Advertisement

معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية



الكتاب: معجم الْمَعَالِمِ الْجُغْرَافِيَّةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
المؤلف: عاتق بن غيث بن زوير بن زاير بن حمود بن عطية بن صالح البلادي الحربي (المتوفى: 1431هـ)
الناشر: دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة
الطبعة: الأولى، 1402 هـ - 1982 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] ـ[معجم الْمَعَالِمِ الْجُغْرَافِيَّةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ]ـ
المؤلف: عاتق بن غيث بن زوير بن زاير بن حمود بن عطية بن صالح البلادي الحربي (المتوفى: 1431هـ)
الناشر: دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة
الطبعة: الأولى، 1402 هـ - 1982 م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
(/)

التعريف بالمؤلف (*)
علّامة الحجاز: عاتق بن غيث البلادي
عبد اللطيف بن محمد الحميد
قسم التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

• في يوم الاثنين 1/ 3/1431هـ توفي بمكة المكرمة العلامة المؤرخ النسابة العصامي عاتق بن غيث البلادي - رحمه الله - وهو من جيل الرواد في المملكة العربية السعودية الذين كان في طليعتهم أحمد السباعي وأحمد عبد الغفور عطار وعبد القدوس الأنصاري وأمين مدني وأحمد الخياري ومحمد البليهد وحمد الجاسر وعبدالله بن خميس ومحمد العبودي وسعد بن جنيدل ومحمد العقيلي وأبو عبد الرحمن بن عقيل وغيرهم.
• له أكثر من اثنين وأربعين كتابا في البلدانيات والتاريخ والإنساب والرحلات .. زرته مرتين في منزله ودار النشر الخاصة به (دار مكة) بساحة إسلام بمكة المكرمة، الأولى عام 1418هـ، والأخرى بعدها بعشر سنوات فوجدته عالما وقورا سمحا متواضعا بعيدا عن الأضواء .. عصاميا في سيرته ومسيرته.
• وردت ترجمته في كتب التراجم المعاصرة .. ولعل أوفاها ترجمته لنفسه في كتابه (نشر الرياحين في تراجم مؤرخي مكة وجغرافيتها) نقتبس منها ما يهم القارئ الكريم ويوثق حياته وأعماله العلمية المباركة فهو: (عاتق بن غيث بن زوير البلادي، والبلادية فرع من قبيلة حرب، ولد في بادية شمال مكة في مكان يدعى (ميسر) بسفح جبل يدعى أبيض في 3/ 10/1352هـ، ونشأ في تلك البادية راعيا متنقلا مع أبويه حيث كان والده قصاصا نسابا شاعرا ينتجع ما بين وادي الفرع شمالا إلى وادي عرنة جنوب مكة، أما المرابع فشمال الهضاب إلى جنوب عسفان إلى شمال أم المؤمنين بين مكة ووادي فاطمة، وفي الصيف (القيظ) حول نخيلهم في (محجوبة) قرية شمال مكة بمائة وعشرين كيلا من أعالي وادي خليص .. فكانت تلك مدرسته الأولى في الترحال وحفظ القصص والأشعار.
• وفي عام 1364هـ توفي والده - رحمه الله-، فنزل عاتق مكة المكرمة، ودرس في المدرسة السعدية وفي المسجد الحرام .. ثم انتقل إلى الطائف ليعمل في الجيش، ثم واصل دراسته وتخرج في مدرسة المشاة برتبة وكيل ضابط .. وكان ضمن اللواء السعودي الذي أرسل تعزيزا للجيش الأردني في العدوان الثلاثي على قناة السويس.
• وفي أثناء مكوثه في الأردن حصل على دبلوم معهد دار عمان العالي وعلى ثلاث دورات عسكرية، وتدرج في الرتب العسكرية إلى رتبة مقدم، وحصل على دورات في الجيش منها دبلوم دورة معهد اللغات.
• وكان من بين أعماله في السلك العسكري ركن عمليات الفوج الأول بالمنطقة الشمالية ثم قيادة الفوج، وفي 1396هـ انتقل إلى سلاح حرس الحدود وتسلم قيادة قطاع رابغ، ثم رئيسا للمجلس العسكري بسلاح الحدود بجدة .. وتقاعد في 1397هـ ليتفرغ لأعماله وأبحاثه العلمية في تراث الحجاز وأدبه وتاريخه وجغرافيته.
• له من الأبناء غيث وسعد وحسين وسلطان ومحمد، والبنات ليلى وفاطمة ومرزوقة وأروى ونجاة وعائشة وهاجر وهند ونورة - وفقهم الله وبارك فيهم.
• بدأ البلادي الكتابة والتحقيق والنشر في صحف الندوة وعكاظ والقصيم في مرحلة مبكرة، وظهرت مقالاته في مجلتي المنهل والعرب منذ عام 1388هـ .. وكان يعزز أبحاثه ومؤلفاته برحلاته الميدانية مما جعله في عداد الرحالة السعوديين المشهورين وله في ذلك منهج ممتع وطريف، إذ قام برحلات داخل المملكة وخارجها ونتج عن معظمها مؤلفات .. وأطول رحلاته تلك التي قطع بها مسافة سبعة آلاف كيل بالسيارة عبر (مكة - عمان - دمشق - بيروت - اللاذقية - حلب - حماة - حمص - بغداد - البصرة - الكويت - الدمام - الرياض - مكة).

ويمكن تصنيف أعماله العلمية على النحو الآتي:
• أولا: في مجال المؤلفات البلدانية:
- كتب البلادي سبعة مؤلفات قيمة هي: (معجم معالم الحجاز) في عشرة أجزاء، و (معالم مكة التاريخية والأثرية) و (المعالم الجغرافية في السيرة النبوية) و (قلب الحجاز) و (أشهر أودية الحجاز وروافدها وقراها وسكانها) و (أودية مكة المكرمة) و (الميضاح - تصحيحاته على ما نشر عن الجزيرة العربية) و (خيبر ذات الحصون والعيون والنخيل).
- ولعل كتابه الأول معجم معالم الحجاز من أهم مؤلفاته قاطبة، إذ جمع فيه ما دونه الأوائل وأضاف مشاهداته وتصحيحاته، وهو بذلك يكمل المشروع السعودي البلداني للبليهد والجاسر وابن خميس والعبودي وابن جنيدل والعقيلي.
• ثانيا: في مجال المؤلفات في الرحلات:
- وقد ألف في ذلك تسعة كتب هي: (على طريق الهجرة - رحلات ومشاهدات لمنطقتي مكة والمدينة) و (رحلات في بلاد العرب - رحلات ومشاهدات في شمال الحجاز والأردن) و (الرحلة النجدية) و (بين مكة وحضرموت - رحلات ومشاهدات في بلاد عسير ونجران والربع الخالي وقبائل اليمن وحضرموت) و (بين مكة واليمن - رحلات ومشاهدات للمنطقة الممتدة من مكة جنوبا بين البحر والسراة قبائلها وجغرافيتها وتاريخها) و (على ربى نجد - رحلات ومشاهدات في مناطق ما بين مكة والقصيم وعالية نجد) و (في قلب جزيرة العرب) و (بين مكة وبرك الغماد) و (الرحلة اليمانية - إعداد وشرح وتعليق).
- وتبرز شخصية البلادي كثيرا في رحلاته معقبا ومستدركا ومدونا كل شاردة وواردة، الأمر الذي أعطى أهمية كبرى في إفادة الأجيال القادمة، ناهيك عن مضامينها الممتعة والطريفة.
وللبلادي باع طويل في تتبع الأنساب وتدوين تاريخ القبائل وخاصة في الحجاز .. وهو تخصص نادر عزفت عنه أقسام التاريخ بالجامعات السعودية بدعوى الحساسيات والخشية من التعنصر .. في حين أن تاريخ القبائل والبوادي في زمن الشتات وفي زمن الوحدة إثراء ورفد لتاريخنا المحلي .. وهو ما أدرك أهميته الرحالة الأجانب .. والبلادي - رحمه الله - كان موضوعيا في طرحه وغير متعصب ولا يتواني في ذكر أية معلومة طالما أسندها لقائلها .. وهذا منهج سار عليه ثقات النسابين والمؤرخين .. ومن كتبه في هذا المجال: (نسب حرب .. تاريخ ونسب) و (معجم قبائل الحجاز) و (رسائل ومسائل في الأنساب والتاريخ والجغرافيا) و (نهاية الدرب في نسب حرب: مستدرك) و (معجم القبائل العربية المتفقة اسما المختلفة نسبا أو ديارا) و (هبة الودود في نسب العرادات ذوي حمود).
• وقد تفاعلت بيئة البادية الأولى واهتمامات البلادي المبكرة والتأثر بوالده في توجهه للتدوين في حقل الأدب العامي - رواية وشعرا، فألف (الأدب الشعبي في الحجاز) و (طرائف وأمثال شعبية في الجزيرة العربية) و (أخلاق البدو في أشعارهم وأخبارهم) و (نسيم الغوادي في مثنيات البلادي).
• وهذا لا يعني أنه أغفل ما يتعلق بالأدب العربي الفصيح، فقد جمع فيه (سقيط الندى وفوح الشذى) و (أمثال الشعر العربي) و (ألحان وأشجان).
• تبرز أوجه موسوعية البلادي أكثر في مصنفاته التاريخية وميدان التراجم، مثل (الإشراف على تاريخ الأشراف) و (المصحح في تاريخ مكة المكرمة) و (معجم الكلمات الأعجمية والغريبة في التاريخ الإسلامي) و (نشر الرياحين في تاريخ البلد الأمين) و (هديل الحمام في تاريخ البلد الحرام) وهما في التراجم و (زهر البساتين المستدرك على نشر الرياحين) و (محراث التراث) و (فضائل مكة وحرمة البيت الحرام) و (حصاد الأيام: ذكريات ومذكرات).
وللبلادي كتب أخرى أكمل بها جهوده العلمية المباركة هي: (فضائل القرآن) و (آيات الله الباهرات) و (أدواء البشر - في الأخلاق والديانة والمعاملات).

• (بقية المكيين) عنوان لما كتبه الأخ العزيز الدكتور محمد بن عبدالله المشوح في رثاء البلادي - رحمه الله -، وكان قد التقاه في منزله بمكة قبل رحيله بأيام .. ملحا على دعوته لتكريمه في ثلوثيته بالرياض، وأذكر أن المشوح قد أوصاني في لقائي بالبلادي قبل عامين على تشجيع البلادي للقدوم إلى الرياض لتكريمه ولكنه اعتذر متعللا بصعوبة ذلك صحيا.
والبلادي قد نال جزءا من التكريم، ولكنه لم يكن بحجم أعماله الموسوعية، فحصل على ميدالية مؤتمر الأدباء الأول الشهير عام 1395هـ، وعلى جائزة أمين مدني، وعلى تكريم الشيخ الوفي عبد المقصود خوجة [[بجده، ووزارة الثقافة والاعلام كما كرمته أمانة مدينة جدة وأسمت شارع في مدينة جدة باسمه عام 1425هـ،]] .. وظهر ما يسر أبناءه وأسرته من ثناء العلماء والأدباء والباحثين والباحثات في الصحف بعد رحيله.
• ولعل من واجب مؤسساتنا العلمية، مثل دارة الملك عبدالعزيز والجمعية التاريخية السعودية ونادي مكة الأدبي، السعي لإقامة ندوات خاصة عنه وتبني نشر أعماله الكاملة في طبعات جديدة.
رحم الله شيخنا البلادي، وبارك في علمه وعقبه آمين.
__________
المصدر: (صحيفة عكاظ)
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: التعريف بالمؤلف هو مقالات ملتقطة من مواقع إنترنت نتفرقة
(/)

عاتق البلادي .. علم من أعلام البلدان والأنساب والتاريخ فقدته المملكة
طالب الذبياني - على النقمي - مكة

شيعت العاصمة المقدسة فجر اليوم جثمان المؤرخ والباحث المعروف عاتق بن غيث البلادي إثر مرض ألم به مؤخرا لم يمهله طويلا، وسط حشد كبير من أهالي مكة وذوي الفقيد وعدد من الأدباء والمؤرخين، حيث أُديت عليه بالمسجد الحرام ووري جثمانه الثرى بمقابر المعلاة بمكة المكرمة.
وعبّر لـ"المدينة" ذوو الفقيد عن بالغ حزنهم وعظيم تأثرهم بوفاة والدهم عصر أمس ونزول الخبر عليهم كالصاعقة، وقال ابنه المهندس حسين بن عاتق: إن خبر وفاة والدي أثّر فينا جميعا أثرا كبيرا فلم يكن أب لنا فقط بل كان هامة وقامة كبيرة تُسجّل سيرته بماء من ذهب عرفه بها البعيد قبل القريب رحمه الله رحمة واسعة.
فيما تناول ابنه الرائد مسلط بن عاتق سيرة والده وتربيتة العظيمة لأبنائه وأهله جميعا مستطردا مواقف كثيرة تعلم منها التربية والتعليم.
وقال: عزاؤنا في والدنا ما تركه من إرث تاريخي عظيم ومكتبة عامرة بالكتب النافعة القيّمة والتي ستكون بحول الله وقوته منهلاً ومورداً عذبا لكل باحث وطالب علم. فيما اعتبر عدد من المؤرخين وعلماء التاريخ ورؤساء الأندية الادبية وفاة العالِم التاريخي عاتق البلادي بالخسارة الكبيرة للوطن، كونه من القلائل الذين برزوا في مجل التاريخ وعلم الأنساب، وقالوا لـ «المدينة»: إنه كان بمثابة المرجع لأي مؤرخ. وقال عميد شؤون المكتبات بجامعة أم القرى الدكتور عدنان الحارثي: إن وفاة الشيخ عاتق البلادي عالم البلدان خسارة كبيرة فهو رمز من رموز الوطن الذين برعوا في مجال الانسان وعلم البلدان وله مؤلفات عدة في هذا المجال وجهود بارزة في التحقيق في المصادر التي تم نشرها وهو من أميز الباحثين ونأمل ان يعوضنا الله بعالم مثله. وأضاف د. الحارثي أنه كان يزوره في مسكنه بين الفينة والأخرى خصوصا بعد ان أقعده المرض، فأنا بمقام التلميذ للشيخ البلادي رحمه الله. وقدّم رئيس النادي الأدبي بالطائف حماد السالمي عزاءه لابناء الراحل ولأهله ولتلاميذه ومحبيه مؤكداً أن الوطن فقد بموته علماً من أعلام التاريخ والتأليف في المملكة، وقال: عرفت الشيخ عاتق منذ سنوات طويلة وكانت صلتي به صلة التلميذ بأستاذه فهو رائد من رواد البحث الجاد وكنت اسميه جاسر الحجاز لما له من سبق وتفرد في البحث والتأليف ويتميز بحاسة فريدة في الرحلات فهو رائد مجغرف ناهزت كتبه الـ50 كتابا كانت نتاج رحلة طويلة وشاقة ومتعبة وقد عُرف بحبه للوقوف على الأمكنة وتتبع ما ورد من آثار الرحالة القدامى والمؤرخين والمجغرفين وتوثيقها فله رحلة من مكة إلى حضرموت وله رحلة عبر تهامة إلى اليمن ورحلات أخرى منذ أن كان في البدلة العسكرية وهو رجل عصامي وباحث جاد بتميز بعفة اللسان ونظافة اليد وعزة النفس وكان يصرف على طباعة كتبه من جيبه الخاص ولا يبحث عن الممولين ومكتبته من المكتبات الرائدة في مكة المكرمة وقد كان لي معه اتصال قبل أسبوع حيث اتصلت موجها له الدعوة لإحياء أمسية في نادي الطائف الأدبي فقال لي أنه خارج من المستشفى ولا يستطيع الطلوع إلى الطائف ووعدني بأن يلبي الرغبة مع بداية الصيف ولكن كان القدر أسرع .. رحمه الله رحمة واسعه واسكنه فسيح جناته.
وقال الدكتور والباحث عمر بن غرامه العمروي: أقدم التعازي لأبناء الفقيد وللأدباء وعلماء الآثار والبلدان وكل من حمل القلم في المملكة فالأخ عاتق البلادي أحد أعلام المملكة وهو علاّمة الحجاز بلا منازع فقد شارك معنا في المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية ولست هنا بصدد حصر مؤلفاته ولكني أقول أنه قد خدم وطنه ومنطقته الحجاز خاصة بقلمه السيال وألّف فيها ما لم يسبقه أحد في ذلك.
غدا .. لقاءات موسعة مع أبنائه وعدد من المثقفين
__________
المصدر: صحيفة المدينة الثلاثاء 2/ 3/1431هـ
http://www.al-madina.com/node/224712
(/)

عاتق البلادي
الرياض - سعد الثقفي

انتقل إلى رحمة الله تعالى، مساء أمس الاثنين الأديب والمؤرخ عاتق بن غيث البلادي،. . . .
ولد رحمة الله في بادية مكة الشمالية قرب خليص، في الثالث من شوال لعام ألف وثلاثمائة واثنين وخمسين للهجرة، ثم التحق بالجيش السعودي، وفي عام ألف وثلاثمائة وستة وسبعين تخرّج في مدرسة المشاة بالطائف، وعمل بالجيش السعودي حتى وصل إلى رتبة مقدم، وفي عام ألف وثلاثمائة وسبعة وتسعين من الهجرة، أُحيل إلى التقاعد؛ ليعمل بعد ذلك في المجال الثقافي، وليحقق ما يربو على عشرين كتابا، في التأريخ والتراث، والشعر الشعبي. وعمل مراسلا صحفيا لبعض الصحف، ولقد روى لي رحمة الله أنّه أول سعودي يحصل على دبلوم صحافة من الأردن. وبدأ حياته بالصحافة والكتابة لصحف الحجاز القديمة مثل صوت الحجاز وحراء وأم القرى، وغيرها.
ثم أسس دار مكة للنشر والتوزيع عام 1397هـ التي عنيت بنشر وتوزيع مؤلفاته.
وكتب في المجلات الشهرية والأسبوعية والصحف اليومية مئات المقالات والبحوث. وله من المؤلفات المطبوعة عشرون كتاباً، وأخرى لا تزال مخطوطة.
وهو عضو منتسب في كل من نادي مكة الثقافي الأدبي، ونادي جدة الأدبي، ونادي الطائف الأدبي. كما حضر عدداً من المؤتمرات الأدبية والتاريخية.
وأجرى عدة مقابلات وندوات صحفية وإذاعية وتلفازية. وتم تكريمه يرحمه الله من قبل الدولة، ممثلة في وكالة وزارة الثقافة والاعلام. كما تمّ تكريمه من قبل أثنينية الشيخ عبدالمقصود خوجة، وكرّم من قبل نادي مكة الثقافي الأدبي.
ومن مؤلفاته المطبوعة: معجم معالم الحجاز (عشرة أجزاء)، معجم قبائل الحجاز (ثلاثة أجزاء)، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، فضائل مكة وحرمة البيت الحرام. فضائل القرآن. معالم مكة التاريخية والأثرية. أمثال الشعر العربي. الأدب الشعبي في الحجاز. بين مكة وحضرموت. على طريق الهجرة، بين مكة واليمن، نسب حرب، رحلات في بلاد العرب، الرحلة النجدية، طرائف وأمثال شعبية، أودية مكة، أخلاق البدو، قلب الحجاز، على رُبا نجد.
أشتهر الدكتور عاتق بن غيث البلادي (دكتوراه فخرية) برحلاته التي حقق من خلالها كثيرا من الطرق، والأودية، والتي امتدت من العراق شمالا حتى جنوب الجزيرة العربية واليمن.
وبوفاة الشيخ عاتق بن غيث البلادي الحربي رحمه الله افتقدت الأوساط الثقافية والأدبية في المملكة أديبا وعالما فذا.
جدير بالذكر أنّ صفحة التراث بجريدة الرياض قد حفلت بقلم البلادي رحمة الله قبل بضع سنين حين كتب عدّة مقالات بعنوان: محراث التراث.
__________
المصدر: (صحيفة الرياض)
(/)

علامة الحجاز الشيخ عاتق البلادي
(1352 هـ - 1431 هـ)
إعداد - بدر بن شاهين الذوادي
باحث في الشؤون التاريخية

• هو الأديب النسابة المؤرخ الجغرافي الشاعر الشيخ الرحالة (ابن بطوطة هذا الزمان) عاتق بن غيث بن زوير بن زاير بن حمود بن عطية بن صالح البلادي والبلادية فرع من قبيلة حرب العريضة التي تكاد تمتد - اليوم - بلا انقطاع من صحراء الطفَ شمالاً إلى وادي حلي جنوباً، مروراً بالمدينة وضواحي مكة وجدة، وغيرها من المدن.

• ولد في بادية شمال مكة، في مكان يدعى (مسر) بسفح جبيل يدعى (أبيَض) يوم 3 شوال 1352 هـ الموافق 1932 م (بين صلاتي العصر والمغرب)، ونشأ في البادية في بيت أبوين مؤمنين فأباه كان يؤذن لكل فرض ويصلي، وأمه هي التي علمته الصلاة. في هذه البادية رعى جميع أنواع المواشي، البهم والغنم والإبل، وطارد الجحاش، بل وطارد الذئاب بالعصا وبالنار! وكان والده قصاصاً نسابة شاعراً ناقداً، كل ذلك على مستوى قوم أميين، لا كما يعرف هو، فتأثر به، وكان يحفظ شعر قومه حفظاً جامعاً، فلا تمر به قصيدة إلا حفظها.

• طلبه للعلم:
وفي عام 1364 هـ توفي والده وكانت البلاد في ظروف الحرب العالمية الثانية، فنزل مكة المكرمة، ودرس في مدارسها النظامية، غير أن تركيزه كان على الدراسة في المسجد الحرام، فأخذ عن مشايخ فضلاء، منهم الشيخ عبد المهيمن عبد الظاهر أبو السمح وغيره.

• العمل في الجيش:
وفي عام 1372 هـ سافر إلى الطائف فعين في الجيش برتبة نائب كاتب في 15 جمادى الأول 1372 هـ، وفي 21 جمادى الآخر 1375 هـ رقي إلى رتبة وكيل، وفي 1 ربيع الآخر 1376 هـ تخرج في مدرسة المشاة برتبة وكيل ضابط، فكان ضمن اللواء السعودي الحادي عشر الذي أرسل تعزيزاً للجيش الأردني أثناء العدوان الثلاثي على قناة السويس. وفي خلال سنتين هناك حصل على: دبلوم في فن الصحافة من (معهد دار عمان العالي)، وعلى ثلاث دورات عسكرية في الجيش العرب (الأردني). تدرج في الرتب العسكرية إلى أن وصل إلى رتبة مقدم. وفي 1 ربيع الآخر 1394 هـ رقي إلى رتبة مقدم، وفي 17 جمادى الآخر 1394 هـ عين ركن عمليات الفوج الأول بالمنطقة الشمالية، ثم تسلم قيادة الفوج بعد ذلك، وفي 1396 هـ نقل إلى سلاح الحدود فتسلم قيادة قطاع رابغ، ثم نقل إلى وظيفة رئيس المجلس العسكري بسلاح الحدود بجدة، وهي آخر وظيفة عمل بها.
حصل على دورات عديدة في الجيش، من أهمها: دورة معهد اللغات لمدة سنة، حصل منه على دبلوم في اللغة الإنجليزية، والدورة المتقدمة المشتركة لمدة سنة، كان ترتيبه الثالث، والدورة التأسيسية في سلاح المشاة، ودورات عديدة أخرى.

• التفرغ للأعمال الفكرية:
هو من جيل الرواد في المملكة العربية السعودية الذين كان في طليعتهم أحمد السباعي وأحمد عبد الغفور عطار وعبد القدوس الأنصاري وأمين مدني وأحمد الخياري ومحمد البليهد وحمد الجاسر وعبدالله بن خميس ومحمد العبودي وسعد بن جنيدل ومحمد العقيلي وأبو عبد الرحمن بن عقيل وغيرهم
- منذ أن حصل على مؤهل في الصحافة اشتغل - جزئياً - في الأعمال الفكرية، وفي 1 ذي القعدة 1397 هـ صدر الأمر بإحالته على التقاعد بناء على رغبته للتفرغ للأعمال الفكرية.
-وفي 7 ربيع الأول 1399 هـ أسس دار مكة للنشر والتوزيع، التي لا زالت تنشر مؤلفاته وغيرها.

• النشاط والإنتاج الفكري:
منذ أن حصل على الدبلوم في فن الصحافة - كما أشرت سابقاً - كانت له محاولات، وإن كانت في البداية متواضعة، فكتب إلى جرائد: الندوة وعكاظ والقصيم والأضواء، وغيرها تحت أسماء مستعارة. ولكن منذ عام 1388 هـ صار يكتب بحوثاً مركزة في مجلتي المنهل والعرب، ومقالات وبحوث بلغت المئات في الجرائد والمجلات الأخرى الشهرية والأسبوعية والصحف اليومية.

• قام برحلات داخل الجزيرة وخارجها، فالتي في الجزيرة لا يحصيها، ونتج عن معظمها مؤلفات، أما خارج الجزيرة فرحلات عديدة إلى: الأردن وسورية وفلسطين - الضفة الغربية قبل الاحتلال - والعراق والكويت ومصر، منها رحلة واحدة بالسيارة فقطع فيها نيفاً وسبعة آلاف كيل: مكة - عمان - دمشق - بيروت اللاذقية - حلب، حماة وحمص - دمشق - عمان - بغداد - البصرة - الكويت - الدمام - الرياض - مكة.

• حضر عدداً من المؤتمرات الأدبية والتاريخية، وهو عضو في عدد من النوادي الأدبية منها نادي مكة الثقافي الأدبي، نادي جدة الأدبي، عضو في نادي الطائف الأدبي.

• أجريت معه مقابلات صحفية وإذاعية وتلفزيونية لا تحصى. كتب عنه عشرات التراجم والدراسات من الصين شرقاً إلى شيكاغو غرباً! وترجم بعض كتبه إلى لغات أخرى، للحديث بقية
__________
المصدر: صحيفة الوطن الالكترونية البحرينية، 2/ 4/2010م العدد (1574)
(/)

أصدقاء الراحل ينتظرون إعادة طباعة 30 كتابا لآخر الرواد المؤرخين

عاتق البلادي خادم التراث يرحل قبل تكريمه بأيام
معتوق الشريف، نعيم تميم الحكيم - جدة

فجعت الأوساط الثقافية والأدبية في المملكة برحيل المؤرخ المكي الشيخ عاتق بن غيث البلادي الحربي ظهر أمس في مكة المكرمة عن عمر يناهز 80 عاما بعد معاناة طويلة مع المرض.
ويعتبر البلادي رمزا من رموز الثقافة والتأريخ والجغرافية في المملكة عبر مؤلفاته التي ناهزت الثلاثين مؤلفا أشهرها (معجم معالم الحجاز) و (معجم قبائل الحجاز)، و (معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية وفضائل مكة) و (حرمة البيت الحرام) .. وغيرها من الكتب في التاريخ والتراث، وقد صلي على الراحل في المسجد الحرام فجر اليوم الثلاثاء.
ويعد البلادي الذي كان نادي مكة الثقافي الأدبي يستعد لتكريمه من أواخر الرواد المؤرخين الذين أفنوا حياتهم في الترحال رصدا وتوثيقا لتاريخ وجغرافية وإنسان وتراث المملكة والجزيرة العربية منذ أن قرر الاستقالة من عمله في الجيش في سنة 1397 ليقود سيارته التي تربض إلى جوار بيته في مكة متنقلا بين المدن والهجر والأودية وحيدا لتوثيق تراث ومعالم هذا الوطن.
يتذكر عضو هيئة كبار العلماء الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان الراحل قائلا: «فقدنا علما من أعلام الفكر والتراث ليس في مكة وحدها بل في المملكة فهو يعتبر خسارة للجميع لما يتمتع به ــ رحمه الله ــ من خلق عال وتعامل مثالي وحرص على العلم فهو باحث من الطراز النادر ودائما ماكنت استأنس بكتبه الجميلة التي يبدو فيها جهد الباحث الحصيف المنصف»، وأضاف: «عندما قرر نادي مكة الثقافي الأدبي تكريمي طلبت منهم أن يقدم البلادي بالتكريم نظرا لظروفه الصحية لكنهم أخبروني في النادي بأن صحته في الآونة الحالية لاتحتمل ذلك فتم تكريمي أولا وكان النادي حسب علمي يعد العدة لتكريمه لكن قدر الله كان سابقا».
واستطرد أبو سليمان: «مهما قلت في الصديق العزيز الشيخ عاتق البلادي فلن أوفيه حقه ولانملك إلا أن ندعو له بالرحمة والغفران وأن يجعل ما تركه من إرث في ميزان حسناته».
علم كبير
وعد رئيس مجلس إدارة نادي مكة الثقافي الأدبي الدكتور سهيل بن حسن قاضي رحيل البلادي مفاجأة للجميع كون النادي يعد العدة لتكريمه، وقال: «ظروف الراحل الصحية حالت أكثر من مرة بيننا وبين تكريمه».
ولفت إلى أن «الراحل يعتبر علما كبيرا في الأدب والثقافة ومحققا نابغا في مجال التراث لم يأخذ حقه من التكريم بما قدم»، وأضاف: «الراحل قدم كنزا ثمينا تمثل في كم الكتب التي ألفها عن تاريخ مكة المكرمة والحجاز وتوثيق أدبائها وعلمائها في مجهود بحثي نادر الحدوث في هذا الزمان».
واستطرد رئيس مجلس إدارة نادي مكة الأدبي قائلا: «كان الراحل يعمل بصمت وهدوء فهو بحق خادم للتراث نسأل الله أن يغفر له ويرحمه ويبدله دارا خيرا من داره».
الاهتمام بكتبه
وطالب الدكتور سهيل قاضي وعضو مجلس الشورى الدكتور أحمد الزيلعي الجهات الثقافية والبحثية والعلمية والأكاديمية ومكتبة الملك فهد الوطنية ودارة الملك عبد العزيز العامة وغيرها من الجهات الاهتمام بكتب الشيخ عاتق البلادي وحفظها وإعادة طباعتها لتسهيل وصولها للباحثين، وقال الزيلعي: إن «البلادي خدم تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها وإنسانها من خلال رحلاته التي قام بها في مختلف أنحاء المملكة وقدم هذه الرحلات في كتب لا يستغني عنها كثيرون من الباحثين، فهو لم يكتف بوصف مشاهداته والأمكنة التي مر بها وحديث الناس وإنما أصل لكل موقع من المواقع التي زارها من حيث ذكرها في كتب الرحلات مبرزا فيها تاريخ هذه المواقع وتراثها وثقافتها والمنتسبون إليها من شعراء ومؤرخين ورجال فكر وسياسة وأحداث تاريخية».
وأضاف: إن «الراحل ترك كما كبيرا من المؤلفات بعضها نفدت طباعتها لذلك أطالب الجهات كالجامعات ودارة الملك عبد العزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة الملك عبد العزيز العامة وغيرها من الجهات التي تعنى بالنشر إعادة طباعة كتب البلادي لتكون على شبه موسوعة كاملة توضع بين يدي الدارسين».
__________
المصدر: (صحيفة عكاظ)
(/)

الْمُقَدِّمَةُ
" الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدَ الشَّاكِرِ الْمُنِيبِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْحَبِيبِ، صَاحِبِ السِّيرَةِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ، وَالشَّمَائِلِ الْغُرِّ الْمُضِيئَةِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَهَذَا كِتَابُ " الْمَعَالِمِ الْجُغْرَافِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ " عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَجَلُّ التَّسْلِيمِ، جَعَلْته رَدِيفًا لِكِتَابِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِقَارِئِهَا فِي بَحْثِهِ عَنْ الْمَوَاضِيعِ الَّتِي تَعْتَرِضُهُ أَثْنَاءَ قِرَاءَتِهِ فِيهَا، وَلَمْ أَقْصُرْهُ عَلَى مَا لَهُ عِلَاقَةٌ بِغَزَوَاتِهِ وَسَرَايَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ تَوَسَّعْت فِيهِ حَتَّى شَمِلَ كُلَّ مَوْضِعٍ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، سَوَاءٌ جَاء َ ذِكْرُهُ فِي الْعَهْدِ الْجَاهِلِيِّ بِمَا لَهُ مِسَاسٌ بِالسِّيرَةِ بَعْدَ الرِّسَالَةِ، أَوْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي تَرَاجِمِ الصَّحَابَةِ وَالْوَقَائِعِ الَّتِي خَاضُوهَا بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبِ السِّيرَةِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. أَوْ وَرَدَ بِأَيَّةِ طَرِيقَةٍ مِنْ الطَّرَائِقِ حَتَّى صَارَ مَادَّةً مِنْ مَوَادِّ السِّيرَةِ الْمُطَهَّرَةِ.

وَقَدْ كَتَبَ كَثِيرُونَ فِي السِّيرَةِ، وَاخْتَلَفَتْ كِتَابَاتُهُمْ بَيْنَ الْإِطْنَابِ وَالْإِيجَازِ، وَعِنْدَ عَزْمِي عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَخْتَارَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ السِّيرَةِ أَحْصُرُ النَّقْلَ مِنْهُ، وَأَجْعَلُهُ الْمَرْجِعَ الرَّئِيسِيَّ الَّذِي أُحْصِي مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ مَعَالِمَ. فَوَجَدْت أَنْ أَشْيَعَ هَذِهِ الْكُتُبِ وَأَوْفَاهَا - بِلَا إطَالَةٍ مُمِلَّةٍ وَلَا اخْتِصَارٍ
(1/5)

مُخِلٍّ - هُوَ الْمُسَمَّى " سِيرَةَ ابْنِ هِشَامٍ " الْمُهَذَّبُ مِنْ سِيَرِهِ ابْنِ إسْحَاقَ. وَاخْتَرْت مِنْهُ " طَبْعَةَ مُصْطَفَى الْبَابِيِّ الْحَلَبِيِّ " لِدِقَّةِ تَحْقِيقِهَا وَكَثْرَةِ شُرُوحِهَا الْجَيِّدَةِ الْمُوجَزَةِ.

فَإِذَا قُلْت: " السِّيرَةُ: 1\ 200 " مَثَلًا، فَهُوَ يَعْنِي أَنَّ النَّصَّ الَّذِي أَمَامَك يُوجَدُ فِي هَذِهِ الطَّبْعَةِ، فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، فِي الصَّفْحَةِ: 200، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، وَلَا أَظُنُّ أَنَّ الطَّبَعَاتِ الْمُقْبِلَةَ سَتَتَغَيَّرُ كَثِيرًا.

وَلَمْ أَتَوَسَّعْ كَثِيرًا فِي النُّصُوصِ لِسَبَبِ وَحِيدٍ، هُوَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ وُضِعَ لِيَكُونَ مُسَاعِدًا لِقَارِئِ السِّيرَةِ، فَإِذَا قَرَأَ نَصًّا وَرَغِبَ أَنْ يَعْرِفَ مَا وَرَدَ فِي هَذَا النَّصِّ مِنْ مَوَاضِعَ، أَيْنَ تَقَعُ وَمَا حَالُهَا الْيَوْمَ؟ عَادَ إلَى هَذَا الْمُعْجَمِ لِيَجِدَ الْعَلَمَ الَّذِي يَسْأَلُ عَنْهُ، وَقَدْ عُرِفَ بِإِيجَازِ وَذُكِرَ مِنْ أَمْرِهِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي وَقْتِنَا هَذَا، وَقَدْ أَرْفَقْت بِكَثِيرِ مِنْ مَعَالِمِ هَذَا الْكِتَابِ خَرَائِطَ وَمُخَطَّطَاتٍ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ.

سَبَبُ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ:

كُنْت - قَبْلَ سَنَوَاتٍ - فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ الْعِلْمِ، فَسَمِعْت مَنْ يَتَمَنَّى لَوْ وُجِدَ كِتَابٌ يَجْمَعُ مَا فِي السِّيرَةِ مِنْ مَعَالِمَ لِيَهْتَدِيَ إلَيْهَا الْقَارِئُ بِأَسْهَلِ طَرِيقَةٍ وَأَيْسَرِ مُؤْنَةٍ. وَعَلِمْت مِنْ ذَلِك الْمَجْلِسِ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي بِلَادِنَا لَا يُحَبِّذُونَ ذَلِك الشِّعْرَ الَّذِي يَسْتَشْهِدُ بَهْ الْجُغْرَافِيُّونَ. مِنْ ذَلِك الْيَوْمِ كَانَ فِي ذِهْنِي أَمْرَانِ:

أَحَدُهُمَا - أَنْ أَحُقِّقَ رَغْبَةَ طَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ - آنَذَاكَ - بِمَقْدُورِي تَحْقِيقُ هَذِهِ الرَّغْبَةِ، فَبَقِيَتْ أُمْنِيَةً كَأُمْنِيَةِ صَاحِبِ الْفِكْرَةِ نَفْسِهِ.

وَثَانِيهمَا - أَنْ أَبْتَعِدَ فِي هَذَا الْكِتَابِ - لَوْ تَحَقَّقَ تَأْلِيفُهُ - عَنْ تِلْكَ الْأَشْعَارِ الَّتِي لَا يُحَبِّذُهَا الْعُلَمَاءُ، إلَّا مَا كَانَ لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ ذِكْرِهِ
(1/6)

لِذَا - وَلِأَنَّ النَّقْلَ وَحْدَهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لَا يَكْفِي - دَأَبْت عَلَى تَجْمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ عَمَّا وَرَدَ فِي السِّيرَةِ مِنْ مَعَالِمَ، وَقُمْت بِرَحَلَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي أَقَالِيمِ: الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَالْأُرْدُنِّ وَسُورِيَّةَ وَلُبْنَان وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَهِيَ الدِّيَارُ الَّتِي انْحَصَرَتْ فِيهَا هَذِهِ الْمَعَالِمُ، وَوَقَفْت بِنَفْسِي عَلَى مَا لَا يَقِلُّ عَنْ 90 % مِنْهَا، ثُمَّ اسْتَعَنْت بِمَرَاجِعَ كَثِيرَةٍ، خَاصَّةً لِمَا لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَعُدْ مَعْرُوفًا الْيَوْمَ.

عِلْمُ الْجُغْرَافِيَا:

عِلْم الْجُغْرَافِيَا مِنْ أَجَلِّ الْعُلُومِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ بَاحِثٌ أَوْ قَارِئٌ. فَقَارِئُ الْجُغْرَافِيَا قَدْ يَسْتَغْنِي - مَثَلًا أَثْنَاءَ قِرَاءَتِهِ - عَنْ التَّأْرِيخِ وَالشِّعْرِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَكِنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يَبْحَثُ فِي التَّأْرِيخِ وَالْأَدَبِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ الْجُغْرَافِيَا أَثْنَاءَ بَحْثِهِ، فَهَذَا الْمُؤَرِّخُ - مَثَلًا - يَعْتَرِضُهُ اسْمُ " عَمَوَاسَ " أَوْ الْيَمَامَةِ أَوْ الْجَرْبَاءِ، فَيَجِدُ أَنَّهُ، بِحَاجَةِ إلَى مَعْرِفَةِ مَوْقِعِ هَذَا الْعَلَمِ وَتَحْدِيدِهِ وَفِي أَيِّ أَرْضِ اللَّهِ يَقَعُ؟! وَهَذَا - مَثَلًا - قَارِئُ دِيوَانِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، يَجِدُ ذِكْرَ كُسَابٍ، أَوْ يَأْجَجَ، وَيَتَمَنَّى لَوْ يَعْلَمُ مَوْقِعَهُمَا، وَمَا هُمَا؟ بَلْ حَتَّى قَارِئُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَجِدُهُ يَفْزَعُ إلَى كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا لِيَعْرِفَ أَيْنَ يَقَعُ الْجُودِيُّ أَوْ حُنَيْنٌ، وَأَمْثَالُهُمَا.

وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَيْلٌ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَوَاضِعِ وَالتَّفَاؤُلِ بِأَسْمَائِهَا. فَهَا هُوَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ يَرْفُضُ الْمُرُورَ فِي طُرُقٍ سُمِّيَتْ لَهُ، ثُمَّ يَخْتَارُ طَرِيقَ مَرْحَبٍ. وَفِي غَزْوَةِ بَدْرٍ يَرْفُضُ الْمُرُورَ بَيْنَ جَبَلَيْ الصَّفْرَاءِ، وَيَعْدِلُ إلَى طَرِيقٍ فِيهَا طُولٌ، لِقُبْحِ أَسْمَاءٍ سُمِّيَتْ لَهُ، مِنْهَا: مَسْلَحُ وَمُحَرِّقٍ وَبَنُو النَّارِ
(1/7)

وَفِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ يَقْلِبُ اسْمَ الضَّيِّقَةِ إلَى " الْيُسْرَى " وَهَكَذَا فَإِنَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدَ تَدُلُّ عَلَى مَا لِعِلْمِ الْجُغْرَافِيَا مِنْ مَكَانَةٍ رَفِيعَةٍ، فَالسَّائِرُ فِي الْأَرْضِ وَقَارِئُ الْأَحْدَاثِ وَالْكَاتِبُ وَالْمُؤَرِّخُ وَغَيْرُهُمْ لَا غِنَى لَهُمْ عَنْ كُتُبٍ تُوَضِّحُ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ، وَخَيْرُ هَذِهِ الْكُتُبِ وَأَفْضَلُهَا مَا اسْتَطَاعَ الْبَاحِثُ الْعُثُورَ عَلَى ضَالَّتِهِ فِيهِ بِيُسْرِ.

وَمِنْ مِيزَاتِ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلدَّسِّ وَالْوَضْعِ أَوْ التَّحْرِيفِ، فَهُوَ عِلْمٌ مَكْشُوفٌ يُوَضِّحُ أَرْضًا خَالِدَةً، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَضَعُ فِيهِ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ فَإِنَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ سَيُكَذِّبُهُ، وَيُثْبِتُ - بِالْمُشَاهَدَةِ وَالرَّسْمِ - غَلَطَ سَلَفِهِ، بِخِلَافِ عِلْمِ التَّأْرِيخِ وَالْأَدَبِ، فَقَدْ يَتَوَصَّلُ صَاحِبُ الْغَرَضِ إلَى غَرَضِهِ فِيهِمَا بِوَضْعِ أَوْ دَسِّ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ.

فَإِذَا سَلَّمْنَا أَنَّ عِلْمَ الْجُغْرَافِيَا عَامَّةً، وَالْمَعَالِمِ خَاصَّةً، عِلْمٌ لَا غِنَى لِلْبَاحِثِ وَالْقَارِئِ عَنْهُ، وَجَدْنَا أَنَّ أَقْرَبَهُ مُتَنَاوَلًا وَأَيْسَرَهُ لِلْبَحْثِ هُوَ فَنُّ الْمَعَاجِمِ، فَالْبَاحِثُ يَسْتَطِيعُ فِي أَيْسَرِ وَقْتٍ الْحُصُولَ عَلَى بُغْيَتِهِ، نَظَرًا لِتَسَلْسُلِ الْمَوَادِّ عَلَى تَرْتِيبِ الْحُرُوفِ الْهِجَائِيَّةِ. كَمَا أَنَّ الْمُعْجَمَ يُعْطِيك مَعْلُومَاتٍ مُحَدَّدَةً عَنْ أَعْلَامٍ خَاصَّةٍ، بَعِيدًا عَنْ الْإِسْهَابِ وَالِاسْتِطْرَادِ. لِذَا فَقَدْ جَعَلْت هَذَا الْكِتَابَ مُعْجَمًا، وَجَعَلْت مَعْلُومَاتِهِ مُوجَزَةً، وَلَكِنَّ إيجَازَهَا مُوفٍ بِالْغَرَضِ الْمُؤَلَّفِ الْكِتَابُ مِنْ أَجْلِهِ.

فَاَللَّهَ أَسْاَلُ أَنْ يَنْفَعَ بَهْ كَاتِبَهُ وَقَارِئِيهِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ.

إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ.

وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الْمُؤَلِّفُ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ 1402 لِلْهِجْرَةِ الْمُبَارَكَةِ.
(1/8)

أَبَانُ بِالْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ:
جَاءَ فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
كَأَنَّ أَبَانًا فِي عَرَانِينَ وَدْقُهُ ... كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
قُلْت: وَيُرْوَى: فِي أَفَانِينَ، بَدَلَ عَرَانِينَ. وَيُرْوَى: كَأَنَّ ثَبِيرًا، بَدَلَ أَبَانًا. وَأَبَانُ: أَبَانَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا أَبَانُ الْأَحْمَرُ وَيُقَالُ لِلْآخَرِ أَبَانُ الْأَسْوَدُ، وَلَيْسَ الْأَحْمَرُ أَحْمَرَ بِاللَّوْنِ الْمَعْرُوفِ وَلَا الْأَسْوَدُ أَسْوَدُ بِاللَّوْنِ الْمَعْرُوفِ، إنَّمَا أَحَدُهُمَا أَشْقَرُ: بَيْنَ الْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ، وَثَانِيهمَا أَسْمَرُ، وَهُوَ لَوْنٌ غَيْرُ السَّوَادِ. وَهُمَا جَبَلَانِ مِنْ جِبَالِ الْقَصِيمِ بِنَجْدِ، يَمُرُّ وَادِي الرُّمَّةِ بَيْنَهُمَا، فَيَجْعَلُ الْأَسْوَدَ يَسَارَهُ، وَالْأَحْمَرَ يَمِينَهُ وَالْأَسْوَدُ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى بُرَيْدَةَ وَالْأَحْمَرُ يُنَاظِرُهُ مِنْ الْجُنُوبِ، وَمُدُنُ الْقَصِيمِ تَقَعُ شَرْقِيَّهُمَا.

الْأَبْطَحُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وِطَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَآخِرُهُ حَاءٌ:
جَاءَ ذِكْرُهُ كَثِيرًا، مِنْهُ: قِتَالُ قُصَيٍّ خُزَاعَةَ وَبَكْرًا بِالْأَبْطَحِ حَتَّى كَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، فَحَكَّمُوا يَعْمُرَ بْنَ عَوْفٍ الْبَكْرِيَّ الْكِنَانِيَّ.
قُلْت: الْأَبْطَحُ: جِزْعٌ مِنْ وَادِي مَكَّةَ بَيْنَ الْمُنْحَنَى إلَى
(1/13)

الْحَجُونِ، ثُمَّ تَلِيهِ الْبَطْحَاءُ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ الْمُعَلَّاةِ، ثُمَّ الْمُسَفَّلَةِ: مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى قَوْزِ الْمِكَاسَة «الرَّمِضَةُ» قَدِيمًا.
وَعَلَى الْأَبْطَحِ هَذَا الْمَثَلُ الْقَائِلُ:
«اخْتَلَطَ سَيْلُهَا بِالْأَبْطَحِ»
ذَلِك أَنَّ مَكَّةَ كَثِيرَةُ الشِّعَابِ الَّتِي تَصُبُّ فِي الْأَبْطَحِ فَيَخْتَلِطُ سَيْلُهَا هُنَاكَ، وَقَدْ سُمِّيَ الْيَوْمُ الشَّارِعُ الْمَارُّ مِنْ الْمُنْحَنَى إلَى رِيعِ الْحَجُونِ «شَارِعَ الْأَبْطَحِ»، وَهُوَ شَارِعٌ وَاسِعٌ كَثِيرُ الْعَمَائِرِ وَالْأَسْوَاقِ، وَعَلَيْهِ طَرِيقُ الْحَاجِّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى مِنًى.

الْأَبْوَاءُ عَلَى زِنَةِ جَمْعِ بَوٍّ: تَرَدَّدَتْ فِي السِّيرَةِ، وَجَاءَ ذِكْرُهَا فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ.
وَالْأَبْوَاءُ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، كَثِيرُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ، يَلْتَقِي فِيهِ وَادِيَا الْفَرْعِ وَالْقَاحَةِ فَيَتَكَوَّنُ مِنْ الْتِقَائِهِمَا وَادِي الْأَبْوَاءِ، كَتَكَوُّنِ وَادِي مَرِّ الظَّهْرَانِ مِنْ الْتِقَاءِ النَّخْلَتَيْنِ، وَيَنْحَدِرُ وَادِي الْأَبْوَاءِ إلَى الْبَحْرِ جَاعِلًا أَنْقَاضَ وَدَّانَ عَلَى يَسَارِهِ، وَثَمَّ طَرِيقٌ إلَى هَرْشَى، وَيَمُرُّ بِبَلْدَةِ مَسْتُورَةَ ثُمَّ يُبْحِرُ.
وَيُسَمَّى الْيَوْمَ «وَادِي الْخُرَيْبَةِ» غَيْرَ أَنَّ اسْمَ الْأَبْوَاءِ مَعْرُوفٌ لَدَى الْمُثَقَّفِينَ، وَسُكَّانُهُ: بَنُو مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو، وَبَنُو أَيُّوبَ مِنْ الْبِلَادِيَّةِ مِنْ بَنِي عَمْرٍو.

أَبْيَنُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ، وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ
(1/14)

فَوْقُ، وَآخِرُهُ نُونٌ، وَكَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ بَيَانًا: جَاءَ فِي سَجْعٍ لِلْكَاهِنِ «سُطَيْحٍ» حِينَ سَأَلَهُ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ مَلِكُ الْيَمَنِ عَنْ رُؤْيَا رَآهَا، فَقَالَ سُطَيْحٌ:. . . لَتَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمْ الْحَبَشْ، فَلَتَمْلِكَنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إلَى جَرَشْ.
وَكَانَ «أَبْيَنُ» فِيمَا يَبْدُو إقْلِيمًا وَاسِعًا، وَكَأَنَّهُ الزَّاوِيَةُ الْجَنُوبِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ مِنْ الْيَمَنِ، أَيْ مِنْطَقَةِ لَحْجٍ وَعدَنٍ وَمَا حَوْلَهُمَا، لِأَنَّ عَدَنَ كَانَتْ تُدْعَى «عَدَنُ أَبْيَنَ» لِشُهْرَةِ أَبْيَن وَوُقُوعِ عَدَنٍ فِيهِ أَوْ بِجِوَارِهِ، وَفِي ذَيْلِ السِّيرَةِ أَنَّهُ مِخْلَافٌ مِنْ الْيَمَنِ مِنْهُ عَدَنٌ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ يَاقُوتٍ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ، وَيَنْقُلُ يَاقُوتٌ عَنْ عُمَارَةَ الْيَمَنِيِّ قَوْلَهُ:
أَبْيَنُ: مَوْضِعٌ فِي جَبَلِ عَدَنٍ، قَدْ يُقَالُ: يَبْيَنُ أَيْضًا. وَأَقُولُ: هُوَ الْيَوْمَ مَوْضِعٌ مِنْ جَبَلِ عَدَنٍ كَمَا ذَكَرَهُ عُمَارَةَ، فَلَعَلَّ الِاسْمَ انْحَصَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَعْدَ قِيَامِ مِخْلَافِ لَحْجٍ. وَيَقُولُ السَّيِّدُ هَادُونَ الْعَطَّاسُ: أَبْيَنُ مِنْطَقَةٌ زِرَاعِيَّةٌ إلَى الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ عَدَنٍ، يُزْرَعُ فِيهَا الْقُطْنُ الطَّوِيلُ التِّيلَةِ.
وَجَاءَ فِي «طَبَقَاتِ فُقَهَاءِ الزَّيْدِيَّةِ: وَإِلَيْهِ تُضَافُ عَدَنٌ لِأَنَّهَا مِنْهُ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِأَبْيَنَ بْنِ زُهَيْرٍ بْنِ الْهَمَيْسَعِ بْنِ حِمْيَرَ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ: أَنَّ أَبْيَن مِنْطَقَةٌ مَعْرُوفَةٌ الْيَوْمَ قُرْبَ عَدَنٍ
(1/15)

ذَاتُ زِرَاعَةٍ وَسَكَنٍ.

الْأُثَيْلُ كَأَنَّهُ تَصْغِيرُ أَثْلٍ، جَمْعُ أَثْلَةٍ الشَّجَرَةُ الْمَعْرُوفَةُ. جَاءَ فِي رِثَاءِ قُتَيْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَخَاهَا النَّضْرَ بْنَ الْحَارِث ِ:
أَيَا رَاكِبًا إنَّ الْأُثَيْلَ مَظِنَّةٌ ... مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً ... مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِق ُ
وَشَدَّدَ يَاءَه «كُثَيِّرٌ» حِينَ قَالَ:
أَرْبِعْ فَحَيِّ مَعَالِمَ الْأَطْلَالِ

بِالْجِزْعِ مِنْ حَرَضٍ فَهُنَّ بَوَالِ
فَشِرَاجُ رِيمَةَ قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا ... ... بِالسَّفْحِ بَيْنَ أُثَيِّلٍ فَبِعَالِ
وَهَذِهِ الْمَعَالِمُ كُلُّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْأُثَيْلِ.
وَقَدْ حَدَّدَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ بِأَنَّهُ بَيْنَ بَدْرٍ وَوَادِي الصَّفْرَاءِ، مَعَ أَنَّ بَدْرًا مِنْ وَادِي الصَّفْرَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهِ قَرْيَةَ الصَّفْرَاءِ الْمَعْرُوفَةَ الْيَوْمَ بِالْوَاسِطَةِ.

أَجَأٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجِيمِ، وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ» فِي مَوْقِعَةِ مُؤْتَةَ:
جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَجَأٍ وَفَرْعٍ ... تُغَرُّ مِنْ الْحَشِيشِ لَهَا الْعُكُومُ
(1/16)

حَذَوْنَاهَا مِنْ الصَّوَّانِ سَبْتًا ... أَزَلَّ كَأَنَّ صَفْحَتَهُ أَدِيَمُ
أَقَامَتْ لَيْلَتَيْنِ عَلَى مَعَانٍ ... فَأَعْقَبَ بَعْدَ فَتْرَتِهَا جُمُومُ
وَيُرْوَى الْبَيْتُ الْأَوَّلُ:
«جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ آجَامِ قَرْحٍ»
وَقَرْحُ هُوَ مَدِينَةُ الْعُلَا الْيَوْمَ. قُلْت: أَجَأٌ، أَحَدُ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، وَالْآخَرُ يُسَمَّى سَلْمَى، وَيُقَالُ الْيَوْمَ: جَبَلَا حَائِلٍ، لِأَنَّهُمَا يُشْرِفَانِ عَلَى مَدِينَةِ حَائِلٍ، وَيُقَالُ: جَبَلَا شِمْرٍ، وَشِمْرُ، قَبِيلَةٌ مِنْ بَقَايَا طَيِّئٍ، تَضْرِبُ دَائِرَةً حَوْلَ حَائِلٍ وَتَسْكُنُ الْجَبَلَيْنِ، وَجُلُّ سُكَّانِ حَائِلٍ مِنْ شِمْرٍ، وَفَرْعُ: جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ شِمْرٍ لَا زَالَ مَعْرُوفًا فِي الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنْ سَلْسَلَةِ جَبَلِ أَجَأٍ، وَهُوَ مِنْ أَشْمَخْ رُءُوسِ تِلْكَ السِّلْسِلَةِ وَيُسَمَّى «الْفَرْعَ».

الْأَجْرَدُ كَاَلَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ.
جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ، ثُمَّ عَلَى الْأَجْرَدِ.
قُلْت: يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِأُجَيْرِدٍ - تَصْغِيرٌ - شِعْبٌ يَصُبُّ فِي وَادِي ثُقَيْبٍ، وَثُقَيْبٌ أَحَدُ رَوَافِدِ الْقَاحَةِ، وَهُوَ وَمَرْجِحٌ
(1/17)

وَالْمُدَالِجُ، عَلَى طَرِيقٍ قَدِيمٍ قَدْ هُجِرَ، وَهُوَ طَرِيقُ الْهِجْرَةِ. اُنْظُرْ تَفَاصِيلَ أَوْفَى فِي كِتَابِي «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ».
وَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ تَقَعُ جُنُوبَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَرَابَةِ (160) كَيْلًا، قَرِيبَةً مِنْ وَادِي الْفَرْعِ، بَلْ تَصُبُّ مِيَاهُهَا فِيهِ.

أَجَنَادَيْنُ الْأَكْثَرِيَّةُ أَنَّهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَغَيْرُهُمْ يَقُولُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ «أَجَنَادِينُ» يَتَرَدَّدُ «ذِكْرُهَا فِي السِّيرَةِ وَتَأْرِيخِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ كَانَتْ بِفِلَسْطِينَ فَانْدَثَرَتْ.
جَاءَ فِي» مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ «: وَفِي كِتَابِ أَبِي حُذَيْفَةَ إسْحَاقَ بْنِ بَشِيرٍ بِخَطِّ أَبِي عَامِرٍ الْعَبْدَرِيِّ: أَنَّ أَجَنَادَيْنَ مِنْ الرَّمْلَةِ، مِنْ كُورَةِ بَيْتِ جِبْرِينَ، كَانَتْ بِهِ وَقْعَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، مَشْهُورَةٌ. وَقَالَتْ الْعُلَمَاءُ بِأَخْبَارِ الْفُتُوحِ: شَهِدَ يَوْمَ أَجَنَادَيْنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنْ الرُّومِ، سِرْبُ هِرَقْلَ أَكْثَرُهُمْ، وَتَجَمَّعَ الْبَاقِي مِنْ النَّوَاحِي، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَزَمَهُمْ وَفَرَّقَهُمْ. وَفِيهِ يَقُولُ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ:
وَنَحْنُ تَرَكْنَا أَرْطَبُونَ مُطَرَّدًا ... إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَفِيهِ حُسُورُ
عَشِيَّةَ أَجَنَادَيْنَ لَمَّا تَتَابَعُوا ... وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ بِالْعَرَاءِ نُسُورُ
قُلْت: الرَّمْلَةُ وَبَيْتُ جِبْرِينَ مَدِينَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي فِلَسْطِينَ غَرْبَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قُرْبَ السَّاحِلِ، وَهُمَا تَحْتَ الِاحْتِلَالِ الْإِسْرَائِيلِيِّ الْيَوْمَ، وَمَا سَمِعْت بِأَجْنَادَيْنَ أَثْنَاءَ تَجْوَالِي فِي فِلَسْطِينَ، وَمَا سَمِعْت أَحَدًا ذَكَرَ اسْمَهَا. وَلَكِنَّهَا بِالتَّحْدِيدِ» بَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالسَّاحِلِ «.
(1/18)

أَجْيَادُ شِعْبَانِ بِمَكَّةَ يُسَمَّى أَحَدُهُمَا أَجْيَادُ الْكَبِيرُ وَالْآخَرُ أَجْيَادُ الصَّغِيرُ، وَهُمَا حَيَّانِ - الْيَوْمَ - مِنْ أَحْيَاءِ مَكَّةَ.
وَقِيلَ: إنَّ جُرْهُمًا وَقَطُورَاءَ اُحْتُرِبَتْ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ السَّمَيْدَعُ مَلِكُ قَطُورَاءَ بِالْخَيْلِ الْجِيَادِ فَسُمِّيَ مَوْضِعُ خُرُوجِهِ أَجْيَادًا، وَخَرَجَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرِو بِجُرْهُمَ مِنْ قُعَيْقِعَانَ فَقَعْقَعَ السِّلَاحَ مَعَهُمْ فَسُمِّيَ قُعَيْقِعَانُ بِذَلِكَ، فَالْتَقَوْا بِفَاضِحِ فَهُزِمَتْ قَطُوَرَاءُ فَقِيلَ افْتَضَحُوا، فَسُمِّيَ فَاضِحًا.

أُحُدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ: تَرَدَّدَ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ إحْدَى غَزَوَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، غَزْوَةُ أُحُدٍ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ. وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ جِبَالِ الْعَرَبِ، يُشْرِفُ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ الشَّمَالِ، يُرَى بِالْعَيْنِ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَهْ وَلَعٌ وَحُبٌّ، وَهُمْ يُسَمُّونَهُ «حِنٌّ» مِنْ بَابِ التَّدْلِيلِ! وَقَدْ وَرَدَتْ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ، وَلَوْنُهُ أَحْمَرُ جَمِيلٌ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي حُدُودِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ.
الْأَخَاشِبُ جَمْعُ أَخْشَبَ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْخَشِنُ:
جَاءَ فِي قَوْلِ امْرَأَةٍ مُؤْمِنَةٍ تَرُدُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَاسْمُهَا مَيْمُونَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ بَنِي مُرَيْر ٍ مِنْ بَلِيٍّ:
تَحَنَّنَ هَذَا الْعَبْدُ كُلَّ تَحَنُّنٍ ... يَبْكِي عَلَى قَتْلَى وَلَيْسَ بِنَاصِبِ
بَكَتْ عَيْنُ مَنْ يَبْكِي لِبَدْرِ وَأَهْلِهِ ... وَعُلَّتْ بِمِثْلَيْهَا لُؤَيُّ بْنُ غَالِبِ
(1/19)

فَلَيْتَ الَّذِينَ ضُرِّجُوا بِدِمَائِهِمْ ... يَرَى مَا بِهِمْ مَنْ كَانَ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
قُلْت: الْأَخَاشِبُ - هُنَا - جِبَالُ مَكَّةَ، فَالْجَبَلَانِ اللَّذَانِ عَنْ يَمِينِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيَسَارِهِ، يُقَالُ لَهُمَا: الْأَخْشَبَانِ، وَهُمَا: قُعَيْقِعَانُ وَأَبُو قُبَيْسٍ، وَيُقَالُ لِجَبَلَيْ مِنًى أَيْضًا الْأَخْشَبَانِ، وَالْجَبَلَانِ اللَّذَانِ يَمُرُّ الْحَاجُّ بَيْنَهُمَا لَيْلَةَ النَّفْرِ مِنْ عَرَفَةَ، أَخْشَبَانِ أَيْضًا، وَهُمَا حَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ مِمَّا يَلِي عَرَفَةَ.

الْأُخْدُودُ وَهُوَ حُفْرَةٌ مُسْتَطِيلَةٌ فَالْأَرْضُ كَالْخَنْدَقِ: جَاءَ فِي النَّصِّ: فَمَلَكُوهُ - يَعْنِي ذَا نَوَّاس ٍ - وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ، فَكَانَ آخِرُ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأُخْدُودِ.
وَلَيْسَ هَذَا هُوَ النَّصَّ الْوَحِيدَ الَّذِي ذَكَرَ الْأُخْدُودَ، وَلَكِنَّنَا كَمَا قَدَّمْنَا لَسْنَا مَعْنِيِّينَ بِاسْتِقْصَاءِ النُّصُوصِ إنَّمَا تَحْدِيدُ الْمَعَالِمِ الْوَارِدَةِ فِي السِّيرَةِ، وَقَدْ سُمِّيَتْ مَدِينَةُ نَجْرَانَ - آنَذَاكَ - الرَّئِيسِيَّةُ «مَدِينَةَ الْأُخْدُودِ» وَهِيَ الْيَوْمَ آثَارٌ ذَاتُ مَبَانٍ مُنْكَرَةٍ، وَخُيِّلَ إلَيَّ أَنَّنِي وَجَدْت الْأُخْدُودَ فِي الْمَدِينَةِ، بَلْ وَجَدْت الرَّمَادَ فِيهِ، وَوَصَفْت ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِي «بَيْنَ مَكَّةَ وَحَضْرَمَوْتَ». وَلَيْسَ فِي نَجْرَانَ مَنْ يَجْهَلُ مَدِينَةَ الْأُخْدُودِ، وَقَدْ أُقِيمَتْ بِجِوَارِهَا مَدْرَسَةٌ سُمِّيَتْ مَدْرَسَةَ الْأُخْدُودِ. وَقَدْ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: قُتِلَ أَصْحَابُ
(1/20)

الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ.

الْأَخْشَبَانِ ذُكِرَا فِي الْأَخَاشِبِ
أَذَاخِرُ كَأَنَّهُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِلْإِذْخِرِ، شَجَرٌ مَعْرُوفٌ، جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ السِّيرَةِ، مِنْهَا: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ ثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ.
قُلْت: أَذَاخِرُ جَبَلٌ تُضَافُ إلَيْهِ الثَّنِيَّةُ، فَيُقَالُ ثَنِيَّةُ أَذَاخِر َ، وَهَذِهِ الثَّنِيَّةُ تَهْبِطُ عَلَى الْأَبْطَحِ مِنْ الشَّمَالِ عِنْدَ الْخَرْمَانِيَّةِ، وَتُفْضِي مِنْ الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ إلَى مَا كَانَ يُعْرَفُ بِمَكَّةَ السِّدْرَ، وَيُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالصُّفَيْرَاءِ، حَيٌّ مِنْ مَكَّةَ، وَقَدْ وُضِعَتْ الْيَوْمَ فِي أَسْفَلِهَا مِنْ جِهَةِ الصُّفَيْرَاءِ الْمَجْزَرَةُ، نُقِلَتْ إلَيْهَا مِنْ الْحَجُونِ. وَالْعَامَّةُ - الْيَوْمَ - تَقُولُ: «ذَاخِرٌ» بِدُونِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ، وَيُسَمُّونَ الثَّنِيَّةَ «رِيعَ ذَاخِرٍ»، وَذَكَرَهُ بِلَالٌ فَجَعَلَهُ «إذْخِرَ» لِيَسْتَقِيمَ لَهُ وَزْنُ الشِّعْرِ، فَقَالَ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَة ً ... بِفَخِّ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَكُلُّهَا قَدْ ذُكِرَتْ.

أَذْرُحُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَعْدَ الرَّاءِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: قَرْيَةٌ أُرْدُنُّيَّةٌ تُجَاوِرُ الْجَرْبَاءَ، وَقَدْ اُسْتُوْفِيَ الْحَدِيثُ عَنْهَا فِي الْجَرْبَاءِ وَبِهَا وَبِالْجَرْبَاءِ كَانَ أَمْرُ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، عَلَى الرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ.
(1/21)

وَقَدْ أَفَاضَ الشُّعَرَاءُ فِي الْقَوْلِ فِي قَضِيَّةِ الْحَكَمَيْنِ بِأَذْرُحَ فَأَوْرَدَ يَاقُوتُ مِنْهَا عِدَّةَ أَبْيَاتٍ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ لَا يَعْنِينَا الشِّعْرُ كَثِيرًا مَا لَمْ يَكُنْ نَصًّا مِنْ السِّيرَةِ، فَتَرَكْنَا مَا ذُكِرَ فِي أَذْرُحَ.

أَذْرِعَاتُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ: فَوْقَهُ جَاءَ فِي قَوْلِ شَاعِرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَذْكُرُ جَلَاءَ الْيَهُودِ:
وَأَجْلَى النَّضِيرَ إلَى غُرْبَة ... وَكَانُوا بِدَارِ ذَوِي زُخْرُفِ
إلَى أَذْرِعَاتٍ رُدَافَى وَهُمْ ... عَلَى كُلِّ ذِي دُبُرٍ أَعْجَفِ
قُلْت: خَاضَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي مَوْقِعِ أَذْرِعَاتَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا بِالشَّامِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ مَوْقِعِهَا فَقَائِلٌ إنَّهَا مِنْ الْبَلْقَاءِ، وَقَائِلٌ إنَّهَا مِنْ حَوْرَانَ. وَأَذْرِعَاتُ وَقَدْ تُسَمَّى «أَذْرِعَ» وَهُوَ الْأَصْلُ فِي اشْتِقَاقِهَا: قَرْيَةٌ - الْيَوْمَ - مِنْ عَمَلِ حَوْرَانَ، دَاخِلَ حُدُودِ الْجُمْهُورِيَّةِ السُّورِيَّةِ، قُرْبَ مَدِينَةِ «دَرْعَةَ» شَمَالًا يَدَعُهَا الطَّرِيقُ يَسَارًا وَأَنْتَ تَؤُمُّ دِمَشْقَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ مَدِينَةِ دَرْعَةَ.

الْأُرْدُنُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ، وَلَا يُنْطَقُ إلَّا مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ
جَاءَ فِي النَّصِّ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ - الْيَهُودِيُّ - قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ
(1/22)

أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانُ كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ.
قُلْت: قَبْلَ أَنْ نَصِفَ الْأُرْدُنَّ عَلَى حَالِهِ الْيَوْمَ يَجْمُلُ أَنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ عَنْهُ، وَأَحْسَنُ مَا جَاءَ فِي كُتُبِ أُولَئِكَ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا ذَكَرَهُ يَاقُوتٌ فِي مُعْجَمِهِ، قَالَ: وَهِيَ كُورَةٌ وَاسِعَةٌ مِنْهَا: الْغَوْرُ وَطَبَرِيَّةُ وَصُورُ وَعَكَّا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ الطَّيِّبِ: هُمَا أُرْدُنَّانِ ; أُرْدُنُّ الْكَبِيرِ وَأُرْدُنُّ الصَّغِيرِ، فَأَمَّا الْكَبِيرُ فَهُوَ نَهَرٌ يَصُبُّ فِي بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَبَرِيَّةَ لِمَنْ عَبَرَ الْبُحَيْرَةَ فِي زَوْرَقٍ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا، وَأَمَّا الْأُرْدُنُّ الصَّغِيرُ فَهُوَ نَهَرٌ يَأْخُذُ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ وَيَمُرُّ نَحْوَ الْجَنُوبِ فِي وَسَطِ الْغَوْرِ، فَيَسْقِي ضِيَاعَ الْغَوْرِ، وَعَلَيْهِ قُرًى كَثِيرَةٌ، مِنْهَا بَيْسَانُ وَقَرَاوَى وَأَرِيحَا وَالْعَوْجَاءُ، وَغَيْرُ ذَلِك، وَيَجْتَمِعُ هَذَا النَّهَرُ وَنَهَرُ الْيَرْمُوكِ فَيَصِيرَانِ نَهَرًا وَاحِدًا، حَتَّى يَصُبَّ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُنْتِنَةِ فِي طَرَفِ الْغَوْرِ الْغَرْبِيِّ، وَلِأُرْدُنّ عِدَّةُ كُوَرٍ مِنْهَا كُورَةُ طَبَرِيَّةَ وَكُورَةُ بَيْسَانَ وَكُورَةُ بَيْتِ رَأْسٍ وَكُورَةُ جَدْرٍ وَكُورَةُ صَفُّورِيَةَ وَكُورَةُ صُورٍ وَكُورَةُ عَكَّا.
ثُمَّ يُذْكَرُ مِنْ مُدُنِهِ أَيْضًا: أُفَيْقٌ، وَجَرْشٌ، وَقُدْسٌ، وَالْجُولَانُ. فَإِذَا كَانَ الْأُرْدُنُّ إقْلِيمًا كَبِيرًا مِنْ بِلَادِ الشَّامِ يَمْتَدُّ مِنْ الْبَحْرِ الْمَيِّتِ جَنُوبًا إلَى صُورٍ مِنْ لُبْنَانَ شَمَالًا، وَيَصِلُ إلَى الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ غَرْبًا، وَيَشْمَلُ مِنْ الشَّرْقِ إقْلِيمَ الْبَلْقَاءِ حَيْثُ كَانَتْ جَرْشٌ قَصَبَةَ تِلْكَ الْكُورَةِ.
(1/23)

الْأُرْدُنُّ فِي الْعُصُورِ الْحَدِيثَةِ: كَانَ فِي عَهْدِ الْأَتْرَاكِ مُقَسَّمًا، بَعْضُهُ يَتْبَعُ دِمَشْقَ وَبَعْضُهُ يَتْبَعُ بَيْرُوتَ وَآخَرُ يَتْبَعُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. وَبَعْدَ أَنْ وَضَعَتْ الْحَرْبُ الْعَالَمِيَّةُ الْأُولَى أَوْزَارَهَا وَأَغَارَ الْمُنْتَصِرُونَ فَاقْتَسَمُوا بِلَادَ الْعَرَبِ غَنَائِمَ حَرْبٍ، تَوَجَّهَ الْأَمِيرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ - الْمَلِكُ فِيمَا بَعْدُ - إلَى بِلَادِ الشَّامِ فَنَزَلَ مَعَانٍ مِنْ أَرْضِ الشُّرَاةِ، فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُؤَسِّسَ إمَارَةً عَرَبِيَّةً جَعَلَ عَاصِمَتَهَا عُمَّانَ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْإِمَارَةُ إمَارَةَ شَرْقِ الْأُرْدُنِّ، ذَلِك أَنَّ الْأُرْدُنَّ أَصْبَحَ عَلَمًا عَلَى النَّهْرِ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ بُحَيْرَةِ الْحُوَلَةِ وَيَصُبُّ فِي الْبَحْرِ الْمَيِّتِ، وَهَذِهِ الْإِمَارَةُ تَشْمَلُ الْأَرْضَ الْوَاقِعَةَ إلَى الشَّرْقِ مِنْ ذَلِك النَّهْرِ، وَبِالتَّحْدِيدِ: مِنْ الْمَدُورَةِ - سَرْغٌ قَدِيمًا - جَنُوبًا، إلَى الرَّمْثَاءِ - فِي حَوْرَانَ - شَمَالًا، وَمِنْ نَهَرِ الْأُرْدُنِّ غَرْبًا إلَى أَعْمَاقِ صَحْرَاءِ الْعَرَبِ شَرْقًا، وَتَطُلُّ عَلَى رَأْسِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ بِمِينَائِهَا الْوَحِيدِ «الْعَقَبَةِ».
وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ سَنَةَ 1368 هـ 1948 م كَانَ الْجَيْشُ الْأُرْدُنُّيُّ قَدْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى جُزْءٍ كَبِيرٍ وَمُهِمٍّ مِنْ فِلَسْطِينَ، يَشْمَلُ مَدِينَةَ الْقُدْس ِ وَنَابُلُسَ وَجُنَيْنٍ وَالْخَلِيلِ وَأَرِيحَا، وَمُدُنًا كَثِيرَةً أُخْرَى. فَاخْتَارَ أَهْلُ الْقِسْمِ الْمُحَرَّرِ مِنْ فِلَسْطِينَ الِانْضِمَامَ إلَى شَرْقِ الْأُرْدُنِّ فَتَكَوَّنَتْ الْمَمْلَكَةُ الْأُرْدُنُّيَّةُ الْهَاشِمِيَّةُ، وَسُمِّيَتْ مِنْطَقَةُ شَرْقِ الْأُرْدُنِّ الضَّفَّةَ الشَّرْقِيَّةَ، وَسُمِّيَتْ الْمِنْطَقَةُ الْمُحَرَّرَةُ مِنْ فِلَسْطِينَ الضَّفَّةَ الْغَرْبِيَّةَ.
غَيْرَ أَنَّ الْحَرْبَ عَادَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ، أَثَارَهَا مَنْ لَا يَعْرِفُ إمْكَانِيَّاتِهِ وَلَيْسَتْ لَدَيْهِ خِبْرَةٌ بِشُؤُونِ الْعَرَبِ الْيَوْمَ وَقُدُرَاتِهِمْ، فَاحْتَلَّ الْيَهُودُ مَا كَانَ بَاقِيًا مِنْ فِلَسْطِينَ سَنَةَ 1387 هـ 1967 م.
(1/24)

وَظَلَّ الْعَرَبُ بَعْدَ ذَلِك وَلَا يَزَالُونَ يَسْتَجْدُونَ الْعَالَمَ وَيُقَدِّمُونَ الِاحْتِجَاجَ تِلْوَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى احْتِلَالِ بَنِي صَهْيُونَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ.
إنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمِ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.

أَرْضُ بَابِلَ اُنْظُرْ قَرْطَاجَنَّة، وَبَابِلُ.
أَرْضُ خَثْعَمٍ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: ثُمَّ مَضَى أَبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِك يُرِيدُ مَا خَرَجَ لَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَم ٍ عَرَضَ لَهُ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فِي قَبِيلَيْ خَثْعَمٍ: شَهْرَانِ وَنَاهِسٌ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ. . إلَخْ.
قُلْت: أَرْضُ خَثْعَمٍ كَانَتْ وَمَا زَالَتْ بَيْنَ جَرْشٍ وَبِيشَةَ فَإِلَى شُعُوفِ السَّرَاةِ وَإِلَى الْبَيَاضِ شَرْقًا، وَكَانَ النَّسَّابُونَ يَقُولُونَ: خَثْعَمٌ سُمِّيَتْ بِجَبَلِ نَزَلَتْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: تَخَثْعَمُوا أَيْ تَلَطَّخُوا بِالدَّمِ لِحِلْفِ عَقَدُوهُ بَيْنَهُمْ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ النَّسَّابِينَ أَنَّ خَثْعَمَ هِيَ شَهْرَانِ وَنَاهِسُ ابْنَا عفرس بْنِ خَلَفِ بْنِ أَفْتَل بْنِ أَنْمَارٍ، وَفِي أَنْمَارٍ خِلَافٌ وَلَكِنْ هُنَاكَ مِنْ يُضِيفُ إلَيْهِمَا أَكْلَبُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، أَيْ حَالِفُهُمْ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ ثَلَاثَ قَبَائِلَ، وَكَثُرَتْ شَهْرَانُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَتَّى سُمِّيَتْ «شَهْرَانُ الْعُرَيْضَةَ» وَانْفَصَلَتْ فِي التَّسْمِيَةِ عَنْ خَثْعَمٍ، وَكَذَلِكَ أَكْلَبُ فَيُقَالُ الْيَوْمَ: شَهْرَانُ وَأَكْلَبُ وَخَثْعَمٌ، فَشَهْرَانُ لَهَا خَمِيسٌ مُشِيطٌ إلَى بِيشَةَ وَأَكْلَبُ فِي بِيشَةَ، وَخَثْعَمٌ بَيْنَ الْبَاحَةِ وَالنِّمَاص، وَأَكْبَرُ بُطُونِهَا الْيَوْمَ شِمْرَانِ وَالْعَلِيَّانِ.
(1/25)

أَرْضُ بَنِي سُلَيْمٍ جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ: وَغَزْوَةُ أَبِي الْعَوْجَاءِ السُّلَمِيّ أَرْضُ بَنِي سُلَيْمٍ، أُصِيبَ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا.
قُلْت: أَرْضُ بَنِي سُلَيْمٍ كَانَتْ وَاسِعَةً شَاسِعَةً، تَشْمَلُ مُعْظَمَ حَرَّةِ الْحِجَازِ مِنْ جَنُوبِيِّ الْمَدِينَةِ إلَى شَمَالِيِّ مَكَّةَ، وَهِيَ الْحَرَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُسَمَّى حَرَّةَ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ تَنْسَابُ دِيَارُهُمْ مُشْرِقَةً حَتَّى تَصِلَ إلَى الدُّفَيْنَةِ وَحَرَّةِ كَشْبٍ وَمَشَارِفِهَا الشَّرْقِيَّةِ وَإِلَى قُرْبِ الرَّبَذَةِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا - فِيمَا يَبْدُو - هِيَ الْأَرْضُ الْقَرِيبَةُ مِنْ مَهْدِ الذَّهَبِ، فَالْغَزْوَةُ كَانَتْ هُنَاكَ.

أَرْضُ الْعِرَاقِ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ حَسَّانُ بْنُ تَبَّان َ أَسْعَدُ أَبِي كَرْبٍ سَارَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ بِهِمْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْأَعَاجِمِ، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ أَرْضِ الْعِرَاقِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِالْبَحْرَيْنِ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ - كَرِهَتْ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ مِنْ الْيَمَنِ الْمَسِيرَ مَعَهُ. . إلَخْ
قُلْت: الْعِرَاقُ، الْأَرْضُ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا نَهَرَا دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ: الْعِرَاقَانِ، فَيُرَادُ بِهِمَا الْبَصْرَةُ وَالْكُوفَةُ، وَكَانَ يُقَالُ: الْعِرَاقُ: أَرْضُ بَابِلَ، وَبَابِلُ مَعْرُوفَةٌ مِنْ الْعِرَاقِ، وَهِيَ الْيَوْمُ دَوْلَةٌ مِنْ دُوَلِ الْعَرَبِ عَاصِمَتُهَا بَغْدَادُ، أَمَّا قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: بِالْبَحْرَيْنِ:
فَالْبَحْرَيْنِ لَيْسَتْ مِنْ الْعِرَاقِ، غَيْرَ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يُسَمُّونَ السَّاحِلَ عِرَاقًا، فَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، وَاسْمُ الْبَحْرَيْنِ كَانَ يُطْلَقُ عَلَى سَاحِلِ نَجْدٍ بَيْنَ قَطَرٍ وَالْكُوَيْتِ
(1/26)

وَالْعِرَاقُ - الْيَوْمَ - غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَلَكِنْ أَوْرَدْته هُنَا لِالْتِزَامِي بِتَحْدِيدِ كُلِّ مَوْضِعٍ وَرَدَ فِي السِّيرَةِ، وَفِي هَذَا الْكِتَابِ ذِكْرٌ لِكَثِيرِ مِنْ مُدُنِ الْعِرَاقِ.

أَرْضُ الْعَرَبِ جَاءَتْ فِي النَّصِّ:. . . وَكَانَ مَوْقِعُ أَصْلِ ذَلِكَ الدِّينِ - دِينِ عِيسَى - بِنَجْرَان، وَهِيَ بِأَوَاسِطِ (أَرْضِ الْعَرَبِ) فِي ذَلِك الزَّمَانِ.
قُلْت: أَرْضُ الْعَرَبِ فِي كِتَابَاتِ الْمُتَقَدِّمِينَ يُقْصَدُ بِهَا جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي حُدُودِ هَذِهِ الْجَزِيرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ مَا بَيْنَ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ وَالْخَلِيجِ وَالْمُحِيطِ الْهِنْدِيِّ وَبَادِيَةِ الشَّامِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ بِهَذِهِ الْحُدُودِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: تَمْتَدُّ شِمَالًا، يَحُدُّهَا مِنْ الشَّرْقِ الْفُرَاتُ، وَمِنْ الْغَرْبِ نَهَرُ الْأُرْدُنِّ، فَتَشْمَلُ بِذَلِكَ بِلَادَ الشَّامِ الشَّرْقِيَّةَ، مِثْل: الْبَلْقَاءِ وَحَوْرَانَ وَمَا شِمَالُ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ، وَهَذِهِ أَرْضُ الْعَرَبِ الَّتِي جَاءَهُمْ الْإِسْلَامُ وَهُمْ سُكَّانُهَا. وَكُتَّابُ الْيَوْمِ يَقُولُونَ «بِلَادُ الْعَرَبِ»، وَيَقْصِدُونَ: الْجَزِيرَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَالْعِرَاقَ وَكُلَّ بِلَادِ الشَّامِ. وَإِذَا أَضَافُوا عَرَبَ إفْرِيقِيَا، قَالُوا: الْعَالَمُ الْعَرَبِيُّ.

أَرِيكُ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ، وَآخِرُهُ كَافٌ. ذُكِرَ فِي مُجَدَّل.
أُرَيْنَقُ كَتَصْغِيرِ أَرْنَقٍ، لَعَلَّهُ مِنْ الرَّنَقِ، وَهُوَ الطِّينُ الَّذِي يُخَلِّفُهُ السَّيْلُ:
(1/27)

جَاءَ فِي قَوْلِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ الْأَنْصَارِيِّ يَرُدُّ عَلَى عَبَّاسٍ شِعْرَهُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي الشَّظَاةِ:
تَبْكِي عَلَى قَتْلَى يَهُودَ وَقَدْ تَرَى ... مِنْ الشَّجْوِ لَوْ تَبْكِي أَحَبَّ وَأَقْرَبَا
فَهَلَّا عَلَى قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِقٍ ... بَكَيْت وَلَمْ تُعْوِلْ مِنْ الشَّجْوِ مُسْهِبًا
قُلْت: لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِأُرَيْنِقَ هَذَا فَحَدِّدْهُ، وَوَاضِحٌ مِنْ الشِّعْرِ أَنَّهُ وَادٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ قُتِلَ فِيهِ قَوْمٌ لَهُمْ صِلَةٌ بِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَرَادَ خَصْمُهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ بِهِمْ. وَعَبَّاسُ قَالَ شِعْرَهُ فِي بُكَاءِ يَهُودَ قَبْلَ إسْلَامِهِ، وَقَدْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِك وَحَسُنَ إسْلَامُهُ فَأَصْبَحَ صَحَابِيًّا.

إسَافٌ وَنَائِلَةُ كَانَا صَنَمَيْنِ عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ، يَنْحَرُونَ عِنْدَهُمَا. وَكَانَ إسَافٌ وَنَائِلَةُ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمَ - إسَافُ بْنُ بَغِيٍّ، وَنَائِلَةُ بِنْتُ دِيكٍ - فَوَقَعَ إسَافٌ عَلَى نَائِلَةَ فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ.
وَقَدْ نَصَّبَتْ جُرْهُمُ إسَافًا وَنَائِلَةَ لِيَعْتَبِرَ بِهَا أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْفُجُورِ، وَكَانَا عِبْرَةً لِمَنْ اعْتَبَرَ فَلَمَّا طَالَ الْأَمَدُ عَبَدُوهُمَا فِيمَا عَبَدُوا مِنْ الْأَصْنَامِ، ثُمَّ ذَهَبَا مَعَ هُبَلَ وَأَمْثَالِهِ، بَعْدَ الْفَتْحِ، فَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ لِهَذِهِ الْأَصْنَامِ مَوْضِعٌ وَلَا أَثَرٌ.

أَشْمَذَانُ مُثَنَّى أَشْمَذَ: ذُكِرَ فِي كَلِمَةِ «السِّرِّ»، وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ جِبَالِ مَا بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ.
(1/28)

الْأَصَابِعُ (ذَاتُ. .) ذُكِرَتْ فِي (عَذْرَاءَ)
الْأَصَافِرُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِأَصْفَرَ: ذُكِرَتْ فِي الدَّبَّةِ.
إضَمٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ مِيمٌ، جَاءَ ذِكْرُهُ فِي إحْدَى الْغَزَوَاتِ، وَهِيَ غَزْوَةُ (بَطْنِ إضَمٍ).
قُلْت: إضَمٌ، هُوَ وَادِي الْمَدِينَةِ إذَا اجْتَمَعَتْ أَوَدِيَتُهَا الثَّلَاثَةُ - بَطْحَانُ وَقَنَاةُ وَالْعَقِيقِ - بَيْنَ أُحُدٍ وَالشَّرْثَاءِ يُسَمَّى الْوَادِي «الْخَلِيلَ» إلَى أَنْ يَتَجَاوَزَ كُتَانَةَ الَّتِي يَذْكُرُهَا «كَثِيرٌ» - وَهِيَ غَيْرُ كُتَانَةِ غَيْقَةَ - فَيُسَمَّى الْوَادِي «وَادِيَ الْحَمْضِ» إلَى أَنْ يَصُبَّ فِي الْبَحْرِ بَيْنَ الْوَجْهِ وَأُمِّ لَجٍّ. هَذِهِ أَسَمَاؤُهُ الْيَوْمَ، أَمَّا اسْمُهُ قَدِيمًا، فَكَانَ يُسَمَّى إضَمًا مُنْذُ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الرَّوَافِدِ إلَى أَنْ يَصُبَّ فِي الْبَحْرِ.

الْأَضْوَجُ كَأَنَّهُ جَمْعُ ضَوْجٍ:
جَاءَ فِي قَوْلِ كَعْبٍ يَرْثِي حَمْزَة َ وَشُهَدَاءَ أُحُدٍ:

وَقَتْلَاهُمْ فِي جِنَانِ النَّعِيم ِ ... كِرَامُ الْمَدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ
بِمَا صَبَرُوا تَحْتَ ظِلِّ اللِّوَاءِ ... لِوَاءِ الرَّسُولِ بِذِي الْأَضْوَجِ
وَجَاءَ فِي فَسَّرَهُ فِي حَوَاشِي السِّيرَةِ: أَنَّهُ جَانِبُ الْوَادِي، وَجَانِبُ الْوَادِي كَثِيرًا مَا يَكُون سَفْحَ جَبَلٍ، أَيْ أَنَّهُ مِثْلُ الْجَرِّ، الْآتِي، وَهُوَ يَقْصِدُ وَادِي قَنَاةَ مِنْ جَانِبِ أُحُدٍ
(1/29)

حَيْثُ قَبْرُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَوْرَدَهُ يَاقُوتٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ، وَأَوْرَدَ الْبَيْتَ الْأَخِيرَ مُسْقِطًا الْبَيْتَ الْأَوَّلَ وَبَيْتٌ قَبْلَهُ وَرَدَ فِي السِّيرَةِ، وَمَهْمَا يَكُنْ فَالْمَكَانُ مِنْ جَانِبِ أُحُدٍ حَيْثُ دَارَتْ الْمَعْرَكَةُ.

أَطْرِقَا كَأَنَّهُ أَمْرٌ لِلِاثْنَيْنِ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِي ِّ، يُخَاطِبُ بَنِي كَعْب ٍ مِنْ خُزَاعَةَ، وَكَانَ يُطَالِبُهُمْ بِدَمِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ:
إنِّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا فَتَهْرُبُوا ... وَأَنْ تَتْرُكُوا الظَّهْرَانَ تَعْوِي ثَعَالِبُهْ
وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا ... وَأَنْ تَسْأَلُوا: أَيَّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهْ
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ:
عَلَى أَطْرِقَا بَالِيَاتُ الْخِيَا ... مِ، إلَّا الثُّمَامَ وَإِلَّا الْعِصِيُّ
وَلَمْ يَتَّفِقْ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى تَحْدِيدٍ لَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا شَكَّ مِنْ نَوَاحِي مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ يَكُونُ كَانَ بَيْنَ دِيَارِ خُزَاعَةَ وَهُذَيْلٍ، حَيْثُ يَرْتَادُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ، أَيْ أَنِّهِ شَرْقَ بَلْدَةِ الْجُمُومِ وَجُنُوبَ مَكَّةَ، وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ.

أَطْلَاحٌ (ذَاتُ. .) جَاءَتْ فِي ذِكْرِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذْ قَالَ: وَغَزْوَةُ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ الْغِفَارِيِّ (ذَاتُ أَطْلَاحٍ) مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
(1/30)

كَذَا قَالَ: مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانَ الْأَقْدَمُونَ - يَرْحَمُهُمْ اللَّهُ - يَلْجَئُونَ إلَى مِثْلِ هَذَا التَّحْدِيدِ الْوَاسِعِ إذَا غُمَّ عَلَيْهِمْ الْمَكَانُ، وَصَاحِبُ السِّيرَةِ مَا كَانَ مَعْنِيًّا كَثِيرًا بِتَحْدِيدِ الْمَوَاضِعِ، إنَّمَا كَانَ يَهُمُّهُ الْحَدَثَ، وَكَانَتْ أَرْضُ الشَّامِ عِنْدَهُمْ مَا تُجَاوِزُ تَيْمَاءَ شَمَالًا أَيْ عَلَى بُعْدِ نَيِّفٍ وَسِتِّمِائَةِ كَيْلٍ شَمَالَ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ بِاتِّفَاقِ الْجُغْرَافِيِّينَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ لَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، حَيْثُ عَدَّ بَعْضُهُمْ مَعَانَ مِنْ الْحِجَازِ، وَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُ ذَاتَ أَطْلَاحٍ الْيَوْمَ.

الْأَعْرَابِيَّةُ كَالْمَنْسُوبَةِ: إلَى الْأَعْرَابِيِّ، وَهُوَ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ: اُنْظُرْ قَرْطَاجَنَّة.
الْأَعْوَصُ كُلُّ حُرُوفِهِ مُهْمَلَةٌ، وَبَيْنَ الْعَيْنِ وَالصَّادِ وَاوٌ:
جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُنَقَّى. وَهُوَ وَادٍ يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ الْغَرْبِ جَبَلُ (وُعَيْرَةَ) وَفِيهِ مَطَارُ الْمَدِينَةِ الْيَوْمَ، يَصُبُّ فِي وَادِي الشَّظَاةِ «صَدْرُ قَنَاةَ» مِنْ الشَّمَالِ، شَمَالِ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ عَلَى 17 كَيْلًا. وَعِنْدَمَا عُبِّدَ طَرِيقُ الشَّامِ سَلَكَ فِيهِ، وَفِيهِ يَفْتَرِقُ طَرِيقُ الشَّامِ عَنْ طَرِيقِ الْقَصِيمِ.

أَفْسُوسُ مَدِينَةٌ. اُنْظُرْ قَرْطَاجَنَّة.
إلَالٌ بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَبَعْضُهُمْ يَفْتَحُهَا:
وَرَدَ فِي لَامِيَّةِ أَبِي طَالِبٍ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ:
وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إذَا عَمَدُوا لَهُ ... إلَالٌ إلَى مُفْضَى الشَّرَاَجِ الْقَوَابِلِ
(1/31)

قُلْت. إلَالٌ، جَبَلُ عَرَفَةَ، وَهُوَ أَكَمَةٌ مُرْتَفِعَةٌ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنْ عَرَفَةَ، وَكَانَ يُسَمَّى «النَّابِتَ» أَيْضًا لِأَنَّهُ كَالنَّبْتَةِ فِي الْأَرْضِ السَّهْلِ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ جَبَلُ عَرَفَةَ وَجَبَلُ الرَّحْمَةِ، وَتُسَمِّيهِ الْبَادِيَةُ الْقُرَيْنَ. قَالَ بَدَوِيٌّ: حَمِدْت اللَّيّ مَنَعَنِي مِنْ ثَقِيفٍ وَمِنْ بَنِي سُفْيَانَ
حَمِدْت اللَّيّ مَنَعَنِي مِنْ ثَقِيفٍ وَمِنْ بَنِي سُفْيَانَ ... بَعْد صكو عَلَى الْجَيْشِ الأغبرماش ماويه
عَطَوَا بِي مِنْ يَمَانِي الْقُرَيْنِ وَمِنْ طَرَفِ نُعْمَانِ ... مُكَتَّفَةً يَدَيْهِ بِالْحِبَالِ وَطُلْقٌ رَجُلَيْهِ

أَمَجُ بِالتَّحْرِيكِ، وَآخِرُهُ جِيمٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي عُسْفَانَ، وَفِي خَبَرِ مُهَاجَرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَيُعْرَفُ أَمَجُ الْيَوْمَ بِخُلَيْصٍ: وَادٍ زِرَاعِيٌّ عَلَى مِائَةِ كَيْلٍ مِنْ مَكَّةَ شَمَالًا عَلَى الْجَادَّةِ الْعُظْمَى. وَقَدْ أَفَضْت عَنْهُ الْقَوْلَ فِي الْمُعْجَمِ كَانَ مِنْ دِيَارِ كِنَانَةَ، ثُمَّ آلَ إلَى حَرْبٍ، وَهُمْ سُكَّانُهُ الْيَوْمَ.
أَمَرُ (ذُو. .) بِالتَّحْرِيكِ جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ غَزْوَةِ السَّوِيقِ، أَقَام َ بِالْمَدِينَةِ بَقِيَّةَ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، ثُمَّ غَزَا نَجْدًا، يُرِيدُ غَطَفَانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ ذِي أَمَرَ،
(1/32)

قُلْت حَدَّدَهُ الْأَقْدَمُونَ قُرْبَ النَّخِيلِ، وَالنَّخِيلُ: بَلْدَةٌ وَوَادٍ شَمَالَ الْحِنَاكِيَّةِ غَيْرُ بِعِيدِ، إذَا سِرْت مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ نَجْدٍ فَقَطَعْت مَسَافَةَ نَحْوٍ مِنْ تِسْعِينَ كَيْلًا فَرَقَ دَرْبُ النَّخِيلِ يَسَارَك، وَهُوَ مِنْ هُنَاكَ عَلَى قَرَابَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ كَيْلًا. وَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُ «ذَا أَمَرَ» الْيَوْمَ.

أَنْصَابُ الْحَرَمِ تَرِدُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ. وَهِيَ أَنْصَابٌ مَبْنِيَّةٌ مِنْ الْحِجَارَةِ، الْمُجَصَّصَةِ، عَلَى جَوَانِبِ الطُّرُقِ الْخَارِجَةِ مِنْ مَكَّةَ، فَمَا وَرَاءَهَا حِلٌّ، وَمَا دُونَهَا حَرَامٌ. وَهِيَ حُدُودٌ مَوْرُوثَةٌ مِنْ عَهْدِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَافَظَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَرِّ السِّنِينَ.
أَنْصِنَا كُورَةٌ مِنْ مِصْرَ فِي الصَّعِيدِ شَرْقِيِّ النِّيلِ، خَرَّجَتْ عُلَمَاءَ نُسِبُوا إلَيْهَا، جَاءَتْ مَقْرُونَةً مَعَ حَفْنٍ فِي النَّصِّ، اُنْظُرْهَا
أَوَانٌ (ذُو. .) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ وَأَلِفٍ قَبْلَ النُّونِ: جَاءَ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ ; قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا نَزَلَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذِي أَوَانٍ، أَتَاهُ حَبْرُ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَالِكَ بْنَ الدَّخْشَمِ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقَالَ: انْطَلَقَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ، وَحَرِّقَاهُ. وَيَقُولُ ابْنُ إسْحَاقَ - أَيْضًا -: ذِي أَوَانٍ: بَلَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ.
(1/33)

قُلْت: حَدَّدَهُ ابْنُ إسْحَاقَ بِسَاعَةِ مِنْ نَهَارٍ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ غَرْبِيِّ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْعَائِدِ مِنْ تَبُوكَ، وَنَقَلَ يَاقُوتٌ قَوْلَ ابْنِ إسْحَاقَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْبَكْرِيُّ. وَلَا قَوْلَ فِيهِ غَيْرَ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ، إلَّا أَنَّ الْبَكْرِيَّ شَكَّك فِي صِحَّةِ الِاسْمِ وَقَالَ: أَظُنُّهُ (أَرْوَانُ) ثُمَّ أَلْمَحَ إلَى بِئْرِ ذَرْوَانَ، وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْمَدِينَةِ.

الْأَوْرَالُ جَمْعُ وَرَلٍ، وَهُوَ حَشَرَةٌ تُشْبِهُ الضَّبَّ: ذُكِرَتْ فِي (بُسَّ).
أُورْشَلِيمُ اُنْظُرْ قَرْطَاجَنَّة وَالْقُدْسَ.
أَوْطَاسٌ كَأَنَّهُ جَمْعُ وَطَسٍ: جَاءَ فِي ذِكْرِ يَوْمِ حُنَيْنٍ، قَالَ: سَأَلَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: بِأَيِّ وَادٍ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: بِأَوْطَاسٍ، قَالَ: نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ = إِ لَا حَزْنٍ. ضَرِسٍ وَلَا سَهْلٍ دَهْسٍ.
قُلْت: وَقَوْلُ دُرَيْدٍ هَذَا حَدَا بِبَعْضِ الْبَاحِثِينَ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ أَوْطَاسًا مِنْ حُنَيْنٍ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ، فَأَوْطَاسٌ سَهْلٌ يَقَعُ عَلَى طَرِيقِ حَاجِّ الْعِرَاقِ إذَا أَقْبَلَ مِنْ نَجْدٍ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ الْحَرَّةَ، فَالْحَاجُّ، حَاجُّ الْبَصْرَةِ - إذَا تَسَهَّلَ مِنْ كَشْبٍ مَرَّ بِطَرَفِ وَجْرَةَ الشَّمَالِيِّ، ثُمَّ فِي غَمْرَةَ، وَبِهَا بِرْكَةٌ تُنْسَبُ إلَى زُبَيْدَةَ، ثُمَّ يَجْزَعُ وَادِي الْعَقِيقَ - وَلَيْسَ هَذَا بِعَقِيقِ الْمَدِينَةِ - ثُمَّ يَسِيرُ فِي أَوْطَاسٍ سَاعَةً، فَهِيَ ضَفَّةُ الْعَقِيقِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَصْعَدُ الْحَرَّةَ فَيَرِدُ الضَّرِيبَةَ الْمِيقَاتَ، فَهِيَ شَمَالَ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، وَشَمَالَ بَلْدَةِ عُشَيْرَةَ، وَتَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ قَرَابَةَ (190) كَيْلًا عَلَى طَرِيقٍ مُتَعَرِّجَةٍ،
(1/34)

وَكَانَ حَاجُّ الْعِرَاقِ يَخْرُجُ مِن مَكَّةَ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ هِيَ طَرِيقُ الْمُنَقَّى، فَإِذَا وَصَلَ إلَى أَوْطَاسٍ افْتَرَقَ، فَذَهَبَ الْبَصْرِيُّ يَمِينًا، وَالْكُوفِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ يَسَارًا.

الْأَوْلَاجُ ذُكِرَتْ فِي: الْحَرَّةِ الرَّجْلَاءِ.
أَيْلَةُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَفَتْحِ اللَّامِ وَهَاءٍ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الْكَوْثَرِ»، وَذِكْرُهَا فِي كُتُبِ التَّارِيخِ مُسْتَفِيضٌ، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ «الْعَقَبَةِ» مِينَاءُ الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ، عَلَى رَأْسِ خَلِيجٍ يُضَافُ إلَيْهَا «خَلِيجُ الْعَقَبَةِ»، وَهِيَ عَامِرَةٌ كَثِيرَةُ التِّجَارَةِ مِينَاؤُهَا يَزْدَحِمُ بِالسُّفُنِ، وَبِهَا فَنَادِقُ وَمُتَنَزَّهَاتٌ عَلَى الشَّاطِئِ وَخَلِيجُ الْعَقَبَةِ أَحَدُ شُعْبَتَيْ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ.
وَقَدْ أَفَضْت الْحَدِيثَ عَنْهَا وَخَلِيجِهَا وَالْبَحْرِ الْأَحْمَرِ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ». وَلَهَا ذِكْرٌ فِيمَا قَدَّمْنَا فِي رَسْمِ (جَرْبَاءَ). وَكَانَ الِاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى كَعْبَةٍ كَأَدَاءِ تَأْتِي الْمَدِينَةَ مِنْ الْجَنُوبِ، وَكَانَ فَمُهَا يُسَمَّى الْبُوَيْبُ، ثُمَّ أُضِيفَتْ الْمَدِينَةُ إلَى تِلْكَ الْعَقَبَةِ، فَقِيلَ: مَدِينَةُ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ الْبُوَيْبُ سَنَةَ 1379 هـ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْمَمْلَكَتَيْنِ الْأُرْدُنِّيَّةِ وَالسُّعُودِيَّةِ، فَكَانَ الْمِخْفَرُ السُّعُودِيُّ بِجَانِبِهِ الْقِبْلِيِّ، وَكَانَ الْمِخْفَرُ الْأُرْدُنُّيُّ بِجَانِبِهِ الشَّمَالِيِّ، وَكُنْت أَتَرَدَّدُ آنَذَاكَ عَلَى الْعَقَبَةِ، ثُمَّ عُدِّلَتْ الْحُدُودُ بَيْنَ الدَّوْلَتَيْنِ فَدَخَلَ فِي الْأُرْدُنِّ.

إيلِيَاءُ ذُكِرَتْ فِي «الْمَسْجِدِ الأقصى»:
(1/35)

الْأَبْوَاءُ عَلَى زِنَةِ جَمْعِ بَوٍّ: تَرَدَّدَتْ فِي السِّيرَةِ، وَجَاءَ ذِكْرُهَا فِي غَزْوَةِ وَدَّانَ، وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ.
وَالْأَبْوَاءُ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، كَثِيرُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ، يَلْتَقِي فِيهِ وَادِيَا الْفَرْعِ وَالْقَاحَةِ فَيَتَكَوَّنُ مِنْ الْتِقَائِهِمَا وَادِي الْأَبْوَاءِ، كَتَكَوُّنِ وَادِي مَرِّ الظَّهْرَانِ مِنْ الْتِقَاءِ النَّخْلَتَيْنِ، وَيَنْحَدِرُ وَادِي الْأَبْوَاءِ إلَى الْبَحْرِ جَاعِلًا أَنْقَاضَ وَدَّانَ عَلَى يَسَارِهِ، وَثَمَّ طَرِيقٌ إلَى هَرْشَى، وَيَمُرُّ بِبَلْدَةِ مَسْتُورَةَ ثُمَّ يُبْحِرُ.
وَيُسَمَّى الْيَوْمَ «وَادِي الْخُرَيْبَةِ» غَيْرَ أَنَّ اسْمَ الْأَبْوَاءِ مَعْرُوفٌ لَدَى الْمُثَقَّفِينَ، وَسُكَّانُهُ: بَنُو مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو، وَبَنُو أَيُّوبَ مِنْ الْبِلَادِيَّةِ مِنْ بَنِي عَمْرٍو.

بَابٌ وَرَدَ فِي السِّيرَةِ وَشُرُوحَاتِهَا ذِكْرُ بَعْضِ الْأَبْوَابِ، كَأَبْوَابِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَبْوَابَ تَغَيَّرَتْ مَعَ تَجَدُّدِ عِمَارَاتِ الْمَسْجِدَيْنِ، فَلَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ مُعْظَمُهَا، وَلَمْ تَعُدْ لِمَعْرِفَتِهِ فَائِدَةٌ. وَفِي الْمُعْجَمِ ذُكِرَتْ مُعْظَمُ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَخَاصَّةً الْمَعْرُوفَةُ مِنْهَا.
بَابِلُ بَاءَانِ مُوَحَّدَتَانِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ، وَآخِرُهُ لَامٌ: جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَنْزَلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
قُلْت: هِيَ مَدِينَةُ الْعِرَاقِ الْعَظِيمَةُ ذَاتُ التَّأْرِيخِ الْمَجِيدِ، الْمَشْهُورَةُ بِحَدَائِقِهَا: «حَدَائِقِ بَابِلَ الْمُعَلَّقَةِ» وَكَانَتْ إحْدَى عَجَائِبِ الدُّنْيَا الْقَدِيمَةِ السَّبْعِ. وَقَدْ انْدَثَرَتْ بَابِلُ، وَلَكِنَّ آثَارَهَا لَا زَالَتْ بَاقِيَةً يَؤُمُّهَا مِئَاتُ السُّيَّاحِ يَوْمِيًّا.
تَقَعُ آثَارُ بَابِلَ بَيْنَ النَّهَرَيْنِ، وَهِيَ إلَى الْفُرَاتِ أَقْرَبُ، فِي الْجَنُوبِ مِنْ بَغْدَادَ، وَإِلَى الشَّرْقِ مِنْ كَرْبَلَاءَ، بِجِوَارِ مَدِينَةِ الْحُلَّةِ، وَالطَّرِيقُ الْغَرْبِيَّةُ بَيْنَ بَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ تَمُرُّ بِآثَارِ بَابِلَ.

بَارِقٌ بِلَفْظِ الْبَارِقِ الَّذِي يَبْرُقُ فِي السَّحَابِ: مَوْضِعٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ يُقْرَنُ مَعَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ قَالُوا: هُوَ مَاءٌ، وَهُوَ الْحَدُّ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْبَصْرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْكُوفَةِ.
(1/39)

قُلْت: لَا أَرَى لِذِكْرِهِ مَعَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْبَصْرَةِ مُنَاسَبَةٌ، فَهُوَ لَا شَكَّ مِنْ الْكُوفَةِ قُرْبَ الْحِيرَةِ وَالْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ، فَهُوَ يُذْكَرُ فِي الشِّعْرِ مَعَ الْأَخِيرَيْنِ:

بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ
فَقُرْبُهُ مِنْهُمَا يُسَاوِي قُرْبَ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ. وَلَا أَرَاهُ يُعْرَفُ الْيَوْمَ، وَانْظُرْ: السَّدِيرَ، وَالْخَوَرْنَقَ.

الْبَتْرَاءُ ذُكِرَتْ فِي غُرَابٍ.
بُحْرَانُ كَذَا وَرَدَ فِي النُّصُوصِ الْقَدِيمَةِ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَعَلَى صِيغَةِ زِنَةِ فُعْلَانَ: جَاءَ ذِكْرُهُ فِي سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلَى نَخْلَةَ.
وَهُوَ جَبَلٌ يَضْرِبُ إلَى الْخُضْرَةِ وَالسُّمْرَةِ، بَيْنَ وَادِي حَجَرٍ الْمَعْرُوفِ قَدِيمًا بِالسَّائِرَةِ، وَمَرِّ عُنَيْبٍ الْمَعْرُوفِ الْيَوْمَ بِمَرِّ وَبِوَادِي رَابِغٍ، يَقَعُ بُحْرَانُ عِنْد الْتِقَائِهِمَا، يَفْتَرِقَانِ عَنْهُ. شَرْقَ مَدِينَةِ رَابِغٍ عَلَى (90) كَيْلًا. وَهُوَ فِي دِيَارِ زُبَيْدٍ مِنْ حَرْبٍ.

بِحَرَّةِ الرُّغَاءِ ذُكِرَتْ فِي قَرْنٍ.
الْبَحْرَيْنِ بِلَفْظِ مُثَنَّى بَحْرٍ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ فِي «أَرْضِ الْعِرَاقِ» وَقَدْ أَلْمَحْنَا إلَيْهِ هُنَاكَ، وَالْبَحْرَيْنُ كَانَ اسْمًا لِسَوَاحِلِ نَجْدٍ بَيْنَ قَطَرَ وَالْكُوَيْتِ، وَكَانَتْ هَجَرُ قَصَبَتَهُ، وَهِيَ الْهُفُوفُ الْيَوْمَ وَقَدْ تُسَمَّى «الْحَسَا» ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى هَذَا الْإِقْلِيمِ اسْمُ الْأَحْسَاءِ حَتَّى نِهَايَةِ الْعَهْدِ الْعُثْمَانِيِّ، وَانْتَقَلَ اسْمُ
(1/40)

الْبَحْرَيْنِ إلَى جَزِيرَةٍ كَبِيرَةٍ تُوَاجِهُ هَذَا السَّاحِلَ مِنْ الشَّرْقِ، هَذِهِ الْجَزِيرَةُ كَانَتْ تُسَمَّى «أَوَالُ» وَهِيَ إمَارَةُ الْبَحْرَيْنِ الْيَوْمَ. وَعِنْدَمَا تَكَوَّنَتْ الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ أُطْلِقَ عَلَى هَذَا الْإِقْلِيمِ اسْمُ «الْمِنْطَقَةِ الشَّرْقِيَّةِ» وَجُعِلَتْ مَدِينَةُ الدَّمَّامِ قَاعِدَتَهَا، وَالْإِقْلِيمُ مِنْ الْأَقَالِيمِ الْعَامِرَةِ، كَثِيرُ الْمُدُنِ وَالْمِيَاهِ وَالسُّكَّانِ.
وَمِنْ أَهَمِّ مُدُنِهِ: الْهُفُوفُ، وَالْمُبْرِز - مُتَجَاوِرَتَانِ - وَالْقَطِيفُ، وَالظَّهْرَانُ - عَاصِمَةُ الْبِتْرُولِ - وَالْخُبَرُ، وَالدَّمَّامُ: الْقَاعِدَةُ، وَالْجُبَيْلُ، وَسَيْهَاتُ، وَمُدُنٌ أُخْرَى عَدِيدَةٌ. وَفِيهِ مَنَابِعُ الْبِتْرُولِ، وَمَوَانِئُ تَصْدِيرِهِ، وَمَصَافُّ لِلتَّكْرِيرِ وَصَنَاعَتُهُ مُزْدَهِرَةٌ، وَيَرْتَبِطُ بِالْبَحْرَيْنِ (الدَّوْلَةِ) بِجِسْرِ عَلَى الْبَحْرِ، وَبِالرِّيَاضِ بِسِكَّةِ حَدِيدٍ وَطَرِيقٍ مُزَفَّتَةٍ.

بَدْرٌ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ رَاءٍ: ذِكْرُهَا فِي السِّيرَةِ كَثِيرٌ، وَشُهْرَتُهَا تُغْنِي عَنْ تَعْرِيفِهَا، فِيهَا حَدَثَتْ الْمَعْرَكَةُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِلْحَادِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَحْتَفِلُونَ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ (17) مِنْ رَمَضَانَ، فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الدِّيَارِ الْإِسْلَامِيَّةِ. كَانَتْ مَاءً لِغِفَارِ، ثُمَّ ظَهَرَتْ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ، فَتَكَوَّنَتْ عَلَى الْعَيْنِ قَرْيَةٌ، وَكَانَتْ عَلَى طَرِيقِ الْقَوَافِلِ الْقَادِمَةِ مِنْ الشَّامِ وَمِصْرَ عَلَى السَّاحِلِ الشَّرْقِيِّ لِلْبَحْرِ الْأَحْمَرِ.
وَلَمَّا انْتَشَرَ الْإِسْلَامُ فِي تِلْكَ الدِّيَارِ صَارَتْ مَحَطَّةً لِلْحَاجِّ، وَهِيَ الْيَوْمَ بَلْدَةٌ بِأَسْفَلِ وَادِي الصَّفْرَاءِ، تَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَةِ (155) كَيْلًا وَعَنْ مَكَّةَ «310» أَكْيَالٌ، وَتَبْعُدُ عَنْ سَيْفِ الْبَحْرِ قَرَابَةَ «45» كَيْلًا، وَكَانَ مِينَاؤُهَا الْجَار، فَلَمَّا انْدَثَرَتْ قَامَتْ بِالْقُرْبِ مِنْهَا بَلْدَةُ «الرايس» وَمِنْهَا الْيَوْمَ يُجْلَبُ السَّمَكُ
(1/41)

إلَى بَدْرٍ، وَسُكَّانِهَا حَرْبٌ، غَالِبُهُمْ بَنُو صُبْحٍ، وَبِهَا مَدَارِسُ وَمَسْجِدٌ جَامِعٌ، وَإِمَارَةُ عُمُومٍ وَادِي الصَّفْرَاءِ وَسَاحِلُ الْجَار.

الْبَرْكُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ كَافٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أَتَيْمَ بْنَ عَمْرٍو لِلَّذِي جَاءَ بُغْضُهُ ... وَمِنْ دُونِهِ الشَّرْمَانُ وَالْبَرْكُ أَكْتَع
قُلْت: عُثْمَانُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي بِلَادِ الْأَحْبَاشِ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَعْنِي «الْبِرْكَ» بِكَسْرِ الْبَاءِ، فَهُوَ مَوْضِعٌ قَدِيمٌ مَعْلُومٌ بَيْنَ حَلْيٍ وَالْقُنْفُذَةِ عَلَى السَّاحِلِ الشَّرْقِيِّ لِلْبَحْرِ الْأَحْمَرِ، وَكَانَ يُسَمَّى «بِرْكَ الْغِمَادِ» وَذَكَرَهُ أَبُو دَهْبَلٍ فِي رِحْلَتِهِ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ:
فَقُلْت لَهَا:

قَدْ بُعْت غَيْرَ ذَمِيمَةٍ ... وَأَصْبَحَ وَادِي الْبِرْكِ غَيْثًا مُدِيمًا
وَهُوَ الْيَوْمَ مَعْرُوفٌ بِهَذَا الِاسْمِ بَلْدَةُ مَرْفَأٍ عَلَى السَّاحِلِ، جَنُوبَ مَكَّةَ عَلَى قَرَابَةِ (600) كَيْلٍ، وَلَهَا وَادٍ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَالْبِرْكُ: نَبَاتٌ ذَكِيُّ الرَّائِحَةِ قَدْ يُوضَعُ مَعَ الشَّايِ كَالنَّعْنَعِ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ يُسَمُّونَهُ «الْبُعَيْثِرَانَ» أَمَا الشَّرْمَانُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَقْصِدُ شَرْمًا أَوْ يَقْصِدُ الْبَحْرَ فَثَنَّاهُ لِيَسْتَقِيمَ لَهُ الْوَزْنُ.

بُسٌّ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
(1/42)

رَكَضْنَا الْخَيْلَ فِيهِمْ بَيْنَ بُسٍّ ... إلَى الْأَوْرَالِ تَنْحِطُ بِالنِّهَاب
ِ بِذِي لَجَبٍ رَسُولُ اللَّهِ فِيهِمْ ... كَتِيبَتُهُ تَعَرَّضُ لِلضِّرَابِ
قُلْت: فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - بُسٌّ: حَرَّةٌ تُشْرِفُ عَلَى بَلْدَةِ عُشَيْرَةَ مِنْ الشَّمَالِ، عَلَى قَرَابَةِ (50) كَيْلًا شَمَالَ الطَّائِفِ، وَهِيَ نِهَايَةُ حَرَّةِ الْحِجَازِ مِمَّا يَلِي الطَّائِفَ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ الْيَوْمَ فِي دِيَارِ عُتَيْبَةَ.
2 - الْأَوْرَالُ: جَمْعُ وَرَلٍ، لَمْ أَجِدْ نَصًّا عَلَى تَحْدِيدِهِ غَيْرَ قَوْلِ الْبَكْرِيِّ: ضفرة دُونَ مَكَّةَ، وَقَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:
يَا هَلْ تَرَى ظَعْنًا كُبَيْشَةُ فِيهِمْ ... مُتَذَنِّبَاتِ الْخَلِّ مِنْ أَوْرَال
ِ لَعَلَّهُ يَقْصِدُ ثَنِيَّةَ خَلٍّ، وَهِيَ تَنْظُرُ إلَى حُدُودِ الْحَرَمِ مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ. وَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُ الْأَوْرَالَ الْيَوْمَ.

بُصْرَى بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَرَاءٍ مَقْصُورٌ: جَاءَ ذِكْرُهَا مِنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُرُوجِهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ إلَى الشَّامِ، فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ «بُصْرَى» مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى. . إلَخْ.
قُلْت: كَانَتْ بُصْرَى مَدِينَةَ حَوْرَانَ، وَهِيَ فِي مُنْتَصَفِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ عَمَّان وَدِمَشْقَ، وَهِيَ الْيَوْمَ آثَارٌ قُرْبَ مَدِينَةِ
(1/43)

«دَرْعَةَ» الَّتِي احْتَلَّتْ مَحَلَّهَا حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا هِيَ، وَبُصْرَى وَدَرْعَةُ دَاخِلَ حُدُودِ الْجُمْهُورِيَّةِ السُّورِيَّةِ عَلَى أَكْيَالٍ مِنْ حُدُودِ الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ الشَّمَالِيَّة ِ. وَحَوْرَانُ: إقْلِيمٌ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ يَشْمَلُ مُعْظَمَ الْمِنْطَقَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ عَمَّان - قَاعِدَةِ الْبَلْقَاءِ - وَبَيْنَ دِمَشْقَ الَّتِي يَعُدُّهَا بَعْضُهُمْ مِنْ حَوْرَانَ. وَطَرِيقُ آثَارِ بُصْرَى يَخْرُجُ مِنْ مَدِينَةِ دَرْعَةَ بِاتِّجَاهِ الشَّرْقِ، وَهِيَ قُرْبَ السُّفُوحِ الْغَرْبِيَّةِ لِجَبَلِ الدُّرُوزِ (اسْمُهُ الْيَوْمَ جَبَلُ الْعَرَبِ).

الْبَصْرَةُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَرَاءٍ ثُمَّ هَاءٍ: ذُكِرَتْ فِي النَّصِّ الَّذِي وَرَدَ فِي مَيْسَان، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُدُنِ الَّتِي قَامَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، اخْتَطَّهَا الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ، فَقِيلَ إنَّهُ لَمْ تَبْقَ قَبِيلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فِي الْبَصْرَةِ حَاضِرٌ.
وَاشْتَهَرَتْ بِمِرْبَدِهَا الَّذِي احْتَلَّ مَكَانَةَ عِكَاظٍ فِي الشِّعْرِ، وَقِيلَ مَا رَأَى الْعَرَبُ مَدِينَةً أَقْرَبَ إلَى الْبَدْوِ وَالْحَضَرِ مَعًا كَالْبَصْرَةِ، فَغَرْبِيُّهَا يَمْتَدُّ فِي صَحْرَاءِ الْعَرَبِ الْقَاحِلَةِ مُتَّصِلًا بِالْفَلَاةِ، وَشَرْقِيُّهَا يَسْفَحُ عَلَيْهِ شَطُّ الْعَرَبِ وَتُظَلِّلُهُ النَّخِيلُ، فَكَانَ الْعَرَبِيُّ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسِيمَ مَاشِيَتَهُ فِي غَرْبِهَا وَيَزْرَعَ فِي شَرْقِهَا وَشَمَالِهَا. وَعِنْدَمَا جَاءَ التَّدْوِينُ كَانَتْ لِلْبَصْرَةِ مَدْرَسَةٌ فِي النَّحْوِ تُضَاهِي مَدْرَسَةَ الْكُوفَةِ، ثُمَّ تَأَخَّرَتْ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، وَلَا تَزَالُ مَدِينَةً عَامِرَةً رَأَيْتهَا سَنَةَ 1399 هـ وَهِيَ مِينَاءُ الْعِرَاقِ، تَقَعُ عَلَى الشَّاطِئِ الْغَرْبِيِّ لِشَطِّ الْعَرَبِ قُرْبَ مَصَبِّهِ فِي الْخَلِيجِ.
أَهَمُّ صَادِرَاتِهَا التَّمْرُ، وَسُكَّانُهَا مِنْ الْعَرَبِ الْأَقْحَاحِ. وَفِي مَادَّةِ الْقَادِسِيَّةِ نَشَرْنَا مُخَطَّطًا تَظْهَرُ فِيهِ الْبَصْرَةُ، فَانْظُرْهُ.
(1/44)

الْبِطَاحُ جَمْعُ بَطْحَاءَ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحُمَامِ الْمُرِّيّ:
نَدِمَتْ عَلَى قَوْلٍ مَضَى كُنْت ... قُلْته تَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّهُ قَوْلُ كَاذِبٍ
فَلَيْتَ لِسَانِي كَانَ نِصْفَيْنِ مِنْهُمَا: ... بَكِيمٌ، وَنِصْفٌ عِنْدَ مَجْرَى الْكَوَاكِب
أَبُونَا كِنَانِيٌّ بِمَكَّةَ قَبْرُهُ ... ِبِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
لَنَا الرُّبْعُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً ... وَرُبْعُ الْبِطَاحِ عِنْدَ دَارِ ابْنِ حَاطِبِ
وَكَأَنَّ الْحُصَيْنَ بِهَذَا الشِّعْرِ يُعَقِّبُ عَلَى قَوْلٍ لَهُ تَقَدَّمَ يَقُولُ فِيهِ

أَلَا لَسْتُمْ مِنَّا وَلَسْنَا إلَيْكُمْ ... بَرِئْنَا إلَيْكُمْ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ
وَكَانَتْ عَوْفُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ الْغَطَفَانِيَّةُ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ بَنُو عَوْفِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مِنْ عَوْفٍ هَؤُلَاءِ: مُرَّةُ، قَوْمُ الْحُصَيْنِ، وَدَهْمَانُ بَطْنٌ آخَرُ.
وَالشَّاعِرُ يَعْتَرِفُ فِي شِعْرِهِ الْأَخِيرِ أَنَّ عَوْفًا مِنْ قُرَيْشٍ. اُنْظُرْ ذَلِكَ فِي مُعْجَمِ قَبَائِلِ الْحِجَازِ.
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُقَسَّمُ إلَى: قُرَيْشِ الْبِطَاحَ، وَهُمْ سُكَّانُ مَكَّةَ، وَالْبِطَاحُ: مَسَايِلُ أَوْدِيَتِهَا. وَقُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ، سُكَّانُ ظَاهِرِ مَكَّةَ كَمِنًى وَعَرَفَاتٍ وَالْمُغَمَّسِ.
(1/45)

الْبَطْحَاءُ وَهُوَ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ وَادٍ شَقَّهُ السَّيْلُ فَجَعَلَ أَرْضَهُ كَالرَّمْلِ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحُمَامِ الْمُرِّيّ الْغَطَفَانِيّ، وَكَانَتْ بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ تَدَّعِي النَّسَبَ فِي قُرَيْش ٍ:
أَبُونَا كِنَانِيٌّ بِمَكَّةَ قَبْرُهُ ... بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
وَكَانَتْ الْبَطْحَاءُ عَلَمًا عَلَى جُزْءٍ مِنْ وَادِي مَكَّةَ، هُوَ: بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمِنْهَا الْغَزَّةُ وَسُوقُ اللَّيْلِ.
أَمَّا فِي عَصْرِنَا فَقَدْ عُبِّدَتْ فَذَهَبَتْ الْبَطْحَاءُ. فَإِذَا ذُكِرَتْ بَطْحَاءُ مَكَّةَ فَهِيَ هَذَا الْمَوْضِعُ، أَمَّا بَطْحَاءُ قُرَيْشٍ فَهِيَ غَيْرُ هَذِهِ، إنَّمَا هِيَ مَكَانٌ قُرْبَ جَبَلِ ثَوْرٍ. وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ التَّأْرِيخِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ».

بَطْحَاءُ ابْنِ أَزْهَرَ ذُكِرَتْ فِي ذِي الْعُشَيْرَةِ.
بُعَاثٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ، وَقَدْ قِيلَ بِإِعْجَامِ الْغَيْنِ، وَلَا أَرَاهُ شَيْئًا.
جَاءَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ السِّيرَةِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ قُرْبَ الْمَدِينَةِ دَارَتْ فِيهِ حَرْبٌ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، عُرِفَتْ بِيَوْمِ بُعَاثٍ.
وَلَمْ يَسْتَطِعْ الْمُتَقَدِّمُونَ تَحْدِيدَهُ، فَقَالُوا: عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ
(1/46)

الْمَدِينَةِ، وَهَذَا قَوْلٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ، لِأَنَّ بِلَادَ بَنِي قَيْلَةَ مَا كَانَتْ تَخْرُجُ عَنْ يَثْرِبَ، وَقَالُوا: مِنْ أَمْوَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهَذَا مَعْقُولٌ، فَهُوَ فِي دَائِرَةِ بِلَادِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، الَّذِينَ سُمُّوا فِيمَا بَعْدُ بِالْأَنْصَارِ، فَتَرَكُوا الْفِتَنَ فَمَاتَتْ بُعَاثٌ بِمَوْتِ الْفِتْنَةِ، وَلَا أَحَدَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَعْرِفُ بُعَاثًا الْيَوْمَ، غَيْرَ أَنَّ تَحْدِيدَهَا جَاءَ وَاضِحًا فِي قِصَّةِ قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، حَيْثُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، بَعْدَ قَتْلِهِ -: فَخَرَجْنَا حَتَّى سَلَكْنَا عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ عَلَى بُعَاثٍ حَتَّى أَسْنَدْنَا فِي حَرَّةِ الْعَرِيضِ، وَهَذَا يُحَدِّدُهَا فِي الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ الْمَدِينَةِ فِي الطَّرَفِ الْغَرْبِيِّ الشَّمَالِيِّ مِنْ نَخْلِ الْعَوَالِي الْيَوْمَ.

ذُو بَقَرٍ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ وَالرَّاءِ، مُحَرَّكًا: جَاءَ فِي قَوْلَ عُمْرَةَ بِنْتِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ تَرْثِيهِ:
عَفَتْ آثَارُ خَيْلِك بَعْدُ أَيْنَ

بِذِي بَقَرٍ إلَى فَيْفِ النُّهَاقِ
قُلْت: ذُو بَقَرٍ، مَوْضِعٌ عَلَى طَرِيقِ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ بَيْنَ النَّقْرَةِ وَمَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ، مِنْ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ، بِجِوَارِ السَّلِيلَةِ الَّتِي لَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً هُنَاكَ، وَذُو بَقَرٍ قَدْ يَدْخُلُ فِي حِمَى الرَّبَذَةِ، وَهُوَ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ الطَّرِيقِ فِي نَفْسِ مَا حَدَّدْنَا، وَسَأَلْت عَنْهُ بَعْضَ بَنِي حَرْبٍ الَّذِينَ يَقْطُنُونَ الْيَوْمَ السَّلِيلَةَ وَالرَّبَذَةَ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَبْقَارٌ، قُرْبَ السَّلِيلَةِ.
أَمَا فَيْفُ النُّهَاقِ، فَيَبْدُو أَنَّهُ كَانَ بَعِيدًا عَنْ ذِي
(1/47)

بَقَرٍ فِي الْجَنُوبِ، وَتِلَاعُ النُّهَاقَةِ هِيَ الْيَوْمَ - فِيمَا سَمِعْت - مِنْ نَوَاحِي مَا بَيْنَ السوارقية إلَى عُشَيْرَةَ، وَهِيَ مَسَافَةٌ لَيْسَتْ صَغِيرَةً، وَلَكِنْ لَمْ اسْتَطِعْ تَحْدِيدَ تِلَاعِ النُّهَاقَةِ فِي هَذَا الْحَيِّزِ، وَظَهَرَتْ أَبْقَارٌ فِي مُخَطَّطٍ نَشَرْنَاهُ فِي مَادَّةِ الرَّبَذَةِ، فِي مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ.

بَقْعَاءُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَاءَ مِنْ الْبَقْعِ: مَاءٌ ذُكِرَ فِي مَادَّةِ النَّقِيعِ، وَلَا أَظُنُّهُ يُعْرَفُ الْيَوْمَ.
الْبَقِيعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْقَافِ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ: جَاءَ فِي ذِكْرِ إسْلَامِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنَفِيِّ، مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ بْنِ لُجَيْمٍ مِنْ رَبِيعَةَ.
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ يَوْمًا: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَلَمَّا أَطْلَقُوهُ خَرَجَ حَتَّى أَتَى الْبَقِيعَ، فَتَطَهَّرَ فَأَحْسَنَ طَهُورَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَبَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ.
قُلْت: الْبَقِيعُ: مَقْبَرَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، بِهِ دُفِنَ أَجِلَّةُ الصَّحَابَةِ وَزَوْجَاتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبَنَاتُهُ وَأَبْنَاؤُهُنَّ. . وَهُوَ مَطْلَعُ الشَّمْسِ مِنْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ يُرَى رَأْيَ الْعَيْنِ، كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَزُورُهُ بَعْدَ زِيَارَةِ خَيْرِ الْبَشَرِ، وَيُقَالُ لَهُ: بَقِيعُ الْغَرْقَدِ.

بَلَادِحُ جَمْع بَلْدَحٍ: جَاءَ فِي شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، يَرْثِي قَتْلَى بَدْرٍ، وَمِنْهَا.
وُهُبُ الْمِئِينَ مِنْ الْمِئِينَ ... إلَى الْمِئِينَ مِنْ اللَّوَاقِحْ
(1/48)

سَوْقُ الْمُؤَبَّلِ لِلْمُؤَبَّلِ

صَادِرَاتٌ عَنْ بَلَادِحْ

قُلْت: أَرَادَ «بَلْدَحَ» فَجَمَعَ، وَبَلْدَحُ هُوَ: وَادِي مَكَّةَ الثَّانِي، يُسَمَّى أَعْلَاهُ عِنْدَ حِرَاءٍ وَادِي الْعَشْرِ، وَكَانَ عَلَى عَهْدِ الْأَزْرَقِيّ يُسَمَّى «مَكَّةَ السِّدْرِ» فَإِذَا تَوَسَّطَ بَيْنَ مَكَّةَ وَعُمْرَةِ التَّنْعِيمِ سُمِّيَ فَخًّا وَيُسَمَّى الْيَوْمَ الزَّاهِرَ، وَمِنْهُ الشُّهَدَاءُ، فَإِذَا تَجَاوَزَ جَبَلَ مُلِحَّات سُمِّيَ «بَلْدَحَ» وَيُسَمَّى الْيَوْمَ وَادِي أُمِّ الدُّودِ، وَغُيِّرَ اسْمُ أُمِّ الدُّودِ إلَى أُمِّ الْجُودِ، وَإِذَا تَجَاوَزَ أُمَّ الدُّودِ وَأَقْبَلَ عَلَى الْحُدَيْبِيَةِ، سُمِّيَ وَادِيَ الْمَقْتَلَةِ، ثُمَّ يَصُبُّ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ عَلَى مَرْأًى مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ شَمَالًا.

الْبَلْقَاءُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ ثُمَّ قَافٍ، مَمْدُودٍ مُعَرَّفٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ زَيْدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَطَلَبِهِ دِينَ إبْرَاهِيمَ، حَيْثُ قَالَ:. . . حَتَّى انْتَهَى إلَى رَاهِبٍ بِمَيْفَعَةَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ كَانَ يَنْتَهِي إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
قُلْت: الْبَلْقَاءُ، إقْلِيمٌ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فِي الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ، وَهُوَ الْإِقْلِيمُ الَّذِي تَتَوَسَّطُهُ مَدِينَةُ عَمَّان عَاصِمَةِ الْأُرْدُنِّ، وَمِنْ أَشْهَرِ مُدُنِ هَذَا الْإِقْلِيمِ: عَمَّانُ وَالسَّلْطُ ومادبا وَالزَّرْقَاءُ وَالرُّصَيْفَةُ، يَتَّصِلُ بِهِ فِي الْجَنُوبِ إقْلِيمُ الشَّرَاةِ الَّذِي قَاعِدَتُهُ مَعَانُ، وَفِي الشَّمَالِ إقْلِيمُ حَوْرَانَ، وَيُشْرِفُ إقْلِيمُ الْبَلْقَاءِ عَلَى الْغَوْرِ الْأُرْدُنِّيِّ غَرْبًا، وَيَتَّصِلُ بِبَادِيَةِ الشَّامِ وَصَحْرَاءِ الْعَرَبِ شَرْقًا، وَمِنْطَقَتُهُ جَبَلِيَّةٌ عَالِيَةٌ،
(1/49)

وَانْظُرْ الْحَدِيثَ عَنْ عَمَّان، وَالْبَلْقَاءِ بِقَبَائِلِهَا وجغرافيتها فِي كِتَابِي رَحَلَاتٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ وَهِيَ مَرْكَزُ الثِّقَلِ فِي الْمَمْلَكَةِ الْهَاشِمِيَّةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ.

بُوَاطُ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْوَاوِ أَلِفٌ ثُمَّ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يُرِيدُ قُرَيْشًا، حَتَّى بَلَغَ بُوَاطَ، مِنْ نَاحِيَةِ رَضْوَى، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
قُلْت: بُوَاطُ: بُوَاطَانِ، وَادِيَانِ أَحَدُهُمَا يَصُبُّ فِي إضَمٍ غَرْبَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَرَابَةِ (55) كَيْلًا، وَالْآخَرُ يُقَاسِمُهُ الْمَاءَ مِنْ رَأْسِهِ وَيَصُبُّ فِي فَرْعَةٍ يَنْبُعَ غَرْبًا، وَرَأْسَاهُمَا يَنْحَدِرَانِ مِنْ رِيعٍ يُسَمَّى رِيعَ بُوَاطَ، يَأْخُذُهُ طَرِيقٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَيَنْبُعَ، مُخْتَصَرٌ وَأَقْرَبُ كَثِيرًا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إلَى يَنْبُعَ مُرُورًا بِوَادِي الصَّفْرَاءِ، وَهُوَ غَيْرُ صَالِحٍ لِسَيْرِ الثِّقَالِ، لِذَا نَرَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ ذِي الْعُشَيْرَةِ تَرَكَ هَذَا الطَّرِيقَ وَأَخَذَ عَلَى وَادِي الصَّفْرَاءِ، عَلَى طُولِ تِلْكَ الطَّرِيقِ، وَقَوْلُهُ: حَتَّى بَلَغَ بُوَاطَ، كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَهُوَ وَاجِبُ النَّصْبِ لِأَنَّهُ وَادٍ مَعْرُوفٌ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: حَتَّى بَلَغَ بُوَاطًا الْغَوْرِيَّ، أَوْ بُوَاطًا الْجَلْسَيْ.

الْبُوَيْرَةُ تَصْغِيرٌ: قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَشْمَتُ بِبَنِي قُرَيْظَةَ. وَيَلْمِزُ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، الَّذِينَ تَخَلَّوْا عَنْهُمْ بَعْدَ الْأَحْزَابِ:
تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا ... وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ
(1/50)

هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ ... وَهُمْ عُمْيٌ مِنْ التَّوْرَاةِ بُورُ
كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ أَتَيْتُمْ ... بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ
فَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ
قُلْت: هِيَ مِنْ أَمْوَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ شَرْقِيِّ الْعَوَالِي، مِنْ ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَلَمْ تَعُدْ مَعْرُوفَةً.

الْبَيْتُ الْحَرَامُ جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَبَّانُ أَسْعَدُ أَبُو كَرْبٍ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَسَاقَ الْحَبْرَيْنِ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ إلَى الْيَمَنِ، وَعَمَّرَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَكَسَاهُ.
وَكَلِمَةُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ تَعْنِي: الْكَعْبَةَ، وَتُسَمَّى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ أَيْضًا، وَإِذَا قُصِدَ الْمَسْجِدُ قِيلَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، أَمَّا الْحَرَمُ فَمَكَّةُ كُلُّهَا حَرَمٌ، بَلْ إنَّ حُدُودَ الْحَرَمِ الْغَرْبِيَّةَ وَالشَّرْقِيَّةَ تَبْعُدُ عَنْ الْبَيْتِ قَرَابَةَ، عِشْرِينَ كَيْلًا، أَمَا الْجَنُوبِيَّةُ فَأَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ، إذْ تَقَعُ الْحُدُودُ الْجَنُوبِيَّةُ عَلَى الْآكَامِ الَّتِي تَحُفُّ بِوَادِي عُرَنَةَ عَلَى قَرَابَةِ (13) كَيْلًا جَنُوبًا، وَمِنْ هَذِهِ الْآكَامِ: اللُّبْيَنَاتُ، وَالْوَتَائِرُ تِلَاعٌ - وَسُودُ حُمَّى، جِبَالٌ سُودٌ كَالْغِرْبَانِ.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، فَالْحَدُّ مَسْجِدُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
(1/51)

عَلَى رَأْسِ وَادِي التَّنْعِيمِ، وَعِنْدَهُ يَنْقَسِمُ الْمَاءُ إلَى وَادِي التَّنْعِيمِ شَمَالًا فِي الْحِلِّ، وَتَلْعَةَ ذَاتِ الْحَنْظَلِ جَنُوبًا فِي الْحَرَمِ، وَيَبْعُدُ هَذَا الْمَسْجِدُ قَرَابَةَ 8 أَكْيَالٍ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ شَمَالًا. أَيْ إنَّ حَرَمَ مَكَّةَ يَبْلُغُ (882) كَيْلًا مُرَبَّعًا بِالتَّقْرِيبِ.

بِئْرٌ تَحْتَ هَذَا الْبَابِ وَرَدَتْ فِي السِّيرَةِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ لِآبَارِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِ مَكَّةَ، لَمْ تَعُدْ مَعْرُوفَةً، وَلَمْ أَرَ فَائِدَةً مِنْ ذِكْرِهَا، وَكُلُّهَا قَدْ تَضَمَّنَهَا «مُعْجَمُ مَعَالِمِ الْحِجَازِ» غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهَا لَهُ مُنَاسَبَاتٌ تَأْرِيخِيَّةٌ، فَذَكَرْنَاهُ هُنَا، وَهُوَ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ.
بِئْرُ أُنَا أَوْ بِئْرُ أَنَّى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنِي قُرَيْظَةَ: نَزَلَ عَلَى بِئْرٍ مِنْ آبَارِهَا مِنْ نَاحِيَةِ أَمْوَالِهِمْ، يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ أُنَا، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بِئْرُ أَنَّى.
قُلْت: أَمْوَالُ بَنِي قُرَيْظَةَ كَانَتْ مِنْ شَرْقِيِّ الْعَوَالِي - وَلَا زَالَتْ هُنَاكَ قَارَةُ (أَكَمَةَ) حَائِزَةً عَلَى ظَهْرِ الْحَرَّةِ شَرْقَ الْعَوَالِي، تُسَمَّى «قُرَيْظَةَ»، أَيْ مَنَازِلُ قُرَيْظَةَ، أَمَّا الْبِئْرُ فَلَا أَظُنُّهَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ، تَبْعُدُ تِلْكَ الْقَارَةُ قَرَابَةَ 12 كَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ شَرْقًا، عَلَى طَرِيقٍ لَيْسَتْ مُسْتَقِيمَةً.

بِئْرُ رُومَةَ ذُكِرَتْ فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ
بِئْرُ مَعُونَةَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: حَادِثَةُ قَتْلِ الْقُرَّاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى أَيْدِي بَنِي سُلَيْمٍ، حِينَ اسْتَصْرَخَهُمْ عَامِرُ بْنُ
(1/52)

الطُّفَيْلِ، فَأَجَابَتْهُ: رِعْلٌ وَذَكْوَانُ وَعَصِيَّةُ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَدْعُو عَلَيْهِمْ.
قُلْت: بِئْرُ مَعُونَةَ، كَانَتْ بِلَحْفِ «أُبْلَى» وَأُبْلَى: سِلْسِلَةٌ جَبَلِيَّةٌ سَوْدَاءُ تَقَعُ غَرْبَ الْمَهْدِ «مَعْدِنُ بَنِي سُلَيْمٍ قَدِيمًا» إلَى الشَّمَالِ، وَتَتَّصِلُ غَرْبًا بِحَرَّةِ الْحِجَازِ الْعَظِيمَةِ، وَهِيَ الْيَوْمَ دِيَارُ مُطَيْرٍ، وَلَمْ تَعُدْ سُلَيْمٌ تَقَرُّ بِهَا. وَكَانَتْ وَقْعَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ 4 لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ أُحُدٍ.

بِيشَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، ثُمَّ شِينٌ مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَآخِرُهُ هَاءٌ: جَاءَتْ فِيمَا نُسِبَ إلَى ضِرَارٍ مِنْ رِثَاءٍ، وَمِنْهُ:
وَمَا كَانَ لَيْثٌ سَاكِنٌ بَطْنَ بِيشَةٍ ... لَدَى غَلَلٍ يَجْرِي بِبَطْحَاءَ فِي أَجَمْ
بِأَجْرَأ مِنْهُ حِينَ تَخْتَلِفُ الْقَنَا ... وَتُدْعَى نَزَالِ فِي الْقَمَاقِمَةِ الْبُهَمْ
الْغَلَلُ: الْمَاءُ الْجَارِي فِي أُصُولِ الشَّجَرَةِ، وَالْأَجَمَةُ: الْغَابَةُ مِنْ الشَّجَرِ، وَالْقَمَاقِمَةُ: السَّادَةُ الشُّجْعَانُ، وَالْبُهَمْ، الشُّجْعَانُ أَيْضًا، كُلُّ هَذَا عَنْ حَوَاشِي السِّيرَةِ.
قُلْت: بِيشَةُ: وَادٍ فَحْلٌ كَثِيرُ الْقُرَى وَالنَّخِيلِ وَالسُّكَّانِ، تَرْفِدُهُ أَوَدِيَةٌ فُحُولٌ عِظَامٌ تَجْعَلُ سَيْلَهُ يُشْبِهُ خَلِيجًا مِنْ الْبَحْرِ
(1/53)

يَأْخُذُ مِيَاهَ خَمِيسِ مُشَيْطٍ وَمَا حَوْلَهُ، وَسَرَاةَ آلِ حَجَرٍ الشَّرْقِيَّةِ، وَشَرْقِيِّ سَرَاةِ بلقرن وَخَثْعَمٍ فَيَتَكَوَّنُ وَادِي بِيشَةَ شَرْقِيِّ مَدِينَةِ الْبَاحَةِ ثُمَّ يَتَّجِهُ شَرْقًا بِمَيْلِ إلَى الشَّمَالِ فَيَسِيرُ بَيْنَ مَزَارِعِ النَّخِيلِ الَّتِي تُشْبِهُ الْغَابَاتِ، وَاَلَّتِي يُقَدَّرُ نَخْلُهَا بِأَزْيَدَ مِنْ مِلْيُونِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ يَفِيضُ سَيْلُهُ فِي مَوْضِعٍ يُسَمَّى الْفَرْشَةَ: سَهْلٌ وَاسِعٌ يَحْتَوِيهِ عِرْقُ سُبَيْعٍ، وَهُوَ مَا كَانَ يُعْرَفُ بِرَمْلِ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَهُنَاكَ يَجْتَمِعُ بِهِ سَيْلُ: رَنْيَةَ، وَالْخَرْمَةَ، فَلَا يَفِيضُ لِاحْتِوَاءِ الرَّمْلِ لَهُ، وَسَاكِنُ بِيشَةَ وَجُلُّ فُرُوعِهِ قَبِيلَةُ شَهْرَانَ الْعَرِيضَةُ، لَيْسَ مَعَهَا إلَّا نَزِيلٌ، وَمِنْ أَهَمُّ رَوَافِدِهِ الضِّخَامِ: وَادِي تَبَالَةَ، ووادي هِرْجَابَ، وَوَادِي ذَهْبَانَ، يُسَمَّى أَسْفَلُهُ بِيشَةَ بْنَ هشبل - بَطْنٌ مِنْ شَهْرَانَ - ثُمَّ بِيشَةُ.
وَقَاعِدَةُ الْمِنْطَقَةِ «الرَّوْشَنُ» مَدِينَةٌ قَدْ يُسَمِّيهَا الْبَعْضُ بِيشَةَ، وَهِيَ أَكْبَرُ مَا فِي بِيشَةَ مِنْ الْبُلْدَانِ، فِيهَا إمَارَةٌ وَمَحْكَمَةٌ وَوَحْدَةٌ زِرَاعِيَّةٌ وَشُرْطَةٌ، وَمَطَارٌ، وَجَمِيعُ مَرَافِقِ الدَّوْلَةِ، وَبِهَا تِجَارَةٌ رَائِجَةٌ، وَقَدْ تَضَاعَفَتْ الْأَرْضُ الْمَزْرُوعَةُ بَعْدَ انْتِشَارِ آلَاتِ الضَّخِّ، فَأُنْشِئَتْ مَزَارِعُ فِي أَرَاضٍ كَانَتْ قَفْرًا. وَبِيشَةُ الْكُبْرَى: تُمَيَّزُ فَيُقَالُ: بِيشَةُ النَّخْلِ، تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ مَثَانِي الْوَادِي.

بَيْضٌ ذُكِرَ فِي التَّلَاعَةِ.
الْبَيْضَاءِ ضِدَّ السَّوْدَاءِ: جَاءَتْ مِنْ قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي
(1/54)

ضَجَنَانَ، وَتَمَامُهُ:. . ثُمَّ غَطَّيْت عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ عِيرَهُمْ الْآنَ يُصَوَّب مِنْ الْبَيْضَاءِ، ثَنِيَّةُ التَّنْعِيمِ، يَقْدَمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ.
قُلْت: هِيَ الثَّنِيَّة الَّتِي يَنْحَدِرُ الطَّرِيقُ الْآتِي مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْهَا إلَى وَادِي فَخٍّ بِمَكَّةَ، وَعَلَى قَرَارَتِهَا الْيَوْمَ مَسْجِدُ عَائِشَةَ، وَمِنْهُ يَعْتَمِرُ النَّاسُ، وَيُسَمَّى الْمَكَانُ الْعُمْرَةَ، وَعُمْرَةَ التَّنْعِيمِ، وَلَا تُعْرَفُ الْبَيْضَاءُ فِي زَمَانِنَا.
وَالتَّنْعِيمُ: الْوَادِي الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ هَذِهِ الثَّنِيَّةِ إلَى الشَّمَالِ فَيَصُبُّ فِي وَادِي يَأْجَجَ، وَيَأْجَجُ يَصُبُّ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ.

بَيْنَ يَيْنَ «» مَرَيْنُ «: ذُكِرَتْ فِي غُرَابٍ.
بَيْنُونُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ. جَاءَ فِي قَوْلِ ذِي جَدَنٍ:
أَبَعْد بَيْنُونَ لَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ

وَبَعْدَ سَلْحِينَ يَبْنِي النَّاسُ أَبْيَاتًا
بَيْنُونُ مِنْ حُصُونِ الْيَمَنِ الْعَظِيمَةِ، يَقُولُ الْهَمْدَانِيّ:. . وَهِيَ مَآثِرُ عَظِيمَةٌ تُشَابِهُ بَيْنُونَ. وَعِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ عَنْ مِخْلَافِ عَنْسٍ، يَقُولُ: وَالْمَآثِرُ بِهِ: بَيْنُونَ وَهَكِرٍ. . إلَخْ. وَفِي مَكَانٍ آخَرَ يَقُولُ الْهَمْدَانِيّ: وَقَطَعَ بَيْنُونَ: جَبَلٌ قَطَعَهُ بَعْضُ مُلُوكِ حِمْيَرَ حَتَّى أَخْرَجَ فِيهِ سَيْلًا مِنْ بَلَدٍ وَرَاءَهُ إلَى أَرْضِ بَيْنُونَ: وَيُعَلِّقُ الْأَكْوَعُ قَائِلًا: بَيْنُونُ بَلَدٌ يَقَعُ فِي ثَوْبَانَ مِنْ بَلَدِ عَنْسٍ شَمَالَ ذِمَارِ بِشَرْقِ. وَذِمَارِ: بَلْدَةٌ مِنْ جَنُوبِ الْيَمَنِ شَمَالَ مَأْرِبٍ.
(1/55)

تَبَالَةُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَهُ، وَالْمُوَحَّدَةِ، وَأَلِفٍ وَلَامٍ ثُمَّ هَاءٍ: جَاءَ ذِكْرُهَا مَعَ الشَّظَاةِ.
وَهُوَ وَادٍ فَحْلٌ ذُو قُرًى وَمِيَاهٍ وَنَخْلٍ، يَقَعُ جَنُوبَ شَرْقِيِّ الطَّائِفِ عَلَى قَرَابَةِ (200) كَيْلٍ. يَسِيلُ مِنْ سَرَاةِ غَامِدٍ وبلقرن، مِنْ نَوَاحِي الْبَاحَةِ وبلجرشي وَمَا وَالَاهُمَا جَنُوبًا، ثُمَّ يَتَّجِهُ شَرْقًا فَيَصُبُّ فِي بِيشَةَ، فَهُوَ أَحَدُ رَوَافِدِ وَادِي بِيشَةَ، وَأَهْلُهُ شَهْرَانُ. وَذِكْرُهُ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ غَيْرُ خَامِلٍ. وَعَلَيْهِ الْمَثَلُ: «أَهْوَنُ مِنْ تَبَالَةَ عَلَى الْحُجَّاجِ».

تَبُوكُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَعْدَ الْوَاوِ كَافٌ: ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ فِي خَبَرٍ مُطَوَّلٍ، فِي غَزْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسَمَّاةِ غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَجَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَتْ فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ، وَفِي فَصْلِ الصَّيْفِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، كَانَ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ. قُلْت: تَبُوكُ، كَانَتْ مَنْهَلًا مِنْ أَطْرَافِ الشَّامِ، وَكَانَتْ مِنْ دِيَارِ قُضَاعَةَ تَحْتَ سُلْطَةِ الرُّومِ.
وَقَدْ أَصْبَحَتْ الْيَوْمَ مَدِينَةً مِنْ مُدُنِ شَمَالِ الْحِجَازِ الرَّئِيسِيَّةِ، لَهَا إمَارَةٌ تُعْرَفُ بِإِمَارَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ تَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَةِ شَمَالًا (778) كَيْلًا عَلَى طَرِيقٍ مُعَبَّدَةٍ تَمُرُّ بِخَيْبَر وَتَيْمَاءَ، وَقَدْ مَرَّتْ بِهَا سِكَّةُ حَدِيدِ الْحِجَازِ سَنَةَ 1312 هـ، وَهِيَ سِكَّةٌ عُطِّلَتْ إبَّانَ الثَّوْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْكُبْرَى، وَلَا زَالَتْ مُعَطَّلَةً.
(1/59)

وَتَرْتَفِعُ تَبُوكُ عَنْ سَطْحِ الْبَحْرِ (2543) قَدَمًا، وَفِي الْخَرِيطَةِ تَقَعُ قُرْبَ الدَّرَجَةِ = 32\ 36 طُولًا، 27\ 28 عَرْضًا، وَإِلَى الشَّمَالِ مِنْهَا تَقَعُ مَدِينَةُ مَعَانَ عَلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ (238) كَيْلًا شَمَالًا وَبَادِيَتُهَا بَنُو عَطِيَّةَ، الَّتِي تَضْرِبُ دَائِرَةً حَوْلَهَا. \ 502
(1/60)

تَثْلِيثُ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ ثُمَّ يَاءٍ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ أُخْرَى: جَاءَ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْن مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيّ:
أَعَبَّاسُ لَوْ كَانَتْ شِيَارًا جِيَادُنَا

بِتَثْلِيثَ مَا نَاصَيْتَ بَعْدِي الْأَحَامِسَا
قُلْت: تَثْلِيثُ وَادٍ فَحْلٌ فِيهِ قُرًى وَمَزَارِعُ يَقَعُ شَرْقَ وَادِي بِيشَةَ، وَهُمَا شَرْقَ الطَّائِفِ عَلَى بُعْدٍ، وَالِاسْمُ الْيَوْمَ يَشْمَلُ بَلْدَةً مُتَقَدِّمَةً بِهَا مَطَارٌ وَمَدَارِسُ وَجَمِيعُ الْمَرَافِقِ، وَلِتَثْلِيثَ طُرُقُ مُوَاصَلَاتٍ بَرِّيَّةٌ مَعَ خَمِيسِ مُشَيْطٍ وَالرِّيَاضِ وَبِيشَةَ، كَانَ مِنْ دِيَارِ زُبَيْدٍ مِنْ مَذْحِجَ، وَصَارَ الْيَوْمَ مِنْ دِيَارِ قَحْطَانَ، وَهِيَ قَحْطَانُ - مِنْ بَقَايَا مَذْحِجَ.

تُرْبَانُ بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَسُكُونِ الرَّاءِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، عَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَهُوَ يَذْكُرُ طَرِيقَ رَسُولِ اللَّهِ إلَى بَدْرٍ: ثُمَّ مَرَّ عَلَى تُرْبَانَ، ثُمَّ عَلَى مَلَلٍ، ثُمَّ عَلَى غَمِيسِ الْحَمَامِ مِنْ مَرَيَيْنِ، ثُمَّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمَّ عَلَى السَّيَالَةِ، ثُمَّ عَلَى فَجِّ الرَّوْحَاءِ، ثُمَّ عَلَى شَنُوكَةَ.
قُلْت: تُرْبَانُ، وَادٍ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي مَلَلٍ، يَأْخُذُ مِنْ ثَنَايَا
(1/61)

مُفْرِحَاتٍ عَلَى «24» كَيْلًا ثُمَّ يَدْفَعُ جَنُوبًا غَرْبِيًّا حَتَّى يَصُبُّ فِي فُرُشِ مَلَلٍ، يَأْخُذُهُ الطَّرِيقُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، مِنْ رَأْسِهِ إلَى مَصَبِّهِ.

تُرْبَةُ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبَعْدَ الرَّاءِ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ هَاءٌ: جَاءَ أَثْنَاءَ تَعْدِيدِ سَرَايَا وَغَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَغَزْوَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب تُرْبَةُ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ.
قُلْت: تُرْبَةُ، وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ الشَّرْقِيَّةِ طَوِيلٌ، ذُو مِيَاهٍ وَزُرُوعٍ وَقُرًى، أَعْلَاهُ لِغَامِدِ، وَوَسَطُهُ لِلْبُقُومِ، وَأَسْفَلُهُ لِسُبَيْعٍ. وَبِهِ بَلْدَةٌ عَامِرَةٌ تَقَعُ شَرْقَ الطَّائِفِ عَلَى قَرَابَةِ (200) كَيْلٍ، تُعْرَفُ بِتُرْبَةِ الْبُقُومِ، وَيَنْصَرِفُ الِاسْمُ الْيَوْمَ إلَيْهَا، أَمَّا أَسْفَلُهُ فَفِيهِ بَلْدَةٌ عَامِرَةٌ لِقَبِيلَةِ سُبَيْعٍ تُسَمَّى الْخَرْمَةُ، وَهَذَا الْوَادِي يَسِيلُ مِنْ سَرَاةِ غَامِدٍ قُرْبَ الْبَاحَةِ، وَيَتَعَرَّجُ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالشَّمَالِ حَتَّى يَجْتَمِعَ مَعَ بِيشَةَ وَرَنْيَةَ فِي مَكَانٍ يُسَمَّى الْفَرْشَةَ، قُرْبَ عِرْقِ سُبَيْعٍ الْمَعْرُوفِ قَدِيمًا بِرَمْلِ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ.

تِعِهِّنُ بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ الْهَاءِ وَآخِرُهُ نُونٌ: جَاءَ فِي السِّيرَةِ: ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ مِنْ بَطْنِ أَعْدَاءِ مُدْلِجَةَ «تِعْهِنَ» كَذَا جَاءَ فِي النَّصِّ بِتَخْفِيفِ الْهَاءِ.
قُلْت: تِعِهِّنُ، مُخْتَلَفٌ فِي ضَبْطِ تَائِهِ، وَأَهْلُهُ الْيَوْمَ
(1/62)

يُشَدِّدُونَ الْهَاءَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ: وَادٍ مِنْ كِبَارِ رَوَافِدِ الْقَاحَةِ، يَأْتِيهَا مِنْ الشَّرْقِ مِنْ جِبَالِ قَدَسٍ فَيَدْفَعُ أَسْفَلَ مِنْ السُّقْيَا عَلَى مَرْأًى مِنْهَا، وَنَوَاشِغُهُ بَيْنَ وَادِي الْفَرْعِ وَالْقَاحَةِ، وَقَدْ وَضَّحْته فِي مُخَطَّطِ طَرِيقِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي كِتَابِي «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ».

التَّلَاعَةُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَأَهْلُهَا يَكْسِرُونَ التَّاءَ: جَاءَ فِي قَوْلِ بُدَيْلِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ الْخُزَاعِيّ:
أَمِنْ خِيفَةِ الْقَوْمِ الْأُلَى تَزْدَرِيهِمْ

تُجِيزُ الْوَتِيرَ خَائِفًا غَيْرَ آئِلِ
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ نَحْنُ نَحْبُو حِبَاءَنَا

لِعَقْلِ وَلَا يُحْبَى لَنَا فِي الْمَعَاقِلِ
وَنَحْنُ صَبَحْنَا بِالتَّلَاعَةِ دَارِكُمْ

بِأَسْيَافِنَا يَسْبِقْنَ لَوْمَ الْعَوَاذِلِ
وَنَحْنُ مُنِعْنَا بَيْنَ بَيْضٍ وَعِتْوَدٍ

إلَى خَيْفِ رَضْوَى مِنْ مِجَرِّ الْقَبَائِلِ
فِي هَذَا النَّصِّ: التَّلَاعَةُ: وَادٍ صَغِيرٌ يَسِيلُ مِنْ جِبَالِ رَايَةَ فَيَصُبُّ فِي وَادِي أَدَامَ، رَأْسُهُ لِهُذَيْلٍ، وَأَسْفَلُهُ لِلْجَحَادِلَةِ مِنْ بَنِي شُعْبَةَ مِنْ كِنَانَةَ، يَقَعُ جَنُوب مَكَّةَ عَلَى قَرَابَةِ (60) كَيْلًا.
الْوَتِيرُ: ذُكِرَ فِي بَابِهِ.
بَيْضٌ وَعِتْوَد: وَادِيَانِ مُتَجَاوِرَانِ بَيْنَ حَلْيٍ وَجَازَانَ، لَا زَالَا مَعْرُوفَيْنِ.
خَيْفُ رَضْوَى: هُوَ رَضْوَى الْجَبَلُ الْمَذْكُورُ فِي بَابِهِ،
(1/63)

وَكَانَتْ دِيَارُ كِنَانَةَ تَمْتَدُّ مِنْ بَيْضٍ وَعِتْوَدٍ جَنُوبًا إلَى رَضْوَى وَيَنْبُعَ شَمَالًا، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الشِّعْرُ لِرَجُلِ مِنْ كِنَانَةَ، لَا لِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَخُزَاعَةُ كَانَتْ أَذَلَّ مِنْ أَنْ تَحْمِيَ هَذِهِ الْمِسَاحَةَ الَّتِي تُقَدَّرُ بِأَلْفِ كَيْلٍ عَلَى امْتِدَادِ سَاحِلِ الْحِجَازِ، لِأَنَّ دِيَارَ خُزَاعَةَ تَبْدَأُ مِنْ غَرْبِيِّ مَكَّةَ إلَى الْجَنُوبِ مُمْتَدَّةً شَمَالًا عَلَى عُسْفَانَ وَثَمَّ جُزْءٌ مِنْ أَمَجَ فَقُدَيْدٌ، ثُمَّ جُزْءٌ مِنْهَا قُرْبَ الْفُرْعِ، وَهِيَ مُجَزَّأَةٌ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ، فِي مَسَافَةٍ طُولُهَا قَرَابَةُ (300) كَيْلٍ وَشَرِيطٍ ضَيِّقٍ فِي الْعَرْضِ يَدْخُلُ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَجْزَائِهِ ضِمْنَ دِيَارِ كِنَانَةَ وَلَعَلَّ قَوْلَ بُدَيْلٍ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ فِي لَامِيَّتِهِ:
(لَنَا الدُّنْيَا وَمَنْ أَضْحَى عَلَيْهَا)
! فَإِذَا كَانَتْ الدُّنْيَا كُلُّهَا وَمَنْ عَلَيْهَا لِبَنِي تَغْلِبَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ تَحْمِيَ خُزَاعَةُ أَرْضًا لَا تَحِلُّهَا وَلَا تَمْلِكُ مِنْهَا شِبْرًا.

التَّنَاضِبُ جَمْعُ قِلَّةٍ لِلتَّنَضُّبِ الشَّجَرُ الْمَعْرُوفُ: جَاءَتْ فِي قِصَّةِ هِجْرَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَيْثُ قَالَ: اتَّعَدْت، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّنَاضِبَ، مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَوْقَ سَرِفٍ،
قُلْت: التَّنَاضِبُ وَأَضَاةُ بَنِي غِفَارٍ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ، الْأَضَاةُ أَرْضٌ تُمْسِكُ الْمَاءَ فَيَتَكَوَّنُ فِيهَا الطِّينُ، وَالتَّنَاضِبُ شَجَرَاتٌ فِي هَذِهِ الْأَضَاةِ، وَهِيَ لَا زَالَتْ مُشَاهَدَةً عَلَى جَانِبِ وَادِي سَرِفٍ الشَّمَالِيِّ، إلَى جِوَارِ قَبْرِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ، وَقَدْ صَارَتْ التَّنَاضِبُ وَالْأَضَاةُ أَرْضًا زِرَاعِيَّةً لِأُنَاسِ مِنْ لَحْيَانَ، وَكُلَّمَا قُطِعَ شَجَرُ التَّنَضُّبِ عَادَ
(1/64)

أَخْضَرَ يَتَنَعَّمُ، وَقَدْ قَامَ بِجَانِبِهَا الْغَرْبِيِّ حَيٌّ الْيَوْمِ عَلَى 13 كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ، وَلَا أَرَاهَا إلَّا ذَاهِبَةً مِنْ هَذَا التَّقَدُّمِ الْعُمْرَانِيِّ الْمَحْمُومِ، بَعْدَ أَنْ قَاوَمَتْ الزَّمَنَ طِيلَةَ هَذِهِ الْقُرُونِ، وَلَكِنْ الْيَوْمَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَغَيَّرُ بِسُرْعَةِ، وَلَا حِمَايَةَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ. وَأَهْلُ الدِّيَارِ يُسَمُّونَهَا الْيَوْمَ «الْوُدَيْنَةَ» تَصْغِيرُ وَدْنَةٍ، وَهِيَ مَزْرَعَةُ الْحَبْحَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَا تُزْرَعُ إلَّا حَبْحَبًا.

التَّنْعِيمُ كَأَنَّهُ تَفْعِيلٌ مِنْ النُّعُومَةِ. جَاءَ ذِكْرُهُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ السِّيرَةِ، وَقَدْ يُقَالُ وَادِي التَّنْعِيمِ، وَهُوَ وَادٍ خَارِجَ الْحَرَمِ مِنْ الشَّمَالِ، يَنْحَدِرُ مِنْ الثَّنِيَّةِ الْبَيْضَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَيَتَّجِهُ شَمَالًا مُحَاذِيًا الطَّرِيقَ الْعَامَّ الْمُتَّجِهَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَيَصُبُّ فِي وَادِي يَأْجَجَ الَّذِي يَذْهَبُ سَيْلُهُ إلَى مَرِّ الظَّهْرَانِ شَمَالَ غَرْبِيِّ مَكَّةَ عَلَى قَرَابَةِ (20) كَيْلًا. وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْ اشْتِقَاقِ اسْمِهِ فِي الْمُعْجَمِ.
تِهَامَةُ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، وَبِالتَّحْرِيكِ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ عَوْنِ بْنِ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ:
فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مَرٍّ تَخَزَّعَتْ

خُزَاعَةُ فِي خُيُولٍ كَرَاكِرِ
حَمَتْ كُلَّ وَادٍ مِنْ تِهَامَةَ وَاحْتَمَتْ

لِصُمِّ الْقَنَا وَالْمُرْهِفَاتِ الْبَوَاتِرِ
هَذَا عَلَى أَنَّ خُزَاعَةَ مِنْ قَحْطَانَ، وَهُوَ الْأَرْجَحُ. وَأَحْسَنُ تَحْدِيدٍ لِتِهَامَةَ هُوَ: أَنَّهَا تِلْكَ الْأَرْضُ الْمُنْكَفِئَةُ إلَى
(1/65)

الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ مِنْ الشَّرْقِ، مِنْ الْعَقَبَةِ - فِي الْأُرْدُنِّ - إلَى الْمَخَا فِي الْيَمَنِ، فَفِي الْيَمَنِ تُسَمَّى تِهَامَةَ الْيَمَنِ، وَهِيَ هُنَاكَ وَاسِعَةٌ كَثِيرَةُ الْقُرَى وَالزُّرُوعِ، وَفِي الْحِجَازِ تُسَمَّى تِهَامَةَ الْحِجَازِ، وَهِيَ أَضْيَقُ أَرْضًا وَأَقَلُّ مِيَاهًا، وَمِنْهَا مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، وَجَدَّةُ، وَالْعَقَبَةُ، وَفِي تِهَامَةَ أَوْدِيَةٌ فُحُولٌ تَأْخُذُ مِيَاهَ سَرَوَاتِ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ فَتَصُبُّهَا فِي الْبَحْرِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا خَصْبٌ كَثِيرُ الزَّرْعِ وَالْأَهْلِ، مِنْ هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ: وَادِي إضَمٍ «وَادِي الْمَدِينَةِ»، وَوَادِي يَنْبُعَ، وَوَادِي الصَّفْرَاءِ، وَوَادِي أَمَجَ، وَمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَاللَّيْثِ، وَقَنَوْنَا، وَحَلْيٍ، وَعِتْوَدٍ وَبَيْض، وَجَازَانَ، وَخِلْبٍ، وَحُرُضَ وَمَوْرٍ، وَزُبَيْدٍ. وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ.

تَيْأَبُ مُثَنَّاةٌ فَوْقِيَّةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، وَهَمْزَةٌ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ: وَرَدَ ذِكْرُهُ مَعَ الشَّظَاةِ:
قُلْت: اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ «تَيْأَبَ» فَقِيلَ: تَيَّتُ، وَقِيلَ: تَيَّبُ، وَوَرَدَ فِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ السِّيرَةِ «ثَيْبٌ»، وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْمَرَاجِعِ (تَيْأَمُ)، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لِجَبَلِ يَقَعُ شَرْقَ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّمَالِ، أَحْمَرُ يَنْقَادُ إلَى وَادِي الْخَنَقِ فَوْقَ الْعَاقُولِ، يُسَمَّى الْيَوْمَ «تيام». وَهُوَ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ ذِكْرُ غَزْوَةِ السَّوِيقِ حِينَ حَرَّقَ أَبُو سُفْيَانَ صُوَرًا بِالْعُرَيْضِ، فَالْعُرَيْضُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وتيام هَذَا، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيَّةِ الْمُسَمَّاةِ «الطَّرِيقَ الْفَرْعِيَّ».

تَيْمَنُ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، ثُمَّ مِيمٍ وَنُونٍ:
(1/66)

جَاءَ فِي قِصَّةِ عُرْوَةَ الرَّحَّالِ وَإِجَارَتِهِ لَطِيمَةَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَتْلِ الْبَرَّاضِ لَهُ بِتَيْمَنَ ذِي طَلَالَ بِالْعَالِيَةِ، عَالِيَةِ نَجْدٍ - فَقَالَ الشِّعْرَ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي «طَلَالَ». وَالنَّصُّ يَقُولُ: «تَيْمَنُ ذِي طَلَالَ» فَإِذَا هُمَا وَاحِدٌ أَوْ مُتَجَاوِرَانِ، فَلِذَا اكْتَفَيْنَا بِتَحْدِيدِ ذِي طَلَالَ، فَانْظُرْهُ.
(1/67)

ثَبِيرٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ وَرَاءٍ: جَاءَ فِي قَوْلِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرٍ:
لَاهُمَّ أَخْزِ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودٍ

الْآخِذَ الْهَجْمَةَ فِيهَا التَّقْلِيدْ
بَيْنَ حِرَاءٍ وَثَبِيرٍ فَالْبَيْدُ

يَحْبِسُهَا وَهِيَ أُولَاتِ التَّطْرِيدْ
قُلْت: ثَبِيرٌ إذَا أُطْلِقَ، هُوَ الْجَبَلُ الَّذِي يُشْرِفُ عَلَى مَكَّةَ مِنْ الشَّرْقِ، وَيُشْرِفُ عَلَى مِنًى مِنْ الشَّمَالِ، وَيُنَاوِحُ حِرَاءً مِنْ الْجَنُوب، وَقَدْ أَفَضْت فِي ذِكْرِ الْأَثْبِرَةِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ الْمُعْجَمِ، وَفِي مَعَالِمِ مَكَّةَ، فَكَرِهْت التَّكْرَارَ. وَيُسَمِّيهِ الْيَوْمَ أَهْلُ «مَكَّةَ جَبَلَ الرَّخَمِ».

الثَّنَايَا جَمْعُ ثَنِيَّةٍ، وَهِيَ الْمَسْلَكُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ: جَاءَتْ فِي وَصْفِ هَزِيمَةِ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ - يَقْصِدُ الْيَمَانِيَّةَ - وَلَمْ يَكُنْ فِيمَنْ تَوَجَّهَ نَحْوَ نَخْلَةَ إلَّا بَنُو غَيْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَتَبِعَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَلَكَ فِي نَخْلَةَ مِنْ النَّاسِ، وَلَمْ تَتْبَعْ مَنْ سَلَكَ الثَّنَايَا.
قُلْت: الثَّنَايَا، تَخْرُجُ أُولَاهَا مِنْ رَأْسِ حُنَيْنٍ عَلَى قَرَابَةِ (50) كَيْلًا شَرْقَ مَكَّةَ، ثُمَّ تُقَابِلُهَا أُخْرَى قُرْبَ قَرْيَةِ الْخُلَيْصَةِ، ثُمَّ أُخْرَى تُخْرِجُك عَلَى وَادِي قَرْنِ الْمَنَازِلِ
(1/71)

قُرْبَ دَحْنَا، ثُمَّ يَأْتِي طَرِيقُهَا الطَّائِفُ مِنْ الشَّمَالِ مِنْ جِهَةِ الْمُلَيْسَاءِ. وَهَذِهِ الطَّرِيقُ كَانَتْ إحْدَى الطُّرُقِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الطَّائِفِ مِنْ مَكَّةَ يَسْتَقْصِرُهَا أَهْلُ الْجِمَالِ. وَقَدْ انْدَثَرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ الْيَوْمَ.

الثَّنِيَّةُ وَهِيَ الْمَسْلَك ُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ: جَاءَتْ فِي خَبَرِ انْهِزَامِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ. (السِّيرَةُ: 2\ 456)
قُلْت: هِيَ ثَنِيَّةٌ تُسْلَكُ مِنْ رَأْسِ حُنَيْنٍ، وَهِيَ إحْدَى الثَّنَايَا الْمُتَقَدِّمَةُ، وَتُسَمَّى الثَّنِيَّةَ بِلَا إضَافَةٍ. وَلَا زَالَ هَذَا اسْمَهَا الْيَوْمَ.

ثَنِيَّةُ الْبَيْضَاءِ ذُكِرَتْ فِي الْبَيْضَاءِ.
ثَوْرٌ بِلَفْظِ ذَكَرِ الْبَقَرِ: جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ:
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ

وَرَاقَ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ
قُلْت: ثَوْرٌ جَبَلٌ جَنُوبَ مَكَّةَ عَالٍ أَغْبَرُ يُرَى مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا الْمُرْتَفِعَةِ، يُشْبِهُ ثَوْرًا مُسْتَقْبِلَ الْجَنُوبِ، وَبَهْ غَارُ ثَوْرٍ الَّذِي اخْتَبَأَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ أَوَّلَ مُهَاجَرَتِهِ، وَلَهُ طَرِيقٌ الْيَوْمَ يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ أَجْيَادٍ ثُمَّ عَلَى خُمٍّ ثُمَّ بَطْحَاءِ قُرَيْشٍ، وَلَا تَزِيدُ الْمَسَافَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَكْيَالٍ، وَقَدْ وَصَلَ عُمْرَانُ مَكَّةَ إلَى سُفُوحِهِ الشَّمَالِيَّةِ، وَقَدْ دَرِجَ بَعْضُ الْكُتَّابِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ثَوْرًا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، ذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَهُ كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْ مَسْفَلَةِ مَكَّةَ ثُمَّ فِي كُدًى، فَيَظُنُّ غَيْرُ الْخَبِيرِ فِي
(1/72)

هَذِهِ الْأَرْضِ أَنَّ ثَوْرًا بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.

ثَيْبٌ بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ. جَاءَ ذِكْرُهُ فِي النَّصِّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي «الْكُدْرِ». وَأَوْرَدَهُ «مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ»: «تَيَّتُ» وَعَنْ نَصْرٍ «تَيَبُ»، وَكِلَاهُمَا بِالْمُثَنَّاةِ فِي أَوَّلِهِ. قُلْت: وَأَرَى صَوَابَهُ «تَيْأَمُ» فَهُوَ جَبَلٌ تَرَاهُ مِنْ الطَّرَفِ الشَّمَالِيِّ مِنْ الْمَدِينَةِ مَطْلَعَ شَمْسٍ، عَلَى الطَّرِيقِ النَّجْدِيَّةِ وَهُوَ مِنْ صَدْرِ قَنَاةَ مُشْرِفٌ عَلَى وَادِي الْخَنَقِ وَسَدِّ الْعَاقُولِ، وَيُنْطَقُ الْيَوْمَ «تَيَامُ» بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ.
(1/73)

جَابِيَةُ الْجَوْلَانِ جَاءَتْ فِي قَوْلِ حَسَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
إنَّ خَالِي خَطِيبُ جَابِيَةِ الْجَو

لَانِ عِنْد النُّعْمَانِ حِينَ يَقُوم
وَأَنَا الصَّقْرُ عِنْدَ بَابِ ابْنِ سَلْمَى

يَوْمَ نُعْمَانَ فِي الْكُبُولِ سَقِيمُ
قُلْت: الْجَوْلَانُ: اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى السَّرَاةِ الْوَاقِعَةِ جَنُوبَ غَرْبِيِّ دِمَشْقَ، وَغَرْبَ إقْلِيمِ حَوْرَانَ، وَأَعْلَى قِمَّةٍ فِيهَا تُدْعَى (جَبَلَ الشَّيْخِ)، لِأَنَّهُ - أَبَدًا - مُغَطًّى بِالثَّلْجِ، وَكَانَ يُدْعَى «حَارِثَ الْجَوْلَانِ».
قَالَ النَّابِغَةُ:
بَكَى حَارِثُ الْجَوْلَانِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ،

وَحَوْرَانُ مِنْهُ مُوحِشٌ مُتَضَائِلُ
وَقَالَ حَسَّانُ:
هَبِلَتْ أُمُّهُمْ، وَقَدْ هَبِلَتْهُمْ، ... يَوْمَ رَاحُوا لِحَارِثِ الْجَوْلَانِ
وَالْجَوْلَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى دِمَشْقَ مِثْلُ الْهَدْأَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الطَّائِفِ. وَقَدْ احْتَلَّ الْيَهُودُ الْجَوْلَانَ سَنَةَ 1387 هـ 1967 م، وَلَا زَالُوا مُصِرِّينَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا.
أَمَّا الْجَابِيَةُ الْمَشْهُورَةُ فَهِيَ شَمَالَ بَلْدَةِ الصَّنَمَيْنِ، وَلَهَا تَلٌّ يُعْرَفُ بِتَلِّ الْجَابِيَةِ، أَيْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْجَوْلَانِ، وَهُنَاكَ خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَبَابُ الْجَابِيَةِ: أَيْضًا: بِدِمَشْقَ، وَهُوَ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ.
وَفِي يَوْمِ 18 صَفَرٍ سَنَةَ 1402 هـ الْمُوَافِقُ 14 كَانُونَ الْأَوَّلَ
(1/77)

سَنَةَ 1981م، أَعْلَنَتْ دَوْلَةُ الصَّهَايِنَةِ الْمُعْتَدِيَةُ ضَمَّ هَضْبَةِ الْجَوْلَانِ وَسَهْلَ الْحُولَةِ إلَى دَوْلَتِهِمْ نِهَائِيًّا، وَجَعَلُوا حُدُودَ الْمَضْمُومِ غَرْبَ مَدِينَةِ الْقُنَيْطِرَةِ (قَاعِدَةُ الْجَوْلَانِ).
وَاسْتَنْكَرَ الْعَالَمُ مِثْلَ هَذَا، وَلَكِنَّ الْعَالَمَ عَوَّدَنَا ضَعْفَ الذَّاكِرَةِ وَنِسْيَانَ الْأَحْدَاثِ، وَإِسْرَائِيلُ الْبَاغِيَةُ تَعْتَمِدُ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ النِّقَاطِ فِي الْعَالَمِ.
وَرَحِمَ اللَّهُ زُهَيْرًا حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِه

ِ يُهَدَّمْ، وَمَنْ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ يُظْلَمُ
إنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ لَنْ يُعِيدَ الْجَوْلَانَ وَلَنْ يُعِيدَ فِلَسْطِينَ، وَإِنَّ إسْرَائِيلَ لَنْ تُعِيدَ شِبْرًا وَاحِدًا إكْرَامًا لِلْعَالَمِ كُلِّهِ، وَلَنْ تَتَنَازَلَ عَنْهُ إلَّا تَحْتَ فُوَّهَةِ الْمَدْفَعِ، فَعَسَى وَلَعَلَّ.

جَاسُومٌ بِالْجِيمِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ:
جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ، يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ سُوَيْلِمٍ الْيَهُودِيِّ، وَكَانَ بَيْتُهُ عِنْدَ جَاسُومٍ.
قَالَ مُحَقِّقُ السِّيرَةِ: جَاسُومٌ اسْمُ مَوْضِعٍ، وَلَمْ يَزِدْ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ جَاسُومًا بِهَذَا الرَّسْمِ، وَلَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُصَحَّفًا مِنْهُ، وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْمَدِينَةِ مَكَانٌ بِهَذَا الِاسْمِ.

الْجَبَاجِبُ جَمْعُ جَبْجَبٍ بِتَكْرَارِ الْجِيمِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ:
(1/78)

لَقَدْ عَلِمَ الْأَقْوَامُ أَنَّ سُرَاتَكُمْ

عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرُ أَهْلِ الْجَبَاجِبِ
قُلْت: هُوَ يَعْنِي جِبَالَ مَكَّةَ، وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: الْجَبَاجِبُ جِبَالُ مَكَّةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ جِبَالُ مِنًى، وَقَالَ غَيْرُهُمْ أَقْوَالًا غَيْرَ ذَاتِ بَالٍ. وَالْجَبَاجِبُ عِنْدَ عَرَبِ الْيَوْمِ هِيَ الْجِبَالُ الْحَجَرِيَّةُ الظَّاهِرِ الطِّينِيَّةُ الدَّاخِلِ، إذَا حُفِرَ فِيهَا وُجِدَتْ هَشَّةً. وَلَكِنَّ النَّصَّ هُنَا صَرِيحٌ بِأَنَّ جِبَالَ مَكَّةَ كَانَتْ تُدْعَى الْجَبَاجِبَ.

جَبَلُ الرُّمَاةِ هُوَ جَبَلُ عَيْنَيْنِ، وَقَدْ ذُكِرَ.
جَبَلَةُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ تَحْتُ وَاللَّامِ وَهَاءٍ، وَبِالتَّحْرِيكِ جَاءَ فِي ذِكْرِ يَوْمِ جَبَلَةَ وَأَخْبَارُهَا مَبْسُوطَةٌ هُنَاكَ.
قُلْت: جَبَلَةُ، جَبَلَةٌ ضَخْمَةٌ تَمِيلُ إلَى الْحُمْرَةِ، ذَاتُ شِعَابٍ وَأَوْدِيَةٍ، تَقَعُ شَمَالَ عُفَيْفٍ، إذَا أَقْبَلْت مِنْ الدوادمي تَؤُمُّ بَلْدَةَ عُفَيْفٍ وَدَخَلْت الْمِنْطَقَةَ الْجَبَلِيَّةَ، رَأَيْت جَبَلَةَ عَنْ يَمِينِك رَأْيَ الْعَيْنِ، وَهِيَ الْيَوْمَ مِنْ دِيَارِ عُتَيْبَةَ، وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ دِيَارِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ ذِكْرِ جَبَلَةَ، وَلِلْعَرَبِ حَوْلَهَا أَيَّامٌ أَهَمُّهَا يَوْمُ شِعْبِ جَبَلَةَ.
وَأَخْبَارُهَا كَثِيرَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ فِي كُتُبِ الْأَدَبِ وَالْمَعَاجِمِ الْجُغْرَافِيَّةِ.

الْجُحْفَةُ جِيمٌ مَضْمُومَةٌ وَحَاءٌ سَاكِنَةٌ وَفَاءٌ ثُمَّ هَاءٌ:
(1/79)

جَاءَتْ فِي النَّصِّ: غَسَّانُ: مَاءٌ بِالْمُشَلَّلِ قَرِيبٌ مِنْ الْجُحْفَةِ.
وَأَقُولُ: كَانَتْ الْجُحْفَةُ مَدِينَةً عَامِرَةً وَمَحَطَّةً مِنْ مَحَطَّاتِ الْحَاجِّ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ، ثُمَّ تَقَهْقَرَتْ فِي زَمَنِ لَمْ نَسْتَطِعْ تَحْدِيدَهُ ; إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ الْقَرْنِ السَّادِسِ، وَتُوجَدُ الْيَوْمَ آثَارُهَا شَرْقَ مَدِينَةِ رَابِغٍ بِحَوَالَيْ (22) كَيْلًا، إذَا خَرَجْت مِنْ رَابِغٍ تَؤُمُّ مَكَّةَ كَانَتْ إلَى يَسَارِك حَوْزُ السَّهْلِ مِنْ الْجَبَلِ، وَقَدْ بَنَتْ الْحُكُومَةُ السُّعُودِيَّةُ مَسْجِدًا هُنَاكَ يَزُورُهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ.
وَقَدْ تَوَسَّعَتْ فِي ذِكْرِهَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ»، بَابُ الْجِيمِ، وَفِي كِتَابِي. . «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ» وَصْفٌ كَامِلٌ لَهَا، فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.

الْجَدَاجِدُ لَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ.
الْجَرُّ جَاءَ فِي قَوْلِ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيِّ، فِي يَوْمِ >>>>>> الأماكن"> أُحُدٍ:
نَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الْجَرِّ مِنْ أُحُدٍ

هَابَتْ مَعَدٌّ فَقُلْنَا: نَحْنُ نَأْتِيهَا
وَيَقُولُ اللُّغَوِيُّونَ: الْجَرُّ: سَفْحُ الْجَبَلِ. إذَا هَذَا الْمَكَانُ هُوَ سَفْحُ جَبَلِ أُحُدٍ.

جَرْبَاءُ بِلَفْظِ الْجَرْبَاءِ مِنْ الْإِبِلِ، وَهُوَ مَرَضٌ مَعْرُوفٌ:
(1/80)

جَاءَتْ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى تَبُوكَ، أَتَاهُ يُوحَنَّا بْنُ رُؤْبَةَ صَاحِبُ أَيْلَةَ، فَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ، وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ.
قُلْت: جَرْبَاءُ وَتُنْطَقُ الْجَرْبَاءُ بِالتَّعْرِيفِ وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ فِي «مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ»، وَهِيَ وَأَذْرُحُ مُتَلَازِمَتَيْنِ أَبَدًا، كَمَا يُقَالُ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، أَوْ دِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ.
وَهُمَا الْيَوْمَ قَرْيَتَانِ فِي الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ، تَقَعَانِ شَمَالَ غَرْبِيِّ مَدِينَةِ مَعَانَ عَلَى قَرَابَةِ 22 كَيْلًا، وَطَرِيقُهُمَا يَفْرُقُ مِنْ مَدِينَةِ مَعَانَ، إذَا كُنْت سَائِرًا فِي مَعَانَ مُتَّجَهًا إلَى عُمَان رَأَيْت لَوْحَةً تُشِيرُ إلَى الْيَسَارِ، كُتِبَ عَلَيْهَا: إلَى (أَذْرُحَ وَالْجَرْبَا) وَقَدْ ظَهَرَتْ أَذْرُحُ عَلَى الْخَرِيطَةِ الْمُرْفَقَةِ بِرَسْمِ (مُؤْتَةَ)، وَمَنْ قَالَ: بَيْنَ أَذْرُحَ وَالْجَرْبَاءِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَهُوَ خَطَأٌ وَلَعَلَّهُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ إلَى حَدٍّ مَا.

جُرَشُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ:
جَاءَتْ فِي النَّصِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي «أَبْيَن» وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ قَائِمَةً إلَى الْقَرْنِ الرَّابِعِ، وَفِي عَهْدِ النَّبِيِّ كَانَتْ تُعْتَبَرُ مِنْ الْمُدُنِ الْمُتَطَوِّرَةِ عَسْكَرِيًّا إذْ جَاءَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ كَانُوا بِجُرَشَ أَثْنَاءَ حِصَارِ الطَّائِفِ يَتَدَرَّبُونَ عَلَى الدَّبَّابَاتِ وَالْمَجَانِيقِ.
ثُمَّ انْدَثَرَتْ جُرَشُ، وَتُوجَدُ آثَارُهَا الْيَوْمَ قُرْبَ خَمِيسِ مُشَيْطٍ،
(1/81)

وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ هُنَاكَ كَانَ طَرِيقُ الْحَاجِّ الْيَمَنِيِّ السَّرَوِيِّ وَالْحَضْرَمِيِّ يَمُرُّ بِجُرَشَ، وَكَانَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَمُرُّ بِهَا يُسَمَّى «دَرْبُ الْبَخُورِ». وَكَانَتْ مِنْ بِلَادِ مَذْحِجَ، ثُمَّ نَزَلَتْهَا عَنْزُ بْنُ وَائِلٍ وَهِيَ الْيَوْمَ مِنْ بِلَادِ شَهْرَانَ مِنْ خَثْعَمٍ.

الْجُرْفُ ذُكِرَ فِي «مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ».
الْجَزِيرَةُ بِاسْمِ «الْحَيِّزِ الْأَرْضِيِّ» وَسَطَ الْمَاءِ: جَاءَتْ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَهِيَامِهِ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ دِينَ إبْرَاهِيمَ.
قُلْت: هَذِهِ تُمَيَّزُ بِاسْمِ «الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ»، وَإِذَا أُطْلِقَتْ فِي الشَّامِ وَالْعِرَاقِ فَهِيَ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ الْجُزْءُ الشَّمَالِيُّ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يَكْتَنِفُهَا نَهْرَا دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، أَيْ بَيْنَ مُنْخَفَضِ الثَّرْثَارِ إلَى الْمَوْصِلِ وتلعفر - فِي الْعِرَاقِ - إلَى أَبِي كَمَالِ وَدَيْرِ الزَّوْرِ وَالرَّقَّةِ، فِي سُورِيَّةَ. وَهِيَ مِنْ أَخْصَبِ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَمِنْ أَهَمِّ أَعْلَامِهَا «جَبَلُ سِنْجَارَ» يَرْتَفِعُ 1453 مِتْرًا، وَجَبَلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ (920) مِتْرًا.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْقَبَائِلِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي تَسْكُنُ الْجَزِيرَةَ الْيَوْمَ: قَبِيلَةُ طَيِّئٍ، هَاجَرَتْ مِنْ شِمَالِ نَجْدٍ فِي زَمَنٍ مُتَقَدِّمٍ، وَهِيَ عِرَاقِيَّةٌ، وَتَتَوَغَّلُ قَبِيلَةُ عَنَزَةَ، الَّتِي هَاجَرَتْ مِنْ شَمَالِ الْحِجَازِ وَشَمَالِ نَجْدٍ فِي الْقَرْنِ الْحَادِيَ عَشَرَ الْهِجْرِيِّ - فِي الْجَزِيرَةِ مِنْ أَطْرَافِهَا الْغَرْبِيَّةِ فِي حُدُودِ سُورِيَّةَ، وَفِي الشَّمَالِ فِي حُدُودِ الْعِرَاقِ، وَعَنَزَةَ - الْيَوْمُ -: قَبِيلَةٌ أُرْدُنُّيَّةٌ سُعُودِيَّةٌ سُورِيَّةٌ عِرَاقِيَّةٌ.
(1/82)

الْجِعْرَانَةُ تَرَدَّدَتْ فِي السِّيرَةِ، جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ مِنْ يَوْمِ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَة ِ، وَمِنْهَا اعْتَمَرَ. قُلْت: لَا زَالَتْ تُعْرَفُ فِي رَأْسِ وَادِي سَرِفَ حِين تَعَلَّقَهُ فِي الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ مَكَّةَ، يَعْتَمِرُ مِنْهَا الْمَكِّيُّونَ، وَبِهَا مَسْجِدٌ، وَقَدْ عُطِّلَتْ بِئْرُهَا الْيَوْمَ، وَكَانَتْ عَذْبَةَ الْمَاءِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِعُذُوبَتِهِ. وَقَدْ أَفَضْت فِي الْقَوْلِ عَنْهَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَاز ِ».
الْجَلِيلُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَبَيْنَ اللَّامَيْنِ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، بِوَزْنِ كَبِيرٍ:
جَاءَ فِي قَوْلِ صَيْفِىٍّ وَيُكَنَّى أَبَا قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ الْأَوْسِيَّ الْأَنْصَارِيَّ، قَبْلَ إسْلَامِهِ:
فَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا يَهُودًا

وَمَا دِينُ الْيَهُودِ بِذِي شُكُولِ
وَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا نَصَارَى

مَعَ الرُّهْبَانِ فِي جَبَلِ الْجَلِيلِ
قُلْت: جَبَلُ الْجَلِيلِ، جَبَلٌ ضَخْمٌ عَالٍ كَثِيرُ الْقُرَى وَالْمَدَنِ شَمَالَ فِلَسْطِينَ، يُشْرِفُ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ مِنْ الْغَرْبِ، وَعَلَى سَاحِلِ عَكَّا مِنْ الشَّرْقِ، وَمِنْ مُدُنِهِ «صَفَدُ» وَالنَّاصِرَةُ، وَشَفَا عَمْرٍو، وَيَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الشَّمَالِ «جَبَلُ عَامِلٍ» فِي لُبْنَانَ، وَهُوَ - الْجَلِيلُ - تَحْتَ الِاحْتِلَالِ الصَّهْيُونِيِّ الْيَوْمَ، وَقَدْ انْتَشَرَتْ فِيهِ مُسْتَوْطَنَاتُ الْيَهُودِ قَهْرًا، وَصُودِرَ كَثِيرٌ مِنْ أَرَاضِيهِ مِنْ أَيْدِي الْعَرَبِ وَأُعْطِيَتْ لِلْيَهُودِ الْوَافِدِينَ. وَيَبْدُو أَنَّ الْجَلِيلَ كَانَ فِي الشَّامِ كَالسَّرَاةِ فِي الْحِجَازِ، إذْ
(1/83)

يَقُولُ يَاقُوتٌ: وَهُوَ جَبَلٌ يُقْبِلُ مِنْ الْحِجَازِ، فَمَا كَانَ بِفِلَسْطِينَ مِنْهُ فَهُوَ جَبَلُ الْحَمَلِ، وَمَا كَانَ بِالْأُرْدُنِّ فَهُوَ جَبَلُ الْجَلِيلِ، وَهُوَ بِدِمَشْقَ جَبَلُ لُبْنَانَ، وَبِحِمْصَ جَبَلُ سَنِيرٍ.

الْجَمَّاءُ بِلَفْظِ الَّتِي لَا قُرُونَ لَهَا: ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنَّ لَقَاحًا لِرَسُولِ اللَّهِ كَانَتْ تَرْعَى فِي نَاحِيَةِ الْجَمَّاءِ، وَكَانَ بَعْضُ الْبَجْلِيِّينَ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَابَهُمْ الْوَبَاءُ، فَأَخْرَجَهُمْ إلَى لَقَاحِهِ لِيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَشَفَوْا فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ. . إلَى آخِرِ الْخَبَرِ هُنَاكَ.
قُلْت: فِي الْمَدِينَةِ ثَلَاثُ جَمَّاوَاتٍ فِي الْجِهَةِ الْجَنُوبِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، وَهِيَ مُتَقَارِبَةٌ مُتَجَاوِرَةٌ، وَهِيَ: جَمَّاءُ تُضَارُعَ وَجَمَّاءُ الْعَاقِرِ، وَالثَّالِثَةُ كَانَتْ تُدْعَى جَمَّاءَ أُمِّ خَالِدٍ. وَجَمَّاءُ تُضَارُعَ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُهَا عَلَى يَمِينِك وَأَنْتَ تَخْرُجُ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ، وَعَلَى يَسَارِك حِينَئِذٍ قَصْرُ عُرْوَةَ، فَهِيَ تَفِيءُ إلَيْهِ الْعَشِيَّ. وَإِذَا أُطْلِقَ اسْمُ الْجَمَّاءِ فَهِيَ الْمَقْصُودَةُ، الْيَوْمَ، أَمَّا جَمَّاءُ أُمِّ خَالِدٍ فَتُلَاصِقُهَا مِنْ الْغَرْبِ، أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ وَجِسْمَاهُمَا مُنْفَصِلَانِ. أَمَّا جَمَّاءُ عَاقِلٍ فَتُنَاظِرُهَا مِنْ الْغَرْبِ، بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ جَبَلِ حُبْشِيٍّ، تَقَعُ الْعَرَصَةُ الصُّغْرَى بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقِيقِ.

الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى جَاءَتْ فِي لَامِيَّةِ أَبِي طَالِبٍ:
(1/84)

وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى إذَا صَمَدُوا لَهَا

يَؤُمُّونَ قَذْفًا رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ
قُلْت: الْجَمَرَاتُ فِي مِنًى ثَلَاثٌ: الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى وَتُسَمَّى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَهِيَ أُولَاهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ وَأَوَّلَ مِنًى مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ، وَالْجَمْرَةُ الْوُسْطَى تَلِيهَا مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ وَعَلَى بُعْدٍ أَدْنَى مِنْ مَدِّ النَّظَرِ، ثُمَّ الصُّغْرَى عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ بَعْدَ الْوُسْطَى مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وَالْحَاجُّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى جَمِيعَ أَيَّامِ الْحَجِّ، أَمَّا الْوُسْطَى وَالصُّغْرَى فَيَبْدَأُ رَمْيُهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَعْدَ الزَّوَالِ.

جَمْعٌ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ جَاءَتْ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
إنِّي وَالسَّوَابِحُ يَوْمَ جَمْعٍ

وَمَا يَتْلُو الرَّسُولَ مِنْ الْكِتَابِ
لَقَدْ أَحْبَبْت مَا لَقِيَتْ ثَقِيفٌ

بِجَنْبِ الشِّعْبِ أَمْسِ مِنْ الْعَذَابِ
قُلْت: جَمْعٌ، هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ: الْمَشْعَرُ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَشَاعِرِ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ بِجَنْبِ الشِّعْبِ، يَقْصِدُ يَوْمَ حُنَيْنٍ.

الْجَمُومُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَمِيمَيْنِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذْ قَالَ: وَغَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْجَمُومُ مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ
(1/85)

قُلْت: الْجَمُومُ مَاءٌ لَا زَالَ مَعْرُوفًا عَلَى السُّفُوحِ الشَّرْقِيَّةِ لِحَرَّةِ كَشْبٍ، وَهُوَ الْيَوْمَ لِلرَّوْقَةِ مِنْ عُتَيْبَةَ. وَحَرَّةُ كَشْبٍ: حَرَّةٌ تُقَابِلُ حَرَّةَ الْحِجَازِ مِنْ الشَّرْقِ بَيْنَهُمَا وَادِي عَقِيقِ عُشَيْرَةَ، إلَّا أَنَّ كَشْبًا أَصْغَرُ، وَأَقْصَرُ مُدًى فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ تَمْتَدُّ مِنْ الْجَنُوب فِي صَحْرَاءِ السِّيّ إلَى الشَّمَالِ عِنْدَ الصَّحْرَاءِ الْمُتَّصِلَةِ بِمَهْدِ الذَّهَبِ «مَعْدِنُ بَنِي سُلَيْمٍ قَدِيمًا».

الْجِنَابُ بِكَسْرِ الْجِيمِ: وَنُونٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ. جَاءَ فِي قَوْلِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ سَعْدِ هُذَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ يَذْكُرُ إسْعَافَهُمْ وَنَجْدَتَهُمْ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ فِي حَرْبِهِ مَعَ خُزَاعَةَ:
جَمَعْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالَى

مِنْ الْأَعْرَافِ أَعْرَافِ الْجِنَابِ
إلَى غَوْرَيْ تِهَامَةَ فَالْتَقَيْنَا

مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ
قُلْت الْجِنَابُ: أَرْضٌ وَاسِعَةٌ تَقَعُ شَمَالَ خَيْبَرَ وَتَمْتَدُّ إلَى تَيْمَاءَ، يُعْرَفُ جُلُّهَا الْيَوْمَ بِاسْمِ «الْجَهْرَاءِ» كَانَتْ مَنَازِلَ قُضَاعَةَ، وَهِيَ الْيَوْمَ لِعَنَزَةَ بْنِ أَسَدٍ.

الْجِوَاءُ ذُكِرَتْ فِي (عَذْرَاءَ).
الْجَوْشِيَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: جَاءَ فِي خَبَرِ فِرَارِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ إلَى الشَّامِ، وَهُوَ خَبَرٌ مُطَوَّلٌ، وَمِنْهُ. . ثُمَّ قُلْت: أُلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنْ النَّصَارَى بِالشَّامِ، فَسَلَكْت الْجَوْشِيَّةَ،
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، الْحَوْشِيَّةُ، وَخَلَّفَتْ بِنْتًا لِحَاتِمِ فِي الْحَاضِرِ، فَلَمَّا قَدِمْت
(1/86)

الشَّامَ أَقَمْت بِهَا.
قُلْت: لَا تُعْرَفُ الْجَوْشِيَّةُ - بِالْجِيمِ - وَلَا الْحَوْشِيَّةُ - بِالْحَاءِ - الْيَوْمَ، وَرَوَيْنَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ»، أَنَّ الْجَوْشِيَّةَ، بِالْجِيمِ: طَرِيقٌ كَانَتْ تَأْخُذُ مِنْ تَيْمَاءَ شَمَالًا عَلَى الْحَوْلِ ثُمَّ جَبَلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ جَوْشٍ (جَبَلُ الطُّبَيْقِ الْيَوْمَ) ثُمَّ عَلَى أَبَائِرَ (بَائِرٌ الْيَوْمَ) وَكِلَاهُمَا - جَوْشٌ
وَأَبَائِرُ - مِنْ حُدُودِ الْأُرْدُنِّ مِمَّا يَلِي الْحِجَازَ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْ دِيَارِ عَدِيٍّ، ثُمَّ صَارَتْ طَرِيقًا لِحَاجِّ الشَّامِ أَوْ بَعْضِهِ زَمَنًا لَيْسَ بِالْيَسِيرِ، وَلَا زَالَتْ مَعَالِمُهَا وَاضِحَةً وَالْبِرَكُ فِي جَبَلِ الطُّبَيْقِ تُمْسِكُ الْمَاءَ.

ذَاتُ الْجَيْشِ وَرَدَتْ فِي نُصُوصٍ فِي السِّيرَةِ، وَمِنْهَا مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْعَقِيقِ.
قُلْت: هِيَ تَلْعَةٌ كَبِيرَةٌ تَسِيلُ مِنْ ثَنَايَا مُفْرِحَاتٍ، فَتَصُبُّ فِي الْعَقِيقِ - عَقِيقِ الْمَدِينَةِ - مِنْ الْغَرْبِ فَوْقَ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالشِّلْبِيَّةِ. أَهْلُهَا عَوْفٌ مِنْ حَرْبٍ
(1/87)

الْحَبَشَةُ يَتَكَرَّرُ فِي السِّيرَةِ اسْمُ الْحَبَشَةِ وَمَلِكِ الْحَبَشَةِ وَالْأَحْبَاشِ. وَالْحَبَشَةُ: اسْمٌ لِلْأَمَةِ أُطْلِقَ عَلَى أَرْضِهِمْ، وَتُسَمَّى دَوْلَتُهُمْ أَثْيُوبْيَا، وَهِيَ تَضُمُّ أَرَاضِيَ إسْلَامِيَّةً إلَى جَانِبِ أَرْضِهِمْ.
وَأَرْضُ الْحَبَشَةِ: هَضْبَةٌ مُرْتَفِعَةٌ غَرْبَ الْيَمَنِ بَيْنَهُمَا الْبَحْرُ، وَعَاصِمَتُهَا أَدِيسْ أَبَابَا، وَلَهُمْ صِلَاتٌ قَدِيمَةٌ مَعَ الْعَرَبِ، وَلِمَلِكِهِمْ مَوْقِفٌ يُذْكَرُ وَيُشْكَرُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ الْأَوَائِلِ الَّذِينَ هَاجَرُوا إلَيْهِ فَوَجَدُوا فِي كَنَفِهِ مَلْجَأً وَحُسْنَ جِوَارٍ.
وَالْحَبَشَةُ نَصَارَى، غَيْرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ زَحَفَ عَلَى بِلَادِهِمْ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ فَأَسْلَمَتْ أَطْرَافُهَا مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ، وَبَقِيَتْ الْهَضْبَةُ حَوْلَ أَدِيسْ أَبَابَا مُتَمَسِّكَةً بِشِدَّةِ بالنصرانية وَلَا زَالَ الْإِسْلَامُ يَتَكَاثَرُ فِي الْعَاصِمَةِ نَفْسِهَا، وَالْإِسْلَامُ هُنَاكَ لَيْسَ مَفْرُوضًا بِالْقُوَّةِ، إنَّمَا هُوَ يَنْتَشِرُ بِالدَّعْوَةِ الْفَرْدِيَّةِ وَبِالِاحْتِكَاكِ وَالْجِوَارِ. وَقَدْ تَحَوَّلَتْ أَثْيُوبْيَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ إلَى جُمْهُورِيَّةٍ وَطُرِدَ النَّجَاشِيُّ.
وَمِنْ هَذِهِ الإمبراطورية أَقَالِيمُ أَصْبَحَتْ عَرَبِيَّةً، مِثْلَ: أَرِيتْرِيَا، وَهِيَ أَرْضٌ تَلِي الْبَحْرَ الْأَحْمَرَ تَبْدَأُ مِنْ مَضِيقِ بَابِ الْمَنْدَبِ جَنُوبًا إلَى جَنُوب «طوكر» فِي السُّودَانِ. وَمِنْ مُدُنِ هَذَا الْإِقْلِيمِ: أَسْمَرَةُ: (الْعَاصِمَةُ) وَمَصُوعُ: الْمِينَاءُ الرَّئِيسِيُّ، وَكَانَتْ تُسَمَّى بَاضِعَ، وَإِلَيْهَا هَاجَرَ الصَّحَابَةُ فِي هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ، وَعَصَبُ: مِينَاءٌ فِي آخِرِ الْجَنُوب قُرْبَ عُدُول مِنْ أَرْضِ الدّنَاكِلِ.
وَهَذَا الْإِقْلِيمُ - لَوْ تَحَرَّرَ وَاسْتَقَلَّ - حَجَبَ الْأَحْبَاشَ عَنْ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ نِهَائِيًّا، وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَجْعَلُهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِأَرِيتْرِيَا
(1/91)

وَقَدْ أَصْبَحَتْ مُشْكِلَةُ أَرِيتْرِيَا مِنْ الْمَشَاكِلِ الْعَرَبِيَّةِ الْحَادَّةِ تَأْتِي بَعْدَ مُشْكِلَةِ فِلَسْطِينَ.
وَمِنْ الْأَقَالِيمِ الْمُطَالَبِ بِهَا مِنْ الإمبراطورية: إقْلِيمُ أَوَجَادِّينَ أَوْ الصُّومَالُ الْغَرْبِيُّ الَّذِي تُطَالِبُ بِهِ الصُّومَالُ، وَمِنْ أَهَمِّ مُقَاطَعَاتِهِ مَدِينَةُ «هِرَر» الْمَشْهُورَةُ بِإِنْتَاجِ الْبُنِّ الهرري. وَهَذَا الْإِقْلِيمُ كَثِيرُ الْمَحَاصِيلِ، وَالْأَحْبَاشُ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ بِشِدَّةِ وَيُقَاتِلُونَ دُونَهُ بِضَرَاوَةِ، وَلَا يَقْبَلُونَ فِيهِ وَلَا فِي أَرِيتْرِيَا مُفَاوَضَاتٍ. تَقَعُ «هِرَر» فِي الْهَضْبَةِ الْمُرْتَفِعَةِ غَرْبَ بَابِ الْمَنْدَبِ.

الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ فِي لَامِيَّتِهِ الَّتِي يُنْحِي فِيهَا بِاللَّائِمَةِ عَلَى قُرَيْشٍ وَيُقْسِمُ - وَهُوَ مُشْرِكٌ - بِكُلِّ مَا يَرَاهُ عَزِيزًا أَنَّهُ لَا وَلَنْ يَتْرُكَ مُحَمَّدًا، فَيَقُولُ:
وَبِالْبَيْتِ حَقُّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّة َ

وَبِاَللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وَبِالْحَجَرِ الْمُسَوَّدِ إذْ يَمْسَحُونَهُ

إذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِل
ِ قُلْت: قَالَ هُنَا، الْمُسَوَّدُ وَهُوَ يَقْصِدُ الْأَسْوَدَ، وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ بِالْكَعْبَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفٍ.

الْحِجْرُ جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عُمْرُ إسْمَاعِيلَ - فِيمَا يَذْكُرُونَ مِائَةَ سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ - رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ - وَدُفِنَ فِي «الْحِجْرِ» مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ.
قُلْت: وَلَا زَالَ الْحِجْرُ يُعْرَفُ، وَيُسَمَّى: حِجْرَ إسْمَاعِيلَ. هُوَ فِنَاءٌ مِنْ الْكَعْبَةِ فِي شِقِّهَا الشَّامِيِّ مَحُوطٌ بِجِدَارِ ارْتِفَاعُهُ أَقَلُّ
(1/92)

مِنْ نِصْفِ قَامَةٍ، وَيُفْتِي الْعُلَمَاءُ أَنَّ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ لَا تَصِحُّ فِيهِ، ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ الْكَعْبَةِ نَفْسِهَا فِيمَا يُرْوَى فِي تَأْرِيخِ مَكَّةَ وَحَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ ; قَالُوا: إنَّ قُرَيْشًا عِنْدَمَا أَعَادَتْ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ قُبَيْلَ الْبَعْثَةِ قَصَرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ فَتَرَكُوا الْحِجْرَ، ثُمَّ حَجَرُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجِدَارِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ بِصَحْنِ الْمَطَافِ.
وَلَكِنَّ النَّصَّ الْمُتَقَدِّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَجَرَ كَانَ مَعْرُوفًا فِي زَمَنِ إسْمَاعِيلَ، وَأَنَّهُ دُفِنَ فِيهِ بَعْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ.

وَالْحِجْرُ (حِجْرُ ثَمُودَ) قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، فِي خَبَرِ مَسِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى تَبُوكَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ مَرَّ بِالْحِجْرِ نَزَلَهَا، وَاسْتَقَى النَّاسَ مِنْ بِئْرِهَا، فَلَمَّا رَاحُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا، وَتَتَوَضَّئُوا مِنْهُ لِلصَّلَاةِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَخْرُجُنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ اللَّيْلَةَ إلَّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ.
قُلْت: الْحِجْرُ، مَا زَالَ يُعْرَفُ بِاسْمِهِ، وَهُوَ وَادٍ يَأْخُذُ مِيَاهَ جِبَالِ مَدَائِنِ صَالِحٍ (أَرْضُ ثَمُودَ) ثُمَّ يَصُبُّ فِي صَعِيدِ وَادِي الْقُرَى فَيَمُرُّ سَيْلُهُ بِالْعُلَا: الْمَدِينَةُ الْمَعْرُوفَةُ، وَبِالتَّحْدِيدِ، الْحِجْرُ: رَأْسُ وَادِي الْقُرَى، وَأَهْلُهُ الْيَوْمَ قَبِيلَةٌ عَنَزَةَ، وَبِهِ زِرَاعَةٌ حَسَنَةٌ، وَأَهَمُّ مَا هُنَالِكَ عَجَائِبُ آثَارِ ثَمُودَ، وَتَبْعُدُ الْمِنْطَقَةُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْ الْحِجْرِ قَرَابَةَ (22) كَيْلًا مِنْ مَدِينَةِ الْعُلَا شَمَالًا، وَالْعُلَا: عَلَى (322) كَيْلًا عَلَى سِكَّةِ الْحَدِيدِ، شَمَالَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَأَصْبَحَ وَادِي الْقُرَى يُسَمَّى وَادِيَ الْعُلَا.

الْحُجُونُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ، وَآخِرُهُ نُونٌ:
(1/93)

جَاءَ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيُّ عِنْدَمَا جَلَتْ جُرْهُمُ عَنْ مَكَّةَ:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْجُحُونِ إلَى الصَّفَا

أَنِيسٌ وَلَمْ يُسْمِرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
مِنْ قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ مَشْهُورَةٍ.
الْحُجُونُ الثَّنِيَّةُ الَّتِي تُفْضِي عَلَى مَقْبَرَةِ الْمُعَلَّاةِ، وَالْمَقْبَرَةُ عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا مِمَّا يَلِي الْأَبْطَحَ، تُسَمَّى الثَّنِيَّةَ الْيَوْمَ «رِيعُ الْحُجُونِ» وَالْبَادِيَةُ تُسَمِّيهِ رِيعَ الْحُجُولِ.
«وَانْظُرْ مُعْجَمَ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

الْحُدَيْبِيَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتُشَدَّدُ يَاؤُهَا وَتُخَفَّفُ.
جَاءَتْ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ سَبْعِينَ بَدَنَةً.
قُلْت: الْحُدَيْبِيَةُ عَلَى (22) كَيْلًا غَرْبَ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ جَدَّةَ الْقَدِيمِ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَمُرُّ بِالْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ حَدَّاءَ - عَلَى بِضْعِ أَكْيَالٍ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ - ثُمَّ عَلَى بَحْرَةَ - مُنْتَصَفَ الطَّرِيقِ - ثُمَّ عَلَى أُمِّ السَّلَمِ فَجَدَّةَ. بِهَا مَسْجِدُ الشَّجَرَةِ، قِيلَ إنَّ مَكَانَهُ لَمْ يَثْبُتْ، وَهُوَ الْيَوْمَ مُهَدَّمٌ، وَبِهَا بُوَيْتَاتٌ يَعُدُّهَا النَّاظِرُ، وَمَسْجِدٌ غَيْرَ مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ يُصَلَّى فِيهِ، وَبِهَا مِخْفَرٌ لِلشُّرْطَةِ، وَهِيَ خَارِجُ الْحَرَمِ غَيْرُ بَعِيدَةٍ مِنْهُ، عَلَى مَرْأًى، وَمُلَّاكُهَا الْأَشْرَافُ ذَوُو نَاصِرٍ.
(1/94)

حِرَاءُ جَاءَ فِي النَّصِّ الْمُقَدَّمِ فِي ثَبِيرٍ، وَتُكَرَّرُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ.
وَيُعْرَفُ الْيَوْمَ ِجَبَلِ النُّورِ، لِنُزُولِ أَوَّلِ سُورَةٍ مِنْ الذِّكْرِ الْحَكِيمِ عَلَى نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَتَعَبَّدُ فِي غَارٍ فِي رَأْسِ حِرَاءٍ، فَاعْتَبَرَ الْمُسْلِمُونَ الْقُرْآنَ نُورًا فَسَمَّوْهُ بِهِ، وَكَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: جَبَلُ الْقُرْآنِ أَوْ جَبَلُ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ أَفَضْت فِيهِ فِي الْمُعْجَمِ وَمَعَالِمِ مَكَّةَ، فَأَغْنَى. وَفِيهِ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَبْكِي حَمْزَةَ:
وَلَوْ انَّهُ فُجِعَتْ ح ِرَاءُ بِمِثْلِه ِ

لَرَأَيْت رَأْسَيْ صَخْرِهَا يَتَبَدَّدُ

حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ جَاءَتْ فِي ذِكْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَاسْتِغْفَارِهِ لِأَبِي أُمَامَةَ، قَالَ كَعْبٌ: إنَّ أَبَا أُمَامَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِهِمْ - أَيْ صَلَّى بِهِمْ الْجُمُعَةَ - بِالْمَدِينَةِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ - فِي نَقِيعٍ - يُقَالُ لَهُ نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ.
قُلْت: لَمْ تَعُدْ حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ وَلَا هَزْمُ النَّبِيتِ أَوْ نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ مَعْرُوفَةً، عَلَى أَنَّهَا كُلَّهَا مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.

حَرَّةُ بَنِي حَارِثَةَ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،، مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ مِنْ طَرِيقٍ يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ (مِنْ الْأَنْصَارِ): أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَفَذَ بِهِ فِي حَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ، وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، حَتَّى سَلَكَ مِنْ مَالٍ لِمِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيٍّ. . . إلَخْ.
قُلْت: حَرَّةُ بَنِي حَارِثَةَ، آخِرُ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيَّةِ حِينَ تَذْهَبُ بَيْنَ وَادِي قَنَاةٍ وَالْمَدِينَةِ، نِهَايَتُهَا مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ (الشَّوْطُ)، وَمِنْهَا إلَى جَبَلِ عَيْنَيْنِ وَإِلَى سَلْعِ (السَّبْخَةِ) وَقَدْ ذُكِرَا.
أَيْ أَنَّ حَرَّةَ بَنِي حَارِثَةَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى ِ مَشْهَد سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

حَرَّةُ بَنِي حَارِثَةَ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،، مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كَثَبٍ مِنْ طَرِيقٍ يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ (مِنْ الْأَنْصَارِ): أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَفَذَ بِهِ فِي حَرَّةِ بَنِي
(1/95)

حَارِثَةَ، وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ، حَتَّى سَلَكَ مِنْ مَالٍ لِمِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيٍّ. . . إلَخْ.
قُلْت: حَرَّةُ بَنِي حَارِثَةَ، آخِرُ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيَّةِ حِينَ تَذْهَبُ بَيْنَ وَادِي قَنَاةٍ وَالْمَدِينَةِ، نِهَايَتُهَا مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ (الشَّوْطُ)، وَمِنْهَا إلَى جَبَلِ عَيْنَيْنِ وَإِلَى سَلْعِ (السَّبْخَةِ) وَقَدْ ذُكِرَا.
أَيْ أَنَّ حَرَّةَ بَنِي حَارِثَةَ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى ِ مَشْهَد سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

حَرَّةُ الرَّجْلَاءِ جَاءَتْ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ فِي بَقِيَّةِ قِصَّةِ الْهُنَيْدِ وَدِحْيَةَ - اُنْظُرْ شَنَارًا -:
وَقَدْ وَجَّهَتْ غَطَفَانُ مِنْ جُذَامٍ وَوَائِلٍ وَمَنْ كَانَ مِنْ سَلَامَانَ وَسَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ، حِين جَاءَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; حَتَّى نَزَلُوا الْحَرَّةَ، حَرَّةَ الرَّجْلَاءِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رَبَّةَ، وَلَمْ يَعْلَمْ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، وَسَائِرُ بَنِي الضُّبَيْبِ بِوَادِي مَدَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ، مِمَّا يَسِيلُ مَشْرِقًا، وَأَقْبَلَ جَيْشُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَوْلَاجِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حَتَّى صَبَّحُوا رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ بِكُرَاعِ رَبَّةَ، بِظَهْرِ الْحَرَّةِ، عَلَى بِئْرٍ هُنَاكَ مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى.
قُلْت: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
(1/96)

حَرَّةُ الرَّجْلَاءِ: اخْتَلَفَ الْجُغْرَافِيُّونَ فِي تَحْدِيدِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الْحَرَّةُ الْخَشِنَةُ الْغَلِيظَةُ، وَقَالَ يَاقُوتُ: هِيَ حَرَّةٌ لِبُلْقِينِ بْنِ جَسْرٍ - مِنْ قُضَاعَةَ - بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ
قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شِهَابٍ:
وَكَلْبٌ لَهَا خَبْتٌ فَرَمْلَةُ عَالِجٍ

إلَى الْحَرَّةِ الرَّجْلَاءِ حَيْثُ تُحَارِبُ
وَالنَّصُّ الَّذِي فِي السِّيرَةِ وَرِوَايَةُ يَاقُوتٍ يَجْعَلَانِهَا قَرِيبًا مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى، وَلَعَلَّهَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْهَا، لِأَنَّك إذَا سِرْت فِي حَرَّةِ لَيْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ بِاتِّجَاهِ بِلَادِ بُلْقِينَ فَإِنَّك تَسِيرُ فِي هَذِهِ الْحَرَّةِ وَلَهَا عِدَّةُ نُعُوفٍ وَشَمَارِيخُ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ مِنْ جِهَةِ الْجِنَابِ انْقَطَعَتْ كُلُّ الْحِرَارِ. فَالْحَرَّةُ الرَّجْلَاءُ لَا شَكَّ مِنْ تِلْكَ النُّعُوفِ.
2 - كُرَاعُ رَبَّةَ، وَضَبْطُهَا فِي أَحَدِ النَّصَّيْنِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَرَاهُ وَهْمًا: بُيِّنَ فِي النَّصِّ الثَّانِي أَنَّهَا مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى.
3 - حَرَّةُ لَيْلَى: تُعْرَفُ الْيَوْمَ، بِحَرَّةِ خَيْبَرَ وَحَرَّةِ هُتَيْمٍ، وَمِنْهَا حَرَّةٌ أَوْثَنَانَ فِي نِهَايَتِهَا الشَّمَالِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَهِيَ تُسَايِرُك إذَا تَجَاوَزْت خَيْبَرَ عَلَى يَمِينِك حَتَّى تَصِيرَ فِي الْجِنَابِ (الْجَهْرَاءُ الْيَوْمَ).
4 - وَادِي مَدَانَ: لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ، غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ الْوَاضِحِ مِنْ هَذَا النَّصِّ أَنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَاتِ، أَيْ إلَى الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ خَيْبَرَ.
5 - الْأَوْلَاجُ: كَجَمْعِ وَلَجٍ: كَذَلِكَ لَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ، إلَّا أَنَّهَا - بِالتَّأْكِيدِ - مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ.
(1/97)

الْحَزْوَرَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ: تَتَرَدَّدُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَفِي كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا وَالتَّأْرِيخِ، وَهِيَ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ القشاشية، مُرْتَفَعٌ يُقَابِلُ الْمَسْعَى مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ كَانَ وَلَا يَزَالُ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ مَكَّةَ،
وَكَانَتْ الْحَزْوَرَةُ تَلًّا مُرْتَفِعًا، وَهِيَ كَذَلِكَ الْيَوْمَ غَيْرَ أَنَّ ظَهْرَهَا مَعْمُورٌ بِشَوَارِعَ تِجَارِيَّةٍ كَشَارِعِ الصَّوْغ وَمَبِيعَاتِ الْحَقَائِبِ وَالْحَرَمِ وَنَحْوِهَا.

الْحِسَاءُ كَأَنَّهُ جَمْعُ حِسْيٍ، وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ، جَاءَ فِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ:
إذَا أَدَّيْتنِي وَحَمَلْت رَحْلِي

مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنُك أَنْعُمٌ وَخَلَاك ذَمٌّ

وَلَا أَرْجِعْ إلَى أَهْلِي وَرَائِي
قُلْت: لَمْ يَأْتِ فِيهِ شَارِحُ السِّيرَةِ بِشَيْءِ، وَجَاءَ يَاقُوتٌ بِذِكْرِ حِسَاءَاتٍ لَا أَرَى ابْنَ رَوَاحَةَ يَقْصِدُهَا، ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ شِعْرَهُ هَذَا بَعْدَ أَنْ سَارَ لَيْلَةً مِنْ الْمَدِينَةِ فِي طَرِيقِ الشَّامِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ يَقْصِدُ مَوْضِعًا قُرْبَ الْمَدِينَةِ.
وَيُوجَدُ الْيَوْمَ مَكَانٌ يُسَمَّى «الْحَسَا» جَنُوب الْمَدِينَةِ عَلَى (15) كَيْلًا، وَهُوَ جِزْعٌ مِنْ عَقِيقِ الْمَدِينَةِ، ذُو زِرَاعَةٍ وَنُزُلٍ.
وَبَيْتُ ابْنِ رَوَاحَةَ: «إذَا أَدَّيْتنِي وَحَمَلْت رَحْلِي» رَوَاهُ يَاقُوتٌ: (إذَا بَلَّغْتنِي. إلَخْ)
وَهُنَاكَ قَرْيَةٌ بِالْأُرْدُنِّ شَمَالَ مَعَانَ تُسَمَّى «الْحَسَا» وَتَقَعُ
(1/98)

شَرْقِيَّ مُؤْتَةَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ أَيْضًا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ يَقْصِدُهَا لِأَنَّ مَسِيرَةَ أَرْبَعًا وَرَاءَهَا لَا مَعْنَى لَهُ.

حِصْنٌ بِلَفْظِ مَا يُتَحَصَّنُ فِيهِ.
ذُكِرَتْ فِي السِّيرَةِ حُصُونٌ كَثِيرَةٌ، مِنْ أَهَمِّهَا: حِصْنُ الْقَمُوصِ، وَحِصْنُ نَاعِمٍ، وَحِصْنُ الْوَطِيحِ، وَحِصْنُ السَّلَالِمِ، وَحِصْنُ الْكَتِيبَةِ، وَحِصْنُ الشِّقِّ، وَحِصْنُ نَطَاةَ، وَكُلُّهَا فِي خَيْبَرَ، وَيُعْرَفُ مِنْهَا الْيَوْمَ: حِصْنُ نَطَاةَ: قَرْيَةٌ بِخَيْبَرِ. الشِّقُّ: قَامَتْ مَكَانَهُ بَلْدَةُ الشُّرَيْفِ، قَاعِدَةُ خَيْبَرَ السَّلَالِمُ قُرْبَ الشُّرَيْفِ. وَالْوَطِيحُ: غَرْبِيِّ الشُّرَيْفِ.
حِصْنُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ ذُكِرَ فِي نَخْبٍ.
الْحَضْرُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. جَاءَ فِي النَّصِّ: وَالْحَضْرُ: حِصْنٌ عَظِيم ٌ كَالْمَدِينَةِ، كَانَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ.
وَتَحَدَّثَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الرَّاوِي فِي كِتَابِهِ «الْبَادِيَةُ» فَقَالَ: قَصْرُ الْحَضْرِ فِي الْجَزِيرَةِ، بِنَاءٌ شُيِّدَ مِنْ الْحِجَارَةِ الصَّمَّاءِ عَلَى ضَفَّةِ الثَّرْثَارِ الْيُمْنَى، فِي مَوْقِعٍ مُتَوَسِّطٍ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَدِينَتَيْ الْمَوْصِلِ وَتَكْرِيتَ مِنْ الْمُدُنِ الْقَدِيمَةِ الْمُعَاصِرَةِ لِهَذَا الْبِنَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: لَمْ يَبْقَ الْآنَ مِنْ هَذَا الْبِنَاءِ إلَّا جُدْرَانٌ قَائِمَةٌ وَسُقُوفٌ مَائِلَةٌ لِلِانْهِدَامِ،
وَبِهَذَا نَرَى أَنَّ مَوْقِعَ الْحَضْرِ فِي شَمَالِ الْعِرَاقِ، فِي الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ.
وَلِلْحَضْرِ قِصَّةٌ ذَكَرَهَا الْمُؤَرِّخُونَ نَأْتِي بِمُلَخَّصِ لَهَا لِلْعِبْرَةِ وَالِاعْتِبَارِ، تَقُولُ الْقِصَّةُ: كَانَ الضَّيْزَنُ
(1/99)

بْنُ جلهمة الْقُضَاعِيّ مَلِكَ الْحَضْرِ، فَأَغَارَ عَلَى سَابُورَ الْجَنُودِ مَلِكِ الْفُرْسِ فَسَبَى أُخْتَه، فَغَزَاهُ سَابُورُ وَحَاصَرَهُ سَنَتَيْنِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَذَاتَ يَوْمٍ أَشْرَفَتْ النُّضَيْرَةُ بِنْتُ الضَّيْزَنِ عَلَى سَابُورَ فَنَظَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ فَأَعْجَبَهَا وَأَعْجَبَتْهُ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ: مَا لِي عِنْدَك إنْ أَنَا فَتَحْت لَك الْحَضْرَ؟ فَوَعَدَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَرْفَعَهَا عَلَى نِسَائِهِ. فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَفَتَحَ الْحَضْرَ، وَقَتَلَ أَبَاهَا وَخَرَّبَ الْحِصْنَ وَتَزَوَّجَهَا.
وَلَمَّا قَفَلَ عَائِدًا بَاتَ فِي الطَّرِيقِ فَلَمْ تَنَمْ النُّضَيْرَةُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَادَّعَتْ خُشُونَةَ الْفِرَاشِ فَنَظَرَ فَإِذَا تَحْتَهَا وَرَقَةُ آسٍ قَدْ أَثَّرَتْ فِي جِلْدِهَا، فَقَالَ لَهَا: بِمَ كَانَ يَغْذُوك أَبُوك؟ قَالَتْ: بِشَهْدِ الْأَبْكَارِ مِنْ النَّحْلِ وَلُبَابِ الْبُرِّ وَمُخِّ الثَّنِيَّاتِ.
فَقَالَ سَابُورُ: أَنْت مَا وَفَّيْت لِأَبِيك عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ، فَكَيْفَ تَكُونُ حَالُك مَعِي؟ فَبَنَى لَهَا بِنَاءً عَالِيًا فَقَالَ لَهَا: أَلَمْ أَرْفَعْك فَوْقَ نِسَائِي؟ قَالَتْ: بَلَى. فَأَمَرَ أَنْ تُرْبَطَ ذَوَائِبُ شَعْرِهَا فِي ذَنَبَيْ فَرَسَيْنِ جَمُوحَيْنِ ثُمَّ نَفَرَا فَقَطَّعَاهَا إرَبًا.

حَضْرَمَوْتُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَرَاءٍ، وَآخِرُهُ مُثَنَّاةٌ، جَاءَ فِي خَبَرِ خُرُوجِ الْعَنْسِيِّ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ إلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيُّ، وَهُوَ بِهَا، وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيَدٍ أَخَا بَنِي بَيَاضَةَ إلَى حَضْرَمَوْتَ.
(1/100)

قُلْت: حَضْرَمَوْتُ، إقْلِيمٌ عَظِيمٌ مَشْهُورٌ مِنْ أَقَالِيمِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَهُوَ - جُغْرَافِيًّا - مَعْدُودٌ مِنْ الْيَمَنِ، وَهُوَ فِي جَنُوب الْجَزِيرَةِ، يَحُدُّهُ شَمَالًا رَمْلُ الْأَحْقَافِ الْمُتَّصِلُ بِمَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالرُّبْعِ الْخَالِي، وَجَنُوبًا بَحْرُ الْعَرَبِ الْمُتَّصِلُ بِالْمُحِيطِ الْهِنْدِيِّ، وَشَرْقًا عُمَانُ وَالْبَحْرُ الْعَرَبِيُّ أَيْضًا، وَغَرْبًا مُقَاطَعَةُ عَدَنِ أَبْيَنَ وَقَضَاءُ مَأْرَبٍ.
وَكَانَ حَضْرَمَوْتُ يَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلَاثِ مُقَاطَعَاتٍ جُغْرَافِيَّةٍ هِيَ: ظَفَارُ وَالْمُهْرَةُ وَالشِّحْرُ، غَيْرَ أَنَّ ظَفَارَ مَعْدُودَةٌ الْيَوْمَ مِنْ سَلْطَنَةِ عُمَان.
وَأَهَمُّ مُدُنِ حَضْرَمَوْتَ الْيَوْمَ: الْمُكِلَّا وَالشِّحْرُ عَلَى الْبَحْرِ الْعَرَبِيِّ، وَشِبَامُ وسيون وَتِرِيمُ وَكُلُّهَا، فِي الدَّاخِلِ عَلَى وَادِي حَضْرَمَوْتَ.
وَتَتَكَوَّنُ طَبِيعَةُ حَضْرَمَوْتَ مِنْ أَرْبَعِ ظَوَاهِرَ تَمْتَدُّ مِنْ الشَّرْقِ إلَى الْغَرْبِ: سِلْسِلَةٌ جَبَلِيَّةٌ تَتَّصِلُ بِجِبَالِ الْيَمَنِ ثُمَّ بِسَرَاةِ الْحِجَازِ عَلَى شَكْلِ زَاوِيَةٍ مُنْفَرِجَةٍ جَنُوب شَرْقِيِّ نَجْرَانَ، ثُمَّ سَهْلٌ يَتَخَلَّلهُ وَادِي حَضْرَمَوْتَ، وَهُوَ جُلُّ الْمِنْطَقَةِ الزِّرَاعِيَّةِ فِي الْإِقْلِيمِ، ثُمَّ سِلْسِلَةٌ جَبَلِيَّةٌ أُخْرَى أَقْصَرُ مُدًى وَلَكِنَّهَا أَعْلَى ارْتِفَاعًا، ثُمَّ السَّهْلُ السَّاحِلِيُّ الْمُتَّصِلُ بِسَوَاحِلِ الْيَمَنِ غَرْبًا وَسَاحِلِ عُمَان شَرْقًا.
وَتَضُمُّ الْيَوْمَ حَضْرَمَوْتَ وَعَدَنَ وَلَحْجًا دَوْلَةً وَاحِدَةً بِاسْمِ الْجُمْهُورِيَّةِ الْيَمَنِيَّةِ الْجَنُوبِيَّةِ، وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا الْيَمَنُ الْجَنُوبِيُّ، وَلِلْحَضَارِمَةِ شُهْرَةٌ فِي التِّجَارَةِ، وَلَهُمْ سُمْعَةٌ طَيِّبَةٌ فِي شُؤُونِ الْمَالِ وَالِاقْتِصَادِ، وَلِحَضْرَمَوْتَ تَأْرِيخٌ مُطَوَّلٌ مِنْ قَبْلِ الْإِسْلَامِ وَبَعْدَهُ، لَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِشَيْءِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْعُجَالَةِ.
(1/101)

حَضَنٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ نُونٌ:
جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيّ:
شَنْعَاءُ جُلِّلَ مِنْ سَوْآتِهَا حَضَن ٌ

وَسَالَ ذُو شَوْغَرٍ مِنْهَا وَسُلْوَانُ
قُلْت: حَضَنٌ، مِنْ جِبَالِ الْعَرَبِ الشَّهِيرَةِ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ: حِضْنَا، وَضِلْعَ الْبُقُومِ.
وَهُوَ جَبَلٌ شَامِخٌ يَقَعُ شَرْقَ الطَّائِفِ إلَى الشَّمَالِ، سُكَّانُهُ قَبِيلَةُ الْبُقُومِ، إذَا سِرْت مِنْ الطَّائِفِ عَلَى طَرِيقِ الرِّيَاضِ تَرَى حَضَنًا يَمِينَك، بِهِ أَوَدِيَةٌ وَمِيَاهٌ كَثِيرَةٌ.
2 - شَوْغَرٌ، يُذْكَرُ بِاسْمِ شَوْعَرٍ، بِإِهْمَالِ الْعَيْنِ، وَالصَّوَابُ (شَعَر) إنَّمَا قَالَ شَوْعَرٌ لِضَرُورَةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَهُوَ جَبَلٌ لِمُطَيْرٍ قُرْبَ حَرَّةِ كَشْبٍ مِنْ الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ.
3 - سُلْوَانُ: وَادٍ وَجَبَلٌ يُذْكَرَانِ فِي جِهَاتٍ مَا بَيْنَ كَشْبٍ إلَى تُرَبَةَ، وَلَمْ أَرَهُمَا.

الْحَطِيمُ: بِمَعْنَى الْمَحْطُومِ، مِنْ بَابِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ:
جَاءَ فِي قَوْلِ مُسَافِعِ بْنِ عَبْد مَنَافٍ الْجُمَحِيِّ يُحَرِّضُ بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ;

يَا مَالَ، مَالَ الْحَسَبِ الْمُقَدَّمِ

أَنْشِدْ ذَا الْقُرْبَى وَذَا التَّذَمُّمِ
(1/102)

مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ

الْحِلْفُ وَسَطَ الْبَلَدِ الْمُحَرَّمِ
عِنْدَ حَطِيمِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمِ
قُلْت: اُخْتُلِفَ فِي الْحَطِيمِ وَمَوْقِعِهِ، وَخَيْرُ الْأَقْوَالِ وَأَصَحُّهَا أَنَّهُ مَا بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى زَمْزَمَ إلَى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ.

الْحَفْرُ حَفْرُ الْبَاطِنِ: ذُكِرَ فِي الصَّمَّانِ.
حَفْنُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ ثُمَّ نُونٍ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: وَأُمُّ إبْرَاهِيمَ: مَارِيَةُ سُرِّيَّةُ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ مِنْ «حَفْنَ» مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا.
قُلْت: إبْرَاهِيمُ هَذَا هُوَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَهِيَ مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ. وَأَرَى حَفْنَ هَذَا لَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً أَوْ ظَلَّتْ مَعْرُوفَةً إلَى زَمَنٍ لَيْسَ بِبَعِيدِ، ذَلِكَ أَنَّ نِسْبَةَ حَفْنِيٍّ تَكْثُرُ بَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَلَعَلَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْحُوفِ فِي الصَّعِيدِ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ التَّوَارِيخِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كَلَّمَ مُعَاوِيَة َ فِي طَرْحِ الْخَرَاجِ عَنْ أَهْلِ حَفْنَ فَفَعَلَ، وَذَلِك لِأَنَّهُمْ أَخْوَالُ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ.

ذُو الْحُلَيْفَةِ كَأَنَّهُ تَصْغِيرُ حَلْفَةٍ:
مِنْ أَشْهَرِ مَا يَتَرَدَّدُ فِي تَأْرِيخِ الْمَدِينَةِ وَالسِّيرَةِ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ مَرَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَشُهْرَتُهُ تُغْنِي عَنْ
(1/103)

الْمَزِيدِ، يَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ، تِسْعَةَ أَكْيَالٍ جَنُوبًا وَهِيَ الْيَوْمَ بَلْدَةٌ عَامِرَةٌ، فِيهَا مَسْجِدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُعْرَفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِبِئَارِ عَلِيٍّ.

حَلْيَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَلَامٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ:
جَاءَ فِي قَوْلِ فَتًى مِنْ بَنِي جَذِيمَةَ يَوْمَ الْغُمَيْصَاءِ:
أَرَيْتُك إذْ طَالَبْتُكُمْ فَوَجَدْتُكُمْ ... بِحِلْيَةَ أَوْ أَلْفَيْتُكُمْ بِالْخَوَانِقِ
أَلَمْ يَكُ أَهْلًا أَنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ ... تَكَلَّفَ إدْلَاجَ السُّرَى وَالْوَدَائِقِ
قُلْت: فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - حَلْيَةُ: وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، كَثِيرُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ وَالْأَهْلِ، وَهِيَ جِزْعٌ مِنْ وَادٍ عَظِيمٍ، يُسَمَّى أَعْلَاهُ حَلْيَةَ وَيُقَالُ الْيَوْمَ: حَلْيَةُ مَتَّعَانِ، وَهُمْ سُكَّانُهَا، وَوَسَطُ الْوَادِي يُسَمَّى الْعَرْجَ، وَأَسْفَلُهُ يُسَمَّى الشَّاقَةُ الشَّامِيَّةُ، وَهِيَ - أَيْ الشَّاقَةُ - لِلْأَشْرَافِ ذَوِي حُسْنٍ. وَبِحَلْيَةَ الْيَوْمَ سُوقٌ عَامِرَةٌ تُسَمَّى سُوقَ الْعَيْنِ، وَسَيْلُهَا يَمُرُّ جَنُوب اللَّيْثِ عَلَى قَرَابَةِ (30) كَيْلًا.
2 - الْخَوَانِقُ: جَمَعَهَا الشَّاعِرُ هُنَا مَعَ حَلْيَةَ مِمَّا يَدُلُّ أَوْ يُوحِي بِأَنَّهُمَا مُتَجَاوِرَانِ، وَالْخَانِقُ الْمَعْرُوفُ - فِي هَذِهِ
(1/104)

الدِّيَارِ - بَعِيدٌ عَنْ حَلْيَةَ. فَهُوَ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي الْبَيْضَاءِ الَّذِي هُوَ صَدْرُ وَادِي الْغُمَيْصَاءِ، عَلَى سَبِيلِ اسْتِنْتَاجِنَا، وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ الْخَانِقِ هَذَا وَحَلْيَةَ تَقْرُبُ مِنْ (180) كَيْلًا. وَلَكِنْ لَيْسَ بَعِيدًا أَنْ يَقُولَ هَذَا الْفَتَى:
أَلْفَيْتُكُمْ بِحِلْيَةَ أَوْ بِالْخَوَانِقِ «الْخَانِقُ» فَكِلَاهُمَا كَانَ مِنْ دِيَارِ كِنَانَةَ، وَهُوَ ذِكْرُ نُزُولِهِمْ حَلْيَةَ، مَعَ أَنَّهُمْ «يَوْمَ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ» كَانُوا بِالْغُمَيْصَاءِ، عَلَى رَوْحَةٍ مِنْ الْخَانِقِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَبِهَذَا فَأَنَا أَمِيلُ إلَى أَنَّ «الْخَوَانِقَ» هِيَ خَانِقٌ هَذَا، جَمَعَهَا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَيَبْعُدُ الْخَانِقُ جَنُوب شَرْقِيِّ مَكَّةَ بِحَوَالَيْ (55) كَيْلًا. بَيْنَمَا تَبْعُدُ حَلْيَةُ قَرَابَةَ (270) كَيْلًا فِي نَفْسِ الِاتِّجَاهِ.

حَمْرَاءُ الْأَسَدِ بِلَفْظِ مُؤَنَّثِ الْأَحْمَرِ مُضَافَةٌ إلَى الْأَسَدِ. جَاءَ ذِكْرُهَا فِي حَوَادِثِ غِبّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَهِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَمْيَالٍ.
قُلْت: وَعُرِفَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي تَأْرِيخِ الدَّعْوَةِ بِاسْمِ غَزْوَةِ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، وَأَوْفَاهَا ابْنُ إسْحَاقَ مَادَّتَهَا التَّأْرِيخِيَّةَ.
وَحَمْرَاءُ الْأَسَدِ: جَبَلٌ أَحْمَرُ جَنُوب الْمَدِينَةِ عَلَى (20) كَيْلًا، إذَا خَرَجْت مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ تَؤُمُّ مَكَّةَ رَأَيْت حَمْرَاءَ الْأَسَدِ جَنُوبًا، لَيْسَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا مِنْ الْأَعْلَامِ سِوَى «حَمْرَاءِ نَمْلٍ» الْقَرِيبَةِ مِنْ الطَّرِيقِ. وَتَقَعُ حَمْرَاءُ الْأَسَدِ عَلَى الضَّفَّةِ الْيُسْرَى لِعَقِيقِ الْحَسَا، عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى
(1/105)

الْفَرْعِ، يَمُرُّ فِي فَيْئِهَا. وَتَحَدَّثْت عَنْهَا بِأَوْفَى مِنْ هَذَا فِي كِتَابِي: «عَلَى طَرِيقِ الْهَجْرِ». وَالْغَرِيبُ أَنِّي رَأَيْت بَعْضَ هُوَاةِ الْبَحْثِ ذَكَرَ أَنَّ حَمْرَاءَ الْأَسَدِ هِيَ قَرْيَةُ الْحَمْرَاءِ الَّتِي فِي وَادِي الصَّفْرَاءِ! وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَجْهَلُونَ.

الْحَمْشُ بِإِهْمَالِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْمِيمِ: جَاءَ فِي ذِكْرِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ يَصِفُ طَرِيقَهُ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فَقَالَ: اُسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَانِي الْحَمْشِ فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُ عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ.
قُلْت فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
1 - الْحَمْشُ مِنْ تَحْدِيدِهِ هُنَا أَنَّهُ شَمَالُ ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ، وَأَنَّ السَّائِرَ فِيهِ لَا يَلْبَثُ أَنْ يَدْخُلَ تِلْكَ الثَّنِيَّةَ. وَأَرَى صَوَابَهُ (الْحَمْضُ) لِأَنَّ تِلْكَ الْأَرْضَ تُسَمَّى الْحَمْضَ لِكَثْرَةِ نَبَاتِ الْعَصْلَاءِ فِيهَا.
2 - ثَنِيَّةُ الْمُرَارِ: إذَا وَقَفْت فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَنَظَرْت شَمَالًا عَدْلًا رَأَيْت جَبَلَيْنِ بَارِزَيْنِ بَيْنَك وَبَيْنَهُمَا وَادِي مَرَّ الظَّهْرَانِ، بَيْنَهُمَا فَجٌّ وَاسِعٌ، هَذَا الْفَجُّ هُوَ ثَنِيَّةُ الْمِرَارِ، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِفَجِّ الْكَرِيمِيَّ، وَقَوْلُهُ: مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ غَيْرُ وَاضِحٍ، فَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ يُعْرَفُ الْيَوْمَ مَوْقِعُهَا بالشميسي.

الْحَنَّانُ كَكَثِيرِ الْحَنِينِ:
(1/106)

رَمْلٌ يُشْرِفُ عَلَى قَرْيَةِ بَدْرٍ مِنْ الشَّمَالِ، وَتُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ «قَوْزُ عَلِيٍّ». وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الدِّبَّة».

حُنَيْنٌ تَصْغِيرُ حِنٍّ.
يَتَرَدَّدُ ذِكْرُهُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَغَزْوَتُهُ مِنْ أَشْهَرِ غَزَوَاتِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بَدْرٍ، كَانَتْ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، بَعْدَ الْفَتْحِ. وَهُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ، يَقَعُ شَرْقَهَا بِقَرَابَةِ ثَلَاثِينَ كَيْلًا، يُسَمَّى الْيَوْمَ وَادِي الشَّرَائِعِ، وَأَعْلَاهُ الصَّدْرُ - صَدْرُ حُنَيْنٍ -، وَمَاؤُهُ يَصُبُّ فِي الْمُغَمَّسِ فَيَذْهَبُ فِي سَيْلِ عُرَنَةَ إذَا كُنْت خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ إلَى الطَّائِفِ عَلَى طَرِيقِ الْيَمَانِيَّةِ، لَقِيت الشَّرَائِعِ عَلَى (28) كَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهِيَ عَيْنٌ وَقَرْيَةٌ نُسِبَ الْوَادِي إلَيْهَا، كَانَتْ عَيْنُهَا تُسَمَّى الْمُشَاشَ، وَقَدْ أَجْرَتْهَا زُبَيْدَةُ إلَى مَكَّةَ، ثُمَّ انْقَطَعَتْ عَنْ مَكَّةَ. وَلَا يَعْرِفُ الْيَوْمَ اسْمَ حُنَيْنٍ إلَّا الْخَاصَّةُ مِنْ النَّاسِ.

الْحِيرَةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ.
مَدِينَةٌ كَانَتْ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ الْغَرْبِيِّ، كَانَتْ عَاصِمَةَ مُلُوكِ لَخْمٍ الْمَشْهُورِينَ بِالْمَنَاذِرَةِ.
جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا قَنْصُ ابْنِ مَعْدٍ فَهَلَكَتْ بَقِيَّتُهُمْ - فِيمَا يَزْعُمُ نَسَّابُ مَعْدٍ - وَكَانَ مِنْهُمْ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الْحِيرَةِ.
وَكَانَ لِمَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْوَلَدِ: نِزَارُ بْنُ مَعْدٍ، وَإِلَيْهِ تَنْتَسِبُ النِّزَارِيَّةُ، وَقُضَاعَةُ بْنُ مَعْدٍ - عَلَى خِلَافٍ فِي
(1/107)

نَسَبِ قُضَاعَةَ،، وَقَنْصٌ وَيُقَالُ: قَنْصُ بْنُ مَعْدٍ، وَإِيَادُ بْنُ مَعْدٍ، وَاَلَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ هُوَ أَنَّ نِزَارَ بْنَ مَعْدٍ، أَمَّا بَقِيَّةُ أَبْنَاءِ مَعْدٍ فَفِيهِمْ خِلَافٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، وَقَدْ اُحْتُلَّتْ الْيَوْمَ مَدِينَةُ النَّجَفِ مَوْقِعَ الْحِيرَةِ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ آثَارِ الْكُوفَةِ.
(1/108)

الْخَابُورُ جَاءَ فِي الشِّعْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي دِجْلَةَ، وَهُوَ مِنْ الْأَنْهَارِ الَّتِي تَصُبُّ فِي الْفُرَاتِ فِي وَسَطِ الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ، وَعَلَيْهِ مُدُنٌ سُورِيَّةٌ وَقُرًى، مِنْ أَهَمِّهَا مَدِينَةُ الْحِسْكَةِ، وَهُنَاكَ خَابُورُ آخَرُ ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ فَقَالَ: يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ أَرْمِينِيَّةَ وَيَصُبُّ فِي دِجْلَةَ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ.
وَلَمْ يَكُنْ الْمَسْعُودِيُّ وَاهِمًا فَذَاكَ يُعْرَفُ بِالْخَابُورِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ غَيْرُ هَذَا. فَاَلَّذِي يَصُبُّ فِي دِجْلَةَ وَفِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ وَمُنْشِغه مِنْ أَرْمِينِيَّةَ هُوَ نَهْرُ «الزَّابِّ الْكَبِيرِ». أَمَّا الْخَابُورُ الْكَبِيرُ فَقَدْ وَصَفَهُ يَاقُوتُ بِصُورَتِهِ الْيَوْمَ فَقَالَ: يَخْرُجُ مِنْ «رَأْسِ عَيْنٍ» هِيَ رَأْسُهُ الْيَوْمَ، وَيَصُبُّ فِي الْفُرَاتِ. وَهَكَذَا فَإِنَّ الْخَابُورَ هَذَا يَتَعَلَّقُ رَأْسُهُ الْيَوْمَ فِي رَأْسِ عَيْنٍ أَوْ قُرْبَهَا، وَهِيَ بَلْدَةٌ سُورِيَّةٌ عَلَى الْحُدُودِ مَعَ تُرْكِيَّةٍ، ثُمَّ يَصُبُّ فِي الْفُرَاتِ كَمَا قَدَّمْنَا، وَهُوَ أَكْبَرُ رَوَافِدِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعَلَيْهِ حَيَاةُ وَسَطِ الْجَزِيرَةِ.

خَارِفُ بِلَفْظِ خَارِفِ الزَّرْعِ الَّذِي يُسَمَّى النَّاطُورَ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ وَفْدِ هَمْدَانَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَامَ مَلِكُ بْنُ نَمَطٍ - الْهَمْدَانِيّ - بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَصِّيَّةٌ مِنْ هَمْدَانَ مِنْ كُلِّ حَاضِرٍ وَبَادٍ، أَتَوْك عَلَى قُلُصٍ نَوَاجٍ، مُتَّصِلَةٍ بِحِبَالِ الْإِسْلَامِ، لَا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، مِنْ مِخْلَافِ خَارِفَ ويام وَشَاكِرٍ، أَهْلُ السَّوَدِ وَالْقَوَدِ.
قُلْت: خَارِفُ، يُعْرَفُ بِاسْمِ الْخَارِفِ، مِخْلَافٌ لَا زَالَ فِي بِلَادِ هَمْدَانَ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَصَعْدَةَ إلَى الْجَنُوب، ويام
(1/111)

وَشَاكِرٌ قَبِيلَانِ مِنْ هَمْدَانَ، وَالْمِخْلَافُ عِنْدَ أَهْلِ الْيَمَنِ كالمُتَصَرِّفِيّةِ أَوْ الْقَضَاءِ فِي التَّشْكِيلَاتِ الْإِدَارِيَّةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَا يُعْرَفُ الْمِخْلَافُ إلَّا فِي الْيَمَنِ، مِثْلَ: مِخْلَافِ تَعِزَّ، وَمِخْلَافِ ذِمَارِ، إلَخْ.

الْخَرَّارُ كَفَعَّالِ مِنْ خَرِيرِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ هِجْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الْخَرَّارَ ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْمُرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لَقْفًا.
قُلْت: الْخَرَّارُ، وَادٍ، هُوَ وَادِي الْجُحْفَةِ وَغَدِيرِ خَمٍّ، يَقَعُ شَرْقَ رَابِغٍ عَلَى قَرَابَةِ (25) كَيْلًا عِنْدَ غَدِيرِ خَمٍّ، وَقَدْ أَوْفَيْت الْحَدِيثَ عَنْهُ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

خَطْمُ الْحُجُونِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا، جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ:
جَزَى اللَّهُ رَهْطًا بِالْحُجُونِ تَبَايَعُوا

عَلَى مَلَأٍ يَهْدِي لِحَزْمِ وَيُرْشِدُ
قُعُودًا لَدَى خَطْمِ الْحُجُونِ كَأَنَّهُمْ

مَقَاوِلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزُّ وَأَمْجَدُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْحُجُونِ، وَخَطْمُهُ نَعْفُهُ الَّذِي يُكْنَعُ فِي الْوَادِي. وَالْمَقَاوِلَةُ: الْمُلُوكُ، جَمْعُ قِيلٍ.
(1/112)

الْخَلَائِقُ ذُكِرَتْ فِي ذِي الْعُشَيْرَةِ.
ذُو الْخُلَصَةِ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، وَقِيلَ بِضَمِّهِمَا
جَاءَ فِي النَّصِّ: وَكَانَ ذُو الْخُلَصَةِ لِدَوْسِ وَخَثْعَمٍ وَبُجَيْلَةَ، وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ بِتَبَالَةَ.
وَجَاءَ فِي «كِتَابِ الْأَصْنَامِ»: أَنَّ ذَا الْخُلَصَةِ كَانَ عَتَبَةَ بَابِ مَسْجِدِ تَبَالَةَ فِي عَهْدِ الْمُؤَلِّفِ، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ زَهْرَانَ يَدَّعُونَ أَنَّهُ مَعْرُوفٌ فِي بِلَادِهِمْ شَمَالَ غَرْبِيِّ مَدِينَةِ الْبَاحَةِ، وَهَذَا الْمَوْقِعُ لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ تَبَالَةَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَعْدُودًا مِنْهَا، وَهُوَ مَكَانٌ يَتَوَسَّطُ دِيَارَ بُجَيْلَةَ وَدَوْسٍ - دَوْسٌ الْيَوْمَ فِي زَهْرَانَ - وَخَثْعَمٍ، ذَلِكَ أَنَّ دِيَارَ هَذِهِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَتَغَيَّرْ حَتَّى يَوْمَ النَّاسِ هَذَا.
وَقِيلَ بَلْ كَانَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، وَأَرَاهُ وَهْمًا، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَّةُ الَّتِي بَنَاهَا أَبْرَهَةُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْحِمْيَرِيّ، وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ الْمُعَظَّمَةُ تُسَمَّى «الْكَعْبَةَ الشَّامِيَّةَ». وَقِيلَ كَانَ بَيْتًا تَعْبُدُهُ بُجَيْلَةُ وَخَثْعَمٌ وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ وَجُرْمٌ وَزُبَيْدٌ - زُبَيْدُ مَذْحِجَ - وَالْغَوْثُ وَبَنُو هِلَالٍ، كَانَ بِالْعَبْلَاتِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ، عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ سَبْعِ لَيَالٍ، وَكَانَ سَدَنَتَهُ بَنُو أُمَامَةَ مِنْ بَاهِلَةَ بْنِ أَعْصَرَ، وَقَدْ ذَهَبَ ذُو الْخُلَصَةِ. وَلَهُ أَخْبَارٌ مُطَوَّلَةٌ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ.

الْخَنْدَقُ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، وَتُسَمَّى غَزْوَةَ الْأَحْزَابِ، ذَلِكَ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَالْأَعْرَابَ وَالْيَهُودَ تَحَزَّبُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى غَزْوِ الْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ.
فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ وَأَحَاطُوا بِهَا هَمَّ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ وَبَلَغَتْ
(1/113)

الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، فَأَشَارَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عيه وسلم بِحَفْرِ خَنْدَقٍ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ.
وَلَمَّا كَانَتْ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ مُحَاطَةً بِالْحِرَارِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ، فَإِنَّ الْجِهَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي تُصْلَحُ أَنْ يَحْشُدَ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ هِيَ الْجِهَةُ الشَّمَالِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ، بَيْنَ سَلْعٍ وَأَسْفَلَ حَرَّةِ الْوَبَرَةِ، وَتُسَمَّى الْيَوْمَ حَرَّةَ الْمَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةَ، وَالْجِهَةُ الشَّمَالِيَّةُ الشَّرْقِيَّةُ بَيْنَ سَلْعٍ أَيْضًا وَحَرَّةِ وَاقِمٍ، فَحُفِرَ الْخَنْدَقُ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مُطِيفًا بِجَبَلِ سَلْعٍ مِنْ وَرَائِهِ، بِعُمْقِ يَصْعُبُ عَلَى الْعَدُوِّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لَوْ هَبَطَهُ، وَاتِّسَاعٍ يَصْعُبُ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ قَفْزُهُ. وَدَارَتْ الدَّائِرَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَنَصَرَ اللَّهُ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ. وَانْظُرْ «مَجْمَعَ الْأَسْيَالِ».

الْخَنْدَمَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَفَتْحِ الدَّالِ وَالْمِيمِ، ثُمَّ هَاءٍ: ذُكِرَ فِي يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وَإِذَا ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ الْخَنْدَمَةَ وَمَا حَدَثَ فِيهَا أَوْرَدُوا قَوْلَ حِمَاسِ بْنِ قَيْسٍ الْبَكْرِيِّ الْكِنَانِيِّ:
إنَّك لَوْ شَهِدْت يَوْمَ الْخَنْدَمَةُ

إذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُؤْتَمِهْ

واستقبلتهم بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ

ضَرْبًا فَلَا يُسْمَعُ إلَّا غَمْغَمَهْ
وَكَانَ حِمَاسٌ هَذَا وَصَفْوَانُ وَعِكْرِمَةُ أَعْدَاءً مُقَاتِلَةً وَسِلَاحًا لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنِّي آمُلُ أَنْ أَخْدُمَك مِنْهُمْ خَادِمًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَاتَلَتْهُمْ خَيْلُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ
(1/114)

فَانْهَزَمُوا فَدَخَلَ حِمَاسٌ عَلَى امْرَأَتِهِ، يَقُولُ: هَلْ مِنْ مَخَشٍّ؟ فَقَالَتْ: أَيْنَ الْخَادِمُ أَوْ أَيْنَ مَا وَعَدْتنِي؟ فَأَسْمَعَهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ شِعْرٍ. وَالْخَنْدَمَةُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: الْخَنَادِمُ - جَمْعٌ - هِيَ جِبَالُ مَكَّةَ الشَّرْقِيَّةُ، تَبْدَأُ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ شَرْقًا وَشَمَالًا، فِي سُفُوحِهَا الْغَرْبِيَّةِ وَالشَّمَالِيَّةِ أَحْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنْ مَكَّةَ، مِثْلَ: شِعْبِ ابْنِ عَامِرٍ، وَالْمَلَاوِي، وَالْمَعَابِدَةِ، وَالرَّوْضَةِ. ثُمَّ تَمْتَدُّ شَرْقًا حَتَّى تَفِيءَ عَلَى حَيِّ الْعَزِيزِيَّةِ، وَآخِرُهَا هُنَاكَ جَبَلُ (الْخَيْطِ) وَكَانَ آخِرُهَا مِنْ الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ يُسَمَّى «ثَبِيرَ الْخَضْرَاءِ».
أَمَّا سُوقُهَا وَقُرْيَانُهَا فَشِعَابٌ وَقِمَمٌ ذَاتُ مَجَاهِلَ وَأَوْعَارٍ لَا تَكَادُ تُوطَأُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ يَقْنُونَ الْأَغْنَامَ فَيَسْرَحُونَهَا تُسِيمُ هُنَاكَ، وَيَسْرَحُ مَعَهَا رِعَاءٌ كَرِعَاءِ الْبَادِيَةِ، كَانَ عِلْمِي بِهَذَا قَبْلَ سِنِينَ. وَقَدْ شُقَّتْ الْيَوْمَ أَنْفَاقٌ عَبْرَ جِبَالِ الْخَنَادِمِ، تَدْخُلُ مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَخْرُجُ عِنْدَ (مَحْبِسِ الْجِنِّ) بِطَرَفِ الْعَزِيزِيَّةِ الْغَرْبِيِّ، أَوْ مَا كَانَ يُسَمَّى حَوْضَ الْبَقَرِ. أَمَّا قَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ بِأَنَّ خَيْلَ خَالِدٍ هَزَمَتْ أَهْلَ الْخَنْدَمَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، ذَلِكَ أَنَّ خَالِدًا دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَالْخَنَادِمُ فِي أَعْلَاهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرُّوَاةَ رَحِمَهُمْ اللَّهُ - لِكَثْرَةِ انْتِصَارَاتِ خَالِدٍ - أَلْصَقُوا هَذَا الْأَمْرَ بِهِ، وَلَيْسَ يَصِحُّ هَذَا إلَّا إذَا كَانَتْ خَيْلُ خَالِدٍ تَجَاوَزَتْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ الْقَائِدُ الْأَعْلَى - رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُقْطَةَ الْتِقَاءٍ لِجُيُوشِهِ، وَهَذَا بَعِيدُ الِاحْتِمَالِ.

الْخَوَانِقُ كَجَمْعِ خَانِقٍ: ذُكِرَتْ فِي حَلْيَةَ.
(1/115)

الْخَوَرْنَقُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ النُّونِ، وَآخِرُهُ قَافٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ أَعْشَى بَنِي قَيْسٍ، أَوْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيّ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ هُوَ لِلْأَعْشَى، وَعَقَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ هِشَامٍ بِأَنَّهُ لِلْأَسْوَدِ:
بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ

وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ مِنْ سِنْدَادِ
وَيُقَالُ: الْبَيْتُ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ
وَكَانَ الْخَوَرْنَقُ قَصْرًا بِالْحِيرَةِ مِنْ ظَاهِرِهَا بَيْنَ نَهْرِ الْفُرَاتِ، وَالْبَرِّ، يُشْرِفُ عَلَى النَّجَفِ. بَنَاهُ - عَلَى أَرْجَحِ مَا قِيلَ - النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرٍو اللَّخْمِيّ، وَقَدْ حَكَمَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَ الَّذِي بَنَى الْخَوَرْنَقَ رَجُلٌ مِنْ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ سِنِمَّارُ، بَنَاهُ فِي سِتِّينَ سَنَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ وَنَظَرَ إلَيْهِ النُّعْمَانُ فَأَعْجَبَهُ قَالَ لَهُ سِنِمَّارُ: إنِّي أَعْرِفُ مَوْضِعَ آجُرَّةٍ لَوْ زَالَتْ انْقَضَّ الْقَصْرُ مِنْ أَسَاسِهِ! فَقَالَ لَهُ: أَيَعْرِفُهَا >>>>>> الأماكن"> أَحَدٌ غَيْرَك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لَأَدَعَنَّهَا وَمَا يَعْرِفُهَا >>>>> الأماكن"> أَحَدٌ فَأَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ بِهِ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ فَقَضَى. فَضَرَبَتْ الْعَرَبُ بِفِعْلِهِ الْمَثَلَ، فَقِيلَ: جَزَاءُ سِنِمَّارَ. لِمَنْ يُجَازِي عَلَى الْفِعْلِ الْحَسَنِ بِالسُّوءِ «مُلَخَّصٌ مِمَّا ذُكِرَ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ».
وَفِي «مُرُوجِ الذَّهَبِ»: مَلَكَ النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ - قَاتِلُ الْفُرْسِ - خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً. وَلَمْ يُذْكَرْ خَوَرْنَقُ عِنْدَ ذِكْرِ النُّعْمَانِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْبَادِيَةِ»: اللِّوَاءُ عَبْدُ الْجَبَّارِ الرَّاوِي، وَلَكِنِّي لَا أَعْتَقِدُ اخْتِفَاءَهُ تَمَامًا، فَلَعَلَّهُ - الْيَوْمَ - مَعْلُومٌ مِنْ آثَارِ الْحِيرَةِ. وَكَانَ الْخَوَرْنَقُ لَا يُذْكَرُ إلَّا مَعَ
(1/116)

السَّدِيرِ، فَيُقَالُ: الْخَوَرْنَقُ وَالسَّدِيرُ، وَلَا يُذْكَرَانِ إلَّا وَمَعَهُمَا الْفَخْرُ وَالْأُبَّهَةُ، وَلَمَّا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْحِيرَةَ قَالَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَمْرِو بْنُ بُقَيْلَةَ، وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ:
أَبَعْدَ الْمُنْذَرَيْنِ أَرَى سُوَامًا

تَرُوحُ بِالْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ
تَحَامَاهُ فَوَارِسُ كُلِّ حَيٍّ

مَخَافَةَ ضَيْغَمٍ عَالِي الزَّئِيرِ
فَصِرْنَا، بَعْدَ هَلْكِ أَبِي قُبَيْسٍ

كَمِثْلِ الشَّاءِ فِي الْيَوْمِ الْمَطِيرِ
تَقَسَّمُنَا الْقَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ

كَأَنَّا بَعْضُ أَجْزَاءِ الْجَزُورِ
وَفِي قِصَّةِ سِنِمَّارَ وَهَلَاكِهِ بَعْدَ بِنَاءِ الْخَوَرْنَقِ، يَقُولُ شَاعِرٌ:
جَزَانِي، جَزَاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزَائِهِ،

جَزَاءَ سِنِمَّارَ، وَمَا كَانَ ذَا ذَنْبِ
سِوَى رَمِّهِ الْبُنْيَانَ سِتِّينَ حَجَّةً

يُعَلَّ عَلَيْهِ بِالْقَرَامِيدِ وَالسَّكْبِ
قُلْنَا: بَلَى إنَّ لِسِنِمَّارَ لَذَنْبًا، وَأَنَّهُ كَانَ يُضْمِرُ غَدْرًا، وَإِلَّا مَا بَالُ بِنَائِهِ الْعَجِيبِ يَتَوَقَّفُ مَصِيرُهُ عَلَى آجُرَّةٍ وَاحِدَةٍ؟! وَفِي الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ يَقُولُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ:
كَمْ وَقْفَةٍ لَك بِالْخَوَرْ

نَقِ مَا تَوَازَى بِالْمَوَاقِفْ
بَيْنَ الْغَدِيرِ إلَى السَّدِيرِ

إلَى دِيَارَاتِ الْأَسَاقِفْ
وَيَقُولُ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
(1/117)

وَتَبَيَّنْ رَبَّ الْخَوَرْنَقِ، إذْ أَشْرَفَ يَوْمًا، وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ سَرَّهُ مَا رَأَى وَكَثْرَةَ مَا يَمْلِكُ وَالْبَحْرُ مُعْرِضًا، وَالسَّدِيرُ «عَنْ مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ».

خَيْبَرُ بَعْدَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَيَتَرَدَّدُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ وَكُتُبِ الْمَغَازِي وَالْبُلْدَانِ.
قُلْت: خَيْبَرُ بَلَدٌ كَثِيرُ الْمَاءِ وَالزَّرْعِ وَالْأَهْلِ، وَكَانَ يُسَمَّى رِيفَ الْحِجَازِ، وَأَكْثَرُ مَحْصُولَاتِهِ التَّمْرُ لِكَثْرَةِ نَخْلِهِ الَّذِي يُقَدَّرُ بِالْمَلَايِينِ، وَقَدِيمًا قَالَ حَسَّانُ:
فَإِنَّا وَمَنْ يُهْدِي الْقَصَائِدَ نَحْوَنَا

كَمُسْتَبْضِعِ تَمْرًا إلَى أَهْلِ خَيْبَرَا
وَلِخَيْبَرِ أَوَدِيَةٌ فُحُولٌ تَجْعَلُ مِيَاهَهُ ثَرَّارَةً تَسِيلُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. وَقَدْ أَتَيْت عَلَى وَصْفِهِ وَتَبْيِينِ أَحْوَالِهِ فِي كِتَابِي «رَحَلَاتٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ». وَيَبْعُدُ عَنْ الْمَدِينَةِ (165) كَيْلًا شَمَالًا عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ الْمَارِّ بِخَيْبَرِ فَتَيْمَاءَ، وَقَاعِدَتُهُ بَلْدَةُ «الشُّرَيْفِ» وَأَهْلُهَا الْمُلَّاكُ جُلُّهُمْ مِنْ قَبِيلَةِ عَنَزَةَ، أَمَّا السُّكَّانُ فَخَلِيطٌ مِنْ النَّاسِ، وَأَكْثَرُهُمْ الْخَيَابِرَةُ، وَأَحَدُهُمْ خَيْبَرِيّ. وَهُمْ أُنَاسٌ سُودُ الْبَشَرَةِ، مِنْ بَقَايَا الرِّقِّ.

الْخَيْفُ عَلَى وَزْنِ الْحَيْفِ، إلَّا أَنَّ خَاءَهُ مُعْجَمَةٌ:
(1/118)

جَاءَ فِي قَوْلِ مَوْهِبِ بْنِ رِيَاحٍ فِي قَتْلِ أَبِي بَصِيرٍ الْعَامِرِيِّ:
هُمْ مَنَعُوا الظَّوَاهِرَ غَيْرَ شَكٍّ

إلَى حَيْثُ الْبَوَاطِنِ فَالْعَوَادِي
بِكُلِّ طِمِرَّةٍ وَبِكُلِّ نَهْدٍ

سِوَاهُمْ قَدْ طُوِينَ مِنْ الطِّرَادِ
لَهُمْ بِالْخَيْفِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ

رُوَاقُ الْمَجْدِ رُفَّعُ بِالْعِمَادِ.
قُلْت: الْخَيْفُ مِنْ مِنًى مَا زَالَ مَعْرُوفًا، وَالشُّهْرَةُ لِمَسْجِدِ الْخَيْفِ يُصَلِّي فِيهِ الْإِمَامُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ مَسْجِدُ عَامِرٍ جُدِّدَ تَجْدِيدَاتٍ عَدِيدَةً عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ.

خَيْمَتَا أُمِّ مَعْبَدٍ مُثَنَّى خَيْمَةٍ مُضَافٍ إلَى أُمِّ مَعْبَدٍ: جَاءَتْ فِيمَا نُسِبَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْجِنِّ، حَيْثُ قَالَ:
جَزَى اللَّهُ رَبَّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ

رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَد
هُمَا نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا

فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّد
يُذْكَرُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفِيقَهُ أَبَا بَكْرٍ نَزَلَا عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ مِنْ بَنِي كَعْبٍ، أَثْنَاءَ هِجْرَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ. وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ أَرْضٌ بِاسْمِ «خَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ» بِطَرَفِ وَادِي قَدِيدٍ مِنْ الشَّمَالِ إذَا فَاضَ فِي السَّاحِلِ، تُشْرِفُ عَلَيْهَا مِنْ الشَّمَالِ ثَنِيَّةُ الْمُشَلَّلِ عَلَى صَوْتِ الْمُنَادِي.
(1/119)

وَهُوَ نَفْسُ الْمَكَانِ الَّذِي حَدَّدَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى طَرِيقِ الْحَاجِّ، وَلَا تَكَادُ تُعْرَفُ تِلْكَ الْأَرْضُ إلَّا بِاسْمِ «أُمِّ مَعْبَدٍ».
وَقَلَّمَا يُقَالُ خَيْمَةُ أُمِّ مَعْبَدٍ، وَهِيَ بِلَادٌ تُزْرَعُ عَثَرِيًّا لِأُنَاسِ مِنْ زُبَيْدٍ مِنْ حَرْبٍ، وَهِيَ مَهْبِطُ ثَنِيَّةِ الْمُشَلَّلِ مِنْ الْجَنُوب، وَالطَّرِيقِ الْمُعَبَّدَةِ ثُمَّ غَرْبِيِّهَا عَلَى نَدْوَةٍ.
وَقَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ تُشِيرُ إلَى أَنَّ مَوْضِعَ خَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ كَانَ قَرِيبًا مِنْ الثَّنِيَّةِ، هَذِهِ النُّصُوصُ مِنْ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ. وَأَرَى أَنَّ هَذَا الْمَكَانَ ظَلَّ يَتَوَارَثُهُ النَّاسُ فَيَرْوِيهِ الْأَحْفَادُ عَنْ الْأَجْدَادِ.

خَيْوَانُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَبَعْدَ الْوَاوِ أَلِفٌ وَنُونٌ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَيْوَانُ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، اتَّخَذُوا يَعُوقَ بِأَرْضِ هَمْدَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ.
وَيَقُولُ الْهَمْدَانِيّ: وَخَيْوَانُ: أَرْضٌ خَيْوَانَ بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ مِنْ غُرَرِ أَرْضٍ وَأَكْرَمِهِ تُرْبَةً وَأَطْيَبِهِ ثَمَرَ ةً، يَسْكُنُهَا الْمُعَيْدِيُّونَ والرَّوْضَوانِيّون، وَبَنُو نُعَيْمٍ، وَآلُ أَبِي عَيْشٍ، وَآلُ أَبِي حَجَرٍ مِنْ أَشْرَافِ حَاشِدٍ. وَحَاشِدٌ أَحَدُ شَطْرَيْ هَمْدَانَ، وَالْآخَرُ بَكِيلٌ، وَلَا يُذْكَرَانِ إلَّا مَعًا، فَيُقَالُ: حَاشِدٌ وَبَكِيلٌ.
وَخَيْوَانُ اسْمُ الْقَبِيلَةِ أُطْلِقَ عَلَى بَلْدَةٍ مَا زَالَتْ عَامِرَةً شَمَالَ صَنْعَاءَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صَعْدَةَ.
أَمَّا يَعُوقُ فَلَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ الْيَوْمَ. وَهَمْدَانُ: قَبِيلَةٌ تَمْتَدُّ دِيَارُهَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ فَتَشْمَلُ سَرَاةً وَاسَعَةً وَوَادِي نَجْرَانَ وَحَبَوْنَةَ وَأَطْرَافَ الرُّبْعِ الْخَالِي الْغَرْبِيَّةَ إلَى وَاحَةِ يَبْرِينَ، وَإِلَى شَمَالِ شَرْقِيِّ
(1/120)

الرِّيَاضِ حَيْثُ تَصِلُ دِيَارُ الْعَجْمَانِ مِنْ يَامٍ مِنْ هَمْدَانَ، أَمَّا إخْوَتُهُمْ بَنُو مُرَّةَ فَيَتَوَغَّلُونَ فِي الرُّبْعِ الْخَالِي إلَى حُدُودِ إمَارَةِ قَطَرَ. وَقَدْ فَصَّلْت أَخْبَارَهُمْ فِي كِتَابِي «بَيْنَ مَكَّةَ وَحَضْرَمَوْتَ».
(1/121)

الدَّارُومُ عَلَى صِيغَةِ فَاعُولٍ مِنْ (دَرْم): جَاءَ فِي ذِكْرِ بَعْثِ أُسَامَةَ إلَى الرُّومِ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ تُخُومَ الْبَلْقَاءِ وَالدَّارُومِ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ.
قُلْت: لَا يُعْرَفُ الدَّارُومُ الْيَوْمَ بِالْأُرْدُنِّ وَلَا بِفِلَسْطِينَ.
وَيَقُولُ يَاقُوتُ: وَالدَّارُومُ: قَلْعَةٌ بَعْدَ غَزَّةَ لِلْقَاصِدِ إلَى مِصْرَ، الْوَاقِفُ فِيهَا يَرَى الْبَحْرَ إلَّا أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَحْرِ مِقْدَارُ فَرْسَخٍ، خَرَّبَهَا صَلَاحُ الدِّينِ لَمَّا مَلَكَ السَّاحِلَ فِي سَنَةِ 584.
قُلْت: وَيَاقُوتُ قَدْ مَرَّ مِنْ هُنَا فِي إحْدَى رِحْلَاتِهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ شَاهَدَهَا. وَيَبْدُو لِي أَنَّهَا مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِدَيْرِ الْبَلَحِ، خَاصَّةً أَنَّ يَاقُوتَ الَّذِي ذَكَرَ الدَّارُومَ لَمْ يَذْكُرْ دَيْرَ الْبَلَحِ، وَهِيَ بَلْدَةٌ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ غَزَّةَ إلَى مِصْرَ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ غَزَّةَ.

الدَّبَّةَ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهَاءٍ: جَاءَتْ فِي ذِكْرِ مَسِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلَى بَدْرٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْ ذَفِرَانَ، فَسَلَكَ عَلَى ثَنَايَا يُقَالُ لَهَا: الْأَصَافِرُ، - تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالصَّفَرِ - ثُمَّ انْحَطَّ مِنْهَا إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ الدَّبَّةُ، وَتَرَكَ الْحَنَانَ بِيَمِينِ وَهُوَ كُثَيْبٌ عَظِيمٌ كَالْجَبَلِ، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ بَدْرٍ.
قُلْت: الدَّبَّةُ أَمْرُهَا مُشْكِلٌ، فَالْمَكَانُ الَّذِي يَنْحَطُّ مِنْ الْأَصَافِرِ إلَيْهِ رَأْسًا هُوَ الْيَوْمَ قَرْيَةٌ تُسَمَّى «الْبَرَكَةُ» وَبِجَانِبِهَا
(1/125)

«دَبَّةٌ» وَالدَّبَّةُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ، حَيِّزٌ مِنْ الرَّمْلِ غَيْرُ سَائِبٍ كَالدُّفِّ، وَلَكِنَّ الدَّبَّةَ مَعْرُوفَةٌ بِعَيْنِهَا تَنْظُرُ إلَيْهَا مِنْ بَدْرٍ قِبْلَةُ الْمُصَلِّي، فَإِذَا كَانَتْ الْأُولَى فَقَدْ يَكُونُ غُيِّرَ اسْمهَا تَبَرُّكًا بِمُرُورِهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ جَزَعَ وَادِي يَلْيَلَ وَتَرَكَ الصَّدْمَتَيْنِ يَمِينَهُ وَكُلَّ بَدْرٍ، ثُمَّ جَاءَ بَدْرًا مِنْ الْجَنُوب مَارًّا بِمَفِيضِ شِعْبِ أُدْمَانَ، ثُمَّ جَزَعَ وَادِي يَلْيَلَ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى نَزَلَ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا، وَهَذَا الْأَمْرُ فِيهِ مَشَقَّةٌ، إلَّا أَنْ تَكُونَ خُطَّةً حَرْبِيَّةً، ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ جَاءَ مُنْحَدِرًا مَعَ وَادِي يَلْيَلَ لَا بُدَّ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ الصَّدْمَتَيْنِ، وَهُمَا مَضِيقٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَلَّهُمَا الْعَدُوُّ فَيُبَاغِتُهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّك لَا تَسْأَلُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ حَتَّى يُشِيرَ إلَى الدَّبَّةِ الْوَاقِعَةِ جَنُوب بَدْرٍ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا هِيَ الْوَارِدَةُ فِي السِّيرَةِ.

دِجْلَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَلَامٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءٍ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
وَأَخُو الْحَضْرِ إذْ بَنَاهُ وَإِذْ تُجْ

ـبَى إلَيْهِ دِجْلَةُ وَالْخَابُورُ
شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ

سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذَرَاهُ وُكُورُ
لَمْ يَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ فَبَانَ

الْمُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورٌ

وَدِجْلَةُ مِنْ أَشْهَرِ أَنْهَارِ الْعَرَبِ، تَأْتِي مِنْ جِبَالِ الْأَنَاضُولِ فَتَلْتَقِي بِالْفُرَاتِ فَيُكَوِّنَانِ شَطَّ الْعَرَبِ، وَعَلَى ضَفَّتَيْ دِجْلَةَ
(1/126)

تَقَعُ مَدِينَةُ بَغْدَادَ عَاصِمَةُ الْخِلَافَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الْيَوْمَ عَاصِمَةُ الْعِرَاقِ.
وَلِدِجْلَةَ رَوَافِدُ ضِخَامٌ لِكُلِّ مِنْهَا حَوْضٌ يَسْقِي ضِيَاعًا عَلَيْهَا قُرًى وَمُدُنٌ، وَمِنْ أَهَمِّ تِلْكَ الرَّوَافِدِ: الزَّابُ الْكَبِيرُ، يَصُبُّ فِي ضَفَّةِ دِجْلَةَ الْيُسْرَى فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَالزَّابُ الصَّغِيرُ، يَصُبُّ كَذَلِكَ فِي الضَّفَّةِ الْيُسْرَى بَعْدَ سَابِقِهِ.
وَأَنْهَارٌ أُخْرَى كِبَارٌ، وَكُلُّهَا تَصُبُّ فِي دِجْلَةَ مِنْ يَسَارٍ، حَيْثُ يَكُونُ عَلَى يَمِينِهَا الْفُرَاتُ وَالْأَرْضُ الْمُنْخَفِضَةُ الزِّرَاعِيَّةُ. وَإِذَا تَكَوَّنَ شَطُّ الْعَرَبِ يَأْتِيهِ مِنْ ضَفَّتِهِ الْيُسْرَى نَهْرٌ عَظِيمٌ، هُوَ نَهْرُ قَارُونَ الَّذِي يَمُرُّ فِي خُوزِسْتَانَ وَبَلَدِ الْأَهْوَازِ، فَيَصُبُّ بَيْنَ عَبَّادَانَ وخورمشهر.

دُومَةُ الْجَنْدَلِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ وَوَاوٌ سَاكِنَةٌ، وَمِيمٌ وَهَاءٌ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: وَكَلْبُ بْنُ وَبْرَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، اتَّخَذُوا وَدًّا بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ.
قُلْت: جَرَى الْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى ضَبْطِ دُومَةَ بِالضَّمِّ، وَقَالُوا: إنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى: دُومٍ أَوْ دُومَانَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمْ السَّلَامُ. وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهَا بِالْفَتْحِ بِاسْمِ الدَّوْمَةِ مِنْ الشَّجَرِ الْمَعْرُوفِ، فَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّيَالَة، والتناضب، وَنَحْوَهَا، وَأَهْلُهَا الْيَوْمَ يَقُولُونَ: دَوْمَةُ الْجَنْدَلِ، بِالْفَتْحِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ فِي الْجَوْفِ، يُشْرِفُ عَلَيْهَا حِصْنٌ مَارِدٌ، حِصْنُ أُكَيْدِرٍ الْكِنْدِيُّ.
وَالْجَوْفُ: مِنْطَقَةٌ زِرَاعِيَّةٌ شَمَالَ تَيْمَاءَ عَلَى
(1/127)

قَرَابَةِ 450 كَيْلًا، تَصِلُهَا طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ بِكُلِّ مِنْ تَيْمَاءَ فَالْمَدِينَةَ، وَطُرَيْفٍ فَعَمَّان، وَأَهْلُ الْجَوْفِ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ: فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ: جَوْفِيٌّ، وَهُمْ أُسَرٌ عَدِيدَةٌ لَهُمْ قُرًى كَثِيرَةٌ وَمَزَارِعُ، وَأَقْرَبُ مَدِينَةٍ إلَيْهِمْ سُكَاكَةُ، وَقَدْ اتَّبَعَتْ الْيَوْمَ الْجَوْفَ وَسُكَاكَةُ إمَارَةُ حَائِلٍ. أَمَّا وَدٌّ الصَّنَمُ فَلَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ.
(1/128)

ذُبَابُ بِضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَمُوَحَّدَتَانِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ الْخُرُوجِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ: وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى حِدَةِ عَسْكَرِهِ أَسْفَلَ مِنْهُ، نَحْوَ ذُبَابَ.
قُلْت: ذُبَابُ، أَكَمَةٌ صَغِيرَةٌ فِي الْمَدِينَةِ يَفْصِمُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَبَلِ سَلْعٍ ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، فَإِذَا خَرَجْت مِنْ الْمَدِينَةِ فَسَلَكْت ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، كَانَ ذُبَابَ عَلَى يَمِينِك وَسَلْعٌ عَلَى يَسَارِك، وَقَدْ كُسِيَ الْيَوْمَ بِالْعُمْرَانِ.

ذَفِرَانُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ، عَلَى صِيغَةِ الْمُثَنَّى: جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «مَسْلَحَ» قُلْت: مَا زَالَ ذَفِرَانُ مَعْلُومًا يَأْخُذُهُ الطَّرِيقُ مِنْ الْحَمْرَاءِ - بِوَادِي الصَّفْرَاءِ - إلَى يَنْبُعَ، يَأْخُذُ أَوَّلًا عَلَى الصُّفَيْرَاءِ، ثُمَّ عَلَى ذَفِرَانَ ثُمَّ عَلَى وَاسِطٍ.
وَرَأْسِ ذَفِرَانَ نَقْبٌ ضَيِّقٌ، يُسَمَّى نَقْبَ الْفَأْرِ، لِضِيقِهِ، وَيُسَمَّى قَلْعَةَ حَرْبٍ، لِأَنَّ بَعْضَ قَبَائِلِ حَرْب ٍ كَانَتْ تَعْتَصِمُ فِيهِ فَتَجِدُ مِنْهُ مُعْتَصَمًا. فَإِذَا تَجَاوَزَتْ النَّقْبَ وَجَدَتْ طَرِيقًا يَأْخُذُ يَسَارًا فَيَمُرُّ بِجِبَالِ يُقَالُ لَهَا: الضَّفِرُ. وَهُوَ طَرِيقٌ صَعْبٌ يَطْلُعُ إلَى وَادِي يَلْيَلَ فَوْقَ الصَّدْمَتَيْنِ. وَهَذَا هُوَ طَرِيقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ.

ذِمَارُ بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْمِيمِ الْمُمَدَّدَةِ رَاءٌ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - كِتَابٌ بِالزَّبُورِ كُتِبَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ: «لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ؟ لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارِ، لِمَنْ مُلْكُ
(1/131)

ذِمَارَ؟ لِلْحَبَشَةِ الْأَشْرَارِ، لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ؟ لِفَارِسَ الْأَحْرَارِ. لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ؟ لِقُرَيْشِ التُّجَّارِ».
وَيُعَقِّبُ صَاحِبُ السِّيرَةِ قَائِلًا: وَذِمَارُ: الْيَمَنُ أَوْ صَنْعَاءُ. قُلْت: ذِمَارُ مَدِينَةٌ بِجَنُوبِ الْيَمَنِ لَا زَالَتْ قَائِمَةً بَيْنَ مَأْرَبٍ وَعدَنٍ، وَيَصِلُهَا طَرِيقٌ بِكُلِّ مِنْهُمَا، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ عَنْسِ بْنِ مَذْحِجَ إلَى الْيَوْمِ، وَفِي عَهْدِ الْهَمْدَانِيّ: كَانَ سَاكِنُ ذِمَارَ مِنْ حِمْيَرَ، وَبَعْضِ الْأَبْنَاءِ.
(1/132)

رَانُونَاءُ عَلَى زِنَةِ فَاعُولَاءِ: جَاءَ فِي النَّصِّ: وَأَدْرَكَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ،، فَصَلَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، وَادِي رَانُونَاءَ، فَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ.
قُلْت: وَادِي رَانُونَاءَ: وَادٍ صَغِيرٌ بَيْنَ قُبَاءَ وَمَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَصُبُّ مِنْ حَرَّةِ قُبَاءَ فِي وَادِي بَطْحَانَ جَنُوب مَسْجِدِ الْغَمَامَةِ، وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ الْوَادِي الْيَوْمَ إلَّا لِلْخَاصَّةِ، وَلَكِنَّ مَسْجِدَ الْجُمُعَةِ مَعْرُوفٌ هُنَاكَ. وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمُخَطَّطِ الَّذِي نُشِرَ فِي رَسْمِ الْمَدِينَةِ.

الرَّبَذَةُ بِالرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالذَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالتَّحْرِيكِ، جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: لَمَّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرٍّ إلَى الرَّبَذَةِ، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ، لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَاهُمَا أَنْ اغْسِلَانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ.
قُلْت: كَانَتْ الرَّبَذَةُ فَلَاةً بِأَطْرُفِ الْحِجَازِ مِمَّا يَلِي نَجْدًا، وَهُنَاكَ مَنْ عَدَّهَا فِي (شُرَفِ نَجْدٍ) وَلَمَّا كَانَتْ وِلَايَةُ عُمَرَ حَمَاهَا لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ قَامَتْ فِيهَا مَحَطَّةٌ صَارَتْ بَلْدَةً عَلَى طَرِيقِ حَاجِّ الْبَصْرَةِ.
وَأَوْرَدَ يَاقُوتُ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ: أَنَّ الرَّبَذَةَ خَرِبَتْ سَنَةَ 319 هـ، بِسَبَبِ حُرُوبِ
(1/135)

كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ ضَرِيَّةَ.
ضَرِيَّةُ لَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً فِي شُرَفِ نَجْدٍ) وَأَنَّ أَهْلَ ضَرِيَّةَ اسْتَعَانُوا بِالْقَرَامِطَةِ عَلَى أَهْلِ الرَّبَذَةِ، فَارْتَحَلَ أَهْلُ الرَّبَذَةِ فَخَرِبَتْ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ الْمَنَازِلِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ.
ثُمَّ يَقُولُ - عَنْ نَصْرٍ -: الرَّبَذَةُ مِنْ مَنَازِلِ الْحَاجِّ بَيْنَ السَّلِيلَةِ وَالْعَمْقِ. وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ نَصْرٍ، فَالرَّبَذَةُ تَقَعُ بَيْنَ السَّلِيلَةِ وَمَاوَانَ، وَكِلَاهُمَا شَمَالَ الْعَمْقِ، عَلَى طَرِيقِ الْحَاجِّ الْمَعْرُوفِ بِدَرْبِ زُبَيْدَةَ، وَهِيَ الْيَوْمَ خَرَابٌ وَبَقَايَا آثَارِ بِرَكٍ فِي الشَّرْقِ إلَى الْجَنُوب مِنْ بَلْدَةِ الْحِنَاكِيَّةِ.
وَالْحِنَاكِيَّةُ: بَلْدَةٌ عَلَى مِائَةِ كَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْقَصِيمِ، وَتَبْعُدُ الرَّبَذَةُ شَمَالَ مَهْدِ الذَّهَبِ (مَعْدِنُ بَنِي سُلَيْمٍ سَابِقًا)، عَلَى (150) كَيْلًا مُقَاسَةً عَلَى الْخَرِيطَةِ، وَمِيَاهُهَا تَتَّجِهُ إلَى الْغَرْبِ فَتَصُبُّ فِي الْعَقِيقِ الشَّرْقِيِّ.
وَقَوْلُ يَاقُوتَ: إنَّ الرَّبَذَةَ تَخَرَّبَتْ سَنَةَ (319)، لَا يَعْنِي أَنَّهَا انْدَثَرَتْ مِنْ ذَلِكَ التَّارِيخِ، إذْ وُجُودُهَا عَلَى الطَّرِيقِ الَّتِي ظَلَّتْ هِيَ طَرِيقَ حَاجِّ الْعِرَاقِ حَتَّى مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الْمُنْصَرِمِ يَجْعَلُهَا عَامِرَةً وَلَوْ بَعْضَ الشَّيْءِ، لِأَنَّ هَذَا الْحَاجَّ لَا بُدَّ أَنْ يَحُطَّ بِهَا، إذْ أَنَّهَا تَأْتِي بَعْدَ النَّقْرَةِ وَمَاوَانَ، ثُمَّ تَأْتِي بَعْدَهَا السَّلِيلَةُ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْمَحَطَّاتِ تَبْعُدُ عَنْ الَّتِي تَلِيهَا بِمَرْحَلَةِ، أَيْ مِنْ الْمُتَعَذِّرِ - مَثَلًا - أَنْ يَرْحَلَ الْحَاجُّ مِنْ ماوان فَيَتَجَاوَزُ الرَّبَذَةَ وَيَحُطُّ فِي السَّلِيلَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْمُحَيِّرَ أَنَّ اسْمَ الرَّبَذَةِ قَدْ اخْتَفَى، فَالْأَهَالِي لَا يَعْرِفُونَ الرَّبَذَةَ، وَلَكِنْ يَعْرِفُونَ بِرْكَةَ أَبُو سُلَيْمٍ. فَالِاسْمُ - إذًا - قَدْ تَغَيَّرَ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
(1/136)

الرَّجِيعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَكَسْرِ الْجِيمِ، وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ يَوْمِ الرَّجِيعِ، حَيْثُ قَتَلَتْ الْهَوْنُ وَالْقَارَةُ النَّفَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُمْ: مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ، وَخَبِيب بْنُ عَدِيٍّ، وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَارِقٍ، فَقَتَلَتْهُمْ غَدْرًا عَلَى مَاءِ الرَّجِيعِ بِالْهَدَّةِ.
قُلْت: الرَّجِيعُ: مَاءٌ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ «الْوَطِيَّةِ» يَقَعُ شَمَالَ مَكَّةَ عَلَى قَرَابَةِ سَبْعِينَ كَيْلًا، قُبَيْلَ عُسْفَانَ إلَى الْيَمِينِ، فِي طَرَفٍ شَامِيَّةٍ ابْنُ حَمَّادِي مِنْ الشَّمَالِ، بِسَفْحِ حَرَّةِ بَنِي جَابِرٍ الْجَنُوبِيِّ. وَشَامِيَّةُ ابْنُ حَمَّادِي هِيَ: أَسْفَلُ الْهَدَّةِ، وَالْهَدَّةُ: وَادٍ يَمُرُّ شَمَالَ مَكَّةَ، وَعَلَى يَمِينِ الْجَادَّةِ إلَى عُسْفَانَ، وَيُدْفَعُ سَيْلُهُ فِي الْبَحْرِ عَلَى ذَهْبَانَ، وَقَدْ أَوْفَيْت الْبَحْثَ عَنْهُ وَعَنْ الرَّجِيعِ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ». وَرَجِيعٌ آخَرُ: ذُكِرَ فِي عَصْرِ.

رَحْرَحَانُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَلَانَ، وَكُلُّ مَا قَبْلَ النُّونِ مُهْمَلٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيّ: ذَكَرْت رَسُولَ اللَّهِ فِي فَحْمَةِ الدُّجَى
وَنَحْنُ بِأَعْلَى رَحْرَحَانَ وَصَلْدَدِ

قُلْت: فِي هَذَا النَّصِّ: 1 - رَحْرَحَانُ: جَبَلٌ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ عَلَى قَرَابَةِ (120)
(1/138)

كَيْلًا. إذَا وَقَفْت فِي بَلْدَةِ الْحِنَاكِيَّةِ رَأَيْت رَحْرَحَانَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ إلَى الْجَنُوب قَلِيلًا، أَشْمَخَ جِبَالِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ. وَلَا أَعْرِفُ رَحْرَحَانَ غَيْرَ هَذَا.
2 - صَلْدَدُ: هَكَذَا وَرَدَ فِي السِّيرَةِ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا النَّصِّ ظَنَّهُ يَاقُوتُ فِي الْيَمَنِ، وَلَمْ يُقَارِنْ بَيْنَ وُجُودِهِ فِي الْيَمَنِ وَبَيْنَ رَحْرَحَانَ الَّذِي لَمْ يُذْكَرْ غَيْرُهُ وَهُوَ فِي الْحِجَازِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ صَلْدَدَ فِي غَيْرِ هَذَا النَّصِّ.
وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ تَحْرِيفُ (صَنْدَدَ) وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِي شِعْرٍ كَثِيرٍ، وَفِي شِعْرِ ضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيِّ، وَهُوَ جَبَلٌ غَيْرُ مَعْرُوفٍ الْيَوْمَ، وَلَكِنَّهُ مِنْ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ

رَحْقَانُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي السِّيرَةِ بِضَمِّهَا، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتْنَاهُ: وَرَدَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الْمُنْصَرَفِ» وَهُوَ وَادٍ كَبِيرٌ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي الصَّفْرَاءِ، يَأْتِي مِنْ جَبَلِ «الْفَقِرَة» الْمَعْرُوفِ قَدِيمًا بِالْأَشْعَرِ، ثُمَّ يَصُبُّ فِي أَعْلَى وَادِي الصَّفْرَاءِ فَوْقَ الْمَضِيقِ.
تَجْتَمِعُ: هُوَ وَالْجَيْء وَالسَّدَارَة، ثُمَّ تُكَوِّنُ وَادِيَ الصَّفْرَاءِ، وَعِنْدَ مَصَبِّهِ تُوجَدُ أَرْضُ النَّازِيَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي بَابِهَا. وَأَهْلُهُ - الْيَوْمَ - قَبِيلَةُ الْأَحَامِدَةِ مِنْ بَنِي سَالِمٍ مِنْ حَرْبٍ، وَلَهُمْ فِي أَعْلَاهُ قَرْيَةٌ تُسَمَّى «الْعُنَيْقَ».

الرِّدَاعُ ذُكِرَ فِي «مَلْحُوبٍ».
رَدْمَانُ فَعْلَانُ مِنْ الرَّدْمِ وَهُوَ الدَّفْنُ: جَاءَ فِي النَّصِّ:
(1/139)

ثُمَّ هَلَكَ الْمُطَّلِبُ - بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ - بِرَدْمَانَ، أَرْضٍ بِالْيَمَنِ.
قُلْت: ذَكَرَ الْهَمْدَانِيّ «رَدْمَانَ» وَحَدَّدَهُ بِأَنَّهُ فِي نَجْدِ مَذْحِجَ، وَنَجْدُ مَذْحِجَ شَرْقَ صَنْعَاءَ إلَى الْجَنُوب قُرْبَ حُرَيْبٍ. وَلَهُ شَاهِدٌ فِي سَلْمَانَ.

وَالرَّدْمُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بَيْنَ مُرَادٍ وَهَمْدَانَ وَقْعَةٌ، أَصَابَتْ فِيهَا هَمْدَانُ مِنْ مُرَادٍ مَا أَرَادُوا، حَتَّى أَثْخَنُوهُمْ فِي يَوْمٍ كَانَ يُقَالُ لَهُ: يَوْمُ الرَّدْمِ.
قُلْت: هَذَا مَوْضِعٌ مِنْ دِيَارِ مُرَادٍ، وَدِيَارُ مُرَادٍ،: كَانَتْ تَمْتَدُّ مِنْ نَجْرَانَ جَنُوبًا أَوْ قُرْبَهُ إلَى أَطْرَافِ نَجْدٍ الْغَرْبِيَّةِ الْجَنُوبِيَّةِ، حَيْثُ كَانَ لَهُمْ وَادِي تَثْلِيثٍ. وَيَبْدُو أَنَّ سَبَبَ تَسْمِيَتَهُ كَسَبَبِ تَسْمِيَةِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَهُوَ كَاسْمِ الْمَقْبَرَةِ،. وَلَيْسَ عَلَمًا عَلَى مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ يَأْتِي الرَّدْمُ عِنْدَ الْعَرَبِ بِمَعْنَى السَّدِّ الَّذِي
(1/140)

يَحْجِزُ الْمَاءَ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ الْيَوْمَ تَقُولُ. الْعَقْمُ.

رُضَاءُ بِالْمَدِّ، وَقِيلَ بِالْقَصْرِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ رُضَاءُ بَيْتًا لِبَنِي رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَلَهَا يَقُولُ الْمُسْتَوْغِرُ: وَلَقَدْ شَدَدْت عَلَى رُضَاءَ شِدَّةً فَتَرَكْتهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحُمَا.
وَهَذَا يَجْعَلُهُ فِي دِيَارِ بَنِي تَمِيمٍ، وَدِيَارُ بَنِي تَمِيمٍ كَانَتْ وَاسِعَةً، مِنْهَا: الْوَشْمُ وَأَجْزَاءٌ مِنْ الْيَمَامَةِ وَالدُّهُنَّا إلَى قُرْبِ كَاظِمَةَ - فِي الْكُوَيْتِ - وَإِلَى أَعَالِي قَطَرَ، وَأَسَافِلِ الْقَصِيمِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ حَدَّدَ مَوْضِعَهُ. وَقَدْ نُسِيَ الْيَوْمَ كَمُعْظَمِ إخْوَتِهِ مِنْ أَعْمِدَةِ الطَّاغُوتِ.

رَضْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالْقَصْرِ: جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي بُوَاطَ. وَهُوَ جَبَلٌ ضَخْمٌ شَامِخٌ يَضْرِبُ إلَى الْحُمْرَةِ، يَقَعُ عَلَى الضَّفَّةِ الْيُمْنَى لِوَادِي يَنْبُعَ، ثُمَّ يُشْرِفُ عَلَى السَّاحِلِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَحْرِ شَيْءٌ مِنْ الْأَعْلَامِ، وَإِذَا كُنْت فِي مَدِينَةِ يَنْبُعَ الْبَحْرَ رَأَيْت رَضْوَى رَأْيَ الْعَيْنِ شَمَالًا شَرْقِيًّا، سُكَّانُهُ جُهَيْنَةُ، وَلَهُ أَوْدِيَةٌ كَثِيرَةٌ، يَصُبُّ مُعْظَمُهَا فِي وَادِي يَنْبُعَ.
ذَاتُ الرِّقَاعِ ذُكِرَتْ فِي نَخْلٍ.
رَقُوقَيْنُ بِقَافِينَ، وَعَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، وَقَبْلَ آخِرِ الْقَافَيْنِ فَاءٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ قُطْبَةَ بْنِ قَتَادَةَ الْعُذْرِيِّ فِي يَوْمِ مُؤْتَةَ:
(1/141)

طَعَنْت ابْنَ زَافِلَةَ بْنِ الْإِرَا

ش بِرُمْحِ مَضَى فِيهِ ثُمَّ انْحَطَمْ
ضَرَبْت عَلَى جِيدِهِ ضَرْبَةً

فَمَالَ كَمَا مَالَ غُصْنُ السَّلَمْ
وَسُقْنَا نِسَاءَ بَنِي عَمِّهِ

غَدَاةَ رَقُوقَيْنِ سُوقَ النَّعَمِ
قُلْت: هَذَا مَوْضِعٌ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي دَارَتْ فِيهَا مَوْقِعَةُ مُؤْتَةَ، فَانْظُرْ مُؤْتَةَ وَشَارِفْ، وَلَعَلَّ هَذَا الِاسْمَ قَدْ تَغَيَّرَ مَعَ الزَّمَنِ.

الرَّقِيمُ ذُكِرَ فِي الْكَهْفِ.
رَكُوبَةُ بِلَفْظِ مَا يُرْكَبُ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ، قَالَ:. . . ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ الْعَرْجِ، فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةَ - وَيُقَالُ ثَنِيَّةِ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ. قُلْت: رَكُوبَةُ، هِيَ عَنْ يَمِينِ ثَنِيَّةِ الْغَائِرِ لِقَاصِدِ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَتْ هِيَ الْغَائِرَ.
وَلَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً بِاسْمِهَا، وَهِيَ عَلَى طَرِيقٍ قَدِيمَةٍ عَسِرَةٍ قَدْ هُجِرَتْ الْيَوْمَ، وَقَدْ حَدَّدْتهَا فِي كِتَابِي «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ» وَبَيَّنْتهَا بِالرَّسْمِ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَيْهَا، وَهِيَ تَسِيرُ فِي مَجَاهِلِ جِبَالٍ بَيْنَ وَرِقَانَ غَرْبًا وَجِبَالِ قُدْسٍ شَرْقًا، وَكَانَ الْجَمَّالَةُ إذَا صَعِدُوهَا أَنْزَلُوا الرُّكَّابَ، وَكَثِيرًا مَا تَتَعَثَّرُ
(1/142)

الْجِمَالُ وَيَهْوِي بَعْضُهَا فَيَتَكَسَّرُ. وَانْظُرْ: مُلْحَقَ «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

الرَّوْحَاءُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَالِحَاءُ مُهْمَلَةٌ، عَلَى زِنَةِ فَعْلَاءَ: هِيَ بِئْرُ الرَّوْحَاءِ، وَيَقُولُ النَّاسُ الْيَوْمَ: «بِيرُ الرَّحَا» و «بِيرُ الرَّاحَةِ» وَهُمَا مِنْ تَحْرِيفَاتِ الْعَوَامِّ.
وَرَدَتْ فِي النَّصِّ الْمُقَدَّمِ فِي تُرْبَانَ، وَحَدَّدْنَا مَسَافَةَ الطَّرِيقِ مِنْهَا إلَى الْمَدِينَةِ فِي «السَّيَالَة». وَقَدْ ظَلَّتْ الرَّوْحَاءُ أَوْ بِئْرُ الرَّوْحَاءِ، مَحَطَّةً عَامِرَةً عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، وَلَمَّا كَثُرَ الْحَاجُّ شَارَكَتْهَا بَلْدَةُ «الْمُسَيْجِيدِ» الْمَعْرُوفَةِ قَدِيمًا بِالْمُنْصَرَفِ. وَلَمَّا جَاءَتْ السَّيَّارَاتُ خَفَّ أَمْرُ الرَّوْحَاءِ وَتَقَدَّمَتْ جَارَتُهَا فَصَارَتْ بَلْدَةً عَامِرَةً، وَتُوجَدُ الْيَوْمَ فِي الرَّوْحَاءِ مَقَاهٍ وَحَوَانِيتُ بَسِيطَةٌ، وَيَحْرِصُ إخْوَانُنَا الْمَغَارِبَةُ عَلَى التَّرَوِّي مِنْ مَاءِ بِئْرِ الرَّوْحَاءِ. وَكَانَتْ بِئْرُهَا تُسَمَّى «سَجْسَجَ».

رُهَاطٌ عَلَى زِنَةِ فُعَالٍ مِنْ الرَّهْطِ، بِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: جَاءَ فِي النَّصِّ: هُذَيْلُ بْنُ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، اتَّخَذُوا سُوَاعًا، فَكَانَ لَهُمْ بِرُهَاطٍ.
قُلْت: رُهَاطٌ: وَادٍ هُوَ صَدْرُ وَادِي غَرَّانِ، وَوَادِي غَرَّانِ يَمُرُّ شَمَالَ عُسْفَانَ عَلَى 85 كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ شَمَالًا، وَكَانَ مِنْ دِيَارِ هُذَيْلٍ، أَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الرَّوْقَةِ مِنْ عُتَيْبَةَ، وَمَعْبَدٍ مِنْ حَرْبٍ، وَيَتَنَاقَلُ الْبَاحِثُونَ حَتَّى الْيَوْمَ
(1/143)

نَصًّا مَوْهُومًا يَقُولُ: رُهَاطٌ: مِنْ أَرْضِ يَنْبُعَ.
وَهُوَ وَادٍ كَثِيرُ الْعُيُونِ وَالنَّخْلِ، وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهَا بِأَوْفَى مِنْ هَذَا فِي الْمُعْجَمِ، يَبْعُدُ رُهَاطٌ مِنْ مَكَّةَ قَرَابَةَ 150 كَيْلًا. وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُ سُوَاعً االْيَوْمَ.
وَأَشُكُّ أَنَا فِي كَوْنِ سُوَاعٍ فِي رُهَاطٍ لِلْأَسْبَابِ التَّالِيَةِ: أَوَّلًا - رُهَاطٌ فِي آخِرِ أَطْرَافِ دِيَارِ هُذَيْلٍ الشَّمَالِيَّةِ، وَمِنْ عَادَةِ النَّاسِ أَنْ يَتَّخِذُوا مَعَابِدَهُمْ فِي أَوَاسِطِ دِيَارِهِمْ. ثَانِيًا - تُوجَدُ الْعُزَّى عَلَى شُهْرَتِهَا وَوَلَعِهِمْ بِهَا فِي وَسَطِ دِيَارِ هُذَيْلٍ تَقْرِيبًا، وَلَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْ رُهَاطٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا غِنَاءٌ لِهُذَيْلٍ. ثَالِثًا - رُهَاطٌ حَدِيدُ دِيَارِ سُلَيْمٍ، فَلَوْ كَانَ فِيهِ صَنَمٌ لَاِتَّخَذَهُ بَعْضُ السُّلَمِيِّينَ جِيرَانُهُ. وَلَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا.

رِئَامٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْهَمْزِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ مِيمٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِئَامٌ بَيْتًا لَهُمْ - أَيْ أَهْلِ الْيَمَنِ - يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنْحَرُونَ عِنْدَهُ.
وَفِي «صِفَةِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»: رِيَامٌ: بِأَرْضِ هَمْدَانَ. وَأَرْضُ هَمْدَانَ شَرْقُ وَشَمَالُ شَرْقِيِّ صَنْعَاءَ، ذَاكَ مَوْضِعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَى الْيَوْمِ. وَقَدْ أَذْهَبَ اللَّهُ ذِكْرَ الْأَصْنَامِ فَلَمْ يَعُدْ مَعْرُوفًا مِنْهَا إلَّا الْقَلِيلُ، ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا وَمَا زَالُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِهَا، وَإِنْ ذَكَرُوهَا فَبِمَا يُكْرَهُ، لِذَا نُسِيَتْ وَأُهْمِلَتْ، وَهُوَ أَمْرٌ نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ.

رِئْمٌ بِلَفْظِ الرِّئْمِ مِنْ الظِّبَاءِ وَهِيَ الْخَالِصَةُ الْبَيَاضِ:
(1/144)

جَاءَتْ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، إذْ قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ الْعَرْجِ، فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْعَائِرِ «الْغَائِرِ»، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةَ، حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ «.
قُلْت: رِئْمٌ، وَادٍ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي النَّقِيعِ، يَأْتِي مِنْ الْغَرْبِ فَيَصُبُّ فِيهِ شَمَالَ الْحِنْوِ، يَمُرُّ فِي رِئْمٍ طَرِيقِ الْغَائِرِ بَيْنَ بِئْرِ الْمَاشِي وَالْقَاحَةِ، عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْ بِئْرِ الْمَاشِي. يَبْعُدُ مَصَبُّ رِئْمٍ عَنْ الْمَدِينَةِ قَرَابَةَ 60 كَيْلًا شَمَالًا. اُنْظُرْ مُخَطَّطَ طَرِيقِ الْهِجْرَةِ الْمَنْشُورَ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
(1/145)

زَغَابَةَ ذُكِرَتْ فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ.
زَيَّانُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، عَلَى هَيْئَةِ التَّثْنِيَةِ: جَاءَ فِي قَوْلِ ضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ السُّلَمِيّ، فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
وَنَحْنُ جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ غَيْرِ مَجْلَبٍ

إلَى جُرَشٍ مِنْ أَهْلِ زَيَّانَ وَالْفَمِ
فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - جُرَشُ: تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْهَا. 2 - زَيَّانُ: مِنْ رَوَافِدِ تَثْلِيثٍ إلَى الشَّرْقِ الْجَنُوبِيِّ مِنْ آثَارِ جُرَشَ، عَلَى بُعْدِ. كَذَا فِي ذَاكِرَتِي، وَأَرْجُو أَلَا أَكُونَ وَاهِمًا. 3 - الْفَمُ: أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْفَاوِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ أَثَرِيَّةٌ شَرْقَ تَثْلِيثٍ، وَهِيَ فِي فَجٍّ بَيْنَ الْجِبَالِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِمِثْلِ هَذَا: فَهْوَةٌ، وَفَمٌ، وَيَقُولُ لَهُ أَهْلُ الْجَنُوب (فَاوٌ) تَحْرِيفٌ فَهُوَ أَوْ فَهْوَةٌ، وَهُوَ الْفَمُ أَيْضًا.
(1/149)

السَّاحِلُ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قُلْت: السَّاحِلُ، الْأَرْضُ الَّتِي تُحَاذِي الْبَحْرَ، أَيْنَمَا وُجِدَتْ فَهِيَ سَاحِلُ بَحْرِهَا، وَلَيْسَتْ عَلَمًا لِمَكَانِ مُعَيَّنٍ، وَلَكِنْ هُنَا يُقْصَدُ بِهَا سَاحِلُ بَحْرِ جَدَّةَ. وَقَدْ فَصَّلْت طَرِيقَ هِجْرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسَمْت لَهُ مُخَطَّطًا بِالْمُشَاهَدَةِ، يُرْسَمُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، ذَكَرْت فِيهِ جَمِيعَ الْمَسَالِكِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي مَرَّ بِهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت، فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ.

السَّافِلَةُ أَسَافِلُ مَدِينَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ كَانَ أَعْلَاهَا يُسَمَّى الْعَالِيَةَ، وَأَسْفَلُهَا يُسَمَّى السَّافِلَةَ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَمَكَّةُ يُسَمَّى أَعْلَاهَا الْمُعَلَّاةَ، وَأَسْفَلُهَا الْمُسَفَّلَةَ.
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ يُبَشِّرُهُمْ بِنَصْرِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ.

سَايَةُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ وَأَلِفٌ وَمُثَنَّاةٌ تَحْتُ مُخْفَضَةٌ، وَآخِرُهُ هَاءٌ: وَادٍ كَثِيرُ الْقُرَى وَالزُّرُوعِ، ذُكِرَ فِي غَرَّانِ.
السَّبْخَةُ مَكَانٌ مِنْ الْمَدِينَةِ، ذُكِرَ فِي «عَيْنَيْنِ».
سَجْسَجُ بِتَكْرَارِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْجِيمِ. ذُكِرَتْ فِي الرَّوْحَاءِ.
سَدُّ مَأْرِبٍ جَاءَ فِي النَّصِّ اللَّاحِقِ فِي غَسَّانَ. وَكَانَ وَادِي مَأْرِبٍ يَأْخُذُ مِنْ سَرَاةِ الْيَمَنِ الْوَاقِعَةِ شَرْقَ صَنْعَاءَ إلَى الْجَنُوب، وَيَذْهَبُ مُشَرِّقًا فَيَضِيعُ فِي رِمَالِ الْأَحْقَافِ، وَكَانَ يَمُرُّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ صَلْدَيْنِ، فَسَدَّ الْيَمَنِيُّونَ مَا
(1/153)

بَيْنَهُمَا فَتَكَوَّنَتْ وَرَاءَ السَّدِّ بُحَيْرَةٌ، وَجَعَلُوا فِي السَّدِّ فَتَحَاتٍ يَفْتَحُونَهَا إذَا بَغَوْا الْمَاءَ، وَيَسُدُّونَهَا إذَا اكْتَفَوْا مِنْهُ، وَحَاقَ بِهِمْ مَا حَاقَ بِالْأُمَمِ فَتَهَدَّمَ السَّدُّ فَدَمَّرَ مَزَارِعَهُمْ، وَمَنَازِلَهُمْ فَتَفَرَّقُوا «أَيْدِي سَبَأٍ» فَكَانَتْ مِنْهُمْ، الْبُطُونُ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَمَا زَالَ السَّدُّ مَاثِلًا يَشْهَدُ عَلَى عَظَمَةِ حَضَارَةِ الْعَرَبِ الْبَائِدَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ تَفَرُّقَهُمْ فِي التَّنْزِيلِ حِينَ قَالَ: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلَّا الْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيْ وَأَيَّامًا آمِنِينَ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو سَبَأٍ فِي الدِّيَارِ، فَكَانَ مِنْهُمْ: غَسَّانُ، بِالشَّامِ. وَبَنُو قَيْلَةَ «الْأَنْصَارُ» فِي الْمَدِينَةِ. وَخُزَاعَةُ، بِمَكَّةَ. وَالْأَزْدُ «أَزْدُ شَنُوءَةَ» بِالسَّرَاةِ بَيْنَ الطَّائِفِ وَصَنْعَاءَ. وَأُزَدْ عُمَان، بِعُمَانَ. وَغَيْرُهُمْ مَنْ تَشَتَّتَ فِي الْيَمَنِ وَحَضْرَمَوْتَ وَبِقَاعِ أُخَرَ.

السَّدِيرُ كَكَبِيرِ: مَوْضِعٌ بِالْحِيرَةِ لَا يَكَادُ يُذْكَرُ إلَّا مَعَ الْخَوَرْنَقِ، وَلِذَا أَوْرَدْنَا النَّصَّ هُنَاكَ، وَمُعْظَمَ الشَّوَاهِدِ، لِأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ،
(1/154)

وَيُقَالُ فِيهِ: إنَّهُ قَصْرٌ لَهُ ثَلَاثُ قِبَابٍ قَرِيبٌ مِنْ الْخَوَرْنَقِ. وَقِيلَ: بَلْ نَهْرٌ قُرْبَ الْخَوَرْنَقِ.
وَقِيلَ: السَّدِيرُ مَا بَيْنَ نَهْرِ الْحِيرَةِ إلَى النَّجَفِ إلَى كَسْكَرَ. وَهِيَ مِسَاحَةٌ تُحِيطُ بِالْكُوفَةِ وَتَشْمَلُ مَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ مِنْ شَرْقِيِّ الْكُوفَةِ إلَى وَاسِطٍ، وَهِيَ غُيُوطٌ كَاللَّيْلِ الدَّاجِي بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ، وَإِلَى بَغْدَادَ أَقْرَبُ، أَيْ مِسَاحَةٌ مِنْ الْأَرْضِ الزِّرَاعِيَّةِ يُشْرِفُ عَلَيْهَا الْخَوَرْنَقُ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ الْخَوَرْنَقِ يَمْلِكُهَا، وَإِنَّهَا بِكَرْمِهَا تُضَاهِي الْخَوَرْنَقَ بِشَمُوخِهِ، وَأَنَّ مَالَ السَّدِيرِ كَانَ يُجْبَى لِلْخَوَرْنَقِ. وَأَنَا أَمِيلُ إلَى هَذَا التَّحْدِيدِ لِأَنَّ تِلْكَ الْأَرْضِ بِخُضْرَتِهَا الدَّاجِيَةِ تُشْبِهُ اللَّيْلَ السَّادِرَ، فَهِيَ سَدِيرٌ بِمَعْنَى سَادِرٍ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّمْيِيزِ.

السَّرَاةُ بِسِينِ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهُمْ - أَيْ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ وَمَعَهُ الْأَزْدُ - فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ، فَنَزَلَ آلُ جَفْنَةَ الشَّامَ، وَنَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، وَنَزَلَتْ خُزَاعَةُ مُرًّا، وَنَزَلَتْ أَزْدُ السَّرَاةِ - السَّرَاةَ، وَنَزَلَتْ أَزْدُ عُمَان - عُمَان.
السَّرَاةُ فِي هَذَا النَّصِّ هِيَ الْمِنْطَقَةُ الْجَبَلِيَّةُ الْوَاقِعَةُ جَنُوب الطَّائِفِ إلَى قُرْبِ أَبْهَا، وَمَا زَالَتْ قَبَائِلُ الْأَزْدِ تَنْتَشِرُ فِيهَا، وَتَتَمَيَّزُ بِالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْفَصَاحَةِ. وَإِذَا أُطْلِقَتْ السَّرَاةُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا هَذِهِ الْمِنْطَقَةُ. أَمَّا قَبَائِلُ السَّرَاةِ، مِنْ أَزْدٍ وَخِلَافِهِمْ فَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهُمْ - مُفَصَّلًا - فِي كِتَابِي «بَيْنَ مَكَّةَ وَحَضْرَمَوْتَ».

السِّرُّ بِلَفْظِ سِرِّ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَا يَكْتُمُهُ وَيَخْفِيهِ:
(1/155)

جَاءَ فِي قَوْلِ رَزَاحِ بْنِ رَبِيعٍ أَخِي قُصَيٍّ لِأُمِّهِ:

جَمَعْنَا مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ

وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قَبِيلَا
مِنْ قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ لَهُ يَذْكُرُ فِيهَا نَجْدَةَ قُضَاعَةَ - قَوْمِ رَزَاحٍ - لِقُصَيِّ فِي حَرْبِهِ مَعَ خُزَاعَةَ، يَذْكُرُ رَزَاحُ فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ أَنَّ قِيَامَهُ وَقَوْمَهُ كَانَ مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ، وَعَدَدِ مَرَاحِلِ الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ: وَفِي هَذَا الْكِتَابِ أَبْيَاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ الْقَصِيدَةِ. قُلْت. أَشْمَذَيْنِ مَا زَالَا مَعْرُوفَيْنِ، جَبَلٌ ذُو رَأْسَيْنِ يُشْرِفُ عَلَى الصُّلْصُلَةِ مِنْ الْجَنُوب الْغَرْبِيِّ: وَالصُّلْصُلَةُ عَلَى (118) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ خَيْبَرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ الْجُغْرَافِيِّينَ السِّرَّ هَذَا الَّذِي قَرَنَهُ الشَّاعِرُ مَعَ أَشْمَذَيْنِ، إنَّمَا هُنَاكَ السُّرَيْرُ، كَانَ أَحَدَ أَوْدِيَةِ خَيْبَرَ، وَيُطْلَقُ الِاسْمُ الْيَوْمَ عَلَى أَكَمَةٍ بِوَادِي الدَّوْمِ ثُمَّ عُمِّمَ عَلَى ذَلِكَ الْوَادِي، وَهُوَ يُجَاوِرُ أَشْمَذَيْنِ، وَيَبْدُو أَنَّ السِّيَاقَ لَمْ يَسْتَقِمْ بِالسُّرَيْرِ فَعَدَلَ عَنْهُ الشَّاعِرُ إلَى السِّرِّ، فَهُوَ إذًا السُّرَيْرُ الْمُوَضَّحُ آنِفًا.

سَرِفٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَفَاءٍ:
تَرَدَّدَ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ وَلَهُ ذِكْرٌ مُسْتَفِيضٌ فِي كُتُبِ الْجُغْرَافِيَا وَرَحَلَاتِ الْحُجَّاجِ.
وَهُوَ وَادٍ مُتَوَسِّطُ الطُّولِ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ، يَأْخُذُ مِيَاهَ مَا حَوْلَ الْجِعْرَانَةِ - شَمَالَ شَرْقِيِّ مَكَّةَ - ثُمَّ يَتَّجِهُ غَرْبًا، وَبِهِ مَزَارِعُ مِنْهَا «ثُرَيْرٌ» وَغَيْرُهُ فَيَمُرُّ عَلَى 12 كَيْلًا شَمَالَ مَكَّةَ، وَحَيْثُ
(1/156)

يَقْطَعُ الطَّرِيقَ هُنَاكَ، يُوجَدُ قَبْرُ السَّيِّدَةِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى جَانِبِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ، وَقَدْ شَمِلَ هَذَا الْمَكَانَ - حَيْثُ يَمُرُّ الطَّرِيقُ - الْيَوْمَ الْعُمْرَانُ فَقَامَتْ فِيهِ أَحْيَاءٌ جَمِيلَةٌ فِيهَا دَارَاتٌ عَلَى طَابَقَيْنِ وَثَلَاثَةٍ، وَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَرَاضِي الزِّرَاعِيَّةِ يَعْمُرُ بُيُوتًا.

السُّرَيْرُ تَصْغِيرُ سِرٍّ. جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ وَادِيَاهَا وَادِي السُّرَيْرَةِ - كَذَا بِزِيَادَةِ الْهَاءِ - وَوَادِي خَاصٍ، وَهُمَا اللَّذَانِ قُسِّمَتْ عَلَيْهِمَا خَيْبَرُ.
قُلْت: السُّرَيْرَةُ، صَوَابُهُ السُّرَيْرُ، مِنْ دُونِ هَاءٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَا زَالَ مَعْرُوفًا بِوَادِي الْغَرْسِ، أَمَّا خَاصٌ أَوْ خَلْصٌ - كَمَا ذَكَرَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ - فَهُوَ إمَّا وَادِي الصُّوَيْرِ أَوْ أَبِي وُشَيْعٍ، وَهُمَا الْوَادِيَانِ الرَّئِيسَانِ الْيَوْمَ فِي خَيْبَرَ.
وَفِي مَكَانٍ آخَرَ يَقُولُ ابْنُ إسْحَاقَ: الْكَتِيبَةُ، وَهِيَ وَادِي خَاصٍ. قُلْت: هَذَا مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ «أَبُو وُشَيْعٍ» وَادٍ مِنْ وَادِيَيْنِ هُمَا عَمُودُ أَوْدِيَةِ خَيْبَرَ، هَذَا وَاحِدٌ وَالثَّانِي الصُّوَيْرُ. وَلَعَلَّ السُّرَيْرَ وَخَاصًا، هُمَا الصُّوَيْرُ وَأَبُو وُشَيْعٍ، فَهُمَا وَادِيَا خَيْبَرَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا.

سَعْدٌ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ، وَآخِرُهُ دَالٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِبَنِي مِلْكَانَ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ صَنَمٌ، يُقَالُ لَهُ: سَعْدٌ: صَخْرَةٌ بِفَلَاةِ مِنْ أَرْضِهِمْ طَوِيلَةٍ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ
(1/157)

مِنْ بَنِي مِلْكَانَ بِإِبِلِ لَهُ مُؤَبَّلَةٍ لِيَقِفَهَا عَلَيْهِ، الْتِمَاسَ بَرَكَتِهِ، فِيمَا يَزْعُمُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْإِبِلُ نَفَرَتْ مِنْهُ فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَغَضِبَ الْمِلْكَانِيُّ فَأَخَذَ حَجَرًا فَرَمَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ:
أَتَيْنَا إلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا ... فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَلَا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ
قُلْت: يُوجَدُ الْيَوْمَ جَبَلُ سَعْدٍ، وَهُوَ: جَبَلٌ أَسْمَرُ عَالٍ يُشْرِفُ عَلَى عَرَفَةَ مِنْ الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ، وَدِيَارُ بَنِي مِلْكَانَ لَيْسَتْ بَعِيدَةً مِنْ هُنَا، إذْ أَنَّ وَادِيَ مِلْكَانَ يَمُرُّ جَنُوب عَرَفَةَ بِمَسَافَةِ نَيِّفٍ وَعَشْرَةِ أَكْيَالٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي دِيَارِ كِنَانَةَ بِسَعْدِ غَيْرِهِ.

سَفْوَانُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ، وَعَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ. جَاءَ فِي النَّصِّ: أَغَارَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيّ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي طَلَبِهِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَال لَهُ: سَفْوَانُ، مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ، وَفَاتَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى.
قُلْت: لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ مَوْضِعٌ بِاسْمِ سَفْوَانَ، إنَّمَا هُنَاكَ وَادٍ يُسَمَّى «سَفَا» بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَدْرٍ فِي مُنْتَصَفِ الْمَسَافَةِ عَلَى
(1/158)

الطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا قُرْبَ الرَّوْحَاءِ، فَلَعَلَّهُ هُوَ ثِنْيٌ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ بَدْرٍ حَيْثُ نُسِبَتْ الْغَزْوَةُ إلَى بَدْرٍ، فَقِيلَ: غَزْوَةُ بَدْرٍ الْأُولَى.

ذَاتُ السَّلَاسِلِ جَاءَتْ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (ذَاتُ السَّلَاسِلِ) مِنْ أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ إلَى الشَّامِ. ذَلِكَ أَنَّ أُمَّ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ كَانَتْ امْرَأَةً مِنْ بَلِيٍّ، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ يَسْتَأْلِفُهُمْ لِذَلِكَ، حَتَّى إذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامٍ يُقَالُ لَهُ: السَّلْسَلُ، وَبِذَلِك سُمِّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزْوَةَ (ذَاتِ السَّلَاسِلِ).
قُلْت: كَذَا جَاءَ فِي هَذَا النَّصِّ، إنَّهَا مِنْ أَرْضِ بَنِي عُذْرَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: مَاءٌ بِأَرْضِ جُذَامٍ. وَالْقَبِيلَتَانِ مُتَجَاوِرَتَانِ، فَدِيَارُ عُذْرَةَ كَانَتْ مِنْ وَادِي الْقُرَى (وَادِي الْعُلَا الْيَوْمَ) إلَى تَبُوكَ إلَى تَيْمَاءَ، وَتَقْرُبُ مِنْ خَيْبَرَ شَمَالًا. وَدِيَارُ جُذَامٍ كَانَتْ بَيْنَ تَبُوكَ وَالْبَحْرِ، أَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَلَهُمْ فِي ذَاتِ السَّلَاسِلِ أَقْوَالٌ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ تَحْدِيدَهَا. غَيْرَ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي شِعْرِ جِرَانِ الْعَوْدِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَوْضِعٌ بِعَيْنِهِ، وَالْأَكْثَرُ احْتِمَالًا أَنَّهَا مِنْ أَرْضِ عُذْرَةَ لِقُرْبِهَا مِنْ بِلَادِ الْعَوْدِ حَيْثُ ذَكَرَهَا.

سِلْحِينُ بِكَسْرِ السِّينِ وَقَدْ تُفْتَحُ، وَسُكُونِ اللَّامِ، وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ: جَاءَ فِي قَوْلِ ذِي جُدَنٍ الْحِمْيَرِيّ:
هَوْنِك لَيْسَ يَرُدُّ الدَّمْعَ مَا فَاتَا ... لَا تَهْلِكِي أَسَفًا فِي إثْرِ مَنْ مَاتَا
(1/159)

أَبَعْد بَيْنُونَ لَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ ... وَبَعْدَ سِلْحِينَ يَبْنِي النَّاسُ أَبْيَاتًا
بَيْنُونُ وَسِلْحِينُ وَغُمَدَانُ: مِنْ حُصُونِ الْيَمَنِ الَّتِي هَدَمَهَا أَرْيَاطٌ الْحَبَشِيُّ.
وَقَالَ الْهَمْدَانِيّ «فِي صِفَةِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»، وَهُوَ يُعَدِّدُ بَعْضَ مَحَافِدِ الْيَمَنِ:. . . وَسِلْحِينُ بِمَأْرِبٍ. وَقَدْ ذُكِرَتْ مَأْرِبٌ.

سَلْعٌ يُنْطَقُ بِكَسْرِ السِّينِ، وَالْقُدَمَاءُ يَفْتَحُونَهَا، وَقَدْ يَكْسِرُونَهَا: جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَثَانِي السِّيرَةِ، وَهُوَ أَشْهَرُ جِبَالِ الْمَدِينَةِ عَلَى صِغَرِهِ، حَتَّى أَنَّهُ يَفْوَقُ أُحُدًا شُهْرَةً عَلَى كِبَرِ أُحُدٍ وَقُدْسِيَّتِهِ.
وَيَكَادُ الْأَقْدَمُونَ يَصْرِفُونَ كُلَّ ذِكْرٍ أَوْ شِعْرٍ يُذْكَرُ فِيهِ (سَلْعٌ) إلَى سَلْعِ الْمَدِينَةِ هَذَا، بَيْنَمَا تُوجَدُ سُلُوعٌ أُخَرُ فِي الْحِجَازِ، مِنْهَا سَلْعُ مَكَّةَ: جَبَلٌ بِطَرَفِ الْمُغَمَّسِ مِنْ الْغَرْبِ، وَسَلْعٌ آخَرُ فِي دِيَارِ بَلِيٍّ.
وَسَلْعُ الْمَدِينَةِ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ النَّصُّ هُنَا، وَهُوَ: جَبَلٌ صَغِيرٌ أَصْبَحَ يُحِيطُ بِهِ عُمْرَانُهَا مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ، بَلْ وَقَدْ كَسَاهُ هُوَ مِنْ مُعْظَمِ جَوَانِبِهِ. وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ ذِكْرِهِ. فَقَالَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ:
لَعَمْرُك إنَّنِي لَأُحِبُّ سَلْعًا ... لِرُؤْيَتِهِ وَمَنْ بِجُنُوبِ سَلْعِ
تَقَرُّ بِقُرْبِهِ عَيْنِي، وَإِنِّي

لَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ فَجْعِي
(1/160)

حَلَفْت بِرَبِّ مَكَّةَ وَالْمُصَلَّى

وَأَيْدِي السَّابِحَاتِ غَدَاةَ جَمْع
لَأَنْتِ - عَلَى التَّنَائِي - فَاعْلَمِيهِ

أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ بَصَرِي وَسَمْعِي.

سَلْمَانُ فَعْلَانُ مِنْ السَّلَامَةِ:
جَاءَ فِي قَوْلِ مَطْرُودِ بْنِ كَعْبٍ الْخُزَاعِيّ يَبْكِي بَنِي عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ سَيِّدُ أَبْنَاءِ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ مَيْتٌ بِرَدْمَانَ وَمَيْتٌ بِسَلْمَانَ وَمَيْتٌ عِنْدَ غَزَّاتِ وَمَيْتٌ أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى الْمَحْجُوبِ شَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ
قُلْت: سَلْمَانُ مَاءٌ بِالصَّحْرَاءِ بَيْنَ حَائِلٍ وَالْفُرَاتِ، مَنْهَلٌ لِلْبَادِيَةِ وَشَبَكَةٌ طُرُقٍ بَرِّيَّةٌ دَاخِلٌ فِي حُدُودِ الْعِرَاقِ وَبِهِ كَانَ مَرْكَزٌ إبَّانَ الْمَمْلَكَةِ الْعِرَاقِيَّةِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الْجَبَّارِ الرَّاوِي، فِي كِتَابِهِ «الْبَادِيَةُ». أَمَّا «غَزَّاتُ» الْوَارِدَةُ فِي هَذَا النَّصِّ فَهِيَ مَدِينَةٌ غَزَّةَ بِفِلَسْطِينَ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: غَزَّتْ هَاشِمٍ. لِأَنَّهُ مَاتَ بِهَا، فَكَانَ مَوْتُ الْمُطَّلِبِ بِرَدْمَانَ، وَهَاشِمٍ بِغَزَّةَ، وَنَوْفَلٍ بِسَلْمَانَ، وَعَبْدِ شَمْسٍ بِمَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: شَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ.

سُلْوَانُ ذُكِرَ فِي حَضَنٍ.
سُمَيْرَةُ تَصْغِيرُ سَمْرَةٍ، وَهِيَ شَجَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ
: جَاءَتْ فِي قَوْلِ عَمْرَةَ بِنْتِ دُرَيْدٍ تَرِثِي أَبَاهَا الَّذِي قُتِلَ بِنَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ أَثْنَاءَ انْهِزَامِهِ مِنْ حُنَيْنٍ:
(1/161)

لَعَمْرُك مَا خَشِيت عَلَى دُرَيْدٍ ... بِبَطْنِ سُمَيْرَةٍ جَيْشَ الْعَنَاقِ
قُلْت: يُوجَدُ الْيَوْمَ شِعْبٌ يَصُبُّ فِي نَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ مِنْ الشَّمَالِ يُسَمَّى «سَمَرٌ» وَيُضَافُ إلَيْهِ أَحَدُ الْيَسُومَيْنِ فَيُقَالُ: يَسُومُ سَمَرٍ، وَيَسُومَانِ: جَبَلَانِ مُتَقَابِلَانِ عَلَى ضَفَّتَيْ نَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ، أَحَدُهُمَا هَذَا وَالْآخَرُ يُسَمَّى يَسُومُ هِلَالٍ.
وَهِلَالٌ هَذَا: شِعْبٌ يُقَابِلُ سَمَرًا عَلَى الضَّفَّةِ الْجَنُوبِيَّةِ. وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الشَّاعِرَةَ قَصَدَتْ هَذَا فَأَنَّثَتْهُ وَصَغَّرَتْهُ تَطْوِيعًا لِلشِّعْرِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ نَظَائِرُ.

السُّنْحُ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْر ٍ كَانَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ بِنْتِ خَارِجَةَ، بِالسُّنْحِ
قُلْت: لَمْ يُحَدِّدْ صَاحِبُ السِّيرَةِ - كَعَادَتِهِ - مَوْضِعَ السُّنْحِ، غَيْرَ أَنَّ نُصُوصَ مَا تَقَدَّمَ ذَكَرَتْ أَنَّهُ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَيْلٌ، وَإِنَّهُ مِنْ مَنَازِلِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَمَنَازِلُ بَنِي الْحَارِثِ كَانَتْ فِي الشَّمَالِ وَالشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، أَيْ إنَّ السُّنْحَ هَذَا لَيْسَ بَعِيدًا مِنْ الْعُرَيْضِ الْمَعْرُوفِ الْيَوْمَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ; وَكُلُّ هَذِهِ الْأَرْضِ قَدْ عُمِّرَتْ الْيَوْمَ وَصَارَتْ أَحْيَاءً مِنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ.

سَنْدَادُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ تُكْسَرُ: ذُكِرَ فِي الْخَوَرْنَقِ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، بَرِّيَّةٌ عَلَى
(1/162)

شَاطِئِ الْفُرَاتِ الْغَرْبِيِّ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَشْمَلُ الْحِيرَةَ وَالنَّجَفَ، وَكِلَاهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ.
قَالَ يَاقُوتُ: سَنْدَادُ مَنَازِلُ إيَادٍ، نَزَلَتْهَا لَمَّا قَارَبَتْ الرِّيفَ بَعْدَ لَصَافِ وَشَرْجٍ وَنَاظِرَةَ، وَهُوَ أَسْفَلُ سَوَادِ الْكُوفَةِ وَرَاءَ نَجْرَانِ الْكُوفَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَكَانَتْ إيَادٌ تَنْزِلُ سِنْدَادَ، وَسِنْدَادُ: نَهَرٌ بَيْنَ الْحِيرَةِ إلَى الْأُبُلَّةِ، وَكَانَ عَلَيْهِ قَصْرٌ تَحُجُّ الْعَرَبُ إلَيْهِ. أَيْ (ذُو الْكَعْبَاتِ).
«مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ، سَنْدَادُ».
وَتَحَدَّثْنَا عَنْ الْحِيرَةِ فِيمَا سَبَقَ وَكَيْ تَعْرِفَ مَوْقِعَ سِنْدَادَ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَوْقِعِ الْأُبُلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي تَحْدِيدِهِ، فَهِيَ بَلْدَةٌ كَانَتْ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ مِمَّا يَلِي الْبَصْرَةَ، فِي زَاوِيَةِ الْخَلِيجِ الَّذِي يَدْخُلُ إلَى مَدِينَةِ الْبَصْرَةِ، أَيْ إنَّ الْبَصْرَةَ احْتَلَّتْ مَوْضِعَ الْأُبُلَّةِ كَمَا احْتَلَّتْ النَّجَفَ مَوْضِعَ الْحِيرَةِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: جَنَّاتُ الدُّنْيَا ثَلَاثٌ: غُوطَةُ دِمَشْقَ. وَنَهْرُ بَلْخٍ، وَنَهَرُ الْأُبُلَّةِ.
وَحُشُوشُ الدُّنْيَا خَمْسَةٌ: الْأُبُلَّةُ، وَسِيرَافُ، وَعُمَانُ، وَأَرْدَبِيلُ، وَهِيتُ. وَيُقْصَدُ بِالْحُشُوشِ: غَابَاتِ النَّخْلِ.

سُهَيْلٌ تَصْغِيرُ سَهْلٍ بِاسْمِ النَّجْمِ الْمَعْرُوفِ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُضَاضٍ:
أَقُولُ إذَا نَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ أَنَم ... أَذَا الْعَرْشِ لَا يَبْعُدْ سُهَيْلٌ وَعَامِرٌ
فَدَرَجَ بَعْضُ الْجُغْرَافِيِّينَ عَلَى أَنَّ سُهَيْلًا وَعَامِرًا مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ الرِّجَالِ عِنْدَ الْعَرَبِ،
(1/163)

فَلَعَلَّهُمَا مِنْ أَصْدِقَاءِ عَمْرٍو بَقِيَا بِمَكَّةَ، أَمَّا الْمَكَانُ الْمَشْهُورُ الْيَوْمَ بِشِعْبِ عَامِرٍ، فِي مَكَّةَ، فَهِيَ تَسْمِيَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ، وَأَصَحُّ مَا يُقَالُ: أَنَّهُ شِعْبُ ابْنِ عَامِرٍ.

سُوَاعٌ ذُكِرَ فِي رُهَاطِ.
السَّيَالَةِ بِفَتْحِ السِّينِ، وَمُثَنَّاةٍ تَحْتُ مُخَفَّفَةٌ وَأَلِفٌ ثُمَّ لَامٌ، وَآخِرُهُ هَاءٌ:
وَرَدَتْ فِي النَّصِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي تِرْبَانَ، وَهِيَ مَحَطَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ اتَّخَذَهَا الْحَاجُّ مَحَطَّةً، فَظَلَّتْ عَامِرَةً حَتَّى قُضِيَ عَلَى قَوَافِلِ الْجِمَالِ، وَقَدْ غُيِّرَ اسْمُهَا فَسُمِّيَتْ «بِئَارُ الصَّفَا» لِأَنَّ آبَارَهَا مَنْحُورَةٌ فِي صَخْرٍ، وَقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهَا «بِئْرُ مَرْزُوقٍ» وَمَا زَالَتْ آثَارُ مَبَانِيهَا مَاثِلَةً، وَآبَارُهَا يُورَدُ بَعْضُهَا. تَبْعُدُ السَّيَالَةُ (47) كَيْلًا عَنْ الْمَدِينَةِ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي مَرَّ فِي تُرْبَانَ، وَيَأْخُذُ الطَّرِيقُ مِنْهَا إلَى الرَّوْحَاءِ عَلَى (75) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَالسَّيَالَةُ: الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى، وَالرَّوْحَاءُ: الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ.

سَيَرٌ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرُهُ رَاءٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: حَتَّى إذَا خَرَجَ مِنْ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ نَزَلَ عَلَى كُثَيْبٍ بَيْنَ الْمَضِيقِ وَالنَّازِيَةِ - يُقَالُ لَهُ سَيَرٌ - إلَى سَرْحَةٍ بِهِ، فَقَسَمَ هُنَالِكَ النَّفْلَ.
قُلْت: تَحْدِيدُهُ خَطَأٌ، فَسَيَرٌ لَيْسَ بَعْدَ الْمَضِيقِ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ كَمَا قَالَ إسْحَاقُ - بَيْنَ الْمَضِيقِ وَالنَّازِيَةِ - إنَّمَا هُوَ مَدْفَعُ الْمَضِيقِ مِمَّا يَلِي بَدْرًا. وَهُوَ كُثَيْبٌ مَا زَالَ يُعْرَفُ، تَصُبُّ عَلَيْهِ تَلْعَةُ بِهَذَا الِاسْمِ.
(1/164)

الشَّامُ يَتَرَدَّدُ الشَّامُ كَثِيرًا فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالْمَغَازِي، وَلَهُ ثَلَاثَةُ اصْطِلَاحَاتٍ: الشَّامُ فِي عُرْفِ الْعَرَبِ كُلُّ مَا هُوَ فِي جِهَةِ الشَّمَالِ، وَالشَّامُ فِي عُرْفِ بَعْضِ الْعَامَّةِ هُوَ دِمَشْقُ فَحَسْبُ، أَمَّا الشَّامُ تَارِيخِيًّا فَيَشْمَلُ: سُورِيَّةَ وَالْأُرْدُنَّ وَلُبْنَان وَفِلَسْطِينَ، وَهَذِهِ الْأَقْطَارُ تُسَمَّى أَيْضًا - سُورِيَّةَ الْكُبْرَى، وَهِيَ تَسْمِيَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ.
كَانَ أَوَّلُ دُخُولِ الْمُسْلِمِينَ الشَّامَ زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ - وَسَتَأْتِي - ثُمَّ افْتَتَحُوا كُلَّ بِلَادِ الشَّامِ فِي زَمَنِ عُمَرَ، وَالشَّامُ الْيَوْمَ مِنْ أَعْمَرِ بِلَادِ الْعَرَبِ، ذَاتُ قُرًى مُتَرَاصَّةٌ يَكَادُ بَعْضُهَا يَمَسُّ بَعْضًا، ذَاتُ أَنْهَارٍ جَارِيَةٍ وَمَزَارِعُ خَضِرَةٌ نَضِرَةٌ، وَأَهَمُّ مُدُنِهَا: الْقُدْسُ الشَّرِيفُ، الْمُحْتَلُّ مِنْ قِبَلِ الصَّهَايِنَةِ الْأَشْرَارِ، وَعَمَّانُ: عَاصِمَةُ الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ، وَدِمَشْقُ: عَاصِمَةُ الْجُمْهُورِيَّةِ السُّورِيَّةِ، وَبَيْرُوتُ عَاصِمَةُ لُبْنَانَ. وَعَشْرَاتُ الْمُدُنِ كَالْعَقَبَةِ وَأَرْبَد َ وَنَابُلُسَ وَحَمَاة َ وَحِمْصَ وَحَلَبَ وَطَرَابُلُسَ وَصُورَ وَصَيْدَا وَيَافَا وَحَيْفَا، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ.

شَامَةُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ وَأَلِفٌ وَمِيمٌ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي «مَجَنَّةَ». وَهُوَ جَبَلٌ بِالسَّاحِلِ جَنُوبِ غَرْبِيِّ مَكَّةَ، مَرَّ بِقُرْبِهِ طَرِيقُ الْيَمَنِ الْمُزَفَّتُ، تُجَاوِرُهُ حَرَّةٌ تُسَمَّى «طُفَيْلٌ» وَتُقْرَنُ دَائِمًا مَعَهُ، فَيُقَالُ: شَامَةُ وَطُفَيْلٌ. وَهُمَا مِنْ دِيَارِ الْجَحَادِلَةِ مِنْ كِنَانَةَ. وَقَدْ اُسْتُوْفِيَ الْحَدِيثُ عَنْهُمَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».
ذُو الشَّرَى بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَصْرِ:
(1/167)

جَاءَ فِي قِصَّةِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيّ وَإِسْلَامِهِ وَرُجُوعِهِ إلَى قَوْمِهِ وَأَمْرِهِ زَوْجَتَهُ أَنْ تَذْهَبَ إلَى حِمَى ذِي الشَّرَى فَتَتَطَهَّرُ مِنْ مَائِهِ.
وَكَانَ ذُو الشَّرَى صَنَمًا لِدَوْسِ فِي بِلَادِ زَهْرَانَ. وَلَمْ أَسْمَعْ بِهِ الْيَوْمَ، فَاَللَّهُ أَبْدَلَ الْعَرَبَ بِهَذِهِ الْأَصْنَامِ الْهُدَى فَتَعَمَّدُوا قَتْلَ ذِكْرِهَا، بَلْ إنَّ كَثِيرِينَ مِنْهُمْ يَأْنَفُونَ مِنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِ أَسْمَائِهَا.

الشَّظَاةُ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَالظَّاءُ مُعْجَمَةٌ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْاَدسٍ السُّلَمِيّ:
فَإِنَّك عَمْرِي هَلْ أُرِيك ظَعَائِنًا ... سَلَكْنَ عَلَى رُكْنِ الشَّظَاةِ فَتَيْأَبَا
عَلَيْهِنَّ عَيْنٌ مِنْ ظِبَاءِ تَبَالَةَ ... أَوَانِسُ يُصْبِينَ الْحَلِيمَ الْمُحَرِّبَا
قُلْت: وَرَدَ الْبَيْتُ هُنَا (. . . الشَّطَاةِ فَتَيْأَبَا) بِإِهْمَالِ الطَّاءِ. وَهُوَ تَصْحِيفٌ، فَالْمَقْصُودُ الشَّظَاةُ، وَالشَّطَاةُ: صَدْرُ وَادِي قَنَاةَ، إذَا تَجَاوَزَ سَدَّ الْعَاقُولِ، سُمِّيَ الشَّظَاةَ إلَى أَنْ يُقْبِلَ عَلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يُسَمَّى قَنَاةَ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِالْعَقِيقِ وَبَطْحَانَ، ثُمَّ يُسَمَّى إضَمًا. وَهَذِهِ مُسَمَّيَاتٌ قَدِيمَةٌ لَا تَكَادُ تُعْرَفُ الْيَوْمَ، فَالشَّظَاة ُ وَقَنَاةُ، يُسَمَّى الْيَوْمَ وَادِيَ الْعُيُونِ، وَقَدْ يُسَمَّى أَعْلَاهُ وَادِيَ الْعَاقُولِ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَوَدِيَةُ الْمَدِينَةِ سُمِّيَ «الْخَلِيلَ» فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْجِسْرِ الَّذِي عِنْدَ مَصَبِّ مِخْيَطٍ، سُمِّيَ وَادِيَ الْحَمْضِ إلَى الْبَحْرِ.

الشِّعْبُ شِعْبُ أُحُدٍ:
(1/168)

جَاءَ فِي النَّصِّ: وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ، فِي عُدْوَةِ الْوَادِي إلَى الْجَبَلِ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وَعَسْكَرَهُ إلَى أُحُدٍ.
قُلْت: الشِّعْبُ، مَا زَالَ مَعْرُوفًا، يُرَى مِنْ مَشْهَدِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمِنْ جَبَلِ عَيْنَيْنِ، رَأْيَ الْعَيْنِ، يَنْقَضُّ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ إلَى ضَفَّةِ قَنَاةِ الْيَمَنِ، وَفِيهِ الْمِهْرَاسُ.

شُعْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ ذُكِرَتْ فِي الْعَشِيرَةِ.
شَكْرٌ (كَشْرٌ): ذُكِرَ فِي كَشْرٍ.
شَنَارٌ بِفَتْحِ الشِّيدنِ الْمُعْجَمَةِ، وَنُونٍ فَأَلِفٍ فَرَاءٍ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ غَارَةِ الْهُنَيْدِ عَلَى دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، إذْ قَالَ: حَتَّى إذَا كَانُوا بِوَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِمْ يُقَالُ لَهُ شَنَارٌ، أَغَارَ عَلَى دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْهُنَيْدُ بْنُ عُوصٍ وَابْنُهُ عُوصُ بْنُ الْهُنَيْدِ الضُّلَعِيَّانَ. وَالضُّلَيْعُ: بَطْنٌ مِنْ جُذَامَ، فَأَصَابَا كُلَّ
(1/169)

شَيْءٍ كَانَ مَعَهُ.
قُلْت: كَانَتْ دِيَارُ جُذَامَ حَوْلَ تَبُوكَ وَغَرْبِيِّهَا إلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ. وَلَا يُعْرَفُ شَنَارٌ الْيَوْمَ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ النُّصُوصِ (شِيَارٌ) بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَأَرَاهُ (شَارٌ) بِشِينِ مُعْجَمَةٍ وَأَلِفٍ وَرَاءٍ، وَهُوَ وَادٍ وَجَبَلٌ مَا زَالَا مَعْرُوفَيْنِ، وَهُمَا لِلْحُوَيْطَاتِ، وَقَدْ يُرَى جَبَلُ شَارٍ مِنْ ضَبَّةِ الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ، إلَّا أَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْهَا فِي الدَّاخِلِ. وَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: مَا شَأْنُ رَجُلٍ عَائِدٍ مِنْ الشَّامِ «دِحْيَةُ» قَاصِدًا الْمَدِينَةَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي تَبْعُدُ عَنْ خَطِّ سَيْرِهِ كَثِيرًا إلَى الْغَرْبِ، فَنَقُولُ: إنَّ الطَّرِيقَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْمَدِينَةِ مُرُورًا بِمَعَانَ وَتَبُوكَ مَا كَانَ الرَّاجِلُ يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ فِيهَا لِقِلَّةِ مِيَاهِهَا.

شَنُوكَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَضَمِّ النُّونِ، وَوَاوٍ وَكَافٍ، وَآخِرُهُ هَاءٌ:
وَرَدَتْ فِي النَّصِّ الْمُقَدَّمِ فِي تُرْبَانَ:
وَهِيَ تَلْعَةٌ كَبِيرَةٌ تَصُبُّ عَلَى الرَّوْحَاءِ مُبَاشَرَةً مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، تَأْتِي مِنْ جِبَالِ الْفَقَارَةِ.
وَقَدْ حَدَّدْنَا الرَّوْحَاءَ آنِفًا.

الشَّوْطُ جَاءَ فِي النَّصِّ. حَتَّى إذَا كَانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، انْخَذَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بِثُلُثِ النَّاسِ.
قُلْت: مَكَانُهَا بَيْنَ وَادِي قَنَاةَ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مِنْ شَرْقِيِّ السَّبْخَةِ، وَمِنْ أَسْفَلِ الْحَرَّةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَهُنَاكَ كَانَ يَجْرِي
(1/170)

سِبَاقُ الْخَيْلِ، وَلَعَلَّ لِهَذَا الِاسْمِ عِلَاقَةٌ بِهِ. وَلَمْ يَعُدْ الِاسْمُ مَعْرُوفًا الْيَوْمَ.

شَوْغَرُ «شَوْعَرُ» بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَوْ الْمُعْجَمَةِ: ذُكِرَ فِي حَضَنٍ.
(1/171)

الصَّادِرَةُ ذُكِرَتْ فِي نَخِبٍ، وَكَذَلِكَ مَسْجِدُ الصَّادِرَةِ.
صُخَيْرَاتُ الْيَمَامِ وَرَدَتْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الْعُشَيْرَةِ.
قُلْت: هِيَ مَحَطَّةٌ مِنْ مَحَطَّاتِ الطَّرِيقِ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِهَا.
وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهَا بِأَوْفَى مِنْ هَذَا فِي الْمُعْجَمِ وَفِي كِتَابِي «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ»
وَذُكِرَتْ فِي مَادَّةِ «غُرَابٍ»

صِرَارٌ بِلَفْظِ مَا يُصَرُّ:
جَاءَ فِي قَوْلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
فَلَمَّا أَنَاخُوا بِجَنْبَيْ صِرَار ... وَشَدُّوا السُّرُوجَ بِلَيِّ الْخَزَمِ
فَمَا رَاعَهُمْ غَيْرُ مَعْجِ الْخُيُو ... لِ وَالزَّحْفُ مِنْ خَلْفِهِمْ فِي دَهَمْ
قَالَ الْبَكْرِيُّ - فِي «مُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ»: صِرَارٌ: بِئْرٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ، تِلْقَاءَ حَرَّةِ وَاقِمٍ، وَأَوْرَدَ قِصَّةً تَشْهَدُ بِذَلِكَ. وَأَوْرَدَ الشِّعْرَ الْمُتَقَدِّمَ.
وَذَكَرَ الرِّوَايَةَ يَاقُوتُ، وَأَوْرَدَ لِبَعْضِ الشُّعَرَاءِ:
«لَعَلَّ صِرَارًا أَنْ تَجِيشَ بِيَارُهَا».
وَذُكِرَ صِرَارَاتٌ أَوْ رِوَايَاتٌ غَيْرُ هَذِهِ، وَمِنْهَا: أَنَّهُ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْقِبْلِيَّةِ، وَأُورِدَ لِلْأَفْطَسِ الْعَلَوِيِّ:
كَأَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَوْمَ رَاحُوا ... وَعُرِّيَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ صِرَار
(1/175)

شَمَارِيخُ الْجِبَالِ إذَا تَرَدَّتْ ... بِزِينَتِهَا وَجَادَتْهَا الْقِطَارُ
وَقَالَ: وَصِرَارٌ بِئْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ عَلَى طَرِيقِ الْعِرَاقِ، وَقِيلَ: مَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ. وَذُكِرَ صِرَارٌ آخَرُ بِنَجْدِ.

صَرْخَدُ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ.
جَاءَتْ فِي النَّصِّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي «النُّجَيْرِ»
«مَسَافَةٌ مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ فَصَرْخَدَ». وَهِيَ مَدِينَةٌ بِالشَّام ِ كَانَتْ قَصَبَةَ مَا حَوْلَهَا، تَقَعُ شَرْقَ بُصْرَى وَجُنُوبَ السُّوَيْدَاءِ فِي جَبَلِ الدُّرُوزِ، وَقَاعِدَةُ النَّاحِيَةِ الْيَوْمَ السُّوَيْدَاءُ، وَصَرْخَدُ بَلْدَةٌ صَغِيرَةٌ مُتَأَخِّرَةٌ وَتُدْعَى الْيَوْمَ «صَلْخَدُ» بِإِبْدَالِ الرَّاءِ لَامًا.

الصَّفْرَاءُ مِنْ اللَّوْنِ الْأَصْفَرِ:
جَاءَتْ فِي قَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ أُثَاثَةَ تَرْثِي عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
لَقَدْ ضَمَّنَ الصَّفْرَاءَ مَجْدًا وَسُؤْدُدًا ... وَحُلْمًا أَصِيلًا وَافِرَ اللُّبِّ وَالْعَقْلِ
عُبَيْدَةُ فَابْكِيهِ لِأَضْيَافِ غُرْبَة ... وَأَرْمَلَةٌ تَهْوِي لِأَشْعَثَ كَالْجِذْلِ
قُلْت: كَانَتْ الصَّفْرَاءُ قَرْيَةً، تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ، ثُمَّ أَعْطَتْ اسْمَهَا لِوَادِي يَلْيَلَ، وَهَذَا الْعَطَاءُ قَدِيمٌ جِدًّا
(1/176)

حَيْثُ نَجِدُ مَضِيقَ الصَّفْرَاءِ وَغَيْرَهُ، وَكَأَنَّ الِاسْمَ أَصِيلٌ لِلْوَادِي وَأَنَّ الْقَرْيَةَ كَانَتْ قَرْيَةَ الصَّفْرَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَارِدَ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ سَمَّى الْقَرْيَةَ الصَّفْرَاءَ، وَهُوَ أَوَّلُ خَبَرٍ عَنْهَا وَعَنْ الْوَادِي.
وَوَادِي الصَّفْرَاءِ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ الْفُحُولِ، كَثِيرُ الْقُرَى كَثِيرُ الْخُيُوفِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهَا انْدَثَرَ الْيَوْمَ، إذَا خَرَجْت مِنْ الْمَدِينَةِ فَتَجَاوَزْت الْفِرِّيشَ فَأَنْتَ فِي أَوَّلِ نَوَاشِغَ وَادِي الصَّفْرَاءِ، ثُمَّ تَسِيرُ فِيهِ مَارًّا بِالْمُسَيْجِيد ِ وَالْخَيْفِ وَالْوَاسِطَةِ حَتَّى تَتَجَاوَزَ بَدْرًا، أَيْ إنَّهُ يَلْقَاك عَلَى (51) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ يُفَارِقُك عَلَى (163) كَيْلًا مِنْهَا. ثُمَّ يَدْفَعُ فِي الْبَحْرِ عَلَى آثَارِ مَدِينَةِ الْجَارِ التَّأْرِيخِيَّةِ. وَسُكَّانُ هَذَا الْوَادِي الْيَوْمَ بَنُو سَالِمٍ مِنْ حَرْبٍ، لَا يُخَالِطُهُمْ فِيهِ إلَّا نَزِيلٌ. وَكَانَ قَدِيمًا لِغِفَارِ مِنْ كِنَانَةَ، وَيَبْدُو أَنَّ بَنِي غِفَارٍ انْصَهَرَتْ فِي حَرْبٍ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْقَبَائِلِ تَفْعَلُ ذَلِكَ حِفَاظًا عَلَى أَوْطَانِهَا وَأَمْلَاكِهَا.

صَلْدَدُ ذُكِرَ فِي رَحْرَحَانَ، وَصُوِّبَ بِأَنَّهُ تَحْرِيفُ صَنْدَدَ.
الصَّمَّانُ جَمْعٌ عَلَى صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيّ:
يَا بُعْدَ مَنْزِلِ مَنْ تَرْجُو مَوَدَّتَهُ

وَمَنْ أَتَى دُونَهُ الصُّمَّانُ فَالْحَفْرُ
فِي هَذَا النَّصِّ:
(1/177)

الصَّمَّانُ: أَرْضٌ مِنْ أَسَافِلِ نَجْدٍ بَيْنَ الدَّهْنَاءِ وَسَاحِلِ الْخَلِيجِ، ذَاتُ حُزُومٍ وَقُفَفَةٍ صُلْبَةٍ، وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَرَابِعِ الْعَرَبِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَهِيَ تَمْتَدُّ مُحَاذِيَةً لِكُلِّ مِنْ الدَّهْنَاءِ وَسَاحِلِ الْخَلِيجِ غَيْرَ أَنَّهَا أَقْصَرُ مِنْهُمَا، وَهِيَ فِي الْوَسَطِ وَمِيَاهُهَا تَنْحَدِرُ إلَى الْخَلِيجِ.
2 - الْحَفَرُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ وَآخِرُهُ رَاءٌ، مُحَرَّكًا: وَادٍ كَانَ يُسَمَّى حَفَرَ الْبَاطِنِ فِي الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَجْدٍ، إذَا فَاضَ وَادِي الرُّمَّةِ اتَّصَلَ بِهِ، وَيُقَالُ: إنَّ مَاءَ الْحَفَرِ إذَا أَفَاضَ دَفَعَ فِي الْكُوَيْتِ، وَقَدْ قَامَتْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَدِينَةٌ فِي هَذَا الْعَصْرِ، سُمِّيَتْ «مَدِينَةَ حَفَرِ الْبَاطِنِ» وَيُقَالُ: مَدِينَةُ الْحَفَرِ.

الصَّمْغَةُ جَاءَتْ فِي ذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: قَدْ سَرَّحَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ وَالْكُرَاعَ فِي زُرُوعٍ كَانَتْ بِالصَّمْغَةِ، مِنْ قَنَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
قُلْت: تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْعُيُونِ، وَهِيَ أَرْضٌ زِرَاعِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْعُيُونِ وَالنَّخْلِ، إذَا تَجَاوَزَ قَنَاةَ مَشْهَدِ حَمْزَةَ، دَفَعَ فِي الصَّمْغَةِ.

صَنْعَاءُ عَلَى زِنَةِ فَعْلَاءَ مِنْ الصَّنْعَةِ:
تَرَدَّدَتْ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَمِنْهَا النَّصُّ الْمَذْكُورُ فِي الْقُلَيْسِ. وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى سَرَاةِ الْيَمَنِ، وَهِيَ عَاصِمَتُهُ، وَلَهَا جَبَلٌ يُشْرِفُ عَلَيْهَا يُسَمَّى «نُقَمًا»، كَمَا يُسَمَّى جَبَلُ الْقَاهِرَةِ «الْمُقَطَّمَ» وَجَبَلُ دِمَشْقَ «قَاسِيُونَ».
(1/178)

وَلِأَهْلِ صَنْعَاءَ حُبٌّ وَاعْتِزَازٌ بِعَاصِمَتِهِمْ، وَهِيَ طَيِّبَةُ الْهَوَاءِ كَثِيرَةُ الْخَيْرَاتِ، وَتَشْتَهِرُ بِكَثْرَةِ مَسَاجِدِهَا.
وَيُورِدُ يَاقُوتُ فِي مُعْجَمِهِ: أَنَّ اسْمَ صَنْعَاءَ كَانَ «أَزَالَ» وَأَنَّ الْحَبَشَةَ عِنْدَمَا وَافَوْهَا وَرَأَوْا جَبَلَهَا قَالُوا: نِعَمٌ نِعَمٌ وَالْجَبَلُ الْيَوْمَ يُسَمَّى «نُقَمًا» ضِدَّ نِعَمٍ. وَلَمَّا رَأَوْا صَنْعَاءَ.
قَالُوا: هَذِهِ صَنْعَةٌ، فَسُمِّيَتْ صَنْعَاءَ، وَهِيَ قَصَبَةُ الْيَمَنِ، وَإِنَّهَا تُشَبَّهُ بِدِمَشْقَ. وَلَكِنَّهُ يُغْرِبُ حِينَ يَقُولُ: وَبَيْنَ صَنْعَاءَ وَعدَنٍ ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ مَيْلًا، وَالصَّوَابُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرِ.
ثُمَّ يَقُولُ: بَنَاهَا صَنْعَاءُ بْنُ أَزَالَ بْنِ عَبِيرِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شالخ، فَكَانَتْ تُعْرَفُ بِأَزَالَ وَتَارَةً بِصَنْعَاءَ، وَيُغْرِبُ مَرَّةً أُخْرَى حِينَ يَقُولُ: وَهُوَ بَلَدٌ مِنْ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ. وَتَقَعُ صَنْعَاءُ قُرْبَ الْتِقَاءِ خَطَّيْ 15 عَرْضًا و45 طُولًا، وَهِيَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُعْرَفَ الْيَوْمَ.
(1/179)

الصَّوْرَانِ تَثْنِيَةُ صَوْرٍ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ النَّخْلِ الْحُشُوشُ الْمُتَدَاخِلَةُ: جَاءَ فِي ذِكْرِ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَ: وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفَرِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالصَّوْرَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ.
قُلْت: مَوْقِعُ الصَّوْرَيْنِ قُرْبَ الْعَوَالِي مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ، وَلِعُمَرِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فِيهَا أَبْيَاتٌ، فِي قِصَّةٍ لَيْسَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَوْضِعُهَا.

الصَّهْبَاءُ ذُكِرَتْ فِي عِصْرٍ.
(1/180)

الضَّبُوعَةُ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ وَاوٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَآخِرُهُ هَاءٌ:
ذُكِرَتْ فِي ذِي الْعُشَيْرَةِ.

ضَجَنَانُ فَعَلَانُ مِنْ الضَّجَنِ، أَيْ بِالتَّحْرِيكِ:
جَاءَ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، إذْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ أَقْبَلْت حَتَّى إذَا كُنْت بِضَجَنَانَ مَرَرْت بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ، فَوَجَدْت الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَكَشَفْت غِطَاءَهُ وَشَرِبْت مَا فِيهِ.
قُلْت: ضَجَنَانُ حَرَّةٌ شَمَالُ مَكَّةَ يَمُرُّ الطَّرِيقُ بِنَعْفِهَا الْغَرْبِيِّ، عَلَى مَسَافَةِ 54 كَيْلًا عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِحَرَّةِ المحسنية، وَقَدْ أَفَضْت فِي الْقَوْلِ عَنْهَا فِي كِتَابِي «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ» فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.

ضَمَارِ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، كَقَطَامِ:
وَرَدَ فِي قِصَّةِ إسْلَامِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّ ضَمَارِ كَانَ صَنَمًا لَهُمْ وَكَانَ الْقَائِمَ عَلَيْهِ مِرْدَاسٌ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى عَبَّاسًا بِعِبَادَتِهِ، فَبَيْنَا عَبَّاسٌ يَوْمًا عِنْدَ ضَمَارِ، إذْ سَمِعَ مِنْ جَوْفِهِ:
قُلْ لِلْقَبَائِلِ مِنْ سُلَيْمٍ كُلِّهَا

أَوْدَى ضَمَارِ وَعَاشَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ
إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى

بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي
(1/183)

أََوْدَى ضَمَارِ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً

قَبْلَ الْكِتَابِ إلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
قُلْت: هُوَ مِنْ دِيَارِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَلَعَلَّهُ كَانَ فِي الْحَرَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُنْسَبُ إلَيْهِمْ، وَهِيَ حَرَّةُ الْحِجَازِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَمْتَدُّ مِنْ شَمَالِ الطَّائِفِ إلَى أَنْ تَفْتَرِقَ عَنْ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، وَكَانَتْ سُلَيْمٌ تَشْغَلُ مُعْظَمَ هَذِهِ الْحَرَّةِ، أَمَّا الْيَوْمُ فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْهَا سِوَى جُزْءٍ بَسِيطٍ، وَلَا يُعْرَفُ ضَمَارِ الْيَوْمَ.
(1/184)

طَخْفَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَيُرْوَى بِكَسْرِهَا، وَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَةٍ، وَهَاءٍ:
جَاءَ فِي قَوْلِ جَرِيرِ بْنِ الْخَطَفِيِّ:
بِطِخْفَةَ جَالَدْنَا الْمُلُوكَ وَخَيْلُنَا

عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
قُلْت: طَخْفَةُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نَجْدٍ لَا زَالَ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا، كَانَ يَمُرُّ بِهِ طَرِيقُ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ لِبَنِي كِلَابٍ، وَهُوَ الْيَوْمَ لِلرَّوْقَةِ مِنْ عُتَيْبَةَ. وَيَقُولُ ابْنُ جُنَيْدِلٍ فِي كِتَابِهِ «عَالِيَةُ نَجْدٍ» تَقَعُ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ قَبْلَ ضَرِيَّةَ بِمَرْحَلَةِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ الْبَصْرَةِ، وَهِيَ هَضْبَةٌ حَمْرَاءُ كَانَتْ عَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ حِمَى ضَرِيَّةَ. وَذَكَرَ الْحَرْبِيُّ فِي الْمَنَاسِكِ: أَنَّ الْمَسَافَةَ بَيْنَ طَخْفَةُ وَضَرِيَّةَ (28) مِيلًا.
طَخْفَةُ مِمَّا يَلِي الْقَصِيمَ.

طَفِيلٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْفَاءِ، ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتُ وَلَامٍ: حَرَّةٌ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ عَنْهَا فِي «شَامَةَ».
طِلَاحٌ بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ: ذُكِرَ فِي غَزَالٍ.
طَلَالُ (ذُو. .) جَاءَ فِي السِّيرَةِ بِكَسْرِ الطَّاءِ مَرَّةً وَبِتَشْدِيدِ اللَّامِ مَرَّةً أُخْرَى، وَأَرَاهُمَا وَهْمًا، وَاسْمُهُ الْيَوْمَ «طَلَالُ» بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ. ذُكِرَ فِي قِصَّةِ الرَّحَّالِ وَحَرْبِ الْفُجَّارِ، قَالَ الْبَرَّاضُ يَذْكُرُ قَتْلَهُ الرَّحَّالَ:
(1/187)

وَدَاهِيَةٌ تُهِمُّ النَّاسَ قَبْلِي

شَدَدْت لَهَا بَنِي بَكْرٍ ضُلُوعِي
هَدَمْت بِهَا بُيُوتَ بَنِي كِلَابٍ

وَأَرْضَعْت الْمَوَالِيَ بِالضُّرُوعِ
رَفَعْت لَهَا بِذِي طَلَّالَ كَفِّي

فَخَرَّ يَمِيدُ كَالْجِذْعِ الصَّرِيعِ
قُلْت: طَلَالُ: بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ كَمَا ذَكَرْت آنِفًا، عَدَّ مَاء بِعَالِيَةِ نَجْدٍ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ مِنْ عَفِيفٍ إلَى الْمَدِينَةِ، فِي الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ مِنْ عَفِيفٍ لَيْسَ بَعِيدًا مِنْ الْحَسْوِ. وَكَانَتْ هَذِهِ دِيَارَ بَنِي عَامِرٍ، وَهِيَ الْيَوْمَ دِيَارُ عُتَيْبَةَ، وَمَا زَالَ لِطَلَالَ هَذَا ذِكْرٌ فِي أَشْعَارِ الْبَادِيَةِ لِشُهْرَتِهِ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ. وَتُوجَدُ الْيَوْمَ هَضْبَةُ قُرْبُ طَلَالَ تُسَمَّى «تَيْمًا» فَهِيَ وَلَا شَكَّ تَحْرِيفٌ لِتَيْمِن.

طُوًى (ذُو) بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَوَاوٍ، مَقْصُورٌ: ذُكِرَ فِي مَوَاضِعَ فِي السِّيرَةِ، مِنْهَا: مَبِيتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْفَتْحِ بِذِي طُوًى. وَهُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ، كُلُّهُ مَعْمُورٌ الْيَوْمَ، يَسِيلُ فِي سُفُوحِ جَبَلِ أَذَاخِرَ وَالْحَجُونِ مِنْ الْغَرْبِ، وَتُفْضِي إلَيْهِ كُلٌّ مِنْ ثَنِيَّةِ الْحَجُونِ - كَدَاءَ قَدِيمًا - وَثَنِيَّةِ رِيعٍ الرَّسَّامِ - كُدًى - قَدِيمًا. وَيَذْهَبُ حَتَّى يَصُبَّ فِي الْمَسْفَلَةِ عِنْدَ قَوْزِ الْمَكَّاسَةِ - الرَّمَضَةُ قَدِيمًا - مِنْ الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ.
(1/188)

وَعَلَيْهِ مِنْ الْأَحْيَاءِ: الْعُتَيْبَةُ، وَجَرْوَلُ، وَالتَّنْضَبَاوِيّ، وَحَارَةُ البرنو - جِنْسٌ مِنْ السُّودَانِ - وَمُعْظَمُ شَارِعِ الْمَنْصُورِ، وَاللِّيطِ، وَالْحَفَائِرُ دَاخِلَةٌ فِي نِطَاقِ وَادِي طُوًى، وانحصر الِاسْمُ الْيَوْمَ فِي بِئْرٍ فِي جَرْوَلَ تُسَمَّى بِئْرَ طُوًى، هِيَ مَوْضِعُ مَبِيتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَيْشِ الْفَتْحِ هُنَاكَ، وَإِخْوَانُنَا الْمَغَارِبَةُ يَحْرِصُونَ عَلَى زِيَارَةِ هَذِهِ الْبِئْرِ وَالشُّرْبِ مِنْ مَائِهَا.
الطُّورُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ رَاءٌ، جَاءَ فِي قِصَّةِ قَوْمِ مُوسَى، وَتَرَدَّدَ فِي السِّيرَةِ.
وَهُوَ طُورُ سَيْنَاءَ، وَجَبَلُ سَيْنَاءَ، وَذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ، وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَهُوَ جَبَلٌ مَا زَالَ مَعْرُوفًا، إذَا وَقَفْت فِي آخِرِ شَمَالِ الْحِجَازِ رَأَيْته شَامِخًا لَيْسَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ غَيْرُ خَلِيجِ الْعَقَبَةِ، وَبِهِ بَلْدَةٌ عَامِرَةٌ الْيَوْمَ تُسَمَّى «الطُّورَ» وَقَدْ احْتَلَّهُ الْيَهُودُ فِي سَنَةِ 1387 هـ 1967 م، وَهُمْ يَرْفُضُونَ الْجَلَاءَ عَنْهُ، وَيَسْتَمِيتُونَ فِي التَّمَسُّكِ بِهِ، وَكَانَ قِبلَ ذَلِكَ مِنْ أَرَاضِي مِصْرَ، هُوَ وَكُلُّ صَحْرَاءِ سَيْنَاءَ «الْمُحْتَلَّةِ الْيَوْمَ».
وَفِي اتِّفَاقِيَّةِ صُلْحٍ عُقِدَتْ قَبْلَ سَنَوَاتٍ بَيْنَ مِصْرَ وَالْعَدُوِّ نُصَّ عَلَى أَنْ تَجْلُوَ إسْرَائِيلُ عَنْ كُلِّ سَيْنَاءَ بِمَا فِيهَا الطُّورُ فِي مُدَّةٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى عَدَدٍ مِنْ الشُّهُورِ، فَعَسَى أَنْ يَتِمَّ الْجَلَاءُ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ طَبْعُ هَذَا الْكِتَابِ. وَقَدْ جَلَا الإسرائيليون عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ سَيْنَاءَ، فِي نَيْسَان سَنَةَ 1982 م الْمُوَافِقَ شَهْرَ رَجَبٍ سَنَةَ 1402 هـ.

طَيْبَةُ بِفَتْحِ الطَّاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ وَمُوَحَّدَةٍ وَتَاءٍ مَرْبُوطَةٍ:
(1/189)

جَاءَتْ فِي قَوْلِ أَبِي قَيْسِ بْنِ أَبِي أَنَسٍ الْأَنْصَارِيِّ:

َفلَمَّا أَتَانَا أَظْهَرَ اللَّهُ دِينَهُ

فَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيًا
قُلْت: طَيْبَةُ، هِيَ مَدِينَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُسَمَّى «طَابَةَ» أَيْضًا، وَطَيْبَةُ وَطَابَةُ بِمَعْنَى. كَانَتْ تُسَمَّى يَثْرِبَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَيْهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا الْمَدِينَةَ، وَقِيلَ إنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمَّاهَا طَيْبَةَ أَيْضًا، وَفِي أَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَا يُسْتَشَفُّ مِنْهُ أَنَّ اسْمَ طَيْبَةَ قَدِيمٌ، وَلَكِنَّهُ مَا كَانَ مَعْرُوفًا لِلْعَامَّةِ.
(1/190)

الظَّبْيَةُ «عِرْقُ الظَّبْيَةِ» ذُكِرَ فِي «عِرْقٍ».

الظُّرَيْبَةُ تَصْغِيرُ ظِرْبَةٍ، وَبِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ أَبَانَ بْنِ الْعَاصِ حِينَ أَسْلَمَ أَخَوَاهُ:
ألَا لَيْتَ مَيْتًا بِالظُّرَيْبَةِ شَاهِدُ

لِمَا يَفْتَرِي فِي الدِّينِ عَمْرٌو وَخَالِدُ
ثُمَّ يَقُولُ ابْنُ إسْحَاقَ: الظُّرَيْبَةُ، مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ.
وَأَقُولُ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا تَحْرِيفُ «الضَّرِيبَةِ» وَهُوَ تَحْرِيفٌ سَمَاعِيٌّ وَتَصْحِيفٌ إمْلَائِيٌّ. وَالضَّرِيبَةُ: مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى عَهْدِ قَرِيبٍ، وَكَانَ الْمَكَانُ يُسَمَّى ذَاتَ عِرْقٍ، وَالضَّرِيبَةُ شُعْبَةٌ هُنَاكَ، فَغَلَبَ اسْمُ الضَّرِيبَةِ وَانْدَثَرَ اسْمُ ذَاتِ عِرْقٍ، وَلَعَلَّ إحْدَاهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا تَمُرُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ فَنُحَدِّدُهَا بِأَدَقَّ مِنْ هَذَا. وَقَدْ مَرَّا فِي كِتَابِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ التَّارِيخِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ».

الظَّهْرَانُ كَأَنَّهُ تَثْنِيَةُ ظَهْرٍ: الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي السِّيرَةِ، هُوَ: مَرُّ الظَّهْرَانِ، الْوَادِي الْمَشْهُورُ، وَقَدْ ذُكِرَ.
(1/193)

عَالِجٌ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ لَامٌ فَجِيمٌ. جَاءَ فِي قَوْلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
إِذَا سَلَكْت لِلْغَوْرِ مِنْ بَطْنِ عَالِجٍ

فَقُولَا لَهَا: لَيْسَ الطَّرِيقُ هُنَالِكَ
قُلْت: عَالِجٌ رَمْلٌ عَظِيمٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ يَمُرُّ فِي شَمَالِ نَجْدٍ قُرْبَ مَدِينَةِ حَائِلَ إلَى شَمَالِ تَيْمَاءَ، وَقَدْ سُمِّيَ قِسْمُهُ الْغَرْبِيُّ «رَمْلُ بُحْتُرِي» نِسْبَةٌ إلَى قَبِيلَةٍ مِنْ طَيِّئٍ تَمَلَّكَتْهُ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ «النفود» جَمْعُ نِفْدٍ، وَهُوَ الْقَوْزُ أَوْ الدِّعْصُ مِنْ الرَّمْلِ.
وَالْغَوْرُ - فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ -: كُلُّ مَا سَالَ مَاؤُهُ إلَى الْبَحْرِ فَهُوَ غَوْرٌ، أَمَّا فِي الشَّامِ فَالْغَوْرُ: الْأَرْضُ الْمُحِيطَةُ بِمَجْرَى نَهَرِ الْأُرْدُنِّ. وَالْبَيْتُ الْمُتَقَدِّمُ يَلْمِزُ بِهِ حَسَّانُ كُفَّارَ قُرَيْشٍ حِينَ غَيَّرُوا طَرِيقَهُمْ الْمُعْتَادَةَ الْغَوْرِيَّةَ إلَى طَرِيقٍ تَذْهَبُ مِنْ شَرْقِ الْمَدِينَةِ تَفَادِيًا لِغَزَوَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ هَذَا هُوَ الطَّرِيقَ الصَّحِيحَ إلَى الْغَوْرِ، أَيْ دِيَارِ قُرَيْشٍ، وَلَكِنَّ الْخَوْفَ أَلْجَأَكُمْ إلَيْهِ.

الْعَالِيَةُ إذَا ذُكِرَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَهِيَ أَعْلَاهَا مِنْ حَيْثُ يَأْتِي وَادِي بَطِحَانَ، وَيُطْلَقُ الْيَوْمَ عَلَى تِلْكَ الْجِهَاتِ «الْعَوَالِي» جَمْعُ عَالِيَةٍ. جَاءَ فِي السِّيرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ بَشِيرًا إلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ، بِفَوْزِ الْمُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ.
عَامِرٌ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ.
(1/197)

اُنْظُرْ الْحَدِيثَ عَنْهُ فِي مَادَّةِ «سُهَيْلٍ»

الْعَبَابِيدُ أَوْ الْعَبَابِيبُ لَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ.
الْعَبَرُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ وَبَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ رَاءٌ، وَبِالتَّحْرِيكِ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ الذِّئْبَةِ الثَّقَفِيِّ.
لَعَمْرُك مَا لِلْفَتَى مِنْ مَفَرْ

مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُ وَالْكِبَرْ
لَعَمْرُك مَا لِلْفَتَى صُحْرَةٌ

لَعَمْرُك مَا إنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ
أَبَعْدَ قَبَائِلَ مِنْ حِمْيَرَ

أُبِيدُوا صَبَاحًا بِذَاتِ الْعَبَرْ
بِأَلْفِ أُلُوفٍ وَحُرَّابَةٍ

كَمِثْلِ السَّمَاءِ قُبَيْلَ الْمَطَرِ
يُصِمُّ صِيَاحَهُمْ الْمُقْرَبَاتِ

وَيَنْفُونَ مَنْ قَاتَلُوا بِالذَّفَرِ
قُلْت: الْعَبَرُ: لَا زَالَ مَعْرُوفًا مِنْ أَطْرَافِ حَضْرَمَوْتَ الشَّمَالِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ، يَجْتَمِعُ فِيهِ حَاجُّ حَضْرَمَوْتَ، ثُمَّ يَسِيرُ بِطَرَفِ رَمْلَةِ السَّبْعَتَيْنِ إلَى مَأْرِبٍ، وَانْظُرْ وَصْفًا كَامِلًا لِطَرِيقِ الْعَبَرِ فِي كِتَابِي «بَيْنَ مَكَّةَ وَحَضْرَمَوْتَ». وَأَهْلُ حَضْرَمَوْتَ يَقُولُونَ: (الْعَبْرَ) بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
(1/198)

عِتْوَدُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ. ذُكِرَ فِي التَّلَاعَةِ.
الْعِثْيَانَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ.
قُلْت: صَوَابُهُ، الْغِثْرَيَانَةُ: فَجٌّ مِنْ الْقَاحَةِ عَلَى الضِّفَّةِ الْيُسْرَى، شَمَالَ شَرْقِيِّ السُّقْيَا «أُمُّ الْبَرْكِ الْيَوْمَ».

عَذْرَاءُ بِلَفْظِ الْعَذْرَاءِ مِنْ النِّسَاءِ، وَمِنْ دُونِ أَلْ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ

إلى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ
قُلْت: عَذْرَاءُ، بَلْدَةٌ مِنْ ظَاهِرِ دِمَشْقَ الشَّمَالِيِّ، بِطَرَفِ الْغُوطَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، وَأَهْلُ الشَّامِ يَنْطِقُونَهَا الْيَوْمَ «عَدْرَا» بِإِهْمَالِ الدَّالِ وَالْقَصْرِ، وَهُوَ مِنْ تَحْرِيفَاتِ الْعَامَّةِ، وَلِقُرْبِ عَذْرَاءَ مِنْ دِمَشْقَ نُقِلَتْ السُّوقُ الْحُرَّةُ إلَيْهَا، وَمَعَ امْتِدَادِ الْعُمْرَانِ قَدْ تُصْبِحُ عَذْرَاءَ حَيًّا مِنْ دِمَشْقَ.
وَقَدْ وَصَفَهَا يَاقُوتُ فَحَدَّدَهَا تَحْدِيدًا دَقِيقًا لِأَنَّهُ رَآهَا، فَقَالَ: وَهِيَ قَرْيَةٌ بِغَوْطَةِ دِمَشْقَ مِنْ إقْلِيمِ خَوْلَانَ مَعْرُوفَةٌ، وَإِذَا انْحَدَرْت مِنْ ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ وَأَشْرَفْت عَلَى الْغَوْطَةِ فَتَأَمَّلْت عَلَى يَسَارِك رَأَيْتهَا أَوَّلَ قَرْيَةٍ تَلِي الْجَبَلَ، وَبِهَا مَنَارَةٌ.
(1/199)

أَمَّا ذَاتُ الْأَصَابِعِ وَالْجِوَاءِ فَاتَّفَقَ شَارِحُ السِّيرَةِ وَشَارِحُ دِيوَانِ حَسَّانَ عَلَى أَنَّهُمَا مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ أَيْ قَرِيبٌ مِنْ عَذْرَاءَ، وَلَمْ أَرَ ذِكْرًا لِلْجِوَاءِ إلَّا جِوَاءَ يَقَعُ شَرْقَ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ حَسَّانُ أَيْضًا:
عَفَا مِنْ آلِ فَاطِمَةَ الْجِوَاءُ

فِيمَنٌ فَالْقَوَادِمُ فَالْحِسَاءُ
وَهَذَا لَمْ يَرِدْ فِي دِيوَانِهِ الَّذِي اطَّلَعْت عَلَيْهِ إنَّمَا أَوْرَدَهُ يَاقُوتُ. وَهَذِهِ مَوَاضِعُ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالشَّمَالِيَّةِ فَلَا يَعْدُو الْأَمْرُ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الْأَصَابِعِ وَالْجِوَاءِ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ، وَأَنَّ حَسَّانًا أَرَادَ أَنَّ الدِّيَارَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ هَذَا وَعَذْرَاءَ الشَّامِ قَدْ عَفَتْ، أَوْ أَنَّهُمَا مِنْ الشَّامِ كَمَا قَدَّمْنَا.

الْعَثَاعِثُ كَأَنَّهَا جَمْعُ عَثْعَثٍ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرَى:
أَمِنْ رَسْمِ دَارٍ أَقْفَرَتْ بِالْعَثَاعِثِ

بَكَيْت بِعَيْنِ دَمْعُهَا غَيْرُ لَابِثِ
قُلْت: عَثْعَثٌ، اسْمٌ مُرَادِفٌ لِاسْمِ سُلَيْعٍ بِالْمَدِينَةِ، وَسُلَيْعٌ أَكَمَةٌ صَغِيرَةٌ غَرْبَ سَلْعٍ، إذَا كَانَ الشِّعْرُ مُوَجَّهًا إلَى أَبِي بِكْرٍ - كَمَا فِي السِّيرَةِ - فَأَقْرَبُ مَآلِهِ عَثْعَثٌ هَذَا، أَمَّا إذَا كَانَ لِمُجَرَّدِ مُطَابَقَةِ الرَّوِيِّ فَهُنَاكَ أَجْبُلٌ ذُكِرَتْ قُرْبَ حِمَى ضَرِيَّةَ، ذَكَرَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ. تُسَمَّى الْعَثَاعِثَ. وَلَكِنِّي أُرَجِّحُ أَنَّ الشَّاعِرَ جَمَعَ عَثْعَثًا بِمَا حَوْلَهُ لِمُطَابَقَةِ الرَّوِيِّ.
عَدَنُ: بِالتَّحْرِيكِ وَآخِرَهُ نُونٌ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ: يَلِيهِ إرَمُ بْنُ ذِي يَزَنَ، يَخْرُجُ
(1/200)

عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ، فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ.
وَهَذَا فِي قَوْلِ سُطَيْحٍ لِرَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ مَلِكُ الْيَمَنِ، وَإِرَمُ بْنُ ذِي يَزَنَ: سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ، الَّذِي طَرَدَ الْحَبَشَ مِنْ الْيَمَنِ. وَعَدَنُ الْيَوْمَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ الْعَرَبِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُحِيطِ الْهِنْدِيِّ، وَلَهَا خَلِيجٌ يُعْرَفُ بِخَلِيجِ عَدَنَ، يَتَّصِلُ رَأْسُهُ الْغَرْبِيُّ بِرَأْسِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ فِي مَضِيقِ بَابِ الْمَنْدَبِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا «عَدَنُ أَبْيَنَ» نِسْبَةٌ إلَى مِخْلَافِ أَبْيَنَ الْمُتَقَدِّمِ، وَكَانَتْ خَضَعَتْ لِلِاسْتِعْمَارِ الْبِرِيطَانِيِّ رَدَحًا مِنْ الزَّمَنِ، وَكَانَ الْإِنْجِلِيزُ لَا يُفَكِّرُونَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا، ثُمَّ اسْتَقَلَّتْ حَضْرَمَوْتُ وَمَا تَبِعَهَا مِنْ الْيَمَنِ سَنَة 1389 هـ فَصَارَتْ عَدَنُ عَاصِمَةَ هَذَا الْجُزْءِ مِنْ الْيَمَنِ، فَسُمِّيَ «الْيَمَنَ الْجَنُوبِيَّ».

الْعُدْوَةُ الْقُصْوَى قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَضَتْ قُرَيْشٌ - يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ - حَتَّى نَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى مِنْ الْوَادِي، خَلْفَ الْعَقَنْقَلِ وَبَطْنِ الْوَادِي، وَهُوَ يَلْيَلُ، بَيْنَ بَدْرٍ وَبَيْنَ الْعَقَنْقَلِ، الْكَثِيبُ الَّذِي خَلْفَهُ قُرَيْشٌ، وَالْقُلُبُ بِبَدْرِ فِي الْعُدْوَةِ الدُّنْيَا مِنْ بَطْنِ يَلْيَلَ إلَى الْمَدِينَةِ.
قُلْت: الْعُدْوَةُ الْقُصْوَى وَالْعَقَنْقَلُ، جَانِبُ وَادِي يَلْيَلَ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، وَالْعُدْوَةُ الدُّنْيَا، جَانِبُ وَادِي يَلْيَلَ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ.
وَلَمْ يَعُدْ شَيْئًا يُعْرَفُ بِاسْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَارِفِينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ يَعْرِفُونَ مَوَاضِعَهَا، وَقَوْلُهُ: الْكَثِيبُ. كَذَا فِي السِّيرَةِ، وَالْكَثِيبُ مَعْنَاهُ تَلٌّ مِنْ الرَّمْلِ،
(1/201)

وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، إنَّمَا هُنَاكَ أَكَمَةٌ أَوْ حَثْمَةٌ مَا زَالَتْ مَاثِلَةً، وَالْوَصْفُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا.

الْعِرَاقُ الْإِقْلِيمُ الْمَعْرُوفُ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ. جَاءَ فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى ذِي الْقَرَدَةِ - اُنْظُرْهُ - وَتَرَدَّدَ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَالْعِرَاقُ: هُوَ الْبِلَادُ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا نَهَرَا دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ ثُمَّ شَطُّ الْعَرَبِ إلَى الْبَحْرِ، وَكَانَ يُقَسَّمُ إلَى عِرَاقِ الْعَرَبِ، وَهُوَ مَا غَرْبَ دِجْلَةَ وَالشَّطِّ، وَعِرَاقُ الْعَجَمِ، وَهُوَ مَا شَرْقَ دِجْلَةَ وَالشَّطِّ، وَعِنْدَمَا فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ الْعِرَاقَ فِي عَهْدِ عُمَرَ أَصْبَحَ مُنْطَلَقًا لِفُتُوحَاتِ عَظِيمَةٍ شَمَلَتْ فَارِسَ وَالسِّنْدَ وَبَعْضَ بِلَادِ الْهِنْدِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَمَا وَرَاءَ النَّهَرَيْنِ - سَيْحُونَ وَجَيْحُونَ -
وَعَمَرَ الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةَ الْكُوفَةِ فَاِتَّخَذَهَا الْإِمَامُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - عَاصِمَةً لِلْخِلَافَةِ، وَلَمَّا قَامَتْ الدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ اتَّخَذَتْ الْعِرَاقَ مَقَرًّا لَهَا وَعَمَرَتْ بَغْدَادَ فَكَانَتْ عَاصِمَةَ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ، وَدَامَ حُكْمُ بَنِي الْعَبَّاسِ نَيِّفًا وَخَمْسَ مِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى انْهَارَتْ دَوْلَتُهُمْ عَلَى أَيْدِي التَّتَارِ، ثُمَّ اضْمَحَلَّ أَمْرُ الْعِرَاقِ قُرُونًا عَدِيدَةً وَظَلَّ الصِّرَاعُ عَلَيْهِ بَيْنَ التُّرْكِ وَالْفُرْسِ، حَتَّى قَامَتْ الثَّوْرَةُ الْعَرَبِيَّةُ الْكُبْرَى سَنَةَ 1334 هـ فَانْجَلَتْ عَنْ تَقْسِيمِ الْبِلَادِ الْعَرَبِيَّةِ إلَى دُوَيْلَاتٍ رَأَى الِاسْتِعْمَارُ مَصْلَحَتَهُ فِي تَكْوِينِهَا، فَتَكَوَّنَتْ مَمْلَكَةُ الْعِرَاقِ الْهَاشِمِيَّةِ، مَلِكُهَا الْمَرْحُومُ فَيْصَلُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ خَلَّفَهُ ابْنُهُ غَازِي ثُمَّ فَيْصَلٌ الثَّانِي ابْنُ غَازِي، وَفِي سَنَةِ 1378 هـ قَامَتْ الْجُمْهُورِيَّةُ الْعِرَاقِيَّةُ الْحَالِيَّةُ عَلَى أَثَرِ انْقِلَابٍ قَامَ بِهِ الْجَيْشُ، وَقُتِلَ الْمَلِكُ فَيْصَلٌ الثَّانِي وَوَلِيُّ عَهْدِهِ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْإِلَهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ.
(1/202)

وَيُعْتَبَرُ الْعِرَاقُ مِنْ الْبَلَدَانِ الْغَنِيَّةِ بِثَرَوَاتِهَا الْمَائِيَّةِ والبترولية، وَلَكِنَّ التَّقَدُّمَ الَّذِي حَقَّقَهُ الْعِرَاقُ فِي الْعَهْدِ الْجُمْهُورِيِّ لَيْسَ بِحَجْمِ هَذِهِ الثَّرَوَاتِ.

أُمُّ الْعَرَبِ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: أُمُّ إسْمَاعِيلَ: هَاجَرُ، مِنْ أُمِّ الْعَرَبِ، قَرْيَةٌ أَمَامَ الْفَرَمَا مِنْ مِصْرَ. وَيُعَلِّقُ مُحَقِّقُ السِّيرَةِ عَلَى هَذَا قَائِلًا: وَيُقَالُ فِيهَا «أُمُّ الْعَرِيكِ»، كَمَا يُقَالُ إنَّهَا مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا «يَاق».
قُلْت: فَلَعَلَّ كَلِمَةَ «أُمِّ الْعَرَبِ» أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ هَاجَرُ أُمًّا لِنِصْفِ الْعَرَبِ، أَيْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ.

الْعَرْجُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَآخِرَهُ جِيمٌ: جَاءَ فِي نَصٍّ قَدَّمْنَاهُ فِي عَسْجَدٍ. وَهُوَ وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، كان يطؤه طَرِيقُ الْحُجَّاجِ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ، جُنُوبَ الْمَدِينَةِ عَلَى (113) كَيْلًا. وَقَدْ أَفَضْنَا فِي الْقَوْلِ عَنْهُ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».
الْعِرْضُ جَاءَ فِي شِعْرٍ نُسِبَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يَرُدُّ فِيهِ عَلَى هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيِّ:
(1/203)

نُجَالِدُ لَا تَبْقَى عَلَيْنَا قَبِيلَةٌ

مِنْ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَهَابُوا وَيُفْظِعُوا
وَلَمَّا ابْتَنَوْا بِالْعِرْضِ قَالَ سَرَاتُنَا

عَلَامَ إذَا لَمْ نَمْنَعْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟
قُلْت: الْعِرْضُ هُنَا: وَادِي الْمَدِينَةِ.
وَهَذَا الشِّعْرُ جَاءَ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ. وَلَمَّا هَبَطْنَا الْعِرْضَ قَالَ سَرَاتُنَا عَلَامَ إذَا لَمْ نَحْفَظْ الْعِرْضَ نَزْرَعُ؟ وَلَمْ يُسَمِّ الشَّاعِرَ. وَقَالَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ: أَنَّ كُلَّ وَادٍ شَجِيرٍ أَوْ زِرَاعِيٍّ أَوْ ذِي قِرًى يُسَمَّى - فِي الْحِجَازِ - عِرْضًا. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْعِرْضَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُوَ وَادِيهَا حَيْثُ زُرُوعُهُمْ وَقُرَاهُمْ.

الْعُرْفُ ذُكِرَ فِي الْعَقِيقِ. وَالْأَعْرَافُ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مُنْقَادٍ لَهُ سَرَاةٌ مُسْتَدَقَّةٌ تُشْبِهُ عُرْفَ الْحِمَارِ.
عِرْقُ الظَّبْيَةِ يَتَرَدَّدُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَلِأَهْلِ الْبُلْدَانِيَّاتِ خَوْضٌ فِي ضَبْطِ «الظَّبْيَةِ»، غَيْرَ أَنَّ هَذَا الضَّبْطَ «الظَّبْيَةُ» هُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ الْمَنْطُوقُ إلَى الْيَوْمِ وَيُسَمِّيهِ أَهْلُ الدِّيَارِ الْيَوْمَ «طَرَفَ ظَبْيَةٍ» وَالطَّرَفُ وَالْعِرْقُ وَالنَّعْفُ: وَاحِدٌ. وَهُوَ نَعْفُ أَشْهَب يُكْنَع فِي وَادِي السَّدَارَةِ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، قُبَيْلَ الرَّوْحَاءِ بِثَلَاثَةِ أَكْيَالٍ تَقْرِيبًا، فِي دِيَارِ عَوْفِ من حَرْبٍ، وَكَذَلِكَ الرَّوْحَاءُ.
(1/204)

عُرَنَةُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مَضْمُومَةٌ، وَرَاءٌ مَفْتُوحَةٌ، وَنُونٌ وَتَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَغَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِ بِنَخْلَةَ أَوْ بِعُرَنَةَ.
قُلْت: عُرَنَةُ، الْوَادِي الَّذِي لَوْ وَقَعَ جِدَارُ مَسْجِدِ نَمِرَةَ الْقِبْلِيُّ وَقَعَ فِيهِ، وَيُقَالُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْجِدَارَ وَمَوْضِعَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي عَرَفَةَ، خَارِجٌ عَنْ حَدِّ عَرَفَةَ.
وَهَذَا هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النَّاسُ، وَلَكِنَّ وَادِيَ عُرَنَةَ هُوَ الْوَادِي الْفَحْلُ الَّذِي يَخْتَرِقُ أَرْضَ الْمُغَمَّسِ، فَيَمُرُّ بِطَرَفِ عَرَفَةَ مِنْ الْغَرْبِ عِنْدَ مَسْجِدِ نَمِرَةَ (مَسْجِدِ عَرَفَةَ) ثُمَّ يَجْتَمِعُ مَعَ وَادِي نُعْمَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْوَادِيَانِ اسْمَ عُرَنَةَ، فَيَمُرُّ جُنُوبَ مَكَّةَ عَلَى حُدُودِ الْحَرَمِ، ثُمَّ يُغَرِّبُ حَتَّى يُفِيضَ فِي الْبَحْرِ جَنُوبَ جَدَّةَ عَلَى قُرَابَةِ (30ْ) كَيْلًا، وَهُوَ مِنْ الْأَوْدِيَةِ الْفُحُولِ ذَاتِ السُّيُولِ الْجَارِفَةِ.
وَزِرَاعَتُهُ قَلِيلَةٌ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ عُيُونٍ كَعَيْنِ الْحُسَيْنِيَّةِ وَالْعَابِدِيَّةِ، قَدْ انْقَطَعَ الْيَوْمُ، فِيهِ زَرَائِعُ عَلَى الضَّخِّ الْآلِي.

عَرْوَى بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: ذُكِرَتْ فِي (عُزْوَى)
الْعُرَيْضُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ: نَاحِيَةٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فِي طَرَفِ حَرَّةِ وَاقِمٍ، شَمَلَهَا الْيَوْمَ الْعُمْرَانُ، مَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً. جَاءَ ذِكْرُهَا فِي غَارَةِ أَبِي سُفْيَانَ فِي غَزْوَةِ السَّوِيقِ.
(1/205)

وَكَانَ يُنْسَبُ إلَى الْعُرَيْضِ هَذَا قَوْمٌ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، يُقَالُ لَهُمْ الْعُرَيْضِيُّونَ.
اُنْظُرْهُ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ» وَظَهَرَ فِي الْمُخَطَّطِ الَّذِي نَشَرْنَاهُ عَنْ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ.

الْعُزَّى بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَزَايٍ مَقْصُورٌ، الصَّنَمُ الْمَشْهُورُ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ: فَكَانَتْ لِقُرَيْشِ وَبَنِيَّ كِنَانَةَ الْعُزَّى، بِنَخْلَةَ، وَكَانَ سَدَنَتُهَا وَحُجَّابُهَا بَنُو شَيْبَانَ، مِنْ سُلَيْمٍ، حُلَفَاءُ بَنِي هَاشِمٍ.
قُلْت: بَنُو شَيْبَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْسِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَانْظُرْ عَنْ سُلَيْمٍ «مُعْجَمَ قَبَائِلِ الْحِجَازِ».
وَمَوْقِعُ الْعُزَّى مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ فِي فَرَعَةِ سُقَامٍ أَحَدُ رَوَافِدِ حُرَاضٍ، وَحُرَاضٌ هَذَا مِنْ رَوَافِدِ نَخْلَةَ الشَّامِيَّةِ.
وَقَدْ أَوْفَيْت الْحَدِيثَ عَنْهَا فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ وَفِي الْمُعْجَمِ». وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ.

عُزْوَى بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ خَدِيجِ بْنِ الْعَوْجَاءِ النَّصْرِيُّ يَوْمَ حُنَيْنٍ:
وَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ حُنَيْنٍ وَمَائِهِ

رَأَيْنَا سَوَادًا مُنْكَرَ اللَّوْنِ أَخْصَفَا
(1/206)

بِمَلْمُومَةِ شَهْبَاءَ لَوْ قَذَفُوا بِهَا

شَمَارِيخَ مِنْ عُزْوَى إذَنْ عَادَ صَفْصَفَا
قُلْت: عُزْوَى، صَوَابُهُ «عَرْوَى» بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ بِنَجْدِ، وَعِنْدَهُ مَاءٌ يُسَمَّى بِاسْمِهِ، وَقَدْ أُحْدِثَتْ هُنَاكَ قَرْيَةً (سَنَةَ 1336 هـ) وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ عَمَرَتْهَا قَبِيلَةُ الْمِقَطَّةِ مِنْ بَرْقَا مِنْ عُتَيْبَةَ، وَهِيَ تَتْبَعُ إدَارِيًّا مَدِينَةَ الدَّوَادِمِيِّ وَتَبْعُدُ عَنْهَا قُرَابَةَ (70) كَيْلًا جَنُوبًا.
وَمِنْ أَمْثَالِ أَهْلِ نَجْدٍ: (مِنْ عَرْوَى لِرَوَّى) أَيْ مِنْ عَرْوَى إلَى أَرْوَى. وَهُوَ مَثَلٌ عَلَى سَعَةِ الِانْتِشَارِ، كَمَا يَقُولُ أَهْلُ الْحِجَازِ: (مِنْ غَيْقَةَ إلَى طَفِيلٍ) وَهُوَ أَيْضًا مَثَلٌ عَلَى سَعَةِ الِانْتِشَارِ.

عَسْجَدٌ بِاسْمِ الْعَسْجَدِ الَّذِي هُوَ الذَّهَبُ، وَيُرْوَى عَسْجَرٌ: بِالرَّاءِ. جَاءَ فِي قَوْلِ رَزَاحٍ أَخِي قُصَيٍّ لِأُمِّهِ فِي قَصِيدَتِهِ الَّتِي يَصِفُ فِيهَا خُرُوجَهُ بِقُضَاعَةَ لِنَجْدَةِ أَخِيهِ قُصَيٍّ، فَذَكَرَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ السِّرِّ وَأَشْمَذَيْنِ قُرْبَ خَيْبَرَ ثُمَّ مَرَّ بِعَسْجَدِ أَوْ عَسْجَرٍ هَذَا فَقَالَ:
فَلَمَّا مَرَرْنَ عَلَى عَسْجَدٍ

وَأَسْهَلْنَ مِنْ مُسْتَنَاخٍ سَبِيلَا
(1/207)

وَجَاوَزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ

وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ حَيًّا حُلُولَا
قُلْت: الشِّعْرُ يُحَدِّدُ عَسْجَدًا بِأَنَّهُ مِنْ نَوَاحِي الْمَدِينَةِ عَلَى الطَّرِيقِ شَمَالِهَا أَوْ جَنُوبِهَا، وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ.

عُسْفَانُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ السِّينِ، وَفَاءٍ وَأَلِفٍ، وَآخِرَهُ نُونٌ. جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، فَتَوَجَّهَ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ إلَى الْيَمَنِ، حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ، أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ. . . إلَخْ.
قُلْت: عُسْفَانُ بَلْدَةٌ عَلَى 80 كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ شَمَالًا عَلَى الْجَادَّةِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَهِيَ مَجْمَعُ ثَلَاثِ طُرُقٍ مُزَفَّتَةٍ: طَرِيقٌ إلَى الْمَدِينَةِ، وَقَبِيلُهُ إلَى مَكَّةَ، وَآخَرُ إلَى جَدَّةَ. وَقَدْ أَفَضْت عَنْهَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

الْعُشَيْرَةُ تَصْغِيرُ عَشَرَةٍ، وَهِيَ شَجَرَةٌ مَعْرُوفَةٌ: (ذُو. .) قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ - فِي غَزَاةِ ذِي الْعُشَيْرَةِ -: فَسَلَكَ عَلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ، ثُمَّ عَلَى فَيْفَاءِ الْخَبَارِ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ بِبَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، فَصَلَّى عِنْدَهَا، فَثَمَّ مَسْجِدُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتُقِيَ لَهُ مِنْ مَاءٍ بِهِ يُقَالُ لَهُ: الْمُشْتَرِبُ، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَتَرَكَ الْخَلَائِقَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ شُعْبَةً يُقَالُ لَهَا: شُعْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ صَبَّ لِلْيَسَارِ حَتَّى هَبَطَ يَلْيَلَ. - قَالَ الْمُؤَلِّفُ: مَلَلَ - فَنَزَلَ بِمُجْتَمَعِهِ وَمُجْتَمَعِ الضَّبُوعَةِ، وَاسْتَقَى مِنْ بِئْرٍ بِالضَّبُوعَةِ، ثُمَّ سَلَكَ فَرْشَ مَلَلَ، حَتَّى لَقِيَ الطَّرِيقَ
(1/208)

بِصُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمَّ اعْتَدَلَ بِهِ الطَّرِيقُ حَتَّى نَزَلَ الْعُشَيْرَةَ مِنْ بَطْنِ يَنْبُعَ.
الْمُؤَلِّفُ: وَقَوْلُهُ اعْتَدَلَ بِهِ الطَّرِيقُ، أَيّ أَخَذَ عَلَى السَّيَالَةِ ثُمَّ عَلَى الرَّوْحَاءِ، ثُمَّ عَلَى الْمُنْصَرَفِ ثُمَّ عَلَى مَبْرَكٍ، فَإِلَى يَنْبُعَ، لَابًّا الْأَشْعَرَ مِنْ الْجُنُوبِ.
وَالْمَوَاقِعُ الْوَارِدَةُ هُنَا: نَقْبُ بَنِي دِينَارٍ: مِنْ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةِ، بَيْنَ السَّيْحِ وَالْعَرْصَةِ، وَلَمْ يَعُدْ مَعْرُوفًا.

فَيْفَاءُ الْخَبَارِ الْأَرْضُ الْفَيَّاحُ الْوَاقِعَةُ بَيْنَ الْجَمَّاوَاتِ، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالدُّعَيْثَةِ. بَطْحَاءُ ابْنِ أَزْهَرَ: مِنْ فَيْفَاءِ الْخَبَارِ. وَلَا يَعْرِفُهَا أَحَدٌ الْيَوْمَ وَلَا الْمُشْتَرِبَ.
الْخَلَائِقُ: أَرْضٌ كَانَتْ تُزْرَعُ بَيْنَ فَيْفَاءِ الْخَبَارِ وَمَلَلَ، وَلَا يُعْرَفُ الِاسْمُ الْيَوْمَ، غَيْرَ أَنَّ مَوْضِعَهَا وَاضِحٌ، وَأَرْضُهُ مَا زَالَتْ صَالِحَةً لِلزَّرْعِ، إذَا خَرَجَتْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ تَؤُمُّ مَكَّةَ كَانَتْ عَلَى يَمِينِك عَنْ بُعْدٍ.
شُعْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ: هِيَ الْيَوْمُ إحْدَى مُخَيْلِصَاتٍ، مَعَهَا رِيعٌ يُنْصَبُ فِي مَفِيضِ وَادِي الضَّبُوعَةِ فِي مَلَلَ.
يَلْيَلُ: الْوَارِدُ هُنَا صَوَابُهُ مَلَلُ، لِأَنَّ يَلْيَلَ بَعِيدًا مِنْ هُنَا، وَلِأَنَّ الضَّبُوعَةَ تَصُبُّ فِي مَلَلَ لَا فِي يَلْيَلَ.
وَمَلَلَ: وَادٍ فَحْلٌ يَنْقَضُّ مِنْ جِبَالِ قُدْسٍ، فَيَمُرُّ عَلَى نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ كَيْلًا جَنُوبَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْضَمُّ إلَيْهِ وَادِيَانِ، هُمَا: الْفُرَيْشُ، وَتُرْبَانُ، فَإِذَا اُجْتُمِعَتْ سُمِّيَ الْمَكَانُ فَرْشَ مَلَلَ، ثُمَّ يَسِيرُ مَلَلُ حَتَّى يَصُبَّ فِي إضَمٍ «وَادِي الْحَمْضِ الْيَوْمَ» غَرْبَ الْمَدِينَةِ.
الضَّبُوعَةُ: تَلْعَةٌ كَبِيرَةٌ تَصُبُّ فِي مَلَلَ بَعْدَ الْفَرْشِ مِنْ الْيَمَنِ.
وَذُو الْعُشَيْرَةِ الْوَارِدُ هُنَا: كَانَ قَرْيَةً عَامِرَةً بِأَسْفَلَ يَنْبُعَ - يَنْبُعُ النَّخْلِ - ثُمَّ صَارَتْ مَحَطَّةً لِلْحَاجِّ الْمِصْرِيِّ هُنَاكَ. وَهِيَ أَوَّلُ قُرَى يَنْبُعْ النَّخْلِ مِمَّا يَلِي السَّاحِلَ، وَبِهَا مَسْجِدٌ يَقُولُ بَعْضُ أَهْلِ يَنْبُعَ: أَنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(1/209)

الْعُصْبَةُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا وَمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَاءٍ مَرْبُوطَةٍ: مَكَانٌ كَانَ مِنْ مَنَازِلِ بَنِي جَحْجَبَا، بِالْمَدِينَةِ. قُلْت: كَانَتْ الْعُصْبَةُ أَرْضًا زِرَاعِيَّةً مَعْرُوفَةً إلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ، وَهِيَ مِنْ جِهَاتِ قُبَاءَ مِمَّا يَلِي قُرْبَانَ، أَوْ كَذَا قِيلَ لِي.

عِصْرٌ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الصَّادِ، وَآخِرَهُ رَاءٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ - أَيّ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ - إلَى خَيْبَرَ سَلَكَ عَلَى عِصْرٍ، فَبَنَى لَهُ فِيهَا مَسْجِدًا، ثُمَّ عَلَى الصَّهْبَاءِ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِجَيْشِهِ حَتَّى نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّجِيعُ.
قُلْت: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
1 - عِصْرٌ: نَعْرِفُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ، قَبْلَ الصَّهْبَاءِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ، عَلَى أَنَّهُ مِنْ
(1/210)

الْمُحْتَمَلِ - جِدًّا - أَنْ يَكُونَ فِي وَادِي اللِّحْنِ أَوْ أَلَتْمَة، وَهُمَا وَادٍ وَاحِدٌ، أَعْلَاهُ اللِّحْنُ وَأَسْفَله أَلَتْمَة، يَأْخُذُهُ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ مَسَافَةً طَوِيلَةٌ.
وَأَغْرَبَ يَاقُوتُ حِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْفُرُعِ! فَالْفُرُعُ جَنُوبَ الْمَدِينَةِ، وَخَيْبَر شَمَالَهَا، وَشَتَّانَ بَيْنَ جَنُوبٍ وَشَمَالٍ.
2 - الصَّهْبَاءُ: جَبَلٌ أَحْمَرُ يُشْرِفُ عَلَى خَيْبَرَ مِنْ الْجَنُوبِ، يُسَمَّى الْيَوْمَ جَبَلَ عَطْوَةَ، أَمَّا الرَّجِيعُ، هُنَا: فَأَرَاهُ مُقْحَمًا أَوْ مُحَرَّفًا.

الْعَصَوَانِ مُثَنَّى عَصَا.
اُنْظُرْ: الْغَضَوَيْنِ، بالمعجمتين، حَيْثُ وَرَدَ النَّصُّ بِهِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ.

عَفْرَاءُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ: جَاءَ فِي ذِكْرِ مَقْتَلِ فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيِّ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَتْ الرُّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ، يُقَالُ لَهُ عَفْرَاءُ بِفِلَسْطِينَ، قَالَ:
أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنَّ حَلِيلَهَا

عَلَى مَاءِ عَفْرَا فَوْقَ إحْدَى الرَّوَاحِلِ
عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يَضْرِبْ الْفَحْلُ أُمَّهَا

مُشَذَّبَةٌ أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ
قُلْت: مَا سَمِعْت بِعَفْرَاءَ عِنْدَ تَنَقُّلِي فِي قُرَى فِلَسْطِينَ بَيْنَ
(1/211)

عَامَيْ 1376 و1377 هـ وَقَدْ زُرْت مُعْظَمَ الْقُرَى هُنَاكَ عَدَا مَا كَانَ مِنْهَا مُحْتَلًّا. وَيَقُولُ يَاقُوتُ: حِصْنٌ قُرْبَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ. يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ.

الْعَقَنْقَلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ وَقَافٍ أُخْرَى مَفْتُوحَةٍ أَيْضًا وَآخِرَهُ لَامٌ:
جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَفُسِّرَ هُنَاكَ بِأَنَّهُ >>>>>> الأماكن"> كَثِيبٌ يُرَى مِنْ مَاءِ بَدْرٍ، وَسَأَلْت شَيْخًا بِبَدْرِ: أَيْنَ الْكَثِيبُ؟ قَالَ: ذَاكَ. وَأَشَارَ إلَى أَكَمَةٍ كَالْحَثْمَةِ جَنُوبًا مِنْ بَدْرٍ، رَأْيَ الْعَيْنِ.
وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ يَرْثِي قَتْلَى قُرَيْشٍ:

مَاذَا بِبَدْرِ فَالْعَقَنْقَلِ

مِنْ مَرَازِبَةٍ جَحَاجِحِ.
وَمَا يَعْرِفُ الْيَوْمَ >>>>>> الأماكن"> أَحَدٌ اسْمَ الْعَقَنْقَلِ إلَّا اسْتِنْتَاجًا.
وَمَكَانُهُ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، وَالْعُدْوَةُ: جَانِبُ الْوَادِي الْأَيْسَرِ. وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:

وَلَقَدْ إخَالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشِّرَتْ

لِتُمِيتَ دَاخِلَ غُصَّةٍ لَا تَبْرُدُ
مِمَّا صَبَّحَنَا بِالْعَقَنْقَلِ قَوْمُهَا

يَوْمًا تَغَيَّبَ فِيهِ عَنْهَا الْأَسْعَدُ.

(عَقِيقُ الْمَدِينَةِ) عَقِيقُ الْمَدِينَةِ: جَاءَ فِي ذِكْرِ مَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَدْرٍ، وَتَرَدَّدَ كَثِيرًا بَعْدَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ طَرِيقَهُ مِن الْمَدِينَةِ، عَلَى نَقْبِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَلَى الْعَقِيقِ، ثُمَّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ عَلَى أُولَاتِ الْجَيْشِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَاتِ الْجَيْشِ.
(1/212)

قُلْت: الْعَقِيقُ مِنْ أَشْهَرِ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، يَأْتِيهَا مِنْ الشَّمَالِ، وَيَأْخُذُ أَعْلَى مَسَاقِطِ مِيَاهِهِ مِنْ جِبَالِ قُدْسٍ وَمِنْ حَرَّةِ الْحِجَازِ عَلَى قُرَابَةِ (140) كَيْلًا شَمَالَ الْمَدِينَةِ، فَيُسَمَّى أَعْلَاهُ النَّقِيعَ وَبَيْنَ جَبَلِ عِيرٍ وَحَمْرَاءِ الْأَسَدِ يُسَمَّى الْحَسَا، فَإِذَا تَجَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ سُمِّيَ الْعَقِيقَ، فَيُدْفَعُ بِأَسْفَلِ الْمَدِينَةِ مُجْتَمِعًا مَعَ أَوْدِيَتِهَا الْأُخْرَى مِثْلِ بَطِحَانَ وَقَنَاةَ وَغَيْرِهِمَا. وَلِلْعَقِيقِ ذِكْرٌ كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ، وَفِي كُتُبِ الْبُلْدَانِيَّاتِ، وَهُنَاكَ أَعِقَّةٌ كَثِيرَةٌ ذُكِرَتْ فِي الْمُعْجَمِ.

عَقِيقُ الطَّائِفِ عَقِيقُ الطَّائِفِ: جَاءَ فِي النَّصِّ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّائِفِ يَعْنِي مَالَ بَنِي الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ - نَازِلًا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَقِيقُ.
قُلْت: إذَا كَانَ يَقْصِدُ نُزُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْنَاءَ حِصَارِهِ الطَّائِفَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْعَقِيقِ، إنَّمَا كَانَ بَيْنَ الطَّائِفِ وَوَجٍّ، وَالطَّائِفُ آنَذَاكَ كَانَ إلَى الْجَنُوبِ مِمَّا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبَابِ الرِّيعِ إلَى جَنُوبِ غَرْبِيِّ مَسْجِدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ نَصَّتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَازِلًا فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْيَوْمَ. أَمَّا الْعَقِيقُ فَوَادٍ إلَى الشَّمَالِ مِنْ الطَّائِفِ، وَيُعْرَفُ بِعَقِيقِ الطَّائِفِ، وَظَلَّ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ خَارِجًا عَنْ مَدِينَةِ الطَّائِفِ، وَلَكِنَّهُ الْيَوْمَ دَخَلَ فِيهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْزِلَ الْعَقِيقَ مَنْ يُرِيدُ حِصَارَ الطَّائِفِ، كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ مِنْ الشَّمَالِ ثُمَّ طَوَّقَ الطَّائِفَ مِنْ الْجَنُوبِ، وَالْعَقِيقُ فِي الشَّمَالِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ
(1/213)

بِالْعَقِيقِ لَمَا تَجَشَّمَ هَذَا التَّطْوِيقَ الَّذِي اسْتَلْزَمَ مُدَّةَ يَوْمَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ.
وَلَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عِنْدَمَا انْسَحَبَ عَنْ الطَّائِفِ نَزَلَ الْعَقِيقَ، وَكَانَ مَالَ بَنِي الْأَسْوَدِ لَعَلَّهُ بِوَادِي لُقَيْمٍ أَوْ قُرْبَهُ، فَخَافَتْ ثَقِيفٌ أَنْ يَقْطَعَ نَخْلَهُ. وَبِهَذَا تَسْتَقِيمُ الرِّوَايَةُ، إذْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَمَا انْسَحَبَ كَانَ طَرِيقُهُ عَلَى دِحَنَّا إلَى الْجِعِرَّانَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ سَلَكَ مِنْ الطَّائِفِ عَلَى أَسْفَلِ الْعَقِيقِ ثُمَّ عَلَى لُقَيْمٍ ثُمَّ عَلَى دِحَنَّا ثُمَّ عَلَى الثَّنَايَا الَّتِي ذَكَرْنَا فِيمَا سَبَقَ، ثُمَّ عَلَى حُنَيْنٍ ثُمَّ عَلَى الْجِعِرَّانَةِ.

عَقِيقُ عُشَيْرَةٍ عَقِيقُ عُشَيْرَةٍ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:
خُفَافِيَّةٌ بَطْنُ الْعَقِيقِ مَصِيفُهَا

وَتَحْتَلُّ فِي الْبَادِينَ وَجْرَةً وَالْعُرْفَا
فِي هَذَا النَّصِّ: 1 - الْعَقِيقُ هُنَا لَيْسَ عَقِيقَ الْمَدِينَةِ، إنَّمَا هُوَ مَا يُسَمَّى بِعَقِيقِ عُشَيْرَةٍ، وَهُوَ وَادٍ >>>>>> الأماكن"> فَحْلٌ الطَّائِفِ وَادِي قُرَّانَ السَّيْلَ الصَّغِيرَ نَخْلَةَ الشَّامِيَّةِ عُشَيْرَةٍ الْمُحَدَّثِ الْمُسْلِحِ وَالنَّجِيلِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ كَانَ مِنْ دِيَارِ بَنِي سُلَيْمٍ، أَمَّا الْيَوْمَ فَمِنْ
(1/214)

دِيَارِ > الأماكن"> عُتَيْبَةَ، وَهُوَ كَثِيرُ الْآبَارِ وَبِهِ زِرَاعَاتٌ.
2 - وَجْرَةُ: صَحْرَاءُ عَلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِوَادِي الْعَقِيقِ آنِفِ الذِّكْرِ، بِهَا مَحَطَّةٌ لِلْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ عَلَى قُرَابَةِ (190) كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ شَمَالًا شَرْقِيًّا، وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً إلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ حَيْثُ ذَكَرَهَا الشَّرِيفُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي شِعْرِهِ.
3 - الْعُرْفُ: عُرْفٌ أَسْوَدُ مُنْقَادٌ، شَرْقَ بَلْدَةِ عُشَيْرَةٍ، مِنْ نَوَاحِي عَقِيقِنَاهَ

عُكَاظٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرَهُ ظَاءٌ مُعْجَمَةٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ الْبَرَّاضِ وَقَتْلِهِ عُرْوَةَ الرَّحَّالِ، فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
إنَّ الْبَرَّاضَ قَدْ قَتَلَ عُرْوَةَ، وَهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِعُكَاظِ، وَبَقِيَّةُ الْقِصَّةِ هُنَاكَ.
قُلْت: عُكَاظٌ مِنْ أَشْهَرِ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ، كَانَ يُوجَدُ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنْ بَلْدَةِ الْحَوِيَّةِ الْيَوْمَ، وَقَدْ خَاضَ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي ذِكْرِهِ وَتَحْدِيدِهِ، وَأُلِّفَتْ كُتَيِّبَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي مَوْضُوعِهِ، وَيُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِأَنَّهُ يَقَعُ شَمَالَ شَرْقِيِّ الطَّائِفِ عَلَى قُرَابَةِ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ كَيْلًا فِي أَسْفَلِ وَادِي شَرِبٍ.
وَأَسْفَلَ وَادِي الْعَرَجِ عِنْدَمَا يَلْتَقِيَانِ هُنَاكَ، فَالْأَمَاكِنُ الْمَذْكُورَةُ فِي حَوَادِثِ عُكَاظٍ، كَالْعَبْلَاءِ وَشَرِبٍ وَالْحُرَيْرَةِ وَغَيْرِهَا كُلِّهَا مَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً فِي ذَلِكَ الْحَيِّزِ. غَيْرَ أَنَّ تَحْدِيدَهُ فِي نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَصْبَحَ مِنْ الْمُهِمَّاتِ الصَّعْبَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَمَاكِنَ الَّتِي ذَكَرْنَا تَجْعَلُهُ فِي مَوْضِعِ دَائِرَةٍ يُحَدِّدُهَا الْبَصَرُ.
(1/215)

عَلَقٌ (ذُو. .) بِالتَّحْرِيكِ وَالْعَيْنُ مُهْمَلَةٌ:
جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ يُعَرِّضُ بِمَنْ خَذَلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ:
أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمِّنَا

إذَا سُئِلَا قَالَا إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ
بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا

كَمَا جَرْجَمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقِ الصَّخْرِ
قُلْت: عَلَقٌ أَحَدُ فُرُوعِ وَادِي نَعْمَانَ، إذَا صَعِدْت جَبَلَ كُرَّا تَؤُمَّ الطَّائِفَ كَانَ عَلَقٌ عَلَى يَمِينِك. وَتُسَمَّى الْجِبَالُ الَّتِي تَسِيلُ فِيهِ جِبَالَ عَلَقٍ، وَهُوَ مِنْ دِيَارِ هُذَيْلٍ قَدِيمًا وَمَا زَالَ كَذَلِكَ.
يَبْعُدُ ذُو عَلَقٍ - أَوْ عَلَقٌ كَمَا يُسَمَّى الْيَوْمَ - شَرْقَ مَكَّةَ 45 كَيْلًا، عَلَى طَرِيقِ الطَّائِفِ الْمَارِّ فِي وَادِي نَعْمَانَ.

عُمَانُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ، وَآخِرَهُ نُونٌ: جَاءَتْ فِي النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي السَّرَاةِ. وَهُوَ اسْمٌ لِلْمِنْطَقَةِ الَّتِي تَكُونُ الزَّاوِيَةَ الْجَنُوبِيَّةَ الشَّرْقِيَّةَ لِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَهِيَ كَالْيَمَن ِ تَمَامًا مَعَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ عَكْسِيًّا. وَهِيَ الْيَوْمَ سَلْطَنَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَاصِمَتُهَا (مَسْقَطٌ)، وَبِهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُدُنِ الْأُخْرَى مِثْلَ: نَزْوَى، وَصُور، وَمَطْرَح، وَصُحَارَ، وَسُلَالَةَ، وَكُلُّهَا سَاحِلِيَّةٌ عَدَا نَزْوَى فَهِيَ قَاعِدَةُ الْجَبَلِ الْأَخْضَرِ، وَيُقَسِّمُونَ عُمَانَ إلَى: عُمَانَ الدَّاخِلِ، وَعُمَانَ الْخَارِجِ أَوْ السَّاحِلِ، وَظُفَارَ، وَقَاعِدَتُهَا سُلَالَةُ.
(1/216)

وَلِعُمَانَ مَوْقِعٌ اسْتْرَاتِيجِيٌّ فَرِيدٌ، وَقَدْ أَخَذَتْ تَتَقَدَّم حَثِيثًا، وَأَهْلُهَا صَادِقُو الْإِسْلَامِ شَدِيدُو التَّمَسُّكِ بِهِ. تَقَعُ عُمَانُ بَيْنَ خَطَّيْ الطُّولِ: 53 و60 تَقْرِيبًا، وَخَطَّيْ الْعَرْضِ: 17 و27 تَقْرِيبًا أَيْضًا.

عَمُّورِيَّةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَعَ الضَّمِّ: جَاءَتْ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ كَمَا ذَكَرْنَاهَا فِي الْمَوْصِلِ.
وَكَانَتْ عَمُّورِيَّةُ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلرُّومِ فِي هَضْبَةِ الْأَنَاضُولِ وَسَطَ تُرْكِيَّةَ، فَتَحَهَا الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَصِمُ سَنَةَ 223 وَفَتَحَ أَنَقْرَةَ، وَكَانَ فَتْحُهَا مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ امْرَأَةً عَلَوِيَّةً أَسَرَهَا الرُّومُ فَأَذَلُّوهَا فَنَادَتْ: «وَامُعْتَصِمَاه».
فَجَاءَ مَنْ أَخْبَرَ الْمُعْتَصِمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِالْجَيْشِ فَجُهِّزَ فَكَانَ النَّصْرُ. وَكَانَ الْمُنَجِّمُونَ يَقُولُونَ: إنَّ عَمُّورِيَّةَ لَمْ يُحِنْ وَقْتَ فَتْحِهَا، فَلَمَّا فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ قَالَ أَبُو تَمَامٍ:

السَّيْفُ أَصْدَقُ إنْبَاءً مِنْ الْكُتُبِ

فِي حَدِّهِ الْحَدُّ بَيْنَ الْجِدِّ وَاللَّعِبِ
وَلَمْ يَبْقَ الْيَوْمَ مِنْ عَمُّورِيَّةَ سِوَى آثَارٍ، وَذَكَرَ خَالِدٌ فِي التَّارِيخِ.

عُمْيَانِسَ جَاءَ فِي النَّصِّ: وَكَانَ لِخَوْلَانَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ: عُمْيَانِسُ
(1/217)

بِأَرْضِ خَوْلَانَ، يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ قَسَمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِزَعَمِهِمْ، فَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ عُمْيَانِسَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ، وَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَقِّ عُمْيَانِسَ رَدُّوهُ عَلَيْهِ!
قُلْت: خَوْلَانُ خَوْلَانَانِ: خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ مِنْ قُضَاعَةَ، وَهَذِهِ دِيَارُهَا - فِيمَا زَعَمَ الْهَمْدَانِيُّ - حَوْلَ صَعْدَةَ وَخَوْلَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ، مِن كَهْلَانَ، وَهَذِهِ دِيَارُهَا فِيمَا زَعَمَ الْهَمْدَانِيُّ - أَيْضًا - حَوْلَ مَأْرِبٍ، وَيُقَالُ لَهُمْ خَوْلَانُ الطَّيَّالُ. وَأَرَى الصَّوَابَ عَكْسَ قَوْلِ الْهَمْدَانِيِّ، لِأَنَّ قُضَاعَةَ ثَابِتٌ مِنْ نُصُوصِ التَّأْرِيخِ جَلَاءُ بُطُونٍ مِنْهَا إلَى الْيَمَنِ وَسُكْنَاهَا حَوْلَ مَأْرِبٍ، وَمِنْهَا بَلِيٌّ وَخَوْلَانُ، ثُمَّ إنَّ أَرْضَ شَمَالِ صَنْعَاءَ - صَعْدَةَ وَمَا حَوْلَهَا - كَهْلَانِيَّةٌ، وَمِنْ الْعَسِيرِ عَلَى خَوْلَانَ التَّوَطُّنُ بَيْنَ قَبَائِلِ كَهْلَانَ. إذًا فَخَوْلَانُ صَعْدَةُ كَهْلَانِيَّةٌ، وَبِهَذَا نَسَبْت حَرْبَ بْنَ سَعْدٍ فِي كِتَابِي «نَسَبُ حَرْبٍ» وَخَوْلَانُ مَأْرِبٍ قُضَاعَيَّةٌ لِثُبُوتِ هِجْرَتِهَا إلَى هُنَاكَ.
بَقِيَ مَوْقِعُ (عُمْيَانِسَ) أَيْنَ هُوَ؟ لَا نَعْرِفُهُ وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْيَمَنِ الْيَوْمَ.

الْعِيصُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَصَادٍ مُهْمَلَةٍ، جَاءَ فِي النَّصِّ: وَبُعِثَ مِنْ مَقَامِهِ ذَلِكَ، حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ.
(1/218)

قُلْت: الْعِيصُ، وَادٍ لِجُهَيْنَةَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْبَحْرِ، يَصُبُّ فِي إضَمٍ مِنْ الْيَسَارِ مِنْ أَطْرَافِ جَبَلِ الْأَجْرَدِ الْغَرْبِيَّةِ وَمِنْ الْجِبَالِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، وَمِنْ حِرَارٍ تَقَعُ بَيْنَ إضَمٍ وَيَنْبُعَ، وَفِيهِ عُيُونٌ وَقُرًى كَثِيرَةٌ، وَبِهِ مَرْكَزُ إمَارَةٍ وَمَدَارِسُ وَشُرْطَةٌ وَمَحْكَمَةٌ شَرْعِيَّةٌ.

عَيْنَانِ «جَبَلُ عَيْنَيْنِ» كَتَثْنِيَةِ عَيْنٍ: جَاءَ فِي ذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: فَأَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا بِعَيْنَيْنِ، جَبَلُ بَطْنِ السَّبْخَةِ مِنْ قَنَاةَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي، مُقَابِلَ الْمَدِينَةِ.
قُلْت: جَبَلُ عَيْنَيْنِ، ذَكَرَهُ كَثِيرٌ فِي تَأْرِيخِ الدَّعْوَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: جَبَلُ الرُّمَاةِ، لِأَنَّ احْتِيَاطًا مِنْ الرِّجَالِ وَضَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى رَأْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ لِيَكُونُوا دَرْءًا لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَأْتُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ.
وَهُوَ أَكَمَةٌ مَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً فِي شَمَالِيِّ الْمَدِينَةِ عَلَى حَافَّةِ وَادِي قَنَاةَ الْجَنُوبِيَّةِ، يَحُكُّ سَيْلَ الْوَادِي فِيهَا، وَلَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَشْهَدِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إلَّا مِجَرُّ السَّيْلِ، وَهُمَا يَتَكَالَمَانِ، وَعَلَى جَبَلِ عَيْنَيْنِ بَقَايَا بُيُوتٍ خَرِبَةٍ. وَالسَّبْخَةُ: تَبْدَأُ مِنْ جَبَلِ عَيْنَيْنِ وَجُرُفِ قَنَاةَ بِاتِّجَاهِ سَلْعٍ، وَقَدْ عَمُرَتْ الْيَوْمَ فَصَارَتْ حَيًّا جَمِيلًا يُسَمَّى (حَيَّ الشُّهَدَاءِ)، نِسْبَةً إلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ.
(1/219)

الْغَائِرُ مِنْ الْغَوْرِ، وَهُوَ الْعُمْقُ فِي الْأَرْضِ وَنَحْوُهُ: رِيعٌ يَقَعُ شَمَالَ رَكُوبَةَ، وَقَدْ مُهِّدَ الْيَوْمَ وَعَبَرَتْهُ السَّيَّارَاتُ.
الْغَابَةُ كَغَابَةِ الْأَشْجَارِ وَنَحْوِهَا:
جَاءَتْ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «ذِي قَرَدٍ». وَهِيَ أَرْضٌ مِنْ مُقَصَّر جَبَلِ أُحُدٍ إذَا أَكْنَعَ فِي قَنَاةَ إلَى الشَّمَالِ، تَشْمَلُ مَدْفَعَ وَادِي النَّقَمَى فِي الْخُلَيْلِ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْخُلَيْلِ كُلِّهِ مِنْ الْغَابَةِ، وَالْخُلَيْلُ: هُوَ وَادِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ: قَنَاةَ وَبَطِحَانَ، وَالْعَقِيقِ.

غُرَابٌ بِلَفْظِ اسْمِ الطَّائِرِ الْمَعْرُوفِ: جَاءَ فِي ذِكْرِ غَزَاةِ بَنِي لِحْيَانَ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى غُرَابٍ، جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ، ثُمَّ عَلَى مَحِيصٍ، ثُمَّ الْبَتْرَاءِ، ثُمَّ صَفَقَ ذَاتَ الْيَسَارِ فَخَرَجَ عَلَى بِينٍ، ثُمَّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمَّ اسْتَقَامَ بِهِ الطَّرِيقُ عَلَى الْمَحَجَّةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ.
الْمَعَالِمُ الْوَارِدَةُ فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - غُرَابٌ: جَبَلٌ أَسْوَدُ غَرْبَ الْمَدِينَةِ يَمُرُّ بِهِ طَرِيقُ الشَّامِ الرَّئِيسِيُّ وَمَرَّتْ بِهِ سِكَّةُ الْحَدِيدِ، يُسَمَّى الْيَوْمَ «حَبَشِيٌّ» لِأَنَّ لَوْنَهُ أَسْوَدُ بِصَفَارٍ كَلَوْنِ الْحَبَشِ، وَبِجَانِبِهِ مِنْ الشَّمَالِ أَشْعُبٌ تُسَمَّى «غُرَّبُ» يَبْعُدُ حَبَشِيٌّ سَبْعَةَ أَكْيَالٍ عَنْ الْمَدِينَةِ.
2 - مَحِيصٌ: كَثُرَتْ تَصْحِيفَاتُهُ، فَقِيلَ مَحِيصٌ وَمَحِيضٌ، وَغَيْرُ ذَلِكَ: وَالصَّوَابُ «مَخِيطٌ» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرَهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَادٍ صَغِيرٌ يَمُرُّ بِالسَّفْحِ الْغَرْبِيِّ
(1/223)

لِجَبَلِ حَبَشِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ، يَطَؤُهُ دَرْبُ الشَّامِ عَلَى (15ْ) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فِيهِ مَحَطَّةٌ لِسِكَّةِ حَدِيدِ الْحِجَازِ.
3 - الْبَتْرَاءُ: حُرَيْرَةٌ بِطَرَفِ مَخِيطٍ مِنْ الْغَرْبِ، وَتَقْتَضِي الْمُشَاهَدَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفْق إلَى الْيَسَارِ بِسَفْحِ هَذِهِ الْحُرَيْرَةِ مِنْ الشَّرْقِ، فَقَبْلَ وَادِي مَخِيطٍ، حَيْثُ هُنَاكَ طَرِيقٌ مَا زَالَتْ مَطْرُوقَةً تُوَصِّلُ إلَى الْجَادَّةِ الْعُظْمَى.
4 - بِينٌ: صَوَابُهُ (يَيْنُ) وَيَيْنُ: هِيَ مَرَ يَيْن: أَرْضٌ عَلَى الضِّفَّةِ الْيُسْرَى لِوَادِي مَلَلٍ عَلَى (45) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ جَنُوبًا، يَمِينَ طَرِيقِ السَّيَّارَاتِ الْيَوْمَ، وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهَا مُطَوَّلًا فِي كِتَابِي (عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ) بِمَا لَا يَتَيَسَّرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
5 - صُخَيْرَاتُ الْيَمَامَةِ: كَانَتْ مَحَطَّةً عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ مِنْ الْمَدِينَةِ، عَلَى قُرَابَةِ (50) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَقَبْلَ السَّيَّالَةِ بِثَلَاثَةِ أَكْيَالٍ فَقَطْ، وَهِيَ الْيَوْمَ صُخُورٌ سُودٌ مَنَاصِيبُ فِي قَفْرٍ لَا سَاكِنَ لَهُ. وَتَحَدَّثْت عَنْهَا مُطَوَّلًا فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ آنِفًا.

غُرَانُ عَلَى وَزْنِ غُرَابٍ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ غَزَاةِ بَنِي لِحْيَانَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: بَعْدَ النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي «غُرَابٍ»: فَأَغَذَّ السَّيْرَ سَرِيعًا حَتَّى نَزَلَ عَلَى غُرَانَ، وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي لِحْيَانَ، وَغُرَانُ، وَادٍ بَيْنَ أَمَجَ وَعُسْفَانَ، إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ سَايَةُ.
قُلْت: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
1 - غُرَانُ: وَادٍ فَحْل، وَهُوَ كَمَا حُدِّدَ فِي هَذَا النَّصِّ بَيْنَ أَمَجَ
(1/224)

وَعُسْفَانَ، وَأَمَجُ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِخَلِيصِ، وَقَدْ ذُكِرَ عُسْفَانُ.
وَالطَّرِيقُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ يَهْبِطُ إلَى غُرَانَ عَلَى (87) كَيْلًا، بَعْدَ ثَنِيَّةِ غَزَالٍ مُبَاشَرَةً، وَهُوَ الْيَوْمَ لِقَبِيلَةِ حَرْبٍ.
2 - سَايَةُ: وَادٍ كَثِيرُ الْقُرَى وَالزُّرُوعِ، يُسَمَّى أَسْفَلَهُ الْمَرْوَانِيَّ، ثُمَّ خُلَيْصٌ «أَمَجُ قَدِيمًا» أَيْ أَنَّ سَايَةَ وَخُلَيْصًا وَادِيهِمَا وَاحِدٌ، أَعْلَاهُ سَايَةُ وَأَسْفَلَهُ خُلَيْصٌ، تَبْعُدُ قَاعِدَةُ سَايَةَ (120) كَيْلًا شَمَالَ مَكَّةَ، شَرْقَ خُلَيْصٍ، وَاسْمُهَا «الْكَامِلُ»، وَأَهْلُهَا بَنُو سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ.

غَزَّاتُ «غَزَّةُ» ذُكِرَتْ فِي «سَلْمَانَ».
غَزَالٌ بِلَفْظِ الْغَزَالِ مِنْ الظِّبَاءِ:
جَاءَتْ فِي قَوْلِ جَعْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ يَوْمَ الْفَتْحِ:

وَنَحْنُ الْأُولَى سَدَّتْ غَزَالَ خُيُولُنَا

وَلِفْتًا سَدَدْنَاهُ وَفَجٍّ طِلَاحِ
قُلْت: غَزَالٌ: الثَّنِيَّةُ الَّتِي تَهْبِطُ عَلَى عُسْفَانَ مِنْ الشَّمَالِ، لَيْسَ لَهُ طَرِيقٌ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ إلَّا مِنْ غَزَالٍ هَذِهِ، وَوَجْهُهَا الْآخَرُ وَادِي غُرَانَ.
وَلِفْتٌ: وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِثَنِيَّةِ (الْفَيْتِ): تُقَابِلُ ثَنِيَّةَ غَزَالٍ مِنْ الشَّمَالِ مِقْطَاعُ وَادِي خُلَيْصٍ شَمَالًا بَيْنَهُمَا أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثِينَ كَيْلًا. كَانَتْ تَصِلُ بَيْنَ خُلَيْصٍ وَقُدَيْدٍ فَهُجِرَتْ، وَلَا يَمُرُّ الْيَوْمَ بِهَا طَرِيقٌ، فَقَدْ سَدَّتْهَا الرِّمَالُ، وَخَبَرُهَا فِي الْمُعْجَمِ.
(1/225)

أَمَّا طِلَاحٌ: فَوَادٍ صَغِيرٌ شَمَالَ شَرْقِيِّ غَزَالٍ وَجُنُوبَ شَرْقِيِّ لِفْتٍ كَرَأْسِ الْمُثَلَّثِ بَيْنَهُمَا، يَسِيلُ فِي أَبِي حُلَيْفَاءَ الَّذِي يَسِيلُ فِي خُلَيْصٍ.

غَسَّانُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ:
جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ:

وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تَلَقَّبُوا

بِغَسَّانِ حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرِدِ
وَفَسَّرَ ابْنُ إسْحَاقَ غَسَّانَ فَقَالَ: مَاءٌ بِسَدِّ مَأْرِبٍ بِالْيَمَنِ، كَانَ شِرْبًا لِوَلَدِ مَازِنَ بْنِ أَسَدِ بْنِ الْغَوْثِ فَسُمُّوا بِهِ، وَيُقَالُ: غَسَّانُ: مَاءٌ بِالْمُشَلَّلِ.
وَقَوْلُهُ تَسَمَّوْا بِهِ: يَقْصِدُ أَزْدَ غَسَّانَ، ذَلِكَ أَنَّ الْأَزْدَ، وَيُقَالُ: الْأَسَدُ تَفَرَّقَتْ بَعْدَ انْهِيَارِ سَدِّ مَأْرِبٍ، فَكَانَ مِنْهَا: أَزْدُ غَسَّانَ، سَكَنُوا الشَّامَ، وَأَزْدُ شَنُوءَةَ سَكَنُوا السَّرَاةَ وَهُمْ أَزْدُ السَّرَاةِ وَأَزْدُ عُمَانَ سَكَنُوا عُمَانَ. وَهَذَا الْبَيْتُ يَنْسِبُ عَكًّا فِي عَدْنَانَ، وَفِي نَسَبِ عَكٍّ خِلَافٌ، وَلَكِنَّ الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ أَنَّ عَكًّا لَمْ تُنْتَسَبْ إلَى غَسَّانَ، وَقَدْ يَكُونُ عَبَّاسٌ وَاهِمًا، وَاَلَّذِي أُرَاهُ أَنَّ غَسَّانَ لَيْسَ بِالْيَمَنِ، وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ شَمَلَتْ التَّسْمِيَةُ قَبَائِلَ غَيْرَ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ فِي طَرِيقِ هِجْرَتِهِمْ بَعْدَ أَنْ فَارَقُوا قَوْمَهُمْ فَتَفَرَّدُوا بِالتَّسْمِيَةِ بِهِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَزْدِ. وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ.

الْغَضَوَيْنِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا، عَلَى صِيغَةِ الْمُثَنَّى:
جَاءَتْ فِي النَّصِّ: ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِحَ مَحَاجٍ، ثُمَّ تَبَطَّنَ
(1/226)

بِهِمَا مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضَوَيْنِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ - ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا ذَا كَشْرٍ، إلَخْ.
قُلْت: لَيْسَتْ الْغَضَوَيْنِ وَلَا الْعُضْوَيْنِ، إنَّمَا هُمَا الْعَصَوَانِ: بِإِهْمَالِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ، مُثَنَّى عَصَا، يُقَالُ لَهُمَا: الْعَصَا الْيُمْنَى وَالْعَصَا الْيُسْرَى، وَيَجْمَعُونَهُمَا «الْعِصِيَّ»: تَلْعَتَانِ تَجْتَمِعَانِ ثُمَّ تَصُبَّانِ فِي وَادِي مَجَاحٍ أَحَدُ رَوَافِدِ وَادِي الْفُرُعِ.

غُمْدَانُ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، ثُمَّ دَالٌ وَنُونٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: بَيْنُونُ وَسِلْحِينُ وَغُمْدَانُ: مِنْ حُصُونِ الْيَمَنِ الَّتِي هَدَمَهَا أَرْيَاط (الْحَبَشِيُّ) وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ مِثْلَهَا.
قُلْت: غُمْدَانُ بِنَاءٌ عَجِيبٌ قُرْبَ صَنْعَاءَ لَا زَالَتْ آثَارُهُ مَاثِلَةً لِلْعِيَانِ، قِيلَ إنَّهُ كَانَ يَتَكَوَّنُ مِنْ عِشْرِينَ سَقْفًا، وَاِتَّخَذَهُ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ مُقِرًّا لِحُكْمِهِ.
وَكَانَ أَحَدُ مُلُوكِ حِمْيَرَ قَدْ بَنَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَنِ، وَيُعْتَبَرُ غُمْدَانُ أَطْوَلَ بِنَاءٍ بَنَاهُ الْعَرَبُ، وَكَانَ فِي زَمَنِهِ مِنْ الْأَعَاجِيبِ. وَيَقُولُ يَاقُوتُ فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ: بُنِيَ عَلَى سَبْعَةِ أَسْقُفٍ، بَيْنَ كُلِّ سَقْفٍ وَآخَرَ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا وَهَذَا الْخَبَرُ مَعْقُولٌ مِنْ نَاحِيَةٍ وَغَيْرُ مَعْقُولٍ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى.
فَكَوْنُهُ سَبْعَةَ أَسْقُفٍ أَقْرَبَ إلَى الصَّوَابِ مِنْ عِشْرِينَ سَقْفًا، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ بَيْنَ السَّقْفِ وَالسَّقْفِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، فِيهِ نَظَرٌ.
(1/227)

الْغَمْرَةُ
بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَبَعْدَ الرَّاءِ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ: وَغَزَاةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَمْرَةُ.
قُلْت: هَذَا الِاسْمُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُّ، فَهُوَ (غَمْرَةٌ) هِيَ مَحَطَّةٌ مِنْ مَحَطَّاتِ الْحَاجِّ الْعِرَاقِيِّ قَدِيمًا عَلَى الضِّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِوَادِي الْعَقِيقِ حِينَ يَمُرُّ بَيْنَ عُشَيْرَةٍ وَالْمُسْلِحِ شَمَالَ شَرْقِيِّ مَكَّةَ عَلَى سِتِّ مَرَاحِلَ. وَهَذَا عَقِيقُ عَشِيرَةٍ.

غُمَيْرٌ عَلَى وَزْنِ عُمَيْرٍ، قِيلَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْإِعْجَامِ آكَدُ:
جَاءَ فِي رَجَزٍ قِيلَ إنَّهُ لِعَدِيِّ بْنِ أَبِي الرَّغْبَاءِ:

أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ

لَيْسَ بِذِي الطَّلْحِ لَهَا مُعَرَّسُ
وَلَا بِصَحْرَاءِ الْغُمَيْرِ مَحْبَسُ

إنَّ مَطَايَا الْقَوْمِ لَا تُخَيَّسُ
فَحَمْلُهَا عَلَى الطَّرِيقِ أَكْيَسُ

قَدْ نَصَرَ اللَّهُ وَفَرَّ الْأَخْنَسُ
قُلْت: قِيلَ هَذَا الرَّجَزُ فِي عَوْدَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَدْرٍ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْغُمَيْرُ هَذَا بَيْنَ بَدْرٍ وَالْمَدِينَةِ.
وَلَكِنْ لَمْ أَسْمَعْ بِهِ هُنَاكَ، بَلْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ. وَلَعَلَّ عَدِيًّا أَنْشَدَهُ وَلَمْ يَكُنْ بَادَعَهُ.

غَمِيسُ الْحَمَامِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ:
(1/228)

جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي «تُرْبَانَ» وَهُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ مَا زَالَ بِهَذَا الِاسْمِ، يَأْخُذُ مِنْ التِّلَالِ الْوَاقِعَةِ غَرْبَ بَلْدَةِ الْفُرَيْشِ، ثُمَّ يَتَّجِهُ شَرْقًا بِشَمَالِ، حَتَّى يَجْتَمِعَ بِوَادِي الْفُرَيْشِ فِي «مَرَيَيْنِ»، فِي رَأْسِهِ آثَارُ مَحَطَّةِ «السَّيَّالَةِ» وَعَلَى ضِفَّتِهِ الْيُمْنَى صُخَيْرَاتُ الْيَمَامِ.

الْغُمَيْصَاءُ تَصْغِيرُ، غَمْصَاءَ، بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ >>>>>> الأماكن"> أَحَدِ بَنِي جُذَيْمَةَ مِن ْ كِنَانَةَ:
فَكَائِن تَرَى يَوْمَ الْغُمَيْصَاءِ مِنْ فَتًى

أُصِيبَ وَلَمْ يَجْرَحْ وَقَدْ كَانَ جَارِحًا
وَقَوْلٌ آخَرُ مِنْهُمْ:
فَلَا قَوْمُنَا يَنْهَوْنَ عَنَّا غُوَاتَهُمْ

وَلَا الدَّاءُ مِنْ يَوْمِ الْغُمَيْصَاءِ ذَاهِبُ
وَكَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَوْقَعَ بِبَنِي جُذَيْمَةَ مِنْ كِنَانَةَ بِالْغُمَيْصَاءِ مِنْ جَنُوب مَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَتَكَلَّمَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي سَبَبِ هَذِهِ الْوَقْعَةِ وَهَوَى خَالِدٌ فِيهَا، وَلَمْ يُحَدِّدْ >>>>>> الأماكن"> أَحَدٌ الْغُمَيْصَاءِ مَكَّةَ مَكَّةَ الْغُمَيْصَاءَ

الْغَمِيمُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَيْنَ الْمِيمَيْنِ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ: ذُكِرَتْ فِي كُرَاعِ الْغَمِيمِ وَحُدِّدَتْ.
الْغَوْرُ ذُكِرَ فِي عَالِجٍ.
(1/229)

الْفَاجَّةُ بَعْدَ الْفَاءِ وَالْأَلِفِ جِيمٌ مُشَدَّدَةٌ ثُمَّ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ:
جَاءَتْ فِي ذِكْرِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ إلَى الْمَدِينَةِ، وَخَلَطَ الْمُتَقَدِّمُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَاحَّةِ، بِالْقَافِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُمَا مُتَجَاوِرَتَانِ. فَالْقَاحَّةُ هِيَ الْوَادِي الرَّئِيسِيُّ، وَالْفَاجَّةُ، رَافِدٌ مِنْ رَوَافِدِهِ، يَصِبُّ فِيهِ مِنْ الشَّرْقِ، يَأْتِي مِنْ جِبَالِ قُدْسٍ، سُكَّانُهُ اللُّهَبَةُ مِنْ عَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ.

فَاضِحٌ كَفَاعِلِ الْفَضِيحَةِ:
مَكَانٌ مِنْ مَكَّةَ كَانَ بَيْنَ أَبِي قُبَيْسٍ وَالصَّفَا، وَقَدْ نُجِرَ مَوْضِعُهُ وَعُبِّدَ طَرِيقًا لِلسَّيَّارَاتِ وَجُعِلَ تَحْتَهُ مَعْبَرًا لِلسَّيْلِ، فَلَمْ يُعَدُّ مَوْضِعُهُ ظَاهِرًا وَلَا مَعْرُوفًا. وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ عَلَى سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ فِي «أَجْيَادٍ».

فِحْل: بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ:
(1/233)

جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، جُرِحَ بِالطَّائِفِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقُتِلَ يَوْمَ (فِحْل) فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قُلْت: ذَكَرَهُ صَاحِبُ مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ، وَأَعْطَانَا هَذِهِ الْعِبَارَاتِ:
قُتِلَ فِيهِ ثَمَانُونَ أَلْفًا مِنْ الرُّومِ. وَكَانَ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَكَانَ يَوْمَ فِحْل يُسَمَّى يَوْمَ الرَّدْغَةِ أَيْضًا وَيَوْمَ بَيْسَانَ.
قُلْت: بَيْسَانُ بَلَدٌ مِنْ ضِفَّةِ الْغَوْرِ الْأُرْدُنِّيِّ الْغَرْبِيَّةِ فِي فِلَسْطِينَ الْمُحْتَلَّةِ، يَقَعُ شَمَالَ مَدِينَةِ نَابُلُسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ طَبَرِيَّةَ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ وَاهِمًا فَإِنَّنِي سَمِعْت بِشَيْءِ قَرِيبٍ مِنْ هَذَا هُنَاكَ أَيْ بِاسْمِ فِحْل.

فَخٌّ بِاسْمِ الْفَخِّ الَّذِي هُوَ الطَّرَقُ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ بِلَالٍ وَإِصَابَتِهِ بِالْحُمَّى أَوَّلَ مُهَاجَرَتِهِ، وَإِنْشَادُهُ:

أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَن لَيْلَةً

بِفَخِّ وَحَوْلِي إذْخِرٌ وَجَلِيلُ
قُلْت: فَخٌّ أَحَدُ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ الْكِبَارِ، وَهُوَ وَادِي >>>>>> الأماكن"> الزَّاهِرِ، بَيْنَ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; وَإِذْخِرٌ الْوَارِدُ هُنَا: أَذَاخِرٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَجَلِيلٌ: شِعْبٌ يَصُبُّ مِنْ حِرَاءَ فِي أَعْلَى وَادِي فَخٍّ، وَحَدِيثُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَبْسُوطٌ فِي الْمُعْجَمِ.
(1/234)

فَدَكُ
جَاءَ ذِكْرُهَا فِي غَزَاةِ خَيْبَرَ.
هِيَ بَلْدَةٌ كَانَتْ عَامِرَةً، صَالَحَ أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَلَهَا قَصَصٌ وَأَخْبَارٌ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ.
وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ شَرْقِيِّ خَيْبَرَ عَلَى وَادٍ يَذْهَبُ سَيْلُهُ مَشْرِقًا إلَى وَادِي الرُّمَّةِ، تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْحَائِطِ، وَجُلُّ مُلَّاكِهَا قَبِيلَةُ هُتَيْمٍ.

فَرْدَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرَهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ إسْلَامِ زَيْدِ الْخَيْرِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا - ذَكَرْنَا هَذَا الْخَيَرَ فِي فَيْدٍ - وَأَرَضِينَ مَعَهُ ; وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنْ يَنْجُو زَيْدٌ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ بَلَدِ نَجْدٍ إلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِهِ، يُقَالُ لَهُ: فَرْدَةُ، أَصَابَتْهُ الْحُمَّى بِهَا فَمَاتَ.
اخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ حَوْلَ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالُوا: فَرْدَةُ، وَقَالُوا. قَرَدَةُ، بِالْقَافِ، وَخَلَطُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي غَزَاهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ - ذُكِرَ فِي قَرَدَةَ - فَقَالُوا: هُوَ أَيْضًا فَرْدَةُ، بِالْفَاءِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَرَدَةُ، بِالْقَافِ.
وَمِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ نَقْطَ الْحُرُوفِ جَاءَ مُتَأَخِّرًا عَنْ قَيْدِ تِلْكَ الْحَوَادِثِ.
وَالرَّاجِحُ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي
(1/235)

تُوُفِّيَ فِيهِ زَيْدُ الْخَيْلِ هُوَ فَرْدَةُ، بِالْفَاءِ، وَاَلَّذِي غَزَاهُ زَيْدُ بِالْقَافِ.
وَمَوْضِعُ فَرْدَةَ هَذِهِ قَبْلَ فَيْدٍ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ فِي أَوَّلِ بِلَادِ طَيٍّ، وَكَانَتْ بِلَادُ طَيٍّ، مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ تَبْدَأُ بَعْدَ الْحِرَارِ الْمُتَّصِلَةِ بِخَيْبَرِ، وَبَعْدَ صُدُورِ وَادِي الرُّمَّةِ.
وَفِي الْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ فَيْدِ مَاءٍ يُسَمَّى فَرْدَةَ فَلَعَلَّهُ هُوَ.

الْفُرُعُ: بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ، وَآخِرَهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ.
جَاءَ فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، قَالَ: وَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتَّى إذَا كَانَ بِمَعْدِنِ، فَوْقَ الْفُرُعِ يُقَالُ لَهُ: بُحْرَانُ، أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا، كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ.
وَأَوَّلُ النَّصِّ وَرَدَ فِي «الْفُرُعِ».
قُلْت: الْفُرُعُ: وَادٍ فَحْل مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ، يَمُرُّ عَلَى 150 كَيْلًا جَنُوب الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، كَثِيرُ الْعُيُونِ وَالنَّخْلِ وَالنُّزُلِ، سُكَّانُهُ بَنُو عَمْرِو بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَ عِنْدَ الْبَعْثَةِ لِمُزَيْنَةَ. وَقَدْ أَفَضْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

الْفَرْعُ جَبَلٌ مِنْ سِلْسِلَةِ أَجَأٍ، ذُكِرَ هُنَاكَ.

الْفَرَمَا بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ مَعًا مَقْصُورٌ:
جَاءَ ذِكْرُهَا مَعَ (أُمِّ الْعَرَبِ) الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَكَانَتْ مَدِينَةٌ مِصْرِيَّةٌ عَامِرَةٌ بِهَا صَنَائِعُ وَتِجَارَةٌ.
وَيُعَلِّقُ مُحَقِّق السِّيرَةِ فَيَقُولُ:
الْفَرَمَا أَوْ الطِّينَةُ: مَدِينَةٌ بِمِصْرِ مِنْ شَرْقٍ، تَبْعُدُ عَنْ سَاحِلِ
(1/236)

بَحْرِ الرُّومِ «الْبَحْرُ الْأَبْيَضُ» بِقَدْرِ مِيلَيْنِ، كَانَ لَهَا مِينَاء عَامِرٍ، وَيَصِلُ إلَيْهَا فَرَعٌ مِنْ النِّيلِ مُسَمَّى بِاسْمِهَا الْيُونَانِيِّ «بيلوزة» أَوْ الطِّينَةُ، وَكَانَتْ فِي عَهْدِ الْفَرَاعِنَةِ حِصْنَ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ، وَتُعْرَفُ الْآن بِتَلِّ الْفَرَمَا، وَيُقَالُ: إنَّ فِيهَا قَبْرُ أُمِّ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَبِهَا قَبْرُ جَالِينُوسَ الْحَكِيمِ، وَفِيهَا وُلِدَ بَطْلَيْمُوسُ الْقَلْوَذِيُّ الْفَلَكِيُّ الْمَشْهُورُ، صَاحِبُ كِتَابِ الْمَجِسْطِي.

فِلْسٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ «فِلْسٌ» لِطَيِّئٍ وَمَنْ يَلِيهَا بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، يَعْنِي سَلْمَى وَأَجَأً. وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَلِيًّا فَهَدَمَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا سَيْفَيْنِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الرَّسُوبُ، وَلِلْآخَرِ الْمِخْذَمُ. فَأَتَى بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَهَبَهُمَا لَهُ، فَهُمَا سَيْفَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
قُلْت: هَذَا الْخَبَرُ رُوِيَ فِي مَنَاةَ، وَأَتَيْنَا بِهِ فِي الْمُعْجَمِ، وَجَبَلَا طَيِّئٍ هُمَا الْيَوْمَ جَبَلَا شِمْرٍ، وَقَدْ يُقَالُ: جَبَلُ شِمْرٍ، وَيُقَالُ: أَجَأٍ وَسَلْمَى، وَلَا يُقَالُ: سَلْمَى وَأَجَأٍ.
وَالْعَرَبُ يُخْضِعُونَ الْمَعْطُوفَاتِ إلَى نَغْمَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ يَجِدُونَهَا فِي لُغَتِهِمْ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالْأَبْجَدِيَّةِ، فَهُمْ يَقُولُونَ - مَثَلًا -: غَامِدٌ وَزَهْرَانُ، وَلَا يَقُولُونَ: زَهْرَانُ وَغَامِدٌ أَبَدًا، وَيَقُولُونَ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَحَرْبٌ وَجُهَيْنَةُ، وَمِصْرُ وَالشَّامُ، وَيَقُولُونَ: الْيَمَنُ وَالشَّامُ. وَهَكَذَا دُونَ النَّظَرِ إلَى الْحُرُوفِ. وَشِمْرٌ الْمَنْسُوبُ إلَيْهَا الْجَبَلَانِ هِيَ فَرْعٌ مِنْ
(1/237)

طَيِّئٍ، وَطَيِّئٌ هَاجَرَتْ إلَى الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ، فَهِيَ الْيَوْمَ هُنَاكَ فِي عَدَدٍ وَعُدَّةٍ. وَلَمْ يَعُدْ الْفِلْسُ مَعْرُوفًا الْيَوْمَ.

فِلَسْطِينُ جَاءَ ذِكْرُهَا فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ فِي «عَفْرَاءَ». وَهِيَ قُطْرٌ عَزِيزٌ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ اسْتَلَبَهُ الْإِنْجِلِيزُ بَعْدَ الثَّوْرَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْكُبْرَى، وَمَكَّنُوا لِلْيَهُودِ فِيهَا الِاسْتِيطَانَ لِأَمْرِ دَبَّرُوهُ قَبْلَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، ثُمَّ أَوْهَمَ الْإِنْجِلِيزُ الْعَرَبَ بِأَنَّهُمْ يُعَارِضُونَ قِيَامَ دَوْلَةٍ صُهْيُونِيَّةٍ فِي فِلَسْطِينَ، حَتَّى إذَا رَأَوْا غَرْسَتَهُمْ قَدْ وَقَفَتْ عَلَى سَاقِهَا نَقَضُوا أَيْدِيَهُمْ وَجَلَوْا عَنْ الْبِلَادِ تَارِكِينَ شَعْبَ فِلَسْطِينَ الْفَقِيرَ الْأَعْزَلَ تَحْتَ ضَرْبَاتِ الصَّهَايِنَةِ بِمُنَظَّمَاتِهِمْ الْإِرْهَابِيَّةِ، وَتَنَادَى الْعَرَبُ وَحَاوَلُوا أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَكَافَحَ الفلسطينيون كِفَاحًا مَرِيرًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَكَافِئًا مَعَ الزُّمْرَةِ الْبَاغِيَةِ الْمَسْنُودَةِ بِأَقْوَى دُوَلِ الْعَالَمِ.
وَفِي سَنَةِ 1368 هـ 1948 م قَامَتْ دَوْلَةُ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ فِلَسْطِينَ، وَامْتَدَّتْ حُدُودُهَا مِنْ عَكَّا شَمَالًا إلَى أُمِّ رَشْرَشَ عَلَى رَأْسِ خَلِيجِ الْعَقَبَةِ، وَسَمُّوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ «إيلَاتَ» وَاحْتَفَظَ الْأُرْدُنُّ بِقِسْمِ مُهِمٍّ مِنْ فِلَسْطِينَ يَشْمَلُ مَدِينَةَ الْقُدْس ِ وَنَابُلُسَ وَقَلْقِيلِيَا وَطُولِ كَرْمٍ وَالْخَلِيلِ وَرَامَ اللَّه وَالْبِيرَةِ وَبَيْتِ لَحْمٍ، وَمُدُنٌ كَثِيرَةٌ صَغِيرَةٌ أُخَرُ.
بَيْنَمَا شَمِلَتْ دَوْلَةُ الصَّهَايِنَةِ: حَيْفَاءَ وَيَافَاءَ - وَسَمَّوْهَا تَلَّ أَبِيبَ - وَضَاحِيَةَ الْقُدْسِ الْغَرْبِيَّةِ - وَسُمِّيَتْ الْقُدْسَ الْجَدِيدَةَ - وَشَمِلَتْ دَوْلَتُهُمْ عَكَّا فِي الشَّمَالِ وَالنَّاصِرَةَ وَصَفَدَ، وَفِي الْجَنُوبِ عَسْقَلَانَ - وَيَقُولُونَ - عَسْقَلُونَ - وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَبِيرَ السَّبْعِ - وَسَمَّوْهَا بِيرَ شِيبَعَ -. وَهَكَذَا كَانَ. وَسَارَعَتْ دُوَلُ الْعَالَمِ حَتَّى بَعْضُ الدُّوَلِ الْإِسْلَامِيَّةِ
(1/238)

اعْتَرَفَتْ بِمَا سُمِّيَ دَوْلَةَ إسْرَائِيلَ. إلَّا الْعَرَبُ، لَمْ يُذْعِنُوا لِلْأَمْرِ الْوَاقِعِ وَلَمْ يَعُدْ مَا يَجِبُ إعْدَادُهُ إلَّا ذَلِكَ التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ مِنْ أَفْوَاهِ الْإِعْلَامِيِّينَ.
وَفِي سَنَةِ 1387 هـ 1967 م اتَّخَذَ الْيَهُودُ - مِنْ تِلْكَ التَّهْدِيدَاتِ - ذَرِيعَةً فَحَشَدُوا مَا أَعَدُوُّهُ لِهَذَا الْيَوْمِ فَاحْتَلُّوا مَا تَبَقَّى مِنْ فِلَسْطِينَ، بَلْ دَفَعُوا قُوَّاتِهِمْ جَنُوبًا فَاحْتَلُّوا كُلَّ إقْلِيمِ سَيْنَاءَ الْمِصْرِيِّ الْوَاسِعِ، ثُمَّ اتَّجَهُوا شَرْقًا بِشَمَالِ فَاحْتَلُّوا هَضْبَةَ الْجُولَانِ السُّورِيَّةِ. وَرَغْمَ مُضِيُّ مَا يَقْرُبُ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا عَلَى الِاحْتِلَالِ الْأَخِيرِ فَلَا يَبْدُو أَنَّ صُهْيُونَ يَرْغَبُ فِي تَسْلِيمِ شِبْرٍ بِلَا قِتَالٍ. وَلَكِنَّ الْعَرَبَ الْيَوْمَ غَيْرُهُمْ بِالْأَمْسِ وَالزَّمَنُ لَيْسَ فِي صَالِحِ الْيَهُودِ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون َ.

الْفَمُ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَالْمِيمِ، بِلَفْظِ الْفَمِ مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْ الْحَيَوَانِ ذُكِرَ فِي زَيَّان.
فَيْدٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرَهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي قِصَّةِ إسْلَامِ زَيْدِ الْخَيْلِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ رِجَالِ طَيِّئٍ ; مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ بِفَضْلِ، ثُمَّ جَاءَنِي إلَّا رَأَيْته دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إلَّا زَيْدُ الْخَيْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهِ، ثُمَّ سَمَّاهُ زَيْدَ الْخَيْرِ، وَقَطَعَ لَهُ (فَيْدًا).
قُلْت: فَيْدٌ بَلَدُ عَامِرٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَعْمَرَ مِنْهُ الْيَوْمَ حِينَ كَانَ يَمُرُّ بِهِ طَرِيقُ حَاجِّ الْعِرَاقِ، فَقَدْ كَانَ مَحَطَّةً مِنْ مَحَطَّاتِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ خِلَالَ 13 قَرْنًا، حَتَّى انْقَطَعَ هَذَا الطَّرِيقُ فِي
(1/239)

مُنْتَصَفِ هَذَا الْقَرْنِ أَوْ بَعْدَهُ - حَوَالَيْ 1363 هـ - وَكَانَ لَهَا حِمًى، وَزَارَهَا موزل سَنَةَ 1335 هـ - وَقَالَ: إنَّ عَدَدَ بُيُوتِهَا ثَلَاثُونَ كُوخًا. وَيَقْصِدُ بِالْكُوخِ الْبَيْتَ مِنْ اللَّبِنِ. وَتَقَعُ فَيْدٌ جَنُوب حَائِلٍ، وَكَانَتْ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ طَيِّئٍ وَبَنِيَّ أَسَدٍ، شَمَالَهَا، وَأَسَدٌ جَنُوبُهَا، وَإِقْطَاعُ الرَّسُولِ زَيْدَ الْخَيْرِ إيَّاهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لِطَيِّئٍ.

فَيْفَاءُ الْخَبَارِ جَاءَ ذِكْرُ الْفَيْفَاءِ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ:
خَرَجْنَا مِنْ (الْفَيْفَا) عَلَيْهِمْ كَأَنَّنَا

مَعَ الصُّبْحِ مِنْ رَضْوَى الحَبيك الْمُنَطَّق
تَمَنَّتْ بَنُو النَّجَّارِ جَهْلًا لِقَاءَنَا

لَدَى جَنْبِ سَلْعٍ وَالْأَمَانِيُّ تَصْدُقُ
قُلْت: هِيَ فَيْفَاءُ الْخَبَار ِ، وَقَصَرَهَا هُنَا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وَحَذَفَ (الْخَبَارَ) لِنَفْسِ السَّبَبِ. وَفَيْفَاءُ الْخَبَا ر ِ: الْأَرْضُ الْوَاسِعَةُ بَيْنَ الْجَمَّاوَاتِ، فِي الْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ الْمَدِينَةِ، تَتَّصِلُ بِالْعَرْصَةِ مِنْ الْجَنُوبِ، وَكَانَتْ - إلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ - فَلَاةً ذَاتَ شَجَرٍ وَصُمُودٍ وَشِعَابٍ، تُعْرَفُ بِاسْمِ (الدُّعَيْثَةِ) وَقَدْ وَهَسَهَا الْيَوْمَ الْعُمْرَانُ، وَشُقَّتْ فِيهَا الطُّرُقُ، فَأَصْبَحَتْ تَكَادُ تَكُونُ مِنْ الْمَدِينَةِ.

فَيْفَاءُ الْفَحْلَتَيْنِ: جَاءَتْ فِي ذِكْرِ غَزْوَةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ جُذَامَ، وَخَبَرِ دِحْيَةَ وَالْهُنَيْدِ، وَأَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - لَقِيَ جَيْشَ زَيْدِ بِفَيْفَاءِ الْفَحْلَتَيْنِ.
(1/240)

قُلْت: لَا تُعْرَفُ الْيَوْمَ الْفَحْلَتَانِ، أَمَّا الْفَيَافِي هِيَ أَرَاضٍ وَاسِعَةٌ تُضَافُ إلَى مَا جَاوَرَهَا، فَهِيَ كَالْخَبْتِ تَمَامًا، وَسِيَاقُ الرِّوَايَةِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إلَى بِلَادِ جُذَامَ، وَلَكِنَّهُ إلَى الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ وَيُخَيَّلُ إلَيَّ أَنَّهَا بَيْنَ إضَمٍ وَالْعُلَا.

فَيْفَاءُ مَدَانَ (وَرَدَتْ فِي السِّيرَةِ: 2\ 612) وَقَدْ ذُكِرَ مَدَانُ فِي «الْحَرَّةِ الرَّجْلَاءِ»، فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
النُّهَاقِ ذُكِرَ فِي «ذِي بَقَرٍ».
(1/241)

الْقَاحَةُ 245 - بَعْدَ الْقَافِ وَالْأَلِفِ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، ثُمَّ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: كَثِيرَةُ الذِّكْرِ فِي السِّيرَةِ، وَرَدَتْ فِي ذِكْرِ مُهَاجَرَتِهِ، وَحَجِّهِ، وَجَمِيعِ سَفَرَاتِهِ إلَى مَكَّةَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَلِكَ أَنَّهَا عَلَى الْمَحَجَّةِ مِنْ دَرْبِ الْأَنْبِيَاءِ. وَالْقَاحَةُ: وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ يَقَعُ أَوَّلَهُ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ، وَيَسِيرُ فِيهِ الطَّرِيقُ مَرْحَلَتَيْنِ، وَفِيهِ مَدِينَةُ السُّقْيَا - سُقْيَا مُزَيْنَةَ - ثُمَّ يَجْتَمِعُ بِوَادِي الْفُرُعِ فَيُسَمَّى الْوَادِي الْأَبْوَاءَ، عَلَى سِتِّ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَخَمْسٍ مِنْ مَكَّةَ، سُكَّانُهُ - الْيَوْمَ - اللُّهَبَةُ مِنْ عَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ، فِي أَعْلَاهُ، وَالْعُبَدُ مِنْ بَنِي عَمْرٍو مِنْ حَرْبٍ فِي أَسْفَلِهِ، وَلَهُمْ السُّقْيَا وَتَعْهِنُ، وَغَيْرُهَا. وَفِي الْقَاحَةِ صَارَ الْخَلْطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَاجَّةِ - بِالْفَاءِ وَالْجِيمِ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْ.
الْقَادِسِيَّةُ كَمُؤَنَّثِ الْقَادِسِ: جَاءَتْ فِي تَرَاجِمِ مَنْ قُتِلَ فِي مَوْقِعَةِ الْقَادِسِيَّةِ. وَكَانَتْ مَوْقِعَةُ الْقَادِسِيَّةِ مِنْ أَعْظَمِ الْوَقَائِعِ الَّتِي حَدَثَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْفُرْسِ، قَالَ أَهْلُ الْأَخْبَارِ: مَا زَالَ الْفُرْسُ هُمْ الْغَالِبُونَ الْمُتَسَلِّطُونَ عَلَى الْعَرَبِ، حَتَّى حَدَثَ يَوْمُ ذِي قَارٍ - قُرْبَ الْبَصْرَةِ - فَانْتَصَفَ الْعَرَبُ مِنْ الْفُرْسِ، وَلَمَّا تَوَجَّهَ الْمُسْلِمُونَ إلَى فَتْحِ فَارِسَ سَخِرَتْ مِنْهُمْ الْفُرْسُ وَاحْتَقَرَتْهُمْ، فَكَانَ يَوْمُ الْقَادِسِيَّةِ، أَعْظَمَ يَوْمٍ انْهَزَمَ فِيهِ الْفُرْسُ وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ.
كَانَتْ الْقَادِسِيَّةُ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَنَةَ 16 لِلْهِجْرَةِ، فَكَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ وَقَائِعِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ
(1/245)

[ص] [ص] أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمَ أَرْمَاثٍ، وَيَوْمَ أَغْوَاثٍ، وَيَوْمَ عَمَاسَ، وَلَيْلَةَ الْهُرَيْرِ، ثُمَّ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَفِيهِ هَزِيمَةُ الْفُرْسِ وَقَتْلُ رُسْتُمَ قَائِدِهِمْ. تَقَعُ الْقَادِسِيَّةُ بَيْنَ النَّجَفِ وَالْحِيرَةِ إلَى الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ مِنْ الْكُوفَةِ، وَإِلَى الْجَنُوبِ مِنْ كَرْبَلَاءَ، وَبَعْدَ هَذَا مُخَطَّطٌ يُبَيِّنُ الْكَثِيرَ مِنْ مَعَالِمِ الْعِرَاقِ التَّأْرِيخِيَّةِ

الْقَاعُ وَهُوَ الطِّينَةُ الْيَابِسَةُ قَلَّمَا تَنْبُتُ شَيْئًا: جَاءَ فِي قَوْلِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ أَوْ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَغَزْوَةَ الْقَاعِ فَرَّقْنَا الْعَدُوَّ بِهِ كَمَا تَفَرَّقَ دُونَ الْمَشْرَبِ الرَّسَلُ
قُلْت: لَمْ يُذْكَرْ فِي دَلِيلِ الْغَزَوَاتِ غَزْوَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ، وَمَا وَجَدْت مَنْ حَدَّدَ هَذَا الْقَاعَ الَّذِي غَزَاهُ الْمُسْلِمُونَ. وَالْقِيعَةُ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ لَا تُحْصَى، وَلَكِنَّنَا بَحَثْنَا عَنْ قَاعٍ فِيهِ غَزْوَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مَنْ أَغْزَاهُ فَلَمْ نَجِدِ، وَلَعَلَّ الشَّاعِرُ أَرَادَ قَاعَ الْجَمُومِ، فَلِلْجَمُومِ غَزْوَةٌ، وَالْجَمُومُ: مِنْ أَرْضِ نَجْدٍ بِالسُّفُوحِ الشَّرْقِيَّةِ لِحَرَّةِ كَشَبٍ، شَرْقَ مَكَّةَ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ. وَهِيَ غَيْرُ الْجَمُومِ: الْقَرْيَةُ الْمَشْهُورَةُ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ

قُبَاءُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرَهُ هَمْزَةٌ: جَاءَ مِنْ أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ مِنْ السِّيرَةِ، أَهَمُّهَا نُزُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبَاءَ أَوَّلَ وُصُولِهِ إلَى الْمَدِينَةِ، وَبِنَاؤُهُ فِيهِ أَوَّلَ مَسْجِدٍ أُسِّسَ
(1/248)

عَلَى التَّقْوَى.
قُلْت: قُبَاءُ - الْيَوْمَ - بَلْدَةٌ عَامِرَةٌ تُطِيف بِذَلِكَ الْمَسْجِدِ، كَثِيرَةُ الْبَسَاتِينِ وَالسُّكَّانِ، وَتَكَادُ تَتَّصِلُ بِالْمَدِينَةِ عُمْرَانِيًّا، بَلْ اتَّصَلَتْ الْمَدِينَةُ بِهَا، مَسْجِدُهَا جَنُوبَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بِسِتَّةِ أَكْيَالٍ، وَهِيَ وَاقِعَةٌ فِي حَرَّةٍ تُسَمَّى حَرَّةَ قُبَاءَ، وَهِيَ الْجُزْءُ الشَّرْقِيُّ مِنْ حَرَّةِ الْوَبَرَةِ. وَهُنَاكَ قُبَاءُ آخَرُ: قُرْبَ الْجَمُومِ، الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا.

أَبُو قُبَيْسٍ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ، وَآخِرَهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ: يَتَرَدَّدُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَفِي كُتُبِ الْبُلْدَانِيَّاتِ. وَهُوَ مِنْ أَشْهَرِ جِبَالِ مَكَّةَ وَلَيْسَ مِنْ أَكْبَرِهَا، تَرَاهُ يُشْرِفُ عَلَى الْكَعْبَةِ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ. وَأَهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ: الْوَاقِفُ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ يَرَى الطَّائِفَ!.
قُدَيْدٌ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَمُثَنَّاةٍ تَحْتُ وَدَالٌ أُخْرَى: تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ فِي السِّيرَةِ، فِي طَرِيقِ هِجْرَتِهِ، وَفِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَغَيْرِهَا.
قُلْت: قُدَيْدٌ، وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ التِّهَامِيَّةِ، يَأْخُذُ أَعْلَى مَسَاقِطِ مِيَاهِهِ مِنْ حَرَّةِ «ذَرَة» فَيُسَمَّى أَعْلَاهُ سِتَارَةً، وَأَسْفَلَهُ قُدَيْدًا، يَقْطَعُهُ الطَّرِيقُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ 125 كَيْلًا، ثُمَّ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ الْقَضِيمَةِ، فِيهِ عُيُونٌ وَقُرًى كَثِيرَةٌ لِحَرْبِ وَبَنِيَّ سُلَيْمٍ، وَقَدْ أَوْفَيْت الْحَدِيثَ عَنْهُ فِي الْمُعْجَمِ.
(1/249)

- وَادِي الْقُرَى -
نُسِبَ إلَى كَثْرَةِ الْقُرَى فِيهِ جَاءَ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَإِسْلَامِهِ.
قُلْت: يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِوَادِي الْعُلَا: مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ شَمَالَ الْمَدِينَةِ عَلَى قُرَابَةِ (350) كَيْلًا، كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ وَالْأَهْلِ، وَوَادِيهَا - وَادِي الْقُرَى - يَصُبُّ فِي وَادِي الْجَزْلِ ثُمَّ يَصُبُّ الْجَزْلُ فِي وَادِي الْحَمْضِ «إضَمٍ» وَتَمُرُّ فِي هَذَا الْوَادِي سِكَّةُ حَدِيدِ الْحِجَازِ الْمُعَطَّلَةِ. وَقَدْ قَامَتْ فِيهِ مَدِينَةُ الْعُلَا مَكَانَ «قُرَحَ» وَكَانَتْ قُرَحُ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ.

قُرَحُ بِضَمِّ الْقَاف وَفَتْحِ الرَّاءِ وَآخِرَهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: وَرَدَ فِي اسْمِ أَجَأٍ. وَهُوَ مَوْضِعٌ كَانَ بِوَادِي الْقُرَى مِنْ صَدْرِهِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ اسْمُ الْعُلَا، لِأَنَّهُ أَعْلَى الْوَادِي، وَهُوَ الْيَوْمَ مَدِينَةُ الْعُلَا، وَفِيهِ مَسْجِدُ قُرَحَ الَّذِي بَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسِيرَهُ إلَى تَبُوكَ، وَهُوَ مَسْجِدُ الْعُلَا الْيَوْمَ فِيمَا يَتَوَارَثُ أَهْلُهَا
قَرَدٌ (ذُو. .) بِالْقَافِ وَالرَّاءِ وَآخِرَهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ، وَبِالتَّحْرِيكِ: جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ، حِينَ أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ عَلَى لِقَاحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَابَةِ.
قُلْت: قَرَدٌ: جَبَلٌ أَسْوَدُ بِأَعْلَى وَادِي النَّقَمَى، شَمَالَ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ عَلَى قُرَابَةِ (35) كَيْلًا، فِي دِيَارِ بَنِي رَشِيدٍ مِنْ هُتَيْمٍ، كَذَا أَشَارَ إلَيْهِ غُلَامٌ وَجَدْته فِي وَادِي النَّقَمَى
(1/250)

عِنْدَ مَصَبِّ وَادِي مَنَاةَ.

الْقَرَدَةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرَهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: وَسَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الَّتِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا حِينَ أَصَابَ عِيرَ قُرَيْشٍ، وَفِيهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، عَلَى الْقَرَدَةِ، مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ.
قُلْت: وَاخْتَلَفَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي ضَبْطِهِ، فَقِيلَ: الْقِرَدَةُ. وَقِيلَ: الْقَرْدَةُ. وَأَجْمِعُوا عَلَى أَنَّهُ مَاءٌ بِنَجْدٍ أَوْ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ «مِمَّا يَلِي نَجْدًا». وَهَذَا الْمَاءُ عَلَى طَرِيقٍ تَمُرُّ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ جَاعِلَةً الْمَدِينَةَ يَسَارَهَا، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ فِي الْمِنْطَقَةِ الْوَاقِعَةِ شَمَالَ شَرْقِيِّ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّ مِيَاهَ هَذَا الطَّرِيقِ مَعْرُوفَةٌ حَتَّى يَصِلَ إلَى نَخْلٍ، ثُمَّ تَفْتَرِقُ الطُّرُقُ، وَيَبْدُو أَنَّ هَذِهِ هِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي تَجْعَلُ خَيْبَرَ يَسَارَهَا أَيْضًا وَتَمُرُّ بِسَلَاحٍ الْمَعْرُوفَة الْيَوْم بِالْعِشَاشِ، عَلَى مَرْحَلَةٍ شَمَالَ خَيْبَرَ.

قَرْقَرَةُ الْكُدْرِ يَأْتِي الْحَدِيثُ عَنْهَا فِي «الْكُدْرِ». وَأُضِيفُ هُنَا: يَبْدُو أَنَّهَا مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِحَضَوْضَى، فَهِيَ قَاعٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ أَوْدِيَةٌ مَا شَرْقَ الْمَدِينَةِ قَبْلَ اجْتِمَاعِهَا فِي الْخَنَقِ، وَلَا زَالَ عِنْدَ أَهْلِ هَذِهِ الدِّيَارِ، الْقَرْقَرُ أَوْ الْقَرْقَرَةُ: الْقَاعُ الْوَاسِعُ، وَحَضَوْضَى: قَاعٌ وَاسِعٌ.
قَرْطَاجَنَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَجِيمٍ فَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ، وَآخِرَهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَتْ فِي نَصٍّ مُطَوَّلٍ فِي ذِكْرِ مَنْ بَعَثَهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
(1/251)

مِنْ الْحَوَارِيِّينَ وَالْأَتْبَاعِ إلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَمِنْهَا: قَرْطَاجَنَّةُ، وَأُفْسُوسُ، وَالْأَرْضُ الَّتِي يَأْكُلُ أَهْلُهَا النَّاسَ! وَأَرْضُ بَابِلَ، وَأُورْشَلِيمُ، وَهِيَ إيلِيَاءُ، والأعرابية وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ، وَأَرْضُ الْبَرْبَرِ.
قُلْت: فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - قَرْطَاجَنَّةُ: مَدِينَةٌ كَانَتْ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ مِنْ سَاحِلِ أَفْرِيقِيَّةَ فِي مَا يُسَمَّى الْيَوْمَ بِتُونُسَ، وَكَانَ - فِيمَا رَوَى يَاقُوتٌ - بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَدِينَةِ تُونُسَ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا.
وَهِيَ بَلْدَةٌ تُجَاوِرُ الْيَوْمَ تُونُسَ مِمَّا يَلِي الشَّمَالَ حَتَّى كَادَ عِمْرَانُهُمَا يَتَمَاسَّ، وَهِيَ مِنْ الْقُرَى السِّيَاحِيَّةِ فِي الْجُمْهُورِيَّةِ التُّونُسِيَّةِ. 2 - أُفْسُوسُ: جَاءَ فِي النَّصِّ إنَّهَا قَرْيَةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. وَأَصْحَابُ الْكَهْفِ مُخْتَلَفٌ فِي مَوْضِعِ وُجُودِهِمْ. والأردنيون يُؤَكِّدُونَ أَنَّ الْكَهْفَ قُرْبَ عَمَّان مَعْرُوفٌ، وَيَزُورُهُ بَعْضُ السُّيَّاحِ.
أَمَّا الْأَرْضُ الَّتِي يَأْكُلُ أَهْلُهَا النَّاسَ فَهِيَ أَوَاسِطُ أَفْرِيقِيَّا، وَهُنَاكَ رِوَايَاتٌ تُؤَكِّدُ أَنَّ بَعْضَ الْقَبَائِلِ هُنَاكَ مَا زَالَتْ تَأْكُلُ لُحُومَ الْبَشَرِ.
أَمَّا أَرْضُ بَابِلَ، فَهِيَ أَرْضُ الْعِرَاقِ، وَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَنْ الْعِرَاقِ وَبَابِلَ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
وَأُورْشَلِيمُ هِيَ الْقُدْسُ، وَالِاسْمُ مُحَرَّفٌ مِنْ الْكَنْعَانِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ، حَرَّفَهُ الْيَهُودُ.
والأعرابية: كَمَا جَاءَ فِي النَّصِّ هِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ، وَالْمَقْصُودُ أَرْضُ الْعَرَبِ.
أَمَّا أَرْضُ الْبَرْبَرِ فَكَانَتْ جُنُوبَ لِيبْيَا وَالْأَطْلَسِ الْمَغْرِبِيِّ، وَقَدْ أَسْلَمَ هَذَا الشَّعْبُ وَتَعَرَّبَ وَشَارَكَ فِي
(1/252)

بِنَاءِ الْحَضَارَةِ وَالدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَخَرَّجَ مُلُوكًا عِظَامًا كَانَتْ لَهُمْ أَيَادٍ بِيضٌ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.

قَرْدَدٌ بِالْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ، وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ، ثُمَّ دَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، جَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيّ فِي قِصَّةِ إسْلَامِ هَمْدَانَ: حَلَفْت بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ إلَى مِنًى ... صَوَادِرُ بِالرُّكْبَانِ مِنْ هَضْبِ قَرْدَدِ
قُلْت: قَرْدَدٌ هَذَا مِنْ نَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ، عَلَى قُرَابَةِ سِتِّينَ كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَهُوَ مِنْ الْيَسُومَيْنِ، وَلَنَا عَلَيْهِ كَلَامٌ فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ التَّأْرِيخِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ» وَهُوَ كِتَابٌ مَطْبُوعٌ، فَأَغْنَى عَنْ التَّكْرَارِ.

الْقَرْقَرَةُ بِتَكْرَارِ الْقَافِ وَالرَّاءِ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَ فِي قِصَّةِ مَقْتَلِ الْيَسِيرِ بْن رُزَام، وَفِيهَا طُولٌ عَلَى مَا شَرَطْنَاهُ لِهَذَا الْكِتَابِ. وَمِنْهَا: حَتَّى إذَا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ، مِنْ خَيْبَرٍ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ، نَدِمَ الْيَسِيرُ بْن رُزَام. . إلَخْ.
قُلْت: هَذَا قَاعٌ جَنُوب خَيْبَرَ بَيْنَ الْحَرَّةِ وَالصَّهْبَاءِ الْمَعْرُوفَةِ الْيَوْمَ بِاسْمِ (جَبَلِ عَطْوَةَ). وَهُوَ عَلَى (6) أَكْيَالٍ مِنْ خَيْبَرَ يَقْسِمُهُ الطَّرِيقُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ قَاعَ (قَعْقَرَانَ) وَيُسْتَغْنَى عَنْ قَاعٍ، وَيَلْفِظُونَهُ (قَعْقَرَانَ).

قَرْنٌ: بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَآخِرُهُ نُونٌ:
(1/253)

جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي طَرِيقَهُ إلَى الطَّائِفِ - عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ، ثُمَّ عَلَى قَرْنٍ، ثُمَّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمَّ عَلَى بَحْرَةِ الرُّغَاءِ مِنْ لَيَّةَ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلَّى فِيهِ.
فِي هَذَا النَّصِّ: 1 - قَرْنٌ: قَرْنُ الْمَنَازِلِ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ السَّيْلِ الْكَبِيرِ، وَمَا زَالَ الْوَادِي يُسَمَّى قَرْنًا، وَالْبَلْدَةُ تُسَمَّى السَّيْلَ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الطَّائِفِ مِنْ مَكَّةَ الْمَارِّ بِنَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ، يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ 80 كَيْلًا، وَعَنْ الطَّائِفِ (53) كَيْلًا. وَقَدْ تَوَسَّعْت فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».
2 - الْمُلَيْحُ: وَادٍ يَصُبُّ فِي وَادِي قَرْنٍ إذَا تَجَاوَزَ السَّيْلَ الْكَبِيرَ، يَصُبُّ فِيهِ مِنْ ضَفَّتِهِ الْيُمْنَى مِنْ الشَّرْقِ، مَا زَالَ مَعْرُوفًا، يَسْكُنُهُ قَوْمٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَعْلَاهُ يُسَمَّى السَّيْلَ الصَّغِيرَ، شَمَالَ الطَّائِفِ عَلَى 30ْ كَيْلًا
3 - بُحْرَةُ الرُّغَاءِ: صَوَابُهَا «بَحْرَةُ الرُّغَاءِ» بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَالْبَحْرَةُ فِي لُغَتِهِمْ الْمَجْرَى الْمُتَّسِعُ بَيْنَ الْجِبَالِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ الْيَوْمَ بِطَرَفِ لِيَّةَ مِنْ الْجَنُوبِ، عَلَى (15ْ) كَيْلًا جُنُوبَ الطَّائِفِ.

قُزَحُ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ، وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ: جَاءَ فِي النَّصِّ: وَقَالَ - يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ صَبِيحَةَ الْمُزْدَلِفَةِ: هَذَا الْمَوْقِفَ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ.
(1/254)

قُلْت: قُزَحُ، أَكَمَةٌ بِجِوَارِ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهَا قَصْرٌ مَلَكِيٌّ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الْفَجْرَ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَيَتَحَرَّوْنَ الْإِشْرَاقَ هُنَاكَ.

الْقَصَّةُ (ذُو. .): بِفَتْحِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ:
جَاءَ فِي تَعْدِيدِ سَرَايَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهَا، غَزْوَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ذَا الْقَصَّةِ، مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ.
قُلْت: لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ ذُو الْقَصَّةِ، وَلَكِنَّ يَاقُوتًا فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ حَدَّدَهُ بِأَنَّهُ عَلَى (24) مِيلًا مِنْ طَرِيقِ الرَّبَذَةِ، وَيُورِدُ نَصًّا آخَرَ بِأَنَّهُ عَلَى بَرِيدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
وَكُلُّ ذَلِك عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْعِرَاقِ الْمَارِّ بِالْقَصِيمِ. وَهَذَا التَّحْدِيدُ يَجْعَلُهُ قَرِيبًا مِنْ الطَّرَفِ (الصُّوَيْدِرَةِ) الْيَوْمَ، وَهَذِهِ كَانَتْ دِيَارَ غَطَفَانَ، وَالْغَزْوَةُ كَانَتْ إلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ.

قَطَنٌ بِالْقَافِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ، وَبِالتَّحْرِيكِ: جَاءَ فِي قَوْلِهِ: وَغَزْوَةُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ قَطَنًا. قُلْت: قَطَنٌ، جَبَلٌ مَا زَالَ مَعْرُوفًا عَلَى الضَّفَّةِ الْيُسْرَى لِوَادِي الرُّمَّةِ، يَمُرُّ بِهِ الطَّرِيقُ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْقَصِيمِ، وَيُرَى قَطَنٌ مِنْ الطَّرِيقِ عَنْ قُرْبٍ، عَلَى قُرَابَةِ (330) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَانْظُرْ تَفَاصِيلَ أَوْفَى فِي كِتَابِي (الرِّحْلَةُ النَّجْدِيَّةُ).
قُعَيْقِعَانُ كَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْقَعْقَعَةِ:
(1/255)

هُوَ جَبَلُ مَكَّةَ الْمُشْرِفُ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ، وَلَهُ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْهُ، أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ».
وَقِيلَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ: خَرَجَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو مَلِكُ جُرْهُمَ مِنْ قُعَيْقِعَانَ وَالسِّلَاحُ يُقَعْقِعُ مَعَهُ فَسُمِّيَ قُعَيْقِعَانَ، وَخَرَجَ السَّمَيْدَعُ مِنْ أَجْيَادٍ بِالْخَيْلِ الْجِيَادِ فَسُمِّيَ أَجْيَادًا.

الْقَلْعَةُ بِاللَّفْظِ الْمُرَادِفِ لِلْحِصْنِ:
جَاءَ ذِكْرُهَا فِي حَفْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ، وَأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تَقُول: سَيْفٌ قَلْعِيٌّ، وَسَيْفٌ خَطِّيٌّ، وَهِنْدِيٌّ، إلَخْ.
وَفِي شُرُوحَاتِ السِّيرَةِ أَنَّ مِسْعَرَ بْنَ مُهَلْهَلٍ ذَكَرَ الْقَلْعَةَ فِي خَبَرِ رِحْلَتِهِ إلَى الصِّينِ، فَقَالَ: وَفِي هَذِهِ الْقَلْعَةِ تُضْرَبُ السُّيُوفُ الْقَلْعِيَّةُ، وَهِيَ الْهِنْدِيَّةُ الْعَتِيقَةُ. أَمَّا الْخُطُّ، فَهِيَ مَدِينَةٌ كَانَتْ بِالْبَحْرَيْنِ عَلَى سَيْفِ الْبَحْرِ كَانَتْ تُسْتَوْرَدُ مِنْهَا السُّيُوفُ الْخَطِّيَّةُ.

الْقَلِيبُ وَمَعْنَاهُ الْبِئْرُ:
بِئْرٌ رُدِمَ فِيهَا قَتْلَى قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ ذَهَبَتْ.

الْقُلَّيْسُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَعَ الْفَتْحِ:
جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ إنَّ أَبْرَهَةَ بَنَى «الْقُلَّيْسَ» بِصَنْعَاءَ فَبَنَى كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ.
وَأَرَادَ أَبْرَهَةُ أَنْ يَصْرِفَ الْعَرَبَ إلَى حَجِّ قُلَّيْسَة َ بَدَلَ الْكَعْبَةِ
(1/256)

الْمُشَرَّفَةِ، فَغَضِبَتْ الْعَرَبُ لِذَلِكَ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ حَتَّى أَتَى الْقُلَّيْسَ فَأَحْدَثَ فِيهَا.
فَعَزَمَ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ عَلَى هَدْمِ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَيَقُولُ الرَّدَاعِي فِي قَصِيدَتِهِ الْحُجِّيَّةِ:

بِلَادُ مَلِكٍ ضَلَّ مِنْ يَقِيسَ

أَرْضٌ بِصَنْعَاءَ لَهَا تَأْسِيسُ
مَا لَمْ يُعَدَّ الْحَرَمُ الْأَنِيسُ

أَرْضٌ بِهَا غُمْدَانُ وَالْقُلِّيسُ
بَنَاهُمَا ذُو النَّجْدَةِ الرَّئِيسُ

تُبَّعٌ مَلِكٌ وَبِنْتُ بَلْقِيسُ
وَتَرَاهُ هُنَا يَنْسِبُ بِنَاءَ الْقُلَّيْسِ إلَى تُبَّعٍ، وَالتَّبَابِعَةُ مُلُوكُ الْيَمَنِ قَبْلَ أَبْرَهَةَ، وَمَذْهَبُ الْهَمْدَانِيّ أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ حِمْيَرَ هُوَ الَّذِي بَنَى الْقُلَّيْسَ، وَأَنَّ أَبْرَهَةَ اتَّخَذَهُ كَنِيسَةً، وَمِنْ الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ: أَنَّ أَبْرَهَةَ سَخَّرَ أَهْلَ الْيَمَنِ فِي بِنَاءِ الْقُلَّيْسِ وَأَنَّهُ كَتَبَ إلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ إنِّي بَنَيْت لَك كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكِ. فَلَعَلَّهَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً وَأَنَّ الْأَشْرَمَ رَمَّمَهَا وَزَادَ فِيهَا وَحَسَّنَهَا.

قَنَاةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالنُّونِ، وَأَلِفٍ، وَآخِرُهُ هَاءٌ:
وَرَدَ فِي النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي «الْكُدْرِ» وَهُوَ وَادٍ فَحْلٌ يَسْتَسِيلُ مَنَاطِقَ شَاسِعَةً مِنْ شَرْقِ الْحِجَازِ، تَصِلُ إلَى مَهْدِ الذَّهَبِ جَنُوبًا، وَإِلَى أَوَاسِطِ حَرَّةِ النَّارِ «حَرَّةِ خَيْبَرَ الْيَوْمَ» شَمَالًا، وَبَيْنَهُمَا قَرَابَةُ مِائَتَيْ كَيْلٍ، أَمَّا مِنْ الشَّرْقِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِيَاهَ الرَّبَذَةِ وَرَحْرَحَانَ وَالشَّقْرَانِ، عَلَى قَرَابَةِ «150» كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، وَلَهُ رَوَافِدُ كِبَارٌ، مِنْهَا: وَادِي نَخْلٍ وَوَادِي الشُّعْبَةِ، وَالْعَقِيقِ الشَّرْقِيِّ، وَأَوْدِيَةٌ فُحُولٌ غَيْرُهَا،
(1/257)

وَكَانَ إذَا سَالَ قَدْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَنْ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ نَجْدٍ شَهْرًا أَوْ نَحْوَهُ.
وَيَمُرُّ قَنَاةُ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ بَطْحَانَ، وَعَقِيقِ الْمَدِينَةِ، تَكَوَّنَ وَادِي إضَمٍ، وَهَذِهِ الْأَوْدِيَةُ الثَّلَاثَةُ تَكْتَنِفُ الْمَدِينَةَ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا. وَيَذْهَبُ إضَمٌ إلَى الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ جَنُوبَ مَدِينَةِ الْوَجْهِ.
(1/258)

كَبْكَبٌ بِتَكْرَارِ الْكَافِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ:
جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي الصَّلْتِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيِّ، وَقِيلَ: بَلْ ابْنُهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:

إنَّ آيَاتِ رَبِّنَا ثَاقِبَاتٌ

لَا يُمَارِي فِيهِنَّ إلَّا الْكَفُورُ
خُلِقَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَكُلٌّ

مُسْتَبِينٌ حِسَابُهُ مَقْدُورُ
حُبِسَ الْفِيلُ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى

ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ
لَازِمًا حَلْقَةَ الْجُرَّانُ كَمَا

قُطِّرَ مِنْ صَخْرِ كَبْكَبٍ مَحْدُورُ
قُلْت: كَبْكَبٌ جَبَلٌ لِهُذَيْلٍ بَيْنَ نَعْمَانَ وَالْمُغَمَّسِ وَحُنَيْنٍ، أَسْمَرُ عَالٍ مِنْ حَيْثُ اتَّجَهْت مِنْ مَكَّةَ إلَى الطَّائِفِ تَمُرُّ بِجِوَارِهِ، مَاؤُهُ مَقْسُومٌ بَيْنَ نَعْمَانَ وَعُرَنَةَ، وَإِذَا وَقَفْت فِي عَرَفَةَ لَيْسَ بَيْنَك وَبَيْنَهُ غَيْرُ جَبَلِ سَعْدٍ، وَقَدْ أَفَضْت فِي ذِكْرِهِ فِي مَعَالِمِ مَكَّةَ، فَأَغْنَى.

كَدَاءُ: بِالتَّحْرِيكِ وَالْمَدِّ. وَكُدًى: بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ، وَكُدَيٌّ: بِالضَّمِّ وَآخِرُهُ يَاءٌ: هَذِهِ الْأَكْدِيَةُ يَتَرَدَّدُ ذِكْرُهَا كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ وَكُتُبِ الْبُلْدَانِ وَتَوَارِيخِ مَكَّةَ، وَكَثُرَ فِيهَا الْغَلَطُ وَالْخَلْطُ، وَأَطَلْت الْحَدِيثَ عَنْهَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ» وَمَا يَهُمُّ قَارِئَ السِّيرَةِ هُنَا هُوَ:
1 - كَدَاءُ: بِالتَّحْرِيكِ وَالْمَدِّ، هُوَ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِرِيعِ
(1/261)

الْحَجُونِ، يَدْخُلُ طَرِيقُهُ بَيْنَ مَقْبَرَتَيْ الْمَعْلَاةِ، وَيُفْضِي مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى إلَى حَيِّ الْعَتِيبِيَّةِ وَجَرْوَلَ.
2 - كُدًى: بِضَمِّ الْكَافِ وَالْقَصْرِ: هُوَ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِرِيعِ الرَّسَّامِ، بَيْنَ حَارَةِ الْبَابِ وَجَرْوَلَ.
3 - كُدَيٌّ: بِضَمِّ الْكَافِ وَآخِرُهُ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ:
رِيعٌ مَا زَالَ يُعْرَفُ بِهَذَا الِاسْمِ، يُخْرَجُ فِيهِ مِنْ مَسْفَلَةِ مَكَّةَ إلَى جَبَلِ ثَوْرٍ وَجَنُوبِ شَرْقِيِّ مَكَّةَ إلَى مِنًى، وَطَرِيقُهُ تُسَمَّى «اللَّاحِجَةَ» وَكُلُّهَا مِنْ مَكَّةَ.

الْكُدْرُ بِضَمِّ الْكَافِ، وَسُكُونِ الدَّالِ. جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَزَاةٍ إلَى بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِهِمْ يُقَالُ لَهُ: الْكُدْرُ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
قُلْت: وَيُقَالُ: قَرْقَرَةُ الْكُدْرِ. نَقَلَ - فِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ - عَنْ الْوَاقِدِيِّ، قَوْلَهُ: بِنَاحِيَةِ الْمَعْدِنِ قَرِيبَةٌ مِنْ الْأَرْحَضِيَّةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ. وَقَالَ عَرَّامٌ: فِي حَزْمِ بَنِي عَوَالٍ مِيَاهَ آبَارٍ مِنْهَا بِئْرُ الْكُدْرِ وَقَرَنَهَا كُثَيِّرٌ مَعَ اللَّعْبَاءِ وَتَغْلَمَيْنِ وَأَظْلَمَ، فَقَالَ:

سَقَى الْكُدْرَ فَاللَّعْبَاءَ فَالْبَرْقَ فَالْحِمَى

فَلَوْذَ الْحَصَى مِنْ تَغْلَمَيْنِ فَأَظْلَمَا
وَهِيَ بِالتَّحْدِيدِ، إذَا سِرْت مِنْ الْمَدِينَةِ فَكُنْت بَيْنَ الصُّوَيْدِرَةِ وَالْحِنَاكِيَّةِ تَؤُمُّ الْقَصِيمَ، فَهِيَ عَلَى يَمِينِك فِي ذَلِكَ الْفَضَاءِ الْوَاسِعِ الَّذِي يَمْتَدُّ إلَى مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ «مَهْدِ الذَّهَبِ الْيَوْمَ». غَيْرَ أَنَّ الِاسْمَ بِذَاتِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ الْيَوْمَ.
(1/262)

وَانْظُرْ «قَرْقَرَةَ الْكُدْرِ».

الْكَدِيدُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ:
وَرَدَ فِي أَمَاكِنَ مِنْ السِّيرَةِ، أَهَمُّهَا فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَرَجَ لِعَشْرِ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا بَلَغَ الْكَدِيدَ، بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ أَفْطَرَ.
قُلْت: هُنَا تَحْدِيدٌ دَقِيقٌ لِلْكَدِيدِ بِأَنَّهُ بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ، وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا عُشْرُونَ كَيْلًا فَقَطْ، وَأَمَجُ يُسَمَّى الْيَوْمَ «خُلَيْصٌ» وَعُسْفَانُ مَا زَالَ مَعْرُوفًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَالْكَدِيدُ: يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ «الْحَمْضِ» أَرْضٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَخُلَيْصٍ عَلَى (90) كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْجَادَّةِ الْعُظْمَى إلَى الْمَدِينَةِ، وَسُمِّيَ الْحَمْضَ لِكَثْرَةِ نَبَاتِ الْعَصْلَاءِ فِيهَا، وَهِيَ أَرْضٌ تُزْرَعُ عَثَرِيًّا يَسْقِيهَا وَادِي غَرَّانِ، وَأَهْلُهَا زُبَيْدٌ مِنْ حَرْبٍ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغْزَى غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَلْبِيَّ اللَّيْثِيَّ بَنِي الْمُلَوِّحِ بِالْكَدِيدِ. وَبَنُو الْمُلَوِّحِ مِنْ بَنِي لَيْثٍ مِنْ كِنَانَةَ، فَالْكَدِيدُ كَانَ مِنْ دِيَارِهِمْ.

كُرَاعُ رَبَّةَ اُنْظُرْ الْحَرَّةَ الرَّجْلَاءَ.
كُرَاعُ الْغَمِيمِ جَاءَتْ فِي ذِكْرِ غَزَاةِ بَنِي لِحْيَانَ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ فِي مِئَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ عُسْفَانَ، ثُمَّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ.
قُلْت: هِيَ نَعْفٌ مِنْ حَرَّةِ ضَجَنَانَ، تَقَعُ جَنُوبَ عُسْفَانَ
(1/263)

بِسِتَّةَ عَشَرَ كَيْلًا عَلَى الْجَادَّةِ إلَى مَكَّةَ، أَيْ عَلَى (64) كَيْلًا مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبَرْقَاءِ الْغَمِيمِ، ذَلِك أَنَّهَا بَرْقَاءُ فِي تَكْوِينِهَا.
وَالْبَرْقَاءُ وَالْأَبْرَقُ وَالْبُرْقَةُ: مُرْتَفَعٌ تَخْتَلِطُ فِيهِ الْحِجَارَةُ بِالرَّمْلِ.

كَشْرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَشٍ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِالْمَدِينَةِ يَرْتَادَانِ وَيَنْظُرَانِ، فَبَيْنَا هُمَا عِنْدَهُ عَشِيَّةً بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، إذْ قَالَ: بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شُكْرٌ؟ فَقَامَ إلَيْهِ الْجُرَشِيَّانِ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَشْرٌ ; وَبِذَلِكَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ جُرَشٍ، فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَشْرِ، وَلَكِنَّهُ شُكْرٌ ; قَالَا: فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ.
قُلْت: هَذَا الْجَبَلُ ظَهَرَ فِي بَعْضِ الْمُخَطَّطَاتِ قُرْبَ خَمِيسِ مُشَيْطٍ، بِاسْمِ شُكْرٍ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَجُرَشٌ - كَمَا تَقَدَّمَ - قَرِيبَةٌ مِنْ خَمِيسِ مُشَيْطٍ، وَكِلَاهُمَا شَرْقِيَّ أَبْهَا إلَى الشَّمَالِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ كَيْلًا.

الْكَعْبَاتُ (ذُو. .) كَجَمْعِ كَعْبَةٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْكَعْبَاتِ لِبَكْرِ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ وَإِيَادِ - بْنِ نِزَارٍ - بِسِنْدَادَ، وَلَهُ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي قَيْسٍ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ
(1/264)

وَقِيلَ: بَلْ الْبَيْتُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيّ، قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ.
وَيُقَالُ فِي الْبَيْتِ الْمُتَقَدِّمِ: وَالْقَصْرِ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ. وَلَمْ أَرَ مَنْ حَدَّدَ هَذَا الْبَيْتَ غَيْرَ أَنَّهُ فِي سِنْدَادَ، وَسِنْدَادُ: مِنْ أَرْضِ الْفُرَاتِ وَقَدْ تَحَدَّثْنَا عَنْهُ آنِفًا.

الْكَفَّيْنِ (ذُو. .) كَتَثْنِيَةِ كَفِّ الْيَدِ:
جَاءَ فِي قَوْلِ طُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيّ:
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْت مِنْ عِبَادِكَا

مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنِّي حَشَوْت النَّارَ فِي فُؤَادِكَا
ذَلِك أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ - فِي إحْرَاقِ ذِي الْكَفَّيْنِ فَأَذِنَ لَهُ فَأَحْرَقَهُ.
وَكَانَ ذُو الْكَفَّيْنِ لِبَنِي مُنْهِبِ بْنِ دَوْسٍ.
وَكَانَ فِي بِلَادِ زَهْرَانَ، وَقَدْ ذَهَبَ فِيمَا ذَهَبَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَصْنَامِ

الْكَهْفُ الْوَارِدُ فِي الذِّكْرِ الْحَكِيمِ: أَمْ حَسِبْت أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا.
وَذُكِرَتْ الْقِصَّةُ فِي 1\ 304 مِنْ النُّسْخَةِ الَّتِي اعْتَمَدْنَاهَا.
وَقَدْ قِيلَتْ فِي الْكَهْفِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ كَانَ أَكْثَرُهَا رَجْمًا
(1/265)

بِالْغَيْبِ. فَقَالَ يَاقُوتٌ: بِالْقُرْبِ مِنْ الْبَلْقَاءِ مِنْ أَطْرَافِ الشَّامِ مَوْضِعٌ يُقَالُ لَهُ الرَّقِيمُ، يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّ بِهِ أَهْلَ الْكَهْفِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَقِيلَ الرَّقِيمُ لَوْحٌ كُتِبَتْ فِيهِ أَخْبَارُهُمْ.
ثُمَّ يَقُولُ: إنَّ بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مَوْضِعًا يُزْعِمُونَ أَنَّهُ الْكَهْفُ وَالرَّقِيمُ قُرْبَ عَمَّان، وَذَكَرُوا أَنَّ عَمَّان هِيَ مَدِينَةُ ديقانوس. وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ وَخَوْضٌ أَهَمُّ مَا يُعَاصِرُنَا مِنْهَا الْيَوْمَ: قَوْلُ الْأُرْدُنِّيِّينَ أَنَّ كَهْفًا بِظَاهِرِ عَمَّان هُوَ مَوْضِعُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَأَنَّ مَدِينَةَ الْبَتْرَاءِ الْأَثَرِيَّةَ الْأُرْدُنَّيَّةَ هِيَ «الرَّقِيمُ»، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ لَيْسُوا أَصْحَابَ الرَّقِيمِ، إنَّمَا عُطِفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْخَبَر، كَقَوْلِهِ: النَّصَارَى وَالْمَجُوسَ

الْكَوْثَرُ الْوَارِدُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ. جَاءَ فِي النَّصِّ: وَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ؟ قَالَ: نَهْرٌ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى أَيْلَةَ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، تَرِدُهُ طُيُورٌ لَهَا أَعْنَاقٌ كَأَعْنَاقِ الْإِبِل ِ.
وَالْكَوْثَرُ - بِالْمُنَاسَبَةِ فَقَطْ - مَسْجِدٌ فِي مِنًى يُسَمَّى مَسْجِدَ الْكَوْثَرِ، وَقَدْ هُدِمَ الْيَوْمَ فِي إصْلَاحَاتِ الْجُسُورِ فِي مِنًى. ......

الْكُوفَةُ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ جُنَادٍ، أَوْ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ بِالنَّسَبِ، أَنَّهُ قَالَ: إنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ مِنْ وَلَدِ سَاطِرُونَ مَلِكِ الْحَضْرِ.
وَالْحَضْرُ: قَصْرٌ ذُكِرَ فِي مَوْضِعِهِ.
(1/266)

قُلْت: الْكُوفَةُ - وَكَانَتْ تُسَمَّى أَحَدَ الْعِرَاقَيْنِ، وَالْآخَرُ الْبَصْرَةُ - مَدِينَةٌ أَسَّسَهَا الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ أَسَّسَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ سَنَةَ 17 لِلْهِجْرَةِ، فَكَانَ يُعَيَّنُ لَهَا وَالٍ مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ بِالْمَدِينَة ِ، وَكَانَ الْعَرَبُ أَقَامُوهَا عَلَى أَمْيَالٍ مِنْ الْحِيرَةِ عَاصِمَةِ الْمَنَاذِرَةِ، فَقَضَتْ عَلَى الْحِيرَةِ، وَلَمَّا تَوَلَّى الْخِلَافَةَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ اتَّخَذَ الْكُوفَةَ عَاصِمَةً لَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ دُفِنَ بِظَاهِرِهَا فِي مَوْضِعٍ يُدْعَى النَّجَفَ، وَظَلَّتْ الْكُوفَةُ رَدْحًا مِنْ الزَّمَنِ تُنَافِسُ الْبَصْرَةَ، وَخَرَجَ فِيهِمَا مَدْرَسَتَا النَّحْوِ: الْكُوفِيَّةُ وَالْبَصْرِيَّةُ، وَلَمَّا تَقَدَّمَتْ بَغْدَادُ أَخَذَ كُلٌّ مِنْ النَّجَفِ وَالْبَصْرَةِ تَفْقِدُ مَكَانَتَهَا، ثُمَّ اتَّخَذَ الشِّيعَةُ النَّجَفَ مَزَارًا فَتَكَوَّنَتْ بِهِ مَدِينَةُ «النَّجَفِ الْأَشْرَفِ». كَمَا يُسَمِّيهَا الْعِرَاقِيُّونَ، فَقَضَتْ عَلَى آخِرِ الْكُوفَةِ، وَتُوجَدُ آثَارُهَا بِظَاهِرِ النَّجَفِ قُرْبَ الْتِقَاءِ خَطَّيْ: 32 عَرْضًا و25 و44 طُولًا وَكِلَاهُمَا عَلَى الضَّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ لِنَهْرِ الْفُرَاتِ، وَمَا زَالَ بَعْضُهَا مَغْمُورًا.
وَنَشَرَ الْأُسْتَاذُ حَسَنٌ الدُّجَيْلِيّ بَحْثًا فِي «مَجَلَّةِ الْفَيْصَلِ السُّعُودِيَّةِ» عَدَدُ 56، جَاءَ فِيهِ:
تَقَعُ الْكُوفَةُ عَلَى نَهْرِ الْفُرَاتِ، وَعَلَى مَسَافَةِ ثَمَانِيَةِ كِيلُو مِتْرَاتٍ مِنْ مَدِينَةِ النَّجَفِ، و156 كِيلُو مِتْرًا مِنْ بَغْدَادَ، وَسِتِّينَ كِيلُو مِتْرًا جَنُوبِيَّ مَدِينَةِ كَرْبَلَاءَ. وَأَرْضُهَا سَهْلَةٌ عَالِيَةٌ، تَرْتَفِعُ عَنْ سَطْحِ الْبَحْرِ ب22 مِتْرًا، وَشَاطِئُهَا الْغَرْبِيُّ أَعْلَى مِنْ الشَّرْقِيِّ بِسِتَّةِ أَمْتَارٍ تَقْرِيبًا، مِمَّا يَجْعَلُهَا فِي مَأْمَنٍ مِنْ الْفَيَضَانَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَكُلَّمَا سِرْنَا غَرْبًا ارْتَفَعَتْ الْأَرْضُ عَنْ سَطْحِ الْبَحْرِ تَدْرِيجِيًّا لِتَصِلَ إلَى سِتِّينَ مِتْرًا وَنِصْفِ الْمِتْرِ. ثُمَّ تَنْحَدِرُ انْحِدَارًا شَدِيدًا نَحْوَ الْجَنُوبِ الْغَرْبِيِّ لِتَمْتَدَّ إلَى بُحَيْرَةٍ مَالِحَةٍ ضَحْلَةٍ عُرِفَتْ بِبَحْرِ النَّجَفِ غَرْبًا.
(1/267)

لَمْ تَكُنْ الْكُوفَةُ مَعْرُوفَةً بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَ تَعْمِيرِهَا، وَلَيْسَ فِي مَوْقِعِهَا مَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ مُسْتَوْطَنًا مِنْ الْمُسْتَوْطَنَاتِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْعِرَاقِيَّةِ الْقَدِيمَةِ. «وَلَمْ نَعْثُرْ فِي حَفَائِرِهَا أَوْ فِي أَرْضِهَا عَلَى آثَارٍ أَوْ أَبْنِيَةٍ تَعُودُ إلَى عُصُورِ مَا قَبْلَ التَّارِيخِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَوْضِعُهَا جُزْءًا سَهْلِيًّا مِنْ الضَّفَّةِ الْيُمْنَى لِلْفُرَاتِ الْأَوْسَطِ وَإِلَى الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْ مَدِينَةِ الْحِيرَةِ، وَيُدْعَى سُورَسْتَانَ».
إلَى أَنْ يَقُولَ:
وَبِتَأْسِيسِ مَدِينَةِ بَغْدَادَ سَنَةَ 145 هـ، أَخَذَتْ الْكُوفَةُ تَفْقِدُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كَثِيرًا مِنْ رَصِيدِهَا الْعِلْمِيِّ، وَتَحَوَّلَتْ إلَى قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ تَسْكُنُهَا الْأَشْبَاحُ وَالذِّكْرَيَاتُ، وَتُطَوِّقُهَا الْخَرَائِبُ وَالْآكَامُ، وَتَعْصِفُ بِهَا رِيَاحُ الزَّمَنِ الْعَاتِيَةُ، إلَّا مَسْجِدَهَا الْكَبِيرَ الَّذِي ظَلَّ صَامِدًا يُقَارِعُ الْعَادِيَاتِ لِيَبْعَثَهَا مِنْ جَدِيدٍ.
لَقَدْ ظَلَّ مَسْجِدُهَا الْكَبِيرُ، شَاهِدًا عَلَى عُنْفُوَانِهَا وَعَظَمَتِهَا، وَصَارَ لَهَا رَصِيدًا رُوحِيًّا، وَرَمْزًا لِلتَّضْحِيَةِ وَالِاسْتِشْهَادِ، وَاصْطَبَغَ أَدِيَمُهَا بِدِمَاءِ الشُّهَدَاءِ. فَفِي مَسْجِدِهَا اُغْتِيلَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَفِي أَرْضِ الطَّفِّ الْقَرِيبَةِ اُسْتُشْهِدَ الْإِمَامُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَهْلُ بَيْتِهِ فِي وَاقِعَةِ كَرْبَلَاءَ الْمُرَوِّعَةِ، وَفِيهَا قُتِلَ وَسُحِلَ وَصُلِبَ حَفِيدُهُ الْإِمَامُ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، هَذَا فَضْلًا عَنْ عَشَرَاتِ الشُّهَدَاءِ الطَّالِبِيِّينَ وَغَيْرِ الطَّالِبِيِّينَ.
وَقَدْ أَنْجَبَتْ الْكُوفَةُ عَدَدًا كَبِيرًا مِنْ عَبَاقِرَةِ الْعِلْمِ وَالشِّعْرِ وَاللُّغَةِ وَالْأَدَبِ. . فَقَدْ أَنْجَبَتْ «أَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيّ، وَجَابِرَ بْنَ حَيَّانَ، وَالْأَصْمَعِيَّ، وَالْكِسَائِيَّ، وَالْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ النُّعْمَانَ، وَالْفَيْلَسُوفَ الْكِنْدِيَّ».
(1/268)

اللَّات جَاءَ فِي النَّصِّ: وَاَللَّاتِي: بَيْتٌ لَهُمْ بِالطَّائِفِ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ نَحْوَ تَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ.
قُلْت: هَدَمَ اللَّهُ اللَّاتِي كَمَا هُدِمَتْ الْعُزَّى وَمَنَاةُ، وَمَوْقِعُ اللَّاتِي الْيَوْمَ غَرْبِيِّ مَسْجِدِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ قُرْبٍ، وَعَوَّضَ اللَّهُ ثَقِيفًا فِي اللَّاتِي مَسْجِدًا مُطَهَّرًا.
وَكَانَ سَدَنَتُهَا بَنُو مُعَتِّبٍ مِنْ ثَقِيفٍ.
وَهِيَ الَّتِي تَقُولُ فِيهَا امْرَأَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ:

غَلَبَتْ خَيْلُ اللَّهِ خَيْلَ اللَّاتِ

وَخَيْلُهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ.

لَعْلَعُ بِتَكْرَارِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أُولَاهُمَا سَاكِنَةٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي خَارِفٍ، وَتَمَامُهُ: أَجَابُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ، وَفَارَقُوا الْإِلَهَاتِ الْأَنْصَابِ، عَهْدَهُمْ لَا يُنْقَضُ مَا أَقَامَتْ لَعْلَعُ.
أَيْنَ يَقَعُ لَعْلَعُ؟ فِي «صِفَةِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»: لَعْلَعُ مَوْضِعُ مَاءٍ فِي دِيَارِ بَكْرٍ. أَيْ فِي جِهَاتِ الْمَوْصِلِ. وَنَقَلَ يَاقُوتٌ عَنْ نَصْرٍ أَنَّهُ مَاءٌ بِالْبَادِيَةِ وَأَنَّهُ وَرَدَهُ، وَذُكِرَ لَعْلَعُ عَلَى الطَّرِيقِ بَعْدَ السَّلْمَانِ لِقَاصِدِ مَكَّةَ عَلَى عِشْرِينَ مِيلًا.
وَهُنَاكَ الْيَوْمَ قَرْيَةٌ تُسَمَّى لَعْلَعُ تَابِعَةٌ للدوادمي.
وَلَعْلَعُ الْيَوْمَ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ، وَلَكِنَّهُ اسْمٌ حَدِيثٌ فِيمَا أَظُنُّ.
(1/271)

فَأَوَّلُ مَنْ ذَكَرَهُ الْفَاسِيُّ الْقَرْنُ 9 هـ، وَلَا أَظُنُّ هَذَا الشَّاعِرَ يَعْنِيهِ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ. وَمَهْمَا يَكُنْ فَهَذَا جَبَلٌ، وَاضِحٌ مِنْ النَّصِّ، وَجِبَالُ الْعَرَبِ كَثِيرَةٌ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَسْمَاءِ تَغَيَّرَ مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ.

لُفَاةُ بِضَمِّ اللَّامِ وَبَعْدَ الْفَاءِ أَلِفٌ فَتَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيَّ:
مَرَرْنَا عَلَى لُفَاةَ وَهُنَّ خُوصٌ

يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ يَنْتَحِينَا
أَيْنَ يَقَعُ لُفَاةُ؟ رَوَاهُ يَاقُوتٌ (لُفَاتُ) بِالتَّاءِ الْمَبْسُوطَةِ: وَقَالَ: مِنْ دِيَارِ مُرَادٍ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ مِنْ نِسْبَةِ الشِّعْرِ إلَى فَرْوَةَ الْمُرَادِيَّ. وَكَذَلِكَ أَعْتَقِدُ أَنَّ يَاقُوتًا أَخَذَهُ عَنْ السِّيرَةِ وَلَكِنَّهُ غَيَّرَ رَسْمَ الْعَلَمِ، وَأَضَافَ الْمَكَانَ إلَى دِيَارِ مُرَادٍ.
وَدِيَارُ مُرَادٍ مِنْ دِيَارِ مَذْحِجَ، وَهِيَ وَاسِعَةٌ شَاسِعَةٌ. كَمَا أَنَّ فَرْوَةَ كَانَ يُقِيمُ بَعْضَ الْوَقْتِ عِنْدَ مُلُوكِ كِنْدَةَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالرَّاجِحُ أَنَّ لُفَاةَ أَوْ لُفَاتَ هِيَ مِنْ دِيَارِ مَذْحِجَ.

لَفْتٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَآخِرُهُ تَاءٌ، كَذَا ضَبَطَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ: جَاءَ فِي قَوْلِ مَعْقِلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيّ:
(1/272)

لَعَمْرُكَ مَا خَشِيت وَقَدْ بَلَغْنَا

جِبَالَ الْجَوْزِ مِنْ بَلَدٍ تِهَامِ
نَزِيعًا مُحْلَبًا مِنْ أَهْلِ لُفْتٍ

لَحَيِّ بَيْنَ أَثْلَةَ وَالنَّحَامِ
قُلْت: لَفْتٌ، ثَنِيَّةٌ تُشْرِفُ عَلَى خُلَيْصٍ مِنْ الشَّمَالِ، يَطَؤُهَا الدَّرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدِيدٍ، سَلَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُهَاجَرَتِهِ، وَتُسَمَّى الْيَوْمَ «الْفَيْتُ» وَلَعَلَّهُ تَحْرِيفًا لِلُفَيْتٍ بِالتَّصْغِيرِ كَمَا قَالُوا فِي لُقَيْمٍ الْقَيْمُ لِقُرْبِ مَخَارِجِ النُّطْقِ، وَقَدْ هُجِرَتْ لَفْتٌ مِنْ زَمَنٍ، وَلَمْ تَعُدْ مَطْرُوقَةً، وَعِنْدَمَا عُبِّدَ الطَّرِيقُ تَجَاهَلَهَا وَتَرَكَهَا وَأَخَذَ عَنْهَا يَسَارًا فِي حَرَّةٍ لَمْ تَكُنْ مَطْرُوقَةً مِنْ قَبْلُ.

لِقْفٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَفَاءٍ: جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي الْخَرَّارِ. قُلْت: لِقْفٌ، وَادٍ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي الْفَرْعِ يَصُبُّ فِيهِ مِنْ ضَفَّتِهِ الشَّمَالِيَّةِ عِنْدَ بِئْرِ رِضْوَانَ، قَبْلَ اجْتِمَاعِ الْفَرْعِ وَالْقَاحَةِ.
اللَّيْطُ بِكَسْرِ اللَّامِ، وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ يَصِفُ دُخُولَ جُيُوشِ فَتْحِ مَكَّةَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ فِي حَدِيثِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ مِنْ اللَّيْطِ، أَسْفَلَ مَكَّةَ.
(1/273)

وَفِي أَخْبَارِ مَكَّةَ مَا يُوحِي بِأَنَّ اللَّيْطَ هُوَ السَّهْلُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ سَيْلُ وَادِي طُوًى، وَهُوَ مَا نُسَمِّيهِ الْيَوْمَ التَّنْضَبَاوِيّ أَوْ الطَّنْبَدَاوِيّ، وَقَدْ أَصْبَحَ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ مَكَّةَ، وَبِالتَّحْدِيدِ: إذَا خَرَجْت مِنْ الشُّبَيْكَةِ غَرْبًا عَلَى طَرِيقِ رِيعِ الْحَضَائِرِ هَبَطْت اللَّيْطَ، وَيَمْتَدُّ هَذَا السَّهْلُ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِوَادِي إبْرَاهِيمَ فِي الْمَسْفَلَةِ عِنْدَ قَوْزِ الْمَكَّاسَةِ.

لِيَّةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ مَعَ الْفَتْحِ، وَآخِرُهُ هَاءٌ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ يُعَرِّضُ بِبَعْضِ ثَقِيفٍ
فَكُنَّا أُسْدَ لِيَّةَ ثُمَّ حَتَّى

أَبَحْنَاهَا وَأَسْلَمَتْ النُّصُورُ
وَيَوْمٌ كَانَ قَبْلُ عَلَى حُنَيْن ٍ

فَأَقْلَعَ وَالدِّمَاءُ بِهِ تَمُورُ
قُلْت: لِيَّةُ، وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الطَّائِفِ، كَثِيرُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ وَالْأَهْلِ. يَسِيلُ مِنْ السَّرَاةِ الْوَاقِعَةِ جَنُوبَ غَرْبِ الطَّائِفِ، حَيْثُ شَفَا هُذَيْلٍ، وَشَفَا بَنِي مِنْ ثَقِيفٍ، ثُمَّ تَتَجَمَّعُ نَوَاشِغُهُ - وَأَهَمُّهَا: وَادِي خُمَاسٍ وَوَادِي الضِّيقِ، وَوَادِي عُرْضَةَ - ثُمَّ يَتَّجِهُ الْوَادِي مُشَرِّقًا فَيَمُرُّ عَلَى (15ْ) كَيْلًا جَنُوبَ الطَّائِفِ، حَتَّى يَدْفَعَ فِي رُكْبَةٍ عِنْدَ الْبَرْثِ غَرْبَ جَبَلِ حَضَنٍ.
سُكَّانُهُ: فِي أَعْلَاهُ ثَقِيفٌ وَبَعْضُ الْأَشْرَافِ، وَفِي وَسَطِهِ عُتَيْبَةُ وَبَعْضُ الْأَشْرَافِ أَيْضًا، وَفِي أَسْفَلِهِ بَنُو عَدْوَانَ، ثُمَّ يَعُودُ لِعَتِيبَةَ مَرَّةً أُخْرَى.
(1/274)

مَآبُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ إدْخَالِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيِّ الْأَصْنَامَ بِلَادَ الْعَرَبِ.
كَذَا ذَكَرَ أَنَّهَا مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ. وَفِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ: أَنَّهَا فُتِحَتْ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ. فَهِيَ إذَنْ شَمَالَ مُؤْتَةَ، وَإِلَّا لَذُكِرَتْ مَعَهَا أَوْ قَبْلَهَا. وَيُورِدُ يَاقُوتٌ بَيْتًا لِحَاتِمِ طَيِّئٍ يَقُولُ فِيهِ:
سَقَى اللَّهُ رَبَّ النَّاسِ سَحًّا وَدَيْمَة َ

جَنُوبَ السَّرَاةِ مِنْ مَآبٍ إلَى زُغْرِ
وَيَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْأَنْصَارِيُّ فِي سَيْرِهِمْ إلَى مُؤْتَةَ:
فَلَا وَأَبِي مَآبَ لَنَأْتِيَنْهَا

وَإِنْ كَانَتْ بِهَا عَرَبٌ وَرُومُ
وَفِي الْمُنْجِدِ: ط 17 ص 518: مُؤَابٌ، بِلَادٌ شَرْقِيَّ بَحْرِ لُوطٍ.
وَبَحْرُ لُوطٍ: وَهُوَ مَا يُسَمَّى الْيَوْمَ الْبَحْرَ الْمَيِّتَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُنْجِدِ مَآبًا.
وَلَمْ تَذْكُرْ الْمَرَاجِعُ الْقَدِيمَةُ مُؤَابًا. - ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَةَ الْأُولَى عَرَبِيَّةٌ، وَالْأَخِيرَةَ عِبْرَانِيَّةٌ. وَيُقَالُ: إنَّ مُؤَابًا اسْمٌ لَابْنِ لُوطٍ، وَنَسَلَ مِنْهُ شَعْبُ مُؤَابٍ الَّذِي أُعْطِيَ اسْمُهُ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ. مِنْ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ نَعْرِفُ أَنَّ «مَآبَ» هِيَ السَّرَاةُ
(1/277)

الَّتِي تَمْتَدُّ بِمُحَاذَاةِ الْغَوْرِ الْأُرْدُنِّيِّ مِنْ الشَّرْقِ، وَتَقَعُ عَلَيْهَا مُدُنُ: الْبَتْرَاءِ، وَالْكَرْكِ، وَالسَّلْطِ وَعَجْلُونٍ، وَرُبَّمَا جُرَشٌ وَعَمَّانُ.
وَمِيَاهُ هَذِهِ السَّرَاةِ تَنْحَدِرُ غَرْبًا عَلَى الْبَحْرِ الْمَيِّتِ وَنَهْرِ الْأُرْدُنِّ، وَأَوْدِيَتُهَا الشَّرْقِيَّةُ تَعُودُ مَرَّةً أُخْرَى إلَى الْغَوْرِ، كَوَادِي عَمَّان، بَيْنَمَا يَذْهَبُ بَعْضُهَا إلَى الصَّحْرَاءِ الْعَرَبِيَّةِ شَرْقًا. وَهِيَ سَرَاةٌ جَبَلِيَّةٌ كَثِيرَةُ الْقُرَى وَالزَّرْعِ، وَتُغَطِّي قِمَمَهَا الْأَشْجَارُ، وَهِيَ الْيَوْمَ فِي الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ.

مَأْرِبٌ يُكْسَرُ رَاؤُهَا وَيُفْتَحُ: جَاءَتْ فِي قَوْلِ أَعْشَى قَيْسٍ:
وَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ

وَمَأْرِبُ عَفَّى عَلَيْهَا الْعَرِمْ
رُخَامٌ بِنْتُهُ لَهُمْ حِمْيَرٌ

إذَا جَاءَ مَوَّارُهُ لَمْ يَرِمْ
وَهِيَ مَدِينَةٌ مِنْ أَعْظَمِ مُدُنِ الْيَمَنِ شُهْرَةً وَتَارِيخًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا شَطْرًا مِنْ قِصَّتِهَا فِي «سَدِّ مَأْرِبٍ» وَمَا زَالَتْ مَأْرِبٌ مَعْرُوفَةً بِآثَارِهَا الْعَجِيبَةِ، تَقَعُ شَرْقَ صَنْعَاءِ بِمَا يَقْرُبُ مِنْ مِائَتَيْ كَيْلٍ، وَهِيَ عَامِرَةٌ مَأْهُولَةٌ.

مُتَالِعُ ذُكِرَ فِي مِجْدَلٍ.
الْمَجَازُ (ذُو. .) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ زَايٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ:
(1/278)

ثُمَّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَهُوَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَاز ِ - وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ «عَاتِكَةُ» بْنُ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ - فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، لِوَصِيَّةِ أَبِيهِ إيَّاهُ.
قُلْت: ذُو الْمَجَازِ مِنْ أَشْهَرِ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَا زَالَ مَوْضِعُهُ مَعْلُومًا بِسَفْحِ جَبَلِ كَبْكَبٍ مِنْ الْغَرْبِ، يَرَاهُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى طَرِيقِ نَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ، شِعْبٌ يَصُبُّ فِي الْمُغَمَّسِ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وَأَهْلُهُ قُرَيْشٌ، وَقَدْ أَوْفَيْت الْحَدِيثَ عَنْهُ فِي كُلٍّ مِنْ: «مَعَالِمِ مَكَّةَ التَّأْرِيخِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ، وَمُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ»: فَأَغْنَى عَنْ الْإِعَادَةِ.

مِجْدَلٌ بِالْفَتْحِ أَوْ الْكَسْرِ، وَبَعْدَ الْمِيمِ جِيمٌ فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ فَلَامٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ:
عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ

فَمِطْلَا أَرِيكٍ قَدْ خَلَا فَالْمَصَانِعُ
قُلْت فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - مِجْدَلٌ: لَمْ أَجِدْ مَنْ حَدَّدَهُ، إنَّمَا قَالَ الْحَازِمِيَّ: مِجْدَلٌ: مَوْضِعٌ بِبِلَادِ الْعَرَبِ، قَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ عُمَيْرِ بْنِ هُذَيْلٍ:
نُغَاوِرُ فِي أَهْلِ الْأَرَاكِ، وَتَارَة ً

نُغَاوِرُ أَصْرَامًا بِأَكْنَافِ مَجْدَلِ
وَاَلَّذِي يَبْدُو - مِنْ قَرْنِهِ مَعَ مُتَالِعَ وَأَرِيكٍ - أَنَّهُ مِنْ أَكْنَافِ الْقَصِيمِ.
(1/279)

2 - مُتَالِعُ: جَبَلٌ بِالْقَصِيمِ، وَالْقَصِيمُ: إقْلِيمٌ مِنْ نَجْدٍ يَنْتَظِمُهُ وَادِي الرُّمَّةِ. وَقِيلَ: مُتَالِعُ، أَحَدُ أَبَانِينَ، فَكَانَ يُقَالُ: أَبَانُ وَمُتَالِعُ، فَغَلَبَ عَلَيْهِمَا اسْمُ أَبَانِينَ. وَهُمَا جَبَلَا الْقَصِيمِ، يَمُرُّ وَادِي الرُّمَّةِ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَمُرُّ بِبُرَيْدَةَ قَاعِدَةِ الْقَصِيمِ.
وَالْقَصِيمُ فِي الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ إلَى الشَّرْقِ أَقْرَبُ.
3 - أَيُرِيك: مَوْضِعٌ مِنْ الْقَصِيمِ قُرْبَ رَامَةَ وَعُنَيْزَةَ، وَآخَرُ قُرْبَ الرَّبَذَةِ.
4 - الْمَصَانِعُ: لَعَلَّهَا مَوَاضِعُ لِمَسْكِ الْمَاءِ كَانَتْ مَعْرُوفَةً.

مَجْمَعُ الْأَسْيَالِ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْخَنْدَقِ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ بِمِجْمَعِ الْأَسْيَالِ مِنْ رُومَةَ، بَيْنَ الْجَرْفِ وَزَغَابَةَ فِي عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَأَهْلِ تِهَامَةَ، وَأَقْبَلَتْ غَطَفَانُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، حَتَّى نَزَلُوا بِذَنَبِ نَقْمَى، إلَى جَانِبِ أُحُدٍ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُسْلِمُونَ، حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إلَى سَلْعٍ، فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبَ هُنَاكَ عَسْكَرٌ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ.
قُلْت: فِي هَذَا النَّصِّ:
1 - مَجْمَعُ الْأَسْيَالِ، قُرْبَ مَسْجِدِ الْقِبْلَتَيْنِ، حَيْثُ يَجْتَمِعُ
(1/280)

سَيْلُ بَطْحَانَ وَسَيْلُ الْعَقِيقِ، وَقَدْ صَارَ الْيَوْمَ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةِ.
2 - رُومَةُ: وَالْمَشْهُورُ بِئْرُ رُومَةَ: بِئْرٌ مَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً فِي آخِرِ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةِ إذَا أَكْنَعْت فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ.
3 - الْجُرْفُ: بِسُكُونِ الرَّاءِ - هُوَ الصَّوَابُ - مَكَانٌ غَرْبِيَّ الْمَدِينَةِ يُرَى مِنْ جَبَلِ سَلْعٍ مَغِيبَ الشَّمْسِ، يُظَلِّلُهُ عَشِيًّا جَبَلُ سَامِقٍ يُسَمَّى جَبَلَ الشَّظْفَاءِ.
4 - زُغَابَةَ: هُنَاكَ قَوْلٌ بِأَنَّهَا (الْغَابَةُ) وَتُرْوَى أَيْضًا رَغَابَةُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ لَا بِالزَّايِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ زَغَابَةَ غَيْرُ الْغَابَةِ قَوِيٌّ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُرَجِّحُهُ حَيْثُ جَعَلَ رُومَةَ بَيْنَ الْجُرْفِ وَزُغَابَةَ، وَهَذَا يَجْعَلُهَا بَيْنَ مَقْصَرِ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةِ وَسَلْعٌ، وَالْغَابَةُ مِنْ الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ مِنْ الْوَادِي، مِنْ أُحُدٍ وَغَرْبٍ وَشَمَالٍ، وَعَلَى ضَوْءِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَدِّدَ زَغَابَةَ بِأَنَّك إذَا خَرَجْت مِنْ سَلْعٍ تُرِيدُ بِئْرَ رُومَةَ مَرَرْت فِي زَغَابَةَ، فَهِيَ حَتْمًا غَيْرُ الْغَابَةِ. وَقَدْ يُرَجِّحُ بَعْضُ الْبَاحِثِينَ أَنَّ الِاسْمَ «رَغَابَةُ» بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ لَا بِالزَّايِ. وَلَا أَرَى ذَلِك.
5 - نَقْمَى، وَقَدْ يُقَالُ: نَقَمَى، بِثَلَاثِ فَتَحَاتٍ: وَادٍ يَمُرُّ شَمَالَ أُحُدٍ عَنْ قُرْبٍ، وَفِيهِ جَبَلُ ثَوْرٍ، وَيَصُبُّ فِي الْغَابَةِ شَمَالَ غَرْبِيِّ مَقْصَرِ أُحُدٍ غَرْبًا. وَانْظُرْ عَنْهُ كِتَابِي (عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ) فَهُنَاكَ مَا هُوَ أَجْدَى. وَهُمْ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: وَادِي النَّقْمِيّ، بِيَاءِ النِّسْبَةِ.
(1/281)

مَجَنَّةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ: جَاءَ فِيمَا أَنْشُدهُ بِلَاد:
وَهَلْ أَرَدْنَ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ

وَهَلْ يَبْدُونَ لِي شَامَةٌ وَطُفَيْلُ
كَانَ مَجَنَّةُ إحْدَى أَسْوَاقِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَتْ تَقُومُ الْعَشْرَةُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَكَانَتْ الْعُشْرُونَ قَبْلَهَا لِعُكَاظِ، ثُمَّ ثَمَانِيَةٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِذِي الْمَجَازِ - وَقَدْ تَقَدَّمَا - وَمَا زَالَ أَهْلُ مَكَّةَ يُسَمُّونَ الْأَيَّامَ الثَّمَانِيَةَ الَّتِي تَسْبِقُ عَرَفَةَ «الثَّمَانِ».
وَقَدَّمْت بَحْثًا مُسْتَفِيضًا عَنْ هَذِهِ الْأَسْوَاقِ فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ» فَأَغْنَى عَنْ التَّكْرَارِ وَالْإِعَادَةِ. إلَّا أَنَّ هُنَا نَصًّا يَكَادُ يَفُتُّ فِي عَضُدِ ذَلِكَ الْبَحْثِ، أَلَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعِرَّانَةِ مُعْتَمِرًا، وَأَمَرَ بِبَقَايَا الْفَيْءِ فَحُبِسَ بِمَجَنَّةَ بِنَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ. وَهَذَا مُشْكِلٌ حَقًّا، إذْ أَيْنَ مَجَنَّةُ كَمَا حَدَّدْنَاهَا مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ؟

الْمُحَصَّبُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ شَيْخِ خَثْعَمٍ فِي حَادِثَةِ الْفِيلِ:
أَلَا حُيِّيت عَنَّا يَا رُدَيْنَا

نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الْأَصْبَاحِ عَيْنَا
(1/282)

أَتَانَا قَابِسٌ مِنْكُمْ عِشَاءً

فَلَمْ يَقْدِرْ لِقَابِسِكُمْ لَدَيْنَا
رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْت وَلَنْ تَرَيْهِ

لَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا
إذًا لَعَذَرْتنِي وَحَمِدْت أَمْرِي

وَلَمْ تَأْسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا
حَمِدْت اللَّهَ أَنْ أَبْصَرْت طَيْرًا

وَخِفْت حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا
وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ

كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا
قُلْت: الْمُحَصَّبُ مَا بَيْنَ مِنًى إلَى الْمُنْحَنَى، وَالْمُنْحَنَى: حَدُّ الْمُحَصَّبِ مِنْ الْأَبْطَحِ، فَمُنْذُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِنًى فَأَنْت فِي الْمُحَصَّبِ حَتَّى يَضِيقَ الْوَادِي بَيْنَ الْعَيْرَتَيْنِ فَذَاكَ الْمُنْحَنَى.
وَالْقَصِيدَةُ الْآنِفَةُ الذِّكْرِ كَثِيرَةُ الِاخْتِلَافِ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا أَحْسَنَ الْوُجُوهِ، وَفِي بَعْضِ النُّصُوصِ: لَدَى جَنْبِ الْمُغَمَّسِ بَدَلَ الْمُحَصَّبِ، وَأَرَاهُ أَصْوَبَ، لِأَنَّ نُفَيْلًا فَرَّ مِنْ الْمُغَمَّسِ، وَأَنَّ الْفِيلَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَصِلُوا إلَى الْمُحَصَّبِ.

مَحِيصٌ «مَخِيطٌ»: ذُكِرَ فِي غُرَابٍ.
مَخِيطٌ كَمَخِيطِ مَا يُخَاطُ: وَادٍ غَرْبَ الْمَدِينَةِ عَلَى (15) كَيْلًا.
ذُكِرَ فِي غُرَابٍ.

مُخْرِئٌ اُسْتُوْفِيَ الْحَدِيثُ عَنْهُ فِي مَسْلَحَ.
مَدْرَانُ ثَنِيَّةُ مَدْرَانَ، جَاءَتْ فِي ذِكْرِ مَسَاجِدِهِ فِي طَرِيقِ تَبُوكَ،
(1/283)

وَقَدْ ذُكِرَتْ هَذِهِ الْمَسَاجِدُ فِي «مَسْجِدِ تَبُوكَ» وَهَذِهِ الثَّنِيَّةُ تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْمِدَرَاةِ، وَتَقَعُ جَنُوبَ تَبُوكَ إلَى الْغَرْبِ عَلَى قَرَابَةِ 14 كَيْلًا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ اسْمُهَا الْقَدِيمُ، وَإِنَّهُ تَصَحَّفَ إلَى مَدْرَانَ. وَقَدْ ظَهَرَتْ فِي الْمُخَطَّطِ الْمُرْفَقِ بِرَسْمِ تَبُوكَ.

مَدْيَنُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرُهُ نُونٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ هِشَامٍ: وَسَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى (مَدَيْنَ).
قُلْت: مَدْيَنُ أَوْ أَرْضُ مَدَيْنَ: تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ (الْبِدْعِ) وَهِيَ بَلْدَةٌ بَيْنَ تَبُوكَ وَالسَّاحِلِ عَلَى (132) كَيْلًا غَرْبَ تَبُوكَ، وَشَرْقَ رَأْسِ الشَّيْخِ حُمَيْدٍ - عَلَى الْبَحْرِ - بِمَسَافَةِ سَبْعِينَ كَيْلًا، وَهِيَ فِي وَادٍ بَيْنَ الْجِبَالِ، وَوَادِيهَا يُسَمَّى عُفَالٌ، وَأَهْلُهَا الْمَسَاعِيدُ مِنْ الْحُوَيْطَاتِ، وَهُمْ يَنْفُونَ انْتِسَابَهُمْ إلَى الْحُوَيْطَاتِ وَيَنْتَسِبُونَ إلَى عُتَيْبَةَ، وَفِي الْبِدَعِ زُرُوعٌ وَنَخِيلٌ عَلَى الْآبَارِ، وَتُشْرِفُ عَلَيْهَا مِنْ الْغَرْبِ (صَفْرَاءُ شُعَيْبٍ) وَهِيَ هَضْبَةٌ طِينِيَّةٌ بِهَا مَغَائِرُ تُسَمَّى مَغَائِرَ شُعَيْبٍ، وَفِي هَذِهِ الْمَغَائِرِ مَدَافِنُ فِي سَرَادِيبَ اُكْتُشِفَتْ حَدِيثًا، وَيُقَالُ: إنَّ بِئْرَ شُعَيْبٍ الَّتِي اسْتَقَى مِنْهَا مُوسَى كَانَتْ بِهَذَا الْمَوْضِعِ.

الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ هِيَ: مَدِينَةُ الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ عَلَيْهِ أَفَضْلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَهِيَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُعْرَفَ هُنَا، وَلَهَا مِنْ التَّارِيخِ مَا مَلَأَ عَشْرَاتِ الْكُتُبِ الضِّخَامِ،
(1/284)

كَانَتْ تُسَمَّى يَثْرِبَ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الْمَدِينَةَ، وَكَرِهَ أَنْ تُسَمَّى يَثْرِبَ.
كَانَتْ الْمَدِينَةُ عَاصِمَةَ الْإِسْلَامِ وَمِنْهَا انْطَلَقَتْ أَعْظَمُ فُتُوحَاتِهِ، وَبِهَا مَرْقَدُ خَيْرِ الْبَشَرِ، وَفِي الْحَدِيثِ: إنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا.
وَرَأَيْت أَنْ أُرْفِقَ مُخَطَّطًا لَهَا يُبَيِّنُ مَعَالِمَهَا، بَدَلَ الْحَدِيثِ عَنْهَا لِأَنَّهُ لَنْ يَفِيَهَا حَقَّهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ الْمَحْدُودِ.

الْمَذَاد مِنْ ذَادَ يَذُودُ، فَهُوَ مَكَانُ الذَّوْدِ، أَيْ دَفْعُ الْعَدُوِّ: جَاءَ فِي قَوْلِ مُسَافِعِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْجُمَحِيِّ، يَبْكِي عَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيَّ الْقُرَشِيَّ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - إيَّاهُ:
عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ كَانَ أَوَّلَ فَارِس ٍ

جَزَعَ الْمَذَادَ، وَكَانَ فَارِسَ يَلْيَلِ
وَلَقَدْ تَكَنَّفَتْ الْأَسِنَّةُ فَارِسًا

بِجَنُوبِ سَلْعٍ غَيْرَ نَكْسٍ أَمْيَلِ
قُلْت: هُوَ مِنْ طَرَفِ الْخَنْدَقِ حَيْثُ كَانَ يَتَذَاوَدُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَهُنَاكَ قَتَلَ عَلِيٌّ عَمْرًا عِنْدَمَا جَزَعَ الْخَنْدَقَ وَنَادَى مَنْ مُبَارِزٌ؟ وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ الْمُهَابِينَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ.
وَالشَّاعِرُ يُحَدِّدُهُ بِجَنُوبِ سَلْعٍ، وَلَيْسَ الْخَنْدَقُ بِجَنُوبِ سَلْعٍ، وَلَكِنْ اخْتَارَ الشَّاعِرُ هَذَا اللَّفْظَ لِمُنَاسَبَةِ مُوسِيقَاهُ لِلشِّعْرِ. وَقَدْ ذُكِرَ الْخَنْدَقُ.
(1/285)

مَرٌّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: جَاءَ فِي قَوْلِ رَزَاحٍ الْعُذْرِيِّ أَخِي قُصَيٍّ لِأُمِّهِ:
مَرَرْنَ عَلَى الْحِلِّ مَا ذُقْنَهُ

وَعَالَجْنَ مِنْ مَرِّ لَيْلًا طَوِيلًا
قَالَ ذَلِك وَهُوَ يَذْكُرُ مَسِيرَهُ مِنْ دِيَارِ قُضَاعَةَ إلَى مَكَّةَ وَأَنَّ مَرًّا هَذَا بَعْدَ الْعَرْجِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ أَحَدُ مَرَّيْنِ: أَحَدُهُمَا وَادِي رَابِغٍ فَهُوَ يُسَمَّى مَرًّا، وَكَانَ يُعْرَفُ بِمَرِّ عُنَيْبٍ وَالْآخَرُ مَرُّ الظَّهْرَانِ الْوَاقِعُ شَمَالَ مَكَّةَ، وَلَكِنَّ سِيَاقَ الْقَصِيدَةِ يُنْبِئُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَرُّ عُنَيْبٍ، أَيْ وَادِي رَابِغٍ.
وَرَابِغٌ: مَدِينَةٌ عَلَى السَّاحِلِ شَمَالَ جَدَّةَ عَلَى 155 كَيْلًا، عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى نَيِّفٍ وَمِائَةِ كَيْلٍ.
وَنَخْلٌ: هُوَ وَادِي الْحِنَاكِيَّةِ، الْبَلْدَةُ الْوَاقِعَةُ عَلَى مِائَةِ كَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ بُرَيْدَةَ.
وَهَذِهِ كَانَتْ دِيَارَ بَنِي مُرَّةَ مِنْ غَطَفَانَ، وَالشِّعْرُ فِي مَدْحِهِمْ.
وَالْبَسْلُ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ اتَّخَذَتْهَا بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ مِنْ غَطَفَانَ أَشْهُرًا حُرُمًا، وَقَدْ اعْتَرَفَتْ الْعَرَبُ لَهُمْ بِهَا، وَكَانُوا يَسِيحُونَ خِلَالَهَا فَلَا يَعْتَرِضُ سَبِيلَهُمْ مُعْتَرِضٌ، وَبَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ تَزْعُمُ أَنَّ عَوْفَ بْنَ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، وَلَهُ قِصَّةٌ، وَكَانُوا سَادَةَ غَطَفَانَ بِلَا مُنَازِعٍ، وَالْعَرَبُ لَمْ تَعْتَرِفْ لَهُمْ بِالْبَسْلِ كَرَمًا وَسَمَاحَةً، إنَّمَا اعْتَرَفَتْ بِهِ خَوْفَ سَطْوَةِ غَطَفَانَ.
(1/287)

مَرُّ الظَّهْرَانِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ - فِي الْحَدِيثِ عَنْ خُزَاعَةَ -: فَنَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَأَقَامُوا بِهَا. أَيْ أَقَامُوا بِهِ.
قُلْت: مَرُّ الظَّهْرَانِ وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ يَأْخُذُ مِيَاهَ النَّخْلَتَيْنِ - اُنْظُرْ نَخْلَةَ - فَيَمُرُّ شَمَالَ مَكَّةَ عَلَى 22 كَيْلًا، وَيَصُبُّ فِي الْبَحْرِ جَنُوبَ جَدَّةَ بِقَرَابَةِ عِشْرِينَ كَيْلًا ; وَفِيهِ عَشَرَاتُ الْعُيُونِ بَلْ كَانَتْ مِئَاتِهَا، وَكَذَلِكَ الْقُرَى، وَمِنْهَا: حَدَّاءُ، وَبَحْرَةُ، وَالْجُمُومُ، وَغَيْرُهَا. وَقَدْ أَوْفَيْت الْحَدِيثَ عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ فُرُوعِهِ وَعُيُونِهِ وَقُرَاهُ فِي الْمُعْجَمِ، فَأَغْنَى.

مِرْبَدُ ابْنَيْ ثَعْلَبَةَ الْمِرْبَدُ مَوْضِعُ تَجْفِيفِ الرُّطَبِ.
جَاءَ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَطَرَدَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُ.
كَانَ مِرْبَدًا لِيَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، اشْتَرَاهُ مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ فَجَعَلَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَبَنَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسْجِدًا.

مَرْجُ الصُّفَّرِ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْفَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَةِ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: قُتِلَ خَالِدُ - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - بِمَرْجِ الصُّفَّرِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَقَالَ مُحَقِّقُ السِّيرَةِ: - ذَيْلًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا - مَرْجُ الصُّفَّرِ: مَوْضِعٌ بِدِمَشْقَ. نَقَلَ ذَلِك عَنْ مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ.
وَفِي مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ: الصُّفَّرُ، بِالضَّمِّ ثُمَّ الْفَتْحِ مَعَ التَّشْدِيدِ، وَالرَّاءِ، كَأَنَّهُ جَمْعُ صَافِرٍ مِثْلُ شَاهِدٍ وَشُهَّدٍ، وَغَائِبٍ وَغُيَّبٍ.
وَهُوَ مَرْجُ الصُّفَّرِ: مَوْضِعٌ بَيْنَ دِمَشْقَ
(1/288)

وَالْجَوْلَانِ صَحْرَاءُ كَانَتْ بِهَا وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي أَيَّامِ بَنِي مَرْوَانَ. قُلْت: هَذَا قَوْلُ أُسْتَاذِنَا أَحَمْدَ قُدَامَةَ صَاحِبُ مَعَالِمَ وَأَعْلَامٍ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ.
هُوَ سَهْلٌ وَاسِعٌ عَلَى بُعْدِ 37 كَمْ عَنْ دِمَشْقَ جَنُوبًا. وَفِي شَرْقِ قَرْيَةِ شقحب، وَيَشْمَلُ الْيَوْمَ بَعْضَ أَرَاضِي قُرَى: زَاكِيَةَ، وشقحب، وأركيس، والزريفية، وَغَيْرِهَا. جَرَتْ فِيهِ عِدَّةُ مَعَارِكَ حَاسِمَةٌ، مِنْهَا مَعْرَكَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الزَّاحِفِينَ إلَى دِمَشْقَ - بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْيَرْمُوكِ - وَالرُّومِ الْبِيزَنْطِيَّةِ فِي سَنَةِ 14 هـ، وَمَعْرَكَةٌ فِي أَيَّامِ بَنِي مَرْوَانَ، وَمَعْرَكَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّلِيبِيِّينَ فِي سَنَةِ 519 هـ، وَمَعْرَكَةُ التَّتَارِ وَجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَنَةِ 702 هـ فِي عَهْدِ السُّلْطَانِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ.

الْمُرَّةُ (ثَنِيَّةٌ. .) كَذَا وَرَدَتْ فِي هَذَا النَّصِّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالْمُتَوَاتِرُ بِالتَّخْفِيفِ، وَإِنْ كُنْت أَرَى التَّشْدِيدَ أَصْوَبَ. جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي «الْخَرَّارِ».
وَاسْتُوْفِيَ الْحَدِيثُ عَنْهَا فِي «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ» فَأَغْنَى عَنْ التَّطْوِيلِ هُنَا. وَهُوَ مَوْضِعٌ مَا زَالَ مَعْرُوفًا بَيْنَ غَدِيرِ خُمٍّ وَالْفَرْعِ، عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ.

الْمَرَوْرَاةُ بَعْدَ الْمِيمِ رَاءَانِ بَيْنَهُمَا وَاوٌ، وَآخِرُهُ هَاءٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى:
تَأَمَّلْ فَإِنْ تَقْوَ الْمَرَوْرَاةُ مِنْهُم ْ

وَدَارَاتُهَا لَا تَقْوَ مِنْهُمْ إذَا نَخْلُ
بِلَادٌ بِهَا نَادَمْتهمْ وَأَلِفْتُهُم ْ

فَإِنْ تَقْوَيَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ بَسْلُ
(1/289)

وَالْمَرَوْرَاةُ أَرْضٌ كَانَتْ قُرْبَ رَحْرَحَانَ، شَرْقَ الْمَدِينَةِ.

الْمَرْوَةُ (. .) بِاسْمِ الْحَصَاةِ الْبَيْضَاءِ الْمُورِيَةِ نَارًا. جَاءَتْ فِي النَّصِّ: كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - وَكَانَ وَالِيَ الْمَدِينَةِ - مُنَازَعَةٌ فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ.
قُلْت: ذُو الْمَرْوَةِ لَهُ ذِكْرٌ كَثِيرٌ فِي كُتُبِ التَّارِيخِ وَالْجُغْرَافِيَا، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى حَصَاةٍ بَيْضَاءَ بَارِزَةٍ مِنْ نَوْعِ الْمَرْوِ، يَقَعُ عِنْدَ مَفِيضِ وَادِي الْجَزْلِ إذَا دَفَعَ فِي إضَمٍ، شَمَالَ الْمَدِينَةِ عَلَى قَرَابَةِ ثَلَاثِ مِائَةِ كَيْلٍ، وَمَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً بِهَذَا الِاسْمِ.

الْمُرَيْسِيعُ كَأَنَّهُ تَصْغِيرُ مَرْسُوعٍ، وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ ذِكْرُهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ بَنِي الْمُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ، وَقَائِدُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ ضِرَارٍ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ حَتَّى لَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: الْمُرَيْسِيعُ، مِنْ نَاحِيَةِ قُدَيْدٍ إلَى السَّاحِلِ.
قُلْت: الْمُرَيْسِيعُ، جِزْعٌ مِنْ وَادِي «حَوْرَةَ» أَحَدِ رَوَافِدِ سِتَارَةَ، فِيهِ آبَارٌ زِرَاعِيَّةٌ، وَنُزُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَمَاؤُهُ غَيْلٌ يَسِيحُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَأَهْلُهُ يَقُولُونَ: «الْمُرَيْصِعُ» وَهِيَ عَادَةُ الْبَادِيَةِ فِي قَلْبِ أَمْثَالِهِ لِتَقَارُبِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ.
وَسِتَارَةُ وَقُدَيْدٌ وَادٍ وَاحِدٌ، إنَّمَا الَّذِي أَوْهَمَ فِي تَحْدِيدِهِ حَتَّى ظَنَّهُ كَثِيرٌ مِنْ الْبَاحِثِينَ مِنْ
(1/290)

السَّاحِلِ، هُوَ قَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ «إلَى السَّاحِلِ» وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ دَاخِلٌ عَنْ السَّاحِلِ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيْفِ الْبَحْرِ قَرَابَةَ (80) كَيْلًا، بَيْنَ جِبَالِ تِهَامَةَ، وَأَهْلُهُ الْيَوْمَ سُلَيْمٌ، وَلَا ذِكْرَ لِخُزَاعَةَ فِي هَذِهِ النَّوَاحِي فِي يَوْمِنَا هَذَا.

مَرَيَيْنُ تَثْنِيَةُ مَرًى: وَرَدَتْ فِي النَّصِّ الْمُقَدَّمِ فِي تُرْبَانَ، وَهُمَا - فِي الْأَصْلِ - رَافِدَانِ مِنْ رَوَافِدِ وَادِي الْفُرَيْشِ، يُقَالُ لِكُلِّ مِنْهُمَا: «مَرًّا».
قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ اللَّيْثِيّ:
قَدْ ظَهَرَتْ عَيْنُ الْأَمِيرِ مَظْهَرًا

بِسَفْحِ عَبُّودٍ أَتَتْهُ مِنْ مَرًا
ثُمَّ أُطْلِقَ الِاسْمُ عَلَى سَهْلٍ وَاسِعٍ كَانَ زِرَاعِيًّا، يَكْثُرُ ذِكْرُهُ فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، يَجْتَمِعُ فِيهِ وَادِيَا الْفُرَيْشِ وَغَمِيسِ الْحَمَامِ.
وَنَظَرًا لِأَنَّهُ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْمُهِمَّةِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ أَفْرَدْت لَهُ فَصْلًا مُطَوَّلًا، وَمُخَطَّطًا تَوْضِيحِيًّا فِي كُلٍّ مِنْ «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ» و «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ». تَبْعُدُ «مَرَيَيْنُ» عَنْ الْمَدِينَةِ قُرَابَةَ «45» كَيْلًا جَنُوبًا عَلَى يَمِينِ الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ، بِسَفْحِ جَبَلِ «عَبُّودٍ» الْغَرْبِيِّ، وَيُشْرِفُ عَلَيْهَا مِنْ الشَّمَالِ جَبَلُ «صُفَّرٍ» وَالْحَدِيثُ عَنْهَا بِأَوْفَى مِنْ هَذَا وَأَكْثَرَ تَفْصِيلًا فِي كِتَابِي «عَلَى طَرِيقِ الْهِجْرَةِ».

مُزَاحِمٌ بِالضَّمِّ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَآخِرُهُ مِيمٌ: كَانَ أَطَمًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُنَافِقِ، بِالْمَدِينَةِ.
وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
(1/291)

صَبَحْنَا بِهَا الْآجَامَ حَوْلَ مُزَاحِمٍ

قَوَانِسَ أُولَى بَيْضِهَا كَالْكَوَاكِبِ
وَالْأُطُمُ وَالْأُجُمُ بِمَعْنًى، وَلَمْ يَعُدْ مُزَاحِمٌ مَعْرُوفًا، فَقَدْ انْدَثَرَ.

مَسَاجِدُ الرَّسُولِ ذُكِرَتْ فِي مَسْجِدِ تَبُوكَ:
الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إيلِيَاءَ.
قُلْت: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى مَا زَالَ مَعْرُوفًا وَمَا زَالَ يُسَمَّى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَالْقُدْسُ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تُزَارُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَالُ لَهُ: ثَالِثُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْحَرَمَانِ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
وَالْمَدِينَةُ الَّتِي بِهَا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى تُسَمَّى مَدِينَةَ الْقُدْسِ، وَلَا تُعْرَفُ إيلِيَاءُ الْيَوْمَ، وَالْيَهُودُ يُسَمُّونَهَا «أُورْشَلِيم» وَهُوَ اسْمٌ كَنْعَانِيٌّ عَرَبِيٌّ حَرَّفُوهُ «أُورْسُلَيْمٌ» وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ «بِيرْشِيبَعْ» فِي «بِئْرِ السَّبْعِ» وَالْقُدْسُ - الْيَوْمَ - وَالْمَسْجَدُ الْأَقْصَى تَحْتَ الِاحْتِلَالِ الْيَهُودِيِّ، وَقَدْ قَامَ أَوْغَادُ الصَّهَايِنَةِ بِإِحْرَاقِهِ ثُمَّ رُمِّمَ، وَهُمْ الْيَوْمَ يُجْرُونَ حَفْرِيَّاتٍ تَحْتَ أَسَاسَاتِهِ.

مَسْجِدُ تَبُوكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ مَسَاجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَرِيقِهِ إلَى غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ مَسَاجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَتَبُوكَ مَعْلُومَةً مُسَمَّاةً: مَسْجِدٌ
(1/292)

بِتَبُوكَ، وَمَسْجِدٌ بِثَنِيَّةِ مَدْرَانَ، وَمَسْجِدٌ بِذَاتِ الزَّرْبِ، وَمَسْجِدٌ بِالْأَخْضَرِ، وَمَسْجِدٌ بِذَاتِ الْخَطْمِيِّ، وَمَسْجِدٌ بِآلَاءَ، وَمَسْجِدٌ بِطَرَفِ الْبَتْرَاءِ مِنْ ذَنَبِ كَوَاكِبَ، وَمَسْجِدٌ بِالشَّقِّ شَقِّ تَارًّا، وَمَسْجِدٌ بِذِي الْجِيفَةِ، وَمَسْجِدٌ بِصَدْرِ حَوْضَى، وَمَسْجِدٌ بِالْحِجْرِ، وَمَسْجِدٌ بِالصَّعِيدِ، وَمَسْجِدٌ بِالْوَادِي، الْيَوْمَ وَادِي الْقُرَى، وَمَسْجِدٌ بِالرُّقْعَةِ مِنْ الشِّقَّةِ شِقَّةِ بَنِي عُذْرَةَ، وَمَسْجِدٌ بِذِي الْمَرْوَةِ، وَمَسْجِدٌ بِالْفَيْفَاءِ، وَمَسْجِدٌ بِذِي خُشُبٍ.
قُلْت: مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ:
1 - مَسْجِدُ تَبُوكَ: لَا زَالَ مَعْرُوفًا بِهِ، بِالْبَلَدِ الْقَدِيمِ، جُدِّدَ أَيَّامَ إقَامَتِي هُنَاكَ. اُنْظُرْ الْمُعْجَمَ.
2 - مَسْجِدُ ثَنِيَّةِ مَدْرَانَ، انْدَثَرَ، وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ قُصَيْرَ التَّمْرَةِ هُوَ مَسْجِدُ مَدْرَانَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ تَبُوكَ، وَقَدْ ذُكِرَ مَدْرَانُ قَبْلَ هَذَا فَرَاجِعْهُ.
3 - ذَاتُ الزَّرْبِ: لَا أَعْرِفُهَا، وَلَعَلَّهَا مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِأُمِّ زَرْبٍ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ الْعُلَا.
4 - الْأَخْضَرُ: وَادٍ جَنُوبَ تَبُوكَ، يُطِيفُ بِهَا مِنْ الْجَنُوبِ وَالشَّرْقِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا رَأْسُهُ حَيْثُ كَانَ طَرِيقَ الْغَزْوَةِ، اُنْظُرْ مُخَطَّطَ تَبُوكَ.
5 - ذَاتُ الْخَطْمِيِّ وَآلَاءُ، مَنْسُوبَتَانِ إلَى نَبَاتٍ مَعْرُوفٍ بِالْبَادِيَةِ، وَمَا عَرَفْتهمَا الْيَوْمَ.
6 - كَوَاكِبُ: مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ بَيْنَ تَبُوكَ وَالْعُلَا، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ الْغَزْوَةِ.
(1/293)

7 - شَقّ تَارًّا: لَعَلَّهَا تِلْكَ الصَّحْرَاءِ الَّتِي تُوَاجِهُك قَبْلَ الْحِجْرِ مِمَّا يَلِي تَبُوكَ.
8 - ذُو الْجِيفَةِ: وَادٍ يَصُبُّ فِي الْجَزْلِ قَبْلَ الْتِقَائِهِ بِوَادِي الْقُرَى، فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ فَالْمَسْجِدُ فِي رَأْسِهِ حَيْثُ يَمُرُّ الطَّرِيقُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ.
9 - حَوْضَى: وَادٍ لِبَلِيٍّ يَصُبُّ فِي وَادِي الْقُرَى، قُرْبَ الْعُلَا.
10 - الْحِجْرُ: مَا زَالَ مَعْرُوفًا، وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ.
11 - الصَّعِيدُ: صَدْرُ وَادِي الْقُرَى الْمُتَّسِعُ، بَيْنَ الْحِجْرِ وَالْعُلَا، وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا قُرَابَةَ (22) كَيْلًا.
12 - مَسْجِدُ وَادِي الْقُرَى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ أَهْلُ الْعُلَا الْيَوْمَ، هَكَذَا قِيلَ.
13 - شَقَّةُ بَنِي عُذْرَةَ: تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْمَجَزِّ، وَهِيَ شَقَّةٌ طَوِيلَةٌ تَلِي الْحِجْرَ مِنْ الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ، وَمَعْنَى شَقَّةَ: أَيْ مَسْلَكٌ بَيْنَ سِلْسِلَتَيْنِ مِنْ الرَّمْلِ، أَوْ الْجِبَالِ.
14 - ذُو الْمَرْوَةِ: مَكَانٌ مَا زَالَ مَعْرُوفًا قُرْبَ مَصَبِّ وَادِي الْجَزْلِ فِي وَادِي الْحَمْضِ.
15 - الْفَيْفَاءُ: لَا أَعْرِفُهَا الْيَوْمَ. وَانْظُرْ الْفَيْفَاءَ، فِي هَذَا الْكِتَابِ.
16 - ذُو خُشُبٍ: لَيْسَ بَعِيدًا عَنْ ذِي الْمَرْوَةِ، وَهُنَاكَ ذُو خُشُبٍ آخَرُ قُرْبَ الْمَدِينَةِ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا أَدْرِي أَيَّهمَا هُوَ.
(1/294)

مَسْجِدُ الشِّقَاقِ هُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ، وَقَدْ وَرَدَ بَعْدَ هَذَا.
مَسْجِدُ الضِّرَارِ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَتَأَهَّبُ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالُوا لَهُ: إنَّا قَدْ بَنْينَا مَسْجِدًا لَذِي الْعِلَّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَاللَّيْلَةِ الشَّاتِيَةِ. وَطَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ: فَقَالَ: إنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا لَأَتَيْنَاكُمْ فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُنَافِقُونَ بَنَوْا مَسْجِدَهُمْ عَلَى غَيْرِ تَقْوَى اللَّهِ، لِيَجْعَلُوهُ وَكْرًا لِبَنِي مِلَّتِهِمْ يَتَآمَرُونَ فِيهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ فَهُدِمَ، وَظَلَّ زَمَنًا وَالنَّاسُ يَتَطَوَّعُونَ بِهَدْمِ مَا تَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ، وَقَدْ مُحِيَ الْيَوْمَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَثَرٌ.
وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِدُ قَرِيبًا مِنْ مَسْجِدِ قُبَا، قِبْلِيَّ الْمَدِينَةِ، وَصَفَهُ ابْنُ النَّجَّارِ فَقَالَ: وَهُوَ كَبِيرٌ وَحِيطَانُهُ عَالِيَةٌ، تُؤْخَذُ مِنْهُ الْحِجَارَةُ، وَكَانَ بِنَاؤُهُ مَتِينًا.

الْمَسْعَى مَكَانُ السَّعْيِ: جَاءَ فِي قَوْلِ حَسَّانَ، يَهْجُو هُذَيْلًا وَيَبْكِي قَتْلَى الرَّجِيعِ:
فَلَا وَاَللَّهِ مَا تَدْرِي هُذَيْلٌ

أَصَافٍ مَاءُ زَمْزَمَ أَمْ مَشُوبُ
(1/295)

وَلَا لَهُمْ إذَا اعْتَمَرُوا وَحَجُّوا

مِنْ الْحَجَرَيْنِ وَالْمَسْعَى نَصِيبُ
وَلَكِنَّ الرَّجِيعَ لَهُمْ مَحَلٌّ

بِهِ اللُّؤْمُ الْمُبِينُ وَالْعُيُوبُ
قُلْت: الْمَسْعَى مَكَانُ السَّعْيِ لِلْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدٍ، فَالْكُلُّ يَعْرِفُهُ، وَهُوَ شَارِعٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ جَانِبِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُلَاصِقٌ لَهُ مِنْ الشَّرْقِ.
أَمَّا «الْحِجْرَانِ» فَقَدْ أَرَادَ «الْحِجْرَ» حِجْرَ الْكَعْبَةِ وَحِجْرَ إسْمَاعِيلَ، وَهُمَا وَاحِدٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالْغَرِيبُ فِي مَا حَدَثَ يَوْمَ الرَّجِيعِ وَقَتْلُ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنِينَ هُنَاكَ، أَنَّ الَّذِي طَلَبَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ عَضَلٌ وَالْقَارَةُ، وَهُمْ الَّذِينَ غَدَرُوا وَاسْتَصْرَخُوا لِحْيَانَ وَبُطُونًا مِنْ هُذَيْلٍ، غَيْرَ أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ بِالسُّبَّةِ هُمْ هُذَيْلٌ، وَلَمْ نَرَ مَنْ شَهَّرَ بِعَضَلِ وَالْقَارَةِ، بَيْنَمَا كَانَتْ أَوْلَى بِالسَّبِّ مِنْ هُذَيْلٍ.

مُسْلِحٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ مَسِيرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَدْرٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَقْبَلَ الصَّفْرَاءَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، سَأَلَ عَنْ جَبَلَيْهَا مَا اسْمُهُمَا، فَقَالُوا: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا: مُسْلِحٌ، وَلِلْآخَرِ هَذَا مُخْرِئٌ.
وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِهَا، فَقِيلَ: بَنُو النَّارِ وَبَنُو حُرَّاقٍ، بَطْنَانِ مِنْ غِفَارٍ، فَكَرِهَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرُورَ بَيْنَهُمَا - يَعْنِي
(1/296)

الْجَبَلَيْنِ - وَتَفَاءَلَ بِأَسْمَائِهِمَا وَأَسْمَاءِ أَهْلِهِمَا.
فَتَرَكَهُمَا وَالصَّفْرَاءُ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ: ذَفِرَانُ.
قُلْت: يَكْتَنِفُ الْيَوْمَ قَرْيَةَ الْوَاسِطَةِ - الصَّفْرَاءِ قَدِيمًا - جَبَلَانِ: غَرْبِيٌّ يُسَمَّى دَيْرَانَ، وَشَرْقِيٌّ يُسَمَّى سَمْحَةَ، وَهُمَا - لَا شَكَّ - جَبَلَا الصَّفْرَاءِ، وَالْأَسْمَاءُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهَا التَّغَيُّرُ مِنْ الزَّمَنِ أَوْ عَمْدًا إذَا كَانَتْ قَبِيحَةً.

مَشَارِفُ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَمَضَى النَّاسُ، - يَقْصِدُ يَوْمَ مُؤْتَةَ - حَتَّى إذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ، مِنْ الرُّوم ِ وَالْعَرَبِ، بِقَرْيَةِ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ يُقَالُ لَهَا: مَشَارِفُ، ثُمَّ دَنَا الْعَدُوُّ، وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إلَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: مُؤْتَةُ، فَالْتَقَى النَّاسُ عِنْدَهَا.
قُلْت: لَمْ أَجِدْ مَنْ حَدَّدَ مَشَارِفَ هَذِهِ، غَيْرَ أَنَّ النَّصَّ يَجْعَلُهَا قُرْبَ مُؤْتَةَ، وَمُؤْتَةُ - كَمَا سَتَأْتِي - مِنْ قُرَى مَدِينَةِ الْكَرْكِ فِي جَنُوبِ الْبَلْقَاءِ، تَبْعُدُ الْكَرْكُ قُرَابَةَ (115) كَيْلًا جَنُوبَ عَمَّان مَعَ مَيْلٍ إلَى الْغَرْبِ، يَمُرُّ بِهَا طَرِيقٌ يَصِلُ الْعَقَبَةَ بِعَمَّانَ، وَلَا يَمُرُّ بِمَعَانٍ.
وَلَعَلَّ «مَشَارِفَ» هُنَاكَ كَالشَّفَا فِي الْحِجَازِ، أَيْ الْأَرْضِ
(1/297)

الْمُشْرِفَةِ عَلَى الْغَوْرِ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَمًا مُعَيَّنًا.

الْمُشْتَرِبُ مُفْتَعِلٌ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ. ذُكِرَ فِي ذِي الْعُشَيْرَةِ.
الْمُشَقَّقُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي طَرِيقِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ: وَكَانَ فِي الطَّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ تَبُوكَ وَشَلٌ، مَا يَرْوِي الرَّاكِبَ وَالرَّاكِبَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ: وَادِي الْمُشَقَّقِ ; فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَبَقَنَا إلَى ذَلِكَ الْوَادِي فَلَا يَسْتَقِيَنَّ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَهُ.
قُلْت: لَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الِاسْمَ بَيْنَ الْحِجْرِ وَتَبُوكَ، غَيْرَ أَنَّ رَأْسَ الْوَادِي الْأَخْضَرَ إذَا تَعَلَّقَ فِي الْحَرَّةِ بِهِ مَاءٌ سُرِّبَ، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَقَدْ ظَهَرَ فِي الْمُخَطَّطِ الْمُرْفَقِ بِرَسْمِ تَبُوكَ. فَلَعَلَّهُ هُوَ.

الْمُشَلَّلُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى:
جَاءَتْ فِي النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي غَسَّانَ، وَمِنْهُ: وَيُقَالُ: غَسَّانُ: مَاءٌ بِالْمُشَلَّلِ قَرِيبٌ مِنْ الْجُحْفَةِ.
قُلْت: الْمُشَلَّلُ: ثَنِيَّةٌ تَأْتِي أَسْفَلَ قُدَيْدٍ مِنْ الشَّمَالِ، إذَا كُنْت فِي بَلْدَةِ «صعبر» بَيْنَ رَابِغٍ وَالْقُضَيْمَةِ، كَانَتْ الْمُشَلَّلُ مَطْلَعَ شَمْسٍ مَعَ مَيْلٍ إلَى الْجَنُوبِ، وَحَرَّةُ الْمُشَلَّلِ هِيَ الَّتِي تَرَاهَا مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، سَوْدَاءُ مُدْلَهِمَّةٌ تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَيْهَا، وَفِيهَا كَانَتْ مَنَاةُ الطَّاغِيَةُ، وَمَحَلُّهَا مَعْلُومٌ ; وَانْظُرْ أَوْفَى مِنْ هَذَا فِي الْجُزْءِ التَّاسِعِ مِنْ «مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

مِصْرُ جَاءَتْ مِصْرُ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ فِي السِّيرَةِ، مِنْ أَهَمِّهَا:
(1/298)

أَنَّ هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيل َ مِنْ مِصْرَ: وَمِصْرُ: إقْلِيمٌ مِنْ أَقَالِيمِ الْإِسْلَامِ الْوَاسِعَةِ، فَتَحَهَا الْعَرَبُ فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَهِيَ الْيَوْمَ غَنِيَّةٌ عَنْ التَّعْرِيفِ.

مَضِيقُ الصَّفْرَاءِ جَاءَ فِي النَّصِّ الْوَارِدِ فِي «الْمُنْصَرَفِ».
وَهُوَ مَكَانٌ مِنْ وَادِي الصَّفْرَاءِ، إذَا اجْتَمَعَتْ أَوْدِيَةُ: الْجِيءِ وَرَحْقَانَ وَالسَّدَارَةِ، فِي مُتَّسَعٍ جَنُوبَ بَلْدَةِ الْمُسَيْجِيدِ عَلَى قُرَابَةِ (90) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ، دَفَعَتْ فِي مَضِيقٍ مِنْ الْوَادِي بَيْنَ جَبَلَيْنِ: جَنُوبِيٌّ وَيُسَمَّى خُلَّصَ، وَشَمَالِيٌّ وَيُسَمَّى الْمُسْتَعْجَلَةَ، فَإِذَا اجْتَازَ الْمَاءُ ذَلِكَ الْمَضِيقَ سُمِّيَ الْوَادِي وَادِيَ الصَّفْرَاءِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَدْ ذُكِرَتْ، فَيَمُرُّ بِقُرَى: الْخَيْفِ وَالْوَاسِطَةِ، وَقُرًى أُخْرَى عَدِيدَةٌ، فَإِذَا وَصَلَ إلَى (بَدْرٍ) سُمِّيَ - قَدِيمًا - وَادِي يَلْيَلَ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ وَادِيَ بَدْرٍ وَوَادِيَ الصَّفْرَاءِ أَيْضًا، ثُمَّ يَضِيقُ الْوَادِي مَرَّةً ثَانِيَةً ثُمَّ يَدْفَعُ فِي السَّاحِلِ فَيَصُبُّ عِنْدَ «الْجَارِ».

الْمَطَابِخُ جَمْعُ مَطْبَخٍ:
جَاءَ فِي السِّيرَةِ: إنَّهُ شِعْبٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ، نَحَرَ فِيهِ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ لِلنَّاسِ وَاطَّبَخُوا عِنْدَمَا هَزَمَ قَطُورَاءَ وَوَلِيَ أَمْرَ مَكَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ نَحَرَ فِيهِ تُبَّعٌ وَأَطْعَمَ النَّاسَ.
وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَانَ لِشِعْبِ عَامِر ٍ قَبْلَ أَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ.
وَشِعْبُ عَامِرٍ: شِعْبٌ يَصُبُّ مِنْ الْخَنَادِمِ فِي الْبَطْحَاءِ، شَرْقِيَّ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الشَّمَالِ.
(1/299)

مَعَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَعًا، وَآخِرُهُ نُونٌ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ يَوْمِ مُؤْتَةَ، فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ مَضَوْا - يَقْصِدُ الْمُسْلِمِينَ - حَتَّى نَزَلُوا مَعَانَ، مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
قُلْت: مَعَانُ: مَدِينَةٌ فِي الْمَمْلَكَةِ الْأُرْدُنِّيَّةِ الْهَاشِمِيَّةِ، عَلَى الطَّرِيقِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَمَّان، تَقَعُ جَنُوبَ عَمَّان عَلَى (212) كَيْلًا، وَهِيَ قَاعِدَةُ إقْلِيمِ الشَّرَاةِ، وَهُوَ إقْلِيمٌ وَاسِعٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالْبَلْقَاءِ، وَمَعَانَ مَدِينَةٌ مُهِمَّةٌ تَقَعُ وَسَطَ الْبَادِيَةِ، وَأَهْلُهَا فِيهِمْ أَصَالَةُ الْعُرُوبَةِ، وَلَمْ تَجْرُفْهُمْ مَبَادِئُ الْغَرْبِ وَعَادَاتُهُ بَعْدُ. وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهَا فِي كِتَابِي «رَحَلَاتٌ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ» وَيَظْهَرُ مَوْقِعُهَا فِي الْخَرِيطَةِ الْمَنْشُورَةِ فِي مَادَّةِ مُؤْتَةَ.

الْمُغَمَّسُ عَلَى صِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَهَكَذَا يَنْطِقُهُ أَهْلُهُ إلَى الْيَوْمِ: جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثُوا مَعَهُ - يَعْنِي بَنِي ثَقِيفٍ - أَبَا رِغَال ٍ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتَّى أَنْزَلَهُ «الْمُغَمَّسَ» فَلَمَّا أَنْزَلَهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ هُنَالِكَ، فَرَجَمَتْ قَبْرَهُ الْعَرَبُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يَرْجُمُ النَّاسُ بِالْمُغَمَّسِ.
قُلْت: الْمُغَمَّسُ مَكَانٌ مَا زَالَ مَعْرُوفًا شَرْقِيَّ الْحَرَمِ، يُشْرِفُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْقِ جَبَلُ كَبْكَبٍ، وَالطَّرِيقُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الطَّائِفِ الْمَارَّةُ بِنَخْلَةَ الْيَمَانِيَّةِ تَمُرُّ بِطَرَفِ الْمُغَمَّسِ مِنْ الشَّمَالِ، وَعَرَفَةُ فِي نِهَايَةِ الْمُغَمَّسِ مِنْ الْجَنُوبِ، وَقَدْ أَفَضْت فِي ذِكْرِهِ فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ ص 280» وَرَسَمْت لَهُ
(1/300)

مُخَطَّطًا هُنَاكَ لَا أَرَى ضَرُورَةً لِنَقْلِهِ إلَى هُنَا، وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِك فِي الْجُزْءِ الثَّامِنِ مِنْ الْمُعْجَمِ.
أَمَّا الْقَبْرُ الَّذِي يُرْجَمُ فَلَيْسَ فِي الْمُغَمَّسِ إلَّا إذَا كَانَ الْمُغَمَّسُ كَانَ يَشْمَلُ أَوْسَعَ مِنْ مُسَمَّاهُ الْيَوْمَ، فَقَبْرُ أَبِي رِغَالٍ فِي رَأْسِ يَدَعَانَ عَلَى مَا يَقْرُبُ مِنْ عَشْرَةِ أَكْيَالٍ مِنْ الْمُغَمَّسِ، وَقَدْ جَرَفَهُ الطَّرِيقُ كَمَا ذَكَرْت فِي جـ 4 مِنْ الْمُعْجَمِ، وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ إلَى الْيَوْمِ.

مَكَّةُ هِيَ مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، وَهِيَ الْحَرَمُ الْآمِنُ، وَأُمُّ الْقُرَى، وَمَهْبِطُ الْوَحْيِ، وَمَبْعَثُ خَيْرِ الْبَشَرِ، وَمَاذَا عَسَى أَنْ أَقُولَ عَنْهَا، وَقَدْ قُلْت عَنْهَا مُوجَزًا فِي مُعْجَمِ مَعَالِمِ الْحِجَازِ (م)، وَأَلَّفْت كِتَابًا اسْمُهُ «مَعَالِمُ مَكَّةَ التَّارِيخِيَّةُ وَالْأَثَرِيَّةُ» لِيَضُمَّ كُلَّ مَا ذُكِرَ مِنْ تُرَابِهَا.
وَتَارِيخُ مَكَّةَ يَمْلَأُ عَشْرَاتِ الْمُجَلَّدَاتِ، مِثْلَ: أَخْبَارِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ، وَتَارِيخِ مَكَّةَ لِلْفَاكِهِيِّ، وَشِفَاءِ الْغَرَامِ لِلْفَاسِيِّ، وَالْعِقْدِ الثَّمِينِ لَهُ أَيْضًا، وَبُلُوغِ الْمَرَامِ، وَتَارِيخِ مَكَّةَ لِلسِّبَاعِيِّ، وَعَشْرَاتِ الْكُتُبِ مَا زَالَتْ مَحْفُوظَةً فِي مَكْتَبَةِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهَا. وَنُشِرَتْ لِمَكَّةَ خَرِيطَةٌ مُفَصَّلَةٌ فِي كِتَابِ «مَكَّةَ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَرَ» لِلْمَرْحُومِ مُحَمَّدْ عُمَرْ رَفِيعْ، مَنَعَ مِنْ إعَادَةِ نَشْرِهَا مَيْلُنَا إلَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكِتَابُ مُخْتَصَرًا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.

مَلْحُوبٌ عَلَى زِنَةِ مَفْعُولٍ، مِنْ اللَّحْبِ: جَاءَ فِي قَوْلِ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ الْكِلَابِيِّ:
(1/301)

وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنَا بِيَوْمِه ِ

وَعِنْدَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخِرِ كَوْثَرِ
وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ نَجْدٍ، وَلَعَلَّ الِاسْمَ يَنْطَبِقُ عَلَى مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، فَقَدْ قَالَ يَاقُوتٌ: مَلْحُوبٌ اسْمُ مَاءٍ لِبَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَقَالَ الْحَفْصِيُّ: مَلْحُوبٌ وَمُلَيْحِيبٌ قَرْيَتَانِ لِبَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدُّئَلِ بْنِ حَنِيفَةَ بِالْيَمَامَةِ. وَقَالَ عَامِرُ بْنُ عَمْرٍو الْحِصْنِيُّ:
قَطَارٌ وَأَرْوَاحٌ فَأَضْحَتْ كَأَنَّهَا

صَحَائِفُ يَتْلُوهَا بِمَلْحُوبِ وَابِرُ
وَأَقْفَرَتْ الْعَبْلَاءُ وَالرَّسُّ مِنْهُمْ

وَأَوْحَشَ مِنْهُمْ يَثْقُبٌ فَقَرَاقِرُ
فَهَذِهِ أَمَاكِنُ مُتَبَاعِدَةٌ مِنْ نَجْدٍ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ فِي دِيَارِ بَنِي أَسَدٍ، وَدِيَارُ بَنِي أَسَدٍ: كَانَتْ الضَّفَّةَ الْيُسْرَى لِوَادِي الرُّمَّةِ، آخِذَةٌ شَمَالًا إلَى جَنُوبِ حَائِلٍ. أَمَّا الرِّدَاعُ الْوَارِدُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مَاءٌ كَانَ لِبَنِي كَعْبٍ بِنَجْدِ.

مَلَلٌ مِيمٌ فَلَامَانِ وَبِالتَّحْرِيكِ: ذُكِرَ فِي ذِي الْعُشَيْرَةِ.
الْمُلَيْحُ تَصْغِيرُ مِلْحٍ، وَبِالتَّعْرِيفِ: ذُكِرَ فِي قَرْنٍ.
مَنَاةُ جَاءَتْ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، عَلَى سَاحِلِ
(1/302)

الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ.
قُلْت: مَوْقِعُ مَنَاةَ فِي أَكَمَةٍ بِنَعْفِ الْمُشَلَّلِ إذَا أَكْنَعَ فِي السَّاحِلِ، وَالْمُشَلَّلُ تَقَدَّمَ، فَإِذَا وَقَفْت فِي بَلْدَةِ صعبر - بَيْنَ رَابِغٍ وَخُلَيْصٍ - وَكَانَ عَلَى تِلْكَ الْأَكَمَةِ ضَوْءٌ نَظَرْت إلَيْهِ شَرْقًا إلَى الْجَنُوبِ، وَعَلَيْهَا كَانَ طَرِيقُ هِجْرَتِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ أَنَّ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ مَوْقِعِ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ مُتَّجِهًا إلَى الْمَدِينَةِ تَكُونُ طَرِيقَهُ فِي ثَنِيَّةِ الْمُشَلَّلِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى جَانِبِهَا مَنَاةُ الطَّاغِيَةُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَوْقِعُ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَعَثَ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - فَهَدَمَهَا، وَقِيلَ: بَلْ بَعَثَ أَبَا سُفْيَانَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهُرٍ. وَقَدْ أَوْفَيْت الْحَدِيثَ عَنْهَا فِي الْمُعْجَمِ وَلَمْ يَعُدْ لَهَا أَثَرٌ الْيَوْمَ.

الْمُنْصَرَفُ مَكَانُ الِانْصِرَافِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ - فِي ذِكْرِ غَزَاةِ بَدْرٍ: حَتَّى إذَا كَانَ بِالْمُنْصَرَفِ، تَرَكَ طَرِيقَ مَكَّةَ بِيَسَارِ، وَسَلَكَ ذَاتَ الْيَمِينِ عَلَى النَّازِيَةِ، يُرِيدُ بَدْرًا، فَسَلَكَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا، حَتَّى جَزَعَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ رَحْقَانُ، بَيْنَ النَّازِيَةِ وَبَيْنَ مَضِيقِ الصَّفْرَاءِ، ثُمَّ عَلَى الْمَضِيقِ، ثُمَّ انْصَبَّ مِنْهُ، حَتَّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ الصَّفْرَاءِ (. . . .) وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، سَأَلَ عَنْ جَبَلَيْهَا مَا اسْمُهُمَا؟ فَقَالُوا: يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا مُسْلِحٌ، وَلِلْآخَرِ، هَذَا مُخْرِئٌ.
قُلْت: الْمُنْصَرَفُ، يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْمُسَيْجِيدِ، نِسْبَةً إلَى
(1/303)

مَسْجِدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا زَالَتْ آثَارُهُ هُنَاكَ، وَهِيَ الْيَوْمَ بَلْدَةٌ عَامِرَةٌ عَلَى (80) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ، أَهْلُهَا الْحَجْلَة مِنْ بَنِي سَالِمٍ مِنْ حَرْبٍ، وَقَدْ كَثُرَ فِيهَا نُزَّلُ الْأَحَامِدَةِ فِي الْعَهْدِ السُّعُودِيِّ، وَلَهَا إمَارَةٌ تَتْبَعُ بَدْرًا.

الْمُنَقَّى جَاءَ فِي النَّصِّ: وَقَدْ كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلَى الْمُنَقَّى، دُونَ الْأَعْوَصِ.
قُلْت: الطُّرُقُ فِي الْحِرَارِ تُنَقَّى مِنْ الْحِجَارَةِ حَتَّى تُسْلَكَ، فَيُسَمَّى أَحَدُهَا مُنَقَّى، وَمِنْ أَشْهَرِهَا دَرْبُ زُبَيْدٍ، يُسَمَّى الْمُنَقَّى، وَالْمُنَقَّى الْوَارِدُ فِي النَّصِّ - لَا شَكَّ - هُوَ الطَّرِيقُ الْخَارِجُ مِنْ الْمَدِينَةِ بِاتِّجَاهِ الْقَصِيمِ، حَيْثُ كَانَ يَمُرُّ فِي حَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ، وَهُوَ نَفْسُ الطَّرِيقِ الَّذِي زُفِّتَ فِيمَا بَعْدُ فَسَلَكَتْهُ السَّيَّارَاتُ، وَهُوَ عَلَى مَرْأًى مِنْ أُحُدٍ، جَنُوبًا شَرْقِيًّا بَيْنَهُمَا وَادِي قَنَاةَ.

مُؤْتَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَوْقَ الْوَاوِ هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ، ثُمَّ تَاءٌ فَهَاءٌ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَأَمَاكِنَ أُخَرَ مِنْ السِّيرَةِ.
قُلْت: مُؤْتَةُ: بَلْدَةٌ أُرْدُنُّيَّةٌ، تَقَعُ جَنُوبَ الْكَرْكِ غَيْرُ بَعِيدَةٍ مِنْهَا، إذَا سِرْت مِنْ مَعَانَ إلَى عَمَّان، كَانَتْ مُؤْتَةُ عَلَى يَسَارِك إذَا كُنْت فِي مُنْتَصَفِ الْمَسَافَةِ، وَقُرْبُهَا مَكَانٌ يُدْعَى الْمَزَارَ، وَهُوَ قَبْرُ جَعْفَرٍ الطَّيَّارِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ اللَّهَ أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ اللَّتَيْنِ قُطِعَتَا يَوْمَ مُؤْتَةَ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ.
(1/304)

وَقَدْ أَرْفَقْنَا بِهَذَا خَارِطَةً تُبَيِّنُ مَوْقِعَ مُؤْتَةَ، وَكَثِيرٌ مِنْ مَعَالِمِ الْأُرْدُنِّ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ.

الْمَوْصِلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: جَاءَتْ فِي قِصَّةِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَانْتِقَالِهِ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ إلَى الْإِسْلَامِ.
وَالْمَوْصِلُ: مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْعِرَاقِ فِي آخِرِ الشَّمَالِ عَلَى الضَّفَّةِ الْغَرْبِيَّةِ لِنَهْرِ الْفُرَاتِ قَبْلَ اجْتِمَاعِهِ بِالزَّابِ الْأَعْلَى، تُقَابِلُهَا عَلَى الضَّفَّةِ الشَّرْقِيَّةِ لِلنَّهْرِ آثَارُ مَدِينَةِ نِينَوَى، وَإِلَى الشَّمَالِ الْغَرْبِيِّ مِنْهَا تلعفر، يَمُرُّ بِهَا الطَّرِيقُ مِنْ بَغْدَادَ إلَى القامشلي فِي سُورِيَّةَ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ شَمَالَ الْعِرَاقِ، ذَاتُ بَسَاتِينَ وَعُمْرَانٍ حَسَنٍ وَمَدَارِسَ وَتِجَارَةٍ.

الْمِهْرَاسُ جَاءَ فِي النَّصِّ: فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إلَى فَمِ الشِّعْبِ خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى، مَلَأَ دَرَقَتَهُ مَاءً مِنْ «الْمِهْرَاسِ» فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَشْرَبَ مِنْهُ، فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا فَعَافَهُ، فَلَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ، وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ نَبِيِّهِ.
قُلْت: الْمِهْرَاسُ: حَجَرٌ يُشْبِهُ الْقَدَحَ يُمْسِكُ مَاءَ الْمَطَرِ، وَمِثْلُهُ الْوَكْرَةُ، أَوْ هُمَا وَاحِدٌ، فَإِذَا مَكَثَ الْمَاءُ فِيهِ طَوِيلًا أَسِنَ وَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَلَوْنُهُ.
(1/305)

[ص] وَالْمِهْرَاسُ الْوَارِدُ هُنَا، فِي الشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ قُرْبَ مَشْهَدِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَا رَأَيْته، وَلَكِنْ هُنَاكَ مَوْقِعُهُ. وَأَكَّدَ لِي الْأُسْتَاذُ عَبْدُ الْقُدُّوسِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ رَآهُ وَشَرِبَ مِنْهُ، فِي ذَلِكَ الشِّعْبِ.

مَهْيَعَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ: جَاءَتْ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْت إلَيْنَا مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إلَى «مَهْيَعَةَ».
قِيلَ: مَهْيَعَةُ: هِيَ الْجُحْفَةُ، وَقِيلَ: قَرِيبٌ مِنْ الْجُحْفَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْجُحْفَةُ، وَلَا تُعْرَفُ مَهْيَعَةُ مِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ.

مَيْسَانُ مِيمٌ مَفْتُوحَةٌ وَمُثَنَّاةٌ فَوْقُ سَاكِنَةٌ وَبَعْدَ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَلِفٌ فَنُونٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ مَعَ عَدِيٍّ ابْنُهُ النُّعْمَانُ ابْنُ عَدِيٍّ، فَقَدِمَ النُّعْمَانُ مَعَ مَنْ قَدِمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَبَقِيَ حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَيْسَانَ مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ.
قُلْت: مَيْسَانُ مَدِينَةٌ عِرَاقِيَّةٌ عَلَى نَهْرِ دِجْلَةَ، شَمَالَ شَرْقِيِّ الْبَصْرَةِ، عُرِفَتْ بِاسْمِ «الْكُوتِ» وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْحِصْنُ. وَلَكِنَّ الْحُكُومَةَ الْعِرَاقِيَّةَ أَعَادَتْ إلَيْهَا وَإِلَى أَمْثَالِهَا أَسْمَاءَهَا الْأَصْلِيَّةَ. وَهِيَ مَدِينَةٌ عَامِرَةٌ ذَاتُ أَسْوَاقٍ وَأَحْيَاءٍ كَبِيرَةٍ، وَتُحِيطُ بِهَا الْمَزَارِعُ. وَقَدْ مَرَرْت فِيهَا عَامَ «1399» هـ فِي رِحْلَةٍ بَرِّيَّةٍ
(1/307)

بَدَأَتْ مِنْ الرَّطْبَةِ وَانْتَهَتْ فِي سَفْوَانَ عَلَى حُدُودِ الْكُوَيْتِ. وَفِي مَادَّةِ الْقَادِسِيَّةِ مُخَطَّطٌ يُبَيِّنُ مَوْقِعَ مَيْسَانَ.

مَيْطَانُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ وَبَعْدَ الْمِيمِ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ، وَالطَّاءُ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ جَبَلِ بْنِ جَوَّالٍ الثَّعْلَبِيِّ، يَرُدُّ عَلَى حَسَّانَ فِي شِعْرِهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «الْبُوَيْرَةِ»:
وَأَقْفَرَتْ الْبُوَيْرَةُ مِنْ سَلَامٍ

وَسَعْيَةُ وَابْنُ أَخْطَبَ فَهِيَ بُورُ
وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِقَالًا

كَمَا ثَقُلَتْ بِمَيْطَانَ الصُّخُورُ
قُلْت: مَيْطَانُ: لَابَةٌ سَوْدَاءُ مِنْ وَجْهِ حَرَّةِ الْمَدِينَةِ الشَّرْقِيَّةِ الشَّرْقِيِّ، تَفِيءُ عَلَى الْعَقِيقِ الشَّرْقِيِّ، وَهِيَ الْيَوْمَ مِنْ دِيَارِ عَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ.

مِينَاءٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ ثُمَّ نُونٍ مَمْدُودٌ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَهُوَ يُعَدِّدُ سَرَايَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَبَعَثَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ نَحْوَ مَدْيَن. . . فَأَصَابَ سَبْيًا مِنْ أَهْلِ مِينَاءٍ، وَهِيَ السَّوَاحِلُ.
قُلْت: وَبِنَفْسِ النَّصِّ حُدِّدَ (مِينَاءٌ) بِأَنَّهُ سَوَاحِلُ مَا حَوْلَ مَدْيَن، أَيْ سَوَاحِلُ خَلِيجِ الْعَقَبَةِ. وَلَعَلَّهُ قَصَدَ الْمَوَانِئَ فَأَفْرَدَهَا، لِأَنَّ هَذَا الْخَلِيجَ عَلَيْهِ مَوَانِئُ، كَانَ مِنْ أَهَمِّهَا (مُقَنَّى) وَحَقْلٌ، وَأَيْلَةُ، الْمَعْرُوفَةُ الْيَوْمَ بِالْعَقَبَةِ. وَأَرْضُ مَدْيَن: هِيَ الْأَرْضُ الْمُحَاذِيَةُ لِشَطِّ خَلِيجِ الْعَقَبَةِ الشَّرْقِيِّ، مِنْ مَدِينَةِ الْعَقَبَةِ شَمَالًا حَتَّى ضَبَّةَ جَنُوبًا.
(1/308)

النَّازِيَةُ بَعْدَ النُّونِ وَالْأَلِفِ زَايٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ مُخَفَّفَةٌ، وَآخِرُهُ تَاءٌ مَرْبُوطَةٌ.
تَقَدَّمَ فِي النَّصِّ الَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي «الْمُنْصَرَفِ»، وَهِيَ أَرْضٌ فِيَاحٌ إذَا خَرَجْت مِنْ بَلْدَةِ الْمُسَيْجِيدِ تَؤُمُّ مَكَّةَ، سِرْت فِيهَا، يَسِيلُ فِيهَا مِنْ عَلَى يَمِينِك وَادِي رَحْقَانَ، وَيَصُبُّ عَلَى أَسْفَلِهَا مِمَّا يَلِي الْمُسْتَعْجَلَةَ وَادِي «خُرُصٍ» وَفِيهَا بِئْرٌ تُسَمَّى بِئْرَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عَبَّاسٌ هَذَا شَيْخَ الظَّوَاهِرِ مِنْ حَرْبٍ، وَالنَّازِيَةُ مَلِكٌ لِلظَّوَاهِرِ الْمَذْكُورِينَ.

النَّاسَّةُ مِنْ أَسْمَاءِ مَكَّةَ، ذَلِكَ أَنَّهَا - فِي الْجَاهِلِيَّةِ - لَا تُقِرُّ فِيهَا ظُلْمًا وَلَا بَغْيًا، وَلَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدٌ إلَّا أَخَرَجَتْهُ.
أَيْ أَنَّهَا تَنْسَهُ نَسًا أَيْ تَيْبَسَهُ، وَكَانَتْ أَيْضًا تُسَمَّى النَّسَّاسَةَ، وَالْبَاسَّةَ، وَبَكَّةَ، وَكُلُّهَا قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ.

نَجَبٌ (ذُو. .) نُونٌ وَجِيمٌ وَآخِرُهُ بَاءٌ، وَبِالتَّحْرِيكِ، كَذَا ضُبِطَ فِي السِّيرَةِ وَمُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ، وَمُعْجَمِ الْبُلْدَانِ:
جَاءَ فِي النَّصِّ: وَالْتَقَوْا يَوْمَ ذِي نَجَبٍ فَكَانَ الظَّفَرُ لِحَنْظَلَةَ عَلَى بَنِي عَامِرٍ وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ حَسَّانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْكِنْدِيُّ.
وَحَدَّدَهُ فِي «مُعْجَمِ الْبُلْدَانِ» بِأَنَّهُ وَادٍ قُرْبَ مَاوَانَ، وَمَاوَانُ عَلَى طَرِيقِ حَاجِّ الْبَصْرَةِ شَمَالَ شَرْقِيِّ مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ «مَهْدُ الذَّهَب ِ الْيَوْمَ» بِمَا يُقَارِبُ مَرْحَلَتَيْنِ، وَقِيلَ: بَلْ بَيْنَ الرَّبَذَةِ وَالنَّقْرَةِ، وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ، وَكَانَ بِهِ يَوْمَ
(1/311)

انْتَصَرَتْ فِيهِ بَنُو تَمِيمٍ عَلَى بَنِي عَامِرٍ.
أَمَّا قَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ «قُتِلَ حَسَّانُ»، قَالَ فِي مُعْجَمِ مَا اُسْتُعْجِمَ أُسِرَ حَسَّانُ وَقُتِلَ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَقُتِلَ عَامَّةُ الْكِنْدِيِّينَ، وَكَانُوا قَادَةَ بَنِي عَامِرٍ ذَلِك الْيَوْمِ لِاسْتِنْجَادِ بَنِي عَامِرٍ بِحَسَّانَ.

نَجْدٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ثُمَّ دَالٍ مُهْمَلَةٍ.
جَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ فِي لَامِيَّتِهِ الطَّوِيلَةِ:

وَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عَنِّي مُعَرِّضًا

كَمَا مَرَّ قَيْلٌ مِنْ عِظَامِ الْمَقَاوِلِ
يَفِرُّ إلَى نَجْدٍ وَبَرْدِ مِيَاهِه ِ

وَيَزْعُمُ أَنِّي لَسْت عَنْكُمْ بِغَافِلِ
قُلْت: نَجْدٌ إقْلِيمٌ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَهُوَ أَوْسَعُهَا وَأَكْثَرُهَا صَحَارَى وَفِجَاجًا وَرِمَالًا، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ اسْمَ نَجْدٍ عَلَى كُلِّ مَا عَلَا مِنْ الْأَرْضِ، فَفِي الْيَمَنِ يُسَمَّى كُلُّ مَا بَيْنَ السَّرَاةِ وَالرُّبْعِ الْخَالِي نَجْدًا، وَأَبُو طَالِبٍ يَقْصِدُ هُنَا «الطَّائِفَ» وَمَا حَوْلَهُ، أَمَّا نَجْدٌ الْعَلَمُ فَهُوَ قَلْبُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، تَتَوَسَّطُهُ مَدِينَةُ الرِّيَاضِ عَاصِمَةُ الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، وَيَشْمَلُ أَقَالِيمَ كَثِيرَةً مِنْهَا: الْقَصِيمُ وَسَدِيرٌ وَالْأَفْلَاجُ وَالْيَمَامَةُ وَالْوَشْمُ وَغَيْرُهَا، وَهُوَ يَتَّصِلُ بِالْحِجَازِ غَرْبًا، وَبِالْيَمَنِ جَنُوبًا، وَبِإِقْلِيمِ الْأَحْسَاءِ شَرْقًا، وَبِبَادِيَةِ الْعَرَبِ شَمَالًا، وَلَيْسَتْ هُنَاكَ حُدُودٌ تُحَدِّدُ أَقَالِيمَ الْجَزِيرَةِ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، وَكُلُّ مَا قَالَهُ الْأَقْدَمُونَ يَرْحَمُهُمْ اللَّهُ هُوَ فَرْضٌ وَحَدْسٌ، غَيْرَ أَنَّ الْعَرَبَ الْيَوْمَ تَعْرِفُ بِالتَّوَارُثِ مَا يُشْبِهُ الْحُدُودَ، فَهُمْ يَقُولُونَ لَك - مَثَلًا - الدُّفَيْنَةُ مِنْ نَجْدٍ
(1/312)

وَلَيْسَتْ مِنْ الْحِجَازِ، وَحَائِلُ مِنْ نَجْدٍ وَلَيْسَتْ مِنْ بَادِيَةِ الشَّامِ، وَيَقُولُونَ: تَيْمَاءُ مِنْ الْحِجَازِ وَلَيْسَتْ مِنْ الشَّامِ وَلَا مِنْ نَجْدٍ، وَهَكَذَا.
وَنَجْدٌ الْيَوْمَ كَثِيرُ الْمُدُنِ الْعَامِرَةِ، فَبِالْإِضَافَةِ إلَى الرِّيَاضِ، هُنَاكَ مُدُنُ الْقَصِيمِ الثَّلَاثِ: بُرَيْدَةَ وَعُنَيْزَةَ وَالرَّسِّ. وَهُنَاكَ مَدِينَةُ حَائِلٍ قَاعِدَةٌ شَمَالَ نَجْدٍ، وَالْخَرْجُ جَنُوبَ الرِّيَاضِ، وَشَقْرَاءُ وَمُرَاةُ وَضَرِّمَا مِنْ إقْلِيمِ الْوَشْمِ، وَلَيْلَى: قَاعِدَةُ إقْلِيمِ الْأَفْلَاجِ، وَالْمَجْمَعَةُ قَاعِدَةُ سَدِيرٍ، وحريملا وَالْعَيْنِيَّةُ وَالْجُبَيْلُ: مُدُنٌ قَدِيمَةٌ وَمَا زَالَتْ حَيَّةً شَمَالَ الرِّيَاضِ، وَالدَّرْعِيَّةُ: الْعَاصِمَةُ الْقَدِيمَةُ لِلدَّوْلَةِ السُّعُودِيَّةِ شَمَالَ غَرْبِيِّ الرِّيَاضِ عَلَى (11) كَيْلًا فِي وَادِي حُنَيْفَةَ.

النَّجْدِيَّةُ كَالْمَنْسُوبَةِ إلَى نَجْدٍ.
جَاءَتْ فِي قِصَّةِ أَبِي سُفْيَانَ، وَغَزْوَةِ السَّوِيقِ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ - أَبُو سُفْيَانَ - فِي مِئَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لِيَبَرَّ يَمِينَهُ، فَسَلَكَ النَّجْدِيَّةَ، حَتَّى نَزَلَ بِصَدَدِ قَنَاةَ إلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: ثَيْبٌ، مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ أَوْ نَحْوِهِ. إلَخْ.
قُلْت: النَّجْدِيَّةُ، طَرِيقٌ تَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مُلْتَقَى النَّخْلَتَيْنِ ثُمَّ تَأْخُذُ نَخْلَةُ الشَّامِيَّةُ قِبَلًا، ثُمَّ فِي وَادِي الزَّرْقَاءِ، ثُمَّ عَلَى الضَّرِيبَةِ، ثُمَّ تَهْبِطُ مِنْ الْحَرَّةِ عَلَى النُّجَيْلِ، ثُمَّ عَلَى حَاذَّةَ، ثُمَّ عَلَى مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ، فَتَأْتِي الْمَدِينَةَ مِنْ الْمَشْرِقِ.
(1/313)

وَفِي الْعُصُورِ الْأَخِيرَةِ سُمِّيَتْ «الْفَرْعِيَّةَ» لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ يَقُولُونَ لِلشَّرْقِ فَرْعٌ، وَلِلْغَرْبِ حُدَّرُ.

نَجْرَانُ عَلَى وَزْنِ فَعْلَانَ:
لَهَا ذِكْرٌ كَثِيرٌ فِي السِّيرَةِ، وَلَهَا حَوَادِثُ تَمْلَأُ مُجَلَّدًا مُنْذُ الْجَاهِلِيَّةِ إلَى يَوْمِنَا هَذَا.
وَهِيَ مَدِينَةٌ عَرِيقَةٌ عُرِفَتْ مُنْذُ أَنْ عُرِفَ لِلْعَرَبِ تَارِيخٌ، تَتَكَوَّنُ مِنْ مَجْمُوعَةِ مُدُنٍ صَغِيرَةٍ فِي وَادٍ وَاحِدٍ، وَلِذَا فَكَلَمَّا انْدَثَرَتْ مَدِينَةٌ مِنْ تِلْكَ الْمُدُنِ حَمَلَتْ الْأُخْرَى اسْمَ نَجْرَانَ، وَهِيَ وَادٍ كَبِيرٌ كَثِيرُ الْمِيَاهِ وَالزَّرْعِ، يَسِيلُ مِنْ السَّرَاةِ شَرْقًا حَتَّى يَصُبَّ فِي الرُّبْعِ الْخَالِي، وَتَقَعُ عَلَى الطَّرِيقِ بَيْنَ صَعْدَةَ وَأَبْهَا، عَلَى قُرَابَةِ (910) أَكْيَالٍ جَنُوبَ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْ السَّرَاةِ، وَتَرْبِطُهَا بِكُلِّ مِنْ مَكَّةَ وَالرِّيَاضِ وَشَرَوْرَى فِي الرُّبْعِ الْخَالِي - طَرِيقٌ مُعَبَّدَةٌ، وَلَهَا مَطَارٌ، وَفِيهَا آثَارٌ أَهَمُّهَا مَدِينَةُ الْأُخْدُودِ - قَدْ ذُكِرَتْ - وَمَا كَانَ يُعْرَفُ بِكَعْبَةِ نَجْرَانَ. كَانَ قِوَامَ أَهْلِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِنْ مَذْحِجَ، وَقِوَامُ أَهْلِهَا الْيَوْمَ قَبِيلَةُ يَامٍ الْهَمْدَانِيَّةِ. وَقَدْ أَفَضْت فِي الْحَدِيثِ عَنْهَا فِي كِتَابِي «بَيْنَ مَكَّةَ وَحَضْرَمَوْتَ» بَلْ لَمْ يُؤَلَّفْ ذَلِكَ الْكِتَابُ إلَّا مِنْ أَجْلِهَا. فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
وَجَاءَتْ فِي قَوْلِ حَسَّانَ لَابْنِ الزِّبَعْرَى حِينَ هَرَبَ إلَى نَجْرَانَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ:

لَا تَعْدَمَنْ رَجُلًا أَحَلَّك بُغْضُه ُ

نَجْرَانَ فِي عَيْشٍ أَحَذِّ لَئِيمِ
(1/314)

وَهِيَ عَلَى الْخَرِيطَةِ بَيْنَ خَطَّيْ (30ْ 44ْ طُولًا، و18ْ عَرْضًا وَلَهَا الْيَوْمَ إمَارَةٌ تَضُمُّ نَوَاحِيَ كَثِيرَةً، مِنْهَا: شَرَوْرَى، وَحَبَوْنَنُ، وَغَيْرُهَا، وَكُلُّهَا تَضَمَّنَهَا بِالتَّفْصِيلِ الْكِتَابُ آنِفُ الذِّكْرِ.

النُّجَيْرُ كَأَنَّهُ تَصْغِيرُ نَجْرٍ:
جَاءَ فِي قَوْلِ أَعْشَى قَيْسٍ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

وَأَبْتَذِلُ الْعِيسَ الْمَرَاقِيلَ تَغْتَلِي

مَسَافَةَ مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ فَصَرْخَدَا
أَلَا أَيُّهَذَا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمَت ْ

فَإِنَّ لَهَا مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا
قُلْت: كَانَ حِصْنًا بِالْيَمَنِ قُرْبَ حَضْرَمَوْتَ، دَارَتْ حَوْلَهُ حُرُوبٌ بَيْنَ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ بَنِي كِنْدَة وَالْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ زِيَادِ بْنِ لَبِيَدِ الْبَيَاضِيّ الْأَنْصَارِيّ فَفَتَحَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَشْرَافِ الْمُرْتَدِّينَ وَتَرَكَهَا لِلسِّبَاعِ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ ; كَذَا وَرَدَ فِي مَصَادِرِ حُرُوبِ الرِّدَّةِ.
وَالْبَيْتُ الثَّانِي يُرْوَى: مَسَافَةً مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ وَصَرْخَدَ وَصَرْخَدُ بِبِلَادِ الشَّامِ، وَالْأَعْشَى يُدَلِّلُ بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وَالشَّامِ عَلَى كَثْرَةِ سَفَرَاتِهِ.
وَالنُّجَيْرُ الْيَوْمَ: بَقَايَا أَطْلَالٍ - فِي حَضْرَمَوْتَ - جَنُوبَ غَرْبِيِّ الْعِبْرِ عَلَى قَرَابَةِ سِتِّينَ كَيْلًا، أَيْ شَمَالَ غَرْبِيِّ حَضْرَمَوْتَ. «رَوَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ هَادُونَ الْعَطَّاسُ».
(1/315)

نَخْبٌ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ: جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَأَمَرَ وَهُوَ بِلِيَّةَ، بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْف ٍ (النَّصْرِيِّ) فَهُدِمَ، ثُمَّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضَّيِّقَةُ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقِيلَ لَهُ: الضَّيِّقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى نَخْبٍ، حَتَّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةِ الصَّادِرَةِ.
هَذَا النَّصُّ، هُوَ تَكْمِلَةٌ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي «قَرْنٍ» أَيْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَتَى الطَّائِفَ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ ثُمَّ حَلَّقَ مِنْ شَرْقِيِّهَا، ثُمَّ جَاءَهَا مِنْ الْجَنُوبِ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْعَسْكَرِيُّونَ التَّطْوِيقَ، وَهِيَ خُطَّةٌ عَسْكَرِيَّةٌ حَكِيمَةٌ، إذْ حَالَ بَيْنَ ثَقِيفٍ وَمَدَدِهِمْ مِنْ بَنِي نَصْرٍ الْقَاطِنِينَ شَرْقَ وَجَنُوبَ الطَّائِفِ، وَبَيْنَ ثَقِيفٍ وَبَيْنَ أَمْوَالِهِمْ فِي لِيَّةَ وَمَا حَوْلَهَا. وَفِي هَذَا النَّصِّ:
1 - نَخْبٌ: وَادٍ صَغِيرٌ يَمُرُّ جَنُوبَ الطَّائِفِ عَلَى قَرَابَةِ خَمْسَةِ أَكْيَالٍ، ثُمَّ يَصُبُّ فِي لِيَّةَ مِنْ ضَفَّتِهَا الْيُسْرَى. وَأَهْلُهُ الْيَوْمَ وَقْدَانُ مِنْ عُتَيْبَةَ.
2 - حِصْنُ مَالِكٍ: مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ قُرْبَ بَحْرَةِ الرُّغَاءِ، مُهَدَّمٌ.
3 - الْيُسْرَى: تَلْعَةٌ بَيْنَ لِيَّةَ وَنَخْبٍ، تَصُبُّ فِي لِيَّةَ عَلَى مَرْأًى مِنْ بَحْرَةِ الرُّغَاءِ، وَمَا زَالَتْ تُسَمَّى الْيُسْرَى كَمَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(1/316)

سِدْرَةُ الصَّادِرَةِ: مَكَانُهَا الْيَوْمَ مَسْجِدٌ فِي نَخْبٍ، يُسَمَّى مَسْجِدَ الصَّادِرَةِ، وَمَسْجِدَ نَخْبٍ، وَهُوَ مَعْمُورٌ، وَقَدْ تَحَدَّثْت عَنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فِي الْمُعْجَمِ.

نَخْلَةُ بِلَفْظِ النَّخْلَةِ شَجَرَةُ التَّمْرِ:
جَاءَ فِي ذِكْرِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ فَتَحَ الْكِتَابَ، فَنَظَرَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ: إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ، فَتَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعْلَمَ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ.
قُلْت: هُمَا نَخْلَتَانِ: الشَّامِيَّةُ وَالْيَمَانِيَّةُ، وَالْمَقْصُودُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَخْلَةُ الْيَمَانِيَّةُ، لِأَنَّهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْقَدِيمِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَمَا كَانَتْ الْقَوَافِلُ تَسِيرُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِيهَا.
(1/317)

وَالنَّخْلَتَانِ. مُتَجَاوِرَتَانِ فِي الْمَنْبَعِ وَالْمَصَبِّ، فَكِلَاهُمَا تَأْخُذُ أَعْلَى مَسَاقِطِ مِيَاهِهَا مِنْ السَّرَاةِ الْوَاقِعَةِ غَرْبَ الطَّائِفِ، ثُمَّ تَنْحَدِرَانِ شَمَالًا ثُمَّ غَرْبًا حَتَّى. تَجْتَمِعَا فِي مَلْقًى كَانَ يُسَمَّى «بُسْتَانَ ابْنِ مَعْمَرٍ» ثُمَّ يُكَوِّنَانِ وَادِيَ مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَرُّ الظَّهْرَانِ، فِي هَذَا الْكِتَابِ.

النُّخَيْلُ كَتَصْغِيرِ نَخْلٍ: وَرَدَ فِي نَصٍّ ذَكَرْنَاهُ فِي «الْيَمَنِ» وَتُرَدَّدُ فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى. وَهُوَ قَرْيَةٌ عَلَى وَادٍ بِنَفْسِ الِاسْمِ يُجَاوِرُ وَادِيَ نَخْلٍ «وَادِي الْحِنَاكِيَّةِ» يَقَعُ يَمِينَ قَاصِدِ الْقَصِيمِ مِنْ الْمَدِينَةِ إذَا أَقْبَلَ عَلَى الْحِنَاكِيَّةِ، وَالْحِنَاكِيَّةُ: عَلَى (100) كَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْقَصِيمِ.
النَّدْوَةُ جَاءَ ذِكْرُ «دَارِ النَّدْوَةِ» فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ.
قُلْت: هِيَ الدَّارُ الَّتِي بَنَاهَا قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ (مَجْمَعُ قُرَيْشٍ) لِاجْتِمَاعِهِمْ وَتُشَاوِرْهُمْ، وَكَانَ لَا يَعْقِدُ لِوَاءَ الْحَرْبِ إلَّا فِيهَا وَلَا تَزَوَّجَ قُرَشِيَّةً إلَّا فِيهَا. كَانَتْ فِي الْجَانِبِ الشَّمَالِيِّ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، ثُمَّ دَخَلَتْ فِي تَوْسِعَتِهِ فِي عَهْدِ بَنِي الْعَبَّاسِ.

نَسْرٌ بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ:
جَاءَ، فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الْكُلَاعِ مِنْ حِمْيَرَ، اتَّخَذُوا نَسْرًا بِأَرْضِ حِمْيَرَ.
قُلْت: يُفْهَمُ مِمَّا فِي صِفَةِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَنَّ أَرْضَ «الْكُلَاعِ» تَشْمَلُ إقْلِيمًا وَاسِعًا قُرْبَ صَنْعَاءَ، وَلَعَلَّهَا مَا
(1/318)

يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِلِوَاءِ «إب» حَيْثُ ذُكِرَ مِنْهَا «إب» وَبَلَدُ بَنِي حَشِيشٍ، وَبَنُو حَشِيشٍ قَبِيلَةٌ مَا زَالَتْ مَعْرُوفَةً بِظَاهِرِ صَنْعَاءَ، وَجَبَلُ نُقَمٍ وَاقِعٌ فِي دِيَارِهِمْ، وَهُوَ جَبَلُ صَنْعَاءَ. أَمَّا «نَسْرٌ» فَقَدْ أَبْدَلَ اللَّهُ أَهْلَ الْيَمَنِ - أَهْلَ الْإِيمَانِ - بِهِ خَيْرًا، أَبْدَلَهُمْ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ مِنْ أَبْنَاءِ حِمْيَرَ، وَلَا غَيْرِهِمْ.

نَصِيبِينُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ. جَاءَتْ فِي ذِكْرِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَوْصِلِ.
قُلْت: تَقَعُ نَصِيبِينُ فِي أَقْصَى شَمَالِ الْجَزِيرَةِ الْفُرَاتِيَّةِ عَلَى الْحُدُودِ بَيْنَ تُرْكِيَّةَ وَسُورِيَّةَ وَالْحُدُودُ تَحُوزُهَا - الْيَوْمَ - إلَى تُرْكِيَّةَ، تُجَاوِرُ مَدِينَةَ القامشلي السُّورِيَّةَ لَيْسَ بَيْنَهُمَا غَيْرُ الْحَدِّ، نَصِيبِينُ شَمَالَهُ والقامشلي جَنُوبُهُ، وَيَمُرُّ فِيهِمَا أَحَدُ فُرُوعِ نَهْرِ الْخَابُورِ.
وَكَانَتْ نَصِيبِينُ مِنْ الْمُدُنِ الْعَامِرَةِ ذَاتِ الْبَسَاتِينِ الْغَنَّاءِ، حَتَّى قِيلَ إنَّهُ كَانَ يَتْبَعُهَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ بُسْتَانٍ. وَهِيَ عَلَى الْجَادَّةِ بَيْنَ الْمَوْصِلِ وَحَلَبٍ، وَمَا زَالَتْ تِلْكَ الْجَادَّةُ عَامِرَةً.

نَقْبُ بَنِي دِينَارٍ ذُكِرَ فِي «ذِي الْعُشَيْرَةِ».
نَقْمَى ذُكِرَتْ فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ.
النَّقِيعُ فَعِيلٌ مِنْ النَّقْعِ:
(1/319)

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، يَذْكُرُ عَوْدَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ: وَسَلَكَ الْحِجَازَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ فُوَيْقَ النَّقِيعِ، يُقَالُ لَهُ: بَقْعَاءُ.
قُلْت: النَّقِيعُ: وَادٍ فَحْلٌ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ، يَقَعُ جَنُوبَ الْمَدِينَةِ، يَسِيلُ مِنْ الْحِرَارِ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا وَادِي الْفَرْعِ، ثُمَّ يَتَّجِهُ شَمَالًا جَاعِلًا جِبَالَ قُدْسٍ عَلَى يَسَارِهِ، وَيَأْخُذُ كُلَّ مِيَاهِهَا الشَّرْقِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ لِلْخَيْلِ. يُسَمَّى الْوَادِيَ النَّقِيعَ إلَى أَنْ يُقْبِلَ عَلَى بِئْرِ الْمَاشِي - 38 كَيْلًا جَنُوبَ الْمَدِينَةِ - ثُمَّ يُسَمَّى عَقِيقَ الْحَسَا، إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ عَقِيقِ الْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْفَعَ فِي إضَمٍ فِي مَجْمَعِ الْأَسْيَالِ. فَأَوَّلُ النَّقِيعِ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ يَبْعُدُ عَنْهَا قَرَابَةَ (40) كَيْلًا، جَنُوبًا عَلَى طَرِيقِ الْفَرْعِ، وَأَقْصَاهُ عَلَى قَرَابَةِ (120) كَيْلًا قُرْبَ الْفَرْعِ.

النُّورُ (جَبَلٌ. .) ذُكِرَ فِي حِرَاءٍ.
نِيقُ الْعُقَابِ جَاءَ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا بِنِيقِ الْعُقَابِ، فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ.
قُلْت: لَا يُعْرَفُ هَذَا الْمَوْضِعُ الْيَوْمَ، وَخَاصَّةً عَلَى الْجَادَّةِ.
(1/320)

النِّيلُ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَبِالتَّعْرِيفِ. جَاءَ فِي قِصَّةِ النَّجَاشِيّ وَحُرُوبِهِ أَثْنَاءَ وُجُودِ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ فِي جِوَارِهِ.
وَالنِّيلُ مَعْرُوفٌ مَعْلُومٌ حَتَّى لِلْعَامَّةِ، إنَّمَا الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ غَيْرُ النِّيلِ الْكَبِيرِ، هُوَ فَرْعٌ مِنْهُ يَدْخُلُ فِي بِلَادِ الْحَبَشَةِ يُسَمَّى النِّيلَ الْأَزْرَقَ، يَسِيلُ مِنْ هَضْبَةِ الْحَبَشَةِ إلَى بِلَادِ السُّودَانِ، وَيُقَابِلُهُ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى النِّيلُ الْأَبْيَضُ الَّذِي يَأْتِي مِنْ مُرْتَفَعَاتِ «أُوغَنْدَة» فَيَشُقُّ أَرْضَ السُّودَانِ طُولًا فَيَجْتَمِعُ النِّيلَانِ عِنْدَ مَدِينَةِ الْخُرْطُومِ فَيَتَكَوَّنُ النِّيلُ الْكَبِيرُ، الَّذِي يَذْهَبُ مُنْحَدِرًا فِي أَرْضِ السُّودَانِ ثُمَّ أَرْضِ مِصْرَ إلَى أَنْ يَفِيضَ فِي الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ بَيْنَ الإسكندرية وَبُورْسَعِيدَ.
(1/321)

نِينَوَى بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَفَتْحِ النُّونِ الْأُخْرَى مَقْصُورٌ: جَاءَ ذِكْرُهَا فِي خَبَرِ لُجُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الطَّائِفِ. وَحَدِيثُهُ مَعَ عَدَّاسٍ، إذْ قَالَ لَهُ: وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْت يَا عَدَّاسُ، وَمَا دِينُك؟ قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى.
قُلْت: نِينَوَى: كَانَتْ إحْدَى مُدُنِ الْعِرَاقِ الْمُهِمَّةِ، ذَاتُ شُهْرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، كَانَ مِنْهَا نَبِيُّ اللَّهِ يُونُسَ بْنُ مَتَّى، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ مُغَاضِبًا فِي الْبَحْرِ، وَذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَنَّهُ بَعَثَهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ. وَنِينَوَى الْيَوْمَ أَطْلَالٌ وَآثَارٌ عَلَى الضَّفَّةِ الْيُسْرَى لِنَهْرِ دِجْلَةَ مُقَابَلَةً مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وَالنَّهْرُ بَيْنَهُمَا. وَيَؤُمُّهَا الْمِئَاتُ مِنْ السُّيَّاحِ كُلَّ يَوْمٍ، وَمَوْقِعُهَا بَارِدٌ شِتَاءً مُعْتَدِلٌ صَيْفًا.
(1/323)

الْهَبَاءَةُ هَاء فَمُوَحَّدَةٌ تَحْتِيَّةٌ: ذُكِرَتْ فِي الْيَعْمَلَةِ، وَهُنَاكَ تَحْدِيدُهَا. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ:
تَرَكْت عَلَى الْهَبَاءَةِ غَيْرَ فَخْرٍ

حُذَيْفَةَ عِنْدَهُ قَصْدُ الْعَوَالِي

هُبَلُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَآخِرُهُ لَامٌ: جَاءَ فِي النَّصِّ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ.
قُلْت: هَذِهِ بِئْرٌ كَانَ يُودَعُ فِيهَا مَا كَانَ لِلْكَعْبَةِ مِنْ أَمْوَالٍ، وَلَيْسَتْ بِئْرَ مَاءٍ. وَكَانَ هُبَلُ مِنْ عَقِيقٍ أَحْمَرَ عَلَى صُورَةِ إنْسَانٍ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى مَكْسُورَةً فَجَعَلَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَدًا مِنْ ذَهَبٍ، قِيلَ إنَّ خُزَيْمَةَ بْنَ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، هُوَ الَّذِي نَصَبَهُ، وَكَانَ يَسْتَقْسِمُ عِنْدَهُ بِالْأَزْلَامِ، وَكَانَ صَاحِبَ الْقِدَاحِ يَضْرِبُهَا عِنْدَهُ، وَيَوْمُ أُحُد قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: اُعْلُ هُبَلُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُدُّوا عَلَيْهِ: فَقِيلَ: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، وَكُسِّرَ يَوْمَ كُسِّرَتْ الْأَصْنَامُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَمِنْ الطَّبِيعِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ.

الْهَدْمُ بِلَفْظِ الِاسْمِ مِنْ هَدَمَ: جَاءَ فِي قِصَّةِ هَدْمِ اللَّاتِي، جَاءَ فِي خَبَرِ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لِهَدْمِ الطَّاغِيَةِ، وَهِيَ اللَّاتِي، فَلَمَّا وَصَلَا إلَى الطَّائِفِ ذَهَبَ الْمُغِيرَةُ لِهَدْمِهَا، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ.
(1/327)

وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْمَصَادِرِ «الْهَرْمُ». وَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالطَّائِفِ مَكَانٌ بِأَحَدِ الِاسْمَيْنِ. فَهَلْ يَكُونُ هَذَا تَصْحِيفَ «الْعَرْجِ»؟ وَكُلُّ مَنْ ذَكَرَهُ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
(1/328)

وَادِي مَدَانَ: اُنْظُرْ الْحَرَّةَ الرَّجْلَاءَ
الْوَتِيرُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَآخِرُهُ رَاءٌ: جَاءَ ذِكْرُهُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ.
وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ جَنُوبَ غَرْبِيِّ مَكَّةَ عَلَى حُدُودِ الْحَرَمِ، يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ (16) كَيْلًا، وَهُوَ مِنْ دِيَارِ خُزَاعَةَ قَدِيمًا وَحَالِيًّا. وَقَدْ أَوْفَيْتهَا الْحَدِيثَ فِي «مَعَالِمِ مَكَّةَ التَّارِيخِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ» وَيُجْمَعُ مَعَ مَا حَوْلَهُ فَيُقَالُ: الْوَتَائِرُ، وَسَمَّاهُ الْفَاسِيُّ - الْعِقْدَ الثَّمِينَ - الْوَتِيرَيْنِ، وَقَدْ أُطْلِقَ الْيَوْمَ عَلَى حَيِّزٍ مِنْهُ اسْمُ الْكَعْكِيَّةِ، نِسْبَةً إلَى الْكَعْكِ الَّذِي تَمْلِكُ هَذَا الْحَيِّزَ مِنْهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى حَيِّزٍ آخَرَ اسْمُ الْعُكَيْشِيَّةِ.

وَجٌّ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْمَرَاجِعِ، وَأَهْلُهُ يَنْطِقُونَهُ بِكَسْرِ الْوَاوِ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ، يَهْجُو ثَقِيفًا:
وَبِئْسَ الْأَمْرُ أَمْرُ بَنِي قَسِيٍّ

بِوَجِّ، إذْ تَقَسَّمَتْ الْأُمُورُ
أَضَاعُوا أَمْرَهُمْ وَلِكُلِّ قَوْمٍ

أَمِيرٌ، وَالدَّوَائِرُ قَدْ تَدُورُ
قُلْت: وَجٌّ، هُوَ وَادِي الطَّائِفِ الرَّئِيسُ، يَسِيلُ مِنْ شِعَافِ السَّرَاةِ جَنُوبَ غَرْبِيِّ الطَّائِفِ، فَيُقَاسِمُ أَوْدِيَةَ ضَيْمٍ وَدُفَاقٍ وَمَلَكَانَ الْمَاءَ، ثُمَّ يَتَّجِهُ شَرْقًا حَتَّى يَمُرَّ فِي طَرَفِ الطَّائِفِ مِنْ الْجَنُوبِ ثُمَّ الشَّرْقِ، وَقَدْ عُمِّرَ الْيَوْمَ جَانِبَاهُ بِأَحْيَاءِ مِنْ الطَّائِفِ، فَإِذَا تَجَاوَزَ الطَّائِفَ كَانَتْ عَلَيْهِ قُرًى وَمَزَارِعُ كَثِيرَةٌ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ وَادِي شِرْبٍ عِنْدَ مَوْقِعِ عِكَاظٍ، فَيُكَوِّنَانِ
(1/331)

وَادِيَ الْمَبْعُوثِ الَّذِي يَخْتَرِقُ سَهْلَ رُكْبَةَ وَيَذْهَبُ إلَى عَقِيقِ عُشَيْرَةَ إنْ كَانَ سَيْلُهُمَا كَافِيًا. سُكَّانَهُ: فِي أَعْلَاهُ هُذَيْلٌ، وَعِنْدَ الْوَهْطِ وَالْوَهِيطِ قُرَيْشٌ، وَعِنْدَ الطَّائِفِ الْأَشْرَافُ ذَوُو غَالِبٍ، أَمَّا بَعْدَ الطَّائِفِ فَأَحْيَاءٌ مِنْ الْأَشْرَافِ وَعُتَيْبَةَ وَعَدْوَانَ وَغَيْرُهُمْ.

وَجْرَةُ ذُكِرْت فِي الْعَقِيقِ.
ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ جَاءَتْ فِي ذِكْرِ يَوْمِ ذِي قَرَدٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَتَّى إذَا عَلَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ - يَعْنِي الْأَكْوَعَ - نَظَرَ إلَى بَعْضِ خُيُولِهِمْ، فَأَشْرَفَ مِنْ نَاحِيَةِ سَلْعٍ، ثُمَّ صَرَخَ: وَاصَبَاحَاه.
قُلْت: ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ مِنْ سَلْعٍ عَلَى مَتْنِهِ الشَّرْقِيِّ، يَعْرِفُهَا الْخَاصَّةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَفِيهَا عُبِّدَ الطَّرِيقُ الذَّاهِبُ إلَى الْعُيُونِ وَالشُّهَدَاءِ وَالشَّامِ، وَهِيَ الْيَوْمَ فِي قَلْبِ عُمْرَانِ الْمَدِينَةِ.

وَدٌّ ذُكِرَ فِي دُومَةِ الْجَنْدَلِ.
وَدَّانُ كَأَنَّهُ مُثَنَّى وَدٍّ الَّذِي قَبْلَهُ: جَاءَ فِي النَّصِّ: ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، حَتَّى بَلَغَ «وَدَّانَ» وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ.
قُلْت: انْدَثَرَتْ وَدَّانُ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُ
(1/332)

الْبَاحِثِينَ أَنَّهَا (مَسْتُورَةٌ) الْيَوْمَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَوْضِعُ وَدَّانَ شَرْقَ مَسْتُورَةَ إلَى الْجَنُوبِ، فِي نَعْفِ حَرَّةِ الْأَبْوَاءِ إذَا أَكْنَعْت فِي مَكَانٍ يَلْتَقِي فِيهِ سَيْلُ تَلْعَةِ حَمَامَةَ بِوَادِي الْأَبْوَاءِ، وَذَلِكَ النَّعْفُ يُسَمَّى «الْعُصْعُصَ» وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْتُورَةَ قَرِيبًا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ كَيْلًا. وَأَهْلُهَا - الْيَوْمَ - بَنُو مُحَمَّدٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو مِنْ حَرْبٍ.

وَرْقَانُ يَضْبِطُهُ الْجُغْرَافِيُّونَ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَأَهْلُهُ يُسَكِّنُونَهُ، وَأَظُنُّهُ بِالسُّكُونِ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ جَمِيلٍ:
يَا خَلِيلِيَّ إنَّ بُثَيْنَةَ بَانَتْ

يَوْمَ وِرْقَانَ بِالْفُؤَادِ سَبِيًّا
تَقَدَّمَ وَرْقَانُ مَعَنَا فِي عَسْجَدٍ، وَكَسَرَهُ هُنَاكَ زَرَاحٌ الْعُذْرِيُّ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ. قُلْت: هُوَ جَبَلٌ أَشْهَبُ وَلَيْسَ بِأَسْوَدَ كَمَا تَنَاقَلَتْهُ كُتُبُ الْمُتَقَدِّمِينَ، ذُو شَنَاخِيبَ عَسِرُ الْمَرْقَى، إذَا أَقْبَلْت عَلَى الرَّوْحَاءِ آتِيًا مِنْ الْمَدِينَةِ كَانَ وَرْقَانُ عَلَى يَسَارِك، تَرَاهُ شَاهِقًا، وَلِلنَّاسِ تَغَنٍّ بِعُسْرِ مَرَقَاهُ وَمَنْعَتِهِ، وَهُوَ الْيَوْمَ لِعَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ، وَمِيَاهُهُ مَقْسُومَةٌ بَيْنَ غَوْرٍ وَجِلْسَ الْغَوْرُ، فِي وَادِي الصَّفْرَاءِ وَالْجِلْسُ فِي وَادِي الْفُرَيْشِ ثُمَّ مَلَلٍ فَإِضَمٍ. يَبْعُدُ وَرْقَانُ جَنُوبَ الْمَدِينَةِ (70) كَيْلًا.
(1/333)

يَأْجَجُ بَعْدَ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ هَمْزَةٌ، ثُمَّ تَكْرَارُ الْجِيمِ، أَوَّلُهُمَا مَفْتُوحٌ: جَاءَ فِي قِصَّةِ هِجْرَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
قُلْت: هُوَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ مَكَّةَ، شَمَالَ عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ، وَوَادِي التَّنْعِيمِ يَصُبُّ فِي يَأْجَحَ، يَقْطَعُهُ الطَّرِيقُ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عَشْرَةِ أَكْيَالٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِاسْمِ «يَاجَ» وَأَهْلُهُ لِحْيَانُ مِنْ هُذَيْلٍ، وَسَيْلُهُ يَصُبُّ فِي مَرِّ الظَّهْرَانِ مِنْ الْيَسَارِ عِنْدَ دُفِّ خُزَاعَةَ.

يَثْرِبُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، وَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ: جَاءَ فِي ذِكْرِ خُرُوجِ قَبَائِلِ الْأَزْدِ مِنْ الْيَمَنِ، وَكَانَ أَنْ نَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، وَقَدْ سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَعْدُ «الْمَدِينَةَ» وَنَهَى أَنْ يُقَالَ لَهَا يَثْرِبُ، وَسَمَّى أَهْلَهَا الْأَنْصَارَ. وَدَعَاهَا الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ، تَمْيِيزًا لَهَا عَنْ أَيَّةِ مَدِينَةٍ أُخْرَى. وَهِيَ أَجَلُّ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ نَعْرِفَهَا هُنَا.
الْيُسْرَى ذُكِرَتْ فِي نَخْبٍ
الْيَعْمَلَةُ أَوَّلُهُ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ: جَاءَ فِي قَوْلِ عَامِرٍ الْخَصَفِيّ:
(1/337)

أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمَ بْنَ حَرْمَلَه ْ

يَوْمَ الْهَبَاءَاتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهْ

يَقْتُلُ ذَا الذَّنَبِ وَمَنْ لَا ذَنَبَ لَهْ
الْيَعْمَلَةُ: مَوْضِعٌ كَانَتْ فِيهِ وَقْعَةٌ، وَتَقَعُ جَنُوبَ الرَّبَذَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَهْدِ الذَّهَبِ (وَادٍ وَجِبَالٌ). وَالْهَبَاءَةُ: أَرْضٌ بِهَا حَفَائِرُ تَقَعُ فِي وَادِي بَيْضَانَ قُرْبَ السوارقية، وَهُمْ يَقُولُونَ: الْهَبَاءُ، بِحَذْفِ الْهَاءِ الْآخِرَةِ، وَانْظُرْ عَنْ الْهَبَاءَةِ: «مُعْجَمَ مَعَالِمِ الْحِجَازِ».

يَعُوقُ ذُكِرَ فِي خَيْوَانَ.
يَغُوثُ أَوَّلُهُ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ، وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى. لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ، وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا، وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْعَمُ مِنْ طَيِّئٍ، وَأَهْلُ جُرَشٍ مِن ْ مَذْحِجَ اتَّخَذُوا يَغُوثَ بِجُرَشٍ. مَذْحِجَ اتَّخَذُوا يَغُوثَ بِجُرَشٍ.
وَيُعَلِّقُ مُحَقِّقُو السِّيرَةِ بِمَا يَنْفِي كَوْنَ جُرَشٍ مِنْ مَذْحِجَ. وَالنَّصُّ يَقُولُ: إنَّ أَهْلَ جُرَشٍ مِنْ مَذْحِجَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، إذْ أَنَّ مَدِينَةَ جُرَشٍ كَانَتْ فِي أَرْضِ مَذْحِجَ،
(1/338)

وَهِيَ كَمَا قَدَّمْنَا آثَارٌ قُرْبَ خَمِيسِ بْنِ مُشَيْطٍ، فَهَذَا مَوْقِعُ يَغُوثَ وَلَكِنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ، وَمُعْظَمُ الْأَصْنَامِ كَرِهَ الْعَرَبُ - بَعْدَ الْإِسْلَامِ - حَتَّى ذِكْرَ أَسْمَائِهَا بَعْدَ أَنْ عَوَّضَهُمْ اللَّهُ حَقًّا وَنُورًا، هُوَ الْإِسْلَامُ.

يَلَمْلَمُ جَاءَ فِي قَوْلِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيِّ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
أَطَعْنَاك حَتَّى أَسْلَمَ النَّاسُ كُلُّهُمْ

وَحَتَّى صَبَحْنَا الْجَمْعَ أَهْلَ يَلَمْلَمَا
قُلْت: يَلَمْلَمُ وَقَدْ يُقَالُ: أَلَمْلَمُ: وَادٍ فَحْلٌ يَمُرُّ جَنُوبَ مَكَّةَ عَلَى (100) كَيْلٍ، فِيهِ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ مَنْ أَتَى عَلَى الطَّرِيقِ التِّهَامِيّ، وَيُعْرَفُ الْمِيقَاتُ إلَى سَنَةِ 1399 هـ بِالسَّعْدِيَّةِ، ثُمَّ زُفِّتَ طَرِيقُ السَّيَّارَاتِ فَأَخَذَ السَّاحِلَ، فَهُجِرَ هَذَا الْمِيقَاتُ الْيَوْمَ لِبُعْدِهِ، عَنْ الطَّرِيقِ الْحَدِيثَةِ، وَأَهْلُ يَلَمْلَمَ فِي صُدُورِهِ بَنُو فَهْمٍ، وَتِهَامَتُهُ لِبَنِي شُعْبَةَ الْكِنَانِيِّينَ، وَسَاحِلُهُ لِلْأَشْرَافِ الْعَرَامِطَةِ وَأَفْنَاءٍ مِنْ حَرْبٍ.

يَلْيَلُ بِتَكْرَارِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَاللَّامِ. جَاءَ فِي النَّصِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي «الْعُدْوَةِ الْقُصْوَى» وَكَانَ وَادِي الصَّفْرَاءِ يُطْلَقُ عَلَى أَسْفَلِهِ الَّذِي يَمُرُّ بِبَدْرِ اسْمَ يَلْيَلَ، وَقَدْ يُسَمِّيهِ الْيَوْمَ بَعْضُهُمْ وَادِيَ بَدْرٍ، وَلَمْ يَعُدْ يُعْرَفُ اسْمُ يَلْيَلَ.
الْيَمَنُ تَرَدَّدَ ذِكْرُهُ كَثِيرًا فِي السِّيرَةِ، وَهُوَ الزَّاوِيَةُ الْجَنُوبِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ لِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، كَانَ مَنْبَعَ حَضَارَاتِ الْعَرَبِ الْقَدِيمَةِ وَمِنْهُ
(1/339)

خَرَجَتْ الْهِجْرَاتُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي عَمَّرَتْ مَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ، وَظَلَّ الْيَمَنُ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ يَتَوَحَّدُ وَيَتَفَرَّقُ، وَهُوَ مُكَوَّنٌ فِي عَهْدِنَا هَذَا مِنْ دَوْلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الْيَمَنُ الشَّمَالِيُّ، وَعَاصِمَتُهُ صَنْعَاءُ، وَالْيَمَنُ الْجَنُوبِيُّ، وَعَاصِمَتُهُ عَدَنٌ، وَكِلَاهُمَا قَدْ مَرَّ فِي هَذَا الْمُعْجَمِ. وَالْعَرَبُ مِنْ قَدِيمٍ تُطْلِقُ عَلَى كُلِّ مَا هُوَ جَنُوبٌ يَمَنًا، وَعَلَى مَا هُوَ شَمَالٌ، شَامًا، خَاصَّةً فِي الْحِجَازِ، فَهُمْ يَعْتَبِرُونَ كُلَّ مَا هُوَ جَنُوبَ مَكَّةَ يَمَنًا، بَلْ إنَّ الْمَحَاكِمَ بِمَكَّةَ تَقُولُ: (يَحُدُّ مُلْكَ فُلَانٍ يَمَنًا كَذَا، وَشَامًا كَذَا). وَلِذَا قَالَ هُبَيْرَةُ الْمَخْزُومِيُّ:

سُقْنَا كِنَانَةَ مِنْ أَطْرَافِ ذِي يَمَنٍ

عَرْضَ الْبِلَادِ عَلَى مَا كَانَ يُزْجِيهَا
قَالَتْ كِنَانَةُ: أَنَّى تَذْهَبُونَ بِنَا؟

قُلْنَا: النَّخِيلُ، فَأَمُّوهَا وَمَنْ فِيهَا
النَّخِيلُ: قَرْيَةٌ عَامِرَةٌ عَلَى وَادٍ بِهَذَا الِاسْمِ شَمَالَ بَلْدَةِ الْحِنَاكِيَّةِ، وَالْحِنَاكِيَّةُ: عَلَى مِائَةِ كَيْلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِ الْقَصِيمِ. اُنْظُرْ عَنْهَا - إنْ شِئْت - كِتَابِي «الرِّحْلَةُ النَّجْدِيَّةُ». أَمَّا الْيَمَنُ - جُغْرَافِيًّا - فَهُوَ مَا حَدَّدْنَاهُ، آنِفًا.

يَنْبُعُ مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وَنُونٌ وَمُوَحَّدَةٌ، وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ: جَاءَ فِي غَزَاةِ ذِي الْعُشَيْرَةِ.
قُلْت: إذَا ذُكِرَ هَذَا الِاسْمُ فِي السِّيرَةِ أَوْ أَيِّ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَّا عَلَى وَادِي يَنْبُعَ النَّخْلِ، وَهُوَ وَادٍ فَحْلٌ كَثِيرُ الْعُيُونِ وَالْقُرَى وَالنَّخِيلِ، الَّتِي أُخِذَ اسْمُهُ مِنْهَا، يَتَعَلَّقُ رَأْسُهُ عِنْدَ بُوَاطَ عَلَى قُرَابَةِ (70) كَيْلًا مِنْ الْمَدِينَةِ غَرْبًا، ثُمَّ يَنْحَدِرُ بَيْنَ سِلْسِلَتَيْنِ مِنْ الْجِبَالِ
(1/340)

عَظِيمَتَيْنِ، فَتَكْثُرُ رَوَافِدُهُ مِنْهُمَا، وَهَذَا هُوَ سِرُّ وَفْرَةِ مِيَاهِهِ وَتَفَجُّرِ عُيُونِهِ، وَالسِّلْسِلَتَانِ هُمَا: جَبَلُ الْأَشْعَرِ فِي الْجَنُوبِ، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ «الْفِقْرَةَ» تَسِيلُ مِنْهُ أَوْدِيَةٌ عِظَامٌ فِي يَنْبُعَ، مِنْ أَهَمِّهَا «نَخَلَى» وَعَبَاثِرُ، وَجِبَالُ رَضْوَى مِنْ الشَّمَالِ، وَمِنْهَا أَوْدِيَةٌ أَيْضًا مِنْ أَهَمِّهَا: ضَأْسٌ وَغَيْرُهُ.
(1/341)