Advertisement

ولاية ناظر الوقف

ولاية ناظر الوقف عند الفقهاء
إعداد
د. محمد الكليب
- أولا : الولاية الأصلية في الوقف :
اختلف الفقهاء فيمن له الولاية الأصلية في الوقف هل هي للواقف ، أم للموقوف عليهم ، أم للقاضي ؟ و الولاية كما هو معلوم هي تنفيذ القول على الغير شاء الغير أم أبى .
فالحنفية قالوا بأن الولاية الأصلية في الوقف تثبت للواقف نفسه ، باعتبار بقاء ملكه على العين الموقوفة ، حتى من قال منهم إن العين الموقوفة خرجت عن ملكه لكن أثبت له الولاية الأصلية على الوقف باعتبار ملكه الأول ، و أنه أحق الناس بوقفه .
أما الحنابلة قالوا بأن الواقف بعد تمام الوقف يكون أجنبيا عن الوقف ، فلا تكون له ولاية على الوقف ، و إنما يثبت الملك للموقوف عليهم ، ثم بعد ذلك ينظر إن كان الموقوف عليهم محصورين ثبتت الولاية لهم كأن يكونوا من أسرة واحدة ، أما إن كانوا غير محصورين كأن يكون الوقف على طلاب العلم أو على المسلمين ، لم تثبت الولاية لهم و إنما ثبتت للقاضي ، أو تثبت للواقف إن كان قد اشترط أن تكون الولاية له قبل الوقف .
و الشافعية وافقوا الحنابلة بأن الولاية لا تكون لناظر الوقف إلا بالشرط ، لكنهم خالفوهم في مسألة ولاية الموقوف عليهم و لو كانوا محصورين ، و قالوا بعدم الولاية للموقوف عليهم مطلقا لكونهم يستغلونه و قد يسيئون إدارة الوقف .
فيتلخص عندنا أن الموقوف عليهم لا ولاية لهم مطلقا في الوقف عند الحنفية و الشافعية ، و تثبت لهم الولاية عند الحنابلة إن كانوا محصورين و لم يشترط الواقف الولاية لنفسه .
و القاضي تكون له الولاية على الوقف إن مات الواقف و لم يعين ناظرا على الوقف ، و كان الموقوف عليهم غير محصورين ، ففي هذه الحالة انتقلت الولاية للقاضي بما له من ولاية عامة لعين ناظر على الوقف .
- ثانيا : الولاية الفرعية على الوقف :
الولاية الفرعية تثبت لناظر الوقف و الذي يحدده الواقف نفسه في الغالب ، كأن يشترط في وقفه أن الولاية لشخص يرتضي دينه و خلقه ، و إذا حدد الواقف أحدا كان شرطه متبعا ؛ لأن شرط الواقف كنص الشارع .
- ثالثا : التصرفات التي يملكها من يتولى شؤون الوقف :
التصرفات التي يملكها متولي الوقف منها ما هو واجب عليه يؤاخذ به إذا نسيه أو أغلفه ، و منها ما يجوز للمتولي القيام به و لا يجب عليه ، و منها ما يحرم على المتولي القيام ، و فيما يلي ذكر هذه الأمور :
أ‌- التصرفات التي يجب على متولي الوقف القيام بها :
1- تنفيذ شرط الواقف ؛ لأن شرط الواقف كنص الشارع ، لكن جوز بعض الفقهاء مخالفة الناظر لشروط الواقف بشرطين : الأول أن يكون شرط الواقف مخالفا لمصلحة الوقف ، الثاني أخذ إذن القاضي .
2- عمارة الوقف ، لأن المقصد من الوقف أن يكون ريعه دائما للفقراء ، و هذا لا يتحصل بدون عمارته و صيانته ، و عمارة الوقف مقدمة على توزيع الغلة على المستحقين ، و الأموال التي ينفق منها على العمارة إما أن تكون من الواقف نفسه كأن يشرط مبلغا معينا للعمارة ، أو يقوم الناظر بادخار جزء من غلة الوقف على العمارة .
3- الحفاظ على حقوق الوقف ، و الدفاع عنها .
4- أداء ديون الواقف ؛ لأن التساهل في أداءها قد يؤدي إلى الحجر على الوقف ، مما يمنع الغلة عن المستحقين .
5- أداء حقوق المستحقين في الوقف و هم الموقوف عليهم ، فلا يجوز لناظر الوقف أن يمنع أحد المستحقين من الانتفاع بالوقف .

ب‌- التصرفات التي يجوز لمتولي الوقف القيام بها :
1- إجارة الوقف ، إذا رأى المتولي في ذلك مصلحة ، و ذلك لما تحققه الإجارة من ريع يفيد في عمارة الوقف و صيانته و بقية مصروفاته .
2- الزراعة في أرض الوقف .
3- بناء منشآت في أرض الوقف .
4- تغيير معالم الوقف .
ج- التصرفات التي لا يجوز لمتولي الوقف القيام بها :
1- ألا يتصرف المتولي تصرفا في شبهة المحاباة ، كأن يسكن أحدا بغير أجرة ، أو أن يؤجر أعيان الوقف لنفسه أو أحد من أقاربه منعا للتهمة .
2- ألا يستدين المتولي على الوقف ، و السبب في ذلك أن متولي الوقف قد يعجز عن سداد دين الوقف مما يؤدي للحجز على الوقف و تضييع حقوق المستحقين ، لكن الحنفية و المالكية و الحنابلة أجازوا لناظر الوقف الاستدانة عند الضرورة أو الحاجة بشرطين : الأول ألا تكون للوقف غلة قائمة و لا يمكن إجارته في الوقت الحاضر ، الثاني : أن يستأذن الواقف إن كان حيا أو يرفع الأمر للقاضي .
3- لا يجوز لمتولي الوقف رهن الوقف ، فيمتنع عليه رهن العين الموقوفة بدين على الوقف ، لأن ذلك قد يؤدي لضياع العين الموقوفة و تملك المرتهن لها عند العجز عن سداد الدين .
4- لا يجوز لمتولي الوقف أن يسكن أحدا في الوقف من غير أجرة .
5- لا يجوز لمتولي الوقف إعارة العين الموقوفة لأحد ، لأن طبيعة الإعارة استغلال العين دون مقابل ، و هذا يؤدي لتفويت منافع الوقف و ضياع حق الموقوف عليهم .

- رابعا : أجرة ناظر الوقف :
الصحيح أن ناظر الوقف يستحق أجر على عمله في رعاية شؤون الوقف ، و له الحق في ذلك حتى لو كانت أجرة من غلة الوقف ، و دليل مشروعية استحقاق الناظر أجرة على عمله ما يلي :
أ‌- ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة نسائي، ومئونة عاملي فهو صدقة ) ، و قد بوّب البخاري لهذا الحديث بقوله ( باب نفقة القيم على الوقف ) ، و الحديث دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف كما قال ابن حجر في فتح الباري .
ب‌- ما رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ( عن ابن عمر رضي الله عنهما : «أن عمر اشترط في وقفه، أن يأكل من وليه، ويؤكل صديقه غير متمول مالا )

- من يتولى تحديد أجرة ناظر الوقف :
لا يجوز لناظر الوقف أن يحدد لنفسه الأجرة التي يستحقها لما في ذلك من التهمة و لا يقاس على ولي اليتيم في أن يأكل بالمعروف ، بل الذي يتولى تحديد أجرة ناظر الوقف هو الواقف نفسه ، و إن أغفل الواقف تحديد الأجرة رجع إليه الناظر إن كان حيا ليحدد له الأجرة الذي يستحقها ، و إن كان الواقف ميتا رفع أمره إلى القاضي ليقوم بتحديد الأجرة بما له من ولاية عامة .

تم ولله الحمد