Advertisement

مذكرة نظرية الولاية في الشريعة الإسلامية

نظرية الولاية
في الشريعة الإسلامية
"عرض منهجي مقارن"

تأليف
الدكتور نزيه حماد
أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله
في كلية الشريعة بجامعة أم القرى

دار القلم
دمشق

الدار الشامية
بيروت

الطبعة الأولى
1414هـ - 1994م

حقوق الطبع محفوظة

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته، وأقرت له بالإلهية جميع مصنوعاته، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، شهادةً مبوئةً لصاحبها جنة النعيم، وأشهد أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين.
وبعد: فهذه فصول جامعة في نظرية الولاية في التشريع الإسلامي، اخترت الكتابة فيها لأهميتها البالغة في حياة الفرد والجماعة، وحاجة كل مسلم للتعرف على ما يتعلق بها من أحكام.
وقد تناولت في هذه الدراسة مفهوم الولاية العامة وأنواعها وشروط صاحبها وواجباته وحقوقه، وكذا مفهوم الولاية الخاصة وشروط متوليها وما يتعلق بذلك من مباحث الولاية على النفس والمال وولاية التأديب الخاصة للزوجة والولد والتلميذ. ثم اتبعت ذلك بالكلام عن ولاية الله تعالى، مفهومها، وشروط أولياء الرحمن وصفاتهم وخصائصهم وطبقاتهم وكراماتهم، والفرق بينهم وبين الأنبياء، ومعيار التفرقة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
وقد حاولت في هذه العجالة أن أقدم بحثاً محرراً منسقاً يجمع شتات الموضوع، فيلمُّ شعث كلياته، ويعقد الأواصر بين مسائله وجزئياته، وينظمها في عِقْدٍ واحد بيّن المعالم واضح القسمات. وكما قال الإمام ابن القيم في مقدمة كتابه "طريق الهجرتين": "فيا أيها القارئ له والناظر فيه، هذه بضاعة صاحبه المزجاة مسوقة إليك، وهذا فهمه ونظره معروض عليك، لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه، ولك ثمره وعليه عائدته، فإن عدم منك حمداً وشكراً، فلا يعدم منك غدراً".
والله المسؤول أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وينفع به مؤلفه وقارئه في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، منه سبحانه الاستمداد، وعليه وحده التوكل والاعتماد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الدكتور نزيه حماد

فانكوفر (كندا)
في 10/11/1413هـ
1/5/1993م

الفصل الأول
حقيقة الولاية
الولاية لغة:
1. الولاية في اللغة من الولي، وهو القرب. يقال: وليه ولياً؛ أي دنا منه. وأوليته إياه: أدنيته منه. وولي الأمر: إذا قام به، وتولى الأمر: أي تقلده. وتولى فلاناً: اتخذه ولياً.
والولي – فعيل بمعنى فاعل – من وليه: إذا قام به. ومنه قوله تعالى: }اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا{ [الآية 257 من البقرة]. وبمعنى مفعول في حق المطيع. ومنه قيل: المؤمن ولي الله. والمصدر الولاية. كذلك تأتي بمعنى السلطنة، ومنه قيل: العلم من أشرف الولايات، يأتي إليه الورى، ولا يأتي. أما الولاية – بالفتح – فتعني النصرة والمحبة.
وقال ابن فارس: وكل من ولي أمر آخر فهو وليه. ومنه ولي اليتيم وولي القتيل وولي المرأة: وهو القائم بهم، والمتصرف في أمرهم. ووالي البلد: وهو ناظر أمور أهله، الذي يلي القوم بالتدبير والأمر والنهي.
الولاية اصطلاحاً:
2. لقد استعمل جل الفقهاء كلمة الولاية بمعنى "السلطة التي يتمتع بها الشخص في إلزام الغير وتنفيذ القول عليه، شاء الغير ذلك أم أبى" بحيث تشمل الإمامة العظمى والخطة كالقضاء والحسبة والمظالم والشرطة ونحوها، كما تشمل قيام شخص كبير راشد على شخص قاصر في تدبير شؤونه الشخصية والمالية. قال النووي: ويقال للمحجور فيها مولي عليه ومولى عليه. كذلك وردت على ألسنتهم بمعنى إقامة الغير مقام النفس في تصرف جائز معلوم، فتناولت الوكالة ونظارة الوقف ونحو ذلك، وبمعنى أحقية المطالبة بدم القتيل في الجناية على النفس، وسموا صاحبها ""ولي الدم". كما عبروا عن سلطة الزوج في تأديب زوجته الناشز والوالد في تأديب ولده الصغير والمعلم في تأديب تلاميذه بالولاية على ذلك أيضاً.
3. واستعملها فقهاء المالكية بمعنى الآصرة الموجبة للإرث. فقال ابن جزي: "الولاية خمسة أنواع، ولاية الإسلام، ولا يورث بها إلا مع عدم غيرها. وولاية الحلف، وولاية الهجرة، وكان يتوارث بهما أول الإسلام ثم نسخ. وولاية القرابة، وولاية العتق، والميراث بهما ثابت".
وقد أوضح القاضي أبو الوليد ابن رشد مرادهم بذلك فقال:
* فأما ولاية الإسلام والإيمان؛ فإن الله قد نص عليها في محكم القرآن فقال: }والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ{ [الآية 71 من التوبة]، إلا أن هذه الولاية ولاية عامة، فلا يتوارث بها إلا عند عدم النسب والولاء، لكنها شرط في صحة الميراث بهما، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، ولا يتوارث أهل ملتين شيئاً"، وتوجب في الموضع الذي لا يوجب الموارثة بها المناصحة والتناصر في دين الله والتعاون في ذاته. قال تعالى: }وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى ولا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ {[الآية 2 من المائدة]. وقال: }إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ{ [الآية 10 من الحجرات]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من حق المسلم على أخيه المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات"، وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً".
* وأما ولاية الحلف والأيمان، فقيل: إن الناس كانوا يتوارثون بها في أول الإسلام بدليل قول الله عز وجل: }والَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ{ [الآية 33 من النساء]. ثم نسخ الله ذلك بقوله: }وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ{ [الآية 75 من الأنفال]. وقيل: إن ذلك كان في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة والمعونة والمشورة، ولا ميراث. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الآية محكمة على ظاهرها في الميراث وغيره، وأن الرجلين إذا لم يكن بينهما نسب معروف، فوالى أحدهما الآخر على أن يتوارثا ويتعاقلا، فإن ذلك يصح ويتوارثان ويتعاقلان. ولكل واحد منهما أن يرجع على الموالاة ويفسخها ويوالي غيره ما لم يعقل أحدهما عن صاحبه، فإن عقل عنه لزمته الموالاة.
* وأما ولاية الهجرة، فإن الناس كانوا يتوارثون بها في أول الإسلام، لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. قال تعالى: }إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهَاجَرُوا وجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوا ونَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وإنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{ [الآية 72 من الأنفال]. فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة وبالمؤاخاة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها بينهم دون ذوي الأرحام حتى أنزل الله }وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ{. يريد بقوله: }فِي كِتَابِ اللَّهِ{ على ما قال أهل التأويل: أي في آية المواريث. فالمراد بأولي الأرحام في هذه الآية من سمى الله في آية المواريث أو دخل فيها بالمعنى وإن لم يسم.
وأما ولاية النسب، فموجودة أيضاً في القرآن. قال تعالى: }ولِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والأَقْرَبُونَ {[الآية 33 من النساء]. وقال حاكياً عن زكريا عليه السلام: }وإنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن ورَائِي وكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا{. يقول: وإني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني }فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ولِيًا (5) يَرِثُنِي ويَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ{ [الآية 5 من مريم]، أي ولداً وارثاً معيناً يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب، فوهب الله له يحيى.
* وأما ولاية العتق، فإنها توجب الميراث عند انقطاع النسب بحق الإنعام بالعتق والمن به عند جماعة العلماء.
4- أما مصطلح "ولاية الله تعالى" للمؤمنين، فمدلوله أنهم أقبلوا على الله بطاعته واجتناب معصيته، فقرب منهم بالمحبة والهداية والنصرة، وتولى أمرهم فلم يكلهم إلى أنفسهم لحظة، وكفل مصالحهم ورعاهم بحفظه وتوفيقه. وعلى ذلك قال الشريف الجرجاني وغيره: الولي (فعيل بمعنى فاعل) هو من توالت طاعته من غير تخلل عصيان. (أو بمعنى مفعول) فهو من يتوالى عليه إحسان الله وإفضاله).
وقال الإمام ابن القيم: ولاية الله تعالى نوعان: عامة، وخاصة. فالعامة: ولاية كل مؤمن. فمن كان مؤمناً لله تقياً، كان الله له ولياً، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه. والخاصة: ولاية القائم لله بجميع حقوقه، المؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته، الذي صارت مراضي الله ومحابه همه ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق.

الألفاظ ذات الصلة
نيابة:
5. النيابة بمعناها العام: هي قيام شخص مقام آخر في التصرف عنه. وهي نوعان: اختيارية، وإجبارية.
فالاختيارية: هي الوكالة التي موضعها تفويض التصرف إلى الغير.
وأما الإجبارية: فهي الولاية التي يفوض فيها الشرع أو القضاء التصرف لمصلحة القاصر بالنيابة عنه إلى شخص آخر. وذلك الولي النائب يعتبر هو الممثل الشرعي للقاصر، فيقوم مقامه في جميع الشؤون التي تقبل النيابة من عقود وأفعال ومخاصمات في الحقوق ونحو ذلك.
وعلى ذلك فالولاية أعم مطلقاً من النيابة، فكل نيابة ولاية ولا عكس.

عمالة:
6. يقال في اللغة: عملته على البلد؛ أي وليته عمله. وعملت على الصدقة: سعيت في جمعها. واستعملته: جعلته عاملاً. والجمع عمال وعاملون.
وقد ذكر أبو هلال العسكري أن هناك فرقاً بين الولاية والعمالة، فقال: "إن الولاية أعم من العمالة، وذلك أن كل من ولي شيئاً من عمل السلطان فهو وال، فالقاضي وال، والأمير وال، والعامل وال، وليس القاضي عاملاً ولا الأمير، وإنما العامل من يلي جباية المال فقط. فكل عاملٍ والٍ، وليس كل والٍ عاملاً. وأصل العمالة أجرة من يلي الصدقة، ثم كثر استعمالها حتى أجريت على غير ذلك".

قوامة:
7. القوامة في اللغة مأخوذة من قام على الشيء يقوم قياماً؛ أي حافظ عليه وراعى مصالحه. ومن ذلك القيم: وهو الذي يقوم على شأن شيء ويليه ويصلحه. والقوام صيغة مبالغةٍ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه، ومنه قوله تعالى: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ{ [الآية 34 من النساء] وكلها مشتقة من القيام المجازي؛ لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدبر أمره ويرعاه.
ولا يخرج الاستعمال الفقهي للكلمة عن معناها اللغوي، وأن الفقهاء ليستعملون لفظ "القيم" بمعنى المتولي والناظر، فيقولون: القيم على الصغير والمجنون والسفيه والقيم على مال الوقف... إلخ ويريدون به: الأمين الذي يتولى أمره ويقوم بمصالحه قيام الحفظ والصيانة.

وصاية:
8. الوصاية لغة تعني طلب شخص شيئاً من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد مماته. أما في الاصطلاح الفقهي فهي مقصورة على إقامة الإنسان غيره مقام نفسه بعد وفاته لينظر في شؤون تركته وما يتعلق بها من ديون ووصايا وفي شؤون أولاده الصغار ورعايتهم. ويسمى ذلك الشخص المقام وصياً. أما إقامة غيره مقامه في القيام ببعض أموره في حال حياته، فلا يقال لها في اصطلاحهم وصاية، وإنما تسمى وكالة.

وكالة:
9. الوكالة في اللغة: التفويض إلى الغير، ورد الأمر إليه. ومعناها في الاصطلاح الفقهي إقامة الغير مقام النفس في الحياة فيما يقبل النيابة من التصرفات، وقد عرفها المناوي بأنها "استبانة جائز التصرف مثله فيما له عليه تسلط أو ولاية ليتصرف فيه". وقال التهانوي: هي إقامة أحد غيره مقام نفسه في تصرف شرعي معلوم مورث لحكم شرعي. كالنكاح والطلاق المورثين للحل والحرمة.

سلطة:
10. السلطة في أصل وضعها اللغوي تعني القوة والقهر والتمكن والتحكم. وقد تطلق على الحجة والبرهان، لما في ذلك من القهر والإلزام والقوة. كذلك ترد بمعنى الولاية، لما فيها من التمكن والتسلط.
ومن ذلك السلطان، وهو من له ولاية التحكم والسيطرة في شؤون الدولة. فإن كانت سلطته قاصرة على ناحية خاصة فليس بخليفة، وإن كانت عامة فهو الخليفة.
وقد وجدت في العصور الإسلامية المختلفة خلافة بلا سلطة، كما وقع في أواخر الدولة العباسية، وسلكة بلا خلافة، كما حدث في عهد المماليك.

إمامة:
11. الإمامة في اللغة مصدر أم القوم وأم بهم: إذا تقدمهم. ومنه الإمام، وهو رئيس القوم الذي يجمع أمرهم، ويقتدي به، ويقدم عليهم في الأمور.
وتطلق "الإمامة الكبرى" في الاصطلاح الفقهي على الخلافة، وإذا أطلقت انصرفت إلى ذلك. وعلى هذا قال الماوردي: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". أما الإمامة الصغرى فتطلق على إمامة الصلاة.

إمارة:
12. الإمارة في اللغة تعني الولاية. يقال: أمر على القوم يأمر؛ إذا ولي وصار أميراً. وأمرت فلاناً؛ إذا جعلته أميراً. وأمر فلان: إذا صير أميراً.
ولا تخرج الإمارة في الاصطلاح الفقهي عن هذا المعنى في الجملة، إلا أن الإمارة تكون في الأمور العامة، ولا تستفاد إلا من جهة الإمام. أما الولاية: فقد تكون في الأمور العامة – وهي الخلافة أو الإمامة العظمى – وقد تكون في الأمور الخاصة، وتستفاد من جهة الإمام أو من جهة الشرع أو من جهة صاحب الحق كالوصاية والوكالة.

موالاة:
13. ترد الموالاة في اللغة بمعنى المتابعة. يقال: وإلى بين الأمرين موالاةً؛ أي تابع. ووالاه موالاة: تابعه. وتوالت الأخبار: تتابعت. من التوالي؛ وهو حصول الشيء الثاني بعد الأول من غير فصل.
ومن ذلك الموالاة في الوضوء، ومعناها عند الفقهاء: أن يوالي بين الأعضاء في التطهير، بحيث لا يجف الأول قبل الشروع في الثاني مع اعتدال الهواء والمزاج.
* أما عقد الموالاة في الاصطلاح الفقهي: فهو اتفاق يتم بين شخصين، أحدهما ليس له وارث نسبي، فيقول للآخر: أنت مولاي. أو: أنت وليي ترثني إذا مت، وتعقل عني إذا جنيت. فيقبل الآخر. ويقال للقابل الذي يرث في مقابل تعهده بضمان جناية الخطأ "مولى الموالاة".

بين الولي والمولى:
14. لما كانت حقيقة الولاية لغة: تولي الأمر، استعمل لفظ "الولي" و "المولى" في ذلك. كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل (أي الموالي) وفي معنى المفعول (أي الموالى).
قال أبو هلال العسكري: والفرق بين المولى والولي أن الولي يجري في الصفة على المعان والمعين، فتقول: "الله ولي المؤمنين" أي معينهم، و "المؤمن ولي الله" أي المعان بنصر الله عز وجل. ويقال أيضاً: "المؤمن ولي الله" والمراد أنه ناصر لأوليائه ودينه. ويجوز أن يقال: "الله ولي المؤمنين" بمعنى أنه يلي حفظهم وكلاءتهم كولي الطفل المتولي شأنه، ويكون الولي على وجوه: (منها) ولي المسلم الذي يلزمه القيام بحقه إذا احتاج إليه. (ومنها) الولي الحليف المعاقد. (ومنها) ولي المرأة القائم بأمرها. (ومنها) ولي المقتول الذي هو أحق بالمطالبة بدمه.
أما المولى، فعلى وجوه: منها السيد، والمملوك، والحليف، وابن العم، والأولى بالشيء، والصاحب. وتقول: "الله مولى المؤمنين" بمعنى أنه معينهم، ولا يقال: "إنهم مواليه" بمعنى أنهم معينو أوليائه، كما تقول: "إنهم أولياؤه" بهذا المعنى.
* * *

الفصل الثاني
الولاية العامة
ويتضمن هذا الفصل خمسة مباحث:
المبحث الأول
التعريف بها والحاجة إلى إقامتها
15. الولاية العامة: سلطة على إلزام الغير وإنفاذ التصرف عليه بدون تفويض منه، تتعلق بأمور الدين والدنيا والنفس والمال، وتهيمن على مرافق الحياة العامة وشؤونها، من أجل جلب المصالح للأمة ودرء المفاسد عنها.
وهي منصب ديني ودنيوي، شرع لتحقيق ثلاثة أمور: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بينهم بالعدل. قال ابن تيمية: "والمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسراناً مبيناً، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم".

الفصل الثالث
الولاية الخاصة
ويتضمن خمسة مباحث:
المبحث الأول
تعريف الولاية الخاصة ومنزلتها
تعريفها:
67. تطلق الولاية الخاصة في الاستعمال الفقهي على ثلاثة ضروب من السلطة، وهي:
أ. النيابة الجبرية التي يفوض فيها الشرع أو القضاء شخصاً كبيراً راشداً بأن يتصرف لمصلحة القاصر في تدبير شؤونه الشخصية والمالية.
وبمقتضاها يعتبر الولي هو الممثل الشرعي لذلك القاصر، فيقوم مقامه في جميع الحقوق التي تقبل النيابة من عقود وأفعال ومخاصمات في الحقوق ونحو ذلك. وتكون تصرفاته نافذة عليه جبراً إذا كانت مستوفية لشرائطها الشرعية، بحيث لا يكون للقاصر بعد بلوغه راشداً الحق في نقض شيء منها.
وهذه الولاية تتضمن سلطةً ذات فرعين:
أحدهما: سلطة على شؤون القاصر المتعلقة بشخصه ونفسه، كالترويج والتأديب والتطبيب. وتسمى "الولاية على النفس".
والثاني: سلطة على شؤونه المالية من عقود وتصرفات وحفظ وإنفاق ونحو ذلك. وتسمى "الولاية على المال".
ب. ولاية المتولي على الوقف. وهذه الولاية ليست ناشئة عن نقص أهلية ولا علاقة لها بالنفس أصلاً، وإنما هي ولايةٌ ماليةٌ محضة. يفوض صاحبها بحفظ المال الموقوف والعمل على إبقائه صالحاً نامياً بحسب شرط الواقف.
ج. السلطة التي جعلها الشرع بيد أهل القتيل في استيفاء القصاص من قاتله أو العفو عنه إلى الدية أو مطلقاً، وفقاً لقوله تعالى: {ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الآية 33 من الإسراء]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل له قتيلٌ، فأهله بين خيرتين: بين أن يأخذوا العقل، وبين أن يقتلوا".
غير أن الضرب الأول هو المشهور والمتبادر عند الإطلاق في لغة الفقهاء.

انتقالها للولي العام:
68. وهذه الولاية الخاصة للأهل والأولياء والأوصياء والنظار تنتقل إلى السلطان بمقتضى ولايته العامة عند عدمهم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "السلطان ولي من لا ولي له". فيمارسها بنفسه أو بواسطة أحد نوابه من ولاة وقضاة ونحوهم لمصلحة المولى عليه. قال العز بن عبد السلام: "لأنه منوطٌ به القيام بمصالح المسلمين، وتعارف المسلمون على أن نوابه بمثابته".

منزلتها من الولاية العامة:
69. غير أن الولاية الخاصة عند وجودها مقدمةٌ على الولاية العامة، لأنها أقوى منها، كما جاء في القواعد الفقهية "الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة".
فمثلاً: متولي الوقف ووصي اليتيم وولي الصغير ولايتهم خاصةٌ، وولاية القاضي بالنسبة إليهم عامة، وأعم منها ولاية إمام المسلمين، فولاية المتولي وما عطف عليه أقوى من ولاية القاضي، وولاية القاضي أقوى من ولاية إمام المسلمين، لأن كل ما كان أقل اشتراكاً كان أقوى تأثيراً وامتلاكاً. فكلما كانت الولاية المرتبطة بشيءٍ أخص مما فوقها بسبب ارتباطها به وحده، كانت أقوى تأثيراً في ذلك الشيء مما فوقها في العموم، فتكون الولاية العامة كأنها انفكت عما خصصت له الولاية الخاصة، ولم يبق لها إلا الإشراف، إذ القوة بحسب الخصوصية لا الرتبة.
وبناءً على هذا الأصل قال الزركشي في "القواعد": "ولهذا لا يتصرف القاضي مع وجود الولي الخاص وأهليته".
70. وقد فرع الفقهاء عليه المسائل التالية:
أ. أن القاضي لا يملك التصرف في الوقف مع وجود متولٍ عليه، ولو من قبله، حتى لو تصرف فيه ببيع أو شراء أو إيجار أو استئجار أو جباية لا ينفذ، إذ "لا تدخل ولاية السلطان على ولاية المتولي في الوقف".
ب. لا يملك القاضي التصرف في مال اليتيم مع وجود وصي الأب أو وصي الجد أو وصي القاضي نفسه.
ج. لا يملك القاضي تزويج اليتيم أو اليتيمة إلا عند عدم الولي أو عضله.
د. للولي الخاص استيفاء القصاص والعفو على الدية ومجاناً، وليس للإمام العفو مجاناً.
هـ. لو زوج الإمام المرأة لغيبة الولي، وزوجها الولي الغائب في وقت واحد، وثبت ذلك بالبينة، قدم الولي.
و. إذا أجر القاضي حانوت الوقف من زيد، وأجره المتولي من بكر، فأن إجارة المتولي هي المعتبرة.
والحاصل: أنه إذا وجدت الولاية الخاصة في شيء، فلا تأثير للولاية العامة فيه، وأن تصرف الولي العام عند وجود الولي الخاص غير نافذ.
71. غير أن للولي العام عند الاقتضاء حق التدخل في الشؤون المتعلقة بالولاية الخاصة، كما إذا لحظ خيانة أو تقصيراً أو تضييعاً منها، لأنه منوط به القيام بمصالح المسلمين، وله حق الإشراف العام على سائر الولايات. وعلى ذلك فأن له أن يحاسب الأوصياء والنظار والمتولين، ويعزل الخائن منهم، حتى ولو شرط الموصي أو الواقف عدم مداخلته.
72. كذلك استثنى الحنفية من القاعدة ما ذكروا:
- من أن المتولي لا يملك العزل والنصب لأرباب الجهات بدون أن يشترط الواقف له ذلك، ويملكه القاضي بدون شرط.
- وأن القاضي يملك إقراض مال الصغير دون الأب والوصي.
واستثنى ابن القاسم من المالكية ما إذا زوج السلطان البالغة مع وجود وليها، وقال بنفاذ النكاح وعدم رده.

المبحث الثاني
الشروط المشتركة بين أنواعها المختلفة
يشترط الفقهاء لتولي الولاية الخاصة توفر الشروط الآتية:
1. العقل:
73. اتفق الفقهاء على اشتراط العقل في الولي، وعدم صحة تولية المجنون، لأنه عاجز عن النظر لنفسه، عديم التمييز لما فيه المصلحة، فاسد التدبير، وليس أهلاً لأي عقد أو تصرف قولي، لعدم اعتبار عبارته شرعاً، إذ لا يترتب عليها أي أثر شرعي.

2. البلوغ:
74. ذهب جماهير أهل العلم إلى اشتراط البلوغ في الولي، إذ هو أمارة تكامل القوى العقلية، ولما كانت الولاية معتبرة بشرط النظر، لم يصح إسنادها لمن لا يعرف المصلحة ولا يقدرها لنقصان عقله. وإذا كان الصغير ممنوعاً من التصرف في شؤونه وأمواله، مستحقاً لأن يولى عليه، لم تصح توليته على غيره.

3. الحرية:
75. ذهب جمهور الفقهاء إلى اشتراط الحرية لصحة تولي الولاية الخاصة، لأن الرقيق لا ولاية له على نفسه، فمن باب أولى أن لا تكون له ولاية على غيره لعجزه.

4. الإسلام:
76. لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا ولاية لكافر على نفس مسلم مهما كانت درجة قرابته منه، فلا يزوج الأب الكافر ابنته المسلمة ولا ابنه الصغير المسلم لقوله تعالى: {ولَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [الآية 141 من النساء]. كذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز تولية الكافر على الوقف إذا كان الموقوف عليه مسلماً أو كانت الجهة جهة برٌ عامة كالمساجد وطلبة العلم، أما إذا كان الموقوف عليه غير مسلم، فيجوز شرط النظر فيه لكافر.

5. العدالة:
77. وقد اشترطها جمهور الفقهاء في متولي الوقف، لأن ولايته مقيدة بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن، ولأن في اشتراط العدالة والأمانة حفظاً لمال الوقف من الضياع، وضماناً لحقوق المستحقين فيه.
أما ولاية النكاح، فجمهور الفقهاء على عدم اشتراط العدالة فيها، لأن الفسق لا يؤثر في المقصود بها، فلم يكن مانعاً منها. وقال العز بن عبد السلام في "الفتاوى": "ولأن العدالة شرطت في الولاية حثاً للولاة على القيام بمصالح الولايات ودفع مفاسدها، وطبع الولي يحثه على تحصيل مصالح النكاح، ويزعه عن إدخال العار على نفسه وعلى وليته، والوازع الطبعي أقوى من الوازع الشرعي".
وقال في "قواعد الأحكام": واختلف في اشتراط العدالة في ولاية الآباء على الأطفال، فمنهم من ألحقها بولاية النكاح لما ذكرناه من الطبع الوازع عن التقصير والإضرار، ومنهم من فرق بينهما بأن الإضرار في ولاية النكاح يدخل على الولي والمولى عليه، والطبع وازع عنه، وأما في ولاية المال، فأن طبعه يزعه عن الإضرار بالطفل لأجل غيره، ولا يزعه عن ذلك في حق نفسه، فأن طبعه يحثه على تقديم نفسه على أولاده وأحفاده، فتشترط العدالة فيه لتكون وازعة عن التقصير بالنسبة إليه وإلى غيره، ولذلك ردت شهادته لنفسه اتفاقاً لقوة الداعي.. وأما الوصي، فتشترط فيه العدالة لضعف الوازع عن التقصير والخيانة، بخلاف الأب.
وقال: ولا تشترط العدالة في ولاية القريب على الأموات في التجهيز والدفن والتكفين والحمل والتقدم في الصلاة، لأن فرط شفقة القريب ومرجمته تحثه على المبالغة في الغسل والتكفين والدعاء في الصلاة، وكذلك انكساره بالحزن على الميت يحثه على التضرع في دعاء الصلاة، فتكون العدالة في هذا الباب من التتمات والمكملات.

6. شروط أخرى:
78. وهناك شروط خاصة أخرى اشترطها جمهور الفقهاء أو بعضهم لأنواع من الولاية الخاصة، مثل اشتراط الذكورة و الرشد وحسن التصرف في ولاية النكاح، والكفاية - أي قوة الشخص ومقدرته على التصرف فيما هو ناظرٌ فيه - في الولاية على الوقف، تنظر في مظانها.

المبحث الثالث
أنواع الولاية الخاصة
79. عرفنا أن المراد بالولاية الخاصة عند الفقهاء إذا أطلقت: "السلطة التي تمكن صاحبها من مباشرة العقود وترتيب آثارها عليها دون توقف على رضا غيره". وهي بهذا المعنى نوعان:
- ولاية على المال: وهي سلطة التصرف فيه.
- وولاية على النفس: وهي سلطة التزويج وكذا التربية والتأديب.
والكلام عليهما في الفرعين التاليين:

الفرع الأول
الولاية على المال
80. الولاية على المال نوعان: قاصرة، ومتعدية.
- فالقاصرة: هي سلطة المرء على مال نفسه، وهي ثابتة لكل من له أهلية الأداء الكاملة، وهو البالغ العاقل الرشيد من الذكور والإناث، فله أن يتصرف في مال نفسه بما يشاء من أنواع التصرفات السائغة شرعاً.
- والولاية المتعدية: هي سلطة المرء على مال غيره. وهي قسمان:
أ. سلطة أصلية: وهي التي تثبت بإثبات الشارع من غير حاجة إلى مثبت من البشر، ولا يملك صاحبها عزل نفسه منها، لأنها لم تثبت له بإرادته. وتنحصر في ولاية الأب والجد على مال ولدهما القاصر.
ب. وسلطة نيابية: وهي التي يستمدها صاحبها من شخص آخر، كالوصي الذي يستمد ولايته من الأب أو الجد أو القاضي، والوكيل الذي يستمد ولايته من موكله، ونحو ذلك.

من تثبت عليه الولاية:
81. تثبت الولاية المتعدية شرعاً على المحجور عليهم، وهم الصغير والمجنون والمعتوه والسفيه وذو الغفلة، وتستمر ما دام الوصف الموجب لها قائماً، فإن زال انقطعت.
فأما الصغير: فهو الذي لم يبلغ الحلم ذكراً كان أم أنثى. فإذا مات أبوه وهو صغير، فهو يتيم أيضاً، وإذا بلغ الحلم زال عنه وصف الصغر واليتم معاً. والصغير نوعان: مميز، وغير مميز. فالمميز هو الذي يعقل معنى العقد ويقصده، ويستطيع إلى حد ما أن يعرف الضار من النافع، والمصلحة من غيرها في الأمور العامة. وغير المميز: هو الذي لم يصل إلى سن التمييز الذي يدرك فيه ما أشرنا إليه.
وأما المجنون: فهو من زال عقله. فإن استوعب جنونه جميع أوقاته فهو المجنون جنوناً مطبقاً، وتصرفاته كلها باطلة، لانعدام صلاحيته للأداء، فهو كالصغير غير المميز. وإن كان يجن تارةً ويفيق أخرى فهو المجنون جنوناً متقطعاً، وتصرفاته حال جنونه باطلة، وحال إفاقته صحيحة نافذة.
وأما المعتوه: فهو من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، لكنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون. وقد يكون بحالة لا يعقل فيها ألفاظ التصرفات وآثارها، فيكون كالصغير غير المميز، أو يكون بحالة يعقل فيها ألفاظ التصرفات وآثارها، فيكون كالصغير المميز.
وأما السفيه: فهو من يسرف في إنفاق ماله، ويضيعه على خلاف مقتضى العقل أو الشرع فيما لا مصلحة له فيه. وباعثه خفة تعتري الإنسان من الفرح والغضب، فتحمله على الإنفاق من غير ملاحظة النفع الدنيوي والديني. وقد اختلف الفقهاء في الحجر عليه، فذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والصاحبان من الحنفية إلى جواز ذلك. وذهب أبو حنفية والظاهرية إلى عدم جواز الحجر عليه.
وأما ذو الغفلة: فهو من لا يهتدي إلى التصرفات الموفقة أو الرابحة، فيغبن في البيع والشراء لسلامة قلبه، فهو لا يتبع هواه، ولا يقصد الفساد كالسفيه. وحكمه من حيث الحجر عليه حكم السفيه. وقد جاء في م 946 من المجلة العدلية: "والذين لا يزالون يغفلون في أخذهم وعطائهم، ولم يعرفوا طريق تجارتهم وتمتعهم بحسب بلاهتهم وخلو قلوبهم يعدون من السفهاء".

من له الولاية على المحجور عليهم:
82. لقد اختلف الفقهاء فيمن له الولاية على مال المحجور عليهم، وقدم كلٌ منهم من الأولياء من رآه أحرص على مصلحته. وعلى ذلك ذهب الحنفية إلى أن الولاية على ماله لسبعةٍ على الترتيب: الأب فوصية فوصي وصيه، ثم الجد فوصيه فوصي وصيه، ثم القاضي ووصيه. فوصي الأب مقدمٌ على الجد، لأن الأب لا يوصي لغير الجد مع وجوده إلا لسبب اطلع عليه، ولو كان الجد أصلح للصغير من ذلك الوصي ما قدمه الأب عليه.
وعند الشافعية: للأب ثم الجد، ثم لمن يوصي إليه الموجود منهما، ثم للقاضي ووصيه. فمذهبهم كالحنفية إلا أنهم يقدمون الجد على وصي الأب باعتباره أباً.
وعند الحنابلة: للأب ثم وصيه ثم للقاضي أو من يقيمه مقامه. قالوا: فالجد لا ولاية له. لأنه لا يدلي بنفسه، وإنما يدلي بالأب، فكان كالأخ.
وقال المالكية: هي للأب ثم وصيه ثم وصي الوصي وإن بعد، ثم للحاكم أو وصيه.

صلاحيات الولي (ما يجوز له من التصرفات وما لا يجوز):
83. لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يجوز للولي أن يتصرف في مال المحجور إلا على النظر والاحتياط، وبما فيه حظ له واغتباط. وقد فرعوا على ذلك:
أ. أن ما لا حظ للمحجور فيه كالهبة والعتق والمحاباة في المعاوضة لا يملكه الولي، ويلزمه ضمان ما تبرع به من هبة أو صدقة أو عتق أو حابى به أو ما زاد في النفقة على المعروف أو دفعه لغير أمين.
ب. وأن للولي مطلقاً الاتجار بمال المحجور، وله دفعه لغيره مضاربة بجزء شائع من ربحه، وكذا بيعه نسيئة لمصلحته، وإيداعه عند أمين ثقة عند قيام الحاجة إلى ذلك. وله شراء عقار له بمثل القيمة أو بأقل لاستغلاله بما فيه مصلحته، كما أن له بيع عقاره ومنقوله وإجارته للغير بثمن المثل أو بما فيه حظ للمولى عليه، وله أن يوكل الغير بذلك.
ج. أما إقراض ماله، فقد اختلف الفقهاء فيه، فذهب الحنفية إلى أنه ليس للولي إقراضه للغير ولا اقتراضه لنفسه. وقال الحنابلة: يجوز له قرضه ولو بلا رهن لمصلحة، بأن أقرضه لمليء يأمن جحوده، خوفاً على المال لسفر ونحوه، والأولى أن يأخذ به كفيلاً أو رهناً إن أمكنه احتياطاً. وقال الشافعية: ليس له إقراض ماله من غير حاجة، فإن خاف من نهب أو حريق أو غرق أو أراد سفراً وخاف عليه، جاز له إقراضه من ثقة مليء، لأن غير الثقة يجحد، وغير المليء لا يمكن أخذ البدل منه. فإن أقرض ورأى أخذ الرهن عليه أخذ، وإن رأى ترك الرهن لم يأخذ. وإن قدر على الإيداع والإقراض، فالإقراض أولى، لأن القرض مضمونٌ بالبدل، والوديعة غير مضمونة، فكان القرض أحوط.
د. كذلك للولي أن يطالب بحقوق المولى عليه، فيدعي بها، ويقيم البينات، ويحلف الخصم إن أنكرها، ويصالح بدفع بعض ما على المحجور من دين أو عين إذا كانت به بينة، ويقبض بعض ما للمحجور إن لم تكن به بينة.
هـ. أما شراء الولي مال المحجور لنفسه أو بيع ماله له، فقد اختلف الفقهاء فيه، فذهب المالكية إلى أنه يجوز للأب أن يشتري من نفسه لابنه الصغير وأن يشتري لنفسه من ماله إن كان ذلك نظراً للولد. وقال الشافعية: للأب والجد فقط بيع مال الصغير لنفسه وبيع ماله للصغير، لأنهما لا يتهمان في ذلك لكمال شفقتهما، وإن كان غيرهما لم يجز، لأنه متهمٌ في طلب الحظ له في بيع ماله من نفسه، فلم يجعل ذلك إليه. وقال الحنابلة: لا يصح أن يبيع ولي المحجور من ماله لنفسه أو يشتري من ماله لنفسه، لأنه مظنة التهمة، إلا الأب، فأن له ذلك، ويلي طرفي العقد، لأنه يلي بنفسه، والتهمة منتفيةٌ بين الوالد وولده، إذ من طبعه الشفقة عليه والميل إليه، وترك حظ نفسه لحظه، بخلاف غيره. وقال الحنفية: للأب شراء مال ولده لنفسه وبيع ماله لولده بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس بمثله. فإن اشترى مال ولده فلا يبرأ عن الثمن حتى ينصب القاضي لولده وصياً يأخذ الثمن من أبيه، ثم يرده عليه ليحفظه للصغير، دفعاً للتهمة عن الأب. وإن باع مال نفسه لولده، فلا يصير قابضاً له بمجرد البيع، بل لابد من التمكن من قبضه حقيقة، حتى لو هلك المبيع قبل التمكن من قبضه - بأن كان في بلد آخر فلم يحضر لاستلامه بالنيابة عن ولده - فإنه يهلك على الأب لا على الولد. ويجوز لوصي الأب أن يبيع مال نفسه لليتيم، وأن يشتري لنفسه مال اليتيم إن كان فيه خير له، والخيرية في العقار في الشراء التضعيف، وفي البيع التنصيف، وفي غير العقار أن يبيع ما يساوي خمسة عشر بعشرة من الصغير، ويشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر لنفسه من مال الصغير. ولا يجوز لوصي القاضي أن يشتري لنفسه شيئاً من مال اليتيم، ولا أن يبيع مال نفسه لليتيم مطلقاً.
و. أما أكل الولي من مال موليه، فقد اختلف الفقهاء فيه، فذهب الحنفية إلى أن للوصي إذا عمل أجرة مثل عمله إن كان محتاجاً، وإلا فلا أجرة له. وقال الشافعية والمالكية: ليس له أن يأكل منه إذا كان غنياً لقوله تعالى: {ومَن كَانَ غَنِيًا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [الآية 6 من النساء]. أما إذا كان فقيراً فيجوز له أخذ كفايته منه لقوله سبحانه: {ومَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}. وقال الحنابلة: للولي - غير الحاكم وأمينه - الأكل لحاجة من مال موليه: الأقل من أجرة مثله أو كفايته، أما مع عدم الحاجة فليس له إذا فرض الحاكم له شيئاً. أما الحاكم وأمينه فلا يأكلون شيئاً منه لاستغنائهما بما لهما في بيت المال. ومنع الجصاص من الحنفية الولي من الأكل من مال اليتيم مطلقاً لقوله تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا} [الآية 9 من النساء] وحمل الأكل بالمعروف الوارد في حق الفقير في الآية السابقة على أكله من مال نفسه بالمعروف لئلا يحتاج إلى مال اليتيم.
وقد اختلف الفقهاء المجيزون للولي الفقير بالأكل من ماله هل يلزمه رد بدل ما أكل عند يساره؟ فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعي في قول إلى أنه لا يلزمه، لأنه عوضٌ عن عمله، فلم يلزمه ردٌ بدله مطلقاً كالأجير والمضارب وكالرزق الذي يأكله الإمام من بيت المال. وقال أبو العالية وعبيدة السلماني والشافعي في قول آخر له: يضمن عوضه في ذمته، لأنه مالٌ لغيره أجيز له أكله للحاجة، فوجب عليه ضمانه كمن اضطر إلى مال غيره في مخمصة.
ز. وهل يجوز للولي قضاء دينه بمال المحجور؟ قال الحنفية: لو قضي الوصي دين نفسه بمال اليتيم لا يجوز، والأب لو فعل ذلك جاز، لأن الأب لو باع مال الصغير من نفسه بمثل القيمة جاز، والوصي لا يملك البيع من نفسه إلا أن يكون خيراً لليتيم.
ح. ولا خلاف بين الفقهاء في أن على الولي الإنفاق عليه من ماله وعلى من تلزمه مؤنته بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير لقوله تعالى: {والَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الآية 67 من الفرقان].

استثمار الولي مال اليتيم:
84. لقد تعرض الفقهاء في هذا المقام لحكم تثمير مال اليتيم وتنميته من قبل الولي على ماله، واختلفوا في ذلك على أربعة أقوال:
(أحدها) للجصاص وابن تيمية: وهو أنه مندوب إليه وليس بواجب. واستدل الجصاص بقوله تعالى: {ويَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إصْلاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [الآية 220 من البقرة]. قال رحمه الله: فدل على أنه ليس بواجب عليه التصرف في ماله بالتجارة، لأن ظاهر اللفظ يدل على أن مراده الندب والإرشاد. وقال ابن تيمية: ويستحب التجارة بمال اليتيم لقول عمر وغيره "اتجروا بأموال اليتامى، كيلا تأكلها الصدقة".
(والثاني) للحنابلة: وهو أن للولي مطلقاً الاتجار بمال المحجور عليه، وهو أولى من تركه، لما روى ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ولى يتيماً له مال فليتجر به، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة"، ولأنه أحظ له، ويكون للمولى عليه ربحه كله، لأنه نماء ماله، فلا يستحقه غيره إلا بعقد. ولا يعقدها - أي المضاربة - الولي لنفسه للتهمة. غير أن للولي دفع ماله إلى أمين يتجر به مضاربة بجزء مشاع معلوم من ربحه، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها "كانت تعطي أموال اليتامى الذين في حجرها من يتجر لهم فيها"، ولنيابة الولي عن محجوره في كل ما فيه مصلحته، وهذا مصلحةٌ له، لما فيه من استبقاء ماله، وحينئذ فللعامل ما شورط عليه من الربح.
(والثالث) للحنفية والمالكية: وهو أن للولي أن يتجر في مال اليتيم وينميه له، لأن ذلك أصلح لليتيم، إذ لا فائدة في إبقاء أمواله بدون استثمار، أما أن يتسلفها ويتجر فيها لنفسه، فلا يجوز له ذلك، لأن الأصل في تصرفات الولي في مال اليتيم أنها مقيدة بمصلحته، وعلى محور هذا الأصل تدور جميع تصرفات الولي.
قال مالك: لا بأس بالتجارة في أموال اليتامى لهم، إذا كان الولي مأموناً، فلا أرى عليه ضماناً. وروى في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة. قال الباجي: فهذا إذنٌ منه في إدارتها وتنميتها، وذلك أن الناظر لليتيم إنما يقوم مقام الأب له، فمن حكمه أن ينمي ماله ويثمره له، ولا يثمره لنفسه، لأنه حينئذ لا ينظر لليتيم وإنما ينظر لنفسه، فإن استطاع أن يعمل فيه لليتيم، وإلا فليدفعه إلى ثقةٍ يعمل فيه.
وعلى ذلك جاء في م (456) من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: "يجوز للوصي أن يتجر بمال اليتيم لليتيم تنميةً له وتكثيراً، وأن يعمل كل ما فيه خيرٌ له، وليس له أن يتجر لنفسه بمال اليتيم".
ثم قال الحنفية: وكما أن للوصي أن يتجر في مال اليتيم، فله أن يدفعه لغيره مضاربة، وله أن يعمل به مضاربة أيضاً بحصة شائعة من الربح. فإن جعل ماله مضاربة عند نفسه، فينبغي عليه أن يشهد على ذلك عند الابتداء، فإن لم يشهد يحل له الربح فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن القاضي لا يصدقه في ذلك. وكذا إذا شاركه ورأس ماله أقل من مال الصغير، فإن أشهد على ذلك يكون الربح بينهما على الشرط، وإن لم يشهد يحل له فيما بينه وبين الله تعالى، غير أن القاضي لا يصدقه، ويجعل الربح على قدر رأس مالهما.
(والرابع) للشافعية: وهو أنه يجب على الولي تنمية مال اليتيم بقدر النفقة والزكاة لا أكثر. قال العز بن عبد السلام: "وإن كان للصبي مال يحتمل التجارة، فإن أمكن أن يشتري له عقاراً يرتفق بغلته فليفعل. وإن اتبع ذلك فليتجر فيه بقدر ما ينميه ويخلف ما يؤخذ من زكاته، ولا يلزمه أن يجهد نفسه في ذلك بحيث يقطعه عن مصالحه. وإن ضارب عليه ثقة مأموناً عارفاً بأحسن أبواب التجارة جاز".
وقال التاج السبكي: "وقول الأصحاب - أن ولي اليتيم لا تجب عليه المبالغة في الاستنماء، وإنما الواجب أن يستنمي قدر ما لا تأكل النفقة والمؤن المال - صحيح، ولكن الزيادة من شكر النعمة".
وقال التقي السبكي في "فتاواه": "اختلف الأصحاب في التجارة بمال اليتيم، هل هي واجبةٌ أم مستحبة؟ والأصح في المذهب أنها واجبة بقدر النفقة والزكاة. وينبغي أن يكون مراد الأصحاب من هذا التقدير أن الزائد لا يجب، ويقتصر الوجوب على هذا المقدار.
ولا شك أن ذلك مشروطٌ بالإمكان والتيسر والسهولة. وأما أنه يجب على الولي ذلك ولابد، فلا يمكن القول به، لأنا نرى التجار الحاذقين أرباب الأموال يكدون أنفسهم لمصالحهم، ولا يقدرون في الغالب على كسبهم من الفائدة بقدر كلفتهم، وأين ذلك! ولعل هذا قاله الأصحاب حين كان الكسب متيسراً ولا مسك ولا ظلم ولا خوف. وأما اليوم فهذا أعز شيء يكون، وكثيرٌ من التجار يخسرون، ولو كان كل من معه مالٌ يقدر أن يستنميه بقدر نفقته، كانوا هم سعداء، ونحن نرى أكثرهم معسرين، والإنسان يشفق على نفسه أكثر من كل أحد، فلو كان ذلك ممكناً لفعلوه، فكيف يكلف به ولي اليتيم؟! وإنما يحمل كلام الأصحاب على معنى أن ذلك واجبٌ عند السهولة، والزائد عليه لا يجب عند السهولة ولا غيرها، وأخذوا ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: "اتجروا في أموال اليتامى، كيلا تأكلها الصدقة أو النفقة" أو كما قال".
ثم قال: "فينبغي لولي اليتيم أن يجتهد، وحيث غلب على ظنه غلبة مصلحة اليتيم التي أشار الشارع إليها يفعلها، وهو مع ذلك تحت هذا الخطر الدنيوي، وبحسب قصده يعينه الله عليه. والقول بالاستحباب في هذه الحالة جيد، والقول بالوجوب مستنده ظاهر الأمر، ولا شك أنه مشروط بما قلناه، والأمر فيه خطر، والله يعلم المفسد من المصلح".

الفرع الثاني
الولاية على النفس
85. الولاية على النفس عند الفقهاء: سلطةٌ على شؤون القاصر ونحوه المتعلقة بشخصه ونفسه، كالتزويج والتعليم والتطبيب والتشغيل ونحو ذلك، تقتضي تنفيذ القول عليه شاء أم أبى.
وموجب ثبوتها تحقق أحد أمرين:
أ. عجز الإنسان عن رعاية شؤونه ومصالحه في الحياة، واحتياجه إلى من يحميه ويرعى أموره، لعدم تمكنه من حماية نفسه والقيام بأموره وحده في معترك الحياة الاجتماعية. وذلك متحقق في حالة الصغر والأنوثة، وكذا في المجنون والمعتوه.
ب. أن يكون الشخص في حاجة إلى التأديب والتهذيب والتعويد على الخصال الأخلاقية والسلوكية الإسلامية. وذلك متحقق في الصغير.
وعلى ذلك قرر الفقهاء أن أسباب الولاية على النفس ثلاثة: الصغر، والجنون - ويلحق به العته -، والأنوثة.

السبب الأول
الصغر
86. لا يخفى أن الإنسان يستهل حياته في هذا الوجود ضعيفاً، لا يقوى على الانفراد بمواجهة شؤونه إلا بعد زمن ليس بالقصير، ولهذا شرعت الولاية على نفسه لرعاية حاله حتى يقوى ويزول ضعفه ويستوي شاباً قوياً مستقلاً بنفسه معتمداً عليها في تدبير سائر شؤونه.
وهذه الولاية عبارة عن نيابة جيرية تستلزم حكماً عاماً فيها، وهو أن تصرفات الولي التي يقوم بها لمصلحة القاصر نافذة عليه جبراً، إذا كانت مستوفية شرائطها الشرعية، بحيث لا يكون للقاصر بعد كبره ورشده أن ينقض منها شيئاً.
أما محور الولاية على نفس الصغير فيدور على قطبين: (أحدهما) القيام على شؤونه بالتربية والتعليم والتأديب والتطبيب والتشغيل ونحو ذلك. (والثاني) ولاية التزويج.

(أولاً) ولاية التربية والتأديب
87. أن منشأ الولاية على تربية الصغار وتأديبهم - ذكوراً كانوا أم إناثاً - مسؤولية الأبوين عن القيام بأمرهم ورعاية حالهم في شؤونهم الدنيوية والأخروية، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ نَارًا} [الآية 6 من التحريم]. وقوله صلى الله عليه وسلم: "أن لولدك عليك حقاً". وقوله عليه الصلاة والسلام: "كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته... والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعيةٌ على بيت بعلها وولده، وهي مسؤولة عنهم". ومن هنا قال النووي: "أن على الأب تأديب ولده وتعليمه ما يحتاج إليه من وظائف الدين، وهذا التعليم واجبٌ على الأب وسائر الأولياء قبل بلوغ الصبي والصبية". فالطفل - كما قال الغزالي - أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجةٌ خاليةٌ عن كل نقش وصورة، وهو قابلٌ لكل نقش، وقابلٌ لكل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، يشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدب حسن". وقال ابن عمر رضي الله عنه: "أدب ابنك فإنك مسؤول عنه، ماذا أدبته، وماذا علمته؟ وهو مسؤول عن برك وطواعيته لك". بل ذكر بعض العلماء أن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده.
ومن المعلوم بالنظر والاعتبار أنه ما أفسد الأبناء مثل إهمال الآباء في تأديبهم وتعليمهم ما يصلح دنياهم وآخرتهم، وتفريطهم في حملهم على طاعة الله وزجرهم عن معصيته، وإعانتهم على شهواتهم، يحسب الوالد أنه يكرمه بذلك وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة.
88. وقد أكد ثبوت هذه الولاية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع". قال النووي: والاستدلال به واضحٌ، لأنه يتناول الصبي والصبية في الأمر بالصلاة والضرب عليها.
وعلى ذلك نص الفقهاء على أنه يجب على الولي أمره بها لتمام سبع سنين، وتعليمه إياها، وضربه على تركها لعشر سنين، ليتخلق بفعلها ويعتادها - لا لافتراضها عليه - كما يلزمه كفه عن المفاسد كلها، لينشأ على الكمال وكريم الخلال.
ومن ثم ذهب جمهور الفقهاء إلى ثبوت ولاية الأب والأم والجد والوصي والقيم من جهة القاضي على تأديب الصغير، وذلك بأمره يفعل الطاعات كالصلاة والطهارة والصيام ونحوها، ونهيه عن اقتراف المحظورات، سواء أكانت لحق الله تعالى أو لحق العباد، وتأديبه على الإخلال بذلك تعويداً له على الخير والبر، ثم بزجره عن سيئ الأخلاق وقبيح العادات - ولو لم يكن فيها معصية - استصلاحاً.
جاء في "المجموع شرح المهذب": "قال أصحابنا: ويأمره الولي بحضور الصلوات في الجماعة وبالسواك وسائر الوظائف الدينية، ويعرفه تحريم الزنا واللواط والخمر والكذب والغيبة وشبهها. قال الرافعي: قال الأئمة: يجب على الآباء والأمهات تعليم أولادهم الطهارة والصلاة والشرائع بعد سبع سنين، وضربهم على تركها بعد عشر سنين".
وعلة ذلك - كما قال ابن القيم - أن الصبي وإن لم يكن مكلفاً، فوليه مكلفٌ، لا يحل له تمكينه من المحرم، فإنه يعتاده، ويعسر فطامه، وهذا أصح قولي العلماء.
89. على أن تأديب الصغير إنما يبدأ فيه بالقول، ثم بالوعيد، ثم بالتعنيف، ثم بالضرب. وهذا الترتيب تلزم مراعاته، فلا يرقى إلى مرتبة إذا كان ما قبلها يفي بالغرض، وهو الإصلاح.
وفي ذلك يقول العز بن عبد السلام: "ومهما حصل التأديب بالأخف من الأفعال والأقوال، لم يعدل إلى الأغلظ، إذ هو مفسدةٌ لا فائدة فيه، لحصول الغرض بما دونه".
كذلك يشترط في الضرب - عند مشروعية اللجوء إليه - أن يغلب على الظن تحقيقه للمصلحة المرجوة منه، وأن يكون غير مبرح ولا شاق، وأن يتوقى فيه الوجه والمواضع المهلكة.
قال العز بن عبد السلام: ومن أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها: ضرب الصبيان على ترك الصلاة والصيام وغير ذلك من المصالح. فإن قيل: إذا كان الصبي لا يصلحه إلا الضرب المبرح، فهل يجوز ضربه تحصيلاً لمصلحة تأديبه؟ قلنا: لا يجوز ذلك. بل لا يجوز أن يضربه ضرباً غير مبرح، لأن الضرب الذي لا يبرح مفسدة، وإنما جاز لكونه وسيلة إلى مصلحة التأديب، فإذا لم يحصل التأديب به، سقط الضرب الخفيف كما يسقط الضرب الشديد، لأن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد.
ثم أن الحنفية قيدوا جواز ضرب الولد حيث لزم ضربه بأن يكون باليد فقط، فلا يضربه الولي بغيرها من سوط أو عصا. ونص الحنابلة والحنفية على أنه ليس له أن يجاوز بضربه الثلاث.
90. وإذا ضرب الأب أو الجد أو الوصي الصبي تأديباً، فهلك من ذلك، فقد اختلف الفقهاء في تضمينهم على ثلاثة أقوال:
(أحدها) لبعض الحنابلة: وهو أنه لا ضمان عليهم. قال القاضي أبو يعلى: وهذا يجيء على قياس قول أصحابنا في المعلم.
(والثاني) لأبي حنيفة والشافعية: وهو تضمينهم. لأن التأديب يحصل بالزجر وتحريك الأذن، والضرب تأديباً مقيدٌ بوصف سلامة العاقبة.
(والثالث) للصاحبين أبي يوسف ومحمد: وهو أنه لا ضمان عليهم في الضرب المعتاد، أي كماً وكيفاً ومحلاً. أما غير المعتاد ففيه الضمان. فلو ضربه على الوجه أو على المذاكير فعطب، فعليه الدية والكفارة، ولو سوطاً واحداً، لأنه إتلاف. وقد حكى بعض فقهاء الحنفية أن الإمام أبا حنيفة رجع إلى رأي صاحبيه في المسألة.
91. هذا، وأن من موجبات ولاية تربية الصغار التي نص عليها الفقهاء: مداواة الصغير ورعايته الصحية، ونظمه في سلك تعليم ما هو مستعد له من العلوم والمعارف أو الحرف والصنائع - ولو بأجرة من ماله، لأن ذلك من مصالحه، فأشبه ثمن مأكوله - وله أن يؤجر الصبي المميز بالمعروف وأن يأذن له في التجارة بماله بما يناسب حاله، من أجل تهيئته وتأهيله وإعداده ليصير عضواً عاملاً نافعاً في الهيئة الاجتماعية، قادراً على حفظ ماله وصونه وتنميته وتثميره عند بلوغه راشداً.

(ثانياً) ولاية التزويج
92. نقل ابن رشد في "بداية المجتهد" اتفاق الفقهاء على أن للأب ولاية تزويج ابنه الصغير. ومراده اتفاق جمهورهم أو أكثرهم لا جميعهم، لأن ابن حزم يخالف في ذلك ويقول: "ولا يجوز للأب ولا لغيره إنكاح الصغير الذكر حتى يبلغ، فإن فعل فهو مفسوخ أبداً".
ثم قال ابن رشد: وأما هل يزوج الولي غير الأب الصغير؟ فأن مالكاً أجازه للوصي، وأبا حنيفة أجازه للأولياء جميعهم، إلا أن أبا حنيفة أوجب له الخيار إذا بلغ، ولم يوجب ذلك مالكٌ. وقال الشافعي: ليس لغير الأب إنكاحه. وسبب اختلافهم قياس غير الأب في ذلك على الأب. فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه الذي جاز للأب به أن يزوج الصغير من ولده لا يوجد في غير الأب لم يجز ذلك، ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك.
93. كذلك حكى اتفاقهم على أن للأب ولاية تزويج ابنته الصغيرة البكر دون أن يستأمرها لما ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع وبنى بها وهي بنت تسع بإنكاح أبي بكر أبيها" إلا ما روي من الخلاف عن ابن شبرمة.
ثم ذكر اختلافهم في غير الأب، هل يزوج الصغيرة أم لا؟ حيث قال الشافعي: يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط. وقال مالك: لا يزوجها إلا الأب فقط، أو من جعل له الأب ذلك إذا عين الزوج، إلا أن يخاف عليها الضيعة والفساد. وقال أبو حنيفة: يزوج الصغيرة كل من له عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك، ولها الخيار إذا بلغت ما لم يكن الولي المزوج أباً أو جداً.

السبب الثاني
الجنون
94. الجنون - كما هو معلوم - عبارة عن اختلال القوى العقلية لدى الإنسان، بحيث يؤدي إلى عدم جريان أفعاله وأقواله على نهج العقل السليم بصورة عامة.
وهو من موجبات الولاية على النفس كما أنه من موجبات الولاية على المال. ويلحق به في ذلك الشأن العته، وهو آفة توجب خللاً في العقل، فيصير صاحبه مختلط الكلام، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء وبعضه الآخر كلام المجانين، وكذا سائر أموره، لكنه لا يضرب ولا يشتم كالمجنون.
95. وقد ذكر الفقهاء أن عمل الولي على النفس بالنسبة للمجنون هو كعمله بالنسبة للصغير، إذ إن كليهما ولجه الحياة بغير سلاح من العقل الذي يدبر به الأمور، ويجعل صاحبه قادراً على الدفاع عن نفسه والمحافظة على ذاته، وطلب ما يحتاج إليه من غذاء وكساء ومأوى وعلاج ودواء.
وعلى ذلك نصوا أن على ولي المجنون تدبير شؤونه ورعاية أموره بما فيه حظ المجنون وبما يحقق مصلحته، فينفق عليه في كل حوائجه من ماله بالمعروف، ويداويه ويرعى صحته، ويقيده ويحجزه عن أن ينال الناس بالأذى أو ينالوه به إن خيف ذلك منه، صوناً له، وحفظاً للمجتمع من ضرره.
96. كذلك نص الفقهاء على أن لوليه تزويجه إذا اقتضت مصلحته ذلك. فقال الشيرازي: "وأما المجنون، فإن كان له حال إفاقة، لم يجز تزويجه بغير إذنه، لأنه يمكن استئذانه، فلا يجوز الافتيات عليه، وإن لم يكن له حال إفاقة، ورأى الولي تزويجه للعفة أو الخدمة زوجه، لأن له فيه مصلحة".
وفي المبدع: أن للأب تزويج أولاده المجانين، لأنه لا قول لهم، فكان له ولاية تزويجهم كأولاده الصغار. وظاهره لا فرق بين البالغ وغيره.
وجاء في المغني: أن المعتوه، وهو الزائل العقل بجنون مطبق ليس لغير الأب ووصيه تزويجه. وهذا قول مالك. وقال ابن حامد: للحاكم تزويجه إذا ظهر منه شهوة النساء بأن يتبعهن ويريدهن. وهذا مذهب الشافعي. لأن ذلك من مصالحه، وليس له حال ينتظر فيها إذنه. وينبغي على هذا القول أن يجوز تزويجه إذا قال أهل الطلب أن في تزويجه ذهاب علته، لأنه من أعظم مصالحه.
97. أما المجنونة؛ فقال ابن قدامة: إن كانت ممن تجبر لو كانت عاقلة، جاز تزويجها لمن يملك إجبارها، لأنه إذا ملك إجبارها مع عقلها وامتناعها، فمع عدمه أولى. وإن كانت ممن لا يجبر، انقسمت إلى ثلاثة أقسام:
(أحدها) أن يكون وليها الأب أو وصيه، كالثيب الكبيرة، فهذه لا يجوز لوليها تزويجها. ذكره القاضي، وهو ظاهر كلام الخرقي، لأنه جعل للأب تزويج المعتوه، فالمرأة أولى. وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة.
(والثاني) أن يكون وليها الحاكم، ففيها وجهان؛ أحدهما: ليس له تزويجها بحال، لأن هذه ولاية إجبار، فلا تثبت لغير الأب كحال عقلها. والثاني: له تزويجها إذا ظهر منها شهوة الرجال، كبيرة كانت أو صغيرة. وهو اختيار ابن حامد وأبي الخطاب وقول أبي حنيفة. لأن بها حاجة إليه لدفع ضرر الشهوة عنها وصيانتها عن الفجور وتحصيل المهر والنفقة والعفاف وصيانة العرض، ولا سبيل إلى إذنها، فأبيح تزويجها، كالثيب مع أبيها. وكذلك ينبغي أن يملك تزويجها إن قال أهل الطب: أن علتها تزول بتزويجها. لأن ذلك من أعظم مصالحها. وقال الشافعي: لا يملك تزويج صغيرة بحال، ويملك تزويج الكبيرة إذا قال أهل الطب أن علتها تزول بتزويجها.
(والثالث) أن يكون وليها غير الأب والحاكم. فقال القاضي: لا يزوجها إلا الحاكم. فيكون حكمها حكم القسم الثاني على ما بيناه. وقال أبو الخطاب: لهم تزويجها في الحال التي يملك الحاكم تزويج موليته فيها. وهذا قول أبي حنيفة، لأن ولايتهم مقدمة على ولاية الحاكم، فقدموا عليه في التزويج، كما لو كانت عاقلة.
98. أما تأديب المجنون، فليس للولي على نفسه سلطانٌ عليه، لأن التأديب بالنسبة إليه يكون تعذيباً لا جدوى منه ولا طائل تحته، فلا يجوز. ومن المعلوم إجماع الفقهاء على منع تعزيره - وليس التأديب إلا ضرباً من التعزير - لأنه ليس أهلاً للعقوبة، ولا رجاء في تأديبه. ولهذا لزم التعامل معه ورعايته بالرفق لا بالعنف.

السبب الثالث
الأنوثة
99. الأنوثة بذاتها من أسباب الولاية على النفس من غير أن تكون مرتبطة بصغر أو آفة من آفات العقل، لقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [الآية 34 من النساء]. وينحصر عمل هذه الولاية في أمرين: في تزويج المرأة، وفي تأديب الزوجة عند النشوز.

(أولاً) ولاية التزويج
وهذه الولاية في حقيقتها حمايةٌ ورعايةٌ وقيام بالواجب، باعثها الشفقة الداعية إلى الحرص على مصلحة موليته واختيار الأصلح لها. وتنقسم عند الفقهاء إلى قسمين: ولاية إجبار، وولاية اختيار.

أ. ولاية الإجبار:
100. وتعني قدرة الولي على عقد زواج موليته، وتنفيذه جبراً عنها، من غير أن يكون لها حق الاعتراض.
وقد اختلف الفقهاء في علة هذه الولاية على قولين:
(أحدهما) للحنفية: وهو أن علة الإجبار هو الصغر، ولذلك لا يجوز للولي إجبار البكر البالغة العاقلة، لأن الولاية على الصغير والصغيرة إنما ثبتت لقصور العقل، وبعد البلوغ يكمل العقل بدليل توجه الخطاب إليهما. وإلى ذلك ذهب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية.
(والثاني) للمالكية والشافعية والحنابلة في الراجح عندهم: وهو أن علة ثبوت ولاية الإجبار هي البكارة، ولذلك يجوز للولي إجبار البكر البالغة العاقلة على النكاح، وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة.

ب. ولاية الاختيار:
101. وهي ولاية الندب والاستحباب على الحرة البالغة العاقلة بكراً كانت أو ثيباً. فالحرة البالغة العاقلة البكر يستأمرها الولي في أمر زواجها، بأن يذكر لها الخاطب، فإن رضيت بالزواج منه وأذنت به بالسكوت أو بالضحك أو بأي معنى يعبر عن ذلك تولى وليها تزويجها منه، وإن ردت الزواج لم يمضه. والثيب يستأذنها الولي، فإن رضيت بالقول تولى الولي عقد نكاحها، وإلا تركه.
ويلاحظ ههنا أن ولاية الولي هذه مندوبة ومستحبة، حيث يشرك المرأة في اختيار زوجها، ويضم رأيه إلى رأيها، ويتولى إنشاء عقد نكاحها بعبارته.
وأساس ثبوت هذه الولاية الاختيارية هو عدم صلاحية عبارة المرأة لإنشاء عقد الزواج وعدم جواز استقلالها بعقد الزواج لنفسها من غير رضا وليها. وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وبيانه فيما يلي.

ولاية المرأة في تزويج نفسها:
102. اختلف الفقهاء في ولاية المرأة الحرة البالغة العاقلة في تزويج نفسها على ثلاثة أقوال:
أ. فذهب الشافعية والمالكية والحنابلة: إلى أنه لا يصح النكاح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت لم يصح النكاح.
ب. وذهب أبو حنيفة إلى أن الولي ليس شرطاً لصحة نكاح الحرة البالغة العاقلة، فيجوز لها أن تتولى عقد نكاحها بنفسها، وأن توكل به من تشاء إذا كان حراً عاقلاً بالغاً، وهو صحيح نافذ بلا ولي.
ج. وروي عن ابن سيرين والقاسم بن محمد والحسن بن صالح وأبي يوسف: أنه لا يجوز لها ذلك بغير إذنه الولي، فإن فعلت كان موقوفاً على إجازته.

عضل الولي:
103. المراد بالعضل: منع الولي المرأة من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغب كل واحد منهما في صاحبه.
وموجبه: انتقال الولاية من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد عند الحنابلة. فإن لم يكن للمرأة ولي غيره أو كان الأبعد غائباً، فأن الولاية تنتقل إلى السلطان.
وذهب الشافعية و المالكية إلى انتقال ولاية التزويج إلى السلطان مباشرةً عند عضل الولي، لأنه حق توجه عليه تدخله النيابة، فإذا امتنع قام السلطان مقامه، كما لو كان عليه دينٌ فامتنع من أدائه.
أما الحنفية الذين لا يشترطون الولي أصلاً لصحة ونفاذ نكاح البالغة العاقلة فقد قالوا في حق الصغيرة: إذا عضل الولي الأقرب، وامتنع من تزويج الصغيرة، فليس للأبعد ولاية تزويجها، بل يزوجها القاضي أو نائبه بطريق النيابة عن العاضل، ولو كان أبا الصغيرة إذا تحقق القاضي أن امتناعه كان بغير سبب مقبول، وأن الزوج كفء لها، والمهر مهر مثلها. فإن كان امتناع الأقرب من تزويجها لكون الزوج غير كفء لها، أو لكون المهر دون مهر المثل، فلا يعد عاضلاً، ولا يجوز للقاضي أن يزوجها.

غيبة الوالي:
104. اختلف الفقهاء في انتقال الولاية وكيفيته عند غيبة الولي على النحو التالي:
(أولاً) فذهب الحنفية والحنابلة إلى أن الولاية تنتقل من الولي الأقرب إلى الولي الأبعد إذا غاب الأول غيبة منقطعة يخشى معها فوات الكفء إذا انتظرنا حضوره أو استطلاع رأيه.
(ثانياً) وذهب الشافعية إلى أن الولي الأقرب نسباً أو ولاءً إذا غاب مسافة القصر، ولم يحكم بموته، وليس له وكيل حاضر في تزويج موليته، أو كان محرماً بالحج أو العمرة، فأن الولاية تنتقل إلى السلطان أو نائبه. لأن الغائب ولي، والتزويج حق له، فإن تعذر حضوره ناب عنه الحاكم.
أما إذا غاب دون مسافة القصر، فلا تزوج موليته إلا بإذنه، ولا يصح تزويج السلطان عليه. وكذلك إذا كان له وكيل، فهو مقدم على الأقرب والسلطان - خلافاً للبلقيني - فإن خاف السلطان فوات الكفء وتعذر حضور الولي زوجها الحاكم.
(ثالثاً) وفرق المالكية بين الولي المجبر والولي غير المجبر، وقالوا: إن غاب الولي المجبر، فإما أن تكون الغيبة قريبة أو بعيدة. فإن كانت قريبة بقيت ولايته حتى يعود، إذا كانت نفقتها جارية عليها ولا يخشى عليها الفساد، وكانت الطريق مأمونة بالنسبة للغائب، وإلا زوجها القاضي. وإن كانت الغيبة بعيدة ويرجى حضوره، فلا تزوج إلا بحضوره. أما إذا كان لا يرجى حضوره، وكانت المرأة بالغة زوجها القاضي. فإن لم تكن بالغة لم يزوجها القاضي إلا إذا خاف عليها الفساد.
وإن غاب الولي غير المجبر غيبة قريبة، وتقدم إليها الكفء، وأثبتت ما تدعيه من كفاءة الخاطب وغيبة الولي ومسافتها، زوجها القاضي دون الولي الأبعد. وكذلك إذا غاب غيبة بعيدة، لأن القاضي وكيلٌ للغائب. فإن زوجها الولي الأبعد جاز ذلك مع الكراهة، أما إذا كان للغائب وكيل مفوض فهو أولى بالتزويج من الأبعد.

ترتيب الأولياء:
105. اختلف الفقهاء في ترتيب الأولياء في النكاح على أربعة أقوال:
(أحدها) لأبي حنيفة: وهو أن الولي فيه العصبة بنفسه على ترتيب الإرث والحجب. فيقدم الابن، ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد الصحيح وإن علا، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم ابن العم الشقيق، ثم ابن العم لأب، ثم ولاء العتاقة.
فإن لم يكن هناك عصبة، تنتقل ولاية النكاح للأم، ثم لأم الأب، ثم لأم الأم، ثم للبنت، ثم لبنت الابن، ثم لبنت البنت، ثم لبنت ابن الابن، ثم لبنت بنت البنت..، وهكذا. ثم للجد غير الصحيح، ثم للأخت الشقيقة، ثم للأخت لأب، ثم للأخت لأم، ثم لولد الأم، ثم لأولادهم، ثم لباقي ذوي الأرحام، العمات، ثم الأعمام لأم، ثم الأخوال، ثم الخالات، ثم بنات الأعمام، ثم أولادهم بهذا الترتيب.
فإذا عدمت الأقارب من العصبات وغيرهم فتنتقل الولاية إلى مولى الموالاة إن وجد، ثم للقاضي ونوابه.
وقد خالف الصاحبان أبو يوسف ومحمد في انتقال الولاية لغير العصبات وقالوا: لا ولاية لغير العصبات، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الإنكاح إلى العصبات". فقد عرف الإنكاح باللام في غير معهود، فيكون معناه أن هذا الجنس مفوضٌ إلى هذا الجنس، أي جنس الإنكاح مفوضٌ إلى جنس العصبات، فلا يكون لغيره فيه مدخل، ولأن الولاية إنما تثبت صوناً للقرابة عن نسبة من لا يكافئهم، وذلك يحصل من العصبة الذين يعيرون لعدم الكفاءة.
(والثاني) للشافعية: وهو أن أولى الأولياء في النكاح الأب، ثم الجد أبو الأب وإن علا، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم بنوهما وإن سفلوا، ثم العم لأبوين، ثم لأب، ثم بنوهما وإن سفلوا، ثم سائر العصبات. والترتيب في التزويج كالترتيب في الميراث إلا في الجد، فإنه يقدم على الأخ ههنا بخلاف الإرث، وإلا في الابن، فإنه لا يزوج بالبنوة وإن قدم في الإرث.
فإن لم يكن لها عصبة، فالمولى المعتق ثم عصباته، ثم مولى المولى ثم عصباته على ترتيب الإرث، فإن لم يكن فليها السلطان.
(والثالث) للحنابلة: وهو أن أحق الأولياء فيه: الأب، ثم الجد أبو الأب وإن علا، ثم الابن، فابن الابن وإن نزل، ثم الأخ الشقيق، فالأخ لأب، فابن الأخ الشقيق، فابن الأخ لأب، وإن سفلا، ويقدم منهم الأقرب فالأقرب، ثم العم الشقيق، ثم العم لأب، ثم بنوهما وإن سفلوا، يقدم ابن العم لأبوين على ابن العم لأب، ثم أقرب عصبة نسب كعم الأب، ثم بنيه، ثم عم الجد، ثم بنيه كذلك وإن علوا كالإرث. ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب.
ثم يلي ذلك عند عدم العصبة من النسب مولى العتاقة، ثم عصبته الأقرب منهم فالأقرب كالميراث، ثم مولى المولى، ثم عصباته من بعده كالإرث.
ثم عند عدم عصبة النسب والولاء، فالولاية للسلطان أو نائبه. فإن عدم الكل في المحل الذي هي فيه زوجها ذو سلطان في مكانها، فإن تعذر وكلت عدلاً في ذلك المكان يزوجها.
(والرابع) للمالكية: وهو أن الولي إما مجبر وإما غير مجبر. أما الذي يجبر فالأب، ثم وصيه. وأما الذي لا يجبر، فالقرابة، والمقدم من الأقارب: الابن، ثم ابنه وإن بعد، ثم الأب، ثم الأخ الشقيق، ثم لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم لأب، وإن نزل. ثم الجد أبو الأب، ثم العم الشقيق، ثم لأب، ثم أبناؤهم، ثم عم الأب، فابنه، ثم عم الجد كذلك صعوداً وهبوطاً.
يلي ذلك مولى العتاقة، ثم عصبته، ثم معتق المعتق كالإرث، ثم الكافل غير العاصب - إن كانت دنيئة لا شريفة - ثم القاضي، ثم ولاية الإسلام المعلقة، فتوكل رجلاً من المسلمين بعقد نكاحها.
106. وما ذكرناه من ترتيب الأولياء عند الفقهاء إنما هو في حق الحرة، فأما الأمة، فالسيد المالك مقدمٌ على غيره حتى من العصبات النسبية، وذلك بإجماع الفقهاء.

(ثانياً) ولاية الزوج التأديبية
107. لقد ذهب جماهير أهل العلم إلى أن من أحكام عقد النكاح ولاية الزوج على تأديب زوجته إذا استعصت عليه وترفعت عن مطاوعته ومتابعته فيما يجب عليها من ذلك، بأن كانت ناشزة، ونصوا على أن له أن يؤدبها على ذلك كما جاء في التنزيل: {واللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} [الآية 34 من النساء]، فيعظها أولاً بالرفق واللين، لعلها تقبل الموعظة فتدع النشوز، فإن لم ينفع معها الوعظ هجرها في المضجع، فإن أصرت على البغض والعصيان ضربها بالقدر الذي يصلحها له ويحملها على توفية حقه. وقد قيد الحنابلة ذلك بأن لا يكون الزوج مفرطاً في حقوقها عليه، وقالوا: فإن كان مانعاً لحقها، فإنه لا يمكن من هذه الأشياء حتى يؤديه ويحسن عشرتها، لأنه يكون ظالماً بطلبه حقه مع منعه حقها.
108. أما ما تعد به المرأة ناشزة مستحقة لهذا التأديب، فقد ضرب الفقهاء له أمثلة عديدة، منها الامتناع عن فراشه، أو منعه من الاستمتاع بها بدون وجه شرعي، ومنها ترك مسكنه والامتناع عن مساكنته، وكذا خروجها من منزله بغير إذنه بلا حق، ومنها شتمه وتمزيق ثيابه وإغلاق الباب في وجهه، ونحو ذلك من ألوان الإيذاء والتعالي عما فرض الله عليها من معاشرته بالمعروف.
109. وهذا الترتيب في تأديبها واجبٌ في قول جماهير الفقهاء، فلا يجوز للزوج أن ينتقل من الوعظ إلى الهجر إلا عند عدم جدوى الوعظ، ولا من الهجر إلى الضرب إلا حيث لم ينفع الهجر. قال الرازي: إنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيهٌ يجرى مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق.
110. ثم إن الوسيلة الأخيرة لعلاج نشوزها، وهي الضرب، إذا تحقق الزوج أو غلب على ظنه عدم جدواها في تحقيق المقصود، فقد نص الشافعية والمالكية على عدم جواز ضربها عندئذ، لأنه يكون عقوبة بلا فائدة. إذ من المعلوم أن إضرار الزوجة بالضرب غير مباح في ذاته، وإنما جاز في حالة تعينه وسيلة لإصلاحها، وكل تصرفٍ تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل شرعاً كما جاء في القواعد الفقهية. ومن هنا قال ابن الحاجب: "وإذا غلب على ظنه أن الضرب لا يفيد، لم يجز له ضربها". وجاء في منح الجليل: إذا تحقق الزوج، أو ظن عدم إفادة الضرب، أو شك فيها، فلا يضربها، لأنه وسيلةٌ إلى إصلاح حالها، والوسيلة لا تشرع عند ظن عدم ترتب المقصود عليها.
111. وحتى في الحالة التي يباح فيها ضرب الزوجة، فقد نص كثير من محققي الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة وعلى رأسهم الإمام محمد بن إدريس الشافعي على أن الأولى والأفضل للزوج شرعاً العفو عنها وعدم ضربها؛ إبقاءً للمودة والرحمة في الحياة الزوجية. وذلك لما روى أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن إياس بن عبد الله رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تضربوا إماء الله. فجاء عمر إلى رسول الله فقال: ذئرن النساء على أزواجهن. فرخص في ضربهن. فأطاف بال رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءٌ كثير، يشكون أزواجهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد طاف بال محمد نساءٌ كثير، يشكون أزواجهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد طاف بال محمد نساءٌ كثيرٌ يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخيارهم.
وروي عن عطاء منع ضرب الزوجة مطلقاً، فقال: لا يضربها الزوج، وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها.
وقد علق القاضي أبو بكر ابن العربي على ذلك، فقال: "هذا من فقه عطاء، فإنه من فهمه بالشريعة، ووقوفه على مظان الاجتهاد، علم أن الأمر بالضرب ههنا أمر إباحة، ووقف على الكراهة من طريق أخرى في قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن زمعة: إني لأكره للرجل يضرب أمته عند غضبه، ولعله أن يضاجعها من يومه. وروى ابن نافع عن مالك عن يحيى بن سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استؤذن في ضرب النساء، فقال: اضربوا، ولن يضرب خياركم. فأباح، وندب إلى الترك، وإن في الهجر لغاية الأدب. والذي عندي: أن الرجال والنساء لا يستوون في ذلك، فإن العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة، ومن النساء، بل من الرجال من لا يقيمه إلا الأدب، فإذا علم ذلك الرجل، فله أن يؤدب، وإن ترك فهو أفضل".
112. ثم إن الزوج إذا ترجح في نظره أن الضرب هو العلاج الناجع لرفع نشوزها بعد أن توسل إليه بالوعظ ثم بالهجر، فلم يجد ذلك شيئاً، فعليه أن يكون به رفيقاً. وقد نص جماهير الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أنه لا يجوز كون الضرب مبرحاً - أي مؤثراً أو شاقاً - ولا مدمياً، ولا أن يبلغ فيه حداً من الحدود، ويجب عليه أن يتوقى فيه الوجه تكرمةً لها، والأماكن المهلكة حفاظاً عليها، والمواضع المستحسنة لئلا يشوهها، لأن المقصود منه الإصلاح، لا الانتقام ولا الإتلاف. وحتى لو تعين ذلك وسيلة لتأديبها، بأن غلب على ظن الزوج أنها لا تدع النشوز إلا بضرب مبرح أو شائن أو نحو ذلك، فليس له أن يؤدبها به.
وعلى ذلك، فإذا تجاوز الزوج في ضرب امرأته الناشز الحد المشروع - كماً أو كيفاً أو محلاً - كان ضامناً في قول سائر الفقهاء.
113. أما إذا تلفت الزوجة من التأديب بالوصف المشروع، فقد اختلف الفقهاء في تضمينه على قولين:
(أحدهما) للحنابلة ومالك والصاحبين من الحنفية: وهو أنه لا ضمان عليه بذلك. لأن التأديب فعلٌ مأذونٌ به لإصلاح الزوجة، والتلف إنما نتج عنه، والمتولد من الفعل المأذون فيه لا ضمان فيه، كسراية الحد. إذ الأصل أن الإذن الشرعي ينافي الضمان، وذلك لانتفاء التعدي الذي هو شرط ثبوت الضمان.
(والثاني) لأبي حنيفة والشافعي: وهو أنه ضامن. لأن الزوج مأذون في التأديب دون الإتلاف، فإذا أدى الضرب إلى التلف تبين أنه تجاوز الحد فيه، وظهر أنه إتلافٌ لا إصلاح. ومن جهة أخرى فإن ضرب الزوجة حيث شرع إنما هو مباحٌ لا واجب، لأنه مأذونٌ فيه لنفع الزوج، لا لمصلحة الزوجة، والأصل عند أبي حنيفة في المباح أنه يتقيد بشرط السلامة، بخلاف الواجب فإنه لا يتقيد به.
114. ثم إن مما يجدر بيانه ههنا أن الفقهاء اختلفوا في معنى التأديب بالهجر في المضجع الوارد ذكره في التنزيل على خمسة أقوال:
(أحدها) أنه يوليها ظهره في فراشه، فلا يجامعها. وهو قول الشافعية، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه.
(والثاني) أن لا يجمعها وإياه فراشٌ ولا وطء. وهو قول الحنابلة، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك، وروي عن الشعبي وقتادة والحسن البصري.
(والثالث) لا يكلمها، لا أن يترك جماعها ومضاجعتها، لأن ذلك حقٌ مشترك بينهما، فلا يؤدبها بما يضر بنفسه ويبطل حقه. وهو قول الحنفية وروي عن عكرمة والضحاك والسدي.
(والرابع) يكلمها ويجامعها، ولكن يغلظ لها في القول.. من الهجر، وهو القبيح من القول في لغة العرب. وبه قال سفيان.
(والخامس) شدوهن وثاقاً في بيوتهن. من هجر البعير، أي ربطه بالهجار؛ وهو الحبل الذي يشد به البعير. وهو اختيار الطبري. وقد أنكر كثيرٌ من العلماء عليه هذا التأويل وشنعوا عليه فيه، فقال ابن حجر الهيتمي: وهذا القول في غاية البعد والشذوذ. وقال الزمخشري: هذا من تفسير الثقلاء. وقال ابن العربي: يا لها من هفوة من عالم بالقرآن والسنة..
115. هذا فيما يتعلق بولاية الزوج على تأديبها لحق نفسه، فأما ولايته على ذلك لحق الله تعالى، كترك الصلاة ونحوها من الفرائض، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
(أحدهما) أن للزوج ولاية تأديبها على ذلك لحق الله تعالى. وهو قول الحنابلة وبعض الحنفية كما في الكنز والملتقى واستظهره في المجتبى.
(والثاني) ليس له ذلك. لأن الأمر لا يتعلق به، ولا ترجع منفعته إليه. وهو قول الشافعية والمالكية والحنفية في المعتمد.

المبحث الرابع
ولاية المعلم في تأديب التلاميذ
116. لا خلاف بين الفقهاء في ثبوت ولاية تأديب التلاميذ للمعلم، إصلاحاً لهم وتعليماً وزجراً عن سيء الأخلاق ورديء الأفعال، وذلك بالنصح والأمر والنهي والوعيد والتعنيف ثم بالضرب إن لم ينفع التأديب بالقول. وقد روي عن الإمام أحمد أنه سئل عن ضرب المعلم الصبيان؟ فقال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى بجهده الضرب. وإن كان صغيراً لا يعقل، فلا يضربه.
وفي الإحياء للغزالي: أن على المعلم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويهيج الحرص على الإصرار. وحادي ذلك الشفقة على المتعلمين، بأن يجريهم مجرى بنيه، وأن يقصد إنقاذهم من نار الآخرة..
أعني معلم علوم الآخرة، أو علوم الدنيا على قصد الآخرة، لا على قصد الدنيا.
وقال بدر الدين ابن جماعة: على المعلم أن يراقب أحوال الطلبة في آدابهم وهديهم وأخلاقهم، باطناً وظاهراً، فمن صدر منه من ذلك ما لا يليق من ارتكاب محرم أو مكروه أو إساءة أدب... إلخ. عرض الشيخ بالنهي عن ذلك بحضور من صدر منه غير معرض به ولا معين له، فإن لم ينته، نهاه عن ذلك سراً، أو يكتفي بالإشارة مع من يكتفي بها، فإن لم ينته نهاه عن ذلك جهراً، ويغلظ القول عليه إن اقتضاه الحال لينزجر هو وغيره، ويتأدب به كل سامع. فإن لم ينته، فلا بأس حينئذٍ بطرده والإعراض عنه إلى أن يرجع.
وقال ابن حجر الهيتمي: "وحيث جاز للمعلم التعزير، فله الضرب، ويلزمه أن يكون بحسب ما يراه كافياً بالنسبة لجريمة الولد، فلا يجوز له أن يرقى إلى مرتبة وهو يرى ما دونها كافياً، كدفع الصائل".
وقال الشوشاوي المالكي: "والصحيح عندي أن الضرب يختلف باختلاف أحوالهم، لأن منهم من لا يمتثل إلا بالضرب الشديد، ومنهم من يمتثل بالضرب الخفيف، ومنهم من يمتثل بالشتم خاصةً، فلا يحتاج إلى ضرب أصلاً، ومنهم من يمتثل بلا شتم ولا ضرب، فلا يحتاج إليهما".
وبالجملة، فعلى المعلم - كما قال ابن حبيب المالكي - أن يكون لهم كالطبيب الذي لا يضع الدواء إلا في موضع الداء.
117. وهذه الولاية ثابتة للمعلم على التلميذ بطريق النيابة عن وليه، ولهذا صرح الحنفية والشافعية باشتراط إذنه ولي الصغير فيها، ورتبوا على ذلك تضمين المعلم كل ما ينتج عن ضرب التلميذ من تلف إذا لم يأذن وليه بذلك، حتى ولو كان التأديب بالمعتاد، ولا تجاوز فيه للحد المشروع. وحجتهم على ذلك أن تأديب الصغير عقوبةٌ تعزيريةٌ، وهي لا تجوز إلا للولي ومن في معناه، والمعلم ليس في معنى الولي، وإنما هو نائبٌ عنه، فتوقف جواز تعزيره على الإذن. وليس مجرد الإذن في التعليم إذناً في الضرب، لأنه لا يستلزمه، فكم من الآباء من يأذن فيه وينهى عن الضرب، فسكوته عنه يحتمل رضاه به وعدمه، من ثم فلا يجوز الإقدام عليه إلا بالتصريح.
ونقل عن بعض الشافعية قولهم: الإجماع الفعلي مطردٌ بجواز ذلك بدون إذن الولي. وقد أجاب على ذلك بعض محققيهم بأن ما ادعي من الإجماع الفعلي لا يعتد به، لأن الضرب الواقع من المعلمين للأولاد بغير إذن أوليائهم إنما منشؤه جهلهم، فلا يعتد بفعلهم. ثم إن العقوبات يحتاط فيها وتدرأ ما أمكن، فلا تجوز لمجرد عادة ونحوها.
118. وحيث جاز للمعلم ضرب الصبي، فلابد أن يتقيد ضربه بصفة وحدود، قال الونشريسي في المعيار: "وصفة ضربه ما لا يؤلم ولا يتعدى إلى التأثير المستبشع أو الموهن المضر". ونص جماهير الفقهاء على أنه لا يجوز أن يكون مبرحاً ولا مدمياً ولا على الوجه أو على المواضع المهلكة من البدن، كما اشترطوا كونه مفيداً في ظنه محققاً للمصلحة المرجوة منه، وإلا امتنع مطلقاً. ولو غلب على ظنه أنه لا ينفع معه إلا الضرب المبرح، فلا يجوز له أن يقدم على المبرح ولا غيره. فأما المبرح، فلأنه مهلك أو مؤثر، وليس له ذلك. وأما غير المبرح، فلأنه لا يفيد، والعقوبة إنما جازت على خلاف الأصل لظن إفادتها زجراً وإصلاحاً، فإذا غلب على الظن انتفاء فائدتها، فلا مقتضى لجوازها.
119. بل إنه كثيراً من الفقهاء قيدوا الإذن في ضربه بألا يتجاوز المعلم فيه الثلاث. وروي عن أشهب أنه إذا زاد على ثلاثة أسواط اقتص منه.
وقال الشافعية: لا يجوز له أن يبلغ بالضرب أربعين في الحد، وعشرين في غيره، بل يلزمه النقص عن ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر مرسل: "من بلغ حداً في غير حد فهو من المعتدين".
وقال محمد بن سحنون: ولا يجاوز المعلم بالأدب ثلاثاً إلا أن يأذن له الأب في أكثر من ذلك إذا آذى - أي الصبي - أحداً. ويؤدبهم على اللعب والبطالة، ولا يجاوز بالأدب عشرة. وأما على قراءة القرآن فلا يجاوز أدبه ثلاثاً.
وقال القابسي من المالكية: والضرب بالسوط واحدة إلى ثلاث ضرب إيلام فقط دون تأثير في العضو، فإن لم يفد زاد إلى عشرة.. ومن ناهز الحلم وغلظ حلقه، ولم تصلحه العشر، فلا بأس بالزيادة عليها. والصواب اعتبار حال الصبيان. وأساس ذلك - كما قال الجزولي - أن المعلم يؤدبهم على قدر اجتهاده، ولا حد فيه عند مالك إلا بقدر ما يراه المعلم.
120. ولو هلك التلميذ من ضرب التأديب، فلا ضمان على المعلم عند مالك وأحمد في الضرب المعتاد الذي ليس فيه تجاوز للحد المشروع كماً ولا كيفاً ولا محلاً. أما غير المعتاد ففيه الضمان، وعند أبي حنيفة والشافعي: يضمن مطلقاً. لأن ولايته على تأديبه لا على إتلافه.
وفي المعيار أن مالكاً سئل عن مؤدب ضرب صبياً، ففقأ عينه أو كسر يده، فقال: إن ضربه بالدرة على الأدب، أو أصابه بعود فكسر يده أو فقأ عينه، فالدية على العاقلة، إذ فعل ما يجوز له، ولو مات الصبي، فهي على العاقلة بقسامة، وعليه الكفارة. وإن ضربه باللوح أو بالعصا فقتله، فعليه القصاص، لأنه لم يؤذن له في الضرب بعصا ولا لوح.
وقال الخلال من أصحاب أحمد: إذا ضرب المعلم ثلاثاً - كما قال التابعون وفقهاء الأمصار - فليس بضامن، وإن ضربه ضرباً شديداً، مثله لا يكون أدباً للصبي ضمن، لأنه قد تعدى بالضرب.
121. وعند الإمام أبي حنيفة: إذا كان غرض المعلم من ضرب التلميذ التعليم لا التأديب، وهلك الصغير منه، وكان الضرب معتاداً لا تجاوز فيه، فلا ضمان على المعلم في ذلك. وسبب التفريق عنده في تضمين المعلم بين ضرب التعليم وضرب التأديب، أن الأول واجب، والثاني مباح، والقاعدة عنده أن الواجب لا يتقيد بوصف السلامة، والمباح يتقيد به، فافترقا.

المبحث الخامس
ولاية ناظر الوقف
122. النظارة على الوقف ضرب من الولاية الخاصة التي تقتضي "تنفيذ القول على الغير، شاء الغير أم أبى"، وهي حقٌ مقررٌ شرعاً على كل عين موقوفة، إذ لابد للموقوف من يدٍ ترعاه وتتولاه، وتعمل على إبقائه صالحاً نامياً محققاً للغرض المقصود من الوقف، وذلك بعمارته وصيانته، وإجارته وزراعة أرضه، واستغلال مستغلاته، وصرف ريعها إلى الجهة المستحقة، ثم أداء ديونه، والمطالبة بحقوقه والدفاع عنها، والمحافظة عليها، كل ذلك بحسب شروط الواقف المعتبرة شرعاً. ومن المعلوم أن هذا لا يتأتى إلا بولاية صالحة تحفظ الأعيان الموقوفة وترعى شؤونها بأمانة، وتوصل الحقوق إلى أهلها بلا توانٍ أو خيانة، ولهذا لا يولى نظارة الوقف إلا الأمين القادر، لأن الولاية مقيدةٌ بشرط النظر، وليس من النظر تولية الخائن أو العاجز.
وهذه الولاية تنقسم عند الفقهاء إلى قسمين:
- ولاية أصلية: وتثبت للواقف أو للموقوف عليه أو للقاضي.
- وولاية فرعية: وهي التي تثبت بموجب شرط أو تفويض أو توكيل أو إيصاء أو إقرار ممن يملك ذلك.


الفصل الرابع
ولاية الله تعالى
المبحث الأول
مفهوم ولاية الله تعالى
123. ذكر ابن القيم أن ولاية الله تعالى نوعان: عامة، وخاصة:
(فأما الولاية العامة) فهي ولاية كل مؤمن، فمن كان مؤمناً، لله تقياً، كان الله له ولياً. وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه.
يدل على هذا قوله تعالى: {واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ} [الآية 68 من آل عمران]. وقوله سبحانه: {اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [الآية 257 من البقرة]. وقد جاء في تفسيرها: أن ولاية الله للمؤمنين على ثلاثة أوجه: (أحدها) أنه يتولاهم بالمعونة على إظهار الحجة والبرهان لهم في هدايتهم. (وثانيها) أنه وليهم في نصرهم على عدوهم وإظهار دينهم على دين مخالفيهم. (وثالثها) أنه وليهم يتولاهم بالمئوبة على الطاعة والمجازاة على الأعمال الصالحة.


الروض المربع
شرح
زاد المستقنع
الجزء السادس

باب الوكالة
(الوكالة) بفتح الواو وكسرها: التفويض، تقول: وكلت أمري إلى الله، [أي:] فوضته إليه.
واصطلاحاً: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة.
(تصح) الوكالة (بكل قول يدل على الإذن) كـ: افعل كذا أو أذنت له في فعله ونحوه.
وتصح مؤقتة ومعلقة بشرط كوصية وإباحة أكل وولاية قضاء وإمارة.
(ويصح القبول على الفور والتراخي) بأن يوكله في بيع شيء، فيبيعه بعد سنة أو يبلغه أنه وكله بعد شهر، فيقول: قبلت (بكل قول أو فعل دال عليه) أي [دال] على القبول؛ لأن قبول وكلائه صلى الله عليه وسلم كان بفعلهم وكان متراخياً عن توكيله إياهم، قاله في "المبدع" ويعتبر تعيين الوكيل (ومن له التصرف في شيء) لنفسه (فله التوكيل) فيه، (والتوكل فيه) أي جاز أن يستنيب غيره [وأن يتوب عن غيره]؛ لانتفاء المفسدة، والمراد فيما تدخله النيابة ويأتي.
ومن لا يصح تصرفه بنفسه فنائبه أولى، فلو وكله في بيع ما سيملكه أو طلاق من يتزوجها لم يصح، ويصح توكيل امرأة طلاق نفسها وغيرها، وأن يتوكل واجد الطول في قبول نكاح أمة لمن تباح له وغني لفقير في قبول زكاة، وفي قبول نكاح أخته ونحوها لأجنبي.
(ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود)؛ لأنه صلى الله عليه وسلم وكل عروة ابن الجعد في الشراء، وسائر العقود كالإجارة والقرض والمضاربة والإبراء ونحوها في معناه، (والفسوخ) كالخلع والإقالة (والعتق والطلاق)؛ لأنه يجوز التوكيل في الإنشاء، فجاز في الإزالة بطريق الأولى، (والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه) كإحياء الموات؛ لأنها تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز كالابتياع، (لا الظهار)؛ لأنه قول منكر وزور، (واللعان والأيمان) والنذور والقسامة والقسم بين الزوجات والشهادة والرضاع والالتقاط والاغتنام والغصب والجناية فلا تدخلها النيابة.
(و) تصح الوكالة أيضاً (في كل حق لله تدخله النيابة من العبادات) كتفرقة صدقة وزكاة ونذر وكفارة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها، وكذا حج وعمرة على ما سبق.
وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث فلا يجوز التوكيل فيها لأنها تتعلق ببدن من هي عليه، لكن ركعتا الطواف تتبع الحج.
(و) تصح في (الحدود في إثباتها واستيفائها)؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فأمر بها فرجمت". متفق عليه.
ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته، (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه) إذا كان يتولاه مثله ولم يعجزه؛ لأنه [لم] يأذن له في التوكيل ولا تضمنه إذنه لكونه يتولى مثله، (إلا أن يجعل إليه) بأن يأذن له في التوكيل أو يقول: اصنع ما شئت، ويصح توكيل عبد بإذن سيده.
(والوكالة عقد جائز)؛ لأنها من جهة الموكل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع، وكلاهما غير لازم فلكل واحد منهما فسخها، (وتبطل بفسخ أحدهما وموته) وجنونه المطبق؛ لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل، فإذا انتفيا انتفت صحتها، وإذا وكل في طلاق الزوجة ثم وطنها، أو في عتق العبد ثم كاتبه أو ديره بطلت.
و. تبطل أيضاً بـ (عزل الوكيل) ولو قبل علمه، لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه، فصح بغير علمه كالطلاق، ولو باع أو تصرف فادعى أنه عزله قبله لم يقبل إلا ببينة.
و. تبطل أيضاً (بحجر السفيه) لزوال أهلية التصرف، لا بالحجر لفلس؛ لأنه لم يخرج عن أهلية التصرف، لكن إن حجر على الموكل، وكانت في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه فيها.
(ومن وكل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه)؛ لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره، فحملت الوكالة عليه ولأنه تلحقه تهمة.
(و) لا من (ولده) ووالده وزوجته ومكاتبه وسائر من لا تقبل شهادته له؛ لأنه متهم في حقهم، ويميل إلى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن كتهمته في حق نفسه، وكذا حاكم وأمينه وناظر وقف ووصي.
ومضارب وشريك عنان ووجوه، (ولا يبيع) الوكيل (بعرض ولا نساء ولا بغير نقد البلد)؛ لأن عقد الوكالة لم يقتضه، فإن كان في البلد نقدان باع بأغلبهما رواجاً، فإن تساويا خير.

(وإن باع بدون ثمن المثل) إن لم يقدر له ثمن، (أو) باع بـ (دون ما قدره له) الموكل صح، (أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل) وكان لم يقدر له ثمناً، (أو مما قدره له صح) الشراء؛ لأن من صح منه ذلك بثمن مثله صح بغيره.
(وضمن النقص) في مسألة البيع، وضمن الزيادة في مسألة الشراء؛ لأنه مفرط، والوصي وناظر الوقف كالوكيل في ذلك، ذكره الشيخ تقي الدين.
وإن قال: بعه بدرهم فباعه بدينار صح؛ لأنه زاده خيراً، (وإن باع) الوكيل (بأزيد) مما قدره له الموكل صح، (أو قال) الموكل: (بع بكذا مؤجلاً، فباع الوكيل (به حالاً) صح، (أو) قال الموكل: (اشتر بكذا حالاً، فاشترى به مؤجلاً ولا ضرر فيهما أي فيما إذا باع بالمؤجل حالاً أو اشترى بالحال مؤجلاً، (صح) لأنه زاده خيراً، فهو كما لو وكله في بيعه بعشرة فباعه بأكثر منها، (وإلا فلا) أي وإن [لم يبع] أو يشتر بمثل ما قدره له بلا ضرر، بأن قال: بعد بعشرة مؤجلة فباعه بتسعة حالة، أو باعه بعشرة حالة، وعلى الموكل ضرر بحفظ الثمن في الحال، أو قال: اشتره بعشرة حالة، فاشتراه بأحد عشر مؤجلة [أو بعشرة مؤجلة] مع ضرر لم ينفذ تصرفه لمخالفته موكله، وقدم في "الفروع" أن الضرر لا يمنع الصحة، وتبعه في "المنتهى" "والتنقيح" في مسألة البيع، وهو ظاهر "المنتهى" أيضاً في مسألة الشراء، وقد سبق لك أن بيع الوكيل بأنقص مما قدر له وشراءه بأكثر منه صحيح ويضمن.
فصل
(وإن اشترى) الوكيل (ما يعلم عيبه لزمه) أي لزم الشراء الوكيل، فليس له رده لدخوله على بصيرة، (إن لم يرض) به (موكله)، فإن رضيه كان له لنيته بالشراء.
وإن اشتراه بعين المال لم يصح، (فإن جهل) عيبه (رده)؛ لأنه قائم مقام الموكل، وله أيضاً رده لأنه ملكه، فإن حضر الموكل قبل رد الوكيل ورضي بالعيب لم يكن للوكيل رده؛ لأن الحق له، بخلاف المضارب لأن له حقاً فلا يسقط برضى غيره، فإن طلب البائع الإمهال حتى يحضر الموكل لم يلزم الوكيل ذلك.
وحقوق العقد كتسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك تتعلق بالموكل.
(ووكيل البيع يسلمه) أي يسلم المبيع؛ لأن إطلاق الوكالة في البيع يقتضيه لأنه من تمامه.
(ولا يقبض) الوكيل في البيع (الثمن) بغير إذن الموكل؛ لأنه قد يوكل في البيع من لا يأمنه على قبض الثمن (بغير قرينة).
فإن دلت القرينة على قبضه مثل توكيله في بيع شيء في سوق غائباً عن الموكل، أو موضع يضيع الثمن بترك قبض الوكيل [له] كان إذناً في قبضه.
فإن تركه ضمنه لأنه يعد مفرطاً، هذا المذهب عند الشيخين، وقدم في "التنقيح" وتبعه في "المنتهى": لا يقبضه إلا بإذنه، فإن تعذر لم يلزم الوكيل شيء لأنه ليس بمفرط؛ لكونه لا يملك قبضه.
(ويسلم وكيل المشتري الثمن)؛ لأنه من تتمته وحقوقه كتسليم المبيع، ([فلو أخره]) أي أخر تسليم الثمن (بلا عذر وتلف) الثمن (ضمنه) لتعديه بالتأخير، وليس لوكيل في بيع تقليبه على مشتر إلا بحضرته وإلا ضمن.
(وإن وكله في بيع فاسد) لم يصح ولم يملكه؛ لأن الله تعالى لم يأذن فيه ولأن الموكل لا يملكه.
(فـ) لو (باع) الوكيل إذاً بيعاً (صحيحاً) لم يصح؛ لأنه لم يوكل فيه، (أو وكله في كل قليل وكثير) لم يصح؛ لأنه يدخل فيه كل شيء من هبة ماله وطلاق نسائه وإعتاق رقيقه فيعظم الغرر والضرر، (أ) وكله في (شراء ما شاء أو عيناً بما شاء ولم يعين) نوعاً وثمناً (لم يصح)؛ (لأنه) يكثر فيه الغرور، وإن وكله في بيع ماله كله أو ما شاء منه صح.
قال في "المبدع": وظاهر كلامهم في. بع من مالي ما شئت له، بيع ماله كله.
(والوكيل في الخصومة لا يقبض) لأن الإذن لم يتناوله نطقاً ولا عرفاً؛ لأنه قد يرضى للخصومة من لا يرضاه للقبض، (والعكس بالعكس).
فالوكيل في القبض له الخصومة؛ لأنه لا يتوصل إليه إلا بها، فهو إذن فيها عرفاً.
(و) إن قال الموكل: (أقبض حقي من زيد) ملكه من وكيله (لأنه قائم مقامه، (ولا يقبض من ورثته)؛ لأنه لم يؤثر بذلك ولا يقتضيه) العرف، (إلا أن يقول) الموكل للوكيل: اقبض حقي (الذي قبله)، أو عليه، فله القبض وارثه؛ لأن الوكالة اقتضت قبض حقه مطلقاً، وإن قال: اقبضه اليوم لم يملكه غداً.
(ولا يضمن وكيل) في (الإيداع إذاً) أودع و(لم يشهد) وأنكر المودع لعدم الفائدة في الإشهاد؛ لأن المودع يقبل قوله في الرد والتلف.
وأما الوكيل في قضاء الدين إذا كان بغير حضور الموكل ولم يشهد ضمن إذا أنكر رب الدين، وتقدم في الضمان.
فصل
(والوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده بلا تفريط)؛ لأنه نائب المالك في اليد و التصرف، فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك، (ولو) بجعل، فإن فرط أو تعدى أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر ضمن.
(ويقبل قوله) أي الوكيل (في نفيه) أي نفي التفريط ونحوه، (و) في (الهلاك مع يمينه) لأن الأصل براءة ذمته، لكن إن ادعى التلف بأمر ظاهر كحريق عام ونهب جيش كلف إقامة البينة عليه، ثم يقبل قوله فيه.
وإن وكله في شراء شيء فاشتراه واختلفا في قدر ثمنه، قبل (قول) الوكيل، و إن اختلفا في رد العين أو ثمنها إلى الموكل فقول وكيل متطوع، وإن كان يجعل فقول موكل.
وإذا قبض الوكيل الثمن حيث جاز فهو أمانة في يده لا يلزمه تسليمه قبل طلبه ولا يضمنه بتأخيره، ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه، (ومن ادعى وكالة زيد في قبض حقه من عمرو) بلا بينه (لم يلزمه) (أي) عمرا (دفعه إن صدقه) (لجواز أن ينر زيد الوكالة فيستحق الرجوع عليه، (ولا) يلزمه (اليمين إن كذبه)؛ لأنه لا يقضي عليه بالنكول فلا فائدة في لزوم تحليفه.
(فإن دفعه) عمرو (فأنكر زيد الوكالة حلف)؛ لاحتمال صدق الوكيل فيها (وضمنه عمرو) فيرجع عليه زيد لبقاء حقه في ذمته.
ويرجع عمرو على الوكيل مع بقاء ما قبضه أو تعديه، لا إن صدقه وتلف بيده بلا تفريط.
(وإن كان المدفوع) لمدعي الوكالة بغير بينة (وديعة أخذها) حيث وجدها لأنها عين حقه، (فإن تلفت ضمن أيهما شاء)، لأن الدافع ضمنها بالدفع والقابض ما لا يستحقه، فإن ضمن الدافع لم يرجع على القابض إن صدقه، وإن ضمن القابض لم يرجع على الدافع، وتدعى الوكالة دعوى الحوالة والوصية.
وإن ادعى أنه مات وأنا وارثه لزمه الدفع إليه مع التصديق واليمين مع الإنكار على تقي العلم.