Advertisement

النقود والمصارف في الشريعة الإسلامية


النقود والمصارف في الشريعة الإسلامية

إعداد
أ. د عبد العزيز خليفة القصار
د. عصام خلف العنزي
د. محمد يوسف المحمود
د. علي إبراهيم الراشد

مكتبة آفاق


القسم الأول
النقود
التمهيد:
النقود وما يتعلق بها نظام من أقدم النظم الاقتصادية التي عاصرت الإنسان منذ فترة طويلة، حيث إن موضوع النقود والأوراق المالية يحتل منزلة هامة وخطيرة، نظراً لتوقف كثيرا من معاملات الناس وضرورات حياتهم وحاجاتهم على النقود والمال، فالإنسان مستخلف في هذا المال، الذي هو وسيلة من وسائل الحياة المهمة، وبهما تقوم معاشات الناس، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} ولما يترتب على التعامل بالنقود والأوراق المالية من آثار عديدة في المبادلات والمعاملات الحالة والآجلة.
لقد مرت النقود خلال تاريخها الطويل بتطور مستمر، متأثرة في ذلك بتطور الظروف الاقتصادية والاجتماعية، حتى أضحت النقود اليوم طرفا في معظم ما يدور بين الناس من تعاملات، فيعبر الناس بها عن قيم ما يتبادلونه من السلع والخدمات، ويقبلونها في الوفاء بكافة الالتزامات.
وقد انتهت سلسلة تطورها بظهور الأوراق النقدية بشكلها الحالي في مختلف بلدان العالم، علما بأن تطور الأوراق النقدية كان بعيدا عن نظر الفقه الإسلامي ورعايته وضوابطه، الأمر الذي أوجد صعوبة واضحة في إعطاء الوصف أو الحكم الشرعي لكثير من صيغ التعامل وآثارها الفقهية لهذه الأوراق النقدية.
ونشرع الآن بالحديث عن بيان ماهية النقود وما يتعلق بها.

المبحث الأول: تعريف النقود:
من المناسب في هذا المقام أن نستعرض معنى النقود في اللغة العربية، ثم نعرض ما ذكره الفقهاء في تعريفها، ثم بيان المفهوم الاقتصادي المعاصر للنقود، حتى تمتزج النظرة الشرعية بالنظرة الاقتصادية، ليتكون التصور المناسب لها.

أولا: النقود لغة:
النقود جمع نقد، وقد جاءت كلمة نقد في اللغة العربية بعدة معان منها:
1. إبراز الشيء وبروزه، ومنه: حافر نقد: أي متقشر.
2. الإعطاء، ومنه: نقدت الرجل الدراهم، أي أعطيته.
3. التمييز ومنه: نقد النقاد الدراهم، أي ميز جيدها من رديئها.
4. العملة من الذهب أو الفضة.
5. يطلق النقد على خلاف النسيئة، أي إعطاء الثمن معجلا.
هذه مجمل معاني النقد في اللغة العربية، وسوف تظهر المناسبة في بعض هذه المعاني مع المعنى الاصطلاحي لها كما سنذكره لاحقا.

ثانيا: النقود عند الفقهاء:
لم ترد كلمة النقود في عبارات الفقهاء الأقدمين للتعبير عن الأثمان مطلقا، وإنما كانوا يستعملون كلمتي (النقد) في مقابل النسيئة، أو (النقدين) أي الذهب والفضة.
ولذا فقد أطلق الفقهاء النقد على ما كان متخذا من الذهب والفضة للتداول بين الناس في أمور معايشهم، وعبارات الفقهاء تشير بوضوح إلى قصد الذهب والفضة عند إطلاق كلمة النقد.
وعلى هذا جاءت المادة (130) من مجلة الأحكام العدلية ونصها: "النقود جمع نقد، وهو عبارة عن الذهب والفضة، سواء كانا مسكوكين أو لم يكونا كذلك".
وسبب هذا الإطلاق، أن الفقهاء اعتبروا الذهب والفضة هما المقياس الذي تقدر بالنظر إليه أثمان الأشياء وقيمتها، ويعدان ثمنا، علما بأنهم لا يخصون النقد بالمضروب من الذهب والفضة، بل يشمل جميع أنواعها، يقول الشرواني من علماء الشافعية: "والنقد أي الذهب والفضة ولو غير مضروبين، وتخصيصه بالمضروب مهجور في عرف الفقهاء".
وقد ذهب كثير من الفقهاء المعاصرين إلى اعتبار النقود: ما يتعامل بيه الناس مقياسا للقيم ووسيطا في التبادل وأداة للادخار.
وعليه فعرفوا النقود بأنها: كل ما يتعامل بيه الناس من دنانير ذهبية، أو دراهم فضية، أو فلوس (قطع معدنية غير الذهب والفضة) نحاسية، أو عملات ورقية.
ولعل هذا الاتجاه هو السائد في مفهوم النقود مع توسيع لمفهوم النقود، حيث تمثل النقود وسيلة التعامل الأولى بين الناس اليوم، لاعتبارات متعددة.

ثالثا: النقود عند الاقتصاديين:
اختلفت عبارات الاقتصاديين في تعريف النقود، وذلك لاختلافهم في اعتبارات مفهوم النقود، فمنهم من عرفها من حيث الوظائف الاقتصادية في كونها مقياسا للقيمة، ووسيطة في المبادلة، ووسيلة في الدفع المؤجل.
ومنهم من عرفها من حيث خصائصها، فهي ما يلقي قبولاً عاماً من جانب الناس، ومنهم من عرفها من حيث قانونيتها، فهي عبارة عن: ما له القدرة على إبراء الذمة.
ومن حيث الإجمال، فقد عرفها كثير منهم إلى الاعتبارات السابقة إجمالا، فقالوا النقود هي: أي شيء يتمتع بقبول عام كوسيلة للوفاء بالالتزامات ومخزن للقيمة ووسيط للمبادلة.
وينبغي التنويه إلى أن علماء الاقتصاد يفرقون بين النقود والعملة، فالعملة هي كل ما تعتبره السلطة الحاكمة نقودا، وتضفي عليه قوة القانون إبراء الذمة فتلقى قبولا عاما، وأما النقود فهي أعم من العملة، إذ تشمل العملة وأشباه النقود.
وأشباه النقود عبارة عن الودائع الآجلة، وغيرها مما يعد وسيلة ادخارية قابلة للتسييل إلى نقد عند الطلب.
والنقد كذلك يشمل كافة المبادلات التي تتمتع بقبول عام في الوفاء بالالتزامات، وهو غالبا ما يكون ناشئا عن الاتفاق أو العادة أو العرف أو ثقة الأفراد، أما العملة فهي نوع من أنواع النقود الحكومية وهو ما يكون لها قوة إبراء الديون وتقتصر على المسكوكات المعدنية والعملة الورقية الحكومية.

المبحث الثاني: التطور التاريخي للنقود
إن تعدد الحاجات وتنوعها، وازدياد اعتماد الناس بعضهم على بعض، أدى إلى التخصص وتقسيم العمل، وهذا أدى بدوره إلى تبادل الناس فائض منتجاتهم، ولم يكن الناس في بداية أمرهم يعرفون النقود، بل كانوا يتبادلون السلع والخدمات مقايضة، إلى أن هداهم الله تعالى إلى اتخاذ النقود.
والمقايضة: هي مبادلة سلعة بسلعة، أو خدمة بخدمة، أو سلعة بخدمة مباشرة، دون أن تقوم النقود بدور الوسيط في هذا التبادل. وهذه الطريقة وإن كانت سهلة في بادئ الأمر، إلا أن تطور المجتمع أدى إلى صعوبتها، فظهرت عيوبها، وهذه المرحلة تسمى بمرحلة "اقتصاد النقود السلعية"، ثم ظهرت الحاجة إلى وجود شيء يكون مقياسا للقيم ووسيطا للتبادل، يسهل على الناس تعاملاتهم ويرفع عنهم الحرج، فهداهم الله إلى النقود من الذهب والفضة وغيرهما.

أولاً: النقود عند العرب قبل الإسلام:
لم يكن للعرب في الحجاز أيام الجاهلية نقد خاص بهم، بل كانت ترد إليهم دنانير الذهب الهرقلية البيزنطية من الشام، ودراهم الفضة الساسانية من العراق، وكان أهل مكة لا يتبايعون إلا على أنها تبر، ولا يتسلمونها إلا وزنا، ولا تقل بالعد، وذلك لتنوع الدرهم وأوزانه، ولظهور الغش في عملاتهم، حيث كانت القيمة الاسمية تزيد عن القيمة الحقيقية.

ثانياً: النقود في عهد النبوة والخلفاء الراشدين:
لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام للبشرية لم يغير من شأن النقود وأقر الناس على ما هم عليه، لذا واصل المسلمون في عصر النبوة استخدام النقود الأجنبية في معاملاتهم التجارية، وسار عليه كذلك الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى أن جاء الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقام بثلاثة إجراءات تخص النقود نفذ اثنين منها، وتراجع عن البدء في الإجراء الثالث.

الإجراء الأول:
ويتمثل في سك نقود جديدة أدخل فيها بعض العبارات الإسلامية وكان ذلك في السنة الثامنة من خلافه، أي في سنة 20 هـ، حيث أمر بضرب الدراهم على نقش الكسروية وشكلها، وزاد عليها، بعض العبارات كـ "الحمد لله" وفي بعضها: "محمد رسول الله" وفي بعضها "لا إله إلا الله وحده".
وكذلك أضاف على نقوش الفلوس البرونزية المضروبة في الشام بعض العبارات.
وبذلك دخلت النقود في مرحلة جديدة، حيث بدأت تأخذ طابعا إسلاميا، بإدخال بعض الشعارات الإسلامية مع نقشها، إلا أن ذلك لم يكن فيه استقلالية للسك إسلاميا، ولعل ذلك يعود إلى صعوبة السك فنيا.

الإجراء الثاني:
ويتمثل في استقرار وزن الدراهم، بعد أن كانت مختلفة، وقال في ذلك: "انظروا الأغلب مما يتعامل بيه الناس من أعلاها وأدناها".
فجمع بين الدرهم البغلي والدرهم الطبري، فكانا أثني عشر دانقا، فأخذ نصفها فكان ستة دوانق، فجعل الدرهم الإسلامي ستة دوانيق.

الإجراء الثالث:
ويتمثل في أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يجعل النقود من الجلود بدل أن تبقى من الذهب والفضة، وذلك لسهولة حملها بعدما أتسع نطاق التبادل وازدادت المعاملات، وهذا يدل على أن النقود مردها إلى العرف والاصطلاح، إلا أنه لم ينفذ هذا الإجراء بعد أن أخذ رأي الأصحاب، وكان جوابهم بأن هذا العمل يرفع من سعر الإبل إذ سيكثر الطلب عليها ويقل العرض، لدرجة فناء هذا النوع من الحيوان.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه "هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل، فقيل لي: إذا لا بعير، فأمسكت".
أما في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يتغير شيء من نهج من سبقه، إلا ما يتعلق بالعبارات المنقوشة على الدراهم، نحو "الله أكبر".
ولم يختلف الأمر في زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عما كان عليه في السابق، وقد كان تطور النقود في زمنه، عبارة عن إعادة سكها، وإضافة كلمات عربية وشعارات إسلامية عليها.

ثالثاً: النقود بعد عهد النبوة والخلفاء الراشدين:
1. في عهد الدولة الأموية منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، استمر ضرب الدراهم على الطراز الساساني مع وضع إشارات التوحيد كما هو الحال زمن الخلفاء الراشدين.
فلما كان عهد عبد الملك بن مروان واستطاع أن يقضي على عبد الله ومصعب ابني الزبير رضي الله عنهم وحد دار الضرب، بعد أن كان لعبد الله بن الزبير السكة الخاصة بيه من حيث الشكل، وأحدث عبد الملك بن مروان سنة 76 ه عملة إسلامية على طراز إسلامي ليس فيها إشارات بيزنطية أو فارسية، وبذلك يكون عبد الملك بن مروان هو أول من ضرب الدنانير والدراهم على طراز إسلامي خاص.
وعمل عبد الملك هذا حقق للدولة الإسلامية الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتقليل الغش والتلاعب بالنقد.
وامتاز العهد الأموي بالتشديد ومكافحة الغش في النقود، واستمر ذلك في عهد يزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك، حتى إن هشام فحص درهما فوجده ينقص حبة، فضرب كل صانع ألف سوط، وكانوا مائة، فضرب في حبة مائة ألف سوط.
2. وسار العباسيون في ضرب الدنانير والدراهم على طريقة الأمويين، فضرب السفاح ديناره الأول في بداية تأسيس الدولة العباسية سنة 132 ه، على غرار الدينار الأموي ولم يغير سوى النقوش.
أما الدراهم فنقصها حية ثم حبتين، ثم توالى النقص في وزن الدرهم أيام أبي جعفر المنصور، حيث نقصها ثلاث حبات، إلى أن كان عهد موسى الهادي فصار نقصانها قيراطاً.
3. وفي عهد الدولة العثمانية كان النظام النقدي العثماني الرسمي منذ سنة 955 ه قائماً على قاعدة المعدن الثنائية، الذهب والفضة، النسبة 50/1.
4. وفي عام 1839 م أصدرت الحكومة العثمانية عملة جديدة سمتها الـ "قائمة" بشكل أوراق البنكنوت يقابلها رصيد ذهبي، غير أن قيمتها كانت منخفضة إلى حد كبير فلم يثق الناس بها.
5. ولما نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 م أعلنت تركيا كغيرها من دول العالم التداول الإجباري بالعملة الورقية، وبطل التعامل بالذهب والفضة، وسرى هذا النظام على البلاد العربية الخاضعة للحكم العثماني إلى أن تقاسم الخلفاء البلاد العربية.

المبحث الثالث: أنواع النقود:
قسم علماء الاقتصاد النقود إلى أربعة أنواع:
نقود سلعية، ونقود معدنية، ونقود ورقية، ونقود مصرفية.
وفيما يلي توضيح مختصر لكل نوع من هذه الأنواع:

النوع الأول: النقود السلعية:
وهي عبارة عن اختيار سلعة معينة لتكون وسيطا في عمليات المبادلة التي تتم، ومقياسا للقيم ويجب أن تكون هذه السلعة مقبولة ومطلوبة من معظم أفراد المجتمع ويحتاجها هؤلاء الأفراد، كالقمح مثلا في بعض المجتمعات.
ولا شك أن هذه النقود بهذا المفهوم قد اختفت في الاقتصاد المعاصر على مستوى المجتمعات ولم يعد لها وجود بمعنى النقود، لصعوبة التعامل بها في ظل التطور الهائل الذي شهده العالم في مجال المعاملات.

النوع الثاني: النقود المعدنية:
وهي النقود التي يتم اختيارها من معدن أو معادن معينة لتكون وسيطا في عمليات التبادل ومقياسا للقيم.
ومن أهم أنواع النقود المعدنية ما يلي:
1. النقود الذهبية والفضية من الذهب والفضة الخالصة، وقد تم استخدام هذه النقود قبل الإسلام وفي بداية سك النقود وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة وكانت هي النقود المتداولة بين المسلمين وغيرهم من الأمم أيضا، كالفرس والروم.
2. النقود الذهبية والفضية المخلوطة بمعادن أخرى: ويطلق عليها النقود المغشوشة، وقد راجت هذه النقود في بعض العصور الإسلامية رغم أن التعامل بها في بداية سكها كان محدوداً.
3. النقود المسكوكة من النحاس، ويطلق عليها اسم الفلوس، وقد تم تداولها قبل الإسلام وبعده، وكانت الفلوس المتداولة هي الفلوس النحاسية البيزنطية.

النوع الثالث: النقود الورقية:
النوع الثالث من النقود هي النقود الورقية المتداولة اليوم والتي أخذت حيزا كبيرا من البحث والدراسة من المهتمين في الشريعة الإسلامية.
والنقود الورقية التي نتداولها اليوم بشكلها ونظامها هي نتيجة لتطور امتد حقبة طويلة من الزمن، فظهر النقود الورقية لأول مرة سنة 910 م في الصين، فكان لأهلها فضل السبق في اختراعها، وكانوا يتداولونها في بداية الأمر على أنها مغطاة بمعدني الذهب والفضة بنسبة 100 %، وفي حوالي القرن العاشر أصدرت السلطات الصينية نقودا ورقية لا يقابلها غطاء كامل، وقد استحدثت الصين الأوراق النقدية غير القابلة للصرف في بداية القرن الثاني عشر، كما عرفت السويد الأوراق النقدية سنة 1661 م، حيث كان يصدرها بنك ستوكهولم، وكذلك إنكلترا وهولندا.

تطور مراحل النقود الورقية:
لقد مر تطور النقود الورقية بأربع مراحل مختلفة حتى استقر الوضع على ما هو عليه الآن من حيث الشكل والنظام، وقد تعددت الكتابات المعاصرة في عرض مراحل تطور النقود، وربما اختلف بعضها عن بعض اختلافا يسيرا، ولذا سوف أعرض المراحل حسب ما يراه الأكثرية من الباحثين، فالمقصد من هذا العرض، هو تصور كيفية استقرار النقود، وربما اختلف بعضها عن بعض اختلافا يسيرا، ولذا سوف أعرض المراحل حسب ما يراه الأكثرية من الباحثين، فالمقصد من هذا العرض، هو تصور كيفية استقرار النقود الورقية على ما هي عليه الآن بشكلها التنظيمي القانوني، وليس المحاسبة التاريخية.
وقد جاءت المراحل على النحو الآتي:

1. المرحلة الأولى:
لما أتسع نطاق التجارة الخارجية، ازدادت أرباح التجار ونمت أموالهم، فاتجهوا إلى إيداع نقودهم المعدنية لدى خزائن الصاغة، أو الصيارفة، أو رجال الدين، لأنها كانت معرضة للسرقة والنهب.
وكانت تلك الجهات تعطي المودع صكا أو ورقة بدون فيه كمية النقود المعدنية المودعة، فلم يكن الصك في حد ذاته نقودا، إذ لم تتوفر فيه صفة القبول العام، فلم يكن من الممكن دفعه مقابل المشتريات.
غير أنه وفر لمالكه أمرين:
أولهما: المحافظة على النقود من السرقة والضياع، فإذا فقد أو سرق الصك لا تعطي تلك النقود إلا بأمر المودع.
وثانيهما: وفر للتجار عملية نقل النقود من مكان إلى آخر، فإذا عقد تاجر صفقة تجارية، يوقع على الصك بتنازله عن قيمته لشخص آخر.
وقد لاقت هذه الصكوك قبولا حسنا، إذا كانت تصدر عن شخصية أو هيئة ذات سمعة مالية حسنة في بلد التاجر، وتحمل التوقيع والشهادة، على أن الشخص الذي أودع مبلغا من النقود يتعهد بأن يدفع للدائنين قيمة كل التزام قانوني قبل المودع في حدود القيمة المودعة.

2. المرحلة الثانية:
في هذه المرحلة تغيرت صيغة كتابة الصك، ففي المرحلة الأولى كان الصك يكتب باسم شخص معين، وبمبلغ معين، أما في هذه المرحلة فقد كان الشخص يودع النقود المعدنية ثم يستلم الصك بالمبلغ المودع، ويكتب على الصك التعهد بالدفع لحامل هذا الصك.
وهكذا تطور أمر هذه الأوراق، فلم يعد التاجر بحاجة إلى التوقيع على الصك ليعطيه لتاجر آخر جراء عملية تجارية، فإذا تسلم أي شخص هذا الصك يخول مباشرة استلام المبلغ المودع والمدون على الصك، فتيسر أمر هذه الصكوك أكثر، وانتشر استعمالها بشكل أكبر.
ومع ذلك فلم تكن في حد ذاتها نقودا، وإنما كانت استحقاقات على النقود المعدنية المودعة.

3. المرحلة الثالثة:
ازدادت ثقة الناس بهذه الأوراق التي يصدرها الصيارفة، فصاروا يبرمون بها العقود مباشرة من دون الرجوع إلي الصيارفة لاستبدال النقود المعدنية بها.
ووجد الصيارفة بالتجربة أن القسم الأعظم من هذه الأوراق يبقى في التداول دون تحويله إلى نقود معدنية.
فعلى سبيل المثال، وجد الصيارفة أن من بين كل 20 ورقة تستبدل ورقة واحدة، فهذا يعني أن نسبة الاستبدال هي 5%، ويمكن أن يزيد الصيرفي هذه النسبة للاحتياط، ولبقاء ثقة الناس، فيحتفظ بنسبة 10% من النقود المعدنية، فهذا يعني أن 90% من الأوراق لم يكن لها رصيد من النقود المعدنية، لأنه يحتاج مقابل كل 10 قطع نقدية معدنية إلى 100 ورقة مصرفية، فازدادت كمية الأوراق النقدية التي لا يقابلها غطاء.
وهكذا نلاحظ هذا التغيير الجذري في نوعية هذه الأوراق، فبعد أن كانت في المرحلتين السابقتين تنوبان عن النقود المعدنية نيابة تامة، إذا كانت الأوراق مجرد وثيقة تثبت كمية النقود المعدنية المودعة، ولم يكن الصيرفي يصدر كمية من الأوراق تزيد على كمية النقود المعدنية، لكنها في هذه المرحلة صارت نقودا بحد ذاتها، يستخدمها الناس مباشرة السلع والخدمات، ولم يكن مقابلها رصيد معدني تام.

4. المرحلة الرابعة:
ظلت النقود الورقية قابلة للتحويل إلى الذهب حتى عام 1930، حيث قامت حكومة بريطانيا بإعفاء بنك إنجلترا من التزامه بصرف الجنية الورقي بالذهب، وأعلنت هذا الجنيه نقدا إلزاميا بقوة القانون، وتبعتها الولايات المتحدة، وأعلنت عام 1933 إلغاء استبدال عملتها الورقية بالذهب، ولم يبق على الذهب في ذلك الوقت من دول العالم سوى فرنسا وهولندا وبولندا حتى عام 1936، حيث خضعت إلى سيادة النظام الورقي.
وهكذا أصبح الذهب خارجاً عن نطاق النقود، وأصبحت الأوراق النقدية تحتل مكانه، وهي لا تمثل ذهبا ولا فضة.
وهذه الأوراق النقدية هي المستعملة حاليا في كافة أرجاء العالم نتيجة لاتساع نطاق المعاملات التجارية بين الأفراد والمؤسسات والدول، مما جعل استعمال النقود المعدنية متعذرا أو عسيرا باعتبار ندرتها من جهة، فلا تكفي وحدها لتلبية ما تتطلبه الحركة الاقتصادية العالمية المتطورة، وباعتبار ثقلها من جهة أخرى، فيصعب تداولها بين الأفراد وبين المؤسسات المالية المختلفة.
ومع أن النقود الورقية ليست في الأصل إلا تعهدا بالدفع، إلا أنها يعتمد عليها في كل المعاملات المالية والمبادلات التجارية أكثر مما يعتمد على العملة المعدنية، فصارت هي كالأصل.
وأما قبولها على مستوى العالم فيؤثر فيه عوامل أخرى غير القوة القانونية كقوة الدولة الاقتصادية واستقرارها السياسي وغيرها من العوامل ومن أهمها:
1. الثروات الباطنية في الدولة مثل البترول والغاز والمعادن فبقدر ما تكون الدولة المالكة للسلع العالمية الأساسية ولديها فائض عن ميزانها التجاري تكون عملتها قوية مثل الدينار الكويتي الذي يعتبر من أقوى العملات في العالم.
2. النشاط الصناعي والتكنولوجي فبقدر ما تكون الدولة المالكة للمنتجات العالمية الأساسية ولديها فائض عن ميزانها التجاري تكون عملتها قوية.
3. النشاط الاقتصادي بتوافر الثروة الزراعية، والنشاط السياحي والثروات الأخرى والتي بمجموعها كلما زادت قيمة عملتها بقدر ذلك.
4. الوضع السياسي المستقر فقد تكون الدولة غنية بثرواتها ولكنها تعاني من عدم الاستقرار أو من الحصار الدولي الذي يحد من نشاطها الاقتصادي فتتضاءل قيمة العملة وقد تنهار قيمتها فتضحي لا تعادل تكلفة طباعتها.
هذه هي حقيقة الأوراق النقدي حيث أضحت أثمانا عرفية بقوة القانون، ولم يعد هناك مجال لرفضها، أو طلب تحويلها إلى ذهب، بل هي ملزمة لطرفي التعامل بحماية الدولة التي أصدرتها.
وعلى ما سبق يتبين أن النقود الورقية عبارة عن ثلاث فئات:
1. الأوراق النقدية النائبة:
وهي صكوك تمثل كمية النقود المعدنية أو السبائك الذهبية المودعة في البنك، فهي تنوب عن النقود المعدنية في التداول، وتستمد قوتها الشرائية من النقود المعدنية التي تقابلها، ويكون غطاؤها من النقود المعدنية 100 %.
وكانت تلقى قبولاً عاماً لكونها قابلة للصرف بالذهب، فإذا توجه حامل الورقة النقدية إلى البنك طالبا الوفاء بقيمتها من الذهب فإنه يجاب لطلبه.

2. الأوراق النقدية الوثيقة:
وهي التي تكون تغطيتها المعدنية جزئية، حيث يكون الذهب أو الفضة جزءا من الغطاء، والجزء الآخر يستند إلى ثقة الناس بالجهة التي أصدرت تلك النقود.

3. الأوراق النقدية الإلزامية:
هذا النوع من النقود هو الشائع اليوم، ابتداء من عام 1930 م، حيث أعلن عن عدم قابلة صرف الأوراق النقدية إلى ذهب، وتحللت بنوك الإصدار من الارتباط بين إصدار هذه الأوراق وكمية الذهب، وألزمت الدول الأفراد قبول هذه الأوراق فسميت أوراقا نقدية إلزامية، ولا يشترط أن يكون مقابلها نسبة معينة من الذهب، بعد أن تحللت بنوك الإصدار من التغطية الذهبية، وإن كان الذهب أحد عناصر تغطيتها.
كما أن قوتها الشرائية أصبحت تنخفض وترتفع حسب الكميات التي تطبعها البنوك المركزية، وحسب مقابلتها لعناصر التغطية، وحسب اقتصاد الدولة المحلي.

مميزات النقود الورقية وعيوبها:
أولا: مزايا النقود الورقية:
تميزت النقود الورقية بعدة مزايا منها:
1. سهولة حملها، فهي أخف حملا من النقود المعدنية.
2. إمكان إصدارها بفئات متفاوتة تتلاءم وحجم المعاملات المختلفة.
3. أن نقلها من مكان إلى آخر أقل تعرضا لمخاطر الطريق.
4. أن نفقات طبعها أقل تكلفة من نفقات سك المعادن.
وبناء على اقتصار جميع الدول على اتخاذ الأوراق النقدية وسيلة للتبادل، ووسيطا للمبادلة، وتتمتع بقبول عام في الوفاء بالالتزامات، فتعتبر النقود الورقية الآن هي الأساس الذي يقوم عليه معيار الثمن، حيث يتم تقويم أثمان السلع والخدمات بالنقود الورقية، فحيث ما أطلقت النقود اليوم، فالمراد بها تلك الأوراق النقدية التي اكتسبت قوة في التعامل لاعتبارات متعددة، كالاعتبارات الاقتصادية والقانونية والسياسية، فقامت مقام النقد في معظم البلدان.

ثانياً: عيوب النقد الورقية:
إن تخلي الدول عن ضمان تغطية الأوراق النقدية بالذهب بنسبة تامة أعطاها حرية الإصدار، فتستطيع أي دولة طبع ما تشاء من الأوراق النقدية على وفق حاجاتها، من دون قيد بضبط عملية الإصدار، ومن هنا ظهرت عيوب الأوراق النقدية.

خصائص النقود:
تتمتع النقود بالخصائص التالية التي تميزها عن العروض، وهذه الخصائص على النحو التالي:

1. القبول العام:
إن الشيء المتخذ نقوداً لا بد أن يكون له صفة القبول العام في المجتمع، بمعنى أن الناس يقبلونه كوسيط للتبادل للحصول على السلع والخدمات، وفي تسديد الديون والالتزامات، وينشأ القبول العام للنقود من عاملين:
أ. العرف، كأن يتعارف أفراد المجتمع على أن هذه السلعة تقوم بدور النقود في المعاملات الاقتصادية وتسديد الديون والالتزامات المالية.
ب. القانون السائد في المجتمع، كأن يلزم القانون أفراد المجتمع بقبول سلعة معينة للقيام بدور النقود في الوفاء بالديون وتسديد قيم المعاملات.

2. تجانس وحداتها:
فالنقود لا بد أن تكون وحداتها النقدية متجانسة تماما، بمعنى أن تكون كل وحدة من وحداتها بديلا تاما للأخرى، تقبل في المعاملات دون تمييز، بحيث لا يكون لدى الفرد تفضيل لوحدة نقدية على الأخرى.
فإذا أقرض شخص نقودا لآخر فإنه لا يشترط عليه ردها بعينها، ولكن يقبل ردها بالمثل، فالوحدة النقدية المقدرة بخمسة دنانير مثلا، مساوية تماما لوحدة نقدية أخرى مقدرة بخمسة دنانير، ومساوية كذلك لخمس وحدات نقدية مقومة كل منها بدينار.

3. قابلية التجزئة:
يجب أن تكون النقود قابلة للتجزئة إلى وحدات صغيرة القيمة، لتتناسب مع مختلف المعاملات الاقتصادية التي تشتمل على مبادلات كبيرة وصغيرة مما يسهل عملية التبادل.

4. طول البقاء:
ينبغي للنقود أن تكون معمرة نسبيا، صعبة التلف، مقاومة للهلاك السريع، لتتحمل تنقلها بين أيدي الناس في عمليات التبادل.

5. سهولة الحمل:
بأن تكون خفيفة الوزن، صغيرة الحجم مع ارتفاع قيمتها نسبياً.

6. الثبات النسبي في القيمة:
يجب أن تتمتع النقود بثبات نسبي في قيمتها، حيث لا تتغير من وقت لآخر بشكل كبير.

7. كفاية المقدار:
ينبغي أن تتوافر النقود بكميات كافية وملائمة لنمو وتطور الحركة الاقتصادية.

النوع الرابع: النقود المصرفية:
هذه النقود نشأت بصورتها الحديثة بعد نشوء المصارف. وهي عبارة عن توسيط المصارف عن طريق وثائق معينة (الشيكات) أو بطاقات خاصة (البطاقات المصرفية) في دفع أثمان السلع وسداد الديون.
وهذه الأدوات تطورت بشكل كبير في يومنا هذا، وبدأت المصارف والبنوك تعدد الخدمات التي يستخدمها حامل هذه البطاقات المصرفية في سداد الالتزامات والشراء وغيرها من أمور التعامل بأشكاله المتعددة.

المبحث الرابع: نظرة الاقتصاد الإسلامي للنقود:
بعد أن بينا المفهوم الاقتصادي البحث للنقود نتطرق إلى مفهوم النقد في الفكر الاقتصادي الإسلامي، وفي هذا المجال عدة مسائل: حيث ينظر الفقهاء إلى النقود على اعتبار أن لها وظيفة مهمة في الحياة العامة بين الناس، بل ولها استخدامات وأهداف أخروية دينية أيضاً.
ولهذا فقد حدد جمهور الفقهاء وظائف النقود في أمرين:
الأول: أنها وسيط للتبادل.
والثاني: أنها أثمان في ذاتها.
وهذا يعني أنها مقياس للقيمة ومستودع لها ومقياس للمدفوعات الآجلة.
قال السرخسي: "أما الذهب والفضة فخلقا جوهرين للأثمان لمنفعة التقلب والتصرف فكانت معدة للنماء على أي صفة كانت فتجب الزكاة فيها". والتقلب هنا يعني التداول، والتصرف يعني الشراء أو بيع السلع.
وقال ابن قدامة: "الخارج من المعدن مستفاد خارج من الأرض بمنزلة الزرع والثمر إلا أنه إن كان من جنس الأثمان ففيه الزكاة عند كل حول لأنه مظنة للنماء من حيث إن الأثمان قيم الأموال ورأس مال التجارات، وبهذا تحصل المضاربة والشركة وهي مخلوقة لذلك فكانت بأصلها وخلقتها كمال التجارة المعد لها"، فالأثمان تعني النقود. وكونها مخلوقة لذلك يعني أن السلعة تقوم بوحدات نقدية من الذهب والفضة.
وقال ابن القيم "إن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي بيه يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر بيه المبيعات بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون بيه المبيعات حاجة ضرورية عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف بيه القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم بيه الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم بيه الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس".
نلحظ أن هذه الوظائف والاستخدامات لا تختلف في جوهرها عن الوظائف الاقتصادية للنقود والتي قررها علماء الاقتصاد اليوم، وهي لا تعارض في حقيقتها القواعد الشرعية.

المبحث الخامس: وظائف النقود:
للنقود عدة وظائف في الاقتصاد منها:
أولاً: النقود وحدة للحساب أو مقياس للقيم:
فالنقود تقوم بوظيفة المقياس المشترك للقيم، تؤدي في قياس القيم الاقتصادية ما يؤديه "المتر" في المسافات، أو ما يؤديه "الأمبير في قياس شدة التيار الكهربائي، أو ما يؤديه "الكيلو جرام" في قياس الأوزان.. الخ.
فوظيفتها من هذه الناحية هي وجود وحدة معيارية تقاس بها قيم مختلف السلع والخدمات في التبادل، ولا يخفي ما يترتب على وجود مقياس مشترك للقيم من تسهيل لعمليات التبادل والمحاسبة، إذ يمكن التعبير بوحدات نقدية عن قيم الأصول على تنوعها.

ثانيا: النقود وسيط للمبادلة:
تطور النظام الاقتصادي كما تطورت النقود، مما استدعى انتقال المجتمع من مرحلة مبادلة السلع بعضها ببعض مباشرة إلى مرحلة اختيار وسيلة وأداة محددة يقبلها الأفراد في التبادل والوفاء بالالتزامات المختلفة، وأعطيت هذه الأداة القوة اللازمة لتحقيق ذلك الغرض وهو التبادل، فلم يعد الناس يبادلون القمح بالأرز مثلا، وإنما يبادل صاحب القمح حنطته بالنقود ويستعمل النقود بعدئذ في شراء ما يشتهيه من سلع أو خدمات، وهكذا تصبح النقود أساس النظام الاقتصادي الجديد، وأحد البدلين في كل صفقة من صفقات التجارة.

ثالثاً: النقود أداة لاختزان القيم:
تظهر فائدة النقود باعتبارها أداة لاختزان القيم أو مخزنا للقيم، أي أداة لاختزان القوة الشرائية لاستخدامها عند الحاجة، فما دام أن الإنسان بإمكانه مبادلة النقود بأي شيء يريده فإنه يكون بإمكانه أن يبادل ما لديه من سلع بالنقود على أن يكتنز النقود لينفقها في وقت لاحق حسب ما يريد ويرغب من السلع وغيرها.

المبحث السادس: أحكام النقود:
أولاً: الذهب والفضة هل هما النقد الشرعي فقط؟ أم يمكن أن يحل غيره مكانه؟
ذكرنا سابقا أن الفقهاء قد استعملوا كلمة (النقدين) ليعبروا بهما عن ما كان منتشرا في زمنهم من أنواع النقود وهي الذهب والفضة، وقد استمروا في استخدام هذا المصطلح (النقدين) حتى في الوقت الذي ظهرت فيه الفلوس (النقود النحاسية) ولم يلحقوها بالنقدين، ولهذا فقد استخدم الفقهاء تصريفات المصدر (نقد) ليدلوا بيه على الثمن الحال دون النسيئة (المؤجل) وليعبروا بيه عن الذهب والفضة خاصة دون سواهما من الأثمان.
وقد اختلف العلماء في الذهب والفضة هل هما النقد الشرعي فقط؟ أم يمكن أن يحل غيره مكانه؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهبوا إلى أن الشارع الحكيم قد حدد نوع النقود الواجب التعامل بها وهي الذهب والفضة، ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها، وإذا عدل عنها فلا بد من ربطه بالنقدين الأساسيين الذين أقرهما الشارع- الذهب والفضة.
ودليل هذا القول: أن الذهب والفضة قد قام الدليل من القرآن والسنة والإجماع على أنها نقود شرعية، وقد تعلقت بها أحكام خاصة كالزكاة والسلم، وقدر بهما نصاب السرقة ودية الإنسان، وتعلق بهما حكم الربا والصرف، وما دامت الأحكام الشرعية قد تعلقت بهما فلا يجوز تغيير هذين النقدين إلا إذا كان الشيء الجديد المعد للثمنية مرتبطاً بهما ارتباطاً كلياً، والنقود الورقية المتداولة ليست من الأثمان بالخلقة ولا مرتبطة بها فلا تعتبر نقودا على حد قولهم.
القول الثاني: وهم جمهور الفقهاء من القدماء والمعاصرين، ذهبوا إلى أن أي نقد صار معيارا للتداول وأقره الناس فهو يأخذ حكم الذهب والفضة في الثمنية، فأي مال متقوم اعتمد الناس عليه في أداء وظائف النقود فإنه يأخذ صفة الثمنية، ويصح أن يكون نقودا.
وتطبيقاً للنقود الورقية اليوم هي نقود قائمة بذاتها، فالنقود الورقية نقد قائم بذاته.
وهذا القول هو الصحيح الذي عليه أكثر الفقهاء وهو عدم حصر الثمنية في النقدين (الذهب والفضة) حيث إن العرف اعتبرها نقودا وأثمانا، والعرف معتبر في الشرع، ولذا قال الإمام مالك: "لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق "نظرة" أي: نسيئة.
ولذا فقد ذهب جمهور العلماء المعاصرين إلى اعتبار النقود الورقية نقدا قائما بذاته يقوم مقام النقدين- الذهب والفضة- ويأخذ حكمها من حيث جريان الربا بنوعيه فيها، وإيجاب الزكاة إذا بلغت النصاب، إلى غير ذلك من الأحكام الحادثة، لتعامل الناس بها معاملة النقدين.
وعليه فإن اعتبار الأوراق النقدية نقدا مستقلا بذاته هو ما أخذ بيه جمهور العلماء المعاصرين في قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الخامسة عام 1402 ه فيما يتعلق بهذا الموضوع، حيث جاء فيه.
قرر ما يلي:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي قد اطلع على الأبحاث المقدمة إليه في موضوع العملة الورقية، وأحكامها من الناحية الشرعية، وبعد المناقشة والمداولة بين أعضائه، قرر ما يلي:
أولاً: إنه بناء على أن الأصل في النقد هو الذهب والفضة، وإن كان معدنهما هو الأصل.
وبما أن العملة الورقية قد أصبحت ثمنا، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها، وبها تقوم الأشياء في هذا العصر- لاختفاء التعامل بالذهب والفضة- وتطمئن النفوس بتمولها وادخارها، ويحصل الوفاء والإبراء العام بها، رغم أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما في أمر خارج عنها، وهو حصول الثقة بها، كوسيط في التداول والتبادل وذلك هو سر مناطها بالثمنية.
وحيث إن التحقيق في علة جريان الربا في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وهي متحققة في العملة الورقية. لذلك كله، فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، يقرر أن العملة الورقية نقد قائم بذاته، له حكم النقدين من الذهب والفضة، فتجب الزكاة فيها، ويجري الربا عليها بنوعيه فضلا ونسيئة، كما يجري ذلك في النقدين من الذهب والفضة تماما، باعتبار الثمنية في العملة الورقية قياسا عليهما، وبذلك تأخذ العملة أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها.
ثانياً: يعتبر الورق النقدي نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان، كما يعتبر الورق النقدي أجناساً مختلفة، تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق النقدي السعودي جنس، وأن الورق النقدي الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، وبذلك يجري فيها الربا بنوعية فضلا ونسيئة، كما يجري الربا بنوعية في النقدين الذهب والفضة وفي غيرهما من الأثمان وهذا كله يقتضي ما يلي:
أ. لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما، نسيئة مطلقا، فلا يجوز مثلا بيع ريال سعودي بعملة أخرى متفاضلاً نسيئة بدون تقابض.
ب. لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد، فلا يجوز مثلا بيع عشرة ريالات سعودية ورقا بأحد عشر ريالا سعوديا، نسيئة أو يدا بيد.
ج. يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقا، إذا كان يدا بيدا، فيجوز بيع الليرة السورية أو اللبنانية، بريال سعودي ورقا كان أو فضة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وبيع الدولار الأمريكي بثلاثة ريالات سعودية أو أقل من ذلك أو أكثر إذا كان يدا بيد، ومثل ذلك في الجواز بيع الريال السعودي الفضة، بثلاثة ريالات سعودية ورق- أو أقل من ذلك، أو أكثر- يدا بيد، لأن ذلك يعتبر بيع جنس بغير جنسه، ولا أثر لمجرد الاشتراك في الاسم مع الاختلاف في الحقيقة.
ثالثاً: وجوب زكاة الأوراق النقدية، إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.
رابعاً: جواز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم، والشركات.
والله أعلم، وبالله التوفيق، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ثانياً: المتاجرة بالنقود والعملات:
من الأحكام المهمة في هذا الباب هي المتاجرة بالعملات والنقود، وقد تناول ذلك العلماء المعاصرون بشكل موسع، حيث صدر عن ذلك قرارات فقهية من المجامع المتخصصة، وقد فصلت المعايير الشرعية الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية معيارا يبين فيه أحكام هذا النوع من التعاملات، ونظرا لكون المعيار جاء مستوعبا بشكل مختصر ومحكم لأهم الأحكام فإنا نورد بعض أحكامه مع شيء من التقديم والتأخير لطبيعة المؤلف الذي بين أيدينا.

الحكم الشرعي للمتاجرة في العملات:
الحكم الأصلي للمتاجرة في العملات هو الإباحة، لأنها داخلة في عموم الأدلة على مشروعية بيع الذهب والفضة والنقود، وهي وجه من وجوه الكسب، وحكمها الإباحة ما لم يطرأ عليها سبب للتحريم أو الكراهة. ومستند ذلك الأحاديث الواردة في مبادلة العملات، وإطلاق الحكم المستنبط منها حسبما قراره الفقهاء في باب الصرف، فإذا اختل شيء من الضوابط الشرعية حرمت المتاجرة.

أولاً: الشروط الشرعية للمتاجرة في العملات:
1. تجوز المتاجرة في العملات شريطة مراعاة الأحكام والضوابط الشرعية الآتية:
أ. أن يتم التقابض قبل تفرق العاقدين، سواء أكان القبض حقيقياً أم حكمياً.
ب. أن يتم التماثل في البدلين اللذين هما من جنس واحد ولو كان أحدهما عملة ورقية والآخر عملة معدنية، مثل الجنيه الورقي والجنيه المعدني للدولة نفسها.
ج. أن لا يشتمل العقد على خيار شرط أو أجل لتسليم أحد البدنين أو كليهما.
د. أن لا تكون عملية المتاجرة بالعملات بقصد الاحتكار، أو بما يترتب عليه ضرر بالأفراد أو المجتمعات.
ه. أن لا يكون التعامل بالعملات في السوق الآجلة وعليه يحرم ما يلي:
1. يحرم التعامل في سوق الصرف الآجل سواء أتم بتبادل حوالات آجلة أم بإبرام عقود مؤجلة لا يتحقق فيها قبض البدلين كليهما.
2. يحرم الصرف الآجل أيضا ولو كان لتوقي انخفاض ربح العملية التي تتم بعملة يتوقع انخفاض قيمتها.

ثانياً: القبض في بيع العملات:
1. إذا تم التعاقد على بيع مبلغ من العملات فلا بد من تسليم وقبض جميع المبالغ موضوع المتاجرة قبل التفرق.
2. لا يكفي لجواز المتاجرة بالعملات قبض أحد البدلين دون الآخر، ولا قبض جزء من أحد البدلين، فإن قبض بعض البدل صح فيما تم قبضه دون الباقي.
3. يتحقق القبض بحصوله حقيقة أو حكما، وتختلف كيفية قبض الأشياء بحسب حالها واختلاف الأعراف فيما يكون قبضا لها.
4. يتحقق القبض الحقيقي بالمناولة بالأيدي.
5. يتحقق القبض الحكمي اعتبارا وحكماً بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يوجد القبض حسا، ومن صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً ما يأتي:
أولاً: القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات الآتية:
1. إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.
2. إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المؤسسة في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.
3. إذا اقتطعت المؤسسة- بأمر العميل- مبلغا من حساب له لتضمه إلى حساب آخر بعملة أخرى في المؤسسة نفسها أو غيرها لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المؤسسة مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإسلامية. ويغتفر تأخير القيد المصرفي- بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي- إلى المدة المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي.
ثانياً: تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه، وتم حجز المؤسسة له.
ثالثاً: تسلم البائع قسيمة الدفع الموقعة من حامل بطاقة الائتمان (المشتري) في الحالة التي يمكن فيها للمؤسسة المصدرة للبطاقة أن تدفع المبلغ إلى قابل البطاقة بدون أجل.

ثالثاً: وقف النقود:
الوقف في اصطلاح الفقهاء هو: حبس مال يمكن الانتفاع بيه، مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته، على مصرف مباح.
ولقد احتلت قضية وقف النقود في الفقه الإسلامي مكانة هامة، وتناولها العلماء قديما وحديثا بحثا واستدلالا، والوقف النقدي هو ما كان الموقوف فيه مالاً نقدياً.

وأما حكم وقف النقود:
المتتبع لأقوال المذاهب الفقهية يجد أن هناك اتجاهين لحكم وقف النقود، علما بأن جميع المذهب الفقهية لم يتفق علماؤها على رأي واحد في هذه المسألة، بل يوجد في كل مذهب من يقول بالجواز وعدمه، وتفصيل الأقوال على النحو الآتي:
الاتجاه الأول: جواز وقف النقود- الدراهم والدنانير- وقيده الحنفية فيما إذا تعورف ذلك وجرى بيه التعامل بين المسلمين، وهو المفتى بيه في مذهب الحنفية، وأطلق المالكية الجواز دون تقييد بالعرف.
الاتجاه الثاني: منع وقف النقود، وهو المعتمد عند الشافعية والحنابلة.

الأدلة:
أ. أدلة من قال بالجواز:
أولاً: الحنفية القائلون بالجواز إذا تعورف ذلك:
قال ابن عابدين: "إن الدراهم لا تتعين بالتعيين، فهي وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها، لكن بدلها قائم مقامها، لعدم تعينها، فكأنها باقية، ولا شك في كونها من المنقول، فحيث جري فيها تعامل دخلت فيما أجازه محمد، ولهذا لما مثل محمد بأشياء جرى فيها التعامل في زمانه، قال في الفتح: إن بعض المشايخ زادوا أشياء من المنقول على ما ذكره محمد، لما رأوا جريان التعامل فيها، وذكر منها مسألة البقرة ومسألة الدراهم والمكيل".

ثانياً: المالكية القائلون بالجواز مطلقاً:
الأصل عند المالكية أن المنقول يجوز وقفه إن أمكن الانتفاع بيه مع بقائه، وعلى هذا فالنقود من المنقولات التي يمكن الانتفاع بها التي يمكن الانتفاع بها بطريقة يمكن رد مثله، فيجوز وقفها، وإن ذكرت عبارات بعض المالكية القول بالتردد في الجواز، وذلك عند ذكر وقف الطعام فقالوا: ومثله الدنانير والدراهم ليسلفها ويرد مثله، ومقصودهم من هذا التردد فيما لو تعذر رد المثل، قال الشيخ محمد عليش: "التردد فيه نظر، لأنك إن فرضت المسألة فيما إذا قصد بوقف الطعام ونحوه بقاء عينه فليس فيه إلا المنع، لأنه تحجير بلا منفعة تعود على أحد، ويؤدي إلى فساد الطعام المؤدي إلى إضاعة المال، وإن كان على معنى أنه وقف للسلف إن احتاج إليه محتاج ثم يرد مثله، فمذهب المدونة وغيرها جوازه، والقول بكراهته ضعيف، وأضعف منه قول ابن شاس بمنعه إن حمل على ظاهرة، والله أعلم".

ب. أدلة من قال بالمنع:
قالوا: من شرط المال الموقوف أنه يمكن الانتفاع بيه مع بقاء عينه، وعلى ذلك فلا يصح وقف ما لا ينتفع بيه مع بقائه، كالأثمان- النقود-، ولو وقف الدراهم والدنانير لينتفع باقتراضها فلا يصح، لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، وما لا ينتفع بيه إلا بالإتلاف لا يصح ذلك.
وجواز وقف النقود هو القول الذي اختاره مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في قراره رقم (140) (15/6)- في دورته الخامسة عشرة المنعقد بمسقط (سلطنة عمان) في 19- 14 محرم 1415 ه- الموافق 2004/ 3/ 6 م، حيث قرر جملة أمور، منها:
1. وقف النقود جائز شرعا، لأن المقصد الشرعي من الوقف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة متحقق فيها، ولأن النقود لا تتعين بالتعيين وإنما تقوم أبدالها مقامها.
2. يجوز وقف النقود للقرض الحسن، وللاستثمار إما بطريق مباشر، أو بمشاركة عدد من الواقفين في صندوق واحد، أو عن طريق إصدار أسهم وقفية تشجيعا على الوقف، وتحقيقا للمشاركة الجماعية فيه.

رابعاً: إجارة النقود:
يشترط أهل العلم في الإجارة أن تقع الإجارة على المنفعة لا على استهلاك العين، واتخاذ النقود محلا للإجارة فيه تفصيل عند أهل العلم، حيث إن الكلام في هذه المسألة على حالتين:

الحالة الأولى: إجارة النقود الخلقية
فالنقود الخلقية تتمثل في الذهب والفضة، وهي التي لها صفة النقدية بأي صورة كانت تبرأ أو سبائك أو مسكوكة أو حليا أو غير ذلك من صور الانتفاع، فإن كان ينتفع بها لغرض صحيح مع بقاء عينها كالتحلي أو الوزن، فأجاز بعض الفقهاء كالحنابلة ومن معهم هذا النوع من الإجارة، لأنه نفع مبارح يمكن استيفاؤه مع بقاء العين.
وإما أن لا يمكن الانتفاع بها إلا مع استيفاء العين كالنقود المضروبة، فهذه الإجارة لا تجوز باتفاق الفقهاء، وذلك لما يلي:
1. أن هذا مخالف لمقصود الإجارة وهو بقاء العين مع استيفاء المنفعة.
2. أن حقيقة هذه المعاملة "قرض جر نفعا" وهو محرم، فالمؤجر هو المقرض، والمستأجر هو المستقرض، والدنانير المستأجرة هي الدنانير المستقرضة، والأجرة من هذه النقود هي المنفعة من القرض، فالعبرة بمعاني العقود لا بألفاظها.

الحالة الثانية: النقود الاصطلاحية:
فهذه النقود لا يمكن الاستفادة من منفعتها إلا باستيفاء عينها، كالأوراق النقدية، فهذه النقود لا يجوز إجارتها بالاتفاق، لما بيناه من تعليل في النقود الخلقية المضروبة.
مثال هذه الإجارة:
أن يؤجر مائة دينار على إنسان مقابل أجرة شهرية مقدارها عشرة دنانير. هذه بعض الأحكام المتعلقة بالنقود والمتاجرة بها وقد أعرضنا عن كثير منها خشية الإطالة.

المبحث السابع: السياسة النقدية:
أولاً: مفهوم السياسة النقدية:
السياسة النقدية: هي مجموعة الإجراءات التي تتخذها الدولة في إدارة النقد والائتمان وتنظيم السيولة العامة للاقتصاد من أجل تحقيق أهداف معينة.
ولعل الغرض من وضع تلك السياسات العامة للسلطات النقدية في الدولة هو للتحكم والإشراف على حجم النقود المتداولة، لما له من تأثير مباشر على حالات التضخم وقيم الأموال في الدولة، كما تكمن أهمية تلك السياسات في تحقيق أهداف الدول في التنمية الاقتصادية وتوزيع الثروات بما يحقق المصلحة العامة للدولة، كما تسهم في عمليات الاستقرار الاقتصادي للدولة.
وبعبارة أخرى فالسياسة النقدية: تعبر عن الإجراءات اللازمة التي تمكن السلطات النقدية من ضبط عرض النقود أو التوسع النقدي ليتماشى وحاجة المتعاملين الاقتصاديين، وهي هدف البنك المركزي في ممارسته للرقابة على النقود.
فالسياسة النقدية عمل تقوم بيه السلطات النقدية بشكل منظم بهدف تغيير كمية النقود وإحداث تغيرات في عرض النقود والطلب عليها.

ثانياً: أدوات السياسة النقدية:
تنوع أدوات السياسة النقدية إلى عدة أدوات منها:
لعل من أبرز السياسات النقدية في الاقتصاديات التقليدية المعاصرة هو:

أ. سياسة سعر الخصم:
فسعر الخصم هو عبارة عن سعر الفائدة الذي يتقاضاه البنك المركزي تقديم القروض وخصم الأوراق التجارية للبنوك التجارية.
ويتم استخدام هذه الأداة لتحقيق ذلك الغرض في أحوال:
ففي حال التضخم يرفع البنك المركزي معدل إعادة الخصم ليحد من قدرة البنوك على التوسع في الائتمان، أما في حال إتباع البنك المركزي لسياسة توسعية، فإنه يقوم بخفض معدل إعادة الخصم حتى يتسنى للبنوك خصم ما لديها من أوراق تجارية أو الاقتراض منه للتوسع في عملية منح الائتمان.
ومما ينبغي أن يقرر في هذا المقام أن الشريعة الإسلامية لا تقر مبدأ الفائدة المقرر في البنوك المركزية والبنوك التقليدية التي تجريه في تعاملاتها، وإنما يجب أن تكون هناك نظرة شرعية قائمة على أساس شرعي مقبول يمكن المصارف الإسلامية من التعامل مع غيرها من البنوك والبنوك المركزية على أساسه.
ولكن لكون مبدأ الفائدة- مع الأسف- هو السائد اليوم فقد التجأت البنوك الإسلامية اليوم إلى اتخاذ المؤشر كمعيار في تعاملاتها بالمرابحة الشرعية وغيرها من الأدوات التمويلية وذلك كمعيار ومؤشر فقط للربح المشروع من خلال الأدوات المالية الإسلامية، وهو ما أجازته كثير من الهيئات الشرعية وهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، فالقصد هو استعماله كمؤشر، ولا يعني بالضرورة قبولا بمبدأ الفائدة فهو مرفوض شرعاً.

ب. سياسة السوق المفتوحة:
وتعني عمليات السوق المفتوحة إمكانية لجوء البنك المركزي إلى السوق النقدية بائعا أو مشتريا للأوراق المالية، ففي حالة التضخم يتدخل البنك المركزي بصفته بائها للأوراق المالية التي بحوزته، الأمر الذي من شأنه أن يمتص الفائض من الكتلة النقدية في السوق نتيجة قيام البنوك بشراء تلك الأوراق المالية كبدائل للنقود فيتقلص حجم السيولة وتنخفض قدرة البنوك التجارية على التوسع في منج الائتمان، وفي حالة الركود يتدخل البنك المركزي بصفته مشتريا للأوراق المالية التي بحوزته الأمر الذي من شأنه أن يزيد من السيولة المصرفية لدى البنوك، وبالتالي زيادة قدرة البنوك التجارية على التوسع في منح الائتمان.

ج. سياسة الاحتياطي القانوني:
المقصود بنسبة الاحتياطي القانوني: تلك النسبة من النقود التي يجب على البنوك التجارية أن تحتفظ بها لدى البنك المركزي من حجم الودائع، ففي أوقات التضخم يتم رفع نسبة الاحتياطي القانوني من طرف البنك المركزي فتقل سيولة البنوك التجارية، فتنخفض قدرتها على الإقراض، وفي حالة الركود الاقتصادي يقوم البنك المركزي بتخفيض هذه النسبة، أي الإفراج عن جزء كبير من سيولة البنك التجاري وبالتالي تزيد قدرة هذا الأخير على الائتمان.
والجدير بالذكر أن السياسة النقدية في الإسلام تختلف عنها في النظم الاقتصادية الوضعية من حيث عدم إقراراها للفائدة والذي أصبح اليوم في النظام الرأسمالي يشكل الأساس الذي يتم من خلاله تحديد نسبة النقد المعروض وغيره، وعليه فالأدوات التي تستخدمها البنوك المركزية والقائمة على الفائدة لا تعتبر أداة للسياسة النقدية في منظور الاقتصاد الإسلامي.

ثالثاً: سعر الفائدة:
يعتبر كثير من المنظرين في الاقتصاد الرأسمالي من أمثال "كينز" وغيره، أن النقود عبارة عن سلعة كباقي السلع تطلب لذاتها، ولها ثمن يتحدد في سعر الفائدة، فسعر الفائدة يتحدد بناء على عرض النقد والطلب عليه، فهو ثمن للتخلي عن السيولة، وله دور في تحديد الإنتاج والاستخدام لدى كينز.
فسعر الفائدة هو أحد السياسات النقدية المتوسطة المدى، وخاصة في النظام الرأسمالي، وهو ما يدفعه البنك المركزي على إيداعات البنوك التجارية لرفع وخفض سعر الفائدة، وعلى سبيل المثال: فعند مرور الاقتصاد بمرحلة "الكساد" تعمد الدولة لخفض نسبة الفائدة، وعند مرحلة "التضخم" تقوم برفع نسبة الفائدة لكبح السيولة الزائدة، ولأنه رفع سعر الفائدة يواكبه عادة تحجيم لعملية الإقراض من جانب البنوك وبالتالي تقل السيولة، وكذلك فإن ارتفاع حجم السيولة المتداولة دائما ما يواكبه ارتفاع في الأسعار و "تضخمها" وعلى هذا الأساس تفرض البنوك المركزية هذه السياسة النقدية لتلك الأسباب.

والفائدة كمفهوم في القطاع المصرفي لها جانبان:
الأول: سعر الخصم: ويكون بين البنك المركزي والبنوك التجارية المحلية، ويعني ما يأخذه البنك المركزي من البنوك التجارية لتغطية احتياجاتها من السيولة، وقد سبق بيانه.
والثاني: سعر الفائدة: وهو ما يكون بين البنوك التجارية وعملائها سواء أكانوا أفراد أم شركات.
ومن المفترض أن يكون الثاني وهو "سعر الفائدة" أعلى من "سعر الخصم" الذي يكون أولا ليتبعه بعد ذلك الثاني.
وعادة ما تتخذ البنوك المركزية قرار خفض الفائدة عندما يلاحظ بطء في معدلات النمو الاقتصادي، ومن أجل ضخ كميات السيولة في السوق تقوم بخفض نسبة الفائدة بهدف ضخ كميات من السيولة لدفع حركة الاقتصاد بشكل عام، حتى تصل إلى مرحلة تعرف بـ "الانتعاش الاقتصادي".
أما رفع نسبة الفائدة فتكون بهدف كبح انتشار السيولة الزائدة فتقل نسبة الاقتراض من البنوك لأن البنوك التجارية تسير مع البنك المركزي بخط مواز من حيث الرفع أو الخفض لفوائدها.
وأما من المنظور الإسلامي فقد سبق القول: إن الإسلام ينظر للنقود على أساس أنها قيم للأشياء والمثمنات، ووسيلة للتبادل وليست سلعة بذاتها، وعليه فلا مكان لسعر الفائدة الذي تفرضه البنوك المركزية التقليدية كسياسة نقدية تفرضها على البنوك العاملة، فهو غير مقبول في الشريعة الإسلامية، فالربا محرم في الشريعة الإسلامية.
فالهدف الأول لنظام الاقتصاد القائم على الشريعة الإسلامية هو إقامة مجتمع متكافل يقضي على البطالة ويشجع الاستثمار واستغلال الموارد المتاحة أفضل استغلال، ودون تقصير أو تفريط لضمان الحياة الكريمة لجميع أفراده لإقامة شريعة الله شريعة الحق والعدل.
وهنا تختلف أهداف النظام الاقتصادي الإسلامي عن النظم الاقتصادية المادية التي لا تنظر إلا إلى مقدار ما تحققه من أرباح، فتحقيق أكبر ربح أو عائد ممكن ما زال الهدف الأسمى في التشريعات الرأسمالية.
ومن ذلك يعلم: أنه من الممكن تنشيط السياسة النقدية دونما الحاجة إلى إدخال سعر الفائدة في الحسبان، ولا شك أن السعي لإيجاد وسائل حقيقية فعالة لا تعارض الشريعة الإسلامية مقصد مطلوب اليوم.

رابعاً: أهداف السياسة النقدية:
تهدف الدول من خلال أجهزتها الرقابية والإشرافية إلى فرض سياسات نقدية متعددة وذلك من أجل غايات وأهداف تحققها في واقع الاقتصاد الوطني وتحقيق مستوى معين من التوازنات.
وتتعدد إلي جملة أمور، فمنها:
1. تحقيق الاستقرار في الأسعار.
2. تحقيق الاستقرار النقدي والاقتصادي: إذ من الضروري أن تهدف الدولة من خلال السياسة النقدية إلى تكييف عرض النقود مع مستوى النشاط الاقتصادي.
3. المساهمة في تحقيق توازن في ميزان المدفوعات وتحسين قيمة العملة.
4. المساهمة في تحقيق هدف التوظيف الكامل للدولة ومواردها واستثماراتها: وتشترك في ذلك مع السياسة المالية وتقوم على زيادة عرض النقود في حالة البطالة والكساد لتزيد من الطلب الفعال فيزداد الاستثمار والتشغيل في الاقتصاد القومي.

خامساً: السياسة النقدية في نظر الشريعة الإسلامية:
إن المتتبع للسياسات النقدية الحديثة والتي ذكرنا طرفا منها سابقا يري أنه يجب قياس كل أداة وسياسة نقدية على حدة، فما كان منها غير متعارض مع قواعد الشريعة الإسلامية أو أصل من أصولها الفقهية المقررة فلا مانع من الاستفادة من تلك الوسيلة، وما كان منها متعارضا مع أحكام الشريعة الإسلامية فهو ممنوع وغير مقبول لدينا.
كما أن الناظر والمتمعن في الأدوات المالية النقدية في النظم التقليدية يدرك أنها قامت في كثير من جوانبها على مبدأ الفائدة الممنوع شرعا، وعليه فأي وسيلة أو أداة تقوم على أساس الربا المحرم شرعا فهي مرفوضة وغير مقبولة لدينا، والإسلام بنظامه الاقتصادي الشامل قد حارب الربا نظرا للأضرار البالغة التي يصيب بها المجتمع ونظامه الاقتصادي على السواء، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} ومع أن الشريعة الإسلامية قد حرمت الربا وحاربته إلا أنها قد مهدت الطريق نحو التوظيف الأمثل للموارد، سواء أكان ذلك بوضع سياسات نقدية سليمة أم من خلال تبنيها لأدوات وصيغ تمويلية واستثمارية فاعلة ومتعددة في مجال التنمية والاستثمار.
وهذا المفهوم المتوازن هو الذي قرره علماء الاقتصاد الإسلامي من أن معظم أدوات السياسة النقدية المتاحة لمصرف الدولة في ظل القوانين المصرفية الوضعية يمكن أن تبقي إلى حد كبير دون مساس في ظل النظام اللا ربوي، ومن هذه الأدوات الحد الأدنى للاحتياطي النقدي، ومطلب نسب السيولة والسقوف الإجمالية لعمليات المصارف في التمويل أو التمول والاستثمار، مع استبعاد أي وسيلة تقوم على الربا المحرم شرعا.
وعليه فإن كانت الوسائل والأدوات المطبقة والتي لا ترتبط بالفائدة ولا تتعارض مع حكم شرعي فإنه يمكن قبولها كأداة نقدية، أما الأدوات التي ترتبط بسعر الفائدة فإنه من الضروري إيجاد بدائل شرعية لها تمكن المصرف المركزي من قيامه بنفس الدور وتحقق الأهداف التي يرمي إليها.
يقول الدكتور صديقي: "وعلى أية حال فإن سلاح سعر المصرف (سعر الخصم) يصبح زائدا على الحاجة بمجرد إلغاء الفائدة إلغاء كاملا من النظام، كما أن المساعدة المالية التي يقدمها مصرف الدولة إلى المصارف والمؤسسات المالية الأخرى والتي تعتبر أيضا وسيلة لتنظيم النقد والائتمان تتعرض أيضا لتغير بالقدر الذي يحتاج إليه منح مثل تلك المساعدة على أساس المشاركة في الربح والخسارة بدلا من أسعار الفائدة الثابتة.
ولهذا فإن أي وسيلة تحقق الغرض الاقتصادي للدولة وتكون وفق قواعد الشريعة الإسلامية وتوصل إلى الهدف المقصود فهي مقبولة شرعا بشرط انضباط الوسيلة بالشريعة الإسلامية.

سادساً: قيمة النقود وأحكام تغيراتها في الفقه الإسلامي.
مفهوم تغير قيمة النقود عند الفقهاء:
تناول الفقهاء موضوع تغيير قيمة النقود تحديدا فيما يتعلق بالذهب والفضة، على اعتبار أنهما أساس وأصل القياس الفقهي للمسألة، حيث قاسوا تغير النقود الاصطلاحية بالنسبة إليها، فالرخص والغلاء في النقد الورقي والفلوس إنما ينسب إلى الذهب والفضة باعتبارهما المقياس الذي تقدر بالنظر إليه أثمان الأشياء وقيمها ويعدان ثمنا بالخلقة.
وقد تعرض الفقهاء للتغيرات الطارئة على قيمة النقود وهي: الكساد والانقطاع، والرخص والغلاء.
فالكساد: وهو ترك التعامل بالنقود في جميع البلاد كإلغائها مثلا، فإن تعوم لبها في بعض البلاد لا يسمى كسادا بل هو عيب طارئ على النقود تسري عليه أحكام خيار العيب.
والانقطاع: وهو أن يفقد النقد من السوق ولو كان موجودا عند الصيارفة وفي البيوت.
والرخص والغلاء: وهو تغير القيمة المالية للنقد الرائج بالنسبة للذهب والفضة كما عرفه الفقهاء، أما الرخص والغلاء بمعنى انخفاض القوة الشرائية أو ارتفاعها فهو الوجه الآخر لهذا المعنى الفقهي.
وأشهر عيوب النقود ما يعرف بظاهرة التضخم النقدي ذهب جماعة من الفقهاء والباحثين إلى أن التضخم الذي يعتري النقود الورقية هو من قبيل رخص النقود الاصطلاحية الفلوس الذي تكلم عنه الفقهاء المتقدمون.
ووجه هذا أن الأوراق النقدية نقود اصطلاحية، والتضخم النقدي الذي يعتريها انخفاض في قيمتها الشرائية التبادلية وهذا هو الذي عبر عنه الفقهاء المتقدمون برخص النقود.
نوقش هذا التخريج بأمور:
أولاً: أن مصطلح التضخم النقدي لم يكن معروفا من قبل، ولم يرد له ذكر في كلام الفقهاء المتقدمين.
ويجاب على هذا: بأن حداثة المصطلح لا يلزم منهما حداثة المعنى، فالتضخم النقدي مصطلح حديث لأمر قديم يعتري النقود منذ زمن بعيد لاسيما النقود الاصطلاحية بأنواعها المعدنية والورقية.
ثانياً: أن رخص الفلوس الذي تكلم عنه الفقهاء ليس هو ما يعرف بالتضخم النقدي اليوم، وذلك لآن ما تكلم عنه الفقهاء من رخص الفلوس وغلائها ينحصر في علاقتها بالذهب والفضة فقط، وهذا يخالف المعيار الذي يعرف بيه التضخم النقدي، وهو انخفاض القوة التبادلية للنقود وهي قيمة النقود إزاء مجموعة سلع وخدمات.
ويجاب على هذا: بأن نسبة رخص الفلوس إلى الذهب والفضة لا يمنع من تخريج التضخم النقدي عليه، لأن هذه النسبة لا تعدو كونها معيارا ومؤشرا لمعدل الرخص ومقداره، فإن الذهب والفضة لم يكونا مجرد سلعة، بل كانا نقودا تقوم بها الأشياء ولذلك نسب رخص الفلوس وغلاؤها إليهما، ولا يلزم من هذه النسبة انحصار ذلك في الذهب والفضة، بل يمتد ذلك وينعكس على سائر السلع، فهذا الفرق غير مؤثر ولا مانع من تخريج التضخم النقدي الذي يصيب الأوراق النقدية على رخص الفلوس.
وإليكم بيان هذه الظاهرة بالتفصيل:
أ. تعريف التضخم النقدي:
عرف التضخم النقدي بأنه: "ارتفاع مطرد في المستوى العام للأسعار".
هذا الاتجاه في تعريف التضخم النقدي هو الأكثر انتشارا وشيوعا بين الاقتصاديين، بل قد لا يذكر غيره في كثير من كتب الاقتصاد.
وهذا التعريف يفيد أن التضخم النقدي إنما يكون بالارتفاع العام لأسعار السلع والخدمات على اختلافها، فارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات لا يعد تضخما حتى يكون ارتفاعا عاما في جميع أسعار السلع والخدمات، ويفيد أيضا أنه لا بد أن يكون الارتفاع في الأسعار مستمرا، فالارتفاع الطارئ ولو كان عاما لا يعد تضخما حتى يكون مستمرا.

ب. أنواع التضخم النقدي:
هناك عدة اعتبارات يمكن تصنيف التضخم النقدي على أساسها.
ومن ذلك تصنيف التضخم النقدي باعتبار السرعة التي ترتفع بها الأسعار، ومنها تصنيف التضخم النقدي باعتبار توقع نسبته، وغير ذلك من الاعتبارات.
أولاً: تصنيف التضخم النقدي باعتبار سرعة ارتفاع الأسعار.
ينقسم التضخم النقدي باعتبار سرعة ارتفاع الأسعار إلي ثلاثة أنواع رئيسة:

النوع الأول: التضخم الزاحف:
وهو ارتفاع متواصل للمستوى العام للأسعار بمعدلات صغيرة، وهذا هو وجه تسميته بالزاحف فإن نسبة ارتفاع الأسعار في هذا النوع تتزايد ببطء متواصل. ويعرف هذا النوع في بعض الدراسات بالتضخم الدائم.
والتضخم الزاحف من أخف أنواع التضخم النقدي فإن نسبة ارتفاع مستوى الأسعار فيه تتراوح بين واحد في المائة إلى خمسة في المائة سنويا.
وقد انقسم الاقتصاديون في ضرر هذا التضخم وخطورته على اقتصاديات الدول إلى فريقين.
الأول: فريق يهون في خطورة هذا النوع، ويري أنه لا يشكل خطرا على الاقتصاد، بل يراه نافعا حيث يكون دافعا للنمو الاقتصادي.
الثاني: فريق يري خطورة هذا النوع، لأنه قد يخرج عن التحكم فتتسارع نسبة الارتفاع في مستوى الأسعار، أو أن الاستمرار في معدل ارتفاع الأسعار لمدة طويلة يخرجه عن كونه تضخما زاحفا.

النوع الثاني: التضخم المتسارع:
وهو ارتفاع مستمر ومتضاعف في المستوي العام للأسعار في فترة زمنية قصيرة. وهو من الأنواع الخطرة التي تهدد الاقتصاد، تزيد فيه نسبة ارتفاع مستوى الأسعار على عشرة في المائة سنويا، ويعرف في بعض الدراسات الاقتصادية بالتضخم السريع. وهو من أصعب أنواع التضخم النقدي معالجة.

النوع الثالث: التضخم المفرط:
وهو ارتفاع سريع حاد في المستوى العام للأسعار، ويسمى هذا النوع من التضخم النقدي في كثير من الدراسات الاقتصادية العربية بالتضخم الجامح، ويعد هذا النوع أشد أنواع التضخم النقدي خطورة على اقتصاديات الدول حيث تزيد نسبة ارتفاع المستوى العام للأسعار فيه على خمسين في المائة شهريا، وقد تصل إلى مائة في المائة، بل قد تتضاعف إلى أن تصل الزيادة في المعدل العام للأسعار إلى أربعة منازل عشرية في المائة كما حدث في البرازيل، حيث وصل التضخم النقدي فيها عام 1415 هـ الموافق 1995 م إلى ألفين ومائة وثمانية وأربعين في المائة.
وغالباً ما يفضي هذا النوع من التضخم النقدي إلى تدمير الاقتصاد وإلغاء العملة، ومن أشهر أمثلة هذا النوع ما جرى في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى في عام 1923 م، حيث بلغت نسبة التضخم النقدي ألفين وخمسمائة في المائة في الشهر. وكذلك ما جرى في المجر عامي 1946- 1945 م، حيث بلغ معدل التضخم الشهري تسعة عشر ألفا وثمانمائة في المائة، ولذلك سمي بأم التضخمات المفرطة.

ثانياً: تصنيف التضخم النقدي باعتبار توقع حدوثه:
ينقسم التضخم النقدي باعتبار توقع حدوثه إلى نوعين:

النوع الأول: التضخم النقدي المتوقع:
وهو تغير في المستوى العام للأسعار بنسبة لا تزيد على ما كان متوقعا على نطاق واسع.
وبيان ذلك أن المؤسسات الاقتصادية في الدول تسعى من خلال معطيات الوضع الاقتصادي الحالي إلى التنبؤ بنسب التضخم في المستقبل، ولهذه التوقعات دور مهم في معالجة التضخم والإصلاح الاقتصادي والتقليل من الأضرار الناتجة عنه. فإذا وافقت نسبة التضخم ما كان متوقعا أو كانت دونه فإنه يصنف ضمن التضخم النقدي المتوقع.

النوع الثاني: التضخم النقدي غير المتوقع:
وهو الزيادة في المستوى العام للأسعار زيادة مفاجئة أعلى من النسبة المتوقعة عند أكثر الناس.
وغالب ما يحدث من حالات التضخم النقدي يندرج تحت هذا النوع، وذلك لأن استشراف نسبة التضخم والتنبؤ بذلك أمر يكتنفه كثير من المخاطر وهو في غاية الصعوبة، لكثرة العوامل المؤثرة في معدل التضخم ونسبته، ولصعوبة التحكم بها والسيطرة عليها.

ثالثاً: تصنيف التضخم النقدي باعتبار مصادره وأسبابه:
ينقسم التضخم النقدي بهذا الاعتبار إلى نوعين:

النوع الأول: التضخم النقدي الناشئ عن جذب الطلب:
وهو زيادة الطلب الكلي للسلع والخدمات على نسبة المعروض منها، وبسبب هذه الزيادة يختل التوازن في الأسواق، فتبدأ الأسعار بالارتفاع نتيجة لتخلف العرض الكلي للسلع والخدمات عن الطلب الكل عليها.
أما سبب زيادة الطلب الكلي فهو زيادة كمية النقود.

النوع الثاني: التضخم النقدي الناشئ عن رفع التكاليف:
وهو زيادة تكاليف إنتاج السلع والخدمات، بسبب ضغوط العمال لرفع أجورهم. وبيان ذلك أنه بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة فإن العمال يطالبون بأجور أعلى لمقابلة هذا الارتفاع، وهذه المطالبة برفع الأجور ستؤدي إلى رفع تكاليف الإنتاج، والاستجابة لهذه المطالب تفضي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج فيقوم أرباب العمل لرفع أسعار منتجاتهم لمواجهة هذا الارتفاع، فيولد هذا التلاحق في ارتفاع الأسعار حالات تضخمية خطيرة.

ج. طرق قياس التضخم النقدي:
يستعمل الاقتصاديون لقياس نسبة التضخم النقدي الأرقام القياسية للأسعار، ووظيفة هذه الأرقام أنها "تقيس متوسط التغير في الأسعار" عن طريق قياس التغيرات التي تحدث في فترات زمنية معينة، وذلك بمقارنة الأسعار في السنوات المختلفة بالأسعار في سنة محددة تسمى بفترة أو سنة الأساس.
وهناك أنواع متعددة من الأرقام القياسية لقياس الأسعار مثل: الرقم القياسي لأسعار الجملة، والرقم القياسي لأسعار التجزئة، والرقم القياسي لأسعار المستهلكين، وغير ذلك من الأرقام القياسية، كل هذه الأرقام تستخدم لقياس متوسط التغير في الأسعار إلا أن الاقتصاديين يكادون يجمعون على أن أفضل هذه الأرقام القياسية، والذي يعتبر مؤشرا ومقياسا أثناء فترات التضخم هو الرقم القياسي لأسعار المستهلكين
والرقم القياسي لأسعار المستهلكين هو معدل أو متوسط أسعار شراء السلع والخدمات التي يستهلكها أفراد المجتمع من أصحاب الدخول المحدودة خلال فترة زمنية معينة ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو غير ذلك.
ويعتمد حساب هذا الرقم القياسي يمثل الرقم القياسي لتكاليف المعيشة أو نفقاتها.
وهذه الأرقام القياسية بأنواعها لاسيما الرقم القياسي لتكاليف المعيشة يستدل بها على معرفة نسبة التغير الطارئ على القوة الشرائية للنقود، وبذلك تعرف نسبة التضخم في فترة معينة، فيساعد هذا في حماية الالتزامات والعلاقات التعاقدية من الاضطرابات الناتجة عن التضخم النقدي.
لكن هذه الأرقام القياسية لا تعدو كونها مؤشرات تقريبية، وليست دقيقة، وذلك لما يكتنف التوصل إلى هذه الأرقام من المشكلات والصعوبات التي تؤثر في دقة هذه الأرقام القياسية.
ومن أبرز هذه الإشكالات ما يأتي:
أولاً: صعوبة تحديد وتعيين السلع والخدمات التي تعتبر أسعارها في معرفة متوسط تكاليف المعيشة، وذلك لكثرتها وتنوعها وتجددها واختلاف جودتها.
ثانياً: أن ارتفاع معدل تكاليف المعيشة لا يلزم منه ارتفاع تكاليف المعيشة لجميع الناس في المجتمع لأن الارتفاع قد يكون في منطقة دون غيرها من المناطق، وقد يكون المتأثر بالارتفاع فئة من الناس دون بقية فئات المجتمع.
ثالثاً: صعوبة اختيار سنة الأساس التي تقاس بها التغيرات في الأسعار. ومن ذلك اختلاف نسبة ومكانة السلع والخدمات المكونة لسلعة السوق.
رابعاً: هناك جوانب عديدة سياسية واجتماعية واقتصادية لها تأثير في معدل تكاليف المعيشة لا يمكن إدخالها في الحساب، ولذلك قد تكون هذه الأرقام مضللة في بعض الأحيان.

د. آثار التضخم النقدي:
التضخم النقدي من الظواهر الاقتصادية التي لها تأثير على جوانب عديدة من حياة الناس، فانخفاض قيمة النقود أو قوتها الشرائية بسبب ارتفاع المستوى العام للأسعار له آثار اقتصادية وسلوكية واجتماعية وسياسية.
وفيما يلي إشارة على أبرز وأهم آثار التضخم النقدي الاقتصادية.
أولاً: إعادة توزيع الدخل:
أبرز الآثار الاقتصادية للتضخم النقدي هو ما يفضي إليه من تأثير على مقدار دخل الأفراد ففي زمن التضخم تتأثر دخول فئات المجتمع.

ثانياً: تقليص حجم الادخار والاستثمار:
يؤدي التضخم النقدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود، فتضعف بذلك إحدى أهم وظائف النقود وهي كون النقود مستودعا للقيمة أو مخزناً لها.
وهذا التناقص في القوة الشرائية للنقود يحمل الناس على الزهد في الاحتفاظ بالأوراق النقدية، لأنه يفضي إلى انخفاض القيمة الحقيقية لهذه المدخرات، ولذلك يزداد ميل الناس إلى الاستهلاك رغبة منهم في تقليل الخسائر الناتجة بسبب التضخم النقدي، لأن ما يحصله اليوم من السلع والخدمات بما معه من النقود أكثر مما سيحصله غداً.
ومع التوجه إلى تقليص حجم المدخرات، وازدياد نسبة الإنفاق الاستهلاكي، تتوجه كثير من الأموال الاستثمارية إلى قطاعات استهلاكية وكمالية غير منتجة ولا تفيد في النمو الاقتصادي للدول.
ومما تتوجه إليه الاستثمارات أيضا في فترات التضخم الاستثمار فيما تحفظ بيه الثروة كشراء العقارات من الأراضي والمباني، وشراء المعادن كالذهب والفضة وما أشبه ذلك من الاستثمارات غير المنتجة والتي لا تعدو في الحقيقة كونها بحثا عن مستودع آمن للثروة.

ثالثاً: اختلال العلاقات التعاقدية:
من آثار التضخم النقدي أنه يقضى إلى الإضرار بالعلاقات التعاقدية السابقة له لاسيما إذا كان التضخم النقدي غير متوقع أو كان معدله مرتفعاً.
فعقود المداينات مثلا تختل بسبب التضخم النقدي الذي يؤدي إلى انخفاض القيمة الحقيقية للديون المستحقة، فيخسر بذلك الدائنون حيث إن الذي يرده المدينون أقل مما أخذوه قيمة، وإن ساواه في العدد، فينشأ بذلك إشكالات كثيرة ومنازعات بين المتعاقدين.
ونظير ذلك أيضاً ما يطرأ من اختلال على العقود المستمرة الممتدة كالإجارة الطويلة، وعقود المقاولات، والتوريد، وما أشبه ذلك بسبب ارتفاع الأسعار.
هذه أبرز الآثار الاقتصادية للتضخم النقدي، وكما سبق فإن لهذه الآثار الاقتصادية انعكاسات في جوانب أخرى من حياة الناس: اجتماعية، وسلوكية، وسياسية.
نجمل أبرز ذلك في النقاط التالية:
أولاً: توسيع دائرة الفقر في المجتمع، نظرا لكون المتضررين بالتضخم هو غالب فئات المجتمع.
ثانياً: تعميق الفجوة بين الأغنياء، وهم المتضررون بالتضخم، وبعد البون بين الفريقين سبب لكثير من المشكلات النفسية والاجتماعية.
ثالثاً: انهماك الناس بالدنيا سعيا لرفع دخولهم لتغطية حوائجهم في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار السلع والخدمات، مما قد يحمل ضعاف النفوس على طلب الكسب من جهات محرمة كالرشوة. وغيرها من المكاسب المحرمة. كما أنه يشغلهم عن الواجبات الشرعية، ويصرفهم عن الغاية الأصلية من الوجود، وهي عبادة الله تعالى.

رابعاً: إثارة الفتن والقلاقل والاضطرابات السياسية في البلاد بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية.
ه. أثر التضخم على الأوراق النقدية:
وفيما يلي عرض لمسألة غلاء الفلوس ورخصها وكلام الفقهاء فيها.
تغير النقود الاصطلاحية بالغلاء والرخص:
اختلف الفقهاء فيما يترتب على غلاء النقود الاصطلاحية الفلوس ورخصها بعد التعامل بها وقبل قبضها على قولين في الجملة:
القول الأول: أنه إذا غلت النقود الاصطلاحية الفلوس أو رخصت بعد التعامل بها وقبل قبضها فالواجب رد قيمتها.
وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف، وعليه الفتوى عند الحنفية، وقول عند الحنابلة اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل عنه، والرهوني المالكي فيما إذا كان التغير كثيرا.
القول الثاني: أنه إذا غلت النقود الاصطلاحية الفلوس أو رخصت بعد التعامل بها وقبل قبضها فالواجب بذل ما تم التعاقد عليه ولا نظر إلى هذه التغيرات.
هذا ما ذهب إليه أبو حنيفة- رحمة الله- وقال بيه أبو يوسف أولا، وهو مشهور مذهب المالكية، ومذهب الشافعية، والحنابلة.

أدلة القول الأول:
أولاً: أن نقصان قيمة النقود الاصطلاحية الفلوس بالرخص بعد التعامل وقبل القبض عيب فيها فلا يلزم الدائن قبولها، لأن من أهم أوصاف الفلوس رغبة الناس فيها وقبولها وسيطا للتبادل، وذلك مرتبط بقوتها الشرائية، وبرخصها يفوت هذا الوصف. فإلزام الدائن بها بعد تعيبها ظلم ومخالفة لمقتضى العدل.
ويناقش هذا: بأن التغير بالرخص لا يوجب ثبوت القيمة كما لو رخصت النقود الخلقية من الذهب والفضة.
ويجاب على هذا: بأنه قياس مع الفارق، فإن تغير القيمة في النقود الاصطلاحية الفلوس كبير جدا بخلاف النقود الخلقية، كما أن قدر التغير في قيمتها قد يكون كبيرا فيلحقها بما لا فائدة فيه. وعليه فإنه يمتنع القياس مع هذه المخالفة.
ثانياً: أن رد قيمة النقود الاصطلاحية الفلوس إذا غلت أو رخصت بعد التعامل بها وقبل قبضها جار على سنن العدل الواجب في جميع المعاملات. وذلك "أن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتها، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل"، فردها بعد نقص قيمتها لا يتحقق بيه المثلية، لأن المثلية إنما تكون بالمثل من حيث الصورة والمعني أو بالمثل من حيث المعنى أي القيمة، وبالرخص تتعذر المثلية الكاملة فتجب القيمة، لما فيه من الضرر على الدائن بنقص القيمة.
ثالثاً: أن الدائن دفع شيئا منتفعا بيه ليأخذ شيئا منتفعا بيه، فلا يظلم بإعطائه ما لا نفع فيه.
ويناقش هذا: بأن الرخص في النقود الاصطلاحية الفلوس لا يصيرها كذلك إذا إنه لا يلغي قيمتها بالكلية.
ويجاب عليه: بأن رخص النقود الاصطلاحية- الفلوس- إذا كان شديدا أو كثيرا فإنه يفسدها ويفقد الثقة بها، فيسارع الناس إلى التخلص منها لفساد المعاملة بها وعدم صلاحيتها ثمنا تقوم بيه الأشياء.

أدلة القول الثاني:
أولاً: إن رخص النقود الاصطلاحية الفلوس وغلاءها لا يبطل ثمنيتها فلا يجب غيرها.
ويناقش هذا: بما تقدم في أدلة القول الأول من أن رخص النقود الاصطلاحية وإن لم يلغ ثمنيتها فإنه ينقصها وقد يفقد الثقة بها ويزهد في قبولها. وهذا عيب يثبت للدائن وجوب رد القيمة.
ثانياً: أن رخص النقود الاصطلاحية الفلوس وغلاءها لا يسقط عنها وصف المثلية فيجب فيها المثل للدائن.
يناقش هذا: بما تقدم من أن المقصود من الفلوس ماليتها وثمنيتها، لا عينها وذاتها، وفي حال الرخص تضعف المثلية المعنوية، وإن بقيت المثلية الصورية.
ثالثاً: أن إيجاب القيمة لرخص النقود الاصطلاحية الفلوس يفضي إلى فتح باب الربا، لأنه اعتياض عن الدين بأكثر منه.
ويناقش هذا بما يأتي:
الأول: أن علة منع الربا في الأموال الربوية هي ما فيه من الظلم وأكل المال بالباطل، فإن الزيادة التي يأخذها رب الدين يأخذها على غير عوض. وإيجاب رد القيمة لرخص النقود الاصطلاحية الفلوس ليس من ذلك.
الثاني: أن الزيادة في مثل هذا لا تعد من الربا المحرم إذ هي في الحقيقة تعويض لنقص القيمة التبادلية للفلوس فلا ظلم فيها، وإنما الظلم في الزيادة إذا كانت دون مقابل.
ولعل أهم مسألة من هذا الأنواع الثلاثة هي تغيير قيمتها بالرخص والغلاء، وهو مما اختلف فيه الفقهاء قديماً وحديثاً.
فالمسألة هي تغير قيمة النقد غلاء أو رخصا بعد ثبوته في ذمة المدين قرضا أو ثمناً مبيعاً وقبل أدائه فهنا اختلف الفقهاء؟

ولهم في المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجمهور من الشافعية والحنابلة والمشهور عند المالكية وأبي حنيفة، فقالوا: إنه لا يجب إلا النقد المحدد في العقد وليس للدائن سواه.
قال الكاساني: "ولو لم تكسد ولكنها رخصت قيمتها أو غلت لا ينفسخ البيع إجماعاً وعلى المشتري أن ينقد مثلها عدداً ولا يلتفت إلى القيمة هنا لأن الرخص والغلاء لا يوجب بطلان الثمنية ألا ترى أن الدراهم قد ترخص وتغلو وهي على حالها أثمان"، وقال ابن قدامة في المغني: "وأما رخص السعر فلا يمنع ردها سواء كان قليلاً أو كثيراً كأن كان عشرة بدانق فصارت عشرين بدانق لأنه لم يحدث شيء فيها إنما تغير السعر فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت".
القول الثاني: لأبي يوسف، يرى أبو يوسف وجوب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء والرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج، ففي البيع تجب القيمة يوم العقد وفي القرض يوم القبض.
القول الثالث وهو من وجه عند المالكية: وخلاصته أن التغير إذا كان فاحشاً فيجب أداء قيمة النقد، فإن لم يكن التغير فاحشاً فيجب المثل.
ولا نريد أن نستطرد في ذكر الأدلة لكون المجمع الفقهي قد أصدر قراراً جماعياً بشأن هذه المسألة وحسم الموضوع، حيث قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دور مؤتمره الخامس بالكويت من 1 إلى 6 جمادى الأولى 1409 هـ/ 10 إلى 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988 م.
بعد اطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع تغير قيمة العملة، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبعد الاطلاع على قرار المجمع رقم (9) في الدورة الثالثة بأن العملات الورقية نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامهما.
العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما، هي بالمثل وليس بالقيمة لأن الديون تقضى بأمثالها، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة- أيّاً كان مصدرها- بمستوى الأسعار. والله أعلم.
وعليه فالالتزام بمثل قيمة الالتزام هو المقرر فقهاً، ولا عبرة لقوة النقود الشرائية أو ضعفها، وهذا القول هو الذي سار عليه أكثر الفقهاء المعاصرين اليوم، وإن حاول الكثير إيجاد حلول عملية لتفادي مثل هذا الإشكال الفقهي.

سابعاً: عرض النقود:
أ. مفهوم عرض النقود:
المقصود من مفهوم عرض النقود في التنظير الاقتصادي الحديث هو عبارة عن: الكمية المطلقة المتداولة من النقود في المجتمع الاقتصادي.

ب. مصادر عرض النقود:
تتنوع مصادر عرض النقود في اقتصاديات الدول الحديثة إلى عدة مصادر ومنها:
1. الدولة: حيث تقوم بإصدار النقود بجميع فئاتها عن طريق البنك المركزي، والذي يلتزم بمعايير في عملية الإصدار.
2. الجهاز المصرفي: في التطبيق التقليدي المعاصر فإن البنوك التجارية تقوم بعملية توليد النقود للمجتمع من خلال الاعتماد على نظام الاحتياطي الجزئي والذي يسمح لها بالاحتفاظ بجزء من الودائع وإقراض الجزء الآخر، وعليه فإن هذه السياسة الداخلية للبنك في تحديد الاحتياطي ونسب الإقراض ما هو إلا مصدر من مصادر عرض النقود في الفكر الاقتصادي التقليدي.

ج. العوامل المؤثرة في عرض النقود:
إن الاتجاه الحديث لعرض النقود أثبت أنه متغير داخلي بمعنى أنه يتأثر بعدة عوامل اقتصادية داخلية من أهمها:
الأولى: السياسات المالية والنقدية: حيث تستطيع الدولة التأثير على عرض النقود من خلال تلك السياسات، ففي حالة تخفيض كمية عرض النقود مثلاً: تقوم الدولة ممثلة بالبنك المركزي برفع نسبة الاحتياطي القانوني أو رفع سعر الخصم أو دخول السوق المفتوحة (الحرة) في هيئة بائع للسندات الحكومية عند استخدامها للسياسة النقدية، أما إذا أرادت الدولة زيادة عرض النقود وباستخدام السياسة المالية فإنها تعمل على تخفيض الضرائب أو زيادة الإنفاق الحكومي أو الاثنين معاً أو بتخفيض سعر الخصم.
الثانية: تطور النظام المالي: فكلما تطورت الأنظمة أدت إلى إيجاد أنواع جديدة من الأصول المالية كأشباه النقود، وكذلك إلى دخول رؤوس أموال جديدة وأجنبية في الاستثمار.
الثالثة: التوسع الاقتصادي: يمكن للحكومة في ضوء التوسع الاقتصادي أن تزيد عرض النقود إلا أنها تلتزم بمعايير صارمة للمحافظة على التوازن في الاقتصاد ولذلك يجب عليها أن تلائم عرض النقود مع كمية السلع والخدمات المنتجة لديها بمعنى أن تغير عرض النقود يجب أن يتلاءم مع الوضع الاقتصادي.

د. النظرة الإسلامية لعرض النقود:
وأما النظرة الإسلامية لنظرية عرض النقود أو طلبها فإن الإسلام ينظر لهذا الموضوع على أساس التكامل بين منظومات المجتمع المسلم؛ فالمجتمع المسلم فيه من التوازن والتوظف الكامل لكل الطاقات البشرية والمادية في حين أن الأسواق الرأسمالية لا تحقق ذلك التوظيف الكامل، أما الأسواق الإسلامية فإنها تحقق التوظيف الكامل لعناصر الإنتاج والنمو في عرض عناصر الإنتاج بشكل يكافئ النمو في الطلب والإنفاق الكلي على جميع عناصر المجتمع وأفراده، فتستقيم الحياة الاقتصادية تبعاً لذلك التكامل، كما أن الطلب للنقود له وظيفة وغاية في الاقتصاد الإسلامي، وعلى هذا الأساس فإن الطلب على النقود في الاقتصاد الإسلامي يكون لغايات منها:
1. الطلب على النقود لغرض الوفاء بالمعاملات التي تمت وفق ضوابط الشريعة الإسلامية، أو شراء سلع استهلاكية أو معمرة تحقق غرضاً مباحاً مشروعاً للإنسان.
2. الطلب على النقود لغرض الاستثمار؛ حيث يمثل الاستثمار في الإسلام ركيزة أساسية لتدوير النقود وانتقالها بين أيدي الناس، وسد احتياجات فئات متعددة من العاملين والمستثمرين والمستهلكين، وتحقيق تداول الثروة، حيث يهدف التشريع الإسلامي من خلال الاستثمار إلى إشراك أكبر عدد ممكن من أفراد الأمة في الاستفادة من هذا المال قال الله تعالى: }كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ{. ومن أجل ذلك فقد حث الإسلام على دفع الزكاة لما لها من أثر في التوجه نحو عملية الاستثمار، فهي تعتبر من أدوات إعادة توزيع الثروة في النظام الاقتصادي الإسلامي.
يسعى الإسلام من خلال تشديده على ضرورة الاستثمار إلى القضاء على التخلف الاقتصادي وتحقيق النمو الاقتصادي عن طريق:
1. ضرورة الاستغلال الأمثل للموارد.
2. اعتبار الأنشطة الاقتصادية الضرورية للمجتمع فرض كفاية يجب القيام بها لحاجة المجتمع إليها.
3. صيغ التمويل الشرعية التي تكفل مشاركة رأس المال في أي نشاط إنتاجي.
4. الطلب على النقود لغرض الإنفاق في سبيل الله.
كما ينبغي التنبيه إلى أن أي سياسة نقدية تتخذ في شأن عرض النقود وطلبها يجب أن لا يتعارض مع ما هو مقرر في الشريعة الإسلامية أو أصل من أصول المعاملات الشرعية.


القسم الثاني
المصارف (البنوك)
المبحث الأول: المقدمة التاريخية للمصارف (البنوك):
المطلب الأول: البداية التاريخية لفكرة المصارف (البنوك):
إن الصيرفة ليست حديثة الوجود، وإنما تعود إلى تاريخ قديم قِدَم تعامل الناس بالنقد، هذا النقد الذي أدى اكتشافه إلى تطور كبير في التعامل والأخذ والعطاء، ومن ثمّ في الحركة التجارية الداخلية والخارجية وتيسير التبادل بين الناس.
فالبنوك التجارية في صورتها الحالية هي امتداد لنشاط الصيارفة والصاغة والمرابين، الذي يجمعهم تيسر وسائل الحفظ الخاصة بهم.
فالصيارفة كانت وظيفتهم استبدال الدراهم والدنانير، ويميزون غثها من ثمينها، والصاغة الذين يحولون المعادن إلى سبائك وعملات مختلفة، فكانوا يتقبلون الودائع من الناس مقابل أجر متفق عليه طوال المدة التي ستبقي هذه الودائع بأماناتهم، مقابل حفظ أموال هؤلاء الناس من السرقة أو التلف لأسي سبب من الأسباب.
وقد توسع نشاطهم إلى خارج بلدانهم، من خلال الحوالة الخارجية بتسليم الودائع في بلد وقبض هذه الودائع في بلد آخر، من خلال وكيل لهذا الصيرفي أو الصائغ.
وقام هؤلاء الصاغة والصيارفة بإعطاء إيصالات يعدون فيها بدفع القيمة المودعة عند الطلب، وبدأ الناس يتداولون هذه الأوراق فيما بينهم، وكانت محلاً للثقة، فدخل الطمع في نفوس الصاغة والصيارفة فقاموا بإصدارات إيصالات لا غطاء لها، فاهتزت ثقة الناس بهذه الإيصالات وتبين عند وقوع الأزمات استغلال الصاغة والصيارفة لهذه الثقة، فكان محلاً لاستياء الناس فتدخلت الدولة لتقوم بدور الصيارفة والصاغة، فكان ذلك بداية إنشاء البنوك المنظمة.
كما أن ظهور حاجة بعض الناس إلى السيولة النقدية لتمويل مشاريعهم التجارية أو الاستهلاكية، ألجأهم إلى الصاغة والصيارفة، ونظراً لشح السيولة المتاحة عندهم في مقابل الطلب المتزايد من المقترضين وعدم قدرتهم التصرف بالودائع المودعة عندهم لطبيعتها المانعة من التصرف بها، فقاموا بتشجيع الناس بالإيداع عندهم مقابل فائدة تعطى للمودعين في مقابل التصرف بها، على أن يقوما بإقراض أصحاب المشاريع الراغبين بالتمويل مقابل فائدة أعلى، فظهر بذلك المرابون، الذين كانوا وسطاء بين المموِّل والمموَّل.

المطلب الثاني: مولد البنوك المنظمة:
يعتبر مطلع القرن الحادي عشر الهجري هو البداية الفعلية المعتبر لنشأة البنوك الحديثة، حيث قام بمدينة البندقية سنة (1587 م) أول بنك منظم، ثمّ تعددت البنوك وكان أهمها بنك الودائع الذي أسس في برشلونة عام 1401 م، ثمّ أنشئ على مثاله بنك أمستردام الهولندي، وذلك سنة 1609 م، ويعتبر هذا البنك هو الأنموذج الذي سارت عليه بنوك أوروبا التي أسست فيما بعد مع مراعاة ما يقتضيه اختلاف الظروف والأحوال من دولة لأخرى، وقد أخذت البنوك تتحسن شيئاً فشيئاً خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلادي، ولكن الخطوات الواسعة التي خطتها هذه البنوك قد تمت مع النهضة الصناعية التي شهدها القرن التاسع عشر الميلادي ووصلت إلى الشكل الذي نشاهده في أيامنا هذه.
والدول العربية لم تعرف البنوك المنظمة إلا بعد الحركات الاستعمارية، فمصر عرفت أول بنك وكان يعرف ببنك مصر وذلك عام 1856 م، وكان الغرض الرئيس من إنشاء البنك هو ضمان الحصول على القطن والعمل على رواج التجارية البريطانية في مصر، غير أن هذا البنك كان مركزه الرئيس في لندن، ومكتبه العام في الإسكندرية، ثم أنشئ البنك الإنجليزي المصري الذي أنشء في لندن عام 1864 م لمباشرة الأعمال المصرفية في مصر، ثم أنشئت عدة بنوك أجنبية أخرى في مصر إلى أن ظهر مشروع بنك مصر إلى الوجود عام 1920م.

المبحث الثاني: التعريف بالمصارف (البنوك) مع بيان وظائفها وأهم خدماتها:
المطلب الأول: تعريف المصارف والبنوك:
مصارف جمع مصرِف بكسر الراء، وهو في اللغة مأخوذ من الصرف، وهي اسم مكان على وزن مفعل، ويقصد بها المكان الذي يتم فيه الصرف.
ويقابله باللغة الأجنبية، البنوك، والبنوك جمع بنك، ولفظ البنك مأخوذ من الكلمة الإيطالية (banco) أي مائدة، إذ كان الصيارفة في القرون الوسطى يجلسون في المواني والأمكنة العامة على موائد ذات واجهة زجاجية للاتجار بالنقود، وكانوا إذا توقف أحدهم عن أداء التزاماته قبل غيره حكم عليه بأن يحطم الجمهور زجاج مائدته علناً إمعاناً في تحقيره، ويطلق على عملية تحطيم زجاج المائدة بالإيطالية (bacaratta).
ثم حصل توسع في الاستعمال حتى صارت كلمة (بنك) تدل على ما يتصل بجميع عمليات البنوك التي تزاولها الآن ولم تقتصر على الصرف، كما سبق أن ذكرنا من التوسع في أعمال الصيارفة والصاغة.
ومن هنا كان يظهر التناسب في تسمية البنك مصرفاً، فهما اسمان لمسمى واحد.
لذا قال أصحاب المعجم الوسيط: "البنك مصرف المال"، وقالوا في موضع آخر: "المصرف مكان الصرف وبه سمي البنك مصرفاً".
وجاء في الموسوعة العربية الميسرة:
"مصرف أو بنك، تطلق هذه الكلمة بصفة عامة على المؤسسات التي تتخصص في إقراض واقتراض النقود...".
وقد كانت الغاية من إطلاق هذه الكلمة في الاستعمال العربي إيجاد بديل في اللغة لكلمة (البنك) ذات الأصل الأوروبي.

المطلب الثاني: الوظائف الأساسية للبنوك، وموقف الشريعة الإسلامية منها:
المسألة الأولى: الوظائف الأساسية للبنوك:
يمكن حصر الوظائف الأساسية للبنوك في ثلاث وظائف رئيسة:
الوظيفة الأولى: البنك وسيط مالي:
إن الوظيفة الأساسية للبنك على مستوى الاقتصاد هي الوساطة المالية، ويكون البنك من خلال هذه الوظيفة حلقة وصل بين المدخرين (أي الأفراد والوحدات الاقتصادية التي تمتلك فائضاً مالياً) والمستثمرين، وهم فئة المنظمين الذين يرغبون في القيام بالمشاريع المنتجة للربح ولكنهم لا يملكون الموارد المالية الكافية لتمويلها، فيقوم المصرف حينئذ بتجميع المدخرات وتعبئتها ثم إعادة توجيهها نحو حاجات المستثمرين.
وطريقة التمويل بين المدخر والمستثمر بالطرق المباشرة من دون وسيط تحفها البطء لصعوبة الالتقاء بينهما، بالإضافة إلى التكاليف العالية للبحث وجمع المعلومات ثم هي تتضمن تحمل قدر من المخاطرة أكبر نسبياً.
فقيام البنك بدور الوسيط أدى إلى تفتيت المخاطر التجارية بالنسبة للمدخرين، ومن ثم تدني احتمال تعرض أي منهم للخسارة الفادحة.

الوظيفة الثانية: البنك مصدر لوسائل الدفع:
إن النقلة الأساسية في تاريخ البنوك هي اكتشاف خاصة خلق أو توليد النقود، ولقد اكتشفت البنوك منذ زمن طويل أن المودعين لا ينقضون على البنك دفعة واحدة للمطالبة بودائعهم- إلا في الأحوال غير الطبيعية- ولذلك يمكن للبنك أن يحتفظ بجزء يسير من تلك الودائع وأن يتصرف بالبقية الباقية كما يتصرف بأمواله الخاصة، أي في استخدامات مدرة للعائد كالإقراض بفائدة وسوف يحصل العميل الجديد على وسائل دفع جاهزة جديدة يستطيع ضمنها أن يتصرف كما لو كان مالكاً أصلياً لا مقترضاً.
فمن هنا نرى أن طريق عمل البنوك تمكنه من التمتع بخاصة توليد النقود، فمن الواضح أن نفس تلك الوديعة أصبحت وسيلة دفع لجهتين في نفس الوقت بدون أن يتأثر أي منهما بقرارات الآخر.
فمقدار السيولة التي توفرها المصارف عن طريق عملية توليد النقود هي أضعاف تلك التي توفرها الحكومة بواسطة إصدارها المباشر للعملة النقدية، ومن ثم فإن البنوك في الوقت الحاضر تمثل المصدر الرئيس بإصداره للسيولة في الاقتصاد مما يعطيها أهمية بالغة كمؤسسات مالية في أي بلد.

الوظيفة الثالثة: البنك قاعدة التوزيع في الاقتصاد:
تتم عملية توزيع الدخل والثورة في المجتمع بواسطة النقود باعتبارها بديلاً يمثل السلع الحقيقية والإنتاج السلعي والخدمي في الاقتصاد، فهي توزع على شكل أجر أو ربح أو ريع أو إيجار، فالتحويلات المختلفة التي تمثل عمليات التوزيع وإعادة التوزيع تتم بشكل أكثر كفاءة عندما تمر عبر النظام المصرفي، ومن جهة أخرى فإن مرورها عبر ذلك النظام المصرفي يمكن من استغلالها الاستغلال الأمثل فهي عندئذ لا تبقى معطلة حتى أثناء عملية التوزيع ذاتها.

المسألة الثانية: موقف الشريعة الإسلامية من وظائف البنوك:
أما الموقف من كون البنك قاعدة للتوزيع، فلا إشكال فيها لكونها وظيفة خدماتية محضة، إلا ما يتعلق في استغلال البنوك التجارية لهذه الأموال في الاستثمار المحرم، كالإقراض بفائدة وما في معناه.

أما وظيفة الوساطة المالية:
فقدت تطورت وظيفة الوساطة المالية في أوروبا خلال القرون الماضية بالاعتماد على عقد القرض كأساس للعلاقة بين البنك والمودعين بينه وبين المستثمرين فهو يحصل على أموال المودعين على شكل قروض يضمن لهم أصلها وعائداً سنوياً محدداً عليها، هو الفائدة، ثم يقرضها إلى زبائنه مشترطاً لنفسه رأس المال والفائدة، وتتكون أرباحه من الفرق بين الفائدة التي يدفعها وتلك التي يتقاضها، ولقد بدا للاقتصاديين أن هذه الصيغة الوحيدة الممكنة للوساطة المالية، ولذلك أعتقد أكثرهم أنه إن كانت البنوك ضرورة لحسن سير الاقتصاد فإن التعامل بالفائدة شرط لوجودها.
وأننا لو أمعنا النظر في التعريف الفني لوظيفة الوساطة المالية لوجدنا أن الاضطلاع بها لا يقتضي التعامل بالفائدة بالضرورة، فالوسيط المالي: "مؤسسة تقوم باستقطاب الأموال من الأفراد على شكل ودائع وتحتفظ بها على شكل أصول مدرة لعائد"، وعليه فإن الأصل في الوساطة المالية هي إيجاد علاقة مستقرة بين المدخرين والمستثمرين، أما الشكل القانوني لهذه العلاقة فيعود إلى ظروف المجتمع وعوائده.
والصيغة الإسلامية للوساطة المالية تعتمد على عقد البيع وعقد الشركة، وغيرهما من الصيغ إلى تخدم هذا الغرض.
والكلام عن البديل الشرعي لوظيفة الوساطة المالية يكون من جهتين:
الجهة الأولى: من حيث علاقة المصرف بالمدخرين، فهي إما ودائع تحت الطلب أو ودائع استثمارية.
1. فما تتلقاه المصارف من ودائع تحت الطلب هي ديون على المصرف وتكييفه على أساس أنها قرض على المصرف فلا يجوز دفع زيادة عليها، كما لا تشارك شرعاً في أرباح المصرف ولا تتحمل أية خسارة قد يتعرض لها المصرف وهذا تطبيق مباشر للمبدأ الشرعي القائل (الغرم بالغنم) على أن المصرف يتحمل بعض التكاليف لخدمة هذه الحسابات الجارية الناشئة عن الودائع تحت الطلب، ويجوز له أخذ أجر على هذه الخدمة.
2. أما الودائع الاستثمارية (لأجل وللادخار وأمثالها) فيتلقاها المصرف شرعاً بصورة من صور المشاركة في الربح والخسارة، وأهم صيغة تطبيقية لذلك هي المضاربة، حيث يعتبر المودع: صاحب المال، والمصرف: عاملاً فيه: ويقتسمان ما يحصل من أرباح بنسبة شائعة محددة يجب الاتفاق عليها.
الجهة الثانية: من حيث علاقة المصرف بطالبي التمويل من رجال الأعمال والمؤسسات والأفراد، فلها صور متعددة أهمها: المشاركة والبيوع الآجلة.
1. التمويل المصرفي بطريق المشاركة:
للمشاركة صيغ شرعية متعددة يمكن أن للمصرف أن يستخدم أياً منها في تقديم التمويل لرجال الأعمال والمشروعات المختلفة، ومن أشهر صيغ التمويل بالمشاركة/ المضاربة، حيث يقدم المصرف المال ولا يتدخل مطلقاً في الإدارة والتجارة، بل يترك التصرف بالكامل في يد رجل الأعمال، وهناك شركة العنان: حيث يشارك المصرف في تقديم المال وفي الإدارة، وهناك شركات المساهمة ويمكن للمصارف استخدامها في التمويل عن طريق شراء المصارف للأسهم الجديدة التي تطرحها هذه الشركات للبيع.

معوقات التمويل بالمشاركة:
أ. أن التمويل بالمشاركة يتطلب من المصرف دراسة المشروع المقترح تمويله للاطمئنان إلى أنه سليم يتوقع له النجاح، ومثل هذه الدراسات التي تسمى بدراسة الجدوى تتطلب تكاليف باهظة مما ينعكس على أرباح المصرف.
ب. أن التمويل بالمشاركة يتطلب أيضاً قدراً من الرقابة على حسابات وعمليات الجهة التي يتم تمويلها للاطمئنان إلى التزامها بالأمانة وحسن التصرف فيما تنفقه وفيما تسجله من تكاليف وإيرادات، وهذه الرقابة أيضاً تتطلب تكاليف.
ج. كما أن المصارف قد لا تكون دوماً قادرة فنياً على القيام بدراسات الجدوى أو مستعدة لتحمل تكاليف الدراسة والرقابة.
د. كما أن هناك أنواعاً من الاحتياجات التمويلية لا يمكن أصلاً تمويلها بالمشاركة كتمويل شراء السلع المعمرة كالأدوات المنزلية والسيارات.

2. أساليب تمويل أخرى بغير طريق المشاركة:
ويكون ذلك عن طريق المبايعات الشرعية الآجلة، ومن أمثلة ذلك:
أ. البيع الآجل:
وفيه يتملك المشتري السلعة فور التعاقد، ويتقاضى البائع الثمن بعد أجل، فيكون البائع مول المشتري لمدة تساوي الأجل المحدد، كما يمكن أيضاً تقسيط الثمن، كما يجوز للبائع شرعاً أن يطلب في البيع الآجل بثمن يزيد على الثمن النقدي المعجل للسلعة، وهذا يعني أن البائع الممول يجني ربحاً إضافيا.
ويمكن للمصارف التمويل بهذه الطريقة بشرط أن تتملك سلعاً وتبيعها لأجل بثمن أعلى.

ب. بيع المرابحة للواعد بالشراء:
هذا نوع مستحدث من البيع لأجل تمارسه المصارف الإسلامية اليوم على نطاق واسع، وبخاصة لتمويل استيراد البضائع من البلدان المختلفة، وصورة هذا البيع لا تتضمن قيام المصرف بشراء سلع ثم انتظار مجيء من يريد شراءها لأجل، بل تتضمن قيام التاجر الذي يريد شراء سلعة بثمن مؤجل بالاتصال بالمصرف الإسلامي والطلب منه أن يشتري السلعة لحساب المصرف، على أن يشتريها التاجر من المصرف بثمن مؤجل أعلى، ففي هذه الصورة يضمن المصرف وجود زبون راغب ومستعد لشراء السلعة بثمن مؤجل أعلى من الثمن الذي يدفعه المصرف عاجلاً ليتملك السلعة.
وبيع المرابحة بهذه الصورة حوله خلافات فقهية، لكن له صيغ مقبول لدى جمهور الفقهاء المعاصرين.
وهذا قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1- 6 جمادى الأولى 1409هـ الموافق 10- 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988، في المرابحة للآمر بالشراء:
أولاً: أن بيع المرابحة للآمر بالشراء إذا وقع على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعاً، هو بيع جائز، طالما كانت تقع على المأمور مسؤولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.
ثانيا: الوعد – وهو الذي يصدر من الآمر أو المأمور على وجه الانفراد- يكون ملزماً للواعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقاً على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد، ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلاً بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.
ثالثاً: المواعدة- وهي التي تصدر من الطرفين- تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين، كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز؛ لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكاً للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي عن بيع الإنسان ما ليس عنده.

ج. بيع السلم:
حيث يقوم الممول في هذا البيع بشراء كمية معلومة من سلع مثلية زراعية أو صناعية بثمن معجل يدفعه عند التعاقد، على أن يستلم السلعة المحددة في موعد مقبل محدد في العقد (مثلاً بعد الحصاد)، وعادة ما يتفاوض الممول المشتري في السلم على ثمن يقل عن ثمن السلعة المتوقع في موعد تسليمها، فيستفيد فرقاً في السعر لقاء تمويله، كما أن البائع يستفيد من حصوله على تمويل يساعده على الإنتاج.
ويمكن للمصارف تمويل إنتاج مختلف أنواع المحاصيل الزراعية والسلع الصناعية المثلية بهذه الطريقة، على أن ذلك يقتضي من المصارف أن تقوم بعدئذ بعملية بيع لما اشترته، أي أن عليها القيام ببعض النشاط التجاري بالإضافة إلى نشاط التمويل.

د. عقد الاستصناع:
ينطوي الاستصناع على التعاقد على سلع مثلية مما تدخله الصنعة (كآلات مصنع، أو مبنى مثلاً) على أن يصنعها بطلب من المشتري الذي يحدد المواصفات التي يرغبها، لقاء ثمن متفق عليه، وبحسب بعض الآراء الفقهية فإنه يجوز في هذا البيع أن يمول المشتري البائع بأن يعجل له الثمن وينتظر منه التصنيع، كما يمكن أن يمول البائع المشتري بأن يصنع له ما يريد ويبيعه له بثمن مؤجل، ويمكن للمصارف الإسلامية في هذه الحالة الأخيرة أن تقوم بتمويل مزدوج إذا التزمت هي بمسؤولية الاستصناع تجاه المشتري على أن تبيعه المصنوعات بعد تمامها بثمن مؤجل، وتعجل هي الدفع للصانع (المقاول من الباطن على علم من المشتري).

هـ. القرض الحسن:
لا تقوم المصارف التقليدية الربوية بتقديم قروض حسنة للعملاء، في حين ينبغي أن يوجد ذلك في أي نظام مصرفي إسلامي متكامل، والقروض الحسنة في الإطار الإسلامي ليست عادة للتمويل ولكنها وسيلة استثنائية تقدم لنوعين من المتمولين:
أولاً: الذين يحتاجون إلى المساعدة بسبب فقرهم:
ثانياً: للتمويل الطارئ القصير الأجل جداً لرجال الأعمال الذين يتعاملون مع البنك بوصفهم من زبائنه الدائمين، والذين يصعب عليهم اللجوء لأساليب التمويل الأخرى حينئذ لقصر فترة التمويل، والمصرف لا يتقاضى عائداً مباشراً على هذه القروض الحسنة، ولكنه يستفيد منها اكتساب ولاء عملائه الذين يستطيعون الحصول على مثل هذه التسهيلات الائتمانية الاستثنائية في الأحوال المفاجئة.

أما وظيفة توليد النقود:
فإنه نظراً إلى أنه يمكن للمصرف الإسلامي أن يحتفظ بجزء من ودائع المدخرين على هيئة حسابات جارية، فإن خاصة توليد النقود يمكن أن تتوفر لديه ومن ثم بإمكانه توفير قدر كبير من السيولة للاقتصاد يفوق ودائع أولئك المدخرين، وهذه الخاصية وقع الخلاف في جوازها فمن قائل إنه يجوز للبنك استخدامها كما يستخدم أمواله الخاصة، ومن قائل إن للمجتمع فيها حقاً ومن ثم وجب إقراض جزء منها للمحتاجين (قرضاً حسناً) أو إلى الحكومة بدون فوائد.

المطلب الثالث: أهم الخدمات التي تقدمها البنوك، وموقف الشريعة الإسلامية منها:
المسألة الأولى: الخدمات التي تقدمها البنوك:
1. قبول الودائع.
يعد قبول الودائع أحد أهم نشاطات البنك التجاري، وفي الغالب هو النشاط الذي يميزه عن كافة المؤسسات المالية الأخرى، ويقبل البنك الودائع من الأفراد والشركات على صفة حسابات يختلف الواحد فيها عن الآخر بدرجة سحب العميل لأمواله ومقدار العائد المدفوع عليها.
والصيغة القانونية للعلاقة بين البنك التجاري والمودع هي القرض، فالأموال المودعة لدى البنك هي قروض عليه لعملائه.

2. تقديم القروض.
يقوم البنك بتعبئة مدخرات الأفراد ثم إعادة توجيهها على شكل قروض إلى مستثمرين وغيرهم، وتشكل تلك القروض المصدر الرئيس للدخل بالنسبة إلى البنك، ويكون متوسط الفائدة الذي يتقاضاه البنك من المقترضين أعلى من ذلك الذي يدفعه إلى المودعين، ويشكل الفرق بينهما عائداً للبنك، والعنصر الأساس في عملية تقويم عمليات الإقراض بالنسبة للبنك هو قدرة الزبون على السداد، ولذلك فإن عملية تخصيص الموارد المالية بواسطة البنك التجاري لا تخدم بالضرورة الأولويات الاجتماعية في الاستثمار.

3. فتح الاعتماد:
تندرج أكثر عمليات البنك التجاري تحت نشاط توليد الائتمان، فهي إما أن تكون قروضاً مباشرة كتلك التي ذكرت أعلاه، أو تكون قروضاً بمسميات أخرى تعكس طبيعة النشاط المتعلق بها، وفتح الاعتمادات من أهم نشاطات البنك بالتجارة الخارجية، والمعتاد أن يقوم البنك- مقابل عمولة- بضمان مستورد تجاه مورد لسلعة ما، فيقدم وعداً بالقرض هو عبارة عن ثمن السلعة يدفعه عن المشتري ويتقاضى مقابله فائدة.

4. خصم الأوراق التجارية:
وهذا النشاط يعمد البنك من خلاله إلى تقديم الائتمان لعملائه، فالتجار الذين يبيعون سلعهم بالأجل ربما يحصلون في مقابلها على أوراق تجارية (كمبيالات) تتضمن المبالغ المستحقة على دفعات بتواريخ محددة (مضافاً إليها الفرق بين السعر الحالي والمؤجل) وقد يرغب التاجر في استعجال الحصول على تلك المبالغ، ولذلك يقوم بخصم تلك الأوراق لدى البنك التجاري، وذلك بتحصيل قيمتها مخصوماً منها نسبة معينة تصبح عائداً للبنك مقابل دفع المبلغ لذلك التاجر، وبتجريد العملية نجد أنها صورة أخرى من صور القرض بفائدة.

5. تحويل الأموال:
ومن النشاطات التي تقوم بها البنوك عمليات تحويل الأموال من مكان إلى آخر بواسطة تحرير الشيكات القابلة للدفع من قبل بنوك أخرى أو باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة (تلكس، فاكس، ...) ويحصّل البنك مقابل هذه الخدمة نسبة من تلك الأموال أو مبلغاً مقطوعاً.

6. صرف العملات:
والبنوك في أكثر الدول هي المكان الذي يتم فيه استبدال وبيع وشراء العملات الأجنبية، وتسمح القوانين في بعض البلدان بفتح حساب بعملة أجنبية داخل البلاد ضمن نشاطات البنوك في مجال الصرف الأجنبي.

7. إصدار بطاقات الائتمان:
تقوم البنك في كثير من البلدان بإصدار بطاقات الائتمان، وهو نشاط يخفي وراءه عملية إقراض، فالبطاقة المذكورة تخول لحاملها الاقتراض من البنك في أي لحظة يشاء وذلك بالتوقيع على وثيقة بيع عندما يشتري سلعة أو خدمة من محل تجاري يقبل تلك البطاقة، ثم يقوم البائع بتحصيل قيمتها من البنك، ويقوم البنك من خلال ذلك بمنح حامل البطاقة قرضاً يساوي المبلغ المدون على الوثيقة وهو قيمة تلك المشتريات مضافاً إليها الفائدة.

8. تقديم المشورة المالية للعملاء:
نظراً إلى موقعه المهم في النشاط الاقتصادي، تتجمع لدى البنك التجاري معلومات أساسية حول الاقتصاد والأعمال والفرص الاستثمارية المتاحة، وتحرص البنوك على جمع تلك المعلومات وتوفيرها بطريقة تستفيد منها في اتخاذ القرارات المناسبة فيما يتعلق بمستوى الائتمان الذي تقدمه لعملائها، وكثيراً ما توفر البنوك تلك المعلومات وتقديم المشورة الفنية المتخصصة لزبائنها والمتعاملين معها (بمقابل أو بدون مقابل) ولذلك يحرص رجال الأعمال على الارتباط مع البنوك التي يتعاملون معها بعلاقات خاصة تمكنهم من الاستفادة من الخبرات والمعلومات المفيدة حول النشاط الاقتصادي في البلاد.

المسألة الثانية: موقف الشريعة الإسلامية من الأعمال المصرفية:
هذا ولا تخلو معاملات البنوك من معاملات مشروعة لا يشوبها الربا ومعاملات غير مشروعة يشوبها شيء من الربا.

فالمعاملات المشروعة التي تقوم بها البنوك هي:
1. تحويل النقود من مكان إلى مكان آخر مقابل يسير من المال كأجرة عن هذا النقل.
2. إصدار شيكات السفر التي ينقلها المسافرون معهم لسهولة تداولها وخفة حملها.
3. تحصيل الديون بموجب السندات التي يضعها الدائنون لدى البنك، ويفوضون البنك باستلامها مقابل أجر على هذا العمل.
4. تأجير الخزائن الحديدية لمن يريد وضع نقود فيها.
5. بيع أسهم الشركات مقابل أجرة يسيرة من الشركة التي فوضته لبيع أسهمها.
6. تسهيل التعامل مع الدول الأخرى وهو عمل مهم، إذ يوفر على التجار كثيراً من العناء والجهد؛ لأنه ينوب عنهم في استلام وثائق شحن البضاعة وتسليم الثمن لأصحاب البضائع.
فهذه المعاملات يقوم بها البنك مقابل أجر معلوم ولا غبار عليها من الوجهة الشرعية.

أما المعاملات غير المشروعة التي يقوم بها البنك فهي:
1. إقراض التجار وغيرهم مبالغ إلى آجال محددة على أن يدفع المقترض سنوياً نسبة مئوية تضاف إلى الدين الأصلي.
2. فتح الاعتمادات للتجار ليقترضوا من البنك عندما يرغبون في حدود مبالغ معينة يتفق الطرفان عليها عند الحاجة لها، وهنا لا تحسب الفوائد إلا من بعد استلام القرض.
3. خصم الأوراق التجارية: وهي صورة أخرى من صور القرض بفائدة.
4. قبول الودائع المالية نظير فائدة سنوية، ومن ثم يقوم البنك بإقراض الناس رؤوس الأموال التي تجتمع عنده نظير فائدة تكون أكثر من الفائدة التي يعطيها المودعين.
مما تقدم يتضح أن البنوك تؤدي أعمالاً جليلة، وتقوم بخدمات عظيمة لا شك في وجاهة بعضها ومشروعيته، فهي تقوم بحفظ الأموال للأفراد، وتقوم بخدمات مصرفية لا غنى عنها في هذا العصر؛ كتسهيل سداد الديون ونقلها من جهة أخرى.

المطلب الرابع: أنواع البنوك:
تتكون البنوك من نوعين:
النوع الأول: البنوك التجارية:
وهي التي تمارس جميع الأعمال المتصلة بالتجارة، وتتميز عن سواها من البنوك الأخرى من حيث استعدادها لقبول الوداع النقدية من الأفراد أو الشركات أو الهيئات العامة وتخويل المودع حق السحب عليها بشيكات التداول في التعامل كالنقود، وهذا وجه أهميتها الخاصة لأنها تسهم بما تصدره من شيكات في زيادة كمية النقود المتداولة، وقد يتسبب عن طريق تساهلها في بعض الأحيان انكماش اقتصادي، لذلك، فإن الدولة تخضعها لرقابة شديدة عن طريق المصرف المركزي.

النوع الثاني: البنوك المتخصصة:
ويقصد بالبنوك المتخصصة- غير التجارية-: هي تلك البنوك التي يكون عملها الرئيس التمويل العقاري أو الزراعي أو الصناعي، والتي لا يكون قبول الودائع تحت الطلب من أوجه نشاطها الأساسية، وأهم هذه البنوك ما يأتي:

أ. البنوك الزراعية:
وتتخصص هذه البنوك في إعطاء قروض قصيرة ومتوسطة الأجل للمزارعين نظير فائدة بضمان المحاصيل الزراعية أو الماشية أو أدوات الزراعة.

ب. البنوك الصناعية:
تتميز هذه البنوك بتخصصها في إعطاء قروض طويلة الأجل عادة لتمويل المشروعات الصناعية التي تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة قد لا يمتلكها الأفراد، وتأخذ هذه البنوك فائدة من المقترضين نظير هذا الأجل.

ج. البنوك العقارية:
وهي تتخصص بإقراض الأموال لأعمال تتصل بالعقار والعمران، فتقرض الأفراد الذين يملكون الأراضي قروضاً قصيرة الأجل أو متوسطة الأجل أو طويلة الأجل حسب رغبة الأفراد لإقامة البناء على أراضيهم، وتأخذ فائدة مقابل هذه القروض المؤجلة.
وهذه البنوك بأنواعها المختلفة إن كانت قائمة على التعامل بالفائدة المحرمة شرعاً فهي ممنوع؛ لأنها عين الربا، لكن لو خلت هذه البنوك من الفائدة، وقامت بنوك حكومية تساعد المواطنين بإقراضهم دون فائدة فلا مانع شرعاً من التعامل معها.

المبحث الثالث: المصارف الإسلامية
المطلب الأول: التعريف بالمصرف الإسلامي:
المصرف الإسلامي: عرف بأنه: "كل مؤسسة تباشر الأعمال المصرفية على أساس الشريعة الإسلامية وقواعدها الفقهية".
وعرف أيضاً بأنه "مؤسسة مالية مصرفية، لتجميع الأموال وتوظيفها في نطاق الشريعة الإسلامية، بما يخدم بناء مجتمع متكامل إسلامياً، وتحقيق عدالة التوزيع، ووضع المال في المسار الإسلامي".
هذا هو تعريف البنك الإسلامي، أما وصفه بالإسلامي فالقصد من ذلك بيان هوية الالتزام المقرر في أسلوب التعامل الذي يسير عليه هذا البنك في علاقته مع الناس، سواء كانوا من المودعين أم من المتمولين المستثمرين، وهو أسلوب ملتزم بمبادئ الشريعة الإسلامية، أسلوب يطهر المعاملات من أية محظورات شرعية ويوفر البدائل الكافية التي تنبع من صميم التشريع الإسلامي.

المطلب الثاني: نشأة المصارف الإسلامية:
سبقت الإشارة إلى أن البنوك دخلت البلاد العربية من خلال الاستعمار، كما حصل في مصر مثلاً، فنظراً لتغير ظروف الحياة في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد ظهور النقود الورقة، برز دورها في حياة الفرد والمجتمع، وأصبحت الحاجة ملحة إلى مؤسسات مالية تلبي متطلبات المجتمع من ناحيتي التمويل والإنتاج.
وقد غلب على هذه البنوك الربا المتمثل في الفائدة، مما حدى بالمتهمين من أبناء هذه الأمة إلى ضرورة السعي نحو إنشاء مصارف إسلامية، تحقق متطلبات المتعاملين وفق أحكام الشريعة الإسلامية.
فبدأت أول محاولة مسجلة في الريف المصري في (ميت غمر) من خلال ما يعرف ببنوك الادخار بمصر وذلك سنة 1963 م، وكانت تعمل وفق أسس الشريعة الإسلامية، لكن هذه التجربة تم إيقاف العمل بها عام 1967 م لعوامل داخلية وخارجية.
وقد شجعت هذه التجربة باقي الدول الإسلامية إلى السعي لإنشاء المصارف الإسلامية، لذلك شهدت السبعينيات من القرن الماضي انطلاقة جديدة لفكرة إنشاء المصارف والمؤسسات الإسلامية.
ففي مصر، تم إنشاء بنك ناصر الاجتماعي سنة 1971 م.
ثم البنك الإسلامي للتنمية بالسعودية سنة 1974 م.
ثم بنك دبي الإسلامي سنة 1975 م.
فبنك فيصل الإسلامي السوداني سنة 1977 م.
فبيت التمويل الكويتي سنة 1977 م.
ثم بنك فيصل الإسلامي المصري سنة 1977 م.
ثم البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار سنة 1978 م... وهكذا.

المطلب الثالث: خصائص المصرف الإسلامي
الخاصية الأولى: استبعاد التعامل بالفائدة- الربا- وتشكل هذه الخاصة المعلم الرئيس للبنك الإسلامي وبدونها يصبح البنك أي شيء آخر غير كونه بنكاً إسلامياً، فالأساس الذي بنيت عليه هذه الخاصية أن الإسلام حرم وشدد عليه العقوبة، فالبنك الإسلامي في تعاملاته المصرفية لا بد أن ينسجم مع هذا المنطلق.
الخاصية الثانية: هي توجيه الجهد نحو التنمية عن طريق الاستثمارات الشرعية، فالبنوك الربوية تتجه إلى الاستثمارات عن طريق الإقراض بفائدة؛ لأنها لا تفرق بين الحلال والحرام، أما البنوك الإسلامية فقد عدلت من هذا المنهج السائد في البنوك التقليدية وسلكت سبيلاً يتمشى مع المبادئ الإسلامية وأصبحت تستثمر أموالها بأحد طريقين تقرهما الشريعة الخالدة:
الأول: الاستثمار المباشر بمعنى أن يقوم البنك بنفسه بتوظيف الأموال التجارية في مشروعات تدر عليه عائداً كما في البيوعات الآجلة.
الثاني: الاستثمار بالمشاركة بمعنى مساهمة البنك في رأس مال المشروع الإنتاجي مما يترتب عليه أن يصبح البنك شريكاً في ملكية المشروع، وشريكاً في إدارته وتسييره والإشراف عليه، وشريكاً كذلك في كل ما ينتج عنه من ربح أو بالنسب التي يتفق عليها بين الشركاء، وكذلك يتحمل الخسارة بحسب حصة مشاركته.
وفي سلوك البنك لهذا الطريق في الاستثمار فإنه يترتب عليه ما يلي:
أ. توجيه الاستثمار وتركيزه في دائرة إنتاج السلع والخدمات التي تشبع الحاجات السوية للإنسان المسلم.
ب. تحري أن يقع المنتج- سلعة كان أم خدمة- في دائرة الحلال.
ج. تحري أن تكون كل مراحل العملية الإنتاجية (تمويل- تصنيع- بيع- شراء) ضمن دائرة الحلال.
د. تحري أن تكون كل أسباب الإنتاج (أجور- نظام عمل) منسجمة مع دائرة الحلال.
الخاصية الثالثة: ربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية، والأصل في هذه الخاصية في البنك الإسلامي أنه ينطلق من تصور الإسلام ومنهجه الخاص، والإسلام دين الوحدة الذي لا تنفصل فيه الجوانب المختلفة للحياة بعضها عن البعض الآخر، والاهتمام بالنواحي الاجتماعية أصل من أصول الإسلام، وبنظرة سريعة إلى الزكاة ومصارفها في الإسلام تتبين أهمية الوظيفة الاجتماعية للمصارف الإسلامية.
الخاصية الرابعة: تجميع الأموال المعطلة ودفعها إلى مجال الاستثمار والتوظيف بهدف تمويل المشروعات التجارية والصناعية والزراعية، فالمسلمين الذين يتورعون عن إيداع أموالهم في البنوك الربوية يتطلعون إلى وجود بنك إسلامي يودعون فيه أموالهم.
الخاصية الخامسة: تيسير وسائل الدفع وتنشيط حركة التبادل التجاري المباشر فيما بين أنحاء العالم الإسلامي وتتعاون في هذا المجال جميع المصارف الإسلامية لتؤدي وظيفتها على أكمل وجه شأنها في ذلك شأن البنوك الربوية.
الخاصية السادسة: إحياء نظام الزكاة بإنشاء صندوق تجمع فيه حصيلتها داخل المصرف ويتولى المصرف إدارة هذا الصندوق.
الخاصية السابعة: إرساء قواعد العدل والمساواة في المغانم والمغارم وإبعاد عنصر الاحتكار.

المطلب الرابع: أسس المصارف الإسلامية:
المصرف الإسلامي كأي مؤسسة ناشئة له أسس يقوم عليها، وأهداف يرغب القائمون على أمره في تحقيقها، ومن خلال ما سبق ذكره في تعريف المصرف الإسلامي، ومن خلال ما نصت عليه قوانين وأنظمة المصارف الإسلامية، يمكن تحديد الأسس التي تقوم عليها المصارف الإسلامية، بما يأتي:

الأساس الأول: عدم التعامل بالربا، أو من شأنه أن يؤدي إليه:
يشكل هذا الأساس القاعدة الرئيسة التي يقوم عليها المصرف الإسلامي، إذ دونه يصبح كسائر المصارف والمؤسسات الربوية، ذلك لأن الإسلام يحرم التعامل بالربا، ويدعو إلى مبدأ المشاركة في الغنم والغرم.
والأصل في اعتماد المصارف الإسلامية وقيامها على هذا الأساس، هو النصوص العديدة التي وردت في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، والتي تنص جميعها على تحريم التعامل بالربا، ورتبت عليه الوعيد الشديد والحرب من الله على من يتعامل به، قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ{.
والشريعة لما حرمت الربا حرمت كل وسيلة توصل إلى الربا.
الأساس الثاني من أسس المصارف الإسلامية: تقرير العمل كمصدر للكسب:
ذلك أن الإسلام يرى أن المال لا يلد مالاً، وإنما الذي ينمي المال هو العمل، وهذا يعني توجيه الجهد نحو التنمية عن طريق الاستثمار بجميع الوسائل والأساليب التي تخضع لقاعدة الحلال والحرام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
فمن أسباب التملك الرئيسة أسباب مصدرها نشاط الفرد وسعيه في سبيل الحصول على أكبر قدر من الربح، وذلك كالتجارة والصناعة والزراعة والإجارة وما شابه ذلك.
فلا ينبغي في الشريعة الإسلامية الإثراء المالي على حساب الآخرين من غير وجه حق وعن طريق الظلم، وهو الذي لا يكون للعمل فيه أي دور، فيكون من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ{.
لذا يتحتم على المصرف الإسلامي كونه ينطلق من هذا الأساس أن يراعي في أعماله أن لا تخرج عن دائرة الحلال، بل يحرص على دخولها في دائرة المطلوب من خلال توجيه الاستثمار وتركيزه في دائرة إنتاج السلع والخدمات التي يحتاج إليها المجتمع المسلم، وتحري الحلال في كل مراحل الإنتاج من تمويل وتصنيع وتعامل، من خلال تفعيل أدوات المشاركة بما يعود على الفرد والمجتمع بالفائدة.
الأساس الثالث من أسس المصرف الإسلامي: الصفة التنموية لهذه المصارف:
من أسس المصرف الإسلامي ربط التنمية الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية؛ لذا فإنها تتصدى بطبيعة انطلاقها من الإسلام ونظامه الشامل إلى توجيه رأس المال للمساهمة في تنمية المجتمع الإسلامي اقتصادياً علاوة على تنميته اجتماعياً.
ويمكن للمصرف القيام بهذه الوظيفة من خلال قيامه بمبادئ عامة تقوم بتدعيم هذا الأساس:

1. تدعيم الوعي السليم في الإنفاق:
فالنقود في نظر الشريعة الإسلامية وسيلة لا غاية، فالنقود وسيلة لتحقيق تبادل المنافع ومقياس للقيم، كما أن المسلم مأمور بالكسب والاعتدال في الإنفاق كما جاء في قوله تعالى: }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا{.
لذا على المصرف وظيفة مهمة في تغيير سلوك أفراد المجتمع من أفراد مكتنزين إلى أفراد مدخرين؛ لأنه عندما يتأصل هذا السلوك لدى أفراد المجتمع، وتتسع دائرة انتشاره بينهم، فإنه سوف يؤدي إلى تراكم رأس المال، وعند ذلك تصبح الفرصة متاحة لعمليات الاستثمار بواسطة المصرف الإسلامي، كما أن هذا السلوك سوف يبعد عن أصحاب هذه المدخرات النزعة الفردية المحدودة ويدفعهم إلى تنمية هذه المدخرات مما يساعد على دفع الخطط الاستثمارية للمجتمع إلى المقدمة.

2. القيام بالأنشطة الاستثمارية المباحة التي تساهم في دعم الاقتصاد الوطني ودفع خطط التنمية:
البنوك الربوية التي تعتمد على الوساطة بين المودعين والمقترضين في مقابل الفرق بين الفائدتين، وكون المصارف لا تقوم بهذه الوساطة المحرمة كما سبق، فالسبيل الوحيد لذلك هو الاستثمار، سواء كان مباشراً تقوم به المصارف بنفسها، أو بواسطة مستثمرين آخرين تعتمد عليهم في ذلك.
فإن قام المصرف باستثمار هذه الأموال بنفسه مباشرة فإنه يجب عليه القيام قدر الإمكان بتحديد الأولويات الاستثمارية التي يوظف فيها هذه الأموال، ومراعاة مقاصد الشريعة من ضروريات وحاجيات وتحسينات، وعدم التركيز على الربح فقط في تحديده لهذه الأوليات.
وأما إذا دخل شريكاً في أحد المشاريع الاستثمارية فلا بد من دراسة الجدوى الاقتصادية من المشروع، إضافة إلى بيان المركز المالي للعميل وسمعته وخبرته وسلوكه ومدى تمسكه بمبادئ الشريعة وتعاليمها السامية.

المطلب الخامس: مصادر الأموال في المصارف الإسلامية:
لا تختلف المصارف الإسلامية عن البنوك التجارية بصفة عامة في المصادر المالية المكونة لها؛ لأن القاسم المشترك لجميع البنوك هو أنها مؤسسات مالية مهمتها جمع الودائع وجذب المدخرات لا فرق في ذلك بين مصرف إسلامي وغير إسلامي.
إلا أن طريقة الحصول على مصادر الأموال مختلفة، فالبنوك التجارية عن طريق عقد القرض، والبنوك الإسلامية عن طريق عقد المضاربة أو غيرها من الصيغ الشرعية.
فالأموال في البنوك الإسلامية تستخدم في حدود ما أباحته الشريعة الإسلامية، أما في البنوك التجارية فإنها تستخدم فيما أباحته الشريعة وما حرمته على حد سواء.
وتتكون مصادر الأموال في المصارف الإسلامية من جهتين:

الجهة الأولى: المصادر الداخلية للأموال في البنوك الإسلامية:
تتكون المصادر الداخلية للأموال في جميع المصارف، من عنصرين رئيسيين، هما:

1. رأس المال:
رأس مال البنك الإسلامي يمثل قيمة الأموال التي يحصل عليها البنك من أصحاب المشروع عند بدء تكوينه وأية إضافات أو تخفيضات تطرأ عليها في فترات تالية.
ويعتبر رأس المال نسبة ضئيلة بالنسبة لمجموع الأموال التي يستخدمها البنك سواء كان ربوياً أم إسلامياً؛ لأن القدر الأكبر من المال يأتي عن طريق الودائع بأشكالها المختلفة.
ويترتب على هذا أن يدر البنك قدراً كبيراً من الربح للمودعين فيه، وهذا ما يزيد ثقتهم وطمأنينتهم للبنك، لاسيما أنه لا علاقة لهم بإدارة أموالهم، ولهذا ينبغي أن يراعى البنك الإسلامي عدم المغالاة في رأس المال ليتسنى توزيع ربح مجز على المودعين، مع عدم الإخلال بأهمية حجم رأس المال كعامل ثقة بالنسبة للمودعين. ومتى كان الأمر وسطاً بالنسبة لرأس المال كان نجاح البنك أكثر وربحه في نهاية السنة أوفر.

2. الاحتياطيات:
من المعروف أن الاحتياطيات أرباح محتجزة لتقوية ودعم المركز المالي للمشروع والمحافظة على سلامة رأس المال واستمرار السلامة وهي تتيح للمشروع القدرة على مقابلة الخسائر المحتملة في المستقبل، وتعتبر بأشكالها المختلفة مصدراً من مصادر التمويل الداخلية وعاملاً من عوامل الثقة بالنسبة للمودعين، فالبنك الإسلامي لكي يؤدي رسالته سليمة عليه أن يكوّن الاحتياطيات المختلفة اللازمة لدعم المركز المالي والمحافظة على سلامة رأس المال والمحافظة على ثبات قيمة الودائع.

الجهة الثانية: المصادرة الخارجية للبنوك الإسلامية:
من أهم هذه المصادر:
1. الودائع:
تعتبر الودائع أهم مصادر الأموال الخارجية في البنوك التجارية التي تتعامل بالربا سواء كانت ودائع ثابتة، أم ودائع تحت الطلب، أم ودائع ادخارية، ومن هذه الودائع بمجموعها يتم تمويل الجزء الأكبر من عمليات البنوك الربوية حتى إن بعضهم يطلق على هذه البنوك بنوك الودائع.
أما الودائع في البنوك الإسلامية فإنها تشكل مصدرا هاماً من مصادر الأموال الخارجية؛ لأن هذه البنوك تستهدف تحقيق الربح وتوزيع عائد مجز على المساهمين وعلى أصحاب الودائع بالمشاركة، ويمثل المودعون جميعاً رب المال والجانب الآخر هو جانب المضارب، أي الشريك بعمله؛ ويمثله في هذه الحالة البنك.

2. موارد الصناديق:
هناك عدة أنواع من الصناديق في البنوك بشكلٍ عام وفي البنك الإسلامي بشكلٍ خاص وهي تتجمع فيها حصيلة مالية كبيرة تعتبر مصدراً من مصادر الأموال الخارجية سواء كانت هذه الصناديق خاصة، أم كانت صناديق موضوعة تحت رقابة نظارة البنك.

3. الهبات والتبرعات:
تعتبر الهبات والتبرعات مصدراً من مصادر الأموال الخارجية للبنوك بشكلٍ عام والبنوك الإسلامية وهي تقدم بها الأفراد أم الجماعات، وسواء كانت لغرض معين أم للصالح العام للمسلمين.

المطلب السادس: الفرق بين المصرف الإسلامي والبنك التقليدي
ينظر البعض إلى المصرف الإسلامي على أنه مجرد بديل لنظام الفائدة المعمول به في البنوك التقليدية عن طريق الأخذ بنظام المشاركة في الأرباح، ولكن واقع الحال أن أوجه الاختلاف بين العمل المصرفي الإسلامي ونظيره التقليدي أكبر وأعمق بكثير، ويمكن تلخيص أهم أوجه الاختلاف بين المصرف الإسلامي، والبنك التقليدي، بما يلي:

أولاً: في النشأة:
نشأت البنوك التقليدية بشكلٍ عام نتيجة نزعة فردية نحو الاتجار بالأموال والإثراء.
أما المصارف الإسلامية فجاءت تلبيةً للحاجة إلى نظام مالي يجسد التطبيق العملي للاقتصاد الإسلامي.

ثانياً: طبيعة النشاط:
البنك التقليدي يقوم على أساس نظام مصرفي عالمي يقوم على التعامل بالفائدة، أخذاً وعطاء.
أما المصرف الإسلامي فيقوم على أن الأموال وجدت للاتجار بها لا فيها، حيث تقوم العلاقة بين البنك وعملائه على نظام المشاركة في الأرباح.

ثالثاً: ضوابط الاستثمار:
في البنك التقليدي في الغالب لا يضع أي اعتبار لكون المشروع المقترض من أجله في دائرة المشروع، فالعبرة بالضمانات المقدمة، ومقدرة المشروع على سداد القرض وفوائده.
أما في المصرف الإسلامي فيضع في أولى اهتماماته توظيف أمواله في مشروعات لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

رابعاً: مفهوم الرقابة:
في البنك التقليدي تقتصر الرقابة على النواحي المالية والمحاسبية والقانونية، ولا توجد هيئة رقابة شرعية لأن البنك التقليدي لا يلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في نظامه أو تعاملاته.
أما في المصرف الإسلامي فينفرد بوجود هيئة الرقابة الشرعية على جميع معاملاته، حيث تنقسم إما لرقابة مسبقة، أو متلازمة، أو لاحقة، وبناءً على ذلك تقوم الهيئة المنوط بها القيام بتلك المهمة بإصدار شهادة على شكل تقرير معتمد له نفس قوة تقرير مراقب الحسابات الخارجي يشهد بموجبه أمام الجمعية العمومية للبنك عن مدى التزام المصرف بأحكام الشريعة الإسلامية.

خامساً: حالة إعسار المدين:
في البنك التقليدي، يتم مقاضاة المعسر وحبسه ومضاعفة الفوائد الربوية لتصل أضعاف الدين الأصلي.
أما في المصرف الإسلامي فيتم إمهال المعسر، انطلاقاً من قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.


القسم الثالث
الرقابة الشرعية والتدقيق الشرعي

الفصل الأول
الرقابة الشرعية
المبحث الأول: تعريف الرقابة لغةً واصطلاحاً
أولاً: الرقابة لغةً:
للرقابة في اللغة معانٍ كثيرة منها:
1. الحفظ، فمن أسماء الله تعالى الرقيب، أي الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
2. وتأتي الرقابة بمعنى: الانتظار، ومنه قوله تعالى: {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} أي لم تنتظر قولي.
3. ومن معانيها: الحارس؛ ومنه رقيب القوم أي حارسهم الذي يشرف على مرقبة ليحرسهم.
وهذه المعاني كلها قريبة من بعضها البعض إذ تؤدي في النهاية إلى حفظ الشيء، فالإنسان إنما ينتظر لكي يعلم مآلات الأمور مما يمكنه من اتخاذ الإجراءات المناسبة فيحفظ نفسه، وما كلف به، وكذا الحارس إنما يقوم بالحراسة لكي يحفظ ما كلف بحراسته.

ثانياً: الرقابة اصطلاحاً:
جاءت عبارة الرقابة في العديد من الكتب التي تتحدث عن العلوم الإدارية والمالية العامة مما أدى إلى الاختلاف في تعريفها بسبب نظرة كل كاتب حيث نظر بعضهم إلى الرقابة من زاوية تختلف عن الآخر، فبعض الكتاب نظر إلى مفهوم الرقابة على أساس ما تسعى إلى تحقيقه من أهداف، وفي نظر فريق آخر تعني الرقابة تلك المجموعات من الإجراءات والعمليات، وعند فريق ثالث تعني الأجهزة التي تقوم بعملية الرقابة.
وفيما يلي سوف نستعرض بعض التعريفات للرقابة ثم نتبعها بمعنى الرقابة الشرعية.
1. جاء في تعريف الرقابة أنها: "مجموعة من عمليات التفتيش والفحص والمراجعة يقصد منها الوقوف على أن كل مشروع من المشروعات الاقتصادية العامة يعمل في الحدود التي تؤكد أنه يحقق الغرض الذي أنشئ من أجله، ولاقتراح الحلول المناسبة التي تقضي على الأسباب التي تعوق تنفيذ هذا الغرض وتحديد المسؤول في حالة الخطأ والتلاعب وإحالته إلى السلطة القضائية المختصة".
2. "هي الإشراف والفحص والمراجعة من جانب سلطة أعلى لها هذا الحق للتعرف على كيفية سير العمل داخل الوحدة والتأكد من حسن استخدام الأموال العامة في الأغراض المخصصة لها، ومن أن الموارد تحصل طبقاً للقوانين واللوائح والتعليمات المعمول بها، وللتأكد من سلامة تحديد نتائج الأعمال والمراكز المالية، وتحسين معدلات الأداء وللكشف عن المخالفات، والانحرافات، وبحث الأسباب التي أدت إلى حدوثها، واقتراح وسائل علاجها لتفادي تكرارها سواء في ذلك وحدات الخدمات أو الأعمال".
3. "منهج علمي شامل، يتطلب التكامل بين المفاهيم القانونية والاقتصادية والمحاسبية والإدارية، ويهدف إلى التأكد من المحافظة على الأموال العامة، ورفع كفاءة استخدامها، وتحقيق الفعالية في النتائج المحققة، على أن يقوم بهذه المهمة جهاز مستقل ينوب عن السلطة التشريعية، وغير خاضع للسلطة التنفيذية".
4. الرقابة التي تستهدف ضمان سلامة التصرفات المالية، والكشف الكامل عن الانحرافات، ومدى مطابقة التصرفات المالية مع القوانين والقواعد النافذة.
وهذه التعاريف وإن كانت كلها متقاربة المعنى إذ إنها تشير إلى مجموعة ضوابط يتم بموجبها مطابقة مسيرة تنفيذ العمل مع خطته المقررة.

ثالثاً: الرقابة الشرعية:
كما أن العمل الاقتصادي المعاصر وضع قواعد وضوابط وشروطاً للعمل المالي متمثلاً بالقواعد المحاسبية والنظم واللوائح تفرضها الجهات المختصة بالنظام المالي للدولة وذلك للحفاظ على استقرار الاقتصاد في البلاد وتجنيبه الأزمات والمشاكل الاقتصادية مما ينعكس على وضع البلد والمجتمع فكذلك وضع الإسلام قواعد وضوابط تضبط حياة المسلم وعليه عدم مخالفتها وتنفيذ ما أمر به، فهناك دائرة الحرام والواجب والمكروه والمستحب والمباح، كما أن هناك دائرة الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهذه الدوائر إما نصت عليها النصوص الشرعية أو مستنبطة منها، وولي الأمر أو من ينوب عنه إنما وجد للتأكد من صحة تطبيق هذه القواعد والضوابط لكي تستقيم حياة المسلم.
فالرقابة الشرعية يقصد منها: "متابعة وفحص وتحليل كافة الأعمال والتصرفات والسلوكيات التي يقوم بها الأفراد والجماعات والمؤسسات والوحدات وغيرها، للتأكد من أنها تتم وفقاً لأحكام وقواعد الشريعة الإسلامية، وذلك باستخدام الوسائل والأساليب الملائمة المشروعة، وبيان المخالفات والأخطاء وتصويبها فوراً، وتقديم التقارير إلى الجهات المعنية متضمنة الملاحظات والنصائح والإرشادات وسبل التطوير إلى الأفضل".
كما عرفت الرقابة الشرعية بأنها "مجموعة الأسس الثابتة المستقرة المستنبطة من مصادر الفقه الإسلامي، التي تستخدم دستور للمحاسب المسلم في عمله سواء في مجال التسجيل والتحليل والقياس، أو في مجال إبداء الرأي عن الوقائع المعينة التي حدثت لبيان ما إذا كانت تتفق مع أحكام الشريعة أم لا".
ومما سبق يتبين أن مفهوم الرقابة الشرعية أو الاقتصادية متقارب إذ كلاهما مبني على قواعد يجب تطبيقها وكشف الانحرافات ومعالجتها وذلك عن طريق التأكد من إتباع القواعد والضوابط المحددة سابقاً.
وبالتالي يمكن تعريف الرقابة الشرعية بأنها "الإشراف والفحص والمراجعة التي تستهدف ضمان سلامة التصرفات المالية، والكشف الكامل عن الانحرافات، ومدى مطابقة التصرفات المالية مع أحكام الشريعة الإسلامية".

رابعاً: أهداف الرقابة:
يمكننا حصر أهداف الرقابة فيما يلي:
1. بحث وتحري أسباب القصور في العمل والإنتاج، والكشف عن عيوب النظم الإدارية والفنية والمالية التي تعرقل السير المنتظم للأجهزة العامة، واقتراح وسائل علاجها.
2. متابعة تنفيذ القوانين، والتأكد من أن القرارات واللوائح والأنظمة السارية وافية لتحقيق الغرض منها.
3. الكشف عن المخالفات الإدارية والمالية، والجرائم الجنائية، التي تقع من العاملين أثناء مباشرتهم لواجبات وظائفهم أو بسببها.
4. إمداد جهات الإدارة العليا بكل ما يطلبونه من بيانات أو معلومات أو دراسات تتعلق بسير الجهاز الإداري، وكافة الأجهزة التي تدخل في نطاق اختصاصها.
5. التحقق من أن الإنفاق تم وفقاً لما هو مقرر له، وأن الموارد حصلت كما هو مقرر واستخدمت أفضل استخدام.
6. التأكد من مدى التزام المؤسسة والشركات الإسلامية بممارسة جميع أنشطتها بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

المبحث الثاني: أنواع الرقابة
تنقسم الرقابة إلى عدة أقسام لعدة اعتبارات فهي تنقسم إلى:
1. الرقابة المالية من حيث الزمن الذي تمارس فيه:
ونعني بهذه الرقابة الرقابة المتلازمة مع مراحل تنفيذ العمليات المالية، وهي بهذا المعنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ. الرقابة المسبقة: وهي حق يخوله القانون لشخص للقيام بهذا الدور وذلك لتجنب الأخطاء قبل وقوعها، ولهذا فقد أطلق عليها اسم "الرقابة الواقية" لأنها تعمل على تلافي الوقوع في الأخطاء والانحرافات، فهذه الرقابة تقع في البداية قبل اتخاذ الإجراءات الخاصة بالتصرف المالي.

ومن مميزات هذه الرقابة:
1. تساعد على التنفيذ السليم للسياسة المالية والاقتصادية والاجتماعية للدولة.
2. تساعد على الدقة في تطبيق وتنفيذ القوانين واللوائح والتعليمات المالية.
3. آثارها سريعة حيث تقع فوراً قبل وقوع الحدث المالي، ويعتبر هذا من أهم مميزات الرقابة المالية.
4. تقلل فرص ارتكاب الأخطاء وتمنع وقوع معظمها.

ومن عيوب هذه الرقابة:
1. تأخير تنفيذ الأعمال بسبب الوقت الذي تتطلبه الرقابة السابقة.
2. تحكم القائمين بالرقابة السابقة في الجهات والمصالح الحكومية مما يزيد من نفوذهم.
3. في كثير من الأحيان تكون هذه الرقابة شكلية فقط وليست موضوعية.
ب. الرقابة أثناء التنفيذ (المرافقة): وهذا النوع من الرقابة تقوم به الأجهزة والإدارات المختلفة للتأكد من سلامة ما يجري عليه العمل داخلها، ومن أن التنفيذ يسير وفقاً للخطط والسياسات الموضوعة، وتتوزع مسؤوليات هذه الرقابة على ثلاثة مستويات رئيسية:
* المتابعة في داخل الوحدة الإدارية.
* المتابعة من قبل الوزارة المشرفة على مثل هذه الأعمال.
* المتابعة من قبل الأجهزة الرقابية المتخصصة.
وهذه الرقابة تساهم في تطوير العمل إذ تؤدي إلى تصحيح الأخطاء أولاً بأول، مما ينعكس على النتائج المرجوة، ومما يميز هذه الرقابة بأنها ما تكاد تكشف عن الانحراف وتصحيحه حتى تعود فتتابع العمل للوقوف على مدى ما حققه هذا التصحيح من نتائج.
ج. رقابة لاحقة: ويقصد بهذه الرقابة مراجعة العمليات المالية التي تمت فعلاً للكشف عما وقع من مخالفات مالية في الفترة اللاحقة لإتمام عملية التنفيذ، ويتسم هذا النوع من الرقابة بالشمول حيث إنه يشمل فحص الحسابات في مجموعها، ويتم ذلك بالرجوع إلى المستندات والسجلات المحاسبية الخاصة بصرف الأموال وتحصيلها لمعرفة المخالفات والأخطاء التي وقعت بها جهة التنفيذ، ومدى مطابقة هذه التصرفات للوائح والنظم والقوانين الواجبة التنفيذ.
كما تستهدف هذه الرقابة أيضاً مراجعة النتائج والأهداف التي نتجت عن تنفيذه هذه التصرفات المالية.
ويقوم بالرقابة اللاحقة جهات رقابية غير خاضعة للجهة المنفذة للعمليات المالية كالمدقق الخارجي الذي يقوم بمراجعة فحص السجلات والقيود المحاسبية والتأكد من مدى مطابقتها للواقع، وكذا البنك المركزي الذي يقوم بإرسال المفتشين للتأكد من صحة المعلومات المرسلة إليه، والكشف عن التجاوزات للنظم واللوائح.

2. الرقابة المالية من حيث الجهة التي تتولى الرقابة:
يمكن تقسيم الرقابة المالية من حيث الجهة التي تتولى الرقابة إلى قسمين:
أ. رقابة داخلية: وهي رقابة تباشرها الجهة أو المؤسسة على نفسها وذلك من خلال إيجاد موظفين متخصصين لتدقيق معاملاتها، كما تتم بمحاسبة المدير لموظفيه في نفس الإدارة، وهذه الرقابة يمكن تقسيمها إلى قسمين:
1. رقابة ذاتية: وهي أن يحاسب الإنسان نفسه عن تقصيره فيما كلف به وهو ما يسمى بالوازع الديني في مراقبة الله ومخافته، وهذا النوع من الرقابة أولاه الإسلام أهمية كبرى، وأشرك فيه الناس جميعاً فلا فرق بين ذكر وأنثى أو حاكم ومحكوم، والآيات جاءت لتحض المؤمنين على مثل هذه الرقابة ومنها قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}.
2. رقابة داخلية بمفهومها السابق وهي الرقابة التي تباشرها المؤسسة على نفسها.
ومن أمثلة الرقابة الداخلية:
* إدارة الرقابة والمراجعة في المؤسسات المختلفة.
* رقابة الشركات القابضة على الشركات التابعة.
* رقابة الوزير للإدارات التابعة له.
* رقابة الهيئات الشرعية على ممارسات المؤسسات المالية الإسلامية.
ب. رقابة خارجية: وهي رقابة تتولاها أجهزة خارجية غير خاضعة لسلطة الجهة المنفذة أو القائمة على المشروع. ومن أمثلتها مكتب التدقيق الخارجي وهو ما تفرضه جهات الإشراف في الدولة على كافة المؤسسات الخاضعة لإشرافها، وكذا قيام البنك المركزي بفحص ومراجعة أوراق الشركة والتأكد من سلامتها، ومن أمثلتها أيضاً رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية.

المبحث الثالث: الأدلة على مشروعية الرقابة
جاء الإسلام ومن مقاصده الكبرى حفظ أموال الناس لما لها من أهمية في حياتهم، إذ لا تستقيم حياة الإنسان وماله مهدد بالسلب والأخذ والخداع والاحتيال، فلابد من إيجاد الوسائل الكفيلة لحفظ المال كي تطمئن نفوس الناس ويأمنوا على أموالهم، ومن الأمور المعينة على حفظ المال الرقابة، فهي تعد من الحاجيات التي لا يمكن الاستغناء عنها إلا بتحمل مشقة تلحق بهم لخوفهم من سرقة أموالهم أو خداعهم. لذلك جاءت النصوص الشرعية تؤيد هذا الأمر ومن ذلك:

أولاً: أدلة مشروعيتها من القرآن الكريم:
أ. قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وجه دلالة الآية: الآية صريحة بوجوب وجود طائفة تقوم بالدعوة إلى الخير وترشد إليه وتنهى عن كل شر فيه فساد للناس في أنفسهم وأموالهم، وهذا القيام إنما هو في حقيقته رقابة على الناس سواء اعتبرنا "من" في الآية للتبعيض أو اعتبرناها بياناً للجنس، لأن هدف الرقابة كشف وتقويم الاعوجاج الصادر من المؤسسات الحكومية والخاصة، وهذا هو مقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أيضاً ما تؤكده آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأخرى كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}. وقوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل أصيل في الشريعة ومبدأ عام من مبادئها، وهو يبدأ بأمر الإنسان نفسه التي بين جنبيه، ونهيها عن المنكر وينتهي بولي أمر المسلمين الذي بوّأته الأمة رأس السلطة، وهو من مقتضيات الولاية التي امتدح الله عباده بها، فهم يأتمرون بالمعروف ويتناهون عن المنكر. لقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.
وهذه الآيات تدل أيضاً على تأصيل الرقابة الخارجية وذلك عندما يرى المسلم الانحراف أو الخطأ قد صدر من غيره فإنه يقوّم هذا الخطأ والاعوجاج ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً، ومثالها أن يرى المساهمون أن إدارة الصندوق الاستثماري وقعت في خطأ ما فإنه يلزمهم أن يصححوا هذا الخطأ.
ب. قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}.
وهذا أمر من الله لعباده بأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها أيًّا كانت نوع هذه الأمانة، فذمة كل فرد مشغولة بأداء هذه الأمانة من نصح للأمة وللمؤسسات والأفراد فالآية كما يقول القرطبي "عامة في جميع الناس، فهي تتناول الولاة فيما آلَ إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الحكومات، وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغيرها".
وكما أن الخطاب يشمل كل أحد فكذلك الأمانات، إذ قد تكون في معاملة الإنسان مع خالقه، وذلك بالائتمار بما أمره والانتهاء عما نهاه، وقد تكون في تعامله مع غيره من بني جنسه، وذلك بأداء جميع حقوقهم المادية والمعنوية الواجبة عليه.

ثانياً: أدلة مشروعيتها من السنة النبوية:
لن نتعرض إلى النصوص النبوية التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر لأنها تقرر وتؤكد ما سبق بيانه في معنى الرقابة، إلا أننا سوف نذكر بعض النصوص التي تنص على أنه- صلى الله عليه وسلم- كان يمارس الرقابة على المال بنفسه ويستعين بأصحابه من يقوم بهذا الدور نيابةً عنه ومن ذلك:
1. عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: "استعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقاً؟ ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا ما لكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تعير".
ففي الحديث أدلة على ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم لعملية الرقابة بقوله وفعله منها:
1. أنه حاسب المؤتمن: وهو الوالي الذي كلفه بجمع الزكاة ليعلم ما قبضه وما صرفه من أموال الزكاة.
2. منع العمال من قبول الهدية ممن له عليه حكم، وبين أن هدايا العمال حرام وغلول، لأنه خان في ولايته وأمانته.
3. عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".

ثالثاً: أدلة مشروعيتها من أفعال الصحابة:
ونقصد بهذا ممارسة الصحابة للرقابة في المجتمع وأمام جموع منهم من غير نكير ولا اعتراض مما يدل على اتفاقهم على هذا المبدأ، ومن هذه الصور ما يلي:
أ. هذا أبو بكر رضي الله عنه لما قدم عليه معاذ بن جبل من اليمن بعد وفاة النبي- صلى الله عليه وسلم- قال له: "ارفع حسابك. فقال معاذ: أحسابان؟ حساب من الله وحساب منكم، والله لا ألي لكم عملاً أبداً".
وهذا فيه دليل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحاسب ولاته يراقبهم ويدقق على أعمالهم، وهذه المحاسبة هي نوع من أنواع الرقابة اللاحقة، فبعد أن قام معاذ بن جبل رضي الله عنه بعمله وأنجزه على أحسن وجه قام أبو بكر رضي الله عنه بمحاسبته ومراجعة أعماله للتأكد من صحتها وسلامتها.
ب. وهذا أيضاً كان دأب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان يحاسب عماله ويشاطرهم أموالهم، علماً بأنهم كانوا ذوي فضل ودين، ولا يتهمون بخيانة، وإنما شاطرهم لما كانوا قد خصوا به لأجل الولاية من محاباة وغيرها، وكان الأمر يقتضي ذلك؛ لأنه كان إماماً عادلاً يقسم بالسوية.

المبحث الرابع: هيئة الفتوى والرقابة الشرعية
المطلب الأول: تعريف هيئة الفتوى والرقابة الشرعية
تم تعريفها بأنها: "جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات، ويعهد إليها بتوجيه نشاطات المؤسسة ومراقبتها والإشراف عليها للتأكد من التزامها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وتكون فتاواها وقراراتها ملزمة للمؤسسة".
وقريب من هذا التعريف تعريف معيار المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية فقد نص على أنها: "جهاز مستقل من الفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات، ويجوز أن يكون أحد الأعضاء من غير الفقهاء على أن يكون من المتخصصين في مجال المؤسسات المالية الإسلامية وله إلمام بفقه المعاملات، ويعهد لهيئة الرقابة الشرعية توجيه نشاطات المؤسسة ومراقبتها والإشراف عليها للتأكد من التزامها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية، وقراراتها ملزمة للمؤسسة".
ويجب أن يكون لكل مؤسسة إسلامية هيئة شرعية يعينها المساهمون في الجمعية العمومية، وذلك بناءً على توصية من مجلس الإدارة، مع مراعاة القوانين والأنظمة المحلية.

المطلب الثاني: التكييف الشرعي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية
نظراً لتشعب عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية فقد اختلف العلماء المعاصرون في تكييفها الشرعي اختلافاً كثيراً، فهي أحياناً تقوم بدور الإفتاء، وأحياناً أخرى تقوم بدور التحكيم بين المتخاصمين، كما تقوم بدور المحتسب وذلك من خلال مراجعة ومراقبة عمل المؤسسة أو الصندوق الاستثماري وتصحيح أخطائه إن وجدت، وسوف نفصل القول في هذه الآراء.
أما التكييف الشرعي لعلاقة هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالمؤسسة المالية الإسلامية أو الصندوق الاستثماري فاختلف فيه إلى الآتي:

1. عقد وكالة:
ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن العلاقة التي تحكم هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالمؤسسة المالية الإسلامية هي علاقة الوكالة، أي أن المساهمين في إنشاء المؤسسة أو الصندوق الاستثماري قاموا بتوكيل الهيئة لكي تضطلع بمهمة ومسؤولية مراقبة جميع أعمال المؤسسة والحكم عليها من الناحية الشرعية، فمجلس إدارة المؤسسة لما كان مفوضاً في الإدارة وفقاً لقواعد الشريعة الإسلامية وممنوعاً من إجراء أي معاملة تخالفها، ولما كان أيضاً من المتعذر عمليًّا وغير المرغوب فيه نظريًّا بأن يتولى الفتوى والرقابة الشرعية، وما تتطلبه من المراجعة والفحص والتدقيق الشرعي كل مساهم على انفراد فوضت جماعة المساهمين هيئة الفتوى والرقابة الشرعية لتنوب عنهم في الإشراف على جميع معاملات المؤسسة للتأكد من مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية، ومنحتها حق الاعتراض على المخالف منها وطلب تصحيحه، فبالنص على الهيئة الشرعية في النظام الأساسي، وباعتماد الجمعية العمومية له، فإن الهيئة تصبح لها قوة قانونية وتكون قراراتها حينئذ نافذة وملزمة للكافة سواء مجلس الإدارة أو الجمعية العمومية ذاتها.
وسواء تم هذا التوكيل من قبل الجمعية العمومية أو مجلس الإدارة فإن هذا لا يقدح في أن الهيئة وكيل عن جماعة المساهمين، فكأن جماعة المساهمين فوضت مجلس الإدارة في تعيين الهيئة بدليل أن المساهمين قد وقعوا على النظام الأساسي وعقد التأسيس وكل منهما ينص على وجود هيئة الفتوى والرقابة الشرعية.

2. عقد إجارة:
ذهب بعض الفقهاء المعاصرين إلى أن العلاقة التي تحكم هيئة الفتوى والرقابة الشرعية بالمؤسسة المالية والصندوق الاستثماري هي عقد الإجارة؛ لأن عقد الإجارة عبارة عن بيع المنافع، فالمؤسسة أو الصندوق تشتري منافع هيئة الفتوى والرقابة الشرعية، والمتمثلة في النظر في العقود والمعاملات التي تعرض عليها، وإبداء الرأي الشرعي فيها، وكذلك تدقيق ومراجعة وفحص المعاملات التي تم إجراؤها، والتأكد من خلوها مما يخالف الأحكام الشرعية، كما أن هيئة الفتوى والرقابة الشرعية تستحق لقاء هذا العمل مكافأة سنوية أو شهرية، وهي أجرتها لقاء تلك الأعمال.
والهيئة تكون بمثابة الأجير الخاص إذا اشترطت المؤسسة أو الصندوق عليها عدم العمل في مؤسسات أو صناديق أخرى، وتكون بمثابة الأجير المشترك إذا لم يوجد هذا الشرط، وهذا هو الغالب إذ أعضاء الهيئة يقبلون العمل من أكثر من مؤسسة مالية.

3. الحسبة:
نظر بعض الفقهاء إلى عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية على أنه تصحيح لأعمال المؤسسة أو الصندوق، وإرجاعها في حالة مخالفتها إلى جادة الصواب وهو ما يقوم به المحتسب، فالحسبة هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله. فالمحتسب ينزل إلى السوق ويراقب أعمال الناس وتجارتهم، ويقوم بنصحهم وإرشادهم حتى يرجع الناس إلى أمر الله وشرعه.
إلا أن اعتبار علاقة الهيئة مع المؤسسة أو الصندوق قائمة على الاحتساب غير صحيح، وإن كانت الهيئة تقوم بهذا الدور داخل المؤسسة أو الصندوق؛ لأن المحتسب موظف عام يتقاضى مرتبه من بيت المال يراقب مدى التزام أصحاب السوق بأحكام الشريعة وبأوامر ولي الأمر الاستصلاحية المتصلة بالسوق، فعمله قائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فله سلطة تنفيذية لإصلاح الخلل وإلزام أصحاب السوق بما يقرره، وبمعاقبتهم إن اقتضى الأمر. فالمحتسب ليس له صفة الإفتاء لأهل السوق وإلزامهم بفتواه.

4. الإفتاء:
ذهب البعض إلى أن عمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية قريب من عمل المفتي، إذ إنها تصدر الحكم الشرعي فيما يعرض عليها، وتساعد الإدارة في المؤسسة المالية أو الصندوق الاستثماري على تطوير العقود بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وهذا الأمر وإن كان صحيحاً إلا أن عمل الهيئة لا يقتصر على الإفتاء فقط بل هي تقوم بأدوار عديدة، منها: مراجعة العقود، إصدار الفتاوى، القيام بالمراقبة والتدقيق الشرعي، اقتراح البدائل الشرعية حال وجود مخالفات، تقديم التقارير للجمعية العمومية....
ومن هذا يتضح أن هناك فرقاً بين الإفتاء وعمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية، ومما يزيد هذا وضوحاً أن الأصل في الفتوى لا يرتبط بها إلزام، لذلك قيل إن المفتي أقرب إلى السلامة من القاضي، لأنه لا يلزم بفتواه، وإنما يخبر بها من استفتاه، فإن شاء قبل قوله، وإن شاء تركه. وأما القاضي؛ فإنه يلزم بقوله، فيشترك القاضي والمفتي في أن كلاً منهما يخبر عن الحكم، ويتميز القاضي بالإلزام والقضاء، فمن هذا الوجه خطره أشد.
وبهذا يتضح الفرق بين عمل الإفتاء وعمل هيئة الفتوى والرقابة الشرعية، فرأى هيئة الفتوى في المؤسسة المالية أو الصندوق الاستثماري ملزم كما هو منصوص عليه في النظام الأساسي.

التكييف الشرعي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية:
بعد أن نظرنا إلى التكييف الشرعي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية عند بعض العلماء المعاصرين نجد أن عمل الهيئة عبارة عن خليط مما ذكر فهي تمارس دور الوكيل نيابةً عن المساهمين في مراقبة القرارات والتأكد من سلامتها من الناحية الشرعية، كما أنها تمارس دور الإفتاء من خلال الإجابة عن ما يعرض عليها من أسئلة، وتمارس أيضاً دور الحسبة من خلال التدقيق على المعاملات وكشف الأخطاء ومعالجتها، وهي بهذا التصور تعتبر ولاية دينية معاصرة ليس لها مثال فقهي سابق في شكلها ومضمونها، فالهيئة لها ولاية شرعية تنص عليها أو يجب أن تنص عليها الوثائق الرسمية للمؤسسة أو الصندوق من عقد التأسيس والنظام الأساسي وغيرهما.

المطلب الثالث: شروط عضو الهيئة الشرعية
عضو الهيئة الشرعية يقوم بمهام المحتسب في صدر الإسلام، ومن ثم يجب عليه أن تتوافر فيه الصفات التي اشترطها الفقهاء في المحتسب، سواء كانت صفات عامة، مثل كونه مسلماً بالغاً عاقلاً وعدلاً ولديه القدرة في نفسه وبدنه للقيام بهذه المهمة، ومما لا شك فيه أن توفر الصفات المطلوبة في عضو هيئة الفتوى والرقابة الشرعية تساعد على تطوير عملها، كما أن ضعف هذه الصفات يؤثر سلباً في مهمة هيئة الفتوى والرقابة الشرعية.

كما يشترط في عضو الهيئة توفر الشروط التالية:
1. أن يكون متخصصاً في علوم الشريعة، وبخاصة أصول الفقه والفقه المقارن، فلا يكفي مجرد الإلمام بهذه الأمور.
2. كما يشترط فيه أن يكون ملماً بعلم الاقتصاد والمحاسبة؛ لكي يستطيع تصور وقائع الأحوال مما يمكنه من تحرير المسألة وتحقيق مناط الحكم. ويمكن للهيئة الشرعية الاستعانة بخبرات بعض المتخصصين من المحاسبين والقانونيين لتصوير المسألة المراد مناقشتها.
3. كما أنه من الضروري اتصاف عضو الهيئة الشرعية بالأخلاق والسلوك الشرعي والسمعة الطيبة.
4. وأن يكون ممارساً لأعمال المؤسسات المالية الإسلامية لاكتساب الخبرة الكافية بالجانب التطبيقي لكثير من المسائل.
5. لديه علم بمقاصد الشريعة، من العلم بتحقيق مصالح العباد، ومعرفة ما هو ضروري لهم أو حاجي أو تحسيني، وذلك من أجل ضبط الفتوى الشرعية.

المطلب الرابع: استقلالية هيئة الفتوى والرقابة الشرعية
إن استقلال الهيئة الشرعية في قراراتها له الأثر الكبير على مستقبل العمل المالي الإسلامي وقدرة مؤسساته على النمو والتطور؛ لأن العمل المالي الإسلامي كسائر النشاطات الاقتصادية متأثر بالنجاح التجاري وتحقيق الأرباح المرجوة، وهذا مرتبط بثقة الناس من صحة هذه المعاملات وموافقتها للشريعة الإسلامية. واستقلال الهيئة الذي نقصده هو: ترتيب العلاقة الإدارية بين أفراد الهيئة الشرعية والمؤسسة المالية بطريقة توجد الحياد والموضوعية فيما يصدر عن الهيئة.
ويتحقق هذا الاستقلال المنشود بالآتي:
أ. وجود الوعي التام بأهمية عنصر الاستقلال وتأثيره على سمعة الهيئة والمؤسسة معاً.
ب. موقع الهيئة من الهرم الإداري في المؤسسة المالية والجهة المرتبطة بها. هل هي الجمعية العمومية أو مجلس الإدارة أو المدير العام؟ فلابد من ارتباطها بأعلى سلطة.
ج. ضرورة تعريف وظيفة الهيئة بطريقة دقيقة ومفصلة، ووجود لائحة لعملها معتمدة من أعلى جهة إدارية في المؤسسة.
د. عدم وجود مصالح مباشرة لأعضاء الهيئة مع المؤسسة، مما يترتب عليه تضارب المصالح، كأن يترتب على القول بجواز معاملة ما زيادة أرباح المؤسسة التي يكون لعضو الفتوى نصيب منها مما يجعله محلاً للتهمة.
ه. الابتعاد عن عضوية اللجان الإدارية أو تلك التي لها صلاحيات تنفيذية.
و. وضع منهج واضح لاتخاذ الفتاوى والقرارات:
ينبغي لهيئة الفتوى والرقابة الشرعية أن تحدد منهج الوصول إلى الفتاوى والقرارات، وهذا قبول شروع الهيئة في نظر الموضوعات التي تطرح عليها من قبل المؤسسة، فبالنص على المنهج تتجنب الهيئة كثيراً من مواطن الخلاف فيما بينها، ويؤدي ذلك إلى أحكام فقهية منضبطة نوعاً ما فيما بينها، ولعل المنهج الأمثل الذي ينبغي أن ينص عليه في نظام المؤسسة أو لائحة الهيئة ما يلي:
إن هيئة الفتوى والرقابة الشرعية وهي تنظر في أعمال المؤسسة وتصدر بشأنها القرارات لا تلتزم مذهباً معيناً، وتتبع منهج الاجتهاد فيما لا نص فيه وفق ضوابط الاجتهاد المعتبرة، وتلتزم القواعد والمبادئ التالية:
أ. الأخذ بقاعدة رفع الحرج والتيسير، ومراعاة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأعراف.
ب. مراعاة المصالح ودرء المفاسد.
ج. التخير من بين المذاهب والآراء الفقهية المعتبرة.
د. الأخذ بقاعدة سد الذرائع وفتحها، ومنع الحيل المحرمة.
ه. ذكر الأدلة والتعليل.
و. مراعاة قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ومعايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، والاستئناس بغيرها.
ز. قيام جهات الإشراف الرسمية بإصدار قوانين ولوائح تنظم عمل الرقابة الشرعية، فإن الحاجة إلى تقنين أعمال وخدمات هيئة الفتوى والرقابة الشرعية أصبحت حاجة ملحة، وقد قامت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية بدور مهم في وضع معايير خاصة بهيئة الفتوى والرقابة الشرعية مما يسهل الطريق على الجهات الإشرافية في الدولة كالبنك المركزي وغيره إصدار قوانين ولوائح عمل الرقابة الشرعية لكي تقلل من اختلاف الهيئات الشرعية، ويسهل تحديد المسؤولية في حالة التقصير والخطأ، فكما أن هناك تقنينات تنظم وتضبط كثيراً من المهن كالأطباء والمهندسين والمحاسبين والقضاة وغيرهم فيجب وجود قوانين تنظم وتضبط عمل الرقابة الشرعية.
ح. ضرورة إيجاد رقابة داخلية شرعية
تقوم المؤسسات باختلاف أنواعها بإيجاد رقابة داخلية مالية لكي تطمئن الإدارة ومن ثم يطمئن المساهمون إلى سلامة الوضع المالي للمؤسسة، ووجود الرقابة الداخلية الشرعية أهم من وجود الرقابة الداخلية المالية لأن قيام المؤسسة إنما كان على أساس التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية، وبالتالي فإن وجود إدارة متخصصة بالرقابة الشرعية تقوم بجميع أنواع الرقابة التالية:
أ. الرقابة السابقة وتتمثل بالآتي:
1. اشتراط موافقة الهيئة على تعيين العاملين الجدد.
2. إعداد وصياغة نماذج العقود وعرضها على الهيئة وأخذ موافقتها.
3. وضع القواعد اللازمة لضبط التعاقد مع الجهات الخارجية.
4. إعداد دليل شرعي لكل إدارة من إدارات المؤسسة.
5. مراجعة الهيئة لبرامج التدريب والمشاركة فيها.
ب. الرقابة أثناء التنفيذ وتكون:
1. المراجعة الشرعية لكل مراحل التنفيذ للعمليات الاستثمارية، وإبداء الملاحظات ومتابعة تصحيحها أولاً بأول.
2. متابعة الملاحظات التي تم إبداؤها قبل التنفيذ.
3. متابعة الموظفين في إجراء المعاملات والتأكد من تطبيق الخطوات الشرعية أثناء التنفيذ.
ج. الرقابة اللاحقة ومثالها:
1. مراجعة ملفات العمليات الاستثمارية بعد التنفيذ.
2. مراجعة تقارير الرقابة الداخلية، الرأي الشرعي على الملاحظات التي وردت فيها.
3. مراجعة تقارير الجهات الإشرافية الرسمية مثل البنك المركزي.
4. مراجعة المعاملات التي هي محل نزاع بين المؤسسة والآخرين.

المطلب الخامس: عمل ودور هيئة الرقابة الشرعية
1. مراجعة النظام الأساسي للشركة، وعقد التأسيس، والتأكد من أن المواد وبنود النظام الأساسي للشركة لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.
1. مراجعة نماذج العقود والاتفاقيات واللوائح للتثبت من عدم مخالفتها لأحكام الشريعة الإسلامية.
2. مراجعة القوائم المالية للمؤسسة، والتأكد من البنود المرفقة، ومدى توافقها مع أحكام الشريعة.
3. إصدار الفتاوى في الموضوعات التي تعرض عليها.
4. مراجعة ومراقبة العمليات المنفذة، والتأكد من أن التطبيق متفق مع القرارات الصادرة من قبل الهيئة الشرعية.
5. تدريب الموظفين وتثقيفهم في المعاملات المالية، والمساهمة في تنمية الوعي لدى العاملين.
6. تقديم البدائل الشرعية للمنتجات التقليدية المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية.
7. تقديم تقرير للجمعية العمومية على صحة المعاملات ومطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية.
8. القيام بحل المنازعات التي تقع بين المؤسسة أو الصندوق وبين عملائها أو أي أطراف أخرى.

التدقيق الشرعي
إن التطور الذي تشهده المؤسسات والنمو المتسارع للأنشطة المالية والاستثمارات، جعل من الضرورة بمكان متابعة الأعمال والأنشطة، ومن الصعب على هيئة الرقابة الشرعية مراقبة كل الأعمال وعليه لابد من وجود جهاز شرعي يقوم عن الهيئة الشرعية للمؤسسة بالتدقيق على الأعمال والأنشطة.
التدقيق بمفهومه العام يقصد منه: القيام بعملية منظمة لفحص دفاتر المؤسسة وسجلاتها المحاسبية وبياناتها المالية والتأكد من صحتها ومطابقتها للمعايير المعتمدة، ووضع النتائج بين أيدي المعنيين.
وتشمل عملية التدقيق ما يلي:
1. التدقيق المالي: من قيام مدقق حسابات قانوني مستقل بفحص الدفاتر والسجلات المحاسبية والخروج برأي محايد عن مدى صحة تعبير القوائم المالية عن الوضع المالي للمؤسسة، وذلك في نهاية الفترة المحاسبية، على أن يلتزم المدقق بمعايير التدقيق الدولية المتعارف عليها.
2. التدقيق الإداري: وهو تدقيق للتأكد من أن المؤسسة تحقق أقصى منفعة بأقل تكلفة ممكنة، وهو ما يعرف أيضاً بـ "تدقيق الكفاءة".
3. التدقيق القانوني: وهو من أجل التأكد من أن المؤسسة قد التزمت بالأنظمة واللوائح والقوانين المعمول بها.
4. التدقيق الشرعي: يقصد به: القيام بمجموعة من الوسائل تتضمن فحص أعمال المؤسسة المالية الإسلامية والعقود المبرمة، وذلك من أجل الحصول على معلومات صادقة وأكيدة ورأي واضح حول مدى التزام المؤسسة بالضوابط والتوصيات والفتاوى الصادرة عن الهيئة الشرعية للمؤسسة.
وينقسم التدقيق الشرعي إلى قسمين:
الأول: التدقيق الشرعي الداخلي، وهو ما تقوم به إدارة الرقابة الشرعية التابعة للمؤسسة الإسلامية، من فحص المعاملات التي تقوم بها المؤسسة لمعرفة مدى صحة تلك المعاملة؛ من حيث مشروعيتها، وسيرها على حسب قرارات الهيئة الشرعية.
فهو عمل ضمن منظومة الرقابة الشرعية، ويشمل نطاق عمله: وضع سياسات وإجراءات الضبط الشرعي، ضمن الدورة المستندية للعمليات والنشاطات التي تجريها المؤسسة ومراجعتها وفحصها من حين لآخر.
ويهدف هذا النوع من التدقيق إلى مساعدة إدارة المؤسسة في القيام بمسؤوليتها في الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.
ثانياً: التدقيق الشرعي الخارجي: وهو تدقيق تقوم به جهة من خارج المؤسسة، ويهدف إلى مساعدة هيئة الرقابة الشرعية في تكوين رأي بشأن التزام المؤسسة بأحكام الشرعية.
والهدف من التدقيق الشرعي الخارجي هو:
1. إبداء الرأي المحايد والمستقل حول مدى الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية في المعاملات والعقود المبرمة.
2. تقديم شهادة للمساهمين، بالتزام الشركة بالضوابط الشرعية.
3. فحص نظام الرقابة الداخلية.
4. قياس مستوى المسؤولية الاجتماعية والتنموية للمؤسسة.
5. قياس الكفاءة في تشغيل الأموال ضمن الإطار الشرعي.
* * *


القسم الرابع
التحديات التي تواجه البنوك الإسلامية
المطلب الأول: الصعوبات التي تواجه البنوك الإسلامية
إن البنوك الإسلامية واجهت ولا تزال تواجه العديد من الصعوبات في عملها؛ لأنها من المؤسسات التي تواجه الجمهور وتسعى إلى تقديم أفضل الخدمات لهم، من تطوير منتجاتها لتلبية حاجت الناس المختلفة والمتعددة، وفي سبيل ذلك واجهات البنوك الإسلامية العديد من الصعوبات والتحديات تمثلت في صعوبات داخلية وخارجية.

أولًا: الصعوبات الداخلية:
ونقصد بالصعوبات الداخلية نوعان:
أ. داخل الصناعات المصرفية ويتمثل ذلك في الآتي:
1. نقص الكوادر المؤهلة التي تجمع بين الجاني الفني العملي والثقافة الشرعية، حيث يتطلب من البنوك الإسلامية تأهيل كوادرها بنفسها مما يترتب تخصيص مبالغ ضخمة لذلك، كما أوجدها هذا الأمر المنافسة الشديدة على الكوادر المؤهلة مما رفع تكلفة الحصول على هذه الكوادر من السوق.
2. عدم مواكبة آليات ضبط الالتزام الشرعي، من حيث الكم أو الكيف أحياناً، نظراً للنمو السريع للمؤسسات المالية الإسلامية دون أن يصحب ذلك إيجاد العدد الكافي والمحقق للهدف من تلك الآليات، سواء كانت تتمثل في هيئات الرقابة الشرعية، أو إدارات التدقيق الشرعي (الرقابة الشرعية الداخلية المتفرغة في المؤسسات) أو المراجعين الخارجيين المستوعبين لفلسفة وخصائص العمل المصرفي الإسلامي.
3. الاختلافات الفقهية بين أعضاء الهيئات الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية، فقد تصدر بعض المؤسسات المالية الإسلامية منتجًا تقره الهيئة الشرعية في هذه المؤسسة ولا تقره هيئة شرعية أخرى لمؤسسة أخرى مما يسبب إرباكًا لدى جمهور المتعاملين مع هذه المؤسسات.
4. عدم التنسيق بين المؤسسات المالية الإسلامية، فأحيانًا تسود المنافسة بينها، بدل أن يسود التعاون، وهذا يستدعي وجود كيان يجمع المؤسسات المالية الإسلامية لمناقشة القضايا المشتركة في عالم يسوده التكتلات والمجاميع الكبرى.

ب. داخل حدود الدولة التي تمارس المؤسسات المالية الإسلامي نشاطها فيها ويتمثل ذلك في التالي:
1. نقص الثقافة الشرعية في المعاملات المالية لدى جمهور المتعاملين مع المؤسسات المالية الإسلامية، مما يسبب مشاكل كثيرة، حيث إن الموظف يضطر أحيانًا إلى قضاء وقت طويل مع الزبائن لشرح آلية تنفيذ المعاملة، كما أن عدم إدراك الزبائن لطبيعة المعاملة يجعلهم يؤولونها على حسب فهمهم مما ينقل صورة غير صحيحة عن المعاملة.
2. القوانين التي تعمل تحت مظلتها المؤسسات المالية الإسلامية أحيانًا لا تراعي طبيعة عمل هذه المؤسسات وأن هناك متطلبات شرعية يجب على المؤسسات أن تراعيها عند تنفيذها لمعاملاتها، فأحيانًا تصطدم هذه المؤسسات بالقوانين مما يجعلها في موضع غير منافس أحيانًا للبنوك التقليدية؛ لأن القوانين قدر راعت متطلباتها.
3. عدم وجود الكليات والجامعات التي تدرس الاقتصاد الإسلامي مما يرفد المؤسسات المالية الإسلامية بكوادر مؤهلة بخلاف الاقتصادي التقليدي الذي تدرس نظمه وقواعده في الجامعات مما يجعل الطلاب مؤهلين مباشرة للعمل في البنوك التقليدية.
4. عدم إدراك بعض الجهات الرقابية كالبنوك المركزية طبيعية المؤسسات المالية الإسلامية، فتقوم بإصدار تعليمات لجميع البنوك دون اعتبار لطبيعة واحتياجات عمل المؤسسات المالية الإسلامية، مع أن البنوك المركزية قامت بالترخيص للبنوك الإسلامية بمزاولة أعمالها وفق أحكام الشرعية الإسلامية، إلا أنه في بعض الأحيان تلزم البنوك المركزية البنوك الإسلامية بما يخالف النظام الأساسي التي وافقت البنوك المركزية للبنوك الإسلامية العمل وفقه.

ثانيًا: الصعوبات الخارجية:
بما أن العمل المصرفي الإسلامي آخذ بالانتشار ليشمل بلدانًا عديدة إسلامية وغير إسلامية، فإن المؤسسات المالية الإسلامية تواجه عددًا من التحديات أبرزها ما يلي:
1. أن المعايير المحاسبية الدولية أصبحت واجبة التطبيق سواء أكان في كيفية إعداد الميزانيات أم في طريقة تصنيف الموجودات والمطلوبات، وأصبحت البنوك المركزية كجهات، رقابية تلزم جميع المؤسسات الإسلامية منها وغير الإسلامية بالالتزام بها من غير مراعاة لطبيعة وأنشطة المؤسسات المالية الإسلامية، فمثلًا: المؤسسات المالية الإسلامية تتلقى أموال أصحاب الودائع الاستثمارية عن طريق عقد المضاربة بينما المحاسبة الدولية والبنوك المركزية تلزمها بإدراجها تحت بند المطلوبات وكأنها التزام على المؤسسة المالية مع أن المضارب في الفقه الإسلامي أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير.
2. أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وهذا يفرض على المؤسسات المالية الإسلامية تحديًا كبيرًا في تقديم الإسلام متمثلًا في الجانب الاقتصادي للعالم، ولاسيما البلاد غير الإسلامية بما فيها من أعراف وقوانين وأخلاق مختلفة عما عهده المسلمون في بلادهم، مما يستدعي مراعاة تلك البلاد في كثير من الأحكام الفقهية وفق الضوابط الشرعية.
3. ما دام أن الموضوع في إطار التحديات الحالية سواء المستجد منها أو ما تزامن مع إنشاء البنوك الإسلامية وله وصفة شبه دائمة فإن البنوك الإسلامية تواجه تحديًا في تقديم علاج للأزمة المالية العالمية من منظور شرعي.
وليس هذا مجرد أمل بل هو نداءات من جهات بنكية كثيرة وجهات سيادية غربية بأن المصرفية الإسلامية تشتمل على ما لو طبق لما حصلت هذه الأزمة، فالعناصر التي تكونت بسببها الأزمة كلها محل حظر في الشريعة، وعلى رأسها الديون الربوية وسنداتها وخصمها ورهوناتها العقارية والبيع القصير (البيع المكشوف) والمشتقات بأنواعها من مستقبليات واختيارات ومؤشرات للمتاجرة والمبادلات المؤقتة.
والتحدي هو كيف تقدم البنوك الإسلامية التصورات الشرعية لهذه الممارسات وتبرز البدائل التي يستغنى عنها.
كما أنه يوجد آخر فيما يتعلق بالأزمات المالية، وهو كيفية فك ارتباط المؤسسات المالية الإسلامية عن هذه الأزمات، فبعض المؤسسات المالية اكتوت بنيران الأزمة مع أنهم ليسوا هم من أوقدها، وما ذلك إلا سبب تشابك اقتصاديات العالم بعضها مع بعض، فالتحدي هو كيف نكون بمعزل عن تلك الأزمات وأن نسعى إلى فض التشابك بين المصالح المشتركة والأزمات التي تحدث في تلك الاقتصاديات.
وفي ظل العولمة وإيجاد الكيانات الكبيرة والضخمة فإن المؤسسات المالية الإسلامية لا تستطيع المنافسة في ضوء أحجامها الصغيرة نسبيًا مع باقي المؤسسات مما يفرض عليها تحديًا كبيرًا في إيجاد كيان مصرفي ضخم ولو كان من خلال الاندماج يستطيع منافسة البنوك الخارجية سواء في قدرته على توظيف الأموال أو استقطاب الودائع الاستثمارية على أسس تنافسية. مما يمكن المؤسسة من الحصول على تصنيفات عالمية متقدمة. لأنه في ظل العولمة ودخول المؤسسات المالية التقليدية الكبيرة إلى بلادنا لن تستطيع المصرفية الإسلامية الصمود أمامها لرخص أسعارها وخدماتها المتعددة.

المطلب الثاني: انتقادات توجه إلى البنوك الإسلامية:
واجهت البنوك الإسلامية ومازلت تواجه العديد من الانتقادات التي توجه إليها، لأنها ذات صلة وثيقة بالجمهور، وبما أن جمهور وزبائن البنوك الإسلامية متعددين فمما لا شك فيه أن مستوى رضا الزبائن عن مستوى الخدمات التي تقدمها البنوك الإسلامية سوف يكون متفاوتًا وليس على درجة واحدة، بل يجب على البنوك الإسلامية أن تنظر إلى هذه الانتقادات نظرة من يرغب بتطوير عمله، فتتلافى كثيرًا من السلبيات التي تواجه عمها، كما أنها لا يمكنها إغفال أن بعض الانتقادات تصدر ممن يتصيد الأخطاء، وممن يرغب بإفشال تجربة الصناعة المالية الإسلامية؛ لأنها قد أخذت تضرب بجذورها في أرض الواقع الاقتصادي مما جعلها تسيطر على حصة في السوق تزداد يومًا بعد يوم، إلا أن على البنوك الإسلامية أن لا تهمل بعض الانتقادات لكونها صدرت من هذه الفئة، وإنما تنظر إلى الانتقاد فإن كل له وجهة صحيحة فيجب أن تعمل لتلافيه بغض النظر عن قائله.
وإنا سوف نسلط الضوء على أهم الانتقادات التي وجهت للبنوك الإسلامية وبعض الردود عليها، وبعض المقترحات لعلاجها حتى تتجنب هذه الانتقادات في المستقبل.

أولًا: السير على خطى البنوك التقليدية
تتقيد البنوك الإسلامية بأنها تسير على خطى البنوك التقليدية من حيث المنتجات وآلية التنفيذ، حتى أن الفارق بينها وبين البنوك التقليدية أصبح بالاسم فقط دون الجوهر ودون النظر في حقيقة المعاملات حتى أصبحت معاملات البنوك الإسلامية صورية لا حقيقية.
ويمكن أن نجيب عن هذا بالتالي:
أ. إن عدم الإدراك للمتطلبات الشرعية والأحكام الفقهية للمعاملات المالية الإسلامية وكيفية تنفيذها في الواقع تجعل الكثير من الزبائن يقول مثل هذا القول، فمثلًا عندما يطلب أحد الزبائن تمويلًا لشراء عقار عن طريق البنك الإسلامي، فيقوم البنك الإسلامي بشراء العقار من صاحبه ثم يبيعه على طالب التمويل، فإن طالب التمويل يقول إن العملية صورية؛ لأن العقار لم يسجل باسم البنك الإسلامي وإنما نقل ملكيته مباشرة من صاحب العقار إليه دون أن يسجل باسم البنك الإسلامي، فالبنك إنما يقوم بهذا لأن التسجيل إنما هو توثيق لعملية الشراء التي أجرها البنك الإسلامي وإلا فإن عملية البيع قد تمت بإيجاب وقبول بين البائع والبنك الإسلامي، كما أن البنك الإسلامي يقوم بذلك حتى لا يتم دفع رسوم تسجيل العقار مرتين، وبالتالي يتم رفع تكلفة التمويل على الزبون.
ب. إذا تم تلافي المحظورات الشرعية في المعاملات التي تجريها البنوك التقليدية، وتم ضبط العملية وفق المتطلبات الشرعية، فما المانع الشرعي من اعتماد العمل به؛ لأن مشابهة الفعل ليست بالضرورة أن تؤدي إلى حرمة المعاملة إذا ما توفرت الضوابط الشرعية في المعاملة.
ج. إن الاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى البنوك التقليدية من الناحية الفنية والتقنية وضبطها بالضوابط الشرعية لا مانع منه شرعًا؛ لأن الحكمة ضالة المؤمن أنّا وجدها فهو أحق بها.
د. إن هذا الانتقاد حري بأن يجعل البنوك الإسلامية أن تتقدم خطوة إلى الأمام فتقوم بتطوير أدوات مالية نابعة من قلب الفقه الإسلامي، وأن تتولى زمام المبادرة في صناعة الهندسة المالية، بحيث تقدم للعالم منتجات من واقعها وخلفيتها الثقافية والشرعية.

ثانيًا: تضارب الفتاوى بين الهيئات الشرعية:
ذكرنا في الصعوبات والتحديات التي تواجه البنوك الإسلامية اختلاف الهيئات الشرعية في الأحكام الشرعية، فقد تجيز بعض الهيئات منتجًا ما وتمنعه هيئات أخرى، مما يسبب اضطرابًا لدى المتعاملين مع البنوك الإسلامية هل يقدمون على المشاركة في هذا المنتج أم لا؟
ولبيان هذا نقول إن اختلاف العلماء رحمة للأمة؛ لأن اختلافهم مبني على اجتهاد معتبر، وهناك أسباب كثيرة لاختلاف الهيئات بعضها مع بعض منها:
أ. الاختلاف في تصور الموضوع المطروح للنقاش بسبب اختلاف أهل الفن ففي شرحه للهيئة الشرعية، فتصدر كل هيئة رأيها بناء على تصورها للموضوع؛ لأن الحكم على الشيء فرع من تصوره.
ب. الاختلاف بين الهيئات الشرعية أحيانَا يكون بسبب الاختلاف في النظر إلى المصالح والمفاسد، ولاسيما إذا كانت المسألة المطروحة مسألة اجتهادية جديدة تستدعي النظر إلى المصالح والمفاسد وسد الذرائع، وهذا مما تختلف فيه الآراء بحسب الطريقة التي ينظر فيها للموضوع محل النقاش كما في مسألة النوافذ الإسلامية لدى البنوك التقليدية التي سوف يأتي ذكرها.
ج. يكون الاختلاف أحيانًا بسبب الواقع الذي تعيشه بعض المؤسسات المالية الإسلامية، فقد ذكرنا إن المؤسسات المالية الإسلامية تعيش في بيئة غير بيئتها، وهذا يستدعي من بعض الهيئات أن تأخذ بفتاوى استثنائية قد لا تدركها بعض الهيئات الشرعية مما يسبب تعارضًا في الفتاوى، كما في فتاوى الأزمة المالية العالمية حيث بعض الدول تأثرت وأخرى لم تتأثر بها.
د. إن الاختلاف كما أسلفنا هو من طبيعة البشر فأهل القانون مع وجود قوانين واضحة ومذكرة تفسيرية للقانون نجدهم يختلفون في النظر إلى القضية المطروحة، وأهل الطب تختلف آراؤهم في تشخيص المرض والعلاج مع وجود الأجهزة المتطورة التي تصور أدق الأمور في جسم الإنسان ولا ينتقدون في ذلك، فلماذا تنتقد الهيئات الشرعية عند اختلافها.
هــ. لتقليل الاختلاف بين الهيئات الشرعية قامت بعض المؤسسات الدولية الإسلامية كهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومقرها في مملكة البحرين بوضع معايير شرعية تلتزم بها المؤسسات المالية الإسلامية وأصبح لهذه المعايير الشرعية احترام بين الهيئات الشرعية والمؤسسات المالية على حد سواء مما ساهم بشكل كبير في تقليل الاختلافات بين الهيئات الشرعية.

ثالثًا: حياد البنوك الإسلامية عن هدفها الأساسي وهو التنمية:
عندما بدأ رواد الصناعة المالية الإسلامية فكرتهم لترويج الاقتصاد الإسلامي كبديل عن النظام الربوي كان من أهم الدعائم لذلك أن البنوك الإسلامية سوف تساهم بشكل كبير في تنمية البلاد العربية والإسلامية إلا أن هذه البنوك حادت عن طريقها واتجهت إلى المداينات عن طريق الإكثار من استعمال عقد المرابحة مما يرتب ديونًا على العملاء؛ لأن في عقد المرابحة مزيد من الضمان والربح للمؤسسة المالية الإسلامية ويمكن أن نجيب عن هذا بالتالي:
أ. إن تجربة البنوك الإسلامية ما زالت تعتبر تجربة حديثة إذا ما قورنت بتجارب البنوك التقليدية التي امتدت إلى مئات السنين، فهي تجربة ناشئة في عرف أهل الاقتصاد حيث إن عمرها لا يتجاوز بعضًا وثلاثين سنة، فمطالبتها بالنهوض بالتنمية في البلاد العربية الإسلامية وتحميلها مسؤولية ذلك فيه إجحاف كبير بحقها، فلا عمرها ولا حجمها يتناسب مع قيامها بهذا الدور.
ب. إن التنمية في البلاد العربية والإسلامية هي من مهام الدولة بحكوماتها ومواردها وطاقاتها، وتأتي البنوك الإسلامية كداعم لهذا التوجه لا أن يطلب من البنوك الإسلامية أن تقوم بمهام الدولة.
ج. إن عدم القضاء على الفساد الإداري والمالي في البلاد العربية والإسلامية هو المعوق الأساسي للبنوك الإسلامية بالاستثمار في التنمية، فإن البنوك الإسلامية تخشى على أموال مساهميها ومودعيها من ضياع أموالهم في بيئة غير عملية ولا قانونية للاستثمار.
د. إن المردود على الاستثمار في التنمية عادة ما يكون طويل الأمد، أي أن المستثمر لن يحصل على عائد استثماره إلا بعض مضي عدد من السنين، كما أن ملاك البنوك الإسلامية من مساهمين ومودعين يطلبون من إدارة هذه البنوك عوائد مالية على استثماراتهم، وعدم تحقيق هذه العوائد يؤدي بهم إلى سحب أموالهم واستثماراتهم من البنوك الإسلامية مما يسبب انهيارها. فهذا النوع من الاستثمار يتطلب بنوكًا متخصصة في الاستثمار في التنمية؛ لأنه طويل الأمد، كما يتطلب مساهمين يستطيعون أن يصبروا لمدة طويلة للحصول على عوائد نظير استثمارهم، ولذلك تم إنشاء البنك الإسلامي للتنمية بمساهمة مجموعة من الدول الإسلامية، ومقره في جدة يعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية متخصص في تمويل الدول الإسلامية لمساعدتها في تنمية بلادها من خلال إنشاء مشاريع ضخمة طويلة الأمد.
هــ. إن الأسباب السابقة ليست مبررًا للبنوك الإسلام بعدم مساهمتها ولو بالقدر اليسير في تمويل المشاريع التنموية التي تقوم بها الشركات والمؤسسات مع الضمانات التي تحفظ أموالها، كما أن على البنوك الإسلامية التنويع في صيغ الاستثمار وعدم الاكتفاء بصيغة واحدة كالمرابحة مثلًا بل ينبغي إلزام البنوك الإسلامية بتخفيض المديونيات ولو بشكل نسبي في كل سنة وزيادة المنتجات الأخرى كالإجارة والمشاركة والمضاربة كما فعل بنك البحرين الإسلامي حيث طلبت الهيئة الشرعية التقليل من معاملات المداينات بقدر الاستطاعة وقد فعل البنك ذلك.

رابعًا: ربط معدل الربح في البنوك الإسلامية بسعر اللايبور:
يعتبر اللايبور هو معدل سعر الإقراض المتبادل بين البنوك الدولية في لندن وهو اختصار لــ (London Interbank Offered Rate)، فهو يعتبر تقويم لأسعار الفائدة في وقت محدد، ويستخدم هذا المعدل كمدخلات لعقود أغليها غير متفق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، مثل الودائع الربوية لأجل، والسندات والمشتقات المالية. وقد قامت بعض البنوك المركزية بإيجاد معدل داخلي لسعر الفائدة في كل بلد مثل الكايبور للكويت والسايبور للسعودية وهكذا.
وقد استخدمت المؤسسات المالية الإسلامية هذا المعيار لتحديد أرباحها، بل ربطت في بعض المنتجات أرباحها بسعر اللايبور، وهذا مما لا شك فيه أثار انتقادًا على المؤسسات المالية الإسلامية عن سبب اعتمادها على مؤشر مخصص للفوائد الربوية، مما جعل بعض الناس يعتقد أن المؤسسات المالية الإسلامية تستخدم نفس طريقة وأسلوب البنوك التقليدية في حساب الأرباح وعليه فلا فرق بينهما. ويمكن الإجابة عن ذلك فيمت يلي:
1. يستخدم أحيانًا سعر اللايبور أو أي مؤشر آخر للاستئناس به في تحديد الربح للبنك الإسلامي، فمثلًا إذا كان سعر الفائدة للاقتراض 5 % مثلًا، فإن عدم معرفة البنك الإسلامي بذلك ممكن أن يجعله يأخذ ربحًا مقداره 10 % مثلًا، وهو سعر أعلى بكثير من سعر السوق، فينفر الزبائن من البنك الإسلام، لأن سعر التمويل مرتفع جدًا، فكون البنك الإسلامي يستأنس بذلك في تحديد مقدار الربح لا مانع منه شرعًا.

جاء في المعايير الشرعية ما يلي:
"يجب أن يكون كل من ثمن السلعة في بيع المرابحة للآمر بالشراء وربحها محددًا ومعلومًا للطرفين عند التوقيع على عقد البيع. ولا يجوز بأي حال أن يترك تحديد الثمن أو الربح لمؤشرات مجهولة أو قابلة للتحديد في المستقبل، وذلك مثل أن يعقد البيع ويجعل الربح معتمدًا على مستوى الليبور (LIBOR) الذي سيقع في المستقبل، ولا مانع من ذكر مؤشر من المؤشرات المعروفة في مرحلة الوعد للاستئناس به في تحديد نسبة الربح، على أن يتم تحديد الربح في عقد المرابحة للآمر بالشراء على أساس نسبة معلومة من التكلفة ولا يبقى الربح مرتبطًا بالليبور أو بالزمن".
1. إن ربط الدول عملتها بإحدى العملات الدولية التي لها سعر فائدة، يجعل المؤسسة المالية الإسلامية ملزمة تلقائيًا بهذا المؤشر، فهي لا تتدخل بذلك؛ لأن هذا من الأمور السيادية لكل دولة، كما أن بعض البنوك المركزية تفرض أحيانًا على المؤسسات المالية الإسلامية بتوزيع أرباح بنفس نسبة فائدة الإقراض في البنوك التقليدية.
2. إن معدلات اللايبور هي نوع من التقويم، والتقويم معمول به في الشريعة الإسلامية كما في أداء القيمة في المضمونات، ونزع الملكية، والتقويم لمعرفة مقدار الأرش، والتقويم في زكاة العروض، وتقويم المسروق لمعرفة بلوغه النصاب من عدمه وغيرها.
3. نحن نتفق مع المنتقدين بضرورة أن تتميز المؤسسات المالية الإسلامية عن المؤسسات التقليدية بمؤشر خاص بها، وهو ما يلقي مسؤولية على المحاسبين المسلمين لإيجاد مثل هذا المؤشر، كما يلقي تبعة على الجهات الإشرافية بضرورة مراعاة طبيعة المؤسسات المالية الإسلامية.
هذه أهم الانتقادات التي وجهت إلى البنوك الإسلامية وما زالت توجه، وإن وجد غيرها من الانتقادات إلا أننا اقتصرنا على أهمها فقط. فقد وجهت انتقادات حول عدم قناعة بعض القائمين على المؤسسات المالية الإسلامية بالمنهج الاقتصادي الإسلامي، وضعف الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية، وقلة المتخصصين من أصحاب الفضيلة العلماء بعمل المؤسسات المالية الإسلامية، وكذلك ضعف رؤوس أموال البنوك الإسلامية، وقلة سيولتها وغيرها من الانتقادات الأخرى.

المطلب الثالث: مستقبل البنوك الإسلامية
بعد أن تعرضنا للتحديات التي تواجهها البنوك الإسلامية والانتقادات التي وجهت إليها، نرى من الضروري أن نستشرق المستقبل لهذه الصناعة الحديثة، حتى تستمر في نجاحاتها وتطورها بما يسمح لها بتقديم خدمات تلبي احتياجات الجمهور والمتعاملين معها. ومن أهم هذه الأمور ما يلي:

أولًا: تطوير الموارد والكوادر البشرية:
مما لا شك فيه إن العنصر البشري يلعب دورًا رئيسيًا ومحورًا أساسيًا في تطور أي صناعة من الصناعات ومنها صناعة المصرفية الإسلامية، ومع أن قلة الكوادر من التحديات التي تواجهها البنوك الإسلامية كما أسلفنا ذكره إلا أن الحرص على تطوير الكوادر البشرية والوصول بها إلى مستويات عالمية سوف يجعل بالضرورة المصارف الإسلامية تصل إلى تلك المستويات؛ لأن استيعاب الكوادر البشرية للنظم الحديثة يلعب دورًا كبيرًا في صقل مهارتهم الإدارية لقيادة البنوك.

ثانيًا: إيجاد سوق مالية دولية:
ما زلنا في المؤسسات المالية الإسلامية نعتمد بشكل كبير على الأسواق الدولية في تعاملاتنا، فكان لزامًا أن نرتفع بالصناعة المالية الإسلامية من خلال إيجاد أسواق تتوافق مع متطلبات الشرعية، وتراعي طبيعة البنوك الإسلامية سواء كانت أسواقًا للأوراق المالية أم للبضائع والسلع أم لاستثمار الفوائض المالية وإدارة السيولة وغيرها من الأسواق التي تتمم عمل المؤسسات المالية الإسلامية، وتوفر فرص عمل كبيرة للشباب في البلاد الإسلامية.

ثالثًا: أهمية تطوير وابتكار أدوات مالية إسلامية جديدة تواكب التحولات الحالية والمستقبلية في أسواق المال الدولية:
هناك ضرورة في ابتكار أدوات مالية إسلامية متدرجة من ناحية السهولة في التسييل (Liquidation) بحيث تمكن المؤسسات المالية الإسلامية من الاستعانة بها لأغراض موجهة ظروف نقص السيولة عند الحاجة إليها أو عند وجود فائض منها.
فما تحتاجه المؤسسات المالية الإسلامية استثمارات قصيرة الأجل يمكنها التخارج منها عند الحاجة إلى السيولة أو استثمار أموالها لفترات قصيرة حتى لا تبقى جامدة من غير استثمار.

رابعًا: تطوير دور الصكوك كعامل جذب لتوظيف الأموال:
تعتبر الصكوك من الأدوات المالية الحديثة التي لاقت قبولًا دوليًا، فهي وإن كانت بديلًا عن السندات الربوية، إلا أنها تحتاج إلى تطوير حتى تكون مقبولة على مستوى عالمي، كأن يتم تصنيفها من قبل مؤسسات التصنيف الدولية مما يجعل لها ثقة أكبر، وأيضًا إيجاد التشريعات المناسبة لإصدار الصكوك حتى تستطيع أن تعمل بشفافية وحرفية أكثر من خلال القوانين المنظمة لها وحمايتها.

خامسًا: إيجاد كيانات كبرى:
ذكرنا في التحديات والصعوبات التي توجهها البنوك الإسلامية جملة من الأمور ومنها: صغر حجمها نسبيًا مقارنة بالمصاريف العالمية التقليدية، فلكي تواجه تحدي العولمة عليها أن توجد كيانات كبرى يمكنها من منافسة البنوك التقليدية الكبرى، وذلك من خلال اندماج المؤسسات المالية الإسلامية بعضها مع بعض، ففي ظل المنافسة الشديد والأزمات المتلاحقة فإنه لا وجود للمؤسسات والكيانات الصغيرة. فلابد أن تتوسع المؤسسات المالية رأسيًا من خلال زيادة رؤوس أموالها وأفقيًا من خلال تغطية أكبر مساحة ممكنة حتى تتلمس فرص الاستثمار المتعددة ولكي تكون رائدة في تقديم خدماتها.

سادسًا: تطوير دور البنوك المركزية في الرقابة على البنوك الإسلامية:
المؤسسات المصرفية الإسلامية تعمل إلى حد كبير ضمن إطار مؤسسي أنشئ من أجل المصارف التقليدية، وتعاني من عدم وجود دعم مؤسسي لمقابلة احتياجاتها. ففي بعض البلاد تخضع المصارف المركزية المصارف الإسلامية لنفس القيود والشروط واللوائح التي تطبق على المصارف التقليدية.
ولكن هناك عدة عوامل محددة تتطلب تحقيقاً للمساواة وتكافؤ الفرص، حيث إن وضع قواعد تنظيمية تأخذ في الاعتبار خصائص المصارف الإسلامية، وتسهل عملها جنبًا إلى جنب المصارف التقليدية هو أمر مهم لتحقيق تشريع فعال، وإن وجود تشريع مالي ملائم ومتابعة تنفيذه هو أمر ضروري يخدم المصالح المشتركة لمالكي المؤسسات المالية الإسلامية وعملائها وكذلك الاقتصادات التي تعمل فيها.
وفي دراسة أعدها مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر حول ضرورة تطوير دور البنوك المركزية في مجال الرقابة على البنوك الإسلامية طالبت هذه الدراسة بإنشاء إدارة خاصة بالبنك المركزي يكون من أهم اختصاصاتها متابعة أنشطة وأعمال البنوك الإسلامية والرقابة عليها على أن تصم هذه الإدارة كفاءات وخبرات لها دراية كبيرة في عمل البنوك الإسلامية.
وأشارت هذه الدراسة إلى ضرورة أن يكون هناك سجل خاص للمصارف الإسلامية، وأن يكون هناك مرونة بين البنك المركزي والبنوك الإسلامية لتسهيل الإجراءات لها عند فتح فروع جديدة. وطالبت الدراسة البنك المركزي بالعمل على وضع نماذج خاصة بالبنوك الإسلامية لتقدم من خلالها البيانات التي يطلبها البنك المركزي، وأوضحت الدراسة أن البنك المركزي يجب أن يقوم بدور المقرض الأخير للبنوك الإسلامية في حال احتياجها للقروض، وذلك بما يتلاءم مع أحكام الشريعة الإسلامية.
كما على الجهات الرقابية اعتماد المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وإلزام البنوك الإسلامية بتطبيقها حسمًا لمادة الخلاف فيما بين الهيئات الشرعية.

النوافذ الإسلامية:
أولًا: تعريف النوافذ الإسلامية وتاريخ نشأتها:
برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة انتشار الفروع الإسلامية التي تتبناها البنوك التقليدية، ويقصد بهذه النوافذ أو الفروع: "الأقسام التابعة للمصرف التقليدي لتقديم خدمات مصرفية إسلامية"، وهذه النوافذ تختلف أهميتها في الهيكل الإداري والتشغيلي في المصرف التقليدي، حيث تكون في بعض المصارف تابعة لإدارة التمويل والعمليات، في حين أنها في بعض المصارف تكون تابعة للرئيس التنفيذي أو العضو المنتدب مباشرة.
وينظر إليها في الغالب على أنها وحدة للمساندة، وليست وحدة للأعمال؛ حيث إن عملها يقتصر على تطوير منتجات الصيرفة الإسلامية بالتعاون مع إدارات المصرف المختلفة.
إن فكرة النوافذ الإسلامية في البنوك التقليدية نشأن مع ظهور البنوك الإسلامية حيث لوحظ إقبال الناس على الخدمات المالية الإسلامية، وأن هذه الخدمات بدأت تغطي احتياجات المتعاملين معها، مما حدى بصرف "مصر" بإنشاء فرعه للخدمات المالية الإسلامية في عام 1980 م، وأطلقوا عليه اسم "فرع الحسين للمعاملات المالية الإسلامية"، ثم توالت بعد ذلك إنشاء هذه الفروع ففي المملكة العربية السعودية قام المصرف الأهلي السعودي بإنشاء فرع للمعاملات المالية الإسلامية، وكذا مجموعة (HSBC) أنشأت قسمًا إسلاميًا خاصًا تطور بعد ذلك ليصبح (أمانة)، الذي يقدم خدمات مالية إسلامية ففي مختلف بقاع الأرض ويدار من مقر (أمانة) في دبي، كما أسست مجموعة (CALYON) الفرنسية قسمًا خاصًا للنشاط المصرفي الإسلامي، وهكذا توالى إنشاء هذه الفروع حتى أصبح من النادر أن توجد مؤسسة مالية عالمية ليس لها علاقة بصفة أو بأخرى مع المؤسسات المالية الإسلامية أو تقدم منتجًا من المنتجات المالية الإسلامية.

ثانيًا: أسباب إنشاء هذه الفروع أو النوافذ الإسلامية:
تعددت الآراء حول الأسباب التي دعت العديد من المصارف التقليدية لإنشاء فروع تتخصص في تقديم الخدمات المصرفية الإسلامية، وهذه الأسباب وإن اختلفت من مصرف لآخر، إلا أنه بشكل عام يمكن حصر أهمها فيما يلي:
1. رغبة المصارف الربوية في تعظيم أرباحها وجذب المزيد من رؤوس الأموال الإسلامية للاستحواذ على حصة كبيرة من سوق رأس المال.
2. تلبية الطبي الكبير والتنامي على الخدمات المصرفية الإسلامية، حيث إن شريحة كبيرة من الأفراد في كثير من المجتمعات الإسلامية تتحرج من التعامل مع المصارف الربوية.
3. الحيلولة دون تزايد الحاجة لإنشاء المزيد من المصارف الإسلامية.
4. المحافظة على عملاء المصارف الربوية من النزوح إلى المصارف الإسلامية.
5. حب المنافسة والتقليد وعدم الرضا بغياب اسم المصرف عن هذا الميدان الجديد.
6. سهولة سيطرة المصرف الرئيسي على الفرع بالنسبة للسيطرة على مصرف مستقل، هذا بالإضافة إلى سهولة الإجراءات القانونية لإنشاء فرع بالنسبة لتأسيس مصرف جديد.
7. لا يمكن أن نغفل دور الجانب الديني إذ إن بعض المصارف الربوية يحركها في إنشاء الفروع الإسلامية بصفة أساسية الرغبة في التحول التدريجي نحو العمل بالنظام المصرفي الإسلامي.

ثالثًا: التكييف القانوني للنوافذ الإسلامية:
تعتبر الفروع والنوافذ الإسلامية ملكًا للبنك التقليدي، فلا يوجد للفرع الإسلامي شخصية اعتبارية خاصة به، بل إن البنك المركزي لا يعامل هذا الفرع معاملة استثنائية بل يعده أحد الأفرع للبنك التقليدي كأفرعه التقليدية الأخرى، ولذلك تظهر هذه النوافذ أو الفروع ضمن الهيكل التنظيمي للبنك".
وبما أن الفرع الإسلامي ليس له كيان مستقل فهذا يعني أنه ليس له رأس مال مستقل أيضًا؛ لأنه يمنع من جمع رأس مال مستقل به، بسبب عدم وجود شخصية اعتبارية له، ولذلك يتم تمويل رأس مال الفرع أو النافذة الإسلامية لمزاولة عملها بإحدى الطرق الآتية:
1. أن يقدم المركز الرئيسي قرضَا حسنًا للفرع ليغطي مصروفاته العمومية من رواتب وتدريب وإيجار وإنشاء العقود الشرعية وغيرها من المصروفات اللازمة لبدء النشاط، حتى يتمكن الفرع من توفير الإيرادات الملائمة من جراء تقديم الخدمات المصرفية إلى جانب عائداته من التمويلات المصرفية.
2. إلى جانب الخيار الأول وهو مستهدف به تغطية مصروفات التأسيس والنفقات العمومية ولمقابلة احتياجات التمويل يمكن للفرع الاستفادة من التالي:
أ. تحويل ودائع العملاء الملتزمين بالتعامل الشرعي إلى الفرع الإسلامي.
ب. قيام المركز الرئيسي بإيداع مبلغ معين مقابل الحصول على نصيب من العائد المتحقق على ضوء النتائج المالية.
ويلاحظ أن هذه الصيغ مصدرها من أموال المصرف الربوي، مما يثير بعض التحفظات حول رأس مال الفرع الإسلامي وهذا ما سنناقشه في النقطة التالية.

رابعًا: حكم إنشاء الفروع أو النوافذ الإسلامية لدى البنوك التقليدية:
حظي إنشاء البنوك التقليدية لفروع ونوافذ إسلامية بجدل واسع بين أهل الفقه والاقتصاد فمنهم مؤيد وآخر معارض ويمكن تلخيص هذه الآراء بالتالي:

1. المؤيدون لإنشاء الفروع الإسلامية لدى البنوك التقليدي:
ينظر أصحاب هذا الرأي إلى ترجيح المصالح المتعددة لهذا الأمر من خلال المميزات التي يمكن تحقيقها عند ممارسة البنوك التقليدية لنشاط المعاملات المالية الإسلامية وتتمثل هذه المميزات بالتالي:
أ. الاعتراف الدولي والمحلي بوجود أسلوب مصرفي جديد يتجاوز الأطر التقليدية العادية.
ب. الاعتراف بالثقل النسبي والنمو للسوق المصرفي القائم على ثوابت فقهية والتزامات شرعية.
جـ. إمكانية استفادة العمل المصرفي الإسلامي من وفورات الحجم الكبير والتفوق التقني للمصارف التقليدية الكبيرة.
ومن خلال هذه المميزات فإن أصحاب هذا الرأي من شرعيين واقتصاديين يرون جواز أن تقوم المؤسسات الربوية بفتح نوافذ إسلامية تقدم الخدمات المصرفية الإسلامية مستدلين بعدة أدلة:
1. إن الفروع الإسلامية تعتبر من وسائل محاربة الربا، وأن رفع بلوى الربا عن المجتمعات الإسلامية هو من أهم المقاصد التي يجب أن يسعى إلى تحقيقها بكل وسيلة ممكنة.
2. إن الفروع الإسلامية هي البديل الممكن حاليًا في بعض الدول لصعوبة الحصول على تصاريح لإنشاء المصارف الإسلامية في الوقت الحاضر.
3. إن نجاح هذه الفروع قد يغري المصارف الربوية للتحول الكامل إلى المصارف الإسلامية.
4. إن الفروع الإسلامية تعتبر خطوة للتدرج في تطبيق النظام المصرفي الإسلامي إلى أن يحين الوقت المناسب لتحول المصرف بالكامل إلى مصرف إسلامي.
5. في ظل ظروف عالم المال اليوم هي يمكن أن نمنع أي مؤسسة تريد أن تعمل وفق طريقة معينة مهما كانت هذه الطريقة إذا ما تقيدت بالنظم واللوائح المنظمة لها، فإذا لم يمكن منعهم من هذا النشاط فلماذا لا تقوم بتنظيم أعمالهم من خلال وضع قواعد وضوابط لممارستهم هذا النشاط.
2. المعارضون لإنشاء الفروع الإسلامية لدى البنوك التقليدية:
وأصحاب هذا الرأي ينطلقون من حرصهم على المؤسسات المالية الإسلامية القائمة التي تعمل كامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وأن النوافذ الإسلامية إنما هي وسيلة جديدة لخداع المسلمين واستنزاف أموالهم وأداة لركوب الموجة دون أن يرتبط ذلك بقناعة المنهج الإسلامي والتخوف من أن تسيء الفروع الإسلامية عمل المصارف الإسلامية من خلال إجراء عمليات صورية ونحوها، ويستدلون على المنع بعدة أمور منها:
1. قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}، ووجه الاستدلال أن الآية لم تترك للمسلم الذي يتعامل بالربا حلًا آخر إلا التوبة.
2. قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، ووجه الاستدلال أن على المسلم أن يأخذ الدين جملة بكامله فهو كلٌ لا يتجزأ.
3. عن الفرع الإسلامي هو في حقيقة الأمر تابع للمصرف الربوي، والقاعدة الفقهية تقول: "التابع تابع" وبناء على ذلك يحكم على الفرع بما يحكم على الأصل.
4. إن رأس مال النافذة الإسلامية قد أتى من المصرف الربوي الذي تعتبر أمواله أمولًا محرمة، مما يمنع إنشاء الفرع الإسلامي، كما أن التعامل مع النافذة الإسلامية قد يؤدي إلى اختلاط الحلال بالحرام، وقد يمكن المصرف الربوي من الاستفادة من سيولة الفرع الإسلامي مما يعتبر إعانة له على الحرام.
إلا أن من أجاز إنشاء هذه الفروع الإسلامية لم يجزها بإطلاق، وإنما وضع لها شروطًا وقواعد تنضبط بها أعمال هذا الفرع، وهي في حقيقة الأمر تعتبر تطمينًا للفريق المعارض وللرد على كثير من الأمور التي قاموا بإبدائها على هذه الفروع وتتمثل هذه الضوابط بالتالية:

1. الفصل المالي والمحاسبي:
ينبغي لمن يريد أن يفتح نافذة للمعاملات المالية الإسلامية أن يقوم بفصل أموال الفرع الإسلامي عن أموال المصرف الربوي، والأولى أن يكون هذا الفصل قانونيًا أي فصلًا تامًا بأن تنشأ للفرع ذمة مالية منفصلة وأن يستقل بدورته المستندية وإجراءات التعامل، فإن لم يكن ذلك أو تعسر فلا أقل من الفصل المحاسبي. حتى يعزز من مصداقية الفرع ويكرس الجدية التي يتمتع بها الفرع الإسلامي.

2. تعيين هيئة فتوى ورقابة شرعية:
لابد من وجود هيئة فتوى ورقابة شرعية مستقلة تشرف على نشاط الوحدة المستقلة؛ لأن الالتزام الشرعي هو ما يميز العمل المصرفي الإسلامي، فلكي تتحقق المعايير الشرعية في النافذة الإسلامية فلابد أن تكون هناك جهة مختصة ذات أهلية تضع المعايير وتراقب تطبيقها وتعرض عليها العقود والحالات المستجدة لتبدي رأيها فيها، وتكون قراراتها ملزمة وليست استشارية.

3. إرادة التحول والإعلام الكافي:
لابد أن تنبع فكرة إنشاء فرع إسلامي من قناعة تامة للوفاء بجميع المتطلبات الشرعية والإجراءات المطلوبة لعمل النافذة الإسلامية، ولا أقل من أن يتم تعيين إدارة مؤمنة بفكرة المصرفية الإسلامية في القيادات العليا، حتى لا تكون هذه الفكرة جسدًا بلا روح، فلا يمكن إحداث تغيير جوهري إلا بوجود إدارة تنفيذية تحرص على تطبيق الجوانب الشرعية لا التهرب منها.

4. تدريب العاملين وتهيئة الكوادر التنفيذية:
لابد من التأكد من أن الموظفين الذين ينفذون هذه العمليات مؤهلون لتطبيق الصيغ الاستثمارية يستلزم فتح نافذة إسلامية إعداد الصيغ الاستثمارية والعقود الشرعية التي سوف يتعامل بها وفق تسلسل إجرائي يسهل على العاملين تنفيذ المتطلبات الشرعية في كل صيغة.

5. الالتزام بالمعايير الشرعية الصادرة عن المنظمات والهيئات الشرعية المتعددة:
يجب التقيد بما يصدر من الهيئات الدولية المنظمة للعمل المصرفي المالي الإسلامي كهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين وغيرها من الهيئات.

البنوك الإسلامية والمعايير المحاسبية:
إن الحساب أو النظام المحاسبي هو نظام لصيق للأحكام الفقهية، به يتم حساب مقدار الزكاة، وبه يتم تقسيم الإرث وإعطاء كل ذب حق حقه، كما أن النظام المحاسبي به يعرف رب المال والمضارب حصته من الربح من خلال التنضيض الحقيقي أو الحكمي، وكذا الشريك مع شريكه فيتم تحديد رأس المال لكل شريك وتحديد حصته من الربح أو الخسارة وغيرها من الأبواب الفقهية، يقول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ}.
فإذا كان من أساسيات علم المحاسبة ما يتعلق بتوثيق المعاملات وتحديد الحقوق لأصحابها فإن الإسلام قد سبق هذه النظم في ذلك بقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ {، بل أنشأ الفقهاء زمرة من العقود أطلقوا عليها زمرة التوثيقات أي العقود التي تستخدم لتوثيق الحقوق كالكفالة والرهن وغيرها.
وقد أمرنا الإسلام بالبعد عن الكذب والغش والتدليس والإفصاح عن الحقوق والالتزامات والتي تعتبر من أركان المحاسبة المعاصرة، مع ما يشتمل عليه الأمر الديني من وازع يحرك القلوب فتؤدى الحقوق لأصحابها من غير حرج أو ضير.
وقد جاءت المصارف الإسلامية في ضوء نظام قائم للمحاسبة، بل أصبح هذا النظام يأخذ صفة العالمية، وهناك مؤسسات دولية تراجع هذه النظم بما يتوافق مع الواقع الذي تعيشه من خلال الخبرات المتراكمة التي اكتسبوها في معاملاتهم.

المحاسبة المالية:
نشأت المحاسبة المالية وتطورت مع الزمن لاعتبارات عملية تتعلق باحتياجات المنشآت في تحديد حقوقها والتزاماتها المالية ونتائج أعمالها وإبلاغ الأطراف ذات العلاقة الحالية أو المرتقبة بالمنشأة دوريًّا عن مركزها المالي ونتائج أعمالها وتدفقاتها النقدية حتى يتسنى لهؤلاء الأطراف اتخاذ القرارات الملائمة تجاه علاقتهم مع المنشأة، ومن ثم تؤدي المحاسبة المالية دورًا هامًا في توجيه الموارد الاقتصادية بين المنشآت المختلفة في المجتمع نتيجة للقرارات التي تتخذها الأطراف ذات العلاقة بالمنشأة، بناء على المعلومات المتاحة لهم عن طريق المحاسبة المالية باعتبارها إحدى مصادر المعلومات الأساسية اللازمة لاتخاذ تلك القرارات. ولقد تكونت خلال الزمن مجموعة من القواعد والمبادئ حددت آليات المحاسبة المالية وأهدافها العامة وأوجه القصور في المعلومات التي تنتجها.

ومن خلال ما سبق يمكن تحديد أهداف المحاسبة المالية بما يلي:
أ. مساعدة مستخدمي ما تنتجه المحاسبة المالية من معلومات في اتخاذ القرار تجاه علاقتهم بالمنشأة عن طريق إصدار تقارير مالية دورية، فيطلع المساهم في المنشأة على هذه التقارير فيتخذ قراره بالاستمرار فيها أو الخروج منها، كما تسمح لمن له اهتمام بالمنشأة بمتابعة نتائجها المالية فيستطيع اتخاذ القرار المناسب بعد ذلك.
ب. تقدم المحاسبة المالية معلومات هامة تساعد القائمين على إدارة المنشأة على توجيه الموارد المالية التوجيه المناسب، فالإدارة من خلال البيانات المالية تدرك أين مواطن القصور وأين مواطن الربحية، وعلى ضوء المعلومات تتخذ القرار الملائم.
ج. تساهم المحاسبة المالية في تسهيل مهمة الإدارة في التخطيط للمنشأة والإشراف عليها من خلال الاطلاع على المطلوبات والموجودات، فتقود الإدارة بالتوفيق بين موجوداتها ومطلوباتها طويلة الأجل وقصيرها.
د. تسهل المحاسبة المالية مهمة الهيئات الحكومية المسئولة عن الإشراف على الاقتصاد القومي من خلال المعلومات المالية التي تنتجها كالمؤسسات التي أوكل إليها حساب الزكاة وجمعها.

وظائف المصارف الإسلامية:
تقوم المصارف الإسلامية بعدة وظائف تتلخص بالتالي:
أ) إدارة استثمارات أموال الغير:
يقوم البنك الإسلامي باستثمار أموال الغير عن طريق عقود متعددة.
أ. المضاربة ويحصل البنك خلالها على الربح المتفق عليه إن وجد ولا يتحمل البنك أي خسارة إلا في حالة تعديه أو تقصيره.
ب. المشاركة ويحصل البنك خلالها على الربح المتفق عليه أن وجد ويتحمل من الخسارة بمقدار مساهمته في رأس المال.
أ. الوكالة بأجر ويستحق البنك الأجر المتفق عليه إذا قام بالعمل المكلف به سواء تحقق ربح أم لم يتحقق.

ب. استثمار الأموال:
يقوم البنك باستثمار الأموال المتاحة له من الحسابات الاستثمارية (حساب التوفير الودائع الاستثمارية) سواء كانت مطلقة أو مقيدة (باستثمارها في مشروع محدد) بالعقود الشرعية من بيع ومضاربة ومشاركة وإجارة وعقود سلم واستصناع أو عن طريق تأسيس شركات والمساهمة فيها أو من خلال أي صيغة شرعية أخرى.

ج. الخدمات المصرفية:
يقدم البنك الخدمات المصرفية مقابل أجر محدد، مثل فتح الحسابات بأنواعها الجارية والتوفير، أو صرف العملات أو الحوالات أو الاعتمادات المستندية أو خطابات الضمان أو إصدار البطاقات أو إصدار الشيكات وغيرها من الخدمات الأخرى.

د. الخدمات الاجتماعية:
حيث إن فكرة البنوك الإسلامية عند نشأتها كانت تقضي بتوجيه الموارد المالية للأمة الإسلامية في التنمية ورفع المستوى المعيشي للمسلمين ومحاربة الفقر، فقد قامت المؤسسات المالية الإسلامية بهذا الدور من خلال أموال الزكاة والصدقات وصناديق القرض الحسن في بعض البنوك.
كما أن البنوك الإسلامية قامت برعاية كثير من الأنشطة التي تهدف إلى رفع المستوى الثقافي والعلمي للأمة الإسلامية من خلال رعاية المؤتمرات العلمية والحلقات النقاشية.
ويتضح من خلال هذه الوظائف التي تقوم بها البنوك الإسلامية أن لها طبيعة خاصة بها مما يقتضي بالضرورة إيجاد مفاهيم محاسبية لها تتلاءم مع طبيعتها.

ثالثًا: اختلاف أهداف المحاسبة للمصارف الإسلامية عن غيرها:
بما أن المحاسبة تهدف بصورة رئيسة إلى تزويد المتعاملين مع المنشأة بالتقارير المالية التي تساعدهم على اتخاذ قراراتهم، وبما أن المتعاملين مع المصارف الإسلامية يهمهم أولا إرضاء الله عز وجل من خلال الاستثمار والتعامل الحلال تحقيقًا لقوله تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ{، وحيث إن الدراسات المحاسبية السائدة حاليًا في مجملها نشأت في مجتمعات غير إسلامية، لذلك كان طبيعيًا أن يكون هناك اختلاف في أهداف المحاسبة المالية تبعًا لاختلاف أهداف المستخدمين واحتياجاتهم من المعلومات. ولا يعني ذلك أن كل ما تم التوصل إليه في الفكر المحاسبي المعاصر من أهداف المحاسبة غير ملائم للبنوك الإسلامية، فالمستثمر المسلم وغير المسلم يشتركان في رغبتهما في تنمية أموالها وتحقيق ربح من استثمارها. وهي رغبة أو هدف أقره الشرع الحنيف وبالإضافة إلى اختلاف أهداف واحتياجات مستخدمي التقارير المالية للمصارف فإن هناك أسبابا أخرى تتطلب ضرورة صياغة أهداف خاصة بالمحاسبة المالية للمصارف الإسلامية منها:
1. ضرورة التزام المصارف في جميع معاملاتها وعملياتها بأحكام الشريعة الإسلامية.
2. اختلاف وظائف البنوك الإسلامية في جوهر معاملاتها اختلافًا جذريا عن المصارف التقليدية التي أخذت بنموذج البنوك الغربية في معاملاتها.
3. اختلاف علاقة المتعاملين مع المصارف الإسلامية عنها في المصارف التقليدية، وهو عنصر الفائدة على الإقراض والاقتراض.

رابعًا: مزايا وجود المعايير المحاسبية:
1. إن توحيد المعالجة المحاسبية لإثبات الأرباح والخسائر والإفصاح عنها يمكًن المستثمرين من مقارنة أرباح مصرف بأرباح مصرف آخر؛ لأن الاختلاف في التطبيقات المحاسبية في الإفصاح عنها تجعل من الصعب القيام بتلك المقارنة، كما أنها تؤثر على توزيع نتائج العمليات من ربح أو خسارة بين أصحاب حسابات الاستثمار وأصحاب حقوق الملكية، ثم بين أصحاب حسابات الاستثمار فيما بينهم.
2. إن تقديم معلومات كافية من خلال العرض في القوائم المالية للمصارف أو شركات التأمين الإسلامية أو الصناديق الاستثمارية والإفصاح بإيضاحاتها يساعد على تقويم أداء المصرف وقدرته على تحقيق أهدافه الاقتصادية.
3. تحديد مصدر الاحتياطيات والمخصصات لكل من المصارف وشركات التأمين الإسلامية، والموقع الصحيح لعرضها في القوائم المالية بحيث يقل أثر الاختلافات في تعذر المقارنة بين أرباح الأطراف وفي عدالة التوزيع.
4. تحديد العلاقة بين الأطراف المختلفة في المصارف (بين أصحاب حسابات الاستثمار وأصحاب حقوق الملكية) وفي شركات التأمين (بين الشركة المديرة وحملة الوثائق).
5. المساهمة في سهولة حساب المقدار الواجب دفعه كزكاة من خلال الإفصاح في البيانات المالية عن الاستثمارات والأصول الزكوية.

خامسًا: معايير المحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية:
دأبت البنوك المركزية على إلزام البنوك عمومًا بمعايير المحاسبية الدولية، أو اشتقت منها بعض البلاد معايير محلية لا تخرج في جوهرها عنها. ولما قامت البنوك الإسلامية وجدت نفسها تحت طائلة ذلك الإلزام بالمعايير المحاسبية الدولية مع أنها لا تغطي المساحة الواسعة من صيغ الاستثمار والتمويل الإسلامي كما أن بعض تلك المعايير مجافية للأحكام الشرعية، مثل معيار التأجير التمليكي التقليدي الذي يخلط أحكام البيع مع الإجارة.
إدراكًا من هيئة المحاسبة والمراجعات للمؤسسات المالية الإسلامية ومقرها في مملكة البحرين قامت بإصدار مجموعة من المعايير المحاسبية التي تتميز بها المؤسسات المالية الإسلامية عن غيرها من المؤسسات مقسمة كالتالي:
أولًا: معايير صبغ الاستثمار.
أ. المضاربة.
ب. المشاركة.
ج. حقوق أصحاب حساب الاستثمار.
د. صناديق الاستثمار.
هـ. توزيع الأرباح.
و. الاستثمارات.
ثانيًا: معايير لصيغ التمويل:
أ. المرابحة.
ب. الإجارة.
ج. الاستصناع.
د. السلم.
هـ. البيع الأجل.
ثالثًا: معايير تطبيق محاسبية:
أ. المعاملات بالعملات الأجنبية.
ب. تحويل الموجودات.
رابعًا: مبادئ عامة.
أ. الزكاة.
ب. الخدمات الإسلامية لدى المؤسسات التقليدية.
خامسًا: القوائم المالية:
أ. العرض والإفصاح العام.
ب. المخصصات والاحتياطيات.
ج. توحيد القوائم المالية.
سادسًا: معايير التأمين الإسلامي:
أ. العرض والإفصاح العام لشركات التأمين.
ب. توزيع الفائض لشركات التأمين.
ج. المخصصات والاحتياطات لشركة التأمين.
د. الاشتراكات لشركات التأمين.

المطلب السادس: البنوك الإسلامية والجودة الشرعية:
إذا كان الحديث عن الجودة الشرعية في السابق يعد ترفًا فكريًّا لانشغال الفقهاء والتنفيذيين في معركة بيان الاقتصاد الإسلامي للناس، فإنه في عصرنا الحاضر أصبح أمرًا ملحًا حتى يتم ضبط مسيرة المؤسسات المالية الإسلامية وضمان عدم انحرافها في المستقبل، فإن الجودة الشرعية تعتبر مطلبا شرعيًّا كما سيتضح من الكلام عليه في هذه الورقات.
فمن الخطأ قصر الجودة الشرعية بالحديث عن الهيئات الشرعية فقط، وإنما هي عملية مشتركة بين الهيئة الشرعية والإدارة التنفيذية والرقابة الشرعية والزبائن، فمحصلة هذا التعاون يؤدي حتمًا إلى الجودة الشرعية.
وإذا كان الغرب قد أوجد من الوسائل والشروط لضمان الجودة بما يحقق مصالحهم الدنيوية فإن الشريعة الإسلامية قد جعلت الجودة ولاسيما الشرعية منها منهجًا للحياة، قال تعالى: }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{، فكان لزامًا علينا أن نستقل بشروطنا وضوابطنا والاستفادة من غيرنا في هذا المجال، وأن نحرص على إتقان أعمالنا حتى نحافظ على هذه الصناعة والتي سر تميزها بأنها وفق أحكام الشريعة التي جاء بها الإسلام.

أولًا: تاريخ الجودة والنوعية:
أثناء الحرب العالمية الثانية تم تحويل عدد كبير جدًّا من المصانع الأمريكية من الإنتاج المدني إلى الإنتاج الحربي وذلك لتزويد آلة الحرب بقطع الغيار والمعدات والذخيرة مما أثر على مستوى الإنتاج المحلي من المنتجات المستخدمة مدنيًّا وأدى إلى زيادة لوائح الانتظار لكثير من السلع الاستهلاكية مثل الثلاجات والغسالات والأفران.. إلخ.
مما جعل مدراء المصانع ورجال الأعمال يركزون ويطالبون العمال والمهندسين بزيادة الإنتاج مهما كلف الأمر حتى لو أدى ذلك إلى تندي جودة المنتج وتدني نوعية السلعة.
وبعد سنوات الحرب طالب كل من الدكتور إدوارد ديمنج والمهندس جوزيف جوران الجميع بالتركيز على جودة المنتج بدلًا من التركيز على الكمية وأقاموا بذلك حملة للتثقيف ولكن لا حياة لمن تنادي.
وقد كانت اليابان في ذلك الوقت في بداية إعادة الإعمار والبناء الصناعي والاقتصادي مرة أخرى بعد سنوات الحرب المدمرة، فتم دعوة الدكتور إدوارد ديمنج والمهندس جوزيف جوران لإلقاء عدة محاضرات في اليابان أمام رجال الأعمال والصناعيين والمهندسين والعمال في الجامعات اليابانية.
وقد لاقت نظرية الجودة مبدأ النوعية صدى واسعًا جدًا باليابان وتبنتها جميع المصانع والمعامل حتى أصبحت مطبقة في جميع أنحاء اليابان بشكل جدي، وتم إخضاع كل السلع والمنتجات اليابانية لاختبارات قاسية جدًّا للكشف عن العيوب التصنيعية والخلل أثناء الإنتاج.
وقد أدت هذه الخطوط الهامة إلى تحسن سمعة السلع والمنتجات اليابانية على مستوى العالم؛ لأن أي سلعة أو منتج لا تخرج من المصنع إلا وقد تم اجتيازها لاختبارات الجودة والنوعية مما جعل المستهلك يقبل عليها سواء بالولايات المتحدة أو خارجها نظرًا لجودتها وخلوها من العيوب التصنيعية، وقد أدى هذا التطبيق إلى كسب ثقة المستهلك عالميًّا والى قفز حصة المنتجات اليابانية بالسوق الأمريكية من 4 % إلى 20 % خلال سنوات قليلة وإلى نسبة أكبر خلال السنوات التالية مما أدى إلى تكدس المنتجات والسلع الأمريكية المنشأ بالمخازن وعزوف المستهلكين عنها.
ولقد أساءت الشركات والمصانع الأمريكية في ذلك الوقت فهم الحقيقة الجديدة والحادثة بالسوق وأعادت ظاهرة اتجاه الزبائن لتلك المنتجات اليابانية إلى عامل السعر الأقل فعمدت إلى ضرب الأسعار وتخفيضها.
والحقيقة أن سوء فهم الموضوع كبد الشركات والمصانع الأمريكية الكثير مما أدى إلى خروج الكثير منها من السوق، وبالتالي إلى زيادة حصة المنتجات اليابانية وهيمنتها بالسوق الأمريكية والعالمية.
وبعد سنوات من الحيرة تمكن الأمريكان من الوصول إلى السر وبدأوا بتطبيق نظرية الجودة والنوعية ولكن بعد ماذا؟
عمومًا تم تطبيق نظرية الجودة والنوعية في المصانع الأمريكية وإخضاع كل سلعة ومنتج لنفس الاختيارات اليابانية ولكن كان التطبيق مكلفًا؛ لأن العمال والمهندسين الأمريكيين قد تعودوا على الإهمال وعدم التركيز أثناء عملية الإنتاج مما زاد من نسبة المرتجع من البضائع والمنتجات، وبالتالي زيادة الحمل المادي وارتفاع سعر الكلفة على عاتق الشركات والمصانع مما أدى إلى خروج المزيد منها من السوق.
وبعد ذلك تم إخضاع العملية الإنتاجية الأمريكية برمتها للدراسة وإعادة التقييم من جديد؛ لأن الوضع أصبح لا يطاق وتم التوصل إلى فكرة التدخل المبكر قبل إنتاج السلعة أي تحسين الأداء في خطوط الإنتاج ونجحت الفكرة في تخفيض الكلفة اللازمة لتطبيق فكرة الجودة والنوعية وتخفيض مستوى المرتجع ولكن لم تنجح في الوصول إلى منتج جيد يضاهي المنتج الياباني.
ثم توصل الأمريكيون لاحقًا إلى السر الياباني وهو مبدأ جديد ومتطور اسمه (الجودة الشاملة) التي طورها اليابانيون بعد تطبيقهم لمبدأ الجودة والنوعية (التي كانت أمريكية بالأصل) وهي تتلخص في التركيز على تطوير جودة كل خطوة من خطوات الإنتاج والوقاية من الخطأ قبل حدوثه وبالتالي عدم تأثر المنتج النهائي بأي خطأ.

ثانيًا: مفهوم الجودة:
أخذ مفهوم الجودة بالاتساع والتطور في وقتنا المعاصر، إلا أنه قبل سبر غور هذا المفهوم نرغب بالحديث عن الجودة في ظل اللغة العربية والشريعة الإسلامية.

أ. تعريف الجودة لغة:
الجودة من (أجاد الشيء) أي أحسنه، يقال: فلان تكلم فأجاد، أي تكلم فأحسن، وفلان عمل فأجاد أي عمل فأحسن، وعكسه تكلم فأساء، وعمل فأساء.

ب. الجودة في إصلاح الشريعة:
لا يخرج المعني الشرعي للجودة عن المعنى اللغوي، وهي بمفهومها العام تدل على الإتقان والإحسان والكمال؛ ولذلك جاء من العلوم الشرعية علم التجويد وهو علم يختص بطريقة قراءة القرآن الكريم، وهذا العلم يعلم القارئ كيفية تحسين قراءته للقرآن الكريم.
ولذلك اعتبر بعض الباحثين أن الجودة مظهر من مظاهر الإحسان ونتيجة من نتائجه، قال تعالى: }لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ{.

ج. الجودة في اصطلاح الاقتصاديين المعاصرين:
يفهم كثيرًا من الناس الجودة بأنها تعني (النوعية الجيدة) أو (الخامة الأصلية)، إلا أن رواد هذا الفن قاموا بتعريفه بعدة تعاريف منها:
"الرضا التام للعميل"
"الدرجة العالية من النوعية أو القيمة"
"إتمام الأعمال الصحيحة في الأوقات الصحيحة"

د. الجودة من منظور الشريعة الإسلامية:
لا شك أن الشريعة الإسلامية قد حثت على الجودة وإتقان العمل، ولا نقول ذلك تبعًا لوجوده في الإدارة الحديثة، وإنما تقول ذلك من خلال وجود العديد من النصوص الشرعية التي تحث على ذلك منها:
1. قولة تعالى: }الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{.
2. قوله تعالى: }إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا{
3. قوله تعالى: }وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ{
بل إن إبداع السموات والأرض وخلق الإنسان يدل على الإتقان في الصنعة: قال تعالى: }بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ{، وقوله تعالى: }لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ{.
قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه"، والإتقان يعني الجودة في أكمل صورها، بل ذكر الله سبحانه وتعالى صفات الإنسان الذي يجيد في عمله كما في قوله تعالى:}قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ{.
وقوله تعالى:}قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ{، بل إن الشريعة أمرت بالإحسان مطلقًا قال تعالى:}وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ{، وقال تعالى:}وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا{.
فإتقان العمل والجودة متطلب شرعي على المسلم الأخذ به.

ثالثًا: أسباب ودوافع الاهتمام بتطوير الجودة الشرعية:
إن الأسباب والدوافع التي تجعل من الجودة الشرعية متطلبًّا شرعيًّا في المؤسسات المالية الإسلامية كثيرة، فالمؤسسات المالية الإسلامية أصبحت تنتشر وتتسع رقعتها بل أصبحت من العالمية بمكان، كما أن المؤسسات الدولية أصبحت تتنافس للتعامل معها، لذلك كان لزامًا على المؤسسات المالية الإسلامية الاهتمام بالجودة الشرعية؛ لأنه سر تميزها وإبداعها، لذلك وجد أسباب كثيرة تدفع للاهتمام بالجودة الشرعية منها:
1. إن الأمر بالجودة هو متطلب شرعي كما سبق شرحه من خلال النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وهذا الأمر يلقي على العاملين في هذا الحقل الاقتصادي مسؤولية شرعية قبل أن تكون مسؤولية دنيوية. يحاسب العبد عليها، ويجد العبد أثرها في الدنيا والآخرة إن التزم بها.
2. في ظل المنافسة الشديدة والطلب المتزايد على الصناعة المالية الإسلامية، ودخول غير أهل الصناعة فيها، كان واجبًا الحرص على مستوى الجودة الشرعية، فإذا وجد في القانون الاقتصادي نظرية "أن النقود الرديئة تطرد النقود الجديدة" فإنه أيضًا في الجانب الشرعي "فإن الفتوى الرديئة تطرد الفتوى الجيدة" لذلك وجود لوائح وأنظمة وقواعد للجودة الشرعية تحمي المؤسسات من ألا تنجر وتنحدر إلى مستوى متدني في الجانب الشرعي.
3. نقص الكوادر المؤهلة لإدارة العمل المالي الإسلامي يجعلنا نفكر جديًا في الجودة الشرعية، حتى نحث هذه المؤسسات على التدريب والتخصص في هذا المجال وإيجاد الكوادر المؤهلة لإدارة العمل، إذ أصبحت الشركات تهتم بالمؤهل الفني بغض النظر عن قناعة هذا الشخص بالعمل المالي الإسلامي ثم بعد ذلك نجده يسيء للاقتصاد الإسلامي أكثر مما ينفعه.
4. لابد أن يعلم القائمون على المؤسسات المالية الإسلامية أن مخالفة أحكام الشرعية الإسلامية تعتبر من المخاطر التي قد يخسر المشروع بسببها، فلو أن شركة أبرمت عقدًا مخالفًا لأحكام الشريعة الإسلامية فإنها ملزمة بالتخلص من هذه الأرباح ولو بلغت هذه الأرباح ما بلغت، فالجودة الشرعية تدرء المخاطر الشرعية، وبالتالي الحفاظ على أموال المساهمين والمودعين.
5. إذا كان من تعاريف الجودة الرضا التام للعميل، فإن الجودة الشرعية هي من أكبر المحفزات للناس للتعامل مع المؤسسات المالية الإسلامية، فهي السبب الرئيسي لجذب العملاء لهذه المؤسسة، لذلك كلن الحرص على الجودة الشرعية سببًا لجذب الزبائن والتعامل مع هذه المؤسسة دون الأخرى، بل أصبح هناك نوعية من الزبائن ترغب برؤية موافقة الهيئة الشرعية على أي منتج تطرحه الشركة لهم.
6. الجودة الشرعية تعتبر توفيرًا للوقت الذي هو من صلب العملية الاستثمارية، فلا يتم الإعداد لمنتج، وبذل أموال، ودراسات جدوى، وتحمل مصاريف، وأوقات ثم يتضح أن هذا المنتج كفكرة غير مقبول، فمعرفة أن هذا المنتج كفكرة مطابق للشريعة الإسلامية ابتداء ومشاركة أصحاب التخصص في مراحل هذا المنتج يعد توفيرًا للوقت الذي هو أغلى ما يكون للعملية الاستثمارية.
7. من خلال الجودة الشرعية يتم معرفة مواطن الخلل وتصحيحها، ومعرفة المخطئ وتنبيهه على عدم فعل ذلك مرة أخرى أو معاقبته، وهذا يتم من خلال الرقابة الشرعية التي هي إحدى أعمدة الجودة الشرعية، فالرقابة الشرعية تساعد على تطوير المؤسسة لا كما يعتقد البعض أنها سبب لتأخير المؤسسة.
8. بعض الهيئات الشرعية قصرت عملها على الإفتاء وإبداء الرأي فيما يعرض عليها فقط، فلو وجدت الجودة الشرعية لتم تفعيل دور الهيئة الشرعية، وإلا فإن هذه المؤسسة لن تحصل على إجازة الجودة الشرعية وبالتالي تخسر كثيرًا من الزبائن.
9. الاستقلالية وعدم التبعية للمنتجات التقليدية، فأحيانًا المؤسسات المالية الإسلامية ترغب بتقليد المؤسسات التقليدية في كل منتجاتها، وأصبح كما يقول بعض الباحثين إن المؤسسات المالية الإسلامية تدار من قبل المؤسسات والبنوك العالمية الأوروبية؛ لأنها هي من تطرح الأدوات الجديدة وفق تصوراتهم وتأتي المؤسسات المالية الإسلامية بعد ذلك بإيجاد المبررات والمسوغات الشرعية لمثل هذه الأمور، فالجودة الشرعية تجعل المؤسسات المالية في دور الريادة والقيادة. بحيث تبتكر من المنتجات ما ليس فيه أي إشكال شرعي، ويكون بعد ذلك مقبولًا لدى الجمهور.
10. تطبيق مبدأ الجودة يستلزم نشر الوعي والثقافة لدى الزبائن؛ لأن الزبون هو أحد محاور الجودة، وهذا ينعكس في مناقشة المساهمين في الجمعية العمومية من شرعية بعض المنتجات ومطالبتهم بالمبررات الشرعية لذلك.
11. تعيش المصرفية الإسلامية عصرها الذهبي إذ تحقق معدلات نمو منقطعة النظير ويتزايد عدد المؤسسات المالية الإسلامية، وكلما انفتحت البلدان على بعضها البعض وارتفعت وتيرة العولمة كلما زادت رقعة العمل المصرفي الإسلامي على خريطة العالم، ممل يجعل ماسة لضبط مسار النمو وإيجاد الوسائل والأدوات التي يستطيع فيها المسلم- مستثمرًا كان أو متمولًا- التحقق من الانضباط الشرعي وأن يكون بيده الأدوات للمقارنة بين المؤسسات والمنتجات.
12. تطبيق نظام الجودة الشرعية يمنح المؤسسة المزيد من الاحترام والتقدير المحلي، والاعتراف الدولي، مما يساهم بعرض المؤسسات المالية الإسلامية بصورتها المستقلة والمتميزة.

رابعًا: مقترح لأنواع الجودة التي يمكن منحها للمؤسسة:
يوجد لبرامج الجودة الشاملة أشكال متعددة من أشهرها وأهمها تلك المعتمدة على معايير يجري الالتزام بها للوصول إلى الهدف. من تلك المعايير التي طورتها المنظمة العالمية للمقاييس International Stander Org ISO ثلاث مجموعات لمعايير الجودة العالمية هي:
ISO 9003 ISO 9002 ISO9001
ويختص كل واحد منها بنوع معين من النشاطات فالأول (ISO9001) يتعلق بالجودة في التصميم والتطوير والإنتاج والتركيب وخدمة ما بعد البيع.
بينما يختص المعيار الثاني (ISO 9002) الالتزام بالمواصفات في مراحل الإنتاج والتركيب.
أما الثالث (ISO 9003) فيختص بالجودة الشاملة في الفحص النهائي بعد الإنتاج واختبار المنتجات فهي متعلقة بالحالات التي يكون المطلوب هو الالتزام بالجودة الشاملة عند التسليم فقط.
ومن الجلي أن معايير الأيزو للجودة إنما هي مختصة في موضوع "العلاقات التعاقدية" أي أنها موجهة للخارج ومنصبة على علاقة المؤسسة بالعملاء المستفيدين من خدمتها أو منتجاتها. ولذلك فإنها تدخل في متطلبات الدخول في المناقصات وعقود التوريد ونحو ذلك.
ويفترض أن هذه المعايير للجودة مكملة للمواصفات التقنية والفنية وليست بديلا عنها.
وتعتمد المنظمة الدولية المصدرة للشهادات الخاصة بهذه المعايير على جهات التدقيق المستقلة وجهات التصديق بعد أن تكون قد حصلت على التخويل من المنظمة العالمية.
لذلك يمكن منح شهادات للجودة من خلال مؤسسة لها وزنها كهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، أو من خلال البنوك المركزية في كل دولة، أو من خلال وكالة التصنيف الدولية الإسلامية.

ترتكز أنواع هذه الشهادات على:
1. شهادة للجودة الشرعية للهيئة الشرعية يراعى فيها:
* كيفية تشكيل أعضاء الهيئة الشرعية عن طريق الجمعية العمومية أو الإدارة التنفيذية.
* عدد أعضاء الهيئة الشرعية أو أن الشركة مكتفية بمستشار أو مكتب خارجي.
* عدد اجتماعات الهيئة الشرعية.
* ممارستها لعملية التدقيق والاطلاع على أعمال الشركة.
* الاستعانة بخبرات فنية لمعرفة طبيعة الموضوع.
* طباعة الفتاوى ونشرها ومراجعة الفتاوى السابقة.
* وجود لائحة تنظيم عمل الهيئة.

2. شهادة الجودة الشرعية لإدارة الرقابة الشرعية يراعى فيها:
* وجود مراقب شرعي من عدمه.
* هل يوجد إدارة أم أن الشركة تستعين بمكاتب خارجية لتقديم هذه الخدمة.
* مدى الصلاحية الممنوحة للمراقب الشرعي.
* تبعية المراقب الشرعي للهيئة الشرعية أو للإدارة التنفيذية.
* التدقيق سنوي أو نصف سنوي أو ربع سنوي.
* كيفية اختيار العينات للتدقيق.
* حضور اجتماعات للهيئة الشرعية من عدمه.
* رفع نتائج التدقيق الشرعي للهيئة الشرعية أو للإدارة التنفيذية أو للجمعية العمومية.
* هل يوجد مدقق شرعي وهل هو خارجي أم داخلي فقط؟

3. شهادة الجودة الشرعية للشركة على مختلف أنشطتها ويراعى في ذلك:
* كون الشركة مصرفًا أو شركة استثمارية أو عقارية أو شركة تأمين أو خدمات أو صندوقًا أو استثماريًا أو غيرها.

4. شهادة الجودة للموظفين ويراعى فيها:
* مدى التزامهم بتطبيق قرارات الهيئة الشرعية.
* مدى قناعتهم بالعمل المصرفي الإسلامي.
* مدى الفهم لقرارات الهيئة الشرعية ولطبيعة المعاملات المالية الإسلامية والفرق بينها وبين التقليدية.
* المظهر الخارجي وخصوصًا التزام الموظفات باللباس الشعري وعدم الاختلاط.
* كيفية اختيار الموظفين والأسس التي قام عليها اختيار الموظفين.
* لائحة عمل الموظفين ومدى مطابقتها للأحكام الشرعية.
* حجم التدريب الذي تلقاه الموظفون ومدى مناسبته للأعمال المكلفين بها.

5. شهادة الجودة للإعلان ويراعى فيها:
* عدم استخدام صور نسائية لجذب العملاء فهذا لا يليق، ولا يلزم أن تكون المرأة عارية لكي يهتم البنك بمثل ذلك بل كل صورة لامرأة لهذا الغرض تندرج تحت ذلك.
* كما أن من مظاهر الجودة في الإعلان تخير الألفاظ المناسبة فكثيرًا ما نسمع استخدام كلمة "قرض" لوصف المرابحة وهذا غلط، وبخاصة إذا جاء في التصريحات الرسمية لأرباب البنوك الإسلامية أو الإعلانات أو المطويات.
إن العمل المصرفي الإسلامي يحتاج إلى التطوير والابتكار في أدواته ووسائله وطرقه إلا أن هذا التطوير لا بد أن يكون مصحوبًا بجودة شرعية فلا يمكن إهدار الكيف على حساب الكم. فكما قلنا إن سر تميز المؤسسات المالية الإسلامية وكثرة الإقبال عليها إنما هو ناتج عن التزامها بأحكام الشريعة الإسلامية، فمتى فقدت ذلك ابتعد الناس عنها لفقدها سر تميزها. كما أن المؤسسات المالية الإسلامية مقبلة على نظام عالمي جديد اسمه العولمة، ومن أهم الأمور التي تؤهل المؤسسات المالية الإسلامية للدخول في هذا العالم الجديد هو حرصا على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والذي تعجز عنه كبرى المؤسسات التقليدية. فهذا النمو الذي تحقق للمصرفية الإسلامية يجب أن يصاحبه انضباط في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية من خلال تنافس المؤسسات المالية الإسلامية على الحصول على أعلى مراتب الجودة والتصنيف الشرعي.
* * *


الخاتمة
الحمد لله يسر عمل الصالحات والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،،،
فلقد امتن الله تعالى علينا بإتمام هذا العمل الذي يعتبر من جملة الأعمال المكملة للمكتبة الإسلامية في مجال الاقتصاد الإسلامي والمصرفية الإسلامية المعاصرة، وجاء هذا الكتاب مكملًا للكتب الجامعية التي تخدم الطالب الشرعي وغيره من المهتمين في هذا المجال، حيث تبين للقارئ الكريم حرص العلماء رحمهم الله على تأصيل ما يهم الإنسان المسلم في حياته وأمور معاملاته وخصوصًا فيما يتعلق بجانب مهم من حياته؛ وهو النقود وما يتعلق بها، والأدوات التي توظف هذه النقود وكيفية توظيفها والمراجعة والمراقبة الشرعية لها.
وقد خلصنا بعد عرضنا لما سبق بأن مسائل الاقتصاد الإسلامي المعاصر من القضايا المتجددة والتي تحتاج لدراسات متواصلة معمقة لما لها من تجدد وتغير في الواقع العملي، مما يفرض المتابعة من العلماء المهتمين بالدراسة والبحث ومتابعة التطور فيها.
ونسأل الله تعالى أن نكون قد قدمنا إضافة مهمة للمكتبة الإسلامية.
والله ولي التوفيق،،،

المؤلفون