Advertisement

مذكرة المعاوضات المالية

المعاوضات المالية
وبعض التطبيقات المعاصرة
لطلبة الشريعة والمساند

تأليف: د. عبد الكريم حمد الماضي

قواعد مهمة في المعاوضات

1. الأحكام الشرعية:
العبادات:
* الأصل فيها الحظر والمنع إلا بدليل فإعمال العقل والقياس فيها –في الغالب- ممنوع لأنه سيؤدي إلى الضلال، يقول ابن تيمية: "العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع ... ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء الحديث يقولون إن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى "الفتاوى 29/17، والدليل على هذه القاعدة هو الاستقراء يقول الشاطبي" فإذا رأينا الطهارة تتعدى محل موجبها ... وأزمنة الفقرات التي خلت منها الرسل لم يهتد إليها العقلاء بعقولهم فقد وقع الغالب في الضلال ... العقل لا يستقل بإدراك معانيها ولا بوضعها فافتقرنا إلى نصوص الشريعة في ذلك" الموافقات 510/2.
المعاملات:
* الأصل فيها الحل فلا يشترط إذن خاص في حلها بل النظر في هذا الباب إلى مصالح العباد فيكتفي بالأدلة العامة والقواعد الكلية يقول ابن تيمية "إن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع فنحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم بثبوت سببه منا ... فإذا كنا نحن المثبتين لذلك السبب لم يحرم الشرع ذلك" القواعد النورانية ص 24، وبقول البخاري (الحنفي)" وتمسك من فرق بين العبادات وغيرها بأن العبادات وجبت لله تعالى على الخلوص فتضاف إلى إيجابه لأن ما عرفنا وجوبها إلا بالشرع ... والمعاملات تضاف إلى الأسباب لأنها حاصلة بكسب العبد فتضاف إليه "كشف الأسرار 340/2، فكل ما تصالح الناس عليه وكان محققاً لمصلحتهم ولم يخالف القواعد العامة –التي ستأتي- فإن الشريعة تقره أو تغير بعض جزئياته ولذلك نجدها أقرت بعضاً من أحكام الجاهلية كالدية والقراض وغيرها وهذا ما أكده ابن عاشور في مقاصد الشريعة أن للشريعة في باب المعاملات مقامان: تغيير وتقرير فليراجع 196/3.

2. العبرة بالعقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني:
وقد أخذ بهذه القاعدة جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وأما الشافعية فقد اختلفوا فيها. فلو قال: وهبتك هذا الكتاب بعشرة دنانير أصبح بيعاً وليس هبة، وكذلك لو قال: بعتك هذا بدون مقابل أصبح هبة وليس بيعاً، وهذه القاعدة تفيدنا كثيراً في العقود المعاصرة في البنوك فهي لا تتشابه معه العقود السابقة –في الغالب- إلا باسمها لا بمضمونها كالوديعة والحوالة.

3. القواعد العامة لفساد عقد المعاوضة:
أ. الربا: وسيأتي الحديث عنه في باب مستقل.
ب. الغرر: كل تعاريف العلماء متقاربة وأظهر تعريف هو تعريف السرخسي: "ما يكون مستور العاقبة" المبسوط 177/15، وعرفه أبو يعلي "ما تردد بين أمرين ليس أحدهما أظهر" المبدع 362/3.
ويستثنى من الغرر:
- اليسير.
- والذي لا يمكن التحرز عنه.
- وما كان تابعاً.
يقول ابن القيم "فليس كل غرر سبباً للتحريم والغرر إذا كان يسيراً أو لا يمكن الاحتراز منه لم يمنع من صحة العقد" زاد المعاد 727/5.
ج. أكل أموال الناس بالباطل: والحق أن كلا الأمرين: الربا والغرر راجع إلى معنى أكل أموال الناس بالباطل، يقول ابن تيمية "إن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل ... وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان: الربا والميسر ... ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم فصل ما جمعه الله في كتابه فنهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر" الفتاوي 24/29.

4. الموازنة في المنافع بين طرفي العقد:
الاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي إنساني، لا ينظر إلى إشباع الرغبات والحاجات الشخصية فقط، بل يحاول أن يوازن المنافع بين طرفي العقد، حتى إذا ما تضرر أحد المتعاقدين واستقل أحدهما بمنافع العقد تدخلت الشريعة لإعادة هذا التوازن ولذلك سُرعت الخيارات والإقالة، ونجد القانون وضع نظرية الظروف الطارئة وهي موجودة بالفقه –مثلاً- عند المالكية نظرية الجوائح في الثمار، والعذر في الإجارة عند الحنفية، وهذه القاعدة خاصة في العقود الإلزامية المالية ذات المدة كقعود التوريد، الاستصناع والإجارة وغيرها، وهذا مبدأ إنساني راقي حتى إن ستيفن كوفي صاحب كتاب العادات السبع لأكثر الناس فاعلية –وهو الأكثر مبيعاً- ذكر قاعدة كاملة من القواعد السبع: بأنه لابد أن يفكر الإنسان بطريقة win- win أي تجعل من الكل رابحين لا بطريقة win –lose.

عقود المعاوضات:
أ. العقد:
- لغة: الربط والشد.
- اصطلاحاً: ارتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يظهر أثره في المحل.
ب. المعاوضة:
- لغة: مصدر صاحبه في البيع: أعطاه إياه بدل ما ذهب منه، وهذا المعنى لا يختلف عن المعنى الاصطلاحي لأن كل طرف يأخذ مقابلاً لما سيقدمه.

طبيعة عقد المعاوضة:
تنقسم العقود من حيث طبيعتها:
- جائزة: يجوز فسخها بدون إذن الطرف الآخر كالوكالة في بعض الحالات.
- لازمة: لا يجوز فسخها إلا برضا الطرفين كالبيع.
- جائزة من طرف ولازمة من طرف: كالرهن فهو جائز بالنسبة للمرتهن، ولازم للراهن.

البيع:
عقد البيع:
لغة: مشتق من الباع لأن كل من الطرفين يمد باعه.
اصطلاحاً: مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض. الزاد 240.

شرح التعريف:
- مبادلة: هذه هي حقيقة البيع، والأصل فيه المبادلة.
- مال: المال كل ما أباح الشارع الانتفاع به من غير حاجة هذا عند الجمهور، والحنفية لابد من الإحراز والادخار، فالشاة مال، والبيت مال، والسيارة مال، والدنانير مال.
- مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة بمثل أحدهما: هذا تلخيص لجميع عمليات المبادلات فالأصول ثلاثة: مال معين، ومال في الذمة، ومنفعة، فكل مال له ثلاث عمليات مرة مع نفسه ومرة مع الاثنين الآخرين ويكون النتائج تسع عمليات.
- على التأبيد: ليخرج الإجارة لأنها تشابه البيع إلا أنها ليست على التأبيد.
- غير ربا: الربا سماه الله عز وجل بهذا الاسم فقال: وأحل الله البيع وحرم الربا، والعطف يقتضي المغايرة.
قرض: لأن القرض وإن كان فيه مبادلة إلا أنه من باب الإحسان والإرفاق بخلاف المعاوضة.

المشروعية:
- الحاجة سبب البيع:
الإنسان مدني بالطبع، هذا ما قرره الحكماء في السابق، ودلت عليه النصوص الشرعية، فلما كان الإنسان لا يستقل بنفسه في قضاء حوائجه احتاج إلى ما في يد الغير فاضطر إلى إنشاء العقود كالبيع، وكما قلنا بأن الأصل في هذا الباب هو النظر إلى مصلحة الناس.
يقول الرازي "مصالح العالم إما أصول ... والأصول أربعة: الزراعة والحياكة وبناء البيوت والسلطنة وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله وثوب يلبسه وبناء يجلس فيه والإنسان مدني بالطبع فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من بني جنسه يشتغل كل منهم بمهم خاص فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل" مفاتيح الغيب 471/29، فالإنسان غير مكتف بنفسه فاحتاج إلى استدعاء مادة بقائه من غيره ووجب أن يعطي عوض عن ما أخذ بالمعاوضة التي قالها الحكماء: الإنسان مدني بالطبع. انظر الهوامل والشوامل 13/3.

نصوص الكتاب والسنة:
من الكتاب:
- (وأحل الله البيع وحرم الربا) .
- (وأشهدوا إذا تبايعتم).
- (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض).
من السنة:
- (البيعان بالخيار ...).
عند قراءة كتب الفقهاء نجد بأنهم يبتدأون بمشروعية البيع من الكتاب والسنة ثم يقولون: والحاجة تقتضيه. أنظر: المجموع 145/9، ووجهة نظري: أن هذه النصوص – وإن كانت للمشروعية - إلا أنها سبقت لبيان حكم يتعلق بالبيع وليس البيع نفسه قلم يقل: بيعوا واشتروا مطلقاً، لأن المدنية هي سبب هذه العقود –كما مر بنا- والشريعة جاءت مقررة أو واضعة ضوابط لهذه العقود لكي لا يختلق التوازن والعدل.
فمثلاً:
- (وأحل الله وحرم الربا): سيقت لتحريم الربا.
- (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل): سيقت للنهي عن أكل أموال الناس بالباطل وبيان التراضي.
- (وأشهدوا إذا تبايعتم): سيقت لرفع الخصومة وحسم النزاع.

أركان وشروط البيع:
الركن والشرط كلاهما يتوقف عليهما وجود الشيء ولكن الركن يكون داخل الشيء والشرط خارجه، يقول الناظم: والركن في ماهية قد ولجا ... والشرط عن ماهية قد خرجا.

الأركان:
- العاقدان: البائع والمشتري.
- المعقود عليه: الثمن والسلعة.
- الصيغة: الإيجاب والقبول، فالإيجاب من البائع، والقبول من المشترى عند الجمهور خلافاً للحنفية فما صدر أولاً إيجاباً عندهم وما صدر ثانياً قبولاً، وقد تكون قولية أو فعلية (المعطاة) وهي جائزة خلافاً للشافعية لجريان العمل بها والعرف.

شروط البيع:
1. الرضا: (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض) إلا في حالة الإكراه بحق فيجوز.
2. صدوره من جائز التصرف: وهو الحر المكلف الرشيد للحديث (رفع القلم عن ثلاث)، والصبي المميز يجوز تصرفه بإذن وليه عند الجمهور، والحنفية يقسمون تصرفاته إلى ثلاثة أقسام: ما كان فيه نفع محض كقبول الهدية فلا يحتاج إلى إذن، ما كان فيه ضرر محض لا يجوز مطلقاً كالتبرع، والدائرة بين النفع والضرر كالبيع موقوفة على إذن وليه.
3. العين مباحة النفع من غير حاجة: فلابد أن تتوافر هذه الشروط الثلاثة في المبيع وهو أن يكون فيه منفعة مباحة من غير حاجة.
4. أن يكون من مالك المبيع أو من يقوم مقامه: بالإجبار كالولي أو بالاختيار كالوكيل، لحديث (لاتبع ما ليس عندك) ومعناه كما قال ابن القيم:
- عين ليست عنده بل ملك للغير.
- ما لا يقدر على تسليمه.
ويدخل فيه مسألة بيع الفضولي وهو جائز عند الحنابلة إذا أذن المالك الأصلي –بشروط ذكروها- بخلاف الشافعية.
5. القدرة على تسليم المعقود عليه: للنهي عن بيع الغرر.
6. أن يكون المبيع معلوماً: بجميع طرق العلم كالرؤية أو الوصف أو السمع أو الشم أو الذوق أو اللمس، ويجوز بيع الأنموذج لأن رؤية البعض تغني عن الكل.
مسألة: لو رأى المبيع ثم بعد أيام قال: أريده، ننظر إذا كان المبيع يتغير خلال هذه المدة فلابد من رؤية أخرى ولا تكفي الرؤية الأولى كالرطب، بخلاف ما لا يتغير كالسيارة.
7. أن يكون الثمن معلوماً: وبيع السوم جائز وإن كان فيه جهالة إلا أنها ستؤول إلى معرفة.

البيوع المنهي عنها:
- النهي في العبادات يدل على الفساد والبطلان بمعنى واحد سواء كان الخلل في الأركان أو الشروط عند الجمهور.
- النهي في المعاملات: الجمهور لا يفرقون بين العبادات والمعاملات، الحنفية يفرقون: فالباطل ما لم يكن مشروعاً لا بأصله ولا بوصفه والفاسد ما كان مشروعاً بأصله لا بوصفه.

بعض هذه البيوع باطل مع الإثم، وبعضها صحيح مع الإثم، لأن النهي:
- إذا كان على المحل يقتضي الفساد والبطلان معاً عند الجميع كالخمر.
- إذا كان على أمر مقارن غير لازم: الجمهور صحيح مع الإثم، الحنابلة: البطلان كالبيع بعد النداء الثاني.
- أمر مقارن لازم: الجمهور البطلان والفساد معاً، الحنفية: الفساد دون البطلان كالربا.

البيوع المحرمة الباطلة:
1. بيع اللبن في الضرع والثمرة قبل بدو الصلاح: للغرر، ولكن يستثنى بيع الثمر قبل صلاحها إذا كان فيها نفع كالحصرم والضابط فيها إمكان أكلها واستساقتها ويشترط في ذلك: الانتفاع والقطع، وعلة القطع خوف من تلف الثمرة وهذا مأمون فيما يقطع في الحال.
2. بيعتان في بيعة: جاء في حديث أبي هريرة (نهى عن بيعتين في بيعة) واختلفوا في مفهومها:
- العينة عند المالكية وابن تيمية.
- أن يقول: بعتك هذا بمائة على أن تبيعني دارك.
- والأشهر: بعتك هذا بمائة نقداً وبمائتين نسيئة فتتم الموافقة دون تحديد الثمن وهو بخلاف بيع التقسيط والراجح جوازه لأن: الثمن يكون محدداً، ولأن زيادة الثمن مقابل الأجل جائزة لأن العقد معاوضة وليس قرضاً.
3. بيع العربون: وهو جزء من الثمن إن تم البيع، وهبة للبائع إن لم يتم، والجمهور على منعه:
- لحديث (نهى عن بيع العربان).
- ولأن الخيار مجهول المدة.
- لو جاز تعوض رب السلعة عن انتظاره كان لابد أن يكون معلوم المقدار كالإجارة، والحنابلة على جوازه لحديث نافع بن الحارث مع صفوان، وفيه: وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة دينار. والصحيح أنه جائز إذا تكلف البائع وحصل ضرر.
4. بيع الدين بالدين: للحديث (نهى عن بيه الكالئ بالكالئ) وهذا الحديث إسناده ضعيف ولكن معناه صحيح لأن فيه موسى بن عبيدة الربذي قال عنه أحمد: لا تحل الرواية عنه، والصورة المتفق عليها في بيع الدين بالدين: عدم تسليم رأس مال السلم في مجلس العقد، ومن أراد التوسع فليراجع إعلام الموقعين لابن القيم فقد قسمها إلى أربعة أقسام: واجب بواجب، ساقط بساقط، وواجب بساقط، وساقط بواجب.
5. بيع المبيع قبل قبضه: لحديث مسلم (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) واختلفوا على تحديد نوعية المبيع:
- فقال الحنابلة: الموزون والمكيل.
- وقال الحنفية: المنقول دون العقار؟
- وقال المالكية: الطعام فقط.
وهناك قول لابن عباس يقول (وأحسب كل شيء مثله) أي كل شيء مثل الطعام لا يجوز بيعه قبل قبضه.

البيوع المحرمة غير الباطلة:
1. بيع المصراة: هي التي تربط أحلافها فيظنها المشتري أنها ذات لبن، والحديث (لا تصروا الإبل ولا الغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها: إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) وهذا رأى الجمهور وأما الحنفية فلا يعمل بهذا الحديث عندهم لأنه آحاد وخالف القياس علام وأن راوي هذا الحديث ليس من أهل الفقه وهو أبو هريرة، ولكن ذهب عيسى بن أبان من الحنفية إلى قبوله لأن أبا هريرة من الفقهاء رضي الله عنه.
2. بيع الحاضر للبادي: أي لا يكون الحاضر للبادي سمساراً في بيع بضاعته بل يتركه يتولى البيع بنفسه للحديث (لا يبع حاضر لباد) والحكمة منه كما جاء في الحديث (دعوا الناس يرزق بعضهم بعضاً) فالحاضر ليس مستعجلاً في البيع فلا بيعها إلا بالسعر المناسب وأما البادي فكما قال الشافعي أن أهل البادية يقدمون جاهلين بالأسواق ولحاجة الناس إلى ما قدموا به ومستثقلين المقام فيكون أدنى أن يرتخص المشترون سلعهم فإذا تولى أهل القرية لهم البيع ذهب هذا المعنى.
ثم إن كثرة الوسائط في السلعة حتماً سيزيد من ثمنها فكل وسيط وسمسار سيأخذ عمولته من زيادة سعر السلعة.
3. الاحتكار: جاء في الحديث (لا يحتكر إلا مخطئ) والاحتكار نوعان:
- ممنوع: أن يشترى الطعام أو السلعة في وقت الغلاء للتجارة ولا بيعه في الحال بل يدخره ليعلو ثمنه، ذكره النووي في المجموع.
المشروع: إمساك الطعام والسلع عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وعدم حاجة الناس إليه وهذا تفسير مالك ذكره ابن حجر في الفتح، كأن يشترى سلع الصيف في أواخر موسم الصيف ويمسكها حتى بداية الموسم القادم.
واختلفوا هل الاحتكار يكون بالطعام فقط وهو رأى الحنابلة والحنفية أم الطعام والسلع وهو رأى المالكية، يقول أبو يوسف الحنفي "كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار: تبيين الحقائق 27/6.
4. تلقى الركبان: أن يخرج التاجر خارج البلد فيستقبل القادمين بالبضائع ويوهم أن ما معهم من السلع ليس له رواجاً في المدينة فيشتريها منهم بأقل من ثمنها وجاء في الحديث (لا تلقوا الركبان).
5. البيع على بيع أخيه والسوم على سومه: للحديث (لا يبع بعضكم على بيع أخيه)، (ولا يسم المسلم على سوم أخيه)، والمراد بالبيع على بيع أخيه والسوم على سومه كما قال ابن بطال "إذا تقاربا من تمام البيع"، وقال ابن عبد البر "السوم على سوم أخيه إذا جنح البائع إلى بيعه".
6. مبايعة من يعلم أن جميع ماله حرام: سواء كانت عيناً محرمة كالخنزير أو عن طريق اكسب كالقمار والربا فلا تجوز معاملته، ولكن هذا إذا كان جميع ماله هكذا، أما إذا كان مختلطاً وكان يعلم عين الحرام فلا تجوز معاملته بما علم يقيناً أما إن لم يعلم وكان أكثره حراماً يكره عند الشافعي، وبعض العلماء يفرق بين ما كان لعينه أو لكسبه استناداً على حديث هريرة -رضي الله عنها- إذا ابتلى إنسان بالمال الحرام فأفضل طريقة للتخلص منه بالتصدق به في غير مسجد وقرآن، وهذا ينطبق أيضاً على المؤسسات المالية التي قد تبتلى من ناحية وجود بعض الشروط المحرمة في العقد في الدول الغير إسلامية فتجتنب هذه الأموال ويتخلص منها، وكذلك أرباح الودائع في البنوك الغير إسلامية للمضطر.
7. البيع والشراء بعد النداء الثاني لمن تلزمه الجمعة: لقوله تعالى (وذروا البيع، وتلزم المسلم المقيم الذكر الصحيح.
8. البيع والشراء داخل المسجد: للحديث (إذا رأيتم من يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك)، فالمساجد لم تبن لهذا وإنما للعبادة والذكر.
9. بيع العينة: وهو أن يبيع السلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها مرة أخرى نقداً بثمن أقل ممن باعها له، وهو من التحايل على الربا وباطل عند المالكية والحنابلة، سواء كان مشروطاً البيع الثاني أم لا، وأما الشافعي فيجوز عنده إذا لم يكن مشروطاً، وأساس الخلاف بين المالكية والشافعية هو مبدأ سج الذرائع فالمالكية يتوسعون فيه كثيراً والشافعية لا يبطلون العقد إلا بما اقترن به، وجاء فيه الحديث (إذا تبايعتم بالعينة ...).
10. وأما التورق فقد اختلف العلماء فيه والجمهور على إباحته، لأن الأصل في العقود الإباحة، وذهب إلى تحريمه ابن تيمية لأنه يراه وسيلة للربا وأنه بيع مضطر، والصحيح جوازه بضوابط:
- أن يكون لضرورة أو حاجة.
- ألا ترد السلعة للبائع الأول.
- ألا يكون هناك علاقة بين الأطراف الثلاثة.
والحكمة من القول بجوازها هو رفع الحرج عن الناس، لأنه قل وندر من يقرض القرض الحين في الوقت الحالي.

الفرق بين التورق والعينة:
- التورق ثلاثة أطراف، العينة طرفان.
- التورق لا تُباع السلعة على بائعها الأول، العينة تُباع السلعة على بائعها الأول.

الشروط في البيع:
تكلمنا في السابق عن شروط البيع، وأما الآن فسنتكلم عن الشروط في البيع، والفرق بينهما:
1. شروط البيع من وضع الشارع، وفي البيع من وضع المتعاقدين.
2. شروط البيع لا يمكن إسقاطها، وفي البيع يجوز.

واختلف العلماء في الشروط في البيع:
- فمنعها ابن حزم مستدلاً بحديث (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) المحلى 3/5.
- أجازها الجمهور ولكن توسع فيها الحنابلة كثيراً، فالشرط الصحيح ما وافق مقتضى العقد ولم ينه عنه الشارع.
والشرط الفاسد: ما ينافي مقتضى العقد أو نهى عنه الشارع:
- فمنها ما يبطل العقد من أصله مثل أن يشترط أمراً آخراً أبيعك على أن تقرضني (نهى عن سلف وبيع).
- ومنها ما يصح معها البيع ويبطل الشرط مثل أن يشترط البائع على المشترى ألا تباع السلعة وعند بعض العلماء يفسد العقد.
- ومنها ما لا ينعقد البيع بها كأن يضيف البيع إلى المستقبل.
وأما الشرط الجزائي فهو حديث بهذه التسمية وهو شرط تعويضي عما يصيبه من الضرر من الطرف الآخر وهو جائز في العقود ما عاد المالية لأنه سيكون ربا.
إذا كان الشرط فيه منفعة لأحد المتعاقدين كنقل البضاعة من محلات البائع إلى المشترى لهذا الشرط صحيح عند أحمد لحديث جابر أنه باع جملاً للنبي صلى الله عليه وسلم واشترط ظهره، والجمهور غير صحيح للحديث (نهى عن بيع وشرط).

الربا:
من أخطر أبواب المعاوضات وأدقها، وقد وردت خمس عقوبات للمرابي في القرآن:
1. التخطيط (كالذي يتخبطه الشيطان من المس).
2. المحق (يمحق الله الربا).
3. الكفر (والله لا يحب كل كفار أثيم).
4. الحرب (فأذنوا بحرب من الله ورسوله).
5. الخلود في النار (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون).
ويقول عمر رضي الله عنه: لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا، وهو أصل الأزمات المالية فلا أزمة إلا وراءها ربا.

أنواع العقود التي يدخلها الربا:
يقول ابن رشد "اتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيوع، وفيما تقدر في الذمة" بداية المجتهد 148/3
- البيوع: وهو نوعان:
الفضل: بيع ربوي بجنسه مع زيادة في أحد العوضين.
النسيئة: بيع الربوي بربوي آخر نفس علته إلى أجل.
وثبت في تحريمه الكتاب كما قال ابن تيمية "ومن هذا الباب لفظ الربا فإنه يتناول كل ما نهى عنه من رباء النساء وربا الفضل والقرض الذي يجر منفعة وغير ذلك" الفتاوى 19/284.
- الديون: وهو ربا الجاهلية المعروف (أنظرني أزدك)، وقد يكون عن قرض أو زيادة في الدين الثابت في الذمة فأما القرض فيرى البعض دخوله في ربا الفضل قال البجرمي من الشافعية "إنما جعل ربا القرض من باب الفضل مع أنه ليس من هذا الباب لأنه لما شرط نفعاً للمقرض كان بمنزلة أنه باع ما أقرضه بما يزيد عليه" حاشية البيجرمي 190/2.
والزيادة في الدين سماه ابن القيم بالربا الجلي وجعله من ربا النسيئة "فأما الجلي فربا النسيئة وكانوا يفعلونه في الجاهلية مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال" إعلام الموقعين 397/3.
ودل على تحريمه الكتاب والسنة، فمن الكتاب: (وأحل الله البيع وحرم الربا)، ومن السنة (ربا الجاهلية موضوع).
وأما على تفصيل الأموال الربوية فقد جاء فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم).

الفرق بين ربا الديون والبيوع:
- الديون فيه نسيئة، البيوع فيه: نسيئة وفضل.
- الديون في كل ما يصح قرضه، والبيوع في أصناف معينة منصوص عليها أو مقيس عليها.

إشكاليات:
أ. ورد في البخاري حديث (لا ربا إلا في النسيئة) وظن البعض –كابن عباس- رضي الله عنهما- إنه مقصور فقط على النسيئة دون الفضل والرد على هذا القول:
- قال بعضهم بأنه منسوخ بحديث الأصناف الستة وهذا الرأي ضعيف.
- أنه كإجابة لسؤال فنقل الراوي الإجابة ولم ينقل السؤال كما قال السرخسي.
- أنه من أساليب العرب كأن تقول لمن يتألم ألماً بسيطاً ليس بألم إنما الألم كذا وكذا، أو فلان ليس بغني إنما الغني فلان وفلان كما قال ابن تيمية، فالنسيئة هو الغالب والأشهر وهو محرم تحريم مقاصد وأما الفضل فهو محرم تحريم وسائل، يقول ابن القيم "وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيح العرايا من ربا الفضل".
ب. لا فرق بين القرض الإنتاجي والاستهلاكي في تحريم الفوائد.

تفصيل ربا البيوع:
تعريفه: تفاضل في أشياء، ونسئ في أشياء، مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها: نصاً في البعض، وقياساً في البعض الآخر.
شرح التعريف:
- تفاضل في أشياء: ربا الفضل (مثلاً بمثل).
- نسئ في أشياء: ربا النسيئة (يداً بيد).
- مختص بأشياء ورد الشرع بتحريمها نصاً في البعض: الأصناف الستة المنصوص عليها.
- وقياساً في البعض الآخر: جمهور العلماء لم يقتصروا على الأصناف الستة كما فعل ابن حزم بل قاسوا عليها ما يشبهها من الأموال، ولكنهم قبل القياس عليها قسموها إلى قسمين للتشابه.
1. المعادن: وهما الذهب والفضة فقالوا علتهما:
- الوزن والجنس وهو رأي الحنابلة.
- غلبة الثمينة وهو رأى الشافعية والمالكية.
- مطلق الثمينة رأى الحنفية وابن تيمية ورواية عن أحمد.
(الفرق بين مطلق الثمينة وغلبة الثمينة):
العلة قاصرة على الذهب والفضة عند من قال بغلبة الثمينة ، والعلة متعدية من قال بأن بمطلق الثمينة.
2. الطعام: وهو البر والشعير والملح والتمر، والعلة فيهم:
- القوت والادخار وهو رأى المالكية.
- الطعم وهو رأى الشافعية .
- الطعن مع الكيل أو الوزن وهو رأى الحنابلة.

شروط مبادلة الأموال الربوية ببعضها:
قبل الحديث عن هذه المبادلات لابد من بيان نقطتين:
- الفرق بين الجنس والنوع: بعيداً عن تعريفهما الدقيق سأقتصر على أن الجنس أعم من النوع، وهو ما يندرج تحته أنواع، مثلاً التمر جنس تحته أنواع، وكل الأصناف الستة وما يقاس عليها تعتبر أجناساً.
- لا ينظر إلى الجودة والرداءة فلا فرق بين ذهب عيار 18 و24، ولا فرق بين تمر إخلاص وتمر عجوة، والدليل على هذا حديث أبي هريرة في خيبر وفيه: أوه عين الربا بع الجمع بالدراهم الخ ...، ولأن ربا الفضل حرم سداً للذريعة يقول ابن القيم بعد أن قسم الربا إلى جلي –الديون -وخفي –البيوع "وذلك أنهم إذا باعوا درهماً بدرهمين ولا يفعل هذا إلا للتفاوت بين النوعين إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر وهو عين ربا النسيئة" إعلام الموقعين 215/11.
- عند اتحاد الجنس: التقابض والتماثل كذهب بذهب.
- عند اختلاف الجنس واتحاد العلة: التقابض كتمر بشعير.
- عند اختلاف الجنس والعلة: لا يشترط شيئاً كتمر بذهب.
ملاحظات:
- القبض قد يكون حقيقاً باليد وقد يكون حكمياً كالشراء بالبطاقات الائتمانية، ويعفي عن المدة اليسيرة بين تحويل المبلغ من حساب العميل إلى حساب التاجر كما جاء في المعايير الشرعية.
- الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.

الأوراق النقدية:
- تعتبر مالاً ربوياً وتجرى عليها أحكام الربا وهذا الذي يتوافق مع روح الشريعة ومقاصدها.
- وقد كانت الورقة مغطاة بالكامل بالذهب ويوضع الذهب في البنوك للحفظ فأي شخص يعطيهم الورقة يستبدلونها بالذهب وهو ما يعرف (البنكنوت) وهي كالسفتجة بالفقه، ثم تغير الغطاء الذهبي فلم تكن العملة مغطاة بالكامل بالذهب، وبعضها تغير بالكامل وأصبحت الورقة تعتمد على القوة العسكرية أو الثروات الطبيعية كالنفط والغاز.
والجدير بالاهتمام الاطلاع على اتفاق برايتون وودز في أمريكا سنة 1944م وكيف ارتبط الدولار بالذهب بما يعرف gold dollar وكيف تحور إلى retro dollr بعد حرب فيتنام وضغط بريطانيا على الولايات المتحدة الأمريكية ولجوءها إلى المملكة العربية السعودية في عهد الملك فيصل رحمه الله تعالى.
- كل دولة تعتبر عملتها جنساً مختلفاً عن الأخرى، فالدينار البحريني جنس، والدينار الكويتي جنس وهكذا، بخلاف الذهب.

بعض مسائل الربا المهمة:
- ضع وتعجل: وهو خصم من أصل الدين مقابل تعجيله، واختلف العلماء فيها فذهب أكثرهم إلى التحريم لشبهه بالربا يقول ابن رشد "وعمدة من لم يجز أنه شبيه بالزيادة مع النظرة المجمع على تحريمها" بداية المجتهد 142/2، وذهب ابن تيمية إلى جوازها مستنداً على حديث إخراج بني النضير وفيه: ضعوا وتعجلوا، وهو عكس الربا لأن الربا إضرار بالمدين، وضع وتعجل تتضمن براءة ذمة المدين وانتفاع الطرفين.
- مد عجوة: وهي بيع ربوي بجنسه ومعهما أو مع أحدهما صنف آخر من غير جنسه مثل درهمين بدرهم وثوب، فإن كان مقصوداً فقد اختلف العلماء فيها: فبعضهم ذهب إلى المنع مطلقاً وهو رأى المالكية، وبعضهم الجواز مطلقاً وهو رأى للحنابلة، وبعضهم المنع ما لم يكن المضموم إلى غيره تابعاً للمبيع غير مقصود بالأصالة كسيف محلى بذهب وغيرها من الآراء.

الصرف والمضاربة
بالمعاملات
الصرف:
وهو بيع النقد بالنقد اتحد الجنس أو اختلف، المغني 378/6.
من خلال التعريف يتبين لنا أنه عقد ربوي، وشروطه هي شروط المبادلات في المال الربوي، فعند اتحاد الجنس يتشرط التقابض والتماثل كدينار كويتي بمثله، وعند اختلاف الجنس واتحاد العلة يشترط التقابض فقط كدرهم إماراتي بريال قطري.

المضاربة بالعملات:
الفرق بين المضاربة بالعملات والصرف أن النقد في المضاربة مقصداً للمتاجرة فيه، وفي الصرف مقصداً للمتاجرة به، ولابد قبل الحكم على المضاربة بالعملات أن نفهم وظائف النقود الأساسية بالعملات أن نفهم وظائف النقود الأساسية كما قالها علماء الاقتصاد والفقه.

وظائف النقود:
- واسطة للتبادل: يقول ابن تيمية "والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة للتعامل بها ولهذا كانت أثماناً بخلاف سائر الأموال فإن المقصود الانتفاع بها نفسها" الفتاوى 251/19، ويقول ابن القيم "فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً، لا يرتفع ولا ينخفض، فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات".
- وحدة قياس للأموال: يقول الغزالي: "فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما" الإحياء 114/4.
- أداة لاختزان القيم: يقول ابن خلدون "وهما الذخيرة والقنية لأهل العالم في الغالب، وإن اقتنى سواها في بعض الأحيان فإنما هو لقصد تحصيلهما بما يقع في غيرهما من حوالة الأسواق التي هما عنها بمعزل".
إن من أسباب تذبذب قيمة النقود: المضاربة فيها كما يقول أهل الاقتصاد وهذا ما ذكره ابن القيم "ويَمْنَعُ المحتسب من جعل النقود متجرأ، فإنه بذلك يدخل على الناس من الفساد ما لا يعلمه إلا الله، بل الواجب أن تكون النقود رؤوس أموال يتجر بها –بحيث تكون أثماناً –ولا يتجر فيها –بحيث تكون سلعاً)) ويبين ابن القيم أن اتخاذها سلعة يؤدي إلى أن يعم الضرر ويحصل الظلم بين الناس حيث يقول: (وحين اتخذت الفلوس سلعة تُعد للربح عمَّ الضرر وحصل الظلم" الطرق الحكمية 350
ومن دقيق فهم بعض العلماء أنهم جعلوا الأصل في الصرف الحظر وإنما أبيح للمصلحة.
فالنقود لا نؤدي هذه الوظائف إلا إذا اتصفت بالثبات (السرطاوي، الصرف، 3).

الفرق بين الصرف والمضاربة بالعملات:
الصرف: وسيلة وضرورة للتجارة والسياحة.
المضاربة غاية لا وسيلة وتلحق أضراراً بالاقتصاد.

الخيارات في البيع

الخيارات في البيع:
لما كان عقد البيع لازماً بطبيعته لا يجوز لأحد العاقدين فسخه دون رضا الطرف الآخر قامت الشريعة بوضع بعض الحلول لمعالجة هذه الطبيعة في العقد كفرص وتروية للإنسان فربما استعجل في البيع أو ربما كان المعيب ناقصاً.
الخيار: طلب خير الأمرين بين إمضاء العقد أو فسخه.

أنواع الخيارات:
الخيارات كثيرة فقد أوصلها الحنفية إلى سبعة عشر خياراً، والشافعية ستة عشر خياراً والحنابلة ثمانية، وسأقتصر على أهم ثلاثة خيارات –اختصاراً-.
1. خيار المجلس: وقال به الشافعية والحنابلة، وهو باطل عند المالكية والحنفية، فكل عاقد له الحق في الفسخ إذا لم يتفرقا.
- والتفرق يكون بالبدن لا بالقول، والغريب أن الحديث (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ...) رواه مالك في الموطأ لكن تركه لعمل أهل المدينة وقال: ليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به، حتى بالغ عبد الرحمن ابن أبي ذئب في مقولته عن الإمام مالك في هذا الموضوع.
- تحديد التفرق والمجلس منوط بالعرف، فالمكالمة الهاتفية يكون مجلس العقد الهاتف والتفرق بإغلاق السماعة، والديوان يكون المجلس الديوان والتفرق بالخروج منه، وهكذا.
- ويسقط خيار المجلس بإحدى هذه الأمور:
أ. التفرق بالأبدان، ويحرم التفرق خشية الفسخ.
ب. الموت.
ج. الاتفاق ألا خيار بينهما أو إسقاطه بعد العقد.
2. خيار الشرط: أن يشترط أحد المتعاقدين الخيار لنفسه والأصل فيه حديث: المسلمون على شروطهم.
ويشترط لصحة الخيار:
أ. أن تكون المدة معلومة.
ب. ألا تزيد المدة على ثلاثة أيام إذا كان المبيع لا يفسد خلالها عند الشافعية، والحنابلة لم يحددوها بل اشترطوا المعلومية فقط فقد تكون يوماً أو شهراً، ويرى ابن القيم جواز أن تكون المدة مجهولة لغاية مثل: أبيعك هذا البيت على أن لي الخيار حتى أشتري بيتاً آخر. الشرح الممتع 274/8.
ج. أن تكون المدة متوالية ومتصلة بالعقد.
د. ألا يكون المبيع مما يشترط فيه التقابض في مجلس العقد.
(ملكية المبيع ومن الخيار) تكون موقوفة حتى يتبين الحال، فإذا انفسخ العقد فالملكية لم تنتقل، وإن امضي العقد انتقلت الملكية للمشتري، وبالتالي يملك كل واحد منهما زوائد منافع المبيع وكذلك المؤنة).
3. خيار العيب:
- يثبت بسبب عيب ينقص من قيمة المبيع، فلو كان عالماً بهذا العيب فلا خيار له.
- إذا علم بعد البيع فله الخيار بين الإمساك أو الفسخ.
- واختلفوا: إن أمسكه هل يأخذ معه الأرش وهو قسط ما بين قيمة المبيع صحيحاً وقيمته معيباً، الجمهور لا أرش له إلا إذا تعذر رد المبيع فيكون له الأرش، والحنابلة قالوا بأن له الأرش وهي من مفردات المذهب.
- ونفرق بين الثمن والقيمة عند التقويم، فالثمن ما وقع عليه العقد، والقيمة ثمنه عند عامة الناس، فلو باع سيارة بخمسة آلاف ثم تبين بأن بها عيباً، فقدروا العيب وقالوا: بعشرة آلاف، فالأرش الخمس والثمن كان خمسة آلاف فينقص ألف.

الإقالة
كما قلنا بأن الاقتصاد الإسلامي أخلاقي، فربما وقع الإنسان في حاجة أو ضرورة بعد مدة من التعاقد وبعد نفاد جميع الخيارات، فشرعت الإقالة، ولكنها ليست كالخيار من حيث القوة بل هي من المندوبات، وقد حبب الشارع في الإقالة فقال صلى الله عليه وسلم: من أقال مسلماً أقال الله عثرته يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل.

طبيعة عقد الإقالة:
- فسخ عند الشافعية والحنابلة لأن الشارع سماها إقالة ولابد من الاقتصار على التسميات الشرعية كالربا.
- بيع عند الحنفية لأن حقيقة البيع موجودة من مبادلة مال بمال على وجه التراضي.

ثمرة الخلاف:
هل تجوز الإقالة في المسجد وبعد النداء الثاني ليوم الجمعة لمن تلزمه الجمعة؟
من قال بأنها فسخ يجوز عندهم، ومن قال بأنها بيع لا يجوز عندهم.

المرابحة
تعبير المرابحة من بيوع الأمانات التي يأتمن فيها المشتري البائع على صحة إبلاغه بالثمن الأصلي، وهي ثلاثة أنواع:
1. تولية: البيه بنفس رأس المال.
2. وضيعة: البيع بأقل من رأس المال.
3. المرابحة: البيع برأس المال مع ربح معلوم.

حكمها:
الجواز لعموم الأدلة: (وأحل الله البيع)، ولأن الأصل في هذا الباب الحل.
وذهب بعضهم إلى تحريمها فيما إذا قال: أبيعك برأس مالها بألف وأربح من كل مائة عشرة، لجهالة الثمن ولأنها تفتقر إلى فكرة حسابية لمعرفة أجزاء البيع تشق على المتعاقدين.
والصحيح أنها جهالة يسيرة تزول بالحساب.

شروط المرابحة:
1. أن يكون الثمن الأول معلوماً والعلم به شرط لصحة العقد.
2. ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من الأموال الربوية لأنه سيكون ربا.
3. أن يكون العقد الأول صحيحاً لأن إذا كان فاسداً تفسد معه تسمية الثمن.

الحكمة من المرابحة:
يقول المرغياني الحنفي الهداية "لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد فعل الذكي المهتدي وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وزيادة ربح".

المرابحة للآمر بالشراء
هي كالمرابحة من حيث المفهوم والشروط ولكن يضاف لها طرف ثالث وهو الآمر بالشراء، وهذه الصيغة هي المستخدمة في البنوك الإسلامية وإن كانت قد وجدت من قبل في كتب الفقهاء فقد ذكرها محمد ابن الحسن في كتابه (الحيل)، وسببها في الغالب هو نقص السيولة فيحتاج إلى الشراء بالأقساط ولا أحد يستطيع في الغالب تلبية هذا الطلب إلا البنوك.

خطوات المرابحة للآمر بالشراء، مع بيان بعض الأحكام:
- يتقدم العميل إلى المصرف آمراً إياه بشراء سلعة معينة.
- يوقع البنك العميل على ورقة تسمى (وعداً) وليست (عقداً) بأنه سيشتريها ويبيعها عليه بربح قدره كذا.

حكم هذه الخطوة:
أولاً: قلنا وعداً وليس عقداً لأن البنك في هذه المرحلة لا يملك السلعة فيريد أن يضمن حقه بالوعد.
ثانياً: حكم الوفاء بالوعد:
- الجمهور: الاستحباب.
- بعض المالكية وابن تيمية: واجب.
- المالكية: إن كان على سبب وتورط الموعود أي دخل في تكلفة فيجب الوفاء به.
والبنوك الإسلامية اختارت رأي المالكية لأنه سيدخل البنك في تكلفة ويريد أن يضمن حقه، فلو قلنا بالاستحباب لم يتقدم البنك على بيع المرابحة ولوقع حرج بالناس، وهناك حيلة أخرى ذكرها محمد بن الحسن أن يشترط الخيار فيرجع المأمور على الآمر فإن قبل بها تم البيع وإن لم يرض ردها بالخيار، لكن هذه الحيلة غير عملية مع واقع البنوك الإسلامية اليوم.
ثالثاً: الوعد يكون ملزماً لطرف واحد وهو العميل وليس ملزماً للبنك لأنه إذا كان ملزماً لطرفين لأشبه عقد البيع وكيف والبنك لا يملك السلعة إلى الآن!
- يقوم البنك بشراء السلعة نقداً من الوكالة –مثلاً- ويبيعها على العميل مقسطة مع ربح معلوم متفق عليه.

حكم هذه الخطوة:
أولاً: البنك يبيع السلع وهي موجودة عند البائع الأول لم يقبضها، وقلنا بجوار البيع قبل القبض ما عدا الطعام.
ثانياً: تجوز الزيادة في مقابلة الأجل بالأقساط فكلما زاد الجل زاد الربح ويكون متفق على مدة الأقساط مسبقاً والربح.

الفرق بين المرابحة والمرابحة للآمر بالشراء:
- المرابحة: الغالب تكون نقداً، وتكون من طرفين.
- المرابحة للآمر بالشراء: تكون بثمن مؤجل، من ثلاثة أطراف.

الإجارة
والإجارة المنتهية بالتمليك
الإجارة:
- هي بذل عوض معلوم في منفعة معلومة من عين معينة أو موصوفة في الذمة أو في عمل معلوم. المرداوي، الإنصاف 34/2.

مشروعية الإجارة:
كما قلنا في البيع الحاجة هي سببها يقول الماوردي "ليس كل من أراد طعاماً لمأكله وثياباً لملبسه قادر على عمله بنفسه وعلى إحداثه وإنشائه فدعت الضرورة إلى الإجارة على المنافع كما دعت الضرورة إلى ابتياع الأعيان" الحاوي الكبير 250/9، وأيضاً الكتاب والسنة والإجماع.
- من الكتاب: (يا أبت أستأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين).
- من السنة: (أعطوا الأجير قبل أن يجف عرقه) ابن ماجه
- الإجماع: أجمع العلماء على جوازها إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم لأنه عقد على منافع لم تخلق بعد. المغني 6/8.
وبتدقيق النظر سنرى أن الأدلة لم تسق أصالة بيان حكم الإجارة بل لبيان أحكام متعلقة بها.

أركان الإجارة:
1. الصيغة: الإيجاب والقبول، ويشترط فيها:
أ. موافقة الإيجاب للقبول.
ب. ألا يطول الفصل بينهما.
ج. عدم تعليقها على شرط: وعند الجمهور تجوز خلافاً للشافعي.
2. العاقدان: المؤجر والمستأجر، ويشترط فيهما:
- أخلية التعاقد.

حكم استئجار المسلم غير المسلم؟
- أكثرهم على الجواز للضرورة، وبعضهم الجواز مطلقاً دون ضرورة وكلا الفريقين استدل بحديث البخاري (أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر هادياً خريتاً).
استئجار الكافر للمسلم؟
- إذا كانت موصوفة في الذمة فجائز، وأما إذا كانت معينة فالجمهور لا يجوز لما فيها من الإذلال، والصحيح يجوز إذا كانت في الأعمال المباحة.
3. المعقود عليه: المنفعة والأجرة، ويشترط في المنفعة:
- أن تكون متقومة: أي معتبرة شرعاً أو عرفاً.
- في مقدور المؤجر تسليمها: ليتمكن المستأجر من استيفائها.
- أن تحصل المنفعة للمستأجر لا للمؤجر: فلا إجارة في العبادات التي تحتاج إلى نية ولا تدخلها النيابة، وتجوز فيما تدخله النيابة كالحج والأضحية.
-ألا يتضمن استيفاء المنفعة استهلاك العين: فلا يصح استئجار الشمع والصابون والطعام لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة إلا بهلاك وإتلاف العين، وأجاز العلماء أن تكون هذه تبعاً لا أصلاً للقاعدة (يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً)، يقول البهوتي: ويستحق ماء البئر تبعاً للدار في الأصح كشاف القناع 548/3.
وتطبيقه اليوم مثل الصابون والشمع والطعام الذي يوضع في غرفة الفندق عند استئجارها، فيجوز استخدامها مع أنها تحسب من قيمة الغرفة بالسعر الإجمالي.
- وبعض العلماء قاس هذا جواز استئجار الظئر فإن المقصود منفعة الخدمة والرضاعة تابعة، وبعضهم قال: الأصل اللبن وجاء استثناء من القاعدة إعلام الموقعين 34/2.
- أن تكون معلومة: وذلك بمعرفة محلها وقدرها وصفتها.

يشترط في الأجرة:
أن تكون معلومة: لحديث (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره)، وعذل يملك المؤجر الأجرة بالعقد أم باستيفاء المنفعة؟
- الحنفية قالوا لا تملك بالعقد نفسه، لأنه لا يستحقها دفعة واحدة وإنما شيئاً فشيئاً على حسب استيفاء المنفعة والديل (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) الكاساني، بدائع الصنائع 202/4.
- الشافعية والحنابلة قالوا بأنها تجب بالعقد. المغني 229/5.

أقسام عقد الإجارة:
- باعتبار نوع المحل المعقود عليه:
1. إجارة أعيان: كالبيوت والدور.
2. إجارة أعمال: كالخياطة والصبغ، وهذه تنقسم إلى:
- أجير خاص: الذي يتم التعاقد معه لمدة معلومة يستحق المستأجر نفعه في جمع المدة، وسمي خاصاً لاختصاص المستأجر بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس.
- الأجير المشترك: يتم التعاقد معه على عمل معين كخياطة ثوب وسمي مشتركاً لأنه يتقبل الأعمال من الآخرين.
الفرق بين الأجير الخاص والأجير المشترك:
الأجير الخاص: يده يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، ويستحق الأجرة بالمدة.
الأجير المشترك: يده يد ضمان، ويستحق الأجرة بالعمل.
- باعتبار تعيين المحل:
1. إجارة معينة: التي يكون نوعها معيناً بالرؤية أو الإشارة أو نحو ذلك مما يميزه عن غيره فالمستأجر يستوفي المنفعة من العين المؤجرة بذاتها.
2. إجارة موصوفة في الذمة: محلها غير متعين بذاته وإنما يتعين بالوصف والمؤجر لا يلتزم بتسليم عين أو شخص بذاته وإنما يلتزم بتسليم ما تنطبق عليه الصفة.
وأمثلتها في الوقت الحالي: مقاعد الطائرة، الدراسة والخدمات الطبية وغيرها.

الفرق بينهما:
تلجأ المؤسسات المالية إلى الإجارة الموصوفة في الذمة للأسباب التالية وهي نفسها الفروق بين الإجارتين:
- تقع على موصوف في الذمة دون تحديد الشخص الذي يقدمها.
- في حالة الهلاك: يفسخ العقد في المعينة بخلاف الموصوفة في الذمة.

أهم أحكام الإجارة:
1. صيانة العين المؤجرة: الصيانة الأساسية التي يتوقف عليها بناء المنفعة وعمارتها على المؤجر، وأما الصيانة الدورية والتشغيلية فعلى المستأجر.
2. إعادة تأجير العين المؤجرة: فيها تقصيل إذا كان قبل القبض أو بعده:

قبل القبض:
- الجمهور على الجواز بمثل الأجرة أو أكثر منها أو أقل. المغني 477/5.
- الحنفية تجوز في العقار دون المنقول قياساً على البيع. الفتاوى الهندية 426/4
بعد القبض:
- الجمهور على الجواز.
- القاضي من الحنابلة المنع لأن المنافع لم تدخل في ضمانه فهو ربح ما لم يضمن المنهي عنه. المغني 479/5.

الإجارة المنتهية بالتمليك:
- من التطبيقات المعاصرة للإجارة، وقد ظهرت أول مرة في انكلترا عام 1846م على يد بائع لآلات الموسيقى ثم انتقلت إلى المصانع فكان أول مصنع هو سنجر لآلات الحياكة ثم انتقلت لأمريكا عام 1953م.
- وظهرت هذه الصيغة لضمان حق صاحب السلعة لأن في البيع تنتقل الملكية إلى المشتري فربما تعثر بالسداد فستكون هناك إجراءات مطولة، وأما في هذه الصيغة فالملكية لم تنتقل.
- تعريفها: إجارة يقترن بها الوعد بتمليك العين المؤجرة إلى المستأجر في نهاية مدة الإجارة أو في أثنائها بوثيقة مستقلة عن عقد الإجارة. المعايير الشرعية.
- الإشكالات الشرعية في الإجارة المنتهية بالتمليك:
1. اشتراط عقد في عقد: يرى البعض بأنها غير جائزة لأنها اشتراط عقد في عقد، ولابد من بيان حكم هذه المسألة:
- الجمهور: عدم جواز اشتراط عقد في عقد كان يقول بعتك داري على أن تبيعني دارك.
- ابن تيمية: جواز اشتراط عقد في عقد إلا إذا كان أحدهما معاوضة والآخر تبرعاً كالبيع والقرض، والحديث خاص بالعينة. الفتاوي 69/29.
2. تعليق عقد المعاوضة على شرط: الجمهور على عدم الجواز أما ابن تيمية على الجواز.
3. تعليق الهبة على شرط: كالحكم السابق.
4. إلزامية الوعد: تكلمنا عنها في المرابحة اللآمر بالشراء.

صور الإجارة المنتهية بالتمليك وحكم كل صورة:
1. عقد إجارة بشرط تمليك العين بسداد القسط الأخير: لا يجوز وهو رأى مجمع الإسلامي والمعايير الشرعية.
2. عقد إجارة وعقد بيع معلق على سداد الأجرة: مر بنا حكم تعليق عقد المعاوضة على شرط.
3. عقد إجارة ووعد بالبيع: تجوز كما قال مجمع الفقه الإسلامي.
4. عقد إجارة مقترن بعقد هبة معلق على سداد جميع الأقساط: مر بنا الخلاف في تعليق الهبة على شرط.
5. عقد إجارة ووعد بالهبة: جائز بالإجماع.


المرفقات
اثر الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة
دكتور/ عبد الكريم حمد الماضي
ملخص البحث:
يهدف هذا البحث إلى تقديم رؤية أصولية فقهية متعلقة بالواقع حول أثر الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة.
وللوصول إلى هذا الهدف فقد ركز البحث على نقطتين أساسيتين وهما: مفهوم الاجتهاد بالرأي، والأسس التي يقوم عليها، ومن ثم الجوانب التطبيقية العملية في واقعنا المعاصر للمعاملات المالية وأثر الاجتهاد بالرأي فيها بما يحقق المصلحة العامة للناس من خلال دراسة التالي: الشخصية الاعتبارية للشركة، وضمان مال المضاربة على المضارب بالشرط، واستثمار أموال الزكاة، والاقتراض من البنوك الربوية في حال عدم وجود البديل الإسلامي، والإجارة المنتهية بالتمليك، اشتراط مبلغ مقطوع بجانب النسبة للمضارب إذا بلغت الأرباح نسبة معينة.
وقد خلصت الدراسة إلى أن الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة يحقق الهدف المنشود منها وهو تحقيق مصالح العباد ورفع الحرج عنهم من خلال تطبيق النص أو القياس عليه أو النظر للمقاصد الشرعية ومآلات الأفعال.
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فهذا البحث عبارة عن دراسة أثر الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة وذلك من خلال دراسة بعض الجوانب العملية للمعاملات المالية المعاصرة وأثر الاجتهاد بالرأي فيها وهي الشخصية الاعتبارية للشركة، وضمان مال المضاربة على المضارب بالشرط، واستثمار أموال زكاة، والاقتراض من البنوك الربوية في حال عدم وجود البديل الإسلامي، والإجارة المنتهية بالتمليك، اشتراط مبلغ مقطوع مع النسبة للمضارب تحفيزاً.
وقبل الخوض في هذه المباحث كان لابد من بيان مفهوم الاجتهاد بالرأي والأسس التي يقوم عليها.
مفهوم الاجتهاد بالرأي:
يتكون هذا المصطلح التركيبي من كلمتين: الاجتهاد، والرأي ، وقد أسهب هذا المصطلح التركيبي.
فالاجتهاد بالرأي لم يذكر تعريفه العلماء السابقون لحداثة المصطلح وإن كان مضمونه قد تطرق له العلماء في السابق خاصة المهتمين بالنظر المقاصدي والكلي للشريعة مثل: ابن تيمية والعز بن عبد السلام والشاطبي وابن القيم وغيرهم.
أما المعاصرون فقد اتفقوا على حقيقته وإن اختلفوا في التراكيب اللفظية وبعض القيود فيه.
- فقد عرفه محمد أبو زهرة بأنه: "تأمل وتفكير في تعرف ما هو الأقرب إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سواء أكان يتعرف ذلك الأقرب من نص معين وذلك هو القياس، أم الأقرب إلى المقاصد العامة للشريعة وذلك هو المصلحة".
ويؤخذ على هذا التعريف: أنه مع شمول معناه إلا أنه أغفل نقطة مهمة وهي النظر بمآلات الأفعال فهو داخل في الاجتهاد بالرأي لم يذكرها في التعريف.
- وعرف الدريني الاجتهاد بالرأي بأنه: "بذل الجهد العقلي من ملكة راسخة متخصصة، لاستنباط الحكم الشرعي العملي من الشريعة روحاً ونصاً، والتبصر بما عسى أن يسفر تطبيقه من نتائج على ضوء مناهج أصولية مشقة من خصائص اللغة وقواعد الشرع، أو روحه العامة في التشريع".
ويؤخذ على هذا التعريف: بالرغم من الإحاطة بجميع جوانب التعريف إلا أن فيه إسهاباً وتكراراً ولابد أن يكون التعريف مصان عن الإسهاب ما أمكن.
التعريف المختار:
بعد ذكر تعريف الاجتهاد بالرأي لبعض العلماء المعاصرين والتنبيه على بعض المآخذ عليها أرى بأن يعرف الاجتهاد بالرأي بأنه: بذل الفقيه وسعه لاستنباط الأحكام الشرعية من النص أو قياساَ عليه أو بالنظر للمقاصد العامة للشريعة هي المصلحة والنظر بما سيؤول إليه هذا التطبيق.
الأسس التي يقوم عليها الاجتهاد بالرأي:
من خلال التعاريف السابقة يمكن أن نحدد الأسس التي يقوم عليها مفهوم الاجتهاد بالرأي وهي:
أولاً: عقل متفهم ذو ملكة مقتدرة متخصصة.
ثانياً: نص تشريعي مقدس يتضمن حكماً ومعنى يستوجبه، أو مقصداً يستشرف إليه، وتطبيق على موضوع النص أو متعلق الحكم، فهو اجتهاد في النص نفسه، واجتهاد فيما لا نص فيه من الأمور المحدثة.
ثالثاً: النظر إلى مآلات الأفعال المتوقعة أو الواقعة، أصل معتبر شرعاً، بتكيف الفعل بالمشروعية وعدمها في ضوئه، بقطع النظر عن الحكم الأصلي للفعل.
هذه الأسس العامة التي يقوم عليها الاجتهاد بالرأي، ولكن موضوع البحث هو أثر هذا الاجتهاد على المعاملات المالية المعاصرة فكان لابد من التنبيه على نقطة مهمة تساعد على تحقيق الهدف المنشود من الاجتهاد بالرأي وهو تحقيق مصالح العباد، وهي أن الأصل في العقود الحل، وليس الحظر، ما لم يقم دليل الحظر، يقول الإمام الشاطبي: "والأصل فيها –أي المعاملات- الإذن حتى يدل الدليل على خلافه".
فالعقود الشرعية في المعاملات لا تحتاج إلى إذن خاص من الشارع، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن المسلمين إذا تعاقدوا بينهم عقوداً ولم يكونوا يعلمون تحريمها ولا تحليلها فإن الفقهاء جميعهم فيما أعلمه يصححونها إذا لم يعتقدوا تحريمها وإن كان العقد لم يكن حينئذ يعلم تحليلها لا باجتهاد ولا بتقليد أحد لا يصح العقد إلا الذي يعتقد أن الشارع أحله فلو كان إذن الشارع الخاص شرعاً في صحة العقود لم يصح إلا بعد ثبوت إذنه".
ويقول ابن القيم: "فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها –الشرع- فإنه لا يجوز القول بتحريمها".
ويقول ابن تيمية أيضاً: "إن الأحكام الثابتة بأفعالنا كالملك الثابت بالبيع فنحن أحدثنا أسباب تلك الأحكام والشارع أثبت الحكم لثبوت سببه منا ولم يثبته ابتداءاً كما أثبت إيجاب الواجبات وتحريم المحرمات المبتدأة، فإذا كنا نحن المثبتين لذلك السبب لم يحرم الشرع ذلك".
إن هذا الأصل عظيم الثر في ميدان المعاملات المالية، لأنه يفتح المجال للاجتهاد بالرأي بأنواعه المختلفة، ويتيح الفرصة لاختراع واستحداث عقوداً جديدة في المعاملات المالية لتستوعب ما يستحدث ويستجد في حياة الناس بما يحقق المصلحة للناس ويرفع عنهم الحرج.
أهمية البحث:
تعتبر المعاملات المالية في هذا العصر من أكبر المشكلات التي تواجه الفقهاء، وبدأت تأخذ جل اهتمام الفقهاء المعاصرين لاسيما وهي تشهد تطوراً ملحوظاً وسريعاً فكان لابد من إمعان النظر فيها وإخضاعها للاجتهاد بالرأي لبيان ما يجوز فيها وما لا يجوز لتحقيق الهدف والغاية من هذه المعاملات وهي مصلحة الخلق في تعاقداتهم وسلامتها شرعياً خاصة وهم في حاجة ماسة لهذه المعاملات في حياتهم اليومية.
أهداف الدراسة:
- تحديد مفهوم الاجتهاد بالرأي.
- بيان الأسس التي يقوم عليها الاجتهاد بالرأي.
- توضيح أثر الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة في بعض التطبيقات.
الدراسات السابقة:
لم أقف على كتاب أو بحث مستقل عن موضوع أثر الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة بالتحديد، ولكن هناك دراسة قريبة –نوعاً ما- من موضوع البحث، وهي:
- بن قوتة، عادل. العرف حجيته وأثره في فقه المعاملات المالية عند الحنابلة، المكتبة المكية، ط1، 1418هـ.
فهذه الدراسة تناولت العرف وأثره في المعاملات المالية عند الحنابلة، وذا مغاير لموضوع البحث فهو يتكلم عن الاجتهاد بالرأي بما يشمل العرف وغيره من الأدلة كالاستحسان والنظر لمقاصد الشريعة ومآلات الأفعال، و-أيضاً- ليست محصورة بتطبيقات على مذهب معين كالحنابلة –مثلاً- بل على جميع المذاهب الفقهية.
منهج البحث:
سيتبع الباحث:
أولاً: المنهج المقارن في دراسة الأقوال الفقهية وبيان الشبه والاختلاف فيما بينها.
ثانياً: المنهج التحليلي في معالجة وتحليل هذه الأقوال وبيان المناقشات الواردة عليها.
ثالثاً: المنهج الاستنباطي في ربط المقدمات بالنتائج.
رابعاً: المنهج التطبيقي في بيان النتائج العلمية.
خطة البحث:
اقتضت طبيعة البحث أن أجعله في مقدمة، وستة مباحث، وخاتمة:
المقدمة: ذكرت فيها أهمية البحث والهدف منه ومنهجي فيه وخطة البحث.
المبحث الأول: الشخصية الاعتبارية للشركة.
المبحث الثاني: ضمان مال المضاربة على المضارب بالشرط.
المبحث الثالث: استثمار أموال الزكاة.
المبحث الرابع: الاقتراض من البنوك الربوية في حال عدم وجود البديل الإسلامي.
المبحث الخامس: الإجارة المنتهية بالتمليك.
المبحث السادس: اشتراط مبلغ مقطوع بجانب النسبة للمضارب إذا بلغت الأرباح نسبة معينة.
الخاتمة: وفيها خلاصة ما توصلت إليه.
المبحث الأول:
الشخصية الاعتبارية للشركة:
إن الفقهاء –في السابق- لا يجعلون للشركة وجوداً مستقلاً عن أعضائها، ولا يجعلون لها ذمة مالية خاصة غير ذمم الشركاء، ولم تعتبر لها شخصية معنوية ذات أهلية لأن تلتزم وتلزم، والسبب في ذلك هو أنه: هل يمكن من كائن غير الإنسان يصلح للإلزام والإلزام؟
وهذا مبحث أصولي يتناوله الأصوليين في موضوع المحكوم عليه، ويعرفه الأصوليين: "هو المكلف: وشرطه أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب، فلا يصح خطاب الجماد والبهيمة، بل خطاب المجنون والصبي الذي لا يميز، لأن التكليف مقتضاه الطاعة والامتثال، ولا يمكن ذلك إلا بقصد الامتثال، وشرط القصد العلم بالمقصود والفهم للتكليف، فكان خطاب متضمن للأمر بالفهم، فمن لا يفهم كيف يقال له: إفهم، ومن لا يسمع الصوت، كالجماد كيف يكلم، وإن سمع الصوت كالبهيمة، ولكنه لا يفهم، فهو كمن لا يسمع، ومن يسمع وقد يفهم قهماً ما لكنه لا يعقل، ولا يثبت، كالمجنون وغير المميز، فمخاطبته ممكنة لكن اقتضاء الامتثال منه، مع أنه لا يصح منه قصد صحيح غير ممكن".
يتضح مما سبق أن تعلق الخطاب الشرعي يشترط فيه أن يكون المخاطب أهلاً لخطاب الله، وأهمها أهلية الوجوب" التي هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، ومناطها الذمة".
والسبب في ذلك؛ إن الفقه الإسلامي إنما كان يتجه إلى تنظيم الصلات بينه وبين ربه، في جميع المجالات: العبادات، أو المعاملات التي تكون بين بني الإنسان بعضهم ببعض، لأنه أهلّ بأن يكون قابلاً للالتزام والإلزام.
واستتبع وجود هذه الواجبات والحقوق افتراض وجود الذمة وإلصاقها به، فالذمة في الاصطلاح هي: "وصف شرعي يكون به الإنسان أهلاً لما يجب له، وما يجب عليه أياً كان هذا الواجب عبادة، وكانت بهذا المعنى صالحة لأن تشغل بالواجب الديني كالصلاة، وأن تشغل بالواجب المالي المدني كالدين وغيره من أنواع الالتزامات".
وبهذا اقتصرت الذمة في الفقه الإسلامي على الإنسان الحي العاقل، ولم تشمل غيره من الجمادات كالشركات والمؤسسات وغيرها.
ومما انبى على ذلك في الفقه الإسلامي أن ما يترتب على تصرف أي شريك في الشركة لا يقتصر الوفاء على رأس مال الشركة بل يتجاوزه إلى أموال الشركاء الخاصة الخارجة عن عقد الاشتراك إذ أن الدين عند ثبوته يثبت في ذمة المتصرف باعتباره مباشراً للعقد بصفة الأصالة عن نفسه وباعتباره كذلك وكيلاً عن أصحابه فكان له بناء على هذه الوكالة حق الرجوع على أصحابه بما يخصهم من الدين، وهذا عند الفقهاء جميعاً.
ولكن هل يمكن أن نجعل للشركات في وقتنا المعاصر ذمة، بحيث تكون أهلاً للإلزام والالتزامات؟
الناظر في الفقه الإسلامي يجد أنهم اعتبروا الذمة المالية للشركاء، دون أن يكون هناك ذمة للشركة نفسها، سببه الرئيسي هو العرف، إذ أن الشركات في السابق لم تكن بالحجم الكبير الموجود حالياً من ناحية رأس المال، وعدد الشركاء والمساهمين، وبالتالي إثبات ذمة للشركة مرجعه إلى العرف، لأنه ليس هناك ما يمتع في القرآن، ولا في السنة ما يدل على عدم جواز إثبات الذمة لغير الإنسان، وإنما بنوا أحكام الذمة على الإنسان لما كان متعارف لديهم، أنه هو الوحيد الذي يصلح أن يكون أهلاً للإلزام والالتزامات، ولم يتصور بأن تكون الشركات بهذا القدر الهائل من التطور، والحجم، والاستثمارات.
فالشركة في وقتنا المعاصر لها شخصية اعتبارية، ولها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء في الحقوق والالتزامات، وفي المخاصمات القضائية، وتنفيذ الأحكام عليها، وهذا أساسه المصلحة للناس المتمثلة باعتبار العرف وتقييد الأحكام الشرعية به، فالعرف جرى في وقتنا الحاضر على أن تكون للشركة ذمة مالية مستقلة، ولو نظرنا إلى البعد المصلحي لهذا الحكم لرأينا التالي:
1. أن الشركات في السابق كانت تقوم على أعداد قليلة، أما في وقتنا المعاصر أصبحت بالآلاف بل بالملايين، ومن الصعوبة بمكان أن تعود تصرفات أحد الأعضاء على جميع هؤلاء المساهمين في الشركة، إذ أن فيه مشقة كبيرة.
2. أن الشركة في السابقة تقوم على أساس أواصر القرابة والثقة، أما الآن فهي تقوم على أساس دفع الأسهم، فكل من دفع وتملك أسهماً أصبح شريكاً.
3. في حالة الربح يستفيد جميع المساهمون بهذا الربح المحقق، أما في الخسارة فلا يدفعون من الخسارة إلا بقدر ما أسهموا في رأس مال الشركة.
4. ساعدت على تطور العلاقات المالية ونمائها وقيام الشركات بالتزامات وأعمال عظيمة ضخمة ينوء بحملها الفرد، ولا تقوم بها ماليته ولا ثراؤه ويعيا عن تحمل تبعاتها.
فالعرف هو الأساس في اعتبار الذمة للشركة لما فيه من مصلحة للعباد.

المبحث الثاني:
ضمان مال المضاربة على المضارب بالشرط:
المضاربة في الفقه الإسلامي هي: "عقد شركة في الربح بمال من جانب رب المال وعمل من جانب المضارب".
والمضارب بإجماع الفقهاء تعتبر يده يد أمانة، فلا يضمن إلا بالتعدي والتقصير.
ومعنى يد الأمانة عند الفقهاء: "اليد التي خلقت يد المالك في حيازة ملكه، وتصرفت فيه عن ولاية شرعية في تلك الحيازة، ولم يدل دليل على ضمان صاحبها".
قال الكساني من الحنفية: "رأس المال قبل أن يشتري المضارب به شيئاً أمانة في يده بمنزلة الوديعة، لأنه قبضه بإذن المالك لا على وجه البدل والوثيقة".
وقال ابن عبد البر من المالكية: "والمقارض أمين مقبول قوله فيما يدعيه من ضياع المال وذهابه والخسارة فيه".
وقال الشربيني من الشافعية: "ولا ضمان على العامل بتلف المال أو بعضه لأنه أمين فلا يضمن (إلا بعدوان) منه كتفريط أو سفر في برّ أو بحر بغير إذن".
وقال ابن قدامة من الحنابلة: "والعامل أمين في مال المضاربة؛ لأنه متصرف في مال غيره بإذنه لا يختص بنفعه، فكان أميناً".
وهي بخلاف يد الضمان: "وهي كل يد لا تستند إلى إذن شرعي إلى إذن شرعي من الشارع، أو من المالك، وكذلك كل يد لا تستند ولاية شرعية ودل دليل على ضمان صاحبها، وكل يد ترتبت على يد معتدية من غير استناد إلى ولاية شرعية، أو استندت إلى ذلك ولكن كان وضعها لمصلحة صاحبها خاصة".
فالمضارب أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير، كأن يُخالف شروط رب المال بالاتجار بكذا وبكذا، فإذا هلك ضمنه في هذه الحال، والقول في التلف قول المضارب.
ولكن هل لرب المال أن يشرط على المضارب الضمان؟
الأصل أن الشرط باطل، لأنه ينافي مقتضى العقد، وإن كان الأصل في العقود الحل، إلا أنه تضمن شرطاً ينافي مقتضى العقد وبالتالي يبطل.
قال ابن قدامة: "إذا شرط رب الوديعة على المستودع ضمان الوديعة فقبله أو قال: أنا ضامن لها لم يضمن قال أحمد في المودع إذا قال أنا ضامن لها فسرقت فلا شيء عليه وكذلك كل ما أصله الأمانة كالمضاربة ومال الشركة والرهن والوكالة وبهذا قال الثوري والشافعي وإسحاق وابن المنذر وذلك لأنه شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه فلم يلزمه كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه".
ولكن هل يجوز هذا الشرط للمصلحة المرسلة قياساً على تضمين الصناع عند المالكية مع أنهم في الأصل أجراء مؤتمنون، لا يضمنون بدون تعد ولا تقصير، قال الشاطبي: "ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك إلى أحد أمرين: إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين".
فاشتراط الضمان على المضارب يعد من قبيل المصالح المرسلة وهذه المصالح هي:
1. الناس في هذا الوقت ومع اتساع الاستثمار محتاجة إلى أن تستثمر أموالها بالطريقة الإسلامية، وأشهر صيغة هي المضاربة، فعدم تضمين المضارب يؤدي إلى حرج للناس، لأنها يريد أن تطمئن على أموالها ولا تذهب سدى.
2. المضارب يأخذ هذه الأموال ويغيبها عن أربابها، فربما قصر أو فرط في الاستثمار فأدى ذلك إلى الخسارة، أو ربما لأمر في نفسه دون أن يظهر التقصير خسر أموال المضاربة، ففي تضمينه على الإطلاق مصلحة لأرباب الأموال، ولا يقال أنه بريء فكيف يضمن وهو لم يتعدّ؟ لأن هذه مصلحة شخصية تعارضت مع مصلحة المجتمع، فكان من البدهي تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
3. في تضمين المضارب تزداد الرغبة لدى الناس، ويجعلهم يقبلون على البنوك الإسلامية إقبالاً شديداً، تاركين ومجتنبين البنوك التقليدية، وكفى بهذه مصلحة.
فاستناداً إلى المصلحة المرسلة يجوز شرط الضمان على المضارب، كما شرط الضمان على الصناع، بناءً على الموازنة بين مفسدة الأصل الذي هو عدم التضمين، مع مصلحة التطبيق في ضمانه.
ولكن في حقيقة الأمر –وإن كان- في شرط الضمان على المضارب مصلحةً، لكن لابد للمجتهد أن يوازن بين أن هناك مفاسد أعظم وأولى منها بالتقديم وهي:
1. لو قلنا بجواز هذا الشرط، لأدى ذلك إلى هدم أس الاقتصاد الإسلامي، ولما أصبح هناك فرق بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد التقليدي، إذ أن الفرق الجوهري بينهما أن الاقتصاد الإسلامي قائم على مبدأ المخاطرة والمشاركة في الربح والخسارة، بخلاف الاقتصاد التقليدي القائم على ضمان رؤوس الأموال مع ربحها، وبالتالي يصبح كلٌ من الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد التقليدي على قدم المساواة.
2. أن هذا الشرط يشبه القرض الذي جر نفعاً.
وبهذا يتضح أن مسالة شرط الضمان على المضارب دائرة بين أمرين من الاجتهاد بالرأي أن مسالة شرط الضمان المرسلة، وسد الذرائع.
فشرط الضمان وإن كان فيه مصلحة تتمثل بحفظ أموال المستثمرين، وزيادة الإقبال على البنوك والمصارف والصيغ الشرعية في الاستثمار، إلا أن فيها مفسدة أعظم من هذا كله، وهو فقدان الهوية للاقتصاد الإسلامي، ولا شك بان هذه المفسدة تقدم على المصلحة المذكورة، وبالتالي:
لا يجوز شرط الضمان على المضارب، لما سيفضي إليه من مفسدة هي أولى بالاعتبار من المصلحة التي يتضمنها الشرط، فهو حرامٌ من باب سد الذرائع لإفضائه إلى مآل غير صالح ومشروع.

المبحث الثالث:
استثمار أموال الزكاة:
إن قضية أموال الزكاة من القضايا المهمة في فقه الزكاة المعاصر، إذ أنها تثير اهتمام كثير من المجامع الفقهية في العالم الإسلامي، وهي من المسائل الملحة التي تحتاج إلى شافية، فبعد تنوع أساليب العمل والإنتاج، وظهور المشاريع الاستثمارية الضخمة التي تدر أرباحاً وفيرة على مالكيها، طرأ التساؤل التالي: هل يمكن الاستفادة من هذه الثورة الاستثمارية والإنتاجية في ميدان الزكاة؟
فالاستثمار في المصطلح الاقتصادي المعاصر هو: "ارتباط مالي بهدف تحقيق مكاسب يتوقع الحصول عليها على مدى مدة طويلة في المستقبل.
والزكاة في الشريعة هي: "إخراج جزء مخصوص من مال مخصوص تلغ نصاباً لمستحقه إن تم الملك وحول غير معدن وحرث".
وقد بيّن الله عز وجل مصارفها ومستحقينها فقال: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم".
فالزكاة حق شرعي من الله أوجبه على الأغنياء ليخرجوا جزءاً محدداً من أموالهم لمن يستحقها، ولابد من تقرير حكمين مهمين من أحكام الزكاة التي قررها الفقهاء قبل الحديث عن مسألتنا لأن لهما صلة وثيقة بمسألتنا:
أولاً: الزكاة تجب على الفور لا التراخي، وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
والسبب في ذلك:
1. الأمر بالصرف إلى الفقير تكون معه قرينة الفور وهي دفع حاجة الفقير ولا شك بأن الحاجات معدلة وإلا لم يحصل المقصود منها.
2. ولأنها عبادة تتكرر، فلم يجز تأخيرها إلى وقت وجوب مثلها كالصلاة والصوم.
وهذا الشرط كما هو واضح يخالف مقتضى استثمار أموال الزكاة، إذ أن الواجب فيها إخراجها دون تأخير، واستثمارها في حقيقة تأخير لها عن وقت وجوبها.
ثانياً: أنه يجوز لمستحقيها بعد قبضها أن يتصرفوا فيها كيفما شاؤوا، باستهلاكها أو استعمالها أو استثمارها، لأنها أصبحت مالا ًمملوكاً لهم، فيتصرفون فيها تصرف الملاك من بيع وشراء وهبة وغيرها، فالله عز وجل أضاف لهم (لام) التمليك بقوله (للفقراء)، فتعتبر الزكاة بعد قبضها كسائر أمواله؟
وبالتالي أموال الزكاة تكون مملوكة لمستحقينها وتخرج من ملك من وجبت عليه الزكاة.
وعلى ضوء ما سبق يكون السؤال كالتالي:
هل يجوز للمالك الأول وهو من وجبت عليه الزكاة أن يستثمر هذه الأموال للفقراء؟ وقبل الخوض في المسألة وتبيين البعد المصلحي لها لابد من تبيين الحكمة والمصلحة من مشروعية الزكاة:
الزكاة في حقيقتها مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي، فهي حق أوجبه الله على الأغنياء للفقراء وأمرهم بها لكي يتكون مجتمع متعاون، لا مدخل للحقد والحسد والنقمة من الفقراء على الأغنياء، ولا استكبار واحتقار من قبل الأغنياء للفقراء، فهذا المال كله مال الله، وهو هبة من الله للشخص، لا يملكه برجاحة عقله، ولا بقوة بنيانه، بل الله منّ عليه فأعطاه هذا المال، ومنع غيره، وقد قال الله عز وجل: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم": كي لا تقسمه الرؤساء والأغنياء والأقوياء بينهم دون الفقراء والضعفاء.
ومن أعظم الحكم في الزكاة هي كما قاله صلى الله عليه وسلم في زكاة الفطر: "أغنوهم عن طواف هذا اليوم"، وزكاة المال أولى بالاعتبار في الإغناء، إذ أن حقيقة الإغناء تكون بالنقود بالأصل، وقد تنوب بالمطعومات كما في زكاة الفطر.
ولا يقال بأن الزكاة أمر تعبدي غير معقول المعنى، ولا يلتفت فيه إلى البواعث والمعاني، فهذا الأصل صحيح ولكن قد نجد بعض الحكم والبواعث في العبادات ولكنها نادرة جداً، والزكاة من قبيل الأمور التعبدية معقولة المعنى، يقول الشاطبي: "ولذلك التزم مالك في العبادات عد الالتفات إلى المعاني، إلى أن قال: ودورانه في ذلك كله على الوقوف مع ما حده الشارع دون ما يقتضيه معنى مناسب –إن تصور- لقلة ذلك في العبادات وندوره"، فهو قليل في العبادات، ومن هذا القليل الزكوات.
فالله عز وجل أمرنا بإغنائهم وسد حاجتهم، وبالتالي استثمار أموال الزكاة بما يعود عليهم بالنفع يحقق هذا المصلحة المقاصدية، وذلك:
1. إن المحتاجين في العصر الحاضر يختلفون من الناحية العددية عما كانوا عليه في السابق، فأعداد المحتاجين في عصرنا تتزايد بكثرة بسبب:
* انتشار الفكر الرأسمالي لدى أوساط المسلمين، وأن الشخص يعيش لنفسه فقط، دون التفات إلى تلبية حاجات غيره من بني جنسه –بدون مقابل-، ونسبة ليست بالقليلة من تجار المسلمين يطبقون هذه الفكرة في حياتهم العملية، مما جعلت مصادر أموال الزكاة تقل ولا تحقق الغرض المنشود منها في وقتنا وهو إغناء الفقير وسد حاجاته.
* الحروب التي تشهدها البلدان الإسلامية، فأصبحت بعض الدول الإسلامية يعيش شعبها تحت خط الفقر، كبورما وأفغانستان والعرق وفلسطين، ولا شك بأن نسبة الزكاة بالأصل لا تلبي حتى حاجة القلة منهم، ناهيك عن امتناع البعض عن دفعها.
* إلزامهم بالصدقات غير الواجبة من الصعوبة بمكان حيث إن الناس في هذا الوقت قل فيها الخير فإلزامهم بها قد لا يتقبله الناس لعدم وجوبه بالأصل.
2. الحكمة من الزكاة كما قلنا هي إغناء الفقير، فتوجيه بعض أموال الزكاة إلى إنشاء المشاريع الاستثمارية لتأمين مورد مالي ثابت، ودائم للمستحقين الذين تتزايد حاجاتهم، هو المقصود، إذ أن المقصود من الزكاة ليس تنفيذ آلي لاقتطاع جزء من المال للفقير، بل لها بعد عميق ونظرة مقاصدية وهي سد الحاجة، ولا تسد الحاجة في وقتنا الراهن إلا بهذه الطريقة.
ومن خلال المعطيات السابقة يمكننا القول بأن استثمار أموال الزكاة بما يعود على الفقراء بالمنفعة هو تحقيق للمصلحة وذلك:
أولاً: وجود مورد مالي ثابت ودائم يغنيهم عن ذلك المسألة، ويجعلهم يتعففون عما في أيدي الناس، وهذا مقصد شرعي معتبر، فحفظ كرامة الإنسان وعدم امتهانها مطلوب من الشرع.
ثانياً: أن الزكاة الحالية لا تلبي حاجات الفقير، بل لا تلبي إلا نسبة قليلة منهم، وباستثمارها تكون شاملة، ومحققة المقصد الرئيس منها.
والقول بهذه المسألة هو في حقيقته عدول عن حكم الأصل –الذي ينص بعدم جواز تأخيرها- إلى المصلحة الخاصة، ولا شك بان مصلحة التطبيق تربو بكثير على مصلحة النص، ونستطيع إلحاقه بالاستحسان الذي يكون سنده ومقتضاه المصلحة.
على أننا إذ بيّنا المصلحة من هذه المسألة، لابد من بعض الضوابط والقيود حتى تؤدي إلى الغرض المنشود منها بدون أي نقص أو وكس أو خلل:
الضابط الأول: تلبية الحاجات الماسة الفورية للمستحقين أولاً، فالبعض يحتاج إلى المال على وجه الضرورة القصوى كعلاج لا يمكن تأخيره، أو جوع يؤدي إلى الهلاك، وغيره من الحاجات الفورية، وبعد تلبيتها يتم الاستثمار بالمتبقي من الأموال.
الضابط الثاني: أن لا توضع أموال الزكاة في مشاريع استثمارية إلا بعد دراسة الجدوى الاقتصادية من تلك المشاريع، وأنه يغلب على الظن أن تكون رابحة بإذن الله، وإلا لم نستفد منها بتاتاً لا في الزكاة ولا في استثمارها في حالة الخسارة.
الضابط الثالث: عن الانتفاع بالأرباح هو للمستحقين فقط، ولا يستحق المالك الذي وجبت عليه شيئاً، إذ أنها خرجت من ملكه إلى ملك غيره من المستحقين، فهم يستحقون نمائه لأنه نماء مال مملوك لهم، فالمالك الأول لا مال له، وعليه فلا ربح له إلا إذا أعطوه بدون شرط منه.

المبحث الرابع:
الاقتراض من البنوك الربوية في حال عدم وجود البديل الإسلامي:
القرض في اصطلاح الفقهاء هو: "دفع المال إلى الغير لينتفع به، ويرد بدله".
وحكمه أن مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض، لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه"، ولأن فيه تفريجاً عن أخيه المسلم وقضاءً لحاجته وعوناً له فكان مندوباً إليه كالصدقة وعليه وليس بواجب.
والقرض عند أكثر الفقهاء جاء على خلاف القياس، فإنه ربا في الأصل؛ لأنه الدرهم بالدرهم إلى أجل، ولكنه أبيح لما فيه من المرفقة والتوسعة على المحتاجين، بحيث لو بقي على أصل المنع لكان في ذلك ضيق على المكلفين.
جاء من المبدع: "وهو نوع من المعاملات مستثنى عن قياس المعاوضات لمصلحة لاحظها الشارع رفقاً بالمحاويج".
وجاء في أسني المطالب: "الإقراض جوز على خلاف القياس للإرفاق".
هذا فيما يتعلق بتعريف القرض، وحكمه، وتكييفه، أما يتعلق بمسألتنا وهي هل يجوز للإنسان الاقتراض من البنك الربوي؟
تحرير صورة المسألة:
لا يجوز الاقتراض من البنك الربوي في حالة توفر البديل الإسلامي عنه، أما في حالة عدم وجود البديل الإسلامي، فهل يجوز للإنسان أن يقترض من البنك الربوي؟
قبل الإجابة على التساؤل التالي لابد أن نبين أن مصالح الإنسان في الحياة تتنوع باختلاف مراتبها: فهناك الضروريات، وهناك الحاجيات، وهناك التحسينات.
يقول الشاطبي: "فأما الضرورية فمعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.
والحفظ لها يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: ما يدرأ عنها الاختلاف الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم.
وأما الحاجيات فمعناها: أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تُراع دخل على المكلفين – على الجملة - الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة.
وأما التحسينات فمعناها: الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، وهي جارية فيما جرت فيه الأوليان".
وبناء على ذلك التقسيم نستطيع القول بأنه:
إذا كانت مصلحة الإنسان تحسينية فإنه لا يجوز الاقتراض من البنك الربوي، وأما إذا كانت حاجية فسأتكلم عنها في نهاية هذا المبحث، وأما إذا كانت ضرورية فإنه يجوز الاقتراض من البنك الربوي، لأن القاعدة تقول: "الضرورات تبيح المحظورات"، كالاقتراض للسكن لمن لا يملك سكناً، أو للملبس، وغيرها من الضروريات.
ولكن ينبغي أن يراعي في جواز الاقتراض من البنك الربوي للضرورة الضابط التالي:
إن الاقتراض من البنك الربوي في هذه الحالة –حالة عدم وجود البديل- جاز للضرورة فلابد من التقيد بالقاعدة التي تنص بأن الحكم الثابت بالضرورة تقدر بقدره، وبناء على ذلك تترتب الأحكام التالية:
1. لا يجوز للإنسان الذي يملك سكناً –مثلاً- أن يقترض من البنك الربوي، لأنه في هذه الحالة ليس من باب الضرورة، وإنما تنطبق الضرورة لمن لا يملك السكن، ولكن لو قيل بأنه يملك سكناً ولكنه في هذه الحالة يجوز له أن يقترض من البنك الربوي.
في مثل هذه الظروف المذكورة يكون له الاقتراض من البنك الربوي ولكن بشرط أن يبيع ما يملكه من السكن ويجعل قيمته مضافة إلى قيمة القرض الربوي، لأنه في الأصل حرام ولكن أبيح للضرورة فلا يتوسع في المال الحرام، وكذلك بيعه لسكنه الأول هو أضبط معيار لصدق دعواه في ضروريته.
2. أن ما يلزم الإنسان –لو فرضنا ضرورة سكنية –من السكن هو أن يكون مما يصلح للسكنى، فهذا المعيار، المبيح لأخذه القرض الربوي، فلا ينظر إلى بعض الأمور الجانبية التي تخرجه من دائرة الضرورة الضيقة إلى غيرها، كأن يشترط موقعاً مميزاً من باب الترفه، أو حديقة وسيعة، أو غيرها مما لا تمت للضرورة بصلة.
هذا فيما يختص بالضروريات وأما، مسألة الحاجيات، فهل تكون هذه المصلحة مبرراً للاقتراض من البنك الربوي؟
نص العلماء على أن الحاجبة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة:
فمن الحاجة العامة: مشروعية الإجارة والجعالة والحوالة ونحوها جوزت على من خلاف القياس لما في الأولى من ورود العقد على منافع معدومة، وفي الثانية من الجهالة، وفي الثالثة من بيع الدين بالدين لعموم الحاجة إلى ذلك، والحاجة إذا عمت كانت كالضرورة.
ومن الحاجة الخاصة: تضبيب لإناء بالفضة ويجوز للحاجة ولا يعتبر العجز عن غير الفضة لأنه يبيح أصل الإناء من النقدين قطعاً بل المراد الأغراض المتعلقة بالتضبيب سوى التزيين؛ كإصلاح موضع الكسر والشدّ الوثيق.
فالحاجة تنزل منزلة الضرورة، وقد – مر بنا - أن الحاجة هي أفعال وتصرفات أبيحت لحاجة الناس إلى التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة مما يؤدي في الغالب إلى تفويت المطلوب، فرفع الحرج عن الناس من مقاصد الشريعة،، قال تعالى: "ما جعل عليكم في الدين من حرج".
وعليه يجوز للإنسان أن يقترض من البنك الربوي للحاجة بناءً على الحاجة تنزل منزلة الضرورة.
ويتصور أخذ القرض الربوي من باب الحاجة: كمن يملك سكناً صغيراً، وعدد أفراد أسرته كثيراً، فهنا هو في حرج وضيق، فأبيح له التوسع خشية أن يقع في المحظور وهو تفويت المطلوب منه شرعاً.
المبحث الخامس: الإجارة المنتهية بالتمليك:
الإجارة في اصطلاح الفقهاء: "عقد على منفعة معلومة مباحة من عين معينة، أو موصوفة في الذمة، أو على عمل معلوم بعوض معلوم مدة معلومة".
فالإجارة –في السابق- يقوم المؤجر بتمليك المنفعة للمستأجر مدة من الزمن، وبعد انتهاء المدة المتفق عليها، تعود ملكيتها بالكامل مع منفعتها للمؤجر، وكانت هذه الصورة المعمول بها، ولم يحدث لها أي تغيير أو تطوير.
وفي هذا الزمن تطورت فكرة الإجارة تطوراً ملحوظاً، وشهدت تجديداً في تطبيقاتها، ومن هذا التطور هو الإجارة المنتهية بالتمليك.
والإجارة المنتهية بالتمليك هي: "عقد بين طرفين يؤجر فيه أحدهما لآخر سلعة معينة مقابل أجرة معينة يدفعها المستأجر على أقساط خلال مدة محددة، تنتقل بعدها ملكية السلعة للمستأجر عند سداده لآخر قسط بعقد جديد".
وهي في حقيقتها عقد بيع، ولكن يلجأ إليه التاجر لضمان حقه في العين المؤجرة أثناء سريان عقد الإجارة، وعند نهاية آخر قسط، يقوم المؤجر بتمليكه العين المؤجرة بعقد جديد، بناءً على وعده الذي قطعه على نفسه له، وقد يكون العقد الجديد هبة أو بيعاً، ولكن في النهاية تؤول ملكية العين من المؤجر إلى المستأجر.
فهل هذه الصورة جائزة، وخاصة أن الغاية من العقد هو البيع وليس الإجارة؟
لو نظرنا إلى العقد سنجد أنه يتكون من عقدين:
- عقد إجارة ابتداءً.
- عقد بيع انتهاءً.
وكلا العقدين من العقود المسماة اللازمة في الفقه الإسلامي، وكل عقد منفصل عن الآخر، بحيث أنه يتم بعقدين منفصلين: ابتداءً عقد إيجار، وعند انتهاء أخر قسط، يقوم المؤجر بإبرام عقد جديد منفصل عن عقد الإجارة وهو عقد البيع لتمليكه العين.
وقد اعترض بعض العلماء على هذه الصورة بتاءً على أنه بيعتين في بيعة، فقد ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيعتين في بيعة.
والصحيح أن هذا الحديث المراد به –كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره- بيع العينة، حيث تضمن بيع مؤجل وبيع حاضر، وتضمن أيضاً الشرطين: شرط التأجيل، وشرط الحلول.
وإذا تبين جواز مسألة الإجارة المنتهية بالتمليك، فسأذكر ما هو السبب الذي أدى إلى وجود هذا العقد؟
يلجأ التجار إلى هذا العقد حفاظاً على ممتلكاتهم، وذلك لما كثر تعثر السداد عند البيع بالأقساط، وكثرت المشاكل التي تترتب عليها، قاموا بحفظ ممتلكاتهم تحت أيديهم ولم يخرجوها إلا إذا تم سداد القيمة بالكامل، فلو تعثر عند السداد أثناء فترة الإجارة، لم يلحق المؤجر ضرراً كبيراً، فالعقد بينهما إجارة، وملك العين لا تزال بيد المؤجر.
وهذا وقد يحدث هذا كثيراً في السابق، فيشتري العين بالأقساط ثم يحدث أن يتعثر بالسداد، أو غيره من الظروف الطارئة، فالبائع لم يستفد من العين المبيعة.
ونستطيع القول بأن الإجارة المنتهية بالتمليك جازت على أساس المصلحة المرسلة، ووجهها:
1. أنه لم يدل في الشرع ما يدل على تحريم هذه الصورة، وأما مستند ما يدل على التحريم، ذكرنا بأنه لا يشمل صورة الإجارة المنتهية بالتمليك.
2. فيه مصلحة للبائع؛ وذلك لما كثر عدم الاكتراث، والتعثر بالسداد، أصبح البائع في ضرر، فبعد أن كان يرجو من البيع المنفعة، أصبحت مضاره ومفاسده أكثر من بيعه، فجوزنا أن يعقد على العين عقد إجارة، ثم يعقد عليها عقد بيع منفصل للشخص المستأجر ذاته، وذلك لضمان حقه في عينه، حتى إذا اكتمل المبلغ المراد والمتفق عليه، يعقد مع المستأجر عقداً جديداً، وبهذا انتفع المالك الأول، ولن يضار المستأجر بشيء.
المبحث السادس:
اشتراط مبلغ مقطوع بجانب النسبة للمضارب إذا بلغت الأرباح نسبة معينة:
اشتراط الفقهاء –جميعاً- لصحة المضاربة: أن يكون الربح معلوماً، ويكون نسبة عشرية، لأن المضاربة مشاركة في الربح، فيجب لذلك أن تحقق المشاركة فيه، وأن بين نصيب كل منهما منه، ولا يجوز أن يكون الربح مقطوعاً، كألف أو ما شابه، لأنه قد يقطع الاشتراك بينهما فيما إذا كان الربح ألفاً فيستأثر به أحدهما فقط دون الآخر، وقد يكون الربح أقل فيلزم الآخر بضمان المتبقي، فكل ما يؤدي إلى عدم الاشتراك في الربح يكون شرطاً فاسداً، يبطل العقد به لمخالفته لمقتضاه.
ولكن لو تم اشتراط مبلغاً مقطوعاً للمضارب تحفيزاً له، مع ما يستحقه من نسبة مئوية من أرباح المضاربة لاستحقاقه الربح بعمله، فهل يجوز؟
تحرير محل النزاع:
لا خلاف بين الفقهاء من أنه لا يجوز أن تكون نسبة أحدهما –المضارب أو رب المال –مقطوعة، بل لابد من أن تكون نسبة مئوية معلومة فقط، والعلة: أن المبلغ المقطوع قد يؤدي إلى عدم الاشتراك –كما مر بنا-.
-كما- لا يجوز عند الفقهاء أن يشترط لأحدهما نسبة مئوية مع زيادة مبلغ مقطوع، لأنه قد يؤدي إلى عدم الاشتراك.
وإنما الخلاف هو: إذا اشترط للمضارب مبلغاً مقطوعاً إذا تجاوزن الأرباح مبلغاً معيناً، وليس إطلاقاً؟
أحياناً قد يربح المضارب ربحاً ضخماً، لم يكن يتوقع من قبل أصحاب الأموال، فهل من باب التشجيع والتحفيز أن يشترط له مبلغاً مقطوعاً بعد أن تتجاوز الأرباح نسبة معينة، كأن يقول أصحاب الأموال للمضارب تحفيزاً: إذا حققت أرباحاً أكثر من كذا، فلك الزائد مقطوعاً، أما إذا لم تصل الأرباح إلى النسبة المشروطة فليس لك إلا النسبة المئوية المتفق عليها؟
إن الناظر لتعليل الفقهاء السابقين في عدم اشتراط المبلغ المقطوع هو لكونه مظنة قطع الاشتراك بين المضارب ورب المال، فيستأثر أحدهما بالمال وحده دون الآخر، ويكون فيه حينئذ ظلماً وعدواناً على الطرف الآخر، فلابد من الاشتراك في الربح، لأن هذا هو مقصود المضاربة.
ولكن لو أردنا تحليل هذه العلة، لوجدنا أنها لا تنطبق على الحالة المذكورة –محل السؤال-، إذ الاشتراك بينهما موجودٌ ولا ينقطع بحال من الأحوال، لأنهم يتفقون على الاشتراك في نسبة معينة، وما زاد يكون للمضارب وحده، أما إذا لم يصل إلى ربح للنسبة المتفق عليها فلا يستحق المضارب إلا نسبة مئوية من الربح كالحال أرباب الأموال.
وعلى كلا الحالتين لا يوجد ما يقطع الاشتراك ويكون الربح لأحدهما دون الآخر، فالعلة إذا منتفية، وبناء على ذلك نقول بأن هذا الشرط حائزٌ، بناءً على ذلك نقول بأن هذا الشرط جائزٌ، بناءً على استصحاب الحكم الأصلي وهو الجواز.
فتخرج هذه المسألة على استصحاب الحكم الأصلي وهو الجواز، وذلك لعدم وجود ما يغير الحكم في هذه المسألة، فالشرط الموجود لا يقطع الاشتراك الذي هو علة عدم الجواز عند الفقهاء.
وأيضاً في اشتراط مبلغ مقطوع للمضارب بُعداً مصلحياً، وعدلاً واقعياً، وذلك:
1. المضارب في الأصل يده يد أمانة، وقد يفرط بأمور لا تدرك بالأمر الواقع فتثبت عليه، بل قد سكون أمراً نفسياً، لا يطلع عليه إلا رب العالمين، فقد يدخل في مشروع في ظاهره الربح ويكون لعلمه بحال السوق وقوة بصيرته يعلم بالخسارة، فاشتراط هذا الحافز له، يزيل ما في النفس من خفايا، ويزيده حرصاً على أموال المضاربة، لانتفاعه أولاً قبل أربابها.
2. أحياناً قد يؤدي المضارب أعمالاً تشق عليه، وتتعبه، للحصول على الربح الوفير، فهو يستطيع الحصول على الربح بجهد أقل من المبذول، لكن لحرصه على الربح الوفير وإنفاع أصحاب الأموال، كان من العدل والإنصاف، اختصاصه بشيء من الحافز نظير الجهد الكبير الذي بذله.
هذا وقد أخذ بهذا القول الزيدية حيث قالوا: "فإن قال أحدهما على أن لي عشرة أن ربحنا أكثر منها أو ما يزيد عليها، صحت ولزم الشرط، إذ لا مقتضى للفساد".
فاستصحبوا حكم الأصل وهو الجواز، إذ لا مقتضى لفساد العقد أو عدم تجويزه –كما ذكرنا-.
الخاتمة:
بعد ذكر أثر الاجتهاد بالرأي في المعاملات المالية المعاصرة أسجل في هذه الخاتمة أبرز النتائج التي توصلت إلها في بحثي هذا وذلك فيما يلي:
أولاً: يمكن تعريف الاجتهاد بالرأي بأنه: بذل الفقيه وسعه لاستنباط الأحكام الشرعية من النص أو قياساً عليه أو بالنظر للمقاصد العامة للشريعة وهي المصلحة والنظر بما سيؤول إليه هذا التطبيق.
ثانياً: الأسس التي يقوم عليها الاجتهاد بالرأي هي:
- عقل متفهم ذو ملكة مقدرة متخصصة.
- نص تشريعي مقدس يتضمن حكماً ومعنى يستوجبه، أو مقصداً يستشرف إليه، وتطبيق على موضوع النص أو متعلق الحكم، فهو اجتهاد في النص نفسه، واجتهاد فيما لا نص فيه من الأمور المحدثة.
- النظر إلى مآلات الأفعال المتوقعة أو الواقعة، أصل معتبر شرعاً، بتكيف الفعل بالمشروعية وعدمها في ضوئه، بقطع النظر عن الحكم الأصلي للفعل.
ثالثاً: إثبات الشخصية الاعتبارية للشركة فيه تحقيق للمصلحة، فالشركة ليست مكلفة لأنها جماد ولكن لما أصبحت الشركات بهذا الحجم الكبير في وقتنا المعاصر وأن كل من ملك سهماً يعتبر شريكاً فيها وليست كالسابق تقوم على أعداد قليلة وعلى أواصر القربة كان لابد إثبات الشخصية الاعتبارية لها عن طريق العرف لمصلحة الناس، وأن سبب عدم اعتبار هذه الأمور في السابق مرجعه إلى العرف، فلما رأينا العرف تغير أصبتنا لها الشخصية الاعتبارية.
رابعاً: شرط ضمان رأس مال المضاربة على المضارب يدور بين تحقيق المصالح ودرء المفاسد من أدلة، ولكن رجحت عدم جوازه لأن المفسدة المرجوة أكبر بكثير من المصلحة، لأن بصحة هذا الشرط لا يبق هناك فرق بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد التقليدي وانهدم أس الاقتصاد الإسلامي فيمنع هذا الشرط سداً للذريعة.
خامساً: الأصل في الزكاة أن تكون على الفور لسد حاجات الفقير وأنها تكون تدخل في ملك الفقير لإضافة لام الملك لهم، ولكن لما اختلف حال الفقراء في هذا الوقت من ناحية العدد والنكبات التي تحدث في البلاد الإسلامية رأينا بأن الزكاة لا تحقق الهدف المنشود منها وهو إغناء الفقير فكان لابد من الاجتهاد بالرأي لتحقيق هذه الغاية من خلال استثمار هذه الأموال بما يحقق الهدف من الزكاة مع ضوابط لهذا الاستثمار وهي:
- تلبية الحاجات الماسة لهم.
- عمل دراسة الجدوى للاستثمار.
- الانتفاع بالأرباح لمستحقين فقط، والمالك الأول لا يستحق شيئاً إلا إذا أعطوه بدون شرط منه.
سادساً: الاقتراض من البنوك الربوية في حالة عدم وجود البديل الإسلامي لابد أن يقيد بالمصالح الضرورية ويلحق بالأمور الضرورية المصالح الحاجية لأن رفع الحرج من مقاصد الشريعة، ولا يجوز لتلبية المصالح التحسينية.
سابعاً: الإجارة المنتهية بالتمليك تحقق مصلحة البائع في بقاء حقه بالعين المؤجرة وذلك من خلال عدم اكتراث الناس بسداد الأقساط والتأخر فيها مما يوقع البائع في الحرج ومن خلال هذه المصلحة جازت الإجارة المنتهية بالتمليك وهي مخالفة لبيعتين في بيعة المنهي عنه لأن معنى البيعتين في بيعة –كما رجحنا- هو العينة.
ثامناً: اشتراط مبلغ مقطوع للمضارب إذا بلغت الأرباح قدراً معيناً جائز لأن العلة في النهي عن المبلغ المقطوع أنه لا يحقق الاشتراك بين المضارب ورب المال فقد يستأثر بالربح أحدهما فيكون الاشتراك مقطوعاً، أما في هذه الحالة فالعلة منتفية والاشتراك موجود في كل الأحوال وهذا كله يعود لمصلحة أرباب الأموال والمضارب فأما أرباب الأموال فهم يطمئنون على أموالهم لأن المضارب سيحرص عليها أكثر من ذي قبل، وأما المضارب فيزيل ما في نفسه من أغراض نفسية قد تضر أرباب الأموال.