Advertisement

نفاضة الجراب في علالة الاغتراب



الكتاب: نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
المؤلف: لسان الدين بن الخطيب، محمد بن عبد الله (المتوفى: 776هـ)
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] فصل في ذكر جبل هنتاتة
وعملنا على الصعود إلى الجبل المطل عليها، والجارح المرفرف على دراجها مقتصرين على حدود هنتاتة، عنصر الدعوة، وأولياء الدولة المرينية، وحلفاء الطاعة المخصوصين برعي الجوار، والاستماتة من دون الحرمة، وشد عروة الوفاء، وسد الخلّة، واستحقاق لشُّفوف على غيرهم والمزية، إذ كان ذلك أقوى بواعث الوجهة، وأخلص مقاصد الرحلة.
وقدمت بين يدي وصولي إلى مراكش، المخاطبة إلى عميد تلك البقعة، وشاه تلك الرقعة، صدر هذه الحدود القصوى، المتميز بالرجاحة والرأي والسياسة، المتفق فيه على إفاضة العدل، وكف اليد، والتجافي عن مال الجباية، والمستأثر بحمد الجمهور من الرعية، وحب أولي العفاف والخيرية، إلى النُّبْل الذي لا يطيش نَبْلُه، والإدراك الذي لا يُفَلُّ حدُّه، والدهاء الذي لا يُسبَر غوره، والمعروف الذي لا يتجاوز محالَّ الضرورة حكمته، عامر بن محمد بن علي:
تقول ليَ الأظعان والشوق في الحشا ... له الحكم يمضي بين ناه وآمر
إذا جبل التوحيد أصبحت فارعاً ... فخيم قرير العين في دار عامر
وَزُرْ تربها المعصوم إن مزارها ... هو الحجّ يمضي نحوه كل ضامِر
سنلقى بمثوى عامر بن محمد ... ثغور الأماني من ثنايا البشائر
ولله ما تبلوه من سعد وجهة ... ولله ما تلقاه من يٌمن طائر
وتستعمل الأمثال في الدهر منكما ... بخير مَزُور أو بأغبط زائر
لم يكن همي، أبقاك الله، مع فراغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الأيام والليال، إذ الشمل جميع، والزمن كله ربيع، والدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، ويواصل أمنه بين النوم والأجفان، وأن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، وكانت إليه العودة ومنه البداية. فلما حُمَّ الواقع) وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع (وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع، وحسنت من استدعائك إياي المواقع، قوي العزم وإن لم يكن ضعيفاً، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفاً، والتمست الإذن حتى لا ترى في قبلة السدادة تحريفاً، واستقبلتك بصدر مشروح، وزنْد العزم مقدوح، والله يحقق السول، ويسهل بمثوى الأماثل المثول، ويهيئ من قبيل هنتاتة القبول بفضله.
فأكرم الوفادة، وأطرأ بين يدي الإمارة، واستدعي من محل سكناه بمراكش إلى دار الكرامة، وشرك في الطعام نبهاء الدولة وعلية الخاصة. وأطرف من استجلاء منزله بقرة العين، انفساح خطة، والتفاف شجرة، وجرية ماء، واستبحار بركة. واستكثر من كل طرفة، ونقل من جلسة إلى جلسة، وحرص على تتميم البر بكل حيلة.
وفي يوم الاثنين المتصل بيوم القدوم، توجهنا إلى الجبل في كنف أصحابه تحت إغراء بره، وفي مركب قرة عينه، فخرجنا نستقبل بين يديه السهل، ونساير الجهة، ونشاهد الآثار، ونتخطى المعاهد، ونَنْشَق النسيم البليل القريب العهد بمادة الثلج وعنصر البرد، ولما بلغنا درج الجبل، وانتحينا طريقه من السفح، وهي تركب ضفة الوادي الملتف بعادي شجر الحور والطَرْفاء وشجر الخلاف والدردار، وأمعنا) و (، وتسمو عن جانبها الجبال الشم، والشعبات التي تزلُّ بها العُصْم، وتفضي دروبه إلى أقوار فسيحة، وأجواء رحيبة، يكتنفها العمران، ويموج بها السنبل.
(1/1)

ولما كدنا أن نختم عدد نُوَب المجاز، ونأتي على عَنَتِه، تلقتنا الخيل راكضة أمام اليعسوب المتبوع عبد العزيز بن محمد الهنتاتي، صنوه وحافظ سيقته، وقسيمه في قعساء عزته، الحسن الوجه، الراجح الوقار، النبيه المركب، الملوكي البزة، الظاهر الحياء، المحكِّم الوَخْط إيثاراً للحشمة، واستكثاراً من مواد التجلة على الفَنَاء والجدَة. فرَّحب وأسْهَل، وارتاح واغتبط، وألطف وقدَّم. وصعدنا الجبل إلى حلة سكناه، المستندة إلى سفح الطَّوْد، وقد هيأ ببعض السهل الموطأ للاعتمار بين يدينا من المضارب كل سامي العماد، بعيد الطُّنُب، سوّي القامة، مقدَّر التفاصيل، بديع النقش والصنعة، ظاهر الجدة، مصون عن البِذْلَة، يظلل من مراتب الوطاء الرفيع، ولحف الحرر ومساند الوشي، وانطاع مزعفر الجلد ما تضيق عنه القصور المحجَّبةِ والأبهاء المنضدة. ولم يكد يقر القرار، ولا تنزع الخِفاف، حتى غمر من الطعام البحر، وطما الموج، ووقع البَهْت، وأُمِّل الطَّحْو، ما بين قصاع الشيزي أفعمها الثُرُد، وهيل بها السمن، وتراكبت عليها لِسمَان الحُملان الأعجاز، وأخونة تنوء بالعصبة أولى القوة، غاصة من الآنية بالمُذْهَبِ والمُحْكَم، مُهْدِيةً كل مختلف الشكل، لذيذ الطعم، مُهانٍ فيه عزيز التابل، محترم عنده سيدة الأحامرة الثلاثة إلى السمك الرضراض والدجاج فاضل أصناف الطيَّار، ثم تتلوها صحون نحاسية تشتمل على طعام خاص من الطير والكُبَّاب واللقالق، يقع منها بعد الفراغ إلمام ذلك الرئيس في نفر من خاصته بما يدل على اختصاص ذلك بنفسه. ويتلو ذلك من أصناف الحلواء بين مُسْتَبْطَن للباب البُر، ومعالج بالقَلْو، وأطباق مُدَّخر الفاكهة وأوعية العود المحكم الخلَق، المشتملة على مُجاج الشهد. وقد قام السماط من خدام وأساودة أخذتهم الآداب وهذبتهم الدُّربة، فخفَّت منهم الحركة وسكنت الأصوات، وانشمرت الأذيال. وقد اعتمَّ من الآنية النحاسية للوضوء والوقود كل ثمين القيمة، فاضل أجناسه في الطيب والأحكام والفخامة.
ولم يكد يفرغ من الأكل إلا وقد جن الليل، وتلاحق من الطعام السيل، مربياً على ما تقدم بالروية وانفساح زمن الاحتفال، وتفنن أصناف الحلواء، وتعدَّى عسليّها إلى السكر، وكان السَّمر والمجالسة في كنف لألاء الشموع الضحاكة فوق المنصات النحاسية، والأتوار اللاطونية فاستعيد الكثير من تاريخ القطر وسيره، وخبر لجأ السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن إلى قنتة، والتحرم بمنبع وعز جواره على تفئه هيض جناحه، وَتَبرّى أثيره عميد العساكر منه، وإطراق العيون عند نجدته، وتصامم المسامع عند هاء استغاثته، وقد خَذل النصير، وزلت الأقدام، وساءت الظنون، وما كان من إجابة هذا النَّدْب عبد العزيز لندائه، والتبجح بمنعة جبله، ووفور عدته، وأصيل وفائه، واستصحابه إلى مقر أهله ومفزع ولده، ودفتعه عنه بنفسه وقبيله، ورضاه بتغير ما تناله الأيدي بالسهل من نعمته، فعادت قاعاً صفصفاً بمرأى من عينه، فعاثت فيها ألسنة النار بأرض البوار عن طيب من نفسه حتى لكادت الكرة أن تتاح، والدولة أن تدول، والملك أن يثب، والعثرة أن يقال لها لعاً. لولا طارق الأجل الدى فَصَل الخطة وأصْمت الدعوة، ورفع المنازعة. فتوفاه الله بين السحر والنحر، والأنف والعين، واستأمن من بعده لمن كان خلص إليه من خدامه، وانحدر طوعاً بين يدي سريره، وأبقى محل وفاته مرفَّهاً عن الابتذال بالسكنى، مفترشاً بالحصباء، مقصوداً بالابتهال والدعاء فتخلُفُها أي منقبة شَمَّاء، ومأثرة بلغت ذوائبها أعنان السماء، ويداً على الخلق بيضاء.
(1/2)

ومن الغد كان التوجه إلى ذلك المحل المبارك، فاقتحمنا وعراً نزل فيه الذُّر، ولا يسلكه مع الحلم الطيف. وتسنَّمنا شعاباً تعجز عنها العُصْم، وتجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة، فتقطع عمن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا ولم نكد إلى المحل المقصود وهي دار قوراء نبيهة البنية بالنسبة إلى جنسها ... ساذجة بادية ملطخة الجدران بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذبة الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال مستعمل على أرجل متخذة من اللبن، والحجر مُلبَّس بالطين، والبيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء، وقد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، وتمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى وكحل العيون المرهى، إذ كان رحمه الله آخر ملوك العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، ولا آثرت الملاذ، مُغْنِياً في بِرِّ والديه مصرِّفاً في انتساخ الذكر الحكيم يمني يديه، محافظاً على الصلاة قيُّوماً عليها بالليل، كثير الصدقة والصوم، مجالساً للعلماء، مستكشفاً أحوال الرعايا، حانياً على الضعفاء، معملاً في سبيل الله بيض الظُبا، صابراً على اللأواء، محتسباً في البلوى، مستشعراً شعار التقوى، ألحقه الله بالرفيق الأعلى. وبإِزائه مصراع باب عسلت عليه جثته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها، ولا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عضَّ ذلك الملك الحُلاحِل من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، ووجوه الغَرانِقَة الغر، والتوكؤ على النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم، واستنقال طلعة البدر، واستجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغُبْر، وسكنى المحل الخشن، ومفارقة الأهل والولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا الله من الدنيا على حذر وتَوَقِّ، وكتبنا ممن قدر قدره، ولم يأمن مكره. فقعدنا وقرأنا وأفضنا في الترحم ودعونا.
وكان الانصراف بعد أن ألممنا في تلك المحلة بمسجد إمامهم المهدي ودار سكناه، وأثر مدرسته وسجنه، كل ذلك من الخمول واللطو واستهجان الآلة على حال شبيهة بمباني الدَّبْر، وقرى النمل، وأعشاش الخُشاش من الطير. فعجبنا من مفتاح تلك الدُّوَيْرة المهتضمة، كيف تملك من القصور العظيمة ما إنّ مفاتِحَه لتَنُوا بالعُصْبَة أولِي القوة؛ ولمنبر ذلك المسجد كيف أخذ على كونه قمئ الجلسة، مصاحباً لبعض القشر، برياً من الصنعة بأزمَّة المنابر المتخذة من الألُوَّة والصندل المقاصري في لونيه، والأبنوس الحبشي، وأنياب الفيول، وأرعاها بعُصيَّاه، واستاقها بين يدي طاعته كالذَّوْد الشائل والسائمة الواردة ما بين قُرُطبَة وأشبيليَّة وغَرناطة وإفريقيَّة والمغرب، سُنَّة الله في إدالة الدول، وتعقيب النِحَل، ألم تر [أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده] .
وانحدرنا عن ذلك المرفق فأسْهَلْنا ببطن الوادي، وأرحنا بجلسة مُوَطَّاة، مُعَدَّة لاستجمام السلطان رحمه الله، قد ظللتها الأشجار، تجري تحتها عين خرَّارة كأعظم الأنهار فوق حَصىً كدُرِّ النحور، القريبة العهد بلجج البحور، أو كثنايا الحور. تركت في تلك الجلسة أثقاب وخُروت تفضي إليه، يُجعَل الجعائل على إمساك اليد بها برهة معتبرة، يفتَضح متعاطي ذلك لخَصَرِها وما يؤثّر البرد الشديد في حسِّ عصبها. وجُلب إلى ذلك المكان من الطعام والفاكهة والشهد ما يحار فيه الوصف.
ثم انتقلنا إلى محل النزول، ومثوى الكرامة من المضارب، ودعينا إلى الدور حيث سكنى أولئك الأشراف، يغمرنا بكل دار منها من الأطعمة ما يحار فيه الفكر ولا تنال منه إلا العين. وتشاهد من أجناس الفرش المرفوعة والمراتب المقدرة، والستُر الديباجية المسدولة على الأرائك الممهدة، والسيوف المعلقة، تتخللها العِدَّة من أصْونة مُدمِجِ القرآن وصحيح الحديث ساكنة في جفون منقوشة محلاة بالإبريز، مُقلَّدة بمحامل الحرير النسيج.
وعند الانصراف إلى المضارب، أقبلت التحف والهدايا من المقرَّبات الكاملة تختال في الحلية، والكسا الرفيعة طيّ الأوعية الرقيمة، فعجز الشكر وبان التقصير.
ثم غمر الطعام وتخلف الشيخ عن المجالسة والمؤاكلة معتذراً عنه بألم مانع نغص لدينا النعيم، وكدر الشِّرْب تطيراً من وداعنا إياه حلْسَ فراش أو رهين شكاية. ثم) أنه حَدْسُنَا أنه آلمُ الحُسَبَاء (وتَذكرنا قول الأول:
(1/3)

إذا غدا الطَيبُ في مفارقهم ... راحوا كأنهُم مرضى من الكَرَمِ
فحقَّت الظِّنَّة، وصدقت المَخِيلَة.
ومن الغد كان الانصراف، فَشيَّعَ وأبعد، وتألم للمفارقة وتوجع، كثَّرَ الله مِثْلَه، وكافأ قوله وفعله، وأورث عز تلك البقعة عَقِبَه.
ولم أبرح يوم زيارة محل وفاة السلطان أمير المسلمين أن قلت:
يا حُسْنَها من أربع وديار ... أضحت لباغي الأمن دار قرارِ
وجبال عز لا تَذِلُّ أنوفُها ... إلا لعز الواحد القهار
ومقر توحيد وأسُّ خلافة ... آثارها تُنبي عن الأخبار
ما كنت أحسب أن أنهار الندى ... تجري بها في جملة الأنهار
ما كنت أحسب أن أنوار الحجى ... تلتاح في قُنَنٍ وفي أحجار
مَحَّت جوانبها البُرودُ وإن تكن ... شَبَّت بها الأعداء جّذْوةَ نار
هَدَّتْ بِناها في سبيل وفائها ... فكأنها صرعى بغير عُقار
لما توعدها على المجد العِدَا ... رضيت بعَيْثِ النار لا بالعار
عَمَرت بِحلَة عامر وأعزها ... عبد العزيز بمرهف بتار
فرسا رِهان أحرزا قَصْبَ الندى ... والبأسَ في طَلَقٍ وفي مضمار
ورثا عن النَّدْب الكريم أبيهما ... محض الوفاء ورفعة المقدار
وكذا الفروع تطول وهي شبيهة ... بالأصل في وَرَقٍ وفي إثمار
أزرت وجوه الصِّيدِ من هنتاتة ... في جوها بمطالع الأقمار
لله أي قبيلة تركت لها النُظَ ... راء دعوى الفخر يوم فخار
نصرتْ أمير المسلمين وملكه ... قد أسلمته عزائم الأنصار
آوت عندما ذهب الرَّدَى ... والرَّوْعُ بالأسماع والأبصار
وتخاذل الجيش اللُّهام وأصبح ال ... أبطال بين تقاعد وفرار
كُفِرت صنائعُه فيمّمَ دارها ... مستظهراً منها بعز جوار
وأقام بين ظهورها لا يتقى ... وقع الرَّدَى وقد ارتمى بشَرار
فكأنها الأنصار لما آنست ... فيما تقدم غربة المختار
لما غدا لحظاً وهم أجفانه ... نابت شفارهم عن الأشفار
حتى دعاه الله بين بيوتهم ... فأجاب ممتثلاً لأمر الباري
لو كان يُمنَع من قضاء الله ما ... خَلَصَت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما ... أوْلَوْه لولا قاطع الأعمار
ما كان يقنعه لو امتد المدى ... إلا القيامُ بحقها من دار
فيعيد ذاك الماءَ ذائب فضة ... ويعيد ذاك التُّرب ذَوْبَ نُضَار
حتى تفوز على النوى أوطانها ... من ملكه بجلائل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههم ... أثر الرعاية ساطع الأنوار
ويسوّغ الأمل القصيّ كِرَامها ... من غير ما ثُنْيا ولا استقصار
ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجى ... عن درهم فيه ولا دينار
أو أن يُتوَّجَ أو يُقلَّدَ هَامُها ... ونحورها بأهله ودراري
حقٌ على المولى ابنِهِ إيثار ما ... بذلوه من نصر ومن إيثارِ
فلمثلها ذُخِرَ الجزاء ومثلُه ... مَنْ لا يُضيع صنائع الأحرار
وهو الذي يقضي الديون ومثله ... يرضيه في علن وفي أسرار
حتى تحُجَّ محلّةٌ رفعوا بها ... علم الوفاء لأعين النظار
فيصير منها البيتُ بيتاً ثانياً ... للطائفين إليه أي بدار
تُغني قلوب القوم عن هَدْيٍ به ... ودموعُهم تكفي لرمي جمار
حُييتِ من دار تكفَّل سعيها ال ... محمود بالزُّلفى وعقبى الدار
وضفت عليك من الإله عناية ... ما كرَّ ليل فيك إثر نهار
فلا تسل عن حسن موقعه لديه، وسرور نفسه به. وفي الحين طير به إلى أخيه كبيره وهو على سموِّ قدره وعلوِّ ذروته، أشد الناس إيجاباً لحقه، وانخفاضاً لبأوه، وتطامنا بمجلسه، يقرضه وزان الأب في إلانَةِ القول، وانكسار الطرف تتميماً لوظائف المجد، وإقامة لسوق الحرية. فأورى عند لقائنا إياه زنده، وعَقَّب الصلة الجزيلة عذره، وبلغ قصبات السبق فضله.
(1/4)

وانحدرنا من الغد إلى مدينة أغمات ورُيكَةَ عن درج نزلنا لجَرَّاه عن الظَّهر. وقدنا الدواب قوداً، فجازت ناجية عن صراط بعد سياط ومياط. واجتزنا على ديار هنتاتة بذلك السفح على حدود أضدادهم الوريكيين، وقد أسْهلوا وانبسطوا، ومثلت لهم الديار الحُمْر، تحف بها البساتين الخضر، تخترقها المذانب الزُّرْق. وأرحنا من تلك الجهة بالمسجد البديع الحافل البنية، السامي المئذنة، المقام لصق دار موسى بن علي الهنتاتي، البادي طللها، المنبئة عن أخبارها آثارها، تُوسِعُه ما شاء من ثناء ورحمة.
ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل مُوَطَّأٍ لا نَشَزَ فيه ينال جميعه السَّقْي الرَّغد، وتركبه الخلجان وقد تموَّج به العشب، وعافته الأيادي وغَلَّتْ أيدي فلاحه الفتنة. وهذه المدينة قد اختطت في الفضاء الأفْيَح، فبلغت الغاية من رحب الساحة وانفساح القورة، مثّلَت قصبتها منها قبله، وسورها مُحْمَرُّ التُّرْب، سَجِحُ الجِلْدَة، مُنْدَمِلُ الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذَوْبِ الثلج وسؤر الجبل، قامت بضفتيها الأرحاء واردة وصادرة، مرفوعة الأسداد، منيعة البناء. يمر أحدهما بشرقي المسجد الجامع طامي العباب محكم الجسور، نظيف الحافة، نزهة للأبصار وعبرة لأعين النظار. ومسجدها المذكور عتيق عادي كبير الساحة، رحيب الكنف متجدد الألقاب. ومئذنته لا نظير لها في معمور الأرض. أسسها أولوهم مربعة الشكل وما زالوا يَبْخَسُون الذَّرْع، ويجحدون العرض، حتى صارت مُجَسَّماً كاد يجتمع في زاوية المخروط. وأدير عليه فارز من الخشب يطيف بناء لاط، وقد أطل سامي جامورِها فوقه، فَقَبُحَتْ حتى مَلُحَتْ واستحقت الشُّهْرة والغرابة.
وأهل هذه البلدة ينسب إليهم نُوكٌ وغَفلةِ عِلّتُها، إن صدقت الأخبار، سلامة وسذاجة، فَتَعْمُرُ بملحهم الأسمار، وتتجمل بنوادر حكاياتهم الأخبار. فمنها أن ملك المغرب لما عجب من هذه المئذنة، استأذنوه في نقلها إلى بلدة على سبيل الهدية، يجعلونها تحفة قدومه، وطُرفة وفادته.
وبازائها المسجد، بينه وبين النهر المار بازائه قبة عظيمة القبو، فخمة البنية، ترقص فيها فوارة خرقاء في خُصَّة من الحجر الأدكن مشطوفة الباطن رحيبة القطر، قد تثلمت بعض حافاتها لمماسة الأيدي، ومباشرة أجرام الخزف والفخار عند الاغتراف بما ينبئ عن قديم عهد وطول مدة.
وللسلطان بهذه المدينة دورٌ حافلة تدل على همم ومعالي أمم، واحتفال عوالم درجوا وأمم، قد ركلها العفا وجذب معاطفها الخراب. فما شئت من خُشُبٍ منقوشة وأطُمٍ مرقومة.
وبداخل هذه المدينة بساتين وجنات، ولم يبلغ الخراب من مدينة ما بلغ من هذه الأيِّم المهتضمة، فتشعثت محاسنها، وأخلقت ملابسها وأوحش عمرانها لتتابع الفتن وعيْث الشُّرار الذين لا تُعبِّدهم الطاعة ولا تزغهم الشريعة. أنقذ الله من لَهاَة التَّبار فريستها واستدرك بمدافعته مسكنْها.
وأطرفني الخطيب بها بأخبار من اعتقل فيها من مخلوع ملوك الأندلس وأمراء طوائفها كالمعتمد بن عَبَّاد، وأبي محمد عبد الله بن بُلُقّين بن باديس أمير وطننا غرناطة. ووقفني على تاريخ صدر عنه أيام اعتقاله، يشرح الحادثة على ملكه في أسلوب بليغ ختمه بمقطوعات من شعره تشهد بفضله.
وزرت بخارجها قبر المعتمد على الله أَبي القاسم محمد بن عبَّاد، أمير حِمْص وقرطبة والجزيرة وما إلى ذلك الصقع الغربي رحمه الله، وهو بالمقبرة القبلية عن يسار الخارج من البلد، قد تَوَقل نشزاً غير سام وإلى جانبه قبر الحرة حظيته وسكن نفسه اعتماد إشراكاً لاسمها في حروف لقبه، المنسوبة إلى رُمَيْك مولاها، المتولعة بشأنه معها أخبار القصاص وحكايات الأسمار إلى أجداث من ولدهما. فترحمنا عليه وأنشدته:
قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيت ذلك من أوْلي المهماتِ
لم لا أزورُك يا أندى الملوك يداً ... ويا سراج الليالي المدْلَهِماتِ
وأنت مولىً تَخَطَّى الدهر مصرعه ... إلى حياتي أجادت فيه أبياتي
أناف قبرك في هَضْبٍ يميزه ... فتنتحيه حَفِيَّات التحيات
كَرُمْتَ حياً وَميْتاً واشتهرت علا ... فأنت سلطان أحياء وأَموات
ما ريئ مثلك في ماض ومعتقد ... أن لا يرى الدهر في حال ولا آت
(1/5)

وزرت أَجداثاً لأولياء وصالحين ختمتها بقبر الولي المتبرك به أبي عبد الله محمد الهَزْميرِيّ.
وكان الانصراف عنها من الغد، وماشينا أدواح الزيتون والأشجار، تساوقها جَرِيَّاتِ الأنهار، تتخللها أطلال الحِلَل والديار نَيِّفاً على شطر البريد لا تنال صفح ثراه الشمس ولا ترتاده الحرباء، تتجاوب أصوات الحمام المطوّق فوق غصونه. وقد اقتطعت ذلك الجناب الخصيب أيدي الوحشة، وأخيفت من حلل غابة السابلة، وسكن ربوعه الآهلة البوم، فيا لها من مدينة غَزُر ماؤها وصح هواؤها، وأينعت أرجاؤها، وضفى عليها من المحاسن رداؤها.
وانْتَهَبْنَا السهل انتهاباً، فدخلنا المدينة في مُتَمَكَّنِ الضحى، وألفينا محلّة ولد السلطان مولانا قد استعجل الأمر استقدامها، فخيمتْ على فرسخين، فشرعنا في الإياب وانتحينا طريق الساحل لنستدرك بمدينة آسفي. زيارة من بها من أولياء الله الصالحين وعباده المقربين.
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قلت نعم والفرقدان، سبحان من استأثر بالبقاء لا إله إلا هو.
ولقيت بهذه المدينة جملة من أولي الدين والدنيا، فمن أهل الدنيا الشيخ الجليل كبير القطر، ومفزع الرأي ومسيطر خاصة الإمارة، متصرف وجوه الوجوه أبو ثابت عامر بن محمد، وأخوه هضبة الوقار، ونير الأفق، وزهرة روض ذلك الحَزْن، وياقوتة ذلك الجبل، وقد مر من التعريف بهما ما يغني عن الإعادة. ومنهم نائب الملك وحافظ الرَّسم وجار القصر الشيخ الفقيه علي بن العباس بن موسى بن أبي حَمُّو، المعتام لكفالة أولياء العهد، المستظهر بأمانته وصدقه على حفظ الأقطار المستباح الحِمَى في سبيل الوفاء، أجمل الشيوخ وَجْنَةً. وأسناهم شيبة، وأحسنهم صورة، إلى الخُلُق السهل واللسان البلبل الإطراء والبر، والذرع الفسيح، والمخاطبة الفضلة بفرائد التسويد، تكررت على المدى زيارته، وانصرفت شطر الوجهة عنايته، واسترخصت في استجلاب القصور والمعاهد هِشَّته، وخفت إليها على الكبر والرَّقْبة حركته.
ثم جمعت بين الغُرَّةِ العتيقة والمهنَّدة المحلاة والصامت الدَّثِرِ هديته، عن خصاصة متقرره، وحال رقيقه لقصور دخله عن خرجه، وما جرَّه كف يده، ووازع عفته، وجناه الوفاء من نكبته. أصلح الله حاله، وزاده من جميل نظر المُلك ما يقيم أوده.
ومنهم والي الوطن ومؤمن السبل وجَمَّاعة مال الجباية، الشيخ الرئيس الفقيه أبو عبد الله بن حسُّون بن أبي العَلي وقد مر بعض ذكره. وهو فريد العصر بل الدهر في الخلال المُبِرَّة والخصال الحرة، من مُذَكِّرٍ بالبرامكة، مُغَبِّرٍ في وجوه سُيَّاقِهم انتهازاً لفرص المكارم، وتهالكاً في هوى المآثر، ما شئت من مُغْلٍ لبضائع الحمد، منتقب بوَرد الخجِلَة، مرسل أعنة الاعتذار في أعقاب ملوكي العطية، يهب الكتائب غائمات، والمَهَى مستردفات، والجياد عِراباً، يقوم على الأصلين والمنطق، وهما الفنانان المهذبان للعقل المستدعيان لكثير من المواد، يُعترف له بالتقدم في ذلك، مشاركٌ في غيره، حسن الصورة، مهيب جَزْلٌ وقور حاسر عن الاطلاع والكفاية، لم يبلغ عندي في البر مداه، ولا بل جناحُ شكري ندى كَنَدَاه. ولقد أقسم بالغموس بعد أن بان رِزْحُه من وظائفه الباهظة، وقعود زمنه عن أمله، وقصور وُجده عن مرمى هَمِّه أن لو ألفى سَعَتَه التي تعودها، لنقدني ثمن ما غُصبْتُه بالأندلس عن يد، إبلاغاً في المكارمة ونزعاً إلى هدف الحرية، واسترقاقاً لرقَبة السؤدد. حفظ الله نعمته، وحاط حظوته، ورد عنه النوائب صاغرة، والحوادث ناكصة. وكثيراً ما خاطبته بعد وداعه من محال كرامته بالطريق من عمالته الفسيحة الخطَّة، وقد ألزَمَ من نبلاء خُدامه من تمم الوظائف وكمل المآرب بمثل قولي:
يا خاتمَ الفضل أو يا حاتم الزمن ... ومشتري الحمد بالغالي من الثمن
ومرسل المثل الجاري بكل عُلا ... فوق البسيطة من شام إلى يمن
يا من إذا ما حكاه الجِلَّة افتضحوا ... إذ التَورُّمُ ممتاز من السِمَنِ
يا من تلقيتُ منه الخَلْقَ في رجل ... وقدتُ نافرة الأيام في رسن
لله ماذا رأت عيني وقد لمحت ... ذاك الكمال وماذا قُلِّدت أذني
ذع ذكر قيصر أو كسرى وما جمحت ... به الحكاية عن سيف بن ذي يزن
(1/6)

ما الفخر إلا لملك أنت تخدمه ... فَحُلَّ منه محلَّ الروح في البدن
إن لم يَفُز منه بالغايات مثلك أو ... تعلو الكواكب في آفاقه فمن؟
تبأى العلا منك يوم الفخر بابن أب ... جمّ السيادة عفّ السر والعلن
ماضي العزيمة ميمونٌ نقيبته ... جارٍ من البر والتقوى على سَنَن
إلى مضاء كنصل السيف يعْضده ... رأي يفرِّق بين الماء واللبن
أفادني زمني لقياك معتذراً ... عما جناه فلا أدعو على زمني
من بعد لقياك لا آسى على وطر ... مهما تعذَّر أو أبكي على وطن
عقدتُ صفقة وُدِّي فيك رابحة ... إن حالت الحال لا تَخشى من الغَبْنِ
فالبس نسيجة ما قدمت مُعْلمة ... من صنعة اليمن تنسى صنعة اليمن
من زار رَبْعَك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من مِنَنِ
فالعين عن قُرّةٍ والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذْنُ عن حسن
ومنهم صاحب الأشغال ملك الحضرة الشيخ الفقيه الموصوف بالسلامة والعفَّة، الكاسع إلى صف الانقباض، المتحيز إلى فئة العافية، المَعْفِي اليد عن غمسها، في كيل الجباية، أبو الحسين بن الرئيس الصدر، مُؤَمَّل الدول الأولى، المخصوص باليد الطولى، أبي محمد عبد الله بن أبي مَدْيَنْ. جالسته فرأيت ذكاءه متوارياً في حجر تغافل، وسذاجة تَشِفُّ عن ظرف، وخاطبني صحبة بَرَنْكَانه بما نصه:
أيا سيداً حاز سبْقَ العلا ... بفضل النُّهى والسجايا الحِسان
ويا نخبة الوقت والمقتدى ... به في فنون علوم اللسان
ويا أوحد العصر في نثره ... وفي نظم الشعر كنظم الجُمان
بَنَانٌ تريك بخط اليراع ... بمَهْرِقِها سحرَ علم البيان
لقد حُزت في العلم أعلامه ... بحفظ النصوص وفهم المعان
وحزت ذُرى كل شأو رفيع ... فلا تسألنْ عن فُلٍ أو فلان
وَفُقْتَ ابن أوْس بنظم بديعٍ ... كما فقت نثراً بديع الزمان
أنار بك القطر لمَّا قَدِمتَ ... وظرف الزمان وظرف المكان
وأنَّسْتَ منا نفوساً لها ... بقربك ما تشتهي من أمان
تَقَبَّلْ هدية من لم يزل ... يُحِبُّك بالسمع قبل العِيان
فلما رأى شخصَكُم زاده ... ولوعاً بكم حُين تلك المعان
سلامٌ زكيٌ كعرفٍ زكي ... يَخصُّكمُ ما بدا النَيِّران
ومن أهل العلم والدين الشيخ الفقيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الهرغي الزقندري، وزَقَنْدر معدن الفضة ببعض تلك الجهات ولذلك ما قلت أداعبه:
سألتُك عبد الله إيضاحَ مشكل ... وأنت لكشف المعضلات بمرصَد
زقَنْدَرُ قالوا عنه معدن فضة ... فما بالُه أبداك نُدرةَ عَسْجَدِ
(1/7)

فاضل متفنن حَسَن الهيئة، راجح الوزان كثير الوقار بعيد عن الدِّخْلة، متساوي الظاهر والطوية، مُطَّرِح للهوادة، ما شئت من رجل غزير الحِفْظ، جيد المعرفة، مضطلع بفنون، سديد النظر، جَمَّ المشاركة في حديث ورواية وتاريخ وخَبَر وكلام وفقه ونظم ونثر، إلى فضل المجالسة وحسن العشرة والغفلة عن نصيب النفس والاحتطاب في حبل الرفيق، وإقطاع، غبيط السذاجة وفضل الفكاهة، والجهر بالتلاوة في سبيل الورد المترتب ناشئَةَ الليل ومبادئ الإسحار. رحل وحج ولقي كثيراً من الفضلاء، وأخذ عن عدد كثير من أهل المغرب دراية ورواية. فمن المراكشيين: أبو العباس الغفائري، وأبو الحجاج الدَّغْوي، وأبو القاسم بن مُعَنْصِر، وأبو القاسم ابن القشاش، وأبو عبد الله بن مسعود. ومن أهل أغمات: أبو يحيى الجزولي من حفَّاظ المذهب. ومن الفاسيين: أبو محمد عبد العزيز القروي، والقاضي أبو عبد الله ابن عبد الرزاق. ومن أهل تازا: أبو محمد الرَّجَّالي. ومن التلمسانيين: الشيخ الفقيه النظَّار أبو موسى بن الإمام والقاضي أبو العباس المديوني، والشيخ المحقق نسيج وحده في العقليات أبو عبد الله الآبلي. ومن التونسيين أبو عبد الله بن دمعون، وابن هارون، وابن عبد السلام، والراوية الرَحَّال أبو عبد الله بن جابر ومن أهل الإسكندرية: أبو العباس بن فتوح، وجمال الدين بن سلامة القضاعي، والعدل أبو الحسن بن الفرات، والمشايخ الأربعة محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله، وإسماعيل الضرير، وأبو الحسن الإقبالي، وجمال الدين بن عبد الرزاق الربعي وناصر الدين بن المُنَيِّر. ومن أهل مصر قاضي المالكية تقي الدين الإحساني، وأبو الحسن المارديني، وعز الدين بن جماعة، وجمال الدين الدلاصي، وأبو حامد السَّبوكي. ومن أهل دمشق: شهاب الدين بن فضل الله كاتب الإنشاء، وشمس الدين بن نباتة، وأبو الخير الحريري، وشمس الدين السلاوي آخر أصحاب ابن عبد الكريم، وتقي الدين بن عبد الكافي، والعلامة الأديب أبو الفضل ابن صرايا. ومن الصالحية: عز الدين المقدسي، والمسند عبد الرحيم التنوخي. ومن أهل مكة: شمس الدين النَوْفَري، وإمام الموسم خليل بن محمد. ومن أهل المدينة: عفيف الدين المطري من ذرية سعد بن عُبادة.
ولي قضاء مَرَّاكُش في منتصف رمضان عام ستين بعد ولايته أغمات وسَبتة ومولده بمراكش في سابع عشر ربيع الأول عام خمسة وسبعمائة. وابتدأ لهذا العهد تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي.
وأنشدني من نظمه ولها حكاية تدل على ظرفه وحسن عهده:
ولما تجاوزنا زَلولاً وشنَّة ... وطاشت حلوم لم تكن قبل طائشة
تيقنت أن لا منزلاً بعد سبتة ... يَسُرُّ وأن لا إلف من بعد عائشة
توجه مؤانساً لي متحفياً إلى جبل هنتاتة، فأمتع ما شاء حفظه الله وأحسن مجازاته.
ومنهم الشيخ العدل القاضي برباط آسفي عبد الرحمن بن علي بن أبي العيش القيسي المعروف بطالب عافية، من الصدور الجلة وأعلام الطلبة بتلك البلدة فضلاً وعدالة وتفنناً ومشاركة، يخوض في كل فن، ويُلقي دَلْوَه إلى كل حوض، أصيل الحفظ جيد البحث، بعيد عن السآمة، لا يمر له وقت ضياعاً إلا عن مذاكرة في فن أو إجراء طُرفة، غير مُبال بِتَهْويم نوم، وهجوم هاجرة، أو مخالطة كد إلى حُسن العشرة ودماثة الخُلُق، وإيثار التخلي والعزلة والحَوْم على السلوك والتجريد. شارك القاضي أبا محمد في كثير ممن ذُكرَ أخذه عنه من أعلام بلده.
ومنهم الأستاذ المتفنن النظَّار أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفَخَّار، أستاذ المدرسة العظمى من أهل العلم والفضل والمشاركة والتفنن، يقري بها علم اللسان والأصلين والفروع، فَيُمْتِعُ ويَحْسِبُ على طَرَش كدَّر رحمه الله الانتفاع به ونغّص الأنس بمجلسه نفعه الله..
وانتابني من الظرفاء والأدباء الشيخ الفقيه المكَتِّب أبو عبد الله محمد بن القاسم ابن عمر بن عبد الله الصَّيْرَفي، من أهل النبل والظَرْف على خُلُقٍ زعموا غير سَبْط، كتب عن الأمراء بمراكش، وأبي العباس بن حسين الغفائري، والخطيب المحدِّث أبي عبد الله بن رُشَيْد، والقاضي أبي الحجاج الطُّرطوشي، والمقرئ أبي الحسن ابن برني، وأبي العباس الفرقسي، وأبي العباس بن برني، وأبي العباس بن القرّاق، وأنشدني من شعره:
(1/8)

مَنْ لَمْ يُفِدْكَ بنفعه أو جاهه ... فلأيما اصْتَصْنَعْتَه مَخْدُوما
فَلْتَخْدِمِ الله الذي من أمَّهُ ... بضمير صدق يلْفَ منه رحيما
ومن نثر قوله: وأما الكتابة فلفظ نِحْلَةٍ حُذفت تاؤه، ومعقل خُذْلَةٍ شرع من غير مَحلِّه إيتاؤه، وهي خطة استغنى الناس بذَيَّانها عن سَحْبَانها وعن مُلاك أزمَّة آدابها بجهلة طُلاَّبها، فمن رأسَها معهم من ذوي المروءات والهمم من سائر الأمم، فقد ارتكب الصعاب وَثوى مقعداً من المذلة والهُون أنَّى شاء من سائر الأبواب فهو ينشد سائليه عن حاله بلسان عذر كليل، وقلب عليل، معتذراً في الضرائر بما قد قيل:
ألا قاتل الله الضرار فإنها ... تُعَلِّمُ خير الناس شرَّ الطبائع
وتَحْمِل ذا الطبع الشريف تكرُّماً ... على ذِلَّةٍ في عيشه وتصانع
وكان السفر من مراكش يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة وقصدنا باب الرَّخا من أبوابها غَلَساً لنصايح تربة الشيخ، قصد التزود ببركتها، فتعذر فتح الباب وطال به الوقوف وأعْييَ علاجه، فانصرفنا عنه وفي أنفس بعض المشيغين حزازة من ذلك، فأنشدت منهم الشيخ القاضي أبا محمد الزقندري بديهة:
يا محلاًّ لخُلَّتي وانتحائي ... لم يُبِحْ لي الخروجَ بابُ الرخاءِ
دلَّ أن الرخاء مغتبطٌ بي ... فبحقٍ تَبَجُّحي وانتخاءِ
فحُفِظ واستُطْرف، وتحول المحزون إلى ضده والله الموفق للأقوال والأعمال بفضله.
وحثثنا السير على تَفِيَّةِ ارتحال الجيش وتوقع الفساد في السُّبُل، صحبة لِمَّةٍ من أشياخ وراء سكان الصقع، واستقبلنا حي بني الحارث من عرب العمود، جَذْوَة شَرار الشِرار أولى الحِرابة والخرابة. فنزلنا بمحلة من حِلَل رِعاء البَهْم وقد أوقع في طريقنا يومئذ بمحروبين حار أحدهما ونجا ثانيه برأَس طِمِرَّة ولجام.
ورحلنا من الغد في قفر تَنْدر ببعض مَهامَه به أبيات نابية للمُسَمَّيْن، وبتنا بحِلَّةٍ من حلل بني جابر أولي إبل وشاء. ورحلنا من الغد فتجاوزنا غَوْلاَ، وتخطينا مَظَنَّة اعتراض، ومَسْبَعَةَ فُسَّاق في حَدِّ بين بلاد بني الحارث، وبني وراء، يُولي كلٌّ منهم خٌطّة المَلام جاره عند إعداء الرُّفُق المصابة، وإصراخ السلطان لندائهم.
ودخلنا بلاد بني ماقِر، فكان المبيت بسورها تحت خصبٍ وأمَنَه، ومنها صرفنا مَن صَحَب من أشياخ تلك الأرض عن شكر وإطراء، وإن كنا في مَظنَّة الروْع، نرى منهم اخزرارَ عيون ومخايلَ فتنة.
ومن الغد سلكنا وطن بني ماقر وهو كثير العمران، متعدد الديار والأشجار سَقْيُه من نطاف عذبة تَخْتزنُ بها بركات الأمطار فيقع بها أمْنُهم والاجتزاء إلى زمن المطر. وبها كثير من الصالحين وأولي الخير وأرباب التلاوة، وربما ألفِيَ بها ضدُّهم، ولله درُّ القائل:
الناس كالأرض ومنها هُمُ ... من خشن فيها ومن لَيِّن
مَرْوٌ تَشَكَّى الرِّجْلُ منه الأذى ... وإِثْمِدُ يُجْعَل في الأعين
ووردْنَا مدينة آسفي وقد تمكن النهار، فلقينا موكب أرباب الخُطط باين مُعدين. ولما شارفنا، ركبنا إليها صردوكها أحمد بن يوسف حفيد الوليّ أبي محمد صالح، القائم في ظل صيته، وأثير الناس من أجله، رجل أدَمُ اللون، قد تَعَجَّل الوَخْطُ منه، ذقن كث ذو تيقور، جالس السلطان، وقاد ركب الحجاز، وجرَّ ببلده دنيا عريضة واقتعد غارب غنيّ جمّ، يفد على باب السلطان في سبيل دالَّةٍ بقديمه، ويقفل إلى وطنه مجدد الصكوك مستجاد الخِلعة. خاطبته بين يدي قدومي بقولي:
يا حفيد الوليِّ يا وارثَ الفخ ... ر الذي نال في مقام وحالِ
لك يا أحمد بن يوسف جُبنا ... كل قفر يُعْيِي أكُفَّ الرِّحال
(1/9)

أبقاك الله كثابةَ انتفاع ونوراً بأعلى يَفَاع، ومتضعاً على علو ارتفاع، ترى الوِتْرَ في إشفاع، وتقابل الوهم بطرادٍ من الحقيقة ودفاع. إن حثَّت على لقاء الأعلام شهرتهم فلك الشهرة، وأنت العلم والشهاب الذي تُجلَى به الظُّلَم. ورباط جدِّكَ بالمغرب الركن المستلم، فإلى أين يذهب عن جنابك الذاهب، وقد وضحت المذاهب، والله المانع والواهب. وإني من لدن اجتليت غرّتك التي تلوح عليها سيما الولاية إرثاً واكتساباً وانتماء إلى جناب الله وانتساباً جزاء من ربك عطاء حساباً؛ أؤمل التوسل والتقرب وأخطبُ منك الأنس الذي أنْسى به التغرب إلى أن تَهَيّأ بفضل الله وتيسر، وتبين مجمل الشوق وتَفَسَّر، وشتان ما بين من أثرى وأعسر، فأنا الآن والحمد لله قد حططتُ بمثوى الولاية رحلي، وعَثَرَتْ بأزهار أسرار الأبرار نَحْلي، وأخذت من الدهر ذَحْلي، وحللت من رباط الشيخ أبي محمد بالحرم الأمين، وظفرت من ودّ حافده بالذخر الثمين فيا ليت قومي يعلمون ما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. عَرَّفتك أبقاك الله بقصدي وحركة رَصْدي لتعلم أن هذه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، وأنجح مساعيها، وبركة الشيخ نفع الله به تلاحظها وتراعيها، فما اسْتَبْعَدَ المرام من قَصَد الكرام، وما فقد الإيناس من أمَّل الناس، وتَنَخَّل الأفراد، وتخطى الأجناس، وترك للنص القياس، وَتَمَلَّك المِنَن لمَّا أحرز الرياس، وسيدي بعد وما يظهر له من تأنيس غُرْبَة وإزاحة كُرْبَة، ورعْي وسيلة وقُرْبَة، وإتحاف باجتلاء حمى مَزُورٍ وتُربَة، والله عز وجل يبقيه مقصوداً على بعد المكان، مُرَجِّحاً في الفضل طَرَفِ الإمكان مطمئن القلب بذكر الله رطب اللسان؛ مُدْرَجاً في الوصولِ لسِنَام الإسلام والإيمان والإحسان.
واضْطَبَن من ابن عمه الخطيب بالبلدة، شاحباً صامتاً مهمهماً بذِكْر، مُنتبذاً عند الأكل إشعاراً بالإمساك، أومأ مع ذلك، زعموا، إلى دنيا عريضة كابن عمه وشُحٍّ مطاع، فرحب الكل وأطرأ اللقاء. وجئنا إلى رباط الشيخ أبي محمد وهو من المشاهد الحافلة والمآلف الجامعة. فضاؤه رَحْبٌ مرصوف بحجر الكذان يدور به، سقيف نظيف ذو أبواب تفضي إلى زوايا ومدافن، وبطوله عن يمين الوالج مسجد الصلاة وتربة الشيخ في بيت عُمِدَ سَمْكُه لانفساح عرضه بقائم من الخشب، وقبر الشيخ قبليه عن يمين الداخل إليه، قد اتخذ له حوض من الخشب من الرفيع أكسبته الأيام دُهْمَسه، فتخاله منحوتاً من الألُوَة قد امَّلَسَت من الاستلام حافته، وسُوي من نظيف الرمل سَبَجُه، وبازائه قبور شبيهة به في الشكل لولده وحفدته، تتخللها الحُصر النظيفة، فقضي الغرض من القراءة والدعاء، وحضر الفقهاء والطلبة والصوفية وقد استعرضهم أبو العباس طائفتين ورتبهم للسلام علينا غابطاً إياهم مُطْرياً مؤنساً، فدعوا وأجملوا، وعرض علينا طعام الشيخ أبي محمد رحمه الله، وقري ضيفه الجاري عليه من بيت المال حافده المذكور مُحكّضماً في قُلِّه وكُثْرِه، فجلب خوان بهي اشتمل قوره على كل غضارة أثيرة لا تتخلف عن طعام ولا شراب.
وانصرفنا إلى المحل المعين للنزول. وهذا البلد فسيح طيب الهواء كريم التربة خصيب الجناب. وأهله أولو خَيْريَّة وجنوح إلى الصلاح؛ وهو لَبِنَةُ التمام للمسَوَّرات بالمغرب، ليس وراءها مدينة جامعة، ولا محلَّةٌ مسورة، ودونه أمم تتصل بالسوس الأقصى إلى تخوم الحبشة من وراء الصحراء.
ومن ساعة إلمامنا انزوى عنا الشيخ أبو العباس صردوك، لِلَهْوِه، واشتغل زعموا بعقد نكاح على بكر يلاعبها وتلاعبه، لم يَقْسم الله للضيف من مأدبتنا بحظ، وشحَّ بإيناسه وتردده، فَحَدَسْنا أنّ ذلك إبقاءٌ على نفسه لما تُكْشِفُ المجالسة من حال يَمُدُّ لها أبو حنيفة رجلَه. وهممت أثناء طريقي أن أخاطبه بسعوط افتتحته بأبيات مطلعها:
إذا لم تهذِّبك الأبوةُ والحج ... فأنت على فَوْتِ الجَنَي ثمرٌ فَجٌّ
ثم تصدقتُ على حِلْم الشيخ بجهله، وحَرَّمت صيد آبِدِه في حرم مَحَلِّه، أصلحنا الله وإياه.
(1/10)

وصلينا بمسجدها الجامع وهو مبنى عتيق، ومجمع فسيح متعدد الزيارات والصحون والتعاريج، سبق منه ما بين يَدَي المحراب بعضٌ على أيدي قوم من الصالحين، رفعوا به عَمَداً تناهز الأربعين، بادية ضخمة خشنة على سبيل من الجفاء والسذاجة يباشرها سقف لاطئ من غير نقش ولا إحكام عَلَتْها خُشُبٌ بالية، وقُضُبٌ ناخرة، بما يدل على قِدَمِ العهد، وينبئ على اجتناب فضول العمل. فلم تمتد إلى تغييرها يد، ودارت بها الزيادة النبيهة والبُلاطات من جهاته. وبصحن هذا المسجد جِبَابٌ للماء ينتابها الناس لسقيهم ووضوئهم فَيَحسِبُهُم. ويقابل القبلة من جوفي الصحن زاوية بها فقراء يدعون ذكراً لله، فَيُعاطَوْن مقام التوكل، فلا يُغبُّ عنهم التفقد.
وبهذه البلدة، المدرسة والمارستان، وعليها مسحةٌ من قبول الله. وهواؤها أطيب أهوية البلدان، يستدعى الدثار في القيظ لبرده ولطيف مسراه. وتردد بها إليّ صاحب السوق ومقيم رسم المارستان، الشيخ الحاج أبو الضياء منير بن أحمد بن محمد ابن منير الهاشمي الجزيري، من أهل الظَّرف والخيريَّة والتمسك بأذيال أهداب الطَّلب. حَسَنُ الخطّ جميل العشرة، خفيفٌ في سبيل المشاركة. نشأ بالخضراء، وحضر حصارها، وحج وخدم الصاحب بدمشق فأحظاه. أنشدني من شعره يخاطب السلطان عند قدومه من الحج قوله:
قدموا عليك عَقِبَ حَطِّ حُمُولِ ... زِوارُ خيرٍ منبئٍ ورسول
شُّعْثاً على حُبِّ التحية ترتمي ... بهُم لبابك في ذُرًى وسهول
ليكون خاتمةَ الكمال ومِسْكَهُ ... تقبيلُ كَفِّكَ في بساط قَبول
من قصيدة جارية على هذا الأسلوب. مولده بالخضراء عام خمسة وسبعمائة.
وكان الرحيل يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر المذكور إلى منزل ينسب لأبي خَدُّو فيه رجل من بني المنسوب إليه اسم يعقوب، طِرْفٌ في الجود زعموا جرَّ بذلك المرزأة إلى عتاده. فألطف وأجزل ورتب الحرسة وآنس في الليل وطلبني بتذكرة تُثْبِتُ عندي معرفته في الآتي، فكتبت له:
نزلنا على يعقوب نجل أبي خَدُّو ... فعرفنا الفضل الذي ما له حدُّ
وقابلنا بالبشر واحتفل القِرَى ... فلم يبق لحم لم نَتَلْهُ ولا زُبْدُ
يحق علينا أن نقوم بحقه ... ويلقاه منّضا البِرُّ والشكر والحمد
قيل لبشار بن برد، بينما أنت تقول:
إذا ما غضبنا غضبةً مضريةً ... هتكنا حجاب الشمس أو قَطَرَتْ دماً
ثم تقول:
ربَابة ربةُ البيت ... تصب الخلَّ في الزيت
لها سبعُ دجاجات ... وديك حسنُ الصوت
فقال، قلت ذلك أخاطب امرأة من البادية في خيمة قرتني بدجاجة وبيض كانت لديها أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ثم سافرنا منه إلى سور موسى من مجامع دُكاَّلَة، وهو حَلْقٌ ذو شرفات وأبراج، بادي الانثلام والتشعيث غير حرز الغلق لجهل هذه الأمة المُصْحِرة بالتحصين، وهو بعض ما يلجأ إليه أهل هذا الوطن المتكاثف العمارة، الجمِّ الماشية، المُنْبَثِّ الحِلَل، الغاصِّ على انفساح مداه بالراغية والثاغية والصاهلة والناهقة، البالغ عدد أزواجه لإثارة الأرض ومعالجة الحرث، ثلاثة آلاف زوج من أزواج الثيران تثير أرضه وتعالج حرثه، يُتَحَرَّم به عند الغارة الشعواء المُصْمَئِلَّة يطرقهم بها عدوُّهم من بني الحارث وأحلافهم من سكان السهل والجبل فَيَسُدُّ عندها. وعلى ذلك فهم لحم على وَضَم ولقمة بين لَحْيَيْنِ، ويخارجه سوق جامعة يُحْشَر إليها الناس ضحى، ويتقاطرون من كل مَرْمىً يَمْثُلون في صعيد واحد، قد خيمت تجارتهم وظلوا، ولا ينفضُّ الجمع إلا مع انقضاء بياض يوم.
(1/11)

وقد كان رُفع إلى السلطان المُغْرّى بالبناء وتخليد الآثار أبي عنان رحمه الله، خَبَرُ ما عليه الناس من إخافة عدوهم، واهتضام عَرْصَتِهم واستهداف عَقْوَتِهم، فأمر بارتياد مَحَلٍّ لتأسيس مدينة، فاختير على غَلواتٍ منهم، محلٌ أرضه صخر منطبق على تراب، يتأتى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا، بعيد المَهْوَى، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدة للاختزان عن أضرار السماء، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء. فشُرع في البناء واستُبعد الفضاء، وَمَثلَتْ الأبواب العديدة، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حِمامِه وانصرام أيامه، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واحتياز حسنته.
وتلقانا مشرف المَحْبَى بها الشيخ الفقير الخير أبو عبد الله اللَّجَائي، قريع الأمانة والفضل، العف اليد، الحَصُور عن مساس الجباية، المتَّصلِ الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العِشْرة، الجواد على كونه مَنِيناً عدم العتاد في حال الكِبْرة. تلقانا في جملة من أتباعِ الخِدْمة، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد ابن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزَّمُّوري، رجل مختصر البنية والثوب قد طرقه الوَخْطُ على حداثة، يحفظ غُثاءً من منقول كتب التفسير وغيرها، ذاكرٌ لمسائل متعددة، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادةً لا جهلاً بقانون النحو. شموسٌ عند المذاكرة في المسائل العلمية، أطرفَ بحديث رحلته. ولما نزلنا خَنَس فلم نسمع له ذكراً إلى أن شيَّعنا من الغد، فَسَعَّطْتُهُ بخردل العَتْب ديدني في مقصِّري هذا الصِّنق القَمنْ بفعل الأغنياء في البر المستحق لولا رؤية الفضل لنفسه بمزية الفضل، فَزَلَّة العالم معروفة بعدم الإقالة، فاستعتب واعترف، وسألته الإجازة فيما يحمله، واكتتاب شيء من منظومة الكثير، وقد سَمَّى موضوعات ذكرها من تأليفه فوعد بذلك مُطَيِّراً به إلى محل المبيت ليلتئذ. وتلاحق بي رسوله بنزرٍ يتضمن ذكر أشياخ أكثرهم غير مسمَّى، وجلب شيئاً من حاله حتى عن القابلة التي التقطته ورؤيتها إياه على هيئة عن المُكَلَّف المخاطَب بوظائف الشريعة من سجود ورفع يد إلى السماء، إلى أمثال هذا. فخاطبته وأعدت الرسول إليه بقولي:
أليس قليلٌ نظرةً إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
وصَلَتْ أيُّها الفاضل رُقْعَتُك التي تضمنت الفوائد، وَصِلَتُك التي استصحبت العائد، وشاهد فضلك الذي بين تصريفه الأصلي والزايد، متفننة في ضروب لا تجنح شمسها لغروب، هزت ألحانها مني عِطْفَىْ طَروب، واستقر قِراها بين يدي أكول لمثلها وشروب. فلله ما تضمنت من فوائد رحلة حجازية لَبِسَتْ من حسن الحِجَى زِيَّه، وذِكر أعلام وأركان استلام إلا أنها كانت كَلَيْلَةِ الوصل ما عابها إلا القِصَر، فَلَوَدِدْتُ أن لو أمدها بسواده مني القلبُ أو البصر. بَخَسَ وزنها الاختصار لا بل الاقتصار، وافتقرت إلى شرحٍ يقع به على مُتَعَاصِي معانيها الانتصار، ووعد المجلس القاضوي باكتتاب شيء من منظومه بعد اعترافه بأنه كثير ومهاد وثير فما كان إلا الوعد، والأخلافُ من بعد:
يا لُوَاةَ الدَّيْن عن مَيْسَرَةٍ ... والضنينات وما كنَّ لئاما
والظن بسيدي أنه دعا عند شربه من بئر الحَرَم، بأن تُرفَع عنه مؤنة الكرم، فأُجِيبَتْ الدعوة كما ورد، واستقام العمل واطرد، فكان اللقاء على مسافة قصيرة، وملاحظة البر بمُقْلةٍ غير بصيرة، والزيارة مُزْوَرَّة، وأظنه لاحظ بيت شاعر المعرة:
لو اختصرتم من الإحسان زُرْتُكُم ... والعذب يُهجر للإفراط في الخَصَرِ
(1/12)

والقِري قد كُفِي القاضي والحمد لله مؤنته الثقيلة، ولم يُحْوَج إلى تشويش العقل واستخدام العقيلة، وهذا القِسْم غير معدود ولا تقع المشاحَّةُ إلا في مَوْدود. وَهمَّ بتحفة شعره ثم قال بالبداء وناداه الإنجاز فصمَّ عن النداء فاطَّرد باب الشُّحِّ حِسَّاً ومعنى، وموحداً ومثنى حتى دُكَّالة، شرَّابةٌ لسَرْو القضاة أكَّالة، وبيدها لتحجير أيديهم وكالة. وهذه الحركة كانت لمحبة حركة الفتح، ووجهة المد والمنْح، فلو لم يقع فيها بُخْلُه تَمِيمة، لَلَقَعَتْها العين وعَسُر الهَيْن، والقاضي أعزه الله كمال، وعيب الكمال لا يُنكر، والغالب الفضل، وغير الغالب لا يذكر، وهو على التَّافه يُشكر. داعبتُه حفظه الله مداعبة من يعتقد خلاف مقاله، ويَرْجُح القناطر المقنطرة بمثقاله، ولا يقول في حال سَرْوه بانتقاله، ومع اليوم غد، ولكل شيء أمَد، ويُرجَّى أن يمتع الله منه بوقت يقع فيه استدراك، ويرتفع باختصاص النزول لديه اشتراك إن شاء الله.
وكان المبيت بحصن أسَايس من حصون دُكَّالة شأنه ما قبلُه بطلل، دار عادية ملوكية الوضع، تنسب لأحد أشياخ الوطن ممن غَمَسَ يده من الجباية في الدم والفَرْث تدل على انسحاب دنيا كانت سحابة صيف، والله يتجاوز عما جرت من نكير، فهو الذي يؤاخذ بما كسبت الأيدي ويعفو عن كثير.
ورحلنا من الغد ف يسهل اقتحمنا به حدود الصَّناهِجَة، وبتنا بموضع يعرف باسكاون بازاء رَجُلٍ مُنْتَمٍ للصوفية أَعجم اللسان، قام بالنزول على خصاصة واضطرار، فأنَبْنَا له واحتسبنا كَدْحه.
وعُدنا من الغد إلى أزَمُّور، فرأينا صدق المثل في قولهم العود أحمد، فتلقينا بها أصناف الفضلاء مصحرين، ولوظائف البر متممين، وقاهم الله معَرَّات السنين، وكرَّم وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه في يوم العرض والدين.
وبرز إلينا الحسن بن يحيى بن حَسُّون، فتى الفتيان بالمغرب، وغاية السَّرو، وآية المروءة، والمثل البعيد في الإيثار على الخصاصة، ومخجل الضيف وريحانة التلطف، فأربى الخُبْرُ على الخَبَر والحمد لله.
وكان السفر عن تشييع تتعلق بالأهداب أظفاره، وفضل عمَّ الخافقين اعتذاره وأوجب ذلك ما خاطبتهم به:
إحسانكم يا بني يحيى بن حسُّون ... أزرَى على كل منثور وموزون
قد جددت زينةَ الدنيا برامكةٌ ... منكم مكارِمُها لم ترض بالدون
أبناء يحيى وَقَتْهُمْ كلما وُلدُوا ... عناية الله من موسى وهارون
بالأحسن الندب زاد الله بيتكم ... حُسناً فأهلاً بطلْق الوجه ميمون
ما زالَ يكْلَفُ بالعَليا ويُمْحَضُها ... هوى يعود على الأموال بالهون
ما زلتُ أسمع عنكم كل مكرَمة ... والآنَ كم بين معلوم ومظنون
أثْرَتْ بكم كفُّ أزمور دياركم ... فأيُّ دُرٍّ بصون المجد مكنون
أبقاكم الله في سعدٍ عقائله ... تبدي لكم غرر الأبكار والعون
وردَّني لبلادي شاكراً لكُمُ ... بأمر ربي بين الكاف والنون
إلى مدينة آنفا، واستدرك استدعائنا منهم إلى كل احتفاء واحتفال، أفاضل ذهبوا من البر كلَّ مذهب كالقاضي بها الشيخ الفقيه الحاج البادي القشف والسذاجة أبي بكر عثمان بن صالح المْسراتي المراكشيِّ النشأة، قرأ بمراكش على أبي الحسن المُرسي وأبي عبد الله العَبْدَري؛ وبحَاحَة، على أبي زكريا يحيى ابن سعيد، وأبي زيد بن عبد الله وأخيه أبي بكر. وبأغمات: على أبي العباس المعروف بأيَّزْم. وحج سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ووَليَ القضاء بقصر كتامة، وحصن القاهرة وأزمور وآنفا. وأقرأ بمدرستها كتاب أبي عمرو بن الحاجب. مولده في حدود عشرة وسبعمائة. والعدل السريّ أبي العباس أحمد بن شرف بن علي السَّلي من أهل تامسنا، نبيه المسكن فَعْم الخوان، مُنْجِبِ غلمان. والعدل الفاضل أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن موسى البرغَواطي خير منقبض متحلٍّ بسكينة. والشيخ الخطيب الخَيِّر أبو الحسن علي بن أبي حَدّوا الأصيل البيت النابه الأبوَّة المحمول عليه في سبيل بغي زعموا. والنجباء السراة أولاد الفقيه القاضي الرائق الخط، الجَمَّاعة للدفاتر، الموسوم بالرجاحة أبي علي عمر بن محمد الزناتي، كافأ الله ما بذلوا من رغبة، وخَطَوْا من إلمام.
فصل في ذكر العودة إلى مدينة سلا
(1/13)

ثم كان الارتحال إلى التربة المولوية المحترمة بشالة - فألقيت بها البَرْك، وحططت الرَّحْلَ، وَفَصَّلْت الخطة، وخاطبت اللسان المنعم المولى بما نصه بعد البسملة:) مولاي، المرجو المؤمَّل لإتمام الصنيعة، وصلة النعمة وإحراز الفخر، أبقاكم الله تضرب بكم الأمثال في البر والرضا وعلو الهمة ورعي الوسيلة، مقبِّل موطئ قدمكم، المنقطع إلى تربة المولى والدكم، ابن الخطيب، من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء في القبة المقدسة وتذمم بالتربة الزكية وقعد بازاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة، وزيارة الرّثبُط المقصودة والتُرَب المعظمة، وقد عزم ألاَّ يبرح طوعاً من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعي، حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض، ثم عليكم والتماس شفاعته في أمر يسهل عليكم لا يجرُّ إنفاذَ مال، ولا اقتحام خطر ولا التهجم على خطة، إنما هو إعمال لسان، وخط بنان، وصرف عزم وإحراز فخر وأجر، وإطابة ذكر. وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم إلى المولى المقدس والدكم بلسان المقال ما يَحضُر مما يفتح الله فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب، وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب) يعني ابن مرزوق (سنّي الله أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم:) يا فلان، أنت والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الغرضين (، وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر، جزاكم الله جزاء المحسنين، وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أدَّاه من حضر ذلك المشهد من خدامكم، والعبد يعرض عليكم الجواب وهو: إني لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الملأ الكبير، والجم الغفير، أكببت على اللحد الكريم داعياً ومخاطباً. وأصغيت بأذني عند قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حال فكأني به يقول لي:) قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري الذي ستر حريمي وردّ ملكي وصان أهلي وأكرم صنائعي ووصل عملي، أسلّم عليك وأسأل الله أن يرضى عنك ويُقبل عليك) الدنيا دار غرور، والآخرة خير لمن اتقى (.) وما الناس إلا هالك وابن هالك (
(1/14)

ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضي العفو والمغفرة، أو ثناء يجلب الدعاء بالرحمة. ومثلك من ذُكِّر فتذكر وعُرِّفَ فما أنكر، وهذا ابن الخطيب وقف على قبري وتهمَّم بي، وسبق الناس إلى رثائي، وأنشدني ومجدَّني وبكاني ودعا لي وهنأني بمصير أمري إليك، وعفر وجهه في تُربي، وأمَّلني لمّا انقطعت مني آمال الناس، فلو كنت يا ولدي حياً لما وسعني إلا أن أعمل معه ما يليق بي، وأن أستقل فيه الكثير، وأحتقر العظيم، لكن لما عجزت عن جزائه، وكلتهُ إليك وأحلته يا حبيب قلبي عليك، وقد أخبرني أنه سليبُ المال، كثيرُ العيال، ضعيف الجسم، قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن، وأمَّل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخِدْمتي ويرّد عليه حقه ووجوه من ضاجعني من سَلفي، ويعبد الله تحت حُرمَتك وحرمتي. وقد كنت تشوفت إلى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالصُ المحبة، وخطيبنا العظيم المزية، القديم القُربة، أبو عبد الله بن مرزوق فاسألهُ يُذكّرْك، واستخبره يخبرك، فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات إلى أن نلحق جميعاً برضوان الله ورحمته التي وسعت كل شيء. وله يا ولدي ولد نحيف يخدم ببابك، وينوب عنه في ملازمة بيت كُتّابك، وقد استقر بدارك قراره، وتعيَّن بأمرك مرتبَّه ودثاره، فيكون الشيخ خديم الشيخ، والشباب خديم الشباب، هذه رغبتي منك وحاجتي إليك، واعلم أن هذا الحديث لا بد أن يُذكر ويُتحدث به في الدنيا وبين أيدي الملوك والكبار، فاعمل ما يبقى لك فخره، ويتخلّد ذكره، وقد أقام مجاوراً ضريحي تالياً كتاب الله عليّ، منتظراً ما يصله منك ويقرؤه عليَّ من السَّعي في خلاص ماله والاحتجاج بهذه الوسيلة في جبره، وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة، فالله الله يا إبراهيم، اعمل ما يُسمع عني وعنك فيه، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال،: انتهى. والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفه منتظر منكم قضاء حاجته، ولتعلموا وتتحققوا أني لو ارتكبت الجرائم، ورزأت الأموال، وسفكت الدماء، وأخذت حسائِفَ الملوك الأغرة ممن وراء النهر من التَّطَر، وخلف البحر من الروم، ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم الله مني من غير عهد، بعد أن بلغهم تذدُّمي بهذا الدخيل، ومقامي بين هذه القبور الكريمة، ما وسع أحداً منهم من حيث الحياء والحشمة من الأموات والأحياء وإيجاب الحقوق التي لا يغفلها الكبار للكبار، إلا الجود الذي لا يتعقبُه البُخل، والعفو الذي لا تفسده المؤاخذة، فضلاً عن سلطان الأندلس، أسعده الله بموالاتكم، فهو فاضل وابن ملوك أفاضل، وحوله أكياسٌ ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم لا سيما مولاي والدكم الذي أتوسل به إليكم وإليهم، فقد كان يتبنّى مولاي أبا الحجاج ويشمله بكنفه، وصارخه بنفسه، وأمدَّه بأمواله، ثم صيَّر الله ملكه إليكم وأنتم من أنتم ذاتاً وقبيلاً، فقد قرَّت يا مولاي عين العبد بما رأت بهذا الوطن المراكشي من وفور حُشودكم وكثرة جنودكم، وترادف أموالكم وعُدَدِكم، زادكم الله من فضله. ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلّت عروة تأميلكم أو أعرضتم عن ذلك الوطن، استولت عليه يد عدوه، وقد علم تطارحي بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان، وتعلقي بثوب الملك الصالح والد الملوك مولاي والدكم، وشهرة حُرْمةِ شالَة معروفة، حاشَ لله أن يضيعها أهل الأندلس، وما تُوسل إليهم قط بها إلى الآن، وما يجهلون اغتنام هذه الفضيلة الغربية. وأملي منكم أن يتعين من بين يديكم خَديمٌ بكتاب كريم يتضمن الشفاعة في ردِّ ما أُخِذَ لي، ويخر بمثواي مترامياً على قبر والدكم ويقرر ما لَزِمكم بسبب هذا الترامي من الضرورة المهمة والوظيفة الكبيرة عليكم، وعلى قبيلتكم حيث كانوا، وتطلبون منهم عادة المُكارَمَة بحل هذه العقدة. ومن المعروم أني لو طلبت بهذه الوسائل من صُلب ما لهم، ما وَسِعَهُمْ بالنظر العقلي إلا حفظُ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن، فالحياء والحشمة يأبيان العذر عن هذا القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتَفَقُّدِه ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المولد في جواره وبين يديه، وهو غرض غريب مناسبٌ لِبركم به إلى أن حج بيت الله بعناية مقامكم وأعود داعياً مُثنياً مستدعياً للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب، وأتعوض من ذمتي بالأندلس ذمة عند الرباط
(1/15)

المبارك ترثها ذريتي. وقد ساوَمْتُ في شيء من ذلك منتظراً ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم، ولو ظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا، أو تُتوقع فيه وحشة أو جفاء، والله ما طلبته، لكنهم أسرى وأفضل. وانقطاعي أيضاً لوالدكم معاً لا يسع مجدكم إلا عمل ما يليق بكم فيه، وهاأنا أرتقب جوابكم بما لي عندكم من القبول، وَيسعني مجدكم في الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض والله يطَّلع من مولاي على ما يليق به والسلام.
وكتب في الحادي عشر من شهر رجب عام أحد وستين وسبعمائة وفي مُدرج الكتاب بَعْدَ نَثْرٍ اختصرناه:
مَوْلاَيَ هَا أنَا فِي جِوَارِ أَبِيكَا ... فَابذُلْ مِنَ البِرِّ المُقَدَّرِ فِيكَا
أَسْمِعْهُ مَا يُرْضيهِ مِنْ تَحْت الثَّرَى ... واللهُ يُسمعُك الَّذِي يُرْضِيكَا
واجْعَلْ رِضَاهُ إذا نَهَدْتَ كتيبةً ... تُهْدِي إلْيكَ النَّصْر أو اتَهْدِيكَا
واجْبُرْ بِجَبْرِي قَلْبَه تَنَلِ المُنَى ... وتُطَالِعِ الفَتْحَ المُبِينَ وشيكا
فهو الذي سنّ البُرورَ بأُمِّهِ ... وأَبِيه فاشْرَع شَرْعَه لِبَنِيكَا
وابْعَثْ رَسُولَكَ مُنْذِراً ومُحَذِّراً ... وَبِمَا تُؤَمِّلُ نَيْلَهُ يَأْتِيكَا
قد هَزَّ عَزْمُكَ كُلَّ قطرٍ نَازِحٍ ... وأَخَاَفَ مَمْلُوكاً بِه وَمَلِيكَا
فَإِذَا سَمَوْتَ إلَى مَرَامٍ شَاسِعٍ ... فَغُصُونُهُ ثَمَرَ المُنَي تُجْنِيكَا
ضَمِنَتْ رِجَالُ اللهِ مِنْكَ مَطَالِبِي ... لمَّا جَعَلْتُكَ في الثَّوَابِ شَرِيكا
فَلَئِنْ كَفَيْتَ وُجُوهَهَا فِي مَقْصِدِي ... وَرَعَيْتَها بركاتُها تَكْفِيكاَ
وإذا قَضَيْتَ حَوائِجي وأَرَيْتَنِي ... أملاً فَرَبُّكَ مَا أَرَدْتَ يُرِيكَا
واشْدُدْ عَلَى قَوْلِ يداً فَهُوَ الذي ... بُرْهَانُه لاَ يَقْبَلُ التّشْكِيكاَ
مَوْلاَيَ ما اسْتَأثَرْتُ عَنْكَ بِمُهْجَتِي ... أَنَّى وَمُهْجَتيَ الَّتِي تَفْدِيكَا
لَكِنْ رأيتُ جَنَابَ شَلَّةَ مَغْنماً ... يُضْفي عَلَيَّ العِزَّ في نَادِيكَا
وفُرُوضُ حَقِّكَ لاَ تَفُوتُ فَوَقْتُها ... باقٍ إذَا اسْتَجْزَيْتَهُ يَجْزِيكَا
وَوَعَدْتَنِي وَتَكَرَّرَ الوَعْدُ الَّذِي ... أَبَتِ المَكَارِمُ أَنْ يَكُونَ أَفِيكَا
أَضْفَى عَلَيْكَ اللهُ سِتْرَ عِنَايَةٍ ... مِنْ كُلِّ مَحْذُورِ الصُّرُوفِ يَقِيكَا
بِبَقَائِكَ الدُّنْيَا تُحَاطُ وَأَهْلُهَا ... فاللهُ جَلَّ جَلاَلُهُ يُبْقِيكَا
فوردت المراجعة المولوية بما نصه بعد البسملة والتصلية: من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أيَّد الله أمره وأعز نصره، إلى الشيخ الفقيه الأجل السني الأعز الأحظى الأوجه الأنوه الصدر الأحفل المصنف البليغ الأعرف الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأمجد الأصيل الأكمل المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، وصل الله عزته، ووالى رفعته: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1/16)

أما بعد حمدِ الله تعالى، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم المصطفى والرضا عن آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي العزيز المنصور المستعيني بالنصر الأعز والفتح الأسنى، فإنَّا كتبناه إليكم - كتب الله لكم بلوغ الأمل، ونجح القول والعمل - من منزلنا الأسعد بضفة وادي ملوية يمّنه الله، وصُنع الله جميل، ومَنُّه جزيل، والحمد لله، ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل، والعناية المتكفلة برعي الوسائل، ذلكم لِمَا تميزتم به من التمسك بالجناب العلي، المولوي العلوي، جدد الله عليه ملابس غفرانه، وسقاه غيوث رحمته وحنانه. وما أهديتم إلينا من التقرب إلينا بخدمة ثراه الطاهر، والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر، وإلى هذا، وصل الله حظوتكم ووالى رفعتكم، فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصدُه المُقابل - بالإسعاف المستعذب ورده، فوقفنا على ما نصه واستوفينا ما شرحه وقصه، فآثرنا حسن تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا، ووعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا، وفي الحين عيَّنا لكمال مطلبكم، وتمام مأربكم والتوجه بخطابنا في حقكم والاعتمال بوفقكم، خديمنا أبَا البقاء بن تاسكورت وأبا زكريا بن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما.. وأمس تاريخه انفصلا مودّعين إلى الغرض المعلوم، بعد التأكيد عليهما فيه، وشرح العمل الذي يوفيه، فكونوا على علم من ذلكم، وابسطوا له جملة آمالكم، وإنا لنحتسب ثواب الله في جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم، والله سبحانه يصل مبرتكم ويوالي تكرمتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتب في الرابع والعشرين لرجب عام أحد وستين وسبعمائة. فراجعت أيده الله وشَكَر نعمته بما نصه: مولاي خليفة الله بحق، وكبير ملوك الأرض حجّة، ومعدن الشفقة والحرمة ببرهان وحكمة، أبقاكم الله عالي الدرجة في المنعِمين، وافر الحظ عند جزاء المحسنين، وأراكم ثمرة بِرّ أبيكم في البنين، وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد، وأذاق العذاب الأليم من أراد في مثابتكم بإلحاد، عبدكم الذي ملكتم رِقَّه، وأويتم غربته، وسترتم أهله وولده، وأسنيتم رزقه، وجبرتم قلبه، يقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة، المستوجبة بفضل الله لموقف النصر، الفارعة هضبة العز، المعملة الخطو في مجال السعد، وميَّسر الحظ فلان: من شالة التي تأكد بمُلْكِكُم الرِّضيِّ احترامها وتجدد برعيكم عهدها واستبشر بمُلْكِكُم دفينها، وأشرق بحسناتكم نورها، وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم، المنعم المحسن بما يليق بالمُلك الأصيل، والقدر الرفيع، والهمة السامية، والعزة القعساء، من رعى الدخيل والنصرة للذمام، والاهتزاز لبر الأب الكريم، فثاب الرجاء، وانبعث الأمل وقوى القصد، وزار اللطف فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة، وأعانكم على رعي ذمام الصالحين، المتوسل إليكم أولاً بقبوركم، ومتعبداتهم وتراب أجداثهم، ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب في وجودكم، واختصكم بحبه، وغمركم بلطفه وحنانه، وعلمكم آداب الشريعة، وأورثكم ملك الدنيا، وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء، وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النصرة عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم، وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أُهِينَتْ فيه الأنفس وهلكت الأموال، وقُصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولاً إلى حماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها، وصدقة حملتكم الجرية على بذلها؟ ثم فيمن حطّ رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب دامي القرحة، يتغطى بردائه، ويستجير بعليائه، كأنني تراميت عليه في الحياة أمام الذعر الذي يذهل العقل، ويحجب عن التمييز، بقصر داره ومضجع رقاده. ما مِنْ يوم إلا وأجهر بعد التلاوة بلفظ: يا آل يعقوب، يا آل مرين نسأل الله أن لا يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم، ويستعملني ما بقيت في خدمتكم، ويتقبل دعائي فيكم.
(1/17)

ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته وبازائه، وقلت: يا مولاي يا كبير الملوك، وخليفة الله، وبركة بني مرين، صاحب الشهرة والذكر، في المشرق والمغرب، عبدك المنقطع إليك، المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك، ابن الخطيب، وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعى وجهك والتقرب إلى الله برعيك، والاشتهار في شرق الدنيا وغربها بِبِرِّك، وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعة كمّلها وإذا بدأ منَّةً تممها، وإذا أسدى يداً أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولا ممنونة ولا منتقصة، وأنا بعد، تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك، حتى يتم أملي، ويخلص قصدي، وتحف نعمتك بي، ويطمئن إلى نائلك قلبي، ثم قلت للطلبة: أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوّة التآلف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم، فأَمَّنوا على دعائي بإخلاصٍ من قلوبكم. واندفعتُ في الدعاء والتوسل بما ترجو أن يتقبّله الله ولا يضيعه، وخاطب العبد مولاه شاكراً لنعمته مشيداً بصنيعته مسروراً بقبوله، وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض، معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردّده والله المستعان.
تهنئة ابن الخطيب للسلطان أبي سالم المريني بمناسبة فتح تلمسان
وفي يوم الخميس السابع عشر من شعبان من هذا العام ورد كتاب فتح تلمسان فأصدرت إلى بابه العلي ما نصه: مولاي فتاح الأقطار والأمصار، فائدة الأزمان والأعصار، أثير هيات الله الآمنة من الاعتصار، قدرة أولي الأيدي والأبصار، ناصر الحق عند قعود الأنصار، مستصرخ الملك الغريب من وراء الأبحار، مصداق دعاء الأب المولى في الأصائل والأبكار، أبقاكم الله لا تقف إيالتكم عند حد، ولا تحصى فتوحات الله عليكم بعَدّ، ولا تفيق أعداؤكم من كد، ميسراً على مقامكم ما عسر على كل أب كريم وجد، عبدكم الذي خلص إبريز عبوديته لملك ملككم المنصور، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور، الداعي إلى الله سبحانه أن يقصر عليكم سعادة العصور، ويذل لعز طاعتكم أنْفَ الأسد الهصور، ويبقى الملك في عقبكم وعقب عقبكم إلى يوم ينفخ في الصور.
(1/18)

فلان، من الضريح المقدس بشالة، وهو الذي تعددت على المسلمين حقوقه وسطع نوره وتلألأ شروقه، وبلغ مجده السماء لما بسقت فروعه، ووشجت عروقه، وعظم ببنوتكم فخره، فما فوق البسيطة فخر يفوقه، حيث الجلال قد رست هضابه، والملك قد كسيت بأستار الكعبة الشريفة قبابه، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحف الأمامية أثوابه، والقرآن العزيز ترتل أحزابه، والعمل الصالح يرفع إلى الله ثوابه، والمستجير يخفي بالهيبة سؤاله، فيجهر بنعرة العز جوابه. وقد تفيأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة، وخميلة أنيقة، وحط بجُوديّ الجود نفساً في طوفان الضر غريقه، والتحف رفرف الهيبة الذي لا تهتدي النفس فيها إلا بهداية الله طريقه، واعتز بعزة الله وقد توسط جيش الحرمة المرينية حقيقة، إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمه وأباه وجده سيقة يرى بركم بهذا اللحد الكريم قد طنب عليه من الرضا فسطاطاً، وأعلى به يد العناية المرينية اهتماماً واغتباطاً، وحرر له أحكام الحرمة نصاً جلياً واستنباطاً، وضمن له حسن العقبى التزاماً واشتراطاً، وقد عقد البصر بطريق رحمتكم المنتظرة المرتقبة، ومد اليد إلى لطائف شفاعتكم التي تتكفل بعتق المال كما تكلفت بعتق الرقبة، وشرع في المراح بميدان نعمتكم بعد اقتحام هذه العقبة لما شنفت الآذان البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح، ولا شهاب دُجُنّة إلا اقتبس من نورها واقتدح، ولا صدر إلا انشرح، ولا غصنٍ عِطْفٍ إلا مرح، بشرى الفتح القريب، وخبر النصر الصحيح الحسن الغريب، ونبأ الصنع العجيب، وهدية السميع المجيب. فتْحُ تلمسان الذي قلد المنابر عقود الابتهاج، ووهب الإسلام منيحة النصر غنيةً عن الهياج، وألحف الخلق ظلاً ممدوداً، وفتح باب الحج وكان مسدوداً، وأقر عيون أولياء الله الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً، وأضرع بسيف الحق جباهاً أبيَّةً وخدوداً، وملككم حق أبيكم الذي أهان عليه الأموال، وخاض من دونه الأهوال وأخلص فيها الضراعة والسؤال، من غير كد يغمز عِطف المسرة، ولا جهد يكدر صفو النعم الثرَّة، ولا حَصَر ينفض به المنجنيق ذرابته، ويظهر بتكرر الركوع إنابته.
فالحمد لله الذي أقال العثار ونظم بدعوتكم الانتثار وجعل ملككم يجدد الآثار ويأخذ الثار، والعبد يهنئ مولاه بما أنعم الله عليه ووالاه، وما أجدره بالشكر وأولاه، فإذا أجال العبيد قداح السرور فللعبد المُعَلّى والرقيب، وإذا استَهَموا حظوظ الجذَل فليَ القِسْم الوافر والنصيب، وإذا اقتسموا فريضة شكر الله فليَ الحظ والتعصيب، لتَضَاعُفِ أسباب العبودية قِبَلي وترادف النعم التي عجز عنها قولي وعملي، وتقاصَر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي، فمقامكم المقام الذي نَفَّس الكُرْبَة، وأنَّس الغربة، ورَعَى الوسيلة والقربة، وأنعش الأرماق، وفك الوثاق، وأّخذ على الدهر بالاستقالة العهدَ والميثاق، وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء، ويَمْثُل بين يدي الخلافة العظيمة السَّنا والسناء، ويمد بسبب البِدَار إلى تلك السماء، فقد باشر به اليد التي يحنُّ مولاي لتذكر تقبيلها، ويكمل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبوية وتكميلها.
ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القِداح، ووصل في طلب وصالها بالمساء الصباح، وكان فتحه إياها أبا عُذْرَةِ الافتتاح، وقلت يَهْنِيكَ يا مولاي رَدُّ ضالتك المنشودة، وحَيْز لقطتِك المُفْردة المشهودة، ورد أَمَتِك المودودة، فقد استحقها وارثُك الأرضَى، وسيفك الأمضى، وقاضي دَيْنِك وقرة عينك مُستنقِذُ دارِك من يد غاصبها، ورادُّ رُتَبك إلى مناصبها، وعامر المثوى الكريم، وستر الأهل والحريم، مولاي هذه تلمسان قد طاعت وأخبار الفتح على ولدك الحبيب إليك قد شاعت، والأمم إلى هنائه قد تداعت، وعدوك وعدوه قد شردته المخافة، وانضاف إلى عرب الصحراء فخفضته الإضافة، وعن قريب تتحكم فيه يد أحكامه وتُسْلِمُه السلامةُ إلى حِمامِه، فلتطب يا مولاي نفْسك، وليستبشر رَمْسُك، فقد تمت بركتك وزكا غرسُك، نسأل الله أن يورد على ضريحك من أنباء نصره ما يفتح له أبواب السماء قبولاً، ويترادف إليك مدداً موصولاً، وعَدَداً آخِرَتُهُ خير لك من الأولى، ويُعَرِّفُهُ بركةَ رضاك، ظَعْناً وحُلولاً، ويُضفي عليه منه ستراً مسدولاً.
(1/19)

ولم يقنع العبد بخدمة النثر حتى أجهد القريحة التي ركضها الدهر فأنضاها، واستشفَّها الحادث الجلل وتقاضاها، فلقي من خدمة المنظوم ما يتعهد حلمكم تقصيره، ويكون إغضاؤكم إذا لقي معرة العَتْب وليَّه ونصيره، وإحالة مولاي على الله في نفس جَبَرها، ووسيلة عرَفَها مجدُه فما أنكرها، وحرمةٍ بضريح مولاي والده شكرها، ويطلع العبد منه على كمال أملِه ونُجْح عمله وتسويغ مقترحه وَتتميم جذله:
أطَاعَ لِسَانِي في مَدِيحِك إحْسانِي ... وقَدْ لَهِجَتْ نَفْسِي بِفَتْحِ تِلْمِسَان
فَأَطْلَعْتُها تَفْتَرُّ عَنْ شَنَبِ المُنَى ... وتُسْفِرُ عَنْ وَجْهٍ مِنَ السَّعْدِ حَسَّانِ
كَمَا ابْتَسَمَ الغَوَارُ عن أَدْمُعِ الحَيَا ... وَحَفَّ بخّدِّ الوَرْدِ عَارِضُ نِيسَانِ
كَمَا صَفَّقَتْ رِيحُ الشَّمَالِ شَمُولَها ... فَبَانَ ارْتِيَاحُ السكر في غُصُن البَان
تُهَنِّيكَ بالفَتْحِ الذي مُعْجِزَاته ... خوارق لم تُذْخَر سِوَاكَ لإِنْسَانِ
خَفَفْتَ إليها والجُفُونُ ثَقِيلَةٌ ... كَمَا خَفَّ شَئْنُ الكَفِّ من أُسْدِ خفَّانِ
وقُدْتَ إلى الأَعْدَاءِ فيهَا مُبَادِراً ... لِيُوثَ رِجَالٍ في مَنَاكِب عِقْبَانِ
تَمُدُّ بنودُ النَّصرِ) مِنْهُمْ (ظِلاَلَها ... على كُلِّ مِطْعَامِ العَشِيَّاتِ مِطْعَانِ
جَحاجِحَةٌ غرُّ الوُجُوهِ كَأَنَّمَا ... عَمَائِمُهُمْ فيهَا مَعَاقِد تِيجَانِ
أمدَّك فِيهَا اللهُ) بالمَلأِ (العُلا ... فَجَيْشُكَ مَهْمَا حُققَ الأَمْرُ جَيْشَانِ
لقد جُلِّيَتْ مِنْكَ البلادُ لخَاطِبٍ ... لَقَدْ حَنِيتْ مِنْكَ الغُصُونُ إلى حَانِي
لقد كَسَتِ الإسْلامَ) بَيْعَتُكَ (الرِّضَا ... وكانَت عَلَى أَهْلِيهِ بَيْعَةَ رِضْوَانِ
ولِلهِ مِنْ مُلْكٍ سَعِيدِ) ونُصْبةٍ ( ... قَضَى المُشْتَرِي فِيهَا بِعَزْلَةِ كِيوَانِ
وسَجَّلَ حُكْمَ العَدْلِ) بَيْنَ بُيُوتِها ( ... وُقُوفاً مَعَ المِشْهُورِ مِنْ رَأى يُونَانِ
جَلاَ كُلُّ مِصرِيٍّ لَهَا حس ... ن فيها جدّه كل كلداني
فلم تَخْشَ سهمَ القوس صفحةُ بدرِها ... ولم تَشك فيها الشمس من نَحْس ميزانِ
ولم يعترض مُبْتزَّها قَطْعُ قاطعٍ ... ولا نَازَعَتْ نَوْبَهرها كفُّ عُدْوانِ
تولَّى اختيارُ الله حُسْنَ اختيارِها ... فلم تَحْتَج الفَرْغَان فيها لِفَرْغَانِي
ولا صارِفت فيها دقائقُ نِسبةٍ ... ولا حُقِّقَتْ فيها طوالعُ بُلدانِ
وجوهُ القضايا في كَمالِكَ شأنُها ... وجوبٌ إذا خَصَّت سِواكَ بإمكانِ
ومَنْ قاسَ منكَ الجودَ بالبَحْرِ والحَيَا ... فَقَد قاسَ تَمويهاً قياسَ سُفُسطَاني
وطاعتُك العُظمى بِشارَةُ رَحمةٍ ... وعِصيانُكَ المَحذور نَزْغةُ شيطانِ
وحبُّكَ عنوانُ السعادةِ والرِّضا ... ويُعْرَفُ مقدارُ الكتابِ بِعُنوانِ
ودِينُ الهُدى جِسْمٌ وذاتُكَ روحُهُ ... وكم وَصْلَةٍ ما بينَ روحٍ وجُثْمانِ
تضِنُّ بكَ الدُّنيا وتَحْرُسُكَ العُلَى ... فلا هُدِمَ المبْنَي ولا عُدِمَ البانِي
وصاحَتْ بكَ الدُنيا فلمْ تَكُ غافِلاً ... ونادَتْ بكَ العّلْيا فلم تَكُ بالوَانِي
ولم تكُ في خَوْضِ البِحارِ بهائِبٍ ... ولمْ تَكُ في رَوْمٍ الفَخَارِ بِكسْلانِ
لقد هَزَّ مِنكَ العَزمُ لمَّا انْتَضَيْتَهُ ... ذَوَائبَ رَضْوَى أو مَنَاكِبَ ثَهْلانِ
ولله عَينا مَنْ رآها محَلّةً ... هِيَ الحَشْرُ لا تُحصَى بعَدٍّ وحُسْبَانِ
وتَنُّورُ عَزْمِ فارَ في إثْرِ دَعْوَةٍ ... فَعَمَّ الأقاصِيَ والأدانِي بِطَوفَانِ
عجائِبُ أقطارِ ومأْلَفُ شارِدٍ ... وأقْلادُ آفاقٍ وموعِدُ رُكبانِ
إذا ما سَرَحْتَ اللَّحْظَ في عَرَصَاتِها ... تبلَّدَ منكَ الذِّهنُ في العالَمِ الثاني
جَناحانِ والنَّصْرُ العزيزُ اهْتَصَارُهُ ... إذا انْتَظَمَتْ بالقلبِ منها جَناحانِ
فَمِن سُحُبٍ لاحتْ بِها شُهُبُ القنا ... ومِنْ كُثُبٍ بَدَتْ فوقَ كُثبانِ
(1/20)

مضارِب في البَطخاء بيضٌ قِبَابُها ... كما قُلِّبَتْ للعَيْنِ أزهارُ سَوْسانِ
وما إنْ رَأَى الرَّاؤونَ في الدَّهْرِ قَبْلَهَا ... قرارة عزٍّ في مدينة كتَّانِ
تَفوتُ التِفاتَ الطّرْفِ حال انْتِقالِها ... كأنَّكَ قد سخَّرْتَ جِنَّ سُلَيمانِ
فقَدْ أطْرَقَتْ مِنْ خَوفِها كُلُّ بِيعَةٍ ... وطَأْطَأَ مِن إجلالِها كلُّ إيوانِ
وقد ذُعِرتْ خَولانُ بينَ بُيُوتِها ... غَدَاةَ بَدَت منها البيوتُ بِخَوْلانِ
فلو رُمِيَتْ مِصرٌ بها وصَعيدُها ... لأَضْحَتْ خَلاءً بَلْقَعاً بعدَ عُمرانِ
ولو يَمَّمَتْ سيفَ بن ذي يَزَنٍ لَمَا ... تَقَرَّرَ ذاكَ السيفَ في غمد غِمدانِ
تُرَاعُ بِها الأوثانُ في أرضٍ رُومَةٍ ... إذا خَيّمتْ شرقاً على طَرْفِ أوثانِ
وتُجْفِلُ إجفالَ النَّعامِ بِبَرقَةٍ ... ليوثُ الشَّرَى ما بَينَ تُرْكٍ وَعُرْبَانِ
وعَرضاً كَقِطْع الليلِ للخَيْلِ تَحْتَهُ ... إذا صَهَلتْ مُفْتَنَّةً رجْعُ ألحانِ
فَيُومِضُ مِنْ بِيضِ الظُّبَا بِبَوارِقٍ ... ويَقْذِفُ مِنْ سُمرِ الرِّماحِ بِشُهْبَانِ
ويُمْطِر مِنْ وَدْقِ السِّهَامِ بِحاصِبٍ ... سَحَائِبُهُ مِنْ كُلِّ عَوْجَاءَ مِرْنَانِ
وجُرْداً إذا ما ضَمِّرَتْ يومَ غارةٍ ... تَعَجَّبْتَ مِن ريحٍ تُقَادُ بِأرْسانِ
تُسابِقُ ظِلْمَانَ الفَلاةِ بِمِثْلِها ... أبَى النَّصْرُ يوماً أن تُلِّمَ بأجفانِ
نَظَرْتُ إليها والنَّجِيعُ لِباسُها ... فقُلْتُ سيوفٌ أَمْ شقائِقُ نُعْمانِ
تَفَتَّح وَرْداً خَدُّها حينَ جُرِّدَتْ ... ولا يُنْكِرُ الأقوامُ خَجْلَةَ عُرْيَانِ
كأنَّ الوَغى نادَتْ بها لوَليمَةٍ ... قد احتَفَلَتْ أوضاعُها منذُ أزمانِ
فإن طَعِمَتْ بالنَّصْرِ كانَ وُضوءَها ... نَجيعٌ ووافاها الغُبَارُ بأَشْنَانِ
لقد خَلُصَتْ للهِ مِنكَ سَجيَّةٌ ... جزاكَ على الإحسانِ منها بإحسانِ
فسَيْفُكْ للفتحِ المُبين مُصَاحِبٌ ... وعَزْمُكَ والنَّصرُ المُؤَزَّرُ إلفانِ
فَرُحْ واغْدُ للرحمنِ تحتَ كلاءَةِ ... وسَرْحَانَ، في غابِ العِدَى كلُّ سِرْحَانِ
ودُمْ والمُنَى تُدني إليكَ قِطَافَها ... مُيَسَّرَ أوطارٍ مُمَهَّدَ أوطانِ
وكُنْ واثِقاً باللهِ مُسْتَنْصِراً بِهِ ... فَسُلطانُهُ يَعلو على كُلِّ سُلطانِ
كَفَاكَ العِدَا كافٍ لمُلكِكَ كافِلٌ ... فَضِدُّكَ نِضْوٌ ميتٌ بَيْنَ أكفانِ
رِضَى الوالدِ المَوْلَى أبيكَ عَرَفْتُه ... وقد أُنكِرَ المعروفُ من بعد عِرْفَانِ
فكَمْ دَعوَةٍ أولاكَ عِندَ انتقالِهِ ... إلى العالمِ الباقي مِنَ العالَمِ الفاني
فعُرِّفْتَ في السَّرَّاءِ نِعْمَةَ مُنْعِمٍ ... وأُلْحِفْتَ في الضّرَّاءِ رحمةَ رحمانِ
عجِبتُ لِمَنْ يَبْغي الفَخَارَ بِدَعوَةٍ ... مجَرَّدةٍ مِنْ غيرِ تَحقيق بُرْهانِ
وسُنَّةُ إبراهيمَ في الفَخْرِ قد أتَتْ ... بِكُلِّ صحيحٍ عن عَلِيٍّ وعُثمانِ
وَمَنْ مِثْلُ إبراهيمَ في ثَبْتِ موقفٍ ... إذا ما التقى في حَوْمَةِ الحربِ صَفَّانِ
إذا هَمَّ لم يَلْفِتْ بلحظةِ هائِبٍ ... وإنْ مَنَّ لم يَنْفُثْ بِلَفْظَةِ مَنَّانِ
فَصَاحةُ قُسٍ في سماحَةِ حاتِمٍ ... وإقدامُ عَمْروٍ تَحْتَ حِكْمَةِ لُقْمَانٍ
شمائل ميمون النَّقِيبَةِ أرْوَعٍ ... لهُ قصباتُ السَّبْقِ في كُلِّ مَيْدانِ
مَحَبَّتُهُ فَرْضٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ ... وطاعَتُهُ في الله عُقْدَةُ إيمانِ
هنيئاً أميرَ المسلمينَ بِمِنَّةٍ ... حُبِيتَ بها مِنْ مُطْلَقِ الجُودِ مَنَّانِ
لَزَيَّنْتَ أجيادَ المنابِرِ بالتي ... أتاحَ لكَ الرحمنُ في آل زيَّانِ
قَلائِدُ فَتْحٍ هُنَّ لَكنَّ قَدْرَهَا ... تَرَفَّعَ أَنْ تُدْعَى قلائِدَ عِقْيَانِ
أمولايَ حُبِّي في عُلاكَ وَسيلَتي ... ولُطفَكَ بي دَأباً بِحَمْدِكَ أغرانِ
أياديكَ لا أنسى على بُعُدِ المَدَا ... نعوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنْ شَرِّ نِسيانِ
(1/21)

فلا جَحْدُ ما خَوَّلَتني مِنْ سَجِيَّتي ... ولا كُفْرُ نُعْمَاكَ العَميمةِ من شأني
ومَهْمَا تَعَجَّلْتَ الحقوقَ لأهلِها ... فإنَّكَ مولايَ الحَقيقُ وَسُلْطَاني
ورُكْني الذي لمَّا نَبَا بِيَ مَنْزِلِي ... أجابَ نِدائِيَ بالقَبُولِ وآوانِي
وعالَجَ أيَّامي وكانَتْ مريضَةً ... بِحِكْمَةِ مَنْ لم يَنتَظِرْ يوم بُحْرانِ
فَأَمَّنَني الدَّهْرَ الذي قد أخافَني ... وَجَدَّدَني السَّعْدَ الذي كان أبْلاني
وَخَوَّلَني الفَضْلَ الذي هوَ أهْلُهُ ... وشيكاً وأعطاني فأَفْعَمَ أعْطَانِي
تَخَوَّنَنِي صَرْفُ الحوادث فانثَنَي ... يُقَبِّلُ أرداني وَمِنْ بَعْدُ أرْدَاني
وأَزْعَجَني عَنْ منشأي ومُبَوَّئِي ... ومَعْهَدِ أحبابِي ومألَفِ جيراني
بلادي التي فيها عَقَدْتُ تَمَائِمي ... وجَمَّ بِهَا وَفْرِي وَجَلَّ بها شَاني
تُحَدِّثُني عنها الشَّمالُ فَتَنْثَنِي ... وقد عَرِفَتْ مِنِّي شمائلَ نَشْوانِ
وآمُلُ ألاَّ أستَفيقَ مِنَ الكَرى ... إذا الحُلْمُ أوطاني بها تُرْبَ أوطانِي
تَلَوَّنَ إخواني عليَّ وقَدْ جَثَتْ ... لَدَيَّ خطوبٌ جَمَّةٌ ذاتُ ألوانِ
وما كنتُ أدري قَبْلَ أنْ يَتَنَكَّرُوا ... بأنَّ خِوانِي كانَ مَجْمَعَ إخْوَانِي
وكانت وقد حُمَّ القضاء صنائعي ... عليَّ بما لا أرتضي شر أعوانِ
فلولاكَ بَعْدَ الله يا مالِكَ العُلَى ... وقد فتَّ ما ألفَيتُ مَنْ يَتَلافاني
تَدَارَكْتَ مني بالشفاعةِ مُنْعِماً ... بَرِيّاً رماه الدَّهرُ في موقفِ الجَاني
فإنْ عَرَفَ الأقوامُ حَقَّكَ وُفِّقوا ... وإن جهلوا باءوا بصفقة خسرانِ
وإن خلطوا عُرْفاً بِنُكْرٍ وقَصَّرُوا ... وَزَنْتَ بقسطاس قويم وميزانِ
وحُرْمَةُ هذا اللَّحْدِ يَأبَى كمالُها ... هَضيمةَ دارٍ أوْ حَطيطَةَ نُقْصَانِ
وقد نِمْتُ عن أمري ونَبَّهْتُ هِمَّةً ... تُحَدِّقُ مِنْ عُلْوٍ إلى صَرْحِ هامانِ
إذا دانت اللهَ النفوسُ وأمَّلَتْ ... إقالَةَ دَنْبٍ أو إنَالةَ غُفْرَانِ
فمولاك يا مولاي قِبْلَةُ وجهتي ... وَعُهْدَةُ أسراري وحُجَّةُ إعلاني
وقفتُ على مثواهُ نَفْسي قائِماً ... بِتَرديدِ ذِكْرٍ أو تلاوةُ قُرآنِ
ولو كنتُ أدري فَوقَها مِنْ وَسيلةٍ ... إلى مُلكِكَ الأرضي لَشَمَّرْتُ أرداني
وأبلغتُ نَفْسي جَهدها غَيرَ أنَّني ... طِلابِيَ ما بَعدَ النِّهايةِ أعياني
قرأتُ كتابَ الحَمدِ فيكَ لعاصِمٍ ... فَصَحَّ أدائي واقتِدائي وإتقاني
فَدُونَكَها مِنْ بَحْرِ فِكْرِيَ لؤلؤاً ... يُفَصَّلَ مِنْ حُسنِ النظام بِمَرْجانِ
وكانَ رسولُ الله بالشِّعْرِ يَعْتَني ... وكَمْ حُجَّةٍ في شِعْرِ كَعْب وحَسَّانِ
ووالله ما وَفَّيْتَ قَدْرَكَ حَقَّهُ ... ولكنَّهُ وُسْعِي ومَبْلَغُ إمْكَاني
فصل في إدالة الدولة بالأندلس ثانية
ولم يكد الرسول يتوسط سفره، حتى أظلّ ما كان من استلحام سلطان الأندلس إسماعيل بن الأمير أبي الحجاج بن نصر، الباغي على أخيه أحانه الله لسوء سيرته وشؤم مولده، من رَبِيَّ مومسة وحبيس سجن لم يكسبه اعتباراً ولا خشية، مضفور الوفرة بخيوط الإبريسم إلى عُصْعُصِه، قد فَضَلَت من لحمه ضفيرة جَمَّة ذات عُقَدٍ مموَّهة، شديد الخِفَّة والتَّنَزُّل، يعكف وأمُّه العُشبة الناشئة في المنبت السوء، والأَرُومة الخبيثة على أسلاب المنكوبين، وماعون المحرومين يتجاذبان آلة الغزل، ودقيق الخرط، ويمسحان بأكمامهما ما علاه من الشَّعَث، ويختبران بألسنتهما قُوَى المُرَكَّبات، وبرز إلى الجو من قَفَص العُقْلة، ملقياً بيده في مساقط المئجنة والتخلف، غير مسستر بالقاذورات، ولا مُوَرّ بأخابث الشهوات. وغصَّ بمكان ابن عمه مولاه لغة وعرفاً، الذي أوطأه السَّنام والذَّروة، واستخلص له المُلك من لَهاة اللَّيْث، واستنزله من سُكَاكِ الجو، فتجهَّم له، وانفرد بالخالص دونه، وشرع في القبض عليه لو وفِّق، فأقصر المذكور ملياً إياه بانقباضه، ومتمكناً من استجماعه، آخذاً صفقة سر أخيه.
(1/22)

وفي زوال يوم ثامن شعبان كبس مثواه، المضاع القَفل، الخامل المَسْلحة، فتخطاه بالرجال بعد أن ألزم حفظه، وانحدر من الدار العليا خَلَل الدَّوْح الأشِب، والمسالك المفروشة إلى الدار السفلى ذات الصرح الهائل، فاقتحمها، ولجأ الحائن إلى الذروة في طائفة من الأحداث الزغب الحواصل ممن لا يُجَلِّي في الكريهة، ولا يُغني في الجُلَّى، ولا يعمل بالسلاح، إلاّ ما كان من علْج أبيه المسمى عباداً، المعين على حياته لتهذيبه وتأديبه بِحكَم الفرس وسياسة يونان ومكارم الدولتين، من خبيث جماعة، سامري السجية، معدن من معادن الجهل، مثل في زمانه ذمر المروءة، على فروسة وثقافة وخفوف إلى العيهات، يحمل السيف بين يديه مبان السبابة، ظاهر الطيرة، احتجن ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، لم يفرض الله فيه زكاة ولا عين فيه مواساة.
وصاح صائحهم بالناس، ورددوا هاء الاستغاثة، إنك لا تشكو إلى مصمت، ثم حملوه على الإلقاء باليد، لما عملت الصواقر في الأبواب جنوحاً إلى الخلع والعودة إلى كسر البيت. فنزل وتقبض عليه فأوسعه ما شاء من تقريع وخزي، ومؤلم عتب، ثم أمر بثقافه بالطبق، وأوعز إلى تاليه بالإجهاز عليه، فتعاورت النصال منه مطية امرئ القيس، وحزّ رأسه معززاً برأس صنوه قيس، وألحق بهما عباد وابنه، وماردان من أخابث الخراب، فلم تبك عليهم سماء ولا أرض ولا حق فيهم غير هذا، ووزيره الحر الأمين محمد بن أبي الفتح المواصل للجشأ من خوانه، المُفْعَم المعا من سريط جفانه، المغرى اليد باكتساح ذخيرته، المحشو الكم بدسائس الرشا الجانية على ماله. وابن عمه العضر فوط ثور النقل وبالوعة النبيذ، الباكي خَزُّ خِلَعه من روحه المتظلمة بكنف من أنفاس حُثِّه، وثقة بابه الموروري، الموطوء العقب بعزه، والأعصم المؤمر على التيوس بصكه، والأمير المعتقد كرسي الشرطة العليا بتنويهه. وسكك القلعة تغص بأتباعهم، وتضيق عن زَرَعتهم، وطائفة الوثوب بالحائن تعادل معشار جملتهم بين كاسع في كسره، ناظر من خُرْت غلقه، مرتقب للإجهاز على سلطانه، جاعل دبر أذنه مسمع صراخه، واثق لمكان عهد الخَتْر بانسحاب عزه واتصال جاهه، من غير إحنة نشأت بينهم وبين ذيالك المحرمان، ولا تقصير عن رسم، ولا استئثار بفائدة دونهم. وحسبك من كرم طباعهم ووفاءِ عهودهم ودسائس عروق أحسابهم، وطيب مراضعهم، ولمّا تم الأمر خرجوا من أحجارهم يرون البعد عن الدخلة، والله يبلو سرائرهم، إذ يبيتون ما لا يرضي من القول، إلا ما كان من التيس الموروي فإِنه جاهر بالختر، وآزر الدائل، وفتح له باب السلطان المحدود، وأمكنه من نفسه، فانطلقوا يجعجعون في أعقاب الفتكة وينتضحون بالداء الجامدة، ويتجملون بالسلاح المخضوب. وأخذوا مراكزهم بين يديه كما تعود قطع الشطرنج إلى بيوتها من صفرته، ولم يعلموا ما خبأ الله لهم على يده من الأخذة الرابية، والنكبة القاضية، فلا بالدنيا استمتعوا ولا بالذمام تمسكوا، ولا بحبل الله اعتلقوا، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، فشاهت منهم وجوه الكلاب، وسبال التيوس، وهمم البغايا.
لا بأسَ بالقومِ مِنْ طولٍ وَمِنْ عِظَمٍ ... جِسْمُ البِغالِ وأحلامُ العَصافيرِ
إلاّ طِعَانَ ولا فِرسانَ غادِيةً ... إلا بِحَسْوِكُم عِنْدَ التَنَانير
فكان من اجتثاث شجراتهم الخبيثة من فوق الأرض، وهُوِيِّهم في دركات سخط الجبار جل جلاله ما يأتي به الذكر إن شاء الله.
وأطل صاحب الأمر على الناس من رواحة البهو غابطاً إياهم بنفسه، مقرراً رأيهم في إراحتهم من تخلفه، وطرح رأسه فاحتمله بعضهم صوباً بكاملِ مِعْلاقة، وأخذ البيعة لنفسه فلم يختلف عليه أحد، وعلك الأمر منه أشد لحس وأشاع الخلع، وأقرّ أمر البطانة على غرة بوصل استكفاء إبراهيم بن أبي الفتح، الأصلع الغوي، وجدد وزارة ابن عمه محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح، العقرب الردي، فنكأ ذيالك المشئوم القرح بالقرح، وسمل في باب السفق عنده العيون وبقر البطون، وسولت له نفسه غدره إذ كان غير ما جرى، يعده ويمنيه، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، لمكان ما لقه من مال الجباية ووقوع القحط في رجال الدولة.
لقد هَزُلَتْ حَتّضى بدا مِنْ هُزَالِها ... سَلاَهَا وحتّى اسْتَامَها كُلُّ مُفْلِسِ
(1/23)

وما ظَنُّك برجل مجهول الجد، موصوم الأبوة، قَلِعٍ لا يحسن المجاولة، ولا يلزق بالصهوة، كثيف الحاشية، جلده على سوء الطوية، تنور خبز، وبركة مرقة، وثعبان حلواء، وفاكهة مِعى، في شح النفس، متهالك في مسترذل الطمع، يبز عليه العضرفوط ابن غمه بسذاجة زعموا مع كونه قبيح الشكل بشيع الطلعة، واتصل بي إقراره إياه على رسمه فقلت:
قُمْتَ بأمرٍ أنتَ أهلٌ لهُ ... فَلْتاتِ ذاكَ الأمرَ من بابِهِ
لا تُدِنْ مِنْ ملكك شخصاً يرى ... بأنّه في الناس أولى بِهِ
وعنده مال ومن خلفه ... أيدٍ تَعَلَّقْنَ بأهدابه
لا سيما من دخَلَتْ أسته ... وانتفخت من تحت أثوابه
وخاب منه الملك فيما مضى ... وكان ينوي قطع أسبابه
قد أفسدَتْ أقوال كهانه ... فكرتَه اليومَ وحُسَّابه
ينظر في المرآة من وجهه ... بين مواليه وأحزابه
عروس مُلك طالما أُعْمِلَت ... في عَقْدِهِ أرجُلُ خطَّابه
فَهَمُّهُ استبدال قواده ... وفكره استنخاب كتابه
إن نام كانت حُلْمَ أفكاره ... أو قام كانت نصب محرابه
يَنْقُدُكَ العيبة مهما خلا ... ما بين أهليه وأصحابه
ويجذب الناس إلى نفسه ... بخادع القول وخلاَّبه
كانَ به إذ لم تكن حازماً ... والوفدُ يبغي إذن حجابه
والآن قد هابك فاحذرْ فما ... يبدأ فتكاً غيرُ هيابهِ
وقاطع الدولة مستقبلاً ... فليستعذْ من شر أوصابهِ
والله يكفيك شرور العِدى ... لا يستعين العبد إلا بهِ
والملك لم يُقْصَر على أمة ... وإنما الملك لغلابهِ
هذا ابنُ هودٍ بعد إرث العلى ... بانَ بنو نصر بأسلابهِ
لا يستَلِذُّ العيشَ ليثُ الشَّرى ... حتى يَذُودَ الأسْدَ عن غابه
وإن أضَعْتَ الحزم لم تنفلت ... مِن ظُفُرِ الحَيْنِ ومِن نابه
لا تتهمني إنني مُمْتَلٍ ... من حِكَم المُلك وآدابه
وعقلَكَ الموهوبَ حَكِّمْهُ في ال ... أحوالِ وأشكرُ فَضْل وهَّابه
وكل من أذْلَلْتَهُ قبلها ... عَلِّمْهُ بالملك وألقابه
لم يُرَ ملكٌ في زمان خلا ... قام له رسم بأترابه
من قلتَ يا عمِّ له مرةً ... ثق بتعاطيه وإعجابه
أو سيدي دام، يرى سيدي ... حقاً لَهُ قمت بإيجابه
وفي العشر الأول من رمضان تقبض على الوزير المشوم، وابن عمه الغوي الغشوم، في ولد الغوى، مرسل الضفيرة، أبعد الناس في مهوى الاغترار، يختال في السرق والحليه، سم من سموم القوارير، وابتلاء من الله لذوي الغيرة، يروح نشوان العشيات، يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف يعاقرون النبيذ في السكك الغاصة، وولدي العقرب الردي بضده قماءة وتقطبا، تنبو عنهما العيون ويبكي منهما الخز، كأنهما صمتا عند المحاورة، وإظلاماً عند لألاء النادرة، من أذلاء بني النضير، ومهتضمي خيبر، فثقفا ملياً، وبودر بهما إلى ساحل المنكب.
قال المخبر، فما رأيت منكوبين أقبح شكلاً ولا أفقد صبراً من ذينك التيسين الحَبَقَيْن، صلع الرءوس ضخام الكروش، مبهوري الأنفاس، متلجلجي الألسنة، قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار، وافترقت بطونهم عن سرر كأسمعة الفرا، لا يثيرون دمعاً ولا يستنزلون رحمة، ولا يمهدون عذراً، ولا يتزودون من كتاب الله آية، فقد طبع الله على قلوبهم، وأخذهم ببغيهم، وعجل لهم سوء سعيهم.
وللحين أركبوا هم وجِراؤهم في جفن غزوي تحف بهم المساعير من الرجال. واقتفى بهم إثر قرقورة تحمل حاجاً إلى الإسكندرية تورية بالقصد. فلما لججوا في البحر قذف بهم في لجه بعد استخلاص ما خبثوا به، وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحه أشعر بها هديه، واختلط العقرب الرَّدِي رفنال من جناب الله سخطاً وضيقاً تعالى الله عن نكيره، فكان فرعون هذا الزمان جبروتاً وعتواً وميتة، عجل الله لهم العذاب وأغرقهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله ولا تنفسخ الآماد مع منازعته رداء كبريائه مرغم الأنوف، وقاطع دابر الكافرين. وفي ذلك أقول مستريحاً وإن لم يكن - علم الله - من شأني، ولا تكرر في ديواني:
(1/24)

وما كنتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَهُ ... ولكنّ مَنْ يُبصِر جُفُنَكَ يَعْشَقِ
ومن أمثالهم: من استغضب فلم يغضب فهو حمار. والله يقول: ومن أصدقُ من الله قيلا، وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، والعفو أقربُ للتقوى، والقرب والبعد بيده سبحانه.
وصدرت هذه الكلمة لحين تعرف إجلائهم في الجَفَن إلى الإسكندرية وبعد ذلك صح هلاكهم:
كُنْ من صروفِ الردى على حَذَرٍ ... لا يقبل الدهرُ عُذْرَ معتَذِرِ
ولا تُعَوِّل فيهِ على دعَةٍ ... فأنت في قُلْعَةٍ وفي سَفَرِ
فكلُّ رِيِّ يُفْضي إلى ظمأٍ ... وكلُّ أمرٍ يدعو إلى غَرَرِ
وكلُّ حيٍ فالموتُ غايتُهُ ... وكلُّ نفعٍ يُدني إلى ضرَرِ
كم شامخِ الأنفِ يَنثَني فَرَحاً ... بالَ عليه زمانُهُ وَخَري
قُل للوزيرِ البليدِ قد رَكَضَتْ ... في رَبْعِكَ اليوم غارةُ الغِيَرِ
يا ابنَ أبي الفتح نسبةً عُكِسَتْ ... فلا بفَتْحِ أتَتْ ولا ظَفَرِ
وزارة لم يَجِدْ مُقَلَّدُها ... عن شُؤمِها في الوجود من وَزَرِ
في طالعِ النَحْسِ حُزْتَ رُتبتَها ... وكلُّ شيءٍ في قبضَةِ القَدَرِ
أي اختبارٍ لم يألُ نصبتَه ... في جسدٍ للنحوس أو نظر
باتَ لهُ المُشتَري على غَبَنٍ ... وأحدَقَتْ فيهِ قُرْصَةُ القمرِ
يا طَللاً ما عليه مِنْ عَمَل ... يا شجراً ما لديهِ مِن ثَمَرِ
يا مُفرِطَ الجهلِ والغباوةِ لا ... يُحْسَبُ إلا من جُمْلَةِ البَقَرِ
يا دائِمَ الحِقْدِ والفظاظَةِ لا ... يَفْرِقُ ما بينَ ظالِمٍ وبَرِي
يا كمد اللون ينطفي كمداً ... من حسدٍ يستطير بالشَّرَرِ
يا عِدْلَ سَرْجٍ يادن مقتعد ... ملآن من ريبة ومن قذر
يا واصلاً للجَشاء ناشيةَ ال ... ليل ورَبَّ الضُّراط في السحر
من غير لب ولا مراقبة ... لله في مورد ولا صَدَرِ
يا خاملاً جاهُه الفُروج يرى ... صهر أولي الجاه فخر مفتَخِرِ
كانوا نَبيطاً في الأصل أو حَبَشاً ... ما عنده عبرة بمعتبر
يا ناقص الدين والمروءة وال ... عقل ومُجْري اللسان بالهَذَرِ
يا ولد السحق غير مُكْتَتَمٍ ... حديثه وابن فاسد الدُّبُر
يا بغل طاحونة يدور بها ... مجتهد السَّيرِ مغمض البصر
في أشْهُرٍ عشرةٍ طَحَنْتَهُم ... فيا رَحَى الشؤم والبوار دُرِي
والله ما كنتَ يا مشوم ولا ... أنت سوى عُرةٍ من العُرَرِ
ومَنْ أبو الفتح في الكلاب؟ وهل ... لجاهل في الأنام من خطر؟
قد ستر الدهر منك عورته ... وكان لليوم غير مُستتر
حانوت بَزٍّ يمشي على فرس ... وثور عُرسٍ يختال في حِبَر
لا مِنَّةٌ تُقْتَنَى لِمُعْتَرِكٍ ... ولا لسانٌ يبينُ عن خَبَرِ
ولا يدٌ تنتمي إلى كَرَمٍ ... ولا صفاءٌ يُريحُ مِن كَدَرِ
عهدي بذاكَ الجبينِ قد مُلِئَتْ ... غضونُهُ الغُبْرُ بالدم الهدر
ععدي بذاك القفا الغليظِ وقد ... مُدَّ لوقع المُهنَّدِ الذَّكَرِ
أهْدَتْكَ للبحرِ كَفُّ مُنْتَقِمٍ ... ألقَتْكَ للحوت كفُّ مُقْتَدِرِ
يا يُتْمَ أولادِكَ الصِغارِ ويا ... حَيْرَتَهُمْ بعد ذاكَ في الكِبرِ
يا ثُكْلَ تلكَ الصَّمَّاءِ أمِّهمُ ... وظاعن الموت غير مُنْتَظِرِ
والله لا نال من تخلفه ... من أمَلٍ بعدها ولا وَطَرِ
والله يا مسحقان لا انتقلت ... رجْلُكَ منها إلا إلى سَقَر
ألحقك الله بالهوان ولا ... رعاكَ فيمن تركت من عُرَرِ
ما عوقب الليل بالصباح وما ... تقدم البرق عارض المطر
(1/25)

واستوزر من الأحداث محمد بن علي بن مسعود عَصَبِية من التيس الموروي لصيده في مرمى لَبَّيْهِ، وضربه على الرفق المشيعة في مرضاته، فقام منه على رأسه، مجنون أحول العين وحشي النظرة، يُظَنُّ به الغضب في حال الرضا، يهيج به المرار فيمكث زماناً خلف كَلَّةِ مَرْقَدِه، يُدْخَل إليه وعاء الحاجتين خوفاً من إصحاره إلى فضاء منزله، وتوحشه من أهله وولده إلى أَنْ تَضْعُفَ ثورة المِرّة فيخف أمره قد باين زوجه مع انسحاب رواق الشبيبة، وتوفر داعية الغبطة لحلف جرَّه الوسواس السوداوي، فنستدفع بالله شر بلائِه. فاستعان منه برأي الفضل بن سهل ويحيى بن خالد وأمثالهما، تدرك الله رمق الإسلام بلطفه. وأقر كاتب الحائن لانحطاطه في هواه ومناسبته المجلس الدنئ حلف الخمول وملعب الأوغاد، معززة بخطابة المنبر يخرج إليها من خلوة الاستعداد، ويراعه دامٍ من النعَم المعصومة برواق الإسلام، شَعِث لجوس خلال الديار وانتهاب الأموال، قد أعمل في سبيل الشمات التأنق السخيف والسجع الضعيف، ويردد الإذن فيما يجر تحكم الشر وتمهيد سبيل الظلم أئمتكم شفعاؤكم.
وقدم للقضاء شيخنا القاضي أبا البركات الممتحن بالدنيا على الكَبْرة والغنى، لطف الله به ونظر إليه بعين رحمته.
وفَرَّ يوم الكائنة الأمير عم الحائن وسميّه إسماعيل ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، المتصل الثقاف مدة أيام أخيه في خفارة الأجل، وفراشه نطع، وظلّه حسام صلت يهم به في اليوم مرات لحراسته إلى أن ملك، فصرف إلى شلوبانيَه بإشارتي مباحاً له التصرف خارجها، مُبَوَّأَ منزلِ السلطان مسوِّغاً الجَمَّ من مستخلصها، فَصَلُحَتْ حاله، وعَقَد السلطان بزيجة معه الصِهْر على بنته. فلما أزفت الآزفة وتصيَّر لأخيه الأمر استقدمه في يوم أغرَّ مُحَجَّلٍ برزت فيه أم السلطان بمن لَفّ لفَّها من حريمهم وأذيالهم بما لا فوقه من الزينة: مطايا فارِهَة، وحَكَمَاتٍ مُثْقَلة، وولايا مُذَهَّبَة، وقباباً مُدَبَّجَة، وأُنزل بداري الرخامية الكائنة بزقاق الرؤساء من المدينة.
وقد روسل السلطان زوج البنت في طريق انصرافه عن الأندلس مظنة إذعانه في حل عقدة النكاح، فتماسك ومَطل الرسول إلى أن تجاوزنا حدود إيالتهم الفاسقة، وتوفرت داعية المسرة من الدايل على بَتِّ عصمة أخيه والعَقْد عليها قصد النكاية والشَّمَات، إذ كانت شَهْوَةَ قُبلةٍ فاترة فَعَسُر ذلك لمكان العَقْدِ وقرب العهد ودُنُوِّ الدار وإمكان النفقة. وانتُدِبَ قاضيهم الشيخْ المتراخي الدين والفَك، المنحل العَصَب والعقيدة المُغرِق في العمومية، المشهور بالرشوة، الغريب الاسم والولاية، وشيوخُهم؛ فلفقوا من خيوط العناكب شُبهاتٍ تقلدوا بها حل العَقد الموثق، ديدَنَهم في معارضة صلب الملة، بالآراء الخبيثة بتحكم الوقاح منهم في الحكم الذي نزل به شديد القُوى، على الذي لا ينطق عن الهوى، بحسب شَهوَةِ تحكُّمه في عزل أمه إيثاراً للعاجل واسترابةً بالوعيد، ففسخوا النكاح، وأحلُّوا محرم البُضْع للدَّايل وقد تأذن الله بفسخه وأجرى دمه نَقْداً قبل دَفْعِ نَقْدِه سبحانه حكَم الحكّام وقَاهِر الظُّلام، ومن يلعن الله فلن تجدَ له نصيراً. وأُدْرِكَ فاراً بأحواز مالقة فتقبض عليه وأُزعج في البحر إلى سبتة مظلِّلاً بصدَقَةِ كان يُفْشِيهَا، من رجل مُرَزَّأ قد سَمَا مزاجُه لمطاولة الاعتقال، دمت بعيد من الشر، ملازم لِكسْرِ البيت، ظاهر المُرُوَّة والحشمة، أنيق الفُرُش والآنية، فائق الطعام، من أهل النبل على عدم الحنكة. فاستقر بالباب السلطاني خِدْنَ عافية، ومجتنباً فضول القول والعمل كان الله له.
(1/26)

وفي هذه الأيام اتصل الخبر بما كان من عزله عن إمارة الجند المغربي قطب ثقالها، وربان مركبها يحيى بن عمر بن رُّحوا بن عبد الله بن عبد الحق، المرهف الجوانب الذلق الحَد، المستولي على مدى الحنكة، العريض النعمة، الحجة في اللغة الزناتية والأنساب البربرية، السديد الرأي على الحدَّة. وقدَّم إليها إدريس ابن عثمان ابن أبي الْعُلى بن عبد الله بن عبد الحق، الكائنة تحت أبيه قبل أن يتلقَّف يحيى كُرَتَهَا. غَبَطَ به تَوحُّشُه من الجهة المرينية، إذ طرق حضرتهم فاراً هارباً إليهم من بلد برجلونه، واستحضر المعزول، وبسط له القول وأقطعه البر، وأظهر تَرفُّهَهُ أن صُرِفَ قانعاً بمخيِلته مستبقياً لعشرة حياته، فأَنِف قومُه من هضمه، وتوقعوا إيقاع المكروه به، فحركوه إلى الفرار، ولم يمهلوه فأجاب نداءهم، وبرز ضحوة وقد منطق بالصامت خصور خالصته، ورفع على الظَّهر خطير حليته ونفيس عُدَّته وأصاغر ولده، والتف فيمن كدح له وحجه حسن بلائه، وأصحر مساوقاً جهة النهر.
ولما طرق النبأ باب السلطان، استركب الجيش في أثره ووقع النَّفير، وقذفت البلدة بأفلاذها، وتلاحقت سرعان الخيل بأذياله مُحَمْحِمَةً عن شباة ثم كوْثَرَ فأعمل الطَّعن وصدقهم سنَّ بكره حسن بلاء وصدق حفيظة، وانصدع عن القتام خالصاً خُلُوصَ الزِّبْرِقَان عن السرار، وقد تناصف القوم وأُرجِلَ كثير من أوليائه، ولم يكد يستقل حتى قطعت به الفرسان من قبل تَحيُّر المُجَمِّرَةِ بثغر إلبيرة ممسين بالحُمام على كلالة، مستعدين بالرجْل ورُماة الشّعرْاء، فهناك حصحص الحق، وصَرح عن الزبدة المَخْض، ودسِّ النِّجَار الحُر، ولم يُخْذَل الصبر، فأَقصروا عنه، وأفرجوا عن طريقه، وقد أصيب بجراحه رغيبة، وجُدِّل قوم من كفلاء أمانته، ورُدَّ فتى من ولده، وزامِلَةٌ من متاعه، ولحق بقلعة يَحْصُبُ من ثغور الروم في زهاء مائتين من قرابته وفرسانه، فاهتز ملك الروم لمقدمه مغتبطاً بجواره، صتئلاً بحدِّه على عدوه. ونَغَرَ جُرحَه، فأقام بقرطبة مرَفِّهاً عليه، قد أُوعِز إلى الأسَاةِ في العناية به، وكان من الأمر ما يذكر إن شاء الله.
وقَبض على الشيخ المُنْبَتِّ في مَتِيهِ الضلال، مخيفِ السابلة وخاتر العهد، الموروي، المنحط في مهوَى عَقْدِ الإباحية بسبب الفاجرة زوجه التي أبدلت فصله، وقلبت عينه، وصيرته في الأمد القريب من طور الأمية والتوحش والفظاظة والغيرة، إلى طور السمْح بها لمدَّعى الهوى فيها طوعاً من غير خلاف يُزْوَى عليها بعده من غير سبب ولا تقرر، ويدور في ذَوْدِ الرقص مقلِباً من نَظْرَتِه، عاضاً بأسنانه على شَفَتَيْه، متدارك الدَّرج، نعَّاراً مشيراً بكُمَّيه، يعيد ألفاظاً من المقول الذي حرَّكَ ساكنَه مما يجري في لفظُ السر والذات والجمال وأمثالِه. ثم يتصبب عرقاً، ويبرُكُ كالبعير وتبادَرُ عضلاتُه وهدوته وخُصاه بالغَمْز حتى يفيق كالذي يتخبطه الشيطان من المس، مُنْكِراً وجوب التكليف لا يقف عند حد من حدود الله.
ثم ماتت تلك المومسة على وعدٍ بالرَّجْعة كان يَرْقُبُه ولقد كان يقول لي وبين يديه ولدان من تلك الإباحية: هذا - ويعنيه - ولد السِّرّ، وهذا ولد الطَّيْر لَبِسَ هذا الطَّوْر وسَرَت حُمَيَّاه في طباعه المتعاصية، وخفيت من ألفاظه الجهْوَرية، وطأطأت من حُرْمةِ الأيْدِ البادن، ودَخَلَتْه من ذلك قوة سحْريَّة أثَرت فيه تأثيرات التعليم في الحيوان من الحمير التي تنام وترقص وتُخرج الخبَّ والدنيَّة التي يصعد على الطيف الخرط وتخرج لعب الإنس، وما زاده ذلك إلا عُتُوّاً وجرأة على سفك الدماء وانتهاكِ محارم الله، فَوَغَل عليه ضدّه حذراً من جرأته، مُنْحِياً عليه الذَّنب ديْدَنَه في سواه. وعاجله بالقبض عليه موسعاً إياه ما شاء من تقريع، محملاً إياه تحيته إلى ابني أبي الفتح غرقائه في قاموس البحر على سبيل التندر والظفر، والتيس يتبرأ من الجريرة، ويذكره العهد الذي شَانَه ختره، ويشمِّتُه نقضه؛ فصُفِّد واحتمل على الظهر إلى المريه، واختلف في صورة هلاكه بين نَوْشِه بالأسنَّة أو إغراقه ببحر الشامة البيضاء من مرساها، وقد أثقلت رجلاه ببعض الأجرام استعجالاً لرسوبه، فصار إلى خزى الله وسوء المصير.
(1/27)

وفر إلى الروم إبراهيم بن السراج في خبر طويل، وكان له من الموروري حلف، فلما أحان الله ذلك التيس بيد الظالم الذي أسخط الله في رضاه، وخذل الإسلام بإعانته، استراب بمكانه فكان ذلك.
وتُقُبِّضَ بعدَه على أحد مصراعي باب الوفاء للسلطان - جبره الله - أبو بكر ابن زيد زعيم وادي آش! بعد أن اصطنعه وأسماه رقياً إلى ألفته وخلطه بنفسه في القلعة، وأنكحه إحدى عتيقات القصر ذات أسباب جمة ومتاع حسن وبُغْية، ثم أهوى به في الطَّبق الضَّنك مستَقَر أرباب الجرائم، وابنه الغض الشبيبة، الراجح الوزن على الفَتَا، المَلِيِّ من خلال السؤدد بغير جرم ولا جناية. زعموا أن بلديَّهُما كاتبُه وخطيبُه الملجوم المُنْبَزُ بالجوادي، عبد الحق بن عطية، أغراه بهما، وما أقرب الدنيا من الآخرة، بينما الرجل في إيالة هذا الحلف محمود النعمة، مرموق المكانة، مغبوط الحظ، إذ تطرقته العيوبُ بغتة لها جس طوَّر أفكاره السبعية أو ألقِيَةٍ كاذبة طرقت أذنَه المستباحة، بوأنا الله مهاد الأمن في الدنيا والآخرة، وعرفنا بَرْدَ العافية، وفكَّ عن أعناقنا مِلكةَ سواه.
وفي أواسط شهر المحرم من عام اثنين وستين عرَّفَنا الله فيه عارفة الخير، كان استقدام ولد السلطان الأمير المنصرف عن الأندلس في سبيل البغي عليه والمكيدة، المستكمل خلال الفضل، المستولي على أمد الطهارة والعفاف أبي عبد الله بن الأمير أبي الحجاج بن نصر، أُبرم أمرُ استخلاصه من غير علم عبده، فبايع المتغلب على الإقرار في الوقت والمهادنة تحرجاً مما تجره المخاشنةُ من صدع يصيب عصا الإسلام مجراه. وقد اشتمل ثقافة من أبناء الملوك اليعاقبة على الجُملة مُوعِداً بتنفيق سوق الفتنة ببعضهم عند إضاقته، فَرُوخِي رَسَنُه مطاولة، وطُوِيَ أمره على عِدَه، وسقط في يد مظلومِه لركود ويحه وتقاصر أمره. وجاشت النفوس ممن لديه ثم استكانت لِصَوْلَةِ الأيام مرجئة للوقت، مرتشفة للبُلالة، فسبحانَ الحق يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء لا يُسأل عما يفعل.
وأزعج من الأندلس صحبته الشيخ أبو الحسن علي بن بدر الدين بن موسى ابن رحّو بن عبد الله بجريرة ما تقدم من مظاهرة السلطان صبيحة ليلة نكبته وتمسكه ببيعته، وذَبِّه في سبيل الوفاء عنه، فوصل جميعهُم في جَفْنٍ غزوي من مالقة إلى سبتة، ومع الولد أمه في طُوَيِّفَةٍ من جواريها بحال حاجة للكثير من الضروريات وقد ضَنَّ ظالمهم على جميعهم بما لم تكن لتضره السماحة به والتهاون بحقيره في جنب ما رزأهم من متاع الدنيا الذي لا نهاية وراءه في الظَّرف والبهجة. وفي الله خَلَفٌ من كل ذاهب.
وفي الموفِّي عشرين من هذا الشهر، خرج موسى بن إبراهيم اليرنياني، من مشيخة الخدام، ومُصْطَفِ الأوداء، إلى الأندلس بهدية من كراع وآلة على سبيل الملاطفة، وصدرت المخاطبة في شأني بما من بعض فصوله: فإن كنتم تبخلون بماله فعرفونا بمقدار ثمنه ليصلَكم من قِبَلِنَا. ولله أمرٌ هو بالغهُ سبحانه وقد جعل لكل شيء قدراً، نسأله الرضا بقضائه والشكر على السالف والراهن من آلائه.
بعض المؤلفات والقصائد والرسائل التي كتبها ابن الخطيب في المغرب
وإلى هذا الحد، صدر عني من الموضوعات والنظم والنثر ما نُثْبِتُه إحْمَاضاً ومناوبة على حد الصواب في الأحاديث والأسمار، فقد قالوا: لا تجعلوا شرابكم غِناءً كلَّه ولا حديثاً كلَّه، ولكن انتهبوا الأنس انتهاباً.
فمن الموضوعات؛ الرَّجز المسمى بِرَقْمِ الحُلَل في نَظْمِ الدُّوَل، يشتمل على الدول الإسلامية كلها من غير حشو ولا كُلْفَة على زماننا هذا، ورفعتُه إلى السلطان، فورد الأمر بإضعاف الجراية، فبلغت إلى هذا الحد بستين بيزا من الذهب العَيْن في كل هلال، وكان من نصه: وقد) وصل الرَّجَزُ المُعْجِبُ المُعْجِز (، وعرَّفني بإعادة الرسالة إلى الأندلس في شأني والله لا يقطع عنا أسباب لطفه.
ومنها الجزء المسمى: بِمِعْيَارِ الاختبار في أحْوَالِ المعَاهِدِ والدِّيَار، كتاب غريب مُصَوَّر لم يَسبِق متقدم إلى غَرَضِه.
(1/28)

وأظَلَّتْ ليلةُ سبع وعشرين، إحدى مواسم شالة المختصة باستجلاب الأمم، وتخييم الخيم، واحتفال الأسواق، ورفع المغارم، والوليمة لأهل الخير وأولي الهيئات بالضريح، فاحتفل معتاد الإطعام، وفُرِّقَتْ غَلاَصِمُ البَهْم، وأُهِيلَت قناقش السَّمن، واستُدْعِيَتْ أصناف الحلواء، واستُكثر من الوقود، واستُدْعِيَ إلى الإيوانِ لِصْقَهَا المعدّ لذلك المغنّون، واستُحْضِر القاضي والعدول والخواص والأعيان والأمناء ...
ببقيةِ جَمَّتُها من الغد في سبيل الصَّدقة، وأَنْشَد المُسْمِعُ ليلتئذ من نظمي هذه القصيدة:
إذا فاتني ظلُّ الحِمَى ونعيمُهُ ... كفاني وحسبي أن يُهَبَّ نسيمُهُ
ويقنعني أَنِّي به مُتَكيِّفٌ ... فزَمْزَمُهُ دَمعي وجسمي حَطِيمُهُ
يعودُ فؤادي ذِكرُ مَنْ سكنَ الغَضى ... فيُقعِدُهُ فوقَ الغَضى ويَقيمُهُ
وما هاجَني بالغَوْرِ قدٌ مٌرَنَّحٌ ... ولا شاقَني مِن وَحشِ وَجْرَةَ ريمُهُ
ولا سَهِرَتْ عيني لِبَرْقِ ثَنِيَّةٍ ... مِنَ الثَّغرِ يبدو مَوْهِناً فيشيمُهُ
بَراني شَوقٌ للنَّبيِّ محمدٍ ... يسوم فؤادي بَرْحُهُ ما يَسُومُهُ
ألا يا رسولَ الله ناداكَ ضارِعٌ ... على البُعدِ محفوظُ الوِدادِ سليمُهُ
مَشُوقٌ إذا ما الليلُ مدَّ رِوَاقَهُ ... تَهِمُّ به تحتَ الظَّلامِ هُمُومُهُ
إذا ما حديثٌ عنكَ جاءَتْ به الصَّبا ... شجاهُ مِنَ الشَّوقِ الحَثيثِ قَديمُهُ
وتُقْرِبُه الآمالُ مِنكَ تَعَلُّلاً ... ويُبْعِدُهُ المِقدارُ عَمَّا يَرُومُهُ
يراهُ الأسى إلاَّ الرَّكُون إلى عَسَى ... صحيحُ الهوى مُضْنا الفؤادِ سَقِيمُهُ
تَدَارَكْهُ يا غَوثَ العِبادِ بِرَحْمَةٍ ... يُقَضِّيهِ دَيْنَ العَفوِ منها غَرِيمُهُ
أيَجْهَرُ بالشكوى وأنتَ سَميعُهُ ... أَيُعْلِنُ بالنجوى وأنتَ عَليمُهُ
أَتُعْوِزْهُ السُّقيا وأنتَ غِياثُهُ ... فأُنْقِذَ عانِيهِ وأَثْرى عَديمُهُ
لكَ الخُلُق الأرضَى الذي بانَ فضلُهُ ... ومجدك في الذِّكرِ العظيمِ عظيمُهُ
لك المُعجِزات الغُرُّ يَبْهَرٌ نورُها ... إذا ارْبَدَّ مِن جُنْحِ الضِّلاَلِ بَهِيمُهُ
وحَسْبُكَ مِن جِذْعٍ تَكَلَّمَ مُفْصِحاً ... وقد دَمِيَتْ يومَ الفُراقِ كُلُومُهُ
وبَدْرٌ بَدا قِسْمَيْنِ فالقِسمُ ثابِتٌ ... مُقيمٌ وقد أهوى إليكَ قَسيمُهُ
وذَلَّ لِمَسْراكَ البُراقُ كَرَامةً ... وساعَدَ مِنهُ وَخْدُهُ وَرَسيمُهُ
ومِن فوقِ أطباقِ السماءِ بكَ اقتدى ... خليلُ الذي أوْطاكَهًا وكَليمُهُ
ومُعجِزةُ القُرآنِ أجلَى فَإنَّهُ ... عجائِبُهُ لا تَنْقَضي وعُلُومُهُ
تميَّزَت قبل القِيلِ بالشِّيَمِ العُلى ... وآدمُ لم يَدْرِ الحياةَ أديمُهُ
إذ السكونُ لم تَفْتُقْ يدُ الأمرِ رَتْقَهُ ... ولم تَمْنَزِج أرواحُهُ وجُسُومُهُ
ومِن نورِكَ الوضّاحِ في العالَمِ اهتدى ... غداةً اقتَدى صِدِّيقُهُ وحَكيمُهُ
عليكَ سلامُ الله يا خبرَ مُرسَل ... بهِ بانَ مِنْ نَهْجِ الرَّشادِ قَويمُهُ
ويا لَيتَ أني في ضريحِكَ مُلْحَدش ... يَرِفُّ بتكرارِ العِهادِ جَميمُهُ
يُجاوِرُ عَظْمِي تُرْبَكَ العَطِرَ الشَّذا ... فَيَعْطِرُ مِن ماءِ الحياةِ رَميمُهُ
تَقَضَّى كريمُ العُمْرِ في غيرِ طائِلٍ ... كما بدَّدَ الوَفْرَ الغزير كَريمُهُ
فآهٍ على نفسي أُردِّدُها أسىً ... لِوَخْطٍ أضاءَتْ ليلَ فَوْدِي نُجُومُهُ
وإن كانَ نَبتُ الأرضِ مُرْتَهنَ الذَّوا ... فليسَ سَواءَ غَضُّهُ وهَشيمُهُ
جفاني دهري واستهانَ بِحُرمَتي ... فدَهري مَمْقوتُ الذِّمامِ ذَميمُهُ
وفَرَّقَ ما بيني وبينَ أحبَّتي ... فأَنكادُهُ تنتابُني وغُمومُهُ
فلو كان يُجدي العَتْبُ أبْلَغْت عَتْبَهُ ... ولو كان يُغني اللَّومَ كُنتُ ألومُهُ
ولو لَحِظَتْني مِنْ جَنابِكَ لحظةٌ ... لما رامَني عندَ البياتِ نُجومُهُ
فآوِ طريداً عائِذاً أنتَ كَهْفُهُ ... وِكْرُكَ بالمَدْحِ الصَّريحِ رَقيمُهُ
(1/29)

رعى اللهُ عهداً في رضاكَ ومَألَفاً ... مُلوكُ العُلى تُعْنَي بهبِ وتُقيمُهُ
وحيَّي بوادي الغِبْطِ داراً مَزُورَةً.. ... تُوالي لجرّاك النَّدى وَتُديمُهُ
رحيبَةُ ألطافٍ إذا الوَفْدُ حَلَّها ... تكَنَّفَهُم غَمْرُ النَّوالِ عَميمُهُ
تَوَسَّدَ منها التُّرْبَ أيُّ خَلائِفٍ ... بِهِمْ دينُكَ الأرْضَى استَقَلَّتْ رُسُومُهُ
أئمَّةُ عدلٍ أوضَحوا سُبُلَ الهُدَى ... وَسُحْبُ نوالٍ لا تَشِحُّ غُيومُهُ
وأُسْدُ جهادٍ أذْعَنَتْ لسيُوفِهِم ... جلالِقَةُ الثَّغْرِ الغريبِ وَرُومُهُ
فلولاهُمُ يا خيرَ مَن سَكنَ الحِمى ... لَرِيعَ حِماهُ واستُبيحَ حَريمُهُ
تَغَمَّدْهُمْ مِنكَ الرِّضا يومَ تُقْتَضَى ... دُيون مقامٍ لا تُضامُ خُصومُهُ
وأَنَّسهُم والرَّوعُ يوحِشُ هَوْلُه ... وأمَّنَهُم والحَشْرُ تُذْكى جَحِيمُهُ
أبو يوسُفٍ مفنَى العِدا ناصرَ الهُدى ... ويُوسفُ مِطعانُ الهَيَاجِ زَعيمُهُ
وعُثمانُ غَيثُ الجُودِ أكرم واهبٍ ... إذا ما الغمامُ الجَونُ ضَنَّتْ سُجومُهُ
وعُلْيا عَليٍّ كَيْفَ يُجْحَدُ حَقُّها ... أنَجْحَدُ ضوءَ الصُّبحِ راقَ وَسيمُهُ
هو العَلَمُ الأعلى الذي طالَ فَخرُهُ ... هو المَلِكُ الأرضَى الذي طابَ خِيمُهُ
لقد فاءَ ظِلُّ اللهِ مِنهُ على الورى ... فأَيِمّه مَكْفِيَّةٌ ويتيمُهُ
وجدَّدّ منها البِرَّ والفَضلَ مَجْدُهُ ... ولولاهُ كانَت لا تَبينَ رُسومُهُ
وأوْرَثَ إبراهيمَ سِرَّ خِلافَةٍ ... نماهُ مِنَ المجدِ الصُّراحِ صَميمُهُ
إذا الأمَلُ استَسْقى غمامَةَ رَحمَةٍ ... ففي كفِّ إبراهيم تُكْرَعُ هِيمُهُ
وكَمْ كِمْ رجاءٍ خابَ ظَنَ قيامِهِ ... فأنْتَجَ بالمَطلوبِ مِنْهُ عقيمُهُ
أمَولايَ لاحِظها على البُعْدِ خِدْمَةً ... لوالِدِكَ الأرْضَى انتقاها خَدِيمُهُ
تَخَيَّرَها فِكْري فَرَاقَ نِظامُها ... كما راقَ مِنْ دُرِّ النُّحورِ نَظِيمُهُ
وَكلْتُ بها همِّي وأَغْرَيْتُ هِمَّتي ... فساعَدَها هاءٌ للرَّوِيِّ وَميمُهُ
حَلَلْتُ به مُسْتَنْصِراً بِجِنَابِهِ ... وعاهَدْتُ نفسي أنني لا أَريمه
على قَبرِهِ الزَّاكي وَقَفْتُ مطامِعِي ... فمن نالَني بالضَّيْمِ أنتَ خَصِيمُهُ
ومن المقطوعات قولي في الرغبة إلى الله:
إلهي بالبَيتِ المُقَدَّسِ والمَسْعى ... وجَمْع إذا ما الخَلْقُ قد نَزَلوا جَمْعا
وبالموقِفِ المَشهودِ يا رَبِّ في مِنىً ... إذا ما أسالَ الناسُ مِن خوفِكَ الدَّمعا
وبالمُصطَفى والصَّحْبِ عَجِّلْ إقالَتي ... وأَنْجِح دُعائِيَ فيكَ يا خَيْرَ مَنْ يُدْعَى
صَدعْتُ وأنتَ المُسْتَغاث حَنانُه ... أقِلْ عَثْرَتي يا مَوْئِلي واجْبُر الصَّدْعا
وكلفت في غرض معروف ولها حديث:
رعى اللهُ راعي الشَّاء ما شاء إنه ... تعاطى فلما اجتاز فرصته عَقَرْ
أصاب صغيراً منه صقرٌ مكبرٌ ... فصيَّره بعد النعيم إلى سَقَر
تقوم قيام الفرض في الأرض بعدها ... بحق رعاة الإبْل والشاءِ والبَقَر
وقلت عقب الإياب من الرحلة المراكشية:
أفادَت وِجْهَتي بِنَداكَ مالاً ... قَضَى دَيْني وأصْلَحَ بَعْضَ حالي
وَمَتِّعْتُ الخواطِرَ بانْشِراحٍ ... وأطْرَفْتُ النَّواظِرَ باكتحالِ
وأُبْتُ خفيفَ ظَهْرٍ والمطايا ... بِجاهِكَ تشتَكي ثِقَل الرِّحالِ
وشأني للمعالِمِ غَيْرَ شانٍ ... وحالي بالمَكارِمِ جِدُّ حالِ
فَحُبُّ عُلاكَ إيماني وعَقْدي ... وشُكْرُ نداكِ ديني وانْتِحالي
كأنْ قد صَحَّ للهِ انقطاعي ... بتأميلي جَنابَكَ وارْتِحالي
وما يَبقى سوى فعل جميل ... وحالُ الدَّهرِ لا تبقى بحالِ
وكُلُّ بدايةٍ فإلى انتهاءٍ ... وكُلُّ إقامةٍ فإلى ارتِحالِ
ومَنْ سامَ الزَّمانَ دَوامَ أمرٍ ... فقد وقَفَ الرَّجاءَ على المُحالِ
وقلت في كتاب الشفاء للقاضي أبي الفضل حسبما طلب مني ذلك:
(1/30)

شفاءُ عياضٍ للقلوبِ شفاءٌ ... فليسَ بِفَضْلٍ قد حواهُ خَفاءُ
هَدِيَّةُ برٍّ لم يكن لجزيلها ... سوى الأجر والذِّكر الجميل كِفاءُ
وفا لنبيِّ اللهِ حقَّ وفائِهِ ... وأكرِمُ أوصافِ الكِرامِ وفاءُ
وجاء بهِ بحراً يقول بفضلِهِ ... على البَحرِ طَعمٌ طيِّبٌ وصَفاءُ
وحق رسول الله بعد وفاته ... رعاه، وإغفالُ الحقوق جَفاءُ
هو الذخر يغني في الحياة عَتاده ... ويُتْرَكُ منه للبنينَ رَفاءُ
هو الأثَرُ المحمودُ ليس ينالُه ... دثور، ولا يَخْفَى عليه خَفاءُ
حرصت على الإطناب في نشر فضله ... وتمجيده، لو ساعَدَتْني فاءُ
وقلت في الضراعة:
مولاي إنْ أذنبتُ يُنْكَرُ أنْ يُرَى ... مني الكمال وعنكم النُّقْصَانُ
والعفو عن سَبب الذنوب مُسَبَّبٌ ... لولا الجِنايةُ لم يكُن غُفرانُ
وقلت في معنى التورية الطبية بالدواء المسمى دم الأخوين في شأن السلطان الحائن وأخيه، وشأن ذلك الدَواء النَّفع من الجراح:
بإسماعيلَ ثم أخيه قيسٍ ... تأذَّنَ ليلُ هَمِّي بانْبِلاجِ
دَمُ الأخوَيْنِ داوَى جُرْحَ قَلْبي ... وعالَجَني وَحَسْبُكَ مِنْ عِلاَجِ
وخاطبت السيد الفقيه أبا عبد الله بن مرزوق في الغرض المعروف موطِّئاً على بيت المشارقة في العِذَار:
أما والَّذي تُبْلَى لَدَيهِ السَّرائِرُ ... لما كُنْتُ أرضى الخَسْفَ لولا الضَّرائِرُ
غَدَوْتُ لِضَيْمِ ابن الرَّبيبِ فريسةً ... أما ثارَ من قومي لِنَصْري ثَائِرُ
إذا التمسَتْ كَفِّي لديه جِرايتي ... كأنِّي جانٍ أوْبَقَتْه الجرائر
وما كان ظنِّي أنْ أنالَ جِرايةً ... يُحكَكَّمُ مِنْ جَرَّائِها فيَّ جَائِرِ
متى جادَ بالدِّينارِ أخْضَرَ زائفاً ... ودارَتُهُ دارَتْ عليها الدوائر
وقد أخرج التعنيتُ كيسَ مرارتي ... ورقَّتْ لِبَلوايَ النُّفُوسُ الأخاير
تَذَكَّرتُ بيتاً في العِذَار لِبَعْضِهِم ... له مَثَلٌ بالحُسْنِ في الأرض سائر:
) وما اخضرّ ذاك الخَدّ نَبْتاً وإنما ... لكَثْرة ما شُقّتْ عَليْهِ المَرَائِر (
وجاهُ ابن مرزوقٍ لديَّ ذخيرةٌ ... وللشدَّةِ العُظْمى تُعَدُّ الذَّخائِر
ولو كان يدري ما دَهاني لَساءَهُ ... وأَنْكَرَ ما صارت إليه المَصَايرِ
وخاطبت أحد الشرفاء الكرام بقولي:
أعْيا اللِّقاء عليَّ إلاَّ لَمْحَةً ... في جُمْلَةٍ لا تَقْبَل التفصيلا
فجعلت بابَكَ عن يمينك نائباً ... أُهْدِيهِ عند زيارتي تَقبيلا
فإذا وَجَدْتُكَ نِلْتُ ما أَمَّلْتُهُ ... أو لم أَجِدْكَ فقد شَفيتُ غَليلا
وفي مخاطبة مولاي السلطان أبي سالم إبراهيم، أيده الله، في سبيل الشكر:
سَمِيَّ خليل الله أحْيَيْتَ مُهْجَتِي ... وعاجَلَني منك الصَّريخُ على بُعْدِ
فإنْ عِشْتُ أُبْلِغْ فيكَ نَفْسي عُذْرَها ... وإنْ لَم أَعِشْ فالله يَجْزيكَ من بعدي
وقلت في أسلوب التغزل، وما أبعده عني في الوقت والحمد لله:
أصْبَحَ الخَدُّ منك جَنَّةَ عَدْنٍ ... مُجْتَلَى أَعْيُنٍ وشَمَّ أُنُوفِ
ظَلَّلَتْها مِنَ الجُفُونِ سُيُوفٌ ... جَنَّةُ الخُلْدِ تحت ظلِّ السُيوفِ
وقلت أيضاً:
يا مَنْ بِأكنافِ فؤادي رَبَعْ ... قد ضاقَ بِي في حُبِّكَ المُتَّسَعْ
ما فيكَ لِي جَدْوَى ولا أرْعَوِي ... شُحٌّ مُطَاعٌ وهَوىً مُتَّبَعْ
ومن النثر ما خاطبت به الفقيه الفاضل صاحب قلم الإنشاء أبا زيد بن خلدون مُدْرَجاً في طَيِّ كتابٍ أهنيه بزيادة ولد تعرفت أنه طَلَع له: ورد البشير بالإبلال، مقارناً لخبر الاعتلال، وتألُّم ذلك الجلال، فكانت رحمة لقيت عذاباً، وعُتبى نسخت عتاباً، وذنباً من الدهر أتبعه متاباً، فالحمد لله الذي أقال، وفكّ من الوَعْك العِقال، وأدَرّ من الرحمة السُّحُبَ الثِّقال، وأقرّ الحال وقد عَرَفت الانتقال، وهل أنت - أعزَّك الله - إلا عين تألُّمها عزيز ولها على الجوارح بالفضل تمييز، فالله عز وجل يُعقب القوة والناط، والتمتعَ والاغتباط ولله دَرُّ الشاعر:
(1/31)

فإذا مَرِضْتَ ... ولا مَرِضْتَ فإنَّهُ مَرَضُ الرِّيَاحِ يَطيبُ فيهِ نثاها
ولحين تعرفي هذا النبأ لم أَطْعَم النومَ هنيا، ولا اقتطفت الأمل جنيا، ولا زلت بتحقيق نبأ الإبلال مَعنيا، حتى ثَبَتَ سَنَدُه، واستقام أَوَدُه، وكَثُرَ من رَاويهِ عَدَدُه، فكتبت أهنئ نفسي بسلامة شُقَّتِها، ومَظِنَّة مِقَتِها، وحفظ ثُمالها، وحراسة رأس مالها، ولو تمثلت لي القوى الطبيعية في الخارج لَعَرَفَت حقدي، ورابها في سوء التصرف نقدي، أو نسى ... لعَتَبْتُها، أو النَّصْبَة المباركة لَقَرَّرْتُها بنظري ورتبتها، لكن أحوالٌ تشذ عن الاستطاعة، ولا تدين في غير سبيل البخت والاتفاق بالطاعة، فلنسأل الله خير ما لديه، ونثق به في حفظ ذلك الجلال ونتوكل عليه. وقد كنت تعرفت أن سيدي زاد عنده مولود مبارك، فبادرت بما يصله، فإن كان الخبر حقاً، لم يكن مني إغفال، وإن كان مُنتظراً فهو فال والسلام.
هَنيئاً أبا الفَضْلِ الرِّضا أو أبا زَيْدِ ... وأُمِّنْتَ مِنْ بَغْيِ تخافُ وَمِنْ كَيْدِ
بِطَالِعِ يُمْنٍ طالَ في السَّعْدِ شَأوُهُ ... فما هُوَ مِنْ عَمْرو الرِّجال ولا زيدِ
وَقيِّدْ بشُكْرِ الله أنْعُمَهُ التي ... أوابِدُها تأبى سِوى الشُّكر مِن قَيْدِ
أهلاً بِدُرِّيِّ المكاتب، وصَدْرِيِّ المراتب، وعُتْبَي الزمان العاتب، وبِكر المُشتَري والكاتب، ومرحباً بالطالع، في أسعد المطالع، والثاقب في أحلى المراقب، وسهلاً بِغَنيِّ البشير، وعزَّةِ الأهل والعشير، وتاجِ المفخر الذي يقصر عنه تاجُ كسرى وأردشير. الآن اعتَضَدَت الحِلَّةُ الحضرميةُ بالفارس، وأَمِنَ السَّارح في حمى الحارس، وسَعِدَت بالنَّيِّر الكبير أفلاكُ التَّدْوير من حَلَقاتِ المدارس، وقرَّت بالجَنَي الكريم عينُ الغارس واحتُقِرَت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدارس، وقيل للمشكلات: طالما أَلِفْتِ الخِمْرة وأمْضَيْتِ على الأذهان الإمرة، فتأَهُّبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيَّزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لَمَاك. ولله من نَصْبَةٍ احتفى فيها المُشْتَري واحتفل، وكفى القمر سِنِيَّ تَربيتِها وكَفَل، واختال عُطَارِدُ في حُلَل الجَذَل لها ورَفَل، واتضحت الحدود وتهلَّلت الوجوه، وتنافست المثلثات تؤمل الحظ وترجوه، ونبَّه البيت على واجبِه، وأشار لحظ الشَّرَف بحاجبه، وأسرع نيِّرُ النَّوْبة في الأَوْبة، قائماً في الاعتذار مقام التوبة، واستأثر بالبروج المُوَلَّدِة بيتُ البنين، وتخطَّت خطا القمر رأس الجَوْزَهِرَّ وذَنَب التِّنِّين، وساوَق منها حُكْمَ الأصل حَذْوَكَ النّعلَ بالنَّعل تَحويلُ السِّنين، وحقَّق هذا المولود بين الموالد نسبة عُمُرِ الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشرهِ السَّعْدان اقتران الجسد، وثَبتَ بدقيقة مركزة قلبُ الأسد، وسرَقَ من بيْتِ أعدائه خُرْثِيَّ الغِلّ والحسد، ونَظَّفت طرق التسيير، كما يُفعل بين يدي السادة عند المسير، وسقَطَ الشيخ الهرم من الدرج في البير، ودُفع المقاتل إلى وبال كبير.
لِمْ لا تنالُ العُلَى أو يُعْقَدُ التَّاجُ ... والمُشْتَري طالِعٌ والشمسُ هِيلاَجُ
والسَّعْدُ يَرْكُضُ في مَيدانِهِ مَرِحاً ... جَذْلاَنَ والفَلَكُ الدَّوَارُ هِمْلاَجُ
(1/32)

كأن به - والله يبقيه - قد انتقل من مهد التنويم، إلى النَّهْجِ القويم، ومن أريكة الذراع، إلى تصريف اليراع، ومن كَتَد الداية، إلى مقامِ الهداية، والعناية المُخْتَطَفَةِ البداية، جعل الله وقايته عليه عُوذَه، وقَسم حَسَدته بين عُرَم اللحم من مُنْخَنِقَةٍ ونَطِيحَةٍ ومُتَرَدِّية ومَوْقُوذَة، وحفِظَ هلاله في البِدار إلى تِمِّه وبعد تِمِّه، وأقرَّ به عين أبيه وأمه. غير أنني - والله يغفر لسيدي - بيد أني راكعٌ في سبيل الشكر وساجد، فأنا عاتِبٌ وواجِد، إذ كان ظني أن البريد التي بهذا الخبر تُعْمَل، وأن إتحافي به لا يُهْمل، فانعكست القضية ورَابَت الحالُ المرضِيَّة، وفَضَلَت الأُمورَ الذاتية الأمورُ العَرَضية، والحكم جازم، وأحد الأمرين لازم: إما عدم السَّوِيَّةِ ويعارِضُه اعتناءٌ سَببُه مُغَار، وعُهْدَةُ سَلْمٍ لم تَدْخُلها جِزْيةٌ ولا صَغار، أو جهل بمقدار النعمة ويعارِضُه علم بمقدار الحقوق، ورِضى مُنافٍ للعُقُوث، فوقَع الإشكال وربما لطُف عُذرٌ كان عليه الاتِّكال. وإذا لم يُبَشَّر مثلي بمنيحة الله قِبَلَ تلك الذات السَّرِيَة الخليقةَ بالنعم الحَرِيَّة، فمن ذا الذي يُبَشَّر، أو على من يُعرض بزُّها ويُنْشَر، وهي التي واصلت التَّفَقُّد، وبَهْرَجَت المعاملة وأبت أن تَنْقُد وأنست الغربةَ وجُرحُها غير مُنْدَمِل، ونَفَّسَت الكُرْبَة وجُنْحُها على الجوانح مشتمل. فمتى فُرض نِسيانُ الحقوق، لم يَنَلْني فرضٌ، ولا شَهِدت به عليَّ سماءٌ ولا أرض، وإن قصَّر فيما يجب لسيدي عمل، لم يُقَصِّر رجاءٌ ولا أمل، ولي في شَرْحِ حمدهِ ناقةٌ وجَمَل، ومنه جلَّ جلاله نسأل أن يُرِيَه قُرَّة العَيْن في نفسه وبنيهِ، ويجعل أكبَرَ عطايا الهَيَالِج أصغر سِنِيه، ويُقَلّدَ عَواتِق الكواكب البَابَانية حمائل أمَانيه. وإن تَشَوَّف سيدي لِحال وَليِّه فخَلْوةٌ طيبة، ورحمةٌ من جانب الله صَيِّبَة، وبرقٌ يُشام، فيقالُ حَدِّثْ ما وراءكَ يا عِصام. ولله دَرّ شيخنا إذ يقول:
لا بارَكَ اللهُ فيَّ إنْ لَمْ ... أُصَرِّفِ النَّفْسَ في الأهَمِّ
وكَثّر اللهُ فِي هُمُومِي ... إنْ كانَ غَيْرُ الخَلاَصِ هَمِّي
وإن أنعم سيدي بالإلماع بحاله، وأحوال الولد المُبارك، فذلك من غُرَر إحسانه ومنزلتُه من لَحْظِ لَحْظي بمنزلة إنسانه؛ والسلام.
وخاطبت صاحب الأشغال العلية الشيخ أبا عبد الله بن أبي القاسم بن أبي مدين أهنيه بتقلد الخُطَّة من رسالة:
تَعُودُ الأمَانيُّ بَعْدَ انصِرافِ ... ويَعْتَدِلُ الشَّيءُ بَعْدَ انحِرافِ
فإن كانَ دَهْرُكَ يَوماً جَنَى ... فقد جاء ذا خَجَلِ واعتِرافِ
طلع البشير - أبقاك الله تعالى - بقبول الخلافة المرينية، والإمامة الحسينية، خصها الله بنيل الأمنية، على تلك الذات التي طابت أُرومتها وزكت، وتأَوَّهَت العلياء لتذكر عَهْدها وبكت، وكاد السرّو يتقطع لولا أنها تركت منك الوارث الذي تركت فلولا العذر الذي تأكدت ضرورته، والمانع الذي ربما تقررت لكم صورته، لكنت أولَ مُشَافَهٍ بالهناء، ومصارف لهذا الاعتناء، الوثيق البناء، بنفوذ الحمد لله والثناء، وهي طويلة.
(1/33)

وخاطبت القاضي ابن بطوطة بتَامَسْنَا، وقد عزمت على إثارة الأرض بجواره. لتَعْلَم سيادةُ القاضي شمس الدين، مُعَلّم المواقف الحسبية والميادين، أبقاها الله تحاكي الشمس في الجولة، وظهور الصولة، والحكم على الدولة، وإصلاح حال العَوْلَة أن موجب حقِّها، وشائم برقِها، والعائد بجمعها من فرقها، لما انتبذ وانقطع، واقتطع من جانب العزلة والتخلي ما اقتطع، وقد لاح نور الرضا بقضاء الله وسطع، آمل أن يكون مخدومه الراحة، حتى تندمل الجراحة، وإن أَعْوَزَ المعاش اجْتَدَيْتُ الفلاحة، وتخيرت في البقع بقعة يؤنَس فيها جوار كريم، ويؤمَنُ حَيْفُ غُرْمٍ أوليُّ غريم. فلم يقع الاختيار إلا على البقعة التي لها الفضل بسكنى شمس الدين بين جُرُزَاتها، ووقوف ركائب الاستفادة بين تُوضِحها ومِقْراتها، فالتزمت وارتبطت، واخترت واغتبطت، ووجهت ثقتي لشاء ما يُعِين على الدهر، ويستعد للفلاحة والبذر، خوفاً أن يخرج يومُه، فيرتفع سَوْمُه، ويحاول رَوْمُه، فيضنّ به قومه. وعندي أن القاضي إذا تحقق أن جواره هو المطلوب الأول، والفضل الذي عليه المعول، يَتَغَمَّدُ الفضل والديانة، حتى يَحصل ببركته ثمرةُ الفلاحة حسّاً وثمرة الفَلاَح معنى، وتعتضد الزيادة والحسنى، ويتأسس بهذه اللبنة من قُرْبِه المبنى، ويدعو التمعشُرُ في جواره إلى العشرة والسكنى، والتمتع بفضله الأسنى، ومن نبَّه مثلَه إلى فضل فقد نبَّه كفيلاً، أو جنح إلى بيت مثله أثار مجداً حفياً وقِرّى حفيلا، وما يصدر عن محله من وَفْق الظن به فمقابَل من الثّناء بأجمل صورة، ومن الحمد بأعجز سورة والسلام.
وخاطبت الشيخ الشريف الفاضل أبا عبد الله بن نفيس صُحْبَة ثمن مسكن اشتريته منه، وكان قد أهداني فرساً عتيقاً:
جُزِيتَ يا ابنَ رسولِ الله أفضل ما ... جَزى الإلهُ شريف البيت يوم جزى
إن أعجز الشكرُ مِني منةً ضَعُفَتْ ... عن بعض حقك شُكرُ اللهِ ما عجزا
سيدي أبقى الله شَرَفك تشهد به الطباع؛ إذا بعدت المعاهد المقدسة والبقاع، وتعترف به الأبصار الأسماع، وإن جحدت عارَضها الإجماع، بأي لسان أُثني؟ أم أي الأفنان أهصر وأجني، أم أي المقاصد الكريمة أعني؟ أمطيْت جوادك المبارك، وأسكنت دارك، وأوسعت مطلبي اصطبارك، وهضمت حقك وبوَّأت جوارك، ووصلت للغرباء إيثارك، أَشهد بأنك الكريم ابن الكريم، لا أقف في تعدادها عند حد إلى خير جد، فإن أعان الدهر على مجازاة، وإن ترفع كرمُك عن مُوَازاة، فحاجةَ نَفْسٍ قضيت، وأحكام آمال أمضيت، وإن اتصل العجز فعين على القذى أغضيت، ومَنَاصل عزم ما انتضيت، وعلى كل فالثناء ذائع والحمد شائع، واللسان والحمد لله طائع، والله مشترٍ ما أنت بائع، وقد وجهت من يحاول لسيِّدي ثمن ما أكسَبَهُ مجدُه، وسفَر عنه حمده، والعقيدة بعد التراضي، وكمال التقاضي، وحميد الصبر وسعة التغاضي، وكونه الخصم والقاضي، أنه هبة سَوَّغَها إنعامه وأكلة هنَّاها مِطْعامه، نسأل الله أن يعلى ذكره، ويتولى شكره، ويُنْمِي ماله، ويرفع قدره، والولد جاره الغريب الذي برز إلى مقارعة الأيام عن خبرة قاصرة، وتجربة غير منجدة على الدهر وناصرة، قد جعلته وديعة في كرم جواره، ووضعته في حِجْر إيثاره، فإن زاغ فَيَدُهُ العليا في تبصيره، ومؤاخذته بتقصيره، ومن نَبَّه مثله نام، ومن استنام إليه بمهمة أكرم بمن إليه استنام، وإن تشوف سيدي لحال مُحبه فمطلق للدنيا من عقال ورافض أثقال، ومؤمل اعتياض بخدمة الله وانتقال، والسلام.
وخاطبت صدر الفضلاء الفقيه المعظَّم أَبا القاسم بن رضوان بما يظهر داعيته من فحواه:
مَرِضْتَ فأيّامي لِذَاكَ مَريضةٌ ... وبُرؤكَ مَقْرونٌ بِبُرْءِ اعتِلالِها
فلا راع تلك الذات للضر رائع ... ولا وسمت بالسقم غر خلالها
(1/34)

وردت علي من فئتي التي إليها في مَعْرَك الدهر أتحيز، وبفضل فضلها في الأقدار المشتركة أتميز، سَحَاءة سرت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها سيدي صنيعة وده من شكواه على كل عابث في السويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلا القليل، ولا من إيضاح لسانه إلا الأنين والأليل، ونَوًى مدت لغير ضرورة يرضاها الخليل فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله، أو عابد نوزع متقبل أعماله، أو آمل ضويق في فذلكة آماله، لكنني رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخطّ يبهر والحمد لله ويروق، واللفظ الحسن تُومِضُ في حبره للمعنى الأصيل يروق، فقلت: ارتفع الوَصب، ورد من الصحة المغتصب، وآلة الحس والحركة هي العصب، وإذا أشرق سراج الإدراك دل على سلامة سَليطه، والروح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فلا يقنع بليد احتياطي إلا الشرح، ففيه يسكن الظمأ المبرح، وعذراً عن التكليف فهو محل الاستقصاء والاستفسار والإطناب والإكثار، وزَنْدُ القلق في مثلها أَوْرَى، والشفيق بسوء الظن مُغْرَى، وسيدي هو العمدة التي سلمت لي الأيام فيها، وقالت: حسب آمالك ويكفيها، فكيف لا أشفق، ومن أنفق من عينه فأنا من عيني لا أنفق، والله لا يحبط سعيي في سؤال ولا يخفق، ويرشد إلى شكره على ما وهب منها ويوفق، والسلام الكريم على سيدي البر الوصول، الذي زكت منه الفروع لمّا طابت الأصول، وخلص من وده لابن الخطيب المحصول ورحمة الله.
فراجعني حفظ الله سيادته بما نصه:
متى شئتُ ألفي من علائك كل ما ... يُنيلُ من الآمال خَيْرَ مَنَالِها
كَبُرْءِ اعتلال من دعائك زارني ... وعاداتُ بِرٍّ لم تَرِمْ عن وِصَالِها
أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطولاً بتأكيد البر، مفضلاً بموجبات الحمد والشكر، وَرَدنْني سحاءته المشتملة على معهود تشريفه، وفضله الغنى عن تحريفه متحفياً في السؤال، عن شرح الحال، ومعلناً بما تحلى به من كرم الخلال، والشرف العال، والمعظم على ما يسر ذلك الجلال الوزاري الرياسي أجراه الله على أفضل ما عوده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، وحبه المُخيِّم بين الجوانح، والله سبحانه المحمود على نعمه، ومواهب لطفه وكرمه، وهو سبحانه المسؤول أن يمنى لسيدي قرار الخاطر، على ما يسره في الباطن والظاهر، بمن الله وفضله، والسلام الكريم على جلاله الأعلى ورحمة الله. كتبه المعظم الشاكر الداعي الذاكر المحب ابن رضوان وفقه الله، في الثلاثين من ذي الحجة خاتم أحد وستين وسبعمائة.
وخاطبت الفقيه السري أبا عبد الله الكناني وقد صرف عن خطة الأشغال إلى الخدمة بسجلماسة في سبيل إعراض من المقام السلطاني شَعَبَ الله شته ولَمّ شعثه فهو أهل النعمة، ومحل التجاوز عن الهفوة.
أصبحتَ سهماً من كنانة صائباً ... يمضي إلى هدف الكمال ونحره
وأبو المكارم جدك الأرضَى الذي استول ... ى على سرِّ الجلال وهجره
ما كان يُدعى بالمكارم كنيةً ... إلا بكونِك ثاوِياً في ظهره
سيدي الذي لساني مُرْتَهَنُ حمده وجَناني مستودع وده، أقسم بمن فضلك على أبناء جنسك، ومنابت غَرْسِك، وجعل يومك في الفضل مربياً على أمسك، ما مرَّ يوم إلا ولي فيه لعلاك ذكر وحمد وشكر، وهمٌّ بلقائك وفكر، لِمَا استجلبت من جمال يثير الكلف، وجلال يذكر بمن سلف، ولما تعرفت ما كان من الانصراف وتطويق الاقتراف، وتصحيح المثل في:) الأطراف منازل الأشراف (ارتمضت وما اغتمضتُ ثم شكرتُ الله على نعمه، وتبينت مواقع لطفه بك وكرمه، فإنك والله عرضة لإصابة العين، ووقعها - ونعوذ بالله - ليس بالهين، وكم بين المشوب والمحض وبعض الشر أهون من بعض. ويتفاضل الدهر في العض، ولله عناية ببقاع الأرض، فإن كانت سجلماسة قبل اليوم يجلب منها التبر إلى دار الملك، فقد رد إليها الذهب الإبريز بعد السبك، ولا بد أن يصول الحق على الشك، فتعود الأمور إلى معتادها، وتُحلِلُّكَ العَلياء محل فؤادها، فإِنما هو تَجْميم، ووراه إنعام عميم، ومن الله أسأل أن يصل لك أسباب العز آمنة من الانصرام، ولا يقطع عنك عوارف الإنعام، والسلام.
(1/35)

وخاطبت الوالي بمكناسة أبا محمد عبد الله بن محمد من الجلة أُولي المروءة والحشمة مع شخص من أصحابنا أولي التراتيب الغريبة:
عبد الإلهِ بنَ عُثمان ابقَ في دَعَةٍ ... عِنايةُ اللهِ تَحميها وتَكفيها
لو لم يكنْ لِبلادِ الغَربِ مَحْمَدَةٌ ... إلا بكونِكَ يا قُطْبَ العُلى فيها
لكَ الحقوقُ التي مهما اعترفتُ بها ... لا يستطيعُ لِساني أن يُوَفِّيها
لا زلتَ تختالُ للنعماِ في حُلَلٍ ... عليك لله يُبديها ويُخفيها
كَرُمْتَ ذاتاً ومَجْداً واشتهرتَ سَنىً ... فزادك الله تِّنْوِيهاً وترفيها
أبقاكم الله، الواصلُ بهذه إلى رياستكم، طبقة الدنيا، وواحدها من غير ثُنيا، الشهير عند كل غني وصعلوك، المجترئ على بيوت الأشراف ودسوت الملوك، توجه إلى الباب السلطاني لتقرير وسيلته والتماس فضيلته، وله من رَعْي السيادة الخطيبية محل، وفي ندى برها ظَعن وحِلْ، فأردت إطراف مجلسكم بلَيْلَتِه ليكون ممن يرفع من صيته، وأنا على ما تعلمون من شكر يطيل ويطيب، وعلى المحافل منه خطيب وابن خطيب والسلام.
وخاطبت قاضي الجماعة الشيخ الفقيه جملة الوقار وكبير الطلبة وقد نالته مشقة جرَّها غلطُ الخدام السُّوءِ واشتراك الأسماء أعتبه عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدره بما نصه:
تعرفتُ أمراً ساءني ثم سرَّني ... وفي صحة الأيام لا بدَّ من مَرَضْ
تعمَّدَكَ المحبوبُ بالذَّاتِ بعدما ... جرى ضدُّه واللهِ يكفيه بالعرض
في مثلها أبقى الله سيدي يُحْمَدُ الاختصار، وتقصر الأنصار، وتطرق الأبصار، إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يَقِظ وحالم، إنما هي هَدية أجر، وحقيقة وصل عَقبت مَجَاز هجر، وجرح جُبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار، وعَثْرة القدم لا تنكر، والله سبحانه يُحْمَد في كل حال ويُشْكَر، وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يَشُبْهُ شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والمرعى دائب، والجاني تائب، فما هو إلا الدهر الحسود، لمن يسود، خَمَشَ بيد ثم سترها، ورمى عن قَوْس ما أصلحها - والحمد لله - ولا أَوْتَرَهَا، إنام باءَ بِشَيْنِه، وجنى من مزيد العناية سخنة عَيْنِه، ولا اعتراض على قَدَر، أعقب بحط مُبْتَدَر، وَوِرْد نغصَ بكدر، ثم أَنَّسَ بأكرم صَدَر، وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله والذَّب، ولا نقول مع الكَظْم إلا ما يُرضي الرب، وإذا تسابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذِمار، واستباق إلى بِرٍّ وابتدار، بجُهدِ واقتدار، فأنا لا فَخْرَ متناول القَصَبة، وصاحب الدين من بين العَصَبة، لِمَا بلوت من برٍّ أوْجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وَضَحَ منه المّذْهب، وتنفيقٍ، راق منه الرداء المُذهب، هذا مُجْمل وبيانُه إلى وقت الحاجة مؤخر، ونبذة شره لتعجيلها يراع مسخر، والله يعلم ما انطوى عليه لسيدي من إيجاب الحق، والسير من إجلاله على أوضح الطرق، والسلام..
فراجعني أعزه الله وأبقاه بما نصه:
وأيْمُ الله إبرازاً لأَيْمِ ... لقد جلَّى كتابُك كلَّ غَمٍّ
وساهم في الحوادث مَنْ رَمَتْهُ ... ففاز من الوفاء بخيرِ سهم
يا سيدي أمدّ الله في أنوار تلكم الطريقة المُثلى وبارك، وجزاها جزاء من ساهم على الحقيقة في الجُلَّى وشارك؛ وصل كتابكم الصادق الصفاء، الصادر عمن لم يرض من الوفاء باللَّفَاء فَبَأَي من صدع الأيام ورَأَبْ، وَنَأَى في دفع الأوهام وقرب، وهو الدهر أبقاكم الله لا تُثَنَّي فَلَتَاتُه، ولا يُبنى على عَقْدِ صَفَائه، يوم لِوَى ولائه، إلا كَدَّرَه بالنقص مُفْتَاتُه. هذا ولو حاسَبَ الإنسان نفسه لاستحقَرَ ما استعظم، وعلم أن ما لا يرى مما وقَى الله أعظم، فأناةً، ومن جُنِيَ عليه فليستغفر الله فَغَفْراً اللهم غَفْرَاً، وحمداً على السراء والضراء وشكراً، وسيدي أعزه الله المشكورةُ أياديه، المبرورةُ غاياته الجميلة ومباديه، وهو سبحانه يعين على واجبكم ويشكر في حسن الإخاء جميل مذاهبكم، والسلام يخصكم، ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب محمد بن أحمد الفشتالي أَلْهَمَهُ الله تعالى رشده: وخاطبت بعض الفضلاء بقولي مما يظهر من الجملة غرضه.
تعرفتُ قُرْبَ الدار ممن أحبه ... فكنتُ أَجِدُّ السير لولا ضروره
(1/36)

لأَتْلُوَ من آي المحامد سورةً ... وأُبْصِرَ من شخص المحاسن صوره
كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أَوَدُّ أن أطوي إليك هذه المرحلة، وأجدد العهد بلُقياك المؤملة، فمنع مانع، وما ندري في الآتي. الله صانع، وعلى كل حال فشأني قد وضَح منه سبيل مسلوك، وعَلِمَه مالك ومملوك، واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة، والألفاظ المستعارة ومُوَصِّلُها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة، المتصفة بالعفاف والطهر والسلام.
وخاطبت الشيخ أبا الحسن بن بطّان بقية الرعيل وخاتمة الأسرياء أهنيه بولده عبد الواحد حائز قصب السباق في كثير من الخصال الحميدة بعد اغتراب وشدة وانبتات بالبلاد الشرقية عظم لأجله بثُّه إلى أن تأَتّى خلاصه:
يَهْنِيكَ مَقْدِمَ عبدِ الواحدِ ابنك عن ... مَطْلٍ بوعدٍ مِنَ الأيامِ مَرْقُوبِ
كيوسُفٍ كان في فِعْلِ الزمان به ... وكنتَ في البَثِّ والشكوى كيعقوبِ
قد علم الله، وهو الذي يعلم السرَّ الخفي ويميز الماذِقَ والوفي، أنني أيها الفاضل الذي إليه في المجد الإشارة، وباجتماع شمله ذاعت البشارة، من يوم وقع عليك بصري ووجب عن حصر كرمك حَصَري، ورأيت منك كوكب السَّحَرِ الذي أخذ أعقاب النجوم، والصبح مرتقب الهجوم، وبقية الغيث السَّجوم، والزمان كثير النيازل والرُّجوم، وأَسِيتُ لفراق ابنك إذ جوانحي بالفراق جِدُّ مكلومة، وأسوارُ صبري بمنازلة الوَدَاع أيُّ مثلومة، ونفسي بالرقة المسترقة معلومة، وفي الجزع للبَيْن غير ملومة. لم أزل أضنُّ على الحوادث بذاتك، وأُوسعُ الأيامَ ذمّاً في أذاتك، وأرغب في بقاء رسم المروءة ببقاء حياتك، وآمل جمع شملك بعين أهلك، وأحتقر في جنبه ما أملِك وما عسى اليوم أن أملك، وأما ما يرجع إلى تخليد ذكرٍ جميل، وتنفيقٍ في محل تأميل، وهز الخلافة إلى رعيك وإحمادِ سعيك، فأمر لم آلُ فيه جَهْداً، فقد أوسعته حرصاً لا زُهداً، ونشرتُ لك بأبوابهم منه بنداً، وجنَّدت جنداً، وكنت عينت الشكرانَ من أجلك إذا جَمَعَ الله شملَكَ بنجلِك، فلمَّا تعرفتُ خلاص بدره من سِرَارِه ودُنوِّ داره، ورجوعه بعد الميل إلى مَدَاره، ثم نظرت إلى محاسنه بعين نابتة عن عينك، وسرني حسنُ القضاء بعد أن مَطَلَ الدهر بدَيْنك، شاهدت فاضلاً في فراق مثله يحسنُ الجزعَ ويرفض الصبر المنتزع، وابنا مزيته على البنين، مزيةُ سنةِ الهجرة على السنين، حفظ الله كمالَه، وبلَّغ كلاَّ منكم آمالَه، وأعانه على تأدية حقك الذي لا يوسع الشرع ولا الطبع إهماله، وحمدتُ الله وشكرتُ، ورحت في طلق المسرة وابتكرت، ورحمت وعذرت، ووَفيتُ بما نذرت، ولم يقنعني إلا بعت من يشافه بهنائك في أحب أبنائك، ولولا أنني ملازم حرمة لا أبْرَحُهَا ومغمور جراية لا أرفضُ حقوقَها ولا أطرحُها، ومؤملُ آمالٍ لا أشرحها، لم يقنعني إلا إعمال الركاب بَدَلَ إعمال الكتاب، فمثلي إذا عرف مثلك التزم، وقطع بموجب الوفاء وجَزَم، وفي وضع الأيادي مواضعها حَزْمُ من خَدَم، والله أسأل أن يجعل شملكم شملاً محفوظاً، وبعين الجمع على الأيام ملحوظاً، ومقْدماً مجدوداً محفوظاً، ويمتع الفروعَ بالأصل، والأصول بالفرع، ويجعله ربْعا بالبَيْن غير مَروع، ويعين من البر على الحق المشروع. والسلام.
وخاطبت السلطان أبا عبد الله بن نصر جبره على الله عند وصول ولده من الأندلس:
الدَّهرُ أضْيَقُ فُسْحَةً من أن يُرى ... بالحُزنِ والكَمَدِ المُضَاعَفِ يَقْطَعُ
وإذا قَطَعْتَ زمانَه في كُرْبَةٍ ... ضَيَّعْتَ في الأوهام ما لا يرجع
فاقْنَعْ بِمَا أعْطاكَ دَهرُكَ واغْتَنِم ... منه السرورَ وخَلِّ من لا يقنع
(1/37)

مولاي الذي له المِنَن، والخَلْقُ الجميلُ والخُلُق الحسن، والمجد الذي وضح منه السَّنَنْ، كتبه عبدُكَ مهنئاً بِنِعَمِ الله التي أفاضها عليك، وجلبها إليك، من اجتماع شملك، بنجلك، وقضاء دَيْنِك، من قرَّةِ عينك، إلى ما تقدَّمَ من إفلاتِك، وسلامة ذاتك، وتمزُّق أعدائك، وانفرادك بأَوِدَّائِك، والزمن ساعةٌ أو أقْصَر، لا بل كَلَمْحِ البصر، وكأني بالبساط قد طَوِي، والتراب على الكل قد سُوِّي، فلا تَبْقَى غبطةٌ ولا حسرة، ولا كُربة ولا مَسَرَّة، وإذا نظرتَ ما كنتَ فيه، تَجِدُكَ لا تنالُ منه إلا أكلةً وفراشاً، وَكِنّاً ورياشاً، مع تَوَقُّعِ الوقائع، وارتقابِ الفجائع، ودُعاء المظلوم، وصُدَاع الجائع، فقد حَصَل ما كان عليه التّعَب، وأُمِنَ الرَّهَب، وَوَضِحَ للأجر المَذْهَب، والقدرةُ باقية، والأدعية راقية، وما تدري ما تحكم به الأقدار، ويتمخض عنه الليل والنهار، وأنت اليومَ على زمانك بالخيار، فإِن اعتبرتَ الحال، واجتنبتَ المحال، لم يَخْفَ عليك أنك اليومَ خَيْرٌ منك أمس، من غير شك ولا لَبْس، وكان من أملي التوجُّهُ إلى رؤية ولدكم لكن عارضتني موانع، ولا ندري في الآتي ما الله صانع، فاسْتَنَبْتُ هذه في تقبيل قَدَمِه، والهناءِ بمقدمه. والسلام.
وخاطبت الشيخ الجليل الوفي أبا الحسن علي بن بدر الدين بن موسى بن رَحُّو ابن عبد الله بن عبد الحق وقد وصل مُزْعَجاً عن الأندلس بسبب ما تقدم من وفائه واستقر بمدينة فاس، وبيني وبينه صداقة توجب النُّصح، وتقتضي الشفقة:
يا جُمْلَةَ الفَضْلِ والوَفَاء ... ما بمعاليكَ مِنْ خَفَاءِ
عنديَ بالوُدِّ فيك عَقْدٌ ... صحَّحَه الدهرُ باكتفاء
ما كنتُ أَقْضِي عُلاَكَ حقاً ... لو جئتُ مدحاً بكل فاءِ
فَأَوْلِ وَجْهَ القَبُولِ عُذْرِي ... وجَنِّبِ الشكَّ في صَفَاءِ
(1/38)

سيدي الذي هو فَصْلُ جنسه، ومزيةُ يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من أبيه ببدره، افتخر منه بشمسه، رَحَلْت عن المنشأ والقرارة، ومحل الصَّبْوةِ والغَرَارة، فلم تتعلق نفسي بذخيرة، ولا عَهْدِ جيرةٍ خيرة، كتعلقها بتلك الذات التي لطُفَتْ لطافَةَ الرَّاح، واشتملت بالمجد الصُّراح، شفقة أن تصيبها معوةٌ والله يَقِيها، ويحفظها ويُبْقيها، إذ الفضائلُ في الأزمان الرذْلَةِ غوافل، والضدُّ عن ضده منحرفٌ بالطبع ومائل، فلما تعرفتُ خلاصَ سيدي من ذلك الوطن وإلقاءَه وراء الفُرضة بالعَطَن، لم يبق لي تَعِلَّة، ولا أحرضتني له علة، ولا أُوتِيَ جمعي من قلة، فكتبت أهنئ نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمن باليد الطولى، فالحمد لله الذي جمع الشملَ بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مُبَدِّلَ لكلماته، وإياه أسأل أن يجعل العصمةَ حظَّ سيدي ونصيبه، فلا يستطيعُ حادثٌ أن يصيبه وأنا أخرج عن بثِّ كمين، ونُصْحٍ أنا به قَمِين، بعد أن أسْبُرَ غَوْرَه وأَخْبُرَ طَوْرَه وأرصد دوره، فإن كان له في التشريق أمل، وفي ركب الحجاز ناقةٌ وجَمَل، والرأي فيه قد نجحت منه نيةٌ وعمل، فقد غَنِيَ عن عوفٍ والبقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ الجَمَرات، رَمْيُ الجَمَرات، وتأنَّسَ بوصل السُّرى ووِصَال السَّراة، وأَنَا لَهُ إن رضيني أرضى مُرَافق، ولواءٌ عزى به خافق، وإن كان على السكون بقاؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمرٌ له ما بعده، والله يحفظ من الغِيَرِ سَعْدَه، والحق أن تحذفَ الأبهةُ وتُخْتَصَر، ويُحْفَظَ اللسانُ ويغضَّ البصر، وينخرطَ في الغِمار، ويُخَلَّى عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلةَ من لا خَلاَق له، ممن لا يقبل الله قولَه ولا عَمَلَه، فلا يكتم سراً ولا يتطوَّقُ من الرجولة زِرَّاً، ورفْضُ الصحبة زمامُ السلامة، وترك الملامة على النجاة علامة، وأما حالي فما علمتم مُلازمَ كِنْ، ومَبْهُوظَ تجربة وسن، أُرجِّي الأيام، وأَروم بعد التفرق الالتئام، خالِي اليد، مليء القلب والخلَد، بفضل الواحد الصَّمد، عاملٌ على الرحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، وأَصِلُ في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قررته لكم ما أنتم أعلم به من ود قررته الأيام والشهور، والخلوصُ المشهو، وما أطلتُ في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختص بكم من موالاته وبذلُ مجهودِ القول والعمل في مَرْضَاته، وأما ذكركم في هذه الأوضاع فهو مما يُقِرُّ عين المَجَادَة، والوظيفة التي ينافس فيها أولو السيادة، والله يَصِلُ بقاءكم، وييسر لقاءكم، والسلام.
وخاطبت أبا الحسن القرموني من خدام السيادة الخطيبية، ولما وقعت إليه الإشارة حكاية بتونس أيام استيلاء الملك المريني عليها: حملني أعزك الله على قصدك، وتحقيق رصدك، ما حدَّثوا بتونس عن يوم فَصْدك، وأن العاقل ودَّ يومئذٍ أن يكون حجَّاماً، ولا يعرف أسراجاً في ابتغاء الفضائل ولا لجاماً، ومصَّاصاً، ولا يعرف امتازاً بالمعارف ولا اختصاصاً، إلى ليلاتك التي فضحت الظُّلمَ، وأمست لياليَ في سَلَم، وأضحت لشهرتها ناراً فوق علم، إذ باتت العيدان مصطفةً اصطفافَ الهدْي، آخذةً ما بين رأس السرطان إلى رأس الجَدْي، وقلتُ نفسٌ لا تدينُ بالإِمساك ولا تلين لوعظ النساك، لا بد تحت هذه السفرة من نفاضة، وحول هذه الزرة من قراضة، فلما رأيتك رأيت مخيلةَ رجولة، في طلعة مقبولة، وعلمت أن اختصاص سيدنا باستعمالك، وعدم إهمالك، قبول لشهادة مُزكِّيك، وبيانٌ يرفعُ التشكيك، فاستعنتُ بعزك وطعنك وضربك، وقد بلغني جميل بلائك وإن كان ضعيفاً، لكنَّ الله سبحانه وله المثل الأعلى يقبل رغيفاً والشكر واجب، والعمل الصالح لا يحجبه عن الرُّقيِّ حاجب، فخاطبتك شاكراً، وبفضل ما صدر عنك ذاكراً. والسلام.
وقلت أخاطب صاحبه محمد بن نوَّار من الخدَّام وقد أعْرَسَ ببنت مِزْوَارِ الدار السلطانية وهو معروف الوسامة وحسن الصورة:
إن كُنْتُ في العُرْسِ ذا قُصُورٍ ... فَلاَ حُضُورٌ ولا دِخالَهْ
يَنُوبُ نَظْمي مَنَابَ كَبْشٍ ... والنَّثْر عَن قُفَّةِ النُّخَالَهْ
(1/39)

هنَّاكم الله دعاءً وخَبَرا، وألبَسَكم من السرور حَبَرا، وعوَّذَكُم بالخَمْس، حتى من عين الشمس، فَلَعمري لقد حصلت النسبة، ورضيَتْ بهذه المعيشة الحِسْبة، ومن يكن المزوارُ ذَوَاقَه، كيف لا يَشقُّ البدرُ أطواقَه، وينشئ القَبولُ عليه رُوَاقَه، وأنتم أيضاً بركانُ جمال، وبقيةٌ رَسْمَال، ويمينٌ في الانطباع وشِمَال، بمنزلكم اليومَ بدرٌ وهلال، ولعقد التوفيق بفضل الله استقلال، فأنا أهنيكم بتَسَنِّي أمانِيكم. والسلام.
ومن المنثور رسالةٌ سميتُها قَطْعَ الفَلاةِ، بأخبار الولاة: بات عندي أحد الشرفاء ممن شأنهُ انتيابُهم، فأجرى ذكر جميعهم وميَّزَ بين أدناهُم ورفيعِهم، فَضَمَّنْتُ ذلك الكلام [المُحَبَّر] وسميته بما ذكر، ونصها: حدَّثَ مَنْ يَنْظِمُ فوائدَ الأخبار في سِلْكِ قَصَصِه، ويدوس حيَّاتِ الطُّرُق بأخمصه، ويطارد شوارد المكارم فَتُصْبِحُ من قنصه. فقال: فبينما أنا في بعض الطرق وقد وَصَتْ الهاجرة، وتبرجت المفازةُ الفاجرة، وسَوْرَةُ القيظ، تكاد تَمَيَّزُ من الغيظ، وشَهْرُ ناجر، قد أخذ بالحناجر، والشمس قد ركبت سَنام خط الزوال، ومُدْرَجَةُ الصَّبَا قد ضنَّت بالنوال، وصمتت عند السؤال وقد تشاجرت الجنادب، واحتفلت لِعُنَاتِها تلك الولائمُ والمآدب، وتباعدت من الفضاء الأخرقِ المناكب، ومدَّت نسيج الآل العناكب، والطيَّة تُطَفِّفُ في المسير، والمطيةُ قد سئمت الذَّرْعَ والتكسير، والظلّ مرامُهُ من العسير، والماءُ بمنزلة الأكسير، إذ رُفعت لي على البُعد سَرْحَةٌ فريدةٌ عن اللِّدات، والوشائج المولَّدات، فهي في المجهل شامة، وللركائب رُكْنٌ مُسْتَلضمٌ بشامة، كأنها في جلد اليباب شامة، فَمِلْتُ إلى سَمْتِهَا وانحرفت، وثنيتُ العِنَانَ نحوها وصَرَفت، فما كان إلا فُوَاقُ حَرْف، لا بل ارتدادُ طَرْف، حتى غشيتُ منها عَقِيلةَ فَلاَة، وخِدْرَ سِعْلاة، ذات عمودٍ سام، وطَنَب تكنّف بني حامٍ وسام، ظلَّلَت من الأرض حجراً مدحوَّاً، ومَهْرَقاً من حروف المرو مَمْحُوَّاً، ودَمْثاً سهلاً، ورحباً وأهلاً، وشيخاً وكهلاً، وعلماً وجهلاً، هَرِمَةً مسنةً، تتخلل سماءَهَا الخضراء شُهْبَانٌ أَسِنَّة، وتتشبث بأهدابها أرسانٌ وأَعِنّضة، وتموج في ظلها إنْسٌ وَجِنَّة، كأنما ضربت الصخرةَ الصَمَّاءَ بعصاها، فأطاعها العذبُ الفُراتُ وما عصاها، فانساب بين يديها ثعبانٌ تُراعُ له وهادٌ وكُثبان، يشف حشاه عن حصىً تُغَلّطُ العارفَ من الصيارف، وتوهم الأمْلِيَاءَ انتهابَ نقودها والغواني انتثارَ عقودِها، لا تستطيع الجوارحُ مُصَابَرةَ خَصَرِه، ولا يماثله الشهدُ بمُجاج معتصِره، فَحَيَّيْتُ الجمعَ بأحسنَ تحياتِه، وأتحفت الروح من ذلك العذب البَرُود بحياته، وتَلَوْتُ) كذلك يُحْيِي اللهُ الموتى ويُريكم آياتِه (، وقلت حيَّاكِ اللهُ من خميلة، وفاتنة جميلة، وتمثلت بقول ابن قاضي ميلة:
وقانا وَقْدَةَ الرَّمْضَاءِ روْضٌ.. ... وقاهُ مضاعَفُ الظِّلِّ العَمِيمِ
قَصَدْنَا نَحوَهُ فَحَنا علينا ... حُنُوَّ الوالِداتِ على اليَتيمِ
يُراعي الشَّمْسَ أَنَّى قابَلَتْنَا ... فَيَحْجُبُها ويَأْذَنُ للنسيم
وسقَّانا على ظَمَأٍ زُلاَلاً.. ... أَلَذَّ مِنَ الشَرَابِ مَعَ الكَرِيمِ
يَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيةَ العَذَارَى ... فَتَلْمَسُ جَانِبَ العِقْدِ النَّظيم
(1/40)

وكان في جُملة من اغتنم المقيل، واستنصر على عدو الظمأ ذلك العَضْب الصَّقيل، وألمّ بالنوم الخفيف على الرَّحْلِ الثقيل لاَئِثُ عِمَّةٍ على هِمَّة، ومستظهر بِوَفرٍ وَذِمَّةٍ، ورَعْيِ ذمة، قد عبث الوَخْطُ منه بِلشمّضة، وجَلَتْ منه الخلَّةُ عن كاشفِ مُلِمَّة، بين يديه عِتاقٌ قُود، وعبيدٌ) تَحْسَبُهمْ أيْقَاظاً وهُمْ رُقُود (، فاشرأَبَّ عند سماع إنشادي، كما يشرئبُّ الرِّيمُ، وهزت حُميَّا الأدب منه عِطْف كريم، وصاح بصوتٍ جهير ينبئ عن منصبٍ شهير: من هذا الطارق؟ ومتى أوْمض هذا البارق؟ إني لآنَسُ مخيلة، غير بخيلة، وأنظرُ إلى مَظِنة، غيرِ ذاتِ عنّضة ليَدْنُ مِنِّي جُؤارك، ويُرْعَ جوارك، ويفتّح نوّارُك، وتتألق أنوارُك، ولم يزل يَحأْحِئُ ويُبَسْمل، ويُيَسِّرُ ويُجَمِّل ويرعى ولا يهمل، فلما دَنَوْتُ من مِهَادِه، وركضتُ في رُبَى الحديث ووهاده، وأصَبْتُ من زاد طريقه، وانخرطت في فريقه، وأطرفتني بأحاديث تغريبه وتشريقه، سفر منه الاختبار عن نِجَارٍ هاشمي، وكَرَمٍ حاتمي، ودارٍ فاسي، ومنصبٍ رياسي. ولمّا انخفض قرنُ الغزالة، ولاَنَ طبعُ الهواء من بَعْد الجزالة، ولم يبق من عمر اليوم إلا القليل، وَرُقْيَةُ النسيم تتردد على الأصيل العليل، وهو يجود بنفسه، ويسلك مسلكَ أمسه، والغرب يبتلع قرصَةَ شمسه، فَهُنَا نَقْضِي الدَّيْن، ونُقلّدُ رَقْمَ العِذَارِ كلَّ أسِيل الخَدَّيْن، ونغتنم ثاني الأبردين، فرفعت الرحال من فوق الظهور، وسرنا بنَصِّ السير على المذهب المشهور، وتركنا البيناتِ إلى جادة الجمهور، وقلت أيها الرفيقُ البَرُّ الصحابة، الأغرُّ السحابة، إن الشُقَّة بعيدة، والمَشَقَّةَ مُبْدِيَةٌ مُعيدة، ولا يُستعان على المراحل إذا سطت واستطالت، وليالي السُّرى إذا تَمَطَّتْ وطالت، إلا بتقارب الأخبار المنقولة، والآداب المهذبة المصقولة. فقال: أَثِرِ الكامن، وازْجُرِ الميامن، وابغِ الفَلك الثامن، واطلبْ غريم الغرائب، وأنا الضامن. قلت: أفسح لي مجالَ غرضك، واشرح لي معنى جَوْهَرِك وعَرَضِك، وَطِيَّةَ سفرك وعَوْدِكَ بِظَفَرِكَ إلى نَفَرِك. فقال أنا كالشمس أَجُوبُ هذه المنازل مرة في كل سنة، وأُحْصِي كلَّ سَيِّئَةٍ وحسنة، أطوي الفلاة، وأُبَهْرِجُ الوُلاة، فهم يرقبون النّوْبَة ويتوقعون الأوْبَة ويستعدون لخروج دابتي التي تُكلِّمُهُم بالإقلاع والتوبة، فأُسْعِطُ الأنوف، وأنتزع حتى الشنوف، وأُحَكِّمُ لساني فيمن ينساني، وأجود بظلِّ نيساني مَنْ يُقِرُّ إنساني، وأداول بين إساءتي وإحساني. وأتصدى للهدية الوِدِّية، وآنفُ من العطية البَطِيَّة، وأُوسِعُ البخيلَ هَجْرَاً وأُسْمِعُه هُجْرَاً. وأُقَرِّظُ مَنْ كَرُمَ نَجْرَاً، وَوَضَح فجراً، [قُلْ لاَ أَسْألُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً] . فلا أزال أطلق عنانَ الصولة في جو الجولة، مُستظهراً بوسيلة البيت ومنشور الدولة، أَسْلُو الخاملَ في تَرَفُّهِ النبيه، وأحكمُ للشبيه بحكم الشبيه ولا أقبل عذراً لبطئ ولو شغلته خِفَارَةُ أبيه، أهجم هجوم السيل بالليل، وأجُرُّ على البيوت فضلَ الذَّيل، وأتَقَلَّبُ تَقَلُّبَ الفَلَكِ بين الاستقامة والمَيْل، وأَزِنُ كل بضاعة فأبْخَسُ في الوزن أو أُطفف في الكيل، وأُغررُ غرة الصباح بغرر الخيل، ولو على حي عامر بن الطفيل، وأرحل عن الحلة وقد هَمَدَتْ بعد ارتجاجها، وَسَكَنَتْ قَسَاطِلُ عَجَاجِها، وَصَمَتَ أَذينُ دَجَاجِها. وَفَلِيَتْ على الحرس رءوسُ مَحَاجِّها. وأعودُ والصُّرة لا يجتمع مِغْلاَفُها، والبِدْرَةُ لا يُقِلُّهَا مِعْلاقُها، والعِيَابُ، يَصْعُبُ معها الإياب، وتبرز من خلال أستارها الثياب، والخيل تمرح في الأرْسَان، وتختال في السُّروج المحلاة والجِلاَلِ الحسان. قلتُ لَعَمري لقد اتصل نطاق الكلام، وطال مدى التلاوة بين هذه الإقامة والسلام، فأَعرِضْ لي القوم عرضاً، وصِف الموارد عَمْداً وفرضاً، وميز الهمم سماءً وأرضاً، وأخبِط العُصاةَ بعصاك حتى ترضى. فقهقه قهقهة الشقشاق، وتأوه تأوه العشاق، وكأنما كانت حاجةً في نفسه فقضاها، وعزيمةً يتجاذبها الكسل فأمضاها، فشام نصاله وانتضاها وقال خذهم بالتلابيب واجتثَّهم بِحُجَزِ الجلابيب، وَعِثْ عَيْثَ الغزالة وَشَبِيب في كل عرف وسيب، وابدأ بمن تريد. وارسل شهابَ فكرِك خلف كل شيطان مَريد، وَمَنْ غاب
(1/41)

عنك فخيل البريد. قلت: الحضرة وجُباتها، والمزرعة العظمى ونباتها وأفْتَتحُ الصرائمَ بمحمد بن أبي القاسم. فقال: شيخٌ موقَّرٌ، والمنصِب ما لم يصُنه مُحَقَّر، مُرْعٍ على رُتب الخدمة. قديمُ الاصطناع والنعمة، مؤتمنٌ على الحساب منتسِبٌ للأمانة أتمَّ الانتساب، نبيهُ العَقَار والاكتساب، مُوجِبٌ حقَّ أُولِي الأحْسَاب قلت) بياض (قال فارسُ زِمام، ومتمسك بذمام، ومُصَلٍّ خلف إمام. يناقش ويدقق ويعاود ويحقق، وهو عن الصَّبوح يرقق. فغريمه مُتعَب. مهما عسَّر وصَعَّب، واستوفى واستوعب:
كَعُصْفُورَةٍ في كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُهَا ... تَرودُ حِيَاضَ المَوْتِ والطِّفْلُ يَلْعَبُ
وعلى الرتبة الشماء. والخُلُق اللطيفة كالماء، فبينه وبين ابن عمّه ريحانة الكرماء وشهاب الظلماء ما بين الحروف والأسماء، لا بل بين الأرض والسماء:
وقَدْ يُسَمَّى سَماءَ كلُّ مُرْتَفَعٍ ... وإنَّمَا الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ
قلت) بياض (قال: خدوم، وقاضي سَدوم، وموجود معدوم، مَخِيلٌ بالنُّبْل، ومحيد عن السُّبْل، ويخلط أرضاً وسماء، ومُسَميّاتٍ وأسماء، يحسَبه الظمآن ماء. قلت: فابن القوار؟ فقال: شختور يسبح، وقصاب يذبح، وتاجر في كل نفس يربح، انسحب عليه القبول من لَدُن صباه، وصاح به الجَدُّ فلبَّاه، شأنه الدهر غمزٌ وإشارة، ونِذارة وبشارة، محظوظ مجدود، عِقْدُ حرصِه مشدود، وهو في الكُفَاةِ معدود. قلت) بياض (؟ قال: فارة، وقضاءٌ وكَفَّارة،) وبَقِيَّةٌ مما ترك آلُ موسى وآلُ هرون (تحت غفارة، وبعوضة في الآذان، تغني عن الاستئذان، وتَطْرُق حتى سُباتِ الإقامة والأذان، قادرٌ على تلفيق الثبوت، وحملِ اليهود على نِسيان السُّبوت، يرى الحكمة خَبِيثَةَ جَيْبِه، ويشتغل بعيُوب الناس عن عيبه. قلت: فابن جَدار؟ قال: ألوفٌ ودود، أنوف عن الخُبْث صَدود، محسوبٌ من الأسرياء معدود، كثير الهشاشة والأريحية، مبذول المشاركة شائع التحية، بادي النُّبلِ والظُّرفِ، مُؤْتَمِرٌ لوَحْيِ الطَّرف، عدةٌ للعدل والصرف، ينظم الأبيات ويوضح من الفضل الغرر والشيات:
عَلَيَكَ بِكاتبٍ لَبِق ذَكِيّ ... أَديبٍ في شَمائِله حَرارة
تُشيرُ لَهُ بِلَحْظِكَ مِنْ بَعِيدٍ ... فَيَفَهم طَرْفَهُ عَنْكَ الإشارة
قلت: فالو إلى الريب؟ فشد خيشومه، واستدفع بيمن الله شومه، ثم قال: الروض الأنف، محتاج إلى الكنف. اعلم أنني على طول تجربتي، وتكرر تشريقتي وتغريبتي، لم أعثر له على شبيه، فلعنة الله عليه وعلى أبيه، الجهل والرعونة، والطلعة الملعونة، والخيانة التي يَعْرِفُها الوجود، واليد التي في غير الخَنَا لا تجود، نار الخيانة التي تأكل في اللحظة الواحدة بجِطامها، وخنجر الأمانة الذي يقد حبالها، المارنُ على النكال والعقاب، المخلُّ بالألقاب، الخاملُ البيت والهمة، الكثيرُ الذَّام القليل الذمة، ولله درُّ أبي محمد العلكوم ذي العارض المركوم حيث يقول:
لأبي الفَضْلِ بن الربيب خِلاَلُ ... شَهِدَتْ بالوفاءِ والفَضلِ فيهِ
ساقِطُ الأصْلِ عاهِرُ الفَرْجِ مُذْ كا ... نَ سَفيهاً قد بَذَّ كُلَّ سَفيهِ
ذي مُحَيَّا مِن الحياءِ عَديمٍ ... وَقَفاً ممتل وشَكل كَريهِ
سُلْحُفَاةٌ قد عُمِّمَتْ وجراز ... في رداءٍ مُوَشَّعٍ يَلْويهِ
يَحمِلُ السَّرْجُ منه دَنَّ رَجِيعٍ ... يَعْرِفُ الناسُ ذَوقَهُ مِنْ فِيهِ
حَجَّرَ اللهُ جُودَهُ ونَدَا كَفّيْ ... هِ إلاَّ عن أَسوْدٍ يَشْفِيهِ
فهو لا يَسْتَكِفُّهُ مِنْ بَلاءٍ ... ومجابي البلاد لا تَكْفِيهِ
قلتُ للنَاسِ والسُّؤَالُ شِفَاءٌ ... وهوَ قِدْماً شأنُ النبيلُ النَّبيهِ
(1/42)

لِمَ يُدعى بابنِ الرَّبيبِ فقالوا ... كانَ يَزْني بِأُمِّهِ ابنُ أبيهِ
أبْعَدَ اللهُ ذلِكَ الوَجْهَ مِنْ كُلِّ ... مَقَامٍ بَرٍّ وَقَدْرٍ وَجيهِ
وكأني به وقد بَثَرَتْ منه ... يَدُ الذُّلِّ غَلْطَةَ التنويهِ
تنزع السِّتْرَ عنه سَخْطَةُ رَبِّ ... لم يَدِنْهُ يَوْماً بِمَا يُرْضيهِ
قَدْ أهالَتْ منه السِّيَاطُ كَثِيباً ... وأَلَمَّتْ رَمْلَهُ رِيَاحُ التِّيِهِ
وَرَسَتْ مِنْهُ في الأداهِمِ رِجْلٌ ... ودَّعَتْهَا نَضَارَةُ التَّرْفيهِ
كانَ عاراً على الوُجُودِ ومَنْ يُبْ ... لَى بعارٍ وكَيْفَ لا يَخْفِيهِ؟
عادَةُ اللهِ كُلَّما اعْتَزَّ بَاغٍ ... بِضَلالٍ فإنه يُكْبِيهِ
قلت) بياض (قال شُعْلَةٌ منْ ضِرَام، ودُمَّلٌ من أَوْرَام، ولا بد لكل شيء من انصرام:
سَعِيدُ الدَّارِ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ ... وَطَرْحُ الكَلْبِ خَيْرٌ مِنْ سَعِيدِ
قلت فوالي مكناسة عبد الله بن محمد؟ فقال: صاحب هَدْي وسَمْت وطريقةٍ غير ذاتِ عِوجٍ ولا أَمْت، متصفٌ بعفافٍ، واشتمالٍ بالطهارة والتفاف، مع عدل وإنصاف، وامتياز بالخير واتصاف، مُعْتَدُّ الجود، واضعٌ إياه في ضرورات الوجود، كثيرُ الضيف، مُطْعِمٌ في الشتاء والصيف، أَمِنَ جارُه من الحيف، يرعى الوسيلةَ ولا ينساها، ويصل مَغْدَى الصنيعة بِمُمْسَاها، فإذا ذكرتَ الخيار فاذْكُرْهُ فيها، وحْسُب الولاية به فخراً ويكفيها، لا تسمع النجوى مجالسُه، ولا تَضُمُّ الخَنَا سقائفه. قلت) بياض (فقال: إنْهَدْ، وفي غير الكبار لا تَجْهَدْ، ودَعْنَا من الحضيض الأَوْهَد، فالأمر أَزْهَد، ولا تَعُد إلى مثلها والله يشهد. قلت:) بياض (وهو لعمري مسلس القياد، وحنيب جياد، فلم يَفُهْ بِبِنْتِ شفه، لا أدري، أبِرِضىً أم أَنَفَة. قلت: فزكريا بن يحيى؟ قال: مُقيمُ رَسْم، وممتازٌ من الشهرة بوسم، ورجلٌ عاقل، وجَالِي صفحات البِرِّ وصاقل، ومتماسك عن الغاية متثاقل، لا بفصاحة سَحْبَانَ ولا بِعِيِّ باقل، يروقك لقاؤه، ويُعْجِبُك خوانه وسقاؤه، ويُثني على خُلَّتِهِ أصدقاؤه. قلت: فأخوه الأحسن بأزمور؟ قال: دُرَّة بيتهم، وغُرَّةُ كُميْتِهِم، ومشكاةُ زيتهم، منزلُهُ مَتْرَعُ جِفَان، ومَحطُّ ضيفان، يركب المطية، ويمهد الأريكة الوطيّة، ويُتبع بالعذر أثر العطية غير البطية، ويجدد العهد بالعصابة البَرْمَكِيَّة، وأخبارهم المَحْكِيّة. قلت فوال تيط، ابن بطان؟ قال: كوكب سَحَر، وكريم قرى ونَحَر، وأَبْهَتَ وسَحَر، ما شئت من ترتيب وتقدير، وخليق بالبر جدير، وروض وغدير، وخَوَرْنَق وسَدِير، هذَّب الأدبُ خُدَّامه، وأطاب الاحتفال خبزه وأَدامه، إلى عطاء يحسب الأمل، ويثقل الناقة والجمل، عَضَّه الدهر فما عضَّ من طباعه، واستأثر بماله ورباعه، وتركه فريسة بين سباعه، فما حطَّ من همته ولا قصَّر من باعه:
وطَالَمَا أُصْلِيَ اليَاقُوتُ جَمْرَ غَضىً ... ثمَّ انْطَفَى الجَمْرُ واليَاقوتُ ياقوتُ
(1/43)

قلت، فمشرف دُكَّالة اللحائي؟ قال: أمين، وذخر ثمين، وشمال للنصيحة ويمين، أي صدر سليم، وتفويض وتسليم، وسَرْوٌ عميم، ومَرْعى للفضل جميم، يَقْنَعُ بالمُصَاصة ويؤثر على الخصاصة، ويحافظ على القُلامة والقُصاصة، قلت) بياض (قال: لفظ بلى معنى، وشجر بلا مَجْنَي، مَرُوَّتُهُ سقيمة، وسَرَوَاتُه عقيمة، مدين، الحرمان له خدين، لا يُحمد قِراه، ولا تُمْسِك البُلالة ثراه، وإن تسمع بالْمُعَيْديِّ لا أن تراه. قلت: فالغفاري بمَرَّاكُش. قال: حُمول الكلفة، كثير الألفة، أخلاقه وَطِيَّة، وهو قَعود ذَلولٌ ومطية. قلت فالوالي الكبير محمد بن أبي العلي؟ قال: سورة الفضل والكمال، ومعنى الجلال والجمال، وسيف الجباية والمال، وحجُّ العفاة وكعبة الآمال، العَفّ الإزار، ذو المواهب الغزار، ما شئت من حياء ووقار، واهتضام للعرَض الأدنى واحتقار، يَهبُ الجزيل، ويكرم النزيل، ويحكِّم السنة والتنزيل، اسم لو سبق الزمانَ زمانُه، وانتظم في سلك العهد المتقادم جُمانه، لَمَا كان لكعب من عُلُوِّ كعب، ولا ساعد ابن سُعدى ذكر، ولا أُعْمِلَ في مدح هرم بن سنان فكر، ولَطُوِيَ حاتم طيئ فلم تأخذه يد النشر إلى الحشر، ولا عُمِلَت في أخباره يد الإضراب والبَشْر، فهو العامل العالم، والعادل الذي تُكَفُّ به المظالم، والبحر الذي ما دونَه بُلالة، والكفاية التي ما سواها عُلالة:
مَدَحْت الوَرَى قَبْلَهُ كَاذباً ... وما صدَقَ الفجرُ حتى كَذَب
فإن طرقتَ منزله هشَّ ورحب، وتبسط جالباً للأنس وتسحب، وحكَّم كمالَه، وألقى قبل الوسادة ماله، فهو حسنة الدولة الغراء، وطِرَاز حُلَّتِها السِّيَرَاء، وحديثها المنقول، وصفيحها المصقول، ولله درُّ الذي يقول:
سَلِينِي عَنِ النَّدْبِ وَالِي الوُلاَة ... فإنِّي عَلَى وَصْفِهِ قَادِرُ
مُخَدَّرَةٌ في سَبِيلِ الحَيَاءِ ... ويَوْمَ الوَغَى أسدٌ خَادِرُ
ولما بلغ هذا الحد كأنما كان ثوب الحديث على جسد الرحلة مقدوداً، وعدده مع أميالها المحسوبة معدوداً، أتى السير منه على القواعد والفروق، وانتهب عمر الليل إلى الشروق وكان آخره بباب المحروق، وجعل كلٌّ وَجْهَه إلى داره، وعاد إلى مركزه عَقب مداره، وعَلِق بقلبي كلامُه، فاستقر في اختزانه، فأنا أزن القوم بميزانه، والله يتغمد ما يُوَاقُعه العبد من هفوة لسانه، ويغَطّي الإساءة بإحسانه.
ومن المنظوم الصادر لهذا العهد، ما خاطبت به المقام السلطاني المستعيني في غرضي المعروف:
عن بابِ والِدِكَ الرِّضَا لا أبْرَحُ ... يَأْسُو الزَّمانُ لأجْلِ ذَا أَوْ يَجْرحُ
ضُرِبَتْ خِيَامِي في حِمَاهُ فصِبْيَتي ... تَجْني الجَمِيمَ بِهِ زَبَهْمِي تَسْرَحُ
حتَّى يُرَاعَى وَجْهَهُ في وِجْهَتِي ... بِعِنايَةٍ تَشْفِي الصُّدُورَ وتَشْرَحُ
أَيَسُوغُ عن مَثْواهُ سَيْرِي خائِباَ ... ومنابِرُ الدُّنْيَا بِذِكْرِكَ تَصْدَحُ
أنا في حِماهُ وأنتَ أبْصَرُ بالَّذي ... يُرْضيهِ مِنْكَ فَوَزْنُ عَقْلشكَ أَرْجَحُ
في مِثْلِها سَيْفُ الحَمِيَّةِ يُنْتَضَى ... في مِثْلِها زَنْدُ الحَفِيظَةِ يُقْدَحُ
وعَسَى الذي بَدأَ الجَمِيلَ يُعِيدُه ... وعَسَى الَّذِي سَدَّ المّذَاهِبَ يَفْتَحُ
وخاطبت السيادة الخطيبية في الغرض المذكور بما نصه:
بَرِئْتُ للهِ مِن حَوْلي ومِن حِيَلِي ... إنْ نامَ عَنِّي وَلِيِّ فَهُوَ خَيْرُ وَلِي
أصبحت مَا لِي مِنْ عَطْفٍ أُؤمله ... مِنْ غَيْرِهِ في مُهِمَّاتٍ ولا بَدَلِ
ما كنتُ أَحْسِبُ أنْ أُرْمَى بقاصية ... للهجر أقْطَعُ فيها جَانِبَ المَلَلِ
من بعد ما خَلَصَْ نحوي الشفاعة ما ... بين الفَلاَ والدجى والبيض والأسل
لكان كَرْبيَ قد أفضَى إلى فرج ... حُزْنِيَ قد أوْفَى على جَذَلِ
أَلْمَمْتُ بالعتْبِ لم أَحْذَرْ مَوَاقِعَهُ ... ) أنا الغَرِيقُ فما خَوْفِي منَ البَلَلِ (
ولَسْتُ أجحد ما خُوِّلْتُ من نِعَمٍ ... لكنها النفسُ لا تَنْفَكُّ عن أَمَلِ
ولستُ أيأس من وَعْدٍ وُعِدْتُ بِهِ ... وإنما) خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلِ (
(1/44)

وخاطبت المقام المولوي السلطاني وقد بذل نصفة وعدلاً من جملة تشتمل على نظم ونثر:
أنْتَ للمسلمينَ خَيْرُ عِمَادٍ ... وملاذٍ وأي حِرْزٍ حَريزِ
لَوْ رَأَى ما شَرَّعْتَ للخَلْقِ فِيهِ ... عُمَرُ الفاضِلُ ابنُ عَبْدِ العَزِيزِ
لَجَزَى مُلْكَكَ المُبارَكَ خَيْراً ... وَقَضَى بالشُّفُوفِ والتَّبْرِيزِ
فاشْكُر اللهَ ما اسْتَطَعْتَ بِفِعْلٍ ... وبِقَوْلٍ مُطَوَّلٍ أَوْ وَجِيزِ
كُلُّ مَلْكٍ يُرَى بِصُحْبَةِ أَهْلِ العِ ... لْمِ قَدْ بَاءَ بالمَحَلٍّ العَزِيزِ
فإِذَا ما ظَفِرْتَ مِنهُمُ بإِكْسِ ... يرٍ مَلأْتَ البلادَ مِنْ إِبْريزِ
والبَرَايَا تَبِيدُ والمُلْكُ يَفْنَي ... أَيْنَ كِسْرَى المُلُوكِ مع أَبْرَوِيزِ
وأنشدتُ ابني عبد الله، وقد وصل لزيارتي من الباب السلطاني، حيث جرايته ووظيفته، وانجرَّ حديثُ ما فُقِد بغرناطة في شجون الكلام:
يَا بُنيَّ عَبْدَ الإلَهِ احْتِسابَاً ... عَنْ أَثَاثٍ ومَنْزِلٍ وعَقَارِ
كَيْفَ يَأْسَى على خَسَارةِ جُزْءٍ ... مَنْ يَرَى الكُلَّ في سَبيلِ الخَسَارِ
هَدَفُ لا تَنِي سَهَامُ اللَّيَالي ... عَنْ سِبَاقٍ تِجَاهَهُ وَبِدَارِ
وَاحدٌ طَائِشٌ وثَانٍ مُصِيبٌ ... ليس يُنجى منها اشتمالُ حِذَارِ
غير ذي الدار صَرِّفَ الهَمّ فيها ... فمناخ الرحيل ليس بدار
وأنشدته وأمرته بحفظه والتأدب به، واللَّهَجِ بحكمته:
إذَا ذَهَبَتْ يَمِينُكَ لا تُضَيِّع ... زمانَكَ في البكاء على المُصِيبَة
ويُسْرَاهَا اغتنم فالقوس تَرْمِي ... وما تدرِي أرشقتُها قريبة
وما بغريبةٍ نُوَبُ الليالي ... ولكنَّ النَّجَاةَ هي الغريبة
ومن المنظوم في قريبٍ من هذا:
أيا أَهْلَ هذا القُطْرِ ساعده القَطْرُ ... دُهِيتُ فَدُلُّونِي لمن يُرْفَعُ الأمرُ
تَشَاغَلْتُ بالدنيا ونِمْتُ مُفَرِّطاً ... وفي شُغُلِي أو نَوْمَتِي سُرِقَ العُمْرُ
وقلت وقد انصرف عني الولد إلى مدينة فاس لإقامة رسمه من الخدمة، وأشجاني انصرافُه لوقوع قَرحة على قرح والله المستعان:
بَانَ يَوْمَ الخَمِيسِ قُرَّةُ عَيْنِي ... حَسْبِيَ الله أيُّ مَوْقِف بَيْنِ!
لَوْ جَنَي مَوْقِف النَّوى حَيْنَ حَيِّ ... كان يومَ الوداع والله حَيْنِي
ضَايَقَتْنِي صروفُ هَذِي اللَّيالِي ... وأَطَالَتْ هَمِّي وأَلْوَتْ بِدَيْنِي
وَطَنٌ نَازِحٌ وشَمْلٌ شَتِيتٌ ... كَيْفَ يَبْقَى مُعَذَّبٌ بَيْنَ ذَيْن؟؟
يَا إلَهِي أَدْرِك بِلُطْفِكَ ضَعْفِي ... إنَّ ما أَشْتَكِيهِ لَيْسَ بِهَيْن
ومن أبيات في المدح وتضمنت معنىً غريباً:
كأنما قِرنُهُ في صَفْحِ مُرْهَفِهِ ... قُرْبَان هِنْدٍ أَتَى يسْعَى عَلَى قَدَمِه
تبدو به في مبادي الأمر صورتُه ... وتغلِب النارُ إذ يكسو شعاع دمه
ما زال قربانُ نارِ الهند معتقَداً ... في الدّهْر أن الوجود الحقَّ في عدمه
ومن المقطوعات في النسيب:
أرسلت عيني في حُلاَك بنظرة ... هي كانت السببَ الغريبَ لما بي
وأراك بالعَبَرات قد عاقبتها ... ليس الرسولُ بموضع لعِقاب
ومن الأغراض الغريبة:
كأنما الغَيْثُ مَلْكٌ ... يَبْآى به جُلَسَاهُ
يُرْضِي النديمَ فمهما ... سقى الرياضَ كساه
وخاطبت السيادة الخطيبية مع طَيْفُور طَعَام:
تعَلَّمَ طيفوري خِلالَ سَمِيِّه ... وإنْ كان منسوباً إلى غير بِسْطَامِ
وجاء فقير الوقت لابِسَ خِرْقَةٍ ... فليس براضٍ غير صحبة صَوَّامِ
فَدَيْتُكَ لا تَرْدُدْهُ عنك مُخَيَّباً ... ودَرِّسْهُ يا مولاي قِصَّةَ بِلْعَامِ
ونظمت في هذه الأيام موشحتين استطردت فيهما إلى مدح السلطان تنويعاً في الوسائل وسَبْراً للقريحة، إحداهما:
د قامت الحُجة ... فليعذر العاذر فالعذل لا يُجدي
شيئاً سوى الكرب ... وشِقْوة الخاطر وشدة الوجد
حدِّثْ عن السُلوانْ ... أو شئتَ يا صَاحِ حدث عن العنقا
(1/45)

إنهما سِيَّان ... فليُقْصِرِ الَّلاحِ عمن شكا العِشقا
قد عزني الكتمان ... فبان إفصاحِ ببعض ما ألقا
من صَادقِ اللهجة ... وسْنَان عن ساهر لِمْ يُبْلَ بالصدِّ
مُنَزَّه القلب ... مُبَرَّأَ الناظر عن حالةِ السُّهد
عُذّب بالتيه ... قلبي وبالبَيْنِ فلم أطق صبرا
ظبيٌ تَجَنِّيهِ ... ما كان بالهَيْنِ قد واصل الهجرا
مُكَمَّلٌ فيه ... مسْرَحةُ العين قد أخجل البدرا
في طرفه حجَّة ... للفاتن الساحر ونافث العَقْدِ
يَذهَب باللُّب ... محكِّمُ السادر في الحُرِّ والعبد
ناديت في الظلمة ... يا مالك الملك يا دافعَ البلوى
فَرِّج لِيَ الغمة ... أنت الذي تُشْكِي مَنْ أعلَنَ الشكوى
بمن طوى الهمَّة ... لِطِيَّةٍ يبكي ويعلن النجوى
في عشر ذي الحجة ... من راكش سائر للعلَم الفرد
مغتفر الذَّنب ... معتمرٌ زائر مُبَلّغ القصد
مذ جال في سمعي ... فراقه حقاً ظَلِلْت كالهائم
كأنما دمعي ... يَهمي فلا يَرْقا جودُ أبي سالم
معالِجُ الصَّدع ... والعروة الوثقى وقامع الظلم
ومُصْمتُ الضجَّة ... ومُطفئ النَّائر ومُوضِحُ الرُّشْد
خليفة الرَّب ... والباذخ الفاخر بالأب والجَدِ
الواهب الأَلْفِ ... تأتي معاليه من رجْعِهِ الطرفا
وخارق الصف ... إلى أعاديه إن شاهد الزَّحفا
ومُرْسِلُ الحتف ... فمن يناويه يصادم الحتفا
والأرض مرتجة ... بالعسكر الزاخر قد ماج بالجُرد
وغُصَّ بالقُضْبِ ... والصارم الباتر والحَلَقِ السَّردِ
من فاز بالسَّبق ... في رفعة القَدْرِ والمنصب الأسمى
وفاق في الخَلْقِ ... والخُلُقِ البَرِّ والسيرة الرُّحْمَى
ذو منظرٍ طلْقِ ... مؤيّضدُ الأمر مُسَدَّدُ المرمَى
إذا امتطى سرجه ... فالقمرُ الراصد لعين مستهد
ومخجلُ السحْب ... في العارض الماطر إن جاد بالرِّفْدِ
عُلاهُ لا تُحْصَى ... والشرطُ والثُّنْيا دَأْباً ينافيها
لو مُثّلَتْ شخصاً ... لغالت الدنيا بالحق تُعييها
دولته اختصَّا ... تأنق العليا بكل ما فيها
بدائع البهجة ... ونزهة الخاطر وجنَّة الخلد
وراحة القلب ... وبغية الناظر في ذلك الخدِّ
والأخرى:
يا حاديَ الجمال ... عرج على سلا قد هام بالجمال قلبي وما سلا
عرج على الخليج ... والرمل والحِمَى
في المنظر البهيج ... بالبِيض كالدُّمَى
والأبطح النّسِيجِ ... من صَنْعَةٍ السَّما
لله من جلال ... تختال في حُلا لم تُلف في اعتدال عنهنَّ مَعْدِلا
وطف من الرباطِ ... بركن طَائِفِ
بمنزل اغتباط ... دار الخلائف
مُقَدَّسِ المواطِ ... جم العوارف
كم من سنا هلال ... بأُفْقِهِ انجلى أنحى على الصلال فانجاب واجتلى
جَنَي النعيم دانِ ... والبحر والغدير
أَهِلَّةُ الشَّوانِي ... في أفقه تسير
وقهوة الدنان ... يديرها مدير
أغرُّ كالغزال ... مُقَلَّد الطُّلا يسطو ولا يبالي بالأسْدِ في الفلا
أَوْلَى إليك أوْلاَ ... من ذكر معهد
أكثرت فيه قولاً ... في كل مشهد
خُذْ في امتداح مولا ... نَدْبٍ مؤيَّدٍ
مُمَجَّد الجلال ... مشهَّرُ العُلا قد فاق في كمال وراق مُجْتًلا
موافق الخليل ... في الاسم والسمات
ذي المنظرِ الجميلِ ... الرايق الصفات
مُكرِّمُ الدخيل ... ومُجزل الهبات
ومُحْسِب النوال ... لمن توسلا ورافع المعالي سحباً مظللا
(1/46)

يا من عُلاهُ دَرَّتْ ... بكل نائل
خذها إليك جَرَّت ... ذَيْلَ الخمائل
وفي حُلاك أزرت ... بِقَوْلِ قائل
يا منزل الغزالِ ... حُييتَ منزلا فما أُرَى بسال عنه وإن سلا
وكتبت إلى السيادة الخطيبية، وقد وصل ولدها إلى سلا، ومنعني عن لقائه عذر من مرض، وكان نزوله بزاوية النساك
صدّني عن لقاء نجلك عذر ... يمنع الجسم عن تمام العباده
واختصرت القِرى لأن حط رحلاً ... في محل الغنى ودار الزهاده
ولو أني احتفلت لم يُعِن الدهر ولا نلت بعض بعضٍ أراده
وعلى كل حالة فقصوري ... عادة إذ قبولك العذر عاده
لا عدمت الرضى من الله والحسنى ... كما نص وحيه والزياده
وخاطبت من قَصَّر في حاجتي:
من لا نصيبَ لصحبه في خَيْرِه ... وإذا سَعَى لم يَقْضِ حاجةَ غيره
فاقصد أباهُ متى أردتَ وقُلْ لَهُ ... اللهُ يُلهِمُهُ العزاءَ بأَيْرِه
وقلت في غرض التورية أَرثي أحد الفضلاء بالعدوة واسمه الحسن:
أشكو إلى الله من بَثِّي ومن شَجَنِي ... لم أَجْنِ مِنْ مِنَحِي شيئاً سِوَى مِحَنِ
أَصَابَتْ الحَسَنَ العَيْنُ التي رَشَقَتْ ... وعادةُ العَيْنِ لا تُضْمِي سِوَى الحَسَنِ
ومما راجعتُ به أحد الفضلاء عن مكاتبةٍ وردت منه:
يا من تقلد للعَلاَءِ سُلوكاً ... والمَجْدُ صَيَّر نَهْجَهُ مَسْلُوكَا
كاتبته متفضِّلاً فَمَلَكْتَني ... لا زلتُ منك مُكاتَبَاً مملوكا
وأطلَّت ليلة الميلاد المعظم بوقع العمل على رسم ما قبله، ونظمت قصيدة وجهت نظيرها إلى الباب السلطاني، تولَّى الولد النيابة في عرضها مُعطفة - والفضل لله - جانبَ التقديم مُحْصبَة التنفيق، معقبة بسَنِي الخلعة وهي:
تَأَلَّقَ نَجْدِيَّاً فَأَذْكَرَنِي نَجْدَاً ... وهاجَ بي الشوقَ المُبَرِّحَ والوَجْدَا
وَمِيضٌ رأى بُرْد الغمامة مُغْفَلا ... فمدَّ يداً بالتير أعلمت البُرْدَا
تبسَّم في بحرية قد تجهمت ... قما بذلت وصلاً ولا ضربت وعدا
وراودَ منها فاركاً قد تمنَّعت ... فأهوى لها نصلاً وهددها رعدا
وأغرى بها كفَّ الغلابِ فأصبحَتْ ... ذَلُولاً ولم تسطِعْ لإمرته ردا
فحُلَّتها الحمراء من شَفَق الضحى ... نَضَاها وحلَّ المُزْن من جيدها عقدا
لك الله من برقٍ كأّنَّ وميضَهُ ... يد الساهر المقرور قَدْ قَدَحَتْ زندا
تعلَّم من سكانه شِيمَ الندى ... فغادَرَ أجراع الحمى روضةً تَنْدَى
وتوَّج من نُوَّارها قُنَن الرُّبَا ... وخَتَّم من أزهارها القُضُبَ المُلْدَا
لسرعان ما كانت مناسفَ للصَّبا ... فقد ضحكت زهراً وقد خجلت وردا
بلادٌ عهدنا في قرارتها الصِّبا ... يقلُّ لذاك العهد أن يألف العهدا
إذا ما النسيم اعتلَّ في عَرَصَاتِها ... تناول فيها البانَ والشِّيحَ والرندا
فكم في مجاني ورْدها من علاقة ... إذا ما استثيرت أرضها أنبتت وَجْدَا
أو استشعرتْهَا النفسُ عاهدت الجوى ... أو التَمَحَتْهَا العينُ عاقرت السُّهْدَا
ومن عاشقٍ حرٍ إذا ما استماله ... حديثُ الهوى العُذريِّ صيَّرَهُ عبدا
ومن ذابل يحكي المحبين رقة ... فيثنى إذا ما هبَّ عَرْفُ الصَّبا قَدَّا
سقى الله نجداً ما نَضَحْتُ بذكرها ... على كبدي إلا وجدت لها بردا
وآنسَ قلبي فهو للعهد حافظٌ ... وقلَّ على الأيام مَنْ يحفظ العهدا
صبورٌ وإن لم يبق إلا ذبالةٌ ... إذا استقبلت مَسْرَى الصبا اشتعلت وقدا
خفوقٌ إذا الشوقُ استجارَ كتيبةً ... تجُوسُ ديارَ الصبر كان لها بَنْدَا
وقد كنتُ جَلْداً قبل أَنْ يُذْهِبَ النَّوى ... ذَمائي وأن يستأصل العَظْمَ والجلدا
أأَجْحَدُ حقَّ الحُبّ والدمعُ شاهدٌ ... وقد وقَع التسجيلُ من بعد ما أدى
تناثر في إثر الحُمُول فريده ... فلله عينَا مَنْ رأى الجوهر الفردا
جَرَى يَقَقاً في ملعب الخَدِّ أَشْهَبَا ... وأجهده رَكْضُ الأسى فجرى وَرْدَا
(1/47)

ومرتحلٌ أَزْمَلْتُ دَمْعِيَ خلفَه ... ليُرْجِعَهُ فاستَنَّ في إثره قصدا
وقلتُ لقلبي طِرْ إليه بِرُقْعَتِي ... فكان حَمَاماً في المسير بها هُدَّا
سرقتُ صُوَاع العزم يوم فراقه ... فلجَّ ولم يرقب سُوَاعاً، ولا وُدَّا
وكحلت جفني من غبار طريقه ... فأعقبها دمعاً وأورثها سُهْدا
لِيَ الله كَمْ أَهْدِي بِنَجْدٍ وحاجر ... وأكْنِي بدَعْدٍ في غرامي أو سُعْدَى
وما هو إلا الشوقُ ثار كمينُه ... فأذهلَ نفساً لم تُبِنْ عنده قصدا
وما بِيَ إلا أن سَرَى الركبُ مَوْهِناً ... وأعمل في رملِ الحمى النصَّ والوَخْدَا
وجاشت جنودُ الصبر والبَيْن والأسى ... لَدَيَّ فكان الصبرُ أضعَفَها جُندا
ورُمْتُ نهوضاً واعتزمت مودّعاً ... فَصَدَّنِي المقدارُ عن وِجْهتي صَدَّا
رقيقٌ بدت للمشترين عُيُوبُه ... ولم تلتفت دعواه فاستوجَبَ الرَّدَّا
تخلف مني ركب طيبة عانياً ... أما آن للعاني المُعَنَّي بأن يُفْدَى
مخلَّفُ سِرْبٍ قد أُصيب جناحُه ... وطِرْنَ فلم يسطِع مَرَاحاً ولا مَغْدَا
نشدتك يا ركبَ الحجاز تضاءلت ... لك الأرضُ مهما استعرض السَّهْبُ وامتدا
وَجَمَّ لك المرعى وأذعنت الصُّوَى ... ولم تفتقد ظلاًّ ظليلاً ولا وِردا
إذا أنت شافهتَ الديار بطِيبةٍ ... وجِئْتَ بها القَبْرَ المُقَدَّسَ واللَّحْدَا
وآنسْتَ نوراً من جَنَابِ محمدٍ ... يداوي القلوب الغُلْفَ والأَعْيُنَ الرُّمْدَا
فَنُبْ عن بعيد الدار في ذلك الحِمَى ... وأّذرِ بِهِ دَمْعاً وَعفِّرْ به خَدَّا
وقلْ يا رسولَ اللهِ عبدٌ تَقَاصَرَتْ ... خُطَاهُ وأَضْحَى من أَحِبّتِهِ فَرْدا
ولم يستطع من بعدِ ما بَعُدَ المَدَى ... سوى لَوعةٍ تعتاد أو مدحة تُهْدَى
تَدَارَكْهُ يا غَوْثَ العِبَادْ برحمةٍ ... فجودُك ما أجدى وكفُك ما أَندى
أجار بك الله العباد من الرَّدَى ... وبوَّأَهم ظِلاًّ من الأمن مُمْتدَّا
حَمَى دِينُكَ الدنيا وأقطعك الرضا ... وتَوَّجَكَ العَلْيَا وألبَسَكَ الحمدا
وطَهَّر منك القلبَ لما استخصه ... فَجَلَّلَهُ نوراً وأَوْسَعَهُ رُشْدَا
دَعاه فما ولَّى، هَدَاهُ فَمَا غَوَى ... سقاه فما يَظْمَا، جَلاَهُ فما يَصْدَا
تَقَدَّمْتَ مُخْتَاراً تأخَّرْتَ مَبْعَثاً ... فقد شملت علياؤك القَبْلَ والبَعْدَا
وعلةُ هذا الكَوْنِ أنت، وكلما ... أعاد فأنت القصدُ فيه وما أبدا
وهل هو إلا مظهرٌ أنت سرُّه ... ليمتاز في الخلق المكِبُّ من الأهْدَى
ففي عالمِ الأسرار ذاتُك تَجتلِي ... ملامحَ نور لاح للطور فانهدَّا
وفي عالَم الحِسِّ اغتديْتَ مُبَوَّأً ... لتُشفى من استشفى وتَهدي من استهدى
فما كنت لولا أن نبتَّ هدايةً ... من الله مثل الخلق رسماً ولا حدَّا
فماذا عسى يثني عليك مُقصِّرٌ ... ولم يألُ فيك الوحيُ مدحاً ولا حمدا
بماذا عسى يجزيك هاوٍ على شَفىً ... من النار قد أسكنته بعدها الخلدا
عليك صلاةُ الله يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ... وأكرمَ هادٍ أوضح الحقَّ والرُّشدا
عليك صلاةُ الله يا خيرَ راحمٍ ... وأَشفَقَ من يَثني على رأفةٍ كبدا
عليك صلاةُ الله يا كاشفَ العمَى ... وَمُذْهِبَ ليلِ الشكِ وهو قد ارْبَدَّا
إلى كم أُراني في البِطالة كانعا ... وعمريَ قد وَلَّى، وَوزْريَ قد عُدَّا
تَقَضَّى زماني في لعلّ وفي عسى ... فلا عزمةٌ ولا لوعة تهْدَا
حسامُ جبان كلما شِيمَ نَصْلُه ... تراجع بعد العزم والتزم الغِمدا
ألا ليت شعري هل أُراني ناهداً ... أقودُ القِلاَصَ البُدْنَ والضَّامرَ النَّهْدا
رضيع لبانِ الصدقِ فوقَ شِمِلَّةٍ ... مُضَمَّرةٍ وُسِّدْتُ من كورها مهدا
فَتُهْدَى بأشواقي السُّراةُ إذَا سَرَتْ ... وتُحْدَى بأشعاري الركاب إذا تُحْدَى
إلى أن أَحُطَّ الرحلَ في تُرِبك الذي ... تضوَّع نَدَّا ما رأيتُ له نِدَّا
(1/48)

وأُطْفِي في تلك المواردِ غُلَّتِي ... وأُحْسِبَ قرباً مهجةً شَكَتِ البُعدا
بمولدك اهتز الوجودُ فأشرقت ... قصورٌ بِبُصْرَى ضاءت الهُضْبَ والوَهْدَ
وَمِنْ رُعْبِ الأوثانُ خَرَّت مهابةً ... ومن هوله إيوانُ فارسَ قد هُدَّا
وغاضَ له الوادي وصبّح عزّه ... بيوتاً لنار الفرس أعدمها الوَقْدّا
رعى الله منها ليلةً أطلع الهدى ... على الأرض من آفاقها القمرَ السّعدا
وأقرض ملكاً قام فينا بحقّها ... لقد أحرز الفخرَ المُؤَثَّلَ والمجدا
وَحيَّا على شط الخليج محلةً ... يُحالف من يُلفى بها العيشةَ الرغدا
وجاد الغَمَام العَدُّ فيها خلائفاً ... مآثرهم لا تعرف الحصر والعَدَّا
عليٌ وعثمانٌ ويعقوبُ لا عَدَا ... رضا الله ذاك النجلَ والأبَ والجَدا
حَمَوْا وهُمُ في حومة البأْسِ والندى ... فكانوا الغيوثَ المستهلةَ والأُسدا
ولله ماذا خلَّفوا من خليفة ... حوى الإِرثَ عنهم والوصيةَ والعهدا
وقام بأمر الله يحمي حمى الهُدى ... فيكفي من استكفى ويعدي من استعدا
إذا ما أراد الصعبَ أغرى بِنَيْلِهِ ... صُدُورَ العوالي والمُطَهَّهَةَ الجُردا
وكم معتدٍ أردى الإله وكم تائه هَدَى ... وكم حكمةٍ أضفى وكم نعمةٍ أبدى
أبا سالمٍ دينُ الإله بك اعتلى ... أبا سالم ظِلُّ الأمان بك امتدا
فَدُمْ من دفاع الله تحت وقايةٍ ... كفاك بها أن تسحب الحَلَقَ السَّرْدَا
ودونكها مِنّي نتيجةَ فكرةٍ ... إذا استرشحت للنظم كانت صَفاً صلدا
ولو تَرَكَتْ منِّي الليالي صُبَابَةً ... لأجهدتُها ركْضاً وأرهقتُها شدا
ولكنها جَهْدُ المُقِلِّ بذلتُهُ ... وقد أوضح الأعذارَ مَنْ بذل الجَهْدَا
رَجْعُ التاريخ
ذكر أسماء بعض القادة الفارين من غرناطة إلى المغرب
وفي شهر ربيع الأول من عام اثنين وستين وسبعمائة لحق بالباب السلطاني يحيى بن عمر بن رحُّو النازع إلى إيالة الطاغية حذراً على نفسه، الشهير المحلة الثَّبْت الموقف، بقية رجال بيته حنكة واضطلاعاً ورجاحة ومعرفة باللسان الزناتي وأنساب القبيل المريني، بعد أَن اقتضى من عهد السلطان المستعين بالله أمير المسلمين، ما طابت به نفسه، وانصرف عن مستقره بأرض الروم عن مراضات، فأجمل السلطان - أيده الله - تلقيه، ونوَّه به، ورفع مجلسه، وأدنى جواره، واستدعى في المهمات رأيه، وقد لبس طور الاختصار، وتبرأ من الأتباع واختلط بالغُمار، وأصيب بإحدى عينيه، فهو يحمل فوقها قطعة من رقيق الأديم الداجي، يمسك أعلاها في عمامته وحسبك بها شَيْناً، انتفع به لاتهامه الغَضَّ من الترشيح، وغمزِه من ذيل الأبَّهة المرْدية. وتَفَوَّقَ أتباعُه وأهل بيته، فآثر ولده عثمان بن يحيى، الحمى الأنف لنفسه مزية الفضل بكثير من الخَصْل من خط وفروسيةٍ ووقار، فأقام مظاهراً سلطان الروم في حروب له على أهل ملته. وفرَّ من أهل بيته، إلى غرناطة جُملةٌ كأخيه العباس بن عمر، وجملةٌ من بني عمه كانوا وافِدَ البَراجِم على عدو الله المُنْتَزى بها، فأكْبلهم للحين، وأنْزَلَهُم بعض الأساطيل، فغَرَبَهم إلى بُجاية بعد أن استوثق من كان له فتية أو كفلاء بالرجوع على ذلك لأوَّل تَعرُّفِ تغريبهم. فاستقبلوا البيت الحرام قَسْراً تذودهم عصاه، وتأخذ أعقابَهم نقمته من غير قصد ولا نِيّة، هاضَ بذلك جناح عميدهم، وأَعْدَمَ ملك المغرب مكان الاستظهار بهم، وشمر لأول دولة الغدر عن ساعده في إحكام الهدنة وإفساد ما بين السلطان الذي جرَّ عليه النكبة، وبين سلطان الروم أيام استمساكه بوادي آش. فاتصل له سبب الحظوة وساء ظنه فأعمل الامتناع بباب ملك قشتالة، وقد توجه في شأن الخدمة بعد أن استخلص صامت ماله ونبيه سلاحه وخطير ذخيرته، فولى من القبول حظوة مثله.
(1/49)

ولحق هذا العهد في سبيل الفرار جملة من القرابة النصريين كأحمد بن محمد بن نصر المُنْبَز عُبيد ابن المولى، رجل حسن الشكل خلوب اللفظ خريج الحنكة، قذف به الاغتراب فاكتسب مراناً، وأخيه علي بن محمد، وقد مرَّ ذكره، وإبراهيم بن محمد ابن إسماعيل بن نصر يقع من المتغلب ابن ابن عم جده، صبي دسّ له عرق كفاية، عَرَسَه أبوه في آثر البقع بيت بني سَهْل، فأبَرَّ على قومه بخؤُولة كريمة وَلَقَبْل ما تقدم تغريبه، ثم قفل لأول هذه الكائنة ثم نجا جنبه فعاد أدراجه.
وممن لحق بالباب السلطاني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله ابن الحسن النباهي المخصوصُ كان على عهد الدولة المكيدة برسم الوزارة، المفوّض له في الأمور، من رَجُلٍ بعيد المدى في ميدان الأصالة، سابغ ذيْل العفاف، مكفوف اليد، أوعز إليه مخبر ألهم بالقبض عليه، فاتخذ الليل جملاً من بعض ضياعه ولحق بالإيالة المرينية. وخاطبني من سَبْتَه بما نصه مما يدل على خصْلِه: يا أيتها الآية البالغة، وقد طمست الأعلام، والغرّة الواضحة. وقد تنكرت الأيام، والبقية الصالحة وقد ذهب الكرام، أبقاكم الله تعالى البقاء الجميل، وبلَّغكم غاية المراد ومنتهى التأميل، أبَى الله أن يتمكن المقام في الأندلس بعدكم، وأن يكون سكون النفس إلا عندكم، سر من الكون الغريب، ومَعْنَي في التشاكل عجيب، أختصر لكم الكلام، فأقول بعد التحية والسلام: تفاقمت الحوادث، وتعاطت الخطوب الكوارث، واستأسدت الذئاب الأخابث، ونكث الأكثر من ولد سام وحام ويافث، فلم يبق إلا كاشح باحث، أو مكافح عابث، ويا ليت شعري من الثالث؟ فحينئذٍ وجهت وجهي للفاطر الباعث، ونجوت بنفسي ولكن مَنْجَى الحارث، وقد عبرت البحر كَسِيرَ الجناح، دامي الجراح، وإني لأرجو الله سبحانه بحسن نيتكم أن يكون الفرج قريباً، والصنع عجيباً، فعمادي أعان الله على القيام بواجبه، هو الركن الذي ما زلت أميل على جوانبه، ولا تزيدني الأيام إلا بصيرة في الإقرار بفضله والاعتداد به، وقد وصلني إلى المحروسة سبتة خطاب سيدي الأوحد الذي جَلَى الشكوك بنور يقينه، ونصح النصح اللائق بعلمه ودينه، وكأنه نظر إلى الغيب من وراء حجاب، فأشار بما أشار به على سارية عمر بن الخطاب، ومن العجب أني عملت بمقتضى إشارته، قبل بلوغ إضْبارته، فلله ما تضمنه مكتوبكم الكريم من الدر، وحرره من الكلام الحر، وأيم الله لو تجسم لكان مَلَكاً، ولو تنسم لكان مسكاً، ولو قبس لكان شهاباً، ولو لبس لكان شباباً، فحل مني علم الله تعالى محل البُرءِ من المريض، وأعاد الأنس بما تضمنه من التعريض، والكلم المزري بِقَطع الروض الأريض فقبلته عن راحتكم، وتخيلت أنه مُقيم بساحتكم، ثم وردتُ مَعِينه الأصفى، وكلت من بركات مواعظة بالمكيال الأوفى، وليست بأولى أياديكم، وإحالتكم على الله فهو الذي يجازيكم. وأما موصل كتابكم وهو صاحبنا أبو فلان فعزلني في الارتحال وكأنه لم يقرأ باب الحال فراجعته منشداً:
أيا راكبَ البحر الأجَاجِ مُخَاطِراً ... تقدم باسم الله مرساك والمجرا
وبلغ أمانات المشوق ولا تقل ... ترَّحل مختاراً لعل له عذرا
وبالجملة فالأمور بيد الأقدار، لا إلى المراد والاختيار:
وما كلّ ما ترجو النفوسُ بنافعٍ ... ولا كلّ ما تَخْشَى النفوسُ بضَرَّار
والله يقربُ المزار ويُدني الدار من الدار وهو سبحانه يمتع ببقائكم ويعيد الأنس بتيسير لقائكم بمنه وكرمه.
حالة غرناطة في عهد السلطان أبي سعيد البرميخو المغتصب
(1/50)

وبلغت الأندلس لهذا العهد من خمول الأمر واختلال السيرة وتشذيب الحامية التي لا فوقها، فحضر مدعى وليمة الدائل بها لأول ولايته، رجْل الدَّبا، فالتهم الخلا والكلا، وأعدم بإعدام الغلة أسباب الرخا، وفتح أبواب البلا، وموَّه لأول أمره ببث النَّهْي عن المنكر الذي هو جُرثومته العظمى، وتصاريفه غايته القصوى، وسمح ببعض المكوس فأعطى قليلاً ثم أكدى، ولم تمر الأيام إلا وقد عاد في قيئه وأضاق الرعايا بشؤمه وكلفهم ارتباط الأفراس بعد إغرامهم أرزاق جنده، وإنزال دورهم بغرباء ديوانه، وانحطَّ في مهاوي الشمَّات برتبة الأمر، وأنقص من منصب المُلك فقعد للعرض وقد حُشِر الناسُ ضُحىً في موقف أجلس معه بسريره بعض السُّوَقٍ عاري الرأس، مُثلةٌ من مُثَلِ الخلْق، غير مقصر في مخاطبة من مرَّ به عن غاية الإفحاش والتبجح بمعرفة الهنات، فلقد حدَّث صاحب شرطته، وهو لا بأس به، قال أطريته باجتناب الناسِ الخمر في أيامه، وتحت استداده، وطهارة بلده من قاذوراتها، فقال لي في الملأ المشهود، والحشيش كيف حالها؟ قلت ما عثرت على شيء منه. فقال هيهات، أنزل إلى بيت فلان وفلان وفلان، وعدَّ كثيراً من الساسة والأوغاد والصفاعين، رسم مكامِنَهُم وينسبهم نسبة الأصمعي أفخاذ العرب وبطونها، ويصف الناصح والغاش منهم بصفته، وربما دعا بعض مشيختهم بالعمومة. قال وانصرفت إلى ما ذكر فوالله ما أخطأت شيئاً مما رسمه، ولا فقدت شيئاً مما ذكره لغشيانه بيوتهم وانخراطه في جملة منتابيهم، يقول فهو والله أستاذي في الشرطة! وساءت محاولته طاغية الروم فتمرّس به وآثر الحِرَان في معتاد أغراضه لفساد ما بينه وبين عدو برشلونة وأعطاه الضمة. فعند فراغه من صلاح ذات بينهما، فغر عليه فاه، وشمَّر لمطالبته. وخَشُنَ ما بينه وبين الملك المريني فئة الإسلام التي إليها تحيز لاغتراره بمن في اعتقاله من قرابته المُغْرِي بهم لسان الإرجاف. فرجَعَت الرُّسل من قِبَلِه خُيَّبَ اللُّبَانَات من بابه، مودعةً من نجوى المسلمين واستعداد الصالحين ما يوجب الاهتزاز ويحرك الامتعاض، ناقلةً من غريب شكله في كثرة التفاته، وجفاف ريقه، وعُرْيِ رأسه، وسخافة عقله، غرائبَ تُؤْنَسُ بها الأسمار وتُوَشَّحُ الفكاهات.
وألَحَّ سلطان قشتالة في تسليم السلطان أبي عبد الله إليه ليتولى شد أزره ويجتهد في جبر حاله، وألقيت إليه المعاذير فنبا عنها سمعه، ورقَّق - عن غرضه - في رفع السلَّم عند إخفاق مطلبه، ولم يقبل العوض من ضروب ملاطفته، فترجح الرأي على توجيهه إلى الأندلس.
وقد كان الأسطول تألف بفرضة المجاز من سبتة مُوَرِّياً بجهاد من ظَهَر به من عدو برشلونة. ووصلت أساطيل الروم المسخرة في غرض إجازته قد أركبها مَلِكُ النصارى وجوه خدامه، فقعد السلطان أمير المسلمين بالمغرب في قبة العرض المُتَّخَذَة بجنَّة المصارة، ووقع البريح ببروز الناس إلى الفضاء الأفْيَح، واستُحْضِرَتُ البنود والطبول وأوعية المال صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال من عام التاريخ.
واستُحضر السلطان فصعد إلى القبة ثم نزل وقد أُلْبِس خلعةً الملك، وقيدت له فرس شقراء مطَهَّمَة، حليها ذهبٌ بحث، ونشرت حوله الألوية، وقرعت الطبول وركب السلطان مُشَيِّعاً إياه غَلْوَة، ثم انصرف عنه وقد التفَّ عليه كلُّ من جلى عن الأندلس من لَدُنِ الكائنة الواقعة بها في جملة كثيفة، وبُلِيَ من رقة الناس وإجهاشهم وعُلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناً وعفافاً وقرباً قد ظلله الله برواق الرحمة، وعطف عليه وشائج المحبة إلى كونه مظلوم العهد منتزع الحق، فتبعته الخواطر، وحميت له الأنفاس واللهُ يُعَرِّفُه عوارف عنايته، ويلحظه بعين رحمته.
واسْتُدعِي عقب انصرافه الأمير المعين شجاً في نحر عدو الدولة المرينية على هذا العهد أبو زيان محمد بن عثمان بن عبيد الرحمان بن يحيى بن يغمراسن ابن زيان، فأجرى على الرسم من البنود والطبول والخلع وأتبع من بالباب السلطاني من قبيله، فاضطرب المحلة بخولان من شط وادي سبو، ورفل الملك المريني في هذا اليوم الأغر في حلة عز تندى جِدَّةً وفخراً مذخوراً ليومه طار شُهرة، والله المسؤول في تمام النِعَم وتحسين العواقب لا إله إلا هو.
بعض مؤلفات ابن الخطيب في المغرب
(1/51)

وصدر عني إلى هذا العهد من التواليف والنَّظْم والنثر على سكون النفس وعدم التطلع لما يفتق القريحة ويشحذ الفكرة ما يُرسم.
فمن ذلك من التواليف: كُنَّاشٌ من منظوم في عروض الرَّجَز محذوف الفضول لا غاية فوقه في الأراجز، ولله دَرُّ القائل حمد الله وأثنى على نفسه، في فن أصول الفقه عدة أبياته ألف بيت. وآخر سميته) الحُلَل المَرْقُومَة في اللَّمع المَنْظومة (، وأرجوزة أخرى في فن العلاج من صَنْعَةِ الطب عدد أبياتها نحو ألف وستمائة بيت تضمن ذكر جميع الأمراض الكلية والجزئية وذكر أسبابها وعلاماتها وتدبيرها وجلب العلاج بحسب أحوالها.
1. - واستوفى بعد، كتاب الرتبة وعلاج السموم سميتها) بالأرجوزة المعلومة (إذ تقدم قبلي من نظم في مثل هذا الغرض وسماها الأرجوزة المجهولة، ونظمت أرجوزة ثالثة في فن السياسة من أجزاء العلم القديم في نحو ستمائة بيت سميتها:) تخصيص الرياسة بتلخيص السياسة (، استوفى الكلام في القوى الثلاث النفسية وعلاج الأخلاق والمعاش. وصدر عني كناش سميته،) مُثْلَى الطريقة في ذَمِّ الوثيقة (، أَوْجَبَتْهُ محاورةٌ صدرت في ذلك بيني وبين بعض شيوخها تضمنت نظماً ونثراً وفقهاً وحكاية.
وصدر عني مجموعٌ يشتمل على الأناشيد التي تحصلت لي مُتَلَقّاة ومنتزعة لم يَعثر على مثله في حسن الاختيار تضمن ضَرْبي المُطْرِب والمُرْقِص وتَقَدَّمَه كلامٌ علميٌّ في الشعر وسميته:) السحر والشعر (، مرتباً على الأغراض.
ومن المنظوم قولي على لسان السلطان مولاي أبي عبد الله وقد اشتد وجده لذكر معاهده الملكية بغرناطة، وكلفني ذلك:
أيامُ قُربِكِ عِندي ما لَها ثَمَنُ ... لكنَّني صدَّني عن قُربِكَ الزَّمنُ
حطَطَتُ بَعْدَكِ يا أهلي ويا وَطني ... رَحْلَ الغَريبِ فلا أهْلٌ ولا وَطَنُ
ثد حَلَّ حُبَّكِ مِنْ قَلبي بِمَنزِلةٍ ... لا الماءُ يجري مجاريها ولا اللبنُ
لَمَّا تحمل عَنكِ الرَّكْب مُرتَحِلاً ... والقلبُ فيكِ غَدَاةَ البَيْنِ مُرْتَهَنُ
واللهِ ما سَكَنَتْ نفسي إلى أحدٍ ... يوماً ولا راقَ عينِي مَنْظَرٌ حَسَنُ
كَمْ لي بربعك من أنس ومن طرب ... كأنما كان حُلْماً جَرَّهُ الوسَنُ
والأمر أمري والدنيا مُسَخَّرَةٌ ... وكلُّ قَصْدٍ به الإسعادُ مُقْتَرِنُ
حتى تنبه جَفْنُ الدَّهْرِ مِنْ سِنَةٍ ... والدهر مضطرب والحرُّ مُمتحن
حمامةَ البَانِ ما هذا البكاءُ على ... مَرِّ الزمان وهذا الشَّجْوُ والشَّجَنُ
لا مسكن بنتَ عنه أنتَ تندبه ... ولا حبيبٌ ولا خلٌّ ولا سَكَنُ
كفٌّ خصيبٌ وأطواقٌ مُلَوَّنَةٌ ... ما هكذا البث يا ورقاء والشجنُ
لو كنتَ تنفث عن شوق منيت به ... يوماً لصار رماداً تحتك الغصن
يا نَسْمَةَ الريح كيف الدار هل عمرت ... كلاَّ وهل أخصبت من بعدها الدِّمَنُ
لعل من قد قضى يوماً بفُرقَتِنَا ... تحلّ منه برفع الفُرقة المِنَنُ
نستغفر الله كم لله من منح ... لُذْنَا بها بعد أن لاذت بنا مِحَنُ
ونسأل الله في عُقْبَى نُسَرُّ بها ... فقد تساوى لديه السر والعلن
ولما شَرَحَ كتابَ الشفاء العياضي، خطيب الخلافة وكبير أوليائها السيد الفقيه أبو عبد الله بن مرزوق، طلب أهل العدوتين بالنظم في كتاب الشفا فطما من ذلك البحر ما بين مجيد ومقصر. فقلت في ذلك وقد عُرض عليّ الجميع وأنا بمدينة سلا حرسها الله، ووجهتُ بها إليْه:
حييت يا مختط سبت بن نوحْ ... بكل مُزْن يغتدي أو يَرُوحْ
وحمل الريحان ريح الصبا ... أمانةً فيك إلى كل روح
دار أبي الفضل عياضِ الذي ... أضحت برَيَّاهُ رياضاً تفوح
يا ناقل الآثار يعنى بها ... وواصلاً في العلم جَرْيَ الجَمُوح
طِرْفُكَ في الفخر بعيد المدى ... طَرْفُكَ للمجد شديد الطموح
كفاك إعجازاً كتابَ الشفا ... والصبح لا يُنْكَرُ عند الوضوح
لله ما أجزلتَ فينا به ... من منحة تقصر عنها المُنُوح
روض من العلم هَمَى فوقَه ... من صَيِّبِ الفكر الغمامُ السَّفوح
فمن بيان الحق زهر ندٍ ... ومن لسان الصدق طير صدوح
(1/52)

تأَرَّجَ العَرْفُ وطاب الجَني ... وكيف لا يطعم أو لا يفوح
وحلة من طيب خير الورى ... في الجيب والأعطاف منها نضوح
ومعْلَم في الدين شَيّدْتَه ... فهذه الأعلام منه تلوح
فَقُلْ لهلمان كذا أو فلا ... يا من أضل الرشد تبنى الصروح
في أحسن التقويم أنشأته ... خلقاً جديداً بين جسم وروح
فعمره المكتوب لا ينقضي ... إذا تقضى عمر سامٍ ونوح
كأنه في الحفل ريح الصَّبا ... وكلُّ عطفٍ فهو غصن مَرُوح
مَا عُذر مشغوف بخير الورى ... إن هاج منه الذكر أن لا يبوح
عجبت من أكباد أهل الهوى ... وقد سطا البعد وطال النزوح
إن ذكر المحبوب سالت دما ... ما هُنَّ أكباد ولكن جروح
يا سيد الأوضاع يا من له ... بسيد الأرسال فضل الرجوح
يا من له الفخر على غيره ... والشهب تخفى عند إشراق
يا خير مشروح وفى واكتفى ... من ابن مرزوق بخير الشروح
فتحٌ من الله حَبضاه به ... ومن جناب الله تأتي الفتوح
وفي الغرض المذكور:
أأزاهير رياض ... أم شفاءٌ لعياض
جدَّل الباطل للح ... ق بأسيافٍ مواضِ
وجلا الأنوار برها ... ناً بخلْف وافتراض
وسَقَى من يشتكي الغلّ ... ة في زُرْق الحياض
أي بنيانٍ معال ... آمنٍ خوفَ انقضاض
أي عهدٍ ليس يرمي ... بانتكاثٍ وانتقاض
ومعانٍ في سطورٍ ... كأسودٍ في غياض
وشفاء لنفوسٍ ... من ضنى الجهلِ مراض
حرَّر القصد فما شِ ... ينَ بنقد واعتراض
يا أبا الفضل أدْرِ أنّ الل ... هـ عن سعيك راض
فاز عبد أقرض الله ... برجحان القِرَاض
وجبت غرُّ المزايا ... من طوال أو عراض
لك يا أصدق راوٍ ... لك يا أعدل قاضِ
لرسول الله وفي ... ت بجهد وانتهاض
خير خلق الله في حا ... لٍ وفي آتٍ وماض
سدَّد الله ابن مرزو ... قٍ إلى تلك المَراضي
زبدة العرفان مَعْنَي ... كل نسكٍ وارتياض
فتولى بسط ما أجمل ... تَ من غير انقباض
ساهراً لم يدر في استخلاص ... هـ طعم اغتماض
إن يكن دَيْناً على الأي ... ام قد حان التقاضي
دام في علوٍ ومن عا ... داهُ يَهْوِي في انخفاض
ما وشى الصبح الدَّياجي ... في سَوادٍ ببياض
وقلت أهنئ قائد الأسطول أبا القاسم بن بنج بطلوع ولد: أبقاك الله أيها القائد الذي بأسه ضَرم، وشأنه شجاعة وكرم، ومحل ولايته من العدوِّحَرَم، لا تسأل عن شوقي إلى قربك، وعكوفي على حبك، وضراعتي في صلة سعادتك، إلى الله ربي وربك. وبلغني الطالع لديك، والوارد من حضرة المواهب الإلهية عليك، جعله الله أسعد مولودٍ على والد، ووفقك لما يرضيه من مقام الشاكر الحامد، وأقر عينك منه بالقائد ابن القائد ابن القائد. وقد كنت أعدك به تفاؤلاً واستفتاحاً، وسؤالاً من الله واستمناحاً، فالحمد لله الذي صَدَق الزَّجْرُ، ووضح الفجر. وقد نظمت له أبياتاً إن أدركته بعدها حياتي بر وشكر، أو كانت الأخرى رحم وذكر هي:
ارْفَعْ قِسِيَّ المُنْشَآتِ بِسَعْدِهِ ... واستَنْجِزِ النَّصْرَ العزيزَ لِوَعْدِهِ
وانظر إليه تَلُحْ إليك بوجهه ... سمة الشجاعة من أبيه وجده
لله من سيفٍ لنصرك صارمٍ ... ينساب ماء الحسن فوق فرنده
صدرت إليك بشارتي وتفاؤلي ... بالأمر قبل بروزه من غمده
يستبشر الأسطول منه بقائد ... كالبدر تحت شراعه أو بنده
والبحر يفخر منه يوم ولادة ... بمِلَنْدِه ابن ملنده ابن مِلَنْدِهِ
وكتبت لما صدر الرسول موسى بن إبراهيم من الأندلس ولم تقض حاجتي:
يا بني السادة الكرام نداء ... يبتغي الجبر للمهيض الكسير
أنا بالحي مُسْتَجِيرٌ وبالمي ... ت أما في كليهما من مُجير
ليس موسى هذا بصاحب فرعو ... نَ ولا في عصاه من تأثير
فانصروني وعيِّنوا لي رسولاً ... صارم الحد محكم التدبير
أو أريحو باليأس قلبي فإني ... قد تخبطت في عذاب كبير
وقلت أخاطب عميد الدولة:
(1/53)

يا عمادي صح عني أنني ... لك مملوكٌ وتلميذٌ وصاحبْ
فإذا ما لم تصدق دعوتي ... قيل عني ومعاذ الله كاذب
فأعد عزِّي وشرِّف منزلي ... وادعُني للحفل مهما كنت غائب
هذه عندك لا خطْر لها ... وهي عندي من سَنِيَّات المواهب
وقلت أخاطب مَنْ أصابه داء الجذام من أصحابنا ويدعوه الأطباء بداء الأسد:
أصابتك يا عينُ عينُ الحسد ... فَتَجْرُ النَّدا والنَّدَامَى كَسَدْ
وَوُلِّيتَ كل شهير خطير ... فقمت به وسَدَتَ المَسَدّ
ولما عَلَوْتَ وقُدْتَ الزمان ... بحبل فأوهقته من مَسَدْ
رأى أسداً من أسود الرجال ... لذاك رماك بداء الأسد
تَعَزّ فما ثَمَّ مِنْ كائِنٍ ... يصاحبه الكون إلا فَسَد
وقد يتأتى صلاح النفوس ... وتطهيرها بفساد الجسد
وخاطبت عميد الدولة:
مهما جَرَتْ في أذني لفظة ... وددتُ لو كانت ثناء عليك
أو ذُكِرَتْ عن شَفَةٍ قبلةٌ ... لم أرضَها يوماً سوى في يديك
أو كان لي في نعم الله من ... تحكم حُطَّت جميعاً لَدَيْك
سيدي ومالكي، الصَّنَائع شجرٌ تُغرس، وبسياج العناية تصان وتُحرس، فمنها ما يُعدم، ويحط سياجه ويهدم، ومنها ما يُمِرُّ جَنَاه، إذا نُظِر إنَاه، ومنها ما يسمح بإنعامه، ويرمى أُكُلَه لِعامِه، وتقر بصلاحه عين فلاحه، والصنيعة في خديمكم فلان اللبيب النبيل الجاري من توفية خدمتكم وشكر نعمتكم على سواء السبيل من هذا القبيل. فأقسم لو شكر رياض الحَزْن صنيعة المُزْن كشكره، لتأوَّد الغُصن من سُكره، ورد وشأنه الدعاء وشأننا التأمين، والله الكفيل بالإجابة الضمين:
إذا ما غرستَ الخيرَ في ابن جدار ... ظفرت بكنز منه تحتَ جِدارِ
فشُدَّ عليه الكف ذخر مَضنَّةٍ ... واسْكِن به الأسرار دار قرار
ومن دلائل عناية الله بالرئيس وإعانته خلوص بطانته، فالحمد لله الذي جعل القلوب والأيدي نوائل رِفده ووده، والألسنةَ والطَروسَ تراجم مجده، والمملوك يرتقب نُعْرةَ المواضع الحرة ويُمْنَ الشِّيات وسعادة الغُرَّة، قد نهكته المواعِد والأمل المباعد، ورجاؤه قوي في الجَنَاب الذي إذا وعد وَفَى، ومَحَلُّهُ من أميري العدوتين ما احتجب عن الأعين ولا اختفى، وبقي أمل الله الذي لا تتحرك ذرة إلا بإرادته، ومنه نسأل صلة عادته، ودوام أيامه، واتصال سعادته.
وكتبت إليه في غرض الشفاعة.
يا سيدي أبقاكم الله محطّ الآمال، وقِبلة الوجوه، وبلّغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله وترجوه، وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة، وجعل عز الدنيا متصلاً لكم بعز الآخرة. بعد تقبيل يدكم التي لا تزال يدها تشكر، وحسنتها عند الله تذكر، أنهي إلى مقامكم أن الشيخ الكذا أبا فلان، مع كونه مستحق التجلة بهجرة إلى أبوابكم الكريمة قَدُمَتْ، ووسائلَ من أصالةٍ وحشمةٍ كَرُمَتْ، وفضلِ وقار، وتنويهٍ للولاية إن كانت ذات احتقار، ومن اقتضى الفضلُ بِرَّه، وأدَّبَ شكرُ الاختبار علنَه وسرَّه، له بمعرفته بسلفكم الأرضَى وسيلةٌ مرعية، وفي الاعتراف بنعمتكم مقاماتٌ مَرْضية، وتَوَجُّهٌ إلى بابكم، والتمسكُ بأسبابكم، والمؤمَّلُ من سيدي سَتْرُه بجناح رعيه في حال الكَبْرَهْ، ولحظه بطرف المَبَرَّه، إما في استعمال يليق بذوي الاحتشام أو سُكونٍ تحت رَعْيٍ واهتمام، وإعانةٍ على عمل صالح يكون مسكَ ختام، وهو أحق الغرضَيْن بالتزام. وإحالة سيدي في حفظ رسمِ مثله، على الله الذي يجزي المحسنين بفضله ومنه نسأل أن يديم أيام المجلس العلمي محروساً من النوائب، مُبَلَّغ الآمال والمآرب. والمملوك قد قرر شأنه في إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم، والتّسَحُّبِ في هذه الأبواب عليكم، وتقليب القلوب بيد الله الذي يُعطى ويمنع ويملك الأمر. أجمع. والسلام..
وخاطبت الوالي الكبير بمراكش:
(1/54)

والي الولاة الذي بمكارمه يُضْرَبُ المَثَل، وشرف الجُباة الذي جمع له العلم والعمل، أبقاكم الله والسعادة لكم مركب، ونصبة ولايتكم لا يخالف سعدَها كوكب، كتبتُه ولساني طليق، وشأني بالاقتصار على تلك الذات خليق، وقد كانت عندي مكارمكم التي وقفت على أعيانها، وبحثت في سمع كيانها، واجْتَزَأْتُ بأَثَرِهَا عن عِيَانِهَا، وتخطيتُ إِجمالَها إلى بيانها، مما يُقْضَى منه العجب، ويُجْلِي من غرة الجود ما احتجب، وأظن ذلك احتفالاً استنفد القوة، وحذقاً ختم آيّ الكَرَمِ المتلُوَّة، فأنتج لي استخبارُ الطارئين في الأرض والواردين على الغَمْر والبَرْض، ومتجملي العنايات والشفاعات، والوسائل النفَّاعات كأبي عبد الله بن جَدار والشرفاء أولي المُؤَنِ الكبار، وسواهم على تباين الأطوار، أنّ قضية مكارمكم مطلقة، وأَعْدَادَ جودكم بالثناء مُنْطِقَة، فَلَعمري لقد وجدت لذلك خِفَّة على كبدي، إذ لم أر الصنيعة البعيدة مختصة بيدي، إنما أنت بحر المواهب الزاخر، والواحد الذي افتخر به الزمان الآخر، ومتحملُه فلان من ذوي الفضل ذاتاً وصحبه، ووسيلة وقربه، وله بصاحب رياسة الإنشاء تخصصٌ وتميز، وفئة وتحيز، والمراد أن يكون من رعى والي الولاة بمكان مكين، ومبوّأٌ من مجده إلى رُبوةٍ ذاتِ قرارٍ وَمَعين، يكون ذلك من جملة ماله من الأيادي البرة، والفواضل المتألقة الغُرة، والله يديم سَعْدَه، ويحرسُ مجده. والسلام..
وكتبت إلى عميد الدولة في غرض التحريك والشفاعة: سيدي الأعظم، وملاذي الأعصم، وعروة عزي الوثقى التي لا تُفصم، أبقاك الله بقاء آثارك، وأنه للعُمر، تأمرُ الدهرَ فيأتمر، ويلبي بثنائك الطائفُ والمعتمر، بأي لسان أَثْنِي على فواضلك وهر أمهاتُ المِنَن، وطُرَفُ الشام واليمن، ومقاماتُ بديع الزمن، والتحف المرتفعة عن الثمن. فحسبي دُعاء أردده وأواليه، وأرتقب مطاوبَ الإجابة عن مَقْدَمِه وتاليه، وأن تَشَوَّفَ المنعمُ للحال الموقوف جبرُه بمشيئة الله على جميل سعيه، الموسدة على وِطَاء لطفه، المُغشَّاة بغطاء رعيه، فقلبٌ خافق، وقلب مؤمن يجاريه وَسْوَاسٌ منافق. وقد تجاوز موسى مجمع البحرين، وأصبح سُرَى إيابه سري القَيْن. ولقد كانت مراحل الرسُل قصيرة قبل أن يكسبها زُحَلِي ثِقَلَ الحركة، ويخلط خاصِّي في وظائفها المشتركة، وليت أمري برز إلى طرف، وأفضى إلى منصَرَف، وربما ظفر آيس بما يرجوه، وبرز المحبوب من المكروه، والله لا يفضح جاه الكتاب الذي أحيا وأنشر، وحيَّا وبشَّر، وأعطى صحيفته باليمين وقد جمعت رسالتكم المحشر، وموصل كتابي، ينوبُ في تقبيل اليد العلمية منابي، وليعلم سيدي أن هذا القطر على شهرته وتألق مشتريه وزهرته، إذا تُنُخِّلَ كِرَامُه، وعهدُ الفضل لم يَبِنِ انصرامُه، فهو لُبابُه المُتَخَيَّر وزلاله الذي لا يتغير: أصالةً معروفة، وهمةً إلى الآثار مصروفة ونُبْلاً على السن والكَبْرة، ورجولةً خليقةً بصلة الحرمة والمَبَرَّة، والوسيلةُ لا تُطْرَحْ، والمعنى الذي لا يُفسر لوضوحه ولا يُشرح، هو انتماؤه إلى جناب سيدي حديثاً وقديماً، واعترافُه بنعمه مديراً لها ومُديماً. والله يُوفر من آثار سيدي حظه، ويجدد لديه وعيه ولحظه، حتى يعود خافقاً عَلَمُ إقباله، مُعلماً بردَ اهتباله، مسروراً ببلوغ آماله. فلعمري إن محل ولايته لكَفِيٌّ، وإن عهد أمانته لَوفِيّ، وإن عامل جده لَظَاهِرٌ وخَفِي، وما يفعله سيدي من رعيه وإنجاح سعيه كسوبٌ في مَنَاقبه، ومعدودٌ في فضل مَذاهبه والسلام.
وخاطبت الوالي الفاضل أبا محمد بن بطان فيما يظهر من الغرض:
لا ناقة لِيَ في صَبْرِي ولا جَمَلُ ... مِنْ بَعْدِ ما ظَعَنَ الأحبابُ واحْتَمَلُوا
قالوا استَقَلُّوا بِعَيْنِ الفِطْرِ قلتُ لهم ... ما عَرَّسُوا بسِوى قَلْبِي وَلاَ نَزَلُوا
(1/55)

ما هذا الاستدعاء الذي نَقَدَ وبَهْرَج وعطف على من اتصف بالسعادة وعَرَّج، ومرَّ على الخليط المناشب، كما مرت على الطحن سبَّابة الحاسب، يُقْدِمُ ويُجْفِل، ويُعلي ويُسفل، ويُعلم ويُغفل، ومنزلتي صفر من هذا التعيين، وحظي الظمأ من المورد المعين، إن كانت الوسيلة المعتبرة وسيلة الحب، فما لوسيلتي تُحبط، ولركائب استقدامي لا تُربط، وفي مثلها يُحسد أو يُغبط، الصّحب والمحل الرحب، بحيث يُفعم الوَطْب، ويدرأ الخصب، وتُرفع للطارق نارُ القِرَى، مادَّتها المَنْدَل الرَّطب. نستغفر الله من الاسترابة بالود اللباب، وننوب في الاعتذار عن الأحباب، ولو علموا بارتفاع التقية، والمطالبة بالبقية، لما حجبوا بروقهم، ولا أغفلوا مَشُوقهم، ولا منعوا عنه صَبُوحَهم ولا غَبُوقَهم:
وَعَسى الذي قَدَرَ البِعَاد يُزيله ... وعسى الذي كتب الفراق يُجَمِّعُ
ولما وقفتُ على استدعاء صاحبنا أبي القاسم وصل الله حفظه، وأجزل من الخير حظه، آثرت اعتزامه، واقتضيت بالعهد التزامه، وكافحت جيش اعتذاره حتى رأيت انهزامه، في أن يشاهد ذلك الجمع المبارك بعيني، ويكون غريم الدهر في اقتضاء ديني، وحركت له الشوق الذي يَذْهَبُ معه الوَسَنْ، ويُخْلَعُ في طاعته الرَّسَنْ، وكنت في رحلته كما قال الحسن:
أيها الرائحان باللوم لُوما ... لا أذوق المُدَام إلا شميما
جُلُّ حَظِّي منها إذا هي دارتَ ... أن أراها وأن أَشُمَّ النَّسِيما
نالني بالملام فيها إمامٌ ... لا أرى في خلافه مستقيما
فكأني وما أُزَيِّن منها ... قَعَدِيٌّ يُزيِّنُ التحكيما
كَلَّ عن حَمْلِهِ السلاحَ إلى الحر ... بِ فأوصى المطيقَ أن لا يُقيما
والله يَسُرُّ براحة الشيخ النفوس، ويذهب البُوس، ويضفي من الوقاية اللُّبُوس، والسلام.
وخاطبت عميد الدولة، وقد بلغني إيابُه من زيارة الصّلَحَا بريف بادس، ضَجِراً بحِمْل الدولة متراوغاً عنها:
هَنِيئاً بالقُدُومِ مِنَ الزيارة ... ولُقِّيتَ السعادة والبشارة
وقاد لك الإله خفيَّ لطفٍ ... يُبَلِّغ مجدك الأعلى اختياره
سيدي أبقاك الله تُعَرِّجُ على البقع المزُورة ركابَ الجلالة، وتورثَ مَراقِيَ المنابر لا عن كلالة، وتنجح في صميم العمل الصالح بين السلف والسُّلالة، كانت ليَ آمال أرى بقاءك أَجَلَّها، وعمدةً لها، لاشتها الأيام وأَدْرَجَتْهَا، وعَفَى رسمها لما نَسَجَتْهَا، والدنيا حلوب خلوب، ومُغالب القدر مغلوب، وبيد الله أفئدة وقلوب، وإن ساءت ظنون، فَثَمَّ الكاف والنون ومؤلف الضَّب والنون، وما الدهر إلا مَنْجَنُون، أرضانا الله بمصارف القدر، وعوضنا منه بالحظ المبتدر، وفَرَّغَنَا للوِرْدِ البعيد الصَدَر
(1/56)

فأنا اليوم لا أَمَل لي إلا لقاؤك الذي هو الحظ، وإنْ فَتَكَ الزمن الفَظ، والنَّصير لمَّا ساء المصير، والكهف لمَّا عَظُم اللهف، وكيف لا ورعْيُكَ استخرج من الرَّكيَّة، وسمع على البعد صوت الشكية، وجودك أعطى وأمطا، وجاهك فَرَشَ وغَطَّى، فإن ذوت أغصان الصانع بلفح جحود، أو أصبحت الأيادي البيض من الغَمط في لحود، فأغصان صنائعك قِبَلي قد زهت بِحبِّها وأَبِّهَا، وحيَّتْهَا نَواسِمُ القبول من مهبِّها، وأياديك لديَّ أحياء عند ربِّها، تسأله جلَّت قدرته القديمة، ووسعت كلّ شيء رحمتُه التي هَمَت منها الدِّيمة، أن يجعل جاهك في الشمول جنس الأجناس، ورَبْعَكَ مَيْدَانَ جياد السرور والإيناس، ويعصمك يا محمد الحمد من الناس، ويجعل سعيَك مشكوراً، وفخرك مذكوراً، وقصدَك مأجوراً، وبابَك لا غُفلاً ولا مهجوراً، ومقامَك حِجْراً عن النوايب محجوراً، وإني لمَّا طرق النبأ بوجهتك في سبيل البر والفضائل الغر، تُجَدِّدُ عهدَكَ بزيارة أولي الفضائل الباهرة الآية، والمشايخ أنسباء سلفك في قُعْدُدِ الولاية، قلت هذا حنين لفصيله، وجذبٌ عن أسباب أصيله، وتحويمٌ على شريعه، ومقدمةُ أوبةٍ سريعة، مهلاً مهلاً فلم يَدَع العلم جهلاً، وأهلاً بمقامك الذي أقامك الله فيه وسهلاً، ولو زرت طيفوراً أو سهلاً، كفُّ الأكفِّ العادية، وبثّ المراشد الرائحة الغادية وهداية الخلافة الهادية، وهو معكم أينما كنتم حجة بادية، ومن دَافَع فَلْيَدْعُ ناديه. ولله دَرُّ رابعة وقد شُغِلَتْ بالحي عن المَيْتِ، وبالمِشْكَاةِ عن الزيت، فقالت الناس يطوفون بالبيت، وإن شوَّق ارتياضٌ ومران، وكاد يُلْقَى بِمَعْطِن التجريد جران، فليس يُحمَد قبل النُّضْج بُحران، وعالَم السياسة قُلَّب، وود إخوان الخُوان بارق خُلَّب، وفرع دوحتك الذي في هَضْبة المنبرِ الأمامي قد غرسته، وديوان النشأة الطاهرة قد درسته، فعاهده بالكفالة حتى يسح، ويرف دومه وسح، ولا تُوحشْ مَنْبِتَه المبارك باغْبَابِ شمسك، ومتِّعْه وأخوته بنعيم يومك، إذ لا قُدرةَ لنفسك على ردّ أمسك، وإذا ذُكر القدر فأمسك، وهَوَى مماليك سيدي أن لا يقع تقويض، ولا يُعدم للمدبر الحكيم تسليمٌ وتفويض، فالذي دبَّره في الأحشاء، وحكَّم في صورته الحسنة يدَ الإنشاء، حيث لا سببٌ يُعمل، ولا فكر فيما يُلغى ولا فيما يعمل، ولا حيلةٌ تُحْكَم، القوة العاجزة واللسان الأبكم، هو الكفيل لك بحفظ المنصِب، وصون الجناب المخصِب، حتى تستوفي عمر النهاية حِلْسَ وسادك، فائزاً بنعيم الدارين على رغم حسادك، وتَطْرَبُ إذا قَرَعَتْ المنابرَ المفضلَة عُصيّاتُ حفدتِك وأولادك، تحت كفالتك وبإرفادك، وسيدي شيخ زاوية الخلافة. فلا أَقْفَرَ منه محرابها، ولا أغفلت من غرر صنائعه البيض عُرابُها، ولا استوحش من حسام رأيه السديد قرابها، وعندما ورد البشير برجوع نَيِّرِكَ الأعظم إلى بيت شرفه، واستحثاث بريد الخلافة ركاب منصرفه، قلت اللهم اكتب خُطاه وأجْرَه، وارْعَ في معاملة أوليائك تَجْرَه، وغَبِّطهُ بعد بالمُقام في المَقَام الذي فيه أقمته، وأرغمت الباطل ووقَمْتَه، وهَنِّهِ الإيابَ الذي أزحت به الارتياب، والقفول الذي كفيت به آمالنا الأفول - والسلام.
وخاطبت في سبيل الدعابة من تزوج قَينة:
(1/57)

كتبتُ أغبطُك، أعزك الله، بتسويغ اللذات، وتهنى طيب الحياة، ولباس خِلَع الخلاعة ولو قامت الساعة، فإنما الإنسان بيومه لا بقومه، وبوقته لا بالمبالات بمقته، وأدعو الله أن يُجزل أجرتك، ويتقبلَ هجرتك، ويُؤَمِّنَ من الشرط حجرتك، ويعطف على محلِّكَ قلوبَ الفتيان، ويقربهم للإتيان، ويقطع بشهرة قينتك حظوظ القيان، ويسلبك الغيْرة التي تفسد العشرة، وتكشف القشرة، وكأنني بك أعزك الله وقد ظهرت بوجهكَ سعفة النبيذ، وتَفَطَّر لها جلد وجهك تفطُّر جلد الجَدي الحنيذ، وأصاب أسنانك الحَفَر، وريحك البَخَر، وعينك الشَّتَر، وشعرك الحَزَاز ويدك الكُزَاز، وأصبحت مخموراً، مَنْهياً من عيالك مأموراً، وقد أعْلفت عمامتك بسروالك، وسدلت القشرة البيضاء إلى أسمالك، وقعدت بدُكة بابك تتلقف العيَّارة، وتعترض السيارة، وتُعيِّنُ للوقت الزيارة، فإذا اقتضيت النقد من الخرْج، ودَلَلْتَ الفحول على المرج، وخَطبتَ لمشاهدة الرقص والدَّرج، نهضت لشراء مُرِنِّ حجولك، وما يتكفل بسولك، من طراوةٍ تصقُل البشرة وتنقيها، ولخلخة تستر رائحةَ الإِبْط وتخفيها، وسَنونٌ يطيب الفم، ويوافق الشم، وضمادٌ يشد الثدي إذا ذَبُل، وفَرْزَجة تمنع الحبل، وحَشَوْت جنبيك أوتاراً، وأعددت دُستاناً ثانياً وحمَّاراً، وشاركت على المرابحة خمّاراً، وبسطت نِطع القعود، وأعددت لإيداع الفتوح غشاء العود، وترددت إلى الباب توقعاً لإخلاف الوعود، فأقسم عليك يا سيدي أن لا تُغْفِلَنَا من بالك، ولا تنسنا من حَرامِك المصحَّفِ أو حلالك، وأَسهِمنا في فضل تجارتك، وعيْنَ جُعالتك وإجارتك، واضرب لنا بحظٍ في قسْم ما في طنجهارتك - والسلام.
وفاة زوجة ابن الخطيب
وفي السادس لذي قعدة من عام اثنين وستين وسبعمائة المذكور، طرقني ما كدَّر شُربي ونغص عيشي من وفاة أو الولد عن أصاغرَ زُغْبِ الحواصل بين ذكران وإناث في بلد الغربة وتحت سرادق الوحشة، ودون أذيال النكبة، فَجَلَّت عليها حسرتي واشتد جزعي، وأشفيت لعظم حزني، إذ كانت واحدة نساء زمانها جزالة وصبراً ومكارم أخلاق، حازت بذلك مزية الشهرة حيث حلَّت من القطرين، فدفنتها بالبستان المتصل بالدار بمدينة سلا، ووقفت على قبرها الحبس المغل لمتولي القراءة دائماً عليها، وصدر عني مما كتب على ضريحها وقد أغرى به التنويه والاحتفال:
رُوِّعَ بَالِي وَهَاجَ بَلْبَالي ... وسامني الثُّكْلُ بَعْدَ إقْبَالِ
ذخيرتي حين خانني زمني ... وعُدَّتي في اشتداد أهوال
حفرت في داريَ الضريح لها ... تعللاً بالمُحال في الحال
وغبطةٌ توهم المقامَ معي ... وكيف لي بعدها بإِمْهال
سقى الحيا قَبْرَكِ الغريب ولا ... زال مُناخاً لكل هَطَّالِ
قد كنتِ مالي لما اقْتَضَى زَمَني ... ذهابَ مالي وكنت آمالي
أمَّا وقد غاب في تراب سلا ... وجهُكِ عني فلست بالسالي
واللهِ حزني لا كان بعد على ... ذاك الشبابِ الجديد بالبالي
فانتظريني فالشوق يقلقني ... ويقتضي سُرعتي وإعجالي
ومهدي لي لديك مضطجعاً ... فَعَنْ قريبٍ يكون ترحالي
واسمُكِ مقلوبُه يُبيِّنُ لي ... مآلَ أمري في معرض الفال
وقلت في هذا الغرض وهو معنى صوفي:
يا قلبُ كم هذا الجوى والخفوتْ ... ذماءَك استبْقِ لئِلاَّ يَفُوتْ
فقال لا حول ولا قول لي ... قد كان ما كان فحسبي السكوت
باينني الرشد وباينته ... لما تعشقتُ بشيء يموت
وخاطبت الرئيس الثَّبْت بقية الأشراف بهذا الموطن، عامر بن محمد بن علي الهنتاتي:
أبا ثابت كن في الشدائد ثابتاً ... أعيذك أن يُلْفَى حسودك شامتا
عزاؤك عن عبد العزيز هو الذي ... يليق بعز منك أعجز ناعتا
فدوحتك الغناء طالت ذوائباً ... وسَرْحَتُكَ الشماء طابت نوابتا
لقد هدّ أركانَ الوجود مصابُه ... وأنطق منه الشجوُ من كان صامتا
فمِنْ نَفْسِ حرٍ أوثق الحزنُ كظمها ... ومن نَفَسٍ بالوجد أصبح خافتا
هو الموت في الإنسان نصْل لحده ... فكيف نرجِّي أن نصاحب مائتا
وللصبر أولى أن يكون رجوعنا ... إذا لم نكن بالحزن نُرْجِعُ فائتا
(1/58)

اتصل بي أيها الهمام، وبدرُ المجد الذي لا يفارقه التَّمام، ما جنته على عليائك الأيام، واقتنصه مُحلَق الردى بعد أن طال الحيام، وما استأثر به الحِمَام، فلم يغن الدفاع ولا نفع الذِّمام، من وفاة صِنْوِكَ الكريمِ الصفات، وهَلاَكِ وُسْطَى الأسلاك، وبدرِ الأحلاك، ومجبر الأملاك، وذهاب السَّمْحِ الوهاب، وأنا لديغ صِلِّ الفراق، الذي لا يضيق بألف راق، وجريح سهم البَيْن، ومجاري العيون الجارية بدمع العين، لفقد أنيس سَهَّل عليَّ مضَضَ النكبة، ونَحَّى ليث الخطب عن فريستي بعد صدق الوثبة، وأنَّسني في الاغتراب، وصحبني إلى منقطع التراب، وكَفَل أصاغري خير الكفالة، وعاملني من حسن العشرة بما سجَّل عقد الوكالة، وانتزعه الدهر من يدي حيث لا أهل ولا وطن، والاغتراب قد ألقى بِعَطَن، وذات اليد يعلم حالها مَنْ يعلم ما ظهر وما بطن ورأيت من تطارح الأصاغر على شِلْوه الغريب، النازح عن النسيب والقريب، ما حملني على أن جعلت البيت له ضريحاً، ومدفناً صريحاً، لأخدع من يرى أنه لم يزل مقيماً لديه، وأنَّ ظلَّ شفقته منسحبٌ عليه، فأعيا مصابي عند ذلك الشرح، وأعظم الظمأ البرح، ونكأ القرح القرح، إذ كان ركناً قد بنته لي يد معرفتك، ومتصفاً في البر بي والرَّعي لصاغيتي بكريم صفتك، فوالهفاً عليه من حسام، وعزِّ سام، وأيادي جسام وشهرة بين بني حامٍ وسام، أي جمال خَلْق، ووجه للقاصد طَلْق، وشيم تطمح للمعالي بحق؟ وأي عضد لك يا سيدي الأعلى لا يَهِنُ إذا سطا، ولا يقهقر إذا خطا، يوجبُ لك على تحلية بالشَّيْبة، ما توجبه البُنُوَّة من الهيبة، ويردّ ضيفك آمناً من الخيبة، ويسد ثغرك عند الغيبة - وكما قال عليه السلام للأنصار:) أنتم الكرش والعيبة (- ذهبت إلى الجزع فرأيت مصابه أكبر، ودعوت بالصبر فولى وأدبر، واستنجدت الدمع فنضب، واستصرخت الرجاء فأنكر ما روى واقتضب، وبأي حزن يُلقى فقد عبد العزيز، العزيز على المجد فقده، أو يُطْفَأ لاعجه وقد عَظُم وَقْدُه، اللهم لو بكى بِنَدَى أياديه، أو بغمام غواديه، أو بِعُبَاب واديه، وهي الأيامُ أي شامخ لم تَهُدَّه، أو جديد لم تُبْلِهِ وإن طالت المُدَّة؟ فَرَّقَتْ بين التيجان والمفارق، والخدود والنمارق، والطُّلَى والعقود، والكأسِ وابنه العنقود، فما التعلل بِالْفَان، وإنما هي إغفاءة أجفان، والتشبث بالحبائل، وإنما هي ظل زائل؟ والصبر على المصائب، ووقوع سهمها الصائب، أولى ما اعتمد طِلاباً، ورجع إليه طوعاً أو غِلاباً، فأنا يا سيدي أقيم رسم التعزية، وإن بوّئت بمضاعف المرزية، ولا عَتْبَ على القَدَر، في الوِردِ من الأمر والصَّدَر، ولولا أن هذا الواقع مما لا يجدي فيه الخُلصان، ولا يغني فيه اليراع ولا الخِرْصَان، لأتى جُهْدَه من أقرضتموه معروفاً، أو كان بالتشبع إلى تلك الهضبة معروفاً، لكنها سوقٌ لا ينفق فيها إلا سلعة التسليم، للحكيم العليم، وطَيّ الجوانح على المضض الأليم، ولعمري لقد خلدت لهذا الفقيه، وإن طمس الحِمَام محاسنه الوضاحة، لما كَبَس منه الساحة، صُحُفاً مُنْشَرَة، وثغوراً بالحمد مُوشَرة، يَفْخر بها بَنُوه، ويستكثر منها مكتسبو الحمد ومُقْتَنُوه، وأنتم عمادُ الفازه، وعلم المفازة، وقطب المَدَار، وعامرُ الدار، وأسد الأَجَمة، وبطل الكتيبة المُلْجمة، وكافل البيت، والستر على الحي والميت، ومثلك لا يُهْدَى إلى نهجٍ لاحب، ولا تُرشد أنوارُه بنار الحُباحِب، ولا يُنَبَّهُ على سُنَن نبي كريم أو صاحب؛ قدرُك أعلى، وفضلك أجلى، وأنت صدر الزمان بلا مدافع، وخير مُعْلٍ لأعلام الفضل ورافع، وأنا وإن أخرت فرض بيعتك لما خَصَّني من المصاب، ونالني من الأوصاب، ونزل بي من جَوْر الزمان الغَصَّاب، ممن يقبل عُذْرَهُ الكرم ويسعه الحرم المحترم، والله سبحانه الكفيل لسيدي وعمادي ببقاء يكفل به الأبناء وأبناء الأبناء، ويعلي لقومه رتب العز سامية البناء، حتى لا يوحش مكان فقيد مع وُجوده ولا يحس بعطّ زمانه مع جوده، ويقر عينه في ولده وولد ولده. ويجعل أيدي مُنَاويه تحت يده والسلام.
وخاطبت صاحب القصبة بمراكش على هذا العهد مسعود بن يوسف بن فتح الله بما نصه:
أمسعود بن يوسف طيرُ قلبي ... على شجر الكرام له وقوعُ
وفي علياك لي كنز اعتقادٍ ... على أمثاله تطوي الضلوع
(1/59)

إذا نَفْسُ امرئٍ ولعت بمغنى ... فما بسوى كمالك لي ولوع
سيدي أبقاك اللهُ عالي القدر، منشرحَ الصدر، حالاً من منازل السعادة منزلة البدر، تَنَخَّلْتُ الأماجدَ فوقف على تفضيلك اختياري، وإن لم يُتَح لقائي ولا قُرب جواري، لكن السماع، ومتى يُرَدُّ حكم أصله الإجماع والأخبار والاعتبار. فلما أتاح الدهر تلك اللمحة على ظهر طريق، وانحياز فريق، هممت أن أَبُثَّك بعض اعتقادي، وأَنْفُثَ بعُقَد ودادي، فضاقت الوقفة، ولم تكمل الصفقة. وانصرفت انصراف الظمآن شارف العذب الزلال فلم يشرب، والمُحبِّ تمنى ساعة اللقاء فما أبان ولا أعرب، وخفت أن يُجْرِيَه سيدي مُجرى الهذر الذي هو صَرْفُ الأسواق، والمعاملة به على الإطلاق، حيث لا خلاق، بل هو والله الحق الذي وضح مُحَيَّاه، والبارق الذي أغدق سُقياه، والحديث الذي أخجل المسك ريَاه، لم تحمل عليه المطامع، ولا السراب اللامع، فليثق سيدي من المعتدِّ به بموجب حقِّه، العليم بسبقه، والقائل بأنه واحدُ عصره، وحسنة دهره، إلى أن يَمُنَّ الله بلقاءٍ يشرح المُضْمَرَ ويبينُه، حتى تَخْفِقَ رايته وينتشرَ كمينه، والله يديم سعد سيدي وعلاه، ويحفظه ويتولاه.
وخاطبت الوالي بدرعة، وبلاد القبلة، السري الماجد أبا محمد عبد الله بن محمد حفظه الله وأعزه:
والي الولاة وواحدَ الزمن الذي ... تبآى الملوكُ بمثله وتُفاخرُ
صيَّرت حاتمَ طَيّءٍ يزرى به ... زار ويسخر إن تذوكر ساخر
إن كان طلاَّ أنت جودٌ ساجمٌ ... أو كان نهراً أنت بحرٌ زاخر
وإذا كان الزمان الأول استعلى بأه ... ليه أناف بك الزمان الآخر
كتبت إلى سيدي والخجل قد صبَغَ وجه يراعي، وعقم ميلاد إنشائي واختراعي، لمكارمه التي أعيت بِمَنِّهِ ذراعي، وعجز في خوض بحرها سفينتي وشراعي، فلو كان فضله فنّاً محصوراً، لكنتُ على الشكر مُعاناً منصوراً، أو على غرضٍ مقصوراً، لزأرتُ أسداً هصوراً، ولم يُر فكري عن عقائل البيان حصُوراً، لكنه مجدٌ تألق بكل ثنيَّة، ومكارم رمت عن كل حنيَّة، ومجدٍ سبق إلى كل أمنية، وأيادٍ ببلوغ غايات الكمال معنية، فحسبي الإلقاء باليد لغلبة تلك الأيادي، وإِسلام قيادي، إلى ذلك المجد السيادي، وإعفاء يراعي ومدادي، فإذا القول من باب الخير إلى باب الدعاء وقد وصلني كتابُ سيدي مختصرَ الحجم، جامعاً بين النجم والنجم، قريب عهده من يمينه بمجاورة المطر السَّجْم، فقلت اللهم كافِ سيدي واجزه، ومُرِيدَهُ بالضر فأخْزِه، ولله دَرُّ المثل: أشبَهَ امرأ بعضُ بَزِّه، كمال واختصار وريحانُ أَنوفٍ وإثْمِدُ أبصار، أَعْلَنَ بالرَّعْي الذي لا يُغَيَّر بعدُ الدار من شيمته، ولا يقدح اختلاف العروض والأقطار في ديمته، إنما نفسه الكريمة والله يقيها، وإلى معارج السعادة يُرْقيها، قانونٌ يُلحق أدنى الفضائلِ بأقصاها، وكتابُ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وإني وإن عجزت عما خصني من عُمومها، وأحسبني من جُمومها لمخلِّدُ ذكرٍ يبقى، وتذهبُ اللَّهى، ويعلي مباني المجدِ تُجاوز ذوائبُها السُّهَى، ويذيع بمحافل الملك فما دونها، مَمَادِحَ يَهْوَى المسكُ أن يكونها، وتعطف له الرياضُ العِينُ غضونَها، وتُكحل به الحور العِينُ عيونَها، وتؤدى منه الأيام المتربة دُيونَهَا، وإن تشوَّفَ سيدي بعدَ علو حمده وشكره، واستنفاد الوضع في إطالة مدحه وإطابة ذكره إلى الحال، ففلان حفظه الله يشرح المجمل ويبين من عواملها الملغى والمعمل. وأما اعتناء سيدي بالولد المكفى بحرمته، فليس ببدْعٍ في بعد صيته وعلو همته، على من تمسك بأذمته، وفضله أكبر من أن يقيد بِقصَّة، وبدر كماله أجل من أن يعدّل بوسَط أو حصَّة، والله تعالى يحفظ منه في الولاة والي القبلة، وولى المكارم بالكَسْبِ والجِبِلَّة، ويجعل جيش تمامه لا يؤتى من القلة بفضله وكرمه.
وخاطبت أبا سعيد بن حبوس الوالي بمكناسة في بعض الأغراض، وهو ممن يثني عليه الأحلاف من صحابته إخوان النبيذ، استكشف ما موَّهوا به من زيفه فكان بهرجاً زائفاً شيمة مثله:
(1/60)

شاع أعزك الله على ألسُنِ أصحابك ممن عرف نبله وعقله، وصحَّ في الاختبار نقله، أنك جواد الوقت، الآمن من المقت، وإنك مخلي التخت، ومعيد البخت، ومأوى الضيف، في الشتاء والصيف، وأنا ما علمتَ ضيفُ الكرام حيث حللت، ونزيلُ الأجواد متى نزلت، أرحلُ عنهم والثياب تضيق بها العِيَاب، والجياد يَجْنُبُها القياد، والصُّرر، قد أشرقت منها الغرر، حرصاً على ثناء يخلّد ومعنى يولّد، ودولة تحلى بالمكارم، ومُروة يهون عليها ضرب المغارم، فَبِتُّ بجوارك ليلتين أكلت فيهما من زادي، وشربت من ماء الوادي، وجعلتُ الأرض مِهادي، وطال لأجل البراغيث سُهادي، ولقد سألني الوزير أبقاه الله عن طريقي ورفيقي وفريقي، فأجملت المُفَسَّر، وألممت من الكذب بما تيسر، وقلتُ عُلم استدعاؤك إياي، واستقدامي من مثواي، فآثر الناس بجملتهم هواي، وأما في الأياب بعد أن بوأت البيت، وأوليتَ ما أوليت، فالأمر أكبر، والخبر لا يفي به المَخْبَر، فخاطبتك أعزك الله مخاطبة من يَغار على شُهرةِ جودك، والحكم لك بالثناء قبل وجودك، فإما أن يقع الصلح على ضريبةٍ قريبة، ويرتفع عن وجه المُحَادَّةِ نقابُ الريبة، أو يكذِبَ النقل، ويكون قِرى ضيفك الماء والبقل، اللهم إلا إن كان قبولُك خاصاً بمن راق خدُّه، وحسن قدُّه، وتبللت طُرَّتُه، وأخجلت البدرَ غرته، فحظنا لديك الخيبة، ولو قصدناك من مكة وطيْبة، وموصلُه يقرر المطلب، ويخبر منك البارقَ الخُلَّب، والقصد المشاركة فيما أمر بشرائه، ومحاولة نقله بما يستحقه من كرائه وأنا أرتقب وصولَه وأنتظر حصولَه، وعلى كل حال فشكري لشكر الخلق فيك تَبَع، وإن لم يقع في جوارك ريٌّ ولا شِبَع؛ وثنائي جميل وإن لم يُقْضَ من برك تأميل، وما ألممت به إنما هو دعابة تخف على أهل النُّبْل، ومن يسلك من التظرف أوضحَ السُّبْل، والله يمنع بعدُ بلقائك، ويجلي غررَ الفضل من تلقائك. والسلام.
رَجْعُ التاريخ
تولية السلطان أبي سالم المريني ونهايته
(1/61)

وفي ليلة التاسع عشر من شهر ذي قعدة عام اثنين وستين وسبعمائة وقعت بأمير المغرب إبراهيم بن أمير المسلمين أبي الحسن، الدَّبرة وأخذته في مَجْثَمه الصيحة لتوفر أسباب البِغضَة، وتكاثر دواعي الخلعان، إذ كان هذا الصبي ذاهلاً عن الحزم، مثلاً في البلادة وكَلاًّ، مؤثراً للحجبة، معوضاً للبطالة، مسلوب الغَيْرة على المال، قنوعاً من الإمرة بالاسم، مجتزئاً من انفساح الخطة بالكِسْر، كاسدَ سوقِ العطاء، معطياً لِعِداه الضمَّة، معطلاً رسم المشورة، استقر لأول تصيُّر الأمر لأخيه أمير المؤمنين، الحية الذَّكَرْ مغرَّباً بغرناطة دار ملك الأندلس، وهو صبي ذو وسامة، في جملة من أخوة وبني عم، ثم حركه القدر بطلب الملك، وهاجته دعوات سماسرة الفتن على نبأة هلاك أخيه، وأخذ البيعة بعده لولده الصبي الصغير بعد قتل كبيره ولي العهد بتدبير الوزير الحسن بن عمر بن يخلف العدودي في خبر طويل، فرقَّقَ هذا الأمير المستَدعى عن صبوح مغزاه لسلطانها، فلم يَشْك بثّه ولا راش عزمه توقعاً أن يُخفِقَ مسعاه فيبوءَ من وطن المغرب بإِحْنةِ تُطَوِّقُ الأندلس طوق خِزْيةٍ وتجر عليها ذيل نكيرةٍ ومعْتبةٍ مع الافتقار لمن علا هضْبتَها وتملك ناصيتها. فلما يئس من الإنجاح، وتشكَّى إلى غير المنصت عوَّل على نفسه، واقتصر على عزمه، وركب الخطر طوع همه، فخرج عن الحضرة ليلاً، على بعض مجاري الرُّحَضَاء من أسوارها في زُعْنُفَة يسرت له ذلك إشارةً واستظهاراً وانتشالاً وقوْداً ثم وضوءاً ونضحاً، حتى استقلَّ راكباً بظاهر البلد ولحق بقلعة يَحْصِب ثغر العدو المطل ذي الجوار المُكَتَّبْ، والعادية المشافهة، فأراح هنيهة ثم انصرف مُصحباً إلى إشبيلة وبها ملك قشتالة يقدح زناد حرب له على عدوه من روم برشلونة، فطرح عليه نفسه، وتذمم به، وعرض عليه خطاب استدعائه ودس له المطامع المرتبطة بحصول غايته فقَبل صاغيته، وَعَصى نصحاء دينه المشيرين بتثبيطه والتثاقل عن إعانته، إذ غَرَّتهم المخيلة، وظنوا به المَضَاء كميناً في لِفْق الوسامة، ولَىْ الأبهة، وآثروا الرضا بمكان الوليد الذي مُوِّهَ به للمسلمين، وكونُه غير مظنة للدفاع، ولا أهلٍ لاجتماع الكلمة، وجهَّز له جَفْناً من أساطيله سُكَّيتاً من عَرَضِها بعد أن عرضَه على جبل الفتح متعلق طمعه، وحذْقِ شَرْطه، وقد دسَّ الأمير المذكور زعموا إلى من به دسيساً في الاستبصار، فنبا عودهم عن غمزه، وانصرف الطاغية مشرقاً إلى طِيَّتِه، وقصد الفُلكُ المشحون بالأمير وبمن لف لفَّه إلى بحر المغرب يلوذ بساحله لياذ الماء بأقطار الزجاجة، ويستنجز وعود خطَّابه، فانتهى إلى مرسى مازيغان من أحواز أزمور، وأقام به شاهراً أمره، وعارضاً وجهه، ومستنجزاً وعده، وقد كان الناس حَطَبُوا في حَبْلِ سواه، ونقروا عن غيره، وجهروا بسآمتهم من مِلْكة آل السلطان أبي الحسن، والتأم خاصتهم وعامتهم على منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، جِذْمٌ من قبيلتهم عَلِق به من تصيَّر الأمر إليه، درءٌ منذ زمن شبيبته إلى توسطه الاكتهال، دمثٌ مُتَنَزِّلٌ، مظنة ترشيح ومرمى أمل، لمكانه من البيت سيما بعد إقفاره وتداعي عمده، ولفضل شهامة كانت فيه يعارضها الجانب السَّهل والتقارب، وسبب ذلك الوزير كافل الولد المموه منه بخيال، والمُهَلِّل بآل، والمُعَيِّد بما غامر به لولا القدر الذي يُنْمِي كُلاًّ إلى حدِّه، وغايته، ويَقفُه رغم أنفه عند نهايته.
(1/62)

ولقد كان الولد أهلاً لما رشح إليه نبلاً وإدراكاً ورواء، فقد أتقن الخَطَّ، وحَفَظ المُنَزَّلَ، رشداً شيئاً من العربية على انحطاطه في دركات الحداثة وخفاء مكانه للضئولة - أسمع صوتاً ولا أرى أحداً - عهدي به يتدحرج بين يدي الوزير إلى مصلى الجُمُعة، أو يجلس كفرخ الحمام المطوَّق مخضوب الرُّجَيلة، مُشَمِّرَ الذيل، حسن القبض على المنديل والمُدْية، قد دارت العمامة منه على قمر، لا يزال في الأريكة يتوقد كالذُّبال في مشكاته نُبْلاً وهِشَّة سآَّلاً عن أعيان الوافدين مشيراً بالأخذ لرقاع المتظلمين، ناهضاً إلى غاية النُّبل والسداد لو أن الليالي أمهلته، ورام لعظم مُنَّتِه وشدة أسره وقوة شكيمته واغتراره بمن لديه أن يُجري أمر خليفته الماضي الشَّبا، السامي العلى، البالغ بمجده وجدوده أسباب السَّما، أبي عنان رحمه الله على سبيله فيحوط البيضة ويملك القلوب بالرَّهبة، ويتمسك بالأطراف النائية، والعِمَالة القاصية، ويخيف من يجاوره من الملوك المضطهدين بخليفته المصنوع له، فبادر إلى تثبيت من أسندوا إليه أمر بجَاية، ووعده إياه بالمدد، وخاف على مملكة تلمسان لِدَةِ عقيلةِ الملك الذي بيده المبرّة بخلال عظيمة الجدوى من الماء الرَّوي، ودرور رسل المَحْيَا، وكثف العمارة، وعائد الإثارة. فجهز إليها الجيش الخشن المناهز خمسة الآلاف إلى من كان بها من حاميته، وأمر عليها ابنَ عم له وزير الولد قبل عموم وزارته وفي نفسه ضَرَم، ولديه بث لكبحه إياه عن الطماح، وحمله على التطامُن له. ولما حلّ الجميع تلمسان وقد كان أهلها غلبوا عليها واستخلصوها لذهاب حرمتها، وما أوقعه رأي الخليفة الهالك من هدم سورها ومحو منعتها، فأجفلوا عنها وكان الجيش أملك بها، فحسنت المخيلة وَيَمُنَتْ النقيبة، وصدرت مخاطبته بذلك إلى الأندلس بما نصه:
(1/63)

من عبد الله أبي بكر السعيد أمير المسلمين في سبيل رب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي عنان بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، وصل الله نصراً موثق الخمائل، وفتحاً صادق المخائل، ومنحاً ثابت الدلائل، وعضداً كريم المقاصد والوسائل، إلى محل أخينا الذي أهلّ وداده من ميقات الإخلاص، وراق اعتقاده في مشاهد الاختصاص، وطلعت بدور محبته آمنة من الانتقاص، السلطان الأجل الأعز الأسنى الأود الأفضل الأخلص الأصفى الأكمل أبي عبد الله بن السلطان الأجل الأغر الأسنى الماجد الرافع الأسمى الأسعد الأصعد الأرقى الهمام الأحفل المجاهد الأمضى الأكمل المقدس المرحوم أبي الحجاج بن السلطان الأجل الأعز الأسنى الماجد الرافع الأسمى الأسعد الأصعد الأرقى المجاهد الأمضى الأطول المبرور الأحفل الأكمل المقدس المرحوم أبي الوليد بن نصر، وصل الله له سعادة تُستجلى أنوارها وعادة تستملي أخبارها وإفادة يروق زهواً أزهارها. سلام يروي النسيم حديثَ طيبه، ويعبق إلا بسراه وتأويبه، ويخص ذلكم الإخاء الباهرة إياته المحكمة آياته، ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد حمد الله منجز وعده، ومجزل رفده الذي أمدنا بنصره، وما النصر إلا من عنده، والصلاة التامة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي اختصه بحمده، وأمده بجنده، وأنزل عليه [سبحان الذي أسرى بعبده] ، والرضا عن آله وصحبه حفظة عهده ولحظة رشده وقَوَمةِ الدين من بعده، والدعاء لهذا المقام العلي المؤيد الكريم الإمامي المجاهدي السعيد السعيدي بدوام سعده، واتصال عضده، والفتح الذي تُحَلّى أجياد الزمان بعقده، فإنا كتبناه كتب الله لإخائكم سروراً يبوئكم سرره، وحبوراً يلبسكم حِبَرَه، وظهوراً يمطيكم مظهره، من حضرتنا العلية المرينية البيضاء، كلأها الله تعالى، ونعم الله تعالى منسكبة الغمايم، زصنائعه الجميلة مفترة المباسم، ومُكيِّفاته البديعة عاطرة النواسم، والحمد لله على ذلكم حمداً يعرِّف يمن الفواتح والخواتم، وودكم الود الذي له في ديوان المحافظة رسوخٌ وثبوت، وشكركم على الإخاء كتاب موقوت، وثناؤكم على ترائب الولاء درٌّ وياقوت، ومحبتكم أفضل ما تهادته أحيان ووقوت. وأما الذي لكم عندنا من حسن المعاضدة وجميل المساعفة والمساعدة، فذلكم مما لا تزال سُوَره متلوَّة، وصوره مجلوة، ومُسمياته بأحب الأسماء مَدْعُوَّة، فالله يصل ذلكم في ذاته، ويمده بمقتضياته وموجباته، وإلى هذا وصل الله لكم نعماً لا تبلى رُسومها، وسعوداً لا تغور نجومها، فإنكم قد علمتم ما كان من اغترار الشقى.
(1/64)

الذي خيب الله مسعاه وقرب منعاه، وأنه امتدت بعد وفاة مولانا المرحوم مطامعه، وظن أنه قد صفت بعد الكدر موارده ومشارعه، وانضم إلى العرب المفسدين من بني عامر؛ وأتوا محرومين لا مُحْرمين رجالاً وعلى كلِ ضامر، فلما وصلوا تلمسان وجدوا الجيش الذي كان بها قد تفرق، وتطرق من الاختلال إلى قضائه ما تطرق فاختلسها اختلاس السارق، وظن أنه بنجوة من الخطوب الطوارق، واجتمع إليه أوباش من قومه إسار الردى، وجهلة الهدى، وبقية السيف الذي خبث معتقداً، ولم تكن أنمى عدداً ولا أنجب ولداً، فلم يكن إلا أن جهزنا إليهم جيوشاً ضاق عنها الفضاء، وكتائب أشعارها البأس والمضاء، فلم يشك الأشقياء أنها تحل قريباً من دارهم، ولا ارتابوا في أنها تقدم بتبابهم وتبارهم، ونهدوا للمبارزة، وأجمعوا على المناجزة، وخرجوا عن البلد بجموعهم محامين على ما يزعمون عن منازلهم وربوعهم، فلما طلعت جيوشنا مشرفة الهوادي، وحققت الحقائق الرائعة في قلوب الأعادي، وقرب حزب بني عبد الحق من حزب بني عبد الواد، سُقط في أيدي الأشقياء ولاذوا بالفرار والجلاء، فولوا على أدبارهم نفوراً، وصحب منهم الشؤم والخسار قوماً بوراً، وتقطعت بهم الأسباب، والتَقَمَهُم القفر اليباب، وألقت تلمسان إلى ناسنا بمقاليدها، ووجهت إلى أولياء أمرنا العزيز بأقاليدها، وعاد روحها إلى جسدها، ولم تلق إلى التهلكة بيدها، وكادت تمشي على استحياء، وتشكو بما كان أصابها من داء عياء، حتى نَفَتْ خبثها، ورفعت بالطهارة حدثها، ووقفت موقف العائذ، وعضت على طاعتها بالنواجذ، وعند فتحها اعتزم شيوخ بني مرين أعزهم الله ومن معهم من العربان وأهل تلكم الأوطان، وبادروا لاتباع الفل الخاسر ورأوا في الموارد حسن المصادر، وأمر الأحلاف بأن يتقدموا في الصحراء، ويكونوا بالمرصاد لجموع الأعداء وكأنكم بدابرهم إن شاء الله قد قطع، وبشملهم الجميع قد شت وصدع، وحديث النصر المتجدد قد أسند ورفع، وأعلمنا بذلكم لما نتيقنه من حبكم الفائق، وخلوصكم الممطور الحدائق، وسروركم بما يسنيه الله عز وجل من الصنع الرائق، والفتوحات التي تهوى إليها أفئدة الخلائق، ولم يبق والحمد لله إلا أن نستعد للجهاد، ونصرف نظرنا الجميل إلى تلكم البلاد، حتى ينعم ناظر الدين بناضر الفتح، وتجول حدقته في حديقة المنح، ونعمل إن شاء الله في مناصرتكم ومظاهرتكم ما يعود بالنجح، والله المستعان وعليه التكلان، وهو سبحانه يصل سراءكم، ويضاعف نعماءكم وآلاءكم، ويحقق في حياطة تلك الأرجاء رجاءكم بمنه، والسلام الكريم، الطيب العميم، يعتمد إخاءكم المشكور ورحمة الله تعالى وبركاته كتب في اليوم العاشر لجمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة، وكتب في التاريخ المؤرخ أعلاه.
وصدر الجواب عنه بما نصه:
(1/65)

المقام الذي تبرع سعده برد المغصوب، وتولت يد العناية الإلهية عقد تاج عزه المعصوب، وحكمت عوامله في سبيل الله بخفض الصليب المنصوب، مقام محل أخينا الذي) أتاه الله الحكم صبيا (، وأخلص الملك فيه لله نداءاً خفياً، فقال مشيراً إلى مكانه قبل تأتِّي الأمر وإمكانهِ، [ربِّ هبْ لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضيا] ، السلطان الكذا أمير المسلمين أبي عنان بن السلطان الكذا أمير المسلمين أبي الحسن بن السلطان الكذا أمير المسلمين أبي سعيد بن السلطان الكذا أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق، أبقاه الله يرمي بسهام عزماته أغراض السداد فيصيبها، ويشير بيده الكريمة إلى مواهب الله العميمة، يستوفر لديها نصيبها، ويطلب ميراث سلفه في الأقطار بالحسام الماضي والقنا الخطار، فيفوز بأقصى الآمال والأوطار من الانفراد بتعصيبها، معظَّمٌ قدر إخائه ومرفع جانب علائه، وموجب فرض هنائه بنعم الله وآلائه ومؤملٌّ عزمه المعتد بمضائه الداعي إلى الله بدوام نصره وصلة بقائه حتى تربى مآثره في سبيل الله على مآثر آبائه، فلان سلام كريم، طيب بر عميم، يخص به مقامكم الأعلى، وأخوتكم الفضلى ورحمة الله، أما بعدَحَمْدِ الله الذي حفظ مركز العز منكم على من اختاره، وأظهر عنايته بالدين الحنيف، على يد سلطانكم المنيف، فمهد أوطانه، ويسر أوطاره فمتى شب ضرام فتنة أطفأت جداول سيوفكم ناره، ومتى خبأ قبس هداية رفعت أيدي ملككم مناره، ومتى استأثر منازع من إيالتكم بلباس، في سبيل اختلاس، استرجعت ما استعاره، وصرحت عاره، فملككم بفضل الله مستدرك ثاره، ويتقبل آثاره، والدهر بين يديكم مستقيل عثاره، والصلاة على سيدنا محمد رسوله الذي رفع شأنه في الأنبياء الكرام، وعظم مقداره، وجعل في أشرف الخلق قومه، وفي أشرف الأرض داره، وأعطاه لواء الشفاعة ليجير من أجاره، في اليوم الذي يسلم فيه الوليُّ وليه والجار جاره، فمن انتصر بجاهه في الملمات، وعول عليه في الشدائد المدلهمات، رضى انتصافه وحمد انتصاره، ومن توسل به فضلاً عمن زاره، أمن برحمة الله أوزاره، والرضا عن آله وأصحابه، وأسرته وأحزابه الذين ورثوا فخاره، واختاروا من سبل الحق ما اختاره، ومنعوا عن دينه أيدي العدى، وزينوه بحُلى البأس والندى، وكانوا سوره وسواره، وكاد بناؤه ينقض، وكنز الحق تحته يُفَض، فأقاموا ببيض المعالي وسمر العوالي جداره، والدعاءُ لمقامكم السعيد السعيدي بالعز الذي تؤيد قدرة الله اقتداره، والصنع الذي يجري على قطب التوفيق مداره، والنصر الذي يعمل في سبيل الله سنته وشعاره، والفتح الذي تسبح في بحره الأقلام، فلا يبلغ منها الإعلام، وإن جاش الكلام، وجادت الأحلام معشاره، فإنا كتبناه إليكم كتب الله لأيامكم الجديدة السعد السعيدة الجد من مواهبه الخارجة عن الحد، أفضل ما كتب، وخولكم من مقاسم النصر الشاذة عن الحصر أَجزل ما وهب، وجعل ملككم يستعتبه الدهر إذا عتب، ويقضي من فروض طاعته معلناً بضراعته إذا حمَّله القدر على تفريطه وإضاعته، ما رتَّب ووجب، من حمراء غرناطة حرسها الله، واليد بعلو يدكم عالية والنعم بتوالي سعادتكم متوالية، والآمال باستقامة الأحوال لإخوتكم الرفيعة الجلال حالية، والارتياح الذي يؤدي بشارة الرياح لا تخلو منه عالية، والمسرات لا تفد منها وافدة إلا تبعتها تالية، وإلى هذا وصل الله لملككم أسباب الانتظام والانتساق، وأهدى أنباءكم طيبة العرف حسنة المساق، وأطلع بدر سعادتكم في أسعد الآفاق، وأقام الدهر بين يديكم مهما تاب من ذنب، أو أعتب بعد عتبه، مقام الحيا والإطراق، حتى تخفق أحشاء الكفر رعباً من لوائكم الخفاق، ويتفق على عقيدة طاعتكم فيما لكم من الأقطار والأصقاع، ألسنة الإجماع والإصفاق. فقد وصل كتابكم البر الوفادة، الجمّ الإفادة، السافر غمامته البيضاء عن بدر السعادة، المُتْحف بصنع الله الذي خرق حجاب العادة، فاجتلينا البيان من خلل سطوره، وقرطنا الآذان بشذوره، وصَدَعنا في الحفل المشهود بمنشوره، عرفتمونا فيه بالفتح الذي فُتحت لكم أبوابه، والنصر الذي يُسرت لكم أسبابُه، والسعد الذي ضفى عليكم جلبابُه، والصُّنع الذي ناسب دولتكم المقتبلة الشباب فَراقَ شبابَه، وشرحتم بما آل إليه حال تلمسان تقبل الله توبتها، وأسعد أوبتها، وحال من كان قد تسور جدارها، واقتحم
(1/66)

دارها، ومزق بالإكراه صِدارَها، لما دلفت إليه الليوث، واستقبلته فاستقتلته الكتائب والبعوث، وأخذت عليه بعرف الطاعة، بغتة كقيام الساعة، السهولُ من الأرض والوعُوث، وما أبداه لمّا تغشّاه رداه من التمويه باللقاء، والعمل على الثبوت والبقاء، وتَظَاهر به من صيد العنقاء، والأخبار التي يستريب منها لسان الإلقاء، وما نشب لما نشب أن ركب الليل جملاً، وترك سائمته هملاً، ولم يصرف إلى غير طلب النجاة بإِفلاته ولات حين نجاته أملاً، وإن أولياء الدعوة السعيدية استولوا على المدينة فاستخلصوا حقها وأوضحوا طُرقها، وسكَّنوا واجِفَهَا، وأمنوا خائفها، ورفعوا عن رعيتها المرزَّأة كل تثريب، ولم يأخذوا بريئاً بمريب ولا بعيداً بقريب، وقبلوا الأعذار حلماً، ووهبوا ذنوب جُهَّالها وعلمائها وسفهائها وحُلمائها لمن وسع كل شيء رحمةً وعلماً. سجية من ملك فأنجح، وأبت له الهمَّة العلياء أن يتنحنح أو يتبجح، ورأى المزية بين الخطَّتَيْن فكان إلى التي هي أقرب إلى الله أجنح، فعاد الخلى إلى الجيد، بفضل ذي العرش المجيد، وعوجل الشعث بالتنجيد، وأصبحت الصهوة مركب البطل النَّجيد، وردّ سيف الطاعة بعد الإجهاد في جدال البلاد من الاجتهاد إلى التقليد، وشملت الكافة واقية كواقية الوليد، وتحلت المنابر بعد العطل، والخطأ المتعمد والخطل، بدعوة من الإمام السعيد، ورأى من الاعتزال الهرج رجحان القول بإخلاف الوعيد، فكأنما كانت فلتة تلك الإيالة، الطامعة في الإدالة، وارتشاف البُلاَلَة، سهواً في عِبَادَه، وتقصيراً في إجَادَه، ولحناً في وجادة، وغلطاً في استغفار، وقذى بين أشفار، ودخيلاً في قطار، ولحقاً عيباً بين أسطار، وحلماً محت اليقظةُ غروره، وتمويهاً ذهب الحق بنوره، وقلماً أدبر شيء فأقبل، وهل عند رسم دارس من معول، ومكابر الحق موكوس القسم، وضِدُّ السعيد معروف الاسم، وما كان الله جل جلالُه، وتقدست أسماؤه وصفاتُه وأفعاله، لينثر قلادة الدين بعد نظامها، وينسخ ثابت أحكامها بعد إحكامها، بل هو نورٌ وعد بإِتمامه، والوعد حق، وقاعدة لا يدخلها فرق، ومُلك تعلق بأذياله غرب وشرق، ومزن أومض في برده للغيث برق، فإن أذنب الدهر فقد استقال، وإن ضَحَى الملك بها فقد قال، ووجد لسانُ الصارم القوْل فقال، والحمد لله حمداً يدر من النعم السحب الثقال، ويقر أحوال السعادة فلا يعرف الانتقال، وقد كنا على علم قطعي، في سبيل شرعي، نرى أن الذي اختاركم لحمل هذه القلادة، من بين من يشارك في نسب أو ولادة، وألبسكم ملابس المَجَادة، وحلاكم لمَّا تولاكم قبل أن ولاَّكم بِحُليِّ السيادة، وجعل جبل الفتح أفق بدركم، وصدفة دركم، وبدأ بفاتحة الجهاد، وهي أم ذلك الكتاب، كتاب أمركم، لا يُهمل سلطانكم، ولا تذعر بالخلاف أوطانكم، وأن له فيكم خبيئة نصر يرتقب أوانه، وينتجز وعده ويقتضي ضمانه، حتى تُبلغ الآمال، وتنجح في مرضاة الله الأعمال، ففي التماس ما عنده سبحانه يجب أن تجمع الرحال وتفرق الأموال، وفضله تعالى لا يَخيمُ معه السؤل، ولا يخيب فيه السؤال، فلما وردت الأخبار بما منحكم الله من الفتوحات التي أبلغت البلاد والعباد أملها، ووفرت سرورها وجذلها، وما يفتحُ الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، خاطبناكم نهنيكم بما وهب الله ومنح، ونرى أن ما فتح الله به عليكم فعلينا به فتح، فمقامكم العدة التي نباهي بها ونباهر، ونضاهي ونظاهر، ونطافئ ونكاثر، ونصادم ونصادر، أَبقاكم الله لآمال كريمة تُقتَضى، وخلال شريفة ترتضى، ومقاصد مبرورة تُنسِي ما سلف للسلف ومَضَى، ونحن أيضاً نعدُّ إيثاركم إيانا بالتعريف بهذا التَّكييف هدية ودية تقل لها المكافآت وإن جلَّت، وفضلٌ عميم أشرقت أنواره وتجلّت، وتستدعي القيام بحق مقامكم وهو المرام البعيد، وتجهد طرف اللسان في ميدان الشكر وأين يقع جهده مما تريد، فإلى الله نكل ما ننطوي لكم عليه من ود كريم، وحب صميم، فهو بالبواطن عليم، ولا ينفع لديه مال ولا بنون إلا مَنْ أتاه بقلب سليم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نصركم وعضدكم، ويبلغكم من خير الدنيا والآخرة قصدكم. والسلام الكريم الطيب البر العميم يخص مقامكم الأعلى، وأخوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.
(1/67)

رَجْعُ التاريخ
ولم يكن إلا كَلاَ وَلاَ، حتى تداعى الدّبا من عربان القبلة، منجدة اللمة العاصية لملك الآفاق، وقصدوا البلدة وبرز الجيش للدفاع عنها وقد تخاذل وأحجم عن المعادل لبعض أجزائه لوحشة الانقطاع وخبث الطوية، والركون إلى الدعة، فأبلى المحمس منهم ثم أعطوا الضُّمَّة وانحازوا إلى البلد، واتفق فائل رأيهم على الاعتزاز بدائل بجمع الكلمة وينظم الشَّت، ويرأب الثَّأي، فالتف قوم منهم على أحد القرابة وأصحروا مستدعين إلى بيعته، فتسايل الناس. ونمى الخبر إلى أمير الجيش فحذر معرة ذلك على نفسه، وخاف بادرة الدائل أن تحيق به ففاوض رُجْحَ القوم، وصارف المنتبذين ما ذهبوا إليه، وعمد إلى منصور بن سليمان، مقدمه يومئ من تربة الشيخ تاج العارفين أبي مدين متذمماً بها، فأعلق به البيعة، وسامه مَدَّ اليد لها عن تثاقل، وأخذ له عهد الناس بالوفاء له، وأروه على ذلك زعيم الروم يتولى السيقة وردء التعبئة. وقرعت الطبول فاستراب المنتبذون ونمى لهم الخير وقد استأثروا ببكارة تلك البيعة المبتورة، والدعوة المُخْدَجَة، فطار صاحبهم فاراً على وجهه، فدخلوا مدخل الجماعة وصرف الجميع وجوههم إلى المغرب لا يصدقون خبر النجاة، واعترضهم العرب في طريقهم فأبلوا أحسن البلاء مستميتين دون قصدهم حتى خلصوا بعد لأي، واتصل الخبر بالوزير كافل الولد فعظم الأمر، وسفر الخطب، وجرى على رسله ثابت الجأش رابط الحزم، فأشاع البروز إلى المدافعة وجهاد الخارج عن سلطانه، وشرع في العطاء واستركب واستحلق، وأفاض العدة وأركب الرجل وانتقى الآلة وحصن البلد الجديد خلفه، وأوعز إلى ثقاته ما يعمل بحسب حَدِّه، والوقوف عند رسمه، واضطرب مُضْطَرَبها المعروف من الفحص الأفيح، وفوق الهضب المطل على البلد المعروف بالرمكة وقد اقتضى اليمين واستوثق من الحاشية، وبذل التي لا فوقها من السداد والإصابة. ولما جن ليل خروجه بالولد سلطانه، وقد انتظم الجمع واحتفلت المحلة، وراقت للسلطان الآلة، وقد اقترب عدوه، وكادت تبدو ناره، ويكنف جواره، أسلمه الناس، شأنهم في هذا العهد، وديدنهم في هذا الزمن، وطاروا عنه لا يلتفتون ولا يلوون، فأفاق واستجمع، وأركب السلطان، واشتمل عليه، وأمر بتقويض المضارب، ورفع الآلة والعدة، وكر إلى البلد الجديد، فاستقر به في خِفِّ من الحاشية وأفذاذ من الخالصة.
(1/68)

ولما استوى ما أمر بإشالته ورفعه من العدة والآنية والفرش والماعون والفساطيط والآلة وأبهة الإمرة وعتاد الخزائن، قصده بحريمه الأسود الماجن سليمان بن ونزار تلقاء العدو، فما أمسى إلا وأروقة الخلافة ترف فوقه وآلاتها تُصَرَّفُ بين يديه، وأرائكها تنضد لجلسته، وظهرها وحمولتها مرتبطة بازاء رستاقه، وقصد ظاهر البلد الجديد فنازله وأحاط به وكاتب الجهات فلم يختلف عليه اثنان، فقدم العمال والقضاة وأجرى العوائد وجدد الصكوك، وأخلى بينه وبين الناس، وأفرط في التنزل والضعة والتمني، وحط الأبهة استئلافاً للنفوس. ووالى حصار البلد المذكور فرتب عليه المقاتلة ونصب المجانيق والعرَّادات، وقاد الستائر والأكبش والدبابات، وأدار عليه البناء من الجهات وسكن بشرقيه في الهضب أَبغران، وأمر الخاصة بالسكنى واستدعى من البلاد البحرية عُدد الأساطيل من التِرْسة والمجانيق والحديد لاتخاذ الآلة والمعاون وأمراس الكتان والشهدانج لحل الأقفال، واستنفد الوضع فلم يحل بطائل. وقد اضطلع محصوره وأفاق من الطخية، ومَرَن على الحصار واعتز بالمال فأجاب داعيه الكثير من ذؤبان الرجل أولي النجدة ومساعير الحرب وأرباب العتا والصبر واقتحمت إليه بالمضغ والأدم راكبو أعناق الأخطار ومرخصو أثمان النفوس بين يدي ما يرومون من الربح، وناهزت الحال شهرين كابد من شجا البلد المحصور خطباً، ولم يتهنأ معه ملكاً واحتاج إلى المال فلم تنجده البلاد التي شحت ينابع أرفادها للهب الفتنة، وأمسكت أكف غارميها دواعي الهرج، وقرب عهد ولاتها بالدفع لما يحصى من الخَرْج، إلا ما كان من أوقاف وأموال صدقات وودائع لا تقع مما يريد في نسبة عددية، وأباح الدسيعة للقبيل، ولم يستأثر عنه بفلذه، وأطلق الأيدي على كل طلبه ولم يسمع عنه لا في مسألة حتى جرى في ذلك غير ما صحكه. ووصل ولده اللاحق بجبل هنتاتة، المستقر في جُوار رئيسها المِدْرَه في الدّهْى والحزَامة، وأحد الآحاد في إقلمة الرسوم الحسنة والإرعاء على الرتبة والتزين بالوقار والسكينة، عامر بن محمد بن علي الهنتاتي حسنة هذه المُدَد المتأخرة، والمغبر في وجوه الوجوه السابقة، مصحباً بزينة الملك وآلات السلطان، مُتَعدِياً طوره، لابساً للناس غير لِبْسة أبيه، من الأنَفِ والتجبر وتعاطي خطة الفراعنة، من غير أن تشج العروق أو يملك البيضة، صبي اسنه علي، أشوس اللحظ، شامخ المارن، رأى لنفسه قصوى المزية، أنكر على الشيخ فضل التَّنزل وعَبَس وبَسَر في الأوجه وتوعد على التقصير فكان أدعى الدواعي إلى هلاكه وهلاك أبيه، ولله أمر هو بالغه سبحانه.
ولما طال على الأمير أبي سالم عَرْضُ نفسه إلى مَنْ حَرَّكه إلى طلب حقه، وسئم التردد واقتضى أجوبة مستدعيه مراجِعَةً بخروج الوقت، ناعيةً إبطاءه، إلى تنوع الحال وإخفاق السعي واجتماع الكلمة على الغير، انصرف بخفي حنين، وقد وصلت أحواز مرساه الحصةُ مانعة إياه من النزول آخذةً على أيدي من أقرضه الصنيعة وأبدى له صفحة القبول. ولما وازى وجهه الصَّفيحة من أحواز أصيلا تبادرته قومٌ من غُمَارَة سكان ذلك الجو وعقبان ذلك الدَّو، فانحدرت إليه ووعدته بالوفاء له، فنزل وربما نالته في الصحصاح شدة تخلص منها بعد الكيْت، واحتملوه فوق أكتادهم ثم اعتاموا له هجيناً من مراكب سَراتهم المستهلين إلى مجامع التباعات، أمطوه صهوته، وأحدقوا به في سفح الأدنى من جبالهم، وأخذتهم الحَمِيَّة فتنافس في الذبّ عنه والقيام بدعوتهم شعوبهم وقبائلهم ثم كبسوا مدينة أصيلا حاضرة بلدهم فتغلبوا عليها وضيقوا خارج مدينة طنجة وتوعدوا أهلها بإفساد أموالهم المُصْحِرة، فدخلوا في أمره، وقد تسامع من بجبل الفتح من قبيل غماره بالأمر فسلكوا سبيل قومهم في الانقياد له فقبضوا على واليهم الوزير البقية، الحسن الرُّوا، العذب الكلمة، علي ابن العباس بن موسى، وقد أغفل الحزم واختلط بسوادهم اختلاط الثقة بهم، فكانوا أملك به. ولم يسع من بسبتة جارهم المصاقبة الامتناع، فوجهوا من مشيختهم من قرر الأمر وضمن الطاعة.
واتفق على تَفِئَةِ ذلك أن وصل سبتة الغراب الموجه إلى الإسكندرية أخريات الأمير أبي عنان، راكب عنقي البحر والبر، مما حدّ له شراؤه من متاع الشرق وطيبه وطرفه، فحط بسبتة، وكانت بضاعته مما جملت العَطَل وموهت الخمول.
(1/69)

ولحق به لما تصيرت إليه طنجة الأحسن بن يوسف الخيري من شيوخ قبيل بني وارتجين، المشار إليه في الصلف والترف والتأنق في فاخر الكسوة، والممتاز بحسن الركض وتفاهة ميدان السلم متوجهاً إلى رُندة، والشريف الندب نسيج وحده في قوة الشكيمة ومضاء الحد وفضل الصرامة، مُطَبَّق المِفْصَل، وفاصل الخطة ومعز الرسالة ومحل الرجولة المستولَى على الأمد، حُسْنَ رواء وفصاحَة لفظ ونصاعة طرف وبراعة أدب وعموم مشاركة وإمتاع، أبو القاسم حسن بن يوسف الحَسَني، ضاق به رحب الدائل، واتهمه بالحمل عليه فصرفه إلى الأندلس مُوَرِّياً بغرض الرسالة تحرجاً من التصدي لمضرته، وإرعاء على منصب شرفه، فارتاش، واستظهر من المريني بقيّوم الوزارة، ومن الشريف بتجديد المجالسة ولسان الدست وظهير التدبير. وسكن من يومئذ المضارب واتخذ بعض الآلة، وتلاحق فرسان الطاعة من أهل الجبل ورندة. وتوجهت إليه الحصَّة من ظاهر البلد الجديد فوصلت قصر كتامة واضطربت به فَبَيَّتَتْها خويلة مع الوزير الأحسن ابن يوسف، هزمتها واستاقت كُراعها وعُدَّتَها، وصرف إليه بعدها منصور بن سليمان العناية، فبعث إليه حصة خشنة لنظر ذَمرٍ من رجال دولته معروف النفرة عن السلطان أبي الحسن وبنيه، مُردَفةً بأخرى لنظر أخويه عيسى بن سليمان وطلحة. ولما صمما نحوه، لاذ بسفح الجبل وأهمَّ من لديه أمرُهُم، ووقع القتال بتناصف القوم، أول أيامه، ثم بان الظفر لأكبر الطائفتين، ودوخل القبائل من غمارة وأطمعوا بالمال فمرجوا في أمره، وهمت به طوائف منهم ونشب بنفسه، لولا أن الله فصل الخطة وفرج عنه الكربة، وهناه المنحة وقسم له الحظ ضربة لازب، لا ربّ سواه سبحانه ولا مبدل لكلماته. وكان من الأمر ما يذكر إن شاء الله.
رَجَع: ولما اتصل بالوزير الحسن بن عمر، الثابت المقدم بالبلد الجديد المحصور، عبور الأمير إبراهيم، واتصاله بجبل غمارة، ودخل إليه جاسوسه المهدي باكورة خبره، رفع الأعلام، وشهر الاستبشار، وقرع الطبول مستبشراً به ومظهراً للناس النجح بمكانه فخلخل طاعة حاصره، وفَتَّ في عضده لاختلاف أهواء من لديه واضطرابهم ومَرَه بصائرهم، وغلبة التلاعب بالملكات عليهم، خوراً في الطباع، واحتطاباً في حبال الدائلين، وفي لمة من الفرسان، هاج حفائظهم، واستفسدهم عليه، لمضايقته إياه جاهلاً بوزانه، مخدوعاً في ثمن دُرَّته، مفضلاً عليه يومئذٍ صاحب العلامة، صبياً من ذرية منديل الكناني خالصة دولتهم في القديم أصعر الخد، خلو من الخلال الراجحة، يرى أنه سبط من أسباط إسرائيل الله في دول اليعاقبة، صَارَفَه الجفوة فلم تجزها طباعه الأبية، وارتكب الخطر وتجاوز الأحراس والأهوال فاستقر لديه مُخْملاً كثيراً من صاغية الناس. وتولى للأمير إبراهيم كبرَ الأمر وأحكامه في السرّ خطيب أبيه ورسوله، نسيج وحده وأعجوبة دهره والبعيد الشأو في هذا الميدان، الشيخ الفقيه الخطيب الشهير أبو عبد الله بن مرزوق، متلقى كرة الدولة والمستأثر بعد بالزبدة، فداخل الأشياخ ومهد الطاعة وكاتب في السر وردَّد مُداخلة البلد المحصور فكانت الطائلة لحيلته والبلاء الحميد لدسيسته ليقضي الله أمراً كان مفعولا. والأنْوَكُ المخدوع عن نفسه ذاهل عما وراءه، قد خضب الشيب وأعرس وهو على مقرب الصَمْغَة كأنه أخذ بقول الشاعر:
قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهارِ
وأشار عليه ولده بالقبض على الوزير لما حذره من المداهنة في أمره فغلت يده عنه لينفذ فيه قضاء الله وقدره. وأوحش عميداً من رؤساء جنده المظهرين له على أمره، المناصحين بالجِبلَّة والغُربة لسلطانه محمد بن يوسف بن نصر المنبز بالأبكم الرئيس، البطل البهمة، راكب ظهر التهور، الحميّ الأنف، المرشح بالأندلس للإدالة، المفتتح من حضرة تونس دار الخلافة، جاهلاً بوزانه ومجرياً عليه حكم غماره، فأمر بثقاف حرمةٍ له لم تعرف قط إلا الحجبة، فقارضه سوء الدخلة.
(1/70)

وفي اليوم الثالث عشر من شهر شعبان عام ستين وسبعمائة، نَهَدَ هذا الرجل الموتور مورياً بالقتال ومدافعة من يبرز من حامية البلد، وقد راسل صاحب الأمر به، وصدق الدفاع، وأعطاه من بين يديه الضُّمة فدخل البلد، وقد نالت الجراح كثيراً من أتباعه لخفاء الغرض عن حماة البلدة، وثقات المراصد، وشاع بالمحلة أنه افتتح البلدة ودخلها عنوة، واستركب السلطان المغرور، ووقع النفير فتمخض الأمر عن الزُّبدة، وحصحص الحق بعد الشُّبهة واستراب الوزير المستوحش من وعيد الولد، فتحيز إلى المدينة وسلك سواه مسلكه من الرضا بالمدينة، وحَمِيَتْ أنفس المحصورين وهم شوكة وذمّرهم من لحق بهم، فكانوا لهم أسوة، فبرزوا ينهبون المحلة ووقع البَهْت وغلّت الأيدي ونزل من الله الخذلان. ووقف مغرورهم منصور ابن سليمان وولده موقف الحسرة، وتورطا في شَرَكِ الدَّهش والحيْرة ينشدان الأرحام، ويدْعُوان الذمام ويحترشان ذمم الحرية فلم يُلو إليهما لِيت ولا رُفعت لهما عين، ولا دافعت عنهما يد، ولا رُوعي لهما عهد فانصرفا في شرذمة محروبة تتقاصر عن العشرين فارين على وجوههم إلى جهة بادس. وكان من الأمر ما يأتي به الذكر إن شاء الله.
ولما تلاحق وزير الحائن بابن عم عمه الوزير القائم بأمر البلد نازعاً إليه، رابه قبوله وخافه على نفسه، فلم يلبث أن برز لحينه في سبيل المدافعة فصرف وجهه إلى الأمير المقبل أبي سالم وثَنَت الناس الأعنة إليه، فلم يَرُعْه أضيق ما كان خناقه، وأوفر ما كان فرقه، وأقصر ما كان أمله، إلا الخبر بالفتح الذي لم يلبس له لامة ولا اقتحم هولاً ولا تسربل عَجَاجَه، واتصل بالحصص الآخذ بمخنقه، فألقى قوّادها أنفسهم عليه وأخذوا أمانه، فغرب لحينه منهم أخوى طريده إلى بر الأندلس - وتحرك يوماً والناس يتسايلون عليه أثناء طريقه على اختلاف طوائفهم مهنين، وبالطاعة باخعين، وللوسائل مقررين، ومن الذنوب السابقة إلى سلفه مستغفرين، فقوبل كل بصاعه وأجيب ببسط أمله.
وخاطب سلطان الأندلس بما نصه:
(1/71)

من عبد الله إبراهيم أمير المسلمين المستعين برب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد ابن مولانا أميرالمسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أيد الله أوامره، وخلد مناقبه الكريمة ومآثره، ووصل لدولته العلية السعود، وأنجز له من مواهب النصر الموعود، وزين بإِعلاء كلمته الوجود، إلى محل أخينا الذي مجده أصيل، وشرفه شامخٌ جليل، وحكم رأيه في حفظ المودة مرضي مقبول، وعلاء همته وزكاء أوصافه السنية وشيمه كاف بتعديد الممادح وإحراز المحامد كفيل، وفي استغنائه عن ترديد الثناء دليل، فزاده تعظيمٌ وتبجيل، ودولته العلية في وجوه الأيام غررٌ وتحجيل، ولعزماته الماضية في حد الشرك تفليل، وفي يد الإسلام بذْل وتنويل. السلطان الكذا بن السلطان الكذا بن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقى الله دولته العلية فَلكاً يستضاء بكواكبه ويستنار، وحَرَماً يحتمى به من الخطوب ويستجار، وَوَصَل لها سعداً ما تعاقب الليل والنهار، ونصراً يحمد منه في الإسلام الآثار. سلامٌ كريم، برٌ عميم يخص أخوتكم الباسقة الفروع، ذات الفضل الذي هو أوضح من الشمس عند الطلوع ورحمت الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي ألَّف برحمته بين قلوب المؤمنين من العباد، وهداهم إلى التمسك بحبل الطاعة التي بصَّرهم فيها بمواقع الرشاد، وجعل الخلافة حَرَماً آمِناً طهره من دنس الظلم والإلحاد، وكتب الشقاء على من رَامَهُ من غير أهله بما اقترفه من كبائر الفساد، ووعد من استعان بع وتمسَّك بسببه من النصر والإنجاد، والتأييد الذي يمده من الفتوحات بأعظم الإمداد، والصلاةُ والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الهادي المختار من بيت الشرف الرفيع العماد، سراج النبوة الوقَّاد، والشفيع المشفَّع في الميعاد، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد وآوَوْا ونصروا على استيلاء الكفر وظهور البغي والعناد، وأحسنوا بعده الخلف في أمته بالاتباع لأوامره والانقياد، وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي المؤيد الكريم السلطاني المستعيني الإبراهيمي بالنصر الذي يُجري جياد البشائر في أفسح الآماد، والفتح الذي يرتاد محلنا السامي أي ارتياد، والتمكين الذي يقر جنبات السيوف في مضاجع الأغماد. فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم سعداً تنتظم في قلائد المجد دُرَرُه، وعزاً تتضح في وجوه الأيام غرره، من منزلنا الأسعد بأمر جن يمنه الله، والأقدار في مساعدة أمرنا الكريم نافذة وماضية، وأجياد الملك بالبشائر المتتابعة، والمسرات المرادفة حَالية، ووفود الفتوحات على بساطنا الأشرف مزدحمة متوالية، ومُقَدّمات النصر من شوائب العناد سالمة، وعن الأوهام الكاذبة عارية، والحمد لله على ذلك حمداً نستزيد به عوارف جوده، ونستدر به أخلاف مذخوره، من النعم وموعوده، والحب فيكم صميم، والود في إخائكم ثابت سليم، والحمد لله على ذلكم وعنايتنا بجانبكم موصولة بالخلوص مشفوعة، وأحاديث مصافاتكم في الحسان العوالي مرفوعة، وشِيَمُ مقامنا الكريم على مشايعتكم ومؤازرتكم مطبوعة، وإلى هذا وصل الله سعادتكم وحَرَسَ بتوالي النصر والتأييد مجادلتكم وأجزل من مواهب الفتح إفادتكم. فإنكم علمتم خبر سفرنا وما كان إليه بعد خروجنا من غرناطة المحروسة مآل أمرنا، وإنا لما اتصل بنا شأن الحضرة وقوى ما كان عندنا على سرير الملك من الغيرة، خرجنا وقد اشتهر من ذلك ما اشتهر، نحاول ملكاً أو نُعذر، فاتخذنا سبيلنا في البحر عجباً وجعلنا الفلك المشحون لوصولنا إلى الحضرة سبباً، فلما انتهينا إلى هذه العدوة وآوينا منها إلى أسعد ربوة، طفقت البلاد تصافحنا بيمناها، وتستبشر من دولتنا الكريمة ببلوغ مناها، وتبث إليها من التشوق إلى دعوتنا العلية شكواها، وتفتخر بالانتظام في سلك طاعتنا وتتباها. وعلمت أنه قد نَهَدَ إليها معاذُها، وقوى على حين توهُّم الصعب ملاذُها. وآن أن يقام الحق والعدْل فيها، وأن يغمر ظل الأمن والعدل نواحيها وبادر إلى التمسك بالطاعة الكريمة أهل الجبل وطنجة وأصيلا وقصر المجاز وجميع البلاد الريفية والقبائل الغُمَارِيَّة، وكان الشقي الخاسر منصور ابن سليمان، قد امتدت في الفتنة مطامعه، ونَبَتْ عن قبول النصائح في طلب ما ليس له
(1/72)

مسامعه، ففسح مجال آماله التي ضيَّقها القدر وصَرَمَها، وأوقد نار الفتنة على من بحضرتنا من الأولياء وأضرمها، وبذل في التضييق عليهم ذخائر الأموال، وأنفق في حصارهم أعمار الرجال، فلم يحل بطائل، ولا ظفر منها والحمد لله ببغية آمل، ووصلتنا كتب وزيرنا الحظي لدينا الشيخ الأجل الأسنى المعظم الأكمل أبي علي الحسن بن عمر أعزه الله، يستصرخ بنا ويستنجد على الأشقياء بحزبنا، فأجبنا داعيَهْ، وحمدنا في حماية حضرتنا الكريمة مساعيَه، وأعملنا إليه الركاب، وقدمنا في نصره الأسباب، ونزلنا بسريف يمنه الله بمقربة من القصر الكبير، وكان الشقي لما خامره من أمرنا الرعب، وعلم أن ما وَطِئ من هذا الأمر موطئ يغيظ المؤمنين صعب، وجَّه أخويه عيسى وطلحة إلى القصر بجمع اعتقد ولاءهم في مغالبة أمرنا ومدافعة حزبنا ليقفوا هنالك، ويسد علينا بجمعهم الوافر الطرق والمسالك، وكان مع الشقي جماعةٌ من قبيلنا أعزهم الله، دعاهم إلى الوقوف معه داعي الاضطرار، وسلمت عقائدهم من الاعتداد بأمره والاغترار، فجعلوا يتسللون إلينا لِوَاذاً، ويودُّون لو يجعلون كبيرهم الذي لا يرجعون إليه جُذاذاً، علماً منهم بضعفه عن الولاية، وأن مبدأ ملكه لا يصل إلى الغاية، ثم اتصل بهم أن أمرنا قد أُمِر، وملكنا بعد إشفائه على الخراب قد عُمِرْ، فنبذوا دعوتهم بالعراء، وشحذوا عزائمهم لنصر دولتنا الغراء، وانفضوا من حوله وإن لم يكن لأجل استيلافهم فظاً، ودانوا بطاعتنا الكريمة ومحبتنا اعتقاداً ولفظاً، وأشرقوا الحائن بريقه، وأسلموه لمن تابعه من فريقه، ففر والرعب قد ملأ فؤاده، وسعادة أمرنا العلي مالكة إن شاء الله قياده، وقصد هو وولده وثلاثة من الفرسان ميمماً إلى جبل أكان الذي فيه إن شاء الله حتفُه، ولنا الاستيلاء عليه بعناية الله، وإن رغم أنفُه. وتفرق أولياؤه فرقاً، وسلكوا في طاعتنا سُبُلاً حميدة وطرُقاً، فمنهم مقتصد وقف مع وزيرنا المعظم أبي علي الحسن بن عمر أعزه الله ليكمل عقد الطاعة، وينتظم بمحبتنا وخدمتنا في سلك الجماعة، ومنهم سابق بالخدمة لم ير الغاية إلا في الوقوف ببابنا، ولا جعل قصده إلا في اللحاق بركابنا، قد تسابقوا إلى بابنا الكريم يصلون السُّرى بالتأويب، ويهتدون من أسِنَّتِهِم وعزائِمِهم بكل شهابٍ ثاقب في كل طريق ملحوب. وأما الوزير أبو سرحان مسعود بن رحو وكان ممن نقض عرى دولته وسعى في محو كلمته، فإِنه بادر إلى خدمةٍ تزكي عمله، وتبلغه من رضانا أمله، فاعتمد أولياءنا الأقربين، وبطانتنا المظفرين، وقصد الذين بالقصر ليصادف فيهم غِرَّه، ويُذهب عن منصب الملك بمحو آثارهم معرّة، ويتَحيَّل في القبض على أخوي الشقي، ويتقرب إلينا بأثر من نصائحه جَلِي. وفي خلال ذلك اتصل بالقوم ما وقع بفاس، فارتبكوا في أمرهم، وخلوا إلى شياطين طغيانهم وكفرهم، ثم إن الله سبحانه أيقظهم للهُدَى، وهيأ لهم من أمرهم رشدا، وبصَّرهم بمواقع الطاعة فالتمسوها، وأنسوا أنوارعفْونا اللائحة فاقتبسوها، فألقَوْا يد الطَّوع والإذعان، وهداهم الله إلى استكمال عقد الإيمان، وتحقق الوزير أبو سرحان خبرهم، واقتفى أثرهم، واجتمع طريقه بالقوم الذين استعجلوا إلى حضرتنا الكريمة، فوردوا في حين واحد، وشعارهم محبتنا التي أطلعت لهم الشك يقيناً، وطاعتنا التي لم يعتقدوا إلاَّ الوفاء بها وليّاً ولم يتقلدوا غيره دَيْناً، فصرفنا إليهم وجه القبول والإقبال واضح الجبين، ورفعنا لهم راية العز والإحظاء فتلقوها باليمين، وبرزنا إليهم والنصر قد عقد علينا لواءه، وهذا اليوم الأغر قد أرانا من الفتح ما وراءه، وازدحموا على ركابنا العَلي متفيئين ظلال العدل والأمان، وبايعونا بيعة رضى ورضوان، وضربت الطبول، وخفقت البنود، وأمن الرعايا، واستبشرت الجنود، وأنجز لنا من الله الموعود، ومن الله سبحانه نستوهب نصراً يردف هذا الفتح بمثله، وتأييداً يغني المقاتل عن هَزّة رمحه وسلِّه نصله. وسيق الذين بالقصر إلى محلنا الكريم يعثرون في لباس الذل والهُون ويرتعون حول حمىً من المنون، فأعطوا الطاعة عن يد وهم صاغرون، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فَرَدَّدْنَا النظر وعلمنا أن الكريم يعفو إذا قَدَرْ، وقلنا إن عاقبنا فالعذر أجلى وأوضح وإن عفونا فالسجايا أندى وأسْجَح؛ لكننا إلى الأدنى من الله أجنح. فأوسعناهم عفواً وأوردناهم من
(1/73)

أمواج حلمنا صفواً، وسكَّنا بالصفح روعهم، وأذهبنا بالوعد الجميل خوفهم وجزعهم، وبعثنا أخوي الشقي صحبة القائد الأنصح الأثير المرعى قاسم بن أبي بكر بن بنج إلى عدوتكم المحروسة ليقر لهم فيها القرار وتطمئن بهم بحسب عفونا في جواركم الدار، ورحلنا صبيحة يومنا قافلين إلى الحضرة الكريمة مستعينين بالله في تتميم دعوتنا العلية، ونزلنا بهذا المنزل فوصلتنا أخبار وزيرنا المعظم أبي علي الحسن بن عمر أعزه الله، وأنه آخذ جهده في الخدمة ومتمسك بأمور الطاعة المهمة، وإنه وجه إلينا المال وآلات السلطان جميعاً وهم واصلون على الأثر بعد أن كانت كتبه وصلتنا أمس التاريخ، يستحث ركابنا، ويوصل بالحضرة أنسابنا ويقر من طاعتنا بالواجب، ويسلك في الخدمة والمحبة أسنى المذاهب، ونحن لا نزال نبرم عقد مودتكم وإن كانت الحال دعتكم إلى نقضه، ونعلم وضوح عذركم فيما فرط من الإخلال بفرضه، فنوافي لديكم سار أنبائنا تقريراً للمناصحة التي خلصت سراً وعلناً، والمحبة التي أنبتها الله من حَبَّة القلب نباتاً حسناً، والمشايعة التي نعتقدها شريعة ونتمسك بها سنناً، والمعاهدة التي تنيلكم في جهاد أهل الكفر أملاً، والمؤازرة التي تطلع لكم من آفاق دولتنا الكريمة شُهُبَ النصر قواضباً وأَسَلاً، ورعياً لما بين أسلافنا رضوان الله عليهم من الوصلة التي أسَّس مبانيها الجِوار، والمودة التي حَسُنَت في غاياتها ومبادئها الآثار، وتجديداً لذلك العهد، ولإن تقادم أمدُه، وتأكيداً لحُكْمِهِ الذي عظم بالمؤازرة مددُه. ولما بيننا من المواصلة في السر والجهر، وعندنا من المساهمة لكم في الحلي والمر، أعلمناكم بهذه الأخبار، وأفصحنا لكم عن جميل الاعتذار عملاً على شاكلة المساهمة، وحفظ المودة التي لم تزل على أصولها قائمة، ودفعاً لما عساه يلحقكم من الخجل في ذلك، وسلوكاً من مراعاة ودكم على أجمل المسالك وسيتضح لكم عند وصولنا إلى الحضرة الكريمة شواهد هذا الدليل، ويظهر ما أضمرناه لكم من الوعد الجميل، فثقوا بذلك وأفسحوا في جهاد أهل الكفر مجال آمالكم، والله يضاعف لكم التأييد والنصر، ويطلع لدولتكم الزمن النضر، ويضاعف لكم الاقتدار ويجري في مساعدة أمركم الأقدار، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
(1/74)

كتب في يوم الأحد العاشر لشعبان المكرم من عام ستين وسبعمائة، عرف الله خيره وبركته وهو المستعان وكتب في التاريخ المؤرخ به.
وصدرت المراجعة بما نصه:
(1/75)

المقام الذي عالج زمانة الزمن فشفى، وضمن له عزيم القدر بلوغ الأمل وإحراز الوطر فوفى، وانسدل بأيالته على الأمة لباس الوقاية والعصمة فضفى، واستظهر للدهر بعقوده، طالباً بالحق إرث آبائه وجدوده، فوقع عليها قاضي القضاء: استقل بالواجب واكتفى مقام محل أخينا الذي ثَغْرُ الدهر لما استحقه من عزة الأمر بَرودٌ شنيب، وقبة الفخر قد أحكم منها على مجده العدّ وفضله الغمر تطنيب، ومركب العزة القعساء لخدمته في الإصباح والإمساء جنيب، ولسان الثناء على حلمه ودينه يتلو على الأشهاد من إن إبراهيم لحليم أواه منيب. السلطان الكذا بن السلطان الكذا بن السلطان الكذا أبقاه الله تضرب بصدق عَزْمته الأمثال، كما ارتفع بحجة دعوته الإشكال، فمهما طمحت نفسه النفيسة إلى غرض بعيد، قرب منه المنال، وطأطأت أعناقها الآمال، ونجحت الأعمال، وأهطعت الغاية التي لا تنال. سلام كريم بر عميم يخص مقامكم الأعلى وأخوتكم الفضلى ورحمة الله وبركاته. مُعَظِّم مقداركم الكبير، الموجب لأخوتكم الكريمة مزية التوقير، المثني على فضلكم المبين، ودينكم المتين، وحسبكم الشهير الأمير عبد الله محمد بن أمير المسلمين أبي الحجاج بن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر. أما بعد حمد الله مُدَبِّر الوجود الذي بيده مقاليده، الملك الحق الذي ثبت ببديهة العقل توحيده، جبار السموات والأرض، فالأمر أمره والعبيد عبيده، جاعل الشكر مفتاح المزيد من نعمه، فهو كما وعد يُحسب الشاكر ويزيده، فمن استعان به في المهمات أعانه وأنجده تأييده، ومن توكل عليه في الملمات ساعده ما يريده، ومن تذلل لعظمته اشرأب بالعز جيده، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله صاحب الفخر العالي مشيده، والحمد المتوالي في الذكر الحكيم ترديده، والفخر الذي لا يطال سمكه ولا يخلق جديده، هادي الأنام الذي استبان بطاعته شقي الخلق وسعيده، فأصبح الباطل وسيف الحق يبيده، وغدا عقد الإيمان لا ينقض مبرمه ولا يحل شديده، والرضا عن آله وصحبه الذين نصروه في حياته بالعزائم الصادقة ويوم الروع لا ينادي وليده، وحفظوه في أُمَّتِه بالاهتداء الذي بان فضله وظهر تسديده، وكانوا في سماء ملته كالنجوم المشرقة لمن يبتغي الخير ويستفيده. فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم سعداً يطوي المراحل فيشبه الغيث يؤم البلد الماحل بريدُه، ونصراً يُقصر على تمهيد الأرجاء وعلى الجهاد الذي هو مطمح الأمل الديني والرجاء عدته وعديده، حتى يزين عِطفَ المثقف انثناؤه وخَدَّ المهنّد توريدُه، ويقوم خطيب الحسام مُكبراً بالفتوحات الجسام، فيقال هذا اليوم عيده، وهناكم الملك الذي ذخر لنظم مآثركم طويله ومديده، فإذا تذوكرت الأملاك وانتظمت من الفخر الأسلاك، فسيفكم سفَّاحه ورأيكم رشيده، من حمراء غرناطة حرسها الله، وساجعُ شكر الله يملي الأفواه وقد طاب بدوحة الصنع الجميل تغريده، والمسئول في صلة عوائد فضله من يُبدئ الخلق ويعيده، وإلى هذا هناكم الله ما خوَّلكم، وبلغكم من فضله أملكم، فإننا - من لدن انبعث عزمكم، على طلب حقكم، وقد تأذن الله لكم في استخلاصه، ومطاردة أملكم الذي أجلى الركض الحثيث عن اقتناصه، ونبهكم القدر، والحظ المبتدر، والسعد الذي راقت منه الغرر، لسرٍّ من القبول خَبَأهُ سبحانه وحَجَبَهُ، واعتِنَاءٍ حتَّمه وأوجَبَهُ، فسَهُل الصعب، وهانَ الخطر، وانقاد الوطن وتأتى الوطر، وبرز إلى الوجود ما تضمنه اللوح المستطر لم نزل نسأل الله لكم حسن العقبى، ونجح المآل، ونتشوَّف إلى ما تربَّد من قبلكم من الأحوال، ونتلقى ما يَرِدُ من أنبائكم المعربة عن سمو القَدْر، والسعادة المشرقة البَدْر، بانشراح الصدر، إذ لم تُوسِعُ الأحوال المتعارفة عندنا زيادة على هذا القدر، إلى أن طلع علينا كتابكم الأسنى، متحفاً بثمرة السعد طيبه المجنى، وقد تأسس منه على الوفار وكرم العهد المبنى، وتطابق منه في الفضل اللفظ والمعنى. أطلعتمونا طليع الأنباء التي يَحُومُ التشوف حول حماها، وتتزاحم أنساب الشفقة على منتهاها، وتشرع الأفكار إلى فك معماها، وإنكم ما زلتم ترفلون في لطائف صنع الله براً وبحراً، وتتوسدون كنف الرفق والعناية نحراً وسحراً، إلى أن نقلكم من صرير الفُلك إلى سرير الملك، من يُجنى ثمرة الحياة الطيبة من شجر الهُلك، ويشقّ عن أزهار الأنوار كمائم الظلم الحُلك، فتأرَّجَت نواسِمُ
(1/76)

القبول من مهبها، وأشرقت الأرض بنور ربِّها، وتذاكرتِ الرعايا صنائع والدكم المقدس فَرَعَتْهَا، وأنصتت إلى دعوة الحق فوعتها، وأقام الله لكم بدار الملك وهو الأصل، والرياس الذي يُمْسَكُ منه النَّصل، مَنْ حَمَى الحوزة، وأحيا العزامة، وبذل في حفظها عليكم الجزالة والصرامة، بما يستوجب به هو وعقبُهُ منكم الحظوة والكرامة، فلم تُجْدِ معه الحيل ولا أغنى الحصر، حتى نزل بإِصراخِكم النصر، وسعد بدعوتكم العصر وارتاح إلى مُحياكم القصر. ووردت عليكم الوفود تجر ذيول الأسَلْ، وتستشعر النشاط من بعد الكسل، وتراجع الوفاء المعهود، وتتذكر الحقوق السالفة والعُهُود، وأنكم حثثتم السَّير إلى الحضرة التي فارقتكم مطالعها هلالاً، فعدتم إليها بدراً، وارتاحت إلى لقائكم على مر الأيام، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، وإن وزيركم الأوفى شكر الله وفاءه وجعل معروف اعتقادكم الجميل كفاءه، وجَّه آلات الملك التي بها يستظهر الأمر العزيز، ويكون بها على المدينة التبريز، وقررتم ما سلكتم فيمن أظفر الله به أمركم وسعى بالقدرة عليه صدركم من عفوٍ عن دمٍ، ورعي ذِمَمٍ، وإيثار عادة وفضلٍ موروث وكرم. فاستوفينا ما قررتم من مقاصِدَ نظمت البلاغة شذورُها، وجَلَت ظُلُم الحبر نجومُها العواتِم وبدورُها، وحضر بين يدينا خديمكم فلان فزاد الخبر لأجل المعاينة إيضاحاً، وأفاد شرح الجزيئاتِ الصدرَ انشراحاً، فقابلنا نعم الله عليكم بشكره وحمده، وسألناكم مزيد فضله بكل نِعْمَةٍ من عنده، وقُلنا الذخر الثمين انتظم في عقده، والحسام الماضي عاد إلى غمده، والفرع الكريم استقل بمنبت أبيه وجده، وما يفتح الله للناس من رحمة فلا مُمسك لها وما يُمْسِكْ فلا مُرْسِلَ له من بعده. ثم ثنينا العنان إلى شكر مجدكم الذي لا ينكر حقه، ولا تلتبسُ في الأصالة طُرقه، فالجواد لا ينكر سبقُه، والغيث يدل عليه برقُه. وعلمنا بما قررتم من استشعار العفة عمن قصدكم من الناس، وخفض جناح الإيناس، استقامةً للأمن إن شاء الله على أوثق الأساس، وسلامة الصدر وذهاب الباس، وسررنا - والله العليم بالضمائر - بما سَنَّى الله لكم سروراً ننازعكم فيه فضل اللباس وفضلة الكاس، فإن إيصال الحقوق إلى أهليها، وكَوْنَ رتب الآباء تستقر في الأحقِّ بها من بنيها مما جُبلت النفوس على استحبابه وإيثاره، ويجده كل قلب وفق اختياره، فكيف إذا عَضد ذلك وُد مُتوارث عن السلف، محفوظ بدرُه عن الكَلَف، فنحن نهنيكم والهنا شامل، ونؤمل لكم المزيد والله لا يخيب لديه آمل، ونسأله أن يسعدكم بما صار لكم ويجعل في طاعته عملكم، ويكتبكم فيمن شكر آلاءه ونعمه، وذكر فضله وكرمه، والسلام.
(1/77)

وبادر الوزير الثابت القدم بدار الملك بَعْث الأعلام، والخلع الملكية والمراكب الثقيلة الحلِية، والآلات التي باستعمالها تمام الأبهة بعد أن بدا له في الاستمساك، وشرع في ضم مرافق المحلَّة، واستخلف الكثير من الزاد، واكتسح البلد والمحلة لولا أنه أسلمه المنجد ورابه من أوليائه الأمر، وبادر إليه الأمير القاصد قبل إفاقته من هوله وابتلاع ريقه، فبعث رسولَه الشريفَ الثبت في الجُلَّى الدامغ الحجة العظمى. فما كان إلا أن أوصله إلى نفسه يوهمه الخلوة به، فجهر بالرسالة وقرأ على الناس الصكّ وأخل بالمصاف. وقاده إلى غرضه بعد التوثق له، فخرج الولد في طُوَيْفَةٍ من الأخوة والخدام بعد أن اقتضى له من عمه الدائل العهد بحفظه وتبينه فأخفر عما قريب عهد الله فيه.
وفي يوم الخميس الخامس من الشهر شهر شعبان، برز الوزير وقضى حقه وكر بين يديه مقيماً رسم الوزارة، مسجلاً له بالكرامة، فدخل البلد واستقر منه بدار أبيه وجده وأريكه إرثه، بعد انبتات السبب، وبُعد المحلة وإقصاؤ الأمل وعجز الحيلة وإعواز المال والعدة، سبحان ذي الملك الحق والقدرة لا إله إلا هو جل شأنه وعز سلطانه. وخاطب السلطان صاحب الأندلس أيضاً بما نصه:
(1/78)

من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أميرالمسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أعلى الله كلمته وزين باقتبال البشائر دولته، إلى محل أخينا الذي رسخت في صدق الإخاء قدمه، وأعربت عن خلوص الولا والسنا مناقبه السنيهُ وشِيَمُه، وظهر في كل شِعْبٍ مَن طرق المودة علَمُه وطبعت على مُصافاتنا هممه، السلطان الكذا الكذا ابن السلطان الكذا الكذا ابن السلطان الكذا الكذا، وصل الله لمجده سعداً تستنير أضواؤه، وسعياً يخفق بالنجح لواؤه، سلامٌ كريمٌ يخص أخوتكم الرفيعة الجناب ورحمة الله وبركاته. أما بعدَ حَمد الله الذي يؤتي الملك من يشاء فلا يُرَدُّ حكمه ولا يرام، ويعز من يشاء فلا يُزال سلطانه ولا يُضام، القادر على ما يشاء فله الحل والإبرام، والنقضُ والإحكام، الذي جعل الخلافة حَرَماً آمناً تجافاه الظلم والإظلام، وألف بين قلوب المؤمنين فكمل الاتفاق وحصل الالتئام، ووعد من استعان به وتمسك بسببه بالنصر الذي تخفق به الأعلام، والفَتح الذي تُطلعه من آفاق التأييد الأيام، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد الذي له الاصطفاء والإكرام والحوض والشفاعة والمقام، الذي رحم بابتعاثه الأنام، ودعا إلى الله على بصيرة فاستقر الإيمان والإسلام، واقتعد بهدايته الغارب والسنام، وعلى آله وصحبه الذين هم البررة الأعلام، ولهم المضاء في نصر دينه والاعتزام، والجلاد والجدال اللذان تم بهما أمر ملته السمحة وانعقدت لها الأحكام، وصلة الدعاء لهذا الأمر العَليِّ المؤيد الكريم الإِمامي المظفر المطاع السلطاني الإِبراهيمي المستعيني بالمصر الذي لعقده الوثوق والإحكام، والفتوحات التي لها في سلك دولته الاتساق والانتظام، فإِنا كتبناه إليكم كتب الله لكم سعداً لا يفارق الدوام، وعزاً لا ينفصل منه متصل ولا ينقص منه تمام، من حضرتنا العلية المدينة البيضاء مَهَّدَها الله تعالى وخلَّدها، وقد صدَّق الله تعالى أمل الإسلام فينا، وحقق اقتداءنا بأسلافنا الكرام رضوان الله عليهم في إحراز ملكهم الشامخ وتأسّينا، وزُهِي بنا منبر الخلافة وسريرها، وجرت بنظرنا الصالح وتدبيرنا الناجح أمورها، وأعطانا الملك صفقة الرضا والقبول، واستبشرنا بمحبة الله التي قام عليها من محبة الناس أوضح دليل، والحمد لله على ذلك حمداً يصل النعم بمثلها، ويوجب المزيد لمُسْتَمْنَحِهَا بالشكر ومُسْتَجْرٍ لها، وَوُدكم من ثوابت الغِيَر سليم، والحب كما تعلمونه ثابت صميم، واهتمامنا بمناصرتكم وَثِقُ العقود وإيثارنا لمعاضدتكم محفوظ العهد، والله يصل ذلكم لوجهه كفيلاً برضاه، وافياً بزيادته وحسناه، وإلى هذا وصل الله سعودكم ووالى تأييدكم، فإنا كنا قدّمنا لجلالكم التعريف بما سنّاه الله تعالى من محو آثار الفجرة الأشقياء، الذين بَغوا الفسادَ في الأرض بعصيان ربِّ السماءِ، وفسحوا مجال الأطماح في إحراز الملك الشامخ البناء، واحتالوا بالتضييق على حضرتنا ليغتالوا، وهمُّوا في كيد أمرنا العلى فلم ينالوا، ولما تيقنوا أن الله سبحانه أعلى بالخلافة وإظهار الدعوة يدَنا، وصدع قلوبهم الرعبُ الذي سبق بين يدينا وتقدَّمَنا، فَشُتَّ شمل ضلالهم، وانصرمت حبال آمالهم، وانفض من حولهم الأولياء الذين أكرهوا وقلوبهم مُطمئنة بالطاعة، وسلمت عقودُ ضمانهم من أن ينفث فيها مخالفة الجماعة، وانصرفوا عنه يهتدون بلائح أنوارنا، وَيعْشونَ إلى ضوء نارنا، فشرحنا صدورهم بالوعد الجميل، وفسحنا لهم مجال التأميل، وقفلنا إلى حضرتنا الكريمة والنصرُ قد ألقى إلينا مقاليد البلاد، والتأييدُ قاد لنا طلائع الفتح مشرفة الهواد، والتمكين قد أقر جنوب السيوف في مضاجع الأغماد، ولما وقع الحق بإظهار هذه الدعوة الواضحة السناء، وبطل ما كانوا يعملون في التضييق على من كان بها من الأولياء، وعصم الله سبحانه حضرتنا العليَّة من أن يجيش صدرُها بِجَمْعهم الذَّميم، أو يعْلَق كفُّنا منهم بالحبل الرَّميم، ونأت بجانبها عن دواعيهم، واستصعبت على عزائمهم ومساعيهم، بادر وزيرنا الحظي لدينا الشيخ الأجل الأعز الأسنى الأرفع الأخلص الأكمل أبو علي
(1/79)

الحسن بن عمر، أعزه الله تعالى إلى تقديم الأسباب الواجبة لركابنا العلي عند الاقتراب والإعلان، بما كان يسره خشية منهم من الطوع والإذعان، فعلمنا بما ظهر من مبادئ النصائح صدق ضميره في المصائر، واستقبلنا الفتح يرفل في ذيول البشائر، بعد أن كانت كتبه تناجينا بلسان خلوصه على بعد الدار، وتستحث ركابنا العلى راغبة في القدوم على حضرتنا والبدار فطوينا المراحل إليها، واستعنا بالله في تكميل ما رمناه لديها، وقد ازدهت بعسكرنا المظفر الوهاد، وسالت بأعناق المطى الأغوار والأنجاد، وتباهت بالانتظام في سلك طاعتنا البلاد، وحين طلعنا على حضرتنا العلية من آفاقها، وابتهجت النفوس بانتظام المسرات واتساقها، وجمع الله كلمة المسلمين بعد افتراقها، خرج إلى لقائنا محل ولدنا الأسعد الأرشد أبو بكر السعيد بن أخينا المرحوم أبي عنان رحمه الله والشوق قد بعثه على المسارعة إلى ركابنا، ونور الهداية قد أوضح له التمسك بعلى جنابنا، فوصل إلى بساطنا الأشرف يبرأ من تدبير الأمور ويلتمس منا الانفراد بنفسه على الجمهور وألقى مقاليد أمره إلينا، وعول في النظر له وللمسلمين علينا، وخرج بعده وزيرنا أعزه الله تعالى بعد أن قدم أسباباً ظاهرة من النصائح، أنتجت له العلا في بابنا والظهور، وتَجَرَ في حماية حضرتنا والقيام بدعوتنا تجارة لن تبور، وتمسك بمقامنا الكريم الذي يمهد له مراتب العز ويوطدها، ويثبت له أحكام الحظوة والمكانة ويؤكدها، ودخل بين يدينا إلى حضرتنا العلية وقد أشرق السعد في جنباتها واتضح، واتسع مجال الآمال في دولتنا الكريمة وانفسح، واستوينا على سرير ملكها، وانتظمت الفتوحات في سلكها، وتمت كلمة المؤمنين، وأعز الله باستقرار ملكنا وثبوته الدين، والحمد لله على هذه النعمة التي أعجزت عن القيام بشكرها، وانتشرت المسرات المتصلة في نشرها، أعلمناكم بذلك جرياً على حكم المودة التي أُسسَ بنيانها، وتساوى إسرارها وإعلانها، ولما بين أسلافنا رضوان الله عليهم من الوصلة الحميدة الآثار، والمحبة التي أكدها قرب الجوار، ولتعلموا أنا والحمد لله قد أعطانا النصر قياده، وفسح لنا الملك آماده، وأملنَا بحول الله تعالى أن يبلغ الإسلام مُرَادَه، ويجري في ميدان الجهاد جهاده، والله سبحانه وَلِيُّنَا المستعان، وبه اعتصامنا في كل أمر وشأن. وقد أوفدنا عليكم بخطابنا فلاناً وهو يقرر ما عندنا لكم من حسن المودة والمناصرة وجميل المعاضدة والمؤازرة. والله سبحانه يحرس ودادكم، ويفسح في جهاد أهل الكفر آمادكم. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب في اليوم السابع عشر لشعبان المكرم عام ستين وسبعمائة. عرف الله خيره وبركته وكتب في التاريخ المؤرخ به. ووصل صحبة هذا الكتاب قوم من نبهاء الخدام تكفلوا بإِيصال العيال المتخلف بغرناطة، وشرعوا في الاستعداد والاستظهار بما حَملهم من زينه.
(1/80)

وقعد لهم السلطان بالأندلس قعوداً فخماً بقبة قصره، وتضمن الكتاب المذكور مدرجاً بما آلت إليه حال منصور بن سليمان طريده نصه: وصل الله لولائكم الرضى سمو المكانة والعلاء، ووالى في ذاته حراسة ذلكم الإخاء، مما تعلمكم به ونصل لكمالكم وَصْلَ المسرات بحسب الاعتقاد الجميل سببه هو أنه بعد ختم خطابكم الواصل هذا طيُّه إن شاء الله، ورد علينا التعريف من حفَدةِ ولي الله تعالى الإمام الكبير العارف الشهير أبي يعقوب البادسي رضي الله عنه وأدام رعايتهم، بأن الحائن الغادر الخائب الخاسر منصور بن سليمان الذي تعرض لما جهل بالتعرض له قدره، وأراهُ عاقبة غدره، وأحاق به مكره، وصل إلى بادس هو وولده ومعهما عطية بن نرْزدَع من أشياخ جبال غمارة المخالفين على طول السنين، طالبين لنجاتهم التي لم يجدوا إليها من سبيل، ولا عَدموا بمرامها الأخذَ الوبيل، فَقَبض على ثلاثَتِهِم خديمُنا الأثير المرعي عبد الله بن عسكر مع رُماة البلد، وتحصَّل جميعهُم في قبضة الثقاف، فبعثنا في الحين من يأتي بهم إلى بابنا العَلي أسماهُ الله ليذوقوا وبال أمرهم، ويجتنوا ثمرة غدرهم، ومن العجب أن عطية المذكور لم يُقدر عليه قط في حال امتناعه بحبله ولياذه بحيله، ولما أراد الله أخذه، بعث إليه الحائن الذي أتته به رجلاه، ورماهُ من شؤمه بما رماه، فأمكن الله منهم أجمعين وقُطِع دابرُ القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين نسأله سبحانه أن يوزعنا شكر نعمائه، ويؤدي عنا حقوق آلائه والسلام معادٌ عليكم ورحمة الله.
وصدرت المراجعة عن ذلك بما نصه:
(1/81)

المقام الأسنى الذي أحسن الله له العقبى وأعقب له الحسنى، وبلغه من فضله ما تمنى، وجعله مثابة للناس وأمناً، هو مقام إبراهيم لفظاً ومعنى، مقام محل أخينا الذي جدد البيت الكريم ورفع أركانه، واستحق النصر العزيز فعين زمانه ومكانه، ونبهه القَدَرُ والحظُ المُبتدر فملأ أوطاره وتملك أوطانه، واستظهر للدهر بعقوده، طالباً إرث آبائه وجدوده، فحاز تراثه واسترد سلطانه، السلطان الكذا بن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا بن السلطان الكذا أبقاه الله مُنشرحة بسلطانه الصدور، مُستمدة من نور سعادته البدور مُشَمِّراً لتتميم مآربه، وإيضاح مذاهبه، القدور المقدور، مقروناً بعزماته الظهور، متنافسة في تخليد مآثره الأيام والشهور، رافعاً رواق العصمة عدله المشهور، ضاحكاً في اليوم العبوس عَلَمه المنصور، معظم قدره وملتزم بِرّه المسرور، بما سناه الله من إجلال قدره، وإعزاز نصره، فلان، سلامٌ كريمٌ طيب بَرٌّ عميم يخصُّ مقامكم الأعلى وأخوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله الفتاح العليم، محيي ثمرة الأماني القاصية، والامال المتعاصية، من شجرات الرضا والتسليم، ومطلع أنوار الظفر بالأوطار، في ظلمات الأخطار، لأولي العزم من خُلفائه الأبرار، وذاخر منحة الفوز بما لديه، من أوليائه الكرام عليه، لمن أتاهُ بقلبٍ سليم، الذي جدَّدَ للمِلَّةِ ملابسَ عزها رائقة التَّسْهيم، وجلا عنها بنور السعادة غياهب الليل البهيم، ونَفَخَ منها روح الحياة في العظم الرميم، الملك الحق الذي إذا أعطى لم يُفِد لَدَدُ الخصم ولا مماطلة الغريم، فبيده ملاكُ القبض والبسط والتأخير والتقديم، والصلاة على سيدنا ومولانا محمد نبيه المصطفى الكريم ورسوله الرؤوف بالمؤمنين الرحيم، الذي أثنى في كتابه العزيز على خُلُقِه العظيم، وأرسله بالآيات البينات والذكر الحكيم، وأخبر أنه وملائكته يصلُّون عليه وأمر بالصلاة عليه والتسليم، وبعثه إلى الناس كافة يأخذ بالحجزات عن العذاب الأليم، ويدعو على بصيرةٍ منه سبحانه إلى جنات النعيم، حتى أصبحت كلمة الله تحثُ بها جياد الأقلام في ميادين الأقاليم، وسرت في الأقطار تبين لأولي الأسماع والأبصار حدود التحليل والتحريم، والرضا عن آله وأصحابه المتميزين بأصالة المجد وكرم الخِيم، الحائزين قصب السبق في الحديث والقديم، الذين خَلَفُوه في ملته بالتكميل لمحاسنها والتتميم، ونصروه في حياته نصراً تكفل بحفظ النفوس وصون الحريم. فإِنّا كتبناه إليكم كتب الله لكم صنعاً تُتْلَى أنباؤه ما بين زمزم والحطيم، وسعداً تُغني قواطعه في الأعداء عن اختيارات النصب واعتبارات التَّنجيم، ونصراً يدونه الذابل والحسام فيقومان بوظيفتي السَّبْر والتقسيم، وبشائر تَسْرِي في الآفاق مَسْرَى النسيم، وتسفر في مطالع التعريف عن الوجه الوسيم، وتروى منها العبادُ والبلادُ تحفةَ القادم وزاد المسافر وقوتَ المقيم، من حمراء غرناطة حرسها الله، ونعم الله قد همت منها السحاب، وفتوحاته الربانية قد تفتحت منها الأبواب، والكلمة المحمدية قد اتصلت بها الأسباب، ودولة الإسلام قد عاد لها بدولتكم الشباب، وآلاء الله قد ذهلت لِمَا بَهَر منها الألباب، والظنون فيه سبحانه قد صدق منها الحساب، ولا زائد بفضل الله الذي عمت هباته، فهو الجود الوهاب، ثم ببركة سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي أشرق من نور هدايته الشباب، إلا العز المشيد، والسعد الجديد، والجَد السعيد، واليُمن العريض المديد، والآمال التي أشرف منها الجيد، والحمد لله حمداً يتوالى منه بوسيلة الشكر المزيد، وإلى هذا عرّف الله المسلمين والإسلام عارفة سعدكم، وهنأكم ما هيأه من الصنع الجميل لمجدكم، فإِنَّا قدمنا لكم الخطاب جواباً عما أهديتم إلينا، وأوفدتم بمقتضى فضلكم العميم علينا، من إتحافكم ببواكر الفتح الأسنى، والصُّنع الوثيق المبنى، وأنكم صرفتم العزم إلى دار الملك الذي احتفلت لسعادة أمركم أوقاته، ومقر العز الذي حفظ أمانته عليكم ثقاتُه، وتشوَّف إلى تلبية مجدكم ميقاته، وارتاحت إليكم عهودُه، وحنت إلى لقائكم سروجُه ومهودُه، وسهرت لارتقابكم عُيونَه، ويسرت لاقتضائكم ديونُه، ونضدت لمجالسكم مراتبه، وعُرِضَت بين يدي جودِكم مواهبه، وجُنِبَتْ جُرده وسلاهبُه، وزينتْ ببدركم هالتُه، وخطبت لجلالتكم جلالته، وإن الملك قد استقر
(1/82)

والمنَّة لله في قراره، وربُّ الدار قد توسد أريكة داره، والوارث الأحق قد فاز بحقه، والجواد الكريم قد تميز في ميدان السعد بخصْل سبقه، وإن الطاعة قد اتسقت عقودُها وانتظمت وخلصت واستحكمت، والألسنة قد أعلنت ما كَتَمَتْ، وملة الإسلام قد رضيت وسَلَّمَتْ، وأن البلاد والعباد قد شملها الاستبشار، وحصل لها الأمل الذي إليه يشار، والقرب الذي كانت تحن إليه حنين العِشار، وظهرت آثار الاعتقاد الذي كان كامناً، وذهب بروع النفوس مقام إبراهيم الذي من دَخله كان آمناً، وغبطناكم بموقعها الأسنى، وعارفتها الحسنى، وقلنا الحمد لله الذي ردَّ حلي المُلك المجيد إلى الجيد، وقلد حُسام الخلافة عاتق البطل النَّجيد، وزيَّن المفْرقَ بالتاج، وقرن مقدمة العزم بالإنتاج، فمعاذ الله أن تجهل البلاد حق والدكم الذي كفل الرعية وكفاها، وتمم مآرب الإسلام على مَرِّ الأيام ووفاها، وأعذب الموارد وأصفاها، ومدَّ جناح العدل المنشور، والفضل المشهور، ووسم بغرر المناقب أوجه الأعوام والشهور، وكان لملوك الإسلام أباً، ولتمهيد الأقطار وتسني الآمال الجهادية والأوطار سبباً، ولدين الله ركناً وثيقاً، ولأوليائه وليّاً وصديقاً، وعلى الثغور شفيقاً، ولأَعْبَاءِ الخلافة مطيقاً، وللمناقب ديواناً، وعلى عزِّ كلمة لله عُنواناً، وللجهاد مُديماً، ولنعمة الله بالشكر مُستديماً، ولرسوم العلم والعمل مُقيماً، وللعدل والإحسان صراطاً مستقيماً، وبخصوص هذه الجزيرة الأندلسية التي جعلها ميدان أمانيه - من رضى الله - وآمالِه، وأسلف فيها ما أسلفه من أعماله، وسمح لها بنفسه وولده وماله، جزاه الله جزاء الخلفاء الصالحين والأئمة المجاهدين من أمثاله، وأبقى بركته في ولده وآله. فلو لم يدعُ إلى السرور بما سنَّاهُ الله لكم إلا هذه الوسيلة التي تسلَّم لها الوسائل، وتقوم على فضلها البراهين والدلائل، لكفت وأبَرَّت ووفت، وسحت بركتها وَوَكفت، فالفرند من النصل، والفرع من الأصل، والحب يُتَوارث كما ورد به الحديث والخبر، وشهد به الحسُّ وهو الشاهد المعتبر، وإنا لنرجو أن تُرضوه باقتفاء سَنَن جهاده في لحده، وتتمموا مقاصده في سبيل الله من بعده، فأنتم سلالةُ مجده ومنقبةُ حَمده. ورأينا أن تلك المراجعة دون الكفايَة، وقاصرة عما يجب من المبرة والحفاية، فخاطبناكم بهذا الكتاب نؤكد سرورنا بما ألبسكم الله من تلك الحلل، ونسأل لكم تمام القصد وبلوغ الأمل. فنحن الآن نبدي في هنائكم ونعيد، ونسهب القول وأين يقع مما نريد، ونروم أن يفي الكتاب بما ينطوي عليه لكم وهو المرام البعيد، وإذا كانت السَّرائر يعلمها الشاهد الرقيب، ويرتّب عليها المجازاة فهو المجازي المثيب، فحسبنا أن نكل خَفِيَّهَا إليه، وتدينه منها بما لا يخفى عليه، فالله عز وجل يهنيكم ما أولاكم من منحةٍ حافلة، وصنيعة في حُلل الكمال رافلة، ويسعد بها الأقطار، كما مَهَّد بها الأوطان ويسر الأوطار، ويجعلها في العقب بعد طول المَدَا باقية، ويُلْبِسُها عصمةً منه واقية، حتى لا يعرف شملها بعد الانتظام انتثاراً، ولا طِرْف سعدها من بعد الإحضار عثاراً، ويجعلها لنجوم عزكم مَدَاراً، ولدعوة ملككم داراً وقراراً، وعيَّنا في هذا الغرض، والقيام بواجبه الملتزم المفترض، مَن وجدنا أن ينوب عنا فيه أحمَد المناب، ويُمهِّد أفسح الجناب، ويشرح ما لا تفي به مقاصد الكتاب، وهم فلان وفلان وفلان، وفضلكم كفيل بالإصغاء لما يلقونه، والقبول على ما يؤدونه، والله يصل سعدكم ويحرس مجدكم والسلام، في كذا..
(1/83)

رَجْعُ التاريخ
وقد كان عامر بن محمد بن علي الهنتاتي، شيخ قبيل دار هجرة الإمام المهدي، وبقية رجال الكمال، الثبت الحصاة، الوقور المجلس، الوافر خلال السيادة، نافَسَ الوزير أيام نصبه الولد خلفاً من أبيه، وأنف من الانقياد في خطامه، وتمسّك بولدٍ ثانٍ كان السلطان أقامه بمراكش، فموه به ورتب له، وبُودِرَ بالجيش فاقتصر على منعته، وناصف القوم في بعض مجاولاته. فلما استقر الأمر وخَلَص الملك، روسل فأصغى وأسهل، ولحق بباب السلطان مستنيباً بمكانه أخاه عبد العزيز حامي السَّرح، وحافظ السيقة، والمُعتلق بحبل المنْعَة، فسأله لِمَا كان من نبذ موالاة هذا الأمر عند مراسلته إياه من البحر، ونِشْدَانه في صلة اليد وقد استوسقت الطاعة لمنصور بن سليمان، وقدَّر أنها صفقة لا تَحِلْ وبيعةٌ لا تنكث [لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسَّنيَ السوء] .
ووجّه عن منصور بن سليمان وابنه، وقد لحقا بجبال الريف، وأخذتهما يد الاضطراب، وراما التذَمُّمَ بتربة الشيخ ولي الله تعالى أبي يعقوب، ولَبِسَا الصوف، فلم يغن ذلك عن نفسه، وأسلمه الناس فتُقبُض عليه وعلى ولده، وجيء بهما مصفودين مُرْكَبيْن على الظَّهر، نُكْس العيون، ميل الأعناق، قد بدت لهما سيئات ما اكتسبا، ومُعْقِبات ما ارتكبا من الركون إلى العهد المخفور والذمام الرث، والولي المخذول، فوقفا موقف الشَّمات، وتقذعا بالمقذع من القول، ثم دفعا إلى المنايا السود فقتلا صبراً، أُمر بعضُ رَحِمِهِمَا الواشجة فناشهما بالحراب، وتخلفا مُلوثيْن في ضحضاح من الحمأة عبرة لأولي الأبصار وسعوطاً لأنوف الاغترار إلى أن نفذ الأمر بمواراتهما فمضيا لشأنهما عفا الله عنهما، ولقد كان الشيخ منهما موسوماً بإقصار عن كثير مما نَبَزَهُ إليه أولو قُعْدُدِه مرعياً على البيت متظاهراً بالخير معروفاً بالتَّصاون، ثبت الموقف في اللقاء. وكان ولده من النبل والكيس والتفطن للأمور، ومن الحدة على ثَبَج عظيم غير سِكِّير، مع جنون الشباب، وترف النشأة وحسن الرواء. ونفذ الأمر بمثل ذلك في ذمرَيْن من صقور قبيل بني مرين، منصور بن أبي منديل، وعمر ابن الزُّبير المخصوصَيْنَ بركْبَةِ الحائن، والمعيَّنَيْنِ لرياسة الحِصص القاطعة بالأمير الدايل. قِيدَا يرسُفان في قيودهما ويعالجان جَرَّ أَدَاهِمهما إلى مصرع السوء، وفي القلوب منهما كَهَفِّ الجمر وحزِّ المدا، لمكانهما من الدفاع وشهرتهما بالمضاء. وبان يومئذٍ على منصور منهما ما زكَّى عقد الشجاعة إذ غافص أحد الوَزَعَة فانتزع منه سيفه وأهوى به إلى قاتله فأثبت بجراحة لولا أنه مَنَع القيد من نقل خَطْوِه، وجُذِبَ بمعلاقه فسقط ليَدَيْهِ وفيه، لتركها جَلْوَاء.
وأقام الوزير الحسن بن عمر رسم الوزارة الكبرى على دَيْدَنِه من التقدم والاستبداد وعدم المبالاة بمن دونه، فأخذته الأَلاقيُّ وتعاورته السعايات، وخَوَّفَ السلطانَ منه أولو الدالَّةِ، ودست الدسائس حتى بألسنة الحُرَم. فاقتَضى النظر صَرْفَه عن السُدَّة والاستظهار به على المهم من الخدمة، فعُقد له على مَرَّاكُش وأحوازها، وأُتبع الجيش وأقطع العز وسُوِّغ المال، فانصرف لها يجر الدنيا وراءه، فاستقر بها أَمْلك بصقعها فأمَّن السُّبُل ودَوَّخَ الجهات واستخلص ما رسب من الجباية، وحسنت منه المناصحة.
(1/84)

ودالت الدولة بالأندلس في أثناء هذه الأحداث، وكان ما تقدم الإلماع به من الوثوب بها بالسلطان وتطريق النكبة لنا أولِي خَالِصَتِه، فمن بين ناج وشاجب، حسبما ثَبَت في موضعه من صدر هذا الديوان. واستمرت أيام الوزير المذكور بمراكش، وهو على الوصف مستوحشاً من نداء يقع من السلطان في أمره، أو غصص بمكانه، ولم يرشده الله إلى النظر لنفسه ولا يَسَّرَ عليه سبب الحيلة في خلاص مهجته، وتلك عادته جل وعلا فيمن ذهل عن حقه، وتبرأ إلى حول المخلوقين من حوله، وانغمس في سموم الأمور والسياسة بتقصير عقله. وروسل في إسلام بعض الخدام ممن أغرى به السلطان، وقلد لديه طوق عظمى الجناية وولي كِبْرَ الأحدوثة، فأجاره بقوة شكيمته وعظيم طماحه، ففتح باب الإغراء بنفسه، واستعجل التَبَار بسوء تدبيره، وجرت بينه وبين السلطان مراسلة بطن فيها من كياده والتمريض في أمره والمصانعة ما توهم أنه يحتج به من تسويغ انصرافه عنه إلى طِيَّتِه وإباحة رحيله عن إيالته، وآثر الامتناع بجبل بني جابر وقد طوق عميدهم يد الانتياش من الهلكة، وصيره طليقه، ليقرضه في الشدة ويكافيه في المعضلة، فضمن له ما ركنت إليه نفسه ولحق معه بجَبَلِه، ولما باح السر وتحقق من خروجه عن مراكش النبأ، جهز السلطان إليه الجيش لنظر وزيره الحسن بن يوسف الخيري بعد إزاحة علله وإطلاق يد اختياره. ولحق به مجرى القوم على رسمهم من خذلان المغرور بهم من كان، والمستبصر في الثقة بدفاعهم عنه. ولم يزل يركب الشاهق طَبَقاً عن طبق والجيش يشمر أذياله ويستأصل عدته حتى فُضَّ مَصَافُه وتُمُلِّكَ حريمه وانتُهب ماله وغلت ذخيرته، وارتقى إلى مسجد بذروة الجبل منبع الحوزة، صونع عليه أشراف ذلك القبيل فباعوا ذمته بدنانير، واقتادوه فأسلموه إلى يد طالبه. وورد الخبر بالقبض عليه واقتلاع ثُؤْلُولِه، فانكفأ أعلى القصر على أسفله استبشاراً ولم تمض إلا أيام، وجلس السلطان إلى وروده ببرج المُّصارة، وقد حُشر الناس عقب صلاة الجمعة، ونظم طائفتُه العتاة الوهق، ودارت أطواق القِد على أعناقهم، قد نهكهم الضرُّ، وغيَّر وجوههم بعد الترف الجُهد، ومثل بهم العرى وأركب الوزير جملاً ظالعاً بيِّن الظَّلَع هزيلاً كان بأحواز الحضرة سائبة، بعد أن ألبس جبة من الصوف التي يتخذها الساسة والملاحون، حاسر الرأس قد تصببت عرقاً في موقف الهول ومرقب الشهرة وهيضة المثلة. وأُمر بتأدية حق الخلافة فأوْمي لثقل الكُبول وتشاغله بالامتساك على السِّنام، وقد أُوعز إلى أعدائه باقتضاء ما أسلفهم من الإهانة وأُغْرِيَ به السَّبابون وأولو المهاترة وأذيال الباطل، فنالوا منه ومن زوجه سُونة زوج الوزراء قبله، ما المسئول من الله أن يخفف به حسابه ويجعله كَفَّارة لبعض ذُنوبه فهو الغني ذو الرحمة، ثم نقل إلى السلطان وقد تحول إلى مجلس القصر وكرسي الملك، وقام ابن عمه الوزير بعده يتقرَّعه والحاضرون يَجْبَهُونَه وهو غير ملتفت إليهم رابط الجأش رطب اللسان، صادعٌ بالحجة، قرر السلطانَ على حسن بلائه عنده، وضبْطِ البلد عن عدوه حتى قصده هو ومَلَكَه، ونسب الفرار إلى امتثال أمره والانتباذ إلى تسويغ رقعته. ولما استوفى ما لديه أُمر بتَلِّه فسحب بالكُبول على وجهه، وتطرقت الأيدي لسِمْطِ كريمته، وسُجن ببعض دور الثقاف إلى أن أنفذ فيه لأيام ما حَتَّمَتْه مشيئةُ ربه، فقيد إلى المصرع المعروف بباب السَّبع.) وأضحت رماح بني أبيه تنوشه (. فقضى على هذه السبيل وجُرَّ شِلْوُه فصلب بباب المحروق، ثم أرجل وأُمر أهلَه بمواراته. واسْحَنْفَرَ الناس في إطراء السلطان بهذا الصنع وتشادق الخطباء وتكلم الشعراء، حتى لقد وقف بين يدي السلطان صاحبنا الشيخ المدعو بالشريف ابن راجح، مَقدمه من الأندلس منتاباً، ورفع عقيرته يقول: [تَبَّت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأته حمالة الحطب، في جيدها حبل من مسد] ، يشير إليه وإلى امرأته بسبابته في مقطع كل كلمة. فكان من تقدير السلطان أبي عبد الله بن نصر أن قال: كنت أنتظر أن يقول عند ذكر قوله وامرأته سونه، ويقحم ذلك في الآية إبلاغاً في إنكار هذا الأَغْبَا. والله يجعلنا من الدهر وأهله تحت تقية وحذر ةيقيناً مصارع السوء ويضفي علينا جلابيب الستر. وأنشدت السلطان في ذلك طوع اقتضائه قولي:
(1/85)

أيَغلِبُ مَن عاداكَ والله غالِبُه ... ويُفلِتُ مَن ناواكَ والسيفُ طالبُه
ويَخْلُصُ مَن في راحَتَيكَ زِمامُهُ ... فَسيبُكَ كاسيه وسيفُك سالبه
كَسَباً بعِداكَ الجدُّ لما تنكبوا ... رضاك وطِرْفُ البغيِ يُصرعُ راكِبُه
فيا ذُلّ من عاداك يا مَلِكَ الوَرَى ... وخابت أمانيه وساءت عواقبه
يُسَالِمُ من سالمت دهرُك مثل ما ... يُدَافِعُ من عاديته ويحاربه
ولله في علياك سرٌ محجبٌ ... تلوح بعز المسلمين كواكبه
أبا سالمٍ دينُ الإله بك اعتَلى ... وأُيِّدَ ركنٌ منه واعتزَّ جانبه
دعا بابُكَ الأعلى الفتوح فأقبلت ... أيَمْنَعُ حظاً والمهيمن واهبه
أجَرْتَ وآويتَ الغريبَ وإنها ... سجيَّةُ من عزَّتْ وطابت مناسبه
وأضمرت يا مولَى الأئمةِ نصره ... فملكُكَ بالنَّصرِ استقلَّتْ ركائبه
ومَنْ عَلِم الرحمان نيَّة صدقه ... أتته بألطافِ الإله عجائبُه
هنيئاً أميرَ المسلمين بنعمةٍ ... لها أثر في الدين تبدو مذاهبه
ولا زال صنعُ الله يضفو لباسُه ... على أمرك العالي وتصفو مشاربُه
وقابِل صنيعَ الله بالشكر واستَزِدْ ... من الله صُنْعاً تستهل سحائبه
(1/86)

وصرف السلطان وَكْدَه إلى اجتثاث شجرة أبيه وأن لا يَدَع مَنْ يصلح للملك ولا مَنْ يترشح للأمر، فالتقط من الصبية بين مراهق ومحتلم ومستجمع، طائفة تناهز العشرين غلماناً رُوقة من إخوانه وأبناء إخوانه، فأُركبُوا البحر إلى رنده، ومنهم ابن أخيه المسمى بالسعيد، المتصير إليه الأمر بعد أبيه، وأفلت منهم ولدان لحقاً بغرناطة فاستقرا بدار آمنة. ثم تعقب النظر فيهم فأركبهم جفناً غزوياً مُوَرِّياً بتغريبهم إلى المشرق مبعداً إياهم عن حدود أرضه، ثم طير إلى قائد الأسطول وهو أبو القاسم بن أبي بكر بن بنج، السابئ بضاعة الخِزي بعدهم، ثبتاً بأمره بتغريقهم مُنْصَرَفَه عن مَليله. فأُخرجوا ليلاً من جوف السفينة من بين أمهاتهم الثكالى بعد أن جلَّلَتهم الذلّة ومَسَّهم الضُّر وعاث في شعورهم الحيوان لطول مقامهم في البحر شهوراً عدة فأغرقوا: يركب الصبيُّ منهم زَبْنيَّ من تلك الزبانية ليخرجَه إلى البر، فإذا خاض به الغَمر وقارب الضحضاح قلبه، وأمسك أصحابُه بيديه ورجليه وغمسوا رأسه في الماء حتى تفيضَ نفسُه، إلى أن كمل منهم تسعة عشر بدور مُلكٍ وشُموس إمارة غُذُوا بالنعيم ومُهدت لهم الأرائك، لم تعلق بهم شُبهَةٌ توجب إباحة قطرة من دمائهم. حدثني مُتولي هذا المكروه بهم بِهَوْل مصرعهم فقال: لقد عَلَتْ منهم ليلتئذٍ الجثث حتى صارت هضبة، وحُفر لهم أخدودٌ هيل عليهم ترابه، كتب الله شهادَتَهم وجعل أصاغرهم فَرَطاً لآبائهم، وعنده جزاء الظالمين وهو أسرعُ الحاسبين سبحانَه. ونَفَذَ بعد ذلك أمره عند الوجهة إلى تلمسان بالإجهاز على طائفة من الأغفال بين مَشْيَخَةٍ وسواهم مُنْتَسِبين إلى يعقوب بن عبد الحق، نسبة دَلَّت عليهم الرَّدى وقادت إلى غَلاصِمِهم المُدى أُبيدوا ذبحاً ثم أُلحِقَ بالجملة بعد مُدَّةٍ ابن أخته الغالبة على أمرِه من أحد أبناء عمه، فنجي عليه ما أوجب أن أَثكلها به. ورأى أن قد خلا له الجو، إلاَّ أن همَّه بمن تحصَّل بالأندلس من بني عمه وبني أخوته نَغَّصَه المِنْحَة، وكدَّر الشرب. وفتل إلى المتغلب على الأندلس في الغارب والذروة، واستفزَّه عنهم بكل جهد وحيلة فلم يجد فيه من مَغْمز ولا عليه من مُعَوَّل، وسَتَر الله عنه أخاه المبايع له من بعده. وألقى بأزمة دولته لأول أمره إلى خطيبه وخطيب أبيه لوسيلة قديمة. ثم لِمَا أبلاهُ في جلب الملك إليه فلطفت المنزلة، وعظمت الألفة، وتمحضت الثقة، فخلطه بنفسه ولم يستأثر عنه ببثه، ولا انفرد عنه بما سوى أهله بحيث لا يقطع في شيء إلا عن رأيه، ولا يمحو ولا يُثبت إلا واقفاً عند حده، فغشيت بابه الوفود، وصُرفت إليه الوجوه، ووقفت عليه الآمال، وخَدَمته الأشراف وجُلبت إلى سُدته بضائع العقول والأموال، وهادته الملوك فلا تَحْدو الحُداة إلا إليه، ولا تُحَطُّ الرحال إلا لديه، إن حضر أجرى الرسم وأنفذ الأمر والنهي، لحظاً أو سراراً أو مكاتبة، وإن غاب ترددت الرقاع واختلفت الرسل. ثم انفرد أخيراً ببيت الخلوة ومنتبذ المناجاة، من دونه مصطفّ الوزراء وغايات الحجَّاب، فإذا انصرف تبعته الدنيا وسارت بين يديه الوزراء، ووقفت حِفَافَيْ بابه الأمراء وقد وسع الكلَّ لحظُه، وشملهم بحسب الرتب والأحوال رعيُه، وانسحب عليهم وعقدت ببنان عليتهم بنانه، لكنّ رضى الناس غاية لا تدرك والحسد بين بني آدم قديم، وقبيل الملك مباين لمثله بكل اعتبار، فطويت الجوانح منه على سِل، وحنيت الضلوع على بث، وبحسب ما بث الله جل جلاله من أَسْر نيات الخلق إليه، وتعطشهم إلى لقائه، ورغبتهم في إنهاضه إلى ملك أبيه، كان انقلابهم إلى ضد هذه الحال شَرَقاً بأيامه، وإحصاء لقطاته، وولوعاً باغتيابه، وتربصاً للمكروه به إذ خابت فيه آمال الآملين، وحبطت أعمال العاملين، فكان من آزره على أمره، وصَحِبَهُ في التماس ملكه أو رَفَعَهُ على كاهله، أو اقتحم الخطر من أجله هو الغُفْل من سِيما حُظوته أو المخصوص بهجرانه وَمَقْلِيَتِهِ أو المطرود عن سُدَّته. وكل ما أصدر من أمر أثناء طريقه أو أقطع من بر أو أجري من نعمة كر عليها المَحْو، وتعقبها النسخ، والقبائل التي أخذت عفو طاعته وخفت إلى بيعته لم يقسم الله لها حظاً من رفقه، ولا هضماً من غُرمه ولا مزية من ملكه. والرعايا استولت عليها المغارم ونزفها الحلْب حتى عجزت عن الفَلْح وضعفت عن الإثارة والبذر
(1/87)

يستصفي أموالها بعصَاب الضيق والإلحاح، فإذا ركبت الطريق وأقلها الظَّهر وشد عَناقها القِد، نكبت عن سبل بيت المال وغاصت في كل بالوعة فاغرة. وأخذ الناس حرمان العطاء، فلا يلمحون للإسعاف مخيلة، ولا يرتشفون للإحسان بُلالة فافتتحت أبواب الأرجاف وتربصت الدوائر، وقُصَّت الرؤى، وعُبِّرَت الأحلام، وحُدَّت القواطع، وعُدت الأيام. وكان شديد الميل إلى علم القضاء بالأحكام النجومية، قد مرن على العمل بآلة الاسطرلاب، وشَدَى شيئاً من التعديل، مختصاً لذلك طبيب قصره أبا الحسن المراكشي من أهل قسنطينة والمتصف بالإجادة في ذلك. وتوعد المرْجِفِين وعزم على إنفاذ النكال بهم عند مُجاوزة الوقت المعطى للقاطع. وممن تناول السعي طائفة من الخواص والكتاب دبت عقاربهم وأرهفت مكائدهم بين يدي التوقع، وكان ذلك أقوى الأسباب فيما نزل به. وتحول من دار سكناه بالبلد الجديد إلى القصبة القُدْمَى على ضيق المحل وقُصور قُصوره عن نباهة غيرهما. وأسند حفظ مدينتهم البيضاء مستقر صامتهم وذخيرتهم وخزانة عُدَّتهم ومثوى حريمهم إلى ابن وزير أبيه المرشح ببابه لعلياء الوزارة بمزية النبل ونباهة البيت ووراثة الخطة وسعة مجال الإدراك، والرُّشوق إلى أهداف الأغراض وفضل الذكاء والنبل وغموض الحيلة وحسن التأتي، ولطاقة الإدراك وَرَهْفِ الجانب. وأوحشه زعموا بنكير علَّقه عاتق وجهته رسولاً عنه إلى بني زيان، فبانت له الغرة فلم يمهلها وأمكنته الفرصة فلم يُضعها، ورأى أنه يقوم على الموتور من قومه بفرض الكفاية من الإدالة والإراحة، فأعمل التدبير وفتك الفَتْكة التي لم تُبق للبَرَّاضِ من ذكر، ولا للسُلَيْك بن السلكة من خطر، ولا لحادي الأسد من مزية.
(1/88)

ودَاخَل زعيم المشركين من الروم صبياً من عنصر أهل قطلونية، شامخ الأنف، شديد البأو، طافحاً من خمر الاغترار، راقصاً على إيقاع جُنُون الشبيبة. قاسمه الجرأة شق الأُبْلمة، وأعطاه صفقته، وقد أَسَفَّتْه الدولة بقِضاضه. فلما كمل ما أبرماه استركبا قومهما واستخرجا الطبول والأعلام، وفَضَّ ختام صُرر المال، وقيد للسلطان جواد من مراكب الوزير خالص الحلية، وقصد إلى محل ثقافة وقد تجافت به عن المحن، لاشتهاره باللوثة وعدم الصُّلُوح للولاية. زعموا أنه تستَّر بذلك دَهْياً، فتخطته المتالف لأجله، وسلم من مغرَّة إخوته مجراه. فبايعه بالولاية وأركب للناس، وَوَجه عن الشيخ عيسَى بن الزَّرقا المستنام إليه بالأمانة على الأيام، الراجع لنظره أمر الرماة ومقاعد الحرس، السّارح في ظل البيت وخَلْف الشهرة، المنطوي على جم الانطباع والتلون والمَذَق، حالباً بذلك ضَرع السعادة في عمره حتى اضْطَبَن المال الدَّثْر المحوط بسد يأجوج من الضنانة، فجيء به من سريره إليه، فحمله على البيعة في ظل الحسام الصلت. ورتب ليلتئذٍ الأمور وأحكم التعبئة، إلا أن النار لكثرة المشاعل واقتحام الخزائن عَدَتْ على هذه المدينة فاصْطَلَمت القصر المعروف بأبي قير مطرح الأموال المجموعة وسَمَرِ الركاب المجنوبة، ومُخْرس الألسنة الناطقة، ومرجع العيون الطامحة، المشتملة دُوره وزواياه على الكثير من عُدد المُلك وآلات الحركات وأجرام المنشآت وثمين السلع من الَّلك والنَّيلج والعاج والأبنوس والصندل وَشِبْهه. ثم تعدّت إلى دار الصنعة وبه مالا يأخذه الوصف من السُّروج والمهندات والسلاح ونقر الذَّهب والفضة، إلى المواعين والموازين وآلات الخيل، ثم اتصلت بدار الديباج فالتهمت من الحرير والأثواب وآلات النَّسج وضخام المناول وألواح الرسوم وجبال التَّمْويح وعقار الصبغ وغَزْل الذهب ما لا يأخذه الوصف. وتلاحقت ألسنة النار بأعناق السماء وفضحت أستار الظلماء، وكان اصطلام هذه الدُّور مما نغَّص المسرة وحظَّ التدبير وإلمام المنْحَسَة، وأَحْرِ بما جمعه اللَّهْفُ والقَسْر وأُغمِضَ فيه الدِّين أن تسوء عُقباه وتكون النار مأواه. ولما وضح الصباح قُرعت الطبول والناس في بُلَنْهِيةٍ، ونُشرت الأعلام، ووقع النداء بأمر السلطان الذي نقلت إليه البيعة فانكشف الخبء، واشتهر الأمر، واستركب السلطان فبرز في مركبٍ أخْشَن قد حفّه وزيراه مسعود ابن رَحُّو، وسليمان بن داود المستقدم من جبل الفتح، وخطيبه أبو عبد الله بن مرزوق، وخالصته سُليمن ن وَنْزَار، والجمُّ الغفير من الأشراف وأرباب المشورة وأشياخ القبيل، وطاف بالبلد فرأى سُخْنَةَ عينه، وشجا صدره ومَثَار حسرته. ووقع الرأي منهم على التخييم بظاهره، ونقْل الأسواق إليه، واضطراب المحلات عليه. فاستُدعيت المضارب وقد تناصف اليوم، وبدا في المصاف الاختلال وكثر إلى محل الثورة النُّزوع وبه اللحاق، والسلطان رحمه الله قد اختبل جزعاً واسْتُطيرَ فَرَقاً، وقعد بمضرب هجير نُصِب له يُقلب كَفَّيه ويلاحظ الموت صَلْتاً من خلفه وبين يديه، ويستدعي الماء لتبريد جوانحه فيُؤتَى به في أواني تَعَافُها البُهْم من مبتذلات آلات الضُّعفاء، عنواناً على الخمول ودليلاً على الإدبار. ولم يكن إلا أن انهزم النهار فانهزم عنه جمعه من غير قتال ولا مدافعة شأن مَنْ قبله، وتُرك أوحش من وتد في قاع، وولَّى العنان يخبِطُ عشواء في طائفته الخاصة به وكلهم ينجدُه ويقوي بصيرتَه ويعده بالدفاع عنه الوعد المكذوب، ويقسم له على الوفاء له القَسَم الحانث، ولم يتم ذلك، ونزل الليل إلا وقد أفردوه وخلَّفوه وحيداً مطرحاً مكفور الصنيعة مضاع الحق، ورجعوا أدراجهم فاستأمنوا لأنفسهم من الغد. ثم بدا في أمرهم فأكبلوا وضموا إلى الثقاف. وأُخرجَ للبحث عن السلطان شعيب بن ميمون ابن وادَرار، مخلفه كان على مدينة الجزائر وكان قد أوقع به سُخطة اعتيم لأجلها فعثر عليه من الغد في بيوت بعض البادية على أميال من المدينة قد استبدل ثياب الملك أسمالاً فأركبه على الظهر، واستاقه إلى قريب من البلد وطيَّر مستأذناً في أمره فاستعجل في قتله وجلب رأسه، فصدر ذلك على يد علج أو أعلاج من قاذورات المشركين، طرحوه عن ظهر الدابة التي سيق عليها وقتلوه ذبحاً عن جَزَعٍ شديد واستلطافٍ وممانعةٍ باليد عن حُلْقُومه، ثم حزُّوا
(1/89)

رأسه عن عُسْرٍ متصلاً ببعض تَرْقُوَته، وضمَّه بعضُهم في فضل ثوبه فأوصله إلى ما بين يدي الثائر والعيون ناظرة إلى خليفتها بالأمس على هذه الحال فلم تحرك الحَمِيَّةُ نفساً، ولم يقم حسنُ العهد رسماً، وأمر والي البلدة بمواراته، فأضيف رأسُه إلى جَسَدِه، لأَمَ غاسِلُه بينهما بطين القَيْموليا العلك. وقضى مُشَاهِدُه العجب من بدانته وفرط شحمه. واستُدْعِيَ له من سَراةِ الناس ووجوه الطبقات من حضر جنازته وقد نُوِّهَ بجهازه وخشب مواراته، ودفن بالقبلة من المقبرة بازاء المُصَلّى العيدي المطلة من كثب على باب الجيسة، فانقضى أمره على هذه الوتيرة. وكان رحمه الله على تطامُن هِمَّتِه وتقاصُر مدى خصاله، دمثاً شديدَ الحياء وسيماً غير عَرِيٍّ عن الإدراك سيما في مبادئ الحساب. وقام بالأمر على سنن الحجابة العامرية الوزير الناهض بالكَلِّ البائي بالعبئ، مكفي السماء على الأرض، وخائض بحر الهوْل، وفاصل خُطَّةِ الكريهة وابن جَلا الإقدام وطَلاَّع ثنايا الجرأة من مُرهف البدن نحيله، يتوقد ذكاء، حديد اللحظ خفيف الحركة، نومُه فكرةٌ وجوارحُه مسامع:
رَقِيقٌ كَمَا غَنَّتْ حَمَامةُ أَيْكَةٍ ... وَجَزْل كَمَا شَقَّ الهواءَ عُقَابُ
(1/90)

أحسَّ لأول أمره بنث، وأوجس من بطانة السوء المتجافي لها خيفةً، فَجَرَّع الرومي مُمِدَّه في الأمر ومظاهِره على الفِتْكَةِ الشنعاء كأس الحتف وكان فَتياً حَميَّ الأنف، شديدَ الصَلَف، مترامياً إلى أقصى حدود البسالة محتقراً للأمة، بادر ثانيه من زعماء الروم بالقتل وتغالى للوقت، وأجار على الوزير من يخاف مع بقائه فسادَ أمره، فبطش به لأسبوع من الكائنة. وقد نمى إليه زعموا تدبيره عليه في طائفة، منهم الفقيه الخطيب أبو عبد الله بن مرزوق، وهي التي جنت البداء في أمره والبدار إلى ثقافه، واستخراجه من بيت سيد الشرفاء صهره، بعد أن كان مُسَوَّغ العافية مخصوصاً بخلعة الأمان، متجافي له عن القُل والكُثْر، مخيراً في الانصراف والإِقامة. وسليمان بن ونزار المغرب الشَّأو في تهتك اللذة، والسَّبْح في بحر العُهْر، المُخلَّى بينه وبين غايات المجانة، المخصوص برسم القيادة، أعجب أهل جلدته في حسن الصورة ونصاعة الظرف، وغرابة المشية وتباهي البزَّة وممن يوصف بسخاءٍ وإيثار، لكن مقصور على أبطال الكأس ووصلاء المجانة والرقاعة ومجال اللذة، وهذا السخاء الغالب على سخاء الوقت في الأحداث من أبناء النعم، وكان له بالرومي لياذٌ وإليه صاغية وقد كان تقدَّم سجن الوزيرين قبله بحال ترقيةٍ، ممسوحةٌ أعطافهما بالعُذر مُعللةٌ نفوسهما بالإيناس. فوقعت على الروم يومئذٍ وقيعةٌ سد السيف فيها وألْحَم، أجلت عن جُملةِ تناهز المائة إذ سبق عميدهم باب السلطان ونذر به الوزير، فأخذ أهبته واستعان بشيوخ الدولة وشحن الملعب بالرجال، ودخل القصر من بعض أبواب السر، واستدعى الرومي للمفاوضة في بعض الأمر فلم تسعه إلا الإجابة فدخل ممتقع اللون مستشعراً للشر، وتخلف الكماة من فرسانه الغُلْفَ وراءه، فحاوره وصَرَفه ثم أوعز إلى الرجال بالإيقاع به، فتراوغ ورام الإفلات، واعتورته السيوف فمُزّق، وتعرف قومه الأمر، فراموا المدافعة عن أنفسهم وقد شَرِهَ الناس إلى إبادتهم فتُعُوِرُوا ضرباً هبراً وطعناً دِرَاكاً، وعاث الجندُ في سلاحهم وكُراعهم واعتصم سوادُهم بالمدينة المقطعة لسكناهُم، فأحيط بهم وأُخرِجوا عن دورهم فانحازوا إلى فضاء منعوا فيه حوزتهم بخلال ما بودر بأمانهم ورفع السيف عنهم، وفد انتُهِبُوا فلم يبق لهم نافخ ضَرَمَة، وامتلأت الأيدي من أسبابهم وحَريثهم وصامتهم وحليهم وما عونهم فهلك لهم متاع جم. وللحين أُنفذ القتل في سليمن بن ونزار حليفهم واستُصْفِيت أمواله. وضم الخطيب إلى دار سكناه بالبلد الجديد قبل الحادثة، لصق قصر السلطان، وطولب بالمال فتعلل، ثم أحضر زعموا اثنتي عشر ألفاً من الذهب العين إلى الأصول والمتاع والله يلطف له وبنفس الكرب عنه برحمته.
(1/91)

وتقرر الأمر على إبراز السلطان للناس جلسة الخطيب، ثم اختلى الوزير بأرباب الشورى كيحيى بن رحّو بن تاشفين بن معطي، بقية الوقت، وعمرو القبيل رجاحة ودهياً ونبلاً وألمعيَّة، وإدريس بن يوسف تلْوُهُ المُبِرُّ بالرُّوَاء والسذاجة، وبحناش ابن عمر الفسيح الذَّرع المُرْخَى العنان مع استجماع، القادح زناد السبل المستدر في مثله، إلى غيرهم من جِلَّةِ نُقاوة. وبادر مخاطبة الثائر بالأندلس يعرفه بالصنيع الذي أراح مُخَنَّقَه، وتعجل إفاقَتَه. ويوعز إليه بضبط من لنظره من اليعاقبة المرتَقبِين لحظوظهم من الدولة. وخاطب من لنظره من الجيش المستخدم في إعانة سلطاننا أبي عبد الله بن نصر بالرجوع إلى محال سُكناهم، وكتب إلى الأسطول كذلك بالقفول إلى سواحله، وخاطب من بتلمسان يعرض عليه حُسن الجوار وتهنى الأمر مع سد باب الفتنة والامتساك بمن يتصل به من مبايني الأمر وأضداد الدولة. وأَجْرَى الرسوم، وأفاضَ العطاء، وجدد الإقطاعات، وضاعف السهام، وأجرى القبيل على السَّنَن القديم مظنة الارتياش، والآن لهم القول واعترف لهم بالفضل فطابت به نفوسهم وضبثت به أيديهم ووطئوا عقبه ووعدوه المؤازرة وضمنوا له المدافعة وشرع في الاعتزاز بالوزعة، والانغماس في الحامية وراش جناحه بقبيله من بني يابان وهم عَدَد وافر، وألقى الله لهذا العهد على الخلق واقية كواقية الوليد، فاتسقت الطاعة ودانت الجبال الشم. وانتشرت الرُّفَق، وأمنت السُّبُل. وكانت قد سبقت بيني وبينه مداخلةٌ أكَّدها وصوله إلى منتبذي من مدينة سلا في بعض وجهت الخدمة، فقدمت عليه بعد استدعائي ثاني شهر ذي الحجة من العام، فأعمل الخطأ وصارفني المعاطفة وأنزلني بيت أهله ومهد لي فراش نومته، واستدعى نصحي في كثير من أمره وأنشدته شعراً بغرضي في سرعة التحول وتيسير الانصراف:
رَأَتْ والليلُ قد سَدَلَ الرّواقا ... شعاعَ البرقِ يأْتَلِقُ ائتِلاقا
وحققت الوميضَ وميضَ نجدٍ ... فهاج فؤادَها نَجدٌ وشاقا
ونازَعَها الزِّمامُ فما ثَناها ... وعارَضَها العِقالُ فما أطاقا
تقولُ ليَ السُّراةُ وقد أجَدَّتْ ... أَخَبْلاً تشتكي قُلتُ اشتياقا
إلى عمَر بن عبد اللهِ حَنَّت ... رِكَابي فهي تستبقُ استباقا
إلى الغَيْثِ الذي إن شحَّ غَيْثٌ ... فَمِنْ يُمْناهُ يَنْدَفِقُ اندِفاقا
إلى الليثِ الذي راعَ الأعادي ... وأَمَّنَ رِفْقُ سيرتِه الرفاق
إلى حَبْرِ السياسة لا يُجارَى ... ولا يبغي مُعارِضُه اللِّحاقا
إلى الفَطِن الذي لولا نَداهُ ... إذا ما جئتَه خِفْتَ احتِراقا
إلى قَمَرِ الوزارة جلَّلَتْهُ ... إِيَاةُ السَّعْدِ نوراً واتساقَا
وعصمةَ ربه اشتمل اشتمالاً ... فما يَخْشَى الأُفولَ ولا المَحَاقا
وحيدُ الفضل مشترك الأيادي ... بمِيدانِ العُلا حاز السباقا
إذا نَسَقَ الحديثَ الرَّطْبَ قلنا ... أهذا الشهدُ أم أحلى مَذَاقا
وإنْ ذُكِرَتْ مفاخِرُهُ ابتدرْنَا ... مهبّ الطيبِ يُنْتَشَقُ انتِشاقَا
مرينيُّ النِّجار فلا ادعاءً ... تقولُ إذا مَدَحْتَ ولا اختلاقا
ومن كأبيه عبد الله رأياً ... إذا ما المُعْضِل انطبق انطباقا
لَعَبْدُ الله في الوزراء مَهْما ... تذُوكِرَ خيرُ من ركض العِتاقا
ظهيرُ الأمرِ والقِدْحُ المُعَلَّى ... وأكرمُ مَنْ نَضَا البِيضَ الرِقَاقَا
غَدَتْ عَليَاهُ فوقَ البدرِ تاجاً ... وللجَوْزاءِ قد مثلت نِطَاقَا
لقد غَدَتِ الوزارة منك تُزْهَى ... بمن رقَّت سجاياهُ وَراقَا
وسيف الملك أنت وأيُّ سَيفٍ ... كَفى الأزماتِ دون دمٍ أراقا
رَكِبتَ الهَولَ في سُبُلِ المعالي ... فَلُقِّيتَ السعادةَ والوِفاقا
ضَرَبْتَ الصَّخْرَ فانفجر انفجاراً ... ضَرَبْتَ البَحْرَ فانْفَرَقَ انفِراقا
وَزَارَتُكَ التي حقاً تُهَنَّي ... فما هَدَراً وَلِيتَ ولا اتفاقا
فَلَمْ تَزْدَدْ برتبتها عُلُواً ... ولم تَزْدَدْ بنعمتها ارتفاقا
ولكن بعضُ خقِّكَ قُمْتَ فيه ... بحقِّكَ بعد ما استُرِقَ استراقا
(1/92)

خطبتُ عُلاكَ قبل اليومِ وُدّاً ... بذلتُ من الوفاء له صَداقا
وأوعدتُ الزمانَ بك انتصاراً ... وأرغمت الخطوبَ بك اعتلاقا
فسامحني فَعُذْرِي غيرُ خافٍ ... إذا ما العُذْرُ في التقصير ضاقا
شكوتُ لك التَّغَرُّبَ قبل هذا ... وهأنا بعده أشكو الفراقا
فلولا ما تَوالَى من حديثٍ ... بعزك لم أكنْ مِمَّنْ أفاقا
فقَرِّرْ حالتي من غير لُبْثٍ ... هناءً واحتراماً وانطلاقا
ركبتَ الدَّهرَ منقاداً ذَلولاً ... بحرمةِ مصطفى رَكِبَ البُراقا
وتلطفت إلى سلطانه في طلب جارية من بنات الروم ممن اشتمل عليهن قصره بقولي:
قصدتُ إلى المولى أبي عمر الرضا ... غدت بالذي يَرْضى المشيئةُ جاريه
وطوفانُ هَمِّي قد طَغَى لِيُجِيرَنِي ... وتُركبَنِي آلاؤه فوق جاريه
وإني لراضٍ بالذي يَرْتَضِيه لي ... ولو عَبَدَتْ آباؤها شَنْتَ ماريه
وإن ظنوني في الإمامِ وفضله ... محققةٌ والله لا متمازيه
ففاز بما يهواهُ من فضل ربِّه ... وأمُّ الذي يَهْوَى له الشرَّ هاويه
فلم يدع غاية فضل إلا بلغها، ولا ثَنِيَّةَ وفاءٍ إلا طلعها، فنوه في الملأ المشهود الجلسة، وخصني بالإفراد مع أميره والخَلْوَة، واقتضى منه ملوكّي الخلعة ووافر العطية، وجدد الصكوك وضاعف العناية، وألحق الولد، والقرابة وحَرَّر من المغارم الغلة، جزاه الله أفضل الجزاء وأعانه على ما يرضيه - وكان من الأمر ما يذكر إن شاء الله.
رَجْعُ التاريخ
عبور السّلطان محمد الخامس المخلوع إلى الأندلس
وحث السلطان أبو عبد الله بن نصر الموجه إلى الأندلس ركابه إلى سبتة لا يُصدق بالإفلات ولا يثق بالنجاة، فعارت له خيلُ ونفقت حُموله لشدة السَّيْر، واستقر بسَبتة واستعجل الجواز وحلَّ بجبل الفتح بعد مراوضة كبيرة لقواد الأسطول الرومي ومحاورة، إذ تبرعوا بإِجازته ولم يسمحوا في خلاف ذلك ليجلبوا الفخر لسلطانهم وينسبوا الحركة إليه، فأعملت الحيلةُ ولُفقت الحُجة، وقطع السلطان ألسِنَتَهُم بمال بذله مُكارمة لهم، وأركب أجفانَهم طائفة من كبار قرابته، واستقرَّ بجبل الفتح وطال به مقامه تتردد الرسل بينه وبين ملك الروم، ثم ارتحل نحوه في لُمَّةٍ من مماليكه ووجوه قرابته، وتحفَّى السلطانُ بمقدمه، وبالغ في بِرِّه، وأفرط في التَّنزل لوجهته، وأبعد المَدى في خُطا تلقيه، وأَرْجَل الأكابر لأداء حقه، وتوسع في نُزُله، وعمَّ بالملاحظة جميع مَنْ في صُحْبَتِه، وأعطاه صفقة يمينه بالمظاهرة والمعاضدة والتهالك من دون بغيته، وسلفه ثلاثين ألف دينار من الذهب العين بنفقته، وشرط له أن لا يبتزَّه حصناً ولا ينقصه فتحاً، ولا يعلق به طماعية، وأنه يصل معه السلم مدة حياته، ويتركه وصيةً في عَقِبه. وانصرف مجبوراً قريرَ العين، منشرحَ الصدر، فلحق بسائر الجيش المريني ومن تخلف عنه من قومه بظاهر رُنْدَه، وارتحل إلى أحواز أنْتِقَيْرَة في جُوَيْشٍ من المسلمين وطاع له حصن أنكَيرة من الحصون المنسوبة إلى مالقة، نزع إليه قائده فجعل به حصة من الخيل وثَقِفَه. وبيناهُ يرتقب إنجاز وعد ملك الروم ولحاق جيش مظاهرته له، إذ يجيء النبأ المشنوء، من الفتك بالسلطان أبي سالم، ملك المغرب مٌعينِه ورائشِ جناحه، والكادح له، وقد تطاولت الأعناق لمقدمه واهتزت الأندلس لوجهته، وترددت المخاطبات بينه وبين من يرجو القيام بدعوته. وكان قد بذل المجهود في طلب استصحابي، وتواترت مخاطبتُه إياي على عادة اعتداده وسَنَن فضله، فآثرت ما أنا بسبيله من الراحة، والفرار عن هفوات الغِيَر والانكماش عن الخدمة وأقنعته بالوعد من تَوجُهي إليه بولده عند تصير الأمر إليه. والنيابة في اقتضاء جميل سراحه من باب السلطان، وخطة كرامةٍ طريفة له، وإكناف رواق الستر على من تصحَبُهُ من حرمته، وترتيب القدوم عليه به، وتقرير حال لقائه إياهُ، في آمال عديدةٍ أخذها الترتيب وزيَّنها البيان والخطابة، ثم محاولة الانصراف عنه إلى بيت الله من غير تَلَبُّسٍ بخدمة، ولا غمسِ يدٍ في فرث خُطة، ولا مغير للنَسْكِ من هيئة ولا لبسة. فقنع بذلك وراكنني إليه واستدعى المشورة فيما يَعِنُّ له، فرسمت من ذلك ما قُدِّرَ غناؤه، وتُوُهِّمت الحاجة إليه.
(1/93)

ونظَمت القصيدة المُعَدة لإنشاده إياها عند تملي المنيحة وتهني الموهبة، فتعددت منها الأغراض وأخذها الطول، وتَفَنَّنَتْ منها المقاصد. ومن الأمور التي أعثَرَتْ عليها التجربة، إخفاق المساعي في الأغراض التي تُقدم لها القصائد والإنشاءات وتروي الخطب والمنظومات، ليتبرأ قضاء الله من تحكم البشر وتبدو مزية القدر. وأنا أجلب القصيدة على جهة الإحْمَاض والتنشيط إذ فائدتها مع تمام الأمر وإحقاقه حاصلة لمن ارتاد الآداب وكلف بالفضائل، وتشوف إلى الأنحاء البلاغية والمقاصد وهي:
الحقُّ يَعلو والأباطِلُ تَسْفُلُ ... واللهُ عَن أحكامه لا يُسألُ
والأمرُ فيما كان أو هوَ كائِنٌ ... كالعِلَّةِ القُصوى فكيف يُعَلَّلُ
وهوَ الوجودُ يجودُ طَوراً بالذي ... تَرضَى النفوسُ بِهِ وطَوراً يَبْخَلُ
وإذا استَحالَتْ حالةٌ وتَبَدَّلَتْ ... فالله عزَّ وجلَّ لا يتبَدَّلُ
واليُسْرُ بعدَ العُسْرِ مَوعودٌ بهِ ... والصَّبْرُ بالفَرَجِ القريبِ مُوَكَّلُ
والمُستَعِدُّ لِما يُؤمِّلُ قابِلٌ ... وكفاكَ شاهِدُ قَيِّدوا وتَوكَّلوا
ومَن اقتَضَى بالسَّعدِ دَيْنَ زمانِهِ ... والسَّيفِ لم يَبْعُد عليهِ مُؤمَّلُ
أمحمدٌ والحمدُ مِنكَ سَجيَّةٌ ... بِحُلِيِّها بينَ الوَرى يُتَجَمَّلُ
أما سُعُودُكَ فهيَ دزنَ مُنازِعٍ ... عَقْدٌ بأحكامِ القضاءِ يُسَجَّلُ
ولكَ السجايا الغُرُّ والشِيَمُ التي ... بِغَريبِها يَتَمَثَلُ المُتَمَثَلُ
ولكَ الوَقارُ إذا تزلزلت الرُّبَا ... وهَفَتْ مِنَ الرَّوْعِ الهِضابُ المُثَّلُ
ولك الجبينُ الطَّلْقُ والخُلُقُ الذي ... لَحْظُ الكمالِ بِلَحْظِهِنَّ مُوَكَّلُ
النُّورُ أنتَ وكُلُّ نورٍ دُجْيَةٌ ... والبحرُ أنتَ وكلُّ بَحرٍ جَدْوَلُ
وإذا ذُكِرْتَ كأَنَّ هبَّاتِ الصَّبَا ... رَكَدَ الكَبَاءُ بِجَوِّها والمَنْدَلُ
مَنْ ذا يجيدُ الوصفَ مِنكَ خَيالُهُ ... وَصِفَاتُ مَجدِكَ فَوقَ ما يُتَخَيَّلُ
والله ما وفَّى بحَقِّكَ مادِحٌ ... واللهِ ما جلَّى بحَمدِكَ مِقْوَلُ
عَوِّذْ كمالَكَ ما استَطَعْتَ فإِنَّهُ ... قد تَنْقُصُ الأشياءُ مما تَكْمُلُ
تابَ الزمانُ لديكَ مما قد جَنَى ... واللهُ يأمُرُ بالمَتَابِ ويَقْبَلُ
إن كانَ ماضٍ مِن زَمَانِكَ قد أتى ... بإساءةٍ قد سَرَّكَ المُسْتَقبَلُ
هذا بِذاكَ فَشَفِّعِ الثَّاني الذي ... أرضاكَ فيما قد جَناهُ الأوَّلُ
واللهُ قد ولاَّكَ أمرَ عِبَادِهِ ... لمَّا ارتَضَاكَ ولاَيَةً لا تُعْزَلُ
وإذا تَغَمَّدَكَ الإلهُ بِنَصْرِهِ ... وقَضَى لكَ الحُسْنى فَمَنْ ذا يخذلُ؟
فإذا انتَضَيْتَ فكلُّ كهم مُرْهَفٌ ... وإذا ضَرَبْتَ فكلُّ عُضْوٍ مَفْصِلُ
فلو اعتَمَدْتَ على الرِّيَاحِ لغارَةٍ ... نَهَضَتْ بغارَتِكَ الصَّبا والشَّمأَلُ
ولو استعنتَ الشُهْبَ واستَنْجَدْتَها ... حَمَل السلاحَ لك السِماكُ الأَعْزَلُ
سُبحانَ مَنْ بِعُلاكَ قد شَعَبَ الثَّأَى ... وأعادَ حَلْيَ الجيدِ وهو معطَّلُ
قد كادَتْ الأعيانُ يكذِبُ حِسُّها ... والأوَّلِيَّاتُ السَّوابقُ تُجهَلُ
والأرضُ راجفةٌ تَمورُ وأهلُها ... عَصفتْ بهم ريحُ العَذابِ فَزُلزِلوا
من ماتَ مِنهم ماتَ ميتَةَ فِتنَةٍ ... أو عاشَ فَهو مُفَسَّقٌ ومُضَلَّلُ
لا بيعَةٌ تُنْجي ولا عَهْدٌ يَقِي ... الدِّينُ والدُّنيا نَسيجٌ هَلْهَلُ
فَحَجَبْتَ عن آفاقِهم مَن يَهْتَدي ... ومَنَعْتَ عن أحكامِهِم مَن يَعْدِلُ
فاليومَ إذ بَخَعَ المُسيءُ بِذَنبِهِ ... مُسْتَسْلِماً وتَنَصَّلَ المُتَنَصِّلُ
فاشمِلْ بِعَفوِكَ مَن تَجَنَّى أو جَنَى ... واسلُك طريقَتَكَ التي هيَ أمثَلُ
واحرُس حِمى العَليا فمَجدُكَ مُنْجِدٌ ... واطلُب مَدى الدُّنيا فسَعْدُكَ مُقبِلُ
وانْهَد فَنَصْرُ اللهِ فوقَكَ رايَةٌ ... وَمِنَ السُّعودِ عليكَ سِتْرٌ مُسْبَلُ
(1/94)

والرُّعبُ بينَ يديكَ يُرْدِفُ جَحْفَلاً ... مِنهُ على بُعْدِ المسافةِ جَحْفَلُ
والرُّوحُ روحُ اللهِ يَنفُذُ حُكمُهُ ... لكَ والملائِكةُ الكِرامُ تَنَزَّلُ
لم يَدْرِ إسماعيلُ ما طَوَّقْتَه ... مِن مِنَّةٍ لو كانَ مِمَّنْ يَعْقِلُ
نِعَمٌ مُهَنَّأَةٌ وظلٌ سَجْسَجٌ ... تَنْدى غَضَارَتُهُ وماءٌ سَلْسَلُ
الطَّاعِمُ الكاسي ورِفْدُكَ كافِلٌ ... والعالَةُ المُعفاةُ مِمَّا يَثْقُلُ
أغراهُ شَيطانُ الغُرورِ لِغايَةٍ ... مِن دونها تَنْضَى المَطِيُّ الذُلَّلُ
يَبغي به دَرْجاً إلى نَيْلِ التي ... كانت قُوَى إدراكِهِ تَتَخَيَّلُ
سَرْعانَ ما أبداهُ ثمَّ أعادَهُ ... في هَفوَةِ البَلوَى وبِئْسَ المَنْزلُ
وسَقى بِكأسِ الحَيْنِ قَيْساً بَعْدَهُ ... واللهُ يُمْلي للطُّغاةِ ويُمْهِلُ
والغَدْرُ شَرٌّ سَجِيَّةٍ مَذمومَةٍ ... شَهِدَ الحكيمُ بِذاكَ والمُتَمَلِّلُ
فاسْاَل ديارَ الغادِرِينَ فإنَّها ... لمُجيبةٌ أطلالُها مَن يَسْأَلُ
جَرَّتْ عليها الرَّامِسات ذيولَها ... وعَوَتْ بِعِقْوَتِهَا الذئابُ العُسَّلُ
يا فَتْكَةً أخْفَتْ مواطِئَ غَدْرِها ... حِيَلُ الخَديعَةِ والظَّلامُ المُسْبَلُ
عَثرَ الزمانُ بها وكانت فَلْتَةً ... شَنعاءَ والدُّنيا تَجِدُّ وتَهْزِلُ
أَمِنَتْ سُعُودُك من حَرابةِ قاطِعِ ... فاسْرَحْ ورِدْ فهوَ الكَلا والمَنْهَلُ
قُتِلَ المُقاتِلُ بعدَها بِسِلاحِهِ ... وغَدا لها زُحَلٌ يَقرُّ ويَزْحَلُ
ولَفيفُ جُبَّانٍ إذا ما استُوقِفوا ... نادَتْ بهم آجالُهُم فتَسَلَّلُوا
طَرَقُوا على الضِّرْغَام لَيلاً غابَهُ ... والبدرُ تاجٌ بالنُّجومِ مُكلَّلُ
لولا دِفاعُ اللهِ عَنكَ وعصْمَةٌ ... أصْبَحْتَ في أبرادِها تَتَسَرْبِلُ
ما رُقِّعَ الوَهْيُ الذي قد مزَّقوا ... ما حُلِّيَ الجيدُ الذي قد عَطَّلوا
فَثَبَّتَ مُجْتَمِعَ الفؤادِ بِهفوَةٍ ... خُذِلَ النَّصيرُ بها وخانَ المَعْقلُ
وفداكَ شيخُ الأولياءِ بِنفسِهِ ... والنَّفْسُ آثَرُ كُلِّ شَيءٍ يُبْذَلُ
ما ضَرَّهُم إذ ناوَشَتْهُ كِلابُهُم ... وسَطَتْ بهِ أنْ لم يكونوا مُثَّلُ
وكذلك الخَبُّ اللئيمُ إذا سَطَا ... عَمِلَ التي ما بَعدَها ما يُعِمَلُ
ونَجَوْتَ مَنْجَى البَدْرِ بعدَ محاقِهِ ... تَهْوِي كما يَهْوِي بِجَوٍّ أجْدَلُ
فَحَلَلْتَ من وادي الأَشَى بقَرَارَةٍ ... عزَّ الثّواءُ بها وطابَ المَنْزِلُ
كُرْسِيُّ مُعْتَصِمٍ، ومثوى هِجرةٍ ... والمُسْتَقَرُّ إذا تَزِلُّ الأرْجُلُ
دارُ الوفاءِ ومَوطِنُ القَوْمِ الأُلى ... كَفَلُوا، وبالنَّصْرِ العزيزِ تَكَفَّلوا
حتى دعاكَ المُسْتَعينُ وإنَّهُ ... لأَبَرُّ بالمُلْكِ المُضَاعِ وأكفَلُ
فَرَحَلْتَ عنهم والقُلُوبُ بوالغ ... نُعَرَ الحَناجِرِ والمَدامِعُ تَهْمِلُ
فلقد شَهِدْتُ وما شَهِدْتُ كَمَوْقِفٍ ... والناسُ قد وَصَلوا الصُّراخَ وأَعْولُوا
وبكلِّ نادٍ مِنْكَ أنَّهُ نادِبٍ ... وبُكلِّ دارٍ مِنكَ حُزنٌ مُثْكِلُ
يتزاحمونَ عَلَيْكَ حتى خِلْتُهم ... سِرْبَ القَطَا الظَّامِي وكَفُّكَ مَنْهَلُ
وظَعَنْتَ عن أوطانِ مُلْكِكَ راكِباً ... مَتْنَ العُبابِ فأيُّ صَبْرٍ يَجْمُلُ
والبحرُ قد خَفَقَتْ عليكَ ضُلُوعُهُ ... والرِّيحُ تَقتَطِعُ الزَّفيرَ وتُرْسِلُ
في مَوقِفٍ يا هَولَهُ مِن موقِفٍ ... يَذْوَى له رَضْوَى ويَذْبُلُ يَذْبُلُ
حتى حَلَلْتَ بعُنْصُرِ المَلِكِ الذي ... يُرْعَى الدَّخيلُ بِهِ ويُكْفَى المُعْضِلُ
مَثوى بَني يعقوبَ أسباطِ الهُدى ... وسَحائِب الرُّحْمَى التي تُسْتَنْزَلُ
وخَلائِف الله الذين أكُفُّهُمْ ... ديم الوَرَى إن أَحْسَنوا أو أَمْحَلُوا
ودعائِم الدِّين الحَنيفِ إذا وَهَتْ ... مِنْهُ القُوَى واخْتَلَّ مِنهُ الكَلْكَلُ
(1/95)

وكفى بإبراهيمَ بَدْرَ خِلافَةٍ ... تَعْنُو لِغُرَّتِهِ البُدورُ الكُمَّلُ
وكفى بإبراهيمَ ليثَ كَريهَةٍ ... يَعنو لعزته الهِزَبْرُ المُشْبِلُ
أغْني وأَقْني وأَعْتَني وكَفَى العَنَا ... وأعانَ فهو المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ
ولِكُلِّ شَيءٍ غايةٌ مَرْقُوبَةً ... أعلامُها ولكلِّ شيءٍ مَفْصِلُ
فأَنِفْتَ للدِّينِ الحنيفِ وأهْلِهِ ... مِنْ خُطَّةِ الخَسْفِ التي قد حمَّلُوا
وَلِملَّةٍ جُنَّتْ فلو لم تَنْتَدِبْ ... لم يُلْفَ مَن يَرْقَى ولا مَن يَتْفُلُ
أحْكَمْتَ بالرأيِ السَّديدِ أُصُولَهَا ... وفَرَيْتَها لمَّا استَبَانَ المَفْصِلُ
وركَبْتَ فيها كلَّ صَعْبٍ لم يكُنْ ... لولا الإلهُ وعزُّ نَصْرِكَ يَسْهُلُ
وأَجَرْتَ عليكَ العُدْوَتان قُلُوبَهَا ... وأكفَّها وعلى الحَمِيَّةِ عَوّلُوا
جَمَعَتْ عليكَ العُدْوَتانِ قُلُوبَهَا ... وأكفَّها وعلى الحَمِيَّةِ عَوَّلُوا
فاهتَزَّ للحرب الكَمِيُّ بَسَالَةً ... واهتَزَّ في مِحرابِهِ المُتَبَتِّلُ
وبدا انفعالُ الكَونِ هذا العالَمُ العُلْ ... وِيُّ مهتزٌّ فكيفَ الأسفَلُ؟
والرُّومُ لاستِرجاعِ حقكَ شَمَّرَتْ ... هذا هوَ النَّصرُ المُعِمُّ المُخْوِلُ
واستَقْبَلَتْكَ السّابحاتُ مُواخِراً ... تَهْوِي إلى ما تَبْتَغي وتُؤَمِّلُ
تُبْدي جوانِبَها العُبُوسَ وإن تَكُن ... بالنَّصْرِ منكَ وُجُوهُها تَتَهَلَّلُ
هُنَّ الجواري المُنشَآتُ قد اغْتَدَتْ ... تختالُ في بُرْدِ الشَّبابِ وتَرْفُلُ
مِن كلِّ طائِرةٍ كأَنَّ جَناحَها ... وهو الشِّراعُ به الفِراخُ تُظَلِّلُ
جوفاءَ يحملها ومَن حَمَلَتْ بهِ ... مَنْ يَعْلم الأُنثى وماذا تَحْمِلُ
أَطْلَعنَ صُبْحاً مِنْ جَبينِكَ مُسْفِراً ... يَجلو الظلامَ وهُنَّ ليلٌ أَلْيَلُ
وطَلَعْنَ مِنكَ على البِلادِ بِطارِقٍ ... لِلفَتْحِ والنَّصْرِ الذي يُسْتَقْبَلُ
وبقيَّة مِنْ قومِ عادٍ أُهلِكوا ... ببقيَّةِ الرِّيحِ العَقيمِ وجُدِّلُوا
بالباطلِ البَحْتِ الصُّراحِ تَعَزَّزوا ... فالآنَ للحقِّ المُبينِ تَذَلَّلوا
خَضَبَتْ مَناصِلُكَ المفارِقَ مِنْهُمُ ... حِنَّا نَجيعٍ صَبْغُها لا يَنْصُلُ
أقبَلْتَ في يوم الهَياجِ فأَدْبَروا ... أقْدَمْتَ في لَيلِ العَجاجِ فأَجْفَلوا
أَعجَلْتَ حِزبَ البَغيِ فاشْتَبَهَتْ بِهِم ... طُرُقُ النجاةِ وللهلاَكِ تَعَجَّلُوا
صبَّحْتَهُمْ غُرَرَ الجِيادِ كأنما ... سدَّ الثَّنِيَّة عارِضٌ مُتَهَلَّلُ
من كلِّ مُنْجَرِدٍ أغرَّ مُحَجَّلٍ ... يرمِي الجِلادَ به أَغَرُّ مُحَجَّلُ
زَجِلُ الجَناحِ إذا أجدَّ لِغايَةٍ ... وإذا تَغَنَّى بالصَّهيلِ فَبُلْبُلُ
جِيدٌ كما التَفَتَ الظَّليمُ وفوقَه ... أُذْنٌ مُمَشَّقَة وطرْفٌ أَكْحَلُ
فكأنما هو صورةٌ في هَيْكَلٍ ... مِن لُطْفِهِ وكأنما هو هَيْكَلُ
عَجَباً له أَيخافُ في لَيْلِ الوَغى ... تِيهاً وذابِلُهُ ذُبَالٌ مُشْعَلُ
وخليجُ هِندٍ راقَ حُسنُ صَفائِهِ ... حتى لَكادَ يَعومُ فيه الصَّيْقَلُ
غَرِقَتْ بِصَفْحَتِهِ النِّبالُ وأَوْشَكَتْ ... تَبغي النَّجاةَ فأَوْثَقَتْهَا الأرجلُ
فالصَّرْحُ مِنهُ مُمَرَّدٌ والصَّفْحُ من ... هُ مُوَرَّدٌ والشَطُّ منه مُهَدَّلُ
وبكلِّ أزرَقَ إن شَكَتْ ألحاظُهُ ... مَرَهَ العُيونِ فبالعَجَاجَةِ يُكْحَلُ
مُتَأَوِّدٌ أعطافُه في نَشوَةٍ ... مما يَعُلُّ مِنَ الدِّماءِ ويَنْهَلُ
عَجباً له إنَّ النَّجيعَ بِطَرْفِهِ ... رمَدٌ ولا يَخْفى عَلَيْهِ المَقْتَلُ
لله يومُكَ في الفُتُوحِ فإِنَّهُ ... يومٌ أغرُّ على الزمانِ مُحَجَّلُ
لله موقِفُكَ الذي وَثَباتُه ... وَثَباتُه مثلٌ به يُتَمَثَّلُ
والخيلُ خَطٌّ والمجالُ صحيفةٌ ... والسُّمرُ تَنْقُطُ والصَّوارِمُ تَشْكُلُ
(1/96)

والبِيضُ قد كَسَرتْ حرُوفَ جُفُونِها ... وعوامِلُ الأَسَلِ المُثَقَّفِ تَعْمَلُ
لله قومُكَ عِندَ مُشْتَجِرِ القَنَا ... إذ ثَوَّبَ الدَّاعي المُهيبُ وأقْبَلُوا
قومٌ إذا لَفَحَ الهَجيرُ وجوهَهُم ... حُجِبوا بِراياتِ الجِهادِ وظلَّلُوا
فوجوهُهُم بِسَنا الأَهِلَّةِ تَزْدَرِي ... وأكُفُّهُم جُونَ السَحائِبِ تُخْجِلُ
يا آلَ نَصْرٍ إن تُذُوكِرَ مَفْخَرٌ ... لا تُفْضَحوا مَنْ دونَكم وتَرَسَّلُوا
عَلْياؤُكُم غاياتُها لا تَنتَهي ... في مِثْلِها خانَ البَليغَ المِقْوَلُ
آثارُكم في الدِّين غيرُ خَفِيَّةٍ ... تُروَى على مَرِّ الزَّمانِ وتُنْقَلُ
أَوَ لَسْتُمُ الشُّهُبَ الأَلَى ما غَيَّروا ... مِن بَعْدِ بُعد نَبِيِّهم أو بَدَّلوا
أوَ لَيسَ جَدُّكُمُ المدينةُ دارُهُ ... كلاَّ وصاحبُه النَبيُّ المُرْسَلُ
سَعْدٌ وما أدراكَ سَعْدُ عُبَادَةٍ ... في مَجدِهِ صَدَقَ الذي يَتَوغَلُ
ماذا يُحَبِّرُ مادحٌ مِن بَعْدِ ما ... أَثْنى بمدحِكُمْ الكتابُ المُنَزَلُ
يا نُكتَةَ العَلْيا ويا قَمَرَ الهُدى ... والعُرْوَة الوُثقى التي لا تُفْصَلُ
يَهنيكَ صُنْعُ اللهِ حين تَبَلَّدَت ... فيك الحِجَى وتَلأَوَّلَ المُتَؤَوِّلُ
يَهْنِيكَ صُنْعُ اللهِ حينَ اسْتَأْنَسَتْ ... مِنكَ الظُنُونُ وأَقْصَرَ المُسْتَرسِلُ
يَهني العِبادَ أن اغتدى بِكَ دينُها ... يُجْلَى مِنَ الشكِّ المُريبِ ويُغْسَلُ
يَهني البِلادَ أن اغتَدَى بِكَ فَوْقها ... سِتْرُ الوقاية والحمايةِ يُسْدَلُ
فَتْحُ الفُتُوحِ تأخَّرَتْ أيَّامُهُ ... يَنْسَلُّ مِن حَدَبٍ إليك ويَنْسِلُ
يَزَغُ الإلهُ مِنَ النفوسِ من ارتَضَى ... حتى يَبينَ مُحِقُّها والمُبْطِلُ
واللهُ بالتمحيصِ يُوقِظُ أَنفُساً ... عن حَقِّهِ المحتومِ كانت تَغْفُلُ
ويُكَيِّفُ السبب الخَفِيَّ لِمَن قَضَى ... بسعادةٍ منه إليه تُوصَلُ
والحظُّ أمرٌ ليس في وِسْعِ امرئٍ ... فمُكَثِّرٌ في كَدِّهِ ومُقَلِّلُ
والحقُّ حقٌّ ما سِواهُ فَبَاطِلُ ... لو حَقَّقَ المُسْتَبْصِرُ المتأمِّلُ
تتلوَّنُ الدنيا وتختَلِفُ المُنَى ... والبُدُّ بُدٌّ ليس عنه مَعْدِلُ
وَلِرَبِّنَا الرُجْعَى وإن طالَ المَدى ... واللهُ نِعْمَ المُرْتَجَى والمَوْئِلُ
لم يُبْقِ ربُّك من عُداتِكَ مُعْتَدٍ ... والسيفُ يَسبِقُ حَدُّهُ مَنْ يعذِلُ
أُخِذوا بِبَغيِهِم أَيُفلِتُ هارِبٌ ... لله يسرع خَطْوُهُ أو يُعجِلُ
ثٌقفوا بكل ثنية وتبادرت ... بهمُ عيون المؤمنين فَقُتِّلُوا
سحقاً لهم لا بالوفاء تمسكوا ... يوماً ولا فازوا بما قد أَمَّلُوا
ورأى عدوُ الله عُقْبَى غدرِه ... والخزي منه معجلٌ ومؤجَّل
وهو الذي مِن حقِّه ألاَّ يُرى ... يُعنَى اللسانُ بذكره أو يَحْفِلُ
وحقارةُ الدُّنيا على الله اقتضت ... أن يثأر المستَحْقَرُ المسترذَل
هذا سليمانُ النبيُّ ابتزَّه الكرس ... يَّ بعضُ الجنِ فيما يُنْقَل
ما غيرت منك الخطوبُ سجيةً ... مجبولةً والطبع لا يتنقل
بل زاد عقلُكَ بسْطَةً من بعدها ... حتى أحاط بكل شيءٍ يُعْقَل
وأفادَك الدهرُ التجاربَ بانياً ... تضعُ الأمورَ على الوزان وتَحمِل
ما أن رأينا من يُعَابُ بحنكةٍ ... حتى يعاب الصارمُ المتفلِّلُ
قد قرَّ أمرُكَ واستقرَّ عِمادُه ... والحقُّ بانَ فلم يَدَعْ ما يُشْكِلُ
وأَنَاكَ نجلُك والسعود تحفه ... والخَلْقُ تلثم كَفَّه وتُقَبِّلُ
لَمَحُوكَ يا بَدْرَ الكَمَالِ فكَبَّرُوا ... وبَدَا هلالُكَ بَعْدَ ذَاكَ فَهَلَّلُوا
فالشملُ مجتمعٌ كأحْسَنِ حالَةٍ ... تعتادها ونوالُ رَبِّكَ يشمل
ولقد غفرتُ ذنوبَ دهري كلَّها ... حتى المشيبَ وذنبُهُ لا يُهمل
لما رأت مثواكَ كعبةَ طائفٍ ... عَيْنِي وكفَّكَ للطواف مُقَبّل
(1/97)

أهديك من أدب السياسة ما به ... تبْأَى الملوكُ على الملوك وتَفْضُل
لا تَغْفِل الحَزْمَ الذي بعقاله ... إبلُ الإمارة والإدارة تُعقل
واجعل صُماتَكَ عِبْرةً فيما مضى ... وعليه قِسْ مِنْ بعدُ مَا يُستقبل
والأمرُ تحقِرُه وقد يَنْمى كما ... تَنْمِي الجسومُ على الغِذَاء وتَعْبَلُ
فاحذر صَغِيرَ الأمر ولتحفلْ به ... وإذا غَفَلْتَ فإنه يستحفل
فالنارُ أولَ ما تكون شرارة ... والغيثُ بعد رذاذه يسترسل
شاوِرْ إذ الشورى دعتك أولي النهي ... فخطاب غير أولي النهي لا يَجمل
وأجز المُسِيءَ إذا أساءَ بفعله ... والمحسنَ الحسنى جزاءً يَعْدِل
وإذا عَدَلْتَ فلا الهوادةُ والهَوَى ... مِنْ بعده أبداً لديك تُؤمل
ومن استبحت ذمارَه بعقوبةٍ ... فبغيره من بعدها يُستبدل
وإذا عَقَدْتَ فللغَنا لا للهوى ... فبكُلِّ قَدُرٍ رتبةٌ لا تُهمل
وصُنْ اللسانَ عن القبيح فربما ... يمضي اللسانُ بحيث ينبو المُنصُل
وإذا جرحتَ فؤادَ حرٍّ لم تُطِق ... إدمالَه وبأيِّ شيءٍ يَدْمُل
واقبل وصيةَ من أتى لك ناصحاً ... واشكرْهُ وهو الكاذب المتحيل
وعلى التثبت في السعاية فاعتمد ... فمَردُّ أمرٍ فات لا يُسْتَسْهَل
وإذا جنى جانٍ تبيَّنَ جهلُهُ ... فاحلُمْ عليه فأيْنَ مَنْ لا يجْهَلُ
وارْعَ السوايقَ لا تُضِعْها إنها ... ديْنٌ يُلام لأجله من يَمْطُلُ
وإذا ترحَّل عن جوارك راحل ... فانظر بعقلك عنك ماذا يَنْقُلُ
واجعل على السِّيَرِ التي رتَّبْتَهَا ... عيناً تجيءُ بكل ما يُتَقَوَّلُ
لا تُبْدِ هَوْناً في الشدائد إن عَرَتْ ... فبقدر ما تُبديه قدرُك يَخْمُلُ
والمالَ خذْهُ بحقِّهِ واعلمْ بأنَّ ... المالَ للغرضِ البعيد يُوَصِّلُ
وازِنْ به مؤنَ السياسةِ وادَّخِر ... فضلاً وواز بخرجه ما يدخل
والمنْحُ والمنْعُ اعتبر قسطاسَه ... فالبُخْلُ والتبذيرُ مما يُرْذَلُ
وعليك بالتقوى وبالخلق الذي ... ينهى النفوس عن القبيح ويعذِل
واشغَل عن اللذات نفسَك بالذي ... نفسُ الحكيم به تلذُّ وتُشْغَلُ
وبنو الزمان على سبيل أبيهِمُ ... إن عزَّ عزوا أو يُذَلُّ تَذَلَّلُوا
بالعفو خُذْ منهم ولا تَكْشِفْ لَهُمْ ... سِتراً فلستَ على كبير تَحْصُل
ذُمَّ الزمانُ وأهلُهُ مِنْ قَبْلِنَا ... فمتى حلا أو لذَّ هذا الحنظلُ؟
هذا وعقلُك في الخلافة قدرُه ... أسنى ورأيُكَ في السياسة أفضل
مولايَ هاضَنِيَ الزمانُ وسامني ... جوْراً وأنت هو الإمام الأعدل
أَنْحَى عَلَى وَفْرِي وروَّع مأمني ... ظُلماً وحمَّلَني الذي لا يُحْمَل
وَرَمَى بنا البحرُ المحيط ولو درى ... مِن دونِهِ مرمىً لقالَ لنا ارحلوا
إِنَّا قُتلنا بالنوى سِيَّانِ مَنْ ... يُجْلَى عن الأوطان أو مَنْ يُقْتَل
هذا قياسٌ ليس يُدفع حكْمُه ... من بعدِ ما شَهِدَ الكتاب المُنْزَلُ
أصبحتُ في زغبٍ كأفراخِ القَطَا ... والماءُ شرطُ حياتِهم والسنبلُ
فإذا سموتُ لقَصْدِهِم لم أسْتَطِعْ ... وإذا اعتذرتُ إليهِمُ لم يَقْبَلُوا
وأنا الذي ما لي إليك وسيلةٌ ... أُدْلي بها لِعُلاَكَ أو أتَوَسَّل
أنت الوسيلةُ لِي إليكَ فلا تُضِع ... قَصْدِي فمثلُكَ مَنْ يقولُ ويَفْعَل
مَا لِي ولا لِبَنِيَّ غيرك رَحْمَةٌ ... لكنَّ عُذري واضحٌ لا يُجْهَل
خُذْهَا كما شاءَ الخلوص كأنها ... عقدٌ بألقاب البديع مفصل
أَهْدَى البيانُ بها فرائدَ حكمةٍ ... يبأى النَّدِيُّ بنشرِها والمحفل
واشكر صنيعَ اللهِ فيك فإِنَّهُ ... يُنْمِي ثوابَ الشاكرين ويُجْزِلُ
رَجْعُ التاريخ
سياسة البرميخو المغتصب لعرش غرناطة
بعد عبور السّلطان الشرعي محمد الخامس إلى الأندلس
(1/98)

وقد كان الفَسْلُ المتغلبُ على الأندلس لَمَّا شعر بالعمل على إجازة السلطان مغدورِه الذي كبس مضجعه، وابتز أمره، أخذ حِذْره، ونشط للمقارضة شَرَهَاً إلى إقامة رسوم الفتنة وجرياً عل سبيله من الجرأة، وعدم نظره في العقبى والمغبَّة، فشرع في إجازة من لنظره من أبناء الملوك والمرشحين بالمغرب للأمر والمتأهلين لإقامة سوق التشغيب على ابن عمهم، وهم جملة منهم الاخوة الأربعة المعتقلون ببعض دوره تقمناً لمرضاة السلطان الحائن، متوقِّعٍ حظَّهم، وهم عبد الحليم وعبد المؤمن ومنصور والناصر بنو السلطان المغمور الحظ بسعد أخيه، الموكوس الوزن بكدح الأيام لصنوه مع أثرة الأب ورجحان كثير من الخلال أبي علي عمر بن أمير المسلمين أبي سعيد بن أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أسبقهم أبو محمد عبد الحليم الأمثل الطريقة في الرجاحة وحُسن السَّمت وإقامة الخط وإبانة الخطاب والتظاهر بالتصاون والتزيّي بالخير. من رَجُلٍ رَبْعَةٍ، أزهر اللون مرهف البدن طويل اللحية مُسْوَدَّاً شعرها كأنها قِنْوُ النخلةِ المُتَعَثْكِل، لم يزل من بينهم مطمح النفوس ومرمى الآمال وهدف الأراجيف ومتشوّف الظنون. وأخوه عبد المؤمن مجاريه في بعض الخلال والصفات، المُرْبى بالصُّفرة وإيثار الصِّمَات المشهور بالإقدام. وأخوهما المنصور تلوه في الترشيح وأحد الأفراد في التشدق وتعاطي الفصاحة إلى الهُوِيِّ في أقصى دركاتِ اللَّوْذَعِيَّة، وانتحال الأدب، مباينٌ لهما بالوسامة والبدانة. وأخوه الناصر مثله وأظهر سداداً وانقباضاً مع صلوح وخيرية يشهدُ بها معارفه. إلى سوى هؤلاء من القرابة والنسباء. فَتَنَخَّلَ منهم عبد المؤمن وعبد الحليم وابن أخ لهما، وأمسك الآخرين ليكون له الخيار في الإعادة إن عارضهما معارض أو التغرير إن بانت له في متعدد من الجهات فرصة. ونذر بغرضه الأسطولُ المتضمن حفظ البحر من أسطولي المغرب وقشتالة. وقد دفعت القطعة من مرسَى المُنَكَّب فقصداها وراما التغلب عليها، وقام أهل الساحل من دونها، وأورطوها في الرمل فتعذّر إخراجها ووقع عليها قتال فَشَتْ منه في الطائفتين الجراح فتعذر سفرها وشُرع في رَدِّها إلى مستقرها وانجرف الأسطول لحاجته من زاد الماء بتلك الأحواز فغافصوه في قطعة مختصرة عجّلوا دفعها التحفت الظلمة وخاضت الموج بعد تقدم مراسلة آل زيان الراغبين في ضرب بعض عدوهم ببعضه واستجلاب الفتنة إلى أرضه والاتفاق على ما يستقر عليه الأمر. فكان نزولهم ببعض مراسي السواحل التلمسانية وذلك بين يدي الحادث بسلطان المغرب. فاستقروا في الأيالة الزبَّانيّة في نفر ستةٍ من أمير وخاصةٍ نوه بهم الأمير أبو حَمّو بتلمسان موسى بن يوسف ابن عبد الرحمن بن يحيى بن يغمراسن متلقف كرة الحظ ومُجدد رسوم الدّولة المتفق منه على الصلوح دهياً وحزامة، فحملهم وحباهم وخلع عليهم، وأعان صاحبهم بموْئل قِرىً ومكارمة. وكان حلولهم لديه على تفئة استيلائه على مدينة الجزائر عقد الصفوة وسبْقة البلاد المنهزمة، وآخرها انقياداً للإيالة الزيانية، وتمسُّكاً بالمرينية، وقد اشتملت من العيال المتورطين بإفريقية فما دُونها والحامية المنبّتين والضعفاء المحرجين على أُممٍ وقع الرأي من آل زيان زعموا على إكْبَالهم وإرهانهم في عددهم ومثلهم ممن في السجون المرينية، فجعل هذا الوافد الشفاعة فيهم صدقة بين يدي نجواه. ولم يمكن إيواء مثواه الأمير أبا حَمّو إلا إسعافه فتخلص منهم أمة لحقوا بسببه بأوطانهم. وكان من الأمر ما يأتي به الذكر إن شاء الله.
(1/99)

ولما اتصل هذا الخبر بالسلطان طالِب حقِّه وناشِدِ ضالة ملكه، وانصرف عنه الجيش المرتزق من الدول المرينية بجملته والشيخ يحيى بن عمر بن رحو مؤمل الكرة من إمارة جنده والرّيس الذي خف لمظاهرته محمد بن يوسف بن نصر، وفرّ الكثير إلى عدوِّه، ومن وجوههم ابن وزيره المشؤوم الطائر، المهدى لقبه فأل الانكماش، المقطوع بالمنْحسة مع استبطانه هَوَجاً وخَوَراً وأَفَناً وهذراً ونَهماً وبُخلاً وبَخَراً وسوء خلة، يُبِرَّ عليه ابنه المأبون بالتطفيف في مكيال أكثر هذه الخلال، فانكفأ أدراجه على قرب عهد من وصوله إلى الأندلس فاحتل مالقة، وبها أشياخ النَّكْراء من بني شعيب المتظاهرين بالسذاجة الأندلسية وعدم التصنع وإرسال السجية، وأكل الأطعمة التي يحضرها التظرف، وفي مسْلاخ كل تيس منهم وَالِبَةُ بن الحُبَاب والعباس بن الأحنف والحسن الحكمي من اللَّوْذَعِية والفطنة والمعرفة بطرق المجانة، ويمتُّ إليهم بصهر، فقاموا به وانصرف عنهم إلى السلطان بغرناطة، فحين توسط طريقه بدا له فجعل وجهه إلى بلد النصارى وارتكب خطراً عظيماً ولحق بمنشأ فراره آيباً بِخَفِيِّ عاره. وحسبك بها مجادة وحياء ودهياً، والولد من طينة أبيه، وتوجه على آل شعيب نكير السلطان لإغفالهم إصحابه إليه وهو المعتاد في مثله بما أوجب نقلهم عن مالقة في هذه الأيام مورياً بالحاجة إليهم وفي سبيل مظاهرته.
وانحاز السلطان جبره الله بمن استمسك معه إلى صاحب قشتالة وقدم عليه فآنسه واعتذر له على التقاصر في نصرته المجدية لهيض جناحه بهلاك سلطان المغرب ثالث أثافيهم وهجوم فصل الشتاء، وضيق الزمن عن احتفاله بحركة تجيشه، وأسكنه بمن معه بلد اسْتِجَّة الكائنة على ضفة شنجل، الرَّحْبَة الساحة، المجدية الفلاحة، الأنيقة الكريمة، المطلة على ثغور بلاد المسلمين، فاستقر بها في دَعَة، وتحت نُزلٍ وجراية.
رَجْعُ التاريخ
استبداد الوزير عمر بن عبد الله
واضطراب الحالة في المغرب
(1/100)

وفي غرة شهر ذي حجة اتصل بالوزير الثائر بالسلطان الآخذ بخطام الدولة المستبد بالأمر عمر بن عبد الله بن علي ما كان من محط الأمير المتوقع نجومه بالمغرب، بساحل تلمسان، وشروعه في الحركة إلى طلب الأمر، وهو على العلم يهوي الناس إليه على فرضه رجلاً من مُدَجّنة الأشبونة أو عمل بنبلونة تناهياً في فساد السيرة والانقياد إلى النبيذ وارتباكاً في حبال الشيطان، وخَوَراً في الطباع، فضلاً عن كونه صميماً من عِيص الملك كامل شروط البيعة، موصوفاً بالرجاحة. فاستراب بمن لديه وأعمل النظر وقدح زناد الفكرة، وهمّ بأن يصيّر الملك إليه وراسله زعموا في السر، ثم أوحشه مكان أتراب له لحقوا به، منهم الحالُّ الناجم المذكور محل الوزارة محمد بن موسى بن إبراهيم، المنبز بالسبيع، المشهور بفروسية وثقافة ودربة، وأوْلي القوم سفرته، فعمل حينئذٍ على استجلاب أميره محمد بن أبي عبد الرحمن تاشفين ابن السلطان أمير المسلمين أبي الحسن، المستقر في إيالة سلطان قشتالة نازعاً إليه من جملتهم بغرناطة عند القبض عليهم، وأن يمسك عليه البلد الجديد على الحصْر حتى يصل إليه. فوجه إلى سبتة مُعتقله سليمن بن داود، أنشَقه ريح الحياة، وكان في أضيق من الخرتْ وامتَنَّ عليه أيْأَس ما كان، وطوقه الخلعة وأركبه الفارِه، وسوغه الولاية، وجعل لنظره طنجة وأقامه بالمرصاد لإيواء مُستدعاهُ والذبّ عنه والممانعة دونه إلى أن يتصل به حَبْله، وارتهن ابنه بِكْر ولدِه وشُقَّة نفسه، وثقة في الوفاء بطلبته منه، فانطلق يقول قول عمران بن حِطَّان، غَلَّ يداً مُطِلِقُها واستحق رَقَبَةً مُعْتِقُها. واستحضر الوزير مسعود بن رحّو بن علي الشاخص في النصل المرتقب للغيله نِفَاساً على الخطة، وسُمُوّاً إلى المال العريض وخوفاً من الوثوب، وقد كان، اتصل منه بصهر عالج به قرحاً دامياً أثاره بينهما التحاسد فسوغه دنياه بجَمَّتِها لم يرْزُؤُهُ منها قِطْمير، وصرفه إلى مراكش يجرُّ الدنيا برَسَن، وقد وجع من الالتفات لِيتُه وأَخْدَعُه، زعموا أن مطايا عيالِه بلغت نيفاً وثلاثين من ذوات الحَكَمات والأرائك والقِباب. ووجه لنظر أخيه عمر بن رحو ظِئْر ذلك السلطان الهالك مَظْؤورَه الولد في لمة من الخيل، وأوعز إلى أوليائه بالجهة أن يظاهروا مسعود بن رحو التئاماً على الولد إن لحقه ضيق أو تعذر لمستدعاه قصد. وعند استقرار القوم بمراكش، انتدب أشياخ العرب من العاصم والخلط وسفيان والجابر والحارث ومن حالفهم، فوصلوا إلى مراكش وشاع عنهم مُعاقدة بقبر الولي القطب المقصود التربة أبي العباس السبتي.
(1/101)

ثم نظر في ضم ما يحتاج إليه المُحْتَجِر ويقتاتُه المنحَصِر، ويفتقر المستكن، فاكتسح الأدم والأدهان والكوامخ، والشحوم معلياً لأثمانها ومرضياً بايعُها، واستكثر من الوقود فأغرى الظهر بثقل أجرام الزياتين حتى رأى الحصول على كفايته. ولقبل ما كان السلطان المغرور لم يأل اجتهاداً في ضم الأقوات فكانت مخازن الحبَّتين فاهقة وأهراؤها جاشية وأبوابها على الوسع مختومة، واستوعب الفعلة والصناع من البنائين والنجارين ومن ينسب إلى مهنة الحديد وفتل الجُدل وإصلاح السلاح إلى مهرة المهندسين، وقادحي شُعَل الأنفاط، ونافضي ذوائب المجانيق، ونقَّر عن القسي بالبلد مُغرياً بها العيون فانتزعها من حيث كانت، ولفَّ ضُروب السلاح من دكاكينه المتعارفة، وبنى المراقب والمراصد ورفع الظلال واتخذ أبراج الخُشُب والبناء ومظاهر الحرس ومناظر حذاق الرماةِ، وضم المال على ضروبه من الأوقاف والأمانات، واستدعى الرماة من الرَّجْل أولي الفرنجيات، وسواهم من فُره الدَّربين على العقارة واللولبية، والحضَر أولي الاتصاف بهذه المزية، واستلحق من يجيد الرمي فيها بالعربية، واستظهر من الرجال الأندلسيين أولي العصي والوَفْرات والوصفان المساعير والصقور والحراب بأمم يعيى عدُّها ويعجز حصرها. وأخذ مواثيق من لديه من النصارى بعد أن أكثر عُرفاءهم، وخصَّ بالإحسان فقهاءهم مقتضياً إياها في بيعة نُسكهم حسبما يستدعيه ترجمانُه ويُهذبه قسيسهم ثم تخللهم بأصنافٍ مباينين لهم في اللسان والنحلة. ولم يدع معروفاً بصناعة، ولا حامل يراعة، ولا مُصَرِّفَ آلة، ولا متقدم قوم ولا صاحب مهنة، ولا كاتب طومار أو رسالةٍ إلا حصَّله خلف سوره، إجحافاً بمُطالبه، وإخلالاً بأبَّهته، وهيضاً ظنه لجناحه. فغص البلد وضخم الملك، وتواترت الأخبار بإقبال الأمير عبد الحليم بن عمر، وقربت مراحله، وقد نَهَد من تلمسان سائراً بسيْر ضعيفه، وقد اشتمل رواقه على الجملة من الخدام بين نازع إليه ومستخلص شفاعته. واجتمع الملأ من قبيل بني مرين المعتادين في أمثالها بذل العطاء والاستظهار بهم على الحماية والذب، وقد رابهم أخذه في شأنه وازوراره بجانبه، وعدم إشراكهم في أمره، وطلبوه بالإصحار إليهم ليفاوضوه في المهمة. ونمي إليه ما أوحشه فاستأثر بمتبوأ منعته واستدعى المشيخة إليه فقارضوه النِقبة، وترددت الرسل بما أثار أنفهم واستعلاءهم ونفروا عنه بواحدة مذيعين الرغبة عنه متبرئين عن سلطانه ما دام متولي أمره. وعسكروا بالهضبة تجاه المدينة، وكانوا أملك بالبلد القديم منه، فسدوا ما يواجهه من أبوابه، وطيروا رسلهم إلى القادم يسوغونه المنحة، ويهنونه العطية، ويعطونه الصفقة، وكان وصوله إلى المدينة واضطرابه بظاهرها في السادس من شهر محرم وهو يوم السبت، في نصبة لم يُعِنْها اختيار زعموا مُحجماً عن المنزل المعتاد لِمَا كان من التقدم بهدم جُدرٍ كانت تمنع عمل فَكَّيْ آلة النفط، فنزل قِبليَّ البلد بالموضع المعروف بإِفركان بين ملتف ما به من شجر، وبرز إليه أهل البلد القديم على طبقاتهم من الشرفاء والفقهاء والخطباء والأمناء وسائر اللفيف، فقرر الرتب وقدم الحكام وعيَّن الجباة، واستكتب من أفلت من وَهَق الحصر، وتخطته أيدي القسر وقلد خُطة العلامة الفقيه الحسن الرواء، العظيم المران على الأغراض السلطانية، العذب الحديث والفكاهة، أبا سعيد بن رُشَيْد، وخُطة الأشغال الحيسوبي العريق البيت في الاصطناع وتطويق الوجاهة يوسف الكناني.
(1/102)

وكثر يومئذٍ مصطف للوزراء المتنقبين ببذل النصح وإهداء الوسائل، والمتقدم على الجملة محمد بن موسى بن إبراهيم المنبز بالسبيع باكورة النازعين إليه. واضطر إلى المال فتوجه الطلب على الجملة من أذيال الدولة وبعض المياسير تناولهم الضغط وأصابتهم الجلاوز، فرشح بعضُهم وأطمع بعضٌ ولم يحصل منهم إلا على بُلالة ريثما فُصِلت الخطة وانتاشهم الله من الورطة. وتعرض إليه قومٌ من الصفاعين والأوغاد من أهل سلا ممن يأنف يهود لعنة الله على كفارها من انتسابهم إلى نحلتها وتعلقهم بأذيال ملتها كالرُّطلي اللعين الأهرت الشدْق المستكره الوخط، الوضر الأطواق، المعروف القحة والبُهْت وتلوه الحاج السالمي اللعين المعروف السَّرق والبُهْت وحنثِ اليمين، الدَّغل العقد، والمخزي الشَّيْبَة المهان السَبَلة عدو أهل القبلة، المقعد على النطْع في سبيل العقاب المرة بعد المرة لولا سابق الأجل والشفاعة، فأطمعوا في أموال تتبين وجوهُها ببلدهم كيما تجد حياتُهم السبيل إلى لدغ أرباب النعم وأولي الهيئات على عدم ذَيْن النَّمطين بهذا البلد، وظن بهم الصدق فأصبحوا بوزير أخي السلطان من قبيل بني واطاس، ووصل معهم من غير خطاب سلطاني للمشيخة، ولا حثَّ على البيعة، نادى بالبلدة المعتدّة خِطْباً فقالت نكح. وحضر أعيانها وأين الأعيان من كل حلف الخمول ضئيل الجاه شَحْتِه مُغْرىً بعضهُم بسيئة بعض، طالبهم بالمال الفاضل عن نفقات الحُبُس من شروب المياه ورياع المساجد وأموال اليتامى، فحضرت نُتافة تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع حسْب الملك الصراح أن يستقيل الله من عثرة التشوف إليها، ويستعدي مجده على من غمس يده مرة في قذرها، وأنفذ معه مقدماً على خطة سوائم السلطان الراعية بأبي طويل وهي العِمالَة التي يتقلدها أولو الكفاية والتحقق بالأمانة لدرور الفوائد من الجبن الذي يعم الدور والأسواق غريضه، والجلائب التي تكسو الأوضام لحْمانُها والأدهان التي تضيق الأوعية عن مُهالِها، وشمول النظر على من تجاوز المراعي المحدودة بهذه الأمم من الأنعام من قاطن أو ظاعن والتحكم في أولي البَهم المحظور عليهم سرح الحمى، والمغضوض عنهم الطرف بحسب الرشا، فأسند ذلك إلى بعض الأخابيث ممن لصق به قوادُه بالأندلس وتردد في أمره إلى تلمسان يعرف بالقناع، أشأم الخلق نصبة، وأحقرُهم طلعة وأظهرهم هَوَجاً ودَمامة خامل الأبوة مجهولها، معروف العهر مَثَل في النميمة والكذب، مَشْنُوء جميع الخلال، استظهر لأول حلوله بصك خَطَّتْهُ جميعَه يدُ سلطانه المتصفة بالخَصْل فجعل له إن تم الأمر فالولاية المذكورة معززة بخطة قيادة الرجْل جمعاً له بازاء بلائه، فأطلق للحين لَقْلَقَة بالنداء، وذِبْذِبَهُ بالخنا، وتعاطي عموم النظرات حتى في خطيب الصلاة، واستدعى الرُّشا وضمَّ الأخابث فأنس بهم ونافر أضدادهم من أهل الصون، فخافه المريب واستراب به البريء. وشرع في طوامير يخاطب بها سلطانه بالغاً أقصى مبالغ التحكم والدالة، فظهرت في هذه الخلال مبادئ النجح وبدا للناس سوء ما ارتكبوه من إجرارهم أرسانهم وتسويغهم مدينتهم، وكان من الأمر ما يأتي به الذكر إن شاء الله.
رَجْعُ التاريخ
(1/103)

وفي يوم السبت التالي لسبت النزول، كانت المناجزة بين طائفة الاحتجاز والأفحاص بعد مواقفات خف بها عند المنحصرة وزانُ القوم ممن سواهم، فخرجوا على تعبئة محكمة قد أسبغوا الدروع وأكثفوا العدد ونشروا الرايات والبنود، وهولوا بالطبول، والبوقات والدبادب والغيطات واستغلظوا بالصراخ والعجيج والجلبات، تقدمت الجمع كراديس الغز الرماة الناشبة بين أيديهم قوم من مشاهير الميدان وذوي الثقافة. وركب الجيش بظاهر البلد. وانتظمت التعبئة المرينية على السلطان عبد الحليم من الشيوخ الرجح، والفرسان أحلاس الصهوات الذين لا تفضلهم أمة من الأمم في إجادة الركض، ومثاقفة ميدان السلم، وغريب الكر والفر والانعطاف مع اللَّي. فكانت المدافعة عند الأخدود الذي أعمقوه بين المحلة والبلدة على غَلْوة من باب المدينة. واقتحمه سَرَعان الخيل من درج مغفل طاردت مَنْ وراءه بخلال ما تلاحقت الفعلة واجتهدت في العمل والتسوية، وجازت المقاتلة يتخللها رِجْل الدبَّا كثرةً من الرماة الرَّجْل وأولي العِصِي منهم، فتستروا بجدرات الجبانة وأطلال البناء، لا يمر بهم مار إلا أثبتوه، فانشمر الناس، ولاذ بهم الفرسان، فوقفوا وصبروا تسري إليهم من سحاب النَّبْل عوارض الغَيْم، وقطرات المطر السجم بحيث تحتجب عين الشمس. وأبلى المرينيون أحسن البلاء ثم أعذروا، ثم خرج السلطان يقفو التعبئة في جملة حسنة، فحميت الناشبة ونقلوا الخطا وتحرك جمع الروم يمشي الهوينا، ثم سال منهم الآتِيْ، ودكَّت بسنابك بَراذِينِهِم الأرض فتولى القوم رغماً وثنوا الأعنة على حال استجماع، فانهار قوم على العَقَبة الكؤود المفضى مسلكها الوَعْر إلى باب الجيسة. وانصرف معظم القوم ملتفين على السلطان شرقي البلد في مساوقة المصارة إلى الزاوية الحديثة، فعبروا النهر إلى هضب الرمكة، ووقفوا ملياً ثم استبصروا في الانصراف، وأقصر الجند عن الأتباع، ووقع القنوع بما تهيأ من الأمر، وعاثت الأيدي في المحلة، فوقع بها النهب، واستأصلها العياث، فعادت المضارب مزقاً، وتقسمت الآلات انتهاباً، واكتسح كثير من الظهر، وتُحدث بحسن ثبات السلطان المنهزم، واتفق القول على شجاعة أخيه عبد المؤمن ومضائه، واعترف الناس بجميل مواساته، والفضل ما شهدت به الأعداء. وتعرف بعد أن القوم قصدوا رباط تيزي اتخذها سلطانهم مُستنداً منها إلى المنعة، ومستظهراً بأهل وطنها من قبيل بني عسكر وبني ورتاجين، وشرعوا في لَمِّ الشَّعْث ورأب الثأي، فتوجه منهم إلى بني زيان وإلى العرب الأحلاف وجبال الريف، خدام مستصرخون مستنصرون يطلبون المدد ويجلبون الرجل ويستدعون الحَمِيَّة. وتفرق آخرون شَذَر مَذَر وذهب الشيخ يحيى بن رحو بن تاشفين بن معطى، قطب هذه الدوائر ومحاول هذه اللعب إلى جهة مراكش متضمناً إفساد من بها وصرف دعوتهم إلى سلطانه. وهذا الشيخ عريض المال دَثرُه، وافرُ الصامت جمه، كثير الذخيرة زعموا متملكٌ للعقار، محوط النعمة بسياج الإمساك، جامد الكف كميش البنان، قفر الخوان، أكله بلاغ وشرابه نغبة، محجورٌ لِحُجُوله المقيَّضة لنمو وفره، ولا يفتر مع الحَظْوة وقرب السواد من مضجع الملك ومبدأ السياسة من الإنكار للأحوال والسعي في الإدالة، والغمز على سقطات الدولة وإغراء أضدادها، في سبيل المشاره وفتح أبواب الغِيَر عليها، في سَنَن غريب من النبل مصرف في موضوع الشمات، وشره الإعاضة، وتَسَخُّط الأحوال، جر عليه ذلك كثيراً عند وجود الملوك أولي الحلوم والحزامة، إطالة الثقاف وجرَّ الأداهم، ومساكنة صُرعاء الغير. ولله درُّ الحكيم إذ يقول) المرء أسير مولده (، كبحنا الله عن الركض في هذه الميادين بلُجُم العبرة، وأرانا وَكْسَ هذه الحظوظ بعين البصيرة. وهو مع ما رُمي به وزُنَّ من هذه الخلال حسن المجالسة، مختصر البأو، معتدل الوقار، ظاهر النبل فطن المعاذير، كثير الحبكة وربما غُرزت في أديم ماله إبرة الصدقة.
ومن ذا الذي تُرضي سجاياه كلها ... كفى المرء فضلاً أن تُعدَّ معايبه
(1/104)

وكان أهل العقد والحل من أهل سلا قد كتبوا البيعة، ونفذوا لوجهتهم معهم قائد الأسطول مستدعى بالآلات البحرية والرماة، واتصل بالقوم خبر الهزيمة فكرَّ ليلاً، وتقبض على من كان بالبلد من خدام الأمير عبد الحليم وتحصلهم في حكم الثقاف، ثم نقلوا إلى الحضرة فاستنقذوا في طريقها لكثرة الخوض وفساد السبل، وعادت الأمور إلى بعض سكون.
ووصل الكتاب المنبئ عن الكائنة فاستدعى الناس لسماعه وقرئ على المنبر منه كتاب مرسل المقاطع عادل عن السجع. أوجب ذلك من أصحابنا المنشئين مكاني من سكنى المدينة وإيثاري لهذه الطريقة، فمدوا فيه الأعنة وذهبوا فيه إلى كثير من الإجادة ونصه: من عبد الله تاشفين أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أيده الله ونصره وأطال في السعادة عمره، إلى الأشياخ المكرمين المؤثرين المرعيين الملحوظين المحترمين الشرفاء والفقهاء والخطباء والقضاة والوجوه والأعيان والأمناء والخاصة والعامة من أهل مدينة سلا حرسها الله ووصل إكرامهم ووالى رعيهم واحترامهم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
(1/105)

أما بعد، فإنَّا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، محب الصابرين ومجازي الشاكرين وجاعل العاقبة للمتقين، الذي أيد أولياءه، وأسبغ نعماءه، وأجزل للصابرين ثوابه وجزاءه، وأورث الأرض عباده الصالحين كما اختاره وشاءه فضلاً من الله ونعمة، والله عليم حكيم. ونصلي على سيدنا ومولانا محمد سيد الرسل وخاتم الأنبياء وصفوة الخليقة والهادي إلى سواء الطريقة، بعثه الله على حين فترة من الرسل، وفشُوٍّ من الباطل وعنُوٍّ من الجهل، فدعا إلى الحق وجاهد في ذات الله وإظهار دينه ولم يزل صابراً على العداوة والأذى داعياً إلى الرشد والهدى حتى أنزل الله عليه النصر وأذهب عنه البأس وأصبح المؤمنون بنعمة الله إخواناً، وأظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، وعلى آله وأصحابه حماة دينه وأهل هجرته وأنصار ملته، وأولياء دعوته الذين فرقوا الأحزاب وبذلوا في مناصرته الأموال، وقال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء، واتبعوا رضوان الله، والله ذو فضل عظيم، ونسأله لهذا الأمر العلي عزّاً تتفيأ ظلاله، وسعداً تشرق آياته وتأييداً يتعرف لأولياء بركته وتمكيناً يقيم الرعايا في ظل حرمه، وإلى هذا أكرمكم الله باتصال البشائر وأعانكم على تحمل أعباء الحمد، فإِن النعم أغفال إذا لم توسم بالشكر والثناء، وشوارد إذا لم تأنس بالاعتراف والإقرار، وأوابد إذا لم تقيد بالإخلاص والدعاء. وإنّ من أعظمها قدراً، وأجلها خطراً وأولاها بالشكر سراً وعلناً والإقرار خفاءً وجهراً - وإن كان الحمد لله في كل حال - نعمة الله فيما سنَّاه لمقامنا العلي، وهيأه من نصر الأولياء والظفر بالأعداء والفتح الحميد الأنباء، الجميل الإعادة والابتداء، والتأييد الذي ضربت الدولة معه بعطنها، وألقت الدعوة له بجرانها. وذلك أن الحائن المغرور عبد الحليم بن عمر كان، حين إِجازته البحر من بلاد الأندلس، يطلب ما ليس له، والدعاية بغير حق لنفسه. احتل من هذه العدوة بتلمسان مستجيراً ببني عبد الواد، راضياً بالدنيّة في تحية سلطانهم والاستظلال بظلهم والدخول تحت حكمهم والتذلل لعزتهم والاعتماد على إعانتهم، فاستبق إليه بعض الغواة الأشقياء ممن يخبُّ في الفتنة ويُوضع ويسدي في تفريق الكلمة ويلحم، وجعل يوسوس إلى من بحضرتنا الكريمة من الأولياء ويزين لهم بما يزعمه من الكفاية والغناء طالباً منابذتهم لأمرنا وإظهار دعوته في عقر دارنا، فدلاهم بالغرور وأطمعهم في سراب يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. ونزغ الشيطان بينهم فخرج علينا منهم بظاهر البلد الجديد من خلع طاعتنا ونَبَذ عهدتنا وقدح في إيالتنا، والله من ورائهم محيط وعليهم شهيد، وبهم فيما ارتكبوه من البغي كفيل. وأرسلوا إليه فجاءهم ضارباً بسوطه مُغِذّاً في سيره مستعجلاً أوان حتفه، وخالفهم إلينا مِنْ أَعزة قبيلنا ووجوه أوليائنا، رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فما بدلوا تبديلا، ولا سلكوا غير الوفاء سبيلا، فأوليناهم من إعلاء الرتبة وترفيع المنزلة وإسباغ ما عهدوه من النعمة ما ناسب جميل الاعتناء بهم وحميد الوفاء منهم، وجعلنا ذلك لهم سائر مديتنا وعهدنا لهم به من بعدنا جزاءً لما اتسموا به من الوفاء وعرف منهم من الانقياد وأخذنا في إحصاء من معنا بالبلد الجديد من الجند والمماليك والأغزاز والنصارى ورِجْل الأندلسيين، وموالي النعمة وغيرهم ممن كان مستخدماً من قبل، أو مستلحقاً بعد، أو تحيز إلينا وفاءً بالطاعة التي لَزِمته ومعرفة بقدر النعمة التي أنشأته. وجلسنا لعرض طبقاتهم ومباشرة تمحيصهم، وفتحنا ديوان العطاء فقسمنا فيهم الأعطيات، وأجزلنا لهم الهبات، واستثرنا بترغيبهم الحفائظ والعزمات. ووصل الشقي إلى قومه يوم السبت السادس عشر لشهر تاريخه يظن أمره قد استَفحل وملكه قد استوسق، وأن دعوته توطدت وخلافته قد تمهدت، فعبأّ المواكب ورتب المصاف وجرَّ السواد والغوغاء مجتازاً من قبلي البلد إلى ناحية كدية العرائس فضربوا أبنيتهم وأقاموا أخبيتهم ثم بدا له ما لم يَحْتسِب وعلم من نفسه أنه لا تنهض إلى إضافة البلد قوتُه، ولا تستوفي إحاطتَها جموعه ولا تُحْتسب الآمال عطيته، فانعكس أمله وخاب ظنه وداخله من اليأس والجزع ما داخله، ورجع إلى فناء حائط
(1/106)

نحاه بباب الوادي معترض في الطريق، يتمنَّع به من اجتياز أوليائنا إليهم، فأمرنا بإزالته وتسهيل الطريق إليهم، فأزيل بعد محاولة بين الفريقين، انتهب فيها كثير من أمتعة العدو وكُراعِهِم وأخبيتهم ومعائشهم لولا أن الليل حال بينهم وأَمْرُنا لم يتقدم لأوليائنا بالحمل عليهم وقطع دابرهم آخر الدهر. ثم إنهم استدرَكوا حفر خندق بين يدي بنائهم حسبوه أشد عناء وأمكن تحصيناً، وخرج أولياؤنا إليهم عشي يوم الجمعة بعدَهُ في روض المصارة فناشبوهم القتال وطاولوهم النزال وأوقعوا بهم وأعظموا الفتك فيهم ونالوا منهم بالسلب والجراحة والقتل أكبرَ النيل، فقوي الرجاء في دفاعهم، وامتدت الأعين إلى ما بأيديهم، فاستخرنا الله سبحانه في الخروج إليهم، وأخلصنا النية في الذب عن المسلمين وتسكين دهمائهم وإطفاء نار الفتنة بينهم، وجعلنا الموعد صبيحة يوم السبت. ونَمَى الخبرُ بذلك إليهم فأصبحوا متأهبين للقتال متحيزين إلى المراقب ثابتين في المصاف متميزين بشعائر الألوية المختلفة ألوانها باختلاف الجموع والقبائل، وبرز أولياؤنا من باب الوادي رجالاً وركباناً دارعين مستلئمين شاكين في الدروع السابغة متلثمين بالأسلحة الرائقة الحلية مما احتوته خزائن العدد بدارنا، وصانت المدد من ذخائر أسلافنا يقْدُمُهم سيف دولتنا وظهير دعوتنا وخالصة أمرنا ونجي سرنا وكبير أوليائنا وعضد ملكنا الذي نقذف به ثغر الأهوال ونوهن به عزائم العداة وزير أمرنا أبو علي عمر بن عبد الله بن علي أعزه الله تعالى، فنقدم بجميع الأولياء في أحسن هيئة وأكمل شكة تلتاح الأشعة من قواضبهم وتلتمح الكواكب من أسنتهم، وقد ربط الله على قلوبهم وثبت أقدامهم وأوجدهم ريح النصر على عدوهم، وقصدوا إلى ما خندقه العدو حفيراً وقد استصحبوا الفعلة بالآلات المعدة لتسوية الطريق وإزالة ما اعترض فيها من البناء فصَدَقوهم القتال وصابروهم في الدفاع فلم يكن إلا كلا ولا حتى اختلت مراكزهم ووهنت عزائمهم وبَطَل ما كانوا يعملون، وزحف أولياؤنا إليهم بجملتهم على الهيئة والتدرج في المشية والنصر تخفق بنوده والدولة يهب ريحها والسعود تشرق آياتُها فالتحم القتال واشتد الجلاد وصابروا ملياً يكرون في وجه أوليائنا ويفرون، والنبل تحصبهم والرَّمي يثبتهم والرماح تستبق إليهم وطيورُ المنايا تحلق عليهم، وما راعهم إلا خروجُنا في موكبنا المنصور من خواص المماليك ووجوه العبيد والحاشية يزدلف إليهم ازدلافاً قد خفقت أعلامه وتجاوبت لجابته، فشارفوا ثم وقفوا وأضعف الرعب أيديهم وملأ أفئدتهم وزلزل أقدامهم، وصدق الأولياء بين يدينا الحملة عليهم فمنحهم الله أكتافهم، واستمر الطلب لهم والنهب في أخبيتهم، واكتُسح ما كان فيها من الذخائر والأمتعة والكراع والأسلحة، وأصبحت منازلهم خاوية كأن لم تَغْنَ بالأمس، ووقفنا بكدية العرائس بعد الظهر من يومنا ومضى الأولياء في اتباعهم فتفرقوا طرائق قدداً وأفلت الحائن ناجياً برأس طِمِرَّةٍ ولجام وتخيرنا من اتحاد الأولياء من يتبعه حذراً من إفلاته، وكتابنا هذا إليكم من حضرتنا العلية وقد افترَّ بالبشر ثغرها، وازدان بالنصر جيدها، وعمرت بالمسرات أقدارها، واستقام الأمر وظهر الحق وزهق الباطل وعادت الدولة إلى ما كانت عليه من رسوخ القَدَم ونفوذ الأمر والحمد لله على ذلكم. ولِمَا لكم عندنا من العناية الواضحة والنظر الجميل، أعلمناكم بذلكم لتأخذوا بحظكم من السرور به، وتشيعوه فيمن يَلِيكم من الأولياء، وتعلموا عناية الله بهذا الأمر الكريم وما منَّ عليكم به من حماية حوزتكم وحفظ سياجكم، وتشكروه على ما منحكم من ائتلاف الكلمة وذهاب الفتنة والله يصل إكرامكم ويوالي احترامكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
(1/107)

وكتب في الخامس عشر المحرم فاتح عام ثلاثة وستين وسبعمائة: وأَظْلَمَ جوُّ الشدة لهذا العهد فأمسك الله السحاب ورفع الغيث، وقد ذهب من فصل البذر أكثر من شطره والسماء زجاجية الأديم، مشتعلة الكواكب، متقاذفة الرجوم، والأرض عليها قَتَرة، وبيضة الملك قد اقتصرت على حوزتها، والفَلُّ الموتور قد انطلقت أيديهم، وَرُجْعَى المستبصرين في الوفاء للمنهزم متوقع، والعرب قد شرهت إلى الإدالة ومنَّاها بذلك كل عراف ومنتحل كهانه فاشرأبت أعناقها إلى استباحة ما يليها، والله يضم شمل المؤمنين ويرأب صدع الدين، ويرفع مرير الفتنة عن العالمين، وكان من الأمر ما يذكر بحول الله.
ولما نابذ الوزير قادح هذا الزناد أشياخ القبيل لاتهامه إياهم بسوء الدخلة، قلب أمره ظهراً لبطن فرأى أنه لا يستقيم له الأمر مع استمساكه بأميره البادي العتاهية المختل عُقدة العقل بعد أن حصحص الحق وشف عما وراءه من عدم الصلوح ساترُ التمويه، وصده عن الميل لجهة الأمير المجلب عليه من أفق تلمسان لهذا العهد مكان الخويصة التي لديه ممن لا يأمن الإغراء به والتشمير لإبادته فرمى بأمله على خطر السُّرى، وغول اللجج، وبعد الشقة، جانب الأمير المستقر ببلد قشتالة لهذا العهد، نازعاً إلى مَلِكها من الإِيالة المخيفة بالأندلس على تفئة إفلاته من الجملة المعتقلة المغتالة بساحل مليلة وهو أبو زيان محمد بن أبي عبد الرحمن تاشفين بن أمير المسلمين أبي الحسن، صبي لمَّا استجمع وجهه مظنة للسداد، متين السبب منفرد في الوقت، بإِرث الفريضة لتقاعد عصبتها بين غُفل ومثلوم وطفل ومختبل، فارتهن عهد أوليائه من أمراء الجهة المراكشية كعامر بن محمد متحفه مع نبأ الكائنة بولاية أمر المصامدة وما اتصل بحدودهم إلى ما عبر النهر الأعظم شرقاً وما تمطَّت عليه العِمالة من الخطة إلى سِيْفِ بحر أقيانُس وتخوم دَرعة، طرقه بريده بمحل منعته من الجبل مرتبك الأمر، وقد ساء ظنه بالدولة الحائنة واضطر إلى مصانعة المتغلب على أمرها بالمال العريض، وظهر عليه عدوه لما آنسه من ركود ريحه لديها. فأسهل إلى مراكش في خف من غاشيته فتقبض على والي الوطن المحكَّم في صَفْرائه وبيضائه محمد بن حسون بن أبي العُلَى، فتى الفتيان الخرق الكف في مال الجباية، وعلى صهره رئيس الجيل المعروف بابن سعد الله، البُهْمَة البيس كاشف قناع المحادة لعامر المذكور، والمُصَارِفُهُ نقدَ الإحنة والمتحيف أطرافَه بلؤم الجوار، فلم يقله العثرة، وبادره بأكتاد الصيْلَم، واقتطف الذي فيه عيناه، وتهنّا ذلك المَصام بعده، وكشيخ العرب ذي السمعة بالقِري والبذل على نزارة المتعاطِية لهذا العهد مبارك بن إبراهيم عميد الخُلط. واستخرج قِتْله ووزير صريعه مسعود ابن رحُّو الفدودي الماتِّ إليه بذمة الصهر، ويا لها رحماً غير مجفوة تسفه رأي من وأَدَ البنات، واسود وجهُهُ لبشير الأنثى، أجارته وقد شٌهرت المُدية إلى غلاصمه، وقد أبقته رهن المحبِس موقفاً عليه معذولاً في استحيائه. فألطف له القول وجلا عليه اليد وقرره على المنّة، وأخذ عهده بالوفاء، ولم يرزأه من نعمته قُلامة ظفر، وصرفه عجلاً إلى مراكش صحبة الأمير ابن السلطان الموقع هُو به، وأوعز إلى جملتهم الالتفاف عليه والصمد به وبمن لف لفهم من العرب والأوشاب إلى إصراخه إن ضويق خلفُه أو أخفق في استدعاء مختاره المنبتّ بأرض الروم مسعاه.
(1/108)

وقد كان الرئيس أبو عبد الله بن نصر الشهير الموقف، المثل بين أفراد هذا البيت في الشجاعة والإيثار، وصدق الحَمِيَّة لهذا العهد، عاد من تشييعه السلطان أبا عبد الله بن نصر المتوجه إلى الأندلس طالباً بوِتْرِه ومؤملاً للكرة على دار ملكه لما سُقِط لموت ملك المغرب في يده، وفارقه مَنْ عَيَّنَهُ لإعانته من جنده، فأزعجه ثاني يوم وصوله إلى استجلاب السلطان المذكور واستخلاصه من إيالة سلطان قشتالة. وقد كانت السَّلم ارتفع حكمها لوفاة عاقدها، وعادت هَيْفُ الغِرَّة إلى أديانها من فساد طريقي البحر والبر، فظهر العدو البحري على بعض الأساطيل القافلة من الأندلس خاوية من الرجال فاقتادوها برمتها، وقارضه من بالجبل من حماة الإسلام صرف النكاية فصبَّحوا حصن أشويس على غفلة وإهمال احتراس من مسلحة العدو به فتملكوه وجمعوا الأيدي على هدمه فصيروه قاعاً صفصفاً على قوة أسْره، وعادى بنائه، وتلاحم كلسه، وضخامة صفاحه وعَمَدِه، فسار هذا الرئيس الشهم لطيّته والأمير عبد الحليم محاصر دار المُلك، ونذر به فأتبعه صِرْمة عدت خلفة مقصرة عن لحاقه متجافية عن مناوشته، فلحق بطنجة وقد سدّها هذا القائم بالجُذَيْلِ المُحَكَّكِ والعُذَيْقِ المرَجَّب، سليمان بن داود ثاني وزيري الحائن وقد سار فيه سيرته في صاحبه من الامتنان والاستعانة على ضبط مدينتي طنجة وسبتة. وعبر الرسول البحر واتصل ببلاد الروم، وتأتى القصد من بعثة الأمير بعد شروط أكدها الطاغية فكان حلوله بسبته في العاشر من شهر صفر من عام التاريخ، وبودر لما اتصل الخبر بتوجيهه الجملة من الحامية الكائنين بالبلد الجديد لإيصاله، فنفذ ذلك وسهّل الله عليه الصعب فقد كان عدوه الظاهر على مدينة مكناسة مركز الفحص الأفيح بين يدي الحضرة أرصد له وعزم على القطع به فأعجله عن الحيلة، وصدرت كتبه مؤرخة بيوم الاثنين الحادي والعشرين من الشهر يستحث من بمراكش من أولي التواطؤ على طاعته أخبث ما كانوا رأياً وأظهر فرقاً.
وقد كان الشيخ يحيى بن رحو وسوس لهم وأزلّهم فثبتوا مولين غدر اليمين، فانصرف من خيمة الشيخ مبارك وقد علق الانقياد له بانقياد صاحبه عامر بن محمد وتماسكوا وقد استهواهم بعض الهوى فطاروا قُدُماً على وجوههم وكان حلولهم بمدينة سلا حرسها الله في السادس والعشرين من الشهر ملتفَّاً أمرهم على عميد الصُّقع عامر بن محمد وشيخ عرب الخلط مبارك بن إبراهيم بن علي بن مهلهل المقصود الحلة إلى من سواهُمها كشيخ عرب سفيان وعرب العاصم.
(1/109)

وقد كان الأمير عبد الحليم لما ضبثت يده برباط تيزي فاستند إلى جبلها ووفى له شيوخها من بني مرين طاعة معروفة، إذ كشفوا الوجوه في المناصبة، وأعطوا صفقة اليمين بين يديه على تفئة انصرافهم عن المحجر واستغنائه عنهم، فناصحوا والتأموا واستبصروا. ولقد حُدِّثْتُ أنهم احتفروا أُفحوصاً واستدعوا لجاماً يجعلونه في أعناقهم عند القسم سجية جاهلية أُذْكروا بها عند صحيفة قريش ويوم تَحْلاقِ اللِّمَمْ وغَمْس العرب أيديها في لدم عقداً تأذن الله بانحلاله إلى ما دون الشهر. وأقصر من بدار الملك إلى هذا العهد عن المناهضة، وقنع بالكسر وأبدى الاحتجاز مُسَلِّماً فيما وراءه، مستجمعاً مُصِيخ الأُذن إلى نبأ مستدعاه غير ملتفت إلى غير ذلك، فامتدوا وتغلبوا على مدينة مكناسة من غير قتال ولا مدافعة إلا ما كان من قبس أدنوه من بعض سياجات بساتينهم، وتوعدوا بتسليطه وإرساله فمكنوا من أنفسهم ومدينتهم، وخذلوا قائد قصبتهم فتقبض عليه وأُركب بعض الأداهم، واستقر عوضاً عنه دائل من قبل الدولة المطالبة. ولقبلُ ما كان هذا البلد مشاراً إليه في المنعة وشهامة القاطن ووفور الخزين واستبحار الدهن وهو آخر البلاد اللمتونية فتحاً على الدولة المؤمنية بعد المصابرة سنين سبعاً أقْتِيت فيها الحشرات والهوام وأمتكت العظام الرفات واستنقعت الجلود المُسْتَشِنَّة فأصبحت اليوم بَغِيّاً لا تردُّ يد لامس. ثم تولى أمرها ابن أخي السلطان المتغلب عليها، وصلها من تيزي في لمة خشنة، فضبطها وذاع خبرُ سوء المِلْكَة في أهلها من الطلب بالمعونة وافتراض عُددٍ من السلاح، واستعجال بوجيبة، مغرم الجزاء قبل إظلاله، إلى غير ذلك من طلب المترفين وأهل السعة بفرش ووطاء لاستمتاع أولي الأمر، وإنزال حامية الدولة ببيوت أهلها مجبورين على إطعامهم من أعالي ما يطعمونه أهلهم، إلى غير ذلك مما تنبسط به أذيال الدول غير المهذبة بالحكمة التي لم تأخذ بحُجْزَتها يد السياسة ولا أجالت قداحَها أكف الحرمة. ثم ذاع التنقير عن العُجَز اللائي يعتمدن في كراء الحُليّ عند المداعي والأعراس والمواشط المتناولات للزينة والتمويه والتطرية ليخبرن بمكان الحلي وأولي الذخيرة على قُلِّ هذا المتاع بهذا الأفق وخلو الأيدي منه، فلا تكاد تقع على طبقة أو بيت متهمٍ باقتناء عقد من الجوهر أو خيْتام من نفيس الحجر المفضل أو حلة مثقلة بالذهب النسيج كدين وطننا الذي هذا العَرَضُ به سلعة معروضة وماعون مستعار، إلا ما كان من الديار المرينية السلطانية وأذيالها، فالأمر جلل والذخيرة خطيرة، ذاع هذا الأمر عن هذا القدوم في تغلبهم هذا والله أعلم بيقينه. وامتدوا إلى تملك مدينة سلا وقد وجدوها لأول أمرهم مَهينةً لا تَدْفَع، وذلولاً لا ترمح، فوجهوا قوماً من العمال وقائداً بضبط البلدة، وصلوها عشية يوم التاسع من شهر محرم هذا العام، وتقدم بعض وزعتهم فسبق باب البلدة فأقفله على فراغ يمنع من التقاء مصراعيه، ففر الراتبون به لوظيفة الجباية، وتذامر أفذاذ من سواد المدينة ممن نبض له عرق الفتوة والمواساة وقليل ما هم، فأحكموا سده. ونزلوا بالزاوية تجاهه خارج المدينة فتسلل إليهم من ثلم السور صنائعهم بالأطعمة والعُلفة وبات الناس من أمرهم على مثل الرضْف، وقد ماج المشيخة المستضعفون متوقعو المكروه، من طرفَيْ أمرهم طاعة أو صدوفاً، وطيروا إلى قائد القصبة القريب العهد باللحاق بها العديم الصلوح للرأي وضم النشر وضبط البلاد يحيى الوزقوني المضعوف عند الهيعة المستأسد عند الأطماع. ولما أصبحوا مهدوا العذر للقادمين، وقد وقفوا حفافي بابهم يرومون دخول المدينة، وأفردوا والي البلدة بالرأي، وواعدوهم التوجيه إليه لسبر ما عنده، وعبروا الوادي إليه والخلق بين محتجر ومُصْحِر ومحوقل قد مثلوا بالعَبْرَيْن. ولما عرضوا ما لديهم على واليهم المذكور، صارفهم المكيدة، وقروهم على عقدهم فتبرعوا بالوفاء لسلطانه. وهتف منهم الشيخ محمد بن صاعد المُنْبَزْ بالعروس، هيدورة هذه النزوات، وكافي أهل البلدة مؤنة مثلها من الأمور الحرفية، وهو لهذا الوقت قد تثاقل وتوكأ على عصى يهش بها على ذوْد أثارة يرتسف بُلالَتَه، شَنُّ يحمل ريحاً، وصدىً لا يؤدي حقيقة، بكلمة فصلت الخطة، مشيراً بالقبض على الواصلين لتكون باكورة القطيعة وعنوان المنبز بالعروس سوء ما ارتكبه، فاضطرب
(1/110)

أمره وتمسك بقصوى العدوة وجعل يطل إطلال اليَرْبُوع من تلك الربوة، وبادر المشيخة بين يدي رجوعهم إعلام القوم، وتبرءوا من الأمر وأفردوا عروسَهم بهُجْر القول، وخزرت إليهم العيون وتَحلَّبَت الشفاه، فرجعوا أدراجهم، وبدا للناس في أمرهم فاتبعوهم، وظهروا لهم على ظَهْرٍ وأسباب سفرية رجعوا بها رجوع الجيوش الظافرة، والعساكر الغانمة يتحدثون بشدهم واستبصارهم في ركضهم. ولليلة الثالثة من ليلة مُنْفَضِّهِم، وهي ليلة الحادي عشر من شهر صفر ورد النذير العريان مخبراً باستجاشتهم مَنْ بأحواز سلا من الفرسان المرتبين وهشهم بعصى الزائد على رِجْل الدَّبا من الرَّجْل، فماج الناس بعضهم في بعض، لفيفاً عدموا الرؤساء وهمجاً فقدوا الرعاة، ثم تواتر الخبر ووقع النفير، فتبادر الناس بجملتهم تيار الوهْل، وأجهضت الحوامل، وعلا للنساء الصراخ وكثر منهن ببنيهن والرُّوقة من أزواجهن الغبطة والضنانة والتشبث بالشعور واللحى والقبض على الأطواق والخُصى، فاختلط الصراخ وعلا العويل تقية من معرة الحرب وصوناً لهم تحت الأغلاق لعدم مرانهم على المدافعة، وإغراقهم في الحضارة وفقدانهم السلاح، إنما هم على الأيام حَلَجَة قطن ومَوَاشُط كتان وأبطال مقاعدِ حياكة وماعز مَغْرم، سواسية كأسنان المشط لا يوجبون مزية ولا يشعرون برجحان كفة.
وبرزت إلى ما خلف السور حامية فرسان ساكَنوا الدهماء وإن كانوا من سِنخِ العدو، زعانف من بني يَرْنيان وغيرهم، سرحهم رث وكُراعهم هزيل، كشفوا الثنية، ثم عادوا وسرعان خيل العدو تطاردهم، ثم أطل القوم في لمة من الفرسان وعدد جمّ من رجل الأحواز فكانت بينهم وبين القوم محاولات. وتمرَّس بهم كثير من الغرباء المستخدمين في الأعمال من قبيل غمارة ولا سلاح إلا الجنْدَل ولا مجن إلا الأسمال - وغلَّ الله أيدي من تنخله اللفيف من رماة الأسطول وسواه فقل الانتفاع بهم يومئذٍ فانصرفوا بعد أن زالت الشمس وقد بَلَوْا من البلدة غير ما عهدوه من شِمَاسٍ واقْشِعرارٍ ونبوٍّ عن الملامسة. ثم وجدت الخرقاء صوفاً فجعل أهلها ملازمة الأسوار والخُفُوف إلى الهيعة واحتمال السلاح عُرساً، فاقتسموا الأقطار، وأقعدوا صراديك مشيختهم بدهاليز الأبواب وعلقوا السلاح وتناغوا في اتخاذ أطعمة السمر واستدعاء المغنين وإيقاد المشاعل، وحصنوا ثلم الأسوار ومدوا الخشب مُعْرَضَةً في أفضية الأبواب، وغشَّوْا أَعْرَاهَا بجلود ذبائح البقر.
(1/111)

وطُيرت الأنباء إلى عرب تامسنا وحِلَّةِ عميدهم، واستدعيت منهم النصرة وقد كان جيش مراكش نَهَدَ لنظر كبير الصقع عامر بن محمد بن علي، فاحتل ضفة وادي أم ربيع يَسْبِر الأعماق، ويوازن الأحوال ويعمل ميزان الترجيح، فبعث لمة من فرسان العرب إلى إصراخهم، وصلوا وخيموا بشط الوادي من جهة قصدهم، فنشق الناس ريح الانتياش على ضعف النصير وخمول المصرخ وأنسوا بجناب الأمنة. وعلى ذلك فما زالت رسل الوعيد مترددة والنفوس لعودتهم متوقعة، وفسدت طريق مكناسة، وسدت السبل ما بين دار الملك ومدينة سلا، فلا يلخص بها الطيف ولا ينفد الفكر، وربما اتحمته طائفة تدل بوسيلة دين أو دنيا فآوا بادياً بوارهم، عاريةً عوراتهم. وفي ذلك صدرت عني مقطوعة في غرض التورية استملحها الناس يومئذٍ وهي قولي:
مكناسةٌ حُشِرَتْ بها زُمَرُ العِدا ... فمدى بريدٍ فيه ألفُ مَريدِ
من واصل للجوع لا لرياضة ... أو لابس للصوف غير مُريد
فإذا سلكت طريقها متصوفاً ... فابْنِ السلوك بها على التجريد
واستمرت الحال إلى أخريات شهر صفر من عام التاريخ وكان الأمر ما يأتي به الذكر إن شاء الله..
واتصل النبأ باحتلال الأمير المستدعى من ملك قشتالة مدينة سبتة واستقراره بها في العشر الأول لصفر من العام، بعد مراوضة من ملك الروم ومحاورة وضنانة وتشطط قطع السلطان المذكور فيه أطماعه عن المعيَّنات وتضمن له ما دونها، فاشرأبت الأعناق وسمت الأحداق ثم وردت مخاطباته مع أقوام من الساسانية على رؤساء الجيش المراكشي مستنجدة محركة باسطة للآمال متكفلة بحسن القرض بعيدة الشأو في ميدان التجلة والإطراء، فزال الشك وتمحضت الوجهة وانطلقت الخُطا، وأعمل السير على تؤدة كبيرة، وتثاقل واستبراء لقروء الفتنة، فكان كما قال الأول:
إن القُباعَ سار سيراً نُكْرَاً ... يسير يوماً ويقيم شهراً
ديدن الجيوش التي لم تزح عللُها، ولا اصطفيت نقاوتُها ولا هُذِّبَ بالعرض ديوانها، وأحوال الدنيا متقاربة وأحوال الطالب والمطلوب في الضعف متناسبة، ولله أمر هو بالغه سبحانه.
ولما قاربوا مدينة سلا، وردت الكتب السلطانية مخبرة باستقرار ركابه بظاهر مدينة فاس أنفاً من دخولها قيل لعزم وإزماع وقيل لاختيار معدّل، فخيم لجراء بعض ذك بالهضبة المنسوبة إلى العرايس. إذ كان الوزير مُستَدعيه لما تحقق نبأ وصوله إلى سبتة، وجه إليه مِقْنَباً من خيل الروم وكتيبة خشناء من غيرهم فيها الكثير من الناشبة والرَّجْل الأندلسيين. ونوَّه بموكبه فأَصْحَبها صاحب العلامة الباهر الرواء الميمون النقيبة المارن على الألقاب، البارع الأدوات، المهديّ فأل الرضوان في عقد البيعة، أبو القاسم بن رضوان، وصاحب الأشغال وديوان الجيش الشيخ الوقور الحسن السمت، المُدْلي إلى أبوابهم بالقديم، المرموق بعين التجلة محمد بن أبي القاسم بن أبي مدين العثماني، فاتصلوا به، وقر بين أيديهم من كان قد حاصر قصر كتامة من حزب ضدهم، فالتف بهم. وعاد جميعهم إلى دار الملك لم يعترض طريقهم معترض ولا عاقهم عنه عائق. وبرز الوزير فأخذ على الناس بيعته، وسلم إليه أمانته وتولى خدمته، ووقع الرأي على بث العطاء بالمخيم المذكور واعتراض الجيش، والنهود لمدافعة الأمير الآخذ بمخنق الحضرة وقد أقعى برباط تيزي يصابر انسلاخ زمن القُر. وضبط ابن أخيه مدينة مكناسة، فكان أملك بها، ثم أمده بالأخ عبد المؤمن الصدَّقْ عند الحفيظة، الثبت الموقف في ميدان المدافعة وأضحت الحضرة بين لحْيَيْ أسد الضيق واليأس في أمر مَريج وكان من الأمر ما يذكر.
(1/112)

ومحّص الله هذا الأمير المتلاحق بدار الملك بفَرْي روعةٍ ومروج صاخَّة قامت بها عليه الساعة بغتة، لولا سابق السعادة وتملُّؤ الحظ واستحصاد حَبْل الإقبالِ، بما ترامى إليه أحد الأخابث، ممن أخذت بضَبْعِه شهوة الإقدام مع الانحطاط في القَمْر، والانهماك في إجالة حصباء الزَّدَشِير ومعاقرة القَدَح الريَّان، وخمول الأصل وانحطاط النشأة، شُعَيبٌ الوصيف، المدعو بأبي تُصُوكَيْت، منسوباً إلى صوت يقرقر به قوم من الأوقاح بين يدي القتال. كان قد اصطُنِع فأركب المُقْرَبات وألبس الخز وقلد الحلية البحتة، وأتبع الجملة، سوَّلت له نفسه عندما أفسد الثمل خيالها، التغلب على الأمر، وتحويل الدعوة. فركب في شرذمة من السِّفلة من كل مرخي الفكّ ماشٍ مشي الفِرْزان، وشهر السلاح، وقصد إلى قيُّوم الرماة، ومتولي الحكم وصاحب الشرطة العليا بباب السلطان الشيخ عيسى بن الزرقاء المنتسب إلى الرؤساء من بني أشقيلولة، القديم جنوحهم وهويّهم إلى هذه الإيالة اليعقوبية، شيخ رسخ له في الاصطناع قَدَم، لتعرُّقه ولَوْذَعِيَّتِه وتأتّيه للأهواء وتبريزه في ميدان الطنز والمقالعة، فأثرى وجمت أمواله محوطة بقفل الشحِّ معفاة عن الخرج فألفاه متفرق الوزعة حلس الأريكة، فرماه بحربة كادت تصيب حلقومه، وتراوغ فنجا باختلاطه مع الغمار في خفارة الأندلس، واستقر ببعض أبراج السور واقتدى به قائد جند الرَّجْل المُغراة به أيدي الاغتباط، من مضعوفي هؤلاء المتغلبة على الدولة، والمتورطة في خباط سياستها المضطربة، لتعلق آمالهم السخيفة بغناء من لديه من أبناء العَلاَّت وأذَّبة الأطماع ونَبذة الحياء، ورغاء البلاد وغثاء الجالية، وأولياء السَّرق والمعاقرة، إبراهيم بن أحمد البطروجي، الشيخ المنحل المنفك، المستشن الأديم، المتمسك بذيل البطالة والصَّبوة عن السن والكبْرة، المعرّق لسانه في الإمالة، المتفكِّه منه بالمهاترة وإرسال السجية، قاد الدنيا العريضة وابتنى المشارِبَ الملوكية لغير خصيصة ولا مزية، ولا استظهارٍ بنباهة قديم ولا صدق موقف، وشعيب بن وادَرَار بن ميمون من شيوخ الحشم ومواعين الجوْر وآلات التسليط، وقهر الملكة والعز مع الرخاء والذل عند الإحساس بالشدة. ما منهم من انضم إليه قومه ولا من دافع عنه رجله ولا من استمات دونه صنائعه، بل تحولوا عنهم وجهروا بأذاهم وتدربوا لإبادتهم واستعجلوا قمَمَ الفاقرة لانفرادهم عنهم بنفاضة الدنيا وضنانتهم بالعَرَض الأدنى وتمسكهم بفضلات أخونتهم وخُلقان ثيابهم. فامتنعوا بذروة السور وانتبذ الجند والنصارى فضبطوا مدينتهم المدعوة بالملاح، فكانوا أملك بها. وجعل ذلك الجَلَبُ السِّفلةُ يطوف بسكك المدينة هاتفاً بالخلعان، وإبقاء الأمر على المؤدب المعدول عنه. وكثُر الخوض واختلت الدعوة، فقومٌ يهتفون بدعوة الأمير عبد الحليم، وزعنفة تدعو لأبي عمر، وأخرى للسلطان المستدعى.
وفضت أقفال السجن فانتشر من به من بني مرين وبني زيان وغيرهم، واختلط المرعيّ بالمهمَل وطار الخبر الكريه إلى مخيم السلطان، فوقعت الواقعة وظن أنها القاضية.
(1/113)

وبادر الوزير بالرَّجْل إلى باب البلد، فجلَّى له المتسورون من أوليائه الخفيّ فسكن إليه، ولم يكن ثمَّ من يمانعه عن معالجة الباب، واستثار حفائظ الرّجْل بين يديه وأطمعهم في الأموال، فدخل البلد وسكَّن الهرج، وقتل ذيالك الخبيث، وأمر بإحراق شلَوه، من داعر متسام للعظمة مستام بالفَلْس الزائف، ناقد للدولة، عظيم الجرأة، فاتح باب الطمع في الأمر للسُّوَق والسِّفلة كما شاء ربُّ العزة، واقتضت السياسة إرغام مَعْطس التتبع للجناة وحلفاء الريبة والمقتحمين غمرة هذا الهول، لفشُوِّ الفساد في الطبقات وما يؤدي إليه استتباعه من إيحاش البريء وفرار المريب وتمعُّط رياش الدولة، فزرَّت الأطواق منه على سِلّ وليِكَ صَبرُه لَوْكَ ضرورة وصُيِّرت به الكتب إلى المحلة المراكشية وسائر البلاد سُبوقاً لخبر السر ورفعاً للشبهة، ولو أعيت الحيلة إلى إمتاع النهار وانتشار الأمر، لم يكن لخرْقِه من رَمْد ولا لصدعه من شاعب. ولازم السلطان من يومئذٍ سُدَّة المُلْك ودخل المدينة باختيار من يخلق ما يشاء ويختار، وكثر استدعاؤه للجيش المراكشي، وقد كان القوم خيموا بظاهر رباط الفتح، أثر منصور آل عبد المؤمن، في أوشاب من العرب والجيش المستخدم بتلك الناحية، تدب بينهم عقارب المحاسدة وتَحْزَئِلُّ حيات النفاق، وتتجاذب عزماتهم أيدي الاختلال. أما عميدهم فأسهل عن جبله لغير ضرورة وفي غير كثف من الحامية وعن غير روية إلا الوفاق والمساعدة والحرمة وأخذ العفو والانقياد في زمام الألفة وهيْعة النهور والإقدام بقوم فوضى على أمرٍ شَعاع.
وأما شيخ العرب حليفه الغبيط بمكانه فمزاحم بالقبائل المغراة بالنفاس وإشعاب الكلمة. وقد كاشف قبيل الملك من بني مرين، نَبَأ لأوّل وهلة فأغرم ما بوطنه من بلادهم، واستباح حرمتها، وأما المُعين للوزارة في البطن الثالث من مناسختها أو الدور الثالث من تناسخها المموه به لديهم، فموتور بالوزير الدائَل مكبوح برئيس الوطن عن معتاده من علو اليد وفضل الحكم. وفشى تدبيرهم فلا مُلايلة ومياومة تتلقفه من شفاههم الدكاكين وحَلَقُ اللهو فلا يسترجع عنهم مسترجع، وعاء قِرى أو ظرف هدية إلا وَمِلْءَ وعائه ذرءٌ من سرهم لإشراكهم فيه أهلَ البطالة والأحداث إخوان المعاقرة الذين لا تستأثر صدورهم عند عمل الكأس وزهزهة الأزراد وانخراق جو المجانة، إذ قذفت الإخافة منهم بطوائف شردتهم الدولة لمطالبات وإحَن، اقتضت الصاغية إليهم والبر باستضافتهم والظن بغَنَاء لديهم، وإشراكُهم في الأمر واستخلاؤهم للسر وإجالةُ قداح الرأي. ولا كالشيخ طُوَيْس الوقت، الطِّرْفُ في الخلال المذمومة، الاسرائيلي الطلعة، بزاز سوق النميمة، وأستاذ حلقة الخديعة وقطب رحى المكيدة والمثل في الغفلة عن الله والدار الآخرة، الخَبُّ ذو الوجهين، المتنفق بخائنة الأعين خالد بن تاسكورت، الهارب من وطن إفريقية، منتهك البشرة مفلتاً من شد العصاب في مثل هذه السبل. دالت الدولة، وقد أحفظها بسعيه بياض اليوم وسواد الليلة، طوَّافاً لنقل الهنات وتفريق المجتمعات وإثبات عقود الزور، والولائج إلى إبانة النفوس والذمم، فلم تُقله العثرة، وأغرمته خمسة آلاف من العين رَزأ بيت المال إياها في زمن يسير تولى فيه بعض الأعمال من خدمتها بما دل على متانة الأمانة وعفاف الكف، ولحق بمراكش حذراً من تعقيبه أو كسوع إلى مطالبة، فما شئت من تخبيب وبنث سعاية وتسخير في حبل هوى. ولم يغب هذا الفتق على حصافة الرئيس أبي ثابت عامر بن محمد ودربته بمراوضة المهمات ووضع الهِنَاء مواضع النُّقب ولكن اشتبهت الأمورُ فتركها مرسلة، وتكاثرت الظباء فجعلها مهملة، وقد كان الحجاج يقول إذا اشتبهت عليه الأمور:
دعها سماويةً تجري على قَدَرٍ ... لا تفسدَنْها برأيٍ منك مَنْكُوسٍ
(1/114)

فكان صنْع الله لها ولا القوم غطاء ستراً يفصح له الحمد دائباً والشكر واصباً. ولما خيموا بسلا وأطلوا على الأحواز المكناسية تهيئوا الولوجَ على أَجَمَتِها وقلقوا لامتساك أميرها وثبات فئته بها، ففتقوا بالمراسلة صِفَاق الوحشة وخطبوا من القبائل بها الإرعاءَ على البقية. وبرز الرئيس عامر بن محمد وهو الموثوق به في رجال المغرب كافة يتضمن لهم تَقَبُّل الفيئة ومراجعة الحسنى وتهذيب ما عرَّضوا به من إخلاء دَسْت الملك من الوزير مخيفهم والاستعاضة منه بمسعود بن رحو ضده، لما يرجون من ارتكابه فيهم خلاف غرضه مُحادّة له وانحرافاً عنه، وليروا مواقع منَّتهم في عنقه بتسبيبهم رجعاه وتحسينهم عقباه، فتكون أيدي دالَّتهم عالية وأصوات تعززْهم عليه غير خافتة، وأن يهادن أميرهم الذي خلص إليه هويهم في إرث أبيه بوطن سجلماسة وما إليها، فانحط عامر بن محمد في غرضهم وتحمل كلَّه وضمن عرضه ونفض اليد من الممالآت عليهم إن ترفَّع السلطان عنه، حافظاً بذلك سيقته وباذراً فيهم يده ومتوفراً عن حربهم جهده، ومعملاً في السلامة من معرة عدوانهم دهيته، ومدنياً من أمير متوفر الخلال جواره.
ولم يكد رسوله يتوسط طريق طيته، حتى تواترت مخاطبات السلطان مستحثَّة ترهقها سنابك بروزه إلى كبس من بمكناسة، فلم يسع التلوُّم خيفةً من ظهورٍ يتأتى له ولا يحضرون مَدْعاه ولا يأخذون بمقتضى من حمده، فارتحلوا يوم الجمعة ثاني شهر ربيع الأول إلى خميس فزارة. ولقيهم بريد الفتح وقد سالت الأباطح والرُّبا بخيل العرب مغيرة على ما واجهه من الأحواز، فاستأصلت ما شاء الله من الأمم المحروبة فلم تدع لهم غطاء ولا وطاء ولا خفّاً ولا ظلفاً، وبيعت يومئذٍ المرأة غير مستكشفة عن سنخ ولا مسؤولة عن حرية أو رق بثلاثة دنانير فما دونها، واستبيحت الفروج واستحلت الأموال. صاننا الله من المحن وحجبنا عن غوائل الفتن. فتُعرِّفَ ما كان من خروج الجيش المستعرض بدار الملك عن آخره، إلى من استنفر من مطَّوِّعَة الرِّجْل، لنظر وزير الدولة وماخض زق هذا الهوْل عمر بن عبد الله ضنانة بأميره وكفاية له وانتداباً إلى القيام بمهمِّه، غرة الشهر، وفي موكبه عُدَّة السلطان وأبهته من الطبول والبنود والرجال الرقاصة وتخييمه بوادي النجاة. وأنهم لما ارتحلوا صبيحة يوم الجمعة لحق بهم من عرفهم ببروز من بمكناسة لنظر أخي السلطان وابن أخيه في جيش من أولي البصائر من قبيلهم الماثلة دورهم بتلك الأحواز فيمن لف لفهم من أذيالهم واجتمع من القوم عسكر وافر هون عليهم الإقدام على جيش الحضرة مع الاستلحاق والعطاء.
فلما تراءى الجمعان، أمر من في جيش السلطان من القبيل المريني بالمناوشة والاختصاص بباكورة اللقاء ثم أردفوا بالناشبة ورماة القسي العربية، فرجفت راياتهم على شأن غز المشارقة من المزمار والطبل وحمل جمة الشعر في أرينة سنان الراية.
ولم يكن إلا أن شارفهم القوم من قبيلهم وهب المكناسيون في وجوههم فانهزموا ضربة، وسالوا عن يمين القلب ويساره، وشالت نعامهم، وكادوا يجرّون الهزيمة على سائرهم، ديدنهم الذي صارفوه أمراءهم وناجزوه حروبهم من لدن ذَهَب أولوهم أولو الريح الهابة والدول الشابة.
ولما رأى الوزير قائد الجيش حلول الدَّبْرة وشافه موقف الفَضْح استجمع وأمر من لديه من فرسان الروم بالصدمة، فصَدَقوها عَدُوَّه، فكانت واحدة ركب بها أكتاف القوم فلم يثنوا عناناً ولا أفاقوا فواقاً، واستولت الأيدي على كراع كثير وأسباب، واستلحم السيف جمعاً يناهز المائة، وأسر من الماثلين بمصطف الوزارة شعيب بن وخديج، واستأمن إلى عامر بن محمد بطريق لحاقه طلحة التاورتي وهو أجلد القوم. وتحصل بيد العفة سبعة من هوادج نسائهم اللائي بادروهن بالنكاح في مصطلى فراسخ، وقد أفاق القوم وركبوا ثنية ينظرون منها إلى نشاط عدوهم واجتماع فلَه.
وجعل الجيش وجهه إلى مكناسة فنزل بظاهرها وبرز أهلها إلى وزيره خاشعين من الذل ينظرون من طرفٍ خفي تدمَى كلومُهم، فقرروا مهولاً من غلبتهم على الطاعة، وشرحوا عُظْماً مما رُموا به من سوء المُلكة، ووعدوا من أنفسهم بالاستماتة من دون حوزتهم مع فرض العودة.
(1/115)

وتلاحق بالوزير عشيتئذٍ من قبل سلطانه المخاطبة مستَحثة في اللحاق بدار الملك يوم السبت ثالث الشهر، فتحرك ووصل المدينة عشيَّ اليوم المذكور وقد شاع قرب منزل الأمير عبد الحليم ممداً لأخيه بنفسه قبل شياع خبر الوقيعة به. وترك بمدينة مكناسة حامية ورجلاً ورماة. وفي ليلة الميلاد الأعظم من هذا الشهر ورد كتاب الفتح على أهل مدينة سلا يتضمن الأنباء بالصُّنع المذكور، وأن الأمير عبد الحليم فر عنه من كان معه من قبيلهم وارتحل لوجهه شرقاً وكفى الله المسلمين معرة الفتنة.
ونص الكتاب الوارد بذلك: من عبد الله المتوكل على الله محمد أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين ابن مولانا الأمير أبي عبد الرحمن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أيد الله سلطانه، ومهد أقطاره وأوطانه، إلى الأشياخ المكرمين والشرفاء المرعيين والفقهاء المؤثرين والوجوه والأعيان والخاصة والعامة والدهماء من أهل مدينة سلا حرسها الله تعالى.
سلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد حمد الله واهب النعماء ومجزل المنن الجميمة والآلاء، مؤيد من توكل عليه بالظهور والاعتلاء والفتح الحميد الأنباء، الجميل الإعادة والابتداء، والصلاة والسلام الأكملين على سيدنا ونبينا ومولانا محمد خاتم الأرسال والأنبياء، المخصوص بالحوض والشفاعة واللواء، المبعوث رحمة لإظهار الحنيفة السمحة البيضاء، المؤيد بالرعب على من راغ عن سبيل السواء، والرضا عن آله وأصحابه ذوي العزم والمضاء، الباذلين أموالهم ونفوسهم في مناصرته ومؤازرته فكانوا أعز الأنصار والظهراء، وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي المؤيد الكريم السلطاني المجاهدي المحمدي المتوكلي بنصر الأولياء وكبت الأعداء وقسر متبعي الأهواء واتصال الفتوحات المجددة مع الآناء.
فإنا كتبنا إليكم وإلى الله وفود البشائر عليكم، وضاعف ضروب المسرات إليكم من حضرتنا العلية المدينة البيضاء حرسها الله تعالى) وكلاها (وإياة النصر رائقة، ورايات الفتح خافقة وآيات الظهور باعتلاء كلمتنا ناطقة. والحمد لله كثيراً ولكم عندنا عناية كفيلة بتيسير مأربكم وحفاية مؤكدة لرعاية جانبكم، وبحسب ذلك لا يتزيد عندنا مزيد إلا أوفدنا عليكم زائده، ولا يتجدد لدينا متجدد إلا أوردنا عليكم وافده، وإلى هذا أكرمكم الله تعالى فإنا أصدرناه إليكم نعلمكم أنه لما استقر ركابنا السامي بحضرتنا المذكورة وَالَى الله علوها، واستولينا منها على سرير ملك آبائنا وخلافة الكرام أسلافنا، اقتضى نظرنا الكريم أن وجهنا وزيرنا الحظي لدينا الأعز علينا المقرب بإمحاض النصائح إلينا، ظهير خلافتنا الأرضَى وحسام دولتنا الأمضى وعضد ملكنا وخالصة أمرنا ونجي سرنا، أبا عمر بن عبد الله بن علي أعزه الله تعالى، يقدم جملة منصورة من جيشنا المظفر للقبض على من كان بمكناسة المحروسة من طائفة الشقي عبد الحليم. فلما أحست الطائفة المذكورة بذلك، حدثتهم أنفسهم الخبيثة وأمانيهم الكاذبة بلقاء حزبنا الغالب بالله تعالى، فخرجوا بظاهر مكناسة المذكورة، حتى إذا تراءى الجمعان صدق أولياؤنا أعزهم الله الحملة عليهم، فولّى الأعداء الأدبار، ومنح الله منهم الأكتاف فأحال أولياؤنا عليهم القتل وأكثروا فيهم الفتك والسبي وفر متبوعهم عبد المؤمن خاسراً إلى أخيه عبد الحليم المذكور. فلما ورد عليه الخبر بذلك أسلمه جميع من كان معه بتازى من بني عسكر وغيرهم. وفر للحين على وجهه لحيث يعجل الله بالقبض عليه والانتقام منه ورجع من كان معه إلى بابنا العلي أسماه الله تعالى.
أعلمناكم بذلك لتأخذوا بحظكم من السرور بأوفى حظ والله سبحانه المشكور على ذلك وهو يصل كرامتكم ويوالي أثرتكم وحفايتكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وكتب في اليوم الخامس لشهر ربيع الأول المبارك من عام ثلاثة وستين وسبعمائة عرف الله خيره وبركته بمنه. وكتب في التاريخ المؤرخ به فغشينا بالبلد سرور كثير تأيد بسرور الموسم المخصوص بالاحتفال والحمد لله.
وكان من الأمر ما يلي به الذكر إن شاء الله.
(1/116)