخلين عليه في مهم سنح وأخذ الناس مجالسهم وتأزر المجلس بأهله ثم قام قائم بمرأى من الملك ومسمع فقال أنا رسول الملك إليكم وآية رسالتي أن ألتمس من الملك أن يقوم ويقعد خارقا عادته المألوفة فيفعل ثم يقول أيها الملك إن كنت رسولك فصدقني بقيامك وقعودك فإذا طابقه الملك قطع الحاضرون بتصديقه إياه من غير فكر وروية وانصرفوا واثقين على ثلج من الصدور وهذا ليس قياسا وإنما أثبتناه مثلا وإيناسا وإلا فإظهار المعجزة على شرطها بهذه المثابة يفيد العلم بصدقة ضرورة من غير احتياج إلى [نظر] .
فإن قيل: أيتصف الرب سبحانه وتعالى: بالاقتدار على أن يظهر على يد كذاب مع ما يعتقد في العقيدة من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ قلت:.
(1/33)

معتقدي وجوب وصف الرب سبحانه بهذا لا محالة.
فإن قيل فما المانع من وقوع ذلك وكل مقدور ممكن [الوقوع] وإنما لا يقع خلاف المعلوم من حيث علمناه معلوما؟ فبأي مسلك يتوصل إلى أن من يعتقد صادقا هو كذلك؟ وما يؤمن كونه كذابا ومراد الباري - سبحانه وتعالى - يعضده بخوارق العادات إظهارا للضلالات وإغواء للخلق؟ وهذا لا يليق بقدر هذا الكتاب ولكن إذا انتهى الكلام إليه نثبت بديعة شافية.
ونقول قد أجرينا في أدراج الكلام أن المعجزات تجرى مجرى قرائن الأحوال والرب سبحانه وتعالى: قادر على ألا يخلق لنا العلم الضروري بخجل الخجل عند ظهور قرائن الأحوال بل هو قادر على أن يخلق عندها الجهل ولكن تجويز ذلك لا يغض من يقيننا بالعلم الحاصل ولو فرض خرق هذه العادة لعدم العاقل مذاق هذا العلم.
وكذلك لو فرضنا ظهور المعجزة على حقها لحصل العلم ضروريا عندها مع سبق العلم بالصانع واعتقاد أنه المقتدر [بقدرته] على هذا الفن [كقدرته على كل شيء] وما أتى منكر لصدق نبي حق إلا من جهات منها التردد في إثبات صانع مختار ومنها اعتقاد الواقع تخييلا ومنها اعتقاده موصولا إليه بالغوص على العلوم والإحاطة بالخواص فأما من لم تخطر له هذه الفنون وهدى للحق الواضح واعتقد أن المعجزة فعل الله ولا يتوصل إلى مثلها محتال وقد وقعت على موافقة الدعوى فإنه لا يستريب مع ذلك في صدق من ظهرت عليه المعجزة ولو خرق الله سبحانه وتعالى: العادة في إظهارها على أيدي الكذابين لانسلت العلوم عن الصدور كما سبق تمثيله في قرائن الأحوال.
65- ونقول بعد هذين الأصلين الأصل في السمعيات كلام الله تعالى وهو مستند قول النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يثبت عندنا كلام الله تعالى إلا [من] جهة من يثبت صدقه بالمعجزة إذا أخبر عن كلام الله تعالى فمال السمع إلى كلام الله تعالى وهو متلقى من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومستند الثقة بالتلقي منه ثبوت صدقه والدال على صدقة المعجزة والمعجزة تدل من جهة نزولها منزلة التصديق بالقول وذلك مستند إلى اطراد العرف في إعقاب القرائن للعلم وثبوت العلم بأصل الكلام لله تعالى يدل عليه وجوب اتصاف العالم بالشيء بالنطق الحق.
(1/34)

الصدق عما هو عالم به فإذا ذكرنا في مراتب السمعيات الكتاب فهو الأصل وإذا ذكرنا السنة فمنها تلقى الكتاب والأصل الكتاب فأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء إلى نص الكتاب وذكروا قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرسول مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} 1 [الآية] وهذا عندنا ليس على رتبة الظاهر فضلا عن ادعاء منصب النص [فيها] وإنما يتلقى الإجماع من أمر متعلق بالعادة أولا فإن علماء الدهر إذا قطعوا أقوالهم جزما في مظنون وعلم استحالة التواطؤ منهم فالعرف يقضى باستناد اعتقادهم واتفاقهم إلى خبر مقطوع به عندهم وسيأتي ذلك مفردا في كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى فإذا ليس الإجماع في نفسه دليلا بل العرف قاض باستناده إلى خبر والخبر مقبول من أمر الله تعالى بقبوله وأمر الله من كلامه وكلامه متلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق رسوله من مدلول تصديق الله تعالى إياه بالمعجزة وما ذكرناه من [الخبر] في أثناء الكلام عنينا به الخبر المتواتر النص الذي ثبت أصله وفحواه قطعا.
فأما خبر الواحد إن عد من مراتب السمعيات فلا نعني بذكره أنه يستقل بنفسه ولكن العمل عنده يستند إلى خبر متواتر وإلى إجماع مستند إلى الخبر المتواتر وكذلك القول في القياس.
وبالجملة أصل السمعيات كلام الله تعالى وما عداه طريق نقله أو مستند إليه فهذا بيان العقلي المحض والسمعي المحض والمتوسط بينهما.
66- فإن قيل قد أثبتم النطق لله تعالى بالعقل المحض وقد عددتموه فيما تقدم من الرتبة المتوسطة قلنا الرتبة المتوسطة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المتعلق بالمعجزة والذي ذكرناه قبل من ثبوت الصدق متوسطا فإياه عنينا إذ لا يثبت حكم إلهي سمعي إلا بعد تقدم العلم بوجوب الصدق لله تعالى فلو كان الصدق لله تعالى في نفسه ثبت بالسمع ومستند كل سمع كلام الله تعالى لأدى [ذلك] إلى إثبات الكلام بالكلام وهذا لا سبيل إليه ولا ينتظم العقد فيه وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يرتبط بالسمع أيضا وإنما يتردد بين حكم العرف وقضايا العقل.
67- قال الأصوليون الأدلة العقلية هي التي [يقتضي] النظر التام فيها العلم بالمدلولات وهي تدل لأنفسها وما هي عليه من صفاتها ولا يجوز تقديرها غير دالة.
__________
1 النساء: آية 115.
(1/35)

[كالفعل] الدال على القادر والتخصيص الدال على المريد والإحكام الدال على العالم فإذا وقعت هذه الأدلة دلت لأعيانها من غير حاجة إلى قصد قاصد إلى نصبها أدلة.
وأما السمعيات فإنها تدل بنصب ناصب إياها أدلة وهي ممثلة باللغات والعبارات الدالة على المعاني عن توقيف من الله تعالى فيها أو اصطلاح صدر عن الاختيار.
68- وتمام الغرض في ذلك أن المعقولات تنقسم إلى البدائه وهي التي يهجم العقل عليها من غير احتياج إلى تدبر وإلى ما لا بد فيه من فرط تأمل فإذا تقرر على سداده أعقب العلم الضروري إن لم يطرأ آفة ثم ليس في العقليات على الحقيقة انقسام إلى جلي وخفي فإن قصاراها كلها العلم الضروري ولكن يتطرق إليها نوعان من الفرق أحدهما أن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر لبعد القريحة عن معاناة الفكر في أمثاله ولا شيء ينال طال الفكر فيه أو قصر إلا بتجريد الفكر في جهة الطلب فهذا نوع من الفرق بين النظرين.
والنوع الثاني: أن الناظر قد يبغي شيئا نازحا بعيدا يقع بعد عشر رتب مثلا من النظر ويطول الزمان في استيعاب معناها وقد يطرأ على الناظر في الأواخر نسيان الأوساط والأوائل فيتخبط النظر وقد يكون المطلوب في الرتبة الثالثة مثلا فيقرب المدرك ولا يتوعر المسلك ولا يطرأ من الذهول في ذلك ما يطرأ على من يتعدد عليه رتب النظر ويطول الزمان في استيعاب جميعها على الطالب قبل مطلوبه فهذا هو تفاوت النظر والناظر وإلا فليس في حقيقة النظر العقلي المفضي إلى العلم تفاوت.
69- ثم البرهان ينقسم إلى البرهان [المستد] وإلى البرهان الخلف.
فأما البرهان المستد فهو النظر المفضى بالناظر إلى عين مطلوبه وبرهان الخلف هو الذي لا يهجم بنفسه على تعيين المقصود ولكن يدير الناظر المقصود بين قسمى نفى وإثبات ثم يقوم البرهان على استحالة النفي فيحكم الناظر بالثبوت أو يقوم على استحالة الثبوت فيحكم الناظر بالنفي.
والأحكام الإلهية كلها تستند إلى البرهان الخلف وبيان ذلك بالمثال أن من اعتقد على الثقة صانعا ثم ردد النظر بين كونه في جهة وبين استحالة ذلك عليه فلا يهجم النظر على موجود لا في جهة ولكن يقوم البرهان القاطع على استحالة قديم في جهة فيترتب عليه لزوم القضاء بموجود لا في جهة.
(1/36)

وإذا تكلمنا في مسالك العقول من غير فرض الكلام في الإله سبحانه وصفاته فالنظر المستد يجرى في جميع مطالب العقل إلا في شيئين:.
أحدهما: ما يتعلق بأحكام الأزل ونفى الأولية.
والثاني: ما يتعلق بنفى الإنقسام عن الجوهر الفرد.
فهذا القدر كاف في التنبيه على مسالك العقول والسمع واستكمال ذلك يستدعي طرفا من الكلام صالحا في البيان ومعناه فقد رسمه الأصوليون وطولوا أنفاسهم فيه ونحن الآن نبتدىء به بعون الله وتوفيقه.
(1/37)

الكتاب الأول: القول في البيان
مدخل
...
الكتاب الأول: القول في البيان.
الكلام في هذا الفصل يتعلق بثلاثة فنون أحدها في ماهية البيان والاختلاف فيه والثاني في مراتب البيان والثالث في تأخير البيان عن مورد اللفظ إلى وقت الحاجة.
مسألة:
اختلفت عبارات الخائضين في هذا الفن في معنى البيان.
70- فذهب بعض من ينسب إلى الأصوليين إلى أن البيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح وهذه العبارة وإن كانت محمومة على المقصود فليست مرضية فإنها مشتملة على ألفاظ مستعارة كالحيز والتجلي وذوو البصائر لا يودعون مقاصد الحدود إلا في عبارات هي قوالب لها تبلغ الغرض من غير قصور ولا ازدياد يفهمها المبتدئون ويحسنها المنتهون.
وقال قائلون البيان هو العلم وهو غير مرضى فإن الإنسان ينهي الكلام إلى حد البيان ويحسن منه أن يقول ثم البيان وإن لم يفهم المخاطب وقد يقول بينت فلم يتبين.
71- والقول المرضى في البيان ما ذكره القاضي أبو بكر حيث قال البيان هو الدليل ثم الدليل ينقسم إلى العقلي والسمعي كما نفصل القول فيه والله سبحانه وتعالى: مبين الأمور المعقولة بنصب الأدلة العقلية عليها والمسمع المخاطب مبين للمخاطب ما يبغيه إذا استقل كلامه بالإبانة والإشعار بالغرض فهذا منتهى المقصود في هذا الفن.
مسألة في مراتب البيان:
فأما الكلام في مراتب البيان فلا نجد بدا من نقل المقالات فيه ليكون الناظر.
(1/39)

خبيرا بها ثم نذكر عند نجازها المختار عندنا إن شاء الله تعالى.
72- قال الشافعي رضي الله عنه في باب البيان في كتاب الرسالة1:
المرتبة الأولى: في البيان لفظ ناص منبه على المقصود من غير تردد وقد يكون مؤكدا واستشهد في هذه المرتبة بقوله سبحانه وتعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} 2 فهذا في أعلى مراتب البيان.
والمرتبة الثانية: كلام بين واضح في المقصود الذي سيق الكلام له ولكن يختص بدرك معانيه وما فيه المستقلون وذوو البصائر واستشهد بآية الوضوء فإنها واضحة ولكن في أثنائها حروف لا يحيط بها إلا بصير بالعربية.
والمرتبة الثالثة: ما جرى له ذكر في الكتاب وبيان تفصيله محال على المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 3 فتفصيله قدرا وذكر مستحقه محال على رسول الله عليه الصلاة والسلام ولكن الأمر به ثابت في الكتاب.
والمرتبة الرابعة: الأخبار الصحيحة التي لا ذكر لمقتضياتها في كتاب الله تعالى وإنما متعلقها من الكتاب قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 4.
والمرتبة الخامسة: القياس المستنبط مما ثبت في الكتاب والسنة.
فهذه مراتب تقاسيم البيان عنده فكأنه رضي الله عنه آثر ارتباط البيان بكتاب الله تعالى من كل وجه ولهذا قال في صفة المفتى من عرف كتاب الله تعالى نصا واستنباطا استحق الإمامة في الدين فهذا مسلك الشافعي في ترتيب مراتب البيان.
73- وقال أبو بكر بن داود الأصفهاني أغفل الشافعي رحمه الله في المراتب الإجماع وهو من أصول أدلة الشريعة فإن تكلف متكلف وزعم أن الإجماع يدل من حيث استند إلى الخبر فاكتفى بذكر الأخبار فهلا ذكر الإجماع أولا واكتفى بذكره عن القياس لاستناده إليه فالقياس مستند إلى الإجماع وهو مستند إلى الخبر وقد عده الشافعي ولو ذكر الإجماع لكان أقرب إذ هو أعلى من القياس ثم كان يندرج.
__________
1 ص "26-34".
2 آية "96" سورة البقرة.
3 آية "141" سورة الأنعام.
4 آية "7" سورة الحشر.
(1/40)

القياس تحت متضمنات الإجماع ولا دفع للسؤال.
74- وذكر بعض الأصوليين صنفا آخر من الترتيب فقال:
الرتبة الأولى النص والثانية الظاهر المحتمل التأويل والثالثة اللفظ المتردد بين احتمالين من غير ترجيح وظهور في أحدهما كالقرء ونحوه.
وهذا ساقط فإن ما ذكره هذا القائل آخرا من المجملات هو نقيض البيان والظاهر ليس بيانا أيضا مع تطرق الاحتمال إليه ولولا ما قام من القاطع على وجوب العمل به لما اقتضى بنفسه عملا.
75- وقال قائلون: المرتبة الأولى فيها لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم.
والثانية فحوى فعل الشارع صلى الله عليه وسلم الواقع بينانا كصلاته مع قوله صلوا كما رأيتموني أصلى1.
والمرتبة الثالثة في إشارة الرسول صلى الله عليه وسلم كما صح في الحديث2 أنه صلى الله عليه وسلم قال: "الشهر هكذا وهكذا, وهكذا" فأشار بأصابعه العشر وحبس واحدة في الثالثة.
والمرتبة الرابعة الكتابة وهي دون الفعل والإشارة لما يتطرق إليها من الإيهام والتحريف لا سيما مع الغيبة.
والمرتبة الخامسة في المفهوم وهو ينقسم إلى مفهوم الموافقة والمخالفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والسادسة: في القياس وهو ينقسم إلى ما في لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم إشارة إليه كقوله3: "أينقص الرطب إذا يبس؟ " [فقالوا: نعم يا رسول الله, فقال: "فلا إذا" فكان"] ذلك إيماء إلى تعليل فساد البيع بما يتوقع من النقصان عند الجفاف.
__________
1 البخاري 1/162, 8/11 و 9/107, والبيهقي 2/173 والدارقطني 1/273 و 346.
2 البخاري 3/34 و 35, 7/68, ومسلم في: الصيام: ب 3: حديث 4, 10, 13, 16, وب "4": حديث 26, 27, والنسائي في: الصيام ب 15, 16, وابن ماجه 1656 و 1657 ووأحمد 1/284 و2/28 و43 و 125 و 5/42, والبيهقي 4/205 و250.
3 أبو داود: في البيوع "18" والترمذي في: البيوع "14" والنسائي في البيوع "36" وابن ماجه في: التجارات "53" ومالك في: البيوع "22", والدارقطني "3/49", وشرح السنة "8/78", والبيهقي "5/294".
(1/41)

وإلى ما ليس في لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم له ذكر ثم له مراتب لسنا لها الآن.
76- والقول الحق عندي أن البيان هو الدليل وهو ينقسم إلى العقلي والسمعي.
فأما العقلي فلا ترتيب فيه على التحقيق في الجلاء والخفاء وإنما يتباين من الوجهين المقدمين في التعدد [وفي] الاحتياج إلى مزيد فكر وترو.
فأما السمعيات فالمستند فيها المعجزة وثبوت العلم بالكلام الصدق الحق لله سبحانه وتعالى: فكل ما كان أقرب إلى المعجزة فهو أولى بأن يقدم وما بعد في الرتبة أخر.
وبيان ذلك [أن كل] ما يتلقاه من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآه فهو مدلول المعجزة من غير واسطة والإجماع من حيث يشعر بخبر مقطوع به يقع ثانيا والمدلولات المتلقاة من الإجماع [و] منها خبر الواحد والقياس يقع ثالثا ثم لها مراتب في الظنون ولا تنضبط وإنما غرضنا ترتيب البيان ومن ضرورة البيان تقدير العلم.
فإن قيل: لم, لم تعدوا كتاب الله تعالى؟ قلنا: هو مما تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل ما يقوله الرسول فمن الله تعالى فلم يكن لذكر الفصل بين الكتاب والسنة معنى فهذا منتهى الغرض في تقسيم البيان والله المستعان.
مسألة في تأخير البيان:
77- اعلم أن البيان لا يسوغ تأخيره عن وقت الحاجة والمعنى به توجه الطلب التكليفي فإذا فرض ذلك استحال أن يؤخر بيان المطلوب ولو فرض ذلك لكان مقتضيا تكليف مالا يطاق وقد سبق القول في استحالته.
وأما تأخير البيان إلى وقت الحاجة عند ورود الخطاب فجائز عند أهل الحق.
78- ومنع المعتزلة ذلك وأوجبوا اقتران البيان بمورد الخطاب والكلام عليهم يحصره ثلاثة أقسام.
أحدها: البرهان الحق فنقول لا يمتنع ما منعتموه وقوعا وتصورا وليس كامتناع المستحيلات وفرض اجتماع المتضادات فلئن فرض استحالته فهو متلقى على زعمكم من فن الاستصلاح والقول بالصلاح والأصلح فرع من فروع مذهبهم في التقبيح والتحسين العقليين وقد استأصلنا قاعدتهم فيما يدعونه من ذلك على أن.
(1/42)

معتضدهم فيما يدعونه من ذلك الرجوع إلى [معاقلات] العقلاء وليس ببدع أن يقول القائل ربما يعلم الله تعالى صلاح عباده في أن يبهم عليهم الخطاب حتى يعتقدوه مبهما ثم إذا استمروا بين لهم التفصيل عند الحاجة ولو بين لهم أولا لفسدوا فيبطل ما ذكروه من كل وجه فهذا مسلك.
والمسلك الثاني: يتعلق بمناقضتهم مذهبهم هاهنا بأصلهم في النسخ فإن النسخ عندهم بيان مدة التكليف [ولم يكن] هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول وليس لهم عن هذا جواب.
والمسلك الثالث: يتعلق بمطالبتهم [بما] رأينا الشرع عليه فنقول قد ورد الأمر بالحج ولم يقترب به تفاصيله جملة واحدة وكذلك القول في الصلاة وغيرها من قواعد الشريعة فلم يبق لمذهبهم متعلق.
فإن قالوا: مخاطبة المكلف بما لا يفهم لا فائدة فيه, قلنا: هذا عين المذهب وفيما ذكرناه ما يبطله.
فإن قالوا: مخاطبة العربي بلفظ محتمل في اللغة كمخاطبة الأعجمي بالعربية, قلنا: ونحن لا نمنع من ذلك إذا فهم [العجمي] على الجملة أنه مأمور والعجم مأمورون بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ثم [يفسر] لهم في وقت الحاجة.
(1/43)

القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها
مدخل
...
القول في اللغات ومأخذها وذكر ألفاظ جرى رسم الأصوليين بالكلام عليها.
79- اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني أما المعاني فستأتي في كتاب القياس إن شاء الله تعالى وأما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها فإن الشريعة عربية ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنظر في الشرع ما لم يكن ريانا من النحو واللغة ولكن لما كان هذا النوع فنا مجموعا ينتحى ويقصد لم يكثر منه الأصوليون مع مسيس الحاجة إليه وأحالوا مظان الحاجة على ذلك الفن واعتنوا في فنهم بما أغفله أئمة العربية واشتد اعتناؤهم بذكر ما اجتمع فيه إغفال أئمة اللسان وظهور مقصد الشرع وهذا كالكلام على الأوامر والنواهي والعموم والخصوص وقضايا الاستثناء وما يتصل بهذه الأبواب ولا يذكرون ما ينصه أهل اللسان إلا على.
(1/43)

قدر الحاجة الماسة التي لا عدول عنها.
ونحن نذكر الآن مسائل على شرط هذه الترجمة إن شاء الله.
مسألة:
80- اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات فذهب ذاهبون إلى أنها توقيف من الله تعالى وصار صائرون إلى أنها تثبت اصطلاحا وتواطؤا وذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائييني رحمه الله في طائفة من الأصحاب إلى أن القدر الذي يفهم منه قصد التواطؤ لا بد أن يفرض فيه التوقيف.
والمختار عندنا أن العقل يجوز ذلك كله فأما تجويز التوقيف فلا حاجة إلى تكلف دليل فيه ومعناه أن يثبت الله سبحانه وتعالى: في الصدور علوما بديهية بصيغ مخصوصة بمعان فيتبين العقلاء الصيغ ومعانيها ومعنى التوقيف فيها أن يلقوا وضع الصيغ على حكم الإرادة والاختيار.
وأما الدليل على جواز وقوعها اصطلاحا فهو أنه لا يبعد أن يحرك الله تعالى نفوس العقلاء لذلك ويعلم بعضهم مراد بعض ثم ينشئون على اختيارهم صيغا وتقترن بما يريدون أحوال لهم وإشارات إلى مسميات وهذا غير مستنكر وبهذا المسلك ينطق الطفل على طول ترديد المسمع عليه ما يريد تلقينه وإفهامه.
فإذا ثبت الجواز في الوجهين لم يبق لما تخيله الأستاذ رحمه الله وجه والتعويل في التوقيف وفرض الاصطلاح على علوم تثبت في النفوس فإذا لم يمتنع ثبوتها لم يبق لمنع التوقيف والاصطلاح بعدها معنى ولا أحد يمنع جواز ثبوت العلوم الضرورية على النحو المبين.
فهذا خط الأصول من هذه المسألة.
81- فإن قيل فإذا أثبتم الجواز في الوجهين عموما فما الذي اتفق عندكم وقوعه قلنا ليس هذا الآن مما يتطرق إليه بمسالك العقول فإن وقوع الجائز لا يستدرك إلا بالسمع المحض ولم يثبت عندنا سمع قاطع فيما كان من ذلك وليس في قوله سبحانه وتعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} 1 دليل على أحد الجائزين فإنه.
__________
1 آية "31" سورة البقرة.
(1/44)

لا يمتنع أن اللغات لم يكن يعلمها فعلمه الله تعالى إياها ولا يمتنع أن الله تعالى أثبتها ابتداء وعلمه إياها.
مسألة:
82- ذهب بعض من ينتمي إلى أصحابنا في طوائف من الفرق إلى أن اللغات لا يمتنع إثباتها قياسا وإنما قالوا ذلك في الأسماء المشتقة كالخمر فإنها من التخمير أو المخامرة فقال هؤلاء إن خصصت العرب في الوضع اسم الخمر بالخمر النية العنبية فيجوز تسمية النبيذ المشتد خمرا لمشاركته الخمر النية فيما منه اشتقاق الاسم.
83- والذي نرتضيه: أن ذلك باطل لعلمنا أن العرب لا تلتزم طرد الاشتقاق وأقرب مثال إلينا أن الخمر ليس في معناها الإطراب وإنما هي من المخامرة أو التخمير فلو ساغ الاستمساك بالاشتقاق لكان كل ما يخمر العقل أو يخامره ولا يطرب خمرا وليس الأمر كذلك.
والقول الضابط فيه: أن الذي يدعى ذلك إن كان يزعم أن العرب أرادته ولم تبح به فهو متحكم من غير ثبت ولا توقيف فإن اللغات على خلاف ذلك ولم يصح فيها ادعاء نقل وإن كان يزعم أن العرب لم تعن ذلك فإلحاق الشيء بلسانها وهي لم ترده محال والقايس في حكم من يبتدئ وضع صيغة.
فإن قيل الأقيسة الحكمية يدور فيها هذا التقسيم قلنا أجل ولكن ثبت قاطع سمعي على أنها متعلق الأحكام فإن نقلتم قاطعا من أهل اللسان اتبعناه.
ثم السر فيه أن الإجماع انعقد علة وجوب العمل عند قيام ظنون القايسين فلم تكن الظنون موجبة علما ولا عملا وليس في اللغات عمل فإن كنتم تظنون شيئا فلا نمنعكم من الظن ولكن لا يسوغ الحكم بالظن المجرد فإن تعلق هؤلاء بالأسماء المشتقة من حيث الأفعال كأسماء الفاعلين والمفعولين التي تجري على قضية واحدة فقد ثبت في هذه من طريق النقل اطراد القياس فاتبعناه ولا يجرى هذا في محل النزاع قطعا.
84- في ألفاظ استعملتها العرب فجرت في ألفاظ الشارع صلى الله عليه وسلم على أنحاء لم تعهد في اللغة المحضة كالصلاة والزكاة والحجج والعمرة وما في معناها.
فالصلاة في اللسان: الدعاء وقيل: هي ملازمة الشيء من قولهم صلى النار.
(1/45)

واصطلى بها ومنه المصلى في السباق.
والزكاة هي: النمو والحج والعمرة القصد ثم الشارع سمى عبادة مخصوصة صلاة وكذلك القول في أخوات هذه اللفظة فما وجه ذلك؟.
قال قائلون: نقل الشرع الألفاظ اللغوية عن حكم وضع اللسان إلى مقاصد الشرع.
وقال آخرون: هي مقرة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها وهو اختيار القاضي أبي بكر رحمه الله.
وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنها أقرب وزيد في معناها في الشرع.
وقالت المعتزلة: الألفاظ تنقسم ثلاثة أقسام أحدها الألفاظ الدينية وهي الإيمان والكفر والفسق: فهي عندهم منقولة إلى قضايا في الدين فالإيمان في اللسان التصديق والكفر من الكفر وهو الستر والفسق الخروج وهذا الذي ذكروه على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنا دينا وليس كافرا أيضا وإنما هو فاسق.
والقسم الثاني: الألفاظ اللغوية وهي القارة على قوانين اللسان.
والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية وهي الصلاة والصوم وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع.
وسر مذهبهم في الدينية والشرعية يئول إلى ما حكيناه عن الفقهاء من أنها مقرة زيد في معناها.
أما القاضي رحمة الله عليه فإنه استمر على لجاج ظاهر فقال الصلاة الدعاء والمسمى بها في الشرع دعاء عند وقوع أقوال وأفعال ثم الشرع لا يزجر عن تسمية الدعاء المحض صلاة وطرد ذلك في الألفاظ التي فيها الكلام.
وهذا غير سديد فإن حملة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة ومساق ما ذكره [أن] المسمى بالصلاة الدعاء فحسب وليس الأمر كذلك.
85- وأما المختار عندنا فيقتضي بيانه تقديم أصل هو مقصود في نفسه وبه يتم غرض المسألة فنقول:
(1/46)

قد ذكر الأصوليون أن في الألفاظ ما هو عرفي وللعرف احتكام فيه ووجه احتكام العرف فيه يحصره شيئان أحدهما أن تعم استعارته عموما يستنكر معها استعمال الحقيقة وهذا كقول القائل: الخمر محرمة وهذا مستعار متجوز فإن الخمر لا تكون مرتبط التكليف وإنما يتعلق التكليف بأحكام أفعال المكلفين فالمحرم إذا شرب الخمر وتعاطيها ولو قال قائل: ليست الخمر محرمة لكان قائلا هجرا ويكثر تطاير ذلك في اللسان والشرع فهذا أحد الوجهين.
والثاني: يخصص العرف أسماء ببعض المسميات ووضع الاسم يقتضي ألا يختص وهذا كالدابة فإنها مأخوذة من دب يدب وهو مبني بناء فاعل على قياس مطرد في أسماء الفاعلين ثم يقال فلان دب ولا يسمى دابة إلا بعض البهائم والحشرات كالحيات ونحوها.
فإذا تبين هذا بنينا عليه غرضنا وقلنا الدعاء التماس وأفعال المصلي أحوال يخضع فيها لربه عز وجل ويبغى بها التماسا فعمم الشرع عرفا في تسمية تلك الأفعال دعاء تجوزا واستعارة وخصص اسم الصلاة بدعاء مخصوص فلا تخلو الألفاظ الشرعية عن هذين الوجهين وهما متلقيان من عرف الشرع فمن قال إن الشرع زاد في مقتضاها وأراد هذا فقد أصاب الحق وإن أراد غيره فالحق ما ذكرناه ومن قال إنها نقلت نقلا كليا فقد زل فإن في الألفاظ الشرعية اعتبار معاني اللغة في الدعاء والقصد والإمساك في الصلاة والصوم والحج فهذا حاصل هذه المسألة.
(1/47)

فصل: [في ألفاظ] جرى رسم الأصوليين بالخوض فيها فلا وجه لإخلاء هذا المجموع عنها.
86- منها: اللغة من لغي يلغى إذا لهج بالكلام وقيل لغي يلغا والكلام هو المفيد والمفيد جملة معقودة من مبتدأ وخبر وفعل أو فاعل والكلم جمع كلمة كالنبق والنبقة واللبن واللبنة وهي تنطلق على ما يفيد وعلى مالا يفيد والكلم الذي ينتظم الكلام [منه] اسم وفعل وحرف جاء لمعنى.
87- فالاسم كقولك: رجل ودابة وكل مادل على معنى سمى به ثم.
(1/47)

الأسماء تنقسم إلى متمكن وإلى غير متمكن فأما غير المتمكن فهو الذي يحتاج الناظر إلى فكر في إلحاقه بقبيل الأسماء كقولك أين وكيف ومتى وما في معناها وهي كلها مبنيات لا يدخلها الإعراب لمشابهتها الحروف1 والمتمكن مالا يستراب في كونه اسما وهو ينقسم إلى ما يسمى الأمكن وهو ما ينصرف ويجر2 ومعنى الانصراف قبول الجر والتنوين3 وما لا ينصرف يسمى متمكنا ولا يجر4 ولا ينون.
88- والأفعال صيغ دالة على أحداث أسماء مشعرة بالأزمان والأحداث هي المصادر وهي أسماء ولكنها لصيغ الأفعال كالتبر للصور المصوغة.
ثم الأفعال5 مبنية خلا المضارع والمضارع ما يلحق أوله إحدى الزوائد الأربع.
الهمزة والياء والتاء والنون في قولك أفعل تفعل يفعل نفعل.
89- والحروف صلات بين الأسماء والأفعال وهي كلها مبنية ثم إنها تنقسم أربعة أقسام:.
__________
1 ينقسم هذا الشبه أقسام:
الأول: شبهه له في الوضع كأن يكون الاسم موضوعه على حرف واحد كالتاء في"ضربت" أو حرفين كـ "أنا" في "أكرمنا". فالتاء في"ضربت" اسم لأنه فاعل وهو مبني لأنه أشبه حرف في الوضع في كونه على حرف واحد وكذا "نا" اسم لأنه مفعول وهو مبني لشبهه بالحرف في الوضع في كونه على حرفين.
الثاني: شبه الاسم له في المعنى وهو قسمان: أحدهما ما أشبه حرفا موجودا والثاني ما أشبه حرفا غير موجود. فمثال الأول: متى فإنها مبنية لشبهها الحرف في المعنى فإنها تستعمل للاستفهام نحو: "متى تقوم؟ " وللشرط نحو: "متى تقم أقم" وفي الحالتين هي مشبهة لحرف موجود لأنها في الاستفهام كالهمزة وفي الشرط كـ"أن".ومثال الثاني "هنا" فإنها مبنية لشبهها حرفا كان ينبغي أن يوضع فلم يوضع وذلك لأن الإشارة معنى من المعاني فحقها أن يوضع لها حرف يدل عليها كما وضعوا للنفي "ما" وللنهي "لا" وللتمني "ليت" وللترجي "لعل", ونحو ذلك فبنيت أسماء الإشارة لشبهها في المعنى حرفا مقدرا.
الثالث: شبهه له بالحرف في النيابة عن الفعل وعدم التأثر بالعامل وذلك كأسماء الأفعال تحو "دراك زيدا".فدراك مبني لشبه بالحرف في كونه يعمل فيه غيره كما أن الحرف كذلك.
الربع: شبه الحرف في الافتقار اللازم وذلك كالأسماء الموصولة نحو "الذي" فإنها مفتقرة في سائر أحوالها إلى الصلة فأشبهت الحرف في ملازمة الافتقار فبنيت: "شرح ابن عقيل" 1/30-34.
2 ويجر: يعني بالكسرة على الأصل في الأسماء أن تجر من بالكسرة.
3 التنوين: عبارة عن نزن ساكنة تلحق آخر الاسم لفظا وتفارقه خطأ للاستغناء عنها عند الضبط بالقلم.
4 ولا يجره: يعني بالكسوة على الأصل وإنما يجر بالفتحة نيابة عنها.
5 الأفعال مبنية: يقصد بها الماضي والأمر لآن الأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر.
(1/48)

أحدهما: ما لا يغير اللفظ والإعراب ويغير المعنى كقولك زيد منطلق ثم تقول هل زيد فالإعراب على ما كان وقد تغير المعنى من التحقيق إلى الاستفهام.
والثاني: ما يغير اللفظ والإعراب ولا يغير المعنى تقول زيد في الدار ثم تقول إن زيدا في الدار فقد تغير الإعراب والمعنى بحاله.
والثالث: ما يغير اللفظ والمعنى تقول زيد خارج ثم تقول لعل زيدا خارج فالإعراب قد تغير وتغير المعنى من التحقيق إلى الترجي.
والرابع: مالا يغير اللفظ ولا المعنى وهي الزوائد قال الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ} 1 معناه فبرحمة من الله.
ثم تكلموا في أمور هي محض العربية ولست أرى ذكرها ولكن أذكر منها ما تكلم فيه أهل النظر من الفقهاء والأصوليين ثم لا أجد بدا من ذكر معاني حروف كثيرة الدوران في الكتاب والسنة وبالله التوفيق.
مسألة:
90- ذهب بعض فقهائنا إلى أن الباء إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضا وزعموا أنه في قوله سبحانه وتعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} 2 يتضمن ذلك وهذا خلف من الكلام لا حاصل له وقد اشتد نكير ابن جنى في سر الصناعة على من قال ذلك فلا فرق بين أن يقول مسحت رأسي وبين أن يقول مسحت برأسي والتبعيض يتلقى من غير الباء كما ذكرته في الأساليب.
وقال الشافعي رحمه الله تدخل الباء بمعنى "على" قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} 3 أي على دينار.
وقال سيبويه4 رحمه الله وترد بمعنى أجل قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَمْ.
__________
1 آية "159" سورة آل عمرا.
2 آية "76 سورة المائدة.
3 آية "75" سورة آل عمران.
4 سيبويه هو: أبو بشر عمرو بن عثمان مولى بني الحارث بن كعب. وسيبويه بالفارسية معناه: رائحة التفاح. أخذ النحو عن الخليل ويونس وعيسى بن عمر حتى برع فيه. مات سنة "183" له ترجمة في: أخبار النحويين ص "48" وأنبا الرواة 2/346, ومرآة الجنان 1/348.
(1/49)

أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً} 1 أي ولم أكن لأجل دعائك شقيا وقال غيره هي بمعنى "في" أي في دعائك.
وقد يكون زائدا لا معنى له تقول رضيت به ورضيته ومعناه الظاهر الإلصاق في مثل قولك مررت بزيد ومن أحكامه تعدية الفعل اللازم تقول قمت وقمت به وذهبت به وهذا قياس جار [مطرد] .
مسألة:
91- خاض الفقهاء في الواو العاطفة وأنها هل تقتضي ترتيبا2 أو جمعا3 فاشتهر من مذهب الشافعي رحمه الله المصير إلى أنها للترتيب.
وذهب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله إلى أنها للجمع.
92- وقد زل الفريقان فأما من قال: إنها للترتيب فقد احتكم في لسان العرب فإنا باضطرار نعلم من لغتها ولسنها أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك تقديم رؤية زيد وقد يعلم الناطق والمخاطب أن رؤية عمرو كانت متقدمة ويحسن نظم الكلام كذلك.
ومن أصدق الشواهد في إبطال ادعاء الترتيب أن العرب استعملت الواو في باب التفاعل فقالت تقاتل زيد وعمرو ولو قالت تقاتل زيد ثم عمرو لكان خلفا.
فإن قيل إذا قال الزوج للتي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت واحدة ولم تلحقها الثانية ولو كانت الواو تقتضي جمعا للحقتها الثانية كما تطلق تطليقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وهذا تلبيس لا يتلقى من مثله مأخذ اللسان والسبب في أن الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا لصدر الكلام والكلام الأول تام فبانت به وإذا قال أنت طالق طلقتين فالقول الأخير بعد استكمال الكلام الأول في حكم البيان له فكأن الكلام بآخره فهذا وجه الرد على من يرى الواو.
__________
1 آية "4" سورة مريم.
2 ترتيبا: يعني الأول قبل الثاني فإذا قلت: حضر زيد وعمرو يكون مجيء زيد قبل عمرو
3 أو جمعا: يعني فيعطف بها المتقارنان نحو: "جاء محمد وعلي" إذا كان مجيئهما معا ويعطف بها السابق على المتأخر نحو: "جاء علي ومحمود" إذا كان مجيء محمود سابقا على مجيء علي ويعطف على بها المتأخر على السابق نحو: "جاء علي ومحمد" إذا كان مجيء محمد متأخر عن مجيء علي.
(1/50)

مرتبة وأما من زعم أنها للجمع فهو أيضا متحكم فإنا على قطع نعلم أن من قال رأيت زيدا وعمرا لم يقتض ذلك أنه رآهما معا.
فإذا مقتضى الواو العطف والإشتراك وليس فيه إشعار بجمع ولا ترتيب.
نعم قد ترد في غير غرض المسألة بمعنى الجمع إذا قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا تجمع بينهما ومنه قول الشاعر1:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم.
فلا تكون الواو عاطفة في ذلك فإن أردت العطف قلت لا تأكل السمك وتشرب اللبن وأنت تعني النهي عن كل واحدة منهما والمعنى لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن وترد الواو في باب المفعول معه بمعنى "مع" تقول استوى الماء والخشبة وجاء البرد والطيالسة قال سيبويه رحمه الله قد ترد [الواو] بمعنى إذ وهي التي تسمى واو الحال قال الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} 2 أي إذ طائفة [ {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} ] .
93- فأما الفاء فإن مقتضاها التعقيب3 والتسبيب4 والترتيب5.
__________
1 هذا البيت من كلمة لأبي الأسود الدؤلي الذي ينسب إليه وضع علم النحو وهو من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقد استشهد به جماعة منهم: سيبويه "1/414" ونسبه للأخطل وابن هشام في: "أوضح المسالك" 2/170 وفي "شذور الذهب" ص "212 و 277" و "القطر" ص "79" وابن عقيل 2/262.
2 آية "154" سورة آل عمران.
3 التعقب: يعني أن الثاني بعد الأول بلا مرحلة فإذا قلت حضر عمرو فزيد. فقد عنيت أن زيدا جاء بعد عمرو ولم يكن بينهما مهلة.
4 ويشترط في "الفاء" إذا كانت للسببية أن تسبق بنفي محض كقوله تعالى: {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} وقولك: "ما تأتينا فتحدثنا, أو طلب, وهو على ثمانية أقسام: الأول: الأمر, كقوله:
يا ناق سيري عنقا فسيحا ... إلى سلمان فنستريحا
الثاني: النهي نحو قوله تعالى: {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} . الثالث: التخصيص نحو: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} . والرابع: التمني نحو: {لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ} . الخامس: الترجي نحو: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} . السادس: والدعاء كقوله:
رب وفقني فلا أعدل عن ... سنن الساعين في خير سنن
السابع: الاستفهام كقوله:
هل تعرفون لباناتي فأرجو أن ... تقضى فيرتد بعض الروح للجسد
الثامن: العرض كقوله:
يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك فما راء كمن سمع
"قطر الندى" ص "71 - 76".
5 الترتيب: يعني إن الثاني بعد الأول.
(1/51)

ولذلك تستعمل جزاء تقول إن تأتني فأنا أكرمك وإذا جرى جزاء فهو الذي عنيناه بالتسبيب ثم من ضرورة التسبيب الترتيب والتعقيب.
وقد ترد الفاء مورد الواو للعطف والتشريك وأكثر ما يلفى كذلك في أسماء البقاع كقول1 امرىء القيس2:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
فأما "ثم" فمن العواطف ولكن للترتيب مع التراخي وبالله التوفيق.
مسألة تحوى مراسم الأصوليين في معاني الحروف:
ونحن نذكر فيها لمعا مفيدة يستقل بها من لم يحط بالعربية.
94- فمنها "ما" وقد تكون حرفا وقد تكون اسما.
فأما ما يقع حرفا فينقسم إلى "ما" له معنى وإلى ما ليس له معنى.
فأما ما له معنى فهو "ما" النافية وهي تدخل على الاسم والفعل تقول ما قام زيد [وما زيد قائم] .
وإن اتصلت "ما" بالإبتداء أو الخبر فأهل الحجاز يرون إحلالها محل ليس فيرفعون بها الاسم وينصبون الخبر وهي لغة القرآن قال الله عز وجل: {مَا هَذَا بَشَراً} 3 وبنو تميم لا تعمل ما النافية لأنها تدخل على الاسم والفعل وقياس "ما" يدخل على البابين أعني الاسم والفعل ألا يعمل في واحد منهما.
وأما ما ليس له معنى فما الكافة لعمل ما يعمل دونها تقول أن زيدا منطلق.
وإنما زيد منطلق وما الزائدة في مثل قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} 4.
وأما ما وقع اسما فينقسم إلى منكوروموصول أما المنكور ففي الاستفهام والشرط والتعجب تقول: ما تفعل؟ وأنت مستفهم معناه أي شيء تصنع؟.
__________
1 المعلقات بشرح الزورني ص "3".
2 امرؤ القيس بن حجر أشهر شعراء الجاهلية وأشرفهم أصلا وأرفعهم منزلة. تاريخ آداب اللغة 1/93-98.
3 آية "31" سورة يوسف
4.آية "159" سورة آل عمران
(1/52)

وأما الشرط فتقول ما تفعل أفعل والتعجب كقولك ما أحسن زيدا قال سيبويه تقديره شيء حسن زيدا.
وأما ما ليس بمنكور فهو الموصول الذي لا يقوم بنفسه دون صلته وصلته جملة من مبتدأ وخبر1 [أو فعل وفاعل] 2 وهو بمعنى الذي تقول أعجبني الذي تصنع وأعجبني ما تصنع.
وقد تقع "ما" ظرفا زمنيا في مثل قولك آتيك ما أكرمتني أي مدة إكرامك أياي.
وقد تقع مصدرا قال الله عز وجل: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} 3 معناه وبنائها فيقع الفعل معه بتأويل المصدر.
95- وأما "أو" فهي للتردد والتشكك تقول رأيت زيدا أو عمرا.
96- و "أم" في معناه إلا أنه قد يقع في وضع الكلام مقرونا بالإستفهام تقول أزيدا رأيت أم عمرا ولا تقول رأيت زيدا أم عمرا ولا أرأيت زيدا أو عمرا.
وتحقيق الفصل بينهما أن "أم" إذا استعلمت في قضية الاستفهام فمطلقها قاطع بوقوع أحد الشيئين اللذين ردد السؤال فيهما وإنما يسأل عن عين الواقع.
والكلام في الباب يمثل بأي فإذا قلت أزيدا رأيت أم عمرا كان معناه أيهما رأيت وأما "أو" فليس ذلك من حكمه ويجوز أن يعتقد من يقول أرأيت زيدا أو عمرا أنه لم ير واحدا منهما واستقصاء ذلك يتعلق بفن العربية.
وقد تكون "أو" بمعنى التخيير في الجنس كما تقول جالس الحسن أو ابن سيرين معناه جالس هذه الطبقة من أهل الخير.
وذهب بعض الحشوية4 من نحوية الكوفة إلى أن "أو" قد ترد بمعنى الواو العاطفة واستشهدوا بقوله سبحانه وتعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} 5,
__________
1 وهي التي يقال لها: الجملة الاسمية.
2 وهي التي يقال لها: الجملة الفعلية وهذه الجملة لا محل لها من الإعراب.
3 آية "5" سورة الشمس.
4 سبق التعريف بهذه الفرقة.
5 آية "147" سورة الصف
(1/53)

وقوله: {عُذْراً أَوْ نُذْراً} 1 وقوله: {وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً} 2 وهذا "زلل" عظيم عند المحققين فلا تكون "أو" بمعنى الواو قط وقوله جل وعلا أو يزيدون عند أصحاب المعاني كالزجاج3 والفراء4 وغيرهما محمول على تنزيل الخطاب على قدر فهم المخاطب والتقدير وأرسلناه إلى عصبة لو رأيتموهم لقلتم مائة ألف أو يزيدون.
وعليه خروج قوله تعالي: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} 5 والرب عز وجل لا يتعاظمه أمر ولكن المعنى إن الإعادة أهون في ظنونكم فإذا اعترفتم بالإقتدار على الإبتداء والإعادة أهون عندكم فلم منعتموها؟.
وفي هذا المعنى قوله تعالى: في خطاب موسى وهارون عليهما السلام إذ بعثهما إلى فرعون: {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} 6 والترجي لا يليق بحكم علام الغيوب ولكن المعنى كونا على رجائكما في تذكيره إذ لو أطلعهما على الغيب في إبائه لما شمرا في الدعوة.
وقوله تعالى: {عُذْراً أَوْ نُذْراً} 7 تقرب "أو" فيه من التخيير في قول القائل جالس الحسن8 أو ابن سيرين9 وقوله تعالى: {آثِماً أَوْ كَفُوراً} 10 يتجه فيه ما ذكرناه.
__________
1 آية "6" سورة المرسلات.
2.آية "24" سورة الإنسان.
3 الزجاج هو: إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج سمي بذلك لأنه كان يخرط الزجاج تلقى العلم على المبرد وكان يدفع له الأجر بمشقة لقلة ذات يده مات سنة "311" له ترجمة في طبقات الأدباء "308" و "الفهرست" "60" ومعجم الأدباء.
4 الفراء هو: يحيى بن زياد الفراء الديلمي من موالي بني أسد في الكوفة أخذ عن الكسائي وكان إماما ثقة له شأن عظيم في اللغة قال أبو العباس: لولا الفراء لما كانت اللغة مات سنة "207" له ترجمة في: وفيات الأعيان 2/228 وطبقات الأدباء "126" والفهرست "66" ومعجم الأدباء 20/9.
5 آية "27"سورة الروم.
6 آية "44" سورة طه.
7 آية "6" سورة المرسلات.
8 الحسن هو: ابن أبي الحسن يسار البصري أبو سعيد مولى زيد بن ثابت وقيل جابر بن عبد الله وقيل: أبو اليسر قال سليمان التميمي: الحسن شيخ أهل البصرة مات سنة "110" له ترجمة في: وفيات الأعيان 1/128 والعبر 1/136 وشذرات الذهب 1/136.
9 ابن سيرين هو: محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة البصري مولى أنس بن مالك قال ابن سعد: ثقة مأمون عال رفيع فقيه إمام كثير العلم والورع مات سنة "110" له ترجمة في: وفيات الأعيان 1/453 وشذرات الذهب 1/128 والعبر 1/135 وحلية الأولياء 2/263.
10 آية "24" سورة الإنسان.
(1/54)

وقال الزجاج1 هو على مذهب التكريرالمؤكد والآثم هو الكفور بعينه وقد تكون "أو" بمعنى إلى في قولك لا أفارقك أو تقضيني حقي معناه إلى أن تقضيني حقي.
97 - وأما "هل" فمعناه الإستفهام و"هل" تدخل على الاسم والفعل تقول هل قمت هل زيد في الدار وقد تكون هل بمعنى قد قال المفسرون في قوله سبحانه وتعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} 2 معناه قد أتى على الإنسان وقد تكون بمعنى التقرير قال الله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الإحسان إِلَّا الإحسان} 3 وإذا اتصل به "لا" كان بمعنى الحث والتحريض تقول هلا جئتنا وأنت تبغي الحث على المجىء.
98- وأما "لا" فمقتضاه النهي ثم قد تكون للتبرئة فتتصل إذا باسم منكور مبني على الفتح ولا ينون ويدل إذ ذاك على نفى الجنس تقول لا ريب في الأمر ولا رجل في الدار.
وتقع في جواب القسم تقول والله لا أدخل الدار وقد تكون زائدة يستقل الكلام دونها والغرض تقرير نفي اشتمل الكلام عليه قال الله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} 4 معناه ما منعك أن تسجد ولكن لما اشتمل الكلام على المنع ومقتضاه النفي فكان في حكم التأكيد للمنع حتى كأنه تكرير له ولا تزاد "لا" إلا لهذه الشريطة.
فإن قيل "لا" زائدة في قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ} 5 وليس في الكلام نفى تؤكده لا قيل هو رد لقول الكفار ودعاويهم وقوله: {أُقْسِمُ} افتتاح القسم وفي الشاذ لأقسم.
99- وأما "لو" فتدل على امتناع الشيء لامتناع غيره تقول لو جئتني جئتك أي امتناع مجيئى لامتناع مجيئك.
وقد تكون بمعنى "إن" قال الله سبحانه وتعالى: {وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} 6 معناه وإن أعجبتكم.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 آية "1" سورة الإنسان.
3 آية "60" سور الرحمن.
4 آية "12" سورة الأعراف.
5 آية "1" سورة القيامة.
6 آية "221" سورة البقرة.
(1/55)

وقد تفيد معنى التقليل كقوله صلى الله عليه وسلم:1 "اتقوا النار ولو بشق تمرة" وقوله صلى الله عليه وسلم لخاطب الواهبة نفسها2 "التمس ولو خاتما من حديد".
100- وأما "لولا" فهي لامتناع الشيء بسبب وجود غيره تقول: لولا زيد لأكرمتك أي امتنع إكرامي إياك لوجود زيد عندك.
وقد تكون بمعنى "هلا" قال الله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} 3 معناه هلا نفر.
101- وأما "من" فحرف جار خافض لا يدخل إلا على اسم ومعناه التخصيص والتبعيض تقول أخذت الدراهم من الكيس.
وقد يرد مؤكدا للتعميم واستغراق الجنس قال سيبويه4 رحمه الله إذا قلت ما جاءني رجل فاللفظ عام ولكن يحتمل أن يؤول فيقال ما جاءني رجل بل رجلان أو رجال فإذا قلت ما جاءني من رجل اقتضى نفى جنس الرجال على العموم من غير تأويل.
وقد تكون بمعنى "على" قال الله سبحانه وتعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ} 5 أي على القوم.
102- و"عن" بمعنى من إلا في خصائص "ثلاثة" منها أن من للانفصال والتبعيض وعن لا تقتضى الفصل تقول أخذت من مال زيد لأنك فصلته "عنه" وأخذت عن علمه ولهذا اختصت الأسانيد بالعنعنة.
و"من" لاتكون إلا حرفا و"عن" قد تكون اسما تدخل "من" عليه تقول أخذت من عن الفرس جله.
103- وأما "إلى" فحرف جار وهو للغاية قال سيبويه رحمه الله إن اقترن.
__________
1 البخاري 2/126 و4/24 8/8 140 144 9/181 ومسلم في الزكاة "68" والنسائي 5/75 والدارمي 1/190 وأحمد 4/256 و258 و259 و377.
2 البخاري 7/22 وأبو داود "2111" والترمذي "1114" والنسائي 6/336 ومالك "526".
3 آية "122" سورة التوبة.
4 سبقت ترجمته.
5 آية "77" سورة الأنبياء
(1/56)

"بمن" اقتضى تحديدا ولم يدخل الحد في المحدود فتقول بعتك من هذه الشجرة إلى تلك الشجرة فلا يدخلان في البيع.
وإذا لم تقترن "بمن" فيجوز أن يكون تحديدا ونجوز أن تكون بمعنى مع قال الله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} 1 إِنَّهُ معناه مع أموالكم وقال جل وعز: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} 2 أي مع الله ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} 3 [معناه: مع المفراق] .
و"من" تدخل على الزمان والمكان تقول من مكة إلى المدينة ومن الجمعة إلى الجمعة.
104- وأما "مذ ومنذ" فيختصان بالزمان ولا يدخلان على المكان واستعمالهما في الزمان أفصح من استعمال "من" تقول منذ أسبوع أنتظره وهو أحسن من قولك من أسبوع4.
وإذا استعملت "من" قرينة "إلى" لم تقم "عن" مقامها أصلا فإن قيل زيد أفضل من عمر من أي قبيل قلنا هو لاقتضاء الغاية والمعنى ساوى.
زيد عمرا في فضله وابتدأ زيد زيادة عليه في الفضل كما تقول سرت من البصرة إلى بغداد ولهذا لا تستعمل "عن" في الباب.
105- وأما "على" فلفظه تقع اسما وفعلا وحرفا فأما الفعل فمن علا يعلو وأما الاسم فتقول أخذته من على الفرس وأما الحرف فتقول دخلت على فلان ودخل علي.
106- وأما "حتى" فعلى أوجه قد تكون بمعنى الغاية5 تقول أكلت.
__________
1 آية "2" سورة النساء.
2 آية "52" سورة آل عمران.
3 آية "6" سورة المائدة.
4 أعلم أن "مذ, ومنذ" يدلان على معنى "من" إن كان ماضيا نحو: "ما رأيته مذ يوم الخميس" و "ما كلمته منذ شهر".
ويكونان بمعنى "في" إن كان ما بعدهما حاضرا نحو: "لا أكلمه مذ يومان". "لا ألقاه منذ يومنا".
فإن وقع بعد "مذ" أو "منذ" فعل أو كان الاسم الذي بعده مرفوعا فهما اسمان. "التحفة السنية" ص "126".
5 وهو غالب.
(1/57)

السمكة حتى رأسها تعني إلى رأسها فقد أنبأت أنك لم تأكل رأسها.
وتكون بمعنى العطف: تقول: أكلت السمكة حتى رأسها معناه ورأسها.
وتكون بمعنى الاستئناف تقول: أكلت السمكة حتى رأسها أي ورأسها مأكول وقد أنشسد البيت المشهور على الوجوه الثلاثة وهو قول القائل1:
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها.
وقد تكون بمعنى إلى: مثل أن تقول: لا أفارقك حتى تقضيني حقي أي إلى أن تقضيني حقي.
107- وأما "إي" فمعناه أجل قال الله عز وجل: {قُلْ إِي وَرَبِّي} 2.
108- وأما بل فللاستدراك واستئناف الكلام تقول ما رأيت زيدا بل عمرا.
109- وأما "نعم وبلى" فمعناهما قريب إلا أن بلى لا تستعمل إلا في جواب كلام يشتمل على نفى كقوله سبحانه وتعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} 3 قال سيبويه لو قالوا نعم لكان نفيا للربوبية.
وأما "نعم" فللإثبات فإذا قال قائل: أرأيت زيدا فليكن جوابك إذا كنت رأيته: نعم.
__________
1 قال الشيخ محيي الدين شيخ شيخنا البن في تعليقه على "قطرة الندى" ص 342-343: "حكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن هذا البيت من كلام أبي مروان النحوي" وقال ابن هشام في "القطر" ص "342- 343": "حتى للغاية والتدريج ومعنى الغاية: آخر الشيء ومعنى التدريج: أن ما قبلها ينقضي شيئا فشيئا إلى أن يبلغ الغاية وهو الاسم المعطوف ولذلك وجب أن يكون المعطوف بها جزءا من المعطوف عليه إما تحقيقا كقولك: "أكلي السمكة حتى رأسها" أو تقديرا كقولك:
"ألقى الصحيفة.................... ... إلخ البيت".
قال: فعطف نعله بحتى وليست جزءا مما قبلها تحقيقا لكنها جزء تقديرا لأن معنى الكلام ألقى ما يثقله حتى نعله".أهـ.
2 آية "53" سورة يونس.
3 آية "172" سورة الأعراف.
(1/58)

110- وأما "من" فلا تكون إلا اسما "بخلاف" ما فإنه قد يكون اسما وقد يكون حرفا كما سبق ثم "من" قد يكون موصولا وقد يكون منكورا.
أما المنكور فيكون استفهاما في قولك من في الدار ويكون شرطا في قولك من جاءني أكرمته وأما الموصول فمثل قولك: رأيت من عندك معناه الذي عندك.
111- فأما إذا فهو للجزاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم1: "أينقص الرطب إذا يبس؟ ", قالوا: نعم, قال: "فلا إذا".
112- وأما "أي" فيكون جزءا مما يضاف إليه فإذا قلت أي الثياب عندك فأي من الثياب وهو اسم معرب يعمل فيه ما بعده إلا حروف الجر فإنها لا تعمل فيه تقول أيهم أكرمت وعرفت أيهم جاءك قال الله جل وعز: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} 2.
فهذه جمل اعتاد الأصوليون الكلام عليها فحرصنا على التنبيه على مقاصد قويمة عند أهل العربية مع اعترافنا بأن حقائقها تتلقى من فن النحو.
__________
1 سبق تخريجه.
2 آية "12" سورة الكهف.
(1/59)

تقسيم الأصوليين للكلام.
113- ثم لما قسم أهل العربية الكلام إلى الاسم والفعل والحرف قسم الأصوليون الكلام على غرضهم تقسيما آخر فقالوا:
أقسام الكلام: الأمر والنهي والخبر والاستخبار وهذا قول القدماء.
واعترض المتأخرون فزادوا بزعمهم أقساما زائدة على هذه الأقسام الأربعة وحاولوا بزيادتها القدح في حصر الأولين الكلام في الأقسام الأربعة والذي زادوه.
التعجب والتلهف والتمني والترجي والقسم والنداء والدعاء قال الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله النداء ليس كلاما مستقلا وإنما هو طرف مستفتح والمنادى بعده يرتقب قسما من أقسام الكلام وذلك القسم يدخل تحت الأقسام وهذا فاسد لأن قول القائل: "يا زيد" كلام تام باتفاق اهل اللسان يجوز فرض السكوت عليه.
(1/59)

وقال الأستاذ رحمه الله أيضا التلهف والتمني والترجي من أقسام الخبر وهي تتضمن إخبار المرء عن نفسه بأحوال وضعت الألفاظ لها.
وهذا أيضا غير سديد لأنه لا كلام إلا ويمكن أن يدخل بهذا التأويل تحت الخبر فيقال الأمر مخبر عن اقتضاء إيجاد الفعل بالأمر وكذلك القول في النهي.
فالوجه أن تقول: أما التعجب فلا شك في كونه من قسم الخبر والقسم لا يستقل دون مقسم به ومقسم عليه وإذ ذاك يلتحق بالخبر فأما بقية الأقسام التي اعترض بها فهي قادحه.
114- والوجه عندي أن يقال الكلام طلب وخبر واستخبار وتنبيه فالطلب [يحوي] : الأمر والنهي والدعاء.
والخبر يتناول أقساما واضحة ومنها التعجب والقسم.
والاستخبار يشتمل على الاستفهام والعرض.
والتنبيه يدخل تحته التلهف والتمني والترجي والنداء إلا أنه ينقسم إلى تنبيه الغير وهو النداء وإلى إعراب عما في النفس وهو على صيغة تنبيه النفس وهذه الفنون جعلت كالأصوات الدالة مثل قولك: آه وإيه وإيها وما في معناها.
ونحن الآن نستعين بالله سبحانه وتعالى: ونذكر الأوامر ثم النواهي وما يتعلق بهما ثم نذكر الألفاظ العامة والخاصة والاستثناء ونذكر النص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه إن شاء الله عز وجل تمت مقدمة البرهان ويتلوها على نسقه أوله.
(1/60)

باب الأوامر
مدخل
...
باب الأوامر
مسألة:
115- الأمر من أقسام الكلام والقول فيه وفيما بعده من معاني الصيغ والألفاظ [يستدعي] تقديم قول في إثبات كلام النفس على رأى أهل الحق.
فالكلام الحق عندنا قائم بالنفس ليس حرفا ولا صوتا وهو مدلول العبارات والرقوم والكتابة وما عداها من العلامات.
واختلف جواب الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه في تسمية العبارات كلاما فرأيه الظاهر أنها إن سميت كلاما فهو على التجوز بمثابة تسميتها علوما من حيث إنها تدل عليها وتشعر بها وقال في جواب المسائل البصرية إنها كلام على الحقيقة وكذلك كلام النفس.
والتحقيق في ذلك أن كلام النفس جنس ذو حقيقة كالعلم والقدرة ونحوهما على مذهب أهل الحق وإذا كان كذلك فالجنس الذي هو كلام [لعينه هو القائم بالنفس] .
والعبارات ليست في نفسها على حقيقة الكلام ولو فرض ما جرى من الاصطلاح عليها على غيرها من العلامات كنقرات ورمزات أو ماضاهاها مما يتفق التواطؤ على نصبه علما لحلت محل العبارات.
وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق فإنهم متفقون على نفى كلام النفس صائرون إلى أن الكلام هو العبارات في خبط طويل لسنا له الآن.
ومن سر مذهبهم أن الكلام ليس جنسا متميزا بحقيقة ذاتية فلا نجد بدا من.
ذكر ما يقع الاستقلال به في إثبات كلام النفس.
116- فنقول الآمر يجد في نفسه اقتضاء وطلبا للمأمور به والصيغة التي تتضمنها دالة عليه وهذا المعنى بكلام النفس فإن قيل ذلك الذي سميتموه اقتضاء هو إرادة امتثال الأمر قلنا قد يأمر الآمر غيره ويفهم المأمور منه الاقتضاء فهما.
(1/61)

ضروريا مستندا إلى قرائن الأحوال والآمر يريد من المأمور أن يخالفه لغرض له.
وصور الأئمة رحمهم الله في ذلك صوة نأتي بها ونقص باقى الأسئلة عليها.
فنقول: إذا أدب الرجل عبدا له فلم يقع ذلك عند صاحب الأمر وسلطان البقعة موقع الرضا وكاد أن يبطش به فاعتذر المؤدب وذكر أن عبده لا يرتسم مراسمه فأفضى الكلام إلى تكذيبه في معاذيره فحاول تصديق ذلك وأمر العبد والحالة هذه فلا نشك أنه يريد منه أنه يخالفه والإقتضاء ثابت.
فإن قيل: ما يصدر منه في الصورة المفروضة لا يكون أمرا.
قلنا: قد فهم العبد ضرورة منه والحالة ملتبسة عليه ما كان يفهمه من أوامره وجاحد ذلك مباهت ثم كيف ينتهض هذا عذرا لو لم يكن ما جاء به أمرا وغرضه أن يبين مخالفته لأمره.
فإن قيل: ذلك الذي يجده من الإقتضاء هو العلم بكيفية نظم الصيغة قلنا الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه وإنما هي قول القائل مثلا صيغة الأمر حروفها ونظمها [ونضدها] كذا وكذا فأما قول القائل افعل فليس معناه العلم بهذه الحروف بلا تطويل فمعنى "افعل" هو كلام النفس فقد لاح أنه ليس إرادة ولا علما بكيفية الصيغة فلم يبق إلا ما حاولناه.
117- ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة وأنكروا الفكر النفسي.
والهواجس وعندي أن وجدان المرء جريان الفكر من قبيل الضروريات فكل ما حملوا كلام النفس عليه ففي النفس كلام عنه.
والذي يحقق هذا أن العلم الحق يدركه العالم من نفسه إدراكه الامه ولذاته وكذلك الإرادة التي ليست توقانا وشهوة ولذلك اعتاص وأشكل محلها وحمل الأوائل أمرها على النفس والعقل المباينين لعوالم الأفلاك.
وأما الفكر فإنه يحس في النفس إحساس الآلام واللذات.
ففي هذا القدر مقنع في إثبات كلام النفس وهو على إيجازه يفيد الناظر الاستقلال والإيماء إلى غوائل غامضة ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة الأمر.
(1/62)

مسألة في حقيقة الأمر.
118- الأمر هو القول المقتضى بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به فذكرنا القول يميز الأمر عما عدا الكلام وذكرنا المقتضى إلى استتمام الكلام يميزه عما عدا الأمر من أقسام الكلام وقولنا بنفسه يقطع وهم من يحمل الأمر على العبارة فإن العبارة لا تقتضي بنفسها وإنما تشعر بمعناها عن اصطلاح أو توقيف عليها وذكرنا الطاعة يميز الأمر عن الدعاء والرغبة من غير جزم في طلب الطاعة.
119- فأما المعتزلة فقد أوضحنا من مذاهبهم أن الكلام ليس جنسا.
عندهم متميزا بحقيقة وإنما هو العبارة وقالوا على حسب ذلك الأمر قول القائل لمن هو دونه افعل وهذا مدخول فإنه لو قال المرء لمن في درجته: افعل لكان أمرا وليست هذه اللفظه يعينها كل الأمر بل يصدر عن كل مصدر صيغة تسمى على هذا الرأي أمرا.
ولو اهتدوا لبناء الأمر على حقيقة أصلهم لما التزموا تحديد الأمر وهو قسم لا حقيقة لأصله والمطلوب من الحدود الإشعار بالحقائق ورب حقيقة تعقل ولا ينتظم عنها عبارة وكيف يحاول حد ما لا حقيقة له.
120- ثم من أصلهم أن اللفظ الذي ذكروه ونبهوا به على أمثاله إنما يكون أمرا بثلاث إرادات إحداها أرادة اللافظ وجود اللفظة والإرادة الثانية تتعلق بجعل اللفظ أمرا والثالثة تتعلق بامتثال المأمور المخاطب الأمر.
121- وإيضاح ذلك عندهم أن الإنسان قد يهذي في نومه فيجري صيغة الأمر وهو لا يريد وجودها لمنافاة النوم حالة الإرادة والعلم فكان شرطه إرادة وجود اللفظ لإخراج هذه الحالة وأما اشتراطه تعلق الإرادة بجعل اللفظ أمرا فسببه أن الإنسان قد يحكى صيغة الأمر وهو يبغي بها رفع حرج أو تهديدا على مذهب قوله سبحانه وتعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} 1 فإذا تردد اللفظ كما ذكرناه فلا بد من إرادة تخصصه بجهة الأمر.
وأما إرادة المأمور به من المأمور فهي القاعدة والمعول إذ لا يتصور عندهم أمر بشيء من غير إرادة له وهذا مذهب البصريين.
__________
1 آية "40" سورة فصلت.
(1/63)

122- فأما الكعبي فإنه شرط إرادتين تتعلق إحداهما بوجود اللفظ.
والأخرى بالامتثال فأما وقوع اللفظ أمرا فصفة تلزم اللفظ فلا حاجة في تحصيلها إلى إرادة.
123- ولا يتبين مذهبهم إلا بذكر قواعدهم في الصفات التي تعزى إلى النفوس غير معلله بمعان قائمة بها.
فقد قالوا الصفات التي لا تعلل تنقسم إلى ما يقال فيها إنها صفات النفس وإلى ما ليست كذلك فأما صفة النفس فهي التي تلزم النفس وجودا وعدما ككون الجوهر جوهرا وكذلك القول في صفات جميع الأجناس من التي قضوا بثبوتها في [العدم] .
وأما ما ليست صفة نفس فهي منقسمة إلى ما تلزم من غير مقتض لها وإلى ما يقتضي مقتضيا يتعلق بها فأما القسم الأول مما انتهى الكلام إليه الآن فقد سموه التابع للحدوث وذلك كتحيز الجوهر فإنه يلزم عند الحدوث ويثبت من غير افتقار إلى مقتض يقتضيه وكذلك القول في قيام العرض بالمحل وأما القسم الثاني فيقتضيه العلم والإرادة والقدرة فأما ما تقتضيه القدرة فالحدوث فحسب وأما ما يقتضيه العلم فالإحكام وأما ما تقتضيه الإرادة فمنها وقوع النعمة ثوابا ومنها وقوع النقمة عقابا ومنها وقوع اللفظ أمرا وهو ما نحن فيه وكأن الكعبي قد رأى وقوع الأمر من قبيل الصفات التابعة للحدوث.
فإن نحن حاولنا الرد عليهم على إيجاز أفردنا كل فن بكلام مستقل.
124- فأما ما ذكروه من صفات النفس فهو مستند إلى مصيرهم إلى إثبات.
الأشياء على حقائقها وخواصها وصفات أنفسها في العدم وهذا تصريح منهم بقدم العالم فإنا على اضطرار نعلم أن الثبوت هو الوجود بعينه فليس من يطلق الثبوت وينكر الموجود بأسعد حالا ممن يعكس ذلك عليه ومن ظن منهم أنه يتمكن من فصل بين مذهبهم ويين معتقد أصحاب الهيولي فقد ظن محالا.
125- وأما الصفات التابعات للحدوث فقولهم مختبط فيها فإنهم زعموا أن التحيز واجب والحدوث الواقع بالقدرة جائز فنقول لهم بم تنكرون على من يزعم أن التحيز جائز والحدوث عنده واجب فإن قالوا: لا بد من التحيز عند حدوث الجوهر قلنا نعم ولا بد من الحدوث عند التحيز فلا يختص واحد منهما بمزية.
(1/64)

تقتضي إحالة الوجوب عليه دون مقارنة.
والقول الحق فيهما: أن كل واحد منهما جائز ولكن إذا فرض ثبوت أحدهما تعين ثبوت الثاني فهما إذا متلازمان فقد كفى هذا القدر وأغنى عن التطويلات.
فأما مصيرهم إلى أن الحدوث من أثر القدرة فباطل مع مصيرهم إلى أن الذوات ثابته أزلا فإذا ثبتت فما معنى الحدوث فيها؟
نعم, لا يطرأ على الجوهر على رأيهم إلا التحيز فلئن كان الثبوت في الذات يقتضي التحيز فليثبت التحيز أزلا فإذا اعترف بذلك معترفون منهم كالشحام.
فقد جاهر بقدم العالم.
فأما ما قدره واقعا بالعلم وهو الإحكام فلا حاصل له ولا معنى للإحكام عندي فإنه إن عني به وقوع جوهر مثلا بجنب جوهر على مناسبة فليس ذلك أمرا ثابتا محققا واستقصاء القول في ذلك يتعلق بأحكام الأكوان من فن الكلام ثم إن قدر ذلك أمرا ثابتا فهلا قيل توقعه القدرة على شرط كون القادر عالما إذ وقوع الحدوث مشروط بكون الموقع عالما به ثم لم يكن الحدوث من اثار العلم فليطرد ذلك في كل متجدد.
وأما قولهم: إن الحدوث من اثار القدرة فقد وضح أنه الثبوت بعينه وقولهم بقدم الذات يصدهم عن إثبات ثبوت هو الحدوث إذ لو جاز ذلك من غير تغير لجاز المصير إلى طريان جهات في الثبوت مع استمرار الوجود ولا معنى للإطناب في الواضحات.
126- وأما ما قدروه من آثار الإرادة وهو مقصود المسألة وما تقدم عليه فهو في حكم التوطئة والتمهيد.
فنقول: قد أثبتم معاشر البصريين لقول القائل افعل على حكم الأمر صفة فزعمتم أن اللفظ يتميز بها عما يقع حكاية وهذا بهت ومناكرة فإن اللفظ أصوات متقطعة وحروف منتظمة وهي ممن يبغي أمرا كهى ممن يحكى قطعا وليس للأصوات في ذواتها صفات تميز قبيلا عن قبيل نعم الامر يجد في نفسه إرادة وتجريد قصد.
ثم التطم البغداديون والبصريون فنسب البصريون الكعبي إلى التحكم بإثبات صفة لذوات الأصوات وقال الكعبي مجيبا ما نسبتموني إليه قد التزمتموه إذ أثبتم.
(1/65)

الصفة من أثر الإرادة فلا فرق في أصل الصفة.
فإن قيل ما أنكرتموه منهم يلزمكم مثله في العبارة عن الأمر القائم بالنفس فقد يلفظ اللافظ بقوله افعل وهو يبغى حكاية وقد يلفظ وهو ينتحى تعبيرا عن الأمر القائم بالنفس فكيف يقع اللفظ عبارة عن الأمر وما يتردد بين جائزين لا يختص بأحدهما إلا بالإرادة فبم يصير اللفظ عبارة عن الأمر.
127- قلنا المسلك الحق عندنا في ذلك أنه لا بد من قصد إلى إيقاع اللفظ مشعرا بالأمر القائم بالنفس ولكن ليس لذلك اللفظ منه صفة وإنما يحصل الإشعار بقرائن الأحوال ولو هدى المعتزلة لذلك لما ارتكبوا [في مذهبهم] ما ارتكبوه في مذاهبهم.
وحاصل القول أن المراد الحقيقي هو الأحوال المقترنة باللفظ فإن كان في عين اللفظ مزيد من رفع صوت أو غيره فهو ملتحق بفن الأحوال.
مسألة في صيغة الأمر.
128- الصيغة هي العبارة المصوغة للمعنى القائم بالنفس وهذه المسألة مترجمة بأن الأمر هل له صيغة وهذه الترجمة إذا أطلقناها فالمراد بها أن الأمر القائم بالنفس هل صيغت له عبارة مشعرة به.
وإذا قال نفاة كلام النفس للأمر صيغة فنفس الصيغة عندهم هي الأمر فصيغة.
الأمر إذا أضيفت إلى الأمر لم تكن الإضافة حقيقية وهي في مذهب قول القائل نفس الشيء وذاته فإذا لاح ما نعني بالصيغة في كل مسلك فقد اختلفت الاراء في المقصود المعنوي من المسألة.
129- فالمنقول عن الشيخ أبي الحسن1 رضي الله عنه ومتبعيه من الواقفية أن العرب ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارة فردة وقول القائل افعل متردد بين الأمر والنهي نظرا إلى مذهب الوعيد وإن فرض حمله على غير النهي فهو متردد بين رفع الحرج على مذهب قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} , وبين الاقتضاء ثم هو في مسلك الاقتضاء متردد بين الندب والإيجاب فتبين من مجموع ما ذكرناه تردد اللفظ عند الواقفية بين هذه الجهات كلها.
__________
1 تقدمت ترجمته.
(1/66)

ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه فقال قائلون اللفظ صالح لجميع هذه المحامل صلاح اللفظ المشترك للمعاني التي هيئت اللفظة لها.
وقال آخرون: ليس الوقف مصيرا إلىدعوى الاشتراك وضعا في اللسان ولكن المعنى به أنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل "افعل" في اللسان فهو إذا مشكوك فيه على هذا الرأي.
ثم نقل بعض مصنفي المقالات أن أبا الحسن رحمه الله يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن وهذا زلل في النقل بين والوجه أن يورك بالغلط على الناقل فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية [الوضوح] ذو تحصيل.
130- والذي أراه في ذلك قاطعا به أن أبا الحسن رحمه الله لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس نحو قول القائل أوجبت.
وألزمت أو ما شاكل ذلك وإنما [الذي] تردد فيه مجرد قول القائل افعل من حيث ألفاه في وضع اللسان مترددا فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن بقول القائل [افعل] لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه مثل أن تقول افعل حتما [أو] افعل واجبا.
نعم: قد يتردد في أن الصيغة التي فيها الكلام إذا اقترنت بالألفاظ التي ذكرناها ما المشعر بالأمر النفسي؟ الألفاظ المقترنة بقول القائل افعل؟ أم هي في حكم التفسير لقول القائل افعل وهذا تردد قريب.
ثم ما نقله النقلة يختص بقرائن المقال على ما فيه من الخبط فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد.
فهذا هو التنبيه على سر مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي رحمهما الله وطبقة الواقفية.
131- فأما المعتزلة فلم يقف على حقيقة مذهبهم إلا خواص الأصوليين فذكر بعضهم أن "افعل" لرفع الحرج ثم يصير مع الاقتران بالوعيد على الترك مقتضيا إيجابا وبالاقتران بوعد الثواب على الفعل مع [التخيير] في الترك مقتضيا استحبابا وأصل اللفظ لو تجرد لرفع الحرج.
(1/67)

وذهب ذاهبون منهم إلى أن مقتضاه عند الإطلاق الندب وهو أقرب إلى حقيقة مذهب القوم من الأول وإن لم يكن ناصا على سر مذهب القوم.
وصرح صاحب المغنى في شرح العمد بسر المذهب فقال الصيغة التي فيها الكلام موضوعة للدلالة على إرادة مطلقها الامتثال فهذا مقتضاها ثم لا يكون المراد إلا طاعة بيد أن الطاعة تنقسم إلى المستحب والمستحق فإن اقترن باللفظ وعيد كان الوعيد دالا على الوجوب ومدلول اللفظ الإرادة فحسب فيخرج منه إذا أن اللفظ ليس مترددا بين معنيين وإنما معناه الإرادة والوجوب متلقى من الوعيد المقترن به.
132- وأما جميع الفقهاء فالمشهور من مذهب الجمهور منهم أن الصيغة التي فيها الكلام للإيجاب إذا تجردت عن القرائن وهذا مذهب الشافعي رحمه الله والمتكلمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبي الحسن في الوقف ولم يساعد الشافعي1 منهم غير الأستاذ أبي إسحاق2.
133- والذي يقتضيه الترتيب المفضي إلى درك الحق البداية بذكر متعلق مذهب الواقفية والاعتراض عليه ثم إذا نجز أتبعنا مذهب المعتزلة بالرد عليهم ثم نذكر معتصم الفقهاء ثم نختم القول بالحق المبين.
فأما الواقفية فحاصل كلامهم راجع إلى منهاج واحد وإن ترددت العبارة عنه ونحن نسرده فنقول قول القائل "افعل" ليس مختصا بمحل أخذا من مسالك العقول فإن العقول لا تجول في مقتضيات العبارات فمن ادعى اختصاص اللفظ بجهة فسيتلقى ما يدعيه من النقل والنقل ينقسم إلى الشرع واللسان فإن قيل هو متلقى من اللسان قيل لمن يدعي ذلك أتنقل هذا منصوصا عليه أم تستفيده استنباطا من مأخذ اللغة فإن زعم المخاطب أن النقل فيه صريح من العرب فهو مباهت ثم يرد عليه تقسيمه فيقال النقل ينقسم إلى ما يقع متواترا وإلى ما يقع آحادا فإن ادعى الثقل آحادا لم3 يحتفل به فإن نقل الآحاد لا يوجب علما والمطلوب في هذه المسألة العلم وإن ادعيت النقل تواترا كان ذلك محالا فإن النقل المتواتر يوجب العلم الضروري ويتضمن استواء طبقات [جميع] العقلاء في دركه كما سيأتي [ذلك] مشروحا في أحكام الأخبار ونحن معاشر الواقفية مصرون على المخالفة مستمرون.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبقت ترجمته.
3 لم يحتفل به: لم يعبأ أو لم يهتم.
(1/68)

عليها على مر الآباد من غير نكر وعناد فقد بطل التلقي من جهة النقل الصريح.
فإن زعم من نخاطبه أن يتلقى اختصاص الصيغة من مأخذ اللغة ومصادرها ومواردها فمعنى ذلك أنه ألفى اللفظ الذي فيه الخلاف مستمرا للإشعار بالمعنى الذي يعتقده وهذا لا يمكن ادعاؤه فإن هذه الصيغة واردة على وجوه لا سبيل إلى جحدها.
فإن صار صائر إلى حمل بعض الوجوه على اقتضاء القرائن كان متحكما وكانت الجهة التي عينها حرية بأن تقدر فيها القرينة أيضا وإذا تحقق تعارض الأقوال وتساويها فيتضمن ذلك الوقف لا محالة.
وإن نسب المخاطب مذهبه إلى الشرع رد عليه تقسيم النقل الصريح والأخذ من الاستنباط كما سبق في اللغة وجرى الكلام على نحو ما مضى في اللغة.
هذا مساق كلام القاضي أبي بكر رحمه الله في مصنفاته.
134- والوجه في الرد والاعتراض عليه أن نقول للمتمسك بهذه الطريقة أبن لنا أصلك في اللفظ أتقول إنه مشترك أم تزعم أن ذلك غير معلوم منه أيضا فإن زعم أن اللفظ مشترك رد عليه تقاسيم الطريقة في العقل والنقل والتصريح والتلويح فإن الحكم على العرب بوضع اللفظ مشتركا ادعاء مفتقر إلى مستند إذ من أبواب اللغات الألفاظ المشتركات وإن زعم طارد الطريقة أنه لا يدري شيئا من ذلك لم يترك والركون إلى هذه العمامة العمياء والجهالة الجهلاء وقيل له اللفظ الذي فيه الكلام متردد في اللسان كثير التدوار في الحوار فكيف يجوز في مطرد العادة أن تتقرض العصور وتعتقب الدهور على إطلاق هذا اللفظ على تكرر وكرور لا يبحث عنه باحث ولا يبغى الوقوف على معناه وهذا محال لا سبيل إلى اعتقاده.
وقد رأيت كلام القاضي مائلا إلى دعوى الإشتراك أخذا من وجدانه هذا اللفظ على جهات في الكلام وإذا رجع إلى هذا المرجع لاح على قرب وكثب سقوط ما اختاره وأمكن أن يقال بم تنكرون على من يزعم أن التردد لمكان اختلاف القرائن وهذا لا سبيل إلى دفعه إلا بقاطع وتنسل بفرض هذا عليه دعوى القطع من يده وينعكس على الجهالة وقد بان بطلانها.
(1/69)

فهذا مقنع في إبطال ما اعتمده الواقفية وشفاء الغليل يتبين في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.
فإن عبر من الواقفية عن محاولة روم الوقف معبر فقال: إذا قال السيد لغلامه: افعل حسن منه الاستفهام والاستعلام لاستبانة المراد في الوجوب أو غيره كان ذلك ركيكا من الكلام واتجه في درئه على القرب: أن ذلك إن حسن على الندور فعند تخيل إشكال في قرائن الأحوال والغالب أن يعد المراجع في ذلك متكلفا وقد يستحق بدون ذلك التأديب.
135- فأما المعتزلة فقد بنوا حقيقة أصلهم على اقتضاء الصيغة الإرادة وقد تقدم الرد عليهم فيه محالا على فن الكلام والله سبحانه وتعالى: أمرنا بالإيمان على التعميم ولا يريد الإيمان ممن كفر ولا مطمع في الخوض في هذا الأصل العظيم.
136- وأما الفقهاء: فلا أرى لهم كلاما مرضيا يعول على مثله في ابتغاء القطع ولكن من أظهر ما ذكروه أن الصحابة الماضين والأئمة المتقدمين رضي الله عنهم أجمعين كانوا يتمسكون بمطلق الأمر في طلب إثبات الإيجاب ولا ينزلون عنه إلا بقرينة [تنبه] عليه.
وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب وكل مسلك في الكلام تطرق إليه إمكان لم يفض إلى القطع.
137- فإن قيل قد أبطلتم الوقف ومذهب المعتزلة والفقهاء فما المختار عندكم قلنا قد حان الآن أن نبتدىء المسلك الحق في صيغة المباحثة والتقسيم ومبادرة أطراف الكلام بالإسقاط حتى يقرب تعيين المدرك.
ثم إذ ذاك نطبق المفصل ونهجم على مدرك الحق.
فنقول: من أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل افعل وبين قوله لا تفعل فليس من التحقيق على شيء فإنا على اضطرار نعلم الفصل في ذلك كما نعلم الفصل بين قول القائل "فعل" وبين قوله "ما فعل" ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه فإذا سقط هذا رددنا النظر إلى الإباحة التي هي تخيير ولا اقتضاء فيها ولا طلب وقلنا لا شك في فصل العرب بين قول من يقول لا حرج عليك.
(1/70)

فعلت أو تركت وبين قوله افعل فإن الصيغة الأخيرة مقتضاها الطلب لا محالة وليس في الإباحة من معنى الطلب شيء.
فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمن الصيغة ولم يبق إلا الندب.
والندب من ضرورة معناه [التخيير] في الترك وليس في قول القائل "افعل" تخيير في الترك أصلا.
وقد تعين الان أن نبوح بالحق ونقول "افعل" طلب محضلا لا مساغ فيه لتقدير الترك فهذا مقتضى اللفز المجرد عن القرائن.
فإن قيل فهذا مذهب الشافعي رحمه الله وأتباعه وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا قلنا ليس كذلك فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب فإذا الصيغة لتمحيض الطلب والوجوب مستدرك من الوعيد وبين هذا وبين ما حكيناه عن عبد الجبار مضاهاة في المسلك وبيان عظيم في المغزى والمدرك.
وأنا أبنى على منتهى الكلام شيئا يقرب ما [اخترته] من مذهب الشافعي رحمه الله.
فأقول ثبت في [وضع] الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبا وهذا منتهى المسألة وبالله التوفيق.
فصل:
138- الصيغة التي تكلمنا على أصلها تفرض مطلقة ومقيدة وتتعلق بها وهي مطلقة مسائل جمة وتتعلق بها وهي مقيدة مسائل وأحكام.
ونحن نبدأ بأحكام الإطلاق ونسرد مسائله ثم نذكر التقييد ومعناه وأحكام المقيد وما يقع التقييد به من حال أو مقال أو سوابق أو لواحق احق إن شاء الله.
(1/71)

فصل: الصيغة تفرض مطلقة ومقيدة - القول في الصيغة المطلقة
...
القول في الصيغة المطلقة.
مسألة:
139- صيغة الأمر إذا وردت مطلقة ففي اقتضائها على رأي من لا يتوقف تكرير الإمتثال خلاف بين الأصوليين:
(1/71)

فذهب ذاهبون إلى أنها تقتضي التكرير على استيعاب الزمان مع الإمكان وهذا اختيارالأستاذ أبي إسحاق رحمه الله.
وذهب الأكثرون إلى أنها لا تقتضي عند الإطلاق إلا الامتثال مرة واحدة.
140- ونحن نذكر ما لكل فريق ثم نختم المسألة بالمختار عندنا.
أما الصائرون إلى اقتضاء التكرير فمعتقدهم الأقوى عندهم اعتبار الأمر بالنهي وفي ذلك مسلكان.
أحدهما: أن الأمر اقتضاء إثبات والنهي اقتضاء انكفاف وهما يجتمعان في أصل الاقتضاء والإطلاق فإذا تضمن أحدهما استيعاب الزمان كان الثاني في معناه.
والوجه الثاني في التمسك بالنهي: أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وإذا كان كذلك فالنهي يقتضي الانكفاف عن أضداد المأمور به عموما ومن ضرورة الانكفاف عنها إدامة الامتثال فإن المحل لا يخلو عن الأضداد كلها لا سيما الأكوان وهي معظم أفعال المكلفين وهذا الذي تمسك به هؤلاء باطل.
أما الاعتبار بالنهي مطلقا بمسلك القياس فمردود [فإن قضايا] الألفاظ لا تثبت بالأقيسة وقد سبق في ذلك قول بالغ.
وأما المسلك الثاني فلا أصل له فإن الأمر عندنا لا يتضمن نهيا عن أضداد المأمور به وسيأتي القول في ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى.
ولو فرض تسليم ذلك فلا مستروح فيه فإن النهي يقتضي الاستيعاب هو النهي المجرد المقصود فأما ما يقع ضمنا فهو في [اقتضاء الانكفاف عن] الأضداد على حسب اقتضاء الأمر في الامتثال فإذا كان الخصم يعتقد أن صيغة الأمر تقتضي الامتثال مرة واحدة فتضمنها النهي عن الأضداد على هذا النحو يقع وهذا ممثل بالصيغة المقيدة بالمرة الواحدة فإنها تتضمن على هذا الرأي المسلم جدلا نهيا عن الأضداد من غير استيعاب والسبب في ذلك أن ما يقع ضمنا فإنه يتبع المتضمن في مقتضاه لا محالة.
ومما تمسك به أصحاب التكرار أن قالوا الأمر يقتضي وجوب اعتقاد الامتثال والعزم عليه قبل الإقدام على الامتثال نفسه ثم العقد أو العزم يعمان ولا يختصان فليكن الإمتثال المقصود كذلك.
(1/72)

وهذا ركيك1 لا أصل له فإن اعتقاد الوجوب ليس من مقتضيات الأمر وإنما هو من حكم العقد الصحيح المفضي بصاحبه إلى الإذعان لأوامر الله ولو فرض الأمر مقيدا بالامتثال مرة واحدة لكان القول في العقد على هذا النحو فلا حاصل لهذا الكلام.
وإن طمع من لا يحيط بالحقائق أنه يسلم له دوام اعتقاد وجوب الامتثال في الصيغة المطلقة على معنى أن الامتثال يدوم وجوبه والعقد بحسبه فهذه غباوة وذهول عن محل الخلاف ومن شرط هذا المجموع أن نقتصر فيه على الرمز إلى [أمثال] هذه المخالات وأما العزم فسأذكر فيه فصلا مستقصى في المسألة التي تلي هذه إن شاء الله تعالى.
141- وأما الصائرون إلى أن الصيغة [المطلقة] تقتضي امتثال المأمور به مرة واحدة فقد تمسكوا بمسلكتين.
أحدهما: يشتمل على الاستشهاد بالأمثلة.
والثاني: يتضمنه معنى [يرونه] معتمدهم.
فأما الأمثلة فقد قالوا: إذا قال قائل: تصدق زيد أو ليتصدق زيد2 لم يتضمن ذلك إدامته بل يشعر بالفعل مرة واحدة فليكن صيغة الأمر كذلك ومما استشهدوا به البر في اليمين ثم أوردوا الحنث نظيرا للنهي فقالوا من حلف ليفعلن بر بالمرة الواحدة وهو نظير الأمر فإذا حلف لا يدخل الدار فمتضمنه الانكفاف عنه عموما وهذا يناظر النهي.
وهذا المسلك غير مرضى عند المحققين فإن مساقه القياس واعتبار اللفظ باللفظ وهو محسوم عند المحققين فإن أمكن تحقيق اللفظ نقلا واستنباطا فهو المفيد وإن كان بالتعويل على القياس فهو ساقط ولا سيما مع العلم بتفاوت صيغ الأفعال واختلاف مقتضياتها.
والمسلك الثاني للقوم أنهم قالوا من امتثل الأمر مرة يسمى ممتثلا ولو كان ما جاء به بعض مقتضى اللفظ لما ساغ تسميته ممتثلا وهذا ساقط فإنه يجري مثله في.
__________
1 ركيك: ضعيف.
2 ومن هذين المثالين تعلم أن طلب الفعل يتحقق بصيغة الأمر المعروفة أو بصيغة المضارع المقترن بلام الأمر.
(1/73)

الأمر المقيد بالتكرار وهو في القيام بالامتثال موصوف في قدر ما جاء به بحكم الموافقة وعليه الاستتمام.
142- فإن قيل: فما المختار وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين وليس بين النفي والإثبات مرتبة قلنا الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة.
لا بد منها وأنا على الوقف في الزيادة عليها فلست أنفيه ولست أثبته والقول في ذلك يتوقف على القرينة والدليل القاطع فيه أن صيغة الأمر وجملة صيغ الأفعال عن المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة الواحدة والأمر استدعاء المصدر فنزل على حكمه ووجب من ذلك القطع بالمرة الواحدة والتوقف فيما سواها فإن المصدر لم يوضع للاستغراق وإنما هو صالح لو وصف به وسيأتي ذلك مشروحا بعد هذا وذلك يستدعي إبانة بقرينة.
فإذا [وضح] هذا مستقلا طاب بعده ضرب صيغ الأفعال مثالا فإذا قال القائل تصدق زيد لم يتضمن اختصاصا بصدقة واحدة بل الأمر فيه على حسب ما نبهنا عليه في الأمر.
فإن قيل: مقتضى ما ذكرتموه أن النهي لا يتضمن استيعاب الزمان بالانكفاف [بل] يقتضي الانكفاف مرة واحدة ويتوقف فيما عداها قلنا لو كان النهي متلقى من المصدر لكان كذلك وإنما هو متلقى من النفي والنفي المضاف إلى واحد منكر من جنس يقتضي التعميم فإذا قال القائل لم أر رجلا اقتضى هذا نفى الرؤية عن جنس الرجال وإذا قال رأيت رجلا اقتضى واحدا من الجنس فالنفي الذي في النهي قرينة تقتضي الاستغراق ولا يتصور على هذا أن يكون النهي إلا مقترنا وليس الأمر كذلك فلزم فيه الاستغراق فوجب تنزيل الأمر على حكم المصدر المحض.
وإن راجع باحث فيما ذكرناه من اقتضاء النفي العموم فليس ذلك من غرض هذه المسألة ولا شك فيه.
والقدر الكافي في التنبيه على اقتضاء النفي العموم أن الإثبات يختص بثابت والنفي لا اختصاص له فكان الجنس كالشخص في حقه.
مسألة:
143- الصيغة المطلقة التي فيها الكلام إن قيل إنها تقتضي استغراق الأوقات بالامتثال فمن ضرورة ذلك الفور والبدار واستيعاب الصيغة في موردها اقتضاء مبادرة الامتثال.
(1/74)

فإذا جرى التفريع على المذهب الآخر في أن الصيغة لا تقتضي استغراق الزمان فعلى هذا اختلف الأصوليون فذهب طائفة إلى أن مطلق الصيغة يقتضي الفور والبدار إلى الامتثال وهذا [معزى] إلى أبي حنيفة1 رحمه الله ومتبعيه.
وذهب ذاهبون إلى أن الصيغة المطلقة لا تقتضي الفور وإنما مقتضاها الامتثال مقدما أو مؤخرا وهذا ينسب إلى الشافعي2 رحمه الله وأصحابه وهو الأليق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول.
وأما الواقفية فقد تحزبوا حزبين فذهب غلاتهم في المصير إلى الوقف إلى أن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما ولم يتعين بقرينة فلو أوقع المخاطب ما خوطب به عقيب فهم الصيغة لم يقطع بكونه ممتثلا ويجوز أن يكون غرض الآمر فيه أن يؤخر وهذا سرف عظيم في حكم الوقف.
وذهب [المقتصدون] من الواقفية إلى أن من بادر في أول الوقت كان ممتثلا قطعا فإن أخر وأوقع الفعل المقتضى في آخر الوقت فلا يقطع بخروجه عن عهدة الخطاب وهذا هو المختار عندنا.
وذهب القاضي أبو بكر3 رحمه الله إلى ما شهر عن الشافعي من حمل الصيغة.
على إيقاع الامتثال من غير نظر وقت مقدم أو مؤخر وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله من لا يراه.
144- ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي فأما من قال إنها على الفور فهذا اللفظ لا بأس به ومن قال إنها على التراخي فلفظه مدخول فإن مقتضاه أن الصيغة المطلقة فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي رحمهما الله بأن يقال الصيغة تقتضي الامتثال ولا يتعين لها وقت.
145- وإذا بانت المذاهب فنذكر بعدها معتمد كل فريق ونتعقبه بالنقض ونجرد بعد المباحثة توجيه ما اخترناه فلتقع البداية بأصحاب الفور.
__________
1 تقدمت ترجمته.
2 تقدمت ترجمته.
3 تقدمت ترجمته.
(1/75)

فمما اعتمدوه أن الصيغة إذا وردت واقتضت إيجابا لم يخل القول بعد ذلك من أن يقال يعصى المخاطب بالتأخير عن وقت الفهم والإمكان وهذا معنى الفور أو يقال لا يعصي بتأخير الامتثال ثم لا ينضبط جواز التأخير بوقت ولا يتعين له زمان فلو مات المخاطب بعد امتداد الزمن وما كان امتثل لم يخل الأمر فيه إما أن ينسب إلى العصيان أو لا ينسب إليه.
فإن قيل إنه مات غير عاص فهذا إسقاط الإيجاب بالكلية قطعا وإن قيل مات عاصيا كان ذلك مناقضا لجواز التأخير فإنه فعل ما له أن يفعل فإن قيل جوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كان ذلك ربط التكليف بلبس وعماية.
146- وهذا الذي ذكروه ينقضه وجهان: أحدهما: المعارضة بمناقضات لا درء.
لها فإن الأمة أجمعت على وجوب قضاء الصلوات التي فاتت بأعذار ثم العمر وقتها على الفسحة وكذلك الكفارات والذي ذكره هؤلاء يقتضي مساقة امتناع وجوب شيء على الفسحة وليس ما اعتمدوه متلقى من قضية الصيغة لدى الإطلاق وإنما هو مبني على استحالة ذلك في مقتضي الوجوب.
والذي يوضح هذا المسلك من غير استشهاد بمسألة أن العقل لا يحيل اقتضاء شيء على الإيجاب مع تقدير عمر المخاطب ظرفا له ولا يخالف في تجويز ذلك مخالف فيبينه وفي الاعتراف بهذا سقوط أصل الكلام فقولنا فيما استنكروه على صيغة التقسيم في اللفظ المطلق كقولهم في الصيغة المقيدة بجواز التأخير فهذا وجه في الجواب كاف.
والوجه الثاني: في تعيين قسم من الأقسام التي ذكروها والمقطوع به أن المخاطب إذا مات بعد الإمكان ولم يمتثل لقى الله سبحانه وتعالى: عاصيا وللفقهاء في هذا اختباط [طويل] لسنا لذكره الآن ولكن ما رأيناه مقطوعا به [أجزناه] ولا مبالاة بقول من يقول من الفقهاء إنه مات غير عاص.
147- وما ذكروه على ذلك من ارتباط الأمر بجهالة في العاقبة تهويل لا تحصيل له فإن هذا النوع من الجهالة محتمل وإنما الممتنع جهالة تمنع فهم الخطاب أو إمكان الامتثال أما ما يمنع فهم الخطاب فبين وأما ما ينافى الإمكان فهو مثل أن يقال لشخص أعتق عبدا من عبيد الدنيا وهو معين عند الامر ولم يعينه للمخاطب.
(1/76)

فإن وافق عتقه تقديره كان ممتثلا وإن لم يوافقه عرضه للعقاب فهذا ينقدح وجه امتناعه على ما سيأتي شرحنا عليه في كتاب النواهي إن شاء الله تعالى.
فأما تكليف المرء شيئا مع تقدير عمره مهلة وفسحة وهو أنه إن امتثله فاز بالأجر وإن أخلى العمر منه تعرض للمعصية فلا استحالة في هذا.
148- ومما تمسك به هؤلاء وهو قريب المأخذ مما سبق أن قالوا إذا اقتضت الصيغة إيجابا فالواجب ما لا يجوز تركه واتصاف المأمور به بالوجوب ناجز فليمتنع تركه إذ لو جاز تركه في الزمان الأول من أزمنة الإمكان لما كان متصفا بالوجوب فيه وهذا قد استهان به من لم يحط بالحقائق وهو صعب عسر وربما يحرر ذلك فيقال الواجب ما يتعين الإقدام عليه فإذا لم يتعين الإقدام عليه في الزمان الأول لم يكن واجبا فيه وهذا مع إعواصه لا يتأتى للقوم التعلق به لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير كما سبق ذكره في الطريقة الأولى ولكن الإشكال قائم في النفس في الصورة المتفق عليها.
149- وقد تردد جواب القاضي رحمه الله في هذا المقام لاستشعاره إشكال الكلام فمما ذكره أن التأخير عن الزمان الأول إنما يسوغ ببدل قائم مقام الفعل المقتضى ولولاه لسقط حكم الوجوب على ما اقتضاه مساق الطريقة ثم زعم أن البدل هو العزم على الامتثال في الاستقبال وقال من أخر الامتثال غير مخطر بباله العزم عصى ربه تعالى ثم يتعرض له كذلك في كل وقت يتعين ويتردد بين الامتثال وبين العزم إلى آخر وقت الإمكان ثم ذلك الوقت يتعين [للفعل] .
150- وهذا خروج عظيم عن مسلك التحقيق وفيه أولا التزام أمر اقتحاما عليه من غير أن يشعر اللفظ به وقد صار هذا الحبر إلى الوقف في أصل الصيغة من حيث إنه لم يسنح له من اللفظ وجه قاطع ثم التزم في مساق الكلام بإثبات العزم الذي ليس في اللفظ إشعار به وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع [وهي] أنه إذا وجب في كل وقت الفعل أو العزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا فإن من مذهبه وأصل كل محقق أن الواجب من خصال كفارات اليمين واحد لا بعينه فإذا ردد في كل وقت تخييره بين الفعل والعزم فقد أخرج الفعل عن كونه واجبا جزما وردد الوجوب بينه وبين غيره فالواجب بينه فالواجب إذا أحدهما ثم إنما كان يستقيم ما ذكره لو ساعده نقلة الشريعة وقد أجمع المسلمون قاطبة على أنه لا يجب على المخاطب الاعتناء بالعزم في كل وقت لا يتفق الامتثال فيه ولو لم يخطر للمخاطب عزم أصلا.
(1/77)

وجرى منه الامتثال في أثناء العمر والواجب على التخيير فليس من العلماء من يعصيه لتركه العزم فيما سبق.
151- وكذلك من صار إلى اتصاف الصلاة بالوجوب في أول وقتها مع اتساع الزمان فلا نقول يجب على المكلف أن ينتبه لأول الوقت فلا يخليه عن فعل أو عزم ولكن لو أضرب عنه ثم أقام الصلاة في وسط الوقت لم ينسب إلى المعصية ولم يبؤ بالإثم.
152- والذي أراه في طريقة القاضي رحمه الله أنه إنما يوجب العزم في الوقت الأول ولا يوجب تجديده ثم يحكم بأن ذلك العزم ينسحب حكمه على جميع الأوقات المستقبلة وهذا كانبساط النية على العبادة الطويلة [مع عزوب] النية ولا ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا على أنا لا نرى ذلك رأيا.
153- فإن قيل فما وجه الجواب عن السؤال وكيف السبيل إلى حل الإشكال قلنا قد اشتهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه المصير إلى أن الصلاة تتصف بالوجوب في أول الوقت وظهر خلاف أبي حنيفة له رضي الله عنه ثم صح من.
نصه واتفاق ذوي التحقيق من أصحابه أن من أخر الصلاة عن أول وقتها ومات في أثناء الوقت لم يلق الله تعالى عاصيا فإن كان كذلك فلا معنى عندي لوصف الصلاة بالوجوب في أول الوقت إلا على تأويل وهو أن الصلاة لو أقيمت في أول الوقت لوقعت على مرتبة الواجبات وأجزأت وهي على القطع كالزكاة تعجل قبل حلول الحول ولا يدرأ هذا التحقيق قول الفقهاء إن عبادات الأبدان لا تقدم على أوقات وجوبها فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف ما استبعدوه قطعا.
وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة في ذلك إذا استنكروا الوجوب على حكم جواز التأخير كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى وإن تفطنوا لنفي المأثم في الصلاة وسلم لهم ذلك فلا وجه لمناكرتهم ومناظرتهم مع تسليم ذلك فإن أصر مصر على المخالفة لم ينتظم ذلك إلا مع تأثيم من يموت في أثناء الوقت فقد ذهب إلى ذلك شرذمة من الأصحاب فهذا قولي في الأمر المؤقت.
فأما الأمر المسترسل على العمر فالذي أراه فيه أن من أخره فلا يقطع القول فيه بنفى الإثم عنه ولا يطلق إلا مشروطا فعلى هذا إذا الحج واجب على المستطيع في أول سنة الاستطاعة وعليه لو أخر الخطر في التعريض للمأثم والخوف في نفسه.
(1/78)

ألم ناجز وهذا معنى قول القائل من مات ولم يحج انبسطت المعصية على جميع سنى الإمكان فليفهم الناظر ما ذكرناه.
والذي يكشف الغطاء فيه أن الواجب المحقق المضيق لا يتميز عما ليس واجبا بوقوع العقاب بالتارك لا محالة فإن فضل الله مأمول وأمور العاقبة غيب فيئول حاصل الأمر إلى الرهب والخوف وليس بعد هذا البيان بيان وهو نجاز الطريقة.
154- ومما تمسك به أصحاب الفور النهي [على] النسق المقدم في مسألة التكرار فقالوا النهي يتنجز مقتضاه فليكن الأمر في معناه وقد سبق الكلام على النهي.
والذي نجدده الآن أن الخوض في هذه المسألة مشروط بالتوافق على أن الصيغة لا تقتضي استغراق الأوقات وإذا كان كذلك فالنهي بالاتفاق يقتضي الاستغراق فكيف يتجه تنزيل الأمر على النهي.
ومما تعلق به المتكلفون أن قالوا يجب الاعتقاد على الفور فليكن الامتثال كذلك وقد أوضحنا أن الاعتقاد أمر كلي لا اختصاص له بصيغة خاصة وإنما هو حكم جملي يتعلق بتطويق الشريعة وتصديق منهيها صلوات الله عليه وسلامه وهو يجري في الأمر المقيد بجواز التأخير كما سبق.
وشرطنا قبض الكلام بعد الوضوح وإعداد جمام التقرير للمشكلات فهذا منتهي مسلك أصحاب الفور.
155- فأما من لم ير الفور وجوز التأخير فمن مسالكهم ما ذكره القاضي أبو بكر رحمة الله عليه معتمدا لنفسه في اختيار هذا المذهب وذلك أنه قال الأوقات يعبر بها عن حركات الفلك واعتقاب طلوع الشمس وغروبها وهذه المعاني لا تعلق للتكاليف بها فإنها خارجة عن متعلق إرادات المكلفين واعتقاد ارتباط تعلق الامتثال المتلقي من الصيغة المطلقة بها بمثابة اعتقاد تعلق الامتثال بتارات وحالات تطرأ كالتغيم والإصحاء وغيرهما فالوجه فهم الامتثال وقطعه عن الأوقات فإن كان يجوز تقدير تعليق التكليف بها تصريحا وتقييدا فيجوز فرض ذلك في التارات التي ذكرناها من التغيم والصحو وربما عضد كلامه الذي استاقه في نفي تعيين الزمان بالمكان فإن المكان لا يتعين وإن كان الفعل يقع في مكان لا محالة فليكن الزمان كذلك.
(1/79)

وقد تكلف بعض أصحاب الفور وزعم أنه يتعين للامتثال المكان الذي يصادف المخاطب فيه الإمكان في أول الزمان وهذا وإن كان كذلك فهو ساقط من جهة أن هذا إنما يثبت لاعتقاد تعين أول الزمان وفي مفارقة المكان تأخير عن أول الزمان فكان ذلك من حكم الزمان لا من حكم المكان.
وهذا الذي ذكره رحمه الله بالغ في التخيل وقد [يكيع] عنه من ليس بذي حظ وافر في التحقيق.
156- وسبيل مفاتحته بالكلام أن نقول الابتدار إلى الامتثال أو تجويز التأخير مما لا ينكر عده من مقاصد الآمرين ولذلك تنافس المتنافسون ومن عد النظر في هذا الفن من قبيل النظر في تقدير ارتباط الامتثال بالتغيم والإصحاء فقد جانب الإنصاف واستوطأ مركب الإعتساف وهذا لا خفاء به قبل الخوض في المحاجة وحل ما موه به.
ثم الذي يخطر له ما ذكرناه من البدار ونقيضه قد لا يخطر له الوقت والزمان وحقيقتهما فاستبان أن ما ذكره ليس بالمرضى في مساق التحقيق ويطرد في عرف المتخاطبين البحث عما ذكرناه ويبعد البحث عما استشهد به من الحالات والتارات فكان تقدير مبادرة الامتثال في حكم غرض من الآمر يفرض فهمه والإحاطة به من غير نظر في الوقت.
157- ثم القول [الحق] فيه أن الأمر اقتضاء ناجز والمقتضى مطلوب على [الوجوب] وحق الوفاء بالطلب التنجيز مع الإمكان فمن أراد مداراة هذا بالإيهام [بذكر] الأوقات وخروجها من الإرادات فقد أبعد.
158- ومما تمسك به الفقهاء الصائرون إلى أن الامتثال هو المطلوب في أي وقت فرض أن قالوا إن الأمر يمثل بالبر في اليمين وإذا قال القائل لأدخلن الدار لم يتعين لإقسامه الوقت الأول ولكن مهما فرض الدخول كان برا وقد أوضحنا أن هذا المسلك مدخول فإنه قياس لفظ على لفظ مع العلم بتغاير معاني الصيغ وتفاوت قضاياها عند تغاير محالها ثم قول القائل لأدخلن الدار في حكم وعد مؤكد بالقسم والأمر طلب ناجز فليقتض الوفاء الناجز وهذا وإن كنت لا أرضاه فلم أورده معتمدا عليه وإنما ذكرته لإظهار إمكان تخيل الفرقان بين الصيغتين.
(1/80)

159- فأما من قال من أصحاب الوقف إن من بادر إلى إيقاع الفعل المطلوب لم يقطع بكونه ممتثلا فهذا مجاحدة وخروج عن حكم اللسان بديهة وضرورة فإن من أطلق الصيغة [ولم تثبت] قرينة تقتضي التأخير فالمخاطب إذا ابتدر عد مسارعا إلى الطاعة [وكان ممتثلا قطعا] ومن أنكر هذا فهو.
ملتحق بمن يعاند في مظان الضرورات فالذي يجب القطع به أن المبتدر ممتثل والمؤخر عن أول زمان الإمكان لا يقطع في حقه بموافقة ولا مخالفة فإن اللفظ صالح للامتثال والزمان الأول وقت له ضرورة وما وراءه لا تعرض له.
160- فإن قيل: قد أجريتم في أثناء الكلام لفظة واقعة إذ قلتم إن الطلب ناجز قلنا لا يستقل هذا الكلام بإثبات غرض فإن الطلب ليس مجحودا وإنما محل التردد أنه طلب مقتضاه إيقاع المطلوب ناجزا أو هو طلب مرسل مقتضاه إيقاع المطلوب في أي وقت كان ومن ظن أنه يسلم له أن الأمر طلب إيقاع ناجز فقد طمع في تسليم المسألة من غير دليل.
161- وإذا نجزت المباحثة عن هذه المآخذ فالذي أقطع به أن [المطالب] مهما أتى بالفعل فإنه بحكم الصيغة المطلقة موقع المطلوب وإنما التوقف في أمر آخر وهو أنه إن بادر لم يعص وإن أخر فهو مع التأخير ممتثل لأصل المطلوب وهل يتعرض للإثم بالتأخير فقيه التوقف.
وأما وضع التوقف في أن المؤخر هل يكون كمن يوقع ما طلب منه وراء الوقت الذي يتأقت به الأمر حتى لا يكون ممتثلا أصلا فهذا بعيد فإن الصيغة المطلقة مسترسلة ولا اختصاص لها بزمان وعن هذا أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق [إن لم] يجز تأخيره [فقد امتثل] فإذا فرض تأخيره ثم إقامته فليس ما أقيم مقضيا قضاء وإنما هو مؤدي حتى كأن الذي يوجب الفور يقدر للأمر غرضين أحدهما إيقاع المطلوب والثاني البدار به ولن يبلغ الزمان الأول في الإمكان مع اعتقاد الفور والبدار فيه مبلغ الوقت المؤقت في صيغة اللفظ وهذا واضح بين لا إشكال فيه.
وكأن هذه الطريقة التي استقر عليها الاختيار تجمع محاسن المذاهب كلها من النظر إلى استرسال اللفظ وتوقع اللوم والقطع بالامتثال للمبادر ورد التوقف إلى اللوم في التأخير مع القطع بوقوع الفعل مهما وقع امتثالا فإن اللفظ لا اختصاص له بوقت معين.
(1/81)

مسألة [لفظية] :
162- ذهب القاضي أبو بكر رحمه الله في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به والندب أمر على الحقيقة وهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر ما يقتضي الإيجاب.
قال القاضي المندوب إليه طاعة ولم يكن طاعة لكونه مرادا لله تعالى فإنا لا نمنع أن لا يريد الله تعالى طاعة زيد ويأمره بها ويريد عصيانه وينهاه عنه فلا يتلقى كون الشيء طاعة من الإرادة على مذهب أهل الحق فلم يبق إلا كونه مأمورا به.
وهذا الذي ذكره القاضي رحمه الله رام به مسلك القطع وليس الأمر على ماظنه فإنه يتجه أن يقال: المندوب إليه طاعة من حيث كان مقتضى ممن له الإقتضاء فمن أين يلزم أن كل اقتضاء أمر؟ وهذه المسألة ليس فيها فائدة وجدوى من طريق المعنى فإن الإقتضاء مسلم وتسميته أمرا يؤخذ من اللسان لا من مسالك العقول ولا يمكن جزم الدعوى على أهل اللغة في ذلك فقد يقول القائل ندبتك وما أمرتك وهو يعني ما جزمت عليك الأمر وقد يقول أمرتك استحبابا فالقول في ذلك قريب ومنتهاه آيل إلى اللفظ.
مسألة:.
163- ذهب بعض أئمتنا رحمهم الله إلى أن الأمر بالشيء نهى عن أضداد المأمور به وهؤلاء قدروا عين الأمر نهيا وزعموا أن اتصافه بكونه أمرا نهيا بمثابة اتصاف الكون الواحد بكونه قربا من شيء بعدا من غيره.
والذي مال إليه القاضي رحمه الله في آخر مصنفاته أن الأمر في عينه لا يكون نهيا ولكنه يتضمنه ويقتضيه وإن لم يكن عينه.
ثم الذي ذهب إليه جماهير الأصحاب أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه والأمر بالشيء نهى عن جميع أضداد المأمور به.
وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة وقول [القائل] : افعل أصوات منظومة معلومة وليست هي علم نظم الأصوات في قول القائل لا تفعل فلا يمكنهم أن يقولوا الأمر هو النهي فقالوا الأمر بالشيء يقتضي النهي عن أضداده تضمنا كما ذهب إليه القاضي ولكن الأمر عند القاضي هو القائم بالنفس.
(1/82)

ونحن نقول أما من قال [إن] الأمر هو النهي بعينه فقوله عرى عن التحصيل فإن القول القائم بالنفس الذي يعبر عنه بافعل مغاير للقول الذي يعبر عنه بلا تفعل وممن جحد هذا سقطت مكالمته وعد مباهتا وهذا القدر كاف في إسقاط هذا المذهب.
وأما ما ذكره القاضي رحمه الله آخرا من أن الأمر بالشيء ليس عين النهي ولكنه يقتضيه ويتضمنه فليس يعني بهذا الإقتضاء الذي أطلقه المعتزلة فإن ذلك الإقتضاء الذي ذكروه راجع إلى فهم معنى من لفظ مشعر به وهذا لا يتحقق في كلام النفس فإن ما يقوم بالنفس لا إشعار له بغيره وإنما هو معنى في نفسه وذاته على حقيقته وخاصيته فالمعني بالاقتضاء على رأى القاضي أن قيام الأمر بالنفس يقتضي أن يقوم بالنفس معه قول هو نهى عن أضداد المأمور به كما يقتضي قيام العلم بالذات قيام الحياة بها ولا معنى لما قال غير هذا وهذا باطل قطعا فإن الذي يأمر بالشيء قد لا يخطر له التعرض لأضداد المأمور به إما لذهول وإما لإضراب فلم يستقم الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي.
164- وإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا وهو أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن أضداده ونحن نخصص إثبات هذا المختار بذكر حقيقة المسألة.
فنقول الامر بالشيء متردد بين أن يكون ذاكرا لأضداده وبين أن يكون ذاهلا عنها فإن كان ذاهلا فالذي قدمناه بالغ فيه ولا خفاء بأن الذاهل عن الشيء غير عالم به ويستحيل أن يقوم بالنفس قول متعلق بالشيء مع الذهول عنه فأما إذا كان ذاكرا للأضداد عالما بأن الاتصاف بالشيء منها يمنع إيقاع المأمور به فقد يتخيل المتخيل في هذه الحالة أنه يقوم بالنفس نهى عن أضداد المأمور به [المقتضى] فإذا كان كذلك فليس الزجر عن الأضداد مقصود الآمر وإنما يخطر له النهي لو خطر ليكون الانكفاف عن الأضداد ذريعة إلى إيقاع الامتثال وليس تقدير خطور أمرها بالبال متضمنا قيام زجر عنها مقصود والذي يجرد قصده إلى النهي عن شيء يعلم قيام [زجر] عنه مقصود بذاته والذي يحقق الغرض فيه فرض أمر مستحيل يشعر بتكميل الغرض وهو أن الآمر لو قدر تجويز مجامعة الأضداد لكان لا [يأبى] وقوعها مع المأمور به ولو نهى عنها قصدا لأباها فإذا خطور الانكفاف عن الأضداد ببال الآمر آيل إلى امتناع المأمور به خلقة معها لا إلى قصد نفي الأضداد وهذا نهاية الوضوح.
(1/83)

165- فأما من قال النهى عن الشيء أمر بأحد أضداد المنهى عنه فقد اقتحم أمرا عظيما وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة على ما سنذكر ذلك في باب النهي فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال لا شيء مقدر مباحا إلا وهو ضد محظور فيقع من هذه الجهة واجبا فإن ترك المحظور واجب وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى.
166- ومن قال الأمر بالشيء نهى عن الأضداد أو متضمن للنهي عن الأضداد وليس النهي عن الشيء أمرا بأحد الأضداد من حيث تفطن لغائلة الكعبي فقد تناقض كلامه فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور [به] دون الانكفاف عن أضداده فيستحيل الانكفاف عن المنهى عنه دون الاتصاف بأحد الأضداد ولا يمتنع وجوب شيء من أشياء فهذا نجاز المسألة.
مسألة.
167- إذا وقع المأمور به المقتضى على حسب الإقتضاء أجزأ وكفى والمسألة مترجمة بأن موافقة الأمر تتضمن الإجزاء [أم لا] ؟.
وذهب بعض المستطرفين في علم الأصول من الفقهاء إلى أن الإجزاء لا يثبت إلا بقرينة وإن وقع الفعل على حسب الاقتضاء وسقوط هذا المذهب واضح لا حاجة إلى تكلف فيه ولكن تحرير الكلام على أوقع وجه وأقربه أن نقول لمن يشبب بالخلاف في المسألة أتسلم أن الأمر لا يقتضي حالة الإطلاق تكرير الفعل المقتضي فإن لم يسلم ذلك رددنا الكلام إلى المساق المقدم في الرد على أصحاب التكرار وإن سلم ذلك وقد وقع الامتثال فلا معنى للإجزاء إلا قيام المخاطب بموجب الأمر من غير أن يبقى طلبة من قضية الأمر فلئن فرض فارض اقتضاء أمر آخر فلا بد من تقدير أمر جديد ولا منع من تقدير ذلك ولا يتصور مع هذا الفن من الكلام مرادة وتشبيب باعتراض.
168- فإن قيل الحاج إذا أفسد حجة فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج وإذا مضى فيه كما أمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاح حج صحيح فلم يقع إذا مضيه مجزئا عنه وإن كان مأمورا به وهذا قول من يتلقى الحقائق في الأصول من خيالات في مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع.
(1/84)

فنقول إن كان ما خاض فيه أولا حجا صحيحا مفروضا فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم دائم والإفساد مناف للحج لحق الامتثال وليس المضي في الفاسد مقتضى الأمر بالحج الصحيح وإنما هو متلقى من أمر جديد مختص بالحج فثبت الجريان في الفاسد بأمر وبقى على المفسد حق القيام بالأمر الأول وإن كان الحج تطوعا فيجب القضاء على المفسد بأمر جديد وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي وهذا لا غموض فيه.
وقد يعتاص على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بعذر الإحصار وحظ الأصول في هذه المسائل تقدير أمر جديد في كل مالا يتلقى من الأمر الأول وهذا ليس بالعسر بل هو مقطوع به ولست أرى هذه المسألة خلافية ولا المعترض فيها بإشكال الفقه معدودا خلافه.
مسألة:
169- الأمر بالشيء يتضمن اقتضاء ما يفتقر المأمور به إليه في وقوعه فإذا ثبت في الشرع افتقار صحة الصلاة إلى الطهارة فالأمر بالصلاة الصحيحة يتضمن أمرا بالطهارة لا محالة وكذلك القول في جميع الشرائط وظهور ذلك يغني عن تكلف دليل فيه فإن المطلوب من المخاطب إيقاع الفعل الصحيح والإمكان لا بد منه في قاعدة التكليف ولا تمكن من إيقاع المشروط دون الشرط.
فإن قيل لا يتأتى في مطرد العرف استيعاب الوجه بالغسل دون أخذ أطراف من الرأس وليس غسل الرأس مأمورا به قلنا إذا كان لا يتأتى استغراق محل الفرض إلا بما ذكره المعترض فلا بد منه ولكن ليس ما ذكره من قبيل الشرائط التي اعتنى الشرع بإثباتها والتنصيص عليها فإنها قد تثبت مقصودة للشارع في مساق أمره وما ذكره السائل آيل إلى حكم التأتى المعتاد.
وكذلك القول في استصحاب الإمساك عن المفطرات في جزء من الليل آخرا وفي جزء من منقطعه أولا إذ ليس من الممكن حصر الإمساك في النهار من غير أخذ طرفين من الليلتين فقد قال المحققون ما كان كذلك فليس مقصود العبادة ولا نطلق القول بأنه شرطها الواقع مقصودا شرطا ويظهر أثر ذلك بأن الصائم يخص النية بالإمساك الواقع في النهار فلو كان الإمساك المستظهر به من العبادة لوجب بسط النية عليه.
(1/85)

170- فالقول في ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:.
أحدها: يتعلق بالمتلقى من صيغة الأمر وهو المقصود.
والثاني: يتلقى مما يثبت فيما سبق شرطا وهذا مستفاد من الأمر بالإيقاع وإن لم يكن ما قدر شرطا جزءا من المأمور به وليس يخرج الشرط عن كونه مقصود الشارع عليه السلام وهو ثابت في مقتضى الأمر بالمشروط وصيلة ووسيلة [شرعية] .
والقسم الثالث: ما يتعلق بالإمكان وليس مقصودا للشارع ولا مشروطا ولا شرطا ولكنه في حكم الجبلة يضاهى الشرط وإن لم يكن شرطا شرعا وهذا له التفات إلى الانكفاف عن أضداد المأمور به في محاولة امتثال الأمر [كما تقدم ذكره فليس الانكفاف مقصود الآمر ولكن لا بد منه في إيقاع المأمور به] .
فإن قيل: أيجب على سكان البوادي أن يسعوا في ابتناء مدينة ليقيموا الجمعة فيها قلنا هذا الآن من فن الخرق فإن المتبدين غير مأمورين بالجمعة ولو أمروا بها مع كون الجمعة مشروطة بالبنيان لوجب عليهم أن يسعوا في تحصيله.
هذه جملة من الكلام في الصيغة المطلقة ونحن نذكر الآن الصيغة المقيدة ووجوه التقييد فإذا نجز ما يتعق بهذا القسم مذهبا وخلافا وقد تقدم القول في [الصيغة] المطلقة فنذكر بعد نجاز القسمين مسائل في أحكام الأوامر لا تختص بالإطلاق والتقييد.
(1/86)

فصل: [الصيغة المقيدة] .
مسألة:
171- فأول ما نذكر أن الصيغة التي تسمى مطلقة لا تكون إلا مقترنة بأحوال تدل على أن مطلقها ليس يبغي بإطلاقها حكاية وليس هاذيا بها فإذا لا تلقى صيغة على حق الإطلاق وإذا كان كذلك وثبت للأحوال قرائن في إرادة النطق بالصيغة قصدا إليها وإصدارا لها عما يختص بمقصود المطلق في معناها ولم [يعلم] من الأحوال إلا ما وصفناه فما ذكرناه في قسم الإطلاق ثم إذا كانت الصيغة مقصودة للمطلق فنفرض في قسم التقييد معها قرائن زائدة على ما ذكرناه الآن.
(1/86)

وهي تنقسم إلى قرائن مقال وإلى قرائن أحوال.
أما الأحوال فلا سبيل إلى ضبطها تجنيسا وتخصيصا ولكنها إذا ثبتت لاح للعاقل في حكم طرد العرف أمور ضرورية.
وبيان ذلك أن الذي يدخل تحت الوصف من حال الخجل إطراق واحمرار إلى غير ذلك ولا يمكن التعويل على هذه الصفات [فقد] يحمر ويطرق من ليس بالخجل وكذلك القول فيما ضاهى ذلك.
ولا يمكن أن يدعى أن العلوم الضرورية عند قرائن الأحوال تحصل غير [مرتبطة] بها ولكن منها أحوال يعسر إدراجها تحت الوصف وإنما يدركها العيان ولذلك قال الفقهاء للذي يعاين من الصبي امتصاص الثدي وتحرك اللهاة وجرجرة الغلصمة في التجرع أن يجزم الشهادة على الرضاع ولو شهد بهذه الأحوال فقط لم يقض القاضي بالرضاع فإن ما يدركه الشاهد المشاهد لا يناله وصف.
ومما نذكره في حكم القرائن أن اقتضاءها للعلوم الضرورية وإن أشعر بارتباط قرائن فليست تجري عند المتكلمين مجرى أدلة العقول فإن الأدلة العقلية إذا تمت في الفكر ولم يعقبها مضاد ضروري للعلم بالمدلول فلا بد من وقوع العلم به مع ذكرالمدلول في النفس فلو قلب الله تعالى مجرى العوائد لم يمنع قيام قرائن الأحوال من غير علم نعتاده الآن فهي من وجه متعلقة بالعلم ومن وجه ليست مقتضية له لأعيانها اقتضاء واجبا بل هي جارية على عوائد مطردة.
فهذا المقدار لم نجد بدا من التنصيص عليه في قرائن الأحوال ثم إذا لم نطمع في تجنيسها فلا نتشعب في تفاصيلها مسائل وأما قيود المقال بألفاظ لغوية فيفهمها من يعرف العربية وإذا تمهد ما ذكرناه فنرسم بعده مسائل تترى إن شاء الله عز وجل.
مسألة:
172- ما ثبت فيه الحظر ثم ورد فيه صيغة الأمر فهل يكون الحظر السابق قرينة في صرف الصيغة عن قضية الإيجاب على رأى من يراه اضطرب الأصوليون فيه فذهب بعضهم إلى أن الصيغة المطلقة فيما تقدم الحظر فيه محمولة على رفع الحظر والحرج.
وقال القاضي رحمه الله لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة.
(1/87)

المطلقة بعد الحظر مجرأة على الوجوب.
وقال قائلون: إن ورد الحظر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي الإباحة والغرض من مساق الكلام مد الحظر إلى غاية وهو كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 1.
وأما القاضي رحمه الله فقد تمسك بأن الصيغة [المطلقة] قائمة والحكم الماضي ليس مقترنا بها فليس الحظر فيما سبق قرينة حالية وليس من القيود المقالية فلزم اجراء الصيغة على حكم الوضع في اللسان.
وقد ذكر القاضي رحمه الله في بعض تصانيفه مسلكا لطيفا في كتاب "التأويلات" فقال: الصيغة لو لم يسبقها حظر فيسوغ حملها على الإباحة ولكن علىالحامل أن يأتي بدليل يعضد التأويل به بحيث يترقى مجرد الظن عن إشعار الصيغة بالوجوب وإذا تقدم حظر فالأمر في ذلك أخف وسيأتي ذلك مقررا وليس لمن يدعى أن الصيغة على الإباحة متعلق به احتفال.
173- والرأي الحق عندي الوقف في هذه الصيغة فلا يمكن القضاء على مطلقها وقد [تقدم الحظر لا بالإيجاب ولا بالإباحة] فلئن كانت الصيغة في الإطلاق موضوعة للاقتضاء فهي مع الحظر المتقدم مشكلة فيتعين الوقوف إلى البيان.
174- وذكر ذكر الأستاذ أبو إسحاق رضي الله عنه أن صيغة النهي بعد تقدم الوجوب محمولة على الحظر والوجوب السابق لا ينتهض قرينة في حمل النهي على رفع الوجوب وادعى الوفاق في ذلك.
وليست أرى ذلك مسلما أما أنا فساحب ذيل الوقف عليه كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر وما أرى المخالفين الحاملين للصيغة على الإباحة يسلمون ذلك.
مسألة:
175- الصيغة إذا تضمنت فعلا مؤقتا فإذا انقضى الوقت فات الامتثال.
176- والرأي الحق أن تلك الصيغة لا تتضمن إيقاع المأمور به تداركا وقضاء بعد الوقت فلئن ثبت قضاء فبأمر مجدد.
__________
1 آية "2" سورة المائدة.
(1/88)

177- وذهب بعض الفقهاء إلى أن القضاء يجب بالأمر الأول والدليل على بطلان ذلك أن القاضي ليس ممتثلا فإن الممتثل هو الموافق لمقتضى الصيغة وإذا لم يكن القضاء امتثالا لم يكن الأمر اقتضاء له.
والذي يحقق ذلك أن الفعل يقيد بالزمان ويقيد بالصفات ثم الواقع على خلاف الصفات ليس من مقتضيات الصيغة فالواقع وراء الأوقات كذلك ولا حاجة إلى ضرب الأمثال في ذلك مع القطع بأن الأمر المؤقت مقتضاه محصور في الزمان ومن ضرورة الحصر النفي عن طرفي الحاصر فإذا انقضى الوقت فليس إلا الحكم بفوات المستدعى وليس تقدير إيقاع الفعل بعد الزمان إلا كتقدير إيقاعه قبل الزمان.
وذكر الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله مسلكا لا نرضاه فشبه الأمر المؤقت بالإجارة المعينة زمانا في استيفاء المنافع فإن المدة المضروبة إذا مضت في يد [المكرى] فقد فات مقصود العقد وليس للمستأجر أن يستبدل عنها مدة مثلها فأمر الله سبحانه وتعالى: عباده صرف لأفعالهم في جهات التكليف على حكم الاستحقاق فإذا مضى الوقت كان مضيه كمضي مدة الإجارة فهذا الذي ذكره من فن القياس في مقتضى الألفاظ ثم هو اعتبر الأصل بمسألة فرعية وفيما قدمناه مقنع.
وأما من قال: إن القضاء يجب بالأمر الأول فإنه سلك مسلكين أحدهما تشوف إلى حكم اللسان والمفهوم مما يطلق في مثل وذلك أنهم قالوا القضاء والاستدراك أمر مألوف معروف فلو كان لا يستفاد من اللفظ لما عقل معنى القضاء قلنا لا حاصل لهذا الكلام فإن الذي يقضي لا يمكن أن يحكم على الامر بأنك عنيت بلفظك ما أتيت به وإذا لم يمكنه ذلك فلا معنى للقضاء تلقيا من الأمر المطلق.
وأما تسمية الاستدراك [قضاء] عند فرض أمر مجدد فمن جهة مضاهاة الواقع آخرا لما استدعى أولا.
والمسلك الثاني: مقتضاه التعلق بقواعد الشريعة في ثبوت قضاء المؤقتات وهذا ساقط فإن الأمر لا يطرد فيه بل هو على الانقسام فلا تعلق بذلك ثم إن ثبت ذلك في الشرع فلتقدير أمر مجدد ولا يستمر الاستمساك بالشرع ما لم يتضح انتفاء أمر جديد مع اطراد القضاء ولا سبيل إلى إثبات ذلك.
(1/89)

مسألة:
178- الأمر بالشيء من أشياء إذا كان محمولا على الوجوب يقتضي وجوب شيء واحد منها.
ونقل أصحاب المقالات عن أبي هاشم أنه قال الأشياء كلها واجبة والمسألة تمثل بالخلال المذكورة في كفارة اليمين وهذه المسألة أراها عرية عن التحصيل فإن النقل إن صح عنه فليس آيلا في التحقيق إلى خلاف معنوي وقصاراه نسبة الخصم إلى الخلل في العبارة فإن أبا هاشم اعترف بأن تارك الخلال لا يأثم إثم من ترك واجبات ومن أقامها جميعا لم يثبت له ثواب واجبات ويقع الامتثال بواحدة فلا يبقى مع هذا لوصف الخصال بالوجوب تحصيل.
وتأويل هذا اللفظ عند البهشمية أنه ما من خصلة من الخصال التي وقع [التخيير] فيها إلا وهي لو فرضت واقعة لكانت واجبة.
وهذا مغزى المسألة ثم طولها المتكلمون فألزموه ما سلمه فيما قدمنا ذكره وألزموه الأمر بإعتاق عبد من عبيد الدنيا فإن ذلك لا يتضمن وجوب إعتاق عبيد جميع العالم ولو صح الخلاف فلا حاجة في إيضاح سقوط مذهب الخصم إلى ضرب الأمثال فإنا على قطع نعلم أن من قال لمخاطبه افعل شيئا من هذه الأشياء الثلاثة فليس يطالبه بالأشياء الثلاثة وإنما يطالبه بواحد منها ويفوض الخيرة في التعيين إليه.
179- وذكر بعض الناس لأبي هاشم كلاما لا يليق بحذقه وكيسه وهو متقول عليه فيه وذلك [أنه قيل: لو لم يقض] بوجوب الأشياء كلها لأدى ذلك إلى التباس الواجب على المكلف مع استمرار التكليف والطلب وهذا غير سائغ.
فنقول: لا يخفى سقوط هذا الكلام على المتأمل فإن من المستحيل إثبات واجب لا يتوصل المكلف إلى تعيينه لو حاول ذلك فيدوم الطلب ويعسر الامتثال ويلتحق ذلك بتكليف المحال فأما إيجاب شيء من أشياء مع تخيير المكلف في تعيين ما يشاء فلا عسر فيه.
وقد نجز ما أردنا إلحاقه بقسم التقييد ونحن نذكر الآن مسائل مرسلة في الأوامر معدودة من الطوام الكبار متلفتة إلى فن الكلام ونوضح قرب مأخذها وسهولة مدركها مستعينين بالله وحده إن شاء الله تعالى.
(1/90)

فصل: مسائل متفرقة حول الأوامر.
مسألة:
180- اشتهر من مذهب شيخنا أبي الحسن1 علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه مصيره إلى أن المعدوم الذي وقع في العلم وجوده واستجماعه شرائط التكليف فهو مأمور معدوما بالأمر الأزلي وقد تمادى المشغبون عليه وانتهى الأمر إلى انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب وقد سبق القلانسي2 رحمه الله من قدماء الأصحاب إلى هذا وقال كلام الباري تعالى في الأزل لا يتصف بكونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا وإنما يثبت له هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين كما يتصف الباري بحانه وتعالى بكونه خالقا رازقا فيما لا يزال.
والوجه مكالمة القلانسي أولا وإيضاح الرد عليه فإن مسلم للشيخ أبي الحسن رحمه الله أن الكلام القديم هو القائم بالنفس وهو على حقيقته وخاصيته وإذا كان كذلك فكون الكلام أمرا نهيا من حقيقته النفسية وصفته الذاتية والحقائق يستحيل تجديدها وليس لله تعالى من كونه خالقا رازقا حكم راجع.
إلى ذاته وإنما المعنى بكونه خالقا وقوع الخلق بقدرته ونقول لأبي العباس أيضا قد أثبت كلاما خارجا عن كونه أمرا ونهيا ووعدا ووعيدا إلى استتمام أقسام الكلام وذلك مستحيل قطعا فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلاما أزلا ثم يستجد كونه كلاما فيما لا يزال فقد لاح سقوط مذهبه.
181- ثم ذكر الأئمة رحمهم الله في محاولة إثبات كون المعدوم مأمورا مسلكين لا أرضاهما ولكني أطردهما فأذكر الاعتراض عليهما ثم أشمر للبحث عن مسلك الحق فمما ذكروه في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم في حكم من يبتدىء أمرا ثم انقلابه إلى رحمة الله تعالى ورضوانه لا يوجب سقوط أوامره عن المكلفين فهو في حكم معدوم امر فإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع أمر لمعدوم.
وهذا فن ركيك فإن الفرق على اختلاف المذهب متفقون على أن المعدوم يستحيل أن يكون آمرا فكيف يسوغ الاستشهاد بممتنع وفاقا؟ ثم الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مستقلا بأمره وإنما هو مبلغ أمر الله تعالى فإذا التبليغ لم يؤثر موت المبلغ صلى الله عليه وسلم ومن له الأمر حقا لم يزل ولا يزال سبحانه وتعالى: فهذا أحد المسلكين.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبقت ترجمته.
(1/91)

182- والمسلك الثاني للأصحاب: أن المعدوم يجوز أن يكون مأمورا به فلا يمتنع أن يكون مأمورا وهذا عرى عن التحصيل فإن المعنى بكون المعدوم مأمورا به أن المخاطب اقتضى منه أن يوقع ما ليس واقعا وهذا لامتناع فيه بل هو مقصود الآمر فأما تقدير تعليق الأمر بالمعدوم وتوجيه الطلبة عليه فلا يضاهي ما تمسك به هذا القائل من تقدير كون المأمور به غير محصل عند توجيه الطلب به فقد سقط المسلكان.
183- فإن قيل: فما الذي ترونه؟ قلنا: نذكر طريقة للشيخ على أقصى الإمكان ثم ننبه على غائلة هائلة ونحيل التقصي عنها على فن الكلام.
فالذي ذكر الشيخ رحمه الله أنه لا يمتنع قيام الأمر منا بالنفس مع غيبة المأمور فإن المزمع على أمر غائب يجد في نفسه الأمر على حقيقته وجدان العلم والإرادة وسائر معاني النفس ثم إذا شهد المأمور ارتبط [به الأمر] عند بلوغه إياه وإذا لم يمتنع ذلك في كلامنا فهو المعنى بثبوت الأمر أزلا.
184- ثم قال شيخنا رحمه الله: المعدوم مأمور على تقدير الوجود وليس هو على حكم المأمورين ناجزا والعدم مستمر وغرض المسألة إثبات الأمر أزلا من غير مأمور ولا محاولة إثبات المنتفي مأمورا مع استمرار العدم.
وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة إذ قالوا: لو كان الكلام أزليا لكان أمرا ولو كان أمرا لتعلق بالمخاطب في عدمه فإذا بينا أنه لا يمتنع ثبوت الأمر من غير ارتباط بمخاطب فقد اندفع السؤال فال الأمر إلى أن المعدوم مأمور على شرط الوجود وهذا منتهى مذهب الشيخ رضي الله عنه.
185- فأقول: إن ظن ظان أن المعدوم مأمور فقد خرج عن حد المعقول وقول القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس فإنه إذا وجد ليس معدوما ولا شك أن الوجود شرط في كون المأمور مأمورا.
وإذا لاح لك بقي النظر في [أمر بلا مأمور] وهذا معضل الأرب فإن الأمر من الصفات المتعلقة بالنفس وفرض متعلق له محال والذي ذكره في قيام الأمر بنا في غيبة المأمور فهو تمويه ولا أرى ذلك أمرا حاقا وإنما هو فرض تقدير وما أرى الأمر لو كان كيف يكون وإذا حضر المخاطب قام بالنفس الأمر الحاق المتعلق به والكلام الأزلي ليس تقديرا فهذا مما نستخير الله تعالى فيه وإن ساعف الزمان أملينا.
(1/92)

مجموعا من الكلام ما فيه شفاء الغليل إن شاء الله تعالى.
مسألة:
186- ذهب الأصوليون من أصحاب الشيخ أبي الحسن رضي الله عنه إلى أن الفعل في حال الحدوث مأمور به ونقلوا عن المعتزلة خلافهم في ذلك ومصيرهم إلى أن الحادث لا يتصف بكونه مأمورا به في حال الحدوث وبنى المشايخ هذه المسألة على الإستطاعة وتعلقها بالفعل حالة الحدوث [وزعموا على أن الحادث يتصف بكونه مقدورا عليه في حال الحدوث] وزعموا [أيضا] أنا من حيث نعتقد كون الحادث مقدورا بالقدرة الحادثة متعلقا للاستطاعة نحكم على مقتضى ذلك بكونه مأمورا به إذا ثبت الأمر فيه.
والمعتزلة بنت على أصلها [في] استحالة تعلق الأمر بالحادث من حيث قالوا [الحادث] ليس متعلقا للقدرة كالباقي المستمر الوجود وما لا يكون مقدورا لا يكون مأمورا به.
ومذهب شيخنا رحمه الله أن القدرة الحادثة تقارن حدوث المقدور ولا تسبقه وليس امتناع [تقدمها] متلقى من قضايا القدرة فإن القدرة الأزلية متقدمة على الحوادث لا محالة وإنما امتنع تقدم القدرة الحادثة على رأى أبي الحسن رحمه الله من جهة اعتقاده استحالة بقائها وهذا مطرد عنده في الأعراض أجمع ولو تقدمت القدرة لعدمت عند حدوث المقدور فلا يكون المقدور متعلقا للقدرة وذلك مستحيل عنده فكان اشتراطه اقتران القدرة الحادثة بالمقدور مأخوذا مما نبهت عليه من أصله.
ومذهب أبي الحسن رحمه الله مختبط عندي في هذه المسألة فأما مصيره إلى تعلق القدرة الحادثة بالحادث في حال حدوثه فلست ألتزم الان ذكر مباحثني عنه ولكن أكشف السر في مقصود المسألة وأضمنه رمزا ليستقل به المستفل البصير فيما هو المختار الحق ولتقع البداية أولا بغرض المسألة فأقول:
187- أولا: لا حاصل لتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي الحسن رحمه الله فإن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام وقد قدرة له على القيام عند أبي الحسن [في حالة القعود] فكيف يستتب له تلقى حكم تعلق الأمر من تعلق القدرة ومن لا قدرة له أصلا مأمور عنده ثم لو تنزلنا على حكمه في.
(1/93)

المصير إلى أن الحادث مقدور فيستحيل مع ذلك كونه مأمورا به فإن اقتران القدرة بالحادث معناه أنه بها وقع وهي في اقتضائها له نازلة معه منزلة العلة المقترنة بالمعلول الموجبة على رأى من يثبت العلة والمعلول فهذا وجه هذه المسألة إن اتجه.
وإن تفطن ذكى لوجه الحق خطر له في معارضة ذلك أن القدرة لا توجب المقدور لعينها إذ لو أوجبته لاستحال خلو القدرة عن المقدور وذلك يبطل إثبات القدرة الأزلية فإنها غير مقارنة للحوادث ولو فرض اقتران العالم بها لكان أزليا [والأزلي] يستحيل أن يكون مقدورا وفي خروجه عن كونه مقدورا سقوط القدرة فإن القدرة من غير مقدور محال.
ومن أنصف من نفسه علم أن معنى القدرة التمكن من الفعل وهذا إنما [يعقل] قبل الفعل وهو غير متخيل في واقع حادث في حالة الحدوث.
فلو سلم مسلم لأبي الحسن رحمه الله ما قاله في القدرة جدلا من تنزيل القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول وهيهات أن يكون الأمر كذلك "ولو" كان فلا يتحقق معه كون الحادث مأمورا به فإن الأمر طلب [و] اقتضاء وكيف يتصور أن يطلب كائن ويقتضى حاصل فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير.
نعم قد يقال في الحادث هذا هو الذي أمر المخاطب به فأما أن ينجزم القول في تعلق الأمر به طلبا واقتضاء مع حصوله فلا يرتضى هذا المذهب لنفسه عاقل.
مسألة.
188- ذهب أصحابنا إلى أن المخاطب إذا خص بالخطاب ووجه الأمر عليه أو كان مندرجا مع اخر تحت عموم الخطاب وهو في حالة اتصال الخطاب به مستجمع لشرائط المكلفين فهو يعلم كونه مأمورا قطعا.
189- ونقلوا عن المعتزلة مصيرها إلى أنه لا يعلم ذلك في أول وقت توجه الخطاب عليه ما لم يمض زمان الإمكان ومتعلقهم فيه أنه غير عالم ببقاء الإمكان له إلى وقت انقراض زمان يسمع الفعل المأمور به والإمكان شرط التكليف والجاهل بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة.
190- وسلك القاضي رحمه الله مسلكين: يتضمن أحدهما التشغيب.
(1/94)

المحض وذلك أنه قال أجمع المسلمون قاطبة قبل أن أظهر المعتزلة هذا الرأي [على] أن المكلفين على علم بكونهم مأمورين ومن أبى ذلك والتزم إطلاق القول بأنه ليس على البسيطة من يعلم كونه مأمورا فقد باهت الشريعة وراغم أهل الإجماع.
وهذا الذي ذكره رضي الله عنه تهويل لا تحصيل وراءه فإن إطلاقات الشرع لا تعرض على مأخذ الحقائق وإنما تحمل على حكم العرف والتفاهم الظاهر وهذا كإطلاق الشرع تحريم الخمر وإنما المحرم تناولها وكإطلاق المسلمين إضافة القتل إلى القاتل مع القطع بأن إزهاق الأرواح من الأشباح من مقدورات الإله سبحانه وتعالى:.
والمسلك الثاني للقاضي يلتفت إلى أصله في النسخ فإن من مذهبه أن الحكم يثبت قطعا ثم يرفع بعد ثبوته بالنسخ فقال بانيا على ذلك إذا توجه الأمر على المخاطب ثم فرض موته أول زمان إمكانه فقد تحقق حكم الخطاب أولا قطعا فإن انقطع الإمكان انقطع بانقطاعه ما كان ثبت قطعا كما نبهنا عليه في النسخ.
وهذا عندي في نهاية السقوط فإن القاضي يسلم أن الإمكان شرط توجه الأمر ولا يؤمر إلا متمكن فإذا تبين بعد تقرير اتصال الأمر زوال التمكن فكيف يعتقد ثبوت التكليف وقد بان آخر أن لا إمكان ولا وجه إذا بان ذلك إلا الإطلاق بأنا تبينا أن الأمر لم يكن متوجها فلا يتوجه القطع بتوجه أمر تكليف إلا مع القطع بالإمكان أو مع اعتقاد التكليف من غير إمكان وهذه قسمة بديهية لا يتصور مزيد عليها.
191- فقد خرج عن المباحثة أن المختار ما عزى إلى المعتزلة في ذلك.
وأما النسخ فسنأتي فيه بالعجائب والآيات إن شاء الله تعالى.
وقد نجز بنجاز هذه المسألة أحكام الأوامر الكلية ونحن الآن نأخذ في النواهي إن شاء الله تعالى.
(1/95)

باب القول في النواهي
مدخل
...
باب القول في النواهي.
192- النهي قسم من أقسام الكلام القائم بالنفس وهو في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة الأمر في اقتضاء به والقول في صيغته كالقول في صيغة الأمر.
ثم الواقفية على معتقدهم في الوقف إذا قال القائل لا تفعل والرد عليهم كما سبق.
193- والمختار الحق: أن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في الانكفاف عن المنهى عنه كما قدمناه في الأمر إذا قلنا إن الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به.
ونحن نرسم الآن ما يخص النهي ومقتضاه إن شاء الله تعالى.
مسألة.
194- ذهب المحققون إلى أن الصيغة المطلقة في النهي تتضمن فساد المنهى عنه وخالف في ذلك كثير من المعتزلة وبعض أصحاب أبي حنيفة1.
195- وهذه المسألة لا يظهر مقصودها إلا بتقديم القول في الصلاة في الدار المغصوبة.
فالذي صار إليه جماهير الفقهاء أنها مجزئة صحيحة.
وذهب أبو هاشم2 وأتباعه إلى أنها فاسدة غير مجزئة والأمر بالصلاة مستمر على من أتى بصورة الصلاة في الدار المغصوبة وعزى هذا المذهب إلى طوائف من سلف الفقهاء وقيل إنه رواية عن مالك بن أنس رضي الله عنه.
وأما القاضي أبو بكر رضي الله عنه فإنه قال: ليست الصلاة المقامة في الدار المغصوبة طاعة ولكن الأمر بالصلاة يرتفع وينقطع بها.
ونحن نبدأ بذكر متعلق ابن الجبائي ونذكر اختباط الناس في محاولة الانفصال عنه ثم نوضح المرتضى عندنا مستعينين بالله تعالى.
196- قال أبو هاشم الصلاة فيها أكوان فإذا وقعت في الدار المغصوبة فهي معصية إذ الكون في البقعة المغصوبة محرم منهي عنه والأكوان التي تقع في الصلاة مأمور بها ويستحيل وقوع الشيء الواحد مأمورا به منهيا عنه فلا شك أنه لا يتعدد.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبق.
(1/96)

الكون بفرض الصلاة حتى يقدر كونان أحدهما من الصلاة وهو مأمور به والثاني غصب وهذا باطل لا مراء فيه ولو هذى هاذ بتقدير كونين فالذي يعد من الصلاة [منهما] واقع في البقعة المغصوبة فيجب القضاء بكونه غصبا منهيا عنه وإذا تبين كونه منهيا عنه [واستحال وقوع المنهى عنه] مأمورا به فيبقى الأمر على المخاطب به إلى أن يرتسمه وقد تكلم المعترضون على ما ذكر من وجوه نشير إلى عيونها ونوضح بطلانها ثم نعقبها بما نراه ونرضاه.
197- فمن وجوه كلامهم معارضته بمسائل مع تقدير تسليمه لها وهو لا يسلم شيئا منها فقيل له: من تعين عليه قضاء دين والطلب به متوجه عليه وهو متمكن من الأداء فيحرم بالصلاة فإنها تصح وإن كان مكثه في مكانه تركا لحركاته الواجبة عليه في جهة السعي في أداء الدين.
وأبو هاشم لا يسلم ذلك ولا أمثاله وليس هو ممن تزعه التهاويل.
198- ومما ألزمه القاضي رضي الله عنه من هذا الفن أنه قال: المصلى في حال غفلاته ليس قائما بحقيقة العبادة وما يجري من أركان الصلاة في استمرار الغفلة معتد به وإن كان المأمور به عبادة وهذا وإن كان أوقع مما ذكره غيره فلست أراه لازما أصلا فإن الأمة مجمعة على أنه لا يجب إيقاع أركان الصلاة على حقائق العبادات وإنما تكفى النية المقترنة بالعقد وينسحب حكمها وإن عزبت في نفسها [على] الصلاة وهذا بعينه جار في الإيمان فلا يجب على المرء إيقاع المعرفة على حقائق العبادات إذ ما وجبت المعرفة إلا مرة واحدة ثم يستمر حكمها ما لم يطرأ ضد خاص للمعرفة فإذا لم يقع الأمر بإيقاع الأركان على حقيقة العبادة.
199- وإنما غائلة كلام أبي هاشم في إثباته كون الصلاة معصية والمعصية لا تقع مأمورا بها على جهة حقيقة العبادة ولا على جهة أخرى فإن الأمر بالشيء والنهي عنه يتناقضان ولا بعد في الاكتفاء بصور الأفعال وإن لم يقترن بها حضور الذهن وشهود النية.
200- فإن قال قائل: أجمع المسلمون على تسمية الصلاة عبادة بجملتها قلنا نعم هذا من الإطلاقات المتجوز بها ومعظم ما يطلق من أمثالها يغلب التجوز عليه وقد سبق منا في مواضع أن الحقائق ليست معروضة على أطلاقات الشرع وليست هي محمولة على حكم الحقائق فهذا فن من كلام المعترضين.
(1/97)

201- فأما القاضي رضي الله عنه فقد سلك مسلكا آخر فقال أسلم أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تقع مأمورا بها ولكن يسقط التكليف بالصلاة عندها كما يسقط التكليف بأعذار تطرأ كالجنون وغيره.
وهذا حائد عندي عن التحصيل غير لائق بمنصب هذا الرجل الخطير فإن الأعذار التي ينقطع الخطاب بها محصورة فالمصير إلى سقوط الأمر عن متمكن من الامتثال ابتداء ودواما بسبب معصية لابسها لا أصل له في الشريعة.
ثم غاية القاضي رضي الله عنه في مسلكه هذا ادعاء الإجماع على سقوط الأمر عمن يقيم الصلاة في البقعة المغصوبة ثم أخذ يطول دعواه في ذلك ويعرضها قائلا لم تأمر أئمة السلف رضي الله عنهم الغصاب بإعادة الصلاة التي أقاموها في الأرض المغصوبة والذي ادعاه من الإجماع لا يسلم فقد كان في السلف متعمقون في التقوى يأمرون بالقضاء بدون ما فرضه القاضي رحمه الله وتقدير الإجماع مع ظهور خلاف السلف عسر ثم إن صح عنهم ما ذكروه فكما نقل عنهم سقوط الأمر نقل عنهم أن الموقع صلاة مأمور بها فلئن كان يعتصم على الخصم بالإجماع فلا ينبغي أن يجريه في عين ما ينقله ولعل من ادعى الإجماع في أن الصلاة المجزئة ليست معصية أسعد حالا في دعوى الإجماع ممن يدعى وفاق الماضين على أسقاط الأمر بسبب معصية.
202- فإذا لاح بطلان هذه الوجوه فقد جاز أن نذكر طريقة التحقيق ونبوح بالسر والغرض فنسلم أن الأكوان التي بنى الخصم الكلام عليها معصية من جهة وقوعها غصبا وندعى وراء ذلك أنه مأمور بها من جهة أخرى وليس ذلك ممتنعا بل هو الحق وقد أجرى الفقهاء هذه الألفاظ ولم يستقلوا بإيضاحها.
ونحن نقول ليس تحيز مكان مخصوص من مقصود الصلاة ولم يثبت ذلك من خصائص شرائط الصلاة والقول في ذلك يلوح بضرب مثال.
فإذا قال القائل لعبده: خط هذا الثوب [أو] لا تقعد اليوم ثم قال له لا تدخل داري هذا اليوم فإذا عصاه وجاوز حكم نهيه وتعداه ودخل داره ولم يزل قائما كما أمره أو خاط الثوب الذي رسم خياطته فلاشك أنه يعد ممتثلا في الخياطة وإن عصاه بدخول الدار فإنه في أمره بالخياطة لم يشترط عليه لزوم بقعة مخصوصة ولذلك يحسن من العبد أن يقول إن عصيتك بدخول الدار لم أعصك.
(1/98)

فيما أمرتني به من إدامة القيام طول النهار ولا يشك ذو عقل أن دوام القيام الذي اتصل الأمر به مرسلا في الدار التي نهى السيد عن دخولها في كونه امتثالا للأمر كالقيام الذي يفرض في غير تلك الدار التي نهاه السيد عنها وذلك يئول إلى اتباع المقصود لكل ذي أمر والفعل وإن اتحد فقد تعدد صوب قصد الامر والناهي فلم يبعد وصفه بكونه مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن الفعل لا يكتسب من كونه متعلقا للأمر والنهى صفة وإنما معني كونه مأمورا به [أنه] المقول فيه افعل ومعنى كونه منهيا عنه تعلق النهي به ثم لا يمتنع فرض قولين أحدهما على الإطلاق ولا تقييد له بحال والثاني على وجه آخر [نعم] النهي عن الشيء مقصودا والأمر به مقصودا ممتنع.
203- وما ذكرناه وما لم نذكره نضبطه الآن بأقسام ثلاثة فنقول:
إذا ورد أمر بشيء على وجه فلا يجامعه النهي عنه على ذلك الوجه بل هما يتعاقبان ويتناقضان فهذا قسم.
والقسم الثاني: أن يفرض أمر مطلق يتبين منه أن مقصود الامر تحصيله ثم يفرض نهى عن إيقاع ذلك المأمور السابق على وجه مع التعرض في النهي [للأمر] قصدا إليه فما كان كذلك فالنهي يقتضي إلحاق شرط بالمأمور حتى إذا فرض وقوعه على مراغمة النهي فإنه يقال فيه: إنه ليس امتثالا ويلتحق تقدير الإجزاء فيه مع تجريد القصد إلى النهي بالقسم الأول.
والقسم الثالث: أن يجري الأمر مطلقا ويتبين أن الغرض إيقاع المأمور به من غير تخصيص بحال ومكان ثم يرد نهى مطلق عن كون في مكان من غير تخصيص له بموجب الأمر الأول فيقع النهي مسترسلا لا تعلق له بمقصود [الأمر ويبقى الأمر مسترسلا لا تعلق له بمقصود] النهي فإذا انقطع ارتباط أحدهما بالآخر ووقع الفعل على حسب الأمر مخالفا للنهي قيل فيه إنه وقع مقصودا للأمر المطلق منهيا عنه بالنهي المؤخر فلا يمتنع والحالة هذه اجتماع الحكمين وينزل هذا منزلة [تعدد] الامر والناهي وهذا في غاية الوضوح.
فإذا انساق ما ذكرناه انعطفنا علة القول في الصلاة في الدار المغصوبة وقلنا: لم يثبت النهي عن الكون في الدار المغصوبة في وضع الشرع متعلقا بمقصود الصلاة فاسترسل النهي منقطعا عن اغراض الصلاة وبقيت الصلاة على حكمها فإن صح نهى مقصود عن الصلاة في الدار المغصوبة فلا.
(1/99)

تصح كما لا [تصح] صلاة المحدث لما صح نهيه عن الصلاة مع الحدث فهذا تمام المقصود في المقدمة الموعودة.
204- ونحن الآن نرجع مآل الكلام إلى القول [في أن النهي هل يدل] على الفساد.
أما من صار من المعتزلة والفقهاء إلى أن صيغة النهى لا تدل على الفساد فمتعلقهم إجزاء الصلاة في الدار المغصوبة وفيما قدمناه الآن مقنع في درء هذا الكلام.
فنقول ما صح النهي عنه مقصودا في غرض [النهي] فهم لا يخلون فيه إما أن يقولوا النهي لا يقتضي التحريم أو يسلموا اقتضاءه له فإن زعموا أنه لا يقتضيه أثبتنا ذلك عليهم بما أثبتنا به اقتضاء صيغة الأمر الطلب الجازم على أن النهي لو تقيد بالتحريم فهو عند هؤلاء لا يتضمن الفساد ومنع الإجزاء فلا معنى لربط الأمر بالمنع والتسليم في ذلك فإذا تبين أن المنهى عنه محرم في مقصود الآمر فيستحيل أن يكون موافقا [للأمر] والمعنى بالفاسد ما يقع حائدا عن موجب الامتثال على ما سنذكر حد الصحيح والفاسد فإذا النهي الخاص المختص بغرض الآمر يتضمن فساد المنهى عنه واستمرار الأمر بعده.
والصلاة في الدار المغصوبة قد تقرر أمرها ووضح انفصال مسألتنا عنها وفي هذا بلاغ كامل.
مسألة:
205- مما يتعلق بالمناهي الرد على الكعبي في مصيره إلى أنه لا مباح في الشريعة وبني ذلك على أن كل فعل يشار إليه فهو في عينه ترك لمحظور وترك المحظور واجب فلا شيء على هذا إلا ويقع واجبا من جهة وقوعه تركا لمحظور وإن قيل تارك الزنا بالقعود كتاركه بالقيام فليس يمتنع فرض واجب غير معين من أشياء وتعيينه إلى خيرة المخاطب.
وسبيل مكالمته ينبني على ما تنجز الفراغ منه الآن وقد مضى في الأوامر إذ تكلمنا في أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن أضداد المأمور به بما يكشف المقصود في ذلك.
(1/100)

وحاصل القول في هذه المسالك رد الأمر إلى القصد والغرض من النهي عن الزنا ألا يكون الزنا لا أن يكون ضد من أضداده فالمباحات مقصودة منتحاه بقصد الإباحة وليست مقصودة بالإيجاب وما عندنا أن الكعبي ينكر ذلك ونحن لا ننكر أن المباحات تقع ذرائع إلى الانكفاف عن المحظورات.
والذي يوضح ما نحاول: أن الزنا محظور لنفسه وهو ترك للقتل فليكن محظورا من حيث إنه زنا واجبا من حيث إنه ترك للقتل ومن لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة ثم إنكار الإباحة هجوم عظيم على الإجماع فإن الكعبي ورهطه مسبوقون بإجماع الأمة على الإباحة ووجهه ما ذكرناه آنفا.
مسألة:
206- المكروه لا يدخل تحت الأمر المطلق عند المحققين وإن لم يكن محرما وسيأتي الكلام على معنى نهى الكراهية.
وذهب ذاهبون من الفقهاء [إلى] أنه داخل تحت الأمر والدليل على ما ارتضاه المحققون أن الأمر طلب واقتضاء والمكروه ليس مطلوبا ولا مقتضى فكيف يقع امتثالا للاقتضاء؟ مع تحقيق المنع عنه فضلا عن الاقتضاء والمباح لا يقع مأمورا به لأن من حقيقته التخير فيه فإذا لم يدخل المباح تحت الأمر فكيف يندرج تحت [قضيته] المزجور عنه؟
وهذه المسألة مثلها الأئمة بالترتيب في الوضوء وقالوا الأمر بالوضوء عند القيام جازم محمول على الإيجاب والاقتضاء البات والوضوء المنكس عند من لا يرى الترتيب مستحقا مكروه فلا يدخل تحت مقتضى الأمر فيبقى الأمر متوجها إلى وقوع امتثال مقتضى مطلوب.
هذا منتهى كلام الأصحاب في ذلك.
207- والذي أراه أن ما ذكروه إن لم يصدر عن رأى مخمر فلا حاصل له وإن صدر هذا القول عن ذي بصيرة فهو تلبيس ووجه الكشف فيه أنا لا ننكر وقوع الشيء مجزيا مسقطا فرض الامتثال المحتوم وإن كان وقوعه على حكم الكراهية ومن [تتبع] قواعد الشريعة ألفى من ذلك أمثلة تفوق الحصر فلا يمتنع إذا.
(1/101)

اجتماع الإجزاء مع الحكم بالكراهية.
وإن ادعى من يرى الترتيب واجبا أن المكروه ليس بامتثال وملابسه ليس ممتثلا فنتيجة كلامه أن الأمر الجازم باق بعد الوضوء المنكس وإذا كان كذلك فالترتيب بحكم الخطاب والإيجاب مستحق.
فإذا استثمر اللبيب هذا الكلام كان مغزاه إثبات وجوب الشيء من حيث ثبت على مذهب الخصم كراهيته وهذا من فن العبث وكيف يطمع المحصل في إفضاء هذا الكلام إلى التحقيق مع اعترافه بأن المكروه لا يمتنع أن يقع امتثالا.
فإذا بلغت المباحثة منتهاها فالوجه عندي في هذه المسألة ردها إلى مأخذ الكلام في الصلاة في الدار المغصوبة فليفرض الأمر مطلقا عاما شاملا للمنكس والمرتب وإن لم يظهر في الآية ما يشعر بالترتيب لم يحمل نهي الكراهية عند القائل به على كراهة لا [تتعرض] لمقصود الأمر وإنما [تتلقى] من مأخذ آخر وقد تقرر هذا الفن مرددا في مسائل.
ثم الذي حمل من لا يشترط الترتيب على تسليم الكراهية وقوع الوضوء على خلاف ما عرف وألف من عادة السلف الصالح رضي الله عنهم أو وقوعه على وجه يخالف في صحته طوائف من حملة الشريعة من غير عذر ولا عسر في ارتياد الموافقة.
مسألة:
208- من توسط أرضا مغصوبة على علم فهو متعد مأمور بالخروج عن الأرض المغصوبة ثم الذي ذهب إليه أئمتنا أجمعون أنه إذا استفتح الخروج واشتد في أقرب المسالك وأخذ فيه على مبلغ الجهد فليس هو مع التشمير واجتناب التقصير ملابسا عدوانا بل هو منسلك في سبيل الامتثال.
209- وقال أبو هاشم هو إلى الانفصال عاص وقد عظم النكر عليه من جهة أن من فيه الكلام ليس يألو جهدا في الامتثال فإذا كانت حركاته امتثالا استحال أن تكون محتسبة عليه عدوانا.
وهذا المسلك ناء عن طريق القول في الصلاة في الدار المغصوبة فإن العدوان في تلك المسألة غير مختص بالصلاة وحكمها فانفصل غرض الصلاة عن مقتضى النهي عن الغصب كما سبق مقررا والأمر بالخروج فيما نحن فيه مدفوعون إليه مماس.
(1/102)

للعدوان على حكم المضادة فكان الحكم للخارج بملابسة الامتثال في جهة ترك العدوان مناقضا لاستصحاب حكم العدوان عليه وهذا يلزم أبا هاشم جدا من حيث إنه جعل أكوان الغاصب خارجة عن وقوعها طاعة في جهة الصلاة ورأى تقرير ذلك مناقضا فكيف يحكم على الخارج بالامتثال مع استمرار حكم العدوان عليه.
210- والذي هو الحق عندي أن القول في ذلك معروض على مسألة من أحكام المظالم وهو أن من غصب مالا وغاب به ثم ندم على ما تقدم وثاب واسترجع وآب وأتى بتوبته على شرطها فالذي ذهب إليه المحصلون أن سقوط ما يتعلق بحق الله تعالى يتنجز إما مقطوعا به على رأى وإما مظنونا على رأى وأما ما يتعلق بمظلمة الآدميين فالتوبة لا تبرئ منه ولست أعني به الغرم وإنما أعني به الطلبة الحاقة في [القيامة] .
فأما المغارم فقد ثبتت من غير انتساب إلى المآثم كالذي يجب على الطفل بسبب ماجنى وأتلف.
والسبب في بقاء المظلمة مع حقيقة الندم وتصميم العزم على استفراغ كنه الوسع في محاولة الخروج عن حق الآدمي أن الذي تورط فيما تندم عليه [الآن هو مضطر إلى الخروج كالمضطر إلى الميتة فيحل له ذلك كالميتة] ولا ينجيه الندم ما لم يخرج عما خاض فيه.
211- فإذا وضح ذلك انعطفنا على غرض المسألة قائلين من تخطى أرضا مغصوبة نظر فإن اعتمد ذلك متعديا فهو مأمور بالخروج وليس خارجا عن العدوان والمظلمة لأنه كائن في البقعة المغصوبة والمعصية مستمرة وإن كان في حركاته في صوب الخروج متمثلا للأمر وهذا يلتفت إلى مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإنها تقع امتثالا من وجه وعصيانا واعتداء من وجه فكذلك الذاهب إلى صوب الخروج ممتثل من وجه عاص لبقائه من وجه.
فإن قيل: إدامة حكم العصيان عليه يتلقى من ارتكابه نهيا والإمكان معتبر في المنهيات اعتباره في المأمورات فكيف الوجه في إدامة معصيته فيما لا يدخل في وسعه الخلاص منه قلنا تسببه إلى ما تورط فيه آخرا سبب معصيته فليس هو عندنا منهيا عن الكون في هذه الأرض مع بذله المجهود في الخروج منها ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النهي عنه وهذا تمام البيان في ذلك.
(1/103)

212- ويظهر الغرض منه بمسألة ألقاها أبو هاشم حارت فيها عقول الفقهاء وأنا أذكرها وأوضح ما فيها.
وهي: أن من توسط جمعا من الجرحى وجثم على صدر واحد منهم وعلم أنه لو بقي على ما هو عليه لهلك من تحته ولو انتقل عنه لم يجد موقع قدم إلا بدن آخر وفي انتقاله إهلاك المتنقل إليه فكيف حكم الله تعالى وما الوجه؟
وهذه مسألة لم أتحصل من قول الفقهاء فيها على ثبت والوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله تعالى وغضبه عليه أما وجه سقوط التكليف فلأنه يستحيل تكليفه ما لا يطيقه ووجه استمرار حكم العصيان عليه تسببه إلى ما لا مخلص له منه.
ولو فرض إلقاء رجل رجلا على صدر واحد كما سبق الفرض والتصوير بحيث لا ينسب الواقع إلى اختيار ذلك فلا تكليف عليه ولا عصيان.
ومما أخرجه على ذلك: أن من خالط أهله في نحر السحر قاصدا إيقاع ذلك الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بمطلعه الانكفاف والنزع وهذا القصد عسر التصور مع غموض مدرك أوائل الفجر فإن تصور ثم نزع المواقع مع أول الفجر فالذي أراه أنه يفسد صومه من جهة أنه تسبب إلى وضع المخالطة في مقارنة الفجر وإن كان منكفا وإن خالط أهله ظانا أنه في مهل من بقية الليل ثم طلع الفجر فابتدر النزع فلا يفسد والحالة هذه صومه فهذا منتهى الغرض من المسألة والفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل ويحكمون بأن النازع لا يفطر وإن قصد وتعمد كما فرضناه من جهة أنه نازع مع أول الفجر تاركا للعمل وهذا ليس بالمرضى.
مسألة:
213- السجود بين يدي الصنم مع قصد التقرب به إليه محرم منهي عنه على مذهب علماء الشريعة. ونقل عن أبي هاشم أنه لا يرى تحريم السجود ويقول إنما المحرم القصد وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنها فالذي ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور المحرم القصد وهذا يوجب أن لا يقع السجود طاعة من جهة تصور وقوعه مقصودا على وجه التقرب إلى الصنم ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربا وهذا خروج عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورا به مع قصد منهيا عنه مع نقيضه.
(1/104)

مسألة:
214- إذا اتصلت صيغة "لا" في النفى بجنس من الأجناس فقد اضطرب فيها رأى أصحاب الأصول مثل قوله عليه السلام:1 "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل", ومذاهبهم يحصرها فنان من الكلام.
أحدهما: أن اللفظة مجملة والثاني أنها ليست بمجملة فأما الصائرون إلى دعوى الإجمال فقد اختلفوا في جهة الإجمال فصار صائرون إلى أنها مجملة من جهة أن اللفظة بظاهرها متضمنة انتفاء الجنس وقوعا ووجودا وليس الأمر كذلك فاقتضى هذا وقفا وإلحاقا للفظة بالمجملات وهذا باطل من وجهين أحدهما أنا على قطع نعلم أن رسول الله عليه السلام إذا تعرض لأحكام الشرائع لم يرم إلا بيان الحكم وتأسيس الشرع وتبيين جهات التعبد وهذا مقطوع به ومن ظن غير ذلك فإنما يغالط نفسه فهذا وجه والوجه الثاني أن الصوم لفظ شرعي [عام] في عرف الشرع والذي نفاه الشارع صلى الله عليه وسلم الصوم الشرعي لا الإمساك الحسي وينقدح أيضا في الرد على هؤلاء أنا إذا تحققنا وقوع الجنس الذي ذكروه فقد اضطررنا إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرده فإن خبره [لا] يقع على خلاف مخبره فيتبين إذا والحالة هذه استبانة خروج [ذلك] اللفظ عن مسالك الاحتمال ورد معنى اللفظ إلى الحكم.
فإن قال قائل: هذا مشكل في صدق الرواة قلنا المسألة في اللفظ جارية كقوله سبحانه وتعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} 2 وغيره.
وذهب نازلون عن هذه المرتبة إلى صرف دعوى الإجمال إلى تردد اللفظ بين نفي الجواز ونفي الكمال وهذا اختيار القاضي أبي بكر3 رضي الله عنه وهو مردود عندي فإن اللفظ ظاهر في نفي الجواز خفي جدا في نفي الكمال فإن الذي ليس بكامل صوم والرسول عليه السلام تعرض لنفي الصوم.
215- فمذهبنا المختار: أن اللفظ ظاهر في نفي الجواز مجاز في نفي الكمال على ما سنوضح مراتب التأويلات ومناصبها في كتاب التأويلات إن شاء الله.
__________
1 رواه لأبو داود "2454" والنسائي: ب "68" والدارمي في الصوم: ب "10".
2 آية "256" سورة البقرة.
3 سبقت ترجمته.
(1/105)

216 - وذهب جمهور الفقهاء إلى أن اللفظة عامة تتناول نفي [الوجود] ونفي الحكم ثم تبين أن الوجود غير مراد فكان ذلك تخصيصا بمسلك الحس وقضية العقل وهذا وإن هذي به الفقهاء ركيك فإن اللفظ إنما يعم مسميين يتصور اجتماعهما وإذا فرض نفي الوجود فكيف يفهم معه نفى في بقاء الحكم؟.
وذهب ذاهبون من الفقهاء إلى أن الوجود غير معنى بالنفي ولكن اللفظ عام في نفي الجواز والكمال وهذا يسقط بالمنهاج المقدم فإن الجواز إذا انتفى لم يعقل معه نفى كمال ومن ضرورة نفي الكمال ثبوت الجواز فقد بطلت دعوى الإجمال في اللفظة ودعوى العموم.
واستبان ظهور اللفظ في نفي الجواز وكونه مؤولا في نفي الكمال.
(1/106)

فصل: في معنى الأحكام الشرعية.
217- قد اشتمل ما جرى من الأوامر والنواهي على ذكر الوجوب والحظر والندب والكراهية والإباحة ونحن نذكر الآن حقيقة كل حكم من هذه الأحكام في مقتضى الشرع.
فأما الواجب فقد قال قائلون: الواجب الشرعي هو الذي يستحق المكلف العقاب على تركه وهذا بعيد عن مذهب أهل الحق في الثواب والعقاب فإنا لا نرى على الله تعالى استحقاقا والرب تعالى يعذب من يشاء وينعم من يشاء وإن صدر هذا الرسم من المعتزلة فهو يلائم أصلهم ولكنه منقوض عليهم بالصغائر مع اجتناب الكبائر فإن من معتقدهم إنها تقع من فاعلها مكفرة وإن كانت محرمة ويفرض من قبيل المأمورات ما هو كالصغائر من فن المحظورات ثم لا يستحق تارك تلك المأمورات عقابا مع المحافظة على جلة المأمورات وإن كانت واجبا فقد ظهر بطلان هذا الحد.
وقال قائلون: الواجب ما توعد الله تعالى على تركه بالعقاب وهذا القائل ظن أنه لما ترك لفظ الاستحقاق فقد أتى بالحد المرضى وليس الأمر كذلك فكم من تارك واجبا لا يعاقبه الله ولو كان معينا بالوعيد لحل به العقاب إذ لو لم يكن كذلك لكان [عين ذلك] الوعيد خلفا تعالى الله سبحانه [عن ذلك] .
(1/106)

وقال قائلون: الواجب ما يخاف المكلف العقاب على تركه وهذا ساقط أيضا منتقض بما يحسبه المرء واجبا فإنه يخاف العقاب على تركه وقد لا يكون كذلك.
218- والمرضى في معنى الواجب: أنه الفعل المقتضى من الشارع الذي يلام تاركه شرعا وإنما ذكرنا المقتضى من الشارع فإنه معنى الإيجاب ثم قيدناه باللوم لينفصل عن المندوب إليه ولا مراء في توجه اللوم ناجزا.
فإن قيل: من ترك شيئا لم يعلمه واجبا لا يلام وإن كان واجبا في علم الله تعالى قلنا: هذا مغالطة فلا تكليف على الغافل الناسي عندنا ولا وجوب على من لا يعلم الوجوب فهذا ما أردناه في معنى الواجب.
219- فأما معنى الندب فالمندوب إليه هو الفعل المقتضى شرعا من غير لوم على تركه.
مسألة:
220- اضطرب1 الأصوليون في معنى المكروه وسبب اضطرابهم [أنه] يستتب لهم أن يجعلوا نهى الكراهية في اقتضاء الانكفاف عن المنهى عنه بمثابة أمر الندب في اقتضاء الإقدام وذلك أنهم قالوا: استيعاب معظم الأزمان على حسب الإمكان بالنوافل مستحب غير محتوم وليس ترك ذلك مكروها ولو كان ما ندبنا إلى الانكفاف عنه مكروها للزم أن يقال ترك استيعاب وقت الإمكان [بالنوافل] مكروه فإذا لم [نقل] ذلك وعسر ضبط نهى الكراهية بما ضبط أمر الندب [به] فلذلك اضطرب العلماء بعد اليأس عن هذا المأخذ في معنى المكروه فذهب بعضهم إلى أن المكروه ما اختلف في حظره وهذا مزيف فإن الكراهية ثبتت وفاقا في بعض القضايا مع انعقاد الإجماع على نفي الحظر.
وقال شيخي أبو القاسم2 الإسكافي:3 المكروه ما يخاف العقاب على فعله.
__________
1 اضطرب: اختلف.
2 أبو القاسم الإسكافي هو: عبد الجبار بن علي بن محمد بن الإسفرايني تلميذ أبي إسحاق الإسفرايني صنف في أصول الدين وأصول الفقه والجل قال عبد الغافر في: "الذيل": كان شيخا جليلا من رءوس الفقهاء والمتكلمين مات سنة "452" له ترجمة في: طبقات الشافعية 1/55/77.
3 الإسكافي: بالسين المهملة والكاف بلدة من نواحي النهروان " طبقات الشافعية 1/55.
(1/107)

وهذه عثرة ظاهرة فإن حاصل ما ذكره يئول إلى أن المكروه ما خيف حظره وهذا بعينه هو الذي ذكرناه قبل هذا ورددنا عليه.
221- والحق المقطوع به عندي: أن نهى الكراهية في معنى أمر الندب فهو بالإضافة إلى الحظر كالندب بالإضافة إلى الإيجاب ولا يجوز أن يتخيل مرتبة القطع بانتفاء الحظر لاقتضاء الانكفاف إلا هذا والمستريب [في] هذا مضرب عن مدرك الحق.
222- فأما ما ذكرته في صدر المسألة وقدرته منشأ اضطراب المذاهب فسبيل الكشف عنه أنه لم يرد نهى مقصود عن ترك النوافل المستغرقة لأوقات الإمكان ولكن الانكفاف عن التروك في حكم الذريعة إلى الإقدام على النوافل وقد ذكرت في سر ما اخترته أن الأمر بالشيء لا يقتضي نهيا عن الضد مقصودا للآمر فنهى الكراهية إذا ما يرد مقصودا.
ثم المنهيات على حكم الكراهية على درجات كما أن المندوبات على رتب متفاوتات فليتأمل الناظر هذا التنبيه ولينظر كيف اختبطت المذاهب على العلماء لذهولهم عن قاعدة القصد وهي سر الأوامر والنواهي.
ثم الكراهية في أصل اللسان ضد الإرادة وليس المراد بها ذلك في هذا الفن بل هي لفظة مصطلح عليها عند الأصوليين فالمراد بها المنهى عنه قولا مرادا كان للرب تعالى أو مكروها.
223- فأما المحظور فهو ما زجر الشارع عنه ولام على الإقدام عليه والمكروه ما زجر عنه ولم يلم على الإقدام عليه.
224- وأما المباح فهو ما خير الشارع فيه بين الفعل والترك من غير اقتضاء ولا زجر.
(1/108)

فصل: يجمع محامل الصيغ التي يقال فيها صيغ الأمر.
225- أما المطلق منها فقد سبق الكلام في محمله وإنما تتعدد المحامل بالقيود ونحن نذكر منها جملا تشارف الاستيعاب إن شاء الله عز وجل.
(1/108)

فقد ترد الصيغة بمعنى الندب كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} 1 وترد بمعنى الإرشاد إلى الأحوط كقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 2 وهذا وإن كان ندبا فالمقصود منه التنبيه على الأحوط وترد بمعنى الدعاء كقوله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} 3 والدعاء استدعاؤك ما تحاول ممن هو فوقك وترد بمعنى التهديد كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} 4 وترد بمعنى التعجيز كقوله تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} 5 وترد إنذارا كقوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} 6 وترد بمعنى الإكرام كقوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} 7 وترد بمعنى الإهانة كقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} 8 وإنما حمل هذا على الإهانة وما قبله على الإكرام لأن الآخرة ليست دار طلب ورد بمعنى الإنعام كقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} 9 وهذا وإن كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر منه تذكير النعمة وترد بمعنى التسوية كقوله تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} 10 وترد بمعنى الإباحة كقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 11 وترد بمعنى التأديب والتمرين على حسن الأدب كقوله عليه السلام لعبد الله بن عباس وكان صغيرا "كل مما يليك" 12 وقد ترد بمعنى التمني ومنه قول القائل13:
"ألا أيها الليل الطويل ألا انجل"
وترد بمعنى التعجيز كقوله تعالى: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ} 14 وقوله تعالى: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً} 15 وترد بمعنى التحكيم والتفويض كقوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} 16.
ثم صيغ الأمر من جميع ما ذكرناه ما يقتضي الإيجاب وفيما يقتضي الندب خلاف كما تقدم والوجوه الباقية ليست من معاني الأمر.
__________
1 آية "33" سورة النور. ... 2 آية "2" سورة الطلاق.
3 آية "147" سورة آل عمران. ... 4 آية "40" سورة فصلت.
5 آية "65" سورة البقرة. ... 6 آية "30" إبراهيم.
7 آية "46" سورة الحجر. ... 8 آية "49" سورة الدخان.
9 آية "81" سورة طه. ... 10 آية "16" سورة الطور.
11 آية "2" سورة المائدة.
12 البخاري 7/88, ومسلم في الأشربة 108, وابن ماجه "3267" وأحمد 4/26", وابن أبي شيبة 8/104, والبيهقي 7/277.
13 هو امرؤ القيس. ... 14 آية "23" سورة البقرة.
15 آية "50" سورة الإسراء. ... 16 آية "72" سورة طه.
(1/109)

226- وأما صيغة النهي إذا تقيدت فإنها ترد على وجوه على مناقضة الأمر لا يعسر على الباحث طلبها ومطلقها للحظر والمقيد منها يرد على وجوه.
منها التنزية ومنها الوعيد ومنها الدعاء كقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} 1 ومنها الإرشاد كقوله تعالى: {لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ} 2 تسؤكم ومنها بيان العاقبة كقوله تعالى: َ {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ} 3 وترد بمعنى التحقير والتقليل كقوله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ} 4 وترد بمعنى إثبات اليأس كقوله تعالى: {لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ} 5.
__________
1 آية "8" سورة آل عمران.
2 آية "101" سورة المائدة.
3 آية "169" سورة آل عمران.
4 آية "88" سورة الحجر.
5 آية "7" سورة التحريم.
(1/110)

باب العموم والخصوص
مدخل
...
باب العموم والخصوص.
227- قال المحققون من أئمتنا لعام والخاص قولان قائمان بالنفس كالأمر والنهي والعبارات [تراجم عنهما] وأثبتوا ذلك في صدر هذا الكتاب إثباتهم الأمر المقتضى النفسي في مفتتح كتاب الأوامر ثم ردوا اهتمامهم إلىالقول في صيغة العموم وهذا الذي صدروا الكتاب به ليس بالهين عندي فإنا وجدنا اقتضاء نفسيا وطلبا مختلجا في الضمير لا يناقض كراهية وجود المقتضى على ما سبق ذلك متضحا فسمينا الطلب النفسي أمرا وأوضحنا من طريق اللسان تسمية العرب إياه كلاما فأما العموم والخصوص فما أراهما كذلك في الوضوح.
ويظهر أن يقال: [عموم] النفس علوم بمعلومات على جهات في الإرادة والكراهية أو غيرهما فأقصى ما يذكره في هذا أن كل ما يثبت العلم به ففي النفس حديث عنه منفصل عن العلم وهو الذي يسمى الفكر والعلم محيط بمعنى الجميع وفي النفس فكرته وحديث عنه فليعلم طالب هذا الشأن أن معظم ما يحسبه من لم يعظم حظه في الحقائق علما فهو فكر وهو المعنى بكلام النفس.
ومن دقيق ما يتعلق بمدارك العقول أن فكر النفس [متعلقة بالمعلومات] والمعتقدات ولا تتعلق النفس بالعلم الحق وهذا الآن [يتعلق] بالقول في النطق النفسي ولا مطمع في مفاتحته فضلا عن استقصائه.
ومهما ظن ذو الفكر أنه ناطق بالعلم فهو [متخيل] العلم معلوما منطوقا به وهذا هو الذي اختلج في عقول المتكلمين وطيش أحلامهم حتى اضطربوا في أن العلم بالشيء هل هو علم بأنه علم به وهذا الذي اختبطوا فيه اضطراب منهم في فكر النفس لا في العلم نفسه.
ونحن في الأحايين نرمز إلى تلويحات في هذا المجموع [لنتشوف] عند نجازه إلى العلوم الإلهية ونستحث على طلبها مسألة.
228- ونعود الان إلى المقصود اللائق بما نحن فيه ونقول: اختلف الأصوليون في صيغة العموم اختلافهم في صيغة الأمر والنهي [فنقل] مصنفو المقالات عن الشيخ.
(1/111)

أبي الحسن والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية وهذا النقل على هذا الإطلاق زلل فإن أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يفتني منهم أحد وإنما كرر هذا اللفظ قطعا لو هم من يحسبه خصوصا إلى غير ذلك وإنما أنكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بلفظ الجمع ووافق الملقب بالبرغوث من متكلمي المعتزلة وابن الراوندي الواقفية فيما نقل عنهم.
وذهبت طائفة يعرفون بأصحاب الخصوص إلى أن الصيغ الموضوعة للجمع نصوص في اقل الجمع مجملات فيما عداه إذا لم يثبت قرينة تقتضي تعديتها إلى أعلى الرتب.
[وأما الفقهاء فقد قال جماهيرهم الصيغ الموضوعة للجميع نصوص في الأقل] وظواهر فيما زاد عليه لا يزال اقتضاؤها في الأقل بمسالك التأويل وهي فيما عدا الأقل ظاهرة مؤولة.
229- والذي صح عندي من مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن لكانت نصا في الاستغراق وإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصصة.
230- ومما زل فيه الناقلون أنهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعية أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع بل تبقى على التردد وهذا وإن صح النقل فيه فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائل رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين فأما ألفاظ صريحة تفرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أن يتوقف فيها.
ثم نقل عن أبي الحسن مذهبان حسب ما مضى في صيغى الأمر أحدهما الحكم بكون اللفظ مشتركا بين الواحد اقتصارا عليه وبين أقل الجمع وما فوقه ونقل عنه أنه كان يقول لا أحكم بالاشتراك ولا أدرى للصيغ مجملا ولا مفصلا ولا مشتركا.
ومسالك حجاج الواقفية في هذه المسالة وطرق الجواب عنها كما تقدم في مسألة الأوامر فلا معنى لإعادتها.
231- والذي نحن نذكره الآن مسلك الحق وما هو المرتضى عندي فأقول.
(1/112)

والله المستعان: الألفاظ التي يتوقع اقتضاء العموم فيها منقسمة فمن أعلاها وأرفعها الأسماء التي تقع أدوات في الشرط وهي تنقسم إلى ظرف زمان [وإلى] ظرف مكان واسم مبهم يختص بمن يعقل كقولك من أتاني أكرمته واسم مبهم يختص [بما لا] يعقل في رأى ولا يختص بمن يعقل في رأى كوقوع ما شرطا.
وكل اسم وقع شرطا عم مقتضاه فإذا قلت من أتاني اقتضى كل آت من العقلاء وإذا قلت متى ما جئتني اقتضى كل زمان وإذا قلت حيثما رأيتني اقتضى كل مكان وما يقع منكرا منفيا فهو كذلك يتعين [أيضا] القطع بوضع العرب إياه للعموم كقولهم: لم أر رجلا.
صيغ الجموع:
232- وأما صيغ الجموع فلو قسمناها على مراسم صناعة النحو لأطلنا أنفاسنا لكنا نذكر مراسم على قدر مسيس الحاجة إليها [فالجمع] ينقسم إلى جمع سلامة وإلى جمع تكسير.
فأما جمع السلامة فهو الذي يسلم فيه بناء الواحد وهو ينقسم إلى جمع الذكور [وإلى] جمع الإناث فأما جمع الذكور فبزيادة واو قبلها ضمة ونون بعدها في محل الرفع وبزيادة ياء قبلها كسرة ونون [بعدها] في محل النصب والجر.
وأما الإناث فالاسم المؤنث ينقسم إلى اسم ليس في اخره عم للتأنيث وإلى اسم في آخره علم للتأنيث فأما ما ليس فيه علم للتأنيث فجمع السلامة فيه بزيادة ألف وتاء في الوصل والوقف بضمها في محل الرفع وبكسرها في محل الجر والنصب تقول جاءني الهندات ورأيت الهندات ومررت بالهندات وأما ما في آخره علم للتأنيث فينقسم إلى ما يكون هاء في الوقف وتاء في الوصل وإلى ما يكون ألفا ما يكون هاء [فإذا] حاولت الجمع فيه حذفت الهاء من الواحدة وزدت ألفا وتاء كما تقدم فتقول في مسلمة مسلمات.
وأما ما يكون علامة التأنيث فيه ألفا فينقسم إلى ألف ممدودة وإلى ألف مقصورة فأما إذا كانت الألف ممدودة كقولك في صحراء وخنفساء فتقلب الهمزة واوا وتزيد ألفا وتاء إذا لم يكن [المذكر منه] أفعل كقولك صحراوات وخنفساوات [تقلب الهمزة واوا] .
فأما إذا كان المذكر فيه أفعل فالعرب لا تنطق بجمع السلامة فيه بل تقول في.
(1/113)

الحمراء حمر ومن مشكل الحديث قوله صلى الله عليه وسلم1: "ليس في الخضراوات زكاة" والرسول عليه السلام لم يرد جمع الخضراء الذي مذكرها أخضر وإنما أجراها لقبا على نوع من الإتاء والدخل.
وأما ما ألفه مقصورة كالحبلى والسكري فجمع السلامة على الطرد فيها بانقلاب الألف ياء وزيادة الألف والتاء بعدها فتقول في حبلى حبليات وسكريات وغضبيات فهذه تراجم جمع السلامة.
233- فأما جمع التكسير فهو الذي نكسر فيه بناء الواحد ثم قد يكون ذلك بزيادة حرف كثوب وثياب وكلب وكلاب وقد يكون بنقصان حرف كرغيف ورغف قد يكون بتبديل حركة في صدر الكلمة كأسد وأسد.
ثم حظ الأصول منها أن الجمع بنفسه ينقسم انقساما آخر [فمنه] ما هو جمع القلة وهو في وضع اللسان [لما] دون العشرة وله أبنية تحتوي عليها كتب أئمة النحو كالأفعل والأفعال والأفعلة والفعلة مثل الأكلب والأجمال والأغطية والصبية.
ومنها ما هو جمع الكثرة كالفعول والفعال ونحوها.
وإنما نبهنا على هذا المقدار ليتبين للناظر خلو معظم الخائضين في هذا الفن عن التحصيل إذا أطلقوا القول في الصيغة ولم يفصلوها إلى الجمع وغيره ثم لم يفصلوا الجمع إلى جمع القلة وإلى جمع الكثرة.
234- ونحن نقول أما ما ذكرناه قبل تقاسيم الجموع من الشروط والتنكير في النفي فلا شك أنه لاقتضاء العموم ودليلنا عليه كدليلنا على تسمية العرب جارحة مخصوصة رأسا.
وأما المجموع فجمع القلة لم يوضع للأستغراق قطعا وإجماع أهل اللسان على ذلك كاف مغن عن تكلف إيضاح واللغة نقل فليت شعري بم نتعلق إذا عدمناه وأما جمع الكثرة فهو في وضع اللسان للاستغراق فإن العرب استعملته قطعا مسترسلة على آحاد الجنس ووضعته لها ثم إن اتصل بها استثناء بقى مقتضى اللفظ على ما عدا المستثنى وإن كان مطلقا فمقتضاه الاستغراق فإن تقيد بقرينة حالية نزل على حسبها.
__________
1 الدارقطني 2/65, 96, والكنز "1852" والترمذي بنحوه في: الزكاة: ب: "13": حديث "638" وقال: إسناد الحديث ليس بصحيح وليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء.
(1/114)

ونحن من هذا المنتهى [نفرع] ذروة في التحقيق لم [يبلغ] حضيضها ونفترع معنى [بكرا] هو على التحقيق منشأ اختباط الناس في عماياتهم والله ولي التوفيق.
235- فأقول: الألفاظ تنقسم في منهاج غرضى أربعة أقسام يقع اثنان منها في طرفين في النفي والإثبات ويتوسطها اثنان فأما الواقع طرفا في ثبوت الاقتضاء المتناهى في الوضوح فهو الذي يسمى نصا على ما سيأتي.
(1/115)

فصل: معقود: في معنى النص والظاهر والمجمل.
236- وضبط هذا القسم في غرضنا أن اللفظ إذا كان في اقتضاء معناه من عموم أو خصوص أو ما عداهما بحيث لا يفترض انصرافه عن مقتضاه بقرائن حالية وفرض سؤال وتقدير مراجعة واستفصال في محاولة تخصيص أو تعميم فهو الذي نعنيه ولا يتطرق إلى هذا القسم إلا إمكان انطلاق اللسان بكلم في غفوة أو غفلة وهو الذي يسمى الهذيان أو إجراء كلمة ناصة في الوضع في معرض حكاية أو محاولة تقويم اللسان على نضد حروفها.
فإذا فرض انتفاء تخيل الهذيان به والتفاف اللسان وقصد الحكاية ومحاولة تقويم نظم الحروف وتحقق قصد مطلق اللفظ إلى استعماله في معناه الموضوع له فلا يتصور وراء ذلك انحراف اللفظ وانصرافه عن معناه الذي وضع له وهذا كذكر عدد في اللفظ معدود فإنه ناص في المسميات المعدودة لا محيد عنها بتخيل قرينة وكذلك ما لا يتطرق إليه تأويل.
فهذا طرف والمقصود منه رمز إلى المرتبة العليا في النص لا استيعاب الأقسام.
237- والطرف الأخير هو المصدر فإنه غير مختص بواحد من الأحداث وليس موضوعا أيضا للعموم واستغراق الجنس.
وقد قال بعض من حوم على التحقيق ولم يرد مشرعه: إن المصدر صالح للجمع وليس موضوعا للإشعار به وهو في حكم اللفظ المشترك بين مسميات فإنه صالح لآحادها على البدل وليس موضوعا لجميعها كالجموع والصيغ العامة وكذلك المصدر صالح للواحد وللجمع غير موضوع لقصد الاحتواء على آحاد الجنس وهذا.
(1/115)

زلل وذهول عن مدرك الحق ومسلك العربية.
والقول البين فيه أن المصدر لا يصلح للجمع ولا يتهيأ للإشعار به فلو قصد به [مطلقه] جمعا لم يكن كالذي يقصد [بإطلاق المعين] بعض ما يسمى به فإن المصدر على رأى الكوفيين مرتب على الفعل فرع له وهو أصل الفعل على رأى البصريين والفعل يتفرع عنه وقد يستحيل تخيل الجمع في الفعل فالمصدر في هذا المعنى حال محل الفعل وإن كان اسما ولم يوضع المصدر إلا لتأكيد الفعل فأما أن يكون للإشعار بواحد أو بجمع أو بالتهيؤ للصلاح لهما فلا فإنه ناء عن هذا الغرض ولو فرض اقتران قرينة بذكر المصدر مشعرة بالجمع فلا يصير المصدر مقتضيا جمعا لمكان القرينة بل القرينة قد يفهم منها قصد الجمع وهو كما إذا اقترنت بالفعل.
فحاصل القول في ذلك أنه لا مناسبة بين المصدر وبين الجمع لا من جهة الوضع له ولا من جهة التهيؤ والصلاح.
فإن حاول المتكلم التعرض للعدد رد المصدر عن حكم إطلاقه وزاد هاء فوجد ثنى وجمع فقال ضربته ضربة وضربتين وضربات.
فإن قيل: أليس يحسن أن يقال ضربته ضربا كثيرا فلو لم يكن مشعرا بالعدد لما جاز وصفه بالكثرة وعن هذا صار بعض أهل العربية إلى أن المصدر صالح للجمع وإن لم يكن مشعرا به كما حكيته [قبل هذا] عن بعض الأصوليين.
قال سيبويه: قول القائل كثيرا صفة والموصوف لا يشعر بالصفة ولو أشعر بها لاستغنى بنفسه عنها ولجرت الصفة مجرى التأكيد للموصوف إذا قال القائل رأيت زيدا نفسه وليس الأمر كذلك فقول القائل ضربت زيدا ضربا كثيرا كقوله ضربت.
زيدا ضربا شديدا والسر في ذلك المصدر صالح لأن يوصف بالكثرة كما أن الرجل صالح لأن يوصف بجهات وليس اسم الرجل موضوعا لها ولا مشعرا بشيء منها فلينظر طالب هذا الشأن في ذلك وليتبين الفرق بين صلاح اللفظ للشيء وضعا وبين صلاحه للوصف به فهذا بيان الطرفين.
238- فأما القسمان المتوسطان فعلى مرتبتين نحن [واصفوهما] :.
أحد القسمين: ما وضع في اللسان للعموم فلو لم تثبت قرينة وتبينا انتفاءها.
(1/116)

لقطعنا باقتضاء اللفظ للعموم نصا ومن هذا القسم الاسم الواقع شرطا وهو منحط عن النص في المرتبة الأولى من جهة أن النص لا يغير مقتضاه قرينة كما تقدم وإذا اقترن بالشرط ما يقتضي تخصيصا حمل على المخصوص ولم يعد خلفا ولا كلاما مثبجا وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا أجرى ذكر أقوام معدودين فقال صاحب المجلس من أتاني أعطيته دينارا أمكن أن يحمل على الذين جرى ذكرهم.
239- وأما القسم الثاني من القسمين المتوسطين: فهو الجمع الذي ليس جمع قلة فهو فيما يزيد على أقل الجمع إن انتفت القرائن المخصصة ظاهر وليس بنص فلا يبعد أن مطلق الجمع أراد خصوصا ولا ننكر ذلك في نظم الكلام بخلاف أدوات الشرط وهذا ينحط عن القسم الثاني ومن أحاط بهذه الأقسام اتخذها مرجعه في كل مشكل وأقامها ذريعة في صدر باب التأويلات كما سيأتي إن شاء الله.
وبنجاز الأقسام يتبين اختيارنا في القول في العموم والخصوص وما يقع نصا منهما وظاهرا ونحن بعد ذلك نرسم المسائل في التفاصيل ونذكر في كل مسألة ما يليق بها والله الموفق للصواب.
مسألة:
240- ذكر سيبويه1 وغيره من أئمة النحو أن جمع السلامة من أبنية جمع القلة وهذا مشكل جدا فإن مصادمة الأئمة في الصناعة والخروج عن رأيهم لا سبيل إليه والرجوع في قضايا العربية إليهم والاستشهاد في مشكلات الكتاب والسنة بأقوالهم والأصوليون القائلون بالعموم مطبقون على حمل جمع السلامة إذا تجرد عن القرائن المخصصة على الاستغراق وصائرون إلى تنزيله منزلة جمع الكثرة من أبنية التكسير فأهم مقصود المسألة محاولة الجمع بين مسالك الأئمة.
241- والذي استقر عليه نظري في ذلك ما أنا مبديه الآن قائلا كل اسم علم معرفة إذا ثنى فقد خرج عن كونه معرفة وكذلك إذا جمع فإذا قلت زيد [وأنت] تريد اسم العلم فقد عرفت فإذا قلت زيدان فقد نكرت باتفاق أئمة العربية وكذلك إذا قلت زيدون.
والسبب فيه أن الاسم المفرد العلم إنما يكون معرفة من حيث يعتقد أن المسمى.
__________
1 سبقت ترجمته.
(1/117)

منفرد في قصد المسمى حتى كأنه لا يرى حالة إطلاق الاسم العلم مشاركة فيه لغير المسمى [فليس قول] القائل أقبل زيد على تقدير: أقبل زيد من الزيود إذ لو كان كذلك لكان بمثابة قول القائل جاء رجل فالعلم موضوع بين المخاطب والمخاطب على اعتقادهما اتحاد المسمى به فإذا ثنيت أو جمعت فقد ناقضت ما منه تلقى التعريف من اعتقاد الاتحاد وقد بنيت الكلام على تعدد المسمى بزيد فإذا لاح ذلك تبين أنه لا يتعرف المثنى والمجموع إلا بالألف واللام وهما يعرفان كل نكرة فنعود بعد ذلك إلى مال الكلام في المسألة.
242- ونقول: ما نراه أن كل جمع نكرة فإنه لا يتضمن استغرقا ومصداق ذلك قوله تعالى: {مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ} 1 فإذا عرف ولم يكن على بناء التقليل فهو للأستغراق قال الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} 2.
وهذا التفصيل يلتحق بما قدمناه من تفصيل القول في الجموع.
والذي يحصل الغرض في ذلك أنه لا منكر إلا ويليق به المعرفة من مستنده إلى الجمع المعرف فتقول رأيت رجلا من الرجال كما تقول رأيت رجالا من الرجال فالذي قاله سيبويه في جمع السلامة إذا لم يعرف وقد ذكر حمله على القلة إذ ذكر حكم التثنية والجمع على التخصيص.
ولو فرض دخول الألف واللام في الاسم الواحد فقد يقتضي ذلك إشعارا بالجنس كما سيأتي بعد ذلك فتقول الدينار أعز من الدرهم وأنت تبغي تفضيل الجنس على الجنس وقد ينتظم من ذلك أن كل جمع في عالم الله فإنه لا يقتضي الاستغراق بوضعه وإنما يتم اقتضاء الاستغراق بالألف واللام المعرفين فليتأمل الناظر هذا السبر وليعلم أن الجمع من غير تقدير تعريف لأقل الجمع.
فإذا عرف ففيه الخلاف فأصحاب الخصوص يحملون الجمع وإن عرف على أقل الجمع ويأبون ظهوره فيما عداه وهذا زلل فإن خصصوا قولهم بالجمع المنكر فلا خلاف بيننا وبينهم وبهذا يتضح اختيارنا وهو استكمال الكلام.
مسألة:
243- قال أصحاب العموم النكرة في النفي تعم وفي الإثبات تخص.
__________
1 آية "62" سورة "ص".
2 آية "13" سورة الانفطار.
(1/118)

فلا بد من تفصيل القول في الطرفين عندنا.
فأما قولهم: النكرة في الإثبات تخص فغير مطرد فإن النكرة الواقعة في سياق الشرط محمولة على العموم في قول القائل من يأتني بمال أجازه فلا يختص هذا بمال مخصوص والسبب فيه أن النكرة إنما عمت في النفي لأنها في نفسها ليست مختصة [بمعين] في قول القائل ما رأيت رجلا والنفي لا اختصاص له فإنه نقيض الإثبات فإذا انضم النفي إلى التنكير اقتضى اجتماعهما العموم والشرط لا اختصاص له بل مقتضاه العموم فالنكرة الواقعة في مساقه محمول عليه وحكم عموم الشرط [منبسط] عليه إذ لو اختص المال لاختص الشرط المتعلق به والاختصاص نقيض وضع الشرط المطلق فهذا على قولهم النكرة في الإثبات تخص.
فأما قولهم: النكرة في النفي تعم ففيه تفصيل لطيف.
فأقول: إذا قال القائل ما رأيت رجلا فهذا ظاهر في نفي الرؤية عن جنس الرجال والتأويل يتطرق إليه قال سيبويه: يجوز أن يقول القائل: ما رأيت رجلا وإنما رأيت رجالا وإذا كان ينتظم الكلام على هذا الوجه فليس التنكير مع النفي نصا في اقتضاء العموم غير قابل للتأويل ووجه تطرق الاحتمال إليه الذي نبهنا عليه فإذا قال القائل ما جاءني من رجل لم يتجه فيه غير التعميم فإن "من" وإن جرت زائدة فهي مؤكدة للتعميم قاطعة للاحتمال الذي نبهت عليه والنكرة إذا جرت في مساق شرط لم يتطرق إليها التأويل المذكور في النفي ولم يسغ حملها من غير قرينة مخصصة على الخصوص.
مسألة:
244- اللفظ الموضوع للإشعار بالجنس الذي واحده بزيادة هاء كالتمر والتمرة والشجر والشجرة وبابهما مما تردد فيه أصحاب العموم وهذه المسألة نجمع إليها أخرى [ونفصل بينهما] .
فإذا قال القائل: الرجل أفضل من المرأة فهذا مما ترددوا فيه أيضا فقال قائلون من المعممين: هو [للاستغراق والاستيعاب للجنس] وأنكر اخرون مقتضى الاستغراق فيه.
(1/119)

والرأي الحق عندي والله أعلم البداية بالمسألة الأخيرة أن الرجل يعرف على بناء تنكير سابق فيقول القائل أقبل رجل ثم يقول قرب الرجل والتقدير من ذكرته مقبلا قد قرب فهذا تعريف [مرتب] على تنكير سابق فلا يقتضي هذا ولا ما في معناه استغراقا وانطباقا على الجنس.
وإذا قال القائل الرجل أفضل من المرأة ولم يسبق تنكير ينعطف التعريف عليه فهذا للجنس ومنه قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} 1, {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 2 فإن من سبق تنكيره وظهر ترتيب التعريف عليه فهو غير محمول على استغراق الجنس وفاقا فإن لاح في الكلام قصد الجنس في مثل قول القائل الدينار أشرف من الدرهم ولم يسبق تنكير ينعطف عليه التعريف فهو للاستغراق وإن جرى هذا الكلام ولم يدر أنه خرج [تعريفا لمنكر سابق أو إشعارا] بجنس فالذي صار إليه معظم المعممين أنه للجنس.
والذي أراه أنه مجمل فإنه حيث يعم لا يعم لصيغة اللفظ وإنما يثبت عمومه وتناوله الجنس بحالة مقرونة معه مشعرة بالجنس فإذا ورد اللفظ وليس جمعا ولا موضوعا للإبهام المقتضى للاستغراق كما يجري في أدوات الشرط فالأمر متلقى في الخصوص والعموم من القرينة فإذا لم ندرها لم يتجه إلى التوقف.
فإن قيل: أرأيتم لو قطعنا بانتفاء قرينتي العموم والخصوص فماذا ترون قلنا لا ينتظم الكلام من قاصد إلى هذا اللفظ إلا مترتبا على تنكير أو مشعرا بجنس في قصد المتكلم ففرضه من المتكلم على منتظم الكلام عربا عن إحدى قرينتي العموم والخصوص في مقال أو حال محال فهذا قولنا في هذا الطرف.
245- وأما التمر والتمرة فمطلق اللفظ الذي واحده بزيادة الهاء للعموم عند محققي المعممين.
وأنكر بعض أصحاب العموم ذلك من حيث أنه غير مستعمل في سياق وضعه للإبهام كالشرط وليس جمعا أيضا وربما استمسك هؤلاء بأنه يجمع في نفسه فيقال تمور.
وهذا لا حاصل له فإن الإبهام والجمع عند منكري العموم في ألفاظ الجنس.
__________
1 آية "2" سورة "النور".
2 آية "38" سورة المائدة.
(1/120)

ثابته أيضا ووضوح ثبوتها يغنى عن بسط القول فيها وما ذكروه من جمع التمر على تمور مردود من وجهين أقربهما أنه يعارضه امتناع قول القائل: تمر واحد وهذا أظهر من متعلقهم ثم [التمور] جمع من حيث اللفظ وقد قال سيبويه: الناقة تجمع على نوق النوق على نياق وهما جميعا من أبنية الكثرة ثم النياق على أينق وهو مقلوب أنوق أو أينق في أمور تصريفية والأفعل جمع القلة وهذا الجمع مردود إلى ألفاظ أقوام قالوا: نياق.
ومن بديع ما يتفطن له الفطن في ذلك أن التمر المطلق أحرى باستغراق الجنس من التمور فإن التمر يسترسل على الجنس لا بصيغة لفظية والتمور ترده إلى تخيل الوحدان ثم الاستغراق بعده بصيغة بعده بصيغة الجمع وفي صيغة الجمع مضطرب بينهم وسرها يتبين في أقل الجمع.
مسألة:
246- اللفظ المشترك كالقرء واللون والعين وما في معناها إذا ورد مطلقا فقد ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمول على جميع معانيه إذا لم يمنع منه مانع ولم يفرق هؤلاء بين أن يكون اللفظ حقيقة في محامله وبين أن يكون حقيقة في بعضها مجازا في بعضها.
وهذا ظاهر اختيار الشافعي1 فإنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} 2 فقيل له: قد يراد بالملامسة المواقعة قال: هي محمولة على اللمس باليد حقيقة وعلى الوقاع مجازا.
وقال قائلون: اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا محمول على الحقائق ولا يحمل على الحقيقة والمجاز جميعا.
وعظم [نكير] القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعا وقال في تحقيق إنكاره اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على معنى وضعت له في أصل اللسان وإنما تصير مجازا إذا تجوز بها عن مقتضى الوضع وتخيل الجمع بين الحقيقة والمجاز كمحاولة الجمع بين النقيضين.
247- والذي أراه أن اللفظ المشترك إذا ورد مطلقا لم يحمل في موجب.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 آية "43" سورة النساء.
(1/121)

الإطلاق على المحامل فإنه صالح لاتخاذ معان على البدل ولم يوضع وضعا مشعرا بالاحتواء عليها فادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز.
فإن قيل: يجوز أن يراد به جميع محامله قلنا: لا يمنع ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك مثل أن يذكر الذاكر محامل العين فيذكر بعض الحاضرين لفظ العين ويتبين من حاله أنه يريد تطبيقه على جميع ما جرى.
فإن قيل: فهل ترون حمل اللفظ على وجه في الحقيقة وآخر في المجاز قلنا: نعم لا ننكره مع قرينة.
فإن قيل: بم تنفصلون عما ذكره القاضي؟ قلنا ما ذكره يئول إلى اشتقاق لفظ المجاز والحقيقة فإذا رد الكلام إلى حمل الملامسة على الجس باليد الوقاع فهما معنيان كغيرهما فهذا منتهى القول في ذلك.
مسألة في ألفاظ الشارع في حكايات الأحوال:
248- قال الشافعي: ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال يتنزل منزلة العموم في المقال.
ونحن نضرب لذلك مثالا ننزل عليه بيان الغرض روى أن غيلان1 أسلم وتحته عشر نسوة فقال [له] رسول الله صلى الله عليه وسلم2: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" ولم يسائل غيلان عن كيفية عقوده عليهن في الجمع والترتيب فكان إطلاقه القول دالا على أن لا فرق بين أن تتفق العقود عليهن معا أو تجري عقود مرتبة.
249- وهذا فيه نظر عندي من حيث إنه لا يمتنع أن الرسول عليه السلام كان عرف ذلك فنزل جوابه على ما عرف ولم ير أن يبين لرجل حديث العهد بالإسلام علة الحكم ومأخذه وعليه يجري معظم الفتاوي والمفتي يطلق جوابه للمستفتي إذا رأى الجواب منطبقا على وفق الحادثة وإن كان ذلك الحكم لو أرسل لفصل فهذا وجه.
__________
1 غيلان: هو ابن شرحبيل الثقفي أسلم يوم الطائف وأسلم أولاده له ترجمة في: الإصابة 3/189-190.
2 الترمذي في: النكاح "33" وابن ماجه في: النكاح "40" زمالك في: الطلاق "76" والبيهقي 7/181 وشرح السنة 9/89, والمشكاة "3176".
(1/122)

وإن تحقق استبهام الحال على الشارع صلى الله عليه وسلم وصح مع ذلك أنه أرسل جوابه فهذا يقتضي لا محالة جريان الحكم على التفاصيل واسترساله على الأحوال كلها ولكنا لا نتبين في كل حكاية تنقل إلينا أنها كانت مبهمة في حق الرسول وجوابه المطلق كان مرتبا على استبهامها فمن هذه الجهة لا يبقى مستمسك في محاولة التعميم وادعاء قصد ظهوره في حكايات الأحوال المرسلة.
ولكن وجه الدليل مع هذا واضح في قضية غيلان1 فإنه صلى الله عليه وسلم قال له2: "أمسك أربعا" فأجملهن ولم يخصص الإمساك بالأوائل عن الأواخر وفوض الأمر فيه إلى خيرة من كان أسلم.
وقال لفيروز الديلمى وقد أسلم على أختين, "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى".
250- ثم نقل أصحاب المقالات عن أبي حنيفة أنه عمم أمورا لا يصير إلى تعميمها شاد في الأصول فضلا عمن يتشوف إلى التحقيق فمنها أنه قال إذا روى الراوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في كذا بكذا اقتضى ذلك عموم القضاء في غير المحل المنقول مثل ما روى أنه قضى بالكفارة على من جامع في نهار رمضان وزعم أبو حنيفة أن هذا يعم كل إفطار وهذا إن قاله تلقيا من اللفظ ومقتضى مساق الكلام فهو خرق بين وإن قاله قياسا فمسلك القياس غير مردود على الجملة.
وقد قال الشافعي فيما نقله الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قضى في الأموال بالشاهد واليمين فهذه الحجة تختص بمحلها كما نقلت واللفظ لا يشعر بعمومه والأقيسة لا جريان لها في مراتب البينات فإنها مستندة إلى التعبدات.
مسألة في أقل الجمع:
251- قد اضطرب رأي العلماء في ذلك فذهب ذاهبون إلى أن أقل الجمع ثلاثة وهذا المذهب يعزى إلى ابن عباس وابن مسعود ولم ينقل عنهما تنصيص على ذلك ولكن تبين مذهب ابن عباس بمصيره إلى أن الأخوين لا يحجبان الأم من الثلث إلى السدس لأن المذكور في كتاب الله تعالى الإخوة وظهر للناقلين مذهب ابن مسعود من مصيره إلى أن الثلاثة إذا اقتدوا برجل اصطفوا خلفه وإن اقتدى رجلان برجل وقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ولا يصطفان وراء الإمام.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبق تخريجه.
(1/123)

وظاهر مذهب الشافعي في مواضع تعرضه للأصول يشير إلى هذا وذهب ذاهبون إلى أن أقل الجمع اثنان والأستاذ أبو إسحاق رحمه الله يمل إلى هذا وقد ذهب إليه جمع من المعتزلة.
252- وحق الناظر في هذه المسألة أن ييئس من العثور على مغزاها ما لم يستكملها فإن المقصود منها يتبين على تدريج والذي أرى استفتاح الكلام به أن الصائرين إلى أن أقل الجمع اثنان ربما يستمسكون بأشياء لا معتصم فيها وأنا [أفيد] الناظر بذكر ما يتمسك به هؤلاء أمرين.
أحدهما بطلان استدلالهم والثاني إيضاح تمييز [مباينة مسلكهم] عن محل النزاع.
فمما ذكروه قوله تعالى في شأن عائشة1 وحفصه2 رضي الله عنهما: {إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} 3 والمراد بذلك قلباكما.
وهذا قلة معرفة بالعربية فإن مالا يتعدد من شخصين فالتعبير في اللغة الفصيحة عنهما بصيغة الجمع فهذه صورة مستثناة ولها باب وقياس والدليل على سقوط الاستشهاد بها أن ذكر صيغة التثنية غير مستحسن في هذا الفن.
ومما تمسكوا به الضمير الذي يعني به المتكلم نفسه وغيره متصلا ومنفصلا فالضمير المنفصل في ذلك قول القائل نحن والمتصل كقوله فعلنا قالوا أقل معنى هذا الفن وهو جمع اثنان.
وهذا أيضا مستثنى عن محل الخلاف فإنه باتفاق أهل اللسان موضوع لتعبير المرء عن نفسه وغيره سواء كان واحدا أو جمعا واللغات لا تثبت قياسا كما سبق تقريره وإنما معتمدها النقل فمن حاول إثبات شيء من اللغة تلقيا من قياس بعضها على بعض فقد جانب مسلك السداد في مآخذها.
__________
1 عائشة هي: أم المؤمنين بنت أب بكر التيمية تكنى بأم عبد الله بابن أختها عبد الله بن الزبير تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بمكة ومناقبها عديدة روت عن النبي صلى الله عليه وسلم في كتب الحديث كلها مات سنة "ست وخمسين لها ترجمة في: الإصابة 4/348, وشذرات الذهب 1/61, والنجوم الزاهرة 1/150.
2 حفصة هي: أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب العدوية تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثلاث ماتت سنة "45" لها ترجمة في: الرياض المستطابة ص "312".
3 آية "4" سورة التحريم.
(1/124)

فإذا آل الخلاف إلى صيغ الجموع التي تترتب في صيغ وضع اللسان مسبوقة بصيغ التثنية سواء كانت للسلامة أو للتكسير فنقول: رجلان ورجال ومسلمان ومسلمون فإذا تعين محل النزاع فليقع الكلام وراء ذلك.
فمن ركيك الكلام وغثه تشبيب من ذكرناه باشتقاق الجمع ومصيرهم إلى أن الواحد إذا جمع إلى مثله فقد تحقق فيهما معنى الجمع فإن الخلاف ليس في معنى لفظ الجمع المنتظم من الجيم والميم والعين وإنما الخلاف في حمل الرجال على رجلين والمسلمين على مسلمين فإن سمى مسم بعض هذه الألفاظ جمعا فلا يحكم بهذه اللغة التي استحدثها المتأخرون على موضوع اللفظ.
253- فإن قيل: فما المرتضى الآن؟ قلنا هذه المسألة موضوعة على رأى المعممين فمطلق اللفظ معناه في مختارنا ما سبق وإن روجعنا في جواز رد اللفظ عند قيام المخصصات على اثنين أو ثلاثة فعند ذلك ننادى ونقول: إن صار صائرون إلى أنه يمتنع رد معنى اللفظ بالتخصيص إلى اثنين فنحن لا نمنع هذا فقد يبدو للرجل رجلان فيقول: أقبل الرجال ونحن لا نسوى مع ذلك بين الثلاثة والاثنين والرد إلى الثلاثة أهون من الرد إلى اثنين ويستدعي الرد إلى اثنين من ظهور مستند التأويل ما لم يستدعه الرد إلى ثلاثة على ما سنوضح ذلك في كتاب التأويلات إن شاء الله تعالى.
والذي أراه أن الرد إلى رجل واحد ليس بدعا أيضا ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين بكثير وها أنا أنزل هذه المراتب الثلاث على حقائقها ليتضح مأخذ كل مرتبة.
254- أما فرض الرد إلى واحد فنضرب مثاله ثم نذكر سبيله ومجاله فإذا برزت المرأة لرجل حسن من بعلها أن يقول في توبيخها أتتبرجين للرجال يالكعاء؟ وإن لم تتبرج إلا لواحد وسبيل ضبط هذا القسم [في غرضنا] أن لا يعتقد أنه من مقتضى اللفظ لا في الأقل ولا فيما يزيد عليه ولكن إذا تبين في مقصود المتكلم استواء الواحد والجمع فلا يبعد إطلاق الجمع عند ظهور الواحد من الجنس من جهة أن الأنفة والحمية إنما سببها التبرج للجنس آحادا وجمعا والذي ينقم منها في الواحد ينقم منها في الجنس.
فإذا لاح الفن الذي أشرنا إليه في صوب قصده كان لفظ الجمع كلفظ الواحد ولعل لفظ الجمع أمثل وأشكل وأوفق للقصد والغرض فإذا لم يكن في.
(1/125)

الكلام هذا النوع أو ما يدانيه لم ينقدح حمل صيغة الجمع على الواحد فإن تحققنا عدم هذا الفن فلا وجه للرد للواحد وإذا ترددنا في اقتران مثل ذلك باللفظ [تردد] وقوفنا عن القطع من جهة عدم الإحاطة بوجود القرينة وانتفائها فهذا ما أرضاه في هذه المرتبة.
255- فأما الرد إلى اثنين فيسوغ [بما] يسوغ به الرد إلى الواحد ويسوغ بجنس آخر وهو الإشعار بما يزيد على الثالث والجمع فيه من غرض التناصر فيقول القائل إذا بدا رجلان يخافهما وكان لا يبالي بالواحد منهما أقبل الرجال وإطلاق صيغة التثنية ها هنا أمثل وأوفق للنص على الغرض فإن من يحاذر التجمع يتقى من الثلاثة أكثر مما يحاذره من اثنين فليس أطلاق الرجال بعيدا ولكن الأثر كله للقرينة غير أن القرينة إنما تؤثر مع ما في طباع اللفظ من احتمال أثرها والتقاسيم التي ذكرتها في إيضاح اختياري في صيغة العموم توضح ذلك كله.
256- فأما القول في الرتبة الثالثة وهو الرد إلى ثلاثة فلا يستدعي ذلك قرينة حاقة في جنس مخصوص وبهذا تنفصل المسألة نعم إن لم يقم دليل وهو مستند التأويل [فقد] بان وجوب الجريان على الظاهر فجمع الكثرة للاستغراق وإن ظهر دليل هو أوضح في مسالك الظن من ظهور مقتضى اللفظ في الاستغراق فهذا أوان تأويل كما سيأتي إن شاء الله تعالى مشروحا في كتاب التأويل وإن عد ما ظهر مناقضا اللفظ فهذا أوان الوقوف.
257- وقد ذكر بعض الأصوليين أن من اثار الخلاف في معنى أقل الجمع أن الرجل إذا قال لفلان على دراهم أو أوصى بدراهم فلفظ المقر والموصى محمول على أقل الجمع فإن قيل أقل الجمع اثنان قبل حمل اللفظ عليهما وإن قيل: أقل الجمع ثلاثة لم يقبل التفسير باثنين وما أرى الفقهاء يسمحون بهذا ولا أرى للنزاع في أقل الجمع معنى إلا ما ذكرته فليعلم الناظر أن معظم الخلاف سببه توسط [النظار] النظر من غير استتمام له وقد ظهر في [العقول] تباين الرتب الثلاث وقل من يوفق لدرك سبب التباين فابتدروا إلى الاختلاف في أقل الجمع ولو هدوا للإحاطة بالغايات لما كان لاختلافهم معنى.
(1/126)

فصل: في بقية أحكام الصيغة المطلقة.
258- الألفاظ الموضوعة للعموم تنقسم إلى المطلق والمقيد فالمطلق ما يتعرى عن قرينة تنافى مقتضى العموم والذي قدمناه في صدر هذا الكتاب إلى هذا الفصل في بيان أحكام إطلاق الصيغ فإن جرى في أثناء الكلام للقرائن ذكر فإنما جرى القول فيها لتحقيق قضايا الإطلاق ونحن الآن نجري مسائل في أحكام الإطلاق بها استكمال هذا القسم.
فإذا نجزت ملنا إلى تقاسيم القرائن واستفتحنا بعدها قواعد التخصيص ومسائل الاستثناء وميزنا بين التخصيص والاستثناء مستعينين بالله تعالى.
مسألة.
259- إذا ورد في الشرع لفظ يتناول في اللغة الأحرار والعبيد فهو عند المحققين محمول على الجنسين وذهب بعض الضعفاء إلى أن المطلق من الألفاظ يختص بالأحرار.
فنقول: مقتضى اللفظ من طريق اللغة لا نزاع فيه وقد تقرر أنا متعبدون بالجريان على مقتضى الألفاظ اللغوية إذا صدرت من الشارع ولم يثبت مخصص مانع من إجراء مقتضى اللفظ وهذا القدر مقنع فيما نريده.
والذي تخيله هؤلاء أن العبيد مستوعبون بحقوق السادة مستغرقون بتصريفهم إياهم وتصرفهم فيهم فكانوا مستثنين عن مقتضى مطلق الألفاظ بما تقرر به الشرع من أحوالهم في ذلك.
وهذا إيهام لا حاصل وراءه فإنه ثبت تعلق حقوق السادة [بهم] في وجوه وتلك الوجوه لا تمنع اندراجهم تحت مقتضى ألفاظ الشارع صلى الله عليه وسلم في غيرها فإن اجتمع ظاهر في العموم وقضية ثابته من أحكام الرق موجبها خروج الرقيق عن أحكام العموم فإنها تجري مجرى المخصص ويخرج اللفظ إذ ذاك عن حقيقته في الإطلاق.
ومثل ذلك يفرض في طبقات الخلق على تغير طباعهم وتفنن أنحائهم والله الموفق.
(1/127)

مسألة:
260- إذا ورد في لفظ الشارع صلى الله عليه وسلم صيغة جمع السلامة كالمسلمين والمؤمنين مما وضع مرتبا على بنية مؤمن في الذكور [عند الإطلاق] ففي تناول هذه الصيغة عند الإطلاق للنساء خلاف.
فذهب ذاهبون إلى أنه يتناول النساء واستدلوا عليه بأن العرب إذا حاولت التعبير عن الذكور والإناث بصيغ جمع السلامة فمن مذهبها المطرد تغليب التذكير وهذا مشهور عنهم مسطور في كتب أئمة العربية.
والرأي الحق عندنا خلاف ذلك والذي تخيله هؤلاء وهم وزلل ولا يخفى على من شدا طرفا من العربية أن قول القائل: مسلمان مبني على قول القائل [في الواحد مسلم وقول القائل مسلمات مبنى على قوله] في الوحدان مسلمة وقول القائل مسلمون مبني على مسلم ومسلمين وهذه التقاسيم أظهر من أن يحتاج في إثباتها إلى تكلف وإطناب ثم ميزت العرب باب الإناث فقالوا مسلمة ومسلمتان ومسلمات وما ذكره هؤلاء من تغليب علامة التذكير عند محاولة التعبير عن [الجنسين] فصحيح على الجملة ولكنهم لم يفهموه على وجهه فإن ما ذكروه سائغ إن أريد فأما أن يقال: وضع اللسان على أن المسلمين مسترسل على الرجال والنساء استرساله على آحاد الرجال فلا والذي ذكروه صالح لو أريد وليس في اللسان القضاء به إلا عند قرينة شاهدة عليه.
ولا شك إن ما ذكرناه مختص بصيغة جمع السلامة وأما الألفاظ التي تشتمل في الوضع على الجنسين فلا شك في تناولها كالناس والقوم وما أشبههما.
مسألة:
261- من, من الألفاظ المبهمة وهي إحدى صيغ العموم في اقتضاء الاستغراق إذا وقع شرطا ويتناول الذكور والإناث وذهب إلى هذا أهل التحقيق من أرباب اللسان والأصول وذهب شرذمة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه لا يتناول الإناث واستمسكوا بهذا المسلك في مسألة المرتدة فقالوا في قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" 1 لا يتناول.
__________
1 البخاري في: الجهاد "149" والاعتصام "28" والاستتابة "2" وأبو داود في: الحدود "1" والترمذي في: الحدود "25" والنسائي في: التحريم "14" وابن ماجه في: الحدود "2" وأحمد 1/2, و7, و282,
(1/128)

النساء وإنما غرهم ما طرق مسامعهم من قول بعض العرب من ومنه ومنان ومنون ومنات قال الشاعر1:
أتوا ناري فقلت منون2 أنتم؟ ... فقالوا: الجن قلت: عموا3 ظلاما.
وهذا قول الأغبياء الذين لم يعقلوا من حقائق اللسان والأصول شيئا.
ولا خلاف أن من إذا أطلق مبهما شرطا لم يختص بذكر أو أنثى جمع أو وحدان وهذا مستمر في الألفاظ الشرعية وألفاظ المتصرفين في الحلول والعقود والأيمان والتعليقات وهو الجاري في تفاهم ذوي العادات متفق عليه في وضع اللغات فإذا قال القائل: من دخل الدار من أرقائي فهو حر لم يتخصص بالعبيد الذكور وكذلك لو أوصى بهذه الصيغة أو ناط بها توكيلا أو إذنا في قضية من القضايا.
262- ثم للعرب مذهبان شائعان فمنهم من يكني عن معنى من ومنهم من يرد الكناية إلى لفظه وهما جاريان في التنزيل قال الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} 4 وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} 5 فكذلك القول في التذكير والتأنيث فهذا مما لا يبدي المراء فيه إلا غبي.
وأما ما اغتر به هؤلاء من قول بعضهم: من ومنان فهذا من شواذ اللغة وليس من ظاهر كلام العرب وإنما أورده سيبويه في باب الحكاية وبناء على محاكاة الخطاب فإذا قال القائل: [جاء] رجل قلت: من؟ وإذا قال: جاء رجلان قلت: منا؟ وإذا قال: أقبل رجال, قلت: منون؟ وإذا قال: أقبلت امرأة قلت: مَنَه؟ وكذلك منتان ومنات ثم ما ذكرناه ليس باللغة الغالبة في باب الحكاية أيضا.
والقول الجامع في هذا أن ما ذكروه وإن ساغ فالأفصح غيره فليس شرطا معتبرا في تمييز الذكور والإناث بل هو مما نطق به الناطقون والقانون المتفق عليه ما ذكرناه.
__________
1 قال شيخ شيخنا العلامة محمد محيي الدين عبد الحميد في "شرح شواهد ابن عقيل" 4/88 شاهد رقم "352": روى هذا البيت أبو زيد في "نوادر" ونسبه إلى شمير بن الحارث الضبي.
2 قال الشيخ محيي الدين في "المصدر السابق": "وذلك شاذ".
3 عموا ظلاما: قال أيضا: دعاء مثل عم صباحا وعم مساء.
4 آية "16" سورة محمد.
5 آية "42" سورة يونس.
(1/129)

مسألة:
263- اختلف الأصوليون في دخول المخاطب تحت الخطاب في مثل قول القائل لمأموره من دخل هذه الدار فأعطه درهما فلو دخل هذا المخاطب الدار فهل يعطيه المأمور بحكم اقتضاء اللفظ كما يعطى غيره من الداخلين.
قال قائلون هو بمثابة غيره ممن يدخل الدار وقال اخرون إنه غير داخل في مقتضى قول نفسه.
وتعلق هؤلاء بأمثلة لا تحقيق للتعلق بها كقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 1 فإنه غير داخل في مقتضى هذا القول وإن كان جل وعلا شيئا من حيث إنه يستحيل أن يكون مخلوقا فثبت أنه لا يدخل المخاطب تحت الخطاب وهذا غير سديد فإنه ينقدح للمعترض أن يقول إنما لم يدخل من حيث إن الخلق اختراع وإيجاد لما لم يكن ولا يعقل ذلك إلا في محدث مفتتح الكون والرب تعالى قديم لم يزل فكان عدم تناول مقتضى الكلام [له] لهذا المعنى لا لامتناع دخول المخاطب تحت الخطاب.
ثم التعلق بالأمثلة والكلام في بناء القواعد والكليات ذهاب عن مسلك التحصيل فإن آحاد الأمثلة يمكن حمل الأمر فيها على جهات من التخصيص لا تنضبط فلا يستمر إذا مثل هذا في محاولة عقد الأصول.
264- والرأي الحق عندي: أنه يدخل المخاطب تحت قوله وخطابه إذا كان اللفظ في الوضع صالحا له ولغيره ولكن القرائن هي المتحكمة وهي غالبة جدا في خروج المخاطب من حكم خطابه فاعتقد بعض الناس خروجه عن مقتضى اللفظ والوضع وذلك من حكم اطراد القرائن وغلبتها فإن من كان يتصدق بدراهم من ماله فقال في تنفيذ مراده لمأموره من دخل الدار فأعطه درهما فلا خفاء أنه لا ينبغي أن يتصدق عليه من ماله فحكمت القرائن وجرت على قضيتها واللفظ صالح ولو قال [لمن يخاطبه] من وعظك فاتعظ ومن نصحك فاقبل نصيحته فلا قرينة تخرج المخاطب فلا جرم إذا نصحه كان مأمورا بقبول نصيحته بحكم قوله الأول وبالله التوفيق.
__________
1 آية "62" سورة الزمر.
(1/130)

مسألة:
265- إذا ورد خطاب مطلق في الكتاب العزيز [والسنة] يشمل الأمة بصيغة تصلح في الوضع للرسول عليه السلام وهو كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وما في معناها و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فالذي صار إليه الأصوليون أن الرسول صلى الله عليه وسلم داخل تحت الخطاب وذهب شرذمة لا يؤبه لهم إلى أنه غير داخل تحت الخطاب.
وهذا ساقط من جهة أن اللفظ صالح ووضع اللسان حاكم باقتضاء التعميم والرسول من المتعبدين بقضايا التكليف كالأمة فإن قيل إنه على خصائص فالذي يقتضي مرتبة الخطاب أن يخص بكل ما يكون معينا فيه وهذا هذيان فإن ثبوت خصائص له في بعض القضايا لا يخرجه عن الأحكام العامة التي يشارك فيها الأمة والخصائص بالإضافة إلى أحكام العموم قليل من كثير ثم كل جنس من الناس على تفاوت الطبقات على خصائص فإن النساء مختصات بأحكام عن الرجال فكذلك المسافرون مختصون عن المقيمين إلى غير ذلك من أصناف المكلفين ثم لا يقتضي ذلك خروجهم عن قضايا الصيغ العامة وما ذكرناه تكلف وإلا ففي إشعار وضع اللسان بالعموم ودخول الرسول عليه السلام في حكمه ومصير المحققين إلى وجوبه والعمل بقضايا الظواهر مقنع في ذلك وبالجملة الخصوص في غير محل الخطاب لا يقتضي تخصيصا في محل الخطاب.
266- وذهب بعض أئمة الفقهاء في ذلك إلى تفصيل فقال كان خطاب [لم يصدر] بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغه ولكن ورد مسترسلا فالرسول مخاطب به كغيره وكل خطاب صدر على الخصوص بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغه فذلك الذي لا يتناوله كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} 1 وهذا ذكره الصيرفي2 وارتضاه الحليمي3 وهو عندنا تفصيل فيه تخييل يبتدره من لم يعظم حظه من هذا الفن.
__________
1 وردت في سور كثيرة من القرآن.
2 الصيرفي هو: محمد بن عبد الله البغدادي المعروف بالصيرفي كان إماما في الفقه والأصول تفقه على ابن سيرين وله تصانيف منها "شرح الرسالة" وقال القفال الشاشي: كان أعلم الناس بالأصول بعد الشافعي قال الشيخ أبو إسحاق: مات سنة "330" له ترجمة في: وفيات الأعيان 4/199 والعبر 2/221 وطبقات الشيرازي ص "111" وطبقات الشافعية للأسنوي 2/33/719.
3 الحليمي: بحاء مهمة مفتوحة هو أبو عبد الله الحسين بن حسن بن محمد ين حليم قال فيه الحاكم: كان شيخ الشافعيين بما وراء النهر وأنظرهم بعد أستاذية القفال الشاشي ولأودني. مات سنة "403". له ترجمة في: طبقات الشافعية للأسنوي 1/194-195/364.
(1/131)

فأما القسم المسلم فلا حاجة إلى مرادة فيه وأما الخطاب المصدر بالأمر بالتبليغ فهو يجري على حكم العموم عندنا فإن قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} على اقتضاء العموم في وضعه والقائل هو الله تعالى وحكم قول الله تعالى لا يغيره أمر مختص بالرسول عليه السلام في تبليغه وكأن التحقيق فيه بلغني من أمر ربي كذا فاسمعوه وعوه واتبعوه.
مسألة:
267- إذا وردت صيغة مختصة في وضع اللسان برسول الله عليه السلام فالذي صار إليه أبو حنيفة وأصحابه أن الأمة معه في ذلك الخطاب شرع ولهذا تعلقوا في عقد النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النبي أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} 1 [فالخطاب مختص به عندهم والأمة] متبعون النبي في موجبه.
268- ونحن نقول إن جرى الكلام في مقتضى اللفظ فلا شك ولا امتراء في خروج الأمة من موجبه ولكن وراء ذلك نظر فإن أصحاب رسول الله عليه السلام كان يحتج بعضهم على بعض بالآيات التي وردت مختصة بخطاب المصطفى صلوات الله عليه وذلك لما تقرر عندهم أن الأمة مشاركون للرسول في التكاليف وليس ذلك مستمرا أيضا.
269- وأنا أقول فيه ما ظهرت فيه خصائص الرسول عليه السلام كالنكاح والغنائم وكان إذا ورد خطاب مختص في حكم اللسان برسول الله صلى الله عليه وسلم فما أراهم كانوا يعتقدون مشاركته فيه لاقتضاء الصيغة التخصيص والعلم بخصائص رسول الله صلى الله ليه وسلم فيما ظهر الخطاب فيه فأما ما لم يظهر فيه خصائصه وورد فيه خطاب مختص به فهذا مجال النظر ولست أتحقق أيضا مسلكا قاطعا من رأيهم في طرد اعتقاد المشاركة.
270- ومما يتعين له التنبيه الآن إلى أن يجيء تقريره في باب التأويلات أن كل ظهور يتلقى من وضع اللسان فهو الذي يثبت عندنا وجوب العمل ما لم يمنع منه مانع فأما غلبات الظنون في تقدير وقائع وعادات فما أراها [مناطا] للأحكام وإن غلب الظن فيه كما غلب في إرادة الشارع عليه السلام بلفظه ما يشعر به ظاهره.
__________
1 آية "50" سورة الأحزاب.
(1/132)

وهذا بمثابة تسويغنا للمؤول اعتماد الاحتمال على شرط عقد التأويل بالدليل ثم لا يلتزم تنزيل الأمر على إمكان النسخ وإن كان محتملا فإن قطعنا بشيء من ذلك حكمنا به وهذا كقطعنا أنهم كانوا يتأسون برسول الله صلى الله عليه وسلم في أفعاله ويستبينون منها رفع الحرج عنهم إذا لم يظهر [لهم] اختصاص رسول الله عليه السلام وهذا الفن مقطوع به فلا جرم المرتضى عندنا في حكم فعله صلى الله عليه وسلم المنقول مطلقا استبانة رفع الحرج فيه عن الأمة إذا لم يكن الفعل في محل خصائصه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بعد ذلك أحكام أفعاله فالذي تيقناه في أفعاله لم نتيقنه في الخطاب المختص به صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
271- إذا خص رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته بخطاب فهذا مما عده الأصوليون من مسائل الخلاف فقالوا من العلماء من صار إلى أن المكلفين قاطبة يشاركون المخاطب ومنهم من قال لا يشاركونه.
والقول في هذا عندي مردود إلى كلام وجيز فإن وقع النظر في مقتضى اللفظ فلا شك أنه للتخصيص وإن وقع [النظر] فيما استمر الشرع عليه فلا شك أن خطاب رسول الله وإن كان مختصا بآحاد الأمة فإن الكافة يلزمون في مقتضاه ما يلتزمه المخاطب وكذلك القول فيما خص به أهل عصره وكون الناس شرعا في الشرع واستبانة ذلك من عهد الصحابة ومن بعدهم لا شك فيه وكون مقتضى اللفظ مختصا بالمخاطب من جهة اللسان لا شك فيه فلا معنى لعد هذه المسألة من المختلفات والشقان جميعا متفق عليهما.
وهذه المسألة والتي قبلها في الصيغ الخاصة ولكنهما تعلقتا بما تقدم عليهما فرأينا ذكرهما.
وقد نجزت الآن الألفاظ المطلقة في العموم ومقتضاها وحان الآن أن نذكر الصيغ المقيدة المقترنة.
(1/133)

فصل: الصيغ المقيدة بالقرائن.
272- فنقول: القرائن تنقسم إلى قرائن حالية وإلى قرائن لفظيه فأما القرائن الحالية: فكقول القائل: رأيت الناس وأخذت فتوى العلماء ونحن نعلم أن حاله لا يحتمل رؤية الناس أجمعين ومراجعة جميع العلماء فهذه القرينة وما في معناها تتضمن تخصيص الصيغة وستتلوها مسائل حرية بالالتحاق بهذا القسم.
(1/133)

مسألة:
273- إذا ورد خطاب الشارع صلوات الله عليه وسلامه على سبب مخصوص وسؤال واقع عن واقعة معينة فقد اختلف الأصوليون في أن الصيغة هل يتعدى سببها في اقتضاء العموم أم يتضمن ورودها على السبب اختصاصها به؟.
فالذي صح عندنا من مذهب الشافعي اختصاصها به.
وعلىهذا يدل قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} 1 الآية قال رضي الله عنه كان الكفار يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وكانوا يتحرجون عن كثير من المباحات في الشرع فكانت سجيتهم تخالف وضع الشرع وتحاده فنزلت هذه الآية مسبوقة الورود بذكر سجيتهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام والموقوذة وأكيلة السبع وكان الغرض منها استبانة كونهم على مضادة الحق ومحادة الصدق حتى كأنه قال تعالى: "لا حرام إلا ما حللتموه". والغرض الرد عليهم ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في مصيره إلى حصر المحرمات فيما ذكر الله تعالى في هذه الآيات والذي نقله من يوثق به من مذهب أبي حنيفة أن الصيغة مجراة على العموم وقد زاد على ادعاء العموم أمرا منكرا إن صح عنه سنختم المسألة به.
274- ونحن نقول: إن كان جواب الشارع لا يفرض مستقلا بنفسه لولا تقدم السؤال مثل أن يسأله رجل عن شيء معين قائلا: أيحل هذا؟ فيقول: نعم أو لا فلا سبيل في ادعاء العموم فإن العموم فرع استقلال الكلام بنفسه بحيث يفرض الإبتداء به من غير تقدم سؤال فإذ ذاك يستمسك المستمسكون باللفظ كما سنذكره ويتعلق آخرون بالسبب.
فأما إذا كان الكلام لا يثبت له الاستقلال دون تقدم السؤال والسؤال خاص والجواب تتمة له وفي حكم الجزء منه [فليس بموضع خلاف] .
وأما إذا كان كلام الشارع مستقلا بحيث لو قدر نطقه به ابتداء لكان ذلك شرعا منه وافتتاح تأسيس فهذا موضع الكلام.
__________
1 آية "145" سورة الأنعام.
(1/134)

275- والذي نرى القطع به التعلق بمقتضى الصيغة في أصل اللسان فإنا إن نظرنا إلى معناها فهو عام وإن نظرنا إلى السبب فليس بدعا أن يسأل الرسول عليه السلام عن شيء فيذكر في مقابلته تأسيس شرع يأخذ منه السائل خطه ويسترسل مقتضى اللفظ على غيره.
فالقول البالغ فيه أن قصد التخصيص بالسبب الخاص يعارضه قصد ابتداء تمهيد الشرع فإن لم يظهر قصد تأسيس الشرع لم يترجح قصد التخصيص بالسبب فإذا تعارضا لم يحكم أحدهما على الثاني وتعين التمسك باللفظ ومقتضاه العموم ولهذا اعتقد صحبه الأكرمون عدم اختصاص ألفاظه بالمكان والزمان والمخاطبين وسبقوا إلى أن الناس الذين لم يخاطبوا مع المخاطبين شرع في الشرع ولا حاجة إلى ذلك مع ما قررناه.
وما ذكره الشافعي من الكلام على الآية فهو في غاية الحسن ولكن ما ذكر لا يفيد الحكم على الآية بل يفيد تطرق التأويل إليها ولولا ما مهدنا لكانت الآية نصا وهي من آخر ما نزل على رسول الله صلى الله ليه وسلم ولم يدع أحد من حملة علوم القرآن النسخ فيها.
276- وأنا أقول وراء ذلك: مقتضى هذا السياق الذي هو [مستمسك] إمام دار الهجرة مالك رضي الله عنه يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات وغيرها من النجاسات فلا يستمر إجراء الآية على العموم مع اعتقاد هذا الذي ادعيناه [و] قطع السلف بالتحريم فيه فإن أنكر منكر هذا واندفع في تحليل هذه الأشياء علم قطعا انسلاله عن ضبط المسألة واستيطاؤه مركب العقوق فرب شيء نتحققه بعد انقراض العصور وإن لم نشهد أهلها وإن سلم مسلم تحريم ما ذكرناه ولم يقابل الحقوق بالعقوق وهاب حجاب الإنصاف فيبطل بذلك ادعاء النص في العموم.
ثم نحن وإن كنا لا نرى تطرق التخصيص إلى اللفظ مقتضيا مصير اللفظ مجملا كما سنذكره في مسائل الخصوص فإنا نعتقد أن ذلك إن جرى يخرج اللفظ عن مراتب النصوص في العموم ويلحقه بقبيل الظواهر وهذا كاف في مسلك الكلام على هذه الآية.
277- وقد حان الآن أن نذكر ما نقل من سرف أبي حنيفة في عدم الالتفات إلى السبب فنقول أولا إذا حكمنا بتعميم اللفظ الوارد في السبب الخاص فلا شك أنا.
(1/135)

لا تشترط في تجويز تخصيصه [ما] يجوز به تخصيص [الألفاظ] المطلقة بل نقول تخصيص اللفظ [بسبب] يقوى جانب المؤول ويخفف عليه مؤنة طلب دليل بالغ في الوضوح على ما سيأتي بيان ذلك وأمثاله في باب التأويلات ولكنا نقول: لا يجوز إخراج سبب اللفظ بطريق التخصيص عن مقتضى اللفظ فهو إذا صريح في سببه ظاهر في غيره على ما ارتضيناه.
278- ونقل ناقلون عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج سبب اللفظ بالتخصيص وإنما ادعى النقلة عليه ذلك من خبرين أحدهما حديث العجلاني في اللعان فإنه لاعن امرأته وهي حامل ونفى حملها فانتفى ومنع أبو حنيفة1 نفى الحمل باللعان وإن لم يرد في بيان اللعان عن المصطفى صلى الله عليه وسلم غير قصة العجلاني والحديث الآخر حديث عبد بن زمعة2 وكان سأل عن ولد أمته في ملك يمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش" 3 فغلا أبو حنيفة في اللفظ حتى ألحق الولد بالأب في النكاح وإن تيقنا استحالة العلوق من الزوج ولم يلحق ولد المملوكة بمولدها [وإن] أقر بالوطء والافتراش [فالذي] عندي أنه لا يجوز أن ينسب إلى [متعاقل] تجويز استخراج السبب تخصيصا وما نقل عنه محمول على أن الحديثين لم يبلغاه بكمالهما وكان ضعيف القيام بجمع الأحاديث صارفا جمام طلبه إلى الرأي مع القطع بأن الذين مضوا كانوا لا يتعلقون بالرأي ما لم يتعجزوا عن تتبع ألفاظ الشارع.
فهذا ما أردنا ذكره في القرائن الحالية.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 عبد بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر القرشي العامري أخو سودة أم المؤمنين. قال ابن عبد البر: كان من سادات الصحابة. له ترجمة في: الإصابة 2/433/5272.
3 روى هذا اللفظ: البخاري 3/70 و 106 و 161 و4/40, ومسلم في: الرضاع "36, 37", وأبو داود "2273" والترمذي "1157", والنسائي في: "49, 50" وابن ماجه "2006, 2007", والدارمي 2/152, وأحمد 2/25 و 2/207 و 280 و 475.
(1/136)

القرائن التي ليست حالية
مدخل
...
القرائن التي ليست حالية.
فأما القرائن التي ليست حالية فهي تنقسم إلى الاستثناء والتخصيص ونحن نبدأ بالاستثناء.
(1/136)

مسائل الاستثناء:
279- الاستثناء استفعال من الثني يقال: ثنيت الشيء إذا صرفته وثنى الثوب إذا كف وغطف عن أطراف الأذيال والأكمام ثم للاستثناء أدوات في اللسان يطول استقصاء القول فيها ونحن نذكر أمها وأصلها ونضبط تراجم الاستثناء مبنية على القواعد ثم ننعطف على المسائل الأصولية في قضايا الاستثناء فنقول:
280- أصل أدوات الاستثناء "إلا" ثم لا يخلو إما أن يتصل بكلام متضمنه إيجاب1 وإثبات2 وإما أن يتصل بكلام مبني على النفي فإن كان في واجب ثابت فوضع اللسان فيه اقتضاء النصب تقول جاء القوم إلا زيدا والتقدير أستثنى زيدا فهو حرف دال على فعل ناصب قال الله تعالى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ} 3 وقد يرد ما بعد إلا مرفوعا وهو فصيح منطوق به تقول جاءني القوم إلا زيد وعليه حمل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} 4 وأنشد فيه:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان.
وإنما يسوغ ذلك لأمر نحن ننبه عليه فنقول من قولهم في اللغة الفصيحة: جاء القوم غير زيد فينصبون "غير" على الاستثناء ويأخذون نصب "غير" مما ينتصب بإلا5 في قولهم جاء القوم إلا زيدا فغير يدخل على ما يعمل فيه "إلا" ويجوز أن يقال جاء القوم "غير" زيد أجروا غير نعتا للقوم والتقدير جاء القوم المغايرون لزيد ثم لما أدخلوا "غير" على حكم إلا أدخلوا ما بعد إلا في لغة على "غير" في مذهب الصفة فقالوا: جاء القوم إلا زيد.
281- وإذا اتصل بكلام مبني على النفي فلا يخلو إما أن يتم الكلام دونه أو لا يتم فإن لم يتم الكلام دونه فاعتماد الكلام على النفي تعمل إلا وجرى الكلام بوجوه [الإعراب كما يجري فرضه] لو فرض حذف إلا.
__________
1 إيجاب: وذلك بأن يذكر في الكلام المستثنى منه.
2 إثبات: وذلك بألا يتقدمه نفي.
3 آية "249" سورة البقرة.
4 آية "22" سورة الأنبياء.
5 وللمنتصب بـ"إلا" ثلاثة أحوال: الأولى: وجوب النصب على الاستثناء وذلك إذا كان الكلام موجبا. الثانية: جواز اتباعه لما قبل "إلا" على أنه بدل منه مع جواز نصبه على الاستثناء وذلك إذا كان الكلام تاما منفيا. الثالثة: وجوب إجرائه على حسب ما يقتضيه العامل المذكور قبل إلا وذلك إذا كان الكلام ناقصا ولا يكون حينئذ إلا منفيا.
(1/137)

فتقول ما جاءني إلا زيد وما رأيت إلا زيدا وما مررت إلا بزيد كما تقول ما جاءني زيد وما رأيت زيدا وما مررت بزيد.
282- وإن كان الكلام المبني على النفي يتم دون "إلا" فللعرب مذهبان في إعماله منهم من يجريه مجرى استثناء ومنهم من لا يرى إعماله ويقول ما رأيت أحدا إلا زيدا وما جاءني أحد إلا زيدا على الإعمال والاستثناء وإلا زيد على ترك الإعمال وهو في تقدير النحاة بدل عن أحد واختلف القراء في قوله تعالى: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} 1 فقراءة العامة على ترك الإعمال وقرأ ابن عامر إلا قليلا منهم على الاستثناء وهذا إذا قدمت قولك أحدا فأما إذا قدمت قولك: إلا على قولك أحد لم يتجه إلا الإعمال والحمل على الاستثناء تقول: ما جاءني إلا زيدا أحد والسبب فيه أن سقوط العمل على البدل والبدل لا يتقدم على المبدل قال زهير2:
القوم ألب علينا فيك ليس لنا ... إلا الرماح وأطراف القنا وزر.
وقال الكميت3:
فمالي إلا آل أحمد شيعة ... ومالي إلا مشعب الحق مشعب.
نصب آل لما أخر قوله: شيعة ونصب [المشعب] الأول على هذا المذهب وكل ما ذكرناه في الاستثناء من الجنس.
283- فأما الاستثناء من غير الجنس والكلام مبني على النفي حيث انتهى الترتيب إليه فمذهب الاستثناء شائع فيه وفاقا فتقول: ما جاء أحد إلا حمارا والتقدير: أستثنى حما فأما إذا أتيت بما بعد إلا على تقدير البدل فقد اختلف فيه أهل اللسان فمنع الحجازيون البدل وعينوا الاستثناء ولم يروا وقوع الحمار بدلا.
__________
1 آية "66" سورة النساء.
2 زهير: هو ابن أبي سلمى وهو أحد الثلاثة المتقدمين على سائر الشعراء وكان يمتاز بما في نظمه من الحكمة البالغة وكثرة الأمثال مع القدر على المدح. مات سنة "615". له ترجمة في: خزانة الدب 1/375, والشعر والشعراء "57".
3 الكميت: هو ابن زيد الأسدي شاعر مقدم عالم بلغات العرب خبير بأيامها من شعراء مضر وألسنتها وكان مشهورا بالتشنيع لبني هاشم وهو من أصحاب الملحمات. مات سنة "216". له ترجمة في: خزانة الدب 1/69, والشعر والشعراء "368", ومروج الذهب 6/36.
(1/138)

عن أحد وقالوا إنما يبدل من أحد عاقل قال النابغة1:
وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ... أعيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا أوارى لأياما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد.
فنصب الأواري على الاستثناء ولم ير إجراءها بدلا عن أحد وهذه لغة القرآن وبنو تميم جوزوا مذهب البدل فقالوا: ما جاءني أحد إلا حمار واعتلوا بأن التعبير بالأحد عن غير من يعقل ليس بدعا في مثل قولك أقبل أحد الحمارين في كلام يطول تتبعه.
فهذه التراجم لم نجد بدا من تصدير الباب بها ونحن الآن نعود إلى المسائل [الأصولية] ونرسمها مسألة.
مسألة:
284- صيغة الاستثناء إذا انقطعت لم تعمل وألغيت وشرطها في الصحة أن تتصل بالمستثنى عنه وتجري جزءا من الكلام والمرعى في الاتصال أن يعد الكلام واحدا غير منقطع.
285- ورأى أصحاب المقالات أن ابن عباس كان يجوز فصل الاستثناء ويعمله وإن طال الفصل بينه وبين المستثنى عنه وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يجوز ذلك في كتاب الله تعالى دون غيره.
والرد على من يجوز فصل الاستثناء مدرك بالبديهة يغني وضوحه عن الإطناب في شرحه ولو عملت الاستثناءات المنفصلة لم يثبت ثقة بالعهود والمواثيق ولما أفضى عقد إلى اللزوم ولما علم صدق صادق وكذب كاذب مع ارتقاب الاستثناء فكل ما نذكره تكلف بعد حصول القطع بأن العرب وغيرها من أرباب اللغات لا يرون إمكان [تغيير] الألفاظ الناصة على معانيها وإلحاق الاستثناء بعدها بعد تمادى الآباد وتطاول الأزمان والكلام المسكوت عليه في رفع اللسان غير مستدرك بعد الفصل بالاستثناء.
__________
1 النابغة: هو زياد بن معاوية الذبياني, وهو من الأشراف الذين غض الشعر منهم كما غض من امرئ القيس. توفى سنة "604"م له ترجمة في: الأغاني 9/162, والشعر والشعراء "70 و 126", والجمهرة "52".
(1/139)

والغامض في هذه المسألة أن ابن عباس وهو حبر هذه الأمة ومرجوعها في مشكلات القرآن كيف يستجيز انتحال مثل هذا المذهب على ظهور بطلانه؟ والوجه اتهام الناقل وحمل النقل على أنه خطأ أو مختلق مخترع والكذب أكثر ما يسمع ويمكن أن يحمل مذهبه على إضمار الاستثناء متصلا ثم يقع البوح بادعاء إضماره مستأخرا فإذا ادعى مدع أن صاحب الكلام مصدق فهذا مذهب على كل حال وإن كان مزيفا وقد صار إليه بعض أصحاب مالك.
286- وأما من قال من الفقهاء بتجويز تأخير الاستثناء في كلام الله تعالى دون غيره فإنما حمله عليه خيال من مبادئ كلام المتكلمين الصائرين إلى أن الكلام الأزلي واحد وإنما الترتيب في جهات الوصول إلى المخاطبين وإن كان كل تأخر قد تأخر من الاستثناء به فذلك من سماع السامعين وفهم المخاطبين لا في كلام رب العالمين.
وهذا من هؤلاء اقتحام العمايات والارتباك في غمرات الجهالات فإن استقر هذا العقد في اتحاد كلام [الله تعالى] والحكم عليه ظاهر بما هو الاختلاف حقا والواحد لا يختلف فثبت أن الواحد الذي حقه ألا ينقسم مستثنى عنه واستثناء المستثنى عنه منفى والاستثناء نفي وهيهات أن يشتمل على ذلك فكر عاقل غير مصروف عن درك الحقائق بعرف التقاليد ثم ليس الكلام مع هذا كله في الكلام الأزلي وإنما الكلام في العبارات التي تبلغنا وهي محمولة على معاني كلام العرب نظما ووصلا وفصلا ولا شك أنه لا ينتظم في وضع العربية فصل صيغة الاستثناء عن العبارة التي تشعر بمستثنى عنه فهذا منتهى القول في ذلك.
مسألة:
287- إذا اشتمل الكلام على جمل واستعقب الجملة الآخرة استثناء فالمنقول عن الشافعي1 رضي الله عنه: أن الاستثناء ينعطف على الجمل كلها ولا يختص بالجملة الآخرة منها.
وقال أبو حنيفة2: هو مختص بالجملة الآخرة معينا.
288- وينبني على المذهبين مسألة في الوصايا والحبس وهي أن القائل إذا قال:
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبقت ترجمته.
(1/140)

وقفت داري هذه على بني فلان ثم على بني فلان وعدد طوائف وميز بعضهم من بعض ذكرا ثم قال عند ذكر الطائفة الأخيرة إلا أن يفسق منهم فاسق فلا يستحق من المسمى شيئا فهذا يتضمن على رأى الشافعي اشتراط العدالة في جميع البطون قبله وأبو حنيفة رضي الله عنه ومتبعوه يزعمون أن الاستثناء المتصل بالجملة الأخيرة يتضمن اشتراط العدالة في المسمين آخرا والمذكورون قبلهم يستحقون فسقوا أو اتقوا وذكر الأصوليون آية القذف مثالا مفروضا لإيضاح المذهبين وترجيح أحدهما على الثاني وهوقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} 1 رأى الشافعي صرف "إلا" في قوله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} 2 إلى ما أمكن من الجمل المتقدمة ومنها قوله تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} 3 وخصص أبو حنيفة معنى هذا الاستثناء بنبذ الفسق والتسمية به فالقذفة فسقة إلا من تاب فسقط عنه بظهور التوبة اسم الفسق وأما حكم الرد المستفاد من قوله تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} 4 فلا ينعطف الاستثناء عليه وهو مستدام على التأييد كما أشعر به قوله تعالى: {أَبَداً} .
ونحن نذكر الآن ما قاله الأصوليون لكل فريق ثم نذكر ما هو المختار كدأبنا في المسائل.
289- فمما ذكره [أصحاب] الشافعي أن الجمل إذا عطف بعضها على بعض فالواو ناسقة عاطفة مشركة مصيرة جميع ما للعطف بها في حكم جملة مجموعة لا انعطاف ولا ترتيب فيها فإذا قال القائل رأيت زيدا وعمرا اقتضى ذلك اشتراك المذكورين في الرؤية وحاصل ذلك يتضمن المصير إلى جعل الجمل وإن ترتبت ذكرا جملة واحدة ويقتضي ذلك استرسال الاستثناء عليها.
وهذا عندي خلى عن التحصيل مشعر بجهل مورده بالعربية والتشريك الذي ادعى هؤلاء إنما يجري في الأفراد التي لا تستقل بأنفسها وليست جملا معقودة بانفرادها كقول القائل رأيت زيدا وعمرا فأما إذا اشتمل الكلام على جمل وكل جملة لو قدر السكوت عليها لاستقلت بالإفادة فكيف يتخيل اقتضاء الواو التشريك.
__________
1 آية "4, 5" سورة النور.
2 سبقت.
3 سبقت.
4 سبقت.
(1/141)

فيها؟ ولكل جملة معناها الخاص بها وقد يكون بعضها نفيا وبعضها إثباتا في مثل قول القائل: أقبل بنو تميم وارفضت قريش وتألبت عقيل فكيف يتحقق الاشتراك في هذه المعاني المختلفة التي لا يتصور الإشتراك فيها؟ فالواو لا تكسب الجمل إعرابا فكيف تشركها في المعنى؟ والإطناب في ذلك لا معنى له نعم تستعمل العرب الواو في تضاعيف ذكر الجمل لتحسين نظم الكلام لا للعطف المحقق والتشريك.
290- وادعى بعض أصحاب الشافعي أن بعض أصحاب أبي حنيفة يقولون إن الرجل إذا قال: نسوتي طالق وعبيدي أحرار ودوري محبسة إن شاء الله تعالى فهذا الاستثناء راجع إلى [جميع] ما تقدم وما أراهم يسلمون ذلك إن عقلوا وإن سلموا فمطالب القطع لا يغنى فيها التعلق بمناقضات الخصم وهفواته فليبعد طالب التحقيق عن مثل هذا.
291- ونحن نقول: إذا اختلفت المعاني وتباينت جهاتها وارتبط كل معنى بجملة ثم استعقبت الجملة الأخيرة مثنوية فالرأي الحق الحكم باختصاصه بالجملة الأخيرة فإن الجمل وإن انتظمت تحت سياق واحد فليس لبعضها تعلق بالبعض كما قدمنا تقريره وإنما ينعطف الاستثناء على كلام مجتمع في غرض واحد.
وإن اختلفت المقاصد في الجمل فكل جملة متعلقة بمعناها لا تعلق لها بما بعدها والواو ليست لتغيير المعنى وإنما هي لاسترسال الكلام وحسن نظمه والجملة الأخيرة تفصل الاستثناء عن الجملة المتقدمة من حيث إن الخائض في ذكرها آخذ في معنى يخالف معنى الجملة المتقدمة مضرب عنه فيظهر والحالة هذه اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة وبيان ذلك بالمثال: أن الرجل إذا قال [أكرموا من يزورنا] وقد حبست على أقاربي داري هذه وبعت عقاري الذي تعرفونه من فلان وإذا مت فأعتقوا عبيدي إلا الفاسق منهم فيبعد انصراف حكم الاستثناء إلى الحبس أو إلى الأمر بالإكرام ثم ليس يبعد قصد العطف على الجميع إذا أمكن [ولكن] يس يشعر ظاهر الكلام به فإذا قال [القائل] وقفت على بني فلان داري وحبست على أقاربي ضيعتي وسبلت على خدمي وموالى غنمي إلا أن يفسق منهم فاسق فلا يظهر اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة ولا يظهر انعطافه على الجمل كلها والأمر في ذلك موقوف على المراجعة والبيان.
والسبب فيه أن مساق الخطاب في الجمل كلها واحد ولكن الجمل منفصلة في الذكر فجر اتحاد المقصود وفصل الجمل إجمالا ووقفا.
(1/142)

292- وأما آية القذفة فإنها خارجة عن القسمين جميعا على ما سنوضحه الان قائلين قوله تعالى: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} 1 حكم في جملة وقوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} 2في حكم التعليل لحكم الجملة المتقدمة فإن الشهادة في أمثال هذه المحال بالفسق ترد فإذا تاب رفعت التوبة علة الرد وانعطف أثرها على الرد لا محالة فكأنه تعالى قال: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} 3 لأنهم فاسقون إلا الذين تابوا وهذا يدرأ عنا سؤال من سأل فقال هلا حططتم الحد بالتوبة فإنا نقول الحد في حكم المنقطع عن الرد فإنه موجب جريرة ارتكبها والغرض من الحد الزجر عن أمثالها ولو سقط الحد بإظهار التوبة لاستجرأ الفسقة على الأعراض فلم نر للحد ارتباطا بالرد والفسق وإنما ارتباطه بالزجر الذي وضعه الشارع فكأنا عطفنا التوبة على جملة واحدة مؤذنة بالتعليل فلم يلزم عطف أثرها على حكم جملة منقطعة عنها فإذا جرت مسألة قبول شهادة القذفة لائحة مع استمساكنا بالحق المبين في مأخذ الأصول.
293- فإن قيل إذا حبس على فرق وطوائف وعقب على الجملة الأخيرة استثناء فبم تفتون في موجب ذلك الاستثناء في الجمل السالفة قلنا أما من يعتقد ظهور انعطاف الاستثناء في الجمل المتقدمة فلا يكاد يخفى قوله وأما أنا فعندي الوقف فإن وجدت قرينة حاكمة اتبعتها فإن لم أجدها لم أحكم بالاستحقاق في الجمل الماضية في محل الاستئناف فإني لم أتحقق استحقاقهم فيها ولا يثبت الاستحقاق إلا بثبت فإن الأصل عدمه وهذا تقرب فائدته من فائدة مذهب من يعتقد ظهور انعطاف الاستثناء على جميع المذكورين.
مسألة:
294- إذا استغرق الاستثناء الجميع كان باطلا لغوا واستقر الكلام المتقدم عليه في جميع مقتضاه كما يستقر كلام لا يستعقبه استثناء وإن أبقى الاستثناء شيئا وإن قل نفذ وبقى ما أبقاه الاستثناء.
295- وذكر القاضي أن شرط صحة الاستثناء أن يكون مضمونه أقل من نصف المستثنى عنه ولم يتمسك إلا باستبعاد لا يليق بمنصبه التعلق بمثله فقال: إذا قال القائل لفلان: عندي عشرة إلا تسعة وخمسة أسداس وخمسة حبات عد ذلك من.
__________
1 سبقت.
2 سبقت.
3 سبقت.
(1/143)

الهزء وعد صاحبه ملغزا فالاستثناء لاستدراك قليل بالإضافة إلى المذكور أولا وهذا الذي ذكره دعوى عرية وتهاويل لا تحصيل لها ومساقها يبطل الاستثناء كرة إذ يقال للمستثنى كان من حقك ألا تعترف إلا بالفاضل بعد استثنائك فإذا قلت: عشرة لم يقبل منك نفي شيء منها والذي ذكره من أن الاستثناء في وجه حسن الكلام يقل مضمونه عن المبقى بعده فلسنا ننكر أن الأحسن ما ذكره وأما رد غيره فلا سبيل إليه ولو قال القائل: لفلان على تسعة وخمسة أسداس وخمس حبات كان ذلك تطويلا والأحسن أن يقول: لفلان على عشرة إلا حبة فليس كل ما يوضح الأحسن يرد غيره.
مسألة:
296- ذكر الفقهاء اختلاف الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما في الرجل إذا قال لفلان على ألف درهم إلا ثوبا ثم ذكر ثوبا لا يستغرق قيمة الألف المذكورة وذكر وجها [معقولا] في استثناء قيمة الثوب عن الألف وجعل ذكر الثوب عبارة عن قيمته فهذا مقبول عند الشافعي مردود عند أبي حنيفة وسوغ أبو حنيفة استثناء الكيل بعضه من بعض وإن اختلفت الأجناس ردا إلى التأويل الذي ذكره الشافعي في الثوب وكذلك جوز استثناء المكيل من الموزون والموزون من المكيل في مرادات وفرق وجمع بين الفقهاء.
297- وحظ الأصول من هذه المسألة أن الجنس إذا اختلف فلا يجري الاستثناء فيه على حقيقته ومن ضرورة الاستثناء الحقيقي مجانسة المستثنى للمستثنى منه فإن صح في مسالك الظنون التعبير بالثوب عن قيمته فالمستثنى القيمة إذ هي مجانسة للمستثنى منه لا الثوب بعينه [فالأصح بعد وضوح ذلك ألا يعتقد ثبوت الاستثناء من غير الجنس فإن جرى لفظ] "إلا" في كلام فصيح لم يكن استثناء وكان ذلك بمعنى لكن مع استفتاح كلام بعده] وهو كثير في القرآن الكريم وألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلاً سَلاماً, سَلاماً} 1 [وليس السلام] من فن اللغو والتأثيم ومن ضرورة الاستثناء الحقيقي أن تستخرج شيئا كان يدخل تحت لفظك لو أطلقته مجردا عن الاستثناء فإن ذلك يكون صارفا لمقتضى اللفظ فأما مالا يفرض دخوله إذا أطلق اللفظ كيف يتخيل خروجه وهذا واضح.
__________
1 آية "25, 26" سورة الواقعة.
(1/144)

فإن قيل: فما الذي حسن صيغة الاستثناء في ذلك مع خروجه عن حقيقة الباب؟ قلنا: تقدير {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً} 1 أي لا يسمعون فيها إلا قليلا وجرى ما قبله في حكم التأكيد لنفي ما سوى السلامة وعلى هذا جرى ما يضاهي ذلك.
__________
1 سبقت.
(1/145)

فصل: الفرق بين الاستثناء والتخصيص.
298- قد ذكرنا ما يتعلق بالأصول من أحكام الاستثناء وقد كنا قسمنا قبل القرائن إلى الاستثناء والتخصيص ونحن نذكر الآن بعد نجاز مسائل الاستثناء حقيقة التخصيص والفرق بينه وبين الاستثناء ثم نندفع بعد هذا في قواعد التخصيص وتقاسيم القول فيها.
299-[فنقول] : التخصيص إفراد الشيء بالذكر في اصطلاح الأصوليين تقول خصص فلان الشيء بالذكر إذا أفرده واللفظ الخاص هو الذي ينبئ عن أمر يجوز إدراجه مع غيره تحت لفظ آخر والخاص الذي لا يتصف بالعموم هو الذي يتناول واحدا فحسب والعام هو الذي لا يثبت فيه مقتضى الخصوص كالمعلوم والمذكور والمخبر عنه ورب لفظ هو خاص بالإضافة إلى عام فوقه وهو عام بالإضافة إلى خاص دونه فالزيدان عام بالإضافة إلى زيد خاص بالإضافة إلى الزيدين وأمثلة ذلك تكثر.
ثم ذكر أرباب الأصول طرفا في الفرق بين التخصيص والاستثناء ونحن نذكر حقيقة الفرق بينهما ثم نورد ما أوردوه تحقيقا لما نمهده.
300- فالاستثناء مع المستثنى عنه في حكم الكلام الواحد المسوق لما يبقى من الاستثناء فإن قلت: عشرة إلا خمسة كان مجموع الكلام عبارة عن خمسة ولا تقول: تبين بالاستثناء أن العشرة الواقعة في صدر الكلام عبارة عن الخمسة وهذا محال لا يعتقده لبيب بل ذكر العشرة مع ذكر مطلقها إلا خمسة مجموعها ينص على الخمسة الباقية ولو فرض مجرد العشرة لكان نصا في العدد المعنى به ولو فرض استئخار إخراج الخمسة للغا الاستثناء وعد نسخا وقطعا لبعض العشرة بعد اعتقاد الثبوت.
(1/145)

301- والتخصيص تبيين المراد باللفظ الموضوع ظاهره للعموم فلا يقع التخصيص جزءا من الكلام الوارد عاما بل ذلك اللفظ ظاهره للاستغراق ولا يمنع أن يعنى به فإذا بان أن مطلقه عنى به خصوصا أو ظن ذلك به على ما سنذكر مسالك الظنون في التأويلات إن شاء الله تعالى فهذا هو الذي يسمى تخصيصا ولا يكون المخصص إذا نصا في العموم ولو كان نصا لما تبين أن المراد به غير ما هو نص فيه أو بعضه فهذا حقيقة الفرق.
ثم يقتضي ما ذكرناه أمورا يفترق فيها الاستثناء والتخصيص منها.
302- أن التخصيص قد يتبين بقرائن الأحوال ولا يفرض ذلك في وضع الاستثناء فإذا قال القائل: رأيت الناس فالقرينة شاهدة بأنه لم ير جميعهم وإذا قال رأيت عشرة فلا قرينة تدل على حمل العشرة على خمسة والاستثناء يتصل فإنه يعد جزءا من الكلام كما تمهد والتخصيص لا يمتنع انفصاله [في وضع الكلام فإنه تبيين] ولا يمتنع استئخار البيان عن اللفظ في وضع اللسان كالاستثناء فإن الانفصال يخرجه عن كونه استثناء كما سبق ومن منع تأخير البيان عن مورد الخطاب فلا يأخذ منعه من وضع اللسان وإنما يتلقاه مما يعتقده من القول بالاستصلاح على ما سيأتي طرف منه بعد ذلك في حكم الخصوص والعموم.
وهذا القدر مقنع في محاولة الفرق بين البابين فإن الغرض في كل فن بيان مقصوده والازدياد بعد البيان لا يفيد.
303- وليعلم الناظر أن ما نذكره في العموم والخصوص إنما يختص بالأسماء دون الأفعال والحروف فإن الحروف لا تستقل بمعان حتى تقدر خاصة أو عامة والأفعال لا يلحقها الجمع والتثنية كما سبق الرمز إليه وكل ما لا يتطرق إليه معنى التعميم لا يلحقه معنى التخصيص فإنهما معنيان متعاقبان على التناقض لا يثبت أحدهما إلا حيث يتصور ثبوت الثاني فانحصر طلب التعميم والتخصيص في الأسماء.
304- ثم نحن نذكر الآن ما يقبل التخصيص وحكم اللفظ إذا خصص ثم نذكر ما يقع به التخصيص ونصل مختتم الكلام بالقول في التأويلات فلا أرى في علم الشريعة بابا أنفع منه لطالب الأصول والفروع وهذا الترتيب يقتضي ذكر حقيقة النص والظاهر والمجمل والمفسر والمتشابه والمحكم وما في كل فن من الوفاق والخلاف إن شاء الله تعالى.
(1/146)

مسألة:
305- لا يمتنع ورود اللفظ العام [مع] استئخار المخصص عنه إلى وقت الحاجة وذهب جماهير المعتزلة إلى منع ذلك وهذا من فروع القول في تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة ولكنا أقمنا رسمها لتجرى المسألة منتظمة في الكلام للعموم والخصوص ولزيادة نوردها.
أما وجه التحاقها بما تقدم في أحام البيان فهو أن المخصص ليس جزءا من الكلام المصدر بالصيغة العامة بخلاف الاستثناء وإنما هو بيان المراد باللفظ تأويلا فلا يجب اتصاله كما يجب [في] الاستثناء والمستثنى عنه وليس تأخير البيان مستحيل الوقوع عقلا فإن رد الخصم استحالة ذلك إلى الاستصلاح والقول بموجب رعاية صلاح العباد فهو أصل لا يساعدون عليه ولا يمتنع أن يقع في المعلوم أن استصلاح العباد في تأخير البيان إلى وقت الحاجة فلم يبق لما منعوه وجه وقد ذكرنا هذا المسلك فيما سبق.
306- والذي [نزيده] أن الخطاب الذي يخصصه مقتضى العقل يجوز فرض وروده وإن كان يستأخر عن [مورده] الإحاطة بإرادة الخصوص منه أخذا من أساليب العقول وهذا متفق عليه ولا ينجى الخصوم منه قولهم إن العقل عتيد والنظر ممكن فإن ذلك يستدعي تمادى أمد وتطاول زمن ولو اتصل التخصيص لفظا ونطقا لأغنى عن النظر وليس لهم عما ألزموه جواب ولا حاجة إلى التزامهم ذلك مع ما مهدناه.
307- ونختتم المسألة بإلزامهم ورود عمومات الكتاب مع استئخار تبين خصوصها عن موردها فإنا على اضطرار من عقولنا نعلم أن الأحكام التي اقتضتها الصيغ مطلقة ثم فصلتها سنن الرسول صلى الله عليه وسلم على ممر الزمان عند اعتقاب الوقائع كثيرة ومن أنكر ذلك وادعى أنه لم يرد خطاب مقتضاه عموم في الكتاب إلا فصله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثر مورده فقد ادعى [أمرا] منكرا وقال بهتانا وزورا ومما نضربه مثالا آية السرقة فإنها [إذ وردت] لم يبتدر رسول الله صلى الله عليه وسلم تفصيل أحكامها في الأقدار والأحراز [ونصاب المسروق] في مجلس واحد بل كان لا يعتني بالإكباب على البيان اعتناءه بوظائف النقل فضلا عن المفترضات وكان إذا وقعت واقعة روجع فيها فيبين قدر الغرض ويقتصد وجاحد ذلك مباهت معاند.
(1/147)

مسألة:
308- إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم ولم يدخل وقت العمل بموجبها فقد قال أبو بكر1 الصيرفي من أئمة الأصول: يجب على المتعبدين اعتقاد العموم فيها على جزم ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذلك وإن تبين الخصوص [تغير] العقد.
وهذا غير معدود عندنا من مباحث العقلاء ومضطرب العلماء وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار في عناد ونحن نقول لمن ينتحل هذا المذهب: أيجوز أن يبين الخصوص بالآخرة فإن قال: "لا" فتقدير ورود الخصوص متأخرا محال إذا ويتصل القول في ذلك بالرد على الذين أوجبوا اتصال البيان بمورد الخطاب وأبو بكر هذا من الرادين على هؤلاء في تصانيفه وإن زعم صاحب هذا المذهب أن تبين الخصوص ممكن فكيف يتصور جزم العقد مع اشتماله على تجويز أن يتبين الأمر على خلاف ما جزم العقد به والتردد والجزم متناقضان.
309- والذي يكشف الغطاء في هذه المسألة أن المتعبد قبل أن [يحين] العمل يتردد وقد يغلب على ظنه العموم لظهور اللفظ في اقتضائه ثم إذا لم يرد مخصص ودخل وقت تكليف العمل فيقع ذلك على وجهين أحدهما القطع بالتعميم فينهض اللفظ العام مع ما يبدو من القرائن نصا وقد يقع ذلك نصا في مسالك الظنون فإن العمل لا ينحصر في مدارك القطع فالمقطوع [به] وجوب العمل بالعموم فأما أن يعتقد إرادة العموم فلا وهذا يطرد في كل مالا يكون قاطعا كأخبار الاحاد والأقيسة الظنية فالمقطوع به في جميع هذه الأبواب وجوب العمل به والاعتقاد جازم في وجوب العمل وهذا يستند إلى دليل قاطع مغاير لما يجري في مجاري الظنون فأما جزم العقد في أن مطلق اللفظ أراد التعميم فلا وجه له.
310- وإن قال الصيرفي: هذا المذهب من شعب الوقف وقد ظهر بطلانه قلنا الباطل من مذهب الواقفية إنكارهم ظهور الألفاظ في مقاصدها ونحن لا نلتزم من حيث أبطلنا مذهبهم جعل الظواهر نصوصا فكيف يستقيم هذا الكلام ومورده يجوز تبين خصومه كما ذكرنا في أثناء الكلام؟
__________
1 سبقت ترجمته.
(1/148)

مسألة:
311- اللفظ الظاهر في العموم إذا اقتضى العقل خصوصه فهو مخصص بدليل العقل وأنكر بعض الناشئة ذلك وأبوا أن يسموا هذا الفن تخصيصا وهذه المسألة قليلة الفائدة نزرة الجدوى والعائدة فإن تلقى الخصوص من مأخذ العقل غير منكر وكون اللفظ موضوعا للعموم في أصل اللسان لا خلاف فيه مع من يعترف ببطلان مذهب الواقفية وإن امتنع ممتنع من تسمية ذلك تخصيصا فليس في إطلاقه مخالفة عقل ولا شرع فلا أثر لهذا الامتناع ولست أرى هذه المسألة خلافية في التحقيق.
فإن قالوا: التخصيص في حكم البيان وكتاب الله تعالى لا يبينه إلا كلام الله وكلام الرسول عليه السلام يخبر عن الله تعالى ومرجع تبيينه إلى كلام الله تعالى قلنا: ليس التخصيص جزءا من الكلام المتصل المشتمل على الصيغة العامة كما سبق تقريره وإنما هو تبين فإذا ورد الظاهر مخالفا للمعقول فيعلم أن المراد به الخصوص الموافق له والمعنى بكون العقل مخصصا أنه مرشد إلى المراد منه فهذا تمام ما أردناه.
مسألة:
312- الصيغة الظاهرة في العموم إذا تطرق إليها التخصيص فقد صار جماهير المعتزلة وطوائف من أصحاب الرأي أنها صارت مجملة في بقية المسميات لا يسوغ التمسك بها إلا أن يرد خطاب بتنزيلها على بقية المسميات تعبدا بالعمل بموجبها وتمسك هؤلاء بأن اللفظ إذا خصص وهو في أصل الوضع للعموم فقد عسر إجراؤه على موجب أصل الوضع ولم يحصل على ثبت فيما بقى من المسميات فلا اللفظ وضع له خصوصا ولا نحن تمكنا من إعماله على حكم اللغة فيتضمن ذلك إجمالا وإبهاما. وقال معظم الفقهاء: وقد تعبدنا بالعمل بالظاهر إذا لم يمنع مانع فإذا لاح مخصص ولم يتعلق بما بقى ولا مانع من إجراء اللفظ على مقتضاه في الباقي فيتعين.
313- وقال القاضي أبو بكر: إذا خص اللفظ صار مجازا على خلاف ما صار إليه جماهير الفقهاء فإن تجوز به عما وضع له في اقتضاء العموم ولكنه مجاز يجب العمل به فإنا أخذنا العمل بالظواهر التي ليست نصوصا من عادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سنقرر ذلك عند ذكرنا حقائق المجملات والظواهر والنصوص.
(1/149)

ثم علمنا قطعا أن جميع الألفاظ المتعلقة بالأحكام من الكتاب والسنة يتطرق إليها الخصوص وإن استوعب الطالب عمره مكبا على الطلب الحثيث فلا يطلع على عام شرعي لا يتطرق إليه الخصوص ونحن نعلم ضرورة أنهم ما كانوا يقفون عن العمل إذا لاحت لهم مثنوية أو ظهر مخصص فالدال على عملهم بالظواهر على هذا الوجه مقرر فاقتضى عموم هذا القول أن يوجب إعمال الظواهر في بقية المسميات مع الحكم بكون اللفظ مجازا من حيث جاز موجب الوضع.
والذي أراه في ذلك أنه اشترك في اللفظ موجب الحقيقة والمجاز جميعا أما العمل فكما قرره القاضي ووجه اشتراك الحقيقة والمجاز أن تناول اللفظ لبقية المسيمات لا تجوز فيه فهو من هذا الوجه حقيقة في التناول واختصاصه بها وقصوره عما عداها جهة في التجوز فالقول الكامل أن العمل واجب واللفظ حقيقة في تناول البقية مجاز في الاختصاص.
(1/150)

فصل: في معنى النص والظاهر والمجمل والمتشابه والمحكم.
قد ذكرنا أن الأولى تقديم كلام يحوى حقيقة النص والظاهر والمجمل والمتشابه والمحكم حتى إذا نجز الغرض فيه أعقبناه بما يقع التخصيص به ثم أوردنا الكلام في رتب التأويلات والمقبول منها والمردود.
معنى النص
314- فلتقع البداية بالنص وقد اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقته فقال بعضهم هو لفظ مفيد لا يتطرق إليه تأويل وقال بعض المتأخرين هو لفظ مفيد استوى ظاهره وباطنه واعترض بعض المتكلمين على ذكر اللفظ في محاولة تحقيق النص فقال الفحوى تقع نصا وإن لم يكن معناها مصرحا به لفظا.
وهذا السؤال ساقط لأن الفحوى لا استقلال لها وإنما هي مقتضى لفظ على نظم ونضد مخصوص قال تعالى في سياق الأمر بالبر والنهي عن العقوق والاستحثاث على رعاية حقوق الوالدين: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} 1 فكان سياق الكلام على هذا الوجه مفيدا تحريم الضرب العنيف ناصا وهو متلقى من نظم.
__________
1 آية "23" سورة الإسراء.
(1/150)

مخصوص فالفحوى إذا آيلة إلى معنى الألفاظ.
315 - ثم اعتقد كثير من الخائضين في الأول [عزة] النصوص حتى قالوا [إن] النص في الكتاب قوله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 1 وقوله: {مُحَمَّدٌ رسول الله} 2 وما يظهر ظهورهما ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى وهو مرتبط حكم شرعي وقضوا بندور النصوص في السنة حتى عدوا أمثلة معدودة محدودة منها: قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار3 الأسلمي في الأضحية لما ضحى ولم يكن على النعت المشروع: "تجزئك ولا تجزىء 4 أحدا بعدك", وقوله عليه السلام: "واغد يا أنيس 5 إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" 6 وهذا قول من لا يحيط بالغرض من ذلك والمقصود من النصوص الاستقلال بإفادة المعاني على قطع مع انحسام جهات التأويلات وانقطاع مسالك الاحتمالات وهذا وإن كان بعيدا حصوله بوضع الصيغ ردا إلى اللغة فما أكثر هذا الغرض مع القرائن الحالية والمقالية وإذا [نحن] خضنا في باب التأويلات وإبانة بطلان معظم مسالك المؤولين استبان للطالب الفطن أن جل ما يحسبه الناس ظواهر معرضة للتأويلات فهي نصوص وقد تكون القرينة إجماعا واقتضاء عقل أو ما في معناهما ولو رددنا إلى تتبع اللفظ فليست جهات الإمكان منحسمة على ما استشهد به هؤلاء في ابتغاء التنصيص وإنما استد التأويل في الآية التي متضمنها التوحيد لاعتضادها بمقتضى العقل وكم للحشوية المشبهة من خبط يناقض حقيقة التوحيد وشفاء الغليل في ذلك يظهر في باب التأويلات إن شاء الله عز وجل.
__________
1 آية "1" سورة الإخلاص.
2 آية "29" سورة الفتح.
3 أبو بردة بن نيار البلوي الأنصاري خالد البراء بن عازب اسمه هانئ وقيل: اسمه مالك بن هبيرة وقيل: الحارث بن عمرو. مات سنة "41" وقيل: "42" وقيل: "45". له ترجمة في: الإصابة 3/596/8926 و 4/18/117, والاستيعاب بهامش الإصابة 4/17-18 وتهذيب التهذيب 12/22/96.
4 البخاري 2/18, ومسلم في: الأضاحي: ب "1", والنسائي 7/223, وأحمد 4/303 و 282 و 298.
5 أنيس: قال ابن السكن: يقال: هو أنيس بن الضحاك. له ترجمة في: الإصابة 1/77/296.
6 البخاري في: الحدود "30, 32, 34, 38" ومسلم في: الحدود "25", وأبو داود في: الحدود "25", والترمذي في: الحدود "8", والنسائي في: القضاة "22", وابن ماجه في: الحدود "7", والدارمي في: الحدود "12", ومالك في: الحدود "6", وأحمد 4/115 و 116.
(1/151)

316- فأما الشافعي فإنه يسمى الظواهر نصوصا في مجاري كلامه وكذلك القاضي أبو بكر وهو صحيح في أصل وضع اللغة فإن النص معناه الظهور يقال نصت الظبية إذا عنت وظهرت ومنه المنصة لكرسي العروس التي تظهر عليه وهي تجلى ونص الرجل في السير إذا أسرع فيه وفي الحديث "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير العنق في إفاضته من عرفة في طريق المأزمين فكلما وجد فجوة نص".
وهذا الآن كاف في معنى النص.
معنى الظاهر.
317- فأما الظاهر قال القاضي هو لفظة معقولة المعنى لها حقيقة ومجاز فإن أجريت عى حقيقتها كانت ظاهرا وإذا عدلت إلى جهة المجاز كانت مؤولة والذي ذكره صحيح في بعض الظواهر وتبقى من الظواهر أقسام لا تحويها العبارة التي ذكرها فإنه ذكر تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز وجعل وجه الظهور الجريان على الحقيقة.
ويخرج مما ذكره المجازات الشائعة المستفيضة في الناس المنتهية في جريانها حائدة عن الحقيقة إلى منتهى لا يفهم منها حقيقة موضوعها كالدابة فإنها من دب يدب قطعا وهي على بناء فاعل مترتب على قياس مطرد في الفعل المتصرف وحملها على الدبيب المحض حيد عن الظاهر فإنها مختصة بأشياء تدب فهذا في ظاهره جهة المجاز وتأويله جهة الحقيقة وكذلك الألفاظ الشرعية كالصلاة وغيرها فحقيقتها في ألفاظ الشرع من أبعد التأويلات إذا طلب الطالب الحمل عليها.
318- قال الأستاذ أبو إسحاق:1 الظاهر لفظ معقول يبتدر إلى فهم البصير بجهة الفهم منه معنى وله عنده وجه في التأويل مسوغ لا يبتدره الظن والفهم ويخرج على هذا ما يظهر في جهة الحقيقة ويؤول في جهة المجاز وما يجري على الضد منه.
فمن الظواهر إذن مطلق صيغة الأمر فالصيغة ظاهرة في الوجوب مؤولة في الندب والإباحة كما سبق في القول في محامل الصيغ.
ومنها صيغة النهي المطلقة فهي ظاهرة في التحريم مؤولة إذا حملت على التنزيه.
__________
1 سبقت ترجمته.
(1/152)

ومنها النفي الشرعي المطلق في قوله صلى الله عليه وسلم1: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" فهي ظاهرة في نفي الجواز مؤولة في نفي الكمال.
ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم على وجه العموم ظاهر مؤول حمله على وجه في الخصوص.
ومنها تلقى المفهوم من التخصيص على الشرط الذي سيأتي والاستمساك به تعلق بالظاهر وتركه في حكم التأويل.
319- ثم الظهور قد يقع في الأسماء وقد يقع في الأفعال وقد يقع في الحروف فوقوعه في الأسماء والأفعال بين ووقوعه في الحروف مثل: "إلى" فإنه ظاهر في التحديد والغاية مؤول في الحمل على الجمع وهذه معاقد تفصلها التأويلات إن شاء الله تعالى.
معنى المجمل.
320- فأما المجملات فقد يطلق المجمل على العموم في قولك أجملت الحساب إذا جمعت آحاده وأدرجته تحت صيغة جامعة لها.
ولكن المجمل في اصطلاح الأصوليين هو المبهم والمبهم هو الذي لا يعقل معناه ولا يدرك مقصود اللافظ ومبتغاه من قولهم أبهمت البئر إذا سددته وردمته ومنه سمى الكمي: البهمة وهو المقنع المبرقع الذي لا يدري من هو.
321- ثم المجمل على أقسام فقد يكون اللفظ مجمل الحكم والمحل كقولك لفلان في بعض مالي حق فالحكم وهو الحق مجهول والمحل وهو بعض المال مجهول.
ومنها أن يكون الحكم مجهولا والمحل معلوما كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 2 فالمحل الذي هو مورد الحق معلوم وهو الزرع والحكم الذي وقع التعبير عنه بالحق مجهول القدر والصفة والجنس.
ومنها ما يكون الحكم منه معلوما والمحل مجهولا: كقول القائل لنسائه:
__________
1 سبق تخريجه.
2 آية "141" سورة الأنعام.
(1/153)

إحداكن طالق أو لعبيده أحدكم حر فالحكم الطلاق والعتاق وهو معلوم ومحلهما مجهول.
ومنها ما يكون [المحكوم] فيه معلوما والمحكوم له وبه مجهولين ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} 1 فالمحكوم فيه القتيل والمحكوم له الولى وهو مجهول وكذلك المحكوم به مجهول لأن السلطان مجهول في وصفه.
ومن وجوه الإجمال أن يكون اللفظ موضوعا لمعنيين أو أكثر وعلمنا أن المراد به أحد معانيه وهو مثل العين والقرء وسائر الألفاظ المشتركة.
ومن وجوه الإجمال أن يكون اللفظ بحيث لو فرض الاقتصار عليه لظهر معناه ولكنه وصله باستثناء مجهول فانسحب حكم الجهالة على اللفظ كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ} 2 وهذا لو قدر الاقتصار عليه لكان مفهوما عند من يدريه ثم قال: {إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} 3 فانعكس الإجمال على أول المقال.
ومن وجوه الإجمال أن يرد لفظ موضوعه في اللسان العموم ولكنا نعلم أن العقل ينافى جريانه على حكم العموم فمقتضى اللفظ على الإجمال إلى أن ينهى العاقل نظره العقلى.
322- وأما قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} 4 فقد تردد جواب الشافعي في أن قوله وأحل الله البيع من المجملات وسبب تردده أن لفظ الربا مجمل وهو مذكور في حكم الاستثناء عن البيع والمجهول إذا استثنى من المعلوم انسحب على الكلام كله إجمال.
والمرضى عندنا أن البيع الذي لا مفاضلة فيه بوجه من الوجوه مستفاد من قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} 5 بلا إجمال وكل صفة اشتملت على جهة من جهات الزيادات فالأمر فيها على الإجمال فإن الأمر يشعر بالزيادة ولا يحرم كل زيادة.
فهذا كاف في ذكر المجملات وهذا موضوع توطئة وترجمة والتفصيل محال على باب التأويلات.
__________
1 آية "33" سورة الإسراء.
2 آية "1" سورة المائدة.
3 الآية السابقة.
4 آية "275" سورة البقرة
5. الآية السابقة
(1/154)

معنى المحكم والمتشابه.
323- فأما المحكم والمتشابه فقد ذهب عمرو بن عبيد1 وواصل بن عطاء2 إلى أن المحكم الوعيد بالفسقة من مرتكبي الكبائر [بناء على أصله] .
والمتشابه: الوعيد الملتحق بأصحاب الصغائر.
وقال الأصم:3 المحكم ما احتج به البارئ سبحانه وتعالى: من نعوت الرسول صلى الله عليه وسلم في كبت المنكرين والمتشابه ما ذكر من نعوته في القرآن وقال بعضهم: المحكم أي القرآن كلها والمتشابه: الحروف المتقطعه وقيل: المحكم: الناسخ والمتشابه: المنسوخ وقال أبو إسحاق الزجاج المتشابه أمر الساعة ووقت وقوعها وما عداه محكم.
وكان المنكرون يحفون في السؤال عنه قال الله تعالى: {يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} 4 وقال: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} 5 وكان يقول عليه السلام:6 "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" وحمل قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} 7 فقال معناه وما يعلم مآله وآخره إلا الله قال ومصداق ذلك قوله في سورة الأعراف: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} 8 يعني القيامة وما فيها.
324- والمختار عندنا أن المحكم كل ما علم معناه وأدرك فحواه.
والمتشابه هو المجمل وقد سبق معناه.
325- فإن قيل هل بقى في كتاب الله تعالى وقد استأثر الله تعالى برسوله محمد صلى الله عليه وسلم مجمل قلنا اضطراب العلماء فيه فمنع مانعون هذا واستروحوا إلى قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} 9 وقال أيضا لو سوغ اشتمال القرآن على مجملات لتطرق إلى القرآن وجوه من المطاعن.
__________
1 له ترجمة في: وفيات الأعيان 3/130-133.
2 واصل بن عطاء أبو حذيفة الغزال الألثغ كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار. وأتباعه يقال لهم: الواصلية. الكامل للمبرد 3/921, والملل والنحل 1/46.
3 له ترجمة في: تاريخ بغداد 2/192.
4 آية "187" سورة الأعراف.
5 آية "42" سورة النازعات.
6 البخاري 1/20, و6/144, ومسلم في: الإيمان "1, 5, 7", وأبو داود في السنة "17" والترمذي "2610", والنسائي في: الإيمان "5, 6", وابن ماجه "63, 64, 4044", وابن خزيمة "2244".
7 آية "7" سورة آل عمران.
8 آية "53" سورة الأعراف.
9 آية "3" سورة المائدة.
(1/155)

وقال قائلون: لا يمتنع اشتمال القرآن على مجملات لا يعلم معناها إلا الله.
326- والمختار عندنا أن كل ما يثبت التكليف في [العمل به يستحيل] استمرار الإجمال فيه فإن ذلك يجر إلى تكليف المحال ومالا يتعلق بأحكام التكليف فلا يبعد استمرار الإجمال فيه واستئثار الله تعالى بسر فيه وليس في العقل ما يحيل ذلك ولم يرد الشرع بما يناقضه.
وقد نجز ما نحاوله في بيان النص والظاهر والمجمل والمحكم والمتشابه.
ونحن نفتتح القول فيما يجوز به تخصيص عموم الكتاب والسنة ونرسم في ذلك مسائل تأتي على تمام الغرض في ذلك إن شاء الله تعالى.
(1/156)

ما يخصص به عموم الكتاب والسنة.
مسألة:
327- عموم الكتاب هل يخصص بالخبر الناص الذي نقله الآحاد اختلف في ذلك الخائضون في هذا الفن فذهب ذاهبون إلى منع ذلك ومتعلقهم فيه أن الكتاب أصله ثابت قطعا والخبر الذي فيه الكلام ناقلوه متعرضون للزلل فلا يجوز أن يحكم على الثابت قطعا بما أصله مشكوك فيه وذهب الفقهاء ال إلى تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد.
ورأى القاضي الوقف في المحل الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب فإن أصل الخبر يتطرق إليه سبيل الظنون المراد بالعموم في الكتاب في مظنة الظنون فضاهى معنى الكتاب في التعرض [للتردد] أصل الخبر الناص فمن ذلك وجب التوقف في قدر التعارض وإجراء اللفظ العام من الكتاب في بقية المسميات.
328- والذي نختاره القطع بتخصيص الكتاب بخبر الواحد فإن قدوتنا في وجوب العمل بالظاهر المحتمل والخبر المعرض لإمكان الزلل [سنة] أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا أنا عثرنا على ذلك من سيرتهم لما كنا نقطع بوجوب عمل مستند إلى الظنون ونحن نعلم أنهم كانوا يرجعون إلى الخبر الناص الذي ينقله كل موثوق به في تفسير مجملات الكتاب وتخصيص الظواهر ويجرون ذلك مجرى التفسير ومن أبدى في ذلك ريبا كان غير واثق بوجوب العمل بأخبار الآحاد.
(1/156)

وما ذكره القاضي وإن كان متجها في مسلك العقل فالمتبع في وجوب العمل ما ذكرناه ومن شك في أن الصديق رضي الله عنه لو روى خبرا عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في تخصيص عموم الكتاب لابتدره الصحابة قاطبة بالقبول فليس على دراية في قاعدة الأخبار على ما سيأتي إن شاء الله.
مسألة:
329- اضطرب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس على النحو المتقدم ومذهب القاضي الوقف كما سبق.
330- والمختار عندنا في هذه المسألة الوقف فإنا وجدنا [فيما سلف] معتصما مقطوعا به في مصير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخبر الذي ينقله النقلة في معارضة اللفظ العام من الكتاب ولسنا نجد مثل هذا في القياس ولا يستتب لنا دعوى القطع في تقديم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القياس على عموم الكتاب وإذا تعارض الأمر في مسالك الظنون كما ذكره القاضي ولم نجد أمرا مثبوتا سمعيا فيتعين الوقف ثم يحصل من الوقف ما يحاوله الفقيه إذا قدر التعارض فيه وإذا وقف فيه فقد سقط الاعتصام به من لفظ الكتاب ومقصود الفقيه بما يستمسك به من التخصيص شيئان:
أحدهما: إسقاط الاحتجاج بما يعارضه القياس من الظاهر وهذا يستوي فيه المخصص والواقف.
والثاني: الدعاء إلى العمل بالقياس الذي عارضه الظاهر وهذا ينكره الواقف وفيه يختلف المسلكان.
مسألة:
331- تخصيص الخبر العام المتواتر بالقياس أو الخبر الناص الذي نقله الآحاد كتخصيص عموم الكتاب بهما وقد مضى القول فيه.
فأما تخصيص خبر الواحد العام بالقياس ففيه الخلاف المقدم ورأينا الوقف.
ولا وقع لسبق الناظر إلى اجتماع جهتين من الظن في أصل الخبر وفحواه فإنهما جميعا ينقدحان في القياس ولو لم يظهر إلا وجه واحد في الظن كفى ذلك في اقتضاء الظن الوقف ولسنا نجد أمرا مقطوعا به سمعيا [في أصل الخبر وفحواه] ثم ما أطلقناه من العموم وما ذكرناه من إطلاق القياس كلام مجمل وتفصيله في.
(1/157)

كتاب التأويل. وكم من لفظ يراه كثير من الناس عاما ولا عموم له عند ذوي التحقيق وكم من لفظ يعتقده الفقهاء ظاهرا وهو عند [ذوي] التحقيق نص.
فهذه الجمل ذكرناها مبهمة وتحقيقها على التفصيل محال على باب التأويلات.
332- وذكر الأصوليون في انتظام هذا الفن من الكلام التردد في التخصيص بمذهب الصحابي وهذا سنذكره في كتاب الاجتهاد عند ذكرنا أن أقوال الصحابة إذا لم يستمر الاجتماع فيها هل [تكون] حجة أم لا ونذكر تفاصيل الخلاف والوفاق في هذا النوع.
مسألة في حمل المطلق على المقيد:
333- الوجه تنزيل هذه المسألة على مثال أولا حتى إذا جرت المسألة في صورة ذكرنا اختلاف المذاهب في العبارات عن ضبط صور الخلاف والوفاق ثم نذكر معتمد كل مذهب ونتتبع بالنقض كل ما لا يصح ونجرى على دأبنا في إثبات الصحيح بعد البحث عن المسالك الفاسدة فنقول ذكر الله تعالى الرقبة في كفارة القتل وقيدها بالإيمان فقال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 1 وذكر الرقبة في كفارة الظهار مطلقة ولم يقيدها بالإيمان فقال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} 2 فاضطربت الاراء.
فرأى الشافعي تنزيل الرقبة المطلقة في كفارة الظهار على التقييد بالإيمان في كفارة القتل ثم اضطربت أصحابه في تأويل مذهبه فذهب ذاهبون إلى أن المطلق محمول على المقيد بحكم اللفظ ومقتضى اللسان ولا حاجة إلى استنباط قياس وإبداء تأويل للمطلق مقيد وهؤلاء يزعمون أن نفس المقيد يوجب تقييد المطلق.
وصار صائرون إلى أن المطلق يحمل على المقيد بقياس مستجمع لشرائط الصحة يقتضي الجمع بين المطلق والمقيد.
334- ثم فصل نقلة المذاهب القول وجعلوه ثلاثة أقسام وعبروا عن التقاسيم بعبارتين فقال قائلون إذا اجتمع المطلق والمقيد في واقعة واحدة فالمطلق محمول على المقيد وفاقا وإن وقعا في واقعتين متباعدتين فلا حمل ومثلوا هذا بتقييد.
__________
1 آية "92" سورة النساء.
2 آية "3" سورة المجادلة.
(1/158)

الشهادة بالعدالة وجريان ذكر الرقبة في الكفارة مطلقا معرى عن ذكر العدالة والأصلان متباعدان لا يجمعهما مأخذ فلا يحمل المطلق [في أحدهما] على المقيد في الثاني فإن قربت الواقعتان بعض القرب ولم يبعد في مأخذ الظنون تلاقيهما ككفارة الظهار وكفارة القتل فهذا موضع الخلاف فالذي يراه الشافعي حمل المطلق على المقيد في مسألة الخلاف المقدم بين أصحابه.
وهذه العبارة عن الأقسام المشتملة على صور الوفاق والخلاف.
335- وذكر آخرون عبارة أقرب من هذه فقالوا: إذا جرى إطلاق وتقييد واتحد قبيل الموجب والموجب فليس إلا حمل المطلق على المقيد مثل أن تطلق الرقبة في كفارة القتل وتفرض مقيدة في مواضع أخر فإذا اختلف الموجب والموجب فلا حمل كالشهادة والكفارة.
وإذا اختلف الموجب واتفق صنف الموجب مثل كفارة القتل وكفارة الظهار فهذا موضع التردد.
336- وأما أبو حنيفة وأصحابه فإنهم منعوا حمل الرقبة المطلقة في كفارة الظهار على الرقبة المقيدة بالإيمان في كفارة القتل وبنوا حقيقة أصلهم في ذلك على قاعدة لهم في النسخ.
والمسألة حرية بأن تذكر في مسائل النسخ وهي مناسبة لأحكام العموم والخصوص فابتدرناها في كتاب العموم والخصوص ونحن الآن ننبه على ما تخيلوه أخذا من النسخ.
قالوا: قوله في كفارة الظهار: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} 1 مقتضى الآية إجزاء الرقبة المطلقة فمن قيدها بالإيمان كان زائدا على النص والزيادة على النص نسخ ووجه ادعائهم كونها نسخا أن مقتضى الخطاب يتضمن الإجزاء مع الإطلاق والزائد يرفع الإجزاء في الإطلاق وهو متضمن الآية فاقتضت الزيادة رفع ما تضمنه الإطلاق من الإجزاء فكان ذلك نسخا من هذه الجهة ولا يدعى محقق أن الزيادة اقتضت نسخا على الإطلاق إذا لم تكن مرتبطة بالمزيد عليه بعض الارتباط ووجه الارتباط ما أشرنا إليه من أن اقتضاء الإطلاق الإجزاء دون رعاية صفة في الرقبة فمن زاد صفة كان مدعيا نسخا في الإجزاء المتلقى من مطلق الخطاب.
__________
1 آية "3" سورة المجادلة.
(1/159)

ولا امتناع في نسخ القرآن على الجملة ولكنه لا يثبت نسخ القرآن بأخبار الاحاد والمقاييس المظنونه وليس مع من شرط الإيمان في رقبة الظهار ما يجوز نسخ القرآن به فهذا منتهى كلام القوم.
337- ومن ادعى من أصحاب الشافعي وجوب حمل المطلق على المقيد من طريق اللفظ لم يذكر كلاما به اكتراث وأقرب طريق لهؤلاء أن كلام الله في حكم الخطاب الواحد وحق الخطاب الواحد أن يترتب المطلق فيه على المقيد وهذا من فنون الهذيان فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة لبعضها حكم التعلق والاختصاص ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيل جهات الخطاب على حكم كلام واحد مع العلم بأن في كتاب الله تعالى النفي والإثبات والأمر والزجر والأحكام المتغايرة فقد ادعى أمرا عظيما ولا يغني في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي ومضطرب المتكلمين على الألفاظ وقضايا الصيغ وهي مختلفة لا مراء فيها فسقط هذا الفن ولم يبق بعد سقوطه إلا مسلكان.
أحدهما ما ادعاه أصحاب أبي حنيفة من أن الزيادة على النص نسخ واستقصاء القول في ذلك يأتي في كتاب النسخ.
338- ولكنا نذكر الآن [حظ] حكم العموم والخصوص من هذه المسألة وفيه مقنع وبلاغ ونحصر ما نحاوله في ثلاثة أوجه من الكلام أحدهما يحوي مناقضات الخصوم بحيث لا يجدون عنها محيصا وإذا وجهت عليهم سكتوا لها مقرين بالحق أو نطقوا بالصدق فمما يلزمهم اشتراطهم سلامة الرقبة عن كثير من العيوب وهذا تقييد منهم للمطلق وليقع الإلزام في صفات لم يرجعوا في اشتراطها إلى قاطع كمصيرهم إلى اشتراط نطق الرقبة وامتناع إجزاء الأخرس مع تجويزهم إعتاق الأقطع الذي بقيت له يد فإن هذي هاذون [منهم] وزعموا أن الرقبة يقتضي إطلاقها كمال الخلقة والسلامة مستفادة من إطلاق الرقبة قيل هذا مما لا يرضاه منتسب إلى التحقيق فإنا على اضطرار نعلم أن اسم الرقبة ينطلق على المعيبة انطلاقه على السليمة ولو كانت تسمية الرقبة المعيبة رقبة مجازا لكان تسميتها إنسانا وآدميا مجازا ولا ينتمي إلى التزام هذا المذهب ذو مسكة في عقله ولو أردنا أن نضرب الأيمان في البر والحنث ومجاري إطلاق الألفاظ وجدنا مقالا ومجالا ثم نقول لم أجزأ الأقطع والرقبة مطلقة؟ ولم امتنع إجزاء الأخرس والخلقة كاملة؟ وكيف يرجو الخلاص من مثل هذا الخبط ذو فهم؟ وقد قيد هؤلاء [ذوي] القربى.
(1/160)

بالفقر والاستحقاق في قوله تعالى: {وَلِذِي الْقُرْبَى} 1 ولم يعتصموا في هذا التقييد بقاطع يجوز نسخ القرآن بمثله فهذا أحد الوجوه الثلاثة.
339- والوجه الثاني أن نقول أتدعون أن ذكر الرقبة على الإطلاق نص في إجزاء كل رقبة حتى لو تخيل متخيل اختصاص الإجزاء ببعض الرقاب كان خارما لمقتضى النص خارجا عن الفحوى المقطوع بها؟ أم ترون فهم الإجزاء مظنونا متلقى من الظاهر فإن ادعوا كونه قاطعا بحيث لا يتطرق إليه التأويل كان ذلك بهتانا ومعاندة في مسلك العقول فإن الرب تعالى ذكر الرقبة مطلقة وذكر الطعام والكسوة على الإطلاق ولم يتعرض لتفصيلها وإنما استاقها استياقا لا يشتمل على التزام البيان والتفصيل كما جرى ذلك في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 2 وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} 3 وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 4 فهذه الآي لتأصيل الأصول ولا يمتنع أن يقع البيان في التفاصيل بعد استفادة التأصيل ووضوح احتمال ما ذكرناه يغنى اللبيب عن البسط في ذلك.
وإن اعترفوا بأن الإجزاء ظاهر فقد كفونا المؤنة وأقروا بالحق فإن إزالة الظاهر ليس في حكم النسخ وهذا هو الوجه الثاني من الكلام.
340- والوجه الثالث أن الرقبة المطلقة تعم كل رقبة فحملها على خصوص من الرقاب عين التخصيص وقد قسم المحصلون التخصيص قسمين أحدهما قصر على بعض المسيمات من غير فرض تمييز ما وقع القصر عليه من غيره بصفات كحمل قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} 5 على ثلاثة منهم والقسم الثاني تخصيص تمييز وهو حمل المطلق المتناول في الإطلاق للمختلفات على مسميات متيزة بصفات عن أغيارها كحمل المشركين على أهل الحرب دون المهادين وأهل الذمة وكحمل السرقة على إخراج مخصوص من محل مخصوص في مقدار مخصوص وعلى الجملة المطلق يتناول المختلفات تناول عموم على ظهور لا على [تنصيص لا] يتطرق إليه إمكان تأويل.
341- وإذا لاح ما ذكرناه بنينا عليه ما نختاره ونقول لا يحمل المطلق عندنا.
__________
1 آية "7" سورة الحشر.
2 آية "38" سورة المائدة.
3 آية "2" سورة النور.
4 آية "5" سورة التوبة.
5 آية "60" سورة التوبة.
(1/161)

على المقيد لا في حكم الإطلاق ولا في حكم التقييد ولكن المطلق عام يتصرف فيه بما يتصرف بمثله في العمومات فإن لاح تأويل واعتضد بدليل وترتب على الشرط الذي سنذكره في باب التأويل وأثر ظهور الدليل العاضد للتأويل على ظهور العام حكم به كان المقيد أو لم يكن فليس في تقييد الحكم بمجرده ما يوجب حمل المطلق على المقيد نعم إن انقدح قياس على المقيد يتسلط مثله على التخصيص إما على حكم المعارضة كما ارتضيناه إذ صرنا إلى الوقف أو على حكم القضاء بالتخصيص كما صار إليه الجمهور [كان] ذلك [أحد] ما يتمسك به ولا معنى لاشتراطه واقعا في ألفاظ الشرع فكم من عموم خص وليس على وفق ذلك التخصيص حكم مقيد في لفظ الشرع فإن التخصيص مستند إلى خبر الواحد على قطع كما سبق ذلك في اختيارنا ويستند عند معظم الفقهاء إلى القياس الجلي ولا يطيب التصرف في تفصيل ذلك إلا في أبواب التأويل.
342- فإن قيل فما معتمدكم في اشتراط ذكر الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار فهل ترون القياس على كفارة القتل قلنا هذا الآن ليس من شرط هذا الفن فإن غاية مقصودنا أن نلحق الكلام على المطلق بتخصيص العموم وندرجه في مسالك الظنون وقد ثبت ذلك قطعا وانتفى المراء عنه وليس من شرطنا وراء ذلك تفصيل مسالك الظنون فإنه محض الفقه.
وقد نجز غرضنا في هذه المسألة بذلك وفيها طرفان يستقصى أحدهما في كتاب النسخ عند ذكرنا وراء ذلك تفصيل القول في الزيادة على النص والثاني في باب التأويلات وقد توضح فيها أن الرقبة في الاية التي فيها الكلام ليس لها حكم العموم أيضا وما سيقت قصدا إلى تعميم كل رقبة وإنما أثبتت مع سائر خلال الكفارات ذكرا لتراجم الأصناف مع إحالة البيان على صاحب الشرع وهذا يأتي على أحسن وجه إن شاء الله.
مسألة:
343- الصحابي إذا روى خبرا وعمل بخلافه فالذي ذهب إليه الشافعي أن الاعتبار بروايته لا بعمله.
344- وقال أصحاب أبي حنيفة لا يجوز الاحتجاج بما رواه إذا كان عمله مخالفا له.
(1/162)

345- والذي نرضاه أن نفصل القول فيما أتاه ورواه فنقول إن تحققنا نسيانه لما رواه فلا يتخيل عاقل في ذلك خلافا ولا شك أن العمل بروايته وإن روى خبرا مقتضاه رفع الحرج والحجر فيما كان يظن فيه التحريم والحظر ثم رأيناه يتحرج فالاستمساك بروايته أيضا وعمله محمول على الورع والتعلق بالأفضل وإن ناقض عمله روايته مع ذكره لها ولم يحتمل محملا في الجمع فالذي أراه امتناع التعلق بروايته فإنه لا يظن بمن هو من أهل الرواية أن يعتمد مخالفة ما رواه إلا عن ثبت يوجب المخالفة.
واللفظ الوجيز فيه: أنه إن فعل ماله فعله فالاحتجاج بما رواه وإن فعل ما ليس له أن يفعله أخرجه ذلك عن رتبة الثقة وأدنى المنازل فيه أن يجر إلى مرويه ظنونا متعارضة في الدين يقتضي الوقف بعضها.
346- وكل ما ذكرناه غير مختص بالصحابي فلو روى بعض الأئمة حديثا وعمله مخالف له فالأمر على ما فصلناه.
347- وقد اعترض للأئمة أمور أسقطت آثار أفعالهم المخالفة لروايتهم وهذه كرواية أبي حنيفة خبر خيار المجلس مع مصيره إلى نفى خيار المجلس فهذه المخالفة غير قادحة في الرواية من جهة أنه ثبت من أصله تقديم الرأي على الخبر فمخالفته محمولة على انتحاله هذا الرأي الفاسد وهو بين من فحوى كلامه.
ومن رواة الحديث مالك بن أنس وهو لا يقول بخيار المجلس ولكن الصحيح عنه أن الذي حمله على هذا تقديمه عمل أهل المدينة على الأخبار الصحيحة والنصوص الصريحة فمهما جرى شيء من قبيل ما ذكرناه فالتعويل على الحديث المروي فإن روى الراوي خبرا وكان الأظهر أنه لم يحط بمعناه ورب حامل فقه غير فقيه فمخالفته لا أثر لها في الرواية.
والضابط للنفي والإثبات ما أجريناه في درج الكلام حيث قلنا إن وجدنا محملا للفعل غير احتمال للمخالفة فالتعلق بالرواية وإن لم نجد محملا إلا المخالفة فيمتنع التعلق بالحديث.
348- فإن قالوا: رتبتم الكلام قبولا وردا على تحقيق النسيان والذكر فما تقولون إذا لم يتحقق واحد منها؟ قلنا: الوجه والحالة هذه التعلق بالمروى فإنه من أصول الشريعة ونحن على تردد فيما يدفع التعلق به فلا يندفع الأصل بسبب هذا.
(1/163)

التردد نعم إن غلب على الظن أنه خالف الحديث قصدا ولم نتحققه فهذا يعضد التأويل ويؤيده ويحقق معتضده من الدليل ويحط مرتبة الظاهر كما سيأتي.
349- ولو روى الصحابي خبرا وأوله وذكر محمله فتأويله مقبول عند الشافعي1 ولذلك تعلق بتأويل عمر بن الخطاب2 رضي الله عنه في قوله عليه السلام:3 "لا تبيعوا الورق بالورق إلا هاء وهاء" فذكر الشافعي أربعة أوجه في معنى اللفظ وقدم فيها التقابض في المجلس لحمل عمر رضي الله عنه "راوي الحديث" اللفظ عليه وهذا يتعلق به كلام من أحكام التأويل سيأتي مشروحا.
350- ولو روى راو وكان إذ روى عدلا ثم فسق بعد روايته وتخلل زمن لا يغلب على الظن انعطاف غوائل الفسق على حال الرواية ثم إنه في زمن فسقه خالف ما رواه فلا أثر لمخالفته فإنه محمول على تجريه لا على محمل عنده في الحديث فهذا منتهى الغرض في ذلك.
مسألة:
351- إذا ورد لفظ من الشارع وله مقتضى في وضع اللسان ولكن عم في عرف أهل الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات:.
فالذي رآه الشافعي: أن عرف المخاطبين لا يوجد تخصيص لفظ الشارع.
وقال أبو حنيفة: العرف من المخصصات وهو مغن عن التأويل والمطالبة بالدليل.
وضرب العلماء لذلك مثالا وهو: نهيه عليه السلام عن بيع الطعام بالطعام فزعم بعض أصحاب أبي حنيفة: أن الطعام في العرف موضوع للبر وحاولوا حمل الطعام في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جرى العرف فيه.
352- وهذا الذي ادعوه من العرف ممنوع وهم غير مساعدين عليه ولو قدر.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 عمر بن الخطاب القرشي العدوي أمير المؤمنين. كان من قديمي الإسلام والهجرة, وممن صلى إلى القبلتين وشهد المشاهد كلها وأول من تسمى بأمير المؤمنين, وأخباره في الحلم والعلم والفهم كثيرة. قتل سنة "23". له ترجمة في: الإصابة 2/511, وأسد الغابة 4/145, وشذرات الذهب 1/33.
3 البخاري 3/97, ومسلم في: المساقاة ب "74", رقم "75", والترمذي "1241", والنسائي 7/287, والبيهقي 5/276 و 277 و 10/157.
(1/164)

ذلك مسلما لهم بمجرد العرف فمجرد العرف لا يقتضي تخصيصا فإن القضايا متلقاة من الألفاظ وتواضع الناس عبارات لا يغير وضع اللغات ومقتضى العبارات.
فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم قلنا فليفهموا من اللفظ مقتضاه لاما تواضعوا عليه ولو تواضع قوم على تخصيص أو تعميم ثم طرقهم اخرون لم يشاركوهم في تواضعهم فإنهم لا يلتزمون أحكام تواطئهم فالشرع وصاحبه كيف يلزمهم حكم تواضع المتعاملين وقد خاطب المصطفى بشريعة العربية الأعاجم على اختلاف لغاتها على تقدير أن يسعوا في درك معاني الألفاظ التي خوطبوا بها والمسألة موضوعة فيه إذا لم يكن الرسول صاحب الشريعة ناطقا بما ينطق أهل العرف فلو ظهر منه مناطقة أهل زمانه بما اصطلحوا عليه فلفظه في الشرع لا ينزل على موجب اللسان وإنما مأخذ المسألة في ظن الخصوم أن الشارع وإن لم يكن من الناطقين باصطلاح أصحاب العرف فإنه لا يناطقهم إلا بما يتفاوضون به وليس الأمر كذلك كما قدمناه.
وقد انتجز الكلام في قضية الألفاظ العامة والخاصة وما يقتضي التخصيص ومالا يقتضيه على الجملة والتفصيل محال على باب التأويل ونحن نرى الآن أن نذكر قولا بالغا في مفهوم الخطاب ليكون جامعا بين المنطوق به وبين المسكوت عنه ثم إذا انتهى القول فيه استفتحنا باب التأويل مستعينين بالله تعالى.
(1/165)

فصل: القول في المفهوم.
353- ما يستفاد من اللفظ نوعان أحدهما متلقى من المنطوق به المصرح بذكره والثاني ما يستفاد من اللفظ وهو مسكوت عنه لا ذكر له على قضية التصريح.
فأما المنطوق به فينقسم إلى النص والظاهر وقد قدمنا فيهما تأصيلا وتفصيلا ما يقنع الناظر ولم يندرج المجمل في هذا التفسير لأنا حاولنا تقسيم ما يفيد وأما ما ليس منطوقا به ولكن المنطوق به مشعر به فهو الذي سماه الأصوليون المفهوم والشافعي قائل به وقد فصله في الرسالة أحسن تفصيل ونحن نسرد معاني كلامه.
354- فمما ذكره أن قال: المفهوم قسمان: مفهوم موافقة, ومفهوم مخالفة.
(1/165)

أما مفهوم الموافقة: فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق به من جهة الأولى وهذا كتنصيص الرب تعالى في سياق الأمر ببر الوالدين على النهي عن التأفيف فإنه مشعر بالزجر عن سائر جهات التعنيف.
وأما مفهوم المخالفة فهو ما يدل من جهة كونه مخصصا بالذكر على وجه سيأتي الشرح عليه على أن المسكوت عنه مخالف للمخصص بالذكر كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم الزكاة" هذا التخصيص يشعر بأن المعلوفة لا زكاة فيها.
وذكر الأستاذ أبو بكر بن فورك في مجموعاته فصلا لفظيا بين قسمى المفهوم فقال ما دل على الموافقة فهو الذي يسمى مفهوم الخطاب وما دل على المخالفة فهو الذي يسمى دليل الخطاب وهذا راجع إلى تلقيب قريب.
وذهب أبو حنيفة إلى نفي القول بالمفهوم ووافقه جمع من الأصوليين.
355- وأما منكرو صيغ العموم ولما يتطرق إليها من تقابل الظنون فلا شك أنهم ينكرون المفهوم فإن تقابل الظنون فيه أوضح وهو بالتوقف أولى.
وشيخنا أبو الحسن مقدم الواقفية وقد نقل النقلة عند رد الصيغة والمفهوم وفي كلامه ما يدل على القول بالمفهوم فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله سبحانه: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} 1 وقال [لما] ذكر الحجاب على إذلال الأشقياء أشعر ذلك بنقيضه في السعداء وقد تحققت على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصيغ على ما اعتقده معظم النقلة ولكنه قال في مفاوضة مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ وال مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي القطع فيه ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظواهر في مظان الظنون.
نعم باح القاضي بجحد الصيغ في المواضع التي تقدم ذكرها في العقليات والعلميات وصرح بنفي المفهوم.
356- ثم من أنكر المفهوم لم يجحد ما يسمى الفحوى في مثل قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 2 ثم اضطربوا فيه فقال قائلون كل ما دل من جهة الموافقة من حيث أشعر الأدنى بالأعلى فهو معترف به.
__________
1 آية "7" سورة المطففين.
2 آية "23" سورة الإسراء.
(1/166)

وذهب المنتمون إلى التحقيق من هؤلاء إلى أن الفحوى الواقعة نصا مقبولة قطعا وليس ثبوتها من جهة إشعار الأدنى بالأعلى ولكن مساق قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} 1 إلى مختتم الآية مشتمل على قرائن في الأمر بالتناهي في البر يدل مجموعها إلى تحريم ضروب التعنيف وليس يتلقى ذلك من محض التنصيص على النهي عن التأفيف إذ لا يمتنع في العرف أن يؤمر بقتل شخص وينهى عن التغليظ عليه بالقول والمواجهة بالقبيح وضابط مذهب هؤلاء أن المقطوع به يستند إلى قرائن مجتمعة ولا سبيل إلى نفى القطع وما يتطرق إليه الظنون فهو من المفهوم المردود عندهم وإن كان مقتضيا للموافقة عند القائلين بالمفهوم.
357- ومما تردد فيه من رد المفهوم الشرط وأبوابه فذهب الأكثرون إلى الاعتراف باقتضاء الشرط وتخصيص الجزاء به وغلا غالون بطرد مذهبهم في رد اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به وهذا سرف عظيم.
358- ومن قال بالمفهوم حصر مفهوم الموافقة في إشعار الأدنى في قصد المتكلم بالأعلى ثم ينقسم ذلك إلى ما يقع نصا وإلى ما يقع ظاهرا فالواقع نصا كالمتلقى من قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 2 وما يقع ظاهرا كقوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} 3 فقال الشافعي تقييد القتل بالخطأ في إيجاب الكفارة يدل على أن إيجابها في قتل العمد أولى وهذا الذي ذكره ظاهر غير مقطوع به إذ يتطرق إليه إمكان اخر سوى ما ذكره الشافعي من إشعار الأدنى بالأعلى.
359- فأما مفهوم المخالفة فقد حصره الشافعي في وجوه من التخصيص منها التخصيص بالصفة كقوله4: "في سائمة الغنم زكاة" 5 وكقوله عليه السلام6: "ليّ الواجد 7 ظلم" ومنها التخصيص بالعدد والتقدير والتخصيص بالحد والتخصيص بالمكان والزمان وظاهر هذه التخصيصات في هذه الجهات يتضمن نفى المسكوت عنه.
__________
1 آية "83" سورة البقرة, و"36" سورة النساء, و"151" سورة الأنعام, و"23" سورة الإسراء.
2 سبقت.
3 آية "92" سورة النساء.
4 سبق تخريجه.
5 سائمة الغنم:
6 أبو داود "3628", والنسائي 7/316, 317 رقم "4689, 4690", وابن ماجه "2427", وأحمد "4/222, 316, 317, 388, 389", وابن حبان "7/223/5066", والحاكم "4/102" وقال: صحيح الإسناد, والبيهقي 6/51.
7 لي الواجد: مطله, والواجد: القادر على الأداء.
(1/167)

في الأمر المقصود في المخصص المنطوق به ونص رضي الله عنه على أن تخصيص المسميات بألقابها يتضمن نفى ما عداها.
وذهب أبو بكر1 الدقاق من أئمة الأصول إلى أن التخصيص بالألقاب ظاهر في نفي ما عدا النصوص عليه وقد صار إلى ذلك طوائف من أصحابنا.
وما ذكره الشافعي2 من حصر القول بالمفهوم في الجهات التي عدها من التخصيصات حق متقبل عند الجماهير ولكن لو عبر معبر عن جميعها بالصفة لكان ذلك منقدحا فإن المعدود والمحدود موصوفان بعدهما وحدهما والمخصوص بالكون في مكان وزمان موصوف بالاستقرار فيهما فإذا قال القائل زيد في الدار فإنما يقع خبرا ما يصلح أن يكون مشعرا عن صفة متصلة بظرف زمان أو بظرف مكان والتقدير مستقر في الدار أو كائن فيها والقتال واقع يوم الجمعة فالصفة تجمع جميع الجهات التي ذكرها ومن ينكر المفهوم فإنه يأبى القول في جميع هذه الوجوه.
ونحن الآن نعقد مسألتين تشتمل إحداهما على تعارض القائلين بالمفهوم ومنكريه [وتحتوي] على ما نختاره فيه وتشتمل الثانية على مكالمة الدقاق3 وإبداء السر في التخصيص بالألقاب فلتقع البداية بالمسألة الأولى:.
مسألة.
360- يذكر وجوه احتجاج القائلين بالمفهوم ونتتبع ما لا نرضى منها بالإفساد ثم نعقبها بوجه الحق.
فمن طرقهم أنه صار إلى القول بالمفهوم أئمة العربية منهم أبو عبيدة4 معمر بن المثنى وهو إمام غير مدافع ولئن ساغ الاحتجاج بقول أعرابي جلف من.
__________
1 أبو بكر الدقاق هو: محمد بن محمد بن جعفر البغدادي المعروف بـ"الدقاق" ويلقب بـ"خباط". قال الشيخ أبو إسحاق: كان فقيها أصوليا. وقال الخطيب" كان فاضلا عالما بعلوم كثيرة وله كتاب في "الأصول" في مذهب الشافعي. توفى سنة "392", له ترجمة في: تاريخ بغداد 3/229, وطبقات الشيرازي ص "118", وطبقات الشافعية 1/253/475.
2 سبقت ترجمته.
3 سبقت ترجمته.
4 أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري مولاهم. كان أعلم من الأصمعي وأبي زيد بالأنساب والأيام. قال ابن قتيبة: كان الغريب أغلب عليه وأيام العرب وأخبارها. مات سنة"112". له ترجمة في: تاريخ بغداد 13/252, وشذرات الذهب 2/24, والعبر 1/359, ووفيات الأعيان 4/323.
(1/168)

الأقحاح فالاحتجاج بقول أبي عبيدة أولى وقد قال في قول الرسول صلى الله عليه وسلم1: "مطل الغنى ظلم" يدل على أنه لا ملام على المقتر وقد قال في قوله عليه السلام2: "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا" وهذا يدل على توبيخ من لا يعتني بغير الشعر فأما من جمع إلى علومه علم الشعر فلا يلام عليه والشافعي من القائلين بالمفهوم وقد احتج [بقوله] الأصمعي3 وصحح عليه دواوين الهذليين.
وهذا المسلك فيه نظر فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط وهم في مسالكهم في محل النزاع مطالبون بالدليل والأعرابي ينطقه طبعه فيقع التمسك بمنظومه ومنثوره ولا يعدم من يتمسك بهذه الطريقة المعارضة وقصارى الكلام تجاذب ونزاع واعتصام بنفس المذهب.
361- طريقة أخرى لمثبتي المفهوم قالوا وردت أخبار نقلها آحاد وهي لو جمعت لالتحق معناها بالمستفيض4 الذي لا يستراب فيه وسبيله سبيل الحكم بجود حاتم5 وشجاعة علي والأقاصيص المأثورة عنهما أفراد ثم نقل هؤلاء جملا من أخبار الآحاد وزعموا أنها تشعر بإثبات القول بالمفهوم فمما ذكروه ما روى عن يعلى6 بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب7 ما بالنا نقصر وقد أمنا وأشار إلى قوله.
__________
1 البخاري 2/123 و155, ومسلم في: المساقاة "33" وأبو داود في: البيوع "10", والترمذي "1308 و1309", والنسائي 7/317, وابن ماجه "2404", وأحمد 2/71 و 260 و 380 و 463 و 465.
2 البخاري 8/45, ومسلم في: الشعر "7, 8, 9, 10", وأبو داود "5009", والترمذي "2851, 2852", وابن ماجه "3759, 3760", وأحمد 1/175, 177, 2/39, والبيهقي 10/244.
3 الأصمعي هو: عبد الملك بن قريب, وفد اشتهر بلقبه, وكان أتقن القوم وأعلمهم بالشعر, وأحضرهم حفظا. له ترجمة في: وفيات الأعيان 1/288, والفهرست "55", وإنباه الرواة 2/197, وشذرات الذهب 2/36.
4 المستفيض: سمي بذلك لانتشاره, من فاض الماء يفيض فيضا. "أصول الحديث" ص "364".
5 حاتم هو: ابن عبد الله من قبيلة طيء, ويكنى أبو سفانة وهو من أجود العرب, وله أخبار في السخاء مشهورة حتى جرى ذكره مجرى الأمثال, فيقال: أجود من حاتم طي. مات سنة "506م". له ترجمة في: خزانة الأدب 1/494, والشعر والشعراء "123", ومروج الذهب 3/327.
6 يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي الحنظلي حليف قريش, وهو الذي يقال له: يعلى بن منية – بضم الميم, وسكون النون -, وهي أمه وقيل: أم أبيه جزم بذلك الدارقطني. قال ابن سعد: شهد حنينا والطائف وتبوك. وقال أبو أحمد الحاكم: كان عامل عمر على نجران. له ترجمة في: الإصابة 3/668-669.
7 سبقت ترجمته.
(1/169)

تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} 1 فقال لقد تعجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" 2.
362- ونحن لا نتجاوز خبرا من متمسكاتهم حتى نورد من طريق التفصيل عليهم ما يسقط معتصمهم فنقول على هذا الحديث قد كان ثبت وجوب الصلاة أربعا في غير حالة الخوف [واستقر الشرع عليه وورد القصر مخصوصا بحالة الخوف] فاعتقدوا وجوب الإتمام في غير حالة الخوف على ما تمهد الشرع عليه فلم يكن [ذلك] قولا بالمفهوم والذي يحقق ذلك أنه لو فرض مع ما تقدم تخصيص بلقب لكان ما عدا المخصوص مقرا على ما استمر الشرع عليه قبل ذلك وإن لم يكن للألقاب مفهوم على أن الآية اقتضت التخصيص على صيغة الشرط فإنه تعالى قال: {إِنْ خِفْتُمْ} وقد قال بتخصيص الشرط معظم من أنكر المفهوم.
363- ومما تعلقوا به قوله تعالى: {سْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} 3 قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأزيدن على السبعين" 4 قلنا هذا لم يصححه أهل الحديث أولا5 وقد قال القاضي رضي الله عنه: من شدا طرفا من العربية لم يخف عليه أن قول الله تعالى لم يجر تحديدا بعدد على تقدير أن الزائد عليه يخالفه وإنما جرى ذلك مويسا من مغفرة المذكورين وإن استغفر لهم [ما يزيد على السبعين] فكيف يخفى مدرك هذا وهو مقطوع به عمن هو أفصح من نطق بالضاد؟.
364- وما يطلقونه من هذا الفن ما روى أن ابن عباس6 كان لا يرى حجب الأم من الثلث إلى السدس باثنين من الإخوة والأخوات ويحتج بقوله تعالى: {فَإِنْ
__________
1 آية "10" سورة النساء.
2 مسلم في: صلاة المسافرين: ب "1": حديث "4" وأبو داود "119 و 1209", والترمذي "3034" وابن ماجه "1065", والنسائي 3/117, وأحمد 1/25 و 36.
3 آية "80" سورة التوبة.
4 البخاري 6/85 و 86, ومسلم في: فضائل الصحابة "25" وصفات المنافين: المقدمة "3".
5 هذا القول مدفوع برواية الشيخين له.
6 ابن عباس هو: عبد تالله بن عبد المطلب ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم, وحبر الأمة, وترجمان القرآن, وسمي البحر لسعة علمه. مات بالطائف سنة "سبعين". له ترجمة في: الإصابة 1/322, وأسد الغابة 3/290, والنجوم الزاهرة 1/182.
(1/170)

كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ} 1 وكان يرى أن الأمر في الاثنين بخلاف الإخوة وقال لعثمان2 رضي الله عنه محتجا عليه: ليس الأخوان إخوة في لسان قومك, قلنا: أولا انفراده بهذا المذهب ومخالفته جملة الصحابة يعارض احتجاجه وقد قيل إنه لما قال لعثمان ليس الأخوان إخوة في لسان قومك قال له عثمان ردا عليه إن قومك حجبوها باثنين يا صبي ثم قد تمهد للأم الثلث بالنص ثم استبان ردها إلى السدس في حالة مخصوصة فرأى ابن عباس3 تقرير ما عدا تيك الحالة على ما تمهد مطلقا قبل الحجب والرد.
365- وربما يستدلون بأن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقدوا أنه لا غسل على من يواقع ويكسل ولا ينزل واعتصموا بقوله عليه السلام4: "الماء من الماء" ومعناه وجوب استعمال الماء من نزول الماء قلنا قد كان الشرع على ذلك في ابتداء الإسلام وقد نقل الرواة فيه أخبارا.
منها ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بدار رجل من الأنصار فناداه فتريث قليلا ثم برز ورأسه تقطر ماء فاستبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان مخالطا أهله وقد اغتسل فقال صلى الله عليه وسلم: "لعلنا أعجلناك لعلنا أقحطناك إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك" 5 ثم تبين نسخ هذا الأصل بما روى عن عائشة6 رضي الله عنها أنها قالت: "إذا التقى 7 الختانان فقد وجب الغسل", فعلته أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا"8 فلم يصح الاحتجاج بقوله عليه السلام: "الماء من الماء" 9 وإنما نقل مذهب أقوام على الإطلاق وله محمل كما ذكرناه.
__________
1 آية "11" سورة النساء.
2 عثمان هو: ابن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي المكي. وقد لقب "ذا النورين" لجمعه بين ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.,. وكان من السابقين الأولين, وممن صلى إلى القبلتين, ومناقبه كثيرة. مات سنة "35هـ". له ترجمة في: الإصابة 2/455, وأسد الغابة 3/584, وتاريخ الخلفاء "147".
3 سبقت ترجمته.
4 أبو داود "217", والترمذي "112", والنسائي 1/115, وابن ماجه "607", وأحمد 3/29 و 36 و 4/143 و 342.
5 البخاري في الوضوء "34", ومسلم في الحيض"83" وابن ماجه في الطهارة "110", وأحمد 3/21, 26.
6 سبقت ترجمته.
7 إذا التقى ... إلخ: موقوف على عائشة, وقد روي مرفوعا.
8 الترمذي في: الطهارة: ب "80": حديث "108" قال: حسن صحيح, ولفظه: "إذا جاوز الختان..إلخ", وابن ماجه 1/109, وأحمد 6/161.
9 سبق تخريجه.
(1/171)

وبالجملة ليس يخلو المتمسك لهولاء من وجه أو وجوه [توهى] ما يحولونه ويتخذونه معولهم فكيف يسوغ التعلق بالمحتملات في محاولة القطع والبتات؟.
366- ثم قال القاضي هذه الأخبار وإن زادت أضعافا مضاعفة فلا [تبلغ] مبلغ الاستفاضة فإن رواة هذه الأقاصيص لو اجتمعوا على نقل قصة واحدة لم تتواتر بنقلهم والمعتبر في ذلك أنا مضطرون إلى العلم بجود حاتم وشجاعة على ولا نجد في أنفسنا العلم الضروري باعتقاد الأولين اقتضاء التخصيص نفى ما عدا المخصص.
367- طريقة أخرى لأصحاب المفهوم ضعيفة: وهي أنهم قالوا: إذا قال الرجل لمن يخاطبه: اشتر لي عبدا هنديا اقتضى ذلك نهيه عن شراء من ليس هنديا قالوا هذا ومثله مما لا يتمارى فيه أهل اللسان.
فنقول: لا حاصل لهذا الفن فإن المأمور كان محجورا عليه مقبوضا على يديه في حق من [وكله] قبل أن وكله واستنابه ثم ثبت التوكيل على الخصوص واستمر ما كان ثبت قبل في غير المحل المخصوص بالصفات والذي يقطع الشغب عنا أن فرض التخصيص باللقب في هذا بمثابة فرض التخصيص بالصفات.
368- فأما الإمام الشافعي فإنه احتج في إثبات القول بالمفهوم بأن قال إذا خصص الشارع موصوفا بالذكر فلا شك أنه لا يحمل تخصيصه على وفاق من غير انتحاء قصد التخصيص وإجراء الكلام من غير فرض تجريد القصد إليه يزري بأوساط الناس فكيف يظن ذلك بسيد الخليقة صلى الله عليه وسلم؟ فإذا تبين أنه إذا خصص فقد قصد إلى التخصيص فينبني على ذلك أن قصد الرسول عليه السلام في بيان الشرع يجب أن يكون محمولا على غرض صحيح إذ المقصود العرى عن الأغراض الصحيحة لا يليق بمنصب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا ثبت القصد واستدعاؤه غرضا فليكن ذلك الغرض آيلا إلى مقتضى الشرع وإذا كان كذلك وقد انحسمت جهات الاحتمالات في إفادة التخصيص انحصر القول في أن تخصيص الشيء الموصوف بالذكر يدل على أن العاري عنها حكمه بخلاف حكم المتصف بها والذي يعضد ذلك من طريق التمثيل أن الرجل إذا قال السودان إذا عطشوا لم يروهم إلا الماء عد ذلك من ركيك الكلام وهجره وقيل لقائله لا معنى لذكرك السودان وتخصيصهم مع العلم بأن من عداهم في معناهم.
(1/172)

369- وهذا تحرير كلام الشافعي وهو على مساقه بالغ حسن ولكن يرد عليه على انطباق تخصيص للأشياء بألقابها ويلزم من مضمون طلب الفائدة من التخصيص المصير إلى أن الشارع إذا خصص شيئا باسمه [الذي ليس مشتقا] اقتضى ذلك نفى الحكم فيما عداه ولو لم يكن كذلك لكان تخصيصه من غير قصد أو قصده من غير غرض أو غرضه غير محمول على مقاصد الشرع وكل ذلك محظور لا سبيل إلى التزامه وإن كان ما ذكرناه في اللقب مسوغا لزم تسويغ مثله في الموصوف فإذا لا يستقل الكلام متعلقا بالتخصيص إلا بأحد وجهين إما أن [يطرد] في الألقاب كما ذهب إليه الدقاق وإما أن يوضح مع التمسك بالتخصيص أمرا يوجب ما ذكرناه في الموصوف دون غيره وليس في كلام الشافعي التزام ذلك على ما ينبغي من اختصاص أثر التخصيص بالموصوفات.
370- وقد حان الآن أن نبدأ مسلك الحق على وجه يشتمل بيان المختار ونبين تدريج الكلام على مراتبه ونوضح [القاصد في الأطراف] فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا باستفتاح التفصيل في آحاد الصور حتى إذا نجزت نرد الكلام إلى الضابط لها فنقول لا يتبين المقصد من المسألة إلا بذكر صور فمن الصور التي يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء فإن سلم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به تعدينا هذه المرتبة وإن استقر على النزاع اكتفينا معه بنسبته إلى الجهل باللسان أو إلى المراغمة والعناد فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت باب الشرط لتحصيص الجزاء به فإذا قال القائل من أكرمني أكرمته فقد أشعر باختصاص إكرامه [بمن يكرمه] ومن جوز أن يكون وضع هذا الكلام على أن يكرم مكرمه ويكرم غيره أيضا فقد نأى وبعد فآل الكلام معه إلى التسفيه والجهل والإحالة على تعلم مذاهب العرب ولسنها [وحوارها] ولنعد إلى خصلة أخرى وهي التتمة وهي أنا نكتفي فيما ندعى بظهور الاختصاص ولا نحاول قطعا ناصا لا يتطرق إليه إمكان فإذا أنكر منكر ظهور ما ذكرناه ظهر فساد قوله وانحطت رتبته عن استحقاق المفاوضات فهذا منتهى المراد في هذا الطرف.
371- ومما نذكره التحديد بالزمان والمكان أو العدد ونقول مما ظهر في الكلام ظهورا لا يستجاز المراء فيه أن الحدود تتضمن حصر المحدودات ولذلك تساق ولهذا الغرض تصاغ فإذا كان الحكم وراء المحدود كالحكم فيما يحويه الحد فلا غرض في الحد وظهور ذلك لا يجحد وهو من صور مسألة المفهوم ومن الصور.
(1/173)

تخصيص الموصوفات بالذكر كقوله عليه السلام: "في سائمة الغنم زكاة" 1 وقوله: "لي الواجد ظلم" 2 وهذا الفن عمدة المسألة وملتطم الكلام فليقع به فضل اعتناء والله المستعان.
372- فأقول إذا كانت الصفات مناسبة للأحكام المنوطة بالموصوف بها مناسبة العلل معلولاتها فذكرها يتضمن انتفاء الأحكام عند انتفائها كقوله صلى الله عليه وسلم: "في سائمة الغنم زكاة" 3 فالسوم يشعر بخفة المؤن ودرور المنافع واستمرار صحة المواشي في صفو هواء الصحاري وطيب مياه المشارع وهذه المعاني تشير إلى سهولة احتمال مؤنة الإرفاق بالمحاويج عند اجتماع أسباب الارتفاق بالمواشي وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك من حيث خصص وجوب الزكاة بمقدار كثير وأثبت فيه مهلا يتوقع في مثله حصول المرافق فإذا لاحت المناسبة جرى ذلك على صيغة التعليل.
وكذلك النهي عن لي الواجد فإن الموسر المقتدر ذا الوفاء والملاء إذا طلب بما عليه لم يعذر بتأخير الحق للمستحق وهذا في حكم التعليل لانتسابه إلى الظلم إذا سوف وماطل.
فإن طولبنا بإثبات القول بالمفهوم فيما نصننا عليه فالقول الواضح فيه أن ما أشعر وضع الكلام بكونه تعليلا فهو أظهر عندي في اقتضاء التخصيص الذي من حكمه انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة من الشرط والجزاء فإن العلة إذا اقتضت حكما تضمنت ارتباطه بها وانتفاءه عند انتفائها وإذا قال القائل: إنما أكرم الرجل لاختلافه إلى كان ذلك أوضح في تضمن اختصاص إكرامه بمن يختلف إليه من قوله من اختلف إلى أكرمته.
373- فإن قيل [إن] العلل الشرعية ليس من شرطها أن تنعكس والمفهوم تعلق بادعاء العكس قلنا هذا الآن كلام من لم يحط بما أوردناه والقول في العلل المستنبطة وشرائطها وقوادحها ليس مما نحن فيه بسبيل فإن غرضنا التعلق بما يقتضيه اللفظ في وضع اللسان اقتضاء ظاهرا ولا شك إن صيغة التعليل يظهر منها للفاهم ما أدرناه والقول في مآخذ العلل المستثارة لا [يؤخذ] من مقتضى العبارات والألفاظ فهذا ما أردناه.
__________
1 سبق تخريجه.
2 سبق تخريجه.
3 سبق تخريجه.
(1/174)

374- فإن قيل خصصتم بالذكر [الصفات] المناسبة للأحكام وقد أطلق القائلون بالمفهوم أقوالهم بإثبات المفهوم بكل موصوف فأثبتوا في ذلك ما هو الحق قلنا الحق الذي نراه أن كل صفة لا يفهم منها مناسبة للحكم فالموصوف بها كالملقب بلقبه والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها فقول القائل زيد يشبع إذا أكل كقله الأبيض يشبع إذ لا أثر للبياض فيما ذكر كما لا أثر للتسمية بزيد فيه ولنا كلام طويل على قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل" 1 تقصيناه في "الأساليب" فليطلبه [مريده] من ذلك الكتاب ومن سر هذا الفصل أن شرط العلة المخيلة المستنبطة السلامة عن جمل من الاعتراضات والقوادح ولا يشترط شيء من ذلك في القول بمفهوم كلام الشارع إذا اشتمل على ذكر موصوف وفهم من الصفة مناسبة فإن الكلام في ذلك يدار على فهم الخطاب لا على شرائط العلل ولا يتضح الغرض [في ذلك] مع كل هذا التقرير إلا بذكر المسألة المعقودة على الدقائق.
مسألة:
375- قد سفه علماء الأصول هذا الرجل في مصيره إلى أن الألقاب إذا خصصت بالذكر تضمن تخصيصها نفي ما عداها وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان وانسلال عن تفاوض أرباب وتفاهمهم فإن من قال رأيت زيدا لم يقتض ذلك إنه لم ير غيره قطعا.
376- وعندي أن المبالغة في الرد عليه سرف ونحن نوضح الحق الذي هو ختام الكلام قائلين لا يظن بذي العقل الذي لا ينحرف عن سنن الصواب أن يخصص بالذكر ملقبا من غير غرض وإذا رأى الرائي طائفة والخبر عن رؤية جميعهم عنده مستو لاتفاوت فيه وهو في سماع من يسمع كذلك فلا يحسن أن يقول والحالة هذه رأيت فلانا فينص على واحد من المرئيين نعم إن ظهر غرض في أن المذكور في جملة من راه فقد ظهر عند المتكلم فائدة خاصة يفيدها السامع فإذ ذاك يحسن تخصيصه بالذكر ولا خفاء بذلك.
فإن قيل: [هذا] الذي ذكرتموه ميل إلى مذهب الدقاق قلنا: الذي نراه أن التخصيص باللقب يتضمن غرضا مبهما كما أشرنا إليه ولا يتضمن انتفاء ما عدا.
__________
1 الدارمي في: البيوع"40".
(1/175)

المذكور واللفظ في نفسه ليس متضمنا نفى ما عدا المذكور بل وضع الكلام إذا رد الأمر إلى المقصود يقتضي اختصاص المذكور بغرض ما للمتكلم والصفة المناسبة في وضعها تقتضي نفي الحكم عند انتفاء الصفة فظهر القول بمفهوم الصفة وظهر اقتضاء التخصيص باللقب غرضا مبهما فإنا نقول وراء ذلك لا يجوز أن يكون من غرض المتكلم في التخصيص نفى ما عدا المسمى يلقبه فإن الإنسان لا يقول رأيت زيدا وهو يريد الإشعار بأنه لم ير غيره فإن هو أراد ذاك قال إنما رأيت زيدا وما رأيت إلا زيدا فاستبان بمجموع ذلك أن تخصيص الملقب بالذكر ليس يخلو عن فائدة هي غرض للمتكلم منها حكاية الحال وإن بلغنا الكلام مرسلا اعتقدنا غرضا مبهما ولم نر انتفاء غير المسمى من فوائد التخصيص.
377- ومن تمام الكلام فيه أن متكلفا لو فرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: في عفر الغنم الزكاة فهذا عندنا لا مفهوم له وهو كالمخصوص بلقبه ولكن يبعد من الرسول صلى الله عليه وسلم النطق بمثله وليس من الحزم أن يفرض من الشارع كلام لغو ويتعب في طلب فائدته فقد بان الآن مراتب العلماء.
فقد صار قوم إلى إبطال المفهوم وهذا ذهول عن فائدة الكلام وصار قوم إلى أن لكل تخصيص مفهوما كالدقاق وهذا الرجل ابتدر أمرا لا ينكر وهو أن العاقل لا يخصص مذكورا هزلا وليس كل الغرض موقوفا على نفي ما عدا المسى واعتبر الشافعي الصفة ولم يفصلها واستقر رأيي على تقسيمها وإلحاق ما لا يناسب منها باللقب وحصر المفهوم فيما يناسب وهذا منتهى الكلام.
مسألة.
378- فقد ذكرنا أن المفهوم ينقسم إلى ما يقع نصا غير قابل للتأويل ويغلب ذلك في مفهوم الموافقة إذا انتهى إلى المرتبة العليا وإذ ذاك يسمى عند أرباب الأصول الفحوى والغالب على مفهوم المخالفة الظهور والانحطاط عن رتبة النصوص فما يقع ظاهرا من تقاسيم المفهوم فالقول الضابط فيه: أنه نازل منزلة اللفظ الموضوع للعموم وضعا ظاهرا فيجوز ترك المفهوم بما يسوغ به تخصيص العموم وهذا نفصله في باب التأويل إن شاء الله تعالى.
379- وغرضنا الآن بعد إلحاق المفهوم باللفظ الموضوع للعموم أمران:
(1/176)

أحدهما: أن ترك جميع المفهوم بدليل يقوم بمثابة تخصيص العموم وليس كرفع جميع مقتضى اللفظ.
والقول المقنع فيه: أن المفهوم ليس مستقلا بنفسه وليس جزءا من الخطاب بذاته ولكنه من مقتضيات اللفظ فإن اقتضى ظهور أمر تركه فاللفظ بمقتضياته باق وفي تقدير رفع جميع متعلقات المنطوق رفع جميع مقتضى اللفظ وتعطيله ومعناه فكان المفهوم كبعض مسميات العموم.
وإيضاح ذلك أنا ألفينا اللفظ الموضوع للعموم يستعمل تارة للاستغراق وتارة لبعض المسميات فلما استمر الأمران لم يكن في التخصيص خروج عن مقتضى اللسان [وإن] كان الظاهر الجريان على العموم وكذلك نرى العرب تخصص الشيء بصفة وهي تبغي نفي المخبر عنه عند انتفاء الصفة وقد لا تريد ذلك فليس قصد نفي ما عدا المخصص أمرا مقطوعا به فكان ترك المفهوم ورفع أصل التخصيص من السائغ الذي لا يستنكر مثله وشفاء غليل الطالب موقوف على وقوفه على حقائق التأويلات وهذا أحد الأمرين.
380- والثاني: أن التخصيص إذا جرى موافقا لما يصادف ويلقى في مستقر العرف فالشافعي لا يرى الاستمساك بالمفهوم فيه ويصير إلى حمل الاختصاص على محاولة تطبيق الكلام على ما يلقى جاريا في العرف وقد ذكر الشافعي في الرسالة كلاما بالغا في الحسن في هذا وذلك أنه قال إذا تردد التخصيص بين تقدير نفى ما عدا التخصيص وبين قصد أخراج الكلام على مجرى العرف فيصير تردد التخصيص بين هاتين الجهتين كتردد اللفظ بين جهتين في الاحتمال واللفظ إذا تعارض فيه محتملات التحق بالمجملات كذلك التخصيص مع التردد يلتحق بالمجملات ثم ضرب لذلك أمثلة من الكتاب منها قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} 1 فاستشهاد النساء مع التمكن من استشهاد الرجل مما لا يجري العرف به للعلم بما في ذلك من الشهرة وهتك الستر وعسر الأمر عند إقامة الشهادة فيقتضي التقييد إجراء للكلام على موجب العرف ومنها قوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} 2 وقوله عليه السلام: "المسافر وماله على قَلَتٍ إلا ما وقى الله" 3 فجرى ذلك على الأعم الأغلب في أحوال المسافرين فلم يكن.
__________
1 آية "282" سورة البقرة.
2 آية "101" سورة النساء.
3 كشف الخفاء 2/285.
(1/177)

للتخصيص بالخوف مفهوم ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} 1 فظاهر الآية اختصاص [المفاداة] بحالة الشقاق وقد رأى الشافعي حمل ذلك على العرف الجاري في مثله في أن الزوجين لا يتخالعان ولا يتقامطان على الحب والمقة والتصافي وإنما تسمح المرأة ببذل المال المحبوب ويستبدل الزوج عنها مالا إذا أظهرا تقاليا وشقاقا فكان جريان التخصيص على حكم العرف وعلى هذا حمل الشافعي حديث عائشة2 رضي الله عنها إذ روت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال3: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" فمقتضى التخصيص لو اتسق القول بالفهوم أن يصح النكاح بلفظها إذا أذن وليها ولكن الشافعي قال إنما تزوج المرأة نفسها إذا كانت متبرجة كاشفة جلباب الحياء عن وجهها مؤثرة لنفسها الخروج عن دأب الخفرات فإذ ذاك تستبد بنفسها وإن بقي فيها ملتفت إلى الأولياء فإنها تفوض أمرها إليهم فإن عضلوها حملت خاطبها على رفع الأمر إلى القاضي فجرى التخصيص على حكم العرف أيضا ونظائر ذلك كثيرة في الكتاب والسنة فهذا مساق كلام الشافعي.
381 - والذي أراه في ذلك أن اتجاه ما ذكره من حمل الأمر على خروج الكلام على مجرى العرف لا يسقط التعلق بالمفهوم نعم يظهر مسالك التأويل ويخفف الأمر على المؤول في مرتبة الدليل العاضد للتأويل والدليل عليه أن عين التخصيص لا يتضمن نفي ما عدا المخصص ولو صير إلى ذلك ففيه تطرق إلى مذهب الدقاق وإنما ظهر نفي ما عدا المخصوص في إشعار المنطوق به شرطا أو تحديدا أو تعليلا ومقتضى اللفظ لا يسقط باحتمال يئول إلى العرف والذي يحقق ذلك أنه لما قال يعلى4 بن أمية لعمر5 بن الخطاب رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} 6 أنقصر وقد أمنا قال عمر تعجبت مما تعجبت منه7 ولم ينكر عليه اعتقاد المفهوم من طريق اللسان وقد صار محمد8 بن الحسن.
__________
1 آية "229" سورة البقرة.
2 سبقت ترجمتها.
3 أبو داود "2083", والترمذي 1/204, وابن ماجه "1879", وأحمد 6/47 و 165, والدارمي 2/137, وابن أبي شيبة 7/2/1, والدارقطني "381" والحاكم 2/168, والإرواء 6/243 وقال: صحيح.
4 سبقت ترجمته.
5 سبقت ترجمته.
6 سبقت.
7 سبق تخريجه.
8 محمد بن الحسن الشيباني مولاهم أبو عبد الله الكوفي, صاحب الإمام أبو حنيفة, سمع منه, ومن أبي يوسف, ومسعر بن كدام, والثوري, آخرين. ولى قضاء الرقة أيام الرشيد, ثم عزله, ومات بالري سنة "189". له ترجمة في: وفيات الأعيان "3/325" وتاريخ بغداد 2/172.
(1/178)

إلى تنزيل مذهبه على مفهوم حديث عائشة ومنطوقه في النكاح بغير ولي فلست أرى المفهوم في هذا الفن متروكا من غير فرض دليل ومن حاسيك الصدور ترك المفهوم في مسألة النكاح بلا ولي وما ذكر في هذا الفصل فأنا أوفيه حظه إذا ذكرت طرق تأويلات المفهومات إن شاء الله تعالى.
مسألة:
382- ما صار إليه المحققون أن قوله صلى الله عليه وسلم:1 "تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم" يتضمن حصرها بين القضيتين في التكبير والتسليم وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى تنزيل هذا على المفهوم وقضوا بأنهم من حيث لم يروا القول به لا يلزمون نفي ما عدا التكبير والتسليم وتمسكوا بهذا المسلك في قوله صلى الله عليه وسلم2: "الشفعة فيما لم يقسم".
383- وهذان فنان عندنا ونحن نخصص المثال الأول والثاني بما يليق بكل واحد منهما فأما قوله عليه السلام: "وتحريمها التكبير" 3 فمقتضاه الحصر لا محالة وليس هذا من فن المفهوم المتلقى من تخصيص الشيء بالذكر كما سبق مفصلا وهذا يقرر من وجهين:
أحدهما: النقل والاحتكام إلى ذوي الحجا والأحكام في كل لسان ولغة فإذا قال القائل: زيد صديقي لم يتضمن هذا نفي الصداقة عن غيره والقول بالمفهوم لا يتضمن في سياق هذا الكلام حصرا للصداقة ولا قصرا لها على زيد المذكور صدرا ومبتدأ ولو قال القائل: صديقي زيد اقتضى هذا أنه لا صديق له غيره وهذا مما لا يبعد ادعاء إجماع أهل اللسان فيه ومن أبدى في ذلك مراء كان مباهتا محكوما عليه بالعناد فهذا وجه.
والوجه الآخر: أن ترتيب الكلام أن تقول زيد صديقي فإن وضع المبتدأ.
__________
1 أبو داود في: الطهارة "31" والصلاة "73", والترمذي في: الطهارة "3" والصلاة "62", وابن ماجه "3", والدارمي في: الوضوء "22", وأحمد 1/123 و 129.
2 البخاري في: الشركة "8, 9" والحيل "14", والدارمي في: البيوع "83".
3 سبق تخريجه.
(1/179)

ذكر معرف تبتدره الأفهام حتى إذا فهم أسند إليه خبر لا يستقل معلوما في نفسه فينتظم من ارتباط الخبر به في إفادة السامع ما [يقدر] المتكلم أنه ليس عالما به فإذا قلب الكلام وقال صديقي زيد لم يصلح قوله صديقي صدرا مبدوءا به فإنه يترقب بعد البداية به خبره فحملت العرب تقديمه وصرف الاهتمام به على حصر معناه في زيد المذكور بعده ولولا ذلك لما انتظم الكلام وهذا معنى لا يفضي إلى القطع بنفسه والمعتمد القاطع النقل كما ذكرناه فهذا في أحد الفنين وقد تحصل منه أنه ليس من المفهوم في شيء وإنما مأخذه ما ذكرناه.
384- وأما الفن الثاني وهو "الشفعة فيما لم يقسم" 1 فوجه التمسك به لا يتلقى من البناء على المفهوم وإنما مأخذه أن اللام في قوله الشفعة لتعريف الجنس فكأنه عليه السلام حصر جنس الشفعة فيما لم يقسم.
385- وقد نجز مقدار غرضنا من الكلام عن النص والظاهر والأمر والنهي والعموم والخصوص والمنطوق والمفهوم والمجمل والمفسر فهذه هي المراتب المقصودة في هذا الفن ولا يبقى بعد نجازها إلا ذكر مراتب التأويلات وما يقبل منها وما يرد وبيان مستنداتها ولكني أرى أن أخلل بين نجاز هذه المراتب وبين التأويلات القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها من متعلقات الشرع والتأويلات والمحامل في حكايات الأحوال تتعلق بها.
فنبتدئ مستعينين بالله تعالى بذكر أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نعقب نجازها بكتاب التأويلات إن شاء الله تعالى.
__________
1 سبق تخريجه.
(1/180)

باب القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم
مدخل
...
باب القول في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
386- الكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدعي تقديم صدر من القول في عصمة الأنبياء عليهم السلام ونحن نذكر منه القدر الذي تمس الحاجة إليه ثم نعود إلى نظم الكلام فنقول:
387- لا شك أن المعجزة تدل على صدق النبي عليه السلام فيما يبلغه عن الله تعالى فتجب عصمته عن الخلف في مدلول المعجزة ولو لم يكن كذلك لما كانت المعجزة دالة.
فأما الفواحش والموبقات والأفعال المعدودة من الكبائر فالذي ذهب إليه طبقات الخلق استحالة وقوعها عقلا من الأنبياء وإليه مصير جماهير أئمتنا.
388- وقال القاضي: هي ممتنعة ولكن مدرك امتناعها السمع ومستندة الإجماع المنعقد من حملة الشريعة على الأمن من وقوع الفواحش من الأنبياء ولو رددنا إلى العقل لم يكن في العقل ما يحيلها فإن الذي يتميز به النبي عن غيره مدلول المعجزة ومتعلقها والكبائر ليست مدلولها بوجه فلا تعلق للمعجزة بنفيها ولا بإثباتها نعم لو كان فيما ذكره من تنبي وتحدي به أنه منزه عن الفواحش واستشهد على صدقه بقيام المعجزة فوقعت على حسب الدعوى فكل ما أدرجه في كلامه إذا ارتبط قيام المعجزة به فنعلم على القطع إذ ذاك وجوب صدقه في جميع مخبراته ولا اختصاص لتعلق المعجزة بفن من الأخبار فإنها تقع على مطابقة دعوى النبي ووفقها فإن قامت ودعواه شيء واحد دلت على صدقه فيه وإن قامت ودعواه أشياء وقد استشهد على جميعها بقيام المعجزة دلت على صدقه في جميعها والمختار عندنا ما ذكره القاضي.
389- وأما الصغائر ففي إثباتها أولا كلام كثير لسنا له الآن ولكن الذي نعنيه بذكر الصغائر مالا يتضمن فسق من صدر منه وانسلاله عن نعت.
(1/181)

العدالة وهذا أيضا إحالة على جهالة ولكن الكلام يجمل في غير مقصوده [ويتبين في مقصوده] .
390- والذي صار إليه أئمة الحق [أنه] لا يمتنع صدورها عن الرسل عقلا وترددوا في المتلقى من السمع في ذلك فالذي ذهب إليه الأكثرون أنها لا تقع منهم ثم اضطربوا وتخبطوا في تأويل آى مشهورة في قصص المرسلين والذي ذهب إليه المحصلون أنه ليس في الشرع قاطع في ذلك نفيا وإثباتا والظواهر مشعرة بوقوعها منهم.
391- ومما نقدمه قبل الخوض في الغرض النسيان فلا امتناع في تجويز وقوعه فيما لا يتعلق بالتكاليف فأما ما يفرض متعلقا بالتكاليف ففيه اضطراب ونحن قاطعون بأنه لا يمتنع وقوعه عقلا إلا أن يقول النبي أنه لا يقع منى نسيان ويقيم المعجزة عليه وهذا مطرد في كل خبر يتردد بين الصدق والكذب.
فإذا تأيد بقيا المعجزة تعين الصدق فيه [و] إذا لم يتأيد بقيام المعجزة على الاختصاص به ففيه الكلام والنسيان إن لم يقع انتفاؤه مدلولا للمعجزة فهو مسوغ عقلا والظواهر دالة على وقوعه من الرسل.
392- وقد قال من لم يحط بمأخذ الحقائق إنهم عليهم السلام غير مقرين على النسيان بل ينبهون على قرب وهذا لا تحصيل له فليس يمتنع أن يقروا عليه زمانا طويلا ولكن لا ينقرض زمانهم وهم متسمرون على النسيان وهذا متلقى من الإجماع لا من مسالك العقول.
فهذا القدر مقنع فيما نبغيه في ذلك وفي أدراجه ملامح كافية في إيضاح المختار والدليل عليه.
393- ونحن نقول بعد ذلك إذا لم يبعد وقوع الذنب من الرسول عليه السلام فكيف يتخيل الناظر وجوب الاقتداء به في فعل؟ وإن بنينا الأمر على امتناع وقوع الذنب منه فالكلام يقع وراء ذلك في حكم فعله.
(1/182)

حكم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
394- وأجمع تقسيم فيه أن نقول فعله صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ما شهد عليه قول منه ناص وإلى ما لم يشهد عليه قول ناص فأما ما يشهد عليه قول منه فهو كأفعاله.
(1/182)

في صلاته في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 1 وكأفعاله في نسكه مع قوله: "خذوا عني مناسككم" 2 فهذا الفن خارج عن متعلق الغرض من الكلام في الأفعال فإن الأقوال هي المتبعة في هذا القسم والأفعال في حكم الأعلام ولكنا ذكرنا ذلك لاستيعاب الأقسام.
395- فأما ما ورد غير مقترن بقول شاهد عليه فينقسم إلى الأفعال الجبلية التي لا يخلو ذو الروح عن جميعها كالسكون والحركة والقيام والقعود وما ضاهاها من تغاير أطوار الناس فإذا ظهر ذلك فلا استمساك بهذا الفن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
396- وأما ما لم يقترن به ما يدل على كونه من الأفعال الجارية في العادات فإنه ينقسم إلى ما يقع بيانا وإلى مالا يظهر ذلك فيه.
فأما ما يقع بيانا فهو بمثابة ورود [قول] في الكتاب على إجمال فإذا وقع من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فعل في حكاية حال أو مراجعة وسؤال فظهور قصده في بيان الإجمال ينزل منزلة القول المقترن بالفعل الشاهد عليه.
397- فأما ما لم يظهر فيه قصد البيان فهو ينقسم إلى ما يقع في سياق القرب ويظهر كونه في قصد الرسول عليه السلام قربة وإلى مالا يقع في سياق القرب فأما ما يقع قربة في قصده فهو الذي اختلف فيه الخائضون في هذا الفن فذهب طوائف من المعتزلة إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم محمول على الوجوب ويتعين اتباعه فيه وذهب إلى هذا المذهب ابن سريج وأبو علي بن أبي هريرة من أصحابنا.
وذهب ذاهبون إلى أن فعله لا يدل على الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب وفي كلام الشافعي ما يدل على ذلك.
وذهب الواقفية إلى الوقف فإنهم في ظواهر الأقوال سباقون إليه فالفعل الذي لا صيغة له بذلك أولى.
398- فأما من صار إلى أن فعله على الوجوب فمما استدلوا به قوله تعالى:
__________
1 سبق تخريجه.
2 مسلم 4/79, وأبو داود "1970", والترمذي 1/168", والنسائي 2/50", وابن ماجه "3023" وأحمد 3/301 و 318 و 332 و 337.
(1/183)

{وَمَا آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ} 1 وهذا الاستدلال مدخول فإن من يقف لا يسلم أن فعله يعدوه ويقول بحسب ذلك إن فعله ليس هو مما آتانا به الرسول عليه السلام وفعله مختص به لا يتعداه وقد تكلم هؤلاء على الآية من وجه واقع وهو قول شيخنا أبي الحسن فإنه قال أراد ما أمركم به الرسول فخذوه والشاهد لذلك قوله تعالى: {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} 2 والنهي إنما يقارنه على مضادة الأمر وبالجملة الآية محتملة وغاية المستمسك بها أن يسلم له ظهورها في غرضه والظهور مع تطرق فنون الظنون لا يقنع في القطعيات.
ومما تمسك به هؤلاء أن قالوا: أجمع المسلمون قبل اختلاف الآراء على أنه يجب على الأمة التأسي برسولها ومتابعته ومن متابعته أن يوافق في أفعاله.
وهذا زلل عظيم فإن منصب النبوة يقتضي كون النبي متبوعا على معنى أنه مطاع الأمر فأما وجوب متابعته في أفعاله فليس ذلك مدلول معجزته ولا قضية نبوته ولا حكم مرتبته [والملك] الذي يتبع أمره لا يفعل مثل ما فعله إلا إذا أمر به.
399- فأما من صار إلى أن الفعل يدل على الاستحباب فيما يقع قربة فهذا أقرب قليلا من المسلك الأول في القسم الذي فيه الكلام فإنا لم نفرض قولنا إلا فيما يقع من الرسول في معرض القرب فإذا ظهر تقربه بفعل إلى الله تعالى فقد يظن الظان أن الأمة في ذلك بمثابته فإنه أسوة الخلق وقدوتهم في قربه وعبادته وليس ذلك كالفعل المرسل الذي ينقل عنه من غير أن يبين كونه قربة في حقه.
وهذا الرأي غير سديد أيضا فإن ما ثبت قربة في حق المصطفى فليس في نفس الفعل ما يتضمن الدعاء إلى مساواته فيه والفعل في نفسه لا صيغة له وليس بدعا أن يختص صاحب الشريعة بشيء دون أمته لعلو منزلته ورتبته وهذا متمسك الواقفية إذا حاولوا إثبات الوقف.
400- والرأي المختار عندنا: أنه يقتضي أن يكون ما وقع منه مقصودا قربة محبوبا مندوبا إليه في حق الأمة وشرطنا انتحاء الوسط في كل مسلك والنزول عن طرفي السدف في الإثبات والنفي فمن ادعى أن الفعل بعينه يقتضي ذلك فهو زلل فإن الفعل لا صيغة له ومن ادعى أنه لا يتأسى بفعل المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما ثبت.
__________
1 آية "7" سورة الحشر.
2 الآية السابقة.
(1/184)

قصد القرب فيه فقد أبعد أيضا.
والوجه في ذلك أن يقال ثبت عندنا أن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتحرون لأنفسهم في القربات ما يصح عندهم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا اختلفوا في قربة فروى لهم صادق موثوق به عن المصطفى صلى الله لعيه وسلم فعلا كانوا يتبدرونه ابتدارهم أقواله ولا ينكر هذا منصف فالوجه أن نقول إن رددنا إلى الفعل ومقتضاه أو إلى مدلول المعجزة فإنهما يفضيان إلى الوقف كما قال الواقفية ولكن تأكد عندنا من عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التأسي به في كيفية أفعاله في قربة فليحمل هذا على الإجماع [ولا يقطع] به في مقتضى العقل والمعجزة وكل ذلك فيما ظهر وقوعه على قصد القربة من الرسول صلى الله عليه وسلم.
401- فأما فعله المرسل الذي لا يظهر وقوعه منه على قصد القربة فقد ذهب طوائف من حشوية الفقهاء إلى أنه محمول على الوجوب كالذي سبق في القرب وقد عزى ذلك إلى ابن سريج بعض النقلة وهذا زلل وقدر الرجل عن هذا أجل ومذهب الوجوب وإن لاح بطلانه في القرب فهو على حال يصلح أن يكون معتقدا لمعتقد من حيث إنه يقول هو إمام الخليقة في الطاعة فإذا لم يظهر انتفاء الوجوب بنى الأمر على الوجوب أخذا بالأحوط فأما التزام هذا المذهب في كل فعل يصدر منه وإن لم يظهر كونه قربة فبعيد جدا.
402- فإن قيل: فما المرتضى في هذا القسم؟ قلنا: أما الواقفية فيطردون مذاهبهم في الوقف ومذهبهم في هذه الصورة أظهر وأما أصحاب الندب فقد يصيرون إليه وهو رديء مزيف بمثل ما زيفنا به مذهب أصحاب الوجوب في هذا القسم فإن انقسام فعله [إلى الواجب وغيره كانقسام فعله] إلى المندوب وغيره فالمختار إذا أن فعله لا يدل بعينه ولكن يثبت عندنا وجوب حمله على نفى الحرج فيه عن الأمة ومستند هذا الاختيار إلى علمنا بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اختلفوا في حظر أو إباحة فنقل الناقل في موضع اختلافهم فعلا عن المصطفى لفهموا منه أنه لا حرج على الأمة في فعله وجاحد هذا جاهل بمسالك النقل فضلا عن المعنى واللفظ وأما ادعاء اعتقادهم أن فعله واجب على غيره أو مندوب مستحب فدعوى عرية لا تستند إلى قضية المعجزة ولا إلى عادتهم ولا إلى صفة الفعل.
فهذا منتهى القول في أقسام أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نجاز الغرض في هذا الفصل.
(1/185)

فصل: يحوي بقايا من أحكام الأفعال.
حكم الأفعال التي تظهر فيها خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم.
- 403قد تبين أن معتصمنا ما ظهر لنا من دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اعتقاد القربة فيما يجري عن المصطفى في سياق القربة وفي اعتقاد نفي الحرج فيما لا يظهر فيه قصد القربة منه ولم نتحقق على حاصل في فن من أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما يتعلق بقبيل يظهر في خصائصه فليس عندنا نقل لفظي ولا معنوي في أنهم رضي الله عنهم كانوا يقتدون به في هذا النوع ولم يتحقق عندنا نقيض ذلك فهذا محل الوقف.
- 404فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره وقررنا كل شيء على واجبه في محله وهذه غاية ينبغي أن ينتبه من يبغي البحث عن المذاهب لها فإنه يبعد أن يصير أقوام كثيرون إلى مذهب لا منشأ له من شيء ومعظم الزلل يأتي أصحاب المذاهب من سبقهم إلى معنى صحيح لكنهم لا يسبرونه حق سبره ليتبينوا بالاستقراء أن موجبه عام شامل أو مفصل ومن نظر عن نحيزة سليمة عن منشأ المذاهب فقد يفضى به نظرة إلى تخير [طرف] من كل مذهب كدأبنا في المسائل.
حكم فعلى الرسول صلى الله عليه وسلم المختلفين المؤرخين.
- 405 ومما نذكره في أحكام الأفعال بعد ثبوت التأسي به على التفصيل المقدم أنه إذا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلان مؤرخان مختلفان فقد صار كثير من العلماء إلى أن التمسك بآخرهما واعتقاد كونه ناسخا للأول وتنزيلهما منزلة القولين المنقولين المؤرخين فإن آخرهما ناسخ لأولهما إذا كانا نصين وللشافعي صغو إلى ذلك وهو مسلكه الظاهر في كيفية صلاة الخوف بذات الرقاع فإنه صحت فيها رواية ابن عمر1 وصالح2 بن خوات فرأى الشافعي رواية ابن خوات متأخرة ورأى رواية ابن عمر في غير تلك الغزوة فقدرها في غزاة سابقة عليها وربما سلك مسلكا آخر فسلم اجتماع الروايتين في غزاة واحدة ورآهما متعارضتين ثم تمسك من طريق القياس.
__________
1 ابن عمر هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي, أسلم بمكة مع إسلام أبيه, وهاجر وهو ابن عشر. وقد شهد الخندق وما بعدها, ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاح. مات سنة "73". له ترجمة في: أسد الغابة 3/340, والإصابة 1/338, والنجوم الزاهرة 1/192.
2 له ترجمة في: تهذيب التهذيب4/339.
(1/186)

بأقرب المسلكين إلى الخضوع والخشوع وقلة الحركة.
406- وذهب القاضي: إلى أن تعدد الفعل مع التقدم والتأخر أو غير ذلك محمول على جواز الأمرين إذا لم يكن في أحدهما ما يتضمن حظرا.
والذي ذكره القاضي ظاهر في نظر الأصول فإن الأفعال لا صيغ لها ولكن إذا ادعى مدع أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتمسكون بالأحداث فالأحدث فهو منصف والقول في ذلك على الجملة ملتبس فإن [ادعاء] ذلك عليهم في الأفعال على الخصوص نأي عن القطع وإن استمر فيه قطع فلا يبعد أنهم كانوا يرون الأخير أفضل أحواله وأولى أفعاله.
مسألة.
407- مما يتعلق بالكلام في أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان حكم تقريره غيره على أمر.
فالذي ذهب إليه جماهير الأصوليين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى مكلفا يفعل فعلا أو يقول قولا فقرره عليه ولم ينكر عليه كان ذلك شرعا منه في رفع الحرج فيما رآه.
قالوا: من لم ير التعلق بأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة تردد أفعاله بين خواصه وبين ما يشاركه فيه غيره فإنه يقول: إذا قرر غيره على أمر كان ذلك شرعا فإن تقريره يتعلق بالمقرر وكان ذلك في حكم الخطاب له وقد تمهد أن خطابه للواحد في حكم الخطاب للأمة.
وهذا كما ذكروه ولكن فيه مستدرك فإنه لا يبعد أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيا عليه ممتنعا من القبول منه على أمر فلا يتعرض له وهو معرض عنه لعلمه بأنه لو نهاه لما قبل نهيه بل يأباه وذلك بأن يكون من يراه منافقا أو كافرا فلا يحمل تقريره هؤلاء وسكوته عنهم على إثبات الشرع فهذا تفصيل لا بد منه في التقرير.
مسألة:
408- استدل الشافعي رضي الله عنه في إثبات القافة بتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم مجززا المدلجي على قوله إذ قال لما نظر إلى أسامه وزيد وهما تحت قطيفة وقد بدت منهما أقدامهما إن هذه الأقدام بعضها من بعض فاستبشر رسول الله وسره ما قاله,.
(1/187)

في القصة المشهورة وموضع الاستدلال للشافعي تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل.
409- قال القاضي هذا فيه نظر فإن قول مجزز كان موافقا لظاهر الحال وكان المنافقون يبدون غمزة في نسبة زيد وأسامة قاصدين به أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الشرع حاكما بالتحاق [أسامه بزيد] فجرى قول مجرزا منطبقا على وفق الشرع والظاهر والأمر المستفيض الشائع وهو بمثابة ما لو قال فاسق مردود الشهادة هذه الدار لفلان يعزوها إلى مالكها وصاحب اليد فيها فلو قرر الشارع مثل هذا الرجل [على] قوله لم يكن ذلك حكما منه بأقوال الفسقة في محل النزاع وقيام الحاجات إلى إقامة البينات.
وإن انتصر [منتصر للشافعي] قائلا إنما استدل الشافعي [باهتزاز] رسول الله صلى الله ليه وسلم ومن تمام كلام [الشافعي] أن الرسول لا يسره إلا الحق فإذا سره قول مجزر تبين أنه من مسالك الحق قيل: يمكن أن يحمل ذلك على علم رسول الله صلى الله عليه وسلم برجوع العرب إلى أقوال القافة والقيافة لم تزل عندهم مرجوعا إليها وهي من أبواب الكهانة وكان [المغمز] منهم فلما رأى ما يكذبهم سره ما ساءهم.
410- فأقصى الإمكان في ذلك أن الرسول لو لم يكن معتقدا قبول قول القائف لعده من الزجر والفأل والحدس والتخمين ولما أبعد أن يخطئ في مواضع وإن أصاب في مواضع فإذا تركه ولم يرده كان الكلام على الأنساب بطريق القيافة فهذا من هذا الوجه قد يدل على أنه مستند الأنساب فهذا هو الممكن في ذلك.
وقد انتجز بنجازه أحكام الأفعال والأقوال.
وأنا أرى على أثر ذلك أن أتكلم في شرع من قبلنا وأوضح مذاهب الناس فيه فإن من العلماء من قدر شرائع الأنبياء الماضية شرعا لنا إذا لم يثبت في شرعنا ناسخ له على التعيين.
(1/188)

باب القول في التعليق بشرائع الماضين.
411- اضطربت المذاهب في ذلك فصار صائرون إلى أنا إذا وجدنا حكما في شرع من قبلنا ولم نر في شرعنا ناسخا له لزمنا التعلق به وللشافعي ميل إلى هذا وبنى عليه أصلا من أصوله في كتاب الأطعمة وتابعه معظم أصحابه.
412- وذهب ذاهبون من المعتزلة إلى أن التعلق بشرع من قبلنا غير جائز عقلا وبنوا مذهبهم على أن ذلك لو قدر لأشعر بحطيطة في شريعتنا ولتضمن ذلك أيضا إثبات حاجة إلى مراجعة من قلنا وهذا حط من مرتبة الشريعة وغض من منصب المصطفى عليه السلام.
413- وصار صائرون إلى أن ذلك لا يمتنع عقلا ولكنه ممنوع شرعا واعتصموا بما روى أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم بلغه أن عمر كان يراجع اليهود في أقاصيص بني إسرائيل فسأله رسول الله صلى الله ليه وسلم عن ذلك ونهاه عن صنيعه وقال1: "لو كان ابن عمران حيا لما وسعه إلا اتباعي".
414- والمختار عندنا أن العقل لا يحيل إيجاب اتباع أحكام شرع من قلنا إذا لم يرد في شرعنا ناسخ له وما ذكره بعض المعتزلة من أن ذلك غض من الدين وحط من مرتبة الشريعة [وتنفير من اتباع شرعة الحق] ساقط لا حاجة إلى إيضاح بطلانه ولكن ثبت عندنا شرعا أنا لسنا متعبدين بأحكام الشرائع المتقدمة والقاطع الشرعي في ذلك: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة والاجتهاد إذا لم يجدوا متعلقا فيهما وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام.
415- فإن قيل: امتنع ذلك عليهم من جهة أن أهل الأديان السابقة حرفوا كتبهم وغيروها عن الوجوه التي نزلت عليها قلنا هذا باطل من وجوه:.
أحدها: أن ما ذكروه يجر مساقه إلى أنه لا يجب التتبع للشرائع المتقدمة لمكان
__________
1 أحمد 3/387, ودلائل النبوة 1/8, وابن عساكر 5/162, والدارمي 1/115, وابن أبي عاصم في السنة 2/5, والإرواء 6/34, وقال: حسن.
(1/189)

التباسها واندراسها فكأن هؤلاء وافقوا المذهب وخالفوا في العلة.
والوجه الثاني أنه لو كان لنا متعلق في شرع من قبلنا لنبهنا الشارع على مواقع التلبيس حتى لا يتعطل علينا مرجع الأحكام والوجه الثالث أنه كان أسلم من الأحبار المطلعين على مواقع التغيير طائفة منهم عبد الله1 بن سلام وقد استشهد الله به في نص القرآن وقال: {وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} 2 [وقال: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} 3] وأسلم كعب4 الأحبار في زمن عمر وكان المنتهى في علوم الأديان والإحاطة بالكتب وبالجملة لم يثبت قط رجوع إمام في عصر من الأعصار إلى تتبع الأحكام من الملل السابقة فانتهض ما ذكرناه قاطعا شرعيا فيما نحاوله.
416- فإن تمسك فقهاؤنا بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ} 5 وقوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} 6 وقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} 7 قيل: المراد بمساق هذه الآي الرد على المشركين وبيان إطباق النبيين على الدعاء إلى التوحيد وكان إبراهيم صلى الله عليه وسلم على مسلكه المعروف رادا على عبدة الأوثان فلما بلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جرت الآى المشتملة على ذكر إبراهيم صلى الله عليه وسلم في تأييد التوحيد والرد على عبدة الأوثان.
مسألة:
417- مما ذكره الأصوليون متصلا بهذا الفن القول فيما كان النبي عليه السلام.
__________
1 عبد الله بت سلام بن الحارث أبو يوسف الإسرائيلي نسبا الأنصاري الخزرجي حلفا. وكان من سادات اليهود وأحبارهم, ومعظما في الجاهلية والإسلام. مات سنة "43هـ". له ترجمة في: أسد الغابة 3/264 والإصابة 2/312, وشذرات الذهب 1/53.
2 آية "43" سورة الرعد.
3 آية "10" سورة الأحقاف.
4 كعب الأحبار هو: كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق. يقال
5 سبقت ترجمته.
6 آية "68" سورة آل عمران.
7 آية "78" سورة الحج.
(1/190)

قبل أن يبعثه الله نبيا وهذا ترجع فائدته وعائدته إلى ما يجرى مجرى التواريخ ولكن مأخذه الأصول كما سنبين الآن.
418- فذهبت المعتزلة إلى أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن على اتباع نبي ولكن على شريعة العقل في اجتناب القبائح وإتيان المحاسن العقلية وزعموا أنه لو عهد متبعا قط لكان في ذلك غميزة فيه لما بعث نبيا.
وهذا كلام مستندة أصلان باطلان أحدهما القول بشريعة العقل وقد أبطلناه والثاني أن ما ادعوه من إفضاء اتباعه إلى منقصة في منصبه فهذا قد تكرر منهم مرارا ووضح سقوطه.
419- وذهب ذاهبون إلى أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام كما قدمناه في المسألة السابقة وقد أوضحنا أنها واردة في التوحيد والتمسك بها في هذه المسألة ليس بشيء قطعي وغاية ما يسلم لهم ظاهر معرض للتأويل وقد تقرر أن الظواهر لا يسوغ التمسك بها في محاولة القطعيات ثم يعارضها قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} 1.
420- وذهب ذاهبون إلى أنه كان على شرع نوح لهذه الآية فإن تعلق بها صاحب هذا المذهب فأية إبراهيم تعارضها.
421- وصار طائفة ممن ينتمي إلى التحقيق إلى أنه كان على شريعة عيسى فإنها آخر الشرائع قبل شريعة المصطفى وكان الخلق عامة مكلفين بها وكان الرسول صلى الله عليه وسلم من المكلفين.
وهذا غير سديد من جهة أنه لم يثبت عندنا أن عيسى عليه السلام كان مبعوثا إلى الناس كافة ولو ثبت ابتعاثه إليه فقد كانت شريعته دارسة الأعلام مؤذنة بالانصرام والشرائع إذا درست سقط التكليف بها.
422- وقال القاضي لم يكن عليه السلام على شرع وقطع بهذا ولكنه لم يأخذه من مأخذ المعتزلة حيث أحالوا ذلك عقلا بل القاضي قطع بجواز ذلك في العقل ولكن متعلقة فيما صار إليه أنه عليه السلام لو كان على ملة لاقتضى العرف ذكره لها [لما بعث نبيا] ولتحدث بذلك أحد في زمانه وبعده فإن الأمر ظاهر لا.
__________
1 آية "13" سورة الشورى.
(1/191)

يكاد يخفى في مستقر العادات على ما سيأتي ذلك مستقصى في كتاب الأخبار وما يجب أن يتواتر منها.
423- والمختار عندنا أن الأمر في ذلك ملتبس فلا وجه لجزم القول في نفي ولا إثبات وما ذكره القاضي من اقتضاء العادة ظهور دين مثله عليه السلام فهو في مسلكه بين ولكن يعارضه أنه لو لم يكن على دين أصلا لذكر فإن ذلك أبدع وأبعد من المعتاد مما ذكره القاضي فقد تعارض الأمران.
والوجه أن يقال: كانت العادة انخرقت برسول الله عليه السلام في أمور منها انصراف الناس عن أمر دينه والبحث عنه فهذا منتهى القول في ذلك.
ونحن الآن بتوفيق الله وتأييده نبتدىء [الكلام] في التأويل مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.
(1/192)

باب التأويلات.
424- التأويل رد الظاهر إلى ما إليه ماله في دعوى المؤول وإنما يستعمل إذا علق بما يتلقى من الألفاظ منطوقا ومفهوما والألفاظ تنقسم انقساما أولا إلى المجمل والمجمل الذي لا يستقل بإفادة المعنى وإلى ما ليس مجملا.
فأما المجمل فلا يسوغ فرض الاستدلال به حتى يقدر احتياج المستدل عليه إلى تأويله فإذا حسب المستدل المجمل ظاهرا اكتفى المستدل عليه بإبدائه كونه مجملا فإذا اشتغل المستدل عليه بتفسيره كان مجاوزا حد النظر متعديا مسلك الجدال مائلا إلى الانحلال فليكتف ببيان الإجمال وفيه سقوط استدلال المستدل.
فأما ما ليس مجملا فينقسم إلى النص الظاهر وقد قدمنا ما يتميز به أحد البابين عن الثاني ومسائل هذا الكتاب تفصل تلك الضوابط إن شاء الله تعالى.
فالنص ما لا يتطرق إلى فحواه إمكان التأويل وينقسم إلى ما ثبت أصله قطعا كنص الكتاب والخبر المستفيض وإلى ما لم يثبت أصله قطعا كالذي ينقله الآحاد ولا مجال [لتأويل] في النوعين وإنما يتعلق الكلام فيهما بتقديم المراتب عند فرض المعارضات مثل أن يعارض نص متواتر نص الكتاب إن أمكن ذلك أو يعارض خبر ناص مستفيض خبرا مثله أو يعارض خبر نقله الآحاد ما ثبت أصله قطعا أو يعارض مثله والقول في ذلك يأتي مشروحا في آخر كتاب التأويل إن شاء الله تعالى.
425- والقول الوجيز الآن فيه على [ما] تقتضيه التوطئة والتمهيد أن الناظر يقدم ما يقتضي العقل والشرع جميعا تقديمه عند تفاوت المراتب فإن استوت المراتب وتحقق التعارض والألفاظ نصوص فالكلام في ذلك يئول إما إلى الإسقاط وإما إلى الترجيح على ما يأتي في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.
426- فأما الظاهر الذي يتطرق إمكان التأويل إليه وإنما ظهوره في جهته مظنون غير مقطوع به فعليه ينبني هذا الكتاب.
(1/193)

427- والوجه تصدير هذا الفصل بأمرين:
أحدهما إبانة بطلان الاستدلال بالظاهر فيما المطلوب منه القطع لأن ظهور معناه غير مقطوع به فلا يسوغ وضع الاستدلال به [على ما هذا سبيله] وإن قدر ذلك من مستدل أشعر بجهله بأحد أمرين إما أن يجهل كونه ظاهرا أو يعتقده نصا والأمر على خلاف ما يقدره وإما أن يجهل تمييز مواقع العلوم عن مجال الظنون والجاهل بالوجه الأول أحق بأن يعذر من الجاهل بالرتبة الثانية ثم إذا فرض ذلك في المستدل فليس من حق المستدل عليه أن يشتغل بالتأويل بل يكفيه أن يبين تطرق الاحتمال وخروج اللفظ عن القواطع.
وإذا وضح ذلك التحق الظاهر في محل طلب العلم بالمجملات التي لا تستقل بأنفسها.
428- والثاني أن الظاهر حيث لا يطلب العلم معمول به والمكلف محمول على الجريان على ظاهره في عمله وقد قدمنا في [أثناء] الكلام [في ذلك] قولا بالغا وإن حاولنا تجديد العهد به فالمعتمد فيه والأصل والتمسك بإجماع علماء السلف والصحابة ومن بعدهم فإنا نعلم على قطع أنهم كانوا يتعلقون في تفاصيل الشرائع بظواهر الكتاب والسنة وما كانوا يقصرون استدلالاتهم على النصوص ومن استراب في تعلقهم بالقياس لم يسترب في استدلالهم بالظواهر ولم يؤثر منع التعلق بالظواهر عمن بخلافه ووفاقه مبالاة وإن ظهر خلاف فاستدلالنا قاطع بالمسلك الذي ذكرناه ومستنده الإجماع وسبيل نقل الإجماع التواتر.
429- فإن قيل أنتم تعلمون وجوب العمل بالظاهر وربط العلم بالمظنون محال وهذا رددوه مرارا وبان مسلك الحق فيه إذ قلنا: الظاهر بنفسه لا يثبت علما بوجوب العمل وإنما المفيد للعلم الإجماع فهو يقتضي العلم بوجوب العمل وليس يتطرق إليه ظن وهذا نجريه في [خبر] الواحد والأقيسة المظنونة وقد صدرنا الكتاب بذلك لما حاولنا بيان ماهية أصول الفقه فإذا تبين جواز التعلق بالظواهر في المحال التي ذكرناها وتأويل الظواهر على الجملة مسوغ إذا استجمعت الشرائط التي سنصفها إن شاء الله تعالى ولم ينكر أصل التأويل ذو مذهب وإنما الخلاف في التفاصيل وإن قدرنا فيه خلافا فالمعتمد في الرد على المخالف إجماع من سبق فإن المستدلين بالظواهر كانوا يؤولونها في مظان التأويل وهذا معلوم اضطرارا كما علم أصل الاستدلال ثم إذا ثبت جواز التأويل فلا يسوغ التحكم به اقتصارا عليه.
(1/194)

من غير عضد له بشيء إذ لو ساغ ذلك لبطل التمسك بالظواهر واكتفى المستدل عليه بذكر تطرق الإمكان إلى الظاهر وهذا إن قيل به يسقط أصل الاستدلال ويلحق جمال الإجمال بما يطلب فيه العلم المحض.
فإذا وضح أن أصل التأويل مقبول وتبين أن [التحكم] به مردود فيفتح بعد ذلك الكلام في تفصيل التأويل وما يعضد كل قسم منه من فنون الدليل.
430- ولجميع مسائل الباب عندنا ضبط في النفي والإثبات هو المتبوع وإليه المرجع والذي أراه في طريقة الإفهام رسم مسائل في التأويلات اضطرب العلماء فيها فقبلها بعضهم وردها آخرون ونحن نطردها على وجوهها ونبين المختار منها حتى إذا نجزت نبهنا بعد نجازها على سر الكتاب.
مسألة.
431- استدل الشافعي رضي الله عنه في اشتراط الولي في النكاح بحديث عائشة فإنها روت عن النبي عليه السلام أنه قال1: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل". الحديث.
وتعرض أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه لذكر محامل وتأويلات ونحن نشير إلى وجوهها على إيجاز حتى يفضي الكلام إلى مقصود هذه المسألة.
432- قال قائلون: الحديث محمول على الصغيرة فأنكر عليهم وقيل لهم ليست الصغيرة امرأة في حكم اللسان كما ليس الصبي رجلا وألزموا سقوط التأويل على مذهبهم فإن الصغيرة لو زوجت نفسها انعقد النكاح صحيحا موقوف النفاذ على إجازة الولي وقد قال عليه السلام2: "فنكاحها باطل" ثم أكد البطلان بتكرير الباطل ثلاثا وكان عليه السلام إذا أراد تأكيدا كرر ثلاثا.
فقالوا: وجه تسمية نكاحها باطلا أنه إلى البطلان مصيره عند فرض رد الولي واستشهدوا بقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} 3 قيل: لهم نكاحها يتردد بين النفوذ عند تقدير الإجازة من الولي وبين الرد عند فرض الرد منه ولا يسوغ والحالة هذه التعبير عن إحدى العاقبتين مع تجويز الأخرى وإنما يعبر عما سيكون بالكائن فيما يكون لا محالة كالموت الذي إليه مصير كل ذي روح.
__________
1 سبق تخريجه.
2 سبق تخريجه.
3 آية "30" سورة الزمر.
(1/195)

433- ومن تأويلاتهم أنهم يحملون لفظ الرسول على الأمة وزعموا أنه لا يمتنع تسمية [الأمة امرأة كما لا يمتنع تسمية] السيد وليا ورد ذلك عليهم بوجهين أحدهما أنه نكاح صحيح موقوف كما ذكرنا في الصغيرة ومنتهى الكلام فيه كما سبق والثاني: أنه عليه السلام قال: "فإن مسها فلها المهر", ومهر الأمة لمولاها.
434- وزعم من يدعي التحقيق والتحذق من متأخريهم أن الحديث محمول على المكاتبة واستفادوا بالحمل عليها على زعمهم استحقاقها المهر ثم الأمر عند هؤلاء قريب في حمل المرأة على الأمة والولي على المولى ومن هذا المنتهى منشأ مقصود المسألة.
435- ذهب معظم الفقهاء من أصحابنا وغيرهم إلى أن هذا الصنف من التأويل مقبول.
436- وقال القاضي: هو مردود قطعا وعزا هذا المذهب إلى الشافعي قائلا: إنه على علو قدره كان لا يخفى عليه هذه الجهات في التأويلات وقد رأى الاعتصام بحديث عائشة اعتصاما بنص وقدمه على الأقيسة الجلية وكان ذلك شاهد عدل في أنه رضي الله عنه كان لا يرى التعلق بأمثال هذه المحامل.
ومجموع ما نوضح به هذه المسألة طرق نعددها.
437- الأولى: أنه عليه السلام ذكر أعم الألفاظ إذ أدوات الشرط من أعم الصيغ وأعمها ما ووأي فإذا فرض الجمع بينهما كان بالغا في محاولة التعميم وقرائن الأحوال متقبلة عند الكافة فإذا قال من ظهرت به مخايل الضجر لمرضه أو إلمام مهم به لبوابه لا تدخل على أحدا فلو أدخل البواب كل ثقيل ولم يدخل أقواما مخصوصين زاعما أني حملت لفظك على الذين منعته لم يقبل ذلك منه.
فإذا ابتدأ الرسول عليه السلام حكما ولم يجره جوابا عن سؤال ولم يضفه إلى حكاية حال ولم يصدر منه حلا للإعضال والإشكال في بعض المحال بل قال مبتدئا وإليه ابتداء الشرع بأمر الله وشرح ما أعضل من كتاب الله: "أيما امرأة" فانتحى أعم الصيغ وظهر من حاله قصده تأسيس الشرع بقرائن بينة فمن ظن والحالة هذه أنه أراد المكاتبة على حيالها دون الحرائر اللواتي هن الغالبات والمقصودات فقد قال محالا ولا يكاد يخفى أن الفصيح إذا أراد بيان خاص شاذ.
(1/196)

فإنه ينص عليه ولا يضرب عن ذكره وهو يريده ولا يأتي بعبارة مع قرائن دالة على قصد التعميم وهو يبغى النادر قال الشافعي الشاذ [ينتحى] بالنص [عليه] ولا يراد على الخصوص بالصيغة العامة.
438- الطريقة الثانية أن التعلق بالظاهر يقتضي ظهوره في مقصود المتكلم من جهة وضع اللسان ومن جهة العرف والتأويل الذي يصغى إليه ثم يطالب بالدليل عليه وهو الذي ينساغ من ذي الجد من غير أن يتولج في فن الهزء والهزل واللغز وما يقع كذلك فهو مردود.
وبيان ذلك بالأمثلة أن الرجل إذا قال رأيت أسدا فقد يعني السبع المعروف وقد يعني به رجلا عجوما مقداما فهذا مساغ لا ينافيه الجد ولكنه تأويل فلو قال رأيت أسدا ويعني رجلا دميما أو أبخر لم يكن ذلك وجها منساغا فإن هذا لا يطلقه أرباب اللغات على انتحاء مسالك التأويل ولا على الجريان على الظواهر فإن أراد مريد ذلك كان ملغزا وإن ادعى جاهل تأويل مثل هذا الوجه لم يقبل ذلك منه ومن الأمثلة التي ذكرناها أن من قال رأيت جمعا من العلماء ثم لما روجع فسر بقطيع من البقر ذهابا منه إلى أنها على [علوم] تتعلق بمصالحها ومضارها ومنافعها وكذلك لو فسره برؤية سفلة من الجهلة ثم زعم أنهم من العلماء لم يقبل ذلك ولم يعد من المحامل المسوغة وإذا قال القائل لا تمنع فلانا شيئا من مالي ثم فسره بكسرة أو شربة عد جاهلا أو هازلا.
439- ثم اختتم كلامه بطريقة ثالثة تعضد ما تقدم وتستقل بنفسها فقال فقد سلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم المخالف والمؤالف أنه كان على النهاية القصوى من الفصاحة ولا حاجة إلى الإطناب في إثبات هذا ولا يخالف من معه مسكة من العقل أن الحمل على ما ذكره هؤلاء يحط الكلام عن مرتبة الفصاحة والجزالة ويحل المتكلم به محل الحصر العيى الذي يعمم في غير غرض ويبتغي التخصيص من غير إشعار به وكل ما يتضمن إلحاق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمستهجن الغث فهو مردود على قائله.
440- ثم لما استكمل رضي الله عنه الطرق ختم كلامه بأن قال كل ما قدمته توطئة [وتمهيد] وضرب أمثال وأنا أعلم على الضرورة والبديهة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد بقوله: "أيما امرأة" المكاتبة دون غيرها.
(1/197)

فهذا منتهى القول في هذا ولا مزيد على ما ذكره القاضي.
441- فإن احتج من يسوع هذا الفن بأن [قال:] الإماء والمكاتبات داخلان تحت العموم عند فرض التمسك بظاهر العموم وكل ما يدخل تحت الظاهر في العموم لا يبعد تنزيل العموم عليه تخصيصا وهذا الذي ذكروه فإنه لا يعارض ما نبهنا عليه فليس المعتبر فيما يقبل ويرد أقيسة وتشبيهات وتلفيق عبارات ولكن إنما يسوغ في التأويلات ما يسوغه الفصحاء وقد قدمنا في صدر هذا المجموع انحسام مسلك القياس في اللغات فإن إرادة النوادر مع إرادة الظواهر ليست بدعا وكذلك إرادة بعض ما يظهر باللفظ العام ليس مستنكرا على شرائط ستأتي فأما إرادة الأقل الأخص باللفظ الأعم الأشمل فهو مردود بالوجه الذي قدمناه.
442- فإن قالوا: التخصيص حال في تمييز حكم عموم اللفظ محل الاستثناء ثم يجوز إطلاق لفظ عام يعقبه استثناء لا ينفى إلا الشاذ الأخص [فليسغ] ذلك في التخصيص أيضا وهذا من الطراز الأول فإنه قياس وتشبيه وتلفيق عبارات مع معاندة القطع.
ثم لا يجوز أن يصدر من الرسول عليه السلام مثل هذا الاستثناء وقد منع القاضي مثله من غير الرسول عليه السلام على ما ذكرناه في مسائل الاستثناء ومن جوز ذلك من غير الرسول عليه السلام فهو في حكم النص المصرح به وإن جيء به في صيغة ركيكة والرسول منزه عن مثل ذلك فقد لاح الغرض من هذه المسألة.
مسألة:
443- استدل الشافعي رضي الله عنه في اشتراط تبييت النية في صوم رمضان بقوله صلى الله عليه وسلم1: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل", فذكر المخالفون أسئلة تداني ما اشتلمت عليه المسألة الأولى ونحن نعيدها على الإيجاز ونتعداها إلى فن آخر من التأويل المردود.
444- فمما ذكروه حمل الحديث على القضاء والنذر المطلق وهذا مردود بالمسالك المقدمة فإنه عليه السلام قال: ابتداء "لا صيام" ولا النافية إذا اتصلت على حكم التبرئة باسم منكور وجاء الاسم [بعدها] مبنيا على الفتح كان بالغا في.
__________
1 سبق تخريجه.
(1/198)

اقتضاء العموم فإذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ابتداء لأبناء على سؤال ولا تطبيقا للكلام على حال "لا صيام" فظن ظان أن الصوم الذي هو ركن الإسلام وهو القاعدة في الصيام لم يعنه ولم يرده وإنما أراد ما يقع فرعا للفرائض الشرعية كالمنذورات وفرعا للأداء كالقضاء فقد أبعد ونأي عن مأخذ الكلام وهلم جرا إلى استتمام الطرق المقدمة في المسألة الأولى.
445- وذكر أصحاب أبي حنيفة مسلكا آخر في التأويل وعزوه إلى الطحاوي1 وذكروا أنه كان يتبجح به وهو أنه قال: أراد صلى الله عليه وسلم نهى الرجل عن الاكتفاء بنية صوم الغد في بياض نهار اليوم فقال: فعليه أن يؤخر النية إلى غيبوبة الشمس حتى يكون بإيقاع النية في الليل مبيتا وزعم هذا المؤول أن مسلكه هذا يجري في جميع أنواع الصيام فرضها ونفلها وهذا كلام غث لا أصل له وهو يحط من مرتبة الطحاوي أن صح النقل عنه.
446- والدليل على بطلانه وجهان قريبان أحدهما أن هذا اللفظ لو سمعه عربي ناشئ من منبع اللغة لم يسبق إلى فهمه النهي عن إيقاع نية صوم الغد في يوم قبله وبالجملة هذه صورة شاذة نادرة تجري في أدراج الكلام للوسواس يضعها المتكلفون وظاهر الخطاب ينزل على ما يفهمه المخاطبون فإن أنكر الخصم أن المفهوم من الخطاب ما ذكرناه سقطت مكالمته ولم يبق إلا أن يرد إلى حكم اللسان وتفاهم أهل التحاور وإن اعترف أن هذا هو الظاهر فحمل كلام الرسول عليه السلام على نادر شاذ باطل بالمسلك الذي ذكرناه.
447- والوجه الثاني: أن هذا الفن إنما يذكر نهيا عن الذهول وتحذيرا من الغفلة واستحثاثا على تقديم التبييت وهذا يجري مجرى الفحوى التي لا ينكرها محصل فإذا حمل حامل ذلك على النهي عن التقديم على الليل كان ذلك نقيض مقصود الخطاب.
448- والكلام الوجيز فيه: أن مقصود الخطاب الأمر بتقديم النية, والنهي عن
__________
1 الطحاوي هو: أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك أبو جعفر الأردي المصري الحنفي. الإمام العلامة الحافظ. قال الشيرازي في: الطبقات: انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر. له مؤلفات كثيرة منها: "شرح معاني الآثار" و "شرح مشكل الحديث". مات سنة "321". له ترجمة في: البداية والنهاية 11/174, وشذرات الذهب 2/288, ووفيات الأعيان 1/53, ومفتاح السعادة 2/275.
(1/199)

تأخيرها عن وقت التبييت وموجب ما ذكره النهي عن التقديم والأمر بالتأخير وليس تخيل ما ذكره هذا القائل في اليوم الذي يلي الغد بأولى من تخيله من يوم قبله بسنة.
449- واعلم هديت لرشدك أن هذه الفنون من الكلام ما كانت تجري في عصور العلماء الأولين وإنما أقدم [عليها] المتأخرون لأمرين أحدهما: التعري عن مأخذ الكلام والثاني: الاستجراء على دين الله تعالى والتعرض لخرق حجاب الهيبة نعوذ بالله منه.
450- مما وجه على هذا الحديث من التأويل حمل النفي فيه على نفي الكمال وهذا أقرب قليلا إلى مسالك التأويلات ولكنه مردود من وجهين أحدهما: أن حمل هذا اللفظ على نفي الكمال غير ممكن في القضاء والنذر وهما من متضمنات الحديث وإذا تعين حمل [اللفظة] على حقيقتها في بعض المسميات تعين ذلك في سائرها فإن الإنسان الفصيح ذا الجد لا يرسل لفظه وهو يبغي حقيقتها من وجه ومجازها من وجه.
فإن قالوا: ليس القضاء والنذر مقصودين كما ذكرتم قلنا: نعم ولكن الشاذ لا يعني باللفظ العام تخصيصا واقتصارا عليه وانحصارا عليه ولا يمتنع أن يشمله العموم مع الأصول.
والذي يحقق هذا أنه لو حمل لفظه على نوع من الصوم ثم حمل فيه على نفي الكمال لما كان اللفظ عاما أصلا وكان مختصا بنوع واحد وهو من أعم الصيغ كما تقدم تقريره والدليل عليه أن ما ذكروه من أن الرسول عليه السلام لم يرد القضاء والنذر ليس مذهبا لذي مذهب فإنه إذا امتنع قبول التأويل من غير دليل فلأن يمتنع من غير مذهب أولى.
مسألة:
451- استدل الشافعي رضي الله عنه في نكاح المشركات بالقصص المشهورة في الذين أسلموا على العشر والخمس والأختين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لغيلان] وقد أسلم على عشر نسوة ثم راجع الرسول عليه السلام في مفارقتهم أو إمساكهن فقال عليه السلام: "أمسك أربعا وفارق سائرهن" 1 وقال للذي أسلم على أختين:
__________
1 سبق تخريجه.
(1/200)

"أمسك أيتهما شئت وفارق الأخرى" 1.
فجرت تلك الأقاصيص نصوصا عند الشافعي في أن الكفار إذا أسلموا على عدد من النساء لا يوافق حصر الإسلام فعليهم أن يمسكوا عدد الإسلام ويفارقوا الباقيات ولا يؤاخذون برعاية الأوائل والأواخر ولا يكلفون الجريان على أحكام التواريخ ووجه التمسك بين فإنه عليه السلام علم أنهم على حداثة العهد بالإسلام ولم يخبروا تفاصيل الأحكام ثم أطلق لهم الخيرة في إمساك من شاءوا على شرط رعاية عدد الإسلام.
452- فوجه المتأخرون من أصحاب أبي حنيفة سؤالين ركيكين أحدهما يسقطه اللفظ فلتقع البداية به ومقصود المسألة السؤال الثاني فأما ما.
يدفعه اللفظ فدعواهم أنه أمرهم أن يختاروا الأوائل وهذا يدفعه قوله عليه السلام لصاحب الأختين: "اختر أيتهما شئت وفارق الأخرى", وقال عليه السلام لبعضهم وقد أسلم على خمس: "اختر أربعا وفارق واحدة", قال صاحب الواقعة فعمدت إلى أقدمهن صحبة ففارقتها فلا حاجة إلى الإطناب في ذلك وهو على معاندة اللفظ.
453- فأما الثاني وهو المقصود الذي عقدت المسألة له فهو أنهم قالوا إنه عليه السلام أراد بقوله: "أمسك أربعا" أن يمسكهن ويجدد عليهم الأنكحة على موجب الشرع.
وهذا عند المحققين سرف ومجاوزة حد وقلة احتفال بكلام الشارع فإن الرسول عليه السلام ذكر لفظ الإمساك أولا وموجبه الاستدامة واستصحاب الحال والثاني أن النقلة لم ينقلوا تجديد العقود بل رووا الحكايات رواية من لا يستريب أنهم استمروا في عدد الإسلام على مناكحتهم فيهن وكان المخاطبون على قرب عهد والرسول صلى الله عليه وسلم لا يخاطبهم إلا بما يقرب من أفهامهم والتعبير عن ابتداء النكاج بالإمساك بعيد جدا ناء عن المحامل الظاهرة وفي القصص أنهم جاءوا سائلين عن الفراق أو الإمساك فانطبق جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم على سؤالهم ثم النكاح على الابتداء لا يختص بهن بل جوازه سائغ في نسوة العالم وقوله: "أمسك", أمر وما ذكروه تخيير فينتظم من جوامع الكلام ما يحل محل قرائن الأحوال التي تفضى إلى العلم بإرادة المتكلم.
__________
1 أبو داود "2243", والترمذي "1129, 1130" وقال: حسن, وابن ماجه "1950".
(1/201)

وهذا وإن كان يستدعي مزيد تقرير في النظر ففي هذا المقدار تأصيل الكلام والمحصل ذو المنة يورده إيرادا مقررا وإن أردنا أن نأتي بكلام قريب جدا يستوي في [نيله و] الإفهام به المتشدق البليغ وذو العي الحصر قلنا:
454- إن جحدا معاند إفضاء ما ذكرناه إلى الغرض نصا لم يجحد ظهور ما ذكرناه وغلبة الظن في صغو قصد الشارع إلى ما قررناه ولا خلاف بين العالمين بالظواهر أن تأويلاتها لا تقبل غير مقترنة بأدلة وغاية المتمسك بهذا المسلك أن يأتي بقياس مظنون ومعنى الظن في أنه يحسبه أنه منصوب الشارع ظنا منه وتقديرا وقد غلب على الظن مقصود الشارع في لفظه [فما يغلب متصلا] بلفظه على الظن أولى مما يغلب على الظن كونه منصوبا للشارع في فنون الأقيسة وهذا يقع من الظن بعيدا بدرجات عن الظن المختص بلفظ المصطفى عليه السلام.
455- فإن قيل: كأنكم تبنون هذا على تقديم الخبر على القياس فتثبتون استواء الظنين ثم تقدمون إحدى المرتبتين وقد لا تساعدون على تقديم الخبر [على القياس] قلنا ما أهون إثبات هذا علينا وسنذكره مستقصى في كتاب الأخبار.
ثم هذه المسألة لا تختص بهذا المأخذ فإن من يرى هذا الفن من التأويل يطرده في تأويل ظواهر القرآن والأخبار المتواترة وإن كان القياس [لا] يقدم على نصوص القرآن والسنة المتواترة.
456- والذي يقطع مادة الإشكال في ذلك أنا نعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا وجدوا ما يظهر عندهم قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه اكتفوا به ولم يميلوا إلى غيره ورأوا من يركن إلى القياس لإزالة ظاهر ما صح عندهم في حكم [الراد لخبر] رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تتبع المتتبع الأخبار التي رويت لهم فعملوا بها لوجدها ظواهر والجحد في هذا المقام الآن إنكار البديهة ومداره الضرورة ثم معتضد القياس عملهم به لا غير فإن أنصف الخصم علم أنهم كانوا لا يقيسون في هذه الحال وإن ركب رأسه وطرد شماسه لم يمكنه أن يثبت قياسهم في هذه الصورة ولهذا لا يطمع فيه إلا أخرق ولا شك أنهم ما قاسوا في كل محل.
457- فليتخذ الناظر هذا الفصل معتضدة الأقوى في هذه المسألة وأمثالها وهنالك استبان أن كل ما ظهر في قصد الشارع لم يجر مخالفة ظاهر قصده بقياس فلهذا لم يشتغل الأوائل المتقدمون بما أنشاه ناشئة الزمان من التأويلات المزخرفة ولم يكن ذلك لغفلتهم عن أمثالها.
(1/202)

مسألة:
458- مما يجريه أبناء الزمان في أدراج الاعتراضات ادعاء أمور من طريق الاحتمال من غير نقل فحاولوا بها مداراة الاستدلال.
وهذا بمثابة قول بعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة التي تقدمت في نكاح المشركات حيث قالوا لم يكن في عدد النساء حصر في ابتداء الشرع ولعل الذين أسلموا كانوا نكحوا في الشرك حين لا حصر وكانت تلك الأنكحة على الصحة ولما أسلموا كان الحصر مستقرا في الشرع فلم يبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكحتهم السابقة الموافقة في وقت وقوعها موجب الشرع ولم يقرر عليها بالكلية.
459- وسبيل الكلام على هذا الصنف أن نقول لم يثبت ما ذكروه من أحكام الإسلام في ابتداء الأيام ولا مبالاة بما جاءوا به فلفظ الرسول عليه السلام محمول على ما الشرع عليه الآن ومن قدر أمرا على مخالفة ما يصادفه الآن فدعواه من غير حجة مردودة عليه وهذا متفق عليه فإن أمثال هذه الاحتمالات لو طرقت إلى حكايات الأحوال وأقوال الرسول فيها لما انتظم الاستدلال بواحد منها فإن هذه الفنون المدافعة للاستدلال ممكنة في كل أصل.
460- فإن قيل أليس تأويل الظواهر مقبولا بالاحتمال قلنا ليس الاحتمال مقتضيا قبول التأويل ولكنا رأينا الأولين على الجملة يتمسكون بالتأويلات وكما.
رأيناهم متفقين على التأويل مع التعويل على دليل يعضده رأيناهم غير مكتفين بهذه الإمكانات وهذا بمثابة دعوى النسخ من غير ثبت فإن من ادعى نسخا فقد ادعى ممكنا ولكن لا يقبل منه بالإجماع إلا بثبت يعول عليه.
فإن نقل أصحاب أبي حنيفة من التواريخ [الصحيحة] أن الحصر لم يكن في ابتداء الإسلام فيعسر التمسك بتلك الأقاصيص وعلى المتمسك بها أن يثبت وقوعها بعد الحصر وإلا كان الاستدلال معرضا لإجمال واحتمال ومثل هذا الاحتمال مع ثبوت الأصل في حكايات الأحوال ينزل منزلة الاحتمال في صيغ الأقوال.
461- ولكن لو صح ما ذكروه انقدح وراءه نوعان من الكلام:
أحدهما: أنه إن استقام النقل فيما ادعوه وهيهات فهو مما ادعاه ناشئة الزمان في الحصر في العدد فأما الجمع بين الأختين فلم [يصر] أحد إلى أنه عهد مسوغا.
(1/203)

في صدر الشريعة وقوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} 1 معدود عند المفسرين من باب الاستثناء من غير الجنس والمراد من قوله: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} 2 [ما سلف] في الجاهلية قبل مبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم والدليل عليه أنه قال: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً} 3 وكان إذا جرى على صيغته فصيفته تتضمن الإخبار عما مضى فهذا وجه.
462- والوجه الآخر أنا نقول لو صح ما ادعوه من صحة مناكح المشركين لكان قياس الشرع يقتضي أن يبطل جميعها عند ورود الحجر والحصر بالتدافع كما إذا نكح [الرجل] رضيعتين جميعا أرضعتهما امرأة وثبتت الأخوة بينهما فاستدامة نكاحهما ممتنعة وتخصيص ارتفاع النكاح بأحدهما لا سبيل إليه فلزم تدافع النكاحين فإذا سلموا أن طريان الحجر لا يوجب التدافع قام عليهم مسلك في القياس [قبل] لهم به كما ذكرناه في مسائل الفقه فليطرد الناظر مقصود هذه المسألة في أمثالها وليحمل الخصم على تصحيح النقل فيما يدعيه ولا يكتفي بمجرد الاحتمال أصلا.
مسألة:
463- إن صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله4: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر" فلا يصح تأويل متبعي الشافعي [إذا حاولوا] حمل اللفظ على الذين هم عمود النسب وهم الأصول أو الفصول وهذا الفن مما لا يلفى في الزمان من يجحده وهو باطل قطعا عند ذوي التحقيق وهذه المسألة عبرة لأمثالها فليمعن الناظر النظر فيها مستعينا بالله تعالى.
464- فنقول قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم للتعميم واضح لائح في قوله5: " من ملك ذا رحم محرم" فإن ذلك مما نقل عنه ابتداء لا في حكاية حال ولا جوابا عن سؤال ولا في قصد حل إعضال وكان يعتاد تأسيس الشرع ابتداء فإذا قال من ملك ذا رحم محرم تبين أنه أراد المحارم من ذوي الرحم أجمعين ولو أراد الآباء.
__________
1 آية "23" سورة النساء.
2 الآية السابقة.
3 آية "22" سورة النساء.
4 الترمذي "1365, 1865", وأبو داود "3949" وابن ماجه "2524", 2525", وأحمد 5/20, والبيهقي 10/169 وقال: صحيح.
5 سبق تخريجه.
(1/204)

والأمهات والبنين وعلم تخصيصهم بهذه القضية لنص عليهم فإذا ذكر الأقارب ثم علم أنهم ينقسمون إلى المحارم وغيرهم فخص الحكم الذي نص عليه بالمحارم من ذوي الأرحام تقرر أنه قصد بذلك الضبط والتشوف إلى ما يسميه أهل الصناعة الحد فكيف يستقيم أن يظن به عليه السلام أنه أراد الذين هم عمود النسب وجرى أيضا كلامه مجرى تعظيم أمر الرحم إذا انضمت إليه المحرمية فانتظم من مجموع ما ذكرناه ظهور قصد التعميم من الرسول فمن رام مخالفة قصده لم يقبل منه وإن عضده بقياس فمستنده ظن المستنبط أنه مراد الشارع وليس له في ألفاظه ذكر فما يظهر من لفظ الرسول عليه السلام كيف يترك بما يظنه القايس على بعد من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم؟
465- والقول الضابط في ذلك: أنه لو تقدم قياس مظنون على ظاهر من لفظ الرسول عليه السلام لاقتضى ذلك تقديم مرتبة القياس على مرتبة الخبر وسنبين أن الخبر مقدم على القياس.
466- والقدر المقنع فيها: أن لو [رددنا] إلى عقولنا لما سفكنا الدماء المحقونة في أهبها ولما حللنا الأبضاع المعظمة بأقيسة مستندها ظنون ولكنا ألفينا صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكرمين يقيسون في غير موارد النصوص وثبت عندنا بالقاطع السمعي أن الإجماع حجة فإذا وقع العمل عند القياس بإجماعهم والإجماع مقطوع به ثم كانوا لا يقيسون ما وجدوا خبرا وكان الراوي البدوي الموثوق به إذا روى خبرا وظهر لهم قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعميم حكم لم يعرجوا على التأويلات البعيدة لأقيسة تعن لهم.
فإذا الألفاظ المأثورة على ثلاث مراتب عندنا:
467- المرتبة الأولى أن يلوح للمؤول أن الشارع لم يقصد التعميم [بها] فما كان كذلك فلا يسوغ الاستدلال بحكم العموم فيه ولا حاجة إلى التأويل فيه وهذا نضرب فيه أمثالا منها أن الرسول عليه السلام قال1: "ما سقت السماء ففيه العشر وما سقي بنضح أو دالية ففيه نصف العشر" فإذا استدل الحنفي بهذا الظاهر في إثبات العشر في كل ما تنبته الأرض كان ذلك مردودا عليهم فإن الرسول استاق.
__________
1 البخاري في: الزكاة "55", وأبو داود في: الزكاة "12", والترمذي في: الزكاة "14", والنسائي في: الزكاة "25", وابن ماجه في: الزكاة "17", ومالك في: الزكاة "33".
(1/205)

كلامه هذا للفرق بين السيح والنضح لا للتعرض لجنس ما يجب فيه العشر فإذا ظهر أن هذا الفن من العموم لم يقصده الشارع وإن جرى في كلامه اللفظ [الصالح] له وهو "ما سقت السماء" 1 فالاستمساك به في قصد التعميم باطل إذ ظهر من كلامه خلافه ومن أمثلة ذلك استدلال من استدل من أصحاب أبي حنيفة بقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} 2 أن قالوا كل ما يقع به التطهير مندرج تحت مقتضى الأمر. قال الشافعي3: الغرض من الآية التعرض [لأصل] التطهير لا التعرض لأصل التخصيص والتعميم في آلات التطهير والذي يحقق ذلك أن الباحث عن آلة التطهير عند اتصال هذا الخطاب به سائل عن الشيء على وجهه والذي يحقق ذلك قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} 4 استاق الآية لبيان كيفية الوضوء ولم يخصص الغسل بآلة مخصوصة مع اختصاصها بالماء وفاقا.
فهذه مرتبة فلتقس على الأمثال التي ذكرناها ما في معناها.
468- والمرتبة الثانية أن يظهر قصد التعميم من الشارع عليه السلام فهذا لا يسوغ تأويله بقياس مظنون كما سبق.
469- والمرتبة الثالثة أن يرد اللفظ ولا يقترن به ما يدل على قصد التعميم ولا ما يدل على نقيضه فهذا ملتطم التأويل وموقف التشاجر بين المستدل باللفظ وبين مدعى التأويل بمعاضدة بالقياس.
والقول في هذه المرتبة عندي هين مدركه والحكم الجملي فيه أن الأمر في ذلك أيضا ليس متروكا سدى بل على الناظر أن يزن حكم ظنه قياسه ومبلغ ظنه في عموم اللفظ وضعا فإن رجحت كفة ظنه في القياس حكم يغالب ظنه وإن غلب الظن في الشق الآخر أتبع الحكم موجب اللفظ وإن استويا فقد قال القاضي يقف الناظر فلا يعمل بهما وأنا أقول يعمل بالخبر فإن الظنين إذا تساويا فالخبر مرجح لعلو المرتبة وهذا مثله قوله عليه السلام إنما الأعمال بالنيات فإذا تمسك الشافعي به في الطهارة كان تمسكه به معرضا للتأويل على القانون المقدم فنتخذ.
__________
1 الحديث السابق.
2 آية ة"" سورة المدثر.
3 سبقت ترجمته.
4 آية "6" سورة التوبة.
(1/206)

هذه عبرة في مسائل الشرع.
مسألة:
470- مما رده المحققون من طرق التأويل ما يتضمن حمل كلام الشارع من جهة ركيكة تنأى عن اللغة الفصحى فقد لا يتساهل فيه إلا في مضايق القوافي وأوزان الشعر فإذا حمل حامل آية من كتاب الله أو لفظا من ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمثال هذه المحامل وأزال الظاهر الممكن إجراؤه لمذهب اعتقده فهذا لا يقبل.
471- ومن أمثلة ذلك حمل الكسر على الجوار في قوله: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} 1 من غير مشاركة المعطوف عليه في المعنى وهذا في حكم الخروج عن نظم الإعراب بالكلية وإيثار ترك الأصول لإتباع لفظة, لفظة في الحركة وهذا ارتياد الأردأ من غير ضرورة وإذا اضطر الشاعر إليه في مضايق القوافي لم يعد ذلك من [حسن] شعره كما قال امرؤ القيس2:.
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل.
فقوله: مزمل خبر عن قوله كبير أناس جار معه مجرى الصفة ووجه الكلام كبير أناس مزمل في بجاد ولكنه أتبع كسرة اللام الكسرات المتقدمة لما كانت القافية على الكسرة.
- 472وقال من أحاط بعلم هذا الباب حمل قراءة من قرأ [ {وَأَرْجُلِكُمْ} بالفتح على المسح في الرجل] والمصير إلى أنه محمول على محل رءوسكم أمثل وأقرب إلى قياس الأصول من حمل قراءة الكسر على الجوار فإن كل مجرور اتصل الفعل به بواسطة الجار فمحله النصب وإنما الكسر فيه في حكم العارض فاتباع المعنى والعطف على المحل من فصيح الكلام ومن كلامهم: يا عمر الجواد فإن المنادى المفرد العلم وإن كان مبنيا على الرفع فأصله النصب فرد الصفة إلى محله وأصله حسن بالغ.
473- فالمختار إذا في قوله: "وأرجُلِكُم" ما ذكره متبوع الجماعة وسيد الصناعة سيبويه إذ قال الكلام الجزل الفصيح يسترسل في الأحايين استرسالا ولا.
__________
1 آية "6" سورة التوبة.
2 سبقت ترجمته.
(1/207)

تختلف مبانيه لأدنى تغيير في معانيه وترى العرب المسح قريبا من الغسل فإن كل واحد منهما إمساس العضو ماء فإذا جرى في الكلام عطف مقتضاه التشريك وتقارب المعنيان لم يبعد إتباع اللفظ, اللفظ وهو كقول قائهم:
ولقد رأيتك في الوغى متلقدا سيفا ورمحا
والرمح يعتقل ويتأبط ولا يتقلد ولكن التقلد والاعتقال حملان قريبان وهو مسكوت عنه في المعطوف فسهل احتماله ومنه قول الآخر1:
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت ... بالجهلتين ظباؤها ونعامها.
قال سيبويه2: وهذا الذي ذكرناه وجه لا يخرج الكلام عن أساليب البلاغة والجزالة وتبسط المتكلم [واسحنفاره] وعدم انصرافه عن [استرساله] في التفاصيل أحسن وأبلغ من خرم اتساق الكلام لدقائق في المعاني لا تحتفل بها العرب ثم عضد ما قاله بأن قال ذكر الرب تعالى فرض الرجلين ذكره فرض اليدين وربط منتهى الغرض في الرجلين بالكعبين ربطه واجب منتهى فرض اليدين بالمرفقين ومن يكتفي بالمسح فلا معنى لذكر الكعبين عنده وهذا راجع إلى إطباق حملة الشريعة قبل ظهور الاراء على غسل الرجلين ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين الوضوء غسل رجليه فاجتماع هذه الأمور في القرآن والسنة وفعل السلف أظهر من الجريان على ما يقتضيه ظاهر العطف.
474- ومآل الكلام في المسألة راجع إلى أن من حمل كلام الشارع على وجه ركيك من غير ضرورة مخققه ولا قافية مضيقة جره ذلك إلى نسبة الشارع إلى الجهل باختيار فصيح الكلام أو إلى ارتياد الركيك من غير غرض وكلا الوجهين باطل.
475- فإن قيل بناء فعالل و [فعاليل] مما لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وصرفه معدود من ضرورات الشعر وفي القرآن قراءات عصبة من القراء سلاسلا وأغلالا [وقواريرا] فما وجه صرف ذلك وليس صرفه مسوغا في سعة الكلام.
__________
1 هذا الذي طوى المؤلف ذكره "لبيد".
2 سبقت ترجمته.
(1/208)

قلنا اختلف أصحاب المعاني في ذلك فقال قائلون الألف في سلاسلا تضاهى إطلاق القوافي ثم قد تبدل العرب الألف نونا فتستروح إلى عينها استرواحها إلى استرسال الألف وفي [الغايات] ومقاطع الآيات بعض أحكام القوافي والصحيح أن الأصل صرف كل اسم متمكن وليس في صرف ما لا ينصرف خروج عن وضع الكلام وإنما منع الصرف في حكم تضييق طارئ على الكلام وأما كسر الجوار فخارج عن القانون كما سبق تقريره.
ولسنا نلتزم الآن تتبع كل مشكلة في القرآن وإنما غرضنا أن نبين أن الاحتكام بتأويل يتضمن صرف الكلام إلى وجه ركيك في محل الظن غير سائغ من غير غرض.
مسألة:
476- مما غلظ الشافعي1 فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه إلى تعطيل اللفظ.
وخرج الشافعي على ذلك مسائل مستفادة ونحن نرى أن نفردها مسألة, مسألة:
477- ونبدأ الآن بالكلام على قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} 2 الآية قال الشافعي أضاف الله تعالى الصدقات بلام الاستحقاق إلى أصناف موصوفين بأوصاف فرأى بعض الناس جواز الاقتصار على بعضهم ذاهبا إلى أن المرعى الحاجة وهذا في التحقيق تأسيس معنى يعطل تقييدات أمر الله تعالى فلو كانت الحاجة هي المرعية لكان ذكرها أكمل وأشمل وأولى من الأقسام التي اقتضاها اللفظ ومقتضاها الضبط.
فإذا قال المؤول: الغرض التعرض للحاجة في جهة من هذه الجهات كان معطلا مؤولا فإن الحاجة قد لا تستمر في بعض الأصناف كالعاملين عليها وكبعض الغارمين الذين يتحملون الحمالات لتطفئة [لنائرة] , والفتن الثائرة فقد بطل التعويل على الحاجة.
وإن كان أبو حنيفة3 يرعى الحاجة في جميع الأصناف فالمصير إلى الكفاية.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 آية " سورة التوبة.
3 سبقت ترجمته.
(1/209)

ببعض جهات الحاجات تحكم والنص مصرح بذكر جميع الحاجات في معرض التشريك والعطف والتمليك ولو كان المراد ما تخيله المؤول لكان وجه الكلام إنما الصدقات للفقراء والمساكين فاستبان أن ما صار إليه المعترضون تعطيل وليس بتأويل.
478- واحتج الشافعي بالوصية على هؤلاء ولم يظن أن أحدا يجسر أن يقدم فيها على منع وتمام كلامه أنه إذا تعين اعتبار لفظ الموصى واعتقاده نصا فيجب تنزيل لفظ الكتاب على مثل ذلك وقد أحدث بعض المتأخرين منعا في الوصية وزعموا أنها بمثابة الصدقات فيجوز صرفها إلى واحد من ذوي الحاجات وهذا باطل قطعا فإن الوصايا تتلقى من ألفاظ الموصين فإذا صرف واحد طائفة من ماله إلى جهات عددها كان كما لو صرفها إلى أشخاص معينين [فهذا منتهى المراد في هذه المسألة] .
مسألة:
479- مما عده الشافعي من القبيل المقدم الكلام على قوله تعالى: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} 1 فقال علق الله الاستحقاق بالقرابة ولم يتعرض لذكر الحاجة فاعتبر أبو حنيفة الحاجة ولم يشترط القرابة والذي ذكره مضادة ومحادة.
وقد ينقدح عندي نوع من الكلام في ذلك وهو أن يقال: حرمت الصدقات على ذوي القربى فكان فائدة ذكرهم في خمس الفيء والغنيمة إيضاح أنه لا يمتنع من صرف ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات وهذا مما لا ينبغي أن [يغتر به] فإن صيغة الآية ناصة على سبب الاستحقاق لهم على حكم التخصيص والتشريف والتنويه والتنبيه على عظم أقدارهم فمن أراد حمل ذلك مع ما ذكرناه على جواز أن يصرف إليهم مع معارضة هذا الجواز جواز حرمانهم فقد عطل فحوى الآية.
وهذا يعظم وقعه عليهم مع مصيرهم إلى أن اشتراط الإيمان في رقبة الظهار زيادة على النص فإن الرقبة مطلقة والقرابة في الآية مطلقة فيلزمهم أن يعتقدوا اشتراط الحاجة معها في حكم الزيادة.
والذي نختتم المسألة به وهو البالغ: أنهم لو حتموا صرف شيء إلى القرابة,
__________
1 آية "41" سورة الأنفال.
(1/210)

وشرطوا الحاجة لقرب ما ذكروا بعض القرب فأما وأصلهم أن المخصوصين من نسب الرسول والدانين من شجرته كالعجم الطماطم فلا يبقى مع هذا لمذهبهم وجه.
مسألة.
480- من فاسد تصرفات أصحاب أبي حنيفة قولهم في قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} 1 تقديره فإطعام طعام ستين مسكينا قصدوا بهذا رد العدد إلى الطعام كي ينتظم لهم مذهبهم في جواز صرف الأطعمة إلى مسكين واحد.
وهذا كلام خارج عن الضبط لا يخفى درك فساده على من شدا طرفا من العربية ونحن نذكر في ذلك على الإيجاز قولا بليغا.
فنقول: الإطعام مما يتعدى إلى مفعولين والفعل المتعدى إلى مفعولين ينقسم قسمين قسم يتعدى إلى مفعولين لا ينتظم منها مبتدأ وخبر لو فرض حذف الفعل فتقول أعطيت زيدا درهما وأطعمت عمرا طعاما فلا يتسق من زيد والدرهم وعمرو والطعام مبتدأ وخبر عند تقدير حذف الفعل فلا تقول زيد درهم ولا عمرو طعام.
والقسم الثاني: ما يتعدى إلى مفعولين ينتظم منهما مبتدأ وخبر إذا حذف الفعل كقوله ظننت زيدا عالما فلو حذفت الفعل فقلت زيد عالم لكان كلاما مفيدا فما كان مفعولاه مبتدأ وخبرا تقديرا فإذا ذكر المتكلم أحد المفعولين تعين ذكر الثاني لما بين المفعولين من ارتباط الخبر بالمخبر عنه وما يختلف المفعولان فيه كالقسم المقدم فلا يمنع ذكر أحدهما والسكوت عن الثاني فتقول أعطيت زيدا وتقتصر وتقول أعطيت درهما ولا تذكر الموهوب له وقد تذكرهما والكل فصيح بالغ والسبب فيه أنه لا ارتباط لأحد المفعولين بالثاني من طريق الإخبار وإنما البناء للفعل والمخبر يتخير إن أحب أسنده إليهما وإن أحب أسنده إلى أحدهما فالتعويل على الفعل في باب الإعطاء ولهذا لا يسوغ تعطيل عمله وإن تقدم المفعولان في وجه الكلام فتقول زيدا درهما أعطيت فإذا تقدم مفعولا ظننت لم يقع فعل الظن موقعا فتقول زيد عالم ظننت لا يتجه غيره وإن وسطت الفعل تخيرت بين الإعمال والإلغاء فإن شئت قلت زيد ظننت عالم وإن شئت.
__________
1 آية "4" سورة المجادلة.
(1/211)

قلت: زيدا ظننت عالما وإن قدمت الفعل فوجه الكلام الإعمال لظهور الاعتناء بالفعل إذا قدم.
481- فإذا ثبت ما نبهنا عليه من هذه القاعدة رجع بنا الكلام بعد هذا إلى قوله تعالى: {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً} 1 والمساكين معطون والطعام في هذا التقدير المفعول الثاني فقد جرى الكلام على إظهار أحد المفعولين وترك الثاني لما في الكلام من الدليل عليه وقد أوضحنا أن ذلك سائغ غير ممتنع وإذا ظهر أحد المفعولين أشعر ظهوره بقصد المتكلم إلى تصديق الاعتناء به والاكتفاء في الثاني بما في الكلام من الدلالة عليه وطعام المسكين مشعر بقدر سداده وكفايته فلم يجر للقدر المذكور ذكر ووقع الاعتناء بذكر عدد الآخذين.
هذا بيان الكلام فمن عذيرنا ممن يقدر حذف المظهر المعتبر وإظهار المفعول المسكوت عنه وهذا عكس الحق ونقيض الصدق وتغيير قصد الكلام بوجه لا يسيغه ذو عقل وقد أجرينا في "الأساليب" و"العمد" مسائل ومعتمد المذاهب فيها الأخبار وتناهينا في الكلام عليها فمن أرادها فليطلبها في مواضعها كمسألة خيار المجلس وبيع العرايا والمصراة وغيرها.
ومن أعظم ما انبسط الكلام فيه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع البر بالبر في مسألة الحفنة [بالحفنتين] فلم نرسم هذه المسائل واكتفينا بإيرادها في مواضعها.
مسألة:
482- إذا ظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظ يدل على تعليل حكم فلا يرى الشافعي إزالة ذلك الظاهر بقياس وهذا كما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن بيع الرطب بالتمر قال للسائل: "أينقص الرطب إذا يبس؟ ", فقال: نعم, قال عليه السلام: "فلا إذا" 2 فعلل منع بيع الرطب بالتمر بنقصان الرطب عند الجفاف عن التمر وهذا وإن لم يكن نصا في وضع اللسان في التعليل بحيث لا يقبل إمكان التأويل فهو ظاهر فيه فمن أراد أن يزيل هذا الظاهر بقياس كان ما يحاوله مردودا عليه والسبب فيه أن أصل قياسه إذا كان القياس قياسا معنويا معلل والقايس مطالب بإثبات العلة وسيتعلق إذا طولب بمسلك من الظنون وظهور كلام الرسول في التعليل.
__________
1 سبقت.
2 سبق تخريجه.
(1/212)

مقدم على ما يظهر في ظن المستنبط ويرجع بناء الكلام إلى تقديم مرتبة الخبر على مرتبة ظن القياس وهذا إذا لم يجد المؤول العاضد تأويله بالقياس لأصل قياسه كلاما يظهر للشارع في تعليل أصل القياس فإن وجد ذلك من كلام الشارع استوت المنزلتان والتحق ذلك بالتعارض وسيأتي قول بالغ في التعارض في كتاب الأخبار إن شاء الله تعالى.
مسألة:
483- إذا وردت مناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [في عقود] وظهر من شيم العلماء القائمين بالشرع حملها على الفساد فإذا اتفق التعلق بنهي عن العقد وهو على صيغ سائر المناهي فالشافعي لا يقبل حمله على الكراهية وهذا كنهيه عليه السلام عن نكاح الشغار فمن أراد حمله على الكراهية قيل له قد ثبت من عادات السلف الماضين حمل أمثال [ما ذكرناه] وتمسكنا به على الفساد وهذا الذي تعلقنا به على صورة سائر المناهي ونحن نعلم بما تحقق عندنا من شيم الماضين أن هذا لو نقل إليهم لجروا فيه على ما القوه في أمثاله فمن أراد مخالفة ما ظهر لنا منهم كان في حكم المخالف لهم.
484- وهذا عندي لا يبلغ في السقوط مبلغ ما تقدم من التأويلات في المسائل لا سيما والذي مثلنا به نواه في البيع والنكاح في وضعه بعيد الشبه بالبيع فلا يلزم من جريانهم على حمل المناهي في البيع القابل للفساد بالشروط الحكم بمثل ذلك عليهم في النكاح البعيد عن قبول الفساد بالشرط وهذا الذي ذكرناه من المسائل لم نقصد بها حصر ما يفسد ويصح فإن ذلك لا ينحصر ولكن رمنا بإيرادها الإيناس بها [وإجراءها] أمثالا وشواهد في تمهيد الأصول.
485- والضابط المنتحل من مسائل هذا الكتاب أن المؤول يعتبر بما يعضد التأويل به فإن كان ظهور المؤول زائدا على ظهور ما عضد التأويل به فالتأويل مردود وإن كان ما عضد التأويل به أظهر فالتأويل صائغ معمول به وإن استويا وقع ذلك في رتبة التعارض والشرط استواء رتبة المؤول وما عضد التأويل به فإن كان مرتبة المؤول مقدمة فالتأويل مردود وكل ذلك إذا كان التأويل في نفسه محتملا فإن لم يكن محتملا فهو في نفسه باطل والباطل لا يتصور أن يعضد بشيء.
فليتخذ الناظر ما ذكرناه مرجوعة ومعتبره في جميع مسائل الشريعة.
(1/213)

عود إلى ترتيب الكتاب.
486- وقد نجز مرادنا في التأويل تفصيلا وتأصيلا ونحن الآن نجدد العهد بترتيب يشتمل على ما مضى من الكتاب وعلى ما سيأتي منه حتى يتجدد عهد الناظر بترتيب أبواب الكتاب فإن معرفة الترتيب من أظهر الأعوان على درك مضمون العلوم القطعية فنقول والله المستعان:.
487- مقصود هذا الفن ذكر أصول الفقه على حقائقها ومراتبها و [مناصبها] وتفاصيلها وجملها فأصول الفقه أدلته كما صدرنا الكتاب به وما يحال عليه أحكام الشرع وتعتقد مرتبطا لها ثلاثة أقسام نطق الشارع والإجماع الحاصل من حملة الشريعة وهم علماؤها ومسالك الاستنباط من مواقع ألفاظ الشارع وهو القياس فأما نطق الشارع فنعني به قول الله تعالى: وقول الرسول عليه السلام وينقسم الصنفان إلى النص والمجمل والظاهر وقد سبقت مفصلة فيقع القول في مقتضيات الألفاظ فنا كبيرا وصنفا عظيما ويحوي العموم والخصوص وصيغة الأمر والنهي وما يلحق بهذه الأبواب وقد مضى جميع ذلك ثم قول الرسول عليه السلام ينقسم إلى متواتر وإلى ما ينقله الاحاد كما سيأتي إن شاء الله تعالى فأما قول الله فهو الذي أجمع المسلمون عليه من السور والآيات في القرآن وألحق بعض المتكلمين القراءات الشاذة بأخبار الآحاد وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى والحق المختار عندنا في كتاب الأخبار.
وقد ذكرنا أحكام الألفاظ وبقى علينا تقاسيم أخبار الرسول عليه السلام ومواقعها والمقطوع به منها والظنون.
ونحن الآن نفتح كتاب الأخبار على أشمل وجه وأوجزه فإذا انتجز عقبناه بالإجماع ثم نذكر بعده كتاب القياس ثم نعقبه بكتاب الترجيح ثم نذكر بعده النسخ ثم إذا انتجز ذكرنا الفتوى وصفات المفتين والاستفتاء وما على المستفتين وأوصاف المجتهدين ونختتم الكتاب بالقول في تصويب المجتهدين وهو غاية الغرض من هذا المجموع فنبتدئ الآن.
(1/214)

باب الأخبار
مدخل
...
باب الأخبار.
488- الأخبار صنف من أصناف الكلام وهو قائم بالنفس عند معتقد كلام النفس والعبارات تراجم عنه وقد ذكرنا في إثبات كلام النفس [والغوائل] المتطرقة إلى مثبتيه ما فيه مقنع للمعتبر ومضطرب للمتفكر.
والخبر هو الذي يدخله الصدق والكذب ويتميز بذلك عن جميع أقسام الكلام كالأمر والنهي والاستخبار على ما قدمنا رأى كل فريق في تقاسيم الكلام.
فرأى القاضي: الصدق والكذب على التنويع بلفظ أو [إذ ذلك] أمثل من الإتيان بهما فإن من قال الخبر يدخله الصدق والكذب أو هم إمكان اتصالهما بخبر واحد وإذا ردد ونوع فقال ما يدخله الصدق أو الكذب فقد تحرز من ذلك والذي تقتضيه صناعة الحد ارتياد أبلغ الألفاظ وأبعدها عن الإيهام وأقربها إلى الأفهام والذي لم يأت بالكلام على صيغة التنويع قال لسنا نحاول حد خبر واحد وإنما نتعرض لجنس الخبر والصدق والكذب يجريان في جنس الخبر والقول في ذلك قريب.
489- فإن قيل: لم سمى الأصوليون ما نقله الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبارا ومعظمها أوامر ونواه؟
فأجاب القاضي عن ذلك بوجهين أحدهما: أن حاصل جميعها [آيل إلى الخبر] فالمأمور به في حكم المخبر عن وجوبه وكذلك القول في النواهي وبهذا دلت المعجزة على وجوب قبولها منه والمعجزة تدل على الصدق والسر فيه أنه عليه السلام ليس آمرا على الاستقلال وإنما الآمر حقا الله تعالى وموضع صيغ الأمر من المصطفى صلى الله عليه وسلم في حكم الأخبار عن أمر الله فهذا وجه تسمية جميع المنقول خبرا.
490- والوجه الثاني: أنها سميت أخبارا لنقل النقلة المتوسطين وهم مخبرون عمن روى لهم والذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يقولون إذا بلغهم أمر أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [بل يقولون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم] فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثالثة إلى حيث انتهى.
(1/215)

ثم أول ما نبتديه القول في تقاسيم الأخبار إلى المتواتر والمنقول آحادا وإذا تم غرض القسمين نجز بنجازه معظم مقصود الكتاب فلتقع البداية [بالخبر] المتواتر.
(1/216)

القول في الخبر المتواتر.
491- الذي يقتضيه الترتيب أن نصدر الخبر بذكر شرائطه ونصف الخبر المتواتر ثم نذكر قول الناس فيه وفي إفضائه إلى العلم.
فنقول: ذكر الأصوليون شرائط الخبر المتواتر:
منها أن يخبر المخبرون عما علموه [ضرورة فإذ ذاك يتضمن العلم ويقتضيه فأما إذا أخبروا عما علموه] نظرا فنفس خبرهم لا يقتضي علما وإن أخبر أهل الزمان قاطبة بحدث العالم لم يفد خبرهم علما وكانت طلبات العقل قائمة إلى [حين] قيام البرهان والذين أخبروا عن كثير من النظريات زائدون على عدد النقلة تواترا.
والسبب في ذلك: أن النظر مضطرب العقول ولهذا يتصور الاختلاف فيه نفيا وإثباتا فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقل والعقلاء ينقسمون أولا: إلى راكن إلى الدعة والهوينى من برحاء كد النظر وإلى ناظر ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابا لا [تنضبط] على أقدار القرائح في انتهاء ذكائها واتقادها وبلادتها واقتصادها ومن [أعظم] أسباب اختلافهم اعتراض القواطع والموانع قبل استكمالها النظر فلا يتضمن أخبار المخبرين في مجارى النظريات صدقا ولا كذبا.
492- وقيد طوائف من الأصوليين هذا الركن الذي فيه نتكلم باشتراط إسناد الأخبار إلى المحسوس ولا معنى لهذا التقييد فإن المطلوب صدر الخبر عن العلم الضروري ثم قد يترتب على الحواس ودركها وقد يحصل عن قرائن الأحوال ولا أثر للحس فيها على الاختصاص فإن الحس لا يميز [احمرار] الخجل والغضبان عن احمرار المخوف المرعوب وإنما العقل يدرك تمييز هذه الأحوال ولا معنى إذا للتقييد بالحس.
493- والوجه اشتراط صدر الأخبار عن البديهة والاضطرار ثم لا نظر إلى تفاصيل مقتضيات العلوم الضرورية فهذا شرط.
(1/216)

494-[ومما يشترط] في الخبر المتواتر الذي يفضي إلى العلم صدوره عن عدد وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا فاحشا فنقل أصحاب المقالات عن النظام أنه قال قد يتضمن إخبار الواحد العلم الضروري فلا يشترط على موجب هذا النقل عنده عدد ولا يتضح مذهبه الآن نبين حقيقته عند ذكرنا الحق المختار.
495- وذهب من سواه من الخائضين في هذا الفن إلى اشتراط العدد ثم تباينت مذاهبهم فيه فلم يغادروا على اختلاف الاراء عددا في الشرع وهو مرتبط حكم أو جار وفاقا في حكاية حال إلا مال ذاهبون بالاعتقاد إليه فذهب قوم إلى اعتبار الأربعين مصيرا إلى عدد الجمعة عند بعض الفقهاء وذهابا إلى أن هذا العدد هو الذي نزل فيه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 1 نزلت هذه الآية لما امن أربعون من الرجال وكملت العدة بإسلام عمر وذكر بعضهم عدد رجال بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وذكر آخرون عدد أهل بيعة الرضوان وهم كانوا ألفا وسبعمائة واعتبر آخرون السبعين لقوله تعالى: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} 2 وقال طوائف من الفقهاء ينبغي أن يبلغوا مبلغا لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد وهذا سرف ومجاوزة حد وذهول عند مدرك الحق.
496- وقال القاضي أعلم أن عددهم يزيد على أقصى العدد المرعى في بيانات الشريعة وزعم أن إخبار الأربعة لا يتضمن العلم فإنه عدد بينة الزنا ونحن نعلم أن البينات في تفاصيل الحكومات لا تثمر العلوم وما زال القضاة مكتفين بغلبات الظنون في أقضيتهم ثم لم يقطع القاضي بأن إخبار الخمسة يوجب العلم ولم ينفه وإنما محل قطعه أن الأربعة لا يوجب إخبارهم العلم.
وذكر القاضي رحمه الله في بعض مصنفاته أن الوجه في درك ذلك أن يمتحن اللبيب أخبار المخبرين عن الضروريات فلا يجد من نفسه العلم على عدة مخصوصة والمخبرون يتزايدون والممتحن في ذلك يحس وجدان نفسه وما يدركه من الثلج واليقين ويتخذ [العدد الذي] اتصل بأخبارهم علمه [معتبرا] .
497- والذي أراه أن هذه المذاهب منقسمة فمنها ما هو مصروف عن مدرك.
__________
1 آية "64" سورة الأنفال.
2 آية "155" سورة الأعراف.
(1/217)

الحق ومنها ما هو محوم وليس بوارد ونحن نتتبع جميعها بالنقض حتى إذا بطلت لاح من منتهى بطلانها الحق المبين ونستفتح عند ذلك وجه الحق مستعينين بالله.
498- ونبدأ باتباع مذاهب أصحاب الأعداد ونتكلم على جميعهم بثلاثة أنواع من الكلام أحدها: أن نعارض بعض المذاهب ببعض فلا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض وإن عن ترجيح فليس ذلك من مدارك الحق المقطوع به فإن الترجيحات ثمراتها غلبات الظنون في مطرد العادة.
499- والثاني: أنه لا يتعلق شيء من هذه الأعداد التي هي مستندات المذاهب بالأخبار وإنما هي قضايا واتفاقات جرت في حكايات أحوال وليس في العقل ما يقضى بمناسبة شيء منها [لاقتضاء العلم فلا وجه لاعتبار شيء منها] .
500- والوجه الثالث: أن المطلوب من الخبر المتواتر وجدان الصدق على ثلج من الصدر في المخبر عنه وما من عدد تمسك به طائفة إلا ويمكن فرض تواطئهم على الكذب فكيف يفيد النظر إلى عدد ربط به مقصود غير مناسب للمطلوب من الخبر المتواتر مع إمكان تصور الخبر على حكم الخلف الذي يبغى سامع الخبر انتفاءه.
وبالجملة: الأعداد التي تمسك بها هؤلاء منقسمة إلى [ما تقدر] معتبرة في أقاصيص وحكاية أحوال على وفاق وكان لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو أكثر وإلى ما ورد في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب فلا معنى للتمسك بها.
501- وأما ما ذكره القاضي فهو موافق فيما أخرجه عن الضبط ونفاه حيث قال ليس الأربعة عدد التواتر فأما تردده في الخمسة فلا وجه له فإنا لا نبعد في مجرى الاعتياد التواطؤ على الكذب من خمسة وستة وليس ذلك من الأمور البديعة المعدودة من نوادر وقائع الزمان والذي جعله معتبرا من أمر البينات ليس بالمرضى فيما نطلبه فإن مما ورد الشرع به الاستظهار بمزيد العدد في الوقائع الخطيرة وقد يستظهر القاضي بعد تمام عدة البينة بالتماس مزيد في الشهود ثم ما يفرض من مزيد لا يفضى إلى العلم المقطوع به فلئن كان الخامس خارجا عن عدد البينات فهو داخل في الاستظهار المأذون فيه ولم نذكر هذا الفصل لنتخذه معولنا ولكنا عارضنا القاضي بما ينقض عليه مذهبه.
(1/218)

502- وأما من قال إن عدد التواتر لا يحويهم بلد ولا يحصيهم عدد فقد أسرف فإن التواتر يقع بدون ذلك وإذا أخبر جمع كثير في بلدة عن واقعة شاهدوها واستجمع إخبارهم الشرائط المرعية التي نحن في تفصيلها فيحصل العلم الضروري بإخبارهم وهم بعض من أهل البلدة والخروج عن إمكان العدد لا يعتبر شرطا وليس عدد معظم أهل الدنيا خارجا عن إمكان البشر.
فإذا بطلت هذه المذاهب ولم يبق إلا مذهب النظام فسندرجه في مجاري الكلام المشتمل على اختيار الحق.
503- فإن قيل فماذا ترضون في ذلك؟
قلنا: الخوض فيما نؤثره يستدعي تقديم أمر وهو أن العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها ولا سبيل إلى حجدها إذا وقعت وهذا كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل ونشط الثمل وغضب الغضبان ونحوها فإذا ثبتت هذه القرائن ترتب عليها علوم بديهية لا يأباها إلا جاحد ولو رام واجد العلوم ضبط القرائن وصفها بما تتميز به عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلا فكأنها تدق عن العبارات وتأبى على من يحاول ضبطها بها.
وقد قال الشافعي رحمه الله: من شاهد رضيعا قد التقم ثديا من مرضع ورأى فيه اثار الامتصاص وحركات الغلصمة وجرجرة المتجرع لم يسترب في وصول اللبن إلى جوف الصبي وحل له أن يشهد شهادة باتة بالرضاع ولو أنه لم يبت شهادته في ثبوت الرضاع ولكنه شهد على ما رأى من القرائن وأطنب في وصفها واستعان بالوصافين المعرفين فبلغ ذكر القرائن مجلس القاضي فلا يثبت الرضاع بذلك لأن ما سمعه القاضي وصف لا يبلغ مبلغ العيان والذي يفضي بالمعاين إلى درك اليقين يدق مدركه عن عبارة الوصافين ولو قيل لأذكى خلق الله قريحة وأحدهم ذهنا افصل بين حمرة الخجل وحمرة الغضب وبين حمرة المرعوب لم تساعده عبارة في محاولة الفصل فإن القرائن لا تبلغها غايات العبارات.
504- فإذا تمهد ذلك قلنا لا يتوقف حصول العلم بصدق المخبرين على حد محدود وعدد معدود ولكن إذا ثبتت قرائن الصدق ثبت العلم به فإذا وجدنا رجلا مرموقا عظيم الشأن معروفا بالمحافظة على رعاية المروءات حاسرا رأسه,
(1/219)

شاقا جيبه حافيا وهو يصيح بالثبور والويل ويذكر أنه أصيب بوالده أو ولده وشهدت الجنازة ورؤى الغسال مشمرا يدخل ويخرج فهذه القرائن وأمثالها إذا اقترنت بإخباره تضمنت العلم بصدقه مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبل وجنة والذي ذكره النظام ما أراه إلا في مثل هذه الصورة فإنه لا يخفى على غبي من حثالة الناس أن الواحد قد يخبر صادقا [وقد يخبر] كاذبا فلا تقع الثقة بأخباره.
ولكن لعله قال: لا يبعد أن يحصل الصدق بإخبار واحد فعزى إليه جزم القول في ذلك مطلقا وليس من الإنصاف نسبة رجل من المذكورين إلى الخروج عن المعقول من غير غرض.
505- وإذ ذكرت إمكان حصول العلم بصدق مخبر واحد فإني [أفرض] تخلف العلم بالصدق عن إخبار عدد كثير وجم غفير إذا جمعتهم إيالة وضمنهم في اقتضاء الكذب حالة فإن الملك قد يواطئ قواد الجند في مكيدة ليواطئوا [بالمترتبين في جملتهم] وغرضه إخفاء أمره ليشن غارة فيقع التواطؤ على الكذب فيما أشرنا إليه ولا تعويل على العدد بمجرده أصلا.
ولكن إذا انتفى ما ذكرناه من [تقدير] جامع على التواطؤ وبلغ المخبرون مبلغا لا يقع في طرد العادة اتفاق تعمد الكذب فيهم ولا يجري ذلك من أمثالهم سهوا وغلطا أيضا فتصير حينئذ الكثرة مع انتفاء أسباب التواطؤ قرينة ملحقة بالقرائن التي ترتبت عليها العلوم فالعدد في عينه ليس مغنيا إذ يتصور معه تقدير حالة ضابطة وإيالة حاملة على الكذب رابطة للكذب.
506- وأنا الآن أنخل للناظر جميع مصادر المذاهب ليحيط بها ويقضى العجب من الاطلاع عليها [ويتنبه لسبب] اختلاف الاراء فيها ويجعل [جزاءنا] منه دعوة بخير.
507- أما النظام فإنما نظر إلى إمكان الصدق مع القرينة وإن اتحد المخبر ولم [يطرد] ذلك في كل أحد.
508- ونقل النقلة عن السمنية أنهم قالوا: لا ينتهى الخبر إلى منتهى يفضي إلى العلم بالصدق وهو محمول على أن العدد وإن كثر فلا يكتفي به حتى ينضم إليه ما يجري مجرى القرينة من انتفاء الحالات الجامعة.
(1/220)

509- وذهب الكعبي1 إلى أن العلم بصدق المخبرين تواترا نظري وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عصبة الحق والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت إيالة جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظريا عقليا وفكرا سبريا على مقدمات ونتائج وليس ما ذكره إلا الحق.
510- وظن ظانون أن العدد معتبر فانقسموا قسمين: فاختبط قوم ولم يجدوا متعلقا عقليا فارجحنوا إلى أعداد سمعية وكان هؤلاء أبعد البرية عن درك الحق.
وتفطن آخرون لبطلان هذا المأخذ مع الإصرار على التشوف إلى العدد فغلا غالون فقالوا: هم الذين لا يحويهم بلد وهذا كلام ركيك واقتصد القاضي فضبط ما رآه دون عدد التواتر وبقى على تردد في عدد التواتر.
511- ومن عجيب الأمر وهو خاتمة الكلام ما أبديه الآن قائلا الكثرة من جملة القرائن التي تترتب عليه العلوم المجتناة من العادات مع انضمام انتفاء الإيالات عنها وكل قرينة تتعلق بالعادة يستحيل أن تحد بحد أو تضبط بعد وما عندي أن ذلك يخفى على [المستطرفين] في هذا الفن فليت شعري كيف تشوفوا إلى ضبط ما يستحيل ضبطه ثم اختلفوا وتقطعوا؟.
512- وأنا أقول: المحكم في ذلك العلم وحصوله فإذا حصل استبان للعاقل ترتبه على القرائن فإن العلم في العادة لا يحصل هزلا وقد يختلف ذلك باختلاف الوقائع وعظم أخطارها وأحوال المخبرين وهذا هو المنتهى الذي ليس بعده مطلب لمتشوف.
ونحن نذكر بعد ذلك مجامع من كلام الناس في شرط التواتر وراء ما ذكرناه بعضها قريب مقتصد وبعضها باطل.
513- فمما ذكره الأصوليون في شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة وعنوا به أن العصور إذا تناسخت فلا يكفي توافر الشرائط وكمال العدد في طرف النقل من الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا بل ينبغي أن يدوم ذلك في كل عصر وقد ينقلب التواتر آحادا وقد يندرس ما تواتر دهرا على ما سيأتي ذلك مشروحا فالمتواتر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم في حقوقنا ما اطردت الشرائط فيه عصرا بعد عصر حتى انتهى إلينا وهذا لا خفاء به ولكنه ليس من شرائط التواتر وحاصل ذلك أن التواتر قد ينقلب.
__________
1 سبق.
(1/221)

آحادا وليس الأمر كذلك ولكنه من تفاصيل القول فيما يتواتر وينقلب آحادا وليس من شرائط وقوع التواتر.
514- وذكر بعض أصحاب المقالات عن اليهود: أنها اشترطت في التواتر أن يكون في المخبرين أصحاب ذلة وصغار وزعموا أنه إذا كان أصحاب الأخبار أصحاب الاختيار ولم يختلط بهم أقوام هم تحت صغار الانتهار فقد يظن بذوي الاختيار الاستجراء على الكذب.
وهذا ساقط فإنا على اضطرار نعلم أن الجمع العظيم مع رعاية القرائن المذكورة إذا أخبروا عن واقعة عاينوها نعلم صدقهم وإن لم يكن من جملتهم أهل ذلة ومثل هذا لا يعارضه تشكيك المتخيلين وما تشبثوا به من اجتراء أهل الاختيار على الكذب معكوس عليهم بإمكان حملهم على الكذب انتهارا وإجبارا.
515- والجملة في ذلك أن التواتر من أحكام العادات ولا مجال لتفصيلات الظنون فيها فليتخذ الناظر العادة محكمة.
وقد أتى هذا المقدار على أسرار لا تحويها أسفار وهو على إيجازه لا يغادر وجها من البيان تمس إليه الحاجة وينزل كل كلام وراءه كالفضل المستغنى عنه.
(1/222)

فصل: في تقاسيم الأخبار.
516- ذكر الأئمة رضي الله عنهم تقاسيم الأخبار وقالوا: إنها ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يقطع بصدقه, والثاني: ما يقطع بكذبه, والثالث: مالا يقطع فيه بواحد منهما.
517- فأما ما يقطع بصدقه فمنه ما يوافق المعقول ثم المعقول ينقسم إلى ضروري مهجوم عليه وإلى نظري يوصل إليه صحيح النظر فأما الخبر عن الضروري فكقول القائل الضدان لا يجتمعان وكإخبار المخبر عن المحسوسات ونحوها من البدائه وأما الخبر عن النظري فكقول القائل العالم حادث مفتقر إلى صانع مختار إلى غير ذلك.
518- ومما يتخالج في الصدر من هذا القسم أن المعترض قد يعترض فيقول خير المخبر في الفنون التي ذكرتموها ليس مقتضيا صدقا وإنما السبيل المفضى إلى درك.
(1/222)

المخبر به نظر العقول في ضرورتها والأمر في ذلك قريب فإن الغرض منه عد ما يوصف بالصدق من الأخبار وما ذكرنا بهذه الصفة ومما يحكم بصدقه ما يقتضي اطراد العادة موافقته وهو الخبر المتواتر الذي سبق وصفه ووضح أن تلقى الصدق منه مستند إلى مستقر العادة والقرائن العرفية.
519- وذكر الأستاذ أبو إسحاق رحمه الله قسما آخر بين التواتر والمنقول آحادا وسماه المستفيض وزعم أنه يقتضي العلم نظرا والمتواتر يقتضيه ضرورة ومثل ذلك المستفيض وما يتفق عليه أئمة الحديث.
وهذا الذي ذكره مردود عليه فإن العرف واطراد الاعتياد لا يقضي بالصدق فيه ولا نرى وجها في النظر يؤدي إلى القطع بالصدق نعم ما ذكره مما يغلب على الظن الصدق فيه فأما أن يفضي إلى العلم به فلا.
520- وقال الأستاذ أبو بكر [بن فورك رحمه الله] : الخبر الذي تلقته الأئمة بالقبول محكوم بصدقه وفصل ذلك في بعض مصنفاته فقال إن اتفقوا على العمل به لم يقطع بصدقه وحمل الأمر على اعتقادهم وجوب العمل بخبر الواحد وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا حكم بصدقه.
521- قال القاضي: لا يحكم بصدقه وإن تلقوه بالقبول قولا وقطعا فإن تصحيح الأئمة للخبر مجرى على حكم الظاهر فإذا استجمع خبر من ظاهره عدالة الراوي وثبوت الثقة به وغيرها مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة ولا وجه إذا للقطع بالصدق والحالة هذه.
ثم قيل للقاضي: لو رفعوا هذا الظن وباحوا بالصدق فماذا تقول؟ فقال مجيبا: لا يتصور هذا فإنهم لا يتوصلون إلى العلم بصدقه ولو قطعوا لكانوا مجازفين وأهل الإجماع لا يجتمعون على باطل.
522- ومن أقسام الصدق مدلول المعجزة والتحق به صدق النبي وصدق كل من صدقه النبي عليه السلام.
523- فأما القسم الثاني من الأقسام الثلاثة [فهو] ما يقطع بكونه كذبا وهو [متنوع فمنه ما يخالف المعقول ضرورة أو نظرا وهو مناقض لما يوافق المعقول] في القسم الأول.
(1/223)

ومنه ما يجري على وجه يكذبه حكم العادة وهذا يتفنن فنونا منها:
أن يخبر آحاد بوقوع حادثة عظيمة حكم العادة فيها أن تشيع لو وقعت فإذا لم تشع تبين كذب المخبرين وهي كإخبار أقوام من الآحاد عن مقتلة هلك فيها أمم في البلدة على قرب من العهد وكالإخبار عن دخول ملك صقعا فهذا وما في معناه حكم العرف فيه الشيوع وهذا من الأصول العظيمة التي تستند إليها أمور خطيرة وتتوجه فيها غائلة هائلة ونحن نعددها ونأتي بمجامعها إن شاء الله تعالى.
524- فمما نبينه على ذلك إيضاح بهت الروافض في ادعاء النص على علي كرم الله وجهه في الإمامة فإن هذا لو كان لما خفي عن أهل بيعة السقيفة ولتحدثت به المرأة على مغزلها ولأبداه مخالف أو موالف وبهذا المسلك يتبين بطلان قول من يقول إن القرآن الكريم قد عورض فإن ذلك لو جرى لما خفي وبه يتبين فساد قول العيسوية إذ قالوا في التوراة إن موسى آخر مبعوث فإن ذلك لو كان لذكره أحبار اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما أبدوا عنه معدلا إلى تحريف [نعت] رسول الله عليه السلام وتبديل الأقرن بالأبلج والأدهم بالأشقر إلى غير ذلك من تحريفاتهم.
525- والقول الواضح في ذلك أن مسلك العلم بصدق الخبر المتواتر على ما سبق وصفه أن المخبرين لا يتواطئون عند زوال القرائن الضابطة والإيالات الحاملة على التواطؤ ويئول مستند القول إلى مطرد العرف وهذا المسلك بعينه مطرد في شيوع الفنون التي ذكرناها.
526- ثم ما يقضى العرف فيه بالشيوع ينقسم فمنه ما يثبت على الشيوع عند الوقوع وينقله المخبرون تواترا زمنا ثم [يتناقص] اهتمام النقلة بنقله حتى ينتهي إلى نقل الآحاد وقد يفضى طول الأمد إلى دروسه ومنه ما يتمادى زمان التواتر فيه إذا قامت في النفوس دواعي نقله.
والقسم الأول يمثل بدخول ملك بلدة أو ما ضاهاها والقسم الثاني يمثل بالأمور الدينية فإن همم أصحاب الدين متوفرة على نقل الجليات فيه فإن وهي فبالحري أن يتداعى إلى الأخبار الدينية الدروس.
527- ومما يتعلق بذلك أن الجمع العظيم إذ تواطئوا على الكذب لأمر إيالي فإن كذبهم يستبين على ممر الزمان في [حكم] العرف وينكشف الغطاء فيه على قرب.
(1/224)

528- فهذه الأصول مهدناها وبينا ما يستند من أمور الدين إليها ونحن نوجه الآن أسئلة يتعين الاعتناء بالبحث عنها ونذكرها أولا ثم نتعقبها بالكلام عليها إن شاء الله.
529- فمنها: أن حجة الوداع كانت من أظهر الوقائع وقد اختلف الرواة في حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقل طائفة أنه أفرد ونقل اخرون أنه قرن.
ومنها: أن انشقاق القمر كان من أعظم الآيات ثم لم يثبت النقل فيه تواترا على أنه أمر ديني.
ومنها: وهو أعوصها إفراد الإقامة وتثنيتها فإن بلالا كان يقيم بعد الهجرة إلى انقلاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رضوانه في اليوم والليلة خمس مرات ثم اختلف النقلة فيه وغاية بعض العلماء أن يثبت ظهور رواياتهم ومحل الإشكال أنه كيف لم ينقل تواترا؟
530- فهذه الأسئلة يتعين الاعتناء بالانفصال عنها وتنزيلها محالها:
فأما إحرام رسول الله عليه السلام فسبب التردد في نقله أنه صلى الله عليه وسلم كان على تردد في أمره وقيل: إنه مطلقا ينتظر الوحي فنزل عليه جبريل أن يجعله حجا هكذا رواه جابر بن عبد الله وهو أحسن الرواة سياقا للرواية وهذا إلى علم الصحابة بأن الإفراد والقرآن جميعا مسوغان ولا يبعد في حكم العادة عدم الاعتناء بالأفضل والأكمل ولا يمتنع أن يلتحق بما ذكرناه في أثناء الكلام وهو ما يقتضى العرف إشاعته أولا مع إفضاء الأمر إلى الدروس على [قرب] وليس هذا ببعيد في السبر.
وبالجملة ما ذكرناه من حكم الشيوع متلقى من ضرورات العقول فليس فيه مراء فإن عورضنا بواقعة وجهل السائل فيها جريانها على خلاف الأصل الممهد لم يقبل ذلك منه قطعا واعتقد في الواقعة خروجها عن حكم القاعدة ومباينتها لها في وجه ثم الخيرة إلينا أن أحببنا اقتصدنا على إجمال ذلك وإن أحببنا تكلفنا محملا يقتضي الخروج عن حكم العرف ولا سبيل إلى تشكيك الأنفس في [الضروريات] بسبب تخييلات وإلزامات.
531- فأما انشقاق القمر فذهب بعض علماء الإسلام إلى أن معنى قوله تعالى:
(1/225)

{وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} 1 أنه سينشق عند قيام الساعة وشهد لذلك ذكره مقترنا باقتراب الساعة والشيء إذا تناهى قربه يقام الماضي فيه مقام المستقبل قال الله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ} 2 معناه سيأتي أمر الله وقد مال الحليمي3 إلى هذا المذهب ويمكن أن يقال انشقاق القمر آية ليلية لعله جرى والخلق نيام والمتيقظون في أكنان لا يترقبون القمر وإن لحظة لاحظ وفاقا فغير بدع أن [يحمله] على تشعب في أشعة البصر وانعراج عن الاستداد فهذا وجه التكلف فيه فإن وقع الانشقاق فلا محل لعدم الشيوع فيه إلا ما ذكرناه والتعويل على ما سبق من أن الأمر الضروري لا تخرمه التخييلات.
532- وأما أمر الإقامة وهو من أغمض الأسئلة فإنها من الشعائر الجلية المتكررة فلم ينقدح عند القاضي وجه في عدم الشيوع إلا أنه قال لعله كان يثنى مرة ويفرد أخرى فلم يشع واحد منهما وهذا قد يعترض عليه وجوب الشيوع في أن بلالا رضي الله عنه كان يفعل تارة هكذا وتارة هكذا ثم المعتمد عندي [في ذلك] أن الصحابة رضي الله عنهم هونت أمر الإفراد والتثنية فلم يعتنوا بالإشاعة فإذا أشاعوا أفضى إلى الدروس وليس ذلك بدعا فيما ليس من العزائم وهذا تنضم إليه بدع ثارت مع [تواتر] من أصحاب سلطنة واقتهار فإنه جرى من آخر أيام على كرم الله وجهه إلى قريب من مائة سنة دواه تشيب النواصي واستجرأ على تغيير ما كان منوطا بالأمراء وكانت الجماعة وإقامة شعائرها من أهم ما يهتم به الأمراء فلعل الشيوع على حكم العادة كان قد أثبت ثم ألهى الناس عنه ما أحدثه النابغون وحقنا أن نحكم الأصول فيما نأتي ونذر ولا نسلك بمسلك الحقائق ذبا عن مذهب.
533- فإن زعم زاعمون أن ما ذكرتموه يتوجه في النص على علي رضي الله عنه قلنا: لو كان لظهر يوم السقيفة فإن خلافة أبي بكر رضي الله عنه ما كانت أيدت بشوكة قاهرة وإنما كان الأمر فوضى وهذا واضح وأيضا فإن [أمر] الولايات من أخطر الأشياء في العادات ولا تتشوف النفوس لنقل شيء تشوفها إلى ما يتعلق بالولايات ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم وتتهالك النفوس في الملاحم وهذا مطرد في أحكام العادات وفي عرف أهل الديانات والولايات.
__________
1 آية "1" سورة القمر.
2 آية "1" سورة النحل.
3 سبقت ترجمته.
(1/226)

وأما الإقامة فشعار مسنون ليس بالعظيم الوقع في العرف والشرع وقد يمر بالناس أيام لو روجعوا عن كيفية الإقامات في الجماعات لم يذكروها.
534- ومما يلزم من هذا الفن اضطراب الرواة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة وصلحا وهذا قريب [فإن أصل] دخوله عليه السلام مع أكمل العدد والعدد منقول متواترا ولا شك أنه عليه السلام لم يلق قتالا والأمر وراء ذلك تقديرات تختبط فيها النقلة فلم يلزم مع تمادى الأمر وطول الزمن استمرار حكم الشيوع فيها.
وقد نجز ما حاولناه في هذا القسم إذ قلنا: كل خبر يخالفه حكم العرف فهو كذب.
535- ومما [نذكره] من أقسام الكذب أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة فيقطع بكذبه وهذا مفصل عندي:
فأقول: إن تنبأ متنبئ وزعم أن الخلق كلفوا متابعته وتصديقه من غير آية فهو كاذب فإن مساقه مفض إلى تكليف ما لا يطاق وهو الأمر [بالعلم] بصدقه من غير سبيل مؤد إلى العلم فأما إذا قال ما كلف الخلق اتباعي ولكن أوحى إلى فلا يقطع بكذبه.
536- فإن قيل: من أصلكم القول بالكرامات الخارقة للعادات فإذا أخبر المخبر أن جبلا يقلع له من أصله فهذا إخبار يخالف حكم العرف والعادة ويلزم منه أن يقال: أخبرنا مخبر ونحن في كن أن الجبل المظل القريب منا قد يقلع الآن ينبغي أن يجوز صدقه الآن حملا على الكرامة وهذا يهدم أحكام العرف وما يتلقى [منه] .
قلنا: هذا مما نستخير الله فيه فلا وجه للتشكيك في كذب هذا المخبر وإنما تجوز الكرامات وقوعا عند عموم انخراق العادات ومصير الأمر إلى حالة لا يستبعد أهل العادة صدق المخبر فيما يخبر عنه فلينعم المنتهى إلى هذا الفصل نظره وليتدبر غائلته بالبدل.
537- فأما القسم الثالث: فهو الذي لا يقطع فيه بالصدق ولا الكذب وهو الذي نقله الاحاد من غير أن يقترن بالنقل قرينة تقتضي الصدق أو الكذب.
(1/227)

على ما سبقت الإشارة إلى القرائن فهذا الصنف لا يفضى إلى العلم بصدق المخبر [ولا] يقطع بكذبه أيضا.
ونحن نستعين بالله ونستفتح الآن القول في أخبار الآحاد والله الموفق للسداد أخبار الآحاد.
مسألة:
538- ما ذهب إليه علماء الشريعة ومفتوها وجوب العمل عند ورود خبر الواحد على الشرائط التي سنصفها ثم أطلق الفقهاء القول: بأن خر الواحد لا يوجب العلم ويوجب العمل وهذا تساهل [منهم] والمقطوع به: أنه لا يوجب العلم ولا العمل فإنه لو ثبت وجوب العمل مقطوعا به لثبت العلم بوجوب العمل وهذا يؤدي إلى إفضائه إلى نوع من العلم وذلك بعيد فإن ما هو مظنون في نفسه يستحيل أن يقتضي علما مبتوتا فالعمل بخبر الواحد مستند إلى الأدلة التي سنقيمها على وجوب العمل عند خبر الواحد وهذا تناقش في اللفظ ولست أشك أن أحدا من المحققين لا ينكر ما ذكرناه.
وذهب طوائف من الروافض إلى أن خبر الواحد لا يناط به وجوب العمل وهؤلاء أنكروا الإجماع إذا لم يكن في المجمعين قول الإمام القائم في هذيان طويل. وقد مال إلى ذلك بعض المعتزلة.
539- ثم افترق نفاة العمل بخبر الواحد: فذهب بعضهم إلى أن العقل يحيل التعبد بالعمل به [وذهب] الأكثرون إلى أنه لا يستحيل ورود الشرع به وهو من تجويزات العقل ثم افترق هؤلاء من وجه آخر فذهب ذاهبون إلى أن في الشرع ما يمنع التعلق به وقال اخرون: لم تقم دلالة قاطعة على العمل به فتعين الوقف وقد أكثر الأصوليون وطولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين.
540- والمختار عندنا مسلكان أحدهما يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد ولا يدرؤه إلا معاند وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول عليه السلام كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام وربما كان يصحبهم الكتب وكان نقلهم أوامر رسول الله عليه السلام على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا.
(1/228)

به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر ولا يدفع المتواتر إلا مباهت فهذا أحد المسلكين.
والمسلك الثاني: مستند إلى إجماع الصحابة وإجماعهم على العمل بأخبار الاحاد منقول متواترا فإنا لا نستريب أنهم في الوقائع كانوا يبغون الأحكام من كتاب الله تعالى فإن لم يجدوا للمطلوب ذكرا مالوا إلى البحث عن أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يبتدرون التعويل على نقل الأثبات والثقات بلا اختلاف فإن فرض مزاع بينهم فهو آيل إلى انقسامهم قسمين: فمنهم من كان يتناهى في البحث عن العدالة [الباطنة] ولا يقنع بتعديل العلانية وربما كان يضم إلى استقصائه تحليف الراوي ومنهم من كان لا يغلو في البحث فأما اشتراط التواتر فعلى اضطرار نعلم أنهم [ما كانوا] يرونه فإن أنكر منكر الإجماع فسيأتي إثباته على منكريه في أول كتاب الإجماع إن شاء الله تعالى فهذا هو المعتمد في إثبات العلم بخبر الواحد.
541- وأما الرد على من يزعم أن تكليف العمل [بخبر الواحد] يستحيل في العقل فهين فقد تكرر مرارا أن إطلاق الاستحالة يتردد بين أن يستحيل وقوعه وجودا كاستحالة اجتماع الضدين ونحوها وهذا ساقط فإن تقدير اتباع العمل عند اتفاق أمر يغلب على الظن غير مستحيل قطعا والواحد منا يكتسبه في حق مأموره وعبده والمحالات يستحيل تقدير وقوعها شاهدا وغائبا فهذا قسم.
وقد نقول: ليس يستحيل تقدير وقوعه استحالة اجتماع الضدين ولكن يستحيل وقوعه لما فيه من استفساد الخلق وهذا ينجر الآن إلى الصلاح والأصلح والاستفساد والاستصلاح وكل ذلك مرتب على التقبيح والتحسين العقليين وقد سبق القول فيهما في صدر هذا المجموع.
542- على أنا [إن] رمنا انتقالا عن هذه المحاجة فليس يتجه لهم ادعاء نقيض الاستصلاح فإنه لا يمتنع في العقل أن يقع في علم الله تعالى أن الخلق لو كلفوا اتباع غلبات الظنون لصلحوا ولو تركوا سدى إلى وجدان اليقين لفسدوا أو كادوا فقد بطل جميع ما ذكروه وإذا تقرر الجواز عقلا وقد قامت الدلالة السمعية كما تقدم ذكره لم يبق مضطرب يلوذ الخصم به.
فإن قيل: ليس في العقل ما يوجب العمل بخبر الواحد وليس في كتاب الله تعالى ناص عليه ولا مطمع في التواتر والإجماع مع قيام النزاع ويستحيل أن يثبت.
(1/229)

خبر الواحد بخبر الواحد وإذا انحسم المسلك العقلي والسمعي فقد حصل الغرض.
قلنا: بنيتم كلامكم على أمرين أنتم منازعون فيهما أحدهما أنكم قلتم لم يستند العمل بخبر الواحد إلى التواتر وقد أوضحنا استناده إليه والثاني أنا نقلنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم على العمل بخبر الواحد فقولكم: أن لا إجماع خطأ ونحن تمسكنا بإجماع سابق على مسائل الخلاف وإن تمسكوا بأن في إيجاب العمل [بخبر الواحد] ادعاء العلم بوجوبه بخبر الواحد فقد تكلمنا عليه وبينا القول فيه فهذا لباب المسألة ومقصودها المنتخل المحصل.
543- ولكنا نذكر وراء ذلك عيونا من شبهات المخالفين حتى يشتمل الكلام على المسلك الحق واستيعاب جماهير وجوه القول استدلالا وسؤالا وانفصالا وقد يستدلون بظاهر قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 1 والمخبر الذي ليس معصموما عن الخطأ وإمكان [تعمد] الكذب [لا] يتضمن خبره علما فهو بحكم [القرآن] مما لا يجوز اقتفاؤه واحتذاؤه وهذا مما لا يسوغ التمسك به فإن مضمون الآية النهي عن اقتفاء الظنون من غير ضبط متأيد بمراسم الشارع وليس الغرض الإضراب عن كل ما ليس معلوما فالمقصود إذا النهي عن المجازفة في الظنون ثم غاية المتمسك بالآية أن يسلم له عموم معرض للتأويل ولا يجوز التعلق بالظواهر فيما يبتغي القطع فيه فالجواب الحق أن المتبع هو الدليل القاطع على وجوب العمل بخبر الواحد وقد قدمنا ما فيه مقنع في ذلك وذلك الدليل هو المقتفى لا الخبر وفيه غنية وقد تقرر هذا مرارا.
544- وربما يعودون إلى استبعاد تعليق الأمور الخطيرة بأقوال مخبرين لا يمنع أن يعتمدوا الكذب أو يزلوا من غير قصد.
فإذا روى واحد ظاهر العدالة خبرا مقتضاه سفك دم فالاستمرار على حقن الدم وانتظار قاطع فيه أغلب على الظن وأرجح في مسلكه وقد تكلمنا على ذلك وأوضحنا أن المعتمد هو الخبر المتواتر من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إجماع الأمة وهما يفيدان العلم على قطع ثم ما ذكروه منقوض عليهم بشهادة الشهود في تفاصيل القضاء فإن الأمور الخطيرة تربط بها وإن كانت لا تفضي إلى القطع وهي متلقاة.
__________
1 آية "36" سورة الأسراء.
(1/230)

بالقبول وكذلك قول المفتى مقبول وإن كان متعرضا لما ذكروه في مضطرب الأوهام فقد سقط معلوهم فإن اعتذروا عن الشهادات والفتوى وزعموا أنها مستندة إلى الإجماع فهذا قولنا في خبر الواحد.
مسألة:
545- ذهبت الحشوية1 من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم وهذا خزي لا يخفى مدركه على ذي لب.
فنقول لهؤلاء أتجوزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطئ فإن قالوا لا كان ذلك بهتا وهتكا وخرقا لحجاب الهيبة ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه.
والقول [القريب] فيه أن قد زل من الرواة والأثبات جمع لا يعدون كثرة ولو لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته والأمر بخلاف ما تخيلوه.
فإذا تبين إمكان الخطأ فالقطع بالصدق مع ذلك محال ثم هذا في العدل في علم الله تعالى ونحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل وقد تكلمنا عليه بما فيه مقنع.
مسألة:
546- ذهب الجبائي2 إلى أن خبر الواحد لا يقبل بل لا بد من العدد وأقله اثنان وهذا الذي قاله غير متلقى من مسالك العقول فإنها لا تفرق بين الواحد والاثنين وإمكان الخطأ يتطرق إلى اثنين تطرقه إلى الواحد فيتعين عليه أن يسند مذهبه هذا إلى سبيل قطعي سمعي وهو لا يجده أبدا.
547- وما ذكرناه من [التمسك] بكتب الرسول عليه السلام ورسله يجري عليه فإنه كان لا يتكلف جمع رسولين إلى كل صوب بل كان يبعثهم ويحملهم نقل الشريعة على ما تقتضيه الأحوال مفردين ومقترنين وهذا بين.
وكذلك مسلك الإجماع فإنا نعلم قطعا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعملون في الوقائع بالأخبار التي ترويها الاحاد من جملة الصحابة ولا نستريب أنه لو
__________
1 تقدمت.
2 سبقت ترجمته.
(1/231)

وقعت واقعة واعتاص مدرك حكمها فروى الصديق رضي الله عنه فيها خبرا عن الصادق المصدوق عليه السلام لابتدروا العمل به ومن ادعى أن جملة الأخبار التي استدل بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكام الوقائع رواها أعداد فقد باهت وعاند وخالف ما المعلوم الضروري بخلافه.
548- فإن قيل: أليس كان على يستظهر برواية العدد؟ وروى أن أبا موسى1 الأشعري لما استأذن على عمر2 ولم يأذن له انصرف ورده عمر وعاتبه في انصرافه وقال هلا وقفت فقال: سمعت رسول الله عليه السلام يقول3: "الاستئذان ثلاثة فإن أذن لكم وإلا فانصرفوا ", فقال: إن جئت بمن يشهد لك وإلا أوجعت طهرك ضربا فجاء بأبي سعيد4 الخدري فشهد له.
ولما التبس على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الجدة في الميراث [قال] المغيرة5 بن شعبة: "أشهد أن رسول الله عليه السلام أطعم الجدة السدس"6 قال أبو بكر7: لا, أو تأتي بمن يشهد لك: فكان ذلك من أبي بكر اشتراط عدد في الرواة.
549- قلنا: أما على كرم الله وجهه فلم ينقل عنه اشتراط العدد ولكنه كان يحلف بعض الرواة وهذا رأى انفرد به استظهارا وأما ما جرى للصديق والفاروق رضي الله عنهما فمحمول على الاستظهار لريبة معترضة وأحوال مقتضية
__________
1 أبو موسى الأشعري هو: عبد الله بن قيس بن سليم, وكان رضي الله عنه قارئا صيتا, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه ويجله, وولاه الولايات. مات سنة "44". له ترجمة في: أسد الغابة 6/306, والإصابة 2/315, والنجوم الزاهرة 1/192.
2 سبقت ترجمته.
3 مسلم في: الأدب 34, 35, 36, 37" والترمذي "2690".
4 أبو سعيد بن مالك بن سنان الخزرجي كان من مشهوري الصحابة وفضلائهم المكثرين في الرواية وكان معدودا في أهل الصفة, مؤثرا للفقراء, محالفا للصبر. مات سنة "74". له ترجمة في: أسد الغابة 6/142, وتاريخ بغداد 1/180, والنجوم الزاهرة 1/192.
5 المغيرة بن شعبة بن أبي عامر الثقفي الكوفي أبو عبد الله. اسلم عام الخندق, وشهد ما بعدها, وكان من أعيان الصحابة يضرب بريه ودهائه الأمثال. مات سنة "50" أو "51". له ترجمة في: الرياض المستطابة ص "253-254".
6 الترمذي في الفرائض "10", وابن ماجه في الفرائض "4", ومالك في الفرائض "4", وأحمد 5/27,
7 أبو بكر هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو القرشي التيمي, كان أول من أسلم من الرجال, وثبت له أفضل الفضائل بصحبة الهجرة, بويع له بعد وفاة النبي صلى الله عيه وسلم, وكانت بيعته إجماعا. مات سنة "13". له ترجمة في: أسد الغابة 3/309, وشذرات الذهب 1/27, ومروج الذهب 2/305.
(1/232)

مزيد تغليب على الظن وهذا جرى منهم على شذوذ وندور كدأب القضاة في بعض الحكومات إذا استدعوا مزيدا على الأعداد المرعية في البينات فمن ادعى أن ذلك كان أصلا عاما في جميع الروايات والرواة فقد ادعى نكرا وقال هجرا.
ثم ما ذكره يؤدي إلى رد معظم الأحاديث إذا تطاولت العصور وتناسخت الأزمان والدهور فإنه شرط في النقل عن كل راو وراويين والأعداد إذا تضاعفت أربت عند طول الأعصار على عدد التواتر.
وهذا منتهى القول في العدد والكلام في بقية الكتاب يتعلق بفصول فصل في صفة الرواة وفصل مشتمل على التعديل والجرح وفصل في الإسناد والإرسال وآخر في كيفية التحمل وآخر في كيفية الرواية.
(1/233)

فصل: في صفة الرواة.
550- العقل والإسلام1 والعدالة2 معتبرة وأصحاب أبي حنيفة3 وإن قبلوا شهادة الفاسق لم يجسروا أن يبوحوا بقبول رواية الفاسق فإن قال به [قائل] فقوله مسبوق بإجماع من مضى على مخالفته.
551- فأما البلوغ فقد اختلف الأصوليون في اشتراطه وتردد الفقهاء في ذلك أيضا وعليه بنوا اختلافهم المشهور في قبول قوله في رؤية الهلال والقاضي يرى رد روايته وهو المختار عندنا.
والدليل عليه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما راجعوا الصبيان الذين كانوا يخالطون رسول الله عليه السلام ويلجون على ستوره مع مسيس حاجتهم إلى من يخبرهم عن دقائق أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء الحجب فلم يؤثر عن أحد من الحكام والمفتين.
__________
1 فلا تقبل رواية الكافر بالإجماع سواء أعلم من دينه الاحتراز عن الكذب أم لم يعلم, ولا يعقل أن تقبل روايته؛ لأن في قبولها تنفيذا لقوله على المسلمين, وكيف, تقبل رواية من يكيد للإسلام. "أصول الحديث" ص"230".
2 هي صفة راسخة في النفس تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة, فتحصل ثقة النفس بصدقه, ويعتبر فيها اجتناب الكبائر وبعض الصغائر كتطفيف حبة, وسرقة لقمة, واجتناب المباحات القادحة في المروءة كالأكل في الطريق, والبول في الشوارع, وصحبة الأرذال, والإفراط في المزاح. "أصول الحديث" ص "231, 232.
3 سبقت ترجمته.
(1/233)

إسناد حكمه في قضية إلى رواية صبي والذين اعتنوا [بجمع] الروايات وتأليف المسندات لم ينقلوا عن صبي أصلا والذي يعضد الطريقة أن معولنا في إثبات العمل بأخبار الاحاد إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه ورسله وبعثه ولاته وإجماع الصحابة ولا مأخذ سوى هذين:
فأما المأخذ الأول: فلم يبعث عليه السلام رسولا صبيا ولم يحمله أداء بيان حكم الشريعة وأما الإجماع: فعلى ما سبق تقريره وليس في العقول ما يرشد إلى القبول والرد.
552- ثم ذكر القاضي طريقة لطيفة فقال: الصبي إن كان غير متكامل التمييز فلا شك في ردهم روايته وإن كان مميزا فقد بلغه أنه غير مؤاخذ بالكذب ولا يزعه عن الهجوم عليه وازع وهذه الصفة منه تؤمنه عن اللائمة ومحذور المعتبة [فبالحري] أن يجريه على الخلف وفي النفوس على الجملة صغو بين إلى التحريف ونقل الأعاجيب فإذا الصبا أولى بأن ينتهض ردا للرواية من الفسق وما ذكرناه يغنى عن التمسك برد أقاريره وألفاظ عقوده فإن هذا من القياس الفقهي فلا يثمر قطعا.
ونحن نرى القطع برد روايته وفي كلام القاضي في بعض مصنفاته تشبيب بإلحاق هذه المسألة بالمظنونات وهذا ظاهر رأى الفقهاء والذي نراه القطع بالرد كما تقدم.
مسألة:
في رواية المستور الذي لم يظهر منه نقيض العدالة ولم يتفق البحث الباطن عن عدالته1.
553- تردد المحدثون [في روايته] والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنه لا تقبل روايته وهو المقطوع به عندنا.
والمعتمد فيه الرجوع إلى اجماع الصحابة فإنا نعلم منهم بمسلك الاستفاضة والتواتر أنهم كانوا لا يقبلون روايات المجان والفسقة وأصحاب الخلاعة ولو
__________
1 يعني: لم ينقل فيه جرح ولا تعديل. ثم إذا نقل فيه جرح أو تعديل, ولم يترجح أحدهما على الآخر فهو أيضا مستور.
(1/234)

ناداهم إنسان برواية لا يبتدروا العمل [بروايته ما لم يبحثوا عن حالته ويطلعوا على باطن عدالته ومن ظن أنهم كانوا يعملون] برواية كل مجهول الحال فقد ظن محالا وظهور ذلك مغن عن [تقريره] وإذا كنا نتعلق في العمل بالرواية بإجماعهم [فإن لم نتحقق إجماعهم على التوقف في العمل برواية المستور لم نجد متعلقا نتمسك به في قبول روايته] فكيف وقد استمر لنا قطعا منهم التوقف في المجهول المستور الحال؟
554- والذي أوثره في هذه المسألة ألا نطلق رد رواية المستور ولا قبولها بل يقال رواية العدل مقبولة ورواية الفاسق مردودة ورواية المستور موقوفة إلى استبانة حالته ولو كنا على اعتقاد في حل شيء فروى لنا مستور تحريمه فالذي أراه وجوب الانكفاف عما كنا نستحله إلى استتمام البحث عن حال الراوي وهذا هو المعلوم من عادتهم وشيمهم وليس ذلك حكما منهم بالحظر المترتب على الرواية وإنما هو توقف في الأمر فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز وهو في معنى الحظر فهو إذا حظر مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة وهي التوقف عند بدء ظواهر الأمور إلى استتبابها فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية إذ ذاك.
555- ولو فرض فارض التباس حال الراوي واليأس من البحث عنها بأن يروي مجهول ثم يدخل في غمار الناس ويعسر العثور عليه فهذه مسألة اجتهادية عندي والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يلزم الانكفاف وانقلبت الإباحة كراهية.
556- فإن قيل: أليس روى أن أعرابيا شهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال فأمر النبي عليه السلام بالصيام ولم يبحث عن حال الأعرابي قلنا: لعله علمه وأحاط به علما فلا يصح التمسك بمثل هذا مع تعارض الاحتمالات فيه والمطلوب القطع.
557- فإن قالوا: الأصل نقيض الفسق فليطرد قبول الرواية إلى تحقق الفسق قلنا: هذه دعوى عرية عن البرهان وهو في التحقيق اقتصار على ترجمة المذهب فإنا نقول: الرواية قبولها موقوف على ظهور العدالة ومن يخالف يزعم أن الرد منوط بظهور الفسق وعلى الجملة لسنا نرتضي التمسك بالتخييلات في مسالك القطعيات وفي كل أصل من الأصول قاعدة كلية معتبرة فكل تفصيل رجع إلى الأصل فهو جار على السبيل المطلوب وكل ما لم نجد مستندا فيه ومتعلقه تخييل ظن فهو.
(1/235)

مطرح والأصل في العمل بالأخبار إجماع الصحابة وقد قررنا سبيله فما ذكروه ليس قادحا فيه فلا يحتفل به.
558- فإن قيل: ثبت في الشرع الأمر بتحسين الظن [بآحاد] المسلمين إلى أن يظهر ما يناقض ذلك وإذا رددنا رواية المستور كان ذلك منافيا لتحسين الظن به قلنا هذا من الطراز الأول فلا احتفال به.
على أنا أمرنا بتحسين الظن حتى لا تطلق الألسنة بالمطاعن فهذا فائدة تحسين الظن فأما أن يقال: [نبتدر] إلى إراقة الدماء وتحليل الفروج برواية كل هاجم على الرواية بناء على تحسين الظن فهذا لا يتخيله إلا خلو من التحصيل والله الموفق.
(1/236)

فصل: في التعديل والجرح.
559- إذا تقرر أن الفاسق مردود الرواية وواضح أن القبول متوقف على ظهور العدالة ولا يقع الاكتفاء بظاهر الستر فنحن نذكر وراء ذلك التعديل والجرح المعتبرين في الرواة ونقدم على غرضنا أصلا وهو مرجوع الكتاب وأصل الباب في أخبار الآحاد.
فنقول: قد لاح لنا [على] السبر والمباحثة أن المعنى المعتمد في قبول الرواية ظهور الثقة بقول الراوي وكل ما لا يجزم الثقة فليس شرطا في [الرواية وما يجزم] الثقة ففيه الكلام وليس في الرواة والروايات تعبدات شرعية كما وردت توقيفات الشرع بأمثالها في رتب الشهادات [ومنازل] البينات من نحو اعتبار العدد وألفاظ مخصوصة ومكان معلوم إلى غير ذلك ومن التعبدات المرعية في الشهادة اشتراط الحرية فليتخذ الناظر الثقة في الرواية معتبره فيما يأتي ويذر فعليه إحالة معظم الكلام.
والدليل القاطع فيه الرجوع إلى شيم الأولين فإنا نعلم أنهم كانوا يقبلون الرواية عند ظهور الثقة من المرأة والمملوك قبولهم من الحر وقد رددنا [على] من يتخيل اعتبار العدد في الرواية فإذا تمهد ذلك وستكون لنا عودات إليه فالكلام في التعديل والجرح متفرع على ذلك ونحن ننقل المذاهب فيهما ونؤثر المختار عندنا ونؤكده بالحجاج اختيارا للإيجاز إن شاء الله تعالى.
(1/236)

560- فالتعديل والجرح يقعان على وجهين أحدهما التصريح والثاني: الضمن فأما وقوعهما تصريحا فقد قال قائلون: لا بد من ذكر أسبابها جميعا ولا يكفى إطلاق التعديل والجرح.
قال الشافعي رحمه الله: إطلاق التعديل كاف فإن أسبابه لا تنضبط ولا تنحصر وإطلاق الجرح لا يكفي فإن أسبابه مما اختلف الناس فيه فقد يرى بعض الناس الجرح بما لو أظهره لم يوافق عليه فلا بد لذلك من ذكر أسباب الجرح وهذا مذهبه رضي الله عنه في تعديل الشهود وجرحهم.
وقال بعض الأصوليين: يكفي إطلاق التعديل والجرح جميعا ولا حاجة إلى التعرض للأسباب فيهما.
وقال القاضي رضي الله عنه: إطلاق الجرح كاف فإنه يخرم الثقة وهي المعتبرة وإطلاق التعديل لا يحصل الثقة حتى يستند إلى أسباب ومباحثات وهذا الذي ذكره القاضي رضي الله عنه أوقع في مآخذ الأصول.
561- والذي أختاره أن الأمر في ذلك يختلف بالمعدل والجارح فإن كان المعدل إماما [موثوقا به في الصناعة] لا يليق به إطلاق التعديل إلا عند علمه بالعدالة الظاهرة فمطلق ذلك كاف منه فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن بحث واستفراغ وسع في النظر [فأما] من لم يكن من أهل هذا الشأن وإن كان عدلا رضا إذا لم يحط علما بعلل الروايات فلا بد من البوح بالأسباب وإبداء المباحثة التامة.
والجرح أيضا يختلف باختلاف أحوال من يجرح والعامى العرى عن والتحصيل إذا جرح ولم يفصل فلا يكترث بقوله فأما من يثير جرحه المطلق خرم الثقة فمطلق جرحه كاف في اقتضاء التوقف.
فهذا بيان المذاهب والإيماء إلى مستند كل فريق وذكر المختار مؤيدا بمعتبر الباب هو بيان التصريح بالتعديل والجرح.
562- ثم قال المحققون: يكفي في التعديل والجرح قول واحد وذهب بعض المحدثين إلى اشتراط العدد وهذا مما ليس يحتفل به فإنه قد ثبت أن أصل الرواية لا يعتبر فيه العدد فلا معنى للاحتكام باشتراطه في التعديل والجرح ولا يشك منصف أن الصديق رضي الله عنه وغيره من جلة الصحابة رضي الله عنهم لو فرض.
(1/237)

انفراده بتعديل أو جرح لما كان أهل العصر يعتبرون انضمام قول آخر إلى قول المعدل أو الجارح وهذا كله [مرتبط] بالثقة كما تقدم فإذا كان قول الواحد يفيد الثقة كفى وإذا كان الجارح الواحد يخرمها أفاد جرحه ردا أو توفقا.
563- فأما التعديل والجرح الواقعان ضمنا فلتقع البداية بالتعديل فمما عد في التعديل ضمنا إطلاق الرجل العدل الرواية عن الرجل من غير تعرض له بجرح أو تعديل فهذا مما اختلف في المحدثون والأصوليون:
فذهب ذاهبون إلى أن إطلاق الرواية تعديل ومنع آخرون ذلك والرأي فيه عندي التفصيل فإن ظهر من عادة ذلك الراوي الانكفاف عن الرواية عمن يتغشاه ريب واستبان أنه [لا يروي إلا] عن موثوق به فرواية مثل هذا الشخص تعديل وإن تبين من عادته الرواية عن الثقة والضعيف فليست روايته تعديلا وإن أشكل الأمر فلم يوقف على عادة مطردة لذلك الراوي في الفن الذي أشرنا إليه فلا يحكم بأن روايته تعديل وهذا من أصناف ما يعد تعديلا ضمنا.
564- ومما يذكر في هذا القسم عمل الراوي بما رواه مع ظهور إسناده العمل إلى الرواية وقد قال قائلون: إنه تعديل وقال آخرون: ليس بتعديل.
[والذي أرى] فيه أنه إذا ظهر أن مستند فعله ما رواه ولم يكن ذلك من مسالك الاحتياط فإنه تعديل وإن كان ذلك في سبيل الاحتياط لم يقض بكونه تعديلا فإن المتحرج قد يتوقى الشبهات كما يتوقى الجليات وهذا ينعطف أيضا على الثقة واعتبارها.
وهذا نجاز الكلام في هذا الفن.
مسألة:
565- قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه إذا لم نجد معتصما مقطوعا به في العمل بخبر الواحد قطع برده وإن لم يظهر له قاطع ناص في الرد وبنى ذلك على أن معتمدنا في العمل بأخبار الاحاد قطعا إجماع من قبلنا فحيث لا نجد قاطعا لا نحكم بالعمل إذ لو حكمنا به لكنا بانين القطع بالعمل على غير قاطع وهذا لا سبيل إليه.
(1/238)

وهذا الذي ذكره وإن كان مخيلا فالذي أراه [أنه] يلتحق بالمجتهدات ويتعين على كل مجتهد فيه الجريان على حكم اجتهاده.
والدليل القاطع فيه أنا نعلم أنه كان يقع في عصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث يقبلها بعض ويتوقف عن قبولها اخرون ثم كان القابلون لها لا يعابون ولا يكثر النكير عليهم من الرادين وكانوا يجرون ذلك مجرى المجتهدات في مظان الاحتمالات فإذا [قطعنا] بوقوع ذلك منهم وإلحاقهم ذلك بمواقع التحري والتوخي فقد صادفنا قاطعا في وجوب العمل بالاجتهاد في مجال الظن وهذا بالغ حسن فإذا جرت أمثال من المجتهدات أحلناها على هذا القانون.
مسألة:
566- جرى رسم الأصوليين بعقد مسألة في فن من التعديل والجرح مشتملة على تعديل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما تمس الحاجة إليها في أصول الإمامة [ولكنها] قد تتعلق ببعض مسائل الشرع ففي الفقهاء من طرق مسالك الطعن والغمز إلى أقوام من مشاهير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة1 وابن عمر2 وغيرهما.
ونحن نذكر نكتا قاطعة يتخذها المرء وزره ومعتضدة إذا عارضه طعان يحاول مغمزا في [رواة] أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصحابة.
567- فمما نصدر القول به الآيات المشتملة على تقريظهم وإطرائهم وحسن الثناء عليهم كآية أهل البيعة بيعة الرضوان فإنه تعالى قال: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} 3 والآيات الواردة في المجاهدين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [كثيرة] واتفق المفسرون على أن قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 4 واردة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هم معدلون بنصوص الكتاب مزكون بتزكية الله تعالى [إياهم] .
__________
1 أبو هريرة هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي اليماني. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير الطيب, وعن أبي بكر وعمر, وآخرين. قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في عصره. وقال البخاري: روى عنه ثمانمائة نفس. مات سنة "58". له ترجمة في: أسد الغابة 6/318, وشذرات الذهب 1/63, والنجوم الزاهرة 1/151.
2 سبقت ترجمته.
3 آية "18" سورة الفتح.
4 آية "110" سورة آل عمران.
(1/239)

568- ومن أقوى ما يعتصم به على الجاحدين المعاندين سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يعرف أهل النفاق بأعيانهم لا يخفى عليه [مضمر] الشقاق بينهم وقد سماهم بأعينهم لصاحب سره ومؤتمنه حذيفة1 بن اليمان وكان عليه السلام يبجل أهل الإخلاص منهم وينزلهم منازلهم ويحل كلا على خطره في مجلسه وكانوا رضي الله عنهم معدلين بتعديله عليه السلام مزكين أبرارا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمدهم في نقل آثاره وأخباره ويسألهم عن أخبار غابت عنه وكانوا عنه ناقلين ومخبرين واشتهر ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم فكان ذلك مسلكا قاطعا في ثبوت عدالتهم بتعديل الرسول عليه السلام إياهم عملا وقولا.
569- ومما يتمسك به في أبي هريرة2 رضي الله عنه أن عمر مع تنزهه عن المداراة والمداجاة والمداهنة اعتمده وولاه في زمانه أعمالا جسيمة وخطوبا عظيمة وكان يتولى زمانا على الكوفة وكان يبلغه روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو لم يكن من أهل الرواية لما كان يقرره عمر3 رضي الله عنهما مع العلم بإكثاره.
وقد اجتمع السابقون على الرواية عن هؤلاء وكذلك الأئمة المعتبرون من أهل الحديث قال محمد4 بن إسماعيل البخاري روى عن أبي هريرة سبعمائة من أولاد المهاجرين والأنصار وأما ابن عمر فلا يتعرض للقدح فيه إلا جسور وقد زكاه جبريل عليه السلام إذ قال لرسول صلى الله عليه وسلم5: "نعم الرجل عبد الله".
فقد ثبت تعديلهم بنصوص الكتاب وسيرة الرسول عليه السلام واتفاق الصحابة والتابعين وأئمة الحديث رضي الله عنهم أجمعين ولا احتفال بعد ذلك بمطاعن النابغة الثائرين بعد انقراض الأئمة الماضين.
__________
1 حذيفة بن اليمان أبو عبد الله الأنصاري الأشهلي حليفهم, أسلم وأبوه وهاجروا, وشهد أحدا وكان الرفقاء النجباء, وأحد الفقهاء أهل الفتوى وصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتوى. مات سنة "36". له ترجمة في الرياض المستطابة "49-50".
2 سبقت ترجمته.
3 سبقت ترجمته.
4 محمد بن إسماعيل البخاري, الحافظ العلم, وصاحب الصحيح, وإمام أهل الحديث, والمعول على "صحيحه" في أقطار البلدان. مات سنة "256". له ترجمة في: البداية والنهاية 11/24, وتاريخ بغداد 2/4, ووفيات الأعيان 1/455, ومفتاح السعادة 2/130.
5 البخاري 2/61 و 69 و 5/31, ومسلم "1928 و 1929" والدارمي 2/146, والبيهقي 2/501, وابن سعد 4/1/108.
(1/240)

570- فأن قيل: ما تمسكتم به من تعديل الرسول عليه السلام إياهم وإكرامه لهم إن سلم لكم فإنه ليس متضمنا نصا بعصمتهم في مستقبل الزمان وقد أحدث بعضهم هنات واقتحموا موبقات يزول بأدناها نعت العدالة واستقامة الحالة وربما اندفعوا في أقاصيص وأحوال جرت في مثار الفتن ولو تتبعناها لطال المغزى والمرام وتعدى الكلام حد الاختصار.
فالوجه المحصل لغرضنا القاطع الشغب عنا أن نقول: لا يتعلق متعلق بشيء يبغى به طعنا إلا وينقدح مثله متطرقا إلى من يعدله الطاعن ويؤدي مساق إلى الطعن في جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل مسلك يفضي إلى تعميم الطعن في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود من سالكه فهذا وجه مقطوع به عظيم الوقع والخطر.
571- والذي يعضد ذلك أن من تعلق بشيء من المطاعن في معين من الصحابة فعورض بمثله فيمن يوافق على تعديله فسينتهض الطاعن لحمل ما عورض به على محامل في الجواز وتحسين الظن ويتجه أمثالها وأجلى منها فيمن ذكره وإذا تعارضت الأقوال على نحو واحد وعسر الجمع بينها والقضاء بها ولم يكن بعضها أولى من بعض فالوجه سقوطها والإضراب عنها والاستمساك بما تمهدت به عدالتهم من المسالك المتقدمة.
572- وإنما تعدينا طور الاقتصار قليلا لسؤال به اختتام الإشكال وفي جوابه تحقيق الانفصال وهو أن قائلا لو قال غايتكم حملكم ما نقل من هناتهم على وجوه ممكنه في الجواز ولستم قاطعين بها بل وافقتم الطاعنين على أنه لا يجب عصمة غير المرسل عليه السلام فإذا ترددت أحوالهم فليقتض ترددها [وقوفا] عن تعديلهم فإن التردد يناقض الحكم البات.
وسبيل الجواب عن هذا أن نقول هذا أولا نزول عن التصريح بالطعن ورضا بأن ينكف عن تعديلهم ففيه ظهور بطلان القطع بالطعن.
على أنا نقول: ما ذكرتموه مدفوع بالإجماع فإن الأمة مجمعة على أنه لا يسوغ الامتناع عن تعديل جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذكره هذا السائل يوجب التوقف في تعديل كل نفر من الذين لابسوا الفتن وخاضوا المحن ومتضمن هذا الانكفاف عن الرواية عنهم وهذا باطل من دين الأمة وإجماع العلماء فانتهض الإجماع على.
(1/241)

بطلان هذا [الطرف] حجة باتة على بناء الأمر على تحسين الظن وردهم إلى ما تمهد لهم من المآثر بالسبيل السابقة وهذا من نفائس الكلام.
ولعل السبب الذي أتاح الله الإجماع لأجله أن الصحابة هم نقلة الشريعة ولو ثبت توقف في رواياتهم لانحصرت الشريعة على عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما استرسلت على سائر الأعصار.
(1/242)

فصل: في المراسيل 1 والمسندات وذكر المذاهب فيها وإيضاح المختار منها.
573- نصدر هذا الفصل بذكر صور المرسلات ثم ننقل المقالات ونشير إلى عمدة كل فريق ونختتم الكلام بالمرتضي المختار عندنا.
فمن صور المراسيل أن يقول التابعي:2 قال رسول الله صلى الله عله وسلم فهذا إضافة إلى الرسول عليه السلام مع السكوت عن ذكر الناقل عنه3 وهذا يجري في الرواة بعضهم مع بعض في الأعصار المتأخرة عن عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإذا قال واحد من أهل عصر: قال فلان وما لقيه ولا سمى من أخبر عنه فهو ملتحق بما ذكرناه.
ومن الصور أن يقول الراوي: أخبرني رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن فلان الراوي من غير أن يسميه4.
ومن الصور أن يقول: أخبرني رجل عدل موثوق به رضا عن فلان أو عن
__________
1 المراسيل: جمع المرسل, وهو في اللغة مأخوذ من الإرسال بمعنى الإطلاق وعدم المنع, ومنه قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} [مريم:83] . أي سلطانهم عليهم ولم نمنعهم منهم ويقال أرسلت الطائر إذا أطلقته من غير تقييد فكان المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براو مخصوص معروف "الوسيط" ص "280".
2 سواء أكان كبير أم صغير والمراد بالتابعي الكبير كم لقي كثير من الصحابة وجالسهم وكانت جل روايته عنهم كسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عدي بن الخيار وقيس بن أبي حازم وأمثالهم والصغير: هو من لم يلق من الصحابة إلا اليسير أو لقي جماعة ولكن جل روايته عن التابعين كالزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبي حازم وأمثالهم.
3 كأن يقول سعيد بن المسيب: قال رسول الله عليه وسلم.
4 قال العراقي: والأكثرون على أنه متصل في سند مجهول.
(1/242)

رسول الله عليه السلام.
ومن صور المراسيل: إسناد الأخبار إلى كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما التحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب ولو ذكر من يعزو الخبر إلى الكتاب ناقله وحامله التحق الحديث [بالمسندات] فهذه صور المراسيل.
حكم العمل بالمراسيل وقبولها.
574- وأبو حنيفة1 قائل بجميعها قابل لها عامل بها والشافعي2 رضي الله عنهما لا يعمل بشيء منها ومتعلق أصحاب أبي حنيفة أن الراوي إذا كان في نفسه عدلا ثقة فروايته محمولة على وجه يقتضي القبول ولو عين من روى عنه وعدله وكان من أهل التعديل لقبل تعديله كما قبلت روايته فإذا أرسل الحديث جازما وأطلق الرواية باتة أشعر بنهاية الثقة.
575- وقال بعض أئمة الحديث إذا قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك أولى من ذكره معينا منهم فإنه لا يحكم بإثبات قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع السكوت عن ذكر من نقله إلا مع انتفاض قلبه عن الشبهات وطرق الريب وإذا ذكر معينا فكأنه لا يتقلد صحة الرواية وإنما يكل الأمر إلى الناظرين فيمن روى عنه.
576- ومما تمسك به القائلون بالمراسيل أن أخبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبولة وإن كان في بعضها إرسال لا سيما أخبار الذين كانوا صبية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وفرت حظوظهم من العلوم بعد انقلاب رسول الله إلى رحمه الله صلى الله عليه وسلم كابن عباس3 وابن الزبير4 وغيرهما رضي الله عنهم ثم كانت أخبارهم مقبولة في الصحابة والتابعين مع القطع بأن معظمها مراسيل ونحن نتتبع ذلك على ما ينبغي عند ذكرنا ما نختاره إن شاء الله تعالى.
577- وأما الشافعي رضي الله عنه فإن استدل على رد المراسيل بأن الراوي.
__________
1 سبقت ترجمته.
2 سبقت ترجمته.
3 سبقت ترجمته.
4 ابن الزبير هو: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبو بكر. كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من قريش. حضر واقعة اليرموك وشهد خطبة عمر بالجابية وبويع له بالخلافة له عقيب موت يزيد سنة "64" وقيل: "65". له ترجمة في: تهذيب التهذيب 5/187-373.
(1/243)

إذا لم يذكر من روى له فهو مجهول في حقوقنا وقبول خبر من نجهله ولا نعرفه مستجمعا للصفات المرعية لا وجه له وربما علم الراوي تعديل من روى الحديث ولو ذكره لغيره لعرف المخبر عنه ما لم يعرفه فإذا الإضراب عن ذكر الراوي يخرم الثقة ويطرق إلى القلوب التردد فإذا سمى الراوي من حدثه وعدله وطرد الناظرون الجرح إن وجدوه واستمر الزمن ولم يعثر على [سبب] جارح فيحصل به الثقة وإذا لم يسم المروى عنه فليست العدالة مقطوعا بها لأن معتمدها أمور ظاهرة وأسباب الجرح أخفى منها والتعديل على الإبهام مع تركه تسمية المعدل لا يتضمن الثقة في حق غير المعدل هذا معتمد الشافعي ويقوى كلامه جدا في بعض الصور كما سننبه عليه إن شاء الله تعالى.
578- وما اعتمده أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه أولا يعارض هذا المسلك فيوهنه.
وما ذكروه من أمر الصحابة رضي الله عنهم وإرسالهم الحديث فقد قال القاضي منتصرا للشافعي: ثبوت الاحتجاج بما أطلقه أحداث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروايات مع ترددها بين الإسناد والإرسال لا يثبت الاحتجاج بما تحقق الإرسال فيه إلا من جهة القياس والأقيسة الظنية المعنوية منها والشبهية يقتضي ما يصح منها على السبر العمل ولا يسوغ استعمالها في القطعيات في النفى والإثبات.
حاصل التمسك بذلك اعتبار ما تحقق فيه الإرسال بما تعارض فيه احتمال الإسناد والإرسال فقد بطل على ما زعم هذا المسلك.
579- فإذا وضح اعتبار ما تمسك به النفاة والمثبتون فقد جاز أن نوضح المختار قائلين: وقد ثبت أن المعتمد في الأخبار ظهور الثقة في الظن الغالب فإن انخرمت اقتضى انخرامها التوقف في القبول وهذا الأصل مستندة الإجماع الذي ثبت نقله من طريق المعنى استفاضة وتواترا فإذا سبرنا ما ردوه وما قبلوه يحصل لنا من طريق السبر أنهم لم يرعوا صفات تعبدية كالعدد والحرية وإنما اعتمدوا الثقة المحضة [فلتعتبر هذه قاعدة في الباب] .
ومساقها يقتضي رد بعض وجوه الإرسال وقبول بعضها فإذا قال الراوي سمعت رجلا يقول: قال فلان فليس في هذا المسلك من الرواية ما يقتضي الثقة فالوجه القطع بردها وإن قال سمعت رجلا موثوقا به عدلا رضا يقول سمعت.
(1/244)

فلانا وكان الراوي من يقبل تعديله لعدالته واستقامة حالته وعلمه بالجرح والتعديل ودرايته فهذا يورث الثقة لا محالة.
580- وليست الثقة على قضية واحدة بل هي على أنحاء ولها مبتدأ ومنتهى ووسائط بينهما ويبعد أن يشترط في الراوي أن يعرفه كل من يبلغه خبر مسند حتى يسنده إليه وإذا استحال اشتراط هذا لزم على الاضطرار تعديل حال من يلتزم موجب الإخبار على تعديل الأئمة المشهورين وعرفانهم فإذا قال أخبرني الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة أو من لا أتمارى فيه خيرا ونبلا فقد أفضى ذلك إلى المطلب المقصود في الثقة وكذلك إذا قال الإمام الراوي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا بالغ في ثقته بمن روى له فليطرد الطارد ما ذكرناه طردا وعكسا في صور الإرسال وليحكم في رده وقبوله بموجب الثقة.
581- ثم مخالفة الشافعي في أصول الفقه شديدة وهو ابن بجدتها وملازم أرومتها ولكني رأيت في كلام الشافعي ما يوافق مسلكي هذا وتقر به الأعين.
قال رحمه الله: مرسلات ابن المسيب1 حسنة وشبب بقولها والعمل بها وقال في كتاب الرسالة العدل الموثوق به إذا أرسل وعمل بمرسله العاملون قبلته.
وقد تعرض القاضي لتفصح كلام الشافعي في هذا الفصل فقال قوله مراسيل ابن المسيب حسنة لست أدري ما الذي يحسنها؟ وقد بلغت عن هذا الحبر أنه قال في بعض مجموعاته تتبعت مراسيل سعيد فألفيت معظمها مسندا من غير طريقه.
وهذا فيه نظر فإن التمسك بإسناد من أسند وعليه إحالة العمل والقبول لا على المراسيل فأما العمل إن لم يكن على وفاق فلا وقع له وإن كان على وفاق فالتمسك [بالإجماع] فهذا معترضه على الشافعي.
582- والذي لاح لي أن الشافعي ليس يرد المراسيل ولكن يبغي فيها مزيد تأكيد بما يغلب على الظن من جهة أن الإرسال على حال يجر ضربا من الجهالة في المسكوت عنه فرأى الشافعي [أن يؤكد الثقة] فليثق الناظر بهذا المسلك الذي ذكرته فعلى الخبير سقط وقد عثرت من كلام الشافعي على أنه إن لم يجد إلا المراسيل مع
__________
1 ابن المسيب هو: سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي أبو محمد. قال قتادة: ما رأيت أحد قط أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب. مات سنة "94" وقيل: "93" له ترجمته في: تذكرة الحفاظ 1/54, والعبر 1/110, والنجوم الزاهرة 1/228.
(1/245)

الاقتران بالتعديل على الإجمال فإنه يعمل به فكأن إضرابه [عن] المراسيل في حكم تقديم المسانيد عليها وهذا إذا اقترن المرسل بما يقتضي الثقة وهذا منتهى القول في ذلك والله أعلم.
583- وقد سمى الأستاذ أبو بكر بن فورك رحمه الله قول التابعي قال رسول الله عليه السلام وقول تابع التابعي: قال الصحابي - منقطعا وسمى ذكر الواسطة على الإجمال مرسلا مثل أن يقول التابعي قال رجل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي كلام الشافعي إشارة إلى هذا وليس ذلك متعلقا بفرق معنوي وإنما هو ذكر ألقاب في الباب ذكرناها حتى يطلع الناظر عليها إذا وجدها في كلام الأئمة والقول في الرد والقبول على ما تفصل وتحصل.
(1/246)

فصل: في تحمل الرواية وجهة تلقيها ومن يصح منه تحملها.
584- فنقول: إذا روى الشيخ الذي منه التلقي شفاها ونطق بما سمعه لفظا ووعاه السامع وحواه فهذا هو التحمل والتحميل.
585- ولو كان الحديث يقرأ والشيخ يسمع نظر: فإن كان يحيط بما يحرفه القارئ ولو فرض منه تصريف وتحريف لرده فسكوته والأخبار التي تقرأ بمثابة نطقه والحديث يستند بذلك فإن قيل: هذا تنزيل منكم للسكوت منزلة القول وهذا من خصائص من يجب له العصمة قلنا: إخباره تصريحا ونطقا كان تحميلا للرواية من جهة أنه أفهم بما أسمع السامع من عباراته.
فإذا كان الحديث يقرأ وهو يقرر ولا يأبى مع استمرار العادات في أمثال ذلك فهذا على الضرورة حال محل التصريح بتصديق القارئ ومن لم يفهم من.
هذه القرائن ما ذكرناه فلا يفهم أيضا من الإخبار النطقي.
وأما ما ذكره السائل من أن السكوت [إنما ينزل منزلة التقرير ممن يجب عصمته فيقال: السكوت مع القرائن التي وصفناها] ينزل منزلة النطق ثم النطق ممن لا يعصم عرضة للزلل أيضا ولكنا تعبدنا بالعمل بظواهر الظنون مع العلم بتعرض النقلة لإمكان الزلل وتعمد الخلف والكذب ثم ما ذكرناه يتأيد بإجماع أهل الصناعة فما زالوا يكتفون بما وصفناه في تلقى الأحاديث من المشايخ وهذا إذا كان الشيخ يدري ما يجري.
(1/246)

ويلتحق بهذا القسم أن يكون عنده للأحاديث التي تقرأ عليه نسخة مهذبة وكان ينظر فيها فهذا ثبت يكتفي [بمثله] ولا يشترط استقلال الشيخ بحفظ الأحاديث عن ظهر قلبه.
586- وإذا كان لا يحيط بها وكان لا ينظر في نسخة يعتمدها ولو فرض التدليس عليه لما شعر فإذا قرئ عليه على هذه الصفة شيء من مسموعاته فهذا باطل قطعا فإن التحمل مرتب على التحميل فإذا لم يحمل الشيخ السامع الرواية فكيف يحملها وأي فرق بين شيخ يسمع أصواتا وأجراسا لا يأمن تدليسا والتباسا وبين شيخ لا يسمع ما يقرأ عليه؟ والغرض المطلوب الفهم والإفهام.
وتردد جواب القاضي فيه إذا كانت النسخة بيد غير الشيخ وكانت الأحاديث تقرأ وذلك الناظر عدل مؤتمن لا يألو جهدا في التأمل وصغوه [الأظهر] إلى أن ذلك لا يصح فإن الشيخ ليس على دراية فيه فلم ينهض مفهما محملا فلئن جاز الاكتفاء بنظر الغير فينبغي أن يجوز الاكتفاء بقراءة القارىء المعتمد من النسخة المصححة فهذا ما يتعلق بالتحمل وفيه بيان الغرض من التحميل.
587- ثم المرعى في صفة [المتحمل] الاستمكان من الفهم والتحمل والمعتبر في صفته هو المعتبر في صفة متحمل الشهادة ثم إذا نجزت النوبة والشيخ على خبرة مما يجرى فلا حاجة أن يقول الشيخ للقارئ: كما قرأت أو أصبت أو ما جرى هذا المجرى من الألفاظ وقد اشترط بعض المحدثين ذلك فإن كان هذا مذكورا للتأكيد والاستقصاء فالأمر فيه قريب وإن ذكر هؤلاء ذلك شرطا في صحة التحمل [والتحميل] فهو ساقط عند قرائن الأحوال كما تقدم وصفها حالة محل التصريح بالقول قطعا والتعويل على وقوع الإفهام والفهم وتحقق الإحاطة والعلم ووضوح ذلك يغنى الناظر عن مزيد البيان.
مسألة:
588- إذا قال الشيخ المتلقى عنه: أجزتك أن تروى عني ما صح عندك من مسموعاتي أو عين كتابا وأجاز له الرواية عنه فقد تردد الأصوليون في ذلك.
فذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم ولا يسوغ التعويل عليها عملا ورواية.
(1/247)

589- والذي نختاره جواز التعويل عليها فإن المعتمد في الباب الثقة فإذا تحقق سماع الشيخ وذكر المتلقى منه سماعه وسوغ له إسناد مسموعاته إلى إخباره فلا فرق بين أن يعلق الإخبار بها جملة وبين أن يعلقه تفصيلا وقد تمهد بما تقدم أن إفصاحه بالنطق ليس شرطا فإن الغرض حصول الإفهام وترتب الفهم عليه وهذا يحصل بالإجازة المفهمة.
ثم هي على مراتب:
أعلاها: الإشارة إلى كتاب وربطه إجازة الرواية مع الإخبار عن صحة السماع فيه وقد يؤكد بعض المحدثين هذا القسم بالمناولة وهي أن يناول الشيخ المتلقى عنه كتابا ويقول: دونكه فاروه عني ولست أرى في المناولة مزيد تأكيد.
فإذا فوض المجيز إلى المتلقى تصحيح المسموعات ولم ينص عليها فهذه إجازة مترتبة على عماية والأمر في تصحيحها موكول إلى صحة بحث الراوي عن ثبوت سماع الشيخ مع انتفاض الشيخ عن التحريفات وهذا يعسر دركه ويتطرق إليه جهات من الجهالات تنخرم الثقة بأدناها.
فإن كان المتلقى معولا على خطوط مشتملة على سماع الشيخ فلست أرى ذلك مقنعا.
وإن تحقق ظهور سماع موثوق به فإذ ذاك وهيهات.
590- ومما يتعلق بتتميم الكلام في هذا أن الذي مستندة الإجازة يعمل بما يتلقاه ويعمل غيره بما رواه على هذه الجهة ولكن [اللائق به أن يذكر جهة] تلقيه الإجازة فإن ذلك أدفع للبس وأرفع للريب فإن قال: "حدثني" فلان أو أخبرني مطلقا فلست أرى ذلك خلفا محضا لتحقق الثقة وقد تقدم أن نفس لفظ الشيخ ليس شرطا وليس قوله حدثني في الإجازة عبارة مرضية لائقة بالتحفظ والتصون فالوجه البوح بالإجازة.
وللمحدثين مواضعات يرتبونها ويقولون في بعضها: أخبرني وفي بعضها: حدثني وليست على حقائق وليسوا ممنوعين من اصطلاحهم ولكل طائفة في الفن الذي تعاطوه عبارات مصطلحة.
(1/248)

مسألة:
591- إذا وجد الناظر حديثا مسندا في كتاب مصحح ولم يسترب في ثبوته [واستبان] انتفاء اللبس والريب عنه ولم يسمع الكتاب من شيخ فهذا رجل لا يروى ما رآه.
592- ولكن الذي أراه أنه يتعين عليه العمل به ولا يتوقف وجوب العمل على المجتهدين بموجبات الأخبار على أن تنتظم لهم الأسانيد في جميعها.
والمعتمد في ذلك أن روجعنا فيه [الثقة] والشاهد له أن الذين كانوا يرد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أيدي نقلة ثقات كان يتعين عليهم الانتهاء إليها والعمل بموجبها ومن بلغه ذلك الكتاب ولم يكن مخاطبا بمضمونه ولم يسمع من مسمع كان كالذين قصدوا بمضمون الكتاب ومقصود الخطاب.
ولو قال هذا الرجل: رأيت في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري ووثقت باشتمال الكتاب عليه فعلى الذي سمعه يذكر ذلك أن يثق به ويلحقه بما تلقاه بنفسه ورآه ورواه من الشيخ المسمع.
ولو عرض ما ذكرناه على جملة المحدثين لأبوه فإن فيه سقوط [منصب] الرواية عند ظهور الثقة وصحة الراوية وهم عصبة لا مبالاة بهم في حقائق الأصول.
593- وإذا نظر الناظر في تفاصيل هذه المسائل صادفها خارجة في الرد والقبول على ظهور الثقة وانخرامها وهذا هو المعتمد الأصولي فإذا صادفناه لزمناه وتركنا وراءه المحدثين ينقطعون في وضع ألقاب وترتيب أبواب.
مسألة:
594- إذا قال الصحابي: من السنة كذا1 فقد تردد فيه العلماء فذهب ذاهبون
__________
1 كقول أبي قلابة عن أنس: "من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعا" أخرجه الشيخان. قال أبو قلابة: لو لقلت إن أنسا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أي: لو قلت لم أكذب لأن قول: "من السنة كذا" هذا معناه لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى. "الوسيط" ص "209-210". وقد روى البخاري في "صحيحه" في حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: "إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة". قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته. فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم. "تدريب الراوي" 1/189.
(1/249)

إلى أن قوله: هذا محمول على النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا فإن السنة إذا أطلقت تشعر بحديث الرسول عليه السلام.
وأبي المحققون هذا فإن السنة هي الطريقة وهي مأخوذة من السنن والاستنان فلا يمتنع أن يحمل ما قاله على الفتوى وكل مفت ينسب فتواه إلى شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مستند الفتوى قد يكون نقلا وقد يكون استنباطا واجتهادا فالحكم بالرواية مع التردد لا أصل له.
وكذلك إذا قال: أمرنا بكذا1 فهو بمثابة قوله: من السنة كذا فهذا منتهى القول في التحميل والتحمل ويلتحق الآن بذلك مسائل.
مسألة:
595- إذا نقل الراوي العدل خبرا من شيخ فروجع الشيخ فيه فأنكره.
فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين: أن ذلك يوهى الحديث ويمنع العمل به.
وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به.
وذكر القاضي في ذلك تفصيلا ونزل مطلق كلام الشافعي - رحمه الله - عليه فقال: إن قال الشيخ المرجوع إليه: كذب فلان الراوي عني أو قال: غلط وما رويت له قط ما ذكر فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية2 فإن ردد الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه ولكنه قال لست أذكر هذه الرواية فهذا لا يتضمن ردا رواية إذا كان الراوي عن الشيخ موثوقا به.
596- فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم احتجوا بالشهادة على الشهادة فإن الفروع وإن كانوا عدولا إذا شهدوا ولم يمض القاضي قضاءه بشهادتهم حتى
__________
1 كقول أم عطية: "أمرنا أن لا نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين". أخرجه الشيخان. قال ابن صلاح: لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي ومن يجب اتباع سنته وهو رسولا لله عليه وسلم. "تدريب الراوي" 1/188.
2 لكن لا يقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه ولا يثبت به جرحه لأنه أيضا مكذب لشيخه في نفيه لذلك وليس قبول جرح كل منهما أولى من الآخر فتساقطا فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث فرع آخر ثقة ولم يكذبه فهو مقبول. صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما. "تدريب الراوي" 1/334.
(1/250)

روجع الأصول فتوقفوا في أصل الشهادة اقتضى ذلك أبطال شهادة الفروع وامتنع أيضا التمسك بها والفروع في حكم الناقل عن الأصل شهادته وربما أطلقوا استدلالا وقالوا قد ذكرتم أن التعويل على ظهور الثقة ولا شك أن التردد من الشيخ أو تصريحه بالرد على الراوي عنه يوهى الثقة ويخرمها ويتضمن التوقف.
597- وقال الشافعي: أما الشهادة فلا يجوز اعتبار الرواية بها لا فيها من التعبدات التي لا يعتبر شيء منها في الروايات فإذا أمكن حمل ما ذكروه في الشهادة على وجه في التعبد فلا يسوغ اعتبار الرواية بها وإن اتجه للخصم تقدير انخرام الثقة استغنى باتجاه ذلك عن القياس على الشهادة ثم قال الشافعي رحمه الله الذي يؤكد سقوط اعتبار الرواية بالشهادة أنه لا يجوز اعتماد شهادة الفروع مع إمكان مراجعة الأصول ويجوز اعتماد رواية الثقة من غير مراجعة لشيخه فيها فوضح بذلك افتراق البابين في غر ما دفعنا إليه ولو شبب مشبب بوجوب مراجعة الشيخ في الرواية عند الإمكان لم يترك [ورأيه] ورد عليه بقاطع لا استرابة فيه وهو أنا نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم كان يروى بعضهم لبعض أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتلقونها بالقبول ولا يلتزمون على الطرد مراجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الإمكان وكذلك القول في رواية بعضهم عن البعض وهذا الذي ذكره الشافعي تأكيد متغنى عنه والتعويل على ما ذكرناه من حمل أمر الشهادة على التعبد وإمكان ذلك كاف في إبطال الاستدلال به و [أما] ما ذكروه من ادعاء وهاء الثقة فباطل لا أصل له والقول فيه عندنا يحققه التفصيل الذي أشار إليه القاضي.
598- فإن قال الشيخ: لست أذكر هذه الرواية والراوي عنه قاطع بروايته مع ظهور عدالته واستقامة حالته فالوجه حمل تردد الشيخ على الذهول والنسيان ولا يوهن قطع الذاكر تردد غيره فالثقة إذا لم تسقط ولا تنحزم انخراما يسقط الاعتبار بالرواية ولكن لو فرض تصديق الشيخ الراوي لدى المراجعة لكان ذلك أظهر في الثقة وأوضح في اقتضاء الاعتماد ونهاية الثقة ليست شرطا في أصل القبول وإنما يؤثر تفاوت الدرجات فيها في الترجيحات على ما سيأتي في كتابها وهذا بمثابة إضافة رواية رجل عدل إلى رواية إمام الدهر وموثوق العصر ومن إليه الرجوع في الأمر فلا شك أن رواية العدل تنحط عن مثل هذا الشخص برتب ظاهرة ولا يوجب ذلك رد رواية العدل بل يتعين حملها على القبول.
وقد قال الشافعي: لو روى عدل خبرا في أثناء خصومة وكان فحواها حجة.
(1/251)

على الخصم فالرواية مقبولة ولا تجعل للتهمة موضعا إذا كان الراوي عدلا وكذلك إذا وقعت الرواية جارة منفعة إلى الراوي أو إلى [والده أو] ولده فلا ترد الرواية مع ظهور عدالة الراوي وإن كانت الشهادة مردودة في أمثال ذلك فإذا لا يعارض تردد من شيخ قطعا من راو عدل معارضة تحبط الثقة المعتبرة.
599- وهذا إذا لم يصرح الشيخ بالرد فأما إذا كذبه أو قطع بنسيته إلى الغلط فقد يظهر انخرام الثقة في هذه الحالة وادعى القاضي على الشافعي أنه قال ترد الرواية في مثل هذه الصورة.
والذي أختاره فيها أن نزل قول الشيخ القاطع بتكذيب الراوي عنه مع [رواية الثقة العدل عنه منزلة] خبرين متعارضين على التناقض فإذا اتفق ذلك فقد يقتضي الحال سقوط الاحتجاج بالروايتين وقد يقتضي ترجيح رواية على رواية بمزيد العدالة في إحدى الروايتين أو غير ذلك من وجوه الترجيح فلا فرق بين ذلك وبين تعارض قولين من شيخ وراو عنه.
(1/252)

فصل: في كيفية الرواية وتفصيلها وما يقبل منها وما يرد.
مسألة:
600- ما ذهب إليه معظم الأصوليين أن رواية الخبر على المعنى من غير اعتناء باللفظ جائزة إذا كان الراوي المترجم عنه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه وامتنع من ذلك معظم المحدثين وشرذمة من الأصوليين.
601- والدليل على الجواز مع القطع وانتفاء الريب أمور:.
منها أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينقلون معنى واحدا في قصة واحدة بألفاظ مختلفة ولا محمل لذلك إلا اعتناؤهم بنقل المعنى وها قاطع في فنه ومما تواتر عنهم في ذلك أنهم كانوا يرددون العبارات في محاولة إفهام من لا يفهم وهذا بعينه تعرض للمعنى ومما يشهد له في ذلك أن الرسول عليه السلام كان يحمل رسله تبليغ أوامره ونواهيه ولا يكلفهم حفظ ألفاظه ومن جحد ذلك فهو مباهت فكان أصحابه رضي الله عنهم يصرفون عنايتهم إلى الألفاظ التي يفهمون أنهم متعبدون بتحفظها كألفاظ التشهد وغيرها وكانوا لا يجرون جميع ما يسمعون من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المجرى.
والذي يحقق ذلك أنا على قطع نعلم أن الرسول عليه السلام كان يقصد أن.
(1/252)

تمتثل أوامره وكان لا يبغى من ألفاظه غير ذلك.
والذي يوضح ما قدمناه أنه عليه السلام كان مبتعثا إلى العرب والعجم ولا يتأتى إيصال معنى أوامره إلى معظم خليقة الله سبحانه وتعالى إلا بالترجمة ومن أحاط بمواقع الكلام عرف أن إحلال الألفاظ من ثقة محل الألفاظ أقرب إلى الاقتصاد من نقل المعاني من لغة إلى لغة.
فإن استدل من منع ذلك بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال1: "نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها", قلنا: هذا أولا من أخبار الاحاد ونحن نحاول الخوض في مخاض القطعيات وقد قال بعض المحققين من أدَّى المعنى على وجهه فقد وعى وأدى والتأويل الصحيح لو رمنا الكلام على الحديث أنه صلى الله عليه وسلم أراد بذلك من لا يستقل بفهم المعنى على القطع وتتميم الحديث شاهد فيه فإنه عليه لسلام قال في آخره: "فرب حامل فقه غير فقيه [ورب] حامل فقه إلى من هو أفقه منه", فيشهد مساق الكلام على أن ما قاله فيه إذا كان يتوقع من الناقل زللا ولو ترجم.
مسألة:
602- من سمع حديثا مشتملا على أحكام فهل له أن ينقل بعضها دون بعض بقدر مسيس الحاجة ولا يسوق الحديث على وجهه؟ اختلف العلماء في ذلك فمنع بعضهم الاقتصار على بعض الحديث وهذا قريب من التزام نقل اللفظ على وجهه وأجاز ذلك اخرون.
603- والمرضى [عندنا] التفصيل فإن كان ما سكت الراوي عنه حكما يتميز عما نقله ولم يكن للمسكوت عنه تعلق بالمنقول وكان لا يختل البيان في المروى بترك بعض الحديث فيجوز تخصيص البعض بالنقل على هذا الشرط وإن كان يختل البيان في القدر المنقول بسبب ترك المسكوت عنه فهذا إخلال في النقل ممتنع.
604- وقد تردد كلام الشافعي على خبرين ونحن نذكر سياق كلامه فيهما وبه يتم غرض المسألة قال الشافعي رحمه الله: نقل بعض النقلة عن ابن مسعود2:
__________
1 الترمذي "2658", وابن ماجه "230, 231, 236, 3056", وأحمد 4/80, والطبراني 17/49.
2 ابن مسعود هو: عبد الله بن مسعود بن غافلة الهذلي نسبا الزهري حلفا الكوفي موثلا. كان من أهل السوابق, وكان سادسا أو في الإسلام, هاجر قديما إلى الحبشة, وشهد المشاهد كلها مات سنة "32" أو "33" له ترجمة في: أسد الغابة 3/384, والإصابة 2/360, وشذرات الذهب 1/38, والنجوم الزاهرة 1/89.
(1/253)

أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة ليستنجي بها فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الروثة [وقال: "إنها رجس" 1 وروى بعض الرواة أنه رمى بالروثة] ثم قال ابغ لي ثالثا والسكون عن ذكر الثالث ليس يخل بنقل الرواية وبيان [أنها] رجس ولكن قد يوهم النقل على هذا الوجه جواز الاكتفاء بحجرين فلا يجوز مع هذا الإيهام الاقتصار على بعض الحديث ويحمل رواية المقتصر على أنه لم يبلغه غير ما رواه.
- 605والذي أختاره في هذا المسلك أن الراوي إن قصد إثبات منع استعمال الروث ونقل ما يدل على ذلك من رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الروثة وحكمه بأنها نجسة فهذا سائغ غير بعيد وإن لم يعلق روايته بقصده منع استعمال الروثة ولكنه استفتح الرواية غير متعلقة بغرض معين فلا يسوغ الاقتصار على ذكر رمى الروثة فإن ذلك يوهم جواز الاكتفاء بحجرين كما ذكر الشافعي [فهذا أحد الخبرين] .
606- والخبر الثاني في هذا القبيل: حديث ماعز2 في الرجم في مقابلة ما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال3: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
قال الشافعي رحمه الله: هذا منسوخ بحديث ماعز فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر برجمه ولم ينقل أنه جلده ثم استوفى الشافعي الكلام في صيغة الأجوبة عن أسئلة وجهها على ما نسوقها على وجهها قال فإن قيل لعله جلده ورجمه قيل له كانت قصة مشهورة من مشاهير القصص ولو جلد لنقل.
فإن قيل: رب تفصيل في القصة لا يتفق نقله ودواعي النفوس إنما تتوفر على نقل كليات الأقاصيص وقد صح في الحديث المقدم التصريح بالجلد فلا يعارضه التعلق بعدم النقل في حديث مع اتجاه وجه ترك النقل فيه.
__________
1 البخاري في: الوضوء "21", والترمذي في: الطهارة "13"وابن ماجه في: الطهارة"16", وأحمد 1/388 و 418 و 427 و 450 و 465.
2 ماعز هو: "ابن مالك الأسلمي. قال ابن حبان: له صحبة, وهو الذي رجم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, ثبت ذكره في "الصحيحين" وغيرهما له ترجمة في: الإصابة 3/337/7587.
3 مسلم في الحدود "12-14", وأبو داود في: الحدود "23", والترمذي في: الحدود "8",وابن ماجه في: الحدود "7", والدارمي في: الحدود "19", وأحمد 3/476 و 5/313 و 317 و 318 و 320 و 321 و 327.
(1/254)

قال الشافعي مجيبا: الأمر كذلك والحق أحق أن يتبع ولولا أن أبا الزبير1 روى عن جابر:2 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا ولم يجلده3 لكنا [لا] نعارض الحديث الأول بقصة ماعز.
607- قال القاضي: ما ذكره الشافعي يتأكد بالإجماع على ترك الجلد وليس ما ذكره القاضي مسلما ففي السلف من يجمع بين الجلد والرجم ولولا ذلك لما اعتني الشافعي بالكلام على الحديث ثم قال القاضي: وما أرى الحديث الأول إلا هفوة فإن من يقتل الأحجار أي معنى لجلده مائة وهو يدق بالأحجار إلى الموت؟ فلعل الراوي سمع الجلد في البكر فاطرد على ذكره في الثيب ولا نهاية لمواقع إمكان الغلطات في الروايات.
وهذا الذي ذكره القاضي لا يسوغ التعلق بمثله في رد روايات الثقات ولكن تقوى به مسالك التأويل وتظهر غلبات الظنون وهذا منتهى القول في ذلك.
مسألة:
608- إذا روى طائفة من الأثبات قصة وانفرد واحد منهم بنقل زيادة فيها فالزيادة من الراوي الموثوق به مقبولة عند الشافعي وكافة المحققين ومنع أبو حنيفة التعلق بها.
واستدل الشافعي بأن انفراد بعض الناقلين بالاطلاع على مزيد ليس بدعا والناقل قاطع بالنقل فلا يعارض قطعه ذهول غيره وإذا ظهرت عدالة الراوي ولم يعارض نقله نقل يعارضه فلا يسوغ [اتهام] مثبت في نقله لعدم نقل غيره والدليل عليه أنه لو شهد جمع مجلس الرسول عليه السلام فنقل بعضهم حديثا ولم ينقل غيره من الحاضرين شيئا منه فهو مقبول ولا يسوغ تقدير الخلاف فيه فإن معظم الأحاديث التي نقلها الاحاد والأفراد عزوها إلى مشاهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالسه بين
__________
1 أبو الزبير هو: محمد بن مسلم الأسدي المكي. روى عن جابر والعبادلة الربعة قال أحمد: هو أحب إلي من سفيان لأنه أعلم بالحديث منه. مات سنة "126". له ترجمة في: تهذيب التهذيب 9/390-393/729.
2 جابر هو: ابن عبد الله بن حزم بن حرام بن سعد الأنصاري الخزرجي السلمي غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم, ولم يشهد بدرا ولا أحدا, وكان هو وأبوه وخاله من أصحاب العقبة. مات سنة "73". له ترجمة في: أسد الغابة 1/307, والإصابة 1/214, والنجوم الزاهرة 1/198.
3 سبق تخريجه.
(1/255)

أصحابه كان [كذلك] ولو شرط نقل كل من شهد لرد معظم الأحاديث.
والذي يعضد ما ذكرناه أن [الشهادات] تبر في وجوه من التعبدات على الراويات وهي تضاهيها في أصل اعتبار الثقة ثم لو شهد جمع من العدول رجلا وشهدوا على إقراره لإنسان وانفرد عدلان من الشهود الحضور بمزيد في شهادتهما فهي مقبولة ولا يقدح فيها سكوت الباقين عنها فإذا كان ذلك لا يقدح في الشهادات مع أنها قد ترد بالتهم فالروايات بذلك أولى وليس ما ذكرناه من فن القياس ولكنا أوردنا ما أوردناه استشهادا في تحقيق الثقة.
609- قال الشافعي: من متناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في [القرآن] وبين رد الزيادة التي ينفرد بعض الرواة الثقات مع العلم بأن سبيل إثبات القرآن أن ينقل استفاضة وتواترا فما كان أصله كذلك إذا قبلت الزيادة فيه شاذة نادرة فلأن تقبل فيما سبيل نقله الاحاد كان أولى.
610- وهذه المسألة عندي بينة إذا سكت الحاضرون عن نقل ما تفرد به بعضهم فأما إذا صرحوا بنفى ما نقله عند إمكان إطلاعهم على نقله فهذا يعارض قول المثبت ويوهيه وقد أرى قبول الشهادة على النفي إن فرض الاطلاع عليه تحقيقا.
مسألة.
611- كل أمر خطير ذي1 بال يقتضي العرف نقله إذا وقع تواترا إذا نقله آحاد فهم يكذبون فيه منسوبون إلى تعمد الكذب أو الزلل وقد أجرينا هذا في أدراج أحكام التواتر ووجهنا أسئلة مخيلة وانفصلنا عنها.
وقال أبو حنيفة بانيا على هذا: لا يقبل خبر الواحد فيما يعم2 به البلوي فإن سبيل ما كان كذلك أن ينقل استفاضة.
612- ونحن نقول: رد أبو حنيفة أخبار الاحاد في تفاصيل ما يعم به البلوي وأسند مذهبه إلى ذلك وهذا زلل بين فإن التفاصيل لا تتوافر الدواعي بها على نقلها توافرها على الكليات فنقل الصلوات الخمس مما يتواتر فأما تفصيلها في الكيفية فلا يقضي العرف بالاستفاضة والدليل القاطع فيه أنه لو كان مما يتواتر لنقل
__________
1 ذب بال: حال يهتم به شرعا.
2 يعم به البلوى: يتكرر ويكثر وقوعه بين الناس فيحتاج الكثير منهم إلى معرفة حكمه.
(1/256)

تواترا فإذا لم ينقل نقيضه مع القطع بأنه لا بد من وقوع أحدهما [دل] على أن ما ورد خبر الاحاد فيهمن قبيل ما لا يجب التواتر فيه على حكم الاعتياد.
وتمام البيان فيه أنا إنما نكذب المنفرد بالنقل في كلى متواتر قطعا لو وقع أو في تفصيل يقضي العرف التواتر فيه ثم لا بد أن يتواتر نقيض ما نقله المنفرد بنقله.
مسألة.
613- ظاهر مذهب الشافعي أن القراءة الشاذة التي لم تنقل تواترا لا يسوغ الاحتجاج بها ولا تنزل منزلة الخبر الذي ينقله آحاد من الثقات ولهذا نفى التتابع واشتراطه في صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين ولم ير الاحتجاج بما نقله الناقلون من قراءة ابن مسعود في قول الله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} 1 متتابعات.
وشرط أبو حنيفة التتابع وتعلق بهذه القراءة ولا يكاد يخفى أولا على ذي بصيرة أن العمل بزيادة في القرآن بنقل الاحاد يناقض رد ما ينفرد به بعض الثقات من الزيادات في الأخبار التي لا تقتضي العادة نقلها متواترا.
614- والذي يحقق سقوط الاحتجاج بالقراءة الشاذة أمران أحدهما أن القرآن قاعدة الإسلام وقطب الشريعة وإليه رجوع جميع الأصول ولا أمر في الدين أعظم منه وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه لا سيما من الأمور الدينية فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر إلى نقل الاحاد ما دامت الدواعي متوفرة والنفوس إلى ضبط الدين متشوفة وهذا يستند إلى ما سبق تمهيده فيما يقتضي تواتر الأخبار فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان2 بن عفان رضي الله عنه على ما بين الدفتين واطرحوا ما عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم وابن مسعود لما شبب بنكر ناله من خليفة الله تعالى أدب بين ولم ينكر على عثمان في ذلك منكر وكل زيادة لا تحويها الأم ولا تشمل عليها الدفتان فهي غير معدودة في القرآن.
__________
1 آية "89" سورة المائدة.
2 سبقت ترجمته.
(1/257)

615- وأما ما يتعلق باختلاف القراءة في إعراب القرآن فليس مما يحوي المصحف المجمع عليه مخالفة له فإنه لم يثبت في المجموع في الأم قطع في التعرض لذلك فكان الأمر فيه محالا على نقل القراءة تواترا فإن خالج قلب من لم يعن بحفظ القرآن ريب في تواترها فذلك لأنه ليس من القراء والمرعى في التواتر ما يتلقى من أهل ذلك الشأن والتواتر ينقسم منه ما يعم الكافة لاشتراكهم في سببه كنقل الدول والبلدان ومنه ما يختص به طوائف وفرق لاختصاصهم بالاعتناء به.
616- ولا ينبغي أن ينسبنا الناظر والمنتهى إلى هذا المقام إلى تقصير فيما يتعلق بمحل الإشكال في نقل القرآن العظيم فإنه قطب عظيم لم يشف القاضي فيه الغليل1 في كتاب "الانتصار" وإن عد ذلك من أجل مصنفاته وفي نفسي أن أجمع من ذلك ما تقر به الأعين إن شاء الله تعالى وحظ هذه المسألة مما ذكرنا أن نقل الآحاد في القرآن يلتحق بنقل الاحاد فيما يقتضي العادة في التواتر وهذا كاف.
وقد نجزت مسائل الأخبار.
__________
1 الغليل: حرارة العطش والمراد أنه لا يزيل الحيرة على طريق الاستعارة.
(1/258)

الكتاب الثاني: كتاب الإجماع
مدخل
ثلاثة مسائل في الإجماع - المسألة الأولى: في تصور الإجماع وقوعا
...
الكتاب الثاني: كتاب الإجماع.
617- أصدر هذا الكتاب مستعينا بالله تعالى بثلاث مسائل ثم نخوض بعد نجازها في ترتيب الكتاب تأصيلا وتفصيلا.
إحدى المسائل الثلاث: في تصور الإجماع وقوعا والأخرى في [كونه] حجة وذكر الخلاف [فيه] والأخرى في المسالك الدالة على كون الإجماع حجة.
مسألة:
618- ذهب طوائف من الناس إلى أن الإجماع لا يتصور وقوعه واشتد كلام القاضي ونكيره على هؤلاء وتعدى حد الإنصاف قليلا.
ونحن نسلك [مسلكنا] في استيعاب ما لكل فريق حتى إذا لاحت نهايات النفي والإثبات وضح منها مدرك الحق.
619- فأما الذين منعوا تصور الإجماع فإنهم قالوا قد اتسعت خطة الإسلام ووقعته وعلماء الشريعة متباعدون في الأمصار ومعظم البلاد المتباينة لا تتواصل الأخبار فيها وإنما يندرج المندرج من طرف إلى طرف بسفيرات ورفيقات ولا يتفق انتهاض رفقة ومدها مدة واحدة من الشرق إلى الغرب فكيف يتصور والحالة هذه رفع مسألة إلى جميع علماء العالم ثم كيف يفرض اتفاق آرائهم فيها مع تفاوت الفطن والقرائح وتباين المذاهب والمطالب وأخذ كل جيل صوبا في أساليب الظنون فتصور اجتماعهم في الحكم الظنون بمثابة تصور اجتماع العالمين في صبيحة يوم على قيام أو قعود أو أكل مأكول ومثل ذلك غير ممكن في اطراد العادة نعم إن انخرقت لنبي أو ولى على رأى من يثبت الكرامات [فنعم] وبالجملة لا يتصور الإجماع مع اطراد العادة فهذا قول هؤلاء ثم زادوا إيهاما آخر فقالوا لو فرض الإجماع فكيف يتصور النقل عنه تواترا والحكم في المسألة الواحدة ليس مما.
(1/259)

تتوفر الدواعي على نقله.
فقد أسندوا كلامهم إلى ثلاث جهات مترتبات في العسر أولها: تعذر عرض مسألة واحدة على الكافة والأخرى عسر اتفاقهم والحكم مظنون والثالثة تعذر النقل تواترا عنهم واختتموا هذه بأن قالوا لو ذهب ذاهب من العلماء إلى مذهب فما الذي يؤمن من بقائه عليه وإصراره على مذهبه إلى أن يطبق النقل طبق الأرض فهذه عين كلام هؤلاء.
620- قال القاضي معترضا عليهم متتبعا مسالكهم: نحن نرى إطباق جيل من الفار يربى عددهم على عدد المسلمين وهم متفقون على ضلالة يدرك بأدنى فكر بطلانها فإذا لم يمتنع إجماع أهل الدين على الإحاطة بذلك منهم وإن أردنا فرض ذلك في الفروع فنحن نعلم إجماع علماء أصحاب الشافعي على مذهبه في المسائل مع تباعد الديار وتنائي المزار وانقطاع الأسفار فبطل ما زخرفه هؤلاء.
ثم قال القاضي: لا يمتنع تصور ملك تنفذ عزائمه في خطة أهل الإسلام إما باحتوائه على البيضة أو بعلو قدره واستمكانه من إحضار من يشاء من المماليك بجوازم أوامره المنفذة إلى ملوك الأطراف وإذا كان ذلك ممكنا فلا يمتنع أن يجمع مثل هذا الملك علماء العالم في مجلس واحد ثم يلقى عليهم ما عن له من المسائل ويقف على خلافهم ووفاقهم فهذا وجه في التصوير بين لا يتوقف تصوره على فرض خرق العادة فهذا منتهى كلامه.
621- ونحن نفصل الآن القول في ذلك قائلين: لا يمتنع الإجماع عند ظهور دواع مستحثه عليه داعية إليه ومن هذا القبيل كل أمر كلى يتعلق بقواعد العقائد في الملل فإن على القلوب روابط في أمثالها حتى كأن نواصي العقلاء تحت ربقة الأمور العظيمة الدينية ومن هذا القبيل ما استشهد به القاضي من اجتماع جموع الكفار على ما وقتوه من دينهم ومنه اجتماع أتباع إمام على مذهبه فإن كل من رأسه الزمان يصرف إليه قلوب الأتباع وبذلك يتصل النظام وهذا مستبين في الجلي والخفي.
[وما] صوره القاضي من إحضار جميع العلماء ليس منكرا فقد تكون أطراف المماليك في حق الملك العظيم كأنها بمرأى منه ومسمع فلا يبعد ما قاله على ما صوره.
(1/260)

622- وأما فرض اجتماع على حكم مظنون في مسألة فردة ليست من كليات الدين مع تفرق العلماء واستقرارهم في أماكنهم ونتفاء داعية تقتضي جمعهم فهذا لا يتصور مع اطراد العادة فإذا من أطلق التصور أو عدم التصور فهو زلل والكلام المفصل إذا أطلق نفيه أو إثباته كان خلفا ومن ظن أن تصور الإجماع وقوعا في زماننا في آحاد المسائل المظنونة مع انتفاء الدواعي الجامعة هين فليس على بصيرة من أمره نعم معظم مسائل الإجماع جرى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم مجتمعون أو متقاربون فهذا منتهى الغرض في تصوير الإجماع.
(1/261)

المسألة الثانية: في كونه حجة إذا وقع.
623- ما ذهب إليه الفرق المعتبرون من أهل المذاهب أن الإجماع في السمعيات حجة وأول من باح بردة النظام ثم [تابعه] طوائف من الروافض وقد يطلق بعضهم كون الإجماع حجة وهو في ذلك ملبس فإن الحجة عنده في قول الإمام القائم صاحب الزمان وهو منغمس في غمار الناس فإذا استفر الإجماع كان قوله من جملة الأقوال فهو الحجة وبه التمسك.
624- وعمدة نفاة الإجماع أن العقول لا تدل على كون الإجماع حجة وليس يمتنع في مقدور الله تعالى أن يجمع أقوام لا يعصم آحادهم عن الخطأ على نقيض الصواب فإذا ليس في العقل متعلق في انتصاب الإجماع حجة فلم يبق إلا تتبع الأدلة السمعية وتعيين انتفاء القاطع فيها والقاطع نص الكتاب أو نص السنة متواترا والمسألة عرية عنهما فلا دليل إذا على أن الإجماع حجة وهذا الكلام مخيل بالغ في فنه إن لم يسلك المسلك المرضى في تتبعه.
625- ثم تمسك القائلون بالإجماع بآي من كتاب الله تعالى ونحن نذكر أوقعها فمما استدل به الشافعي قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} 1 الآية {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} فإذا أجمع المؤمنون على حكم في قضية فمن خالفهم فقد شاقهم المعترضون وظني أن معظم تلك الاعتراضات الفاسدة تكلفه المصنفون حتى ينتظم لهم أجوبة عنها ولسن لأمثالها.
__________
1 آية "115" سورة النساء.
(1/261)

بل أوجه سؤالا واحدا يسقط الاستدلال بالآية فأقول إن الرب تعالى أراد بذلك من أراد الكفر وتكذيب المصطفى صلى الله عليه وسلم والحيد عن سنن الحق وترتيب المعنى ومن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين المقتدين به نوله ما تولى فإن سلم ظهور ذلك فذلك وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح فلا يبقى للمتمسك بالآية إلا ظاهر معرض للتأويل ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في الإمكان ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف.
626- فإن تمسك مثبتو الإجماع بما روى عن النبي عليه لسلام أنه قال1: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وقد روى الرواة هذا المعنى بألفاظ مختلفة فلست أرى للتمسك بذلك وجها لأنها من أخبار الاحاد فلا يجوز التعلق بها في القطعيات وقد تكرر هذا مرارا.
ولا حاصل لقول من يقول هذه الأحاديث متلقاة بالقبول فإن المقصود من ذلك يئول إلى أن الحديث مجمع عليه وقصاراه إثبات الإجماع بالإجماع على أنه لا تستتب هذه الدعوى أيضا مع اختلاف الناس في الإجماع.
ثم الأحاديث متعرضة للتأويلات القريبة المأخذ الممكنة فيمكن أن يقال قوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة بشارة منه مشعرة بالغيب في مستقبل الزمان مؤذنه بأن عليه السلام لا ترتد إلى قيام الساعة وإذا لم يكن الحديث مقطوعا به نقلا ولم يكن في نفسه نصا فلا وجه للاحتجاج به في مظان القطع.
627- فإن قيل قد تحقق أن العقول لا تدل على ثبوت الإجماع واستبان أنه ليس في السمعيات قاطع دال على أن الإجماع واجب الاتباع فلا معنى بعد ذلك إلا الرد والإجماع عصام الشريعة وعمادها وإليه استنادها.
قلنا الإجماع حجة قاطعة والطريق القاطع في ذلك أن نقول للإجماع صورتان نذكرهما ونذكر السبيل المرضى في إثبات الإجماع في كل واحدة منهما إحداهما: أن نصادف علماء العصر على توافرهم في أطراف الخطة وأوساطها مجمعين على حكم مظنون وللرأي فيه مضطرب فنعلم والحالة هذه أن اتفاقهم.
__________
1 ابن ماجه "3950". وقال في "الزوائد": في الإسناد أبو خلف الأعمى وهو ضعيف وقد جاء الحديث بطرق في كلها نظر قال شيخنا العراقي في "تخريج أحاديث البيضاوي".
(1/262)

إن وقع لا يحمل على وفاق اعتقاداتهم وجريانها على منهاج واحد فإن ذلك مع تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل بل يستحيل اجتماع العقلاء على معقول مقطوع به في أساليب العقول إذا كان لا يتطرق إليه إلا بإنعام نظر وتسديد فكر وذلك لاختلاف الناظرين في نظرهم فإذا كان حكم العادة هذا في النظر القطعي فما الظن بالنظر الظني الذي لا يفرض فيه قطع فإذا تقرر أن اطراد الاعتياد يجيل اجتماعهم على فن من النظر فإذا ألفيناهم قاطعين بالحكم لا يرجعون فيه رأيا ولا يرددون قولا فنعلم قطعا أنهم أسندوا الحكم إلى شيء سمعي قطعي عندهم ولا يبعد سقوط النقل فيه فهذا مسلك إثبات الإجماع في هذه الصورة.
628- فأما الصورة الثانية وهي إذا أجمعوا على حكم مظنون وأسندوه إلى الظن وصرحوا به فهذا أيضا حجة قاطعة والدليل على كونه حجة أنا وجدنا العصر الماضية والأمم المنقرضة متفقة على تبكيت من يخالف إجماع العلماء علماء الدهر فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى المروق والمحادة والعقوق ولا يعدون ذلك أمرا هينا بل يرون الاجتراء على مخالفة العلماء ضلالا بينا فإجماعهم على هذا مع [الإنصاف كالقطع] في مجال الظن عند نظر العقل فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعا في حكم مظنون قطع به المجمعون من غير ترديد ظن فليكن الإجماع على تبكيت المخالف وتعنيفه مستند قاطع شرعي ولا يبعد أن يكون ذلك بعض الأخبار التي ذكرناها تلقاها من تلقاها من فلق في رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلم بقرائن الحال قصد المصطفى عليه السلام في انتصاب الإجماع حجة ثم علموا ذلك وعملوا واستمروا على القطع بموجبه ولم يهتموا بنقل سبب قطعهم [فقد] تقرر [الآن] انتصاب الإجماع دليلا قاطعا وبرهانا ساطعا في الشرع.
(1/263)

المسألة الثالثة: في المسالك الدالة على كون الإجماع حجة
...
المسألة الثالثة:
629- في التنصيص على المسلك الذي ثبت الإجماع به إذ لا مطمع في إسناده إلى العقل وكذلك لا مطمع في إسناده إلى دليل قاطع سمعي هجوما عليه من غير اعتبار واسطة.
[فإذا] الواسطة التي هي العمدة النظر في قضيات اطراد العادات كما سبق تقرير ذلك في الصورتين ثم إذا أنعم الباحث نظره كان متعلقه دليلا قاطعا سمعيا يشعر الإجماع به.
(1/263)

فإن قيل ما ذكرتموه إخراج الإجماع عن كونه حجة قلنا هذه الآن غباوة فإن ذا التحصيل لا يطمع في كون إجماع الناس حجة لعينه وإنما المطلوب المكتفي به استناده إلى حجة والدليل عليه أن قول المصطفى صلوات الله عليه في نفسه ليس بحجة ولكنه مشعر بتبليغ قول الله تعالى حقا صدقا [وهو المطلوب المقصود] وليس وراء الله للمرء مذهب.
(1/264)

الفنون الأربعة في الإجماع
الفن الأول: في عدد المجمعين وصفتهم
...
فصل:
630- الكلام بعد هذه المسائل الثلاث في أربعة فنون.
أحدها: في عدد المجمعين وصفتهم.
والثاني: في الزمن لمعتبر في الإجماع.
والثالث: في كيفية الإجماع قولا أو سكوتا أو فعلا.
والرابع: فيما يثبت بالإجماع وفيما لا يثبت.
631- فأما الفن الأول: فإنه ينقسم إلى مسائل خلافية وفصول مذهبية ومجموع القول فيه يقع في نوعين:
أحدهما: في صفة المجمعين, والثاني: في عددهم.
فأما الصفة: فلا شك أن العوام ومن شدا طرفا قريبا من العلم لم يصر بسبب ما تحلى به من المتصرفين في الشريعة وليسوا من أهل الإجماع فلا يعتبر خلافهم ولا يؤثر وفاقهم وأما المفتون المجتهدون فلا شك في اعتبارهم وأما الذين تبحروا في الأصول وقواعد الشرع وأطراف من الفقه والذين تبحروا في يجمعه مضمون المسألة التي نرسمها [إن شاء الله تعالى] .
مسألة:
632- ذهب القاضي إلى أن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه يعتبر خلافه ووفاقه.
والذي ذهب إليه معظم الأصوليين خلاف ذلك فإن من وصفه القاضي ليس.
(1/264)

من المفتين ومن لم يكن منهم ووقعت له واقعة لزمه أن يستفتي المفتين فيها فهو إذا من المقلدين ولا اعتبار بأقوالهم فإنهم تابعون غير متبوعين وحملة الشريعة مفتوها والملقدون فيها.
واحتج القاضي لمذهبه بأن قال: من وصفته من أهل التصرف في الشرع وهو ممن يستضاء برأيه ويستهدي بنهجه وأنحائه في مجلس الاشتوار وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجه من الرأي معتبر وإذا ظهر على اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتبار الوفاق وعضد ما قاله بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في النظر في المشكلات لا ينكرون على ذوي الفطن والأكياس [من الناس] رأيهم إنكار توبيخ وتقريع وتحذير من مخالفة الإجماع وأهله فإن ابن عباس كان يفاوض حلة الصحابة رضي الله عنهم وما كان بلغ بعد مبلغ المجتهدين.
وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر فإنه ما أظهر ابن عباس الخلاف إلا بعد استجماعه خلال الكمال فمن ادعى أنه وقت مخالفته ما كان من المجتهدين فقد أحال قوله على عماية لا تحقق فيها.
وعلى الجملة: إذا أجمع المفتون وسكت المتصرفون فيبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم وأخذ رأيهم فإن الذين لا يستقلون بأنفهم في جواب مسألة ويتعين عليهم تقليد غيرهم فوجوب مراجعتهم محال وإن فرض عدم الإنكار عليهم إذا أبدوا وجها في التصرف إن سلم ذلك فهو محمول على إرشادهم وهدايتهم إلى سواء السبيل وإن أبدوا أقوالهم إبداء من يرغم الإجماع فالإنكار يشتد عليهم.
633- والقول المغنى في ذلك: أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين وليس بين من يقلد ويقلد مرتبة ثالثة فإن قيل إذا أجمع المفتون والمتصرفون الذين لم يبلغوا ذروة الفتوى فهذا إجماع مقطوع به وإذا أجمع المفتون وخالفهم المتصرفون فيلتحق هذا بما لا يقطع بكونه إجماعا وإنما يقوم الإجماع حجة إذا كان النظر مقطوعا به قلنا النظر السديد يتخطى كلام القاضي وعصره ويترقى إلى العصر المتقدم ويفضي إلى مدرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف.
فأما التحقيق- خالف القاضي أو وافق- أن المجتهدين إذا أطبقوا لم يعد خلاف المتصرفين مذهبا محتفلا به فإن المذاهب لأهل الفتوى فإن شبب القاضي بأن المتصرف الذي ذكره من أهل الفتوى في كلامه تشبيب بهذا فنشرح القول في.
(1/265)

كتاب الفتوى والكلام الكافي في ذلك أنه إن كان مفتيا اعتبر خلافه.
مسألة:
634- ذهب معظم الأصوليين إلى أن الورع معتبر في أهل الإجماع والفسقة وإن كانوا بالغين في العلم مبلغ المجتهدين فلا يعتبر خلافهم ووفاقهم فإنهم بفسقهم خارجون عن الفتوى والفاسق غير مصدق فيما يقول وافق أو خالف.
635- وهذا فيه نظر عندي فإن الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلد غيره [بل يلزمه أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده وليس له أن يقلد غيره] فكيف ينعقد الإجماع عليه في حقه واجتهاده مخالف اجتهاد من سواه وإذا بعد انعقاد الإجماع في حقه استحال انعقاد بعض حكمه حتى يقال انعقد الإجماع من وجه ولم ينعقد من وجه.
فإن قيل هو عالم في حق نفسه باجتهاده مصدق عليه فيما بينه وبين ربه وهو مكذب في حق غيره فلا يمتنع انقسام أمره على هذا الوجه فينقسم حكم الإجماع في حقه قلنا هذا محال فإن الفاسق لا يقطع بكذبه ولا يقطع بصدقه فهو كعالم في غيبته فإن تاب كان كما لو آب الغائب فهذا ما تمس الحاجة إلى ذكره من صفات المجمعين.
636- والقول الضابط في كل ما لم نذكره أن كل ما لا يعتبر عند المفتين فهو غير معتبر في المجمعين كالحرية والذكورة وغيرهما والكافر وإن حوى م علوم الشريعة أركان الاجتهاد فلا معتبر بقوله أصلا وافق أو خالف فإنه ليس من أهل الإسلام والحجة في إجماع المسلمين والمبتدع إن كفرناه لم نعتبر خلافه ووفاقه وإن لم نكفره فهو من المعتبرين إذا استجمع شرائط المجتهدين وقد قبل الشافعي شهادة أهل الأهواء ولم ينزلهم منزلة الفسقة فهذا أحد طرفي هذا الفن.
637- فأما الكلام في عدد المجمعين فإن كان علماء العصر بالغين مبلغا لا يتوقع منهم التواطؤ وهم الذين يسمون عدد التواتر فلا شك في انعقاد الإجماع بوفاقهم وإن فرض نقصان عدد علماء العصر عن هذا المبلغ فهذا موضع التردد.
مسألة.
638- ذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يجوز انحطاط علماء العصر عن مبلغ.
(1/266)

التواتر فإنهم قومة للملة وحفظة للشريعة وقد ضمن الله قيامها ودوامها وحفظها إلى قيام الساعة ولو عاد العلماء إلى عدد لا ينعقد منهم التواطؤ فلا يتأتي منهم الاستقلال بالحفظ.
وقال الأستاذ: يجوز بلوغ عددهم إلى مبلغ ينحط عن عدد التواتر ولو أجمعوا كان إجماعهم حجة ثم طرد قياسه فقال يجوز ألا يبقى في الدهر إلا مفت واحد ولو اتفق ذلك فقوله حجة كالإجماع.
639- والذي نرتضيه- وهو الحق- أنه يجوز انحطاط عددهم بل يجوز شغور الزمان عن العلماء وتعطيل الشريعة وانتهاء الأمر إلى الفترة وهذا نستقصيه في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى فأما من قال إن إجماع المنحطين عن مبلغ التواتر حجة فهو غير مرضى فإن مأخذ الإجماع يستند إلى طرد العادة كما تقدم ذكره ومن لم يحن إسناد الإجماع إليه لم تستقر له قدم فيه.
فهذا حاصل القول في أوصاف المجمعين وعددهم.
(1/267)

الفن الثاني: في الزمن المعتبر في الإجماع
...
الفن الثاني:
فأما الفن الثاني: فهو القول في الزمان وتفصيل المذهب في اشتراط انقراض العصر في انعقاد الإجماع.
مسألة:
640- اختلفت مسالك القائلين بالإجماع في اشتراط انقراض المجمعين في انعقاد الإجماع.
فذهب أقوام إلى أنه لا يحكم بانعقاد الإجماع ما بقى من المجمعين أحد.
ثم هؤلاء يقولون: لو أجمع العلماء في عصر ثم لحقهم لاحقون وبلغوا رتبة المجتهدين فلا يعتبر انقراضهم إذ قد يلحقهم اخرون وهذا يفضي إلى عسر تصوير الانقراض فالمرعى إذا انقراض الذين أجمعوا أولا.
ومن مقتضى هذا المذهب أنه لو رجع واحد من المجمعين فهو سائغ وتعود المسألة نزاعية بعد ما كانت تظن إجماعه وإنما يمتنع الخلاف إذا استمروا على الوفاق حتى انقرضوا.
ثم قال هؤلاء: لو اتفق اجتماع العلماء ومصيرهم إلى مذهب في واقعة ثم.
(1/267)

خر عليهم سقف على القرب أو عمهم وجه من وجوه الهلاك فقد انبرم إجماعهم في ذلك الحكم وإن كان ذلك في زمن قريب ولو بقوا زمنا طويلا مصممين على ما قالوه لم ينعقد الإجماع ما لم ينقرضوا.
وقال القاضي: إذا أجمعوا قامت الحجة من غير استئخار وانتظار انقراض ولو فرض خلاف بعد الوفاق كان المخالف خارجا عن حكم الإجماع خارقا ربقة الوفاق.
وقال الأستاذ أبو إسحاق وطائفة من الأصوليين: إن كان الإجماع قوليا لم يشترط فيه الانقراض وإن كان حصوله بسكوت جماهير العلماء على قول واحد منهم من غير إبداء نكير عليه فهذا النوع يشترط في انعقاده ووجوب الحكم به انقراض العصر خليا عن إظهار الإنكار.
641- والحق المرضى عندنا: أن الإجماع ينقسم إلى مقطوع به وإن كان في مظنة الظن وإلى حكم مطلق أسنده المجمعون إلى الظن بزعمهم فأما ما قطعوا به على خلاف موجب الاعتياد فتقوم الحجة به على الفور من غير انتظار واستئخار فإنا أوضحنا أن ذلك إذا اتفق فهو محمل على رجوعهم إلى أصل مقطوع به عندهم وتقدير خلاف ذلك مخالف موجب طرد العادة والعادة لا تنخرق لا في لحظة ولا في آماد متطاولة إن اتفقوا على حكم وأسندوه إلى الظن فلا يتم الإجماع ولا ينبرم مع إسنادهم ما أفتوا به إلى أساليب الظنون ما لم يتطاول الزمن فإن الإجماع على الحكم مع الاعتراف بالتردد في الأصل لا يعد إجماعا وإطباقا ولو فرض من [بعضهم] إظهار خلاف ما عن لهم على البدار لم يعد ذلك المخالف والحالة كما صورناه عاقا خارقا حجاب الهيبة فإنهم إذا قالوا: قالوا قرنوه بما يرخى طول الناظر المتفكر وسوغ له طرق التفكير نعم إن استمروا على حكمهم ولم ينقدح على طول الزمن لواحد منهم خلاف فهذا الآن يلتحق بقاعدة الإجماع وهذا عسر التصور فإن المظنون مع فرض طول الزمن فيه يبعد أن يسلم عن خلاف مخالف من الظانين فإذا تصور فالحكم ما ذكرناه فإن امتداد الأيام يبين إلحاقهم بالمصرين ويرفعهم عن رتبة المترددين ويتجه إذ ذاك توبيخ المخالفين ومخاطبتهم بأن ما ذكرتموه لو كان وجها معتبرا لما أغفله العلماء المفتون.
(1/268)

وشرط ما ذكرناه أن يغلب عليهم في الزمن الطويل ذكر تلك الواقعة وترداد الخوض فيها فلو وقعت الواقعة فسبقوا إلى حكم فيها ثم تناسوها فلا أثر للزمان والحالة هذه.
ثم إذا لاح أن المعتبر ظهور الإصرار بتطاول الزمن فلو قالوا عن ظن ثم ماتوا على الفور كما تقدم تصوير ذلك فلست أرى ذلك إجماعا من جهة أنهم أبدوا وجها من الظن ثم لم يتضح إصرارهم فهذا هو المغزى.
642- ثم لو روجعنا في ضبك ذلك الزمان فقد أحوجنا إلى كشف الغطاء فإنا سنقول مجيبين: المعتبر زمن لا يفرض في مثله استقرار الجم الغفير على رأى إلا عن حامل قاطع أو نازل منزلة القاطع على الإصرار وهذا إذا يمنع تصوير الإصرار مع البوح بالظن في جميع الزمان إلا أن يتكلف متكلف فيه وجها فنقول: وقد يفهم ظهور وجه من الظن فإن الأمر البالغ الجلي الظني تبتدره العلماء ابتدارهم اليقين ولكن لا يلوح جلاؤه إلا بالإصرار.
وللفطن أن يقول: من انتهى إلى هذا المنتهى فقد اعتزى إلى القطع فإن ما بلغ في الوضوح مبلغا يجمع شتات الرأي فهو مسلك متبوع قطعا فليفهم الناظر ما يلقى إليه.
643- وإما إطلاق القاضي القول بقيام الحجة من غير تفصيل ففي أطراف كلامنا ما يدرؤه واشتراط الموت مع طول الزمن لا معنى له والاكتفاء به على قرب لا طائل وراءه.
وما ذكره الأستاذ أبو إسحاق من ربط الإجماع السكوتي بالانقراض فغير مرضى فإنا سنوضح أن سكوت العلماء على قول قائل محل الظن لا يكون إجماعا ثم ما ذكره يلزمه اعتبار الزمان إذا باحوا بصدور حكمهم عن موجب الظن كما قدمناه ثم لا معول على الانقراض فالذي اخترناه استثمار طرق الحق في المسالك كلها فهذا منتهى القول في الزمان وما يتعلق به.
(1/269)

الفن الثالث: في وجه انعقاد الإجماع.
فأما الفن الثالث: فمضمونه تفصيل القول في وجه انعقاد الإجماع.
644- والكلام في ذلك تفصله مسائل خلافية وفي أدراجها فصول مذهبية.
(1/269)

ونرسم المسائل أولا ونذكر ما فيها ونجرى في أثنائها ما يتعلق بحكاية المذاهب ثم إذا نجز الفن ختمناه بضابط يسهل التناول ويبين صور الخلاف والوفاق.
مسألة:
645- إذا قال واحد في شهود علماء العصر فكان ذلك القول موافقا لبعض مذاهب العلماء في محل الاجتهاد ومسلك الظن فسكت العلماء عليه ولم يبدوا نكيرا على القائل فهو يكون تركهم النكير تقريرا نازلا منزلة إبداء الموافقة قولا.
اختلف الأصوليون في ذلك فظاهر مذهب الشافعي وهو الذي يميل إليه كلام القاضي أن ذلك لا يكون إجماعا.
والذي مال إليه أصحاب أبي حنيفة أنه إجماع وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق فنذكر ما تمسك به أصحاب أبي حنيفة ونتتبعه ثم نذكر المختار عندنا.
فإن قالوا: أهل الإجماع معصومون عن الزلل والعصمة واجبة لهم كما تجب للبني ثم إذا رأى [النبي] مكلفا يقول قولا متعلقا بأحكام الشرع فسكت عنه ولم ينهه كان ذلك تقريرا منه نازلا منزلة التصريح بالتصديق وإبداء الوفاق.
وهذا الذي ذكروه لا حاصل له فإنه أولا محاولة إثبات الإجماع بطريق القياس وهذا ما لا سبيل إليه فإن الأقيسة المظنونة لا مساغ لها في القطعيات وغاية هذا الكلام تشبيه صورة بصورة وقياس حالة من قوم على حالة من الشارع عليه السلام.
والذي يوضح فساد هذا المسلك: أنه لا يمتنع في مقتضى العقل ورود التعبد باعتقاد تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعا مع التعبد بالعلم بأن سكوت العلماء لا ينزل منزلة تصريحهم بالقول فإذا لم يكن هذا ممتنعا في حكم العقل ولم يقم دليل قاطع سمعي على تنزيل سكوت العلماء منزلة سكوت الشارع عليه السلام فقد فسد هذا الاعتبار وال حاصلة إلى محاولة إثبات مقطوع به بمسلك هو في مجرى مظنون ثم لا عذر للشارع في السكوت على الباطل فإن الحق عتيد عنده وإن لم يكن فتلقى وجه الحق من مورد الوحي الذي هو بمر صاده هين عليه فأما أهل الإجماع إذا سكتوا في محل ظن حيث يرون للاجتهاد مساغا ومضطربا فسكوتهم محمول على تسويغ ذلك القول لذلك القائل فلاح الفرق مع الاستغناء عنه فإن القطعي لا ينتظم فيه جمع فيحوج إلى الفرق.
(1/270)

646- فالمختار إذا مذهب الشافعي فإن من ألفاظه الرشيقة في المسألة لا ينسب إلى ساكت قول ومراده بذلك أن سكوت الساكتين له محملان: أحدهما: موافقة القائل كما يدعيه الخصم والثاني تسويغ ذلك القول الواقع في محل الاجتهاد لذلك القائل وهذا ممكن بطرد العرف غير ملتحق بالنوادر.
والدليل عليه أنا لو فرضنا اجتماع العلماء في مجلس وقام سئل إلى رجل حنفي وسأله عن مسألة اختلف العلماء فيها فلو أجاب المفتى الحنفي بما يوازى مذهب أبي حنيفة فسكت الحاضرون عليه لابتدرت الأوهام إلى حمل سكوتهم على التسويغ في محل الاجتهاد وتمهيد عذر المفتي المعرب عن مذهبه المسوغ وإذا تردد سكوتهم كما ذكرناه والإجماع هو القول الجازم المبتوت فيستحيل ادعاؤه على صفته وشروطه في محل تقابل الاحتمالات.
وهذا يتضح بصورة تناقض صورة الخلاف وهي أن واحدا لو ذكر على رءوس الأشهاد وجمع المفتين قولا خرق به الإجماع وخالف دين الأمة فالمفتون لا يسكتون عليه بل يثورون مبادرين إلى الإنكار عليه وتجهيله وتسفيه عقله وذلك لأن الذي جاد به ليس قولا ينقدح تسويغه لقائل فهذا معنى قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول.
647- ونحن نصور هذه المسألة في صورتين ونذكر في كل واحدة منها ما يليق بها حتى يستبين الناظر وجوه مجاري الكلام في نظائرهما من مسائل الشرع.
فنقول: قد يدعى أصحاب أبي حنيفة في بعض المسائل انتشار قول الصحابي في علماء العصر مع سكوتهم وتركهم الإنكار ثم يبنون عليه أن سكوتهم تقرير نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم تقرير نازل منزلة التصديق بالقول ولا يستمر لهم إثبات الانتشار وذلك كتعلقهم بقضاء عثمان رضي الله عنه بتوريث المبتوتة في قصة تماضر زوجة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ويتجه في هذه الصورة وأمثالها أسئلة قبل الانتهاء إلى ابداء الخلاف في المسألة.
منها: أنا نقول: ما ادعيتموه من الانتشار في كافة علماء الأمصار فأنتم منازعون فيه وليس كل قضاء يقضي به إمام أو وال من الولاة يشاع ويذاع في كافة العلماء ومن اعتاص عليه حكم من قضايا مطرد العادة في العصور المنقرضة فليصور مثله في عصره فإن الأزمنة وأهلها على التداني في أحكام العادات ونحن نعلم في زمننا أن أقضية القضاة لا تنتشر في كافة العلماء وهذا السؤال إذا حققنا المباحثة فيه لم يجد الخصم.
(1/271)

عنه مهربا ولم يبق بيده مستمسك يحاول به إثبات غرضه فهذا نوع من السؤال متقدم على الخلاف في المسألة التي نحن فيها.
648- والسؤال الثاني أن نقول إن ثبت الانتشار فلعل بعض العلماء أنكر فدعوى سكوتهم لا اعتضاد له بثبت وتحقيق وغاية الخصم فيه أن يقول لو جرى إنكار لاشتهر وعنه جوابان واقعان أحدهما أنه إنما يشتهر كل خطب ذي بال وإنكار واحد من العلماء على قاض من القضاة ليس من الأمور الجسيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها فهذا وجه والوجه الثاني أن نقول لعله اشتهر أولا ثم انصرفت الدواعي عن المواظبة على تذكاره ودرس ما كان متواترا وذلك كثير في العرف وهذه الطلبات لا محيص عنها ولا يتواصل الخصم معها إلى تصوير صورة المسألة من الانتشار وعدم الإنكار على قطع استمرار فإن تأتي له التصوير وهيهات فما قدمناه قاطع من تقابل الاحتمالات في محامل السكون ولا سبيل إلى القطع مع التردد فهذه إحدى الصورتين.
649- والصورة الثانية لا يتجه فيها بعض هذه الأسئلة وهي كتعلق أصحاب أبي حنيفة في ترك انتظار بلوغ الأطفال في الاقتصاص بحديث قتل الحسن بن علي رضي الله عنهما عبد الرحمن بن ملجم وفي الورثة صبيان فلا سبيل في هذه القصة إلى ابداء مراء في الانتشار فإن الأمر عظيم والخطب جسيم ولكن ينقدح ادعاء نكير من بعض العلماء من غير انتشار الإنكار وسبيل التقرير ما مضى ثم وراء تسليم ذلك الدليل القاطع الذي قدمناه وين1م إلى تحقيقه حكم الأب في ترك الاعتراض على الأئمة فإنه ليس للعلماء إذا جرى قضاء قاض بمذهب مسوغ أن ينكروا عليه مع نفوذ قضائه فهذا إذا وجه في الاستحثاث على السكوت فهذا منتهى القول في هذه المسألة.
650- وبعد ذلك كله غائلة هي خاتمة المسألة وغاية سرها ونحن نبديها في معرض سؤال وجواب فإن قيل إن اتجه في حكم العادة سكوت العلماء على قول مجتهد فيه مظنون في مسألة فاستمرارهم على السكوت زمنا متطاولا يخالف العادة قطعا إذا كان يتكرر تذاكر الواقعة والخوض فيها ومن لم يجعل السكوت إجماعا فإنما يستقيم له مطلوبة في السكوت في الزمان القصير ولهذا السؤال اشترط بعض المحققين في الأصول في الإجماع السكوتي انقراض العصر.
(1/272)

651- وأنا أقول لا يتصور دوام السكوت مع تذاكر الواقعة في حكم العادة قطعا وهذه صورة يحيل العقل وقوعها فإن هؤلاء سيخوضون فيها إما بوفاق أو خلاف لما [يبدون حكمه] وافقوا أو خالفوا فإذا لم يتصور استمرار السكوت حتى يبنى عليه ادعاء القطع ومن عجيب الأمر أن هذا القائل أحال إدامة السكوت من غير قطع ولم يعلم أنهم لو أضمروا القطع لأبدوه ولم يسكتوا إذا تطاول الزمان فرجعت صورة المسألة على الضرورة إلى السكوت في الزمان القصير وفيه الاحتمالات التي قدمناها ولا قطع من الاحتمال وهذا منتهى المسألة تصويرا وتقريرا.
مسألة:
652- إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قولين واستمروا على الخلاف فالذي صار إليه معظم المحققين أن اختراع قول ثالث خرق [للإجماع] .
وذهب شرذمة من طوائف الأصوليين إلى أن ذلك لا يكون مخالفة الإجماع واستدلوا بأمر تخيلوه على نقيض الصواب فقالوا اختلافهم يناقض الاتفاق ويفيد الناظر أن المسألة في محل الظنون والخلاف متطرق إليها ولهذا لا يتضمن المنع من قول ثالث بل لو قيل: إنه متضمن جواز الخلاف لكان ذلك قريبا وعضدوا هذا بأن قالوا التنصيص على القولين من غير قطع فريق بتخطئة الآخر بمثابة تصريحهم بأن الأمر مظنون وكل ذي ظن على ظنه.
653- وهذا الذي ذكروه ساقط فإن الذي انتهض معتمدا للإجماع بعد السبر والمباحثة ما تحصل وتنخل من قولنا إن المجتمعين قد يقطعون بما أجمعوا عليه وقد يسندونه إلى الظن فإن قطعوا فالأمر فيه متلقى من حكم العادة وهي قاضية لا محالة بإسناد المجمعين إلى قاطع فإن أسندوا المحكوم به إلى الظن فمعتمد الإجماع في هذه الصورة قطع العلماء في العصر الماضية بتبكيت من يخالف وليس ذلك أمرا معقولا فيستند القطع بالتبكيت إلى قاطع.
654- فإذا تجدد العهد بالمسلك الحق في الصورتين قلنا بعد ذلك إن ذكر علماء العصر قولين وقطعوا بنفي ثالث سواهما ورددوا الظن في القولين فنفيهم الثالث قطع في حصر الحق في القولين فإن فرض من يخترع مذهبا ثالثا فهو مخالف لإجماع مقطوع به وإن لم يصرحوا بنفي ثالث على قطع فتركهم التعرض له وحصرهم التردد في القولين في حكم اتفاقهم على حكم مظنون مع التصريح باستناده.
(1/273)

إلى الظن والتبكيت يتطرق إلى من قال قولا ثانيا والعلماء الماضون على خلافه كذلك يتطرق التبكيت إلى من يخترع مذهبا ثالثا لم يصر إليه صائر من المتقدمين وإن كانوا مختلفين.
وما ذكره الخصم تلبيس لا حاصل له فإن الصائرين إلى القولين سوغوا الخلاف منحصرا في القولين وهم قاطعون بنفي ما وراءهما أو ظانون وكلا الوجهين في نفي القول الثالث إجماع فقطعه ملحق بالقطع بالحكم الواحد وظن نفي القول الثالث ملحق بالإجماع على مذهب واحد مع الإسناد إلى الظن.
655- فإن رددوا كلاما واستدلوا به شاديا مبتديا فالسبب فيه والوجه في كشفه ما ننبه عليه فنقول.
وقد ذكرنا أن القول الواحد المظنون إذا فرضنا الاتفاق عليه لم يكن الاتفاق عليه وهو مظنون إجماعا على القرب حتى يتمادى الزمن عليه على ما سبق تقريره في مسألة اشتراط انقراض المجمعين فإذا كان ذلك والقول واحد فهو أولى أن يعتبر والعلماء على قولين فإن ترديد القولين نهاية في تطريق الظنون ولو قيل تمادى الزمن المعتبر في هذه الصورة يبر على تماديه في اتحاد القول لكان حقا مبينا فهذا مغزى المسألة.
مسألة:
656- إذا اختلف علماء العصر على قولين ثم رجع المتمسكون بأحد القولين إلى القول الآخر وصاروا مطبقين عليه فالذي ذهب إليه معظم الأصوليين أن هذا إجماع وذهب القاضي إلى أن هذا لا يكون إجماعا.
وإذا انقرض العلماء على سجية الاختلاف ثم أجمع علماء العصر الثاني على أحد القولين فالاختلاف في هذه الصورة أظهر.
قال قائلون: هذا ليس بإجماع ولو تعلق متعلق بالقول المضرب عنه لم يكن خارقا للإجماع وميل الشافعي رضي الله عنه [في أثناء ما يجريه] إلى هذا وقال قائلون: هذا إجماع.
وأما القاضي فلا شك أنه لا جعل هذا أجماعا ومن مذهبه أن المختلفين في العصر الأول لو [رجعوا] إلى قول واحد لم يكن ذلك إجماعا فإذا كان هذا غور.
(1/274)

مذهبه فكيف الظن به والإجماع من أهل العصر الثاني ثم إنه يستدل على تمهيد قاعدته بنكته واحدة فيقول: إذا اختلف علماء عصر على مذهبين فقد ظهر اختلافهم في التحليل والتحريم مثلا ثم تضم تقرير كل قوم أصحابهم على مذهبهم إجاعا من كافتهم على أن الخلاف سائغ فيحصل في ضمن الخلاف مع التقرير الإجماع على جواز الخلاف فإذا فرض الرجوع إلى قول واحد فهذا غير منكر عملا ووقعا ولكنه مسبوق بالإجماع على تسويغ الخلاف وهذا يجري في العصر الواحد فإذا جرى فيه فلأن يجري في العصرين أولى.
657- وأما الذين جعلوا الاتفاق على قول من القولين السابقين إجماعا فإن بعضهم يتعلق ويستدل على بعض باجتماع المختلفين على أحد القولين قبل أن ينقرضوا ويقولون أيضا لو وقعت واقعة فاتفق علماء العصر على حكم واحد فيها كان اتفاقهم حجة وإطباقهم على قول واحد يجري هذا المجرى.
ولا يستقر لهؤلاء قدم إلا بتخييل هو نكتتهم وعنها صدر ما قدمناه وذلك أنهم قالوا المختلفون كأنهم بعد على تردد النظر وليس التردد مذهبا محققا وإنما يتلقى الإجماع من استقرار العلماء وليس تردد المترددين حجة على مخالفة قطع القاطعين.
658- والرأي الحق عندنا ما نبديه الآن: فنقول: إن قرب عهد المختلفين ثم اتفقوا على قول فلا أثر للاختلاف المتقدم وهو نازل منزلة تردد ناظر واحد أولا مع استقراره آخرا وإن تمادى الخلاف في زمن متطاول [على قولين] بحيث يقضي العرف بأنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين على طول المباحثة لظهر ذلك للباحثين فإذا انتهى الأمر إلى هذا المنتهى فلا حكم للوفاق على أحد القولين وذلك أن ما صورناه من اختلافهم في الزمان مع مشاورة الذكر وترديد البحث يقتضي ما ذكره القاضي من حصول وفاق ضمني على أن الخلاف في هذه المحال سائغ وشفاء الغليل في ذلك أن رجوع قوم وهم جم غفير إلى قول أصحابهم حتى لا يبقى على ذلك المذهب الثاني أحد ممن كان ينتحله لا يقع في مستقر العادة فإن الخلاف إذا رسخ وتناهى وتمادى الباحثون ثم لم يتجدد بلوغ خبر أو آية أو أثر يجب الحكم بمثله فلا يقع في العرف دروس مذهب طال الذب عنه فإن فرض فارض ذلك فالإجماع فيه محمول على أنه بلغ الراجعين أمر سوى ما كانوا يخوضون فيه في مجال الظنون ثم غاية النظر إن انتهى الأمر إلى هذا أنهم إن قطعوا بذلك.
(1/275)

فوفاقهم إجماع حملا على هذا وعلى هذا انبنى أصل الإجماع وإن فرض فارض عدم القطع مع الرجوع عن المذهب القديم فهذا يعيد في التصوير وإن تصور ذلك على تكلف فما أرى ذلك بالغا مبلغ الإجماع فإنه لا ينقدح فيه دعوى تبكيت من يتعلق بالقول [المرجوع عنه] حسب انقداح ذلك في مواقع القطع وإذا ظهر في التردد زال ادعاء الإجماع فإن الإجماع واجب الاتباع وهو المقطوع به فهذا قولنا مع اتحاد العصر.
659- فأما إذا انقرض علماء العصر مع طول الزمان فإن المعتمد عندنا طول الزمان على الخلاف ثم [إذا] اجتمع علماء العصر الثاني على أحد المذاهب فالوجه أن لا يجعل ذلك إجماعا لما قرره القاضي من استنباط الإجماع على [تسويغ] الخلاف وما ذكره الأولون من اعتبار هذه الصورة جمع بترديد ناظر أولا واستقراره آخرا فقول عرى عن التحصيل فإن استمرار العلماء الغواصين المعتنين بالبحث المتدارك على الخلاف قطع منهم بأن لا سبيل إلى القطع فإن اجتمع في العصر الثاني قوم على أحد المذاهب فهو اجتماع وفاقي على مذهب مسبوق بقطع الأولين بنفى القطع وتسويغ الخلاف وأين يقع هذا ممن يتردد أولا ثم يتمم نظره؟
والذي يحقق ذلك أن المذاهب التي انتحلها الأولون جرت بها أقضية وأحكام ونيط بها سفك دماء وتحليل فروج من غير إنكار فريق على فريق والمتردد في نظره لا ينوط بتردده حكما ومن العبارات الرشيقة للشافعي أنه قال: المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيقدر كأن المنقرضين أحياء ذابون عن مذاهبهم وتحقيق هذا ما ذكرناه.
مسألة:
660- إذا اتفق أهل الإجماع على عمل ولم يصدر منهم فيه قول فقد قال قوم من الأصوليين فعل أصحاب الإجماع كفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبق تفصيل المذاهب في أفعال رسول الله عليه السلام ومتعلق هؤلاء أن العصمة ثابته لأهل الإجماع ثبوتها للشارع فكانت أفعالهم كفعل الشارع صلى الله عليه وسلم.
661- قال القاضي: وهذا غير مرضي عند المحققين من أوجه منها أن اجتماع أهل الإجماع على فعل يبعد تصويره فإنهم لا يعصمون عن الخطأ والزلل ولكن وفاقهم على قول حجة على الترتيب المقدم وإن زعم زاعم أنه يجب.
(1/276)

عصمتهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب لآحادهم عن زلل عن الفعل فمعنى ذلك أن العصمة تجب لجميعهم فأما أن تجب لآحادهم فلا فلم يمتنع صدر الزلل عن بعضهم وإذا كان كذلك فكيف يتأتي في العادة تصور عدد لا يسوغ منهم التواطؤ ثم يطبقون على فعل واحد فإن تكلف متكلف في تصويره فإنما يمكن فرضه إذا اجتمعا في مجلس واحد ثم إن تصور فلا احتفال به فإن متعلق الإجماع في الصورتين المتقدمتين ما قدمناه وليس يتحقق ذلك في الفعل فإنه لا يمتنع إذا فرض جمعهم أن يفعلوا فعلا ويعترف كل واحد منهم بأنه عاص به.
662- والذي أراه أنه إن تيسر فرض اجتماعهم في الفعل فهو حجة وهو خارج على الأصل الذي هو مستند الإجماع فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لو جمعهم مجلس وقدم إليهم شيء فتعاطوه وأكلوه فمن حرمه عد خارقا للإجماع وتناهى أهل العصر في تبكيته فإذا يدل فعلهم على ارتفاع الحرج على حسب ما قدمناه في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا إلى الفعل المطلق فإن تقيد بقرينة دالة على وجوب أو استحباب ثبت ما دلت القرينة عليه.
(1/277)

الفن الرابع: في الأمر الذي ينعقد الإجماع فيه وفيما ينعقد الإجماع عنه.
663- فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة فالسمعيات [ولا] أثر للوفاق في المعقولات فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق ولم يعضدها وفاق.
664- وأما ما ينعقد الإجماع عنه فالقول ينقسم فيه كما تقدم فإن كان المجمعون قاطعين على الحكم في مجال الظنون فلا يتأتى فرض هذا الإجماع إلا عن قاطع وإن أسندوا إجماعهم إلى ظن لم يمتنع أيضا ثم مستند الإجماع في كونه حجة قطع أهل الإجماع بتقريع من يخالف الإجماع.
فهذا مجامع القول في الإجماع تفصيلا وتأصيلا وقد حاولنا جهدنا في إدراج مسائل الكتاب تحت التقاسيم وقد شذت مسائل قريبة منها ونحن نرسمها الآن مرسلة إن شاء الله تعالى.
(1/277)

مسائل متفرقة في الإجماع.
مسألة:
665- اختلف الأصوليون في أن الإجماع في الأمم السالفة هل كان حجة.
فزعم زاعمون أن إثباته حجة من خصائص هذه الأمة فإنها أمة مفضلة على سائر الأمم مزكاة بتزكية القرآن قال الله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} 1 وقال تعالى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 2.
ومنع مانعون هذا الفرق فقالوا لم يزل الإجماع حجة في الملل.
وقال القاضي لست أدري كيف كان ولا يشهد له موجب عقلي على وجوب التسوية ولا على وجوب الفرق ولم يثبت عندنا في ذلك قاطع من طريق النقل فلا وجه إلا التوقف.
666- والذي أراه: أن أهل الإجماع إذا قطعوا فقولهم في كل مسألة يستند إلى حجة قاطعة فإن تلقى هذا من قضية العادات والعادات لا تختلف إلا إذا انخرقت فأما إن فرض إجماع من قبلنا على مظنون من غير قطع فالوجه الآن ما قاله القاضي فإنا لا ندري أن الماضيين هل كانوا يبكتون من يخالف مثل هذا الإجماع أم لا وقد تحققنا التبكيت في ملتنا.
مسألة.
667- نقل أصحاب المقالات عن مالك رضي الله عنه أنه كان يرى اتفاق أهل المدينة يعني علماءها حجة وهذا مشهور عنه ولا حاجة إلى تكلف رد عليه فإن صح النقل فإن البقاع لا تعصم ساكنيها ولو اطلع مطلع على ما يجري بين لابتي المدينة من المجاري قضى العجب فلا أثر إذا للبلاد ولو فرض احتواء المدينة على جميع علماء الإسلام فلا أثر لها فإنه لو اشتمل عليهم بلدة من بلاد الكفر ثم أجمعوا لاتبعوا والظن بمالك رحمه الله لعلو درجته أنه لا يقول بما نقل الناقلون عنه نعم قد يتوقف في الأحاديث التي نقلها علماء المدينة ثم خالفوها لاعتقاده فيهم أنهم أخبر من غيرهم بمواضع الأخبار وتواريخها.
__________
1 آية "110" سورة آل عمران
2 آية "143" سورة البقرة
(1/278)

مسألة:
668- إذا اتفق علماء التابعين على حكم في واقعة عنت في زمنهم فإجماعهم كإجماع الصحابة رضي الله عنهم وذهب بعض المنتمين إلى الأصول إلى أن الحجة في إجماع الصحابة.
وهذا تحكم لا أصل له فإن الدال على وجوب الإجماع في الأعصار واحد كما تقدم وليس للتحكم بتخصيص عصر وجه لا في عقل ولا في سمع وهو بمثابة قول من يقول لا احتجاج إلا في قياس الصحابة ولولا إرادتنا الإتيان على جميع المسائل وإلا كنا نضرب عن أمثال هذا.
مسألة.
669- إذا ذهب معظم العلماء إلى حكم وخال فيه واحد منهم وكان من المعتبر في الخلاف والإجماع فلا ينعقد الإجماع مع خلافه.
وقال ابن جرير الطبري لا يعتد بخلافه ويسمى عاقا شاقا حجاب الهيبة وطرد هذا في الاثنين وسلم أن مخالفة الثلاثة معتبرة.
وكل ما ذكره مردود عليه فإن الإجماع هو الحجة والذي نحن فيه ليس بإجماع والثلاثة إذا نسبوا إلا ثلاثة آلاف كالواحد إذا نسب إلى ألف.
مسألة.
670- من فروع القول في اشتراط انقراض العصر من شرط انقراض العصر بالمجمعين فالمذهب الظاهر لهؤلاء أن علماء العصر لو أجمعوا ثم التحق بهم مجتهدون ناشئة في الزمن وخالفوهم والمجمعون الأولون مصرون وقد انقرضوا فالمسألة إجماعية فإن التلاحق لو كان يمنع انعقاد الإجماع مع فرض الخلاف من المتلاحقين لما استقرت ثقة بالإجماع فإن العلماء يتلاحقون وقال قائلون ممن شرط الانقراض خلاف المتلاحقين في بقاء المجمعين.
671- وهذا لعمري قياس هذه الطريقة وإن كان يفضى ذلك إلى عسر في تصوير الإجماع وإنما قلنا: القياس على اشتراط الانقراض هذا لأن اتفاق الأولين ليس إجماعا بعد بل الأمر موقوف فإذا خالف مخالفون كان هذا الخلاف واقعا قبل الحكم بانعقاد الإجماع فأما من لا يشترط الانقراض فلا شك أنه يجعل المخالفين خارقين للإجماع.
(1/279)

672- ومقصود هذه المسألة سؤال وجواب عنه فإن قال قائل: قد أحدث ابن عباس رضي الله عنه أقوالا خالف بها اتفاق جملة الصحابة وما كان ابن عباس في ابتداء العصر من أهل الإجماع فعلى ماذا يحمل ذلك؟ قلنا: لا محمل لتسويغ هذا إلا شيئان.
أحدهما: أن يقدر الصحابة رضي الله عنهم على تردد إلى أن استقل ابن عباس وأظهر مذهبه وكذلك كانوا في معظم مسائل الفرائض فهذا وجه.
والوجه الثاني: أن يفرض وقوع تلك المسائل في زمن بلوغه مبلغ الاجتهاد وقد كان يجري ابن عباس مذهبه مجرى من يبدى احتمالا ولا يعتقده وحمل على ذلك مذهبه في المتعة وتخصيص الربا بالنسيئة وقال عيسى بن أبان خلاف ابن عباس ومن تابعه من علماء الصحابة غير معتبر أصلا وهذا على الإطلاق باطل فإن فصل فالوجه ما قدمناه.
مسألة:
673- فشا في لسان الفقهاء أن خارق الإجماع يكفر وهذا باطل قطعا فإن من ينكر أصل الإجماع لا يكفر والقول في التكفير والتبرؤ ليس بالهين ولنا فيه مجموع فليتأمله طالبه نعم من اعترف بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلا إلى الشارع عليه السلام ومن كذب الشارع كفر.
والقول الضابط فيه: أن من أنكر طريقا في ثبوت الشرع لم يكفر ومن اعترف بكون الشيء من الشرع ثم أنكره كان منكرا للشرع وإنكار جزئه كإنكار كله والله أعلم.
نجز النصف الأول من كتاب البرهان بحمد الله المعين المستعان على يدي حاجبه كاتبه أبي زيد حمد بن جعفر بن بشار رحمه الله في النصف من شوال سنة إحدى وستمائة هجرية النبوية صلوات الله عليه بمحروسة دمشق حماها الله تعالى.
[هذه خاتمة الجزء الأول من النسخة "د"] .
(1/280)

المجلد الثاني
الكتاب الثالث: كتاب القياس
مدخل
...
الكتاب الثالث: كتاب القياس 1
676- القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة وهو المفضى إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة [مقصورة] ومواقع الإجماع معدودة مأثورة فما ينقل منهما تواترا فهو المستند إلى القطع وهو معوز قليل وما ينقله الاحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الاحاد وهي على الجملة متناهية ونحن نعلم قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها.
677- والرأي المبتوت المقطوع به عندنا أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى متلقى من قاعدة الشرع والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس وما يتعلق به من وجوه النظر والاستدلال فهو إذا أحق الأصول باعتناء الطالب ومن عرف مآخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصح من الاعتراضات عليها وما يفسد منها وأحاط [بمراتبها] جلاء وخفاء وعرف مجاريها ومواقعها فقد احتوى على مجامع الفقه.
678- وإن نحن خصصنا هذا الكتاب بفضل بسط فسببه مانبهنا عليه من عظم خطره واشتداد مسيس الحاجة إليه وابتنائه على أفضائه إلى مالا نهاية له مع انضباط مأخذه فليس النظر في الشرع مفوضا إلى استصلاح كل أحد فهي إذا متناهية الأصول غير متناهية الجدوى والفوائد وهذا قد يحسبه الفطن المبتدئ متناقضا وسيأتي القول فيه [مشروطا مشروحا] إن شاء الله تعالى.
679- ثم الذي يقتضيه الترتيب أن نبتدىء القول في ماهية القياس ثم نبتني عليه نقل [المذاهب] في اعتقاد صحته وفساده ونبين المختار عندنا حتى إذا ثبت وجوب القول بالقياس على الجملة رتبنا بعده تراجم الكتاب على نظام وخضنا في الوفاء ببيان الجمل والتفاصيل.
__________
1 القياس في اللغة: يطلق على تقدير شيء بشيء آخر فيقال قست الأرض بالمتر أي قدرتها به. ويطلق أيضا على مقارنة شيء بغيره لنعرف مقدار كل منهما بالنسبة للآخر ثم شاع استعمال القياس في التسوية بين الشيئين حسية كانت التسوية أم معنوية فمن الأولى قول القائل قست هذه الورقة بهذه الورقة بمعنى سويتها بها ومن الثانية قول القائل علم فلان لا يقاس بعلم فلان بمعنى لا يساويه أي لا يسوى به "الوجيز" "ص 192".
(2/3)

الباب الأول: القول في ماهية القياس
مدخل
...
الباب الأول: فصل: القول في ماهية القياس.
680- لما كان القول في الصحة والفساد والرد والقبول مبنيا على الإحاطة بماهية الشيء اقتضى الترتيب تقديم هذا الباب.
وإذا قيل لنا: ما القياس؟ عرفنا أولا أنا لم نسأل عن الصحيح والفاسد وإنما طولبنا بإثبات رسم مشعر بالقياس صحيحه وفاسده قطعيه وظنيه عقليه وشرعية فنذكر أقرب رسم يقرب من الوفاء بالاحتواء على الغرض ثم نذكر ما عداه ونبين وجه تطرق الاعتراض عليه ثم نختتم الفصل بأمرين بهما الختام والتمام.
681- فأقرب العبارات ما ذكره القاضي إذ قال:
"القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر يجمع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما"1.
فقوله: حمل معلوم على معلوم أراد به اعتبار معلوم بمعلوم وذكر المعلوم حتى يشتمل الكلام على الوجود والعدم والنفي والإثبات فإنه لو قال حمل شيء على شيء لكان ذلك حصرا للقياس في الموجودات وسبيل القياس أن يجري في المعدوم والموجود ثم فسر الحمل لما كان فيه ضرب من الإجمال عند تقدير الاقتصار عليه فقال في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما ثم لما علم أن [التحكم] بالحمل ليس من القياس [بسبيل] وإنما [القايس] من يتخيل جامعا ويبني عليه ما يبغيه مبطلا كان أو محقا ذكر الجامع فقال بجامع ثم صنفه إلى حكم وصفة في نفى أو إثبات فهذه ترجمة كلامه على الجملة.
682- وذكر غيره عبارات في [روم ضبط القياس نائية عن الصواب] فمن [مقرب] مع إخلال ومن مبعد.
والمعتبر في العبارات العبارة التي جمعها القاضي وكل من أتى بها فقد طبق.
__________
1 إرشاد الفحول "ص 198" وعزاه إلى الباقلاني في "المحصول" وقال اختاره المحققون منا.
(2/5)

غاية الإمكان ومن خرم شيئا منها تطرق إليه على قدر خرمه اعتراض على ما سنبين الآن.
683- قال بعض المتأخرين: القياس رد فرع إلى أصل بما يجمع بينهما وهذا فيه إيهام من الوجوه التي أخل بها من تقييدات كلام القاضي فإنه لم يتعرض للحكم الذي يطرد القياس له ولم يفصل الجامع.
684- وقال الأستاذ أبو بكر: القياس حمل الشيء على الشيء لإثبات حكم بوجه شبه وذكر الشيء يخرج الأقيسة المتعلقة بالنفي وكذلك ذكر إثبات الحكم لم يتعرض لنفيه.
وقد يزيد بعض الناس نفيه وهذه الطبقة وإن تطرق إلى كلامهم ضرب من الخلل فهم على المطلوب يحومون وإياه يبغون.
685- ونقل بعض أصحاب المقالات عبارات نائية عن جهة الصواب بالكلية فنقلوا أنه قال بعضهم: القياس إصابة الحق وهذا خرق وخروج عن الحق فإن من وجد نصا لا يسمى قايسا وإن أصاب الحق.
وقال بعضهم: القياس هو الاجتهاد في طلب الحق وهذا فاسد فإن من كان يجتهد في طلب نص ليس قايسا إلى غير ذلك مما لا نرى التطويل بذكره.
686- وأما ما نرى ختم الفصل به فشيئان:
أحدهما: أنا إذا أنصفنا لم نر ما قاله القاضي حدا فإن الوفاء بشرائط الحدود شديد وكيف الطمع في حد ما يتركب من النفي والإثبات والحكم والجامع فليست هذه الأشياء مجموعة تحت خاصية نوع ولا تحت حقيقة جنس وإنما المطلب الأقصى رسم يؤنس الناظر بمعنى المطلوب وإلا فالتقاسيم التي ضمنها القاضي كلامه تجانب صناعة الحد فهذا مما لا بد من التنبه له.
وحق المسئول عن ذلك أن يبين بالواضحة أن الحد غير ممكن وأن الممكن ما ذكرناه ثم يقول أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا والفاضل من يذكر في كل مسلك الممكن الأقصى فهذا أحد الأمرين.
687- والثاني: أن القياس قد يتجوز في إطلاقه في النظر المحض من غير تقدير فرع وأصل إذ يقول المفكر قست الشيء إذا افتكر فيه ولكن هذا تجوز.
(2/6)

أصل القياس اعتبار معلوم بمعلوم وإذا قال القائل قست الأرض فمعناه ذرعتها بمقياس مهيأ لذرعها وبيني وبين فلان قيس رمح أي قدر معتبر بقدر رمح فهذا منتهى القول في ذلك.
ونحن نذك بعده المقالات في رد القياس وقبوله وتفصيل القول فيه.
(2/7)

فصل: القول في ذكر المقالات في قبول القياس ورده.
688- الوجه أن نذكر المذاهب المتعلقة بالأصل ردا وقبولا ثم نذكر مسائل الخلاف على هذا المنهاج ثم نعقد بعد ذلك بابا في المذاهب [المقتضية رد] بعض الأقيسة الصحيحة عندنا وقبول بعضها.
فنبدأ بالكلام على الجملة ونقول في رسم التقسيم القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى عقلي وشرعي1 ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب.
689- فذهب بعضهم إلى رد القياس وقال [الناقلون] هذا مذهب منكري النظر والقول في إثباته يتعلق بفن من الكلام وقد أنهينا القول فيه نهايته.
690- وقال قائلون بالقياس العقلي2 والسمعي وهذا مذهب الأصوليين والقياسين من الفقهاء.
691- وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي وجحدوا القياس الشرعي وهذا مذهب النظام وطوائف من الروافض والإباضية3 والأزارقة4 ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات5 منهم فإنهم اعترفوا بأطراف من القياس.
692- وصار صائرون إلى النهي عن القياس العقلي والأمر بالقياس الشرعي
__________
1 إرشاد الفحول "ص 199".
2 أعلم أنه وقع الاتفاق على أنه حجة في الأمور الدنيوية قال الفخر الرازي كما في الأدوية والأغذية وكذلك اتفقوا على حجية القياس الصادر منه صلى الله عيه وسلم "الإرشاد" "ص 199".
3 الإباضية: أصحاب عبد الله بن أبي إياض الذي خرج في أيام مروان بن محمد له ترجمة في "الملل والنحل" للشهرستاني "ص 134, 135".
4 الأزارقة: أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق الذين خرجوا معه من البصرة إلى الأهواز فغلبوا عليها وعلى كورها وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير "المصدر السابق" "ص 118, 119".
5 أصحاب نجدة بن عامر الحنفي وقيل عاصم ويقال لهم العاذرية لأنهم عذروا بالجهالات في أحكام الفروع وقال الكعبي أجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط وإنما عليهم أن يتناصفوا فيما بينهم فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه فأقاموه جار. "الملل والنحل" "ص 122, 125".
(2/7)

وهذا مذهب أحمد بن حنبل1 والمقتصدين من أتباعه فليسوا ينكرون إفضاء نظر العقل إلى العلم ولكنهم ينهون عن ملابسته والاشتغال به.
693- وذهب الغلاة من الحشوية2 وأصحاب الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي.
694- وأنا أقول: أطلق النقلة القياس العقلي فإن عنوا به النظر العقلي فهو في نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس الشرعي متقبل [شرعا] معمول به إذا صح على السبر اللائق به كما سيأتي شرح ذلك في أبواب الكتاب إن شاء الله تعالى.
وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى من شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له وليس في المعقولات قياس [وقد فهم عنا ذلك طالب المعقولات] .
والأمر المختص بهذا الفن الكلام في الأقيسة الشرعية وذكر الخلاف المتعلق بجملتها.
695- فقد ذهب النظام3 ومن تابعه من الضلال4 والحشوية إلى إنكار القياس الشرعي والذين ردوا القياس اختلفوا في طريق رده فقال بعضهم الخوض فيه قبيح لعينه.
696- وقال آخرون: في التعبد به منع الناس من المسلك الأقصد الأسد وعنوا به أن التنصيص على مواقع الإشكال أقطع للنزاع وأرفع للدفاع وأجلب للطمأنينة وأنفى لرهج الخلاف وأدعى إلى الائتلاف ويجب على الله تعالى
__________
1 أحمد بن حنبل أبو عبد الله المروزي البغدادي الإمام الشهير صاحب "المسند" و "الزهد" وغير ذلك. كان من كبار لائمة الحفاظ ومن أحبار هذه الأمة مات سنة "241" له ترجمة في"تاريخ بغداد "4/412" والعبر "1/435" والنجوم الزاهرة "2/304" ووفيات الأعيان "1/17".
2 سبق التعريف بهذه الفرقة.
3 من المعتزلة.
4 كـ: جعفر بن حرب وجعفر بن حبشة ومحمد بن عبد الله الإسكافي وتابعهم على نفيه في الأحكام داود الظاهري. "إرشاد الفحول" "ص 200".
(2/8)

وجوب الحكمة أن يستصلح عباده فيما يتعلق بأمر الدين.
697- وقال قائلون الأقيسة متفاوته لا قرار لها في المظنونات وإنما يرجح الظن على حسب القرائح [وكل يظن أمرا] يليق بمبلغ فكره.
698- وقال قائلون: في أصول الشريعة ما لا يصح على السبر كإيجاب العقل على العاقلة وإيجاب ذبح البهائم البريئة بسبب ارتكاب المكلف محظورات الحج واسترقاق أولاد الكفار وإن حكم لهم بالإسلام مع السبي ثم تبقى وصمة الرق في نسلهم ما توالدوا على الإسلام قالوا: فلا وجه والحالة هذه إلا اتباع النصوص.
699- وذهب من نفاة القياس طائفة إلى أنه مردود بنصوص الكتاب والسنة.
ونحن نذكر مسلك كل فريق ونتتبعه بالنقض ونرسم مسألة في جواز التعبد بالقياس [فإذا نجزت عقدنا بعدها المسألة الكبرى في وقوع التعبد بالقياس] .
مسألة: [في جواز التعبد بالقياس] .
700- ذهب علماء الشريعة وأهل الحل والعقد إلى أن التعبد [بالقياس] في مجال الظنون جائز غير ممتنع وقد ذكرنا مذاهب المخالفين في الجواز فأما من ذهب إلى أن الخوض فيه والأمر به قبيح لعينه فقد تعلق بأن الظنون أضداد العلوم وضد العلم في معنى الجهل والجهل قبيح لعينه وهذا مبنى أولا على التقبيح والتحسين بالعقل وقد صدرنا هذا المجموع بالرد على القائلين بذلك بما فيه مقنع ثم لو قدرنا تسليم ذلك جدلا فهذا باطل من أوجه.
منها: أن الغفلة والغشية والبهيمية أضداد منافية للعلوم وهي من خلق الله تعالى ومن رأى هؤلاء أن الله تعالى لا يخلق قبيحا ثم ذكروه جحد للشريعة فإن من أنكر ربط الأقضية والحكومات بالشهادات المستندة إلى بحث قريب وسبر يسير لا يطلع على الباطن من أحوال الشهود فقد أنكر قاعدة من الشرع عظيمة لا يبوء بجحدها من وفر الإسلام في صدره وكذلك قول المفتين مظنون عند المستفتين والتعويل على قول الثقات في أحكام المعاملات وتصديق الأثبات في أمن السبل والطرقات لا ينكره عاقل فإذا أعضلت الإشكالات وتعارضت الاحتمالات فالرجوع إلى غالب الظن في كل فن دأب ذوي البصائر وهو من ثمرات العقول فكيف يعد من مستقبحاتها ومعظم وجوه الرأي والنظر في العواقب ظنون ومتى لم يتبع صاحبه أرشدها لزم أن يفعل ما يتفق وهو الخرق بعينه نعم الاكتفاء بالظن.
(2/9)

مع القدرة على ثلج الصدر وطمأنينة النفس [قد] يعد قصورا أو تقصيرا وخصومنا لم يبدوا في مواقع أقيستنا مسالك في اليقين ينتحونها وإنما يبغون رد جنس الظنون حيث لا يرجعون فيه إلى يقين والنظر يضاد العلم وهو واجب والشك المتقدم على النظر عند أبي هاشم حسن وهو الداعية الجالبة لافتتاح النظر.
فهذا وجه الرد على من قبح الخوض فيه لكونه نقيض العلم لعينه.
701- وأما من قال: في حمل الخلق على ملتطم الظنون وحجرهم [عن] درك اليقين ترك استصلاحهم والاستصلاح في الدين محتوم فهذا مبني على التحسين والتقبيح وقد ظهر بطلان مذهبهم فيهما.
ثم ما ذكروه باطل بقواعد العقائد فإنها منوطه بدقائق النظر ولا يتوصل إلى أدراكها إلا الأكياس من طبقات الناس ثم انقسام طباق الخلق يوجب ازورار طرقهم في [وجوه] النظر ومجاري أحوالهم [في ذلك] أصدق الشواهد والمحن وهو سبب افتراق الفرق ثم معظم الخليقة لا يبغون الحقيقة بل يرجحنون إلى التقليد ولو حمل الله الخلق على الحق المبين بآية تظل لها الرقاب خاشعة لأوشك ألا يتفرقوا.
ولا يغنى مما ألزمناهم قول القائل: مسالك العقول [عتيدة] والبراهين موجودة والشواهد مشهودة وطرق الصواب معدودة فإن كل ناظر يزعم أن مسلكه الحق وقوله الصدق.
ثم إنما كان يستقيم ما ذكروه لو دعونا إلى اليقين وزيفوا بسببه طرق الظنون فأما وهم بعد رد القياس لا يرجعون إلى يقين ومعقل في الدين حصين وغايتهم التعطيل والتبطيل والانسلال عن ربقة التكليف والانحلال عن ربط [التصريف] وترك الناس سدى يموج بعضهم في بعض على موعد وخبر وقول مزخرف وإمام منتظر فلا يدعو إلى الخروج من محاسن الشريعة إلى هذه المسالك إلا هازئ بنفسه مستهين بدينه.
702- و [أما] من قال: الأقيسة لا قرار لها وفنون النظر على حسب الفكر فقصاراه آيل إلى تقبيح الظن وإيجاب الاستصلاح وشرع اليقين وقد تكلمنا على المسلكين.
ثم الأمر ليس على ما تخيلوه بل للظنون المرعية والأقيسة المعتبرة الشرعية.
(2/10)

المرضية روابط وضوابط لا يعرفها إلا الغواصون على ما سيأتي تفصيلها إن شاء الله تعالى.
ومن حمل كل ظن على جودة القريحة وحدة الطبع فقد أنكر وجه الرأي وتقريب أرباب الألباب وتطلعهم بالفكر الصائب على حجب الغيوب ولو قيل هو عماد الصلاح في الدين والدنيا ودعامة المراشد لم يكن بعيدا والشارع فيما استن كالعاقل الذي يمهد للطلبة طرق الحكمة ومسالك النفع والدفع ثم يكلهم إلى إتعاب الفكر النقية عن الأقذاء والكدر.
ثم إن أضربوا [عما] رأيناه واجتنبوه فهل معهم يقين ادعوه؟ أم الغرض قطع النظر عن بقية المراشد وانتحاء المقاصد وغمس الناس في غمرات [المتاهات] .
وعلى كل الحالات التشوف بالظن إلى الخير اجتناب الضير أحرى من حل الرباط وقطع أسباب الاستنباط وتخيير الخلق بين التفريط والإفراط.
703- وأما من أشار إلى أن قواعد في الشرع لا تعقل معانيها كضرب العقل على العاقلة واسترقاق الأطفال.
فهذا القائل يتشبث بالوقيعة في الشريعة واتخاذ هذه الجهات إلى المطاعن ذريعة والقياس يعترف بالوقوف عند هذه المواقف وانقسام الشرع إلى ما يجري فيه الأقيسة وإلى ما يجب فيه الانحصار والاقتصار على موارد النصوص فلا يجب من وقوف الرأي في مسلك انحسامه من جميع الوجوه وذلك مستبين بما يعرض للإنسان في مآربه وأوطاره فقد يتغشاه عماية ويستبهم عليه عاقبتها وقد يلوح له وجه الصواب فيما يأتي ويذر ثم العقل لا يحسم طريق الرأي لاستعجامه في بعض الوجوه فقد بطل جميع ما حاولوه.
704- وأما من ادعى أن القياس مردود بنصوص القران العظيم فقد ادعى أمرا محالا وغايته التلبيس بذكر آية ما سيقت لما دفعنا إليه كقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 1 إلى غير ذلك والمراد أن ينهى عن الحيد عن مدرك اليقين مع إمكانه ومجاوزة مراسم المراشد بالحدس والتخمين.
ونحن لا ندعو إلى كل ظن ثم التمسك بالمجملات أو بالظاهر في مواضع.
__________
1 آية "36" سورة الإسراء.
(2/11)

القطع باطل ونعارض ما ذكروه بالآي الدالة على الأمر بالنظر والاستحثاث على الاعتبار ويتطرق إلى ما يعارضون به من الأعتراضات ما تطرق إلى ما استدلوا.
705- فإن قالوا: وجوب العمل معلوم عندكم مقطوع به وهذا العلم مرتب على الظن ويستحيل أن ينتج الظن علما.
قلنا: الأقيسة لا تقتضي العلم بوجوب العمل لأعيانها والعمل لا يقع بها وإنما يقع عندها والعلم بوجوبه مستند إلى أدلة قطعية [سنبديها] وقد تقرر هذا الفن في مواضع من هذا الكتاب.
706- ومن تمويهاتهم في ذلك قالوا: إذا لم يمتنع انتهاض الظن علما بالعمل فينبغي [أن] تبعدوا أن ينتصب الظن علما في العلم بوقوع الرؤية.
قلنا لو قام دليل قاطع على أن وقوع الظن علم ينصبه الله تعالى لوقوع شيء رؤية كانت أو غيرها لم يبعد ذلك ومستند العلم ناصب الظن لا عينه.
707- والذي تمسك به النظام ورهطه وهو معتصم القوم أن العقول لا تدل على وجوب العمل بالظنون وإنما يبغي الناظر ذلك إن كان من مآخذ السمع ثم لا يقع الاكتفاء بالظواهر فإن إثبات القياس عند القائلين به مقطوع به وقواطع السمع نص الكتاب أو نص السنة المتواترة وليس في إثبات القياس نص كتاب ولا نص سنة متواترة.
والإجماع قد نفاه النظام [أصلا] وزعم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوا الناس إلى اتباع الإجماع وراموا أن يتخذوا رءوسا فقرروا الإجماع وأسندوا إليه ما يرون وأخذوا يحكموا مسترسلين فيما لا نهاية له وأصول الشريعة مضبوطة.
ومن قال بالإجماع يقول: القول بالقياس مختلف فيه ومعظم الأمة على رده فادعاء الإجماع فيه محال ولا نص ومسالك العقول منحسمة فلم يبق بالقول على القياس دليل.
وربما عضدوا ذلك بأن يقولوا: الأمارات التي يستنبطها القياسيون لا تقتضي الأحكام لأعيانها فإن الشدة المطربة التي يعتقدها القياسيون علة في تحريم الخمر كانت ثابته قبل الشرع وفي الملل السالفة ولا تحريم وكانت الخمر مباحة في بدء الإسلام مع قيام الشدة والإطراب والقايس لا يتوهمها موجبة لعينها وإنما يتوهم نصب.
(2/12)

الشارع لها وليس في العقل ولا قواطع السمع ما يدل على ذلك.
708- قلنا: مستند وجوب العمل بالقياس الإجماع وما ذكره النظام كفر وزندقة ومحاولة استئصال قاعدة الشرع لأنه إذا نسب حامليها إلى ما هذى به فبمن يوثق وإلى قول من يرجع؟ وقد رد القياس وطرد مساق رده إلى الوقيعة في أعيان الأمة ومصابيح الشريعة فإذا لا نقل ولا استنباط ولا تحصل الثقة على ما قاله بآي القران فإنه لا يبعد على المنكر الجاحد إدعاء ما قاله في التحريف والتصريف وكتم البعض وتغيير مقتضى البعض فلم تختص غائلته ومماراته بالقياس بل عمت قاعدة الشريعة.
709- وأما من اقتصر في قطع ارتباط القياس بالإجماع على قوله: القياس مختلف فيه فادعاء الإجماع في محل النزاع محال.
فأنا نقول لهؤلاء: إنما كان يستقيم ما ذكرتموه لو كنا نحتج عليكم بإجماع أهل الزمان المشتمل عليكم فأما متمسكنا فإجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من أئمة التابعين إلى أن نبغت الأهواء واختلفت الاراء على ما سنقرره الآن فخلافكم مسبوق بالإجماع ولا مبالاة به.
710- فهذي قواعد منكري القياس وعيون شبههم وقد تقرر الفراغ من الرد على من ينكر جواز التعبد بالقياس وأوضحنا الرد على من زعم أنه لا طريق إلى إثباته بقاطع عقلي أو سمعي وقد حان الآن أن نبين وقوع التعبد بالقياس وانعقاد الإجماع على العمل به.
(2/13)

فصل: في وقوع التعبد بالقياس بعد بيان الجواز.
فنقول والله المستعان:
711- نحن نعلم قطعا أن الوقائع التي جرت فيها فتاوى علماء الصحابة وأقضيتهم تزيد على المنصوصات زيادة لا يحصرها عد ولا يحويها حد فإنهم كانوا قايسين في قريب من مائة سنة والوقائع تترى والنفوس إلى [البحث] طلعة وما سكتوا عن واقعة صائرين إلى أنه لا نص فيها والآيات والأخبار المشتملة على الأحكام نصا وظاهرا بالإضافة إلى الأقضية والفتاوى كغرفة من بحر لا ينزف.
وعلى قطع نعلم أنهم ما كانوا يحكمون بكل ما يعن لهم من غير ضبط وربط،
(2/13)

وملاحظة قواعد متبعة عندهم وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله تعالى فإن لم يصادفوه فتشوا في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجدوها اشتوروا ورجعوا إلى الرأي.
712- والذي يوضح ما ذكرناه أنهم مع اختلاف مذاهبهم في مواقع الظنون ومواضع التحري ما كانوا ينكرون أصل الاجتهاد والرأي وإنما كان بعضهم يعترض على بعض ويدعوه إلى ما يراه هو ولو كان الاجتهاد حائدا عن مسالك الشريعة لأنكره منهم منكر وإذا لاح المعنى فترديد العبارات عنه هين. ونحن نوضح المقصد بأسئلة وتخييلات وأجوبة عنها:
713- فإن قيل: قد صح من بعضهم التغليظ على بعض في مسائل كقول ابن عباس في رد العول مع من كان يكلمه وقولهم في الرد عليه وقد صح انتهاء القول إلى المباهلة [في] الأقاصيص المشهورة.
قلنا: لم ينكر أصل الاجتهاد أحد منهم وإنما كانوا ينتاظرون في الذب عن وجوه الاجتهاد والدعاء إلى غيرها من الاجتهاد وكانوا مجمعين على الأصل مختلفين في التعيين والتفصيل نحو اختلاف علماء الدهر.
714- فإن قيل: غايتكم في هذا ادعاء اجتهاد بعضهم وسكون الباقين وقد ذكرتم في مسائل الإجماع أنه لا ينسب إلى ساكت قول.
قلنا: هذا باطل من أوجه منها أنه لم يخل أحد من علماء الصحابة من الاجتهاد في مسائل وإن لم ينقل عنهم الاجتهاد في مسألة واحدة فقد صح النقل المتواتر في مصير كل واحد منهم إلى أصل الاجتهاد في مسائل قضى فيها أو أفتى بها ثم أحداث قاعدة في الشريعة تستند إليها الأحكام بل يصدر عنها معظم الشريعة مما لا يجوز السكوت عليه لو لم يكن ثابتا وإنما يسوغ السكوت عن المظنونات وليس من تكلم في القياس ردا وقبولا ممن يجترئ بالظن بل كل فريق قاطعون بما يذكرون ويعتقدون وقد ذكرنا مسألة الانتشار وأنه لا يجوز السكوت مع طول الزمان وتذاكر أهله ولو كان الأمر مظنونا فكيف يسوغ في مطرد العرف تصرف علماء الصحابة في مذاهب الاجتهاد على الدوام من غير فتور فيه ثم يسكت عنه من يعتقد بطلانه.
715- فإن قالوا: بم تنكرون على من يزعم أنهم كانوا يتلقون الأحكام من استنباطات من الظواهر والعمومات وفحوى الخطاب.
(2/14)

قلنا: لا أصل لهذه المقالة وهي كمحاولة تسبيع الغزالة [فأنى تفي] الظواهر ومقتضياتها بالأحكام التي طبقت طبق الأرض والأقضية التي فاتت الحد والعد وقد أوضحنا بالنقل المتواتر عنهم أنهم كانوا يقدمون كل متعلق بنص وظاهر ثم كانوا يشتورون وراء ذلك ويثبتون الأحكام على وجوه الرأي واعتبار المسكوت عنه بالمنصوص عليه.
716- فقد تبين بمجموع ما ذكرناه إجماع الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم على العمل بالرأي والنظر في مواقع الظن ومن أنصف من نفسه لم يشكل عليه إذا نظر في الفتاوى والأقضية أن تسعة أعشارها صادرة عن الرأي المحض والاستنباط ولا تعلق لها بالنصوص والظواهر.
717- فإن قالوا: قد روى عن جمع من أئمة الصحابة رد الرأي والرد على القائلين به قال أبو بكر1 رضي الله عنه: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ "2 وقال ابن مسعود3 رضي الله عنه: "لو عملتم بالرأي لحللتم كثيرا مما حرم الله وحرمتم كثيرا مما أحل الله تعالى"4 إلى غير ذلك من أفراد اثار فقد عورضوا بأضعافها وذكروا أولا إشارة الرسول عليه السلام إلى القياس في الأخبار.
منها: ما روى أنه عليه السلام سئل عن قبلة الصائم، فقال للسائل: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته" 5 فكان ذلك منه قياسا للقبلة على المضمضة وقال عليه السلام لضباعة الأسدية وقد ذكرت له حجا على أبيها وسألته عن إمكان أدائه فقال: "أرأيت لو كان على أبيك دينا أكنت تقضينه؟ " 6 قالت: نعم، قال: "فدين الله أحق بالقضاء"، وقول ابن مسعود7 في حديث بروع8 بنت واشق وقد كانت فوضت بعضها فردد ابن مسعود السائل شهرا ثم قال:9 "إني أقول فيها [برأيي] .
__________
1 سبقت ترجمته.
2 صدره ابن ماجه في "الزكاة" باب "11" وشرح السنة "6/66".
3 سبقت ترجمته.
4 الفقيه والمتفقه "1/182".
5 كذا هنا "الأسدية" ولم أقف عليها.
6 رواه بنحوه: البخاري "1513, 1854, 1855, 6228, 6699",ومسلم في "الصوم" "1148".
7 سبقت ترجمته.
8 بروع بنت واشق الرواسية الكلابية أو الأشجعية زوج هلال بن مرة لها ترجمة في "الإصابة" "4/215/174".
9 أبو داود في "النكاح" "2114" والترمذي في "النكاح "1145" وقال حسن صحيح والنسائي في "النكاح" "450" وأحمد "1/447", "2/11", "280".
(2/15)

فإن أصبت فمن الله تعالى وإن أخطأت فمني ومن الشيطان أرى لها مثل مهر نسائها لا وكس1 فيه ولا شطط2.
718- قال الإمام: ومن رام منا أن ننقل اجتهادات الصحابة بطريق الاحاد فقد [تكلف] أمرا عسرا فإن ما ثبت النقل فيه تواترا عسر النقل فيه من طريق الاحاد ومن أراد أن ينظم إسنادا عن الأثبات بالعنعنة أن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يصلي الفجر ركعتين لم يتمكن منه وهذا يناظر في المعقولات محاولة إثبات الضروريات والمحسوسات بطريق المباحثات فإنه معوز لا سبيل إليه وقد اضطررنا وكل منصف [معنا] إلى العلم بأن الذين [مضوا] كانوا يسندون جل الأحكام إلى النظر والرأي وكيف يطمع الطامع في معارضة ذلك بألفاظ محتملة ينقلها الاحاد ولو كانت نصوصا لما عارضت التواتر.
719- ثم ما تمسكوا به من قول الصديق3 وابن مسعود4 رضي الله عنهما لا حجة فيه فأما الصديق فإنه قيد كلامه بالرأي في كتاب الله تعالى وأراد به مخالفة المفسرين الذين إلى قولهم الرجوع وهذا ممنوع عندنا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال في القران برأيه فليتبوأ مقعده من النار" 5 فلا حجة إذا فيما رووه عن الصديق رضي الله عنه.
وأما قول ابن مسعود فلا متعلق له فإن فيه ما يدل على أن الرأي المجرد لا يطرد إذ قد يلقاه من أصول الشرع ما يمنعه من الجريان فعلى كل ناظر ألا يتبع رأيه المحض حتى يربطه بأصول الشريعة ومن أعمل الرأي المجرد أحل وحرم على خلاف الشريعة فلا حجة إذا في قوله.
720- واحتج الشافعي6 ابتداء بحديث معاذ بن جبل7 رضي الله عنهما.
__________
1 وكس: نقصان.
2 سبقت ترجمته.
3 سبقت ترجمته.
4 سبقت ترجمته.
5 الترمذي "2950, 2951" وقال في الأول حسن صحيح وفي الثاني حسن وأحمد "1/233, 269" وشرح السنة "1/257, 258".
6 واحتج أيضا بقوله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} قال فهذا تمثيل الشيء بعدله. "إرشاد الفحول" "ص 201".
7 معاذ بن جبل بن عمر أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي السلمي المدني كان من أعيان الصحابة وأفرادهم وإليه المنتهى في العلم والفتوى والحفظ والقرآن قال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم – عيه الصلاة السلام – أمة قانتا لله حنيفا مات في طاعون عمواس بالأردن سنة 18. له ترجمة في "أسد الغابة" "5/194", والإصابة "3/406", والعبرة "1/22", وشذرات الذهب "1/29".
(2/16)

قال له الرسول عليه السلام لما بعثه إلى اليمن ["بم تحكم يا معاذ؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: بسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد؟ "، قال: أجتهد رأيي، فقال عليه الصلاة والسلام: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضاه رسول الله"] وهو مدون في الصحاح وهو متفق على صحته1 لا يتطرق إليه التأويل فإنه رضي الله عنه انتقل من الوحي والتنزيل إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انتقل منهما عند تقديره فقدهما إلى الرأي ولا يجوز أن يقال: أراد بالرأي رأي استنباط من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام فإن ذلك لو كان على هذا الوجه لكان متعلقا بالكتاب والسنة.
721- فإن قيل: خبر الواحد لا يقتضي العلم وإثبات القياس يقتضي أمرا مقطوعا قلنا قد ثبت عندنا بالقواطع العمل بخبر الواحد كما قد تقرر في صدر كتاب الأخبار وعرفنا من طريق التواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أخبر معاذا أن العمل بالرأي سائغ وأخبر معاذ الذين أرسل إليهم أن النبي عليه السلام أخبرني أن العمل بالرأي إذا لم تكن الواقعة في كتاب ولا سنة واجب كانوا يتبعونه ولو روى الصديق أو غيره من أئمة الصحابة على رؤوس الإشهاد أن الرسول عليه السلام شرع القياس والعمل به لكان الذين لم يبلغهم ذلك يتلقونه بالقبول ويبتدرون إلى القياس ويسارعون إلى تمهيد قواعده وسبله وإذا كان القياس مغزاه العمل فالدال عليه دال على العمل فلا فرق بين أن يستند القياس إلى قاطع بدرجة وبين أن يستند إليه بدرجات.
722- فهذا منتهى ما أردناه في إثبات [القياس وإثبات] تجويز التعبد بالقياس والرد على منكريه وإثبات وقوع ما أثبتنا جوازه وتتبع اعتراضات الحاحدين فيه ونحن نذكر بعد ذلك مسلك النهرواني والقاساني وابن الجبائي في تفصيل ما يقبل ويرد من النظر.
مسألة:
723- ذهب النهرواني والقاساني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان:
أحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به ولهذا صيغ منها ربط. الحكم
__________
1 أبو داود في "الأقضية" "11", وأحمد "5/230, 236, 242".
(2/17)

بالأسماء المشتقة كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 1 وقوله سبحانه وتعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} 2 فما منه اشتقاق الاسم في فحوى الكلام منصوب علما.
ومن هذا القبيل ما روى أنه سها فسجد وزنى ما عز فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم [فالفاء] تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك مشعر بالتعليل إلى غير ذلك مما يأتي مفصلا في ترتيب الأبواب فهذا أحد الأمرين.
وربما يلحقون بهذا الفحوى نحو قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 3 ففحوى النهي عن التأفيف يمنع ما يزيد عليه من التعنيف والضرب والإهانة.
724- والأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه وهو كقوله عليه السلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" 4 ثم قالوا لو جمع جامع بولا في كوز وصبه في الماء الراكد لكان في معنى البول في الماء.
وما عدا هذين من سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء.
725- وأما أبو هاشم فقد قال بهذين الوجهين وزاد وجها ثالثا وقال إذا ثبت أن المكلف مطالب بشيء واعتاص عليه الوصول [إليه] يقينا فاعلم أنه مأمور يبذل المجهود [في طلبه] والتمسك بالأمارات المفضية إلى الظنون فيه ومثل هذا القول بوجوب طلب استقبال القبلة عند إشكال جهاتها فقال يتعين طلبها بالتمكن من جهة الظن ولما أوجب الله تعالى المثل في الجزاء ولم يبينه لنا تبينا أنه كلفنا طلب المثل لما قال تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} 5.
726- فنقول ما اعترفتم به أنتم مساعدون عليه وهو يلتحق بقبيل النصوص والظواهر والمباحثة وراء هذه الجهات أفتزعمون أن الفتاوى والأقضية في الأعصار الخالية تنحصر في هذه الجهات؟ فإن قلتم بذلك فقد باهتم وعاندتم مدارك الضرورات فإن ما في النصوص إشعار بتعليله ملتحق بالظواهر وما نراه يبلغ في الكتاب والسنة مائة عدد وما يذكره أبو هاشم معوز النظير في موارد الشرع والأحكام.
__________
1 آية "38" سورة المائدة.
2 آية "2" سورة النور.
3 آية "23" سورة الإسراء.
4 البخاري "1/69" ومسلم في "الطهارة" "95" وأبو داود "69" والنسائي "1/49" والترمذي "68" وأحمد "2/259, 265, 246".
5 آية "95" سورة المائدة.
(2/18)

الجارية في نوادر الوقائع قد عدت العد وجاوزت الحد فأين يقع ما ذكره مما جرت فيه فتاوى المفتين؟ وينجر الكلام إلى المسلك المقدم في المسألة الأولى فإن أبدوا شبهة لم يخل من الوقوع في أحد الشقين: إما أن يتعرض لمنع جواز التعبد بالقياس وقد مر القول فيه مستقصى وإما أن يتعرض لعدم الوقوع مع الاعتراف بالجواز وقد تقدم القول البالغ في ذلك فما استفاد هؤلاء بما أودوه إلا اعترافا بمسائل معدودة والدليل عليهم قائم فيما أنكروه.
727- ثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه وأبدوا لهم صفحة الخلاف وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به وقالوا: لم قلتم إن ما عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعليله في حق البعض فتلك العلة مطردة على الكافة مع القطع بأنها لا تدل لنفسها وإنما تدل بنصب ناصب إياها علما ولا يجب من نصبه علما في حق زيد انتصابه في حق عمرو ولو قال الرجل لمن يخاطبه: بع عبدي هذا فإنه سيء الأدب فإنه يبيعه بحكم الإذن فلو أساء عبد آخر أدبه لم يبعه جريا على تعليله بيع الأول بإساءة الأدب.
فإن قالوا: إذا قال الرجل لولده: لا تأكل هذه الحشيشة فإنها سم اقتضى ذلك نهيه عن تعاطي كل سم.
قلنا: ليس ذلك من حكم اللفظ ولكن ما أظهر من الإشفاق والحث على الحذار من مواقعة الضرر هو الذي اقتضى تعميم الأمر وقد قال المحققون لولا ما تحقق في سياق الخطاب من قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 1 من نهاية الحث على البر لما أبعدنا النهي عن التأفيف مع الأمر بضرب العنق وقد يأمر السلطان بقتل الرجل المعظم ويتقدم إلى الجلاد بألا يستهين به قولا وفعلا.
728- والغرض مما نذكره يتبين الآن بأمر هو الشأن كله فنقول.
إن تجرد اللفظ عن القرائن فالقياس بماذا ولا مفزع في إثباته إلا ما اعتصمنا به في إثبات وجوب النظر فإن [تمسكوا به ساقهم إلى القول بوجوب النظر] فإن مواقع فتاوى [المفتين] ليست مختصة بما ذكروه وإن اقترنت باللفظ قرينة أوجبت التعميم.
والذي قبلوه إذا موجب اللفظ وقضية ظاهره وليس من أبواب النظر في ورد ولا صدر فال حاصل الكلام قولهم بتعيين الظواهر.
__________
1 آية "23" سورة الإسراء.
(2/19)

729- فإن قيل: أنتم لا تصححون أيضا كل نظر ومتعلقكم فيما تصححونه الإجماع من الأولين فلا تنقلون فيه لفظا جامعا مانعا حتى يكون مرجعكم فيما تأتون وتذرون وتصححون وتبطلون وإلا فالأقاصيص المتفرقة لا ضبط لها فكيف ينضبط لكم منها ما يصح وما يفسد فقد اعترفتم بأن لا مدرك غير التعلق بما صدر منهم وهذا سؤال مشكل لا يتأتى الجواب عنه في معرض الأجوبة عن الأسئلة ولكن القدر المتعلق بمقصود المسألة:
أنا نعلم ضرورة أن النظر الذي حكموا به زائد على ما اعترف هؤلاء به بأضعاف مضاعفة وآلاف مؤلفة فقد ثبت نظر أنكروه وليس من شرط توجه الكلام عليهم أن نذكر [مأخذنا] في التصحيح والإفساد ولو حاولنا ذلك لم نتوصل إليه إلا بذكر أسباب وتبويب أبواب ورب كلام لا يبينه إلا التفصيل.
وتفصيل ما يصح ويفسد [واستناد] كل دعوى فيها إلى الحق هو لباب القياس ونحن نضمن للناظر الموفق إلا يتنجز الكتاب وفي صدره غلة لم يشفها وعلة لم يداوها والله المستعان.
وقد تنجز الكلام الآن على الجملة وجاز أن نرسم بعده تقاسيم تشير إلى أغراض الكتاب يتخذها الطالب دستوره والله ولي التوفيق.
(2/20)

الباب الثاني: القول في تقاسيم النظر الشرعي
مدخل
...
الباب الثاني: القول في تقاسيم النظر الشرعي.
730-[اعلم أن] النظر العقلي لا يفي [بتراجم] أبوابه وذكر مباديه وأسبابه هذا المجموع فالغرض الآن إذا مردود إلى النظر الشرعي.
ومجامعه إلحاق الشيء [المسكوت] عنه بالمنصوص عليه والمختلف فيه بالمتفق عليه لكونه في معناه أو تعليق حكم بمعنى مخيل به مناسب له في وضع الشرع مع رده إلى أصل ثبت الحكم فيه على وفق نظر وربط حكم كما ذكرناه من غير أن يجد الناظر أصلا متفق الحكم يستشهد عليه وهذا هو المسمى الاستدلال [وتشبيه الشيء بالشيء لأشباه خاصة يشتمل عليها] من غير التزام كونها مخيلة مناسبة وهو المسمى قياس الشبه فهذه وجوه النظر في الشرع.
731-[فأما] إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به لكونه في معناه فمن أمثلته أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل به"1 فجمع البول في إناء وصبه في الماء في معنى البول فيه.
ومنها قوله عليه السلام: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" 2 فجرى ذكر العبد والأمة في معناه.
ونص الرسول عليه السلام في حديث عبادة بن الصامت3 على إجراء الربا في البر والشعير والتمر والملح وقال القاضي: الأرز في معنى البر والزبيب في معنى التمر وهذا [القسم] يترتب على ما سيلفى مشروحا.
__________
1 سبق تخريجه.
2 البخاري "2/111, 118", ومسلم "5/95, 96", وأبو داود "394, 3945", والترمذي "1/252" والنسائي "2/234" ابن ماجه "2528", وأحمد "2/2, 15, 77, 105,112, 142, 156".
3 عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي أبو الوليد قال ابن سعد كان أحد النقباء بالعقبة وشهد المشاهد كلها بعد بدر مات بالرملة سنة "34" له ترجمة في "الإصابة "2/268, 269/4497".
(2/21)

732- والقدر اللائق بغرضنا: أن نثبت ما يعلم ثبوته على اضطرار من غير حاجة [إلى نظر] واعتبار وهو كإلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه وما أنكر هذا الجنس إلا حشوية لا يبالى بقولهم وهم في الشرع كمنكرى البدائه في المعقولات وهؤلاء داود وطائفة من أصحابه وقد قال القاضي لا يعتد بخلاف هؤلاء ولا ينخرق الإجماع بخروجهم عنه وليسوا معدودين من علماء الشريعة.
733- ومن هذا الفن ما يحتاج فيه إلى فكر قريب وهو ينقسم إلى الجلي البالغ وإلى ما ينحط عنه:
فالجلي: كإلحاق الأمة بالعبد في الحديث الذي ذكرناه وسبب الوضوح أن ما منه اشتقاق العبد يتحقق في الأمة فإذا العبودية تجمعها وقد يقال: عبدة للأمة فإذا انضم هذا إلى علم العاقل باستواء أثر العتق في العبد والأمة واعتقاد تماثل السريان فيهما وتشاكل عسر التجزئة ترتب على ذلك القطع بتنزيل الأمة منزلة العبد.
734- وما يتخلف الاشتراك عنه في معنى الاسم فهو دون ما ذكرناه وإن كان معلوما فهو كتنزيل [نبيذ] الزبيب منزلة [نبيذ] التمر لو صح حديث ابن مسعود في الحكاية المروية ليلة الجن ولا يأبى هذا [الإلحاق ذو] حظوة من التحصيل ولسنا نرى إلحاق الأرز بالبر في الربويات من قبيل القطعيات وإلحاق الزبيب بالتمر أقرب وليس مقطوعا به من قبل أن التمر قوت غالب عام فقد يرى الشارع فيه استصلاحا ولم يبلغنا أن أمة من الأمم كانت تجتزئ بالزبيب.
مسألة:
735- ما علم قطعا بهذه الجهات التحاقه بالمنصوص عليه فلا حاجة فيه إلى استنباط معنى من مورد النص وبيان وجود ذلك المعنى في المسكوت عنه بل العقل يسبق إلى القضاء بالإلحاق ويقدره بالمنصوص عليه وإن لم ينظر في كونه معللا بمعنى مناسب مخيل أو غير مخيل ولو قدر معللا فلا يتوقف ما ذكرناه من الإلحاق على تعيين علته المستنبطة وإذا كان كذلك فقد اختلف أرباب الأصول في تسمية ذلك قياسا فقال قائلون إنه ليس من أبواب القياس وهو متلقى من فحوى الخطاب.
وقال آخرون: هو من القياس وهذه مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية ولكن الأمر إذا رد إلى حكم اللفظ فعد ذلك من القياس أمثل من جهة أن النص غير مشعر به من طريق وضع اللغة وموجب اللسان ولو قال رجل: من أعتق نصفا من.
(2/22)


الكتاب: البرهان في أصول الفقه
المؤلف: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين (المتوفى: 478هـ)
المحقق: صلاح بن محمد بن عويضة
الناشر: دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
الطبعة: الطبعة الأولى 1418 هـ - 1997 م
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي] عبدي فالنصف الأخير منه حر فلو أعتق معتق النصف من أمة لم [ينفذ] إعتاقه إنشاء ولا سراية لأن لفظه هو المتبع ولم يثبت في حكم اللفظ استرسال أحكام الشرع فتبين أن حكم اللفظ لا يقتضى ذلك وإنما يثبت هذا في لفظ الشارع من حيث تقرر في وضع الشرع أن الأحكام لا تنحصر على الصور بل تسترسل ولو قال الشارع قاطعا لطريق القياس: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه دون الأمة", كان الكلام متناقضا فوضح أن تلقى ذلك مما تمهد لا من أجل اعتبار المسكوت عنه بالمنطوق به.
736- ثم ينقسم ذلك أقساما ويتنوع أنواعا فمنه الجلي المقطوع به ومنه المظنون الذي لا يثبت فيه العلم فالوجه أن يسمى ذلك قياسا وإن عني من أبي تسمية ذلك قياسا أن لفظ الشارع كاف فيه من غير سبر وفكر فهو صحيح.
فهذا القدر كاف في توطئة الكلام في هذا القسم.
القسم الثاني: قياس العلة.
737- والقسم الثاني من أقسام النظر الشرعي: استنباط المعاني المخيلة المناسبة من الأحكام الثابتة في مواقع النصوص والإجماع ثم إذا وضح ذلك على الشرائط التي سنشرحها [وثبتت تلك] المعاني في غير مواقع النص وسلمت عن المبطلات فهذا القسم يسمى قياس العلة وهو على [التحقيق] بحر الفقه ومجموعه وفيه تنافس النظار وأكثر القول في هذا الكتاب يتعلق ببيان صحيحه وفاسده وذكر الاعتراضات الصحيحة والفاسدة عليه.
وأنا أرى أن أصدر القول فيها بالطرد ومعناه وذكر المذاهب في قبوله ورده واختيار المسلك الحق فيه إن شاء الله تعالى.
مسألة: [في الطرد] .
738- الطرد هو الذي لا يناسب الحكم ولا يشعر به ولو فرض ربط نقيض الحكم [به] لم يترجح في مسلك الظن قبل البحث عن القوادح النفى على الإثبات ولم يكن من فن الشبه على ما نصفه هذا هو الطرد.
739- وقد ذهب المعتبرون من النظائر إلى أن التمسك به باطل وتناهى القاضي في التغليظ على من يعتقد ربط حكم الله تعالى به.
(2/23)

740- وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه حجة من حجج الله تعالى إذا سلم من الانتقاض وجرى على الاطراد.
741- وذهب الكرخي إلى أن التعلق به مقبول جدلا ولا يسوغ التعويل عليه عملا ولا فتوى.
742- وقد أكثر المحققون في وجوه الرد على أصحاب الطرد وحاصل ما ذكروه يئول إلى وجوه منها:
أن أقيسة المعاني لم تقتض الأحكام لأنفسها وإنما ظهر لنا من دأب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم التعلق بها إذا عدموا متعلقا من الكتاب والسنة فكان مستند الأقيسة الصحيحة إجماعهم على ما سبق تقريره.
والذي تحقق لنا من مسلكهم النظر إلى المصالح والمراشد والاستحثاث على اعتبار محاسن الشريعة فأما الاحتكام بطرد لا يناسب الحكم لا يثير شبها فما كانوا يرونه أصلا فإذا لم يستند الطرد إلى دليل قاطع سمعي بل يتبين أنهم كانوا يأبونه ولا يرونه ولو كان الطرد مناطا لأحكام الله تعالى لما أهملوه وعطلوه فقد استمرت الطريقة قاطعة من وجهين:
أحدهما: أنا أوضحنا أنه ليس للطرد مستند معلوم ولا مظنون وليس هو في نفسه مقتضيا حكما لعينه.
والآخر: أنا نعلم إضرابهم عن مثله في النظر في أحكام الوقائع كما نعلم إكبابهم على تطبيق الأحكام على المصالح الشرعية وهذه طريقة واقعة.
743- ومن أوضح ما يعتصم [به] أن مناط الأعمال في الشريعة ينقسم إلى معلوم ومظنون وما لا يتطرق إليه علم ولا ظن فذاكره ومعلق الحكم به متحكم وقد أجمع حملة الشريعة على بطلان الاحتكام.
فإن ادعى الطارد ظنا [تبين] خلفه وكذبه فإن للظن في مطرد العرف أسبابا كما أن للعلوم النظرية طرقا مفضية إليها ومن ادعى أنه يظن أن وراء الجبل المظل غزالة من غير أن يبين لظنه مرتبطا أو سببا كان صاحب هذه المقالة كاذبا أو مخيلا فإذا بطل التحكم ولم ينقدح ظن ولا علم والذي ربط به ثبوت الحكم لو نسب إلى نفيه لكان كما لو نسب إلى إثباته فلا يبقى للتعلق به وجه.
(2/24)

744- و [قد] انتهى كلام القاضي والأستاذ في هذا إلى ما نرمز إلى مبادئه فإنهما قالا من طرد عن غرة فهو جاهل [غبي] ومن مارس قواعد الشرع واستجاز الطرد فهو هازئ بالشريعة مستهين بضبطها مشير إلى أن الأمر إلى القائل كيف أراد.
745- فإن قيل: سلامته عن النقض تغلب على الظن انتصابه علما قلنا: هذا الطارد مطالب بتصحيح مطرده فهو الذي طرده والصورة التي فيها النزاع عند المعترض على الطرد [نقض للطرد] .
746- فإن قال الطارد: فقد اطرد في غير محل النزاع.
قيل له: جريانه في غير محل النزاع لا يوجب القضاء بالطرد في غيره وعلى الطارد أن يثبت كونه علما فيما ادعى جريانه فيه.
فإن تمسك بنفس الجريان قيل: هذا جريان في مسائل معدودة فلا ينتهض علما ولا يجب منها الحكم على جميع الشريعة فإنما يكون ما ذكره مخيلا لو جرى الطرد في جميع المسائل وساوقه الحكم على حسب طرد الطارد.
فآل النزاع إلى [أن] ما جرى على وفاق هل هو علة فإذ ذاك ربما تخيل من لا تحصيل له أن الجاري علة وسنبين أن الأمر ليس كذلك.
747- بعد هذا قلنا: إذا كان الطارد منازعا في طرده فكيف [يصح أن] يستدل بالطرد وحاصل استدلاله أنه يقول الدليل على صحة طردي دعواي اطراده في صور النزاع فلا يبقى بعد هذا الذي عقل تعلق بالطرد المحض في مسائل معدودة.
748- ثم قال القاضي: لو كان التمسك بالطرد سائغا لما عجز عنه أحد من طبقات الخلق ولما كان في اشتراط [استجماع] أوصاف المجتهدين معنى.
فإن زعم زاعم أن شرط الطرد أن يسلم من العوارض والمبطلات ولا يتهدى إليها إلا العالم.
قيل له: ليطرد العامى ثم يراجع العالم فإذا انتهى التصرف في الشرع إلى هذا المنتهى كان ذلك هزءا بقواعد الدين.
749- ثم نقول: علماء الشريعة صرفوا مباحثتهم في الوقائع العرية عن النصوص والإجماع إلى [ما يرونه] مشعرا بالحكم مشيرا إليه مخيلا به وقد ضرب.
(2/25)

الحليمي لذلك مثلا فقال: من رأى دخانا وثار له الظن أن وراءه حريقا كان محوما على الإصابة قريبا من نيلها.
فإن قال: [وقد رأى غبارا] إن وراءه حريقا لم يكن ما جاء به علما على ما أنبأ عنه وأقيسة الشريعة أعلام الأحكام وهذا بمنزلة الطارد.
فإن تنسم نسيما أرجا فقال: إن وراءه حريقا كان ذلك في محل فساد الوضع من حيث إنه استدل بالشيء على نقيضه.
وهذا القدر فيه بلاغ ومقنع في الرد على أصحاب الطرد.
750- فأما من جوز الجدل به ومنع تعليق ربط الحكم به عقدا وعملا وفتوى وحكما [فقد] ناقض فإن المناظرة مباحثة عن مآخذ الشرع والجدل يستاقها على أحسن ترتيب وأقربه إلى المقصود وليس في أبواب الجدل ما يسوغ استعماله في النظر مع الاعتراف بأنه لا يصلح أن يكون مناطا للحكم وغاية المعترض كفى المئونة وعاد الكلام نكدا وعنادا [وأضحى] لجاجا وخرج عن كونه حجاجا.
751- فأما الطاردون فمما تمسكوا به أن قالوا: للشارع أن ينصب الطرد علما وإن لم يكن مناسبا للحكم وإذا لم يمتنع ذلك لم يمتنع من المستنبط تقديره.
وهذا لا حاصل له فإن للشارع تأسيس الحكم وما يذكره من علم يجري مجرى الحد ولو ذكر الشارع الحكم من غير علة لقوبل بالقبول فإذا حده صدق والمستنبط ممنوع من التحكم بالحكم كما سبق فإن ظن شيئا بمسلك شرعي أبداه وعرضه على القواعد وليس للطارد مسلك ظني ولا له منزلة الابتداء بوضع الحكم.
ولو جاز أن يتحكم بنصب الطرد لجاز أن يتحكم بنصب الحكم وهو في التحقيق كذلك فإن الطارد يتحكم بالحكم في صورة يدعيها وهو منازع فيها.
752- وما عدوه مستروحا لهم أن قالوا: المعاني المخيلة المناسبة للحكم لا توجب لعينها كما لا يوجب الطرد الحكم لذاته إذ الشدة التي اعتقدت مخيلة في إثارة التحريم كانت ثابته والخمر حلال فإذا العلل كلها وإن اعتقدت مخيلة إذا كانت لا توجب الأحكام لأعيانها فهي كالطرد.
قلنا: هذا فاسد لا حاصل له فإنا لا نرتضى المخيل من جهة الإخالة ولكن إذا.
(2/26)

صادفناه وظنناه موافق لعلل الصحابة ومسالكهم رضي الله عنهم في النظر فهو الدليل على وجوب العمل لا نفس الإخالة ولم يثبت تمسك الصحابة بالطرد فلا يبقى للمستنبط وجه يبنى عليه الظن بأن ما طرده منصوب الشارع فال الأمر إلى التحكم المحض وهو باطل من دين الأمة كما سبق تقريره.
مسألة:
753- إذا ذكر المستنبط علة مخيلة مناسبة ولكنها منتقضة فقيدها بلفظ يدرا النقض فالذين يتمسكون بالطرد المحض لا يمتنعون من التمسك بها والذين ردوا الطرد اختلفوا في ذلك.
فذهب المحقون: إلى أن ذلك الوصف الزائد الذي لاحظ له في الفقه على حياله ولا على تقدير ضمه محذوف غير محتفل به والدليل على ذلك هو الدليل على إبطال الطرد فإن حاصل القول في الرد على القائلين به نسبتهم إلى التحكم ولا فرق بين التحكم بما هو على صيغة علة وبين التحكم بصيغة [تقيدت] العلة بها.
754- وهذه المسألة لا تصفو قبل ذكر النقض وحقيقته ورده وقبوله فإن الخصم قد يقول فائدة هذه الزيادة درء النقض فإذا ظهرت فائدته في الكلام خرج عن كونه متحكما به من حيث نتج فائدة وهي اندفاع النقض وليس كما إذا كان الكلام بجملته طردا غير مناسب لأن صاحبه حرى أن ينسب إلى التحكم.
فالوجه أن يقال: إن كانت المسألة التي ترد نقضا لو حذفت الزيادة تفارق محل العلة بفرق فقهي فالمذكور دونه بعض العلة والاقتصار على بعض العلة لا يجدي فائدة وإن كان لا ينقدح فرق فقهي فالعلة منتقضة لا يعصم فيها لفظ لا يفيد فقها ولا يشعر بفرق معنوي وهو بمثابة تعليل الرجل حكما مع تقييد العلة بنعيق غراب أو ما في معناه مما لا يفيد حتى إذا ألزم شيئا اتخذ ما ذكره مدراه وهذا من الفن الذي يأنف منه المحقق وسنعود إلى تحقيق ذلك في باب النقض إن شاء الله تعالى.
755- فإذا ثبت أن التقييد بما لا فقه له لا يفيد فلو فرض التقييد باسم غير مشعر في وضع اللسان بفقه ولكن مباينة المسمى لما عداه مشهورة عند النظار فهل يكون التقييد بمثل هذا اللفظ محصنا للعلة وهذا كتقييد العلة بالطلاق في قول القائل جزء [حله الحل] فإضافة الطلاق إليه نافذة كالجزء الشائع.
(2/27)

فإذا قال الملزم: العلة تنتقض بالنكاح ولفظ الطلاق لا فقه فيه فيكون من جواب المعلل أن الطلاق سلطانه ونفوذه يفارق النكاح إذ تسميته تشير إلى خصائصه فذكره كذكر خاصية تفيد فقها.
وهذا مما تردد فيه أرباب الجدل ولعل الأقرب تصحيحه فإن ذلك جار مجرى اصطلاح النظار على عبارات يتواطئون عليها مشعرة بأغراضهم.
فهذا مقدار غرضنا الآن في الطرد وما يليق به ونحن نذكر بعده تفصيل القول فيما تثبت به علل الأصول.
(2/28)

فصل: القول في تصحيح علة الأصل في أقيسة المعاني.
756- إذا ثبت حكم في أصل متفق عليه وادعى المستنبط أنه معلل بمعنى أبداه فهو مطالب بتصحيح دعواه في الأصل وادعى بعض الأغبياء أنه لا يسوغ ذلك ولكن على المعترض أن يبطل ذلك برده إن كان عنده مبطل وهذا قول من لا يحيط بمنازل النظر وحقائق الأقيسة.
فإذا ادعى مدعي أن المعنى الذي أبداه علة للحكم فهذه دعوى عرية عن البرهان من جهة أن التحكم ينصب العلل غير سائغ كما سبق في الرد على الطاردين فلا بد من ظهور وجه في ظن المستنبط يوجب تخيل معنى مخصوص في انتصابه علما وهو مطالب بإبدائه فإذا اقتصر على محض الدعوى كان ادعاؤه المجرد في نصب العلل كادعائه الحكم في محل النزاع وكادعائه كون صورة النزاع كمسألة متفق عليها من غير ذكر جامع ومن أنكر أن ادعاء معنى الأصل في حقيقة الدعوى وصورتها فقد جحد الضرورة وإن اعترف الخصم أنها دعوى وألزم قبولها من غير برهان فقد تناهى في الاحتكام وانحط عن رتبة النظار بالكلية.
757- فإن زعم زاعم: أني نصبت علما كانت الصحابة تنصبه للأحكام علما قيل له كانوا ينصبون كل عام لكل حكم أو كانوا يرون لذلك مسالك تخصيص بعض الأعلام فإن زعم أنهم كانوا ينصبون كل شيء علما فقد ظهر اجتراؤهم وقصارى كلامهم العود إلى الطرد.
وإن سلموا أنهم كانوا يثبتون الأحكام لوجوه هي عللها فيقال لمن ادعى نصب العلم: ما الدليل على أن ما نصبته من جنس منصوب الصحابة فيرجع حاصله.
(2/28)

إلى القول بالمطالبة بالدليل فإن [قيل] الدليل على ثبوت المدعى علما عجز المعترض عن الاعتراض عليه فهذا كلام سخيف فإن المعترض واقف موقف المسترشد سائل خصمه إثبات دليل فكيف يحسن رد الدليل إلى عجزه وقدرته ولو اعترف بعجزه عن الاعتراض لم ينتهض عجزه علما على انتصاب ما ادعاه المجيب علما.
وهذا القدر [من التنبيه] كاف إذ هو من الكلام الغث ويكفي التنبيه في مثل هذا المقام.
758- فإذا ثبت ذلك اختتمناه بأمر نجعله فاتحة الغرض وقلنا لا بد أن يكون لذلك العلم وجه عند ناصبه ولأجله يفتي به ويلزم العمل بموجبه والمسئول يريد منه أن يبديه وكل ذلك مبني على أبطال الطرد فإذا لا بد من إثبات معنى في الأصل دينا أو جدلا وقد اضطربت الاراء في السبل التي تتضمن إثبات علة الأصل.
مسالك الباحثين في إثبات علة الأصل.
ونحن نذكر مسالك النظار في ذلك مسلكا, مسلكا ونذكر في كل مكان ما يليق به إن شاء الله تعالى.
759- فمما اعتمده المحققون وارتضاه الأستاذ أبو إسحاق إثبات علة الأصل بتقدير إخالته ومناسبته الحكم مع سلامته عن العوارض والمبطلات ومطابقته الأصول وعبر الأستاذ [عنه] في تصانيفه بالاطراد والجريان ولم يعن الطرد المردود فإنه من أشد الناس على الطاردين ولكنه عرض بالإخالة وقرنه باشتراط الجريان وعني بالجريان السلامة [عن] المبطلات.
760- فإن قيل: إذا أبدى المعلل وجها مرتضى في الإخالة قبل وقيل له ليس كل مخيل علما وليس كل استصلاح وجها مرتضى في الأحكام فمن أين زعمت أن ما أبديته من قبيل ما يعتد عليه إذ الإخالات منقسمة ووجوه الاستصلاح منتفية والشرع لا يرى تعلق الحكم بجميعها ولم تضبط الرواة مسالك الظنون للصحابة وأنحائهم فإذا بطل دعوى التعلق بكل مصلحة ولم يتبين لنا ما اعتمده الأولون فكيف تدل نفس الإخالة.
قلنا: قد يتبين لنا أنهم رضي الله عنهم في الأزمان المتطاولة والآماد المتمادية ما كانوا ينتهون إلى وجوه مضبوطة بل كانوا يسترسلون في الاعتبار استرسال.
(2/29)

من لا يرى لوجوه الرأي انتهاء ويرون طرق النظر غير محصورة ثم كان اللاحقون يتبعون السابقين ولا يعتنون بذكر وجوه في الحصر لا تتعدى فعلمنا بضرورة العقل أنهم كانوا يتلقون معاني ومصالح من موارد الشريعة يعتمدونها في الوقائع التي لا نصوص فيها فإذا ظنوها ولم يناقض رأيهم فيها أصل من أصول الشريعة أجروها واستبان أنهم كانوا لا يبغون العلم اليقين وإنما كانوا يكتفون بأن يظنوا شيئا علما.
فإذا ظهرا الإخالة وسلم المعنى من المبطلات وغلب الظن كان ذلك من قبيل ما يتعلق به الأولون قطعا.
761- وأنا أقرب في ذلك قولا [فأقول] : إذا ثبت حكم في أصل وكان يلوح في سبيل الظن [استناد] ذلك إلى أمر ولم يناقض ذلك الأمر شيء فهذا هو الضبط الأقصى الذي لا يفرض عليه مزيد.
فإذا أشعر الحكم في ظن الناظر بمقتضى استنادا إليه فذلك المعنى هو المظنون علما وعلة لاقتضاء الحكم فإذا ظهر هذا وتبين أن الظن كاف وتوقع الخطأ غير قادح ولا مانع من تعليق الحكم كان ذلك كافيا بالغا.
762- ومما يعضد به الغرض أن كل حكم أشعر بعلة ومقتضى ولم [يدرأه] أصل في الشرع فهو الذي يقضي بكونه معتبر النظر فإن الشارع ما أشار إلى جميع العلل واستنبط نظار الصحابة رضي الله عنهم وكانوا يتلقون نظرهم مما ذكرته قطعا.
فإن قيل: فالإخالة مع السلامة هي الدالة إذا.
قلنا: لا ولكن إذا ثبتت الإخالة ولاحت المناسبة واندفعت المبطلات التحق ذلك بمسلك نظر الصحابة رضي الله عنهم فالدليل إجماعهم إذا كما تقدم في إثبات القياس على منكريه.
763- فإن قيل: قد ثبت من رأيكم أنه لا يخلو واقعة عن حكم الله تعالى ما دامت أصول الشريعة محفوظة وثبت أن النظر ليس مسترسلا في وجوه المصالح كلها ومآخذ الأحكام مضبوطة والوقائع المتوقعة لا ضبط لها فكيف يستند ما لا نهاية له إلى المتناهي؟ وهذا سؤال عسر جدا.
ونحن نقول: أولا: انضباط المآخذ مسلم والحكم بأن حكم الله يجرى في.
(2/30)

كل واقعة مسلم مع انتفاء النهاية.
والسبيل فيه أن كل فن من فنون الأحكام يتعارض فيه نفى وإثبات ثم لا محالة لا يلفى أصل يعارضه نقيض له إلا والنهاية تنتفي عن أحد المتقابلين لا محالة.
وبيان ذلك بالمثال: أن الأعيان النجسة [مضبوطة محصورة والذي ليس بنجس لا نهاية له فكل ما ثبتت نجاسته] اتبع النص فيه وكل ما أشكل أمره فإن كان في وجوه النظر ما يقتضي إلحاقه بالأعيان النجسة ألحق بها وإن لم يظهر وجه يقتضى ذلك التحق بما لا نهاية له من الطاهرات فينتظم من هذه الجملة في النفي والإثبات ما لا نهاية له وكذلك القول في جميع [مسالك] الأحكام وهذا من نفائس الكلام وسنقرره على أحسن الوجوه إن شاء الله تعالى في كتاب الاجتهاد وهذا منتهى الغرض في إثبات علة الأصل بطريق الإخالة.
764- وأما ما اعتمده الشافعي وارتضاه ولا معدل عنه ما وجد إليه سبيل فهو دلالة كلام الشارع في نصبه الأدلة والأعلام فإذا وجدنا ذلك ابتدرناه ورأيناه أولى من كل مسلك [ثم] ذلك يقع على وجوه.
منها ما يقع على صيغة التعليل صريحا كقوله تعالى: {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} 1.
ومنها: ما يتضمن التعليل ويشعر به إشعارا ظاهرا وهو يقع على وجوه نضرب أمثلتها.
فمنها: قوله عليه السلام لمن سأله عن بيع الرطب بالتمر: "أينقص الرطب إذا [يبس] ؟ " فقال السائل: نعم, فقال عليه السلام: "فلا إذا" 2 فجرى ذلك منه متضمنا تعليلا بنقصان الرطب عن وزن التمر عند الجفاف.
وقد تكلم بعض من لا يعد من أهل البصيرة بالعربية على هذا الحديث فقال معنى الحديث أنه إذا نقص فلا يباع الناقص بالتمر الذي لم ينقص وأكد هذا عند نفسه بأن قال "إذا" يتعلق بالاستقبال والفعل المضارع المتردد بين الحال والاستقبال إذا تقيد "بإذا" تجرد للاستقبال وانقطع عن احتمال الحال وكذلك جملة نواصب الأفعال المضارعة إذا تعلقت بها فإنها تمحضها للاستقبال فقوله: "إذا" تصرف النهي إلى الاستقبال عند فرض النقصان في الرطب.
__________
1 آية "7" سورة الحشر.
2 سبق تخريجه.
(2/31)

765- وهذا قول عرى عن التحصيل من وجوه:
منها: أن السائل سأله عن بيع الرطب بالتمر في الحال فيبعد أن يضرب عن محل السؤال ويتعرض للاستقبال وكان قد شاع في الصحابة رضي الله عنهم تحريم ربا الفضل فرد الجواب إليه والإضراب عن محل السؤال غير لائق بمنصب الرسول عليه السلام ثم لم يجر لفعل مستقبل ذكر في الحديث فلما جرى السؤال متعلقا بصيغة المصدر فإنه عليه السلام سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال عليه السلام بعد مراجعة السائل وأخذ جوابه "فلا إذا" 1 و "إذا" قد تستعمل على أثر جمل ليس فيها لفعل مستقبل ذكر وقد يستعمل متصلا بالفعل غير عامل فيه فإنه يجري عند النحويين مجرى ظننت فإن تقدم واتصل بالفعل عمل كقولك في جواب كلام إذا أكرم زيدا وإن توسط جاز إلغاؤه عن العمل وجاز أعماله كقولك [زيدا إذا أكرمه ويجوز أكرمه بالرفع وإن أخرته لم يجز إعماله كقولك] زيد أكرمه إذا بالرفع لا غير وإذا لم يعمل كان كالتتمة للكلام والصلة الزائدة التي لا احتفال بها ولا وقع لها في تغير معنى وتخصيصه باستقبال عن حال ولكنه إذا اتصل بكلام مصدر بالفاء اقتضى تسبيبا وتعليلا كما قال عليه السلام: "فلا إذا" ثم السر في ذلك أن الرسول عليه السلام استنطق السائل بالعلة وما كان يخفى عليه السلام أن الرطب ينقص إذا يبس فلما نطق السائل وقع تعليل الرسول عليه السلام مرتبا على نطق السائل على [جفاف] الرطب معناه إذا علمت ذلك فلا إذا.
766- ومما يجري تعليلا صيغة تتضمن تعليق الحكم باسم مشتق.
فالذي أطلقه الأصوليون في ذلك أن ما منه اشتقاق الاسم علة للحكم في موجب هذه الصيغة كما قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} 2 فاقطعوا أيديهما وكما قال: {لزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 3 فتضمن سياق الآيتين تعليل القطع والحد بالسرقة والزنا.
وهذا الذي أطلقوه مفصل عندنا فإنا نقول: إن كان ما منه اشتقاق الاسم مناسبا للحكم المعلق بالاسم فالصيغة تقتضي التعليل كالقطع الذي شرع مقطعة للسرقة والجلد المثبت مردعة عن فاحشة الزنا وفي الايتين قرائن تؤكد هذا منها قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ} 4 وقوله.
__________
1 سبق تخريجه.
2 آية "38" سورة المائدة.
3 آية "2" سورة النور.
4 آية "38" سورة المائدة.
(2/32)

تعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} 1 وإن لم يكن ما منه اشتقاق الاسم مناسبا للحكم فالاسم المشتق عندي كالاسم العلم.
وتعلق أئمتنا في تعليل ربا الفضل [بالطعم] بقوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" 2 فوقف على إثبات كون [الطعم] مشعرا بتحريم التفاضل وإلا فالطعام والبر بمثابة واحدة ولو علق الحكم [بهما] .
767- وإذا ثبت بلفظ ظاهر قصد الشارع في تعليل حكم بشيء فهذا أقوى متمسك به في مسالك الظنون فإن المستنبط إذا اعتمد إيضاح الإخالة وإثبات المناسبة وتدرج منه إلى تحصيل الظن فإن صحب الرسول عليه السلام كانوا رضي الله عنهم يعلقون الأحكام بأمثال هذه المعاني.
فالذي يتضمنه ونظنه أبعد في الإشعار بأن ما استنبطه منصوب الشارع من لفظ منقول عن الرسول عليه السلام مقتض للتعليل.
768- والقول الوجيز أن ما يظهر من قول الرسول عليه السلام في نحو وجهة يتقدم على ما يظهر من طريق الرأي لما تقرر من تقديم الخبر على القياس المظنون فإذا تطرق إلى كل واحد منهما الظن وانحسم القطع تقدم الخبر لمنصبه واستأخر الرأي وصيغ التعليل ظاهرة في قصد صاحب اللفظ إلى التعليل.
وقد ذكرت في كتاب التأويل: أنه إذا قصد الشارع تعميم حكم ولاح ذلك وظهر في صيغة كلامه لم يسغ مدافعة مقتضى العموم بقياس مظنون وقد ذكرنا من هذه الجملة في كتاب التأويل ما نحن الآن فيه وأوضحنا أن ما يظهر قصد التعليل فيه وإن لم يكن نصا فلا يجوز إزالة ظاهر التعليل بقياس لا يستند إلى تعليل الشارع ظاهرا فإنا لو فعلنا ذلك كنا مقدمين ظن صاحب الرأي على ما ظهر فيه قصد الشارع وهذا محال.
وإن استند قياس من يحاول إزالة ظاهر التعليل إلى ظاهر آخر في التعليل يخالف ما فيه الكلام فينظر إذ ذاك في الظاهرين نظرنا في المتعارضين كما سيأتي في كتاب الترجيح إن شاء الله تعالى.
769- فإن قيل: قد علل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوب الوضوء على المستحاضة بكون.
__________
1 آية "2" سورة النور.
2 سبق الكلام عليه.
(2/33)

الخارج دم عرق فإنه قال عليه السلام: "توضئي فإنه دم عرق" 1 فاقتضى ذلك وجوب الوضوء بخروج الدم من كل عرق.
قلنا: قال بعض أصحابنا ما ذكره صلى الله عليه وسلم تعليل في محل مخصوص فإنها سألت عن دم يخرج من مخرج الحدث فجرى جوابه عليه السلام حكما وتعليلا منزلا على محل السؤال وكان السؤال عن خروج الدم من محل الحدث ومعظم ما يجري على صيغ التعليل في ألفاظ الشارع لا يكون فيه تعرض للمحل بل يكون طلب المحل محالا على الطالب الباحث وكذلك تلفى تعليلات القرآن كالسرقة والزنا وغيرهما.
والجواب المرضى عندنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقصد إيجاب الوضوء والاعتناء بتعليله وإنما غرضه نفى وجوب الغسل [ورفع] حكم الحيض عند اطراد الاستحاضة ولما اشتبه على السائلة أن الخارج حيض أم لا قصدت السؤال عما أشكل عليها فأبان صلى الله عليه وسلم أن الخارج ليس بالحيض الذي يزجيه الرحم وإنما هو عرق وحكمه الوضوء وهذا بين من فحوى كلامه عليه السلام.
770- فإن قيل: لم تركتم تعليل رسول الله صلى الله عليه وسلم تخيير المعتقة بملكها نفسها حتى تقضوا على حسب ذلك بأنها تخير وإن اعتقت تحت حر فإنه عليه السلام قال لبريرة: "ملكت نفسك فاختاري", وهذا تعليل الخيار بانطلاق حجر الرق وهو يجري في العتق تحت الحر جريانه في العتق تحت العبد؟
قلنا: قال المحدثون: لا نعرف هذا اللفظ فعلى ناقله التصحيح ثم إن صح فسبيل الكلام عليه أنه لم يرد تعليل الخيار بملكها نفسها فإنه لو أراد أنها ملكت نفسها تحقيقا لما احتاجت إلى الخيار في محل النكاح.
قال القاضي: إن ملكت محل النكاح فليس [للخيار] معنى وإن ملكت غير مورد النكاح لم يشعر ذلك بالخيار في محل النكاح فالمراد إذا ترديد العبارة عن ثبوت الخيار لها كما يقال لمن ثبت له حق فسخ عقد ملكت الفسخ فافسخ فمعنى.
__________
1 البخاري في الوضوء 63 والحيض 8 ومسلم في الحيض 62, 63 وأبو داود في الطهارة 107, 110 والترمذي في الطهارة 93, 96 والنسائي في الطهارة 133, 134 وابن ماجة في الطهارة 115, 116 ومالك في الطهارة 104 وأحمد 6/82,187, 194, 494.
(2/34)

الحديث إذا ملكت [الخيار] فاختاري وكانت أعتقت تحت عبد فهذا وجه الكلام.
771- ثم إنا نجري ذكر هذه الأمثلة تهذيبا للأصول وتدريبا فيها وإلا فحق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهبا مخصوصا في المسائل المظنونة الشرعية فهذا غاية ما أردناه في هذا الفن.
السبر والتقسيم.
772- ومما أجراه القاضي وغيره من الأصوليين في محاولة إثبات علل الأصول السبر والتقسيم1.
ومعناه على الجملة: أن الناظر يبحث عن معان مجتمعة في الأصل ويتتبعها واحدا, واحدا ويبين خروج آحادها عن صلاح التعليل به إلا واحدا يراه ويرضاه وهذا المسلك يجري في المعقولات على نوعين: فإن كان التقسيم العقلي مشتملا على النفي والإثبات حاصرا لهما فإذا بطل أحد القسمين تعين الثاني للثبوت.
وإن لم يكن التقسيم بين نفى وإثبات ولكنه كان مسترسلا على أقسام يعددها السابر فلا يكاد يفضي القول فيها إلى علم.
وقصارى السابر المقسم أن يقول: سبرت فلم أجد معنى سوى ما ذكرت وقد تتبعت ما وجدته.
فيقول الطالب: ما يؤمنك أنك أغفلت قسما لم تتعرض له فلا يفلح السابر في مطالب العلوم إذا انتهلا الكلام إلى هذا المنتهى.
773-[فأما السبر] في المسائل الشرعية الظنية فإن دار بين النفى والإثبات ولاح المسلك الممكن في سقوط أحد القسمين كان ذلك سبرا مفيدا كما [سنبين] الآن معنى السبر وجدواه.
__________
1 إذا لم تثبت العلة لا بنص ولا بإجماع تحول المجتهد إلى استنباط العلة بالسبر التقسيم ومعنى السبر الاختيار ومعنى التقسيم هو أن المجتهد يحصر الأوصاف التي يراها صالحة لأن يكون علة للحكم ثم يكر عليها بالفحص والاختيار والتأمل فيبطل منها ما يراه غير صالح للإبقاء ويستبقى منها ما يراه صالحا لأن يكون علة حتى يصل بعد هذا الإلغاء والإبقاء إلى أن هذا الوصف دون العلة "الوجيز" ص 213.
(2/35)

وإن كان التقسيم الظني مرسلا بين معان لا يضبطها حصر كما ذكرناه في المعقولات ورددناه فيها فقد قال بعض الأصوليين: إنه مردود في المظنونان أيضا فإن منتهاه إحالة السابر الأمر على وجدانه.
وهذا غير سديد فإن هذا الفن من التقسيم إنما يبطل في القطعيات من حيث لا يفضي إلى العلم والقطع وإذا استعمل في المظنونات فقد يثير غلبة الظن فإن المسألة المعروفة بين النظار إذا كثر بحثهم فيها عن معانيها ثم تعرض السابر لإبطال ما عدا مختاره فقال السائل: لعلك أغفلت معنى عليه التعويل.
قيل: هذا تعنت فإنه لو فرض معنى لتعرض له طلاب المعاني والباحثون عنها والذي تحصل من بحث السابرين ما نصصت عليه والغالب على الظن أنه لو كان للحكم المتفق عليه علة لأبداها المستنبطون المعتنون بالاستثارة فتحصل من مجموع ذلك ظن غالب في مقصود السابر وهو منتهى غرض الناظر في مسائل الظنون.
774- وإذا ثبت ما ذكرناه في معنى السبر وتنويعه وما يفيد منه وما لا يفيد فنرجع الآن إلى غرضنا في إثبات معنى الأصل فنقول:
قد عد القاضي السبر من أقوى الطرق في إثبات علة الأصل وهذا مشكل جدا فإن من أبطل معاني لم يتضمن إبطاله لها إثبات ما ليس يتعرض له بالبطلان فإنه لا يمتنع أن يبطل ما لم يتعرض له أيضا فإنه لا يتعين تعليل كل حكم فعد السبر والتقسيم مما تثبت به العلل بعيد لا اتجاه له.
والذي يوضح المقصد في ذلك: أنه لو انتصب على معنى ادعاه المستنبط دليل فلا يضر أن يفرض لذلك الحكم علة أخرى وارتباط الحكم بعلل لا امتناع فيه وإنما تتعارض العلل إذا تناقضت موجباتها فيمتنع الجمع بينها فإذا كانت متوافقة متظاهرة لم تتناقض.
فيتبين أن إبطال معان تتبعها السابر لا أثر له في انتصاب ما أبقاه ولو أقام الدليل على كلمة معنى لم يتوقف انتصابه معنى موجبا للحكم على تتبع ما عداه بالإبطال فلا حاصل على هذا التقدير للسبر والتقسيم في إثبات علل الأصول.
775- والآن ينشأ من منتهى هذا الكلام أمور خطيرة في الباب.
منها: أنه لو ثبت اتفاق القايسين على كون حكم في أصل معللا ثم اتجه.
(2/36)

للسابر إبطال كل معنى سوى ما رآه وارتضاه فلا يمتنع والحال هذه أن يكون السبر مفيدا غلبة الظن في انتهاض ما لم يبطل علما.
ومستند ثبوته في التحقيق الإجماع على أصل التعليل ولكن [ثبت] الإجماع على الأصل مبهما وأفضى السبر إلى التعيين فحصل منه ومن الإجماع ما أراده المعلل.
فإن قدر مقدر إبطال ما أبقاه السابر وقد استتب له مسلك الإبطال فيما سواه كان مقدرا محالا مؤديا إلى نسبة أهل الإجماع إلى الخلف [والباطل] .
776- فإن قيل: كيف يكون إجماع القايسين حجة وقد أنكر القياس طوائف من العلماء قلنا الذي ذهب إليه ذوو التحقيق أنا لا نعد منكري القياس من علماء الأمة وحملة الشريعة فإنهم مباهتون أولا على عنادهم فيما ثبت استفاضة وتواترا ومن لم يزعه التواتر ولم يحتفل بمخالفته لم يوثق بقوله ومذهبه.
وأيضا: فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة فهؤلاء ملتحقون بالعوام وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم وإنما غاية التصرف التردد على ظواهر الألفاظ فهذا منتهى ما اتصل الكلام به.
(2/37)

فصل: تعليل الحكم بأكثر من علة.
777- ومما يتصل بذلك: القول في اجتماع العلل للحكم الواحد.
وقد اضطرب الأصوليون في هذا: فذهب طوائف إلى أنه لا يعلل حكم بأكثر من علة واحدة.
وذهب الجماهير إلى أنه لا يمتنع تعليل حكم بعلل.
وذهب المقتصدون إلى أن ذلك لا يمتنع [على الجملة] لا عقلا ولا شرعا فإن الدم يجوز أن يعزى استحقاقه إلى جهات ومقتضيات كل مقتض لو انفرد بنفسه لاستقل في إثارة الحكم هذا لا امتناع فيه.
وأما إذا ثبت الحكم مطلقا لأصل وكان أصل تعليله وتعيين علته لو ثبت تعليلا موقوفا على استنباط المستنبط فيمتنع أن تفرض علتان يتوصل إليهما بالاستنباط وللقاضي إلى هذا صغو ظاهر في كتاب "التقريب" [وهو] اختيار الأستاذ أبو بكر بن فورك ونحن نذكر ما يتمسك به كل فريق:
(2/37)

778- فأما من جوز وضعا واستنباطا تعليل حكم بعلل فمسلكه واضح وطريقة لائح وإنما الاعتناء بالتنبيه على مسالك الآخرين.
فمما تعلقوا به أن قالوا: أجمع أهل القياس على اتحاد علة الربا واتخذ كل فريق إبطال ما يدعيه الاخرون المخالفون ذريعة إلى إثبات ما يدعيه علة ولو كان يسوغ إثبات حكم بعلل لكان هذا المسلك غير متجه ولا مفيد والذي يحقق ذلك أنهم أجمعوا على التعلق بالترجيح وإنما ترجح العلل إذا تعارضت ولو كان لا يمتنع اجتماعها لكان الترجيح لغوا فيها فإن من ضرورة الترجيح الاعتراف باستجماع كل علة شرائط الصحة لو قدرت منفردة فإذا تناقضت يرجح بعضها على بعض وإذا لم يمتنع اجتماعهما لم يكن للترجيح معنى.
779- ومن جوز تعليل حكم بعلتين لم يبعد أن تكون إحداهما أولى من الأخرى والترجيح لا يفيد إلا تلويحا في ظهور بعض العلل.
والكلام على هذا من أوجه:
أحدها: أن تعليل ربا الفضل ليس مقطوعا به عند المحققين وليس منكر تعليله منتسبا إلى جحد القياس ومن عرف مسالك كلامنا في "الأساليب" تبين ظهور ميلنا إلى اتباع النص وإلى إثباتنا الربا في كل مطعوم بقوله عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" 1 وربا الفضل في النقدين لا يتعداهما ولا ضرورة تحوج إلى ادعاء علة قاصرة وقد أجريت مسألة الربا على التزام اتباع مذهب الشافعي ومحاذرة مخالفته في تعليله تحريم ربا الفضل في الأشياء الأربعة بالطعم المتعدى في محل النص.
780- وأنا الآن أبدى اختياري في منع تعليل ربا الفضل وأبدأ القول في النقدين فأقول: قد وضح إبطال الوزن في النقدين ولم يبق إلا النقدية والعلة القاصرة لا تثمر مزيدا في الحكم ولا تفيد جدوى في التكليف فإن الحكم ثابت بالنص.
ومن قال بالعلة القاصرة أبداها وانتحاها حكمة في حكم الشرع [ولسنا] نبعد ذلك ولكن يتعين في [ادعاء] العلة القاصرة أن يكون المدعى مشعرا بالحكم مناسبا له مفضيا بالطالب إلى التنبيه على محاسن الشريعة والتدرب في مسالك المناسبات وشرط ذلك الإخالة لا محالة وليست النقدية مشعرة بتحريم ربا الفضل على ما قررت.
__________
1 سبق تخريجه.
(2/38)

في "الأساليب" فقد خرجت النقدية عن كونها حكمة [مستثارة] ومسلكا من محاسن الشريعة ولم يتعلق بها حكم زائد على مورد النص وبطل ما ادعى متعديا ولاح سقوط التعليل في النقدين.
وأما الأشياء الأربعة فقد أوضحنا أن الطعم ليس مخيلا بالتحريم وبينا أن قول النبي عليه السلام: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" الحديث لا يتضمن تعليلا بالطعم ما لم يقرر المستدل بالخبر كون الطعم مخيلا مناسبا وحققنا أن المشتق إذا لم يشعر بإخالة حل محل اللقب والسبر قصاراه إبطال ما يدعيه الخصم علة وليس في إبطال مدعى الخصم إثبات لغيره ولم يثبت بالإجماع كون تحريم ربا الفضل معللا وكيف يستقيم دعوى الإجماع في تعليله وقد أنكر ابن عباس رضي الله عنه تحريم ربا الفضل؟
782- وذهب طوائف من القايسين إلى منع التعليل مع الاعتراف بالحكم والترجيح باطل مع تجويز ارتباط الحكم بعلل.
فلم يبق إلا طريقة تكلفتها في "الأساليب" وهي أن الرسول عليه السلام أباح ربا الفضل في الجنسين وحرمه في الجنس الواحد فدل ذلك على ارتباط حكم التحريم بالمقصود من هذه الأجناس والمقصود منها الطعم لا الكيل والوزن فإن هذه الأجناس لا تقتني لتكال أو توزن وإنما تتخذ لينتفع بها ثم عد رسول الله من كل جنس فذكر البر لأنه يطعم قوتا والشعير يقتات ويدخر وينتفع به من وجوه والتمر قد يقتني والملح يراد لتطييب الأطعمة واصلاحها فكأنه صلى الله عليه وسلم ذكر الأجناس الغالبة من الأطعمة ونبه بذكرها على ما يجمعها وهو الطعم ثم أبان برفع الحرج عند اختلاف الجنس [التعلق] بالمقاصد وطردت هذا في مسألة النقدين على هذا الوجه.
فهذا وإن صح فهو من فن قياس الدلالة وهو عندي من أبواب الشبه على ما استقصى القول فيه إن شاء الله تعالى.
783- ولكن إنما يستقيم التشوف إلى مثل ذلك لو جرى في الباب سليما وقد رأينا ربا النساء محرما في الجنسين فلو كان التعلق بالمقصود صحيحا للزم طرده في ربا النساء إذ وقوع البر في الذمة ليس ممتنعا إذا لم يكن رأس مال السلم مطعوما فلم امتنع إسلام الشعير في البر مع تفاوت المقاصد؟ وباب ربا النساء فرع ربا الفضل فإذا جرى تعليل في ربا الفضل وجب أن يناسب ربا النساء فيما يليق به.
(2/39)

فإذا لا إخالة ولا تنبيه من الشارع ولا شبه بين العقاقير والفواكه وبين الأشياء الأربعة.
فقد بطل قياس الدلالة وفسد التعلق بالترجيح وأغنى ذكر [النقدين] فيما يتعلق بالحكم وأغنى ذكر الطعام عن تكلف استنباط علة فالوجه التعلق بالنهي عن بيع الطعام بالطعام.
وإذا حاول الخصم تخصيصا لم يجد دليلا يعضد به تأويلا فثبت الظاهر وقد امتنع تخصيصه أيضا على الخصم وإذا رووا في حديث عبادة بن الصامت وكذلك ما يكال ويوزن فهو موضوع مختلق باتفاق المحدثين.
784- وإذا قال من لم يزد على الأشياء الستة لو كان تحريم التفاضل في كل مطعوم لكان ذكر الطعام أوجز وأوقع وأعم وأجمع فذكره أصنافا مخصوصة يشعر بقصر الحكم عليها.
فيقال لهؤلاء: لا ينفع ما ذكرتموه مع صحة النهي عن بيع الطعام بالطعام وليس في ذكر بعض الأطعمة ما يتضمن تخصيص اللفظ العام في الطعام إذ الألقاب لا مفهوم لها وقد ذكرنا في أثناء الكلام وجها وأوضحنا أنه لا يمتنع حمل ذكر الشارع لها على إبانة اطراد تحريم الربا في جميع ما يطعم مع انقسامه إلى القوت وغيره.
فتبين قطعا أن الربا يجري في كل مطعوم للخبر الوارد فيه وهو وارد في النقدين للنص فيهما.
وسبيل المسئول في المسألتين أن يذكر الحكم ويتمسك بالخبر ويحوج الخصم إذا حاول إزالة الظاهر إلى دليل فإذا ابتدر إلى ذكر طريقة في القياس نتبعها بالنقض وهذا جرى معترضا في الكلام.
785- وقد عاد بنا الكلام إلى أن ما استشهد به من منع ربط حكم بعلتين من تخاوض العلماء في علة الربا باطل في مسلك الأصول فإنا أوضحنا أن ما استشهدوا به مما لا يعلل عندنا والكلام في التفصيل مع منع أصل التعليل فاسد حايد عن المقصد ثم لا يمتنع لو قيل بتعليل الربا أن يجمع القايسون في أصل معين على اتحاد العلة فيه ثم يتنافسوا في طلبها وهذا الإجماع لو فرض في صورة مخصوصة لا يتضمن القضاء بمنع ارتباط حكم في صورة أخرى بعلتين أو بعلل فلا تعلق إذا فيما استشهدوا به من علة الربا.
(2/40)

وبما يتمسك هؤلاء بأن يقولوا المتبع في إثبات القياس والعمل به سيرة الصحابة رضي الله عنهم وقد صح عنهم تعليق الحكم بالمعنى الفرد المستثار من الأصل الواحد فاتبعوا فيه.
وأما ربط الحكم بعلتين مستنبطتين من أصل واحد بحيث يجري كل واحد منهما في مجاري اطرادهما وينفرد بمجاري أحكامهما فلم يثبت في مثل هذا نقل ولو كان مثل هذا سائغا ممكن الوقوع لا تفق في الزمان المتمادي ولنقله المعتنون [بأمر الشريعة] ونقل السبر فإذا لم ينقل ذلك دل على أنه لم يقع [وإذا لم يقع] في الأمد الطويل تبين أن الحكم الواحد لا يعلل إلا بعلة واحدة متلقاة من أصل واحد.
فهذا لا حاصل له فإن أصحاب الرسول عليه السلام ما كانوا يجرون على مراسم الجدليين من نظار الزمان في تعيين أصل والاعتناء بالاستنباط منه وتكلف تحرير على الرسم المعروف المألوف في قبيله وإنما كانوا يرسلون الأحكام ويعقلونها في مجالس الاشتوار بالمصالح الكلية فلو كانوا لا يبدون علة في قضية إلا معتزية إلى أصل معين ثم صح في البحث عن نقل الرواة ما ذكره هذا المعترض لكان كلاما.
786- ومما ارتبك في الخائضون في هذه المسألة أن الذين سوغوا تعليق الأحكام بعلل تعلقوا بتحريم المرأة الواحدة بعلة الحيض والإحرام للصلاة والصيام وقالوا قد يجب قتل الرجل بأسباب كل واحد منها لو انفرد لثبت علة على الاستقلال.
وقال من يخالف هؤلاء إنما يناط بالمحل تحريمات ولكن لا يظهر أثر تعددها وقد يتكلف المتكلف فيجد بين كل تحريمين تفاوتا وهذا بين في القتل فإن من استحق القتل قصاصا وحدا فالمستحق قتلان ولكن المحل يضيق على اجتماعهما ولو فرض سقوط أحدهما لبقى الثاني ولا يكاد يصفو تعليق تحقيق حكم واحد بعلتين تصورا فهذا منتهى المطالب في النفى والإثبات.
787- والذي يتحصل عندنا في ذلك أن الحكم إذا ثبت في أصل ولاح للمستنبط فيه معنى مناسب للحكم فيحكم في مثل ذلك مع سلامة المعنى المظنون منتهضا عن المبطلات بكون الحكم معللا ويتبين له أن ربط الحكم بهذا المعنى الفرد لائح منحصر في مطالب الشريعة ويجوز تعليق الحكم بمثل هذا المعنى فإنه لم يصح عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضبط المصالح التي تنتهض عللا للأحكام ولا إطلاق تعليق الحكم بكل مصلحة تظهر للناظر وذي رأى.
فمسلك الضبط: النظر في مواقع الأحكام مع البحث عن معانيها فإذا لاحت.
(2/41)

وسلمت تبين أنه معنى متلقى من أصول الشريعة وليس حايدا عن المآخذ المضبوطة.
فهذا هو المسلك الحق في درك وقوع المعنى في ضبط الشرع ولهذا رد الحذاق [الاستدلال الذي لا يستند] إلى أصل فإن صاحبه لا يأمن وقوعه في مصلحة لا يناط حكم الشرع بمثلها ولو فرض في أصل معنيان فصاعدا لم يترتب عليهما استفادة الضبط ولم يأمن المستنبط وقوع أحدهما خارجا عن حصر الشرع وضبطه وليس واحد من المعنين بهذا التقدير أولى من الثاني فمن هذه الجهة يتعارضان فلا يمتنع ترجيح أحدهما على الثاني.
788- فإن قال قائلون: بم تنفصلون عن الحائض المحرمة الصائمة؟
قلنا: قد قدمنا جوابا عن هذا سديدا عندنا فإنا نقدر اجتماع تحريمات وآية ذلك أنا ألفينا التحريم قد استقل به الحيض المحض والمفروض إذا في حكم أصول تجتمع تعليلها وتزدحم أحكامها.
789- ولباب هذا الفصل سيأتي في الاستدلال فلا يعتقدن المرء [بأن هذا] اختيارنا في هذه المسألة حتى يقف على ما نراه في الاستدلال رأيا وإن أبى الطالب استعجال الصواب في هذه المسألة فليثق بامتناع علتين لحكم واحد.
والدليل القاطع فيه قبل الانتهاء إلى المباحثة عن أسرار الاستدلال أن ذلك لو كان ممكنا وقد طال نظر النظار واختلاف مسالك الاعتبار في المسائل وما اتفقت مسألة إلا والمختلفون فيها يتنازعون في علة الحكم تنازعهم في الحكم ومن تدبر موارد الشريعة ومصادرها اتضح له ما نقول على قرب.
790- فمن أمثلة ذلك مسألة الربا ومن ادعى أنها مختصة من بين سائر المسائل باتفاق الإجماع على اتحاد العلة فيها فقد أحال الأمر على إبهام والمنصف لا يستريب في أن خوض النظار في مسألة الربا كخوضهم في غيرها من المسائل ولما ثبت الخيار للمعتقة تحت الرقيق وكان ذلك مجمعا عليه والإجماع مستند إلى الحديث ثم اختلف العلماء في إثبات الخيار للمعتقة تحت الحر ومنشأ اختلافهم في ذلك من اختلافهم في تعليل الخيار في حق المعتقة تحت الرقيق فاعتل أبو حنيفة رحمه الله بأنها ملكت نفسها وزعم أن ذلك يجري في حق المعتقة تحت الحر وأبطل الشافعي رحمه الله هذا التعليل واعتل بالضرار على ما يحرره أصحابه وكذلك الإفتاء في كل مسألة يبحث الناظر عنها.
(2/42)

791- ونحن نقول بعد هذا التنبيه: تعليل الحكم الواحد بعلتين ليس ممتنعا عقلا وتسويغا ونظرا إلى المصالح الكلية ولكنه ممتنع شرعا وآية ذلك أن إمكانه من طريق العقل في نهاية الظهور فلو كان هذا ثابتا شرعا [لما كان] يمتنع وقوعه على حكم النادر والنادر لا بد أن يقع على مرور الدهور فإذا لم يتفق وقوع هذه المسألة وإن لم يتشوف إلى طلبه طالب لاح كفلق الإصباح أن ذلك ممتنع شرعا وليس ممتنعا عقلا ولا بعيدا عن المصالح وهذه نهاية لا تتعدى في هذا الفن وإنما نشأ هذا الكلام كله من قولنا في السبر والتقسيم.
792- والآن كما عاد بنا الكلام إليه فإذا أبطل السابر أشياء نص عليها فأخرجها عن كونها عللا ولم يبق إلا واحد اتجه عند ذلك وجهان من الكلام:
أحدهما: تعين ما بقي للتعليل به.
والثاني: بطلانه أيضا والتحاق الحكم بما لا يعلل كما سنفصل ذلك إن شاء الله تعالى وهذا التردد فيما بقي يدل على أن السبر المجرد إذا انتهى إلى معنى واحد ووقف عنده لم يدل على تعينه [للتعليل] وإن كان ذلك المعنى غير مخيل فهو يبطل أيضا بكونه طردا فلينجر السبر عليه وليتخذ السابر هذا مسلكا في إبطال ما أبقاه وليحكم بأن الحكم غير معلل ولو استمكن الناظر من إبداء الإخالة في معنى من المعاني مع التزام السلامة لبطل التعليل بغيره من المعاني من غير أن يتجشم سبرا.
793- فإن قيل: لو أبدى الخصم معنى آخر مخيلا قلنا هذا لا يكون أبدا وإن صح فيما أبداه أشعرنا بالاختلال للإخالة الأولى إذ لو فرض جريان الإخالة فيهما أدى إلى تعليل حكم بعلتين ولو كان ذلك سائغا لاتفق وقوعه.
794- ويبقى وراء هذا موقف آخر وهو: تجويز تقابل مخيلين مع ترجيح أحدهما على الثاني وهذا من أدق مواقف النظر في الترجيح ولا ينبغي للإنسان أن يتعب نفسه في هذا التقدير فإن أرباب النظر وإن ذكروا في مسألة الربا طرق الترجيح فذلك شعبة من الكلام في المسألة ومعظم الاعتناء بإبطال كل فريق علة من يخالفهم ولكن إجراؤهم الترجيح يدل على اعتقادهم امتناع اجتماع العلل.
795- فقد نجز مرادنا من هذا الفصل وقد ابتدأناه ابتداء من يجوز اجتماع العلتين وأردنا أن نفيد الناظر بهذا المسلك كيفية النظر ووجوه ازورار الطرق حتى يقر الحق في نصابه ويتبين تقرير المختار عندنا والتنصيص على لبابه.
(2/43)

فصل: الطرد والعكس.
796- ومما ذكره الجدليون وتردد فيه القاضي الطرد والعكس فذهب كل من يعزي إليه الجدل إلى أنه أقوى ما يثبت به العلل وذكر القاضي1 أبو الطيب الطيري أن هذا المسلك من أعلى المسالك المظنونة وكاد يدعى إفضاءه إلى القطع وإنما سميت هذا الشيخ لغشيانه مجلس القاضي مدة واعتلاقه أطرافا من كلامه ومن عداه حثالة وغثاء.
797- واستدل هؤلاء بأن الغرض الأقصى من النظر والمباحثة عن العلل غلبة الظن وهذا المقصود يظهر جدا فيما يطرد من غير انتقاض وينعكس وكأن الحكم يساوقه إذا وجد وينتفي إذا انتفى وإذا غلب على الظن تعليق الحكم المتفق عليه في الأصل المعتبر بمعنى فلم يبطل كونه علة بمسلك من المسالك فقد حصل الغرض من غلبة الظن وعدم الانتقاض وينزل ذلك منزلة الإخالة السليمة لدى العرض على الأصول وللقاضي صغو ظاهر إلى ذلك.
ثم ظهور الدليل يرتبط بالطرد والعكس وهو في العكس أبين من جهة أن الطارد في محل النزاع مدع اطراده وهو منازع فيه لا محالة والدليل يستند ظهوره إلى الاتفاق على الانعكاس.
798- وهذا من غوامض الفصل فإن الانعكاس ليس شرطا في العلل السمعة عند جماهير الأصوليين والطرد شرط ثم الذي هو شرط الصحة وركنها ليس دليلا على الصحة والذي لا يشترط وهو الانعكاس ينتهض دليلا.
799- وذهب بعض الخائضين في هذا الشأن إلى أن الأمر بهما جميعا يتم فإن محل التمسك مساوقة الأمر الذي يقال إنه علة وذلك تقرر بثبوته إذا ثبت وانتفائه إذا انتفى.
800- وقال القاضي في معظم أجوبته لا يجوز التعلق بالطرد والعكس في.
__________
1 القاضي أبو الطيب الطبري هو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الفقيه شيخ الشافعية سمع الحديث بجرحان من أبي أحمد الغطريفي وبنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي وعليه درس الفقه أيضا وكان ثقة دينا ورعا عالما بأصول الفقه وفروعه حسن الخلق مات سنة 450 عن مائة سنة وسنتين له ترجمة في البداية والنهاية 12/79, 80.
(2/44)

محاولة إثبات العلة فإن الطرد لا يعم في صور الخلاف على وفاق إذ لو كان يعم لما ثبت الخلاف في المحل الذي يدعى الطارد الطرد فيه والعكس ليس شرطا في العلة التي تجري دليلا وعلامة فقد صار الطرد واقعا في محل النزاع وبعد اعتبار العكس من جهة أنه غير معتبر كما سنذكره على أثر هذا الفصل ومن التزم نصب شيء علما لم يلتزم نصب نفيه علما في نفي مقصوده كما سيأتي الشرح عليه في مسلك العكس إن شاء الله تعالى فالطرد إذا متنازع فيه والعكس ليس من مقتضيات نصب الإعلام والعلامات.
وقال أيضا: معتمدنا في قاعدة القياس تأصيلا وفيما يرد ويقبل تفصيلا ما يصح عندنا من أمر الصحابة رضي الله عنهم فما تحققنا ردهم إياه رددناه وما تحققنا به عملهم قبلناه وما لم يثبت [لدينا فيه ثبت تعديناه فإنا على قطع نعلم أن جميع وجوه النظر ليست] مقبولة ولا مردودة والعقول لا تحتكم فيها مصححة ولا مفسدة فإنها إنما تحكم على الأنفس وصفاتها وما هي عليه من حقائقها والعلل السمعية لا تدل لذواتها فإذا ثبت هذا فقد رأينا الصحابة رضي الله عنهم ينوطون الأحكام بالمصالح على تفصيل لها.
فأما الطرد والعكس فلم يؤثر عنهم التعلق به وليس هو من معنى طلب المصالح [في شيء] حتى يقال استرسالهم في طريق الحكم بالمصالح من غير تخصيص شيء منها يقتضي التعلق بالطرد والعكس.
801- وهذا الذي ذكره القاضي فيه نظر عندي فإن الغاية القصوى في مجال الظنون غلبتها متعلقة بقصد الشارع والمصالح التي تعلق بها صحب الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصادفوا في أعيانهم تنصيصا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيصا لها بالذكر ولو صادفوا ذلك لما كانوا متمسكين بالنظر والرأي فإن معاذا جر الأمة لم يذكر الرأي في القصة المشهورة إلا بعد فقدان كل ما يتعلق به من الكتاب والسنة ولا نراهم كانوا يرون التعلق بكل مصلحة فالوجه في تحسين الظن بهم أنهم كانوا يعلقون الأحكام بما يظنونه موافقا لقول الرسول عليه السلام في منهاج شرعه وكانوا يبغون ذلك في مسالكهم ولا يكاد يخفى على ذي بصيرة أن الطرد والعكس يغلب على الظن انتصاب الجاري فيهما علما في وضع الشرع فمن أنكر ذلك في طرق الظنون فقد عاند ومن ادعى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يأبون التعلق بطريق يغلب على الظن مراد الشارع وكانوا يخصصون نظرهم بمغلب دون مغلب فقد ادعى بدعا.
(2/45)

802- فإن قال قائل: لم ينقل ذلك في عينه فالسبب فيه أنهم كانوا ما أجروا ذكر أصل [واستنباطا] منه وإن كان ذلك هو الطريقة المثلى عند القايسين وما لا يستند إلى أصل فهو استدلال مختلف فيه ولكنهم ما اعتنوا إلا بذكر المعاني فاكتفوا بإطلاقها عن ذكر أصولها وما تكلفوا جمعا وإن كان الجمع معتبرا باتفاق النظار والمسائل لا تشهد بصورها ما لم تربط الفروع بها والذي تحصل منهم التوصل إلى ابتغاء غلبة الظن في بغية الشارع على أقصى الجهد.
803- وأنا أقول: لو ثبت عندهم أو عرض عليهم انتفاء حكم عند انتفاء علم وثبوته عند ثبوته لابتدروه ابتدارهم الأخبار لا طرق النظر فإن ما ثبت من ذلك يعزى إلى الشارع في النفي والإثبات وكانوا يحومون على إشارته وتنبيهاته كما يتعلقون يظاهر ألفاظه وصريح عباراته فليقطع المحصل قوله بما انتهى إليه الكلام من الاستمساك بالطرد والعكس.
804- وما ذكره القاضي من كون الطرد [متنازعا] فيه وكون العكس مستغنى عنه فمن التشدق والتفيهق الذي يستزل به من لا يعد من الراسخين وسبيل الكلام عليه أن نقول مجموعهما هل يغلب على الظن انتصاب ما اطرد وانعكس علما أم لا فإن زعم أنه لا يغلب انتسب إلى العناد وإن سلم إفادته غلبة الظن وقد تقرر أن القايسين غايتهم أن يظنوا ظهور علم على حكم وهم يعترفون بأن الجهات التي تفضي إلى غلبة الظن ليست منحصرة ومن تأمل مجارى كلامهم لم يسترب في أمرين.
أحدهما: أن الأولين رضي الله عنهم ما كانوا يشيرون إلى أمور محصورة مضبوطة يتبعونها اتباع من يقتفي اثار نصوص وتوقيفات ولو كانوا على ضوابط وحدود يتخذونها مرجعهم لما كانوا ينظرون فيه رأيا وإنما كان رجوعا إلى ضبط الشارع وتوقيفه فهذا أحد الأمرين.
والأمر الثاني: أنهم كانوا لا يرون حمل الخلق على الاستصلاح بكل رأى وإنما كانوا يحومون على قواعد الشريعة ويستثيرون منها ما يظنونه.
فيخرج من هذين الأمرين أن مبتغاهم كان أن يغلب على ظنهم مراد الشارع في علم يرتبط الحكم به.
805- فإن قيل: إذا جعلتم الطرد والعكس مسلكا في إثبات علة الأصل فهل تشترطون العكس وما رأيكم فيه؟ قلنا: نعقد في ذلك مسألة وبها حصول الغرض على التمام فيما سبق وفيما سئلنا عنه.
(2/46)

مسألة: [في حكم اشتراط العكس في علة القياس] .
806- ذهب بعض المنتمين إلى الأصول إلى أن الانعكاس لا بد منه في العلل وإن كانت مظنونة وذهب الجماهير إلى أن الانعكاس ليس شرطا في العلل السمعية المظنونة ونحن نورد ما لكل فريق ثم نوضح الحق والمقام الذي تشعبت منه الاراء فأما من شرط العكس فقد يأتي بأمر لفظي لا حاصل له ويقول العلل وإن كانت مظنونة فينبعي أن تكون على مضاهاة العلل [العقلية] القطعية حتى لا يفترقا إلا في كون أحداهما مظنونة والآخرى مقطوعا بها ثم العلل العقلية يجب انعكاسها فلتكن السمعية كذلك وهذا ساقط لا أصل له ولولا الوفاء بإيفاء ما ذكر في هذا المجموع وإلا كنا لا نذكر أمثال ذلك.
فنقول لهؤلاء: العلل العقلية لا حقيقة لها ومن طلب الإحاطة بذلك فهو محال على دقيق الكلام في العلة والمعلول ثم يقال لهم ما يسمى علة سمعية فهي أمارة في مسلك الظن وحقها أن تقابل بالأدلة العقلية ثم الأدلة العقلية إذا اقتضت في ثبوتها مدلولاتها لم يقتض انتفاؤها انتفاء مدلولاتها كالفعل إذا دل على الفاعل لم يدل عدمه على عدم الفاعل والإحكام إذا دل على علم المحكم له يدل التثبج على الجهل وكذلك الأمارات في سبيل الظنون إذا دلت على ثبوت أمر لم يدل انتقاؤها على انتفائه وهذا مما يستدل به من لم يشترط العكس.
807- وقد تعلق الجمهور بأن العكس لو كان شرطا لوجب ألا يقتل إلا قاتل من حيث كان القتل علة قتل القاتل ولا يقتل المرتد فإذا كان الحكم الثابت لعلة يطرد مع ارتفاعها لثبوت علة أخرى تخلفها عند ارتفاعها دل ذلك على أن الانعكاس ليس شرطا.
فإن قيل: امتنع الانعكاس لعلة فليقل الطارد وقد نقض عليه طرده إنما تركت حكم الطرد فيما التزمت لعلة فلما كان الطرد شرطا لم يكن بد من الاطراد فلو كان العكس شرطها لتعين ذلك أيضا وكذلك كل حكم يفرض تعلقه بعلل.
ولمن يشترط العكس أن يقول القتل الواجب بالقتل يعدم بعدم القتل وإنما الواجب عند عدم القتل قتل آخر ولكن المحل يضيق عن القتلات ويفوت بإيقاع واحد منها [به] .
والدليل على ذلك أنها مختلفة الأحكام على وجه لا يخفى مدرك اختلافه.
(2/47)

على الفقيه ويستحيل أن تختلف الأحكام في الشيء الواحد فإن ما يطرده هذا القائل في التحريم بالحيض والإحرام والعدة والردة ويزعم أنها أحكام فإذا زالت علة منها زال حكمها بزوالها وإنما الثابت حكم آخر وإن اتسم بسمة التحريم فدخول المختلفات تحت صفة واحدة عامة لا يوجب اتحادها.
وإذا ألزم هؤلاء الأدلة العقلية قالوا مجيبين: الفعل يدل على الفاعل وعدمه يشعر بانتفاء الفاعلية فإن الفاعلية هي وقوع الفعل على الحقيقة.
وأما الإحكام فلا حقيقة له والمثبج في حال تثبيجه محكم على معنى وقوعه على حسب مراد الموقع وبسط القول في هذا لا يحتمله هذا الفن وإذا خضنا في بيان المختار في ذلك عدنا إلى الأدلة العقلية عودة أخرى إن شاء الله تعالى.
808- ومما يتعلق به من لا يشترط العكس أن يقول: انتفاء التحريم ورفع الحرج من الأحكام فإذا تعلق التحريم بعلم لم يجب أن ينتصب عدمه علما [لحكم] آخر ومن التزم نصب شيء علما لم يلزمه أن ينصب علما في نقيضه.
وهذا وإن كان مخيلا فلا تحصيل له فإن الانعكاس معناه انتفاء الحكم وانتفاء الحكم ليس حكما وقد ذكرنا فيما قدمنا أن الحل في التحقيق إن كان بمعنى رفع الحرج فليس بحكم وإن كان المعنى به أنه مخبر عنه في معنى حكم الحل فهو في هذا الحكم ملحق بالشرع على معنى أنه لم يتصل بالعقلاء قبل ورود الشرع خبر من له الأمر وإلا فالحرج منتف قبل ورود الشرع وقياس التحريم [أن يثبت التحريم ثم أصل] انعكاسه انتفاء التحريم لا ثبوت حكم آخر مناقض للتحريم فقد وهت هذه الطريقة.
809- ومما تمسك بن بعض من نفى اشتراط الانعكاس ما قدمناه في أدراج [الكلام] من الأدلة العقلية فإنها إذا دلت بوجودها على مدلول لم يدل عدمها على عدمه ولا يخطر لم يعد نفسه حبرا في الأصول تفص عن هذا فإن الدليل العقلي مشعر بالمدلول قطعا والأمارة الظنية مشعرة بالمظنون ظنا ولو لم يشعر الدليل القاطع بمدلوله لم يكن دليلا عليه ولا شك أن إشهار القاطع بمتعلقه فوق إشعار الأمارة بالمظنون فإذا قوى الإشعار في الطرد كان اقتضاؤه الانعكاس أظهر ومع ذلك لم ينعكس الدليل فالمظنون بذلك أولى وهذا على وضوحه ساقط فلن يحيط بالانفصال عنه من لم يتلقف من حقائق النظر.
810- والقدر الذي يحتمله هذا الكتاب: أن تعليق الدليل العقلي بمدلوله لا.
(2/48)

حقيقة له والعلوم كلها ضرورية والنظر تردد في أنحاء العلوم الضرورية والعلم المسمى ضروريا هو الذي يهجم العقل عليه من غير فكر والنظر الأول الذي يلي [البديهي] الهجمي هو الذي يحوج إلى أدنى فكر وتجريد تفكر العقل نحو المطلوب ثم [ينبني] على الدرجة الأولى ثانية وعلى الثانية ثالثة فالسوابق تلتحق بالضروريات الهجميات.
811- ولا بد من ضرب مثال يستعين به الناظر في هذه المسألة وفي نظائرها إذا انجر الكلام إلى الأدلة القطعية فنقول إذا تغير الجوهر فتغيره مدرك معلوم من غير مسيس الحاجة إلى فكر ثم يربط هذا الناظر فكره بأن هذا التغير جائز هو أم واجب فنعلم على القرب جوازه ولا ينتصب عليه شيء يتعلق بالجواز ولكن الطالب بفكره يدرك وهو ممثل بما يتأتى بناظر البصر بعض التأتي فإنه قد يحدق نحو بصره قليلا ثم إذا أدركه التحق بالمدركات التي تقرب منه ثم إذا علم جوازه فكر في أنه يقع بنفسه أم يستند إلى مقتض فيترتب عليه غير بعيد ويعلم على اضطرار أن الجائز لا يقع من غير مقتض ويلتحق هذا بالمراتب الضرورية ثم يفكر في تعيين المقتضى إلى حيث ينتهي نظره.
812- ومثال ذلك في الهندسيات: أن الأوليات المذكورة في المصادرات أمور تسليمية كقول القائل الكل أكثر من الجزء وكل شيئين يساوي كل واحد منهما [ثالثا] فهما متساويان ثم يبني الأشكال على أمثال هذه المقدمات وإذا أدركه كان العلم بها على نحو العلم بالمقدمات ولا معنى للدليل إلا بناء مطلوب على مقدم ضروري.
وقد يحتاج الناظر إلى قليل فكر وذلك يختلف باختلاف القرائح فقد يجرى الجواد جريانا لا [نحس] في أثنائه وقفاته إن كانت وقد يطول تردد البليد.
ومما يطرق الخلل إلى النظر الحيد عن السنن المفضي إلى مقصده وبيانه بالمثال أن الذي يبغي مقتضيا إذا حاد عن طلب الجواز وأخذ يفكر في الطول والعرض وللون فهذا حائد لا ينتهي إلى مقصده وقد يؤتى الناظر من نسيان المقدمات وإلا فالمشكل انقطاع مدركه كمدرك المقدمات في المقالة الأولى من كتاب الاستقصات.
813- فخرج من هذا التنبيه العظيم أن دليل العقل ليس شيئا متعلقا بمتعلق حتى يفرض فيه إشعار في الطرد ونقيض له في العكس.
والأمارات الشرعية مصالح تقتضى أحكامها وهي على التحقيق متعلقة بها فقد بان افتراق البابين والمطلوب بعد من حقيقة المسألة بين أيدينا.
(2/49)

وقد قالوا: إذا كانت العلامات الشرعية لا تقتضي أحكامها لأعيانها وإنا وجه اقتضائها لها نصب الشارع إياها وإن صح في ذلك نقل فهي علل منقولة [وإن لم يثبت نقل وظنها المستنبط كان نصب الشارع إياها] مظنونا فهي إذا كيف فرضت منصوبة تحقيقا أو ظنا.
ومن قال لمن يخاطبه: إذا أومأت إليك فاعلم أني أريد منك أن تقوم فعدم الإيماء لا يدل على عدم إرادة القيام فقد يريد منه القيام بعلامة أخرى وقد ينصب على الشيء الواحد أعلاما وهذا على التحقيق حكم العلل الشرعية وهذا هو التدليس الأخير وإذا نحن أوضحنا مسلك الحق فيه استفتحنا بعده تمام الكشف عن غاية البيان واختتمنا المسألة على وضوح لا مراء بعده.
- 814 فنقول: هذا القبيل الذي ذكره السائل من فن مالا يخيل ولا يناسب المستدعي فإن الإشارة لا تختص باقتضاء القيام لا عن علم ولا عن غلبة ظن وهي بالإضافة إلى القيام كهى بالإضافة إلى القعود فليفهم الناظر ذلك أولا وليتفطن له.
- 815ثم نقول بعد: هذه الصفات إذا نصبت أعلاما فإنها في غالب الأمر تذكر في مساق شرط أو على قضية تعليل فإن ذكرت على مساق لشرط فقد قررت في مسألة المفهوم أن انتفاء الشرط يتضمن انتفاء المشروط ومن خالف في القول بالمفهوم لم يخالف في الشرط واقتضائه نفى المشروط عند انتفاء الشرط.
فإذا لا نسلم أن ما يجري من هذه الصفات في مساق الشرط لا يقتضي [انتفاء عند فرض الانتفاء] وإن لم يجر صيغة الشرط في عينها وجرى في معناها فالأمر يجري هذا المجرى فهو بمثابة أن تقول إذا أومأت إليك فقم "فإذا" وإن لم تكن من أدوات الشرط فمعناه الشرط مع اقتضاء التأقيت على ما سبق الرمز إليه في معاني الحروف وإن جرت على صيغة التعليل فالتعليل أبلغ في اقتضاء النفى عند فرض انتفاء العلة وهذا مما سبق القول فيه أيضا في المفهوم فما ادعاه السائل من أن نصب الأعلام لا يقتضى انتفاء الأحكام عند انتفائها ساقط لا أصل له وهو إذا تأمله المتأمل مردود إلى القول بالمفهوم في الشرط والعلة فهذا صدر الكلام في ذلك.
- 816ولكنا مع ذلك لا نبعد أن تعلق المتعلق مشروط بأفراد شرائط بحيث يستقل ذلك المشروط بكل واحد منها مثل أن يقول: أن أتيتني [أو كاتبتني] أو ذكرتني بخير على ظهر الغيب أكرمتك فالإكرام متعلق بكل شرط من هذه الشرائط.
(2/50)

من غير أن يشترط اجتماعها وإذا كان التعلق على هذا الوجه لم يبعد أن ينتفي الإتيان ويثبت الإكرام لمكان المكاتبة أو لشرط آخر يفرض.
817- فإذا لاح هذا انعطفنا على الغرض وبحنا بالمقصود وقلنا: سيأتي في تفصيل الاعتراضات الصحيحة أن النقض مفسد للعلة في بعض الصور قطعا وفي بعضها بضرب من الاجتهاد وطرق القطع منحسمة ولكن النقض على حال ممثل بالخلف في الوفاء بالمشروط عند ثبوت الشرط.
فإذا قال قائل: إن جئتني أكرمتك فإذا جاءه ولم يكرمه كان ذلك في حكم الخلف ولو جرى إكرامه من غير مجيء كان هذا مخالفا لحكم الشرط من طريق التضمن ولم يكن معدودا خلفا صريحا فيفارق الطرد العكس مثل ما يفارق الخلف الوفاء بالمشروط عند وجود الشرط في إثبات مجيء المشروط دون الشرط.
وإذا قال القائل: إن جئتني أكرمتك وإن لم تجئني أكرمتك فالذي جاء به وإن كان على صيغة الشرط فهو خارج عن باب الشرط باتفاق أهل اللسان والتقدير أكرمك إن جئتني أو لم تجئني.
818- ونحن الآن نقول: من حكم كل ما يثبت علة أن ينعكس وأن يكون لوجوده على عدمه مزية ولو لم يكن كذلك لما كان لكون الشيء علة معنى ثم إذا كان الشيء مخيلا [وثبت كونه علة شرعا] فجهة اقتضاءه النفى عند انتفائه من جهة تأثير الإخالة وإن لم يكن مخيلا وثبت كونه علة شرطا فجهة اقتضائه النفى عن انتفائه كونه شرطا كما تقرر في قاعدة المفهوم ومع هذا كله لا يمتنع أن تنتفي العلة ويثبت الحكم بعلة أخرى وكذلك القول في الشرط من حيث أنه يجوز ربط مشروط بآحاد شرائط فإن لم يصح تعليل الحكم الواحد بعلل فيتعين العكس في كل علة ولكنه لو امتنع العكس لخبر أو إجماع فهذا الآن يستدعي مقدمة في النقض.
مقدمة في النقض.
819- فلو اطردت العلة على صور المعاني وتلقتها صورة تخالف حكمها في مقتضى الطرد وكان حكمها غير معلل ففي بطلان العلة بذلك كلام سيأتي مشروحا.
820- فعدم الانعكاس لخبر أو إجماع موضع الخلاف فمن رأى ما قدمته نقضا اضطربوا في مثل هذه الصورة في العكس فذهب الأكثرون إلى أنه غير ضائر.
(2/51)

فإن الانعكاس ضمن العلة كالمفهوم والنقض في حكم الوارد على نص الكلام.
وصار صائرون إلى أنا نتبين بتقاعد العلة عن مقتضاها بطلانها في طردها فهذا موضع الخلاف [في المسألة] .
821- والمختار إذا انتهى الكلام إلى هذا المجر أن هذا غير مبطل للعلة ولكن ينشأ من هذا الموضع فصل جدلي ممتزج بأمر ديني فنقول.
أولا: دينا حق على كل مجتهد أن يفتى بعكس العلة إذا لم يمنع من ذلك مانع ولم يحجز حاجز فإن اقتضى الانعكاس جهة في الاجتهاد فلا يجوز تعطيله ولكن إذا طولب في النظر فالوجه ألا يلتزم ما لأجله ترك العكس فإنه إذا ثبت جوازه ترك العكس بسب والكلام في محل العكس خارج عن محل الخلاف فمطالبة المعلل بإبداء العذر في ترك الانعكاس خروج عن المسألة إذ محل الطرد هو المعنى.
وسر المسألة قصر الكلام على المقصود وحصره في أوجز الطرق حتى تجدى وتثمر على قرب وكثب.
وكمال البيان فيه: إن من طرد علة فانتقضت علته ولاح الفرق بين صورة النقض ومحل التعليل فالعلة باطلة قطعا فإن ما انتهض فرقا صيغة في التعليل أخل المعلل بذكره فكأنه ذكر بعض العلة ولو تقاعدت العلة عن العكس وظهرت علة تقتضي امتناع العكس لم ينقدح ذلك في العلة بل كان ذلك عذرا عاما في عدم الانعكاس وقد نجز غرضنا من الكلام في الانعكاس الآن.
822- وإنما أجرينا ذكر هذا الطرف وإن كان لائقا بباب الاعتراضات لاتصاله بالقول بالعلتين وبه تم إيضاح الغرض من هذا الفن وتقرر أنا لم نلف حكما متفقا عليه مرتبطا بعلتين مع تحقيق الاتحاد في الحكم.
وإذا كان كذلك فالحكم الثابت مع انتفاء العلة إن لم يستند إلى نص أو إجماع فهو مساو للحكم الأول في الاسم ومخالف له في المأخذ والحقيقة وهو كتعليلنا تحريم المحرمة بإحرامها ثم إذا حلت وكانت حائضا فهي محرمة وإن زال الإحرام ولكن تحريم الحيض مخالف لتحريم الإحرام في وصفه وكيفيته وكذلك إذا علل المعلل إباحة الدم بالقتل الموجب للقصاص ثم لم تنعكس العلة لمكان الردة أو غيرها من مقتضيات القتل فليس هذا من عدم الانعكاس فإن القتل الواجب بالقتل ينتفي بانتفاء القتل.
(2/52)

823- فإن قيل: قد أنكرتم وجدان حكم معلل بعلتين فما قولكم في الولاية المطردة على الطفل والمجنون وهي قضية واحدة معللة بالجنون والصبا؟
قلنا: الولاية الثابتة على المجنون ضرورية إذ لا يتوقع من المجنون تصرف وفهم ونظم عبارة والولاية على الصبي المميز لمكان الغبطة وطلب الأصلح فإن الصبي يعقل ما يقول ويفعل ومن كان آنسا بتفاصيل الولايات لم يعدم فرقا بين الولاية على المجنون والولاية على الصبي [المميز] فإن فرض صبي غير مميز فهو المجنون بعينه ولا أثر للصبا ولا يقع به تعليل فإن الولاية الحقيقية بالصبا هي ولاية الاستصلاح.
824- وقد تناهى الشافعي في [الغوص] على ما ذكرناه حتى لا يرى توريث ذي قرابتين بالقرابتين جميعا إذا كانت إحداهما أقرب من الأخرى وقال القرب الأقرب يعدم أثر القرب الأبعد حتى كأنه ليس قريبا وكذلك الصبا مع سقوط التمييز ليس معتدا به وهذا آخر القول في تأصيل قياس المعنى وما تثبت به علل الأصول وقد حان الآن أن نحوم على قياس الشبه.
القول في قياس الشبه 1.
825- ومن أهم ما يجب الاعتناء به تصوير قياس الشبه وتمييزه عن قياس المعنى والطرد ولا يتحرر في ذلك عبارة خدبة مستمرة في صناعة الحدود ولكنا لا نألوا جهدا في الكشف فقياس المعنى مستندة معنى مناسب للحكم مخيل مشعر به كما تقدم والشبه لا يناسب الحكم مناسبة الإخالة وهو متميز عن الطرد فإن الطرد تحكم محض لا يعضده معنى ولا شبه.
826- وإنما يتضح القول في ذلك بالأمثلة ثم بالحجاج.
فإذا قلنا طهارة عن حدث أو طهارة حكمية فافتقرت إلى النية كالتيمم لم يكن قولنا طهارة عن حدث مقتضية من طريق الإخالة للنية ولكن فيه شبه مقرب لإحدى الطهارتين من الأخرى وقد عبر الشافعي2 عن تقريب إحداهما من الأخرى
__________
1 اضطرب الأصوليون في تعريف الشبه والمختار في تعريفه أنه وصف لا يناسب الحكم بذاته وإنما يناسبه لأنه أشبه الوصف المناسب بذاته وبيان ذلك أنا نقدر أن لله تعالى في كل حكم مصلحة مناسبة للحكم وربما لا يطلع على عين تلك المصلحة لكن يطلع على وصف يظن أنه مظنة تلك المصلحة. قال الغزالي ولعل جل أقيسة الفقهاء ترجع إلى قياس الشبه "أصول الفقه" ص 328, 329.
2 سبقت ترجمته.
(2/53)

فقال: طهارتان فكيف تفترقان؟ وكذلك إذا, قلنا: غسل حكمي فلا يتعدى الظاهر إلى داخل الفم كغسل الميت فهو تشبيه مقرب وليس بمثابة الطرد الذي لا يخيل ولا يثير شبها مغلبا على الظن.
827- ثم الشبه ينقسم إلى تشبيه حكمي وإلى [تشبيه] حسي.
فالحكمي ما ذكرناه والحسي كقول أحمد1 أحد الجلوسين في الصلاة فكان واجبا كالجلوس الأخير. وكقول أبي حنيفة: تشهد فلا يجب كالتشهد الأول وفي الشرع تعبد بالنظر إلى الأشباه الحسية الخلقية كالقول في جزاء الصيد والقيافة مبناها على النظر إلى الأشباه الجلية والشمائل الخفية.
828- ولا ينتهي هذا المقدار إلى تمام البيان في تصوير قياس الشبه ونحن نزيد فنقول إلحاق الشيء بالمنصوص عليه لكونه في معناه متقبل مقطوع به وإن لم يكن الحكم المنصوص عليه معللا أو كان معللا ولم يطلع الناظر بعد [على] ذلك من حاله وقد قدمنا في ذلك قولا بالغا فما قرب من المنصوص عليه جدا بحيث يحصل العلم بالتحاقه فهو في الرتبة العليا وما بعد قليلا وعارض العلم نقيضه من ظن أو شك فهذا مما يغلب على الظن الالتحاق به من غير معنى وهو الشبه.
ثم تعليلات الظنون في درجات المظنون على مراتب فإذا تناهى البعد وثار بحيث لا يلوح مقتضى ظن ولا موجب علم فهو الطرد المردود.
829- والشبه ذو طرفين أدناه قياس في معنى الأصل مقطوع به.
وأبعده لا يستند إلى علم ولا ظن وكل طارد ذاكر شبها حسيا أو حكميا لا يخيل ولا يغلب على الظن.
ومن أصدق ما تميز به الطرد عن الشبه أن تعليق الحكم بما يعد طردا يضاهى في مسلك الظن تعليق نقيضه به فلا يترجح أحدهما على الثاني إلا من جهة اطراد أحدهما فيما يبغيه الطارد ويدعيه والشبه يتميز عن هذا.
ونحن نبين ذلك بمثال يحوي المقطوع به في الرتبة العليا والشبه الذي نحن في محاولة تصويره والطرد الذي نرده.
فلو ثبت مثلا كون النية شرطا في التيمم لكان الوضوء في معناه قطعا وإلحاق الوضوء بالتيمم تشبيه ولا يليق بقول القائل طهارة حكمية نفى النية [فانماز] الشبه.
__________
1 سبقت ترجمته.
(2/54)

المقبول به عن نقيضه وإذا قال الحنفي طهارة بالماء فأشبهت إزالة النجاسة كان ذلك طردا.
ولو قيل: طهارة بالماء فافتقرت إلى النية لم يكن في هذا بعد يناقض نفى النية حتى يقال نفي النية أليق اللفظ من إثباتها وإن انتصروا لذلك فغايتهم أن يقولوا ما ذكرناه شبه [خلقي] وقد هذى بعض المتأخرين فقال: الماء طهور بجوهره.
وغرضنا التنبيه على المنازل فإن استقام للخصم وجه من الشبه فالأصولي لا يعرج على مذاهب أصحاب الفروع ثم نزيد الكلام إن ناضل الخصم بشبيه إلى الترجيح [وسننبه] على مسلكه في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.
830- ومما ذكره القاضي في تمثيل تعارض الأشباه القول في أن العبد المملوك هل يملك؟
فمن زعم أنه يملك شبهه في إمكان صدور التصرف منه بالحر واعتضد بأنه عاقل في جنسه يتأتى منه السياسة والإيالة والضبط والقيام على المملوكات وإنما يملك من يملك لذلك وللعبد فيه شبه بالحر وهذا يعتضد بتصوير ملك النكاح له.
ومن أبى تصوير الملك له تعلق بأنه على شبه المملوكات في استحالة الاستقلال وفي نفوذ تصرف المالك فيه على حسب تقدير النفوذ في المملوكات [جمع فشابه] المملوك الذي يقام عليه ولا يقوم بنفسه.
831- وهذا الذي ذكره ليس من قياس الشبه عندي فإن كل متعلق في المسألة في شقي النفي والإثبات منخرط في سلك المعنى المخيل المناسب ثم الإخالات على رتب ودرجات فمنها الخفي ومنها الجلي ومنها المتوسط بين الخفاء والجلاء.
ولعلنا أن نأتي في ضبك مداركها بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى.
832- ومما أجراه القاضي في ضبط تصوير الشبه أن قال قياس المعنى هو الذي يستند إلى معنى يناسب الحكم المطلوب بنفسه من غير واسطة وقياس الشبه هو الذي يستند إلى معنى [و] ذلك المعنى لا يناسب الحكم المطلوب بنفسه ولكن ذلك المعنى يغلب على الظن أن الأصل والفرع لما اشتركا فيه فهما مشتركان في المعنى المناسب وإن لم يطلع عليه القايس.
833- وهذا الذي ذكرناه على حسنه لا يضبط قياس الشبه فإنا نجري قياس
(2/55)

الشبه حيث لا يعقل معناه فيه تقريبا له من الذي يقال فيه إنه [في] معنى الأصل فإذا كان القياس ألشبهي يجري حيث لا معنى فلا توجه لضبطه بالإشعار بالمعنى المناسب.
وقد ينقدح في محل إمكان المعنى فيما ذكره القاضي [فضل] نظر فإن دركه إذا كان ممكنا للمجتهد لم يجز له الاجتزاء بالشبه بل عليه أن يبحث عما لا يشعر به الشبه من المعنى فإذا لاح للناظر الشبه المشعر [بالاجتماع] في المعنى كان ذلك في حكم السابقة المقتضية تتمة النظر.
وسنعود إلى تفصيل ذلك بكلام يشفى الغليل ونأتي على كل تفصيل إن شاء الله تعالى وإنما نحن الآن في تصوير الشبه ثم الكلام يقع وراء ذلك في الرد والقبول وإثبات الحق.
فصل:
834- ومما أرى تقديم رسمه ربط الأحكام بالأحكام وهو كثير الجريان والجولان في أساليب الظنون كقول القائل من نفذ طلاقه نفذ ظهار إلى ما ضاهى ذلك وهذا ينقسم إلى ما يشعر بالمعنى المخيل [المناسب] إشعارا بينا وإلى ما يستعمل شبها محضا فالمشعر بالمعنى كما ضربناه من المثال استدلالا على نفوذ الظهار بنفوذ الطلاق فإنه يجمعهما اقتضاء كل واحد منهما تحريم البضع مع كون الزوج مالكا للبضع متمكنا من التصرف فيه والتحريم على وجه ينفرد باستدراكه أو على وجه مبين يستدعي رفعه عقدا مجددا والظهار محرم كالطلاق فربط أحدهما بالآخر يلوح منه المعنى الجامع بينهما.
835- وهذا القسم سماه بعض المتأخرين قياس الدلالة من حيث إنه يتضمن شبها دالا على المعنى.
وهؤلاء قسموا الأقيسة إلى قياس المعنى وهو الذي يرتبط الحكم فيه بمعنى مناسب للحكم مخيل مشعر به.
وإلى قياس الدلالة وهو الذي يشتمل على ما لا يناسب بنفسه ولكنه يدل على معنى جامع وإلى قياس الشبه المحض وهو الذي لا يشعر بمعنى مناسب أصلا ولا يكون في نفسه مناسبا.
ثم اختيار النظار قياس الدلالة لإعرابه عن المقصود على القرب فإن المعنى لو
(2/56)

أبداه المعلل ونوزع فيه وفي مناسبته وطريق اعتباره وإشعاره لقال: التحريم إلى الزوج والله المحرم كتحريم الطلاق بالإضافة إلى الطلاق فإذا كان عقبى الكلام يستدعي الاستشهاد بالطلاق فذكر الطلاق أول مرة على الابتداء يتضمن المعنى ويصرح بالاستدلال عليه.
836- فأما الحكم الذي هو شبه محض فهو كقول القائل: قربة ينقضها الحدث فيشترط فيها الموالاة قياسا للطهارة على الصلاة فانتقاض القربة بالحدث حكم وربط الموالاة بالحدث من طريق الشبه فليس في بطلانها بهذا الحكم ما يشعر باشتراط المتابعة على التحقيق.
837- وقد يقرب من هذا القسم تشبيه الوضوء بالتيمم وتشبيه غسل الجنابة بغسل الميت.
ومما يلتحق بهذا القسم تصوير الشبه اعتبارنا التكبير في حكم التعيين وامتناع قيام غيره مقامه بالركوع الذي لا تقوم هيئة من الهيئات مقامه وإن تضمن خشوعا واستكانة تامة.
838- والقاضي أحيانا يقول: ليس هذا بقياس فإن تعيين التكبير متناه على انحسام مسلك القياس وتحرير القياس في منع القياس مناقضة والتباس ولكن صاحب هذا المذهب يقرر ابتناء الصلاة على الاتباع ويوضح بعدها عن المعاني.
ونضرب في ذلك الأمثال للإيضاح لا للقياس.
وهذا يضاهي من سبل المعقولات المخاوضة في الضروريات فإن الاستدلال فيها محال ولكن المتمسك بدعوى الضرورة قد يبسط المقال ويضرب فيه الأمثال ويبغي بإيرادها اجتزاء مخالفة خصمه وارعواءه عن جحده وعناده.
وأحيانا يقول هذا قياس الشبه فيما لا يعقل معناه والجوابان متقاربان لا يظهر بينهما اختلاف المعنى.
839- ومن تمام القول في تصوير ما نحن فيه: أن المعنى الذي ادعاه المعلل علة وعلما لم يظهر كونه مخيلا وإنما أثبت [المتمسك] به انتصابه علما من جهة الطرد والعكس ورأيت ذلك مسلكا في انتصاب المعنى علة فهذا في أصح أجوبة القاضي يلتحق بالشبه فإن المعنى هو المناسب وما يغلب على الظن انتصابه من غير إخالة.
(2/57)

فمسلكه الشبه فهذا بيان صورة قياس الشبه وما يلتحق به وهذا منتهى غرضنا من هذا التصدير في محاولة التصوير. وقد حان أن ننقل المذاهب في رد قياس الشبه وقبوله ونوضح الحق عندنا.
مسألة:
840- قال القاضي في كثير من مصنفاته: قياس الشبه باطل وإلى هذا صغوه الأظهر وتابعه طوائف من الأصوليين وذهب معظم الفقهاء إلى قبول قياس الشبه والقول به فأما من رده فمتعلقه أن الشبه ليس مناسبا للحكم ولا مشعرا به فشابه الطرد فإن الطرد إنما رد من جهة أنه لا يناسب الحكم. وإن زعم القائل بالشبه أنه مناسب فليس من شرط الأصولي أن يتكلم في تفاصيل الفقه ولكنه يقول إن كان مناسبا على شرط الفقهاء فهو قياس المعنى ونحن لا ننكره وإنما ننكر قسما سميتموه الشبه وزعمتم أنه زائد على المعنى المخيل المناسب فهذا لباب كلام القاضي حيث يرد قياس الشبه وسنرد عليه في خاتمة الكلام.
841- وإنما أخرنا ذلك لأن الغرض لا يلوح دون ذكر معتصم القائلين بقياس الشبه وقد أكثر الفقهاء وما أتوا بكلام يفلح [المتمسك] به والذي نرتضيه متعلقا في الشبه أمران.
أحدهما: أن نقول قد أوضحنا في مواضع أنه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى وعن قضية تكليفية وسنكشف الغطاء فيه في كتاب الفتوى إن شاء الله تعالى.
وإذا تمهد ذلك قلنا: من مارس مسائل الفقه وترقى عن رتبة الشادين فيها ونظر في مسالك الاعتبار تبين أن المعنى المخيل لا يعم وجوده المسائل بل لو قيل لا يطرد على الإخالة المشعرة عشر المسائل لم يكن مجازفا وهذه الطريقة إنما يدريها من توغل في مسائل الفقه فأمعن النظر فيها وهذا واضح جدا بالغ الموقع. وعضد القاضي في [التقريب] هذه الطريقة بمناظرات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفرائض سيما مسائل الجد وفي هذا نظر فإنها معان بيد أنها تكاد تتعارض وإنما تعب المجتهدون فيها بالترجيح فهذا مسلك مقنع جدا.
842- والمسلك الثاني: أن الغرض من قياس المعنى غلبات الظنون وكل مسلك
(2/58)

في قبيله وجنسه ما ستعقب العلم عند قرب النظر فإذا بعد وأثار ظنا كان متقبلا في المظنونات وقد ذكرنا أن إلحاق الشيء على قرب بالمنصوص عليه وهذا الذي يسمى القياس في معنى الأصل معلوم مقطوع به والشبه على فنه ومنهاجه غير أنه لا يتضمن علما ويتقضي ظنا وهذا كأقيسة المعاني فإن الشارع لو نص على تعليل الحكم بعلة على وجه لا يتطرق إلى تنصيصه تأويل فهذا في فنه مقطوع به.
وإن لم يفرض نص ولا إجماع ولاح في الحكم المنصوص عليه معنى مناسب فهذا مظنون الالتحاق بما فرضناه معلوما في هذا الطريق فيترتب مسلك الظن في قياس المعنى على النص على المعنى ترتب الشبه على الذي يقال إنه في معنى الأصل.
ومستند كل فريق في البابين أصل لو ثبت كان مقتضيا علما وليس هذا الذي ذكرناه قياسا في إثبات نوع من القياس فإن هذا ليس بالمرضى عند من يحيط بمأخذ الأصول ولكنا رسمنا القسمين معلوما ومظنونا.
843- ونحن نقول وراء ذلك: إنا لا يمكننا أن ننص على مسلك معين أو مسالك وندعى أن نظر الصحابة ومن بعدهم كان منحصرا فيه والذي يسمى المعنى ليس يقتضي الحكم لعينه وليس كل مخيل عله في الحكم.
والقدر الذي ثبت: أنهم كانوا يلحقون ما لا ذكر له في المنصوصات بالمنصوصات إذا غلب على ظنهم أنه يضاهيها بشبه أو بمعنى وليس من يدعى حصر النظر في المعاني بأسعد حالا ممن يدعى حصر المعاني في الأشباه.
واستتمام الكلام فيه بما ذكرناه مقدما حيث قلنا النظر في الشبه يوقع في مستقر العادة غلبة الظن كما أن النظر في المعنى يوجب ذلك.
ومن أنكر وقوع الظن كان جاحدا للعلم على قطع فإن العلم بوقوع الظن مقطوع به وإذا انتظم ظن في إلحاق الشيء بأصل الشرع ولم يدرأه دارئ وألفى قبيله إذا ظهر مقتضيا علما فليس بعد هذا التقرير كلام مع ما تقدم من أن الرجوع إلى المجمعين حتم ولم يثبت في مآخذهم ضبط.
844- فإن قيل: لسنا نسلم إفضاء الشبه إلى غلبة الظنون.
قلنا هذا الآن عناد [منكم ونكد] فإن من أنكر وقوع الظن بكون الوضوء كالتيمم وكل واحد منهما معنى يراد معين للصلاة والحدث استباحة أو رفعا فقد راغم.
(2/59)

وإذا قيل له: قياس المعنى لا يفيد ظنا لم يرجع في تحقيق ذلك إلا إلى مثل ما ذكرناه والسر فيه أن جحد الظن في هذه المسالك مراغمة للعلم بالظن.
845- وما ذكره القاضي في تقسيم القول بأن الشبه مناسب للحكم أو غير مناسب فهذا أوان الجواب عنه.
فنقول: الشبه مع ما ادعيت من انقطاع المناسبة أيغلب على الظن أم لا فإن أبى حصول غلبة الظن فقدره أجل وأعلى من هذا وإن اعترف به راجعناه في المعنى الذي تحصل غلبة الظن لأجله ولا مناسبة.
وعندي أن الأشباه المغلبة على الظن وإن كانت لا تناسب الأحكام فهي تناسب اقتضاء تشابه الفرع والأصل في الحكم فهذا هو السر الأعظم في الباب فكأن المعنى مناسب للحكم من غير فرض ذكر أصل نظرا إلى المصالح الكلية والأصل يعني لانحصار المصلحة في أصول الشريعة فإن كل مصلحة لا تنتهض علة والشبه لو جرد لا يقتضي الحكم كما لو لم يفرض إلا الوضوء لم يكن في قول القائل طهارة حكمية أو عن حدث اقتضاء النية لا علما ولا ظنا وإذا ثبت التيمم فذكر الحدث يناسب مشابهة الوضوء للتيمم والشبه من ضرروته مشبه ومشبه به والمعنى مستقل إذا ناسب اقتضاء الحكم لو ثبت الاستدلال والقول به.
846- وهذا منتهى القول في الشبه: تصويرا واحتجاجا واختيارا وقد اشتمل ما ذكرناه على تقسيم الأقيسة المظنونة.
ونحن نذكر بعد ذلك فصلا مما جمعه الأصحاب في تقاسيم الأقيسة ونطرد ما قالوه ونسوقه على وجهه ثم نذكر ترتيبا حسنا [ينبه الناظر على جميع قواعد القياس] ثم نذكر ما يعلل وما لا يعلل ثم نذكر طريق الاعتراضات الصحيحة منها والفاسدة ثم نذكر قولا بالغا في الاستدلال ثم نختتم الكتاب بالمركب وما فيه وينتجز به القياس إن شاء الله تعالى.
(2/60)

فصل: في مراتب الأقيسة.
847- يحوي ما يعد منها وفاقا وما يختلف في عده منها ويتضمن بيان ترتيبها في الجلاء والخفاء. ونحن نذكر أجمع طريقة الأصحاب وأحواها ثم نذكر ما عندنا في معناها ومغزاها.
(2/60)

قالوا: أولها: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من طريق الفحوى والتنبيه المعلوم كإلحاق الضرب وأنواع التعنيف بالنهي عن التأفيف فهذا في الدرجة العليا من الوضوح.
وقد صار معظم الأصوليين إلى أن هذا ليس معدودا من أقسام الأقيسة بل هو متلقى من مضمون اللفظ والمستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه كالمستفاد من صيغته ومبناه ومن سمى ذلك قياسا فمتعلقة أنه ليس مصرحا به والأمر في ذلك قريب.
848- والقسم الثاني: ما نص الشارع على تعليله على وجه لا يتطرق التفصيل والتأويل إليه أصلا وقد ثبت لفظ الشارع قطعا فإذا ثبت الحكم واستند إلى النص القاطع في تعليله فمن ألحق بالعلة المنصوصة المسكوت عنه بالمنطوق به كان قياسا.
قال الأستاذ أبو بكر هذا ليس بقياس وإنما هو استمساك بنص لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لفظ التعليل إذا لم يقبل طرق التأويل عم في كل ما تجرى العلة فيه وكان المتعلق به مستدلا بلفظ ناص في العموم.
849- القسم الثالث: إلحاقك الشيء المنصوص عليه لكونه في معناه وإن لم تستنبط علة لمورد النص وهو كإلحاقك الأمة بالعبد في قوله عليه السلام: "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه" 1 وهذا القسم مما اختلف في تسميته قياسا أيضا كما تقدم ذكره.
850- والقسم الرابع: قياس المعنى: وهو أن يثبت حكم في أصل فيستنبط له المستنبط معنى ويثبته بمسلك من المسالك التي قدمناها [و] لم يصادفه غير مناقض للأصول فيلحق كل مسكوت عنه وجد فيه ذلك المعنى بالمنصوص عليه وقد تقدم استقصاء القول فيما يثبت به علل الأصول وشرط هذا القسم أن يكون المعنى مناسبا للحكم مخيلا مشعرا به على ما تقدم وهذا القسم هو الباب الأعظم في أقيسة الشرع وفيه نزاع القايسين وتعارض أقوالهم.
851- والقسم الخامس: قياس الشبه ونحن على قرب عهد بوصفه.
852- وألحق ملحقون قياس الدلالة بهذه الأقسام [واعتقدوه] قسما سادسا ولا معنى لعده قسما على حياله وجزءا على استقلاله فإنه يقع تارة منبئا عن معنى وتارة شبها وهو في طوريه لا يخرج عن قياس المعنى أو الشبه فهذه تقاسيم كلية ذكرها.
__________
1 سبق تخريجه.
(2/61)

من حاول ترتيب الأقيسة.
- 853 [والرأي] عندنا أن نجري الترتيب على خلاف ذلك فنقول مطلوب الناظر ينقسم إلى معلوم ومظنون.
فأما المعلوم: فلا معنى لذكر الترتيب فيه فإن [العلوم] لا تتفاوت عند وقوعها فإن فرض تفاوت في القرب وبعد المأخذ وطول النظر فهو من مقدمات العلوم وإلا فلا يتصور علم أبين من علم.
- 854 والأقسام الثلاثة المقدمة من المعلومات ومن أنكرها كان جاحدا وقد استجرأ على جحد بعضها أقوام يعرفون بأصحاب الظاهر ثم إنهم تحزبوا أحزابا وتفرقوا فرقا فغلا بعضهم وتناهى في الانحصار على الألفاظ وانتهى به الكلام إلى أن قال: من بال في إناء وصبه في ماء لم يدخل تحت نهى الرسول عليه السلام إذ قال: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم".
وهذا عند ذوي التحقيق جحد الضرورات ولا يستحق منتحله المناظرة كالعناد في بدائه العقول.
ومما يحكى في هذا الباب ما جرى لابن سريج مع أبي بكر بن داود قال له ابن سريج أنت تلتزم الظاهر وقد قال الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} 1 فما تقول فيمن يعمل مثقال ذرتين؟
فقال مجيبا: الذرتان ذرة وذرة فقال ابن سريج فلو عمل مثقال ذرة ونصف فتبلد وظهر خزيه وبالجملة لا ينكر هذا إلا أخرق ومعاند.
855- وأما المظنون: فينقسم إلى قياس المعنى والشبه ثم قد يتردد بين القسمين ما يلتحق تارة بالمعنى وتارة بالشبه على ما نفصله.
856- وأما قياس المعنى: فهو الذي يناسب كما سبق وصفه ثم هذا القسم في نفسه يترتب رتبا لا تقبل الضبط فمنها الجلي ومنها الخفي ثم الجلاء والخفاء فيها من ألفاظ النسبة فكل محتوش بطرفين جلي بالإضافة إلى ما دونه خفي بالإضافة إلى ما فوقه.
__________
1 آية "6" سورة الزلزلة.
(2/62)

والسر في ذلك يتبين بفرض تعارض معنيين لو قدر انفراد كل واحد منهما "بالإضافة" مستقلا لاقتضى حكما لاستجماعه عند استقلاله شرائط الصحة فإذا عارضه معنى مقتضاه نقيض مقتضاه كمعنيين يتعارضان في التحليل والتحريم فسيأتي سبيل النظر فيهما.
ويئول الكلام إلى حالتين إحداهما أن يرجح أحد المعيين على الثاني بوجه من وجوه الترجيح على ما سنشرح الترجيحات في كتابها.
857- وتقاسيمها يضبطها في غرضنا شيئان:
أحدهما: أن يكون أصل المعنى في وصفه أوضح وأبين والآخر أبعد فهذا ترجيح من نفس المعنى.
والثاني: أن يعضد أحد المعنيين بما يؤيده ويعضده على ما سيأتي.
فإن اختص أحد المعنيين بالظهور في أسلوب النظر واحتاج مبدي المعنى الآخر إلى تكلف في إبدائه فيقال فيهما إن أحدهما أجلى من الثاني.
وهذا ممثل بالعقليات المفضيات إلى القطع [فالذي] يقرب من العلم البديهي إذا قيس بما يبعد عنه بعض البعد [كان أجلى] فهذان يضربان مثلين للجلي من المظنونان والخفي منها.
فما قرب من الأصول القطعية فهو الجلي بالإضافة إلى ما بعد من العلم فلتكن العلوم السمعية مستند الخفاء والجلاء والإنسان يعلم ثم يتجاوز محل العلم قليلا فيظن ظنا غالبا ثم يزداد بعدا فيزداد الظن ضعفا.
فهذا وجه التفاوت في الظنون.
وهو فيه إذا كان ظهور الترجيح من ظهور المعنى في نفسه ولو كان الترجيح في الاعتضاد فالمعنيان في أنفسهما متقاربان فأسباب العضد في أحدهما إذا رجحته على معارضه أثبت له رتبة الجلاء بالإضافة إليه ورجع حاصل القول إلى أن الجلاء والخفاء راجعان إلى الترجيحات والترجيحات يحصرها القرب من المعلوم والاعتضاد بالمؤيدات ثم لا يتأتى في ذلك ترتيب وحصر حتى يحصره بعد أو حد وإن كانت في الحقيقة مضبوطة معدودة فهذا قولنا في مراتب المظنونات المعنوية.
858- ثم جمله أقيسة المعاني مقدمة على أعلى رتبة تفرض [في] الشبه والسبب فيه أن المقيس على أصل بمعنى مشابه له فيه وزائد عليه بالإخالة على الشبه على وجه.
(2/63)

لو صح الاستدلال لا ستقل دليلا دون أصله ثم بعد آخر مرتبة من مراتب المعاني لاستفتاح الأشباه وهي على مراتب ودرجات كما ذكرناه في ترتيب المعنويات.
859- وقد اتخذنا المعاني المعلومة أصولا ورتبنا عليه المعاني المخيلة قربا وبعدا فنتخذ ها هنا كون الشيء في معنى أصله أصلا ونفرض النزول عنه إلى الأشباه فما قرب منه فهو مقدم على ما بعد عنه ثم كما يعتمد قياس المعنى الجلاء والخفاء في الإخالة فالشبه يعتمد أمرين:
أحدهما: وقوعه خصيصا بالحكم المطلوب وهو نظير الجلي الظاهر من نفس المعنى.
والآخر: اعتضاده بكثرة الأشباه وهذا يناظر اعتضاد أحد المعنيين بما يؤازره ويظافره.
وبيان ذلك بالمثال: أن كون الوضوء حكما غير متعلق بغرض يختص باشتراط قصد يصرفه إلى جهة امتثال الأمر إذ لا غرض ومهما لاح اختصاص الشبه فيكاد أن يكون مناسبا والجافي قسم المعنى ولكن الشبه لو التزمه [معنى] فقد يعسر عليه كرده على شرائط المعاني فيصير الإيماء إلى المعنى مقدما للشبه ومقربا وإن كان مسلك المعنى لا يستقل فيه.
وأما كثرة الأشباه فلا حاجة إلى ضرب مثال فيها وستأتي أبواب الترجيح حاوية لها منطوية عليها إن شاء الله تعالى.
860- وقدم الأصوليون أشباه الأحكام على الأشباه الحسية وليس الأمر على هذا الإطلاق فأن الأمر يختلف بالمطلوب فإن كان المطلوب أمرا محسوسا فالشبه الحسي أخص به وأمس له كطلب المثل في الجزاء وإن كان المطلوب حكما فالشبه الحكمي حينئذ أقرب.
861- وأقصى الإمكان في هذا المجال الضيق [التنبيه] ودرك الحقائق موكول إلى جودة القرائح فإذا قارنها التوفيق بان المعنى والشبه فقياس الدلالة مقدم على الشبه المحض من جهة إشعاره بالمعنى.
وما يثبت الطرد والعكس مقدم على الشبه الذي لا يتصف بذلك فإن الطرد والعكس يجريان في مجال الظنون والحسيات مجرى ظهور لفظ الشارع والشبه يبعد من.
(2/64)

هذا فليتخذ الناظر هذه المراسم قدوته وإمامه.
ولو قيس المخيل السديد بالمطرد المنعكس فهو مقدم على المطرد المنعكس لتحققنا كون مثله معتمد الصحابة رضي الله عنهم ولتكلفنا إلحاق المطرد المنعكس به ومنه ثار الخلاف المتقدم في [أن] الطرد والعكس مما يسوغ الاحتجاج بهما أم لا؟
862- وليعلم المنتهى إلى هذا الموضع أن المعنى قد يتناهى في الخفاء ويظهر للمجتهد جريان الطرد والعكس وإن عن للمجتهد في مثل هذا المجال تقديم العكس فلا بأس فإن المعنى إذا تناهى خفاؤه فإنه يكاد يخرج عن حكمنا بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحكمون به والظاهر في الانعكاس ملتحق بظواهر ألفاظ الشارع.
863- ثم لا ينبغي أن يظن ظان أن القول في هذا ينتهي إلى القطع بل هو موكول إلى نظر النظار واجتهاد أصحاب الاعتبار وكيف لا يكون كذلك والتقديم والتأخير مستنده الترجيح ومنشأ الترجيح الظن.
وعلى هذا قد يعرض تقديم الشبه الجلي على المعنى الخفي والعلة فيه أنه إذا انتهى الخفي إلى مبلغ يحول الكلام في إخراجه [على جنس الإخالة والشبه الذي فيه الكلام لا ينقدح في إخراجه] عن قبيل الشبه قول فإذ ذاك ينظر الناظر [ويردد] رأيه في تقديم ما يقدم وتأخير ما يؤخر.
مسألة:
864- قال القاضي ليس في الأقيسة المظنونة تقديم ولا تأخير وإنما الظنون على حسب الاتفاقات.
وهذا بناه على أصله في أنه ليس في مجال الظن مطلوب هو تشوف الطالبين [ومطمع] نظر المجتهدين قال بانيا على هذا إذا لم يكن مطلوب فلا طريق إلى التعيين وإنما المظنون على حسب الوفاق.
وهذه هفوة عظيمة هائلة لو صدرت من غيره [لفوقت] سهام التقريع نحو قائله وحاصله يئول إلى أنه لا أصل للاجتهاد وكيف يستجيز مثله أن يثبت الطلب والأمر به ولا مطلوب وهل يستقل طلب دون مطلوب مقدر ومحقق فليت شعري من أين يظن المجتهد؟ فإن الظنون لها أسباب.
فمن أقدم إقدام من لا يعتقد تشوفا ولا تطلبا كيف يظن ثم فيما ذكره خروج.
(2/65)

عظيم عن ربقة الوفاق فإنا على اضطرار نعلم من عقولنا أن الأولين كانوا يقدمون مسلكا على مسلك ويرجحون طريقا على طريق وكيف يسنح للمجتهد مسالك فيرى بعضها أقرب من بعض ولو تمكنت بمبلغ جهدي من إخفاء هذا المذهب والسعي في انمحاقه لبذلن فيه كنه جهدي فإنه وصمة في طريق هذا الحبر وهو على الجملة هفوة عظيمة وميل عن الحق واضح.
(2/66)

فصل: فيما يعلل وفيما لا يعلل.
[اختلف أهل الأصول فيما يعلل وفيما لا يعلل] .
865- من أحاط بما قدمناه من الطرق التي تتضمن إثبات العلل هان عليه مدرك هذا الفصل واطرد له النفى والإثبات على أقرب وجه وتمام الغرض يحصل بهذا النوع من النظر مع الالتفات إلى تقاسيم الأقيسة.
والذي تمس الحاجة إليه الآن النظر في قياس المعنى وقياس الشبه فمهما أراد الناظر وقد ثبت حكم في الشرع أن يتبين أنه معلل بمعنى بحث على المعاني المناسبة فإن وجد في محل الحكم معنى مناسبا للحكم فطرده ولم يبطل ولم يتناقض أصلا عرف كون الحكم معللا.
ومن لطيف الكلام في ذلك أن يتوصل إلى الكلى والجزئي بهذا النوع من النظر ليتبين بما ذكرناه كون الحكم معللا ويتحقق عنده مع ذلك تعيين العلة وإن اعتضد ذلك بإيماء الشارع كان ذلك بالغا أقصى المراد فيه.
866- فإن نظر الناظر ولم يلح له معنى مناسب للحكم مخيل به فيعلم أن الحكم ليس معللا بمعنى ويرتد نظره إلى قياس الشبه وهذا أوسع الأبواب فإنه يجري عند إمكان المعنى وسيثمر أيضا عند عدم المعنى ولا ينحسم قياس الشبه إلا عند إشارات النصوص إلى قطع الأشباه.
وبيان ذلك بالمثال أن قياس الشبه على منهاج ما يسمى في معنى الأصل غير أنه معلوم والشبه يبعد عنه بعض البعد وإن كان على شبه وقد ضرب بعض المحققين لهما مثلين فقال.
الملتحق بالمنصوص لكونه في معناه يضاهي ارتباط العلم بقرائن الأحوال.
وإذا ظهرت مخايل خجل أو وجل وأحاط بهما الناظر تبين من المنظور إليه أمرا وإن كانت تلك الأحوال لا تتحرر عبارة عن اقتضائها العلوم فهذا مثال ما يعلم.
(2/66)

ومثال الشبه المظنون الذي لا يبلغ مبلغ العلم أحوال تدانى ما ذكرناه. ويتطرق إليه الاحتمال: كمثل الذي يرى رجلا قد احمر وجهه وقد أسمعه مسمع شيئا فقد يغلب على الظن غضبه وقد يجوز الناظر أنه فزع بما سمع وإن رأى في نفسه تغيظا وتكرها فهذا مثال الأشباه.
867- وقد ينحسم الشبه وما يقال إنه في معنى الأصل بقضية لفظية أو أمر متعلق بحكاية حال.
وبيان ذلك بالمثال أن سهل1 بن [أبي حثمة] روى القصة المشهورة في حديث حويصة2 ومحيصة3 وعبد الله بن سهل4 وأن عبد الله قتل بخيبر "القصة"5 وقد عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمين ابتداء على المدعين ثم اتخذ الشافعي6 رضي الله عنه هذا الحديث معتمده ورأى البداية بالمدعين في الدماء عند ظهور اللوث ولم يجر في لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في ألفاظ الذين رفعوا القصة إلى مجلسة تعرض [للوث] ولا مطمع في استناد اشتراط البداية بالمدعين باللوث إلى معنى صحيح على السبر مستجمع للشرائط المرعية ولكن الشافعي نظر إلى القصة فراها في اللوث وأن الإحن والذحول كانت عتيدة بين اليهود والمسلمين فلم ير البداية بالمدعى منقاسة في الخصومات وعلم أن هذا المقدار من التلويح في الإشعار بظهور صدق المدعين كاف في منع إلحاق القتل [العرى عن اللوث بالواقع منه] على مظنة اللوث.
ومبنى المسألة على الشبه فقطع بتخييل اللوث إلحاق غيره وأوضح بانحسام مسالك الأشباه في محاولة إلحاق غير اللوث باللوث.
__________
1 سهل بن أبي حثمة وقيل سهل بن عبد الله بن أبي حثمة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زيد بن ثابت ومحمد بن مسلمة وشهد المشاهد كلها إلا بدرا وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أحد له ترجمة في تهذيب التهذيب 4/218/436ز
2 حويصة بن مسعود بن كعب بن عامر بن عدي الأنصاري شهد أحدا والخندق وسائر المشاهد له ترجمة في الإصابة 1/363/1881.
3 محيصة هو ابن مسعود أخو حويصة المذكور له ترجمة في الإصابة 3/388/7825.
4 عبد الله بن سهل له ترجمة في الإصابة 2/322/4733.
5 البخاري 9/94 ومسلم في "القسامة" 1, 6 وأبو داود 4520 والترمذي 1422 والنسائي 8/10, 11 والموطأ 278 وأحمد 4/3.
6 سبقت ترجمته.
(2/67)

فمهما ثبت حكم بنص ولم يكن فيه معنى مناسب وظهر للناظر اختصاصه بحالة تمنع تخيل الإلحاق بالمنصوص علما أو تشبيها ظنيا فلا يتحقق الإلحاق في الشبه ويتعين الاقتصار على مورد النص فليتأمل الناظر ذلك فيما يأتي ويذر.
868- وقد تحصل من مجموع ما ذكرناه أن الذي لا يعلل أصلا هو الذي لا ينقدح فيه معنى مناسب ولا شبه وقد ذكرنا ما يقطع الشبه والمعلل هو الذي ينقدح فيه معنى مخيل أو شبه على شرط السلامة.
مسألة:
869- نقل [أصحاب] المقالات عن أصحاب أبي حنيفة أنهم لا يرون إجراء القياس في الحدود والكفارات والتقديرات والرخص وكل معدول به عن القياس وتتبع الشافعي مذاهبهم وأبان أنهم لم يفوا بشيء من ذلك فنسرد كلام الشافعي على وجهه ثم نعود إلى مراسم الحجاج والخلاف واختيار الحق.
870- قال الشافعي: أما الحدود فقد كثرت أقيستكم فيها حتى عديتموها إلى الاستحسان وقد زعمتم في مسألة شهود [الزنا] أن المشهود عليه مرجوم وما يجري الاستحسان فيه فهذا أعوص على مذاهب القائلين به من الأقيسة فلا يمتنع جريان القياس فيه.
871- وأما الكفارات فقد قاسوا فيها الافطار بالأكل على الإفطار بالوقاع وقاسوا قتل الصيد ناسيا على قتله عامدا مع تقييد النص بالعمد في قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً} .
وأما المقدرات فقد قاسوا فيها ومما أفحشوا فيه تقديراتهم بالدلو والبئر من غير ثبت ولا استناد إلى خبر أو أثر.
872- وأما الرخصة فقد قاسوا فيها وتناهوا في العبد فإن الاقتصار على الأحجار في الاستجمار ومن أظهر الرخص ثم اعتقدوا أن كل نجاسة نادرة كانت أو معتادة مقيسة على الأثر اللاصق بمحل النحو وانتهوا في ذلك إلى نفى استعمال الأحجار مع قطع كل منصف بأن الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهموا هذا التخفيف منه في نجاسة ما يعم به البلوى عملا وعلما وكانوا على تحرزهم في سائر النجاسات على الثياب والأبدان ثم قال الشافعي: من شنيع ما ذكروه في الرخص إثباتهم لها على خلاف وضع الشارع فيها فإنها مبنية تخفيفا وإعانة على ما يعانيه المرء في سفره.
(2/68)

من كثرة أشغاله فأثبتوها في سفر المعصية مع القطع بأن الشرع لا يرد بإعانة العاصي على المعصية فهذا الذي ذكروه يزيدونه على القياس إذ القياس تقرير المقيس عليه قراره وإلحاق غيره به وهذا قلب لموضع النص في الرخص بالكلية.
873- وأما المعدول عن القياس فقد ضرب الشافعي في الاستجمار فيه مثلا وهو بين من جهة أن النجاسة إنما يعفى عنها عند فرض تعذر الاحتراز وليس الأمر كذلك في غير نجاسة البلوى فإن استعمال الماء يسير لا عسر فيه.
وقال: زعمتم أن القهقهة تبطل الصلاة واعتقد تم ذلك معدولا عن القياس ثم زعمتم أنها تبطل صلاة ذات ركوع وسجود ولا تبطل صلاة الجنازة ولم ينقدح لكم فرق معنوي ولكنكم اعتقدتم قضية جرت لو صحت في صلاة من الصلوات الخمس ورأيتم أن تقتصروا على مورد النص ثم قلتم القهقهة تبطل صلاة النفل وإن لم تكن القضية في النفل فليت شعري ما الذي عن لكم في التخصيص من وجه والإلحاق من وجه.
874- وقال في مساق هذا الكلام: اعتمدتم في الوضوء بنبيذ التمر الخبر وقد جرى في الوضوء واعتبرتم الغسل به ولم تعتبروا نبيذ الزبيب بنبيذ التمر مع اشتمال كلام الرسول عليه السلام لو صح الحديث على التنبيه لذلك فإنه قال عليه السلام: "ثمرة طيبة وماء طهور"، فهذه جمل جمعها الشافعي في مساق هذه المسألة عليهم وبالجملة ليس معهم من علم الأصول قليل ولا كثير وإن أقام واحد منهم لقب مسألة فسننقضها في تفصيل الفروع فإن صاحبهم ما بنى مسائله على أصول وإنما أرسلها على ما تأتي له فمن أراد من أصحابه ضبط مسائله بأصل تناقض عليه القول في تفصيل الفروع.
875- ونحن نرد الكلام إلى الحجاج فنقول لهم لم منعتم إجراء القياس في هذه الأصول؟ فإن قالوا: الحدود تدرأ بالشبهات والأقيسة مظنونة فلا ينبغي أن نهجم على إثباتها بمظنون والظان معترف ببقاء إمكان وراء ظنه فيحصل بذلك الإمكان الدرء.
876- وهذا الذي ذكروه يعارضه القصاص لأنهم لم يمتنعوا من إجراء القياس فيه وإن كان يندرئ بالشبهات ويبطل ما ذكروه بالعمل بخبر الواحد في الحدود فإنه ليس مقطوعا به ولا خلاف في قبوله والذي ذكروه إنما كان يستمر أن لو كانوا لا يثبتون الحد في مظنون وهذا باطل قطعا.
(2/69)

ثم الجواب فيه أن وجوب العمل بالقياس ليس مظنونا وقد تمهد ذلك في مواضع من الكتاب فسقط ما ذكروه ثم إن كانت الحدود تسقط بالشبهات والكفارات تجب معها فلم يمتنع إجراء القياس فيها وهي بمثابة سائر المغارم.
877- وأما المقدرات فقد قالوا فيها لا تتعدى العقول إلى معان تقتضيها فلا يجري القياس فيها.
قلنا: إن كان ينحسم فيها المعاني المخيلة المناسبة فلم ينسد مسلك الأشباه.
878- وأما الرخص فقد قالوا فيها: إنها منح من الله تعالى وعطايا فلا نتعدى بها مواضعها فإن [في] قياس غير المنصوص على المنصوص [في] الأحكام الاحتكام على المعطى في غير محل إرادته وهذا هذيان فإن كل ما يتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ولا يختص بها الرخص.
فإن قيل: فما الذي ترون؟
قلنا: قد وضح بما قدمناه ما يعلل وما لا يعلل ونحن نتخذ تلك الأصول معتبرنا في النفي والإثبات فإن جرت مسالك التعليل في النفي والإثبات أجريناها وإن انسدت حكمنا بنفي التعليل ولا يختص ذلك بهذه الأبواب.
879- ومما نختتم القول به: أن التعليل قد يمتنع بنص الشارع على وجوب الاقتصار وإن كان لولا النص أمكن التعليل وهو كقوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} 1 وقال عليه السلام: "وإنما أحلت لي ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كيوم خلق الله السموات والأرض" 2 وقال لأبي بردة3 بن نيار وقد جاء بعناق وكان لا يملك غيرها فأراد التضحية بها رغبة في مساهمة المسلمين "تجزىء عنك ولن تجزىء عن أحد بعدك" 4.
فمهما منعنا نص من القياس امتنعنا وكذلك لو فرض إجماع على هذا النحو وهو كالاتفاق على أن المريض لا يقصر وإن ساوى المسافر في الفطر.
__________
1 آية 50 سورة الأحزاب.
2 أحمد 1/253, والطبراني 11/344.
3 سبقت ترجمته.
4 سبق تخريجه.
(2/70)

فإذا لم يكن منع من هذه الجهات فالمتبع في جواز القياس إمكانه عند الشرائط المضبوطة فيه والمتبع في منعه امتناعه وعدم تأتيه على ما يشترط فيه.
880- فهذه جملة كافية فيما يعلل وما لا يعلل ونحن نختتمها بكلام نفيس قائلين: رب شيء يمنع فيه جريان القياس وامتناعه في أمرين وأمور ولن يصفو هذا الفصل على ما نحب ونؤثر إلا باستقصاء القول في ذلك.
ومثاله: أن الكتابة فيها أمور لا تنقاس وأمور يتطرق إليها القياس وكذلك القول في النكاح والإجارة والمعاملة المسماة قراضا مع النظر في المساقاة.
وحق الناظر أن يتدبر هذه المواقف ويتبين المواقع التي يجري فيها القياس والمواقف التي يقف عندها ولا يطرد فيها القياس نظرا إلى محل الوقف وكذلك لا يطلق إثباتا نظرا إلى المحل المنقاس وكل كلام مفصل في موضع فإطلاق النفي والإثبات فيه خلف إن كان نصا أو ظاهرا مؤولا.
فالكتابة مع اعتقاد ثبوتها عقد من العقود مستند إلى الإيجاب والقبول والتراضي منطو على عوض من شرطه أن يكون معلوم الوصف والمقدار فهذه الأصول جارية على قياس سائر المعارضات فمن قاس عليها في هذه الأحكام معاوضة أو قاسها على معاوضة فهو قايس في محل القياس.
والذي لا ينقاس من الكتابة أصلها فإنها على الحقيقة معاملة الملك بالملك فمن سوغ معاملة متضمنها ذلك ورام قياسا على الكتابة كان قايسا في محل لا يجري القياس فيه.
881- ثم القول في ذلك ينقسم إلى ما ينقدح فيه مصلحة كلية تصلح لتمهيد الأصول والقواعد وإلى مالا يتجه فيه ذلك على ظهور.
فأما ما يظهر فيه أمر كلي فهو كخواص النكاح فإنها مربوطة بأمر ظاهر في استصلاح العباد فتلك الأمور لا يلفى لها نظير في غير النكاح فإنا إنما نتكلم في خواص النكاح ولو قدرنا وجدان نظير [لها] لما كان ما فيه الكلام خاصا ولما تحقق تميز الأصول بخواصها وتحيزها بمقاصدها ولصارت القواعد كلها في التكليف تحت ربقة واحدة ضابطة في طريق الاستثناء وهذا محال.
فمن اعترف بأصل وأراد أن يعتبر خاصيته بأمر آخر فهو خارج عن الاعتبار.
(2/71)

المرضي، والقياس الكلي والجزئي ومن أراد إثبات أصل منازع ذي خاصية فإنه لا يلقى لما بينته نظيرا إن حاوله فإن حاول إثبات ذلك ولم يكن في ثبوته بد من أحد أمرين فإما أن يسنده إلى ثبت من قول الشارع وإما أن يتمسك بالاستدلال إن صح القول به ولو ثبت أصل ذو خاصية فأراد الناظر أن يثبت أصلا مشتملا على قريب من تلك الخاصية فهذا متقبل عند الشافعي في طريق القياس.
882- وبيان ذلك بالمثال: أن القراض مقتطع عن سائر المعاملات بخاصية فيه مقصودة وهو أنه لا يتأتي استنماء المال وتثميره من كل واحد منهما وإنما يعرفه من يعرف التجارات ووجهها ولو أثبت للمنصوب للتجارة أجرا معلوما وهو مستحق ربح أو خسر فقد لا يجد جده إذا كان لا يرقب لنفسه حظا من الربح فيثبت القراض مشتملا على الربح على حسب التشارط والتراضي.
فرأى الشافعي المساقاة في معنى القراض [في خاصية القراض] فاعتبرها به واحترز عن الإجارات في المزارع وغيرها ثم اعتبر ذلك بعد الاستظهار بالحديث الذي رآه نصا في المساقاة.
883- ثم أجرى في المسألة كلاما بدعا فقال: لم يعهد القراض في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول ما جرى هذا الضرب من المعاملة في زمن عمر رضي الله عنه في قضية مشهورة لابنيه رضي الله عنهما فقال الشافعي: لا ينقدح الإجماع من غير ثبت ولو كان في القراض خبر لذكر وعنى بنقله فلا معنى لجواز اعتقاده حقا بسبب أصل واحد من الأصول ولا سيما إذا كانت المعاملة عامة والحاجة فيها مطردة والناس كانوا يعتنون بنقل الأصول العامة على قضية واحدة ثم بعد مساق كلامه قال: لا أدري للقراض أصلا إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المساقاة.
884- فإن قيل: هذا منه قلب لمجاري القياس فإن المختلف فيه يعتبر بالمتفق عليه والذي ذكره اعتبار المتفق عليه بالمختلف فيه.
قلنا: الشافعي يرسل تصرفه على قواعد الشريعة غير معرج على موضع الوفاق والخلاف ثم ما ذكره ليس بقياس وإنما هو يتعلق على حصول الغرض بمسلك أصولي لا يهتدي إليه غيره فإنه أثبت أن الإجماع لا يعقد هزلا ثم مزجه بمآخذ العادات وهي من أعظم القواعد في أصول الشريعة وما يتعلق بالنقل وعدم النقل.
885- ومما ينبغي أن يتنبه الناظر له قبل الكلام في تحرير المسائل وضرب الأمثال:
(2/72)

أن خواص الأصول لو اعتبر بعضها ببعض لكانت كل خاصية بدعا بالإضافة إلى الأخرى ولكن لو استد نظر الموفق ورأى كل شيء على ما هو عليه تبين له أن النظر السديد يقتضي تقرير كل خاصية وعدم اعتبارها بغيرها.
وبيان ذلك: أن الإجارة موضوعها يقتضي أعلام المنافع بالمدة أو بالعمل الموصوف فإنها من عقود المعاوضات والمكايسات ولو أثبت المنافع فيها مجهولة لكان إثباتها كذلك خارجا عن مقصود العقد والنكاح أثبت مؤبدا والتأبيد يجر جهالة ولكن هذه الجهالة منطبقة على مقصود النكاح إذ الغرض منه الوصلة والاستمتاع على الائتلاف وهذا ينتقض بالتأقيت وليست منافع البضع متمولة له حتى يدعى لمكان أعواضها تقديرها وليست المناكحات من عقود المغابنات فإذا خاصية كل عقد وإن خالفت خاصية آخر فمعناها في موضوعها كمعنى الأعلام في موضع الأحكام فليس الإعلام موضوعا لعينه وإنما عين لعوض يقتضيه.
فكل كلام يجريه القايس ويسوقه يخالف موضوع المعاملة وإن كان يجد لما [ذكره] شواهد [وأمثلة] في غير الموضع الذي ينظر فيه فذلك الكلام حائد.
886- وإذا تعارض معنيان: وترجح أحدهما بالأمثال واعتضد الآخر بما يشعر به خاصية الأصل فهو أرجح عند الشافعي على ما سيأتي مشروحا [في كتاب] الترجيح إن شاء الله تعالى وهذا كله فيه إذا كان الأصل لا ينقدح فيه توجيه معناه كليا.
وقد ثبت أصل لا يتجه فيه استصلاح عام ظاهر كالكتابة فإنها مائلة جدا عن الأصول وأقصى ما يذكر فيها استحثاث السادة على الإعتاق والعبيد على الكسب في تلك الجهة وهذا في حكم أمر خفى يرد على أمر جلي على حكم المناقشة فإن المالكية لها قضية جلية في منع معاملة العبيد والأمر الخافي في توقع العتق ليس مضاهيا في مراتب المعاني لقضية المالكية فإن مقتضى الملك أجلى وليست الكتابة فيما ذكرناه كالنكاح المختص بخاصية عن البيع فإنهما أصلان كل واحد منهما منقطع عن الثاني وليس واحد منهما واردا على الثاني على حكم المعارضة والمناقضة ورود الكتابة على المالكية فما كان كذلك فهو المنتزع عن القياس من حيث أنا تخلينا لأحكام الملك جريانا ثم الكتابة صرفتها عن جريانها بخلاف الأصول الواقعة أفرادا.
فالآن لو أراد مريد أن يلحق معاملة بالكتابة إلحاق الشافعي المساقاة بالقراض
(2/73)

891- منها: أن قائلا لو قال: إن استقام ما ذكرتموه في الوضوء فما وجهه في التيمم وهو تغبير الوجه؟ وذلك يناقض ما استروحتم إليه.
فيقال [له] : إن خرج التيمم عن كونه معقول المعنى لم يلزم من خروجه خروج الوضوء ومن يبدي في الوضوء معنى لا يلزم طرده في التيمم فهذا وجه.
والوجه الآخر: أن التيمم أقيم بدلا غير مقصود في نفسه ومن أمعن النظر ووفاه حقه تبين أن الغرض من التيمم إدامة الدربة في إقامة وظيفة الطهارة فإن الأسفار كثيرة الوقوع في أطوار الناس وإعواز الماء فيها ليس نادرا فلو أقام الرجل الصلاة غير طهارة ولا بدل عنها لتمرنت نفسه على إقامة الصلاة من غير طهارة والنفس ما عودتها تتعود وقد يفضى ذلك إلى ركون النفس إلى هواها وانصرافها عن مراسم التكليف ومغزاها فهذا سؤال والجواب عنه.
892- فإن قال قائل: لو توضأ المرء وأسبغ وضوءه ثم عمد إلى تراب فتعفر به أو تطلى بالطين وصلى صحت صلاته فلو كان الوضوء متعينا للتنقي لوجب أن ينتقض بما وصفناه لأنه إذا وجب الوضوء بتوقع الغبار فبتحققه أولى وهذا واقع على هذه الطائفة وقد تكلفوا جوابا عنه.
فقالوا: الأصول إذا تمهدت على قواعدها واسترسلت على حكم العرف المطرد فيها فلا التفات إلى ما يشذ ويندر وضربوا لذلك أمثلة مبنية على مغمضات من قضايا الأصول.
منها: إن النكاح شرع لتحصين الزوجين من فاحشة الزنا وغيره من المقاصد والحرة محتاجة إلى التحصين بالمستمتع الحلال كالرجل ثم حق عليها أن تجيب زوجها مهما رام منها استمتاعا ولا يجب على الرجل إجابتها وغرض الشارع في تحصينها على قضية واحدة ولكن لما خص الرجل بالتزام المؤن والمهر والقيام عليها اختص بالاستحقاق ومنه الاستيلاء والملك فاكتفى الشارع في جانبها باقتضاء جبلة الرجل والإقدام على الاستمتاع والأمر مبني على أحوال الملتزمين الشريعة والمعظمين لها ومن انحصر مطلبه في الحلال واستمكن منه واستحثته الطبيعة عليه وتغلب عليه المغارم فإنه سيعتاض عنها قضاء أربه ومستمتعه وكذلك يقل في الناس من يطلى ويتضمخ بالقاذورات فكان ذلك موكولا إلى ما عليه الجبلات.
(2/75)

وإنما الذي قد يتسامح فيه أهل المروءات إقامة الطهارات من غير مصادفة الغبرات تخفيفا فخصص الشارع الأمر بالتنقي بالأحوال التي لا يظهر استحثاث الطبع فيها.
893- ومن الأصول الشاهدة في ذلك: أن البيع إنما جوزه الشرع لمسيس الحاجة إلى التبادل في الأعواض ثم لم ينظر الشارع إلى التفاصيل بعد تمهيد الأصول فلو باع الرجل ما يحتاج إليه واستبدل عنه مالا يحتاج إليه فالبيع مجرى على صحته فإن هذا لا يعم وقوعه وما في النفوس من الدوافع والصوارف [في ذلك] وازع كامل وتكثر نظائر ذلك في قواعد الشرع.
894- فإن قال قائل: ما بال الوضوء يختص وجوبه بوقوع الحدث وأجمع علماء الشرع على أن الأح