Advertisement

ولاية المرأة الخاصة عن الفقهاء

ولاية المرأة الخاصة عند الفقهاء
إعداد د. محمد الكليب
- أولا : ولاية المرأة على مالها :
اتفق الفقهاء على أن المرأة لها ولاية على مالها الخاص ، و لا دخل لأحد في مالها ، و منهم من قال يدفع إليها مالها عند زواجها حتى لو كانت بالغة ، و جمهور الفقهاء قالوا يدفع للمرأة مالها إذا بلغت رشيدة و لو لم تتزوج .
و اختلفوا في مسألة تبرع المرأة بجزء من مالها هل زوجها ولاية في منعها ؟ ، و هل يجب على المرأة استئذانه ؟ ، على ثلاثة أقول :
- القول الأول : لها ولاية التبرع حتى لو تبرعت بجميع مالها ، و هو قول الحنفية ، و استدلوا بما يلي :
1- قال تعالى (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا) .
وجه الدلالة : أن الله تعالى منع الزوج أن يأخذ من مال زوجته إلا بطيب نفس منها ، فكيف إذا يجوز له أن يمنعها من التصرف .
2- قال تعالى (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ )
3- قال تعالى (وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ) .
وجه الدلالة : أن الله عز و جل جعل من صفات المؤمنين و المؤمنات الصدقة و التبرع بالمال ، و لم يفرق في ذلك بين بكر و ثيب ، و لم يشترط لذلك رضا الزوج و موافقته .
4- أن نساء الصحابة كنّ يتصدقن و بالخواتم و الحلي ، و لم يكن النبي صلى الله عليه و سلم يستفصل منهم .


- القول الثاني : أن المرأة لا يجوز لها التبرع من مالها إلا في حدود الثلث ، و ما زاد على الثلث تستأذن فيه زوجها ، و إلا لم يصح تبرعها ، و هو قول المالكية ، و استدلوا بما يلي :
1- قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) .
وجه الدلالة : أن الله عز وجل جعل الرجل قيما على المرأة ، و من أمور هذه القوامة أن يكون النظر في معاملات الزوجة المالية لزوجها .
و أجيب عنه بأنه ليس فيه تخصيص لولاية الزوج على زوجته ، كما أن الآية فيها دلالة على الولاية على النفس في التأديب و الرعاية ، و لا تدل على الولاية على المال .
2- ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبة خطبها :(لا يجوز لامرأة في مالها، إلا بإذن زوجها، إذا هو ملك عصمتها ) .
و الحديث واضح الدلالة في إثبات ولاية الزوج على مال زوجته ، و أنه لا يصح منها هبة شيء من مالها بغير إذنه فقد ترجم الإمام ابن ماجه لهذا الحديث بقوله ( باب عطية المرأة بغير إذن زوجها ) ، و استثني من ذلك الشيء اليسير و هو ما دون الثلث ، و الحديث حسنه بعض العلماء كالشيخ الألباني رحمه .
و نوقش الحديث بأن فيه ضعفا و لا يقوى على معارضة أدلة القول الأول ، و أن غاية ما يدل عليه استحباب استئذان الزوجة من زوجها في التبرع و الهبة .
3- ما رواه ابن ماجه أن خيرة، امرأة كعب بن مالك، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلي لها، فقالت: إني تصدقت بهذا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يجوز للمرأة في مالها إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت كعبا؟) قالت: نعم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب بن مالك، فقال: (هل أذنت لخيرة أن تتصدق بحليها؟) فقال: نعم، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها .
و يناقش هذا الدليل بأن فيه بيان حسن عشرة الزوجة لزوجها و أن تستأذنه في تبرعها و هبتها و لا يدل على إثبات الولاية الواجبة .

- الراجح في المسألة :
و الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول – الجمهور – من عدم ثبوت ولاية الزوج على زوجته في التبرع و الهبة ، و ذلك لقوة أدلتهم من ناحية الصحة و من ناحية وجه الدلالة ، و أما ادلة قول المالكية الذين ذهبوا إلى إثبات الولاية فإنها تدل على استحباب استئذان الزوج لا وجوب استئذانه .

- ثانيا : ولاية تزويج نفسها :
اتفق الفقهاء على أن الصغيرة بكرا كانت أو ثيبا لا تزوج نفسها ، و لوليها إن كان أبا إجبارها على الزواج ، و اختلفوا في البكر البالغة هل لها ولاية في تزويج نفسها :
- القول الأول : ذهب الحنفية إلى أن البالغة ولية نفسها في تزويج سواء كانت بكرا أم ثيبا ، و قالوا باستحباب أن يزوجها الولي .
- القول الثاني : ذهب جمهور العلماء بأن البكر حتى لو كانت بالغة ليس لها ولاية في تزويج نفسها و إنما يزوجها وليها ، لكن لا يملك إجبارها على الزواج إلا الأب ، أما الثيب فإنها تستأمر في الزواج و يؤخذ إذنها ولا تجبر على الزواج ، لكن يعقد النكاح نيابة عنها الولي لعدم صلاحية عبارتها لعقد النكاح .

- ثالثا : ولاية تزويج غيرها :
نفس الخلاف في المسألة السابقة ينسحب في هذه المسألة ، فالجمهور لما منعوا المرأة من نكاح نفسها و أن تزويجها يكون للولي ، منعوا أن تتولى المرأة نكاح غيرها من باب أولى ، أما الحنفية الذين جعلوا للمرأة البالغة وولاية إنكاح نفسها قالوا بجواز أن تتولى نكاح غيرها .


- رابعا : الولاية على مال الصغار :
ذهب الحنابلة إلى جواز أن تكون الأم ولية على مال أولادها الصغار بعد الأب و الجد ، و جمهور العلماء يقول بجواز أن يوصي الأب أو الجد امرأة تقوم على رعاية شؤون أولاده المالية فتكون وصية عليهم في أموالهم ، سواء أكانت هذه المرأة أما للصغار أو أجنبية عنهم .

- خامسا : ولاية المرأة في نظارة الوقف :
لا خلاف بين الفقهاء بجواز تولي المرأة نظارة الوقف ، لما ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جعل لحفصة رضي الله عنها ولاية الوقف ما عاشت ، كما ورد عند أبي داود في وصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( والمائة التي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى ) .