Advertisement

الجامع لمسائل أصول الفقه

الجامع
لمسائل أصول الفقه
وتطبيقها على المذهب الراجح
تأليف
الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
مكتبة الرشد
ناشرون


المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإنه بعد أن صنفت كتاب: "إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر في أصول الفقه" وطبع في ثمانية مجلدات، وصنفت كتاب: "المهذّب في أصول الفقه المقارن" وطبع في خمسة مجلدات، وشرحتهما لطلاب الجامعة، وطلاب الدراسات العليا في كلية الشريعة، والمعهد العالي للقضاء، وكلية التربية للبنات، وكنت قد أكثرت في هذين الكتابين من المسائل الخلافية؛ حيث أني أذكر مذاهب العلماء في كل مسألة، وأدلة كل مذهب، والترجيح ومناقشة المذهب المرجوح.
بعد ذلك طلب مني كثير من طلاب العلم أن أصنّف كتاباً يجمع مسائل أصول الفقه بدون التطويل بذكر المذاهب حتى يكون مفيداً للطالب المبتدي وتذكيراً للطالب المنتهي، وقالوا في تعليل هذا الطلب: إن المختصرات الموجودة في هذا الفن لم تذكر إلا اليسير النادر من مسائل أصول الفقه، وإذا ذكرها أحدهم فإما أن يذكر أدلة على ما قال أو لا.
فإن كان من الذاكرين للأدلة، فإنه يصعب علينا فهمها.
وإن كان من غير الذاكرين للأدلة: فإنه يصعب فهم المسألة بدون أدلة.
فأجبت لهم طلبهم؛ لأن الشارع قد أمرنا ببيان الشريعة للناس، وكشف الشبه والالتباس، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، فوجب علي أن أجيبهم، فقمت بتأليف هذا الكتاب؛ إجابة لطلب هؤلاء الطلاب؛ رجاء الأجر والمثوبة، ولتكثير طرق الخير ونشره، لأنه كلما كثر التأليف كلما كثرت طرق تعلمه، لأن بعض الطلاب قد يفهم المراد من كتاب دون كتاب آخر مع أنهما في نفس الفن.
وجعلته- أي هذا الكتاب- في ستة فصول.
الفصل الأول: في المقدمات.
الفصل الثاني: في الحكم الشرعي.
الفصل الثالث: في أدلة الأحكام الشرعية.
الفصل الرابع: في الاجتهاد.
الفصل الخامس: في التقليد.
الفصل السادس: في التعارض والترجيح.
فتكلّمت في الفصل الأول- الذي هو في المقدمات- عن تعريف أصول الفقه، والفرق بينه وبين الفقه، والفرق بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهية، وموضوع أصول الفقه، وحكم تعلمه، وفوائده، وأيهما الذي يقدم في التعلم: أصول الفقه أو الفقه؟ ومصادر أصول الفقه، ونشأته، وطرق التأليف فيه، وأهم الكتب المؤلفة على كل طريقة.
وتكلمت في الفصل الثاني- الذي هو في الحكم الشرعي- عن تعريف الحكم الشرعي، وتقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي، وعرفت كل نوع من أنواع الحكم التكليفي وهي: الواجب والمندوب، والمباح والمكروه، والحرام، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل، وبينت التكليف وشروطه وما يتعلق به.
وعرفت كل نوع من أنواع الحكم الوضعي، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والعزيمة، والرخصة، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع من المسائل بالتفصيل.
ثم فرقت بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي من وجوه.
وتكلمت في الفصل الثالث- الذي هو في أدلة الأحكام الشرعية- عن الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها.
فذكرت الدليل الأول وهو الكتاب، وما يتعلق به من مسائل.
وذكرت الدليل الثاني وهو السنة وما يتعلق به من مسائل.
ثم ذكرت ما يشترك فيه الكتاب والسنة وهو: النسخ والألفاظ ودلالتها على الأحكام.
فبدأت بذكر النسخ وما يتعلق به من مسائل.
وفصلت في ذكر الألفاظ ودلالتها على الأحكام فتكلمت عن اللغات والاشتقاق، والاشتراك، والترادف، والتأكيد، والتابع، والحقيقة، والمجاز، والنص، والظاهر، والتأويل، والمجمل، والمبين، والبيان، وحروف المعاني، والأمر والنهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وذكرت كل ما يتعلق بكل نوع مما سبق من المسائل بالتفصيل.
ثم ذكرت الدليل الثالث- وهو الإجماع- وما يتعلق به من مسائل.
ثم ذكرت الدليل الرابع- وهو القياس- وما يتعلق به من مسائل.
ثم تكلمت عن الأدلة المختلف فيها وهي: الاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع، والعرف، والاستقراء.
ثم تكلمت في الفصل الرابع- عن الاجتهاد- وذكرت ما يتعلق به من مسائل بالتفصيل.
وكذلك فعلت في الفصل الخامس- الذي هو في التقليد-، وفي الفصل السادس الذي هو في التعارض والترجيح.
هذا ما وضعته في هذا الكتاب، وقد سلكت فيه المنهج التالي:
أولاً: جمعت كل مسائل أصول الفقه في هذا الكتاب.
ثانياً: أذكر المسألة والمذهب الراجح ففيها فقط، وأستدل لذلك بدليل أو دليلين أو أكثر.
ثالثاً: أذكر مثالاً أو مثالين يتبين فيهما تطبيق هذا المذهب من الفروع الفقهية.
رابعاً: أشير في الهامش إلى أن من أراد التوسع في معرفة المذاهب الأخرى فليراجع كتبي الأخرى، سواء كانت عامة لجميع مسائل أصول الفقه مثل كتاب: "إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر"، وكتاب: "المذهب في أصول الفقه المقارن".
أو كانت خاصة في بعض موضوعات ومسائل أصول الفقه مثل: "كتاب الواجب الموسع عند الأصوليين"، و "الخلاف اللفظي عند الأصوليين"، و "أقل الجمع عند الأصوليين وأثر الاختلاف فيه"، و "مخالفة الصحابي للحديث النبوي الشريف"، و"الإلمام في مسألة تكليف الكفار بفروع الإسلام"، و "الرخص الشرعية وإثباتها بالقياس"، و"إثبات العقوبات بالقياس".
خامساً: كتبت هذا الكتاب بأسلوب عصري مفهوم.
هذا ما فعلته في هذا الكتاب وقد سميته بــ "الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقها على المذهب الراجح"، أرجو أن يكون كما سميته.
وأخيراً: لا أدعي أني أصبت في كل ما كتبت، لأن الكمال لله وحده، ويكفيني أني لم أقصد بهذا المصنف إلا نفع طلاب العلم، وإعانتهم على فهم مسائل أصول الفقه، وأسأل الله العلي القدير أن ينفع به مؤلفه، وقارئه، ومن أعان على نشره، وأن يجعله مقرباً إلى الله مبلغاً إلى رضوانه، إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
أ. د. عبد الكريم بن علي بن محمد النملة
الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية


الفصل الأول
في المقدمات
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف أصول الفقه:
الأصول: جمع أصل، والأصل لغة، ما يبنى عليه غيره؛ لأن الأصل هو أسفل الشيء وأساسه، ولا شك أن أسفل الشيء وأساسه هو الذي يعتمد عليه في البناء.
والأصل اصطلاحاً هو: الدليل، لمناسبته وموافقته لمعناه لغة، وهو: ما يبنى عليه غيره؛ حيث إن الدليل يبنى عليه الحكم، فأصول الفقه هي: أدلة الفقه.
والفقه: لغة هو: الفهم مطلقاً، لوروده ووقوعه في القرآن، كقوله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاك}، وقوله: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}.
والفقه اصطلاحاً هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.
وأصول الفقه هو: معرفة أدلة الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.
المسألة الثانية:
الفرق بين أصول الفقه والفقه هو: أن أصول الفقه يكون في البحث عن أدلة الفقه الإجمالية بالتفصيل، فهو عبارة عن المناهج والأسس التي يجب أن يسلكها ويتبعها الفقيه.
أما الفقه: فهو يبحث في العلم بالأحكام الشرعية العملية المأخوذة من أدلتها التفصيلية، فهو عبارة عن استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية مع التقيد بتلك المناهج. فأصول الفقه بالنسبة للفقه كعلم المنطق بالنسبة لسائر العلوم الفلسفية، حيث إنه ميزان يضبط العقل، ويمنعه من الخطأ في التفكير.
المسألة الثالثة:
أهم الفروق بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، هي كما يلي:
الأول: إن القواعد الأصولية كلية تضم جميع جزئياتها، بخلاف القواعد الفقهية؛ حيث إنها أغلبية.
الثاني: أن القواعد الأصولية أدلة للأحكام الشرعية، بخلاف القواعد الفقهية، حيث إنها مجموعة من الأحكام المتشابهة ترجع إلى علة واحدة تجمعها، والغرض منها هو تسهيل المسائل الفقهية فقط.
الثالث: إن القواعد الأصولية قد وجدت قبل الفروع، بخلاف القواعد الفقهية فإنها قد وجدت بعد وجود الفروع.
المسألة الرابعة:
موضوع أصول الفقه: هو الأدلة الإجمالية الموصلة إلى الأحكام الشرعية العملية وأقسامها، واختلاف مراتبها وكيفية أخذ الأحكام الشرعية على وجه كلي، فيبحث الأصولي عن العوارض اللاحقة لهذه الأدلة من كونها عامة، أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيدة، أو مجملة، أو مبينة، أو منطوقاً، أو مفهوماً وهكذا.
وليس موضوع أصول الفقه الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابعة له.
المسألة الخامسة:
تعلم أصول الفقه فرض عين بالنسبة لمن يريد بتعلم هذه الشريعة الوصول إلى درجة الاجتهاد، وذلك ليقدر بواسطة تعلم هذا العلم على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وهو فرض كفاية لطالب العلم بصورة عامة.
المسألة السادسة:
فوائد علم أصول الفقه هي:
الأولى: علم طرق استنباط الأحكام للحوادث المتجددة.
الثانية: أن من تعلمه فإنه لن يكون قادراً على الدفاع عن وجهة نظر إمامه؛ حيث إنه بتعلمه لأصول الفقه قد اطلع على مآخذ إمامه وقواعده التي اعتمد عليها ذلك الإمام.
الثالثة: أن العارف بالحكم وأدلة هذا الحكم أعظم أجراً من الذي يعلم الحكم بدون أدلته.
الرابعة: أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يدعو إلى الله وإلى دينه بأسلوب مقنع.
الخامسة: أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان.
السادسة: أنه لا يمكن لأي شخص أن يقوم بتفسير القرآن أو شرح الأحاديث إلا إذا كان عالماً بأصول الفقه؛ حيث لا يمكنه معرفة دلالة النص هل هي قطعية أو ظنية، أو أي نوع من أنواع الدلالات إلا بعد معرفته بأصول الفقه.
المسألة السابعة:
يقدم تعلم أصول الفقه على تعلم الفقه: وذلك ليكون المتعلم على ثقة مما يدخل فيه، ويكون قادراً على فهم مرامي جزئيات الفقه، فالفروع لا تدرك إلا بأصولها، والنتائج لا تعرف حقائقها إلا بعد تحصيل العلم بمقدماتها، وعلى هذا ينبغي أن تحفظ الأدلة، وتحكم الأصول، ثم حينئذ تبنى عليها الفروع.
المسألة الثامنة:
المصادر التي استمد منها علم أصول الفقه مادته ثلاثة:
الأول: أصول الدين- وهو علم الكلام- وسبب استمداده من هذا العلم هو: توقف الأدلة الشرعية على معرفة البارئ عز وجل، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عنه فيما قال لتعلم حجيتها وإفادتها للأحكام الشرعية.
واستمد منه مسائل مثل: مسألة الحاكم، والتحسين والتقبيح العقليين، والتكليف بما لا يطاق، وتكليف المعدوم ونحوها.
الثاني: علم اللغة العربية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قد نزلا بلغة العرب، فيحتاج إلى معرفة قدر كبير من اللغة العربية ليستطيع معرفة دلالة الأدلة وفهمها وإدراك معانيها.
واستمد منه كثيراً من المسائل ومنها: الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والمطلق والمقيد، ومعاني الحروف، والحقيقة والمجاز والاستثناء، والمنطوق والمفهوم، ونحو ذلك.
الثالث: الأحكام الشرعية، وسبب استمداده من هذا العلم هو: أن المقصود من هذا العلم إثبات الأحكام الشرعية، فلابد للأصولي من معرفة قدراً من الفقه والأحكام الشرعية ليتمكن به إيضاح المسائل الأصولية، وتصويرها.
المسألة التاسعة:
نشأة علم أصول الفقه وطرق التأليف فيه:
كان الصحابة- رضي الله عنهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم- يرجعون إليه في بيان أحكام الحوادث التي تنزل بهم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم كان الصحابة يأخذون حكم حوادثهم ونوازلهم من الكتاب والسنة، فإذا لم يجدوا حكمها فيهما، اجتهدوا وأخذوا الحكم عن طريق الاجتهاد بأنواعه، ونهج التابعون ذلك، وزادوا أخذهم بفتاوى الصحابة واجتهاداتهم.
ثم بعد ذلك كثر الاجتهاد، وكثرت طرقه، ثم أصبح لكل إمام قواعد قد اعتمدها في الفتوى والاجتهاد، وهؤلاء الأئمة لم يدونوا تلك القواعد التي اعتمدوها في اجتهاداتهم سوى الإمام الشافعي، فقد دونها في كتابه: "الرسالة"، فنبه الشافعي أنظار العلماء والباحثين إلى متابعة البحث في هذا العلم حتى أصبح علم أصول الفقه علماً مستقلاً رتبت أبوابه، وحررت مسائله، وجمعت مباحثه، وألفت فيه المؤلفات على اختلاف في الطرق التي اتبعوها في التأليف.
وإليك ذكر طرق التأليف في هذا العلم ومميزات كل واحدة.
الطريقة الأولى: طريقة الحنفية، وتتميز بأنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع والفتاوى الصادرة عن أئمة الحنفية المتقدمين كأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبي يوسف وابن أبي ليلى، وزفر.
وسميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء، لأنها أمس بالفقه وأليق بالفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: الفصول في الأصول للجصاص، وتقويم الأدلة للدبوسي، وأصول البزودي، وأصول السرخسي، ومسائل الخلاف للصيمري، وميزان الأصول للسمرقندي.
الطريقة الثانية: طريقة الجمهور- وهم المالكية، والشافعية، والحنابلة، والمعتزلة-، وتتميز بالميل الشديد إلى الاستدلال العقلي، والبسط في الجدل والمناظرات وتجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية، ومن أهم كتب هذه الطريقة:
1. كتب مالكية: التقريب والإرشاد للباقلاني، وأحكام الفصول للباجي، ومنتهى السول لابن الحاجب، وشرح تنقيح الفصول، والنفائس للقرافي.
2. كتب شافعية: الرسالة للشافعي، واللمع، وشرح اللمع، والتبصرة لأبي إسحاق الشيرازي، والبرهان والتلخيص، والورقات لإمام الحرمين وقواطع الأدلة لابن السمعاني، والمستصفى، والمنخول للغزالي، والوصول إلى الأصول لابن برهان، والإحكام للآمدي، والمحصول لفخر الدين الرازي، ومنهاج الوصول للبيضاوي، والبحر المحيط للزركشي.
3. كتب حنبلية: العدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، والواضح لابن عقيل، وروضة الناظر لابن قدامة وقد قمت بتحقيقه في ثلاثة مجلدات، ثم شرحته في ثمانية مجلدات.
4. كتب ظاهرية: الإحكام لابن حزم، والنبذ له.
5. كتب على مذهب المعتزلة: العمد للقاضي عبد الجبار، وشرح العمد والمعتمد لأبي الحسين البصري.
الطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور؛ حيث إن من سار على هذه الطريقة حقق القواعد الأصولية، وأثبتها بالأدلة النقلية والعقلية، وطبق ذلك على الفروع، ومن أهم كتب هذه الطريقة: بديع النظام لابن الساعاتي، وتنقيح أصول الفقه، وشرحه التوضيح لصدر الشريعة، وجمع الجوامع لتاج الدين ابن السبكي، والتحرير لكمال الدين ابن الهمام، ومسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور، والمهذب في أصول الفقه المقارن، وهذا قد قمت بتأليفه وطبع في خمسة مجلدات، وهذا الكتاب وهو الجامع يعتبر من هذه الطريقة.
الطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأصول، وهي طريقة: ربط الفروع بالأصول، ومن أهم كتب هذه الطريقة: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، والتمهيد للأسنوي، ومفتاح الوصول للتلمساني، والقواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام.
الطريقة الخامسة: وهي طريقة عرض أصول الفقه من خلال المقاصد والمفهوم العام الكلي للتكليف، ومن أهم كتب هذه الطريقة الموافقات للشاطبي.


الفصل الثاني
في الحكم الشرعي وأقسامه
الحكم الشرعي:
هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف اقتضاء، أو تخييراً، أو وضعاً.
فالحكم عند الأصوليين هو نفس خطاب الشارع.
أما الحكم عند الفقهاء فهو: ما ثبت بالخطاب الشرعي، أي: أثره المترتب عليه، لا نفس النص الشرعي.
فمثلاً قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} هو الحكم عند الأصوليين.
ووجوب الصلاة هو: الحكم عند الفقهاء.
والحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين هما:
القسم الأول: الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير.
القسم الثاني: الحكم الوضعي، وهو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سبباً لشيء آخر، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو رخصة، أو عزيمة.
وكل قسم يتنوع إلى أنواع، إليك بيانها:


القسم الأول
الحكم التكليفي وأنواعه
الحكم التكليفي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بفعل المكلف اقتضاءاً أو تخييراً.
وهو أنواع:
* النوع الأول: الواجب.
* النوع الثاني: المندوب.
* النوع الثالث: المباح.
* النوع الرابع: المكروه.
* النوع الخامس: الحرام.
وإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل:

النوع الأول
الواجب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف الواجب:
الواجب لغة: الساقط، يقال: وجب الحائط: إذا سقط، وهو مرتبط بالحكم الشرعي؛ حيث إنا نتخيل الحكم الواجب جزماً سقط ووقع على المكلف من الله تعالى.
والواجب اصطلاحاً هو: ما ذم تاركه شرعاً مطلقاً.
المسألة الثانية:
صيغ الواجب هي:
1. فعل الأمر كقوله تعالى: {وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ}.
2. الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}.
3. اسم فعل الأمر كقوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}.
4. المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ}.
5. التصريح من الشارع بلفظ الأمر كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}.
6. التصريح بلف الإيجاب أو الفرض، أو الكتب كقوله تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ}، وقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}.
7. كل أسلوب يفيد الوجوب في لغة العرب كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}.
8. ترتيب الذم والعقاب على الترك كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ...}.
المسألة الثالثة:
"الواجب" و"الفرض" غير مترادفين، ويوجد فرق بينهما.
ووجه الفرق: أن "الفرض" اسم لما ثبت حكمه عن دليل مقطوع به، كالآية والحديث المتواتر اللذين قد قطع بدلالتهما على الحكم، والإجماع الصريح الذي نقل إلينا نقلاً متواتراً.
أما "الواجب" فهو: اسما لما ثبت حكمه بدليل ظني كخبر الواحد، والإجماع السكوتي، والقياس، وجميع دلالات الألفاظ الظنية.
ودل على التفريق: أنه يوجد فرق بينهما من حيث اللغة، فالفرض لغة: الحز في الشيء والتأثير فيه، والوجوب لغة: السقوط.
ولا شك أن ما يؤثر آكد من السقوط، فقد يسقط الشيء ولا يؤثر، وعليه: فإنه يجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم كما اختص بقوة في اللغة، حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية، لأن الأصل عدم التغيير.
ولأن وجود التفاوت بينهما في الآثار والأحكام يجعلنا نخص كل نوع باسم، حيث إن حكم الفرض أنه يكفر جاحده بخلاف الواجب فلا يكفر جاحده، ويفسق تاركه إذا استخف به، أما إذا تأول: فلا، وأن الحج يشتمل على فروض وواجبات، وأن الفرض لا يتم النسك إلا به، والواجب يجبر بدم، وأن الصلاة مشتملة- أيضاً- على فروض وواجبات، والفروض هي الأركان فإذا ترك ركناً كالركوع أو السجود فإن صلاته باطلة ولا يسقط في عمد ولا سهو، ولا تبرأ الذمة إلا بالإعادة، أما إذا ترك واجباً من واجباتها فإنه يحبر بسجود السهو، وصلاته صحيحة، ولكنها ناقصة.
ولأن هناك فرقاً بينهما عن طريق العقل؛ حيث إن كل عاقل يجد في عقله أن صلاة الظهر آكد من الصلاة المنذورة، والزكاة آكد من النذر في الصدقة وإن كانتا لازمتين، وعلى هذا: فإنه ينبغي أن يفرق ما هو آكد عما هو دونه باسم يعرف به، فيجعل اسم الفرض لما هو آكد، والوجوب لما هو دونه فرقاً بين الاثنين.
المسألة الرابعة:
الواجب باعتبار ذاته- أي: بحسب الفعل المكلف به- ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المعين، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً بعينه دون تخيير بينه وبين غيره كالصلوات الخمس، والصيام.
القسم الثاني: الواجب المخير، وهو: ما طلبه الشارع طلباً جازماً لا بعينه، بل خيّر الشارع في فعله بين أفراده المعينة المحصورة، مثل: تخيير المكلف بين خصال كفارة اليمين، وتخيير الإمام في حكم الأسرى بين المن والفدى وغير ذلك.
والخطاب في الواجب المعين قد تعلق بواحد معين.
والخطاب في الواجب المخير قد تعلق بواحد مبهم من الأمور المخير بينها.
فالمكلف مخير في تحقيق الخطاب في أي فرد من الأفراد المعينة المخير بينها، وقلنا ذلك؛ لوقوعه شرعاً، حيث وقع التخيير بين واجبات في الشرع كما سبق في الأمثلة.
ولأن العقل لا يمنع من ذلك، فلو قال السيد لعبده أمرتك أن تشتري لحماً أو سمناً، لكان هذا قولاً معقولاً، فيكون الواجب على العبد أحد الأمرين، لا كلاهما، ولا واحد بعينه.
المسألة الخامسة:
شروط الواجب المخير:
الأول: أن تكون الأشياء المخير بينها معلومة للمخاطب ومحصورة ومعينة، حتى يحيط المكلف بها ويوازن بينها.
الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المخير بينها ففي الرتبة؛ فيخير بين واجب وواجب، ولا يجوز التخيير بين واجب ومندوب.
الشرط الثالث: أن لا يخير بين شيئين متساويين تمام التساوي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، كما لو خير بين أن يصلي أربع ركعات وبين أن يصلي أربع ركعات، بل لابد أن تكون الأشياء المخير بينها، تتميز بعضها عن بعض.
الشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وآخر لا يستطيعه.
المسألة السادسة:
الواجب باعتبار وقته الذي يقع فيه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب غير المؤقت وهو الواجب المطلق، وهو الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً ولم يحدد وقتاً لأدائه وإيقاعه فيه مثل: كفارة اليمين، والوفاء بالنذر، والحج عند بعض العلماء، وقضاء العبادات التي فاتت من غير تقصير عند بعض العلماء، فإن جميع ذلك تجب في جميع العمر، وليست نهايته معلومة للمكلف.
تنبيه: يتضيق الوقت في الواجب المطلق إذا غلب على ظن المكلف عدم البقاء إلى آخر الوقت، فيجب- حينئذ- أن يفعل ذلك الواجب قبل ذلك الوقت الذي غلب على ظنه عدم البقاء إليه، وقلنا ذلك لأنه لا يمكن أن يؤخر الفعل مطلقاً، لأنه يلزم منه: أن لا يكون واجباً، فلابد من تأخير الفعل إلى زمن معين لا يجوز التأخير عنه، ولا يمكن ذلك إلا إذا عيّن هذا الزمن بعلامة أو أمارة، ولا يوجد معيّن لذلك سوى أن يغلب على ظنه عدم البقاء إلى آخر الوقت، وعلى ذلك فإن المكلف يعصي في هذا بمجرد التأخير عن وقت يظن عدم بقاءه بعده.
تنبيه ثان: إذا لم يغلب على ظنه الموت في وقت محدد، ثم أخّر فعله بدون عذر فمات فإنه يعص، لأن المكلف كان يمكنه المبادرة وفعل الواجب أثناء حياته فلم يفعل، فالتمكن موجود، والوجوب محقق مع التمكن فيعصي.
القسم الثاني: الواجب المؤقت، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً، وحدد له وقتاً معيناً لأدائه وإيقاعه به، وهو شيئان:
الشيء الأول: الواجب المضيق، وهو: الفعل الذي طلب الشارع إيقاعه من المكلف طلباً جازماً وحدد وقت أدائه بحيث يسعه ولا يسع غيره من جنسه، مثل: صيام يوم من رمضان، ومعروف أن اليوم يبدأ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهذا الوقت الذي بينهما له لوحده، ولا يتسع لفعل شيء آخر معه، ويمثل له الشافعية بوقت صلاة المغرب على القول الجديد.
الشيء الثاني: الواجب الموسع وهو: الفعل الذي طلب الشارع من المكلف إيقاعه طلباً جازماً وحدد وقت أدائه بحيث يسعه ويسع غيره من جسه، مثل: صلاة الظهر؛ حيث إن الشارع قد ألزم المكلف بفعلها في وقت محدد يزيد عن وقت أدائها بحيث يمكن فعلها فيه عدة مرات، فيجوز- على هذا- للمكلف أن يصلي الظهر في أول الوقت، أو في وسطه، أو في آخره.
المسألة السابعة:
الواجب الموسع ثابت عندنا؛ لعموم قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}، حيث إن هذا الأمر عام يتناول جميع أجزاء الوقت المذكور من غير إشعار بالتخصيص ببعض أجزائه.
ولأن جبريل عليه السلام قد صلي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوقت وآخره، وقال له- بعد ذلك- : "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين". وهذا يفيد تخيير المكلف في أداء الصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد لها، أي: أن الإيجاب يتناول جميع أجزاء الوقت، وليس تعيين بعض أجزاء الوقت للوجوب أولى من تعيين البعض الآخر.
وللقياس على الواجب المخير، فكما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير- كخصال كفارة اليمين- فكذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة ولا فرق، بجامع: حصول المصلحة، وسقوط الفرض.
المسألة الثامنة:
لا يجوز ترك الفعل في أول الوقت في الواجب الموسع- إلا بشرط العزم على فعله في وسط أو آخر الوقت، فإذا جاء آخر الوقت وهو لم يفعل الواجب فحينئذ تعين فعله، لأن القائل، بجواز تأخير الفعل بدون بدل، وهو العزم يقال له: "لما لم يفعل المكلف الواجب في أول الوقت ما هي نيته؟" فإما أن يقول: لا نية له، أو يقول: له نية.
فإن قال: لا نية له فهذا لا يصح؛ لأنه لابد لكل عبادة من نية.
وإن قال: له نية، فنقول له: إما أن تكون نيته ترك فعله أو أن تكون نيته فعله فيما بعد.
فإن كان الأول- وهو كون نيته ترك فعله- فلا يصح، لأنه عزم على الترك، وهو معصية، وترك المعصية واجب.
فلم يبق إلا الثاني- وهو كون نيته عمله فيما بعد- وهو الصحيح، فيكون قد عزم على فعله، وهو المطلوب.
وللقياس على الواجب المخير، فكما أنه لا يجوز للمكلف ترك أي خصلة من خصال الواجب المخير إلا بشرط النية على فعل غيرها، فكذلك لا يجوز ترك الفعل في الجزء الأول من الوقت- من الواجب الموسع- إلا بشرط النية- وهي العزم- على فعله في الجزء الأوسط، أو الأخير من الوقت.
المسألة التاسعة:
يتضيق الوقت في الواجب الموسع بطريقين:
الطريق الأول: بالانتهاء إلى آخر الوقت بحيث لا ينفصل زمانه عنه.
الطريق الثاني: بغلبة الظن بعدم البقاء إلى آخر الوقت، فإنه مهما غلب ذلك على ظنه فإنه يجب عليه الفعل، كما لو كانت المرأة تعرف أن الحيض يأتيها في ساعة معينة من الوقت، فيتضيق الوقت عليها، فيجب عليها الفعل قبل ذلك الوقت.
وبناء على ذلك: فإن المكلف يعص إذا أخره عن ذلك الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يبقى إليه.
المسألة العاشرة:
إذا أخّر المكلف الفعل في الواجب الموسع عن أول الوقت مع غلبة ظن السلامة إلى آخر الوقت، فمات فجأة أثناء الوقت الموسع، فإنه لم يمت عاصياً؛ لأن الواجب الموسع يجوز تركه في أول الوقت ليعمله في آخر وقته المحدد، وقد جاز الترك مع عدم علمه بالعاقبة، فقد فعل ما له فعله فكيف يعص؟
المسألة الحادية عشرة:
إذا فعل المكلف الفعل في الوقت الذي غلب على ظنه أنه لا يعيش إليه، فالفعل يكون أداء لا قضاء، لأن الفعل قد وقع في وقته المحدد له شرعاً، وهذه حقيقة الأداء.
المسألة الثانية عشرة:
الواجب النظر إلى تقديره وتحديده بحد معين ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المحدد، وهو: الفعل الذي طلبه الشارع طلباً جازماً وقدره بمقدار معين وفصله وميزه عن غيره، مثل الصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، ومثل زكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر لمن حدده، وغسل اليدين والرجلين ونحو ذلك.
فالمكلف- في هذا القسم- لا يفعل شيئاً زائداً على الفعل المحدد والمعين، وإذا توقف وجوده على شيء يكون ما توقف عليها واجباً؛ لأنه لا تبرأ الذمة إلا بأدائه بمقداره الذي قدره الشارع، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به، فيكون واجباً.
القسم الثاني: الواجب غير المحدد، وهو: الذي لم يحدده الشارع، ولم يقدر بقدر معين، مثل: الطمأنينة في الركوع والطمأنينة في السجود، ومدة القيام، ومدة القعود، وذلك في الصلاة، حيث وجبت الطمأنينة في الركوع والسجود- مثلاً- ولكن لم يقدر الشارع مدة هذه الطمأنينة.
فالمكلف- هنا- يستطيع أن يزيد على أقل الواجب بحيث تكون هذه الزيادة لا تنفصل عن حقيقة الواجب، مثل: الزيادة، في الطمأنينة في الركوع والسجود، والزيادة في مدة القيام وفي مدة القعود.
وهذه الزيادة مندوبة، لأن الواجب لا يجوز تركه إلا بشرط البدل، وهو: العزم على الفعل في آخر الفعل في الواجب الموسع، أو فعل غيره من الخصال المخير بينها في الواجب المخير، وهذه الزيادة في الطمأنينة- مثلاً- على أقل الواجب يجوز تركها بلا شرط ولا بدل، وهذا هو حد الندب، فتكون الزيادة مندوبة.
المسألة الثالثة عشرة:
الواجب باعتبار فاعله والمخاطبين به ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب العيني، وهو: ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه، أو هو: ما طلب حصوله من عين كل واحد من المكلفين كالصلاة والصيام.
وسمي بذلك؛ لأن الفعل الذي تعلق به الإيجاب منسوب إلى العين والذات، باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة، فيلزم الإتيان به من كل واحد بعينه، بحيث لا تبرأ ذمته إلا بفعله.
القسم الثاني: الواجب الكفائي، وهو: ما يتحتم أداؤه على جماعة من المكلفين، لا من كل فرد منهم، بحيث إذا قام به بعض المكلفين فقد أدى الواجب، وسقط الإثم والحرج عن الباقين، مثل: الجهاد في سبيل الله إن لم يكن النفير عاماً، والصلاة على الميت، وتغسيله، وتكفينه، ورد السلام، وإنقاذ الغرقى، وسمي بذلك؛ لأنه منسوب إلى الكفاية والسقوط من حيث إن فعله من أي فاعل أسقط طلبه عن الآخرين، وإذا لم يؤده أحد فإن الإثم يلحق جميع المكلفين.
والقصد من الفعل الكفائي: هو : وقوع الفعل نفسه لما يترتب عليه من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة بقطع النظر عمن يقع منه.
المسألة الرابعة عشرة:
فرض العين أضل من فرض الكفاية.
لأن فرض العين مفروض حقاً للنفس، فهو أهم عندها من فرض الكفاية وأكثر مشقة، بخلاف فرض الكفاية فإنه مفروض حقاً للكافة، ولأمر إذا عم خف، وإذ خص ثقل، قال بعض العلماء: إن من عليه فرض عين فاشتغل بفرض كفاية وزعم أن مقصوده الحق فهو كذاب، ومثاله: من ترك الصلاة، واشتغل في تحصيل الثياب ونسجها قصداً لستر العورات، والأمثلة كثيرة في هذه الأزمنة الأخيرة، يتركون الواجبات العينية عليهم، ويفعلون الواجب الكفائي، أو المندوبات، ومنهم من ترك وظيفته وعمله الرسمي للنصح في المساجد، أو للاعتكاف في المسجد الحرام، أو نحو ذلك.
المسألة الخامسة عشرة:
فرض الكفاية لا يلزم بالشروع فيه إلا في حالتين:
الحالة الأولى: الجهاد في سبيل الله، لأنه إذا شرع في الجهاد ثم ترك الصف ففي ذلك كسر لقلوب الجند، وعدم حثهم على القتال.
الحالة الثانية: الصلاة على الجنازة، لأن الانسحاب من ذلك فيه هتك لحرمة الميت، كمن قام من مجلس مسلم بدون إذنه.
المسألة السادسة عشرة:
المخاطب بفرض الكفاية هو: جميع المكلفين، وفعل بعضهم هذا الواجب مسقط للطلب من الباقين، لأنه لو لم يقم به أحد لترتب على ذلك: أن الجميع يأثمون- كما قلنا فيما سبق- فتأثيم الجميع موجب لتكليفهم جميعاً، لأنه لا يمكن أن يؤاخذ المكلف على شيء لم يكلف به، فدل على أن وجوبه على الجميع.
المسألة السابعة عشرة:
ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب مطلقاً، أي: سواء كان سبباً شرعياً مثل: الصيغة للعتق الواجب، أو سبباً عقلياً مثل: النظر المحصل للعلم الواجب، أو سبباً عادياً كحز الرقبة بالنسبة إلى القتل، أو شرطاً شرعياً كالوضوء للصلاة، أو شرطاً عقلياً كترك أضداد المأمور به، أو شرطاً عادياً كغسل جزء من الرأس مع الوجه ليتحقق غسل كل الوجه.
وقلنا ذلك لأن الواقع يشهد له، حيث إن السيد لو قال لعبده: "أعطني ماء" ولا يوجد الماء إلا في البئر، فإنه لا يمكن أن يحضر الماء لسيده إلا بسحب الماء من البئر برشاء ودلو، فيلزمه- حينئذ- إحضار الرشاء والدلو ليسحب بهما الماء، وذلك ليفعل ما أمره به سيده إذا كان له طريق إليه، فلا يجوز له تركه- مع القدرة عليه- وإلا لاستحق العقوبة من السيد، فوجب عليه إحضار السبب وهو: الرشاء والدلو، حيث إنه بهما يمكنه تنفيذ أمر سيده، وهو جلب الماء، لأنه لا يمكن إحضار الماء إلا بهما، فلذلك وجبا، فينتج: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

النوع الثاني
المندوب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المندوب:
المندوب لغة مأخوذ من الندب، وهو: الدعاء إلى أمر مهم.
والمندوب اصطلاحاً هو: المطلوب فعله شرعاً من غير ذم على تركه مطلقاً.
المسألة الثانية:
صيغ المندوب هي كما يلي:
1. كل أمر صريح إذا وجدت قرينة تصرفه من الوجوب إلى الندب، كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، فإن هذا الأمر للندب، والقرينة الصارفة هي السنة التقريرية.
2. التصريح بأن ذلك سنة كقوله صلى الله عليه وسلم: "وسننت لكم قيامه"- يقصد رمضان-.
3. التصريح بالأفضلية الوارد من الشارع، كقوله في غسل الجمعة: "ومن اغتسل فالغسل أفضل".
4. كل عبارة تدل على الترغيب، ومنه قوله عليه السلام لبريرة: "لو راجعتيه".
المسألة الثالثة:
أسماء المندوب: المستحب، والتطوع، والسنة، والإحسان، والمرغَّب فيه، وكلها أسماء مترادفة، حيث إنها أسماء لمسمَّى واحد، وهو: الفعل المطلوب طلبًا غير جازم.
المسألة الرابعة:
المندوب مأمور به حقيقة: لأن المندوب يدخل في حقيقة الأمر كما دخل الواجب، حيث إن حقيقة الأمر هي: استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، والجامع بينهما: أن كلاً منهما مستدعى ومطلوب، فتصدق عليهما حقيقة الأمر.
ولأنه قد أطلق الأمر على المندوب في الكتاب والسنة واستُعمل، والأصل في الاستعمال والإطلاق الحقيقة، فيكون المندوب مأمورًا به حقيقة، من ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى}، فقد أمر هنا بواجب وهو: العدل، وأمر بمندوبين وهما: الإحسان، وإعطاء ذي القربى، ومن ذلك ما قالته أم عطية- رضي الله عنها-: أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نخرج في العيدين العواتق"، ومعروف أن ذلك ليس بواجب.
المسألة الخامسة:
المندوب من الأحكام التكليفية: لأن التكليف طلب ما فيه كلفة ومشقة، وفعل المندوب رغبة في الثواب واحتياطًا للدين فيه مشقة، وتركه فيه مشقة على المكلف القوي الإيمان، نظرًا لفوات الثواب الجزيل وربما كان ذلك أشق عليه من الفعل.
المسألة السادسة:
المندوب لا يلزم بالشروع فيه: حيث يجوز تركه وقطعه متى ما شاء؛ في غير مندوب الحج والعمرة؛ حيث يجب فيهما الإتمام، وقلنا لا يلزم المندوب بالشروع فيه، لصريح قوله صلى الله عليه وسلم: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر".
ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أكل من الحيس الذي أهدي لعائشة- رضي الله عنها- ثم قال: "كنت أصبحت صائمًا"، ولإجماع الصحابة السكوتي، حيث إن بعض الصحابة- كأبي الدرداء، وأبي طلحة، وأبي هريرة، وابن عباس، وحذيفة- كانوا يصومون تطوعًا، ثم يقطعون ذلك- فيما ثبت عنهم- من غير نكير من بقية الصحابة، إذ لو حصل إنكار لنقل، وبلغنا، وما دام أنه لم يبلغنا إنكار، فإن هذا يكون إجماعًا منهم على جوازه.
وللقياس، وهو قياس وسط المندوب وآخره على أوَّله: فكما أن المكلف مخير في الابتداء بين أن يشرع فيه وبين عدم الشروع، لكونه نفلاً، فكذلك هو مخيَّر في الوسط والانتهاء، إن شاء أتمَّه، وإن شاء قطعه.

النوع الثالث
المباح
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المباح:
المباح لغة: الإطلاق والإذن، يقال: "أباح الأكل من بستانه"، أي: أذن بالأكل منه.
المباح اصطلاحًا: ما أذن الله- تعالى- للمكلفين في فعله وتركه مطلقًا من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته.
المسألة الثانية:
صيغ المباح هي:
1. لفظ: "أحل"، كقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ}.
2. لفظ: "لا جناح"، كقوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ}.
3. لفظ: "لا حرج"، كقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ}... وقوله صلى الله عليه وسلم: "افعل ولا حرج".
4. صيغة الأمر التي صرفت من اقتضائها للوجوب والندب إلى الإباحة بسبب قرينة اقترنت بها، كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}، فهذا الأمر للإباحة، والقرينة الصارفة هي: منع الفعل قبل ذلك في قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}، حيث إنه كان الانتشار للبيع ممنوعًا ثم أباحه بعد انتهاء الصلاة.
المسألة الثالثة:
المباح من الشرع أي: حكم شرعي؛ قياسًا على بقية الأحكام الشرعية كالواجب والمندوب، فكما أن تلك من الأحكام شرعية فكذلك المباح، ولا فرق بينه وبينها، بجامع: أن كلاً منها متوقف في وجوده على الشرع.
المسألة الرابعة:
حكم الأفعال والأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع الإباحة، لتصريحه بلام التمليك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، حيث إن الله تعالى قد خصَّنا بما في الأرض وملَّكنا إياها، فلا بد أن نتحصل على فائدة الملك، وهي: الانتفاع بها.
ولتصريحه بالمحرَّم في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}، وقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}، فهنا جعلت الإباحة أصلاً في هذه الأشياء إلا ما صرح الله تعالى بتحريمه، ولصريح قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن حكم السمن والجبن: "الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه"، فهنا قد بيَّن الشارع أنه قد عفى لمن فعل المسكوت عنها ولمن تركها، وهذا هو معنى الإباحة.
المسألة الخامسة:
المباح غير مأمور به من حيث هو مباح: لوجود الفرق بين معنى الأمر، ومعنى الإباحة، فمعنى الأمر: اقتضاء الفعل من المأمور به، والمطالبة به، والنهي عن تركه، ومعنى الإباحة: الإذن في الفعل والترك، فيعلم كل عاقل- من ذلك- الفرق بين أن يأذن الله في الفعل وبين أن يأمره به، وأنه إذا اذن له فليس بمقتضٍ له، وإذا أمره به فليس هذا إذن، فإذا أثبت الفرق: لزم من ذلك أن المباح غير مأمور به.
المسألة السادسة:
الإباحة ليست تكليفًا: لأن التكليف هو: طلب ما فيه كلفة ومشقة بصيغة الأمر أو النهي، والإباحة ليس فيها مشقة جازمة كمشقة الوجوب والتحريم، ولا مشقة غير جازمة كمشقة الندب، وهي مشقة فوات الفضيلة، فالمكلف في المباح، مخيَّر بين الفعل والترك مطلقًا، وهذا لا تكليف فيه، فإن قال قائل: إذا كان المباح لا تكليف فيه فما سبب وضعه ضمن الأحكام التكليفية؟
أقول: إنه وضع ضمن الأحكام التكليفية؛ لأنه يختص بالمكلفين، أي: أن الإباحة والتخيير لا يكون إلا ممن يصح إلزامه بالفعل أو الترك، أما غيره- كالمجنون والصبي- فلا يسمَّى ما يفعلونه أو يتركونه مباحًا.
المسألة السابعة:
المباح ليس بجنس للواجب ولا هو داخل فيه؛ لوجود الفرق بين الواجب والمباح في الحقيقة. فالمباح مطلق الفعل ومطلق الترك، فلا فرق فيه بين الترك والفعل، أما الواجب فهو ما ذُمَّ تاركه شرعًا مطلقًا كما سبق بيان ذلك في تعريفهما.
المسألة الثامنة:
المباح يُسمى حسنًا، لأن الشارع رفع الحرج عن فعله، وكل ما رُفع الحرج عن فعله فإنه يكون حسنًا، فالمباح يكون حسنًا.

النوع الرابع
المكروه
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف المكروه:
المكروه لغة: ضد المحبوب، تقول: "كرهت الشيء" إذا لم تحبه، والكره: المشقة، فالمكروه يكون: ما نفَّر عنه الشرع والطبع، لأن الطبع والشرع لا ينفَّران إلا عن مشقة وشدة تلحق بالمكلف.
والمكروه اصطلاحًا هو: ما تَرْكُه خير من فعله، ولا عقاب في فعله.
المسألة الثانية:
الصيغ التي تستعمل وتدل على الكراهة هي:
1. لفظ "كره" وما يشتق منها، ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال".
2. لفظ: "بغض" وما يشتق منها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
3. لفظ النهي: "لا تفعل"، إذا اقترنت بها قرينة تصرفها عن التحريم إلى الكراهة، كقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}. فالنهي عن السؤال للكراهة، والقرينة الصارفة من التحريم إلى الكراهة هي آخر الآية، حيث قال تعالى: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}.
المسألة الثالثة:
إطلاقات المكروه:
بعض العلماء يطلق لفظ: "مكروه" على ما نهي عنه نهيًا تنزيهيًا، وهو الذي ذكرنا تعريفه، وإذا أطلق لفظ المكروه انصرف إلى هذا. وبعضهم يطلق لفظ "مكروه" ويريد به الحرام، وقد روي هذا الإطلاق عن الأئمة الثلاثة- مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله جميعًا- وذلك تورعًا منهم وحذرًا من الوقوع تحت طائلة النهي الوارد في قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ}، وهذا كان من أسباب غلط كثير من المتأخرين من أتباع الأئمة كما قال ابن القيم رحمه الله.
وبعضهم يطلقه ويريد به: ما وقعت الشبهة في تحريمه وإن كان غالب الظن حله، كأكل لحم الضبع.
المسألة الرابعة:
المكروه منهي عنه حقيقة: لأن لفظ "النهي" تطلق على ما نهي عنه لحرمته، وتطلق على ما نهي عنه لكراهته، ولا فرق بينهما في الاستعمال إلا في العقاب على فعل الحرام، دون المكروه.
المسألة الخامسة:
المكروه ليس من التكليف: لأن التكليف إنما يكون بما فيه كلفة ومشقة، والمكروه لا كلفة فيه ولا مشقة- كما بان من تعريف المكروه- حيث إن المكلف إذا ترك الفعل المكروه فله أجر، وإن لم يتركه فلا إثم عليه.

النوع الخامس
الحرام
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف الحرام:
الحرام لغة: الممنوع، يقال: "حرمه الشيء" إذا منعه إياه، والحرام اصطلاحًا: ما ذُمَّ فاعله شرعًا.
المسألة الثانية:
صيغ الحرام هي كما يلي:
1. لفظ "التحريم" ومشتقاتها، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ}.
2. صيغة النهي المطلق، كقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}.
3. التصريح بعدم الحل، كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم...".
4. أن يرتب الشارع على فعل شيء عقوبة، فيدل هذا على أن هذا الفعل حرام، كقوله تعالى: {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا}.
المسألة الثالثة:
يجوز أن يكون الواحد بالنوع واجبًا وحرامًا، مثل: "السجود" حيث إنه واحد بالنوع، فمنه: سجود واجب هو السجود لله تعالى، ومنه سجود حرام وهو: السجود لغير الله تعالى، ولا تناقض في ذلك، وذلك لتغايرهما بالشخصية، فيكون بعض أفراده واجبًا كالسجود لله، وبعضها حرامًا كالسجود لغيره، قال تعالى: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ}.
المسألة الرابعة:
يمتنع أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبًا من جهة واحدة، كقوله: "اعتق هذا العبد لا تعتق هذا العبد" ويقصد معيَّنًا؛ وذلك لتضادهما وتنافيهما وتناقضهما، وهو من باب تكليف ما لا يطاق، وهو لا يجوز، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
المسألة الخامسة:
يجوز أن يكون الواحد بالعين حرامًا واجبًا من جهتين، كالصلاة في الدار المغصوبة فإنها صحيحة؛ لأن الفعل- وهو الصلاة- مطلوب الفعل، والمكان المصلى فيه مطلوب الترك؛ حيث إنه مغصوب، فيكون متعلق الأمر والنهي غير متَّحِد.
فالصلاة من حيث هي صلاة مأمور بها- بقطع النظر عما يلحقها من مكان أو غيره، والغصب من حيث هو غصب منهي عنه- بقطع النظر عما يلابسه من أفعال الصلاة، فتكون- على هذا- الصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة، فيمكن وجود أحدهما بدون الآخر؛ قياسًا على الصلاة منفردة، وعلى الغصب منفرد، فيجب أن يثبت للصلاة حكمها- وهو الأجر- ويثبت للغصب حكمه- وهو الإثم- كما لو كانا منفردين، فالجمع بينهما لا يقلب حقيقتهما في أنفسهما.
المسألة السادسة:
يجوز أن يحرم واحدًا لا بعينه- وهو الحرام المخيَّر- لأنه واقع شرعًا؛ حيث ثبت تحريم إحدى الأختين لا بعينها، ولأنه لا يمتنع عقلاً أن يقول السيد لعبده: "لا تكلم زيدًا أو عمرًا"، فلا يفهم من ذلك تحريم تكليم واحد بعينه، ولا تحريم تكليم زيد وعمرو، فلم يبق إلا أنه حرَّم عليه كلام أحدهما لا بعينه.
المسألة السابعة:
الأمر بالشيء المعيَّن نهي عن ضد ذلك الشيء المعين من جهة المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد؛ لأنه لا يمكن أن نتوصل إلى فعل المأمور به إلا بترك ضده، فوجب أن يكون الأمر به نهيًا عن ضده، وهو من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلو قال له: "قم"، لا يمكنه فعل القيام إلا بترك ما يضاد القيام، فوجب- على هذا- أن يكون هذا نهيًا عن القعود، والركوع والاضطجاع ونحو ذلك.

التكليف وشروطه وما يتعلق به
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريف التكليف:
التكليف لغة هو: المشقة، ويطلق على الأمر بما يشق عليك، فهو إذًا: الأمر بما فيه كُلفة.
التكليف اصطلاحًا هو: الخطاب بأمر أو نهي.
المسألة الثانية:
يشترط في المكلف أن يكون بالغًا، عاقلاً، فاهمًا للخطاب.
فخرج بشرط البلوغ: الصبي، وإن كان عاقلاً فاهمًا للخطاب، فإنه لا يمكن تكليفه.
وخرج بشرط العقل: المجنون وإن كان بالغًا، فإنه لا يمكن تكليفه.
وخرج بشرط الفهم: النائم والغافل والساهي، فإنه لا يمكن تكليف هؤلاء لعدم الفهم- وهم في حالتهم تلك-.
المسألة الثالثة:
الصبي غير المميَّز بين الأشياء وهو ما دون سبع سنوات- غير مكلف، لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع وإدراكه لمقتضاه، فلا يمكن أن يعمل عملاً وهم لم يعرف المراد منه، ولعدم صحة النية والقصد منه، فلا يقبل أيُّ عملٍ إلا بنية.
المسألة الرابعة:
الصبي المميز بين الأشياء وهو من تجاوز سن السابعة من عمره- غير مكلف، لأن هذا وإن كان مميزًا بين حقائق الأمور إلا أنه لا يمكن تكليفه؛ لأننا لا نعرف متى ميَّز، ومتى فهم الخطاب؛ لأن الفهم يتزايد تزايدًا غير واضح، فلا يمكن له ولا لغيره. أن يقف على أول وقت فهم خطاب الشارع، وعرف المرسل، والغرض من الرسل، ولذلك حطَّ عن التكليف؛ لعدم الانضباط في ذلك، فوضع الشارع ضابطًا يضبط الحدَّ الذي تتكامل فيه بنيته وعقله وهو: "البلوغ"، ولهذا فإن أكثر الأحكام تتعلق به.
المسألة الخامسة:
المجنون- سواء كان جنونه أصليًا أو طارئًا، وسواء كان مطبقًا أو غير مطبق- غير مكلف؛ لعدم فهمه للخطاب الوارد من الشارع، وعدم إدراكه وعلمه للفعل المكلف به، وطريقة امتثاله، وعدم وجود النية والقصد منه.
المسألة السادسة:
المعتوه- وهو مختلط الكلام بسبب ما يعرض للعقل من خلل- غير مكلف؛ قياسًا على المجنون، والصبي غير المميز، فكما أن المجنون والصبي غير المميز غير مكلفين، فكذلك المعتوه ولا فرق، والجامع: ضعف العقل عن إدراك حقائق الأمور، وعن فهم خطابات الشارع على ما هي عليه.
المسألة السابعة:
الناسي والساهي والغافل والنائم والمغمى عليه غير مكلَّفين وهم في حالة السهو والنسيان والغفلة والنوم والإغماء، لأن هؤلاء وهم في حالتهم تلك قد فقدوا شرطًا من شروط التكليف، وهو: "الفهم"، فهم لا يدركون- وهم في تلك الحالة- معنى الخطاب، فلو كلفوا وهم في تلك الحال لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو لا يجوز.
المسألة الثامنة:
السكران غير مكلف مطلقًا: لأن السكران في حالة سكره لا يفهم الخطاب فكيف يتوجه إليه خطاب لا يفهم المراد منه؟! فلو طلب منه امتثال ما يقتضيه الخطاب- وهو في حالته تلك- لكان تكليفًا بما لا يطاق، وهو لا يجوز.
المسألة التاسعة:
المكره المــُلْجَأ- وهو: من حمل على أمر يكرهه ولا يرضاه، ولا تتعلق به قدرته واختياره، كمن ألقي من شاهق على مسلم فقتله- غير مكلف اتفاقًا؛ لأنه مسلوب القدرة غير مختار كالآلة.
المسألة العاشرة:
المكره غير الملجأ- وهو: من حُمل على أمر يكرهه، ولا يرضاه، ولكن تتعلق به قدره واختياره وإرادته، كمن قيل له: اقتل أخاك المسلم وإلا قتلناك- هذا مكلف؛ لأن شروط التكليف- وهي: البلوغ، والعقل والفهم- قد توفرت فيه، فلا يوجد مانع من تكليفه، فهو بهذا كغير المكره بجامع: توفر جميع شروط التكليف بالإضافة إلى توفر القدرة، وكمال البدن والذمة، ومجرد الإكراه ليس سببًا لإسقاط الخطاب عن المكره بأي حال.
المسألة الحادية عشرة:
الكفار مكلَّفون بفروع الإسلام مطلقًا: لعموم قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} فيدخل الكفار؛ حيث إنهم من جملة الناس، ولا يوجد مانع من دخولهم؛ لأنه لو وجد لعرفناه عند الطلب.
ولعموم قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ}، حيث إن هذا عام في حق المسلمين والكفار، فلا يخرج الكافر إلا بدليل والكفر ليس برخصة مسقطة للخطاب عن الكافر.
ولقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى}؛ حيث إن الله تعالى ذم الكافر على تركه لفرع من فروع الشريعة وهي الصلاة، وهذا يدل على أنهم مكلفون بها.
وللقياس على المسلم المحدِث، فكما أن المحدِث قد فقد شرط الصلاة، ولم يمنع ذلك من وجوب الصلاة عليه وإلزامه بها بسبب قدرته على تحصيل الشرط، فكذلك الكافر فإن فقد شرط العبادة- وهما الشهادتان- مع القدرة عليه لا يمنع من توجه الخطاب بها، حيث إنه قادر على تحصيل شرط العبادة وهو: الإيمان.
المسألة الثانية عشرة:
يشترط في الفعل المكلف به ما يلي:
الشرط الأول: أن يعلم المكلف حقيقة الفعل المكلَّف به، وذلك من أجل أن يتصوَّر هذا الفعل المأمور به، إذ لا يعقل أن يكلف بشيء مجهول، فيجب أن يعلم طريقة الصلاة وشروطها، وأركانها وواجباتها ونحو ذلك مما يتعلق بها، فلو لم يعلم ذلك لم يصح منه الفعل.
الشرط الثاني: أن يعلم المكلف أن هذا الفعل مأمور به من قِبل الله تعالى؛ لأنه إذا علم ذلك تُصوَّر منه قصد الطاعة والامتثال بفعله؛ أما إذا لم يعلم ذلك فلا يكفي مجرد حصول الفعل منه من غير قصد ولا نية لامتثال أمر الله تعالى، لقوله عليه السلام: "لا عمل إلا بنية".
الشرط الثالث: أن يكون حاصلاً بكسب المكلف، فلا يصح تكليف المسلم بكسب غيره؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وقوله: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}.
الشرط الرابع: أن يكون الفعل الذي طلب من المكلف فعله معدومًا، أي: لم يوجد، فيؤمر المسلم بصلاة الظهر- مثلاً- قبل الزوال، فهنا أمر بها قبل وجودها، ويؤمر الإنسان بخياطة ثوب معدوم.
وقلنا ذلك؛ لأن إيجاد الشيء الموجود تحصيل حاصل لا يرد به الشرع، ولأنه لا يحسن عقلاً أن يؤمر من هو قائم بالقيام، ومن هو يكتب بالكتابة.
الشرط الخامس: أن يكون الفعل مقدورًا للمكلَّف، أي: يستطيع المكلف فعله والقدرة عليه، فلا يجوز تكليفه بما لا يطاق كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد الموجود؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وقوله: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا}؛ حيث بيَّن الله تعالى: أنه لا يكلف العباد عملاً من أعمال القلب أو الجوارح إلا وهي في وسع المكلف، وفي مقتضى إدراكه.
ولقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وأيُّ حرج فوق التكليف بما لا يطاق، قال بعض العلماء: ولا حرج أشد من التكليف بما لا يطاق.
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، فكلف الناس بما يستطيعون من الفعل.
الشرط السادس: أن يكون التكليف بفعل- بيانه: أن متعلق التكليف هو الأمر والنهي، وكلاهما لا يكون إلا فعلاً، فلا يكلف إلا بفعل، ولا يطلب من المكلف إلا فعل، والتكليف في الأمر تكليف بفعل بالاتفاق؛ لأن مقتضاه: إيجاد الفعل المأمور به كالصلاة والزكاة، وكذلك التكليف في النهي تكليف بفعل؛ لأن المكلف به في النهي هو كف النفس عن الفعل لا نفي الفعل؛ حيث إن كف النفس عن المنهي عنه فعل، فالأمر بالصوم- مثلاً- أمر بكف النفس عن الفطر، والكف فعل الإنسان، وهو داخل تحت كسبه يؤجر عليه، وكذلك لما نهي عن شرب الخمر فإنه اقتضى التلبس بضد من أضداده، وهو: الترك، فيكون الترك داخلاً تحت كسب المكلف فيثاب عليه، فالترك- في الحقيقة- فعل؛ لكونه ضد الحال التي هو عليها.


القسم الثاني
الحكم الوضعي وأنواعه
لقد قلنا: إن الحكم الوضعي هو: خطاب الله تعالى المتعلق بجعل الشيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، أو عزيمة أو رخصة، فتكون أنواعه- على هذا- هي:
الأول: السبب.
الثاني: الشرط.
الثالث: المانع.
الرابع: العزيمة والرخصة.
وإليك بيان كل نوع وما يتعلق به من المسائل.

النوع الأول
السبب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
تعريفه:
السبب لغة هو: ما يتوصل به إلى مقصود ما؛ لذلك يسمى الطريق سببًا.
والسبب اصطلاحًا هو: ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته.
فيلزم من وجود دخول الوقت وجود الحكم وهو وجوب الصلاة على ذلك المكلَّف.
المسألة الثانية:
السبب باعتبار قدرة المكلف ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مقدور عليه، وهو: ما كان داخلاً تحت كسب المكلف وطاقته، بحيث يستطيع فعله وتركه، كالقتل المسبب للقصاص، وعقد النكاح المسبب لحل الوطء.
القسم الثاني: سبب غير مقدور عليه، وهو: ما لم يكن من كسب المكلف، ولا دخل له في تحصيله أو عدم ذلك كزوال الشمس أو غروبها سبب لوجوب الصلاة أو الإفطار، والموت سبب لانتقال الملك، فهذه الأمور تكون، ولا يقدر المكلف على منعها أو جلبها.
المسألة الثالثة:
السبب باعتبار المشروعية ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مشروع، وهو: ما كان سببًا للمصلحة أصالة، وإن كان مؤديًا إلى بعض المفاسد تبعًا، كالجهاد في سبيل الله فإنه سبب لإقامة الدين وإعلاء كلمة الله، وإن أدى في الطريق إلى نوع من المفاسد كإتلاف الأنفس، وإضاعة الأموال.
القسم الثاني: سبب غير مشروع وهو: ما كان سببًا للمفسدة أصالة وإن ترتب عليه نوع من المصلحة تبعًا، كالقتل بغير حق فإنه سبب غير مشروع، وإن ترتب عليه ميراث ورثة المقتول.
المسألة الرابعة:
السبب باعتبار المناسبة ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب مناسب للحكم، وهو الذي يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة، أو دفع مفسدة يدركها العقل، كالسرقة بالنسبة لعقوبة القطع؛ حيث إنها تحقق مصلحة حفظ الأموال، وتدفع مفسدة ضياعها.
القسم الثاني: سبب غير مناسب للحكم، وهو الذي لا يترتب على شرع الحكم عنده تحقق مصلحة أو دفع مفسدة، كدلوك الشمس، حيث إنه سبب لوجوب الظهر، ومثل: شهود الشهر بالنسبة لوجوب الصيام.
المسألة الخامسة:
السبب باعتبار مصدره ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: سبب شرعي، وهو: ما كان مستمدًا من الشارع فقط، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة.
القسم الثاني: سبب عقلي، وهو: ما كان مستمدًا من العقل فقط، كوجود النقيض فإنه سبب في انعدام نقيضه عقلاً مثل الموت فإنه سبب لعدم الحياة.
القسم الثالث: سبب عادي، وهو: ما كان مستمدًا من العادة المألوفة المتكرر وقوعها كالذبح، فإنه يتسبب في إزهاق الروح في العادة.
المسألة السادسة:
السبب باعتبار اقترانه بالحكم وعدم ذلك ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب متقدم على الحكم، وهذا هو الأصل كالأسباب الموجبة للصلوات، والزكاة، والبيع، والنكاح، وهو الأكثر.
القسم الثاني: سبب مقارن للحكم، كقتل المسلم للكافر في الحرب، فإنه سبب لاستحقاق سلبه فورًا، وإحياء الموات فإنه سبب فوري للملك.
المسألة السابعة:
السبب باعتبار اللفظ والفعل ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب قولي ولفظي، وهو: ما كان معتمدًا على القول واللفظ، كصيغ العقود مثل البيع والشراء، وصيغ التصرفات كالطلاق والعتاق والنكاح.
القسم الثاني: سبب فعلي، وهو: ما كان ناشئًا عن الفعل، كالقتل سبب للقصاص، وشرب الخمر والسرقة سببان للحد، وإحياء الموات سبب للملك.
والفرق بينهما: أن الأسباب القولية لا تصح من السفيه أو المحجور عليه كما لو أعتق عبده، أو وهبه، أو باع واشترى.
أما الأسباب الفعلية فإنها تصح منه، كما لو وطأ المحجور عليه أمته فإنها تصير أم ولد؛ وذلك لأن أقواله يمكن إلغاؤها- كما قال ابن القيم في بدائع الفوائد- حيث إنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء، أما الأفعال فإنها إذا وقعت فلا يمكن إلغاؤها، فلا يمكن أن يقال لمن وطأ أمته، أو أتلف شيئًا لغيره، إنه لم يطأ أو لم يطأ أو لم يتلف.
المسألة الثامنة:
العلَّة- وهي: الوصف المعرَّف للحكم، تعتبر قسمًا من أقسام السبب. فالسبب أعم من العلَّة؛ حيث إن السبب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: سبب معقول المعنى: أي: أدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سببًا وعلة كقطع يد السارق، فالسرقة تسمى سببًا وعلة للقطع.
القسم الثاني: سبب غير معقول المعنى، وهو الذي لا يدرك العقل ارتباط الحكم به، فهذا يُسمَّى سببًا لا علة، كدخول الوقت يسمَّى سببًا لوجوب الصلاة، ولا يسمى علة؛ لعدم إدراكنا للمناسبة بين دخول الوقت ووجوب هذه الصلاة بعينها.
فالسبب- على هذا- شامل للوصف المناسب وغير المناسب.
المسألة التاسعة:
الصحة، وهي: موافقة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع، والفساد: وهو مخالفة الفعل ذي الوجهين لأمر الشارع داخلان ضمن السبب، لأن حقيقة السبب قد وجدت فيهما؛ حيث إن الفعل إذا استوفى أركانه وشروطه فإن هذا سبب لصحته، وترتب عليه آثاره، والفعل إذا لم يستوف أركانه أو شروطه فإن هذا سبب لفساده وعدم ترتب آثاره عليه.
المسألة العاشرة:
الصحة والفساد من الأحكام الشرعية لا من الأحكام العقلية، لأن معرفة استجماع الفعل لشروطه وأركانه، وارتفاع موانعه موقوفة على معرفة الركن والشرط والمانع، ومعرفة هذه الأمور الثلاثة موقوفة على خطاب الشارع اتفاقًا، فتكون الصحة والفساد لا يعرفان إلا من الشارع.
المسألة الحادية عشرة:
الصحة والفساد من الأحكام الوضعية لا من الأحكام التكليفية، لأن الحكم الشرعي ينقسم إلى قسمين- فقط- وهما: "الحكم التكليفي" و"الحكم الوضعي"، ولا يمكن أن تكون الصحة والفساد من الأحكام التكليفية؛ لأن الحكم التكليفي- كما سبق- فيه اقتضاء أو تخيير، وبعد النظر في الصحة والفساد تبيَّن عدم وجود اقتضاء ولا تخيير فيهما؛ حيث إن الحكم بصحة العبادة وفسادها، والحكم بصحة المعاملة وفسادها لا يفهم اقتضاء ولا تخييرًا، فلم توجد حقيقة الحكم التكليفي، فلم يبق إلا أن نقول: إن الصحة والفساد من القسم الثاني، وهو: الحكم الوضعي.
المسألة الثانية عشرة:
المقصود بالصحة في العبادات هو: ما وافق الأمر، وأجزأ، وأسقط القضاء، كالصلاة إذا وقعت بجميع واجباتها مع انتفاء موانعها، فعدم وجوب قضائها هو: صحتها، وهذا اختيار الفقهاء؛ حيث إن ذلك هو الموافق للغة- فالعرب تسمي الآنية صحيحة إذا كانت سليمة من جميع الجهات، وإذا كانت صحيحة من جميع الجهات إلا جهة واحدة، فإن العرب لا تسميها صحيحة، وهذه الصلاة- مثلاً- قد تطرَّق إليها الخلل من جهة ذكر الحدث، فلا تكون صحيحة؛ قياسًا على الآنية المكسورة من جهة.
المسألة الثالثة عشرة:
المقصود بالصحة في المعاملات هو: ترتب أحكامها المقصودة عليها؛ لأن العقد لم يوضع إلا من أجل إفادة مقصودة، كملك المبيع، وملك البضع في النكاح. وإن لم يكن الأمر كذلك فهو فاسد، فيكون الفاسد في المعاملات: كون الشيء لا يترتب عليه أثره المطلوب منه؛ نظرًا لوجود خلل في ركنه أو شرطه كبيع المجنون، أو بيع المعدوم أو بيع الميتة.
المسألة الرابعة عشرة:
الفاسد والباطل مترادفان: قياسًا للشرع على اللغة، حيث إن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، يقال: "بطل الشيء"، إذا فسد وسقط حكمه، فإذا لم يفرق بينهما لغة فإنه يجب عدم التفريق بينهما شرعًا؛ حملاً للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ لأن الأصل عدم التغيير.
المسألة الخامسة عشرة:
بيان أن التقديرات الشرعية والحجاج داخلان ضمن السبب؛ حيث إن التقديرات الشرعية هي: إعطاء الموجود حكم المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود.
فمثال الأول- وهو إعطاء الموجود حكم المعدوم- الماء في حق المريض والخائف، ومثال الثاني- وهو: إعطاء المعدوم حكم الموجود- المقتول خطأ تورث عنه ديته، حيث إنها لا تملك إلا بعد موته، وهي ليست في ملكه قبل موته، فنقدُر دخولها في ملكه قبل موته حتى تنتقل إلى ورثته، فهنا قدرنا المعدوم موجودًا، للضرورة.
أما الحجاج فهي التي يستند إليها القضاء في الأحكام، كالشهود، والإقرار، واليمين، فإذا نهضت تلك الحجة عند القاضي وجب عليه الحكم.
والأمران لو دققت النظر فيهما لوجدتهما يرجعان إلى السبب، حيث إن هذه التقديرات وهذه الحجاج إنما نشأت عن أسبابها.
المسألة السادسة عشرة:
الأداء: وهو ما فُعل أولاً في وقته المقدر له شرعًا، والإعادة: وهو ما فُعل ثانيًا في وقت الأداء لخلل في الأول، والقضاء: وهو ما فعل بعد خروج وقته المحدَّد شرعًا مطلقًا، كلها داخلة ضمن السبب؛ لأن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وفساد الفعل سبب للإعادة.
المسألة السابعة عشرة:
إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلَّف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فإن هذا يُسمَّى قضاء، لا أداء؛ لقول عائشة رضي الله عنها: "كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، فسمَّت ما يفعل بعد رمضان قضاء بدون نكير.
ولإجماع العلماء على أنه إذا صام هؤلاء الأيام التي أفطروها سابقًا فإن الواجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء.
المسألة الثامنة عشرة:
القضاء يتعلّق بالمندوب إذا كان له وقت معيّن؛ قياسًا على الواجب؛ لأنه لا فرق بينهما من حيث حقيقة القضاء. وبناء على هذا يكون قضاء المندوب مندوبًا، كما أن قضاء الواجب واجب.
المسألة التاسعة عشرة:
وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول: فالدليل الذي أوجب الأداء هو الذي أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى أمر جديد، لأن الأداء كان واجبًا مستحقًا على المكلف في الوقت المحدَّد شرعًا، والواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالفعل، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذَّمة مشغولة بهذا الواجب لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له وهو: أحد الأمور الثلاثة السابقة.
وللقياس على الدَّين؛ حيث إن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدَّين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعيَّن فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه في وقت آخر. ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمُّن، لا بدلالة المطابقة.

النوع الثاني
الشرط
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
الشرط- هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.
حيث يلزم من عدم الشرط- وهو: الطهارة مثلاً- عدم وجود الحكم- وهو: صحة الصلاة-، ولا يلزم من وجود الطهارة وجود الحكم وهو: صحة الصلاة، فقد توجد الطهارة ويصلي ولكن لا تصح صلاته، لكونه صلّى قبل دخول الوقت، أو صلّى لغير القبلة.
المسألة الثانية:
الشرط باعتبار وصفه ينقسم إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: شرط عقلي وهو: ما لا يوجد المشروط عقلاً بدونه، كاشتراط الحياة للعلم، والفهم للتكليف.
القسم الثاني: شرط عادي، وهو: ما يكون شرطًا عادة، كنصب السُّلم لصعود السطح.
القسم الثالث: شرط لغوي، وهو: ما يذكر بصيغة التعليق مثل: "إن نجحت فلك جائزة".
القسم الرابع: شرط شرعي، وهو: ما جعله الشارع شرطًا لبعض الأحكام، كاشتراط الطهارة لصحة الصلاة.
المسألة الثالثة:
الشرط باعتبار قصد المكلف له وعدم ذلك: ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ما قصده الشارع قصدًا واضحًا، وهو: الذي يرجع إلى خطاب التكليف، وهو: إما أن يكون مأمورًا بتحصيله كالطهارة للصلاة، وإما أن يكون منهيًا عن تحصيله كنكاح المحلّل في مراجعة الزوجة لزوجها الأول.
القسم الثاني: ما لم يقصد الشارع تحصيله، وهو: الذي يرجع إلى خطاب الوضع كالحول في الزكاة، فإن بقاء النصاب حتى يكمل الحول لأجل أن تجب الزكاة ليس مطلوب الفعل، ولا هو مطلوب الترك.
المسألة الرابعة:
الشرط باعتبار مصدره ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرط شرعي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه الشارع، وهو: المراد من الشرط عند الإطلاق، وهو المقابل للسبب والمانع.
والقسم الثاني: شرط جعلي، وهو: ما كان مصدر اشتراطه المكلَّف، حيث يعتبره ويعلق عليه تصرفاته ومعاملاته كالاشتراط في البيوع والنكاح.
المسألة الخامسة:
يفارق الشرط السبب من وجهين:
الوجه الأول: أن الشرط يؤثر في الحكم من جهة العدم، أما السبب فإنه يؤثر في الحكم من جهة الوجود والعدم.
الوجه الثاني: أن الشرط ليس فيه مناسبة في نفسه، أما السبب فإنه مناسب في نفسه- فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، وهو مشتمل على الغنى في ذاته، بخلاف مرور الحول فإنه ليس فيه مناسبة في نفسه وإنما هو مكمل لحكمة الغنى في النصاب.

النوع الثالث
المانع
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
المانع: هو ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.
فيلزم من وجود الدَّين- مثلاً- عدم وجود الحكم وهو: وجوب الزكاة، ولا يلزم من عدم الدين الزكاة أو عدمها، فقد يكون الشخص غنيًا يملك النصاب وحال على ماله الحول، فهذا تجب عليه الزكاة، وقد يكون فقيرًا فهذا لا تجب عليه الزكاة.
المسألة الثانية:
المانع ينقسم باعتبار ما يمنعه من حكم أو سبب إلى قسمين:
القسم الأول: مانع الحكم، وهو: كل وصف وجودي ظاهر منضبط لحكمة تقتضي نقيض حكم السبب مع تحقق السبب، كالحيض فإنه مانع من وجوب الصلاة مع تحقق السبب وهو: دخول الوقت، فقد ترتب- هنا- على وجود المانع عدم ترتب المسبب على سببه.
وهذا القسم- وهو: مانع الحكم- ثلاثة أشياء:
الشيء الأول: مانع يمنع ابتداء الحكم- فقط- دون استمراره مثل: الإسلام، فإنه يمنع ابتداء السبي، ولكنه لا يمنع استمراره، فلو أسلم بعد أن صار مملوكًا فإنه لا ينقطع عنه الرق.
الشيء الثاني: مانع يمنع دوام الحكم واستمراره- فقط- دون ابتداء الحكم كالطلاق، فإنه يمنع من الدوام على النكاح الأول، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح ثاني.
الشيء الثالث: مانع يمنع ابتداء الحكم، ويمنع أيضًا استمراره، كالرضاع فإنه يمنع ابتداء النكاح على امرأة هي أخته من الرضاع، كما يمنع استمراره، إذا طرأ عليه، وكذلك "الحدث" يمنع انعقاد العبادة ابتداء كما يمنع صحتها إذا طرأ عليها.
القسم الثاني: مانع السبب، وهو: كل وصف يقتضي وجوده حكمة تخل بحكمة السبب كالدَّين في باب الزكاة؛ حيث إنه مانع من وجوب الزكاة؛ لأن السبب في وجوب الزكاة هو: بلوغ النصاب حيث إنه يفيد غنى من يملك هذا النصاب، فطلب منه مواساة الفقراء من فضل ذلك المال، وهذه هي الحكمة، ولكن الدين في المال لم يدع فضلاً يواسي به الفقير، حيث إن النصاب قد صار مشغولاً بحقوق الغرماء، فهنا قد أخل الدين بحكمة السبب، فكانت رعاية براءة الذمة من الدَّين أولى من رعاية مواساة الفقراء.
المسألة الثالثة:
المانع من حيث ارتباطه بخطاب الشارع ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مانع داخل تحت خطاب التكليف، كالإسلام فإنه مانع من انتهاك حرمة الدم والعرض إلا بحقهما، والكفر فإنه مانع من صحة العبادات، والإسلام مأمور به، والكفر منهي عنه.
القسم الثاني: مانع داخل تحت خطاب الوضع، وهو: الذي ليس للشارع قصد في تحصيله من حيث هو مانع، ولا في عدم تحصيله، فإن الشخص المدين ليس مخاطبًا برفع الدَّين عن نفسه إذا كان عنده نصاب لتجب الزكاة عليه، كما أن مالك النصاب غير مخاطب بتحصيل الاستدانة لتسقط عنه زكاة النصاب، لأن المانع من خطاب الوضع، فلا يكون مأمورًا به ولا منهيًا عنه.

النوع الرابع
العزيمة والرخصة
وفيه مسائل:
المسألة الأولى:
العزيمة هي: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح.
والرخصة هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
فمثلاً: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، هو عزيمة، لكن إن وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم وهو قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ}، وهو راجح على دليل التحريم الذي هو قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس والمحافظة عليها مقدَّمة على مفسدة الميتة وما فيها من الخبث.
المسألة الثانية:
العزيمة والرخصة من الحكم الوضعي؛ لأن اعتبار كل من السفر والمرض، والضرورة، والحاجة، أو غيرها أسبابًا للترخص، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة، كل ذلك لو فكرنا فيه لوجدنا أنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل، فتكون حقيقة الحكم الوضعي متحققة فيه، فكانت من الحكم الوضعي.
المسألة الثالثة:
العزيمة أفضل من الرخصة؛ لأن العزيمة هي الأصل المقطوع به الذي لا يختلف فيه، أما الرخصة فسببها ظني وهو المشقة، لأن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال.
المسألة الرابعة:
تنقسم الرخصة من حيث الحكم إلى أقسام هي:
القسم الأول: رخصة واجبة كأكل الميتة للمضطر، وشرب الخمر لمن غصَّ بلُقمة وخشي على نفسه الهلاك، والتيمم للمريض.
القسم الثاني: رخصة مندوبة كقصر الصلاة الرباعية للمسافر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته"، والإيراد في صلاة الظهر في شدة الحر.
القسم الثالث: رخصة مباحة كالعرايا- وهو: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصًا-، والإجارة وهي: تمليك المنافع بعوض، والتلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك، لكن لو امتنع عن ذلك وصبر لكان آخذًا بالعزيمة وهو أفضل.
القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، كالإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرَّر ربه، وقلنا ذلك، لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، وكذلك المسح على الخفين.
القسم الخامس: رخصة مكروهة كالسفر للترخص فقط.

خاتمة
في الفرق بين الحكم التكليفي
والحكم الوضعي
بعد أن تكلَّمنا عن الحكم التكليفي وأنواعه، والحكم الوضعي وأنواعه، أحببت أن أختم ذلك بذكر أهم الفروق بين الحُكمين، لئلا يلتبس أحدهما بالآخر عند بعض طلاب العلم، فأقول: إن بينهما فروقًا هي:
الأول: إن الخطاب في الحكم الوضعي خطاب إخبار وإعلام جعله الشارع علامة على حكمه، وربط فيه بين أمرين بحيث يكون أحدهما سببًا للآخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه.
أما الخطاب في الحكم التكليفي: فإنه خطاب طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بينهما، فيكون خطاب التكليف هو: طلب أداء ما تقرَّر بالأسباب والشروط.
الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه قدرة المكلَّف على فعل الشيء المكلَّف به.
أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك: فقد يكون مقدورًا للمكلف كالسرقة، وصيغ العقود الشرعية ونحوها، وقد يكون غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس الذي هو سبب لوجوب الصلاة، وحولان الحول الذي هو شرط لوجوب الزكاة.
الثالث: أن الحكم التكليفي يتعلق بالكسب والمباشرة للفعل من الشخص نفسه، فإن عمل شيئًا يوافق أمر الشارع يؤجر عليه، وإذا عمل شيئًا مخالفًا لأمر الله فإنه يأثم.
بخلاف الحكم الوضعي فقد يعاقب أشخاصًا بفعل غيرهم، ولهذا وجبت الدية على العاقلة.
الرابع: أنه يشترط في الحكم التكليفي أن يكون معلومًا للمكلف، وأن يعلم أن هذا التكليف به صادر من الله تعالى.
بخلاف الحكم الوضعي فلا يشترط فيه ذلك، ولذلك يرث الإنسان بدون علمه، وتحل المرأة بعقد أبيها عليها، وتحرم بطلاق زوجها لها وإن كانت لا تعلم، ويضمن النائم، والناسي والساهي ما أتلفوه وإن كانوا لا يعلمون.
الخامس: أن الحكم التكليفي لا يتعلَّق إلا بفعل المكلَّف الذي توافرت فيه شروط التكليف وهو: البلوغ، والعقل، والفهم.
بخلاف الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالمكلف وغير المكلف، لذلك تجد الزكاة وجبت في أموال الصبي والمجنون، ويضمن النائم والناسي والغافل والسكران ونحوهم ما يتلفون.