Advertisement

وفيات الأعيان 001



الكتاب: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المؤلف: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
المحقق: إحسان عباس
الناشر: دار صادر - بيروت
الطبعة:
الجزء: 1 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 2 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 3 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 4 - الطبعة: 1، 1971
الجزء: 5 - الطبعة: 1، 1994
الجزء: 6 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 7 - الطبعة: 1، 1994
عدد الأجزاء: 7
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التراجم] ترجمة المؤلف
" قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان " (1)
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وستمائة وسمع بها " صحيح البخاري " من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له المؤيد الطوسي وعبد المعز الهروي وزينب الشعرية. روى عنه المزي والبرزالي والطبقة، وكان فاضلاً بارعاً متفنناً عارفاً بالمذهب حسن الفتاوي جيد القريحة بصيراً بالعربية علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة وافر الحرمة، فيه رياسة كبيرة، له كتاب " وفيات الأعيان " وقد اشتهر كثيراً وله مجاميع أدبية. قد الشام في شبيبته وقد تفقه بالموصل على كمال الدين ابن يونس وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين ابن شداد وغيرهما. ودخل مصر وسكنها مدة وتأهل بها وناب بها في القضاء عن القاضي بدر الدين السنجاري ثم قد الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر ثم أقيم معه في القضاء ثلاثة سنة أربع وستين وكان ذلك في جمادى الأولى جاء من مصر ثلاثة تقاليد لشمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي ولزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي ولشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي فلم يقبل المالكي ووافق الحنفي والحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائبا للشافعي، ثم إن الأمر من مصر ورد بإلزام المالكي وامتنع المالكي والحنبلي من أخذ الجامكية وقالا نحن في كفاية. قال شهاب الدين أبو
__________
(1) له ترجمة في الفرات 1، 100 وقضاة دمشق: 76 وطبقات السبكي 5: 14 والنجوم الزاهرة 7: 353 وشذرات الذهب 5: 371. وهذه منقولة عن الوافي (الجزء السابع) .
(1/1)

شامة: ومن العجيب اجتماع ثلاثة من قضاة القضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد. واتفق أن الشافعي استناب نائباً لقبه شمس الدين فقال بعض الأدباء الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا ... من كثرة الحكام
إذ هم جميعاً شموس ... وحالهم في الظلام وقال أيضاً:
بدمشق آية قد ... ظهرت للناس عاما
كلما ازدادوا شموسا ... زادت الدنيا ظلامها ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصائغ، ثم عزل ابن الصائغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر فدخل دخولا لم يدخل غيره مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغال والشهود وكان يوما مشهودا وجلس في منصب حكمه وتكلم الشعراء. ولما قدم ابن خلكان إلى دمشق ثانياً وكان لثامن سنة قال رشيد الدين الفارقي في ذلك:
أنت في الشام مثل يوسف في مص ... ر وعندي أن الكرام جناس
ولكل سبع شداد وبعد ال ... سبع عام يغاث فيه الناس وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدبا ... غداة هجرته هجرا جميلا
فلما زرته من أرض مصر ... مددت عليه من كفيك نيلا وقال ابن جعوان:
لما تولى قضاء الشام حاكمه ... قاضي القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبع شداد قال خادمه ... ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشام طرا ... ما فيهم قط غير راض
(1/2)

نالهم الخير بعد شر ... فالوقت بسط بلا انقباض
وعوضوا فرحة بحزن ... مذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم ... قدوم قاض وعزل قاض
فكلهم شاكر وشاك ... بحال مستقبل وماض قلت: بيتا رشيد الدين الفارقي خير هذه المقاطيع.
وكان كريما جوادا ممدوحا فيه ستر وحلم وعفو، وحكايته في ذلك مشهورة. ثم عزل بابن الصائغ ودرس بالأمينية إلى أن مات عشية نهار السبت سادس عشرين شهر رجب سنة إحدى وثمانين بالنجيبية النورية وشيعة الخلائق.
أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين أحمد بن غانم كاتب الإنشاء يرثي قاضي القضاة شمس الدين:
يا شمس علوم في الثرى قد غابت ... كم نبت عن الشمس وهي ما [إن] نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبدا ... إما قصرت عنه وإما هابت وكان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة ويقضيها، فحضر في بعض الأيام ورام منه أمراً متعذرا فاعتذر، فقال: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال القاضي: بلى يا وجيه الدين، صرنا معك قشلمشا وما ترضى. ويقال إنه عمل تاريخا للملك الظاهر ووصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيراً، اطلبوه، فطلب وبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنا فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقى في القاهرة يركب كل يوم ويقف في باب القرافة ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله بيته، وافتقر حتى لم يكن له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا ويطعمه، والشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، ومع ذلك فلا يحنو عليه الصاحب ولا يحن إلى الإحسان إليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة فجهز إلى مكانه بدمشق على القضاء. وحضر إليه وهو بالقاهرة عز الدين
(1/3)

محمد بن شداد بكتب فقارس من الغور وانتقالها إلى الظاهر وقد ثبتت عليه بالشام وطلب منه الإشهاد عليه بما فيها لتثبت بمصر، قال: كيف اشهد علي قال: يأذن لك قاضي القضاة ابن رزين. فقال: لو كنت مولياً ما كنت آذن له، أفأكون مولى من جهته هذا لا يكون أبداً. واطلع الظاهر على ذلك فعظم عنده وتحقق شرف نفسه. وأمر له بدر الدين بيليك الخزندار تلك الأيام بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وتلطف معه مع القاصد، فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة. وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك وله فيه الأشعار الرائقة، يقال إنه أول يوم جاء إليه بسط له الطرحة وقال: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه من الركوب فقال:
يا سادتي إني قنعت وحقكم ... في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاً ... ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى ... يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ... ألقاه من ألمٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةٍ ... لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسماً بوجهك وهو بدر طالع ... وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في ... أخطارها في الحب أصعب مركب
وبطيب مبسمك الشهي البادر ال ... عذب النمير اللؤلؤي الأشنب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ال ... عهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي ... خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي ... قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة (1) قد قاربت ... كشف القناع بحق ذياك النبي
لا تفضحن محبك الصب الذي ... جرعته في الحب أكدر مشرب أخبرني من لفظه القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي قال: كان الذي
__________
(1) في الأصل: خرقة.
(1/4)

يهواه القاضي شمس الدين هو الملك المسعود وكان قد تيمه حبه فكنت أنام عنده في العادلية فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده فقال لي: نم أنت، وألقي علي فروة، وقام يدور حول البركة في بيت العادلية، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبح وتوضأ. والبيتان المذكوران:
أنا والله هالك ... آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي ... قد أقامت قيامتي ويقال إنه سأل بعض أصحابه عما يقوله أهل دمشق عنه فاستعفاه فألح عليه فقال: يقولون إنك تكذب في نسبك وتأكل الحشيشة وتحب الغلمان. فقال: أما النسب والكذب فيه فإذا كان ولا بد منه فكنت أنتسب إلى العباس أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى أحد الصحابة، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية وأصلهم فرس مجوس فما فيه فائدة. وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر لأنه ألذ. وأما محبة الغلمان فإلى غد أجيبك عن هذه المسألة. قال قطب الدين البونيني: سمعت من يذكر إنما خرج له النسب إلى البرامكة أبو شامة، وليس كذلك. ووقفت على مجلدة من " تاريخ إربل " لوزيرها شرف الدين وقد ذكر وفاة ابن عم قاضي القضاة وقد نسبه إلى البرامكة ولعل ذلك قبل خروجه من إربل. وذكره الصاحب كمال الدين في " تاريخ حلب " ونسبه إلى البرامكة.
ومن شعره:
وسرب ظباء في غدير تخالعوا (1) ... بدور بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول عذولي والغرام مصاحبي ... أما لك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى ... فقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا ومنه مضمناً:
كم قلت لما أطلعت وجناته ... حول الشقيق الغض دوحة آس
__________
(1) الفوات: تخالهم.
(1/5)

لعذاره (1) الساري العجول بخده ... ما في وقوفك ساعة من باس ومنه:
لما بدا العارض في خده ... بثرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطر ... فجاءني فيه العذاب الأليم ومنه على ما قيل:
انظر إلى عارضه فوقه ... لحاظه ترسل منها الحتوف
تشاهد (2) الجنة في وجهه ... لكنها تحت ظلال السيوف ومنه:
ولما أن تفرقنا ... وحالت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو ... فما ظنك بالصبر ومنه:
وما سر قلبي منذ شطت بم النوى ... نعيم ولا لهو ولا متصرف
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدته ... سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفا ... وأي سرور يقتضيه التكلف ومنه:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكم ... من الصبابة ما لا قيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساً ... والبر من أدمعي ينشق بالسفن ومنه:
تمثلتم لي وبالبلاد (3) بعيدة ... فخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد والنوى ... فأوحشتم لفظاً وآنستم معنى
__________
(1) الفوات: أعذاره.
(2) الفوات: تعاين.
(3) الفوات: والديار.
(1/6)

وقال في ملاح أربعة يلقب أحدهم بالسيف:
ملاك بلدتنا بالحسن أربعة ... بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا منهج العشاق وافتتحوا ... بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا ومنه:
أي ليل على المحب أطاله ... سائق الظعن يوم زم جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المه ... مه عسفاً وسهوله ورماله
أيها السائق المجد ترفق ... بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهة وأرحها ... قد براها السرى وفرط الكلاله (1)
لا تطل سيرها العنيف فقد بر ... ح بالصب في سراها الإطاله
وتركتم وراءهم حلف وجد ... نادباً في محلكم أطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى ... ما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحال من المحيل جواب ... غير أن الوقوف فيها غلاله
هذه سنة المحبين يبكو ... ن على كل منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأد ... مع في ترب ساحتيك مذاله (2)
وتمشى النسيم وهو عليل ... في مغانيك ساحباً أذياله
أين عيش مضى لنا فيك ما أس ... رع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلق نضير ... والتصابي غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنس ... ليتنا في المنام نلقي مثاله
وبأرجاء جوك الرحب سرب ... كل عين تراه تهوى جماله
من فتاة بديعة الحسن ترنو ... من جفون لحاظها مغتاله
ورحيم الدلال حلو المعاني ... تتثنى أعطافه مختاله
ذي قوام تود كل غصون ال ... بان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمام ... وعذاراه حوله كالهاله
__________
(1) الفوات: فرط السرى والكلاله.
(2) الفوات: مساله.
(1/7)

ومن ذلك:
كأنني يوم بان الحي عن إضم ... والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلت لفقد الإلف ساجعة ... تبكي عليه اشتياقاً وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودة فعسى ... يفيق من نشوات الشوق مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ... فكل ذنب جناه الدهر مغفور وله في الدوبيت شيء كثير من أحسنه قوله:
في هامش خدك البديع القاني ... أسرار هوى لكل (1) صب عان
قد خرجها الباري فما أحسنها ... من حاشية بالقلم الريحاني وقوله:
روحي بك يا معذبي قد شقيت ... في جنب رضاك في الهوى ما لقيت
لا تعجل بالله عليها فعسى ... أن تدركها برحمة إن بقيت وقوله:
يا سعد عساك تطرق الحي عساك ... قصداً فإذا رأيت من حل هناك
قل صبك ما زال به الوجد إلى ... أن مات غراماً أحسن الله عزاك وكتب إليه السراج الوراق لغزاً في مئذنة:
يا إماماً له ضياء ذكاء ... يتلاشى له ضياء ذكاء
ما مسمى بالرفع يعرب والنص ... ب وإن كان مستقر البناء
علم مفرد فإن رفعوه ... رفعوه عمداً لأجل النداء
أنثوه ومنه قد عرف التذكي ... ر فانظر تناقض الأشياء
وهو ظرف فأين من فيه ظرف ... ليجلي من هذه العمياء فأجاب (2) :.
__________
(1) الفوات: تصحيح غرام كل.
(2) بياض في الأصل بقدر ثلاثة أسطر.
(1/8)

قال شمس الدين أحمد بن المنير في قاضي القضاة المذكور:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس الدي ... ن قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلا ثنت ظ ... لا وهذا مهما علا مد ظلا
(1/9)

تحقيق الكتاب
بين عامي 1835 و 1850، قام الأستاذ فردينند وستنفيلد بنشر كتاب ((وفيات الأعيان)) في اثني عشر جزءاً، وخصص الجزء الثالث عشر لاختلاف القراءات وللزيادات في النسخ المختلفة وللفهارس العامة. وقد اعتمد في طبعته هذه على النسخ الآتية:
1 - النسخة " أ ": وهي من مخطوطة بليدن نسخ القسم الأعظم منها لورسباخ من مخطوطة كان يملكها شولتز وأخيراً اشترتها مكتبة جوتنجن سنة 1917؛ وتتألف من ست مجلدات متوسطة الحجم من قطع الربع وفيها بعض صفحات خالية. وكان ما نسخه لورسباخ منها جيداً مساوياً مساوياً للأصل في دقته.
2 - النسخة " ب ": وهي من غوطا، وتشمل ما يقارب نصف الكتاب وتنتهي بترجمة أبي محمد عبد الملك بن هشام وتعد من اقدم المخطوطات إذ أنها كتبت بعد وفاة المؤلف باثنتى عشرة سنة إذ في آخرها: " كتب هذا الكتاب في مساء الأحد لثلاث بقين من جمادى الأول سنة 693، وكتبه العبد الفقير أبو الرحى ابن أبي الحسن بن يوسف ابن أبي الرحى بن سعيد الاسرائيلي بدمشق المحروسة عن اصل يملكه القاضي علاء الدين علي بن شمس الدين محمد بن غانم كاتب الديوان ". وهذه النسخة التي كان يملكها القاضي علاء الدين نسخت سنة 692 بخط تاج الدين معتوق بن سعد الاسعردي السميساطي وعلى النسخة تملكات مؤرخة آخرها سنة 1036، وعلى الصفحة الأولى منها ترجمة لابن خلكان مأخوذة من كتاب " تذكرة النبيه " لحسن بن حبيب الكلبي، وعلى هوامشها حواش وتعليقات لبعض العلماء تتفاوت في قيمتها.
3 - النسخة " ج ": وهي من برلين، كتبت بخط دقيق وجاءت في مجلد
(1/10)

واحد يشمل الكتاب كله وتاريخ نسخها سنة 1083، فهي حديثة نسبيا كما أن تراجمها كثيرا ما تكون موجزة.
4 - النسخة " د ": وهي من برلين أيضاً وتقع في أربعة أجزاء إلا أن الجزء الرابع فيها ناقص، وهي من أشد النسخ إسهابا في الترجمات ومن أكثرها عدد تراجم وكثيرا ما يختلف ترتيب التراجم فيها عن النسخ الأخرى وقد كتب الجزء الثاني منها سنة 1126هـ وفي آخر الجزء الثالث عبارة هامة يذكر فيها المؤلف أنه ترك القاهرة لأنه عين قاضيا بدمشق ولهذا توقف عن إتمام الكتاب.
5 - النسخة " هـ ": وهي مخطوطة أخرى من غوطا وتاريخ نسخها 1201.
وقد اختار الأستاذ وستنفيلد الاعتماد على نسخة " ب " لأنها أقدم النسخ وخاصة حين تتفق معها نسخة أخرى، ولم يكن يفارق قراءة " ب " إلا إذا اتفقت فيها النسخ الأخرى دونها، ويقول أن " ب " و " د " تتفقان كثيرا في القراءة بينما تتفق " أ " و " ج " في قراءة أخرى.
وبعد أن مضى شوطا في العمل، اعتمد على مخطوطات أخرى منها " ف "، التي تمثل نسخة لبعض أصدقاء المحقق نسخها بخطه عن أصل في باريس. ثم حصل على نسخة ثالثة من غوطا - رقم 417 - وهي قطعة ناقصة من أولها وآخرها إلا أنها قديمة جيدة الخط والقراءة وهي تكمل النسخة " ب "، ويقول أنه لم يستطع الحصول على جميع المخطوطة عند تحقيقه الكتاب وإنما قرأ معضمها وقيد الخلاف بينها وبين سائر المخطوطات.
ويبدو من هذا العرض أن طبعة وستنفيلد تمثل تلفيقا بين هذه المخطوطات العديدة في عدد التراجم لأنه ليست هناك نسخة من النسخ المذكورة قد استوفت ذلك العدد كاملاً. وقد انتهى عدد تراجم الكتاب في هذه الطبعة إلى 865 ترجمة، إلا أن بعضها لم يذكر منه إلا الاسم ولم يكتب المؤلف عنه شيئا من الخبر. ويبدو أن هذه العملية التلفيقية أمر لا معدا عنه لأن النسخ الخطية من الكتاب كثيرة جدا ولسنا نعلم أيها يمثل المرحلة الأولى في التأليف وأيها يمثل المرحلة الأخيرة وأيها هو الواقع بين المرحلتين؛ ولهذا آثرت إبقاء ما أختاره وستنفيلد على حاله واستأنست في مراجعة عمله بمخطوطتين:
(1/11)

1 - النسخة " م ": وهي نسخة المتحف البريطاني - رقم 1505 التكملة 607 - وتحتوي التراجم من أول الكتاب وحتى آخره حرف الميم، تشبه أن تكون مسودة أولية للمؤلف لأن تراجمها شديدة الإيجاز وهي تنقص عددا كبيرا من التراجم التي وردت في النسخ الاخرى.
2 - النسخة " ط ": وهي أيضا في المتحف البريطاني وتحمل رقم 608/12 وتمثل الجزء الرابع من كتاب " الوفيات " وقد كتب على الورقة الأولى منها: " هذا الجزء فيه التكملة التي ألحقها بحرف الياء رحمة الله تعالى على مصنفه ورضوانه " وهي تقع في 153 ورقة، وفي آخرها: " تم الجزء الرابع من وفيات الأعيان وبه يتم الكتاب ". وتاريخ نسخها الخامس عشر من شهر رمضان المعظم قدره سنة 991، والتراجم فيها لا تعتمد الإيجاز كما هي حال القطعة السابقة.
وقد جرى عملنا في تحقيق الجزئين الأولين بالاعتماد على طبعة وستنفيلد ونسخة " م "، ولهذا أثبت فروق القراءات بين النسخ في حواشي هذين الجزئين. ولما كانت نسخة " د " من أكثر النسخ زيادات، فقد أدرجت في المتن من زياداتها ما لا يخل بالسياق العام في التراجم، وأرجأت ما كان صورة أخرى فيها وجعلته ملحقا بآخر كل جزء. وتنتهي هذه الزيادات الملحقة التي أثبتها وستنفيلد في آخر الجزء الثاني. وأحيانا أشرت إلى بعض الزيادات التي وردت في " أ " و " ج " إذا كانت ذات أهمية واضحة. أما زيادات " ف " فإني لم أعتمدها في هذه الطبعة لأنه من التجوز أن تعد " ف " أصلا معتمدا.
وقد قدرت أن يجيء هذا الكتاب في سبعة أجزاء، وأن يكون الجزء الثامن خاصاً بالفهارس المفصلة، وأنا أتوقع أن يكون اعتمادي في الأجزاء الأخرى بعد الثاني على مخطوطات جديدة بالإضافة إلى المخطوطة " ط ". وعند الحصول على ما يسعف في تحقيق هذا الكتاب من مخطوطات جديدة، ستتم الإشارة إلى ذلك تباعا، وسيدرج في الجزء الثامن ترجمة تفصيلية للمؤلف ودراسة لكتاب " وفيات الأعيان " وإني لأرجو أن أوضح هنالك شيئا من طبيعتي التأليف المتدرج الذي جرى عليه المؤلف في كتابه هذا.
(1/12)

ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بوافر الشكر إلى كل من الصديقين العزيزين: الأستاذ الدكتور يوسف فإن أس على مساعدته في توضيح المقدمات اللاتينية التي كتبها وستنفيلد في مطالع الأجزاء الاثني عشر؛ والأستاذ الدكتور وليد عرفات الذي تفضل فأرسل إلي فلمين مصورين عن نسختي المتحف البريطاني. ويطيب لي أيضاً في إخراج هذا الكتاب أثناء تغيبي عن بيروت في رحلة علمية طويلة.
والله أسأل أن يعينني على إتمام الأجزاء الباقية منه بمنه وكرمه.
بيروت في 3 آب (أغسطس) 1968
إحسان عباس
(1/13)

بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الفقير إلى رحمة الله تعالى شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان، الشافعي، رحمه الله تعالى:
بعد حمد الله تفرد بالبقاء، وحكم على عباده بالموت والفناء، وكتب لكل نفس أجل لا تجاوزه عند الانقضا، وسوى فيه بين الشريف والمشروف والأقوياء والضعفاء، أحمده على سوائغ النعم وضوافي الآلاء، حمد معترف بالقصور عن إدراك أقل مراتب الثناء، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مخلص في جميع الآناء، راجٍ رحمة ربه في الإصباح والإمساء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الأنبياء، وأكرم الأصفياء، والداعي إلى سلوك المحجة البيضاء، صلى الله عليه وعلى آله السادة النجباء، صلاة دائمة بدوام الأرض والسماء، ورضي الله عن أزواجه وأصحابه البررة الأتقياء.
هذا مختصر في التاريخ، دعاني إلى جمعه أني كنت مولعاً بالاطلاع على أخبار المتقدمين من أولي النباهة وتواريخ (1) وفياتهم وموالدهم (2) ، ومن جمع منهم كل عصر فوقع لي منهم شيء حملني على الاستزادة وكثرة التتبع، فعمدة إلى مطالعة الكتب الموسومة بهذا الفن، وأخذت من أفواه الأئمة (3) المتقنين (4) له ما لم أجده في كتاب، ولم أزل على ذلك حتى حصل عندي منه مسودات
__________
(1) ب ج: وتاريخ.
(2) ج: ومواليدهم.
(3) أ: في المشايخ.
(4) في نسخة: المتقدمين.
(1/1)

كثيرة في سنين عديدة (1) ، وغلق على خاطري بعضه فصرت إذا احتجت إلى معاودة شيء منه لا أصل إليه إلا بعد التعب في استخراجه، لكونه غير مرتب، فاضطررت إلى ترتيبه، فرأيت على حروف المعجم أيسر منه على السنين، فعدلت إليه، والتزمت فيه تقديم من كان أول اسمه الهمزة، ثم من كان ثاني حرف من اسمه الهمزة أو ما هو أقرب إليها، على غيره، فقدمت إبراهيم على أحمد لأن الباء أقرب إلى الهمزة من الحاء، وكذلك فعلت إلى آخره، ليكون أسهل للتناول (2) ، وإن كان هذا (3) يفضي إلى تأخير المتقدم وتقديم المتأخر في العصر (4) وإدخال من ليس من الجنس بين المتجانسين، لكن هذه المصلحة أحوجت إليه (5) .
ولم أذكر في هذا المختصر أحداً من الصحابة رضوان الله عليهم، ولا من التابعين رضي الله عنهم، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثير من الناس إلى معرفة أحوالهم، وكذلك الخلفاء: ولم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب، لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم ونقلت عنهم، أو كانوا في زمني ولم أرهم، ليطلع على حالهم من يأتي بعدي.
ولم اقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء أو الملوك أو الأمراء أو الوزراء أو الشعراء، بل كل من له شهرة بين الناس ويقع السؤال عنه ذكرته وأتيت من أحواله بما وفقت عليه، مع الإيجاز كيلا يطول الكتاب، أثبت وفاته ومولده إن قدرت عليه، ورفعت نسبه على ما ظفرت به، وقيدت من الألفاظ ما لا يؤمن تصحيفه، وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمة أو نادرة أو شعر أو رسالة ليتفكه به متأمله ولا يراه مقصوراً على أسلوب واحد فيمليه، والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إذا كان مفنناً.
__________
(1) أ: كثيرة.
(2) هذه رواية أد، وفي النسخ الأخرى: إلى التناول.
(3) ب ج هـ: ذلك.
(4) د: في بعض العصر.
(5) د: تدعو إليه.
(1/2)

وبعد أن صار كذلك لم يكن بد من استفتاحه بخطبة وجيزة للتبرك بها؛ فنشأ من مجموع ذلك هذا الكتاب، وجعلته تذكرة لنفسي. وسميته كتاب " وفيات الأعيان، وأبناء أبناء الزمان، مما ثبت بالنقل أو السماع أو أثبته العيان " ليستدل على مضمون الكتاب بمجرد العنوان.
فمن وقف عليه من أهل الدراية بهذا الشأن ورأى فيه خللاً فهو المثاب في إصلاحه بعد التثبيت فيه، فإني بذلت (1) الجهد في التقاطه من مظان الصحة، ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به، بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه.
وكان ترتيبي له في شهور سنة أربع وخمسين وستمائة بالقاهرة المحروسة مع شواغل عائقة، وأحوال عن مثل هذا متضايقة، فليعذر الواقف عليه، وليعلم أن الحاجة المذكورة ألجأت إليه، لا أن النفس تحدثها الأماني من الانتظام في سلك المؤلفين بالمحال، ففي أمثالهم السائرة " لكل عمل رجال " ومن أين لي ذلك والبضاعة من هذا العلم قدر منزور، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، حرسنا الله تعالى من التردي في مهاوي الغواية، وجعل لنا من العرفان بأقدارنا أمنع وقاية، بمنه وكرمه، آمين.
__________
(1) ج: قد بذلت.
(1/3)

حرف الهمزة
(1/23)

فراغ
(1/24)

(1)
إبراهيم النخعي
أبو عمران، وأبو عمار، إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة (2) بن حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، الفقيه، الكوفي، النخعي؛ أحد الأئمة المشاهير، تابعي رأي عائشة رضي الله عنها ودخل عليها، ولم يثبت له منها سماع [وكان إبراهيم إذا طلبه إنسان لا يحب أن يلقاه خرجت الخادم فقالت اطلبه في المسجد؛ وقال آخر: كنا إذا خرجنا من عند إبراهيم يقول: إن سئلتم عني فقولوا لا ندري أين هو، فإنكم إذا خرجتم لا تدرون أين أكون] (3) . توفي سنة ست وقيل خمس وتسعين للهجرة، وله تسع وأربعون سنة، وقيل: ثمان وخمسون سنة، والأول أصح. ولما حضرته الوفاة (4) جزع جزعاً شديداً، فقيل له في ذلك، فقال: وأي خطر أعظم مما أنا فيه إنما أتوقع رسولاً يأتي علي من ربي إما بالجنة، وإما بالنار، والله لوددت أنها تلجلج في حلقي (5) إلى يوم القيامة.
وأمه مليكة بنت يزيد بن قيس النخعية، أخت الأسود بن يزيد النخعي، فهو خاله رضي الله عنه.
ونسبته إلى النخع - بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة - وهي قبيلة كبيرة من مذحج باليمن. واسم النخع جسر بن عمرو بن علة بن خالد ابن مالك بن أدد، وإنما قيل له النخع لأنه انتخع من قومه: أي بعد عنهم،
__________
(1) راجع في ترجمته ابن حبان: 101 وابن سعد 6: 270 - 284، وقال ابن سعد أجمعوا على أنه توفي سنة 96، وروى أنه نيف على خمسين سنة.
(2) د: ابن ذهل بن ربيعة.
(3) ما بين معقفين في كل موضع زيادة من نسخة د، إلا أن يذكر غير ذلك.
(4) د: ولما اختصر.
(5) أد: في صدري.
(1/25)

وخرج منهم خلق كثير، وقيل في نسبه غير هذا، هذا هو الصحيح، نقلته من جمهرة النسب لابن الكلبي.
2 - (1)
أبو ثور صاحب الشافعي
أبو ثور إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي الفقيه البغدادي صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه وناقل الأقوال القديمة عنه؛ وكان أحد الفقهاء الأعلام والثقات المأمونين في الدين، له الكتب المصنفة في الأحكام جمع فيها بين الحديث والفقه، وكان أول اشتغاله بمذهب أهل الرأي، حتى (2) قدم الشافعي العراق فاختلف إليه واتبعه ورفض مذهبه الأول، ولم يزل على ذلك إلى أن توفي لثلاث بقين من صفر سنة ست وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب الكناس (3) ، رحمه الله تعالى. وقال أحمد بن حنبل: هو عندي في مسلاخ سفيان الثوري، أعرفه بالسنة منذ خمسين سنة.
3 - (4)
أبو إسحاق المروزي
أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن إسحاق المروزي الفقيه الشافعي؛ إمام
__________
(1) انظر طبقات السبكي 1: 227 وتاريخ بغداد 6: 65.
(2) د: إلى أن.
(3) د: الكماس، والصواب ما أثبت في المتن.
(4) تاريخ بغداد 6: 11.
(1/26)

عصره في الفتوى والتدريس، أخذ الفقه عن أبي العباس بن سريج وبرع فيه، وانتهت إليه الرياسة بالعراق بعد ابن سريج، وصنف كتباً كثيرة، وشرح مختصر المزني، وأقام ببغداد دهراً طويلاً يدرس ويفتي، وأنجب من أصحابه خلق كثير، وإليه ينسب درب المروزي ببغداد الذي في قطيعة الربيع (1) . ثم ارتحل إلى مصر في أواخر عمره فأدركه أجله بها فتوفي لتسع خلون من رجب سنة أربعين وثلثمائة، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي، رضي الله عنه؛ وقيل: إنه توفي بعد العتمة (2) من ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب من السنة المذكورة وذكره الخطيب في تاريخه.
والمروزي - بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها زاء معجمة - نسبة إلى مرو الشاهجان، وهي إحدى كراسي خراسان أربع مدن: هذه، ونيسابور، وهراة وبلخ. إنما قيل لها مروالشاهجان لتتميز عن مرو الروذ، والشاهجان: لفظ عجمي، تفسيره روح الملك، فالشاه: الملك، والجان: الروح، وعادتهم أن يقدموا ذكر المضاف إليه على المضاف، ومرو هذه بناها الإسكندر ذو القرنين، وهي سرير الملك بخراسان، وزادوا في النسبة إليها زاء كما قالوا في النسبة إلى الري: رازي، وإلى إصطخر: إصطخرزي، على إحدى النسبتين، إلا أن هذه الزيادة تختص ببني آدم عند أكثر أهل العلم بالنسب، ماعدا ذلك لا يزاد فيه الزاء، فيقال: فلان المروزي والثوب وغيره من المتاع مروي - بسكون الراء - وقيل: إنه يقال في الجميع بزيادة الزاء، ولا فرق بينهما، وهو من باب تغيير النسب، وسيأتي في ترجمة القاضي أبي حامد أحمد بن عامر المروروذي الفقيه الشافعي بقية الكلام على هذين البلدين، إن شاء الله تعالى.
__________
(1) أ: قصبة الربيع؛ والصواب ما أثبت.
(2) أب: بعد عتمة.
(1/27)

4 - (1)
الأستاذ الإسفرايني
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفرايني الملقب بركن الدين، الفقيه الشافعي المتكلم الأصولي؛ ذكره الحاكم أبو عبد الله، وقال: أخذ عن الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور، وأقر له بالعلم أهل العراق، وخراسان، وله التصانيف الجليلة، منها: كتابه الكبير الذي سماه جامع الحلى في أصول الدين والرد على الملحدين رأيته في خمسة مجلدات، وغير ذلك من المصنفات، وأخذ عنه القاضي أبو الطيب الطبري أصول الفقه بإسفراين (2) وبنيت له المدرسة المشهورة بنيسابور، وذكره أبو الحسن عبد الغافر الفارسي، في سياق تاريخ نيسابور، فقال في حقه: أحد من بلغ حد الاجتهاد من العلماء لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة، وكان طراز ناحية الشرق، وكان يقول: أشتهي أن أموت بنيسابور حتى يصلي علي جميع أهل نيسابور فتوفي بها يوم عاشوراء، سنة ثماني عشرة وأربعمائة، ثم نقلوه إلى إسفراين، ودفن في مشهده، رحمة الله تعالى. واختلف إلى مجلسه أبو القاسم القشيري، وأكثر الحافظ أبو بكر البيهقي الرواية عنه في تصانيفه وغيره من المصنفين، رحمهم الله أجمعين، وسمع بخراسان أبا بكر الإسماعيلي، وبالعراق أبا محمد دعلج بن أحمد السجزي وأقرانهما، وسيأتي الكلام على إسفراين في ترجمة الشيخ أبي أحمد بن محمد الإسفرايني.
__________
(1) ترجمته في طبقات السبكي 3: 111 والقطعة الثانية من The Histories of Nishapur الورقة: 35.
(2) ب هـ: بإسرافين.
(1/28)

5 - (1)
أبو اسحاق الشيرازي
الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف، الشيرازي، الفيروزأبادي الملقب جمال الدين؛ سكن بغداد، وتفقه على جماعة من الأعيان منهم أبو أحمد عبد الوهاب بن محمد بن أمين وأبو عبد الله محمد بن عبد الله البيضاوي وأبو القاسم منصور بن عمر الكرخي وغيرهم وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيراً، وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيداً في حلقته، وصار إمام وقته ببغداد، ولما بنى نظام الملك مدرسته ببغداد، ساله أن يتولاها، فلم يفعل، فولاها لأبي نصر ابن الصباغ صاحب الشامل مدة يسيرة، ثم أجاب إلى ذلك فتولاها، ولم يزل بها إلى أن مات، وقد بسطت القول في ذلك في ترجمة الشيخ أبي نصر عبد السيد بن الصباغ، صاحب الشامل، فليطلب منه. وسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الحافظ وأبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزار وأبي الفرج محمد بن عبد الله الخرجوشي الشيرازى وغيرهم. وصنف التصانيف المباركة المفيدة، منها: المهذب في المذهب، والتنبيه في الفقه، واللمع وشرحها في أصول الفقه، والنكت في الخلاف، والتبصرة، والمعونة، والتلخيص (2) ، في الجدل، وغير ذلك، وانتفع به خلق كثير.
وله الشعر الحسن، فمنه:
سألت الناس عن خلٍ وفيٍ ... فقالوا ما إلى هذا سبيل
تمسك إن ظفرت (3) بذيل (4) حر ... فإن الحر في الدنيا قليل
__________
(1) طبقات السبكي 3: 89 - 111.
(2) السبكي: الملخص.
(3) أ: إن قدرت.
(4) السبكي: برد.
(1/29)

وقال الشيخ أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى: كان ببغداد شاعراً مفلق، يقال له عاصم، فقال يمدح الشيخ أبا إسحاق قدس الله سره (1) :
تراه من الذكاء نحيف جسمٍ ... عليه من توقده دليل
إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضره (2) الجسم النحيل وكان في غاية من الورع والتشدد (3) في الدين، ومحاسنه أكثر من أن تحصر.
ولد في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بفيروزاباذ، وتوفي ليلة الأحد، الحادي والعشرين من جمادى الآخرة، قاله السمعاني في الذيل، وقيل: في جمادى الأولى، قاله السمعاني أيضا، سنة ست وسبعين وأربعمائة، ببغداد، ودفن من الغد بباب أبرز (4) ، رحمة الله.
ورثاه أبو القاسم ابن ناقياء، واسمه عبد الله، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، بقوله:
أجرى المدامع بالدم المهراق ... خطب أقام قيامة الآماق
ما لليالي لا تؤلف شملها (5) ... بعد ابن بجدتها أبي إسحاق
إن قيل مات فلم يمت من ذكره ... حي على مر الليالي باقي وذكره محب الدين النجار في تاريخ بغداد، فقال في حقه: إمام أصحاب الشافعي، ومن انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد، وأكثر علماء الأمصار (6) من تلامذته. ولد بفير وزاباذ، بلدة بفارس، ونشأ بها، ودخل شيراز، وقرأ بها الفقه على أبي عبد الله البيضاوي، وعلى أبي أحمد
__________
(1) هـ: روحه.
(2) ج: يضيره.
(3) هـ: والتشديد.
(4) في الأصول: أبرز.
(5) ج: شملنا.
(6) أ: العلماء.
(1/30)

عبد الوهاب بن رامين، ثم دخل البصرة وقرأ على الحوزي، ودخل بغداد في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة وقرأ على أبي الطيب الطبري، ومولده في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة.
وقال أبو عبد الله الحميدي: سألته عن مولده، فذكر دلائل دلت علىسنة ست وتسعين، قال: ورحلت (1) في طلب العلم إلى شيراز، في سنة عشر وأربعمائة، وقيل: إن مولده في سنة خمس وتسعين، والله أعلم.
وجلس أصحابه للعزاء بالمدرسة النظامية، ولما انقضى العزاء رتب مؤيد الملك بن نظام الملك أبا سعد (2) المتولي مكانه، ولما بلغ الخبر نظام الملك كتب بإنكار ذلك، وقال: كان من الواجب أن تغلق المدرسة سنة لأجله، وزرى على من تولى موضعه، وأمرأن يدرس الشيخ أبو نصر عبد السيد بن الصباغ في مكانه، رحمهم الله تعالى.
وفير وزاباذ - بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحت وضم الراء المهملة وبعد الواو الساكنة زاء مفتوحة معجمة وبعد الألف باء موحدة وبعدالألف ذال معجمه - بلدة بفارس، ويقال: هي مدينة جور، قاله الحافظ أبو سعد ابن السمعاني في كتابه الأنساب (3) ، وقال غيره: هي بفتح الفاء، والله أعلم.
6 - (4)
ابراهيم بن أدهم
[أبوإسحاق إبراهيم بن منصور بن زيد بن جابر العجلي ويقال التميمي؛ أصله
__________
(1) ج د هـ: ودخلت.
(2) هـ: سعيد.
(3) انظر اللباب 2: 232.
(4) ترجمة إبراهيم بن أدهم في تهذيب ابن عساكر 2: 167 وكتاب التوابين: 149 وحلية الأولياء 7: 367، 8: 3 والبداية والنهاية 10: 135 وشرح المقامات 2: 82 والعبر 1: 238 والوافي 5: رقم 2390 وطبقات السلمي: 13؛ وقد انفردت النسختان ج د بالترجمة التي أثبتناها هنا.
(1/31)

من بلخ وكان من أولاد الملوك، روى عن جماعة من التابعين كأبي إسحاق السبيعي وأبي حازم وقتادة ومالك بن دينار والأعمش وأبان (1) ، واشتغل بالزهد عن الرواية وكان يكون بالكوفة ثم بالشام؛ مر به يوماً بريد وهو ينطر كرماً فقال: ناولني من هذا العنب، فقال: ما أذن لي صاحبه، فقلب السوط وجعل يقنع رأسه، فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأساً طال ما قد عصىالله، قال: فانخذل ومضى.
وقال شقيق البلخي: قال لي إبراهيم أخبرني عما أنت عليه، فقلت: إذا رزقت أكلت وإذا منعت صبرت، قال: هكذا تعمل كلاب بلخ عندنا (2) . قلت له: فكيف (3) تعمل أنت قال: إذا رزقت آثرت وإذا منعت شكرت.
وكان إبراهيم في البحر وهبت ريح (4) واضطربت السفن وبكى الناس فقيل لبعضهم (5) : هذا إبراهيم بن أدهم لو سألته أن يدعو الله، وكان (6) قائما في ناحية من السفينة ملفوف رأسه، فدنا إليه وقال: يا أبا إسحاق، ماترى ما فيه الناس فرفع رأسه وقال: اللهم قد أريتنا قدرتك فأرنا رحمتك، فهدأت السفن.
قال رجل لبشر بن الحارث: إني أحب أن أسلك طريق إبراهيم بن أدهم، قال: لا تقوى، قال: ولم قال: لأن إبراهيم بن أدهم عمل ولم يقل وأنت قلت ولم تعمل.
قال أبو سليمان الداراني: صلى إبراهيم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد، وتوفي سنة140في الجزيرة وحمل إلى صور فدفن هناك، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته، إنه على مايشاء قدير] .
__________
(1) وأبان: زيادة من د وحدها.
(2) عندنا: زيادة من د.
(3) ج: كيف.
(4) د: الريح.
(5) د: فقال بعضهم.
(6) د: قال وكان.
(1/32)

7 - (1)
العراقي الخطيب
أبو إسحاق إبراهيم بن منصور بن المسلم، الفقيه الشافعي المصري المعروف بالعراقي، الخطيب بجامع مصر؛ كان فقيهاً فاضلاً، وشرح كتاب المهذب، تصنيف الشيخ أبي إسحاق الشيرازي - رحمة الله تعالى - في عشرة أجزاء شرحاً جيداً، ولم يكن من العراق، وإنما سافر إلى بغداد، واشتغل بها مدة، فنسب إليها لإقامته بها تلك المدة، وعاد إلى مصر وتولى الخطابة بجامعها العتيق والإمامة به والتصدر، ولم يزل على الخطابة والإمامة به والإفادة إلى حين وفاته ومضى على سداد وأمر جميل. قرأ ببغداد الفقه على أبي بكر محمد بن الحسين الأرموي، وكان من أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعلى أبي الحسن محمد بن المبارك بن الخل البغدادي، وتفقه ببلده على القاضي أبي المعالي مجلي بن جميع الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وكان في بغداد يعرف بالمصري، فلما رجع إلى مصر قيل له: العراقي، والله أعلم.
وقد روي عن الخطيب أبي إسحاق المذكور أنه كان يقول: أنشدني شيخنا ابن الخل المذكور ببغداد، ولم يسم قائلاً:
في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير
تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن ذممت تقل قيء الزنابير
مدحاً وذماً وما جاوزت وصفهما ... حسن البيان يري الظلماء كالنور وكانت ولادته بمصر، سنة عشر وخمسمائة، وتوفي يوم الخميس الحادي والعشرين من جمادى الأولى، سنة ست وتسعين وخمسمائة بمصر، ودفن بسفح المقطم، رحمة الله تعالى.
__________
(1) طبقات السبكي 4: 201.
(1/33)

والمسلم: بضم الميم وتشديد اللام.
(1) وكان له ولد فاضل، نبيل القدر، اسمه أبو محمد عبد الحكم (1) ، ولي الخطابة بجامع مصر بعد وفاة والده، وكانت له خطب جيدة، وشعر لطيف.
فمن شعره في العماد ابن جبريل، المعروف بابن أخي العلم - وكان صاحب ديوان بيت المال بمصر، وكان قد وقع فانكسرت يده - قوله:
إن العماد بن جبريل أخي علمٍ ... له يد أصبحت مذمومة الأُثر
تأخر القطع عنها وهي سارقة ... فجاءها الكسر يستقصي عن الخبر وله غير ذلك أشعار نادرة، ثم وجدت هذين البيتين في ديوان جعفر بن شمس الخلافة الآتي ذكره؛ والله أعلم.
ومن شعر عبد الحكم المذكور في رجل وجب عليه القتل، فرماه المستوفي للقصاص بسهم فأصاب كبده فقتله، فقال عبد الحكم (2) :
أخرجت من كبد القوس ابنها فغدت ... تئن والأم قد تحنو على الولد
وما درت أنه لما رميت به ... ما سار من كبد إلا إلى كبد قلت: البيت الأول من هذين البيتين مأخوذ من قول بعض المغاربة:
لا غرو من جزعي لبينهم ... يوم النوى وأنا أخوالهم
فالقوس من خشب تئن إذا ... ما كلفوها فرقة السهم والبيت الثاني مأخوذ من قول الفقيه عمارة اليمني، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، في قصيدته الميمية التي ذكرتها هناك، وقد قدم من مكة - شرفها الله تعالى - إلى الديار المصرية، وامتدح بها مليكها يومئذ، - وهو الفائز عيسى بن الظافر العبيدي، ووزيره الصالح طلائع بن رزيك، وكلاهما مذكوران في هذا التاريخ، فقال من جملة القصيدة، يمدح العيس التي حملته إلى مصر:
__________
(1) ترجمة عبد الحكم في المغرب (قسم مصر) : 257 وانظر حسن المحاضرة 1: 229.
(2) البيتان في المغرب.
(1/34)

ورحن من كعبة البطحاء والحرم ... وفداً إلى كعبة المعروف والكرم
فهل درى البيت أني بعد فرقته ... ما سرت من حرم إلا إلى حرم ومن شعر عبد الحكم أيضا:
قامت تطالبني بلؤلؤ نحرها ... لما رأت عيني تجود بدرها
وتبسمت عجباً فقلت لصاحبي ... هذا الذي اتهمت به في ثغرها قلت: وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي الحسن علي بن عطية المعروف بابن الزقاق الأندلسي البلنسي (1) :
وشادن (2) طاف بالكؤوس ضحىً ... فحثها والصباح قد وضحا
والروض يبدي لنا شقائقه (3) ... وآسه العنبري قد نفحا
قلت: وأين الأقاح قال لنا: ... أودعته ثغر من سقى القدحا
فظل ساقي المدآم يجحد ما ... قال، فلما تبسم افتضحا وكان الوزير صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي المعروف بابن شكر وزيرالملك العادل بن أيوب بمصر، قد عزل عبد الحكم المذكور عن خطابة جامع مصر، فكتب إليه (4) :
فلأي بابٍ غير بابك أرجع ... وبأي جود غير جودك أطمع
سدت علي مسالكي ومذاهبي ... إلا إليك فدلني ما أصنع
فكأنما الأبواب بابك وحده ... وكأنما أنت الخليقة أجمع قلت: والبيت الأخير مأخوذ من قول السلامي الشاعر المشهور، وهو:
فبشرت آمالي بملكٍ هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر (5)
__________
(1) ديوانه: 124 والوافي: 134 والشريشي 2: 13 والمغرب 2: 324.
(2) الديوان: وأغيد.
(3) أ: حدائقه.
(4) المغرب: 258.
(5)
قبل البيت: إليك طوى عرض البسيطة جاعلا ... قصارى المطايا أن يلوح له القصر
(1/35)

وسيأتي ذكرها في ترجمة عضد الدولة بن بويه في حرف الفاء، إن شاء الله تعالى.
[ولعبد الحكم المذكور يستجلي زوجته:
سترت وجهها بكف عليه ... شبك النقش وهي تجلى عروسا
قلت لم يغن عنك سترك شيئاً ... ومتى غطت الشباك الشموسا وله أيضاً:
ومأدبة بتنا بها في لذاذة ... يخيل لي أنا على الماء نوم
فمن فوقنا الأفلاك والفلك تحتنا ... ففي تلك أقمار وفي تيك أنجم وله أيضاً:
على مهل ففي الأحوال ريث ... أتخشى أن تضام وأنت ليث
بمصر إن أقمت فأنت نيل ... وإن سرت الشآم فأنت غيث] وكانت ولادته ليلة الأحد تاسع عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وخمسمائة.
وتوفي سحرة الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة، بمصر، ودفن من الغد بسفح المقطم، رحمة الله تعالى عليه.
وأنشدني ولده شيئاً كثيراً من شعره، وطريقته فيه لطيفة.
(2) وأما العماد المذكور فهو أبو عبد الله محمد بن أبي الأمانة جبريل بن المغيرة بن سلطان بن نعمة، وكان فاضلاً مشهوراً بكثرة الأمانة فيما يتولاه، وتقلب في الخدم الديوانية بمصر والإسكندرية، وكانت ولادته سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وتوفي في خامس شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة بالقاهرة، رحمة الله تعالى.
(1/36)

8 - ابن عسكر الموصلي
أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر، الملقب ظهير الدين، قاضي السلامية، الفقيه الشافعي الموصلي؛ ذكره ابن الدبيثي (1) في تاريخه، فقال: أبو إسحاق من أهل الموصل، تفقه على القاضي أبي عبد الله الحسين بن نصر بن خميس الموصلي، بالموصل، وسمع منه، قدم بغداد وسمع بها من جماعة، وعاد إلى بلده، وتولى قضاء السلامية إحدى قرى الموصل، وروى بإربل عن أبي البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري النحوي شيئاً من مصنفاته. سمع منه ببغداد، وسمع منه جماعة من أهلها. انتهى كلامه.
وكان فقيهاً فاضلاً أصله من العراق من السندية، تفقه بالمدرسة النظامية ببغداد وسمع الحديث ورواه. وتولى القضاء بالسلامية - وهي بلدة بأعمال الموصل - وطالت مدته بها. وغلب عليه النظم، ونظمه رائق. فمن شعره:
لا تنسبوني يا ثقاتي إلى ... غدر فليس الغدر من شيمتي
أقسمت بالذاهب من عيشنا ... وبالمسرات التي ولت
أني على عهدكم لم أحل ... وعقدة الميثاق ما حلت ومن شعره أيضا:
جود الكريم إذا ما كان عن عدة ... وقد تأخر لم يسلم من الكدر
إن السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعاً إذا هي لم تمطر على الأثر
وما طل الوعد مذموم وإن سمحت ... يداه من بعد طول المطل (2) بالبدر
__________
(1) ج هـ: الذهبي؛ ولم ترد ترجمته في مختصر الدبيثي.
(2) أ: الوعد.
(1/37)

يا دوحة الجود لا عتب (1) على رجل ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر وكان بالبوازيج - وهي بليدة بالقرب من السلامية - زواية لجماعة من الفقراء اسم شيخهم مكي، فعمل فيهم:
ألا قل لمكي قول النصوح ... فحق النصيحة أن تستمع
متى سمع الناس في دينهم ... بأن الغنا سنة تتبع
وأن يأكل المرء أكل البعير ... ويرقص في الجمع حتى يقع
ولو كان طاوي الحشا جائعا ... لما دار من طرب واستمع
وقالوا سكرنا بحب الإله ... وما أسكر القوم إلا القصع
كذاك الحمير إذا أخصبت ... ينقزها ريها والشبع ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل، وأثنى عليه، وأورد له مقاطيع عديدة ومكاتبات جرت بينهما. وذكره العماد الكاتب في الخريد فقال: شاب فاضل، ومن شعره قوله:
أقول له صلني فيصرف وجهه ... كأني أدعوه لفعل محرم
فإن كان خوف الإثم يكره وصلتي ... فمن أعظم الآثام قتلة مسلم توفي يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر سنة عشر وستمائة بالسلامية، رحمه الله تعالى.
وكان له ولد اجتمعت به في حلب، وأنشدني من شعره وشعرأبيه كثيراً، وكان شعره جيداً، ويقع له المعاني الحسنة.
والسلامية: بفتح السين المهملة وتشديد اللام وبعد الميم ياء مثناة من تحتها ثم هاء، وهي بليدة على شط الموصل من الجانب الشرقي أسفل الموصل، بينهما مسافة يوم، فالموصل في الجانب الغربي. وقد خربت السلامية القديمة التي كان الظهير قاضيها، وأنشئت بالقرب منها بليدة أخرى وسموها السلامية أيضا.
__________
(1) أ: لا عمت.
(1/38)

9 - (1)
إبراهيم بن المهدي
أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي بن المنصور أبي جعفر بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أخو هارون الرشيد؛ كانت له اليد الطولى في الغناء والضرب بالملاهي وحسن المنادمة، وكان أسود اللون لأن أمه كانت جارية سوداء، واسمها شكلة - بفتح الشين المعجمة وكسرها، وسكون الكاف، وبعد اللام هاء - وكان مع سواده عظيم الجثة، ولهذا قيل له التنين، وكان وافر الفضل (2) ، غزير الأدب، واسع النفس، سخي الكف، ولم ير في أولاد الخلفاء قبله أفصح منه لساناً، ولا أحسن منه شعراً، بويع له بالخلافة ببغداد (3) بعد المائتين (4) والمأمون يومئذ بخراسان، وقصته مشهورة، وأقام خليفة بها مقدار سنتين، وذكر الطبري في تاريخه أن أيام إبراهيم بن المهدي كانت سنة واحد عشر شهراً واثني عشر يوماً.
وكان سبب خلع المأمون وبيعة إبراهيم بن المهدي أن المأمون لما كان بخراسان جعل ولي عهده علي بن موسى الرضا الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى، فشق ذلك على العباسيين ببغداد خوفاً من انتقال الأمر عنهم إلى العلويين فبايعوا إبراهيم بن المهدي المذكور، وهوعم المأمون، ولقبوه المبارك. وقيل سموه المرضي، وكانت مبايعته يوم الثلاثاء لخمس بقين من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين ببغداد، بايعه العباسيون في الباطن ثم بايعه أهل بغداد في أول يوم من المحرم سنة اثنتين ومائتين، وخلعوا المأمون، فلما كان يوم الجمعة
__________
(1) أخباره في كتب التاريخ، انظر مثلاً الطبري (حوادث 201) والأغاني 10: 72 والورقة: 19 وأشعار أولاد الخلفاء: 17 - 49.
(2) د: العقل.
(3) ج د: سنة 202.
(4) أج هـ: بعد الأمين.
(1/39)

لخمس خلون من المحرم أظهروا ذلك، وصعد إبراهيم المنبر، وكان المأمون لما بايع علي بن موسى الرضا بولاية العهد أمر الناس بترك لباس السواد الذي هو شعار بني العباس، وأمرهم بلباس الخضرة، فعز ذلك على بني العباس أيضاً، وكان من جملة الأسباب التي نقموها على المأمون، ثم أعاد لبس السواد يوم الخميس لليلة بقيت من ذي القعدة سنة سبع ومائتين لسبب اقتضى ذلك، ذكره الطبري في تاريخه فلما توجه المأمون من خراسان إلى بغداد خاف إبراهيم على نفسه، فاستخفى، وكان استخفاؤه ليلة الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، وذلك بعد أمور يطول شرحها، ولايحتمل هذا المختصر ذكرها، ثم دخل المأمون بغداد يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربع ومائتين، ولما استخفى إبراهيم عمل فيه دعبل الخزاعي:
نعر (1) ابن شكلة بالعراق وأهله ... فهفا إليه كل أطلس مائق
إن كان، إبراهيم مضطلعاً بها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق
أنى يكون وليس ذاك بكائن ... يرث الخلافة فاسق عن فاسق ومخارق: بضم الميم وفتح الخاء المعجمة، وزلزل: بضم الزاءين المعجمتين، والمارق: هؤلاء الثلاثة كانوا مغنين في ذلك العصر.
وأخبار إبراهيم طويلة شهيرة.
وقال إبراهيم: قال لي المأمون، وقد دخلت عليه بعد العفو عني: أنت الخليفة الأسود، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا الذي مننت عليه بالعفو، وقد قال عبد بني الحسحاس (2) :
أشعار عبد بني الحسحاس قمن له ... عند الفخار مقام الأصل والورق
إن كنت عبداً فنفسي حرة كرما ... أو أسود الخلق إني أبيض الخلق
__________
(1) هـ: نفر.
(2) ديوانه: 55.
(1/40)

فقال لي: يا عم أخرجك الهزل إلى الجد، وأنشد يقول:
ليس يزرى السواد بالرجل الشه ... م ولا بالفتى الأديب الأريب
إن يكن لسواد فيك نصيب ... فبياض الأخلاق منك نصيبي قلت: وقد نظم بعض المتأخرين، وهو الأعز وأبو الفتوح نصر الله بن قلاقس الإسكندري - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون - هذا المعنى وزاد فيه وأحسن كل الإحسان، وهو قوله (1) :
رب سوداء وهي بيضاء فعل ... حسد المسك عندها الكافور
مثل حب العيون يحسبه النا ... س سواداً وإنما هو نور وجلس (2) المعتصم يوماً - وقد تولى الخلافة بعد المأمون - وعن يمينه العباس بن المأمون، وعن يساره إبراهيم بن المهدي، فجعل إبراهيم يقلب خاتماً في يده، فقال له العباس: يا عم ما هذا الخاتم فقال: خاتم رهنته في أيام أبيك فما فككته إلا في أيام أمير المؤمنين، فقال له العباس: والله لئن لم تشكر أبي على حقن دمك مع عظيم جرمك لا تشكر أمير المؤمنين على فك خاتمك، فأفحمه.
وهذا إبراهيم في حديثه طول كثير (2) أورده أرباب التواريخ في كتبهم، لكن اختصرته، ونبهت على المقصود منه، وقد استوفى الطبرى وغيره الكلام فيه.
ولما ظفر المأمون بإبراهيم شاور فيه أحمد بن أبي خلد الأحول الوزير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن قتلته فلك نظراء، وإن عفوت عنه فما لك نظير.
وكانت ولادته غرة ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائة، وتوفي يوم الجمعة لتسع خلون من شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومائتين بسر من رأى، وصلى عليه ابن أخيه المعتصم، رحمه الله تعالى.
وسر من رأى فيها ست لغات حكاها الجوهري في كتاب الصحاح في فصل
__________
(1) ليسا في ديوانه المطبوع.
(2) د: وأخبار إبراهيم بن المهدي طويلة.
(1/41)

رأى، وهن: سر من رأى - بضم السين المهملة وفتحها - وسر من راء - بضم السين وفتحها وتقديم الألف على الهمزة في اللغتين - وساء من رأى، وسامرا، واستعمله البحتري ممدوداً في قوله:
ونصبته علماً بسامراء ... ولا أعلم هل هي لغة شائعة أو استعمله كذلك ضرورة.
وسر من رأى: مدينة بالعراق، بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين وفيها السرداب الذي ينتظر الإمامية خروج الإمام منه، وسيأتي ذكره في حرف الميم في المحمدين إن شاء الله تعالى.
10 - (1)
ابراهيم النديم الموصلي
أبو إسحاق إبراهيم بن ماهان - ويقال له أيضا: ميمون - بن بهمن بن نسك، التميمي بالولاء، الأرجاني، المعروف بالنديم، الموصلي: ولم يكن من الموصل، وإنما سافر إليها وأقام بها مدة، فنسب إليها، هكذا ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتاب " الأغاني ".
وهو من بيت كبير في العجم. وانتقل والده ماهان إلى الكوفة وأقام بها. وأول خليفة سمعه المهدي بن المنصور، ولم يكن في زمانه مثله في الغناء واختراع الألحان وكان إذا غنى إبراهيم، وضرب له منصور المعروف بزلزل، اهتزلهما المجلس، وكان إبراهيم زوج أخت زلزل المذكور، وأخباره ومجالسه مشهورة.
وحكي أن هارون الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا
__________
(1) انظر الأغاني 5: 142.
(1/42)

مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئا، فعمل (1) :
راجع أحبتك الذين هجرتهم ... إن المتيم قلما يتجنب
إن التجنب إن تطاول منكما ... دب السلو له فعز المطلب وأمر إبراهيم الموصلي فغنى به الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك، فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافئهما، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.
وكان هارون قد حبس إبراهيم في المطبق، فأخبر سلم الخاسر أبا العتاهية بذلك، فأنشده (2) :
سلم يا سلم ليس دونك سر ... حبس الموصلي فالعيش مر
ما استطاب اللذات مذ غاب في المط ... بق رأس اللذات في الناس حر
ترك الموصلي من خلق الله ... جمعا وعيشهم مقشعر
حبس اللهو والسرور فما في ال ... أرض شيء يلهى به ويسر ولد إبراهيم المذكور بالكوفة سنة خمس وعشرين ومائة، وتوفي ببغداد سنة ثمان وثمانين ومائة بعلة القولنج، وقيل: سنة ثلاث عشرة ومائتين، والأول أصح، رحمة الله تعالى. وفي ترجمة العباس بن الأحنف خبر وفاته أيضاً فلينظر فيها، وقيل: مات إبراهيم الموصلي وأبو العتاهية الشاعر وأبو عمرو الشيباني النحوي في سنة ثلاث عشرة ومائتين في يوم واحد ببغداد، وإن أباه مات وهوصغير فكفله بنو تميم وربوه، ونشأ فيهم فنسب إليهم، والله أعلم.
وسيأتي ذكر ولده إسحاق.
وأرجان: بتشديد الراء المهملة، حكاه الجوهري والحازمي، وهي مذكرة في ترجمة أحمد الأرجاني.
__________
(1) ديوانه العباس: 28 وقبلهما بيتان، والزهرة 1: 58 والنجوم الزاهرة 2: 126، وهما أيضاً في الأغاني.
(2) ديوان أبي العتاهية: 535 والقطعة أيضاً في الأغاني.
(1/43)

11 - (1)
إبراهيم الصولي
إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول تكين الصولي، الشاعر المشهور؛ كان أحد الشعراء المجيدين، وله ديوان شعر كله نخب، وهو صغير، ومن رقيق شعره:
دنت بأناس عن تناءٍ زيارة ... وشط بليلى عن دنو مزارها (2)
وإن مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها وله نثر بديع، فمن ذلك ما كتبه (3) عن أمير المؤمنين، إلى بعض البغاة الخارجين يتهددهم ويتوعدهم، وهو أما بعد، فإن لأمير المؤمنين أناة، فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه، والسلام وهذا الكلام مع وجازته في غاية الإبداع، فإنه ينشأ منه بيت شعر له أوله:
أناة فإن لم تغن عقب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه وكان يقول: ما اتكلت في مكاتبتي قط إلا على ما يجلبه خاطري ويجيش به صدري، إلا قولي: وصار ما يحرزهم يبرزهم، وما كان يعقلهم يعتقلهم، وقولي في رسالة أخرى: " فأنزلوه من معقل إلى عقال، وبدلوه آجالاً من آمال " فإني ألممت بقولي " آجالا من آمال " بقول مسلم بن الوليد الأنصاري، المعروف بصريع الغواني، وهو (4) :
__________
(1) ترجمة إبراهيم الصولي في معجم الأدباء 1: 164 وتاريخ بغداد 6: 117 والأغاني 10: 42 واعتاب الكتاب: 146، وله ديوان نشره العلامة الميمني في الطرائف الأدبية 126 - 194.
(2) ديوانه: 145.
(3) د: كتب به.
(4) ديوان مسلم: 9.
(1/44)

موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل (1) وفي المعقل والعقال بقول أبي تمام (2) :
فإن باشر الإصحار فالبيض والقنا ... قراه، وأحواض المنايا مناهله (3)
وإن يبن حيطانا عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله (4)
وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... عليه فإن الخوف لاشك قاتله وهو ابن أخت العباس بن الأحنف الحنفي الشاعر المشهور.
ونسبته إلى جده صول المذكور، وكان أحد ملوك جرجان، وأسلم على يد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقال الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في " تاريخ جرجان (5) ": الصولي جرجاني الأصل، وصول من بعض ضياع جرجان، ويقال لها جول (6) ، وهو عم والد أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله بن العباس الصولي، صاحب كتاب الوزراء وغيره من المصنفات، فإنهما يجتمعان في العباس المذكور.
وقد ذكره أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الورقة فقال (7) : إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول، بغدادى أصله من خراسان، يكنى أبا إسحاق، أشعر نظرائه الكتاب وأرقهم لساناً، وأشعاره قصار ثلاثة أبيات ونحوها إلى العشرة، وهو أنعت الناس للزمان وأهله غير مدافع، وأصله تركي، وكان صول وفيروز وأخوين ملكا جرجان، تركيان، تمجسا وصارا أشباه الفرس، فلما حضر يزيد بن المهلب بن أبي صفرة جرجان أمنهما، فلم يزل
__________
(1) يقول: يوفي على المهج بالقتل؛ والرهج: الغبار، أي يوم الحرب.
(2) ديوانه 3: 28.
(3) الإصحار: البروز إلى الصحراء.
(4) العقال: داء يعرض للخيل يعوقها عن الجري؛ المعاقل: الحصون وأصله من امتناع الرعول في الجبال، يقال: عقل الوعل إذا حصل في موضع عال لا يوصل إليه فيه.
(5) أ: خراسان؛ وهو خطأ.
(6) ج د: جون.
(7) لم ترد له ترجمة في كتاب الورقة المطبوع.
(1/45)

صول معه، وأسلم على يده حتى قتل معه يوم العقر.
وكان أبو عمارة محمد بن صول أحد جلة الدعاة، وقتله عبد الله بن علي العباسي، عم السفاح والمنصور، لما خلع مع مقاتل بن حكيم العكي وغيره.
واتصل إبراهيم وأخوه عبد الله بذي الرياستين الفضل بن سهل، ثم تنقل في أعمال السلطان ودواوينه إلى أن توفي وهو يتقلد ديوان الضياع والنفقات بسر من رأى للنصف من شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
قال دعبل بن علي الخزاعي: لو تكسب إبراهيم بن العباس بالشعر لتركنا في غير شيء، هذا آخر ما نقلته من كتاب الورقة.
وقد وقفت على ديوانه، ونقلت منه أشياء، منها قوله، وهذان البيتان يوجدان في ديوان مسلم بن الوليد الأنصاري، والله أعلم (1) :
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيران وله - ويقال: إنه ما رددهما من نزلت به نازلة إلا فرج الله تعالى عنه -:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعاً وعند الله منها المخرج (2)
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكان يظنها لا تفرج ومن شعره:
أولى البرية طراً أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن وله - ويقال: إنه كتبها إلى محمد بن عبد الملك الزيات، وزير المعتصم -:
وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما نبا صرت حربا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا
__________
(1) هذه القطعة وما يليها في ديوان الصولي: 151، 171، 177، 166، 169 (وينسبان لغيره) ، 185 (وهما في شرح التبريزي 3: 115 دون عزو) ؛ وانظر المرزوقي: 1220.
(2) ب هـ والديوان: مخرج.
(1/46)

وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا وله أيضاً:
كنت السواد لمقلتي ... فبكى عليك الناظر
من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر وأورد له أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في باب النسيب:
ونبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي، فهلا نفس ليلى شفيعها
أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرءاً لا أطيعها وله كل مقطوع بديع، والاختصار أولى بالمختصر.
وسيأتي ذكر ابن أخيه بن يحيى الصولي في المحمدين، إن شاء الله تعالى.
توفي إبراهيم الصولي المذكور منتصف شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائتين بسر من رأى، رحمه الله تعالى.
12 - (1)
نفطويه
أبو عبد الله (2) إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان بن المغيرة بن حبيب بن المهلب ابن أبي صفرة الأزدي، الملقب نفطويه النحوي الواسطي؛ له التصانيف الحسان في الآداب، وكان عالماً بارعاً، ولد سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل: سنة خمسين ومائتين بواسط وسكن بغداد. وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين
__________
(1) ترجمة نفطويه في بغية الوعاة: 187 وتاريخ بغداد 6: 159 والزبيدي: 172 ونور القبس: 344 وانباه الرواة 1: 176 والفهرست: 81 ونزهة الألباء: 178.
(2) هـ: أبو عبيد الله.
(1/47)

وثلثمائة يوم الأربعاء، لست خلون منه، بعد طلوع الشمس بساعة. وقيل؛ توفي سنة أربع وعشرين وهو ابن مجاهد المقرىء ببغداد، والله أعلم، ودفن ثاني يوم بباب الكوفة، رحمه الله تعالى.
قال ابن خالويه: ليس في العلماء من اسمه إبراهيم وكنيته أبو عبد الله سوى (1) نفطويه.
ومن شعره ما ذكره أبو علي القالي في كتاب الأمالي (2) :
قلبي عليك أرق من خديكا ... وقواي أوهى من قوى جفنيكا
لم لا ترق لمن يعذب نفسه ... ظلماً وبعطفه هواه عليكا وفيه يقول أبو عبد الله محمد بن زيد (3) بن علي بن الحسين الواسطي المتكلم المشهور، صاحب الإمامة وكتاب إعجاز القرآن الكريم في نظمه وغيرهما:
من سره أن لا يرى فاسقاً ... فليجتهد أن لا يرى نفطويه
أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صراخاً عليه وتوفي أبو عبد الله محمد (4) المذكور سنة سبع - وقيل: سنة ست - وثلثمائة رحمة الله تعالى.
حكى عبد العزيز بن الفضل قال: خرج القاضي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، وأبو بكر محمد بن داود الظاهري، وأبو عبد الله نفطويه إلى وليمة دعوا لها، فأفضى بهم الطريق إلى مكان ضيق، فأراد كل واحد منهم صاحبه أن يتقدم عليه، فقال ابن سريج: ضيق الطريق يورث سوء الأدب، وقال ابن داود: لكنه يعرف مقادير الرجال، فقال نفطويه: إذا استحكمت المودة بطلت التكاليف.
ونفطويه - بكسر النون وفتحها والكسر أفصح والفاء ساكنة - قال أبو
__________
(1) د: إلا.
(2) الأمالي 1: 207.
(3) أ: يزيد.
(4) ب هـ: أبو عبيد الله إبراهيم بن محمد.
(1/48)

منصور الثعالبي في أوائل كتاب لطائف المعارف (1) : إنه لقب نفطويه لدمامته وأدمته تشبيها له بالنفط، وهذا اللقب على مثال سيبويه، لأنه كان ينسب في النحو إليه، ويجري على طريقته، ويدرس كتابه، والكلام في ضبط نفطويه ونظائره كالكلام على سيبويه، وهو مذكور في ترجمته، واسمه عمرو، فليكشف منه.
13 - (2)
أبو إسحاق الزجاج
أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن السرى بن سهل الزجاج النحوي؛ كان من أهل العلم بالأدب والدين المتين، وصنف كتاباً في معاني القرآن وله كتاب الأمالي، وكتاب مافسر من جامع المنطق، وكتاب الاشتقاق، وكتاب العروض، وكتاب القوافي وكتاب الفرق، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب خلق الفرس، وكتاب مختصر في النحو، وكتاب فعلت وأفعلت، وكتاب ما ينصرف وما لا ينصرف، وكتاب شرح أبيات سيبويه، وكتاب النوادر، وكتاب الأنواء، وغير ذلك.
وأخذ الأدب عن المبرد وثعلب، رحمهما الله تعالى، وكان يخرط الزجاج، ثم تركه واشتغل بالأدب، فنسب إليه. روى أبو سليمان الخطابي عن أحمد بن الحسين الفرائضي قال: كان أصحاب المبرد إذا اجتمعوا واستأذنوا يخرج الآذن فيقول: إن كان فيكم أبو إسحاق الزجاج وإلا انصرفوا، فحضروا مرة ولم يكن الزجاج معهم؛ فقال لهم ذلك فانصرفوا، وثبت رجل منهم يقال له عثمان، فقال للآذن: قل لأبي العباس: انصرف القوم كلهم إلا عثمان فإنه لم
__________
(1) لطائف: 48.
(2) ترجمة الزجاج في انباه الرواة 1: 159 وبغية الوعاة: 179 وتاريخ بغداد 6: 89 والزبيدي: 81 والفهرست: 60 ومراتب النحويين: 136 ومعجم الأدباء 1: 130 ونزهة الألباء: 167 ونور القبس: 342.
(1/49)

ينصرف، فعاد إليه الآذن وأخبره، فقال: قل له إن عثمان إذا كان نكرة انصرف، ونحن لا نعرفك فانصرف راشدا] . واختص بصحبة الوزير عبيد الله ابن سليمان بن وهب، وعلم ولده القاسم الأدب، ولما استوزر القاسم بن عبيد الله أفاد بطريقه مالاً جزيلاً.
وحكى الشيخ أبو علي الفارسي النحوي قال (1) : دخلت مع شيخنا أبي إسحاق الزجاج على القاسم بن عبيد الله الوزير فورد إليه الخادم فساره بسراستبشر له، ثم نهض، فلم يكن بأسرع من أن عاد وفي وجهه أثر الوجوم، فسأله شيخنا عن ذلك لأنس كان بينهما، فقال له: كانت تختلف إلينا جارية لإحدى القينات فسمتها أن تبيعني إياها، فامتنعت من ذلك، ثم أشار عليها أحد من ينصحها بأن تهديها إلي رجاء أن أضاعف لها ثمنها، فلما جاءت أعلمني الخادم بذلك، فنهضت مستبشراً لافتضاضها فوجدتها قد حاضت، فكان مني ما ترى، فأخذ شيخنا الدواة من بين يديه، وكتب:
فارس ماض بحربته ... حاذق بالطعن في الظلم
رام أن يدمي فريسته ... فاتقته من دمٍ بدم قلت: وسيأتي في ترجمة بوران بنت الحسن بن سهل ذكر هذين البيتين على صورة أخرى، فيما جرى لها مع المأمون، والله أعلم بالصواب، ويحتمل أن تكون قضية المأمون مع بوران هي الأصل، وأن الزجاج تمثل بالبيتين لما جرى للوزير هذه القضية، والله أعلم.
توفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة سنة عشر - وقيل: سنة إحدى عشرة، وقيل: سنة ست عشرة - وثلثمائة، ببغداد، رحمة الله تعالى، وقد أناف على ثمانين سنة.
وإليه ينسب أبو القاسم عبد الرحمن الزجاجي صاحب كتاب الجمل في النحو، لأنه كان تلميذه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته، رحمه الله؛ وعنه أخذ أبو علي الفارسي أيضاً.
__________
(1) قارن بما في انباه الرواة: 162.
(1/50)

14 - (1)
الافليلي
أبو القاسم إبراهيم بن زكرياء (2) بن مفرج بن يحيى بن زياد بن عبد الله بن خالد بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المعروف بالإفليلي من أهل قرطبة؛ كان من أئمة النحو واللغة، وله معرفة تامة بالكلام على معاني الشعر، وشرح ديوان المتنبي شرحاً جيداً، وهو مشهور، وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي كتاب الأمالي لأبي علي القالي، وكان متصدراً بالأندلس لإقراء الأدب، وولي الوزارة للمكتفي بالله بالأندلس، وكان حافظاً للأشعار ذاكراً للأخبار وأيام الناس، وكان عنده من أشعار أهل بلاده قطعة صالحة، وكان أشد الناس انتقادا للكلام، صادق اللهجة، حسن الغيب، صافي الضمير، عني بكتب جمة كالغريب المصنف، والألفاظ، وغيرهما.
وكانت ولادته في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة، وتوفي في آخر الساعة الحادية عشرة من يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة ودفن يوم الأحد بعد العصر في صحن مسجد خرب عند باب عامر بقرطبة، رحمة الله تعالى.
والإفليلي - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدهالام ثانية - هذه النسبة إلى الإفليل (3) ، وهي قرية بالشام كان أصله منها.
__________
(1) ترجمة الافليل في الذخيرة 1/1: 240 والصلة: 94 وانباه الرواة 1: 183 وبغية الملتمس: 199 ومعجم الأدباء 2: 4.
(2) تكرر في نسبه ذكر " زكريا " في الصلة.
(3) ياقوت: افليلاء - بفتح الهمزة -.
(1/51)

15 - (1)
الصابىء صاحب الرسائل
أبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حبون الحراني الصابىء، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع؛ كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الديلمي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وتقلد ديوان الرسائل سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وكانت تصدر عنه مكاتبات إلى عضد الدولة بن بويه بما يؤلمه، فحقد عليه، فلما قتل عز الدولة وملك عضد الدولة بغداد اعتقله في سنة سبع وستين وثلثمائة، وعزم على إلقائه تحت أيدي (2) الفيلة، فشفعوا فيه، ثم أطلقه في سنة إحدى وسبعين، وكان قد أمره أن يصنع له كتاباً في أخبار الدولة الديلمية، فعمل الكتاب التاجي فقيل لعضد الدولة: إن صديقا للصابىء دخل عليه فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبيض فسأله عما يعمل (3) ، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب (4) ألفقها، فحركت ساكنه وهيجت (5) حقده، ولم يزل مبعدا في أيامه. وكان متشددا في دينه، وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل. وكان يصوم شهر رمضان مع المسلمين، ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ، وكان يستعمله في رسائله، وكان له عبد أسود اسمه يمن، وكان يهواه، وله فيه المعاني البديعة، فمن جملة ماذكره له الثعالبي في كتاب الغلمان، قوله:
قد قال يمن وهو أسود للذي ... ببياضه استعلى علو الخاتن
__________
(1) ترجمة الصابئ في معجم الأدباء 2: 20 واليتيمة 2: 243 - 312.
(2) أ: أرجل.
(3) د: عما يعمله من ذلك.
(4) أ: وأحاديث.
(5) ج: وأهاجت.
(1/52)

ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى ... أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أن مني فيه خالاً زانه ... ولو أن منه في خالاً شانني قلت: ومعنى البيت الثالث ينظر إلى قول ابن الرومي من جملة أبيات في جاريته السوداء، وهو قوله:
وبعض ما فضل السواد به ... والحق ذو سلم وذو نفق
أن لا يعيب السواد حلكته (1) ... وقد يعاب البياض بالبهق وهي أبيات مشهورة أحسن فيها كل الإحسان.
وذكر له الثعالبي فيه أيضاً:
لك وجه كأن يمناي خطت ... هـ بلفظ تمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكن ... نفضت صبغها عليه الليالي
لم يشنك السواد بل زدت حسناً ... إنما يلبس السواد الموالي
فبما لي أفديك إن لم تكن لي ... وبروحي أفديك إن كنت مالي وله كل شيْ حسن، من المنظوم والمنثور (6) .
وتوفي يوم الاثنين - وقيل: يوم الخميس - لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وثمانين وثلثمائة، ببغداد، وعمره إحدى وسبعون سنة.
وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق المعروف بابن أبي يعقوب النديم البغدادي في كتابه " الفهرست " (2) ، أن الصابىء المذكور ولد سنة نيف وعشرين وثلثمائة وتوفي قبل سنة ثمانين وثلثمائة ودفن بالشونيزي.
ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها (3) :
أرأيت (4) من حملوا على الأعواد ... أرأيت كيف خبا ضياء النادي
__________
(1) أ: حلته.
(2) الفهرست: 134.
(3) انظر ديوان الرضي 1: 381.
(4) د: أعلمت.
(1/53)

وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفاً يرثي صابئاً، فقال: إنما رثيت فضله.
وزهرون: بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء وضم الراء المهملة وبعد الواو نون.
وحبون: بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الواو نون.
والصابىء: بهمزة آخره. وقد اختلفوا في هذه النسبة، فقيل: إنها إلى صابىء بن متوشلح (1) بن إدريس عليه السلام، وكان على الحنيفية الأولى. وقيل: إلى صابىء بن ماري، وكان في عصر الخليل عليه السلام، وقيل: الصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه، ولذلك كانت قريش تسمي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صابئا لخروجه عن دين قومه، والله أعلم.
16 - (2)
الحصري صاحب زهر الآدب
أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم، المعروف بالحصري، القيرواني الشاعر المشهور، وله ديوان شعر، وكتاب زهر الآداب وثمر الألباب جمع فيه كل غريبة في ثلاثة أجزاء، وكتاب المصون في سر الهوى المكنون في مجلد واحد فيه ملح وآداب. ذكره ابن رشيق في كتابه الأنموذج، وحكى شيئاً من أخباره وأحواله، وأنشد جملة من أشعاره، وقال: كان شبان القيروان يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، ورأس عندهم، وشرف لديهم، وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات من الجهات، واورد من شعره:
إني أحبك حباً ليس يبلغه ... فهم، ولا ينتهي وصفي إلى صفته
__________
(1) د: متوشلخ.
(2) ترجمة الحصري في مسالك الأبصار (الورقة 309) وفيه نقل عن الانموذج لابن رشيق؛ وفي معجم الأدباء 2: 94 والذخير (الجزء الرابع، ولم يطبع بعد) .
(1/54)

أقصى نهاية علمي فيه معرفتي ... بالعجز مني عن إدراك معرفته وأورد له أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة " بيتين في ضمن حكاية، وهما:
أورد قلبي الردى ... لام عذارٍ بدا
أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى وهو ابن أبي الحسن علي الحصري الشاعر، وستأتي ترجمته في حرف العين.
توفي أبو إسحاق المذكور بالقيروان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وقال ابن بسام في الذخيرة: بلغني أنه توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، والأول أصح، رحمه الله تعالى.
وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في كتاب الجنان في الجزء الأول في ترجمة أبي الحسن علي بن عبد العزيز المعروف بالفكيك أن الحصري المذكور ألف كتاب زهر الآداب في سنة خمسين وأربعمائة، وهذا يدل على صحة ما قاله ابن بسام، والله أعلم.
والحصري - بضم الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة - نسبة إلى عمل الحصر أو بيعها.
والقيروان - بفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء المهملة وبعد الواوألف ونون - مدينة بإفريقية، بناها عقبة بن عامر الصحابي (1) ، رضي الله عنه.
وإفريقية سميت باسم إفريقين بن قيس بن صيفي الحميري، وهو الذي افتتح إفريقية، وسميت به، وقتل ملكها جرجير، ويومئذ سميت البربر، قال لهم: ما أكثر بربرتكم، ويقال: إفريقس، والله أعلم.
والقيروان في اللغة: القافلة، وهوفارسي معرب، يقال: إن قافلة نزلت بذلك المكان، ثم بنيت المدينة في موضعها فسميت باسمها، وهو اسم للجيش أيضا، وقال ابن القطاع اللغوي: القيروان بفتح الراء الجيش، وبضمها القافلة، نقله عن بعضهم، والله أعلم.
__________
(1) كذا والصواب: عقبة بن نافع الفهري.
(1/55)

17 - (1)
ابن خفاجة الأندلسي
أبو إسحاق إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي الشاعر؛ ذكره ابن بسام في الذخيرة وأثنى عليه، وقال: كان مقيماً بشرق الأندلس ولم يتعرض لاستماحة ملوك طوائفها مع تهافتهم على أهل الأدب، وله ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان، ومن شعره في عشية أنس، وقد أبدع فيه (2) :
وعشي أنس أضجعتني نشوة ... فيه تمهد مضجعي وتدمث
خلعت علي به الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدث
والشمس تجنح للغروب مريضة ... والرعد يرقي والغمامة تنفث وله أيضاً، وهو معنى حسن:
ما للعذار كأن وجهك قبلة ... قد خط فيه من الدجى محرابا
وأرى الشباب وكان ليس بخاشع ... قد خر فيه راكعاً وأنابا
ولقد علمت بكون ثغرك بارقاً ... أن سوف يزجي للعذار سحابا (8) وله أيضاً:
أقوى محل من شبابك آهل ... فوقفت أندب منه رسماً عافيا
مثل العذار هناك نؤياً داثراً ... واسودت الخيلان فيه أثافيا وقد أخذ بعض المتأخرين - وهو العماد أبو علي (3) بن عبد النور اللزني نزيل
__________
(1) ترجمة ابن خفاجة في الذخيرة: 3 الورقة: 173 (نسخة بغداد) والقلائد: 231 والمطمح: 86 وبغية الملتمس: 202 وله أشعار وأخبار في نفح الطيب.
(2) وردت هذه القطعة والقطعتان التاليتان في ديوانه: 285، 126، 61.
(3) أ: العماد بن علي.
(1/56)

الموصل، وهو المذكور في ترجمة الشيخ كمال الدين موسى بن يونس - هذا المعنى فقال:
ومعقرب الصدغين خلت عذاره ... نؤياً أثافي رسمه الخيلان
فوقفت أبكيه بعيني عروة ... أسفاً عليه كأنه غيلان ولد أبو إسحاق المذكور بجزيرة شقر من أعمال بلنسية من بلاد الأندلس في سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي بها سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، لأربع بقين من شوال يوم الأحد.
وشقر - بضم الشين المثلثة وسكون القاف والراء المهملة - وهي بليدة بين شاطبة وبلنسبة، وإنما قيل لها جزيرة لأن الماء محيط بها.
وبلنسية - بفتح الباء الموحدة وفتح اللام وسكون النون وكسر السين المهملة وفتح الياء المثناة من تحتها.
والأندلس - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم اللام والسين المهملة - وهي جزيرة متصلة بالبر الطويل، والبر الطويل متصل بالقسطنطينية العظمى، وإنما قيل للأندلس جزيرة لأن البحر محيط بها من جهاتها إلاالجهة الشمالية، وهي مثلثة الشكل، فالركن الشرقي منها متصل بجبل يسلك منه إلى فرنجة، ولولاه لاختلط البحران. وحكي أن أول من عمرها بعد الطوفان أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام، فسميت باسمه.
18 - (1)
ابراهيم الغزي الشاعر
أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الأشهبي، وقال ابن النجار في تاريخ بغداد: هو إبراهيم بن عثمان بن عباس بن محمد
__________
(1) ترجمة الغزي في الخريدة (قسم الشام) 1: 4 - 75.
(1/57)

ابن عمر بن عبد الله الأشهبي، الكلبي، الغزي الشاعر المشهور.
شاعر محسن، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال: دخل دمشق وسمع بها من الفقيه نصر المقدسي، سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ورحل إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة، ومدح ورثى غير واحد من المدرسين بها وغيرهم، ثم رحل (1) إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها، وانتشر شعره هناك، وذكر له عدة مقاطيع من الشعر، وأثنى عليه. انتهى كلام الحافظ.
وله ديوان شعر اختاره لنفسه، وذكر في خطبته أنه ألف بيت.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة، وأثنى عليه، وقال: إنه جاب البلاد وتغرب، وأكثر النقل والحركات، وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي الناس، ومدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان بقصيدته البائية التي يقول فيها، ولقد أبدع فيه (2) :
حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا ومنها في قصر الليل، وهو معنى لطيف:
وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر (3) شائبا وهي قصيدة طويلة.
ومن جيد شعره المشهور:
قالوا هجرت الشعر، قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق
خلت الديار فلا (4) كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب أنه لا يشترى (5) ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
__________
(1) أهـ: دخل.
(2) الخريدة: 11.
(3) هـ: بالصبح؛ وما أثبتناه مطابق لما في الخريدة.
(4) د: لم يبق في الدنيا.
(5) أ: ومن العجائب أن تراه كاسداً.
(1/58)

ومن شعره، وفيه صناعة مليحة:
وخز الأسنة والخضوع لناقص ... أمران في ذوق النهى مران
والرأي أن يختار فيما دونه ال ... مران وخز أسنة المران ومن شعره أيضاً (1) :
من آلة الدست لم يعط الوزير سوى ... تحريك لحيته في حال إيماء
إن الوزير ولا أزر (2) يشد به ... مثل العروض له بحر بلا ماء وله أيضاً:
وجف الناس حتى لو بكينا ... تعذر ما يبل به الجفون
فما يندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجو جبين وله في القصائد المطولات كل بديع.
ومن شعره أيضاً وهو مما تستملحه الأدباء وتستظرفه قوله من جملة قصيدة:
إشارة منك تغنيني وأحسن ما ... رد السلام غداة البين بالعنم
حتى إذا طاح عنها المرط من دهش ... وانحل بالضم سلك العقد في الظلم
تبسمت فأضاء الليل فالتقطت ... حبات منتثر في ضوء منتظم والبيت الأخير منها ينظر إلى قول الشريف الرضي، من جملة قصيدة:
وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم وقد ألم به بعض البغاددة في مواليا على اصطلاحهم، فإنهم ما يتقيدون بالإعراب فيه، بل يأتون به كيفما اتفق، وهو:
__________
(1) د: وله في الشهاب الوزير.
(2) د: تدعى الوزير بلا أزر.
(1/59)

ظفرت ليلة بليلى ظفرة المجنون ... وقلت وافى لحظي طالع ميمون
تبسمت فأضاء اللؤلؤ المكنون ... صار الدجى كالضحى فاستيقظ الواشون والأصل في هذا المعنى بيت أبي الطمحان القيني، وهو قوله (1) :
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وهذا البيت من جملة أبيات، وهي:
وإني من القوم الذين هُمُ هُمُ ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه
نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ويقال: إن هذا البيت أمدح بيت قيل في الجاهلية، وقيل: هو أكذب بيت قيل.
وما زال منهم حيث كانوا مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه وهذا أبو الطمحان هو: حنظلة بن الشرقي، من شعراء الجاهلية.
ولد الغزي المذكور بغزة، وبها قبر هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وتوفي سنة أربع وعشرين وخمسمائة مابين مرو وبلخ، من بلاد خراسان، ونقل إلى بلخ ودفن بها، ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة: أرجو أن يغفر الله لي لثلاثة أشياء: كوني من بلد الإمام الشافعي، وأني شيخ كبير، وأني غريب، رحمه الله تعالى وحقق رجاءه.
وغزة - بفتح الغين وتشديد الزاء المعجمتين وبعدها هاء - وهي البليدة المعروفة في الساحل الشامي، وقد يقع هذا الكتاب في يد من يكون بعيداعن بلادنا، ولا يعرف أين تقع هذه البليدة، ويتشوق إلى معرفة ذلك، فأقول:
__________
(1) اسمه حنظلة بن الشرقي وقيل ربيعة بن كثافة بن جسر وله ترجمة في الشعر والشعراء: 304 والمؤتلف: 149 والأغاني 13: 3 والسمط: 322 والإصابة 2: 66 والخزانة 3: 426 وأبياته هذه في الأغاني: 9.
(1/60)

هي من أعمال فلسطين، على البحر الشامي، بالقرب من عسقلان، وهي في أوائل بلاد الشام من جهة الديار المصرية، وهي إحدى الرحلتين المذكورتين في كتاب الله العزيز في قوله تعالى: رحلة الشتاء والصيف وأتفق أرباب التفسير أن رحلة الصيف بلاد الشام، ورحلة الشتاء بلاد اليمن، وقد كانت قريش في متاجرها تأتي إلى الشام في فصل الصيف لأجل طيبة بلادها في هذا الفصل، وتأتي اليمن في فصل الشتاء، لأنها بلاد حارة لا تستطيع الدخول إليها في فصل الصيف، وقال أبو محمد عبد الملك بن هشام، في أوائل سيرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أول من سن الرحلتين لقريش رحلة الشتاء والصيف هاشم جد النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر بعد هذا بقليل: قال ابن إسحاق: ثم هلك هاشم بن عبد مناف بغزة، من أرض الشام، تاجراً ثم قال بعد هذا بقليل: وقال مطرود بن كعب الخزاعي (1) يبكي بني عبد مناف جميعا، وذكر القصيدة، ومن جملتها:
وهاشم في ضريح وسط بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه بين غزات قال أهل العلم باللغة: إنما قال غزات، وهي غزة واحدة، كأنه سمى كل ناحية منها باسم البلدة، وجمعها على غزات، وصارت من ذلك الوقت تعرف بغزة هاشم، لأن قبره بها، لكنه غير ظاهر ولا يعرف، ولقد سألت عنه لما اجتزت بها، فلم يكن عندهم منه علم. ولما توجه أبو نواس الشاعر المشهور من بغداد إلى مصر ليمدح (2) الخصيب بن عبد الحميد، صاحب ديوان الخراج بمصر، ذكر المنازل التي في طريقه، فقال:
طوالب بالركبان غزة هاشمٍ ... وبالفرما من حاجهن شعور وفي بيت أبي نواس لفظتان تحتاجان إلى التفسير، إحداهما: الفرما وهي - بفتح الفاء والراء - المدينة العظمى التي كانت كرسي الديار المصرية في
__________
(1) شاعر لجأ لعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف لجناية كانت منه فحماه وأحسن إليه فأكثر مدحه (انظر معجم المرزباني: 283 وأمالي المرتضى 2: 268 وأنساب الأشراف 1: 62) .
(2) ج: ليمتدح.
(1/61)

زمن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ومن قراها أم العرب التي منها هاجر أم إسماعيل بن الخليل عليهما السلام، والفرما في اول الرمل: بين السائح والقصير، المنزلة المعروفة على يسار المتوجه إلى الشام من مصر، على ساحل البحر، رأيتها وقد خربت، ولم يبق منها سوى الآثار، وموضعها تل عال.
ومن الاتفاق الغريب: أن إسماعيل أبو العرب، وأمه من أم العرب: القرية المذكورة؛ واللفظ الثاني قوله في آخر البيت شقور بضم الشين المعجمة والقاف - ويقال بفتح الشين أيضاً، والضم أصح - لأن الشقور بالضم بمعنى الأمور اللاصقة بالقلب المهمة، الواحد شقر، والله أعلم.
19 - (1)
ابن قرقول
أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحمزى، المعروف بابن قرقول صاحب كتاب مطالع الأنوار الذي وضعه على مثال كتاب مشارق الأنوار للقاضي عياض.
كان من الأفاضل، وصحب جماعة من علماء الأندلس، ولم أقف على شيء من أحواله سوى هذا القدر، وكانت ولادته بالمرية من بلاد الأندلس، في صفر سنة خمس وخمسمائة، وتوفي بمدينة فاس يوم الجمعة أول وقت العصر سادس شوال (2) سنة تسع وستين وخمسمائة، وكان قد صلى الجمعة في الجامع، فلما
__________
(1) ترجمته في التكملة: 151 وفي نسبه " أدهم " بين يوسف وإبراهيم، قال ابن الأبار: وكان رحالاً في طلب العلم حريصاً على لقاء الشيوخ، فقيهاً نظاراً أديباً حافظاً يبصر الحديث ورجاله، وقد صنف وألف مع براعة الخط وحسن الوراقة؛ حدث وأخذ عنه الناس، ولم يزل بمالقة إلى أن انتقل منها إلى سبتة في سنة 564 ثم إلى سلا.
(2) التكملة: شعبان.
(1/62)

حضرته الوفاة تلا سورة الإخلاص، وجعل يكررها بسرعة، ثم تشهد ثلاث مرات، وسقط على وجهه ساجداً فوقع ميتاً، رحمة الله تعالى.
وقرقول: بضم القافين، وسكون الراء المهملة بينهما، وبعد الواو لام والمرية - بفتح الميم وكسر الراء المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها، وبعدها هاء - وهي مدينة كبيرة بالأندلس على شاطىء البحر، من مراسي المراكب.
وفاس - بالفاء والسين المهملة - وهي مدينة عظيمة بالمغرب بالقرب من سبتة.
ونسبته الحمزي - بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة زاء معجمة - إلى حمزة (1) آشير - بمد الهمزة وكسر الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها راء مهملة - وحمزة هي بليدة بإفريقية، مابين بجاية وقلعة بني حماد، كذا ذكر لي جماعة من أهل تلك البلاد، وآشير مذكورة في ترجمة زيري بن مناد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -.
20 - (2)
أحمد بن حنبل
الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان ابن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصي بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن
__________
(1) قال ابن الأباء إن حمزة موضع بناحية المسيلة من عمل بجاية.
(2) له ترجمات كثيرة نكتفي بالإشارة منها إلى ترجمته في طبقات أبي يعلى ج 1 الترجمة الأولى، وفي تهذيب ابن عساكر 2: 28.
(1/63)

عدنان، الشيباني، المروزي الأصل. هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل: إنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة، وهو غلط، لأنه من بني شيبان بن ذهل لا من بني ذهل بن شيبان، وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل بن شيبان، فليعلم ذلك والله أعلم.
وخرجت أمه من مرو وهي حامل به، فولدته في بغداد، في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وقيل: إنه ولد بمرو وحمل إلى بغداد وهو رضيع.
وكان إمام المحدثين، صنف كتابه المسند، وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، وقيل: إنه كان يحفظ ألف ألف حديث، وكان من أصحاب الإمام الشافعي - رضي الله تعالى عنهما - وخواصه، ولم يزل مصاحبه (1) إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقه: خرجت من بغداد وما خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل، ودعي إلى القول بخلق القرآن [أيام المعتصم وكان أمياً لايقرأ ولا يكتب فقال أحمد: أنا رجل علمت علما ولم أعلم فيه بهذا، فأحضر له الفقهاء والقضاة فناظروه ... ] فلم يجب، فضرب وحبس وهو مصر على الامتناع، وكان ضربه في العشر الأخير من شهر رمضان، سنة عشرين ومائتين [وكانت مدة حبسه إلى أن خلي عنه ثمانية وعشرين يوماً وبقي إلى أن مات المعتصم فلما ولي الواثق منعه من الخروج من داره إلى أن أخرجه المتوكل وخلع عليه وأكرمه ورفع المحنة في خلق القرآن] . وكان حسن الوجه، ربعة يخضب بالحناء خضبا ليس بالقاني، في لحيته شعرات (2) سود. أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم محمد بن اسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله في العلم والورع.
توفي ضحوة نهار الجمعة، لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: بل لثلاث عشرة ليلة بقين من الشهر المذكور، وقيل: من ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب، وباب
__________
(1) أ: يصاحبه.
(2) ب: شعيرات.
(1/64)

حرب منسوب إلى حرب بن عبد الله، أحد أصحاب أبي جعفر المنصور، وإلى حرب هذا تنسب المحلة المعروفة بالحربية، وقبر أحمد بن حنبل مشهور بها يزار، رحمه الله تعالى. وحزر من حضر جنازته من الرجال، فكانوا ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألفا، وقيل: إنه أسلم يوم مات عشرون (1) ألفاً من النصارى واليهود والمجوس.
وذكر أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الذي صنفه في أخبار بشر بن الحارث الحافي رضي الله عنه في الباب السادس والأربعين ما صورته: حدث إبراهيم الحربي قال: رأيت بشر بن الحارث الحافي في المنام كأنه خارج من باب مسجد الرصافة وفي كمه شيء يتحرك، فقلت: مافعل الله بك فقال: غفرلي وأكرمني، فقلت: ماهذا الذي في كمك قال: قدم علينا البارحة روح أحمد بن حنبل فنثر عليه الدر والياقوت، فهذا مما التقطت، قلت: فما فعل يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قال: تركتهما وقد زارا رب العالمين ووضعت لهما الموائد، قلت: فلم لم تأكل معهما أنت قال: قد عرف هوان الطعام علي فأباحني النظر إلى وجهه الكريم.
وفي أجداده حيان - بفتح الحاء المهملة وتشديدالياء المثناة من تحتها، وبعد الألف نون، وبقية الأجداد لاحاجة إلى ضبط أسمائهم لشهرتها وكثرتها، ولولا خوف الإطالة لقيدتها.
ورأيت في نسبه اختلافاً، وهذا أصح الطرق التي وجدتها.
وكان له ولدان عالمان، وهما صالح وعبد الله، فأما صالح فتقدمت وفاته في شهر رمضان سنة ست وستين ومائتين، وكان قاضي أصبهان فمات بها، ومولده في سنة ثلاث ومائتين، وأما عبد الله فإنه بقي إلى سنة تسعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد لثمان بقين من جمادى الأولى - وقيل: الآخرة - وله سبع وسبعون سنة، وكنيته أبو عبد الرحمن، وبه كان يكنى الإمام أحمد، رحمهم الله أجمعين.
__________
(1) هـ: ستون.
(1/65)

21 - (1)
ابن سريج
أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، الفقيه الشافعي؛ قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في حقه في كتاب الطبقات: كان من عظماء الشافعيين، وأئمة المسلمين، وكان يقال له: الباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الإمام الشافعي، حتى على المزني، وإن فهرست كتبه كانت تشتمل على أربعمائة مصنف، وقام بنصرة مذهب الشافعي ورد على المخالفين، وفرع على كتب محمد بن الحسن الحنفي.
وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون دقائقه، وأخذ الفقه عن أبي القاسم الأنماطي، وعنه أخذ فقهاء الإسلام، ومنه انتشر مذهب الشافعي في أكثر الآفاق.
وكان يناظر أبا بكر محمد بن داود الظاهري، وحكي أنه قال له أبو بكر يوماً [أنت تقول بالظاهر، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، فمن يعمل نصف مثقال فسكت محمد طويلا، فقال له أبو العباس لم لا تجيب فقال] أبلعني ريقي، فقال له أبو العباس: أبلعتك دجلة، وقال له يوماً: أمهلني ساعة، فقال: أمهلتك من الساعة إلى أن تقوم (2) الساعة، وقال له يوماً: أكلمك من الرجل فتجيبني (3) من الرأس، فقال له: هكذا البقر، إذا حفيت أظلافها دهنت قرونها.
وكان يقال له في عصره: إن الله بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة
__________
(1) ترجمة أبي العباس ابن سريج في تاريخ بغداد 4: 287 وطبقات السبكي 2: 87 والعبر 2: 132 وتذكرة الحفاظ: 811 وشذرات الذهب 2: 247 والوافي 7، الورقة: 126.
(2) د: إلى قيام.
(3) أ: تكلمني.
(1/66)

من الهجرة، أظهر كل سنة وأمات كل بدعه، ومن الله تعالى على رأس المائتين بالإمام الشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة، ومن الله تعالى بك على رأس الثلثمائة حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة، وكان له مع فضائله نظم حسن.
وتوفي لخمس بقين من جمادى الأولى سنة ست وثلثمائة، وقيل: يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول ببغداد، ودفن في حجرته بسويقة غالب بالجانب الغربي بالقرب من محلة الكرخ، وعمره سبع وخمسون سنة وستة أشهر، رحمه الله تعالى. وقبره ظاهر في موضعه يزار، ولم يبق عنده عمارة ولا قبر، بل هو منفرد هناك.
[رأى أبو العباس المذكور في مرضه الذي مات فيه كأن القيامة قد قامت وإذا الجبار سبحانه يقول: أين العلماء فجاءوا؛ فقال: ماذا عملتم في ما عملتم فقالوا: يارب قصرنا وأسأنا، فأعاد السؤال كأنه لم يرضى به، وأراد جوابا آخر، فقلت: أما أنا فليس في صحيفتي الشرك وقد وعدت أن تغفر ما دونه، فقال: اذهبوا فقد غفرت لكم؛ ومات بعد ذلك بثلاثة أيام، رحمه الله تعالى] .
وكان جده سريج رجلاً مشهوراً بالصلاح الوافر - وهو بضم السين المهملة وفتح الراء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها والجيم - ورأيت في بعض الأجزاء أنه كان أعجمياً لايعرف بالعربية شيئاً، وأنه رأى الباري سبحانه وتعالى في النوم وحادثه وقال له في الآخر: ياسريج طلب كن، فقال: ياخدا سر بسر، قالها ثلاثا، وهذا لفظ عجمي معناه بالعربية: ياسريج اطلب، فقال: يارب رأس برأس، كما يقال: رضيت أن أخلص رأسا برأس، ثم وجدت في تاريخ بغداد أن صاحب المنام المذكورهو سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد صاحب الكرامات، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائتين ببغداد، رحمه الله تعالى، ورأيت بالمنام جزءا منفردا متصل السماع بالإسناد إلى سريج المذكور، والقول الأول كنت سمعته من بعض المشايخ. والله أعلم.
(1/67)

22 - (1)
ابن القاص
أبو العباس أحمدبن أبي أحمد المعروف بابن القاص، الطبري، الفقيه الشافعي؛ كان إمام وقته في طبرستان، وأخذ الفقه عن ابن سريج المقدم ذكره، وصنف كتباً كثيرة: منها التلخيص، وأدب القاضي، والمواقيت والمفتاح، وغير ذلك، وقد شرح التلخيص أبو عبد الله الختن، والشيخ أبو علي السنجي، وهو كتاب صغير ذكره الإمام في النهاية في مواضع، وكذلك الغزالي، وجميع تصانيفه صغيرة الحجم كثيرة الفائدة، وكان يعظ الناس، فانتهى في بعض أسفاره إلى طرسوس، وقيل: إنه تولى بها القضاء، فعقد له مجلس وعظ، وأدركته رقة وخشية وروعة من ذكر الله تعالى، فخر مغشيا عليه، ومات سنة خمس وثلاثين وثلثمائة، وقيل: سنة ست وثلاثين، رحمة الله تعالى.
وعرف والده بالقاص (2) لأنه كان يقص الأخبار والآثار.
وطبرستان - بفتح الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وسكون السين المهملة وفتح التاء المثناة من فوقها وبعد الألف نون - وهو إقليم متسع ببلاد العجم يجاور خراسان. وله كرسيان: سارية وآمل، وهومنيع بالأودية والحصون.
وطرسوس - بفتح الطاء والراء المهملتين، وضم السين المهملة، وبعد الواو سين مهملة - وهي مدينة في الثغور الرومية عند المصيصة وأذنة، وبها
__________
(1) ترجمة ابن القاص في طبقات السبكي 2: 103.
(2) جعله بو سعد السمعاني نفسه القاص وقال: إنما سمي بذلك لدخوله ديار الديلم ووعظه بها وتذكيره، فسمي القاص ... قلت: وهذا يوافق ما تقدم من أنه كان يعظ الناس وكان شديد الخشوع والرقة.
(1/68)

قبر المأمون بن هارون الرشيد، وقد جاء ذكرها في كتاب المهذب، والوسيط، في باب الوقف.
23 - (1)
المروروذي
القاضي أبو حامد أحمد بن عامر بن بشر بن حامد المروروذي، الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن أبي إسحاق المروزي، وصنف الجامع في المذهب، وشرح مختصر المزني، وصنف في أصول الفقه، وكان إماما لايشق غباره، ونزل البصرة ودرس بها، وعنه أخذ فقهاء البصرة.
وقال أبو حيان التوحيدي: سمعت أبا حامد المروروذي يقول: ليس ينبغي أن يحمد الإنسان على شرف الأب ولا يذم عليه، كما لا يمدح الطويل على طوله، ولا يذم القبيح على قبحه. وتوفي سنة اثنتين وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى مروروذ - بفتح الميم وسكون الراء المهملة وفتح الواو وتشديد الراء المهملة المضمومة، وبعد الواو ذال معجمة - وهي مدينة مبنية على نهر، وهي أشهر مدن خراسان بينها وبين مرو الشاهجان أربعون فرسخاً، والنهر يقال له بالعجمية الروذ - بضم الراء، وسكون الواو، وبعدها ذال معجمة - وهاتان المدينتان هما المروان وقد جاء ذكرهما في الشعر كثيراً، أضيفت إحداهما إلى الشاهجان وهي العظمى، والنسبة إليها مروزي (2) ، والثانية إلى النهر المذكور، ليحصل الفرق بينهما، والنسبة إليها مروروذي ومروزي أيضاً، قاله السمعاني، وهي من فتوح الأحنف بن قيس، ومذكورة في ترجمته،
__________
(1) ترجمة أبي حامد المروروذي في طبقات السبكي 2: 82 والبداية والنهاية 11: 209 والوافي 7، الورقة: 4 والعبر 2: 326 وشذرات الذهب 3: 40 وفي كتب تلميذه أبي حيان التوحيدي كالامتاع والبصائر أخبار كثيرة عنه.
(2) أج: مروي.
(1/69)

وكان على مقدمة (1) الجيش الذي كان أميره عبد الله بن عامر، وهو الذي سيره إليها، ومعنى الشاهجان روح الملك، وإنما أطلت الكلام في هذا لئلايقع الالتباس على أحد بين البلدين (2) فيقع الخطأ عند ذلك.
24 - (3)
ابن القطان
أبو الحسين أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن القطان البغدادي الفقيه الشافعي؛ كان من كبار أئمة الصحاب، أخذ الفقه عن ابن سريج، ثم من بعده عن أبي إسحاق المروزي، ودرس ببغداد، وأخذ عنه العلماء، وله مصنفات كثيرة؛ وكانت الرحلة إليه بالعراق مع أبي القاسم الداركي، فلما توفي الداركي استقل بالرياسة. وذكره الشيخ أبو إسحاق في الطبقات وقال: مات سنة تسع وخمسين وثلثمائة، رحمة الله تعالى، وزاد الخطيب: في جمادى الأولى، وقال: هو من كبراء الشافعيين، وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه، وذكر بناء بغداد في شذور العقود سنة ست وأربعين ومائة.
__________
(1) ب هـ: تقدمة.
(2) أ: على أحد فيهما.
(3) ترجمة ابن القطان في تاريخ بغداد 4: 365 والوافي 7، الورقة: 155 (وكنيته فيه أبو الحسن) .
(1/70)

25 - (1)
الطحاوي
أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك الأزدي الطحاوي، الفقيه الحنفي؛ انتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه بمصر، وكان شافعي المذهب يقرأ على المزني، فقال له يوماً: والله لاجاء منك شيء، فغضب أبو جعفر من ذلك، وانتقل إلى أبي جعفر ابن أبي عمران الحنفي، واشتغل عليه، فلما صنف مختصره قال: رحم الله أبا إبراهيم - يعني المزني - لو كان حياً لكفر عن يمينه.
وذكر أبو يعلى الخليلي في كتاب " الإرشاد " (2) في ترجمة المزني أن الطحاوى المذكور كان ابن أخت المزني، وأن محمد بن أحمد (3) الشروطي قال: قلت للطحاوي: لم خالفت خالك واخترت (4) مذهب أبي حنيفة فقال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه، وصنف كتباً مفيدة منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء، وومعاني الآثار، والشروط، وله تاريخ كبير، وغير ذلك.
وذكره القضاعي في كتاب " الخطط " (5) فقال: كان قد أدرك المزني وعامة طبقته، وبرع في علم الشروط، وكان قد استكتبه أبو عبيد الله محمد بن
__________
(1) ترجمة الطحاوي في الفهرست: 207 وتهذيب ابن عساكر 2: 54 والمنتظم 6: 250 والجواهر المضية 1: 102 وتاج التراجم: 8 والوافي 8، الورقة: 3 والعبر 2: 186 والشذرات 2: 288 والنجوم الزاهرة 3: 239 وغاية النهاية 1: 116.
(2) هو كتاب الإرشاد في علماء البلاد للشيخ أبي يعلى خليل بن عبد الله الخليلي القزويني (- 446) ذكر فيه المحدثين وغيرهم من العلماء على ترتيب البلاد إلى زمانه (كشف الظنون) .
(3) د: أحمد بن محمد.
(4) أ: وأخذت.
(5) هو كتاب المختار في ذكر الخطط والآثار وهو في خطط مصر لأبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي (- 454) .
(1/71)

عبدة القاضي وكان صعلوكاً فأغناه، وكان أبو عبيد الله سمحاً جواداً، ثم عدله أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي عقيب القضية التي جرت لمنصور الفقيه مع أبي عبيد، وذلك في سنة ست وثلثمائة، وكان الشهود يتعسفون (1) عليه بالعدالة لئلا تجتمع له رياسة العلم وقبول الشهادة، وكان جماعة من الشهود قد جاوروا بمكة في هذه السنة فاغتنم أبو عبيد غيبتهم وعدل أبا جعفر المذكور بشهادة أبي القاسم المأمون وأبي بكر بن سقلاب.
وكانت ولادته سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقال أبو سعد السمعاني: ولد سنة تسع وعشرين ومائتين، وهو الصحيح، وزاد غيره فقال: ليلة الأحد لعشرخلون من ربيع الأول، وتوفي سنة إحدى وعشرين وثلثمائة، ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر ودفن بالقرافة، وقبره مشهور بها، وله ذكر في ترجمة الفقيه منصور بن إسماعيل الضرير، فينظر هناك، وتوفي والده سنة أربع وستين ومائتين، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى طحا - بفتح الطاء والحاء المهملتين، وبعدهما ألف - وهي قرية بصعيد مصر، وإلى الأزد - بفتح الهمزة وسكون الزاء المعجمة وبالدال المهملة - وهي قبيلة مشهورة من قبائل اليمن.
26 - (2)
أبو حامد الإسفرايني
الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفرايني، الفقيه الشافعي؛ انتهت إليه رياسة الدنيا والدين ببغداد، وكان يحضر مجلسه أكثر من ثلثمائة
__________
(1) هـ: ينفسون.
(2) ترجمة أبي حامد الإسفرايني في طبقات السبكي 3: 24 وتاريخ بغداد 4: 368 والوافي 7، الورقة: 173 والعبر 3: 92 والشذرات 3: 178.
(1/72)

فقيه، وعلق على مختصر المزني تعاليق، وطبق الأرض بالأصحاب، وله في المذهب التعليقة الكبرى، وكتاب البستان، وهو صغير، وذكر فيه غرائب، وأخذ الفقه عن ابي الحسن بن المرزبان، ثم عن أبي القاسم الداركي، واتفق أهل عصره على تفضيله وتقديمه في جودة (1) النظر.
وقال الخطيب في تاريخ بغداد: إن أبا حامد حدث بشيء يسير عن عبد الله بن عدي وأبي بكر الإسماعيلي وإبراهيم بن محمد بن عبدل الإسفرايني وغيرهم، وكان ثقة، ورأيته غير مرة، وحضرت تدريسه في مسجد عبد الله ابن المبارك، وهوالمسجد الذي في صدر قطيعة الربيع، وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة (2) متفقه، وكان الناس يقولون: لورآه الشافعي لفرح به.
وحكى الشيخ أبو إسحاق في الطبقات أن أبا الحسين (3) القدوري الحنفي كان يعظمه ويفضله على كل أحد، وأن الوزير أبا القاسم علي بن الحسين حكى له عن القدوري أنه قال: أبو حامد عندي أفقه وانظر من الشافعي، قال الشيخ: فقلت له: هذا القول من القدوري حمله عليه اعتقاده في الشيخ أبي حامد وتعصبه بالحنفية على الشافعي رضي الله عنه، ولايلتفت إليه، فإن أباحامد ومن هو اعلم منه وأقدم على بعد من تلك الطبقة، وما مثل الشافعي ومثل من بعده إلا كما قال الشاعر:
نزلوا بمكة في قبائل نوفل ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل وروي عنه انه كان يقول: ما قمت من مجلس النظر قط فندمت على معنى ينبغي أن يذكر فلم اذكره، وروي أنه قابله بعض الفقهاء في مجلس المناظرة بما لا يليق، ثم أتاه في الليل معتذرا إليه، فأنشده يقول:
جفاء جرى جهرا لدى الناس وانبسط ... وعذر أتى سرا فأكد ما فرط
__________
(1) هـ: حدة.
(2) أ: تسعمائة، وما ثبت في المتن موافق لما عند الخطيب، وبين الرقمين تسعة وسبعة ومضاعفاتهما اضطراب شديد في النسخ.
(3) اج هـ: الحسن.
(1/73)

ومن ظن أن يمحو جلي جفائه ... خفي اعتذار فهو في أعظم (1) الغلط وكانت ولادته سنة أربع وأربعين وثلثمائة، وقدم بغداد في سنة ثلاث وستين وثلثمائة، وقال الخطيب: سنة أربع وستين، ودرس الفقه بها من سنة سبعين إلى أن توفي ليلة السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة ست وأربعمائة ببغداد، ودفن من الغد في داره ثم نقل إلى باب حرب في سنة عشر وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
قال الخطيب: وصليت على جنازته في الصحراء وراء جسر أبي الدن (2) .
وكان الإمام في الصلاة عليه أبا عبد الله بن المهتدى (3) خطيب جامع المنصور، وكان يوماً مشهوداً بكثرة الناس وعظم الحزن وشدة البكاء.
ونسبته إلى إسفراين - بكسر الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الفاء والراء المهملة وكسر الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون - وهي بلدة بخراسان بنواحي نيسابور، على منتصف الطريق إلى جرجان.
والبيت الذي تمثل به الشيخ أبو إسحاق له ثان، وهو:
حذرا عليها من مقالة كاشح ... ذرب اللسان يقول ما لم أفعل (4) 27 (5)
أبو الحسن المحاملي
أبو الحسن (6) أحمد بن محمد بن احمد بن القاسم بن إسماعيل
__________
(1) د: غاية.
(2) هـ: جسر الدن.
(3) ما هنا موافق لما عند الخطيب، وقد اضطرب الاسم في أج هـ.
(4) أج هـ: يفعل.
(5) ترجمة المحاملي في تاريخ بغداد 4: 372 وطبقات السبكي 3: 20 والوافي 7، الورقة: 155 والعبر 3: 119 والشذرات 3: 202.
(6) أ: أبو الحسين.
(1/74)

ابن سعيد (1) بن أبان الضبي المحاملي الفقيه الشافعي؛ أخذ الفقه عن الشيخ أبي حامد الإسفرايني، وله عنه تعليقة انسب إليه، ورزق من الذكاء وحسن الفهم ما أربى على أقرانه، وبرع في الفقه، ودرس في حياة شيخه أبي حامد وبعده، وسمع الحديث من محمد بن المظفر وطبقته، ورحل به أبوه إلى الكوفة وسمعه بها، وصنف في المذهب المجموع وهو كتاب كبير، والمقنع وهو مجلد واحد، واللباب وهو صغير، والأوسط. وصنف في الخلاف كثيراً، ودرس ببغداد، ذكره الخطيب في تاريخه.
توفي يوم الأربعاء (2) لتسع (3) بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس عشرة وأربعمائة، رحمه الله تعالى، وكانت ولادته سنة ثمان وستين وثلثمائة.
والضبي - بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الباء الموحدة - نسبة إلى قبيلة كبيرة مشهورة.
والمحاملي - بفتح الميم والحاء المهملة وكسر الميم الثانية واللام - ونسبته إلى المحامل التي يحمل عليها الناس في السفر.
28 - (4)
أبو بكر البيهقي
أبو بكر احمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسروجردي الفقيه الشافعي الحافظ الكبير المشهور، وأحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله ابن البيع في الحديث، ثم الزائد عليه في
__________
(1) هـ: ابن سعد.
(2) د: الثلاثاء.
(3) أ: لسبع.
(4) ترجمة أبي بكر البيهقي في طبقات السبكي 3: 3 والقطعة الثانية من Hist. of Naish. (الورقة 29 ظ) وتذكرة الحفاظ: 1132.
(1/75)

أنواع العلوم؛ أخذ الفقه عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي، غلب عليه الحديث، واشتهربه، ورحل في طلبه إلى العراق والجبال والحجاز، وسمع بخراسان من علماء عصره وكذلك ببقية البلاد التي انتهى إليها، وشرع في التصنيف فصنف فيه كثيراً حتى قيل: تبلغ تصانيفه ألف جزء، وهو أول من جمع نصوص الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه، في عشر مجلدات (1) ، ومن مشهور مصنفاته السنن الكبير السنن الصغير ودلائل النبوة، والسنن، والآثار وشعب الايمان، ومناقب الشافعي المطلبي ومناقب أحمد بن حنبل وغير ذلك. وكان قانعاً من الدنيا بالقليل، وقال إمام الحرمين في حقه: مامن شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منة، إلا أحمد البيهقي فإن له على الشافعي منة، وكان من أكثر الناس نصراً (2) لمذهب الشافعي، وطلب إلى نيسابور لنشر (3) العلم فأجاب وانتقل إليها، وكان على سيرة السلف، وأخذ عنه الحديث جماعة من العيان، منهم زاهر الشحامي ومحمد الفراوي وعبد المنعم القشيري وغيرهم.
وكان مولده في شعبان سنة اربع وثمانين وثلثمائة، وتوفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، بنيسابور، ونقل إلى بيهق، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى بيهق - بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعد الهاء المفتوحة قاف - وهي قرى مجتمعة بنواحي نيسابور على عشرين فرسخا منها، وخسر وجرد (4) من قراها، وهي بضم الخاء المعجمة.
__________
(1) قال السبكي: وفي كلام شيخنا الذهبي أنه أول من جمع نصوص الشافعي، وليس كذلك بل هو آخر من جمعها، ولذلك استوعب أكثر ما في كتب السابقين، ولا أعرف أحداً بعده جمع النصوص لأنه سد الباب على من بعده.
(2) د: نظراً.
(3) د: لطلب.
(4) ضبطها السبكي: بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء.
(1/76)

29 - (1)
النسائي
أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، الحافظ؛ كان إمام أهل عصره في الحديث، وله كتاب السنن، وسكن بمصر وانتشرت (2) بها تصانيفه، وأخذ عنه الناس.
قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وماروي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج (3) رأساً برأس، حتى يفضل وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا لا أشبع الله بطنك. وكان يتشيع، فمازالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، وفي روية أخرى: يدفعون في خصييه وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها.
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: لما امتحن النسائي بدمشق، قال: احملوني إلى مكة، فحمل إليها فتوفي بها، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته في شعبان من سنة ثلاث وثلثمائة.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: لما داسوه بدمشق مات بسبب ذلك الدوس، وهو منقول، قال: وكان قد صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة رضي
__________
(1) ترجمة النسائي في طبقات السبكي 2: 83 وتذكرة الحفاظ: 698 (وسماه أحمد بن شعيب ابن علي) والشذرات 2: 239 والعبر 2: 123.
(2) ج: واشتهرت.
(3) أ: يروح.
(1/77)

الله عنهم، فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي رضي الله عنه كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان موصوفاً بكثرة الجماع.
قال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر الدمشقي (1) : كان له أربع زوجات يقسم لهن وسراري، وقال الدارقطني: امتحن بدمشق، فأدرك الشهادة، رحمه الله تعالى.
وتوفي يوم الاثنين، لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، سنة ثلاث وثلثمائة بمكة، حرسها الله تعالى، وقيل: بالرملة من أرض فلسطين.
وقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس، صاحب تاريخ مصر، في تاريخه: إن أبا عبد الرحمن النسائي قدم مصر قديماً، وكان إماما في الحديث، ثقة ثبتا حافظا، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة، سنة اثنتين وثلثمائة.
ورأيت بخطي في مسوداتي أن مولده بنسأ في سنة خمس عشرة، وقيل: أربع عشرة ومائتين، والله تعالى أعلم.
ونسبته إلى نسأ - بفتح النون وفتح السين المهملة وبعدها همزة - وهي مدينة بخراسان خرج منها جماعة من الأعيان.
30 - (2)
القدوري
أبو الحسين أحمد بن محمد بن احمد بن جعفر بن حمدان الفقيه الحنفي، المعروف بالقدوري؛ انتهت إليه رياسة الحنفية بالعراق. وكان حسن العبارة
__________
(1) لم ترد له ترجمة في تهذيب ابن عساكر.
(2) ترجمة القدوري في تاريخ بغداد 4: 377 وتاج التراجم: 7 والوافي 7، الورقة: 155 والعبر 3: 164 والشذرات 3: 233.
(1/78)

في النظر. وسمع الحديث، وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب التاريخ، وصنف في مذهبه المختصر المشهور وغيره. وكان يناظر الشيخ أبا حامد الإسفرايني الفقيه الشافعي، وقد تقدم ذكره في ترجمة أبي حامد وما بالغ في حقه.
وكانت ولادته سنة اثنتين وستين وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد الخامس من رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ببغداد. ودفن من يومه بداره في درب (1) أبي خلف ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور، ودفن هناك بجنب (2) أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي، رحمهما الله تعالى.
ونسبته بضم القاف والدال المهملة وسكون الواو وبعدها راء مهملة إلى القدور التي هي جمع قدر. ولا أعلم سبب نسبته إليها (3) ، بل هكذا ذكره السمعاني في كتاب الأنساب (4) .
31 - (5)
الثعلبي
أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري المفسر المشهور؛ كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير. وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه
__________
(1) د: في داره بدرب.
(2) أ: إلى جانب.
(3) قيل نسبته إليها بعملها وبيعها.
(4) انظر اللباب 2: 247.
(5) ترجمة الثعلبي المفسر في طبقات السبكي 3: 23 ومعجم الأدباء 5: 36 وانباه الرواة 1: 119 وطبقات المفسرين: 5 والوافي 7، الورقة: 148 واللباب 1: 119 وبغية الوعاة: 154 وغاية النهاية 1: 100 والعبر 3: 161 والشذرات 3: 230 والنجوم الزاهرة 4: 283 وروضات الجنات: 68.
(1/79)

عليهم، وغير ذلك. ذكره السمعاني وقال: يقال له: الثعلبي والثعالبي، وهو لقب له وليس بنسب، قاله بعض العلماء.
وقال أبو القاسم القشيري: رأيت رب العزة عز وجل في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفت فإذا أحمد الثعالبي مقبل.
وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في كتاب سياق تاريخ نيسابور وأثنى عليه، وقال: هو صحيح النقل موثوق به. حدث عن أبي طاهر ابن خزيمة والإمام أبي بكر ابن مهران المقرىء، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ.
توفي سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة. وقال غيره: توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، رحمة الله تعالى.
والثعلبي - بفتح الثاء المثلثة وسكون العين المهملة وبعد اللام المفتوحة باء موحدة، والنيسابوري - بفتح النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح السين المهملة، وبعد الألف باء موحدة مضمومة، وبعد الواو الساكنة راء - هذه النسبة إلى نيسابور. وهي من احسن مدن خراسان، وأعظمها وأجمعها للخيرات، وإنما قيل لها: نيسابور لأن سابور ذا الأكتاف أحد ملوك الفرس المتأخرة لما وصل إلى مكانها أعجبه، وكان مقصبة، فقال: يصلح أن يكون ههنا مدينة، وأمر بقطع القصب وبنى المدينة، فقيل لها نيسابور. والني: القصب بالعجمي، هكذا قاله السمعاني في كتاب " الأنساب " (1) .
__________
(1) انظر اللباب 3: 252.
(1/80)

32 - (1)
ابن أبي دواد
أبو عبد الله أحمد بن أبي دواد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد ابن سلام بن مالك بن عبد هند بن لخم بن مالك بن قنص بن منعة بن برجان بن دوس ابن الديل بن أمية بن حذافة بن زهر بن إياد بن نزار بن معد بن عدنان الإيادي القاضي؛ كان معروفاً بالمروءة والعصبية، وله مع المعتصم في ذلك أخبار مأثورة، ذكره أبو عبيد الله المرزباني في كتاب المرشد في أخبار المتكلمين فقال: قيل: إن أصلهم من قرية بقنسرين، واتجر (2) أبوه إلى الشام، وأخرجه معه وهو حدث فنشأ أحمد في طلب العلم وخاصة الفقه والكلام، حتى بلغ ما بلغ، وصحب هياج بن العلاء السلمي، وكان من أصحاب واصل بن عطاء، فصار إلى الاعتزال.
قال أبو العيناء: مارأيت رئيسا قط أفصح ولا أنطق من ابن أبي دواد، وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: سمعت ابن أبي دواد في مجلس المعتصم وهو يقول: إني لأمتنع من تكليم الخلفاء بحضرة محمد بن عبد الملك الزيات الوزير في حاجة كراهة أن أعلمه ذلك، ومخافة أن أعلمه التأتي لها؛ وهو أول من افتتح الكلام مع الخلفاء، وكانوا لايبدؤهم أحد حتى يبدؤوه، وقال أبو العيناء: كان ابن ابي دواد شاعراً مجيداً فصيحاً بليغاً.
وقال المرزباني: وقد ذكره دعبل بن علي الخزاعي في كتابه الذي جمع فيه أسماء الشعراء وروى له أبياتاًحساناً، وكان يقول: ثلاثة ينبغي أن يبجلوا وتعرف أقدارهم: العلماء وولاة العدل والإخوان، فمن استخف بالعلماء
__________
(1) ترجمة ابن أبي داود في تاريخ الطبري 11: 49 وطبقات المعتزلة: 62 والوافي 7، الورقة: 135 والعبر 1: 431 والشذرات 2: 93.
(2) أ: وتاجر؛ ب: وتجر.
(1/81)

أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته.
وقال إبراهيم بن الحسن: كنا عند المأمون فذكروا من بايع من الأنصار ليلة العقبة، فاختلفوا في ذلك، ودخل ابن أبي دواد فعدهم واحدا واحدا بأسمائهم وكناهم وأنسابهم، فقال المأمون: إذا استجلس الناس فاضلا فمثل أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالم خليفة فمثل أمير المؤمنين الذي يفهم عنه، ويكون أعلم بما يقوله منه. ومن كلام أحمد: ليس بكامل من لم يحمل وليه على منبر ولو أنه حارس، وعدوه على جذع ولو أنه وزير.
وقال أبو العيناء: كان الأفشين يحسد أبا دلف القاسم بن عيسى العجلي للعربية والشجاعة، فاحتال عليه حتى شهد عليه بجناية وقتل، فأخذه ببعض أسبابه، فجلس له وأحضره وأحضر السياف ليقتله، وبلغ ابن أبي دواد الخبر، فركب في وقته مع من حضر من عدوله، فدخل على الافشين وقد جيء بأبي دلف ليقتل، فوقف ثم قال: إني رسول أمير المؤمنين إليك، وقد أمرك أن لا تحدث في القاسم بن عيسى حدثاً حتى تسلمه إلي، ثم التفت إلى العدول، وقال: اشهدوا أني قد أديت الرسالة إليه عن أمير المؤمنين والقاسم حي معافى، فقالوا: قد شهدنا، وخرج، فلم يقدر الافشين عليه، وصار ابن أبي دواد إلى المعتصم من وقته، وقال: ياأمير المؤمنين، قد أديت عنك رسالة لم تقلها لي، ما أعتد بعمل خير خيراً منها، وإني لأرجو لك الجنة بها، ثم أخبره الخبر، فصوب رأيه ووجه من أحضر القسم فأطلقه ووهب له وعنف الافشين فيما عزم عليه.
وكان المعتصم قد اشتد غيظه (1) على محمد بن الجهم البرمكي، فأمر بضرب عنقه، فلما رأى ابن أبي دواد ذلك، وأنه لاحيلة له فيه، وقد شد (2) برأسه وأقيم في النطع وهز له السيف، قال ابن أبي دواد للمعتصم: وكيف تأخذ ماله إذا قتلته قال: ومن يحول بيني وبينه قال: يأبى الله تعالى ذلك، ويأباه
__________
(1) د: غضبه.
(2) ب: شدوا.
(1/82)

رسوله صلى الله عليه وسلم، ويأباه عدل أمير المؤمنين، فإن المال للوارث إذا قتلته حتى تقيم البينة على ما فعله، وأمره باستخراج ما اختانه أقرب عليك وهو حي، فقال: احبسوه حتى يناظر، فتأخر أمره على مال حمله، وخلص محمد.
وحدث الجاحظ أن المعتصم غضب على رجل من أهل الجزيرة الفراتية وأحضر السيف والنطع، فقال له المعتصم: فعلت وصنعت، وأمر بضرب عنقه فقال له ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين، سبق السيف العدل، فتأن في أمره فإنه مظلوم، قال: فسكن قليلاً، قال ابن أبي دواد: وغمرني البول فلم أقدر على حبسه، وعلمت أني إن قمت قتل الرجل، فجعلت ثيابي تحتي وبلت فيها حتى خلصت الرجل، قال: فلما قمت نظر المعتصم إلى ثيابي رطبة، فقال: يا أبا عبد الله كان تحتك ماء فقلت: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه كان كذا وكذا، فضحك المعتصم ودعا لي، وقال: أحسنت بارك الله عليك، وخلع عليه وأمر له بمائة ألف درهم.
وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: ابن أبي دواد روح كله من قرنه إلى قدمه، وقال لازون (1) بن إسماعيل: ما رأيت أحداً قط أطوع لأحد من المعتصم لابن أبي دواد، وكان يسأل الشيء اليسير فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دواد فيكلمه في أهله وفي أهل (2) الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كل ما يريد، ولقد كلمه يوما في مقدار ألف ألف درهم ليحفر بها نهراً في أقاصي خراسان، فقال له: وما علي من هذا النهر فقال: ياأمير المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك كما يسألك عن النظر في أمر أدناها، ولم يزل يرفق به حتى أطلقها.
وقال الحسين بن الضحاك الشاعر المشهور لبعض المتكلمين: ابن أبي دواد عندنا لا يحسن اللغة وعندكم لا يحسن الكلام وعند الفقهاء لا يحسن الفقه، وهو عند المعتصم يعرف (3) هذا كله.
__________
(1) هـ: لاوزن.
(2) أ: عن أهله وأهل.
(3) أ: يحسن.
(1/83)

وكان ابتداء اتصال ابن أبي دواد بالمأمون أنه قال: كنت أحضر مجلس القاضي يحيى بن أكثم مع الفقهاء، فإني (1) عنده يوماً إذ جاءه رسول المأمون فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: انتقل إلينا وجميع من معك من أصحابك، فلم يحب أن أحضر معه، ولم يستطع أن يؤخرني، فحضرت مع القوم، وتكلمنا بحضرة المأمون فأقبل المأمون ينظر إلي إذا شرعت في الكلام ويتفهم ما أقول ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون فانتسبت له، فقال: ما أخرك عنا فكرهت أن أحيل على يحيى، فقلت: حبسة القدر وبلوغ الكتاب اجله، فقال: لا أعلمن ما كان لنا من مجلس إلا حضرته، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمر.
وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان من قبل المأمون في آخر سنة اثنتين ومائتين وهو حدث سنه نيف وعشرون سنة، فاستصحب جماعة من أهل العلم والمروءات منهم ابن أبي دواد، فلما قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين قال ليحيى: اختر لي من أصحابك جماعة يجالسونني ويكثرون الدخول إلي، فاختار منهم عشرين فيهم ابن أبي دواد، فكثرواعلى المأمون، فقال: اختر منهم، فاختار عشرة فيهم ابن أبي دواد، ثم قال: اختر منهم، فاختار خمسة فيهم ابن أبي دواد، واتصل أمره، وأسند المأمون وصيته عند الموت إلى أخيه المعتصم، وقال فيها: وأبو عبد الله أحمد بن أبي دواد لا يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضع ذلك، ولاتتخذن بعدي وزيراً.
ولما ولي المعتصم الخلافة جعل ابن أبي دواد قاضي القضاة، وعزل يحيى بن أكثم، وخص به أحمد حتى كان لا يفعل فعلاً باطناً ولا ظاهراً إلا برأيه، وامتحن ابن أبي دواد الإمام أحمد بن حنبل، وألزمه بالقول بخلق القرآن الكريم، وذلك في شهر رمضان سنة عشرين ومائتين. ولما مات المعتصم وتولى بعده ولده الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دواد عنده، ولما مات الواثق بالله وتولى أخوه المتوكل فلج ابن أبي دواد في أول خلافته وذهب شقه الأيمن،
__________
(1) هـ: فأنا.
(1/84)

فقلد المتوكل ولده محمد بن احمد القضاء مكانه، ثم عزل محمد بن احمد عن المظالم في سنة ست وثلاثين ومائتين، وقلد يحيى بن أكثم.
وكان الواثق قد أمر أن لا يرى أحد من الناس محمد بن عبد الملك الزيات الوزير إلا قام له، فكان ابن أبي دواد إذا رآه قام واستقبل القبلة يصلي، فقال ابن الزيات (1) :
صلى الضحى لما استفاد عدواتي ... وأراه ينسك بعدها ويصوم
لا تعد من عداوة مسمومة ... تركتك تقعد تارة وتقوم ومدحه جماعة من شعراء عصره؛ قال علي الرازي: رأيت أبا تمام الطائي عند ابن أبي دود ومعه رجل ينشد عنه قصيدة منها (2) :
لقد أنست مساوئ كل دهرٍ ... محاسن أحمد بن أبي دواد
وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدواك راحلتي وزادي فقال له ابن أبي دواد: هذا المعنى تفردت به أو أخذته فقال: هو لي وقد ألممت فيه بقول أبي نواس (3) :
وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنت الذي تعني ودخل أبو تمام عليه يوماً (4) ، وقد طالت أيامه في الوقوف ببابه ولا يصل إليه، فعتب عليه مع بعض أصحابه، فقال له ابن أبي دواد: أحسبك عاتبا يا أبا تمام، فقال: إنما يعتب علىواحد وأنت الناس جميعا فكيف يعتب عليك! فقال له: من أين لك هذا يا أبا تمام فقال: من قول الحاذق - يعني أبانواس -
__________
(1) ديوان ابن الزيات: 66.
(2) من قصيدة له مطلعها:
سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروض حاضر منه وبادي انظر ديوانه 1: 378 وأخبار أبي تمام للصولي: 141.
(3) ديوان أبي نواس: 66 وأخبار الصولي: 142.
(4) أخبار الصولي: 146.
(1/85)

في الفضل بن الربيع:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد ولما ولي ابن أبي دواد المظالم قال أبو تمام قصيدة يتظلم إليه، من جملتها قوله (1) :
إذا أنت ضيعت القريض وأهله (2) ... فلا عجب إن ضيعته الأعاجم
فقد هز عطفيه القريض ترفعاً ... بعدلك (3) مذ صارت إليك المظالم
ولولا خلال سنها الشعر ما درى ... بغاة العلى (4) من أين تؤتى المكارم قلت: ومدحه أبو تمام أيضا بقصيدته التي أولها (5) :
أرأيت أي سوالف وخدود ... عنت لنا بين اللوى فزرود وما ألطف قوله فيها:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود ومدحه مروان بن أبي الجنوب (6) بقوله:
لقد حازت نزار كل مجد ... ومكرمة على رغم الأعادي
فقل للفاخرين على نزار ... ومنهم خندف وبنو إياد
رسول الله والخلفاء منا ... ومنا أحمد بن أبي دواد
وليس كمثلهم في غير قومي ... بموجود إلى يوم التنادي
__________
(1) ديوان أبي تمام 3: 183.
(2) الديوان: إذا أنت لم تحفظه لم يك بدعة.
(3) الديوان: توقعاً لعدلك.
(4) الديوان: الندى.
(5) الديوان 1: 388.
(6) هو مروان الأصغر بن يحيى بن مروان بن أبي حفصة (انظر معجم المرزباني: 321) .
(1/86)

نبي مرسل وولاة عهد ... ومهدي إلى الخيرات هادي ولما سمع هذا الشعر أبو هفان المهزمي قال:
فقل للفاخرين على نزار ... وهم في الأرض سادات العباد
رسول الله والخلفاء منا ... ونبرأ من دعي بني إياد
وما منا إياد إن أقرت ... بدعوة أحمد بن أبي دواد فقال ابن أبي دواد: ما بلغ مني أحد ما بلغ مني هذا الغلام المهزمي، لولا أني أكره أن أنبه عليه لعاقبته عقابا لم يعاقب أحد بمثله، جاء إلى منقبة كانت لي فنقضها عروة عروة.
وكان ابن أبي دواد كثيراً ما ينشد، ولم يذكر أنهما له أو لغيره:
ما أنت بالسبب الضعيف، وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب
فاليوم حاجتنا إليك، إنما ... يدعى الطبيب لشدة الأوصاب وذكر غير المرزباني عن أبي العيناء أن المعتصم غضب على خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني - قلت: وسيأتي ذكره في ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى - وأشخصه من ولايته لعجز لحقه في مال طلب من أسباب غير ذلك، فجلس المعتصم لعقوبته، وكان قد طرح نفسه على القاضي أحمد، فتكلم فيه فلم يجبه المعتصم، فلما جلس لعقوبته حضر القاضي أحمد فجلس دون مجلسه، فقال له المعتصم: يا أبا عبد الله، جلست في غير مجلسك، فقال: ما ينبغي لي أن أجلس إلا دون مجلسي هذا، فقال له: وكيف قال: لأن الناس يزعمون أنه ليس موضعي موضع من يشفع في رجل فيشفع، قال: فارجع إلى مجلسك، قال: مشفعاً أو غير مشفع قال: بل مشفعا، فارتفع إلى مجلسه، ثم قال: إن الناس لا يعلمون رضى أمير المؤمنين عنه إن لم يخلع عليه، فأمر بالخلع عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، وقد استحق هو وأصحابه رزق ستة أشهر لا بد أن يقبضوها، وإن أمرت لهم بها في هذا الوقت قامت مقام الصلة، فقال: قد أمرت بها، فخرج خالد وعليه الخلع والمال بين يديه، وإن الناس
(1/87)

في الطرق ينتظرون الإيقاع به، فصاح به رجل: الحمد الله على خلاصك يا سيد العرب، فقال له: اسكت، سيد العرب والله احمد بن أبي دواد.
وكان بينه وبين الوزير ابن الزيات منافسات وشحناء، حتى إن شخصاً كان يصحب القاضي المذكور ويختص بقضاء حوائجه منعه الوزير المذكور من الترداد إليه، فبلغ ذلك القاضي، فجاء إلى الوزير وقال له: والله ما أجيئك متكثراً بك من قلة، ولا متعزراً بك من ذلة، ولكن أمير المؤمنين رتبك مرتبة أوجبت لقاءك، فان لقيناك فله، وإن تأخرنا عنك فلك، ثم نهض من عنده.
وكان فيه من المكارم والمحامد ما يستغرق الوصف.
وهجا بعض الشعراء الوزير ابن الزيات بقصيدة عدد أبياتها سبعون بيتاً فبلغ خبرها القاضي أحمد، فقال (1) :
أحسن من سبعين بيتاً هجا ... جمعك معناهن في بيت
ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت فبلغ ابن الزيات ذلك، ويقال: إن بعض أجداد القاضي أحمد كان يبيع القار، فقال:
يا ذا الذي يطمع في هجونا ... عرضت بي نفسك (2) للموت
الزيت لا يزري بأحسابنا ... أحسابنا معروفة البيت
قيرتم الملك فلم ننقه ... حتى غسلنا القار بالزيت وأصابه الفالج لست خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بعد موت عدوه الوزير المذكور بمائة يوم وأيام، وقيل: بخمسين يوماً، وقيل: بسبعة وأربعين يوماً، وسيأتي تاريخ وفاة الوزير في حرف الميم.
ولما حصل له الفالج ولي موضعه ولده أبو الوليد محمد، ولم تكن طريقته
__________
(1) ديوان ابن الزيات: 12.
(2) الديوان: يا ايها المأفون راياً لقد، تعرضت نفسك.
(1/88)

مرضية، وكثر ذاموه وقل شاكروه، حتى عمل فيه إبراهيم بن العباس الصولي المقدم ذكره قبل هذا (1) :
عفت مساو تبدت منك واضحة ... على محاسن أبقاها أبوك لكا
فقد تقدمت أبناء الكرام به ... كما تقدم آباء اللئام بكا ولعمري لقد بالغ في طرفي المدح والذم، وهو معنى بديع.
واستمر على مظالم العسكر والقضاء إلى سنة سبع وثلاثين ومائتين، فسخط المتوكل على القاضي أحمد المذكور وولده محمد، وأمر بالتوكيل على ضياعه، لخمس بقين من صفر من السنة المذكورة، وصرفه عن المظالم، ثم صرفه عن القضاء يوم الخميس لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة، وأخذ من الولد مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجوهراً بأربعين ألف دينار، وسيره إلى بغداد من سر من رأى، وفوض القضاء إلى القاضي يحيى بن أكثم الصيفي - وسيأتي ذكره في حرف الياء إن شاء الله تعالى - ولما شهد على ابن أبي دواد حين غضب عليه الخليفة بضياعه المأخوذة منه في الجناية حضر المجلس خلق كثير من الشهود وغيرهم، فقام رجل من الشهود - وكان القاضي منحرفا عنه في أيامه - فقال: تشهدنا عليك بما في هذا الكتاب فقال القاضي: لست هناك، وقال للباقين: اشهدوا علي، فجلس الرجل بخزي، وتعجب الناس من ثبوت القاضي وقوة قلبه في تلك الحال.
وتوفي القاضي أحمد المذكور بمرضه الفالج في المحرم سنة أربعين ومائتين، ونقل عنه أنه قال: ولدت بالبصرة سنة ستين ومائة، وقيل: إنه كان أسن من اقاضي يحيى بن أكثم بنحو عشرين سنة، وهو يخالف ما ذكرته في ترجمة يحيى، لكن كتبته على ما وجدته، والله أعلم بالصواب. وتوفي ولده محمد قبله بعشرين يوماً في ذي الحجة رحمهما الله تعالى.
وقد ذكر المرزباني في كتابه المذكور اختلافا كثيرا في تاريخ وفاته وموت ابنه، فأحببت ذكر جميع ما قاله؛ قال: ولى المتوكل ابنه أبا الوليد محمد
__________
(1) ديوان الصولي: 162.
(1/89)

ابن أحمد القضاء والمظالم بالعسكر مكان أبيه، ثم عزله عنها يوم الأربعاء لعشر بقين من صفر سنة أربعين ومائتين، ووكل بضياعه وضياع أبيه، ثم صولح على ألف ألف دينار، ومات أبو الوليد محمد بن أحمد ببغداد في ذي القعدة سنة أربعين ومائتين، ومات أبوه أحمد بعده بعشرين يوما، وذكر الصولي أن سخط المتوكل على ابن أبي دواد كان في سنة سبع وثلاثين، ثم ذكر المرزباني بعد هذا أن القاضي أحمد مات في المحرم سنة أربعين، ومات ابنه قبله بعشرين يوما، وقيل: مات ابنه في آخر سنة تسع وثلاثين، وكان موتهما ببغداد، وقيل: مات ابنه في ذي الحجة سنة تسع وثلاثين، ومات أبوه يوم السبت لسبع بقين من المحرم سنة أربعين، وكان بين موتهما شهر أو نحوه، والله أعلم بالصواب في ذلك كله.
وقال أبو بكر ابن دريد: كان ابن أبي دواد مؤالفا لأهل الأدب من أي بلد كانوا، وكان قد ضم منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلما مات حضر ببابه جماعة منهم وقالوا: يدفن من كان ساقة الكرم وتاريخ الأدب ولا يتكلم فيه إن هذا وهن وتقصير، فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم فقال أحدهم:
اليوم مات نظام الملك واللسن (1) ... ومات من كان يستعدى على الزمن
وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت ... شمس المكارم في غيم من الكفن وتقدم الثاني فقال:
ترك المنابر والسرير تواضعاً ... وله منابر لو يشا وسرير
ولغيره يجبي الخراج، وإنما ... يجبى إليه محامد وأجور وتقدم الثالث فقال:
وليس فتيق المسك ريح حنوطه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف
وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف
__________
(1) أ: والسنن.
(1/90)

وقال أبو بكر الجرجاني: سمعت أبا العيناء الضرير يقول: ما رأيت في الدنيا أقوم على أدب من ابن أبي دواد، ما خرجت من عنده يوماً قط فقال: يا غلام خذ بيده، بل قال: ياغلام اخرج معه، فكنت أتقد هذه الكلمة عليه، فلا يخل بها، ولا أسمعها من غيره.
وعلى الجملة فقد طالت هذه الترجمة، وإنما محاسنه كانت كثيرة، رحمه الله تعالى.
ودواد: بضم الدال المهملة وفتح الواو وبعد الألف دال ثانية مهملة.
والإيادي - بكسر الهمزة وفتح الياء المثناة من تحتها وبعد الألف دال مهملة - نسبة إلى إياد بن نزار بن معد بن عدنان.
33 - (1)
الحافظ أبو نعيم
أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني الحافظ المشهور صاحب كتاب حلية الأولياء؛ كان من الأعلام المحدثين، وأكابر الحفاظ الثقات، أخذ عن الأفاضل، وأخذوا عنه، وانتفعوا به، وكتابه الحلية من أحسن الكتب، وله كتاب تاريخ أصبهان نقلت منه في ترجمة والده عبد الله نسبته على هذه الصورة، وذكر أن جده مهران أسلم، إشارة إلى أنه أول من أسلم من اجداده، وأنه مولى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه - وسيأتي ذكر عبد الله بن معاوية، إن شاء الله تعالى - وذكر أن والده توفي في رجب سنة خمس وستين وثلثمائة، ودفن عند جده من قبل أمه.
__________
(1) ترجمة الحافظ أبي نعيم في طبقات السبكي 3: 7 وتذكرة الحفاظ: 1092 وغاية النهاية 1: 71 وميزان الاعتدال 1: 52 والعبر 3: 170 والوافي 7، الورقة: 39 والشذرات 3: 245.
(1/91)

ولد في رجب سنة ست وثلاثين وثلثمائة، وقيل: أربع وثلاثين، وتوفي في صفر، وقيل: يوم الاثنين الحادي والعشرين من المحرم سنة ثلاثين وأربعمائة بأصبهان، رحمه الله تعالى.
واصبهان - بكسر الهمزة وفتحها وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة، ويقال بالفاء أيضاً وفتح الهاء بعد الألف نون - وهي من أشهر بلاد الجبال، وإنما قيل لها هذا الاسم لأنها تسمى بالعجمية: سباهان وسبا: العسكر، وهان: الجمع. وكانت جموع عساكر الأكاسرة تجتمع إذا وقعت لهم واقعة في هذا الموضع، مثل عسكر فارس وكرمان والأهواز وغيرها، فعرب فقيل: اصبهان، وبناها إسكندر ذو القرنين، هكذا ذكره السمعاني (1) .
34 - (2)
الخطيب البغدادي
الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي بن ثابت البغدادي، المعروف بالخطيب، صاحب تاريخ بغداد وغيره من المصنفات؛ كان من الحفاظ المتقنين العلماء المتبحرين، ولو لم يكن له سوى التاريخ لكفاه، فانه يدل على اطلاع عظيم، وصنف قريباً من مائة مصنف، وفضله أشهر من أن يوصف وأخذ الفقه عن أبي الحسن المحاملي والقاضي أبي الطيب الطبري وغيرهما، وكان فقيها فغلب عليه الحديث والتاريخ.
ولد في جمادى الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة، يوم الخميس لست
__________
(1) انظر الأنساب 1: 284.
(2) ترجمة الخطيب البغدادي في تهذيب ابن عساكر 1: 398 وطبقات السبكي 3: 12 والمنتظم 8: 265 ومعجم الأدباء 4: 13 والوافي 7، الورقة: 92 وتذكرة الحفاظ: 1135 والعبر 3: 253 والشذرات 3: 311.
(1/92)

بقين من الشهر، وتوفي يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ثلاث وستين وأربعمائة ببغداد، رحمه الله تعالى، وقال السمعاني: توفي في شوال، وسمعت أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رحمه الله تعالى كان من جملة من حمل نعشه، لأنه انتفع به كثيراً، وكان يراجعه في تصانيفه، والعجب أنه كان في وقته حافظ المشرق، وأبو عمر يوسف بن عبد البر - صاحب كتاب الاستيعاب - حافظ المغرب، وماتا في سنة واحدة - كما سيأتي في حرف الياء إن شاء الله تعالى -.
وذكر محب الدين بن النجار في تاريخ بغداد أن أبا البركات إسماعيل بن أبي سعد الصوفي قال: إن الشيخ أبا بكر ابن زهراء الصوفي كان قد أعد لنفسه قبراً إلى جانب قبر بشر الحافي، رحمه الله تعالى، وكان يمضي إليه في كل أسبوع مرة وينام فيه ويقرأ فيه القرآن كله، فلما مات أبو بكر الخطيب - وكان قد أوصى أن يدفن إلى جانب قبر بشر - جاء أصحاب الحديث إلى أبي بكر بن زهراء، وسألوه أن يدفن الخطيب في القبر الذي كان قد أعده لنفسه وأن يؤثره به، فامتنع من ذلك امتناعاً شديداً، وقال: موضع قد أعددته لنفسي منذ سنين يؤخذ مني! فلما رأوا ذلك جاءوا إلى والدي الشيخ أبي سعد وذكروا له ذلك، فأحضر الشيخ أبا بكر ابن زهراء وقال له: أنا لا أقول لك أعطهم القبر، ولكن أقول لك: لو أن بشراً الحافي في الأحياء وأنت إلى جانبه فجاء أبو بكر الخطيب يقعد دونك، أكان يحسن بك أن تقعد أعلى منه قال: لا، بل كنت أقوم وأجلسه مكاني، قال: فهكذا ينبغي أن يكون الساعة، قال: فطاب قلب الشيخ أبي بكر وأذن لهم في دفنه، فدفنوه إلى جانبه بباب حرب. وكان قد تصدق بجميع ماله، وهو مائتا دينار، فرقها على أرباب الحديث والفقهاء والفقراء في مرضه، وأوصى أن يتصدق عنه بجميع ما عليه من الثياب، ووقف جميع كتبه على المسلمين، ولم يكن له عقب، وصنف أكثر من ستين كتاباً، وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أحد من حمل جنازته، وقيل: إنه ولد سنة إحدى وتسعين وثلثمائة، والله أعلم، ورؤيت له منامات صالحة بعد موته، وكان قد انتهى إليه علم الحديث وحفظه في وقته؛ هذا آخر ما نقلته من كتاب ابن النجار.
(1/93)

35 - (1)
الراوندي
أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي، العالم المشهور؛ له مقالة في علم الكلام، وكان من الفضلاء في عصره، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتاباً، منها كتاب فضيحة المعتزل وكتاب التاج وكتاب الزمرد وكتاب " القصب " (2) وغير ذلك. وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم.
توفي سنة خمس وأربعين ومائتين برحبة مالك بن طوق التغلبي، وقيل: ببغداد، وتقديرعمره أربعون سنة، وذكر في " البستان " (3) أنه توفي سنة خمسين، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى راوند - بفتح الراء والواو وبينهما ألف وسكون النون وبعدها دال مهملة - وهي قرية من قرى قاسان بنواحي أصبهان. وراوند أيضاً ناحية ظاهر (4) نيسابور.
__________
(1) ترجمة ابن الراوندي في الفهرست: 108 والمنتظم 6: 99 وكتاب الانتصار للخياط كله في الرد عليه، وقد ذكره أبو العلاء في رسالة الغفران: 461 وأنحى عليه ذاماً؛ وقد أبدى بعض المعلقين على هوامش نسخ " الوفيات " قلقاً شديداً لأن ابن خلكان لم يتناوله بالذم فجاء على هامس إحداها: " لم ينصف المصنف في سكوته عن ابن الراوندي وهو من مشاهير الزنادقة ... الخ " وقال في هامش أ: " وأخطأ ابن خلكان في عدم تجريحه وذكر ضلالاته ومخازيه وقد ذكره ابن الجوزي والذهبي وابن قاضي [شهبة] ".
(2) هكذا ورد اسمه في أكثر الأصول؛ وفي د: الغصيب؛ وكلام المعري يرجح أن اسمه " القضيب " إذ قال: وأما القضيب فمن عمله أخسر صفقة من قضيب، وخير له من إنشائه، لو ركب قضيباً عند عشائه ... الخ. وفي المنتظم: " قضيب الذهب ".
(3) هذا الاسم ينصرف إلى غير كتاب، ولعل المقصود هنا " البستان في النوادر والغرائب " للشيخ أبي حامد الإسفرايني.
(4) د: بظاهر.
(1/94)

وقاسان: بالسين المهملة، وهي غير قاشان - بالشين المعجمة - المجاورة لقم.
وهذه رواند التي ذكرها أبو تمام الطائي في كتاب الحماسة في باب المراثي، فقال (1) : ذكروا أن رجلين من بني أسد خرجا إلى أصبهان فآخيا دهقانا بها في موضع يقال له رواند وخزاق، ونادماه، فمات أحدهما وغير الآخر والدهقان ينادمان قبره: يشربان كأسين ويصبان على قبره كأساً، ثم مات الدهقان، فكان الأسدي الغابر ينادم قبريهما ويترنم بهذا الشعر:
خليلي هبا طالما قد رقدتما ... أجد كما لا تقضيان كراكما
أمن طول نوم لا تجيبان داعياً ... كأن الذي يسقي المدام سقاكما
ألم تعلما ما لي براوند كلها ... ولا بخزاق من صديق سواكما
أقيم على قبريكما لست بارحاً ... طوال الليالي أو يجبيب صداكما
وأبكيكما حتى الممات، وما الذي ... يرد على ذي لوعة إن بكاكما
فلو جعلت نفس لنفس وقاية ... لجدت بنفسي أن تكون فداكما
أصب على قبريكما من مدامة ... فإلا تنالاها ترو ثراكما وخزاق - يضم الخاء المعجمة وبعدها زاي وبعد الألف قاف - قرية أخرى مجاورة لها، والله أعلم بالصواب.
36 - (2)
الهروي
أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن أبي عبيد العبدي المؤدب الهروي الفاشاني
__________
(1) انظر الحماسة: 289 (شرح المرزوقي) .
(2) ترجمة أبي عبيد الهروي في طبقات السبكي 3: 34 والوافي 7، الورقة: 62 والعبر 3: 75 والشذرات 3: 161.
(1/95)

صاحب كتاب الغريب؛ هذا هو المنقول في نسبه، ورأيت على ظهر كتابه الغريبين أنه أحمد بن محمد بن عبد الرحمن، والله أعلم.
كان من العلماء الأكابر، وما قصر في كتابه المذكور، ولم أقف على شيء من أخباره لأذكره سوى أنه كان يصحب أبا منصور الأزهري اللغوي، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، وعليه اشتغل وبه انتفع وتخرج، وكتابه المذكور جمع فيه بين تفسير غريب القرآن الكريم والحديث النبوي، وسار في الآفاق، وهو من الكتب النافعة.
وقيل: إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة، ويعاشر أهل الدب في مجالس اللذة والطرب، عفا الله عنه وعنا. وأشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شيء من ذلك، والله أعلم.
وكانت وفاته في رجب سنة إحدى وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والهروي - بفتح الهاء والراء - نسبة إلى هراة وهي إحدى مدن خراسان الكبار فتحها الأحنف بن قيس صلحا من قبل عبد الله بن عامر.
والفاشاني - بفتح الفاء وبعد الألف شين معجمة وبعد الألف الثانيةنون - نسبة إلى فاشان، وهير قرية من قرى هراة، ويقال لها باشان - بالباء الموحدة أيضاً - ذكره السمعاني، وقد تقدم في الذي قبله ذكر قاسان وقاشان، وهذه الأسماء الأربعة يقع بينها الاشتباه، وهي على هذه الصورة ولا لبس بعد هذا.
37 - (1)
الخوافي
أبو المظفر أحمد بن محمد بن المظفر الخوافي الفقيه الشافعي؛ كان أنظر
__________
(1) ترجمة الخوافي: طبقات السبكي 4: 55 والوافي 7، الورقة: 68 والعبر 4: 133 والشذرات 3: 410.
(1/96)

أهل زمانه، تفقه على إمام الحرمين الجويني، وصار أوجه (1) تلامذته، ولي القضاء بطوس ونواحيها، وكان مشهورا بين العلماء بحسن المناظرة وإفحام الخصوم وكان رفيق أبي حامد الغزالي (2) في الاشتغال، ورزق الغزالي السعادة في تصانيفه، والخوافي السعادة في مناظراته. وتوفي سنة خمسمائة بطوس، رحمه الله تعالى.
ونسبته إلى خواف - بفتح الخاء المعجمة وبعد الواو المفتوحة ألف وبعد الألف فاء - وهي ناحية من نواحي نيسابور كثيرة القرى.
38 - (3)
أخو الغزالي
أبو الفتاح أحمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي الملقب مجد الدين أخو الإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي الفقيه الشافعي؛ كان واعظا مليح الوعظ حسن المنظر صاحب كرامات وإشارات، وكان من الفقهاء (4) ، غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه، ودرس بالمدرسة النظامية نيابة عن اًخيه أي حامد لما ترك التدريس زهادة فيه، واختصر كتاب أخيه أبي حامد المسمى بإحياء علوم الدين في مجلد مجلد واحد وسماه لباب الإحياء، وله تصنيف آخر سماه الذخيرة في علم البصيرة. وطاف البلاد وخدم الصوفية بنفسه، وكان مائلاً إلى الانقطاع والعزلة.
وذكره ابن النجار في تاريخ بغداد فقال: كان قد قرأ القارئ بحضرته يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم - الآية فقال: شرفهم بياء الإضافة
__________
(1) د: وكان أوحد.
(2) ب هـ: محمد بن محمد الغزالي.
(3) ترجمة أخي الغزالي في طبقات السبكي 4: 54 والمنتظم 9: 260 والوافي 7، الورقة: 62 والعبر 4: 45 والشذرات 4: 60.
(4) أ: وكان فقيهاً.
(1/97)

إلى نفسه بقولة يا عبادي، ثم أنشد يقول:
وهان علي اللوم في جنب حبها ... وقول الأعادي إنه لخليع
أصم إذا نوديت باسمي، وإنني ... - إذا قيل لي يا عبدها - لسميع قلت: ومثل هذا قول بعضهم:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه اشرف أسمائي وتوفي أحمد بقزوين في سنة عشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
والطوسي - بضم الطاء المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة - نسبة إلى طوس، وهي ناحية بخراسان تشتمل على مدينتين تسمى إحداهما طاببران: بفتح الطاء المهملة وبعد اللف باء موحدة ثم راء مفتوحة وبعد الألف الثانية نون، والأخرى نوقان: بفتح النون وسكون الواو وفتح القاف وبعد الألف نون، ولهما ما يزيد على ألف قرية.
والغزالي - بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي المعجمة وبعد الألف لام - هذه النسبة إلى الغزال، على عادة أهل خوارزم وجرجان فانهم ينسبون إلى القصار القصاري، وإلى العطار العطاري، وقيل: إن الزاي مخففة نسبة إلى غزالة وهي قرية من قرى طوس، وهو خلاف المشهور، ولكن هكذا قاله السمعاني في كتاب الأنساب، والله أعلم.
وقزوين - بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها نون - وهي مدينة كبيرة في عراق العجم عند قلاع الإسماعيلية.
(1/98)

39 - (1)
ابن برهان
أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد الوكيل المعروف بابن برهان الفقيه الشافعي؛ كان متبحراً في الأصول والفروع والمتفق والمختلف، تفقه (2) على أبي حامد الغزالي وأبي بكر الشاشي والكيا أبي الحسن الخراسي، وصار ماهراً في فنونه، وصنف كتاب الوجيز في أصول الفقه. ولي التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد دون الشهر، مات سنة عشرين وخمسمائة ببغداد دون رحمه الله تعالى.
وبرهان: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وبعد الهاء ألف ونون.
40 - (3)
النحاس النحوي
أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس، النحوي المصري؛ كان من الفضلاء، وله تصانيف مفيدة منها: تفسير القرآن الكريم وكتاب إعراب القرآن وكتاب الناسخ والمنسوخ وكتاب في النحو اسمه التفاحة وكتاب في الاشتاق، وتفسير أبيات سيبويه، ولم يسبق إلى مثله، وكتاب الكافي في النحو، وكتاب
__________
(1) ترجمة ابن برهان في طبقات السبكي 4: 42 والوافي 7، الورقة: 101 والشذرات 4: 61.
(2) أ: قرأ.
(3) ترجمة النحاس في انباه الرواة 1: 101 ومعجم الأدباء 4: 224 وبغيى الوعاة: 157 والوافي 7، الورقة: 175 والعبر 2: 246 والشذرات 2: 346 وروضات الجنات: 60 والزبيدي: 239 ونزهة الألباء: 201.
(1/99)

المعاني وفسر عشرة دواوين وأملاها، وكتاب الوقف والابتداء صغرى وكبرى، وكتاب في شرح المعلقات السبع (1) ، وكتاب طبقات الشعراء وغير ذلك، وروى عن أبي عبد الرحمن النسائي، وأخذ النحو عن ابي الحسن علي بن سليمان الأخفش النحوي، وأبي إسحاق الزجاج، وابن الأنباري، ونفطويه، وأعيان أدباء العراق، وكان قد رحل إليهم من مصر. وكانت فيه خساسة وتقتير على نفسه، وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلاً وشحاً، وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته، ومع هذا فكان للناس رغبة كبيرة في االأخذ عنه، فنفع وأفاد وأخذ عنه خلق كثير.
وتوفي بمصر يوم السبت لخمس خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة، وقيل: سنة سع وثلاثين، رحمه الله تعالى؛ وكان سبب وفاته أنه جلس على درج المقياس على شاطىء (2) النيل، وهو في أيام زيادته، وهو يقطع بالعروض شيئاً من الشعر، فقال بعض العوام: هذا يسحر النيل حتى لايزيد فتغلو الأسعار (3) ، فدفعه برجله في النيل، فلم يوقف له على خبر.
والنحاس - بفتح النون والحاء المشددة المهملة وبعد الألف سن مهملة - هذه النسبة إلى من يعمل النحاس، وأهل مصر يقولون لمن يعمل الأواني الصفرية النحاس.
__________
(1) ب: المقدمات التسع.
(2) أ: ساحل.
(3) ج: فيغلو السعر.
(1/100)

41 - (1)
العبدي النحوي
أبو طالب أحمد بن بكر بن بقية العبدي النحوي؛ كان فاضلاً ماهراً، وشرح كتاب الإيضاح في النحو لأبي علي الفارسي وأحسن فيه، ولم أطلع على شيء من أحواله حتى أذكره (2) ، سوى أنه قرأ النحو على أبي سعيد السيرافي وأبي الحسن الرماني وأبي علي الفارسي.
وتوفي في سنة ست وأربعمائة في شهر رمضان لعشر بقين منه يوم الخميس، رحمه الله تعالى.
والعبدي - بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وبعدها دال مهملة - هذه النسبة إلى عبد القيس بن أفصى بن دعمي، وهي قبيلة كبيرة مشهورة.
42 - (3)
ابن أبي سهل
أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبي سهل الكاتب صاحب كتاب " الخراج "؛ توفي سنة سبعين ومائتين، رحمه الله تعالى، ولم أعلم من حاله شيئاً
__________
(1) ترجمة العبدي النحوي في معجم الأدباء 2: 236 وبغية الوعاة: 129 ونزهة الألباء: 230.
(2) قال ياقوت. " قرأت في فوائد نقلت عن أبي القاسم المغربي الوزير أن العبدي أصيب بعقله واختل في آخر عمره ".
(3) ذكره صاحب الفهرست: 135 وقال: يعرف بأبي سهل الأحول، من متقدمي الكتاب وأفاضلهم وكان عالما بصناعة الخراج متقدما في ذلك على أهل عصره. ونقل ياقوت (4: 143) ما أورده ابن النديم.
(1/101)

حتى أذكره، وكتابه مشهور، وما ذكرته إلا لأجل كتابه، فقد يتشوف الواقف عليه إلى معرفة زمانه.
43 - (1)
ثعلب النحوي
أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء المعروف بثعلب؛ ولاؤه لمعن بن زائد الشيباني الآتي ذكره في حرف الميم، وإن شاء الله تعالى كان إمام الكوفيين في النحو واللغة، سمع ابن العرابي والزبيربن بكار وروى عنه الخفش الأصغر وأبو بكر ابن الانباري وأبو عمر الزاهد وغيرهم، وكان ثقة حجة صالحاً مشهوراً بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، مقدماً عند الشيوخ منذ هو حدث، وكان ابن الأعرابي إذا شك في شيء قال له: ما تقول يا أبا العباس في هذا ثقة بغزارة حفظه. وكان يقول: ابتدأت في طلب العربية واللغة في سنة ست عشرة ومائتين، ونظرت في " حدود " الفراء (2) وسني ثماني عشرة سنة، وبلغت خمسا وعشرين سنة وما بقيت علي مسألة للفراء إلا وأنا أحفظها.
وقال أبو بكر ابن مجاهد المقرئ (3) : قال لي ثعلب: يا أبا بكر، اشتغل أصحاب القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أصحاب الحديث بالحديث ففازوا، واشتغلة أصحاب الفقه بالفقه ففازوا، واشغل ة أنا بزيد وعمرو، فليت شعري
__________
(1) ترجمة ثعلب في تاريخ بغداد 5: 204 والفهرست: 74 ومعجم الأدباء 5: 102 ونزهة الألباء: 157 وانباه الرواة 1: 138 والزبيدي: 155 وبغية الوعاة: 172 والوافي 7، الورقة: 110 وغاية النهاية: 148 وتذكرة الحفاظ: 214 والعبر 2: 88 والشذرات 2: 207 والبداية والنهاية 11: 98 والنجوم 3: 133 ونور القبس: 334.
(2) هو كتاب في الإعراب جمع فيه ستة وأربعين حداً.
(3) أحمد بن موسى بن العباس ابن مجاهد من شيوخ القراء، توفي سنة 324 (انظر غاية النهاية 1: 139) .
(1/102)

ماذا يكون حالي في الآخرة فانصرفت من عنده، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة في المنام (1) ، فقال لي: أقرىء أبا العباس عن السلام وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل، قال أبو عبد الله الروذباري العبد الصالح: أراد أن الكلام به يكمل، والخطاب به يجمل، وأن جميع العلوم مفتقرة إليه.
وقال أبو عمر الزاهد المعروف بالمطرز: كنت في مجلس أبي العباس ثعلب فسأله سائل عن شيء فقال: لا أدري، فقال له: أتقول لا أدري وإليك تضرب أكباد الإبل، وإليك الرحلة من كل بلد فقال له أبو العباس: لو كان لأمك بعدد ما لا أدري بعر لاستغنت.
وصنف كتاب الفصيح وهو صغير الحجم كثير الفائدة، وكان له شعر، وقال أبو بكر ابن القاسم الأنباري في بعض أماليه: أنشدني ثعلب، ولا أدري هل هي له أو لغيره:
إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها ... فكم تلبث النفس التي أنت قوتها
ستبقى بقاء الضب في الماء أو كما ... يعيش ببيداء المهامة حوتها قال ابن الأنباري: وزادنا أبو الحسن ابن البراء فيها:
أغرك مني أن تصبرت جاهداً ... وفي النفس مني منك ماسيميتها
فلو كان مابي بالصخور لهدها ... وبالريح ما هبت وطال خفوتها
فصبراً لعل الله يجمع بيننا ... فأشكو هموماً منك فيك لقيتها وولد في سنة مائتين لشهرين مضيا منها، قاله ابن القراب في تاريخه (2) ، وقيل: سنة أربع ومائتين، وقيل: إحدى ومائتين، والذي يدل على انه ولد في سنة مائتين انه قال: رأيت المأمون لما قدم من خراسان في سنة أربع ومائتين وقد خرج من باب الحديد يريد الرصافة (3) والناس صفان، فحملني أبي
__________
(1) أ: في النوم.
(2) ابن القراب هو إسحاق بن إبراهيم بن محمد أبو يعقوب، كان محدثاً وقد ألف كتاب " تاريخ وفيات العلماء " وتوفي سنة 429 (انظر أعلام الزركلي 1: 285) .
(3) د: قصر الرصافة.
(1/103)

على يده وقال: هذا المأمون، وهذه سنة أربع، فحفظت ذلك عنه إلى الساعة وكان سني تقديرا يومئذ أربع سنين.
وتوفي يوم السبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الاولى، وقيل: لعشر خلون منها سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد، ودفن بمقبرة باب الشام، رحمه الله تعالى، وكان سبب وفاته أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صمم لايسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق فصدمته فرس فألقته في هوة، فأخرج منها وهو كالمختلط، فحمل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوه من رأسه، فمات ثاني يوم.
وجده سيار: بفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعد اللف راء مهملة.
والشيباني - بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون - نسبة إلى شيبان: حي من بكر بن وائل، وهما شيبانان: أحدهما سيبان بن ثعلبة بن عكابة، والآخر شيبان بن ذهل بن ثعلبة ابن عكابة، وشيبان الأعلى عم شيبان الأسفل.
ومن تصانيفه كتاب المصون واختلاف النحوين ومعاني القرآن وماتلحن فيه العامة والقراءات ومعاني الشعر والتصغير وما ينصرف وما لا ينصرف وما يجرى وما لا يجرى والشواذ والأمثال والإيمان والوقف والابتداء والأفاظ والهجاء والمجالس والأوسط وإعراب القرآن والمسائل وحد النحو وغير ذلك.
(1/104)

44 - (1)
الحافظ السلفي
الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد إبراهيم سلفة الأصبهاني الملقب صدر الدين؛ أحد الحفاظ المكثرين، رحل في طلب الحديث ولقي أعيان المشايخ وكان شافعي المذهب، ورد بغداد، واشتغل بها على الكيا أبي الحسن علي الهراسي في الفقه وعلى الخطيب أبي زكيريا يحيى بن علي (2) التبريزي اللغوي باللغة. وروى عن أبي محمد جعفر بن السراج وغيره من الأئمة الأمائل، وجاب البلاد وطاف الآفاق، ودخل ثغر الإسكندرية سنة إجدى عشرة وخمسمائة في ذي القعدة، وكان قدومه إليه في البحر من مدينة صور، وأقام به، وقصده الناس من الأماكن البيعيدة، وسمعوا عليه وانتفعوا به، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار، وزير الظافر العبيدي صاحب مصر، في سنة ست وأربعين وخمسمائة مدرسة بالثغر المذكور وفوضها إليه، وهي معروفة به إلى الآن، وأدركت جماعة من أصحابه بالشام والديار المصرية، وسمعت عليهم وأجازوني. وكان قد كتب الكثير، ونقلت من خطة فوائد جمة، ومن جملة ما نقلت من خطه لأبي عبد الله محمد بن عبد الجبار الأندلسي من قصيدة:
لولا اشتغالي بالأمير ومدحه ... لأطلت في ذاك الغزال تغزلي
لكن أوصاف الجلال عذبن لي ... فتركت أوصاف الجمال بمعزل
__________
(1) ترجمة السلفي في مختصر الدبيثي: 206 وطبقات السبكي 4: 43 والوافي 7، الورقة: 170 ومرآة الزمان 1: 361 وتهذيب ابن عساكر 1: 449 واللباب: " السلفي "، وتذكرة الحفاظ: 1298 وأزهار الرياض 3: 167، 283 والشذرات 4: 255، وفي كتابه " معجم السفر " أخبار كثيرة تتصل بحياته ونشاطه العلمي.
(2) أبي ... علي: سفطت من اج.
(1/105)

ونقلت من خطه أيضا لبثينة صاحبة جميل ترثيه (1) :
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وكان كثيراً ما ينشد:
قالوا نفوس الدار سكانها ... وأنتم عندي نفوس النفوس وأماليه (2) وتعاليقه كثيرة، والاختصار بالمختصر أولى.
وكانت ولادته سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة تقريباً بأصبهان، وتوفي ضحوة نهار الجمعة - وقيل: ليلة الجمعة - خامس شهر ربيع الآخر سنة ست وسبعين وخمسمائة بثغر الإسكندرية، ودفن في وعلة، وهي مقبرة داخل السور عند الباب الخضر فيها جماعة من الصالحين كالطرطوشي وغيره.
ووعلة: بفتح الواو وسكون العين المهملة وبعدها لام ثم هاء، ويقال: إن هذه المقبرة منسوبة إلى عبد الرحمن بن وعلة السبئي المصري، صاحب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل غير ذلك، رحمه الله تعالى.
قلت: وجدت العلماء المحدثين بالديار المصرية، من جملتهم: الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري (3) ، محدث مصر في زمانه، يقولون في مولد الحافظ السفلي هذه المقالة. ثم وجدت في كتاب زهر الرياض المفصح عن المقاصد والأغراض، تأليف الشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن ابن أبي الفضل عبد المجيد بن إسماعيل بن حفص الصفراوي (4) الإسكندري، أن
__________
(1) انظر الأغاني 8: 155.
(2) قبل هذه الكلمة في د: وكان قد كتب الكتب كثيراً.
(3) يعتمد عليه المؤلف كثيراً، وللمنذري عدة مؤلفات منها الترغيب والترهيب، والتكملة لوفيات النقلة، وتوفي بمصر سنة 656 (انظر طبقات السبكي 5: 108 والبداية والنهاية 13: 212 والفوات 1: 610) .
(4) الصفراوي: نسبة إلى وادي الصفراء بالحجاز، وهو فقيه مالكي توفي سنة 636 (انظر غاية النهاية 1: 373) .
(1/106)

الحافظ أبا طاهر السفلي المذكور وهو شيخه - كان يقول: مولدي بالتخمين، لا باليقين، سنة ثمان وسبعين، فيكون مبلغ عمره على مقتضى ذلك ثمانياً وتسعين سنة،
هذا آخر كلام الصفراوي المذكور. ورأيت في تاريخ الحافظ محب الدين محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي ما يدل على صحة ما قاله الصفراوي، فإنه قال: قال عبد الغني المقدسي: سألت الحافظ السفلي عن مولده، فقال: أنا أذكر قتل نظام الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، وكان لي من العمر حدود عشر سنين.
قلت: ولو كان مولده على ما يقوله أهل مصر أنه في سنة اثنتين وسبعين ما كان يقول أذكر قتل الملك في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فانه على مايقولون قد كان عمره ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة، ولم تجر العادة أن من يكون في هذا السن يقول: أنا أذكر القضية الفلانية، وإنما يقول ذلك من يكون عمره تقديراً أربع سنين أو خمس سنين أو ستاً، فقد ظهر بهذا أن قول الصفراوي أقرب إلى الصحة، وهو تلميذه، وقد سمع منه أنه قال: مولدي في سنة ثمان وسبعين، وليس الصفراوي ممن يشك في قوله، ولا يرتاد في صحته، مع أننا ماعلمنا أن أحداً منذ ثلثمائة سنة إلى الآن بلغ المائة فضلاً عن أنه زاد عيها، سوى القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، فإنه عاش مائة سنة وسنتين - كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى -.
ونسبته إلى جده إبراهيم سلفة - بكسر السين المهملة وفتح اللام والفاء وفي آخره الهاء - وهو لفظ عجمي، ومعناه بالعربي ثلاث شفاه، لأن شفته الواحدة كانت مشقوقة، فصارت مثل شفتين غير الأخرى الأصلية، والأصل فيه سلبه بالباء، فأبدلت بالفاء.
(1/107)

45 - (1)
شرف الدين ابن منعة
أبو الفضل أحمد ابن الشيخ العلامة كمال الدين أبي الفتح موسى ابن الشيخ رضي الدين أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عائد بن كعب بن قس بن إبراهيم الإربلي الأصل، من بيت الرياسة والفضل والمقدمين بإربل، الفقيه الشافعي (2) الملقب شرف الدين؛ كان إماماً كبيراً فاضلاً عاقلاً حسن السمت جميل المنظر. شرح كتاب التنبيه في الفقه وأجاد شرحه، واختصر إحياء علوم الدين للإمام الغزالي مختصرين: كبيراً وصغيراً، وكان يلقي في جملة دروسه من كتاب الإحياء درساً حفظاً، وكان كثير المحفوظات غزير المادة، وهو من بيت العلم - وسيأتي ذكر أبيه وعمه وجده، رحمهم الله تعالى، في مواضعهم - ونسج على منوال والده في التفنن في العلوم، وتخرج عليه جماعة كبيرة، وتولى التدريس بمدرسة الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، رحمه الله تعالى، بمدينة إربل بعد والدي رحمه الله تعالى، وكان وصله إليها من الموصل في أوائل شوال سنة عشر وستمائة، وكانت وفاة الوالد ليلة الاثنين الثاني والعشرين من شعبان من السنة المذكورة.
وكنت أحضر دروسه وأنا صغير، وما سمعت أحدا يلقي الدروس مثله، ولم يزل على ذلك إلى أن حج، ثم عاد وأقام قليلاً، ثم انتقل إلى الموصل في سنة سبع عشرة وستمائة، وفوضت إليه المدرسة القاهرية، وأقام بها ملازماً لاشتغال والإفادة إلى أن توفي يوم الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر
__________
(1) ترجمة شرف الدين ابن منعة في طبقات السبكي 5: 16 والوافي 8، الورقة: 91 والشذرات 5: 99.
(2) ب: الشافعي المذهب.
(1/108)

سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وكانت ولادته أيضاً بالموصل سنة خمس وسبعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
ولقد كان من محاسن الوجود، وما أذكره إلا وتصغر الدنيا في عيني، ولقد أفكرت فيه مرة فقلت: هذا الرجل عاش مدة خلافة الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد فإنه ولي الخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وهي السنه التي ولد فيها شرف الدين المذكور، وماتا في سنة واحدة، وكان مبدأ شروعه في شرح التنبيه بإربل، واستعار منا نسخة التنبيه عليها حواش مفيدة بخط بعض الأفاضل، ورأيته بعد ذلك وقد نقل الحواشي كلها في شرحه.
(3) والفاضل الذي كانت النسخة والحواشي بخطه هو الشيخ رضي الدين أبو داود سليمان بن المظفر بن غانم بن عبد الكريم الجيلي (1) الشافعي المفتي بالمدرسة النظامية ببغداد وكان من أكابر فضلاء عصره، وصنف كتاباً في الفقه يدخل في خمس عشرة مجلدة، وعرضت عليه المناصب فلم يفعل، وكان متديناً. وتوفي يوم الأربعاء لثلاث خلون من شهر ربيع الأول من سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ودفن بالشونيزية، وكان قد نيف على ستين سنة، رحمه الله تعالى، وكان قدومه بغداد من بلاده للاشتغال بعد سنة ثمانين وخمسمائة.
رجعنا إلى الأول: وكان اشتغال شرف الدين المذكور على أبيه بالموصل ولم يتغرب لأجل الاشتغال، وكان الفقهاء يقولون: نعجب منه كيف اشتغل في وطنه وبين أهله وفي عزه واشتغاله بالدنيا، وخرج منه وما خرج، ولو شرعت في وصف محاسنه لأطلت، وفي هذا القدر كفاية.
__________
(1) راجع ترجمته في طبقات السبكي 5: 56.
(1/109)

46 - (1)
ابن عبد ربه
أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم، القرطبي مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكيم الأموي، كان من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس، وصنف كتابه " العقد " وهو من الكتب الممتعة حوى من كل شيء، وله ديوان شعر جيد (2) ، ومن شعره:
يا ذا الذي خط العذار (3) بوجهه ... خطين هاجا لوعة وبلابلا
ما صح عندي أن لحظك صارم ... حتى لبست بعارضيك حمائلا وله في هذا (4) المعنى [وقيل: إنهما لأبي طاهر الكاتب، وقيل: لأبي الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادي] (5) :
ومعذر نقش العذار بمسكه ... خدا له بدم القلوب مضرجا
لما تيقن أن عضب جفونه ... من نرجس جعل النجاد (6) بنفسجا
__________
(1) ترجمة ابن عبد ربه في الجذوة: 94 (والبغية رقم 327) وابن الفرضي 1: 49 والمطمح 51 ومعجم الأدباء 4: 211 والوافي 8، الورقة: 3 وبغية الوعاة: 161، وله في اليتيمة والنفح والعقد وكتاب التشبيهات أشعار كثيرة.
(2) قال الحميدي: وشعره كثير مجموع، رأيت منه نيفاً وعشرين جزءاً (أي كراسة) من جملة ما جمع للحكم.
(3) ب هـ: الجمال.
(4) هذا: زيادة من ب هـ.
(5) ما بين معقفين زيادة من ب.
(6) أ: العذار.
(1/110)

وأخذه البهاء أسعد السنجاري (1) ، فقال من جملة قصيدة:
يا سيف مقلته كملت ملاحة ... ما كنت قبل عذاره بحمائل وله أيضاً:
ودعتني بزفرة واعتناق ... ثم قالت متى يكون التلاقي
وبدت لي فأشرق الصبح منها ... بين تلك الجيوب والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقمٍ ... بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أفظع يومٍ ... ليتني مت قبل يوم الفراق وله أيضاً (2) :
إن الغواني إن رأينك طاوياً ... برد الشباب طوين عنك وصالا
وإذا دعونك عمهن فإنه ... نسب يزيدك عندهن خبالاً وله من جملة قصيدة طويلة في المنذر بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الحكمي أحد ملوك الأندلس من بني أمية:
بالمنذر بن محمدٍ ... شرفت بلاد الأندلس
فالطير فيها ساكن ... والوحش فيها قد أنس قال الوزير المغربي في كتاب " أدب الخواص ": وقد روي أن هذه القصيدة شقت عند انتشارها على أبي تميم معد المعز لدين الله، وساءه ما
__________
(1) هو أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور من سنجار إحدى مدن الجزير العراقية، كان يتفقه شافعياً ثم غلب عليه قول الشعر فاشتهر به وقدم عند الملوك وعاش حتى ناهز التسعين، وكان كيساً لطيفاً فيه خفة روح، خرج من الموصل سنة 619 (ياقوت: سنجار، وستيرجم له ابن خلكان رقم: 92) .
(2) يتكرر هذا الخطأ في المصادر المشرقية (انظر مسالك الأبصار 11: 172 والوافي) إذ إن هذين البيتين للأخطل في ديوانه: 43.
(1/111)

تضمنته من الكذب والتمويه، إلى أن عارضها شاعره الإيادي التونسي بقصيدته التي أولها:
ربع لزينب قد درس ... واعتاض من نطق خرس وهذا الشاعر هو أبو الحسن علي بن محمد الإيادي التونسي.
ولابن عبد ربه:
نعق الغراب فقلت: أكذب طائرٍ ... إن لم يصدقه رغاء بعير وفيه التفات إلى قول بعضهم:
لهن الوجى لم كن عونا على النوى ... ولا زال منها ظالع وحسير
وما الشؤم في نعق الغراب ونعيه ... وما الشؤم إلا ناقة وبعير وله غير ذلك كل معنى مليح.
وكانت ولادته في عاشر رمضان سنة ست وأربعين ومائتين، وتوفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، ودفن يوم الإثنين في مقبرة بني العباس بقرطبة، وكان قد أصابه الفالج قبل ذلك بأعوام، رحمه الله تعالى.
والقرطبي - بضم القاف وسكون الراء المهمله وضم الطاء المهمله وفي آخرها الباء الوحدة - هذه النسبة إلى قرطبة، وهي مدينة كبيرة من بلاد الأندلس وهي دار مملكتها.
وحُدير الذي هو أحد أجداده: بضم الحاء المهمله وفتح الدال المهمله وسكون الياء المثناة من تحتها والراء آخر الحروف.
(1/112)

47 - (1)
أبو العلاء المعري
أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن أنوربن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمر بن بريح بن جديمة بن تيم الله ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قصناعة التنوخي المعري للغوي الشاعر؛ كان متضلعاً من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة، وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب، وله التصانيف الكثيرة المشهورة والرسائل المأثورة، وله من النظم لزوم ما لا يلزم وهو كبير يقع في خمسة أجزاء أو ما يقاربها، وله سقط الزند أيضاً، وشرحه بنفسه، وسماه ضوء السقط، وبلغني أن له كتباً سماه الأيك والغصون وهو المعروف بالهمزة والردف يقارب المائة جزء في الأدب أيضاً، وحكى لي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف وقال: لا أعلم ما كان يعوزه بعد هذا المجلد. وكان علامة عصره.
وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما.
وكانت ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلثمائة بالمعرة، وعمي من الجدري أول سنة سبع وستين، غشى يمنى عينيه بياض وذهبت اليسرى جملة، قال الحافظ السلفي: أخبرني أبو محمد عبد الله (2) بن الوليد بن غريب الإيادي أنه دخل مع عمه على أبي
__________
(1) معظم ما كتب عن أبي العلاء في المصادر القديمة قد جمع في كتاب باسم " تعريف القدماء بأبي العلاء " (دار الكتب: 1944) .
(2) أ: أبو عبد الله محمد.
(1/113)

العلاء يزوره، فرآه قاعداً على سجادة لبد وهو شيخ، قال: فدعا لي ومسح على رأسي وكنت صبيا، قال: وكأني أنظر إليه الساعة وإلى عينيه إحداهما نادرة (1) والأخرى غائرة جدا، وهو مجدر الوجه، نحيف الجسم.
ولما فرغ من تصنيف كتاب اللامع العزيزي في شرح شعر المتنبي وقرىء عليه أخذ الجماعة في وصفه فقال أبو العلاء: كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم واختصر ديوان أبي تمام وشرحه وسماه ذكرى حبيب وديوان البحتري وسماه عبث الوليد وديوان المتنبي وسماه معجز أحمد وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع عليهم، والتوجيه في أماكن لخطئهم.
ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، ودخلها ثانية سنة تسع وتسعين، وأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم رجع إلى المعرة ولزم منزله، وشرع في التصنيف وأخذ عنه الناس، وسار إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الأقدار، وسمى نفسه رهين المحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه، ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تديناً لأنه كان يرى رأي الحكماء المتقدمين وهم لا يأكلونه كي لا يذبحوا الحيوان ففيه تعذيب له وهم لا يرون الإيلام في جميع الحيوانات.
وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ومن شعره في اللزوم قوله:
لا تطلبن بآلةٍ لك رتبهً ... قلم البليغ بغير جد مغزل
سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل وتوفي يوم الجمعة ثالث - وقيل: ثاني - شهر ربيع الأول، وقيل: ثالث عشره، سنة تسع وأربعين واربعمائة بالمعرة، وبلغني أنه أوصى أن
__________
(1) هـ: بارزة.
(1/114)

يكتب على قبره هذا البيت:
هذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد وهو أيضا متعلق باعتقاد الحكماء، فانهم يقولون: إيجاد الولد وإخراجه إلى هذا العالم جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث والآفات.
وكان مرضه ثلاثة أيام، ومات في اليوم الرابع، ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث (1) : اكتبوا عني، فتناولوا الدوي والأقلام، فأملى عليهم غير الصواب، فقال القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت؛ فمات ثاني يوم. ولما توفي رثاه تلميذه أبو الحسن علي بن همام بقوله:
إن كنت لم ترق الدماء زهادة ... فلقد أرقت اليوم من جفني دماً
سيرت ذكرك في البلاد كأنه ... مسك فسامعة يضمخ أو فما
وأرى الحجيج إذا أرادوا ليلة ... ذكراك أخرج فدية من أحرما وقد أشار في البيت الأول إلى ما كان يعتقده ويتدين به من عدم الذبح كما تقدم ذكره.
وقبره في ساحة من دوار أهله، وعلى الساحة باب [صغير قديم] (2) ، وهو على غاية ما يكون من الإهمال وترك القيام بمصالحه، وأهله لايحتفلون به.
والتنوخي - بفتح التاء المثناة من فوقها وضم النون المخففة وبعد الواو خاء معجمة - وهذه النسبة إلى تنوخ، وهواسم لعدة قبائل اجتمعوا قديماً بالبحرين، وتحالفوا على التناصر، وأقاموا هناك فسموا تنوخاً. والتنوخ: الإقامة، وهذه القبيلة إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب، وهم: بهراء، وتنوخ، وتغلب.
والمعري - بفتح الخميم والعين المهملة وتشديد الراء - وهذه النسبة إلى
__________
(1) ب: فقال لهم في يوم ثالث وقيل ثان.
(2) ما بين معقفين زيادة من ب هـ.
(1/115)

معرة النعمان، وهي: بلدة صغيرة بالشام بالقرب من حماة وشيزر، وهي منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، فإنه تديرها، فنسبت إليه، وأخذها الفرنج من المسلمين في محرم سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة ولم تزل بأيدي الفرنج من يومئذ إلى أن فتحها عماد الدين زنكي بن آق سنقر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى سنة تسع وعشرين وخمسمائة، ومن على أهلها بأملاكهم.
48 - (1)
ابن شهيد
أبو عامر أحمد بن أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك بن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد الأشجعي الأندلسي القرطبي؛ هو من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط، ذكره ابن بسام في كتاب الذخيرة، وبالغ في الثناء عليه، وأورد له طرفاً وافراً من الرسائل والنظم والوقائع. وكان من أعلم أهل الأندلس (2) ، متفنناً بارعاً في فنونه، وبينه وبين ابن حزم الظاهري مكاتبات وماعبات، وله التصانيف الغربية البديعة، منها كتاب كشف الدك وإيضاح الشك، ومنها التوابع والزوابع، ومنها حانوت عطار، وغير ذلك. وكان فيه
__________
(1) ترجمة أبي عامر ابن شهيد في الجذوة: 124 (والبغية رقم: 437) والذخيرة 1/1: 161 والمغرب 1: 78 والمطمح: 16 وإعتاب الكتاب: 74 والمطرب: 174 ومعجم الأدباء 2: 218 والوافي 7، الورقة: 70 واليتيمة 2: 38 والمسالك 11: 280 وله تاريخ ذكر كثير في نفح الطيب وبدائع البدائه وشرح الشريشي، وقد جمع شارل بلا ديوانه فأخل بكثير من شعره الموجود في المصادر.
(2) قوله: " وكان من أعلم أهل الأندلس " يستدعي توقفاً، فقد عرف ابن شهيد بأنه كان قليل الإطلاع.
(1/116)

مع هذه الفضائل كرم مفرط، وله في ذلك حكايات ونوادر ومن محاسن شعره من جملة قصيدة (1) :
وتدري سباع الطير أن كماته ... إذا لقيت صيد الكماة سباع
تطير جياعاً فوقه وتردها ... ظباه إلى الأوكار وهي شباع وإن كان هذا معنى مطروقاً، وقد سبقه إليه جماعة من الشعراء في الجاهلية والإسلام، لكنه أحسن في سبكه وتلطف في أخذه.
ومن رقيق شعره وظريفه قوله (2) :
ولما تملأ من سكره ... ونام ونامت عيون العسس (3)
دنوت إليه على بعده ... دنو رفق درى ما التمس
أدب إليه دبيب الكرى ... واسمو إليه سمو النفس
وبت به ليلتي ناعماً ... إلى أن تبسم ثغر الغلس
أقبل منه بياض الطلى ... وأرشف منه سواد اللعس وما ألطف قول أبي منصور علي بن الحسن المعروف بصردر في هذا المعنى، وهو قوله (4) :
وحي طرقناه على غير موعد (5) ... فما إن وجدنا عند نارهم هدى
وما غفلت أحراسهم غير أننا ... سقطنا عليهم مثلما يسقط (6) الندى وقد استعمل هذا المعنى جماعة من الشعراء، والأصل فيه قول امرىء القيس (7) :
__________
(1) انظر الذخيرة: 243.
(2) الذخيرة: 245.
(3) أج: فنام وملت عيون الحرس.
(4) ديوان صردر: 39.
(5) الديوان: زور موعد.
(6) الديوان: سقط.
(7) ديوانه: 31.
(1/117)

سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالاً على حال ومعظم شعره فائق.
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، وتوفي ضحى نهارالجمعة سلخ جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة، بقرطبة. ودفن ثاني يوم في مقبرة أم سلمة، رحمه الله تعالى.
وأبوه عبد الملك مذكور في كتاب الصلة (1) .
وشهيد: بضم الشين المثلثة وفتح الهاء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها دال مهملة.
والأشجعي - بفتح الهمزة وسكون الشين المثلثة وفتح الجيم وبعدها عين مهملة - هذه النسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان، وهي قبيلة كبيرة.
49 - (2)
ابن فارس
أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكرياء بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي؛ كان إماماً في علوم شتى، وخصوصاً اللغة فإنه أتقنها، وألف كتابه المجمل في اللغة، وهو على اختصاره جمع شيئاً كثيراً، وله كتاب حلية الفقهاء، وله رسائل أنيقة، ومسائل في اللغة، ويعايي (3) بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات الآتي ذكره إن شاء الله تعالى ذلك الأسلوب، ووضع
__________
(1) الصلة: 338.
(2) ترجمة ابن فارس في معجم الأدباء 4: 80 وانباه الرواة 1: 92 والوافي 7، الورقة: 134 والديباج: 37 ونزهة الألباء: 219 وبغية الوعاة: 153 ودمية القصر: 257 واليتيمة 3: 402.
(3) يعايي: يحاجي.
(1/118)

المسائل الفقهية في المقامة الطيبة، وهي مائة مسألة. وكان مقيماً بهمذان، وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وله أشعار جيدة، فمنها (1) قوله:
مرت بنا هيفاء مجدولة (2) ... تركية تنمى لتركي
ترنو بطرف فاتر فاتنٍ (3) ... أضعف من حجة نحوي وله أيضاً:
اسمع مقالة ناصح ... جمع النصيحة والمقه
إياك واحذر أن تبي ... ت من الثقات على ثقه وله أيضاً:
إذا كنت في حاجة مرسلاً ... وأنت بها كلف مغرم
فأرسل حكيماً ولا توصه ... وذاك الحكيم هو الدرهم وله أيضاً:
سقى همذان الغيث، لست بقائل ... سوى ذا، وفي الأحشاء نار تضرم
وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت أعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني ... مدين وما في جوف بيتي درهم وله أشعار كثيرة حسنة.
توفي سنة تسعين وثلثمائة - رحمه الله تعالى - بالري، ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني. وقيل: إنه توفي في صفر سنة خمس وسبعين وثلثمائة بالمحمدية، والأول أشهر.
والرازي - بفتح الراء المهملة وبعد الألف زاي - هذه نسبة إلى الري،
__________
(1) أج: وله شعر جيد فمنه؛ قلت: وقطعه هذه في اليتيمة: 405 - 406.
(2) هـ: ممشوقة، اليتيمة: مقدودة.
(3) أج: فاتن فاتر.
(1/119)

وهي من مشاهير بلاد الديلم، والزاي زائدة فيها كما زادوها في المروزي عند النسبة إلى مرو الشاهجان.
ومن شعره أيضاً:
وقالوا كيف حالك قلت خير ... تقضى حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون لها انفراج
نديمي هرتي، وأنيس نفسي ... دفاتر لي، ومعشوقي السراج 50 (1)
أبو الطيب المتنبي
أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المعروف بالمتنبي الشاعر المشهور، وقيل: هو أحمد بن الحسين بن مرة بن عبد الجبار، والله أعلم.
هو من أهل الكوفة، وقدم الشام في صباه وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من الكثيرين من نقل اللغة والمطلعين على غريبها وحوشيها، ولا يسأل عن شيء إلا واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر، حتى قيل: إن الشيخ أبا علي الفارسي، صاحب الإيضاح والتكملة، قال له يوماً: كم لنا من الجموع على وزن فعلي: فطالعت كتب اللغة ثلاث
__________
(1) له ترجمة في الجزء الأول من اليتيمة وفي الخزانة؛ وحوله يدور كتاب الصبح المنبي؛ ومن المؤلفات الحديثة عنه كتاب المتنبي للعلامة محمو د شاكر، ومع المتنبي للدكتور طه حسين وذكرى أبي الطيب للدكتور عبد الوهاب عزام؛ ومن المفيد مراجعة الموضحة للحاتمي والوساطة للجرجاني ورسالة الصاحب في ذمه والإيضاح لمشكل شعره (مخطوط) والمنصف لابن وكيع (مخطوط) وغيرها كثير يعز على الحصر.
(1/120)

ليال علي أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً، فلم أجد. وحسبك من يقول في حقه أبو علي هذه المقالة. وحجلى: جمع حجل، وهو: الطائر الذي يسمى القبج.
والظربي: جمع ظربان - على مثال قطران - وهي دويبة منتنة الرائحة.
وأما شعره فهو في النهاية، ولا حاجة إلى ذكر شيء منه لشهرته، لكن الشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله كان يروي له بيتين لا يوجدان في ديوانه وكانت روايته لهما بالإسناد الصحيح المتصل به، فأحببت ذكرهما لغرابتهما، وهما:
أبعين مفتقر إليك نظرتني ... فأهنتني وقد فتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق (14) ولما كان بمصر مرض، وكان له صديق يغشاه في علته، فلما أبل أنقطع عنه، فكتب إليه: وصلتني وصلك الله معتلاً، وقطعتني مبلاً، فإن رأيت أن لا تحبب العلة إلي، ولا تكدر الصحة علي، فعلت إن شاء الله تعالى.
والناس في شعره على طبقات: فمنهم من يرجحه على أبي تمام ومن بعده، ومنهم من يرجح أبا تمام عليه، وقال أبو العباس أحمد بن محمد النامي الشاعر الآتي ذكره عقيب هذا: كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي، وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ماسبق إليهما، أحدهما قوله:
رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال
فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال والآخر قوله:
في جحفل ستر العيون غباره ... فكأنما يبصرن بالآذان واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه، وقال لي أحد المشايخ الذين أخذت عنهم: وقفت له على أكثر من أربعين شرحاً ما بين مطولات ومختصرات، ولم يفعل هذا بديوان غيره، ولاشك أنه كان رجلاً مسعوداً، ورزق في شعره السعادة التامة.
(1/121)

وإنما قيل له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة، وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلاً ثم استتابه وأطلقه، وقيل غير ذلك، وهذا أصح، وقيل: إنه قال: أنا أول من تنبأ بالشعر.
ثم التحق بالأمير سيف الدولة بن حمدان في سنة سبع وثلاثين وثلثمائة، ثم فارقه ودخل مصر سنة ست وأربعين وثلثمائة، ومدح كافوراً الإخشيدي وأنوجور ابن الإخشيد، وكان يقف بين يدي كافور وفي رجليه خفان وفي وسط سيف ومنطقة ويركب بحاجبين من مماليكه وهما بالسيوف والمناطق، ولما لم يرضه هجاه وفارقه ليلة عيد النحر سنة خمسين وثلثمائة، ووجه كافور خلفه رواحل إلى جهات شتى فلم يلحق، وكان كافور وعده بولاية بعض أعماله، فلما رأى تعاليه في شعره وسموه بنفسه خافه، وعوتب فيه فقال: يا قوم، من ادعى النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، أما يدعي المملكة مع كافور فحسبكم.
قال أبو الفتح ابن جني النحوي: كنت قرأت ديوان أبي الطيب المتنبي عليه، فقرأت عليه قوله في كافور القصيدة التي أولها:
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب حتى بلغت إلى قوله:
ألا ليت شعري هل أقول قصيدة ... ولا اشتكي فيها ولا أتعتب
وبي ما يذود الشعر عني أقله ... ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب فقلت له: يعز علي، كيف يكون هذا الشعر في ممدوح غير سيف الدولة فقال: حذرناه وأنذرناه فما نفع، ألست القائل فيه:
أخا الجود، أعط الناس ما أنت مالك ... ولا تعطين الناس ما أنا قائل فهو الذي أعطاني كافوراً بسوء تدبيره وقلة تمييزه.
وكان لسيف الدولة مجلس يحضره العلماء كل ليلة فيتكلمون بحضرته، فوقع
(1/122)

بين المتنبي وبين ابن خالويه النحوي كلام، فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح كان معه، فشجه وخرج ودمه يسيل على ثيابه، فغضب وخر إلى مصر وامتدح كافوراً.
ثم رحل عنه وقصد بلاد فارس، ومدح عضد الدولة بن بويه الديلمي، فأجزل جائزته، ولما رجع من عنده قاصداً إلى بغداد ثم إلى الكوفة في شعبان لثمان خلون منه عرض له فاتك بن أبي الجهل الأسدي في عدة من أصحابه، وكان مع المتنبي أيضاً جماعة من أصحابه، فقاتلوهم، فقتل المتنبي وابنه مُحسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية، في موضع يقال له الصافية، وقيل حيال الصافية، من الجانب الغربي من سواد بغداد عند دير العاقول بينهما مسافة ميلين.
وذكر ابن رشيق في كتاب " العمدة " (1) في باب منافع الشعر ومضاره أن أبا الطيب لما فر حين رأى الغلبة قال له غلامه: لا يتحدث الناس عنك بالفرار أبدا وأنت القائل:
فالخيل والليل والبيداء تعرفني ... والحرب والضرب والقرطاس والقلم فكر راجعاً حتى قتل، وكان سبب قتله هذا البيت، وذلك يوم الأربعاء ليست بقين - وقيل: لثلاث بقين، وقيل: لليلتين بقيتا - من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلثمائة، وقيل: إن قتله كان يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان، وقيل: لخمس بقين من شهر رمضان من السنة المذكورة.
ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة بالكوفة في محلة تسمى كندة فنسب إليها، وليس هو من كندة التي هي قبيلة، بل هو جعفي القبيلة - بضم الجيم وسكون العين المهملة وبعدها فاء - وهو جعفي بن سعد العشيرة بن مذحج، واسمه مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان، وإنما قيل له سعد العشيرة لأنه كان يركب - فيما قيل - في ثلثمائة من ولده وولد ولده، فإذا قيل له: من هؤلاء قال: عشيرتي، مخافة العين عليهم.
__________
(1) انظر العمدة 1: 45.
(1/123)

ويقال: إن أبا المتنبي كان سقاء بالكوفة، ثم انتقل إلى الشام بولده، ونشأ ولده بالشام، وإلى هذا أشار بعض الشعراء في هجو المتنبي حيث قال:
أي فضل لشاعر يطلب الفض ... ل من الناس بكرة وعشيا
عاش حيناً يبيع في الكوفة الما ... ء، وحيناً يبيع ماء المحيا وسيأتي في حرف الحاء نظير هذا المعنى لابن المعذل في أبي تمام حبيب بن أوس الشاعر المشهور.
ولما قتل المتنبي رثاه أبو القاسم المظفر بن علي الطبسي بقوله:
لا رعى الله سرب هذا الزمان ... إذ دهانا في مثل ذاك اللسان
ما رأى الناس ثاني المتنبي ... أي ثان يرى لبكر الزمان
كان من نفسه الكبيرة في جي ... ش وفي كبرياء ذي سلطان
هو في شعره نبي، ولكن ... ظهرت معجزاته في المعاني والطبسي - بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبعدها سبن مهملة - هذه النسبة إلى مدينة في البرية بين نيسابور وإصبهان وكرمان يقال لها طبس.
ويحكى أن المعتمد بن عباد اللخمي صاحب قرطبة وإشبيلية أنشد يوماً في مجلسه بيت المتنبي، وهو من جملة قصيدته المشهورة (1) :
إذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المطي ورازمه وجعل يردده استحساناً له، وفي مجلسه أبو محمد عبد الجليل بن وهبون الأندلسي، فأنشد ارتجالاً:
لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما ... تجيد العطايا واللها تفتح اللها
تنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها وذكر الإفليلي أن المتنبي أنشد سيف الدولة بن حمدان في الميدان قصيدته التي أولها:
__________
(1) راجع هذا الخبر في نفح الطيب 3: 194، 235 (ط. صادر) .
(1/124)

لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا فلما عاد سيف الدولة إلى داره استعاده إياها، فأنشدها قاعداً، فقال بعض الحاضرين - يريد أن يكيد أبا الطيب - لو أنشدها قائماً لأسمع، فإن أكثر الناس لا يسمعون، فقال أبو الطيب: أما سمعت أولها:
لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وهذا من مستحسن الأجوبة، وبالجملة فسمو نفسه وعلو همته وأخباره وما جرياته كثيرة، والاختصار أولى.
واسم ولده محسد: بضم الميم وفتح الحاء المهملة والسين المهملة المشددة وبعدها دال مهملة.
51 - (1)
النامي الشاعر
أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي المعروف بالنامي الشاعر المشهور؛ كان من الشعراء المفلقين، ومن فحولة شعراء عصره، وخواص مداح سيف الدولة بن حمدان، وكان عنده تلو أبي الطيب المتنبي في المنزلة والرتبة، وكان فاضلاً أديباً بارعاً عارفاً باللغة والأدب، وله أمال أملاها بحلب روى فيها عن ابي الحسن علي بن سليمان الأخفش وابن در ستويه وأبي عبد الله الكرماني وأبي بكر الصولي وإبراهيم بن عبد الرحمن العروضي وأبيه محمد المصيصي، وروى عنه أبو القاسم الحسين بن علي بن أبي أسامة الحلبي وأخوه أبو الحسين أحمد وأبو الفرج الببغاء وأبو الخطاب ابن عون الحريري (2) وأبو بكر الخالدي
__________
(1) ترجمة النامي في اليتيمة 1: 241 والوافي 8، الورقة: 43.
(2) هـ: الجزيري، ووردت في هـ مرة: الجريري.
(1/125)

والقاضي أبو طاهر صالح بن جعفر الهاشمي.
ومن محاسن شعره قوله فيه من جملة قصيدة (1) :
أمير العلا إن العوالي كواسب ... علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد
يمر عليك الحول، سيفك في الطلى ... وطرفك ما بين الشكيمة واللبد
ويمضي عليك الدهر، فعلك للعلا ... وقولك للتقوى وكفك للرفد ومن شعره أيضاً:
أحقاً أن قاتلتي زرود ... وأن عهودها تلك العهود
وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد
فشكت في عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد.
وحكى أبو الخطاب ابن عون الحريري النحوي الشاعر أنه دخل على أبي العباس النامي قال: فوجدته جالساً ورأسه كالثغامة بياضاً وفيه شعرة واحد سوداء، فقلت له: ياسيدي في رأسك شعرة سوداء، فقال: نعم، هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها ولي فيها شعر، فقلت: أنشدنيه، فأنشدني:
رأيت في الرأس شعرة بقيت ... سوداء تهوى العيون رؤيتها
فقلت للبيض إذ تروعها ... بالله ألا رحمت (2) غربتها (3)
فقل لبث السوداء في وطن ... تكون فيه البيضاء ضرتها ثم قال: يا أبا الخطاب بيضاء واحدة تروع ألف سوداء، فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء!
ومن شعره - وينسب إلى الوزير أبي محمد المهلبي، وليس الأمر كذلك -:
أتاني في قميص اللاذ يسعى ... عدو لي يلقب بالحبيب
__________
(1) هذه المقطوعة واثنتان بعدها في اليتيمة.
(2) أ: ما ترحن.
(3) د: وحدتها.
(1/126)

وقد عبث الشراب بمقلتيه ... فصير خده كسنا اللهيب
فقلت له بما استحسنت هذا ... لقد أقبلت في زي عجيب
أحمرة وجنتيك كستك هذا ... أم أنت صبغته بدم القالوب
فقال الراح أهدت لي قميصاً ... كلون الشمس في شفق المغيب
فثوبي والمدام ولون خدي ... قريب من قريب من قريب وتوفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة (1) ، وقيل: سنة سبعين أو إحدى وسبعين، بحلب، وعمره تسعون سنة، رحمه الله تعالى.
والدارمي - بفتح الدال المهملة وبعد اللف راء مكسورة ثم ميم - هذهالنسبة إلى دارم بن مالك، بطن كبير من تميم.
والمصيصي - بكسر الميم والصاد المهملة المشددة وسكون الياء المثناة من تحتها، وبعدها صاد ثانية مهملة - هذه النسبةإلى المصيصة، وهي مدينة على [ساحل] البحر الرومي تجاور طرطوس والسيس وتلك النواحي، بناها صالح بن علي عم أبي جعفر المنصور في سنة أربعين ومائة بأمر المنصور.
52 - (2)
بديع الزمان الهمذاني
أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني، الحافظ المعروف ببديع الزمان؛ صاحب الرسائل الرائقة (3) ، والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج الحريري مقاماته واحتذى حذوه واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله، وأنه الذي أرشده إلى سلوك ذلك المنهج، وهو أحد الفضلاء
__________
(1) ج: تسع وسبعين وثلاثمائة.
(2) ترجم له الثعالبي في اليتيمة 4: 256 وانظر معجم الأدباء 2: 161.
(3) أج: الأنيقة.
(1/127)

الفصحاء، روى عن أبي الحسين احمد بن فارس صاحب " المجمل " في اللغة وعن غيره، وله الرسائل البديعة والنظم الميح، وسكن هراة من بلاد خراسان.
فمن رسائله (1) : " الماء إذا طال مكثه، ظهر خبثه. وإذا سكن متنه، تحرك نتنه. وكذلك الضيف يسمج لقاؤه، إذا طال ثواؤه، ويثقل ظله، إذا انتهى محله. والسلام ".
ومن رسائله (2) : " حضرته التي هي كعبة المحتاج، لاكعبة الحجاج. ومشعر الكرم، لا مشعر الحرم. ومنى الضيف، لا منى الخيف. وقبلة الصلات، لا قبلة الصلاة ".
وله من تعزية (3) : الموت خطب قد عظم حتى هان، ومس قد خشن حتى لان. والدنيا قد تنكرت حتى صار الموت أخف خطوبها، وجنت (4) حتى صار أصغر ذنوبها. فلتنظر (5) يمنة، هل ترى إلا محنة ثم انظر يسرة هل ترى إلا حسرة.
ومن شعره من جملة قصيدة طويلة (6) :
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكباً ... لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن، والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا ومن شعره في ذم همذان، ثم وجدتهما لأبي العلاء محمد بن [علي بن] حسول الهمذاني:
همذان لي بلد أقول بفضله ... لكنه من أقبح البلدان
صبيانه في القبح مثل شيوخه ... وشيوخه في العقل (7) كالصبيان وله كل معنى مليح حسن من نظم ونثر.
__________
(1) اليتيمة: 264.
(2) اليتيمة: 259.
(3) اليتيمة: 260.
(4) هـ: وخبثت.
(5) هـ: فانظر.
(6) اليتيمة: 293.
(7) د: في الفعل.
(1/128)

وكانت وفاته سنة ثمان وتسعين وثلثمائة مسموماً بمدينة هراة، رحمه الله تعالى.
ثم وجدت في آخر رسائله التي جمعها الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن دوست ما مثاله: هذا آخر الرسائل، وتوفي رحمة الله تعالى بهراة يوم الجمعة الحادي عشر من جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وثلثمائة؛ قال الحاكم المذكور: وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكنة وعجل دفنه، فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وأنه نبش عنه فوجدوه قد قبض على لحيته ومات من هول القبر.
53 - (1)
ابن طباطبا
أبو القاسم أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم ابن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الشريف الحسني الرسي (2) المصري؛ كان نقيب الطالبين بمصر، وكان من أكابر رؤسائها، وله شعر مليح في الزهد والغزل وغير ذلك، وذكره أبو منصور الثعالبي في كتاب اليتيمة وذكر له مقاطيع، ومن جملة ما أورد له قوله:
خليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد
أيبقي جميعاً شملها وهي ستة ... وأفقد من أحببته وهو واحد وأورد له أيضاً، وذكرها في أوائل الكتاب لذي القرنين بن حمدان، قوله:
قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد
__________
(1) انظر اليتيمة 1: 428 والمغرب (قسم مصر) : 202 والوافي 7، الورقة: 176.
(2) هـ: الزيني.
(1/129)

فقال أبصرته لو مات من ظمإ ... وقلت قف عن ورود الماء (1) لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب (2) عادته ... يا برد ذلك الذي قالت على كبدي وله غير هذا أشياء حسنة.
ومن شعره المنسوب إليه في طول الليل، وهو معنى غريب:
كأن نجوم الليل سارت نهارها ... فوافت عشاء وهي أنضاء أسفار
وقد خيمت كي يستريح ركابها ... فلا فلك جار ولا كوكب ساري ثم وجدت هذين البيتين في ديوان أبي الحسن ابن طباطبا من جملة قصيدة طويلة.
ونقلت من ديوان أبي الحسن المذكور من جملة أبيات:
بانوا وأبقوا في حشاي لبينهم ... وجداً إذا ظعن الخليط أقاما
لله أيام السرور كأنما ... كانت لسرعة مرها أحلاما
لو دام عيش رحمةً لأخي هوًى ... لأقام لي ذاك السرور وداما
يا عيشنا المفقود خذ من عمرنا ... عاماً ورد من الصبا أياما ولا أدري من هذا أبو الحسن، ولا وجه النسبة بينه وبين أبي القاسم المذكور، والله أعلم.
وذكره الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخ مصر وقال: توفي في سنة خمس وأربعين وثلثمائة، رحمه الله تعالى؛ وزاد غيره: ليلة الثلاثاء لخمس بقين من شعبان، ودفن في مقبرتهم خلف المصلى الجديد بمصر، وعمره أربع وستون سنة.
وطباطبا - بفتح الطاءين المهملتين والباءين الموحدتين - وهو لقب جده إبراهيم، وإنما قيل له ذلك لأنه كان يلثغ فيجعل القاف طاء، وطلب يوماً ثيابه، فقال له غلامه: أجيء بدراعة فقال: لا، طباطبا، يرد قبا قبا،
__________
(1) هذه هي رواية أج د واليتيمة؛ وفي ب هـ: قف لا ترد للماء.
(2) هذه هي رواية أج واليتيمة؛ وفي سائر الأصول: وفاء الحب.
(1/130)

فبقي عليه لقباً، واشتهر به (1) .
والرسي: بفتح الراء والسين المشددة المهملة، قال ابن السمعاني: هذه نسبة إلى بطن من بطون السادة العلوية.
54 - (2)
أبو الرقعمق
أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي المنبور بأبي الرقعمق الشاعر المشهور؛ ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال في حقه: هو نادرة الزمان، وجملة الإحسان، وممن تصرف بالشعر في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المداح المجيدين، والشعراء المحسنين، وهو بالشام كابن حجاج بالعراق.
فمن غرر محاسنه قوله يمدح أبا الفرج يعقوب بن كلس وزير العزيز بن المعز العبيدي صاحب مصر، وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى:
قد سمعنا مقاله واعتذاره ... وأقلناه ذنبه وعثاره
والمعاني لمن عنيت ولكن ... بك عرضت فاسمعي يا جاره
من تراديه أنه أبد الده ... ر تراه محللاً أزراره
عالم أنه عذاب من الل ... هـ متاح لأعين النظاره
هتك الله ستره فلكم هت ... ك من ذي تستر أستاره
سحرتني ألحاظه وكذا ك ... ل مليح ألحاظه سحاره
ما على مؤثر التباعد والإع ... راض لو آثر الرضى والزياره
__________
(1) أورد هذا في عمدة أنساب الطالبيين ص: 141 ثم قال: وطباطبا بلسان النبطية: " سيد السادات ".
(2) له ترجمة في اليتيمة 1: 326 والوافي 8، الورقة: 55 والشذرات 3: 155 والعبر 3: 70 ومعاهد التنصيص 2: 253.
(1/131)

وعلى أنني وإن كان قد ع ... ذب بالهجر مؤثر إيثاره
لم أزل لا عدمته من حبيب ... أشتهي قربه وآبى نفاره ومن مديحها:
لم يدع لي العزيز في سائرالأر ... ض عدواً إلا وأخمد ناره
كل يوم له على نوب الده ... ر وكر الخطوب بالبذل غاره
ذو يد شأنها الفرار من البخ ... ل وفي حومة الندى كراره
هي فلت عن العزيز عداه ... بالعطايا وكثرت أنصاره
هكذا كل فاضل يده تم ... سي وتضحي نفاعة ضراره
فاستجره فليس يأمن إلا ... من تفيا ظلاله واستجاره
وإذا ما رأيته كطرقاً يع ... مل فيما يريده أفكاره
لم يدع بالذكاء والذهن شيئاً ... في ضمير الغيوب إلا أثاره
لا ولا موضعاً من الأرض إلا ... كان بالرأي مدركاً أقطاره
زاده الله بسطة وكفاه ... خوفة من زمانه وحذاره وأكثر شعره جيد، وهو على أسلوب شعر صريع الدلاء القصار البصري.
وأقام بمصر زماناً طويلاً، ومعظم شعره في ملوكها ورؤسائها، ومدح بها المعز أبا تميم معد بن المنصور بن القائم بن المهدي عبد الله، وولده العزيز، والحاكم بن العزيز، والقائد جوهراً، والوزير أبا الفرج ابن كلس، وغيرهم من أعيانها، وكل هؤلاء الممدوحين سيأتي ذكرهم في تراجمهم إن شاء الله تعالى.
وذكره الأمير المختار المسبحي في تاريخ مصر وقال: توفي سنة تسع وتسعين وثلثمائة، وزاد غيره: في يوم الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان، وقيل: في شهر ربيع الآخر، رحمه الله تعالى؛ وأظنه توفي بمصر.
والأنطاكي - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الطاء المهملة وبعد الألف كاف - هذه النسبة إلى أنطاكية وهي مدينة بالشام بالقرب من حلب.
والرقعمق - بفتح الراء والقاف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبعدها قاف - وهو لقب عليه.
(1/132)

55 - (1)
جحظة البرمكي
أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك المعروف بجحظة البرمكي النديم؛ كان فاضلاً صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة، وقد جمع أبو نصر ابن المرزبان أخباره وأشعاره، وكان من ظرفاء عصره، وهو من ذرية البرامكة، وله الأشعار الرائقة، فمن شعره قوله:
أنا ابن أناس مول الناس جودهم ... فأضحوا حديثاً للنوال المشهر
فلم يخل من إحسانهم لفظ مخبر ... ولم يخل من تقريظهم بطن دفتر وله أيضاً:
فقلت لها بخلت علي يقظى ... فجودي في المنام لمستهام
فقالت لي وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام وله أيضاً:
أصبحت بين معاشرٍ هجروا الندى ... وتقبلوا الأخلاق من أسلافهم
قوم أحاول نيلهم فكأنما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم
هات اسقنيها بالكبير وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم وله أيضاً:
يا أيها الركب الذي ... ن فراقهم إحدى البليه
__________
(1) لجحظة البرمكي ترجمة في معجم الأدباء 2: 241 وتاريخ بغداد 4: 65 والفهرست: 145 وله تصانيف ذكرها ابن النديم منها: كتاب الطبيخ، وكتاب الطنبوريين، وكتاب الترنم..؛ وذكر ياقوت أن وفاته كانت سنة 324، وأنه كان وسخاً قذراً دني النفس.
(1/133)

وصيكم الصب المقي ... م بقلبه خير الوصيه وله أيضاً:
وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب مثرٍ أنت أم ثوب مقتر
فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرامٍ مقتر وله ديوان شعر أكثره جيد، وقضاياه مشهورة، ومن أبياته السائرة قوله:
ورق الجو حتى قيل هذا ... عتاب بين جحظة والزمان ولابن الرومي فيه، وكان مشوه الخلق:
نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان
وارحمتا لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان وتوفي سنة ست وعشرين وثلثمائة، وقيل: سنة أربع وعشرين، بواسط، وقيل: حمل تابوته من واسط إلى بغداد، رحمه الله تعالى.
وجحظة - بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الظاء المعجمة وبعدها هاء - وهو لقب عليه لقبه به عبد الله بن المعتز.
قال الخطيب: وكانت ولادته في شعبان سنة أربع وعشرين ومائتين. وله ذكر في تاريخ بغداد، وفي كتاب " الأغاني ".
(1/134)

56 - (1)
ابن دراج القسطلي
أبو عمر أحمد بن محمد بن العاصي بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن دراج الأندلسي القسطلي الشاعر الكاتب؛ كان كاتب المنصور بن أبي عامر وشاعره، وهو معدود في تاريخ الأندلس من جملة الشعراء المجيدين والعلماء المتقدمين، ذكره أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر، وقال في حقه: كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام، وهو احد الشعراء الفحول، وكان يجيد ما ينظم ويقول، واورد له أشعاراً حسنةً، وذكره أبو الحسن ابن بسام في كتاب الذخيرة، وساق طرفاً من رسائله ونظمه، ونقلت من ديوانه - وهو جزءان - أن المنصور بن أبي عامر أمره أن يعارض قصيدة أبي نواس الحكمي التي مدح بها الخطيب بن عبد الحميد (2) صاحب الخراج بمصر التي أولها:
أجارة بيتينا أبوك غيور ... وميسور ما يرجى لديك عسير فعارضها بقصيدة بليغة، من جملتها (3) :
ألم تعلمي أن الثواء هو التوى ... وأن بيوت العاجزين قبور
تخوفني طول السفار، وإنه ... لتقبيل كف العامري سفير
__________
(1) راجع ترجمته في الذخرة 1/1: 43 والجذوة: 102 والصلة: 44 والمغرب 2: 60 واليتيمة 1: 438 والوافي 8، الورقة: 22 والمسالك 11: 201 والعبر 3: 142 والشذرات 3: 217 وقد نشر ديوانه بتحقيق الدكتور محمود مكي (دمشق: 1961) وانظر في مقدمات مزيداً من المصادر عنه وعن شعره.
(2) قال في شرح ديوان أبي نواس (1: 215) : هو دهقان من أهل المذار شريف الآباء وليس بابن صاحب نهر أبي الخصيب، ذاك عبد للمنصور، وهذا كان رئيساً في أرضه فانتقل إلى بغداد وأصبح كاتب مهرويه الرازي ثم انتقل إلى الإمارة.
(3) ديوانه: 298.
(1/135)

دعيني أرد ماء المفاوز آجناً ... إلى حيث ماء المكرمات نمير
فإن خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير:
ولما تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أنة وزفير
تناشدني عهد المودة والهوى ... وفي المهد مبغوم النداء صغير
عيي بمرجوع الخطاب ولحظه ... بموقع أهواء النفوس خبير
تبوأ ممنوع القلوب ومهدت ... له أذرع محفوفة ونحور
فكل مفداة الترائب مرضع ... وكل محياة المحاسن ظير
عصيت شفيع النفس فيه وقادني ... رواح لتدآب السرى وبكور
وطار جناح البين بي وهفت بها ... جوانح من ذعر الفراق تطير
لئن ودعت مني غيوراً فإنني ... على عزمتي من شجوها لغيور
ولو شاهدتني والهواجر تلتظي ... علي ورقراق السراب يمور
أسلط حر الهاجرات إذا سطا ... على حر وجهي والأصيل هجير
وأستنشق النكباء وهي لوافح ... وأستوطىء الرمضاء وهي تفور
وللموت في عين الجبان تلون ... وللذعر في سمع الجريء صفير
لبان لها أني من البين جازع ... وأني على مضى الخطوب صبور
أمير على غول التنائف ماله ... إذا ريع إلا المشرفي وزير
ولو بصرت بي والسرى جل عزمتي ... وجرسي لجنان الفلاة سمير
وأعتسف الموماة في غسق الدجى ... وللأسد في غيل الغياض زئير
وقد حومت زهر النجوم كأنها ... كواكب في خضر الحدائق حور
ودارت نجوم القطب حتى كأنها ... كؤوس مها (1) والى بهن مدير
وقد خيلت طرق المجرة انها ... على مفرق الليل البهيم قتير (2)
وثاقب عزمي والظلام مروع ... وقد غضن أجفان النجوم فتور
__________
(1) المها: البلور.
(2) القتير: الشيب.
(1/136)

لقد أيقنت أن المنى طوع همتي ... وأني بعطف العامري جدير وهي طويلة، وفي هذا القدر منها كفاية. وإذا قد ذكرت هذه القصيدة فينبغي أن أذكر شيئاً من قصيدة أبي نواس التي وازنها أبو عمر؛ وكان أبو نواس قد خرج من بغداد قاصداً مصر ليمدح أبا نصر الخطيب بن عبد الحميد صاحب ديوان الخراج بها، فأنشده هذه القصيدة، وذكر المنازل التي مر عليها في طريقه، وقد ذكرت منها بيتاً في ترجمة أبي إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي، ولا حاجة إلى ذكر جميعها فإنها طويلة، ولكن أذكر الذي أختاره منها، فمن ذلك (1) :
تقول التي من بيتها خفف محملي (2) ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى من جريهن غدير
ذريني أكثر حاسديك برحلةٍ ... إلى بلدة فيها الخطيب أمير
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخطيب تزور
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور ومنها أيضاً:
فمن كان (3) أمسى جاهلاً بمقالتي ... فإن أمير المؤمنين خبير
وما زلت توليه النصيحة يافعاً ... إلى أن بدا في العارضين قتير
إذا هاله (4) أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفي تشير ثم شرع من ههنا في ذكر المنازل، ثم قال في أواخرها:
__________
(1) ديوان أبي نواس 1: 219 (تحقيق فاجنر) .
(2) الديوان: موكبي.
(3) الديوان: فمن يك.
(4) الديوان: غاله، والصواب " عاله ": أي غلبه.
(1/137)

زها بالخصيب السيف والرمح في الوغى ... وفي السلم يزهو منبر وسرير
جواد إذا الأيدي قبضن عن الندى ... ومن دون عورات النساء غيور
فإني جدير إن بلغتك للغنى ... وأنت لما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور ثم مدحه بعد هذه بعدة قصائد، ويقال إنه لما عاد إلى بغداد مدح الخليفة، فقيل له: وأي شيء تقول فينا بعد أن قلت في بعض نوابنا:
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... البيتان المذكوران؛ فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وأنشد يقول:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ منا بمدحةٍ ... لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني ومن شعر أبي عمر المذكور من جملة أبيات (1) :
إن كان واديك ممنوعاً فموعدنا ... وادي الكرى فلعلي فيه ألقاك وقد ألم في هذا البيت بقول الآخر:
هل سبيل إلى لقائك بالجز ... ع فإن الحمى كثير الوشاة وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلثمائة (2) ، وتوفي ليلة الأحد لأربع عشرة ليلة بقيت (3) من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
__________
(1) ديوان ابن دراج: 539 وهو من إنشادات الثعالبي، ولم يرد في أصل الديوان.
(2) أج: سنة 349.
(3) أج: خلت.
(1/138)

ودراج - بفتح الدال المهملة وفتح الراء المشددة وبعد اللف جيم - وهو اسم جده.
والقسطلي - بفتح القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام - هذه النسبة إلى قسطلة (1) ، وهي مدينة بالأندلس يقال لها قسطلة دراج، ولا أعلم أهي منسوبة إلى جده دراج المذكور أم إلى غيره، والله سبحانه أعلم.
57 - (2)
ابن زيدون
أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن احمد بن غالب بن زيدون المخزومي الندلسيالقرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم. أخذ من حر الأيام حراً (3) ، وفاق الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه،
__________
(1) يقول الدكتور مكي (مقدمة الديوان: 29) : أكثر الباحثين على أنها (أي قسطلة) القرية الداخلة اليوم في حدود البرتغال وتسمى Cacella من أعمال منطقة الغرب (Algrve) وتقع على ساحل المحيط الأطلسي بين الحدود الإسبانية ومدينة طبيرة (Tavira) ؛ وهذا تصحيح لرأي ابن سعيد الجغرافي الأندلسي الذي عدها من منطقة جيان؛ غير أن الدكتور المحقق يميل إلى رأي ابن سعيد.
(2) لابن زيدون ترجمة في الذخيرة 1/1: 289 والقلائد: 70 والمغرب 1: 63 والجذوة: 121 والمطرب: 164 واعتاب الكتاب: 207 والوافي 7، الورقة: 42 وقد نشر ديوانه عدة مرات آخرها بتحقيق الدكتور علي عبد العظيم (القاهرة: 1957) وله في نفح الطيب أخبار وأشعار كثيرة.
(3) الذخيرة: أحد من جر الأيام جراً.
(1/139)

وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله:
بيني وبينك ما لو شئت لم يضع ... سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع
يا بائعاً حظه مني، ولو بذلت ... لي الحياة بحظي منه لم أبع
يكفيك أنك إن حملت قلبي ما ... لا تستطيع قلوب الناس يستطع
ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ... وول أقبل وقل أسمع ومر أطع ومن شعره أيضاً:
ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سرع ما استودعك
يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك
يا أخا البدر سناء وسناً ... حفظ الله زماناً أطلعك
إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها.
ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها:
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لبعدكم (1) أيامنا فغدت ... سودا وكانت بكم بيضاً ليالينا
بالأمس كناوما يخشى تفرقنا ... واليوم نحن وما يرجى تلاقينا وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود.
وكانت وفاته في صدر رجب سنة ثلاث وستين وأربعمائة بمدينة إشبيلية، رحمه الله تعالى، ودفن بها.
__________
(1) أج: لفقدكم.
(1/140)

(4) وذكر ابن بشكوال في كتاب " الصلة " (1) أباه وأثنى عليه، وقال: كان يكنى أبا بكر. وتوفي بالبيرة سنة خمس وأربعمائة، وسيق إلى قرطبة فدفن بها يوم الاثنين لست خلون من شهر ربيع الآخر من السنة. وكانت ولادته سنة أربع وخمسين وثلثمائة. وكان يخضب بالسواد، رحمه الله تعالى.
(5) وكان لأبي الوليد المذور ابن يقال له أبو بكر (2) ، وتولى وزارة المعتمد بن عباد، وقتل يوم أخذ يوسف بن تاشفين قرطبة من ابن عباد المذكور لما استولى على مملكته، كما سيشرح بعد هذا في ترجمة المعتمد وابن ناشفين إن شاء الله تعالى، وذلك يوم الأربعاء ثاني صفر سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وكان قتله بقرطبة.
وزيدون: بفتح الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الدال المهملة وعدها واو ونون.
واما القرطبي فقد تقدم الكلام في ضبطه فلا حاجة إلى إعادته، وذلك في ترجمة أحمد بن عبد ربه، مصنف كتاب العقد، وأخذها الفرنج من المسلمين في شوال سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.
58 - (3)
ابن الأبار الخولاني
أبو جعفر أحمد بن محمد الخولاني الأندلسي الإشبيلي المعروف بابن الأبار
__________
(1) انرظ الصلة: 252.
(2) اسم أبي بكر ابن زيدون (الابن) محمد، وقد كان في الوفد الذي أرسله المعتمد لاستصراخ يوسف ابن ناشفين.
(3) ترجمة ابن الأبار الخولاني في الذخيرة 2: 52 (نسخة بغداد) والمغرب 1: 253 والجذوة: 107 وبغية الملتمس (رقم: 364) ومسالك الأبصار 11: 418 وله ذكر في النفح وكتاب البديع في وصف الربيع.
(1/141)

الشاعر المشهور؛ كان من شعراء المعتضد عباد بن محمد اللخمي صاحب إشبيلية، المجيدين في فنونه، وكان عالماً فجمع وصنف، وله في صناعة النظم فضل لايرد، وإحسان لايعد، فمن محاسن شعره قوله:
لم تدر ما خلدت عيناك في خلدي ... من الغرام ولا ما كابدت كبدي
أفديه من زائر رام الدنو فلم ... يسطعه من غرق في الدمع متقد
خاف العيون فوافاني على عجل ... معطلا جيده إلا من الجيد
عاطيته الكأس فاستحيت مدامتها ... من ذاك الشنب لعسول والبرد
حتى إذا غازلت أجفانه سنة ... وصيرته بيد الصهباء طوع يدي
أردت توسيده خدي وقل له ... فقال: كفك عندي أفضل الوسد
فبات في حرم لا غدر يذعره ... وبت ظمآن لم أصدر ولم أرد
بدر ألم وبدر التم ممتحق ... والأفق محلولك الأرجاء من حسد
تحير الليل منه أين مطلعه ... أما درى الليل أن البدر في عضدي [وله أبيات ثابتة في المجموع الكبير بخطي في الكراس المنقول بالإسكندرية] (1) وله على هذا الأسلوب مقاطيع ملاح، وله ديوان شعر، وذكره ابن بسام في " الذخيرة ".
وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والأبار: بفتح الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء.
والخولاني - بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبعد اللام ألف ونون - هذه النسبة إلى خولان بن عمرو، وهي قبيلة كبيرة نزلت الشام.
والإشبيلي: نسبة إلى إشبيلية - بكسر الهمزة وسكون الشين المثلثة وكسر الباء الموحة وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر اللام وفتح الياء تحتها نقطتان وبعدها هاء - وهي من اعظم بلا الأندلس.
__________
(1) هذه العبارة المزيدة من د ذات أهمية بالغة في الكشف عن مراحل تأليف " الوفيات ".
(1/142)

59 - (1)
المنازي الكاتب
أبو نصر احمد بن يوسف السليكي المنازي الكاتب؛ كان من أعيان الفضلاء وأماثل الشعراء، وزرلأ بي نصر أحمد بن مروان الكردي، صاحب ميافارقين وديار بكر - وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى -. وكان فاضلاً شاعراً كافياً، وترسل إلى القسطنطينية مراراً، وجمع كتباً كثيرة ثم وقفها على جامع ميافارقين وجامع آمد، وهي إلى الآن موجودة بخزائن الجامعين، ومعروفة بكتب المنازي. وكان قد اجتمع بأبي العلاء المعري بمعرة النعمان، فشكا أبو العلاء إليه حاله، وأنه منقطع عن الناس وهم يؤذنه، فقال: مالهم ولك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة فقال أبو العلاء: والآخرة أيضاً! وجعل يكررها، ويتألم لذلك، وأطرق فلم يكلمه إلى أن قام، وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا فأعجبه حسنه وما هو عليه، فعمل فيه هذه الأبيات (2) :
وقانا لفحه الرمضاء واد ... وقاه مضاعف النبت (3) العميم
نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم
وأرشفنا على ظمإ زلالاً ... ألذ من المدامة للنديم
__________
(1) للمنازي ذكر في العبر 3: 187 والشذرات 3: 259 وترجمة في الوافي 8، الورقة: 131 ومعجم البلدان: (منازجرد) .
(2) أكثر المشارقة على أن هذه الأبيات للمنازي ولكن الأندلسيين ينسبونها إلى الشاعرة حمدونة بنت زياد؛ نقل صاحب النفح عن الرعيني قوله: " إن مؤرخي بلادنا نسبوها لحمدة من قبل أن يوجد المنازي الذي ينسبها له أهل المشرق ". وحكى ابن النديم في تاريخ حلب أن المنازي أنشدها لأبي العلاء فكان كلما أنشد مصراعاً سبقه ابو العلاء إلى الثاني (النفح 4: 288 - 289 ط. صادر) .
(3) ج: الغيث.
(1/143)

يراعي الشمس أنى قابلته (1) ... فيحجبها ويأذن للنسيم
تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم وهذه الأبيات بديعة في بابها.
وذكره أبو المعالي الحظيري في كتاب " زينة الدهر " (2) وأورد له شيئاً من شعره، فمما أورد له قوله:
ولي غلام طال في دقة ... كحظ إقليدس (3) لا عرض له
وقد تناهى عقله خفة (4) ... فصار كالنقطة لا جزء له ويوجد له بأيدي الناس مقاطيع. وأما ديوانه فعزيز الوجود، وبلغني أن القاضي الفاضل (5) - رحمه الله تعالى - أوصى بعض الأدباء السفارة أن يحصل له ديوانه، فسأل عنه في البلاد التي انتهى إيها فلم يقع له على خبر، فكتب إلى القاضي الفاضل كتاباً يخبره بعدم قدرته عليه، وفيه أبيات من جملتها عجز بيت وهو:
وأقفرمن شعر المنازي المنازل ... وكانت وفاته سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
والمنازي - بفتح الميم والنون، وبعد اللف زاي - هذه النسبة إلى مناز جرد - بزيادة جيم مكسورة وبعدها راء ساكنة ثم دال مهملة - وهي مدينة عند خرت برت، وهي غير مناز كرد القلعة من أعمال خلاط - وسيأتي ذكرها في ترجمة تقي الدين عمر صاحب حماة -.
__________
(1) أج هـ: قابلتنا.
(2) هو ذيل على دمية القصر لأبي المعالي سعد بن علي المعروف بالوراق الحظيري المتوفى سنة 568 (كشف الظنون 2: 972) .
(3) ب: أوقليدس.
(4) د: قلة؛ هـ: دقة.
(5) د: الفاضل عبد الرحيم.
(1/144)

وخرت برت: هي حصن زياد المشهور.
وبزاعا - بضم الباء الموحدة وفتح الزاي وبعد الألف عين مهملة ثم ألف - وهي قرية كبيرة مابين حلب ومنبج في نصف الطريق.
60 - (1)
ابن الخياط الدمشقي
أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الشاعر الدمشقي الكاتب؛ كان من الشعراء المجيدين، طاف البلاد، وامتدح الناس، ودخل بلاد العجم وامتدح بها، ولما اجتمع بأبي الفتيان ابن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره قال: قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي، فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ منأ بناء جنسه، ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء، فكتب إلى ابن حيوس المذكور يستمنحه (2) شيئا من بره بهذين البيتين (3) :
لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك علما منظري عن مخبري
إلا بقية ماء وجه صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري فلما وقف عليهما ابن حيوس قال: لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن.
ولا حاجة إلى ذكر شيء من شعره لشهرة ديوانه، ولو لم يكن له إلا
__________
(1) ترجمة ابن الخياط الدمشقي في تهذيب ابن عساكر 2: 67 وابن القلانسي: 234 والوافي 8، الورقة: 29 والعبر 4: 39 والشذرات 4: 54 وديوانه مطبوع بتحقيق المرحوم خليل مردم (دمشق: 1958) .
(2) ج: يستميحه.
(3) ديوانه: 278.
(1/145)

قصيدته البائية التي أولها (1) :
خذا من صبا نجد أماناً لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه لكفاه، وأكثر قصائده غرر، وتتمة هذه القصيدة:
وإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داؤه دون صحبة
ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من غراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذراً وخوفاً أن تكون لحبه وهي طويلة فنقتصر منها على هذا القدر.
ومن شعره أيضا قوله (2) :
سلوا سيف الحاظه الممتشق ... أعند القلوب دم للحق
أما من معين ولا عاذر ... إذا عنف الشوق يوما رفق
تجلى لنا صارم المقلتي ... ن مضنى (3) الموشح والمنتظق
من الترك ما سهمه إذ رمى ... بأفتك من طرفه إذ رمق
وليلة وافيته (4) زائراً ... سمير السهاد ضجيع القلق
دعتني المخافة من فتكه ... إليه، وكم مقدم من فرق
وقد راضت الكأس أخلاقه ... ووقر بالسكر منه النزق
__________
(1) ديوانه: 170 وهي في مدح مجد الدين أبق بن عبد الرزاق.
(2) ديوانه: 221.
(3) الديوان: ماضي.
(4) الديوان: راقبته.
(1/146)

وحق العناق فقبلته ... شهي المقبل والمعتنق
وبت أخالج فكري به ... أزور طراً أم خيال طرق
أفكر في الهجر كيف انقضى ... وأعجب للوصل كيف اتفق
وللحب ما عز مني وهان ... وللحسن ما جل منه ودق ويعجبني من شعره بيتان من جملة قصيدة، وهما في غاية الرقة (1) :
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه ومن شعره أيضاً يعتب على أهله وأصحابه (2) :
يا من بمجتمع الشطين إن عصفت ... بكم رياحي فقد قدمت أعذاري
لا تنكرن رحيلي عن دياركم ... ليس الكريم على ضيم بصبار وله أيضاً (3) :
أتظنني لا أستط ... يع أحيل عنك الدهر ودي
من ظن أن لا بد من ... هـ فإن منه ألف بد وكانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق، وتوفي بها في حاي عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وقيل: إنه مات في سابع عشر شهر رمضان، والأول أصح.
__________
(1) ديوانه: 73.
(2) ديوانه: 156.
(3) ديوانه: 139.
(1/147)

61 - (1)
الميداني
أبو الفضل أحمد بن محمد بن احمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري الأديب، كان فاضلاً عارفاً باللغة، اختص بصحبة أبي الحسن الواحدي صاحب التفسير، ثم قرأ على غيره، وأتقن فن العربية خصوصاً اللغة وأمثال العرب، وله فيها التصانيف المفيدة، منها كتاب الأمثال المنسوب إليه ولم يعمل مثله في بابه، وكتاب السامي في الأسامي وهو جيد في بابه، وكان قد سمع الحديث ورواه، وكان ينشد كثيراً وأظنهما له:
تنفس صبح الشيب في ليل عارضي ... فقلت عساه يكتفي بعذاري
فلما فشا عاتبته فأجابني ... ألا هل ترى صبحاً بغير نهار وتوفي يوم الأربعاء الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ثماني عشرة وخمسمائة بنيسابور، ودفن على باب ميدان زياد.
والميداني - بفتح الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى ميدان زياد بن عبد الرحمن، وهي محلة في نيسابور.
وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضاً فاضلاً ديناً، وله كتاب الأسماء في الأسماء (2) ، وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
__________
(1) للميداني ترجمة في معجم الأدباء 5: 45 وانباه الرواة 1: 121 ونزهة الألباء: 272 وبغية الوعاة: 155 والبداية والنهاية 12: 194 والوافي 7، الورقة: 157.
(2) كذا ورد اسمه وفي كشف الظنون: أسما، ولعله " أسمى "؛ وقد ذكر أنه أخذ من كتاب أبيه.
(1/148)

62 - (1)
ابن الخازن الكاتب
أبو الفضل أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق المعروف بابن الخازن، الكاتب الشاعر الدينوري الصل البغدادي المولد والوفاة؛ كان فاضلاً نادرة في الخط أوحد وقته فيه، وهو والد ابي الفتح نصر الله الكاتب المشهور، كتب من المقامات نسخاً كثيرة وهي موجودة بأيدي الناس، واعتني بجمع شعر والده فجمع منه ديواناً، وهو شعر جيد حسن السبك جميل المقاصد، فمن ذلك قوله، وهو من المعاني البديعة:
من يستقم يحرم مناه، ومن يزغ ... يختص بالإسعاف والتمكين
انظر إلى الألف استقام ففاته ... عجم وفاز به اعوجاج النون وله أيضاً:
من لي بأسمر حجبوه بمثله ... في لونه والقد والعسلان
من رامه فليدرع صبراً على ... طرف السنان وطرفه الوسنان
راح الصبا تثنيه لا ريح الصبا ... سكران بي من حبه سكران
طرف كطرف جامح مرحمتى ... أرسلت فضل عنانه عناني وله أيضاً:
أيا عالم الأسرار إنك عالم ... بضعف اصطباري عن مداراة خلقه
ففتر غرامي فيه تفتير لحظه ... وأحسن عزائي فيه تحسين خلقه
فحمل الرواسي دون ما أنا حامل ... بقلبي المعنى من تكاليف عشقه
__________
(1) ترجمة ابن الخازن في المنتظم 9: 204 والوافي 8، الورقة: 34 والشذرات 4: 57.
(1/149)

وكتب إلى الحكيم أبي القاسم الهوازي، وقد فصده فآلمه:
رحم الإله مجدلين سليمهم ... من ساعديك مبضع بالمبضع
فعصائب تأتيهم بمصائب ... نشرت فتطوي أذرعاً في الأذرع
أفصدتهم بالله أم أقصدتهم ... وخزاً بأطراف الرماح الشرع
دست المباضع أم كنانة أسهم ... أم ذو الفقار مع البطين الأنزع
غرراً بنفسي إن لقيتك بعدها ... يا عنتر العبسي غير مدرع وكان الحكيم المذكور قد أضافه يوماً وزاد في خدمته، وكان في داره بستان وحمام فأدخله إليهما، فعمل أبو الفضل المذكور:
وافيت منزله فلم أرحاجباً ... إلا تلقاني بسن ضاحك
والبشر فيوجه الغلام أمارة ... لمقدمات حياء وجه المالك
ودخلت جنته وزرت جحيمه ... فشكرت رضواناً ورأفة مالك ثم إني وجدت هذه الأبيات للحكيم أبي القاسم هبة الله بن الحسين بن علي الأهوازي الطبيب الأصبهاني، ذكرها العماد الكاتب في الخريدة له، وقال: توفي سنة نيف وخمسين وخمسمائة، وذكرها في ترجمة أبي الفضل ابن الخازن المذكور، والله أعلم لمن هي منهما.
ومن شعره أيضاً -[أعني ابن الخازن]-:
وأهيف ينميه إلى العرب لفظه ... وناظره الفتان يعزي إلى الهند
تجرعت كأس الصبر من رقبائه ... لساعة وصل منه أحلى من الشهد
وهادنت أعماماً له وخؤولةً ... سوى واحد منهم غيور على الخد
كنقطة مسك أودعت جلنارة ... رأيت بها غرس البنفسج في الورد [وكان أبو بكر الخوارزمي يروي لمعاً من شعره كقوله في وصف العيار
(1/150)

وذكر أنه لم يسمع في معناه أملح منه وهو:
إن هذا العيار ألبس عطفي ... عسلياً وديني التوحيد] وله أيضاً:
وافى خيالك فاستعارت مقلتي ... من أعين الرقباء غمض مروع
ما استكملت شفتاي لثم مسلمٍ ... منه ولا كفاي ضم مودع
وأظنهم فطنوا فكل قائل ... لو لم يزره خيالها لم يهجع
فانصاع يسرق نفسه فكأنما ... طلع الصباح بها وإن لم يطلع وجل شعره مشتمل على معان حسان.
وكانت وفاته في صفر سنة ثماني عشرة وخمسمائة، وعمره سبع وأربعون سنة، وقال الحافظ ابن الخوري في كتابه المنتظم: توفي سنة اثنتيي عشرة وخمسمائة، والله أعلم، رحمه الله تعالى.
وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور حياً في سنة خمس وسبعين وخمسمائة ولم أقف على تاريخ وفاته.
63 - (1)
ناصح الدين الأرجاني
أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني الملقب ناصح الدين؛ - كان قاضي تستر وعسكر مكرم -، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره
__________
(1) راجع ترجمة الأرجاني في طبقات السبكي 4: 51 والوافي 7، الورقة: 181 والعبر 4: 121 والشذرات 4: 137، وله ديوان مطبوع.
(1/151)

بالمدرسة النظامية بأصبهان، وشعره من آخر عهد نظام الملك، منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، إلى آخرعهده، وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم، وهو مبجل مكرم، وشعره كثير والذي جمع منه لا يكون عشره، ولما وافيت عسكر مكرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة لقيت بها ولده محمداً رئيس الدين أعارني إضبارة كبيرة من شعر والده.
منبت شجرته أرجان، وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان، وهو وإن كان في العجم مولده، فمن العرب محتده، سلفه القديم من الأنصار، لم يسمح بنظيره سالف الأعصار، أوسي الأس خزرجيه، قسي النطق إياديه، فارسي القلم وفارس ميدانه، وسلمان برهانه، من أبناء فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا. انتهى كلام العماد.
قلت: ونقلت من ديوانه أنه كان ينوب في القضاء ببلاد خوزستان، تارة بتستر وتارة بعسكر مكرم، مرة عن قاضيها ناصر الدين أبي محمد عبد القاهر بن محمد، ومن بعده عن عماد الدين أبي العلاء رجاء، وفي ذلك يقول:
ومن النوائب أنني ... في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي ... صبراً على هذي العجائب وكان فقيهاً شاعراً، وفي ذلك يقول:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعٍ ... في العصر، أو أنا أفقه الشعراء
شعري إذا ماقلت دونه الورى ... بالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قلل الجبال إذا علا ... للسمع هاج تجاوب الأصداء ومن شعره أيضاً:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوماً وإن كانت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحاً ما دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة ومن شعره أيضاً:
(1/152)

ما جبت آفاق البلاد مطوفاً ... إلا وانتم في الورى متطلبي
سعيي إليكم في الحقيقة، والذي ... تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى ... عنكم فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم ... والسير رأي العين نحو المغرب ومن شعره أيضاً ما كتبه إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه وقد انقطع عنه مدة:
نفسي فداؤك أيهذا الصاحب ... يا من هواه علي فرض واجب
لم طال تقصيري وما عاتبتني ... فأنا الغداة مقصر ومعاتب
ومن الدليل على ملالك أنني ... قد غبت أياماً وما لي طالب
وإذا رأيت العبد يهرب ثم لم ... يطلب فمولى العبد منه هارب وله أيضاً، وهومعنى غريب:
رثى لي وقد ساويته في نحوله ... خيالي لما لم يكن لي راحم
فدلس بي حتى طرقت مكانه ... وأوهمت إلفي أنه بي حالم
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة ... أنا ساهر في جفنه وهو نائم وله من قصيدة وأجاد فيها:
تأمل تحت ذاك الصدغ خالاً ... لتعلم كم خبايا في الزوايا وله أيضاً:
شبت أنا والتحى حبيبي ... وبان عني وبنت عنه
وأبيض ذاك السواد مني ... وأسود ذاك البياض منه وله أيضاً:
سأل الفضا عنه وأصغى للصدى ... كيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محط رحاله ... فأجاب أين ترى محط رحاله
(1/153)

وله أيضاً:
لو كنت أجهل ما علمت (1) لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصعو يرتع في الرياض، وإنما ... حبس الهزار لأنه يترنم (2) ومثله قول بعضهم:
يقصد أهل الفضل دون الورى ... مصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يحبس من بينها ... إلا التي تطرب أصواتها وهذا ينظر إلى قول الغزي أبي إسحاق المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة:
لا غرو أن تجني علي فضائلي ... سبب احتراق المندلي دخانه ونقتصر على هذه المقاطيع من شعره، ولا حاجة إلى ذكر شيء من قصائده المطولات خوفاً من الإطالة.
وله أيضاً:
أحب المرء ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم وهذا البيت - أعني الثاني منهما - يقرأ معكوساً، ويوجد في ديوان الغزي المذكور أيضاً، والله أعلم.
وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف.
ومولده سنة ستين وأربعمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمدينة تستر، رحمه الله تعالى، وقيل بعسكر مكرم.
والأرجاني - بفتح الهمزة وتشديد الراء المهملة وفتح الجيم وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أرجان، وهي من كور الهواز من بلاد خوزستان،
__________
(1) هـ: ما أقول.
(2) هـ: يتكلم؛ والصعو: عصفور صغير.
(1/154)

وأكثر الناس يقولون: إنها بالراء المخففة، واستعملها المتنبي في شعره مخففة في قوله (1) :
أرجان أيتهاالجياد، فإنه ... عزمي الذي يذر (2) الوشيج مكسرا وحكاها الجوهري في الصحاح، والحازمي في كتابه الذي سماه ما اتفق لفظه وافترق مسماه يتشديد الراء.
وتستر - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء - مدينة مشهورة بخوزستان، والعامة تسميها ششتر.
وعسكر مكرم - قد اختلفوا في مكرم، فأكثر العلماء على أنه مكرم اخو مطرف بن سيدان بن عقيلة بن ذكوان بن حيان بن الخرزق بن عيلان بن حاوة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، هكذا نسبه استخرجته على هذه الصورة من كتاب الجمهرة لابن الكلبي، وليس في نسبه باهلة، ومكرم المذكور يعرف بمكرم الباهلي الحاوي، والله اعلم. وقيل: هو مكرم أحد بني جعونة العامري.
وقيل: هو مكرم مولى الحجاج بن يوسف الثقفي، نزله لمحاربة خرزاد ابن بارس فسمي بذلك.
وخوزستان - بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ثم سين مهملة - وهوإقليم متسع بين البصرة وفارس.
__________
(1) من قصيدته في مدح ابن العميد.
(2) أ: يدع.
(1/155)

64 - (1)
ابن منير الطرابلسي
أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور؛ له ديوان شعر، وكان أبوه ينشد (2) الأشعار، ويغني في أسواق طرابلس (3) ، ونشأ أبو الحسين المذكور، وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والأدب، وقال الشعر، وقدم دمشق فسكنها، وكان رافضياً كثير الهجاء خبيث اللسان، ولما كثر منه ذلك سجنه بوري بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه، ثم شفعوا فيه فنفاه، وكان بينه وبين أبي عبد الله محمد بن نصر بن صغير المعروف بابن القيسراني (4) مكاتبات وأجوبة ومهاجاة، وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عادة المتماثلين.
ومن شعره من جملة قصيدة:
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل فالحزم أن يترحلا (5)
كالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
سفها لحلمك أن رضيت بمشربٍ ... رنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... أفلا فليت بهن ناصية الفلا
__________
(1) أطنب العماد في ترجمته وإيراد المختار من شعره في الخريدة (قسم الشام) 1: 76 وله ترجمة في تهذيب ابن عساكر 2: 97 وابن القلانسي: 322 والوافي 8، الورقة: 87 والنجوم الزاهرة 5: 299 والشذرات 4: 146 وله شعر كثير في " الروضتين " لأبي شامة.
(2) أ: يعمل.
(3) اه: ويغمي في الأسواق بطرابلس.
(4) انظر الخريدة المذكورة: 96 والحاشية ونشأ بقيسارية فلسطين، وولد بعكا، ثم انتقل عن بلاده إلى دمشق.
(5) أ: يتحولا، وبعض الأبيات في الخريدة: 89.
(1/156)

فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ما أخفى القراب وأخملا
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتةً ... ما الموت إلا أن تعيش مذللاً
للقفر لا للفقر هبها إنما ... مغناك ما أغناك أن تتوسلا
لا ترضى من دنياك ما أدناك من ... دنس وكن طيفاً جلا ثم انجلى
وصل الهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهداً جنوا لك حنظلا
من غادر خبثت مغارس وده ... فإذا محضت له الوفاة تأولا
لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا
طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تقولا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا
واعٍ خطاب الخطب وهو مجمجم ... راعٍ أكل العيس من عدم الكلا
زعم كمنبلج الصباح وراءه ... عزم كحد السيف صادف مقتلا ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها:
من ركب البدر في صدر الرديني ... وموه السحر في حد اليماني
وأنزل النير الأعلى إلى فلك ... مداره في القباء الخسرواني
طرف رنا أم قراب سل صارمه ... وأغيد ماس أم أعطاف خطي
أذلني بعد عز والهوى أبداً ... يستعبد الليث للظبي الكناسي ومنها أيضاً:
أما وذائب مسكٍ من ذوائبه ... على أعالي القضيب الخيزراني
وما يجن عقيقي الشفاه من ال ... ريق الرحيقي والثغر الجماني
لو قيل للبدر من في الأرض تحسده ... إذا تجلس لقال ابن الفلاني
أربى علي بشتى من محاسنه ... تألفت بين مسموع ومرئي
إباء فارس في لين الشآم مع الظ ... رف العراقي والنطق الحجازي
وما المدامة بالألباب أفتك من ... فصاحة البدو في ألفاظ تركي
(1/157)

وله أيضاً (1) :
أنكرت مقلته سفك دمي ... وعلى وجنته فاعترفت
لا تخالوا خاله في خده ... قطرة (2) من دم جفني نطفت
ذاك (3) من نار فؤادي جذوة ... فيه ساخت وانطفت ثم طفت وله من جملة قصدة:
لا تغالطني فما تخ ... فى علامات المريب
أين ذاك البشر يامو ... لاي من هذا القطوب ونقلت من خط الشيخ الحافظ المحدث زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المصري رحمه الله تعالى قال: حكى لي أبو المجد قاضي السويداء، قال: كان بالشام شاعران ابن منير وابن القيسراني، وكان ابن منير كثيراً ما يبكت (4) ابن القيسراني بأنه ما صحب أحدا إلا نكب (5) ، فاتفق أن أتابك عماد الدين زنكي صاحب الشام غناه مغن على قلعة جعبر، وهو يحاصرها، قول الشاعر:
ويلي من المعرض الغضبان إذ نقل ال ... واشي إليه حديثا كله زور
سلمت فازور يزوي قوس حاجبه ... كأنني كأس خمر وهو مخمور فاستحسنها زنكي، وقال: لمن هذه فقيل: لابن منير، وهو بحلب، فكتب إلى والي حلب يسيره إليه سريعاً، فسيره، فليلة وصل ابن منير قتل أتابك زنكي - قلت: وسيأتي شرح الحال في ذلك على التفصيل في ترجمة زنكي إن شاء الله تعالى - قال: فأخذ أسد الدين شيركوه، صاحب حمص، نور الدين
__________
(1) الخريدة: 80.
(2) الخريدة: نقطة.
(3) الخريدة: تلك.
(4) هـ: يثلب.
(5) هـ: ثلبه.
(1/158)

محمود بن زنكي وعسكر الشام وعاد بهم إلى حلب، وأخذ زين الدين علي ولد مظفر الدين صاحب إربل عساكر بلاد الشرق وعاد بهم إلى الموصل، وإلى سيف الدين غازي بن زنكي وملكه الموصل، فلما دخل ابن منير إلى حلب صحبة العسكر، قال له ابن القيسراني: هذه بجميع ما كانت تبكتني به! قلت: ولابن القيسراني المذكور في ابن منير، وكان قد هجاه:
ابن منير هجوت مني ... حبراً أفاد الورى صوابه
ولم تضيق بذاك صدري ... فإن لي أسوة الصحابه أشعاره لطيفة فائقة.
وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس، وكانت وفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب، ودفن في جبل جوشن، بقرب المشهد الذي هناك، رحمه الله تعالى.
وزرت قبره ورأيت عليه مكتوبا:
من زار قبري فليكن مرقناً ... أن الذي ألقاه يلقاه
فيرحم الله امرءا زارني ... وقال لي: يرحمك الله وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، فقال في ترجمته: حدث الخطيب السديد أبو محمد عبد القاهر بن عبد العزيز خطيب حماة، قال: رأيت أبا الحسين ابن منير الشاعر في النوم بعد موته، وأنا على قرنة (1) بستان مرتفعة، فسألته عن حاله وقلت له: اصعد إلي، فقال: ما أقدر من رائحتي، فقلت: تشرب الخمر فقال: شراً من الخمر يا خطيب، فقلت له: ما هو فقال: تدري ما جرى علي من هذه القصائد التي قلتها في مثالب الناس فقلت له: ما جرى عليك منها فقال: لساني قد طال وثخن حتى صار مد البصر، وكلما قرأت قصيدة منها قد صارت كلابا تتعلق في لساني، وأبصرته حافياً عليه ثياب رثة إلى غاية، وسمعت قارئا يقرأ من فوقه لهم من فوقهم ظلل
__________
(1) أ: غرفة.
(1/159)

من النار - الآية ثم انتبهت مرعوبا.
قلت: ثم وجدت في ديوان أبي الحكم عبيد الله الآتي ذكره أن ابن منير توفي بدمشق سنة سبع وأربعين، ورثاه بأبيات تدل على أنه مات بدمشق منها وهي هزلية على عادته في ذلك:
أتوا به فوق أعواد تسير به ... وغسلوه بشطي نهر قلوط
وأسخنوا الماء في قدر مرصصة ... وأشعلوا تحته عيدان بلوط وعلى هذا التقدير فيحتاج إلى الجمع بين هذين الكلامين، فعساه أن يكون قد مات بدمشق قم نقل إلى حلب فدفن بها، والله أعلم.
ومنير: بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء.
ومفلح: بضم الميم وسكون الفاء وكسر اللام وبعدها حاء مهملة.
والطرابلسي - بفتح الطاء المهملة والراء وبعد الألف باء موحدة مضمونة ثم سين مهملة - هذه النسبة إلى طرابلس، وهي مدينة بساحل الشام قريبة من بعلبك، وقد تزاد الهمزة إلى أولها فيقال أطرابلس، وأخذها الفرنج سنة ثلاث وخمسمائة، وصاحبها يومئذ أبو علي عمار بن محمد بن عمار، بعد أن حوصرت سبع سنين، والشرح في ذلك يطول.
وجوشن: بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الشين المثلثة ثم نون [جبل بحلب] .
65 - (1)
القاضي الرشيد ابن الزبير
القاضي الرشيد أبو الحسين أحمد ابن القاضي الرشيد أبي الحسن علي ابن القاضي
__________
(1) للقاضي الرشيد ترجمة في الخريدة (قسم مصر) 1: 200 والطالع السعيد: 52 ومعجم الأدباء 4: 51 والوافي 7، الورقة: 106 وكتاب الروضتين 1: 147 والشذرات 4: 197، 203 وفي معجم السفر للسلفي بعض أخبار عنه.
(1/160)

الرشيد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحسين بن الزبير الغساني الأسواني؛ كان من أهل الفضل والنباهة والرياسة، صنف كتاب جنان الجنان وياض الأذهان وذكر فيه جماعة من مشاهير الفضلاء (1) ، وله ديوان شعر، ولأخيه القاضي المهذب (2) أبي محمد الحسن ديوان شعر أيضاً، وكان مجيدين في نظمهما ونثرهما.
(6) ومن شعر القاضي المهذب - وهو معنى لطيف غريب - من جملة قصيدة بديعة:
وترى المجرة والنجوم كأنما (3) ... تسقي الرياض بجدول ملآن
لو لم تكن نهراً لما عامت بها ... أبداً نجوم الحوت والسرطان وله أيضا من جملة قصيدة:
وما لي إلى ماءٍ سوى النيل غلة ... ولو أنه، أستغفر الله، زمزم وله كل معنى حسن، وأول شعر قاله سنة ست وعشرين وخمسمائة. وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل والذيل وهو أشعر من الرشيد، والرشيد أعلم منه في سائر العلوم، وتوفي بالقاهرة سنة إحدى وستين وخمسمائة في رجب، حمه الله تعالى.
وأما القاضي الرشيد فقد ذكره الحافظ أبو الطاهر السلفي - رحمه الله تعالى - في بعض تعاليقه، وقال: ولي النظر بثغر الإسكندرية في الدواوين السلطانية بغير اختياره في سنة تسع وخمسين وخمسمائة، ثم قتل ظلماً وعدواناً في المحرم سنة ثلاث وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل والذيل الذي ديل به علىالخريدة فقال: الخضم الزاخر، والبحر العباب، ذكرته في الخريدة وأخاه المهذب، قتله شاور ظلماً لميله إلى أسد الدين شيركوه في سنة ثلاث وستين وخمسمائة، كان أسود الجلدة،
__________
(1) زاد في هـ: وله كتاب العجائب والطرف والهدايا والتحف.
(2) انظر أخبار المهذب وشعره في الخريدة: 204 والحاشية.
(3) في رواية: في السماء كأنها، وفي الخريدة: في النجوم.
(1/161)

وسيد البلدة، أوحد عصره في علم الهندسة والرياضات (1) ، والعلوم الشرعيات، والآداب الشعريات، ومما أنشدني له الأمير عضد الدولة (2) أبو الفوارس مرهف بن أسامة بن منقذ، وذكر أنه سمعها منه:
جلت لدي الرزايا بل جلت هممي ... وهل يضر جلاء الصارم الذكر
غيري يغيره عن حسن شيمته ... صرف الزمان وما ياتي من الغير
لو كانت النار للياقوت محرقة ... لكان يشتبه الياقوت بالحجر
لا تغررن بأطماري وقيمتها ... فإنما هي أصداف على درر
ولا تظن خفاء النجم من صغرٍ ... فالذنب في ذاك محمول على البصر قلت: وهذا البيت مأخوذ من قول أبي العلاء المعري في قصيدته الطويلة المشهورة، فإنه القائل فيها:
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وأورد له العماد الكاتب في الجزيرة أيضاً قوله في الكامل بن شاور:
إذا ما نبت بالحر دار يودها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم
وهب بها صباً ألم يدر أنه ... سيزعجه منها الحمام على رغم وقال العماد: أنشدني محمد بن عيسى اليمني ببغداد سنة إحدى وخمسين، قال: أنشدني القاضي الرشيد باليمن لنفسه في رجل:
لئن خاب ظني في رجائك بعد ما ... ظننت بأني قد ظفرت بمنصف
فإنك قد قلدتني كل منةٍ ... ملكت بها شكري لدى كل موقف
لأنك قد حذرتني كل صاحبٍ ... وأعلمتني أن ليس في الأرض من يفي وكان الرشيد أسود اللون، وفيه يقول أبو الفتح محمود بن قادوس (3)
__________
(1) هـ: والرياضة.
(2) ده: عضد الدين.
(3) ابن قادوس محمود بن إسماعيل الدمياطي كان كاتب الإنشاء بالحضرة المصرية وتوفي سنة 551 وترجمته وأشعاره في الخريدة: 226.
(1/162)

الكاتب الشاعر يهجوه:
يا شبه لقمان بلا حكمةٍ ... وخاسراً في العلم لا راسخاً
سلخت أشعار الورى كلها ... فصرت تدعى الأسود السالخا وفيه أيضاً كما يغلب على ظني هذا:
إن قلت من نار خلق ... ت وفقت كل الناس فهما
قلنا صدقت فما الذي ... أضناك حتى صرت فحما وكان الرشيد سافر إلى اليمن رسولاً، ومدح جماعة من ملوكها، وممن مدحه منهم علي بن حاتم الهمداني قال فيه:
لئن أجدبت أرض الصعيد وأقحطوا ... فلست أنال القحط في أرض قحطان
ومذ كفلت لي مأرب بمآربي ... فلست على أسوان يوماً بأسوان
وإن جهلت حقي زعانف خندفٍ ... فقد عرفت فضلي غطارف همدان فحسده الداعي في عدن على ذلك، فكتب بالأبيات إلى صاحب مصر، فكانت سبب الغضب عليه، فأمسكه وأنفذه إليه مقيداً مجرداً، وأخذ جميع موجوده، فأقام باليمن مدة ثم رجع إلى مصر، فقتله شاور كما ذكرناه، وكتب إليه الجليس بن الحباب:
ثروة المكرمات بعدك فقر ... ومحل العلا ببعدك قفر
بك تجلى إذا حللت الدياجي ... وتمر الأيام حيث تمر
أذنب الدهر في مسيرك ذنباً ... ليس منه سوى إيابك عذر والغساني - بفتح الغين المعجمة والسين المهملة وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى غسان وهي قبيلة كبيرة من الأزد شربوا من ماء غسان، وهو باليمن فسموا به.
والأسواني - بضم الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أسوان، وهي بلدة بصعيد مصر، قال السمعاني: هي
(1/163)

بفتح الهمزة، والصحيح الضم، هكذا قال لي الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري حافظ مصر، نفعنا الله به آمين.
66 - (1)
أحمد القطرسي النفيس
أبو العباس أحمد بين أبي القاسم عبد الغني بن أحمد بن عبد الرحمن بن خلف بن مسلم اللخمي المالكي القطرسي، المنعوت بالنفيس؛ كان من الأدباء، وله ديوان شعر أجاد فيه، ونقلت منه قصيدة يمدح بها الأمير شجاع الدين جلدك التقوي، المعروف بوالي دمياط، أولها:
قل للحبيب أطلت صدك ... وجعلت قتلي فيك وكدك
إن شئت أن أسلو فرد ... علي قلبي فهو عندك
أخلفت حتى في زيا ... رتنا بطيف منك وعدك
وأنا عليك كما عهد ... ت وإن نقضت علي عهدك
أحرقت يا ثغر الحبي ... ب حشاي لما ذقت بردك
وشهدت أني ظالم ... لما طلبت إليك شهدك
أتظن غصن البان يع ... جبني وقد عاينت قدك
أم يخدع التفاح أل ... حاظي وقد شاهدت خدك
أم خلت آس عذارك ال ... منشوق يحمي منك وردك
لا والذي جعل الهوى ... مولاي حتى صرت عبدك
يا قلب من لانت معا ... طفه علينا ما أشدك
أتظنني جلد الهوى ... أو أن لي عزمات جلدك
__________
(1) للنفيس القطرسي ترجمة في الوافي 7، الورقة: 35؛ وقد صرح المؤلف بأن العماد ترجم له في الخريدة، ولكن يبدو أن ترجمته سقطت من القسم المصري.
(1/164)

وهي قصيدة جيدة، ونقتصر منها على هذا القدر خوف الإطالة.
وجاب النفيس المذكور البلاد، ومدح الناس، واستجدى بشعره.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة، فقال: فقيه مالكي المذهب، له يد في علوم الوائل والدب، ومن شعره قوله:
يسر بالعيد أقوام لهم سعة ... من الثراء، وأما المقترن فلا
هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أو راقني وعلى رأسي به ابن جلا يعني قوم سبأ مزقناهم كل ممزق، وابن جلا ما له عمامة، يشير إلى قول الشاعر سحيم بن وثيل الرباحي:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وذكره العماد أيضاً في كتاب السيل فقال: كان من الفقهاء بمصر، وقد رأيت القاضي الفاضل يثني عليه، ووجدت له قصيدة كتبها من مصر إليه ونقلت من ديوانه أيضاً:
يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو محترق [ومن شعره أيضاً في الأمير فخر الدين إسماعيل بن ثعلب:
مدحت الجعفري فما أثابت ... يداه فظن مدحي للثواب
وما كان احتساب الأجر فيه ... على كذب المدائح في الحساب ومن شعره أيضاً:
يأبى العذار المستدير بوجهه ... وكمال بهجة حسنه المنعوت
فكأنما هو صولجان زمرد ... متلقف كرة من الياقوت] وله في كأس سقطت وهو معنى بديع:
ما سقطت كاسك من علة ... لكن يد الفضل بتبديدها
(1/165)

هيهات أن تحفظها راحة ... ما حفظت قط سوى جودها وله:
فؤادي إليك شديد الظما ... وعيني تشكو لك الحاجبا
فرتب لي الأذن سهلاً لديك ... فإني أرضى به راتباً [وكتب إلى القاضي الأسعد بن عثمان يستدعيه من جملة أبيات:
صر إلينا على البراق وإلا ... جاءك العتب بعد فوت المراد وصار إليه وأنشده ارتجالاً:
قد أجبت لنداء يا داعي ال ... مجد ولو كنت موثقاً في صفاد
فودادي يصونني عن عتاب ... وبراقي عزيمتي في الوداد] وله في مغن اسمه حسام ويعرف بالأقرع وهي من الشعر المختار:
وفتيان تملكت الحميا ... أزمة أمرهم ملك الأمير
أرادوا من حسام أن يغني ... ليطربهم وذاك من الغرور
فقلت لهم متى بالله غنى ... حسام قط في زمن السرور [ومن شعره أيضاً:
لا تسأل اليوم عن حالي وعن خبري ... دهت فؤادي دواهي الحسن والقدر
أصبحت قد ضل قلبي في هوى قمر ... فأعجب لمن ضل بين الشمس والقمر وله أيضا وكتب بهما إلى بعض أصدقائه يعاتبه:
إن مسني من جنابٍ كنت أعهد لي ... فيه النعيم تكاليف من الشظف
فالشمس والبدر حسبي أسوة بهما ... وربما كسفا في البيت والشرف ومن شعره يصف دير القصير أولها:
قصرنا على دير القصير ركابنا ... ليالي قضاها السرور قصارا]
(1/166)

محل يريك النيل والروض والمها ... ويدني من النجم البعيد مزارا
وتهدي إلى أبصارنا وقلوبنا ... بغير عناء قوة وقدارا ويقتصر من شعره على هذا القدر.
وكان جده يقال له قطرس.
وتوفي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بمدينة قوص، وقد ناهز سبعين سنة من عمره، رحمه الله تعالى.
واللخمي - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبعدها ميم - هذه النمسبة إلى لخم بن عدي، واسمه مالك، وهو أخو جذام، واسم جذام عمر بن عدي، وكانا قد تشاجرا فلخم عمرو مالكا - أي لطمه - فضرب مالك عمرا بمدية فجذم يده - أي قطعها - فسمي مالك لخما، وسمي عمرو جذاماً لهذا السبب.
والقطرسي - بضم القاف وسكون الطاء المهملة وضم الراء وبعدها سين مهملة - هذه النسبة كشفت عنها كثيراً ولم اقف لها على حقيقة، غير انه كان من أهل مصر، ثم أخبرني بهاء الدين زهير بن محمد الكاتب الشاعر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - أن هذه النسبة إلى جده قطرس، وكان صاحبه، وروى عنه شيئا من شعره.
(7) وجلدك: أبو المظفر عتيق تقي الدين عمر، صاحب حماة - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وكان ديناً فاضلاً. ومات في الثامن والعشرين من شعبان سنة ثمان وعشرين وستمائة بالقاهرة، وقد ناهز ثمانين سنة، وله شعر، وروى عن الحافظ السلفي وغيره، ومن جملة ما روى بهاء الدين زهير من شعره في غلام يتعلم على الهندسة والهيئة:
وذي هيئة يزهو بوجه مهندس ... أموت به كل يوم وأبعث
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن به إقليدساً يتحدث
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والصدغ شكل مثلث وتنسب هذه اليات إلى أبي جعفر العلوي المصري، والله أعلم.
(1/167)

67 - (1)
ابن الرشيد
أبو العباس أحمد بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور الهاشمي المعروف بالسبتي؛ كان عبداً صالحاً، ترك الدنيا في حياة أبيه مع القدرة، ولم يتعلق بشيء من أمورها، وأبوه خليفة الدنيا، وآثرالانقطاع والعزلة، وإنما قيل له السبتي لأنه كان يتكسب بيده في يوم السبت شيئاً ينفقه في بقية الأسبوع، ويتفرغ للاشتغال بالعبادة، فعرف بهذه النسبة، ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفي سنة أربع وثمانين ومائة قبل موت أبيه، رحمهما الله تعالى؛ وأخباره مشهورة، فلا حاجة إلى التطويل فيها، وذكره ابن الجوزي في شذور العقود وفي صفوة الصفوة وهو مذكور في كتاب " التوابين " وفي " المنتظم " أيضا.
68 - (2)
ابن العريف
أبو العباس أحمد بن محمد بن موسى بن عطاء الله الصنهاجي الأندلسي المريي المعروف بابن العريف؛ كان من كبار الصالحين والولياء المتورعين، وله المناقب
__________
(1) انظر كتاب التوابين: 162 وصفة الصفوة: 2: 174 والوافي 8: الورقة: 100.
(2) راجع ترجمة ابن العريف في الصلة: 83 والتحفة: 17 ومعجم الصدفي (رقم: 14) والبغية (رقم: 360) ونيل الابتهاج: 58 (على هامش الديباج) والوافي 8، الورقة: 50 وله أخبار وشعر في نفح الطيب.
(1/168)

المشهورة، وله كتاب " المجالس " (1) وغيره من الكتب المتعلقة بطريق القوم، وله نظم حسن في طرقهم أيضاً، ومن شعره (2) :
شدوا المطي وقد نالوا المنى بمنى ... وكلهم بأليم الشوق قد باحا
سارت ركائبهم تندى روائحها ... طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحاً
نسيم قبر النبي المصطفى لهم ... روح إذا شربوا من ذكره راحا
يا واصلين إلى المختار من مضرٍ ... زرتم جسوما وزرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذرٍ وعن قدر ... ومن أقام على عذرٍ كمن راحا وبينه وبين القاضي عياض بن موسى اليحصبي مكاتبات حسنة، وكانت عنده مشاركة في أشياء من العلوم، وعنتية بالقراءات وجمع الروايات واهتمام بطرقها وحملتها، وكان العباد وأهل الزهد يألفونه ويحمدون صحبته.
وحكى بعض المشايخ الفضلاء أنه رأى بخطه فصلا في حق أبي محمد علي بن أحمد المعروف بابن حزم الظاهري الأندلسي، وقال فيه: كان لسان ابن حزم المذكور وسيف الحجاج بن يوسف شقيقين، وإنما قال ذلك لأن ابن حزم كان كثير الوقوع (3) في الأئمة المتقدمين والمتأخرين، لم يكد يسلم منه أحد. ومولده يوم الأحد بعد طلوع الفجر ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة.
وكانت وفاة ابن العريف المذكور سنة ست وثلاثين وخمسمائة بمراكش، رحمه الله تعالى، ليلة الجمعة أول الليل، ودفن يوم الجمعة الثالث والعشرين من صفر، وقد كان سعي به إلى صاحب مراكش، فأحضره إليها فمات، واحتفل الناس بجنازته وظهرت له كرامات، فندم على استدعائه؛ وصاحب مراكش الذي استدعاه هو علي بن يوسف بن ناشفين - الآتي ذكره في ترجمة أبيه يوسف إن شاء الله تعالى -.
__________
(1) طبع هذا الكتاب باسم " محاسن المجالس " وقد ذكره حاجي خليفة في الموضعين، ولا أدري هل الثاني موجز للأول أو هما كتاب واحد.
(2) وردت الأبيات في الوافي والنفح 4: 331 (ط. صادر) .
(3) لفظة " الوقوع " هنا مضللة، لأنها قد توحي بالتهجم المتعسف، وابن حزم حاد اللهجة في النقد، ولكنه لا " يقع " في الأئمة.
(1/169)

والمريي: هذه النسبة إلى المرية، وهي بفتح الميم وكسر الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء، وهي مدينة عظيمة بالأندلس.
69 - (1)
ابن الحطيئة اللخمي
أبو العباس أحمد بن عبد الله بن احمد بن هشام بن الحطيئة اللخمي الفاسي؛ كان من مشاهير الصلحاء وأعيانهم، وكان مع صلاحه فيه فضيلة ومعرفة بالأدب، وكان رأساً في القراءات السبع، ونسخ بخطه كثيرا من كتب الأدب وغيرها، وكان جيد الخط، حسن الضبط، والكتب التي توجد بخطه مرغوب فيها للتبرك بها ولإتقانها.
ومولده في الساعة الثامنة من يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بمدينة فاس، وانتقل إلى الديار المصرية، ولأهلها فيه اعتقاد كبير لما رأوه من صلاحه، وكان قد حج ودخل الشام، واستوطن خارج مصر في جامع راشدة، وكان لا يقبل لأحد شيئا ولا يرتزق على الإقراء، واتفق بمصر مجاعة شديدة فمشى إليه أجلاء المصريين وسألوه قبول شيء فامتنع، وكان عدلاً بزازاً في القاهرة، فتزوجها وسأل أن تكون أمها عندها، فأذن في ذلك، وكان قصدهم تخفيف العائلة عنه، وبقي منفردا ينسخ ويأكل من نسخه [وكان يعرض عليه المال فلا يقبل منه شيئا؛ قيل: جاء بعض التجار بمئزر أسود صوف وحلف عليه به، فقال: اجعله على ذلك الوتد، فأقام ثلاثين سنة موضعه. لم يزل بالشرق إلى نوبة مصر المشهورة وحريقها فنزل في دويرة بها ... ]
وتوفي في أواخر المحرم سنة ستين وخمسمائة بمصر، ودفن في القرافة الصغرى
__________
(1) ترجمة ابن الحطيئة في الوافي 7، الورقة: 59 وغاية النهاية 1: 71 والشذرات 4: 188.
(1/170)

وقبره يزار بها، وزرته ليلا فوجدت عنده أنسا كثيرا، رحمه الله تعالى.
وكان يقول: أدرجت سعادة الإسلام في أكفان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أشار إلى الإسلام لم يزل في أيامه في نمو وازدياد، وشرع بعده في التضعضع والاضطراب.
وذكر في كتاب " الدول المنقطعة " (1) في ترجمة أبي الميمون عبد المجيد صاحب مصر أن الناس أقاموا بلا قاض ثلاثة أشهرفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ثم اختير في ذي القعدة أبو العباس ابن الحطيئة، فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة فلم يمكن من ذلك، وتولى غيره، والله تعالى أعلم.
والحطيئة: بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الهمزة هاء.
والفاسي - بفتح الفاء وبعد الألف سين مهملة - هذه النسبة إلى فاس وهي مدينة كبيرة بالمغرب بالقرب من سبتة خرج منها جماعة من العلماء.
70 - (2)
ابن الرفاعي
أبو العباس أحمد بن أبي الحسن علي بن أبي العباس أحمد المعروف بابن الرافاعي؛ كان رجلاً صالحاً فقيها شافعي المذهب، أصله من العرب، وسكن في البطائح بقرية يقال لها: أم عبيدة، وانضم إليه خلق عظيم من الفقراء، وأحسنوا الاعتقاد فيه وتبعوه. والطائفة المعروفة بالرفاعية والبطائحية من الفقراء
__________
(1) كتاب من تأليف ابن ظافر الأزدي المتوفى سنة 623، قال حاجي خليفة: يقع في نحو أربع مجلدات (1: 762) .
(2) ترجمة ابن الرفاعي في طبقات السبكي 4: 40 ومرآة الزمان: 370 وابن الساعي: 112 والوافي 7، الورقة: 105 والشذرات 4: 259.
(1/171)

منسوبة إليه، ولأتباعه أحوال عجيبة: من أكل الحيات وهي حية، والنزول في التنانير وهي تتضرم بالنار فيطفئونها، ويقال: إنهم في بلادهم يركبون الأسود، ومثل هذا وأشباهه، ولهم مواسم يجتمع عندهم من الفقراء عالم لا يعد ولا يحصى، ويقومون بكفاية الكل. ولم يكن له عقب، وإنما العقب لأخيه، وأولاده يتوارثون المشيخة والولاية على تلك الناحية إلى الآن، وأمورهم مشهورة مستفيضة، فلا حاجة إلى الإطالة فيها.
وكان للشيخ أحمد - مع ما كان عليه من الاشتغال بعبادته - شعر، فمنه على ما قيل:
إذا جن ليلي هام قلبي بذكركم ... أنوح كما ناح الحمام المطوف
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى ... وتحتي بحار بالأسى تتدفق
سلوا أم عمرو كيف بات أسيرها ... تفك الأسارى دونه وهو موثق
فلا هو مقتول ففي القتل راحة ... ولا هو ممنون عليه فيطلق (1) ولم يزل على تلك الحال إلى أن توفي يوم الخمسين الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بأم عبيدة، وهو في عشر السبعين، رحمه الله تعالى.
والرفاعي - بكسرالراء وفتح الفاء وبعد الألف عين مهملة - هذه النسبة إلى رجل من العرب، يقال له رفاعة، هكذا نقلته من خط بعض أهل بيته.
وأم عبيدة: بفتح العين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعد الدال المهملة المفتوحة هاء.
والبطائح - بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وبعد الألف ياء مثناة من تحتها ثم حاء مهملة - وهي عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، ولها شهرة بالعراق.
__________
(1) يبدو أنه ضمن هذين البيتين فهما من قديم الشعر لشبيب بن البرصاء كما في الأغاني 12: 254، 272.
(1/172)

71 - (1)
أحمد بن طولون
الأمير أبو العباس أحمد بن طولون، صاحب الديار المصرية والشامية والثغور؛ كان المعتز بالله قد ولاه مصر، ثم استولى على دمشق والشام أجمع وانطاكية والثغور في مدة اشتغال الموفق أبي أحمد طلحة بن المتوكل، وكان نائبا عن أخيه المعتمد على الله الخليفة وهو والد المعتضد بالله، بحرب صاحب الزنج.
وكان أحمد عادلاً جواداً شجاعاً متواضعاً حسن السيرة صادق الفراسة، يباشر الأمور بنفسه ويعمر البلاد ويتفقد أحوال رعاياه ويحب أهل العلم، وكانت له مائدة يحضرها كل يوم الخاص والعام، وكان له ألف دينار في كل شهر للصدقة، فأتاه وكيله يوماً فقال: إني تأتيني المرأة وعليها الإزار وفي يدها خاتم الذهب فتطلب مني، أفأعطيها فقال له: من مد يده إليك فأعطه. وكان مع ذلك كله طائش السيف، قال القضاعي: يقال إنه أحصي من قتله ابن طولون صبراً ومن مات في حبشه فكان عددهم ثمانية عشر ألفا. وكان يحفظ القرآن الكريم، ورزق حسن الصوت، وكان من أدرس الناس القرآن، وبنى الجامع المنسوب إليه الذي بين القاهرة ومصر في سنة تسع وخمسين ومائتين، وهذه الزيادة حكاها الفرغاني في تارخه، وذكر القضاعي في كتاب الخطط أنه شرع في عمارته سنة أربع وستين ومائتين، وفرغ منه في سنة ست وستين ومائتين، والله أعلم، وأنفق على عمارته مائة ألف وعشرين ألف دينارعلى ما حكاه أحمد بن يوسف مؤلف سيرته. وكان أبوه مملوكاً أهداه نوح بن أسد الساماني عامل بخارى إلى المأمون في جملة رقيق حمله إليه في سنة مائتين، ومات طولون في سنة أربعين ومائتين.
__________
(1) أخباره في كتب التواريخ العامة، وسيرة أحمد بن طولون للبولي، والمغرب (قسم مصر) .
(1/173)

وكانت ولادة ولده أحمد بسامرا في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة عشرين ومائتين، ويقال إن طولون تبناه ولم يكن ابنه، ودخل مصر لتسع - وقيل: لسبع - بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، وقيل: يوم الاثنين لخمس بقين منه.
وتوفي بها في ليلة الأحد لعشر بقين - وقال الفرغاني: لعشر خلون - من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين بزلق الأمعاء، رحمه الله تعالى. وزرت قبره في تربة عتيقة بالقرب من الباب المجاور للقلعة على طريق المتوجه إلى القرافة الصغرى بسفح المقطم.
وطولون: بضم الطاء المهملة وسكون الواو وضم اللام [وسكون الواو] وبعدها نون، وهو اسم تركي.
والساماني - بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى سامام، وهو جد الملوك السامانية بما وراء النهر وخراسان.
وسامرا - بفتح السين المهملة وبعد الألف ميم مفتوحة ثم راء مشددة وبعدها ألف - مدينة كبيرة بناها المعتصم في سنة عشرين ومائتين بالعاق فوق بغداد، وحكى فيها الجوهري في كتاب الصحاح ست لغات في فصل رأى وهذه اللغة إحدى تلك الست، وليس هذا موضع استقصاء الست، وقد ذكرتها في ترجمة إبراهيم بن المهدي.
72 - (1)
معز الدولة ابن بويه
أبو الحسين أحمد بن بي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام بن كوهي بن
__________
(1) أخباره في ابن الأثير وتجارب الأمم لمسكويه وتاريخ ابن خلدون والمنتظم لابن الجوزي.
(1/174)

شيرزيل الأصغر ابن شيركوه بن شيرزيل الأكبر ابن شيران شاه بن شيرفنه بن شستان شاه ين سسن فرو بن شروذيل (1) بن سناد (2) بن بهرام جور الملك بن يزد جردين بن هرمز كرمانشاه بن سابور ذي الأكتاف، وبقية النسب معروفة في ملوك بني ساسان فلا حاجة إلى الإطالة.
وأبو الحسين المذكور يلقب معز الدولة، وهم ثلاثة إخوة، وسيأتي ذكر الجميع، وهو عم عضد الدولة وأحد ملوك الديلم، وكان صاحب العراق والأهواز وكان يقال له الأقطع لأنه كان مقطوع اليد اليسرى وبعض أصابع اليمنى، وسبب ذلك أنه كان في مبدأ (3) عمره وحداثة سنه تبعاً لأخيه عماد الدولة، وكان قد توجه إلى كرمان بإشارة أخويه عماد الدولة وركن الدولة، فلما وصلها سمع به صاحبها فتركها ورحل إلى سجستان من غير حرب، فملكها معز الدولة، وكان بتلك الأعمال طائفة من الأكراد قد تغلبوا عليها، وكانوا يحملون لصاحب كرمان في كل سنة شيئاً من المال بشرط أن لا يطأوا بساطه، فلما وصل معز الدولة سير إليه رئيس القوم وأخذ عهوده ومواثيقه بإجرائهم على عادتهم، ففعل ذلك، ثم أشار عليه كاتبه بنقض العهد وأن يسري (4) إليهم على غفلة ويأخذ أموالهم وذخائرهم، ففعل معز الدولة ذلك، وقصدهم في الليلفي طريق متوعرة، فأحسوا به فقعدوا له على مضيق، فلما وصل إليهم بعسكره ثاروا عليهم من جميع الجوانب، فقتلوا وأسروا، ولم يفلت منهم إلا اليسير، ووقع بمعز الدولة ضربات كثيرة، وطاحت يده اليسرى وبعض أصابع يده اليمنى، وأثخن بالضرب في رأسه وسائر جسده، وسقط بين القتلى، ثم سلم بعد ذلك، وشرح ذلك يطول، وكان وصوله إلى بغداد من جهة الأهواز، فدخلها متملكا يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وثلثمائة، في خلافة المستكفي، وملكها بلا كلفة.
__________
(1) د: شيرويل؛ هـ: شذويل؛ أ: سرديل.
(2) ج د: سيساد؛ هـ: سناذ.
(3) ده: مبتدإ.
(4) د: يسير.
(1/175)

وذكر أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب شذور العقود أن معز الدولة المذكور كان في أول أمره يحمل الحطب على رأسه، ثم ملك هو وإخوته البلاد وآل أمرهم إلى ما آل، وكان معز الدولة أصغر الإخوة الثلاثة، وكانت مدة ملكه العراق (1) إحدى وعشرين سنة وأحد عشر شهراً.
وتوفي يوم الاثنين سابع عشر ربيع الآخر سنة ست وخمسين وثلثمائة ببغداد، ودفن في داره، ثم نقل إلى مشهد بني له في مقابر قريش. ومولده في سنة ثلاث وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
ولما حضره الموت أعتق مماليكه وتصدق بأكثر ماله (2) ، ورد كثيراً من المظالم.
قال أبو الحسين (3) أحمد العلوي: بينا أنا في داري على دجلة بمشرعة القصب (4) في ليلة ذات غيم ورعد وبرق، سمعت صوت هاتف يقول (5) :
لما بلغت أبا الحسي ... ن مراد نفسك في الطلب
وأمنت من حدث الليا ... لي واحتجبت عن النوب
مدت إليك يد الردى ... وأخذت من بيت الذهب قال: فإذا بمعز الدولة قد توفي في تلك الليلة.
ولما توفي ملك موضعه ولده عز الدولة أبو المنصور بختيار، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وبويه: بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء ساكنة.
وفناخسرو: بفتح الفاء وتشديد النون وبعد اللف خاء معجمة مضمومة ثم سين مهملة ثم سين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة وبعدها واو.
__________
(1) د: للعراق.
(2) أج: أمواله.
(3) أده: الحسن.
(4) أ: بشرعة النصيب.
(5) أ: خائف.
(1/176)

وتمام: بفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها ميم مخففة مفتوحة وبعد الألف ميم.
ولولا خوف التطويل لقيدت بقية الأجداد، وقد ضبطته بخطي، فمن نقله فلينقله على هذه الصورة فهو صحيح، وسيأتي ذكر أخويه عماد الدولة علي وركن الدولة حسن.
73 - (1)
نصر الدولة ابن مروان الكردي
أبو نصر أحمد بن مروان بن دوستك (2) ، الكردي الحميدي الملقب نصر الدولة صاحب ميافارقين وديار بكر؛ ملك البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد منصور ابن مروان في قلعة الهتاخ (3) ليلة الخميس خامس جمادى الولى سنة إحدى وأربعمائة، وكان رجلاً مسعوداً عالي الهمة حسن السياسة كثير الحزم، قضى من اللذات وبلغ من السعادة ما يقصر الوصف عن شرحه.
وحكى ابن الأزرق الفارقي (4) في تاريخه أنه لم ينقل أن نصر الدولة المذكور صادرأحدا في أيامه، سوى شخص واحد، وقص قصته ولا حاجة إلى ذكرها، وأنه لم تفته صلاة الصبح عن وقتها مع انهماكه في اللذات، وأنه كان له ثلثمائة وستون جارية يخلو كل ليلة من ليالي السنة بواحدة، فلا تعود النوبة إليها إلا في مثل تلك الليلة من العام الثاني، وأنه قسم أوقاته: فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته، ومنها ما يتوفر فيه على لذاته والاجتماع بأهله وألزامه، وخلف أولاداً كثيرة، وقصده شعراء عصره ومدحوه وخلدوا مدائحه في دواوينهم.
__________
(1) أخباره في المنتظم 8: 222 وانظر الوافي 8، الورقة: 79 والعبر 3: 229 والشذرات 3: 290 وابن الأثير 9: 347 - 349 وصفحات أخرى من هذا الجزء.
(2) هـ: دوشك؛ الوافي: دوسك.
(3) قلعة حصينة في ديار بكر.
(4) هـ: الفارقاني.
(1/177)

ومن جملة سعاداته أنه وزر له وزيران كانا وزيري خليفتين: أحدهما أبو القاسم الحسين بن علي المعروف بابن المغربي صاحب ديوان الشعر والرسائل والتصانيف المشهورة، وكان وزير خليفة مصر وأنفصل عنه، وقدم على الأمير أبي نصر المذكور فوزر له مرتين، والآخر فخر الدولة أبو نصر بن جهير، كان وزيره ثم انتقل إلى وزارة بغداد - وسيأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى -.
ولم يزل على سعادته وقضاء أوطاره إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ودفن بجامع المحدثة، وقيل: في القصر بالسد لي، ثم نقل إلى القبة المعروفة بهم الملاصقة لجامع المحدثة.
وعاش سبعا وسبعين سنة (1) ، وكانت إمارته اثنتين وخمسين سنة، وقيل اثنتين وأربعين سنة، رحمه الله تعالى.
وميافارقين مشهورة فلا حاجة إلى ضبطها.
والمحدثة - بضم الميم وسكرن الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبعدها ناء مثلثة - رباط بظاهر ميافارقين.
والسدلي - بكسر السين المهملة والدال المهملة وبعدها لام مشددة مكسورة أيضا - قبة في القصر مبينة على ثلاث دعائم، وهو لفظ عجمي معناه ثلاث قوائم.
وملك بعده ابنه نظام الدين أبو القاسم نصر.
74 - (2)
المستعلي الفاطمي
أبو لقاسم أحمد المنعوت بالمستعلي ابن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز
__________
(1) أج: 79 سنة.
(2) انظر اتعاظ الحنفا: 282 والدرة المضيئة: 443 والنجوم الزاهرة 5: 142.
(1/178)

ابن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله، وستأتي تتمة النسب عند ذكر المهدي في حرف العين وكيفية الاختلاف فيه، إن شاء الله تعالى.
ولي الأمر بعد أبيه المستنصر بالديار المصرية والشامية، وفي أيامه اختلت دولتهم (1) ، وضعف أمرهم، وانقطعت (2) من أكثر مدن الشام دعوتهم، وانقسمت البلاد الشامية بين الأتراك والفرنج - خذلهم الله تعالى - فإنهم دخلوا الشام ونزلوا على انطاكية في ذي القعدة سنة تسعين وأربعمائة، ثم تسلموها في سادس عشر رجب سنة إحدى وتسعين، وأخذوا معرة النعمان في سنة اثنتين وتسعين وأخذوا البيت المقدس في شعبان سنة اثنتين وتسعين أيضاً، وكان الفرنج قد أقاموا عليه نيفاً وأربعين يوماً قبل أخذه، وكان أخذهم له ضحى يوم (3) الجمعة، وقتل فيه من المسلمين خلق كثير في مدة أسبوع، وقتل في الأقصى ما يزيد على سبعين ألفاً، وأخذوا من عند الصخرة من أواني الذهب والفضة مالا يضبطه الوصف، وانزعج المسلمون في جميع بلاد الإسلام بسبب أخذه غاية الانزعاج (4) - وسأتي ذكر طرف من هذه الواقعة في ترجمة الأفضل ابن أمير الجيوش في حرف الشين إن شاء الله تعالى -. وكان الأفضل شاهنشاه المنعوت بأمير الجيوش قد تسلمه من سكمان (5) بن أرتق في يوم الجمعة لخمس بقين من شهر رمضان سنة إحدى وتسعين، وقيل: في شعبان سنة تسع وثمانين، والله أعلم بالصواب، وولي فيه من قبله فلم يكن لمن فيه طاقة بالفرنج فتسلموه منه، ولو كان في يد الأرتقية لكان أصلح للمسلمين، ثم استولى الفرنج على كثير من بلاد الساحل في أيامه، فملكوا حيفا في شوال سنة ثلاث وتسعين، وقيساربة في سنة أربع وتسعين. ولم يكن للمستعلي مع الأفضل حكم، وفي أيامه هرب أخوه نزار إلى الإسكندرية، ونزار هو الأكبر وهو جد أصحاب الدعوة بقلعة الأ موت ولك القلاع وكان من أمره ما قد شهر، والشرح يطول (21) .
__________
(1) أج: أحوالهم.
(2) أج: وانقطع.
(3) أ: ضحى نهار يوم.
(4) هـ: الإزعاج.
(5) أج: سقمان.
(1/179)

وكانت ولادة المستعلي لعشر ليال بقين من المحرم سنة تسع وستين وأربعمائة بالقاهرة، وبويع في يوم عيد غدير خم، وهو الثامن عشر من ذي الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي بمصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت (1) من صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة، رحمه الله تعالى، [وله من العمر ثمان وعشرون سنة وأيام، فكانت مدة ولايته سبع سنين وكسراً؛ وتولى بعده ولده أبو علي المنصور الملقب بالآمر، وله من الهمر خمس سنين وشهر وأربعة أيام، ولم يكن في من تسمى بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر، وكان المستنصر أكبر من هذا، ولم يقدر يركب وحده الفرس. وقام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش أحسن قيام إلى أن قتل في التاريخ المذكور في بابه في حرف الشين] .
75 - (2)
عماد الدين ابن المشطوب
أبو العباس أحمد ابن الأمير سيف الدين أبي الحسن علي بن أحمدبن أبي الهيجاء ابن عبد الله بن أبي الخليل (3) ابن مرزبان (4) الهكاري المعروف بابن المشطوب الملقب عماد الدين، والمشطوب لقب والده، وإنما قيل له ذلك لشطبة كانت بوجهه؛ كان أميراً كبيراً وافر الحرمة عند الملوك، معدوداً بينهم مثل واحد منهم، وكان عالي الهمة غزيرة الجود واسع الكرم شجاعاً أبي النفس تهابه الملوك وله وقائع مشهورة في الخروج عليهم، ولا حاجة إلى ذكرها.
وكان من أمراء الدولة الصلاحية، فإن والده لما توفي وكانت نابلس إقطاعاً
__________
(1) أج: خلت.
(2) تجد أخباره في صفحات متفرقة من كتاب " مرآة الزمان ".
(3) أج: عبد الجليل.
(4) د: مهرزان.
(1/180)

له أرصد منها السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى الثلث لمصالح بيت المقدس وأقطع ولده عماد الدين المذكور باقيها. وجده أبو الهيجاء كان صاحب العمادية وعدة قلاع من بلاد الهكارية.
ولم يزل قائم الجاه والحرمة إلى أن صدر منه في سنة دمياط ما قد شهر، وقد شرحت ذلك في ترجمة الملك الكامل، فانفصل عن الديار المصرية، وآلت حاله إلى أن حوصر في شهر بيع الآخر بتل يعفور (1) القلعة التي بين الموصل وسنجار، والقصة مشهورة، فراسله الأمير بدر الدين لؤلؤ أتابك صاحب الموصل ولم يزل يخدعه ويطمنه إلى أن أدعن للانقياد، وحلف له على ذلك، فانتقل إلى الموصل، وأقام (2) بها قليلاً، ثم قبض عليه، وذلك في سنة سبع عشرة وستمائة وأرسله إلى الملك الأشرف مظفر الدين ابن الملك العادل. وإنما قبض عليه تقريباً إلى قلبه، فإن خروجه في هذه الدفعة كان عليه، فاعتقله الملك الأشرف في قلعة حران، وضيق عليه تضييقا شديدا، من الحديد الثقيل في رجليه والخشب في يديه، وحصل في رأسه ولحيته وثيابه من القمل شيء كثير على ماقيل، وكنت أسمع بذلك في وقته وأنا صغير، وبلغني أن بعض من كان متعلقاً بخدمته كتب في ذلك الوقت إلى الملك الأشرف دوبيت في معناه وهو:
يا من بدوام سعده دار فلك ... ما أنت من الملوك بل أنت ملك
مملوكك ابن المشطوب في السجن هلك ... أطلقه فإن الأمر لله ولك ومكث على تلك الحال إلى أن توفي (3) في الاعتقال في شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة، وبنت له ابنته قبة على باب مدينة رأس عين، ونقلته من حران إليها ودفنته بها، رحمه الله تعالى؛ ورأيت قبره هناك.
ولما كان في السجن كتب إليه بعض الأدباء دوبيت، وهو:
__________
(1) هـ: يعقوب؛ وهو تل أعفر أو يعفر (ياقوت) .
(2) هـ: فأقام.
(3) هـ: هلك.
(1/181)

يا أحمد مازلت عماداً للدين ... يا أشجع من أمسك رمحاً بيمين
لا تأس (1) إذا حصلت (2) في سجنهم ... ها يوسف قد أقام في السجن سنين وهذا مأخوذ من قول البحتري من جملة أبيات (3) :
أما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوساً على الظلم والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة (4) ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك وكانت ولادة الأمير عماد الدين في سنة خمس وسبعين وخمسمائة (5) تقديراً.
ورأيت في بعض رسائل القاضي الفاضل أن الأمير سيف الدين أبا الحسن علي ابن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب كتب إلى الملك الناصر صلاح الدين يخبره بولادة ولده عماد الدين أبي العباس أحمد، وأن عنده امرأة أخرى حاملاً، فكتب القاضي الفاضل جوابه " وصل كتاب الأمير دالاً على الخبر بالولدين، الحال على التوفيق، والسائر كتب الله سلامته في الطريق، فسررنا بالغرة الطالعة من لثامها، وتوقعنا المسرة بالثمرة الباقية في أكمامها.
(8) وأما والده سيف الدين المشطوب فإن السلطان صلاح الدين كان قد رتبه في عكا لما خاف عليها من الفرنج، هو بهاء الدين قراقوش - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - ولم يزل بها حتى حاصرها الفرنج بها وأخذوها. ولما خلص منها وصل إلى السلطان وهو بالقدس، يوم الخميس مستهل جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. قال ابن شداد (6) : دخل على السلطان بغته، وعنده أخوه الملك العادل، فنهض إليه واعتنقه، وسر به سروراً عظيماً، وأخلى المكان وتحث معه طويلاً.
__________
(1) أده: لا تيأس.
(2) د: جعلت.
(3) ديوان البحتري: 1568.
(4) د: مدة.
(5) هـ: 557.
(6) انظر سيرة ابن شداد: 201.
(1/182)

وكانت وفاة سيف الدين يوم الخميس السادس والعشرين من شوال (1) سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بنابلس، رحمه الله تعالى؛ هكذا ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب البرق الشامي. وقال بهاء الدين بن شداد في كتابه سيرة صلاح الدين إنه نزفي يوم الأحد الثالث والعشرين من شوال من السنة المذكورة بالقدس الشريف، ودفن في داره بعد أن صلي عليه بالمسجد الأقصى.
ولم يكن في أمراء الدولة الصلاحية أحد يضاهيه ولا يدانيه في المنزلة وعلو المرتبة، وكانوا يسمونه الأمير الكبير، وكان ذلك علماً عليه عندهم لا يشاركه فيه غيره، ورأيت بخط القاضي الفاضل " ورد الخبر بوفاة الأمير سيف الدين المشطوب، أمير الأكراد وكبيرهم. وكانت وفاته يوم الأحد الثاني والعشرين من شوال من السنة المذكورة بالقدس، وخبزه يوم وفاته بنابلس وغيرها ثلثمائة ألف دينار، وكان بين خلاصه من أسره وحضور أجله دون مائة يوم. فسبحان الحي الذي لا يموت، وتهدم به بنيان قوم، والدهر قاض ما عليه لوم ".
قلت: وقوله " وتهدم به بنيان قوم " هذا الكلام حل فيه بيت الحماسة وهو (2) :
فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما وهذا البيت من جملة مرثية عبدة بن الطبيب التي رثى بها قيس بن عاصم التميمي الذي قدم من البادية على النبي صلى الله عليه وسلم في وقد بني تميم في سنة تسع للهجرة، وأسلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حقه: هذا سيد أهل الوبر، وكان عاقلاً مشهوراً بالحلم والسودد، وهذا البيت لأهل العربية في إعرابه كلام ليس هذا موضع ذكره، وقد ذكره أبو تمام الطائي في باب المراثي من جملة ثلاثة أبيات، وهي:
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما
__________
(1) ج: شعبان.
(2) انظر السمط: 69 والحماسية رقم 263 (شرح المرزوقي) .
(1/183)

تحية من غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شحط بلادك سلما
فما كان قيس هُلكُه هلك واحد ... ولكنه بنيان قومٍ تهدما وهذا قيس أول من وأد البنات في الجاهلية للغيرة والأنفة من النكاح، وتبعه الناس في ذلك إلى أن أبطله الإسلام.
(9) وأما الأمير بدر الدين لؤلؤ المذكور، فإنه توفي يوم الجمعة ثالث شعبان سنة سبع وخمسين وستمائة بقلعة الموصل، ودفن بها في مشهد هناك، وعمره مقدار ثمانين سنة، رحمه الله تعالى.
76 - (1)
صلاح الدين الإربلي
أبو العباس أحمد بن عبد السيد بن شعبان بن محمد بن جابر بن قحطان الإربلي الملقب صلاح الدين، وهو من بيت كبير بإربل؛ وكان حاجباً عن الملك المعظم مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل، فتغير عليه واعتقله مدة، فلما أفرج عنه خرج منها قاصداً بلاد الشام في سنة ثلاث وستمائة (2) صحبة الملك القاهر بهاء الدين أيوب ابن الملك العادل، فاتصل بخدمة الملك المغيث ابن الملك العادل، وكان قد عرفه من إربل، وحسنت حاله عنده، فلما توفي المغيث انتقل الصلاح إلأى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل، فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختص به في خلواته وجعله أميراً.
وكان الصلاح ذا فضيلة تامة ومشاركات حسنة. بلغني أنه كان يحفظ
__________
(1) للصلاح اربلي ترجمة في مرآة الزمان: 692 والوافي 7، الورقة: 29 والشذرات 143.
(2) هـ: 606.
(1/184)

" الخلاصة " في الفقه للإمام الغزالي، وله نظم حسن ودوبيت رائق، وبه تقدم عند الملوك.
ثم إن الملك الكامل تغير عليه واعتقله في المحرم سنة ثماني عشرة وستمائة وهو بالمنصورة في قبالة الفرنج، ويره إلى قلعة القاهرة، ولم يزل في الاعتقال مضيقا عليه على هذه الحال إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فعمل الصلاح دوبيت وأملاه على بعض القيان، فغناه عند الملك الكامل، فاستحسنه وسأله: لمن هذا فقال: للصلاح، فأمر بالإفراج عنه، والدوبيت المذكور:
ما أمر تجنيك على الصب خفي ... أفنيت زماني بالأسى والأسف
ماذا غضب بقدر ذنبي ولقد ... بالغت وما أردت إلا تلفي وقيل: إن الدوبيت الذي كان سبب خلاصه قوله:
اصنع ما شئت أنت أنت المحبوب ... ما لي ذنب، بلى كما قلت ذنوب
هل تسمح بالوصال في ليلتنا ... تجلو صدأ القلب وتعفو وأتوب فلما خرج عادت مكانته عنده إلى أحسن مما كانت عليه.
وكان الملك الكامل قد تغير على بعض إخوته - وهو الملك الفائز سابق الدين إبراهيم ابن الملك العادل - فدخل على الصلاح وسأله أن يصلح أمره مع أخيه الملك الكامل، فكتب الصلاح إليه (1) :
من شرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته
أسوا فقابلهم بالعفو، وافتقروا ... فبرهم، وتولاهم برحمته وعند وصول الأنبرور (2) صاحب صقلية إلى ساحل الشام في سنة ست
__________
(1) اب هـ: فأجابه الصلاح وكتب إليه.
(2) الأنبرور (eMPEROR) هو الإمبراطور فردريك الثاني صاحب صقلية، وقد زار البلاد المقدسة وأخذ القدس صلحاً من الملك؛ وكان عالماً متبحراً في علم الهندسة والرياضيات، وهو الذي وجه المسائل الصقليات إلى ابن سبعين، وفي بلاطه عاش كثير من العلماء وترجموا كثيراً من الكتب العربية، وقد طان الإمبراطور نفسه يتكلم العربية لأن قاضي صقلية هو الذي رباه (انظر: العرب في صقلية للدكتور إحسان عباس ص: 319 وفيه ذكر للمصادر الهامة عن هذا الإمبراطور) .
(1/185)

وعشرين وستمائة بعث الملك الكامل الصلاح إليه رسولاً، فلما قرر القواعد واستحلفه كتب إلى الملك الكامل:
زعم الزعيم (1) الأنبرور بأنه ... سلم يدوم لنا على أقواله
شرب اليمين فإن تعرض ناكثاً ... فليأكلن لذاك لحم شماله ومن شعره أيضاً:
وإذا رأيت بنيك فاعلم أنهم ... قطعوا إليك مسافة الآجال
وصل البنون إلى محل أبيهم ... وتجهز الآباء للترحال وأنشدني بعض أصحابنا له:
يوم القيامة فيه ما سمعت به ... من كل هول فكن منه على حذر
يكفيك من هوله أن لست تبلغه ... إلا إذا ذقت طعم الموت في السفر وكتب إليه شرف الدين ابن عنين الشاعر الدمشقي كتابناً من دمشق إلى الديار المصرية، قال لي صاحبنا عفيف الدين أبو الحسن علي بن عدلان النحوي المترجم الموصلي: إن هذا الكتاب كان على يده، وتضمن الوصية عليه، وفي أوله:
أبثك ما لقيت من الليالي ... فقد قصت نوائبها جناحي
وكيف يفيق من عنت الرزايا ... مريض ما يرى وجه الصلاح وللصلاح المذكور ديوان شعر وديوان دوبيت، وما زال وافر الحرمة عالي المنزلة عنده وعند الملوك. فلما قصد الملك الكامل بلاد الروم وهو في الخدمة
__________
(1) أج د: اللعين.
(1/186)

مرض في المعسكر بالقرب من السويداء، فحمل إلى الرها، فمات قبل دخولها في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وستمائة ودفن بظاهرها، وقيل: مات يوم السبت العشرين من ذي الحجة ودفن بظاهر الرها بمقبرة باب حران، ثم نقله ولده من هناك إلى الديار المصرية، فدفنه في تربة هناك بالقرافة الصغرى في آخر شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة (1) ، وكنت يومئذ بالقاهرة.
وكان تقدير عمره يوم وفاته ستين سنة، رحمه الله تعالى؛ ثم وقفت على تاريخ مولده في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل.
والإربلي - بكسر الهمزة وسكون الراء وكسر الباء الموحدة وبعدها لام - هذه النسبة إلى إربل، وهي مدينة كبيرة بالقرب من الموصل، من جهتها الشرقية.
77 - (2)
ابن عبد الحميد الجرجاني
أبو العباس أحمد بن أبي نصر الخصيب بن عبد الحميد بن الضحاك الجرجاني الأصل؛ كل وزير المستنصر بالله، ونفاه المستعين إلى جزيرة أقريطش بجريرة صدرت منه سنة 48 وكان ينسب إلى الطيش والتهور، وله في ذلك أخبار؛ وكان قد ركب يوماً فوقف له متظلم وشكا حاله فأخرج رجله من الركاب وزج المتكلم في فؤاده فقتله، فتحدث الناس بذلك فقال بعض الشعراء في ذلك الزمان هذين البيتين:
قل للخليفة يابن عم محمد ... أشكل وزيرك إنه ركال
أشكله عن ركل الرجال وإن ترد ... مالاً فعند وزيرك الأموال
__________
(1) اج: سنة 639.
(2) انظر ابن الطقطقي: 218 وابن الأثير 7: 111.
(1/187)

يقال: ركله إذا رفسه، وأبوه الخصيب ممدوح أبي نواس الحكي، كان سبب توليته أن الرشيد قرأ يوماً في المصحف فانتهى إلى قوله تعالى: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتي، الآية فقال: لعنه الله ما كان أرقعه، ادعى الربوبية بملك مصر، والله لأولينها أخس خدمي، فولاها الخصيب وكان على وضوئه. ولأبي نواس فيه قصيدتاه الرائيتان وكان قد قصده بهما إلى مصر وهو أميرها، وما أحسن قوله في إحداهما:
تقول التي من بيتها خف مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى من جريهن عبير
دعيني أكثر حاسديك برحلةٍ ... إلى بلدٍ فيه الخصيب أمير (1) وهي طويلة وأجازه عليها جائزة سنية.
وكانت وفاة أحمد المذكور سنة 265 وكان نفيه إلى أقريطش في سنة248. وأقريطش جزيرة ببلاد المغرب (2) خرج منها جماعة من العلماء وأخذها الفرنج سنة350.
78 - (3)
عزيز الدين المستوفي
أبو نصر أحمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله الأصبهاني الملقب عزيز الدين المستوفي عم العماد الكاتب الأصبهاني،
__________
(1) اكتفينا بهذا القدر من القصيدة وحذفنا 10 أبيات لأن القصيدة وردت في ترجمة ابن دراج.
(2) كذا، وهو واضح الخطأ.
(3) ترجمة عم العماد في المنتظم 10: 28 ومعجم الألقاء 1/4: 403 والنقل فيه عن الخريدة، وقال فيه العماد " اخترع في علم الاسيفاء رسوماً، وأجد فيه رقوماً، وصنف للمالك قانوناً، وتولى المملكة السلجوقية وكان صدور المملكة جهالاً يحسدون العزيز لعلمه ... ".
(1/188)

وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
كان العزيز المذكور رئيسا كبير القدر، ولي المناصب العلية في الدولة السلجوقية، ولم يزل مقدماً فيها، قصده بنو الحاجات، ومدحه الشعراء، وأحسن جوائزهم. وفيه يقول أبو محمد الحسن بن أحمد بن جكينا البغدادي الشاعر المشهور من جملة قصيدة:
أميلوا (1) بنا نحو العراق ركابكم ... لنكتال من مال العزيز بصاعه وللقاضي أبي بكر أحمد بن محمد الأرجاني المقدم ذكره فيه مدائح، والأبيات البائية المذكورة في ترجمته هي من جملة قصيدة طويلة يمدح بها عزيز الدين المذكور، وكان ابن أخيه العماد يفتخر به كثيراً، وقد ذكره في أكثر تواليفه (2) ، وكان في آخر أمره متولي الخزانة للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي.
وكان السلطان محمود المذكور زوج بنت عمه السلطان سنجر بن ملكشاه، فماتت عنده فطالبه عمه بما خرج معها في جهازها من أنواع التحف والغرائب التي لا توجد في خزائن الملوك، فجحدها محمود، وخاف من عزيز الدين ان يشهد بما وصل صحبتها لأنه كان مطلعاً عليه من جهة الخزانة، فقبض عليه وسيرة إلى قلعة تكريت، وكانت القلعة له إذ ذاك، فحبسه بها ثم قتله بعد ذلك في أوائل سنة خمس وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وذكر ابن أخيه العماد الكاتب في كتاب " الخريدة " أن مولده بأصبهان سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وقتله سنة ست وعشرين وخمسمائة بتكريت، وكان قبضه ببغداد، وذكر العماد الكاتب أنه لما قتل كان الميران نجم الدين أيوب أبو السلطان صلاح الدين واخوه أسد الدين شيركو في القلعة المذكورة متوليي أمورها وأنهما دافعا عنه فما أجدى الدفاع.
__________
(1) د ب هـ: فميلوا.
(2) د: تعاليقه.
(1/189)

وأله - بفتح الهمزة وضم اللام وسكون الهاء - لفظة عجمية معناها بالعربية العقاب، وق تقدم الكلام في ضبط اصبهان فلا حاجة إلى الإعادة.
79 - (1)
أبو العباس القسطلاني
الشيخ أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني صحب الشيخ أبا عبد الله القرشي وانتفع به وتمت عليه بركته وروى عنه وجمع جميع كلامه وما كان يصدر عنه في مجلد كبير ووقفت عليه ونقلت منه ما مثاله: قال أبو العباس أحمد بن علي القسطلاني رحمه الله في ذي الحجة سنة عشر وستمائة سمعت الشيخ أبا عبد الله القرشي يقول: كنت عند الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن طريف حاضراً فأتى ليه إنسان فسأله: هل يجوز للإنسان أن يعقد على نفسه عقداً لا يحله إلا بنيل مطلوبه فقال الشيخ: نعم، واستدل بحديث أبي لبابة الأنصاري في قصة بني النضير، وقوله صلى الله عليه وسلم: أما أنه لو أتاني لاستغفرت له ولكن إذا فعل ذلك بنفسه، فدعوه حتى يحكم الله فيه؛ قال: فسمعت هذه المسألة وعقدت على نفسي أنني لا أتناول شيئا إلا بإظهار قدره فمكثت ثلاثة أيام وكنت إذ ذاك أعمل في الحانوت صناعتي، فبينا أنا جالس على الكرسي إذ ظهر لي شخص بيده شيء في إناء فقال لي: اصبر إلى العشاء تأكل من هذا، ثم غاب عني، فبينا أنا في وردي بين العشاءين إذ انشق الجدار وظهرت لي حوراء بيدها ذلك الإناء الذي كان بيد ذلك الشخص فيه شيء يشبه العسل، فتقدمت إلي وألعقتني منه ثلاثا فصعقت وغشي علي ثم أفقت وقد ذهبت فلم يطب لي بعد ذلك طعام، وأشربت في قلبي تلك الصورة فما استحسنت بعدها شخصا ولا كنت أتمكن من سماع كلام الخلق.
__________
(1) انفردت مخطوطة آيصوفيا 3532 بهذه الترجمة، وانظر الديباج: 67 ونيل الابتهاج: 63 على هامشه والشذرات 5: 179.
(1/190)

80 - (1)
أرتق
أرتق بن اكسب جد الملوك الأرتقية؛ هو رجل من التركمان تغلب على حلوان والجبل ثم سار إلى الشام مفارقا لفخر الدولة أبي نصر محمد بن جهير خائفا من السلطان محمد بن ملكشاه، وذلك في سنة ثمان أوتسع واربعين وأربعمائة، وملك القدس من جهة تاج الدولة تتش السلجوقي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، ولما توفي أرتق في التاريخ المذكور فيه تولاه بعده ولداه سكمان وإبلغازي ابنا أرتق، ولم يزالا به حتى قصدهما الأفضل شاهنشاه (2) أمير الجيوش الآتي ذكره إن شاء الله تعالى من مصر بالعساكر، واخذه (3) منهما في شوال سنة إحدى وتسعين وأربعمائة (4) ، وتوجها إلى بلاد الجزيرة الفراتية وملكا ديار بكر. وصاحب قلعة ماردين الآن من أولاده، وملك ولده نجم الدين إيلغازي مدينة ماردين سنة إحدى وخمسمائة، وكان ولاه السلطان محمد شحنكية بغداد، وتوفي سكمان بن أرتق بعلة الخوانيق في طريق الفرات بين طرابلس والقدس، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
وكان أرتق رجلا شهما ذا عزمة (5) وسعادة وجد واجتهاد. وتوفي سنة أربع وثمانين وأربعمائة، رحمه الله تعالى.
وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم التاء المثناة من فوقها وبعدها قاف.
وأكسب: بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح السين المهملة وبعدها باء موحدة. وقيل: هو أكسك - بالكاف بد الباء - والله أعلم.
__________
(1) لأرتق ترجمة في الوافي 8، الورقة: 155.
(2) ب هـ: شاهنشاه.
(3) د: فأخذه.
(4) زاد في د: وقيل شعبان سنة 492.
(5) أج هـ: عزيمة.
(1/191)

81 - (1)
أرسلان البساسيري
أبو الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري التركي مقدم الأترك ببغداد، يقال: إنه كان مملوك بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه، والله أعلم؛ وهو الذي خرج على الإمام القائم بأمر الله ببغداد، وكان قد قدمه على جميع التراك، وقلده الأمور بأسرها، وخطب له على منابر العراق وخوزستان فعظم أمرهوهابته الملوك، ثم خرج على الإمام القائم وأخرجه من بغداد، وخطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر، فراح الإمام القائم إلى أمير العرب محيي الدين أبي الحارث مهارش بن المجلي العقيلي صاحب الحديثة وعانة فآواه وقام بجميع ما يحتاج إليه مدة سنة كاملة حتى جاء طغرلبك السلجوقي المذكور بعد هذا وقاتل البساسيري المذكور وقتله وعاد القائم إلى بغداد، وكان دخوله إليها في مثل اليوم الذي خرج منها بعد حول كامل، وكان ذلك من غرائب الاتفاق وقصته مشهورة، وقتله عسكر السلطان طغرلبك السلجوقي ببغداد يوم الخميس خامس عشر ذي الحجة، وقال ابن العظيمي: يوم الثلاثاء حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة وطيف برأسه في بغداد وصلب قبالة باب النوبي.
والبساسيري - بفتح الباء الموحدة والسين المهملة وبعد اللف سين مهملة مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها راء - هذه النسبة إلى بلدة بفارس يقال لها بسا، والعربية فسا، والنسبة إلها بالعربي فسوي (2) ، ومنها
__________
(1) انظر أخبار البساسيري في المنتظم 8: 201 والعبر 3: 225 والشذرات 3: 278 والوافي 8، الورقة: 157، وله ذكر في سيرة المؤيد هبة الله الشيرازي، وفي كتب التاريخ فيما يتصل بالأحداث بين الفاطميين والعباسيين (انظر مثلاً أخبار الدولة السلجوقية للحسيني ص: 18 - 22) .
(2) ي د هـ: بالعربية.
(1/192)

الشيخ أبو علي الفارسي النحوي صاحب الإيضاح، ويقال له فسوي أيضا، وأهل فارس يقولون في النسبة إليها: البساسيري، وهي نسبة شاذة على خلاف الأصل، وكان سيد أرسلان المذكور من بسافنسب المملوك إليه، واشتهر بالبساسيري، هكذا ذكره السمعاني (1) نقلاً عن الديب أبي العباس احمد بن علي ابن بابه القاشي (2) ، وفي هذه اللفظة زيادة ليست في الأصل.
ومات الأمير مهارش بن المجلس في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقد ناهز ثمانين سنة، وهو مهارش بن المجلي بن عليث بن قبان بن شعب بن المقلد بن جعفر بن عمرو بن المهنا، وبقية نسبة ستأتي في ترجمة المقلد بن المسبب، إن شاء الله تعالى.
82 - (3)
الملك العادل أتابك
أبو الحارث أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكي بن آق سنقر صاحب الموصل المعروف بأتابك الملقب الملك العادل نور الدين، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته إن شاء الله تعالى، كل واحد في حرفة.
ملك نور الدين المذكور الموصل بعد وفاة أبيه في التاريخ المذكور هناك، وكان ملكا شهما عارفا بالأمور، وانتقل إلى مذهب الشافعي رضي الله عنه، ولم يكن في بيته شافعي سواه، وبنى مدرسة الشافعية بالموصل قل أن توجد مدرسة في حسنها.
وتوفي ليلة الأحد التاسع والعشرين من رجيب سنة سبع وستمائة (4) في شبارة
__________
(1) انظر الأنساب 2: 218.
(2) في الأصول: القابسي، والتصويب عن الأنساب.
(3) ترجمته في الوافي 8، الورقة: 157 والشذرات 5: 24 والتاريخ الباهر: 189 - 201.
(4) د: 19 رجب سنة 609.
(1/193)

بالشط ظاهر الموصل - والشبارة عندهم هي الحراقة بمصر - وكتم موته حتى دخل به إلى دار السلطنة بالموصل. ودفن في تربته التي بمدرسته المذكورة، رحمه الله تعالى.
وخلف ولدين هما الملك القاهر عز الدين مسعود، والملك المنصور عماد الدين زنكي. وهما مذكوران في ترجمة جدهما عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي فليطلب منه إن شاء الله تعالى، وقام بالمملكة بعده ولده الملك القاهر كما هومشروح هناك، وهو أستاذ الأمير بدر الدين أبي الفضائل لؤلؤ الذي تغلب على الموصل وملكها في سنة ثلاثين وستمائة في أواخر شهر رمضان، وكان قبل نائبا بها ثم استقل. وهو المذكور في ترجمة عماد الدين بن المشطوب.
83 - (1)
أزهر السمان
أبو بكر أزهر بن سعد (2) السمان الباهلي بالولاء البصري؛ روى الحديث عن حميد الطويل، وروى عنه أهل العراق، كان يصحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة، فلما وليها جاءه أزهر مهنئا، فحجبه المنصور فترصد له (3) يوم جلوسه العام وسلم عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك قال: جئت مهنئا بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولو له: قد قضيت وظيفة الهناء، فلا تعد إلي، فمضى وعاد في قابل، فحجبه فدخل عليه في مثل ذلك المجلس وسلم عليه، فقال له: ما جاء بك فقال له: سمعت أنك مرضت فجئتك عائدا، فقال: أعطوه ألف دينار وقولوا له: قد قضيت وظيفة العيادة
__________
(1) ترجمة أزهر السمان في الوافي 8، الورقة: 172 والعبر 1: 339 والشذرات 2: 5.
(2) أج: أسعد.
(3) ج: فرصده أزهر.
(1/194)

فلا تعد إلي، فإني قليل الأمراض. فمضى وعاد في قابل، فقال له في مثل ذلك المجلس: ما جاء بك فقال: سمعت منك دعاء مستجابا فجئت لأتعلمه منك، فقال له: يا هذا، إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله به أن لا تأتيني وأنت تأتي. وله وقائع وحكايات مشهورة. وكانت ولادته سنة إحدى عشرة ومائة. وتوفي سنة ثلاث ومائتين، وقيل: سبع ومائتين، رحمه الله تعالى.
وأزهر - بفتح الهمزة وسكون الزاي وفتح الهاء وبعدها راء - وهو اسمم علم.
والسمان - بفتح السين المهملة وتشديد الميم وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى بيع السمن وحمله.
والبصري - بفتح الباء الموحدة وكسرها وسكون الصاد المهملة وبعدها راء - هذه النسبة إلى البصرة، وهي من أشهر مدن العراق وهي إسلامية، بناها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في سنة أربع عشرة للهجرة على يد عتبة ابن غزوان، رضي الله عنه. قال ابن قتيبة في كتاب " أدب الكاتب " (1) في باب ما تغير من أسماء البلاد البصرة: الحجارة الرخوة فإن حذفوا الهاء قالوا: البصر - بكسر الباء - وإنما أجازوا في النسب بصري لذلك، والبصر أيضاً: الحجارة الرخوة، قاله في الصحاح.
84 - (2)
أسامة بن منقذ
أبو المظفر أسامة بن مرشد بن علي مقلد بن نصر بن منقذ الكناني
__________
(1) أدب الكاتب: 457.
(2) لأسامة ترجمة في معجم الأدباء 5: 188 وتهذيب ابن عساكر 2: 400 والخريدة (قسم الشام) 1: 499 والوافي 8، الورقة: 174 وكتابه " الاعتبار " يمثل جانباً من سيرة حياته، وله من الكتب المطبوعة: لباب الآداب والمنازل والديار وديوان شعره.
(1/195)

الكلبي الشيزري الملقب مؤيد الدولة مجد الدين، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر وعلمائهم وشجعانهم، له تصانيف عديدة في فنون الأدب.
ذكره أبو البركات ابن المستوفي في تاريخ إربل وأثنى عليه وعده في جملة من ورد عليه وأورد له مقاطيع من شعره.
وذكره العماد الكاتب في الخريدة وقال بعد الثناء عليه: سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم، فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزيك. ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى - دمشق، فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين.
وقال غير العماد: إن قدومه مصر كان في أيام الظافر بن الحافظ والوزير يومئذ العادل بن السلار، فأحسن إليه وعمل عليه حتى قتل حسبما هو مشروح في ترجمته.
قلت: ثم وجدت جزءا كتبه بخطه للرشيد بن الزبير حتى يلحقه بكتاب الجنان، وكتب عليه أنه كتبه بمصر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فيكون قد دخل مصر في أيامه وأقام بها حتى قتل العادل بن السلار، إذ لا خلاف أنه حضر هناك وقت قتله.
وله ديوان شعر في جزأين موجود في أيدي الناس ورأيته بخطه. ونقلت منه قوله (1) :
لا تستعر جلداً على هجرانهم ... فقواك تضعف من صدود دائم
واعلم بأنك إن رجعت إليهم ... طوعاً وإلا عدت عودة راغم ونقلت منه في ابن طليب المصري، وقد احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... قسراً إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليب قط بداره ... ناراً وكان خرابها بالنار
__________
(1) ديوانه: 42.
(1/196)

(10) ومما يناسب هذه الواقعة أن الوجيه ابن صورة المصري دلال الكتب كانت له بمصر دار موصوفة بالحسن فاحترقت، فعمل نشء الملك أبو الحسن علي ابن مفرج المعروف بابن المنجم (1) المعري الأصل المصري الدار والوفاة:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم
كذا كل مال أصله من مهاوش ... فعما قليل في نهابر يعدم
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم والبيت الثاني مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم من أصاب مالاً من مهاوش أذهبه الله في نهابر، والمهاوش: الحرام، والنهابر: المهالك.
والوجيه المذكور: هو أبو الفتوح ناصر بن أبي الحسن علي بن خلف الأنصاري المعروف بابن صورة، وكان سمساراً في الكتب (2) بمصر، وله في ذلك حظ كبير، وكان يجلس في دهليز داره لذلك، ويجتمع عنده في يومي الأحد والأربعاء أعيان الرؤساء والفضلاء ويعرض عليهم الكتب التي تباع، ولا يزالون عنده إلى انقضاء وقت السوق، فلما مات السلفي سار إلى الإسكندرية لبيع كتبه، ومات في السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة سبع وستمائة بمصر ودفن بقرافتها، رحمه الله تعالى.
ولابن منقذ من قطعة يصف ضعفه:
فاعجب لضعف يدي عن حملها قلما ... من بعد حطم القنا في لبة الأسد ونقلت من ديوانه أيضاً أبياتاً كتبها إلى أبيه مرشد جوابا عن ابيات كتبها أبوه إليه، وهي (3) :
__________
(1) كتب في الخريدة " نشو الدولة "، ضمن الصابون والملاهي واكتسب في عسف الناس المناهي، فشكوه فنفي إلى عيذاب ثم رحل إلى اليمن والشام في خدمة تورانشاه (انظر الخريدة 1: 168 والحاشية) .
(2) أ: سمسار الكتب.
(3) ديوان أسامة: 115.
(1/197)

وما أشكو تلون أهل ودي ... ولو أجدت شكيتهم شكوت
مللت عتابهم ويئست منهم ... فما أرجوهم فيمن رجوت
إذا أدمت قوارصهم فؤادي ... كظمت على أذاهم وانطويت
ورحت عليهم طلق المحيا ... كأني ما سمعت ولا رأيت
تجنوا لي ذنوباً ما جنتها ... يداي ولا أمرت ولا نهبت
ولا والله ما أضمرت غدراً ... كما قد أظهروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو ... صحيفة ما جنوه وما جنيت وله بيتان في هذا الروي والوزن كتبهما في صدر كتاب إلى بعض أهل بيته في غاية الرقة والحسن، وهما:
شكا ألم الفراق الناس قبلي ... وروع بالنوى حي وميت
وأما مثل ما ضمت ضلوعي ... فإني ما سمعت ولا رأيت والشيء بالشيء يذكر، أنشدني الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم المعروف بالجزار المصري (1) لنفسه في بعض أدباء مصر، وكان شيخاً كبيراً، وظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت، قال: فلما بلغني ذلك كتبت إليه:
أيها السيد الأديب دعاءً ... من محب خال من التنكيت
أنت شيخ وقد قربت من النا ... ر فكيف ادهنت بالكبريت ونقلت من خط الأمير أبي المظفر أسامة بن منقذ المذكور لنفسه، وقد قلع ضرسه، وقال: عملتهما ونحن بظاهر خلاط، وهو معنى غريب ويصلح أن يكون لغزاً في الضرس:
وصاحب لا أمل الدهر صحبته ... يشقى لنفعي ويسعى سعي مجتهد
__________
(1) الجمال أبو الحسين الجزار، كان أبوه وأقاربه جزارين بالفسطاط وكان هو في أول أمره قصاباً فحام على الأدب مدة حتى اشتهر. وشعره سهل يلقى قبولاً لسهولته وخفة روحه؛ وقد تجول كثيراً في البلاد المصرية وتوفي سنة 679 (المغرب: 296 وحسن المحاضرة 1: 327 والشذرات 5: 346 والنجوم الزاهرة 7: 345 والمسالك 12: 166 والفوات 2: 319) .
(1/198)

لم ألقه مذ تصاحبنا فحين بدا ... لناظري افترقنا فرقة الأبد قال العماد الكاتب: وكنت أتمنى أبداً لقياه وأشيم على البعد حياه حتى لقيته في صفر سنة إحدى وسبعين وسألته عن مولده، فقال: يوم الأحد السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. قلت: بقلعة شيرز. وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة اربع وثمانين وخمسمائة بدمشق، رحمه الله تعالى؛ ودفن من الغد شرقي جبل قاسيون ودخلت تربته وهي على جانب نهر يزيد الشمالي، وقرأت عنده شيئا من القرآن وترحمت عليه.
وتوفي والده أبو أسامة مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، رحمه الله تعالى.
وشيزر - بفتح الشين المثلثة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها زاي مفتوحة ثم راء - قلعة بالقرب من حماة وهي معروفة بهم، وسيأتي ذكرها في حرف العين عند ذكر جده علي بن مقلد، إن شاء الله تعالى.
85 - (1)
ابن راهويه
أبو يعقوب إسحاق بن أبي الحسن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله ابن مطر (2) بن عبيد الله بن غالب بن عبد الوارث بن عبيد الله بن عطية بن مرة بن كعب بن همام بن أسد بن مرة بن عمرو بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ابن مرة الحنظلي المروزي المعروف بابن راهوية؛ جمع بين الحديث والفقه والورع، وكان احد أئمة الإسلام، ذكره الدارقطني فيمن روى عن الشافعي
__________
(1) ترجمته في تهذيب ابن عساكر 2: 409 والوافي 8، الورقة: 178 والعبر 1: 426 وطبقات السبكي 1: 232 والشذرات 2: 89 وتاريخ بغداد 6: 345.
(2) ج: مظفر.
(1/199)

رضي الله عنه، وعدة البيهقي في أصحاب الشافعي، وكان قد ناظر الشافعي في مسألة جواز بيع دور مكة (1) ، وقد استوفى الشيخ فخر الدين الرازي صورة ذلك المجلس الذي جرى بينهما في كتابه الذي سماه مناقب الإمام الشافعي رضي الله عنه فلما عرف فضله نسخ كتبه وجمع مصنفاته بمصر.
قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: إسحاق عندنا إمام من ائمة المسلمين، وما عبر الجسر أفقه من إسحاق، وقال إسحاق: أحفظ سبعين ألف حديث، وأذاكر بمائة ألف حديث، وما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئا قط فنسيته، وله مسند مشهور، وكان قد رحل إلى الحجاز والعراق واليمن والشام، وسمع من سفيان بن عيينة ومن في طبقته، وسمع منه البخاري ومسلم والترمذي.
وكانت ولادته سنة إحدى وستين، وقيل: سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ست وستين ومائة، وسكن في آخر عمره نيسابور، وتوفي بها ليلة الخميس النصف من شعبان - وقيل: الأحد، وقيل: السبت - سنة ثمان، وقيل: سنة ثلاثين ومائتين، وقيل: سنة ثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وراهويه - بفتح الراء وبعد الألف هاء ساكنة ثم واو مفتوحة وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها هاء ساكنة - لقب أبيه أبي الحسن إبراهيم، وإنما لقب بذلك لآنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية " راه " و " ويه " معناه وجد، فكأنه وجد في الطريق، وقيل فيه أيضا " راهويه " بضم الهاء وسكون الواو وفتح الياء، وقال إسحاق المذكور: قال لي عبد الله بن طاهر أمير خراسان: لم قيل لك ابن راهويه وما معنى هذا وهل تكره أن يقال لك هذا قلت: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في الطريق فقالت المراوزة راهويه لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلست أكره ذلك.
ومخلد: بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبعدها دال مهملة.
والحنظلي - بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المعجمة وبعدها
__________
(1) ذكر السبكي هذه المناظرة ص: 236.
(1/200)

لام - هذه النسبة إلى حنظلة بن مالك، ينسب إليه بطن من تميم.
والمزوزي: قد تقدم القول فيه في المروروذي.
86 - (1)
ابن مرار الشيباني
أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني النحوي اللغوي؛ هو من رمادة الكوفة ونزل إلى بغداد، وهو من الموالي، وجاور شيبان للتأديب فيها فنسب إليها، وكان من الأئمة الأعلام في فنونه، وهي: اللغة والشعر، وكان كثير الحديث كثير السماع ثقةً، وهو عند الخاصة من أهل العلم والرواية مشهور معروف. والذي قصر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مشتهر بشرب النبيذ.
وأخذ عنه جماعة كبار، منهم: الإمام أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام ويعقوب بن للسكيت صاحب إصلاح المنطق، وقال في حقه: عاش مائة وثماني عشرة سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات، وكان ربما استعار الكتاب مني وأنا إذ ذاك صبي آخذ عنه وأكتب من كتبه.
وقال ابن كامل: مات إسحاق بن مرار في اليوم الذي مات فيه أبو العتاهية وإبراهيم النديم الموصلي سنة ثلاث عشرة ومائتين ببغداد. وقال غيره: بل توفي سنة ست ومائتين، وعمره مائة وعشر سنين، وهو الأصح، رحمه الله تعالى.
وله من التصانيف كتاب الخيل، وكتاب اللغات وهو المعروف بالجيم ويعرف أيضا بكتاب الحروف، وكتاب " النوادر الكبير " ثلاث نسخ، وكتاب
__________
(1) لابن مرار أبي عمرو الشيباني ترجمة في الزبيدي: 211 وتاريخ بغداد 6: 329 ومعجم الأدباء 6: 77 والوافي 8، الورقة: 194 ونزهة الألباء: 61 وانباه الرواة 1: 221 وبغية الوعاة: 192 وتهذيب التهذيب 12: 182 والبداية والنهاية 10: 265 والشذرات 2: 23 ونور القبس: 277.
(1/201)

غريب الحديث، وكتاب النخلة، وكتاب الإبل وكتاب خلق الإنسان. وكان قد قرأ دواوين الشعراء على المفضل الضبي. وكان الغالب عليه النوادر وحفظ الغريب وأراجيز العرب. قال ولده عمرو: لما جمع أبي أشعار العرب ودونها كانت نيفا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله بمسجد الكوفة، حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً بخطه.
ومرار - بكسر الميم وبعدها راءان بينهما ألف -. والشيباني: قد تقدم القول فيه.
وقيل: توفي يوم الشعانين سنة عشر، والله أعلم.
87 - (1)
إسحاق الموصلي
أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك التميمي بالولاء الأرجاني الأصل المعروف بابن النديم الموصلي، وقد سبق ذكر أبيه والكلام في نسبته ونسبه فأغنى عن الإعادة؛ كان من ندماء الخلفاء وله الظرف المشهور والخلاعة والغناء اللذان تفرد بهما. وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار الشعراء وأيام الناس، وروى عنه مصعب بن عبد الله الزبيري والزبير ابن بكار وغيرهما. وكان له يد طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام.
قال محمد بن عطية العطوي الشاعر: كنت في مجلس القاضي يحيى بن أكثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف
__________
(1) راجع ترجمة إسحاق الموصلي في الأغاني 17: 62، 20: 284، وطبقات ابن المعتز: 360 وانباه الرواة 1: 215 وتاريخ بغداد 6: 338 والوافي 8، الورقة: 179 ومعجم الأدباء 6: 5 وتهذيب ابن عساكر 2: 414 ونزهة الألباء: 116 ونزر القبس: 316.
(1/202)

منهم، ثم تكلم في الفقه، فأحسن وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى فقال له: أعز الله القاضي! أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وانسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه يعني الغناء. قال العطوي: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال لي: الجواب في هذا عليك، وكان العطوي من أهل الجدل، فقال القاضي يحيى: نعم، أعز الله القاضي! الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق فقال: يا أبا محمد، أنت كالفراء والخفش في النحو فقال: لا، فقال: فأنت في اللغة ومعرفة الشعر كالأصمعي وأبي عبيدة قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي الهذيل العلاف والنظام ابلخي قال: لا، قال: فأنت في الفقه كالقاضي وأشار إلى القاضي يحيى، قال: لا، قال: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس قال: لا، قال فمن ههنا نسبت إلى مانسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله، فضحك وقام وانصرف. فقال القاضي يحيى العطوي: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وغنه ممن يقل في الزمان نظيره.
وذكر صاحبنا عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن باطيش الموصلي في كتابه الذي سماه التمييز والفصل: أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان مليح المحاورة والنادرة، ظريفاً فاضلاً، كتب الحديث عن سفيان بن عينية ومالك بن أنس وهشيم بن بشير وأبي معاوية الضرير، وأخذ الدب عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في علم الغناء فغلب عليه ونسب إليه.
وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه، وكان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وأمانة من هؤلاء القضاة، ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه، مع أنه أصغرها عنده، ولم يكن له فيه نظير.
وله نظم جيد ديوان شعر، فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد:
وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل
(1/203)

أرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلاً له في العالمين خليل
وإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً ان يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرما ... وما لي كما قد تعلمين قليل
وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل وكان كثير الكتب، حتى قال أبو العباس ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب، وكلها بسماعه. وما رأيت اللغة في منزل أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي.
ونقلت من حكاياته أنه قال: كان لنا جار يعرف بأبي حفص، وينبز باللوطي، فمرض جار له فعاده، فقال له: كيف تجدك إنما تعرفني فقال له المريض بصوت ضعيف: بلى، أنت ابو حفص اللوطي، فقال له: تجاوزت حد المعرفة، لا رفع الله جنبك.
وكان المعتصم يقول: ما غناني إسحاق بن إبراهيم قط إلا خيل لي أنه قد زيد في ملكي.
وأخباره كثيرة، وكان قد عمي في أواخر عمره قبل موته بسنتين.
ومولده في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي ولد فيها امام الشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعلة الذرب، وقيل: في شوال سنة ست وثلاثين، والأول أشهر، وقيل: توفي يوم الخميس بعد الظهر لخمس خلون من ذي الحجة سنة ست وثلاثينن رحمه الله تعالى.
ورثاه بعض أصحابه بقوله:
أصبح اللهو تحت عفر التراب ... ثاوياً في محلة الحباب
إذا مضى الموصلي وانقرض الأن ... س ومجت مشاهد الأطراب
بكت الملهيات حزنا عليه ... وبكاه الهوى وصفو الشراب
(1/204)

وبكت آلة المجالس حتى ... رحم العود عبرة المضراب وقيل: إن هذه المرثية في أبيه إبراهيم، والصحيح الأول.
88 - (1)
إسحاق بن حنين
أبو يعقوب إسحاق بن حنين بن إسحاق العبادي، الطبيب المشهور؛ كان أوحد عصره في علم الطب، وكان يلحق بأبيه في النقل، وفي معرفته باللغات وفصاحته فيها. وكان يعرب كتب الحكة التي بلغة اليونانيين إلى اللغة العربية كما كان يفعل أبوه، إلا أن الذي يوجد من تعريبه في كتب الحكمة من كلام (2) أرسطا طاليس وغيره أكثر مما يوجد من تعريبه لكتب الطب، وكان قد خدم من الخلفاء والرؤساء من خدمه أبوه، ثم انقطع إلى القاسم بن عبيد الله وزير الإمام المعتضد بالله، واختص به، حتى إن الوزير المذكور كان يطلعه على أسراره، ويفضي إليه بما يكتمه عن غيره.
وذكر ابن بطلان في كتاب دعوة الأطباء (3) أن الوزير المذكور بلغه ان إسحاق المذكور استعمل دواء مسهلاً، فأحب مداعبته، فكتب إليه:
أبن لي كيف أمسيت ... وما كان من الحال
وكم سارت بك الناق ... ة نحو المنزل الخالي
__________
(1) ترجمة إسحاق بن حنين في الوافي 8، الورقة: 188 وابن أبي أصيبعة 1: 71 وتاريخ الحكماء: 80.
(2) أب ج: من كتب.
(3) انظر كتاب دعوة الأطباء: 65 وفي تهذيب ابن عساكر 1: 458 أن الذي كتب البيتين الأولين هو جحظة، أو صديق للصنوبري، أرسلهما إلى الصنوبري فأجابه بالبيتين على قافية الفاء، وهذان ثابتان في ديوان الصنوبري المخطوط (الورقة: 154 ب) .
(1/205)

فكتب إليه جوابه:
بخير بت مسروراً ... رخي البال والحال
فأما السير والناق ... ة والمرتبع الخالي
فإجلالك أنساني ... هـ يا غاية آمالي وكنت قد وقفت في كتاب الكنايات على مثل هذه القضية، فذكر أن الأول كتب البيتين الأولين وأن الثاني كتب الجواب:
كتبت إليك والنعلان ما إن ... أقلهما من المشي العنيف (1)
فإن رمت الجواب إلي فاكتب ... على العنوان يوصل (2) في الكنيف وله ولأبيه المصنفات المفيدة في الطب - وسيأتي ذكر أبيه إن شاء الله تعالى - ولحقه الفالج في آخر عمره.
وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، وقيل: تسع وتسعين ومائتين.
والعبادي - بكسر العين المهملة وفتح الباء الموحدة وبعد اللف دال مهملة - هذه النسبة إلى عباد الحيرة، وهم عدة بطون من قبائل شتى نزلوا الحيرة وكانوا نصارى ينسب إليهم خلق كثير، منهم عدي بن زيد العبادي الشاعر المشهور وغيره، قال الثعلبي في تفسيره في سورة المؤمنين في قوله تعالى فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون أي مطيعون متذللون، والعرب تسمي كل من دان الملك عابدا له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة العباد، لأنهم كانو أهل طاعة لملوك العجم.
والحيرة - بكسر الحاء المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الراء وبعدها هاء - وهي مدينة قديمة كانت لبني المنذر ومن تقدمهم من ملوك العرب مثل عمرو بن عدي اللخمي، وهو جد بني المنذر ومن بعده من أبنائه، وكانت
__________
(1) ديوان الصنوبري: أغبهما من السير العنيف.
(2) ديوان الصنوبري: يدفع.
(1/206)

من قبل عمرو لخاله الأبرش الأزدي صااحب الزباء، وخربت الحيرة، وبنيت الكوفة في الإسلام على ظهرها في سنة سبع عشرة للهجرة، بناها عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - على يد سعد بن ابي وقاص، رضي الله عنه.
89 - (1)
الميهني
أبو الفتح أسعد بن ابي نصر ابن ابي الفضل الميهني، الفقيه الشافعي الملقب مجد الدين؛ كان إماماً مبرزاً في الفقه والخلاف، وله فيه تعليقة مشهورة، تفقه بمرو ثم رحل إلى غرنة واشتهر بتلك الديار وشاع فضله، وقد مدحه الغزي المقدم ذكره، ثم ورد إلى بغداد وفوض إليه تدريس المدرسة النظامية ببغداد مرتين، فا لأولى في سنة سبع وخمسمائة، ثم عزل في ثامن عشر شعبان سنة ثلاث عشرة، والمرة الثانية في سنة سبع عشرة في شعبان، وخرج إلى العسكر في ذي القعدة من السننة، وتولى غيره مكانه، واشتغل عليه الناس وانتفعوا به وبطريقته الخلافية، وذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في الذيل وقال: قدم علينا من جهة السلطان محمود السلجوقي رسولاً إلى مرو، ثم توجه رسولاً من بغداد إلى همذان فتوفي بها سنة سبع وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، قال السمعاني في الذيل: سمعت أبا بكر محمد بن علي بن عمر الخطيب يقول: سمعت فقيهاً من أهل قزوين - وكان يخدم الإمام أسعد في آخر عمره بهمذان - قال: كنا في بيت وقت أن قرب أجله فقال لنا: اخرجوا من ههنا، فخرجنا، فوقفت على الباب وتسمعت فسمعته يلطم وجهه ويقول: يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله، وجعل يبكي ويلطم وجهه ويردد هذه الكلمة إلى أن مات، رحمه الله تعالى؛ ذكر لي هذا أو معناه فإني كتبته من حفظي.
__________
(1) ترجمة المهيني في طبقات السبكي 4: 203 وفيه أسعد بن محمد بن أبي نصر.
(1/207)

والميهني - بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الهاء والنون - وهذه النسبة إلى ميهنة، وهي قرية من قرى خابران (1) وهي ناحية بين سرخس وأبيورد من إقليم خراسان.
90 - (2)
منتجب الدين العجلي
أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل محمود بن خلف بن أحمد بن محمد العجلي الأصبهاني الملقب منتجب (3) الدين الفقيه الشافعي الواعظ؛ كان من الفقهاء الفضلاء الموصوفين بالعلم والزهد مشهوراً بالعبادة والنسك والقناعة (4) لا يأكل إلا من كسب يده، وكان يورق ويبيع ما يتقوت به، وسمع ببلده الحديث على أم إبراهيم فاطمة بنت عبد الله الجوزدانية (5) ، والحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد ابن الفضل وأبي الوفاء غانم بن أحمد بن الحسن الجلودي وأبي الفضل عبد الرحيم ابن أحمد بن محمد البغدادي وأبي المطهر القاسم بن الفضل بن عبد الواحد الصيدلاني (6) وغيرهم، وقدم بغداد وسمع بها من ابي الفتح محمد بن عبد الباقي بن سلمان المعروف بابن البطي في سنة سبع وخمسين وخمسمائة وغيره. وله إجازة (7) حدث بها من أبي القاسم زاهر بن طاهر الشحامي وأبي الفتح إسماعيل بن الفضل الإخشيد
__________
(1) قال ياقوت: خابران ناحية ومدينة فيها عدة قرى بين سرخس وأبيورد من خراسان، ومن قراها ميهنة، وكانت مدينة كبيرة خرب أكثرها.
(2) ترجمته في طبقات السبكي 5: 50 وشذرات الذهب 4: 344.
(3) في بعض الأصول: منتخب.
(4) د: والطاعة.
(5) نسبة إلى جوزدان - بضم الجيم وسكون الواو والزاي - وهي محلة على باب أصبهان؛ وفي أج: الجوزجانية، والنسبة الثانية إلى جوزجان بخراسان.
(6) هـ: الأنصاري.
(7) د: أخبار.
(1/208)

وأبي المبارك عبد العزيز بن محمد الأزدي وغيرهم، وعاد إلى بلده وتبحر ومهر (1) واشتهر، وصنف عدة تصانيف، فمن ذلك شرح مشكلات الوجيز والوسيط للغزالي تكلم في المواضع المشكلة من الكتابين ونقل من الكتب المبسوطة عليهما، وله كتاب " تتمة التتمة " لأبي سعد المتولي وعليه كان الاعتماد في الفتوى بأصبهان. وكان مولده في أحد الربيعين سنة خمس أو أربع عشرة وخمسمائة بأصبهان. وتوفي بها في ليلة الخميس الثاني والعشرين من صفر سنة ستمائة، رحمه الله تعالى.
والعجلي - بكسر العين المهملة وسكون الجيم وبعدها لام - هذه النسبة إلى عجل بن لجيم، وهي قبيلة كبيرة مشهورة من بني ربيعة الفرس، ولجيم - بضم اللام وفتح الجيم وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها ميم - وهو عجل ابن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل، قال أبو عبيدة: كان عجل بن لجيم يعد في الحمقى بين العرب، وكان له فرس جواد، فقيل له: إن لكل فرس جواد اسما فما اسم فرسك فقال: لم أسمه بعد، فقيل له: فسمه، ففقأ إحدى عينيه وقال: قد سميته الأعور. وفيه قال بعض شعراء العرب:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل يقال: عار العين - بالعين المهملة - إذا فقأها.
__________
(1) أج هـ: وتمهر.
(1/209)

91 - (1)
الأسعد ابن مماتي
القاضي الأسعد أبو المكارم أسعد بن الخطير أبي سعيد مهذب بن مينا بن زكريا بن أبي قدامة ابن أبي مليح مماتي المصري الكاتب الشاعر؛ كان ناظر الدواوين بالديار المصرية، وفيه فضائل، وله مصنفات عديدة ونظم سيرة السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، ونظم كتاب كليلة ودمنة، وله ديوان شعر رأيته بخط ولده ونقلت منه مقاطيع، فمن ذلك قوله:
تعاتبني وتنهى عن أمرٍ ... سبيل الناس أن ينهوك عنها
أتقدر أن تكون كمثل عيني ... وحقك ما علي أضر منها وله في شخص ثقيل رآه بدمشق:
حكى نهرين ما في الأر ... ض من يحكيهما أبدا
حكى في خلقه ثورى ... وفي أخلاقه بردى وقد أخذ ابن مماتي معنى بيته هذين من قول بعضهم:
ضاهى ابن بشران مدينة جلق ... فكلاهما يوم الفخار فريد
ألفاظه بردى، وصورة خلقه ... ثورى، ونقص العقل من يزيد وله من جملة قصيدة طويلة:
لنيرانه في الليل أي تحرقٍ ... على الضيف إن أبطا وأي تلهب
__________
(1) ترجمة الأسعد ابن مماتي في معجم الأدباء 6: 100 وانباه الرواة 1: 231 والخريدة (قسم مصر) 1: 100 والنجوم الزاهرة 6: 178 وشذرات الذهب 5: 20 وحسن المحاضرة 1: 325 والبداية والنهاية 13: 53 ومسالك الأبصار 12: 58.
(1/210)

وما ضر من يعشو إلى ضوء ناره ... إذا هو لم ينزل بآل المهلب وله في غلام نحوي:
وأهيف أحدث لي نحوه ... تعجباً يعرب عن (1) ظرفه
علامة التأنيث في لفظه ... وأحرف العلة في طرفه ومن شعره ثلاثة أبيات مذكورة في ترجمة يحيى بن نزار المنبجي في حرف الياء، وفي شعره أشياء حسنة.
وذكره العماد الصبهاني في كتاب " الخريدة " وأورد له عدة مقاطيع، ثم أعقبه بذكر أبيه الخطير، وذكر كثيرا من شعره، فمن ذلك قوله في كتمان السر وبالغ فيه:
وأكتم السر حتى عن إعادته ... إلى المسر به من غير نسيان
وذاك أن لساني ليس يعلمه ... سمعي بسر الذي قد كان ناجاني وقال: لقيته بالقاهرة متولي ديوان جيش الملك الناصر، وكان هو وجماعته نصارى فأسلموا في ابتداء الملك الصلاحي (2) .
وللمهذب ابن الخيمي في الأسعد ابن مماتي المذكور يهجوه:
وحديث الإسلام واهي الحديث ... باسم الثغر عن ضمير خبيث
لو رأى بعض شعره سيبويه ... زاده في علامة التأنيث وكان الحافظ أبو الخطاب ابن دحية المعروف بذي النسبين، رحمه الله تعالى، عند وصوله إلى مدينة إربل، ورأى اهتمام سلطانها الملك المعظم مظفر الين ابن زين الدين، رحمه الله تعالى، بعمل مولد النبي صلى الله عليه وسلم، حسبما هو مشروح في حرف الكاف من هذا الكتاب عند ذكر اسمه، صنف له كتابا سماه
__________
(1) أ: يعرف من.
(2) أج: الدولة الصلاحية.
(1/211)

" التنوير في مدح السراج المنير "، وفي آخر الكتاب قصيدة طويلة مدح بها مظفر الدين، أولها:
لولا الوشاة وهم ... أعداؤنا ما وهموا وقرأ الكتاب والقصيدة عليه، وسمعنا نحن الكتاب على مظفر الدين في شعبان سنة ست وعشرين وستمائة والقصيدة فيه، ثم بعد ذلك ريت هذه القصيدة بعينها في مجموعة منسوبة إلى الأسعد ابن مماتي المذكور، فقلت: لعل الناقل غلط، ثم بعد ذلك رأيتها في ديوان الأسعد بكمالها، مدح بها السلطان الملك الكامل، رحمه الله تعالى، فقوي الظن. ثم إني رأيت أبا البركات ابن المستوفي قد ذكر هذه القصيدة في تاريخ إربل عند ذكر ابن دحية، وقال: سألته عن معنى قوله فيها:
يفديه من عطا جما ... دى كفه المحرم فما أحار جوابا، فقلت: لعله مثل قول بعضهم:
تسمى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم قال: فتبسم وقال: هذا أردت، فلما وقفت على هذا ترجح عندي أن القصيدة للأسعد المذكور، فإنها لو كانت لأبي الخطاب لما توقف في الجواب، وأيضاً فإن إنشاد القصيدة لصاحب إربل كان في سنة ست وستمائة. والأسعد المذكور توفي في هذه السنة كما سيأتي، وهو مقيم بحلب لاتعلق له بالدولة العادلية، وبالجملة فالله أعلم لمن هي منهما (26) .
وكان الأسعد المذكور قد خاف على نفسه من الوزير صفي الدين بن شكر، فهرب من مصر مستخفيا وقصد مدينة حلب لائذا بجناب السلطان الملك الظاهر، رحمه الله تعالى، وأقام بها حتى توفي في سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة يوم الأحد، وعمره اثنتان وستون سنة، رحمه الله تعالى، ودفن في المقبرة المعروفة بالمقام على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ علي الهروي.
وتوفي أبوه الخطير في يوم الأربعاء سادس شهر رمضان من سنة
(1/212)

سبع وسبعين وخمسمائة.
ومينا: بكسر الميم وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح النون وبعدها ألف.
ومماتي - بفتح الميمين والثانية منهما مشددة وبعد الألف تاء مثناة من فوقها وهي مكسورة وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهو لقب أبي مليح المذكور وكان نصرانياً، وإنما قيل له مماتي لأنه وقع في مصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام، وخصوصاً لصغار المسلمين، فكانوا إذا رأوه ناداه كل واحد منهم مماتي، فاشتهر به، هكذا اخبرني الشيخ الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري، نفع الله به، ثم انشدني عقيب (1) هذا القول مرثية فيه وقال: أظن هذين البيتين لأبي طاهر لان مكنسة المغربي (2) ، وهما:
طويت سماء المكرما ... ت وكورت شمس المديح
من ذا أؤمل أو أرجي ... بعد موت أبي المليح ثم كشفت عنهما فوجدتهما له، فيه مدائح أيضاً [وكان أبو الطاهر ابن مكنسة خصيصاً بأبي مليح مماتي جد الأسعد المذكور؛ وكان في بستانه المعروف بظاهر مصر، مجاور جامع راشدة الحاكمي، منظرته المعروفة بالنزهة ولها البئر الموصوف ماؤها بشدة البرد والحلاوة في الصيف حتى إن صاحب قصر الحكمة كان ينفذ من يأخذ من مائها لشربه، وفيها يقول ابن مكنسة من جملة قصيدة يمدحه بها ويصف المنظرة:
ومن عجائبها البئر التي انفردت ... بالقر في الحر والأمواه تضطرم
كأنما ماؤها في كل هاجرة ... ريق الحبيب عقيب الهجر وهي فم]
__________
(1) د: بعد.
(2) هو إسماعيل بن محمد، عده العماد من شعراء مصر وقال: إن الأفضل جفاه بسبب هذين البيتين (الخريدة - قسم مصر 2: 203 وانظر الرسالة المصرية: 43 والفوات 1: 36) وتوفي ابن مكنسة سنة 510.
(1/213)

92 - (1)
البهاء السنجاري
أبو السعادات أسعد بن يحيى بن موسى بن منصور بن عبد العزيز بن وهب (2) ابن هبان بن سوار بن عبد الله بن رفيع بن ربيعة بن هبان السلمي السنجاري الفقيه الشافعي الشعار المنعوت بالبهاء؛ كان فقيهاً، وتكلم في الخلاف، إلا أنه غلب عليه الشعر وأجاد فيه واشتهر به وخدم به الملوك وأخذ جوائزهم، وطاف البلاد ومدح الكابر، وشعره كثير في أيدي الناس، يوجد قصائد ومقاطيع، ولم أقف له على ديوان ولم أدر هل دون شعره أم لا، ثم وجدت له في خزانة كتب التربة الأشرفية بدمشق ديواناً في مجلد كبير.
ومن شعره من جملة قصيدة مدح بها القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري (3) :
وهواك ما خطر السلو بباله ... ولأنت أعلم في الغرام بحاله
ومتى وشى واش إليك بأنه ... سالٍ هواك فذاك من عذاله
أوليس للكلف المعنى شاه ... من حاله يغنيك عن تسآله جددت ثوب سقامه، وهتكت ستر غرامه، وصرمت حبل وصاله ...
أفزلة سبقت له أم خلة ... مألوفة من تيهه ولدلاله
ياللعجائب من أسير دأبه ... يفدي الطليق بنفسه (4) وبماله
بأبي وأمي نابل بلحاظه ... لا تتقي بالدرع حد نباله
__________
(1) ترجمة البهاء السنجاري في الخريدة (قسم الشام) 2: 401 وقد أشرنا غلى بعض مصادر ترجمته فيما تقدم ص: 111.
(2) د: وهيب.
(3) هو كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري كان قاضياً بدمشق؛ وسيترجم له ابن خلكان.
(4) أ: بروحه.
(1/214)

ريان من ماء الشبيبة والصبا ... شرقت معاطفه بطيب زلاله
تسري النواظر في مراكب حسنه ... فتكاد تغرق في بحار جماله
فكفاه عين كماله في نفسه ... وكفى كمال الدين عين كماله
كتب العذار (1) على صحيفة خده ... نوناً وأعجمها بنقطة خاله
فسواد طرته كليل صدوده ... وبياض غرته كيوم وصاله ولولا خوف الإطالة لذكرتها جميعها. وهذا القدر هو المشهور له، وقد أضافوا إليها بيتين، ولا أتحققهما فتركتهما.
وله أيضاً من جملة قصيدة:
ومهفهف حلو الشمائل فاتر ... الألحاظ فيه طاعة وعقوق
وقف الرحيق على مراشف ثغره ... فجرى به من خده راووق
سدت محاسنه على عشاقه ... سبل السلو فما إليه طريق وله من قصيدة أخرى:
هبت نسيمات الصبا سحرةً ... ففاح منها العنبر الأشهب
فقلت إذ مرت بوادي الغضا ... من أين هذا النفس الطيب (11) وكان قد جاءنا ونحن في بلادنا في سنة ثلاث وعشرين وستمائة الشيخ جمال الدين أبو المظفر عبد الرحمن بن محمد المعروف بابن السنينيرة (2) الواسطي، وكان من أعيان شعراء عصره، ونزل عندنا بالمدرسة المظفرية، وكان قد طاف البلاد ومدح الملوك وأجازوه الجوائز السنية، وإذا قعد حضر عنده كل من له عناية بالأدب، وتجري بينهم محاضرات ومذكرات لطيفة، وكان قد طعن في السن، فقال يوماً: رافقني البهاء السنجاري في بعض الأسفار من سنجار إلى رأس عين، أو قال: من رأس عين إلى سنجار، فنزلنا في الطريق في مكان وكان
__________
(1) هـ: الجمال.
(2) هـ: السنينير.
(1/215)

له غلام اسمه إبراهيم، وكان يأنس به، فأبعد عنا الغلام فقام يطلبه فناداه:
يا إبراهيم يا إبراهيم مراراً فلم يسمع نداءه لبعده عنا، وكان ذلك الموضه له صدى، فكلما قال: يا إبراهيم أجابه الصدى: يا إبراهيم، فقعد ساعة ثم أنشدني:
بنفسي حبيب جار وهو مجاور ... بعيد عن الأبصار وهو قريب
يجيب صدى الوادي إذا ما دعوته ... على أنه صخر وليس يجيب وكان للبهاء السنجاري صاحب، وبينهما (1) مودة أكيدة واجتماع كثير، ثم جرى بينهما في بعض الأيام عتاب وانقطع ذلك الصاحب عنه، فسير إليه يعتبه لانقطاعه، فكتب إليه بيتي الحريري اللذين ذكرهما في المقامة الخامسة عشرة وهما:
لا تزر من تحب في كل شهر ... غير يوم ولا تزده عليه
فاجتلاء الهلال في الشهر يوم ... ثم لا تنظر العيون إليه فكتب إليه البهاء من نظمه:
إذا حققت من خلٍ وداداً ... فزره ولا تخف منه ملالاً
وكن كالشمس تطلع كل يومٍ ... ولا تك في زيارته هلالاً وله، وهما من شعره السائر:
لله أيامي على رامة ... وطيب أوقاتي على حاجر
تكاد للسرعة في مرها ... أولها يعثر بالآخر وله من قصيدة في وصف الخمر، وهو معنى مليح:
كادت تطير وقد طرنا بها طرباً ... لولا الشباك التي صيغت من الحبب وذكره عماد الدين الأصبهاني الكاتب في كتاب " السيل والذيل " وقال: أنشدني لنفسه:
__________
(1) ج هـ: وكان بينهما.
(1/216)

ومن العجائب أنني ... في لج بحر الجود راكب
وأموت من ظمإٍ ول ... كن عادة البحر العجائب وله أشياء حسنة.
وكانت ولادته سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وتوفي في أوائل سنة اثنتين وعشرين وستمائة بسنجار، رحمه الله تعالى.
93 - (1)
المزني صاحب الشافعي
أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق المزني صاحب الإمام الشافعي رضي الله عنه؛ هو من أهل مصر، وكان زاهداً عالماً مجتهداً محجاجاً غواصا على المعاني الدقيقة، وهو غمام الشافعيين واعرفهم بطرقه وفتاويه وما ينقله عنه، صنف كتباً كثيرة في مذهب الإمام الشافعي، منها الجامع الصغير ومختصر المختصر والمنثور والمسائل المعتبرة والترغيب في العلم وكتاب الوثائق وغير ذلك، وقال الشافعي رضي الله عنه في حقه: المزني ناصر مذهبي (2) . وكان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره قام إلى المحراب وصلى ركعتين شكرا لله تعالى. وقال أبو العباس أحمد بن سريج: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفض، وهو أصل الكتب المصنفة في مذهب الشافعي رضي الله عنه، وعلى مثاله رتبوا ولكلامه فسروا وشرحوا.
ولما ولي القاضي بكار بن قتيبة الآتي ذكره إن شاء الله تعالى القضاء بمصر
__________
(1) ترجمة المزني في طبقات السبكي 1: 238 وقال أنه ولد سنة 175.
(2) من أقوال الشافعي فيه: لو ناظر الشيطان لغلبه.
(1/217)

وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقع الاجتماع بالمزني مدة، فلم يتفق له، فاجتمعا يوماً في صلاة جنازة فاقل القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المزني شيئاً حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم،، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضاً، فلم قد متم التحريم على التحليل فقال المزني: لم يذهب أحد من العلماء إلى ان النبيذ كان حراما في الجاهلية ثم حلل، ووقع الاتفاق على انه كان حلالاً، فهذا يعضد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن ذلك منه، وهذا من الدلة القاطعة. وكان في غاية الورع، وبلغ من احتياطه أنه كان يشرب في جميع فصول السنة من كوز نحاس، فقيل له في ذلك، فقال: بلغني أنهم يستعملون السرجين في الكيزان، والنار لا تطهرها.
وقيل إنه كان إذا فاتته الصلاة في جماعة صلى منفرداً خمساً وعشرين صلاة استراكا لفضيلة الجماعة، مستنداً في ذلك إلى قوله صلى الله عليه وسلم صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة.
وكان من الزهد على طريقة صعبة شديدة، وكان مجاب الدعوة، ولم يكن أحد من أصحاب الشافعي يحدث نفسه في شيء من الأشياء بالتقديم عليه، وهوالذي تولى غسل الإمام الشافعي، وقيل: كان معه أيضاً حينئذ الربيع.
وذكره ابن يونس في اريخه وسماه، وجعل مكان اسم جده إسحاق مسلماً، ثم قال: صاحب الشافعي، وذكر وفاته كما تقدم (1) ، وقال: كانت له عبادة وفضل، ثقة في الحديث، لايختلف فيه حاذق من أهل الفقه، وكان أحد الزهاد في الدنيا وكان من خير خلق الله عز وجل، ومناقبه كثيرة.
وتوفي لست بقين من شهر رمضان سنة أربع وستين ومائتين بمصر، ودفن بالقرب من تربة الإمام الشافعي، رضي الله عنه، بالقرافة الصغرى بسفح المقطم، رحمه الله تعالى، وزرت قبره هناك.
وذكر ابن زولاق في تاريخه الصغير أنه عاش تسعاً وثمانين سنة، وصلى عليه الربيع بن سليمان المؤذن المرادي.
__________
(1) كذا، وذكر وفاته لم يتقدم.
(1/218)

والمزني - بضم الميم وفتح الزاي وبعدها نون - هذه النسبة إلى مزينة بنت كلب، وهي قبيلة كبيرة مشهورة.
94 - (1)
أبو العتاهية
أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان العنزي بالولاء، العيني المعروف بأبي العتاهية الشاعر المشهور؛ مولده بعين التمر، وهي بليدة (2) بالحجاز قرب المدينة، وقيل: إنها من أعمال سقي الفرات، وقال ياقوت الحموي في كتابه المشترك إنها قرب الأنبار، والله أعلم.
ونشأ بالكوفة وسكن بغداد، وكان يبيع الجرار فقيل له: الجرار، واشتهر بمحبة (3) عتبة جارية الإمام المهدي، وأكثر نسيبه فيها فمن ذلك قوله (4) :
أعلمت عتبة أنني ... منها على شرفٍ مطل
وشكوت ما ألقى إلي ... ها والمدامع تستهل
حتى إذا برمت بما ... أشكو كما يشكو الأقل
قالت: فأي الناس يع ... لم ما تقول فقلت: كل
__________
(1) ترجمة أبي العتاهية في الأغاني 4: 3 والشعر والشعراء: 675 وطبقات ابن المعتز: 228 ومعاهد التنصيص 2: 285 والشذرات 2: 25 وتاريخ بغداد 6: 250 والموشح: 254 وقد حقق ديوانه الدكتور شكري فيصل (دمشق: 1965) .
(2) أهـ: بلدة.
(3) هـ: بحبه.
(4) ديوانه: 598 وطبقات ابن المعتز: 228.
(1/219)

وكتب مرة إلى المهدي وعرض بطلبها منه (1) :
نفسي بشيء من الدنيا معلقة ... الله والقائم المهدي يكفيها
إني لأيأس منها ثم يطمعني ... فيها احتقارك للدنيا وما فيها وقال أبو العباس المبرد في كتاب " الكامل " (2) : إن أبا العتاهية كان قد استأذن في أن يطلق له أن يهدي إلى أمير المؤمنين في النيروز والمهرجان، فأهدى له في أحدهما برنية ضخمة فيها ثوب ناعم مطيب قد كتب على حواشيه هذين البيتين المقدم ذكرهما، فهم بدفع عتبة إليه، فجزعت، وقالت: يا أمير المؤمنين، حرمتي وخدمتي، أتدفعني (3) إلى رجل قبيح المنظر بائع جرار ومتكسب بالشعر (4) فأعفاها وقال: املأوا له البرنية مالاً، فقال للكتاب: أمر لي بدنانير، وقالوا: ما ندفع إليك ذاك، ولكن إن شئت أعطيناك دراهم إلى أن يفصح بما أراد، فاختلف في ذلك حولاً، فقالت عتبة: لو كان عاشقاً كما يزعم لم يكن يختلف منذ حول في التمييز بين الدراهم والدنانير، وقد أعض عن ذكري صفحا.
ومن مديحه (5) :
إني أمنت من الزمان وصرفه ... لما علقت من المير حبالا
لو يستطيع الناس من إجلاله ... تخذوا له حر الخدود نعالا
إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباباً (6) ورمالا
فإذا وردن بنا وردن خفائفاً ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا وهذه الأبيات قالها في عمر بن العلاء، فأعطاه سبعين ألفا، وخلع عليه حتى
__________
(1) ديوانه: 668 ومعاهد التنصيص.
(2) الكامل 2: 302.
(3) الكامل: أبعد حرمتي وخدمتي تدفعني ... الخ.
(4) الكامل: بالعشق.
(5) انظر ديوانه: 605.
(6) د: فدافداً.
(1/220)

لا يقدر (1) أن يوم، فغار الشعراء من ذلك، فجمعهم ثم قال: يا معشر الشعراء عجباً لكم! ما أشد حسدكم بعضكم بعضاً! أحدكم يأتينا ليمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا، فما يبلغنا حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره، وقد أتانا أبو العتاهية فشب بأبيات يسيرة، ثم قال، وانشد الأبيات المذكورة: فما لكم منه تغارون وكان أبو العتاهية لما مدحه بهذه الأبيات تأخر عنه بره قليلاً فكتب إليه يستبطئه (2) :
أصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر (3)
سنرقبك بالأشعار حتى تملها ... وإن لم تفق منها رقيناك بالسور قال أشجع السلمي الشاعر المشهور: أذن الخليفة المهدي للناس في الدخول عليه فدخلنا، فأمرنا بالجلوس، فاتفق أن جلس بجنبي بشار بن برد وسكت المهدي فسكت الناس، فسمع بشار حساً فقال لي: من هذا فقلت: أبو العتاهية، فقال: أتراه ينشد في هذا المحفل فقلت: أحسبه سيفعل، فقال: فأمره المهدي أن ينشد، فأنشد (4) :
ألا ما لسيدتي مالها ... أدلت فأحمل إدلالها قال: فنخسني بشار بمرفقه وقال: ويحك! أرأيت أجسر من هذا ينشد مثل هذا الشعر في مثل هذا الموضع، حتى بلغ إلى قوله:
أتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرر (5) أذيالها
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
ولو رامها أحد غيره ... لزلزلت الأرض زلزالها
__________
(1) د: لم يستطع.
(2) ديوانه: 557 وأمالي القالي 1: 243.
(3) النشر: الرقى.
(4) ديوانه: 197 وفي الحاشية تخريج مستقصى.
(5) أ: تجرجر.
(1/221)

ولو لم تطعه بنات القلوب ... لما قبل الله أعمالها فقال لي بشار: انظر ويحك يا أشجع، هل طار الخليفة عن عرشه قال أشجع: فوالله ما انصرف أحد عن هذا المجلس بجائزة غير أبي العتاهية.
وله في الزهد أشعار كثيرة، وهو من مقدمي المولدين في طبقة بشار وأبي نواس وتلك الطائفة، وشعره كثير.
وكانت ولادته في سنة ثلاثين ومائة، وتوفي يوم الاثنين لثمان أو ثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة (1) ، وقيل: ثلاث عشرة ومائتين ببغداد، وقبره على نهر عيسى قبالة قنطرة الزياتين، رحمه الله تعالى.
ولما حضرته الوفاة قال: أشتهي أن يجيء مخارق المغني ويغني عند رأسي، والبيتان له من جملة أبيات (2) :
إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي (3) ... فإن عزاء الباكيات قليل
سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ... ويحدث بعدي للخليل خليل وأوصى أن يكتب على قبره هذا البيت (4) :
إن عيشاً يكون آخره المو ... ت لعيش معجل التنغيص ويحكى أنه لقي يوماً أبا نواس فقال له: كم تعمل في يومك من الشعر فقال له: البيت والبيتين، فقال أبو العتاهية: لكنني أعمل المائة والمائتين في اليوم، فقال أبو نواس لأنك تعمل مثل قولك:
يا عتب مالي ولك ... يا ليتني لم أرك
__________
(1) أ: سنة 210.
(2) ديوانه: 317.
(3) الديوان: إذا انقطعت عني من العيش مدتي.
(4) لم يرد في ديوانه.
(1/222)

ولو أردت مثل هذا الألف والألفين لقدرت عليه، وأنا أعمل مثل قولي:
من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان: لوطي، وزناء ولو أردت مثل هذا لأعجزك الدهر.
ومن لطيف شعره قوله (1) :
ولقد صبوت إليك حتى صار من فرط التصابي ...
يجد الجليس إذا دنا ... ريح التصابي في ثيابي وحكاياته كثيرة.
ومن شعره في عتبة جارية المهدي (2) :
يا إخوتي إن الهوى قاتلي ... فيسروا (3) الأكفان من عاجل
ولا تلوموا في اتباع الهوى ... فإنني في شغل شاغل ويقول فيها:
عيني على عتبة منهلة ... بدمعها المنكب السائل
يا من رأى قبلي قتيلاً بكى ... من شدة الوجد على القاتل
بسطت كفي نحوكم سائلاً ... ماذا تردون على السائل
إن لم تنيلوه، فقولوا له ... قولاً جميلاً بدل النائل
أو كنتم العام على عسرة ... منه فمنوه إلى القابل وحكى صاعد اللغوي في كتاب " الفصوص ": أن أبا العتاهية زار يوماً بشار بن برد، فقال له أبو العتاهية: إني لأستحسن قولك اعتذاراً من البكاء، إذ تقول:
__________
(1) ديوانه: 490.
(2) ديوانه: 616.
(3) د: فسيروا.
(1/223)

كم من صديق لي أسا ... رقه البكاء من الحياء
وإذا تفطن لامني ... فأقول ما بي من بكاء
لكن ذهبت لأرتدي ... فطرفت عيني بالرداء فقال له: أيها الشيخ، ما غرفته إلا من بحرك، ولا نحته إلا من قدحك، وأنت السابق حيث تقول (1) :
وقالوا قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الجزع الجليد
ولكن قد أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد
فقالوا ما لد معهما سواء ... أكلتا ملتيك أصاب عود قال صاعد: وتقدمهما إلى هذا المعنى الحطيئة حيث يقول (2) :
إذا ما العين فاض الدمع منها ... أقول بها قذى وهو البكاء وكان أبو العتاهية ترك قول الشعر، فحكى قال: لما امتنعت من قوله أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فلما دخلته دهشت ورأيت منظراً هالني، فطلبت موضعاً آوي فيه، فإذا أنا بكهل حسن البزة والوجه عليه سيما الخير فقصدته، وجلست من غير سلام عليه لما أنا فيه من الجزع والحيرة والفكر، فمكثت كذلك ملياً، وإذا الرجل ينشد:
تعودت مس الضر حتى ألفته ... وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
وصيرني يأسي من الناس واثقاً ... بحسن صنيع الله من حيث لاأدري قال: فاستحسنت البيتين وتبركت بهما، وثاب إلي عقلي، فقلت له: تفضل - أعزك الله - علي بإعادتهما، فقال: يا إسماعيل، ويحك ما أسوأ أدبك وأقل عقلك ومروءتك، دخلت فلم تسلم علي تسليم المسلم على المسلم،
__________
(1) لم ترد في ديوانه.
(2) ديوان الحطيئة: 95.
(1/224)

ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم، حتى سمعت (1) مني بيتين من الشعر الذي لم يجعل الله تعالى فيك خيراً ولا أدباً ولا معاشاً غيره، طفقت تستنشدني مبتدئاً كأن بيننا أنساً وسالف مودة توجب بسط القبض، ولم تذكر ما كان منك، ولا اعتذرت عما بدا من إساءة أدبك، فقلت: اعذرني متفضلاً، فدون ما أنا فيه يدهش، قال: وفيم أنت تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم وسببك إليهم، ولا بد أن تقوله فتطلق، وأنا يدعى الساعة بي، فأطلب بعيسى بن زيد ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن دللت عليه لقيت الله تعالى بدمه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي فيه، وإلا قتلت، فأنا أولى بالحيرة منك، وها أنت ترى صبري واحتسابي، فقلت: يكفيك الله عز وجل وخجلت منه، فقال: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين، ثم أعادهما علي مراراً حتى حفظتهما، ثم دعي به وبي. فقلت له: من أنت أعزك الله عز وجل قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد، فأدخلنا على المهدي، فلما وقفنا بين يديه قال الرجل: أين عيسى بن زيد قال: وما يدريني أين عيسى ابن زيد تطلبته فهرب منك في البلاد وحبستني، فمن أين أقف على خبره قال له: متى كان متوارياً وأين آخر عهدك به وعند من لقيته قال: ما لقيته منذ توارى، ولا عرفت له خبراً! قال: والله لتدلن عليه، او لأضربن عنقك الساعة، فقال: اصنع ما بدا لك، فوالله ما ادلك على ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقى الله تعالى ورسوله عليه السلام بدمه، ولو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت لك عنه، قال: اضربوا عنقه، فأمر به فضربت عنقه، ثم دعا بي فقال: أتقول الشعر، أو أحقك به قلت: بل أقول، قال: أطلقوه، فأطلقت.
وقد روى القاضي أبو علي التنوخي في البيتين المذكورين زيادة بيت ثالث، وهو:
إذا أنا لم أقنع من الدهر بالذي ... تكرهت من طال عتبي على الدهر
__________
(1) ب هـ: إذا سمعت.
(1/225)

وحكايات أبي العتاهية كثيرة.
والعنزي - بفتح العين المهملة والنون وبعدها زاي - هذه النسبة إلى عنزة ابن أسد بن ربيعة.
والعيني - بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون - هذه النسبة إلى عين التمر البلدة المذكورة في الأول.
95 - (1)
أبو علي القالي
أبو علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون بن هارون بن عيسى بن محمد بي سلمان (2) القالي اللغوي، جده سلمان مولى عبد الملك بن مروان الأموي؛ كان أحفظ أهل زمانه للغة والشعر ونحو البصريين. أخذ الأدب عن أبي بكر ابن دريد الأزدي وأبي الأنباري ونفطويه وابن درستويه وغيرهم. وأخذ عنه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي صاحب مختصر العين، وله التواليف الملاح (3) ، منها: كتاب الأمالي وكتاب البارع في اللغة، بناه على حروف المعجم، وهو يشتمل على خمسة آلاف ورقة، وكتاب المقصور والمدود وكتاب في الإبل ونتاجها وكتاب في حلي الإنسان والخيل وشياتها وكتاب فعلت وأفعلت وكتاب مقاتل الفرسان وكتاب شرح فيه القصائد المعلقات، وغير ذلك، وطاف البلاد، وسافر إلى بغداد في سنة
__________
(1) ترجمة القالي في الزبيدي: 202 وابن الفرضي 1: 83 والجذوة: 154 (والبغية: 216) وانباه الرواة 1: 204 وبغية الوعاة: 198 ومعجم الأدباء 7: 25 والنفح 3: 70 (ط. صادر) وفي فهرسة ابن خير: 395 ثبت بالكتب التي أدخلها إلى الأندلس.
(2) د: سليمان.
(3) أ: الحسنة.
(1/226)

ثلاث وثلثمائة، وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي. ودخل بغدادفي سنة خمس وثلثمائة، وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وكتب بها الحديث، ثم خرج من بغداد قاصداً الأندلس.
ودخل قرطبة لثلاث بقين من شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة واستوطنها، وأملى كتابه الأمالي بها، وأكثر كتبه بها وضعها بها، ولم يزل بها، ومدحه يوسف بن هارون الرمادي المذكورفي حرف الياء من هذا الكتاب بقصيدة بديعة ذكرت بعضها هناك فليطلب منه.
وتوفي القالي بقرطبة في شهر ربيع الآخر، وقيل: جمادى الأولى، سنة ست وخمسين وثلثمائة ليلة السبت لست خلون من الشهر المذكور، وصلى عليه أبو عبد الله الجبيري. ودفن بمقبرة متعة ظاهر قرطبة، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة ثمان وثمانين ومائتين في جمادى الآخرة بمنازجرد من ديار بكر، وقد تقدم الكلام عليها في ترجمة أحمد بن يوسف المنازي. وإنما قيل له القالي لأنه سافر إلى بغداد مع أهل قالي قلا فبقي عليه الاسم.
وعيذون: بفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وضم الذال المعجمة وبعد الواو نون.
والقالي - نسبة إلى قالي قلا - بفتح القاف وبعد الألف لام مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ثم قاف بعدها لام ألف - وهي من أعمال ديار بكر، كذا قاله السمعاني، ورأيت في تاريخ السلجوقية تأليف عماد الدين الكاتب الأصبهاني: أن قالي قلا هي أرزن الروم، والله أعلم.
وذكر البلاذري في كتاب البلدان وجميع فتوح الإسلام في فتوح أرمينية (1) ما مثاله: وقد كانت امور الروم تشعبت (2) في بعض الأزمنة، فكانوا كملوك الطوائف، فملك أرمينياقس رجل منهم، ثم مات فملكتها بعده امرأته وكانت تسمى قالي، فبنت مدينة قالي قلا، وسمتها قالي قاله،
__________
(1) فتوح البلدان: 234.
(2) فتوح: تشتتت.
(1/227)

ومعنى ذلك إحسان قالي، وصورت على باب من أبوابها، فعربت العرب قالي قاله، فقالوا: قالي قلا.
96 - (1)
الصاحب ابن عباد
الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن احمد ابن إدريس الطالقاني؛ كان نادرة الدهر وأعجوبة العصر في فضائله ومكارمه وكرمه، أخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتاب " المجمل " في اللغة، وأخذ عن ابي الفضل ابن العميد، وغيرهما.
وقال أبو منصور الثعالبي في كتابه اليتيمة في حقه: ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب، وجلالة شأنه في الجود والكرم، وفرده بالغيات في المحاسن، وجمعه أشتات المفاخر، لأن همة قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه، وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه.
ثم شرع في شرح بعض محاسنه وطرف من أحواله.
وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه: الصاحب نشأ من الوزراة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:
ورث الوزارة كابراً عن كابرٍ ... موصلة الإسناد بالإسناد
__________
(1) ترجمة الصاحب ابن عباد في اليتيمة 3: 192 ومعجم الأدباء 6: 168 وبغية الوعاة: 196 ويضم كتاب " أخلاق الوزيرين " لأبي حيان قسماً كبيراً من أخباره؛ وقد ألف فيه الشيخ محمد حسن آل ياسين كتاباً ونشر عدداً من آثاره بما في ذلك ديوانه، وهناك مجموعة من رسائله حققها الدكتور عبد الوهاب عزام والدكتور شوقي ضيف (القاهرة: 1366) . أما مشاركته في الحياة السياسية فتراجع فيها الكتب المتصلة بتاريخ البويهيين.
(1/228)

يروي عن العباس عباد وزا ... رته وإسماعيل عن عباد وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد، فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علماً عليه. وذكر الصابىء في كتاب التاجي أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة بن بويه منذ الصبا وسماه الصاحب، فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به، ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده.
وكان أولاً وزير مؤيد الدولة أبي منصور بويه بن ركن الدولة بن بويه الديلمي تولى وزارته بعد أبي الفتح علي بن أبي الفضل ابن العميد المذكور في ترجمة أبيه محمد، فلما توفي مؤيد الدولة في شعبان سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة بجرجان استولى على مملكته أخوه فخر الدولة أبو الحسن علي، فأقر الصاحب على وزارته، وكان مبجلاً عنده ومعظماً نافذ الأمر. وأنشده أبو القاسم الزعفراني (1) يوما أبياتا نونية من جملتها (2) :
أيا من عطاياه تهدي الغنى ... إلى راحتي من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزائرين ... كسا لم نخل مثلها ممكنا
وحاشية الدار يمشون في ... صنوف من الخز إلا أنا فقال الصاحب: قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلاً قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية، ثم قال: لوعلمت أن الله سبحانه وتعالى خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخزبجية وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه.
واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره، ومدحوه بغرر المدائح (27)
__________
(1) هو عمر بن إبراهيم من أهل العراق، كان واسطة عقد ندماء الصاحب وقال فيه الصاحب " وأما شيخنا أبو القاسم الزعفراني أيده الله فصورته لدي صورة الأخ، أو وده أرسخ " (اليتيمة 3: 346) .
(2) انظر اليتيمة 3: 195.
(1/229)

وكان حسن الجوبة [سريعها] ، رفع الضرابون من دار الضرب إليه رقعة في مظلمة مترجمة بالضرابين، فوقع تحتها في حديد بارد. وكتب بعضهم إليه ورقة أغار فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقع فيها هذه بضاعتنا ردت إلينا. وحبس بعض عماله في مكان ضيق بجواره، ثم صعد السطح يوماً فاطلع عليه فرآه فناداه المحبوس بأعلى صوته فاطلع فرآه في سواء الجحيم فقال الصاحب اخسأوا فيها ولا تكلمون ونوادره كثيرة.
وصنف في اللغة كتاباً سماه المحيط وهو في سبع مجلدات، رتبه على حروف المعجم، كثر فيه الألفاظ وقلل الشواهد فاشتمل من اللغة على جزء متوفر، وكتاب الكافي في الرسائل وكتاب الأعياد وفضائل النيروز وكتاب الإمامة يذكر فيه فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ويثبت إمامة من تقدمه، وكتاب الوزراء وكتاب الكشف عن مساوئ شعر المتنبي وكتاب أسماء الله تعالى وصفاته وله رسائل بديعة ونظم جيد، فمنه قوله (1) :
وشادن جماله ... تقصر عنه صفتي
أهوى لتقبيل يدي ... فقلت قبل شفتي وله في رقة الخمر (2) :
رق الزجاج ورقت (3) الخمر ... وتشابها فتشاكل المر
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وله يرثي كثير بن أحمد الوزير وكنيته أبو علي (4) :
يقولون لي أودى كثير بن أحمدٍ ... وذلك مرزوء علي جليل
__________
(1) اليتيمة: 258.
(2) المصدر نفسه: 263.
(3) أ: وراقت.
(4) كذا ورد، وفي اليتيمة: وقال يرثي ابا منصور ... الخ.
(1/230)

فقلت دعوني والعلا تبكه معا ... فمثل كثير في الرجال قليل وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني سامان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير أمر مملكته، فكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج لنقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظن بما يليق بها من التجمل.
وفي هذت القدر من اخباره كفاية.
وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سن ست وعشرين وثلثمائة يإصطخر، وقيل: بالطالقان، وتوفي ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة خمس وثمانين وثلثمائة بالري، ثم نقل إلى أصبهان، رحمه االه تعالى، ودفن في قبة بمحلة تعرف بباب دزيه، وهي عامرة إلى الآن، وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض.
قال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهاني: رأيت في المنام قائلا يقول لي: لم لم ترث الصاحب مع فضلك وشعرك فقلت: ألجمتني كثرة محاسنه فلم أدر بم أبدأ منها، وقد خفت أن أقصر وقد ظن بي الاستيفاء لها، فقال: أجز ما أقوله، فقلت: قل، فقال:
ثوى الجود والكافي معاً في حفيرة ... فقلت:
ليأنس كل منهما بأخيه ... فقال:
هما اصطحبا حيين ثم تعانقا ... فقلت:
ضجيعين في لحدٍ بباب دزيه ... فقال:
إذا ارتحل الثاوون عن مستقرهم ...
(1/231)

فقلت:
أقاما إلى يوم القيامة فيه ... ذكر هذا البياسي (1) في حماسته.
ورأيت في أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومه فخر الدولة المذكور أولا وسائر القواد وقد غيروا لباسهم، فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياماً.
ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله:
أبعد ابن عباد يهش إلى السرى ... أخو أمل أو يستماح جواد
أبى الله إلا يموتا بموته (2) ... فما لهما حتى المعاد (3) معاد وتوفي والده أبو الحسن عباد بن العباس في سنة أربع - أو خمس - وثلاثين وثلثمائة (4) ، رحمه الله تعالى؛ وكان وزير ركن الدولة بن بويه، وهو والد فخر الدولة المذكور، ووالد عضد الدولة فناخسرو ممدوح المتنبي.
وتوفي فخر الدولة في شعبان سنة سبع وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، ومولده في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة.
والطالقاني - بفتح الطاء المهملة وبعد الألف لام مفتوحة ثم قاف وبعد الألف الثانية نون - هذه النسبة إلى الطالقان، وهو اسم لمدينتين: إحداهما
__________
(1) هو أبو الحجا يوسف بن محمد البياسي الأندلسي (- 653) وحماسته في مجلدين صنفها بتونس، جمع فيها ما اختاره من أشعار العرب جاهليها ومخضرمها وإسلاميها ومولدها، ومن أشعار المحدثين من أهل المشرق والأندلس، ورتبها كترتيب أبي تمام.
(2) د: أبى ذاك أن الجود مات بموته.
(3) د: الممات.
(4) أ: سنة 389.
(1/232)

بخراسان والأخرى من أعمال قزوين، والصاحب المذكور أصله من طالقان قزوين، لا طالقان خراسان.
97 - (1)
أبو الطاهر السرقسطي
أبو الطاهر إسماعيل بن خلف بن سعيد بن عمران الأنصاري المقرئ النحوي الأندلسي السرقسطي؛ كان إماماً في علوم الآداب ومتقنا لفن القراءات، وصنف كتاب العنوان في القراءات، وعمدة الناس في الاشتغال بهذا الشأن (2) عليه، واختصر كتاب الحجة لأبي علي الفارسي، وذكره أبو القاسم ابن بشكوال في كتاب الصلة، وأثنى عليه، وعدد فضائله (3) . ولم يزل على اشتغاله وانتفاع الناس به إلى أن توفي يوم الحد مستهل المحرم سنة خمس وخمسين وأربعمائة رحمه الله تعالى.
والسرقسطي - بفتح السين المهملة والراء وضم القاف وسكون السين الثانية وبعدها طاء مهملة - هذه النسبة إلى مدينة في شرق الأندلس يقال لها سرقسطة من أحسن البلاد، وخرج منها جماعة من العلماء وغيرهم، وأخذها الفرنج من المسلمين في سنة اثنتي عشرة وخمسائة.
__________
(1) ترجمة أبي الطاهر السرقسطي في الصلة: 105 وغاية النهاية 1: 164، وكان السرقسطي يقرئ في جامع عمرو بن العاص بمصر؛ وقال ابن بشطوال توفي سنة 453.
(2) د: الفن.
(3) إذا صح القول من ابن خلكان فإن ترجمة السرقسطي في " الصلة " تعد ناقصة، لأنه لم يثن عليه ولم يعدد قضائله.
(1/233)

98 - (1)
المنصور العبيدي
أبو الطاهر إسماعيل الملقب المنصور بن القائم بن المهدي صاحب إفريقية، وستأتي بقية نسبة عند ذكر جده المهدي في حرف العين إن شاء الله تعالى. وقد تقدم ذكر المستعلي، وهو من أحفاده.
بويع المنصور يوم وفاة أبيه القائم - على ما سيأتي في ترجمته في حرف الميم -؛ وكان بليغاً فصيحاً يرتجل الخطب، وذكر أبو جعفر أحمد (2) بن محمد المروروذي قال: خرجت مع المنصور يوم هزم أبا يزيد (3) ، فسايرته وبيده رمحان، فسقط أحدهما مرارا فمسحته وناولته إياه، وتفاءلت له، فأنشدته:
فألفت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافر فقال: ألا قلت ما هو خير من هذا وأصدق وأوحينا إلى موسى أن ألقى عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين فقلت: يا مولانا أنت ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت ما عندك من العلم.
قلت: ومن أحسن ما جاء في ذلك ما ذكره التيمي في سيرة الحجاج بن يوسف قال: أمر عبد الملك بن مروان أن يعمل باب بيت المقدس ويكتب عليه اسمه، وسأله الحجاج أن يعمل له باباً، فأذن له، فاتفق أن صاعقة وقعت
__________
(1) راجع أخباره في اتعاظ الحنفا: 126 والدرة المضيئة: 116 وابن خلدون 4: 43 وابن عذاري 1: 218 وأعمال الأعلام (القسم الثالث) : 54 وخطط المقريزي.
(2) ج هـ: محمد.
(3) هو أبو يزيد مخلد بن كيداد النكاري الثائر على العبيدين وسيأتي بعد قليل طرف من خبره، وأخباره مفصلة في المراجع المذكورة قبلاً.
(1/234)

فاحترق منها باب عبد الملك وبقي باب الحجاج، فعظم ذلك على عبد الملك، فكتب الحجاج إليه يلغني أن ناراً نزلت من السماء فأحرقت باب أمير المؤمنين ولم تحرق باب الحجاج، وما مثلنا في ذلك إلا كمثل ابني آدم إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يقبل من الآخر فسري عنه لما وقف عليه.
وكان أبوه قد ولاه محاربة أبي يزيد الخارج عليه، وكان هذا أبو يزيد مخلد ابن كيداد رجلا من الإباضية يظهر التزهد وأنه إنما قام غضباً لله تعالى، ولا يركب غير حمار، ولا يلبس إلا الصوف، وله مع القائم والد المنصور وقائع (1) كثيرة، وملك جميع مدن القيروان، ولم يبق للقائم إلا المهدية، فأناخ (2) عليها أبو يزيد وحاصرها فهلك القائم في الحصار، ثم تولى المنصور فاستمر على محاربته واخفى موت أبيه، وصابر الحصار حتى رجع أبو يزيد عن المهدية، ونزل على سوسة وحاصرها (3) ، فخرج المنصور من المهدية ولقيه على سوسة فهزمه، ووالى عليه الهزائم إلى أن سره يوم الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ست وثلاثين وثلثمائة، فمات بعد أسره بأربعة أيام من جراح كانت به، فأمر بسلخه وحشا جلده قطناً وصلبه وبنى مدينته في موضع الوقعة وسماها المنصورية (4) ، واستوطنها.
وكان المنصور شجاعاً رابط الجأش، بليغا يرتجل الخطبة؛ وخرج في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين من المنصورية إلى مدينة جلولاء (5) ليتنزه بها ومعه حظيته قضيب، وكان مغرماً بها، فأمطر الله سبحانه وتعالى عليهم بردا كثيراً وسلط عليهم ريحا عظيمة، فخرج منها إلى المنصورية، فاشتد عليه البرد فأوهن جسمه، ومات أكثر من معه، ووصل إلى المنصورية فاعتل بها فمات يوم الجمعة آخر شوال سنة إحدى وأربعين وثلثمائة، وكان سبب علته أنه
__________
(1) أ: وقعات.
(2) ج: وأناخ.
(3) ج: وحصرها.
(4) تقع على بعد نصف ميل من القيروان وهي نفسها " صبرة " المتصلة بالقيروان.
(5) جلولاء - حسب تحديد ياقوت - مدينة قديمة بينها وبين القيروان أربعة وعشرون ميلاً.
(1/235)

لما وصل المنصورية أراد أن يدخل الحمام، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي (1) ، فلم يقبل منه، ودخل الحمام ففنيت الحرارة الغريزية منه ولازمه السهر، فأقبل إسحاق يعالجه والسهر باق على حاله، فاشتد ذلك على المنصور، فقال لبعض (2) الخدم: أما بالقيروان طبيب يخلصني (3) من هذا الداء فقالوا له ههنا شاب قد نشأ يقال له إبراهيم، فأمر بإحضاره، فحضر فعرفه حاله وشكا إليه ما به (4) ، فجمع له أشياء منومة، وجعلت في قنينة على النار وكلفه شمها فلما أدمن شمها نام، وخرج إبراهيم مسروراً بما فعل، وجاء إسحاق فطلب الدخول عليه فقالوا له: هو نائم، فقال: إن كان قد صنع له شيء ينام منه فقد مات، فدخلوا عليه فوجدوه ميتاً، فأرادوا قتل إبراهيم، فقال إسحاق: ماله ذنب، إنما داواه بما ذكره الأطباء، غير أنه جهل أصل المرض وما عرفتموه، وذلك أني كنت أعالجه وأنظر في تقوية الحرارة الغريزية، وبها يكون النوم، فلما عولج بما يطفئها علمت أنه قد مات.
ودفن بالمهدية، ومولده بالقيروان في سنة اثنتين، وقيل: إحدى وثلثمائة، وكانت مدة لمكه سبع سنين وستة أيام، رحمه الله تعالى.
وإفريقية - بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر القاف وبعدها ياء معجمة باثنتين من تحتها، وهي مفتوحة وبعدها هاء - إقليم عظيم من بلاد المغرب، فتح في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وكرسي مملكته القيروان، واليوم كرسيها تونس.
__________
(1) أبو عيقوب إسحاق بن سليمان الإسرائيلي: أصله من مصر وكان في أوليته كحالاً ثم يكن القيروان وتتلمذ على الطبيب إسحاق ابن عمران وخدم المهدي وخلفاءه من العبيديين، وله كتاب الحميات، خمس مقالات (ابن أبي أصيبعة 2: 36 - 37) .
(2) هـ: لأحد.
(3) أ: يخلص.
(4) د: إليه ما يجده من السهر.
(1/236)

99 - (1)
الطافر العبيدي
أبو المنصور إسماعيل الملقب الظافر ابن الحافظ محمد بن المستنصر بن الطاهربن الحاكم بن العزيز بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي وقد تقدم ذكر جده المنصور قبله. بويع الظافر (2) يوم مات أبوه بوصية أبيه، وكان أصغر أولاد ابيه سناً، وكان كثير اللهو واللعب والتفر بالجواري واستماع الأغاني، وكان يأنس إلى نصر بن عباس، وكان عباس وزيره - وسيأتي ذكره في ترجمة العادل علي بن السلار إن شاء الله تعالى - فاستدعاه إلى دار أبيه ليلاً سراً بحيث لم يعلم به أحد [وكانت] تلك الدار هي [المعروفة بدار يونس وهي] الآن المدرسة الحنفية المعروفة بالسيوفية، فقتله بها وأخفى قتله وقضيته مشهورة، وكان ذلك في منتصف المرحم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وقيل: ليلة الخميس سلخ المحرم من السنة المذكورة (28) ومولده بالقاهرة يوم الأحد منتصف شهر ربيع الآخر، وفي: الأول، سنة سبع وعشرين وخمسائة.
وكان من أحسن الناس صورة، ولما قتله نصر حضر إلى أبيه عباس وأعلمه بذلك من ليلته، وكان أبوه قد أمره بقتله لأن نصراً كان في غاية الجمال، وكان الناس يتهمونه به، فقال له أبوه: إنك أتلفت عرضك بصحبة الظافر، وتحدث الناس في أمركما، فاقتله حتى تسلم من هذه التهمة فقتله، فلما كان صباح تلك الليلة حضر عباس إلى باب القصر وطلب الحضور عند الظافر في شغل مهم، فطلبه الخدم في المواضع التي جرت عادته بالمبيت فيها فلم يوجد، فقيل له: ما نعلم أين هو، فنزل عن مركوبه ودخل القصر بمن معه ممن يثق إليهم وقال
__________
(1) الظافر العبيدي: راجع أخباره في اتعاظ الحنفا: 286 والدرة المضيئة: 557 وابن خلدون 4: 73 وفي خطط المقريزي.
(2) د: للظافر.
(1/237)

للخدم: أخرجوا إلي أخوي مولانا، فأخرجوا له جبريل ويوسف ابني الحافظ فسألهما عنه فقالا: سل ولدك عنه فغنه أعلم به منا، فأمر بضرب رقابهما وقال: هذان قتلاه. هذه خلاصة هذه القضية، وقد بسطت القول فيها في ترجمة الفائز عيسى بن الظافر المذكور، والله أعلم.
والجامع الظافري الذي بالقاهرة داخل باب زويلة منسوب إليه، وهو الذي عمره ووقف عليه شيئاً كثيراً على ما يقال.
100 - (1)
أشهب تلميذ مالك
أبو عمرو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي ثم الجعدي الفقيه المالكي المصري؛ تفقه على الإمام مالك، رضي الله عنه، ثم على المدنيين والمصريين.
قال الإمام الشافعي، رضي الله عنه: ما رأيت أفقه من أشهب لولا طيش فيه، وكانت المنافسة بينه وبين ابن القاسم، وانتهت الرياسة إليه بمصر بعد ابن القاسم.
وكانت ولادته مصر سنة خمسين ومائة، وقال أبو جعفر ابن الجزار في تاريخه: ولد سنة أربعين ومائة، توفي سنة أربع ومائتين بعد الشافعي بشهر، وقيل: بثمانية عشر يوماً. وكانت وفاة الشافعي، رضي الله عنه، في سلخ رجب من السنة المذكورة، وكانت وفاته بمصر ودفن بالقرافة الصغرى، وزرت قبره وهو مجاور قبر ابن القاسم، رحمه الله تعالى.
ويقال: إن اسمه مسكين، وأشهب لقب عليه، والأول أصح.
وكان ثقة فيما روى عن مالك، رضي الله عنه، وقال أبو عبد الله القضاعي
__________
(1) ترجمة أشه في الديباج: 98 والعبر 1: 345 والشذرات 2: 12.
(1/238)

في كتاب خطط مصر: كان لأشهب رياسة في البلد، ومال جزيل، وكان من أنظر أصحاب مالك، رضي الله عنه، قال الشافعي رحمه الله تعالى: ما نظرت أحداً من المصريين مثله لولا طيش فيه، ولم يدرك الشافعي رحمه الله تعالى بمصر من أصحاب مالك، رضي الله عنه، سوى اشهب وابن عبد الحكم.
وقال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت، فذكرت ذلك للشافعي فقال متمثلا (1) :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تزود لأخرى غيرها فكأن قد قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبداً، ثم مات اشهب فاشتريت أنا ذلك العبد من تركة أشهب.
وذكره ابن يونس في تاريخه فقال: أشهب القيسي ثم العامري من بني جعدة، يكنى أباعمرو أحد فقهاء مصر وذوي رأيها. ولد سنة أربعين ومائة وتوفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان سنة أربع ومائتين، وكان يخضب عنفقته.
وقال محمد بن عاصم المعافري: رأيت في المنام كأن قائلاً يقول: يا محمد، فأجبته، فقال:
ذهب الذين يقال عند فراقهم ... ليت البلاد بأهلها تتصدع قال: وكان أشهب مريضاً، فقلت: ما أخوفني أن يموت أشهب، فمات في مرضه ذلك، والله أعلم.
__________
(1) البيتان ينسبان لعبيد بن الأبرص: وقال الراجكوتي في ذيل السمط: 104 أنه وجد الشعر في كتاب الاختيارين منسوباً لمالك بن القين الخزرجي، وانظر أمالي القالي 2: 218 والعقد 4: 443 ومروج الذهب 3: 136.
(1/239)

101 - (1)
أصبغ المالكي
أبو عبد الله أصبغ بن الفرج بن سعيد بن نافع الفقيه المالك المصري؛ تفقه بابن القاسم وابن وهب وأشهب. وقال عبد الملك بن الماجشون في حقه: ما أخرجت مصر مثل أصبغ، قيل له: ولا ابن القاسم قال: ولا ابن القاسم. وكان كاتب ابن وهب، وجده نافع عتيق عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي والي مصر.
[حكى عون بن عبد الله قال، قال لي أصبغ: سمعت من أبيك كلاماً نفعني الله تعالى به وهو: لأن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئفي العقوبة] (2) .
وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شوال سنة خمس وعشرين ومائتين، وقيل: سنة ست وعشرين، وقيل: سنة عشرين، رحمه الله تعالى.
وأصبغ: بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وبعدها غين معجمة.
__________
(1) ترجمة أصبغ في الديباج: 97 والعبر 1: 393 والشذرات 2: 56؛ ولأصبغ مؤلفات منها كتاب الأصول في عشرة أجزاء، وتفسير غريب الموطأ، وكتاب آداب الصيام، وكتب سماعه من ابن القاسم وكتاب الرد على أهل الأهواء وغيرها.
(2) زيادة من نسخة آياصوفيا رقم: 3532.
(1/240)

102 - (1)
آق سنقر الحاجب
أبو سعيد آق سنقر بن عبد الله الملقب قسيم الدولة المعروف بالحاجب، جد البيت الأنابكي أصحاب الموصل، وهو والد عماد الدين زنكي بن آق سنقر - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى؛ كان مملوك السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي، هو وبزان (2) ، صاحب الرها، ولما ملك تاج الدولة تتش ابن ألب أرسلان السلجوقي مدينة حلب في سنة478 استناب فيها آتى سنقر المذكور واعتمد عليه لأنه مملوك أخيه، فعصى عليه، فقصده تاج الدولة وهو صاحب دمشق يومئذ فخرج لقتاله وجرى بينهما مصاف وحرب شديدة انجلت عن قتل آق سنقر المذكور وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وأربعمائة ودفن بالمدرسة المعروفة بالزجاجية داخل حلب، رحمه الله تعالى.
ورأيت عند قبره خلقاً كثيراً يجتمعون كل يوم (3) جمعة لقراءة القرآن الكريم، وقالوا: إن لهم على ذلك وقفاً عظيماً يفرق عليهم، ولا أعلم من الذي وقفه، ثم إني وجدت الذي وقفه ولد ولده: نور الدين محمود - الأتي ذكره إن شاء الله تعالى - وسيأتي في ترجمة تاج الدولة تتش خبر آق سنقر المذكور على خلاف هذه الواقعة، والله أعلم بالصواب.
والزجاجية: بناها أبو الربيع سليمان بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب وكان أولاً مدفوناً بقرنبيا، فلما ملك ولده عماد الدين زنكي حلب نقله إلى المدرسة ودلاه من سور البلد، وكان قتل آق سنقر على قرية يقال لها رويان بالقرب من سبعين من أعمال حلب، ذكره ياقوت الحموي.
__________
(1) أخباره مفصلة في التاريخ الباهر: 4 - 15 والكامل، وانظر معجم الألقاب 3/4: 589.
(2) يكتب أحياناً " بوزان " في التاريخ الباهر (انظر ص: 15) .
(3) هـ: ليلة.
(1/241)

103 - (1)
آق سنقر البرسقي
أبو سعيد آق سنقر البرسقي الغازي، الملقب قسيم الدولة سيف الدين؛ صاحب الموصل والرحبة وتلك النواحي، ملكها بعد أسباسلار مودود، وكان مودود بها وببلاد الشام من جهة السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - فقتل مودود بجامع دمشق يوم الجمعة ثاني عشر شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة، وكان قد وثب عليه جماعة من الباطنية فقتلوه، وآق سنقر يومئذ شحنة بغداد، كان ولاه إياها السطان محمد المذكور في سنة ثمان وتسعين وأربعمائة لما استقرت له السلطنة بعد موت أخيه بر كياروق، وفي سنة تسع وتسعين وجهه السلطان محمد لمحاصرة تكريت وكان بها كيقباذ ابن هزاراسب الديلمي المنسوب إلى الباطنية، فأصعد آق سنقر إليه في رجب من السنة المذكورة وحاصره إلى محرم من سنة خمسمائة، فلما كاد أن يأخذها أصعد إليه سيف الدولة صدقة فتسلمها، وانحدر كيقباذ صحبته ومعه أمواله وذخائره، فلما وصل إلى الحلة مات كيقباذ، فلما وصل خبر قتل مودودتقدم السلطان محمد إلى آق سنقر بالتجهيز إلى الموصل والاستعداد لقتال الفرنج بالشام، فوصل إلى الموصل وملكها وغزا، ودفع الفرنج عن حلب وقد ضايقوها بالحصار، ثم عاد إلى الموصل وأقام بها إلى أن قتل.
وهو من كبراء الدولة السلجوقية وله شهرة كبيرة بينهم. قتلته الباطنية بجامع الموصل يوم الجمعة التاسع من ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة، وذكر ابن الجوزي في تاريخه أن الباطنية قتلته في مقصورة الجامع بالموصل سنة تسع عشرة وخمسمائة، وقال العماد: سنة عشرين، وذكر أنهم جلسوا له في
__________
(1) انظر التاريخ الباهر: 24 - 31 وابن الأثير (الكامل) : ج 9 في صفحات متفرقة بين 501 - 633 ومعجم الألقاء 3/4: 588.
(1/242)

الجامع بزي الصوفية، فلما انفتل من صلاته قاموا إليه وأثخنوه جراحا في ذي القعدة، وذلك لأنه كان تصدى لاستئصال شأفتهم وتتبعهم وقتل منهم عصبة كبيرة، رحمه الله تعالى.
وتولى ولده عز الدين مسعود موضعه، ثم توفي يوم الثلاثاء الثاني والعشرينمن جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، رحمه الله تعالى؛ وملك بعده عماد الدين زنكي بن آق سنقر المذكور قبله - كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء الله تعالى -.
والبرسقي - بضم الباء الموحدة وسكون الراء وضم السين المهملة وبعدها قاف - ولا أعلم هذه النسبة إلى أي شيء هي ولم يذكرها السمعاني ثم إني وجدت نسبته بعد هذا إلى برسق، وكان من مماليك السلطان طغرلبك أبي طالب محمد - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - وتقدم في الدولة السلجوقية، وكان من الأمراء المشار إليهم فيها، المعدودين من أعيانهم.
104 - (1)
أبو الصلت الأندلسي
أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الداني؛ كان فاضلاً في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وكان عارفاً بفن الحكمة، فكان يقال له: الأديب الحكيم، وكان ماهراً في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس وسكن ثغر الإسكندرية، وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وذكر شيئاً من نظمه،
__________
(1) لأبي الصلت الأندلسي ترجمة في ابن أبي أصيبعة 2: 52 ومعجم الأدباء 7: 52 وتحفة القادم: 3 وتاريخ الحكماء: 80 والمغرب 1: 256 والخريدة (قسم المغرب) 1: 223 - 343 ونفح الطيب 2: 105 (ط. صادر) .
(1/243)

ومن جملة ما ذكر له [قوله لمن جاد عليه قبل مدحه:
لا غرو أن سبقي يداك مدائحي ... فتدفقت جدواك مثل إنائها
يكسى القضيب ولم يحن إثماره ... وتطوق الورقاء قبل غنائها ولأبي جعفر الجزار البطرني في ابن عباد (1) :
وما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانياتٍ قطوفها ... لأغصانها ظل علي ممدد
يرى جارياً ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري فوقهن تغرد ولأبي الصلت المذكور] :
إذا كان أصلي من تراب فكلها ... بلادي وكل العالمين أقاربي
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجةً ... تشق على شم الذرى والغوارب ولم أر هذين البيتين في ديوانه (2) ، وأورد له أيضاً:
وقائلة ما بال مثلك خاملاً ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني ... لما لم يحوزوه من المجد حائز
وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالي فهي عندي غرائز ولا وجدت هذا المقطوع أيضاً في ديوانه، والله أعلم، وله أيضا:
جد بقلبي وعبث ... ثم مضى وما اكترث
واحربا من شادن ... في عقد الصبر نفث
يقتل من شاء بعي ... نيه ومن شاء بعث
فأي ود لم يخن ... وأي عهد ما نكث
__________
(1) في الأصل: في الصاحب ابن عباد المقدم ذكره، وهو خطأ، لأن الشاعر أندلسي، والأبيات في النفح 3: 413 (ط. صادر) .
(2) لعل سبب ذلك أنهما ينسبان إلى أبي العرب الصقلي.
(1/244)

وله أيضاً:
دب العذار بخده ثم انثنى ... عن لثم مبسمه البرود الأشنب
لاغرو أن خشي الردى في لثمه ... فالريق سم قاتل للعقرب ومن شعره أيضاً:
ومهفهفٍ شركت محاسن وجهه ... ما مجه في الكأس من إبريقه
ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من ريقه [أخذ هذا المعنى من ابن حبوس حيث يقول:
وممنطق يغني بلحظ جفونه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه] وأورد له أيضاً في كتاب " الخريدة " في ترجمة الحسن بن أبي الشخباء العسقلاني (1) :
عجبت من طرفك في ضعفه ... كيف يصيد البطل الأصيدا
يفعل فينا وهو في غمده ... ما يفعل السيف إذا جردا وشعره كثير وجيد، وكان قد انتقل في آخر الوقت إلى المهدية وتوفي بها يوم الاثنين مستهل سنة تسع وعشرين وخمسمائة، وقيل: في عاشر المحرم سنة ثمان وعشرين. وقال العماد في الخريدة: أعطاني القاضي الفاضل كتاب الحديقة وفي آخرها مكتوب: إنه توفي يوم الاثنين ثاني عشر المحرم سنة ست وأربعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، والصحيح هو الأول، فإن أكثر الناس عليه، وهو الذي ذكره الرشيد بن الزبيرفي الجنان، ومات بالمهدية، ودفن بالمنستير - وسيأتي ذكرها في ترجمة الشيخ هبة الله البوصيري إن
__________
(1) سيترجم له ان خلكان في ما يلي.
(1/245)

شاء الله تعالى، ونظم أبياتاً، وأوصى أن تكتب على قبره، وهي آخر شيء قاله، وهي:
سكنتك يا دار الفناء مصدقاً ... بأني إلى دار البقاء أصير
وأعظم ما في الأمر أني صائر ... إلى عادل في الحكم ليس يجوز
فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها ... وزادي قليل والذنوب كثير
فإن أك مجزياً بذنبي فإنني ... بشر عقاب المذنبين (1) جدير
وإن يك عفو منه عني ورحمة ... فثم نعيم دائم وسرور ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز:
عبد العزيز، خليفتي ... رب السماء عليك بعدي
أنا قد عهدت إليك ما ... تدريه فاحفظ فيه عهدي
فلئن عملت به فإن ... ك لا تزال حليف رشد
ولئن نكثت لقد ضلل ... ت وقد نصحتك حسب جهدي ثم وجدت في مجموع لبعض المغاربة ان أبا الصلت المذكور مولده في دانية مدنية من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة، وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس، كأبي الوليد الوقشي قاضي دانية وغيره، وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ونفاه الأفضل شاهنشاه من مصر في سنة خمس وخمسمائة، وتردد بالإسكندرية إلى أن سافر في سنة ست وخمسمائة فحل بالمهدية، ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم ابن المعز بن باديس منزلة جليلة، وولد له بها ولد سماه عبد العزيز، وكان شاعراً ماهراً، له في الشطرنج يد بيضاء، وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة.
قلت: وهو الذي غلط فيه العماد الكاتب فيما نقله عن القاضي الفاضل، واعتقد أن أباه مات في هذا التاريخ.
__________
(1) ج هـ: المجرمين.
(1/246)

وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة العمل بالأصطرلاب، وكتاب " الوجيز " في علم الهيئة، وكتاب " الأدوية المفردة " وكتاباً في المنطق سماه " تقويم الذهن " وكتاباً سماه " الانتصار في الرد على علي بن رضوان " في رده على حنين بن إسحاق في مسائله، ولما صنف " الوجيز " للأفضل عرضه على منجمه أبي عبد الله الحلبي، فلما وقف عليه قال له: هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ويستغني عنه المنتهي.
وله من أبيات:
كيف لا تبلى غلائله ... وهو بدر وهي كتان وإنما قال هذا لأن الكتان إذا تركوه في ضوء القمر بلي. وكان مرضه الاستسقاء، والله أعلم.
105 - (1)
القاضي اياس
أبو وائلة إياس بن معاوية بن قرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن سوأة بن سارية بن ذبيان بن سليم بن أوس بن مزينة المزني؛ وهو السن البليغ والألمعي المصيب، والمعدود مثلاً في الذكاء والفطنة، ورأسا لأهل الفصاحة والرجاحة. كان صادقا الظن لطيفاً في الأمور، مشهوراً بفرط الذكاء، وبه يضرب المثل في الذكاء، وإياه عنى الحريري في " المقامات " بقوله في المقامة السابعة: فإذا أمعيتي ألمعية ابن عباس، وفراستي فراسة
__________
(1) ترجمة القاضي إياس وأخباره في المعارف لابن قتيبة: 467 وحلية الأولياء 3: 123 وسرح العيون وكتاب الأذكياء لابن الجوزي وشرح المقامات 1: 113 وميزان الاعتدال 1: 283 والحكايات عنه منثورة في كتب الأدب اعامة مثل البيان والتبيين والحيوان والكامل ومحاضرات الراغب والعقد وحدائث الأزاهر وغيرهما.
(1/247)

إياس، وكان عمر بن عبد العزيز قد ولاه قضاء البصرة. وكان لإياس جد أبيه صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل لمعاوية بن قرة والد إياس: كيف ابنك لك فقال: نعم الابن، كفاني أمر دنياي وفرغني لآخرتي. وكان إياس أحد العقلاء الفضلاء الدهاة.
ويحكى من فطنته أنه كان في موضع فحدث فيه ما أوجب الخوف، وهناك ثلاث نسوة لا يعرفهن، فقال: هذه ينبغي أن تكون حاملاً، وهذه مرضعاً، وهذه عذراء، فكشف عن ذلك فكان كما تفرس (1) ، فقيل له: من أين لك هذا فقال: عند الخوف لايضع الإنسان يده إلا على أعز ما له ويخاف عليه، ورأيت الحامل قد وضعت يدها على جوفها، فاستدللت بذلك على حملها، ورأيت المرضع قد وضعت يدها على ثديها، فعلمت أنها مرضع، والعذراء وضعت يدها على فرجها، فعلمت أنها بكر.
وسمع إياس بن معاوية يهودياً يقول: ما أحمق المسلمين، يزعمون أن أهل الجنة يأكلون ولا يحدثون، فقال له إياس: أفكل ما تأكله تحدثه قال: لا، لأن الله تعالى يجعله غذاء، قال فلم تنكر أن الله تعالى يجعل كل ما يأكله أهل الجنة غذاء
ونظر يوماً إلى آجرة بالرحبة وهو بمدينة واسط، فقال: تحت هذه الآجرة دابة، فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حية منطوية، فسألوه عن ذلك فقال: إني ما بين الآجرتين ندياً من بين جميع تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئاً يتنفس.
ومر يوماً بمكان فقال: أسمع صوت كلب غريب، فقيل له: كيف عرفت ذلك قال: بخضوع صوته وشدة نباح غيره من الكلاب، فكشفوا عن ذلك فإذا كلب غريب مربوط والكلاب تنبحه.
ونظر يوماً إلى صدع في الأرض فقال: في هذا الصدع دابة، فنظروا فإذا فيه دابة، فسألوه عنه فقال: إن الأرض لا تنصدع إلا عن دابة أو نبات.
__________
(1) د: كما قال.
(1/248)

قال الجاحظ: إذا نظر الإنسان إلى موضع منفتح في أرض مستوية فيتأمله فإن رآه يتصدع في تهيل (1) وكان تفتحه مستوياً علم أنها كمأة، وإن خلط في التصدع والحركة علم أنها دابة.
وله في هذا الباب من الفراسة أشياء غريبة كثيرة، ولولا خوف الإطالة لبسطت القول في ذلك، وبعض العلماء قد جمع جزءا كبيرا من أخباره.
وكتب عمر بن عبد العزيز الأموي - رضي الله عنه - في أيام خلافته إلى نائبه بالعراق وهو عدي بن أرطاة ان اجمع بين إياس بن معاوية والقاسم بن ربيعة الحرشي فول قضاء البصرة أنفذهما، فجمع بينهما، فقال له إياس: أيها الأمير سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن البصري ومحمد بين سيرين، وكان القاسم يأتيهما وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما اشارا به، فقال له: لا تسأل عني ولا عنه، فوالله الذي لاإله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء فإن كنت كاذباً فما يحل لك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي، فقال له إياس (2) : إنك جئت برجل أوقفته على شفير جهنم فنجى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما يخاف، فقال عدي بن أرطاة: أما إذ فهمتها فأنت لها، واستقضاه.
وروي عن إياس أنه قال: ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة، فدخل علي رجل شهد عندي أن البستان الفلاني - وذكر حدوده - هو ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره فسكت ثم قال: منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس فقلت: منذ كذا، فقال: كم عدد خشب سقفه فقلت له: الحق معك، وأجزت شهادته.
وكان يوماً في برية فأعوزهم الماء، فسمع نباح كلب فقال: هذا على رأس بئر، فاستقروا النباح فوجدوه كما قال، فقيل له في ذلك فقال: لأني سمعت الصوت كالذي يخرج من بئر. وكان له في ذلك غرائب.
__________
(1) هـ: في تهيله.
(2) د: إنك جئت برجل فأقمته على جهنم، فافتدى نفسه من النار أن تقذفه فيها بيمين حلفها كذباً ... الخ.
(1/249)

وقال أبو إسحاق ابن حفص: رأى إياس في المنام أنه لا يدرك النحر، فخرج إلى ضيعة له بعبدسى - وعبدس: قرية من أعمال دست (1) ميسان يسن البصرة وخوزستان - فتوفي بها في سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال غيره: سنة إحدى وعشرين، وعمره ست وسبعون سنة.
وقال إياس في العام الذي توفي فيه: رأيت في المنام كاني وأبي على فرسين فجريا معا فلم أسبقه ولم يسبقني، وعاش أبي ستا وسبعين سنة وأنا فيها، فلما كان آخر لياليه قال: أتدرون أي ليلة هذه ليلة أستكمل فيها عمر أبي، ونام فأصبح ميتاً، وكانت وفاة أبيه معاولة في سنة ثمانين للهجرة، رحمه الله تعالى.
وإياس: بكسر الهمزة، وقرة: بضم القاف، ومزينة: قد تقدم القول عليها.
وتراءى هلال شهر رمضان جماعة فيهم أنس بن مالك رضي الله عنه وقد قارب المائة، فقال أنس: قد رأيته، هو ذاك، وجعل يشير إليه فلا يرونه، ونظر إياس إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنت، فمسحها إياس وسواها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة، أرنا موضع الهلال، فجعل ينظر ويقول ما أراه.
106
- ابن القرية
أبو سليمان أيوب بن زيد بن قيس بن زرارة بن سلمة بن جشم بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد
__________
(1) في الأصول - ما عدا هـ - دشت؛ وضبطها ياقوت بالسين المهملة.
(1/250)

ابن عدنان المعروف بابن القرية الهلالي، والقرية: جدته، واسمها جماعة بنت جشم بن ربيعة بن زيد مناة بن عوف بن سعد بن الخزرج - وتمام النسب مذكور في أول الترجمة؛ كان أعرابياً أمياً، وهو معدود من جملة خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة، وكان قد أصابته السنة، فقدم عين التمر وعليها عامل للحجاج بن يوسف، وكان العامل يغدي كل يوم ويعشي، فوقف ابن القرية ببابه فرأى الناس يدخلون فقال: أين يدخل هؤلاء فقالوا: إلى طعام الأمير، فدخل فتغدى وقال: أكل يوم يصنع الأمير ما أرى فقيل: نعم، فكان يأتي كل يوم بابه للغداء والعشاء، إلى أن ورد كتاب من الحجاج على العامل، وهو عربي غريب لا يدري ما هو، فأخر لذلك طعامه، فجاء ابن القرية فلم ير العامل يتغدى، فقال: ما بال الأمير اليوم لا يأكل ولا يطعم فقالوا: اغتم لكتاب ورد عليه من الحجاج عربي غريب لا يدري ما هو، قال: ليقرئني الأمير الكتاب وأنا أفسره إن شاء الله تعالى، وكان خطيباً لسناً بليغاً، فذكر ذلك نلوالي فدعا به فلما قرئ عليه الكتاب عرف الكلام وفسره للوالي حتى عرفه جميع ما فيه فقال له: أفتقدر على جوابه قال: لست أقرأ ولا أكتب ولكن أقعد عند كاتب يكتب ما أمليه، ففعل، فكتب جواب الكتاب، فلما قرئ الكتاب على الحجاج رأى كلاما عربيا غريبا، فعلم أنه ليس من كلام كتاب الخراج، فدعا برسائل عامل عين التمر فنظر فيها فإذا هي ليست ككتاب ابن القرية، فكتب الحجاج إلى العامل أما بعد، فقد أتاني كتابك بعيداً من جوابك بمنطق غيرك، فإذا نظرت في كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تبعث إلي بالرجل الذي صدر لك الكتاب، والسلام. قال: فقرأ العامل الكتاب على ابن القرية وقال له: تتوجه نحوه فقال: أقلني، قال: لا بأس عليك، وأمر له بكسوة ونفقة وحمله إلى الحجاج.
فلما دخل عليه قال: أيوب، قال: اسم نبي وأظنك أمياً تحاول البلاغة ولا يستصعب عليك المقال، وأمر له بنزل ومنزل، فلم يزل يزداد به عجبا حتى أوفده على عبد الملك بن مروان، فلما خلع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الطاعة بسجستان وهي واقعة مشهورة بعثه
(1/251)

الحجاج إليه رسولاً، فلما دخل عليه قال له: لتقومن خطيباً ولتخلعن عبد الملك ولتسبن الحجاج أو لأضربن عنقك، قال: أيها الأمير إنما أنا رسول، قال: هو ما أقول لك، فقالم وخطب وخلع عبد الملك وشتم الحجاج، وأقام هنالك.
فلما انصرف ابن الأشعث مهزوماً كتب الحجاج إلى عماله بالري وأصبهان وما يليهما يأمرهم أن لا يمر بهم أحد من فل ابن الأشعث إلا بعثوا به أسيرا إليه، واخذ ابن القرية فيمن أخذ، فلما أدخل على الحجاج قال: أخبرني عما أسألك عنه، قال: سلني عما شئت، قال: أخبرني عن أهل العراق، قال: أعلم الناس بحق وباطل، قال: فأهل الحجاز، قال: أسرع الناس إلى فتنة وأعجزهم فيها، قال: فأهل الشام، قال: أطوع الناس لخلفائهم، قال: فأهل مصر، قال: عبيد من غلب، قال: فأهل البحرين، قال: نبيط استعربوا، قال: فأهل عمان، قال: عرب استنبطوا، قال: فأهل الموصل، قال: أشجع فرسان وأقتل للأقران، قال: فأهل اليمن، قال: أهل سمع وطاعة ولزوم للجماعة، قال: فأهل اليمامة، قال: أهل جفاء، واختلاف أهواء، وأصبرعند اللقاء، قال: فاهل بأس شديد، وشر عتيد، وزيف كثير، وقرى يسير، قال: أخبرني عن العرب، قال: سلني، قال: قريش، أطواها رماحاً، وأكرمها صباحاً، قال: فبنو سليم، قال: أعظمها مجالس، وأكرمها محابس، قال: فثقيف، قال: أكرمها جدوداً، وأكثرها وفوداً، قال: فبنو زبيد، قال: ألزمها للرايات، وأدركها للترات، قال: فقضاعة، قال: أعظمها اخطاراً، وأكرمها نجاراً، وأبعدها آثاراً، قال: فالأنصار، قال: أثبتها مقاماً، وأحسنها إسلاماً، وأكرمها أياماً، قال: فتميم، قال أظهرها جلداً، وأثراها عدداً، قال: فبكر بن وائل، قال: أثبتها صفوفاً، وأحدها سيوفاً، قال: فعبد القيس، قال: أسبقها إلى الغايات، وأصبرها تحت الرايات، قال: فبنو أسد، قال: أهل عدد وجلد، وعسر ونكد، قال: فلخم، قال: ملوك، وفيهم نوك، قال: فجذام، قال: يوقدون الحرب
(1/252)

ويسعرونها، ويلقحونها ثم يمرونها، قال: فبنو الحارث، قال: رعاة للقديم، وحماة عن الريم، قال: فعك، قال: ليوث حاهدة، في قلوب فاسدة، قال: فتغلب، قال: يصدقون إذا لقوا ضرباً، ويسعرون للأعداء حراباً، قال: فغسان، قال: أكرم العرب أسحاباً، وأثبتها أنساباً، قال: فأي العرب في الجاهلية كانت أمنع من أن تضام قال: قريش، كانوا أهل رهوة لا يستطاع ارتقاؤها، وهضبة لا يرام انتزاؤها، في بلدة حمس الله ذمارها، ومنع جارها، قال: فأخبرني عن مآثر العرب في الجاهلية، قال: كانت العرب تقول حمير أرباب الملك وكندة لباب الملوك ومذحج أهل الطعان وهمدان أحلاس الخيل والأزد آساد الناس، قال: فأخبرني عن الأرضين، قال: سلني، قال: الهند، قال: بحرها در وجبلها ياقوت وشجرها عود وورقها عطر وأهلها طغام كقطع الحمام، قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد، وعدوها جاحد، قال: فعمان، قال: حرها شديد، وصيدها عتيد، قال: فالبحرين، قال: كناسة بين المصرين، قال: فاليمن، قال: أصل العرب، وأهل البيوتات والحسب، قال: فمكة، قال: رجالها علماء جفاة، ونساؤها كساة عراة، قال: فالمدينة، قال: رسخ العلم فيها وظهر منها، قال: فالبصرة، قال: شتاؤها جليد، وحرها شديد، وماؤها ملح، وحربها صلح، قال: فالكوفة، قال: ارتفعت عن حر البحر وسلفت عن برد الشام، فطاب ليلها وكثر خيرها، قال: فواسط، قال: جنة بين حماة وكنة، قال: وما حماتها وكنتها قال: البصرة والكوفة تحسدانها وما ضرها ودجلة والزاب يتجاريان بإفاضة الخير عليها، قال: فالشام، قال: عروس بين نسوة جلوس، قال: ثكلتك أمك يا ابن القرية! لولا اتباعك لأهل العراق وقد كنت أنهاك عنهم أن تتبعهم فتأخذ من نفاقهم، ثم دعا بالسيف وأومأ إلى السياف أن أمسك، فقال ابن القرية: ثلاث كلمات أصلح الله الأمير كأنهن ركب وقوف يكن مثلا بعدي، قال: هات، قال: لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة ولكل حليم هفوة، قال الحجاج: ليس هذا وقت المزاح، ياغلام أوجب جرحه، فضرب عنقه.
وقيل: إنه لما أراد قتله قال له: العرب تزعم أن لكل شيء آفة، قال:
(1/253)

صدقت العرب، أصلح الله الأمير! قال: فما آفة الحلم قال: الغضب، قال: فما آفة العقل قال: العجب، قال: فما آفة العلم قال: النسيان، قال: فما آفة السخاء قال: المن عند البلاء، قال: فما آفة الكرام قال: مجاورة اللئام، قال: فما آفة الشجاعة قال: البغي، قال: فما آفة العبادة قال: الفترة، قال: فما آفة الذهن قال: حديث النفس، قال: فما آفة الحديث قال: الكذب، قال: فما آفة المال قال: سوء التدبير، قال: فما آفة الكامل من الرجال قال: العدم، قال: فما آفة الحجاج بن يوسف قال: أصلح الله المير، لاآفة لمن كرم حسبه وطاب نسبه وزكا فرعه، قال: امتلأت شقاقاً، وأظهرت نفاقاً؛ اضربوا عنقه، فلما رآه قتيلاً ندم.
نقلت هذا كله من كتاب اللفيف، وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان متصلاً فما أمكن قطعه.
وسأله بعض العلماء عن حد الدهاء فقال: هو تجرع الغصة وتوقع الفرصة.
ومن كلامه في صفة العي: التنحنح من غير داء، والتثاؤب من غير ريبة، والإكباب في الأرض من غير علة.
وكان قتله في سنة أربع وثمانين لهجرة، رحمه الله تعالى.
وهذا ابن القرية هو الذي تذكره النحاة في أمثالها فيقولون: ابن القرية زمان الحجاج.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني (1) في ترجمة مجنون ليلى بعد أن استوفى أخباره فقال: وقد قيل إن ثلاثة أشخاص شاعت أخبارهم، واشتهرت أسماؤهم، ولا حقيقة لهم ولا وجود في الدنيا، وهم: مجنون ليلى، وابن القرية - يعني هذا المذكور -، وابن أبي العقب الذي تنسب إله الملاحم، واسمه يحيى بن عبد الله بن أبي العقب، والله أعلم.
والقرية - بكسر القاف وتشديد الراء وتشديد الياء المثناة من تحتها وبعدها هاء - وهي أم جشم بن مالك بن عمرو، وكان عمرو المذكور قد تزوجها فلما مات تزوجها
__________
(1) انظر الأغاني 2: 11.
(1/254)

ابنه مالك فأولدها جشم بن مالك المذكور، والقرية في اللغة: الحوصلة، وبها سميت المرأة، قال أهل العلم بالنساب: لما تزوج مالك ابن عمرو المذكور القرية - واسمها جماعة، كما تقدم في أول الترجمة - أولدها جشم جد أيوب ابن القرية المذكور، وكليباً، وهو جد العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، عم رسول الله عليه وسلم من جهة أمه، فإن أمه نتيلة - بضم النون - وقيل: نتلة بفتحها، بنتحباب بن كليب بن ملك المذكور، فالعباس رضي الله عنه من أولاد القرية بهذا الاعتبار.
وذكر ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (1) أن ابن القرية هلالي، وأنه من بني هلال بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر.
وذكر ابن الكلبي أنه من بني مالك بن عمرو بن زيد مناة، فما يجتمع هلال ومالك إلا في زيد مناة، وليس هلال في عمود نسبة، والله تعالى أعلم.
والهلالي - بكسر الهاء - نسبة إلى هلال بن ربيعة بن زيد مناة، بطن من النمر بن قاسط، وفي العرب أيضاً: هلال بن عامر بن صعصعة، قبيلة أخرى، وقد ذكر ابن الكلبي في كتاب جمهرة النسب هذين النسبين وصورة النكاح بينهما فيؤخذ منه.
107
- أيوب والد السلطان صلاح الدين
أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وسيأتي في ترجمة ولده صلاح الدين تتمة نسبة وصورة الاختلاف فيه، فينظر هناك، ولا حاجة إلى الإطالة بذكره ههنا.
قال بعض المؤرخين: كان شاذي بن مروان من أهل دوين ومن أبناء أعيانها
__________
(1) المعارف: 404.
(1/255)

والمعتبرين بها، وكان له صاحب يقال له: جمال الدولة المجاهد بهروز - قلت: وهو المذكور في ترجمة صلاح الدين يوسف بن أيوب - قال: وكان من أظرف الناس وألطفهم وأخبرهم بتدبير الأمور، وكان بينهما من الاتحاد كما بين الأخوين، فجرت لبهروز قضية في دوين، فخرج منها حياء وحشمة، وذلك أنه اتهم بزوجة بعض الأمراء بدوين، فأخذه صاحبها فخصاه، فلما مثل به لم يقدر على الإقامة بالبلد، وقصد خدمة أحد الملوك السلجوقية، وهو السلطان غياث الدين محمد بن ملكشاه، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، واتصل باللالا الذي لأولاده، فوجده لطيفاً كافياً في جميع الأمور، فتقدم عنده وتميز، وفوض أحواله إليه، وجعله يركب مع أولاد السلطان مسعود إذا كان له شغل، فرآه السلطان يوما مع أولاده، فأنكر على اللالا، فقال له: إنه خادم، وأثنى عليه وشكر دينه وعفافه ومعرفته، ثم صار يسيره إلى السلطان في الأشغال، فخفف على قلبه، ولعب معه بالشطرنج والنرد فحظي عنده، واتفق موت اللالا، فجعله السلطان مكانه، وأرصده لمهامه، وسلم إليه أولاده، وسار ذكره في تلك النواحي، فسير إلى شاذي يستدعيه من بلده ليشاهد ما صار إليه من النعمة، وليقاسمه فيما خوله الله تعالى، وليعلم أنه ما نسبه، فلما وصل إليه بالغ في إكرامه والإنعام عليه.
واتفق أن السلطان رأى أن يوجه المجاهد المذكور إلى بغداد والياً عليها ونائباً عنه بها، وكذا كانت عادة الملوك السلجوقية في بغداد يسيرون إليها النواب، فاستصحب معه شاذي المذكور، فسار هو وأولاده صحبته، وأعطى السلطان لبهروز قلعة تكريت، فلم يجد من يثق إليه في أمرها سوى شاذي المذكور، فأرسله إليها، فمضى وأقام بها مدة وتوفي بها، فولى مكانه ولده نجم الدين أيوب المذكور، فنهض في أمرها، وشكره بهروز وأحسن إليه، وكان أكبر سناً من أخيه أسد الدين شيركوه، الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.
قلت: وهذا الكلام بينه وبين الآتي ذكره في ترجمة صلاح الدين بعض الاختلاف، والله أعلم بالصواب، ولا شك أنه يحصل المقصود من مجموع الكلامين، فلينظر هناك أيضاً، وذكرت في تلك الترجمة أيضاً سبب المعرفة بين عماد الدين
(1/256)

زنكي صاحب الموصل، وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه، فلا حاجة إلى ذكره هنا.
ثم اتفق أن بعض الحرم خرجت من قلعة تكريت لقضاء حاجة، وعادت فعبرت على نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه وهي تبكر، فسألاها عن سبب بكائها، فقالت: أنا داخلة في الباب الذي للقلعة، فتعرض إلي الإسفهسلار، فقام شيركوه وتناول الحربة التي تكون للإسفهسلار وضربه بها فقتله، فأمسكه أخوه نجم الدين أيوب واعتقله، وكتب إلى بهروز وعرفه صورة الحال ليفعل فيه ما يراه، فوصل إليه جوابه لأبيكما علي حق، وبيني وبينه مودة متاكدة، ما يمكنني أن أكافئكما بحالة سيئة تصدر مني في حقكما، ولكن أشتهي منكما أن تتركا خدمتي، وتخرجا من بلدي، وتطلبا الرزق حيث شئتما. فلما وصلهما الجواب ما أمكنهما المقام بتكريت، فخرجا منها ووصلا إلى الموصل، فأحسن إليهما الأتابك عماد الدين زنكي لما كان تقدم لهما عنده، وزارد في إكرامهما والإنعام عليهما، وأقطعهما إقطاعاً حسناً، ثم لما ملك الأتابك قلعة بعلبك استخلف بها نجم الدين أيوب، وهذا كله مذكور في ترجمة ولده صلاح الدين، وإن اختلفت العبارة، ورأيت في بعلبك خانقاه للصوفية يقال لها النجمية، وهي منسوبة إليه، عمرها في مدة إقامته بها، وكان رجلاً مباركاً كثير الصلاح، مائلاً إلى أهل الخير حسن النية، جميل الطوية.
وفي أوائل ترجمة صلاح الدين طرف من أخبار والده نجم الدين أيوب، وكيف رتبه زنكي في بعلبك، وما جرى له بعد ذلك من الانتقال إلى دمشق، فأغنى عن شرحه ههنا.
ولما توجه أخوه اسد الدين شيركوه إلى مصر لإنجاد شاور - على ما اشرحه في ترجمتيهما إن شاء الله تعالى - كان نجم الدين أيوب مقيماً بدمشق في خدمة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى، ولما تولى صلاح الدين ولده وزارة الديار المصرية في أيام العاضد صاحب مصر، استدعى أباه من الشام، فجهزه نورالدين وأرسله إليه ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة، وخرج العاضد للقائه إكراماً لولده صلاح الدين يوسف
(1/257)

وسلك معه ولده صلاح الدين من الأدب ماهو اللائق بمثله، وعرض عليه الأمر كله فأبى وقال: يا ولدي، ما اختارك الله تعالى لهذا الأمر إلا وأنت أهل له، ولا ينبغي أن تغير موضع السعادة، ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بمملكة البلاد كما هو مذكور في ترجمته.
ثم خرج صلاح الدين إلى الكرك ليحاصرها وأبوه بالقاهرة، فركب يوماً ليسير على عادة الحند، فخرج من باب النصر أحد أبواب القاهرة، فشب به فرسه فألقاه في وسط المحجة، وذلك في يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة من سنة ثمان وستين وخمسمائة، فحمل إلى داره، وبقي متألما إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهر المذكور، هكذا ذكره جماعة من المؤرخين، منهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني، لكنه قال: إن وفاته كانت يوم الثلاثاء.
ورأيت في تاريخ كمال الدين بن العديم فصلا نقله من تعليق العضد مرهف بن أسامة بن منقذ، قال: إنه توفي يوم الاثنين الثامن عشر من ذي الحجة. قلت: ظاهر الحال أن العضد ما اوقعه في هذا الوهم إلا أنه اعتقد أنه توفي في اليوم الذي سقط فيه عن فرسه، فان هذا التاريخ هو تاريخ سقوطه عن الفرس لا تاريخ وفاته، والله أعلم.
ولما مات دفن إلى جاب أخيه أسد الدين شيركوه في بيت بالدار السلطانية ثم نقلا بعد سنين إلى المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
ورأيت في تاريخ القاضي الفاضل الذي رتبه على الأيام وهو بخطه، يذكر فيه ما يتجدد في كل يوم، فقال: وفي يوم الخميس رابع صفر سنة ثمانين وخمسمائة وصل كتاب بدر الأسدي - يعني من المدينة - يخبر بوصول تابوتي الأميرين: نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه، واستقرارهما بتربتهما مجاورين الحجرة المقدسة النبوية، نفعهما الله تعالى بمجاورتها.
ولما عاد صلاح الدين من الكرك إلى الديار المصرية بلغة الخبر في الطريق فشق عليه حيث لم يحضره، وكتب إلى ابن أخيه عز الدين فروخ شاه بن
(1/258)

شاهانشاه بن أيوب، صاحب بعلبك، كتاباً بخط القاضي الفاضل يعزيه عن جده نجم الدين أيوب المذكور.
ومن جملة فصوله: المصاب بالمولى الدارج، غفر الله ذنبه، وسقى بالرحمة تربه، ما عظمت به اللوعة، واشتدت به الروعة، وتضاعفت لغيبتنا عن مشهده الحسرة، فاستنجدنا بالصبر فأبى وأنجدت العبرة، فياله فقيدا فقدنا عليه العزاء، وهانت بعده الأرزاء، وانتثر شمل البركة بفقده، فهي بعد الاجتماع أجزاء:
وتخطفته يد الردى في غيبتي ... هبني حضرت فكنت ماذا أصنع ورثاه الفقيد عمارة اليمني - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى - بقصيدة طويلةأجاد في أكثرها، وأولها:
هي الصدمة الأولى فمن بان صبره ... على هول ملقاه تضاعف أجره وقال ابن أبي الطي الأديب الحلبي في تاريخه الكبير: كان مولد نجم الدين أيوب ببلد سجستان، وقيل: إنه ولد بجبل جور وربي ببلد الموصل، ولم يوافقه على ذلك أحد، بل انفرد به، وإنما نبهت عليه كيلا يقف عليه من لا يعرف هذا الفن فيظن أنه صواب، وليس المر كذلك، بل الصحيح هو الذي ذكرته أولا.
وشاذي - بالشين المعجمة وبعد الألف ذال معجمة مكسورة وبعدها باء مثناة من تحتها - وهذا الاسم عجمي، ومعناه بالعربي فرحان.
ودوين - بضم الدال المهملة وكسر الواو وبعدها ياء مثناة من تحتها ساكنة ثم نون - وهي بلدة في أواخر إقليم أذربيجان من جهة الشمال تجاور بلاد الكرج، وينسب إليها الدويني والدوني أيضاً، بفتح الواو، والله أعلم.
قلت: والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة، خارج باب النصر، عمارة نجم الدين أيوب أيضاً، ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب أعلاه في سنة ست وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى وقدس الله روحه.
(1/259)

107 -
أيوب والد السلطان صلاح الدين (1)
أبو الشكر أيوب بن شاذي بن مروان الملقب الملك الأفضل نجم الدين والد السلطان صلاح الدين يوسف؛ كان في أول أمره متسلماً قلعة تكريت هو وأخوه أسد الدين شيركوه يديران أحوالها وينظران في أمورها، وتوفي والدهما شاذي بها، وهناك قبره ظاهر معروف، وولد له بها السلطان صلاح الدين، ومولده هو بمدينة دوين من أعمال أذربيجان قم انتقل إلى الموصل وأقام بها مدة، ثم اتصل بخدمة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام، وكان مقبلاً عليه مكرماً له، ولما وزر ولده صلاح الدين للعاضد صاحب مصر وذلك في سنة أربع وستين وخمسمائة كما هو مشهور توجه إليه والده نجم الدين من الشام ودخل القاهرة لست بقين من رجب سنة خمس وستين وخمسمائة وخرج العاضد للقائه وسلك صلاح الدين معه من الأدب ما جرت به العادة، وألبسه الأمر كله فأبى أن يلبسه وقال: يا ولدي ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤ له، ولاينبغي أن تغير موضع السعادة، فحكمه في الخزائن كلها وكان كريما يطلق فلا يرد.
ولم يزل عنده حتى استقل صلاح الدين بملك الديار المصرية في اوائل المحرم سنة سبع وستين كما سيأتي في ترجمته في حروف الياء، فخرج نجم الدين يوماً من باب النصر أحد أبواب القاهرة فشب به فرسه فألقاه في وسط اللجة وذلك يوم الاثنين ثامن عشر ذي الحجة سنة568، وحمل إلى داره وبقي متألما إلى أن توفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من الشهرالمذكور، ودفن عند قبر أخيه أسد الدين شيركوه رحمه الله تعالى، ثم بعد ذلك نقلاً إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنا هناك؛ ولما توفي كان السلطان صلاح الدين غائبا في غزوة
__________
(1) الترجمة السابقة هي ما أوردته نسختا د وآياصوفيا، أما هذه فإنها ما ورد في سائر النسخ الأخرى.
(1/260)

الكرك وهي أول غزواته فبلغه الخبر وهو راجع في الطريق، فشق عليه حيث لم يحضر.
ولقد كان رجلاً مباركاً كثير الصلاح مائلاً إلى أهل الخير حسن النية جميل الطوية لايتوسط إلا بالخير وظهرت ثمرة بركته وحسن اعتقاده في أولاده، ورأيت بمدينة بعلبك خانقاه لطيفة حسنة الوصف يقال لها النجمية وهي منسوبة إليه، وسألت أهل البلد عن سبب بنائها هناك فقالوا: كانت بعلبك إقطاعه يوم ذاك. والمسجد والحوض اللذان بظاهر القاهرة خارج باب النصر عمارته أيضا، ورأيت تاريخ بناء الحوض في الحجر المركب أعلاه في سنة 66.
ولما مات رثاه الفقيه عمارة اليمني بقصيدة طويلة أولها:
هي الصدمة الأولى فمن بان صبره ... على هول ملقاه تضاعف أجره وقال ابن أبي الطي الأديب الحلبي في تاريخه الكبير: مولد نجم الدين أيوب ببلد سجستان وقيل إنه ولد بجبل جودوربي ببلد الموصل ولم يوافقه على ذلك أحد بل انفرد به وإنما نبهت عليه ... الخ (1) .
__________
(1) لا حاجة لإثبات بقية الفقرة فقد وردت نصاً في الترجمة السابقة.
(1/261)

فراغ
(1/262)

حَرْفُ البَاء
(1/263)

فراغ
(1/264)

108 - (1)
باديس الصنهاجي
أبو مناد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي والد المعز بن باديس الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وبقية نسبه مذكور (2) في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم؛ كان باديس المذكور يتولى (3) مملكة (4) إفريقية نيابة عن الحاكم العبيدي المدعي الخلافة بمصر، ولقبه الحاكم نصير (5) الدولة، وكانت ولايته بعد أبيه المنصور، وتوفي أبوه يوم الخميس لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وثمانين وثلثمائة، بقصره الكبير خارج مدينة صبرة (6) ، ودفن فيه ثاني يوم.
وكان باديس المذكور ملكا كبيرا، حازم الرأي، شديد البأس، إذا هز رمحاً كسره.
ومولده ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر الأول سنة أربع وسبعين وثلثمائة بآشير، المذكور في ترجمة إبراهيم بن قرقول، ولم يزل على ولايته وأموره جارية على الشداد، ولما كان يوم الثلاثاء التاسع والعشرون من ذي القعدة سنة ست وأربعمائة أمر جنوده بالعرض، فعرضوا بين يديه وهو في قبة السلام جالس إلى وقت الظهر، وسره حسن عسكره وأبهجه زيهم وما كانوا عليه، وانصرف إلى قصره، ثم ركب عشية ذلك النهار (6) في أجمل
__________
(1) انظر ابن عذاري 1: 247 وأعمال الأعلام (القسم الثالث) : 69 وابن خلدون 6: 157.
(2) هـ: مذكورة.
(3) هـ: متولي.
(4) أ: أمر.
(5) أب: نصر.
(6) قد تقدم أن مدينة صبرة هي التي سميت المنصورية.
(6) قد تقدم أن مدينة صبرة هي التي سميت المنصورية.
(1/265)

مركوب، ولعب الجيش بين يديه، ثم رجع إلى قصره شديد السرور بما رآه من كمال حاله، وقدم السماط بين يديه فأكل مع خاصته وحاضري مائدته، ثم انصرفوا عنه وقد رأوا من سروره مالم يروه منه قط، فلما مضى مقدار نصف الليل من ليلة الأربعاء سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة (1) قضى نحبه، رحمه الله تعالى، فأخفوا امره ورتبوا أخاه كرامت ابن المنصور ظاهر، حتى وصلوا إلى ولده المعز فولوه، وتم له الأمر.
وذكر في كتاب الدول المنقطعة أن سبب موته أنه قصد طرابلس، ولم يزل على قرب منها عازماً على قتالها، وحلف أن لا يرحل عنها حتى يعيدها فدنا للزراعة لسبب اقتضى ذلك تركت شرحه لطوله، قال: فاجتمع أهل البلد عند ذلك إلى المؤدب محرز (2) وقالوا: يا ولي الله، قد بلغك ما قاله باديس، فادع الله أن يزيل عنا بأسه، فرفع يديه إلى السماء وقال: يارب باديس اكفنا باديس، فهلك في ليلته بالذبحة، والله أعلم.
والصنهاجي - بضم الصاد المهملة وكسرها وسكون النون وفتح الهاء وبعد الألف جيم - هذه النسبة إلى صنهاجة، وهي قبيلة مشهورة من حمير، وهي بالمغرب، وقال ابن دريد: صنهاجة بضم الصاد لا يجوز غير ذلك، وأجاز غيره الكسر، والله أعلم، وضبط أسماء أجداده سيأتي إن شاء الله تعالى.
__________
(1) ذكر لسان الدين ابن وفاته كانت لعش بقين من ذي القعدة.
(2) هو محرز بن خلف بن رزين الشيخ الصالح العابد، وقد نشرت مناقبه (مع مناقب الجبنياني) وطبع الكتاب بباريس سنة 1959.
(1/266)

109 - (1)
عز الدولة البويهي (بختيار)
أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة بن معز الدولة أبي الحسين أحمد بن بويه الديلمي، وقد تقدم ذكر أبيه وتتمة نسبة فلا حاجة إلى إعادته.
ولي عز الدولة مملكة أبيه يوم موته في تارخه المذكور هناك، وتزوج الامام الطائع ابنته شاه زنان (2) على صداق مبلغة مائة ألف دينار، وخطب خطبة العقد القاضي أبو بكر ابن قريعة - الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وذلك في سنة أربع وستين وثلثمائة.
وكان عز الدولة ملكاً سرياً، شديد القوى، يمسك الثور العظيم بقرنيه فيصرعه، وكان متوسعاً في الإخراجات والكلف والقايم بالوظائف، حكى بشر الشمعي ببغداد قال: سئلنا عند دخول عضد الدولة بن بويه وهو ابن عم عز الدولة المذكور إلى بغداد لما ملكها بعد قله عن الدولة عن وظيفة الشمع الموقد (3) بين يدي عز الدولة، فقلنا: كانت وظيفة وزيره أبي الطاهر محمد بن بقية ألف من كل شهر، فلم يعاودوا التقصي استكثارا لذلك - وستأتي ترجمة الوزير المذكور في حرف الميم إن شاء الله تعالى -.
وكان بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدت إلى التنازع، وأفضت إلى التصاف والمحاربة، فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر (4) شوال سنة سبع وستين وثلثمائة، فقتل عز الدولة في المصاف، وكان عمره ستاً
__________
(1) انظر المنتظم 7: 81 وأخباره في صفحات متفرقة من تجارب الأمم وتاريخ ابن الأثير وج 4 من تاريخ ابن خلدون.
(2) هـ: شاه زيان.
(3) ج د: الموقود.
(4) د: تاسع عشر.
(1/267)

وثلاثين سنة، وحمل رأسه في طست (1) ووضع بين يدي عضد الدولة، فلما رآه وضع منديله على عينيه (2) وبكى، رحمهما الله تعالى، وسيأتي ذكر عضد الدولة إن شاء الله تعالى.
110 - (3)
بركياروق السلجوقي
أبو المظفر بركياروق الملقب ركن الدين ابن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب شهاب الدولة مجد الملك، أحد الملوك السلجوقية - وسيأتي ذكر جماعة منهم إن شاء الله تعالى -؛ ولي المملكة بعد موت أبيه، وكان أبوه قد ملك ما لم يملك غيره على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ودخل سمرقند وبخارى وغزا بلاد ما وراء النهر، وكان أخوه السلطان سنجر - المذكور في حرف السين إن شاء الله تعالى - نائبه على خراسان، وفي محاربته قتل عمه تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان - كما سيأتي عند ذكره في حرف التاء إن شاء الله تعالى - وكان مسعوداً، عالي الهمة، لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب (4) ، والإدمان عليه.
ومولده في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وتوفي في الثاني عشر من شهر ربيع الآخر، وقيل: الأول، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ببروجرد وأقام في السلطنة اثنتي عشرة سنة وأشهراً، رحمه الله تعالى.
وبركياروق: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء والكاف وفتح الياء
__________
(1) د: طست ذهب.
(2) أج هـ: على وجهه.
(3) أخباره في الجزء العاشر من ابن الأثير، وكتاب أخبار الدولة السلجوقية: 75 وما بعدها، وابن خلدون 5: 12 وما بعدها.
(4) أج: الشراب.
(1/268)

المثناة من تحتها وبعد الألف راء مضمومة وواو ساكنة وقاف.
وبروجرد - بضم الباء الموحدة والراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء وبعدها دال مهملة - بلدة على ثمانية عشر فرسخا من همدان.
111 - (1)
بركات الخشوعي الرفاء
أبو الطاهر بركات ابن الشيخ أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ أبي الفضل طاهر ابن بركات بن إبراهيم بن علي بن محمد بن أحمد بن العباس بن هاشم الخشوعي الدمشقي الجيروني الفرشي الرفاء الأنماطي؛ كان له سماعات عالية وإجازات تفرد بها وألحق الأصاغر بالأكابر، فإنه انفرد في آخر عمره بالسماع والإجازة من أبي محمد هبة الله بن احمد بن الأكفاني، وانفرد بالإجازة من أبي محمد القاسم الحريري البصري صاحب المقامات، أجازه في سنة اثنتي عشرة وخمسمائة من البصرة، وهو من بيت الحديث، حدث هو وأبوه وجده، وسئل أبوه: لم سموا الخشوعيين فقال: كان جدنا الأعلى يؤم بالناس، فتوفي في المحراب، فسمي الخشوعي نسبة إلى الخشوع.
وكان مولد أبي الطاهر المذكور بدمشق في رجب سنة عشر وخمسمائة، وتوفي ليلة السابع والعشرين (2) من صفر سنة ثمان وتسعين وخمسمائة (3) بدمشق، ودفن من الغد بباب الفراديس على والده، رحمهما الله تعالى، وهو آخر من روى بالإجازة عن الحريري.
__________
(1) ترجمته في العبر 4: 302 والشذرات 4: 335.
(2) د: توفي لثلاث بقين ... الخ.
(3) ذكره أبو شامة (الذيل: 28) في وفيات سنة 597. وقال الذهبي في العبر: توفي في سابع صفر.
(1/269)

والفرشي - بضم الفاء وسكون الراء وبعدها شين مثلثة - نسبة إلى بيع الفرس. والأنماطي: الذي يبيع الفرش أيضاً. والرفاء: معروف.
واجتمعت بجماعة من أصحاب أبي الطاهر المذكور، وسمعت عليهم وأجازوني، ولقيت ولده بالديار المصرية، وكان يتردد إلي في كثير من الأوقات وأجازني جميع مسموعاته وإجازاته من أبيه.
112
- برجوان خادم العزيز
الأستاذ أبو الفتوح برجوان الذي ينسب إليه حارة برجوان بالقاهرة؛ كان من خدام العزيز (1) صاحب مصر ومدبري دولته، وكان نافذ الأمرمطاعاً، نظر في أيام الحاكم في ديار مصر والحجاز والشام والمغرب وأعمال الحضرة، وذلك في سنة ثمان وثمانين وثلثمائة - وسيأتي في ترجمة العزيز نزار طرف من خبره إن شاء الله تعالى - وكان أسود.
وقتل عشية يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، وقيل: بل قتل يوم الخميس منتصف جمادى الأولى سنة تسعين وثلثمائة في القصر بالقاهرة بأمر الحاكم، ضربه أبو الفضل ريدان الصقلبي صاحب المظلة في جوفه بسكين فمات من ذلك.
وذكر ابن الصيرفي الكاتب المصري في " أخبار وزراء مصر " (2) أن برجوان نظر في أمور المملكة في شهر رمضان من سنة سبع وثمانين وثلثمائة، ولما قتل خلف ألف سراويل دبيقي بألف تكة حرير، ومن الملابس والفرش والآلات والكتب والطرائف مالا يحصى كثرة، والله أعلم.
__________
(1) د: الحاكم.
(2) انظر هذا الكتاب ص: 27 - 28.
(1/270)

وريدان المذكور هو الذي تنسب إليه الريدانية خارج باب الفتوح أحد أبواب القاهرة.
ولما قتل برجوان رد الحاكم النظر في جميع ما كان بيده إلى قائد القواد أبي عبد الله الحسين ابن القائد جوهر - وسيأتي ذكره في ترجمة أبيه إن شاء الله تعالى -؛ ثم قتل الحاكم ريدان المذكور في أوائل سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة، وكان المباشر لقتله مسعود الصقلبي صاحب السيف، رحمهم الله تعالى.
وبرجوان: بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الجيم والواو وبعد الألف نون.
وريدان - بفتح الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الدال المهملة وبعد الألف نون - هكذا وجدته مقيدا بخط بعض الفضلاء.
والصقلبي - بفتح الصاد المهملة وسكون القاف وبعد اللام المفتوحة باء موحدة - هذه النسبة إلى الصقالبة، وهم جنس من الناس يجلب منهم الخدام.
113 - (1)
بشار بن برد
أبو معاذ بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء الضرير الشاعر المشهور؛ ذكر له أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني ستة وعشرين جدا أسماؤهم أعجمية، أضربت عن ذكرها لطولها واستعجامها وربما يقع فيها التصحيف والتحريف، فإنه لم يضبط شيئاً منها، فلا حاجة إلى الإطالة فيها
__________
(1) له ترجمة مفصلة في الأغاني 3: 129، 6: 228 والشعر والشعراء: 643 وطبقات ابن المعتز: 21 ونكت الهميان: 125 ومعاهد التنصيص 1: 97 وشذرات الذهب 1: 264 وتاريخ بغداد 7: 112 والموشح: 246 والسمط: 196.
(1/271)

بلا فائدة، وذكر من أحواله وأموره فصولا كثيرة.
وهو بصري قدم بغداد، وكان يلقب بالمرعث، وأصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة، ويقال: إن بشاراً ولد على الرق أيضا، وأعتقته امرأة عقيلية فنسب إليها، وكان أكمة ولد أعمى، جاحظ الحديقتين، قد تغشاهما لحم أحمر. وكان ضخماً عظيم الخلق والوجه مجدراً طويلاً، وهو في أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين فيه، فمن شعره في المشورة، وهو من أحسن شيء قيل في ذلك:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... بحزم نصيح أو نصاحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي تابع للقوادم
وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير سيف لم يؤيد بقائم وله البيت السائر المشهور، وهو:
هل تعلمين وراء الحب منزلة ... تدني إليك فإن الحب أقصاني ومن شعره، وهو أغزل بيت قاله المولدون:
أنا والله أشتهي سحر عيني ... ك وأخشى مصارع العشاق ومن شعره أيضاً:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم ... الأذن كالعين توفي القلب ما كانا أخذ معنى البيت الأول لأب حفص عمر المعروف بابن الشحنة الموصلي من جملة قصيدة عدد أبياتها مائة وثلاثة عشر بيتاً يمدح بها السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، فقال:
وإني امرؤ أحببتكم لمكارم ... سمعت بها والأذن كالعين تعشق (31) وشعر بشار كثير سائر، فنقتصر منه على هذا القدر.
(1/272)

وكان يمدح المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، ورمي عنده بالزندقة، فأمر بضربه فضرب سبعين سوطاً، فمات من ذلك في البطيحة بالقرب من البصرة، فجاء بعض أهله فحمله إلى البصرة ودفنه بها، وذلك في سنة سبع، وقيل: ثمان وستين ومائة، وقد نيف على تسعين سنة، رحمه الله تعالى.
ويروى عنه (1) أنه كان يفضل النار على الأرض، ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم صلوات الله عليه وسلامه، وينسب إليه من الشعر في تفضيل النار على الأرض قوله:
الأرض مظلمة، والنار مشرقة ... والنار معبودة مذ كانت النار وقد روي أنه فتشت كتبه فلم يصب فيها شيء مما كان يرمى به، وأصيب له كتاب فيه إني أردت هجاء آل سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس - رضي الله عنهم - فذكرت قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسكت عنهم والله أعلم بحاله.
وقال الطبري في تارخه (2) : كان سبب قتل المهدي لبشار أن المهدي ولى صالح بن داود أخا يعقوب بن داود وزير المهدي ولايةً، فهجاه بشار بقوله ليعقوب:
هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ يعقوب هجاؤه، فدخل على المهدي وقال له: إن بشارا هجاك، قال: ويلك، ماذا قال قال: يعفيني أمير المؤمنين من إنشادذلك، فقال: لا بد، فأنشده:
خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران
__________
(1) هـ: وروي عنه.
(2) تاريخ الطبري 10: 18 (حوادث سنة 169) .
(1/273)

فطلبه المهدي، فخاف يعقوب أن يدخل عليه فيمدحه فيعفو عنه، فوجه إليه من ألقاه في البطيحة.
ويرجوخ: بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الراء وضم الجيم وبعد الواو الساكنة خاء معجمة.
والعقيلي - بضم العين المهملة وفتح القاف وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام - هذه النسبة إلى عقيل بن كعب، وهي قبيلة كبيرة.
والمرعث - بضم الميم وفتح الراء وتشديد العين المهملة المفتوحة وعدها ثاء مثلثة - وهو الذي في أذنه رعاث، والرعاث القرطة، واحدتها رعثة، وهي القرط، قلب بذلك لأنه كان مرعثاً في صغره، ورعثات (1) الديك المتدلي أسفل حنكه، والرعث: الاسترسال والتساقط، وكأن اسم القرطة اشتق منه، وقيل في تلقيبه بذلك غير هذا، وهذا أصح.
وطخارستان - بضم الطاء المهملة (2) وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف راء مضمومة وبعدها سين ساكنة مهملة ثم تاء مثناة من فوقها وبعد الألف نون - وهي ناحية كبيرة مشتملة على بلدان وراء نهر بلخ على جيحون خرج منها جماعة من العلماء.
114 - (3)
بشرالحافي
أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله، وكان اسم عبد الله بعبور، وأسلم على يد علي أبي طالب رضي الله
__________
(1) أج: ورعاث.
(2) ضبطه ياقوت بفتح الطاء.
(3) ترجمته في حلية الأولياء 8: 336 وصفة الصفوة 2: 183 وتاريخ بغداد 7: 67.
(1/274)

عنه، المروزي المعروف بالحافي، أحد رجال الطريقة رضي الله عنهم؛ كان من كبار الصالحين، وأعيان الأتقياء المتورعين، أصله من مرو من قرية من قراها يقال لها مابرسام (1) ، وسكن بغداد، وكان من أولاد الرؤساء والكتاب.
وسبب توبته أنه أصاب في الطريق ورقة وفيها اسم الله تعالى مكتوب، وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدراهم كانت (2) معه غاليةً فطيب بها الورقة وجعلها في شق حائط، فرأى في النوم كأن قائلاً يقول له: يا بشر، طيبت اسمي لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة، فلما تنبه من نومه تاب.
ويحكى أنه أتى باب المعافى بن عمران، فدق عليه الحلقة، فقيل: من فقال: بشر الحافي، فقالت بنت من داخل الدار: لو اشتريت نعلا بدانقين لذهب عنك اسم الحافي.
وإنما لقب بالحافي لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لإحدى نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: ما أكثر كلفتكم على الناس! فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا (3) يلبس نعلاً بعدها.
وقيل لبشر: بأي شيء تأكل الخبز فقال: أذكر العافية فأجعلها إداماً.
ومن دعائه: اللهم إن كنت شهرتني في الدنيا لتفضحني في الآخرة فاسلبه عني. ومن كلامه: عقوبة العالم في الدنيا أن يعمى بصر قلبه. وقال: من طلب الدنيا فليتهيأ للذل. وقال بعضهم: سمعت بشراً يقول لأصحاب الحديث: أدوا زكاة هذا الحديث، قالوا: وما زكاته قال: اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث. [وروى عنه سري السقطي وجماعة من الصالحين، رضي الله تعالى عنهم. قال الجوهري: سمعت بشر بن الحارث يقول في جنازة أخته: إن العبد إذا قصر في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه. وقال بشر: كنت في طلب صديق لي ثلاثين سنة فلم أظفر به، فمررت في بعض الجبال بأقوام مرضى
__________
(1) أج: برسام، وضبطها ياقوت بفتح الباء وسكون الراء وسين مهملة.
(2) أج: بدرهم كان؛ وفي الصفوة " وكنت لا أملك إلا درهماً فيه خمسة دوانق ".
(3) هـ: وحلف بأن.
(1/275)

وزمني وعمي وبكم، فسألتهم، فقالوا: في هذا الكهف رجل يمسح عليهم بيديه فيبرأون بإذن الله تعالى وبركة دعائه، قال: فقعدت أنتظر فخرج شيخ عليه جبة صوف فلمسهم ودعا لهم، فكانوا يبرأون من عللهم بمشيئة الله تعالى؛ قال: غأخذت ذيله فاقل: خل عني ياسري، يراك تأنس بغيره فتسقط من عينه، ثم تركني ومضى] .
وكان مولده سنة خمسين ومائة، وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة ست وعشرين، وقيل: سبع وعشرين ومائتين، وقيل: يوم الأربعاء عاشر المحرم، وقيل: في رمضان بمدينة بغداد، وقيل: بمرو، رحمه الله تعالى.
وكان لبشر ثلاث أخوات، وهن مضغة، ومخة، وزبدة، وكن زاهدات عابدات ورعات، وأكبرهن مضغة ماتت قبل موت أخيها بشر، فحزن عليها بشر حزناً شديداً، وبكى بكاء كثيراً، فقيل له في ذلك، فقال: قرأت في بعض الكتب أن العبد إذا قصر في خدة ربه سلبه أنيسه، وهذه أختي مضغة كانت أنيستي في الدنيا.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: دخلت امرأة على أبي فقالت له: يا أبا عبد الله، إني امرأة أغزل في الليل على ضوء السراج، وربما طفىء السراج فأغزل على ضوء القمر، فهل علي أن أبين غزل السراج من غزل القمر فقال لها أبي: إن كان عندك بينهما فرق فعليك أن تبيني ذلك، فقالت له: يا أبا عبد الله أنين المريض هل هو شكوى فقال لها: إني أرجو أن لا يكون شكوى، ولكن هو اشتكاء إلى الله تعالى، ثم انصرفت؛ قال عبد الله: فقال لي أبي: يا بني ما سمعت إنساناً قط يسأل عن مثل ما سألت هذه المرأة، اتبعها؛ قال عبد الله: فتبعتها إلى أن دخلت دار بشر الحافي، فعرفت أنها أخت بشر، فأتيت أبي فقلت له: إن المرأة أخت بشر الحافي، فقال أبي: هذا والله هو الصحيح، محال أن تكون هذه المرأة إلا أخت بشر الحافي.
وقال عبد الله أيضاً: جاءت مخة أخت بشر الحافي إلى أبي فقالت: يا أبا عبد الله، رأس مالي دانقان أشتري بهما قطنا فأغزله وأبيعه بنصف درهم، فأنفق دانقاً من الجمعة إلى الجمعة، وقد مر الطائف ليلة ومعه مشعل فاغتنمت
(1/276)

ضوء المشعل وغزلت طاقين في ضوئه، فعلمت أن الله سبحانه وتعالى في مطالبة، فخلصني من هذا خلصك الله تعالى، فقال أبي: تخرجين الدانقين ثم تبقين بلا رأس مال حتى يعوضك الله خيرا منه؛ قال عبد الله: فقلت لأبي: لو قلت لها حتى تخرج رأس مالها، فقال: يابني سؤالها لا يتحمل التأويل، فمن هذه المرأة فقلت هي مخة أخت بشر الحافي، فقال أبي: من ههنا أتيت.
وقال بشر الحافي: تعلمت الزهد من اختي فإنها كانت تجتهد أن لا تأكل ما لمخلوق فيه صنع.
115 - (1)
بشر المريسي
أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة المريسي الفقيه الحنفي المتكلم؛ هو من موالي زيد بن الخطاب، رضي الله عنه.
أخذ الفقه عن القاضي أبي يوسف الحنفي، إلا أنه استغل بالكلام، وجرد القول بخلق القرآن، وحكي عنه في ذلك أقوال شنيعة، وكان مرجئاً، وإليه تنسب الطائفة المريسية من المرجئة، وكان يقول: إن السجود للشمس والقمر ليس بكفر، ولكنه علامة الكفر. وكان يناظر الإمام الشافعي رضي الله عنه، وكان لا يعرف النحو ويلحن لحناً فاحشاً، وروى الحديث عن حماد ابن سلمة وسفيان بن عيينة وأبي يوسف القاضي وغيرهم، رحمهم الله تعالى. ويقال: إن أباه كان يهودياً صياغاً بالكوفة، وذكر ابن أبي عون الكاتب في كتاب " الأجوبة " أن أم بشر المريسي شهدت عند بعض القضاة فجعلت تلقن
__________
(1) لبشر بن غياث المريسي ترجمة وأخبار في تاريخ بغداد 7: 56 والانتصار: 201 ومعم البلدان 4: 515 والوافي للصفدي؛ ومقالات الإسلاميين: 140، 143، 149، 515 والجواهر المضية: 164 وميزان الاعتدال 1: 322 وفرق النوبختي: 13.
(1/277)

امرأة معها الشهادة، فقال الخصم للقاضي: ما تراها تلقنها، قالت له: يا جاهل إن الله تعالى يقول أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى - الآية قال عمارة بن وثيمة: أخبرني عبد الله بن إسماعيل بن عياش قال: كتب بشر المريسي إلى رجل يستقرض منه شيئا فكتب إليه الرجل: الدخل قليل والدين ثقيل والمال مكذوب عليه، فكتب إليه بشر: إن كنت كاذباً فجعلك الله صادقا، وإن كنت معتذراً بباطل فجعلك الله معتذراً بحق.
وقال القاسم بن إسماعيل: قال لي الجاحظ: قال بشر المريسي وقد سئل عن رجل فقال: هو على أحسن حال واهنئوها، فضحك الناس من لحنه، فقال قالسم التمار: ماهذا إلا صواباً مثل قول ابن هرمة وهو:
ان سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها قال: فشغل الناس عن لحن المريسي بتفسير القاسم] (1) .
وتوفي في ذي الحجة سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومائتين، ببغداد.
والمريسي - بقتح الميم وكرس الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة - هذه النسبة إلى مريس وهي قرية بمصر، هكذا ذكره الوزير أبو سعد في كتاب النتف والطرف، وسمعت أهل مصر يقولون: إن المريس جنس من السودان بين بلاد النوبة وأسوان من ديار مصر وكأنهم جنس من النوبة، وبلادهم متاخمة لبلاد (2) أسوان، وتأتيهم في الشتاء ريح باردة من ناحية الجنوب يسمونها المريسي، ويزعمون أنها تأتي من تلك الجهة، والله أعلم، ثم إني رأيت بخط من يعتني بهذا الفن أنه كان يسكن في بغداد بدرب المريس فنسب إليه، قال: وهوبين نهر الدجاج ونهر البزازين، قلت: والمريس في بغداد هو الخبز الرقاق يمرس بالسمن والتمر كما يصنعه أهل مصر بالعسل بدل التمر، وهو الذي يسمونه البسيسة.
__________
(1) هذه زيادة من نسخة أ.
(2) أ: بناحية بلاد.
(1/278)

116 - (1)
القاضي بكار بن قتيبة
القاضي أبو بكرة بكار بن قتيبة بن أبي برذعة بن عبيد الله بن بشر بن عبيد الله بن أبي بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة الثقفي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كان حنفي المذهب، وتولى القضاء بمصر سنة ثمان - أوتسع - وأربعين ومائتين، وقيل: قدمها متوليا قضاءها من قبل المتوكل يوم الجمعة لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة ست وأربعين ومائتين، وظهر من حسن سيرته وجميل طريقته ما هو مشهور، وله مع أحمد بن طولون صاحب مصر وقائع مذكورة، وكان يدفع له كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر له، فيتركها بختمها ولايتصرف فيها، فلما دعاه إلى خلع الموفق بن المتوكل - وهو والد المعتضد - من ولاية العهد امتع القاضي بكار من ذلك، والقضية مشهورة، فاعتقله أحمد، ثم طالبه بجملة المبلغ الذي كان يأخذه كل سنة، فحمله إليه بختمه، وكان ثمانية عشر كيساً، فاستحيا أحمد منه، وكان يظن أنه أخرجها وأنه يعجز عن القيام بها فلهذا طالبه، ولما اعتقله أمره أن يسلم القضاء إلى محمد بن شاذان الجوهري، ففعل، وجعله كالخليفة له، وبقي مسجوناً مدة سنين، ووقفه للناس مراراً كثيرة، وكان يحدث في السجن من طاق فيه لأن أصحاب الحديث شكوا إلى ابن طولون انقطاع إسماع الحديث من بكار وسألوه أن يأذن له في الحديث ففعل، وكان يحدث على ما ذكرناه. وكان القاضي بكار أحد البكائين التالين الكتاب الله عزوجل، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه وعرض عليها قصص جميع من تقدم إليه وما حكم به وبكى، وكان يخاطب نفسه ويقول: يا بكار، تقدم إليك رجلان في كذا، وتقدم إليك خصمان في كذا،
__________
(1) ترجمة بكار بن قتيبة في الكندي: 476، ورفع الإصر 1: 140.
(1/279)

وحكمت بكذا، فما يكون جوابك غداً وكان يكثر الوعظ للخصوم إذا أراد اليمين، ويتلو عليهم قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً - إلى آخر الآية، وكان يحاسب أمناءه في كل وقت، ويسأل عن الشهود في كل وقت.
وكانت ولادته بالبصرة سنة اثنتين وثمانين ومائة، وتوفي وهو باق على القضاء مسجونا يوم الخميس لست خلون (1) من ذي الحجة سنة سبعين ومائتين بمصر، وبقيت مصر بعده بلا قاض ثلاث سنين، وقبره بالقرب من قبر الشريف ابن طبطبا وقبره مشهور هناك عند مصلى بني مسكين على الطريق تحت الكوم بينه وبين الطريق المذكور معروف باستجابة الدعاء عنده.
وقيل: كانت ولايته القضاء سنة ست وأربعين ومائتين، وهو الأصح وقيل: سنة خمس وأربعين، رحمه الله تعالى.
116ب -
القاضي بكار بن قتيبة
القاضي أبو بكر بكار بن قتيبة بن أسد بن عبد الله بن بشر بن أبي بكرة بن نفيع بن كلدة الثقفي بن الحارث مولى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حدث عن أبي دواد الطيالسي وغيره، وكان أحد الفقهاء على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه، أخذ الفقه عن هلال بن يحيى بالبصرة وولي قضاء مصر أربعاً وعشرين سنة وستة أشهر وستة عشر يوماً.
وكان من البكائين التالين لكتاب الله عز وجل، وكان يكثر الوعظ للخصوم ويتلو عليهم إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً اولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب
__________
(1) ب: بقين.
(1/280)

أليم - هذا مع كل حالف، فمنهم من يرجع عن اليمين؛ وكان يحاسب أمناءه في كل شهر ويسأل عن الشهود.
قال أبو حاتم ابن أخي بكار: قدم على عمي رجل من البصرة له علم وزهادة ونسك فأكرمه وقربة وأدناه، وذكر أنه كان معه في المكتب، فمضت به الأيام فجاء في شهادة ومعه شاهدان من شهود مصر فردياً عند عمي فما قبل شهادته، فقلت لعمي: هذا رجل زاهد وأنت تعرفه، قال: يا ابن أخي ما رددت شهادته إلا أنه كنا صغاراً وكنا على مائدة عليها أرز وفيه حلوى فنقبت الأرز بإصبعي فاقل لي: أخرقتها لتغرق أهلها فقلت له: أتهزأ بكتاب الله تعالى على الطعام ثم أمسكت عن كلامه مدة، وما أقدر على قبوله وأنا أذكر ذلك منه.
ولم يزل على القضاء إلى أن جرى بينه وبين أحمد بن طولون ما جرى وذلك ان المعتمد على الله تعالى ابن جعفر المتوكل لما ولي الخلافة عقد لأخيه أبي أحمد ولقبه الموفق وأقبل المعتمد على لذاته واشتغل عن الرعية، فغلب على الأ نمر وقام به أحسن قيام وأتمه، فسار المعتمد في جمادى الآخرة سنة سبع وستين ومائتين يريد مصر بمكاتبة جرت بينه وبين أحمد بن طولون لما كان ابن طولون بدمشق، فلما بلغ الموفق ذلك وهو في قتال صاحب الزنج أنفذ غسكراً عليه إسحاق بن كنداج، فرد المعتد وسلمه إلى صاعد بين مخلد وحجر عليه، فكتب ابن طولون أن الموفق نكث بيعة المعتمد وأمر بجمع القضاة والفقهاء والأشراف وسيرهم إلى دمشق فاجتمعوا بها، وخلع الموفق لأن الفقهاء أفتوا بخلعه إلابكار ابن قيبة فقال له: أنت أوردت علي كتاباً من المعتمد ان الموفق ولي عهده فأورد علي كتابا منه بخلعه، فقال: هو الآن مغلوب مقهور، وأنا أحبسك حتى يرد كتابه، فقيده وحبسه واسترجع منه ما كان دفعه إليه من جوائزه، وولى أحمد بن طولون محمد بن شاذان الجوهري. ولم يزل بكار محبوساً إلى أن اعتل أحمد ابن طولون سننة سبع ومائتين، ولما مات قيل لبكار: انصرف إلى منزلك، فقال: الدار بأجرة وقد صلحت لي، فأقام وجاء أصحاب الدار يطلبون أجرة ما مضى فقال بكار: على مذهبي الغاصب لا أجرة عليه ولكن أدفع لكم في المستقبل
(1/281)

وليس علي فيما مضى أجرة لأني كنت مغصوباً على نفسي؛ ومات العباس بن أحمد ابن طولون بعده باثنتي عشرة ليلة ومات بكار بعده بأربعين يوما وسنه تسع وثمانون سنة، وصلى عليه ابن أخيه محمد بن لا لحسين بن قتيبة، وعاش بعد عمه عشر سنين ودفن بمصر عند مصلى بني مسكين رحمه الله تعالى قريباً من قبر الشريف ابن طبا طبا، وقبره مشهور هناك على الطريق تحت الكوم بينه وبين الطريق المذكور، معروف باستجابة الدعاء عنده.
117 - (1)
أبو بكر المخزومي
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرابن مخزوم القرشي المخزومي، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وكنيته اسمه - وعادة المؤرخين أن يذكروا من كنيته إسمه في الحرف الموافق لأول المضاف إليه، والمضاف إليه ههنا بكر لهذا ذكرته في الباء، ومن المؤرخين من يفرد للكنى بابا -؛ وكان أبو بكر المذكور من سادات التابعين، وكان يسمى راهب قريش (2) ، وأبوه الحارث أخو أبي جهل بن هشام من جلة الصحابة، رضي الله عنهم.
ومولده في خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه؛ وتوفي سنة أربع وتسعين للهجرة رحمه الله تعالى، وهذه السنة تسمى سنة الفقهاء، وإنما سميت بذلك لأنه مات فيها جماعة منهم.
وهؤلاء الفقهاء السبعة كانوا بالمدينة في عصر واحد، وعنهم انتشر العلم والفتيا
__________
(1) ترجمته في طبقات ابن سعد 5: 207 والشذرات 1: 104 والعبر 1: 111 ونكت الهميان: 131.
(2) قال ابن سعد: لكثرة صلاته ولفضله.
(1/282)

في الدنيا - ويأتي ذكر كل واحد منهم في حرفه، وننبه عليه في موضعه إن شاء الله تعالى - وقد جمعهم بعض العلماء في بيتين، فقال:
ألا كل من لا يقتدي بأئمةٍ ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسمٍ ... سعيد سليمان أبو بكر خارجة ولولا كثرة حاجة فقهاء زماننا إلى معرفتهم لما ذكرتهم، لأن في شهرتهم غنية عن ذكرهم في هذا المختصر، وإنما قيل لهم الفقهاء السبعة وخصوا بهذه التسمية لأن الفتوى بعد الصحابة رضوان الله عليهم صارت إليهم، وشهروا بها وقد كان في عصرهم جماعة من العلماء التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأمثاله، ولكن الفتوى لم تكن إلا لهؤلاء السبعة، هكذا قاله الحافظ السلفي.
118 - (1)
المازني النحوي
أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان - وقيل: بقية، وقيل: عدي - بن حبيب المازني البصري النحوي؛ كان إمام عصره في النحو والأدب، وأخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وبه انتفع وله عنه روايات كثيرة، وله من التصانيف كتاب ما تلحن في العامة وكتاب التصريف وكتاب العروض وكتاب القوافي وكتاب الديباج عللاً خلاف كتاب أبي عبيدة.
قال أبو حعفر الطحاوي الحنفي المصري: سمعت القاضي بكار بن قتيبة،
__________
(1) ترجمة المازني في إنباه الرواة 1: 246 وتاريخ بغداد 7: 93 والزبيدي: 92 وغاية النهاية 1: 179 ونور القبس: 220 ومعجم الأدباء 7: 107 ونزهة الألباء: 124 وبغية الوعاة: 202.
(1/283)

قاضي مصر، يقول: ما رأيت نحوياً قط يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة والمازني، يعني أبا عثمان المذكور، وكان في غاية الورع.
ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه إياه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، قال: فقلت له: جعلت فداك، أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلثمائة وكذا وكذا آية من كتاب الله عز وجل، ولست أرى أن أمكن منها ذمياً غيرة على كتاب الله وحمية له؛ قال: فاتفق أن غنت جارية (1) بحضرة الواثق بقول العرجي (2) :
أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم فاختلف من كان بالحضرة في إعراب رجلاً، فمنهم من نصبه وجعله اسم إن، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أباعثمان المازني لقنها إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه.
قال أبو عثمان (3) : فلما مثلت بين يديه قال: ممن الرجل قلت: من بني مازن، قال: أي الموازن أمازن تميم (4) ، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة (5) قلت: من مازن ربيعة، فكلمني بكلام قومي، وقال: باسمك لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً، قال: فكرهت أن أجيبه على لغة قومي كيلا أواجهه بالمكر (6) ، فقلت: بكر يا أمير المؤمنين، ففطن لما قصدته، وأعجب به، قم قال: ماتقول في قول الشاعر:
أظلوم إن مصابك رجلاً ...
__________
(1) نور القبس: أن مخارقاً غنى في مجلسه ... الخ.
(2) ديوان العرجي: 193.
(3) د: قال أبو العباس المبرد: حدثني المازني قال: لما قدمت سر من رأى دخلت على الواثق، فقال: ممن ... الخ.
(4) هـ: أمازن بكر.
(5) زاد في نور القبس: أم من مازن اليمن
(6) نور القبس: فقلت على القياس: " مكر " - أي بكر.
(1/284)

أترفع رجلاً أم تنصبه (1) فقلت: بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين، فقال: ولم ذلك فقلت: إن مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم، فأخذ اليزيدي في معارضتي، فقلت: هو بمنزلة قولك إن ضربك زيداً ظلم فالرجل مفعول مصابكم وهو منصوب به والدليل عليه أن الكلام معلق إلى أن تقول ظلم فيتم، فاستحسنه الواثق وقال: هل لك من ولد قلت: نعم بنية (2) يا أمير المؤمنين، قال: ما قالت لك عند مسيرك فقلت: [طافت حولي] وأنشدت [وهي تبكي] قول الأعشى:
أيا أبتا لا ترم (3) عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د تجفى وتقطع منا الرحم قال: فما قلت لها قال: قلت [لها ما قال جرير] لابنته:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح قال: على النجاح، إن شاء الله تعالى، ثم أمر لي بألف دينار، وردني مكرماً (4) ، قال المبرد: فلما عاد إلى البصرة قال لي: كيف رأيت يا أبا العباس رددنا لله مائة فعوضنا ألفا.
[وكان أبو عثمان مع علمه بالنحو متسعاً في الرواية؛ قال أبو القاسم الكوكني: حدثني العنزي قال: أنشد رجل أبا عثمان المازني شعراً له وقال: كيف تراه قال: أراك قد عملت عملاً بإخراج هذا من صدرك لأنك لو تركته لأورثك السل] .
وروى المبرد عنه أيضاً قال: قرأ علي رجل كتاب سيبويه في مدة طويلة،
__________
(1) ج: أبرفع ... بنصبه
(2) ب هـ: بنت.
(3) د ونور القبس: أبانا فلا رمت.
(4) أختصر هنا، وفي المصادر ما يفيد أنه جعله معلماً لبعض ولده ولكن المازني كره البقاء وأحب العودة (نور القبس: 221 - 222) .
(1/285)

فلما بلغ آخره قال لي: أما أنت فجزاك الله خيرا، وأما أنا فما فهمت منه حرفاً.
وتوفي أبوعثمان المازني المذكور في سنة تسع وأربعين ومائتين، وقيل: ثمان وأربعين، وقيل: ست وثلاثين ومائتين بالبصرة، رحمه الله تعالى.
119 - (1)
بلكين جد باديس
أبو الفتوح بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي؛ وهو جد باديس المقدم ذكره، ويسمى أيضاً يوسف، لكن بلكين أشهر، وهو الذي استخلفه المعز بن المنصور العبيدي على إفريقية عند توجهه إلى الديار المصرية، وكان استخلافه إياه يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلثمائة، وأمر الناس بالسمع والطاعة له، وسلم إليه البلاد، وخرجت العمال وجباة الأموال باسمه، وأوصاه المعز بأمور كثيرة، وأكد عليه في فعلها، ثم قال: إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء: إياك أن ترفع الجباية عن أهل البادية، والسيف عن البربر، ولا تول أحداً من إخوتك وبني عمك، فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك، وافعل مع أهل الحاضرة خيراً، وفارقه على ذلك، وعاد من وداعه، وتصرف في الولاية.
ولم يزل حسن السيرة، تام النظر في مصالح دولته ورعيته إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين، بموضع يقال له: واركلان مجاور إفريقية، وكانت علته القولنج، وقيل: خرجت في يده
__________
(1) انظر أخباره في ابن عذاري 1: 228 وفي كتب التاريخ العامة.
(1/286)

بثرة فمات منها، رحمه الله تعالى.
وكان له أربعمائة حظية، حتى قيل: إن البشائر وفدت عليه في يوم واحد بولادة سبعة عشر ولدا.
وبلكين: بضم الباء الموحدة واللام وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون.
وزيري: بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحتها وكسر الراء وبعدها ياء.
وبقية نسبه وضبط نسبته وألفاظه مذكور في حرف التاء عند ذكر حفيده الأمير تميم بن المعز بن باديس، رحمهم الله تعالى.
وأما واركلان: فهو بفتح الواو وبعد الألف راء مفتوحة أيضا ثم كلف ساكنة وبعد اللام ألف نون.
120 - (1)
بوران
بوران بنت الحسن بن سهل، وسيأتي خبر أبيها إن شاء الله تعالى؛ ويقال: إن اسمها خديجة، وبوران لقب، والأول أشهر.
وكان المأمون قد تزوجها لمكان أبيها منه، واحتفل أبوها بأمرها، وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصار، وكان ذلك بفم الصلح وانتهى أمره إلى أن نثر على الهاشميين والقواد والكتاب والوجوه
__________
(1) الذي أثار المؤلف إلى إفرادها بترجمة هو وصف ما أنفق في عرسها حين تزوجها المأمون؛ اي غرابة هذا الصنيع الذي لا يضاهيه في الأندلس إلا الأعذار الذنوبي (الذخيرة 1/4: 99) وقد أطنبت المصادر في الحديث عن هذا الحادث، انظر شرح البسامة: 270 وقبله قصة خرافية عن صلة المأمون ببوران قبل الزواج؛ وكذلك المسعودي (4: 30) ؛ والطبري 10: 271 (حوادث سنة 210) وابن طيفور: 113 وترجم لها السيوطي في نزهة الجلساء: 30.
(1/287)

بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وأسماء جوار وصفات دواب وغير ذلك، فكانت البندقة إذا وقعت في يد الرجل فتحها، فيقرأ ما في الرقعة، فإذا علم مافيها مضى إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويتسلم ما فيها سواء كان ضيعة أو ملكا آخر أو فرسا أو جارية أو مملوكاً.
ثم نثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافج المسك وبيض العنبر، وأنفق على المأمون وقواده وجميع أصحابه وسائر من كان معه من أجناده واتباعه، وكانوا خلقاً لا يحصى، حتى على الجمالين والمكاربة والملاحين وكل من ضمه عسكره، فلم يكن في العسكر من يشتري شيئاً لنفسه ولا لدوابه.
وذكر الطبري في تاريخه (1) أن المأمون أقام عند الحسن تسعة عشر يوماً، يعد له في كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه، وكان مبلغ النفقة عليهم خمسين ألف ألف درهم، وأمر له المأمون عند منصرفه بعشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح، فجلس الحسن وفرق المال على قواده وأصحابه وحشمه، ثم قال: بعد هذا خرج المأمون نحو الحسن لثمان خلون من شهر رمضان، ورحل من فم الصلح لسبع بقين من شوال سنة عشر ومائتين، وهلك حميد بن عبد الحميد يوم الفطر من هذه السنة، وقال غيره: وفرش للمأمون حصير منسوج بالذهب، فلما وقف عليه نثرت على قدميه لآلىء كثيرة، فلما رأى تساقط الآلىء المختلفة على الحصير المنسوج بالذهب قال: قاتل الله أبا نواس! كأنه شاهد هذه الحال حين قال (2) في صفة الخمر والحباب الذي يعلوها عند المزاج:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب وقد غلطوا أبا نواس في هذا البيت، وليس هذا موضع إبانة الغلط (3) .
__________
(1) تاريخ الطبري 10: 272.
(2) هـ: حتى قال.
(3) هامش ب: يريد بتغليط أبي نواس أنه استعمل أفعل التفضيل بدون أحد الأمور الثلاثة وهي: من أو اللام أو الإضافة، لأن صغرى فعلى أفعل ... الخ.
(1/288)

وأطلق له المأمون خراج فارس وكور الأهواز مدة سنة، وقالت الشعراء والخطباء في ذلك فأطنبوا.
ومما يستظرف فيه قول محمد بن خازم الباهلي (1) :
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا ابن هارون قد ظفر ... ت ولكن ببنت من فلما نمي هذا الشعر إلى المأمون قال: والله ما ندري خيراً أراد أم شراً.
وقال الطبري أيضا: دخل المأمون على بوران الليلة الثالثة من وصوله إلى فم الصلح، فلما جلس معها نثرت عليهما جدتها ألف درة كانت في صينية ذهب، فأمر المأمون أن تجمع وسألها عن عدد الدر كم هو، فقالت: ألف حبة، فوضعها في حجرها وقال لها: هذه نحلتك، وسلي حوائجك، فقالت لها جدتها: كلمي يدك فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم بن المهدي - قلت: وقد تقدم ذكره - فقال: قد فعلت، وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عنبر وزنها أربعون منا في تور من ذهب، فأنكر المأمون ذلك عليهم وقال: هذا سرف.
وقال غير الطبري: لما طب المأمون الدخول عليها دافعوه لعذؤر بها، فلم يندفع، فلما زفت إليه وجدها حائضا فتركها، فلما قعد للناس من الغد دخل عليه أحمد بن يوسف الكاتب وقال: يا أمير المؤمنين، هناك الله بما أخذت من الأمر باليمن والبركة، وشدة الحركة، والظفر بالمعركة، فأنشده المأمون:
فارس ماض بحربته ... صادق (2) بالطعن في الظلم
رام (3) أن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بدم
__________
(1) نشأ بالبصرة وسكن بغداد وكان كثير الهجاء ولم يمدح من الخلفاء إلا المأمون (الأغاني 14: 87 وطبقات ابن المعتز: 308 والورقة: 109 وتاريخ بغداد 2: 295) .
(2) د: عارف.
(3) أ: كاد.
(1/289)

يعرض بحيضها وهو من أحسن الكنايات، حكى ذلك أبو العباس الجرجاني في كتاب " الكنايات " (1) ، وقد رويت هذه القصة على غير هذا الوجه، والله أعلم بالصواب.
وجرى هذا كله في شهر رمضان سنة عشر ومائتين، وعقد عليها في سنة اثنتين ومائتين، وتوفي المأمون وهي في صحبته، وكانت وفاته يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وبقيت بعده إلى أن توفيت يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر بيع الأول سنة إحدى وسبعين ومائتين وعمرا ثمانون سنة، لأن مولدها ليلة الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة اثنتين وتسعين ومائة وكانت وفاتها ببغداد، ويقال: إنها دفنت في قبة (2) مقابلة مقصورة جامع السلطان وإنها باقية إلى الآن، رحمها الله تعالى.
وفم الصلح - بفتح الفاء وبعدها ميم وكسر الصاد المهملة وبعد اللام الساكنة جاء مهملة - وهي بلدة على دجلة قريبة من واسط، كذا ذكره السمعاني. وقال العماد الكاتب في الخريدة: الصلح نهر كبير، يأخذ من دجلة بأعلى واسط عليه نواح كثيرة، وقد علا النهر وآل أمر تلك المواضع إلى الخراب.
قلت: والعماد بذلك أخبر من السمعاني، لأنه أقام بواسط زمانا طويلا، متولي الديوان بها.
121
- تاج الملوك بوري
تاج الملوك أبة سعيد بوري بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب مجد الدين، قد تقدم ذكر أبيه، وهو أخو السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى؛ وكان أصغر أولاد أبيه، وكانت فيه فضيلة، وله ديوان شعر فيه الغث والسمين
__________
(1) انظر كتابات الجرجاني: 45.
(2) هـ: بقية.
(1/290)

لكنه بالنسبة إلى مثله جيد؛ نقلت من ديوانه في أحد مماليكه وقد أقبل من جهة المغرب راكباً فرساً أشهب قوله:
أقبل من أعشقه راكباً ... من جانب الغرب على أشهب
فقلت: سبحانك ياذا العلا ... أشرقت الشمس من المغرب [ومما يناسب ذلك قول ابن طلحة الصقلي (1) :
أيتها النفس إليه اذهبي ... فحبه المشهور من مذهبي
مفضض الثغر له نقطة ... مسكية في خده المذهب
أيأسني التوبة من حبه ... طلوعه شمسا من المغرب ولأحمد بن عثمان الأندلسي:
لما رأيت شعاع خدك ذا ... متهللاً كتهلل البرق
سبحت من عجب وقلت متى ... لشمس تطلع من سوى الشرق] وأورد له العماد الكاتب في كتاب " الخريدة ":
يا حياتي حين يرضى ... ومماتي حين يسخط
آه من ورد على خد ... يك بالمسك منقط
بين أجفانك سلطا ... ن على ضعفي مسلط
قد تصبرت وإن بر ... ح بي الشوق وأفرط
فلعل الدهر يوماً ... بالتلاقي منك بغلط واورد له أيضا:
أيا حامل الرمح الشبيه بقده ... ويا شاهرا سيفاً حكى لحظه عضبا
ضع الرمح واغمد ما سللت فربما ... قتلت وما حاولت طعناً ولا ضربا وذكر له غير ذلك أيضا، وله أشياء حسنة.
__________
(1) سقطت هذه العبارة من نسخة آياصوفيا، وألحقت الأبيات الثلاثة التالية ببيتي تاج الملوك بوري.
(1/291)

وكانت ولادته في ذي الحجة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وتوفي يوم الخميس الثالث والعشرين من صفر سنة تسع وسبعين وخمسمائة، على مدينة حلب من جراحة أصابته عليها لما حاصرها أخوه السلطان صلاح الدين، رحمه الله تعالى، وأصابته الجراحة يوم نزولهم عليها، وهو السادس عشر من المحرم من السنة المذكورة، وكانت الجراحة طعنة في ركبته.
قال العماد الأصبهاني في " البرق الشامي ": إن صلاح الدين كان قد أعد لعماد الدين صاحب حلب ضيافة في المخيم بعد الصلح وقبل دخوله البلد، فبينما هو جالس على السماط وعماد الدين إلى جانبه ونحن في أغبط عيش وأتم سرور إذ جاء الحاجب إلى صلاح الدين وأسر إليه بموت أخيه، فلم يتغير عن حالته وأمر بتجهيزه ودفنه سراً، وأعطى الضيافة حقها إلى آخرها، ويقال: إن صلاح الدين كان يقول: ما أخذنا حلب رخيصة بقتل تاج الملوك (1) .
وبوري - بضم الباء الموحدة وسكون الواو وكسر الراء وبعدها ياء مثناة من تحتها - وهو لفظ تركي معناه بالعربية ذئب، انتهى، والله تعالى أعلم.
__________
(1) أوردت نسخة من هذا الخبر بشيء من التغيير اليسير فلم أر إثباته في الزيادات.
(1/292)

حَرف التَاء
(1/293)

فراغ
(1/294)

122 - (1)
تتش السلجوقي
تاج الدولة أبو سعيد تتش بن ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق ابن دقاق السلجوقي؛ كان صاحب البلاد الشرقية، فلما حاصر أمير الجيوش بدر الجمالي مدينة دمشق من جهة صاحب مصر - وكان صاحب دمشق يومئذ أتسز بن أوق بن الخوارزمي التركي - سير أتسز المذكور إلى تتش فاستنجد به (2) فأنجده وسار إليه بنفسه، فلما وصل إلى دمشق خرج إليه أتسز، فقبض عليه تتش وقتله واستولى على مملكته وذلك في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر (3) ، وكان قد ملك دمشق في ذي القعدة سنة ثمان وستين وأربعمائة، ورأيت في بعض التواريخ أن ذلك (4) كان في سنة اثنتين وسبعين، والله أعلم. ثم ملك حلب بعد ذلك في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة كما تقدم في ترجمة آق سنقر، واستولى على البلاد الشامية، ثم جرى (5) بينه وبين ابن أخيه بر كياروق المقدم ذكره منافرات ومشاجرات أدت إلى المحاربة، فتوجه إليه وتصافا بالقرب من مدينة الري في يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فانكسر تتش المذكور، وقتل في المعركة ذلك النهار، ومولده في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
__________
(1) أخبار تتش واستيلائه على دمشق وحلب في ابن القلانسي: 116، 120 - 125؛ وانظر في منازعته لبركياروق: تاريخ الدولة السلجوقية: 75 - 78 وراجع تاريخ ابن الأثير وابن خلدون؛ وهذه الترجمة قد سرد فيها المؤلف ولاة دمشق حتى استيلاء نور الدين عليها (انظر ولاة دمشق للصفدي) .
(2) أج: فاستنجده.
(3) هـ: الأول.
(4) زاد في هـ: يعني قتل أتسز.
(5) هـ: جرت.
(1/295)

وخلف ولدين: أحدهما فخر الملوك رضوان، والآخر شمس الملوك (1) أبو نصر دقاق، فاستقل رضوان بمملكة حلب، ودقاق بمملكة دمشق، وتوفي رضوان في سلخ جمادى الأولى سنة سبع وخمسمائة، ومن نوابه أخذ الفرنج أنطاكية في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتوفي دقاق في ثامن عشر شهر رمضان سنة سبع وتسعين وأربعمائة، ودفن في مسجد بحكر الفهادين (2) بظاهر دمشق الذي على نهر بردى، وكان قد حصل له مرض متطاول، وقيل: إن أمه سمته في عنقود عنب.
فلما مات قام بالملك ظهير الدين أبو منصور طغتكين، وكان أتابكه وتزوج أمه في حياة أبيه، زوجه إياها وهو عتيق تتش رحمهم الله تعالى، وألاد الملك رضوان المقيمون بظاهر حلب هم أولاد رضوان المذكور. ولم يزل ظهير الدين طغتكين مالك دمشق إلى أن توفي يوم السبت لثمان خلون من صفر سنة اثنتين وعشرين وخمسائة.
وتولى الأمر بعده ولده تاج الملوك أبو سعيد بوري، إلى أن توفي يوم الاثنين الحادي والعشرين من رجب سنة ست وعشرين وخمسمائة من جراحة أصابته من الباطنية.
وتولى بعده ولده شمس الملوك إسماعيل إلى أن قتل يوم الأربعاء رابع عشر شهر ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وخمسمائة، قتلته أمه خاتون زمرد بنت جاولي.
وأجلست أخاه شهاب الدين أبا القاسم محمود بن بوري، فتولى الأمر بعده بدمشق إلى أن قتل ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، قتله غلامه التغش ويوسف الخادم والفراش الخركاوي.
وصبيحة قتله وصل أخوه جمال الدين محمد بن بوري من بعلبك وكان صاحبها، فملك دمشق وأقام بها إلى أن توفي ليلة الجمعة ثامن من شعبان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة.
__________
(1) أ: الملك.
(2) د: ودفن في خانقاه الطواريس.
(1/296)

وتولى بعده مملكة دمشق ولده مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغتكين، إلى أن نزل عليها نور الدين محمود بن زنكي في التاريخ الآتي ذكره في ترجمته إن شاء الله تعالى وأخذها منه، وعرضه عنها حمص فأقام بها يسيرا ثم انتقل إلى بالس التي على الفرات بأمر نور الدين، وأقام بها مدة ثم توجه إلى بغداد وأقبل عليه الامام المقتفي، ولا أعلم متى مات. ولما كان بدمشق كان مدبر دولته معين الدين أنز بن عبد الله مملوك جده طغتكين، وهو الذي ينسب إليه قصر معين الدين ببلاد الغور من أعمال دمشق، وتوفي معين الدين المذكور في ليلة الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وخمسائة وهو الذي تزوج نور الدين محمود ابنته ثم تزوجها من بعده السلطان صلاح الدين رحمهم الله أجمعين. وله بدمشق مدرسة، ثم وجدت تاريخ وفاة مجير الدين أبق فذكرتها في ترجمة نور الدين محمود - الآتي ذكره إن شاء الله تعالى -.
123 - (1)
تقية الصورية
أم علي تقية بنت أبي الفرج غيث بن علي بن عبد السلام بن محمد بن جعفر السلمي الأرمنازي الصوري، وهي أم تاج الين أبي الحسن علي بن فاضل بن سعد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن يحيى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن محمد بن صمدون (2) الصوري الأصل.
كانت فاضلة، ولها شعر جيد، قصائد ومقاطيع، وصحبت الحافظ أبا الطاهر أحمد بن محمد السلفي الأصبهاني - رحمه الله تعالى - زمانا بثغر
__________
(1) تعرف لست النعم، وقد عدها العماد (الخريدة - قسم مصر 2: 221) من أهل الإسكندرية، ولها ذكر في معجم السفر للسلفي وترجمة في الوافي ونزهة الجلساء: 32 والشذرات 4: 26.
(2) أ: حمدون؛ هـ: مهران.
(1/297)

الإسكندرية المحروس، وذكرها في بعض تعاليقه الإسكندرية المحروس، وذكرها في بعض تعاليقه، وأثنى عليها وكتب بخطه: عثرت في منزل سكناي، فانجرح أخمصي، فشقت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبته (1) ، فأنشدت تقية المذكورة في الحال لنفسها تقول:
لو وجدت السبيل جُدت بخدي ... عوضاً عن خمار تلك الوليدة
كيف لي أن أقبل اليوم رجلاً ... سلكت دهرها الطريق الحميدة نظرت في هذا المعنى إلى قول هارون بن يحيى المنجم:
كيف نال العثار من لم يزل من ... هـ مقيماً في كل خطب جسيم
أو ترقى الأذى إلى قدم لم ... تخط إلا إلى مقام كريم ولها غير ذلك أشياء حسنة.
وحكى (2) لي الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري رحمه الله أن تقية المذكورة نظمت قصيدة تمدح بها الملك المظفر تقي الدين عمر ابن أخي السلطان صلاح الدين رحمهما الله تعالى، وكانت القصيدة خمرية، ووصفت آلة المجلس وما يتعلق بالخمر، فلما وقف عليها قال: الشيخة تعرف هذه الأحوال من زمن صباها (3) ، فبلغها ذلك، فنظمت قصيدة أخرى حربية ووصفت الحرب وما يتعلق بها أحسن وصف، ثم سيرت إليه تقول: علمي بهذا كعلمي بهذا (4) ، وكان قصدها براءة ساحتها مما نسبها إليه.
[وكانت قد سألت الشيخ الامام العالم أبا الطاهر اسماعيل بن عوف الزهريعن الشعر، فقال: هو كلام إن تكلمت بحسن فهو لك وإن تكلمت بشر فهو عليك] .
وكانت ولادتها في صفر سنة خمس وخمسمائة بدمشق، ورأيت بخط الحافظ
__________
(1) أ: وعصبت أخمصي.
(2) هـ: ر ذكر.
(3) اج وآيا صوفيا: الصبا.
(4) أج وآيا صوفيا: بذاك.
(1/298)

السفلي أنها ولدت في المحرم من السنة المذكورة، وتوفيت في أوائل شوال سنة تسع وسبعين وخمسائة، رحمها الله تعالى.
توفي والدها أبو الفرج (1) المذكور في أواخر سنة تسع وخمسائة، وقيل: في صفر، وكان ثقة، رحمة الله تعالى. وتوفي جدها علي بن عبد السلام ضحى يوم الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة بصور. وتوفي ولدها أبو الحسن علي المذكور في الخامس عشر من صفر سنة ثلاث وستمائة بثغر الإسكندرية عن سن عالية، وهو صوري الأصل مصري الدار (2) ، وكان فاضلاً في النحو والقراءات حسن الحظ والضبط لما يكتبه. وكان مولد أبيه فاضل المذكور في شوال سنة تسعين وأربعمائة بدمشق، هكذا نقلته من خط الحافظ السلفي، وتوفي في أول شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وخمسائة بالإسكندرية، وكنيته أبو محمد، نقلت وفاته من خط ولده أبي الحسن علي المذكور.
والأرمنازي - بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الميم والنون وبعد الألف زاي - هذه النسبة إلى أرمناز، وهي قرية من أعمال دمشق، وقيل: من أعمال أنطاكية، والأول أصح، وذكر ابن السمعاني أنها من أعمال حلب، وقال لي من رأى أرمناز: إن بينها وبين عزار من أعمال حلب أقل من ميل من جانبها الغربي (3) .
والصوري - بضم الصاد المهملة وسكون الواو وبعدها راء - هذه النسبة إلى مدينة صور، وهي من ساحل الشام، وهي الآن بيد الفرنج، خذلهم
__________
(1) ذكره ياقوت نقلاً عن السمعاني في (أرمناز) وانظر الأنساب (أرمنازي) كما ذكر ترجمة لوالدها غيث بن علي نقلاً عن ابن عساكر.
(2) أ: الديار.
(3) وقف ياقوت عند هذا الخلاف في تحديد " أرمناز " بعد أن ذكر أنها من نواحي حلب، وأورد قول أبي سعد ابن السمعاني ثم قال: لا شك في أرمناز التي من نواحي حلب، فإن لم يكن أبو سعد اغتر بسماع محمد بن طاهر من أبي الحسن بصور ولم ينعم النظر وإلا فأرمناز قرية أخرى بصور، والله أعلم على أن الحافظ أبا القاسم ذكر في ترجمة علي بن عبد السلام الأرمنازي فقال: والد غيث الصوري الكاتب أصله من أرمناز قرية من ناحية أنطاكية بالشام.
(1/299)

الله تعالى، استولوا عليها في سنة ثماني عشرة وخمسائة، يسر الله فتحها على أيدي المسلمين، آمين.
124 - (1)
أبو غالب التياني
أبو غالب تمام بن غالب بن عمر اللغوي المعروف بالتياني من أهل قرطبة سكن مرسية؛ كان إماماً في اللغة وثقة في إيرادها، مذكوراً بالديانة والفقه والورع، وله كتاب مشهور جمعة في اللغة لم يؤلف مثله اختصارا وإكثارا، وله قصة تدل على دينه مع علمه (2) ، حكى ابن الفرضي أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري وجه إلى أبي غالب المذكور أيام غلبته على مرسية، وأبو غالب ساكن بها، ألف دينار على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد، فرد الدنانير وقال: والله لو بذلت لي الدنيا على ذلك لم أفعله، ولا استجزت الكذب، فإني لم أؤلفه لك خاصة، ولكن للناس عامة؛ فاعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها، واعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. وقال ابن حيان: كان أبو غالب هذا مقدما في علم اللسان مسلمة له اللغة، وله كتاب جامع في اللغة سماه " تلقيح العين " (3) جم الإفادة.
وتوفي بالمرية في إحدى الجماد يين سنة ست وثلاثين وأربعمائة (4) ، رحمه الله
__________
(1) ترجمة أبي غالب التياني في الجذوة: 172 (والبغية: 236) والصلة: 124 وإنباه الرواة 1: 259 وبغية الوعاة: 209 ومعجم الأدباء 7: 135 وروضات الجنات: 140.
(2) هذه القصة في الأصل مأخوذة من رسالة ابن حزم في فضل الأندلس (النفح 3: 172) وقد كررها الشقندي في رسالته (المصدر السابق: 190) .
(3) انظر فهرسة ابن خير: 359.
(4) أج: 433.
(1/300)

تعالى؛ وأخذ اللغة عن أبيه وعن أبي بكر الزبيدي وغيرهما.
والتياني: أظنه منسوبا إلى التين وبيعه، والله أعلم.
125 - (1)
تميم بن المعز الفاطمي
أبو علي تميم بن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي؛ كان أبوه صاحب الديار المصرية والمغرب، وهو الذي بنى القاهرة المعزية - وسيأتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى - وقد تقدم ذكر جماعة من أهل بيته - وسيأتي ذكر الباقين إن شاء الله تعالى -؛ وكن تميم المذكور فاضلاً شاعراً ماهراً لطيفاً ظريفاً، ولم يل المملكة لأن ولاية العهد كانت لأخيه العزيز فوليها بعد أبيه، والعزيز أيضاً أشعار جيدة وقد ذكرهما أبو منصور الثعالبي في " اليتيمة " (2) ، وأورد لهما كثيراً من المقاطيع، فمن شعر تميم المذكور (3) :
ما بان عذري فيه حتى عذراً ... ومشى الدجى في خده فتحيرا
همت تقلبه عقارب صدغه ... فاستل ناظره عليها خنجرا
والله لولا أن يقال تغيراً ... وصبا وإن كان التصابي أجدرا
لأعدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما وكافور الترائب عنبرا وله أيضاً (4) :
__________
(1) ترجمة تميم في الحلو السيراء 1: 291 ومسالك الأبصار (أول الجزء 12) ومقدمة ديوانه (ط. دار الكتب 1957) .
(2) اليتيمة 1: 308 وقد عاد الثعالبي فأفرد لتميم ذكراً ص: 452 من الجزء نفسه.
(3) أضيفت إلى الديوان: 464 ولم تكن في الأصول، عن اليتيمة وغيرها.
(4) ديوانه: 398.
(1/301)

أما والذي لا يملك الأمر غيره ... ومن هو بالسر المكتم أعلم
لئن كان كتمان المصائب مؤلماً ... لإعلانها عندي أشد وآلم
وبي كل ما يبكي العيون أقله ... وإن كنت منه دائما أتبسم وأورد له صاحب " اليتيمة " (1) :
وما أم خشفٍ ظل يوماً وليلة ... ببلقعة بيداء ظمآن صاديا
تهيم فلا تدري إلى أين تنتهي (2) ... مولهة حيرى تجوب الفيافيا
أضر بها حر الهجير فلم تجد ... لغلتها من بارد الماء شافيا
فلما دنت من خشفها انعطفت له ... فألفته ملهوف الجوانح طاويا
بأوجع مني يوم شدت حملهم ... ونادى منادي الحي أن لا تلاقيا [وأورد له أبو الصلت أمية بن عبد العزيز في كتابه " الحديقة ":
يوم لنا في النيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر
والسفن تصعد كالخيول بنا ... فيه وجيش الماء ينحدر
فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما داراته سرر ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى:
اشرب على غيم كصبغ الدجى ... أضحك وجه الأرض لما بكى
وانظر لماء النيل في مده ... كأنما صندل أو مسكا وكان قد وصل إلى عبد الله بن محمد الكاتب بيتان قيلا في وصف النيل فجمع شعراء إفريقية وأمرهم أن يقولوا في معناهما وقافيتهما فلم يأتوا بطائل وهما هذان البيتان:
شربنا على النيل لما بدا ... بموجٍ يزيد ولا ينقص
كأن تكاثف أمواجه ... معاطف جاريةٍ ترقص
__________
(1) ديوانه: 462.
(2) أج: تنتحي.
(1/302)

وأحسبهما للأمير تميم أو لبعض شعراء مصر، وذلك أن تميماً ركب في النيل ليلة متنزها فمر ببعض الطاقات المشرفة على النيل، وجاريةٍ تغني هذا الصوت:
نبهت ندماني بدجلة موهنا ... والبدر في أفق السماء معلق
والبدر يضحك وجهه في وجهها ... والماء يرقص حولها ويصفق فاستحسنه وطرب عليه وما زال يستعيدها فيه ويشرب عليه حتى انصرف وهو لا يعقل سكراً فلما أصبح عارضهما بالبيتين الأولين] .
ومن المنسوب إليه أيضاً:
وكما يمل الدهر من إعطائه ... فكذا ملالته من الحرمان وأشعاره كلها حسنة.
وكانت وفاته في ذي القعدة سنة أربع وسبعين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى، هكذا قال صاحب " الدول المنقطعة " وزاد العتقي (1) في تاريخه أنه توفي يوم الثلاثاء مع زوال الشمس لثلاث عشرة ليلة خلت من الشهر المذكور، وأن أخاه العزيز نزار بن المعز حضر الصلاة عليه في بستانه، وغسله القاضي محمد بن النعمان وكفنه في ستين ثوباً، وأخرجه من البستان مع المغرب وصلى عليه بالقرافة، وحمله إلى القصر فدفنه بالحجرة التي فيها قبر أبيه المعز. وقال محمد بن عبد الملك الهمداني في كتابه الذي سماه " المعارف المتأخرة " (2) : إنه توفي سنة خمس وسبعين، والله أعلم. وقال غيرهما: إنه ولد سنة سبع وثلاثين وثلثمائة.
__________
(1) العتقي: محمد بن عبد الرحمن بن القاسم بن جنادة (وعند القفطي في تاريخ الحكماء: 285 محمد ابن عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن العتقي) ، قدم مصر من إفريقية مه المعز وظل مقرباً من الفاطميين حتى أيام العزيز حين ألف كتاباً في أخبار بني أمية وبني العباس ذكر فيه أشياء من محاسنهم، فوجه العزيز على ذلك وصودرت صفية كانت له، وتوفي سنة 384، ولعل هذا الكتاب هو الذي يشير إليه المؤلف باسم تاريخ العتقي (انظر الوافي 3: 239) .
(2) توفي الهمداني سنة 521؛ وكتابه " المعارف المتأخرة " مختصر، ومت كتبه تاريخ الطبري.
(1/303)

126 - (1)
تميم بن المعز الصنهاجي
أبو يحيى تميم بن المعز بن باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد ابن منقوش بن زناك بن زيد الأصغر بن واشفال بن وزغفي بن سري بن وتلكيابن سليمان بن الحارث بن عدي الأصغر، وهو المثنى، بن المسور بن يحصب بن زيد الغوث الأصغر بن سعد وهو عبد الله بن عوف بن عدي بن مالك بن زيد بن سدد بن زرعة، وهوحمير الأصغر، بن سبأ الأصغر بن كعب بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن حيدان بن قطن بن عوف بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن عمرو بن حمير وهو العرنجج بن سبأ الأكبر بن يشجب بن يعرب ابن قحطان بن عابر وهو هود عليه السلام ابن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، هكذا قاله العماد في الخريدة، الحميري الصنهاجي.
ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعز، وكان حسن السيرة، محمود الآثار، محباً للعلماء، معظماً لأرباب الفضائل، حتى قصدته الشعراء من الآفاق على بعد الدار كابن السراج الصوري وأنظاره، وجده المثنى بن المسور أول من دخل منهم إلى افريقية.
ولأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني فيه مدائح، فمن ذلك قوله (2) :
أصح وأعلى ماسمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم
__________
(1) ترجمة تميم الصنهاجي في الحلة السيراء 2: 21 والبيان المغرب 1: 298 وابن خلدون 6: 159 وأعمال الأعلام (القسم الثالث) : 73.
(2) الحلة: 23.
(1/304)

وللأمير تميم المذكور أشعار حسنة، فمن ذلك قوله:
إن نظرت مقلتي لمقلتها ... تعلم مما أريد نجواه
كأنها في الفؤاد ناظره ... تكشف أسراره وفحواه وله أيضا:
سل المطر العام الذي عم أرضكم ... أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي
إذا كنت مطبوعاً على الصد والجفا ... فمن أين لي صبر فأجعله طبعي وله أيضاً:
وخمر قد شربت على وجوه ... إذا وصفت تجل عن القايس
خدود مثل ورد في ثغور ... كدر في شعور مثل آس وذكره العماد الكاتب في كتاب السيل، وأورد له:
فكرت في نار الجحيم وحرها ... يا ويلتاه ولات حين مناص
فدعوت ربي أن خير وسيلني ... يوم المعاد شهادة الإخلاص وأشعاره وفضائله كثيرة، وكان يجيز الجوائز السنية، ويعطي العطاء الجزيل، وفي أيام ولايته اجتاز المهدي محمد بن تومرت - الأتي ذكره إن شاء الله تعالى - بإفريقية عند عوده من بلاد المشرق، وأظهر بها الانكار على من رآه خارجاً عن سنن الشريعة، ومن هناك توجه إلى مراكش وكان منه ما اشتهر.
وكانت ولادة الأمير تميم المذكور بالمنصورية التي تسمى صبرة من بلاد إفريقية يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وفوض إليه أبوه ولاية المهدية في صفر سنة خمس وأربعين، ولم يزل بها إلى أن توفي والده في [رابع] شعبان سنة أربع وخمسين وأربعمائة كما سيأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى، فاستبد بالملك، ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت منتصف رجب سنة إحدى وخمسمائة، ودفن في قصره، ثم نقل إلى قصر السيدة بالمنستير، رحمه الله تعالى.
(1/305)

وخلف من البنين أكثر من مائة، ومن البنات ستين، على ما ذكر حفيده أبو محمد عبد العزيز بن شداد ابن الأمير تميم المذكور في كتاب أخبار القيروان رحمه الله تعالى.
وقد تقدم ضبط بعض أجداده والباقي يطول ضبطه وقد قيدته بخطى، فمن أراد نقله فلينقله على هذه الصورة فإني نقلته من خط بعض الفضلاء. والصنهاجي: قد تقدم الكلام فيه.
والمنستير: يأتي ذكرها في حرف الهاء إن شاء الله تعالى في ترجمة البوصيري.
127 - (1)
توران شاه
الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين، وقد تقدم ذكر أبيه وأخيه تاج الملوك، وهو أخو السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى، وكان أكبر منه؛ وكان السلطان يكثر الثناء عليه ويرجحه على نفسه، وبلغه أن باليمن إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها، وكان قد ملك كثيراً من بلادها واستولى على حصونها وخطب لنفسه، وكان السلطان قد ثبتت قواعده وقوي عسكره، فجهز أخاه شمس الدولة المذكور بجيش اختاره، وتوجه إليها من الديار المصرية في أثناء رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، فمضى إليها، وفتح الله على يديه، وقتل الخارجي الذي كان فيها، وملك معظمها، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً، وكان كريماً أريحياً، ثم إنه عاد من اليمن والسلطان على حصار حلب، فوصل إلى دمشق في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين، ولما رجع السلطان من الحصار وتوجه إلى الديار المصرية استخلفه بدمشق، فأقام بها مدة ثم انتقل إلى مصر.
__________
(1) انظر طبقات السبكي 5: 52.
(1/306)

وذكر ابن شداد في سيرة " صلاح الدين " (1) أنه توفي يوم الخميس مستهل صفر، وقال في موضع آخر من السيرة أيضاً: خامس صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة، بثغر الإسكندرية المحروس، ونقلته أخته شقيقته ست الشام بنت أيوب إلى دمشق ودفنته في مدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق، فهناك قبره وقبرها وقبر ولدها حسام الدين عمر بن لاجين وقبر زوجها ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص، وكانت تزوجته بعد لاجين، رحمهم الله أجمعين.
وكانت وفاة حسام الدين المذكور ليلة الجمعة تاسع عشر شهر رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وهذا حسام الدين المذكور هو سيد شبل الدولة كافوريبن عبد الله الحسامي الخادم صاحب المدرسة والخانقاه الشلبية اللتين في ظاهر دمشق على طريق جبل قاسون، ولهما شهرة في مكانهما. وله أوقاف كثيرة ومعروف نافع في الدنيا والآخرة، وكانت وفاته في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن في تربته المجاورة لمدرسته المذكورة.
وسيأتي ذكر ناصر الدين محمد بن شيركوه في ترجمة أبيه في حرف الشين إن شاء الله تعالى.
وتوفيت ست الشام المذكورة في سادس عشر ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة.
وبعد الفراغ من هذه الترجمة وجدت بخط بعض الفضلاء ممن له عناية بهذا الفن زيادة على ماذكرته ههنا، فتركت ما هو مذكور في هذا المكان وأتيت بتلك الزيادة، فقال: لما تمهدت بلاد اليمن لشمس الدولة واستقامت له أمورها كره المقام بها لكونه تربية بلاد الشام، وهي كثيرة الخير، واليمن بلاد مجدبة من ذلك كله، فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقبل منها ويسأله الإذن له في العود إلى الشام، ويشكو (2) حاله وما يقاسيه من عدم المرافق التي يحتاج إليها، فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة وأنها
__________
(1) سيرة صلاح الدين: 52، 54.
(2) هـ: في العودة إلى بلاد الشام، وشكا.
(1/307)

كثيرة الأحوال ومملكة كبيرة، فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته: أحضر لنا ألف دينار، فأحضرها، فقال لأستاذ داره والرسول حاضر عنده: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج، فقال أستاذ الدار: يا مولانا، هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج فقال: دعهم يشترون بها طبق مشمش لوزير، فقال: من أين يوجد هذا النوع ههنا فجعل يعدد عليه جميع أنواع فواكه دمشق (1) وأستاذ الدار يظهر التعجب من كلامه، وكلما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد هذا ههنا فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري ماذا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في ملاذي وشهواتي فإن المال. لايؤكل بعينه، بل الفائدة فيه أن يتوصل به الانسان إلى بلوغ أغراضه. فعاد الرسول إلى صلاح الدين وأخبره بما جرى، فأذن له في المجيء.
وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة، ويودعها شرح الأشواق، فمن ذلك أبيات مشهورة ذكرها في ضمن كتاب، وهي:
لا تضجرن مما أتيت فإنه ... صدر لأسرار الصبابة ينفث
أما فراقك واللقاء فإن ذا ... منه أموت وذاك منه أبعث
حلف الزمان على تفرق شملنا ... فمتى يرق لنا الزمان ويحنث
كم يلبث الجسم الذي ما نفسه ... فيه ولا أنفاسه كم يلبث
حول المضاجع كتبكم فكأنني ... ملسوعكم وهي الرقاة النفث ولما وصل إلى دمشق في التاريخ المقدم ذكره ناب عن أخيه صلاح الدين بها لما عاد صلاح الدين إلى الديار المصرية، ثم انتقل إلى الديار المصرية في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان أخوه صلاح الدين قد سيره في سنة ثمان وستين وخمسمائة إلى بلاد النوبة ليفتحها قبل سفره إلى اليمن، فلما وصل إليها وجدها لا تساوي المشقة فتركها ورجع، وقد غنم شيئاً كثيراً من الرقيق، وكانت له من
__________
(1) أ: الشام.
(1/308)

أخيه إقطاعات، ونوابه باليمن يجيبون له الأموال، ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار، فقضاها عنه صلاح الدين.
وحكى صاحبنا الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي المعروف بابن الخيمي الحلبي نزيل مصر الأديب الفاضل، قال: رأيت في النوم شمس الدولة توران شاه بن أيوب وهو ميت، فمدحته بأبيات وهو في القبر، فلف كفنه ورماه إلي وأنشدني:
لا تستقلن معروفاً سمحت به ... ميتاً فأمسيت منه عارياً بدني
ولا تظنن جودي شابه بخل ... من بعد بذلي ملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفي سوى كفني ولما كان في اليمن استناب في زبيد سيف الدولة أبا الميمون المبارك بين منقذ الآتي ذكره في حرف الميم إن شاء الله تعالى.
وتوران - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها راء ثم بعد الألف نون - وهو لفظ أعجمي، وشاه - بالشين المعجمة - هو الملك باللغة العجمية، ومعناه ملك المشرق، وإنما قيل للمشرق توران لأنه بلاد الترك، والعجم يسمون الترك تركان، ثم حرفوه فقالوا: توران، والله أعلم.
(1/309)

فراغ
(1/310)

حَرف الثَاء
(1/311)

فراغ
(1/312)

128 - (1)
ثابت بن قرة
أبو الحسن ثابت بن قرة بن هارون (2) - ويقال زهرون - بن ثابت بن كرايا ابن إبراهيم بن كرايا بن مارينوس بن مالاجريوس (3) الحاسب الحكيم الحراني؛ كان في مبدإ أمره صيرفياً بحران، ثم انتقل إلى بغداد واشتغل بعلوم الأوائل فمهر فيها، وبرع في الطب.
وكان الغالب عليه الفلسفة، وله تآليف كثيرة في فنون من العلم مقدار عشرين تأليفا، وأخذ كتاب إقليدس الذي عربه حنين بن إسحاق العبادي فهذبه ونقحه وأوضح منه ما كان مستعجماً، وكان من أعيان عصره في الفضائل، وجرى بينه وبين أهل مذهبه أشياء أنكروها عليه في المذهب، فرافعوه إلى رئيسهم فأنكر عليه مقالته ومنعه من دخول الهيكل، فتاب ورجع عن ذلك، ثم عاد بعد مدة إلى تلم المقالة، فمنعوه من الدخول إلى المجمع، فخرج من حران ونزل كفر توثا، وأقام بها مدة إلى أن قدم محمد ابن موسى من بلاد الروم راجعا إلى بغداد، فاجتمع به فرآه فاضلا فصيحا، فاستصحبه إلى بغداد وأنزله في داره، ووصله بالخليفة فأدخله في جملة المنجمين، فسكن بغداد وأولد الأولاد وعقبه بها إلى الآن.
وكفر توثا - بفتح الكاف وسكون الفاء وفتح الراء وضم التاء المثناة من فوقها وسكون الواو وبعدها ثاء مثلثة - وهي قرية كبيرة بالجزيرة الفراتية بالقرب من دارا.
__________
(1) لثابت بن قرة ترجمة في أخبار الحكماء: 115 والفهرست: 272 وابن أبي أصيبعة 1: 204 - 207 وطبقات صاعد: 37 وابن جلجل: 75 ومختصر الدول: 265.
(2) الفهرست والقفطي: ابن مروان.
(3) الفهرست والقفطي: ابن سالامويوس (سالامانس) .
(1/313)

وكانت ولادته سنة إحدى وعشرين ومائتين، وتوفي يوم الخميس السادس والعشرين من صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين.
وكان صابئي النحلة.
(12) وله ولد يسمى إبراهيم (1) بلغ رتبة أبيه في الفضل، وكان من حذاق الأطباء ومقدمي أهل زمانه في صناعة الطب، وعالج مرة السري الرفاءالشاعر فأصاب العافية، فعمل فيه، وهو من أحسن ماقيل في طبيب:
هل للعليل سوى ابن قره شافي ... بعد الإله، وهل له من كافي
أحيا لنا رسم الفلاسفة الذي ... أودى، وأوضح رسم طب عافي
فكأنه عيسى بن مريم ناطقاً ... يهب الحياة بأيسر الأوصاف
مثلت له قارورتي فرأى بها ... ما اكتن بين جوانحي وشغافي
يبدو له الداء الخفي كما بدا ... للعين رضراض الغدير الصافي وله فيه أيضاً:
برز إبراهيم في علمه ... فراح يدعى وارث العلم
أوضح نهج الطب في معشر ... ما زال فيهم دارس الرسم
كأنه من لطف أفكاره ... يجول بين الدم واللحم
إن غضبت روح على جسمها ... أصلح بين الروح والجسم (13) ومن حفدة ثابت المذكور أبو الحسن ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة (2) ، وكان صابئي النحلة أيضاً، وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه المقدم ذكره، وكان طبيباً عالماً نبيلاً يقرأ عليه كتب بقراط وجالينوس، وكان فكاكاً للمعاني، وكان قد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة
__________
(1) انظر القفطي: 57 والفهرست: 272.
(2) راجع أخباره في الفهرست: 302 والقفطي: 109 وابن أبي أصيبعة 1: 261 وطبقات صاعد: 37 وابن جلجل: 80 ومختصر الدول: 296 ومعجم الأدباء 5: 142.
(1/314)

والهندسة وجميع الصناعات الرياضية للقدماء؛ وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه (1) ، وقد قيل: إن الأبيات المذكورة أولا من نظم السري الرفاء إنما عملها فيه، والله أعلم.
والحراني: نسبة إلى حران، وهي مدينة مشهورة بالجزيرة.
ذكر ابن جرير الطبري - رحمه الله تعالى - في تاريخه أن هاران عم إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - عمرها فسميت باسمه فقيل: هران، ثم إنها عربت فقيل: حران، وهاران المذكور: أبو سارة، زوجة إبراهيم، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
وكان لإبراهيم - عليه الصلاة والسلام - أخ يسمى هاران أيضاً، وهو أبو لوط عليه السلام، وقال الجوهري في كتاب " الصحاح ": وحران اسم بلد، والنسبة إليه حرناني على غير قياس، والقياس: حراني، على ما عليه العامة.
129 - (2)
ذو النون المصري
أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم - وقيل: الفيض بن إبراهيم - المصري المعروف بذي النون، الصالح المشهور، أحد رجال الطريقة؛ كان أوحد وقته علماً وورعاً وحالاً وأدباً، وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن الامام مالك رضي الله عنه؛ وذكر ابن يونس عنه في تاريخه أنه كان حكيماً فصيحاً، وكان
__________
(1) قال القفطي: وعمل ثابت هذا كتاب التاريخ المشهور في الآفاق الذي ما كتب كتاب في التاريخ أكثر مما كتب وهو من سنة نيف وتسعين ومائتين وإلى حين وفاته في شهور سنة 363 وعليه ذيل ابن أخته هلال بن المحسن.
(2) أخبار ذي النون في تهذيب ابن عساكر 5: 271 وتاريخ بغداد 8: 393 وأخبار الحكماء: 185.
(1/315)

أبوه نوبيا، وقيل: من أهل إخيم، مولى لقريش.
وسئل عن سبب توبته فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى، فنمت في الطريق في بعض الصحارى، ففتحت عيني فإذا أنا بقنبرة عمياء سقطت من وكرها على الأرض، فانشقت الأرض فخرجت منها سكرجتان: إحداهما ذهب والأخرى فضة، وفي إحادهما سمسم وفي الاخرى مساء، فجعلت تأكل من هذا وتشرب من هذا، فقلت: حسبي، قد تبت، ولزمت الباب إلى أن قبلني.
(32) * وكان قد سعوا به إلى المتوكل فاستحضره من مصر، فلما دخل عليه وعظه، فبكى المتوكل ورده مكرماً؛ وكان المتوكل إذا ذكر أهل الورع بين يديه يبكي ويقول: إذا ذكر أهل الورع فحي هلا بذي النون. وكان رجلاً نحيفاً تعلوه حمرة، ليس بأبيض اللحية، وشيخه في الطريقة شقران العابد.
ومن كلامه: إذا صحت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح.
وقال إسحاق بن إبراهيم السرخسي بمكة: سمعت ذا النون وفي يده الغل وفي رجليه القيد وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول: هذا من مواهب الله تعالى ومن عطاياه، وكل فعاله عذب حسن طيب، ثم أنشد:
لك من قلبي المكان المصون ... كل لوم علي فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلاً ... فيك والصبر عنك ما لا يكون ووقفت في بعض المجاميع على شيء من أخبار ذي النون المصري، رحمه الله تعالى، فقال: إن بعض الفقراء من الناس تلامذته فارقه من مصر وقدم بغداد فحضر بها سماعاً، فلما طاب القوم وتواجدوا قام ذلك الفقير ودار واستمع، ثم صرخ ووقع، فحركوه فوجدوه ميتا، فوصل خبره إلى شيخه ذي النون فقال لأصحابه: تجهزوا حتى نمشي إلى بغداد، فلما فرغوا من أشغالهم خرجوا إليها فقدموا عليها، وساعة قدومهم البلد قال الشيخ ائتوني بذلك المغني، فأحضروه إليه، فسأله عن قضية ذلك الفقير، فقص
(1/316)

عليه قصته. فقال له: مبارك؛ ثم شرع هو وجماعته في الغناء، فعند ابتدائه فيه صرخ الشيخ على ذلك المغني فوقع ميتا، فقال الشيخ: قيل بقتيل، أخذنا ثأر صاحبنا؛ ثم أخذ في التجهيز والرجوع إلى الديار المصرية، ولم يلبث ببغداد بل عاد من فوره.
قلت: وقد جرى في زمني شيء من هذا يليق أن أحكيه ههنا، وذلك أنه كان عندنا بمدينة إربل مغن موصوف بالحذق والإجادة في صنعة الغناء يقال له: الشجاع جبريل بن الأواني، فحضر سماعاً قبل سنة عشرين وستمائة، فإنني أذكر الواقعة وأنا صغير، وأهلي وغيرهم يتحدثون بها في وقتها، فغنى الشجاع المذكور القصيدة الطنانة البديعة التي لسبط ابن التعاويذي - الآتي ذكره في حرف الميم في المحمد ين إن شاء الله تعالى - وأولها (1) :
سقاك سار من الوسمي هتان ... ولا رقت للغوادي فيك أجفان إلى أن وصل إلى قوله منها:
ولي إلى البان من رمل الحمى وطر ... فاليوم لا الرمل يصيبني ولا البان
وما عسى يدرك المشتاق من وطر ... إذا بكى الربع والأحباب قد بانوا
كانوا معاني المغاني، والمنازل أم ... وات إذا لم يكن فيهن سكان
لله كم قمرت لبي بجوك أق ... مار وكم غازلتني فيك غزلان
وليلة بات يجلو الراح من يده ... فيها أغن خفيف الروح جذلان
خال من الهم في خلخاله حرج ... فقلبه فارغ والقلب ملآن
يذكي الجوى بارد من ثغره شبم ... ويوقظ الوجد طرف منه وسنان
إن يمسى ريان من ماء الشباب فلي ... قلب إلى ريقه المعسول ظمآن
بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للآغماد أجفان فلما انتهى إلى هذا البيت قام بعض الحاضرين وقال له: يا شجاع، وأعد ما قلته، فأعاده مرتين أو ثلاثاً وذلك الشيخ متواجد، ثم صرخ صرخة هائلة
__________
(1) ديوان سبط ابن التعاويذي: 412.
(1/317)

ووقع، فظنوه قد أغمي عليه، فافتقدوه بعد أن انقطع حسه فوجدوه قد مات، فقال الشجاع: هكذا جرى في سماعي مرة أخرى، فإنه مات فيه شخص آخر.
وهذه القصيدة من غرر القصائد، وهي طويلة مدح بها الامام الناصر لين الله أبا العباس أحمد بن المستضيء أمير المؤمنين العباسي في يوم عيد الفطر من سنة إحدى وثمانين وخمسائة، والله أعلم.
ومحاسن الشيخ ذي النون كثيرة.
وتوفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين - وقيل: ست وأربعين، وقيل: ثمان وأربعين ومائتين - رضي الله عنه بمصر، ودفن بالقرافة الصغرى، على قبره مشهد مبني، وفي المشهد أيضاً قبور جماعة من الصالحين رضي الله عنهم وزرته غير مرة.
وثوبان: بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون.
(1/318)

حَرف الجيم
(1/319)

فراغ
(1/320)

130 - (1)
جريرالشاعر
أبو حزرة جرير بن عطية بن الخطفى، واسمه حذيفة، والخطفى لقبه، ابن بدر بن سلمة بن عوف بن كليب بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة ابن تميم بن مر التميمي الشاعر المشهور؛ كان من فحول شعراء الإسلام، وكانت بينه وبين الفرزدق مهاجاة ونقائض، وهو أشعر من الفرزدق عند أكثر أهل العلم بهذا الشأن، وأجمعت العلماء على أنه ليس في شعراء الإسلام مثل ثلاثة: جرير والفرزدق والأخطل. [قال محمد بن سلام: سمعت يونس يقول: ما شهدت مشهداً قط وذكر فيه جرير والفرزدق فاجتمع أهل المجلس على أحدهما. وقال أيضا: الفرزدق أشعر خاصة وجرير أشعر عامة] ؛ ويقال: إن بيوت الشعر أربعة: فخر ومديح وهجاء ونسيب (2) ، وفي الأربعة فاق جرير غيره، فالفخر قوله:
إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا والمديح قوله (3) :
ألستم خير من ركب المطايا ... واندى العالمين بطون راح والهجاء قوله:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا
__________
(1) ترجمته في طبقات ابن سلام: 315 والأغاني 8: 3 والموشح: 118 والعيني 1: 91 وشرح شواهد المغني: 16 والخزانة 1: 36 والشعر والشعراء: 374 وانظر بروكلمان 1: 215.
(2) د هـ: وتشبيب.
(3) زاد في ب: في عبد الملك.
(1/321)

والنسيب1 (1) قوله:
إن العيون التي في طرفها حور (2) ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا (3) وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى - الآتي ذكره إن شاء اله تعالى - قال:
التقى جرير والفرزدق بمنى وهما حاجان، فقال الفرزدق لجرير:
فإنك لاقٍ بالمشاعر (4) من منى ... فخاراً فخبرني بمن أنت فاخر فقال له جرير: لبيك اللهم لبيك! قال أبو عبيدة: فكان أصحابنا يستحسنون هذا الجواب من جرير ويعجبون (5) به (33) *.
وحكى أبو عبيدة أيضاً: خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام ابن عبد الملك الأموي، وهو يومئذ بالرصافة، فنزل جرير لقضاء حاجته، فجعلت الناقة تتلفت فضربها الفرزدق وقال:
إلام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
متى تردي الرصافة تستريحي ... من التهجير والدبر الدوامي ثم قال: الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول:
تلفت أنها تحت ابن قينٍ ... إلى الكيرين والفاس الكهام
متى ترد الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس فأنشده البيتين الأولين، فأنشده جرير البيتين الآخرين، فقال الفرزدق: والله
__________
(1) د هـ: والتشبيب.
(2) ب ج وآيا صوفيا: مرض.
(3) اج هـ: إنساناً.
(4) د وآيا صوفيا: بالمنازل.
(5) د: ويتعجبون.
(1/322)

لقد قلت هذا، فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد
وذكر المبرد في " الكامل " (1) أن الفرزدق أنشد قول جرير:
ترى برصاً (2) بأسفل أسكتيها (3) ... كعنفقة الفرزدق حين شابا فلما أنشد النصف الول من البيت ضرب الفرزدق يده على عنفقته توقعاً لعجز البيت.
[وحكى أبو عبيدة قال: كان [جرير] مع حسن تشبيبه عفيفاً، وكان الفرزدق فاسقا، وكان يقول: ما أحوجه إلى صلابة شعري وأحوجني إلى رقة شعره.]
وحكى أبو عبيدة أيضاً قال: رأت أم جرير في نومها وهي حامل به كانها ولدت حبلاً من شعر أسود، فلما وقع (4) منها جعل (5) ينزو فيقع في عنق هذا فيخنقه، حتى فعل ذلك برجال كثيرة، فانتبهت مرعوبة، فأولت الرؤيا، فقيل لها: تلدين غلاما شاعراً ذا شر وشدة شكيمة وبلاء على الناس، فما ولدته سمته جريراً باسم الحبل الذي رأت أنه خرج منها، والجرير الحبل.
وذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني في ترجمة جرير المذكور أن رجلاً قال لجرير: من أشعر الناس قال له: قم حتى أعرفك الجواب، فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزا له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها فصاح به: اخرج يا أيت، فخرج شيخ دميم رث الهيئة (6) وقد سال لبن العنز على لحيته، فقال: أترى هذا قال: نعم، قال: أوَتعرفه قال: لا قال: هذا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز قلت: لا، قال:
__________
(1) الكامل 3: 45.
(2) أج: بها برص.
(3) الكامل: ترى الصبيان عاكفة عليها.
(4) ب هـ وآيا صوفيا: سقط.
(5) هـ: أخذ.
(6) أ: رث الثياب والهيئة.
(1/323)

مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً.
وحكى صاحب " الجليس والأنيس " (1) في كتابه عن محمد بن حبيب عن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قيل له: ما كان أبوك صانعاً حيث يقول:
لو كنتُ أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل فقال: كان يقلع عينيه ولا يرى مظعن أحبابه.
وقال في الأغاني أيضاً: قال مسعود بن بشر لابن مناذر بمكة: من أشعر الناس قال: من إذا شئت لعب، ومن إذا شئت جد، فاذا لعب أطمعك لعبه فيه، وإذا رمته بعد عليك، وإذا حد فيما قصد له آيسك من نفسه، قال: مثل من قال: مثل جرير حيث يقول إذا لعب:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا
غيض من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا ثم قال حين جد:
إن الذي حرم المكارم تغلباً ... جعل النبوة والخلافة فينا
مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا قال: فلما بلغ عبد الملك بن مروان قوله قال: ما زاد ابن المراغة على أن جعلني شرطياً له، أما إنه لو قال " لو شاء ساقكم إلي قطينا " لسقتهم إليه كما قال، قلت: وهذه الأبيات هجا بها جرير الأخطل التغلبي الشاعر المشهور.
وقوله فيها جعل النبوة والخلافة فينا إنما قال ذلك لأن جريراً تميمي
__________
(1) كتاب الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي لأبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني الجريري (- 390) .
(1/324)

النسب، وتميم ترجع إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالنبوة والخلافة وبنو تميم يرجعون إلى مضر.
وقوله " يا خزر تغلب " خزر - بضم الخاء المعجمة وسكون الزاي وبعدها راء - وهو جمع أخزر مثل أحمر وحمير وأصفر وصفر وأسود وسود، وكل ما كان من هذا الباب، والأخزر: الذي عينيه ضيق وصفر، وهذا وصف العجم، فكأنه نسبه إلى المعجم وأخرجه عن العرب، وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة.
وقوله " هذا ابن عمي في دمشق خليفة " يريد به عبد الملك بن مروان الأموي، لأنه كان في عصره.
والقطين - بفتح القاف - الخدم والأتباع.
وقول عبد الملك مازاد ابن المراغة هو بفتح الميم وبعدها راء وبعد اللف غين معجمة وهاء، وهذا لقب لأم جرير هجاء به الأخطل المذكور، ونسبها إلى أن الرجال يتمرغون عليها، ونستغفر الله تعالى من ذكر مثل هذا (1) ، لكن شرح الواقعة أحوج إلى ذلك.
ومن أخبار جرير أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأنشده قصيدة أولها:
أتصحو أم فؤادك غير صاحي ... عشية هم صحبك بالرواح
تقول العاذلات علاك شيب ... أهذا الشيب بمنعني مزاحي
تعزت أم حزرة ثم قالت ... رأيت الموردين (2) ذوي لقاح
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
سأشكر إن رددت إلي ريشي ... وانبت القوادم في جناحي
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح قال جرير: فلما انتهيت إلى هذا البيت كان عبد الملك متكئا فاستوى جالساً وقال: من مدحنا منكم فليمدحنا بمثل هذا أو فليسكت، ثم التفت
__________
(1) د هـ: من ذكر هذا.
(2) د: الواودين.
(1/325)

إلي وقال: يا جرير، أترى أم حزرة يرويها مائة ناقة من نعم بمني كلب قلت: يا أمير المؤمنين، إن لم تروها فلا أرواها الله تعالى، قال: فأمر لي بها كلها سود الحدق، قلت: يا أمير المؤمنين، نحن مشايخ وليس بأحدنا فضل عن راحلته، والإبل أباق، فلو أمرت لي بالرعاء (1) ، فأمر لي بثمانية، وكان بين يديه صحاف من الذهب وبيده قضيب، فقلت: ياأمير المؤمنين، والمحلب وأشرت إلى إحدى الصحاف (2) فنبذها إلي بالقضيب وقال: خذها لا نفعتك، وإلى هذه القضية أشار جرير بقوله:
أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف قلت: هنيدة - بضم الهاء على صورة التصغير - اسم علم على المائة، وأكثر علماء الأدب يقولون: لا يجوز إدخال اللف واللام عليها، وبعضهم يجيز ذلك، قال أبو الفتح بن أبي حصينة (3) السلمي الحلبي الشاعر المشهور من جملة قصيدة (4) :
أيها القلب لم يدع لك في وص ... ل العذارى نصف الهنيدة عذرا يعني خمسين سنة التي هي نصف المائة، والله أعلم.
ولما مات الرزدق وبلغ خبره جريراً بكى وقال: أما والله إني لأعلم أني قليل البقاء بعده، ولقد كان نجماً واحداً وكل واحد منا مشغول بصاحبه، وقلما مات ضد أو صديق إلا وتبعه صاحبه، وكذلك كان. وتوفي في سنة عشر ومائة، وفيها مات الفرزدق كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقال أبو الفرج ابن الجوزي: كانت وفاة جرير في سنة إحدى عشرة ومائة، وقال ابن قتيبة في كتاب " المعارف " (5) : إن أمه حملت به سبعة أشهر، وفي
__________
(1) د: برعاتها؛ هـ: بالرعاة.
(2) هـ: الصحائف.
(3) هو الحسن بن عبد الله بن أبي حصينة المعري (- 456 أو التي بعدها) وديوانه مطبوع (دمشق: 1956) مع شرح لأبي العلاء المعري.
(4) ديوانه 1: 303 وكتب فيه " هبيدة " موضع " هنيدة " وخفي لذلك على محقق الديوان.
(5) المعارف: 595.
(1/326)

ترجمة الفرزدق طرف من خبر موته فلينظر هناك إن شاء الله تعالى. وكانت وفاته باليمامة، وعمر نيفا وثمانين سنة.
وحزرة: بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وفتح الراء وبعدها هاء.
والخطفى: بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة والفاء وبعدها ياء - وقد تقدم الكلام في أنه لقب عليه، والله أعلم.
131 - (1)
جعفر الصادق
أبو عبد الله جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين؛ أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وكان من سادات أهل البيت ولقب بالصادق لصدقه في مقالته وفضلُه أشهر من أن يذكر، وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر والفأل، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيان الصوفي الطرسوسي (2) قد ألف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة.
وكانت ولادته سنة ثمانين للهجرة، وهي سنة سيل الجحاف، وقيل: بل ولد يوم الثلاثاء قبل طلوع الشمس ثامن شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين.
وتوفي في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة بالمدينة، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده علي زين العابدين وعم جده الحسن بن علي، رضي الله عنهم أجمعين، فلله دره من قبر ما أكرمه وأشرفه.
__________
(1) انظر الأئمة الاثنا عشر: 85 (والترجمة منقولة عن ابن خلكان) وعلى الصفحة المقابلة ثبت بمصادر ترجمته، وأضف إليها صفة الصفوة 2: 94 وحلية الأولياء 3: 192.
(2) أج: الطرطوسي.
(1/327)

وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم أجمعين.
وسيأتي ذكر الأئمة الاثنى عشر - رضي الله عنهم - كل واحد في موضعه إن شاء الله تعالى.
(34) * وحكى كشاجم في كتاب " المصايد والمطارد " (1) أن جعفراً المذكور سأل أبا حنيفة - رضي الله عنهما - فقال: ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي فقال: يا ابن رسول الله، ما أعلم ما فيه، فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية وهو ثني أبدا.
132 - (2)
جعفر البرمكي
أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خال بن برمك بن جاماس (3) بن يشتاسف البرمكي وزير هارون الرشيد؛ كان من علو القدر ونفاذ (4) الأمر وبعد الهمة وعظم المحل وجلالة المنزلة عند هارون الرشيد بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر، وأما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فكان أشهر من أن يذكر، وكان من ذوي الفصاحة والمشهورين باللسن والبلاغة، ويقال: إنه وقع ليلة بحضرة هارون الرشيد زيادة على
__________
(1) المصايد: 202.
(2) قد أطنب المؤلف في ترجمته، فلا حاجة إلى تعيين مصادرها، وإنما يحال على كتب التاريخ المختلفة التي تحدثت عن نكبة البرامكة؛ وفي العقد (5: 58 - 73) فصل من أخبارهم وكذلك في البسامة: 222 وأكثر ما أورده نقله المؤلف وفي مقدمة ابن خلدون محاكمة عقلية للروايات التي تنسب نكبتهم إلى علاقة جعفر بالعباسة.
(3) هـ: ماجاس.
(4) هـ: وتقادم.
(1/328)

ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه، وكان أبوه ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي حتى علمه وفقهه، وذكره ابن القادسي في كتاب " أخبار الوزراء " (1) .
واعتذر رجل إليه فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك؛ ووقع إلى بعض عماله وقد شكي منه: قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت.
ومما ينسب إليه من الفطنة أنه بلغه أن الرشيد مغموم لأن منجماً يهودياً زعم أنه يموت في تلك السنة، يعني الرشيد، وأن اليهودي في يده، فركب جعفر إلى الرشيد فرآه شديد الغم، فقال لليهودي: أنت تزعم أن أمير المؤمنين يموت إلى كذا وكذا يوماً قال: نعم، قال: وأنت كم عمرك قال: كذا وكذا، أمداً طويلاً، فقال الرشيد: اقتله حتى تعلم أنه كذب في أمدك كما كذب في أمده، فقتله وذهب ما كان بالرشيد من الغم، وشكره على ذلك، وأمر بصلب اليهودي، فقال أشجع السلمي في ذلك:
سل الراكب الموفي على الجذع هل رأى ... لراكبه نجماً بدا غير أعور
ولو كان نجم مخبراً عن منيةٍ ... لأخبره عن رأسه المتحير
يعرفنا موت الإمام كأنه ... يعرفنا أنباء كسرى وقيصر
أتخبر عن نحسٍ لغيرك شؤمه ... ونجمك بادي الشر يا شر مخبر ومضى دم المنجم هدراً بحمقه.
وكان جعفر من الكرم وسعة العطايا كما هو مشهور، ويقال: إنه لما حج اجتاز في طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعرضته امرأة من بني كلاب وأنشدته:
__________
(1) لم يذكره السخاوي في الإعلان بالتوبيخ، وقال القفطي في تاريخ الحكماء في تصويره لتسلسل التأليف في التاريخ: " ثم كمل عليه ابن الجوزي إلى بعد سنة ثمانين [وخمسمائة] ثم كمل عليه ابن القادسي إلى سنة 616 "؛ وهذا الذي يذكره القفطي يدل على أن ما يشير إليه كتاب في التاريخ العام، وهو غير كتابه أخبار الوزراء، وقد توفي محمد بن أحمد القادسي سنة (621هـ) . انظر تاريخ ابن كثير 13: 104.
(1/329)

إني مررت على العقيق وأهله ... يشكون من مطر الربيع نزورا
ما ضرهم إذا جعفر جار لهم ... أن لا يكون ربيعهم ممطورا فأجزل لها العطاء.
قلت: والبيت الثاني مأخوذ من قول الضاحك بن عقيل الخفاجي من جملة أبيات:
ولو جاورتنا العام سمراء لم نُبل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع لله دره، فما أحلى هذه الحشوة وهي قوله " على جدبنا "، وأهل البيان يسمون هذا النوع حشو اللوزينج.
وحكى ابن الصابىء في كتاب " الأماثل والأعيان " (1) عن إسحاق النديم الموصلي عن إبراهيم بن المهدي قال: خلا جعفر بن يحيى يوماً في داره، وحضر ندماؤه وكنت فيهم، فلبس الحرير وتضمخ بالخلوق وفعل بنا مثله، وأمر بأن يحجب عنه كل أحد (2) إلا عبد الملك بن يحران قهرمانه، فسمع الحاجب عبد الملك دون ابن بحران، وعرف عبد الملك بن صالح الهاشمي مقام جعفر ابن يحيى في داره، فركب إليه، فأرسل الحاجب أن قد حضر عبد الملك فقال: أدخله، وعنده أنه ابن بحران، فما راعتنا إلا دخول عبد الملك بن صالح في سواده ورصافيته، فأربد وجه جعفر، وكان ابن صالح لا يشرب النبيذ، وكان الرشيد دعاه إليه فامتنع، فلما رأى عبد الملكحالة جعفر دعا غلامه فناوله سواده وقلنسوته ووافى باب المجلس الذي كنا فيه، وسلم وقال: أشركونا في أمركم، وافعلوا بنا فعلكم بأنفسكم، فجاءه خادم فألبسه حريرة واستدعى بطعام فأكل وبنبيذ فأتي برطل منه فشربه ثم قال لجعفر: والله ما شربته قبل اليوم، فليخفف عني، فأمر أن يجعل بين يديه باطية يشرب منها ما
__________
(1) من مؤلفات هلال بن المحسن الصايئ (- 448) واسمه كاملاً " الأماثل والأعيان ومنتدى العواطف والإحسان " قال فيه ياقوت (7: 255) : جمع فيه أخباراً وحكايات مستطرفة مما حكي عن الأعيان والأكابر، وهو كتاب ممتع؛ وقال ابن خلكان إنه في مجلد واحد.
(2) هـ: عن كل أحد.
(1/330)

يشاء. وتضمخ بالخلوق ونادمنا أحسن منادمة، وكان كلما فعل شيئاً من هذا سري عن جعفر، فلما أراد الانصراف قال له جعفر: اذكر حوائجك فإني ما أستطيع مقابلة ما كان منك، قال: إن في قلب أمير المؤمنين موجودة علي فتخرجها من قلبه وتعيد إلى جميل رأيه في، قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين وزال ما عنده منك، فقال: وعلي أربعة آلاف ألف درهم ديناً، قال: تقضى عنك، وإنها لحاضرة، ولكن كونها من أمير المؤمنين أشرف بك وأدل على حسن ما عنده لك (1) ، قال: وإبراهيم ابني أحب أن أرفع قدره بصهر من ولد الخلافة، قال: قد زوجه أمير المؤمنين العالية ابنته، قال: وأوثر التنبيه على موضعه برفع لواء على رأسه، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، وخرج عبد الملك ونحن متعجبون من قول جعفر وإقدامه على مثله من غير استئذان فيه، وركبنا من الغد إلى باب الرشيد، ودخل جعفر وقفنا، فما كان بأسرع من أن دعي بأبي يوسف القاضي ومحمد بن الحسن وإبراهيم بن عبد الملك، ولم يكن بأسرع من خروج إبراهيم والخلع عليه واللواء بين يديه وقد عقد له على العالية بنت الرشيد وحملت إليه ومعها المال إلى منزل عبد الملك بن صالح، خرج جعفر فتقدم إلينا باتباعه إلى منزله، وصرنا معه، فقال: أظن قلوبكم تعلقت بأول أمر عبد الملك فأحببتم على آخره، قلنا: هو كذلك، قال: وقفت بين يدي أمير المؤمنين وعرفته ما كان من أمر عبد الملك من ابتدائه إلى انتهائه، وهو يقول: أحسن أحسن، ثم قال: فما صنعت معه فعرفته ما كان من قولي له، فاستصوبه وأمضاه، وكان ما رأيتم، ثم قال إبراهيم بن المهدي: فو الله ما أدري أيهم أعجب فعلاً: عبد الملك في شربه النبيذ ولباسه ماليس من لبسه وكان رجلاً ذا جد وتعفف ووقار وناموس، أو إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم، أو إمضاء الرشيد ما حكم به جعفر عليه.
وحكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فقصدته خنفساء، فأمر
__________
(1) في نسخة آيا صوفيا: ثم قال: وعلي عشرة آلاف دينار، فقال: هي لك حاضرة من مالي ومن مال أمير المؤمنين ضعفها؛ والرواية - في جملتها - أكثر تفصيلاً في هذه النسخة منها في النسخ الأخرى.
(1/331)

جعفر بإزلتها، فقال أبو عبيد: دعوها عسى يأتين بقصدها لي خير، فإنهم يزعمون ذلك، فأمر له جعفر بألف دينار وقال: نحقق زعمهم، وأمر بتنحيتها، ثم قصدته ثانياً فأمر له بألف دينار أخرى.
وحكي ابن القادسي في أخبار الوزراء أن جعفراً اشترى جارية بأربعين ألف دينار، فقالت لبائعها: اذكر ما عاهدتني عليه أنك لا تأكل لي ثمناً فبكى مولاها وقال: اشهدوا أنها حرة وقد تزوجتها، فوهب له جعفر المال ولم يأخذ منه شيئاً، وأخبار كرمه كثيرة، وكان أبلغ أهل بيته.
وأول من وزر من آل برمك خالد بن برمك لأبي العباس عبد الله السفاح بعد قتل أبي سلمة حفص الخلال - كما سيأتي في ترجمته في حرف الحاء إن شاء الله تعالى - ولم يزل خالد على وزارته حتى توفي السفاح يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وتولي أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور الخلافة في اليوم المذكور، فأقر خالداً على وزارته، فبقي سنة وشهوراً،. وكان أبو أيوب المرياني قد غلب على المنصور فاحتال على خالد بأن ذكر للمنصور تغلب الأكراد على فارس، وأن لا يكفيه أمرها سوى خالد فندبه إليها، فلما بعد خالد عن الحضرة استبد أبو أيوب بالأمر. وكانت وفاة خالد سنة ثلاث وستين ومائة، ذكره ابن القادسي، وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: ولد خالد في سنة تسعين للهجرة، وتوفي سنة خمس وستين ومائة، والله أعلم.
وكان جعفر متمكناً عند الرشيد، غالباً على أمره، واصلاً منه، وبلغ من علو المرتبة عنده ما لم يبلغه سواه، حتى إن الرشيد اتخذ ثوباً له زيقان، فكان يلبسه هو وجعفر جملة، ولم يكن للرشيد صبر عنه، وكان الرشيد أيضاً شديد المحبة لأخته ابنة المهدي، وهي من أعز النساء عليه، ولا يقدر على مفارقتها، فكان متى غاب أحد من جعفر والعباسة لا يتم له سرور، فقال: يا جعفر، إنه لا يتم لي سرور إلا بك وبالعباسة، وإني سأزوجها منك ليحل لكما أن تجتمعا، ولكن إياكما أن تجتمعا وأنا دونكما، فتزوجها على هذا الشرط.
ثم تغير الرشيد عليه وعلى البرامكة كلهم آخر الأمر ونكبهم وقتل
(1/332)

جعفراً واعتقل أخاه الفضل وأباه يحيى إلى أن ماتا - كما سيأتي في ترجمتها إن شاء الله تعالى -.
وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم: فمنهم من ذهب إلى أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر على الشرط المذكور بقيا مدة على تلك الحالة، ثم اتفق أن أحبت العباسة جعفراً وراودته، فأبى وخاف، فلما أعيتها الحيلة عدلت إلى الخديعة فبعثت إلى عتابة أم جعفر أن أرسليني إلى جعفر كأني جارية من جواريك اللاتي ترسلين إليه، وكانت أمه ترسل إليه كل يوم جمعة جارية بكر عذراء، وكان لا يطأ الجارية حتى يأخذ شيئاً من النبيذ، فأبت عليها أم جعفر، فقالت: لئن لم تفعلي لأذكرن لأخي خاطبتني بكيت وكيت، ولئن اشتملت من ابنك على ولد ليكونن لكم الشرف، وما عسى أخي يفعل لو علم أمرنا فأجابتها أم جعفر وجعلت تعد ابنها أن ستهدي إليه جارية عندها حسناء من هيئتها ومن صفتها كيت وكيت، وهو يطالبها بالعدة المرة بعد المرة، فلما علمت أنه قد اشتاق إليها أرسلت إلى العباسة أن تهيئي الليلة، ففعلت العباسة وأدخلت على جعفر، وكان لم يتثبت صورتها لأنه لم يكن يراها إلا عند الرشيد، وكان لا يرفع طرفه إليها مخافة، فلما قضى منها وطره قالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك فقال: وأي بنت ملك أنت فقالت: أنا مولاتك العباسة، فطار السكر من رأسه، وذهب إلى أمه فقال: يا أماه بعتني والله رخيصاً، واشتملت العباسة منه على ولد، ولما ولدته وكلت به غلاماً اسمه رياش، وحاضنة يقال لها برة، ولما خافت ظهور الأمر بعثتهم إلى مكة.
وكان يحيى بن خالد ينظر إلى قصر الرشيد وحرمه، ويغلق أبواب القصر وينصرف بالمفاتيح معه، حتى ضيق على حرم الرشيد، فشكته زبيدة إلى الرشيد، فقال له: با أبت - وكان يدعوه كذلك - ما لزبيدة تشكوك فقال: أمتهم أنا في حرمك يا أمير المؤمنين قال: لا، قال: فلا تقبل قولها في، وازداد يحيى عليها غلظة وتشديداً، فقالت زبيدة للرشيد مرة أخرى في شكوى يحيى، فقال الرشيد لها: يحيى عندى غير متهم في حرمي، فقالت: فلم لم
(1/333)

يحفظ ابنه مما ارتكبه قال: وما هو فخبرته بخبر العباسة، قال: وهل على هذا دليل قالت: وأي دليل أدل من الولد قال: وأين هو قالت: كان هنا، فلما خافت ظهوره وجهت به إلى مكة، قال: وعلم بذا سواك قالت: ليس بالقصر جارية إلا وعلمت به، فسكت عنها، وأظهر إرادة الحج، فخرج له ومعه جعفر، فكتبت العباسة إلى الخادم والداية بالخروج بالصبي إلى اليمن، ووصل الرشيد مكة، فوكل من يثق به بالبحث عن أمر الصبي حتى وجده (1) صحيحاً، فأضمر السوء للبرامكة.
ذكره ابن بدررون في شرح قصيدة ابن عبدون (2) التي رثى بها بني الأفطس والتي أولها:
الدهر يفجع بعد العين بالأثر ... فما البكاء على الأشباح والصور أورده عند شرحه لقول ابن عبدون من جملة هذه القصيدة:
وأشرقت جعفراً والفضل يرمقه ... والشيخ يحيى يريق الصارم الذكر ولأبي نواس أبيات تدل على طرف من الواقعة التي ذكرها ابن بدرون، والأبيات:
ألا قل لأمين الل ... هـ وابن القادة الساسه
إذا ما ناكث سر ... ك أن تفقده راسه
فلا تقتله بالسيف ... وزوجه بعباسه وذكر غيره أن الرشيد سلم إليه أبا جعفر يحيى بن عبد الله بن الحسين الخارج عليه، وحبسه عنده، فدعا به يحيى إليه وقال له: أتق الله يا جعفر في أمري، ولا تتعرض أن يكون خصمك جدي محمد صلى الله عليه وسلم، فو الله ما أحدثت حدثاً، فرق له جعفر وقال: اذهب حيث شئت من البلاد،
__________
(1) أ: فوجده.
(2) شرح البسامة: 226.
(1/334)

فقال: إني أخاف أن أوخذ فأرد، فبعث معه من أوصله إلى مأمنه، وبلغ الخبر الرشيد فدعا به وطاوله الحديث وقال: يا جعفر، ما فعل يحيى قال: بحاله، قال: بحياتي، فوجم وأحجم وقال: لا وحياتك، أطلقته حيث علمت أن لا سوء عنده، فقال: نعم الفعل، وما عدوت ما في نفسي، فلما نهض جعفر أتبعه بصره وقال: قتلني الله إن لم أقتلك.
وقيل: سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة لغضب الرشيد فقال: والله ما كان منهم ما يوجب بعض علم الرشيد بهم، ولكن طالت أيامهم وكل طويل مملول، والله لقد استطال الناس الذين هم خير الناس أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وما رأوا مثلها عدلاً وأمنا وسعة أموال وفتوح، وأيام عثمان رضى الله عنه حتى قتلوهما، ورأى الرشيد مع ذلك أنس النعمة بهم، وكثرة حمد الناس لهم، ورميهم بآمالهم دونه، والملوك تتنافس بأقل من هذا، فتعنت عليهم، وتجنى وطلب مساويهم، ووقع منهم بعض الإدلال، خاصة جعفر والفضل، دون يحيى، فإنه كان أحكم خبرة وأكثر ممارسة للأمور، ولاذ من أعدائهم بالرشيد، كالفضل بن الربيع وغيره، فستروا المحاسن وأظهروا القبائح، حتى كان ما كان، وكان الرشيد بعد ذلك إذا ذكروا عنده بسوء أنشد يقول (1) :
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا وقيل: السبب أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها فيها:
قل لأمين الله (2) في أرضه ... ومن إليه الحل والعقد
هذا ابن يحيى قد غدا مالكاً ... مثلك، ما بينكما حد
أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد
وقد بنى الدار التي ما بنى ال ... فرس لها مثلاً ولا الهندُ
الدر والياقوت حصباؤها ... وتربها العنبر والند
__________
(1) البيت للحطيئة، ديوانه: 40.
(2) هـ: لأمين الناس.
(1/335)

ونحن نخشى أنه وارث ... ملكك إن غيبك اللحد
ولن يباهي العبد أربابه ... إلا إذا ما بطر العبد فلما وقف الرشيد عليها أضمر له السوء. [وكان من الأسباب أيضاً ما تعده العامة سيئاً، وهو أقوى الأسباب، ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول، وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته: اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك، اللهم إن كنت تعاقبني لذلك فاجعل عقوبتي في الدنيا وإن احاط ذلك بسمعي وبصري ومالي وولدي حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة، فاستجاب له. وقد رثتهم الشعراء بمرات كثيرة وذكرت أيامهم، فما استحسن من مراثيهم قول اشجع السلمي من أبيات:
كأن أيامهم من حسن بهجتها ... مواسم الحج والأعياد والجمع] (1) وحكى ابن بدرون أن عليه بنت المهدي قالت للرشيد بعد إيقاعه بالبرامكة: يا سيدي، ما رأيت لك يوم سرور تام منذ قتلت جعفراً، فلأي شيئ قتلته فقال لها: يا حياتي لو علمت أن قميصي يعلم السبب في ذلك لمزقته.
وكان تقل الرشيد لجعفر بموضع يقال له العمر، من أعمال الأنبار، في يوم السبت سلخ المحرم - وقيل: مستهل صفر - سنة سبع وثمانين ومائة.
وذكر الطبري في تارخه (2) أن الرشيد لما حج سنة ست وثمانين ومائة، ومعه البرامكة، وقفل راجها من مكة وافق الحيرة في المحرم سنة سبع وثمانين [ومائة] فأقام في قصر عون العبادي أياما، ثم شخص في السفن حتى نزل العمر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت سلخ المحرم أرسل أبا هاشم مسروراًالخادم وعه أبو عصمة حماد بن سالم في جماعة من الجند فأطافوا بجعفر، ودخل عليه سمرور وعنده ابن بختيشوع الطبيب وأبو زكار المغني
__________
(1) ما بين معقفين زيادة من أ.
(2) تاريخ الطبري 10: 84.
(1/336)

الأعمى الكلواذاني وهو في لهوه، فاخرجه إخراجا عنيفاً يقوده، حتى أتى به منزل الرشيد فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بمجيئه، فأمر الرشيد بضرب عنقه واستوفى حديثه هناك.
وقال الواقدي: نزل الرشيد العمر بناحية الأنبار في سنة سبع وثمانين منصرفاً من مكة، وغضب على البرامكة، وقتل جعفرا فيأول يوم من صفر، وصلبه على الجسر ببغداد، وجعل رأسه على الجسر وفي الجانب الآخر جسده. وقال غيره: صلبه على الجسر مستقبل الصراة، رحمه الله تعالى.
وقال السندي بن شاهك: كنت ليلة نائماً في غرفة الشرطة بالجانب الغربي، فرأيت في منامي جعفر بن يحيى واقفا بإزائي، وعليه ثوب مصبوغ بالعصفر، وهوينشد:
كأن لك يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سارم
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر فانتبهت فزعاً، وقصصتها على أحد خواصي فقال: أضغاث أحلام، وليس كل ما يراه الإنسان يجب أن يفسر، وعاودت مضجعي، فلم تنل عيني غمضاً حتى سمعت صيحة الرابطة والشرط وقعقعة لجم البريد ودق باب الغرفة، فامرت بفتحها، فصعد سلام الأبرش الخادم، وكان الرشيد يوجهه في المهمات، فانزعجت وأرعدت مفاصلي، وظننت أنه أمر في بأمر، فجلس إلى جانبي وأعطاني كتاباً ففضضته، وإذا فيه " يا سندي، هذا كتابناً بخطنا مختوم بالخاتم الذي في يدنا، وموصله سلام الأبرش، فماذا قرأته فقبل أن تضعه من يدك فامض إلى دار يحيى بن خالد - لا حاطه الله - وسلام معك حتى تقبض عليه، وتوقره حديداً، وتحمله إلى الحبس في مدينة المنصور المعروف بحبس الزنادقة، وتقدم إلى بادام (1) بن عبد الله خليفتك بالمصير إلى الفضل ابنه مع ركوبك إلى دار يحيى، وقبل انتشار الخبر، وأن تفعل به مثل ما تقدم به إليك في يحيى، وأن تحمله أيضاً إلى حبس الزنادقة، ثم بث بعد فراغك من
__________
(1) ب هـ: باذام.
(1/337)

أمر هذين أصحابك في القبض على أولاد يحيى وأولاد إخوته وقراباته. وسرد صورة الإيقاع بهم ابن بدرون أيضاً سرداً فيه فوائد زائدة على هذا المذكور، فأحببت إيراده مختصرا ههنا؛ قال عقيب كلامه المتقدم: ثم دعا السندي بن شاهك فأمره بالمضي إلى بغداد والتوكل بالبرامكة وكتابهم وقراباتهم، وأن يكون ذلك سراً، ففعل السندي ذلك، وكان الرشيد بالأنبار بموضع يقال له العمر، ومعه جعفر، وكان جعفر بمنزله، وقد دعا أبا زكار وجواريه ونصب الستائر وأبو زكار يغنيه:
ما يريد الناس منا ... مات ينام الناس منا
إنما همهم أن ... يظهروا ما قد دفنا ودعا الرشيد ياسراً غلامه وقال: قد انتخبتك لمر لم أر له محمداً ولا عبد الله ولا القاسم، فحقق ظني، واحذر أن تخالف فتهلك، فقال: لو أمرتني بقتل نفسي لفعلت، فقال: اذهب إلى جعفر بن يحيى وجئني برأسه الساعة، فوجم لا يحير جواباً، فقال له: مالك ويلك قال: الأمر عظيم، وددت أني مت قبل وقتي هذا، فقال: امض لأمري، فمضى حتى دخل على جعفر وأبو زكار يغنيه:
فلا تبعد فكل فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يوماً ... وإن بقيت تصير إلى نفاد
ولو فوديت من حدث الليالي ... فديتك بالطريف وبالتلاد فقال له: يا ياسر، سررتني بإقبالك وسؤتني بدخولك من غير إذن، فقال: الأمر أكبر من ذلك، قد أمرني أمير المؤمنين بكذا وكذا، فأقبل جعفر يقبل قدمي ياسر وقال: دعني أدخل وأوصي، قال لا سبيل إلى الدخول، ولكن أوصى بما شئت، قال: لي عليك حق، ولا تقدر على مكافأتي إلا الساعة، قال: تجدني سريعاً إلا فيما يخالف أمير المؤمنين، قال: فارجع وأعلمه بقتلي، فإن ندم كانت حياتي على يدك، وإلا أنفذت أمره في، قال: لا أقدر، قال: فأسير معك إلى مضربه وأسمع كلامه ومراجعتك، فإن أصر فعلت، قال:
(1/338)

أما هذا فنعم، وسار إلى مضرب الرشيد فلما سمع حسه قال له: ما وراءك فذكر له قول جعفر، فقال له: يا ماص هن أمه، والله لئن راجعتني لأقدمنك قبله، فرجع فقتله وجاء برأسه، فلما وضعه بين يديه اقبل عليه ملياً ثم قال: يا ياسر، جئني بفلان وفلان، فلما أتاه بهما قال لهما: اضربا عنق ياسر، فلا أقدر أرى قاتل جعفر؛ انتهى كلامه في هذا الفصل.
وذكر في كتابه قال: لما فهم جعفر من الرشيد الإعراض عند حجه معه ووصل إلى الحيرة ركب جعفر إلى كنيسة بها لأمر، فوجد فيها حجرا عليه كتابة لاتفهم، فأحضر تراجمة الخط وجعله فألا من الرشيد لما يخافه ويرجوه، فقرىء فإذا فيه:
إن بني المنذر عام انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب
أضحوا ولا يرجوهم راغب ... يوماً ولا يرهبهم راهب
تنفخ بالمسك ذفاريهم ... والعنبر الورد له قاطب
فأصبحوا أكلا لدود الثرى ... وانقطع المطلوب والطالب فحزن جعفر وقال: ذهب والله أمرنا.
قال الأصمعي: وجه إلي الرشيد بعد قتله جعفراً، فجئت فقال: أبيات أردت أن تسمعها، فقلت: إذا شاء أمير المؤمنين، فأنشدني:
لو أن جعفر خاف أسباب الردى ... لنجا به منها طمر ملجم
ولكان من حذر المنية حيث لا ... يرجو اللحاق به العقاب القشعم
لكنه لما أتاه يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم فعلمت أنها له فقلت: إنها أحسن أبيات في معناها، فقال: إلحق الآن بأهلك يا ابن قريب إن شئت.
وحكي أن جعفراً في آخر أيامه أراد الركوب إلى دار الرشيد، فدعا بالاصطرلاب ليختار وقتاً وهو في داره على دجلة، فمر رجل في سفينة وهو لا يراه ولا يدري ما يصنع والرجل ينشد:
(1/339)

يدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريد فضرب بالاصطرلاب الأرض وركب.
ويحكى أنه رؤي على باب قصر علي بن عيسى بن ماهان بخراسان صبيحة الليلة التي قتل فيها جعفر كتاب بقلم جليل:
إن المساكين بني برمك ... صب عليهم غير الدهر
إن لنا في أمرهم عبرة ... فليعتبر ساكن ذا القصر ولما بلغ سفيان بن عيينة خبر جعفر وقتله وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة وقال: اللهم إنه كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة.
ولما قتل أكثر الشعراء في رثاء آله، فقال الرقاشي من أبيات:
هدأ الخالون من شجوي فناموا ... وعيني لا يلائمها منام
وما سهرت لأني مستهام ... إذا أرق المحب المستهام
ولكن الحوادث أرقتني ... فلي سهر إذا هجدَ النيام
أصبت بسادة كانوا نجوماً ... بهم نُسقى إذا انقطع الغمام
على المعروف والدنيا جميعاً ... لدولة آل برمك السلام
فلم أر قبل قتلك يا ابن يحيى ... حساما فله السيف الحسام
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام وقال أيضاً يرثيه وأخاه الفضل:
الا إن سيفا برمكيا مهندا ... أصيب بسيف هاشمي مهند
فقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي وقال دعبل بن علي الخزاعي:
ولما رأيت السيف صبح جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى فيها مُفارقة الدنيا
(1/340)

وما هي إلا دولة بعد دولة ... تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
إذا نزلت هذا منازل رفعة ... من الملك حطت ذا إلى غاية سفلى وقال صالح بن طريف فيهم:
يا بني برمك واهاً لكم ... ولأيامكم المقتبله
كانت الدنيا عروساً بكم ... وهي اليوم ثكول أرمله ولولا خوف الإطالة لأوردت طرفاً كبيراً من أقوال الشعراء فيهم مديحاً ورثاء.
وقد طالت هذه الترجمة، ولكن شرح الحال وتوالى الكلام أحوج إليه.
ومن أعجب ما يؤرخ (1) من تقلبات الدنيا بأهلها ما حكاه محمد بن غسان بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت علىوالدتي في يوم نحر، فوجدت عندها امرأة برزة في ثياب رثة، فقالت لي والدتي: أتعرف هذه قلت: لا، قالت: هذه أم جعفر البرمكي، فأقبلت عليها بوجهي وأكرمتها، وتحادثنا ومانا ثم قلت: يا أمه، ما أعجب ما رأيت! فقالت: لقد أتى علي يا بني عيد مثل هذا وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وإني لأعد ابني عاقاً لي، ولقد أتى علي يا بني هذا العيد وما منأي إلا جلدا شاتين أفترش أحدهما وألتحف الآخر، قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، فكادت تموت فرحاً بها، ولم تزل تختلف إلينا حتى فرق الموت بيننا.
والعمر - بضم العين المهملة وسكون الميم وبعدها راء - هكذا وجدته مضبوطاً في نسخة مقروءة مضبوطة، وقال أبو عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري في كتاب " معجم ما استعجم " (2) : " قلاية العمر " والعمر عندهم الدير (3) ، والله أعلم.
__________
(1) اختلف نص هذه الحكاية في أعما ورد هنا ولكن المعنى واحد.
(2) معجم ما استعجم: 1089.
(3) العمر: من السريانية " عمرا " وهي تعني البيت ثم خصصت بالدير. أما القلاية فهي صومعة الراهب، ويضم الدير على هذا عدة قلايات.
(1/341)

132 -
جعفر البرمكي
أبو الفضل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي وزير هارون الرشيد؛ كان من الكرم وسعة العطاء كما قد اشتهر، ويقال إنه لما حج ... العطاء.
ولم يبلغ أحد من الوزراء منزلة بلغها من الرشيد؛ قال إبراهيم: قال لي جعفر بن يحيى يوماً: إني استأذنت أمير المؤمنين في الخلوة غداً فهل أنت مساعدي فقلت: جعلت فداك، انا أسعد بمساعدتك وأسر بمحادثتك، [قال: فبكر إلي بكور الغراب؛ قال: فأتيه عند الفحجر فوجدت الشمعة بين يديه] وهو ينتظرني للميعاد، فصلينا ثم أفضنا في الحديث، ثم قدم إلينا الطعام فأكلنا فلما غسلنا أيدينا جعلت علينا ثياب المنادمة وبخرنا وطيبنا ثم ضمخنا بالخلوق، ومدت الستارة، وظللنا بأنعم يوم مر بنا، ثم إنه ذكر حاجة فدعا الحاجب وقال: إذا أتى عبد الملك فأذن له - يعني قهرماناً له؛ فاتفق ان جاء عبد الملك ابن صالح عم الرشيد وهو من جلالة القدر والامتناع من منادمة أمير المؤمنين على أمر جليل، وكان الرشيد قد اجتهد أن يشرب معه قدحا فليم يقدر عليه رفعا لنفسه، فلما رفع لستر وطلع علينا سقط ما في أيدينا وعلمنا أن الحاجب قد غلط بينه وبين عبد الملك القهرمان، فأعظم جعفر ذاك وارتاع له، ثم ثام إليه إجلالاً، فلما نظر إلينا على تلك الحال دعا غلامه فدفع إليه سيفه وسواده وعمامته ثم قال: اصنعوا بناماصنعتم بأنفسكم؛ ثم قال: اصنعوا بنا ما صنعتم بانفسكم؛ قال: فجاء الغلمان فطرحوا عليه ثياباً وخلقوه ودعا بالطعام فطعم وشرب ثلاثاً، ثم قال: لتخفف عني فإنه شيء والله ما شربته قط، فتهلل وجه جعفر وفرح، ثم التفت إليه فقال: جعلت فداك، قد تطولت وتفضلت وساعدت فهل من حاجة تبلغ إليها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها مكافأة لما صنعت قال: بلى إن في قلب أمير المؤمنين علي هنة فاسأله الرضى عني، فقال له جعفر: قد رضي أمير المؤمنين عنك، ثم قال: وعلي عشرة آلاف دينار، فقال: هي لك حاضرة من مالي ولك من
(1/342)

مال أمير المؤمنين ضعفها، ثم قال: وابني إبراهيم أحب أن اشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين، قال: وقد زوجه أمير المؤمنين ابنته العالية، قال: وأحب أن تخفق عليه الألوية، قال: قد ولاه أمير المؤمنين مصر. فانصرف بعد الملك ابن صالح، قال إبراهيم بن المهدي: فبقيت متعجباً من إقدامه على أمير المؤمنين من غير استئذان وقلت: عسى أن يجيبه فيما سأل من الرضى والمال والولاية، فمتى أطلق لجعفر أو لغيره تزويج بناته
فلما كان من الغد بكرت إلى باب الرشيد لأرى ما يكون، فدخل جعفر فلم يلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي وإبراهيم بن عبد الملك بن صالح، فخرج إبراهيم وقد عقد نكاحه بالعالية بنت الرشيد وعقد له على مصر والرايات بين يديه وحملت البدر إلى منزل عبد الملك بن صالح، وخرج جعفر فأشار إلينا، فلما صرنا إلى منزله التفت إلينا فقال: تعلقت قلوبكم بحديث عبد المك فأحببتم علم آخره: لما دخلت على أمير المؤمنين ومثلت بين يديه قال: كيف كان يومك ياجعفر فقصصت عليه حتى بلغت إلى دخول عبد الملك بن صالح، وكان متكئاً فاستوى جالساً وقال: ايه لله أبوك! فقلت: سألني في رضاك يا أمير المؤمنين، قال: نعم فبم أجبته قلت: رضي أمير المؤمنين عنك، قال: قد أجزت، ثم ماذا قلت: وذكر أن عليه عشرة آلاف دينار، قال: فبم أجبته قلت: وقد قضاها أمير المؤمنين عنك، قال: قد قضيت، ثم ماذا قال: قد رغب أن يشد أمير المؤمنين ظهر ولده إبراهيم بصهر منه، قال: فبم أجبته قلت: قد زوجه أمبير المؤمنين ابنته العالية، قال: قد أمضيت ذلك، ثم ماذا لله أبوك قلت: واحب أن تخفق الألوية على رأسه، قال: فبم أجبته قلت: قد ولاه أمير المؤمنين مصر، قال: قد وليت، فأحضر إبراهيم والقضاة والفقهاء فحضروا وتمم له جميع ذلك من ساعته؛ قال إبراهيم بن المهدي: فوالله ما ادري أيهم أكرم وأعجب فعلا، ما ابتدأه عبد الملك من المساعدة وشرب الخمر ولم يكن شربها قط، ولبسه ما لبس من ثياب المنادمة وكان رجل جد، أم إقدام جعفر على الرشيد بما أقدم، وأم إمضاء الرشيد جميع ما حكم به جعفر عليه.
وركب يوما الرشيد وجعفر يسايره، وقد بعث علي بن عيسى بهدايا
(1/343)

خراسان بعد ولاية الفضل، فقال الرشيد لجعفر: أين كانت هذه أيام أخيك قال: في منازل أربابها.
وبلغ الرشيد أن يهودياً ينجم بحكم في عمره ويقرب وقتاً، فأحضره وسأله عما قال فقال: استدللت من النجوم بكذا وكذا، ودخل جعفر فرأى غم الرشيد فقال له: أتحب أن يخرج هذا من صدرك قال: نعم، قال: سله عن عمره فإنه بالمعرفة به أولى به من غيره، قال: فسأله عن ذلك فقال: هو كذا وكذا، فقال جعفر: اضرب الآن عنقه لتعلم خطأه في عمرك وعمره.
فيحكى أن الرشيد تغير عليه في آخر الأمر وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته هباسة بنت المهدي وكان يحضرهما إذا جلس للشرب فقال لجعفر: أزوجكما ليحل لك النظر غليها ولا تقربها فإني لا أطبق الصبر عنكما، فأجابه إلى ذلك، فزوجها منه، وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما وهما شابان، فجامعها جعفر فحملت منه فولدت له غلاما، فخاف الرشيد فسير به مع حواضن إلى مكة، واعطته الجواهر والنفقات. ثم إن عباسة وقع بينها وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمرها إلى الرشيد، فحج هارون سنة186 وبحث عن الأمر فعلمه، وكان جعفر يصنع للرشيد طعاماً بعسفان إذا حج، فصنع ذلك الطعام ودعاه فلم يحضر عنده، وكان ذلك أول تغير أمرهم.
وقيل كان سبب ذلك ... من أمره ما كان.
وقيل من الأسباب أن جعفراً بنى داراً غرم عليها عشرين ألف درهم فرفع ذلك إلى الرشيد وقيل: هذه غرامة في دار فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك فاستعظمه.
وحكي أن جعفر بن يحيى لما عزم على الانتقال إلى قصره هذا جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه اليه فاختاروا له وقتا من الليل، فلما حضر الوقت خرج على حمار من الموضع الذي كان منزله إلى قصره والطرق خالية والناس هادئون، فلما صار إلى سوق يحيى رأى رجلاً قائما وهو يقول:
يدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريد فاستوحش ووقف ودعا بالرجل فقال له: أعد علي ما قلت، فأعاده فقال:
(1/344)

ما أردت بهذا فقال: ما أردت به معنى من المعاني، لكنه شيء عرض لي وجاء على لساني فيهذا الوقت، فأمر له بدنانير ومضى لوجهه وقد تنغض عليه سروره.
وكان من الأسباب أيضا......فاستجيب به.
قال علماء السير: لما انصرف الرشيد عن الحج سنة187 وقيل 188، أرسل الرشيد مسرورا لخادم ومعه جماعة من الجند ليلا وعنده بختيشوع المتطبب وأبو زكار المغني وهو يغني:
فلا تبعد......
قال مسرور: فقلت له: يا أبا الفضل الذي جئت له هو والله ذاك، قد طرقك الأمر، أجب أمير المؤمنين، فوقع على رجلي يقبلها وقال: حتى أدخل فأوصي، فقلت: فأما الدخول فلا سبيل إليه وأما الوصية فاصنع ما شئت، فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه، وأتتني رسل الرشيد تستحثني، فمضيت إليه وأعلمته وهو في فراشه، فقال: ائتني برأسه، فأتيت جعفراً فأخبرته فقال: الله أكبر فراجعه، فعدت أراجعه، فلما سمع حسي قال: يا ماص بظر أمه، ائتني برأسه، فرجعت إليه وأخبرته فقال: وأمره، فرجعت فحذفني بعمود كان في يده وقال: نفيت من المهدي ان لم تأتني برأسه لأقتلنك، قال: فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه، وكان قتله ليلة السبت أول ليلة من صفر بالأنبار وهوابن سبع وثلاثين سنة، ثم أمر بنصب رأسه على الجسر وتقطيع يديه وصلب كل قطعة على جسر، فلم يزل كذلك حتى مر عليه الرشيد حين خروجه إلى خراسان فقال: ينبغي أن يحرق هنا، فأحرق، ووجه الرشيد من ليلته إلى الرقة في قبض أمرائهم وما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم.
وحكي عن الأصمعي أنه قال: لما قتل الرشيد جعفر بن يحيى أرسل إلي ليلاً فراعني وأعجلني الرسل فزادوا في وجلي، فصرت إليه، فلما مثلت بين يديه أومأ إلي بالجلوس فجلست، ثم قال:
لو أن جعفر ... الخ.
(1/345)

ثم قال: إلحق بأهلك يا ابن قريب، فنهضت ولم أحر جوابا، وفكرت فلم أعرف لما كان منه معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره فأحكيه.
ولما نكبوا قال الرقاشي:
الان استرحنا واسترحت ركابنا ... وأمسك من يجدي ومن كان يجتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السرى ... وطي الفيافي فدفداً بعد فدفد
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن تظفري من بعده بمسود
وقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وقل للرزايا كل يوم تجددي
ودونك سيفا برمكياً مهنداً ... أصيب بسيف هاشمي مهند وله أيضا في جعفر:
أما والله لولا خوف واش ... الخ.
ووقع جعفر في قصة رجل شكا بعض عماله: قد كثر شاكوك وقل شاكروك، فإما عدلت وإما اعتزلت. ورأى رجلاً في الشمس فقال: أفي الشمس قال: أطلب الظل، قال: لأولينك ولاية يطول فيها ظلك. وفضائله كثيرة رحمه الله تعالى.
133 - (1)
جعفر بن حنزابة
أبو الفضل جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات المعروف بابن حنزابة؛ كان وزير بني الإخشيد بمصر مدة إمارة كافور، ثم استقل
__________
(1) انظر ترجمة ابن حنزابة في تاريخ بغداد 5: 275 ومعجم الأدباء 7: 163 والوافي للصفدي ومواضع متفرقة في ج 4 من النجوم الزاهرة وكتاب الكندي والفوات 1: 203 والمغرب (قسم مصر) : 251 وسقطت ترجمته من تهذيب ابن عساكر مع أن المؤلف ذكره في الأصل وعنه نقل ابن خلكان.
(1/346)

كافور بملك مصر واستمر على وزارته، ولما توفي كافور استقل بالوزارة وتدبير المملكة لأحمد بن علي بن الإخشيد بالديار المصرية والشامية، وقبض على جماعة من أرباب الدولة بعد موت كافور وصادرهم، وقبض على يعقوب بن كلس وزير العزيز العبيدي - الآتي ذكره - وصادره على أربعة آلاف دينار وخمسمائة وأخذها منه، ثم أخذه من يده أبو جعفر مسلم بن عبيد الله الشريف الحسيني، واستتر عنده، ثم هرب مستتراً إلى بلاد المغرب؛ ولم يقدر ابن الفرات على رضى الكافورية والإخشيدية والأتراك والعساكر، ولم تحمل إليه أموال الضمانات، وطلبوا منه مالاً يقدر عليه، واضطرب عليه الأمر فاستتر مرتين ونهبت دوره ودور بعض أصحابه، ثم قدم إلى مصر أبو محمد الحسين بن عبيد الله بن طغج صاحب الرملة فقبض على الوزير المذكور وصادره وعذبه واستوزر عوضه كاتبه الحسن بن جابر الرياحي، ثم أطلق الوزير جعفر بوساطة الشريف أبي جعفر الحسيني، وسلم إليه الحسين أمر مصر وسار عنها إلى الشام مستهل ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وثلثمائة.
وكان عالماً محباً للعلماء، وحدث عن محمد بن هارون الحضرمي وطبقته من البغداديين، وعن محمد بن سعيد البرجمي الحمصي، ومحمد بن جعفر الخرائطي، والحسن بن أحمد بن بسطام، والحسن بن أحمد الداركي، ومحمد بن عمارة بن حمزة الأصبهاني، وكان يذكر أنه سمع من عبد الله بن محمد البغوي مجلساً، ولم يكن عنده، فكان يقول: من جاءني به أغنيته، وكان يملي الحديث بمصر وهو وزير، وقصده الأفاضل من البلدان الشاسعة، وبسببه سار الحافظ أبو الحسن علي المعروف بالدارقطني من العراق إلى الديار المصرية، وكان يريد أن يصنف مسنداً فلم يزل الدارقطني عنده حتى فرغ من تأليفه، وله تواليف في أسماء ارجال والأنساب وغير ذلك.
وذكر الخطيب أبو زكريا التبريزي في شحه ديوان المتنبي أن المتنبي لما قصد مصر ومدح كافوراً مدح الوزير أبا الفضل المذكور بقصيدته الرائية التي أولها:
بادك هواك صبرت أو لم تصبرا ...
(1/347)

وجعلها موسومة باسمه، فتكون إحدى القوافي جعفرا، وكان قد نظم قوله في هذه القصيدة:
صغت السوار لأي كف بشرت ... بابن العميد وأي عبد كبرا بشرت بابن الفرات فلما لم يرضه صرفها عنه ولم ينشده إياه، فلما توجه إلى عضد الدولة قص أرجان وبها أبو الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة بن بويه والد عضد الدولة - وسيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى - فحول القصيدة إليه ومدحه بها وبغيرها، وهي من غرر القصائد.
وذكر الخطيب أيضاً في الشرح أن قول المتنبي في القصيدة المقصورة التي يذكر فيها مسيره إلى الكوفة ويصف منزلاً منزلاً ويهجو كافوراً:
وماذا بمصر من المضحكات ... ولكنه ضحك كالبكا
بها نبطي من أهل السواد ... يدرس أنساب أهل الفلا
وأسود مشفره نصفه ... يقال له أنت بدر الدجى
وشعر مدحت به الكركد ... ن بين القريض وبين الرقى
فما كان ذلك مدحا له ... ولكنه كان هجو الورى إن المراد بالنبطي أبو الفضل المذكور، والأسود كافور، وبالجملة فهذا القدر ما غض منه، فما زالت الأشراف تهجى وتمدح.
[وأنشد أبو اسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي بديها في الوزير أبي الفضل المذكور وقد دعا له داع فلحن في قوله: أدام الله أيامك، بخفض أيامك المنصوبة:
لا غرو أن لحن الداعي لسيدنا ... وغص من دهشة بالعي والبهر
فمثل هيبته حالت جلالتها ... بين البليغ وبين النطق بالحصر
وإن يكن الأيام عن دهش ... في موضع النصب أو من قلة البصر
فقد تفاءلت في هذا لسيدنا ... والفأل نأثره عن سيد البشر
بأن أيامه خفض بلا نصب ... وأن دولته صفو بلا كدر
(1/348)

وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب " أدب الخواص ": كنت أحادث الوزير أبا الفضل جعفرا المذكور وأجاريه شعر المتتنبي، فيظهر من تفضيله زيادة تنبه على ما في نفسه خوفاً أن يرى بصورة من ثناه الغضب الخاص عن قول الصدق في الحكم العام، وذلك لأجل الهجاء الذي عرض له به المتنبي.
وكانت ولادته ثلاث خلون من ذي الحجة سنة ثمان وثلثمائة، وتوفي يوم الأحد ثالث عشر صفر، وقيل: في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وثلثمائة بمصر، رحمه الله تعالى، وصلى عليه القاضي حسين بن محمد بين النعمان، ودفن في القرافة الصغرى، وتربته بها مشهورة.
وحنزابة - بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة مفتوحة ثم هاء - وهي أم أبيه الفضل بن جعفر، هكذا ذكره ثابت بن قرة في تاريخه، والخزابة في اللغة: المرأة القصيرة الغليظة.
وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق، وأورد من شعره قوله (1) :
من أخمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر
إن الرياح إذا استدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر (2) وقال: كان كثير الإحسان إلى أهل الحرمين، واشترى بالمدينة داراً بالقرب من المسجد ليس بيتها وبين الضريح النبوي - على ساكنه أفضل الصلاة والسلام - سوى جدار واحد، وأوصى أن يدفن فيها، وقرر مع الأشراف ذلك، ولما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين، وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاء بما أحسن إليهم، فحجوا به وطافوا ووقفوا بعرفة ثم ردوه إلة المدينة ودفنوه بالدار المذكورة، وهذا خلاف ما ذكرته أولا، والله أعلم بالصواب، غير أني رأيت التربة المذكورة بالقرافة وعليها مكتوب " هذه
__________
(1) البيتان في المغرب: 252 والفوات.
(2) الفوات: فليس تقصف إلا عالي الشجر.
(1/349)

تربة أبي الفضل جعفر بن الفرات ثم إني رأيت بخط أبي القاسم ابن الصوفي (1) أنه دفن في مجلس داره الكبرى ثم نقل إلى المدينة.
134
- المتوكل على الله
أبو الفضل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المدي، وأمه تركية واسمها شجاع، بويع له لست بقين من ذي الحجة سنة 232، وقتل ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال سنة 247 وله إحدى وأربعون سنة، ودفن في القصر الجعفري، وهو قصر ابتناه بسر من رأى. وقال الدولابي في تاريخه: أنه دفن هو والفتح بن خاقان وزيره ولم يصل عليهما، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسعة أيام.
وقتل المتوكل محمد ولده المنتصر بالله بسرمن رأى وهو على خلوة مع وزيره، فابتدره باغر التركي بسيف، فقام وزيره الفتح بن خاقان في وجهه ووجوه القوم، فاعتوره القوم بسيوفهم فقتلوهما معا وقطعوهما حتى اختلطت لحومهما فدفنا معا، على ما قيل. وكان السبب في قتله على ماحكي أنه قدم المعتز على المنتصر، والمنتصر أسن منه، وكان يتوعده وسبه ويسب أمه ويأمر الذين يحضرون مجلسه من أهل السخف بسبه، فسعى في قتله ووجد الفرصة في تلك الليلة. وكان من الاتفاق العجيب أن المتوكل كان قد أهدي له سيف قاطع لا يكون مثله، فعرض على جميع حاشيته وكل يتمناه فقال المتوكل: لا يصلح هذا السيف إلا لساعد باغر، ووهبه له دون غيرة، فاتفق أنه أول داخل عليه فضربه به فقطع حبل عاتقه وكان ما ذكرنا من أمره.
وحكى علي بن يحيى بن المنجم قال: كنت أقرأ على المتوكل قبل قتله
__________
(1) هكذا في ب هـ؛ وفي سائر النسخ: ابن الصيرفي.
(1/350)

بأيام كتب الملاحم فوقف على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته فقال: ما لك فقلت: خير، قال: لا بد أن تقرأه فقرأته وحدت عن ذكر الخلفاء فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول وكان مربوعاً أسمر خفيف شعر العارضين، رفع المحنة في الدين، وأخرج أحمد بن حنبل كما ذكرنا من الحبس وخلع عليه.
وكان بالدينور شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامة، وكان له أصحاب يجتمعون إليه ويأخذون عنه ويدرسون عنده، يقال له بشر الجعاب، فرفع صاحب الخبر بالدينور إلى المتوكل أن بالدينور رجلاً رافضياً يحضره جماعة من الرافضة ويتدارسون الرفض ويسبون الصحابة ويشتمون السلف، فلما وقف المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد الله بن يحيى بالكتاب إلى عامله على الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه، فكتب عبيد الله بن يحيى بذلك، فلما وصل إلى العامل كتابه - وكان صديقا لبشر الجعاب حسن المصافاة له شديد الإشفاق عليه - همه ذلك وسق عليه فاستدعى بشرا واقرأه ما كوتب به في أمره وأمر أصحابه، فقال له بشر: عندي في هذا رأي إن استعملته كنت غير مستبطإ فيما أمرت به وكنت بمنجاة مما أنت خائف علي منه، قال: وما هو قال: بالدينور شيخ خفاف اسمه بشر ومن الممكن المتيسر أن تجعل مكان الجعاب الخفاف وليس بمحفوظ عنده ما نسبت إليه من الحرفة والصناعة، فسر العامل بقوله وهمد إلى العين من الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها وانبساطه ووصل الباء بما صارت به فاء؛ فكان أخبره عن بشر الخفاف أنه أبله في غاية البله والغفلة وأنه هزأة عند أهل بلده وضحكة، وذلك أن أهل سواد البلد يأخذون من الخفاف التامة والمقطوعة بنسيئة ويعدونه بأثمانها عند حصول الغلة، فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها ما طلوه بدينه ولووه بحقه واعتلوا بأنواع الباطل عليه، فإذا انقضى وقت السادر ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف وما جرى مجراها، وافوا بشرا هذا واعتذروا إليه وخدعوه وابتدروا يعدونه الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة والمعاهدة الباطلة، ويضمنون له أداء الديون الماضية والمستأنفة، فيحسن ظنه بهم وسكونه ويستلم إليهم ويستأنف
(1/351)

إعطاءهم من الخفاف وغيرها ما يريدونه، فإذا حضرت الغلة أجروه على العادة وحملوه على ما تقدم من السنة ثم لا يزالون على هذه الوتيرة من أخذ سلعة في وقت حاجتهم ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم فلا يتنبه من رقدته ولا يفيق من سكرته؛ فانفذ صاحب الخبر كتابه وأشار بتقدم الخفاف أمام القوم والإقبال عليه بالمخاطبة وتخصيصه بالمسألة ساكناً إلى أنه من ركاكته وفهاهته بما يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة، ويتخلص من هذه الثلاثة؛ فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد الله بن يحيى المتوكل به وبحضور القوم، فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم، وأمر فعلق بينه وبينهم سلبية ليقف على ما يجري ويسمعه ويشاهده، ففعل ذلك، وجلس عبيد الله واستدعى المحضرين، فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف، فلما جلسوا أقبل عبيد الله على بشر فقال له: أنت بشر الخفاف فقال: نعم، فسكنت نفوس الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة وإتمام هذه المدالسة وجواز هذه المغالطة، فقال له: إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أرمكم شيء أنكره فأمر بالكشف عنه وسؤالكم بعد إحضاركم عن حقيقته، فقال له بشر: نحن حاضرون فما الذي تأمرنا به قال: بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع اليك قوم فيخوضون معك في الترفض وشتم الصحابة، فقال بشر: ما أعرف من هذا شيئاً، قال: قد أمرت بامتحانكم والفحص عن مذاهبكم، فقال: ما تقول في السلف فقال: لعن الله السلف، فقال له عبيد الله: ويلك أتدري ما تقول قال: نعم لعن الله السلف، فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال لعبيد الله: يقول لك أمير المؤمنين: سله الثالثة فإن أقام على هذا فاضرب عنقه، فقل له: إني سائلك هذه المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك، فما تقول الآن في السلف فقال: لعن الله السلف، قد خرب بيتي وأبطل معيشتي وأتلف مالي وأفقرني وأهلك عيالي، قال: وكيف قال: أنا رجل أسلف الأكرة وأهل الدستان الخفاف والتمسكات على أن يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم، فأصير اليهم عند حصول الغلة في بيادرهم، فغذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي وامتنعوا من توفيتي مالي، ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلية ويحلفون بالله لا يعاودون
(1/352)

مطلي وظلمي، فإنهم يؤدون إلي المتقدم والمتأخر من مالي، فأجيبهم إلى ما يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه، فإذا جاء وقت الغلة عادوا إلى مثل ما كانوا عليه من ظلمي وكسر مالي فقد اختلت حالي وافتقرت عيالي؛ قال: فسمع ضحك عال من وراء السبيبة، وخرج الخادم فقال: استحلل هؤلاء القوم وخل سبيلهم؛ فقالوا: يا أمير المؤمنين في حل وسعة، فصرفهم فلما توسطوا صحن الدار قال بعض الحاضرين: هؤلاء قوم مجان محتالون وصاحب الخبر مسقط لا يكتب إلا بما يعلمه ويثق بصحته، وينبغي أن يستقصى الفحص عن هذا والنظر فيه، فأمر بردهم، فلما أمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض: ليس هذا من ذلك الذي تقدم فينبغي أن نتولى الكلام نحن ونسلك طريق الجد والديانة، فرجعوا فأمروا بالجلوس، ثم أقبل عبيد الله على القوم فقال: إن الذي كتب في أمركم ليس ممن تقدم على الكتب بما لا يقبله علما ويحيط [به] خبراً وقد أخذ أمير المؤمنين باستئناف امتحانكم وإنعام التفتيش عن أمركم، فقالوا: افعل ما أمرت به، فقال: من خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: علي بن أبي طالب، فقال الخادم بين يديه: قد سمعت ما قالوا، فأخبر أمير المؤمنين به، فمضى ثم عاد فقال: يقول لكم أمير المؤمنين هذا مذهبي، فقلنا: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين في دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه، ثم قال لهم: ما تقولون في أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: رحمة الله على ابي بكر نقول فيه خيراً، قال: فما تقولون في عمر قلنا: رحمة الله عليه ولا نحبه، قال: ولم قلنا: لأنه أخرج مولانا العباس من الشورى، قال: فسمعنا من وراء السبيبة ضحكاً أعلى من الضحك الأول ثم أتى الخادم فقال لعبيد الله عن المتوكل: أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم مؤونة واصرفهم، فقالوا: نحن في غنى وفي المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها أحوج، وانصرفوا.
وذكر أبو عبد الله حمدون قال: قال لي الحسين بن الضحاك: ضربني الرشيد في خلافته لصحبتي إياه ثم ضربني الأمين لمماثلتي ابنه عبد الله ثم ضربني المأمون لميلي إلى محمد ثم ضربني المعتصم لمودة كانت بيني وبين العباس بن المأمون ثم ضربني الواثق لشيء بلغه من ذهابي إلى المتوكل، وكل ذلك يجري مجرى الولع
(1/353)

والتحذير لي، ثم أحضرني المتوكل وأمر شفيعا أن يولع بي، فتغاضب المتوكل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين إن كنت تضربني كما ضربني آباؤك فاعلم أن آخر ضرب ضربته كان بسببك، فضحك وقال: بل أصونك وأكرمك.
وقال المتوكل يوما لمن حضره: ما أرى أحسن من وصيف الصغير، يعني خادمه، فجعل كل يصفه غير بغا الكبير فال: يا بغا ما سكوتك اما تحب وصيفا قال: لا، قال: ولم قال: لأني أحب من يحبك ولا أحب من يحبه.
ودخل أبو العيناء على المتوكل فقال له: بلغني عنك بذاء، قال: إن يكن البذاء صفة المحسن بإحسانه والميء بإساءته فقد مدح الله وذم قال نعم العبد إنه أواب وقال عز وجل هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم فذمه حتى قذفه، وأما أن أكون كالعقرب التي تسلع النبي والذمي (1) بطبع لا يميز فقد أعاذ الله عبدك من ذلك، وقد قال الشاعر:
إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقاً ... ولم أشتم الجبس اللئيم المذمما
ففيم عرفت الشر والخير باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما ولما أسلم نجاح بن سلمة إلى موسى بن عبد الملك (2) الأصبهاني ليؤدي ما عليه من الأموال عاقبه فتلف في مطالبته، فحضر يوماً عند المتوكل فقال له: ما عندك من خبر نجاح بن سلمة قال: ما قال الله فوكزه موسى فقضي عليه، فاتصل ذلك بموسى فلقي الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان فقال: أيها الوزير أردت قتلي فلم تجد لذلك سبيلاً إلا بإدخال أبي العيناء إلى أمير المؤمنين وعداوته لي، فعاتب عبيد الله أبا العيناء في ذلك فقال: والله ما استعذبت الوقيعة فيه حتى ذممت سيرته لك، فأمسك عنه. ثم دخل بعد ذلك أبو العيناء على المتوكل فقال: كيف كنت بعدي فقال: في أحوال مختلفة خيرها رؤيتك وشرها غيبتك، فقال: قد والله استقتك، قال إنما يشتاق العبد لأنه يتعذر عليه لقاء مولاه وأما السيد فمتى أراد عبيده دعاه، فقال له المتوكل: من أسخى من رأيت قال:
__________
(1) في الأصل البني والمدمى؛ وانظر في التصحيح ثمار القلوب: 430.
(2) في الأصل: عبد الله؛ وانظر هذه الحادثة في تاريخ ابن الأثير 7: 88.
(1/354)

ابن أبي دواد، قال المتوكل: تأتي إلى رجل قد رفضته فتنسبه إلى السخاء قال: إن الصدق يا أمير المؤمنين على موضع من المواضع أنفق منه على مجلسك وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود لأن سخاء البرامكة منسوب إلى الرشد، وسخاء الفضل والحسن بن سهل منسوب إلى المأمون، وجود اب أبي دواد (1) منسوب إلى المعتصم، وإذا نسب الفتح وعبيد الله (2) إلى السخاء فذاك سخاؤك ياأمير المؤمنين، قال: صدقت فمن أبخل من رأيت قال: موسى بن عبد الملك، قال: وما رأيت من بخله قال: رأيته يحرم القريب كما يحرم الغريب، ويعتذر من الإحسان كما يعتذر من الإساءة، فقال له: قد وقعت فيه عندي وقعتين وما أحب ذلك، فالقه واعتذر إليه ولا يعلم أني وجهت بك، قال: يا أمير المؤمنين من يسكته بحضرة ألف قال: لن تخاف على الاحتراس من الخوف، فسار إلى موسى واعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، وافترقا إلى صلح، فلقيه بالجعفري فقال: يا أبا عبد الله قد اصطلحنا فمالك لا تأتينا قال أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ما أرانا إلا كما كنا أولاً.
وكان المتوكل قد غضب على عبادة ونفاه إلى الموصل وكان عبادة من أطيب الناس وأخفهم روحا وأحضرهم نادرة، وكان أبوه من طباخي المأمون وكان معه، فخرج حاذقا بالطبيخ ثم مات أبوه ونحب. حكى أبو حازم الفقيه، وقد جرى ذكر عبادة، قال: ما كان أطرفه، قيل: وكيف قال: لما حصل بالموصل تبعه غرماؤه وطلبوه وقدموه إلى علي بن إبراهيم العمري وهو قاضي الموصل فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر، فقال له علي بن إبراهيم: ويحك ترى هؤلاء كلهم قد اجتمعوا على ظلمك فاتق الله وارجع إلى نفسك، فإن كانت عسرة بإزائها نظرة، فقال: صدقت فديتك ليس كلهم ادعى الكذب ولا كلهم ادعى الصدق، ولكني دفعت بالله ما لا أطيق. وقيل له وقد مات زوج أخته: ما ورثت أختك من زوجها قال: أربعة أشهر وعشراً.
وحكى علي بن الجهم قال: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل أهدى إليه ابن طاهر
__________
(1) في الأصل: ابن أبي داود.
(2) في الأصل: عبد الله.
(1/355)

من خراسان هدية جليلة فيها جوار فيهن جارية يقال لها محبوبة قد نشأت بالطائف وبرعت في الأدب وأجادت قول الشعر وحذقت الغناء وقربت من قلب المتوكل وغلبت عليه فكانت لا تفارق مجلسه، فوجد عليها مرة فهجرها أياما، وبكرت عليه فقال: يا علي قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال رأيت الليلة في منامي كأني رضيت عن محبوبة وصالحتها وصالحتني، قلت: خيراً يا أمير المؤمنين أقر الله عينك وسرك، إنما هي عبدتك والرضى والسخط بيدك، فو الله أنا لفي ذلك إذ جاءت وصيفة فقالت: يا أمير المؤمنين سمعت صوت عود من حجرة محبوبة، فقال: قم بنا يا علي ننظر ما تصنع، فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب العود وتغني:
أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني
كأنني قد أتيت معصيةً ... ليس لها توبة تخلصني
فهل شفيع لنا إلى ملكٍ ... قد زارني في الكرى وصالحني
حتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني قال: فصاح أمير المؤمنين وصحت معه، فسمعت فتلقته وأكبت على قدميه تقبلهما، فقال: ما هذا قالت: يا مولاي رأيت في ليلتي كأنك رضيت عني فتعللت بما سمعت، قال: وأنا والله رأيت مثل ذلك، فقال لي: يا علي رأيت أعجب من هذا كيف اتفق ورجعنا إلى الموضع الذي كنا فيه ودعا بالجلساء والمغنين واصطبح وما زالت تغنيه الأبيات يومه ذلك؛ قال: وزادت حظوة عنده حتى كان من أمره ما كان، فتفرق جواريه وصارت محبوبة إلى وصيف الكبير فما زالت حزينة باكية، فدعاها يوما وأمرها أن تغني فاستعفته وجيء بعود فوضع في حجرها فغنت.
أي عيش يلذ لي ... لا أرى فيه جعفرا كل من كان في ضنى وسقام فقد برا ...
غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى
لاشترته بما حوته ... يداها لتقبرا ولبست السواد والصوف وما زالت تبكيه وترثيه حتى ماتت، رحمها الله تعالى.
(1/356)

135 - (1)
ابن السراج
أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج المعروف بالقاري البغدادي؛ كان حافظ عصره، وعلامة زمانه، وله التصانيف العجيبة، منها كتاب مصارع العشاق وغيره، حدث عن أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم ابن شاهين، والخلال، والرمكي، والقزويني، وابن غيلان، وغيرهم، وأخذ عنه خلق كثير، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي رحمه الله تعالى، وكان يفتخر بروايته مع أنه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم.
وله شعر حسن، فمنه (2) :
بان الخليط فأدمعي ... وجدا عليهم تستهل
وحدا بهم حادي الفرا ... ق عن المنازل فاستقلوا
قل للذين ترحلوا ... عن ناظري والقلب حلوا
ودمي بلا حرم أتي ... ت غداة بينهم استحلوا
ما ضرهم لو أنهلوا ... من ماء وصلهم وعلوا ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى:
وعدت بأن تزوري كل شهر ... فزوري قد تقضى الشهرُ زوري
__________
(1) راجع ترجمته في ذيل ابن رجب 1: 123 وبغية الزعاة: 211 ومعجم الأدباء 5: 153 وفيه نقل عن ابن عساكر؛ وكان السراج ذا طريقة جميلة ومحبة للعلم والأدب، وكان يسافر إلى مصر وغيرها، وتردد إلى صور عدة دفعات ثم قطن بها زماناً، وعاد غلى بغداد وأقام بها إلى أن توفي، وأكثر أشعاره في الزهد والفقه، وله سوى مصارع العشاق كتاب اسمه " زهد السودان ".
(2) الأبيات في مصارع العشاق 1: 130.
(1/357)

وشقة بيننا نهر المعلى ... إلى البلد المسمى شهرزور
وأشهر هجرك المحتوم حق ... ولكن شهر وصلك شهر زور وأورد له العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب " الخريدة ":
ومدعٍ شرخ شبابٍ وقد ... عممه الشيب على وفرته
يخضب بالوشمة عثنونه ... يكفيه أن يكذب في لحيته وله غير ذلك نظم جيد.
وكانت ولادته إما في أواخر سنة سبع عشرة وأربعمائة أو أوائل سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وذكر الشريف أبو المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيزالأنصاري في كتاب " وفيات الشيوخ " أن مولده سنة ست عشرة ببغداد، وتوفي بها ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر سنة خمسمائة، ودفن بباب أبرز.
136 - (1)
أبو معشر المنجم
أبو معشر جعفر بن محمد بن عمر البلخي المنجم المشهور؛ كان إمام وقته في فنه، وله التصانيف المفيدة في علم النجامة، منها المدخل ووالزيج والألوف وغير ذلك، وكانت له إصابات عجيبة.
رأيت في بعض المجاميع أنه كان متصلا بخدمة بعض الملوك، وأن ذلك الملك طلب رجلاً من اتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه،
__________
(1) ترجمة أبي معشر في الفهرست: 277 وتاريخ الحكماء: 152 وابن أبي أصيبعة 1: 207 ومختصر الدول: 258 وطبقات صاعد: 56 وقد كتب عنه الأستاذ ر. لامي كتاباً بعنوان: (Abu Ma'shar and Latin Aristotelianism (Beirut 1962.
(1/358)

فاستخفى، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي يستخرج بها الخبايا (1) والأشياء الكامنة، فأراد أن يعمل شيئاً لا يهتدي إليه ويبعد عنه حسه (2) فأخذ طستاً وجعل فيه دماً وجعل في الدم هاون ذهب، وقعد على الا هاون أياماً، وتطلب الملك ذلك الرجل وبالغ في التطلب، فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وقال له: تعرفني موضعه بما جرت عادتك به، فعمل المسألة التي يستخرج بها الخبايا، وسكت زمانا حائرا، فقال له المك: ماسبب سكوتك وحيرتك قال: أرى شيئا عجيباً، فقال: وما هو قال: أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم، ولا أعلم في العالم موضعاً من البلاد على هذه الصفة، فقال له: أعد نظرك وغير المسألة وجدد أخذ الطالع، ففعل ثم قال: ما أراه إلا كما ذ كرت، وهذا شيء ما وقع لي مثله، فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذا الطريق أيضاً نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه، وأظهر من ذلك ما وثق به، فلما اطمأن الرجل ظهر (3) وحضر بين يدي الملك، فسأله عن الموضع الذي كان فيه، فأخبره بما اعتمده (4) ، فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه، ولطافة أبي معشر في استخراجه.
وله غير ذلك من الإصابات.
وكانت وفاته في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى.
والبلخي - بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وبعدها خاء معجمة - هذه النسبة إلى بلخ، وهي مدينة عظيمة من بلاد خراسان فتحها الأحنف بن قيس التميمي في خلافة عثمان رضي الله عنه، وهذا الأحنف هو الذي يضرب به المثل في الحلم، وسيأتي ذكره في حرف الضاد إن شاء الله تعالى.
__________
(1) أج هـ: وآيا صوفيا: الخفايا.
(2) آيا صوفيا: حدسه.
(3) ب د: خرج.
(4) أ: بما فعل.
(1/359)

137 - (1)
جعفر الأندلسي ممدوح ابن هانئ
أبو علي جعفر بن علي بن أحمد بن حمدان الأندلسي صاحب المسيلة وأمير الزاب من أعمال إفريقية؛ كان سمحاً كثير العطاء مؤثراً لأهل العلم، ولأبي القاسم محمد بن هانئ الأندلسي فيه من المدائح الفائقة ما يجاوز حسنها حد الوصف، وهو القائل فيه:
المدنفان من البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أحور
والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر وأما القصائد الطوال فلا حاجة إلى ذكر شيء منها.
وكان أبوه علي قد بنى المسيلة، وهي معروفة بهم إلى الآن، وكان بينه وبين زيري بن مناد جد المعز بن باديس إحن ومشاجرات أفضت إلى القتال، فتواقعا وجرت بينهما معركة عظيمة، فقتل زيري فيها ثم قام ولده بلكين - المقدم ذكره في حرف الباء - مقام أبيه، واستظهر على جعفر المذكور، فعلم أنه ليس له به طاقة، فترك بلاده ومملكته وهر إلى الأندلس، فقتل بها في سنة أربع وستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وشرح حديثه يطول وهذا القدر خلاصته والمسيلة - بفتح الميم وكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام مفتوحة ثم هاء ساكنة - وهي مدينة من أعمال الزاب.
والزاب - بفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة - كورة بإفريقية، وقد تقدم ذكر إفريقية.
__________
(1) انظر بعض أخباره في ترجمة أخيه يحيى في الحلة السيراء 1: 305 وابن عذاري 2: 242 وأعمال الأعلام: 60 وفي خبر عودة جعفر إلى الأندلس انظر المقتبس (تحقيق الحجي) في صفحات متعددة منه.
(1/360)

138 - (1)
ابن قلاح الكتامي
أبو علي جعفر بن فلاح الكتامي؛ كان أحد قواد المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي صاحب إفريقية، وجهزه مع القائد جوهر - الآتي ذكره - لما توجه لفتح الديار المصرية، فلما أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام، فغلب على الرملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ثم غلب على دمشق فملكها في المحرم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها، ثم أقام بها إلى سنة ستين ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق، فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم، فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقا كثيرا، وذلك في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة، رحمه الله تعالى.
وقال بعضهم: قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا:
يا منزلاً عبث الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق (2) لا يجمع
أين الذين عهدتهم بكمرة ... كان الزمان بهم يضر وينفع وكان جعفر المذكور رئيساً جليل القدرممدوحاً، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانىء الأندلسي الشاعر المشهور:
كانت مساءلة الركبان تخبرني ... عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
__________
(1) ترجمة جعفر بن فلاح في الحلة السيراء 1: 304 واتعاظ الحنفا (في عدة مواضع) والإشارة إلى من نال الوزارة: 30 - 32 والبيان المغرب 1: 231 وصفحات متفرقة من الدرة المضية (ج: 6) .
(2) أج وآيا صوفيا: بتشتت.
(1/361)

حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن أبي دواد، وهوغلط، لأن البيتين ليسا لأبي تمام، وهم يروونهما عن أحمد بن دواد وهو ليس بابن دواد، بل ابن أبي دواد، ولو قال ذلك لما استقام الوزن.
139
- ابن شمس الخلافة
أبو الفضل جعفر بن شمس الخلافة أبي عبد الله محمد بن شمس الخلافة مختار الأفضل الملقب مجد الملك الشاعر المشهور؛ كان فاضلاً حسن الخط، وكتب كثيراً، وخطه مرغوب فيه لحسنه وضبطه، وله تواليف جمع فيها أشياء لطيفة دلت على جودة اختياره (1) ، وله ديوان شعر أجاد فيه، نقلت من خطه لنفسه:
هي شدة يأتي الرخاء عقيبها ... وأسى يبشر بالسرور العاجل
وإذا نظرت فإن بؤساً زائلاً ... للمرء خير من نعيم زائل وله أيضا في الوزير ابن شكر، وهو الصفي أبو محمد عبد الله بن علي، عرف بابن شكر، وزير الملك الكامل رحمهما الله تعالى:
مدحتك ألسنة الأنام مخافةً ... وتشاهدت لك بالثناء الأحسن
أترى الزمان مؤخرا في مدتي ... حتى أعيش إلى انطلاق الألسن هكذا أنشدنيهما بعض الأدباء المصريين، ثم وجدتهما في مجموع عتيق ولم يسم
__________
(1) طبع له كتاب " الآداب " (القاهرة 1930) .
(1/362)

قائلهما، وطريقته في الشعر حسنة.
[وله أيضا:
أعط وإن فاتك [الثراء] ودع ... سبيل من ضن وهو مقتدر
فكم غني بالناس عنه غنى ... وكم فقير إليه يفتقر وله أيضاً:
كفي وعرضي إذا ما ... سألت عن أخباري
هذا من الكاس كاسٍ ... وذا من العار عاري] وكانت ولادته في المحرم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفي في الثاني عشر من المحرم سنة اثنتين وعشرين وستمائة بالموضع المعروف بالكوم الأحمر ظاهر مصر، رحمه الله تعالى.
والأفضلي - بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح الضاد المعجمة وبعدها لام - هذه النسبة إلى الأفضل أمير الجيوش بمصر.
وتوفي والده في ذي الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة، ومولده سنة عشرين وخمسمائة.
140 - (1)
جعبر القشيري
الأمير جعبر بن سابق القشيري الملقب سابق الدين الذي تنسب إليه قلعة جعبر؛ لم أقف على شيء من أحواله سوى أنه كان قد أسن وعمي، وكان له ولدان يقطعان الطريق ويخيفان (2) السبيل، ولم يزل على ذلك والقلعة بيده حتى
__________
(1) انظر معجم البلدان: (جعبر) وقد سماه هنالك " جعبر بن مالك ".
(2) هـ: ويخوفان.
(1/363)

أخذها منه السلطان ملك شاه بن ألب أرسلان السلجوقي الآتي ذكره، ثم قتل بعد ذلك في أوائل سنة أربع وستين وأربعمائة، رحمه الله تعالى. هكذا وجدته في بعض التواريخ وفي نفسي منه شيء، فإن السلطان ملك شاه ما ملك إلا بعد قتل أبيه ألب أرسلان، وأبوه قتل في سنة خمس وستين وأربعمائة - كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى - إلا إن كان قد تغلب على القلعة في حياة أبيه وهو نائبه، أو يكون تاريخ وفاة جعبر غلطا، وقد نبهت عليه لئلا يتوهم من يقف عليه أن الغلط كان مني، أو أنه مر بي ولم أتنبه له، فاعلم ذلك.
ثم إني بعد هذا حققت هذا الأمر، فوجدته أن ملك شاه السلجوقي لما توجه إلى حلب ليأخذها اجتاز بهذه القلعة، وقتل جعبرا المذكور لما بلغه عنه من الفساد وأخذ القلعة، وقتل جعبرا المذكور لما بلغه عنه من الفساد وأخذ القلعة منه وسار إلى حلب وذلك في سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ويقال لهذه القلعة: الدوسرية، وهي منسوبة إلى دوسر غلام النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وكان قد تركه على أفواه الشام، فبنى هذه القلعة فنسبت إليه.
والجعبر في اللغة: القصير الغليظ، وهو بفتح الجيم وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة مفتوحة ثم راء.
141 - (1)
نصير الدين جقر
أبو سعيد جقر بن يعقوب الهمذاني الملقب نصير الدين؛ كان نائب عماد الدين زنكي صاحب الجزيرة [الفراتية] والموصل والشام، استنابه عنه بالموصل، وكان جباراً عسوفاً سفاكاً للدماء مستحلاً للأموال، قيل: إنه لما أحكم عمارة سور الموصل أعجبه إحكامه، فناداه مجنون نداء عاقل: هل تقدر أن تعمل سوراً يسد طريق
__________
(1) أخباره في صفحات متفرقة من التاريخ الباهر لابن الأثير.
(1/364)

القضاء النازل وفي ولايته قصد الإمام المسترشد حصار الموصل، فنازلها وضايقها مدة، وكان جقر المذكور قد حصنها وحفر خنادقها فقاتل الخليفة ورجع عنها ولم ينل منها مقصوداً (1) ، وذلك في شهر رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة، وكان بالموصل فروخ شاه ابن السلطان محمود السلجوقي المعروف بالخفاجي.
وذكر ابن الأثير في " تاريخ دولة بني أتابك " (2) أن الخفاجي صاحب هذه الواقعة هو ألب أرسلان بن محمود بن محمد لتربية عماد الدين زنكي أتابك - ولذلك سمي أتابك، فإنه [اللالا] الذي يربي أولاد الملوك، فالأتا بالتركية (3) هو الأب، وبك هو الأمير، فأتابك مركب من هذين المعنيين - وكان جقر يعارضه ويعانده في مقاصده، فلما توجه عماد الدين زنكي لمحاصرة قلعة البيرة قرر الخفاجي مع جماعة من أتباعه أن يقتلوا جقر، فحضر يوماً إلى باب الدارللسلام فنهضوا (4) إليه فقتلوه وذلك في الثامن، وقيل: يوم الحميس التاسع من ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (5) ، ولى عماد الدين زنكي موضع جقر زين الدين علي بن بكتكين والد مظفر الدين صاحب إربل، فأحسن السيرة وعدل في الرعية، وكان رجلاً صالحاً، رحمه الله تعالى.
ولما عاد زنكي إلى الموصل استصفى أموال جقر واستخرج ذخائره وصادر أهله وأقاربه، وكان جقر قد ولى بالموصل رجلاً ظالماً يسمى بالقزويني، فسار سيرة قبيحة وكثر شكوى الناس منه، فعزله وجعل مكانه عمر بن شكلة فأساء في السيرة أيضا فعمل في ذلك أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن شقاقا الموصلي المتوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسائة:
يا نصير الدين يا جقر ... ألف قزويني ولا عمر
__________
(1) قال ابن الأثير (الباهر: 47) : وحفظها نصير الدين أحسن حفظ وقام فيها المقام المرضي ... فأقام الخليفة محاصراً لها نحواً من ثلاثة أشهر فلم يظفر بشيء.
(2) الباهر: 71.
(3) أد: فإن أنا بالتركية.
(4) أج: فوثبوا.
(5) هـ: سنة 537.
(1/365)

لو رماه الله في سقر ... لاشتكت من ظلمه سقر وجقر: بفتح الجيم والقاف وبعدهما راء، وهو اسم أعجمي وأظنه كان مملوكا
142 - (1)
جميل بثينة
أبو عمر وجميل بن عبد الله بن معمر بن صباح - بضم الصاد المهملة - ابن ظبيان بن حن - بضم الحاء المهملة وتشديد النون - ابن ربيعة بن حرام بن صبة ابن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هديم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم ابن الحاف بن قضاعة الشاعر المشهور؛ صاحب بثينة أحد عشاق العرب، عشقها وعو غلام، لما كبر خطبها فرد عنها فقال الشعر فيها، وكان يأتيها سراً ومنزلهما وادي القرى، وديوان شعره مشهور فلا حاجة إلى ذكر شيء منه.
ذكره الحافظ ابن عساكر في " تاريخ دمشق " وقال: قيل له: لو قرأت القرآن كا أعود عليك من الشعر، فقال: هذا أنس بن مالك رضي الله عنه أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن من الشعر حكمة ".
وجميل وبثينة كلاهما من بني عذرة، وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك، والجمال والعشق في بني عذرة كثير؛ قيل لأعرابي من العذريين: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث كما ينماث الملح في الماء أما تتجلدون فقال: إنا ننظر إلى محاجر أعين لا تنظرون إليها، وقيل لآخر: ممن أنت فقال: أنا من قوم إذا أحبوا ماتوا، فقالت جارية سمعته: هذا عذري ورب الكعبة.
وذكر صاحب اغاني أن كثير عزة كان راوية جيمل، وجميل كان
__________
(1) لجميل ترجمة في الأغاني 8: 90 والخزانة 1: 191 والسمط: 29 والمؤتلف: 72، 168 وتهذيب ابن عساكر 3: 195 والموشح: 198.
(1/366)

راوية هدبة بن خشرم وهدبة راويةالحطيئة، والحطيئة راوية زهير بن أبي سلمى وابنه كعب بن زهير.
ومن شعر جميل من جملة أبيات:
وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة مجنون ليلى، وليست له وتيماء خاصة: منزل لبني عذرة، وفي هذه القصيدة يقول جميل:
وما زلتم يابثن حتى لو انني ... من الشوق استبكي الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة ... ولا كثرة الناهين إلا تماديا
وما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول الليالي تقاليا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أنني ... أظل إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت ان ألقى المنية بغتة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا وكان كثير عزة يقول: جميل والله أشعر العرب حيث يقول:
وخبرتماني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا ومن شعره:
إني لأحفظ سركم ويسرني ... لو تعلمين بصالح أن تذكري
ويكون يوم لا أرى لك مرسلا ... أو نلتقي فيه علي كأشهر
يا ليتني أقلى المنية بغتة ... إن كان يوم لقائكم لم يقدر ومنها:
يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمت ... يتبع صداي صداك بين الأقبر ومنها:
إني إليك بما وعدت لناظر ... نظر الفقير إلى الغني المكثر
(1/367)

يقضي الديون وليس ينجز موعداً ... هذا الغريم لنا وليس بمعسر
ما أنت والوعد الذي تعدينني ... إلا كبرق سحابة لم تمطر ومن شعره من جملة قصيدة:
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الوجد قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... بثينة قالت ذاك منك بعيد ومن شعره أيضاً:
وإني لأرضى من بثينة بالذي ... لو استيقن الواشي لقرت بلابله
بلا وبألا أستطيع وبالمنى ... وبالأمل المرجو قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي ... أواخره لا نلتقي وأوائله وله أيضاً:
وإني لأستحيي من الناس أن أرى ... رديفاً لوصل أو علي رديف
وأشرب رنقا منك بعد مودة ... وأرضى بوصل منك وهو ضعيف
وإني للماء المخالط للقذى ... إذا كثرت وراده لعيوف وله من أبيات أيضاً:
بعيد على من ليس يطلب حاجةً ... وأما على ذي حاجة فقريب
بثينة قالت يا جميل أريتني ... فقلت كلانا يابثين مريب
وأريبنا من لا يؤدي أمانة ... ولا يحفظ الأسرار حين يغيب وقال كثير عزة: لقيني مرة جميل بثينة فقال: من أين أقبلت فقلت: من عند أبي الحبيبة، يعني بثينة، فقال: وإلى أين تمضي قلت إلى الحبيبة، يعني عزة، فقال: لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتتخذ لي موعداً من بثينة، فقلت: عهدي بها الساعة، وأنا أستحيي أن أرجع، فقال لابد من ذلك، فقلت: متى عهدك ببثينة فقال: من أول الصيف، وقعت سحابة بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابا، فلما أبصرتني
(1/368)

أنكرتني، فضربت يدها إلى الثوب في الماء بالتحفت به، وعرفتني الجارية فأعادت الثوب إلى الماء، وتحدثنا ساعة حتى غابت الشمس، فسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون، ولا لقيتها بعد ذلك، ولا وجدت أحدا آمنه فأرسله إليها، فقال له كثير: فهل لك أن آتي الحي فأتعرض بأبيات شعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها قال: وذاك الصواب، فخرج كثير حتى أناخ بهم، فقال له أبوها: ما ردك يا ابن أخي قال: قلت أبياتا عرضت فأحببت أن أعرضها عليك، قال: هاتها، فأنشدته وبثينة تسمع:
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... إليك رسولاً والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداً ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: أخسأ اخسأ، فقال لها أبوها: مهيم با بثينة فقالت كلب يأتينا إذا نوم الناس من وراء الرابية، ثم قالت للجارية: ابغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونشويها له، فقال كثير: أنا أعجل من ذلك، وراح إلى جميل فأخبره، فقال جميل: الموعد الدومات.
وخرجت بثينة وصواحبها إلى الدومات، وجاء جميل وكثير إليهن، فما برحوا حتى برق الصبح، فكان كثير يقول: ما رأيت مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس، ولا مثل علم أحدهما بضمير الأخر، ما أدري أيهما كان أفهم (36) *.
وقال الحافظ أبو القاسم المعروف بابن عساكر في تاريخه الكبير: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني أبي هذه الأبيات لجميل بن معمر قال: وتروى لغيره أيضاً، وهي (1) :
ما زلت أبغي الحي أتبع فلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج
__________
(1) هي في ديوان عمر بن أبي ربيعة: 73.
(1/369)

فدنوت مختفيا ألم بيتها ... حتى ولجت إلى خفي المولج
فتناولت رأسي لتعرف مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج
قالت: وعيش أخي ونعمة والدي ... لأنبهن القوم إن لم تخرج
فخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت (1) أن يمينها لم تلجج
فلثمت فاهاً آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج قال هارون بن عبد الله القاضي: قدم جميل بن معمر مصر على عبد العزيز ابن مروان ممتدحاً له، فأذن له وسمع مدائحه وأحسن جائزته، وسأله عن حبه بثينة فذكر وجدا كثيراً، فوعده فيأمرها وأمره بالمقام وأمر له بمنزل وما يصلحه، فما أقام إلا قليلاً حتى مات هناك في سنة اثنتين وثمانين.
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي قال: بينما أنا بالشام إذ لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتل نعوده فدخلنا عليه وهو يجود بنفسه، فنظر إلي وقال: يا ابن سهل، ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط ولم يزن ولم يقتل النفس ولم يسرق يشهد أن ىإله إلا الله قلت: أظنه قد نجا وأرجوا له الجنة، فمن هذا الرجل قال: أنا، قلت له: والله ما أحسبك سلمت وأنت تشبب منذ عشرين سنة ببثينة، قال: لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها لريبة، فما برحنا حتى مات.
وقال محمد بن أحمد بن جعفر الأهوازي: مرض جميل بمصر مرضه الذي مات فيه، رحمه الله تعالى، فدخل عيه العباس بن سهل الساعدي، وذكر هذه الحكاية، والله أعلم بالصواب.
وذكر في " الأغاني " عن الأصمعي قال: حدثني رجل شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعا به فقال له: هل لك أن أعطك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك قال: فقلت: اللهم نعم، فقال: إذا أنا مت
__________
(1) هـ: فعرفت.
(1/370)

فخذ حلتي هذه واعزلها جانباً، وكل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بثينة، فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه وركبها، ثم ألبس حلتي هذه واشققها، ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم:
صرخ النعي وما كنى بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر البرد في وادي القرى ... نشوان بين مزارع وتخيل
قومي بثينة فاندبي بعويل ... وابكي خليلك دون كل خليل قال: ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتمت الأبيات حتى برزت بثينة كأنها بدر قد بدا في دجنة وهي تتثنى في مرطها حتى أتتني وقالت: يا هذا، والله إن كنت صادقا لقد قتلتني، وإن كنت كاذبا لقد فضحتني، قلت: والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته، فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت. فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول:
وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها وقد تقدم ذكر هذين البيتين في ترجمة الحافظ أبي طاهر أحمد السلفي (1) ، قال الرجل: فما رأيت أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ.
__________
(1) انظر ما سبق ص: 106.
(1/371)

143 - (1)
جنادة الهروي
أبو أسامة جنادة بن محمد اللغوي الأزدي الهروي؛ كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها، عارفاً بوحشيها ومستعملها، لم يكن في زمنه مثله في فنه، وكان بينه وبين الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري وأبي الحسن علي بن سليمان المرىء النحوي الأنطاكي مؤانسة واتحاد كثير، وكانوا يجتمعون في دار العلم وتجري بينهم مذاكرت ومفاوضات في الآداب، ولم يزل ذلك دأبهم حتى قتل الحاكم صاحب مصر أبا أسامة جنادة وأبا الحسن المقرئ الأنطاكي المذكورين في يوم واحد، وهو في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وثلثمائة، رحمهما الله تعالى، واستتر بسبب قتلهما الحافظ عبد الغني المذكور خوفاً على نفسه من مثل ذلك، حكى ذلك الأمير المختار المعروف بالمسبحي في تاريخه.
والهروي - بفتح الها والراء وبعدها واو وياء - هذه النسبة إلى هراة وهي من أعظم مدن خراسان.
وجنادة - بضم الجيم وفتح النون وبعد الألف دال مهملة مفتوحة ثم هاء ساكنة.
__________
(1) ترجمة جنادة الهروي في معجم الأدباء 7: 209 وبغية الوعاة: 213.
(1/372)

144 - (1)
الجنيد الصوفي
أبو القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري، الزاهد المشهور؛ أصله من نهاوند، ومولده ومنشؤه العراق، وكان شيخ وقته وفريد عصره، وكلامه في الحقيقة مشهور مدون، وتفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي رضي اله عنهما، وقيل: بل كان فقيها على مذهب سفيان الثوري رضي الله عنه. وصحب خاله السري السقطي والحارث المحاسبي وغيرهما من جلة المشايخ رضي الله عنهم. وصحبه أبو العباس ابن سريج الفقيه الشافعي، وكان إذا تكلم في الأصول والفروع بكلام أعجب الحاضرين فيقول لهم: أتدرون من أين لي هذا هذا من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد، وسئل الجنيد عن العارف فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت، وكان يقول: مذهبنا هذا مقيد بالأصول والكتاب والسنة (2) . وحضر الجنيد موضعا فيه قوم يتواجدون على سماع يسمعونه وهو مطرق، فقيل له: أبا القاسم، ما نراك تتحرك! فقال (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب، صنع الله) .
ورئي يوماً وفي يده سبحة، فقيل له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة فقال: طريق وصلت به إلى ربي لا أفارقه.
وقال الجنيد: قال لي خالي سري السقطي: تكلم على الناس، وكان في قلبي حشمة من الكلام على الناس، فإني كنت أتهم نفسي في استحقاقي ذلك، فرأيت ليلة في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت ليلة جمعة، فقال لي: تكلم على الناس، فانتبهت، وأتيت باب السري قبل أن أصبح، فدققت
__________
(1) ترجمة الجنيد في ابن الأثير 8: 62 وحلية الأولياء 10: 255 وصفة الصفوة 2: 235 وتاريخ بغداد 7: 241 وطبقات أبي يعلى: 89 وطبقات السبكي 2: 28.
(2) في نسخة آيا صوفيا: مقيد بالأصلين: الكتاب والسنة.
(1/373)

الباب فقال لي: لم تصدقنا حتى قيل لك، فقعدت في غد الناس بالجامع وانتشر في الناس أن الجنيد قعد يتكلم على الناس، فوقف علي غلام نصراني متنكراً وقال: أيها الشيخ، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن فإنه بنور الله فأطرقت ثم رفعت رأسي وقلت: أسلم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام.
وقال الشيخ الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعي بأبيات سمعتها، قيل له: وما هي قال: مررت بدرب القراطيس فسمعت جارية تغني من دار فأنصت لها فسمعتها تقول:
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلى ... تقولين لولا الهجر لم يطب الحب
وإن قلت هذا القلب أحرقه الهوى ... تقولي بنيران الهوى شرف القلب
وإن قلت ما أذنبت قلت مجبية ... حياتك ذنب لا يقاس به ذنب فصعقت وصحت، فبينما أنا كذلك إذا بصاحب الدار قد خرج فقال: ما هذا يا سيدي فقلت له: مما سمعت، فقال: أشهدك أنها هبة من يلك، فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله تعالى، ثم زوجتها لبعض أصحابنا بالرباط فولدت له ولداً نبيلاً، ونشأ أحسن نشوء، وحج على قدميه ثلاثين حجة على الوحدة.
وآثاره كثيرة مشهورة.
وتوفي يوم السبت - وكان نيروز الخليفة - سنة سبع وتسعين ومائتين، وقيل: سنة ثمان وتسعين آخر ساعة من نهار الجمعة ببغداد، ودفن يوم السبت بالشونيزية عند خاله سري السقطي، رضي الله عنهما. وكان عند موته - رحمه الله تعالى - قد ختم القرآن الكريم ثم ابتدأ في البقرة فقرأ سبعين آية، ثم مات. [قال محمد بن إبراهيم: رأيت الجنيد في المنام فقلت له: ما فعل الله بك قال: طاحت تلك الإشارات وغابت تلك العبارات وفنيت تلك العلوم ونفدت تلك الرسوم وما نفعنا إلا ركعات كنا نركعها في الأسحار] .
وإنما قيل له " الخزار " لأنه كان يعمل الخز، وإنما قيل له القواريري لأن أباه كان قواريرياً.
(1/374)

والخزار: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي وبعد الألف زاي ثانية.
والقواريري: بفتح القاف والواو وبعد الألف راء مكسورة ثم ياء مثناة من تحتها ساكنة وبعدها راء ثانية.
ونهاوند - بفتح النون وقال السمعاني: بضم النون وفتح الهاء وبعد الألف واو مفتوحة ثم نون ساكنة وبعدها دال مهملة - وهي مدينة من بلاد الجبل، قيل: إن نوحا عليه السلام بناها، وكان اسمها نوح أوند، ومعنى أوند بنى فعربوها فقالوا: نهاوند.
والشونيزية - بضم الشين المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وفي آخرها زاي - وهي مقبرة مشهورة ببغداد بها قبور جماعة من المشايخ (1) ، رضي الله عنهم، بالجانب الغربي.
145 - (2)
جوهر الصقلي
القائد أبو الحسن جوهر بن عبد الله، المعروف بالكاتب، الرومي؛ كان من موالي المعز بن المنصور بن الققائم بن المهدي صاحب إفريقية، وجهزه إلى الديار المصرية ليأخذها بعد موت الأستاذ كافور الإخشيدي، وسير معه العساكر، وهو المقدم، وكان رحيله من إفريقية يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وتسلم مصر يوم يوم الثلاثاء لآثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان من السنة المذكورة، وصعد المنبر خطيبا بها يوم الجمعة لعشر بقين من شعبان ودعا لمولاه المعز، فأقيمت الدعوة للمعز [في الجامع
__________
(1) أج: من الشهداء.
(2) أخبار جوهر الصقلي في اتعاظ الحنفا والدرة المضية وابن الأثير وابن خلدون، وخطط المقريزي والنجوم الزاهرة 4: 28 وتهذيب ابن عساكر 3: 416 وغيرها.
(1/375)

العتيق، وسار جوهر إلى جامع ابن طولون وأمر بأن يؤذن فيه بحي على خير العمل وهو أول ما أذن؛ ثم أذن بعده بالجامع العتيق وجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ولما استقر جوهر بمصر شرع في بناء القاهرة وسير عسكراً إلى دمشق وغزاها فملكها] . ووصلت البشارة إلى مولاه المعز بأخذ البلاد وهو بإفريقية في نصف شهر رمضان المعظم من السنة المذكورة، ويدعوه إلى المسير ليه، ففرح فرحاً شديداً، ومدحه الشعراء فمن ذلك محمد بن هانئ الأندلسي من قصيدة:
يقول بنو العباس قد فتحت مصر ... فقل لبني العباس قد قضي الأمر
وقد جاوز الإسكندرية جوهر ... تطالعه البشرى ويقدمه النصر وأقام بها حتى وصل إليه مولاه المعز وهو نافذ الأمر، واستمر على علو منزلته وارتفاع درجته متولياً للأمور إلى يوم الجمعة سابع عشر المحرم سنة أربع وستين، فعزله المعز عن دواوين مصر وجباية أموالها والنظر في أحوالها، وكان محسناً إلى الناس، إلى أن توفي يوم الخميس لعشر بقين من ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، رحمه الله تعالى، وكانت وفاته بمصر، ولم يبق بها شاعر إلا رثاه وذكر مآثره.
وكان سبب إنفاذ ملاه المعز له إلى مصر أن كافوراً الإخشيدي الخادم - الآتي ذكره في حرف الكاف - لما توفي استقر الرأي بين أهل الدولة أن تكون الولاية أحمد بن علي بن الإخشيد، وكان صغير السن، على أن يخلفه ابن عم أبيه أبو محمد الحسين بن عبد الله بن طغج، وعلى أن تدبير الرجال والجيش إلى شمول الإخشيدي، وتدبير الأموال إلى أبي الفضل جعفر بن الفرات الوزير، وذلك يوم الثلاثاء لعشر بقين من جمادى الولى سنة سبع وخمسين وثلثمائة، ودعي لأحمد بن علي بن الإخشيد على المنابر بمصر وأعمالها والشامات والحرمين، وبعده للحسين بن عبد الله، ثم إن الجند اضطربوا لقلة الأموال وعدم الاتفاق فيهم - كما ذكرناه في ترجمة جعفر بن الفرات المقدم ذكره - فكتب جماعة من وجوههم إلى المعز بإفريقية يطلبون منه إنفاذ العساكر ليسلموا له مصر، فأمر القائد
(1/376)

جوهراً المذكور بالتجهز إلى الديار المصرية، واتفق أن جوهرا مرض مرضاً شديداً أيس منه فيه، وعاده مولاه المعز فقال: هذا لا يموت، وستفتح مصر على يديه، واتفق إبلاله من المرض، وقد جهز له كل ما يحتاج إليه من المال والسلاح والرجال، فبرز بالعساكر في موضع يقال له الرقادة ومعه أكثر من مائة ألف فارس، ومعه أكثر من ألف ومائتي صندوق من المال، وكان المعز يخرج إليه كل يوم ويخلو به ويوصيه، ثم تقدم إليه بالمسير وخرج لوداعه، فوقف جوهر بين يديه والمعز مككئاً على فرسه يحدثه سرا زمانا، ثم قال لأولاده: انزلوا لوداعه، فنزلوا عن خيولهم، ونزل أهل الدولة لنزولهم، ثم قبل جوهر يد المعز وحافر فرسه، فقال له: اركب، فركب وسار بالعساكر، ولما رجع المعز إلى قصره أنفذ لجوهر ملبوسه وكل ما كان عليه سوى خاتمه وسراويله، وكتب المعز إلى عبده أفلح صاحب برقة أن يترجل للقائد جوهر ويقبل يده عند لقائه، فبذل أفلح مائة ألف دينار على أن يعفى من ذلك، فلم يعف، وفعل ما أمر به عند لقائه لجوهر.
ووصل الخبر إلى مصر بوصولهم، فاضطرب أهلها، واتفقوا مع الوزير جعفر بن الفرات على المراسلة في الصلح وطلب الأمان وتقرير أملاك أهل البلد عليهم، وسألوا أبا جعفر مسلم بن عبد الله الحسيني أن يكون سفيرهم فأجابهم، وشرط أن يكون معه جماعة من أهل البلد، وكتب الوزير معهم أيضا بما يريد، وتوجهوا نحو القائد جوهر يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان وخمسين وثلثمائة، وكان جوهر قد نزل في تروجة - وهي قرية القرب من الإسكندرية - فوصل إليه الشريف بمن معه وأدى إليه الرسالة، فأجابه إلى ما التمسوه، وكتب له جوهر عهدا بما طلبوه، واضطرب البلد اضطراباً شديداً، وأخذت الإخشيدية والكافورية وجماعة من العسكر الأهبة للقتال، وستروا ما في دورهم وأخرجوا مضاربهم ورجعوا عن الصلح، وبلغ ذلك جوهرا فرحل إليهم، وكان الشريف قد وصل بالعهد والأمان في سابع شعبان، فركب إليه الوزير والناس واجتمع عند الجند فقرأ عليهم العهد، وأوصل إلى كل واحد جواب كتابه بما أراد من الإقطاع
(1/377)

والمال والولاية، وأوصل إلى الوزير جواب كتابه وقد خوطب فيه بالوزير، فجرى فصل طويل في المشاجرة والامتناع، وتفرقوا عن غير رضى، وقدموا عليهم نحريراً الشوبزاني (1) ، وسلموا عليه بالإمارة، وتهيأوا للقتال، وساروا العساكر نحو الجيزة ونزلوا بها وحفظوا الجسور.
ووصل القائد جوهر إلى الجيزة (2) ، وابتدئ بالقتال في الحادي عشر من شعبان، وأسرت رجال وأخذت خيل، ومضى جوهر إلى منية الصيادين، وأخذ المخاضة بمنية شلقان (3) ، واستأمن إلى جوهر جماعة من العسكر في المراكب وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها، فلما رأى ذلك جوهر قال لجعفر بن فلاح: لهذا اليوم أرادك المعز، فعبر عريانا في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال خوضا حتى خرجوا إليهم، ووقع القتال، فقتل خلق كثير من الإخشيدية وأتباعهم، وانهزمت الجماعة في الليل، ودخلوا مصر وأخذوا من دورهم ماقدروا عليه وانهزموا وخرج حرمهم (4) مشاة ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان، فكتب إليه يهنئه بالفتح ويسأله (5) إعادة الأمان، وجلس الناس عنده ينتظرون الجواب، فعاد إليه بأمانهم، وحضر رسوله ومعه بند أبيض وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهب، فهدأ البلد وفتحت الأسواق وسكن الناس كأن لم تكن فتنة.
فلما كان آخر النهار ورد رسوله إلى أبي جعفر بأن تعمل على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة تخلو من شعبان بجماعة الأشراف والعلماء ووجوه البلد (6) ، فانصرفوا متأهبين لذلك، ثم خرجوا ومعهم الوزير جعفر وجماعة الأعيان إلى الجيزة، والتقوا بالقائد، ونادى مناد: ينزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير، فنزلوا وسلموا عليه واحداً واحداً، والوزير عن شماله والشريف عن يمينه، ولما
__________
(1) هـ: الشونيزاني.
(2) د هـ: الجزيرة.
(3) أ: سلقان.
(4) د: حريمهم.
(5) ب: وسأله.
(6) هـ: وبياض البلد.
(1/378)

فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد، فدخلوا من زوال الشمس وعليهم السلاح والعدد، ودخل جوهر بعد العصر وطبوله. وبنوده بين يديه، وعليه ثوب ديباج مثقل، وتحته فرس أصفر (1) ، وشق مصر، ونزل في مناخه موضع القاهرة اليوم، واختط موضع القاهرة.
ولما أصبح المصريون حضروا إلى القائد للهناء، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل، وكان فيه زورات جائت غير معتدلة فلم تعجبه، قم قال: حفرت في ساعة سعيدة فلآ أغيرها، وأقام عسكره يدخل إلى البلد سبعة أيام أولها الثلاثاء المذكور، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه المعز يبشره بالفتح وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة، وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية، وكذلك اسمهم من على السكة، وعرض عن ذلك باسم مولاه المعز، وأزال الشعار الأسود، وألبس الخطباء الثياب البيض، وجعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم بحضرة الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء.
وفي يوم الجمعة الثامن من ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب (2) الخطبة اللهم صل على محمد المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسين سبطي الرسول، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللهم صل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين.
وفي يوم الجمعة ثامن عشر (3) ربيع الآخر سنة تسع وخمسين صلى القائد في جامع ابن طولون بعسكر كثير، وخطب عبد السميع بن عمر العباسي الخطيب، وذكر أهل البيت وفضائلهم، رضي الله عنهم، ودعا للقائد، وجهر القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة، وأذن بحي على خير العمل وهو أول من أذن به بمصر، ثم أذن به في سائر المساجد، وقنت الخطيب في صلاة الجمعة.
وفي جمادى الأولى من السنة أذنوا في جامع مصر العتيق بحي على خير العمل
__________
(1) د: اشقر.
(2) أ: بعد؛ د: عقب.
(3) د هـ: ثامن شهر.
(1/379)

وسر القائد جوهر بذلك، وكتب إلى المعز وبشره بذلك، ولما دعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر أنكر عليه وقال: ليس هذا رسم موالينا.
وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة، وفرغ من بنائه (1) في السابع (2) من شهر رمضان سنة إحدى وستين، وجمع فيه الجمعة.
قلت: وأظن هذا الجامع هو المعروف بالأزهر بالقرب من باب البرقية، بينه وبين باب النصر، مشهور بالحاكم الآتي ذكره.
وأقام جوهر مستقلاً (3) بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوما، ولما وصل المعز إلى القاهرة - كما هو في ترجمته - خرج جوهر من القصر إلى لقائه، ولم يخرج معه شيئاً من آلته سوى ما كان عليه من الثياب، ثم لم يعد إليه، ونزل في داره بالقاهرة، وسيأتي أيضاً طرف من خبره في ترجمة مولاه المعز، إن شاء الله تعالى.
وكان ولده الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم، فهرب هو وولده وصهره القاضي عبد العزيز بن النعمان، وكان زوج أخته، فأرسل الحاكم من ردهم وطيب قلوبهم وآنسهم مدة مديدة ثم حضروا إلى القصر بالقاهرة للخدمة، فتقدم الحاكم إلى راشد الحقيقي (4) - وكان سيف النقمة - فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك، وقتلوا الحسين وولده وصهره القاضي، وأحضروا رأسيهما إلى بين يدي الحاكم، وكان قتلهم في سنة إحدى وأربعمائة، رحمهم الله تعالى، وقد تقدم خبر الحسين في ترجمة برجوان.
__________
(1) أ: بنيانه.
(2) أهـ: في السابع عشر.
(3) ب هـ: مستقراً.
(4) ج: الحنيفي.
(1/380)

146 - (1)
جهاركس الصلاحي
أبو المنصور جهاركس بن عبد الله الناصري الصلاحي الملقب فخر الدين؛ كان من كبراء أمراء الدولة الصلاحية، وكان كريما نبيل القدر عالي الهمة، بنى بالقاهرة القيسارية الكبرى المنسوبة إليه، رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون: لم نر في شيء من البلاد مثلها في حسنها وعظمها وإحكام بنائها، وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلقا؛ وتوفي في بعض شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق، ودفن في جبل الصالحية، وتربته مشهورة هناك، رحمه الله تعالى.
وجهاركس - بكسر الجيم وفتح الهاء وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة - وعناه بالعربي أربعة أنفس، وهو لفظ عجمي معربه أستار والأستار أربع أواقي، وهو معروف به.
__________
(1) انظر صفحات متفرقة من مفرج الكروب (ج: 3) .
(1/381)

فراغ
(1/382)

مُلحقات
(1/383)

فراغ
(1/384)

أ - زيادات نسخة د عند وستنفيلد
فيما يلي الزيادات التي ألحقها وستنفيلد بطبعته لوفيات الأعيان آخذاً عن نسخة د عنده، وأرقامها المتسلسلة هنا هي أرقامها في متن هذا المجلد في المواضع المبينة صفحاتها في رأس كل زيادة. وقد وافقت هذه النسخة في بعض زياداتها غيرها من نسه هذا الكتاب، فأشرنا إلى ذلك في الحاشية.
(1)
(ترجمة إبراهيم بن المهدي، رقم: 9، ص: 40، س: 6)
فقلد إبراهيم على بلاد الكوفة والسواد وخطب له على المنابر ونزل بعساكره على مدائن كسرى ثم رجع إلى بغداد وأقام بها والحسن بن سهل مقيم في حدود وساط خليفة عن المأمون والمأمون إذ ذاك ببلاد خراسان مقيم؛ ولم يزل إبراهيم ابن المهدي مقيماً ببغداد على أمره يدعى بأمير المؤمنين ويخطب له على منابر العرق إلى أن وصل المأمون من خراسان متوجهاً إلى العراق، وقد توفي علي ابن موسى الرضا، فلما أشرف المأمون من العرق وقرب من بغداد ضعف إبراهيم، وقصرت يده عن بذل الأموال، وتفرق الناس عنه، ولم يزل على ذلك إلى أن صلى عيد الأضحى من سنة 203 ثم عاد من الصلاة إلى قصر الرصافة وأطعم الناس طعام العيد ومضى من يومه إلى داره إلى آخر النهار، ثم خرج منها ليلاً فاستتر وانتقض أمره، وأقام في استتاره ست سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام.
(1/385)

(2)
(ترجمة إبراهيم بن المهدي، رقم: 9، ص: 41، س: 9) (1)
وكان المأمون لما دخل بغداد اختفى عمه [إبراهيم] المذكور والفضل بن الربيع فجد المأمون في طلبهما، فأما إبراهيم فإنه أخذ لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة 210 ليلاً وهو منتقب بيت امرأتين في زي امرأة، أخذه حارس فدفع إليه إبراهيم من إصبعه خاتماً له قدر عظيم، فلما رأى الحارس الخاتم وعليه فص ياقوت واستراب بالنسوة وحسر عن وجه إبراهيم فرأى لحيته فرفعه إلى صاحب الجسر وحمل إلى دار المأمون فأمر أن يقعد على هيئته إلى غد ليراه بنو هاشم والقواد والجند، وصيروا المقنعة التي كان منتقباً بها في عنقه والملحفة في صدره ليراه الناس كيف أخذ في حول إلى منزل أحمد بن أبي خالد فحبس عنده وبقي إلى أن دخل المأمون ببوران بفم الصلح فأم بحمل إبراهيم [بن المهدي] خلفه، فلما كان في الليلة التي دخل المأمون على بوران فيها وجلس المأمون معها يحادثها وهما على حصير ذهب، نثرت جدتها عليها ألف درة كبار كانت في صينية ذهب، فتناثر الدر على الحصير فلما رآه المأمون قال: قاتل الله أبا نواس كأنه حاضر هذا [المجلس] في قوله:
كأن صغري وكبري من فواقعها ... حصباء درٍ على أرض من الذهب فأمر المأمون بجمعه فجمع ووضعه في حجرها وقال لها: هذه نحلتك فسلي حاجتك، فأمسكت فقالت لها جدتها: كلمي سيدك ومولاك وسليه حوائجك فقد أمرك، فسألته الرضى عن إبراهيم المذكور، فقال: قد فعلن، وسألته الإذن لأم جعفر زبيدة أم الأمين في الحج فأذن لها، فلما كان من الغد دعا إبراهيم فلما دخل عليه قال: هيه يا إبراهيم، فقال: يا أمير المؤمنين ولي الثأر
__________
(1) وردت هذه الزيادة أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 6 أ - 7 ب وما وضع بين معقفين فيها هو إضافة من هذه النسخة على نسخة د.
(1/386)

محكم في القصاص والعفو أقر للتقوى، وقد جعلك الله فوق كل ذي ذنب كما جعل ذي ذنب دونك، فإن تعاقب فبحقك وإن تعف فبفضلك، قال: بل أعفو يا إبراهيم، فكبر وسجد ورفع رأسه قائلاً يمدح المأمون:
يا خير من زملت إليه مطية ... بعد الرسول لآيس ولطامع من جملتها:
فعفوت عن من لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع إليك بشافع
إلا العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمسكتين خاضع
فرحمت أطفالاً كأفراخ القطا ... وعويل عانسة كقوس النازع
الله يعلم ما أقول فإنها ... جهد الألية من حنيف راكع
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طايع
[إن الذي قسم الخلافة حازها ... في صلب آدم للإمام السابع] فذكر أن المأمون قال حين أنشده هذه القصيدة: أقول كما قال يوسف لأخوته (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) . وقيل إن المأمون استشار أصحابه في إبراهيم [بن المهدي] فأشار كل واحد بما حضره فأقبل على الحسن بن سهل فقال له: ما تقول أنت قال: يا أمير المؤمنين إن عاقبت فلك نظير وإن صفحت فلا نظير لك، فعفا عنه.
وكان المأمون أرسل إلى شكلة أم إبراهيم يتوعدها [بالقتل] فأرسلت إليه: إني من أمهاتك فإن كان ابني عصى الله فيك فلا تعصه فيّ.
وأما الفضل بن الربيع فسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته في حرف الفاء.
وكان إبراهيم المذكور قد ترك الغناء آخر عمره وذلك أنه قال: كنت يوماً عند الرشيد في مجلس خلوة لم يحضره إلا جعفر بن يحيى البرمكي فبكى فقلت: يا أمير المؤمنين لا أبكى الله عينك، فقال: أنت أبكيتني يا إبراهيم لأنك مع كمالك وأدبك ومعرفتك قد اشتهرت بالغناء واخترته ولزمته حتى عطلت ما يسمو إليه مثلك وكأني بك غداً وقد ملك بعض ولد أخيك فأمرك ونهاك وامتهنك في الغناء وإنما امتهن المهدي بك؛ قال: فلما كان في أيام المعتصم
(1/387)

حضر يوماً منها مجلسه وكان الإفشين حاضراً، فلما أرادوا الانصراف قال الإفشين: يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك تطول على عبدك بالتقدم إلى الندماء أن يكونوا غداً عندي، فأمرهم المعتصم بالمسير إليه، فقال: ويجيبني سيدي إبراهيم، قال: يا عم أجبه، فصار إليه إبراهيم من غد وبكر عليه الندماء جميعاً فسر وشرب حتى سكر وكان طاغياً شديد العربدة لجوجاً فلما عمل فيه الكسر قال: يا إبراهيم غنيني صوتك الذي فيه مو مو، قال: لا أعرف هذا الصوت، قال: تغني والله أبداً كل شيء تحسنه حتى يمر هذا الصوت، قال: فغنى أصواتاً كثيرة وإلى بينها والإفشين ساكت ضارب بذقنه على صدره، ثم خطر ببال إبراهيم قول الرشيد وبكاؤه وإشفاقه عليه فغنى متفجعاً لذكره:
لم ألق بعدهم قوماً فأخبرهم ... ألا يزيدهم حباً إليّ هم فرفع الإفشين رأسه وقال: هو هو، فقال إبراهيم: أما إنك لا تدري ما استخرجه، وانصرف فقطع الغناء وأهله ولم يتغن بقية أيامه حتى اعتل العلة التي توفي فيها؛ فإنه لما ثقل دعا المعتصم صالح بن الرشيد فقال: صر إلى عمي فقد بلغني أنه أصبح عليلاً فأحضره وانصرف إليّ بخبره، قال: فصرت إليه فإذا هو شديد العلة فسلمت عليه وسألته عن حاله فقال: صر إلى الحجرة فاخلع سيفك وسوادك وعد إليّ آنس بك ساعة، ففعلت، ودعا خادماً من خدمه فأمره أن يحضر طعاماً فأكلت وهو ينظر إليّ وأتبين الأسف في عينيه، ثم دعا لي بأرطال مطبوخ عجيب فشربت، ثم قال: يا غلام ادع بنعمة وخيزرانة، وكانت نعمة تغني وخيزرانة تضرب، فجاءنا فأمر هذه فضربت وهذه فغنت ثم قال: أسندني، فأسندناه فأمر خيزرانة فحطت من طبقتها ثم اندفع يغني:
رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشبون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حال بعد حال
من رآنا فليوطن نفسه ... إنه منها على قرب زوال قال: فاستوفاه، فما سمعت قط شيئاً أحسن من غنائه فيه، ثم قال: بأبي أنت أزيدك قلت: ما أريد أن أشق عليك مع ما أراه من حالك فليتني
(1/388)

كنت فداك، فقال: دعني أودع نفسي، وتغني:
يا منزلاً لم تبل أطلاله ... حاشا لأطلالك أن تبلى
لم أبك أطلالك لكنني ... بكيت عيشي فيك إذ ولى
والعيش أولى ما بكاه الفتى ... لابد للمحزون أن يسلى فبكيت لطيب غنائه وشربت أرطالاً ومال على جنبه ونهضت فليست سوادي، فما خرجت من الحجرة حتى سمعت الصراخ عليه فصرت إلى المعتصم فأخبرته الخبر على وجهه فاسترجع وبكى وتفجع.
(3)
(ترجمة إبراهيم النديم الموصلي، رقم: 10، ص: 42، س: 17)
سأله يوماً المعتصم عن معرفة النغم كيف يميز بينها على تشابهها واختلافها فقال: يا أمير المؤمنين إن من الأشياء ما يحيط به العلم ولا تؤديه الصفة، وكان يقول: حق الصوت الحسن أن يرد أربع مرات فالأولى بديهة والثانية للتفخيم والثالثة للفرح والرابعة للتشبع.
قال (1) إبراهيم النديم: ولما أردنا الانصراف ليلة عن المأمون التفت إلى إبراهيم ابن المهدي المذكور قبله فقال: بحقي عليك يا عم لما صنعت أبياتاً وصنعت عليها لحناً، ثم قال لي مثل ذلك وقال: بكرا علي فقد اشتهيت الصبوح غداً، قال [أبو] إسحاق: فقلت والله لأكيدن إبراهيم ولأسرقنه، فلما صليت العشاء الآخرة ركبت وصرت إلى ساباط لإبراهيم كان له عليه مجلس يقعد فيه فدعوت الحارس فأعطيته ديناراً وقلت له: لا تعلم أحداً بمكاني، وصرفت غلامي وأمرته أن يأتيني بدابتي سحراً فلم ألبث أن جاء إبراهيم فجلس في مجلسه ذلك ودعا جواريه وجعل يلقنهن الشعر وقد صاغ عليه اللحن فهو يضرب بالعود وأنا أضرب على
__________
(1) من هنا وحتى نهاية هذا الخبر، اشتركت نسخة د مع نسخة آيا صوفيا: 8 ب - 9 أفي هذه الزيادة، وما وضع بين معقفين فيها هو إضافات ضرورية من نسخة آيا صوفيا على نسخة د.
(1/389)

فخذي إيقاع الصوت حتى أخذته وأحكمته، فلما كان السحر أتاني غلامي بدابتي فصرت من فوري إلى باب المأمون فقال لي أحمد بن هشام: بكرت، ثم دخل فأعلمه فأذن لي فدخلت على المأمون فقال: أكلت فقلت: لا، فدعا لي بالطعام، وقد كان أكل وشرب، فغنيته بشعر إبراهيم ولحنه وهو:
قالت نظرت إلى غيري فقلت لها ... وماء دمعي من عيني محدور
نفسي فداؤك طرف العين مشترك ... والقلب مني عليك الدهر مقصور
العين تنظر أحياناً وباطنه ... مما يقاسي بظهر الغيب مستور فطرب المأمون عليه وشرب، فما لبثنا ساعة واحدة حتى استؤذن لإبراهيم ابن المهدي فأذن له فدخل فدعا له بالطعام وسقي ثم جلس فغنى هذا الشعر في هذا اللحن فقال المأمون: يا هذا أراك تسرق أشعار الناس وتدعيها لنفسك، واحمرت عيناه وغضب غضباً شديداً وكاد يسطو بإبراهيم، فقام إبراهيم على قدميه وقال: وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيعتك في عنقي ما سبقني إليه أحد، فقال المأمون: هذا [أبو] إسحاق بعينه، وقال: يا أبا إسحاق غنه، فغنيته فبقي إبراهيم مبهوتاً لا يحير جواباً، فلما رأيت المأمون على تلك الحال قلت: يا أمير المؤمنين الشعر واللحن له ولكن سرقته منه اللصوص، وحدثته الحديث فسكن حينئذ وقال: يا أحمد بن هشام خذ من مال إبراهيم ثلاثين ألف درهم وادفعها إلى [أبي] إسحاق لتضييع إبراهيم سره، فغدوت على إبراهيم فقلت: أيها الأمير أقبلها مني، واعتذرت إليه فقال: لا أقبل منك ما جاد به أمير المؤمنين لكن كدت والله يسفك دمي يا أبا إسحاق فلا تعد في المزاج إلى مثلها فإن الملوك تعفو عن الكثير وتقتل في اليسير.
(1/390)

(4)
(ترجمة إبراهيم الصولي، رقم: 11، ص: 44، س: 5) (1)
ومن رقيق شعره قوله بين يدي المتوكل حين أحضر لمناظرته أحمد بن المدبر ارتجالاً:
صد عني وصدق الأقوالا ... وأطاع الوشاة والعذالا
أتراه يكون شهر صدود ... وعلى وجهه رأيت الهلالا فطرب المتوكل واهتز ووصله وخلع عليه وحمله وجدد له ولاية؛ وهل من التلطف والاستعطاف أكثر من هذا وكان محمد بن عبد الملك الزيات وزير المعتصم صديقاً لإبراهيم المذكور فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمسمائة ألف درهم فقال الصولي: وكنت أخي (الأبيات) ؛ وله فيه أيضاً:
كن كيف شيت وقل ما تشا ... وابرق يميناً وارعد شمالا
نجا بك لؤمك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا ولعمري لقد بالغ فيه؛ [وكان يقول: الخبز ليومه والطبيخ لساعته والنبيذ لسنته] (2) .
ومن تغزل إبراهيم المذكور قوله:
أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل عين ... لما استقصت محاسنك العيون ومن شعره أيضاً:
دنت بأناس. (البيتين)
__________
(1) اشتركت في هذه الزيادة نسختا د وآيا صوفيا (9 ب) مع بعض الاختلاف في النص والترتيب.
(2) ما بين معقفين سقط من د وثبت في نسخة آيا صوفيا.
(1/391)


الكتاب: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
المؤلف: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)
المحقق: إحسان عباس
الناشر: دار صادر - بيروت
الطبعة:
الجزء: 1 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 2 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 3 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 4 - الطبعة: 1، 1971
الجزء: 5 - الطبعة: 1، 1994
الجزء: 6 - الطبعة: 0، 1900
الجزء: 7 - الطبعة: 1، 1994
عدد الأجزاء: 7
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التراجم] (5)
(ترجمة الصابئ، رقم: 15، ص: 52، س: 16)
حضر يوماً مائدة المهلبي فامتنع من أكل باقلا عليها لأنه محرم على الصابئة كيفما كان مع السمك ولحم الخنزير ولحم الجمل وفراخ الحمام والجراد، فقال له المهلبي: يا أبا إسحاق لا تتبرد وكل من هذا الباقلا، فقال: أيها الوزير لا أريد أن أعصي الله في مأكول، فاستحسن ذلك منه.
وكان الصاحب يحبه أشد المحبة ويتعصب له ويتعهده على بعد الدار بالمنح؛ وله رسائل وقصائد كثيرة إليه وفيه. ومن عنوان طبقته قوله يذم شخصاً (1) : هو أخفض قدراً ومكانة، وأظهر عجزاً ومهانة، من أن تستقل به قدم في مطاولتنا، أو تطمئن له ضلوع على منابذتنا، وهو في نشوزه عنا وطلبتنا إياه كالضالة المنشودة، وفيما نرجوه من الظفر به كالظلامة المردودة.
وله (2) إلى بعض الوزراء وقد أهدى إليه دواة مرفعاً: قد خدمت مجلس سيدنا بدواة تداوي مرض عفاته، وتدوي قلوب عداته، على مرفع يؤذن بدوام رفعته، وارتقاء النوائب عن ساحته.
ما أخرج من شعره في الغزل من ذلك قوله:
تورد دمعي إذ جرى ومدامتي ... فمن مثل ما في الكأس عيني تسكب
فو الله لا أدري أبالخمر أسبلت ... جفوني أم من عبرتي كنت أشرب وقوله:
أقول وقد جردتها من ثيابها ... وعانقتها كالبدر في ليلة التم
وقد لمت صدري بشدة ضمها ... لقد جبرت قلبي وإن أوهنت عظمي
__________
(1) ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا: 11 ب أيضاً.
(2) ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا: 11 ب أيضاً، مع اختلاف يسير في النص.
(1/392)

(6)
(ترجمة الصابئ، رقم: 15، ص: 53، س: 13)
وكتب إلى عضد الدولة يوم مهرجان مع اصطرلاب أهداه إليه:
أهدي إليك ينو الآمال واحتفلوا ... في مهرجان جديد أنت معليه (1)
لكن عبدك إبراهيم حين رأى ... علو قدرك عن شيء يدانيه
لم يرض بالأرض مهداة (2) إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه وقوله في مدخنة:
ومحرورة الأحشاء تحسب أنها ... متيمة تشكو من الحب تبريحا
تناجيك نجوى يسمع الأنف وحيها ... وتجهله الأذن السميعة إذ يوحى
إذا استودعت سراً من الطيب مجملاً ... أشاعته تفصيلا وأفشته مشروحا
يحرق فيها الند عوداً وبدأة ... فتأخذه جسماً وتبعثه روحا ومما يقارب ذلك ما حكى ابن السنبلي: بعث إلى صديق له ورداً وقرابه ليستقطر ماءه وكتب معه:
يا سيداً أصبحت خلائقه ... كالروض ريح الصب تدمثه
بعثت ورداً حياً إليك عسى ... تقبض لي روحه وتبعثه
__________
(1) وردت هذه الأبيات الثلاثة آيا صوفيا: 11 ب أيضاً، والبيت الأول فيها:
أهدى إليك بنو الآمال واحتشدوا ... في مهرجان عظيم أنت تعليه (2) آيا صوفيا: يهديها.
(1/393)

(7)
(ترجمة الحصري، رقم: 16، ص: 54، س: 15) (1)
[وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة "، وحكى من أخباره وأحواله وأنشد جملة من أشعاره، فمن ذلك ما حكاه أبو صفوان] العتكي قال: كان أبو إسحاق الحصري كلفاً بالمعذرين، وهو القائل:
ومعذرين كان نبت خدودهم ... أقلام مسك تستمد خلوقا
قرنوا البنفسج بالشقيق ونظموا ... تحت الزبرجد لؤلؤاً وعقيقا [قال:] وكان يختلف إليه غلام من أبناء أعيان أهل القيروان، وكان به كلفاً، فبينا هو (2) يوماً والحصري جالس عنده وقد أخذا في الحديث إذ أقبل الغلام [كما قيل] :
في صورة كملت تخال بأنها ... بدر السماء لستة وثمان
يعشي العيون ضياؤها فكأنه ... شمس الضحى تعشى بها العينان فقال له الشيخ: يا أبا إسحاق ما تقول فيمن هام بهذا الغلام وصبا بهذا الخد فقال له الحصري: الهيمان والله به في غاية الظرف، والصبوة إليه من تمام اللطف، لا سيما إذ شاب كافور خده هذا المسك الفتيت، وهجم على صبحه هذا الليل البهيم، ووالله ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر، أو غيهب الظلماء في منير الفجر؛ فقال: صفه يا حصري، فقلت: من ملك رق القول حتى انقادت له صعابه، وذل له جموحه وسطع له شهابه، أقعد مني بذلك، فقال: صفه فإني معمل فكري فيه، ثم أطرقا لحظة فقال الحصري:
__________
(1) اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (12 أ - 12 ب) في هذه الزيادة، وما وضع بين معقفين فيها هو إضافة من نسخة آيا صوفيا على نسخة د.
(2) أي الشيخ الذي يجالسه.
(1/394)

أورد قلبي الردى ... لام عذار بدا
أسود كالكفر في ... أبيض مثل الهدى فقال الشيخ: أتراك اطلعت على ضميري أم خضت بين جوانحي وزفيري فقال له: ولم ذاك أيها الشيخ قال: لأني قلت:
حرك قلبي وطار صولج لام العذار ... أسود كالليل في أبيض مثل النهار (8)
(ترجمة ابن خفاجة، رقم: 17، 2: 56، س: 14) (1)
وله من أبيات يخاطب أبا بكر بن الحاج:
وما صدت الحسناء عنك زهادة ... ولكن زهاها أنها تتعشق
فظلت تجر الذيل تيهاً وإنها ... لأغلق رهناً في هواك وأعلق
وإلا فما للقطر قد فاض عبرة ... هناك وما للرعد قد بات يشهق
فدونكها حسناء، لا أن بعلها ... قلاها ولكن رب حسنا تطلق ومن شعره أيضاً:
ورب ليالٍ بالنعيم أرقتها ... لمرضى جفون بالفرات نيام
يطول علي الليل يا أم مالك ... وكل ليالي الصب ليل تمام وله أيضاً:
تلاقي نسيبي في هواها وأدمعي ... فمن لؤلؤ نظم ومن لؤلؤ نثر
وقد خلعت ليلاً علينا يد الهوى ... رداء عناقٍ مزقته يد الفجر
__________
(1) اشتركت نسخة آيا صوفيا (13 أو 13 ب) مع نسخة د في هذه الزيادة، مع اختلاف يسير في ترتيب المقطوعات.
(1/395)

(9)
(ترجمة إبراهيم الغزي الشاعر، رقم: 18، ص: 59، س: 1)
وله أيضاً:
تسمى بأسماء الشهور فكفه ... جمادى وما ضمت عليه المحرم وله أيضاً:
أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا ... واجعل لحج تلاقينا مواقيتا
فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر ... المسود لاثمه يطوي السباريتا
واللثم يجحف بالملثوم كثرته ... حاشا ثناياك من وصم وحوشيتا
وفتية من كماة الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتاً ولا صيتا
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا (1)
العلم يوتي ولا يأتي وليس لمن ... يغتابني فيه إلا أنه يوتى (10)
(ترجمة المروروذي، رقم: 23، ص: 69، س: 18)
حكى (2) أبو حامد المذكور قال: وقف سائل من هؤلاء الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس جماعة فسأل وألح، فقلت له [وقد ضجرت] : يا هذا نزلت بواد غير ذي زرع، فقال: صدقت ولكن تجبى إليه ثمرات كل شيء، فضحكت منه الجماعة ووصلته بشيء.
ومثل هذه النادرة ما أخبرني الفقيه أمين الدين ابن الفقيه نصر رحمه الله
__________
(1) ورد هذا البيت والبيت الذي قبله في نسخة آيا صوفيا: 14 ب أيضاً.
(2) اشتركت نسخة آيا صوفيا (16 ب) مع نسخة د في هذا الخبر، وما بين معقفين فيه زيادة آيا صوفيا (وانظر الإمتاع 3: 100) .
(1/396)

تعالى وهو يومئذ [شاب] وصاحب ديوان الأحباس يكتب أسمائهم يستعد بهم المضي للحاق بالمقام السلطاني في مهم، فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره، فقام رجل آخر ليعتذر فقال: المملوك كما قال الله تعالى: (إن بيوتنا عورة) فقال له الفقيه أمين الدين المذكور: صل، يشير إلى بقية الآية وهي قوله: (وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا) فضحك البرهان ضحكاً شديداً وقال: لا أجمع عليك بين تندير الفقيه وبين تكليفك للمجيء، ثم خط على اسمه وكتب غيره
(11)
(ترجمة ابن أبي داود، رقم: 32، ص: 38، س: 12) (1)
حكى أبو مالك جرير بن أحمد بن أبي داود قال: قال الواثق يوماً لأبي تضجراً بكثرة حوائجه: يا أحمد قد اختلت بيوت الأموال بطلباتك للائذين بك والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين نتائج شكرها متصلة بك وذخائر أجرها مكتوبة لك، وما لي من ذلك إلا عشق اتصال الأنس بعلو المدح فيك، فقال: يا أبا عبد الله، لا منعناك ما يزيد في عشقك ويقوي من همتك فينا ولنا.
ومثل هذا حكى الثعالبي عن إبراهيم بن السندي قال: قلت في أيام ولايتي الكوفة لرجل من وجودها كان لا يخف كده ولا يجف قلمه ولا تستريح حركته في طلب حوائج الناس وإدخال المرافق على الضعفاء، وكان وجيهاً ذا مروة وفصاحة: خبرني عن الشيء الذي هون عليك هذا المنصب وقواك على تكاليف النصب ما هو فقال: قد والله سمعت تغريد الأطيار بالأسحار وأصوات القيان فما طربت قط كطربي من ثناء حسن من رجل محسن، قلت: لله درك ولله أنت قد حشيت مروة وكرماً.
وقال أبو العيناء: ما رأيت أفصح لساناً ولا أصوب رأياً ولا أحضر حجة من
__________
(1) اشتركت نسختا د آيا صوفيا (19 أ - 19 ب) في هذه الزيادة.
(1/397)

ابن أبي دؤاد؛ قال له الواثق: رفعت فيك رقعة فيها كيت وكيت، فقال: ليس بعجيب أن أحسد بمنزلتي من أمير المؤمنين فيكذب علي؛ قال: وزعموا أنك وليت القضاء رجلاً أعمى، قال: بلغني أنه إنما عمي على بكائه على أمير المؤمنين المعتصم فحفظت ذلك له وأمرته أن يستخلف؛ قال: وفيها أنك أعطيت شاعراً ألف دينار، قال: كان دونك ذلك، وقد أثاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كعباً وسلم كعباً وقال في آخر: اقطعوا لسانه عني، وهذا شاعر طائي مصيب محسن لو لم أدع إلا قوله فيك للمعتصم:
فاشدد بهارون الخلافة إنه ... سكن لوحشتها ودار قرار
ولقد علمت بأن ذلك معصم ... ما كنت تتركه بغير سوار فقال الواثق: قد وصلته بخمسمائة دينار.
وقيل إنه دخل على الواثق بعدما حصل له الأمر فقال: ما زال قوم اليوم في ثلبك ونقصك يا أحمد، قال فقلت: يا أمير المؤمنين (لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم عذاب عظيم) فالله ولي جزائه وعقاب أمير المؤمنين من ورائه، وما ضاع أمر أنت حافظه ولا ذل من كنت ناصره، فما قلت لهم يا أمير المؤمنين قال: قلت يا [أبا] عبد الله:
وسعى إليّ بعيب عزة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها (12)
ترجمة أبي العلاء المعري، رقم: 47، ص: 114، س: 21)
وله في الشمعة:
وصفراء مثلي في هواها جليدة ... على نوب الأيام والعسف والضنك
تريك ابتساماً دائماً وتهللاً ... وصبراً على ما نالها وهي في الهلك (1)
__________
(1) ورد هذا البيت والبيتان اللذان بعده في نسخة آيا صوفيا: 26 أيضاً.
(1/398)

فلو نطقت يوماً لقالت أظنكم ... تخالون أني من حذار الردى أبكي
فلا تعجبوا من ضحكها وابتسامها ... فقد تدمع العينان من كثرة الضحك وله أيضاً:
لك الحمد أمواه البلاد كثيرة ... عذاب وخصت بالملوحة زمزم
هو الحظ عير الوحش ساف بأنفه ال ... خزامي وأنف العود بالعود يخزم ويقتصر من شعره على هذا القدر؛ وكان قد رثى الشريف أبا أحمد الموسوي الملقب بالطاهر وعزى ولديه أبا الحسن الملقب بالمرتضى [وأخاه الرضي] بقصيدة فائية فأجاد فيها
(13)
(ترجمة ابن شهيد، رقم: 48، ص: 117، س: 1)
[وذكره ابن بسام في كتابه " الذخيرة " وبالغ في الثناء عليه وأورد له طرفاً وافراً من الرسائل والنظم والوقائع، فمن ذلك ما حكاه قال] (1) : كان المنصور قد عزم على الانفراد بالحرم وأمر بإحضار من جرى رسمه في مثل ذلك اليوم من الوزراء والندماء، وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كحان به وأخذوا في شأنهم فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله ووقت لم يعهدوا نظيره، وطما الطرب وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد، فأقامه الوزير أبو عبد الله ابن عياش فجعل يرقص وهو متوكئ عليه ويرتجل ويومئ إلى المنصور وقد غلبه السكر:
هاك شيخ قاده عذر لكا ... قام في رقصته مستمسكاً
عاقه عن هزها منفرداً ... نقرس أخنى عليه فاتكا
__________
(1) هذا الخبر الذي جاءت به نسختا د وآيا صوفيا، لا يتصل بالمترجم به وإنما يروى عن أبيه، فإن أبا عمر صاحب الترجمة لم يدرك عهد المنصور بن أبي عامر؛ وما بين معقفين إضافة من نسخة آيا صوفيا، وقد سقط من د.
(1/399)

أنا لو كنت كما تعرفني ... قمت إجلالاً على رأسي لكا
قهقه الإبريق مني ضحكاً ... ورأى رعشة رجلي فبكي وكان حاضرهم ابن لنكك البغدادي وكان حسن النادرة سريعها فقال: لله درك يا وزير ترقص بالقائمة وتصلي بالقاعدة! فضجك المنصور والحاضرون.
(14)
(ترجمة المتنبي، رقم: 50، ص: 121، س: 9)
وقال أبو بكر الخوارزمي: كان أبو الطيب المتنبي قاعداً تحت قول الشاعر:
وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل وإنما أعرب عن عادته وطريقته في قوله:
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه فحضرت عنده يوماً بحلب وقد أحضر مالاً من صلات سيف الدولة فصب بين يديه على حصير قد افترشه ووزن وأعيد في الكيس، وإذا بقطعة كأصغر ما يكون من ذلك المال وقد تخللت خلل الحصير فأكب عليه بمجامعه ينقره ويعالج استنفاذها منه ويشتغل بذلك عن جلسائه حتى توصل إلى إظهار بعضها فتمثل بيت قيس بن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس بين غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب ثم استخرجها وأمر بإعادتها إلى مكانها من الكيس، وقال: إنها تحضر المائدة.
وشرب (1) أبو الطيب ليلة عند بدر بن عمار فنظر إلى ابنه وقد جلس نحو الشمعة فقال:
__________
(1) اشتركت نسختا د وآيا صوفيا: 28 أفي هذا الخبر.
(1/400)

أما ترى ما أراه أيها الملك ... كأننا في سماء ما لها حبك
الفرقد ابنك والمصباح صاحبه ... وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك ولما كان من الغد عرض عليه الصبوح فقال:
رأيت المدامة غلابة ... تهيج للقلب اشواقه
تسيء من المرء آدابه ... ولكن تطيب أخلاقه
وقد مت أمس بها موتةً ... وما يشتهي الموت من ذاقه (15)
(ترجمة المتنبي، رقم: 50، ص: 122، س: 3)
ومن شعره في الحبس:
كن أيها السجن كيف شيت فقد ... وطأت للموت نفس معترف
لو كان سكناي فيك منقصة ... لم يكن الدر ساكن الصدف وحكى أبو الفتح عثمان بن جني قال: سمعته يقول: إنما لقبت بالمتنبي بقولي:
أنا ترب الندى ورب القوافي ... وسمام العدى وغيظ الحسود
أنا في أمة تداركها الل ... هـ غريب كصالح في ثمود وفي هذه القصيدة:
ما مقامي بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود
(1/401)

(16)
(ترجمة بديع الزمان الهمذاني، رقم: 52، ص: 127، س: 19)
وكان (1) صاحب عجائب وبدائع وغرائب، فمنها إنه كان ينشد القصيدة لم يسمعها قط وهي أكثر من خمسين بيتاً فيحفظها كلها ويؤديها من أولها إلى آخرها لا يخرك حرفاً، وينظر في الأربع والخمس الأوراق من كتاب لم يعرفه ولم يره نظرة واحدة خفيفة ثم يهذها عن ظهر قلبه هذاً ويسردها سرداً؛ وهذه الحالة في الكتب الواردة وغيرها، وكان يقترح عليه عمل قصيدة أو إنشاء رسالة في معنى بديعٍ وباب غريب فيفرغ منها في الوقت والساعة والجواب عنها فيها، وكان ربما يكتب الكتاب المقترح عليه فيبتدئ بآخر سطوره قم هلم جرا إلى الأول ويخرجه كأحسن شيء وأملحه، وكان مع هذا كله مقبول الصورة خفيف الروح حسن العشرة شريف النفس كريم العهد خالص الود حلو الصداقة مر العداوة، وكانت بينه وبين الخوارزمي منافرة ومناكرة ومناظرة بكته البديع فيها وأسكته؛ وتصرفت به أحوال جميلة وأسفار كثيرة ولم يبق من بلاد خراسان وسجستان وغزنة بلدة إلا دخلها وجنى ثمرتها واستفاد خيرها وميرها، وألقى عصاه بهراة واتخذها دار قراره ومجمع أسبابه، وحين بلغ شده وأربى على الأربعين سنة ناداه الله فلباه وفارق دنياه فقامت عليه نوادب الأدب وانثلم حد القلم، على أنه ما مات من لم يمت ذكره، ولقد خلد من بقي على الأيام نثره ونظمه، وأنا ذاكر من طرف ملحه ولفظ غرره ما هو غذاء القلب وقوت النفس ومادة الأنس.
فصل (2) : وفيما يقول الناس من حكايتهم أن أعرابياً نام ليلة عن جمله ففقده فلما طلع القمر وجده فرفع إلى الله يده وقال: أشهد لقد أعليته وجعلت السماء بيته، ثم نظر إلى القمر فقال: إن الله صورك ونورك وعلى البروج دوّرك وإذا
__________
(1) من يتيمة الدهر 4: 256، 287.
(2) من هنا وحتى نهاية النص اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (30 ب) في هذه الزيادة.
(1/402)

شاء كورك ولا أعلم مزيداً أسأله لك، ولئن أهديت قلبي سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً، والشيخ ذلك القمر المنير، لقد أعلى الله قدره وأنفذ بين الجلود واللحوم أمره، ونظر إليه وإلى الذين يحسدونه فجعله فوقهم وجعلهم دون.
فصول قصار: ما كل مائع ماء ولا كل سقف سماء ولا كل محمد رسول.
وله: المرء لا يعرف ببرده والسيف لا يعرف بغمده.
(17)
(ترجمة جحظة البرمكي، رقم: 55، ص: 134، س: 10) (1)
حدث علي بن سعيد الكاتب قال: قال لي جحظة: إن كتمت عليّ حدثتك بحديث ما مر على مسامعك مثله قط، قلت: أنا موضع سرك والمجالس بالأمانة، قال: اصطبحت أياماً فأصبحت يوماً مخموراً، فبينا أنا جالس على باب داري إذ أقبلت جارية متنقبة راكبة على حمار وبين يديها وصائف كالغزلان يحففن بها ويمسكن عنان حمارها وقد سطعت السكة من روائح طيبها، فبقيت مبهوتاً متحيراً أعجب من كمال خلقها ونور ما بدا لي من وجهها، فلما جاوزتني وقفت وتأملتني ساعة ثم سلمت فرددت عليها أحفى سلام وأبره وقمت على قدمي إجلالاً لها وإعظاماً، فقالت: يا فتى هل في منزلك محتمل للقايلة في هذا اليوم قلت: يا سيدتي على الرحب والسعة ولك الفضل والمنة؛ فما كذبت أن ثنت رجلها ونزلت، وقالت: أدخل بين يدي، وأمرت جواريها فدخلن بالحمار إلى الدهليز ثم دخلت وما أحسب جميع ما أراه إلا نوماً لا يقظة وشكاً لا يقيناً. فلما استقر بها المجلس مدت يدها إلى عجارها (2) فحلته كما قال الشاعر:
فألقت قناعاً دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كفٍ ومعصم فتفكرت في أمري وأنا لا أعقل من السرور فقلت: هذه جارية مغنية
__________
(1) اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (33 أ - 33 ب) في هذه الزيادة.
(2) آيا صوفيا: نقابها.
(1/403)

بلغها عني صوت من صنعتي فأرادت أن تأخذه عني، فقلت: يا سيدتي أتأذنين في أن أقرب ما حضر من طعام وشراب وأغنيك ما لعله بلغك من متخير أصواتي فقالت: ما على ذلك فوت، ولكن قم الآن وشأنك فاقض حاجتك ثم تصير إلى ما تريد. فقمت إليها وقد أخذني الروع حتى ما أملك نفسي مهابة لها، فلما فرغت مما لم أكن آمله ولا تسمو همتي إليه قلت: يا سيدتي هل لك في الطعام وأدعو بالعود فأغنيك ما قصدت له قال: عسى أن يكون هذا في يوم غير هذا، ومدت يدها إلى قناعها فاعتجرت به ونهضت مسرعة فلم أحر جواباً وبقيت متحيراً؛ فلما صارت إلى الدهليز لتركب قلت: سألتك بنعمة الله عليك ما خبرك قالت: لو تركت المسئلة كان أحب إليك وأعود عليك، قلت: لابد لي من علم حالك، قالت: أما إذ أبيت فسأصدقك؛ لي ابن عم هو بعلي يخالفني إلى جويرية لي مشوهة المنظر، فأقسمت بالأيمان المحرجة أن أطوف بغداد حتى أبذل نفسي لأقبح من أرى وجهاً وأوحش من أقدر عليه صورة، فأنا أطوف من الفجر إلى هذه الساعة فما رأيت بها أقبح منك، فبررت قسمي وإن عاد إلى مثل فعله عدت إليك إن لم أجد أوحش منك، وهذا يسير في جنب ما تبلغه الغيرة بصاحبها؛ ثم تولت عني وبقيت أخزى ممن دخل النار، فوالله ما ظننت يا أبا الحسن أن إفراط القبح لينتفع به حتى كان ذلك اليوم؛ قلت: هون عليك فإن القرد إنما يقع السرور به والضحك منه لتجاوزه في قبح الصورة، قال: فاكتم علي، قلت: نعم.
(18)
(ترجمة أحمد بن طولون، رقم: 71، ص: 174، س: 18)
ولما مات أحمد تولى مكانه ولده أبو الجيش خمارويه وتزوج الخليفة المعتضد ابنته قطر الندى بنت خمارويه واسمها أسماء في سنة 281، وزفت إليه في سنة 82، وحمل إليها مهرها على مائة حمار مع شفيع الخادم، وجدد له ولاية مصر وخطب له ما بين برقة وهيت؛ وفي هذه السنة ذبح خمارويه بدمشق
(1/404)

ذبحه خدمه، فحمل إلى مصر ودفن بها وهو ابن ثلاثين سنة، فأخذ الخدم وقتلوا وصلبوا بدمشق وحملت رؤوسهم إلى مصر فنصبت، وكان قتله ليلة الأحد لثلاث ليال بقين من ذي القعدة، وماتت قطر الندى بنت خمارويه المذكور في سنة 87، وكان خماوريه قد سأل المعتضد أن يزوج المكتفي بنته قطر الندى فقال المعتضد: بل أنا أتزوجها، وجعل صداقها ألف ألف درهم، وقيل: كان غرض المعتضد بزواجها افتقار بني طولون، وكذا كان، فإن أباها جهزها بجهاز لم يعمل مثله حتى قيل إنه كان لها ألف هاون ذهب.
(19)
(ترجمة معز الدولة بن بويه، رقم 72، ص: 176، س: 3) (1)
وقال عز الدين بن الأثير (2) : كان ابتداء دولة بني بويه وهم عماد الدولة أبو الحسن علي وركن الدولة أبو علي الحسن ومعز الدولة الحسين أحمد أولاد أبي شجاع بويه بن فناخسرو بن تمام. وقال ابن مسكويه أنهم يزعمون أنهم من ولد يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس وأن والدهم أبا شجاع بويه كان متوسط الحال وماتت زوجته وخلفت له هؤلاء البنين الثلاثة، فلما ماتت اشتد حزنه عليها، فحكى شهربان (3) بن رستم الديلمي قال: كنت صديقاً لأبي شجاع بويه فدخلت إليه يوماً فعذلته على كثرة حزنه فقلت له: أنت رجل تحتمل الحزن وهؤلاء المساكين أولادك يهلكهم الحزن، وربما مات أحدهم فيتجدد لك من الأحزان ما ينسيك المرأة، وسليته بجهدي وأدخلته وأولاده إلى منزلي ليأكلوا طعاماً وشغلته عن حزنه؛ فبينما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل منجم ليأكلوا طعاماً وشغلته عن حزنه؛ فبينما هم كذلك إذ اجتاز بنا رجل منجم ومعزم ومعبر للمنامات ويكتب الرقي والطلسمات وغير ذلك، فأحضره أبو شجاع وقال له: رأيت في منامي كأنني أبو فخرج من ذكري نار عظيمة
__________
(1) اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (43 ب - 44 أ) في هذه الزيادة.
(2) الكامل 8: 264 (ط. صادر) .
(3) في نسخة آيا صوفيا وفي الكامل: شهريار.
(1/405)

استطالت وعلت حتى كادت تبلغ السماء، ثم انفرجت فصارت ثلاثة شعب وتولد من تلك الشعب عدة شعب، فأضاءت الدنيا بتلك النيران، ورأيت البلاد والعباد خاضعين لتلك النيران، فقال المنجم: هذا المنام عظيم لا أفسره إلا بخلعة وفرس ومركب، فقال له أبو شجاع: والله ما أملك إلا الثياب التي على جسدي فإن أخذتها بقيت عرياناً، فقال المنجم: فعشرة دنانير، قال: والله ما أملك دينارين فكيف عشرة فأعطاه شيئاً، فقال المنجم: أعلم أنك يولد لك ثلاثة أولاد يملكون الأرض ومن عليها ويعلو ذكرهم في الآفاق كما علت تلك النار ويولد لهم جماعة ملوك بقدر ما رأيت من تلك الشعب؛ فقال أبو شجاع: أما تستحي تسخر منا أنا رجل فقير وأولادي فقراء مساكين كيف يصيرون ملوكاً ثم قال المنجم: أخبرني توقيت ميلادهم، فأخبره، فجعل يحسب ثم قبض على يد أبي الحسن علي فقبلها وقال: هذا والله الذي يملك البلاد، ثم هذا بعده، وقبض على يد أخيه أبي علي الحسن، فاغتاظ منه أبو شجاع وقال لأولاده: اصفعوا هذا الحكيم فقد أفرط في السخرية بنا، فصفعوه وهو يستغيث ونحن نضحك منه، ثم قال لهم: اذكروا لي هذا إذا قصدتكم وأنتم ملوك، فضحكنا منه، وكان من أمرهم ما قد ذكر.
(20)
(ترجمة معز الدولة بن بويه، رقم: 72، ص: 176، س: 7) (1)
وكان معز الدولة قد قلد أبا العباس عبد الله بن الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة وأن يؤدي كل سنة مائتي ألف درهم وهو أول من ضمن القضاء ولم يسمع بذلك قبلها وكان الخليفة المطيع لله قد منعه من الدخول إليه وأمره أن لا يحضر المواكب لما ارتكبه من ضمان القضاء، ثم ضمنت الحسبة والشرطة ببغداد (2)
__________
(1) اشتركت نسخة آيا صوفيا (44 أ) في هذه الزيادة مع نسخة د إلى قوله: في سنة 350.
(2) انظر ابن الأثير 8: 536 - 537.
(1/406)

وذلك في سنة 350؛ وفيها (1) كتب عامة الشيعة ببغداد بأمر معز الدولة على المساجد سب الصحابة، فأما الخليفة فكان محكوماً عليه لا يقدر على المنع، وأما معز الدولة فإن بعض الناس حك هذا المكتوب ليلاً فأراد أن يأمر بإعادته فأشار عليه الوزير أبو محمد المهلبي بأن يكتب مكان ما محي: لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، ولا يذكر أحداً في اللعن، ففعل ذلك.
(21)
(ترجمة المستعلي الفاطمي، رقم: 74، ص: 179، س: 22) (2)
وذلك أن المستنصر عهد في حياته بالخلافة لابنه نزار فخلعه الأفضل وبايع للمستعلي، وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة في أيام المستنصر ودخل دهليز القصر من باب الذهب راكباً ونزار خارج والمجاز مظلم فلم يره الأفضل، فصاح به نزار: انزل يا أرمني، كلب على فرس، ما أقل أدبك! فحقدها عليه؛ فلما مات المستنصر خلعه خوفاً على نفسه وبايع للمستعلي، فهرب نزار إلى الإسكندرية فبايعه أهلها وسموه المصطفى لدين الله، وكان بها ناصر الدول افتكين فبايعه وخطب الناس ولعن الأفضل، وأعانه القاضي جلال الدولة ابن عمار قاضي الإسكندرية فسار إليه الأفضل وحاصره وأخذ افتكين فقتله، وقتل جلال الدولة [بن] عمار ومن أعانه وتسلم المستعلي نزاراً وبنى عليه حائطاً فمات.
__________
(1) في ابن الأثير سنة 351؛ انظر ص: 542.
(2) اشتركت نسختا د وآيا صوفيا (45 ب) في هذه الزيادة.
(1/407)

(22)
(ترجمة عماد الدين بن المشطوب، رقم: 75، ص: 181، س: 10)
وذلك أنه اتفق مع الأكراد الهكارية وأرادوا أن يخلعوا الملك الكامل ويملكوا أخاه الملك الفايز ليصير الحكم إليهم عليه وعلى البلاد، فبلغ الخبر إلى الملك الكامل ففارق المنزلة ليلاً جريدة وسار إلى أشموم طناح فنزل بها وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم، فركب كل إنسان منهم هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم إلا اليسير الذي يخف حمله وتركوا الباقي بحاله وتركوا الكامل.
وأما الفرنج فإنهم أصبحوا فلم يروا من المسلمين أحداً على شاطئ النيل كجاري عادتهم، فبقوا لا يدرون ما الخبر، وإذا قد أتاهم من أخبرهم الخبر على حقيقته فعبروا حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع، وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة 615 فغنموا ما في عسكر المسلمين، وكان عظيماً معجزاً للعادين، وكاد الكامل يفارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من عسكره، وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة، فاتفق من لطف الله تعالى بالمسلمين أن وصل أخوه الملك المعظم ابن الملك العادل بعد هذه الحركة بيومين والناس في أمر مريج فقوي به قلبه واشتد ظهره وثبت جنانه، وأقام بمنزله، فركب الملك المعظم إلى ابن المشطوب فأخرجه من حينه إلى الشام فاتصل بالملك الأشرف مظفر الدين.
(1/408)

(23)
(ترجمة الملك العادل أتابك، رقم: 82، ص: 194، س: 3)
ودفن بقلعة دمشق ونقل منها إلى مدرسته التي أنشأها عند سوق الخواصين بالموصل؛ ومن عجيب الاتفاق أنه ركب ثاني شوال وركب إلى جانبه بعض الأمراء الأخيار، فقال له الأمير: سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أو لا فقال نور الدين: لا تقل هكذا، قل: سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا؛ فمات نور الدين بعد أحد عشر يوماً، ومات الأمير قبل الحول، فأخذ كل واحد منهما بما قاله؛ وكان مولده سنة 569 (1) .
وأما ما فعله من المصالح فإنه بنى أسوار مدن الشام كلها وقلاعها فمنها دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها، وبنى المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل وبنى المارستان والخانات في الطرق وبنى الخانات للصوفية في جميع البلاد، وكانت له همة عالية أعاد ناموس الأتابكي وحرمته بعد أن كانت قد ذهبت، وخافته الملوك، ولو لم يكن من فضيلته إلا أنه رحل الملك الكامل بن العادل عن ماردين بعد انفصال أبيه عنها سنة 95 وأبقاها على صاحبها. ولما حضره الموت أمر أن يرتب في الملك بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود وحلف له الجند وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة الجندية وقلعة شوس وولايتهما وسيرهما إلى العقر، وأمر أن يتولى تدبير ملكهما والنظر في مصالحهما الأمير بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله وسداده وحسن سياسته وتدبيره. وكان نور الدين يصلي كثيراً بالليل، وله فيه أوراد حسنة فكان كما قيل:
جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه غزيرة.
__________
(1) في نسخة د: سنة 611، وهو خطأ بين لأن الملك العادل توفي سنة 607؛ وانظر التاريخ الباهر: 198.
(1/409)

(24)
(ترجمة إسحاق الموصلي، رقم: 87، ص: 204، س: 6)
وذكر ابن السندي أن إسحاق النديم اتخذ دعوة فجاءته الهدايا من كل وجه؛ وكان في جيرانه رجل مملق، فوجه إليه بجراب أشنان وجراب ملح، وكتب إليه: لو تمت الإرادة لي بحسب النية وملكتني القدرة لبسط الجدة لبدرت السابقين إلى برك، ولكنت إمام المتقدمين في إكرامك، كن البضاعة قعدت عن الهمة، وقصرت عن مساواة أهل الثروة، وكرهت أن تطوي صحيفة البر، ولا يكون لي فيها ذكر، فوجهت بالمبتدأ لطيبه ويمنه، وبالمختوم به لطهارته ونظافته، مصطبراً على ألم التقصير؛ فأما ما سوى ذلك فالمعبر عنا فيه كتاب الله عز وجل (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله) .
ومما يناسب هذه النادرة ما حكى جعفر بن قدامة عن مية البرمكية قالت: كانت لأم علي بنت الراس جارية مغنية يقال لها مكر، وكانت من أحسن الناس وجهاً وغناء، وكان لها رفقاء من الكتّاب ووجوه التجار، كان أبو يحيى الكيبخي يعاشرها، فاقتصدت يوماً فأهدى إليها رفقاؤها صنوف الهدايا، وبعث إليها أبو يحيى ثلاث سلال مختومة فإذا سلة فيها ماش ومعه رقعة فيها: الماش خير من لاش، وفي الأخرى عصافير بأجنحتها فلما فتحت طارت ومعها رقعة فيها: يا سيدتي أعتقت عنك هؤلاء المساكين ولو كان بدلها عبيداً لأعتقتهم، وفتحت الأخرى فإذا هي فارغة وفيها رقعة مكتوب فيها: يا مولاتي لو كان عندي شيء لبعثت إليك بشيء، ولكن ليس عندي شيء فلم أبعث إليه بشيء، فضحكوا وبعثوا إليه بنصيب وافر من كل ما أهدي إليها، وكتبت إليه أم علي: أعطي لله عهداً إن لم تكن هديتك أملح من كل هدية وردت إلينا، وفي هداياي متسع والإنجاز أمثل؛ وأخباره كثيرة.
(1/410)

(25)
(ترجمة إسحاق الموصلي، رقم: 87، ص: 204، س: 15)
قال أبو عبد الله أحمد بن حمدون النقيب: لقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي بعدما كف بصره فسألني عن أخبار الناس والسلطان فأخبرته ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني فجعل يسألني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين والخاص من ندمائه قلت: محمد بن عمر، قال: ومن هذا الرجل وما مقدار أدبه وعلمه فقلت: أما أدبه فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب؛ حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة فدخل مروان بن أبي حفصة فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
بيضاء في وجناتها ... ورد فكيف لنا بشمه فسر بذلك سروراً شديداً وأمر فنثر عليه بدرة دنانير وأن تلقط وتطرح في حجره وأمره بالجلوس وعقد له على اليمامة والبحرين، فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت كاليوم ولا أرى أبقاك الله ما دامت السموات والأرض، فقال محمد بن عمر: هذا بعد عمر طويل إن شاء الله، فقال لي إسحاق: ويلك، جزعت على أذنك، رغمك قطعها لمَ حتى تسمع مثل هذا الكلام ولك لو إن لك مكوك آذان أيش كان ينفعك مع هؤلاء
وكان سبب قطع أذنه إن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله في أشعار منها:
أشاهك ليلي مذ هجرت طويل ... وعيني دماً بعد الدموع تسيل
وبي منك والرحمن ما أطيقه ... وليس إلى شكوى إليك سبيل
أشاهك لو يجزى المحب يوده ... جزيت ولكن الوفاء قليل وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبه الفتح فعرف المتوكل الخبر فقال: إنما أردتك
(1/411)

وأدنيتك لتنادمني ليس لتفسد عليّ غلماني، فأنكر ذلك وحلف يميناً حنث فيها فطلق كل حرة كانت وأعتق من كانت مملوكة، ولزمه حج سنتين، فكان يحج في كل عام، قال: فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام بها ثم جاءه زرافة في الليل، فلما دخل عليه قال: جئت في شيء ما كنت أحب أن أجيء في مثله، قال: وما هو قال: [قال] أمير المؤمنين بقطع أذنك وقال: قل له لست أعاملك إلا كما يعمل الفتيان، فرأى ذلك أسهل مما ظنه من القتل، فقطع غضروف أذنه في خارج ولم يستقصه وجعله في كافور كان معه وانصرف.
(26)
(ترجمة الأسعد بن مماتي، رقم: 91، ص: 212، س: 18)
وكان (1) الأسعد المذكور قد مرض فعاده بعض أصحابه فوجده يغسل ويمزق أوراقاً تعاليق بخطه، فسأله عن السبب فقال: إني نظرت في العلوم فوجدتها مواهب من الله تعالى لا بكثرة الفحص والاشتغال، وذلك إني سألتني جويريتي النوبية عن طعام تصنعه لي اليوم موافق، فأخذت أعدد لها أنواع المزورات فضجرت، وقال لي: لا يقدر أحد على مرضاتك في مرضاتك، فهذا هو السبب الموجب لما تراه.
ويقرب من ذلك ما أخبرني الفقيه أمين الدين علي بن المحلى أن الصاحب صفي الدين بن شكر أراد قارئاً للمدرسة التي أنشأها بالقاهرة المعزية يصلي بها التراويح، فاختير له شخصان اسم أحدهما زيادة والآخر مرتضى، وطولع بذلك فوقع على ظهر القصة: زيادة مرتضى زيادة.
__________
(1) ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 54 أ - 54 ب.
(1/412)

(27)
(ترجمة الصاحب بن عباد، رقم: 96، ص: 229، س: 21)
حكى بديع الزمان أبو الفضل الهمذاني (1) قال: لما أدخلني والدي إلى الصاحب ووصلت إلى مجلسه، واصلت الخدمة بتقبيل الأرض، فقال لي: يا بني أقعد كم تسجد كأنك هدهد.
ويقرب من هذا ما حكى ابن بسام قال: رأيت الفكيك بين يدي الأمير أبي القاسم محمد بن عباد وهو ينشد من قصيدة مطولة:
وأنت سليمان في ملكه ... كما أنا قدامك الهدهد وينشده ويعيده ويسجد، وفعل ذلك مراراً، وضحك أبو القاسم وأمر له بجائزة سنية.
وحكى أبو الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني حين قدم البصرة حاجاً سنة نيف وستين وأربعمائة أن الصاحب أبا القاسم ان عباد رأى أحد ندمائه متغير السحنة فقال له: ما الذي بك قال: حما، قال له الصاحب: قه، فقال له النديم: تعقيب لفظة حما بما صارت به " حماقة " ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعلت " قهوة " وكذا فلتكن مداعبة الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء.
واستؤذن عليه [أي] يوماً لإنسان طرسوسي فقال: الطر في لحيته والسوس في حنطته.
وحكى أبو منصور الربيع قال: دخلت يوماً على الصاحب وطاولته الحديث فلما أردت القيام قلت: لعلي طولت فقال: بل تطولت (2) .
وأهدى العميدي (3) قاضي قزوين إلى الصاحب كتباً وكتب معها:
العميدي عبد كافي الكفاة ... وإن اعتد في وجوه القضاة
__________
(1) انظر اليتيمة 3: 197 وما بعدها.
(2) ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 58 ب.
(3) في الأصل واليتيمة: العميري.
(1/413)

خدم المجلس الرفيع بكتب ... مغنمات من حسنها مترعات فوقع تحتها:
قد قبلنا من الجميع كتاباً ... ورددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير فطبعي ... قول خذ ليس مذهبي قول هات قال: وكتب إليه بعض العلوية يخبر بأنه رزق مولوداً وسأله أن يسميه ويكنيه، فوقع في رقعته: أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السعيد، فقد ملأ والله العين قرة والنفس مسرة، والاسم علي ليعلي الله ذكره، والكنية أبو الحسن ليحسن الله أمره، فإني أرجو له فضل جده وسعادة جده، وقد بعثت إليك لتعويذه ديناراً من مائة مثقال، قصدته به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذهب الإبريز من نوب الأيام، والسلام.
رفع الضرابون من دار الضرب رقعة إلى الصاحب في ظلامة له مترجمة بالضرابين، فوقع تحتها: في حديد بارد.
وقال الصاحب يوماً: ما أفحمني أحد كالبديهي فإنه كان عندي يوماً وأتينا بفاكهة ومشمش فأمعن فيه، فاتفق أن قلت: إن المشمش يلطخ المعدة، فقال: لا يعجبني من يطب على مائدته (1) .
ووقع في رقعة أبي محمد الخازن، وكان ذهب مغاضباً ثم كتب إليه يستأذنه لمعاودة حضرته: (ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت) .
ورفع إليه بعض منهي الأخبار أن رجلاً غريب الوجه يدخل داره ويتلطف لاستراق السمع، فوقع تحتها: دارنا هذه خان يدخلها من وفى ومن خان (2) .
وحبس بعض عماله لحاجة في نفسه فأشرف على دار الضرب فلما رآه ناداه
__________
(1) اشتركت نسختا د وآيا صوفيا: 58 ب في إيراد هذه الحكاية باختلاف يسير في النص؛ وهنالك حكاية شبيهة بهذه ذكرها أبو حيان التوحيدي في المضيرة وذكر أنه هو المجيب للصاحب بذلك الجواب (انظر: معجم الأدباء 15: 7) .
(2) وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 58 ب.
(1/414)

بأعلى صوته: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) فضحك الصاحب وقال: (اخسأوا فيها ولا تكلمون) ثم أمر بإطلاقه.
وكتب إليه رجل رقعة أغار فيها على شيء من لفظه فوقع فيها: (هذه بضاعتنا ردت إلينا) (1) .
وأطال شاب عنده المكث ولم يغيره في القيام فقال للفتى: من أين قال: من قم، قال: فإذاً قم.
حكى أبو النصر العتبي قال: سمعت أبا جعفر دهقان بن ذي القرنين يقول: قدمت إلى الصاحب هدية أصحبنيها الأمير أبو علي محمد بن محمد برسمه فاعتذرت إليه بأن قلت إنها إذا نقلت من خراسان إلى حضرته كانت كالتمر ينقل إلى كرمان، فقال: قد ينقل التمر من المدينة إلى البصرة على جهة التبرك بها، وهذه سبيل ما يصحبك.
وحكى الهمذاني قال: كان واحد من الفقهاء يعرف بابن الحصيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عيناه مرة وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقط عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني:
يا ابن الحصيري لا تذهب على خجل ... لحادث كان مثل الناي والعود
كأنها الريح لا تستطيع تحبسها ... إذ أنت لست سليمان بن داود وعرض مثل ذلك لبعض حاضري مجله فقال: إنه صرير التخت، فقال الصاحب: أخشى أن يكون صرير التحت.
وحكى أبو الحسين النحوي قال: كان الصاحب منحرفاً عن أبي الحسين ابن فارس لانتسابه إلى خدمة آل العميد وتعصبه لهم، فأنفذ إليه من همذان كتاب " الحجر " من تأليفه فقال: رد الحجر من حيث جاءك، ثم لم تطب نفسه بتركه فنظر فيه وأمر له بصلة. وكان المأموني الأبهري الشاعر قد قال في شاعر آخر أبهري يهجوه:
__________
(1) وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 58 ب.
(1/415)

كلانا إلى آدم نعتزي ... وتجمعنا آصرات الرحم
ولكن له الفضل في أنه ... يصول بقرن وأني أجم واتفق أن أحضر مجلس الصاحب فقال له: من تكون فقال: الخادم المأموني الأبهري الشاعر، فقال: الأقرن أم الأجم فاستحيا وخجل.
وقال (1) الصاحب بن عباد: ما أخجلني [قط] غير ثلاثة منهم أبو الحسن البديهي، فإنه كان في نفرٍ من جلسائي فقلت له وفد أكثر من أكل المشمش: لا تأكله فإنه يلطخ المعدة، فقال: ما يعجبني من يطب على مائدته؛ وآخر قال لي وقد خرجت من دار السلطان وأنا ضجر من أمرٍ عرض لي: من أين أقبلت يا مولانا فقلت: من لعنة الله، فقال: رد الله غربتك وأحسن على إساءته الأدب؛ وصبي مستحسن داعبته فقلت: ليتك تحتي، فقال: مع ثلاثة آخرين، يعني في الجنازة، فأخجلني (2) .
ودخل أبو بكر الخوارزمي على الصاحب في أول لقائه إياه فارتفع على الحاضرين في مجلسه من العلماء والأدباء، والجماعة لا تعرفه، فتساءلوا عنه وغاظهم ما رأوا منه، وقال أحدهم: من ذا الكلب قولاً سمعه أبو بكر فالتفت إليه وقال: الكلب من لا يعرف للكلب مائة اسم ويحفظ في مدحه مائة مقطوعة وفي ذمه مثلها، فقال الصاحب: فأنت أبو بكر الخوارزمي، قال: نعم عبدك، قال له: حق لك، وقدمه وقربه.
وصنع الصاحب لأصحابه دعوة وأعرض عن غيرهم، فصنع سديد الدولة أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الأنباري فيه:
إن آثر الصاحب ذا ثروة ... وعاف ذا فقر وإفلاس
لا غرو فالله إلى بيته ... دعا المياسير من الناس وذكر بعض الفقهاء عن وعد وعده إياه فقال: وعد الكريم ألذ من دين الغريم.
__________
(1) اشتركت نسخة ف مع نسخة د من هنا وحتى آخر الزيادة.
(2) وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 58 ب - 59 أ.
(1/416)

ولما رجع عن العراق سأله ابن العميد عن بغداد فقال: بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد (1) .
(28)
(ترجمة الظافر العبيدي، رقم: 99، ص: 237، س: 12)
وطرحوه في بئر في الدار وأخفي قتله؛ وكان الظافر أقطع ابن عباس قيلوب، وهي من أعظم قرى مصر، فدخل إليه مؤيد الدولة ابن منقذ وهو عند أبيه عباس فقال له نصر: قد أقطعني مولانا قيلوب، فقال له مؤيد الدولة: ما هي في مهرك كبير، فعظم عليه وعلى أبيه، وأنف من هذه الحال، وشرع في قتل الظافر بأمر أبيه، فحضر نصر عند الظافر وقال: أشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها ولا تكثر؛ فمشى إليه في نفر يسير من الخدم ليلاً فلما دخل الدار قتله رحمه الله تعالى.
(29)
(ترجمة آق سنقر البرسقي، رقم: 103، ص: 242، س: 19) (2)
وكان (3) قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثارت به، فقتل بعضها ونال منه الباقي ما آذاه، فقص على أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام، فقال: لا أترك الجمعة لشيء أبداً، فغلبوه على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة، فعزم على ذلك. ثم أخذ المصحف يقرأ فيه فأول ما رأى (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) فركب إلى الجامع على عادته، وكان يصلي في
__________
(1) وردت هذه الحكاية أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 59 أ.
(2) هذه الزيادة أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 63 ب - 63 أ، وما وضع بين معقفين فيها هو إضافة من هذه النسخة على نسخة د.
(3) انظر ابن الأثير 10: 633، 643 - 644.
(1/417)

الصف الأول فوثب عليه بضعة عشر نفساً عدة الكلاب التي رآها [في المنام] فجرحوه بالسكاكين، فجرح هو بيده منهم ثلاثة وقتل رحمه الله تعالى.
وكان مملوكاً تركياً خيراً يحب العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله ويحافظ على الصلوات في أوقاتها ويصلي من الليل مجتهداً. قل عز الدين بن الأثير: قال لي والدي رحمه الله تعالى عن بعض من كان يخدمه: كنت معه فكان يصلي كل ليلة كثيراً وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد، ولقد رأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل قد قام من فراشه وعليه فرجية صغيرة وبيده إبريق، فمشى نحو دجلة ليأخذ ماءً، فمنعني البرد من القيام، ثم إني خفته، فقمت إلى بين يديه لآخذ الإبريق منه، فمنعني وقال: يا مسكين ارجع إلى مكانك فإنه برد، فاجتهدت لآخذ الإبريق منه فلم يعطني وقام يصلي.
وتولى بعده ولده عز الدين مسعود ثم توفي [يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة] سنة 521 رحمه الله تعالى (1) ، وقام بعده أخ له صغير، واستولى على البلاد مملوك للبرسقي اسمه جاوني؛ وكان السلطان محمود ذكر جماعة ممن يصلح للولاية فمنهم عماد الدين زنكي لما حضر إليه أعيان البلاد وقالوا: هذا طفل ولابد للبلاد من رجل شهم ذي رأي وتجربة، فاستحسن السلطان ذلك واستشارهم فيمن يصلح، فأشاروا بعماد الدين زنكي وبذلوا عنه مالاً جزيلاً يحمله إلى خزانة السلطان، فأجاب إلى توليته، كما سيأتي في حرف الزاي إن شاء الله تعالى.
(30)
(ترجمة القاضي إياس، رقم: 105، ص: 249، س: 5)
ودخل الشام وهو غلام وتقدم خصمه وكان شيخاً إلى قاض لعبد الملك ابن مروان فقال له القاضي: أتتقدم شيخاً كبيراً قال: الحق أكبر منه، قال: اسكت، قال: فمن ينطق بحجتي قال: لا أظنك تقول حقاً حتى تقوم، قال:
__________
(1) إلى هنا تنتهي الزيادة من نسخة آيا صوفيا.
(1/418)

لا إله إلا الله، فقام القاضي ودخل على عبد الملك، فخبره بالخبر، فقال: اقض حاجته وأخرجه عن الشام لا يفسد عليّ الناس.
وقال إياس لأبيه وهو طفل وكان أبوه يؤثر أخاه عليه -: يا أبه تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، فكلما كبر ازداد ملاحة وحسناً، فتبني له العلالي وتتخذ له المربعات ويستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش الصغير فأملح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر صار القهقري، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب.
قال المدائني: كان إياس بن معاوية بن قرة قاضياً فائقاً مرجياً، استقضاه عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه فلم يزل على القضاء سنة ثم هرب، وكان سبب هروبه ما حدث المدائني قال: قال أبو قبيصة: كان المهلب بن القاسم بن عبد الرحمن الهلالي تزوج أم شعيب بنت محمد بن الرهامس الطائي وأمها علياء بنت أبي صفرة، وأم القاسم بن عبد الرحمن فاطمة بنت أبي صفرة، وكان المهلب بن القاسم ماجناً يشرب، فشرب يوماً وامرأته بين يديه فناولها القدح فأبت أن تشربه ووضعته بين يديها فقال لها: أنت طالق ثلاثاً إن لم تشربيه، فقام إليها نسوة فقلن لها: اشربيه، وفي الدار ظبي حاجر، فعدا الظبي فمر بالقدح فكسره، فقامت المرأة وجحد المهلب فقال: لم أطلقك، ولم يكن لها شهود إلا نساء، فأرسلت إلى أهلها فحولوها إليهم، فاستدعى القاسم بن عبد الرحمن عدي بن أرطاة وقال: غلبوا بني على امرأته، فتعصب له عدي بردها، فخاصمه إياس وشهد لها نساء، فقال إياس: لئن قربتها لأرجمنك، فغضب عدي على إياس فقال له عمر بن يزيد الأسدي وكان عمر عدواً لإياس لأن إياساً [قضى] على أبيه بأرحاء كانت في يده لقوم فقال لعدي: انظر قوماً يشهدون على إياس أنه قذف المهلب بن القاسم فتحده ويعزل، قال: فانظر من يشهد عليه، فأتاه بيزيد الرشك وبابن أبي رباط مولى ضبيعة ليلاً، فأجمعوا على أن يرسل عدي إلى إياس إذا اصبح فيشهدان عليه، والقاسم بن ربيعة الجوشني ابن عدي، فقال عمر بن يزيد لعدي: إن القاسم سيأتي إياساً فيحذره، فاستحلف عدي القاسم لا يعلمه، فحلف القاسم، وخرج فمر بباب إياس فقرعه، فقالوا له: من
(1/419)

قال: القاسم بن ربيعة، كنت عند الأمير فأحببت أن لا أصل إلى منزلي حتى أمر بك، ومضى؛ فقال غياس: ما جاء في هذه الساعة إلا لأمر قد علمه وخاف عليّ منه، فتوارى وخرج إلى واسط؛ واغتم عدي فقال له يوسف بن عبد الله بن عثمان بن أبي العاص: خذ الوثيق من الأمر إن أردت ألا يعتب عليك أمير المؤمنين، فاستقض الحسن، فولى عدي الحسن، وكتب إلى عمر رضي الله عنه يعيب إياساً.
ويذكر أن قوماً رأوا إياساً وخالد بن أبي الصلت في بعض خرابات البصرة يتكلمان بما لا تنطق به الألسن، وبلغني أن إياساً يقول: إذا كانت السنة كثيرة الأمطار فهي سنة يسر، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحداً كان أحن قولاً في إياس من أبيك، ولا رأيت أحداص في زماننا الثناء عليه أحسن منه عليه، وقد بلغني وصح من نياتكم لم يتحقق عندي وقد أحسنت إذ وليت الحسن.
وولي عمر الحسن وكان الحسن لا يرى أن يرد شهادة مسلم إلا أن يجرح المشهود عليه الشاهد، فأتاه رجل فقال: يا أبا سعيد إن إياساً رد شهادتي، فقام معه الحسن إليه فقال: يا أبا واثلة لم رددت شهادة هذا المسلم وقد قال رسول الله صلى عليه وسلم: من صلى قبلتنا فهو مسلم له ما لنا وعليه ما علينا فقال: يا أبا سعيد إن الله يقول (ممن ترضون من الشهداء) وهذا ممن لا نرضاه، فلم يكلمه الحسن بعد ذلك.
(31)
(ترجمة بشار بن برد، رقم: 113، ص: 272، س: 22) (1)
وهو من [الشعراء] مخضرمي الدولتين العباسية والأموية وقد نبغ فيهما ومدح وهجا وأخذ الجوائز السنية مع الشعراء.
__________
(1) اشتركت نسخة ف مع نسخة د في هذه الزيادة، مع بعض الاختلاف في النص أحياناً، وورد في نسخة آيا صوفيا: 70 ب - 71 ب معظم ما جاء في هذه الزيادة، وسقط منها ما بين قوله: " وقيل لبشار: ما لكم معشر الشعراء ... " وقوله: " فلا تصدق حتى ترى "؛ وما وضع بين معقفين في هذه الزيادة هو إضافة من نسخة آيا صوفيا على النسختين الأخريين.
(1/420)

قال أبو عبيدة (1) : لقب المرعث لأنه كان في أذنه وهو صغير رعاث والرعاث القرطة واحدتها رعثة وجمعها رعاث، ورعثات الديك اللحم المتدلي تحت حنكه.
قال محمد بن يزيد العجلي: سمعت الأصمعي يذكر أن بشاراً كان أشد تبرماً بالناس، وكان يقول: الحمد لله الذي أذهب بصري، فقيل له: ولم ذاك يا أبا معاذ فقال: لئلا أرى من أبغض. وكان يلبس قميصاً له لبنتان فإذا أراد أن ينزعه نزعه من أسفله، وبذلك تسمى المرعث.
قال الأصمعي: ولد بشار أعمى فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء في شعره بعضها ببعض فيأتي بما لا يقدر البصراء على أن يأتوا بمثله، فقيل له يوماً وقد أنشد قوله:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ما قيل أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئاً فيها فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه وتذكر قريحته.
وقال أبو العواذل زكريا بن هارون: قال لي بشار: لي اثنا عشر ألف قصيدة أفما في كل قصيدة بيت جيد
وحكي عنه أنه قال: هجوت جريراً فأعرض عني ولو هجاني لكنت أشعر الناس.
وكان بشار يدين بالرجعة ويكفر الجميع من الأمم ويصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وقد ذكر ذلك في شعره حيث يقول:
الأرض مظلمة والنار مشرفة ... والنار معبودة مذ كانت النار رأيت في بعض الكتب أن عبد الله بن ظاهر لما قدم نيسابور صحبه من
__________
(1) أكثر هذا من الأغاني 3: 134 وما بعدها.
(1/421)

أولاد المجوس شاب متطبب يدعي تحقيق الكلام فأظهر مسئلة تحريق النفس بالنار، وكان يزعم أن الجسد منتن في حال الحياة فإذا مات فلا حكمة في دفنه والتسبب إلى زيادة نتنه، وإن الواجب إحراقه وإذراء رماده، فقيل لبعض الفقهاء: إن الناس قد افتتنوا بمقالة المجوسي، فكتب الفقيه إلى عبد الله بن طاهر أن اجمع بيننا وبين هذا المجوسي نسمع منه؛ فاجتمعوا بمجلس عبد الله بن طاهر، فلما تكلم المجوسي بمقالته تلك قال له الفقيه: أخبرنا عن صبي تداعته أمه وحاضنته أيهما أولى به، فقال: الأم، فقال: إن هذه الأرض هي الأم منها خلق آدم وأولى بأولادها أن ترد إليها، وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا ومنها نولد فأفحم المجوسي وقطعه.
وكان الأصمعي يقول: بشار خاتمة الشعراء والله ولولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم.
ولقي أبو عمرو ابن العلاء بعض الرواة فقال: يا أبا عمرو من أبدع الناس بيتاً فقال: الذي يقول:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم
روحي عني قليلاً واعلمي ... أنني يا عبد من لحم ودم
[إن في بردي جسماً ناحلاً ... لو توكأت عليه لانهدم
ختم الحب لها في عنقي ... موضع الخاتم من أهل الذمم] قال: فمن أمدح الناس قال: الذي يقول:
لمست بكفي كفه ابتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني، فأتلفت ما عندي قال: فمن أهجى الناس قال: الذي يقول:
رأيت السهيلين استوى الجود فيهما ... على بُعد ذا من ذاك في حكم حاكم
سهيل بن عثمان يجود بماله ... كما جاد بالوجعا سهيل بن سالم
(1/422)

قال: ويحك هذه الأبيات كلها لبشار.
وقال محمد بن الحجاج: قلت لبشار: إني أنشدت فلاناً قولك:
إذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه فقال: ما كنت أظنه إلا لرجل كبير، فقال لي بشار: ويلك أفلا قلت له هو والله أكبر الإنس والجن
وحدث الأصمعي قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ، الناس يعجبون من أبياتك في المشورة، قال: يا أبا سعيد إن المشاور بين صواب يفوز بثمرته، أو خطأ يشارك في مكروهه، فقلت له: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك.
وقيل لبشار: ما لكم معشر الشعراء لا تكافأون في قدر مديحكم قال: لأنا نكذب في العمل فنكذب في الأمل؛ ومثل هذا قيل لأبي يعقوب الخزيمي محمد ابن منصور بن زياد: شعرك في مديحك أجود من شعرك في مرائيك، قال: إن ذلك للرجاء وهذا للوفاء وبينهما بون.
وقيل: كان بشار جالساً في دار المهدي والناس ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي المهدي لمن حضر: ما عندكم في قول الله عز وجل (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً) فقال له بشار: النحل التي تعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم وقوله (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه يه شفاء للناس) يعني أهل العم، فقال له بشار: أرني الله شرابك وطعامك وشفاءك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعت غثاثة، فغضب وشتم بشاراً، وبلغ المهدي الخبر فدعا بهما وسألهما عن القصة فحدثه بشار بها، فضحك حتى أمسك على بطنه، ثم قال للرجل: فجعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث.
قال: ودخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد من منصور وكان فيه غفلة
(1/423)

فقال: يا شيخ ما صناعتك قال: أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي ثم قال لبشار: أعزب، أتتنادر على خالي فقال: وما أصنع به يرى شيخاً أعمى ينشد الخليفة شعراً يسأله عن صناعته.
ووقف على بشار بعض المجان وهو ينشد شعراً بسكة فقال له: استر شعرك كما تستر عورتك، فصفق بشار بيديه وغضب وقال له: ويلك من أنت فقال: أنا أعزك الله رجل من باهلة وأخوالي سلول وأصهاري عك واسمي كلب ومولدي بأضاخ ومنزلي بنهر بلال، قال: فضحك بشار وقال: اذهب ويلك فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد.
ومر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكراً، فقال له: استزده يزدك. ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها فقال: ما لهم مسرعين أتراهم سرقوها فهم يخافون أن يلحقوا فتؤخذ منهم
وكان رجل من أهل البصرة ممن كان يتزوج النهاريات قال: تزوجت امرأة منهن فاجتمعت معها في علو بيت وبشار تحتنا، أو كنا في سفل وبشار يعلوه [مع امرأة] ، فنهق حمار في الطريق فأجابه حمار في الجيران وحمار في الدار، فارتجت الناحية بنهيقهما، وضرب الحمار الذي في الدار برجله وجعل يدقها دقاً شديداً فسمعت بشاراً يقول للمرأة: نفح يعلم الله في الصور وقامت القيامة، أما تسمعين كيف يدق على أهل القبور حتى يخرجوا منها قال: ولم تلبث أن فزعت شاة وكانت في السطح فقطعت حبلها وعدت فألقت طبقاً فيه غضارة إلى الدار، فانكسرت، وتطاير حمام ودجاج كان في الدار لصوت الغضارة، وبكى صغير في الدار، فقال بشار: صح الخبر يعلم الله، أزفت الآزفة وزلزلت الأرض، فعجبت من كلامه وغاظني، فسألت: من المتكلم فقيل لي: بشار، فقلت: قد علمت أنه لا يتكلم بهذا غير بشار.
وتوفي ابن لبشار فجزع عليه فقيل له: اجر قدمته وفرط أفرطته وذخر أحرزته، فقال: ولد دفنته وثكل تعجلته وغيب وعدته وانتظرته، والله لئن لم أجزع للنقص لم أفرح بالمزيد، وقال يرثيه من أبيات:
(1/424)

عجبت لإسراع المنية نحوه ... وما كان لو مليته بعجيب قيل: رفع غلام بشار ليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشار وقال: والله ما سمع بأعجب من هذا، جلاء مرآة أعمى عشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم.
وحضر بشار باب محمد بن سليمان فقال له الحاجب: اصبر، فقال: الصبر لا يكون إلا عن ثلاثة، فقال الحاجب: إني أظن وراء قولك هذا شراً، ولن أتعرض إليك، قم فأدخل.
وقال هلال بن عطية لبشار وكان صديقاً له يمازحه: إن الله عز وجل لم يذهب بصر أحد إلا عوضه شيئاً، فما عوضك فقال: الطويل العريض، قال: وما هو قال: لا أراك ولا أمثالك من الثقلاء؛ ثم قال: يا هلال أتطيعني في نصيحة أخصك بها قال: نعم، قال: إنك كنت تسرق الحمير زماناً، ثم تبت وصرت رافضياً، فعد إلى سرقة الحمير فهي والله خير لك من الرفض؛ وكان هلال يستثقل، وفيه يقول بشار:
وكيف يخف لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال
إذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال وقد قيل إن الذي خاطب بشاراً بهذه المخاطبة هو ابن سيابة، فلما أجابه بشار قال له: من أنت قال له: أنا ابن سيابة، قال: يا ابن سيابة، لو نكح الأسد لما افترس؛ قال: وكان يهتم بالابنة.
وقالت امرأة لبشار: ما أدري لم تهابك الناس مع قبح وجهك، فقال بشار: أليس من قبحه يهاب الأسد
وحكى محمود الوراق: أتينا بشاراً فأذن لنا فدخلنا والمائدة موضوعة بين يديه فلم يدعنا إلى طعامه، فلما أكل دعا بطست فكشف عن سوءته وبال، ثم حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم يصل، فدنونا منه وقلنا له: أنت أستاذنا فقد رأينا منك أشياء نكرهها، قال: ما هي قلنا: دخلنا والطعام بين يديك
(1/425)

فلم تدعنا، فقال: إنما أذنت لكم لتأكلوا ولو لم أرد ذاك لما أذنت لكم، قال: ثم ماذا قلنا: ودعوت بالطست ونحن حضور فبلت ونحن نراك، فقال: أنا مكفوف وأنتم بصراء وأنتم المأمورون بغض الأبصار دوني، قال: مه ثم ماذا قلنا: حضرت الظهر والعصر والمغرب فلم تصل، قال: إن الذي يقبلها تفاريق يقبلها جملاً.
وحكى أبو أيوب الجرمي قال: قعد إلى جنب بشار رجل فاستثقله فضرط ضرطة، فظن الرجل أنها أفلتت، ثم ضرط أخرى فقال: أفلتت، ثم ضرط ثالثة فقال: يا أبا معاذ ما هذا فقال: مه أرأيت أم سمعت فقال: لا بل سمعت صوتاً قبيحاً، قال: فلا تصدق حتى ترى.
وقيل إن امرأة قالت لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود الرأس واللحية، فقال بشار: أما علمت أن بيض البزاة أثمن من سود الغربان فقالت: أما قولك فحسن في السمع، فمن لك بأن يحسن [شيبك] في العين كما حسن [قولك] في السمع فكان بشار يقول: ما أفحمني إلا هذه المرأة.
وقال بعض الشعراء: أتيت بشاراً وبين يديه مائتا دينار فقال لي: خذ منها ما شئت، أو تدري ما سببها قلت: لا، قال: جاءني فتى فقال: أنت بشار قلت: نعم، فقال لي: كنت آليت على نفسي أن أدفع إليك مائتي دينار، وذلك أني عشقت امرأة وجئت إليها وكلمتها فلم تلتفت إليّ فهممت بأن أتركها ثم ذكرت قولك:
لا يؤنسك من مخبأةٍ ... قول تغلظه وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا فعدت إليها ولازمت فناءها، فلم أرجع حتى بلغت حاجتي.
ولما بلغ المهدي هذان البيتان استدعاه فلما قدم عليه استنشده فأنشده إياهما، وكان المهدي غيوراً، فقال: تلك أمك يا عاض كذا وكذا من أمه، تحض النساء على الفجور وتقذف المحصنات المخبآت! والله لئن قلت بعد هذا بيتاً واحداً فيه تشبيب لآتين على نفسك! ولم يحظ بشيء منه فهجاه في قصيدة فقال:
(1/426)

خليفة يزني بعماته ... يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره ... ودس موسى في حر الخيزران وأنشدها في حلقة ابن يونس النحوي فسعي به إلى يعقوب بن داود وكان بشار قد هجاه فقال:
بني أمية هبوا طال نومكم ... إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ... خليفة الله بين الناي والعود فدخل يعقوب على المهدي فقال: يا أمير المؤمنين إن هذا الأعمى الملحد الزنديق بشاراً قد هجاك، قال: بأي شيء قال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري، فقال: بحياتي أنشدني إياه، فقال: والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي، فحلف عليه المهدي بالأيمان المغلظة التي لا فسحة له فيها أن يخبره، فقال: أما لفظاً فلا ولكني أكتب لك، فكتبه ودفعه إليه فكاد ينشق غيظاً، وعمل على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها، وما وكده غير بشار، فانحدر، فلما بلغ البطيحة سمع أذاناً في ضحى النهار فقال: انظروا ما هذا الأذان، فإذا بشار سكران فقال له: يا زنديق يا عاض بظر أمه، عجبت أن يكون هذا غيرك، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بأبي نهيك وأمره بضربه فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها، فكان إذا أصابه السوط يقول: حس حس، وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع، فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول حس ولا يقول: بسم الله، فقال: ويلك أطعام هو فأسمي عليه قال له آخر: أفلا قلت: الحمد لله قال: أو هي نعمة فأحمد الله عليها إنما هي بلية أسترجع منها؛ فلما ضربه سبعين سوطاً بان الموت فيه، فألقي في سفينة، فقال: ليت عين أبي الشمقمق تراني حيث يقول:
إن بشار بن برد ... تيس أعمى في سفينه
(1/427)

ولما مات ألقيت جثته في البطيحة في موضع يعرف بالجرار فحمله الماء فأخرجه إلى دجلة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة لدفنه؛ قال النوفلي: فأخرجت جنازته فما تبعه أحد إلا جارية سوداء سندية عجماء رأيتها خلف جنازته تصيح: واسيداه، ما تفصح؛ ولما نعي لأهل البصرة تباشر عامتهم وهناً بعضهم بعضاً، وحمدوا الله وتصدقوا ما كانوا قد بلوا به من لسانه.
وقيل: كان سبب قتل بشار أن صالح بن داود لنا ولي أخوه يعقوب بن داود وزير المهدي البصرة قال يهجوه:
هم حملوا فوق المنابر صالحاً ... أخاك فضجت من أخيك المنابر فبلغ ذلك يعقوب بن داود فسعى فيه بما تقدم. وكانت وفاته وقد ناهز تسعين سنة، ودفن بالبصرة في سنة سبع وقيل ثمان وستين ومائة، رحمه الله تعالى.
(32)
(ترجمة ذي النون المصري، رقم: 129، ص: 316، س: 8)
وكان يعرف اسم الله الأعظم؛ قال يوسف بن الحسين: قيل لي إن ذا النون يعرف اسم الله الأعظم، فدخلت مصر وخدمته سنة ثم قلت: يا أستاذ إني قد خدمتك وقد وجب حقي عليك، وقيل لي إنك تعرف اسم الله الأعظم، وقد عرفتني ولا تجد له موضعاً مثلي فأحب أن تعلمني إياه؛ قال: فسكت عني ذو النون ولم يجبني وكأنه أومأ إلى أنه يختبرني؛ قال: فتركني بعد ذلك ستة أشهر ثم أخرج إليّ من بيته طبقاً ومكبة مشدوداً في منديل، وكان ذو النون يسكن الجيزة، فقال: تعرف فلاناً صديقنا من الفسطاط فقلت: نعم، قال: وأحب أن تؤدي هذا إليه. قال: فأخذت الطبق وهو مشدود وجعلت أمشي طول الطريق وأنا مفكر فيه: مثل ذي النون يوجه إلى فلان هدية ترى أي شيء هي فلم أصبر إلى أن بلغت الجسر، فحللت المنديل ورفعت المكبة، فإذا فأرة قفزت من الطبق ومرت؛ قال: فاغتظت غيظاً شديداً وقلت:
(1/428)

ذو النون يسخر بي ويوجه مع مثلي فأرة! فرجعت على ذلك الغيظ، فلما رآني عرف ما في وجهي، فقال: يا أحمق إنما جربناك، ائتمنتك على فأرة فخنتني أفأئتمنك على اسم الله الأعظم مر عني فلا أراك أبداً (1) .
وكان المتوكل قد أمر بإشخاصه سنة خمس وأربعين ومائتين فوصل إلى سر من رأى، فأنزله الخليفة في بعض الدور وأوصى به رجلاً يعرف بزرافة، وقال: إذا أنا رجعت من ركوبي فأخرج إليّ هذا الرجل، فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك؛ فلما رجع من الغد قال له: تستقبل أمير المؤمنين بالسلام، فلما أخرجه إليه قال: سلم على أمير المؤمنين، فقال ذو النون ليس هكذا جاءنا الخبر، إن الراكب يسلم على الراجل، قال: فتبسم الخليفة وبدأه بالسلام ونزل إليه فقال له: أنت زاهد مصر، قال: كذا يقولون، ثم وعظه، وأكرمه الخليفة ورده إلى مصر مكرماً.
(33)
(ترجمة جرير الشاعر، رقم: 130، ص: 322، س: 8) (2)
حكى عقال بن شبة قال: كنت رديف أبي، فلقيه جرير على بغل فحياه أبي وألطفه فقلت له: أبعد ما قال لنا ما قال! [قال] : يا بني أفأوسع جرحي
وحدث أبو الخطاب عن أبيه عن بلال بن جرير قال: قلت لأبي: ما هجوت قوماً إلا أفسدتهم سوى التيم، قال: إني لم أجد حسباً فأضعه ولا بناء فأهدمه.
وحكى حماد عن أبيه عن إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قدم علينا جرير المدينة فحشدنا له، فبينا نحن عنده ذات يوم إذ قام لحاجته وجاء الأحوص فقال: أين هذا قلنا: قام آنفاً، ما تريد منه قال: أخزيه، والله إن
__________
(1) وردت هذه الحكاية في نسخة آيا صوفيا: 80 ب أيضاً.
(2) اشتركت نسخة ف مع نسخة د في هذه الزيادة مع بعض الاختلاف في النص.
(1/429)

الفرزدق لأشعر منه وأشرف، قلنا له: لا ترد ذلك، فلم يلبث أن جاء جرير فقال له الأحوص: السلام عليك، قال: وعليك السلام، قال: يا ابن الخطفي، الفرزدق أشعر منك وأشرف، فأقبل جرير علينا فقال: من الرجل قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال: هذا الخبيث ابن الطيب، ثم أقبل عليه فقال: قد قلت:
يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت فإنه يقر بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقر ذلك بعينك قال: وكان الأحوص يرمي بالأبنية، فانصرف وأرسل إليه بتمر وفاكهة؛ وأقبلنا نسأل جريراً وهو في مؤخر البيت وأشعب عند الباب فأقبل أشعب يسأله، فقال له جرير: والله إنك لأقبحهم وجهاً ولكني أراك أطولهم حسباً وقد أربمتني، قتال: أنا والله أنفعهم لك، فانتبه جرير وقال: وكيف قال: لأني أملح شعرك، وأندفع يغنيه قوله:
يا أم ناجية السلام عليكم ... قبل الرحيل وقبل لوم العذل
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل قال: فأدناه جرير حتى ألصق ركبته بركبته وجعله أقربنا منه ثم قال: أجل والله إنك أنفعهم لي وأحسنهم ترتيباً لشعري، فأعاده عليه، وجرير يبكي حتى أخضلت لحيته بالدموع، ثم وهب لأشعب دراهم كانت معه، وكساه حلة من حلل الملوك، وكان يرسل إليه طول مقامه بالمدينة فيغنيه أشعب، ويعطيه جرير شعره فيغني فيه.
وحكى (1) الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينا هم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان
__________
(1) ورد هذا الخبر كاملاً في نسخة آيا صوفيا 81 ب - 82 ب أيضاً مع بعض الاختلاف في النص عن نسختي د وف.
(1/430)

خطيباً من أهل الشام فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشأ يقول:
يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا قال: فدخل فلم يذكر من أمرهم شيئاً؛ قال: ومر بهم بعده عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (1) فقال له جرير:
يا أيها الرجل المرخي مطيته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... إني لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني قال: فدخل عون (2) على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عون (3) ، ما لي وللشعراء قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتدح فأعطى وفي ذلك أسوة، قال: وكيف ذلك قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأمر له بحلة فقطع بها لسانه، قال: وهل تروي من قوله شيئاً قال: نعم، وأنشده:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
شرعت لنا فيه الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلماً
ونورت بالبرهان أمراً مدنساً ... وأطفأت بالقرآن ناراً تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمداً ... وكل امرئ يجزي بما قد تكلما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها ... وكانت قديماً ركنها قد تهدما
أقمت علواً فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما قال: ويحك يا عون (4) من بالباب منهم قال: عمر بن عبد الله بن أبي
__________
(1) كذا أيضاً في الأغاني 8: 45 وفي نسختي ف وآيا صوفيا: عدي بن أرطاة.
(2) ف وآيا صوفيا: عدي.
(3) ف وآيا صوفيا: يا عدي.
(4) ف وآيا صوفيا: يا عدي.
(1/431)

ربيعة المخزومي، قال: أو ليس الذي يقول:
ثم نبهتها فهبت كعاباً ... طفلة ما تبين رجع الكلام
ساعة ثم هومت ثم قالت ... ويلتا قد عجلت يا ابن الكرام
أعلى غير موعد جئت تسعى ... تتخطى على رؤوس النيام
ما تجشمت ما يريب من الأم ... ر ولا جئت طارقاً لخصام فلولا كان عدة الله إذ فجر كتم على نفسه، لا يدخل علي والله أبداً؛ فمن منهم سواه قال: همام بن غالب، يعني الفرزدق، فقال: أو ليس هو الذي يقول:
هما دلتاني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فلما استوت رجلاي بالأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره لا يطأ والله هذا لي بساطاً أبداً، فمن سواه بالباب منهم قال: الأخطل، قال: يا عون (1) أليس الذي يقول:
ولست بصائم رمضان طوعاً ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عيساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بزائر بيتاً بعيداً ... بمكة أبتغي فيه صلاحي
ولست بقائم كالعير أدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند منبلج الصباح والله لا يدخل علي أبداً وهو كافر، فهل رأيت سوى من ذكرت قال: نعم، رأيت الأحوص بن محمد الأنصاري، قال: أو ليس الذي يقول وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جارية له حتى هرب بها منه:
الله بيني وبين وسيدها ... يفر مني بها وأتبعه
__________
(1) ف وآيا صوفيا: يا عدي.
(1/432)

اضرب عليه، فما هو بدون من ذكرت، فمن هاهنا سواه أيضاً قال: جميل بن معمر العذري، قال: هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعاً وإن أمت ... يوافق لدى الموتى ضريحي ضريحها
فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوي عليها صفيحها فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا فيعمل بعد ذلك صالحاً، والله لا يدخل علي أبداً، فهل سوى من ذكرت أحد قال: نعم جرير بن عطية، قال: نعم أما إنه الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة فأرجعني بسلام فإن كان ولا بد فهو، قال: فأذن لجرير، قال: فدخل وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداً ... جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه ... حتى أرعوي وأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً ... والنفس مولعة بحب العاجل فلما مثل بين يديه قال: يا جرير ويحك اتق الله ولا تقل إلا حقاً، فأنشأ يقول:
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت ... أم قد كفاني بما بلغت من خبري
كم باليمامة من شعثاء أرملةٍ ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر
ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأن به ... خبلا من الجن أو مساً من البشر
خليفة الله ماذا تأمرون لنا ... لسنا إليكم ولا في دار منتظر
ما زلت بعدك في همٍ يؤرقني ... قد طال في الحي إصعادي ومنحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا ... ولا يعود لنا بدو على حضر
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر
زان الخلافة إذ كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر
(1/433)

هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حياً لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر فقال: ويحك يا جرير ما أرى لك فيما ههنا حقاً، قال: بلى يا أمير المؤمنين، أنا ابن سبيل ومنقطع بي، فأعطاه من صلب ماله أربعمائة درهم (1) ؛ قال: وقد ذكر أنه قال له: ويحك يا جرير لقد ولينا هذا الأمر وما نملك إلا ثلثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام أعطه المائة الباقية، قال: فأخذها وقال: والله هي أحب مال كسبته إليّ؛ قال: ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك قال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول:
رأيت رقي الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا [وقد كتبت هذا الخبر من طرق، والقصص فيها مختلفة] (2) .
ويحكى أن جريراً لما قال:
يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا سأله الفرزدق: ولو كان ساكنه قروداً فقال له جرير: لو أردت لقلت ما كانا ولم أقل من كانا.
(34)
(ترجمة جعفر الصادق، رقم: 131، ص: 328، س: 5)
قال الهيثم: حدثني بعض أصحاب جعفر الصادق قال: دخلت على جعفر وموسى بين يديه وهو يوصيه بهذه الوصية، فكان مما حفظت منها أن قال: يا
__________
(1) آيا صوفيا: مائة درهم.
(2) زيادة من آيا صوفيا.
(1/434)

بني أقبل وصيتي واحفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعش سعيداً وتمت حميداً؛ يا بني إنه من [قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرض] (1) بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه؛ يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل التهم أتهم؛ يا بني قل الحق لك وعليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال؛ يا بني إن طلبت الجود فعليك بمعادنه.
قال أبو الحسن المدائني: بعث أبو جعفر المنصور إلى جعفر بن محمد فأتاه فقال: إني أريد أن أستشيرك في أمر؛ قد رأيت إطباق المدينة على ختري وقد تأنيت بهم مرة بعد أخرى ولا أراهم ينتهون، وقد رأيت أن أبعث إليهم من يجمر نخلها ويغور عيونها فما ترى فسكت جعفر فقال: ما بالك لا تتكلم قال: يا أمير المؤمنين إن سليمان بن داود أعطي فشكر وإن أيوب ابتلي فصبر وإن يوسف قدر فغفر، وقد جعلك الله من نسل الذين يغفرون ويصفحون، قال: فطفئ غيظه.
ويقال إن سليمان بن علي عم المنصور أخذ غلاماً لجعفر فكتب جعفر إليه: أيها الأمير إن الإنسان ينام على الشك ولا ينام على الحرام، فإما أن رددت غلامي وإلا عرضت أمرك على الله خمس مرات في اليوم والليلة؛ فرده عليه.
واشتكى (2) ابن لجعفر فاشتد جزعه عليه ثم أخبر بموته فسري عنه، فقيل له في ذلك فقال: إنا ندعو الله فيما نحب فإذا وقع ما نكره لم نخالف فيما أحب. وقيل له: ما بلغ من حبك له قال: كان يسرني ألا يكون لي ولد غيره فيشركه في حبي له؛ وفضله اشهر من أن يذكر.
__________
(1) زيادة من نسخة آيا صوفيا.
(2) ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا: 84 أيضاً.
(1/435)

[وكان (1) المنصور أراد إشخاصه إلى العراق معه عند مسيره إلى المدينة فاستعفاه من ذلك فلم يعفه، فاستأذنه في المقام بعده أياماً ليصلح أموراً مختلفة، فأبى عليه، فقال له جعفر: سمعت أبي يحدث عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل ليبقى أمله وينقضي أجله فليصل رحمه فيزداد في عمره، قال: اله، لقد سمعت ذلك عن أبيك عن جدك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم نعم، فأعفاه من الشخوص وأقره بالمدينة وأجازه ووصله.
وقيل إن المنصور وجه في إشخاص جعفر قبل قتل محمد بن عبد الله، فلما صار إلى النجف توضأ للصلاة ثم قال: اللهم بك استفتح وبك استنجح وبمحمد صلى الله عليه وسلم أتوجه، اللهم إني أدرأ بك في نحره وأعوذ بك من شره، اللهم سهل لي حزونته ولين لي عريكته وأعطني من الخير ما أرجو واضرب عني من الشدة ما أخاف وأحذر؛ قال: فلما دخل عليه قام إليه وأكرمه وبره وغلفه بيده وصرفه إلى منزله، وإنما أشخصه ليقتله. وقال له وسأله عن محمد ابن عبد اله فقال: أقول ما عندي (لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) ، فقال المنصور: في دون هذا القول منك كفاية، وسجد شكراً لله] .
(35)
(ترجمة جميل بثينة، رقم: 142، ص: 366، س: 18) (2)
وعشق جميل بثينة وهو غلام صغير، فلما كبر خطبها فرد عنها، فقال الشعر، وكان يأتيها سراً، ومنزلها وادي القرى، فجمع له قومها ليأخذوه إذا أتاها، فحذرته بثينة فاستخفى وقال:
ولو إن ألفاً دون بثينة كلهم ... غيارى وكل منهم مزمع قتلي
__________
(1) من هنا إلى آخر النص زيادة من أ.
(2) وردت مقاطع متفرقة من هذه الزيادة في نسخة ف، مع بعض الاختلاف في النص.
(1/436)

لحاولتها إما نهاراً مجارهاً ... وإما سرى ليل ولو قطعت رجلي وهجا قومها فاستعدوا عليه مروان، وهو يومئذ عامل معاوية على المدينة، فنذر ليقطعن لسانه، فلحق بجذام وهي قبيلة من اليمن، فأقام هناك إلى أن عزل مروان عن المدينة، فانصرف إلى بلادها، وكان يختلف إليها سراً. [وكان لما هدر السلطان دمه ضاقت عليه الأرض بما حبت] (1) ، وكان يصعد بالليل على قور رمل فيتنسم الريح من عوارض بثينة، حتى إذا تهور الليل ومل الوقوف أنشد:
أبا ريح الشمال أما تريني ... أذوب وأنني بادي النحول
هبي لي شمة من ريح بثنٍ ... ومني بالهبوب على جميل
وقولي يا بثينة حسب نفسي ... قليلك أو أقل من القليل وينصرف مع الفجر، قال: وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران، فيقلن لها: أتقي الله فهذا من عمل الشيطان.
وحدث (2) عمر بن شبة عن إسحاق قال: لقي جميل بثينة بعد تهاجر كان بينهما طالت مدته، فتعاتبا ساعة فقالت له: ويحك يا جميل تزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول:
رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح قال: فأطرق طويلاً يبكي ثم قال: بل أنا القائل:
ألا ليتني أعمى أصم تقودني ... بثينة لا يخفى عليّ كلامها فقالت: وما حملك على هذه المنى أو ليس في سعة العافية ما كفانا وكان (3) تربة بن الحمير رحل إلى الشام فمر ببني عذرة فرأته بثينة فجعلت
__________
(1) زيادة من نسخة آيا صوفيا 94 أ - 94 ب، وقد ورد فيها هذا الخبر كاملاً.
(2) ورد هذا الخبر في نسخة آيا صوفيا (94 أ) أيضاً.
(3) نص هذه الرواية في نسختي ف وآيا صوفيا (94 أ) يختلف عن نصها في نسخة د.
(1/437)

تنظر إليه، فشق ذلك على جميل، وذلك قبل أن يظهر على حبه لها، فقال له جميل: من أنت قال: أنا توبة بن الحمير، قال: هل لك إلى الصراع قال: ذلك إليك، فنبذت إليه بثينة ملحفة مورسة فاتزر بها ثم صارعه، فصرعه جميل، ثم قال: هل لك في السباق قال: نعم، فسابقه جميل، فقال له توبة: يا هذا إنك إنما تفعل هذا بروح هذه الجالسة، ولكن اهبط بنا إلى الوادي، فهبطا وانطلقت بثينة راجعة، فصرعه توبة وسبقه فقال: يا جميل، أخبرتك أنك لا تقوم لي وأنك بروحها غلبتني.
وقال (1) الهيثم بن عدي: قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتاً نصفه أعرابي في شملة بالبادية وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق قلت: لا أدري، قال: قد أجلتك فيه حولاً، فقلت: لو أجلتني حولين ما علمت، قال: قول جميل:
ألا أيها الركب النيام ألا هبوا (2) ... هذا أعرابي في شملة، ثم قال:
أسائلكم (3) هل يقتل الرجل الحب ... كأنه والله من مخنثي العقيق.
وحدث (4) الزبير بن بكار عن رجل من العرب قال: دخلت حماماً بمصر يقال له حمام القر فإذا برجل لم أر من خلق الله رجلاً أحسن منه فظننته قرشياً فأعظمته وسألته من هو فقال: أنا جميل بن عبد الله، قلت: أصاحب بثينة فضحك وقال: نعم والله لأراها ستغلب على نسبي كما غلبت على عقلي، قلت له: قد ملأت بلاد الله تنويها بذكرها، وصار اسمها لك نسباً. والله إني لأظنها حديدة العرقوب دقيقة الظنبوب كثيرة وسخ المرفق [فضحك حتى استلقى] (5) .
__________
(1) ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 95 أ.
(2) ف وآيا صوفيا: ألا أيها النوام ويحكمو هبوا.
(3) ف وآيا صوفيا: نسائلكم.
(4) ورد هذا الخبر أيضاً في نسخة آيا صوفيا: 94 أ.
(5) زيادة من آيا صوفيا.
(1/438)

(36)
(ترجمة جميل بثينة، رقم: 142، ص: 369، س: 19) (1)
قال سهل بن سعد الساعدي أو ابنه عياش: لقيني رجل من أصحابي فقال: هل لك في جميل فإنه يعتل، فدخلنا عليه وهو يكيد بنفسه، وما يخيل إليّ أن الموت يكرثه، فقال: ما تقول في رجل لم يزن قط ولم يشرب خمراً ولم يقتل نفساص حراماً قط، يشهد أن لا إله إلا الله قلت: أظنه والله قد نجا، فمن هذا الرجل قال: أنا، قلت: والله ما سلمت وأنت منذ عشرين سنة تنسب ببثينة، قال: إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن كنت وضعت يدي عليها لريبةٍ قط. فما قمنا حتى مات.
__________
(1) اشتركت نسخة ف مع نسخة د في هذه الزيادة.
(1/439)

فراغ
(1/440)

ب زيادات نسخة آيا صوفيا
بعد أن قطعت طباعة هذا الجزء شوطاً كبيراً، وقعت إليّ نسخة من وفيات الأعيان (آيل صوفيا رقم: 3532) ، تبين لي عند المقابلة أنها تحوي زيادات هامة على الأصول التي اعتمدناها، كما هو مبين في المقدمة. وقد رأينا أن نورد زيادات هذه النسخة على نص هذا المجلد هنا استدراكاً، ورتبناها بحسب تسلسل التراجم في متن الكتاب، وبيتنا موضع الزيادة محدداً برقم الترجمة والصفحة والسطر والعبارة السابقة لها. أما حين اتفقت زيادات هذه النسخة مع زيادات نسخة د المبينة في القسم أ، فقد اكتفينا بالإشارة إلى ذلك هناك.
إبراهيم النخعي
(الترجمة رقم: 1، ص: 25، س: 13، بعد قوله: إلى يوم القيامة)
وقال له بعض أصحابه يوماً: كيف أصبحت يا أبا عمران فقال: إن كان من رأيك أن تسد خلتي أو تقضي ديني أو تكسو عورتي خبرتك، وإلا فليس المجيب بأعجب من السائل؛ وقيل له: أين كنت قال: حيث احتيج إليّ؛ وقيل له: ممن أنت قال: من ذوي.
(آيا صوفيا: 2 ب 3 أ)
(1/441)

إبراهيم بن أدهم
(الترجمة رقم: 6، ص: 31، س: 17، بعد قوله: وأنت قلت ولم تعمل)
ومر إبراهيم في سوق البصرة فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا أبا إسحاق، إن الله عز وجل يقول في كتابه العزيز (ادعوني أستجب لكم) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال إبراهيم: ماتت قلوبكم في عشرة أشياء؛ أولها: عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، والثاني: قرأتم القرآن ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته، والرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم إنكم تحبون الجنات ولم تعملوا لها، والسادس: قلتم نخاف النار وذهبت أنفسكم بها، السابع: قلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له، والثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونسيتم عيوبكم، والتاسع: أكلتم نعمة الله ولم تشكروها، والعاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.
قال علي بن بكار: كنا جلوساً بالمصيصة وفينا إبراهيم بن أدهم، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم فقال القوم: هذا، هذا، وأشاروا إليه، قال: إن اخوتك بعثوني إليك؛ فلما ذكر اخوته أخذ بيده فنحاه وقال: ما جاء بك قال: أنا مملوك معي دراهم عشرة آلاف وفرس وبغلة بعث بها اخوتك إليك؛ قال: إن كنت صادقاً فأنت حر وما معك لك، اذهب فلا تخبر أحداً. (آيا صوفيا: 5 أ 5 ب)
العراقي الخطيب
(الترجمة رقم: 7، ص: 36، س: 10، بعد قوله: فأنت غيث)
ولأبي تمام حبيب بن أوس الطائي عند خروج المعتصم إلى أرض مصر:
أرض مصرّدة وأخرى تثجم ... منها التي رزقت وأخرى تحرم
(1/442)

وإذا تأملت البقاع وجدتها ... تشقى كما تشقى الرجال وتنعم (1) ولتاج الدين ابن الجراح في هذا المعنى:
آن أن تطوي الشآم إلى مص ... ر وتنسى الوحول والأمطار
وترى البلدة التي شرف الل ... هـ ثراها فإنها لك دار
بلدة من نعوتها صفة الجن ... ة تجري من تحتها الأنهار
كل فصل يدور فصل ربيع ... ولياليه كلها سحار (آيا صوفيا: 4 أ 4 ب)
إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك
(ترجمة زائدة بعد ترجمة ابن عسكر الموصلي، رقم: 8)
أبو إسحاق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، وأمه أم ولد اسمها نعمة وقيل خشف. بويع له في ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة ثم خلع نفسه وسلم الأمر إلى مروان بن محمد الجعدي، وبايعه في صفر سنة سبع وعشرين ومائة، وكانت ولايته شهرين وعشرة أيام، ولم يزل باقياً إلى سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فقتله أبو عون يوم الزاب، وقيل: غرق يومئذ، وقيل: قتله مروان وصلبه. ويقال إنه كان عاجزاً ضعيف الري، وكان أتباعه يسلمون عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة وتارة بغير ذلك. وكان خفيف العارضين، رحمه الله تعالى.
(آيا صوفيا: 5 أ)
__________
(1) رواية الديوان 3: 195: تثري الرجال وتعدم.
(1/443)

إبراهيم النديم الموصلي
(ترجمة رقم: 10، ص: 42، س: 18، بعد قوله: زوج أخت زلزل المذكور)
قال إبراهيم الموصلي: أمر المأمون يوماً بإحضاري، فدخلت إليه وهو مصطبح، ونعم جاريته بين يديه تغنيه، وهي يومئذ وصيفة، فقال لي: يا أبا إسحاق، قد أصبحت نشيطاً، فاسمع غناء هذه الصبية فإن كان فيه ما تأخذه عليها فأصلحه، فقال لها: غني، فغنت:
وزعمت إني ظالم فهجرتني ... ورميت في قلبي بسهم نافذ
فنعم ظلمتك فاغفري وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ فسمعت ما أذهلني وأطربني، فشرب ثلاثة أرطال متوالية وأمر فسقيت مثلها، ثم قال لها: غني، فغنت في خفيف ثقيل:
فإن كان حقاً ما زعمت أتيته ... إليك فقام النائحات على قبري
وإن كان ما بلغت عني باطلاً ... فلا مت حتى تسهري الليل من ذكري فطرب وشرب ثلاثة أرطال وأمر فسقيت مثلها، ثم قال: يا أبا إسحاق، عن أنت صوتاً وتغني هي صوتاً، فإذا أعجبه من غنائي صوت قال: أعده عليها، فأعيده مرتين أو ثلاثاً حتى تأخذه وتراسلني فيه، وعلى رأسه وصيفة كأنها الشمس بيدها جام مذهب فيه شراب مثله وهي تسقيه فقال فيها:
قمر تحمل شمساً ... مرحباً بالنيرين
ذهب في ذهب يس ... عى به غصن لجين
هذه قرة عين ... حملت قرة عين
لا جرى بيني ولا بي ... نكما طائر بين ثم قال: يا أبا إسحاق، عن في هذه الأبيات خفيفاً وألقه على نغم، ففعلت، وغنته غناء طرب وشرب عليه أرطالاً. ثم قال لأبي محمد اليزيدي: هل رأيت
(1/444)

قط احسن من يومنا فقال: والله إنه لحسن، أعيذك بالله، فتلقه بشكر الله، فقال: صدقت وبررت وذكرتني في موضع أذكار؛ وأمر بإخراج مائة ألف درهم يتصدق بها، فأخرجت ثم قال: يحمل إلى منزل أبي إسحاق مثلها، فلما انصرفت وجدتها قد سبقتني إلى منزلي.
(آيا صوفيا: 8 أ 8 ب)
الصابئ صاحب الرسائل
(الترجمة رقم: 15، ص: 52، س: 14، بعد قوله: وكان يستعمله في رسائله)
وقيل لأبي إسحاق الصابئ: إن الصاحب بن عباد قال: ما بقي من أوطاري وأغراضي إلا أن أملك العراق وأتصدر ببغداد وأستكتب أبا إسحاق الصابئ ويكتب عني وأغير عليه، فقال الصابئ: ويغير علي وإن أصبت.
وكتب إلى أبي الخير عن رقعة وصلت منه، وكان أهدى إليه جملاً: وصلت رقعتك ففضضتها عن خط مشرق، ولفظ مونق، وعبارة مصيبة، ومعانٍ غريبة، واتساع في البلاغة يعجز عنها عبد الحميد في كتابته، وسحبان لي خطابته، وتصرف بين جد أمضى من القدر، وهزل أرق من نسيم السحر، وتقلب في وجوه الخطاب، الجامع للصواب، إلا أن الفعل قصر عن القول لأنك ذكرت حملاً جعلته بصفتك جملاً، وكان المعيدي الذي تسمع به لا أن تراه؛ فلما أن حضر رأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، وظننته أحد الزوجين اللذين جعلهما نوح في سفينته، وحفظهما لذريته، صغر عن الكبر وكبر عن القدم فبانت دمامته، وقصرت قامته، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، بادي الأسقام، عاري العظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، ومن تأتي الحركة فيه، لأنه عظم مجلد ملبد، لا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى يدك منه إلا خشباً، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير ألقت إلا نائماً، ولا عرف الشعير إلا حالما. وقد كنت ملت إلى استبقائه لما تعرفه من
(1/445)

محبتي للتوفير، ورغبتي في التثمير، وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستبقياً لبقاء، ولا مدفعاً لعناء، لأنه ليس بأنثى فتلد، ولا بفتى فينسل، ولا بصحيح فيرعى، ولا بسليم فيبقى؛ فقلت: أذبحه ليكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار وحدت الشفار:
أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم ثم قال: وما الفائدة في ذبحي ولست بذي لحم فأصلح للأكل لأن الدهر قد أكل لحمي، ولا ذي جلد يصلح للدباغ لأن الأيام قد مزقت أدمي، ولا ذي صوف يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري؛ فإن أردتني للوقود فكيف يعز أنفي من ناري ولريقي حرارة جمري بريح قتاري فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل أو بيني وبينك دم. فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورته، ولم أعلم من أي أمريه أعجب: أمن مطالبته للدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء، أم قدرتك عليه مع عدم مثله، أم هديتك إياه للصديق مع خساسة قدره. ويا ليت شعري وأنت فيما أنت فيه، وهديتك هذا الذي كأنه نشر من القبور، أو قام عند النفخ في الصور، ما كنت مهدياً لو أني رجل من عرض الكتاب كأبي علي وأبي الخطاب ما كنت مهدياً إلا كلباً أجرباً أو قرداً أحدباً، والسلام.
(آيا صوفيا: 10 ب 11 ب)
الصابئ صاحب الرسائل
(الترجمة رقم: 15، ص: 53، س: 12، بعد قوله: إن كنت مالي)
ومن بديع شعره قوله:
وكم من يد بيضاء حازت كمالها ... يد لك لا تسود إلا من النقس
إذا رقشت بيض الصحائف خلتها ... تطرز بالظلماء أودية الشمس (آيا صوفيا: 11 ب)
(1/446)

ابن خفاجة
(الترجمة رقم: 17، ص: 57، س: 4، بعد قوله: كأنه غيلان)
ومن شعره أيضاً:
نبه وليدك من صباه بزجره ... فلربما أغفى هناك ذكاؤه
وأنهره حتى تستهل دموعه ... في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه
فالسيف لا يذكو بكفك تارة ... حتى تسيل بصفحتيه دماؤه ومن شعره أيضاً:
ولقد جريت مع الصبى جري الصبا ... وشربتها من كف أحوى أحور
ناجيت منه عطارداً ولربما ... قبلته فلثمت وجه المشتري ومن شعره أيضاً:
وبدا هلال في نقاب طالع ... ولربما اتخذ النقاب فأقمرا (آيا صوفيا: 13 أ 13 ب)
إبراهيم الغزي الشاعر
(الترجمة رقم: 18، ص: 59، س: 7، بعد قوله: بحر بلا ماء)
ومن شعره أيضاً:
يا من ذنوبي عنده الفضل الذي ... لولا مزيته لكان مسالمي
يشقى القضيب إذا ذوى أما إذا ... أبدى الثمار فكم له من راحم ومن شعره أيضاً:
سألت الكويفي في قبلة ... فخر على وجهه وانبطح
(1/447)

وقال: فهمت دليل الخطاب ... ومن عشق الدن باس القدح
وفائدة الفقه أن تهتدي ... إلى صيغة الغرض المقترح
ابن أبي داود
(الترجمة رقم: 32، ص: 88، س: 9، بعد قوله: ما يستغرق الوصف)
دخل يوماً على المعتصم فقال له: كان عندي إنسان يذكرك بكل قبيح، فقال: الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب علي وأغنائي عن الصدق عنه.
وقيل: أمر الواثق أحمد بن أبي دؤاد ان يصلي بالناس في يوم عيد، وكان عليلاً، قال: يا أبا عبد الله، كيف كان عيدكم قال: كنا في نهار ولا شمس فيه، فضحك وقال: أنا يا أبا عبد الله مؤيد بك.
ولبس ابن أبي دؤاد طيلساناً فزال عن منكبه فقال: ما أحسن ألبس الجديد، فقال له أبو العلاء المنقري: إن كنت لا تحسن أن تلبسه فإنك تحسن أن تلبسه، فرماه إليه. وقال يوماً: لله در البرامكة، عرفوا تقلب الدول فبادروا بالمعروف قبل العوائق.
وتخطى فتى من بني هاشم عنده رقاب الناس فقال: يا فتى إن الأدب ميراث الأشراف، ولست أرى عندك من سلفك إرثاً.
(آيا صوفيا:19 أ 19 ب)
(1/448)

الحافظ السلفي
(الترجمة رقم: 44، ص: 106، س: 3، بعد قوله: بأساء الحياة ولينها)
ونقلت من خطه:
وحذار ثم حذار من واد شطا ... فيه تقصر سيرها الأظعان
فهناك تقتنص البزاة حمائم ... وكذا الأسود تصيدها الغزلان (آيا صوفيا:23 أ)
ابن عبد ربه
(الترجمة رقم: 46، ص: 112، س: 3، بعد قوله: من نطق خرس)
ومن شعره الذي سمعه المتنبي وحكم بأنه شاعر الأندلس:
يا لؤلؤاً يسبي العقول انيقا ... ورشاً بتعذيب القلوب رفيقا
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... دراً يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطع خصره من ردفه ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا (آيا صوفيا: 24 ب)
(1/449)

أبو العلاء المعري
(الترجمة رقم: 47، ص: 114، س: 21، بعد قوله: وهذا اعزل)
وله من قصيدة:
ما سرت إلا وطيف منك يصحبني ... سرى أمامي وتأويباً على أثري
لو حط رحلي فوق النجم دافعه ... ألفيت ثم خيالاً منك منتظري
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وله أيضاً:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
وإن كان في لبس الفتى شرف له ... فما السيف إلا غمده والحمائل
ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي ... على أنني بين السماكين نازل
ينافس يومي في أمسي تشرفاً ... وتحد أسحاري عليّ الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه ... فلست أبالي من تغول الغوائل
فلو بان عضدي ما تأسف منكبي ... ولو مات زندي ما بكته الأنامل
إذا وصف الطائي بالبخل مادر ... أو عير قساً بالفهاهة بأقل
وقال السها للشمس أنت خفية ... وقال الدجى يا صبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة ... وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة ... ويا نفس جدي إن دهرك هازل وما أحسن قوله فيها:
وإن كنت تهوى العيش فابغ توسطاً ... فعند التناهي يقصر المتطاول
توقى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل وله أيضاً:
أرى العنقاء كبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
(1/450)

فظن بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سر فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لما طلعت مخافة أن تكادا
وكم عين تؤمل أن تراني ... وتفقد عند رؤيتي السوادا
ولو ملأ السها عينيه مني ... أبر على مدى زحل وزادا وله أيضاً:
تعب كلها الحياة فما أع ... جب إلا من راغب في ازدياد
إن حزناً في ساعة الموت أضعا ... ف سرور في ساعة الميلاد وله أيضاً:
والشيء لا يكثر مداحه ... إلا إذا قيس إلى ضده
لولا غضا نجد ونمامه ... ولم يثن بالطيب على رنده وله أيضاً:
قد أورقت عمد الخيام وأعشبت ... شعب الرحال ولون رأسي أغبر
ولقد سلوت عن الشباب كما سلا ... غيري ولكن للحزين تذكر
ابن فارس
(الترجمة رقم: 49، ص: 119، س: 15، بعد قوله: في جوف بيتي درهم)
وله أيضاً:
وقالوا كيف حالك قلت خير ... نقضي حاجة وتفوت حاج
إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوماً يكون لها انفراج
نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشوقي السراج (آيا صوفيا:27 أ)
(1/451)

أبو الطيب المتنبي
(الترجمة رقم: 50، ص: 123، س: 24، بعد قوله: مخافة العين عليهم)
وذكر الوزير أبو القاسم المغربي في كتاب " أدب الخواص " في " جعفي " أربع لغات فقال: يقال " جعفي " منسوب منون مشدد، و " جعفيّ " مشدد غير منون، ويقال " جعفي " غير مشدد، ويقال " جعف " بوزن فعل ثلاثياً من غير ياء النسبة.
(آيا صوفيا: 28 ب)
النامي الشاعر
(الترجمة رقم: 51، ص: 126، س: 19، بعد قوله: بين ألف بيضاء)
ولظافر الحداد قريب من هذا المعنى وهو قوله:
ونفر صبح الشيب ليل شبيبتي ... كذا عادتي في الصبح مع من أحبه ولميسر غلام المحسن الصوري:
عاتبت في المرآة شيبي ضاحكاً ... فلقيت مبسمه بدمع فائض
وودت أن بياضه في مقلتي ... أسفاً وأن سواده في عارضي وللأمير عز الدولة أبي الحسن علي بن مرشد:
سقياً لدهر مضى والشمل مشتمل ... على السرور ويا بؤساً لذا الزمن
وروض رأسي أثيث النبت ناعمه ... ريّان أحذر أيامي فيتبعني
فاعتضت بالشيب يا بؤساص لمنظره ... فليتني قبله أدرجت في كفني (آيا صوفيا: 29 أ 29 ب)
(1/452)

بديع الزمان الهذاني
(الترجمة رقم: 52، ص: 128، س: 3، بعد قوله: فمن رسائله:)
" أنا لقرب دار ملاوي " كما طرب النشوان مالت به الخمر "، ومن الارتياح للقائه " كمنا انتفض العصفور بلله القطر "، ومن الامتزاج بولائه " كما التقت الصهباء والبارد العذب "، ومن الابتهاج بمزاره " كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب. "
وله مكن رسالة: " يعز علي أيد الله الشيخ أن ينوب في خدمته قلمي عم قدمي، ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي، ويرد مشرع الأنس به كتابي قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:
وعلي أن أسعى وليس عليّ إدراك النجاح. "
فصل: " وقد حضرت داره وقبلت جداره، وما بي حب الحيطان ولكن شغف القطان، ولا عشق الجدران ولكن شوق إلى السكان. "
فصل من رقعة: " مثلك ومثل السفارة مثل الفارة، طفقت تقرص الحديد، فقيل لها: ما تصنعين الناب ودقة رأسه، والحديد وشدة بأسه، فقالت: أشهد ولكن أجهد، وإن تنج من تلك الأسباب فمجيء الذباب لمقاديرك لا معاذيرك. "
فصل من كتاب إلى الأمير أبي نصر الميكالي: " كتابي، أطال الله بقاء الأمير، ويودي أن أكونه فأسعد به دونه، ولكن الحريص محروم، ولو بلغ الرزق فاه ولاه قفاه، وبعد فإني في مفاتحته بين نفس تعد، ويد ترتعد، ولم [لا يكون ذلك] (1) وهو البحر إن لم أره فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه فقد تصورت خلقه، والملك العادل وإن لم أكن لقيته فقد بلغني صيته، ومن رأى من السيف أثره فقد رأى أكثره، وهذه الحضرة وإن احتاج إليها
__________
(1) زيادة من رسائل بديع الزمان: 238، واليتيمة 4: 263.
(1/453)

المأمون ولم يستغن عنها قارون، فإن الأحب إلي أن أقصدها قصد موال، والرجوع عنها بحمال، أحب إلي من الرجوع عنها بمال؛ قدمت التعريف، وأنا أنتظر الجواب الشريف. "
فصل: " أنا أخاطب الشيخ الإمام، والكلام معجون، والحديث شجون، وقد يوحش اللفظ وكله ود، ويكره الشيء وليس من فعله بد؛ هذه العرب تقول: لا أبا لك في الأمر إذا أهم (1) ، وقاتله الله ولا تريد به الذم، وويل أمه للأمر إذا تم (2) ، وللألباب في هذا الباب أن تنظر في القول إلى قائله، فإذا كان ولياً فهو للولاء وإن خشن، وإن كان عدواً فهو للبلاء وإن حسن. "
فصل في مدح الأمير خلف بن أحمد: " جزى الله هذا الملك أفضل ما جزى مخدوماً عن خدمه، ومنعماً عن نعمه، وأعانه على هممه، فلو إن البحار مدده، والسحاب يده، والجبال ذهبه، لقصرت هما يهبه، فوالله ما التمرة بالبصرة إلا أجل خطراً من البدرة بهذه الحضرة، إني لأراها تحمل إلى المنتجعين تحت الذيل في اليل، ولا أيسر وجوداً من الدنيا [ر] بهذه الديار؛ المرء في سنة من نومه، وقصاراه قوت يومه، إذ يقرع الباب عليه قرعاً خفياً، ويسأل به سؤالاً حفياً، ويعطى ألفاً حلياً. "
فصل: " وأجدني إذا قرأت قصة الخليل عليه السلام والذبيح إسماعيل، أحس من نفسي لسيدنا بتلك الطاعة، وأظنه لو تلني للجبين وأخذ مني باليمين ؤليقطع مني الوتين لصنته عن الأذنين، علي بذلك من الله ميثاق غليظ، والله على ما أقول حفيظ. "
(آيا صوفيا: 29ب، 30 أ 30 ب)
__________
(1) الرسائل: 249: تم؛ اليتيمة 4: 263: هم.
(2) في الرسائل: 249 واليتيمة 4: 263: للمرء إذا اهم.
(1/454)

ابن طباطبا
(الترجمة رقم: 53، ص: 129، س: 15، بعد قوله: أورد له قوله:)
تأمل نحولي والهلال إذا بدا ... لليلته في أفقه أينا أضنى
على أنه يزداد في كل ليلة ... نمواً وجسمي بالضنى ذائباً يفنى وأورد له أيضاً:
أترى النجم حار في الأفق أم أس ... بل ليلي على نهاري ذيلا
أم كما عاد وصله لي هجراً ... عاد أيضاً به نهاري ليلا وأورد له أيضاً:
نفسي الفداء لغائب عن ناظري ... ومحله في القلب دون حجابه
لولا تمتع مقلتي بجماله ... لوهبتها لمبشري بإيابه وأود له أيضاً..
(آيا صوفيا: 31 أ)
أبو الرقعمق
(الترجمة رقم: 55، ص: 132، س: 17، بعد قوله: ابن كلس)
وقال أبو الرقعمق: كان لي إخوان أربعة وكنت أنادمهم في أيام الأستاذ كافور، فجاءني رسولهم في يوم بارد، وليس لي كسوة تحصنني من البرج، فقال: إخوانك يقرأون عليك السلام ويقولون: قد اصطبحنا اليوم وذبحنا أرخاة سمينة فاشته ما يعمل لك منها، فكتبت إليهم:
أحبابنا عزموا الصبوح بسحرة ... فأتى رسولهم إلي خصوصا
قالوا: اقترح لوناً يجاد طبيخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا
(1/455)

فذهب الرسول بالرقعة، فما شعرت حتى عاد ومعه أربع خلع وأربع صرر في كل صرة عشرة دنانير؛ فلبست إحدى الخلع وصرت إليهم.
(آيا صوفيا: 32 أ)
جحظة البرمكي
(الترجمة رقم: 55، ص: 134، س: 6، بعد قوله: بين جحظة والزمان)
وله في دير العذارى:
ألا هل إلى دير العذارى ونظرة ... إلى من به قبل الممات سبيل
وهل لي به يوماً من الدهر سكرة ... تعلل نفسي والمشوق عليل
إذا نطق القسيس بعد سكوته ... وشمعل مطران ولاح قتيل
غدونا على كأس الصبوح بسحرة ... فدارت علينا قهوة وشمول
نريد انتصاباً للمدام بزعمنا ... ويرعشنا إدمانها فنميل
سقى الله عيشاً لم يكن فيه دولة ... أتم ولم ينكر عليّ عذول قال أبو الفرج الاصبهاني: كان الرشيد كثيراً ما ينزل هذا الدير ويشرب فيه، وكان به ديراني ظريف؛ قال الرشيد للديراني: لم سمي بهذا الأسم فقال: يا أمير المؤمنين، كانت المرأة من النصارى في سالف الزمان إذا وهبت نفسها لله تعالى سكنت في هذا الدير، فرفع إلى بعض ملوك الفرس أنه اجتمع فيه عذراى في نهاية الحسن والجمال، فوجه إلى عامله بتلك الناحية أن يحمل جميعهن إليه؛ وبلغهن ذلك فجزعن وقلقن وبتن ليلتهن تلك فأحيينها صلاة وتقديساً وتضرعاً وبكاء ودعاء إلى الله أن يكفيهن أمره، فأصبح ميتاً وبقين على حالهن فأصبحن صياماً شكراً لله تعالى، وجعل النصارى صيام ذلك اليوم فرضاً واجباً يصومونه من كل سنة. وهذا الدير بسر من رأى.
(آيا صوفيا: 32 ب 33 أ)
(1/456)

ابن زيدون
(الترجمة رقم: 57، ص: 140، س: 18، بعد قوله: وما يرجى تلاقينا)
ومن شعره:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقاً ... فالأفق طلق ووجه الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنه رق لي فاعتل إشفاقا ومن شعره:
يا قمراً مطلعه المغرب ... قد ضاق بي من حبك المذهب
ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فاصفح أيها المذنب ومن شعره:
ما للمدام تديرها عيناك ... فتميل من نشوتها عطفاك
هلا مزجت لعاشقيك [سلافها] ... ببرود ظلمك أو بعذب لماك
بل ما عليك وقد محضت لك الهوى ... من أن أفوز بحظوة المسوك (آيا صوفيا: 35 أ)
ابن الخازن الكاتب
(الترجمة رقم: 62، ص: 150، س: 20، بعد قوله: في الورد)
ومن شعره أيضاً:
تسل يا قلب عن سمح بمهجته ... مبذل كل من يلقاه يعرفه
مجمش بخفي اللحظ ناظره ... رمز الحواجب يدينه ويصرفه
كالماء أي صدٍ يأتيه ينهله ... والغصن أي نسيم هب يعطفه
وليس يقتلني إلا تهتكه ... مع الأنام ولي وحدي تعففه
(1/457)

ومن شعره مما يكتب على سجاد:
فرشت خدي للعشاق قاطبة ... فصحن خدي لهم أرض إذا عشقوا
لولا اخضراري من سقيا مدامعهم ... لكنت من زفرات الوجد أحترق ومن شعره أيضاً:
يدور علينا بالمدامة منثني ال ... معاطف يغري الناظرين بعشقه
له شفق أبدته في وجناته ... شموس العقار حين غابت بأفقه (آيا صوفيا: 37 أ 37 ب)
ناصح الدين الأرجاني
(الترجمة رقم: 63، ص: 153، س: 4، بعد قوله: نحو المغرب)
ومن شعره أيضاً:
فلولا الهوى ما كان نوح حمائمٍ ... على عذبات الجزع مما شجانيا
نوادب أبلين الحداد فما يرى ... عليها سوى ما زر في الجيد باقيا
ولما التقى الواشون والحي ظاعن ... وقد لاح للتوديع مني دانيا
بدت في محياه خيالات أدمعي ... صفاءً وظنوا أن بكى لبكائنا ومن شعره أيضاً:
قد أشعل الشيب رأسي للبلى عجلا ... والشمع عند اشتعال الرأس ينسبك
فإن يكن راعها من لونه يقق ... فطالما راقها من قبله حلك ومنها، وكان استوزر قبل هذا الممدوح وزير فقتل:
أنتم فرازين هذا الدست نعرفكم ... وهم بياذقة إن صف معترك
فما تفرزن منهم بيذق أبداً ... إلا غدا رأسه في الترب ينمعك وله أيضاً:
(1/458)

غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت من الجلد العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني، صدقت لكن سقاما (آيا صوفيا: 38 أو 38 ب)
ابن منير الطرابلسي
(الترجمة رقم: 64، ص: 158، س: 14، بعد قوله: كله زور)
مقصر الصدغ ممدود ذؤابته ... بي منه وجدان: ممدود ومقصور
سلمت فازور يزوي قوس حاجبه ... كأنني كأس خمر وهو مخمور
فيه محاسن شتى قد فتنت بها ... وكل مفتتن بالحسن معذور
مهفهف في هواه ما استجرت به ... إلا وجدت غرامي وهو منصور وله مما يكتب على سرج:
للسبعة النيرات عن شرفي ... عجز وفي العالمين تبريج
وهل أداني في نيل مكرمة ... والبحر فوقي وتحتي الريح (آيا صوفيا: 39 أ)
أحمد القطرسي النفيس
(الترجمة رقم: 66، ص: 165، س: 14، بعد قوله: وهو مخترق)
قلت: وهذه المبالغة في التفجع مأخوذة من قول ابن سنان الخفاجي الحلبي من جملة مرثية:
أعنف فيك الوجد وهو مبرح ... وأعتب فيك الدمع وهو نجيع (آيا صوفيا: 41 ب)
(1/459)

صلاح الدين الأربلي
(الترجمة رقم: 76، ص: 186، س: 16، بعد قوله: وجه الصلاح)
وكتب إليه مع هدية:
لو كنت مهدٍ على مقدار قدركم ... لكنت أهدي إليك السهل والجبلا
وإنما العبد أهدى كنه قدرته ... والنمل يعذر في القدر الذي حملا (آيا صوفيا: 47 أ)
ابن عبد الحميد الجرجاني
(الترجمة رقم: 77، ص: 188، س: 10، بعد قوله: بلد فيه الخصيب أمير)
إذا لم تزر أرض الخصيب ركابنا ... فأي فتى بعد الخصيب تزور
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور
فما جازه جود ولا حل دونه ... ولكن يصير الجود حيث يصير
ولم تر عيني سؤدداً مثل سؤددٍ ... يحل أبو نصر به ويسير ومنها:
فمن كان أمسى جاهلاً بمقالتي ... فإن أمير المؤمنين خبير
وما زلت تولية النصيحة يافعاً ... إلى أن بدا في العارضين قتير
إذا غاله أمر فإما كفيته ... وإما عليه بالكفي تشير
إليك رمت بالقوم هوج كأنما ... جماجمها تحت الرحال قبور ومنها:
وإني جدير إذ بلغتك بالغنى ... وأنت بما أملت منك جدير
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور
(1/460)

ومن الأخرى قوله:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر
لا تقعدا بي عن مدى أملي ... شيئاً فما لكما [به] عذر
ويحق لي إذ صرت بينكما ... أن لا يحل بساحتي فقر وأجازه عليهما جائزة سنية، ومدحه أيضاً بقصيدته النونية التي يقول فيها:
أنا في ذمة الخصيب مقيم ... حيث لا تهتدي صروف زماني
لا تخافي عليّ غول الليالي ... ومكاني من الخصيب مكاني (آيا صوفيا: 48 أ)
أسامة بن منقذ
(الترجمة رقم: 84، ص: 199، س: 1، بعد قوله: فرقة الأبد)
ونقلت منه أيضاً:
خلع الخليع عذاره في فسقه ... حتى تهتك غاية الإفراط
يأتي ويؤتى ليس ينكر ذا ولا ... هذا كذلك إبرة الخياط ونقلت منه، وقالها بدمشق:
إن يستروا وجه إحساني بكفرهم ... فالشمس أدنى سحاب عن يسترها
وإن هم كدروا صفوي بغشهم ... فالعين أدنى القذى فيها يكدرها ونقلت أيضاً:
اصبر على ما كرهت تحظ بما ... تهوى فما جازع بمعذور
إن اصطبار الجنين في ظلم ال ... أحشاء أفضى به إلى النور وقال أيضاً بحماة:
اصبر إذا ناب خطب وانتظر فرجاً ... يأتي به الله بعد الريث واليأس
(1/461)

إن اصطبار ابنة العنقود إذ حبست ... في ظلمة القار أداها إلى الكاس وقال في المعنى:
من رزق الصبر نال بغيته ... ولاحظته السعود في الفلك
إن اصطبار الزجاج للسبك وال ... نيران أدناه من فم الملك وكان حين دخوله إلى القاهرة كتب إلى أبي الفضل الحصكفي الآتي ذكره رقعة هذه نسختها: التقطت أطال الله بقاء سيدنا الإمام الأجل العالم معين الدين قدوة الشريعة تاج العلماء زين الأدباء من نفيس جوهره الفاخر، وإن حلئت عن بحره العذب الزاخر، ألفاظاً أحيت موات فهمي، وإن كانت تدق عن إدراك وهمي، لا أقول هي السحر الحلال، والماء الزلال، والرياض الأريضة، واللثائم المفضوضة، بل روح الحياة المحبوبة، ونيل الأماني المطلوبة، تحليت من نظمها بالعقود، واحتلبت من زقها ماء العنقود، وعودت فضلاً ذلل عاصيها، وملك أزمتها ونواصيها، وإن زماناً سمح بمثله لغير منسوب إلى بخل، وإن عاق عن الفوز بنظره عوائق الزمان، وغيبني من الاستعداد بمفاكهته شقوة الحرمان، فلساني خطيب بالثناء عليه، وقلبي حيث كنت مرتهن لديه، وأنا أهدي إلى حضرته السامية سلاماً أعذب من السلسبيل، وارق من النسيم العليل، وأصفى من الرحيق، وأذكى من المسك الفتيق، واسأله أن يتحفني بذكر خدمه وأداته، ويحيلني بما حضره من درر ذاته، لأستضيء بنور شعاعه، وافتخر بروايته وسماعه، ومولاي الرئيس الأجل أدام الله علوه يوضح بتصديق أملي، والصفح عن زللي، لا زال منعماً إن شاء الله تعالى.
فكتب أبو الفضل إليه جواباً هذه نسخته: أنا من ألفاظ حضرته بين السور العاصم وسوار المعاصم، إذ خر ذا أشرف للباس، وأفخر بالشرف من اللباس، سور ضرب له باب بين أهل الرحمة وأهل العذاب، وسوار اختلت عندها الألباب، وتحلت بها الأحباب، وهلا زدت هاء فازددت بها بهاء، فقلت بين سورة فضلها لا يكذب، وصورة ترى كل ملك دونها يتذبذب، ولما نبهني من رقدة الذهول، وتيهني عن وهدة الخمول، رفعتني النباهة، ونفعتني الانتباهة
(1/462)

فكتبت يدي عجلاً وقلت جعلت فداه مرتجلاً:
كتاب فضضت الختم عند وصوله ... عن الفرقد العلوي لا أم فرقد
فملت كأني قد ثملت بقهوة ... أديرت على شدود الغريض ومعبد وكتب أسامة المذكور من إربل إلى أخيه أبي الحسن الآتي ذكره إن شاء الله صدر كتاب:
وإن امرءاً أضحى بإربل داره ... وفي شيزر أحبابه وشجونه
لغير ملوم في احنين إليهم ... ومعذورة أن تستهل جفونه وقال وهو بمصر:
إن كنت في مصر مجهولاً وقد شهرت ... فضائلي بين بدو الناس والحضر
فما على الشمس من عار تعاب به ... إذا اختفى نورها عن غير ذي بصر (آيا صوفيا: 50 ب 51 ب)
الأسعد بن مماتي
(الترجمة رقم: 91، ص: 213، س: 19، بعد قوله: وهي فم)
وكان ابن مكنسة ينادمه، فاتفق أن سرقت نعله في بعض الليالي، وكانت حمراء، فكتب إليه:
لالكتي أثمن من عمتي ... وهمتي أكبر من قدرتي
كأنها في قدمي شعلة ... من جهة المريخ قد قدت
وزنتها [عندي] ورب العلى ... أعز من رأسي ومن قمتي
وأنت يا مولاي يا من به ... ومن نداه أسبغت نعمتي
متى تغافلت على أخذها ... من بعد هذا سرقت لحيتي
(1/463)

فضحك من الأبيات وأنفذ له عشرين ديناراً وعشرين طاق أدم واستخدم للمجلس فراشاً بثلاثة دنانير في الشهر وجراية كل يوم لحفظ نعال الندماء.
(آيا صوفيا: 54 ب)
المزني صاحب الشافعي
(الترجمة رقم: 93، ص: 218، س: 12، بعد قوله: خمس وعشرين درجة)
وسئل عن الموت فقال: هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء. وكان يقول: من التمس من الإخوان الرخصة عند المشورة، ومن الأطباء عند المرض، ومن الفقهاء عند الشبهة، فقد أخطأ الرأي وازداد مرضاً وحمل الوزر. ومناقبه كثيرة. (آيا صوفيا: 55 ب)
الصاحب بن عباد
(الترجمة رقم: 96، ص: 230، س: 3، بعد قوله: ردت إلينا)
ووقع في رقعة من يعتذر من ترك حضوره لخوف الثقل على حضرته فقال: متى يثقل الجفن على العين..
وله جواب كتاب: وصل كتاب مولاي، فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح، وواسطته أنفس من واسطة العقد، وخاتمته أشرف من خاتم الملك.
(آيا صوفيا: 58 أ، 59 ب)
(1/464)

الصاحب بن عباد
(الترجمة رقم: 96، ص: 232، س: 12، بعد قوله: حتى المعاد معاد)
ورثاه أيضاً أبو القاسم غانم بن محمد الأصبهاني بقوله:
ما مت وحدك بل كل الذي ولدت ... حواء طراً بل الدنيا بل الدين
تبكي عليك العطايا والصلات كما ... بكت عليك الرعايا والسلاطين
قام السعاة وكان الخوف أقعدهم ... واستيقظوا بعدما مت الملاعين
لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا ... مضى سليمان فانحل الشياطين (آيا صوفيا: 59 ب)
المنصور العبيدي
(الترجمة رقم: 98، ص: 236، س: 14، بعد قوله: رحمه الله تعالى)
تتألف هذه الزيادة من رواية طويلة منقولة عن ابن بسام (الذخيرة 4/1: 9) خلط فيها كاتبها بين المنصور بن أبي عامر والمنصور العبيدي، ولذلك لم نر وجهاً لنقل نصها هنا.
(آيا صوفيا: 60 ب 61 أ)
أبو الصلت الأندلسي
(الترجمة رقم: 104، ص: 244، س: 7، بعد قوله: فوقهن تغرد)
وله أيضاً، أعني أمية المذكور:
تلاقت الأضداد في جسمه ... على اتفاق بينها واصطلاح
(1/465)

إن لان عطفاه قسا قلبه ... أو ثبت الخلخال جال الوشاح وله في الشمعة:
وناحلة صفراء لم تدر ما الهوى ... فتبكي لهجر أو لطول بعاد
حكتني نحولاً واصفراراً وحرفة ... وفيض دموع واتصال سهاد وله أيضاً:
تجري الأمور على قدر القضاء وفي ... طي الحوادث محبوب ومكروه
فربما سرني ما بت أحذره ... وربما ساءني ما بت أرجوه (آيا صوفيا: 63 ب)
القاضي إياس
(الترجمة رقم: 105، ص: 249، س: 23، بعد قوله: وكان له في ذلك غرائب)
وقال حبيب: سمعت إياس بن معاوية يقول: ما كلمت أحداً من أصحاب الأهواء بعقلي كله غلا القدرية، فإني قلت لهم: ما الظلم بينكم قالوا: إن يأخذ الإنسان ما ليس له، فقلت لهم: فإن لله عز وجل كل شيء.
واستودع رجل رجلاً من أمناء إياس مالاً وخرج المستودع إلى مكة، فلما رجع طلبه فجحده، وأتى إياساً فأخبره، فقال له إياس: أعلم بك أنك أتيتني قال: لا، قال: فنازعته عند أحد قال: لا، لم يعلم بهذا أحد، قال: فانصرف واكتم أمرك ثم عد إليّ بعد يومين. فمضى الرجل، فدعا إياس أمينة ذلك وقال: قد اجتمع عندي مال كثير أريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك قال: نعم، قال: فأعد موضعاً للمال وقوماً يحملونه. وعاد الرجل إلى إياس فقال له: إني أخبر القاضي. فأتي الرجل صاحبه فقال: مالي وإلا أتيت القاضي وشكوت إليه حالي وأخبرته بأمري، فدفع إليه ماله، فرجع
(1/466)

الرجل إلى إياس فقال: قد أعطاني المال، وجاء الأمين إلى إياس لوعده فزبره وانتهره وقال: لا تقربني خائن.
وحدث المدائني عن أبي محمد القرشي قال: استودع رجل رجلاً مالاً ثم طلبه فجحده، فخاصمه إلى غياس فقال الطالب: إني دفعت إليه المال، قال: ومن شيء كان في ذلك الموضع قال: شجرة، قال: فانطلق إلى ذلك الموضع وانظر إلى الشجرة فلعل الله تعالى يوضح لك هناك ما يبين به حفك لعلك دفنت مالك عند الشجرة ونسيت فتذكر إذا رأيت الشجرة. فمضى الرجل وقال إياس للمطلوب: اجلس حتى يرجع خصمك، فجلس وإياس يقضي بين الناس وينظر إليه ساعة؛ ثم قال: يا هذا، أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة التي ذكر قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك لخائن! قال: أقلني أقالك الله، فأمر من يحتفظ به حتى جاء الرجل فقال له إياس: قد أقر بحقك فخذه منه.
وصحب إياس رجلاً في سفر، فلما أراد أن [يفارقه] (1) قال له الرجل: أخبرني عن عيوني، قال: سل غيري، فإني كنت أراك بعين الرضى، يشير إلى قول القائل:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا (آيا صوفيا: 64 ب)
بشار بن برد
(الترجمة رقم: 113، ص: 272، س: 22، بعد الرقم (31))
قال محمد بن الحجاج: كنا مع بشار [فجاءه] رجل فسأله عن منزل رجل ذكره له، فجعل بشار يفهمه ولا يفهم، فأخذه بيده وقام يقوده إلى منزل الرجل وهو يقول:
__________
(1) زيادة لابد من مثلها ليستقيم المعنى.
(1/467)

أعمى يقود بصيراً لا أبا لكم ... قد ضل من كانت العميان تهديه حتى صار إلى منزل الرجل، ثم قال له: هذا منزله يا أعمى.
ولما سمع بشار قول العباس بن الأحنف:
لما رأيت الليل سد طريقه ... دوني وعذبني الظلام الراكد
والنجم في كبد السماء كأنه ... أعمى تحير ما لديه قائد قال: قاتل الله هذا الغلام، ما رضي إذ جعله أعمى حتى جعله بلا قائد! ومن شعره، أعني بشاراً:
أقول وليلتي تزداد طولاً ... أما لليل عندكم نهار
جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار (آيا صوفيا: 71 ب 72 أ)
بشر الحافي
(الترجمة رقم: 114، ص: 276، س: 9، بعد قوله: بمرو، رحمه الله تعالى)
قال أبو بكر الباقلاني: سمعت أبي يقول: سمعت بشر بن الحارق ونحن معه بباب حرب، وأراد الدخول إلى المقبرة فقال: الموتى داخل السور أكثر منهم خارج السور وكان يقول: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم، وإذا هممت بغلاء السعر فاذكر الموت فإنه يذهب عنك هم الغلاء.
(آيا صوفيا: 72 ب)
(1/468)

بشر المريسي
(الترجمة رقم: 115، ص: 277، س: 17، بعد قوله: وغيرهم رحمهم الله تعالى)
وكان صحب مجوسياً في سفر فقال له بشر: أسلم، قال المجوسي: حتى يريد الله، قال: قد أراد الله ذلك وشاءه ولكن الشيطان ليس يدعك، قال المجوسي: فأنا مع أقواهما، فقطعه وأفحمه.
(آيا صوفيا: 73 أ)
تقية الصورية
(الترجمة رقم: 123، ص: 298، س: 9، بعد قوله: إلى مقام كريم)
ولها من قصيدة في الحافظ المذكور:
أعوامنا قد أشرقت أيامها ... وعلا على ظهر السماك خيامها
والروض مبتسم بنور أقاحه ... لما بكى فرحاً عليه غمامها
والنرجس الغض الذي أحداقه ... ترنو فيفهم ما يقول خزامها
وشقائق النعمان في وجناته ... خالات مسك حاكها رقامها
وبنفسج لبس الحداد لحزنه ... أسفاً على مهج يزيد غرامها
والجلنار على الغصون كأكؤس ... خرطت عقيقاً والنضار مدامها
وغصون آس شبهته عيوننا ... غيداء يثنى قدها وقوامها
وكأنما زهر الرياض عساكر ... في موكب منشورة أعلامها
يبدي نسيم الصبح سر عبيرها ... فينم عن طيب بها نمامها
يا صاح قم لسعادة قد أقبلت ... وتنبهت بعد الكرى نوامها
واجمع خواطرنا لنجلو فكرها ... لما تجرد للقريض حسامها
مدح الإمام على الأنام فريضة ... فخر الأئمة شيخها وإمامها (آيا صوفيا: 77 أ)
(1/469)

تميم بن المعز الفاطمي
(الترجمة رقم: 125، ص: 303، س: 6، بعد قوله: عارضهما بالبيتين الأولين)
وأورد له علي بن سعيد في المرقص:
أطلع الحسن من جبينك شمساً ... فوق ورد من وجنتيك أطلا
فكأن العذار خاف على الور ... د جفافاً فمد بالشعر ظلا وأورد له أيضاً:
كأن بقايا الليل والصبح طالع ... بقية لطخ الكحل في الأعين الزرق (آيا صوفيا: 78 ب)
جرير الشاعر
(الترجمة رقم: 130، ص: 322، س: 3، بعد قوله: أضعف خلق الله أركانا)
ودخل جرير على الوليد وعنده عدي بن الرقاع، فقال الوليد لجرير: أتعرف هذا قال: لا، قال: هو ابن الرقاع، قال جرير: شر الثياب ما كانت فيه الرقاع، قال: إنه من عاملة، قال: عاملة ناصبة، قال: ما تريد من رجل يمدح أحياء بني أمية ويرثي موتاهم والله لئن هجوته لأركبنه عنقك، فخرج جرير وابن الرقاع وراءه، فقال: أيها الناس، كدت أخرج إليكم وهذا القرد على عنقي.
(آيا صوفيا: 81 أ)
(1/470)

جعفر الصادق
(الترجمة رقم: 131، ص: 327، س: 9، بعد قوله: رضي الله عنهم أجمعين)
كان عالماً زاهداً عابداً، روى عن أبيه وعطاء وعكرمة، قال محمد بن أبي القاسم عن يحيى بن الفرات قال: قال جعفر بن محمد لسفيان الثوري: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: تعجيله وتصغيره وستره.
حدث الزبير عن محمد بن يحيى الربعي [قال:] قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد فسلمت عليه، وكنت له صديقاً، ثم أقبلت عليه فقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعلم، فقال جعفر: لعله الذي يقيس الدين بريه ثم أقبل عليه فقال له: اتق الله ولا تقس الدين برأيك فإن أول من قاس إبليس إذ أمره الله بالسجود لآدم فقال: (أنا خير منه الآية الكريمة) . ثم قال له: هل تحسن أن تقيس رأسك من جسدك فقال: لا، فقال: أخبرني عن الملوحة في العين، وعن المرارة في الأذن، وعن الماء في المنخرين، وعن العذوبة في الفم، لأي شيء جعل ذلك قال: لا أدري، قال له جعفر: إن الله تبارك وعلا خلق العينين فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما مناً على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا، وجعل المرارة في الأذنين مناً منه عليه، وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل ويجد منه الريح الطيبة من الريح الردية، وجعل العذوبة في الفم ليجد ابن آدم لذة مطعمه ومشربه. ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، ما هي قال: لا أدري، قال: قول الرجل: لا إله إلا الله، فلو قال: لا إله ثم أمسك كان مشركاً، فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان. ثم قال: ويحك أيهما أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم أم ا