Advertisement

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار



الكتاب : مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
المؤلف : شهاب الدين أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ] مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله خالق الأرض ومن عليها، ومُبدئ الخلق منها ومُعيدهم إليها.
وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدّه لا شريك له، شهادة تحفظ ما لديْها.
وأشهد أن محمّدا سيدنا عبده ورسوله الذي فُتِحَ به لأُمَّته من خلفها وبين يديها.
صلّى الله عليه وعلى آله، صلاة تفيض على المشارق والمغارب من جانبيها.وسلَّم تسليما كثيرا! أما بعد، فلمَّا كانت النفوس لا يُصلحها إلا التنقُّل من حال، والتوقُّل على شرفات الشدّ والارتحال، للاطِّلاع على الغرائب، والاستطلاع للعجائب، وقد قال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا في الأَرْضِ)، وقال: (هُوَ الذَّي جَعَلَ لَكُمُ الأََرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا)، وقال تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وإِلَى الْجِبَال كَيْفَ نُصِبَتْ وإِلَى اْلأَرِِضِ كَيْفَ سُطِحَتْ)، وقال تعالى (الذَّيِنَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماٌ وَقُعُوداٌ وعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُون في خَلْقِ السَّماوَاتِ وَاْلأَرْضَ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاُ سًبْحَانَكَ فَقَنا عَذَابّ النَّارِ).
ولقد ذكر النبيّ، صلى الله عليه وسلم، خطبة قُسّ بن ساعدة بعكاظ، وفيها قوله: " إنّ في السماء لخبرا، وإنّ في الأرض لعبر " .
ولقد طالعت الكتب الموضوعة في أحوال الأقاليم وما فيها، فلم أجد من قنّن أحوالها، ومثّل في الأفهام صورها، لأن غالب تلك الكتب لا تتضمّن سوى الأخبار القديمة، وأحوال الملوك السالفة، والأمم البائدة، وبعض مصطلحات ذهبت بذهاب أهلها، ولم يبق في مجرّد ذكرها عظيم فائدة، ولا كبير أمر. وخير القول أصدقه، والناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم.
فاستخرت الله تعالى في إثبات نبذة دالَّة على المقصود في ذكر الأرض وما فيها ومن فيها: الأظهَر فالأظهر، والأشهر فالأشهر، وما لم أجد بُدّا من ذكره في ذلك ومثله، وحالة كل مملكة، وما هي عليه، هي وأهلها في وقتنا هذا، مما ضَّمه نِطاق تلك المملكة، واجتمع عليه طرفا تلك الدائرة. لأقرب إلى الأفهام البعيدة غالب ما هي عليه أُمُّ كلّ مملكة من المصطلح والمعاملات، وما يوجد فيها غالبا: لُيبصر أهل كلِّ قطر القطر الآخر. وبينته بالتصوير: ليُعرف كيف هو، كأنه قُدَّام عيونهم بالمشاهدة والعِيان. مما اعتمدت في ذلك على تحقيق معرفتي له، فيما رأيته بالمشاهدة، وفيما لم أره بالنقل ممَّن يعرِف أحوال المملكة المنقول عنه أخبارها، مما رآه بعينه أو سمعه من الثقات بأُذنه.
ولم أنقل إلا عن أعيان الثقات، من ذوي التدقيق في النظر، والتحقيق للرواية.
واستكثرت ما أمكنني من السؤال عن كلِّ مملكة، لآمن من تغفُّل الغفلاء وتخيُّل الجهالات الضالَّة، وتحريف الأفهام الفاسدة.
فإن نقلت عن بعض الكتب المصنّفة في هذا الشأن،فهو من الموثوق به فيما لا بد منه: كتقسيم الأقاليم، وما فيها من أقوال القدماء، واختلاف آراء الحكام، إلى غير ذلك من غرائب وعجائب، وأخبار ملل ودول، وذكر مشاهير أعلام، وتاريخ سنين وشهور وأيام. مما هو مسرح أمل، ومطمح ذي عمل، لأُجمِّل به كلامي، وأكمِّل به نقصى، وأتمِّم به بهجة النظر، ورونق الصفحات: كالطراز في الثوب، والخال في الخدّ. لا لأكثِّر به حجم الكتاب. ولم أقتصر بذكر الأقاليم، عند ذكرى الممالك، مقصدّ الجغرافيا، كالأول والثاني والثالث، ولا بما تطلق عليه المسمَّيات، كالعراق وخُراسان وأذَرْبيجان.
بل أذكر ما اشتملت عليه مملكة كل سلطان، جملةُ لا تفصيلا، على ما هي عليه المدينة التي هي قاعدة الملك: كقرشى والسَّراىْ من قسمى توران وتوريز من إيران، أو ما لا بد من ذكره معها، والغائب في تلك المملكة من أوضاعها، والأكثر من مصطلح أهلها.
(1/1)

ولا أعني ذوي الممالك الصِّغار، إذا كانوا في مملكة سلطان قاهر عليهم، آمر فيهم: إذ هم جزء من كلٌّ. بل الذكر لكلِّ سلطان قاهر عليهم، آمرٌ فيهم: إذ هم جزء من كلُّ. بل الذكر لكل سلطان يستحق اسم السلطنة: لاتساع ممالك وأعمال، وكثرة جنود وأموال، ويتغطى بذيله من لعلَّه يكون في مملكته من ذوي الممالك الصِّغار: كصاحب حَمَاة مع صاحب مصر، وصاحب ماردين مع صاحب إيران. اللهم إلا أن تكون تلك المملكة مفردة لملك أو ملوك، وليس عليهم سلطان يجمعهم حكمه، ويمضى فيهم أمره: كملوك الجيل، وملوك جبال البربر، وما يجري هذا المجرى، ويسرى كوكبه هذا المسرى.
ولم آل جهدا في تصحيح ما كتبته بحسب الطاقة، من غير استيعاب ولا تطويل. ولم أُعرِّج إلى ملوك الكفَّار ركابي، ولا أرسيت بجزائر البحر سفني، ولا أسهرت في الظلمات عيني، ولا أتعبت في المحفورة يدي.إلا ما الممت منه إلْمامة الطيف المنفّر، ونغبت منه نُغبة الطائر الحذر. لأن غالب ما يقال " والله أعلم " أسماء لا يُعرف لها حقيقة، ومجاهل لا توصل إليها طريق.
ولم أقصد في المعمورة سوى الممالك العظيمة، ولا خرجت من جهاتها عن الطريق المستقيمة: اكتفاء بالحقّ الواضح، والصدق الظاهر، مما اتّصلت بنا حقيقة أخباره، وصحَّت عندنا جليَّلة أحواله.
وقنعت بما بلّغه مُلك هذه الأُمَّة، وتمَّت بكلمة الإسلام على أهله النعمة، ولم أتجاوز حدّها، ولا مشيت خطوة بعدها، إلا ما جرَّه سياق الكلام، أو طارح به شُجون الحديث: مما اندرج في أثناء ذلك، أو اضطرَّت إليه تعريجات السالك، أو اقتضاه سبب، أو دخل مع غيره في ذمَّه حسب.
وإن كان في العمر فسحة، وفي الجسم صحَّة، وللهمَّة نشاط، وللنفس انبساط، " وما ذلك على الله بعزيز،ولا من عوائد ألطافه الخفية بعجيب " ، لأُذيِّلنَّ بممالك الكفَّار هذا التصنيف، وأجيء بفارسه المُعْلَم وخلفه من سبيهِّم رديف.
لكنَّني لم آت في هذا الكتاب بذكر ممالكهم " على اتساع بلادها " إلا عرضا، ولا سطَّرت من تفصيلها إلا جُملا: توفيرا للمادة، وتيسيرا للجادّة ولأتمتع برونق الأنوار، ولا أشوب بسواد الليل بياض النهار.
على أنّني ربما ذكرت في مكان ما قاربه من بلاد الكَّفار، وذكرته للمجاورة رجاء أن يؤخذ بشفعة الجوار.
ولم أذكر عجيبة حتى فحصت عنها، ولا غريبة حتى ذكرت الناقل، لتكون عهدتها عليه، وتبرَّأت منها. وقد يقع الإنكار لأكثر الحقائق من الناس: لنقصان العقول.لأن الذي يعرف الجائز والمستحيل، يعلم أن كل مقدور بالإضافة إلى قدرة الله تعالى قليل. وقد وصف الله تعالى الجُهَّال بعدم العقل، فقال: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَو يَعْقِلُونَ). وقد أودع الله من عجائب المصنوعات، في الأرض والسَّماوات، كما قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي الْسَّمَاواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ). وقد أرانا من عظيم قدرته، وبدائع صنعه، ما جلا الشك، وأوضح الحقَّ. فماذا بعد الحقِّ إلا الضلال؟ وأوّل ما أبدأُ بالمشرق، لأن منه يتفتح نُوّار الأنوار، وتجري أنهار النهار. إلى أن أَختمه بنهاية المغرب، إلى البحر المحيط. لأنه الغاية، وإليه النهاية. إلا فيما لم أجد بُدّا من الابتداء به من المغرب إلى المشرق: كتخريج الأقاليم، لابتداء الأطوال من الجزائر الخالدات بالبحر الغربيّ، أو ما هذا حكمه، أو وقع عليه قسمه.
وقطعت فيه عمر الأيّام والليالي، وأثبتُّ فيه بالأقلام أخبار العوالي. وشُغلت به الحين بعد الحين، واشتغلت ولم أسمع قول اللاَّحِين. وحرصت عليه حرص الضّنين، وخلصت إليه بعد أن أجريت ورائي السنين.
(1/2)

وشرعت فيه في أيام من ماننا بإحسانه، وأمّننا في سلطانه: سيِّدنا ومولانا، ومالك رقابنا، السلطان ابن السلطان، السيّد الكبير الملك الناصر، العالم العادل المجاهد المرابط المثاغر، المؤيَّد المظفَّر المنصور، ناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيِّد الملوك والسلاطين، وارث الملك، ملك العرب والعجم والترك، نائب الله في أرضه، القائم بسنَّته وفرضه، ملك البحرين، خادم الحرمين، حامي القبلتين، مبايع الخليفتين، بهلوان جهان، إسكندر الزمان، ناشر عَلَم العدل والإحسان، مُمَلِّك أصحاب المنابر والأسرَّة والتخوت والتيجان، جامع ذيول الأقطار، مُبيد البُغاة والطُّغاة والكفّار، هازم الروم والفِرِنج والكُرج والأرمن والتتار، سلطان البسيطة، مثبِّت أركان المحيطة، إمام المتَّقين، وليّ أمور المؤمنين، متعهِّد حَجّ بيت الله الحرام وزيارة سيِّد المرسلين، أبي المعالي محمد بن مولانا السلطان الكبير الشهيد أبي المظفر قلاوون، سيِّد ملوك الأرض على الإجماع، المخصوص بمُلك أشرف البقاع.
سلْ عَنْهُ وانطِقْ بِهِ وانْظُرْ إِلَيْهِ تَجِدْمِلْءَ المَسامِعِ والأَفْواهِ والمُقَلِ!
فأدام الله أيامه، وأدار على مفارق النجوم أعلامه! وسمّيته: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار وعلى الله أعتمد، ومنه أستمد، وإياه أسأل التوفيق والإِعانة، وأبرأ من الحَوْل والقوّة إلاّ به. وهو حسبي ونعم الوكيل! وفهرست ما تضمَّنه وجملته قسمان: القسم الأول في الأرض.
القسم الثاني في سكان الأرض.
النوع الأوّل في ذكر المسالك
وفيه أبواب
الباب الأوّل
في مقدار الأرض وحالها
وفيه (ستة) فصول
الفصل الأوّل
في كيفية الأرض ومقدارها
الذي نبدأْ به، بعون الله وقدرته، في القول في هذا الفصل، ما قام عليه البرهان، وهو أن العالم كُرِيُّ. ويدل عليه المشاهدة بالعيان، لمن رعى الشمس في مطلعها إلى مغيبها؛ وكذلك النجوم في مشارقها إلى مغاربها: لأنها تطلع حتّى تتوسّط السماء تقويسا، ثم تنحطّ حتّى تغيب عن العين كذلك. فتقطع نصف دائرة. فعُلم بالضرورة أنها تقطع في الغيبوبة عن العين نصف دائرة، نظير ما قطعت في الظهور، ليكمل تمام الدائرة.
والذي تلخّص في أقوال أهل العلم والنظر في الهيئة: أن العالم كرة، والأرض مركزها، والماء محيط بها لا يفارقها، إلا ما انكشف.
فالأرض في جوف الماء، والماء في جوف الهواء، والهواء في جوف الفَلَك: كالمُحَّة في جوف البيضة في القشر.
ووضعها وضع متوسِّط. والهواء إما جاذب لها إلى جهة الفلك أو دافع عنه. وذهب بعضهم إلى أنها مستقرة بالوضع: فالأرض في فلك الماء، وفلك الماء في فلك الهواء، وفلك الهواء في فلك النار " وهو الأثير " ، وفلك النار في فلك القمر، وفلك القمر في فلك عُطارد، وفلك عُطارد في فلك الزُّهَرَة، وفلك الزُّهَرَة في فلك الشمس، وفلك الشمس في فلك المرّيخ، وفلك المّريخ في فلك المُشتري، وفلك المُشتري في فلك زُحَل، وفلك زُحَل في فلك البروج " وهو المُكَوْكَب " ، وفلك البروج في الفلك الأطلَس.
والمكوكب في رأى فلاسفة الإسلام أنه المعبرَّ عنه عند أهل الشريعة الشريفة بالكرسيّ، وأن الأطلس هو المعبر عنه عندهم بالعرش.
وحركات الأفلاك الثمانية من فلك القمر إلى الفلك المكوكب، من الغرب إلى الشرق.ويُرى هذا بالمشاهدة في طلوع القمر.
ولهذا كان تخريج الأقاليم من الغرب إلى الشرق بالمتابعة.
فأما التاسع ، الأطلس، فحركته من الشرق إلى الغرب. وبحركته لتحرّك. كما يتحرك راكب السفينة بحركة السفينة.
وقد تكلَّمت الفلاسفة على مقعَّر الأطلس، ولم يتكلموا على محدَّبه. وغاية ما قالوا: إن بعد التاسع، لا خلا ولا ملا. وإلى هنا انتهى علمهم وانقطع نظرهم. والله أعلم بغيبه! قلت: وزعموا أنّ في الثامن كلَّ الكواكب إلاّ السبعة.
قالوا: والبرهان على أنها في الثامن، أنَّ حركات هذه الكواكب الستة أسرعُ من حركات سائر الكواكب. والكواكب لا يتحرّك إلا بحركة فلكه. ولا يمكن أن يكون في التاسع لأنه سريع الحركة، يدور في كل يوم وليلة بالتقريب دورة واحدة.
فإذا لم يكن في أحد السبعة ولا في التاسع، لم يبقى إلا أن يكون في الثامن.
(1/3)

على أن ابن سينا قد قال في الشفاء: " لم يَبِنْ لنا بيانا واضحا أن الكواكب الثابتة في كُرَة واحدة أو كُرات منطو بعضها على بعض، إلا بإقناعات. وعسى أن يكون ذلك واضحا لغيري " .
وقد شبّه بعضهم العالَمَ، فقال: " بطيخة في بركة ماء. فالبِزْر المدن، وبيوت البزر العمران، واللحاء مجموع الأرض، والماء البحر المحيط، ومقعَّر البركة الهواء، ودائرها الخارج الفلك " .
قلت: وهذا التشبيه ليس بشيء.
وقال الشريف الإدريسيّ في كتاب رُجار " واسم هذا الكتاب: " نزهة المشتاق في اختراق الآفاق " صنَّفه للملك رُجَّار صاحب صِقِلِّيَّة، وكان فرنجيا مُحبّا للعلم وأهله من كل ملة " . والذي قاله: " الأرض مستقرة في جوف الفلك، وذلك لسرعة حركة الفلك. وجميع المخلوقات على ظهرها والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثِّقل، بمنزلة المغنطيس الذي يجذب الحديد إليه. فالأرض مقسومة بقسمين، بينهما خط الاستواء. وهو من المشرق إلى المغرب. وهذا هو طول الأرض. وهو أكبر خط في الأرض، كما أن منطقة فلك البروج أكبر خطّ في الفلك " .
قال: " واستدارة الفلك في موضع خطِّ الاستواء، ثلثمائة وستون درجة. والدرجة خمسة وعشرون فرسخا. والفرسخ اثنا عشر ألف ذراع. والذراع أربعة وعشرون إصبعا. والإصبع ستُّ حبَّات شعير، مصفوفة، ملصقة بطون بعضها لظهور بعض " . تكون بهذه النسبة إحاطة الأرض مائة ألف ألف ذراع واثني وثلاثين ألف ألف ذراع. وهي من الفراسخ أحد عشر ألف فرسخ. قال الشريف: " وهذا بحساب أهل الهند. وأما هرمس فإنه قدّر إحاطة الأرض، وجعل لكل جزء مائة ميل. فتكون ستَّة وثلاثين ألف ميل. وتكون من الفراسخ اثنى عشر ألف فرسخ " .
قلت: فالتفاوت بين الحسابين ألف فرسخ، زائدة في حساب هرمس على حساب أهل الهند. وذلك نصف السُّدس.
وقد زعم مَرْحبان الفيلسوف أن إرَدُسْناس الحكيم قال إنها مائتا ألف وخمسون ألفا أشتياديوات. وأشتياديو هو ثُمن ميل عنه أربعمائة ذراع عندهم. فذلك أحد وثلاثون ألف ميل ومائتا ميل وخمسون ميلا.
وقد ذكر صاحب المجسْطي أنّ دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل وثلاثون ميلا، وأن قطرها وعمقها سبعة آلاف ميل وستمائة ميل وثلاثون ميلا.
قال فريد زمانه، علاء الدين أبو الحسن عليّ بن إبراهيم بن محمد الأنصاريّ، عُرف بابن الشاطر: " الأولى أن يُقسم دور كرة الأرض على ثلاثة وسبع لأنه نسبة قطر كل دائرة إلى محيطها. وهو أصحّ. وعلى هذا فيكون الدور أربعة وعشرين ألف ميل، ويكون القطر سبعة آلاف وستمائة وستا وثلاثين ميلا وثلث خمس مجبورا.
قلت: وذكر صاحب كتاب الكمائم أن طول الأرض ظاهرا وباطنا، وبرّا وبحرا، معمورا وغير معمور، أربعة وعشرون ألف ميل. قال: " وهي التي تقطعها الشمس بين نهارها وليلها " .
وذكر أبو عبيد البكريّ في كتاب المسالك والممالك أن حُبَيْشاً المنجّم ذكر عن خالد بن عبد الله أنه أخذ ارتفاع القطب لعبد الله المأمون ببريّة ديار ربيعة وهي ربيعة شيحان المقاربة لسنجار. فوجد مقدار درجة من الفلك ستة وخمسين ميلا من الأرض. فضرب العدد في ثلثمائة وستين، التي هي جملة درج الفلك بمجموعه، فانتهى ذلك إلى أربعة وعشرين ألف ميل ومائة ميل وستين ميلا. قال: " فهو دور كرة الأرض المحيطة بالبرّ والبحر " .
فقطرها على هذا ستّة آلاف ميل وأربعمائة ميل وأربعة وعشرون ميلا ونصف ميل ونصف عُشر ميل، بالتقريب.
قال: " والمعمور نصف هذا المحيط، من خط الاستواء إلى الشمال. ومنها العمران في الشمال يؤول في بِرِطانية. فيكون ذلك تقدير الربع " .
قال ابن الشاطر: " إنَّ واجب الحساب، على ما ذُكر، عشرون ألف ميل ومائة وستون ميلا، وإنّ القطر يكون ستة آلاف وأربعمائة ميل وأربعة عشر ميلا ونصف ميل مجبورا " .
قلت: والذي حُرر في زمن المأمون، لكل درجة، ستة وخمسون ميلا وثُلُثا ميل. وبعض الذين حرروا ذلك رأوا أنه ستّة وخمسون ميلا، لا غير.
ولعل الأوَّل أقرب: لأنّه قد يكون هذا الكسر أُهمل في القياس. وعلى الأوّل الأكثر. وعليه عملنا في هذا الكتاب. وسيأتي في ذكر سواء الطريق إيضاحه، إن شاء الله! في مكانه. ولم نعمل على ما حُرر للمأمون دون ما حرَّره القدماء، إلاّ لأنّه أقرب إلينا وأشبه بنا.
(1/4)

وكلُّ فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع مأمونيٍّ. فالدرجة تسعة عشر فرسخا إلا تُسع فرسخ. وهو الذي عليه عمل هذا الكتاب.
وأمّا على رأي القدماء، فتكون كلُّ درجة اثنين وعشرين فرسخا وتُسعى فرسخ.
وأمّا البريد، فكلُّ أربعة فراسخ بريد.
وأمَّا العمران في الأرض، فقال البكريّ: تقدير الرُّبع. وقد ذكرنا ما قاله آنفا. وقال آخرون: الرُّبع. وقال آخرون: الثُّلث وقال بعضهم: إن العمران من الأرض ما بين الثُّلث إلى الرُّبع، أقلُّ من الثُّلث وأكثر من الرُّبع.
وقال شيخنا، فريد الدهر، ووارث العلم والحكمة، شمس الدين، أبو الثناء محمود ابن أبي قاسم الأصفهانيّ، أطال الله مُدَّته! إنَّ العلاَّمة قطب الدين الشيرازي قال له إنه حرَّر دور المعمورة في الأرض. فكان اثنا عشر ألف ميل مجبورة، قطرها أربعة آلاف ميل مجبورة، فتكون ألف فرسخ وثلثمائة فرسخ مجبورة.
قال ابن الشاطر: " وفي الذي ذكره الشيرازي ما لم يُفهم معناه. فإن كان أراد به ما بين أوّل المعمور وآخره، فهو غير موافق ولا يُطلق عليه محيط؛ وإن كان أراد بالقطر ما بين خطّ الاستواء ونهاية المعمور في جهة الشمال، فهذا لا يُقال له قطر ولا يفي المعمور بمقدار ما ذكره. ولا نسبة لما ذكر أنّه ذرع القطر إلى ما ذكر أنّه دور المعمورة كنسبة قطر الدائرة إلى محيطها " . وقال: " وإذا فرضنا مبدأ العمارة خط الاستواء بخمسة عشر جزءا حدود خمسين جزءا وثُلث في الجهة الشمالية كان نسبة المعمور إلى باقي بسط كرة الأرض تقارب الثُّمُن ونصف السُّدس. وإذا نسب..... إلى حدود ستة وستين جزءا كان نسبة المعمور إلى باقي..... يُقارب الربع. لأن ما وراء..... من الخراب يُقارب ما قبل..... من المعمور. ولا يكون أكثر..... " .
وقال الشريف: إن بين خط الاستواء وبين كل واحد من القطبين، الجنوبيّ والشماليّ، تسعين درجة. واستدارتها عرضا مثل ذلك. إلاّ أنّ العمارة في الأرض بعد خط الاستواء أربع وستون درجة، والباقي من الأرض خلاء، لا عمارة فيه، لشدّة البرد والجمود. والخَلْق بجملته على الرُّبع الشماليّ من الأرض. والرُّبع الجنوبيّ الذي هو فوق خط الاستواء غير مسكون ولا معمور، لشدّة الحرّ به، وممرِّ الشمس " وهي أسفل فلكها " على سَمْته. فجفّت مياهه وعُدم حيوانه ونباته، لعدم الرطوبة.
قلت فيما ذكره الشريف في الانتهاء إلى أربع وستين درجة فقط، وإن كان الصحيح نظر. فإنها في صورة لوح الرسم تتناهى إلى أكثر من ذلك، وتستكمل من خط الاستواء إلى نهاية الشمال سبعين درجة، سوى ما هو خارج عن خط الأقاليم، جنوبا وشمالا، على ما نذكره في مكانه. وإنما غالب الجنوب والشمال لا عمارة فيه: إذ لا يمكن سكنه.
ومن تأمّل وضع العالم في لوح الرسم، رأى ذلك بالعيان لخلوّ ما تحت القطبين، الجنوبيّ والشماليّ. والخالي تحت الجنوبي أكثر بما لا يقاس. وهكذا في الجغرافية وَضَعَهُ.
وقد ذكر أبو عبيد طول النهار في الأقاليم السبعة، حتّى انتهى إلى الإقليم السابع. ثم قال: " وأما ما وراء هذا إلى آخر المعمور فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد البُرْغَر وأرض الترك إلى اللان ثم يمرُّ على البُرْجان والصَّقالبة، وينتهي إلى بحر المغرب، وهو خارج عن الأقاليم السبعة " . انتهى كلام البكريّ. وسيأتي " إن شاء الله تعالى " مبسوطا في موضعه.
وإنَّما ذكرناه هنا للاستدلال على أنّ الشمال أكثر عمارة من الجنوب. لاَّننا وجدنا وراء الإقليم السابع عمارة ممتدّة. وليس كذلك فيما وراء الإقليم الأوّل. اللهُمَّ إلاَّ ما هو في قسم المشرق، وراء خط الاستواء، من الجزائر الممتدّة في البحر، آخذة إلى المحيط، أو ما هو في حكمها بالصين.
فأمّا قسم المغرب، فإنّا لم نجد وراء الأوّل فيما يأخذ إلى جهة الجنوب عرضا، وإلى البحر المحيط في نهاية المغرب طولا، عمارة، بل ولا على خطه المستقيم، بل ولا وجدنا العمارة به إلاّ ما هو داخل خطَّ الإقليم الأوّل إلى الإقليم الثاني.
وسنذكر ما وجدناه من العمارة في كلّ منهما على ما نبيّنه.
(1/5)

فأمّا ما وقع من العمارة في قسم المشرق، من وراء خط الاستواء الذي هو أوّل الإقليم الأوّل، فنقول: إن صاحب الجغرافيا صوّر، فيما هو خارج عن خط الاستواء من مركز دائرة الأرض المسماة عند أهل هذا الشأن قبّة أرِينَ، جُزُرا عامرة مسكونة في البحر الهنديّ، من وراء سَرَنْديب في الجنوب، وهي متصلة بها. وتقدير هذه الجُزُر في العرض، عرض إقليم واحد ونصف إقليم تقريبا، خلف الإقليم الأوّل، زائدا على الأقاليم السبعة في جنوب القسم الشرقيّ. وعرض هذا المقدَّر بإقليم واحد ونصف إقليم من حيث يأخذ من قبّة أرِينَ على خط الاستواء العرضيّ جنوبا محضا، ثلاثة أقسام: كل قسم مقدّر بنصف إقليم.
عرض أوّلها، هو المارّ مع خط الاستواء في خارجه ممتدّا على جانب الإقليم الأوّل في غالب النصف الشرقيّ من قبّة أرِينَ إلى جزيرة الجوهر في البحر المحيط، خمس درجات. وقد علَّم عليه في لوح الرسم ه.
وعرض ثانيها، وهو الذي يليه، عشر درجات، لارتفاع رأس الحمل والميزان. وقد علَّم عليه في لوح الرسم ى.
وعرض ثالثها، وهو الذي يليه، خمس عشرة درجة. وقد علَّم عليه في لوح الرسم يه. وذكر بها الجزر العامرة: فلاي، وجزيرة القمر، وذكر أنّ طولها أربعة أشهر؛ ومنها سَرَنْدِيب، داخل خط الاستواء في الإقليم الأوَّل مماسَّة له حيث هو من الطول من قبَّة أرِينَ مائة وخمس وستون درجة. وقد علَّم عليه في لوح الرسم قسه.
كل ذلك بحساب الجُمَّل.
وذكر في هذه الجزيرة، ممّا هو وراء خط الاستواء، مدنا. منها حمران؛ ودهمي؛ ودافور؛ وديمي؛ وعمى؛ ونخزلاتي؛ وتمكاد؛ ومريانتا؛ وتياو؛ وموضع قدم آدم، عليه السلام " جنوبيّ سَرَنْدِيب، من وراء خط الاستواء " ؛ وفزدرّا؛ وسونيه؛ وكيماما؛ وعيمي؛ ومحلاي؛ وسمردي؛ يليهما جبل الذهب والحديد، قال إنهما به كير؛ وأتونا؛ ومعلا؛ وقنصورا؛ واسفيل. ثم جزيرة تعرف بالموجة، أمّ جزائر الصين ثم جزيرة القشمير. ثم جزائر الواق واق؛ وجزيرة الدجّال إلى جزيرة الجوهر، في البحر المحيط.
وصوَّر، في البرّ المتّصل من جهة الصين، برزخا بين البحرين، الهنديّ، حيث انعطف شرقيّ جزيرة أمّ الموجة أمّ جزائر الصين إلى الشمال، وبين البحر المحيط. وذلك البرزخ من ثلاثة أبحر: في الشرق، المحيط؛ وفي الجوف البحر الهنديُّ حيث خرج؛ وفي الغرب، حيث انعطف. وبقي الشمال مكشوفا متّصل به هذا البرزخ بالصين. وذكر فيه عدّة من المدن.
وأوّل ما نبدأ بما تغلغل إلى الجنوب، بعيدا عن خط الاستواء، حيث هو من الطول في الجغرافيا مائة وخمس وستون درجة وقد علّم عليه في لوح الرسم قسه ومائة وسبعون درجة وقد علّم عليه في لوح الرسم قع.
وأوّلها مدينة حميسه، ومدينة قيطغون، ومدينة شرما، ومدينة سرسه، ومدينة قلا، ومدينة خانَفُوا " وهي الخنسا على فُرْضة من البحر الهنديّ خرجت هناك في الصين ولم تمتدّ " مسامتة لجزيرة الياقوت في المحيط. وقد سمَّاها الشريف بجزيرة بيساره. وليست في لوح الرسم بجزيرة، ولكن كالجزيرة.
كلُّ هذا خارج عن خط الاستواء.
وما وراء خط الاستواء " في القسم الغربيِّ من قبَّة أرِينَ إلى البحر المحيط الغربيّ مسامت الجزائر الخالدات في جميع العرض إلى منتهى الجنوب لا حظَّ له في العمارة.
وأما ما وقع من العمارة وراء الإقليم السابع " ممّا ليس في حساب السبعة الأقاليم، وهو الذي شار إليه أبو عبيد، حين ذكر مبلغ طول النهار في الأقاليم السبعة، وقد نبهنا عليه، وسيأتي إن شاء الله تعالى مبسوطا في موضعه، وتقديره في العرض نصف إقليم، ممتدّاً على جانب الإقليم السابع من أول المشرق إلى نهاية المغرب، " وسكانه على ما نبيِّنه " فأوله من جهة الشرق قطعة معمورة بيأجوج ومأجوج، فيما هو داخل السدَّ، وبلاد سيسبان " وهي آخذة عرضا من هذا الجزء المقدَّر بنصف إقليم وراء الإقليم السبع حتّى تقطعه ثم تقطع الإقليم السابع جميعه ثم بعض السادس " ؛ وبلاد الروسيّة الثانية " وكلُّها خارجة عن الإقليم السابع في الجزء الذي يليه " ؛ وبلاد أنكرية في هذا الجزء، داخلة إلى الإقليم السابع.
وعرض هذا الجزء خمس وسبعون درجة. وقد علَّم عليه في لوح الرسم عه. وفي بلوغ العمارة هذا الحدّ وتجاوز أربع وستين درجة، نظر.
(1/6)

قالوا: فأمّا الروسيَّة، فعامرة آهلة. وكذلك الأنكرية. وأما بلاد سيسبان، فقد كانت عامرة آهلة مسكونة، ثم خَرِبت من قديم، لإغارات يأجوج ومأجوج عليهم.
ومن تأمّل لوح الرسم، رأى ذلك متمثَّلا لعينه في الإقليم السابع، ورأى خط الإقليم الأوّل خاليا في لقسم الغربيّ والمعمور من داخله على فرقتي النيل: الفرقة الآخذة على بلاد السودان من الشرق إلى الغرب حتّى يصب في البحر المحيط، والفرقة الآخذة على غربيّ الحبشة إلى شرقيّ النُّوبة إلى مصر حتّى يصبَّ في البحر الشاميّ.
فعلمنا لأن سبب عمارة ما وراء خط الاستواء من الجزر في القسم الشرقيّ، وما هو في حكمها، لاكتناف البحر الهنديّ لها، فرطّب هواءها، وأنبط ماءها، وأزال جفاف أرضها. فنبت بها النبات، وسكن الحيوان. ولم يقع في قَسم القسم الغربيّ، وراء خط الاستواء، بحر يؤثِّر فيه هذا التأثير. فبقي على كيفيَّة طبعه من اليبس والجفاف، لا يمكن به نباتُ نباتٍ ولا حياة حيوان.
ووجدنا ما هو وراء خط الإقليم السابع، فقد أمكنت عمارته بالنبات والحيوان بكيفيَّة طبعه، لا بسبب آخر من خارج.
فظهر حينئذ أنَّ الشمال أوفق لمزاج الحيوان. فكان أعمر من الجنوب، لشدة حر الجنوب على ما بيَّناه. وهو موافق لرأي الشريف.
قال الشريف: " لا يكون الحيوان والنبات أبدا، إلا حيث تكون المياه والرطوبات " .
وقال البكريّ: " وركّب الله على الأرض جِرَم الشمس، لعلمه بالحكمة التي ينبغي أن يكون عليها تركيب العالم في فلك أخرج مركزه عن مركز الأرض بدرجتين ونصف من دَرَج فلك البروج. فلذلك اختلفت حركة الشمس فمحا مِزاجَ جوهر الهواء المحيط بالناحية الجنوبيَّة، فكان الجزء المعمور في الناحية الشماليَّة. إذ كان كلّ حيوان، بطبعه، احمل للبرد منه للحرّ. ألا ترى أنه يتولّد في الماء من الحيوان ما لا يُحصى كثرة، وكذلك من النبات، ولا يكون في النار منه شيء، إلاّ الشاذَّ النادر، إن صح ذلك فيه. كما زعموا أنه يتكوّن في أفران الزجَّاجين ضرب من سامّ أبرص، وقد سماه أرسطو بالسُّرْفُوت وهي حُمر الألوان، إذا خرجت عن النار، هلكت.
فوجبت لهذه العلَّة أن يكون اسم الأقاليم السبعة وتحديدها في الجزء الشماليّ من الأرض، كما ترى في لوح الدائرة.
وقد ذكر صاحب جغرافيا أنّ جملة المعمورة أربعة آلاف ميل وخمسمائة ميل وثلاثون ميلا. وهذا أزيد مما حرّره الشيرازيّ بخمسمائة ميل وثلاثين ميلا. ولعلّ هذه الزيادة هي بمعمور ما هو وراء خط الاستواء في القسم الشرقيّ؛ وما هو خارج الإقليم السابع مارٌّ معه. فإنّ الشيرازيَّ، والله أعلم، لم يحرِّر إلاَّ معمور الأقاليم السبعة خاصَّة، وصاحب جغرافيا ذكر المعمور كلَّه. فكان هذا التفاوت كلُّه.
قلت: ولا أدّعي أنّ ما هو خارج عن الإقليم السابع متوغِّل في الشمال، خارج خروجا مباينا كلِّيَّا. ولكنَّه خروج مماسٌّ مجاور، حكمه حكم ما هو على الخط. إذ لو كان خروجا مباينا، لكان إقليما ثامنا، وليس كذلك. إذ لا يمكن وجود نبات ولا حيوان لإفراط البرد والجمود، كما لا يمكن لإفراط الحرّ واليُبْس.
والحكماء تشبِّه الأرض بجسد آدميٍّ: التراب لحمه، والمياه دمه، والحجارة عظمه، والرياح أنفاسه، والبخارات فضلاته؛ رأسه الصين، ووجهه الهند، وجيده ما وراء النهر، وصدره خراسان وما يليها، وقلبه العراق، ويداه الجنوب والشمال، وبطنه الشام، وسرَّته جزيرة العرب، وعجزاه مصر والقسطنطينيَّة، وفخذاه إفريقيَّة وروميَّة، ورجلاه بَرُّ العدوة والأندلس.
وليس هذا التشبيه بشيء.
قال الشريف: " ومع كون الأرض كرة، هي غير صادقة الاستدارة. منها منخفض ومرتفع. ولهذا قيل فيما انكشف إنّه تضاريس. والبحر محيط بنصف الأرض إحاطة متَّصلة، دائر بها كالمِنطَقة. لا يظهر منها إلاَّ نصفها، وهو ما دارت عليه الشمس في قوس النهار. مثل بيضة مُغَرَّفة في ماء انكشف منها ما انكشف، وانغمر ما انغمر " . وقد تقدَّم هذا التمثيل.
وقال شيخنا، فريد الدهر، أبو الثناء محمود بن أبي القاسم الأصفهانيُّ، أمتع الله به! " لا أمنع أن يكون ما انكشف عنه الماء من الأرض من جهتنا، منكشفا من الجهة الأخرى. وإذا لم أمنع أن يكون منكشفا من تلك الجهة، لا أمنع أن يكون به من الحيوان والنبات والمعادن مثل ما عندنا، أو من أنواع وأجناس أخرى " .
(1/7)

والذي ظهر لنا من ذلك عقلا ونقلا، ذكرناه. وبالله التوفيق!
الفصل الثاني
في أسماء الأرض وصفاتها
قال الثعالبيُّ، في فقه اللغة: " إذا اتّسعت الأرض، ولم يتخلَّلْها شجر أو خَمَر، فهي الفضاء، والبَرَاز، والبَراح، ثم الصحْراء، والعَرَاء؛ ثم الرَّهاء والجَهْراء.
فإذا كانت مستوية مع الاتّساع، فهي: الخَبْت، والجَدَد؛ ثم الصَّحْصًح، والصَّرْدَح؛ ثم القاع، والقَرْقَر؛ ثم القَرَق، والصَّفْصَف.
فإذا كانت مع الاستواء والاتّساع، بعيدة الأكناف والأطراف، فهي، السَهْب، والخَرْق؛ ثم السَّبْسَب، والسَّمْلَق.
فإذا كانت مع الاتّساع والاستواء، والبعد، لا ماء فيها، فهي، الفَلاَةُ والمَهْمَه؛ ثم التَّنُوفَة والفَيفاء؛ ثم النَّفْنَف والصَّرْمَاء.
فإذا كانت مع هذه الصفات لا يُهتدى فيها لطريق، فهي، اليَهْمَاء.
فإذا كانت تُضلُّ سالكها، فهي: المُضِلَّة، والمَتِيهَة.
فإذا لم يكن بها أعلام ولا معالِمُ، فهي: المَجْهَل، والهَوْجَل.
فإذا لم يكن بها أثَر، فهي: الغُفْل.
فإذا كانت قَفْراء، فهي: القِيُّ.
فإذا كانت تُبيد سالكَها، فهي: البَيْدَاء. " والمفازة كناية عنها " .
فإذا لم يكن بها شيء من النبت، فهي: المَرْت والمَليع.
فإذا لم يكن فيها شيء، فهي: المَرات والسُّبْرُوت والبًلْقَع.
فإذا كانت الأرض غليظة صُلبة، فهي: الجَبُوب؛ ثم الجَلَد؛ ثم العَزاز؛ ثم الصَّيداء؛ ثم الجُدْجُد.
فإذا كانت صُلبة يابسة من غير حصىً، فهي: الكَلَد؛ ثم الجَعْجاع.
فإذا كانت غليظة ذات حجارة ورمل، فهي: البُرقة، والأبْرَق.
فإذا كانت ذات حصىً، فهي: المَحْصَاة والمَحْصِيَّة.
فإذا كانت كثيرة الحصى، فهي: الأمْعَز والمَعْزاء.
فإذا اشتملت عليها كلّها حجارة سُود، فهي: الحَرَّة واللاَّبَة.
فإذا كانت ذات حجارة كأنَها السكاكين، فهي: الجَزيز.
فإذا كانت الأرض مطمئنَّة، فهي: الجَوْف، والغائط؛ ثم الهَجْل، والهَضْم.
فإذا كانت مرتفعة، فهي: النَّجْد والنَّشْزُ.
فإذا جمعت الأرض الارتفاع والصلابة والغِلَظ، فهي: المَتْن، والصَّمْد؛ ثم القُفُّ، والفَدْفَد، والقَرْقَر.
فإذا كان ارتفاعها مع اتّساع، فهي: اليَفَاع.
فإذا كان طولها في السماء مثل البيت وعرض ظهرها نحو عشرة أذرع، فهي: التل؛ وأطول وأعرض منها: الرَّبوة، والرابية، والأكَمَة؛ ثم الزُّبْيَة وهي التي لا يعلوها الماء. " وبها ضرب المثل، في قولهم: بلغ السيل الزُّبى " ؛ ثم النَّجْوَة " وهي المكان التي تضنُّ أنَّه نجا بك " ؛ ثم الصَّمَّان، " وهي الأرض الغليضة دون الجبل " .
فإذا ارتفعت عن موضع السيل وانحدرت عن غِلَظ الجبل، فهي: الخّيْف.
فإذا كانت الأرض ليِّنة، سهلة، من غير رمل، فهي: الرَّقاق " والبَرْث " ؛ ثم المَيْثَاء والدَّمِثَة.
فإذا كانت طيبة التربة، كريمة المنبت، بعيدة الأحساء والنزور، فهي: العَذاة.
فإذا كانت مخيلة النبت والخير، فهي: الأرِيضة.
فإذا كانت ظاهرة، لا شجر فيها ولا شيء يختلط بها، فهي: القَرَاح، والقِرْواح.
فإذا كانت مهيّأة للزراعة، فهي: الحَقْل، والمَشارَة، والدَّبرَة.
" فإذا لم تُهيَّأ للزراعة، فهي: بور " .
فإذا لم يكن يصيبها المطر فهي: الفِلّ والجُرُز.
فإذا كانت غير ممطورة، وهي بين أرضين ممطورتين، فهي: الخَطِيطَة.
فإذا كانت ذات ندى ووخامة، فهي: الغمِيقَةُ.
فإذا كانت ذات سباخ، فهي: السَّبَخَة.
فإذا كانت ذات وباء، فهي: الوبيئة والوبِئَة " على مثال فعيلة وفَعِلة " .
فإذا كانت كثيرة الشَّجر، فهي: الشَّجْراء والشَّجِرة.
فإذا كانت ذلت حيّات، فهي: المُحَوَّات.
فإذا كانت ذات سباع أو ذئاب، فهي: المُسبِعة والمُذئبَة.
الفصل الثالث
في أسماء التراب وصفاته
تراب وجه الأرض يقال له البَوْغَاء.
والدَّقْعاء، التراب الرِخْو الرقيق الذي كأنه ذَريرةٌ.
الثرى، التراب النَّدِيّ " وهو كل تراب لا يصير طينا لازبا إذا بُلَّ " .
المور، التراب الذي تمور فيه الريح.
الهَباء، التراب الذي تُطيِّره الريح، فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم.
" يلزق لزوقا " عن ابن شُمَيْل " .
" الهابي، الذي دقّ وارتفع " عن الكسائيّ " .
السافِيآء والدَّأْماء، التراب الذي يُخرجه اليربوع من جحره ويجمعه.
(1/8)

الجُرثومة، التراب الذي تجمعه النمل عند قريتها.
العَفاءُ، التراب الذي يُعَفِّي الآثار. وكذلك العفر.
الرَّغام، التراب المختلط بالرمل.
السَّماد، التراب الذي يُسمَّد به النبات. فإذا كان مع السِّرقين فهو الدَّمال.
وإذا كان الطين حُرّا يابسا، فهو: الصَّلْصال.
فإذا كان مطبوخا، فهو: الفَخَّار.
فإذا كان عَلِكاً لاصقا، فهو: الَّلازِبُ.
فإذا غيّره الماء وأفسده، فهو: الحَمَأ.
" وقد نطق القرآن بهذه الأسماء الأربعة " فإذا كان رطبا، فهو: الثَّأْطة والثُرْمُطة " والطَّثْرَة " .
فإذا كان رقيقا، فهو: الرِّدَاغ.
فإذا كان ترتطم فيه الدواب، فهو: الوَحْل. وأشدّ منه، الرَّدَغة والرَّزَغة وأشدّ منهما الوَرْطة: تقع فيها الغنم فلا تقدر على التخلُّص منها. " ثم صارت مثلا لكلّ شدّة يقع فيها الإنسان " .
فإذا كان حُرّا طيِّبا عَلِكا، وفيه خُضرة، فهو: الغَضْراء.
فإذا كان مخلوطا بالتبن، فهو: السِّيَاع.
فذا جعل بين الَّلبِن، فهو: المِلاَط.
الفصل الرابع
في أسماء الغبار وصفاته
النَّقْع والعَكُوب، الغبار الذي يثور من حوافر الخَيْل وأخفاف الإبل.
العَجاجَة، الغُبار الذي تثيره الريح.
الرَّهج والقَسْطَل، غبار الحرب.
الخَيْضَعَة، غبار المعركة.
العِثْيَر، غبار الأقدام.
المَنِين، ما تقطّع منه.
الفصل الخامس
في أسماء الرمال وصفاتها
" ما استرقَّ " من الرمل، يقال له: العدَاب.
الحَبْل، ما استطال منه.
الَّلبَب، ما انحدر منه.
الحِقْف، ما اعْوَجَّ منه.
الدِّعصْ، ما استدار منه.
العَقَدَ، ما تعقّد منه.
العَقَنْقَلم ما تراكم " وتراكب " منه.
السِّقْط، ما جعل ينقطع ويتَّصل منه.
النُّهْبُورَة، ما أشرف منه.
التَّيْهُور، ما اطمأنّ منه.
الشَّقِيقة، ما انقطع وغَلُظَ منه.
الكَثِيب والنَّقا، ما احدَوْدَب وانهال منه.
العاقِر، ما لا يُنبت شيئا منه.
الهِدَمْلة، ما كثر شجره منه.
الأَوْعس، ما سهُل ولانَ منه.
الرَّغام، ما لان منه، وليس بالذي يسيل من اليد.
الهَيَام، ما لا يُتمالك أن يُمسك منه باليد، للينه.
الدَّكادك، ما الْتَبَد بالأرض منه.
العانِك، ما تعقّد منه، حتى لا يقدر البعير على المسير فيه.
والكثير من الرمل يقال له، العَقَنْقَل؛ فإذا نقص، فهو: كثيب؛ فإذا نقص منه، فهو: عَوْكل؛ فإذا نقص منه، فهو: سِقْط؛ فإذا نقص منه، فهو: عَدَاب؛ فإذا نقص منه، فهو: لَبَب.
وقال صاحب الغريب: " إذا كانت الرملة مجتمعة، فهي: العَوْكَلَة؛ فإذا انبسطت وطالت، فهي: الكثيب؛ فإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخربالرياح، وبقي منه شيء رقيق، فهو: الَّلبَب؛ فإذا نقص، فهو: العَدَاب " .
والله أعلم.
الفصل السادس
في أحوال الأرض
هذا فصل قصدنا إفراده، لنزيده وضوحا، وسنذكره جملة وتفصيلا، ونستطرد في ذلك ذكر الجبال، والأنهار، والبحيرات، والمساجد الثلاثة، وما يندرج معها، وذكر جمل من الآثار القديمة.
فنقول، وبالله التوفيق: أنّه لمّا كانت الأرض وما عليها من المركبات من الطبائع الأربع، وهي: التراب، والماء، والنار، والهواء، نظرنا إلى تلك المركبات، فوجدنا ما غلب عليه عنصر الهواء " كالطير " فكان في الهواء مقرّه، وما غلب عليه عنصر الماء " كالسمك " فكان في الماء مقرّه، ووجدنا الطير، وإن طلب مركزه المركَّب منه أكثر أجزائه وهو الهواء، والسمك وإن طلب مركزه المركَّب منه أكثر أجزائه وهو الماء، لم نجد واحدا منهما ولا شيئا من الحيوان مطلقا يطلب النار ويُماسُّها، إلاَّ السَّمندر وهو نادر. ووجدناه يطلب الأرض ويُماسُّها كالطير إذا حطَّ إلى الأرض، والحوت إذا أوى بيته. فعلمنا حينئذ أنَّهما من لوازم الأرض.
فبالأولى أن يكون من لوازمها، ما غلب على عنصره التراب، كالإنسان. ويدلّ على هذا قوله تعالى (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وّفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُم تَارَةً أُخْرَى).
(1/9)

فغلّب على بقيّة العناصر، في خلق الإنسان، فقال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ) إشارة إلى التراب، وجعلها البداية والنهاية، قال: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وّفِيَهَا نُعِيدُكُمْ). ثمَّ أكَّد لها التغليب على بقيّة العناصر الثلاثة التي لا تقوم المركَّبات إلاَّ بها، بقوله: (وَمِنْهَا نُخْرِجُكُم تَارَةً أُخْرَى). فجعل منها النشأة الأولى في أوّل الخلق؛ والثانية في المعاد؛ وما بينهما، وهو: الموت.
فإن اعترض معترض بالسمندر وأنه يأوي النار، قلنا: هذا شاذٌّ نادر. والشاذُّ النادر لا حُكم له.
وإذ قد تبيّن أنّ التراب في تركيب الإنسان أكثر، علمنا أنها مركزه: منها الميلاد، وإليها المعاد.
فعلمنا ضرورة أنَّ الأرض أمُّ البشر. أخرجهم من بطونها، فكانوا كالولدان لها. وقوت المولود، ثدي الأمِّ، وهو: ما أخرجت لنا من نباتها.
فعُلم حينئذ أنّ نوع الإنسان من لوازمها، يطلب مركزه منها: لما له من ثقل التركيب بها. ألا ترى أن النار لو عُكست، أبت إلاّ طلب العلوّ: تطلب مركزها؛ والقربة المنفوخة التي قُسرت بقاسر إذا أُطلقت، طلب الهواء المملوءة به العلوَّ: يطلب مركزه؛ والماء لا يجري إلاّ من العالي إلى المنخفض من الأرض. يطلب مركزه؛ وكذلك التراب، حيث رميت به الجوّ، ينحطُّ إلى الأرض: يطلب مركزه.
فهكذا الإنسان: لّا يطلب إلا مركزه، وهو التراب: إذ كان أكثر أجزائه من التراب: وإلى هذا أشار الشريف بقوله: " والنسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفَّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثِّقل " . وقد ذكرناه آنفا.
ولهذا لم يقدِّروا في المركَّبات وجود الاعتدال الكامل المتساوي في أجزاء التركيب: إذ لو كانت كذلك، لجذبتها العناصر الأربعة، جذبا متساويا. فلم يكن له مركز خاص. وذلك محال.
وأقلُّ أجزاء العناصر في الحيوان غالبا، النار. ثم يتفاوت الحيوان في ذلك. ولهذا لا تقوى " الحيوانات " على النار قوَّتها على الماء والتراب والهواء. ثمَّ بتفاوت الحيوان بذلك، مال كلُّ إلى ما غلب على تركيبه. ولا يهاب الحيوان شيئا يقتحمه كما يهاب اقتحام النار. ولهذا كانت النار العذاب الموعود به: لمنافرة ما بينها وبين الحيوان، لقلَّة موجودها به في جزء التركيب، كما أشرنا إليه. والله يفعل ما يشاء لا رادّ لأمره ولا معقِّب لحكمه.
فلمّا كان الإنسان، بما غلب على تركيبه، رضيا ترابيا، من الأرض مبدأه، وإليه معاده، ثمَّ منها عوده، كما قال تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وّفِيَهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُم تَارَةً أُخْرَى) اضطُرَّ إلى مركزه، واحتاج إلى الاضطراب في أرجاء الأرض، للكسب: إمَّا للصيد، وهو أوّل رتب المعاش؛ أو الزراعة، وهي ثاني رتب المعاش؛ أو التجارة، وهي ثالث رتب المعاش، على ما يأتي بيانه. فلم يكن له غنى عن معرفة جهات الأرض ليمتدّ فيها لأسباب معاشه، فيما ذكرناه أو غير ذلك، مما يتفرّع منه أو يترتَّب عليه.
زعموا أنه لو وقع إنسان إلى برّية يَهْماءَ، لا ساكن بها، لم يكن له دأب إلاّ طلب سبب البقاء، بما يصيد منه ليأكل؛ فإذا أكل، طلب ما هو أزيد سببا، فزرع؛ فإذا زرع، طلب ما هو أزيد سببا، فتاجر. ثم تفرّع معاشه، وتشعَّبت أسبابه، فاحتاج حينئذ إلى معرفة أجزاء الأرض وعوالمها، ليعرف أين كسبه، ومن أين معاشه. ولا يمكنه أن يقصد أرض في برٍّ ولا بحر، إلا بأعلام دالَّة عليها، كالنجوم اللائحة، والجبال الماثلة، والأنهار الجاري، والأهوية الهابّة. وليس هذا موضع ذكرها. لكنا نذكره، إن شاء الله تعالى، عند ذكر معرفة القبلة في كل أرض.
وإنَّما نذكر ههنا ما هو لائق به. وما هو جُمْليٌّ من أحوال في الأرض لازمة لها، من بعضيّاتها المشهورة في جميع الأقطار: كالجبال العظيمة، والأنهار المتبحِّرة. لأنّ بمواقع تلك الجبال الشهيرة، والأنهار المعروفة، يُعرف موقع كل جهة من الأرض.
فأما البحار، فإننا قد أفردناها بذاتها. وسيأتي ذكرها في موضعه. ولم نذكرها هنا مع الأرض، كما نذكر الجبال والأنهار، لأنّ الجبال والأنهار من عالم الأرض. وأمّا البحار، فإنها عالم آخر، أكبر من عالم الأرض، بما لا نسبة بينهما. فوجب إفرادها، إذ كانت كشيء آخر.
ونحن نقدِّم الجبال على الأنهار، لأنه أعلى أعلاما، وأثبتوا في مواضعها مُقاما؛ وأكثرها على حالها، لا تتغيَّر دواما.
(1/10)

والذي نقول الآن: إنّ الجبال كلَّها متشعِّبة من الجبل المستدير بغالب معمور الأرض. وهو المسمّى بجبل قاف، وهو أُمّ الجبال. كلُّها تتشعب منه. فتتصل في موضع، وتنقطع في آخر. وهو كالدائرة، لا يُعرف له أوّل على التحقيق. إذ كانت الحلقة المستديرة، لا يُعرف طرفاها. وإن لم تكن استدارته استدارة كُريَّة، ولكنّها استدارة إحاطة، أو كالإحاطة.
فلمّا لم نقف له على أوّل التحقيق، قدّرنا له أوّل، وهو: كتف السدّ الجنوبيّ. ونديره بالمعمور. يتّصل في موضع اتّصاله، وينقطع في موضع انقطاعه، إلى كتف السدّ الشماليّ: حيث الفرجة التي ساوى الاسكندر ذو القرنين فيها، كما قال تعالى (بَيْنَ الْصَّدَفَيْنِ) وأقام السدّ وعمل الباب، على ما هو مرسوم في لوح الرسم.
ومجموع هذا الجبل " متّصلة ومنقطعة في كل مكان، شرقا وغربا وجنوبا وشمالا " وهو جبل قاف. وهذا هو المستفيض على الألسنة، الطائر بين العالم، بما يعبر عنه به عند كلٍّ منهم، على ما يقتضيه اختلاف الألسنة واللغات.
وقد زعم بعضهم أن أُمّهات الجبال جبلان: خرج أحدهما من لدن البحر المحيط في المغرب، وأخذ جنوبا؛ وخرج الآخر من لدن البحر الروميّ وأخذ شمالا؛ حتّى تلاقيا عند السدّ. وسمَّوا الجنوبيَّ قاف، وسمَّوا الشماليَّ جبل قاقونا. والأظهر " والله أعلم " أنه جبل واحد محيط بغالب بسيط المعمور لا كما هو البحر، محيط بجميع كرة الأرض، وأنّه هو الذي تصدق عليه التسمية بجبل قاف في كل قطر ومكان؛ ولا يُعرف في الجنوب إلاّ بهذه التسمية، ويُعرف في الشمال بجبل قاقونا. وبهذا تزول شبهة من ضنَّ أنّ كلاًّ منهما غير الآخر. والله أعلم.
والذي نقول، وبالله التوفيق! إنّ هذا الجبل المحيط بغالب المعمور مبدؤه من كتف السدّ آخذا من وراء صنم الخطا المحجوج إليه، إلى شعبته الخارجة منه المعمول بها باب الصين، آخذاً على غربيّ صين الصين، ثُمَّ ينعطف على جنوبيّه مستقيماً في نهاية الشرق، على جانب البحر المحيط، مَع الفُرْجة المنفرجة بينه وبين البحر الهنديّ الداخلة، ثم ينقطع عند مُخْرَج البحر الهنديّ مع خطّ الاستواء، حيثُ الطولُ مائة وسبعون درجة " عَلَّم عليها في لوح الرسم قع بحساب الجُمَّل " ، ثم يتَّصل من شعبة البحر الهنديّ الملاقي لشعبة المحيط الخارجة على بحر الظلمات من المشرق، بجنوب كثير من وراء مُخْرج البحر الهنديّ في الجنوب؛ وتبقى الظلمات بين هاتين الشُّعبتين: شعبة المحيط الجائية على جنوب الظلمات شرقا بغرب، وشعبة البحر الهنديّ الجائية على الظلمات شرقا بغرب، حتى تتلاقى الشعبتان عند مُخرج هذا الجبل، كتفصيل السراويل. ثم ينفرج رأس البحرين المتلاقيين شعبتين على مبدإِ الجبل، ويبقى الجبل بينهما كأنّه خارج من نفس الماء. ومبدأ هذا الجبل قه هنا وراء قبَّة أرِين، عن شرقها. وبعده منها خمس عشرة درجة. وقد علَّم صاحب جغرافيا قُبالة مبدإ هذا الجبل في القسم الشرقيّ طولا. وذلك بعد أن انتهت درجات القسم الغربيّ عند قبَّة أرِين إلى تسعين درجة، علَّم عليه في لوح الرسم ص فكان هذا المقدار يه. وهو تفاوت ما بين العددين.
ويقال لهذا الجبل في أوّله المُجَرَّد. ثمَّ يمتدُّ حتّى ينتهي في القسم الغربيّ إلى طول خمس وستين درجة من أوّل المغرب. وقد علَّم عليها في لوح الرسم سه.
وهناك يتشعَّب من الجبل المذكور جبل القمر، وينصبُّ منه النيل. ويقال إنّ به أحجارا برّاقة كالفضة البيضاء، تتلألأ، تسمى صَنْجَة الباهت: كلُّ من نظرها، ضحك والتصق بها، حتّى يموت. وتسمى مغناطيس الناس. قال صاحب جغرافيا، وقد ذكره أرسطو في كتاب الأحجار.
وتتشعَّب منه شعب تسمى آسيفي. يقال إنه مسكون، وإن أهله كالوحش. والله أعلم بصحة ذلك.
ثمَّ ينفرج منه فُرجة، ويمرُّ منه شُعب إلى نهاية المغرب في البحر المحيط، تسمّى جبل وحشيّة: به سباع لها قرون طوال، لا تطاق.
وينعطف دون تلك الفُرجة من جبل قاف شُعب، منها شعبتان إلى خط الاستواء يكتنفان مجرى النيل، من الشرق والغرب.
فالشرقيّ، يُعرف بجبل قاقولي، وينقطع عند خط الاستواء.
والغربيّ، يُعرف بأدمدمة. يجري عليه نيل السودان، المسمّى في جغرافيا ببحر الدمادم. وينقطع تلقاء مجالات الحبشة ما بين مدينتي سمغرة وجيمي.
(1/11)

وراء هذه الشعبة، تمتدُّ شعبة منه، هي الأُمّ من الموضع المعروف فيه الجبل بآسيفي المتقدِّم الذكر إلى خط الاستواء، حيث هو الطول هناك عشرون درجة. وقد علَّم عليها في لوح الرسم ك.
ويُعرف هناك بجبل كرسقانة. وبه هناك وحوش ضارية. ثم ينتهي إلى البحر المحيط وينقطع دونه بفُرجة مفروجة. وذلك وراء التكرور، عند مدينة قلتبو. ووراء هذا الجبل هناك سودان، يقال لهم تمتم، يلأكلون الناس. وستأتي جملة من أخبارهم في موضعها، إن شاء الله!.
ثمَّ تتَّصل الأُمُّ من شاطئ البحر الشاميّ في شماله، شرقيّ رومة الكبرى، مسامتا للشُّعبة المسماة آدمدمة المنقطعة بين سمغرة وجيمي لا تكاد تخطيها، حيث الطول خمس وثلاثون درجة علامتها في لوح الرسم له. ويقع منشأ اتِّصال هذه الأُمّ في رسم خط العروض على ف. رسمها في لوح الرسم. وكذلك تقع شعبتها آخذا في الجنوب إلى الخط المُعلَّم عليه الأطوال في لوح الرسم، عند أخذها ما بين سردانية وبلنسية على ف. وتتناهى وصلة هذه الأم إلى البحر المحيط في نهاية الشمال، قُبالة جزيرة بِرِطانية. وتبقى سوسية داخل الجبل. ثم تمتدُّ هذه الأُمّ بعد انقطاع لطيف وتنعطف مع انعطاف خرجة البحر المحيط في الغرب بشمال على الصقلب المسماة ببحر الأنقليشين ممتدّاً إلى غاية المشرق. ويُسمّى هناك بجبل قاقونا. وتبقى وراءه البحرة الجامدة لشدَّة البرد. ثم ينعطف من الشمال المُشرِّق جنوبا بتغريب إلى كتف السدّ الشماليّ. فيتلاقى هناك الطرفان. وبينهما في الفُرجة المنفرجة، ساوى الإسكندر بين الصَّدَفين.
ونحن نذكر هنا ما في لوح الرسم من الجبال، ونقسمه على أربعة أقسام، تتجزأ بها المعمورة طولا وعرضا.
ففي العرض ممَّا وراء خط الاستواء من المعمورة المقدَّر عرضه بإقليم ونصف إقليم ممّا أُخذ له عرض لارتفاع الحَمَل والميزان وهو جزء مقدَّر بنصف إقليم فيكون ذلك تتمَّة إقليمين من وراء خط الاستواء حيث انتهى أخذ العرض هناك ممَّا ابتُدئ من قبَّة أرِين جنوبا عشرين درجة، وقد علَّم عليها في لوح الرسم ك إلى حيث نهاية المعمورة وراء الروسيَّة الثانية، خارج الإقليم السابع في الجزء المقدَّر بنصف إقليم مارّا مع الإقليم السابع من أوّل المشرق إلى آخر المغرب حيث انتهى أخذ العرض هناك إلى خمس وسبعين درجة على ما قدَّمنا ذكره، وقد علَّم عليه في لوح الرسم عه قاطعا في الطول على خطٍّ مستقيم من المشرق إلى المغرب يقع وسطه على خط العروض في جزء أخذ عرضه على خمس وثلاثين درجة وهو ما بين خُوز وعبّادان. وقد علَّم عليه في لوح الرسم له. ووقع هذا الخط في المشرق آخذا على جنوب السدّ، مارّاً على جنوب كرمان إلى أن ينتهي إلى البحر الشاميّ حيث مُخرج الخليج القُسطنطيني منه ما بين قبرس ورودس إلى آخر المغرب. وموقع هذا الخط على وسط الأقاليم السبعة المقسَّمة. فيكون على خط نصف الإقليم الرابع مقسومة عليه الأقاليم السبعة نصفين على جانبين. وموقع هذا الخط الوسط منها.
" وأما جبال مكة والمدينة، فإنّا نذكرها بعد الأرباع، مفردة بذاتها، لتتوفّر عليها المادة بإفرادها " .
فالربع الأوّل
من هذه الأرباع المقسومة الآن، وهو الربع الشرقيّ الآخذ إلى الجنوب.
وبه من الجبال في جزر القُمْر العظمى من المعمور الخارج عن خط الاستواء: جبل يعرف بجبل قدم آدم، يقال أنّ آدم " عليه السلام " أُهبط عليه. وهو جنوبيّ جزيرة سَرَنْديب.
ووراءه جبل كأنّه باء محذوفة الذيل " ب " . ذكر صاحب جغرافيا في لوح الرسم أنّ أهله سود يأكلون الناس. تقع حذفة ذيله على خط الاستواء، على جزء بلغ طوله مائة درجة وخمس درجات. وقد علَّم عليه في لوح الرسم مه من حساب الجُمَّل.
ووراءه ثلاثة جبال منقطعة، صغارا. يتلوا بعضها بعضا. أوّلها جبل، شرقيّ هذا الجبل عند قائمته الأولى المشبهة برأس ياء متلوٍّ كتلوّي الأرقم " ء " . في سفحه مدينة عَلما؛ ويليه من شرقيّه الثاني وهو جبل آخذ على مدينتي ملاي وسمردي. ذكر صاحب جغرافيا أن الذهب والحديد به كثيران؛ ويليه من شرقيّه، الثالث، وهو: جبل هو أصغر الثلاثة، غربيّ مدينة مَعْلا.
(1/12)

ثمَّ ما هو داخل تحت خط الاستواء جبل كثير الشهرة، وهو المشهور في أواخره بجبل الديْلَم. ومنشؤه من البحر الهنديّ غربيّ المنيبار. ويأخذ ممتدّا إلى الشمال على وِرابٍ. في ذيله الغربيّ كابُلُ. ثمَّ يخرج إلى قسم هذا الربع الآخذ إلى الشمال، ويقع هناك على أصفهان، وتنتهي شعبته على منبع نهر مكران، المادّ إلى السند. وعليه من ذلك الميل في شرقيّه، المُحَّمديَّة. ذكرناها هنا علامة لهذا الجبل. وإذ قد ذكرنا هذا الجبل بمجموعه هنا، لم يبق حاجة إلى ذكره في قسم هذا الربع.
ومن ذلك جبل آخذ على مستقيم هذا الخط الواقع وسط الأقاليم السبعة المُخرجة هذه الأرباع عليه. ويمتدُّ هذا الجبل مُشرِّقا على تلوٍّ في أوله، مارّاً، إلى مسامته باب الصين على جنوبيّه. وهناك يتّصل بالأمّ. وتمتدُّ منه شعبة آخذة بالجنوب إلى البحر الهنديّ ممّا وراء المعبر، مدينة ازهونة. وذلك جميعه خارج عن الأمّ منقولا من لوح الرسم.
والربع الثاني
من هذه الأرباع المقسومة الآن هو الربع الغربيّ الآخذ إلى الجنوب.
به من الجبال تحت الأمِّ الخارجة من شعبتي البحر المشبهة بتفصيل السراويل المقدّمة الذكر، ثلاثة جبال: " الأول " منها وهو الشرقيّ جبل آخذ عن الأُمّ على جانب فرجة بينهما، ممتدّا إلى خط الاستواء حتّى وقع عليه وينقطع عنده. وتقع مدينة لقمرانة في ذيله على شرقيه، وبوشة في ذيله على غربيه.
ويليه " الثاني " على غربيه وهو جبل آخذ إلى مدينة نسويه. وينقطع هناك.
ويليه " الثالث " على غربيه وهو جبل يعرف بجبل حاقولي. ذكر صاحب جغرافيا في لوح الرسم أنه معروف عند المسافرين. يأخذ على شرقيّ النيل حتى ينتهي إلى مدينة فرقوة حيث آخر خرجة البحر الهنديّ. وقد نبهنا على ذكر هذا الجبل، عند وصفنا للأمّ المذكورة، وأشرنا إلى أن مخرج الأُمّ يقع قبالته من شماليّ البحر الشاميّ، على ما تقدم ذكره.
وعن يسرته جبل آخذ على شرقيّ النوبة.
ومن ذلك جبل يقع منه جنوبا مع تغريب كثير كأنه " لا " معلقة بالخط المغربيّ " .لا " .
ومن ذلك جبل آخر منقطع ما بين خاخة وجيمي.
ومن ذلك دونهما جبلان آخران أحدهما يأخذ على الواحات والآخر يأخذ وراء غربيّ بحيرة نافون، وشرقيّ بحيرة كوكورة.
ومن ذلك وراءه في غربية جبل كأنه رأس صاد بالخط المغربيّ " ص " وسطه بطحاء سهلة، لا وصول إليها من كل جهة، إلا بعد صعود الجبل والنزول إليها جانبه الداخل. يجري منه النهر الواصل إلى القيروان المنتهي إلى البحر الشاميّ.
وسليه جبل يُرف باللمّاع كأنه فردة صولجان. عليه حصن الملح وجَزولَةُ. وتنصبُّ منه أنهار إلى المحيط.
ومن ذلك جبل يأخذ بين فاس وسجلماسة وينصبُّ منه نهر بين أَسَفِي والمزمَّة حتى يصب في البحر المحيط، شرقيّ طنجة.
ومنذ لك جبل منقطع ينشأ في أواخر خط الاستواء غربا، حيث الطول من الغرب خمس عشرة درجة، علّم عليها في لوح الرسم يه من حساب الجُمَّل. ويأخذ جنوبا إلى البحر المحيط.
ومن ذلك جبلان يُعرفان بجبل كرسقانة وجبل وحشية. وقد تقدَّم ذكرهما. وذلك كله خارج عن الأُمّ، منقول من لوح الرسم.
والربع الثالث
الغربيّ الآخذ إلى الشمال به من الجبال جبل آخر في جزيرة الأندلس، في جنوبيّها من البحر الشاميّ من أشبيليّة إلى بَطَلْيَوْس، وانصبَّ منه نهران: أخذ أحدهما على أشبيليّة مارّا بينها وبين مالقة حتى صبَّ في البحر الشاميّ، والثاني منهما أخذ على البيرة وصبَّ في البحر المحيط.
وفي شرقيّه جبل آخذ من قورة إلى وادي آش، عليه هيكل الزُّهَرَة، وانصبَّ منه نهر مرّ على وادي آش وأخذ شرقيّ غرناطة إلى قُرْطُبة، وصب في البحر الشاميّ.
وفي شرقيّه جبل خرج من البحر المحيط، من شمال مغرِّبا وأخذ مارّا في الأندلس إلى بَلَنْسِيَة وانتهى إلى البحر الشاميّ.
وهذه الجبال كلها وراء وصلة الأُمّ الخارجة على شرقيّ رومة الكبرى.
ولولا مُخرَج الأُمّ هنا، لما امتنع سبيل الأندلس في البرّ إلى بلاد القسطنطينيّة الكبرى واللاّن والأص والصقلب، ولوصل منه إلى جميع الأرض شرقا وغربا وجنوبا وشمالا، من غير بحر حائل ولا لُجٍّ مانع. فلمّا لم يبق للأندلس سبيل إلاّ في البحر، بقيت كأنّها داخلة هذا الجبل المحيط بالمعمور، وإن كان موقعه وراءه من غربيّه.
ذكرنا هذا هنا لمقتضيه، إذ لم يمكن السكوت عنه.
(1/13)

ثم نعود إلى تتمَّة الجبال الواقعة في هذا الربع الثالث.
فمن ذلك جبل يأخذ على بحر بُنْطس المتَّصل بالبحر الشاميّ من شرقيّ هِرَقْلَة ويمتدّ إلى أنطاكِيَة وحلب ويمتد في الشأم على شمالي بعلبك ودمشق. ويحصر هذ الجبل البحر الشاميّ آخذا معه إلى الجنوب، على فرجة بينهما تلك الفُرجة هي موقع مدائن الروم وهي المسماة الآن ببلاد الروم، مثل: قُونية وقيصرية وأنطاكية.
ومن ذلك جبل يمتد على مارِدين وشَهْرَزُور وأخلاط. ينقطع ويتصل بجبل أذربيجان. وتنصبُّ منه أنهار كبيرة: منها ما يصبُّ في البحر الشاميّ، ومنها ما يصبُّ في بحر بنطس، ومنها ما يصب في البحر الهنديّ، ومنها ما يصبّ في البحيرة البلاّعة المقاربة للسَّدّ. ويتصل هذا عن فرجات بجبل طبرستان المار بين أذربيجان. وعزنة. وكذلك يتّصل به جبل طوس الآخذ بينها وبين جرجان، حيث يخرج خطُّ أخذ العروض.
ومن ذلك جبلان منقطعان، وراء بحر بنطس، من شماله بشرق. آخذان على بحيرة الجارس عن شرقها وغربيّها.
وذلك كلّه خارج عن الأُمّ، منقولا من لوح الرسم.
والربع الرابع
من هذه الأرباع المقسومة، هو الربع الآخذ إلى الشمال، وبه تمامها.
به من الجبال، جبل منقطع ما بين جبال السند وبين بوار. وشماليّ القموج يجري نهر مُكْران حيث يقطع مدى الصحراء على ذيله ويخرج هناك.
ومن ذلك جبل ينزل به غُرْغُر النار. به باب الصين.
ومن ذلك جبال الخطا المحيطة بها على باش بالق، وآل بالق، وخان بالق.
ومن ذلك جبل منقطع. كأنه صليب ذهب أحد شعبه. ومدينة ظفار في ذيله المغترب. وشعبته الخارجة تقع في بلاد الياش في ذيلها.
ومن ذلك جبل منقطع مُتلوّ كالأرقم، من غربيّ بلاد أسحرت إلى نهاية العمارة في الشمال. ومنه ينصب فرع نهر جيحون.
ومن ذلك جبل في صحراء القباج، آخذ على منعطف النهر المتّصل بالبحيرة الجامدة من شدّة البرد.
ومن ذلك جبل منقطع ينصبُّ منه فرع إلى نهر أَتيل في شرقيّ صحارى القبجاق آخذا بشرق مدينة أوتنا. ووراءها عبدة الشياطين. على ما رسم صاحب جغرافيا في لوح الرسم.
ومن ذلك شعبة آخذة من الأُمّ إلى جنوب مُغْتَرب، ينصبُّ منه ماء إلى النهر المنتهي إلى البحيرة الجامدة.
ثم إنا نذكر هنا ما رأينا إفراده في هذا المكان، ليكون أوضح لبيانه، وأدلّ على مكانه. وهو الجبل الممتدّ على الشام، وجبال شهيرة بجزيرة العرب.
فأما الجبل الممتدّ على الشام
فإن أوّله بالمشرق من الصين بالبحر المحيط. فيقطع بلاد التتر على معادنها إلى أن يأتي فرغانة إلى جبال البُتم الممتدّ بها نهر السُّغْد إلى أن يصل الجبل لإلى جيحون فينقطع، ويمضي في وسطه بين شعبتين منه، وكأنه قُطِع ثُمَّ " وصِلَ " في وسطه. ويستمرّ الجبل إلى الجوْزان ويأخذ على الطَّالَقَان إلى أعمال مَرْوِ الرُّوذ إلى طُوس. فتكون جميع مدن طوس فيه. ويتصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهنديّ. وينعطف هذا الجبل ويمتدّ إلى شَهْرَزور وإلى سُهْرَوَد. فيمرُّ على جباله بسائر دجلة. ثم يتصل بجبل الجوديّ، موقف سفينة نوح " عليه السلام " . ولا يزال هذا الجبل مستمرّا من أعمال آمِد وميّافارِقين حتّى يمرُّ بثغور حلب. ويُسمَّى هُناك جبل اللُّكَّام. ويستمرّ جبل اللُّكّام إلى أن يُعدّى الثغور فيُسمّى بها حتّى يجاور حمص فيُسمّى لبنان. ثم يمتدّ على الشام حتّى ينتهي إلى بحر القُلْزُم من جهة، ويتّصل من الجهة الأخرى ويُسمّى المُقَطَّم. ثم يتشعّب وتتّصل أواخر شُعبه بنهاية المغرب.
ونحن وإن كنا قد ذكرنا هذا الجبل، كلِّيه وجزئيَّه، مما تقدّم على ما اقتضاه الإيضاح في موضعه على ما صُوِّر في لوح الرسم في أماكنه ولكنّا أردنا هنا اتصال لُحمته ليعرف كيف هو بأسمائه فيما يمرّ عليه في الأرض من شرقها إلى مغربها.
فأمّا جبال مكّة
فأعظمها وأحقها بالتقديم وإن بَعُدَ عن مكة مكانا جبل عرفات، موقف الحجيج الأعظم، وركن الحج الأكبر.
(1/14)

ومنها جبل أبي قُبَيسٍ ولونه أدكن إلى البياض قليلا، وإنما قيل له أبو قُبَيْسٍ لأن الحجر الأسود اقْتُبس منه وقيل هو اسم رجل من مذحج كان يُكنَّى أبا قيس عُرف به لأنه أول من بنى فيه. كذا قال الزمخشريّ: وقال أبو القاسم السُّهيليّ: عرف برجل من جُرهُم كان قد وشى بين عمرو بن مُضاض، وبين ابنة عمه مَيَّة فنذرت أن لا تكلمه، وكان شديد الكَلَف بها، فخلف ليقتلن قُبَيْساً، فهرب منه في الجبل المعروف به، وأنقطع خبره، فإمّا مات، فإمّا مات، وإمّا تردّى، فسُمِّيَ الجبل أبا قبيس، وقال أبن عباس: هو أوّل جبلٍ وُضع على الأرض. رواه أبو عروبة وأبو بكر بن أبي شيبة. وقال الزمخشريّ: كان يسمى في الجاهلية الأمين، لأن الركن كان مستودعا فيه، عام الطوفان. وفي أعلاه منار إبراهيم عليه السلام. وقد جاء في بعض الآثار أن ذلك المار على الوضع الذي نادى منه إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بحجِّ بيت الله الحرام. والأكثر أنه نادى من أعلى المقام. وفي أصله الصفا. ومه يُصعد إليه من ناحية المسجد. ويُصعد إليه أيضا من شِعْب أجياد الصغير. وأبو قبيس أحد الأخْشبين. وهو أقرب الجبال إلى المسجد الحرام. وهو بإزاء الركن الأسود من الكعبة.
وجبل الخندمة وهو أعلى أبي قبيس من ناحية المشرق. وهو جبل أحمر محجّر. فيه صخرة كبيرة شديدة البياض كأنها معلّقة، تشبه الإنسان إذا نظرت إليها من بعيد. تبدو من المسجد من باب السَّهميِّين الصغير. وفي هذا الجبل تحصَّن أهل مكة، إذ أحاط بهم القرامطة وقلعوا الحجر الأسود وأخذوا الشمسة وجميع ما كان في الكعبة، إلى أن ردّه الله إلى موضعه، على يد ولد الذي قلعه. وتحت هذا الجبل شِعب عليّ بن أبي طالب " رضي الله عنه " .
والجبل الأبيض. الذي على الأبطح إلى باب المعلى يسمى عاضرة.
والجبل الآخر. على الحجون ووجهه إلى قُعَيِقعان، على قبر عبد الله بن الزبير.
والأخاشب والجباجب. جبال مكة. وفيه الثَّنية، وهي العقبة. وعند أصله بقيع مكة. ومن هذا الجبل إلى الجبل الأبيض بنى المقتدر السور، وجعل له بابا من حديد وهو المعروف بباب مِنىً، وشِعب المُحَصّب.
وجبل قُعَيْقِعَان. وهو يقابل أبا قُبَيْس من ناحية الشمال. وهو جبل أخضر يقابل من الكعبة ما بين الركن العراقيّ والميزاب. وهو حدّ أخشبَيْ مكة.
وجبل أجياد. إنما سمي بأجياد لأن الله تعالى لمّا أذن لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت، أعطى كل واحد منهما كنزا من كنوزه. فأوحى الله إلى إسماعيل: " إنِّي مُعطيك كنزا من كنوزي، لم أعطه من أحد قبلك. فاخرج فناد بالكنز، يُأتِكَ " . قال فخرج إسماعيل " وما يدري ذلك الكنز ولا يدري كيف الدعاء به " حتَّى أتى أجياد. فألهم الله إسماعيل الدعاء بالخيل: " يا خيل الله، أجيبي! " فلم يبق في بلاد العرب كلها فرس إلا أتاه وذلَّله الله له، وأمكنه من نواصيها. قال ابن عباس: فلذلك سمِّي ذلك الموضع بأجياد. وكانت الخيل قبل ذلك كسائر الوحوش. فقال شاعر قصير يرتجز بذلك:
أبونا الذي لم تُركبِ الخيلُ قبله ... ولم يَدْرِ خلقٌ قبلَهُ كيف تُرْكَبُ
وجبل ابن عمران. وهو الجبل الأسود الذي بين أبي قُبَيْس وأجياد. وهو خلفها. يظهر على بعد كأنه بينهما. يقابل من الكعبة الشّق اليمانيّ.
فهذه الجبال المحيطة بالمسجد الحرام.
ثم في العطف على آخر ذي طُوى في طريق التنعيم جبل البُكاء. وقربه على يسار المارّ إلى التنعيم، الحُجِر الذي قعد عنده رسول الله، صلى الله عليه وسلم مستريحا عند إقباله من العُمرة. فَلاَنَ فيه موضع رأسه، حتى استند إليه. وهو مشهور يقعد الناس عنده، عند انصرافهم من العُمرة، وعند جبل البكاء تحته مما يلي الغرب.
قال الفاكهيّ: وبمكة في فجاجها وشعابها من باب المسجد إلى منار مسجد التنعيم جميعه نحو من مائة سقاية. وفي أصله مما يلي الشمال مياه، وكانت قديما بساتين. والوادي أسفل منها في المحجّة. كل ذلك على يمين المارّ إلى التنعيم.
وشامة وطُفَيْل. تحت الثَّنِيَّة السفلى غربيّ ذي طُوى.
ومن ناحية الشرق في طريق مِنى جبل ثبير. وهو جبل عظيم مرتفع أسود كثير الحجارة في عَطَف وادي إبراهيم " عليه السلام " من يسار المارّ إلى مِنى.
(1/15)

قال السُّهيليّ: " عرف برجل من هُذَيْل. مات فدفن به فعرف به الجبل " . وقال الزمخشريّ: " ثبيران جبلان مفترقان تصبّ بينهما أفاعِيَّةُ، وهي واد يصبّ من مِنى، يقال لأحدهما ثبير غَيْنَا وللآخر ثبير الأعرج " .
ثم جبل حِرَاء. وهو على يسار المارّ إلى مِنى أيضا. وهو الجبل الذي كان حُبِّب إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم الخُلوة فيه، حتى أتاه الوحي. وليس فيه غار. إنما كان فيه موضع منهل شبيه بالحوض في أصل صخرة عظيمة في أعلى الجبل.
وجبل ثور ليس في جبال مكة أعلى منه ولا أوعر. وهو خلف مكة على طريق مكة. يسمَّى ثور أطحل. والغار في جانب منه، في أعلاه دون الثنية قليلا. وفيه نزل جبريل على النبيّ، صلى الله عليه وسلم والغار الذي اختفى فيه عليه السلام مع أبي بكر صخرة واحدة مقبية، ومدخلها ضيق طوله خمسة أشبار إلا ثلثا وعرضه في أوسع مكان فيه، شبر وأربع أصابع. وصفة الغار أنه مستطيل من ناحية الغرب إلى الشرق، وليس بغائص إلى أسفل. طوله ثلاث وعشرون شبرا، وعرضه تسعة أشبار إلا ثلثا. وله باب ثان في آخره، من ناحية الشرق وهو الذي فتحه جبريل عليه السلام حين ضربه بجناحه إلى الصخرة، فانفتح هنالك باب طوله ستة أشبار وعرضه أربعة. ومنه خرج عليه السلام، يوم خرج إلى المدينة.
وأما جبال المدينة الشريفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فأشهرها جبل أحُد وهو جبل أحمر أعلاه دَكْدكٌ. بينه وبين المدينة ميل وأفسح قليلا. في شماليّ المدينة. وفيه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " أَحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ " . وفي الحديث أنه يكون يوم القيامة أحد ركني باب الجنة. ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم: " المرءُ مع من أحب " . كذا قال السُّهَيْليّ. وجبل سَلْع. وهما أشهر الجبال هناك. وجبل ثور وغلط فيه بعضهم. وجبل عير والحرم ما بينه وبين أحُد.
فهذه هي جميع الجبال الشهيرة، والأعلام الظاهرة في جميع المعمورة وما قاربها. لم نخلَّ منها إلا بما لعلّ صاحب جغرافيا لم يصوِّره في لوح الرسم؛ وإن كان، فهو القليل. وفيما ذكرناه كفاية.
وأما الأنهار المعروفة فنحن نذكر هنا ما في لوح الرسم من الأنهار ونقسمه على أربعة أقسام تتجزَّى بها المعمورة طولا وعرضا، كما ذكرناه فيما تقدم قبل ذكر الجبال. وبالله التوفيق!
فالربع الأوّل
من هذه الأرباع المقسومة الآن هو الربع الشرقيّ الآخذ إلى الجنوب. وبه من الأنهار ما يُذكر.
فمن ذلك في جزيرة القمر العظمى ثلاثة أنهار: شرقيُّها آخذ من قنطورا ومعلا.
ويليه ثانيها في غربيِّه ينصبّ من جبل قدم آدم على مدينة سيابا، ويأخذ مارّا إلى مدينة قزدرا. ويبحر هناك بحيرة في جنوبيها مدينة كيماما حيث محل السودان الذين يأكلون الناس.
ويليها ثالثها في غربيّه، ويخرج من الجبل المُشبه بياء محذوفة الذيل . يُطَوِّق بمدينة دَهْمِي، فتبقى مدينة دهمي بينه وبين البحر الهنديّ في جزيرة بينهما. يكون هو محيطا بها شرقا وجنوبا وغربا. فتكون لذلك كالجزيرة ويتصل شمالها بالبحر الهنديّ. وتقع مدينة فورانة في غربيّه حين يصبّ في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر ينصبُّ من جبل قاف عند وصلة الأُمّ من شعبتي البحر المشبه بتفصيل السراويل. وينصبّ في الشعبة الجنوبية من تلك الشعبتين على مدى غير بعيد. وذلك جميعه غير منقول من لوح الرسم.
والربع الثاني
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الغربيّ الآخذ إلى الجنوب وبه نهر ينصبّ من جبل قاف، مارّا في الشمال إلى خط الاستواء حتّى ينصبّ في البحر الهنديّ شرقيّ قبَّة أرِين ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل المار على غربيّ مدينة لقمرانية حتّى ينصبّ عند خط الاستواء في البحر الهنديّ.
(1/16)

ومن ذلك نهر النيل. وهو النهر الأعظم الذي لا يعدله في عظيم نفعه شيء: لعظم ما عليه من البلاد وطوله في الأُمم. وهو ينصبّ من جبل القُمر. وقد قدمنا عند ذكر الجبال طرفا فيه، وإن كان لا مقال يوفّيه؛ لأنه إحدى الكُبَر، وأولى العِبر؛ آية من آيات الله في أرضه، وعجيبة لمن تأمل من خلقه. ساقه الله تعالى إلى مصر وأحيا به بلدة ميتا وسقاه أمة عظمى. وإن لم تكن هي المتفرّدة بنفعه، فإنها كالمتفرّدة به: لعظيم منفعتها منه وعميم مصلحتها به. يجيء إليها أحوج ما كانت إلى مجيئه، وينصرف أحوج ما كانت إلى انصرافه. وذلك تقدير العزيز العليم. (ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ).
وفيه يقول القاضي الفاضل: " النيل المصريّ الذي يكسو الفضاء ثوبا فِضِّيَّا، ويُذكي في الأرض ماؤه سراجا من النور مُضيَّا؛ ويتدافع تيّاره دافعا في صدر الجَدْب بيد الخِصْب، وتُرضع أُمَّهات خلجانه المزارع، فتأتي أبناؤها بالعصف والأبّ " . وفيه يقول أيضا: " وأما النيل فقد امتدّت أصابعه، وتكسرت بالموج أضلاعه؛ ولا يُعرف الآن بمصر قاطبة نهر سواه، ولا من يُرجى ويُخاف إلا إيّاه " .
ونحن نذكر كيف هو، فنقول والله أعلم: ونحن نذكر كيف هو، فنقول والله أعلم: ن النيل ينصبّ عشرة أنهار من جبل القُمر المتقدّم الذكر. كل خمسة أنهار من شعبة. ثمّ تتبحّر تلك العشرة الأنهار في بحيرتين: كلّ خمسة أنهار تبحر بحيرة بذاتها. ثم يخرج من البحيرة الشرقية منها بحر لطيف يأخذ شرقا على جبل قاقولي، ويمتدُّ إلى مدن هناك، ثم يصبّ في البحر الهنديّ. ثم يخرج من تينك البحيرتين ستة أنهار. من كل بحيرة ثلاثة أنهار. ثم تجتمع تلك الستة الأنهار في بحيرة متشعّبة.
حدّثني أقضى القضاة شرف الدين أبو الروح عيسى الزواويّ، أن الأمير أبا دبوس ابن أبي العلا أبي دبوس ووالده آخر سلاطين برّ العدوة من بني عبد المؤمن حدّثه أنّه وصل إلى هذه البحيرة، في أيام هربه من بني عبد الحق، ملوك بني مرين القائمين الآن.
رجعنا إلى ذكر مجتمع تلك الأنهار الستة في تلك البحيرة وبعضهم يسميها: البطيحة. فنقول.
وفي تلك البطيحة تضريسة جبل: يُفْرَق بها الماء نصفين.
يخرج النصف الواحد من غربيّ البحيرة. وهذا النصف هو المعروف بنيل السودان. ويستقلّ نهرا يسمّى بحر الدمادم. يأخذ مغتربا ما بين سمغرة وغانة، على جنوبيّ سمغرة وشماليّ غانة. ثم ينعطف هناك منه فرقة ترجع جنوبا إلى غانة؛ ثم تمرُّ على مدينة برنسة، ويأخذ تحت جبل في جنوبيّها خارج عن خط الاستواء إلى رُقَيلة. ثم يتبحر في بحيرة هناك. وتستمر الفرقة الثانية مغرِّبة إلى بلاد ماليِّ والتكرور حتى تنصب في البحر المحيط، شماليّ مدينة قَلَبْتُو.
ويخرج النصف الآخر متشاملا آخذا على الشمال إلى شرقيّ مدينة جِيمِي. ثم يتشعب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سَحَرتَة. ثم ترجع جنوبا. ثم تعطف شرقا بجنوب إلى مدينة سَحَرْتَة. ثم إلى مدينة مركة، مُنتهيا في العود هناك إلى خط الاستواء ثم الطول خمس وستون درجة علّم عليها في لوح الرسم سه. ويبحِّر بحيرة هناك.
ويستمرّ عمود النيل من قُبالة تلك الشعبة شرقيّ مدينة شيمي مُتشاملا آخذا على أطراف بلاد حبش. ثم يتشامل على بلاد السودان إلى دُنْقلة، حتّى يرمي على الجنادل إلى أسوان إلى قُوص، منحدرا يشُقُّ بلاد الصعيد شقّا، حتى يُقابل قرية تُعرف بدَرْوة سَربام. وقد تعرف الآن بدروة الشريف: نسبة إلى الشريف ابن ثعلب، الثائر في الأيام الظاهرية الركنية بالصعيد، لِمُقامه بها.
ويتشعّب منه في غربيّه شعبة تسمى المَنْهى. تستقل نهرا تصل إلى الفَيُّوم يُقال أن يوسف عليه السلام احتفره أيام تولِّيه لأمور مُلك مصر وهو يُعرف إلى الآن ببحر يوسف. وهو نهر ينقطع جريانه في وقت من أوقات السنة بخلاف بقية ما يتشعب بالديار المصرية من خُلجان النيل. فيسقي الفيوم عامّة، سقيا دائما لا ينقطع. ثم يُبَحِّر فاضل ماؤه في بحيرة هناك.
(1/17)

ومن العجب " وهو مما رأيته بعيني " أنه ينقطع ماؤه من فوهته أوان انقطاع المياه من خُلجان الديار المصرية، ويندِّي دون فوهته، ثم يكون له بلل دون المكان المندّي، ثم يجري جريا ضعيفا دون مكان البلل، ثم يستقل نهرا جاريا لا ينقطع إلا بالسفن. ويتشعب منه أنهار، وتنقسم قسما تعمُّ الفيوم لسقي قراه ومزارعه وبساتينه وعامّة أماكنه.
ثم نعود إلى ذكر عمود النيل الممتدّ: فنقول.
إنه من دَرْوة سَرْبام حيث يتشعب المَنْهى يستمر في بقية الصعيد، يشقه شقا إلى مدينة الفسطاط " وهي التي تسميها الآن عامة أهل مصر بمصر " حتى يتعدّاها.
ثم يتفرّق فرقتين: تأخذ إحداها على دمياط، والأخرى على رشيد. وعندهما انتهاء النيل، ويصب في البحر الشاميّ.
ومن مبدإ هبوطه من أسوان مارّا في الصعيد إلى أن تصب فرقتاه في البحر الشاميّ، تقسم منه البحار والأنهار، وتتشعب منه الخُلُج والمساقي. تجري في زيادته، وتنقطع في نقصه.
وحدثني الشيخ الثبت سعيد الدُّكَّاليُّ " وهو ممن أقام بمالِّي خمسا وثلاثين سنة، مضطربا في بلادها، مجتمعا بأهلها " ، قال: " المستفيض ببلاد السودان أن النيل في أصله ينحدر من جبال سود تَتَبانُ على بُعد كأنّ عليها الغمائم. ثم يتفرّق نهرين: يصب أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظلمة الجنوبيّ؛ والآخر يصل إلى مصر حتّى يصب في البحر الشاميّ " .
قال الشيخ سعيد الدُّكَّاليُّ: " ولقد توغَّلتُ في أسفاري في الجنوب مع النيل. فرأيته متفرّقا على سبعة أنهر، تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع تلك الأنهر السبعة، وتخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا مجتمعا. كلا الرؤيتين في بلاد السودان. ولم أره لما اجتمع بالصحراء لأننا لم ندخلها، إذ لم يكن بنا حاجة إلى الدخول إليها " .
قلت: والأقوال في أوّل مجرى النيل كثيرة. ذكر فيها المسعودي وغيره ما لا فائدة فيه.
والشائع على ألسنة الناس أنّ أحدا ما وقف على أوّله بالمشاهدة. وجعل كل واحد منهم سببا لعدم الوقوف على حقيقة أوّله.
فقال بعضهم إنه انتهى أناس وصعدوا الجبل فرأوا وراءه بحرا عجّاجا، ماؤه أسود كالليل، يشقه نهر أبيض كالنهار، يدخل الجبل من جنوبه ويخرج من شماله، ويتشعب على قبَّة هرمس المبنية هناك. وزعموا أنه هرمس الهرامسة، وهو المسمى بالمثلث بالحكمة. ويزعم بعضهم أنه إدريس عليه السلام. وبلغ ذلك الموضع وبنى به قبَّة. قالوا: وسمي بالمثلث، لاجتماع الثلاثة له: النبوّة والحكمة والمُلك.
وقال بعضهم: إن أناسا صعدوا الجبل، وبقي كل ما تقدّم منهم واحد، ضحك وصفَّق بيديه وألقى روحه إلى ما وراء الجبل. فخاف البقية أن يصيبهم مثل ذلك، فرجعوا.
وزعم بعضهم: أن أولئك إنما رأوا حجر الباهت. فبقي كل من رآه منهم، ضحك وتقدّم إليه والتصق به، حتّى مات.
وسيأتي إن شاء الله ما ذكره صاحب الجغرافيا عن أرسطو في خاصية هذا الحجر.
وقال بعضهم: أن ملكا من ملوك مصر الأُوَل جهَّز أناسا للوقوف على أوّله فانتهوا إلى جبال من نحاس، لما طلعت عليها الشمس وانعكست عليهم أشعتها، أحرقت غالبهم فرجع البقية.
وقال بعضهم: إنهم انتهوا إلى جبال برّاقة لماعة كالبلَّور. فلما انعكست عليهم أشعة الشمس الواقعة عليها، أحرقتهم.
وقال بعضهم " وهو الصحيح " والله أعلم: إنه لتوغُّل منبعه في الخراب المنقطع من وراء خط الاستواء، تعذر السلوك إليه: لبعد المسافة وشدّة الحرّ.
فإن قال قائل: فما منع قدماء الملوك، مع ولعهم بمعرفة أحوال البلاد وحقائق ما هي عليه، أن يجهزوا من يقف على حقيقة أوّله؟ قلنا له: وأيّ فائدة تفي بركوب هذا المهلك في أرض لا ينبت بها نبات ولا يعيش حيوان، ولا يُعرف مقدار ما يستعدّ له المسافر، ولا ما يستظهر به الظهر.
وإنما غالب ما يقال في هذا " والله أعلم " مما أظهره نظر العلم لا نظر العيان. والله من ورائهم محيط.
وإذ فرغنا من الكلام في النيل، فلنذكر بقية الأنهار الشهيرة الواقعة في هذا الربع الثاني. فنقول: ومن ذلك نهران ينصبّان من الجبل المشبَّه برأس صاد بالخط المغربي " ص " .
(1/18)

يأخذ أحدهما مشرِّقا ويستدير في بحيرة بين كوكورة المذكورة وبين محالان جاي، شماليّ كوكورة وجنوبيّ محالان جاي. ثم يخرج مشرِّقا إلى بحيرة أخرى يتبحّر بها غربيّ مدينة زافون. ثم يخرج متشاملا شمالا بغرب، على غربيّ أرض الملح السوّاخة. ثم تتشعّب منه شعبة تأخذ جنوبا إلى مدينة أّوْذَغّسْت وتستمر سائرة نهرا مادّا إلى مدينة فاس. فيصبُّ في البحر الشاميّ.
وثانيهما ينصبّ آخذا إلى الشمال على مدينة القيروان إلى أن ينصب في البحر الشاميّ.
ومن ذلك نهر يخرج من الجبل الفاصل بين فاس وسجلماسة مارّا بين أسَفي والمزمة حتّى يصبّ في البحر الشاميّ، شرقيّ طنجة.
ومن ذلك أنهار ثلاثة تصب من الجبل المشبّه بفردة صولجان: تجري من جنوب سِجِلماسة، واحدا بعد واحد. وتصب الثلاثة مفرّقة في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر ينصبُّ من الجبل المشبه بتعنيقة لا معلقة بالخط المغربيّ " لا " وراء خط الاستواء. يصب في المحيط. وقد تقدّم ذكر بعض هذه الأنهار، في ضمن ذكر الجبال. وذلك جميعه منقول من خط الرسم.
والربع الثالث
من هذه الأرباع المقسومة وهو الغربيّ الآخذ إلى الشمال، به ما يذكر من الأنهار: فمن ذلك، مما هو بجزيرة الأندلس نهر إشبيليّة، ينصبّ من الجبل الفاصل بينها وبين قرطبة، وينصب في البحر الشاميّ. وهو من أحسن الأنهار وأجلّها، محفوف بالبساتين والدور والقصور. ومضت فيه " أيام مُلك المسلمين لها " أوقات مسرّة ولهو.
وحكى الفتح بن خاقان، قال: " ركب عبد الجليل بن وَهْبون، وأبو الحسن غلام البكريّ من إشبيليّة في ليلة أظلم من قلب الكافر، وأشدّ سوادا من طرف الظبي النافر؛ ومعهما غلام وضيء قد أطلع وجهه البدر ليلة تمامه، على غصن بان من قوامه؛ وبين أيديهم شمعتان قد أزْرَتا بنجوم السماء، ومزقتا رداء الظلماء، وموّهتا بذهب نورهما لُجَين الماء. فقال عبد الجليل ارتجالا:
كأنَّمن الشمعتان إذْ سمتا ... خدَّا غلامٍ محسَّن الغَيَد
وفي حَشا النهر من شُعاعها ... طريق نار الهوى إلى كبدي
وقال غلام البكريُّ:
أحْبِبْ بمنظَر ليلة ليلاءِ ... تُجْنى بها اللذاتُ فوق الماءِ
في زورق يُزهى بغرّة أغيدٍ ... يختال مثلَ البانة الغَيْناءِ
قَرَنَتْ يداه الشمعتين بوجهه ... كالبدرين بين النَّسر والجَوْزاءِ
والْتَاحَ فوق الماء ضوءٌ منهما ... كالبرق يخفق في غمام سماءِ
قلت: ومن هذا النهر أُخِذت إشبيليّة، فقال بعضهم " لَسَبَ إشبيليّة عقربها، وساورها أرقمها " . يريد بالعقرب شرفها المطلّ، وهو عقربيّ الشكا، بالأرقم نهرها. قالوا: وهو من العجائب.
وحكى ابن ظافر، قال: " ركب " الأستاذ " ابو محمد بن صارة " مع أصحاب له " في نهر أشبيليّة في عشيّة سال أصيلها على لُجين الماء عِقيانا، وطارت زواريقها في سماء اللهو عِقبانا؛ وأبدى نسيمها من الأمواج " سُرَرا وأعكانا؛ في زورق يجول جَوَلان الطِرف، ويسودُّ اسوداد الطَرف " . فقال بديها:
تأمّلْ حالنا والجوُّ طلقٌ ... محياة، وقد طَفِل المَساءُ
وقد جالت بنا عَذراء حُبْلى ... تجاذَبَ مِرطَها ريح رُخاءُ
بنهر كالسَّجَنْجل كوثريّ ... تُعبِّس وجهها فيه السماءُ
ولما وقف عليها ابن خفاجة، استحسنها واستظرفها واستطابها، فقال يعارضها، على وزنها ورويّها وطريقها:
ألا يا حبَّذا ضَحِكُ الحُمَيَّا ... بحانتها، وقد عَبَس المَساءُ
وأدهمُ من جياد الماء نهد ... تنازع حَبْلَهُ ريحٌ رُخَاءُ
إذا بدتِ الكواكب فيه غَرْقى ... رأيتَ الأرض تجذبها السماءُ
ونهر سَرَقُسْطة. وهو نهر جليل كبير متسع الجوانب.
(1/19)

وذكر ابن خاقان أنّ المستعين بن هود ركب هذا النهر يوما لتفقد بعض معاقله، المنتظمة بجيد ساحله. وهو نهر غزر ماؤه وراق، وأزرى على مصر ودجلة العراق. وقد اكتنفته البساتين من جانبيه، وألقت ظلالها عليه، فما تكاد عين الشمس تنظر إليه. هذا على اتساع عرضه، وبُعد سطح مائه وأرضه. وقد توسّط زورقه زوارق حاشيته توسط البدر للهالة، وأحاطت به إحاطة الطُفاوة للغزالة. وقد أعدّوا من مكايد الصيد ما استخرج ذخائر الماء، وأخاف " حتّى " حوت السماء. وأهلّة الهالات طالعة من الموج في سحاب، وقانصة من بنات الماء كلّ طائرة كالشهاب. فلا ترى إلا صيودا كصيد الصوارم، وقدود اللهاذم، ومعاصم الأبكار النواعم. فقال الوزير أبو الفضل بن حسداي، والطرب قد استهواه، وبديع ذلك المرأى قد استرق هواه، وارتجل:
لله يوم أنيقٌ واضحُ الغُرَرِ ... مُفَضَّضٌ مُذْهَبُ الآصال والبُكَرِ
كأنّما الدهر لمَّا ساء، أعتَبنا ... فيه بعُتْبى وأبدى صفح معتذِرِ
نسير في زورق حفّ السَّفينُ به ... من جانبيه بمنظوم ومنتثرِ
مدّ الشراع به نشراً على مَلِكٍ ... بذّ الأوائل في أيّامه الأخَرِ
هو الإمام الهمام المستعين حوى ... علياء مُؤْتَمَنٍ في هَدْي مقتدرِ
تحوي السفينة منه آيةً عجبا ... بحرٌ تجمّع حتّى صار في نَهَرِ
تُثار من قعره النينان مُصْعِدَةً ... صيدا كما ظفر الغوَّاص بالدررِ
وللنُّدامى به عَبٌّ ومُرْتَشَفٌ ... كالراح تعذب في وِرد وفي صَدَر
والشرب في ودّ مولىً خُلقه زَهَرٌ ... يذكو، وغرته أبهى من القمرِ
ومن ذلك نهر ثان ينصبّ من ذلك الجبل أيضا. ينزل على مدينة إلبيرة، وينصبُّ إلى المحيط.
ومن ذلك نهران ينصبان من الجبل الفاصل بين طُلَيْطِلَة ووادي آش، المنبيّ بسفحه الجنوبيّ قبة الزُّهَرَة. يأخذ الأوّل منهما جنوبا إلى قُرطبة، وينصب في البحر الروميّ. ويأخذ الثاني شمالا بين بَطَلْيُوسَ وقُورَةَ، ويصب في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر ينصبّ وراء خليج البنادقة، من وصلة الأمّ الخارجة من البحر الشاميّ، شرقيَّ رومية الكبرى. يأخذ من هذا النهر غربا بشمال على مدينة لَبطيرة شماليَّ فَرَنْسِيَة. ويصبُّ في البحر المحيط.
ومن ذلك نهر يصبُّ من الجبل المحيط، حيث يسمّى بجبل قاقونا آخذا شرقيّ سوسية إلى مدينة قسطنطينية العظمى. ويصب في البحر الروميّ عندها.
ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل المحيط المذكور، شرقيّ هذا المصبّ، آخذا على بلاد الصقلب، مارّا شرقيّ بلاد الجركس والماجار إلى أن ينتهي إلى مدينة قِرِم وينصب في بحر بُنْطُس.
ومن ذلك نهر ينصبّ من جبال هّمّدان وخلاط من شماليّ ماردين، آخذا على شماليّ مَلَطِيَّة، حتّى يشقّ بين مدينتي شهر وقَرَمى، ويصبّ في البحر الشاميّ.
ومن ذلك نهر جيحان.يخرج من بلاد الروم تحت حصن المُنَقَّب. يأخذ ما بين عين زَربا وكَفَريثا. ثم يمُدّ إلى المَصِّيصَة ويصبّ في البحر الشاميّ.
ومن ذلك نهر سَيْحَان. يخرج من شماليِّه ويمر على أدَنَة. ثم يصب في البحر الشاميّ.
ومن ذلك في نهاية الشمال عشرة أنهار: منها اثنان ينصبّان من الجبل الأمّ المذكورة؛ وثمانية تنصب من الجبلين المكتنفين شرقا وغربا لبحيرة جَارْس، ينزل من كل واحد منهما أربعة أنهار. تنصب هذه العشرة الأنهار في هذه البحيرة المذكورة.
ومن ذلك أربعة أنهار تنصبّ من جبال الديلم: ينزل الأوّل غربيّ أَرَّجان، ويليه الثاني ينزل من شرقيّه، ويليه الثالث ينزل من شرقي المسن، ويليه الرابع ينزل من سابور. وتصبّ الأربعة في البحر الهنديّ.
(1/20)

ومن ذلك نهر دجلة. يصبّ من جبال شهرزور وآمد. ويمتد بين آمد ومَيَّافارِقِين إلى الموصل. ثم يمدّها الزابان: الزاب الأكبر والزاب الأصغر. وهما نهران كبيران.ثم يأخذ إلى تكريت غربيّ ديار بني شَيْبان " تامرّي وعُكْبَرا والدادان " إلى بغداد. ثم يتشعب ما بين بغداد والمداين، جنوبيّ بغداد وشماليّ المداين شعبة منه شرقا محضا. هو المسمى بالنهروان. ثم يمدّ عمود مستقيما على الجنوب، ثم يتشعب منه بين النعمانية وجبل جَرْجَرَايَا جنوبيّ النعمانية؛ وشرقيّ جبل جرجرايا شعبة أخرى، تأخذ شرقا محضا، تمرّ بين حُلوان وبَعْقُوبا. ثم يمدّ عمود دجلة إلى واسط. فإذا عدّاها إلى سوادها، لاقاه الفرات هناك. ويجتمع الكلّ إليه نهرا واحدا، يمدّ إلى المَفْتَح. ويتشعب منه نهر مَعْقِل، وهو النهر المشهور. وينصب بعضه إلى بطائح البصرة. ويستدير باقيه بالمِرْبَد والأبُلَّة شرقيّ البصرة. ثم يمدّ عمود دجلة مستقيما على الجنوب. ثم تتشعب منه شعبة أخرى صغيرة، تجيء على جنب الأُبُلَّة فتشق أرضها عرضا، وتلاقي الشعبة المستديرة بها. ثم يمدّ عمود دجلة آخذ جنوبا إلى عَبَّادان. ويصب هناك في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر الفرات. يصبّ من جبال الروم ويأخذ على ملطيَّة، إلى سُمَيْساط، إلى الرَّقّة، إلى قرقيسيا، إلى الرحبة إلى الدلية، إلى عانة، إلى هيت، إلى الأنبار. ثم تتشعب منه أنهار: منها نهر عيسى، ونهر صرصر، ونهر المَلِك، ونهر صورا، ونهر الصَّراة، وهو المشهور، وإياه عنى الشاعر في شعره بقوله:
أوَ ما وجدتم في الصَّراة ملوحةً ... مما أرقرق في الفُرات دموعي؟
ثم يمتدّ عمود الفرات ويمرّ ما بين القصر وبين الكوفة على بابل. ويستدير منه شِعب بخانِقَين، وتكون هي جزيرة بوسطة، ويصب ذلك الشعب من تحت خانقين في بطائح الكوفة. ثم يأخذ عمود الفرات فوق خانقين من حيث استدار ذلك الشعب عليها مائلا على الجنوب مشرِّقا. ثم يتشعب منه شعب أُخر إلى بطائح البصرة. وينعطف عمود الفرات آخذا شرقا بشمال على وِراب قليل إلى سواد واسط. ويلاقي هناك دجلة. ويجتمع عمودها هناك نهرا واحدا، حتى يصبّ غربيّ عَبَّادان، في البحر الهنديّ.
ومن ذلك نهر الساجور. يصبّ من جبال الروم آخذا شرقا حتّى يُحاذي مَنْبِج. ثم يصب في الفرات. ويتشعب منه شعب، ولولاها لم يُذكر الساجور. وهو نهر يسمّى قُويْق، يمدّ من مغاربه إلى أن ينزل حلب. ويسقي الأرض والمزارع. ويتناها إلى شرقيّ قِنَّسرين. ويبحِّر هناك بحيرات لطيفة. وإنما ذكرناه لشهرة نهر قُوَيْق. ولهذا علمناه بالأحمر.
ومن ذلك نهر يعرف بالعاصي. يصبّ من وراء نهر بعلبك، ومن منابع شتّى في وطاءة أرض. قلت من قرية تعرف باللبوة ومغارة الراهب. ثم يأخذ شمالا مارّا حتّى يقارب غربيّ حِمص. فيصبّ هناك في بحيرة متوسطة في الاتساع. ثم يخرج منها ويمرّ غربيّ حمص إلى حماة إلى شيزر إلى أَفَامِيَة. فيصبّ في بحيرة بها. ثم يخرج فيشق في جبال تعرف هناك الآن بجبال الغرب، إلى ديركوش، إلى بلد يعرف بالإقليم. ثم ينزل العَمْقا إلى أنطاكية إلى السويدية. ويصب في البحر الشاميّ، حيث ينعطف هناك. وقد سمينا بعض هذه الأسماء بما يعرف بها الآن.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الممتدّ على الشام شرقيّ طرابلس المستجدّة البناء، حيث يسمّى الجبل هناك بلُبنان. يجري من قرية تعرف الآن برشعين، فيدخل تحت قناطر معقودة جدّدها الابرنس حين غلبت الفرنج على طرابلس، فعُرفت به. فيشق المدينة المستجدة ويصب في البحر الشاميّ.
ومن ذلك نهر بَرَدَا. ويخرج من عين في صحراء الزَّبَدانيّ بين بعلبك وبين دمشق. ثم يمدّه نهر يخرج من الجبل الممتدّ على الشام من مكان يعرف الآن بالفِيجة تحت حصن عزّتا ويمدّ إلى دمشق. وينقسم قبلها وبعدها أنهارا، يعمُّ دورها وبساتينها، ويسقي بعض قراها ومزارعها، ثم يبحر فاضل مائه شماليّ الغوطة في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر الأرْدُنّ.
ولا يسمّى بهذا الاسم إلا حيث خرج من بحيرة طَبَرِيَّة. ويسمّى الأن الشريعة. ويشق وادي كنعان شقّا في الطول حتّى ينتهي إلى بحيرة زُغَر " وهي سَذُوم، دار قوم لوط، وتعرف الآن بالمُنْتنة " ؛ والوادي بالغور. وله في كل مكان اسم بحسب ما يضاف إليه من مشاهير القرى التي فيه.
(1/21)

وأصل هذا النهر من مرج عيون وهرماس. وكلاهما تحت الشقيف وتل القاضي والملاّحة، وهي عين بعيدة العمق جدّا، ونهر بانيلس.
وتسمّى هذه الأمواه كلها: الشريعة الشمالية. وترمي تحت جسر يعقوب وتجتمع في بحيرة طبرية. ثم تمدّ فتتلاقى هي والشريعة القبلية بقرية تعرف بالبقارية، وتأتيا جسر الصنّيرة إلى الجسر العادليّ، وهو تحت عَقَبة فِيق، قرب الدير الأسود، ثم تأتي جسر شامة المقارب لقرية المجامع. وتمدّ فيلاقيها نهر الزرقاء، دون دامية. ثم تمدّ فترمي في البحيرة المنتنة.
وسنذكر أصل الشريعة الشمالية. وهو من دير الهُوَيْر والجولان واليرموك ووادي الأشعري والفوّار والمدَّان، مع ما ينضاف إلى ذلك من ينابيع. ويتحصل من البلاد المرتفعة، ويجتمع تحت حمّة جّدن. وهي تحت فيق، وعليها قبو معقود ببناء خشن طويل. وبه حواض. يقال إن كل حوض لعلة من العلل يبرئها، بإذن الله، إذا استحمَّ منه العليل بها. قالوا: ولم تزل على هذا حتّى أتى بعض قدماء الحكماء فهدم القبو والأحواض وجمع الماء كله إلى مجرى واحد، إلا فرعين تركهما: أحدهما لمن به ريح، والثاني لمن به جَرَب. والماء الغمر لسائر الأسقام. وماء هذه الحمّة عذب. وآثار الأبنية باقية.
الربع الرابع
من هذه الأرباع المقسومة، وهو الشرقيّ الآخذ إلى الشمال، وبه ما يذكر من انهار: فمن ذلك نهران يصبان من الجبل المشبّه بصليب ذهب أحد شعبه.
ينصب أحدهما من جنوبيّ هذا الجبل واقعا شرقيّ مدينة طغان الواقعة في شمال هذا الجبل بغرب. يمرّ بين طغان وتركستان مغتربا، حتّى يصب في بحيرة خِلاَط.
والنهر الثاني منهما ينصبّ من شرقيّ هذا النهر الأوّل وعلى سمته.يمتدّ بنهر، ثم يتشعّب على شعبتين: الشعبة الجنوبية منهما تأخذ شماليّ مدينة طغورا مشرِّقا على قصر الدَّهال المقارب لبلاد كنغد، ثم ينعطف آخذا إلى الجنوب يشق بلاد الهند حتّى يصب في البحر الهنديّ، شرقيّ كوام. والشعبة الثانية منهما تأتي جنوبيّ الأرض المحفورة، على ما قيل، حتّى تصب في البحيرة البلاّعة.
ومن ذلك نهر أثيل. وهو المركب عليه مدينة السراي. ومخرجه من عين تنبع في ذيل جبل قاقونا، ثم يقتبل الجنوب آخذا بغرب في صحارى القبجاق على شماليّ معادن الفضة، حتّى يصبّ في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهران ببلاد الخَطا، نازلان من الجبل الغربيّ من جبال المحيط بها. يأخذ الشماليّ منها مشرِّقا ويُبحِّر جنوبيّ خان بالق. ثم يمتدّ مشرِّقا بجنوب حتّى ينتهي إلى المالق والآخر ينتهي إلى باش بالق. وينتهي عندها.
ومن ذلك نهر ينصب من الجبل الواقع فيه باب الصين. ينزل على قراقرم ويأخذ مشرّقا على بلاد الهياطلة حتّى يصبّ في بحيرة السودان هناك.
ومن ذلك نهر ينصبّ من الجبل الممتدّ من وراء العوج. ينزل من شرقيّه على مدينة قلنبر. ويبحر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر يسمّى نهر الطيب. يخرج من قشمير السفلى.
ومن ذلك نهر ينزل من الجبل، شماليّ السُّدّ حتّى يصبّ في بلاد عبدة الشياطين، في بحيرة هناك، تسمى بحيرة الشياطين.
ومن ذلك نهر جيحون. ينزل من جبل قاقونا. وتمدّه أنهار من جبال تمدّه فيمتدّ حتى يخرج من هذا الربع إلى الربع الغربيّ القسيم له. فيصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر سيحون. الآخذ على بلاد فرغانة ويمده نهر الشاش ويخرج إلى حائط عبد الله بن حميد حتّى يصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر السّغد. ينصب من جبال البُتْم، وينتهي إلى بُخَارا، ويبحر في بحيرة هناك.
ومن ذلك نهر مَكْران. ينصب من جبل الدَّيلم فيمتدّ آخذا على مدينة المحمَّديَّة. على كرمان إلى بلاد السند.
ومن ذلك نهر عماس. في بلاد الترك.
ومن ذلك الأنهار العشرة. الآخذة منها خمسة تجري من شعبة منقطعة من الجبل المحيط متصلة بالبحر المحيط، وتمدّه أنهار من جبال النوشادر الواقعة شرقيّ الصين حتّى يصب في نهر حمدان، ثم يمتدّ الجميع نهرا واحدا حتّى يصب في المحيط.
(1/22)

ومن ذلك نهر حمدان الأعظم. وهو ينزل من جبال أرموية ونانوس على مدينة اطراغا، ويبحّر هناك. ثم يمدّ مشرقا إلى مدينة لوقر. وينعطف في الصين حتّى تلاقيه هناك الأنهار العشرة، أعني المتقدّمة الذكر، دون خط الاستواء في أوائل الإقليم الأوّل. يقال إنه يصبّ به نهر كل المنصب من الصين الداخل. ويمتدّ الجميع نهرا واحدا موغلا في الفرجة الداخلة في الصين من البحر المحيط والبحر الهنديّ، وإلى وراء خط الاستواء. ثم يصب هناك في البحر المحيط.
ومن ذلك نهران: أحدهما نهر الكُر والآخر نهر الرَّس. يصبان من جبل الديلم يسمّى جبل قالبولا. ويجيء الكر على تفليس. ويلاقي الرَّس نهر ينزل من سبلان بين ترزند و وزنان، ثم يصبّ الكر جنوبيّ شروان. ويصب الرس غربيّه. كلاهما يصبان في بحيرة طبرستان.
ومن ذلك نهر يسمّى الآن قراصو. وهو اسم باللغة التركية أي الماء الأسود يأتي من شروان وشَمَاخي ويسكب في بحر طبرستان.
ومن ذلك نهر آخر يسمّى أرس. يأتي من شرقيّ المكان المسمّى الآن صحراء بيلسوان. ويصب في بحر طبرستان.
ومن ذلك " على ما قيل " نهران ينزلان من الجبل المحيط ويسقيان بلاد يأجوج ومأجوج. ينزل أحدهما جنوبيّ السدّ، والآخر من شماليّه. وهكذا صوّره صاحب جغرافيا في لوح الرسم.
فهذه هي جميع الأنهار المشتهرة في جميع المعمورة وما قاربها. ولم نُخلّ منها إلا بما لعلّ صاحب جغرافيا لم يصوّره في لوح الرسم. وإن كان، فهو القليل. وفيما ذكرناه كفاية.
البحيرات المشهورة
ثم نحن نذكر ما في معمورة الأرض من البحيرات المشهورة. ونحن نقسمها على البحيرات المشهورة نصفين:نصفا شرقيا ونصفا غربيا.
فالنصف الأول هو الشرقيّ فيه ما يذكر من البحيرات: فمن ذلك بحيرة كيماما. بجزيرة القُمر الخارجة عن خط الاستواء. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة اطراغا بالصين. وهي غذبة.
ومن ذلك بحيرة سَرَنْك بالهند. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة السوكران ببلاد الهياطلة، شرقي قراقرم بشمال. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة بخارا. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة خوارزم. وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تهامة. يصب بها نهر اتكش في بلاد الترك.
ومن ذلك بحيرة زَرَة ببلاد سجستان. وهي ملح.
وذلك على ما نقل في لوح الرسم.
والنصف الثاني وهو الغربيّ، به من البحيرات ما يذكر: فمن ذلك بحيرات النيل الثلاثة.
أعلاها بحيرتان، حيث تنصب في أوّله، ثم البحيرة الكبرى التي دونهما ونسميها البطيحة.
ثم بحيرة الفيوم ذكرناها هنا لأنها من النيل أيضا. وهي عذبة. ولم ننبه على أن هاتين البحيرتين عذبتان مع كونهما من النيل إلا لنُعلِم أن أرضهما لم تغير ماءهما ولا أفسدت طعمهما.
ومن ذلك بحيرة زاقون. يبحر بها النهر المنصب من الجبل المشبه بتعنيقة لا بالخط المغربي.
ومن ذلك بحيرة بين قصر عيسى وبين كوكورة ؛ وبحيرة بين كوكورة ومجالات جاي.
ومن ذلك بحيرتان عند بنزرت من بلاد إفريقيا: إحداهما ملح، والأخرى عذبة. تجري العذبة في الشتاء ستة أشهر، وتسكب في البحيرة الملح فلا يعذب ماؤها ثم تنقطع. وتجري البحيرة الملح ستة أشهر أخرى تمام السنة، وتسكب في العذبة فلا تملح. وبها أنواع من الحيتان يخرج كل شهر من الشهور العربية نوع منها. فإذا فرغ الشهر، ذهب ذلك وجاء غير، ثم لا يوجد من نوع الحوت الذي كان في الشهر الماضي شيء البتة، إلى مدّة ذلك الشهر من السنة الآتية. وحكى لي ذلك المغاربة. فسبحان من بيده الأمر كله! ومن ذلك بحيرتان بأقصى المغرب: إحداهما على مقربة من قصر ابن عبد الكريم في غاية الاتساع. بوسطها جزيرة دورها مقدار ثمانية عشر ميلا وتسمّى بأبي سُلهام. تمدّها أودية تنحدر من جبال غمارة. وفي تلك الجزيرة يأوي عرب ذلك الموضع بذخائرهم ورِعي بهائمهم.
والأخرى بأزغان شماليّ مكناسة. تمدّها أنهار تنحدر من جبال أزرو جنوبيّ مكناسة. وليس لمياهها منفذ.
ومن ذلك بحيرة آبزو. وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة الإسكندرية. وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة تنس. وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة جارش. بالشمال وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة طبرية. وهي عذبة.
(1/23)

" وبها الحَمَّة المعروفة بحمام طبرية. وللناس فيها أكاذيب. وهي صورة تنور الكلس تكون سعته نحو عشرة أذرع تقريبا. يخرج منه ماء يدير حجري رحى. مهما وضع فيه احترق لإفراط حرارته. قد استخرج منه جدول في عرض الجبل يمتدّ نحو ألف ذراع تقريبا، لتقلّ ببُعد المدى حرارته. ثم يأتي بيتين مسقوفين " وسقوفهما بالحجر " أحدهما لاستحمام الرجال والآخر لاستحمام النساء والحمة ماؤها مملوح مكبرت " .
ومن ذلك بحيرة زُغَر. وهي المخسوف بها، وهي النتنة.
ومن ذلك بحيرة دمشق. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة حِمص. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة أفامية. وهي عذبة.
ومن ذلك بحيرة أنطاكية. وهي عذبة، وتعرف ببحيرة يَغْرا، وهي متوسطة المقدار.
ومن ذلك بطائح العراق: اثنتان بالبصرة، وواحدة بالكوفة. الجملة ثلاث بحيرات عذبة.
ومن ذلك بحيرة خِلاَطَ. وهي ملح.
ومن ذلك بحيرة أيودان. وهي ملح.
وذلك منقول من لوح الرسم، أو محقق بالسؤال، وإن حصل في بعضه إخلال. وفيما أتينا به غنى عما سواه. وبعض الشيء في هذا الباب استدراك، إذ المراد بذلك ما يستدلّ على الأرض بأعلامها الظاهرة. وفي الدليل الواحد كفاية.
وإذ انتهينا إلى هنا نذكر رمل الهَبِير. لأنه مما هو ممتدّ في الأرض. فكان من أعلامها المشهورة المشهودة في الآفاق.
قال صاحب كتاب " معرفة أشكال الأرض " : وأما الرمل الهبير، فطوله من وراء جبل طيّء إلى أن يتصل مشرقا بالبحر. ويمضي من وراء جبلي طيّء إلى أرض مصر، ثم إلى بلد النوبة. ويمتّد إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر. ومنه عرق يضرب من القادسية إلى البحرين. فيعبر البحرين، فيمّر على مشارق خوزستان وفارس إلى أن يرد إلى سجستان. ويمرّ مشرّقا إلى مرو آخذا على جيحون في برية خوارزم. ويأخذ في بلاد الخَرْلَخِيَّة إلى بلد الصين والبحر المحيط في جهة المشرق. وهو على ما وصفتُه وسقتُه من المحيط بالمشرق إلى المحيط بالمغرب. وفيه منه جبالٌ عظام لا تُتَوَقّل ولا تُرتقى. وبعضه في أرض سهلة ينتقل من مكان إلى مكان. ومنه أصف ليّن اللمس، وأحمر قانئ، وأزرق سماويّ، وأسود حالك، وأكحل مُشبَّع كالنيل، وأبيض كالثلج. وبعضه يحكى الغبار نعومةً، وبعضه خشن جريش اللمس.
ونبيّن كلّ شيء بحسب ما يمكننا من الطاقة والاجتهاد. وفوق كل ذي علم عليم!
الآثار البينة في أقطار الأرض
ثم إنا نحن نعقب ذلك بذكر جمل من الآثار البيّنة في أقطار الأرض ما جرت الآثار المعظمة الآثار المعظمة مجرى الأعلام، وقامت في الاستدلال مقام ما قدّمنا ذكره من الجبال والأنهار والرمل والبحيرات. وسنذكرها مبيّنة. وبالله التوفيق!
ذكر المساجد
فنبدأ بذكر المساجد الثلاثة: المسجد الحرام؛ ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم؛ والمسجد الأقصى.
وهي التي تُشدّ إليها الرحال، وتُجِدّ إليها الركائب التَّرحال، تسري إليها سُرى السحائب في المحال، وتسمو والكواكب غَرْقى سُمُوَّ حَباب الماء حالا على حال.
روى أبو سعيد الخُدريّ عن النبيّ " صلى الله عليه وسلم " أنه قال: لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس. رواه الإمام أحمد.
ويُتبَع كلُّ مسجد منها بما تعلق بذيل أستاره، وتألق بإشراق نوره وإسفاره، مما ضمّه نطاق سوره، وأُفيض عليه بركة سوره، إلى غير ذلك من آثار، ومواطن تُجدّ الدموع فيها النثار.
وأوّل ما نبدأ به:
ذكر الكعبة
البيت الحرام. أوّل بيت وُضِع للناس، ورُفع على قديم الأساس. بُني مثالا للبيت المعمور، ودُعِي إليه كل مأمور. وأذّن إبراهيم " صلوات الله عليه " إليه بالحجّ؛ ودعا إليه الناس فأتوه من كل فجّ. حَجَّته الملائكة قبل آدم، وجاءته وعهده ما تقادم. ويقال إنه لم يبق نبيّ حتى حجَّه. ويعدّ عدة أنبياء دُفنوا في الحِجرِ منه. ولم تزل شعائره مكرّمة، ومشاعره محرّمة. عُظِّم في الجاهليّة والإسلام، وحُرِّم من حيث بُنِيَت الأعلام. (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ). وهي البيت المحجوج المحجوب، والمقصود بالزيارة قصد الوجوب. وبه الحجر الأسود الذي هو يمين الله في أرضه، والشاهد لمن حجّ وقبّله بأداء فرضه. سماء الدعاء، وحَرَمُ تحريم الدماء. يأمن به الحَمام ساكنا، ومن دَخَلَه كان آمِنا.
(1/24)

قال تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَاً).
وعن أبي ذرّ الغفاريّ. قال: قلت يا رسول الله: أيُّ مسجد وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. رواه البخاريّ، وأبو عروبة وزاد: وأينما أدركتك الصلاة فهو مسجد.
قال ابن جرير الطبريّ: اختلف أهل التأويل في قوله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْنَّاسِ) فقال بعضهم: تأويله " إن أوّل بيت وُضع للناس يُعبد الله فيه مباركا وهدى للعالمين للَّذي ببكَّة " . قالوا: وليس هو أوّل بيت وضع في الأرض. لأنه قد كان قبله بيوت كثيرة. ثم أسند هذا القول عن عليّ بن أبي طالب والحسن ومَطَر وسعيد " وأظنه ابن جُبير " ثم قال: وقال آخرون بل هو أوّل بيت وضع للناس. واختلف هؤلاء في صفة وضعه أوَّل. فقال بعضهم: خلقه قبل الأرض، ثم دُحيت الأرض من تحته. وأُسند هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان عرشه على الماء على زَبَدة بيضاء، فدُحيت الأرض من تحته. ونحوه عن مجاهد وقتادة والسُّدِّي. وقال آخرون: موضع الكعبة موضع أوّل بيت وضعه الله في الأرض. وأُسند عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن البيت هبط مع آدم. وحين أُهبط قال الله: أُهبِطُ معك بيتي يُطاف به كما يُطاف حول عرشي. فطاف حوله دم ومن كان بعده من المؤمنين. حتّى إذا كان زمن الطوفان، رفعه الله وطهّره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض. فصار معمورا في السماء. ثم إن إبراهيم تتبع من أثرا بعد ذلك، فبناه على أساس قديم كان قبله. وقوله تعالى (لَلَّذي بِبَكَّةَ) يعني للبيت الذي ببكّة. قال الزمخشريّ: وهو عَلَم للبلد الحرام. ومكّة وبكّة لغتان. وقيل: مكّة البلد، وبكّة موضع المسجد. وقيل: بكّة موضع البيت، ومكّة ما حوله. وقيل: بكّة البيت والمسجد، ومكّة الحرم كلُّه.
وقال عطاء بن أبي رباح: وُجِّه آدم إلى بكّة حين استوحش. فشكى ذلك إلى الله " عز وجل " في دعائه. فلما انتهى إلى بكّة، أنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة. فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتّى أنزل الله الطوفان، فرُفعت تلك الياقوتة. حتّى بعث الله عزّ وجلّ إبراهيم فبناه. فذلك قوله تعالى (وَإِذْ بَوأنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ) رواه أبو عروبة.
وروى أبو الوليد الأزرقيّ بسنده عن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: إن الله " تبارك وتعالى " بعث ملائكة، فقال ابنو لي بناء في الأرض تِمثال البيت وقَدْره. وأمر الله من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. قال: وكان هذا قبل خلق آدم، عليه السلام. والله أعلم! وقيل أن آدم أوّل من بناها. وقيل شيت بن آدم. وكانت قبل بنائه خيمة من ياقوتة حمراء، يطوف بها آدم.
وروى سعيد بن أبي عَرُبة عن قَتادة، قال: ذُكر لنا أن قواعد البيت من حِراء؛ وذُكر لنا أن البيت من خمسة أجبل: حِراء ولُبنان والجُديّ وطور سينا وطور زَيْتا.
وقال ابن جُرَيْح: بُني أساس البيت من خمسة أجبل. " فذكر مثله " .
وحكى السُّهَيْليّ أن الملائكة كانت تأتي إبراهيم عليه السلام بالحجارة. وقيل رُفعت الكعبة في الطوفان وأودع الحجر الأسود أبا قُبَيس. وبقي موضعها ربوة، حجها هود وصالح. فيقال إن يَعرُب قال لهود: ألا تبنيه؟ قال إنما يبنيه نبيٌّ يتخذه الله خليلا. ولما بناه إبراهيم دلّته عليه السكينة. وكانت تنزل عليه كالحَجَفة.
وقال الأزرقيّ: لما بنى إبراهيم عليه السلام الكعبة، جعل طول بنائها في السماء تسعة أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعا، وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعا. وكانت غير مسقوفة. ثم بنتها قريش في الجاهلية. فزادت في طولها في السماء تسعة أذرع. فصار ارتفاعها في السماء ثمانية عشر ذراعا. ونقصوا من طولها في الأرض ستة أذرع وشبرا، تركوها في الحِجْر.
ولم تزل كذلك حتّى كان زمن عبد الله بن الزبير، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد ارتفاعها في الهواء تسعة أذرع. فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا.
(1/25)

ثم بناها الحجّاج بن يوسف الثَّقفيّ، فلم يغير ارتفاعها. ونقض الحِجر وأعاده كما كان في الجاهلية.
واعلم أن الكعبة بُنيت في الدهر خمس مرات: إحداهنّ، بناء الملائكة أو آدم أو شيت، على ما تقدّم.
الثانية بناء إبراهيم.
الثالثة بناء قريش. والسبب في ذلك أن الكعبة استهدمت، فكانت فوق القامة. فأرادوا تعليتها. وكان بابها لاصقا بالأرض في عهد إبراهيم وعهد جُرْهُم إلى أن بنتها قريش. فقال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم! ارفعوا باب الكعبة، حتّى لا يدخلها أحد إلا بسُلَّم! فإنها لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم. فإن جاء أحد ممن تكرهونه رميتم به فسقط وصار نكالا لمن يراه. فرفعت بابها وجعلت لها سقفا، ولم يكن لها سقف. وزادت ارتفاعها كما تقدّم. وكان عمر النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ ذاك خمسا وعشرين سنة، وقيل خمس وثلاثين. فحضر البناء وكان ينقل الحجارة معهم، كما ثبت في الصحيح. وتنافست قريش فيمن يضع الحجر الأسود موضعه من الركن. ثم رضوا بأن يضعه النبيّ صلى الله عليه وسلم.
الرابعة بناء عبد الله بن الزبير. والسبب في ذلك، على ما ذكر السهيليّ، أن امرأة أرادت أن تُجَمّر الكعبة، فطارت شررة من المجمرة في أستارها. فاحترقت. وقيل طارت شررة من أبي قُبيس، فوقعت في أستار الكعبة، فاحترقت. فشاور ابن الزبير ومن حضره في هدمها. فهابوا ذلك، وقالوا: نرى أن يُصلح ما وهى منها ولا تُهدم. فقال: لو أن بيت أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح، ولا يكمُل إصلاحها إلا بهدمها. فهدمها حتّى أفضى إلى قواعد إبراهيم. فأمرهم أن يزيدوا في الحفر. فحرّكوا حجرا منها فرأوا تحته نارا وهولا أفزعهم. فبنوا على القواعد.
وفي الخبر أنه سترها وقت حفر القواعد. فطاف الناس بتلك الستارة. ولم تخل من طائف. حتّى لقد ذُكر أن يوم قتل ابن الزبير، اشتدّ الحرب وشُغل الناس حينئذ، فلم يُرَ طائف يطوف بها إلا جمل. وتمم بناءها وألصق بابها بالأرض. وعمل لها خلفا أي بابا من ورائها وأدخل الحِجْر فيها. وذلك لأن خالته عائشة " رضي الله عنها " حدثته أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " قال: ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة حين بنوا الكعبة، فاقتصروا على قواعد إبراهيم. ثم قال: لولا حدثان قومك بالجاهلية، لهدمتها وجعلت لها خلفا وألصقت بابها بالأرض وأدخلت فيها الحِجْر. فقال ابن الزبير: فليس فينا عجز عن النفقة. فبناها على مقتضى حديث عائشة.
وحكى أبو الوليد الأزرقيّ أنه لما عزم على هدمها، خرج أهل مكة إلى مِنى. فأقاموا بها ثلاثا. خوفا أن ينزل عليهم عذاب لهدمها. فأمر ابن الزبير بهدمها. فما اجترأ على ذلك أحد. فعلاها بنفسه وأخذ المعول وجعل يهدمها ويرمي أحجارها. فلما رأوا أنه لا يصيبه شيء، صعدوا وهدموا. فلما تمّ بناؤها، خلّقها من داخلها وخارجها، من أعلاها إلى أسفلها، وكساها القَبَاطيّ. وقال: من كانت لي عليه طاعة، فليخرج فليعتمر من التنعيم، ومن قدر أن ينحر بَدَنَةً فليفعل، ومن لم يقدر فليذبح شاة، ومن لم يقدر عليها فليتصدّق بوسعه. وخرج ابن الزبير ماشيا، وخرج الناس مشاة. فاعتمروا من التنعيم، شكرا لله تعالى. فلم يُرَ يوم أكثر عتيقا وبدنة منحورة وشاة مذبوحة وصدقة من ذلك اليوم. ونحر ابن الزبير مائة بدنة.
قال السُّهيليّ: ولما قام عبد الملك بن مروان في الخلافة، قال: لسنا من تخليط أبي خُبيب بشيء " يعني عبد الله بن الزبير " . فهدمها وأعادها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ارتفاعها. ثم جاءه الحارث بن أبي ربيعة المخزوميّ ومعه رجل آخر، فحدّثاه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث المتقدّم، فندم وجعل ينكت بمخصرة في يده الأرض، ويقول: " وددتُ أني تركت أبا خُبيب، وما تحمّل من ذلك " .
وتولّى البناء " في زمن عبد الملك بن مروان " الحجاج بن يوسف الثقفيّ. وهو البناء الخامس الموجود الآن.
والذي هدمه الحجاج هو الزيادة وحدها. وأعاد الركنين، وسدّ الباب الذي فتحه ابن الزبير. وسدُّه بيِّن إلى الآن. وجعل في الحِجْر من البيت دون سبعة أذرع. وعلامة ذلك في داخل الحجر لوحان من مرمر منقوشان متقابلان في الجانبين. وصار عرض وجهها، وهو الذي فيه الباب، أربعة وعشرين ذراعا.
وقيل أن الكعبة بنيت مرتين أخريين، غير الخمس.
(1/26)

إحداهما بناء العمالقة بعد إبراهيم.
والثانية بناء جُرْهم بعد العمالقة.
قال السهيليّ: إنما كان ذلك إصلاحا لما وهى منه، لأن السيل كان قد صدع حائطه. وكانت الكعبة بعد إبراهيم " عليه السلام " مع العمالقة وجُرْهُم إلى أن انقرضوا. وخلفتهم فيها قريش بعد استيلائهم على الحرم: لكثرتهم بعد القلَّة، وعزهم بعد الذلَّة. وكان أوّل من جدّد بناءها، بعد إبراهيم، قُصَيُّ بن كلاب. وسقفها بخشب الدَّوْم وجريد النخل.
وروى الطبرانيّ عن أبي سعيد الخُدريّ " مرفوعا " أن أوّل من جدد الكعبة بعد كلاب بن مُرّة، قُصَيُّ.
وحكى السُّهيليّ أن أوّل من اتخذ الكعبة غَلَقاً تُبَّعٌ، ثم ضرب لها عبد المطلب بابا من حديد، وهي الأسياف القلعية التي كانت مع الغَزالَين الذهب. وهو ما استخرجه عبد المطلب من بئر زمزم، لما احتفرها بعد ما طمّها الحارث بن مُضَاض، لما أخرج الله جُرهُمَ من مكة بسبب إحداثهم في الحَرَم واستخفافهم بالحُرَم وبغي بعضهم على بعض. فتغوَّر ماء زمزم. وعمد الحارث إلى ما كان عنده من مال الكعبة وفيه غزالان من ذهب وأسياف قلعية، كان ساسان أهداها إلى الكعبة، وقيل سابور. وجاء تحت الليل ودفن ذلك في زمزم، وعفَّي عليها. ولم تزل دارسة حتّى حفرها عبد المطلب واستخرج ذلك كما هو مذكور في موضعه.
واتخذ عبد المطلب من الغزالين المذكورين حلية الكعبة. وهو أوّل ذهب حُلِّيَت به الكعبة.
فلما جاء الإسلام وآلت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك، بعث إلى واليه على مكة خالد بن عبد الله القَسْريّ بستة وثلاثين ألف دينار. فضرب منها على باب الكعبة صفائح الذهب، وعلى الميزاب، وعلى الأساطيم التي في جوفها، وعلى الأركان. وهو أوّل من ذهَّب البيت في الإسلام.
وذكر السُّهيليّ أن الذي عمله الوليد هو ما كان من مائدة سليمان بن داود " عليهما السلام " من ذهب وفضة، حُمل إليه من طُلَيْطُلَة، من جزيرة الأندلس. وكانت لهما أطواق من زبرجد وياقوت. وكانت قد احتُملت على بغل قويّ، فتفسَّخ تحتها.
ثم لما آلت الخلافة إلى الأمين، رُفع إليه أنّ الذهب الذي عمله الوليد قد رقَّ. فأرسل إلى عامله على ضواحي مكة، سالم بن الجرّاح، بثمانية عشر ألف دينار ليضربها صفائح على باب الكعبة. فقُلع ما كان على الباب من الصفائح وزيد عليها ثمانية عشر ألف دينار. وضرب الصفائح والمسامير وحَلْقَتي الباب والعتبة. فالذي كان عليه من الذهب ثلاثة وثلاثون ألف مثقال.
قلت: ثم جدّد الباب الشريف في الأيام الزاهرة الملكية الناصرية سقى الله عهدها. عُمِل بمصر مُصَفَّحا بالفضة. وأنا كتبت نسخة ما كُتب عليه. وجُهِّز به بَرس بُغا الناصريّ.
الأزرقيّ: وعمل الوليد بن عبد الملك الرخام الأبيض والأخضر والأحمر في جوفها. فوزَّر به جُدرانها، وفرشها بالرخام. فجميع ما في الكعبة من الرخام هو من عمل الوليد. وهو أول من فرشها بالرخام وأزَّر به جدرانها.
قلت: ثم تقلَّع غالب ذلك. وغالب ترخيمها وما فيها الآن من آثار المظفر يوسف بن عمر بن رسول، صاحب أيمن. واسمه في الرخام داخل الكعبة، حيث يُصليِّ، بين العمودين تجاه وجهه في الجدار المتصل بالركن اليمانيّ.
واختلف أهل السِّيَر في أوّل من كسا الكعبة الديباج.
فقال ابن إسحق: هو الحجاج بن يوسف. وقال ابن بَكَّار: هو عبد الله بن الزبير. وقال الماورديّ: أوّل من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب. أخذ لطيمة تحمل البز وأخذ فيها أنماطا، فعلقها على الكعبة. وذكر جماعة " منهم الداَر قُطني " أن نُتَيْلة بنت جناب أُمَّ العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلَّت العباس صغيرا. فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج.
وحكى الأزرقيّ أن معاوية كسا الكعبة الديباج، قال: وكانت تُكسى يوم عاشوراء ثم إن معاوية كساها مرتين.
ثم كساها المأمون ثلاث مرات. فكان يكسوها الديباجَ، الأحمر يوم التروية، والقَبَاطيَّ يوم هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان.
وهذا الأبيض ابتدأه المأمون سنة ست ومائتين حين قالوا له: الديباج الأحمر يتخرّق قبل الكسوة الثانية. فسأل عن أحسن ما تكون فيه الكعبة. فقالوا: الديباج الأبيض. ففعله.
(1/27)

قُلتُ: وهي الآن تكسى في العام مرة واحدة في وقت الموسم.وتحمل إليها الكسوة من الخزانة السلطانية بالديار المصرية ، صحبة الركب، فيتولّى ذلك أُمراء الركب. ويحضرون بأنفسهم فتُكسى، ويأخذ الأشراف وبنو شيبة الكسوة العتيقة ويقتسمونها. ويأخذون في كل قطعة منها أوفر الأعواض. وتحمل إلى سائر البلاد للبركة.
وعهدي بصاحب اليمن يبعث إليها كسوة، فتلبس تحت الكسوة المصرية. وهما سوداوان من الحرير الأسود بكتابة بيضاء، فيها آيات جاءت في القرآن في ذكر الكعبة.
ولما حججتُ سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، صعدتُ أنا وأمراء الركب المصريّ لتلبيس الكعبة الشريفة، حتّى كنّا على سطحها.فرأيتُه مبلَّطا بالمرمر والرخام الأبيض. ومن جوانبه جُدُر قصار فيها حِلَق لمرابط الستور، تُجرّ فيها الكسوة بحبال ثم تُربط في تلك الحِلَق.
وأنا أحمد الله، إذ بيدي توليت خلع الكسوة العتيقة عنها وتلبيسها الكسوة الجديدة.
وحُمِلَت الكسوة العتيقة في تلك السنة إلى السلطان بمصر، لتُجهَّز إلى السلطان أبي الحسن المَرِينيّ مع ما يُجهَّز عوض هدية بعثها في هذه السنة، صحبة مريم زوجة أبيه وعريف السُّوَيْديّ وجماعة من أكابر دولته. وعُوِّض بنو شيبة والأشراف عنها من بيت المال بمصر.
والعادة جارية أن تغسل الكعبة المعظمة بماء زمزم في السابع والعشرين من ذي القعدة، وتُشمَّر ستورها. وتُلَبَّس يوم الأضحى، وتغسل بماء الورد عند عود الركب من مِنى، أوان مُنصرَفَهم.
وكل ذلك حضرته في هذه السنة وتوليته بيدي. ولله الحمد!
وأما أوّل من كسا الكعبة مطلقا
فحكى الأزرقيّ عن ابن جُرَيح أن تُبَّعا أوّل من كسا الكعبة كسوة كاملة. أُرِي في المنام أن يكسوها. فكساها الأنطاع. ثم أثرِي أن يكسوها الوصائل. فكساها. وهي ثياب حِبَرةٍ من عَصْب.
ثم كساها الناس بعده في الجاهلية.
قال السُهيليّ: ويُروى أن تثبَّعا لما كساها المُسُوح والأنطاع، انتفض البيت. فزال ذلك عنه حين كساها الخَصَف، وهي ثياب غلاظ. فلما كساها المُلاءَ والوصائلَ " وهي ثياب موصلة من ثياب اليمن واحدتها وصيلة " ، قبلته. كثره قاسم في " الدلائل " .
وروى الأزرقيّ بأسانيد متفرقة، أن النبيّ " صلى الله عليه وسلم " كسا الكعبة. ثم كساها أبو بكر. وكساها عمر من بيت المال القَبَاطيَّ. وكساها عثمان، ومعاوية، وعبد الله ابن الزبير، ومن بعدهم.
وقال تُبَّع لما كسا البيت.
وكّسْونا البيتَ الَّذِي حرَّم الل ... هُ مُلاَءً مُعَضَّدا وبُرُودا
فأقَمْنا به من الشهر عَشْراً ... وجعلنا لِبًابِهِ إِقْلِيدا
ونَحَرْنا بالشِّعبِ سِتَّةَ ألْفٍ ... فتَرى الناس نحوَهنَّ وُرُودا
ثُمَّ سِرْنا عنه نؤُمُّ سُهَيْلا ... فرفَعْنا لِواءَنا مَعْقُودا
صفة الكعبة
فاعلم أن الكعبة، البيت الحرام، مُرَبَعَّةُ البنيان في وسط المسجد. ارتفاعها من الأرض سبعة وعشرون ذراعا؛ وعرض الجدار، وِجْهتُها الآن، أربعة وعشرون ذراعا، وهو الذي فيه بابها، وعرض مؤخرها مثل ذلك؛ وعرض جدارها الذي يلي اليمن " وهو فيما بين الركن اليمانيّ والركن العراقيّ، وهو الذي فيه الحجر الأسود " عشرون ذراعا. وإلى وسط هذا الجدار كان يصلي النبيّ " صلى الله عليه وسلم " قبل هجرته إلى المدينة. وعرض جدارها الذي يلي الشام، وهو الذي فيما بين الركن الشاميّ والركن الغربيّ، أحد وعشرون ذراعا؛ وميزاب الكعبة على وسطه يسكب في الحِجر. ومن أصل هذا الجدار إلى أقصى الجدار ستة عشر ذراعا.
وعرض باب الحِجر الشاميّ خمسة أذرع إلا شيء يسير؛ وعرض بابه الغربيّ ستة أذرع إلا شيء يسير؛ وجدار الحِجر مدوَّر من بابه الشاميّ إلى بابه الغربيّ، كالطيلسان. وعرضه ذراع، وارتفاعه من الأرض أربعة أشبار.
والحجر الأسود، في الركن العراقيّ المقابل لزمزم. وهو " على " سبعة أشبار من الأرض.
وباب الكعبة على أربعة أذرع من الأرض، وعلوّه ستة أذرع؛ وعرضه أربعة أذرع.
وما بين الباب والحجر الأسود أربعة أذرع. ويسمّى ذلك الموضع المُلْتَزَم: لأن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " حين فرغ من طوافه التزمه ودعا فيه، ثم التفت فرأى عمر، فقال: " هاهنا تُسكب العَبَرات " .
(1/28)

ومن الباب إلى مُصَلّى آدم " عليه السلام " حين فرغ من طوافه وأنزل الله عليه التوبة، وهو موضع الخلوق، ومن إزار الكعبة، أرجُح من سبعة أذرع. وكان هناك موضع مقام إبراهيم " صلى الله عليه وسلم " وصلى النبي " صلى الله عليه وسلم " عنده حين فرغ من طوافه ركعتين، وأنزل الله تعالى عليه: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْراهِيمَ مُصَلَّى). ثم نقله " صلى الله عليه وسلم " إلى الموضع الذي هو فيه الآن. وذلك على عشرين ذراعا من الكعبة: لئلا ينقطع الطواف بالمصلين خلفه، أو يترك الناس الصلاة خلفه لأجل الطواف حين كثر الناس، وليدور الصف حول الكعبة، ويُرى الإمام من وجهه ثم حمله السيل في أيام عمر وأخرجه من المسجد، فأمر عمر بردّه إلى موضعه الذي وضعه فيه رسول الله " صلى الله عليه وسلم " .
وبين موضع الخلوق " وهو مصلى آدم عليه السلام " وبين الركن الشاميّ ثمانية أذرع.
ومن الركن الشاميّ إلى اللوح المرمر المنقوش في الحِجر الذي بنى هناك ابن الزبير ركن البيت " وهو على قواعد إبراهيم عليه السلام " تسعة أذرع.
وفيما بين الحِجْر ومقام إبراهيم خمسة وعشرون ذراعا ويسمّى ذلك الحطيم. لأنه يحطم الذنوب أي يسقطها؛ وقيل نه حُطِم من البيت؛ وقيل لأن من حلف هناك كاذبا انحطم دينه ودنياه.
وما بين الركن الراقي " وهو الذي فيه الحجر الأسود " إلى مصلى النبيّ " صلى الله عليه وسلم " قبل هجرته إلى المدينة، عشرة أذرع. وكان يستقبل بيت المقدس، ويجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس. ولهذا لم يَبِنْ توجُّهه إلى بيت المقدس إلا لما هاجر إلى المدينة.
وبين الركن اليمانيّ وبين الباب المسدود في ظهر الكعبة أربعة أذرع. ويسمّى ذلك الموضع المستجار من الذنوب. وعرض الباب خمسة أذرع، وارتفاعه سبعة أذرع. وبينه وبين الركن الغربيّ ثلاثة عشر ذراعا.
وبين الركن الغربيّ وآخر قواعد إبراهيم " وهناك اللوح المرمر المنقوش " أزيد من سبعة أذرع. وإلى هناك بنى ابن الزبير.
وقد قدّمنا أن ارتفاع الكعبة في الهواء سبعة وعشرون ذراعا.
المسجد الحرام
وأما صفة المسجد الحرام المحيط بالكعبة
فنقول: قد ذكر الأزرقيّ والماورديّ والسُّهيليّ وغيرهم، وفي كلام بعضهم زيادة على بعض: كان المسجد الحرام، أعني المحيط بالكعبة فناء لها وفضاء للطائفين. ولم يكن له على عهد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " وبي بكر جدار يحيط به. فضيق الناس على الكعبة وألصقوا دورهم بها. وكانت الدور مُحْدِقة بالكعبة. وبين الدور أبواب يدخل الناس من كل ناحية.
فلما استُخلف عمر، وكثر الناس، قال: " لابدَّ لبيت الله من فناء! وإنكم دخلتم عليه ولم يدخل عليكم " . فوسع المسجد واشترى تلك الدور وهدمها وزادها في المسجد.
واتخذ للمسجد جدارا قصيرا، دون القامة. وكانت القناديل توضع عليه. وكان عمر أوّل من اتخذ الجدار للمسجد الحرام.
ثم لما استُخلِف عثمان، ابتاع منازل ووسعه بها. وبنى الأروقة للمسجد، فيما ذكر الأزرقيّ والماورديّ وغيرهما.
ثم إن ابن الزبير زاد في المسجد زيادة كثيرة. واشترى دورا، من جملتها بعض دار الأزرق، اشترى ذلك البعض ببضعة عشرة ألف دينار. وجعل فيها عُمُدا من الرُّخام.
ثم عمره عبد الملك بن مروان؛ ولم يزد فيه، لكن رفع جداره، وجلب إليه السوارى في البحر إلى جُدَّة؛ وسقفه بالساج. وعمَّره عمارة حسنة.
ثم وسع ابنه الوليد وحمل إليه أعمدة الحجارة والرُّخام.
ثم زاد فيه المنصور، وجعل فيه أعمدة الرخام.
وزاد فيه المهديّ مرتين إحداهما سنة ستين ومائة، والثانية سنة سبع وستين ومائة وفيها تُوفيَّ المهديّ.
واستقر بناؤه إلى الآن.
وأما الرواق فنقول: إن له سقفين، أحدهما فوق الآخر؛ وبينهما فرجة قدر الذراعين، أو نحوهما.
فأما الأعلى منه، فسطوحه فرش مسقف بالدَّوْم اليمانيّ.
وأما الأسفل منهما، فهو مسقوف بالساج، مزخرف بالذهب.
(1/29)

وعدد أساطينه " وذلك من الرخام والحجر الأبيض، سوى ما جُدّد في دار النَّدوة وسوق الحنطة " أربعمائة وأربع وثمانون أسطوانة. بين كل أسطوانتين ستة أذرع: منها في الجانب الشرقيّ الذي يلي المسعى مائة أسطوانة وثلاث أساطين؛ وفي الجانب الشماليّ مما يلي الصفا مائة أسطوانة وإحدى وأربعون أسطوانة؛ وفي الجانب الغربيّ مائة أسطوانة وخمس أساطين؛ وفي الجانب الشاميّ الذي فيه دار الندوة مائة وخمس وثلاثون أسطوانة.
وفي وسط هذا الشِّق أو نحوه الذي يلي المسجد سارية خمس أساطين: ذكر أنها كانت ليهوديَّة فسامها النبيّ " صلى الله عليه وسلم " فيها، فأبت بيعها إلا بوزنها ذهبا؛ ففعل النبيّ " صلى الله عليه وسلم " ذلك، فوضعت في ميزان، ووضع مثقال واحد فرجح المثقال ببركة رسول الله " صلى الله عليه وسلم " .
ومنها على باب المسجد اثنتان وعشرون؛ ومن ناحية المسجد ستّ؛ ومن ناحية الوادي والصفا عشر؛ ومن ناحية بني جُمَح أربع؛ ومن ناحية دار الندوة اثنتان.
وفي دار الندوة سوى ما ذكرناه سبع وستون أسطوانة بالحجارة مبَيَّضة، وطول كل أسطوانة منها عشرة أذرع، وتدويرها ثلاثة أذرع، وذرع ما بين كل أسطوانتين ستّة أذرع ونصف.
وعدد طاقاته وهي الحنايا المعقودة على الأساطين أربعمائة طاق وثمان وتسعون طاقا، سوى ما في دار الندوة.
وذَرْع لمسجد الحرام من باب بني جُمَح إلى باب العباس، الذي عند العلم الأخضر، ويُعرف بباب بني هاشم، أربعمائة ذراع وأربعة أذرع؛ وعرضه ما بين دار الندوة إلى باب الصفا ثلثمائة ذراع وأربعة أذرع.
وذَرْع ما بين وسط جدار الكعبة الشرقيّ الذي يلي المسعى مائتا ذراع وثلاثة عشر ذراعا؛ ومن وسط جدار الكعبة الغربيّ إلى جدار المسجد الغربيّ الذي يلي بني جُمَح مائة ذراع وتسعا وتسعون ذراعا؛ ومن وسط جدار الكعبة الجنوبيّ إلى جدار المسجد الذي يلي الواديّ مائة ذراع وأحد وأربعون ذراعا؛ ومن وسط جدار الكعبة الشمالي الذي يلي الحِجر إلى جدار المسجد الذي يلي دار الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعا؛ ومن ركن الكعبة العراقيّ ويقال له الشاميّ إلى المنارة التي تلي المروة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعا؛ ومن ركن الكعبة الشاميّ ويقال له الغربيّ إلى المنارة التي تلي باب بني سهم " وهو باب العُمرة " مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا؛ ومن الركن اليمانيّ إلى المنارة التي تلي أجيادَ الكبرى وبين الحَزوَّرة مائتا ذراع وثمانية أذرع؛ ومن الركن الأسود إلى المنارة مستمرة تلي المسعى والوادي من ناحية الصفا مائتا ذراع وثمانية وعشرون ذراع.
وارتفاع جداره في السماء مما يلي المسعى ثمانية عشر ذراعا؛ ومما يلي الوادي والصفا اثنان وعشرون ذراعا؛ ومما يلي بني جُمَح اثنان وعشرون ذراعا؛ ومما يلي دار الندوة سبعة عشر ذراعا ونصف.
وعدد شرفاته من داخله وخارجه، أربعمائة وخمس وتسعون شُرَّافة. هذا من خارجه.
وعددها من داخله أربعمائة وثمان وتسعون شُرَّافة.
فجميعها ألف شُرَّافة إلا سبع شُرَّافات.
واعلم أن المسجد الحرام يطلق ويراد به عين الكعبة، كما في قوله تعالى: (فَوَلِّ وّجْهَكَ شّطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). إذ لم يقل أحد من المسلمين بالاكتفاء بالتوجه إلى استقبال المسجد المحيط بالكعبة. وهذا هو أصل حقيقة اللفظ، وهو المعنيّ بقوله تعالى (إنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسَ لَلَّذِي بِبَكَّةَ) وبقوله " صلى الله عليه وسلم " لما سأله أبو ذرّ عن أول مسجد وضع أوّل، قال: المسجد الحرام.
وقد يُطلق المسجد الحرام ويراد به المسجد المحيط بالكعبة. وهو الغالب في الاستعمال على وجه التغليب المجازيّ، كما في قوله " صلى الله عليه وسلم " : " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام " . وقوله تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ). على قول من روى أنه كان نائما في المسجد المحيط بالكعبة.
وقد يُطلق المسجد الحرام ويُراد به مكة أو الحرم بكماله، على قول من يقول أن المراد بالمسجد الحرام مكة. لأنه " صلى الله عليه وسلم " كان نائما في بيت أُمِّ هانئ لما أُسْرِي به، وكما في قوله تعالى (ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). على قول من يقول إن المراد الحرم الخارج عن مكة بكماله.
(1/30)

وهذا كله على وجه التغليب المجازيّ. ولا ريب فيه. وإلا يلزم الاشتراك في موضوع المسجد الحرام. والمجاز أولى منه. والله أعلم.
ومما يشتمل عليه المسجد الحرام بئر زمزم وهي سُقْيَا إسماعيل، وهَزْمةُ روح القدس جبريل؛ طعام طُعْم، وشفاء سقم، لا تنزِف ولا تُذَم، ولا يتوجه إليها ذم؛ لقيّة عبد المطلب، ودليل سؤدده ولا كذب. وفي الحديث " ماء زمزم لِمَا شُرب له " .
قال السُّهيليّ: كانت زمزم سُقْيَا إسماعيل بن إبراهيم. فَجَرَها روح القدس بعقبه. وفي ذلك إشارة إلى أنها لعقب إسماعيل ورّاثه وهو محمد وأُمَّته " صلى الله عليه وسلم " . والقصة في ذلك معروفة.
وتلخيصها أن إبراهيم " عليه السلام " لما احتمل إسماعيل وأُمَّه هاجَرَ إلى مكة، احتمل معه لهما قربة ماء ومِزّود تمر. وتركهما بمكة وعاد. فلما فرغ التمر والماء عطش إسماعيل، وهو صغير، وجعل ينشغ للموت، جعلت هاجر تسعى من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، لترى أحدا. حتى سمعت صوتا عند الصبيّ. فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غوث. ثم جاءت الصبيّ. فإذا الماء ينبع من تحت خدّه. فجعلت تغرف بيديها، وتجعل في القربة. وسيأتي بعد ذلك له خبر. قال النبي " صلى الله عليه وسلم " لو تركّتْه لكان عينا " أو قال: نهرا معينا " .
قال الحربيّ: سميت زمزم بزمزمة الماء، وهي صوته. وقال المسعوديّ: سميت زمزم لأن الفُرس كانت تحجّ إليها في الزمن الأوّل، فتُزَمزِم عندها. والزمزمة صوت تخرجه الفُرس من خياشيمها، عند شرب الماء. وأنشد المسعودي:
زمزمت الفُرس على زمزم ... وذلك في سالفها الأقدم
وذكر البرقيّ عن ابن عباس: أنها سميت زمزم، لأنها زُمَّت بالتراب، لئلا يسيح الماء يمينا وشمالا؛ ولو تركت لساحت على الأرض، حتى تملأ كل شيء.
ولقد ذكرنا طمّ الحارث بن مُضاض إيَّاها. ولم تزل دارسة، حتّى أُرِيَ عبد المطلب أن احفُرْ طيبَةَ. فسُمِّيت طيبة، لأنها للطيبين والطيبات، من ولد إبراهيم وإسماعيل وقيل له: احفر بَرَّة. وقيل: احفر المضنونة، ضَنَنْتُ بها على الناس إلا عليك. ودُلَّ عليها بعلامات ثلاث: بنقرة الغراب الأعصم، وأنها بين الفرث والدم، وعند قرية النمل.
ورُوي أنه لما قام ليحفرها، رأى ما رُسِم له من قرية النمل ونقرة الغراب، ولم ير الفرث والدم. فبينا هو كذلك، ندّت بقرة لجازرها، فلم يدركها حتّى دخلت المسجد الحرام، فنحرها في الموضع الذي رُسِم له. فحفر عبد المطلب حيث رُسِم له.
وقيل لعبد المطلب في صفتها: إنها لا تنزِف أبدا. وهذا برهان عظيم، لأنها لم تنزف من ذلك الحين إلى اليوم قط. وقد وقع فيها حبشيُّ فنُزِحَتْ من أجله. فوجدوا ماءها يثور من ثلاث أعين: أقواها وأكثرها ماء عين من ناحية الحجر الأسود. رواه الدارقطنيّ. وروى الدارقطنيّ أيضا مسندا عن النبيّ " صلى الله عليه وسلم " : " من شرب من ماء زمزم، فليتضلَّع، فإنه فرْقَ ما بيننا وبين المنافقين. لا يستطيعون أن يتضلّعوا منها " . أو كما قال. ورُوي البنيّ " صلى الله عليه وسلم " أنه قال: " ماء زمزم لما شُرِب له " . ورُوي أن أبا ذرّ تقوّت من مائها ثلاثين، بين يوم وليلة. فسمن حتّى تكسّرت عُكَنُهُ.
وذكر الزُّهْريّ في سِيَره أن عبد المطلب اتَّخذ حوضا لزمزم يَستقي منه. وكان يُخَرِّب بالليل حسدا له. فلما غمّه ذلك، قيل له في النوم: " قل: لا أُحِلَّها لمغتسل، وهي لشارب حِلٌّ وبِلٌّ. وقد كُفِيتَهم " . فلما أصبح، قال: نعم. وكان بعدُ من أرادها بمكروه رُمَي بداء في جسده، حتّى انتهوا عنه.
الصفا والمروة
قال الله تعالى: (إِنَّ الْصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا).
فَرْقَدَا الأرِض، وجارا البيت الحرام، وطُوبى لمن وقف عليهما، وسعى بينهما أو إليهما. وسنذكر ما هما، فنقول: أما الصفا فحجر أزرق عظيم في أصل جبل أبي قُبَيْس، قد كُسر بدرج إلى آخر موضع الوقوف. وأكثر ما ينتهي الناس منها إلى اثنتي عشرة درجة أو نحوها.
وأما المروة فحجر عظيم إلى أصل جبل متصل بجبل قُعَيْقِعَان. كأنه قد انقسم على جزأين، وبقيت بينهما فرجة، يبين منهما درج عليها إلى آخر الوقوف.
" وذرع ما بين الصفا والمروة، وهو المسعى، سبعمائة ذراع وثمانون ذراعا " .
(1/31)

من الصفا إلى الميل الأخضر المائل في ركن المسجد على الوادي مائة وثمانون ذراعا.
" وذرع ما بين الحجر الأسود والصفا مائتا ذراع واثنان وستون ذراعا " .
ومن الميل الأصفر إلى الميل الأخضر الذي بإزاء دار جعفر بن العباس، وهو موضع الهرولة، مائة وخمس وعشرون ذراعا.
ومن الميل الثاني إلى المروة أربعمائة وخمس وسبعون ذراعا.
فجميع ما بين الصفا والمروة سبعمائة وثمانون ذراعا.
دار النَّدْوة
قال الماورديّ: لم تكن مكة ذات منازل. وكانت قريش، بعد جُرْهُم والعمالقة، ينتجعون جبالها وأوديتها. ولا يخرجون من حرمها انتسابا إلى الكعبة لاستيلائهم عليها، وتخصيصها بالحرم لحلولهم فيه. ويرون أن ذلك يكون لهم بسببه شأن. وكان كلما كثر فيهم العدد ونشأت فيهم الرياسة، قوي أملهم وعلموا أنهم سيُقدَّمون على العرب. وكان فضلائهم يتخيلون أن ذلك لرياسة في الدين وتأسيسا لنبوّة ستكون. فأوّل من أُلْهِم ذلك منهم كعب بن لؤيّ بن غالب. وكانت قريش تجتمع إليه في كل جمعة. وكان يخطبهم فيه، ويذكر لهم أمر نبيّنا " صلى الله عليه وسلم " .
ثم انتقلت الرياسة إلى قصيّ بن كلاب، فبنى بمكة دار الندوة ليحكم فيها بين قريش؛ ثم صارت لتشاورهم وعقد الألوية في حروبهم. وكانت هذه الدار، لا ينكح رجل من قريش ولا امرأة إلا فيها؛ ولا يُعقَد لواء الحرب لهم ولا لغيرهم إلا فيها، ولا يُعذَر غلام إلا فيها ولا تُدَرَّع جارية من قريش إلا فيها: يُشق عليها درعها ثم تُدرَّع وينطلق بها إلا أهلها؛ ولا تخرج عِير من قريش ويرحلون إلا منها ولا يقدمون إلا نزلوا فيها.
قال الكلبيّ: " وكانت أوّل دار بنيت بمكة، ثم تتابع الناس فبنوا الدور. كلما قربوا من الإسلام ازدادوا قوّة وكثرة عدد، حتّى دانت لهم العرب " .
قال الماورديّ: صارت بعد قصيّ لابنه عبد لدار. فابتاعها معاوية في الإسلام من عكرمة بن عامر بن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ، وجعلها دار الإمارة.
وروى الأزرقيّ أن معاوية اشتراها لما حجّ، وهو خليفة، بمائة ألف درهم.
وذكر السُّهيليّ أن هذه الدار صارت إلى حكيم بن حزام بن أسد بن عبد العزّى ابن قصيّ فباعها في الإسلام بمائة ألف. وذلك في زمن معاوية. فلامه معاوية في ذلك وقال: " بعت مكرمة آبائك وشرفهم " . فقال حكيم: " ذهبت المكارم إلا التقوى. والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزقّ خمر، وقد بعتها بمائة ألف، وأشهدكم أني جعلت ثمنها في سبيل الله! فأيُّنا المغبون؟ " قال الحارثيّ: هي اليوم " يعني دار الندوة " في المسجد الحرام.
قال الأزرقيّ: وهي جانبه الشماليّ. وقد تقدّم ذكرها.
مِنًى
حيث ترمى الجَمَرات، وتهمى العبرات، ذوات الليالي المُقْمرات والأيام التي سُلخ من الكافور ثياب عشاياها المعنبرات؛ يُحلى بها من كل ترب عاطلةُ، ويلتقي في كل سِرب كل ذي دينٍ وماطلةُ.
وهي بطحاء بين جبلين، مهدَّفة الجوانب ، فيها مجتمع الحجيج. والمُحَصَّب منها موضع وهي على مدرجة السوق الأعظم، حيث ينصب كل سنة، أيام الموسم، يجتمع فيه الخليطان من شام ويَمَن، وتنزل الركوب به في منازلهم: من شرف الوادي إلى حيث تُنحر البَدَنات تحت العقبة الأولى حيث تنصب سقايات الحاجّ.
وكانت في قديم الإسلام موسم لقاء الحبائب، ومكان موعد كل مفارق.
وثلاث ليالي مِنى معروفة موصوفة، قد أكثر فيها الشعراء وترنم بها المتيّمون.
وبمِنى بيوت هي كالقرية. منها ما هو مسكون ومنها ما هو برسم بضائع الكارم، أيام الموسم، تُكرى بأجرة طائلة.
وبها آبار متخذة لخزن ماء الأسنية، يباع على الحجيج. وهو ماء ثقيل وبئ: لما يحمل من أوساخ الذبائح، وبقايا الأضاحي، ودماء القرابين.
وفيها مسجد الخَيْف. وهو على يمين المتوجه من مكة إلى عرفات. والخيف هو البستان. وجدّد بناؤه في الأيام الزاهرة الناصرية، سقى الله عهدها! وفيها مسجد إسماعيل، ويسمّى بمسجد الكبش. وهو على يسار المتوجّه من مِنى إلى عرفات. يقال أن الفداء لإسماعيل نزل به. وينزل المصريون منه إلى مِنى، وينزل المكِّيُّون منه إلى مُعَرَّف، ويقع تُجاه مسجد الخيف منحرفا عنه على ذروة من جبل. يحيل بينهما مجرى ماء من ماء الشتاء. ينزل فيما يليه إلى الطريق العظمى ركبان العرب.
(1/32)

جَمْعٌ: هي المزدلفة. وكلها مشعر إلا بطن مُحَسِّر. ومنها تؤخذ حصى الجمرات. وبذلك فسر عليّ وابن مسعود قوله تعالى (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً). قالا: يعني المزدلفة.
ومسجد المزدلفة عن يسارك إذا مضيت إلى عرفات. وفيه يجمع بين المغرب والعشاء، إذا نفر الحاجّ من عرفات. وهي التي عنى الشريف الرضيّ بقوله:
عارضَا بيَ رَكْبَ الحجاز نسائل ... هُ: متى عهْدُهُ بأيّام سَلْعِ؟
واستملاَّ حديث مَن سكن الخَيْ ... فَ ولا تكتباه إلا بدمعي
فاتني أن أرى الديار بطرْفي ... فلعلِّي أرى الديار بسمعي!
لَهفَ نفسي على ليالٍ تقضَّت ... لي بجَمع! وأين أيامُ جَمْع؟
قال الزمخشريّ في قوله تعالى (فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ): المشعرُ الحرامُ قُزَحُ، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقَدة.
وقيل: المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة إلى مأزِمَيْ عرفة إلى وادي مُحَسِّر. وليس المأزِمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل. لما روى جابر أن النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) لما صلّى الفجر " يعني بالمزدلفة " ركب ناقته حتّى أتى المشعر الحرام، فدعا وكبر وهلل. ولم يزل واقفا حتّى أسفر.
وقوله (عند المشعر الحرام) معناه مما يلي المشعر الحرام، قريبا منه. وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة. وإلا فالمزدلفة كلها موقف، إلا وادي مُحَسَّر. وجُعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به، عند المشعر.
وقيل سميت " المزدلفة " و " جَمعاً " لأن آدم اجتمع فيها مع حوّاء وازدلف إليها، أي دنا منها. وقال قتادة: لأنه يُجمع فيها بين الصلاتين. ويجوز أن تكون وصفت بفعل أهلها، لأنهم يزدلفون إلى الله تعالى، أي يتقرّبون بالوقوف فيها. وعن عليّ: " لما أصبح رسول الله " صلى الله عليه وسلم " وقف على قُزَحَ، فقال: هذا قُزَحُ! وهو الموقف " . وجَمْعٌ كلُّها موقف.
أنصاب الحَرَم
هي العلامات المبنية على حدود الحرم.
وأوّل من بناها إبراهيم " صلوات الله عليه " . وأشار له جبريل إلى مواضعها. هكذا ذكره أبو عروبة والأزرقيّ وغيرهما.
وروى الأزرقيّ أن النبي " صلى الله عليه وسلم " أمر بتجديد العلامات التي على الحرم، التي عملها إبراهيم، وجبريل يريه مواضعها؛ ثم عمر؛ ثم عثمان؛ ثم معاوية.
وهذه العلامات بيّنة إلى الآن، بحمد الله.
وحدُّ الحرم، من طريق مدينة النبيّ " صلى الله عليه وسلم " " دون التنعيم عند بيوت نِفار " على ثلاثة أميال من مكة؛ ومن طريق اليمن، طرفُ أضاة لِبْنٍ في ثنيّة لِبن، على سبعة أميال؛ ومن طريق العراق، على ثنيّة جبل بالمقطع، على سبعة أميال؛ ومن طريق الجِعْرَانَةِ في شعب آل عبد الله بن خالد، وهي تسعة أميال؛ ومن طريق الطائف على عرفات، من بطن نَمِرَةَ على سبعة أميال؛ ومن طريق جُدَّةَ، منقَطَع الأعشاش، على عشرة أميال.
فهذه حدُّ ما جعله الله تعالى حَرَمَا، لما اخْتُصَّ به من التحريم، وبَايَنَ بحكمه سائر البلاد.
وصحَّ عن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " أنه قال: " إن هذا البلد " يعني مكة " حرّمه الله يوم خَلَقَ السماوات والأرض " . وفي رواية: " قبل أن يخلق الله السماوات والأرض " . فيكون تحريمها قبل خلق السماوات والأرض كتابة تحريمها في اللوح المحفوظ، أو تقدير حرمتها. وروي عن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " أن إبراهيم حرَّم مكَّة. ومعناها أظهر حرمتها. قال السُّهيليّ: روي في التفسير أن الله تعالى لما قال للسماوات والأرض: (إِئتِيَا طَوْعأً أَوْ كَرْهاً قالَتَا أَتَيْنَا طائِعِينَ) لم يُجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم. فلذلك حرَّمها. فصارت حرمتها كحرمة المؤمن: إنما حَرُم دمهُ وعرضه وماله، بطاعته لربه. وأرض الحرم لما قالت " أَتَيْنَا طائِعِينَ " حرُم صيدُها وشجرُها وخَلاَها، إلاَّ الإذْخِرَ؛ فلا حرمة إلا لذي طاعة. جعلنا الله من أهل طاعته! وصحَّ عن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " أنه قال: " إن هذا البلد حرَّمه الله يوم خَلَقٌ السماوات والأرض. فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعضد شجره ولا يُنَفَّر صَيدُه ولا يُختَلى خَلاَه " .
(1/33)

وما زال الناس في الجاهلية والإسلام يعظِّمون هذا الحرم ويجتنبون قطع شجره. قال الواقديّ: لما أن أرادت قريش البنيان، قالت لقصيّ: " كيف نصنع في شجر الحرم؟ فحذّرهم قطعها وخوّفهم العقوبة في ذلك. فكان أحدهم يُحَرِّف بالبنيان حول الشجرة، حتّى تكون في منزله " .
قال: وأوّل من ترخص في قطع شجر الحرم، عبد الله بن الزبير.
قال السُّهيليّ: ابتنى ابن الزبير دورا بقُعَيقِعان وترخّص في قطع شجر الحرم، وجعل دية كل شجرة بقرة. وكذلك رُوِي عن عمر أنه قطع دوحة كانت في دار أسد بن عبد العُزّى، وكانت أطرافها تنال ثياب الطائفين بالكعبة. وذلك قبل أن يُوَسَّع المسجد. فقطعها ووداها ببقرة.
عَرَفَات
مُلتقى الخليطين من شام ويَمَن، ومجمع البحرين من الزعقة إلى عَدَن. وبه يتجلّى الله على عباده، ويهبهم المغفرة. وبها الصخرات، موقف رسول الله " صلى الله عليه وسلم " حيث تقف المحامل.
وعلى قُنَّة هذا الجبل قبّة آدم. هكذا تُسمّى.
ويقال أنّ هناك تعارفَ آدم وحوّاء، بعد أن أُهبطا.
وعرفات علم للموقف. سُمِّيَ بجمع،كأذرعاتٍ.
واختلفت في تسميتها بذلك. فقيل:لأنها وُصفت لإبراهيم، فلما أبصرها عرفها؛ وقيل إن جبريل " عليه السلام " كان يدور به في المَشَاعر، يريه إيَّاها، فقال: قد عرفتُ؛ وقيل الْتقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا، كما تقدّم. وقيل لأن الناس يتعارفون فيها. وهي من الأسماء المرتجلة. لأن عرفة لا تعرف في أسماء الأجناس.
مسجد نَمِرة
ويسمّى مسجد إبراهيم. يقال إن إبراهيم الخليل " عليه السلام " بناه. ولا يصحّ هذا.
وهو على يمين السالك من مكة إلى عرفات، قريب الطريق، مدانيا لعرفة.
وعادة الخطابة به في وقتنا لإمام الطائفة المالكية بمكّة المعظمة.
وجُدُره قائمة، وكذلك مِنبره. ولا سقف له.
مسجد عائشة
رضي الله عنها هو بالتنعيم في الحِلّ، عند أوّل الحرم. ولا يحضرني من بناه. وكل مسجد هناك يسمّى بهذا. وأشهرها المُصاقِب للطريق على يسار الداخل إلى مكة. وإنما نُسب إلى عائشة لكونها اعتمرت من التنعيم. ولعلَّها احترمت في البقعة التي بُني بها المسجد. وعمرتها معروفة على ما تضمنته الأحاديث.
مسجد ميمونة
رضي الله عنها وسمّي بذلك لمكان قبرها. وهناك مات أبو جعفر المنصور، ودُفن مُحْرِما، على ما هو مذكور في موضعه.
وميمونة هي بنت الحارث، إحدى أزواج رسول الله " صلى الله عليه وسلم " . وكانت أُختها أُمّ عبد الله بن العبّاس.
المواقيت
روى ابن عبّاس أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " وقّت لأهل المدينة ذا الحُلَيْفة، ولأهل الشام الجُحْفَةَ، ولأهل نجد قرنَ المَنَازل، ولأهل اليمن يلملم. وقال: " هنّ لهنّ ولمن أتى عليهنّ من غير أهلهنّ، ممن أراد الحج والعمرة. ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ، حتّى أهل مكة من مكة " . أخرجاه في الصحيحين.
فهذه المواقيت التي وقَّتها رسول الله " صلى الله عليه وسلم " لا يجوز لأحد يريد الحجّ والعمرة أن يتجاوزها إلا مُحرَما. وأما من لم يرد الحجّ أو العمرة، فكذلك عند فقهاء الأمصار، وقولان عند الشافعيّ. وموضع ذلك كتب الفقه.
فأما ذو الحُليفة فهو أبعد المواقيت، على عشر مراحل من مكّة، أو سبع منها. " وهو بضم الحاء المهملة وفتح اللام " . ومنها يُحرِم الآن الركب الشاميُّ.
وبها آبار تسمّى آبار عليّ. وبعض الناس يقولون بئر المحرم.
والجُحفة موضع على ثلاث مراحل من مكة. " وهي بضم الجيم وسكون الحاء المهملة بعد الجيم " .
وذكر ابن الكلبيّ أن العماليق أخرجوا بني عَبِيل " وهم أخوة عاد " من يثرب. فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مَهْيَعة، " بفتح الميم وسكون الهاء على وزن مقتلة وقيل بكسر الهاء على وزن قبيلة " . فجاءهم سيل فاجتحفهم، فسميت الجحفة.
ولما هاجر النبيّ " صلى الله عليه وسلم " إلى المدينة أصابهم حُمّى. فدعا النبيّ " صلى الله عليه وسلم " الله تعالى أن ينقل حُمَّاها إلى الجُحفة.
وهي شرقيّ رابغ ممر الركب المصريّ. ومن رابغ يُحرم الآن.
وقَرْن المنازل " بفتح القاف وسكون الراء " ، موضع على مرحلتين من مكة. وقد غلط الجوهريّ في قوله بفتح الراء، وقوله إن أويسا القرنيّ منسوب إليها. بل هو منسوب إلى قرن بفتح القاف والراء بطن من مراد.
(1/34)

ويلملم " ويقال ألملم بالهمزة عوضا عن الياء " ، موضع معروف على مرحلتين من مكة. وهو بفتح الياء واللام وسكون الميم بعد اللام.
ومن المواقيت ما لم يذكره النبيّ " صلى الله عليه وسلم " في الحديث. وهو ميقات العراقيين، وهو ذات عِرْقٍ. وبينه وبين مكة خمس مراحل.
المسجد النبويّ
على صاحبه أفضل الصلاة والسلام موضع منبره، وجوار مقبره، ومقام مصلاه، ودار آخرته وأولاه.
وبجانبه حجرته المعظمة، التي ضمت أعظمه. ولله القائل:
يا خيرَ من دُفنت في القاع أعظُمُه ... فطاب من طيبهنّ القاعُ والأكَمُ!
نفسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنه ... فيه العَفَاف وفيه الجُود والكرمُ!
قال أنس: " قدم رسول الله " صلى الله عليه وسلم " فنزل في علوّ المدينة، في حيّ يقال لهم بنوا عمرو بن عوف. فأقام فيهم أربع عشرة ليلة. ثم إنه أرسل إلى ملإ بني النجّار، فجاؤوا متقلدين سيوفهم. فكأني أنظر إلى رسول الله " صلى الله عليه وسلم " على راحلته، وأبو بكر ردفه، وملأُ بني النجار حوله حتّى ألقى بفناء أبي أيوب " . قال: " وكان يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم " .
ثم إنه أُمِر بالمسجد. فأرسل إلى ملإ بني النجار، فجاؤوا. فقال: يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: لا والله! ما نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى.
قال أنس: وكان فيه نخل، وقبور المشركين، وخَرِب. فأمر النبيّ " صلى الله عليه وسلم " بالنخل فقطع، وبقبور المشركين فنُبشت، وبالخِرَب فسُوّيت. قال: فصفوا النخل قبلة، وجعلوا عُضادتيه حجارة. قال: فكانوا يرتجزون، ورسول الله، " صلى الله عليه وسلم " معهم، وهم يقولون:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فانصر الأنصار والمهاجره
وروي عن الشَّفَّاء بنت عبد الرحمن الأنصارية، قالت: كان رسول الله " صلى الله عليه وسلم " حين بنى المسجد يؤمه جبريل إلى الكعبة ويُقيم له القبلة.
قال السُّهيليّ: بُني مسجد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " وسُقف بالجريد وجُعلت قبلته من اللَّبِن. ويقال: بل من حجارة منضودة بعضها على بعض، وحيطانه باللَّبِن، وجُعلت عمده من جذوع النخل. فنخِرت في خلافة عمر، فجدّدها.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: " كانت هذه القبلة في شماليّ المسجد. لأنه " صلى الله عليه وسلم " صلّى ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس. فلما حُوِّلت القبلة بقي حائط القبلة الأولى مكان أهل الصُّفَّة " .
قال أبو سعيد الخُدريّ: كان سقف مسجد النبيّ " صلى الله عليه وسلم " من جريد النخل. وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أكِنَّ الناس من المطر وإياك أن تُحمِّر أو تُصفِّر، فتفتن الناس.
وعن عبد الله بن عمر أن المسجد كان على عهد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " مبنيا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعُمده خُشب النخل. فلم يزد فيه أبو بكر شيئا. وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " باللّبن والجريد، وأعاد عمده خشبا. ثم غيره عثمان، فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج.
وعن عكرمة قال: قال لي عبد الله بن عباس ولابنه علي: " انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه " . فانطلقنا. فإذا هو في حائط يُصلحه، فأخذ ردائه فاحتبى فأنشأ يحدِّثنا حتّى أتى على ذكر بناء المسجد. فقال: " كنا نحمل لبنة لبنة، وعمّار لبنتين لبنتين. فرآه النبيّ " صلى الله عليه وسلم " فجعل ينفض التراب ويقول: ويح عمّار! تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار! قال: يقول عمّار! أعوذ بالله من الفتن! " " رواه البخاريّ " . وزاد معمر في " جامعه " أن عمّارا كان ينقل لبنتين لبنتين: لبنة عنه ولبنة عن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " . فقال النبي " صلى الله عليه وسلم " : " للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية " .
(1/35)

وعن خارجة بن زيد، أحد فقهاء المدينة السبعة، قال: بنى رسول الله " صلى الله عليه وسلم " مسجده سبعين ذراعا في ستين ذراعا، أو يزيد. فلما كان عثمان، زاد فيه. جعل طول المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه مائة وخمسين، وجعل أبوابه ستة، كما كانت في زمن عمر. وامتدّت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أُمّهات المؤمنين فيه، ومنها حجرة عائشة " وهي التي دفن فيها رسول الله، " صلى الله عليه وسلم، " صلى الله عليه وسلم " ، وصاحباه رضي الله عنهما " . فبنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا يظهر في المسجد، فيصلي إليه العوامّ ويؤدّي إلى المجذور الذي نهى عنه رسول الله " صلى الله عليه وسلم " من اتخاذ المساجد على القبور. ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، حرفوهما حتّى التقيا. كل ذلك حتّى لا يتمكن أحد من استقبال القبر. ولهذا قالت عائشة " رضي الله عنها " : " ولولا ذلك أُبرِز قبره، غير أنه خُشِي أن يُتَّخذ مسجدا " .
ثم إن الوليد بن عبد الملك زاد فيه فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدّمه مائتين، وفي مؤخره مائة وثمانين.
ثم زاد فيه المهديّ سنة ستين ومائة، من جهة الشام فقط دون الجهات الثلاث.
ثم زاد فيه المأمون سنة اثنتين ومائتين، وأتقن بنيانه ونقش فيه: " هذا ما أمر به عبد الله المأمون " في كلام كثير.
قال العلامة أبو زكريا النَّوَويّ، رحمه الله: فينبغي للممُصَلِّي أن يعتني بالمحافظة على الصلاة فيما كان في زمنه " صلى الله عليه وسلم " . فإن الحديث الصحيح عن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام " إنما يتناول ما كان في زمنه، لأنه هو الذي حصلت الإشارة إليه. لكن إذا صلّى في جماعة، فالتقدّم إلى الصف الأوّل، ثم إلى ما يليه أفضل. فَلْيُتَفَطَّنْ لذلك.
وذرع ما بين المنبر ومقام النبيّ " صلى الله عليه وسلم " الذي كان يصلي فيه حتّى تُوُفِّي، أربعة عشر ذراعا وشبرا.
وذرع ما بين المِنبر والقبر ثلاثة وخمسون ذراعا وشبر.
بيوت النبيّ
صلى الله عليه وسلم
قال السُّهيليّ: كانت بيوت النبيّ " صلى الله عليه وسلم " تسعة: بعضها من جريد مطيَّن بالطين وسقفها من جريد؛ وبعضها من حجارة مرضومة بعضها على بعض مسقفة بالجريد أيضا.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: " لم يبلغنا أنه " صلى الله عليه وسلم " بني له تسعة أبيات، حين بُنِيَ المسجد. ولا أحسبه فعل ذلك. إنما كان يريد بيتا حينئذ لسَوْدَةَ، أُمّ المؤمنين. ثم لم يحتج إلى بيت آخر، حتّى بنى لعائشة في شوّال سنة اثنتين. وكأنه " صلى الله عليه وسلم " بناها في أوقات مختلفة. والله أعلم " .
وقال الحسن بن أبي الحسن: كنت أدخل بيوت النبيّ " صلى الله عليه وسلم " وأنا غلام مراهق فأنال السقف بيدي. وكان لكل بيت حجرة. وكانت حجرته " عليه السلام " أكيس من شعر مربوط في خشب عرعر.
وفي تاريخ البخاريّ أن بابه " صلى الله عليه وسلم " كان يُقرع بالأظافير. أي لا حلق له.
ولما توفي أزواجه " صلى الله عليه وسلم " خُلطت البيوت والحُجر بالمسجد. وذلك في خلافة عبد الملك بن مروان. فلما ورد كتابه بذلك، ضجّ أهل المدينة بالبكاء، كيوم وفاته.
قال السُّهيليّ: وهذا يدلّ على أن بيوته " صلى الله عليه وسلم " إذا أضيفت إليه، فهي إضافة مِلك: كقوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الْنَّبيّ). وإذا أضيفت إلى أزواجه كقوله: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) فلبست أضافة مِلك. وذلك أن ما كان مِلكا له، فليس بموروث عنه.
مسجد قُبَاء
ذكر ابن إسحاق أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " أسَّسه لبني عمرو بن عوف. ثم انتقل إلى المدينة.
وذكر ابن أبي خَيثَمة أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " حين أسسه، كان هو أول من وضع حجرا في قبلته، ثم جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى جنب حجر أبي بكر. ثم أخذ الناس بالبنيان.
وذكر الخطّابيّ عن الشَّمُوس بنت النعمان، قالت: كان رسول الله " صلى الله عليه وسلم " حين بنى مسجد قُباء يأتي بالحجر قد صهره إلى بطنه، فيضعه. فيأتي الرجل يريد أن يُقِلّه، فلا يستطيع حتّى يأمره أن يدعه ويأخذ غيره.
(1/36)

قال السُّهيليّ: وهذا أوّل مسجد بُني في الإسلام؛ وفي أهله نزلت: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرَوا). فهو على هذا المسجد الذي (أُسِّسَ عَلَى الْتَقوى). وإن كان قد روى أبو سعيد الخُدريّ أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " سئل عن المسجد الذي (أُسِّس على التقوى) فقال: هو مسجدي هذا. وفي رواية أخرى قال: وفي الأرض خير كثير. وقد قال لبني عمرو بن عوف حين نزلت (لَمَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا): ما الطهور الذي أثنى الله به عليكم؟ فذكروا له الاستنجاء بالماء بعد الاستجمار بالحجارة. فقال: هو ذاكم، فعليكموه! قال السُّهيليّ: ليس بين الحديثين تعارض. كلاهما أسس على التقوى. غير أن قوله سبحانه (من أوّل يوم) يقتضي مسجد قُباء، لأن تأسيسه كان في أوّل يوم من حلول النبيّ " صلى الله عليه وسلم " دار هجرته والبلد الذي هم مُهَاجَرُه.
قال القاسم بن عبد الرحمن: عمّار بن ياسر أوّل من بنى مسجدا لله، يُصَلّى فيه. رواه أبو عروبة. وذكر ابن إسحاق هذا الحديث عن عمّار في خبر بناء مسجد المدينة.
قال السُّهَيْليّ: إنما عنى بهذا مسجد قباء، لأنه هو الذي أشار على النبيّ " صلى الله عليه وسلم " ببنيانه. وهو الذي جمع له الحجارة. فلما أسسه رسول الله " صلى الله عليه وسلم " استتم بنيانه عمّار.
وعن عبد الله بن عمر " رضي الله عنهما " أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " كان يزور قباء راكبا وماشيا، فيصلي فيه ركعتين. مُتَّفَقٌ عليه. وفي رواية: كان النبيّ " صلى الله عليه وسلم " يأتي مسجد قباء كل سبت، راكبا وماشيا. وكان ابن عمر يفعله.
مسجد الضِّرار
رُوي أن بني عمرو بن عَوف لما بنَوْا مسجد قباء " وكان يأتيهم رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ويصلي فيه " حسدهم إخوتهم بنو غَنْم بن عوف. وقالوا: نبني مسجدا ونرسل إلى رسول الله " صلى الله عليه وسلم " يصلي فيه، ويصلي فيه أبو عامر الراهب، إذا قدِم من الشام. ليثبت لهم الفضل والزيادة على إخوتهم، زعموا. وأبو عامر هو الذي سمّاه النبيّ " صلى الله عليه وسلم " الفاسق. وقال لرسول الله " صلى الله عليه وسلم " : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم. فلم يزل يقاتله إلى يم حُنَيْن. فلما انهزمت هوازن، خرج هاربا إلى الشام. وأرسل إلى المنافقين أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإني ذاهب إلى القيصر، وآتٍ بجنود، ومُخْرِجٌ محمدا وأصحابه من المدينة.
فبنَوْا مسجد الضِّرار إلى جانب مسجد قباء. وقالوا للنبيّ " صلى الله عليه وسلم " : " بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والشاتية. ونحن نحب أن تصلي لنا فيه، وتدعو لنا بالبركة " . فقال " صلى الله عليه وسلم " : " إني على جَناح سفرٍ وحالِ شغلٍ. وإذا قدمنا، إن شاء الله، صلينا فيه " . فلما قفل من غزوة تَبوك، سألوه إتيان المسجد، فنزل قوله: (وَالَّذِيْنَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً) إلى قوله (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) الآيات.
فدعا بمالك بن الدُّخْشمُ ومَعْن بن عَدِيّ وعامر بن السَّكَن ووحشيّ، قاتل حمزة، فقال لهم: " انطلقوا إلى هذا المسجد الظالِمِ أهلُه. فاهدموه وأحرِقوه " . ففعلوا. وأمَر أن يُجعل مكانه كُناسة تلقى فيها الجِيَفُ والقُمَامة.
وقيل كل مسجد بُنَيَ مباهاة، أورياء وسُمْعَة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيّب فهو لا حق بمسجد الضِّرار.
وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان، لم يصلوا فيه بعد. فقال: " لا أحب أن أصلّي فيه، فإنه قد بُني على ضِرار " . وكل مسجد بني على ضِرار أو رياء، فإن أصله ينتمي إلى المسجد الذي بُنِيَ ضِرارا.
وعن عطاء: لما فتح الله الأمصار على عمر " رضي الله عنه " أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضارّ أحدهما صاحبه.
وذكر ابن إسحاق الذين اتخذوا مسجد الضِرار وذكر فيهم جارية بن عامر، وكان يعرف بحمار الدار. وهو جارية بن عامر بن مُجَمِّع بن العَطَّاف. وذكر فيهم ابنه مُجَمِّعا، وكان إذ ذاك غلاما حَدَثا قد جمع القرآن. فقدّموه إماما لهم، وهو لا يعلم بشيء من شأنهم.
(1/37)

وقد ذُكر أن عمر بن الخطاب، في أيامه، أراد عزله عن الإمامة. وقال: أليس بإمام مسجد الضِّرار؟ فأقسم له مُجَمِّع أنه ما علم شيئا من أمرهم، وما ظنّ إلا الخير. فصدّقه عمر وأقرّه.
قال السُّهَيْليّ: كانت مساجد المدينة تسعة، سوى مسجد النبيّ " صلى الله عليه وسلم " . كلهم يصلون بأذان بلال. كذلك قال بُكَير بن عبد الله بن الأشجّ، فيما روى عنه أبو داود في مراسيله، والدار قطنيّ في سننه.
فمنها مسجد راتِج، ومسجد بني عبد الأشهل، ومسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد جُهَينة، وأسلَمَ " وأحسبه قال مسجد بني سلمة " .
وسائرها مذكور في السنن.
وذكر ابن إسحاق، في المساجد التي في الطريق، مسجدا بذي الخِيفة. كذا وقع في كتاب أبي بحر بالخاء معجمة، ووقع الجيم في كتاب قريء على ابن السراج وابن الأفليلي.
بقيع الغرقد
وهو مدفن أهل المدينة المنورة. وفيه تَدافُن أكثر أهل المدينة.
وفيه قُبَّة العباس بن عبد المطلب، عمّ النبيّ " صلى الله عليه وسلم " وفيها معه الحسن بن عليّ. وكان الحسن أوصى أن يدفن مع النبيّ " صلى الله عليه وسلم " إلا أن يُخاف أن يُراق في ذلك مِحْجُم دم. فمنعه مروان. وكادت الفتنة أن تقع. وأبى الحسن " ابنه " إلا أن يدفن مع جدّه. فكلمه عبد الله بن جعفر ومِسْوَر بن مخرمة. فدفن في البقيع في قبة العباس. وفيها أيضا زين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابنه جعفر الصادق. وفي البقيع أيضا قبة أمير المؤمنين عثمان بن عفان. وكان موضع القبة وما حوله بستانا لرجل من الأنصار اسمه كوكب. وكان يقال حُشُّ كوكب. والحُشُّ البستان. فاشتراه عثمان " رضي الله عنه " وزاده في البقيع. وكان يقول إنه يدفن هاهنا رجل صالح. فكان أوّل من دُفن بهذه الزيادة.
وفي البقيع أيضا قبة إبراهيم بن النبيّ " صلى الله عليه وسلم " .
وقبة فاطمة الزهراء.
وفي البقيع أيضا جماعة من أزواج النبيّ " صلى الله عليه وسلم " وعَمَّتُه صفيَّة.
وفيه خلائق من الصحابة والتابعين.
وفيه قبة مالك بن أنس، إمام دار الهجرة.
وأوّل من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون. قال المطلب بن عبد الله بن حَنْطب: أوّل من دفنه النبيّ " صلى الله عليه وسلم " بالبقيع، عثمان بن مظعون، ثم قال لرجل عنده: اذهب إلى تلك الصخرة، فأْتني بها حتّى أضعها عند قبره. فمن مات من أهلنا دفناه عنده. رواه ابن أبي شَيْبَة.
قال عليّ بن أبي طالب: ثم أتبعه إبراهيم بن النبيّ " صلى الله عليه وسلم " . رواه ابن أبي شيبة أيضا.
قال الأصمعي: قُطِعت غَرْقدات في هذا الموضع، حين دفن فيه عثمان بن مظعون. فسمي بقيع الغَرقد لهذا.
وقال الخليل: " البقيع من الأرض موضع فيه أُروم شجر. وبه سمي بقيع الغَرقد. والغَرقد شجر كان ينبت هناك " .
والبقيع يلي باب المدينة الذي في جهة الشرق، الذي وراء دار عثمان بن عفَّان. ومنه يخرج إلى البقيع.
المسجد الأقصى
معْهَد الأنبياء، ومتعهِّد الأولياء، وثاني البيت الحرام في البناء، وأوّل القبلتين حال الابتداء. شَيَّدَتْ ملوك بني إسرائيل معاهدَه، وشدّت بقباب البروج معاقدَه؛ ثم تدارك بنو أُميّة ذَماءه، وصفَّحوا أرضه وسماءه؛ وهذا هو على ما هو عليه من حمل الآلام، واختلاف دول الكفر والإسلام؛ ومن صخرته المقدّسة المعراج، حيث عرج بخاتم الأنباء " عليه السلام " من حضرة القدس إلى حضرة القدس، وبسط له بساط الأنس؛ ودنا من ربه مقاما لم يبلغه الخليل ولا الكليم، ولا وصل إليه مَلَك مقرّب ولا نبيّ كريم؛ وقد أمَّ في ذلك المسجد بالنبيين، وصعد منه إلى أعلى عليين. وإلى صفيح تلك البقعة المحشر، وإنها يوم القيامة المَنْشر. والصخرة بها عرش الله الأدنى، ومقام الفخار الأسنى؛ وهي التي تزف إليها عروس الكعبة زفا، وتُقسم الناس لشقاوة وزلفى... ... الفضائل التي لا تحصى.
وقد تقدّم حديث أبي ذرّ: أوّل مسجد وُضع، المسجد الحرام ثم المسجد الأقصى. وبينهما أربعون عاما.
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب، قال: كانت الأرض ماء فبعث الله ريحا فمسحت الأرض مسحا، وظهرت على الأرض زَبَدة فقسمت أربع قطع. خلق من قطعة مكة، والثانية المدينة، والثالثة بيت المقدس، والرابعة الكوفة. ذكره أبو الفرج ابن الجوزيّ.
(1/38)

وروى ابن مَنْدَه بسنده، أن كعبا قال: بنى سليمان بن داود بيت المقدس على أساس قديم، كما بنى إبراهيم الكعبة على أساس قديم.
قال ابن الجوزيّ: سكن الجبّارون في الأرض المقدسة فسُلِّط عليهم يُوشَع، ثم سُلطَّ الكفار على بيت المقدس فصيروه مزبلة. فأوحى الله " عز وجل " إلى سليمان فبناه. وروي عن سعيد بن المسيّب قال: أمر الله تعالى داود أن يبني مسجد بيت المقدس. قال: ربّ! وأين أبنيه؟ قال: حيث ترى المَلَكَ شاهرا سيفه. قال: فرآه في ذلك المكان. قال: فأخذ داود فأسس قواعده ورفع حائطه، فلما ارتفع انهدم. فقال داود: يا رب! أمرتني أن أبني لك بيتا، فلما ارتفع هدمتَه. فقال: يا داود إنما جعلتك خليفتي في خلقي، لِمَ أخذتَه من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك. فلما كان سليمان ساوم صاحب الأرض، فقال: هي بقنطار. فقال سليمان: قد استوجَبْتُها: فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ قال: لا بل هي خير. قال: فانه قد بدا لي.قال: أو ليس قد أوجبتها؟ قال: بلى، ولكن البيعين بالخيار ما لم يتفرّقا. " قال عبد الله بن المبارك، هذا أصل الخيار " . فلم يزل يرادّه،ويقول له مثل قوله لأوّل، حتى استوجبها منه بسبعة قناطير. فبناه سلمان حتّى فرغ منه. وتغلّقت أبوابه. فعالجها سليمان أن يفتحها، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داودَ إلا تفتّحت الأبواب! ففُتِّحت الأبواب.
قال: ففرّغ له سليمان عشرة آلاف من قُراء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار. لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله عز وجل يُعبَد فيه.
وقال أبو عمرو الشَّيبانيّ: أوحى الله إلى داود: إنك لن تتمم بناء بيت المقدس. قال: أيْ ربِّ! ولمَ؟ قال: لأنك غمرت يدك في الدم. قال: أيْ ربِّ! أَوَلَمْ يكن في طاعتك. قال: بلى وإن كان.
وقال كعب: أوحى الله تعالى إلى سليمان أن ابنِ بيت المقدس. فجمع حكماء الإنس وعفاريت الجنّ وعظماء الشياطين. ثم فرّق الشياطين، فجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور، وفريقا يقطعون العُمُد من معادن الرُّخَام، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدرّ والمرجان. وأخذ من بناء المسجد، فلم يثبت البناء. وكان عليه حَيْرُ بناه داود. فأمر بهدمه. ثم حفر الأرض حتّى بلغ الماء. فقال: أسِّسوا على الماء. فألقوأ فيه الحجارة. وكان الماء يلفظ الحجارة، فاستشار في ذلك، فأشاروا عليه أن يتخذ قِلالا من نحاس، ثم يملأها حجارة، ثم يكتب عليها ما على خاتمه من ذكر التوحيد، ثم يلقيها في الماء لتكون أساس البناء. ففعل، فثبت وبنى. عمل بيت المقدس عملا لا يوصف، وزينه بالذهب والفضة وألوان الجوهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجُدُره. ثم جمع الناس وأخبرهم أنه مسجد الله، وأنه هو الذي أمر ببنائه، وأنه من أنتقصه أو شيئا منه، فقد ضادّ الله، وأنه كان قد عهد إلى داو في ذلك، ثم أوصى سليمان بذلك من بعده. ثم اتخذ طعاما وجمع الناس.
وروى عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ) قال: هو سور بيت المقدس الشرقي. وقد أضربنا عن كثير مما ورد في البناء السليمانيّ والعجائب التي كانت فيه، لعدم صحته بالنقل.
وأما ما ورد في فضله.
فمنه حديث أنس. قال: " قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم " : صلاة الرجل في بيته بصلاة واحدة، وصلاته في مسجد القبائل بستّ وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّع فيه بخمسمائة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة.
وعن أبي ذرّ قال: قيل: يا رسول الله! صلاة في بيت المقدس أفضل، أم صلاة في مسجد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ؟ قال: " صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه. ولنعم المُصلَّى! هو أرض المحشر والمنشر، ولَيأْتِيَنَّ على الناس زمان، ولَبَسْطةُ قوس من حيث يُرى بيت لمقدس، أفضل وخير من الدنيا جميعا! " وصحّ عن موسى " عليه السلام " أنه لما احتُضِر قال: يا رب أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر!.
(1/39)

ونزله أبو ذرّ وأكثر فيه الصلاة. وصلى فيه ابن عمر. ومات فيه عُبادة ابن الصامت، وشدّاد بن أوس، وأبو أُبَيّ بن أُمّ حرام، وأبو ريحانة " واسمه شمعون " وذو الأصابع، وأبو محمد النجاريّ. هؤلاء من أهل بيت المقدس ماتوا به. والذي أعقب منهم عُبادة وشدّاد وسلامة بن قيصر وفيروز الدليميّ. والذي لم يعقب منهم أبو ريحانة وأبو محمد النجاريّ وذو الأصابع.
وقال أبو الزاهرية: أتيت بيت المقدس أريد الصلاة. فدخلت المسجد وغَفَلتْ عني سَدَنَة المسجد، حتّى أُطفِئت القناديل، وانقطعت الرِجل، وغُلِّقت الأبواب. فبينا أنا كذلك إذ سمعت حفيفا له جناحان، قد أقبل وهو يقول: " سبحان الدائم القائم! سبحان القائم الدائم! سبحان الحيّ القيُّوم! سبحان الملك القُدّوس! سبحان رب الملائكة والروح! سبحان الله وبحمده! سبحان العليّ الأعلى! سبحانه وتعالى " . ثم أقبل حفيف يتلوه، يقول ذلك. ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها، حتّى امتلأ المسجد. فإذا بعضهم قريب مني. فقال آدميُّ؟ فقلت: نعم. فقال: لا رَوع عليك، هذه الملائكة! قلت: سألتك بالذي قوّاكم على ما أرى! مَن الأوّل؟ قال: جبريل؛ قلت: ثم الذي يتلوه؟ قال: ميكائيل. قلت: من يتلوهم بعد ذلك؟ قال: الملائكة. قلت: سألتك بالذي قوّاكم على ما أرى. ما لقائلها من الثواب؟ قال: مَن قالها مرة في كل يوم، لم يمت حتّى يرى مقعده من الجنة، أو يُرى له.
وروى عبد الله بن باكُويَهْ، بسنده إلى محمد بن أحمد الصوفيّ، قال: قال لي أستاذي أبو عبد الله بن أبي شيبة: " كنت ببيت المقدس. وكنت أُحبُّ أن أبِيتَ في المسجد، وما كنت أُترك. فلما كان في بعض الأيام، بصُرتُ في الرواق بحُصُر قائمة. فلما أن صليت العتمة وراء الإمام، أتيتُ الحُصُر، فاختبأت وراءها. وانصرف الناس والقُّوام. ثم خرجت إلى الصخرة. فلما سمعت غلق الأبواب، وقعت عيني على المحراب وقد انشق ودخل منه رجل ثم رجل إلى أن تم سبعة. واصطفّ القوم. ولم أزل واقفا شاخصا زائل العقل إلى أن انفجر الصبح. فخرج القوم على الطريق الذي دخلوا " .
وبه إلى ذي النون قال: بينا أنا في بعض جبال بيت المقدس، سمعت صوتا يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخُدَّام، ولَهَتْ بالطاعة عن الشراب والطعام، وألِفَتْ قلوبهم طول القيام، بين يدي الملك العلام! فتبعتُ الصوت. فإذا أمردُ مصفَرُّ الوجه، يميل ميل الغصن إذا حركته الريح، عليه شملة قد اتّزر بها، وأخرى قد اتّشح بها. فلما رآني، توارى عني بالشجر. فقلت: ليس الجفاء من أخلاق المؤمنين. فكلِّمنْي وأوْصِني. فخرّ ساجدا، وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك وألِفَ محبتك! فيا إله القلوب، احجبني عن القاطعين لي عنك! قال: فغاب عنّي ولم أره.
ورُوِيَ عن قتادة في قوله تعالى: (يَوْمَ يُنَادِي المُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) قال: من صخرة بيت المقدس. وقال يزيد بن جابر في الآية: يقف إسرافيل على صخرة بيت المقدس، فينفخ في الصُّور، فيقول: أيتها العظام النَّخِرة، والجلود المتمزِّقة، والأشعار المتقطعة، إن الله تعالى أمركِ أن تجتمعي للحساب! وروى ابن منده بسنده عن أنس بن مالك قال: إن الجنة لَتحنّ شوقا إلى بيت المقدس. وبيت المقدس من جنة الفردوس، وهي سرة الأرض. " يعني الصخرة " .
وبه عن أبي إدريس الخولانيّ قال: يحوّل الله صخرة بيت المقدس مرجانة بيضاء كعرض السماوات والأرض. ثم ينصبُ عليها عرشه. ثم يقضي بين عباده، يصيرون منها إلى الجنة وإلى النار. وقال أبو العالية في قوله تعالى: (إِلى الأَرْضِ اَلَّتِي بَارَكْنَا فِيْهَا) قال: من بركتها أن كل ماء عذب يخرج من أصل صخرة بيت المقدس.
قال المفسرون في قوله تعالى: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي المُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) قالوا: هو إسرافيل. يقف على صخرة بيت المقدس فينادي: يا أيها الناس، هَلُموُّ إلى الحساب! إن الله يأمركم أن تجتمعوا لفصل القضاء! " وهذه هي النفخة الأخيرة. والمكان القريب صخرة بيت المقدس " .
قال كعب ومقاتل: هي أقرب إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن السائب: باثني عشر ميلا.
(1/40)

ورُويَ أن كعبا قدم إيليا فَرَشَا " حبرا " من أحبار يهود بضعة عشر دينارا على أن دله على الصخرة التي قام عليها سليمان بن داود لما فرغ من بناء المسجد. وصلّى مما يلي ناحية باب أسباط. فقال كعب: قام سليمان بن داود على هذه الصخرة ثم استقبل بيت المقدس كله. فدعا الله عز وجل بثلاث. فأراه تعجيل إجابته في دعوتين، وأرجو أن يستجيب في الثالثة. فقال: " اللهم هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب " فأعطاه الله " عز وجل " . وقال: " اللهم هب لي ملكا وحكما يوافق حكمك " . ففعل الله " عز وجل " ذلك به. ثم قال: " اللهم لا يأتي هذا المسجد أحد يريد الصلاة فيه، إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أُمّه " .
هذه نبذة يسيرة من ابتداء وضعه.
وأما ما يتعلق بفتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب " رضي الله عنه " واستيلاء الفرنج عليه، ثم فتحه على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ وتسليمه إلى الفرنج بعد ذلك في أيام الملك الكامل، ثم استنقاذه منهم بعد ذلك على يد الناصر داود بن المعظَّم، فليس هذا موضعه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في التاريخ التلويح بذلك والإشارة إليه. فهناك ذكره أنسب.
ولنذكر الآن ما يتعلق بصفة المسجد الأقصى، وما اشتمل عليه من المزارات، على ما استقر عليه بناؤه إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
وقد ألف في ذلك الصاحب تاج الدين أبو الفضل أحمد بن أمين الملك تأليفا صغيرا أسماه " سلسلة العسجد، في صفة الصخرة والمسجد " . نقلتُ منه ما يليق بهذا الموضع، معتمدا في ذلك على ما حرّره بالذراع.
ونبتدئ بذكر الصخرة الشريفة والبناء المحيط بها، فنقول: أما البناء المبارك من وجه الصحن المفروش بالبلاط المصقول، فارتفاعه ثمانية عشر ذراعا، يعلو ذلك كرسيّ القبة، وارتفاعه عشرة أذرع وربع. ودوره مائة وثلاثة اذرع وثلثا ذراع. وفي دوره ست عشرة طاقة زجاج مذهبة، بظاهرها شبابيك، وهي مثمنة الأركان. كل تثمينة تسعة وعشرون ذراعا وثلثا ذراع. والبناء من ظاهره مكسوّ منه ارتفاع سبعة أذرع بالرخام الأبيض المشجَّر المختلف. ومن أعلاه سبعة أذرع إلى الميازيب بالفصّ المُذهب المشجَّر المختلف. وتحتوي على تثمينة على سبع طاقات: اثنان في الطرفين مسدودتان، والخمسة مركّب عليها الزجاج، ومن ظاهرها الشبابيك الحديد. ومن أعلى الميازيب حائط ارتفاعه أربعة أذرع. مكسوّ بالفص بالصفة المذكورة، مشخص في كل تثمينة منه ثلاثة عشر محرابا. ولها أبواب أربعة: فالقبليّ ارتفاعه ستة أذرع وربع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وثمن. وأمامه من خارج رواق مفروش بالرخام الأبيض المشجَّر وطوله من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعا ونصف، وعرضه أربعة. سقفه بسط مدهون. والوسط أمام الباب قنطرة بالفص المذهب، محمول على ثمانية أعمدة من الرُّخام: منها غُرابيٌّ اثنان في طرفيه، وخُضر مرسينيٌّ تلوهما أربعة و " شحم ولحم " بين الأعمدة الغُرابيُّ والخُضرِ هَنابُ رخام منقوش الظاهر سعته ذراعا وثلث. تنزل فيه المياه المنحدرة من المزاريب.
ويُعلَّق على الباب المذكور مصراعان من الأبواب ملبسة من النحاس الأصفر المنقوش. وعلى يَمْنة الداخل ويَسْرته درابزين خشب ارتفاع ثلثي ذراع، في رؤوس التثمينة الأوّلة خاصة. ويُقاس من عتبة هذا الباب من داخل إلى وجه الأعمدة الآتي ذكرها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، بأعلاها سقف بسط مدهون بأنواع الدهان، ارتفاعه خمسة عشر ذراعا، محمول على حائط الصخرة. والأعمدة والحائط من باطن التثمينة مُلبَّس جميعه بالرخام بغير فص بامبِذاريه رخام منقوشة تقدير ذراع مذهبة.
كل تثمينة من هذا السقف محمولة على ساريتين ملبسة بالرخام المشجَّر والملوَّن البديع. دور كل سارية أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع. وطولها ثمانية أذرع وثلثا ذراع، وجهها الذي يلي الصخرة بقُرنتين. ومع السارية عمودان: أحدهما " شحم ولحم " والآخر أخضر مرسينيّ. بين كل عمود لأخيه خمسة أذرع. ودوره ذراعان وثلثا ذراع. وارتفاعه خارجا عن القواعد ستة ونصف يعلوها " بساتل " ملبسة بالنحاس الأصفر المنقوش المذهب فوق نقشه. يعلو " البساتل " قناطر بالفص المذهب البديع.
بهذه التثمينة الأولى، ثمانية سَوَار وستة عشر عمودا: منها أبيض وأزرق عشرة، وأخضر مرسينيّ ثلاثة، و " شحم ولحم " ثلاثة.
(1/41)

وتقيس من واجهة هذه العمد عشرة أذرع لتثمينة ثانية عليها تسقف " مقالي " مذهب، ارتفاعه ارتفاع السقف الأوّل. و " مقاليه " مركبة بغير تسمير لأجل كنس السقف. والسقف الذي يعلوه الرصاص خمسة أذرع من الباطن. وبآخر هذه التثمينة الدائرة الدرابزين المحيط بدور القبة. والحامل للقبة أربعة سوار مربعة ملبسة بالرخام مثل الأولى. بين كل سارية وسارية ثلاثة أعمدة من الرخام " الشحم واللحم " والأخضر المرسينيّ. يعلو ذلك قناطر من الوجهين: فصٌّ مُذهَب، والباطن رخام أبيض وأسود. جملة الأعمدة الحاملة للقبة اثنا عشر عمودا: منها أخضر مرسينيّ سبعة، و " شحم ولحم " خمسة.
قال: ولقد قست عمودا منها " شحما ولحما " فكان دوره ثلاثة أذرع ونصفا وارتفاعه خارجا عن القواعد سبعة أذرع وثلثي ذراع.
وارتفاع هذه القبة الخشب المذهبة من قطبها إلى ظاهر الصخرة الشريفة سبعة وأربعون ذراعا؛ ومن ظهر الصخرة لباطن أرض المغارة ستة أذرع؛ ومن ظاهر القبة الخشب إلى القبة الثانية المكسوَّة بالرصاص ذراع ونصف.
قال: ولقد قست الدور الحامل للقبّة بالأعمدة والسواري فكان مائة وثلاثة اذرع.
وصفة الشباك الحديد الذي بين هذه الأعمدة والسواري، له أربعة أبواب: الشماليّ منها مغلق، والثلاثة مفتوحة. فأما القبليّ فيُصعد إليه بدرجتين. ومن حد عتبته من داخل إلى صدر الصخرة أربعة أذرع ونصف وربع. وحجر الصخرة من هذه الجهة ملبس بالرخام الملوَّن ارتفاع ذراعين. ويحيط بحجر الصخرة من تتمة أقطاره درابزين من الخشب المنقوش، دوره أربعة وسبعون ذراعا. وبآخر هذه الصخرة المرخمة من غرب إلى جهة الشمال حجر صغير محمول على ستة أعمدة صغار. قيل إنه أثر قدم النبي " صلى الله عليه وسلم " ليلة المعراج. وقُبالة القدم المشار إليه مرآة من السبعة معادن يسمونها " درقة حمزة " محمولة على ثلاثة أعمدة لطاف: منهن اثنان " روحان في جسد " .
وارتفاع الشباك الحديد أربعة أذرع وثلثا ذراع، تعلوه شرفة خشب مدهونة. وبأعلى الشرفة شمعدانات حديد.
والمحراب الذي يصلي به إمام الصخرة على يمين الداخل من الباب القبليّ داخل الدرابزين الخشب المقدم الذكر. وتجاه المحراب باب مغارة للصخرة الشريفة، معقود قنطرة بالرخام الغريب، على عمودين " شمعية " يُنزل إلى باطنها بأربع عشرة درجة. طول باطن المغارة من الشرق للغرب عشرة أذرع، وعرضها سبعة ونصف من القبلة للشمال.
وجميع باطن أرض الصخرة والمغارة مفروش بالرخام.
وبباطن المغارة المذكورة محرابان على اليمين واليسار. كل محراب على عمودي رخام لطاف. وأمام المحراب الأيمن صُفَّة تُسمّى " مقام الخَضِر " . طولها من الشرق للغرب ذراع وثلثا ذراع، ومن القبلة للشمال ذراعان وربع. يواجهها عمود رخام قائم للسقف، وعمود راقد مَرَدُّ لها. وبالركن الشماليّ من المغارة صُفَّة نقر في الصخرة يسمونها " مقام الخليل " . عمقها من القبلة للشمال ذراع ونصف، ومن الشرق للغرب ذراع وربع.
وأما الباب الشرقيّ من بناء الصخرة، فهما بابان: أحدهما داخل الآخر. جُعل الباب الخارج وقاية للداخل من الأمطار والثلوج. ملبس بالرخام. رحاب ما بين البابين عرض أربعة أذرع وربع، وطول خرجته اثنا عشر ذراعا ونصف.
وعلى يمنة الخارج بيت للبوّاب. وبه محراب محمول على ثلاثة أعمدة لطاف، وعلى يَسرته بيت للقناديل محمول على أربعة أعمدة خضر مرسينيّ وزرق.
وعقد ما بين البابين بالفص المُذْهَب. ومن عتبة الباب الثاني منهما إلى العمد سبعة أذرع وثلثان وهو الحامل للسقف البسط.
ومن واجهة العمد للشباك الحديد أحد عشر ذراعا. ومن باطن الشباك الحديد إلى الدرابزين الخشب الساتر للصخرة أربعة أذرع وربع. ومن حدّ هذا الباب إلى الشرقيّ، على يسرة الداخل منه طالبا للقبلة على مسافة تسعة أذرع، عمودان مرسينيّ أخضر بأعلاهما دُقَيْسيّ مُذهَب يطلع من باطنه إلى ظهر سقف الصخرة والقبة.
والباب الشماليّ ويسمى باب الجنة فله خرجة كالتي في الباب الشرقي وصفتها وحليتها.
وفيما بين العمودين اللذين أمام الباب " داخل درابزين خشب مذهب به محراب لطيف " إشارة إلى الرخامة السوداء التي يصلي الناس عندها. وفُقدت هذه الرخامة من مُدّة زمانية، وعمل مكانها رخامة خضراء. والناس يصلون ويدعون عندها.
وأما الباب الغربيّ فله خرجة كالباب الشرقيّ والشماليّ.
(1/42)

وسعة ما بين تثامين الصخرة من داخل مثل الباب الشماليّ خلا السعة من الشباك الحديد لدرابزين لصخرة فإنه ستة أذرع وثلثا ذراع.
هذا ما يتعلق بصفة الصخرة والبناء المثمن المحيط بها.
وأما الصحن المحيط بها، فجميعه مفروش بالبلاط الجليل المصقول.
وذرعه من القبلة للشمال مائتا ذراع وتسعة وعشرون ذراعا؛ ومن الشرق للغرب مائتا ذراع وثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع.
وذرع ما بين الرواق الذي قبليّ الباب القبليّ من أبواب الصخرة إلى رأس السلالم الموصلة للجامع، ثلاثة وخمسون ذراعا ومن رأس السلالم إلى عتبة الجامع مائة وخمسون ذراعا ونصف وربع.
وبأعلى هذه السلالم أربعة قناطر محمولة على ثلاثة أعمدة وركنين من البناء: منها عمودان صوّان أحمر، والوسطانيّ رخام أبيض فيه نقر مربع.
ذكروا في التواريخ أن الدعاء عنده مستجاب.
وشرقيّ هذه القناطر على مسافة أربعين ذراعا قناطر مثلها. أعمدتها اثنان أخضر مرسينيّ. وفيما بين هاتين القنطرتين في سُفل الحرم صُفّة كبيرة تسمّى صفة السَّبْع دَرَج. يقال أنها مأوى الصالحين والسُّيَّاح في الليل، وعليها يتركعون.
وبجانب القنطرة المذكورة أوّلا، مدهون صورة محراب، بخدّيه عمودا رخام لطاف. وفي ركنها الغربيّ قبتان من رخام، واحدة تعلو الأخرى: كل منهما قطعة واحدة، تسمى قبة الميزان، محمولة على اثني عشر عمودا من الرخام " الشحم واللحم " بقواعد " شمعية " . والقبة التي عليها كمثل ارتفاع القبة المذكورة بكمالها: ثمانية أذرع وثلثان. وارتفاع العمد السُّفلي ذراعان وسدس؛ وارتفاع العمد الفوقاني ذراع ونصف وربع. وتُعرف أيضا بقبة النجو.
وبالقرنة القبلية من جهة غربيّ الصحن موضع يُعرف بالمدرسة المعظميّة، طولها من ظاهرها أربعة وثلاثون ذراعا، وعرضها من القبلة للشمال سبعة أذرع. لها بابان يُفتحان للشمال، بخدَّهما ثلاثة أعمدة من الرخام، كل عمود به أربعة في جسد واحد، ملفوفة " مثعبنة " . وتِلُو ذلك عمودان لطاف. وارتفاع بنائها تسعة أذرع من أرض صحن الصخرة.
ويُدْخَل من البابين المذكورين لرواق طوله ثمانية عشر ذراعا ونصف في عرض ستة، بسقف شاميّ مذهب ثلاثة عشر مربعا. بصدره القبليّ ثلاث طاقات مطلة على الحرم وأبواب الجامع.
وبالجهة الغربية منه قبة معقودة. بكل جهة من جهاتها القبليّة والشماليّة والغربية ثلاث طاقات. ولجهتها الغربيّة باب للدخول إليها من الرواق المذكور، وطاقة تطلّ على الرواق المذكور.
وبالجهة الشرقية من الرواق المذكور قبة ألطف من هذه. سكنُ الإمام، وقيِّم المكان، وحاصل الزيت.
ورتب الملك المعظم لها إماما مفردا يصلي الصلوات الخمس. ورتب بها خمسة وعشرين نفرا من طلبة النحو وشيخا لهم، وشرط أن يكونوا حنفية من جملة طلبة مدرسته التي خارج الحرم. ووقف على ذلك قرية تسمّى بيت لقيا، من عمل القدس الشريف. وعلى سقفها مكتوب أنه اهتمَّ بعمارة ذلك في سنة ثمان وستمائة.
وأمام الشبابيك الشماليّة التي بالقبة الغربيّة من هذا الرواق، على تقدير خمسة أذرع، ممشاة معقودة عدتها سبع عشرة درجة، عرض كل درجة ذراع، يتوصل منهنّ إلى سفل الحرم.
وأمام القبة الشرقيّة من هذا الرواق صُفَّة عليها رخامة منقوشة مزولة لإخراج ساعات النهار، طولها من الشرق للغرب ذراعان وثلثان، وعرضها ذراع وثلث، وارتفاعها ذراع ونصف.
ويقابل هذه المدرسة في القُرنة الشرقيّة من هذا الصحن قبة لطيفة مكسوّة من ظاهرها بالبياض، خلوة لبعض المتصدّرين بالحرم الشريف، يفتح بابها للشمال. وتتمة جهاتها الثلاث بكل منهنّ طاقة مطلة على الحرم.
وفي حائطي هذا الصحن الغربية والشمالية مسطبتان تعلوا إحداهما قبة من جهة الغرب والأخرى في الشمال سقف على عمودين رخام، يصلي عليها الملِّغون في الصلوات الخمس.
وذرع ما بين عتبة الباب الشرقيّ إلى حدّ الدرج، نهاية صحن الصخرة المبلط من جهة الشرق، ستة وسبعون ذراعا.
وبأعلى هذا الدرج خمس قناطر معقودة على أربعة أعمدة وساريتين، بخدّهنّ القبليّ والشماليّ خلوتان للفقراء المجاورين بالحرم. وارتفاع عقد هذه القناطر عشرة أذرع، أسوة ارتفاع القناطر التي على سائر السلالم. وبقي ثلاث قناطر منهنّ مفتوحة، يُخرج منهنّ إلى هذه الدرج المسماة بدرج البراق. وعدّتهن ست وثلاثون درجة.
(1/43)

وذرع ما بين أوّل درجه من هذا الدرج إلى حدّ السور الشرقيّ مائة وستة وخمسون ذراعا وثلث.
وذرع ما بين الباب الشرقيّ البرَّانيّ وقبة السلسلة خمسة أذرع ونصف وربع.
وهذه القبة محمولة على اثني عشر عودا أخضر مرسينيّ و " شحم ولحم " . طول كل عمود، خارجا عن قواعده، ثلاثة أذرع وثلث وربع وثمن؛ وارتفاع سقفها البسط الملبس بالرصاص ثمانية أذرع.
جميع ما بين الأعمدة محروق. وما بين العمود والعمود مُتَّكَايَة من الحجر الصّوان المنحوت المجليّ، تقدير شبر لا غير. طول كل قطعة من هؤلاء أربعة أذرع ونصف. وعرض ما بين عمودي المحراب خمسة أذرع مسدود بالرخام الملوّن بخدّي المحراب عمودان رخام أبيض. وبأعلى هذه الأعمدة قناطر ملبسة بالفص المذهب والأخضر المختلف الألوان. ارتفاع القناطر ذراعان وربع، وسعتها من المحراب لآخرها ثمانية عشر ذراعا. وبباطن هذه القبة قبة محمولة على ستة أعمدة أخضر مرسينيّ و " شحم ولحم " . ما بين العمود والعمود أربعة أذرع سعتها ثمانية أذرع ونصف. بأعلى الأعمدة قناطر ملبسة بالفص، طول أربعة أذرع ونصف. والقبة الخشب من أعلى ذلك.
روى أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المقدسيّ الخطيب، بسنده إلى أبي مالك بن ثعلبة، قال: سمعت إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله يحدِّث عن أبيه عن جدّه " يرفعه " " أن سليمان بن داود جعل سلسلة معلَّقة من السماء إلى الأرض ليتبيَّن المحقُّ من المبطل، فالمحق ينالها والمبطل لا ينالها؛ وأن يهوديا استُودِع مائة دينار فجحدها. فجاءوا إلى السلسلة " وقد سبك اليهوديّ الذهب في عصا " وناولها صاحب المال وحلف: لقد أعطيته دنانيره. وحلف الآخر أنه لم يأخذ. فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم " .
ويقال أن السلسلة كانت موضع القبة المذكورة. والله تعالى أعلم.
وذرع ما بين الباب الشماليّ من أبواب الصخرة " المسمى بباب الجنة " إلى منتهى الصحن المحيط بها إلى القناطر الثلاث المعقودة على عمودي رخام وساريتين مائة وثمانية أذرع.
ويُنزل من هذه القناطر في ثمان درج إلى الحرم الشريف. وأمام الدرج ممشاة مستطيلة مفروشة بالبلاط، عرضها خمسة أذرع وربع وينتهي متشاملا إلى باب الحرم المعروف بباب شرف الأنبياء؛ وطول هذه الممشاة مائة ذراع وثمانية وسبعون ذراعا. وسيأتي " إن شاء الله " ذكر هذا الباب عند ذكر أبواب الحرم.
وعن يمين الداخل من هذه القناطر ويسراه في منتهى شماليّ الصحن مسطبتان. طول كلّ منهما ثمانية أذرع ونصف، من الشرق إلى الغرب، وعرضها من القبلة للشمال ذراعان وثلثا ذراع. يصلي الناس عليهما.
ومن هذا الباب الشمالي على مسافة اثنين وأربعين ذراعا طالبا للغرب عمل مسطبة ارتفاعها عن الصحن المبلط ثلث ذراع، وطولها من الشرق للغرب ثلاثة عشر ذراعا وثلث، وعرضها من القبلة للشمال عشرة أذرع. بُني عليها قبة مثمنة، تسمّى قبة المعراج. بابها يُفتح للشمال، سعته ذراع وثلث، وطوله ذراعان وثلث. بظاهر القبة المذكورة حاملا لأركانه من الأعمدة الرخام الأبيض ثلاثون عمودا. طول كل عمود، خارجا عن القواعد، ذراعان وثلثا ذراع.
والتثمينة التي بين الأعمدة ملبسة ألواح رخام ملكيٍّ مشجرة بأزرق. يُصعد إلى بابها بثلاث درج رخام. ثم ينزل إلى داخلها بمثلهنّ.
أرضها مفروشة بالرخام الأبيض، وحيطانها من داخل كذلك، مثل الظاهر. بباطنها من الأعمدة أيضا ثمانية عشر عمودا. وبأعلى الرخام المذكور طاقات نصاص شبه الجبس " المكندج " ثلاثة، وزجاج أربعة. وبأعلى الطاقات كرسيّ القبة. وعرضها من الشرق للغرب سبعة أذرع، ومن القبلة للشمال ستة أذرع وربع. سعة محرابها ذراع وثلثا ذراع؛ وهو بأوّل المسطبة لجهة القبلة. والباب والسلالم بآخرها لجهة الشمال. وتتمة المصطبة يصلي عليها الناس.
ومن قطب القبة لأرضها ارتفاع ستة عشر ذراعا. وبظاهرها في أعلاها قبة لطيفة مكان الهلال، محمولة على ستة أعمدة صغار رخام شمعية؛ طول كل واحد منها تقدير ذراع.
(1/44)

وذرع ما بين الباب الغربيّ إلى رأس القناطر التي أمامه بآخر صحن الصخرة من جهة الغرب ثمانية عشر ذراعا وثلثا ذراع. وهي أربع قناطر معقودة على ثلاثة أعمدة مكتَّبة بالأزرق وساريتين. وينزل من هذه القناطر بأربع وعشرين درجة إلى الحرم. ومن حدّ هذه الدرج إلى السور الغربيّ " وهو الذي فيه الباب الجديد المعروف الآن بباب القيسارية، وفيه باب الميضأة وسائر الأبواب الغربية الآتي ذكرها إن شاء الله عند ذكر أبواب الحرم " خمسة وثمانون ذراعا وثلث ذراع.
وبظاهر هذا الصحن من الصهاريج المركّب على فُوَّهة كل منهنَّ خرزة رخام أو حجر منحوت سبعة، لهنّ تسعة أبواب. منها بالجهة القبلية بئر يعرف بالرُّمَّانة له بابان: هذا الباب الذي في الصحن، وباب بسُفل الحرم أمام الجامع؛ وبالجهة الشرقية بئران، يُعرف أحدهما بالشوك، ويعرف الآخر بئر الورد، له بابان جميعهما من صحن الصخرة الشريفة. وبالجهة الشمالية بئر يُرف بباب الجنة. وبالجهة الغربية ثلاث آبار: إحداها يُعرف بالكاس لأن على فُوَّهته كأس رخام طويل، والآخر له بابان من الصحن، والآخر بفرد فم.
وإذ ذكرنا ما في هذا الصحن من الصهاريج، فلنذكر ما في سُفل الحرم من الصهاريج، فنقول: في سُفل الحرم من الصهاريج خمسة عشر صهريجا.
بالجهة القبلية ستة: بالقرب من الزاوية الفخرية واحد؛ وبباب الجامع واحد؛ وداخل باب الجامع الشرقيّ واحد، ويُسمّى ببئر الورقة، وله بابان أحدهما هذا الذي داخل باب الجامع، والآخر في مكان يعمل فيه نجارة الحرم؛ والبئر الأسود، وله ثلاثة أبواب: أحدهما يُنزل إليه بدرج، وبئر يُعرف بالبحيرة، له بابان؛ وبئر في الحاكورة التي عند الباب الشرقيّ، وله بابان: واحد في الحاكورة، وباب خارج عنها.
وبالجهة الشرقية ثلاثة آبار: منها بالقرب من باب الرحمة واحد، له بابان.
وبالجهة الشمالية ثلاثة آبار: بئر بركة بني إسرائيل؛ وبئر بباب شرف الأنبياء؛ وبئر بالرواق الحامل للزاوية المعروفة باللاوي وخانقاه الإسعرديّ.
وبالجهة الغربية ثلاثة: أحدها بباب الغوانمة؛ والآخر عند باب الرباط المنصوريّ، وله بابان: باب في الحاكورة، وباب خارج عنها، يعرف بابن عروة؛ وبئر عند باب الحديد مغطًّى بحصر الأروقة.
وهذه الآبار الاثنان والعشرون معمرة بالمياه.
وهناك أيضا غيرها ثلاثة صهاريج خَرِبة مُعطَّلة. واحد عند درج الميزان، والثاني عند محراب عمر والثالث تحت الزيتون بالجهة الشرقية من الحرم.
وقد استوعبنا الآن صفة صحن الصخرة وما اشتمل عليه.
فلنذكر ما بباطن الحرم من المساجد والمزارات والأبنية وغير ذلك.
ونبتدئ أوّلا بذكر السور المحيط بذلك جميعه.
صفة السور القبلي
وما صاقبه من المساجد وغيرها
وأوّل هذا السور من جهة الغرب مسطبة طولها من المحراب للشمال ستة أذرع وعرضها ستة ونصف. وبصدرها محراب. ويتلوها من جهة شرقها باب الزاوية الفخرية، ويتلو باب الزاوية الفخرية من الشرق صُفّة عشرة أذرع وربع، وعرضها ثلاثة ونصف. ويتلو هذه المسطبة باب جامع المغاربة. وطول جامع المغاربة من محرابه لرأس دهليزه أحد وثلاثون ذراعا ونصف، وعرضه أحد عشر ذراعا ونصف. ومحرابه لطيف، مركب على عمودي رخام لطاف. ومن ظاهر حائط هذا المحراب إلى حائط جامع النساء خرجة في الزاوية الفخرية التي إلى جانبه؛ وطول دهليزه أحد عشر ذراعا وثلثا ذراع، وعرضه أربعة أذرع وثلثا ذراع.
وفي باطن سوره الشرقيّ مسطبة لطيفة؛ عرضها ذراع ونصف، وطولها ثمانية أذرع ونصف وربع وثمن.
وفي ثخائن السور خزائن لطاف للقناديل وحوائج القَوَمة به. وله باب واحد يُفتح للشمال. سَعَته أربعة أذرع وارتفاعه خمسة أذرع.
وقلنا جامع المغاربة، لغلبة هذا الاسم على ألسنة الجمهور. ولو قلنا مسجد المغاربة، لما علم الجمهور بالقدس. وكذلك جامع النساء. كل ذلك ليس بجوامع تقام فيها خطبة وإنما لكل منها إمام مفرد، يصلي فيه الصلوات الخمس لا غير.
(1/45)

ويتلو جامع المغاربة فضوة كبيرة يتلوها جامع النساء. وطوله من الشرق للغرب اثنان وستون ذراعا ونصف ذراع، وعرضه من القبلة للشمال اثنان وعشرون ذراعا وثلثا ذراع، وهو رواقان سقفهما اثنا عشر عقدا: كل رواق ستة عقود محمولة في الوسط على ست عضائد. وبصدره من الشبابيك خمسة: عرض الشباك الأوّل منها ذراعان ونصف، وعمقه في السور ثلاثة أذرع، وهو عرض السور جميعه في هذه البقعة، وارتفاعه ثلاثة أذرع وثلثا ذراع. وتتمة الشبابيك دون هذا المقدار.
وبحائطه الغربيّ شباك مطلّ على حارة المغاربة.
وباب هذا الجامع يُفتح للشمال. وبكل خدّ أربعة أعمدة رخام أبيض في جسد واحد. طولها خارج عن القواعد ذراعان إلا ربعا. وأمامه شجرتان عظيمتان من الجوز، تحتهما مسطبة يصلي الناس عليها.
ويدخل من الباب المذكور وينزل بخمس درج إلى الأروقة المذكورة. ومن باب جامع النساء على مُضِيّ سبعة وعشرين ذراعا من جهة الشرق، الباب الغربيّ من أبواب الجامع المسمّى الآن بالمسجد الأقصى.
صفة السور الشرقي
تقدّم في قُرفة السور القبليّ مهد عيسى، عليه السلام، وشماليّه رواق معقود على ستة عقود قد خربت مساطبه من العمائر القديمة. وبعض أرضه مبسوطة بالفص. طوله ثلاثة وأربعون ذراعا، ومن جانبه للقبلة كشف إلى حدّ مهد عيسى.
شماليّ هذا الرواق، على مضيّ ثلثمائة ذراع، مسجد باب الرحمة. وطوله من الشرق للغرب ثلاثون ذراعا، وعرضه قبلة وشمالا أربعة عشر ذراعا ونصف. وسعة محرابه ثلاثة أذرع وربع. يصلي فيه إمام مفرد. وهو معقود بالحجر المنحوت ستّ قباب: اثنان مرتفعتان، وأربعة منبسطة على عمودين صوّان بيض في الوسط وساريتين في وسط طول كل عمود أحد عشر ذراعا ودورته أربعة أذرع ونصف. وهذا المسجد متخذ باطن البابين المسميين بباب الرحمة.
وهما بابا قديمان قد سُدَّا. على كل منهما مصراعان من خشب مصفح من خارج بالحديد. طول كل منهما أحد عشر ذراعا، وعرضه ستة ونصف. خلف كل منهما بابان بالصفة المذكورة إلا أنهما مصفحان بالنحاس الأصفر المنقوش. وقد سُمِّر وأُحكم غلقهما. قيل أنهما من بقايا العمائر السليمانية، سُمَّيا بأبواب الرحمة.
ومنتهى السور الشرقيّ رواق طوله من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا ونصف. ومن الشرق للغرب سبعة أذرع وثلث، ويعقبه في أوّل السور الشماليّ باب أسباط. وسيأتي ذكره، إن شاء الله.
وليس في هذا السور الشرقيّ الآن باب يُسلك منه للحرم الشريف. ولم يكن له في الزمن القديم سوى البابين المذكورين.
ويقال أن عمر بن الخطاب " رضي الله عنه " غلقهما لما فتح القدس. لم يُفتحا إلى الآن.
وقد اتخذ الناس ظاهر هذا السور مقبرة يدفنون فيها موتاهم. وفيها قبر شدَّاد بن أوس.
وتلو المقبرة المذكورة واد عميق يُعرف بوادي جهنم، يزرع. وفيه كروم وبساتين. ومنه يُتطرَّق إلى عين " ماء " . وفيه أبنية عجيبة وآثار غريبة ونقوش ومعابد قديمة. وهو وقف على المدرسة الصلاحية. وحدّ هذا الوادي من الشرق طور زَيتا الذي يُقال إن الله رفع عيسى عليه السلام منه. وبه قبر رابعة العدوية، يُزار قصدا. وفيما بين السور الشرقيّ وصحن الصخرة الشريفة أشجار من الزيتون والميس والتوت والتين. تقدير عدّتها مائة شجرة، يستظلّ الناس تحتها ويصلون.
قال الصاحب تاج الدين أحمد بن أمين الملك: " ولقد مضى ليّ في مجاورة هذا الحرم الشريف الفصول الأربع، فرأيت له في كل فصل محاسن في غيره لم تُجمع، وهو أنه من مبدإ فصل الربيع تبدو فيه الأزاهر المختلفة الألوان ما يستوقف بحسنه لبّ الذّكي الأروع. وكلّ أحد ممن له معرفة بالأعشاب يأتي إليه، ويأخذ من تلك الأزاهر ما علم منفعته ومضرته " .
(1/46)

قال: " وأما ما شاهدته بالعيان، أنني جلست وقتا في بقعة منه تكللت بأزاهر من الشقائق والبهار والأُقحوان، وإلى جانبي فقير عليه أطمار رثَّة يبدي تبسُّماً، وتارة يعلن صوته بالتسبيح والتكبير ترنُّما، ويقول: سبحان من جمع فيك المحاسن وكساك هذه الحلل الفاخرة، وجعلك تحتوي على كنوز الدنيا والآخرة! فقلت له يا سيدي! أما فضله وبركته، فقد صدَّق العيان فيها الخبر، وقام بها الدليل والبرهان وتواتر بها الأثر، لكن ما كنوز الدنيا؟ فقال: ما من زهرة تراها إلا ولها في النفع والضرّ خواصّ، يعرفها أهل الاختصاص! فقلتُ: لعلّ تُظهر للعيان شيئا مما عرفت يزداد به اليقين تبصرة، وتكون هذه الجلسة معك على صبح النجاح مسفره. فأخذ بيدي ومشى خطوات إلى جهة من جهات الحرم. ومدّ يده أخذ قبضة من ذلك الكلإ، وقال: هل معك خاتم أو درهم؟ فقلت نعم. فأخرجت درهما مما معي. فعركه بذلك الكلإ، فعاد كالدينار في صفرته. ثم أخذ حشيشة أخرى، وعركه بها. فعاد أبيض، أنقى مما كان أوّلا. وقال: هذه رموزا احتوت على تلك الكنوز. ولم يترك نبيّ الله سليمان شيئا من المواهب التي منحه الله إياها، والمنافع التي وصلت إليه من الإنس والجنّ على اختلاف صورها ومعناها، إلا وأودعه في هذا الحرم. فأين من يفهم تلك المعاني، أو من كان لها يُعاني؟ ثم أخذ منهجا غير ما كنت أسلكه. فسألته التثبت والتلبث. فقال: الدنيء من صرف نظره إلى العَرَض الأدنى، والسريُّ من صرف زمانه بالتهجد في هذا المغنى. أوصيك أن تغتنم الفرصة في ركعات تقدّمها بين يديك، فما سواها فان، ولا تلتفت إلا إلى ما يقرِّبك من الرحمن. فقلت: يا سيدي! ومثلك من يفتح لي أبواب الصواب. فقال: ما بعد السنَّة والكتاب من باب. ثم فارقني مهرولا، معلنا بصوته ومرتلا. يقول: سبحانك يا دائم! سبحانك يا قُدُّوس! سبحانك يا رحمن! سبحانك يا مُحيي النفوس! فجعلتُ هذا الذكر لي ديدنا، وكلما اشتاقت له مني عين أطربت بذكره أُذنا.
صفة السور الشماليّ
وفيه عِدَّة أبواب أوّلها من جهة الشرق باب يُسمّى باب أسباط. وهو تلو الرواق المقدّم ذكره الذي هو نهاية السوق الشرقيّ. وارتفاع هذا الباب خمسة أذرع، وعرضه ثلاثة أذرع ونصف وربع وثمن ذراع.
ويعقب هذا الباب من غربه، رواق معقود على عشر سوارٍ. طوله اثنان وسبعون ذراعا، وعرضه ثمانية أذرع. بصدره أربعة شبابيك مطلَّة على بُركة بني إسرائيل. وبعضها كشف، قُصد أن يُبنى به أروقة. وإلى الآن لم تُكمل. وطولها أربعة وسبعون ذراعا.
ويعقب هذه الأرض المدرسة الكريمية. وجاورت ما أمامها من الأروقة بحائطين: غربية وشرقية. وجعلوا مصيفين قدَّامها. وطول هذه المدرسة من الشرق للغرب خمسة وعشرون ذراعا. وجُعل قدَّام هذه الأروقة مسطبة يُصعد إليها بأربع درج بارزة في الحرم. طولها من القبلة للشمال ستة عشر ذراعا. وهذه المدرسة بناها كريم الدين عبد الكريم، ناظر الخواص الشريفة السلطانية الناصرية، ويعقب هذه المدرسة باب، يسمَّى باب حِطَّة. عرضه أربعة أذرع وثلثا ذراع، وارتفاعه ثمانية أذرع. أمامه ممشاة مفروشة بالبلاط، طولها مائة وثمانية وسبعون ذراعا، وعرضها خمسة أذرع وكسر يُصعد من آخر بدرج إلى ثلاث قناطر معقودة على عمودين رخام وساريتين، يُدخل منهن إلى صحن الصخرة.
وبخدّي هذا الباب مسطبتان لطيفتان، عرض كل منهما ذراعان: الشرقية منها لصيقة للمدرسة الكريمية المذكورة، وتلو الغربية رواق، طوله اثنان وسبعون ذراعا في العرض المذكور.
وفي سورة ثلاثة شبابيك للرباط العَلَميّ الدواداريّ. وبأوّله من الشرق بالقرب شباك للتربة الأوحدية، من بني أيوب.
ثم يتلو هذا الرواق باب يعرف بباب شرف الأنبياء. طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة. وأمامه ممشاة نظير الممشاة المذكورة. وقد تقدّم ذكر هذه أيضا.
ويتلو هذا الباب رواق طوله سبعة وأربعون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع ونصف، معقود على ثمان سَوَار. بأوّله شباكان. أحدهما مفتوح يُتوصل منه إلى زاوية الصاحب أمين الدين، المعروف بأمين الملك. وتلوهما باب يُصعد من باطنه إلى زاوية اللاوي. وتلو الباب مسطبة، فيها صهريج.
(1/47)

ويعقب هذا الرواق من الغرب رواق معقود عقدين على ثلاث سوار. طوله تسعة عشر ذراعا ونصف، وعرضه من الشمال للقبلة تسعة أذرع. ويُصلِّي به الآن بعض النسوة، الصلوات الخمس خلف الأئمة.
وبأعلاه مدرسة الأمير سيف الدين الحاجّ آل ملك الجوكندار، وخانقاه مجد الدين الإسعرديّ التاجر. وبأوّله جوار الصهريج المذكور، سُلَّم يُصعد منه إلى المدرسة والخانقاه المذكورتين.
ويعقب هذا الرواق كشف ليس به أروقة. وهو صورة مسطبة عالية. وينزل من وسطعا بست درج إلى الحرم.
وبأقصى ارتفاع هذا السور خمسة شبابيك لمدرسة الأمير علم الدين سنجر الجاولىّ، رحمه الله. وليس لها استطراق إلى الحرم. ومن حدّ هذا الكشف، طالبا من جهة الغرب، خلوتان لكل مهما باب يُفتح للجهة القبلية من الحرم. وداخلهما كله في باطن السور الشماليّ. وهي من جبل صخر أصمَّ، صفة مغارة. وقيل يُرف قديما بمغارة إبراهيم. وفي الشرقيّ منها شباك لطيف. وإلى جانب هاتين الخلوتين، خلوة لشيخ الحرم. وبها شباكان على الحرم الشريف. وطولها ستة عشر ذراعا وأمامها مسطبة في الطول المذكور، وعرضها أربعة أذرع وثلث. وبأعلى هذه الخلوة، خلوة يُصعد إليها بسُلَّم، بسبع درج في حدّ الباب يُفتح للشرق.
ويتلو ذلك رواق على عقدين طوله من الغرب طالبا للشرق خمسة عشر ذراعا وعرضه تسعة ونصف. وتلوه سلَّم مستطيل جدّاً، يصعد من أعلاه إلى مأذنة، وإلى دار هناك لبني جماعة. وهذه المأذنة هي أقصى السور الغربيّ، وارتفاعها ثلاثة وخمسون ذراعا. وبأعلاها درابزينات خشب منقوشة. وهي مكللة من العمد الرخام اللطاف بأحد وثلاثين عمودا.
صفة السور الغربيّ
ويشتمل على سبعة أبواب بما فيه من باب الطهارة، فإنه الآن غير نافذ. وأمام كل باب شجرة كبيرة من الميس أو التوت، وتحتها مسطبة يصلِّي الناس عليها، ويستظلون؛خلا باب الغوانمة، فليس قدَّامه شيء.
ومبدأ السور من المئذنة المذكورة.
وأوّل أبوابه من هذه الجهة، باب الغوانمة. وطوله أربعة اذرع وعرضه ثلاثة أذرع. يُصعد إليه من الحرم الشريف بعشر درجة. وبحدّه الشماليّ خلوة للبوّاب، بارزة في الحرم تقدير خمسة أذرع. ومن حدّ هذه الخلوة إلى المأذنة المذكورة خمسة وثلاثون ذراعا. ومن الباب المذكور " على مضيّ ثمانية عشر ذراعا طالبا للقبلة " باب لطيف للخلوة في باطن عرض السور لبعض الفقراء المجاورين. ومن حدّ هذه الخلوة إلى نهاية أربعة وعشرين ذراعا حاكورة بها أشجار وكروم تحت دار وقفها علاء الدين الأعمى. وكان هذا الرجل من نظار الحرم المتقدّمين، وله تأثيرات حسنة في الحرم من المواعيد والأبنية.
وطول الحاكورة طالبا للشمال خمسة وأربعون ذراعا، في عرض سبعة اذرع وكسر. ومن نهاية الحاكورة إلى أقصى السور وهو المأذنة المذكورة كشف بلا أروقة. ولصيق هذه الحاكورة من القبلة باب كبير يُعرف بباب الرباط المنصوريّ. طوله ستة وعرضه خمسة ونصف. وأمامه ممشاة يتوصل بها إلى السُلَّم الذي يتوصل منه إلى صحن الصخرة، قبالة الباب الحديد الآتي ذكره.
وبخدّ الباب المذكور إلى جهة الشمال عقد على ساريتين، طوله تسعة أذرع وعرضه عرض الحاكورة وسائر الأروقة المتصلة به. وهذا العقد أوّل العقود في السور الغربيّ.
وعمل في ثخانة الحائط التي في أوّله مع ثخانة السارية خلوة صغيرة للقيّم والبوّاب بالباب المذكور.
وتحت هذا العقد يجلس الناظر والمباشرون يومئذ للنظر في المصالح. وتلو الباب المذكور عرضه عرض الأروقة وطوله مائة وثمانية اذرع، معقود على ست عشرة سارية. وعلى تقدير عشرة اذرع من أوّله شباك القاعة التي هي سكن الناظر على أوقاف الحرم. وهي من وقف الحرم. وفي آخره خلوة لطيفة سكن القيّم وبرسم القناديل.
وتلو ذلك الباب المعروف بالحديد. طوله أربعة أذرع ونصف، وعرضه ذراعان وثلثا ذراع. وأمامه ممشاة مبلطة يتوصل منها إلى سُلَّم لصحن الصخرة الشريفة. عرضه ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف وعدد درجه إحدى وعشرون درجة. وليس بأعلاه قناطر إسوة بقيَّة السلالم.
وتلو هذا الباب رواق على ثمان سوار طوله ثمانية وخمسون ذراعا وعرضه عرض سائر الأروقة. وبآخره باب لطيف خلوة لبعض الفقراء.
(1/48)

ثم يتلو هذا الرواق باب كبير عمل من قريب واستجدّ فتحه، ينزل إليه بعشر درجات. له مساطب في خدّيه. طول كل منها سبعة اذرع وعرضها وثلثا ذراع. قد أتقنت عمارته. وارتفاعه ثمانية أذرع وعرضه خمسة أذرع. وعقده بوجهين، منقوش بالحجر الملوّن. وطراز كتابته بالذهب، نقر في الحجر. وأبوابه مصفحة بالنحاس المذهب المخرّم، متقن العمارة والزخرفة. ويتوصل منه إلى القيسارية المستجدّة وتشتمل على صفَّي حوانيت، بعضها وقف على الحرم، وبعضها وقف على المدرسة والخانقاه اللتين أنشأهما الأمير سيف الدين تنكز، رحمه الله، وسيأتي ذكرها عن كثب. إن شاء الله! وإلى جانب هذا الباب رواق معقود على ساريتين كبار جدّا طوله خمسة عشر ذراعا، وعرضه إلى خارج الساريتين سبعة أذرع وثلثا ذراع وإلى باطنهما خمسة أذرع ونصف. بصدره شباك لقاعة من وقف الحرم. وبجانب الشباك خلوة لطيفة للقيّم والبوّاب. وإلى جانب هذا الرواق باب الطهارة. وهو يشتمل على طهارتين: أحدهما للنساء، والثانية للرجال. وتشتمل طهارة الرجال على ثلاثة وعشرين بيتا وفسقية كبيرة. وبأعلى طهارة النساء مساكن تُكرى لوقف لحرم.
وباب الطهارة ينزل إليه من أرض الحرم بأربع درجات. وطول الباب أربعة أذرع وثلثا ذراع، وعرضه ثلاثة وثمن. وبعده سبع درجات إلى دهليز مستطيل، يتوصل منه إلى طهارة الرجال وإلى سلَّم يتوصل منه إلى علو طهارة النساء. وطهارة النساء في أوائل الدهليز، على يمين الداخل.
ويتلو باب الطهارة رواق طوله ثلاثة وستون ذراعا، وعرضه سبعة ونصف. معقود على تسع سوار.
وفيه من ثخانة السور بابان لخلوتين: أحدهما للقيّم وأخرى برسم الفقير. وفي آخره من جهة القبلة محراب ملاصق للمأذنة، يُصلَّى فيه صلاة مفردة بإمام مفرد. وتجاوره المأذنة المختصة بالحرم وارتفاعها ثمانية وأربعون ذراعا. وبأعلاها درابزينان من الخشب. وهي مكللة من العمد الرخام اللطاف بثمانية أعمدة.
ويتلو المأذنة بابان قد عُلّق الشماليّ منها وسمَّر المأذنة إلى جانبه. ويسمّى الباب المفتوح باب السلسلة. ويُرف قديما بباب السَحَرَة. سعته خمسة أذرع وثلث، وطوله ثمانية ونصف. وكذلك المغلق. وأمام هذا الباب ممشاة قلع يتوصل منها إلى سلالم صحن الصخرة بعقد قبالة المعظميّة. ذرعها سبعا وسبعون ذراعا وربع. ويتلو الباب رواق معقود على عشر سوار طوله سبعة وخمسون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع وربع، وارتفاع عقده عشرة أذرع ونصف. وهو نظير ارتفاع سائر سقوف أروقة الحرم.
وهذا الرواق فيه شباكان للمدرسة التنكزية: أبوابها من الأبنوس والعاج، وداخلهما المدرسة. وظهره حامل للخانقاه التنكزية. وفي آخره باب لطيف يصعد منه إلى أعلى المدرسة وسكن الصوفية. وفي آخر سوارية ستة أعمدة من صوَّان كبار. ويتلو هذا الرواق من القبلة مسطبة ارتفاعها ذراع وطولها من الجنوب للشمال ثمانية وثلاثون ذراعا إلا ثمنا، وعرضها عرض الرواق المذكور.
وتقيس في هذه المسطبة ثلاثة وثلاثين ذراعا، تجد باب حارة المغاربة. وسعته ثلاثة أذرع وربع، وطوله أربعة ونصف.
وتلو الباب المذكور على ثلاثة أذرع مسطبة. وهي نهاية السور الغربيّ وأوّل السور القبليّ. وهذه المسطبة مجاورة للزاوية الفخرية التي هي أوّل السور القبليّ من جهة الغرب. وقد تقدّم ذكرها.
وإذ قد استوعبنا صفة السور المحيط، فلنذكر الآن ما وعدنا بذكره مما اشتمل عليه سوى صحن الصخرة.
ونبدأ بما هو تحت صحن الصخرة، وعدّته تسع خلاوٍ: أحدهما جُعل حاصلا لأصناف الحرم.
فمنها بالجهة القبلية ثلاثة: منهنّ ما على أبوابه مساطب ومعرَّشات كرم، وفيه أبواب الرواق المعظَّميّة التي تحت مدرسته. وهو مُصلَّى للحنابلة بإمام مفرد. وبجانبه الشرقيّ حاصلان يجعل فيهما زيت الحرم وأصنافه.
وفي جهة الشرقية من تحت صحن الصخرة أربع خلاوٍ: منها ما عمل قدّام أبوابه حاكورة وغرست أشجارا. والجهة الشمالية خالية من الخلاوي والحواصل.
(1/49)

وبالجهة الغربية خلوتان. أحدهما جُعلت حاصلا لأصناف الحرم. وفيه أبواب للرواق المعظميّ. وقبالة أبواب الرواق المعظميّ من الغرب قبَّة موسى عليه السلام. وهي أمام باب السلسلة وأمام رواق الحنابلة. بين المسطبة الحاملة لها وبين باب السلسلة ثمانية وعشرون ذراعا. وطول المسطبة من القبلة للشمال أربعة وعشرون ذراعا، وعرضها من الشرق للغرب أحد وعشرون ذراعا ونصف؛ وارتفاعها نصف ذراع. بصدر المسطبة القبليّ القبة المذكورة. طولها من ظاهرها من القبلة إلى الشمال عشرة أذرع، وعرضها من الشرق للغرب مثل ذلك. وارتفاع كرسيّ القبة من ظاهر المسطبة ثمانية أذرع. تشتمل هذه القبة من باطنها على أرض مفروشة بالرخام.
بابها يفتح للشمال. عرضه ذراع ونصف، وطوله ذراعان وثلثان. وبخدّيه شبّاكا حديد في طول الباب وعرضه. وبكل جهة من جهاتها شبَّاك حديد. يغلق على كل شباك، زوج أبواب. وهي محمولة على الأركان. وبين كل حائط وأخيه قوس عقد. وبأعلى كرسيِّ القبة كرسيٍّ ثان، فيه خمس طاقات زجاج. وبأعلى الكرسيّ الثاني القبة المعقودة. تقدير ارتفاعها على ظهر الكرسيّ الثاني ثمانية أذرع وليس فيها عمد رخام بالجملة الكافية، حتَّى ولا في خدّ المحراب.
صفة قبة سليمان
عليه السلام
وهذه القبة بالجانب الشماليّ من الحرم. وهي مسامته للصهريج والسُّلَّم الذي يُصعد منه إلى الخانقاه الأسعردية والمدرسة السيفية آل مَلَك.
ومن واجهة الصهريج إلى باب القبة ثمانية وأربعون ذراعا. وهو يُفتح للشمال. طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع وثمن. بخدّيه عمودا رخام ومسطبتان: يُمنى ويُسرى. طول كل منهما خمسة أذرع وربع، وعرضهما مثل ذلك.
وبخدّي الباب المذكور شباكان مطلان على هاتين المسطبتين. طول كل شباك منهما ذراعان وثلثا ذراع، وعرضه ذراع وثلثان.
يدخل من هذا الباب إلى قبة مثمنة. وتتمة التثمينات مسدودة. بها أربعة وعشرون عمودا من الرخام طول كل عمود " خارجا عن القواعد " ذراعان ونصف. في كل تثمينة من المسدودات أربعة أعمدة حاملة للرخامة التي في عقد القناطر. وبخدَّي المحراب عمودان لطيفان طول كل منهما ذراع ونصف.
وفي نهاية العمد " عند نهاية كرسيّ القبة " طاقات زجاج بدائرها. سعة القبة ستة أذرع ونصف، وارتفاعها من قطب القبة للأرض عشرون ذراعا.
وعلى يُمنة المصلى في المحراب صخرة صغيرة طولها ذراعان وربع، وعرضها من الجهة القبلية ذراع، ومن الشَّمالية ثلثا ذراع. يدعو الزوّار عندها. ويُقال إنها من الآثار السليمانية، وإن الدعاء عندها مستجاب.
وفي حائط هذه القبة القبليّ، من خارج، عمودان من الرخام. وبهما تكمّل ما بهذه القبة من الأعمدة ثلاثين عمودا.
صفة المجلس الذي بناه سليمان
عليه السلام
ويسمّى الآن اصطبل سليمان قال الصاحب تاج الدين: هذا المجلس بناؤه أعجب وأتقن من المسجد الذي أعلاه. وله من داخل الخانقاه الصلاحية " يعني المجاورة المقصورة الخطابة وبها الآن شيخ يُرف بالختنيّ، وبه تُعرف الآن " سُلَّمان: أحدهما ست وثلاثون درجة ينزل منها إلى بعض أقسام المجلس المذكور، والثاني أربع وخمسون درجة ينزل منها إلى بقية أقسام المجلس المذكور.
قال: والمكان في غاية النور لما عمل له من المناور والطاقات المحكمة. وهو رواقات عقودها محمولة على عمد من الصُّوّان وأركان البناء. وعرض هذه المجالس من القبلة إلى الشَّمال: منها ما عرضه ثمانية أذرع، ومنها ما عرضه تسعة أذرع، ومنها ما عرضه عشرة أذرع، وارتفاع عقوده من الأرض التي بها الأبواب النافذة لرأس وادي عين سلوان منها ما تقدير ارتفاعه عشرون ذراعا، ومنها ما تقديره خمسة عشر ذراعا.
ويُقال أن أحد هذه الأبواب كان منه دخول الأنبياء عليهم السلام.
وفي إحدى اسطواناته حلقة. يُقال أن البراق رُبط بها ليلة الإسراء.
وهذه الأروقة كلها آخذة من الشرق والغرب. فمنها ما أمكن قياس طوله، الذي أمكن التطرّق إليه. فكان تقديره ثلاثة وتسعين ذراعا. ومنها ما لم يمكن قياس طوله لكون أطواله قُسمت حيطانا: منها ما هو في وقتنا هذا مملوء بالتراب المهول، ومنها ما هو صفة حواصل، ومنها ما هو مساكن ومرافق لسكان الخانقاه المذكورة.
(1/50)

قال: ونطاق النُّطق ضاق عن استيعاب وصف هذا المجلس. لكن الأماكن التي أمكن التطرّق إليها والمشي لما هو نافذ منها دلّت على أن البقعة المسماة بالجامع " يعني المسجد الأقصى " موضع الخطبة الآن، وبقعة جامع النساء وغالب الممشاوات التي بالحرم والأشجار المزدرعة: كلها معلقة على هذه العقود والسواري.
قلت: ولقد دخلتُ إلى بعض هذه الأماكن، ورأيتُ من عجائب الأبنية بها ما يملأ العين. وكان دخولي إليها من الزاوية المعروفة بسكن الختنيّ ثم أفضيتُ منها إلى الكروم وظاهر المسجد.
قبر الخليل
عليه الصلاة والسلام
وما جاوره من قبور بنيه والأزواج وكلها داخل ذلك المسوَّر، وفي حدود ذلك المكان المنوَّر روى الحافظ أبو القاسم مكِّيّ بن عبد السلام بن الحسين الرُميليّ المقدسيّ بسنده إلى كعب الأحبار، قال: أوّل من مات ودُفن بِحِبرى سارة وذلك إن إبراهيم خرج لما ماتت، يطلب موضعا يقبرها فيه. فقدم على صفوان، وكان على دينه. وكان مسكنه وناحيته حَبْرى. فاشترى منه الموضع بخمسين درهما. وكان الدرهم ذلك العصر خمسة دراهم. فدُفنت سارة فيه. ثم توفِّي إبراهيم فدُفن لصيقها. ثم توفِّيت ربْقَة زوجة إسحاق فدُفنت فيه. ثم توفي إسحاق فدُفن لزيقها. ثم توفِّي يعقوب فدُفن في الموضع. ثم توفِّيت زوجته ليقى فدُفنت معه.
فأقام ذلك الموضع على ذلك إلى زمان سليمان. فلما بعثه الله، أوحى إليه أن ابنِ على قبر خليلي حَيْرا حتّى يكون لمن يأتي بعدك، لكي يُعرَف.
فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بيت المقدس، حتّى قدم أرض كنعان. فطاف فلم يصبه. فرجع إلى بيت المقدس. فأوحى الله إليه: يا سليمان، خالفتَ أمري! قال: يا ربَّ، قد غاب عني الموضع. فأوحى الله إليه: امض فإنك ترى نورا من السماء إلى الأرض، فهو موضع قبر خليلي. فخرج سليمان ثانيا، فنظر فأمر الجنَّ فبنوا على الموضع الذي يُقال له الرامة. فأوحى الله إليه: إن هذا ليس هو الموضع، ولكن إذا رأيت النور قد التزق بأعنان السماء. فخرج سليمان فنظر إلى النور قد التزق بأعنان السماء إلى الأرض. فبنى عليه الحَيْر.
قلت: ولم يكن لهذا الحَيْر باب. وإنما المسلمون لما افتتحوا البلد، فتحوا له بابا. وبناءه بناء محكم. وفي حائطه حجارة هائلة في كُبر القدر، منها ما طوله سبعة وثلاثون شبرا.
وقد أقيم بهذا الموضع خطبة، ورُتِّب به إمام ومؤذنون.
وفي قبلته باب ينزل منه بدرج كثيرة إلى سرداب ضيّق تحت الأرض يأخذ متشاملة إلى فجوة فيها ثلاث نصائب قبور في حائطه، يُقال إنها قبر الخليل وزوجته وإسحاق وهناك طاقة لا يُرف إلى أين تنتهي، لكن يُقال أنها إلى مغارة تحت أرض الحرم، فيها الموتى. وتلك أمثال القبور من فوق.
ولقد أتيت إلى هذا السرداب ومشيت به زحفا، بضيقه. ولتطأطؤ سقفه لا يقدر أحد على المشي منتصب به. وهو خطوات يسيرة تنتهي إلى الفجوة المذكورة. وهي نحو أربعة أذرع في مثلها. وهيئة القبور في قبلة المسجد الآن قبران: الأيمن قبر إسحاق والأيسر قبر زوجته. وفي شماليّه مما هو منفصل عن المسجد بقبتين متقابلتين قبران: الأيمن قبر إبراهيم الخليل، والأيسر قبر سارة زوجته. وفي شماليّ الحرم قبة مفردة مسامتة لقبة الخليل. وفيها قبر يقال أنه قبر يعقوب. ولا شكَّ ولا ريب أن إبراهيم " صلوات الله عليه " ومن ذُكر معه مدفونون داخل هذا المسوَّر. وأما تعيين موضع القبر، فالله أعلم.
قال عليّ بن أبي بكر الهرويّ: حدّثني جماعة من مشايخ بلدة الخليل أنه لما كان في زمن بردويل الملك، أنخسف موضع هذه المغارة. فدخل جماعة من الفرنج إليها بإذن الملك، فوجدوا فيها إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وقد بَلِيَتْ أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط، وعلى رؤوسهم قناديل. وهي مكشوفة. فجدّد الملك أكفانهم ثم سدّ الموضع. وذلك سنة ثلاث عشر وخمسمائة. حكى ذلك شهاب الدين بن الواسطيّ. قال: وقيل أن قبر آدم ونوح وسام في المغارة. قال: والمغارة تحت هذه المغارة التي تُزار الآن. والله أعلم.
ووراء الحرم موضع فيه قبر ينسب إلى يوسف، عليه السلام. يقولون أنه لما بُني المكان، أرادوا أن يجعلوا قبره داخل الحرم. فسمع بانيه وهو سليمان " عليه السلام " قائلا يقول: دعوه خارج الحرم، فعليه خراج مصر!
(1/51)

ويقال إن موسى " عليه السلام " لما خرج من مصر، أستصحب معه تابوت يوسف، ودفنه هناك قريبا من آبائه؛ ولم يدفنه عندهم، لما ناله من المُلك. هكذا يقال، والعهد على قائله. والله أعلم.
قلت: وهذا الحرم مؤزّر جُدُرُهُ بالرخام الملوّن والمُذْهَب. وعليه أوقاف جليلة ويُمّد في كلَّ يوم بعد العصر سِمَاط ويفرّق فيه من الخبز على الواردين بحسبهم على قدر كفايتهم.
ولقد زرت الخليل " صلوات الله عليه وسلامه " في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فأخبرني جماعة المباشرين أن في بعض ليالي العشر من هذا الشهر في هذه السنة فرقوا زيادة على ثلاثة عشر ألف رغيف؛ وأن غالب أيام العام ما بين السعة آلاف والعشرة آلاف. ويُفرّق أيضا مع الخبز طعام العدس بالزيت الطيِّب والسَّمَّاق. وفي بكرة النهار يُطبخ أيضا قدر من الدشيش، ويُفرّق على الواردين. وفي بعض أيام الأسبوع، يُطبخ ما هو أفخر من ذلك.
وله خُدّام برسم غربلة القمح وطحنه وعجينه وخبزه. لا يبطلون ليلا ولا نهار.
وأهراء القمح والطاحون والفرن، نافذ بعض ذلك إلى بعض. بحيث إن القمح يُفرّغ في الأهراء ويُخْرج خبزا مخبوزا. ولم يزل على هذا مدى الشهور والأعوام والليالي والأيام، لا ينقطع له مدد، ولا يُحصر بضبط ولا عدد.
ولما استولى الفرنج على بلد الخليل " عليه السلام " أجرَوْا هذا السِّماط وزادوا على من كان قبلهم، وبالغوا في صلة هذا المعروف.
ثم زاد ملوك الإسلام في السِّماط. وهو معروف يشمل المأمور والأمير، والغنيّ والفقير.
وقلت من قصيد مدحته، عليه الصلاة والسلام.
هذا خليل الله إبراهيم قد ... لاحت لنا أعلامه الشُّمُّ الذُّرى!
هذا الذي سنَّ القِرى لضيوفه ... كرماً، ولولاه لما سُنَّ القِرى!
هذا الذي مَدّ السَماط فما انطوى ... ذاك السماط تكرماً، وسَلِي الورى!
وقلت من أخرى:
هو ذا صاحب السِّماط ولكن ... صاحب الحوض نجله وذووه!
ذو فِناء يُقرى به كلُّ ضيْف ... لم يُخيَّب تحت الدُّجى طارقوه!
مُنعِمٌ سَيِّدٌ جوادٌ كَريمٌ ... منذّ مدّوا سماطه ما طووه.
وقلت في أخرى، حيث زرته في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة:
خليلُ إله العرش أوّلُ مَن قَرى ... ضُيوفا! وها قد جئتُه واستضفتُهُ.
أتيتُ كريما لا تزال رِحابُه ... مُطَبّقةً بالوفد حيثُ نظرتُه.
دعت نارُه الضِّيفانَ في غَسَق الدُّجى ... وليس سواها بارقا ثَمَّ شِمتُهُ.
فتى الجودِ شيخُ الأنبياء جميعِهم ... ووالدُهم حقَّا، يقيناً علمتُهُ.
وقلت عند الوداع في هذه السنة:
هذا الخليل وهذه أبناؤُه! ... يكفيك بعد فراقه أنباؤهُ!
هيهات لا تُوفِي أقلَّ حقوقهِ ... ولو ان جفنك لا يجفُّ بكاؤهُ!
فامسك فؤادك إن ملكت عنانه! ... هيهات قد طارت به أهواؤهُ!
وتعزّ عن أهل الكثيب وإنما ... من أين للصب الكئيب عزاؤهُ!
(1/52)

قلت: وكان قدومنا هذه المرّة على الخليل " عليه السلام " يوم الاثنين لأربع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. فبتنا ليلتنا نتبرّك بما حوت تلك القبور من العِظام العِظام، ونعفِّر الوجوه في تلك البقعة المُشرَّفة في مواضع أقدام أولئك الأقوام. ثم أصبحنا وقد حَمِدنا السُّرى عند الصَّباح، وطلبنا حوائجنا عند تلك الوجوه الصِّباح. فلما قضينا من الزيارة الأرب، وهزَّتنا من النوبة الخليلية الطرَب، بعثت وراء الصاحب ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن الخليليّ التميميّ الداريّ. وهو بقية هذا البيت الجليل، والمُنتهِي إليه النظر على وقف الحبيب سيدنا محمد " صلى الله عليه وسلم " وبلد أبيه إبراهيم الخليل. والتمسنا منه إحضار الكتاب الشريف النبويّ المكتتب لهم بهذه النَّطية. والمُشرِّف لهم به على سائر البرية. فأنعم بإجابة الملتَمس، وجاء به أقرب من رَجٍعِ النَفَس. وهو في خرقة سوداء من مُلْحَم قطن وحرير، من كُمِّ الحسن أبي محمد المستضيء بالله أمير المؤمنين، وبطانتها من كَتَّان أبيض على تقدير كل إصبع منه ميلان أسودان، مشقوقان بميل أبيض، جُعل ضمن أكياس يضمُّها صُندوق من آبنوس يُلَفُّ في خرقة من حرير. والكتاب الشريف في خِرقة من خُفٍّ من أدم، أظنُّها من ظهر القَدَم. وقد موّه سواد الجلد على الخط، لأنّه أذهبه، وما أخفى من يد كاتبه المشرفة ما كتبه. وهو بالخط الكوفيّ المليح القويّ. فقبّلنا تلك الآثار، وتمتعنا منه بمدد الأنوار. ومعه ورقة كتبها المستضيء بنصه شاهدة لهم بمضمونه، ومزيلة لشكِّ الشاكّ المُريب وظنونه: ومضمون ما كتب كهيئته وسطوره: " نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه " " لتميم الداريّ وإخوته في سنة تسع من الهجرة بعد منصَرَفه " " من غزوة تبوك في أدم من خف أمير المؤمنين عليّ وبخطه " " نسخته كهيئته " " بسم الله الرحمن الرحيم " " هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم " " الداريّ وإخوته حبرونَ والمرطومَ " " وبيتَ عَيْنون وبيت إبراهيم وما فيهنّ " " نَطيةَ بتٍّ بذمتهم ونفَّذتُ وسلمتُ ذلك لهم " " ولأعقابهم فمن آذاهم آذاه الله فمن آذاهم " " لعنه الله شهد عتيق بن أبو قحافة وعمر بن " " الخطاب وعثمان بن عفان وكتب عليّ بن " " بو طالب وشهد " هذه نسخة الكتاب الشريف.
و " أبو قحافة " ألف وباء وواو ثم " قحافة " و " بو طالب " باء وواو ثم " طالب " . وليس في " بو " ألف. بُيِّن ذلك ليُعرف. و " كتب " في ذكر عليٍّ رضي الله عنه مقدّمة، و " شهد " مؤخرة. بيَّن ذلك أيضا ليعرف.
وقد رأيت ذلك كله بعيني، ومن خط المستضيء نقلت. وهو خطه المعروف المألوف. وقد رأيته وأعرفه معرفة لا أشكُّ فيها ولا أرتاب. وقرأتُه من الكتاب النبوي نفسه. وهو موافق لما كتبه المستضيء، نقلا منه، على أن آثاره كانت تتعفّى، وتحتجب عن الناس لفساد الزمان وتتخفّى.
وكان التبرُّك برؤية ذلك على ظهر القبو الصغير الشماليّ، في الحرم الخليليّ الملاصق لقبر زوج يعقوب " عليه السلام " المفضى منه إلى المأذنة بحضرة مخزن العدس.
وقد كنت رأيت ذلك مرة متقدّمة بالحصن سكن بني الخليليّ، بظاهر البلد، لما أتيت زائرا بعد العود من الحجّ على الدرب المصريّ في المحرّم سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. ولكنِّي إذ ذاك لم أنقله.
قبر يُونس بن متّي عليه السلام
بقرية حلحول على يسار الذاهب من بلد القدس إلى بلد الخليل عليه السلام. ويعرّج الزائر إليه. وعليه بناء وقُبَّة. وله خادم.
زُرْتُهُ مرات. وآخر عهدي به في ذي الحجة سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وكتبت على جدار القبة بيتين خطرا لي في ذلك الوقت وهما:
قبر موسى بن عمران عليه السلام
بالقرب من أَرِيحاء. وتعرف القرية بِشَيحانْ.
(1/53)

رأيت بخط علاء الدين أبن الكلاّس ما صورته: " قال شيخ إبراهيم ابن الشيح عبد الله بن يونس الأرمويّ عن والده قال: زرت قبر موسى " عليه السلام " الذي بالقرب من أَرِيحاء. قال الشيخ إبراهيم: وكان إذ ذاك لم تُبَنْ عليه قُبَّةٌ ولا مشهد.قال: فقلت في نفسي: اللهم أرني ما أزداد به يقينا في صحة هذا القبر. قال: فبيننا أنا نائم رأيتُ كأنّ القبر انشقَّ وخرج منه إنسان طوال.قال: فجئت إليه وسلَّمت عليه، وقلت له: من أنت؟ قال. موسى بن عمران، وهذا قبري. وأشار إليه. ثم قعدنا. وإذا بالقرب منا رجل يطبخ في قدره لما استوى طعامه، وإذا هي شورباة أرز. فأكل موسى عليه السلام منه ثلاث ملاعق، وأنا ثلاث ملاعق، والرجل ثلاثا. ثم تداولناها بيننا إلى أن فرغت. قال الشيخ عبد الله: وكنت على عزم العود إلى بلاد العجم إلى عند شيخي. فقال لي موسى عليه السلام: أنت لا تسافر إلى شيخك. وكيف تسافر؟ وأنت تريد تتزوّج بامرأة من نسل الرسول وترزق منها أربعة أولاد. وأقام الشيخ إبراهيم أصابع يده اليمنى، وضم الإبهام إلى باطن كفه، يحكيه. قال الشيخ إبراهيم: فكان كما ذكر موسى عليه السلام. فلم يسافر والدي وتزوّج بامرأة شريفة، وهي أمّي. ورزق أربعة أولاد أنا أحدهم. ولما حضرته الوفاة، قلت له: يا سيدي أنت راض عني؟ فقال: كيف لا أرضى عنك، وقد بشرني بك موسى عليه السلام.
مسجد دمشق
مسجدٌ عظيم، ومعبد قديم. لا يعرف على الحقيقة بانية ولا زمن بنائه. فتح المسلمون الشام، وهو كنيسة لأهل دمشق يتعبَّد فيها زمن الرُّوم. وقد كان بعدهم معبدا لأمم مختلفة. وتزعم الكلدانية أنه من بنائهم وأنهم بَنَوهْ فيما بنوه من الهياكل السبعة التي اتخذوها للكواكب السبعة. جعلوا بيتا للمشتري. قالوا ولهذا استمر التعبدُّ فيه إن كان المشتري طالع الديانات والتألُّة. هذا ما زعموه.
وقال عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم: حيطان مسجد دمشق الأربعة من بناء هود وما من حدّ الفسيفساء إلى فوقُ، فهو من بناء الوليد.
وقال الوليد بن مسلم: لما أمر الوليد بن الملك ببناء مسجد دمشق، وجدوا في حائط المسجد القبليّ لوحا من حجر، فيه كتاب نَقشٍ. فأتوا به الوليد. فبعث إلى الرُّوم فلم يستخرجوه. فدُلَّ على وهب بن منبه. فأقدمه عليه؛ فأخبره بموضع ذلك اللوح. ويقال ذلك الحائط من بناء هود عليه السلام. فلما نظر إليه وهب، حرَّك رأسه، ثم قرأه، فإذا هو: " بسم الله الرحمن الرحيم. ابن آدم! لو نظرتَ يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك!وإنما تلقى ندمك، لو قد زلَّتْ قدمُك، وأسلمك أهلك وحشمُك، وانصرف عنك الحبيب، وودعك القريب، ثم صرت تُدعى فلا تُجيب! فلا أنت إلى أهلك عائد، ولا في عملك زائد. فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة، وقبل أن يحلَّ بك أجلك، وتُنزع منك روحك! فلا ينفعك مال جمعته، ولا ولد ولدته، ولا أخ تركته! ثم تصير إلى برزخ المثوى، ومجاورة الموتى. فاغتنم الحياة قبل الموت، والقوة قبل الضعف، والصحة قبل السقم، قبل أن يُؤخذ بالكَظَم، ويُحال بينك وبين العمل! وكُتب في زمن سليمان بن داود عليهما السلام " .
ولما فتح المسلمون دمشق " على ما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى " دخل أمير الجيش أبو عبيدة بن الجراح " رضي الله عنه " بالأمان من غرب البلد، ودخل خالد بن الوليد بالسيف من شرقه.
(1/54)

فكانت دمشق نصفين. والكنيسة كذلك. فاتخذوا منها النصف الشرقي المفتوح عنوة، مسجدا يصلُّون فيه. وتُصلِّي النصارى في النصف الآخر. فتأذى المسلمون بمجاورة النصارى لهم في مكان تعبدهم، وكرهوا قرع النواقيس بأزائهم. واشتدَّ ذلك على الوليد بن عبد الملك. وكان مغرى في سلطانه بعمارة المساجد وبناء المعابد فأعطى رجلا ديَّته حتّى أتى القسطنطينية. ودخل في زيّ النصارى كنيستها العظمى يوم الأحد، والملك فيها فمن دونه. فلبث حتّى رأى أن جمعهم قد استكمل. ثم قام فأذَّن. فأُخذ وأُحضر لدى الملك، وقد جلس إلى جانبه البطريرك، واستدارت بهما القسوس والشمامسة. فقال له الملك: من أنت، وما حملك على ما صنعت؟ فقال: أما أنا، فرجل من المسلمين من أهل مشق، وأما ما حملني على ما صنعت، فأنشدك الله، أيها الملك: هل ساءك ما فعلته وكرهته أم لا؟ فقال: نعم. فقال: ونحن في معبد في شطره النصارى، نسمع نواقيسهم، ونُساء بمجاورتهم. فأراد أمير المؤمنين أن يعرّفك أننا نُساء بذلك، كما ساءكم ما فعلت. فخلَّى عنه، وكانوا قد همُّوا بقتله. ثم قال له: صالحونا على عِوَض. فصولحوا عنه بنصف كنيسة مريم، وكانت شطرين.
ثم شرع الوليد بن عبد الملك في تحسين بناءه وتحصين فِنائه. أبقى منه ما أبقى وجدّده ما جدَّد.
وقال إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المُقري: حدّثني عن أبيه المغيرة، أنه دخل يوما على الوليد بن عبد الملك فرآه مغموما. فقال: يا أمير المؤمنين ما سبيلك؟ فقال: يا مغيرة إنّ المسلمين قد كثروا، وقد ضاق بهم المسجد. وقد بعثت إلى هؤلاء لنُدخل كنيستهم في المسجد، فأبوا. وقد أقطعتهم قطائع كثيرة وبذلت لهم مالا، فامتنعوا. قال: لا تغتمَّ يا أمير المؤمنين! قد دخل خالد من الباب الشرقيّ بالسيف، ودخل أبو عبيدة من باب الجابية بالأمان. فماسِحْهم أيَّ موضع بلغ السيف، فإن يكن لنا فيه حقٌّ أخذناه. قال: فرّجت عني! فتولَّ أنت هذا. فتولاه. فبلغت المسحة إلى سوق الريحان حتّى حاذى من القنطرة الكبيرة أربعة أذرع وكسرا بالقاسميّ. فإذا باقي الكنيسة قد دخل بالمسجد. فبعث إليهم. فقال: هذا حقٌّ قد جعله الله لنا! لم يُصَلّ المسلمون في غضب ولا ظلم، بل نأخذ حقنا. قالوا: قد أقطعتنا أربع كنائس، وبذلت لنا من المال كذا وكذا. فإن رأيت يا أمير المؤمنين أن تتفضل بذلك علينا، فافعل! فتمنَّع عليهم حتّى سألوه وطلبوا إليه. فأعطاهم كنيسة حُمَيد بن درّة، وكنيسة أخرى عند سوق الجُبن، وكنيسة مريم، وكنيسة المُصَلَّبة.
ثم جمع الوليد المسلمين لهدم الكنيسة. فقال بعض الأقساء للوليد، والفأس على كتفه، وعليه قباء سفرجليّ، وقد شدّ قباءه: إني أخاف عليك من الشاهد. قال: ويلك! إني ما أضع فأسي إلا في رأس الشاهد! ثم إنه صعد. فأوّل من وضع فأسه في هدمها هو الوليد بن عبد الملك. وكبَّر الناس.
وقال يعقوب الفسويّ: سألت هشام بن عمّار عن هدم الكنيسة. فقال: كان الوليد قال للنصارى: ما شئتم، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة. فأنا أهدم كنيسة توما، وكانت أكبرها. قال فرضوا أن هَدَمَ كنيسة الداخلة وأدخلها في المسجد. وكان بابها قبلة المسجد اليوم المحراب الذي يُصلّى فيه. قال: وهدم الكنيسة في أوّل خلافته. وكانوا في بنيانه تسع سنين. ولم يتم بناؤه.
وقال يزيد بن أبي مالك: أرسل إليّ الوليد حين أراد أن ينقض الكنيسة فأتاه النصارى فقالوا: كنيستنا لا نهدمها! قال: فإني أتركها وأهدم كنيسة توما، لأنها لم تكن في العهد. فلما رأوا ذلك، قالوا: فإنا نتركها لكم، وتدع لنا كنيسة توما. فصعد الوليد وصعدنا معه. فكان أوّل من ضرب بفأس في هدمها.
قال: وأراد أن يبني المسجد أسطوانات إلى الطاقات. فدخل بعض البنائين فقال: لا ينبغي أن يُبنى هكذا. ولكن ينبغي أن يُبنى فيه قناطر وتُعقد أركانها، ثم تجعل أساطين وتجعل عُمدا. وتُعقد فوق العُمد قناطر تحمل السقف وتخفف عن العمد البناء. ونجعل بين كل عمودين ركنا. قال: فبُني كذلك.
(1/55)

وقال إبراهيم بن هشام الغسّانيّ: حدثني أبي عن يحيى بن يحيى، قال: لما همّ بهدم كنيسة مَرْ يُحَنَّا ليزيدها في المسجد، يعني الوليد، صعد المنارة ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وفيها راهب يأوي في صومعة. فأحدره من الصومعة. فأكثر الراهب كلامه. فلم تزل يد الوليد تدقُّ في قفاه حتّى أحدره من المنارة. ثم همَّ بهدم الكنيسة. فقال له جماعة من نجاري النصارى: ما نجسر على هدمها. فقال: أتخافون؟ هات المعول، يا غلام! ثم أُتيَ بسُلَّم فنصبه على محراب المذبح. وصعد فضرب بيده حتّى أثّر فيه أثرا كبيرا. ثم صعد المسلمون فهدموه؛ وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة التي بحمام القاسم، حذاء دار أمّ البنين في الفراديس. قال يحيى بن يحيى: أنا رأيت الوليد فعل ذلك بكنيسة مسجد دمشق.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن جابر وغيره، قال: لما كان الوليد وأراد بناء المسجد، فقال إنا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، ونعطيكم عوضا حيث شئتم. وإن شئتم أعطيتكم ثمنها، وأُضعف لكم الثمن. فأبوا ذلك، وقالوا: لنا ذمة وعهد. والله إنا لنجد ما يهدمها أحد، إلا جُنَّ! قال: فأنا أوّل من يهدمها. فقام وعليه قباء أصفر فضرب، وهدم الناس معه. قال أحمد بن المُعلَّى: فأخبرني شيبة بن الوليد، قال: حدثني أبي، قال: كنت أمرُّ بعبد الرحمن بن عامر اليحصَبي " وهو شيخ كبير أزرق " وهو جالس بالروضة، فيقول لي: ألا تأتي حتّى اكتب لك ارتجاز جدّك وهو يضرب بالفأس بالكنيسة بعد الوليد؟ قلت: نعم، ولكن حدِّثني الحديث. فقال: لما عزم الوليد على هدم الكنيسة، قالوا إنه لا يهدمها أحد إلا جُنَّ. فقام جدّك يزيد بن تميم فجمع له وجوه أهل البلد. وأمره الوليد أن يتخذ فأسا صغيرة. ففعل. ثم خرج الوليد وتبعه وجوه أهل البلد حتّى على الكنيسة. ثم التفت إلى يزيد بن تميم، فقال: أين الفأس؟ فأتاه به. فقال: إن هؤلاء الكفرة يزعمون أن أوّل من يهدمها يُجنّ؛ وأنا أوّل يُجنُّ في الله. وأخذ برقبة قبائه فوضعها في مِنطَقته. ثم أخذ الفأس فضرب به ضربات. ثم ناوله جدّك فضرب به بعده، وتناول الفأس كل من حضر.
وصاح النصارى على الدرج وولولوا. فالتفت إلى يزيد بن تميم، وهو على خراجه، فقال: ابعث إلى اليهود حتّى يأتوا على هدمها. ففعل. فجاء اليهود فهدموها.
قال ابن المعلّى: وأخبرني همّام بن محمد بن عبد الباقي، قال: حدّثني أبي، قال: حدثني مروان بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الملك بن مروان، قال: لما أراد الوليد بناء مسجد دمشق، احتاج إلى الصُّنَّاع. فكتب إلى الطاغية أن وجِّه إليّ بمائتي صانع من صُنَّاع الروم، فإني أريد أن أبني مسجدا. وإن لم تفعل، غزوتك بالجيوش، وخربتُ الكنائس، وفعلتُ. فكتب إليه: " لئن كان أبوك فُهِّمَهَا فأُغْفِل عنها، إنها لوصمة عليه؛ ولئن كنت فُهِّمتها وغُيِّبت عن أبيك، إنها لوصمة عليك. وأنا موجِّه إليك ما سألت " . فأراد أن يعمل لها جوابا، فجلس عقلاء الرجال يذكرون. فقال الفرزدق: أنا أجيبه، قال الله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً). فَسُرَّي عنهم.
وعن خالد بن سعيد عن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه، قال: كتب ملك الروم إلى الوليد: " إنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فغن كان حقا فقد خالفت أباك؛ وإن كان باطلا فقد أخطأ أبوك " . فلم يجبه أحد. فوثب الفرزدق، فقال: أنا أبو فراس! (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)! قال فكتب به الوليد إلى ملك الروم.
قال أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملاّس: حدثني أبي عن أبيه عن جدّه، قال: بنى الوليد قبة مسجد دمشق، فلما استقلَّت وتمَّت، وقعت. فشقَّ ذلك عليه. فأتاه بنَّاء، فقال: أنا أتولَّى بناءها، على أن لا يدخل أحد معي في بنائها. ففعل. فحفر موضع الأركان حتى بلغ الماء. ثم بناها. فلما استقلَّت على وجه الأرض، غطّاها بالحُصُر. وهرب. فأقام الوليد يطلبه ولا يقدر. فلما كان بعد سنة، قَدِمَ، فقال له: ما دعاك إلى الهرب؟ قال: تخرج حتّى أُريَك. فأتوا. فكشف عن الحُصُر فوجد البنيان قد انحطّ حتى صار مع وجه الأرض. فقال: من هذا كنت تُؤتى! ثم بناها حتى قامت.
وقال عمر بن الدِّرَفْس الغسّانيّ: رأيت قبة مسجد دمشق. وقد حُفر لأركانها حتّى بلغوا الماء وأُلقي على الماء جران الكروم. وبُني الأساس عليه.
(1/56)

قال إبراهيم بن أبي حَوشَب كان جدّي أحد قَوَمَة المسجد في بنائه. فحُدِّثتُ أن الوليد بعث إليه عند فراغه من القبة، ولم يبق إلا عقد رأسها. فقال: إني عزمت على أن أعقِدها بالذهب. فقال: يا أمير المؤمنين! إختلطتَ! هذا شيء يُقدَر؟ فقال: يا ماجن تقول لي هذا؟ وأمر به، فضُرب خمسين سوطا. ثم قال: اذهب فافعل ما أمرتُ به. قال: فذُكر لي أنه عمل لبنة من ذهب. فحملها إليه. فلما رآها وعرف ما فيها، قال: هذا شيء لا يوجد في الدنيا. ورضي عنه وأمر له بخمسين دينار.
وقال أبو بكر أحمد بن البرامي، حدثنا أبي: سمعت بعض شيوخنا قال: لما فرغ الوليد من بناء المسجد، قيل له أتعبت الناس في طينه كلَّ سنة. فأمر أن يُسقَّف بالرصاص من كل بلد. فبقي عليه موضع لم يجد له رصاصا. فكتب إليه بعض عماله: وجدنا عند امرأة منه شيئا، فأبت أن تبيعه إلا وزنا بوزن. فكتب إليه خذه بما أرادت. فأخذه منها وزنا بوزن. فلما وفّاها، قالت: هو منِّي هديَّة للمسجد. وقالت: أنا ظننت أن صاحبكم يظلم الناس. وقيل كانت يهودية.
وقال الوليد بن مسلم: لما أراد الوليد بناء المسجد، كان سليمان بن عبد الملك على الصُّنَّاع.
وروى محمد بن عائذ عن مشيخة قالوا: ما تمّ مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة. لقد كان يفضُل عند الرجل منهم الفلس ورأس المسمار فيجيء حتّى يضعه في الخزانة.
قال أحمد بن إبراهيم بن هشام: سمعت أبي يقول: ما في مسجد دمشق من الرخام شيء، إلا رخامتا المقام الغربيّ. فإنه يقال إنهما من عرش سبإٍ. وأما الباقي فكله مرمر. المقام هو مقصورة الخطابة والرُّخامتان هما السماقيُّ البرَّاق، لا يُدرى ما قيمتهما.
قلتُ: قوله في ذلك مردود.
فقد أجمعت الحكماء على أن الرخام هو الأبيض. فأما الملوّن فكله حجارة. وبمسجد دمشق من الرخام الأبيض وقر مئين من الإبل. وإن كان الثاني رخاما بزعمه، ففيه من الملوّن كالغرابيّ والمنقط والمشحم والأخضر والسُّمَّاقيّ غير اللوحين شيء كثير. والناس تطلق على كل ذلك اسم الرخام.
وقد استجدّ شيء كثير منه في الحائط الشاميّ، جدّده الظاهر بيبرس. واستجد بعد ذلك كثير.
وقوله المقام الغربيّ، إشارة إلى محراب مقصورة الخطابة. فإن المسجد لم يكن في حائطه القبليّ في ذلك الوقت إلا هذا المحراب، والمحراب الشرقيّ المعروف بمحراب الصحابة.
قال دُحَيْم: وحدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح عن أبيه، قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخِّم.
وقال أبو تقيّ هشام بن عبد الملك: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: لما أخذ الوليد في بناء المسجد وظهر من تزويقه وبنائه وعظم مؤونته، تكلم الناس وقالوا: مَحَقَ بيوت الأموال في نقش الخشب وتزويق الحيطان. فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " قد بلغني مقالتكم، وليس الأمر على ما ظننتم. ألا وإني أمرت بإحصاء ما في بيوت أموالكم فأصبت فيه عطاءكم ست عشرة سنة " .
وقال الوليد عن عمر بن مُهاجر، قال: حسبوا ما أنفق على المكرمة التي قبلي مسجد دمشق فكانت سبعين ألف دينار.
(1/57)

وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أصبغ بن محمد بن محمد بن لَهِيعَة السكسكيّ قال: ذُكر أن الوليد بن عبد الملك حين بنى مسجد دمشق، مرّ برجل يعمل في المسجد وهو يبكي. فقال: ما قصتك؟ قال: يا أمير المؤمنين! كنت رجلا جمالا. فلقيني يوما رجل فقال: أتحملني إلى مكان كذا وكذا؟ وذكر موضعا في البرِّيَّة. فقلت: نعم. فلما حملته وسرنا بعض الطريق، التفت إليَّ فقال لي: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك، وأنا حيّ، أغنيتك؛ وإن متُّ قبل بلوغي إليه، فاحمل جثتي إلى الموضع الذي أصف لك. فإنَّ ثمَّ قصرا خرابا، فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة النهار. ثم عُدَّ سبع شرفات من القصر واحفر تحت ظلّ السابعة منها على قدر قامة. ستظهر لك بلاطة، فاقلعها فإنك سترى تحتها مغارة، فادخلها، فإنك ترى في المغارة سريرين على أحدهما رجل ميت. فاجعلني على السرير الآخر، ومدّني عليه، وحمِّل ما معك مالا من المغارة وارجع إلى بلدك. فمات الرجل في الطريق، ففعلت ما أمرني به. وكان معي أربعة جمال وحمارة فأوسقتها كلها مالا من المغارة؛ وسرت بعض الطريق، وكانت معي مخلاة نسيت أن أملأها وداخلني الشَّرَه. فرجعت بها وتركت الجمال والحمارة في الطريق. فلم أجد المكان، وعدتُ. فلم أجد الدوابَّ، فبقيتُ أدوِّر أياما. فلما يئست رجعت إلى دمشق ولم أحصل على شيء واضطرني الأمر إلى ما ترى. أعمل في التراب كل يوم بدرهم. وكلما ذكرت حالي، لم أملك نفسي! أن أبكي فقال له الوليد: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئا، وإليَّ صارت، فبنيت بها هذا المسجد. ثم وهبه شيئا.
وقال أبو قصيّ العذريّ: وحسبوا ما أنفقوا على مسجد دمشق، فكان أربعمائة صندوق، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار. وبلغ الوليد أنهم تكلموا، فقال: يا أهل دمشق إني رأيتكم تفخرون بمائكم وهوائكم وفاكهتكم حماماتكم، فأحببتُ أن يكون مسجدكم الخامس.
وقال خالد بن تبوك: اشترى الوليد العمودين الأخضرين من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار.
وقال أحمد بن إبراهيم الغسّانيّ: حدّثنا أبي عن أبيه عن زيد بن واقد، قال: وكّلني الوليد على العُمَّال في بناء مسجد دمشق، فوجدنا فيه مغارة، فعرَّفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، والشموع تزهر بين يديه، فنزل. فإذا كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة، وإذا فيها صندوق. فإذا فيه سَفَط. وفي السَّفط رأس يحيى بن زكريا. فأمر به الوليد، فرُدَّ إلى المكان. وقال اجعلوا العمود الذي فوقه مغيَّرا من الأعمدة. فجعل عليه عمود مسفَّط الرأس.
وقال ابن البراميّ: سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازنيّ يقول: لما كان في أيام الوليد وبنائه المسجد، احتفروا فيه فوجدوا بابا مغلقا. فأتى الوليد، ففُتح بين يديه. فإذا مغارة فيها تمثال رجل على فرس، وفي يده الواحدة الدُّرَّة التي كانت في المحراب، ويده الأخرى مقبوضة. فأمر بها، فكسرت. فإذا فيها حبَّتان: حبّة قمح وحبّة شعير. فسأل عن ذلك، فقيل له: لو تركت الكفّ، لم يسوّس في المدينة قمح ولا شعير.
قلتُ: وحكى لنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن أسد النجار الحرّانيّ الكاتب المجوّد، وكان يباشر به بعض العمائر، أنه فتح في حضرته الشرقية المعروفة بتحت الساعات لكشف قُنَّي الماء. فإذا تحت المسجد أقباء معقودة وعمد منصوبة يفرق بينهما عضائد محكمة، وقد أُحكم بناؤها، وشُدّت في سلاسل الأساس معاقدها. وقد بنيت بالصُّفَّاح والعمد، والبناء الذي ما هو في قدرة أحد. قال: ودخلناها وجُلنا في جوانبها.
وحكى لي المعلم عليّ بن محمد بن التقيّ المهندس، قال: حدثني أبي عن أبيه، قال: كان لهذه الكنيسة رواق يحيط بها من الجهات الأربع بأواب أربعة. في كل جهة باب. فالشرقيّ باب جَيْرون، وكان الباب الغربيّ تلقاء، وراء المسرورية، ما بين العصرونية وبينها. وبقي إلى زمن العادل أبي بكر. ففكَّه لما عمَّر القلعة. ونقل حجارته وعمده إليها.
قال: وكان في هذه الرواق قَلاَليُّ وصوامع.
قلت: ومن آخر ما نُقص منها الباب وما يجاوره برأس القباقبيين، مما يلي عقبة الكتان.
وبُني من منارة الجامع الشرقية، بعد الحريق الكائن سنة أربعين وسبعمائة.
وتأخر من حجارته بقايا اشتُريَتْ لعمارة الجامع اليلبغاويّ، جوار بَرَدَا، سنة ثمان وأربعين وسبعمائة.
(1/58)

وثَمّ بقايا من سور ذلك الرواق وباب قديم، موجود بين المدرسة النّورية وبين المدرسة المجاهدية المعروفة بقصر هشام.
وقال ابن المُعلّى: أخبرني أحمد بن أبي العباس، حدثنا ضمرة عن عليّ بن أبي جميلة قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز، قالت النصارى: يا أمير المؤمنين، قد علمتَ حال كنيستنا! قال إنها صارت إلى ما ترون، فعوَّضهم كنيسة من كنائس دمشق، لم تكن في صُلحهم، يقال لها كنيسة توما.
قال ابن المُعلّى: وبلغني عن الوليد بن مسلم عن ابن جابر أنهم رفعوا إلى عمر بن عبد العزيز ما أخذوا عليه العهد في كنائسهم. فكلّمهم ورفع لهم في الثمن، حتى بلغ مائة ألف. فأبوا. فكتب إلى محمد بن سُويد الفهريّ أن يدفع إليهم كنيستهم، إلا أن يرضيهم. فأعظم الناس ذلك، وفيهم بقية من أهل الفقه. فشاورهم محمد بن سُويد، متولي دمشق. فقالوا: هذا أمر عظيم! ندفع إليهم مسجدنا؟ وقد أذَّنَّا فيه بالصلاة وَجَمَّعنا فيه. يُهدم ويُعاد كنيسة؟ فقال رجل منهم: هاهنا خصلة. لهم كنائس عظام حول المدينة. دَير مُرَّان، وباب توما، والراهب، وغيرها. إن أحبوا أن نعطيهم كنيستهم، ولا يبقى حول دمشق كنيسةإلا هدمت، وإن شاءوا تُركت هذه الكنائس ونسجّل لهم سجلا. ثم عرضوا عليهم ذلك. فقالوا: أنظرونا، ننظر في أمرنا! فتركهم ثلاثا. فقالوا: نحن نأخذ الذي عرضت علينا، ونكتب إلى الخليفة نخبره بذلك، ويسجّل هو لنا بأمان على ما في الغُوطة. فكتب إلى عمر. فسرَّه ذلك وسجَّل لهم كنائسهم، إنهم آمنون أن تُخرَّب أو تُسكن. وأشهد لهم شهودا بذلك.
وقال صفوان بن صالح: حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن مهاجر: سمعتُ أخي عمرا قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، وذكر مسجد دمشق، فقال: رأيت أموالا أُنفقت في غير حقها، فأنا مستدرك ما استدركتُ منها، فرادُّه في بيت المال: أعمد إلى ذلك الفسيفساء والرخام، فأقلعه وأطينه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالا، وأنزع تلك البطائن. وأبيع جميع ذلك. فبلغ أهل دمشق فاشتدّ عليهم. فخرج إليه أشرافهم فيهم خالد القسريّ. فقال لهم خالدا: ائذنوا لي حتّى أكون أنا المتكلم، فأذنوا له. فلما أتوا دير سمعان استأذنوا على عمر. ثم قال له خالد: بلغنا أنك يا أمير المؤمنين هممتَ كذا وكذا. قال: نعم. قال: والله ما لك ذلك. فقال عمر: لمن هو؟ لأمك الكافرة! " وكانت نصرانية أمَّ ولد " . فقال: إن كانت كافرة، فقد ولدت مؤمنا. فاستحى عمر، وقال: صدقت! فما قولك " ماذا لي " ؟ قال: لأنا كنا معشر أهل الشام، وإخواننا أهل مصر والعراق نغزو فيُفرض على الرجل منّا أن يحمل من أرض الروم قفيزا بالصغير من فسيفساء، وذراعا في ذراع من رخام. فيحمله أهل العراق وأهل حلب إلى حلب ويستأجر على ما حملوه إلى دمشق. ويحمل أهل حمص إلى حمص فيستأجر على ما حملوه إلى دمشق. فذاك قولي: ماذا لك. فسكت عمر.
ثم جاء بريد من والي مصر يخبره أن قاربا ورد عليه من رومية فيه عشرة من الروم يريدون الوصول عشرة من الروم يريدون الوصول إلى أمير المؤمنين. فأذن له وأمر أن يوجه معهم عشرة من المسلمين يحسنون الرومية، ولا يعلمونهم بذلك حتّى يحملوا إلى كلامهم. فساروا حتّى نزلوا دمشق، خارج باب البريد. فسأل الروم رئيس العشرة من المسلمين أن يستأذن لهم في دخول المسجد. فأذن لهم فمرُّوا في الصَّحَن حتّى دخلوا من الباب الذي يواجه القبلة. فكان أوّل ما استقبلوا المقام. ثم رفعوا رؤوسهم إلى القبة. فخرَّ رئيسهم مغشيّا عليه. فحُمل إلى منزله، فأقام ما شاء الله أن يُقيم. ثم أفاق. فقال له أصحابه بالرومية: ما قصّتك؟ وما الذي عَرَضَ لك؟ قال: كنا معشر أهل رومية نتحدّث أن بقاء العرب قليل. فلما رأيت ما بنوا، علمت أن لهم مدّة سيبلغونها. فلذلك أصابني ما أصابني. فلما قدموا على عمر، أخبروه. فقال: لا أرى مسجد دمشق إلا غيظا على الكفار. فترك ما كان همّ به من أمره.
(1/59)

وقال أبو زُرعة الدّمشقيّ: حدثني أحمد بن إبراهيم بن هشام، حدثنا أبي عن أبيه عن جدّه، قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يجرّد ما في قبلة مسجد دمشق من الذهب. وقال إنه يشغل عن الصلاة. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه أنفق عليه فيء المسلمين وأعطياتهم. وليس يُجتمع منه شيء يُنتفع به. فأراد أن يبيّضه بالجصِّ. فقيل له: تذهب النفقات فيه. فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: ضاهيت الكعبة. فبينا هو كذلك إذ ورد عليه وفد الروم. فاستأذنوا في دخوله فأذن لهم. وأرسل معهم من يعرف الروميّة وقال: احفظوا ما يقولون. فلما وقفوا تحت القبة، قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قالوا: مائة سنة. قال: فكيف تُصغِّرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره، فقال: أما إذ غايظ العدوَّ، فدعه.
وقال أحمد بن إبراهيم بن ملاّس: حدثنا أبي عن أبيه قال: لما قدم المهديّ يريد بيت المقدس، ومعه أبو عبيدة الأشعريّ كاتبه، فقال: يا أبا عبيد الله! سَبَقَنَا بنو أمية بثلاث: بهذا البيت، لا أعلم على الأرض مثله، وبنُبْل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون والله فينا مثله أبدا. فلما أتى بيت المقدس ودخل الصخرة قال: يا أبا عبدة، هذه رابعة.
قال أحمد: وحدثنا أبي أن المأمون لما دخل مسجد دمشق ومعه المعتصم ويحيى ابن أكثم قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟ قال المعتصم: دهنه وبقاؤه، فإنا ندعه في قصورنا فلا يمضي عليه عشرون سنة حتّى يتغير. قال: وما ذاك أعجبني منه. فقال يحيى ابن أكثم: تأليف رخامه، فإني رأيت فيه عقدا ما رأيت مثلها. قال: ما ذاك أعجبني. قالا: فما هو؟ قال: بنيانه على غير مثال متقدّم.
وقال الشافعيّ: عجائب الدنيا خمس: منارة ذي القرنين؛ والثانية أصحاب الرقيم بالروم؛ والثالثة مرآة بباب الأندلس معلقة على باب مدينتهم الكبيرة إذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مائة فرسخ وجاء أهله إليها؛ يرون صاحبهم من مسافة مائة فرسخ؛ والرابعة مسجد دمشق؛ والخامسة الرخام والفسيفساء، فإنه لا يُدرى له موضع.
قلتُ: وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر.
والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهّب ثم يطبق عليه زجاج رقيق. وهذا من النوع المسحور. وأما الملوّن فمعجون وقد عمل منه في هذا الزمان شيء كثير برسم الجامع الأموي وحُصِّل منه عدّة صناديق وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة، وعَمِلَ منه قِبَلٌ للجامع التنكزيّ ما على جهة المحراب.
غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر. والفرق بين الجديد والقديم أن القديم قطعة متناسقة على مقدار واحد، والجديد قطعة مختلفة. وبهذا يعرف الجديد والقديم.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال: ما ينبغي أن يكون أحد أشدّ شوقا إلى الجنة من أهل دمشق، لما يرون من حسن مسجدها.
وروى أحمد بن البراميّ بسنده عن عبد الرحيم الأنصاريّ قال: سمعت " بعض " الأعراب وهم يدورون المسجد يقولون: لا صلاة بعد القُلَيْلة. فقيل له: رأيت القُلَيْلة؟ قال: نعم، وهي تضيء مثل السراج. قلت: مَن أخذَها؟ قال: أما سمعت المثل؟ " منصور سرق القلة، وسليمان شرب المرّة " منصور الأمير وسليمان صاحب الشرطة، يعني صاحب شرطته. وذلك أن الأمين كان يحب البلور. فكتب إلى صاحب شرطة متولي دمشق أن يُنفذ إليه القُلَيلة. فسرقها ليلا، وبعث بها إليه. فلما قُتل الأمين ردَّ المأمون القُلَيلة إلى دمشق ليُشنِّع بها على الأمين.
وكانت في محراب الصحابة. فلما ذهبت جُعل موضعها برنيّة زجاج رأيتها ثم انكسرت فلم يُجعل مكانها شيء.
وقال عليّ بن أبي جميلة: كنا نستر مسجد دمشق في الشتاء بلبود حسنة، فدخلته الريح فهرّته. فثار الناس فحرّقوا اللبود.
قلتُ: وأما بناؤه: فهو وثيق البناء، أنيق البهاء، قد بُني بالحجر والكلس إلى مُنتهى حوائطه، وشُرِّف بالشراريف في أعاليه، واتُّخذت له ثلاث منائر: إثنان في جناحي قبلته، شرقا وغربا، والثالثة في شامه وتعرف بالعروس.
(1/60)

ويُدخل إليه من ستة أبواب، منها أربعة أصول واثنان مستجدان. فالأصول باب الزيادة، وهو في حائطه القبليّ، وباب الساعات وهو في حائطه الشرقيّ، يُفضي إلى حضرة الساعات المعمولة لمعرفة الأوقات، تدار بالماء، وتعلق فيها أبواب الساعات. وتجاه في الحائط الغربيّ باب البريد، وهو أشهر من الشمس في الآفاق، وأكثر ذكرا من " ذكرى حبيب ومنزل " للرفاق. وهو حضرة فسيحة في جانبيها حوانيت للفواكه والشمع والعطر والشراب وأطايب المأكول. وبها القُنيّ من المياه الجارية، توقد عليها المصابيح بالليل فيموّه الماء ذهب شعاعها، وتُطرب أنابيبها الأسماع بلذة إيقاعها. والرابع باب النطّافين وهو في حائطه الشماليّ، تلاصقه الخانقاه الشميشاطية وتقاربها الأندلسية.
وأما البابان المستجدّان فهما الباب النافذ إلى الكلاّسة، والباب النافذ إلى الكاملية. وهما جناحا باب النطّافين.
والمسجد ذو صحن يصاقب باب النطّافين، وقد فُصِّصت حوائطه بالفسيفساء الروميّ المذهب والملوّن بغرائب الأشجار والصباغة.
ويدور به رواق قد أُزِّرَت جُدُرُهُ وسوار بالرُّخام الملوّن، وعُقدت رؤوس عمده وسواريه بالقناطر. وجُعل على قنطرة منها طاقات صغار، يفصل بين كل اثنين منها عمود رخام أو سارية.
وفي قبلته ثلاثة أروقة، وفي وسطها القبة المعروفة بالنَّسر: قد عُقدت على المحراب الكبير الذي يُصلِّي به خطيب الجامع وعامّة الناس؛ ومقصورة الخطابة وبها المنبر؛ وأمامه سُدَّة الأذان.
وإلى جانبه الأيسر المصحف العثماني بخط أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه.
وفي شرقيّ هذه المقصورة المحراب المعروف بمحراب الصحابة. وهو محراب المسلمين الأوَّل. وبه تصلي المالكية الآن.
وغربيّ المحراب الكبير محراب يُعرف باللازوردة. تصلي به الحنفية، جوار دار الخطابة.
ثم يليه باب الزيادة، ويليه من الغرب محراب تصلي به الحنابلة.
ولكل من هذه المحاريب الثلاثة إمام ومؤذِّن. وقد وُقِف في كل محراب منها وقف على مدرّس أو جماعة من الفقهاء من المذاهب الثلاثة: كلّ طائفة في محرابها.
وكل أروقته بالعمد والعضائد، عليها طاقات القناطر المعقودة بعضها على بعض. وقد أُزِّرت جُدُر هذه الأروقة بالرُّخام الأبيض والمجزّع بالأحمر المنقّط والأخضر المرشوش والسواد الغرابيّ والأبقع والمعجون الأزرق.
وأما أركان القبة الأربعة وجناحا النَّسر القبليّ والشاميّ فمن الرخام إلى أعلى الجدر والأركان معمول بالفسيفساء، مسقوف بالبطائن المعمولة بالذهب واللازورد والزنجفر والإسفيداج والأصباغ الخالصة من لون والمركبة من لونين.
وقد جُعل في أركان المسجد الأربعة أربعة مشاهد اتُّخذت على أسماء الصحابة الأربعة. فالشرقيّ بقبلة " مشهد " على اسم أبي بكر، وبه عدّة خزائن كتب وَقُف. وشاميه مشهد على اسم عليّ. والغربي بقبله مشهد على اسم عمر، ويُعرف الآن بمشهد عروة، وبه شيخ حديث وجماعة من العلماء يستمعون الحديث بوقف مستقل وعدّة خزائن كتب وقف. وشاميّة مشهد على سم عثمان. وبه يصلي نائب السلطان في شباكه والحاكم الشافعيّ إلى جانبه.
وبهذا الشباك يحكم الحاكم بعد الصلاة، كأنه كرسيّ ملك له.
وبهذا المشهد تعقد مجالس الحكام الأربعة والعلماء لفصل القضايا المعضلة التي لا ينفرد بها حاكم. فيجتمعون بأمر نائب السلطان وينظرون في تلك الحكومة ويحكمون فيها بأجمعهم.
وداخل مشهد عليّ مشهد لطيف يعرف بالسجن. يُقال إنه سُجن به زين العابدين حين أُقدم على يزيد. وجواره في زاوية الرواق الشاميّ " شرقيّ الباب النافذ إلى الكاملية " مقصورة قد جاور بها جماعة من الفقراء، وتعرف بالحلبية. وبها خزانة كتب وقف.
وفي كل من ذلك إمام يُؤتُّم به، ومؤذن يقيم الصلاة ويُبلِّغ.
وفي هذا المسجد زيادات في شماله اتسع بها فناؤه، وتفسحت أرجاؤه.
منها الزاوية الحلبية المذكورة في أوّل حدّه الشماليّ من الشرق.
ثم التربةالكاملية، ولها مسجد له إمام ومؤذن.
والكلاَّسة، وبها إمامان ومؤذنان.
وفي شامها، الأشرفية والمدرسة العزيزية ينفذ إليهما، ولكل منهما إمام ومؤذن.
وجوار المدرسة العزيزية التربة الصلاحيّة من غربها.
هذا إلى عدّة أئمة تقوم فيه احتسابا.
وقد فُرش المسجد بالمرمر " ومقطعه من جبل المزّة " وعمد قائمة بالرخام الملوّن والمنقوش المُذهب.
(1/61)

وكذلك عُملت عضائده وذُهِّبت قواعد عمده ورؤوسها. وأجري الماء في صحن عُقدت عليه قبة في صحنه. وفي صحن في ركن النَّسر من داخل الرواق، وفي جميع مشاهده وزياداته، وفي ميضأة اتُّخِذَت أسفل المنارة الشرقية منه. هذا إلى ما في حضرة باب البريد والزيادة تحت الساعات من مياه جارية، وأسواق قائمة وسُرُج تتّقد ليلا كالأنجم، وبيوت ذات مناظر تملأ عين الناظر المتوسِّم.
فأما القبة فما لا يجول مثلها في ظنّ، ولا يدور في فكر. وقد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا. قد بُنيت على قناطر، ممتدّة على قناطر، بعقود محكمة، وقطع صخور مُنظّمة، إلى سُقوف مُذهبة، ومحاسن موجزة مسهبة.
وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة، طول الرمح.
وقد غُلِّفت من كل الأسطحة بالرصاص. وحُكِّمت ميازيبه، وجُمع فيه من كل حسن غريبه.
قال أبو محمد بن زَبْر القاضي: سُمّي باب الساعات لأنه عمل هناك بيكار الساعات، يُعلم بها كل ُّ ساعة تمضي. عليها عصافير من نحاس وحيّة من نحاس وغراب من نحاس. فإذا تمت الساعة خرجت الحيّة، وصفرت العصافير، وصاح الغراب، وسقطت حصاة في الطَّست.
وكان في الجامع قبل حريقه طلِّسمات لسائر الحيشرات، مُعلَّقة في السقف فوق البطائن. ولم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق. فلما احترقت الطلسمات، وُجِدَت. ومما كان فيه طِلَّسم للصنونات لا تعشش فيه. ولا يدخله غراب. وطِلَّسم للفأر، وطلَّسم للحيّات والعقارب. وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلا الفأر. وفيه طلَّسم للعنكبوت.
وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة.
وكان سببه أن أمير الجيوش بدرا الجماليّ ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة. فلما كان بعد العصر يوم نصف شعبان، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة. فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار، فبادرت إلى الجامع. وكانت العامّة تعاون المغاربة. فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع، فجلّ المر وعظم، فجعلوا يبكون ويتضرعون.
ووصف العماد الكاتب هذا الحريق في كتاب. فقال: " وفي النصف من شعبان هذه السنة، احترق جامع دمشق. ففُجع الإسلام بمصابه؛ وصلَّت النار في محرابه؛ واشتعل رأس القبة شيبا بما شبَّت، وأكلت النار أمُّ الليالي منها ما ربَّت؛ وطار النَّسر بجناح الضِّرام؛ وكاد يحترق عليه قلب بيت الله الحرام؛ فكأن الجحيم استجارت به فتمسكت بذيله؛ وكأن النهار ذكر ثأرا عنده فعطف على ليله؛ فواها له! من مسجد أحرقته نفحات أنفاس الساجدين، وعلِقت فيه لفحات أنفاس الساجدين؛ وعلِقت فيه لفحات قلوب الواجدين؛ ثم تداركه الله بالإلطاف والإطفاء؛ وأتاه بالشفاء بعد الاشتفاء؛ وقال حسبه اصطلاء واصطلاما؛ وحقق فيه قوله (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً) " .
وقال ابن العين زربيّ في الحريق المذكور:
لَهْفَ نفسي على دمشق التي كا ... نت جَمال الآفاق والأقطارِ
وعلى ما أصاب جامعها الجا ... معَ للمعجبات والآثارِ
إذ أتته النِّيران طُلا وعَرضا ... عن يمين من قُطره ويسارِ
ثم مرَّت على حدائق نخل ... فإذا الجمر موضع الجمَّارِ
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: أقيمت القبة الرخام التي فيها فوّارة الماء في سنة تسع وستين وثلثمائة. قال: " وقرأت بخط إبراهيم بن محمد الحنائيّ: أُنشئت الفوّارة المنحدرة في وسط جيرون سنة ست عشرة وأربعمائة. وأَمَرَ بجرّ القصعة من ظاهر قصر حجاج إلى جيرون وأجرى ماءها الشريف فخر الدولة حمزة بن لحسن بن العباس الحسيني " . وتحته بخط محمد بن أبي نصر الحُميديّ. " وسقطت في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة، من جِمال تحاكَّت بها. فأنشئت كَرَّة أخرى " .
قال ابن عساكر: ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ورواق دار الحجارة ودار خديجة في سنة اثنين وستين وخمسمائة.
قال الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ: ثم عُمل لها الشاذروان، في آخر دولة الملك العادل سنة نيف عشرة وستمائة.
(1/62)

قال: " ورأيت القَصعة وهي أكبر من التي في وسط طهارة جيرون. وفي زنَّارها الأوسط ستُّ أنابيب صغار، تفور حول الفوَّارة. وعليها درابزينات. فلما احترقت اللبادين سنة إحدى وثمانين وستمائة، تلفت هذه القصعة وبُني عوضها هذه البركة المثمَّنة. وينبع الماء في هذه البركة من قناة دُفنت إليها من مكان مرتفع. فيعلو بها الماء نحو قامة. وسُمعة الفوّارة أعظم من مرآها، واسمها أجلّ من معناها " .
قلتُ: لما وقع الحريق سنة أربعين وسبعمائة بسوق الدهشة والطرائفيين وتشعّث وجه الجدار الذي للمشهد المعروف بأبي بكر وتعلَّت شُرر النار حتّى وصلت إلى دائر المنارة الشرقيّة وشرعوا في إصلاح ما وهى من ذلك. وجدوا أعاليها متداعية، وحجارتها مفخّرة مفطّرة. فوقف عليها الحكام وقامت البيّنة بالضرورة الداعية إلى نقض المنارة وتجديد بنائها. فنُقضت جُدُرها الأربعة إلى حدّ أوتار الرواق القبليّ، ونُقض الجدار القبليّ والجدار الشرقيّ إلى الأرض، وحُفر ما بين الجدران في وسط المنارة عدة قامات. وبُني ذلك لَبِنَةٌ واحدة، وبُنيت المنارة بُنيانا جليلا لم يُبَن من زمن الوليد أجلُّ منه ولا أوثق.
وقال الفاضل صلاح الدين أبو الصفاء الصفديّ من مقامة أنشأها في الحريق المذكور، من فصل يتعلق بالجامع: " فسألت الخبر، ممن غبر، فقال: إن الحريق وقع قريبا من الجامع، وانظر إلى شَبَح الجوّ كيف انتشرت فيه عقائق اللَّهب اللامع! فبادرتُ إلى صحنه والناس فيه قطعة لحم، والقلوب ذائبة بتلك النار كما يذوب الشحم؛ ورأيت النار، وقد نشرت في حداد الظلام مُعَصفِرات ذوائبها، وصعَّدت إلى السماء عَذَبَات ذوائبها.
ذوائبُ لجّتْ في عُلُوٍّ كأنَّمَا ... تحاول ثأراً عند بعض الكواكبِ
وعلت في الجوّ كأنها أعلام ملائكة النصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي (تَرْمِي بِشُرَرٍ كَالْقَصْرِ)؛ فكم زمر أضحت لذلك الدُّخَان جاثية. وكم نفس كانت " في النازعات " وهي تتلو (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ)؟ ولم تزل النار تأكل ما يليها، وتُفنى ما يستفلها ويعتليها، إلى أن ارتفعت إلى المنارة الشرقية، ولعبت ألسنتها المسودّة في أعراض أخشابها النقية؛ وثارت إليها من الأرض لأخذ الثأر، وأصبح صخرها كما قالت الخنساء " كأنه علم في رأسه نار " . فنُكِّست وكانت للتوحيد سبّابة، ولمعبدها المطرب شبّابة، وابتُلي رأسها من الهدم والنار بشقيقه، وأدار الحريق على دائرها رحيقه.
وبالأرض من حُبِّها صفرة ... فما تُنْبت الأرض إلا بَهارَا
وأصبح " باب الساعات " وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السنَّة والجماعة؛ وعادت الدهشة، وقد آل أمرها إلى الوحشة؛ وحُسنها البديع وقد ثَلَّت النار عرشه. كأن لم أرَ بها سميرا، ولا شاهدتُ في بنائها وقماشها جنَّة وحريرا " .
وقال جمال الدين عبد الله بن غانم، من كتاب عن كافل الشام، تنكز " رحمه الله " إلى نائب طرابلس في هذه الواقعة.
" وأضحى " فَمُ الفوّارة يُصاعد جمرات أنفاس، و " سوق النَّحَّاسين " يُرسل منه إلى سور الجامع (شُواظٌ من نار ونُحاس)؛ وأُقعِدَ " بيت الساعات " إلى قيام الساعة، ودُخل إلى باب الجامع لكن لغير طاعة؛ وكاد يُصلَّى مَن به يُصلِّي، ويُقبِل على صفّ العابدين فيُولِّي. واهتزَّت المأذنة بحُمَّى نافض، وتشعَّث وجه المشهد الأبِي بكريِّ فكأنما أصابته عين الروافض؛ وترقرقت عيون العابدين من الألم، ورقَّ صحن الجامع لمأتم هُداة الساجدين من المأذنة بنار على عَلَم؛ وما زالت مرآة اللَّهب حتّى خرَّبت المنار، وصُفَّ بعد ذلك في صحن الجامع ما فَضَلَ عن أكل النار " .
(1/63)

قلتُ: وهذا المسجد معمور بالناس كلَّ النهار وطَرَفَي الليل، لأنه ممرّ المدارس والبيوت والأسواق. وفيه ما ليس في غيره من كثرة الأئمة والقُرّاء، ومشايخ العلم والإقراء، ووجوه أهل التصدير والإفتاء، ووضائف الحديث وقراء الأسباع والمجاورين من ذوي الصلاح. فلا تزال أوقاته معمورة بالخير، آهلة بالعبادة. قلَّ أن يخلو طرفة عين في ليل أو نهار من مُصلٍّ، أو جالس في ناحية منه لاعتكاف، أو مرتل للقرآن، أو رافع عقيرته بأذان أو مكرّر في كتاب علم، أو سائل عن دين، أو باحث عن مُعتقَد، أو مقرّر لمذهب، أو طالب لحل مشكل: من سائل ومسؤول، ومفتٍ ومستفتٍ. هذا إلى من يأتي هذا المسجد مستأنسا لحديث، أو مرتقبا لقاء أخ، أو متفرجا في فضاء صحنه وحسن مرأى القمر والنجوم ليلا في سمائه. هذا إلى فسحة الفضاء وطيب الهواء وبرد رواقاته، أوقات الهجير؛ وحُسن مرائي ميازيبه، أحيان المطر. وفي كل ناحية من وجهها قمر.
على هذا الجامع من الوظائف المرتبة ما لا يستقلُّ به إلا ديوان مَلَك؛ وعليه جلائل الأوقاف. إلا أن الأيدي العادية قد استولت على كثير منه لسبّه الأكابر والمناصبات، وغير ذلك مما عُمل عليه على سبيل النَّصَبَات.
وقد أضيف إليه وقف المصالح، وقد كان أُفرد زمن نور الدين، رحمه الله. وهو لا يجاوز تسعين ألفا في السن. جُعل لها مصارف أُخذ بحجتها كل مال المسجد وغُلّ بالباطل ورُتِّب منه لغير ذوي الاستحقاق. وحُمّل حتّى كلَّ مطاه، وأُخذت حتّى قصُرت خطاه. وهاهو الآن قد اختُلَّت أحواله، وأُكِلَت وشُرِبَت أمواله. وأصبح نهبا مُقسَّما، وسواما صِيَح في حَجَراته. وآل حال مباشريه إلى أسوء الحال وشرّ المآل
وكانوا غِياثا ثم أَضْحَوْا رَزِيَّةً ... ألاَ عَظُمَتْ تلك الرزايا وجَلَّتِ
وقد اتفقت كلمة السُّفَّار في الآفاق إلى أنه فرد في محاسنه، بديع في نظائره.
مقام إبراهيم بِبَرْزة
روى مكحول عن ابن عباس، قال: وُلِدَ إبراهيم بغُوطة دمشق في قرية يُقال لها بَرْزَة، بجبل قاسِيُون.
وعن حسَّان بن عطية قال: أغار ملك نَبَطِ هذا الجبل على لوط فسباه وأهله. فأقبل إبراهيم في طلبه، في عدّة أهل بدر: ثلثمائة وثلاثة عشر. فالتقى هو وملك الجبل في صحراء يعفور. فَعَبَّى إبراهيم ميمنة وميسرة وقلبا. وكان أوّل من عبّى الحرب هكذا. فالتقوا. فهزمه إبراهيم واستنقذ لوطا وأهله. فأتى هذا الموضع الذي ببرزة، فصلّى فيه.
وروى أحمد بن حميد بن أبي العجائز عن أبيه عن شيوخه، أن الأثارات التي في برزة عند المسجد الذي يُقال له مسجد إبراهيم في الجبل " عند الشق " أنه مكان إبراهيم، وأن الأثارات التي فوق الشِّق في الجبل موضع رأى إبراهيم، فمن صلّى فيه ودعا أجابه الله، وأن ذلك الجبل كان فيه لوط وجماعة من الأنبياء وآثارهم في مواضع من الجبل. أدركتُ الشيوخ يقصدونه ويصلّون فيه ويدعون. وهو نافع لقسوة القلب كثرة الذنب، وأن بعضهم جاء من مكة فصلّى في الموضع الشّق، لمنام رآه.
وعن أبي الحسين محمد بن عبد الله الرازيّ، قال: قال أحمد بن صالح: أدركت الشيوخ بدمشق وهم يفضلون مسجد إبراهيم عليه السلام ببرزة ويقصدونه ويصلُّون فيه ويذكرون أن الدعاء فيه مجاب، وهو موضع عظيم شريف. ويذكرون ذلك عن شيوخهم ويقولون إن الشق الذي في الجبل خارجا عن المسجد هو الموضع الذي اختبأ فيه إبراهيم من النمرود، صاحب دمشق.
وعن عروة بن رُويم عن أبيه عن عليّ: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله رجل عن الآثارات بدمشق فقال: لها جبل يقال له قاسيون، فيه قَتَل ابن آدم أخاه، وفي شرقيّه وُلد إبراهيم، وفيه آوى الله عيسى ابن مريم وأمَّه من اليهود. وما من عبد أتى معقل روح الله فاغتسل وصلّى فيه ودعا، إلا لم يُردّ خائبا. وهو جبل كلمه الله. " والحديث يطول. وهو موضع؛ وإنما ذكرته لئلا يُغترَّ به " .
مغارة الدم
قال أبو زُرعة الدمشقي: سألت أبا مُسْهِر عن مغارة الدم. فقال: مغارة الدم موضع الحمرة، موضع الحوائج. يعني بذلك الدعاء فيها والصلاة.
وقال محمد بن أحمد بن إبراهيم: حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، سمعت سعيد ابن عبد العزيز: حدثني مكحول أنه صعد مع عمر بن عبد العزيز إلى موضع الدم يسأل الله أن يسقينا، فسقانا.
(1/64)

قال مكحول: وخرج معاوية والمسلمون إلى موضع الدم يستسقون. فلم يبرحوا حتّى سالت الأودية.
قال سعيد بن عبد العزيز: صعدنا في خلافة هشام إلى موضع قتل ابن آدم نسأل الله أن يسقينا. فأتى مطر، فأقمنا في الغار الذي تحته ثلاثة أيام.
وقال هشام بن عمار: صعدتُ مع أبي وجماعة " نسأل الله سُقيا " إلى موضع قَتَلَ ابن آدم أخاه. فأرسل الله علينا مطرا غزيرا، حتى أقمنا في الغار. فدعونا الله فارتفع عنا، وقد رَوِيَت الأرض.
وقال محمد بن يوسف الهرويُّ: سمعت يزيد بن محمد وأبا زُرعة وأحمد بن المُعلَّى وسليمان بن أيوب بن حَذْلم وغيرهم من مشايخنا يقولون: سمعنا هشام بن عمار وهشام ابن خالد وأحمد بن أبي الحُوَارى وسليمان بن عبد الرحمن والقاسم بن عثمان الجُوعيّ يقولون: سمعنا الوليد بن مسلم يقول: سمعت ابن عَيَّاش يقول: " كان أهل دمشق إذا احتبس عنهم القَطْرُ أو غلا سعرهم أو جار عليهم سلطان أو كانت لأحدهم حاجة، صعدوا إلى موضع ابن آدم المقتول. فيسألون الله، فيعطيهم ما سألوا " .
قال هشام: ولقد صعِدتُ مع أبي وجماعة من أهل دمشق نسأل الله سقيا. فأرسل الله علينا مطرا غزيرا حتّى أقمنا في الغار الذي تحت الدم ثلاثة أيام.
قال هشام بن عمار: وسمعت من يذكر عن كعب قال: اختبأ إلياس من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتّى أهلك الله الملك ووَلِيَ غيره. فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام. فأسلم وأسلم من قومه خلق، سوى عشرة آلاف منهم. فأمر بهم فقتلهم عن آخرهم.
مقام عيسى بالربوة
روى هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم، قال حدثنا الأوزاعيّ عن حسّان بن عطية أن ملكا من بني إسرائيل حضره الموت، وأوصى بالمُلك لرجل حتّى يُدرك ابنه. وكانوا يؤمِّلون أن يُدرك ابنه فيُملِّكوه. قال: فمات فجزعوا عليه. فلما خرجوا بجنازته، وفيهم عيسى ابن مريم، دنا من أمّه فقال: أرأيتِ إن أنا أحييتُ لكِ ابنك، أتؤمنين بي وتتبعيني؟ قالت: نعم. فدعا الله. فجعلت أكفانه تتحلَّل عنه. حتّى استوى جالسا. فقالوا: هذا عمل ابن الساحرة. وطلبوه حتى انتهى إلى شِعب النيرب. فاعتصم منهم بقلعة على صخرة متعالية. فأتاه إبليس فقال: " جئتك، وما أعتذر إليك من شيء. هذا أنت لم تنافسهم في دنياهم ولا شبر من الأرض، صنعوا بك ما صنعوا. فلو ألقيت نفسك من هذا المكان، فتلقاك روح القدس فيذهب بك إلى ربك فتستريح منهم؟ " فقال: يا غويّ، الطويل الغواية! إني واجد فيما علمني ربّي، عز وجل، أني لا أُجرِّب ربّي حتّى أعلم أراض عني أم ساخط عليّ " فأقبلت أمُّ الغلام، فقالت: يا معشر بني إسرائيل! كنتم تبكون وتشقُّون ثيابكم جزعا عليه، فلما أحياه الله لكم أردتم قتله. قالوا: فما تأمرينا به؟ قالت: إيتوه فآمنوا به. فأتوه فقالوا: خصلة بيننا وبينك! إن أنت فعلتها، اتبعناك. قال: وما هي؟ قالوا: تحيي لنا عُزَيرا. قال: دلُّوني على قبره. فنزل عيسى معهم حتّى انتهوا به إلى قبره. قال: فتوضأ وصلّى ركعتين ودعا. فجعل قبره يتفرّج عنه التراب. فخرج قد ابيضّ نصف رأسه ولحيته وهو يقول: هذا فعلك يابن مريم! قال: لم أصنع بك. هذا فعل قومك. زعموا أنهم لا يؤمنون لي ولا يتّبعوني حتّى أُحييك لهم. وهذا في هدى قومك يسير. قال: فأقبل عليهم يعضهم ويأمرهم باتّباعه. فقال له قومه: عهدناك وأنت أسود الرأس واللحية! فما لنصف رأسك ولحيتك قد ابيضّ؟ قال: سمعت الصيحة، فظننت أنها دعوة الداعية، حتّى أدركني ملك، قال: إنما هي دعوة ابن مريم. فانتهى الشيب إلى ما ترى.
واختلف أهل التفسير في تعيينها.
ورُوي مرفوعا عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا إلى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمعِين). قال: تدون أين هي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قالوا: هي بالشام في بأرض يقال لها الغُوطة، مدينة يقال لها دمشق، هي خير مدائن الشام: ورُوي عن أبن عباس قال: الرَّبوة أنهار دمشق.
وكذا قال سعيد بن المسيّب ويزيد بن شجرة؛ وقال كعب أمر الله تعالى عيسى بن مريم وأُمُه أن يسكنا دمشق، وهي إرم ذات العماد.
وقال الحسن في تفسير الآية: هي أرض ذات أشجار وأنهار. يعني أنهار دمشق.
(1/65)

وعن الوليد بن مسلم عن بعض مَشْيخته أن بني إسرائيل هَّمت بعيسى فأمر الله أن ينطلق إلى دمشق. وقال الحسن: ذات قرار ومعين، ذات معيشة تقوتهم وتحملهم. وماء جار. قال: هي الربوة، هي دمشق.
وقيل إن الربوة في القرآن هي الرملة. روي مرفوعا عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم. وزاد فيه: ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناوأهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك. قلنا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس. وروى عبد الرزاق في تفسيره عن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين.
ويروى عن قتادة: هي بيت المقدس.
وقال زيد بن أسلم: هي الإسكندرية.
وقال وهب: هي مصر.
ويروى عن جابر الجُعفيّ عن أبي جعفر: وآويناهم إلى ربوة، قال: الكوفة؛ والمعين والفرات.
وقيل غير ذلك. والراجح عند الأكثرين أنها ربوة دمشق.
وهذه الأقوال واهية. وإنما ذكرناها للتعجب، اقتداء بالحافظ أبي القاسم بن عساكر، رحمه الله!
الكهف بقاسيون
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق: ذكر أبو الفرج محمد بن عبد الله ابن المُعَلِّمين أنه ابتدأ ببناء الكهف سنة سبعين وثلثمائة. قال: وبالله ربي أعتصم من الكذب، وأسأله أن ينطق بالصدق لساني. رأيت جبريل عليه السلام في النوم. فقال لي: إن الله يأمرك أن تبني مسجدا يُصلَّى فيه ويذكر أسمه؛ وهو هذا. فقلت: وأين هذا الموضع؟ فسار إلى هذا الموضع الذي سميته أنا: كهف جبريل. وقلت: أنَّي لي بذلك؟ قال: إن الله سيوفق لك منم يعينك عليه.
مسجد عمرو بن العاص
مسجد عظيم بمدينة الفسطاط. بناه عمرو بن العاص، موضع فسطاطه وما جاوره. وموضع فسطاطه منه، حيث المحراض والمنبر،.
وهو مسجد فسيح الأرجاء، مفروش بالرخام الأبيض، وعمده كلها رخام. ووقف عليه نحو ثمانين من الصحابة وصلَّوْا فيه.
ولا يخلوا من سكن الصلحاء. معمور الأوقات بالذكر. وبعقب صلاة الصبح فيه أوقات مشهودة ومواسم خير لا تعدُّ.
وحكى على بن ظفر " الأزديّ " قال: رُوي لي أن الأعز أبا الفتوح أبن قلاقس و " نشو الملك عليّ بن مفرج " بن المُنَجِّم اجتمعا في منار الجامع في ليلة فطر ظهر بها الهلال للعيون، وبرز في صفحة بحر النيل كالنون. ومعهما جماعة من غواة الأدب، الذي ينسلون إليه من كل حدب. فحين رأوا الشمس فوق بحر النيل غاربة وإلى مستقرها جارية ذاهبة؛ قد شمرت للمغرب الذيل، واصفرّت خوفا من هجمة الليل، والهلال في حمرة الشفق، كحاجب الشائب أو زورق الورق. فاقترحوا عليهما أن يصنعا في ذلك الوقت التنزيه على البداية.
فصنع أبن قلاقس:
أنظر إلى الشمس فوق النيل غاربةً ... وأنظر لما بعدها من حُمْرِةّ الشَفَق!
غابتْ وأبقتْ شعاعا منه يخلفها ... كأنّما احتْرقت بالماء في الغَرَقِ
وللهلال، فهل وافى لينقذها ... في إثرها زورقٌ قد صيغ من وَرِقِ!
وصنع ابن المنجم:
يا رُبَّ سامِيَة في الجوّ قمتُ بها ... أَمُدُّ طَرْفَيِ في أرضٍ من الأفقُ.
حيثُ العشِيَّةُ في التمثيل معركةٌ ... إذا رآها جبانٌ،مات للفَرَق.
شمسٌ نهارَّيةٌ للغرب ذاهبةٌ ... بالنِّيل مُصْفَرَّةٌ من هَجمَةِ الغَسَق.
وللهلالِ انعطافٌ كالسِّنانِ بَدَا ... من سَوْرَة الطعن مُلْقىً في دَمِ الشَّفَق.
وحكى عليُّ بن ظافر أيضا. قال: أخبرني أبو عبد الله بن المنجم الصوّاف، بما معناه قال: صعدت إلى سطح الجامع بمصر في آخر شهر رمضان مع جماعة. فصادفت به الأديب الأعز أبو الفتوح بن قلاقس ونشو الملك عليّ بن مفِّرج بن المنجم وأبن مؤمن وشجاعا المغربيّ في جماعة من الأدباء. فانضفت إليهم. فلما غابت الشمس وفاتت، ودفنت في المغرب حين ماتت، وتطرّز حداد الظلام بعلم خلاله، وتحلى زنجيُّ الليل بخلخاله، اقترح الجماعة على أبي قلاقس وأبن المنجم أن يعملا في صفة الحال. فأطرق كلُّ منهما مفكرا، وميزّ ما قذفه إليه بحر خاطره من جواهر المعاني متخيِّرة. فلم يكن إلا كرجع الطَّرف، أو وثبة الطِّرف، حتّى أنشدا.
فكان ما صنعه نشو الملك:
وعَشًّي كأنما الأُفْقُ فيه ... لا زُوَرْدُ مُرصَّعُ بنُضارِ!
(1/66)

قلتُ لَمَّا دَنَتْ لمغرِبها الشم ... سُ ولاَحَ الهِلال للنُّظَّارِ:
أقْرَضَ الشرقُ صِنْوَه الغَرْبَ دِينَا ... رافأ عطى الرهينَ نصفَ سِوارِ!
وكان الذي صنعه أبن قلاقس:
لا تَظُنّ الظَّلامَ قد أخذ الشم ... سُ وأعْطى النهارَ هذا الهِلالا.
إنما الشرقُ أقرَضَ الغَرْبَ دِينَا ... را فأعطاه رَهْنَه خَلْخالا!
قال: وهذا مما تواردت في معناه الخواطر، وقطعة ابن المنجم أحسن من قطعة الأعزّ أبي الفتوح أبن قلاقس: لتنصيفه السوار. وعلى كل حال فقد أبدعا، ولم يتركا للزيادة في الإحسان موضعا.
مسجد قرطبة
مسجدٌ عظيمٌ ليس في مساجد المسلمين مثله بِنية وتنميقا، وطولا وعرضا.
وطول هذا الجامع مائة باع مرسلة، وعرضه ثمانون باعا.
ونصفه مُسَقَّف، ونصفه صحن للهواء.
وعدد قسيّ مسقَّفة تسعة عشر قوسا. وفيه من السواري " أعني سواري مسقَّفة بين أعمدته وسواري قبلته " صغارا وكبارا " مع سواري القبة الكبرى وما فيها " ألف سارية.
وفيها ثريات كبيرة للوقيد. منها واحدة يوقد فيها ألف مصباح. وأقلها تحمل اثني عشر مصباحا.
وسقفه كله سماوات خشب مسمرة في جوائز سقفه. وجميع خشب هذا الجامع من عيدان الصنوبر الطرطوشي. ارتفاع الجائزة منها شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع. وطول كل جائزة سبعة وثلاثون شبرا. وبين الجائزة والجائزة غلظ جائزة. والسماوات المذكورة كلها مسطحة: فيها ضروب صنائع من الضروب المسدّسة والمُدَرَّب وهو صنعة الفص وصنعة الدوائر. والمداهن لا يشبه بعضها بعضا بل كل سماء منها مكتف بما فيه من صنائع أحكم ترتيبها وأُبدع تلوينها بألوان حمرة الزنجفرية والبياض الإسفيداجيّ والزقة اللازورديَّة والزرنوق والباروتيّ والخضرة الزنجارية والتكحيل النِّقسي. تروق العيون وتستميل النفوس: بإتقان ترسيمها، ومختلفات ألوانها وتقسيمها.
سعة كل بلاط من بلاط مسقفة ثلاثة وثلاثون شبرا. وبين العمود والعمود خمسة عشر شبرا.
ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة. وقد عُقد بين العمود والعمود على أعلى الرأس قسيٌّ غريبة عليها قسيٌّ أخر، على عمد من الحجر المنحوت، متقنة.
وقد جُصِّص الكلُّ منها بالجص والجيَّار. ورُتِّبت عليها نُجور مستديرة ثابتة بينها ضروب صناعات الفص بالمُغرة. وتحت كل سماء منها إزار خشب.
ولهذا المسجد الجامع قبلة تُعجز الواصفين أوصافها. على وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس منها أشفُّ من قامة، وكل هذه القسيّ مزجَّجة بصبغة القوط. قد أعيت الروم والمسلمين بغريب أعمالها ودقيق تكوينها ووضعها. وفي عِضادتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران، واثنان زرزوريَّان. لا تُقوّم بمال.
ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض منه صنعة. خشبه آبنوس وبقس وعود المِجمر. ويُحكى في كتب تواريخ بني أميّة أنه صُنع في نجارته ونقشه سبع سنين. وكان عدد صنَّاعه ستة رجال، غير من يخدمهم ويتصرف لهم. ولكل صانع منهم في اليوم نصف مثقال محمّديّ.
وعن شمال المحراب بيت فيه عُدد وطسوت ذهب وفضة وحسك. وكلها لو قيد الشمع في ليلة كل سبع وعشرين من رمضان.
وفي هذا المخزّن مصحف يرفعه رجلان، لثقله. فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان الذي خطه بيمينه، وفيه نقط من دمه.
ولهذا الجامع عشرون بابا، مصفحة بصائح النحاس وكواكب النحاس. وفي كل باب منها حلقتان في نهاية الإتقان.
وفي الجهة الشمالية من الصومعة، الغريبة الشكل، والصنعة الجليلة الأعمال الرائقة. ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشيّ: منها ثمانون ذراعا إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن بقدميه، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعا. ويُصعد إلى أعلى المنار بدرجين: أحدهما من الجانب الغربيّ والثاني من الجانب الشرقيّ. إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة، لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. والذي في الصومعة من العمد بين داخلها وخارجها ثلثمائة عمود: بين صغير وكبير. وفي أعلى الصومعة على القبة التي على بيت المؤذنين ثلاث تفَّاحات: واحدة من ذهب، واثنان من فضة. تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلا من الزيت.
ويخدم الجامع كله ستين رجلا.
بقية المزارات الأُخرى
(1/67)

وأما سائر المزارات فكثيرة جدا: لا تدخل تحت الحصر، لولا يحيط بها قلم الإحصاء. وإنما نذكر منها ما حضرنا ذكره في هذا الوقت، مما هو ببلاد الشام، على ما يغلب على الظن صحته، لا كما يزعمه كثير من الناس في نسبة أماكن لا حقيقة لها. والله أعلم! فمن ذلك: قبر مالك بن الأشتر النخعيّ. قيل إنه على باب المدينة بعلبك، من الشمال. والصحيح أنه بالمدينة.
قبر حفصة، زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، قيل أنه ببعلبك. والصحيح أنها أمّ حفص، أخت عاذ بن جبل. فإن حفصة ماتت بالمدينة.
دير إلياس النبيّ عليه السلام، ويقال إنه كان محبوسا " فيه " .
مشهد إبراهيم " عليه السلام " بقلعة بعلبك. جدّد بناءه الملك الأشرف موسى.
قبر أسباط، ببعلبك.
قبر نوح " عليه السلام " بقرية تعرف بالكَرَك، من أعمال بعلبك.
قبر شيت، بقرية تعرف بشَرْعِين بالقرب من كَرَك نوح. وقبر إلياس النبيّ بقربه.
قبر حزقيل، أحد أنبياء بني إسرائيل بالبقاع، غربيّ كَرَك نوح.
قبر بنيامين، شقيق يوسف، عليه السلام، بقرية ظهر حمار، من البقاع.
قبر شيبان الراعي، بالبقاع، بالقرب من حزقيل. في مشهد مبنيٍّ عليه.
قبر أيُّوب " عليه السلام " بقرية تعرف بدير أيوب، من أعمال نَوى. كان بها أيوب، عليه السلام. وبها ابتلاه الله، عزّ وجلّ، وبها العين التي ركضها برجله، والصخرة التي كان عليها؛ وبالقرية أيضا قبر سعد التكروري، فقير صالح له شهرة.
مشهد جماعة من الصحابة بقرية تعرف بمُحَجَّة على يسار الذاهب إلى زُرع. كان بها وقعة أجنادين في فتوح الشام. وبها حجر، ذُكر أن النبيّ " صلى الله عليه وسلم " جلس عليه. وهذا ليس بصحيح. فإنه " صلى الله عليه وسلم " لم يُعَدِّ بُصرى. وذُكر أن بجامعها سبعين نبيا.
قبر اليسع، بقرية تعرف ببُسر، من أعمال زُرع.
نَجْرانُ، شرقيَّ بُسر. يقال إن بها الأُخدود. ولا يصحّ. لأن الأُخدود باليمن. والله أعلم.
قبر عبد الرحمن بن عوف، بقرية تعرف بالدُّور، على باب زُرع. والله أعلم.
الهَمَيْسَع أبو اليَسَع، في ذيل اللَّجَاة. والله أعلم.
سام بن نوح، على باب نَوَى. وبها قبر الشيخ محي الدين النَوَويّ. وبها الشيخ علي الحريري، شيخ الطائفة الحريرية.
مبرك الناقة. موضع معروف ببُصْرى. ويقال إن ناقة النبيّ " صلى الله عليه وسلم " بركت به هناك. أما قدوم النبيّ " صلى الله عليه وسلم " بُصرى فلا شك فيه؛ وأما أن ناقته بركت به في هذا الموضع بعينه، فلا نقطع به. ولكن الظاهر أنه هو. فالله أعلم.
وفي هذا الموضع مصحف شريف عثمانيٌّ، وعليه أثر الدم.
وقبليّ بُصرى دير يقال له دير الناعقيّ. كان به بَحِيرا، الراهب. وبه اجتمع برسول الله " صلى الله عليه وسلم " .
وشرقيّ بُصرى، قرية تعرف بدَنِين. بها قَدَمُ رسول الله " صلى الله عليه وسلم " في صخرة سوداء، على ما ذكروا. والله أعلم.
وقرب بُصرى قرية تعرف بغَصب. بها قبر وهب بن مُنَبِّه.
قدم هارون، عليه السلام. ببلدة بصَرْخَد.
وبهذه البلدة مشهد، ذكروا أن موسى وهارون " عليهما السلام " كانا به، لمّا خرجا من التيه.
قبر هارون. في السيق ببلاد الشَّوبَك.
قبر أبي عبيدة بن الجرّاح. بقرية عَمْتَا من الغور. وعليه بناء، ولخادمه مرتب جار. أُجري له في الأيام التنكزيّة، بعلم الوزير أمين الملك ووساطته.
قبر معاذ بن جبل. بالقُصَير المعينيّ.
قبر أبي هريرة. بقرية تُبنى بالساحل، من أعمال الرملة.
البلقاء. يزعم بعض الناس أن الكهف والرقيم هناك. وهذا ليس بصحيح. قال الهرويّ: وقد زُرنا الكهف والرقيم في بلاد الروم عند مدينة يُقال لها أَبْسُس خَرِبَةٌ بها آثار عجيبة، قريبة من مدينة أبُلُسْتَينِ. وقيل إن مدينة دقيانوس هي طليطلة. والصحيح الذي ببلاد الروم. وسيأتي ذلك في موضعه.
قبر جعفر الطيّار. بقرية مُؤتَة، من أعمال كَرَك الشَّوبك.
وبها أيضا قبر زيد بن حارثة، وقبر عبد الله بن رواحة، والحارث بن النعمان، وعبد الله بن سهل، وسعد بن عامر القيسيّ، وأبي دُجانة الأنصاريّ: استشهدوا " رضي الله عنهم " في غزوة مؤتَة، وهي غزوة مشهورة.
قبر سليمان بن داود. شرقيّ بحيرة طَبَريّة. قال شهاب الدين ابن الواسطيّ في تصنيفه: والصحيح أن سليمان دُفن إلى جانب أبيه في بيت لحم. وهما في المغارة التي بها مولد عيسى، عليهم السلام.
(1/68)

قال: ومن شرقيّها أيضا قبر لُقمان الحكيم وابنه، على ما قيل.
قبر أمّ موسى بن عمران. بقرية يُقال لها إرْبِل من أعمال طبريَّة، عن يمين الطريق. وبها أربعة من أولاد يعقوب. منهم: دان وأبساخور وزبولون وكاذ.
قصر يعقوب، عليه السلام؛ وبيت الأحزان؛ وجُبّ يوسف، عليه السلام. في الطريق إلى بانياس. وهذا هو المشهور قال ابن الواسطيّ: والصحيح أن جُبّ يوسف في طريق القدس، عند بلد يقال له سِنْجِيل. وقال في موضع آخر: سَيْلُون قرية كان يعقوب " عليه السلام " ساكنا بها. وأن يوسف " عليه السلام " خرج منها مع إخوته. والجُبّ الذي رُمي فيه بين سِنجيل ونابلس، عن يمين الطريق.
قبر شُعَيب، عليه السلام. بقرية يُقال لها حِطِّين.ويُقال حِطِّيم وقبر زوجته على الجبل، على ما قيل.
قبر يهوذا بن يعقوب. بقرية رومة من أعمال طبريّة.
قبر صَفُورَاء، بنت شُعَيب، زوجة موسى بن عمران، بقرية كَفر مَنْدَه. قيل أنها مَدْيَنْ، على ما زُعِم. قال ابن الواسطيّ، على ما زُعِم. قال ابن الواسطيّ: والصحيح أن مديَن شرقيّ طور سينا.
وبهذه القرية الجُبُّ الذي قلع موسى الصخرة من عليه، وسقى منها أغنام شُعَيب. قال: والصخرة باقية هناك. وبها اثنان من أولاد يعقوب، وهما: أشير ونفتالي.
وعند هذه الأماكن جبل يُقال له الطور. قيل إن موسى، من هذا الجبل رأى النار، ومن هذا الموضع أرسله الله.
قبر راحيل أمّ يوسف. عن يمين الطريق السالك من القدس إلى الخليل.
قبر لوط. بقرية كفر تريك، شرقيّ بلد الخليل.
مقام لوط. بقرية تامين. وبها كان يسكن، بعد رحليه من زُغَر. والموضع الذي خُسِف بقومه هو اليوم البحيرة المنتنة. وقيل إن الحجر الذي ضربه موسى فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، بزُغَر.
قبر عُبادة بن الصامت. بالرملة.
مشهد الحسين. بعسقلان. كان رأسه بها. فلما أخذها الفرنج، نقل المسلمون الرأس إلى القاهرة، ودُفن بها في المشهد المعروف به خلف القصرين، على زعم من قال ذلك. والأغلب أنه لم يتجاوز دمشق. لأنه إنما حمل إلى يزيد بن معاوية. وكانت دمشق دار ملكه وملك بني أمية. ومن المحال أن يتجاوز الرأس المحمول إلى السلطان لغير حضرته. وله بدمشق مشهد معروف، داخل باب الفراديس. وفي خارجه مكان الرأس، على ما ذكروا. وقد جاء في أخبار الدولة العباسية أنهم حملوا أعظُم الحسين ورأسه إلى المدينة النبوية حتّى دفنوه بقبر أخيه الحسن. والمدى بعيد بين مقتل الحسين ومبنى مشهد عسقلان.
وفي هذا المشهد دُفن رأس الكامل صاحب ميّافارقين. وفي ذلك قال أبن المهتار، الكاتب.
أين غازٍ غَزَى وَجَاهَدَ قَوماً ... أثْخَنوا بالعراق والمشرقَيْنِ؟
لم يَشِنْهُ أنْ طِيفَ بالرأسِ منه ... فله أسوة براس الحُسينِ
وافق السِّبط في الشهادة والدف ... ن وقد حاز أجرهُ مَرَّتَيْنِ
لِمَ وَارَوْا في مشهد الرأس ذاك الر ... أس؟ فاستعجِبوا من الحالتينِ؟
قبر يحيى وزكريا. يُقال إنهما بسَبَسْطِيَة. وحكى ابن عساكر عن زيد بن واقد، قال: وكَّلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق. فوجدنا فيه مغارة، فعرّفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافى، وبين يديه الشموع. فنزل. فإذا هي كنيسة لطيفة: ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع. وإذا فيها صندوق. فإذا فيه سَفَط وفي السفط رأس يحيى بن زكريا، مكتوبا عليه: " هذا رأس يحيى بن زكريا " . فأمر به الوليد، فرُدّ إلى المكان. وقال: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيّرا من الأعمدة. فجُعل عليه عمود مُسفّط الرأس. قال زيد بن واقد: رأيت رأس يحيى بن زكريا، وعليه البِشرة، الشَّعر على رأسه لم يتغير. وقال القاسم بن عثمان الجُوعيّ: سمعت الوليد بن مسلم وسئل: أين بلغك رأس يحيى بن وزكريا؟ قال: بلغني أنه ثمَّ. وأشار بيده نحو العمود المسفّط الرابع من الركن الشرقيّ. وقال هشام بن عمار: حدثنا محمد بن شُعَيب، قال: دخلت مع شدّاد بن عبد الله من باب الدَّرج. فقال لي: ترى هاهنا كتابا بالروميّة؟ قلت: نعم. فصلّى ركعتين. وقال: هاهنا رأس يحيى بن زكريَّا. وروى القاسم الجوعيّ عن الوليد بن مسلم أنه سأل الأوزاعي: أين بلغك رأس يحيى بن زكريا؟ قال: في العمود الرابع المُسفَّط.
(1/69)

سعد بن عبادة. يُقال إنه بقرية المنيحة، من غوطة دمشق. ولا يصحّ.
خالد بن الوليد. يقال أنه خارج حمص. ولا يصحّ. وإنما هو خالد بن يزيد بن معاوية، بقول جزم. فإن عمر بن الخطاب كان قد عزل خالدا عن حمص وأشخصه إلى المدينة. فمات بها، وَوَجَدَ عليه عمر بعد موته.
ضِرار بن الأزور. خارج باب شرقيّ. مع خلق من الصحابة، استشهدوا في فتح دمشق.
وبمقابر باب الصغير خلق من الصحابة أيضا، استُشهدوا في فتح دمشق.
وكذلك من سكن دمشق منهم.
وكذلك بسائر بلاد الشام، وبمصر، والعراق، والعجم والمغرب.
وبجزيرة العرب منهم رجال، وبمكة والمدينة مشاهير وأعلام.
البيوت المعظمة عند الأمم
وأما غير ذلك مما هو لطائف الأمم: فأوّل ذلك ما كانت عُبّاد الكواكب تعظمه.
وهي سبعة بيوت في الأرض. يرون أن كلا منها هيكل كوكب من الكواكب السبعة السيارة: لاعتقادها أن الكواكب أجسام حيّة ناطقة، تجري بأمر الله في كل ما يحدث في العالم. فقرّبوا إليها القرابين، لتنفعهم. فلما رأوها تخفى في النهار وبعض أحايين الليل، عملوا لها تماثيل، وبنوا لها البيوت والهياكل: ظنّاً أنهم إذا عظموا تلك التماثيل الموضوعة لها تحرّكت الأجسام العلوية بمرادهم.
وقد قال الله تعالى، حكاية عن قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُنَا إِلَى اللهِ زُلْفِى).
والأبيات السبعة التي كان إليها حجُّهم: أوّلها البيت الحرام. كان يأتيه منهم من يتقرّب بزُحَل.
قلتُ: وإن صحَّ قولهم من قصد هؤلاء البيت الحرام من تعظيم، فلا عجيب. فإنه ما زال معظما في الإسلام وقبل الإسلام، تحجُّ إليه طوائف الأمم في كلِّ الأوقات.
زاده الله إبقاء وأدامه، ووصل شرفه بيوم القيامة! وثانيها بيت فارس، على رأس جبل أصفهان. وبينهما ثلاثة فراسخ. كان يأتيه منهم من يتقرَّب بالمُشتري. ثم جعله يستاشف " لما تمجَّس " بيت نار. فعظمه المجوس.
وثالثهما بيت مندرسان، ببلاد الهند. كان يأتيه منهم من يتقرَّب بالمرّيخ. وقد ذكره أبو عبيد البكريّ وقال: إن به من القوى الدافعة والجاذبة والمنفردة، أوصافا لا يسع ذكرها. ثم قال: وهو بيت مشهور من أراد البحث عنه، فليبحث.
ورابعها بيت كاوسان. بناه كاوس الملك، بمدينة فرغانة. كان يأتيه منهم من يتقرّب إلى الشمس. قال أبو عبيد البكريّ: وهدمه المعتصم. ولهدمه خبر ظريف ذُكر في كتاب الزمان.
وخامسها بيت غُمْدَان. بناه الضحاك بمدينة صنعاء. كان يأتيه منهم من يتقرّب بالزُّهرة. وخرّبه عثمان بن عفان، رضي الله عنه. والآن مكانه بُركة. وآثاره كالجبل الضخم. وكان الوزير عيسى بن الجرّاح، لما نُفي إلى اليمن احتفر به قبرا وبنى عليه السقاية. قال البكري: وزعم أهل اليمن أنه سيُبنى على يد غلام يخرج من بلاد سبإ، يؤثِّر في هذا العالم تأثيرا عجيبا.
وسادسهم بيت بأعلى بلاد الصين. بناه ولد عامور بن سويل بن يافث بن نوح. يأتيه منهم " من " يتقرّب لعطارد خاصة، ولسائر الكواكب السبعة السيارة عامة. وهو سبع أبيات، في كل بيت سبع كوى، يقابل كلَّ كوَّة صورة على صورة كوكب من الخمسة والعشرين. ولهم فيها أسرار بزعمهم.
وسابعها بيت النُّوبَهار. بناه متوشر الهنديّ بمدينة بلخ. وكان يأتيه من الصابئة من يتقرَّب بالقمر. وكان يُسمى المتولّي لسدانته " بُرمُك " . وكانت ملوك الفرس تُعظمه وتعظم متوليه. وآلت ولايته إلى أبي خالد البرمكيّ، فلهذا قيل " خالد بن برمُك " ولهذا قيل " البرامكة " . وكان من أعلى المباني تشييدا. وكان يُلبَّس بالحرير الأخضر، تُنشر عليه شقاق منه. طول كل شُقَّة مائة ذراع. فيُقال أن الريح حملت بعض تلك الشِّقاق فرمت به على مسيرة خمسين فرسخا. وهذا يدل على علوّه الزائد وكان قد كتب على باب النوبهار بالفارسية: " قال سوراشف الملك: أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاث خصال: عقل، وصبر، ومال " .
ثم لما ملك الإسلام مدينة بلخ، كُتب تحت هذه الكتابة بالعربية: " كذب سوراشف. الواجب على الحرّ إذ كان معه واحدة من هذه الخصال أن لا يلزم باب السلطان " .
هياكل الأقدمين
أما بيوت اليونان فهي ثلاثة هياكل، وهي مشهورة في العالم:
(1/70)

أوّلها " بيت بانطاكية " ، داخل مدينتها، على يسرة المسجد الجامع. وخربه المسلمون. ولما أتى ثابت بن قرّة بن زكريا الحرانيّ مع المعتضد سنة تسع وثمانين ومائتين، أتى هذا الهيكل وعظَّمه.
وثانيها هو " الهرم " الذي على بُعد من الفسطاط.
وثالثها " بيت المقدس " . كان قد شُرع في بناءه. ثم شرع داود " عليه السلام " في تكميل بنائه مسجدا. ثم تمّ على يد ابنه سليمان، عليه السلام.
قال البكريّ: فأما الصنم الذي ذكره الله عز وجل في الإنجيل، فكانت اليونانية اختارت له جبل لبنان. فاتخذوا له هناك هيكلا له فيه نقوشا عجيبة، في الحجر. لا يتأتَّى مثلها في الخشب.
هياكل الصقالبة
وأما بيوت الصَّقلب فهي بيوت ثلاثة، وفيها مخاريق مصنوعة يسمع لها أصوات استرقَّت عقولهم.
فأولها بيت فيه آثار مرسومة تدلُّ على الكائنات. قال البكريّ: وهذا البيت على الجبل الذي كان للفلاسفة أنه أحد جبال العالم. " قلت: لعله يكون على الجبل المستدير وهو المسمَّى في الشمال بجبال قاقونا " .
وثانيها على الجبل الأسود. تحيط به حبال عجيبة، ذوات طعوم مختلفة. وفيه صنم كبير، على صورة رجل شيخ، بيده عصا يُحرّك به عظام الموتى. وتحت رجله اليسرى غرابيب سود من صور الغُدَاف وغيرها.
وثالثهما يحيط به خليج من البحر، في وسطه قبة عظيمة، بها صنم على صورة جارية.
هياكل الصابئة
وأما ما كان للصابئة. فكان لهم هياكل تسمى بأسماء، وهي: هيكل العلة الأولى، وهيكل العقل، وهيكل الصورة، وهيكل النفس. مستديرات الأشكال.
وهياكل الكواكب والنيرين على أشكال مختلفة من التسديس والتثليث والتربيع.
وكانت لهم فيها دُخَن وقرابين يطول وصفها.
قال البكريّ: والذي بقي من هياكلهم، بيت بحرّان، في باب الرقّة. يُعرف بمعلميشا. وهو هيكل آزر أبي إبراهيم، عليه الصلاة والسلام. ولهم في آزر وأبيه كلام كثير.
قال البكريّ: ولهم في هياكلهم مخاريق قد وصلت: تقف السَّدَنَة من وراء الجُدُر وتتكلم بأنواع الكلام، فتجري الأصوات في تلك المنافخ والمخاريق إلى تلك الصور المجوّفة فيظهر لها نطق على حسب ما دُبِّر على هيئة هندسية. ثم قال: والصابئة حشويّة اليونان. وإنما يضافون إلى الفلسفة، إضافة نسب لا إضافة كلمة. لأنهم يونانيون، وليس كلّ يونانيّ بحكيم. قال أبو عبيد البكريّ: وعلى باب حرَّان كتابة بالسريانية نسبة قول في النفس نسبة قول أفلاطون: الإنسان نبات سماويّ. قال: والصابئة تُقرّب في بعض الأوقات ثورا أسود. تُشَدّ عيناه ويُضرب وجهه بالملح، ثم يُذبح ويُنظر في أعضائه. وما يظهر منه في الجراحات والاختلاج، فيُستدلّ به على أحوال السنة. ولهم في قرابينهم أسرار ومُخبّآت.
وهيكل في أقاصي الصين. وهو بيت مدوّر له ستور وأبواب. في داخله قبة مسبَّعة عظيمة البنيان. وبه بئر مسبّعة الرأس، متى أكبّ إنسان على رأسها تهوَّر على رأسه فيها. وعلى رأس البئر، شبه الطوق مكتوب عليه بقلم قديم، قلم السند هند: " هذه البئر تؤدّي إلى مخزن الكتب الأولى وتاريخ الدنيا وعلوم السماء لما كان ويكون، وتؤدّي إلى خزائن رغائب هذا العالم لا يصل إلى الدخول إليها والاقتباس مما فيها إلا من وازت قدرته قدرتنا وعلمه علمنا " .
قلتُ: هذا ما ذكره البكريّ ذكرته كما ذكره. والعهدة عليه فيما نقله.
بيوت النيران
وأما بيوت النيران، فأوّل من ذكرها أفريدون. قال: لأنه زعم أنها من جنس الكواكب النورية. وبالنور صلاح العالم. لأنها عندهم أصل كل حيّ ومبدأ كل تمام. لأنها تجذب الحيوان إليها كالفراش الطائر بالليل، وما يصاد بالليل بالسُّرُج من الوحش والطير والسمك كما يُصاد في البصرة بإيقاد السُّرج في الزواريق، فيطلع السمك من الماء حتّى يقع في الزواريق. ويبطل أقوال المجوس في اجتذاب النار للحيوان أن الحيوان ينام الليل لاحتباسه عن الإسفار، فإذا رأى النّار ظنّه فُرجة إلى النهار، فقصده.
وليس هذا موضع ذكر شبهتهم والأجوبة عنها. وإنما ذكرنا هنا ما هو لائق به وبيوتهم المشهورة خمسة: فأوّلها، بيت بطُوس، بناها أفريدون.
وثانيها، بيت ببخارى، بناها أفريدون.
وثالثها، بيت دار ابجرد بأرض فارس.
(1/71)

" كان زرادشت نبيّ الفرشس، على ما زعموا، قد أمَر يستاشف الملك أن يطلب نارا كان يعظمها جمُّ، الملك؛ فوجدت بخوارزم. فنقلها يستاشف إلى دار ابجرد. قال البكريّ: والمجوس تعظم هذه النار، وهي أكرم نيرانهم " .
ورابعها، بيت بإصطخر، من فارس. ويقال أنه كان مسجد سليمان، عليه السلام.
وقال المسعوديّ: وقد دخلته وهو على نحو فرسخ من مدينة اصطخر. فرأيت بنيانا عجيبا وهيكلا عظيما، وفي أعلاه صور من الصخر محكمة، عظيمة المقادير: من الخيل وسائر الحيوان. يحيط بذلك كله سور من الحجر، فيه صور الأشخاص، قد شُكَّلت وأُتقنت. ويزعم من جاور هذا الموضع أنها صور الأنبياء، عليهم السلام. وفي جوف هذا الهيكل الريح غير خارجة منه في ليل ولا نهار: لها هبوب وحفيف. يذكر من هناك من المسلمين أن سليمان حبس الريح فيه، وأنه كان يتغدّى ببعلبكَّ، من أرض الشام، ويقيل بمدينة تدمُر، في الملعب المُتَّخذ فيها " وهي في البرِّيَّة بين العراق ودمشق من أرض الشام. وبين تدمر والشام ستة أيام " ثم يتعشّى بهذا المسجد.
وبتدمر خلق من العرب من قحطان.
وخامسها، بمدينة جُور التي يضاف إليها الماورد. بيت نار بناه أردشير له يوم عيد. وهو على عين هناك، عجيبة. وإليه متنزَّهاتهم. وفي وسط جور بنيان كانت تُعظّمه الفُرْس، يُعرف بالطربال. خرّبه المسلمون.
وإنما فُضِّل ماء وردهم، لصحة التربة وصفاء الهواء.
وألوان سكانها في غاية الحسن، من اعتدال الحمرة والبياض.
وبين جور وشيراز " وهي قصبة فارس " عشرون فرسخا.
فسبحان الذي منَّ علينا بالإسلام، وهدانا إليه وعلّمنا ما لم نكن نعلم، وفضَّلنا على كثير من خلقه، تفضيلا
الآثار المشهورة
ومما نُتبع به هذه الهياكل من الآثار المشهورة في الأرض مما بقي، لقي جسمه أو رسمه، ما يُذكر: فمن ذلك صنم الخطا المحجوج في نهاية الشرق المتشامل. وهو قريب من السند.
ومن ذلك قصر الدهاك. ما بين مدينة طَغُورا وبين مدينة باش بالق، شرقيّ طغورا وغربيّ باش بالق.
ومن ذلك حائط القلاص. ويعرف بالحائط المحيط. ويعرف بحائط عبد الله ابن حُمَيد جنوبيّ بلاد الغربة وأسبيجاب.
ومن ذلك مدينة إصطخر. وهي مدينة عجيبة البناء، من بناء سليمان، عليه السلام.
ومن ذلك قصر سِندَاد. وهو بالعراق. قريب النيل، بأرض الأزيز، على نهر سنداد. وكان مسكن آل مُحَرَّق. وفيه قال الأسود بن يَعفُر.
ماذا أؤمِّل بعد آل مُحرَّق ... تركوا منازلهم وبعد أيادِ؟
أهل الخَوَرنَق والسَّديرِ ومأرِبٍ ... والقصر ذي الشُرُفات مِن سنْداد
دارٌ تخيَّرها لطيب مَقليها ... كعبُ بْنُ مامة وابن أمِّ دُؤَادِ
جرتِ الرياح على محلِّ ديارهمْ ... فكأنما كانوا على ميعادِ
ومن ذلك قصور الحيرة، بين العراق والشام.
ومن ذلك الخورنق والسدير. وهما من أشهر الآثار. بناها شخص اسمه سِنِمَّار للنُّعمان بن قيس، وكمّله في عشرين سنة. فلما وقف عليه النّعمان، استجاده وأثنى على سِنِمَّار. فقال له سِنِمَّار: لو شئت أن أجعله يدور مع الشمس، لفعلتُ. فأمر به أن يُطرح من أعلى شُرُفاته. فضُرِب به المثل " جزاه جزاء سنمار " . وفي ذلك يقول الشاعر:
جزتْني بنُو قيسٍ وما كنت مذنباً ... جزاء سِنِمَّارٍ وما كان ذا ذنبِ
بنى القصر للنعمان عشرين حَجَّةٌ ... يعلّ عليه بالقراميد والخُشْبِ
فلما استوى البنيان واشتدّ رصفُه ... وآد كمثل الطود والشامخ الصعْبِ
رمى بسِسِنَّمارٍ على أمِّ رأسهِ ... وذاك لعمرُ الله من أعظم الخَطبِ
ثم ترهب هذا النعمان في الجاهلية، وانخلع عن ملكه، ولبس المُسُوح. وفيه قال عدِيُّ بن زيد:
وتذكَّر ربَّ الخورنق إذ فكّ ... ر يوما وللهدى تفكيرُ
راقه مالهُ وكثرةُ ما يم ... لك والنهر معرضا والسديرُ
فرعوى قلبهُ وقال وما غب ... طة حيّ إلى الممات يصيرُ
ومن ذلك قصر سَنَافاد.
(1/72)

ومن ذلك الرصيف الممتدّ بين صَرْخَد والعراق، ممتدّا في البرية. يقال إنه من عمل سليمان بن داود، عليهما السلام. وهو يتصل في مواضع وينقطع في أخرى. يتوصل السالك معه من الشام إلى العراق، ومن العراق إلى الشام في أقرب مدّة.
ومن ذلك مدينة تَدّمُر بين العراق وبين الشام، وما فيها من عجائب البناء وكبار العمد.
ومن ذلك ملعب بعلبك. والباقي منه عمد بقلعته الآن، وما في سورها من الأحجار العظام والصخور الراسية كالجبال. يقال إنه من بناء سليمان بن داود، عليهما السلام.
ومن ذلك مدينة شُهْبَة من بلاد حوران. بها من الأبنية الباقية والعمد العالية والآثار الدالَّة ما هو من جلائل الآثار.
ومن ذلك مدينة جُرَش من بلاد حوران. يحكى الهول من غرائب آثارها. وقد أضحت خاوية على عروشها، خالية من أهلها وسُكَّانها، لا يُحسّ بها حسيس، ولا يوجد بها أنيس.
ومن ذلك جُبُّ يوسف، وهو قرب قرية اسمها شورى.
ويدانيها جسر يعقوب، وهو معروف مشهور.
كلّ ذلك ببلاد صَفَد.
ومن ذلك منازل ثمود بين الحجاز والشام. وبيوتهم المنحوتة في الجبال باقية إلى الآن. وهي المعنيَّة بقوله تعالى (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً فَرِهِينَ). وبها البئران: بئر الناقة، وبئر ثمود، المقسوم بينهما الشِّرب. ولما مرّ رسول الله " صلى الله عليه وسلم " بأرض ثمود في غزوة تَبُوكَ، وجد بعض من سَبَق من أصحابه قد ملأ من بئر الحِجر. فأمر بأن يُراق الماء. فقالوا: يا رسول الله قد عجنّا منه العجين. فأمر بأن يُطعموه الإبل، وأن يشربوا من بئر الناقة. وهما معروفان هناك.
وهذه فائدة أردنا التنبيه عليها.
ومن ذلك جُبُّ بابل، وهو الذي حُبس به دانيال. ألقاه فيه بُخت نَصَّر. وألقى وألقى معه أسدين حتّى أتاه، بأمر من الله، نبيُّ من أنبياء بني إسرائيل. فقال: يا صاحب الجُبِّ! فأجابه دانيال: قد أسمعتَ! ماذا تريد؟ قال: أنا رسول الله إليك، لأستخرجك من موضعك. فقال دانيال: الحمد لله الذي لا ينسى مَن ذَكَره! والحمد لله الذي لا يَكِلُ من توكّل عليه إلى غيره! والحمد لله الذي يُجزي بالإحسان إحسانا! والحمد لله الذي يجزي بالإساءة غفرانا! والحمد لله الذي يكشف ضرنا عن كربنا؛ واستخرجه وإن الأسدين لعن يمينه وشماله يمشيان معه حتّى عزم عليهما دانيال أن يرجعا، وعن ابن عباس، قال: من قال عند كلّ سبع: " اللَّهُمَّ ربَّ دانيال وربَّ الجبِّ وربَّ كل أسد مستأسد! احفظني واحفظ عليّ " لم يضره السبع.
والأخدود المُحتفر لأصحاب الأُخدود المذكورين في القرآن الكريم. وهو بنجران من اليمن.
ومن ذلك البئر المعَطَّلة والقصر المَشِيد. وهما قريب الفج الخالي بمشاريق اليمن.
ومن ذلك سدّ مأرب. وهو ببلاد سبإ من اليمن.
وبه قصر القَشِيب. كان لبلقيس.
ومن ذلك قصر غُمدان. بصنعاء اليمن. وهو من أشهر الآثار وأظهر المعالم. كان مسكن التببابعة من حِمِيَر، ومنهم شَمِر بن مالك وأسعد أبو كَرِب. وكفا بذكرهما. طافا الأرض وبلغا الآفاق. وقصر غُمدان هذا هو المذكور في الأشعار، والمشهور في الأخبار. وفيه يقول ابن أبي الصَّلت.
اِشربْ هنيئاً عليك التاج مغتبِقاً ... في قصر غُمْدان دار ملك مِحْلالا
تلك المكارم لا قَعْبانِ من لَبنٍ ... شِيبَا بماءٍ فعادا بعدُ أبْوالا
ومن ذلك بئر بَرَهُوت. ببلاد حَضْرمَوْت من بلاد اليمن. وهو الذي لم يُعرف عمقه، ولا عُلم أن إنسانا نزله.
ومن ذلك قصر زَيدان. المشهور بمدينة ظَفَار باليمن. وكانت تُسمى قديما مدينة يَحْصِب.
ومن ذلك قصر الشَّاذِيَاخ. وهو بباب نيسابور، من خراسان. كان دار السلطنة لبعض ملوكها. ولم نؤخر ذكره إلا لأنه شُبِّه ببناء غُمدان. فكان كأن لذكره به تعلقا:
اِشرب هنيئا عليك التاج مرتَفِقاً ... بالشَّاذِياحِ ودع غُمدان لِليَمَنِ
فأنت أولى بتاج الملك تلبَسُه ... من هَوْذَة بن عليّ وابن ذي يَزَنِ
وعلى باب قصر الشاذياج، صُلب عليّ بن الجهم. فقال حين صُلب، ارتجالا
لم ينصِبوا بالشاذِياج عشيَّة ال ... إثنين مسبوقا ولا مجهولا
نَصَبوا بحمد الله مِلءَ قلوبهم ... شرفا وملء صدورهم تبجيلا
(1/73)

ما عابه أن بُزَّ عنه ثيابه ... فالسيف أهول ما يُرى مسلولا
ومن ذلك دار الأنماط. وكانت بفسطاط مصر، يباع بها قماش النساء، وفاخر اللباس والأمتعة. تجلب إليها من كل أرض. وكان يجلس على حوانيتها أهل الفراغ واللهو. من عجائب المباني، وغرائب الآثار.
وحكى ابن ظافر أن ابن قلاقس جلس بمصر فيها مع جماعة، فمرّت بهم امرأة تعرف بابنة أمين الملك. وهي شمس تحت سماء النقَّاب، وغصن في أوراق الشباب. فحدّقوا إليها تحديق الرقيب إلى الحبيب، والمريض إلى الطبيب. فجعلت تتلفَّت تلفُّت الظبي المذعور، أفرقه القانص فهرب، وتثنَّى تثنِّي الغصن الممطور، عانقه النسيم فاضطرب. فسألوه العمل في وصفها. فقال هذا يصلح أن يعكس فيه قول ابن القطَّان الأزديّ القيروانيّ:
أعرضْن لما أن عَرَضْن فإن يكن ... حذرا فأين تلفُّتُ الغِزْلانِ
ثم صنع:
لها ناظرٌ في ذرى ناضر ... كما رُكِّب السِّنُّ فوق القناةِ
لَوَت حين وَلَّت لنا جيدهَا ... فأيُّ حياةٍ بَدَتْ من وفاةِ
كما ذُعر الظبيُ من قانصٍ ... فمرَّ وكرّر في الالتفاتِ
ثم صنع:
ولطيفةِ الألفاظِ لكنْ قلبها ... لم أشكُ منه لوعةً إلا عَتَا
كلمتْ محاسنُها فودَّ البدرُ أنْ ... يًحضى ببعض صفاتها أو يُنعتا
قد قلتُ لما أعرضَتْ وتعرَّضَتْ ... يا مؤيسا يا مُطعما قُلْ لي متى
قالت: أنا الظبيُ العزيز وإنما ... ولّى وأوْجس خِيفةً فتلفَّتا
ومن ذلك الأهرام بمصر. وأجلُّها الهرمان بجيزة مصر. وقد أكثر الناس القول في سبب ما بُنيا له. فقيل: " هياكل للكواكب " . وقيل: " قبور ومستودع مال وكتب " . وقيل: " ملجأ من الطوفان " . وهو أبعد ما قيل فيها. لأنها ليست شبيهة بالمساكن.
وأقربها إلى الصحة " والله أعلم " إما هياكل كواكب، وإما مواضع قبور. ولقد فُتح أكبرها في زمن المأمون، حين قدِم مصر. فلم يظهر منه ما يدلُّ على ما وَضع له. وعلى ألسنة الناس أنه وجد ذهبا فوزنه، وحسب مقدار ما أنفقه، فوجدهما سواء بسواء، لا يزيد أحدهما على الآخر بشيء، لعلمهم السابق أنه سيُنفق عليه مثل هذا المقدار. فوُضع هذا المقدار بإزاء ما ينفق عليه. ووجدتُ هذا في كثير من الكتب. فراجعت التواريخ الصحيحة والكتب المسكون إليها، فلم أجد المأمون وجد بها شيئا ولا استفاد زائدا عما يعلم الناس به علما.
وأدلُّ الأدلة على أحدها هيكل بعض الكواكب، أن الصابئة كانت تأتي حقيقة تَحُجُّ الواحد وتزور الآخر، ولا تبلغ به مبلغ الأوّل في التعظيم. والله أعلم بحقيقة أمورها وجليّة أحوالها.
وهي أشكال لهبيَّة. كأنّ كلّ هرم لهبة سراج. آخذة في أسافلها على التربيع مسلوبة في عمود الهواء، آخذة في الجوّ حتّى إلى التثليث. لولا استدارة سفل أبلوج السُّكَّر لشبهناها به. ويحتمل أن يكون هذا الشكل موضوعا لبعض الكواكب لمناسبة اقتضته.
ولقد أصْعَدْتُ غير مرَّة، مارّا على الأهرام بجميع بلاد الجيزة، ورأيت منها ما دثر بعضه، وما دثر كله. فإذا هي مصفحة البناء، شيئا على شيء، لا فُسحةفي أوساطها، كما تكون ساحات الدور بين الجدران. وإنما هي بناء ماتصق على بناء، بعضها فوق بعض. ووجدتُ بعض الأهرام مبنيّة بالطوب. وهذا أكبر دليل على أنها لم تُتَّخذ ملجأ من الطوفان.
فأما مقدار الهرمين المشار إليهما، في ارتفاعهما ومساحة أقطارهما، فإنه مذكور في الكتب ذكرا مستوعبا لم أحققه بالقياس. وأبى لي تحقيقي في هذا الكتاب أن أذكره بمجرَّد التقليد، مع إمكان التحقيق، مع كثرة تردّدي عليها، وسكني في القاهرة في جوارها. ولعذر مانع في وقت هذا التأليف، قعدتُ عن معاودتها بالنظر والتحقيق.
على أن الهدم قد شرع في قلع هذه الآثار، ونقل أحجارها إلى الأبنية والمساكن. نبّه لها الدهر طرفا غافيا، وقلبا غافلا، فأصبحت هاوية الأركان، تابعة السكان. فلقد صدق عليها المتنبِّي قوله:
أين الذي الهَرَمان من بُنيانه؟ ... مَنْ قومه؟ ما يومُه؟ ما المصرع؟
تتخلَّف الآثار عن سُكَّانها ... حينا ويدركه الفناء فتتبع
(1/74)

وإن فيها لعبرة للمعتبر، وتذكرة للمدّكر، وآية لمن أناب، وتبصرة في الدنيا لمن يلد للفناء ويعمِّر للخراب.
وحكى ابن ظافر، قال: ذُكر لي أن جماعة من الشعراء في أيام الأفضل خرجوا متنزهين إلى الأهرام، ليروا عجائب مبانيها، وليتأملوا غرائب ما سطّره الدهر من العِبَر فيها، فاقترح بعض من كان معهم العمل فيها. فصنع أبو الصَّلت أميّة بن عبد العزيز " الأندلسي " :
بعيشِك هل أبصَرْتَ أحسَن منظَراً ... على ما رأتْ عيناك من هَرَمَيْ مِصرِ؟
أنَافَا بأعنان السماء وأشرفا ... على الجوّ إشرافَ السِّماك على النَّسرِ
وقد وافيا نَشْزاً من الأرض عالياً ... كأنهما نَهْدَانِ قامَا على صدر
ومن ذلك أبو الهول. وهو اسم لصنم يقارب الهرم الكبير. وفي وَهدة منخفضة تقع دونه شرقا بغرب. لا يبين من فوق سطح الأرض إلا رأس ذلك الصنم وعنقه. أشبه شيء برأس راهب حبشيّ، عليه غفّارية. على وجهه صباغ أحمر إلى حُوَّة، لم يَحُلْ على طول الأزمان، وقديم الآباد. وهو كبير. ولو كان شاخصا كله، لما قصّر عن عشرين ذراعا طوله. في غاية مناسبة التخطيط.
يُقال أنه طَلسَم يمنع الرمل عن المزدَرَع. وزاد تحسين هذا القول إليهم وتصويره لهم أنه على نهاية الرمل إلى جهة المزدَرَع.
وفي أبي الهول يقول " أبو منصور " ظافر الحدَّاد:
تأمّل هيئة الهَرَمَينِ وانْظُر ... وبينهما أبو الهَوْلِ العجيبُ
كَعَمَّارِيتين على رحيل ... بمحبوبين بينهما رقيب
وفَيْضُ البحر عندهما دموعٌ ... وصوت الريح بينهما نحيبُ
وظاهِرُ سِجْنِ يوسفَ مثلُ صَبٍّ ... تخلّف فهو محزون كئيب
وأما سجن يوسف، فشمال الأهرام، على بُعد منه، في ذيل خرجة من جبل في طرَف الهاجر.
ومن ذلك حائط العجوز. وهو حائط يستدير بالديار المصرية، ممتدّا على جانب المزدرع بها، كأنه قد جُعل حاجزا بين الرمل المزدرع. على أنه غير عالي الذُّرى.
مشيتُ معه إلى دَنْدارا، من الصعيد الأعلى. ورأيته قد دَثَر غالبه، ومنقطعه أكثر من متصله. وهو مبنيّ من طوب. ليس بعريض السَّمْك ولا عالي الجدار.
ووقفتُ على الكتب المؤلفة في أخبار مصر انه من بناء امرأة اسمها دلوك، وأنه يصل إلى ما بين العريش ورَفَح، منتهى الحدّ الفاصل بين مصر وبين الشام. وليس له هناك أثر، بل ولا في أسافل أرض مصر.
ويُذكر في تلك الكتب " بسبب بناء العجوز له " خُرافة لسنا نرضى ذكرها.
ولا يُعرف من بنى هذا الحائط حقيقة، ولاما بُني له عن يقين. ولكنا قلنا على الظن الغالب.
ومن ذلك شامة وطامة. وهما صنمان من حجر، على قاعدتين، ببلاد الصعيد.
ومن ذلك البَرابِي. بالصعيد، في أماكن منه.
وأشهرها برباة إخيم. من ورائها على شرقيّ النيل، حيث ينعطف الرمل ملتفّاً على الريف.
رأيت بها مختلفات من صور الحيوان: من نوع الإنسان والدوابّ والوحش والطير. على صور مختلفة، وأشكال متباينة، مصبَّغة بأنواع الأصباغ، مرسومة في الجُدُر والسقوف والأركان، من باطن البناء وظاهره، لم تنطمس رسومها، ولا حالت أصباغها: كأنَّ يد الصانع ما فارقت صورها، وكفَّ الصبّاغ ما مسح دهانها.
قال لي الحكيم المحقق شمس الدين محمد النقاش: إنه سافر قصدا إليها وأقام مدّة يردّد نظره فيها، ويحدّد نظره في أوضاعها. فرآها تشتمل على هيئة العُلْوِيَّات المرصودة بأسرها، مما لا يُعمل كلّ موضوع منها إلا برصد محرِّر مما لا يسع زمان واحد بعضه. فقال: فعلمت أنها ما عُملت في زمان واحد، بوضع حكيم واحد: لقِصَر مدد الأعمار عن زمان يفي برصد تلك الهيئة الكاملة. قال: وإنما تكون " والله أعلم " مما توارث عَمَلَهَا على حكم الأرصاد المحررة عدَّة حكماء في أزمنة طويلة، حتّى استقلَّ ذلك المجموع وتمَّت تلك الهيئة.
ومن ذلك عمود الصواري. بظاهر الإسكندرية. وهو عمود مرتفع في الهواء تحته قاعدة، وفوقه قاعدة. يقال إنه لا نظير له من العمد في علوّه ولا في استدارته. ويُحكى عنه حكايات منها ما هو مسطَّر في الصحف، ومنها ما هو مستفيض على الألسنة، مما لا نرى ذكره.
ومن ذلك المنارة بها. وشهرتها كافية. ولم يبق منها إلا ما هو في حكم الأطلال الدوارس، والرسوم الطوامس.
(1/75)

وقد كانت المنارة مسرح ناظر، ومطمح أمل حاضر، طالما جمعت أخدانا، وكانت لجياد الخواطر ميدانا.
حكى ابن ظافر أن ابن قلاقس والوجيه " أبا الحسن عليّا " بن الدرويُ طلعا المنارة. والوجيه يومئذ في عنفوان " شبابه " وصباه، وهبوب شماله في الجنوب وصَباه. وابن قلاقس مغرم به،مغرى بحبه، مكبٌّ على تهذيبه، مبالغ في تفضيض شعره وتذهيبه. ولم تكن وقت بينهما تلك الهناه. ولا استحكمت بينهما أسباب المهاجاة. فاقترح عليه ابن قلاقس أن يصف المنارة. فقال " بديها " :
وساميةِ الأرجاء تُهدي أخا السُّرى ... ضِياءً إذا ما حِندِسُ الليل أظلما
لبستُ بها بُرْداً من الأنس ضافياً ... فكان بتَذكار الأحبّة مُعْلَمَا
وقد ظلّلَتني من ذُراها بقبّة ... أُلاحظ فيها من صِحابيَ أنجما
فَخُيِّل أن البحر تحتي غَمَامةٌ ... وأنِّيَ قد خيَّمتُ في كَبِد السَّما
فاشتدّ سرور ابن قلاقس وفرحه، وقال يصفها ويمدحه:
ومنزلٍ جَاوَرَ الجوزْاء مرتقيا ... كأنَّما فيه للنَّسْرَيْن أوْكَارُ
راسِي القرارةِ سامِي الفرع في يده ... للنُّون والنُّور أخبارٌ وآثارُ
أطلقتُ فيه عِنان النظم فاطَّردتْ ... خيلٌ لها في بديع الشِّعرِ مِضمارُ
ولم يَدَعْ حَسَناً فيه أبو حَسَنٍ ... إلا تحكّم فيه كيف يختارُ
حلَّى المنارةَ لما حلّ ذِرْوتَها ... بجوهر الشعر بحرٌ منه زخَّارُ
ما زال يُذْكِي بها نار الذكاء إلى ... أن أصبحت عَلَماً في رأسه نارُ
ومن ذلك الملعب بها. وقد كان له عيد يجتمعون إليه فيه، في كل سنة، وتُرمى به كُرة. فمن وقعت في كُمُه، آل إليه المُلك. وحضره عمرو بن العاص في الجاهلية، ووقعت الكرة في كمّه. فقالوا: أخَرَمت العادة؟ قال فإن مثل هذا لا يُمَلَّك. وهذه واقعة مشهورة، لا حاجة إلى الإطالة بها.
ومكان هذا اللعب عمّر بنو حُلَيف القصر المنسوب إليهم.
وحكى ابن ظافر أن ابن قلاقس حضر يوما عند بني خليف " بظاهر الإسكندرية " في قصر رسا بناؤه وسما، وكاد يُمزِّق بمزاحمته أثواب السما، قد ارتدى جلابيب السحائب، ولاث عمائم الغمائم. وابتسمت ثنايا شُرُفاته، واتَّسمت بالحُسن حنايا عُرُفاته. وأشرف على سائر نواحي الدنيا وأقطارها، وحَبَتْه السحائب بما اؤْتُمِنَتْ عليه من ودائع أمطارها. والرمل بفنائه قد نشر تبره في زبرجد كرومه، والجوّ قد بعث بذخائر الطيب إليه لطيمة نسيمه. والنخل قد أظهرت جواهرها، ونشرت غدائرها. والطلّ ينثر لؤلؤه في مسارب النسيم ومساحبه، والبحر يرعد " غيظا " من عَبَث الرياح به. فسأله بعض الحضور أن يصف الموضع الذي تمت محاسنه، وغُبط به ساكنه. فجاشت لذلك لُجَجُ بحره، وألقَت إليه جواهره لترصيع لبَّة ذلك القصر ونحره، فقال:
قَصْرٌ بمَدْرَجَة النسيم تحدّثتْ ... فيه الرياضُ بسرّها المستورِ
خفَضَ الخورنقَ والسديرَ سمُوُّه ... وثنى قصور الرُّوم ذاتَ قُصورِ
لاث الغَمام عِمامةً مسْكيَّة ... وأقام في أرضٍ من الكافور
غنّى الربيعُ به محاسن وصفه ... فافتَرَّ عن نَوْرٍ يروق " ونُورِ "
فالدَّوْح يسحب حُلَّةً من سُنْدُس ... تزهو بلؤلؤ طلِّها الموفُور
والنخل كالغِيد الحِسان تقرّطتْ ... بسبائك المنظوم والمنثور
والرمل في حُبُك النسيم كأنما ... أبدى غُضُون سوالف المذعور
والبحر يرعُد متنه فكأنه ... درع تُسَنُّ بمَعْطِفيْ مقرور
وكأننا، والقصرُ يجمعُ شَمْلنا ... في الأفق، بين كواكِبٍ وبُدُور
وكذاك بني خُلَيف لم يزل ... يثني المعاطف في حبير حبور
(1/76)

ومن ذلك مدينة لبدة. وهي خراب يَبَاب. بها صنمان عظمان من الرُّخام الأبيض، في زيّ امرأتين. وغالب بناء هذه المدينة " في جدرها وسقوفها وفرش دياراتها وأرضها " من الرخام الأبيض. وكان يجري إليها وادٍ يصب إلى البحر الشاميّ وترسى السفن البحرية إليه. وطفَّات الوادي ومجاري الماء مرصوفة بالرخام. فغلب عليها سافي الرمل، فقطع مدد الوادي، وأخلى أوطانها، وأجلى سُكَّانها. وهذه المدينة ببَرْقة، يقابل أطرابُلُس الغربية.
ومن ذلك المُعَلَّقة. وهي مدينة بإفريقية. على ساحل البحر الشاميّ على نحو ستة عشر ميلا من تونس. يقال إنها كانت لبنة الملك الذي قال الله، وقوله الحق، في حقه: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً). بها آثار عظيمة، وأحجار كبيرة، ومهاوٍ بعيدة، وأشراب عميقة. تُظْهر لمن تأملها العجب العُجاب، واللُّبّ اللباب. ومن عظيم ما حوته من الأحجار، أنه على طول المُدد، وتراخي عِنان الأبد، أنه ينقل من أحجارها إلى ما جاورها ولا ينقطع مددها، ولا يظهر نقص في كثرتها.
ومن ذلك مدينة شرشال. وهي مدينة تقابل مِلْيانةَ، بالغرب الأوسط، على ساحل البحر الشاميّ. يقال إنها كانت مدينة الملك الغاصب للسفن، المعنيِّة بقوله تعالى في سورة الكهف. وقد تقدّمت الآية عند ذكر ابنه هذا الملك، في ما قبلُ، وهي مدينة تزيد على الوصف، في أتساع الأفنية، وارتفاع الأبنية، وعظم القناطر المرفوعة، والأقبية المعقودة، والقواعد المشيدة، والجدر السميكة، مما يشهد له جُوَّال الأرض، وسُفَّار الآفاق، وسُمَّار الحديث، بأنه لا شبيه له في تخشيم بنائها، وتحسين صناعاتها.
ومن ذلك صخرة سبتَة. يقال إنها المعنية بقوله تعالى: (أَرَأَيْتَ إِذْ آَوَيْنَا الصّخرةِ فإّني نَسَيْتُ الحُوْتَ). وهي مشهورة هناك.
ومن ذلك هيكل الزُّهَرَة. بالأندلس، في ذيل الجبل الآخذ بين طُلَيْطلة ووادي آش في شرقيه بشمال. مطلُّ البحر المحيط. وقد تقدّمت الإشارة إليه.
ومن ذلك باب الصُّفر. في شرقيّ الأندلس يفضل بينه وبين الأرض الكبيرة. ذات الألسن العديدة من سكان الشمال. عمل الباب على نقب كان فتح في جبل حيث خرجت من البحر الشامّي طريقا للأندلس إلى البر المتصل.
وقد رأيت أن أعقب ذكر هذه الآثار، بما هو مماثلها أو أبلغ في الاعتبار، وهو: قصر العبَّاس. وهو: قصر العَبَّاس. وهو بين سنجار ونصيبين. وهو وإن لم يكن في القدم بالنسبة ما ذكرناه. فإنه في العبرة كما أشرنا. حكى قاتضي القضاء أبو العباس أحمد بن خلكان في تاريخه قال: مر أبو الربيع قرواش بن المقلَّد بن المسيب بقصر العباس بن عمرو الغنويّ وكان مطلاًّ على بساتين ومياه كثيرة. ومياه كثيره فتأمله، فإذا في حائط منه مكتوب:
يا قصر عَبَّاسَ بن عَمْ ... روٍ، كيف فارقك أبْنَ عَمْركْ؟
قد كنتَ تغال الدُّهور ... فكيف غالَك ريب دهْرِكْ؟
واهاً لعِزِّك بل لجُو ... دك بل لمجدك بل لفخرِكْ!
وكتبه عليّ بن عبد الله بن حمدان بن بخطة سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
" وهذا هو الأمير سيف الدولة بن حمدان " .
وتحته مكتوب:
يا قصرُ، ضَعْضعك الزما ... نُ وحطَّ من عَلْياء فخرِكْ!
ومحا محاسن أسطُرٍ ... شَرُفت بهنّ مُتُون جُدْرِكْ!
واهاً لكاتبها الكري ... م وقدره المُوفيِ بقَدْرِكْ!
وكتبه الغضنفر بن الحسن بن عليّ بن حمدان بخطة سنة اثنتين وستين وثلاثمائة.
" وهذا هو عدّة الدولة أبن الأمير ناصر الدولة أخى سيف الدولة " .
وتحته مكتوب:
يا قصرُ، ما فعل الأُولى ... ضُربَتْ قِبابُهُمُ بِعُقْركْ؟
أخْنى الزمانُ عليهِمُ ... وطَواهُمُ لطوِيلِ نَشْرك!
واهاً لقاصِرِ عُمْر مَن ... يختال فيك، وطُول عُمْرك!
" وكتبه المقلَّد بن المسيب بن رافع بخطه في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة " .
" وهذا هو والد قرواش " .
فكتب ولده قرواش تحته:
ياقَصْرُ ما صنعَ الكرا ... مُ الساكنُونَ قديمَ عَصْرِك؟
عاصَرْتَهم فبذَذْتَهم ... وشأَوْتهم طُرّاً بصبرك!
(1/77)

ولقد أثارَ تفجُّعِي ... يا ابن المسيَّب رَقْمُ سطرِك!
وعلمتُ أنِّي لاحِقٌ ... بك دائبٌ في قَفْو إثْرك!
وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب بخطه في سنة إحدى وأربعمائة.
وعزم على هدمه، وقال: هذا مشؤوم. ثم تركه.
وباني هذا القصر العباس بن عمرو الغنويّ من أهل تَلِّ سَيَّار، باني الرقة ورأس عين من حصن مَسْلَمة بن عبد الملك بن مروان. وكان يتولّى اليمامة والبحرين. وسيّره المعتضد لحرب القرامطة في عشرة آلاف فارس. فقُتل الجميع، وسلِم وحدَه.
" وعمرو بن الصفا حارب إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان في خمسين ألف فارس فأخذوه وسلم الباقون " .
وكذلك قصر البصرة. وكان قبل أن تُختطَّ البصرة منزلا تنزله الأكاسرة في متصيَّداتهم، وتخرج إليه الأساورة في متنزَّهاتهم. وتهدّم حتّى جدّده الحجاج، فعرف به، فقيل قصر الحجاج. وكان يعرف بقصر قُباذَ. وقال: قال أبو الغرّاف: قال الحجاج لجرير والفرزدق، وهو في قصره بالبصرة بالجزيرة: " إيتِياني في لباس آبائكما في الجاهلية " . فلبس الفرزدق الديباج والخزَّ، وقعد في قبَّة. وشور جرير دهاة بني يربوع وشيوخهم، فقالوا: " ما لبس آبائنا إلا الحديد " . فلبس درعا وتقلد سيفا وتأبط رُمْحا وركب فرسا، وأقبل في أربعين من بني يربوع. وجاء الفرزدق في هيئته. فتقاولا. فقال جرير:
لَبِست سلاحِي ، والفَرزْدق لُعبةٌ ... عليه وِشاحَا حَلْيهِ وخلاخِلُهْ
أَعِدّوا مع الخَزِّ المَلابَ؛ فإنّما ... جريرٌ لكم بعلٌ وأنتم حلائلُهُ!
ثم رجعا. فوقف جرير في معرّة بني حصن، ووقف الفرزدق بالمِربَد. وقد أبرَّ جرير عليه.
وكذلك قصر الكوفة. وقد هُدم، فلم تبق منه باقية.
وله حكاية مشهورة. ولهذا ذكرناه.
قال عبد الملك بن عُمير: كنت مع عبد الملك بن مروان بقصر الكوفة، حين جيء برأس مُصْعَب بن الزبير. فوُضِع بين يديه، فرآني قد ارتعدتُ فقال لي: مالك؟ فقلت: أعيذك بالله، يا أمير المؤمنين! كنت بهذا القصر، في هذا الموضع، مع عبيد الله ابن زياد، فرأيت رأس الحسين بين يديه. ثم كنت فيه مع المختار بن أبي عبيد، فرأيت رأس ابن زياد بين يديه. ثم كنت فيه مع مُصْعَب بن الزبير. فرأيت رأس المختار بين يديه. ثم ها أنا فيه معك، ورأس مصعب بين يديك. فقام عبد الملك من مقامه ذلك. وأمر بهدم ذلك الطاق.
ولمناسبة هاتين الواقعتين، ذكرنا هذين القصرين، لما فيهما من العبرة لمن تفكر. فسبحان الله الباقي، وكل شيء هالك؛ الدائم، وما سواه ليس كذلك! ومنها قصر هِرَقْل. وهو بالشَّرَف الأعلى الشماليّ. ويُعرف في زماننا بقصر شمس الملوك. ولم يبق منه اليوم إلا الجوسق والحمام. والجوسق الآن خانقاه للفقراء. ولم يزل منزلا للملوك ومنزها لأهل البلد، لإشرافه على نهر بَرَدَى والوادي. ونزله السلطان صلاح الدين.
وحكى ابن ظافر قال: دخل أبو خالد بن صقير القيسرانيّ على الأمير تاج الملوك أبي سعيد نور بخت، أتابك طغتكين، صاحب دمشق، وبين يديه بركة فسيحة الِفناء، صحيحة البناء، قد راق ماؤها وصفا، وجرّ النسيم عليها مارقّ من أذياله وضفا. وهو تارة يرشُف رضابها، ويجعِّد ثيابها، وتارة يسكبها مِبْردا، ويحبكها مسْردا. فأمره بوصفها، فقال:
أَوَ مَا تَرى طَرَبَ النسي ... م إلى الغدير إذا تحَّركْ؟
بَلْ لو رأيتَ الماء يل ... عب في جوانبه، لسرَّكْ!
وإذا الصَّبا هبّت علي ... ه، أتاك في ثوبٍ مُفَرَّكْ.
ومن ذلك ما ذكره الحافظ أبو القاسم عليّ بن عساكر، في ترجمة إسماعيل بن أبي هاشم. قال: قرأت بخط أبي الحسن رشإِ بن نظيف، وأنبأنيه أبو القاسم عليّ إبراهيم وأبو الوحش سبيع بن المسلم، عنه: أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن الحسن ابن عليّ بن محمد بن يحيى الدقاق: حدثني أبو الحسن عليّ بن أحمد بن محمد بن سلامة الطحاويّ: حدثنا إسماعيل بن أبي هاشم، قال: قرأت على قصرٍ بدمشق لبنى أُمَيَّة:
ليتَ شِعْري! ما حالُ أهلك يا قَصْ ... رُ وأيْنَ الذين عالَوْا بِنَا كا؟
ما لأرْبابِك الجبابِرَةِ الأم ... لاك شادُوك ثم حَلُّوا سِوَاكا؟
(1/78)

أَلِزُهْدٍ يا قصْرُ فيك تحامَوْ ... ك ألا تُبْتَنى ولستَ هُناكا؟
ليت شِعْري! وليتني كنتُ أدرِي! ... ما دهاهُمْ، يا قصر، ثُمَّ دهاكا؟
ومن خلفه: هذا جواب عنهم:
أيُّها السائلُ المفَكِّرُ فيهم! ... ما إلى ذاك السُّؤال " قل لي " دَعَاكا؟
أوَ ما تعْرِف المَنُونَ إذا حلّ ... ت دِيَارا فلن تُراعِي هَلاَكا!
إنّ في نفسك الضعيفةِ شُغْلا ... فاعتَبِر وامض فالمَنُون وَرَاكا!
قال: وحدثني أبو الحسن بن الطحاويّ: حدثني ابن أبي هاشم قال: قرأت بحُلوان " مصر " لقصر لعبد العزيز بن مروان:
أيْنَ ربُّ القَصْر الذي شيَّد القص ... ر، وأين العَبِيدُ والأجنادُ؟
أيْن تلكَ الجُموعُ والأمر والنه ... يُ وأعوانُهم وذاك السَّوادُ؟
أين عَبدُ العزيز، أيْنَ ابن مَروا ... نَ، وأيْنَ الحُماةُ والأولادُ؟
مالنا لا نُحِسُّهم ونَرَاهم! ... أتُرى، ما الذي دهاهم، فبادُوا؟
قال: وقرأت تحته: هذا جواب عنهم:
أيُّها السائلُ المُفَكِّر فيهم: ... كيْفَ بادَتْ جُمُوعُهم والسَّوادُ،
ثم في القَصْر والذين بَنَوْه ... أسَفاً، حين فارقوه وبادُوا.
أيْنَ كِسْرى وتُبَّعٌ قبل مَرْوا ... نَ ومِن قبلِ تُبَّعٍ شَدّادُ.
أيْنَ نُمْرودُ؟ أيْنَ فِرْعونُ مُوسى؟ ... أيْنَ مِن قبلهم ثمودُ وعادُ؟
كلُّهمْ في التراب أضحى رَهِينا ... حينَ لم تُغْنِ عنهم الأجْنَادُ!
إنّ في الموت يا أخي لك شُغْلا ... عن سِواه، والموَقْف المِيعادُ!
ومما ينسحب على ذيل ذلك، أنني نزلت في مسجد بقُنَيَّة السلاّر، من اليرموك بالشام " وكانت قديما منازل غسَّان، ثم نزلها قوم من آل يَسَار، ثم صارت إلى بني السلاَّر، وكانوا أمراء نبلاء، وسادة أجلاء، ثم أبادهم الحدثان " . فقرأت على بعض جدران المسجد:
أرأيتَ أيُّ منازلٍ وديارِ ... أمسَتْ خَلاءً مِنْ بني السَّلاَّرِ
العامرين مساجداً لإِلههم ... الغامرين ندىً ذَوِي الإعسارِ
وقد كتب آخر تحتها:
قلْبي المَشُوقُ إلى بَنِي السَّلاَّر ... أبداً يُقلَّبُ فوق جَذوة نارِ
قومٌ لحُسْن صَنِيعهم أحببتُهم ... حُبِّي لآل محمدِ الأطْهارِ
فكتبت تحتها:
لا تنكرنَّ تَنكُّر الآثار ... وتغيُّر الأوْطانِ والأوطار
يا مَن تعجَّب للقُنَيَّة إذْ خَلَتْ ... من ساكنيها من بني السَّلاَّر
لا تعْجَبنّ فهم سُلاَلة آدم ... أُكْل المَنُون وعُرْضةُ الأقدار!
إنْ تخلُ منهم فهي من قبلٍ خلَتْ ... من آل غَسَّانٍ وآل يَسَار
لا تعجَبنّ من الفِراق فإنَّهُ ... ما هذه الدُّنْيا بدارِ قَرار!
جاؤُوا على آثارِ غيرِهُم وقد ... ذهَبُوا كما ذهَبُوا على الآثار!
وسَبِيلُنا لمَّا أتيْنا بعْدَهم ... كسبيلِهم في الوِرْد والإصْدارِ!
كلُّ الذي حازُوه عارِيَةٌ ولا ... عَجَبٌ إذا ردّ المُعارُ عَوَارِي!
قلت: ومن هذا النوع أنني مررت بعد حين من الدهر بمعاهد كنت آلفها أوّل عمري، والشيب ما عارض عارضي ولا عذري؛ وعقد الاجتماع منظوم، وأهلها أهلَّة ونجوم. فوجدتها خالية بعد أهلها، ظامية بعد عَلِّها ونهلها؛ وقد أصبحت عارية من ريفها وظلِّها، عادمة لكثرها وقُلِّها. وقد كتب عليها بعض من ولِع:
هذه دارُهمْ وماتُوا جَميعا ... هكذا هكذا يُعادِي الزمانُ!
فحرّكني هذا البيت، لسكان ذلك البيت، وأيامنا نحن وساكنه الميت، وتذكرت تلك الأيام الماضية، والعيشة الراضية، ثم ما غرت الحوادث، وسدّت من الأبواب والبواعث، فقلت ارتجالا:
أين دهْرٌ مضى لنا أول العُمْ ... ر وأينَ الزمانُ والإخْوانُ!
حَدَثَتْ بعدَنا عليهم أمورٌ! ... هاتِ شيئاً ما اغتَالَهُ الحَدَثانُ؟
(1/79)

ذهب الكُلُّ في زمانٍ تقضّى ... كلُّ شيءٍ يأتي عليه الزمانُ!
ما تَبَقّى لنا من الكُلِّ إلاَّ ... قولُنا للتَّذْكار: كُنَّا وكانُوا!
ثم أمرت من كتبها تحت الباب وانصرفت باكيا، وشكوت لو أنصف الدهر شاكيا.
الديارات والحانات
أما ما بلغنا ذكره من الديارات المشهورة الواردة في أشعار العرب وغيرهم، أو كان قد دخلها أحد من الخلفاء والأمراء والأدباء والشعراء المشهورين، أو ورد لذلك الدير ذكر في شعر قديم أو عصريّ.
فمنها دير الكَلَب وهو قرب مَعْلَثَايا، في سفح جبل. والماء ينحدر عليه وقلالِيُّهُ مبيّنة بعضها فوق بعض، في صعود الجبل. فمنظرها أحسن منظر. وينبوعه ينصبّ عليه من أعلاه.
وفيه من الزيتون والرُّمَّان والآس والكرم والزعفران والنرجس شيء كثير.
ولرهبانه مزارع في السهل. وغلاته كثيرة.
قال الخالديّ: لهذا الدير خاصية في برء عضة الكلب الكلب. وله عيد في وقت من السنة يخرج إليه خلق: من النصارى نساء ورجال للإقامة عندهم. وخلق من المسلمين للنظر إليه والنزهة فيه. ويجتمع إليه أهل الرَّفَث والمُجَّان، وتُسمع به الأغاني وأنواع الملاهي، وتُذبح به الذبائح، وتُشرب الخمور.
وحُكي أن أخا لأبي السفاح الشاعر عضه كلب كلب، فحمله إلى هذه الدير فتداوى به، فبرئ. وأنشد له شعرا فيه، لم أذكره.
دير أُبون. وهو دير بين الجزيرة وثمانين. وهو دير جليل عند النصارى، وبه جماعة من الرهبان. ويزعمون أنه قبر نوح عليه السلام؛ وقد تقدَّم ما ذكرناه في أمر قبره بكَرَك البقاع. والله أعلم أيّ بقعة ضمّته.
ولهم صهريج للماء. زعموا أن له أنابيب من صُفْر يجري فيها الماء من جبل الجوديّ إلى الصهريج.
وإلى جانبه ضيعة غنّاء كثيرة البساتين. يقال لها بزر مهران.
دير الزعفران. وهو بالقرب من مَعْلَثايا بجانب الفلجة النافذة إلى الحسينية. وهو في لِحْفِ جبل تُطلُّ عليه قلعة أَرْدَمُشت. وفيه نزل المعتضد لما حاصرها وأخذها.
وهو كثير الرهبان والقلاليّ. ولرهبانه يَسار ونَعَم ومزارع وبساتين.
وفرشُ أرضه من زهر الزعفران. وقلاليّه بعضها من " فوق " بعض، كبناء دير الكَلَب، بأحسن وصف وأملح تكوين. وله سور يحيط به وشرابه مفضّل في اللون والرائحة والعتق. وماؤه سائح من ينبوع في جبله.
قال الخالديّ: اجتزتُ في بعض السنين، وعامل الناحية سعيد بن إسحاق فاحتبسني عنده أياما للأُنس. فعملتُ فيه عدّة أشعار، منها:
وزَعْفرانِيِّةٍ في اللَّوْن والطِّيب ... طيِّبَةِ الخَمرِ دَكْناء الجَلابِيبِ
ثَوَتْ بحانة عُمْر الزعفرانِ على ... مَرّ الهَوَاجِر فيه والأَهَاضِيبِ
وما الغَطَارِفةُ الشُّبَّانُ إن شَرِبُوا ... خَمْرا بأبْلجَ مَن رُهْبانِه الشِّيبِ
شرِبْتُها من يدَيْ حوراءَ مُقلتُها ... تُضْنِي القُلُوبَ بتَبْعِيدٍ وتقريبِ
شمسٌ إذا طلَعَتْ، قالتْ محاسِنُها ... ها قد طَلَعْتُ، فيا شمسَ الضُّحى غِيبي!
ونمِنْتُ سُكْرا، ونامَتْ لِي معانِقَةً: ... فلا تَسَلْ عن عِنَاق الضَّبْي والذِّيبِ!
دير قُنى. وهو ببغداد والمداين.
ودير العاقُول. أسفل منها باثني عشر فرسخا. وإلى جانبه قرية كبيرة. أخرجت عدّة من الكتاب والوزراء. وهو حسن البناء، راكب على دجلة. وبات فيه الوزير عليّ بن مقلة، ثم أصطبح فيها. وقال:
باتتْ يدِي تَجْنِي ثِمارَ الجُناحْ ... بدير قُنّى من وُجُوهٍ مِلاحْ!
حتّى تَلاَ الراهبُ مَزْمُورَه ... وضَمَّخَ الأُفْقَ خَلوقُ الصَّباحْ
فهَلْ فَتىً يُسْعِدُنِي عاقداً ... ذيْلَ غُبُوقٍ بذُيولِ اصْطِباح!
أُطيعُه في كل ما يَشْتَهِي ... كطاعةِ الرِّيشِ لأمْرِ الرياح
وفيه يقول البحتريّ، من قصيدة يمدح ابن الفَيَّاض الوزير، وكان في دير قُنَّى:
ما تُقَضّى لُبانةٌ عِنْد لُبْنى، ... والمُعَنّى بالغانيات مُعَنّى!
نَزلُوا رَبْوة العِراق ارتيادا ... أيُّ أرضٍ أشفُّ داراً وأسْنى؟
(1/80)

بين دَيْر العاقُول مُرتَبَعٌ أش ... رفَ مُحتلُه إلى دير قُنّى،
حيث بات الزيتونُ من فوق النخ ... لُ عليه وُرْق الحَمَام تَغَنّى.
ما المَعَالِي إلا المَكارِمُ تزدا ... دُ وإلاّ مَصانعُ المجد تُبنى!
قال الخالديّ: وأنشدنا أبو العباس بن أبي خالد الأحول: قال أنشدني كاتب ابن طولون لنفسه:
إنَّ عَجْزاً كما نكون وغَبْنَا ... أن نُرى صاحيَيْن في دير قُنّى!
حَبَّذا روضُهُ المدبَّجُ ليلاً ... وهواه ذاك المُمَسَّكُ رُدْنا!
قد جَرى بالمِسْك فيها ... فحوَتْه الدِّنَان: دَنّاً فدَنّا.
كم خلَوْنا بخُسروانِيّ كِسرى ... وهو يُسقى طوراً وطورا يُغَنّى!
تحتنا فَرْدةٌ من الوَرْد إلاّ ... أنها من أنام البدر تُجْنى!
وحكى جحضى البرمكيّ قال: كنت بحضرة إسماعيل بن بُلْبُل، بواسط أيام حرب العلويّ البصريّ، والموفق الناصر يقاتله. فلما انصرفت رافقني البحتريّ، وكان قد زار ابن بُلْبُل. فلما وصلنا إلى دير قُنّى قال لي: ويحك يا جحضة! هذا دير قُنّي، وهو من الحُسن والطيب على ما ترى! وأنت أنت! وطُنبورك طنبورك! فهل لك أن نقيم به اليوم، فنشرب ونطرب، وننعم ونلعب؟ فقلت: نعم! ولم يكن معنا نبيث. فسألنا عمن يقرب منا من العمال، فكتب إليه البحتريّ:
يا ابنَ عِيسى بنِ فَرُّخانَ، وللفُرْ ... س بعيسى بن فَرُّخان افتخارُ!
قد حلَلْنا بدير قُنّى وما نب ... غي قِرىً غيرَ أن يكون عُقَارُ!
فاسْقِ من حيثُ كان يشرب كِسرى ... عُصْبةً كلُّهمْ ظِماءٌ حِرَارٌ!
من كُمْيتٍ تولَّت الشمسُ منها ... ما تولَّتْه من سِواها النارُ!
فوجه إليها عشرين دنّا شرابا، ومائة دجاجة، وعشرين حملا، وفاكهة. وعملت في الأبيات لحنا. فلم نزل نشرب عليه يومنا وليلتنا. وأخذت فيها مغنى فقلت:
وبات يَسْقينا جِنانيّةً ... ضنَّتْ بها الشمسُ على النار!
دير العَذَارى. وهو بين سُرَّ من رأى وبغداد، بجانب العلث على دجلة، في موضع حسن. فيه رواهب عذارى. وكانت حوله حانات للخمارين وبساتين ومنتزهات. ولا يعدم من دخله أن يرى من رواهبه جواريَ حسان الوجوه والقدود والألحاظ والألفاظ.
قال الخالديّ: ولقد اجتزت به فرأيته حسنا، ورأيت في الحانات التي حوله خلقا يشربون على الملاهي. وكان ذلك اليوم عيدا له. ورأيت في جُنَينات لرواهبه جماعة يلقطن زهر العُصْفُر، ولا يماثل حمرة خدودهنّ. ثم أن دجلة أهلكته بمدودها، حتى لم يبق منه أثر. ولجحظة فيه أخبار وأشعار. لأنه كان مَعَانه ومأواه، وإليه ينجذب به هواه. وفيه يقول ابن المعتزّ:
أيَا جِيرَةَ الوادِي على المَشْرعِ العَذْبِ!سَقَاك حَيَّا حيُّ الثَّرى ميِّتُ الجَدْب!
وحسبُك يا دَيْرَ العَذارى قليلُ مَا ... يحِنُّ بما تَحْوِيه من طِيبَةٍ قلبي!
كَذَبْتُ الهوى إنْ أَقفْ أَشْتَكِي الهَوى ... إليكَ وإن طال الوُقُوفُ على صَحْبي!
وعُجتُ به والصُّبْح يَنْتَهِب الدُّجى ... بأضْوائه، والنَّجْمُ يركُض في الغَرْبِ.
أُصَانِعُ أطْرافَ الدُّموع بمُقْلَةٍ ... مُوفَّرةٍ بالدمع غَرْباً على غَربِ.
وهَلْ هِيَ إلا حاجةٌ قُضِّيَتْ لنا ... ولومٌ تحمّلناه في طاعةِ الحِبّ؟
قال الخالديّ: وأنشدني جحظة لنفسه:
قالُوا: قمِيصُك مَغْمُور بآثارِ ... من المُدَامة والرَّيْحانِ والقَارِ!
فقلتُ: مَنْ كان مَأواه ومَسْكَنهُ ... دَيْرَ العَذارى لدى حانُوتِ خمّار،
وِسادُه يدُه والأرضُ مَفْرَشُه ... لا يستَطِيعُ لسُكْرٍ حَلّ أزْرارِ،
لم يُنْكِر مِنْهُ أنّ حُلَّته ... خَضْراءُ كالرَوض أو حَمْراءُ كالنارِ!
وقال: وللصنوبريّ فيه:
أقولُ لمُشْبِهِ العَذْرَاء حُسْناً ... علامَة رعَيْتَ في دَيْرِ العَذَارى؟
(1/81)

وما وَحْدِي أغارُ عليه، لكِنْ ... جميعُ العالَمِينَ مَعِي غَيَارى!
ولأبن فيروز البصير فيه:
وروضةِ لهوٍ قد جَنَيْتُ ثِمارَها ... بدَيْرِ العَذَارى بين رَوْضٍ وأنهارِ.
تَخَالُوا بها وجْهَ المُدِيرِ وكأسَه ... هِلالاً وشَمْساً بيْنَ أنْجُمِ نَوَّارِ.
يَطُوف بإبرِيقٍ مُفَدّىً كَرامَةً ... علينا بأسْماعٍ كرامٍ وأبصارِ.
كأنّا له زُغْبُ الفراخ يقَوُتُها ... بمثل مُذابِ التِّبْر من شَطْرِ مِنقارِ.
قال الخالديّ: هذا حسن بديع.
وحكى الجاحض قال: زعم فتيان من تَغلِب أنهم أرادوا قطع الطريق على قَفَلٍ، بلغهم أنه يمرُ بهم قريب دير العذارى. ثم جاءتهم العين بأن السلطان قد عُرّف بهم وأقبل في طلبهم. قال: فاختفينا في الدير، فلما أمِنَّا، قال بعضنا لبعض: ما يمنعنا أن تأخذوا القَسَّ فتشدّوه وثاقا ثم يخلوا كل واحد منكم بواحد من هذه الأبكار، فإذا طلع الفجر تفرّقنا في البلاد؟ وكنا جماعة بعدد الراهبات اللواتي كنا نظنهنّ أبكارا، فوجدناهنّ كلهنّ ثيبات، وقد افتضهنّ القَسُّ. قال بعضنا:
ودَيْرُ العَذَارى فَضُوحٌ لَهُنّ، ... وعِنْد اللُّصُوصِ حَدِيثٌ عَجِيب.
خَلَونْا بعشْرينَ دَيرِيَّةً ... ونَيْلُ الرواهب شيءٌ غَرِيب.
إذا هُنّ يَرْهَزْنَ رَهزَ الظراف، ... وبابُ المَدِينة فَجٌّ رحيب.
لقد باتَ بالدَّيرِ ليلُ التَّمام ... نِسَاءٌ وِسَاعٌ ونَيْلٌ صليب.
وللقَسّ حُزْنٌ يَهِيضُ الفُؤاد ... ووجدٌ يَدُلُّ عليه النَّحِيب.
وقد كان عَيْرا لدى عانَةٍ ... فصُبَّ على العَيْر لَيْثٌ غَضُوب.
وفيه يقول بعض القُطَّاع أيضا، من كلمة له:
وأَلْوَطُ مِنْ راهبٍ يَدَّعى ... بأنَّ النِّساءَ عليه حَرَام.
يُحَرِّم بَيضاءَ مَمْكُورةً ... ويُغْنِيه في البَضْع عَنْها الغُلام.
إذا ما مشى غَضَّ مِنْ طَرْفه ... وفي الدير باللَّيْل منه عُرَام.
ودير العذارى فَضُوح لهنّ ... وعند اللُّصُوص حديثٌ تمام.
وقيل في راهبة فيه:
يا أيُّها القمرُ المُنِيرُ الزاهرُ ... المُشرِقُ الحَسَن المِضيءُ الباهرُ!
أَبلِغْ شَبِيهَتكَ السَّلام، وهنِّها ... بالنومِ، واشْهَدْ لِي بأنِّي ساهِر!
دير الباعوث. وهو على شاطئ الفرات، من جانبها الغربيّ. في موضع نزه. وكانت العمارة قليلة حوله. وله خفراء من الأعراب. وله مزارع ومباقل وجُنينات. وفيه هيكلة صورة دقيقة الصنعة عجيبة الحُسن، يقال أن لها مئين سنين، لم تتغير أصباغها، ولا حالت ألوانها. قال المنبجيّ: اجتزت بدير الباعوث هذا واستحسنته واستبطته، فلولا الوطن لاستوطنته. ورأيت في رهبانه غلاما كما عذَّر قد ترهب. فخاطبته وإذا به أحلى الناس ألفاظا على لثغة فيه تجعل السين ثاء فشدّيت سُمَّاريِّتي إلى جانب الدير. واشتريت شرابا من الرهبان. وبتُّ هناك منادما لذلك الغلام. فلما أردت الرحيل قال: أتنصرف من عندنا أنت شاعرٌ ولم تقل فينا شيئا؟ فقلت: بلى، والله قد قلتُ! وأنشدته:
يا طِيبَ ليلَة ديْرِمَرْ باعوثِ! ... فسَقَاه رَبُّ العَرْشِ صِرْفَ غُيُوث!
ومُوَرَّدِ الوَجَنات من رُهْبانِه ... هو بَيْنَهُم كالظَّبْي بين لُيُوثِ،
حاوَلْتُ منه قُبْلةً فأجابَني، ... يا حُسنَ ذا التَّذكيرِ والتأنيثِ!
حَتّى إذا ما الرِّاحُ سهّل حثُّها ... منه العسيرَ برِطْله المحثوث!
نِلتُ الرِّضَا وبَلْغت قاصِيةَ المُنى ... مِنْهُ برَغْم رَقيِبه الدَّيُّوت!
ولَقد سَلَكْتُ مع النَّصارى كلّ مَا ... سلَكُوه غيْرَ القَولْ بالتَّثْلِيث!
دير السوسيّ: وهو في الجانب الغربيّ بسُرَّ من رأى. ومنه أرضها. فابتاعها المعتصم من أهله.
(1/82)

حكى أحمد بن أبي طاهر، قال: قصدتُ بِسورَّ من رأى رائدا بعض كبارها بشعر مدحته به، فقبلني وأجزل صلتي، ووهب لي غلاما روميا حسن الوجه. فسرتُ أريدُ بغداد. فلما سرت نحو فرسخ، أخذتنا السحاب، فعدلت إلى دير السوسيّ لنقيم فيه إلى أن يخفّ المطر. فاشتد القطر وجاء الليل. فقال الراهب الذي هو فيه: أنت العشيَةَ بائت هنا، وعندي شراب جيد، فتبيت تقصف ثم تبكُر. فبتُّ عنده فأخرج لي شرابا جيدا، ما رأيتُ أصفى منه ولا أعطر. وبات الغلام يسقيني، والراهب نديمي، حتّى متُّ سُكرا. فلما أصبحتُ رحلتُ وقلتُ
سَقى سُرَّ مَن رأى وسُكَّانَها ... وَديْراً لسُوسِيّها الراههِب
فقد بتُّ في دَيْرِهِ ليلةً ... وبدْرٌ على غُصُنٍ صاحِبي
غزالٌ سَقَانِيَ حتّى الصَّبا ... حُ صّفْراءَ كالذَّهَب الذائبِ
سَقَانِي المُدامة مستَيْقِظا ... ونِمْتُ ونام إلى جانِبي
وكانتْ هَناةٌ وهي تَشْرَبُ الويلُ من ... جَنَاها الذي خَطّه كاتِبي
وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد فيه قول ابن المعتز:
يالَيَالِيَّ بالمَطِيرَةِ والكَرْ ... خ ودير السُّوسِيّ بالله عُودِي
كُنتِ عِنْدِيَ أُنْمُوذَجَاتٍ من الجَّنَّ ... ةِ لكِنَّها بغير خُلُود
أشْرَبُ الرَاح وهي تَشْرَبُ عَقْلي ... وعلى ذاك كان قَتْلُ الولِيدِ
دير عبدون: وهو بسُرَّ مَن رَأى إلى جانب المطيرة. قال: وسُمِّيَ دير عبدون لكثرة إلمام عبدون " أخي صاعد بن مخلد " به. وكان عبدون نصرانيا. وأسلم أخوه الصاعد على يد الموفق الناصر. فاستوزره وبلغ معه المبالغ العظيمة.
وحكى البحتريّ أنه كان مع عبدون في هذا الدير في يوم فصح، ومعه ابن خرداذبة. قال البحتريّ فأنشدته قصيدتي التي مدحته بها، وأوّلها:
لا جديدُ الصِّبى ولا رَيعانُهْ ... راجع بعد ما تقضّى زمانُهْ
فأمر لي بمائتي دينار، وثياب خز، وشِهْريّ بسرجه ولجامه. وأخوه حينئذ مع الموفق في قتال العلويّ البصري. فسُرّ بذلك وقال لي: يا أبا عبادة! قل في هذا شعرا أنفذُه إلى ذي الوزارتين، يعني أخاه، وكان يلقب بهذا.فقلت:
لِيَكْتَنِفْكَ السُّرورُ ةالفَرَحُ ... ولا يَفُتْكَ الإبريقُ والقَدَحُ!
فَتْحٌ وفِصْحٌ قد وَافَيَاكَ معاً ... فالفَتح يقْري والفِصح يُفْتَتَح
فأنعَم سَلِمَ الأقطارِ تَغْتَبِقُ الص ... هباءَ من دنِّها وتَصْطَبِح
فإنْ أَرَدْتَ اجتراح سَيِّئةٍ ... فها هنا السَّيِّئات تُجتَرَح
وأقمنا يومنا إلى الليل. وخلع على ابن خرداذبة وحمله وانصرفنا.
وأنشد الخالديّ قول ابن المعتز فيه:
سقى الجزِيرةَ ذاتَ الظِّلِّ والشجَرِ ... فديرَ عَبْدونَ هطَّالٌ من المَطَرِ!
دَير زَكّى. وهو قريب البليخ والفرات. في أنزه البقاع، بين بساتين وأنهار وقلال وضياع.
وحُكي عن الحسين بن يعقوب أنه قال: صرت إلى الرُّها. فبتُّ بها. وخرجت قبل عيد الصليب بيوم. فإذا لدينا وجوه حسان من نصرانيات خرجن لعيدهنّ، عليهنّ جيِّدُ الثياب وفاخر الجوهر؛ وإذا روائح المسك والعنبر قد طُيِّب الهواء منها، وقد فُرش لهن على العجَل وهو يُجرّ بهنّ؛ وأخريات على الشَّهاريّ الخراسانية والبغلات المصرية والحمر الفُرْه، وفي خلال ذلك صبيان ما رأيت أحسن منهم وجوها وقدودا وثيابا. فتأملت منظرا لم أر أحسن منه قط. وإذا هم يطلبون دير زكّى ليعيِّدوا فيه.
قال الخالديّ: وإلى جانبه قرية تعرف بالصالحية ذات قصور ودور. وفيها يقول بعض الشعراء:
قُصورُ الصالحيَّةِ كالعَذارى ... لبِسْنَ حُلِيَّهنَّ ليوم عُرسِ
تُقَنِّعها الرياضُ بكلّ نَوْر ... وتُضْحِكثها مطالعُ كلّ شمس
وفيها قال الصنوبريّ:
إني طَرِبْت إلى زيتون بِطْياس ... فالصالحيَّةِ ذاتِ الوَرْد والآسِ!
وَصْفُ الرياض كفانِي أن أُقِيمَ على ... وَصْفِ الطُّلُولِ، فهل في ذاك من باس؟
(1/83)

وقائلٍ لِي: أفِقْ يوماً! فقلتُ له، ... من سَكْرة الحُبِّ: أو من سكرة الكاسِ؟
قلْ للذي لامَ فيه: هل تَرى كَلِفا ... بأمْلَحِ الرَّوْضِ إلا أملحَ الناسِ؟
وفيها قال أيضا:
الصالِحيَّة مَوْطِني ... أبدا، وبِطياسٌ قَرَاري
من فَوْقِ غُدْرانٍ تَفِفي ... ض وبَيْنَ أنهار جوارِي
ومُدامةٍ بُزِلَت فأش ... به فتلُها فتل السِّوارِ
يا لائمي ما العارُ عا ... رُك! فامض! عنِّي العارُ عارِي!
لَهَفِي على مَلْوِيّة ... الاصداغ مسْبَلة الإزرارِ!
قد فُضِّضَتْ بالياسَمِي ... ن وذُهِّبَتْ بالجُلَّنارِ
وفيه قال:
حبّذا المرح! حبّذا العَمْر! لا بل ... حبّذا الدَّير! حبّذا السَّروتان!
قد تجلّى الربيع من حُلل الزَّهْ ... ر وصاغ الحَمامُ طِيبَ الأغاني
زُيِّنَتْ أوجُه الرياض فأضحت ... وهي تُزهى على الوجوه الحسان
أخضَرُ اللونِ كالزبرجد في أحم ... مرَ صافي الأدِيم كالعِقْبان
وبَهَارٌ مثل الزنانير محفُو ... ف بزهر الخَيْرِيِّ والحُوذان
سقِّياني بكل لَوْنٍ من الرا ... ح على كلِّ هذِه الألوان!
وفيه يقول الصنوبريّ أيضا من قصيدة:
أراق سِجالَهُ بالرَّقَّتيْنِ ... جَنُوبيٌّ صَخُوب الجانبين،
وأهدى للرَّصيف رَصيفَ مُزْنٍ ... يعاوده طريرُ الطُّرَّتين
تُضاحِكُها الفُراتُ بكل فجٍّ ... فتضْحَك عن نُضارٍ أو لُجَين
كأنَّ عِناقَ نَهريْ دَير زكّى ... إذا اعتنقَا عِنَاقُ متَيَّميْن
أقامَا كالسَّوارَيْن، استدارَا ... على كفّيه أو كالدُّمْلُجيْن
ويا سُفُنَ الفرات بحيث تَهوِي ... هُوِيّ الطيْرِ بين الجَلْهَتَين
تَطارَدُ مُقبِلاتٍ مُدْبِراتٍ ... على عَجَل تَطارُدَ عَسْكرين
تَرانَا واصليْن كما عَهِدنا ... وصالا لا نُنَغِّضه ببين؟
أَلاَ يا صاحِبَيَّ خُذا عِنَانَيْ ... هوايَ سلِمْتا من صاحبَيْن!
وكان اللهوُ كابن أُمِّي ... فصِرْنا بعد ذاك لِعَلّتين!
وله أيضا من أخرى:
يا نديمي أما تَحِنُّ إلى القَصْ ... ف، فهذا أوانُ يَبْدُو الحنينُ؟
ما تَرى جانبَ المُصلَّى وقد أشْ ... رق منه ظُهُوره والبُطُونُ؟
أُسْرِجَتْ في رياضه سُرُج القُط ... ر وطابت سُهُوله والحُزونُ
إنّ آذار لم يَذَرْ تحت وجه الأر ... ض شيئا أكَنَّه كانُونُ!
وكأنّ الفُراتَ بينهما عيْ ... نُ لُجيْن يعومُ فيها السَّفِينُ،
كبُطُون الحيّات أو كمُتُون ال ... مَشْرَفيّاتِ، أخلصَتْها القُيُونُ
كم غدا نحو دير زكّى من قل ... بٍ صحيح فعادَ وهْو حَزينُ!
لو على الدير عُجتَ يوما، لألْهَتْ ... ك فُنونٌ وأطربتْك فنونُ!
لائمي في صَبابتي قَدْكَ مَهْلاً ... لا تلمني. إن المَلامَ جُنونُ!
ولأبي بكر المُعَوَج فيه من قصيدة:
ما تَرى الدير؟ ما ترى أسفَلَ الدَّي ... رِ، وقد صار وَرْدةً كالدِّهَان؟
لو رآه النُّعمانُ، شَقَّ عليه ... ما يَرى من شَقائِق النُّعْمان!
قال الخالديّ عن الزهراويّ، قال: بالموصل جارية مغنية، لُقِّبَت بالدير. وكان لها ابن عم يعشقها. فطرقتُه يوما زائرا. فأحتجب عني، وعرَفت أن عنده المغنية المعروفة بالدير، وقد خلا بها. فكتبتُ إليه.
قد علمنا عَلِمنا بأن مَثْواكَ بالَّدي ... ر فعيشا في غبطة وأمان!
تَتَغنى طَورا وتَسقِيكَ طَوْرا ... وتُلاقِي للسوءَة السَّوْءتان
(1/84)

ثم أنْشَدتُ إذا سمِعْت نَخِيرا ... كنَخِير الرُّعُود في نَيْسانِ:
" ما ترى الدير؟ ما ترى أسفل الدي ... ر، وقد صار وَردة كالدِّهانِ " .
قال الخالديّ: " وهذا التضمين حسن، واقع في موقعه ، تمكن في مكانه وهكذا سبيل مثله أن يكون البيت المضَمَّن كأنه من الشعر المضاف إليه " . قلت: بشرط نقله وقد ذكره أبو الفرج وقال: وممن ذكره هارون الرشيد. فقال في بعض غزواته، وقد خلّق جارية كان يحبها هناك:
سلامٌ على النَّازِح المغترِبْ! ... تحيَّةَ صَبٍّ به مُكْتَئِبْ!
غزالٌ مراتِعُه بالبَلِيخ ... إلى ديرِ زَكّى فَقصْر الخَشَبْ!
أيا مَنْ أعانَ على نَفسِه ... بتخليفِه طائعاً مَن أحِبّ!
سأسْتُر، والسِّتْرُ من شِيمَتي، ... هوى من أُحِبُّ لمن لا أُحبّ
قال: ويقال إنه قالها في ديرانية رأها في دير زكّى، فهويَها.
دير القائم الأقصى. وهو على شاطيء الفرات من جانبه الغربيّ في طريق الرَّقَّة قال أبو الفرج: وقد رأيته وهو مَرْقب من المراقب التي كانت بين الروم والفرس، على أطراف الحدود.
وقال إسحاق الموصليُّ: لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة، مررنا بالقائم وعنده الدير. فاستحسن الرشيد الموضع وكان الوقت ربيعا، وكانت تلك المروج مملوءة بالشقائق والزهر. فشرب على ذلك ثلاثة أيام. ودخلتُ الدير أطوف فيه، فرأيت ديرانيَّة، حين نهد ثدياها عليها المسوح، ما رأيت أحسن من وجهها وجسمها. وكأنّ تلك المسوح عليها حليّ. فدعوت بنبيذ وشربت على وجهها أقداحا. وقلت:
بِدَيْرِ القائِم الأقْصى ... غَزالٌ شادِنٌ أحْوى!
بَرى حُبِّي له جِسْمِي ... ولا يَدْرِي بما ألْقى!
وأكْتُمُ حُبَّه جَهدِي ... ولا واللهِ ما يَخْفى!
ثم دعوت بالعود، فغنيت في الدير صوتا مليحا ظريفا. وما زلت أكرره وأشرب وأنظر إليها، وهي تضحك من فعلي حتّى سكرت. فلما كان من الغد، دخلت على الرشيد، وأنا ميّت من السكر، فقال لي: أين شربت؟ فأخبرته القصة فقال: طيِّب وحياتي! ودعا بالشراب فشرب. فلما كان العشيّ، قال: قم بنا حتّى أتنكّر وأدخل إلى صاحبتك هذه وأراها. فقمت معه وتلثم ودخل الدير فرآها وقال: مليحة والله! وأمر من جاءه بكأس وخَرْدَاذِي. وأحضرت عودي فغنيته الصوت الذي صنعته ثلاث مرات، وشرب عليه ثلاثة أرطال. ثم خرج وأمر لي بثلاثين ألف درهم. فقلت: يا سيدي، وصاحبة القصة؟ أريد أن يبين عليها أثري. فأمر لها بخمسة آلاف درهم، وأمر بأن لا يؤخذ من مزارع ذلك الدير خراج. وأقطعهم إياه وجعل عليه عن الخراج عشرة دراهم في كل سنة، تؤدّى ببغداد.
دير حزقيال. قال شريح الجزاعيّ: اجتزت بدير حزقيال. فبينا أنا أدور فيه، إذا بسطرين مكتوبين على أُسطوانة. فقرأتهما، فإذا هما:
رُبَّ لَيْلٍ أمدّ من نَفَس العا ... شِقِ طُولاً، قطًعْتُه بانتحابِ!
ونَعِيمٍ بوصلِ مَن كنتُ أهْوى ... قد تبدّلتُه ببُؤس العِتاب!
نَسَبُونِي إلى الجُنُون ليُخفُوا ... ما بقلبي من صَبْوةٍ واكتِئابِ
ليت بي ما ادّعَوْه من فَقْدِ عَقْلي ... فهو خيرٌ من طٌول هذا العَذَابِ؟
وتحته مكتوب: هَوِيتُ فمُنعتُ، وطُردتُ وشُرِّدتُ. وفُرِّق بيني وبين الوطن، وحُجبتُ عن الإلف والسَكَن وحُبستُ في هذا الدير " ظلما و " عدوانا، وصُفِّدتُ في الحديد زمانا،
وإنِّي على ما نابَنِي وأصابَنِي ... لذُو مِرَّةٍ باقٍ على الحَدَثان!
فإن تُعْقِب الأيامُ أظْفَرْ ببُغْيَتِي! ... وإن أتولى يرمِ بِي الرَّجَوان!
فكم ميّتٍ همّاً بغيظٍ وحَسْرةٍ ... صَبُورٌ لما يأتي بِه المَلَوان!
فدعوت برقعة، وكتبت ذلك وسألت عن صاحبه، فقالوا: رجل هوى ابنة عم له. فحبسه عمه في هذا الدير، وغرم على ذلك جملة للسلطان خوفا أن تفتضح ابنته. ثم مات عمه. فورثه، هو وابنته. وجاء أهله فأخرجوه وتزوّج ابنة عمه.
دير ماسَرجَس. قال أبو الفرج: لم يذكر أيّ دياراته؟ وله عدّة ديارات. منها دير بازاء البركان، في ظهر قرية يقال لها كاذة.
(1/85)

حُكي عن عبد الله الربيعيّ قال: دخلت " أما وأبو النصر البصريّ، مولى بني جُمَح " بِيعة ماسَرجَس. وقد ركبنا مع المعتصم، نتصيّد. فوقفت أنظر إلى جارية كنت أهواها، وجعل هو ينظر إلى صورة في البيعة، حتّى طال ذلك. ثم قال أبو النصر:
فتَنَتْنا صُورةٌ في بِيعةِ! ... فتَنَ اللهث الذي صَوّرَها!
زادَها الناقِشُ في تحسينها ... فَضْلَ حُسنٍ، إنه نَضَّرها!
وجْهُها لا شَكَّ عِنْدِي فِتْنةٌ ... وكذا هِي عِنْدَ مَنْ أبصرها!
أنا للقَسّ عليها حاسِدٌ ... ليت غَيْرِي عَبَثاً كسَّرها!
قالت، فقلت: له شتان ما بيننا! أنا أهوى بشرا، وأنت تهوى صورة! قال لي: هذا عبث، وأنت في جِدّ.
قال حماد، وغنّى عبد الله بن العباس في هذا الشعر غناء حسنا، سمعته منه. فنسبه إليه لكثرة شعره في امرأة كان يهواها.
دير الروم. وهو بأرض بغداد. قال الشابشتيّ: كان مُدرك بن عليّ الشيبانيّ يطرقه في الآحاد والأعياد. فينظر من فيه من المُردان، والوجوه الحسان. وله فيه:
وُجوهٌ بدَيْر الرَّوم قد سلَبَتْ عَقْلي ... فأصبَحْتُ في بُؤْس شَدِيدٍ من الخَبْل!
فلم تَرَ عَيْنِي مَنْظَرا مثلَ حُسْنِهم ... ولم تَرَ عَيْنٌ مُستهاماً بهِمْ مِثْلي!
وحُكي عن جساس بن محمد قال: كان بدير الروم غلام من أولاد النصارى، يقال له عمرو بن يوحنا. وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا. وكان مُدرك بن عليّ يهواه. وكان من أفاضل أهل الأدب. وكان له مجلس تجتمع فيه الأحداث لا غير. فإن حضره ذو لحية، قال له مُدرك: إنه يقبُح بك أن تختلط بالأحداث، فقم في حفظ الله! فيقوم. وكان عمرو ممن يحضر مجلسه، فعشقه وهام به. فكتب إليه رقعة، وتركها في حجره. فقرأها فإذا فيها:
بمجالِس العِلْم التي ... بِكَ تَمّ جَمْعُ جُمُوعِها!
إلاَّ رَثَيْتَ لمُقْلةٍ ... غَرِقتْ بِفَيْضِ دُموعِها!
بَيْنِي وبَيْنَكَ حُرْمة، ... فاللهَ في تضْيِيعها!
فقرأ الأبيات، ووقف عليها من حضر. فاستحيا عمرو، فانقطع عن الحضور. وغلب الأمر على مُدرك، فترك مجلسه وتبعه. وقال فيه أشعارا، منها قوله:
يا من يُريد وصالَنا ويَريدُّه ... ما قد يحاذِر من كلامِ الناس!
صِلني فإن سبقَتْ إليك مقالةٌ ... منهم، فعصِّبْ ما يقال براسِي!
قال جساس: ثم خرج مُدرك إلى الوسواس. فحضرته عائدا في جماعة من إخوانه، فقال: الست صديقكم القديم؟ فما فيكم أحد يسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ قال: فمضينا إليه. وقلنا له: يا عمرو إن كان قتل هذا الرجل دينا فإنّ إحياءه لمروءة. قال: فما فعل؟ قلنا له قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه. قال: فنهض معنا. فلما دخلنا عليه، سلّم عليه عمرو، وأخذ بيده. فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه، ثم أغمي عليه، ثم أفاق وهو يقول:
أنا في عافيةِ إلا من الشَّوْقِ إِليكَ.
أيُّها العائد، ما بي ... منك لا يَخْفى عليكا!
ولا تَعُد جِسْما وعُدْ قَلباً رَهِينا في يَدَيْكا!
كيفَ لا يَهْلِكُ من يُرْ ... مى بسهمَيْ مُقْلَتيكا؟
دير الزَّنْدَوَرْد. وهو بالجانب الشرقيّ من بغداد. وأرض ناحيته كلها فواكه وأترج وأعناب. وعنبها من أجود ما يُعتصر هناك. ولذا قال أبو نواس:
فسقّني من كروم الزَّنْدَوَرْد ضُحىً ... ماء العَنَاقيد في ظلّ العَنَاقيد!
قال الشابشتيّ: حكى عبد الواحد بن طرخان: قال خرجت إلى دير الزَّندورد في بعض أعياده مُتطرّبا ومُتنزِّها، ومعنا جحظة في جماعة من إخواني. فنزلنا موضعا حسنا. ووافقنا هناك جماعة من ظُراف بغداد، لجميعهم معشوقات حسان الوجوه والغناء. فأقمنا به أياما في أطيب عيش. وقال جحظة فيه شعرا، ذكر الدير وطيب الوقت ومن كان معنا وغنّى فيه لحنا حسنا. وهو:
سَقْياً وَرَعياً لدير الزَّنْدَوَرْد وما ... يَحْوِي ويُجمع من راحٍ ورَيْحان!
دَير تَدُور الأَقْداحُ مُترَعَةً ... من كفِّ ساقٍ مريض الطَّرْف وسَنانِ!
والعُودُ يَتْبَعَهُ نايٌ يُوافِقُه ... والشَّدْوُ يُحكِمُه غُصْنٌ من البانِ!
(1/86)

والقومُ فَوْضى تُرى هذا يُقبّل ذا ... وذاك إنسانُ سَوْء فوق إنسان!
هذا ودِجْلَةَ للرائين مُعْرضَةٌ ... والطير يَدْعو هَدِيلاً بين أغصان!
بَرٌّ وبَحْرٌ فَصَيد البرَِ مُقْتَرِبِ ... والبحر يَسْبَحُ شَطَّاه بِحيتَانِ!
ثم صنع لحنا وغنى فيه بشعر له. منه:
خليليَّ! الصَّبُوحَ ... فإنّ شِفاء ما تَجِدَانِ راحُ!
فَنَبِّهْ فِتْيَةً جَبَهُوا قديماً ... عَواذِلَهُمْ بِزَجْرٍ فَاسْتراحُوا!
رأيتُ الغَانِياتِ صَدَدْنَ عَنِّي ... وأعْرَضَتِ المُبتَلَّةِ الرَّدَاحُ
وقُلنَ: مَضَتْ بِشرَّتك الليالي! ... فقلتُ: نعم، وقد رثّ السِّلاحُ!
دير دُمَالِس، وهو في باب الشماسيَّة. شرقيّ دجلة. قال الشابشتيّ: وموقعه في هذا الوقت في ظهر القرية التي بناها أحمد بن بويه الديلميّ. وهو نزه كثير البساتين والشجر. وبقربه أجبة قصب. وهو كبير آهل. وهو من البقاع المعمورة بالقَصْف. وعيده أحسن عيد. يجتمع نصارى بغداد فيه. وفيه يقول ابن حمدون النديم:
يا دَيْرَ دُومَالِسَ ما أحْسَنَكْ! ... ويا غَزَالَةَ الدَّيرْ ما أفتَنَكْ!
لَئِنْ سَكَنْتَ الدَّيرْ في أهلِه، ... فإِنَّ في وَسْطَ الحَشَا مَسْكَنَكْ!
دَير سَمَالُو، وهو بالجانب الشرقيّ من بغداد. على نهر المهديّ. وهناك أرحية للماء وحوله بساتين وأشجار ونخل. آهل بمن يطرقه من أهل الخلاعة. وفي عيد الفصح لا يبقى أحد من النصارى ببغداد، حتّى يأتي إليه، ولمحمد بن عبد الملك الهاشميّ فيه شعر، منه:
ولَرُبَّ يومٍ في سَمَالُو تَمَّ لِي ... فيه النَّعيمُ وغُيِّبَتْ أحزَانُهُ!
حتّى حَسِبْتُ لنا البِسَاطَ سَفينَةً ... والبيتَ ترقُصُ حولنا حيطَانُهْ!
قال خالد بن يزيد بن الكاتب: كنت بدير سَمَالُو، فلم أشعر إلا ورسول إبراهيم ابن المهديّ قد وافاني. فذهبتُ إليه، فإذا برجل أسود مشفرانيّ قد غاص في الفُرش، فاستجلسني. فجلست. فقال: أنشدني شيئا من شعرك! فأنشدته:
رأتْ منه عينِي مَنْظَرَيْنِ كما رَأت ... من البَدر والشمس المُضيئَةِ بالأرض.
عَشِيَّةَ حَيَّانِي بوَرْدٍ كَأنَّهُ ... خُدُودٌ أُضيفَتْ بَعْضَهُنَّ إلى بَعضْ
وَنَاوَلَنِي كَأساً كَأَنَّ رُضَابَها ... دُموعِيَ لمّا صدّ عن مُقلتيَّ غُمضِي
وَوَلّى، وفِعْلُ السُّكْر في حركاتِهِ ... من الرَّاحِ فعلُ الرِّيحِ بالغُصنِ الغَضِ
فزحف حتى صار في ثلثي المصلّى. ثم قال يا بنيَّ! شبَّه الناس الخدود بالورد، وشبّهت أنت الورود بالخدود! زدني! فأنشدته.
عاتَبتُ نفسِيَ في هوا ... كَ، فَلَمْ أجِدْها تَقْبُلُ
وأجَبتُ داعِيها إلَي ... كَ، ولم أجِبْ مَن يَعْذُلُ
لا والَّذي جَعَلَ الوُجو ... هِ لِحُسنِ وَجْهِكَ تَمَثُلُ!
لا وَقُلْتُ: إِنَّ الصَّبْرَ عن ... كَ من التَّصابِي أجْمَلُ!
فزحفتُ حتّى صار خارج المصلى. ثم قال زدني! فأنشدته:
عِشْ فَحِبِّيكَ سريعاً قاتِلِي ... والهوى إن لم تَصِلني واصِليِ
ظَفَرَ الحَبُّ بِقَلبٍ دَنِفٍ ... بِكَ والسُّقْمُ بِجِسمٍ ناحِلِ
وبكى العاذِلُ لي من رَحمَتي ... فبُكائِي من بكاء العَاذِلِ
فصاح وقال: يا بُليق! كم لي معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون دينارا. قال: أقسمها بيني وبينه.
وحكى الشابشتي لخالد حكايات، وأنشد له شعرا، منه قوله:
كَبِدُ المُستَهَام كيفَ تَذُوبُ؟ ... ما تُقاسِي مِنَ العُيونِ القُلوبُ
يا مَكَانَ الهِوى خلَوْتَ من الصَّب ... رِ، فما للسُّلوِّ فيكَ نَصِيب!
وقوله:
ولم أدْرِ ما جُهْدُ الهَوى وبَلائُه ... وشِدَّتُه، حتّى وَجَدْتُكْ فِي قَلبِي!
أطَاعَكَ طَرْفِي فِي فُؤادِي، فَحَازَ ... لِطَرْفِكَ حَتَّى صِتُ في قَبضَةُ الحُبِّ!
(1/87)

دير الثعالب، وهو في الجانب الغربيّ من بغداد، بباب الجديد. وهو بمكان متنزَّه لا يخلو من قاصد وطارق. ولا يتخلّف أحد من النصارى عن عيده. فمواطنه معمورة، وبِقاعه مشهورة. ولابن دهقان فيه شعر ظريف. وهو من ولد إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، ويُكنّى بأبي جعفر. وأنشد له جحظة:
أحينَ قَطَعتُ لَكَ الواصِلِينَ ... وجُدْتُ عليكَ ولَم أنْجَلِ
غَدَرْتَ وَأظْهَرتَ لي جَفْوَةً ... وَجُرْتَ عليّ ولَم تَعْدِلِ
أأطْمَعُ في آخِرٍ من هَوَاكَ ... ولَمْ تَرْعَ لِي حُرْمَةَ الأَوَّلِ؟
دير مديان، وهو على نهر كرخايا ببغداد. وكرخايا نهر يشقُّ من المحوّل الكبير ويمرّ على العبّاسية، ويشقُّ الكرخ، ويصبُّ في دجلة.
وكان قديما عامرا يصبّ الماء فيه، ثم نضب بالبثوق.
قال الشابشتيّ: هذا الدير حسن عامر حوله البساتين. ويُقصد للتنزّه لابن الضحّاك فيه شعر. منه:
يا دير مِدْيانَ لا عُريِّتَ من سَكَنٍ، ... ما هُجِيتَ من سَقَمٍ! يا دَيرُ مِدْيانَا!
هَل عِندَ قَسِّكَ من علمٍ فيُخبِرَني ... أمْ كَيْفَ يُسْعد وَجهَ الصبر من خَانا؟
سَقْياً وَرَعْياً لِكَرخايَا وساكِنِها ... بين الجُنَيْنَةُ والرَّوْحَاء من كَانا!
دير أَشمُونى. وأشمونى امرأة بُني الدير باسمها ودُفنت فيه. وهو بُقْطُرُ بُلَّ. قال جحظة: خرجتُ في عيد أشمونى فلما وصلت الشطَّ، مددتُ عيني لأنظر موضعا خاليا أصعد إليه، أو رجلا أنزل إليه. فرأيتُ قينتين من أحسن من رأيت. فقدّمتُ سُميّرتي نحوها، وقلت: تأذنون لي في الصعود إليكما؟ فقالتا: بالرَّحب والسعة! فصعدت، وقلت: يا غلام! طُنبوري ونبيذي. فقالتا: أمّا الطُّنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس خُلقا وأخلاقا وعشرة. فأخذت الطُّنبور وغنَّيتُ شعرا لي:
سَقياً لأشمونى ولذّاتَها ... والعيشُ فيها بينَ جَنَّاتِها!
إذْ اصطِبَاحِيَ في بَسَاتِينِها ... وَإذ غُبُوقي في دَياراتِها!
فشربنا بالأرطال، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار.
قال محمد بن المؤمّل: كنت مع أبي العتاهية في سُمرّيَتَيه، ونحن سائرون إلى أشمونى. فسمع غناء من بعض تلك النواحي، فاستحسنه وطرب له، وقال لي: أتحسن أن ترقص؟ فقلت: نعم. فقال: فقم بنا نرقص. فقلت: في سميرية! أخاف أن نغرق. فقال: إن غرقنا، أليس نكون شهداء الطرب؟ دير سابُر. وهو في الجانب الغربيّ من دجلة، بين المزرفة والصالحيّة، في بقعة كثيرة البساتين والكروم والثمار والحانات والخمّارين، معمورة بأهل الطرب. والدير حسن عامر. ولابن الضحّاك فيه:
وَعَوَاتِقٍ بَاشَرْتُ بين حَدَائِقٍ ... فَفَضَضْتُهُنّ وقَد غَنِينَ صَحاحَا
اتَّبَعْتُ وَخْزةَ تِلكَ وَخْزَةَ هذِه ... حتّى شَرِبْتَ دِمَائَهُنَّ جِرَاحَا
أبْرَزْتُهُنَّ مِنَ الخُدُورِ حَواسِراً ... وَتَرَكْتُ صَوْنَ حَرِيمِهِنَّ مُبَاحَا
فِي دَيرِ سَابُورَ والصًبَاحُ يَلُوحُ لِي ... فَجَمَعْتُ بَدْراً والصَّباحَا وَرَاحَا
وَمُنْعَّمٍ نَازَعْتُ فَضْلَ وِشَاحِهِ ... وَكَسَوتُهُ مِن سَاعِدَيَّ وِشَاحَا
فَاذْهَبْ بِظَنِّكَ كَيْفَ شِئْتَ فَإِنَّهُ ... مِمّا اقْتَرَفْتُ لَذَاذَةً وَجِمَاحَا
وأورد الشابشتي فيه للحسين بن الضحاك أخبارا ظرافا، وأنشد له شعرا لطافا. منها:
أما نَاجَاكَ بالوَتَرِ الفَصِيحِ ... وأنَّ إليكَ من قَلبِِ الجَّريحِ؟
فَلَيْتَكَ حينَ تَهْجُرُهُ ضِراراً، ... مَنَنْتَ عَلَيهِ بالقَتْلِ المُرِيحِ!
بِحُسْنِكَ كانَ أوَّل حُسْنِ ظَنِّي، ... أمَا يَنهَاكَ حُسْنُكَ عن قَبِيحِ؟
ألا يا عَمرُو هَل لَكَ بِنْتُ كَرَمْ؟ ... هَلُمَّ إلى صَفِيَّةِ كلِّ رُوحِ!
فقامَ على تَخاذُلِ مُقلَتَيهِ ... وَسَلسَلَهَا كأدواجِ الذَّبيحِ
(1/88)

وأَتْبَعَ سَكْرَةً سَلَّفَتْ بِأُخرَى ... وَخَلاَّ الصَّحوُ للحُرّ الشَّحِيحِ
وحكى عنه قال: كنا عند المتوكل في نوروز، والهدايا تُعرض عليه فيها تماثيل من عنبر. وكان شفيعنا الخادم واقفا، عليه قباء مورّد، وهو فيهما من أحسن الناس وجها. فجعل المتوكل يدفع إلى شفيع قطعة قطعة من ذلك العنبر، ويقول: ادفعها إلى حسين، واغمز يده. فيفعل ذلك. ثم كان آخر ما دفع إلَيّ وردة حمراء، حيّاني بها. فقلت:
وكالوردةِ الحَمراءِ حَيّاً بأحمرٍ ... من الوَرد، يَسعى في غَلائِل كَالوَردِ!
لَهُ عَبَثَاتٌ عند كلِّ تَحِيّةٍ ... بِكَفَّيهِ تَستَدعي الخَلىّ إلى الوَجْدِ!
تَمَنَّيتُ أن أُسقى بِكَفَّيهِ شَربَةً ... تُذَكِّرنِي ما قَد نَسِيتُ مِنَ العَهْد!
سَقَى اللهُ دَهراً لَم أبُت فيهِ لَيلَةً ... مِن الدَّهرِ إلا مِن حَبيبٍ على وَعْدِ!
فأمره المتوكل أن يسقيه: وقال: قد أعطيناك أمنيّتك.
دير قُوطا. وهو بالبردان، على شاطئ دجلة.
قال الشابشتيّ: وبينه وبين بغداد بساتين متصلة، ومنتزهات منتظمة. كلُّ ذلك شجر وكروم كثيرة الطُّراق. قال: هذا الدير يجمع أموال كثيرة: من عمارته وكثرة فواكهه مما يطلبه أهل البطالة فيه. ولعبد الله بن العباس الربيعيّ فيه:
يا دير قُوطا، لقد هَيَّجْتَ لي طَرَبا ... أزاح عن قلبيَ الأحزانَ والكُرَبا
بشادنٍ ما رأتْ عيْنِي له شَبَهاً ... في الناس، لا عَجَماً منهم ولا عَرَبا
والله، لو سامَنِي نَفْسِي سَمحْتُ بها ... وما نَجِلتُ عليه بالذي طَلَبا!
وأنشد الشابشتيّ له فيه قوله:
يا حبَّذا يَوْمِيَ بالدَّالِيهْ! ... نَشْرَبُها قَفصِيَّةً صافيَهْ
مع كل قَرْمٍ مُتلِفٍ مالَه ... لم تَبْقَ في الدُّنْيا له باقِيَهْ
فخُذْ من الدنيا ولذَّاتِها، ... فإِنَّما نحن بها عاريَهْ!
دير جرجس. وهو بالمرزفة: أحد الأماكن المشهودة، والمواضع المقصودة.ويخرج إليه من يتنزه من أهل بغداد في السُّمريات، لقربه وطيبه. وهو على شاطئ دجلة، والبساتين محدقة به، والحانات مجاورة له، وبه كل ما يحتاج إليه.
وأنشد الشابشتي فيه لأبي جفنة القرشيّ:
تَرَنَّم الصَّيفُ بعد عُجمتِه ... وانْصَرفَ البَرْدُ في أزِمَّتِهِ
ومِثْلُ لَوْنِ النَّجيع صافيةٌ ... تَذْهَب بالمرء فوقَ همَّتِه
ومَنْ وفى وعدَه بَزوْرتِه ... وبِتُّ، أوفي له بذِمَّتِهِ
في دير مَرْ جْرجِيِسٍ وقد نَفخ ال ... فجرُ علينا أرواحَ زَهْرتِهِ
وأنشد له فيه:
وقرعتُ صافيةً بماء سَحابةً ... فتحِنُّ حين قرعتُهنَّ سرورا!
وشربتُ ثم سقَيْته فكأنَّنِي ... سبْسَبْتُ فوق لَهَاته كافُورا!
وفَتىً يُدير عليك في طَرَباته ... خَمْرا تُولِّد في العِظَام فُتورا
ما زِلْتُ أشرَبُها وأَسْقِي صاحِبي ... حتّى رأيتُ لِسانه مَكْسُورا
قال: وكتب منه النميريّ إلى المعتز في آخر شعبان.
يا أبا العَبّاس، قد شمّ ... ر شَعْبانٌ إزارَهْ!
ومضى يَسْعى فما يَلْ ... حقُ إنسانٌ غُبارَهْ
فاغُد نشْرَبْ صفوة الدّنّ ونَسْلُبْهوَقَارْه!
فلم يرِّد عليه جوابا، ولا أفهمه فيه خطابا.
دير الخُوَات. وهو بعكبرا. وهو دير كبير عامر. وأكثر سكانه نساء مترهِّبات. وعيده الأحد الأوّل من الصوم.
وقال الشابشتيّ: وتسمّى ليلة الماشوش، وهي ليلة يختلط فيها الرجال بالنساء، فلا يردّ أحد يده عن شيء. وأنشد فيه لجحظة:
وحانةٍ بالَعلْثِ وَسْطَ السُّوقِ ... نزلتُها وصارِمِي رَفِيقي
على غُلام من بَنِي الحَلِيق ... فجاء بالجارمِ وبالأبْرِيقِ
أما رأيتَ قِطَع العقيقِ
دير باشَهْرا. وهو على شاطئ دجلة. نزه كثيرة البساتين، على طريق سرَّ مَنْ رأى، منزلة المصعد والمنحدر. وفيه يقول أبو العيناء:
(1/89)

نزلْنَا دَيْرَ باشَهْرا ... على قسِّيسه ظُهْرا
فَسَقَّانا وروّانا ... من الصافِيةَ العَذْرا
فقابَلْنا به الشَّمْسَ ... وقبلّنا به البدرا
وأحيَتْ لَذَّةَ الكاسِ ... ولكن قَتَّلَتْ سُكْرا!
دير مرمار. وهو بسَّر من رأى، وعند قنطرة وصيف. حوله كروم وشجر. وأنشد فيه الفضل بن العبَّاس بن المأمون:
أنْضَيْتُ في سُرَّ مَنْ را خَيْلَ لذَّاتِي ... ونِلْتُ فيها هَوى نفْسِي وحاجاتي!
عمَّرتُ فيها بِقاعَ اللَّهْو منغَمِسا ... في القَصْف ما بيْنَ أنهارٍ وجنّات!
بدير مَرْمارَ إذ نُحْيِ الصُّبُوحَ به ... ونُعمل الكاسَ فيه بالعَشِيّات
فكَمْ به من غَزالٍ شادنٍ لَبِقٍ ... يَصيدُنا باللَّحاظ البابِلِيّات!
وحكى الشابشتيّ أن الفضل ذكر أنه خرج مع المعتز للصيد. قال فانقطعنا عن الموكب، أنا وهو ويونس بن بغا. فشكى المعتز العطش فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهبا أعرفه، وله مروءة حسنة. وفيه آلات جميلة. فهل لنا أن نعدل إليه؟ فقال: افعل! فصرنا إليه، فرحّب بنا وتلقّانا بأجمل ملقى. وجاءنا بماء فشربنا. وعرض علينا النزول عنده، وقال: أما تبتردون عندنا؟ فقال المعتز: انزل بنا إليه. فنزلنا عنده. فسألني الديرانيّ عن المعتزّ ويونس. فقلت فَتَيَان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور. فقلت له: ليس هذا من دينك واعتقادك. فقال: هو الآن في ديني. فضحك المعتز. ثم جاءنا من الطعام بما يكون مثله في الديارات. وكان من أنظف طعام في أنظف آنية. فأكلنا منه وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتزُّ: قل له بينك وبينه من تحبُّ أن يكون معك من هذين لا يفارقك. فقلت له، فقال: كلاهما. فضحك المعتزّ حتّى مال من الضحك. ولحِقَنَا الموكب، فارتاع، فقال له المعتزّ: بحياتي عليك لا تنقطعُ عما كنا فيه، فإنني لمن ثَمَّ مولىً ولمن ههنا صديق! فمزحنا ساعة، ثم أمر له المعتزّ بخمسين ألف درهم. فقال: لا والله، لا قبلتها إلا على شرط! قال: ما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أراد. قال: ذلك إليك. فاتعدنا ليوم جئناه. فلم يبق غاية، وقام بالموكب كله. وجاء بأولاد النصارى، فخدموا أحسن خدمة. وسُرَّ المعتزّ سرورا ما رأته سُرَّ مثله قطُّ. ووصله ذلك اليوم بمال كثير.
دير سرجيس. وهو بِطيزَنَاباذَ. بين الكوفة والقادسيَّة على حافة الطريق. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر والحانات والمعاصر. وكان بهذا أحد البقاع المعمورة، ونُزَهِ الدنيا التي تبتهج بها القلوب المسرورة.
قال الشابشتيّ: وقد عَفَتْ الآن آثارها، وهُدمت دياراتها.
قلت: وبلغني أن ديارها خربت، ولم يبق من رسومها إلا قباب خراب، وجرن على قارعة الطريق في القفر اليَبَاب.
قال الشابشتيّ: ويسميه الناس معصرة أبي نُواس. وله فيه:
قالوا: تنسَّكَ بعد الحَجِّ! قلتُ لهم ... أرجو الإله وأخشى طِيزَناباذَا
أخشى قُوضَيِّب كرم أن ينازِعَني ... فضل الخِطَامِ أذا أسرعتُ إغذاذا
فإن سَلِمتُ وما قلبي على ثِقةٍ ... من السَّلامة لم أَسْلم ببغداذا
ما أبعدَ الرشدَ من قلبٍ تضمنه ... قُطْرَبُّلٌ فَقُرى بَنَّا فكَلْواذا
وفيه يقول الحسين بن الضحاك:
أَخَوَيَّ هُبَّا للصَّبُوح صَبَاحَا ... هُبَّا ولا تَعِدَا النَّدِيمَ رَواحَا
هل تَعْذِران بديرِ سَرَجْ صاحِباً ... بالصَّحْو أو تَرَيان ذاكَ جُناحا
إني أعذُكُما بأُلفةِ بيننا ... أن تَشْرَبا بقُرى الفُرات قَراحا
يا ربَّ ملتَبِسِ الجُفُون بنومةٍ ... نَبهَّتهُ بالراح حِينَ أراحا
فكأنَّ رَيَّا الكاسِ حين نَدَبْتُهُ ... للكاسِ أنهضَ في حَشَاه جباحا.
فأجابَ يعثُر في فُضُل رِدَائه ... عَجْلانَ يَخْلِط بالعِثَار مزاجا
فَهَتكْتُ ستْر مُجُونه بتَهَتُّكِي ... في كل مُلْهِية وَبُحتُ وَبحا
ديارات الأساقف.
(1/90)

قال الشابشتيّ: هذه الديارات بالنجف، ظاهر لكوفة، في أوّل الحيرة. وهي قباب وقصور، تسمى ديارات الأساقف، بحضرتها نهر يعرف بالغدير، عن يمينه قصر أبي الخصيب، وعن شماله السَّدير. والديارات بين ذلك.
قال: وقصر أبي الخصيب هذا، من أحسن متنزهات الدنيا مشرف على النَّجف والظهر كله. يصعد من خمسين مرقاة إلى سطح حسن، ومجلس مشرف. ثم يصعد من خمسين مرقاة أخرى إلى سطح أفيح ومجلس عجيب الصنعة. وهو منسوب إلى أبي الخصيب، مولى أبي جعفر المنصور.
وأنشد في هذه الديارات لعليّ بن محمد بن جعفر العلويّ قوله:
كم وَقْفَةٍ لك بالخَوَرْ ... نقِ لا تُوازَي بالمَواقفْ
بينَ الغَدِير إلى السَّدِ ... ير إلى دِيارات الأَساقِفْ
فَمَدارج الرُّهبان في ... أطمار خائِفَةٍ وخائِفْ
دِمَنٌ كأنّ رِياضَها ... يُكْسَيْنَ أعلامَ المَطَارِفْ
وكأنَّما غُدْرانُها ... فيها عُشُورٌ في مَصَاحفْ
وكأنَّما أنوارُها ... تهتزّ بالريح العَوَاصِفْ
طُرَرُ الوصائِفِ يلْتَقي ... نَ بها إلى طُرَرِ الوَصَائفْ
تَلْقى أوائِلَها أوَا ... خِرُها بألوان الزَّخارفْ
بحرِيَّةٌ شَتَواتُها ... بَريّةٌ فيها المَصَايِفْ
دير زُرَارة. وهو بين الكوفة وحمَّام أعْيَن، على يمين الحاجّ من بغداد. نزهٌ، كثير الحانات والشراب. لا يخلو ممن يطلب اللهو واللعب، ويؤثر البطالة والقصف. قال الشابشتيّ: خرج يحيى بن زياد ومطيع بن إياس حاجّين. فلما قربا من زُرارة قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدّم أثقالنا، ونمضي إلى زُرارة، ونشرب في ديرها ليلتنا، ونتزوّد من خمرها، ونستوفي من مردها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. ولم يزل ذلك دأبهما، إلى أن عاد الحاجّ. فحلقا رؤوسهما، وركبا بعيرين، ودخلا مع الحاجّ على أنهما قد حجّا. وقال مُطيع:
ألم تَرَنِي ويَحيْى إذ حججنا ... وكان الحجُّ من خَيرِ التِجاره؟
خرجْنا طالبَيْ خَيرٍ ودينٍ ... فمال بنا الطَّريقُ إلى زُراره!
فآب الناس قد غنِموا وحجُّوا ... وأُبنا مُوقَرَيْنِ من الخَساره
عُمْر مرتومان.وهو بالأنبار، على الفرات. وهو عُمْرٌ كبير، كثير القلاّيات والرهبان. عليه سور محكم البنيان، كالحصن العظيم. والجامع ملاصقه. وله ظاهر حسن، ولا سيما في أيام الربيع. لأن صحارِيَهُ وسائر أرضه تكون كالحُلل: لكثرة نُوّاره، وطرائف أزهاره. ونزله كل من اجتاز به من الخلفاء. وفيه يقول كُشاجِمُ:
أغدُ يا صاحِبي إلى الأنبارِ ... نَشَربُ الراحَ في شَبَاب النَهار!
واعمرُ العُمْر باللَّذاذةِ والقَصْ ... فِ وحَثَّ الكؤوسِ والأوتارِ!
فاعتَنِمْ غَفْلَة الزمانِ وبادِرْ ... واقْتَرِضْ لَذَّة الليالِي القِصارِ!
لا تُفَرِّط فإنَها خُلَس العَيْ ... ش وبادِرْ بَوَادِرَ المِقْدارِ
وأنشد الشابشتيّ له فيه يصف عودا في يد محسنة:
جاءتْ بُعودٍ كأنّ نَغْمتَهُ ... صَوْتُ فتاةٍ تَشْكُو فِراقَ فتى!
دارتْ مَلاوِيهِ فيه واختَلَفَتْ ... مِثْلَ اختلاف الكَفَّيْنِ شُبِّكتا
يا حُسْنَ صَوْتَيْهما، كأنهما ... أُخْتانِ في صَنْعةِ تَرَاسلَتَا!
وهو على ذا ينوبُ إن سكَتَتْ ... عنها، وعنه تَنُوب إن سَكَتا!
دير الأبلق. وهو بالأهواز. وحكى الداينيّ، قال: أنه اصطبح في دير الأبلق في جماعة من أصحابه، فلما سكر قال:
يَوْمي بدَيْرِ الأبلقِ الفَرْد ... ما أنت إلا جنّة الخُلْدِ
به وأمثالٍ له لم يَزَلْ ... يجوّز العِيسَ أبو الهِنِدي
عُمْر إتراعيل. والشاهد فيه مار ميخائيل.
(1/91)

قال ابن المستوفي: بينه وبين كفر عزّى أقل من ميل. وهو عمار كبير وفيه رهبان كثيرة، وله نهر يجري على بابه وكرم وشجر في شرقيه، ورحى عامرة تطحن فوق الكرم. وبإزائه تلُّ دير زارج، إذا صعده الزائر أيام الربيع أشرف على سائر بلدة حزة. وفيه من ألوان الزهر وأنواع الأقاحي والشقائق وصنوف النور والزهر... ... ... ... يسرّ الناظرين ويقصر وصف الواصفين. وفي قلاليّ رهبانه جنينات حسان فيها آس مصر وشجر مريم وغير ذلك.
قال: وحدثني محمد بن حمد الأصم، قال: كنت بكفر عزّى، فنزحتُ مع جماعة فيهم خير نتلمس موضعا نزها نجلس فيه ونقصف. فأجمع رأينا على قصد دير إتراعيل وهو من كفر عزي على ميل في أيام الربيع،فرأيناه في نهاية الحسن بما حوله وفيه، وهو مشرف على بلد حزة كله، فنزلناه وقصفنا فيه أيام متتابعة، وقلت فيه هذه الأبيات:
عَمَرنا عُمْر إتراعي ... لَ بالقَصْف وباللّعبِ!
بِفتْيانٍ ذوِي شَرَف ... وقَدْرِ وذَوِي لُبِّ
بَغَوْا في كُفر عزى نُزْ ... هة تبعث للشُّرْبِ!
فوافَوْا جَنَّةً من عُمْ ... ر إتراعيل عن قُرْبِ
وقد حُفَّ بكَرْمٍ و ... بأشجارس له غُلْبِ
وأنهارٍ يُحاكِي جر ... يُها مسلولة القُضْبِ
وروضٍ راضه المُزْنُ ... فأضحى وهو كالعَصْبِ
رأَوْه كعرُوسٍ جُ ... لِيَتْ في حُلُلٍ قُشْبِ!
فحلُّوا منه في منز ... لِ لهوٍ مُونَقٍ رَحْبِ
ودارت نُجُبُ الأبطا ... ل مَجَّتْ بحلى الشُّربِ،
على أوجهِ أعمارٍ ... على قُضُبٍ على كُثُبِ
فما ظَنُّكَ بالعطشا ... نِ عند المَكْرَع العذبِ؟
قال: فانصرفنا بعد أيام، وكلنا يودّ أن لا يزول منه: لطيبه وحسنه.
قال ابن المستوفي: وليس بهذا الدير الآن شجر ولا ماء على بابه. وفيه بِيعتٌ حسنة وقناة قديمة ورحاه باقية، والماء الذي يدير... بعيد عن الدير؛ وفي كل عيد من أعياد النصارى يقام به سوق وتخرج إليه جماعة من إربل، ويزوره خلق من النواحي يكونون فيه مدّة يومين أو أكثر وينصرفون عنه.
دير باقوقا. ذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل، قال: وهو إلى الآن باق، وفيه رهبان كثيرة. ذكر الشمشاطي أنه وراء الزابي وله مزرعة إلى جانب داري وفيها بساتين وفيها تين أسود كبير. وبينه وبين الموصل سبعة فراسخ. وهو دير كبير. وكان أنشدني فيه أبو الحسين محمد بن ميمون الكاتب:
نزلْتُ بدَيْر باقُوقَا وفيهِ ... من الرُّهْبان لي خِدْنٌ مقيمُ
فألحقنِي بصهباءٍ شمولٍ ... يفوح بعَنْبرٍ منها النسيمُ
ونادمَنِي بُرْهان ملاحٍ ... وفيهم شادِنٌ حَسَنٌ رخيمُ
وسِرْنا عنه والأهواءُ فيه، ... وهل شيءٌ من الدنيا يَدُومُ؟
دير سعيد. وهو بالجانب الغربيّ من الموصل. مطلُّ على دجلة، حسن البناء. حوله قلال كثيرة، حسنة العمارة، ظاهرة النضارة. في كلِّ قلاِّية منها جنينات لرهبانه، فيها طرائف الرياحين وغرائب الشجر. كثير النرجس. وهو يقارب تل باذع. وتراه في الربيع كالوشي الملَّمع، واللي المرصَّع. وهو منسوب إلى سعيد بن عبد الملك ابن مروان. أصحُّ ما قيل في نسبته إليه أنه ربما كان يتعهُّده أيام إمارته بالموصل.
ويقال أن لترابه أثرا في دفع أذى العقارب، وإن ماءه إذا رُشَّ في دار، قلَّت العقارب بها.
وحكي أن رهبانه أُلزموا في وقت بجباية، فقاموا بثلثمائة ألف درهم.
وللخالدي فيه شعر. منه:
أَلا فاسْتَرْزِق الرحمنَ خيرا ... وسِرْ بالكاس نْحوَ السُكْرِ سيْرا!
فأيَّامُ الهُمُومِ مُقَصَّصاتٌ، ... وأيامُ السُّرُورِ تَطِيرُ طَيْرا!
وله فيه:
سَعِدَتْ صُحْبتِي بديرِ سَعِيد ... يومَ عيدٍ في حُسْنه ألفُ عيدِ!
كم فَتَاةٍ مِثْل المَهَاة، سلَبْنا ... ها صَلِيباً من بَيْن نَحْرٍ وجِيدِ!
وغَرِير مثل الغَزَال حَللْنا ... عَقْد زُنَّارِ خَضْرِه المَعْقُودِ!
(1/92)

وحطَطْنا رِحالَنا بفِناء ال ... هَيْكَل المُونَق البَدِيع المَشِيدِ
والرَّوابِي مُشَهَّراتٌ كغِلْما ... نٍ لَنا في مُحَبَّرات البُرودِ
فخدودٌ مثل الشَّقائِق في اللَّوْ ... نِ تَلِيها شَقَائِقٌ كالخُدُودِ
وإذا ما الهَزَارُ غرَّد في الغُصْ ... ن، حَكَتْهُ الأوتارُ في التغريدِ
مَن رآنا ونحن في الأرض صَرْعى ... قال: قومٌ مَوْتى بغيْرِ لُحُودِ!
وله فيه:
قامَرَ بالنفْسِ في هَوى قَمَرٍ ... ونالَ وَصْلَ البُدُور بالبِدَرِ
وافتَضَّ أبكارَ لَهْوِه طَرَبا ... بين عَشَايا المُدامِ والبُكَرِ
من لَم يَدُر رُبى الحَدَائقِ مِنْ ... دَيْرِ سَعِيدٍ، رحاه لم تَدُرِ
مَسَرَّةٌ كيلُها بلا حَشَفِ ... ولَذَّةٌ صَفْوُها بلا كَدَرِ
قد ضُرِبَتْ خَيْمةٌ الغَمامِ لَنَا ... ورُشَّ خيْشُ النسيم بالمَطَرِ
وعنْدَنا عاتِقَان حَمْراءُ كالش ... س وأُخْرى صَفْراءُ كالقمرِ
يا تاركاً طِيبَ يَوْمِه لِغَدٍ! ... تَبِيع عَيْنَ السُّرُور بالأثرِ؟
وقوله:
قد طَفَح القلْبُ بالهُمُومِ فإن ... طُفتَ بكأسٍ، فهاتِهَا تَطْفَحْ!
في جُنْح ليلٍ تُرى كَواكِبُهُ ... وهْي إلى الغَرْب، كلُّها جُنَّحْ
نَراك تَنْسى سُرورَ يومِكَ في ... دَيْرِ سعيدٍ وظِلِّه الأَفْيَحْ!
على بِسَاطٍ من البَنَفْسَج قد ألْ ... قى من الوَرْدِ فَوْقَه مَطْرَحْ!
وكأسِ راحٍ يُدِيرها قَمرٌ ... لِحاظُه في قُلُوبِنا تَجْرَحْ!
قد كان فيما مضى يُعرِّضُ بال ... وصْلِ، ولكِنْ أرَاه قد صَرَّحْ!
وقوله:
فكَمْ مِنْ رَوْحَةٍ والشَّمْ ... س لم تَدْنُ لتطفِيلِ،
إلى دَيْرِ سَعيدٍ أو ... إلى دَيْرِ مَخَائِيل!
بِسَاقٍ كَمَهاةٍ مُغْ ... زِلٍ أدماءَ عُطْبُول!
تَرى في وجْهه وَجْهَي ... ك للرِّقَّة مِن مِيلِ
فأَجُراهَا كخَلْخَالٍ ... من الياقُوتِ مَفْتُولِ
شَربنْاها على أوج ... هِ حورٍ كالتماثيلِ
إذا شئْنَ تمَنْطَقْنَ ... جَمِيعا بالخَلاَخِيلِ
قال الخالديّ: وأنشدني السريّ الرفّاء لنفسه فيه:
وقَلاَلِيُ الدير الذي لَوْلاَ النَّوى ... لم أَرْمِها بِقليً ولا بعُقُوقِ
محمرَّة الحِيطان يَنْفَح طِيبُها، ... فكأنَّها مَبْنِيَّةٌ بخَلوقِ!
فمتى أزورُ بَناتِ مُشرِفَة الذُّرى، ... فأرُودَ بين النَّسْرِ والعَيُّوقِ؟
وأرى الصَّوامع في عَوارِبِ أُكْمها ... مثل الهَوادِج في غَوَارِب نُوِق؟
حُمْرٌ تلوح خِلالَها بيضٌ كما ... فَصَّلْتَ بالكافُورِ سِمْطَ عَقِيقِ
وحكى ابن المستوفي في تاريخ إربل، في ترجمة أبي حفص عمر بن محمد بن الشِّحنة الموصليّ النحويّ، أنه نقل في مجموع بخطه، قال: كنت في يوم من أيام الربيع بدير في ظاهر الموصل، يعرف بدير سعيد. وكان فيه راهب من النُّبل، كنت آوي إليه إذا جئت الدير. فاتَّفق في ذلك اليوم أني خرجت من قلايته إلى بستان الدير ومعي جماعة من الكتَّاب، كنت آنس بهم. ونحن على لذتنا، وإذا قد أتانا رجل، فجلس واندفع يغنَّي، ويقول هذا الصوت في الموضع الفلانيّ، ليرينا أنه يعرف صنعة الغناء. فأبرمني وأبرم الجماعة، واستثقلناه. فسألني بعض الجماعة أن أقول فيه على طريق العبث شيئا. فعملت في الحال:
ثقيلٌ يُصِمُّ السمعَ من قُبْح صَوْتِهِ ... وتعمى له أبصارُنا والبَصائِرِ!
ولو لم يَكُنْ فوقَ البَسِيطةِ لم تَزَلْ ... مُزلْزَلةً بُطْنانُها والظواهرُ!
تغنّى فقلنا: هاتِفُ البَيْنِ قد دًعًا ... بفُرْقَتِنا أو رَيْبُ دهرٍ مبادرُ!
(1/93)

فيا ليتَ أن الله لم يكُ خالِقي، ... ويا ليْتَه دارَت عليه الدوائر!
الدير الأعلى. وهو بالموصل، في أعلى جبل، يُطِلّ على دجلة. يضرب المثل به في رقة الهواء، وحسن المستشرَف تحته. والجزائر تتفرق خُلجانها وغُدرانها بإزائه. ولم تزل الولاة تخرج إليه للطف الهواء، والنظر إلى الماء. ويقال إنه ليس للنصارى دير مثله. وظهر عنده معادن الكبريت والمرقشيثا والقلفطار وأشياء من هذه الأنواع. ثم صانعت النصارى حتّى أُبطِلَتْ، خوفا من تثقيل السلطان.
قال جعفر بن محمد الفقيه: اجتاز بنا بعض السنين أبو الحسين بن أبي البغل، فنزل عليه، وخرجت في غد يوم نزوله إليه. فجعل يصف من طيب الهواء فيه وطيب قراءة رهبانه أمرا عظيما. ثم أنشدني لنفسه فيه شعرا: ولست أرضاه.
ومما قال الخالديّ فيه:
واستَشْرفَتْ نفْسِي إلى مُسْتَشْرَفٍ ... للدير، تاهَ بحُسْنه وبِطيبِهِ
مُتَفَرِّق آذِيّ دَجْلةَ تحتَهُ ... بغَدِيرِه وخليجِه وقليبهِ
فَنَعِمتُ بين رِيَاضِه وغِيَاضِه ... وسَكِرْتُ بين شُرُوقِه وغُرُبهِ
غنَّى الجَمَالُ به فزاد الثَّغْرُ من ... تفْضيضه، والخَدُّ من تّذْهيبهِ
واهتَزَّ غصنُ البانِ في زُنّاره ... وأضاء جِيدُ الرِّيم تحتَ صَليبهِ
وله:
فتكْتَ! فلا تأخُذَنْ مَنْ فَتَكْ ... بما أخَذَ الجهلُ أوما تَركْ!
أَدِرهْا! ألسْتَ تَرى الديرَ في ... بدائِعَ من حُلَلٍ لم تُحَكْ؟
وبين البُكُور وبين الغُرُوبْ ... وبين الرِّياض وبين البِرَكْ،
غِنَاءٌ تُشَدُّ إليه الرِّحال، ... بلَحْنٍ تُحَلُّ عليه التِّكَكْ!
دير مار مخايل. وهو على ميل من الموصل. يركب دجلة في بقعة حسناء. يُطِلّ على كروم وشجر. برّيّ بحريّ، سُهليّ جبليّ. وبه قَلاَليّ كثيرة في غاية الظَّرف، محفوفة بأنواع الشجر، وأصناف الزهر. وله عيد يكون قبل الشعانين بأسبوع. تخرج إليه النصارى بنسائهم وصبيانهم. ويمرّ لهم فيه يوم وليلة، تتجاوب فيه ألحان الأغاني وقراءة الرهابين.
وحُكي أنه أريد به حفر بئر في بعض قلاليّه، فأفضى الحفر إل صندوق من حجر. فكشف، فإذا فيه ميِّت لم يتغير من جسمه شيء، وإذا ثيابه صحيحة. وعند رأسه صحيفة من صُفر فيها كتابة قديمة لم يقفوا على قراءتها، ولكنهم علموا أن فيها ذكره. وقصد المسلمون انتزاعه منهم. ثم دارت النصارى حتّى خُلِّيَ لهم، فردّوه إلى مكانه، وعفَّوا أثره.
قال الخالديّ: والذي يُظنُّ أنه ممن كان على دين المسيح عليه السلام، وأنه هرب بدينه، فمات في هذا الموضع، ودُفن فيه.
قال: وبين هذا الدير وبين الموصل وادٍ يُعرف بوادي زَمَّار، عليه رابية تُعرف برابية العُقاب، تُشرف على دجلة والبساتين والجزائر والنهر. وهي غاية في الربيع. وقال فيه:
ألَسْتَ تَرى التلّ يُبدِي لنا ... طَرائِفَ من صُنْع آذارهِ
وقد نقّط الزهْرُ خَدّ الثَّرى ... بِدرْهَمِه وبدِينارِهِ
وكتّب في لازُوَرْد الدُّجى ... بِزَنْجُفْرِه وبزِنْجارهِ
فلا تَلْقَ كأساً بتأخِيرِها ... ولا يومَ لهوٍ بإنظارهِ
قال: وكان جحظة قد أنشدني لنفسه في دير العَلْث قوله:
سَقْياً ورَعْياً لدير العَلْث من وَطَنٍ! ... لا ديْرِ حَنَّةَ من ذاتِ الأُكَيْراح!
أيامَ، أيامَ لا أصْغى لعاذِلةٍ ... ولا تردُّ عِنَانِي جَذْبةُ اللاحِي!
فاستحسنتُها، وذكرت قول أبي نُوَاس في دير حنَّة، وهي في عروضها وقافيتها، فقلت:
مَحاسِنُ الدَّير تَسْبِيحِي ومِسْباحِي، ... وخمرُه في الدُّجى صُبْحي ومِصْباحِي!
بُسْط البَنَفْسَج .... تبسَّطُ في ... صُحُون آسٍ وخَيْرِيّات تُفَّاحِ
بدائعٌ لا لدَيْر العَلْث هُنَّ ولا ... لدَيْرِ حَنَّةَ من ذات الأُكَيْراحِ
حتّى تَخمّرَ خَمّاري بمَعْرِفَتي ... وحبَّرَتْ مُلَحِي بالسُّكْر مَلاّحِي
(1/94)

أبا مَخَايَالَ، لا تعدَمْ ضُحىً ودُجىً ... سِجالَ كلِّ مُلِثِّ الودَقْ سَحّاحِي
فإِن أُقِم سُوقَ إِطرابي، فلا عَجَبٌ ... هذا بذاك إذا ما قَامَ نُوَّاحي
قال: وكان في هذا الدير خمَّار.يُقال له الحارث، ويُكنّى أبا الأسد، معروف بجودة الشراب؛ وكان المُجّان من أهل الموصل يقصدونه. وكان له ابن حسن الوجه، مهفهف القوام، خفيف الروح، يقال له عبد المسيح، سقينا ومعنى مغنٍّ مليح الغناء، غنّانا في شعر حسّان بن ثابت، قوله:
أُنظر خَلِيلي ببطنِ جِلَّقَ هل ... تُؤْنِسُ دون البَلْقاء من أحدِ؟
وهو صوت معروف في الأغاني. فاستحسنّاه، وكان معنا كاتب، له عليّ أيادٍ، فقال لي: أُحبُّ أن تعمل في عروض هذا الشعر شعرا تذكر فيه يومنا. فقلت:
لا وجُفُونٍ تَنُوس في العُقَدِ ... وحُسْنِ تغرٍ يلوح كالبَرَدِ!
لا كنتُ ممن يُضِيعُ أدْمُعَه ... بيْنَ الأَثَافِي والنُّؤْى والوتدِ!
أحْسنُ من وَقْفةٍ على طَلَل ... قَفْرٍ وزَجْرِ العَيْران الأُجُدِ،
كَأسُ مُدام جَلاَ المُديرُ بِهَا ... أُمَّ الليالي وَجَدَّتْ الأَبَدِ
نشربها شُعْلةً بلا حَرَقٍ ... ونَجْتلِيهَا رُوحاً بلا جَسَدِ!
هلْ أَحَدٌ نال مِثْل لَذَتنا، ... يا بَا مَخايَالَ لَيلَة الأَحَدِ؟
سَقْياً لماخُورِ حارتٍ ولما ... خُصَّ به من مَحَاسِنِ جُدُدِ!
قلتُ له وابْنُه يَطُوفُ بِها: ... عُمْرُك فِينا عِمارةُ البلدِ!
بابنِكَ ذا في جمال صُورتِهِ ... صِرْتَ أبا الظَّبيْ لا أبا الأَسَدِ
هات اسقِنِيها فإن سَفَكْتَ دَمِي! ... فما بِقَتْلي عليْكَ من قَوَدِ!
فأقمنا يومنا ذلك، وبتنا. فلما أصبحنا، أراد الكاتب الموصليّ أي يذهب. وكان اليوم حَسناً لرقة غينه، وملاحة صحوه. وكان للرجل غلام يحبُّه، فأراد الركوب إلى ديوانه، فأنشدته أبيات شعر قلتها. فأمَر بحطّ سروج بغاله، وأخذنا في شاننا.
منها:
بحُمرةِ وجهٍ لذاك الهِلالِ ... وفترةِ مُقلة ذاك الغزالِ!
صِلِ اليومَ بالأمسِ، إنّي أرى ... له بالسُّعُودِ وجُوهَ اتِّصالِ
هواءٌ صَفَا، وهوىً مِثْلُهُ ... كخمْر دلالٍ وماءٍ زُلالِ
وغيمٌ توهِّمهُ كالنَّوى ... وصحو حقيقتُه كالمُحالِ
ومِثْلُ يَواقِيتِ زَهْرُ الرُّبا ... وقَطْر النَّدى بينها كاللآَّلِ
إذا ما دَنَت شمْسُه للذُّبُو ... ل، أشْرق نُوّاره كالذُّبَالِ
وذا الديرُ تَسْعى بغِزْلانِهِ ... شَعانِينُه في صُنُوف الجَمَالِ
وَصفْرَاءُ بائعُها خاسرٌ، ... ولو حازَ عن قَدَحٍ بيتَ مالِ
أيا با مخايالَ أَفْدِي ثَراكْ ... بنَفْسِ ومالِي، وعمِّي، وخالِي!
فكَمْ سَكرة لِيَ قَبْلَ الأذا ... نِ بيْنَ دوالِيبهِ والدَّوالِي!
تَجُول خُيولُ دولِيبِها ... فتملأَ مَا وَرْدَ ذاك المَجَالِ،
وقوله فيه:
ببَا مخايَالَ إن حاوَلْتُما طَلَبِي ... فأنتُما تَجِدانِي ثَمَّ مَطْرُوحا
يا صاحبايَ هو العُمْر الذي جُمِعَتْ ... فيه المُنى، فاغْدُوا للديْر أو رُوحا
بَرٌّ وبَحْرٌ يُهدِي نَسِيمُهَا ... للرُّوح مِسْكاً بماء الورد مَنْضُوحا
يجرُّ صيَّادُه الشَّبُّوطَ مَظْطرِباً ... حيّاً، وقانِصه اليعفورَ مذبوحا
وفيه يقول أبو حفص عمر بن الشِّحنة الموصليّ النحويّ، من قصيدة:
واعْمِدْ إلى مَرْ مخائِيلٍ فإنّ به ... مَحاسِناً لسُرُور النفْسِ مِفْتاحُ
كم فيه من أشْعثٍ بادٍ شُحُوبَتُهُ ... تَهْفُو له بِنْتُه تلك الأكَيْرَاحُ
وفيه يقول أيضا:
يا مَرْ مخائِيلٍ، وإن بَعُد المَدى ... سُقِّيتَ صَوْبَ سحائيٍ وَبَوارِقِ
(1/95)

يا حبَّذا نُوَّارُ رَوْضِك إذ غَدَا ... يَفْتَرُّ من دَمْع الغَمَامِ الدَّافِقِ
مَغْنىً خَلَعتُ به العِذَارَ تصابِياً ... في غُنجِ أحداقٍ وزُهْرِ حدائقِ
أيامَ أجْرِي في ميادين الصِّبا ... مُتخايلاً جَرْيَ الجَمُوح السَّابقِ
وستأتي القصيدتان، إن شاء الله تعالى، في ترجمته مع النحاة. وبالله التوفيق.
دير مَتَّى. هو بالموصل. من الجانب الشرقيّ، على جبل شامخ. يعرف بجبل متّى. يُشرف على رستاق نينوى والمرج. وهو حسن البناء، جيد الحصانة. وأكثر بيوته منقورة في الصخر، في نهاية الحسن والنظافة. ورهبانه لا يأكلون طعاما، إلا جميعا: في بيت للشتاء وبيت للصيف.
ومتى جلس أحد في صحن هذا الدير، نظر إلى الموصل. وبينهما سبعة فراسخ. وله عدّة أبواب مفرطة في الكبر، وكلها من حديد مُصْمَت، وفيه صهريج عظيم يجتمع فيه ماء المطر، عمقه اثنا عشر ذراعا: لكل شهر ذراع من الماء. ويُفتح هذا الصِّهريج من موضعين: في أعلاه وفي أسفله. فيخرج ماؤه من أسَدَين من صُفر. وجملة أمره أنه عجيب في عظيم في أمثاله.
وحوله من الأشجار ومن سائر الثمار. وفي خارجه مغار في الجبل، فيها صناديق من صخر بأطباق لموتاهم، فمتى امتلأت خرج رأس الدير مع رهبانه يقرءون أناجيلهم، ويجمعون العظام البالية منها. ثم تُطرح في فجٍّ داخل هذا المغار.
قال: وبتُّ ليلة فيه، ومع بعض الرؤساء على شرب ولعب، فقلت:
فلأشكُرنّ لدير متّى ليلةً ... مَزَّقْتُ ظُلْمَتَها ببدرٍ مُشْرِقِ
حتّى رأينا اللَّيلَ قَوَّسَ ظهرَه ... هَرَمٌ وأذَّر فيهِ شَيْبُ المَفْرِقِ
قال: وقرأتُ على باب دهليزه بيتين كُتبا، وهما:
يَا دَيرَ مَتّى سَقَتْ أَطلالَكَ الدِّيَمُ ... كَمَا شَفَى حَرَّ قَلبي ماؤُكَ الشَّبِمُ
دير الخنافس. وهو دير صغير بالموصل، بالجانب الشرقيّ، على قُلَّة جبل شامخ، يُشرف على أنهار نينوى وضياعها.
وفيه طِلَّسْمٌ ظريف: يجتمع له في وقت من السنة الخنافس الصغار اللواتي كالنمل، حتّى تسودُّ حيطانه وبيوته وسقوفه وأرضه، مدّة ثلاثة أيام. ثم لا توجد. ولهذا سُمَّي دير الخنافس.
قال الخالديّ: وهذا معروف مشهور بالموصل. فإذا كانت تلك الأيام، أخرج الرهبان أمتعتهم منه، هربا منها.
قال: ولا أعرف فيه شعرا إلا ما قاله بعض بني عُروة الشَّيبانيّ يرثي أخا له، مات عنده، فدُفن إلى جانبه. ومنه:
بقُرْبِكَ يا دَيرَ الخَنَافِسِ حُفرةٌ ... بها ماجدٌ رَحْبُ الذِّراعِ كَرِيمُ
طَوَتْ مِنهُ هَمَّامَ بنَ مُرَّة في الرُّبى ... هِلاَلٌ يَنِيرُ الَّليْل وهوَ بَهِيمُ
سَقَاكَ وسَقَّاه وسَقَّى ضَريحه ... أَجَشُّ مِنَ الغُرِّ العَذَابِ هَزِيمُ
فَيا دَيرَ أَحْسِنْ ما استَطَعْتَ جِوَارَهُ ... فإِنِّي غَادٍ عَنْكَ وَهْوَ مُقِيمُ
قال: فنساء بنو عروة جميعا تنوح عليه وعلى موتاهم بهذه الأبيات إلى اليوم؛ وإذا نزلتَ أحياؤهم به، نحروا عليه وأقاموا مآتم.
دير باعربا. وهو بين الموصل والحديثة، على شاطئ دجلة، من الجانب الغربيّ. بإزاء جزائر كثيرة الشجر، قلَّما خلت من سبعُ. وهو جليل عند النصارى، وفيه قبور يعظمونها. وبناء عجيب. وارتفاع حائط هيكله نحو المائة ذراع، وما حوله بناء يسنده. وله مزارع. وفيه بيت ضيافة ينزله من يجتاز عليه.
قال الشيظميّ: لما انحدر سيف الدولة إلى العراق، نزل دير باعربا، وضرب مضربه على شاطئ دجلة، وتغدَّى ونام. فلما كان وقت العصر دخل الدير، وصعد سطحه. فرأى منظرا حسنا، من برّه وبحره وعلوّ مشترفه. فاستدعى شرابا، ودع سقارة العوّاد، فغنّاه. وكان معه من الندماء أبو إسحاق اليسريّ. ثم استدعاني، وسقّارة يغني بشعر غثّ في مزن بارد. فأمرني بأن أعمل في عروضه، فقلت بعد تمنّع، لكنه لا يجيء فيه الحسن:
شَرَفاً يا دَيرَ عَربَاء ومَجْداً ... بهما تُعْنَى مَدى الدَّهْر وتُعْمَرْ
سَتَرى مَاءَك هذا ماءَ وَرْدٍ ... وترى صَحْنَكَ ذل مسكاً وَعَنْبَرْ
(1/96)

إذ على سطحك سَيفُ الدولة القِر ... مُ الذي فاتَ الورَى عزّاً وَمَفْخَرْ
والذي إن سار في العسكر فرداً ... فهو في إقدامِهِ ألفُ عَسْكَرْ
دير القيَّارة. وهو فوق دير باعربا، على جانب دجلة الغربيّ نُسب إلى عين فيه ومعدن، يستخرج منه القير. تحته حمَّة عظيمة. يقصده من به علة أعيت الأطباء، فيقيم به خمسة أيام، مستنقعا في مائها، فيبرأ في علته. ويشفى من النقرس ويبسط التشنج، ويزيل الأورام الجاسية والرياح الغليظة، ويلحم الجراحات.
قال الخالديّ: وسبيل من قصدها، أن يظلَّ نهاره في مائها، ويأوي ليله هيكل ديرها، ويدهنه رهبانه بالطيبوث. فيشفى بإذن الله.
وفيه عيون يخرج منها النفط والقير. فتُتَقَبَّل من السلطان بألوف الدراهم في كل سنة. ومرافق هذا الدير كثيرة.
قلتُ: وسنلمّ بذلك في موضعه.
دير بارقانا. وهو فوق الحديثة، على جانب دجلة الشرقيّ، راكب للماء، في موضع نزه حسن. وبناؤه محكم. وقلاليُّه كثيرة الشجر والزهر. وله بساتين ومباقل. ويقال إنه ليس في سمك دجلة أسمن من سمك يصاد من شاطئه.
قال الخباز البلديّ: اجتزت به، فرأيت من حسنه ونضار شجره، ما دعاني إلى المُقام به، والقصف فيه. وسألت رهبانه عن الشرب، فدلّوني على راهب منهم. فرأيته ظريفا، وقَلاَّيته مليحة، وشرابه صافيا جدّا. فابتعتُ منه، وأقمت عنده نهاري وليلتي. وقلتُ:
ألاَ سَقْيا لرِقّة بارِقانا ... وَهَيكَلِهِ المُشَيَّد والقَلاَلي
فكم من سَدْفَةٍ باكرتُ فيها ... مُعَصْفَرَةً كمثل دَمِ الغَزالِ
فكم عانقت غُصناً في اعتدال ... به ولثمتُ بدرا في كَمَال
وجادَ بِما أُحاوِلُ مِنه سكراً ... وكان ممانِعِي طيفَ الخيال
دير أبي يوسف. وهو قريب من بلد. بينه وبينها نحو فرسخ. على شاطئ دجلة. وموضعه حسن معمور بالزيتون والسرو والآس والرياحين. مغروس الرُّبى بالنرجس. وهيكله حسن البناء. وفيه عجائب من بدائع التصوير. ولرهبانه جِدَةُ ونَعَمُ. ولا يعوزه كل يوم قافلة تحطّ عنده لتأخذ خمرا. والمُجَّان تقصده للتنزه فيه بطنابيرهم وعيدانهم وسائر ملاهيهم.
قال الخالديّ: خرجت في بعض السنين إلى بلد، مع كاتب لبعض أمرائنا. فأحببت الشرب في دير أبي يوسف. فكتبت إليه:
بديرِ أبي يوسُفٍ خَمرَةٌ ... تَزيد على لَهَب البارِقِ
ونَرجِسهُ كَنَسيم الحَب ... يبِ عند مُحبِّ له وامِقِ
فماذا تَرى فيه قَبْل استِماع ... هَمَاهِم ناقوسه الناطقِ
لِتَقْنِصَ بِكرا خَلُوقِيَّةً ... تُخَبِّر عن حكْمة الخالقِ
ففعل. وأقمنا به في ثلاثة أيام في الذّعيش، وأصفى وقت. ثم انحدرنا منه.
دير الشياطين. وهو بالقربق من أوسل " بلد على قطعة من الجبل على دجلة " . في موضع حسن. وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليُّه عامرة كثيرة الأشجار. وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يشرف على دجلة والجبل.
وفيه يقول السريّ الرفاء:
عصى الرَّشادَ فقَدْ ناداه من حينِ ... وراكضَنَ الغَيَّ في تلك المَيَادين!
ما حَنّ شَيْطانُه العاتِي إلى بلدٍ ... إلا ليَقْرُب من دير الشَّياطين!
وفتيةٍ زَهَرُ الآدابِ بينهُمُ ... أبهى وأنضَرُ من زَهْر البَساتِين!
مشَوْا إلى الرَّاح مَشْىَ الرُّخِّ وانصَرَفُوا،والسُّكْر يَمْشِي بهم مَشْىَ الفَرَازِين!
حتّى إذا أَنْطَقَ الناقوسَ بينهمُ ... مُزَيَّنُ الخَضْر رُوميُّ القرابِين،
فَحثّ أقداحَها بِيضُ السَّوالف في ... حُمْر الغلائلِ في خُضْر الرَّياحِين.
كأنَّها وبياضُ الماء يَقْرَعُها ... وَرْدٌ يصافِحهُ أوْراقُ نَسْرِين.
بيت مرسجرس. وهو فوق بلد بثلاثة فراسخ، على قُلَّة جبل عال. يبين للناظر عدّة فراسخ.
(1/97)

قال الخالديّ: وعلى بابه شجرة لا يعرف أحد ما هي: لا يسقط ورقها عند سقوط ورق الجر، ولها ثمرة تشبه اللوز. وفي جبلة من الزرازير شيء عظيم، لا تفارقه صيفا ولا شتاء، ولا يقدر على صيد شيء منها. وفي شعاب جبله أفاع كثيرة، تمنع من صيد طيره ليلا.
قال: وفي أوديته حصى على شكل اللوز لا تغادره.
قلت: ولعلّ هذه الشجرة هي التي ذكرها ابن وحشية، وقال إنها في الدنيا واحدة لا ثاني لها.
وحكى الخالديّ، قال: حدثنا الخبّاز البلديّ، قال. تقلّد بلدنا رجل من آل الفرات، وكان أديبا شاعرا. فاستخصّنى، فما كان أفارقه. فرأى يوما هذا الدير وسألني عنه. فوصفته له فأحبّ النظر إليه. فخرج وحملني معه. وكان ذلك في شتاء متصل المطر. فلما جئناه، رأيناه في جبله من الغُدْران ما ملأ أفاويقه. فلما صعدنا سطح الهيكل، فكر ساعة ثم أنشد لنفسه:
وهيكلٍ تَبْرُز الدنيا لِمُشْرِفه ... حتّى يُعايِنَ منها السهل والجبَلاَ
كأنّ صبّينِ باتا طُولَ ليلِهما ... يستَمْطِران على غُدْرانه المُقَلا
دير صُباعى. وهو على شاطئ دجلة الشرقيّ، فوق تكريت بقليل. وهو كثير الرهبان. وله مزارع وجنينات. ولرهبانه يسار وغنى. وفيه يقول لبعض لصوص بني شيبان:
ألا يا ربِّ سَلِّم دَيْر صُبَّاعا ... وزِدْ رُهبان هَيْكلِه اجتماعا!
فكم جِئْناه أمواتا سِغَاباً، ... ورُحْنا منه أحياءً شِبَاعا!
فيَا للقَصْف ما أسْرى نَبِيذا ... ألذَّ طِلاً وأحسنَه شُعَاعا!
لنِعمته ومِنَّتِه علينا، ... عَمَرْناه وخَرَّبْنا الضِّيَاعا!
عُمْر الزعفران. وهو على رأس جبل مطلّ على نصيبين وديار ربيعة من جانب، وعلى طور عبدين وقردى وبعض دياركم من جانب آخر؛ وبه كثير من الزعفران. وهو عجيب البناء، كثير الرهبان. وفيه جَنَّات لهم حسنة نظرة مملوءة بشجر البندق والفستق واللوز الفرك والزيتون والبطم. وماؤه من صهاريج يجتمع فيها ماء السماء. والصهاريج منقورة في صخور. والثلج به ممكن. ولما نزل المتقى نصيبين استعذب ماءه واختاره على مائها وماء دجلة.
قال الخالديّ: ولهذا الدير بيوت للضيافة في عُلُوّ الهيكل. وللسور تسوير عجيب، وعليه أبواب من حديد مصمت. قال: وشعر زعفرانه فائق. ومنه ومن العسل أكثر يسار رهبانه. قال: وكان الأمير أبو البركات يخرج إليه، وأخرج معه. فيقيم به على شرب وسرور. وأمرني أن أعمل فيه شعرا. فقلت:
عَطّلتُ دارسة المَغانِي ... وعَمَرتُ عُمْر الزَّعْفران،
وأقمتُ في غُرَفٍ لدي ... ه كأنَّها غُرفُ الجِنان.
وترى قَنانَيِنا مُفدّ ... مةً بأس خُسْرُواني.
ومُعانقِي ظَبْيٌ وبد ... رُدُجُنَّة وقضيبُ بان.
والراحُ أحصَنُ جُنّةٍ ... لك في مُقارِعة الزمان.
لا تأْمَننَّ صُروفَه: ... فالدهرُ ليس بِذى أَمَانِ
قال: وأنشدني البَبَّغا لنفسه في هذا الدير:
صَفَحْتُ لهذا الدَّهْرِ عن سيِّئاتهِ ... وعَدَّدْتُ يوم الدير من حَسَناتِهِ
وصَبَّحْتُ عُمْر الزعفران بصنجةٍ ... أعاشَتْ سُرورَ القَلْب بعدَ مَمَاتِهِ
وأهْيَف فاخَرْتُ الرياضَ بحُسْنه ... فأَذْعَنَ صُغْراً وَصْفُها لِصِفاتِهِ
فلما دجا الليلُ استعاد سنا الضُّحى ... براحٍ نأَتْ بالليل عن ظُلُمَاتِهِ
وَنَمَّ إِلِيْنَا دَنُّها بضيائِها ... فكان كقلبٍ ضاق عن خَطَرَاتِهِ
وخوّفَنِي منه، فحِلتُ صَلِيبَه ... لِشدّةِ ما نَخْشَاه بعضضَ وَشَاتِهِ
وفيه يقول مصعب الكاتب:
وقائلٍ قال لي: أَقْصِر! فقلتُ له: ... أما تَراني بحبِّ المُرْدِ مَشْغولا؟
لا أعشقُ الأبيضَ المنفُوخ من سِمَنٍ ... لَكِنَّي أعْشَق السُّمْر المَهَازِيلا
فقال لي: أنتَ مجنونٌ؟ فقلت له: ... لا تُكْثِرَنَّ عليَّ القال والقير
(1/98)

إني امرؤ أركَبُ المُهْرَ المُضَمَّرِ في ... يوم الرِّهان فدعُني وأركَبُ الفِيلا!
وكذلك قال:
دبَبْتُ أمشِي على الكفَّيْنِ أَلْمِسُه ... كَمَشْيِ مُستَرِقٍ للسمع أسرارا!
فمرّ يَمْشُق في قِرْطاسه ... والليل مُلْقٍ على الآفاق أستارا!
فقال لَمَّا انجلى عن عَيْنه وَسَنٌ ... قد رأى تِكةً حُلَّتْ وأزرارا!
يا راقِدَ الليلِ مَسْرُوراً بِأَوَلِه ... إن الحوادِثَ قد يَطْرُقْن أسحارا
دير باربيثا. وهو بنينوى، بأرض الموصل، على نهر الخازر. وبه بيت ضيافة. وله عند النصارى قدر جليل.
قال الخالديّ: رأيته في بعض السنين. وكان به راهب يقال له كوريال، من عُبَّاد النصارى، فأضافنا أحسن ضيافة وأكرمنا أتم إكرام، بالطعام الكثير، والشراب العتيق الواسع، وعلف الدوابّ. وأكثر، فعظم في عيني، وعاتبته على الإسراف في فعله. فقال: هذا والله رسمنا مع كلّ من ينزل بنا.
قال: وهذا الدير الذي قُتِل عنده عبيد الله بن زياد. قتله إبراهيم بن الأشتر، على هذا النهر، وأنفذ رأسه إلى المختار في خبر يطول، ليس هذا موضعه.
دير حنظلة. وهو بالحيرة، على نحو فرسخ منها، إلى المشرق. وموضعه حسن، لما فيه من جنينات رهبانه وأشجارهم، وما يُلبسه الربيع من الرياض.
وأنشدني الخالديّ فيه لغيره شعرا، منه:
طَرَقَتْكَ سُعْدَى بين شَطَّيْ بارِق ... نفسِي الفداءُ لطَيْفها من طارِق!
يا دَير حنظلة المُهَيَّجَ لي الهوى ... هل تستطيعُ صَلاَحَ قلبِ العَاشِقِ؟
قد ذكره أبو الفرج الأصبهانيّ، وأنشد لبعض الشعراء فيه رجزا، منه:
بساحةِ الحيرة ديرُ حَنْظَلَهْ ... عليه أذيَالُ السُّرور مُسْبَلَهْ
أحييتُ فيه ليلةً وُقْتَبَلَهْ ... وكأسُنا بين الندامى وُعْمَلَهْ
والراحُ فيها مثل نار مُشْعَلَهْ
دير الجاثَلِيق. وهو قديم البناء، غربيّ دجلة، في عرض حربى. على الحدّ بين آخر السواد وبين أوّل أرض تكريت. وفيه كانت الحروب بين عبد الملك بن مروان ومصعب بن الزُّبير. فقال ابن قيس الرُّقَيَّات:
لقد أورثَ المِصْرِيْنِ حُزناً وذِلَّةً ... قتيلٌ بدير الجاثَلِيق مُقِيمُ
فما قاتلتْ في الله بَكرُ بنُ وائلٍ ... ولا صَدَقَتْ عندَ اللِّقَاءِ تَمِيمُ
وحُكي أنه كان به غلام أمرد نصرانيّ من أهل الحيرة، يقال له عشير بن إليا الصَّيْرفيّ. وكان يتعشقه بكر بن خارجة، وفيه يقول من شعر له:
أجِرْنِي! مُتُّ قَبْلَكَ من هُمُومي ... وأرْشِدْنِي إلى وجه الطَّرِيقِ
فقد ضاقَتْ عَلَيَّ جِهاتُ أَمْرِي ... وأنتَ المُستَجارُ من المَضِيقِ
وفيه يقول بيتين يحضرني منهما قوله:
زِنَّارُه في خَصْره مَعْقُودُ ... كأَنّه من كَبِدي مَقْدودُ
قال أبو الفرج: وكان دِعبِل يستحسنه ويقول: ليت هذين البيتين لي بمائة بيت من شعري! وفيه يقول محمد بن أميّة:
رأيتُك حِلْيَتَيْ دِينٍ ودُنْيَا ... حياةً للضَّجيعِ وللقَرِينِ
بدا لي بعد ما سَبَقَتْ يميني ... بهَجْرِك أن أُكَفِّر عن يميني
دير مَرْيُحَنَّا. وهو إلى جانب تكريت، على دجلة. عامر بالقلاَّيات والرهبان. مطروق مقصود. منزل لكل مسافر. وفيه ضيافة قائمة على أقدار الناس. وله مزارع متسعة وغلات كثيرة. وهو للنَّسطورية. وعلى باب صومعة عبدون الراهب. وكان من المَلَكِيَّة. بناها فعُرفت به. وفي هذا الدير يقول عمرو بن عبد الملك الورّاق:
أرى قَلبِيَ قَد حَنَّا ... إلى ديرِ مَرِي حَنّا
إلى غِيطانِهِ الفِيحِ ... إلى بِركَتِهِ الغَنّا
إلى أحسنِ خلقِ اللهِ ... إن قدّس أو غَنّا
فلمَّا أبلَجَ الصُّبحُ ... بَزَلْنَا بَينَنَا دَنَّا
غلمَّا دارت الكأسُ ... أدرْنا بينَنا لَحْنَا
فلما هجع السُّمَّا ... رُ نِمْنَا فَتَعَنَقْنَا
(1/99)

وقال الشابشتيّ: وكان عمرو هذا من الخلعاء الظرفاء المنهمكين في اللهو والتطرُّح في الديارات. ومما أُنشد له في المُجُون قوله:
أيَّها السائلُ عَنِّي ... لستُ من أهْل الصَّلاحْ
أنا إنسانٌ مُريب ... أشتهي نيْلَ المَلاحْ
عُمْر أخويشا. (وأخويشا بالسريانية الحَبِيس).
قال الشابشتيّ: وهذا العُمْر بإسْعَرْد، من ديار بكر. وهذا العُمر مُطِلٌ على أرْزَنَ وهو كبير جليل. فيه أربعمائة راهب في قلاليّهم. وحوله بساتين وكروم. وهو في نهاية العمارة والنزهة وحسن الموقع وكثرة الفواكه والخمر. ومنه يُحمل الخمر إلى البلدان. وبقربه عين عظيمة تدير ثلاثة أرحاء. وإلى جانبه نهر يُعرف بنهر الروم. وبه أنواع المطربين. وأنشد فيه اللّباديّ:
وفِتْيانٍ كَهمِّك من أُناسٍ ... خِفَافٍ في الغَدَاة وفي الرَّوَاحِ
نَهَضْتُ بِهِم، وستر الليل مُلْقىً ... وضوءُ الصُّبح مَقْصُوص الجَّنَاحِ
نَؤُمُّ بدير أخويشا غَزالاً ... غَريب الحُسْن كالقَمَرِ اللِّياحِ
فساعَفَنا الزمانُ بما أردْنا ... فأُبْنا بالفَلاحَ وبالنَّجَاحِ
عُمْر عسكر. وهو أسفل من واسط، في الجانب الشرقيّ، في القرية المعروفة ببرخوى وفيه كرسيّ المطران. وهو عمر كبير، كثير القلايات يُبَايَع عليها. ويحيط به بساتين كثيرة وغلات واسعة.
وفيه يقول محمد بن حازم الباهليّ، وكان قد قصده أيام مُقَام الحسن بن سهل بواسط:
بعُمْرِ عسكرَ طالب اللَّهْوُ والطَّربُ ... والباذكارتُ والأدْوارُ والنُّخَبُ
وفتيةٌ بذلوا للكأسِ أنفُسَهم ... وأوجبوا لرضيعِ الكأس ما يجبُ
فلم يزلْ في رِيَاض العُمْر يعمُرُها ... قَصْفا وتعْمُرُها اللذَّاتُ والطربُ
والدهر قد طُرِفت عنَّا نَواظِرُهُ ... فما تُروِّعُنا الأحداثُ والنُّوَبُ
قال الشابشتيّ: وأنشدني من مليح شعره قوله:
صِلْ خَمْرةً بخُمَارِ ... وصِلْ خُماراً بِخَمرِ
وخُذْ بحظِّك منها ... كأسك إلى حيثُ تَدْري
قال: فقلت له: إلى أين؟ ويحك! فقال إلى النار، يا أحمق! وأنشد له:
جدِّدَا مجلِسا لعَهْد الشباب ... وأرعَيَا حُرْمة الصِبا والتًّصابي
بكُهُولٍ إذا استقرت حُمَيَّا الك ... اس لم يَنْطِقوا بغير الصوابِ
مارَسُوا شِدَّةَ الزمانِ فَلاَنُوا ... واسْتَفادوا مَحاسنَ الآدابِ
فاسقِيانِي إذا تَجاوَبتِ الأو ... تار كأسا لإدِّكار الشَّبَابِ
دير الأسْكُوان. ذكر مُصَنِّف ديارات الحيرة، أنه راكب للنجف. قال: وهو أنزه دياراتها، وفيه قلايّ وهياكل ورهبان يقيمون الضيافة لمن ورد عليهم. وهو حصن منيع. له سور عال، وباب من حديد. ومنه يُهبط إلى غدير الحيرة. وأرضه رضراض ورمل أبيض. وله مشرعة تقابل الحيرة، لها درج إذا انقطع النهر كان منها شرب أهل الحيرة. قال: وإليه تجتمع النصارى في أعيادهم وفي كل يوم جمعة بعد صلاة الجمعة. فإذا كان يوم الشعانين، أتوه من كل ناحية، مع شماميسهم بصُلبُهم وأعلامهم. فإذا استتمّوا فيه وفي القصر الأبيض والعلاليّ المدانية، خرج أسقفهم بهم إلى مكان يُعرف بقُبيبات الشعانين " وهي قباب على ميل من ناحية طريق الشام " فأقام بهم فيها يومهم ذلك إلى آخره. ولكل منهم يومئذ شأن يُغنيه.
دير حَنَّة. وهو بالحيرة، من بناء نوح. هكذا نقلتُه ولا أعرف من هو.
وإلى جانبه قائم. وحكى أحمد بن عمر الكوفيّ، قال: كان بالكوفة رجل أديب ضعيف الحال، مهما وقع من يده من شيء أتى به دير حَنَّة فيشرب فيه حتّى يسكر. ثم ينصرف إلى أهله، ويقول: يُعجبني من الغراب بُكُورُه في طلب الرزق. وربما بات به، ويقول:
تَطاوَلَ لِيْلُكَ بالزاوية ... وكان المبيتُ بها عَاففيهْ
من تحتِ رأسِك آجُرَّةٌ ... وَجَنْبُكَ مُلْقىً على باريهْ
وذلك خيرٌ من الإنْصراف ... فتَحْكُمُ فيكَ بنو الزَّانِيَهْ
وتُصْبِحُ إمَّا رَهِينَ السُّجونِ ... وإمَّا قَتِيلاً على سَاقِيَهْ
(1/100)

قال: فوُجِد والله بعد أيام قتيلا على ساقية! وهو القائل:
ما لذَّةُ العيشِ عِنْدي غَيرُ واحدةٍ ... هي البُكُورِ إلى بعض المَوَاكِيرِ
لِخامِلِ الذِّكْر مأمونٍ بواثقُه ... سَهْلِ القِياد من الفُره المَدابِيرِ
حتّى يَحُلَّ على دير ابن كافرةٍ ... من النصارى بِبَيْع الخَمرِ مشهورِ
كأنما عَقَد الزُّنَّارَ فوق نَقاً ... واعْتَمَّ فوق دُجى الظَّلماء بالنورِ
وفيه قال الثروانيّ:
يومي بِهَيكلِ دير حَنَّةَ لم يَزَلْ ... غُرُّ السَّحابِ تجود فيه وتمرعُ
مُتَجُوشِنٌ طوراً وطَوراً شاهراً ... بيض السُّيوف وتارةً يتدرَّعُ
وكذلك قال فيه بكر بن خارجة الكوفيّ:
أَلاَ سُقِي الخَوَرْنَقَ من مَحلٍّ ... ظرِيف الروض مَعْشوقٍ أنيقِ
أقمتُ بدَير حَنَّتِهِ زمانا ... بِسُكْرٍ في الصَّبوحِ وفي الغُبُوقِ
ومِنّا لابِسٌ أكاليلَ زهرٍ ... ومُختضَبَ السَّوالِفِ بالخَلُوقِ
كأنَّ ريَاضه حُسناً ونُوراً ... سَحائِبَ ذُهِّبَتْ بِسَنا البُرُوقِ
كأنَّ تَقاطُرَ الأشجارِ فيه ... إذا غَسَقَ الظلامُ قِطارُ نوقِ
وماذا شِئتَ من دُرّ الأَقَاحِي ... هُنَاكَ ومن يَوَاقِيتِ الشَّقِيقِ
وقد ذكر دير حنة أبو الفرج الأصبهانيّ وقال: ذكره أبو نواس في شعره، يعني في قوله:
يا دَيْرَ حنَّة من ذات الأُكَيراحِ ... ومَنْ يَصْحُ عَنْكَ فإني لستُ بالصاحي
يعتادُه كُلُّ مَجْفُوٍّ بعارفة ... من الدِهان عليه سَحْق أمساحي
في فِتْيةٍ لم يَدَعْ مِنهُمْ تخوُّفُهُم ... وُقُوعَ ما حَذِروه غيرَ أشبَاحِ
لا يَدلِفُونَ إلى ماء بآنية ... إلا اغترافا من الغُدْرانِ بالراحِ
قال: والأكيراح بَلَدٌ نَزِهٌ كثير البساتين والرياض والمياه. قال: وبالحيرة أيضا موضع يقال له الأكيراح فيه دير. والأكيراح قباب صغار يسكنها الرهبان. يقال للواحد منها الكِرْخُ.
دير عبد المسيح. وهو بالحيرة. بناه عبد المسيح بن عمرو بن بُقَيْلة. ويقال أنه عمّر دهرا طويلا، ولحق خالد بن الوليد حين فتح الحيرة. وله معه خبر طويل. وحكى بعض أهل الكلام، قال: قرأتُ على حائطه مكتوبا:
رأيتُ الدَّهر للإنسانِ ضِدّاً ... ولا يُنْجي من الدَّهر الخُلُودُ
ولا يُنْجِي من الآجال أرضٌ ... يَحُلُّ بها ولا قَصْرٌ مَشْيدُ
وحكى آخر قال: قرأت على حائطه أيضا:
هذي منازلُ أقوامٍ عَهِدْتُهُم ... في خَفْضِ عَيْشٍ خَصيبٍ ما له خَطرُ
دارتْ عليهم صُروفُ الدهر فانتَقَلوا ... إلى القُبُورِ فلا عَينٌ ولا أَثَرُ
وقد ذكره الأصفهانيّ، في أخبار لا حاجة فيها وكان عبد المسيح قد بنى ديرا في بقعة بالحيرة يقال لها الجزعة. كان يترهّب فيه حتّى مات. ثم خرب الدير، وظهر فيه أزَجٌ معقود من حجارة. وظنوا فيه كنزا، ففتحوه، فإذا سرير رخام، عليه رجل ميت، وعند رأسه لوح فيه مكتوب:
حَلَبْتُ الدهر أشطُرَه حَيَاتِي ... ونِلْتُ من المُنى فوق المَزِيدِ
وكِدْتُ أنَالُ في الشَّرفِ الثُّريّا ... ولكن لا سَبيل إلى الخُلُودِ
دير الحريق. هو بالحيرة. بناه النعمان بن المنذر على ولد كان له، عُدِيَ عليه وأُحرق فيه. وإلى جانبه قبة تُعرف بقبة السُّنَّيْق، و " قبة " تعرف بقبة غُصَيْن. وهما راهبان نسبا إليهما. وهما بديعتا البناء.
وفي الدير وفيهما يقول الثروانيّ:
ديرُ الحرِيقِ وقُبَّة السُّنِّيقِ ... مَغْنىً لِحلف مُدامةٍ وفُسُوقِ
وطَنٌ لفرقته شرِقْتُ بدَمْعتي ... ولرِحْلتي عنه غَصِصْتُ بريقي
(1/101)

حكى حمزة بن أبي سلامة، قال: كان الثروانيّ جاري بالكوفة وكان كثير الإلمام بالدَّيَرَة، فباكرني في يوم شعانين وقال لي: اعزم بنا اليوم على الشرب في دير الحريق، لأنه يوم سيقصده خلق. ولي به صديق من رهبانه ظريف، مليح القلاية، جيّد الشراب. فهلُمَّ! ننزه أعيننا فيما نراه من الجواري والغلمان، ثم نعدل على قلاّية صديقنا فنشرب في سطحها المشرف على الرياض. فخرجنا فرأينا من النساء والوصائف والولدان في الحُلي والحُلَل ما لم أر مثله قط. فلم يزل يعبث ويتعرّض، ويقبّل ويعانق " وكان معروفا بذلك " فما أحد ينكر عليه فعله، إلى بعد الظهر. ثم أتينا قلاية صديقه الراهب، فلقيه بالإكرام والترحيب. فدخلنا قلايته. فما رأينا أنظف من آلاتها ولا أنضر من بستانها. ثم قدّم لنا شيئا من طعامه، فأصبنا منه. ثم صعدنا سطحها، وجلسنا ننظر إلى منظر يبهر حسنا وجمالا: من رياض وغدران وطير يصفّر. ونحن نشرب حتّى ثملنا ونمنا هناك. وغدونا على الكوفة. فقلت له: تترك هذا اليوم مع حسنه، عاطلا من حليّ شعرك؟ فقال: لا والله! ولقد عملت في ليلتي هذه، هذه الأبيات. ثم أنشدني:
خرجنا في شَعَانِن النَّصارى ... وشَيَّعْنا صَليبَ الجَاثَلِيقِ
فلم أرَ مَنظَراً أحْلى بِعَيني ... من المتَقَيِّنات على الطَّرِيقِ
حمَلْن الخُوص والزيْتُونَ حتّى ... بلَغْنَ به إلى دَيْر الحَرِيقِ
أكلْنَاهُنّ باللَّحظات عِشْقا ... وأضْمِرنا لهُنَّ على الفُسُوقِ
دير ابن مزعوق. وهو بالحيرة، قريب دير الحريق. في أنزه البقاع، زهراً ورقيق هواء وتدفُّق ماء. وتشوَّق إليه الثَّروانيّ من بغداد، فقال:
ديرُ الحَريقِ وبَيعَةُ المَزْعُوقِ ... بين الغَدِير ةقُبَّة السُّنّيق
أشهى إليَّ من الصَّرَاة وطيبها ... عند الصَّباح ومن ومِن دُجى البِطْريق
يا صاحِ! فاجتَنِب المَلامَ أما تَرى ... سَمِجا مَلامَك لي، وأنت صَديقي؟
وقد ذكره أبو الفرج، وأنشد للثَّروانيّ فيه وفي دير فاثيون قوله:
قلتُ له والنُّجومُ جانِحةٌ ... وفي ليلة الفِصْح أوَّلَ السَّحَرِ
هل لك في مارِفاثيون وفي ... دير ابن مَزعوق غير مقتَصِرِ؟
يفيض هذا النَّيِيمُ من طَرَف ال ... شام ودرّ النَّدى على الشَجرِ
ونسأل الأرض عن بشَاشتِها ... وعَهدِها بالرَّبيع والمطرِ
قال: ودير فاثيون أسفل النجف، ودير ابن مزعوق بحذاء قصر عبد المسيح، بأعلى النجف. وفيه يقول الثَّروانيّ:
تُقِرُّ بفضل عَيْنِك لي بِوَصْلٍ ... وفِعْلُك لي مُقِرٌّ بالجحودِ
تُشَكِّكني، وأعلَمُ أنَّ هذا ... هَوىً بين التعَطُّف والصُّدودِ
وقال أيضا:
كرَّ الشرابُ على نَشوانَ مصطبِحٍ ... قد هَبَّ يَشرَبُها والديكُ لم يَصِحِ
والليلُ في عسكرٍ جمٍّ بَوارِقُهُ ... من النُّجوم وضَوءُ الصبح لم يلُحِ
والعيشُ لا عيشَ إلا أنْ تُبَاكِرَها ... صَهبَاء تقْتُل همّ النفس بالفَرَحِ
حتّى يظَلَّ الذي قد بات يَشْرَبُهَا ... ولاَ بَراحَ به يختال كالمَرِحِ
دير مارَتْ مريم. هو بالحيرة، من بناء المنذر. وهما ديران متقابلان، وبينهما مَدرَجَة الحاجّ وطريق السابلة إلى القادسية. وهما مشرفان على النجف. ومن أراد الخورنق عدل عن جادّتهما، ذات اليسار. ومن شعر الثَّروانيّ فيهما:
دَعِ الأيَّام تفعَل ما أَرادَتْ ... إذا جَادَتْ بِنُدْمانٍ وكاسِ
ومارت مَريَمٍ والصحنُ فيه ... حُدَيَّقَتان من وَرْدٍ وآسِ
وظَبْي في لَواحظِ مُقْلتيه ... نُعاسٌ من فتورٍ لا نُعاسِ
وخِلٌّ لا يَحُول عن التَّصَابي ... ذَكُورٍ لَلمودّة غيرِ ناسي
ومُحْتضِنٍ لطُنبورٍ فَصيحٍ ... يغنِّيني بشعر أبي نًوَاسِ
(1/102)

وما اللذَّات إلا أنْ تَرانِيصريعاً بين باطيةٍ وكاسِوقد ذكره أبو الفرج وقال: كان قَسٌّ يقال له يحيى بن حِمار، ويقال له يوشع، تألفه الفتيان ويشربون على سطحه وفي قلايته، على قراءة النصارى وضرب النواقيس. وفيه قال بكر بن خارجة، أو غيره:
بِتْنا بِمَارَتِِ مَريمٍ ... سَقْياً لمارَتِ مَريَمِ
ولقَسّها يحيى المُهَي ... نمِ بعد نوْم النُّوَّمِ
ولِيُوشَعٍ ولخَمرهِ ... حمراءَ مِثل العَنْدَمِ
ولِفتْيةٍ حَفُّوا به ... يًعْصونَ لومَ اللُّوَّمِ
يَسْقِيهمُ ظَبْيٌ أغَ ... نٌّ لطيفُ غَلْق المِعْصَمِ
يرمي بِعَيْنَيهِ القُلُو ... بِ كمِثْل رَمْي الأَسْهُمِ
قَلاَّية القَسّ. وهي بالحيرة، في موضع حسن. وكان القسّ الذي تنسب إليه من مِلاح النصارى. وكان ناسكا، ثم صار فاتكا. وفيه قيل:
قَلاَّيَةَ القَسّ ما لي عنكِ مُصطَبَرُ ... ومَن إلى مَن لحَاه فيكِ يَعتذِرُ؟
فكم لديك نسيمٌ ّضيله عَبِقٌ ... وكم لديك هواءٌ جَيْبُه عَطِرُ
وتربةٌ وغناءٌ: ذي يَزُولُ بها ... سُقْم السقيم، وذا يُجلى به البَصَرُ
وماءُ مُزنٍ بكَفِّ الريح تصقُلُهُ ... وكالمَرَايَا تلي الأوشالُ والغُدرُ
وقد ذكره أبو الفرج وقال:
خليليّ من تَيْم وعَجِلٍ هُدِيتُما ... أضَيفا بحَثِّ الكأس يومي إلى أمسي
وإن أنتما حَيَيتماني تحيَّةً ... فلا تَعْدُوا رَيحَان قَلاَّيَة القَسِّ
إذا ما به حيّيتُمَانِي شُرْبِ دائِرٍ ... ولم تَعْذُرانِي في مَطَالٍ ولا حَبْسِ
فمن قَهْوَةٍ حِيْرِيَّةٍ راهِبيّةٍ ... عتيقةِ خَمسٍ أو تَزيدُ على خَمْسِ
تَجُرُّ على قَرْع المِزَاج إزارَها ... وتَختَال منه في مُصَبَّغة العُرسِ
دير حنّةَ الكبير. قال الخالديّ: هو بالحيرة في الأُكَيراح، غَير دير حنّة الذي قدَّمنا ذكره. يقال إنه بُني حين بُنيت الحيرة: وكان من أنزه الدِّيَرَة، لكثرة بساتينه وتدفق مياهه.
حكى جحظة عن بعض أهل الحيرة، قال: اجتاز بنا عمر بن فرج الرُّخّجي، منصرفا من الحجّ. فتلقيناه وأعظمناه، وسرنا معه. فلما اجتاز بدير حنّة، سألنا عنه فعرّفنا به. فقال، من ذا الذي يقول:
يا دير حنة من ذات الأُكَيْرَاحِ
فقال له الحسين بن هشام الحيريّ: هذا لأبي نُوَاس. أَفتُحِبُّ أن أُنشدك لشاعرنا الثَّروانيّ شيئا يقرب من هذا المعنى، في الدير؟ قال: قُل. فأنشده:
على الرَّيحانَ والرَّاحِ ... وأيَّامَ الأُكَيْرَاحِ
وإبريقٍ كطَيرِ الما ... ء في لَجَّةِ ضُحضَاحِ
سلامٌ يُسكِرُ الصاحِي ... وما فيه فتىً صاحِ
ومَنْ لي فيه بالسَّلْوَ ... ةِ عنْ وَجه ابنَ وَضَّاحِ
غزالٌ صِيغَ من فِتْنَ ... ةِ أبدانٍ وأرواحِ
إذا راحَ إلى البيعَ ... ةِ في أثواب أَمْسَاحِ
ففي كَفَّية إفسادي ... وفي كَفَّيهِ إصلاحِ
قال: فاستحسن الأبيات وأمر كاتبا معه بكَتْبِها. وخلع على الحسين بن هشام، وأجازه.
(1/103)

وحكى جحظة قال: زرتُ إبراهيم بن المدبر، وكان بالكوفة. فأكرمني وأنس بي. وأقمت عنده ثلاثة أشهر. فجرى يوم ذكر دير حنّة، فقال ابن المدبر: والله إني لأُحِبُّ أن أراه وأشرب فيه، فلقد ذُكر لي حُسنُه! فأين هو من الحيرة؟ فدلَّه إسحاق بن الحسين العلويّ عليه وقال له: في هذه الأيام ينبغي أن يُقصد. لأنها أيام ربيع ورياض معتَّمة بالزهر، والغدران. والبادية بقربه، فلن نعدم أعرابيا فصيحا يطير إلينا، ونحن فيه، فيُهدي إلينا بيض نعامٍ، ويجني لنا الكمأة. فتقدّم ابن المدبر إلى غلمانه بإعداد ما يُحتاج إليه. وخرج وخرجتُ حتّى وافيناه. فإذا هو حسن البناء، والرياض محدقة به، ونهر الحيرة الذي يقال له الغدير بقرب منه. فضُربت لنا خِيمٌ عنده. وخرج إلينا رهبانه، وحملوا إلينا مما عندهم من التُّحف واللَّطَف. فأكلنا وجلسنا نشرب. وغنيته بشعر أبي نُوَاس المتقدّم. فبينا نحن كذلك، إذ اجتاز بنا غلام حَسَنٌ، عارضه كأنه بدر على غصن، معه مصحف من مصاحف النصارى، كامل العقل، ساحر اللحظ واللفظ. فشرب ابن المدبر على وجهه رطلا، وسقاه قدحا. واستأذنه الغلام في النهوض، وقال: معي مصحف لا تتمّ للرهبان صلاة إلا بحضوره. وهذا وقت صلاتهم، وقد ضربوا الناقوس منذ ساعة. وأخذ عليه العهد في الرجوع إليه وأمر له بمائة دينار. وعملتُ شعرا صنعت فيه صوتا. فما زال فيه صوته طول مُقامه. وهو:
فَدَيْتُ مَن مَرَّ بنا مُسْرِعاً ... يَسْعى إلى الدير بأسْفارهِ
خدَمْتُ رَبَّ الدير من أجله ... حتّى كأنّي بعضُ أحبارهِ
حذَّرني النَارَ ولم يَدرِ ما ... في القلب والأحشاءِ من نارِهِ
حيّرني تَفْتِيرُ أجْفَانهِ ... وحلَّ عَقْدِي عَقْدُ زُنَّارِه
وأقمنا بمكاننا ثلاثة أيام، ثم عدنا إلى الكوفة وقد عملتُ في تلك الأيام وغنَّيتُ فيه:
وبالحِيرَة لِي يَوْمٌ ... ويَوْمٌ بالأُكَيْرَاحِ
إذا عزّ بنا الماءُ ... مَزَجْنا الراح بالراحِ
وحكى الربيع عن بعض أهل الحيرة قال: كان في دير حنّة خمار يقال له مرعبدا، موصوف بجودة الخمر ونظافة الآنية وملاحة الحانة. فحكى مرعبدا قال: ما شعرتُ يوما وقد فتحتُ حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل، إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا من طريق السَّماوة في البرّ، حتّى وقفوا عليّ، وهو متلثمون بعمائم الخزّ وعليهم حُلل القصب. وسلَّموا عليَّ وأسفر أحدهم وقال: أنت مرعبدا، وهذا دير حنّة؟ قلت: نعم. قال: وُصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلا. فبادرتُ فغسلت يدي ثم نفرت الدِّنان ونظرت أصفاها فبزلته، فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل. ثم قال: اسقني آخر: فغسلت يدي وتركت ذلك الدَّن وذلك القدح والمنديل ونقرت دنّاً آخر. فلما رضيت صفاءه، بزلتُ منه رطلا في قدح، وأخذت منديلا جديدا. فناولته إياه فشرب كالأوَّل. ثم قال: اسقني رطلا آخر. فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل. فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته! فناولته إياه على تلك السبيل. فشرب وقال: لولا أسباب تمنع من بيتك لكان حبيبا إليّ جلوسي يومي هذا فيه، وولّى منصرفا في الطريق الذي بدا منه. ورمى إليّ أحد الراكبَيْن اللذين كانا معه بكيس. فقلت وحق النصرانية! لا قبلته حتّى أعرف الرجل. فقال: هذا الوليد بن يزيد بن عبد الملك! وُصفتَ له، فأقبل من دمشق حتّى شرب من شرابك ورأى ديرك والحيرة. ثم انصرف. فحللتُ الكيس فإذا هو أربعمائة دينار.
دير هند. " وهي بنت النعمان بن المنذر " بنا لها أبوها لتتعبّد فيه. فلما فرغ منه، خرجت من قصر أبيها تريده. فأقامت في الطريق سنة تنزل المضارب في نزه وصيد. والمسافة بين قصر أبيها وبينه نحو الفرسخ. وشقّ له بشر بن مروان نهرا من الفرات. ولم يزل النهر يجري حتّى خرب الدير.
وحكى أن النعمان كان يصلي به ويتقرّب فيه، وأنه علّق في هيكله خمسمائة قنديل من ذهب وفضة. وكانت أدهانها في أعياده من زنبق وبان وما شاكلها من الأدهان، ويوقد فيه من العود الهنديّ والعنبر يجلّ عن الوصف.
(1/104)

وفيما حكى الكلبيّ أن النعمان دخله في بعض أعياده، فرأى امرأة تأخذ قربانا، أخذت بقلبه. فدعا الراهب الذي قرّبها وسأله عنها. فقال: هي امرأة حكم بن عمرو اللخميّ. فلما انصرف النعمان دعا عديّ بن زيد، كاتبه. وأوقفه على الخبر وقال له: كيف الحيلة؟ فقال له: إذا كان بكرة غد وحضر الناس الباب، فابدأ به في الإذن وأجلسه معك على سريرك. ففعل النعمان ذلك وأذِن للناس بعده. فجعلوا يتعجبون. وانصرفوا. فقال النعمان لعديّ بن زيد: قد فعلتُ ما أشرت به، فَمَهْ؟ قال: إذا أصبحت فاكسه واحمله. ففعل. ثم قال: اجعل حوائج العرب إليه. ففعل. ثم قال النعمان لعديّ بن زيد: قد طال هذا! قال: إذا أصبحت، فإن عندك عشر نسوة، فطلق أبغضهنّ إليك. ثم قل له: قد طابت نفسي لك بما لم تطلب به لولد ولا أخ. قد طلّقت لك فلانة، فتزوّجها. ففعل ذلك. فخرج وهو لابس من حُلل النعمان، ولديه ما حمل عليه. فجلس وحكم بين العرب، وعديُّ بن زيد بالباب جالس. فقال له اللخميّ: ما أدري ما أكافئ به الملك؟ فعل معنى وفعل. فقال له عديّ: ما أقدرك على مكافئته! قال: وما هو؟ قال: طلق امرأتك كما طلق لك امرأته. قال: قد فعلت. فانفذها إلى النعمان. وفي ذلك يقول الشاعر:
عُلِّقْتها حُرَّةً حَوْراءَ ناعمةٍ ... كأنها البدرُ في داجٍ من الظُلَمِ
ما في البريَّة من أُنثى تُعادِلها ... إلا التي أخذ النُّعمانُ من حَكَمِ!
وقد ذكره أبو الفرج وقال: هند بنت النعمان صاحبة هذا الدير، وهي الحرقة. وهي التي دخلت على خالد بن الوليد. وآخر أمرها معه أنه أمر لها بمال ومعونة وكسوة. فقالت: ما إليه حاجة. لي عبدان يزرعان مزرعة لي، أتقوَّت بها ما يمسك رمقي. وقد اعتددت بقولك فعلا وبعرضك نقدا. فاسمع منّي دعاء ادعوا به لك، كما ندعو به لأملاكنا: شكرتك يد افترقت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه! قال: وهذا الدير يقارب دير بني عبد الله بن دارم بالكوفة، مما يلي الخندق.
وحكى الشابشتيّ أن الحجاج قدم الكوفة فبلغة أن بين الحيرة والكوفة دير هند بنت النعمان، وهي متمكنة من عقلها ورأيها، فانظر إليه فإنها بقية. فركب، والناس معه، حتّى أتى الدير، فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب: فاطّلعت من ناحية الدير. فقال لها: يا هند! ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلا مثلك. لا تغترَّنَّ يا حجاج بالدنيا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة لأبي:
رأيتُك من تَعْقِِدْ له حبل ذمة ... من الناس، يأْمَنْ سرجه حيثما ارتقى!
ولم نُمِس إلا ونحن أذّل الناس. وقلّ إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضبا. وأرسل إليها من يخرجها من الدير، ويستأديها الخراج. فأُخرجت، ومعها ثلاث جوا من أهلها. فقالت إحداهنّ:
خارجاتٌ يُسَقْنَ من دير هندٍ ... مُعلناتٌ بِذلّةٍ وهَوانِ!
ليْتَ شعْري! أوّلُ الحَشْر هذا ... أم محا الدَّهرُ غَيْرهُ الفِتْيَانِ؟
فشدّ فتى من أهل الكوفة على فرسه. فاستنقذهنّ من رسل الحجاج. وتغيّب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى. فقال: إن أتانا، فهو آمن؛ وإن ظفرنا به، قتلناه! فأتاه. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: الغيرة. فوصله وخلاَّه.
(1/105)

وكان سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق، أتى هندا، إلى ديرها. فخرجت إليه وعرض عليها نفسه في حوائجها. فقالت: سأحييك بتحية كانت ملوكنا تُحيَّا بها " شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا مسّتك يد استغنت بعد فقر، ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولا نزع عن كريم نعمة إلا جعلك سببا لردّها عليه " قال: ثم جاء المغيرة، لمّا ولاه معاوية الكوفة. فاستأذن عليها. فقيل لها: الأمير على الباب! فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ فقال: لا. قالت: أفمن أولاد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا. قالت: فمن أنت؟ قال: المغيرة بن شعبة الثقفيّ. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قالت: والصليب! ما جئتني رغبة في مال، ولا شغفا بجمال. ولكن أردت أن تقول: نكحت ابنة النعمان. وإلاّ فأيّ فخر في اجتماع شيخ أعور وعجوز عمياء؟ اذهب! فبعث إليها فقال: كيف كان أمركم؟ قالت: سأختصر لك الجواب. أمسينا وليس في العرب أحدٌ إلاّ وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس في الأرض أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه. قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان، أحدهما يمنيها إلى إياد والآخر يمنيها إلى بكر بن هوازن. فقضى بها للأياديّ، وقال:
إنّ ثَقِيفاً لم تكُنْ هَوَازِنا ... ولم تُناسِبْ عامِرا ومازِنا!
قال المغيرة: أمّا نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء! دير اللُّجُ. وهو بالحيرة. مما بناه النعمان بن المنذر. وهو من أنزه دياراتها وأحسنها بناءاً: لما يطيف به من البساتين. وكان النعمان يأتيه يتعبَّد فيه، ويستشفي به من مرضه. وفيه قيل:
يا ليلتِي أطْيِبْ بها ليلةً ... لو لم يَكُنْ قَصَّرها الطِّيبُ!
بِتنا بدير اللُّجِّ في حانةٍ ... شَرابُها في الكأس مكْبُوبُ
يُديرها ظَبْيٌ هَضِيمُ الحَشَا ... يحبّه الشُّبّانُ والشِّيبُ
حتّى إذا ما الخمر مالَتْ بِنَا ... جَرَتْ أمورٌ وأعاجِيبُ
فما ترى ظنّك في شادنٍ ... باتَ إلى جانبه ذيبُ
وقد ذكره أبو الفرج، فقال: كان النعمان يركب في كل أحد إليه، وفي كل عيد. معه أهل بيته خاصة من آل المنذر ومن ينادمه من أهل دينه. عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المحلاة بالذهب المفصصة بالجوهر. وفي أيديهم أعلام فوقها صلبان الذهب. فإذا قضوا صلاتهم، انصرف إلى مستشرفه على النُّجُب. فيشرب فيه بقية يومه إلى أن يُمسي، وخلع ووصل وحمل. وكان ذلك أحسن منظر وأشرفه. وأنشد فيه قول الشاعر:
سقى الله دير اللجّ خيرا فإنَّه ... على بُعْدِهِ مِنِّي إليَّ حَبِيبُ!
قريبٌ إلى قلبِي بعيدٌ مكانُه ... وكم من بَعِيدِ الدارِ وهو قريبُ!
دير بني علقمة. وهو دير بناه علقمة بن عديّ اللخميّ، بالحيرة. وفيه يقول عَدِيُّ بن زيد، وفيه غناء:
نادمتُ في الدير بَنِي عَلْقَمَا ... عاطَيْتُهُمْ مَشمولةً عَنْدَمَا!
كأنَّ رِيحَ المِسْك في كأسِها ... إذا مَزَجْنَاها بِماءِ السَّما!
دير هند الأقدم. وهي هند الكبرى بنت الحرث بن عمرو بن حجر، الملك، أم عمرو بن المنذر، الملك.
وحكى محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعيّ عن أبيه قال: دخلت مع يحيى ابن خالد، لما خرجنا مع الرشيد، إلى الحيرة. وقد قصدها ليتنزه بها ويرى آثار آل المنذر. فدخل دير هند الأكبر. وهو على طرف النجف: فرأى في جانب حائطه شيئا مكتوبا. فدعا بسُلَّم فاُحضر. وأمر بعض أصحابه بأن يصعد إليه، فيقرأه. فإذا فيه مكتوب:
إنّ بَنِي المُنْذِر عامَ انقَضَوْا ... بِحَيثُ شاد البِيعَةَ الراهبُ
تَنْفَح بالمِسْك ذَفَارِيُّهُمْ ... وعَنْبَرٌ يَقْطِبْهُ القَاطِبُ
والقَزّ والكَتَّان أثوابُهُم ... لَم يَجْلُبِ الصوفَ لَهُم جَالِبُ
والعِزّ والمُلك لهُم راهِنٌ ... وقَهْوَةٌ نَاجودُها ساكبُ
أضْحَوا ومَا يَرجُوهُمُ طالِبٌ ... خَيراً ولاَ يَرهَبُهُم رَاهِبُ
كَأَنَّهُم كانوا بِها لُعبَةً ... سَارَ إلى بَيْنٍ بِها رَاكِبُ
(1/106)

وأصْبَحُوا في طَبَقَاتِ الثَّرى ... بَعدَ نَعِيمٍ لَهُمُ رَاتِبُ
شَرُّ البَقايَا مَن تَرى مِنهُمُ: ... قُلٌّ وذُلٌّ جَدُّهُ خائِبُ
فبكى الرشيد، حتى جرت دموعه على لحيته. وقال: هذه سبيل الدنيا وأهلها! وانصرف عن وجهه ذلك.
قبة السُّنَّيق. وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاجّ، وبإزائها قباب يقال لها السُّكُورة، جميعها للنصارى. وعيد الشعانين بها نَزِهٌ. يخرج فيه النصارى من السكورة إلى القبة في أحسن زيّ، عليهم الصلبان وبأيديهم المجامر. والقسوس والشمامسة على نَغَم واحد، متّفق في الألحان، إلى أن يقضوا بغيتهم. ثم يعودون على هيئتهم.
دير إسحاق. وهو بين حمص وسَلَميّة. في موضع حَسَن نَزِه، على نهر جار. وحوله كروم ومزارع، إلى جانب ضيعة صغيرة، يقال لها جَذْر. وهي التي ذكرها الأخطل في قوله:
عتَّقتها حِمْصُ أو جَذَرُ
وفيه قال أبو عبد الرحمن الهاشميّ السَّلَمانيّ، من أهل سَلَمِيَّة:
وافِقْ أخاكَ تَجدْه خيرَ رفيقِ، ... إنْ كنتَ لستَ عن الصًّبَا بمُفِيق!ِ
وإذا مررتَ بدير إسحاقٍ فقُلْ ... جادَتْكَ غيرُ سَحائبٍ وبُرُوقِ!
ديرٌ يُشَبَّهُ ماؤُه بهوائهِ ... وهواؤُه بلَطَافةِ المعشُوقِ
وكتب أبو عبد الرحمن إلى أخيه من دير إسحاق:
أَمَا طَربت لهذا العارِض الطَّرِبِ ... أما رأيتَ الصَّبا والجوَّ في لَعِبِ؟
تعانَقَا فكأنَّ القَطْرَ بينهما ... من فضةٍ، وكأنَّ الزهرّ من ذهبِ
ونحن في دير إسحاقٍ ومَجْلِسُنا ... يشكُو مَغِيبَك، فاحضُرْهُ ولا تغِبِ
لِنجعلَ اليومَ عيداً في مَلاَحتِهِ ... ونقلبَ الهمّ بالأدوار في القُلُبِ
وقال فيه:
سلامٌ على ليلةٍ بالدُّوَيْرِ ... تقضَّتْ كزائرةٍ في الحُلُمْ؟
أتَتْنِيَ في طَيْلسانِ الضياءِ ... ولم تَتَقَنَّع بنور الظُلَمْ
يعارِضُ فيها ابتسَامَ البُروق ... بُرُوقُ دِنانٍ بها تَبْتَسِمْ
وصفراءُ لم تُبْقِي إلاّ النحي ... فَ منها الليالي وطولُ القِدَمْ،
تَمَزَّزْتُتا في ثيابِ الدُّجى ... إلى أن تجلّى الدُّجى للهَرَمْ
نزلْنا بها وَسْطَ مَكسُوَّةٍ ... مَطَارفَ من نَسْج أيدِي الدِّيَمْ
سقاني ابنُ قِسِّيسها كأسَها ... على زَوْرَتٍ من حبيبٍ ألَمْ
وقال فيه:
أَتَظْمَا رِياضُ الدير من صَوْب ماطرِ، ... ولم أَقر ضيفَ الليل أجفانَ ساهِر؟
وقلتُ: سقى الصحراءَ بينَ عواقصٍ ... ذوائبها في سَفْحه ونواشر!
رحيمٌ بأطفال العَروسُ يضُمُّها ... إذا ما انثنت ضَمّ الشَّفيقِ المحاذرِ
فكم قلتُ للساقي، وقد فتح الندَّى ... نواظَرها: قُمْ هاتِها لا تُنَاظِرِ!
يحنّ إلى الدير اشتياقِي كأنَّما ... يُريني الصِّبا فيه بموقع ناظرِي
دير مِيمَاس. وهو بين دمشق وحمص على نهر مِيمَاس. وإليه نُسب. وهو في رياض وبساتين، وعليه طواحين روميَّة. ويزعم رهبانه أن به شاهدا من الحواريين.
وحكى العسقلانيّ أنه كان لديك الجنّ غلام يهواه، وكان شديد الوجد به. فخدعه قوم ومضوا به إلى دير مِيمَاس، وسقوه نبيذا. فبلغ ذلك الديك. فقلق. وقال:
قُلْ لِهَضِيمِ الكَشْحِ مَسَّاسِ: ... ارتَفَعَ العهدُ من الناسِ
يا طاقة الآس التي لم تَمِدْ ... إلاّ أَذَلَّت قُضُبَ الآسِ
وثِقتَ بالكأسِ وشُرَّابِها ... وحَتْفُ أمثالِكَ في الكاسِ
في دير مِيمَاسٍ ويا بُعْدَ ما ... بينَ مُغِيثَيكَ ومِيمَاسِ
لا بأسَ مولايَ على أنّها ... نِهايةُ المكروهِ والبَاسِ
فالْهُ ودَعْ عنكَ أحاديثَهم ... سيُصبح الذاكِرُ كالناسي
(1/107)

وحُكي أن أبا نُواس، لما دخل حمص ماراً بها، دعاه فتىً من أدبائها إلى دير ميماس. ودعا معه أشجع السُلميّ. فجلسوا يشربون، وأبو نُواس يُنشدهم، له ولغيره. فقال أشجع:
صبَّحتُ وَجهَ الصَّباحِ بالكاسِ ... ولم تَعُقْني مقالةُ الناسِ
ونحن عِند المُدام أربعةٌ ... أكْرَمُ صَحْبٍ وخَيرُ جُلاّسِ
نُدِيرُ حِمْصِيَّةً مُعَتَّقَةً ... على نَسِيمِ النِّسرينِ والآسِ
ولم يَزَلْ مُطْرباً ومنشدنا ... أبو نُواٌ في دير مِيمَاسِ
دير مُحَلّى. وهو بساحل جيحان، قريب المصِّيصَة.
وحكى أبو نصر النحويّ أن أبا خالد، الكاتب، اجتاز بهذا الدير، ومعه ابن أبي زرعة الدمشقيّ الشاعر. قال: فرأينا من حُسن رياضه، وتدفُّق مائه، وطيب هوائه، ونظرة أشجاره، منظرا حسنا. فقال ابن أبي زرعة: لقد حُضِر علينا أن نتجاوز هذا الموضع ولا نشرب فيه حتّى نموت سكرا. فقلت له: ويحك! أنا مبادر في مُهمّ. فقال: ما قُدّامك أهمّ من هذا. وثنى رجله، ونزل عن دابته. فنزلنا. ثم أتانا الرهبان بتحايا الورد والياسمين والتفَّاح. وأخرجوا إلينا شرابا عتيقا، في نهاية الصفاء والرقة، فابتعناه منهم. وأقمنا يومنا هناك في أنعم عيش وأحسنه. فلما أصبحنا، غدونا. فأنشدني أبو زرعة لنفسه:
ديرُ مُحلَّى مَحِلَّةُ الطربِ ... وصحنهُ صحنُ روضةِ الأدبِ
والماءُ الخمر فيه قد سُكِبا ... للصَّفوِ من فضَّةٍ أو من ذهبِ
لا ودموع الغمام روّق ذا ... وتلك لم تُعْصَر من العِنَبِ
وَوردهُ في الغُصونِ تَيَّمني ... حُسْناً وتُفَّاحُهُ يُبَرِّحُ بي
فلاَ تَلُمْنِي إذا جعلتُ إلى ... حاناتِهِ ما حَييِتُ مُنْقَلَبي
رضيتُ أن أغتدي بلا نَشَبٍ ... ويغتدي وهو قد حَوَى نَشَبي
دير مارمروثا. وهو دير صغير، بظاهر حلب، في سفح جبل جَوْشَن، على نهر العُرجان.
وكان سيف الدولة محسن إلى أهله. وقلّما مرّ به إلا نزله، ووهب لأهله هبة كبيرة. وكان يقول: رأيت أبي في النوم يوصيني به.
وله بساتين قليلة ومباقل. وفيه نرجس وبنفسج وزعفران.
ويعرف بالبيعتين، لأن فيه مسكنين: للرجال والنساء.
قال الخالديّ وإياه عنى الصنوبريّ بقوله:
ما بالُ أعلى قُوَيْقَ يَنْشُرُ من ... وَشْي الربيع الجديد ما أدْرَجْ
كأنّما اختيرَتِ الفُصُوصُ له ... بين عَقيقٍ وبين فَيرُوزِجْ
أما تَرى البَيْعَتَينِ أُفرِدتَا ... بِمُفرد الأُقْحُوانِ والمُزْوَجْ؟
أثوابه المُزْنُ كيف ما اتصلَتْ ... وناره البرق كيف ما أجَّجْ
دير الرُّصَافة. هو بالشام، قريب رُصافة هشام بن عبد الملك. وموضعه حَسَنٌ. وفيه قيل:
نراك جَزِعتَ يا دير الرُّصَافة ... غَداة تَحَوَّلَتْ عَنك الخِلافَه
فلاَ تَجْزَعْ وتَذري الدَّمعَ حُزْناً ... فإنَّ لِكُلِّ مُجْتَمِعَيْنِ آفَه
وحُكي أن أبا نُواس مرّ به، فبات فيه. فلما رحل عنه، قال:
ليس إلاَ دَيرَ الرَّصافة دَيرٌ ... فيه ما تَشْتَهي النُّفوس وتَهْوَى
بِتُّهُ ليلةً فقضَّيْتُ أوطا ... راً ويوماً مُلأْتُ قُطْرَيْهِ لَهواً
وقد ذكره أبو الفرج وقال: إن ابن حمدون حكى أن المتوكل لما أتى دمشق، ركب يوما إلى رصافة هشام، يزور دوره وقصوره. ثم خرج فأتى الدير. وهو من بناء الروم، حسن البناء، بين مزارع وأنهار. فبينا هو يدور، إذ بُصر برقعة قد ألصقت في صدره، فأمر بها أن تُقلع ويؤتى بها. فقُلِعت وإذا فيها:
أيا مَنزِلاً بالديرِ أصْبَحَ خالياً ... تَلاَعَبَ فيه شَمْألٌ ودَبُوروُ!
كأنَّك لم تِسْكُنْكَ بِيضٌ أوانِسٌ ... ولم تَتَبَخْتَر في فَنائِكَ حُورُ!
وأبناء أملاكٍ عَبَاشِمُ سَادةٌ ... أصَاغِرُهُمْ عِندَ الأنَامِ كَبِيرُ!
إذا لَبِسوا أدراعهم فضراغمٌ ... وإن لَبِسوا تيجانَهُم فبُدُورُ
ليالي هشام بالرَّصافة قاطِنٌ ... وفيك ابنُهُ يا دَير وهوَ أميرُ
(1/108)

إذ العَيْش غَضٌّ والخِلافةِ لَدْنَةٌ ... وأنتَ طَريرٌ والزمان غَرِيرُ
وروضُك فَيْنانٌ يذُوبُ نَضَارةُ ... وعَيْشُ بني مَرْوان فيك نَضِيرُ
رويدَكَ إنّ اليومَ يَتْبَعُه غَدٌ ... وإن صُرُوفَ الدائراتِ تدُورُ
فلما قرأها المتوكل، ارتاع وتطيّر. وقال أعوذ بالله من شرّ أقداره! ثم دعا بالدَّيرانيّ وقال: مَنْ كتب هذا؟ قال: والله لا أدري. لأني منذ نزل أمير المؤمنين هنا، لا أملك من أمور هذا الدير شيئا. يدخله الجند والشاكرية. وغاية قدرتي أنّي متوارٍ في قلاّيتي. فهَمَّ بضرب عنقه وإخراب الدير. فلم يزل به الفتح بن خاقان حتّى كفّ. ثم ظهر أن الذي كتبها رجل من ولد رَوح بن زِنْبَاع، صاحب عبد الملك، وأمه مولاة هشام.
دير حمطورا. هو في شرقيّ طرابلس، في جانب الوادي. الذي أسفل من طرزيه والحَدَث.
وهو بناء في سفح الجبل. من ذلك الجانب، قُبالة الطريق السالك إلى طرابلس. وهو حصين جدّا. ولا يُسلك إليه إلا من طريق واحد. وظهر الجبل الذي له ممتنع.
دير البنات. وهو دير أبيض البناء، مشرف على أرض طرابلس. له ذكر.
حُكي أن الطَّيّبيّ أتاه في يوم شعشعت شموسه، وأُترعت كؤوسه،. وكان الفصل ربيعا قد استطال، وطلَّ الحسن تلك البنات. وفيهنَّ كل عذراء تدهش المتحبِّر، وتحيِّر المتخيِّر. وكان قد صحبه غلام ذو عذار أخصب به البلد الماحل، وقذف موج الخدّ منه العنبر إلى الساحل. وطافت عليه قطائع المدام، وأمن شنائع الملام، وتقلّب بين غلامه وغلام. فقال:
ديرَ البناتِ الزُّهْر أنتَ المُنى! ... وأنتَ من دون الأماني المَرانْ
لم أنسَ يوما فيكَ أذهبتُه ... تالله بل ذَهَّبتهُ بالمُدامْ
ونحن في غِرَّة أيَّامِنا ... والعيشُ مِثلُ الطَّيف حُلوْ اللَّمامْ
والدَّوحُ ما جَفَّتْ له زَهْرةٌ ... والروضُ طِفلٌ ما جَفَاهُ الغَمَامْ
وبيننا خوذٌ كشمس الضُّحى ... وأغْيَد قد فاقَ بدرَ التَّمامْ
لولا نَباتُ الشَّعر في خدِّه ... لم تَدر أيُّ الأغْيَدين الغُلام
دير كَفْتُون. وهو ببلاد طرابلس. مبنيٌّ على جبل. وهو دير كبير. وبناؤه بالحجر والكلس، في نهاية الجودة. وبه ماء جار. وله حوض كبير مملوء من شجر النارنج. يُحمل نارنجه إلى طرابلس، يباع بها. ويرتفق بثمنه الرُّهبان. وله مستشرف مطلٌَ على البلاد والمزارع. ومنه مكان يشرف، على بعد، على البحر.
ولهذا الدير صيت جائل وسمعة مذكورة. وبه رهبان كثيرو العدد. والنصارى تقصده، وتحمل إليه النذورة. ويقصده كثير من أهل البطالة واللهو، للتفرج به والتنزه فيه.
ويقول فيه الطيّبيّ:
أدَيْرَ كَفْتُونَ تُكفَى كُلَّ نائِبَةٍ ... من الهمومِ وتَلْقَى كلَّ سَرَّاءِ!
من كلَّ خَضراءَ في الأشجار مائسةٍ ... وكلِّ صَهْباءَ في الكاسات حمراءِ
حللتُ في دَير كفتونٍ فلا عَجَبٌ ... إذْ مُتُّ سُكراً بحمراءٍ وخَضْراءِ
دير القاروس. على جانب اللاذقية، من شمالها. وهو في أرض مستوية. وبناؤه مربع. وهو حسن البقعة.
وفيه يقول أبو عليّ حسن بن عليّ الغزِّيّ:
لم أنسَ في القاروسِ يومأ أبيضا ... مثْلَ الجَبين يَزِينَهُ فرعُ الدُّجى
في ظل هيْكلهِ المشِيدِ وقد بدا ... للعين معقُود السَّكينة أبلجا
واللاذِقيَّة دونه في شاطِئ ... بلُّورُه قد زَيَّن الفَيروزَجا
ولديَّ من رُهبانِه مُتَنَمِّسٌ ... أضحى لفرط جماله متبرِّجا
أحوى أغنُّ إذا تردّد صوتهُ ... في مَسْمَع ردّ احتجاج ذوي الحِجى
لا شيءَ ألطَفُ من شمائِلهِ إذا ... حثَّ الشَّمُولَ ولفظُه قد لجلجا
فله ولليوم الذي قَضَّيتهُ ... مَعَهُ بكائي لا لربعٍ قد شجا
دير فِيق. وهو في ظهر فيق، بينها وبين بحيرة طبرية. في لحف جبل يتصل بالعقبة. منقور في الحجر. وهو عامر بمن فيه وبمن يرد عليه. والنصارى تقصده وتعظمه.
(1/109)

قال الشابشتي: ويُزعمُ أنه أوّل دير عُمل وأن المسيح " عليه السلام " كان يأوي إلى ذلك الموضع الذي عمل به هذا الدير، ويجلس إلى ذلك الحجر. وكل من دخل من النصارى ذلك الموضع، كسر من ذلك الحجر: تبركا به. وعمل في هذا الدير موضع على اسم المسيح " عليه السلام " .
قال: ولأبي نواس قصيدة، يذكر فيها هذا الدير ويخاطب فيها غلاما نصرانيا كان يهواه. منها:
بمعموديةِ الدِّين العتيقِ ... بِمَرْطَبْلَيْطَهَا بالجَاثَلِيقِ
تُخَجِّلُ قَاصِداً مَاسَرْجِسَانَ ... فَدَيْرُ النًّوبَهَارِ فَدَيرِ فِيقِ
وبالصُلًبِ اللُّجَيْنِ وقد تَبَدَّتْ ... وبالزُّنَّار بالخُنْصُرِ الدَّقِيقِ
وبالحُسْنِ المُرَكَّبِ فِيكَ إلاّ ... رَحِمْتَ تَحَيُّري وَجُفُوفَ رِيقِي
وأمَّا والقُرْبِ من بعد التَّنائي ... يمينُ فتىً لِقاتله عشيقِ
لقد أصبحتَ زينة كلِّ بكر ... وعيداً مع جفائك والعوق
دير الطور. والطور جبل مستدير، متسع الأسفل، لا يتعلق به شيء من الجبال، وليس له إلا طريق واحد. بين طبريّة واللّجُون. مشرف عى الغور والمرج وطبرية. نَزِهٌ. وفيه عين تنبع بماء غزير. والدير في القبلة، مبنيٌّ بالحجر. وحوله كروم كثيرة، يعتصرونها. ويعرف بدير التجلِّي. لأنهم بزعمهم أن عيسى تجلّى فيه لتلامذته، بعد أن رُفع حتّى أراهم نفسه وعرفوه.
وللمهلهلِ بن يموت بن المُزَرَّع فيه:
مَضيتُ إلى الطُّور في فِتْيَةٍ ... سِرَاعِ النُّهُوضِ إلى ما أُحِبّْ
كِرامِ الجُدودِ حِسانِ الوجوهِ ... كهولِ العقولِ شبابِ اللَّعِبْ
فأيُّ زمانٍ بهم لا يُسَرّ ... وأيُّ مكانٍ بهم لم يَطِبْ
أنحتُ الرِّكابَ عن دَيْرِهِ ... وقَضَّيتُ من حَقِّه ما يجبْ
وأنزلتُهم وَسْطَ أعتابِه ... وأسْقَيتثهًمْ من عصيرِ العِنبْ
وأحضرتُهمْ قَمراً مُشْرقاً ... تَمِيلُ الغثصُونُ به في الكُتٌبْ
نَحُثُّ الكؤوس بأهْزَاجِهِ ... ومَرسومِ أرمالِهِ بالعَجَبْ
وما بين ذاك حديثٌ يَرُوق ... وخوضٌ لهمْ في فُنُون الأَدَبْ
فيا طيبَ ذا العيش لو لم يَزُل ... ويا حُسْنَ ذا السعدِ لو لم يغِبْ
وأنشد له الشابشتيّ في نحو من مثل هذا الأرب، وقد دعا نوّار الربيع إلى شرب ابنة العنب:
قد أبانت ليَ الرياضُ من الزَّهْ ... ر غريبَ الصُّنوفِ والألوانِ
وبَدَا النَّرجِسُ المفتَّحُ يَرْنُو ... من جُفُون الكافور بالزَّعفرانِ
وَقَفَ الطَّلُّ في المَحاجِر منها ... ثم مَاسَتْ فانْهَلَّ مثلَ الجُمانِ
يا غُلام اسقِني فَقَدْ ضَحِكَ الوقْ ... تُ وقد تمَّ طِيبُ هذا الزمانِ
أدْنِ مِنّي الدِّنانَ صُبَّ الأباري ... قَ استَحِثَّ الكؤوسَ صُفَّ القَنَانِي
بادِرِ الوَقتَ واغتَنِم فُرَص العيْ ... ش ولا تَكْذِبَنَّ فالعُمرُ فانِ
وكذلك أنشد له قوله:
زمانُ الرِّياضِ زَمانٌ أنيِقْ ... وعَيْشُ الخَلاعَةِ عَيْشٌ رَقِيقْ
بَهارٌ بَهِيرٌ بِهِ غَيرَةٌ ... على نَرجِسٍ وشقيقٍ شَقِيقْ
مُداهِنُ يَحمِلنَ طَنَّ النَّدى ... فهاتِيكَ تِبْرٌ وهذِي عَقيقْ
فبادِر بِنا حادِثات الزَّمان ... فوجهُ الحوادِثِ وَجْهٌ صَفِيقْ
وقوله في مثله:
قد قُدِّمَتْ للسرور أثقالُ ... وحثَّ شَهر الصِّيَام شوّالُ
وأقبَلَ الليلُ لابساً حُللاً ... مِسْكِيَّةً ما لهُنَّ أذيَالُ
واهتَرَّ عُودٌ وحَنَّ من طَرَبٍ ... شوقٌ وغَنَّت بالراحِ أرطالُ
فاغتنِموا فرصةَ الزَّمان ولا ... تُفَرِّطُوا فالزَّمانُ مُفْتَالُ
(1/110)

دير المُصَلَّبَة. وهو بظاهر مدينة القدس الشريفو في شامها بغرب. وهو دير روميّ قديم البناء، بالحجر والكلس. محكم الصنعة. مُونق البقعة. في بحيرة من أشجار الزيتون والكروم وشجر التين؛ بإزاء قرية، تجري على الدير بمرسوم السلطان.
وهذا الدير دخاتُ إليه ورأيته. فيه صور يونانية في غاية من محاسن التصوير، وتناسب المقادير. وصعدتُ إلى سطحه، فرأيت له حُسنَ مُشتَرَفٍ وسَعَة فضاء. ورهبانه من الكُرْج.
وقد كان أثخِذ هذا الدير، وجُعِل مسجدا للمسلمين، وأُعلن فيه بالأذان وأُقيمت الصلاة. ثم أُعيد ديرا للنصارى، وضُرب فيه بالناقوس وأُظهرت فيه كلمة الكفر. وتُوُصِّل إلى هذا بكتاب أُحضر من ملك الكرج، وأعانه عليه قوم آخرون.
ورأيت عند الحافظ العلاّمة أبي سعيد العلائيّ وعند سائر العلماء والصلحاء ببلاد القدس، من إعادته إلى النصارى ما هو قذى عيونهم إلى أن يتخلّى، وشجى حلوقهم إلى أن يُستردّ.
وعليّ الله نذرٌ إن وصلت يدي إلى هذا لأردَدْتُها حتّى يُرَدّ! ولهذا القصد شهد الله العظيم، قصدتُه.
وحدثني رهبانه بأن على ديرهم وقوفا في بلادهم، منها خيول سائمة تُحملُ أثمان نتاجها إليهم، وأنه يجيء منها في كل سنة قدر جليل، وأنها تُنفق في مصالح الدير وابن السبيل.
وفيه يقول أبو عليّ حسن الغزّيُّ:
يا حُسنَ أيامٍ قَطَعْتُ هَنِيئَةً ... بالدير حيثُ التِّين والزَّيتُونُ
دير المُصَلَّبَة الرفيعُ بناؤُهُ ... تَفْدي عَبِيرَ تُرابِهِ دَارِينُ
في ظِلِّ هَيْكَلِهِ وأسراب الدُّمى ... مجلُوَّةٌ والمَرْمرُ المَسْنونُ
ومُزَنَّرَتَينَ إذا تَلَوا إنجيلهم ... وتَعَطَّفُوا فحمائمٌ وغُصُونُ
غِزْلانُ وَجْرَةَ هُمْ وبَينَ جُفُونِهِم ... لأُسود بِيشَةَ إن عَرَضْنَ عَرِينُ
نزَعُوا القَلانِسَ والمُسُوحَ فَزُخْرِفَتْ ... منهن عن غُرَر الشُّمُوس وُجُونُ
وسَعَوْا بكاساتِ المُدامِ وما دَرَوْا ... أنّض لِلكؤوسِ الدائِرَاتِ جُنونُ
فَقَضَيْتُ بينَهُمْ زَماناً لم يَزَلْ ... عِنْدِي إِلَيْهِ تَشَوُّقٌ وحَنِين
تلك المنازلُ قد سَفَحْنَ مَدَامِعِي ... لا مِصْرُ قاطِبَةً ولا جَيْرُونُ
دير السِّيق. قبليَّ البيت المقدّس. على نَشَزٍ عالٍ، مُشرف على الغور، غور أريحا. يُطلُّ على تلك البسائط الخُضر ومجرى الشريعة. وبه رُهبان ظراف أكياس، ولا يأتيهم إلا قاصد لهم أو مارّ في مزارع الغور. تحتهم وفوقهم الطريق الآخذة إلى الكثيب الأحمر. وقبر موسى عليه السلام في القبة التي بناها عليها الملك الظاهر بيبرس.وفي هذا الدير ومُشتَرَفه، وأطلال قلاليّه وغرفه، قلت:
أرى حُسنَ دير السِّيق يزدادُ كُلَّما ... نَظَرتُ إليهِ والفضَاءُ به نَضْرُ
بَنَوْهُ عَلَى نَجْدٍ على الغَوْر مُشْرِفٌ ... كَتَخْتِ مَلِيكٍ تَحْتَهُ بُسُطٌ خُضْرُ
وأشرقَ في سُودِ الغَمامِ كأنَّما ... تَشَقَّق ليلا عن جَلابِيبِهِ الفجْرُ
وقام على طَوْدٍ عليَّ كأنَّما ... مَصابيحَه تحت الدُّجى الأنجُمُ الزُّهْرُ
وزُفَّتْ إليهِ الشمسُ من جَنْبِ خِدْرِها ... وناغاه جُنْحَ الليل في أُفقه البدرُ
وألقت إليه الريحُ فضلَ عِنابِها ... وأحنى عَلَيها لا تُبَلُّ له عُذْرُ
ولو كان كالنَّسْرَينِ هَان ارتِقاؤُهُ ... ولكنّه قد حُطَّ من دونه النَّسْرُ
علا نَهرَ ريحا والمَجَرَّةُ فوقه ... فمِن فوقِه نَهرٌ ومِن تحتِه نَهرُ
دير الدَّواكيس. شرقيّ القدس. وهو دير حسن البناء. له بين النصارى سمعة وذكر. ولا أعرف بانِيهِ، ولا وقفتُ له على اسم، ولا على السبب الذي سُمِّي به بهذا الاسم. غير أن له وقفا يعود منه على الرهبان السكان جليل فائدة ونفع.
وقد مررتُ به غير مرة في أسفاري، وخرج إليّ رهبانه بميسور ما عندهم. وفيه قلت:
أنِحْ بليلٍ على دير الدَّواكِيسِ ... وأنصِتْ إلى قَرْع هاتيكَ النَّواقِيسِ
(1/111)

واحبِس مع العيسَوِيِّ الرَّكْبَ في طَرَبٍ ... طول الزمان ولا تَرْحَلْ مع العِيسِ
وانْظُرْ مع الصُّبْح هَاتيكَ الشُّموسَ ضُحىً ... وخَلِّ عنكَ رِباطاتِ النواميسِ
واسبَأْ من الدير خَمْراً كُلُّها ذَهَبٌ ... كيْلا نَعُدَّك في حزْب المفالِيسِ
وخَلِّ كلّ شحيحٍ كنتَ تَتْبَعُهُ ... فَكِّرْ تَرَ الكِيسَ في الإِنفَاقِ لِلكِيسِ
واَنْعَمْ وَلَذَّ بما قَضَّيتَ من وَطَرٍ ... وَطِرْ سُروراً إلى تلك الطَّواوِيسِ
وقلت:
دَيرُ الدَّواكِيسِ أم ريشُ الطَّواويسِ؟ ... أم الشَّمُوسُ سَنَا تلك الشَّمَامِيسِ
مأوى المَيَاسٍير لكنْ بعدَ أوْبَتِهِمْ ... منهم يُعَدُّونَ في حزبِ المَفَالِيسِ
فانْزِل به وأَقِمْ فِيما تُريدُ وقُلْ ... إملا كُؤوسي وَفَرِّغْ عِندَها كِيسي
واقدح زِنادَ سُرورٍ من مُدامتِه ... فهذه النارُ من تلك المَقابِيسِ
دير رُمَّانِينَ. قال الخالديّ: هو بالشام. ولا أدري في أيّ ناحية هو منها. ولكن قيل إنه كبير حسن عامر. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: خرجتُ في بعض أسفاري إلى الشام، فدخلت أنطاكية. فبينا أنا في بعض أسواقها، إذ قبض عليَّ بطريق من بطارقتها. ولم يكلمني حتّى أتى دارا فيها تراب وجندل. وإذا مسحاة وزنبيل. فقال: انقل هذا من هاهنا إلى هاهنا. يشير في ذلك بيده. وتركني ومضى. فتقاصرت بي نفسي وخنقتني العَبرة وقعدت، فلم أعمل شيئا. وكان قد أغلق عليّ باب الدار حين مضى. ثم عاد إليّ بعد ساعة. وكان يوما شديد الحر. فإذا هو عريان. مُتَّشح بسبنيّة يبين منها جميع بدنه. فلما رأى التراب والجندل بحالهما، قبض عليّ وجَمَع يده وضرب بها لغدي، ضربة أقرح بها قلبي. فقلت: ثكلتك أمك، يا عمر! ما هذا الاستحذاء للعلج؟ وأقبض عليه فأطرحه تحتي وآخذ المسحاة. فأضرب بها رأسه، ضربة فلقت بها دماغه. فمات. وبادرت هاربا من المدينة. وسرت من يومي وليلتي، فصبَّحت ديرا، فدخلته. فلما رآني راهبه قال: أضيف أنت؟ قلت: نعم. وكنت قد أعييت، فاضطجعت نائما ما شاء الله. ثم أيقظني الراهب وقال: من أين أنت؟ قلت: من مكة. فصعَّد نظره وصوّبه. ثم قال: ما اسمك؟ قلتُ: عمر، فأخرج كتابا عنده ونظر فيه، وأعاد فيَّ مرّات. ثم وثب فقبّل رأسي. فقلت: ما حملك على هذا؟ فقال: هل ظهر عنكم رجل يذكر أنه نبيٌّ؟ وكان قد وقع لي شيء من خبر النبيّ، صلى الله عليه وسلم. فقلت: قد سمعت بعض الناس يذكر ما سألت عنه. فقال: أعلم أنّك وحقِّ المسيح ستملك أكثر الأرض، وتُخرِجُ هِرَقْل من الشام، وتغلب عليها. فاكتب لي أمانا، ولديري. فجعلتُ أعجبُ منه وأدفع قوله، وهو يُلحُّ عليَّ في سؤاله ذلك. فلما أطال، قلت: ما تريد؟ فقال: كتابك. وأتاني بقطعة من أدَم، فكتبتُ له ما أملاه عليّ من ترك الخراج والوصاة به. ولفّه مع كتابه ذلك. وأكرم مثواي. وبكَّرت غاديا من عنده. فأسرج لي حماره وقال اركبها. فإنَّك ما تمرُّ بدير، فيراها راهبه إلا أكرمك. وإذا بلغتَ آخر دير يلي بلدك، فخَلِّها عند سكّانه. وزوَّدني وانصرفت.
فيقال أن عمر لما خرج إلى بيت المقدس، لقيه الراهب، وهو شيخ كبير، بكتابه وذكّره الأمر. فقال عمر: هذا كتبته في الجاهلية، وقد أتى الله بالإسلام. ولا يحلّ لي تضييع فيء المسلمين. ولكنّي أقاطعك على خراجك بما فيه مصلحة لك ورفق بك. فقال: قد رضيت. فقاطعه على ما فيه ورفق به.
قال الخالديّ: ويقال أن الرهبان يتوارثون الكتاب إلى وقتنا هذا، وإن الولاة تمضيه لهم.
دير هِزقِل. قال الخالديّ: هو بالشام. ولا أدري في قرب أيّ مدينة هو.
وقد ذكره دعبل بن عليّ حين هجا أبا عبّاد، كاتب المأمون، فقال:
فكأنَّهُ من دير هزقل مُفْلَتٌ ... حَنِقٌ يَجُرُّ سَلاسلَ الأقيادِ
(1/112)

وحكى المُبَرِّد قال دخلت دير هزقل. وسألت رهبانه: هل فيه مجنون طيِّب الكلام، نضحك أنا وصحبي منه؟ قالوا: هاهنا. وأومؤا إلى إيوان مرتفع في الدير. وقالوا: هم هناك. فإن أحببت النظر إليهم فامضِ ولا تدنُ من أحد. ففعلت. ورأيت مراتبهم على قدر بلاياهم. وكان معي وقت دنوّي منهم المتولى على أمورهم. فلما رأوه معي امتثلوا. فرأيت شيخا منهم على حصير نظيف، ووجهه إلى القبلة، وكأنه يريد الصلاة. فجاوزته إلى غيره. فقال: سبحان الله! أين السلام؟ من ترى المجنون؟ أنا أم أنت؟ فاستحييتُ منه وسلَّمت. فقال: لو كنت بدأتنا، لأوجبت علينا حسن الرّد. على أنا نعتذر لك أن للداخل على القوم دهشة. اجلس، أعزك الله عندنا!. وأمومأ إلى موضع من حصيره فنفضه، كأنّه يوسّع لي. وعزمت على الدنوّ منه؛ فمنعني قيّمهم. فوقفتُ أستجلب مخاطبته. فسألني. فقال: من أين أنت؟ قلتُ: من البصرة. قال: أتعرف المازنيّ؟ قلت: نعم. قال: أتعرف الذي يقول فيه:
وفتىً من مازنٍ ... سادَ أهْلَ البَصِرة.
أُمُّه معروفةٌ ... وأبوه نَكِرَه!
قلت: لا أعرفه. قال: أفتعرف غلاما قد نبغ في هذا العصر، معه دين. وله حفظ. وقد برّز في النحو، وصار يخلف صاحبة في مجلسه، يعرف بالمُبَرِّد. قلت: أنا عين الخبير به. قال: فهل أنشدك من عبثات شعره؟ قلت: لا أعرفه قال شعرا. قال: بلى، وهو القائل:
حبَّذا ماء العَناقِي ... د بِرِيقِ الغانِيَات!
بهما يَنْبُت لَحْمِى ... ودَميِ أيَّ نباتِ!
أيُّها الطالبُ شيئاً ... من لَذِيذِ الشَّهَواتِ:
كُلْ بماء الورد تُفَّا ... حَ الخُدُودِ الناعِمات!
قلتُ: أما تستحي من إنشاد مثل هذا الشعر في الدير؛ فقال: سبحان الله. هل تستحي أن تنشد مثل هذا، حول الكعبة، دع عنك هذا. إني سمعت الناس يقولون في نسبه. ثمّ لم ينزل به حتّى عرفني. ثم قال: أحوجتني إلى الاعتذار إليك. ثم قام إليّ ليصافحني. فرأيت القيد في رجله قد شدّت إلى خبشة في الأرض. فأمنت غائلته. ثم قال لي: يا أبا العباس! صن نفسك عن الدخول إلى هذه المواضع. فليس يتهيّأ لك كلَّ وقت مصادفة مثلي على مثل هذه الحالة الجميلة! أنت المبرّد! أنت المبرّد! وجعل يصفّق، وهو انقلبت عيناه وتغيرت حليته، فبادرت مسرعا، وخرجت.
دير يونس. حكى رجل من أهل أنطاكية قال: حدّثني أبي قال: نزلت مع الفضل بن إسماعيل بن صالح بن عبد اله بن العباس في دير يونس، ونحن خارجون إلى ناحية الرملة. فرأى فيه جارية حسناء، ابنه لِقَسٍّ كان فيه. فخدمته مدّة مقامه ثلاثة أيام، وجاءته بشراب صاف عتيق. فلما أراد الانصراف أعطاها عشرة دنانير ورحل. وقال في طريقه:
عليكَ سلامُ الله يا ديْرَ من فتىً ... بمُهْجَته شوقٌ إليكَ طويلُ!
ولا زال من نَوْءِ السِّماكَيْنَ وابلٌ ... عليكَ بما يَرْوَي ثَرَاك هَطوُلُ!
يُعَلُّك منها بُرْهةً بعد بُرْهةٍ ... سَحابٌ بأخبار الرياض كفِيلُ!
إذا بَلَّ أرضا دَمعُه بأَنَ مَنْظَر ... بها لعيُون الناظرين جميلُ.
كأنّ البُروقَ الوامضاتِ بِجوِّهِ ... صَفائحُ تِبْرٍ في السماء تجولُ.
ألاُربَّ ليلٍ حالِكٍ قد صدَعْتهُ ... وليس مَعي غيْرَ الحسام خليلُ.
ومشمولةٍ أوقدتُ منها لصُحْبتي ... مَصَابيحَ ما يخبُو لهنّ فَتِيلُ.
تُعلِّلني بالراح هَيفْاءُ غادةٌ ... يُخال عليها للقُلوبُ كفِيلُ.
تجولُ المَنَايَا بينَّهن إذا غَدَتْ ... مَلاَحِظُها بين القلوب تَجُولُ.
أيا ابنة قَسِّ الدَّيْر قلبي مُدَلَّةٌ ... عليكِ وجِسْمي مذ بَعْدتِ عليلُ.
وفيه يقول أبو شاس:
يا ديرَ يونُسَ جادَتْ سَرْحَك الدِّيَمُ ... حتّى تُرى ناظراً بالنَّوْر يبتسمُ!
لم يَشْفِ في ناجر ماءٌ على ظَمَإٍ ... كما شَفى حَرَّ قلبي ماؤُك الشَّبِمُ
ولم يَحُلَّكَ محزونٌ به سِقَمٌ ... إلاَّ تَحَلَّلَ عنه ذلك السِّقَمُ
(1/113)

أستغفر الله كَمْ لِي فيك ذُو غَنَجٍ ... جَرى علَيَّ به في رَبْعِك القَلَمُ
ويقول أيضا:
لا تَعْدِلَنَّ عن ابنة الكَرْمِ ... بِأَبِي ففيها صِحَّة الجِسْمِ!
لو لم يَكُنْ في شُرْبها فَرَجٌ ... إلا التخلُّصَ من يَدِ الهمِّ!
ويقول أيضا أبو شاس:
أعاذِلَ ما على مِثْلي سَبِيلُ ... وعذلُك في المُدَامة مستحيلُ!
أليس مَطِيَّتي حَقْوَيْ غلامٍ ... ورحلُ أناملي كأسٌ شمولُ؟
إذا كانت بنات الكرْمِ شِرْبي ... وقِبلةُ وجهي الوجهُ الجميلُ،
أمنْتُ بِذَيْنِ عاقبةَ الليالي ... وهانَ عليّ ما نَقَلَ العَذُول!
دير بُصْرى. هو بالشام. وقيل هو الذي كان فيه بَحِيرا، الراهب.
حكى المازنيّ، قال: نزلت بدير بصرى. فرأيت في رهبانه فصاحة، وهم عرب مُتَنَصِّرَةٌ من طيِّء، من بني الصادر. أفصح من رأيت. فقلت لهم: مالي لا أرى فيكم شاعرا، مع فصاحتكم؟ فقالوا: والله! ما فينا رجل ينطق بالشعر، إلا أَمَةٌ لنا كبيرة السِّنّ. فقلت: جيؤني بها. فجاءت، فاستنشدتها. فأنشدتني لنفسها:
أيا رُفقةً من آل بُصْرى تحمَّلتْ ... تَؤُمُّ الحِمى لُقِّيتِ مِن رُفْقةٍ رُشدَا!
إذا ما بلَغْتُم سالمين فبلَّغُوا ... تحيةَ مَنْ قد ظّنَّ أنْ لاَ يَرى نَجْدَا
وقُولُوا: تركْنا الصادِرِيّ مكَبَّلا ... بكَبْلِ هَوىً من حُبّكم مُضْمرا وَجْدَا
فياليتَ شِعْرِي هل أرى جانبَ الحِمى ... وقد أنبتتْ أجراعُه بَقَلاً جَعْدَا!
وهل أرِدَنَّ الدهرَ ماءَ وَقِيعةٍ ... كأن الصَّبا تُسْدِي على مَتْنِه بُردا؟
فوهبت لها دُريهمات. وبتُّ في ديرهم وأكرموا ضيافتي.
دير الخَمَّان. وهو دير ببلاد أذرعات مبنيٌّ بالحجارة السُّد، على نَثَزٍ من الأرض. يُشرف على بركة الفوّار وهو من البناء الروميّ القديم.
أتيتُ عليه في أسفاري غير مرَّة. ورأيت مرَّة به غلاما قد خرج من كنيسته، كأنه الظبيُ الكانِس. فقلت:
يا ديرَ عزَّةَ في رُبى الخَمَّانِ ... دَرَّتْ عليكَ السُّحْبُ بالهَمَلانِ!
وسَقَتْك كلُّ غَمَامة هتَّانةٍ ... تحْنو مواطرُها على الكُثْبانِ!
لم أنسَ في اللذَّات ساعةَ منزِلٍ ... برُباك فوقَ صَفائح الغُدرانِ!
والصبحُ تحت مُلاءَةٍ مَرْقُومةٍ ... نَشَرَتْ عليه غرائبَ الألوانِ
وهُناك كلُّ كَحِيلِ طَرفٍ فاتِرٍ ... تُعْزى لَوَاحِظُه إلى الغِزلانِ
قمرٌ مَسِيحيٌّ كأنَّ جبينَهُ ... بدرُ الدُّجى في النصف من شعبانِ
في وجنتيه جَنِيُّ وَرْدٍ أحمرٍ ... قد سيَّجوه بأخضر الرَّيْحانِ
ما شدَّ زُنَّاراً له في بِيعةٍ ... إلاَّ وحلَّ عزائمَ الرُّهبانِ!
يَسْقِي الشَّمُول كريقةِ ثغرهِ ... سَكْرى بها وبطرفه الفتّانِ!
دير صليبا. ويُعرف بدير السائمة. وهو بدمشق مطلٌّ على الغوطة. ويليه من أبوابها، باب الفراديس.
نزل دونه خالد بن الوليد، أيام محاصرة دمشق.
وهو في موضع نزه، كثير البساتين. وبناؤه حسن عجيب.
وإلى جانبه دير للنساء، فيه رهبان ورواهب. وإيَّاه أراد جرير بقوله:
إذا تذكَّرتُ بالديْرَيْن أرقَّنى ... صوتُ الدَّجاج وقَرْعٌ بالنواقيسِ
قال الخالديّ: ومما يدلّ على أن يلي باب الفراديس، قول جرير في هذا الشعر:
فقلتُ للرَّكْب إذ جدَّ النَّجاءُ بهم ... يا بُعْد يَبْرِينَ من بابِ الفَرَادِيسِ!
وأنشد فيه قول الآخر وهو:
يا دَيرَ بابِ الفَرَاديسِ المهيِّجَ لي ... بَلاَبِلاً بقَلاَلِيه وأشجارِهْ!
لو عشتُ تسعين عاما فيك مصطبِحا ... لما قضى منك قلبي بعضَ أوطارهْ!
وحُكي أن الوليد بن يزيد كان كثير المقام في هذا الدير. يخرج إليه، ومعه حُرَمُهُ، استحسانا له؛ وأنه كان يجلس في أيام مُقامه فيه في حصنه كلّ يوم ساعة من النهار؛ ثم يأكل ويشرب في مواضع منه: طيبة حسنة.
(1/114)

وحكى الخالديّ عن أحد من كان يُنادمه، أنه دعا يوما بطعامه، وأمرني بالغداء معه؛ وحضر ندماؤه، وكان فيهم حنين المغنيّ. فنحن على المائدة، إذ قال له: يا حُنين! غنيتني البارحة في آخر المجلس " وقد أخذ الشراب منّي " بشعر صاحبكم، عيسى بن زيد، فلم أستكمل الطرب، لأجل سكري. فأعده عليَّ الساعة. قال: فأخذ حُنين ووقّع عليها وغنَّى:
يا لُبَيْني أوقِدِي النارا! ... إنّ مَنْ تهوَيْنَ قد جارا
رُبَّ نارٍ بِتُّ أرمُقُها ... تقْضَم الهِنْديَّ والغارا!
عِنْدها ظَبْيٌ يُؤَجِّجُها ... عاقِدٌ في الخَصْر زُنَّارا!
قال: فطرب طربا عظيما، وأخذ رقاقه، وقام وترك الغداء، وجعل ينقر عليها مع حُنين. وأخذ كلّ من على المائدة رقاقه، وجعلوا ينقّرون عليها مثله. ومضى يطلب باب الدهليز، وحُنين والندماء حوله. والحاجب قد جلس ينتظر جلوسه. وقد حضر وجوه العرب. فلما رآه الحاجب على تلك الحال، صاح بالناس: الحُرَمَ! الحُرَمَ! إنصرِفوا! إنصرِفوا! فخرجوا. فقال له: يا أمير المؤمنين! وفود العرب تنتظر جلوسك، وأنت تخرج إليهم على تلك الحال! فقال: ثكلتك أمُّك! أدخل. ودعا له برطل. فحلف أنه ما ذاقه قط. فقال: والله! لتشربنَّ معي حتّى أسكر. ولم يزل يسقيه، حتّى مات سكرى وانصرف محمولا.
قلت: وهذا الدير اليوم لا عين له ولا أثر، وإنّما صار دورا وأبنية ومساجد ومدافن. وهي بناحية محلّة حمّام النُحاس. والله أعلم: وبهذه المحلة داري التي بنيتها ومساكني. وهُنِّئْتُها! دير بَوَنّا. وهو بجانب غوطة دمشق. ليس بكبير، ولا رهبانه بكثير. ولكنه في رياض مشرقة، وأنهار متدفّقة. ويقال إنه من أقدم دِيَرة النصارى. بُني بعد المسيح " عليه السلام " بقليل.
واجتاز به الوليد بن يزيد، فرأى حسنه وطيبه. فأقام فيه أياما في تخرُّق ومجون. وقال فيه:
حبَّذا يومُنا بدير بَوَنّا ... حيث نُسقى براحِهِ ونُغَنّى!
واستهنّا بالناس فيما يَقُولُو ... ن إذا خُبِّروا بما قد فعَلْنا!
قلت: وهذا الدير اليوم لا وجود له. قد أقفرت الأرض منه من رسم وطلل، ومضى وحادث كل دير بعده جلل.
دير سَمْعان. قال الخالديّ: هو بنواحي دمشق، بالقرب من الغوطة. على قطعة من الجبل، يُطلُّ عليها. وحوله بستان وأنهار. وموضعه حسن جدّا. وهو من كبار الدِيَرة. وعنده دُفن عمر بن عبد العزيز، بظاهره.
قلت: وهذا غلط من الخالديّ. وهكذا ذكره أبو الفرج. وغلط أيضا. فإنّ هذا الدير في قرية تعرف بالبقرة، من قبليّ معترة النعمان. وبه قبر عمر بن عبد العزيز، مشهور لا يُنكر. وليس يُسمع بدمشق لهذا الدير نابسة، ولا يُعرف لمكانه في غوطته خضراء ولا يابسة.
عُدنا إلى ما ذكره الخالديّ. قال: ذكروا أنه دخله جرير في يوم عيد. فرأى النساء والصبيان يقبّلون الصُلُب ويسجدون لها، فقال:
رأيتُ بدير سَمْعانٍ صَلِيباً ... تُقبَّله السَّوادِنُ والظَّباءُ
تُعَظِّمه القُسُوس وتحْتَوِيه ... فتَرْشُفُه ويخْنُقُها البكاءُ
فقلتُ لهم: مهٍ! هل غيرُ عُودٍ ... تملّكه اعْوِجاج واستواءُ؟
وذُكر أن الوليد بن يزيد خرج متنزِّها فيه. فأقام يصطبح ويغتبق معه ندماؤه ومغنّوه. فخرج يوما، غِبَّ سحاب. فنظر في صحن الدير غدران ماء، فاستحسنها. فنزل على أكبرها وأكثرها ماء. وقال: والله! لا أبرح حتّى أشرب هذا كله، مِزاجا لكأسي. وشرب حتّى نام. فقال بعض أصحابه لبعض: لئن أقام حتّى يُفنيَ الغدير، طال علينا مُقامنا. فجعلوا يحملون ماءه بالليل ويصبّونه في الرمال. فخرج بعد يومين أو ثلاثة، فنظر إليه وقد فَني ماؤه. فقال: أنا أبو العباس! وأمر بالرحيل إلى دمشق.
ومما سمعته من والدي، لأحمد بن هلال، في صفة دير سمعان، مما مدح السيّد الرضيّ لعمر بن عبد العزيز:
يا ابنَ عبدِ العزيز لو بكت العي ... نُ فَتىً من أُمَيَّةٍ، لبكيتُكْ!
أنتَ نزَّهْتَنا عن السبّ والشَّتْ ... م! فلو يُمْكِنُ الجَزَا، لجزيتُكْ!
قبرَ سمعانَ لا عَدتْكَ الغَوَادِي! ... خيْرُ ميْتٍ من آل مَرْوانَ مَيْتُكْ!
(1/115)

وكان عمر بن عبد العزيز " رضي الله عنه " تسبّب في إبطال السب عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب " كرم الله وجهه " وأثبت في الخطبة، موضع السبّ، (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإِحْسَانِ وإِيتَاءِ ذِي القُرْبى ويَنْهى عَنِ الفَحْشَاءِ والمُنْكَرِ والبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
وقد ذكر أبو الفرج أن صاحب دير سمعان دخل على عمر بن عبد العزيز بفاكهة يُطرِفُه بها في مرضه. فقبلها منه، وأمر له بدراهم. فأبى أن يأخذها. فما زال حتّى أخذها. وقال: يا أمير المؤمنين! إنما هي من ثمر شجرنا. فقال عمر " رحمه الله " وإن كان من ثمر شجركم! ثم قال: يا صاحب دير سمعان! إنِّي ميِّتٌ من مرضي هذا. فحزن وبكى. ثم قال له عمر: بعني موضع قبري من أرضك، سنةً، فإذا جاء الحَوْل، فانتفع به. وهذا الذي حكاه أبو الفرج مؤكد لقولنا.
دير مُرَّان. وهو بالقرب من دمشق، على تلّ في سفح قاسْيُون وبناؤه بالجصّ الأبيض. وأكثر فرشه بالبلاط الملوّن. وكان في هيكله صورة عجيبة دقيقة المعاني. وقلاليُّه دائرة به. وأشجاره متراكبة. وماؤه يتدفّق.
وحُكي عن المبرّد أنه قال: وافيت الشام " وأنا حَدَث في جماعة أحداث " لأكتُب الحديث وألقى أهل العلم. فاجتزت بدير مُرَّان. فأحببت النظر إليه. فصعدناه، فرأيت منظرا حسنا. وإذا في بعض بيوته كهل مشدود حسن الوجه عليه أثر النعمة. فدنونا منه وسلَّمنا عليه فردّ السلام. وقال: من أين أنتم، يا فتيان؟ قلنا: من أهل العراق. قال: بأبي! ما الذي أقدمكم هذا البلد الغليظ وهواؤه، الثقيل ماؤه، الجُفاة أهله. قلنا: طلب الحديث والأدب. فقال: حبّذا أنشدوني أم أُنشدكم؟ قلنا: بل أنشدنا. فقال:
اللهُ يعْلَمُ أننِّي كَمِدُ ... لا أستطيع أبُثُ ما أجِدُ!
روحَانَ لي: رُوحٌ تقسَّمها ... بلدٌ وأُخرى حازها بلَدُ!
وأرى المُقِيمةَ ليس ينْفَعُها ... صبرٌ وليس يَصُونُها جَلَدُ!
وأظنّ غائِبتِي كشاهِدَتِي ... بمكانِهَا تجِدُ الذي أجدُ!
ثم أُغميَ عليه. فأفاق فصاح بنا فقال: أتنشدوني أم أُنشدكم؟ قلنا: بل أنشِدنا. فقال:
لمَّا أناخوا قُبَيْل الصبح عِيرَهُمُ ... ورحَّلوا، فَتَنادتْ بالهوى الإِبِلُ.
وأبرزَتْ من خِلالِ السَّجْف ناظِرَها ... يَرْنُو إليّ ودمعُ العين منمهِلُ.
فودَّعتْ ببنانٍ حَمْلُهُ عَنَمٌ، ... فقلتُ: لا حَمَلَتْ رِجلاكَ! يا جَمَلُ:
وَيْلي من البَيْن ماذا حلَّ بِي وبها ... من بارِحِ الوَجْد! حلَّ البين فارتحلوا!
إنِّي على العَهْد لم أنقُضْ مودّتَهُم! ... فليتَ شعرِي، لطُول العهد ما فَعَلُوا!
فقال له فتى من المُجَّان الذين كانوا معي: ماتوا. قال فأموت؟ فقال له: مُت. فتمطّى وتمدَّد. وما برحنا حتّى دفنّاه.
وللصنوبريّ فيه، من شعر يقوله:
أمرُّ بدير مُرَّانٍ فأَحٍيَا ... وأجعَلُ بيتَ لَهوي بيتَ لَهْيا
صفَتْ دُنيا دِمشق لمصطفِيها ... فليس يُرِيد غير دِمشْقَ دُنيا!
مُظَلَّلَةٌ فواكههنّ أبهى ... وأنْضَرُ في نواظِرِنَا وأهْيَا!
فمِنْ تُفَّاحة لم تَعْدُ خدّا ... ومن رُمَّانة لم تَعْدُ ثديا!
وقد ذكره أبو الفرج وقال: هو على تلعة مشرفة على زعفران ورياض حسان. نزله الرشيد وشرب فيه. ونزله المأمون بعده. وكان الحسين بن الضحّاك مع الرشيد، لما نزله، فأمره أن يقول فيه شعرا، فقال:
يا دير مُرَّانَ، لا عُرِّيتَ من سكنٍ! ... قد هِجْتَ لي حَزَنا، يا ديرَ مُرَّانا!
حُثَّ المدام فإن الكاسَ مُتْرَعةً ... مما يَهِيجُ دواعِي الشوقِ أحْيانا!
وأمَرَ عمرو بن بانة، فغنّى فيه لَحْنين.
(1/116)

وحُكي عن إبراهيم الموصليّ أنه قال: مرّ الرشيد بدير مُرَّان فاستحسنه ونزله. وأمر أن يؤتى بطعام خفيف. فأُتي به، فأكل؛ وأُتي بالشراب والندماء والمغنِّين. فخرج إليه صاحب الدير، وهو شيخ كبير وهَرِم. فوقف بين يديه، ودعا له، واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الديارات. فأذن له فأتاه بأطعمة نظاف، وإدام في نهاية الحسن والطِّيب. فأكل منها أكثر أكل. وأمره بالجلوس، فجلس معه يحدّثه، وهو يشرب. إلى أن جرى ذكر بني أُميَّة، فقال له الرشيد: هل نزل بك أحد منهم؟ قال: نعم. نزل بي الوليد بن يزيد، وأخوه الغَمْرُ. فجلسا في هذا الموضع، فأكلا وشربا وغُنِّيا. فلما دبّ فيهما السكر، وثب الوليد إلى ذلك الجُرْن فملأه وشربه، وملأه وسقى أخاه الغَمْرَ. فما زالا يتعاطيانه، حتّى سكرا، وملآه لي دراهم. فنظر إليه الرشيد، فإذا هو عظيم لا يقدر أن يُقِلَّه، ولا يقدر على أن يشرب مِلأه.فقال: أبى بنو أُميَّة إلاَّ أن يسبقوا إلى اللذات سبقا لا يجاريهم أحد فيه. ثم أمر برفع النبيذ، وركب من وقته.
قلت: والناس في اختلاف: أين كان دير مُرَّان؟ فمن قائل أنه كان بمشارق السَّفح، نواحي برزة. والأكثر على أنه كان بمغار به، وأن مكانه الآن المدرسة المعظمية؛ وأما الذي كان بمشارق السَّفح، فهو دير السائمة المسمّى دير صليبا. وقد ذكرناه.
دير صيد نايا. وهما اثنان: أحدهما يقصده النصارى بالزيارة. وهو في دِمنَة القرية. والآخر على بُعد منها، مشرف على الجبل، شماليّها بشرق. وهو دير مار شربين ويُقصَد للتنزه. من بناء الروم بالحجر الجليل الأبيض. وهو دير كبير. وفي ظاهره عين ماء سارحة. وفيه كوى وطاقات تُشرف على غُوطة دمشق وما يليها، من قبليّها وشرقها. وفيها ما يطلُّ على بواطن ما وراء ثَنيَّة العُقاب. ويمتد النظر من طاقاته الشماليّة إلى ما أخذ شمالا عن بعلبكّ.
وأما الذي في القرية، فمن بناء الروم بالحجر الأبيض أيضا. ويُعرف بدير السيّدة. وله بستان. وبه ماء جار، في بركة عُمِلت به. وعليه أوقاف كثيرة. وله مَغَلاَّت واسعة. وتأتيه نذور وافرة. وطوائف النصارى، من الفرنج. تقصد هذا الدير وتأتيه للزيارة. وكنت أراهم يسألون السلطان في أن يُمَكِّنهم من زيارته. وإذا كتب لهم زيارة قُمامة ولم يكتُب معها صيد نايا، يُعادون السؤال في كتابتها لهم. ولهم فيها مُعتقَد.
والنصارى تزعُم أنَّ بها صدعا يقطُر منه ماء، يأخذونه للتبرّك. ويدعونه في أوان لطاف من الزُّجاج، ويكسونها من فاخر الثياب. ولهم فيه أقوال كثيرة. وسمعت نصرانية، كانت معروفة بينهم بالعلم، تقول: إن ذلك الماء إذا أُخذ على اسم شخص وعُلِّق في بيته ثم ازداد مقداره عنده عما أخذه، دلَّ على زيادة ماله وجاهه؛ وإذا نقص، دلَّ على نقص ماله وجاهه وقُرب أوان موته.
ورأيت هذا الماء، وله دُهنيّة تشبه الشِّيرج أو الزيت الصافي، وليس بهما.
وجاءت مرَّة كُتُب ريدفرنس وكتب الأذفونش على أيدي رسلهم. ومما سألوا فيها تمكين رسلهم من التوجّه إلى صيد نايا للتبرك بها. فأجاب السلطان سؤالهم وحمل الرسل على خيل البريد إليها.
ومما قلته فيه.
في جانبِ الدَّيْرِ لنا مَنْزِلُ ... ومَنْهَلٌ عَذْبٌ به نَنْهَلُ
وشادِنٌ قد جاءنا أحْوَرٌ ... في كَفّهِ كأسٌ له تُشعَلُ
روضةٌ تُشرِق أنهارُها ... قد شَقّها في وَسْطها جَدْوَلُ
ومُطْرِبٌ تُطْرِبُ ألحانُه ... كأنّه إسحاقُ أو زَلْزَلُ
فَدُونكَ الراحَ ففي دَنِّها ... شَهْدٌ وفي الطَّعْم بها فُلْفُلُ
وافى بها في الكأسِ لكِنّها ... عَذْراءُ مِن خُطَّابها تَخْجَلُ
دير شَقِّ مَعْلُولاَ. وهو بباطن جُبَّة عسّال، وهو بناء روميُّ بالحجر الأبيض. مُعَلَّق بسُقيف. وبها صدْع فيه ماء ينقط، نحو الذي بصيد نايا. ويأخذه النصارى للتبرك، معتقدين فيه نحو اعتقادهم في الآخر. وإنما الاسم للذي بصيد نايا.
دير بَلُوذان. وبناؤه قديم بديع الحسن. وافر الغلّة، كثير الكروم والفواكه والماء الجاري. بقرية بَلُوذان. وهي محاذية لكفر عامر، تطلُّ من مُشتَرفها على جبّة الزَّبَدانيّ، ببلاد دمشق. وبه رهبان نظاف، وغلمان من أبناء النصارى ظراف.
(1/117)

مررت عليه، ونزلت إليه. ورأيت به غلاما يفوق الظبي حُسنا، ويشبه البدر أو أسنى. بخصر نحيل، وطرف كحيل. قد قطع الزنّار بين خصره وردفه، ونفث السحر بين جفنه وطرفه. ثمَّ ما كان بأعجل مما استتر بدره، ولاح ثم خفي فجره. فقلت فيه:
حبَّذا الديرُ من بَلُوذَانَ دارَا ... أيُّ ديرٍ به وأيُّ نَصَارى!
فيهمُ كُلُّ أحْوَرِ الطرْف أحْوى ... فائِق الحسنِ في حَياءِ العَذَارى!
وغلامٍ رأيتُه كهِلالٍ ... ما بَدا للعُيُون حتّى تَوَارى!
بقَوَام إذا تمايل نَشْوا ... ناً فألحاظُ مقلتيْهِ سُكارى!
ناحِل الخَصْر حلَّ عِقدَ اصطِبارِي ... عندما شَدَّ خَصْره الزُّنارا!
قبلَ رُؤياه ما رأيتُ غَزَالاً ... بات يسْقي من مَرْشفَيْه العُقَارا!
دير نجران. وهو باليمن. وتسميه العرب كعبة نجران. وهو لبني الحارث بن كعب. وسيأتي ذكره في موضعه.
ويقال إن بناءه أعجب بناء وأحسنه. على نحو عمارة غُمدان، القصر المشهور.كان محجوجا. وبه الراهبان اللذان ذكرهما بعض شعراء العرب، في قوله:
أيا راهبَيْ نَجْرانَ، ما فعلَتْ هندُ؟ ... أقامتْ على عهدِي؟ وأَنّى لها عّهْدُ؟
إذا بعُدَ المشتاقُ، رثَّتْ حِبَالُه ... وما كُلُّ مُشْتاقٍ يُغيّرُهُ البُعْدُ!
ولهذين البيتين غِناء حَسَن.
وقد ذكره أبو الفرج الأصبهاني وقال: إنه كان لآل عبد المَدَان، سادة بني الحارث. قال: وكان أهل ثلاثة بيوت من اليمن نصارى، يتبارَوْن في البِيَع وزِيِّها وحسن بنائها: آل المنذر بالحيرة، وغسان بالشام، وبنو الحارث بن كعب بنجران. فتكون دياراتهم في المواضع الكثيرة الشجر والرياض والغدران، الشامخة والبناء. ويجعلون آلاتها من الذهب والفضّة، وستورها من الديباج. ويجعلون في حيطانها الفسافس، وفي سقوفها الذهب. وكان بنو الحارث على ذلك، إلى أن جاء الإسلام. وفي كعبتهم هذه قال الأعشى:
وكعبةُ نَجْرانَ حَتْمٌ عليْ ... كِ حتّى تُناخِي بأبْوابِها!
نَزُور يَزيدَ وعبدَ المَسيح ... وقيساً، وهُمْ خَيْرُ أربابها!
إذا الحَبَرَاتُ تَلَوَّتْ بهم ... وجرُّ أسافِلَ هُدَّابها،
وشاهِدُنا الجُلُ والياسَمِي ... نُ والمُسْمِعات بقُصَّابها،
وبَرْبَطُنا مُعْمَلُ دائبٌ، ... فأيُّ الثلاثة أزرى بها؟
قال: وفي هذا الشعر غناء حسن أخذه جحظة عن بنان.
ولهذا الدير أخبار كثيرة، ليس هذا مكانها.
بِيعة أبي هُور. وهي بسَرْ ياقُوسَ. عامرة برهبانها، مُثْرِيَة بفضة قناديلها وذهب صلبانها. كثيرة القلالي، مُذْهَبَة بالوقود جُنح الليالي. ولها أعياد مقصودة الأوقات، منتظرة الميقات.
حكى الشابشتيّ أن به " على ما ذكره أهله " أعجوبة. وهي أنه من كانت به خنازير وقصد هذه البِيعة للمعالجة، أخذه رئيسها وأضجعه. وجاءه بخنزير وأرسله على موضع العلّة. فيلحس الخنزير موضع الوجع جميعه، ويأكل الخنازير التي فيه، لا يتعدّى ذلك إلى الموضع الصحيح. فإذا نظُف الموضع، ذرّ عليه من رماد خنزير فَعَل مثل فعل الأول من قبل، ومن زيت قنديل البِيعة فيبرأ. ثم يؤخذ ذلك الخنزير فيُذبح، ويُحرق، ويُعَدُّ رماده لمثل هذه الحالة.
وقال: وهو إلى الآن كذلك، كما ذكروه. قال: ولهذه البِيعة دَخْل عظيم ممن يبرأ من هذه العلّة. وفيه خلق من النصارى.
دير يُحَنِّس. وهو بسنهور، من أعمال مصر. وهو عامر برهبانه، ناضر بسُكَّانه.
قال الشابشتيّ: وقد ذكر بعض المتقدّمين أنه إذا كان يوم عيده، أخرج الرئيس الذي في الدير الشاهد من تابوته. ويسير التابوت على وجه الأرض، فلا يقدر أحد يُمسكه ولا يحبسه، حتّى يَرِد البحر فيغطس فيه، ويرجع إلى مكانه وقال: كذلك قول المتقدّمين على أنه على هذه الحالة.
قلت: وهذه حكاية مكذوبة، لا صحة لها.
(1/118)

وإنَّما الذي بلغني، وأنا بمصر تلك المُدَد الطويلة، أنه إذا كان أوان تحرُّك النيل، يُخرَج تابوت، يقال إن فيه إصبع الشهيد، ويُرمى في البحر. وذلك لوقت معلوم، يسمونه عيد الشهيد. ويكون الذي يرميه بعض أعزّاء كبراء القِبْط. عادة كنت أسمعها، لا تتغير، ويظُنُّ القِبط أن رمي الإصبع سبب الزيادة. وإنما هو بمشيئة الله وقدرته.
دير مَرْ يُحَنَّا. وهو على شاطيء بركة الحبش. قريب البحر، إلى جانب بساتين الوزير. وهي التي أنشأ نعضها تميم بن المعزّ وأنشأ به مجلسا على عُمُد. وقريب هذا الدير عين ذهبت بها الرمال.
قال الشابشتيّ: وهذا الموضع من معادن اللَّعب والشُّرب والطرب، نَزِةٌ في أيّام النيل، وزيادة البحر، وامتلاء البركة. وكذلك هو في أيام الزرع. لا يكاد يخلو من المتنزهين. وقد ذكرته الشعراء. وفيه قال ابن عاصم:
يا طِيبَ أيامٍ سَفَحْتُ مع الصِبا ... طَوْعَ الهوى فيها بسَفحِ المَنْظَرِ!
فالبِرْكةُ الغَنّاءُ فالديرُ الذي ... قد هاجَ فَرْطَ صَبَابتي وتَفَكُّري!
فاحثُثْ كؤوسَك يا غلامُ وأعفِنِي ... فلقد سَكِرتُ وخمرُ طَرْفِكَ مُسْكِرِي!
وأرى الثريّا في السماء كأنها ... تاجٌ تفَصَّل جانباه بجوهرِ!
فاشربْ على حُسْن الرياض وغنَّنِي ... وانظُرْ إلى الساقي الأغنَّ الأحْوَرِ!
فلعلّض أيّامَ الحياة قَلِيلةٌ ... ولعلّني قدَّرتُ ما لم يُقْدَرِ!
دير نَهْيَا. ونَهْيا بالجِيزة، وديرها هذا من أطيبها موضعا، وأجلها موقعا. عامر برهبانه وسكّانه.
وله في النيل منظر عجيب، لأنَّ الماء يحيط به من جميع جهاته، ويزيد في حسن مُتنزّهاته. فإذا تصرّف الماء أظهرت أرضه غرائب النُّوَّار، وعجائب الزهور المشرقة الأنوار. وله خليج ينساب انسياب أرقم، وعليه شطوط كأنّها بالديباج تُرْقَم.
وقال الشابشتيّ: وهو مُتَصَيِّد ممتنع. وأنشد فيه لابن البصري:
أتَنْشَطُ للشُّرْب يا سيِّدي، ... فيومك هذا دقيقُ الدُّروزْ؟
فعِنْدي لك اليومَ مَشْوِيّتان ... سرقتُهما من دَجاج العَجُوزْ!
أتَنْشَطُ عِنْدِي على نَبْقَتين، ... على لَوْزَتَيْن، على قَطْرَ مَيز؟
ونقصِدُ نَهْيَا وديراً لها ... به مَنْبِتُ الورد والمَرْمَحُوزْ؟
ونشرَبُ فيها بِرطْلٍ وجامْ ... وطَاسٍ وكأسٍ وكُوبٍ وكُوز؟
فعنديَ خَشْفٌ رَخِمُ الدَّلال ... نَشَا في النَّعِيم ولُبْس الخُزُوز!
دير القُصَير. وهو في أعلى الجبل، على سطح قُنَيَّة من بلاد الفتح. وهو حسن البناء، نَزِه البقعة. وله بئر منقورة في الحَجَر.
وفي أعلاه غرفة بناها خُماروية بن طُولُون، تُطلُّ من كل جهة. وكان كثير الغِشيان لهذا الدير والطريق إليه من جهة مصر صعب ومن قبيله سهل.
وإلى جانبه صومعة، لا تخلو من حبيس.
وإلى جانبه قرية تُعرف بشهران. يقال إن أمّ موسى " عليه السلام " منها ألقنه في التابوت، في البحر.
وبها دير آخر يعرف بدير شهران. وهو المعروف الآن بشعران.
قال الشابشتيّ: ودير القصير حد الديارات المقصودة، والمتنزهات المطروقة: لحسن موقعه وإشرافه على مصر وأعمالها. وفيه يقول محمد بن عاصم المصريّ:
إنَّ دَيْر القُصَيْرِ هاج ادِّكارِي ... لَهْوَ أيّامِنا الحِسان القِصَارِ!
وكأنِّي إذ زُرتُه بعد هَجْرٍ ... لم يكن من مَنَازِلي ودِياري
إذ صُعُودِي على الجياد إليه ... وانحدارِي في المُنْشَآت الجَوَاري
منزلاً لستُ مُحصِياً ما بقلبي ... ولنفسي فيهِ من الأَوْطَارِ!
منْزِلاً من عُلُوِّهِ كسَمَاءٍ ... والمَصَابيحُ حوْلَه كالدَّراري!
كم شَرِبْنا على التَّصاويرِ فيه ... بصِغارٍ محشُوةٍ وكبارِ!
صُورةٌ من مُصَوِّرٍ فيه ظَلَّتْ ... فِتنةً للقُلُوب والأبصارِ!
لا وحُسْنِ العَيْنينِ والشّفَةِ اللم ... ياءِ منها وخدِّها الجُلَّنارِي!
(1/119)

لا تخلَّفْتُ عن مَزَارِي ديراً ... هِي فيه، ولو نأى بي مَزارِي!
فسقَى الله أرض حُلوان فالنج ... د فدير القُصَيْرِ صوبَ العُشارِ!
كم نبّهتُ من لَذَاذَة نوْمي ... بِنَعير الرُّهْبان في الأسحارِ!
والنواقيِس صائحاتٍ تنادي ... حيّض يا نائماً على الابتكارِ!
وقال ابن ظافر: مضيت أنا والشهاب يعقوب ابن أخت نجم الدين " يعني ابن مجاور " والقاضي الأعزّ المؤيد في جماعة من أصحابنا إلى الدير المعروف بالقصير إيثارا لنظر تلك الآثار، فلما تنزهنا في حسن منظره تعاطينا العمل فيه على عادة الشعراء الذين قطعوا طريق الأعمار، بطروق الأعمار، وضيّضعوا العين والعَقار، في تحصيل العَين والعُقار. فقال الشهاب:
سقى اللهُ يومِي بدَيْر القصير ... قَصِيرَ الغَزَاليِ طَويلَ الذُّيولْ!
مَحَلُّ إذا لاح لي لم أقِفْ ... بصَحْبي على حَوْمَلٍ فالدَّخُولْ
فقلت:
فكَمْ فيهِ من قَمَرِ في دُجىً ... على غُصُنٍ في كَثِيبٍ مَهِيلْ!
بِوِدٍّ صحيحٍ وطَرْفٍ سَقِيم ... ورُوجٍ خفيفٍ ورِدْف ثقيلْ!
فقال الأعزّ:
قطعتُ به العَيْشَ معْ فِتْيَةٍ ... صِباحِ الوُجُوه كِرامِ الأُصُولْ!
بكلِّ كريمٍ قَصِيرِ المِرا ... ءِ حاز المَعَالِي بباعٍ طَوِيلْ!
فقال الشهاب:
إذا قَسُّه سلَّ سيفَ المُدامْ، ... فكم من سَلِيبٍ وكَمْ من قَتِيلْ!
فقال الأعزّ:
وكم من خَليعٍ كريم الفِعالْ ... يُجَدِّد بالجُود غَيْظَ البخِيلْ!
فقلت:
يوافيه ذا ذَهَبٍ جامدٍ ... فيُفْنِيه في ذائبٍ للشَّمُولْ!
ثم صنع الشهاب:
على عَمْر القُصير قطعتُ عُمْري ... وصُنتُ خَلاَعتِي وأزلتُ وفَرْي!
فقال الأعزّ:
ولم أسْمَعْ لعَمْرُكَ قولَ زيدٍ ... إذا ما لامنِي أقَوْلَ عمرِو!
فقلت:
ظَفِرنا فيه من شَفَةٍ وكأسٍ ... بمَشْرُوبَيْنِ: من ريقٍ وخَمْرِ!
فقال الشهاب:
ودافَعْنا يَقِينَ الرأي فيه ... بمَظْنُونَيْن: من خمرٍ وخَصْر!
فقال الأعزّ:
كَسَوْتُ به الكُؤُوسَ البِيضَ حُمْراً ... من القُمْصِ اشتَرَيْناها بصُفر!
فقلت:
وظَلْتُ بمأزِقٍ للهو أتْلُو ... بهَزّ البِيض فيه عِنَاق سُمْرِ!
دير شَعْران. هو في حدود طُرَا، من ضواحي القاهرة القبليّة، في لحْف الجبل الأحمر، المعروف بالمُقَطَّم. وبناؤه بالحجر واللِّبن وعليه نخل.وبه جمائع من الرهبان. وهو من ديارات اليَعَاقبة.
حُكي أن السَراج والورّاق مرّ عليه، فنزل به. فرأى به جماعة من أوِدَّائه على راح تُقْدَح لهم أقداحُها، وتُهدى إليهم أفراحُها. وكان السَراج قد طُفِئَت فتيلتُه من شُعْلة ذلك اللّهَب، ونَكِرَتْ قافيتُه صُفرة ذاك الذهَب. فتاه بها الساقي فردّها، وواصلته في الكأس فصدّها. هذا حين نكَّس الكِبَر صُعدته،وأنفذ العمر مُدته. وذكر بجُلسائها فقد إخوانه، وذهاب زمانه. فلامه من حضر إذ صدّ الكأس، وقال: أمالَكَ أسوة بهؤلاء الجُلاس؟ فقال:
عَجَب الساقي لردِّي القَدَحا ... ولأمْرٍ في التَّصَابِي قَدَحَا!
وأتانا بِحُمَيَّا كأسِهِ ... حيثُ جِئْنا ديرَ شَعْران ضُحى
قلتُ: يا قُرّةَ عيني رُبّما ... غُضَّ طَرْفٌ بعد ما قد طَمَحا!
لم أكُنْ أوّلَ وَلْهانٍ سَلاَ ... لا ولا أوّلَ نَشْوَانٍ صَحَا!
أشربُ الراح أُرَجِّي فَرَحاً ... فيُتيح الحظُّ منها تَرَحا!
سوءُ حَظِّي لو رَمى الصبحَ دَجَا ... أو رَمى ليلَ عِذارٍ وضَحَا!
وخَمُولٍ مُنطِقٍ بالشَّتْمِ لي، ... مَنْ أرى دَهْرِي له مُمْتَدِحا؟
زاد في سبِّي إلى أن خِلتُه ... شهد الله به قد سَبَّحا!
أنا ما ذَنْبِي لَحَا الله امْرَءاً ... لامَ في التَّوْبة مِثْلِي ولَحَا!
يا نَديمِي أنت للرَّاح فدَعْنِي ... أنزَحُ الدمعَ إلى أن يُنْزَحا!
(1/120)

هِيَ أوقاتٌ وكلٌّ آخذٌ ... من صَفَا أوقاتِهِ ما سَمَحا!
حُكي أن السَراج الورّاق وأبا الحسين الجزَّاز خرجا في عهد صباهما، والشباب أعقد حُباهما، يريدان النزهة. فوجدا غلاما زامراً، يُتَمَنّى منه اللقاء، ويجتمع فيه الغصن والورقاء. يتلفّت بصفحة القمر المنير، ويُطرب كأنما زمرُه أوتِيَ آلُ داود من المزامير. فلفتاه إليهما لأمر، وظنّا أنه ستُلِينه لها الخمر. فأتيا به دير شعران، وصعِدا إليه، فوجدا راهبا يصدع حُبُّه الفؤاد، ويطلُع قمره ولا شيء أحسن منه في ذلك السواد. فزاد سرورهما بحصول الزامر والراهب، وأيقنا ببلوغ المآب. فلما حميت فيهما سَوْرَة الحُمَيَّا، وظن كلُّ منهما أنه قد حُصّل له فراشه وتهيّا، فَطِنَ الزامر والراهب لمرادهما فتركاهما ومضيا قبل التمام، وتركاهما وكلُّ واحد منهما يشكو ضجيعا لا ينام. فقال السراج:
في فَخِّنا لم يَقَعِ الطائرُ: ... لا راهِبُ الديرِ ولا الزامرُ!
فقال أبو الحسن الجزار:
فسَعْدُنا ليس له أوّلٌ ... ونَحْسُنا ليس له آخِرُ!
فقال السراج: فالقلْبُ في إثرهما هائمُ، فقال الجزار: والقلبُ من أجلهما حائِرُ! وحُكي أن السِّرَاج الورّاق كان يغشى راهبا بدير شعران وافَر العقل، كامل الفضل. فخرج إليه في جماعة من أهل الأدب وشعبان قد بقي على أقلّ من نصفه، وبدره قد أخذ يتقهقر إلى خلفه. وشهرُ رمضان قد آن له أن تُغَلَّ فيه شياطين الأنام، ويُختَم فيه الأفواه بالصيام. فألَفُوا الراهب وقد لبس مِسحه وساح، وعزل الدير فما هبّت فيه رائحة راح. فلما رأوا أن دَيْنَ رمضان قد حان حلول أجله، وأنَّ وجه الدير الوقاح ما دبّت فيه من الخمر حُمرةُ خَجَلِه، خافوا أن يأتي الصيام، وما تشعشع سوى قنديل سُحُوره الذي بان. ولا مُلِكَ مُدام يأتي منه أوائل ورد في أواخر شعبان. فندب السِّرَاج إليه راهبا من شباب الدير ليتبعه، وكتب معه:
أبلِغ الفاضل الرئيسَ السَّلاَمَا، ... شَقَّ عن زَهْرِه الصباحُ كماما!
قُلْ له: أيُّها الحكيمُ الذي في ... دِين عيسى قد بَرْهنَ الأحكاما!
كم رقَبْناك كالهلال إلى أنْ ... لُحْتَ للناظرين بَدْراً تَماما!
يا أبا المِلَّةِ المَسِيحيّة ارحَمْ ... مَعْشراً مُذْ ظَعَنْتَ عنهمْ يَتَامى!
فُطِمُوا من رَضاعِ كأسِ الحُمَيَّا ... وهي أنكى للمُرضَعِين فِطاما!
واستحلُّوا وضعَ الصليب عن الرا ... وُوق من بعد حَمْلِه أعواما!
عَدِمُوا راحة النُّفُوس من الرا ... حِ، فدارِك بالأنْفُسِ الأجساما!
وأطالُوا حَبْس المُدامةِ في الدِّ ... نَ ويكفِي حبسُ المُدامةِ عاما!
ودعا الديكُ للصَّبُوح فَهبُّوا ... كالمحبِّينَ لا يَعُونَ المَلاَما!
فاسقِهم من سُلافةٍ تطردُ اله ... مّ وعجِّلْ لهم بذاك اهتِماما!
وعسى قائلٍ يقول لِحَظّي ... ونَصِيبي: أطلتَ في ذا الكلاما!
كذبَ المدَّعِي وآخِرُ شَعْبا ... ن يُنادِيَني الصيامَ الصِّياما
دير البغلِ. هو شمالي دير شعران. وبناؤه مثل بنائه في لِحْف جبل المقطّم. وعليه نخل. وبه جمائع من الرهبان اليعاقبة.
قالوا: وسمِّيَ بدير البغلِ لأنه كان به بغل لسقي الماء، تعوّد هذا وألِفه. وكانوا إذا أطلقوه، أتى مورد الماء، وهناك من يملأ عليه. فإذا حمله أتى الدير بالماء.
خرج إليه السِّرَاج الورّاق مع أبي المُفَضَّل بن العسّال في جماعة من أهله. وأقاموا به أياما في لهو، يجرّون أعطاف الزَّهْو. وكان بالدير غلام لا يتعدَّاه أمل المقترح، ولا يحاكي ذوابل عيونه إلا النرجس المفتِح. فألفه السراج الورّاق وهو إلى وصل منه محتاج. فلما عادوا، قال السراج يذكر أيامه ويمدح أبا المُفَضَّل، ويذكر شيئا كان عليه به قد تفضَّل:
أجْنَاكَ من عارضٍ في خدّه لاحا ... رَيْحانةً جاورَتْ من رِيقِه راحا
وما كَفاه الشَّذَا المِسْكِيُّ بينَهُما ... حتّى جَلاَ من خَضِيب الخدّ تُفَّاحا
(1/121)

عَيْنِي رأتْهُ بدير البَغْلِ في مَلاَءٍ ... قد قام فيهم مع الأسْحار نَوّاحا
مقرطَقٌ تَرَكَ النُّدْمان من يده ... صَرْعى وقد حَثّ أحداقا وأقداحا
عاطَيْتُه كأسَها والشُّهْبُ ما جَنَحَتْ ... إلى مَغَارِبِها والدِّيكُ ما صاحا
والنَّجْم حيرانُ لولا ما رفَعْتُ له ... من كأسها تحتَ جُنْح الليلِ مِصْباحا
حتّى إذا أدْنَتِ الصَّهباءُ خُطْوتَهُ ... ورحَّلتْ يدُه عن راحِه الراحا،
وباتَ طَوْعِي فلم أزْدَدْ على قُبَلٍ ... إذ لا أبِيتُ لبابِ العار فَتَّاحا
أُغالِبُ النفسَ عمّا تشتَهِي كرماً ... جِدّاً فلا تَحْسَبَنِّي ثَمَّ مزّاحا
وقد يَرُوقُك لفظي الحُلْوُ لا سِيَما ... إذا لَقِيتُ بني العسَّال مَدّاحا
القوم جادُوا ولم أسأل، وهم مَنَحُوا ... وما غَشِيتُهُمُ واللهِ مُمْتاحا!
وشاد مجدُهُمُ بيتاً يبِيت له ... طَرْف المَجَرَّة مما طال طَمْاحا!
من كلّ أزهَرَ لولا في تطلُّعِه ... مَطَالعُ الصُّبْح! زادَ الصبحَ إيضاحا
صَحْبِتُم نحوَ دير البَغْلِ مطلبنُا ... صهباءُ جرّتْ بطَوقْ الليل فانزاحا
أبا المُفَضَّل، لم أبْلُغْ مَدَاك ولو ... طارحْتُ في مَذْهَب الشعر الطِّرِمَّاحا!
إنْ رُمْتَ ما تُعْطِي فقد نطَقَ ال ... معروف عنك بما تُخْفِي وقد باحا!
لا تَبْغ للجُود كِتْمانا فتَظْلِمَه ... إنا رأينا نَسِيمَ الجُود فَيَّاحا!
دير طَمْويه. ويُعرف المكان الآن بطمَّوْه، وهو في الجانب الغربيّ، بإزاء حُلوان. والدير راكب على البحر. تحفُّ به الكروم والبساتين والأشجار. وهو عامر الأوطان. أهل نالرهبان. وحين تخضرُّ الأرض يكون بين بِساطَيْن من البحر والزرع.
قال الشابشتيّ: وهو من المتنزهات المذكورة، والمواضع الموصوفة. وأنشد فيه لابن عاصم قوله:
واشرَب بطَمْوَيْه مِن صَهْباءَ صافيةٍ ... تُزْرِي بخمر قُرى هِيتٍ وعاناتِ!
على رياضٍ من النُوَّار زاهِيةٍ ... تجرِي الجداولُ منها بين جَنَّاتِ!
منازلا كنتُ مشغوفا بها كَلِفا ... وكنَّ قِدْماً مَوَاخِيرِي وحاناتِي،
إذ لا أزال مُلِحاً بالصَّبوح على ... ضَرْب النواقيس صبّاً بالدياراتِ
كنيسة الطُّور. قال الشانشتيّ: وهذا الطُّور هو طور سينا، الذي صَعِقَ عليه موسى، عليه السلام. والكنيسة في أعلى الجبل. مبنيّة بحجر أسود. عرض حصنه سبعة أذرع. وله ثلاثة أبواب من حديد. وفي غربيّه باب لطيف. وقدّامه حجر لَقيم. إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإذا قصدهم متغلّب أرسلوه، فانطبق. فلا يعرف أحد مكان الباب. وداخلها عين ماء، وخارجها عين أخرى.
قال: زعم النصارى أن بها من أنواع النار الحديدة التي كانت ببيت المقدس: يَقِدُون منها في كل عشيّة السراج. وهي بيضاء ضعيفة الحرّ، لا تُحرِق. ثم تقوى إذا هم أرادوا أن يوقدوا منها.
وهو عامر بالرهبان. فلا يخلو من أحد من أهل البطالات للتفرُّج فيه والتبرُّك " على رأيهم " به.
وهو من لديارات الموصوفة والأماكن المقصودة. وممن وصفه ابن عاصم. قال فيه:
يا راهبَ الدَّيْر، ماذا الضوءُ والنُّورُ ... فقد أضاء بما في دَيْرِك الطُّورُ؟
هل حلَّتِ الشمسُ فيه دُونَ أبرُجِها ... أو غُيَّب البدرُ عنه فهو مستُورُ؟
فقال: ما حلًّه شمسٌ ولا قمرٌ، ... لكن يُقَرِّب فيه اليمَ قَوْرير!
دير طُرَا. وموقعه قبليّ القرافة ومصر. يلي بركة الحبش وبساتين الوزير. يقصده أهل مصر للفرجة والتنزه. ويُؤتى إليه على ظهر البرّ والنيل. وله إشراف على النيل. ولا يخلو من قَصف وشرب. ولأمراء الديار المصرية إليه إفضاء في الفضاء ومنتهى الركوب. وفيه أقول:
يومَ طُرَا وديرِها ... وما أتى من خَيْرِها!
وأبيضٍ من يومها ... وأحمرٍ من مَيْرِها!
(1/122)

مُدامةٌ تَسْري بنا ... مُجِدَّةً في سَيْرِها؟
لم أنْسَ هِيفَ نخلها ... ويومَنا في حَيْرِها،
وأكْلَنا من حُوتِها ... ووَحْشِها وطَيْرِها!
هذا إلى فاتنةٍ ... مَلِيحةٍ في دَيْرِها
فلا تَقُلْ لِي غيرُها ... ما أرَبِي في غَيْرِها!
الديارات السبع
وهي في الوجه البحري، وهو سُفليُّ ديار مصر. ممتدَّة غربا على جانب البرِّيَّة القاطعة بين بلاد البُحَيرة والفَيُّوم.
مررنا على بعضها في الصحبة الشريفة الناصريّة. وهي في رمال منقطعة، وسباخ مالحة، وبرار مُعْطِشة، وقِفار مُهلكة. وشِرب سكّانها من جفارات لهم. وهم في غاية من قَشَف العيش وشَظَف القوت.
ويحمل النصارى إليهم جلائل النذور والقرابين، وتخصهم بكرائم التُّحَف.
ويتّخذ كتبة القِبط وخَدَم السلطان منهم خاصة، أيادِيَ معهم، ليكونوا لهم ملجأً من الدولة، إذا جارت عليهم صُرُوفُها.
ولم أعلم فيها أخبارا فأذكرها ولا أشعارا فأُطرِفَ بها. وإنما ذكرتها لشهرة اسمها وبُعد صيتها.
الدير الأبيض. وهو دير جليل البناء، أبيض كما سُمِّيَ. عليه رونق. قد بُنِيَ بالحجر الأبيض، وزُيِّنَ في أبنيته، ووُسِّع في قدر أفنيته. وهو غربيّ النيل، في طرف الحاجر المطلّ على المزدَرَع، فيما يقابل إخْميَم. وله إشراف على بسائط تلك الزروع، وسوارح تلك المواشي. وبإزائه نخل خاصٌّ به.
ويجري من النيل خليج طويل المدى، كأنه السيف النقيّ من الصدى ، ينتهي إلى مَلَقةٍ متسعة، وبركة فيها أمداد المياه متجمعة، شرقيّ الدير. يفصل بينهما الطريق. ويطلّ على هذه المَلَقَة رابية عليه، قد تكونت من فضلات التُّرع المحفورة والجسور المستجدّة.
لا يُرى مثل نزاهته في زمن الشتاء والربيع: يتضاحك في جنباته النُّوَّار، وتخضَرُّ فيه شقاق الزروع، وتكثر فيه مصائد الطير، ويكون من الحسن في غاية تملأ البصر، وتزيد على الخبر. ومررنا به صحبة السلطان ونزلنا على تلك الرابية. وأشرفت على البركة وفيها قارب يصاد فيه السمك، ومرّت الأطلاب مُزَيَّنَةُ الترك وجياد الخيل. فسُئِلت أن أعمل في مثل هذا شيئا، على رسم ما يقال في الديارات. فقلت:
يوْمٌ لنا بالدَّيْر، دير الأبيضِ ... قد انقضى وطِيبُه لم ينقضِي.
قد جئْتُه في العَسْكر المنصُور ... فغَلّق الأبوابَ كالمحصُورِ.
ونزل الرُّهْبانُ بالدّبُّوسِ ... فيه إلى قَرَارة الدَّيْمُوسِ
واطَّلَعَتْ نَحْوِي هُناك رابيهْ ... تيَّاهَةٌ على الوِهَاد آبيَهْ
قد خضعَتْ من جانِبَيْها الوُهْدُ ... كأنّها فَوْقَ الصُّدُورِ نَهْدُ
كأنّما تَطْلُب منِّي المَأْتى ... هذا وقد وَلَّى زمانُ المَشْتى
وللربيع مُذْ أتى اعتِدالُ ... وللنَّسِيم بينَهُ اعتِلالُ
والشمسُ قد دَبَّ بها السِّقامُ ... واليومُ لم يَبْقَ له مُقامُ
والليل قد هيَّأ صفَّ عَسْكرِهْ ... وإنّما مَعْروفُه في مُنكَرِهْ
والجوُّ في ردائِهِ المُصَنْدَلِ ... والأرضُ تُذْكى باشتعالِ المَنْدَلِ
ومُجْمِرُ الشَّقيقِ فيها مُوقدُ ... وشُعَلُ البَهارِ فيها تُوقَدُ
وزَهَرُ الفُول ادَّعى بالحقِّ ... شبيهَ أذنابِ الدَّجاج البُلْقِ
وزَهَرُ الكَتَّان كالبَنَفْسَجِ ... ومِثله لولا ذَكِيُّ الأَرَجِ،
تَبْدُو على أعطافه التَّرافَهْ ... ذو هَيَفٍ في شَكْلِهِ ظَرَافه
كأنّه في مائه الممتَزِجِ ... زَبَرْجَدٌ رُصِّعَ بالفَيْروزَجِ
وسائرُ الزرع شِقاقٌ خُضْرُ ... وبعضُها لها طِرازٌ نَهْرُ
والنخلُ حولَ الدير كالعرائِس ... مَجْلُوَّةً في فاخِر المَلابِس
كأنه مشَمِّراً فِي هِمَّهْ ... صفٌّ وُقُوفٌ حولَه في الخِدْمَهْ
(1/123)

وَثَمَّ من باقي مُدودِ النِيلِ ... ماءٌ شبيهُ الصارِم الصَّقِيلِ،
وَافَتْ إليهِ خُلُجٌ مُفَرَّقَهْ ... واجتمعَتْ جميعُها في مَلَقَهْ:
دائرةٍ قَوراءَ مثلِ الأُفُقِ ... تأوِي بها حِيتانُها في نَفَقِ
صافيةٍ كمثل عَيْنِ الدِّيكِ ... في غاية الصِّقال والتفريكِ
قد وَلِعَتْ فيها الرياحُ بالطُرَرْ ... فشوّشَتْها ثم سَالَتْ كالغُرَرْ
فسيحة الأرجاء كالميدانِ ... تشُقُّها سَوَابُح الحِيتَانِ
فيها من الأسماك أشتاتٌ تُرى ... تأخُذُ من أنواعهنَّ العنبرَا
فيها من البُلْطِيّ والبُنِّيّ ... مآكلٌ كالرُّطَبِ الجَنِيِّ
والبُركةُ الفيحاء فيها قارِبُ ... وفيه صَارٍ للشِّباكِ ضارِبُ
يجري به قاربُهُ على نَفَسْ ... وَهْوَ بِهِ في الماءِ نارِيُّ القَبَسْ
كأنّما أجْرى به جَوادا ... أسرعَ في الرَّكْضِ وما تَمادى
كأنّه إذا أراد المَرْكَبَا ... صِلٌّ من الحيّات يرقى عَقْرَبَا
يُسَيِّرُ الحِيتانَ وسْطَ الماءِ ... كأنَّها النجومُ في السماءِ
تأتِي إليها بأضاليل الخُدَعْ ... لأَجْلِ ما يأخُذُ منها ويَدَعْ
ولم يزلْ بخفَّةٍ في الحَرَكَهْ ... حتّى انَّهُ يُلْقِي عليها الشَبَكَهْ
وكُلَّ ما يُريدُهُ يَصِيدُ ... يا زَرْعَها آنَ لَكَ الحَصِيدُ
وعَنّض لي سِرْبُ مَهاُ جآذِرُ ... أجفانُها تضُمُّ ما نُحاذِرُ
أقمارُ تُرْكٍ فوقَ شُهْبِ الخيْلِ ... وبَيْنَها أدْهَمُ ضافِي الذَّيْلِ
فجئتُ حتّى صرتُ فوقَ الهَضْبَهْ ... وعاينَت عينايَ تلك الحَلْبَهْ
ويا لَها من حَلْبَةٍ لا تُلْحَقُ ... تكْبُو وراءَها الرياحُ السُّبَّقُ!
كأنَّها أُفْقٌ حوى أقمارَا ... قد طَلَعُوا في أُفْقِها نَهارا
من نَسْلِ خاقانَ وجِنسِ التُّرْكِ ... قد عوَّدوا ألحاظَهم بالفَتْكِ
كم فيهمُ من ساحِرِ الأَجفانِ ... قَيْسِيّ خدٍّ طرفُهُ يَمَانِي!
للهِ إنْ جرَّد أسيافَ الحَدَقْ ... وبدَّد الدِّماءَ في الخدِّ الْيَقَقْ!
فيها مِلاحٌ للعِنَاق خُلِقُوا ... ما بَرَزوا للعين حتّى عُشِقُوا
ومُيَّدُ الأغصانِ ثَمَّ تَسْتَبِقْ ... طوْراً تُخَليّ ثُمَّ طَوْراً تَعتَنِقْ
أغصانُ بانٍ أمْ هُمُ غِزلانُ ... أوِالشُّمُوسُ بَلْ هُمُ الوِلدانُ
قد ركِبُوا صوافِنَ السَوَابِقِِ ... وافترقوا لكن فؤادَ العاشِقِ
منهم فتىً يهتزُّ كالرُّدَيْنِي ... مَنْ لِيَ منْهث لو قَضَيْتُ دَيْنِي؟
قد أسرجَ الغَمامَ بالهلالِ ... مُطَهَّماً في صِبغةِ الليالي
يَفْرُقُ شَطْرَيْ وجهِهِ بغُرَّهُ ... كَآبَةٌ في وسْطها مَسَرَّهْ
أدهمُ منه في السِّبَاق قد بَدَرْ ... ليْلٌ ولكن فوقَ عِطْفَيْهِ قَمَر
مُبَلْبَلُ الصُّدغِ رخيمُ الدَّلِّ ... أُرِيدُ منه للهوى مُعَلَّي
لهُ من العُجْبِ جُفُونٌ مُطْبَقَهْ ... وآفتِي من العُيُون الضَّيِّقَهْ
لم أرَ مثلَ ثغرِهِ إذ ضَحِكَا ... لقد حكَاه البرقُ لكن ما حَكى
بدرٌ ولا تَفصُحُ لي أسماؤُهُ ... ذو تَرَفٍ يكاد يجرِي ماؤُهُ
مالِي وما للراحِ أو للأكْؤُسِ ... إذ حلَّ لي بندَ القَبَاء الأطلسِ!
وبانَ من ثِيَابه المجَرَّدُ ... كأنَه من فِضّةٍ تُنَقَّدُ
فيا أُخَيَّ إنْ قَضَيْتُ نَحْبَا ... دَعْنِي أموتُ في هواهُ حُبَّا!
(1/124)

أهْوِنْ بدَمعِ مُقْلَتَيَّ الصَّبِّ ... فقد تعشَّقتُ صَبِيّاً يُصْبِي!
ما الموتُ في هَوَاهُ إلاّ مَحْيَا ... لوْ مُتُّ عِشْقا فيه كنتُ أحْيَا!
لَمَّا أتانِي من بعيدٍ ووقَفْ ... قُمتُ له لِلَثْم أقدام وكَفّْ
وكان قد حانَ غُرُوبُ الشمسِ ... وطلَعَ البدرُ كمثلِ التُّرِسْ.
وظَلْتُ أُلهيهِ بأشغال السَّمَرْ ... لعلَّ للّذي فعلتُه ثَمَرْ.
وقلتُ هذا مَنْزِلٌ نَزِيهُ ... ليس له فيما هُنا شَبِيهُ.
يامرحباً شرّفتَ هذا المَوْضِعَا ... وجئتَنا والبدرَ في وقتٍ معَا!
فلو نزَلته هناك أو هُنَا ... عَمَّ بقُرْبك السُّرور والهَنَا
فانزِلْ بنا واقعُد قريراً ساعَهْ ... ولا تخَفْ من فاضِح الشَّنَاعَهْ
فَلانَ لِي جانبُه ثُمَّ ابتسَمْ ... وفاحَ لي طِيبُ رِضاهُ ونَسَمْ
وقال لي أقِمْ حَوَالَيْنَا الحَرَسْ ... وانحطَّ لي كالسَّهْم عن ظهر الفَرَسْ
فقلتُ: ما تقول في ذا إنْ مَسَكْ ... هذا لنا وجابَ من هذا السَّمَكْ؟
ونُوقِدُ النارَ له ليُقْلى ... ومَنْ أتى مُزاحِماً في المَقْلى.
ونأكُلُ السَّلُّورَ والشَّبُّوطَا ... والفرخَ والمَسْلُوخَ والمسْمُوطَا.
هذا كما تضُمُّ أكنافُ السُّفَرْ ... وما تكون منه ألطافُ السَّفَرْ.
فقال لي: دُونَك مَا تُريدُ! ... فكان عِنْدِي باللِّقاء عِيدُ.
هذا وكُنّا قد أَمَرْنَا الطَّاهِي ... بأخْذِ تلك الجِلَّة الزَّوَاهي.
فأتقنَ الجميعَ بالتنظيِف ... وزانَها في الوضع والتصفِيف.
وحَطَّ عن أجسامها الجَوَاشنَا ... وأظهرَ الجَمَالَ والمَحَاسنَا.
وأقتدَحَ النارَ من الزِّنَادِ ... مِثلَ اصطِكاك البَرْقِ في العِهادِ.
يطيرُ من جانِبِها شَرَارُ ... هلْ منه للرُّمّانة انتثارُ.
يُؤَرِّثُ المَوقِدَ جُلَّ نارِ ... كأنّها شُبَّتْ بجُلَّنَارِ.
وبعدَ هذا صفَّف المَقالِي ... وكلُّنا نُحِبُ ذاك القالِي.
وسكَبَ الدّهانَ في الطِّنجيرِ ... كمثل بسْطِ الظِّلِّ في الغديرِ.
ثُمَّ قَلى في الطاجن الأسماكَا ... لولا قليلٌ، لقَلى السِّماكَا.
ونضَّدَ الصُّحُونَ ثُمَّ صفّفا ... سبائكاً من النُّضَار قد صَفَا.
أعادَها بعدَ الُّلَجَيْنِ عَسْجَدَا ... صَفَّرَ ألْواناً لها وَوَرَّدَا.
وجاء بالمِلح وبالأَبزارِ ... سكَارجَا تروق للأَبصارِ.
مصوفةً لنا على مقدارِ ... كدِرْهَمٍ صُفَّ إلى دِينارِ.
وصَبَّ من أطاييب الأَصْلاصِ ... حقائباً مسدودةَ العِفَاصِ.
من حامِضٍ مُطَيَّبٍ ومُزِّ ... وغيرِ ذا ذلك من كُلِّ حمض يجزِي.
ونَضَّدَ البُقولَ في الأَطباقِ ... مثلَ الحَرِير لُفَّ في الأوراقِ.
ووَضَعَ الكِماجَ والرُّقَاقَا ... حتّى استدار حولَها نِطاقَا.
وجاءَ بالفُقَّاع والمشرُوبِ ... يَهُمُّ في الكِيزان بالوُثُوبِ.
ومْنهُ في إنائه مسكوبُ ... كأنَّه من ذَهَبٍ مصبوبُ.
وقَرَّبوا الحَلْوَاء مِلْءَ الجَامِ ... كمثلِ قُرص الشمس بالتَمامِ.
فقال لي وَزْنُ سُرُوري وقَسَطْ ... لأَنَّ مَنْ أحببتُهُ قد انْبَسَطْ.
ومدّ عندي يَدَهُ ثُمَّ أَكَلْ ... ثُمَّ تنقَّلها بمنهوب القُبْلَ.
فكْمَ أصبْنَا منه ما أردنا ... ولو نشاء بعدَ هذا زِدْنا!.
(1/125)

ثم أدَمْنا حمدنا والشكرا ... وهْوَ بما جاد عليها أدرى.
ثم أتانا الطَّستُ والغَسُولُ ... كأنّه بعنبرٍ مجبولُ.
ثم تلاه الطِّيبُ والَمِنديلُ ... يا حبَّذا ما حَبَّه الرسولُ.
حتّى إذا ما نَزلَ السلطانُ ... واشتغل الغَوْغاء والغِلْمانُ.
ونام كلٌّ مستِكنًّا في الخِيَمْ ... ونَكَّرَ الآفاقَ جِلبابُ الظُّلَمْ.
وأمِنَ الراهبُ والقِسِّيسُ ... وانشقَّ عن موتاهُمُ الناوُوسُ.
وأوقدوا في البِيعة القِنديلا ... ورَجَّعوا المِزْمارَ والإنجيلا.
وزيّنوا الهَيْكلَ بالقُرْبانِ ... وصفَّفوا الشُّمُوع والقَنَاني.
وسَكَبُوا الصهباء في الإبريقِ ... صفراءَ أو حمراءَ كالعقيقِ.
وصبّها في الكاس مثلَ اللَّهَبِ ... ممتدّة مثل شَريط الذهبِ.
يسعى بها مُقَرْطَقٌ مُزَنَّرُ ... شِبهُ الغزال الخِشْفِ أحْوى أحورُ.
مِن فِتْيةٍ داموا على الإنجيلِ ... مَنْ لي بهم لو أنّهمْ من جِيلي.
وبعضهم دبَّ له عِذارُ ... كأنّه من صَدِّه اعتذارُ.
وفيهمُ ذاك الغَزَال النافرُ ... خليفةُ المِلاَح وهْو الظافرُ.
لما بدأ منه الصَّباح السافرُ ... تستَّر الليلُ فقيل الكافرُ.
أو بِنْتُ قِسِّيس عليها مِسْحُ ... كالليل قد أقبل فيه الصبحُ.
بِمعصَمٍ فيد دَلاَئلٌ وتَرَفْ ... كأنَّه من ماءِ خدَّيْها اغترفْ.
فاتنةٌ من الظِّباء العِينَ ... قد ناصبَت بِدِينها لِدِيني.
ماذا أقول في بديع صُنْعِها ... والبدرُ في الظَلماء حشرُ دِرعها؟
غصنٌ رطيبٌ دبَّ فيه الراحُ ... ومِن جَنى خُدُودها التُّفَّاحُ.
آفةُ كلِّ مسلمٍ وكافرِ ... وفتنةٌ في أوَّلٍ وآخرِ.
يا ما جَرى منها ويا ما يَجْرِي ... مِنَّا ومِنْها من بُكاً وهَجْرِ!
فَمُدْ هَدَتْ عنَّا عيونُ الناسِ ... ثُرْتُ به في غفلةِ الحُرَّاسِ.
وقلتُ، قُمْ حتّى نروحُ في الغَلَسْ ... في خُلْسةٍ، فأطيبُ الطيب الخُلَسْ!
فالدَّيْر قد آن له أن يُفْتَحا ... وكان قد أُغْلِقَ عمداً من ضُحى.
قُمنا إليه تحت سِتر الليلِ ... نوازعاً نَرْمِي على سُهَيْلِ.
وقد علا هيكلهَ القِنديلُ ... كأنّه لرأسه إكليلُ.
وثَمَّ في الدير لنا صَدِيقُ ... منهمكٌ في السُّكْر لا يُفِيقُ.
لكنَّهُ لخوفه قد كانا ... ما شرِب الصَّهْباء حتّى الآنا.
وعنده جميعُ ما نطلبُهُ ... وصوتُ أوتارٍ له تُطرِبُهُ.
وهْوَ إذا تبطَّن السُّلاَفة ... لم تستطعْ مليحةٌ خِلاَفَهْ.
لأنه عرَّف كلَّ راهبة ... بمكره أنَّ الحياة ذاهبة.
وكلُّ ما تريد منه يحصُلُ ... وَفْقَ المُنى مسارعاً يستعجلُ.
فانهضْ وقُمْ وطِبْ ولا تُوَنِّي ... واقتُلْ بما شئتَ سِوى التجَنِّي!
فقم بنا انهضْ وَدعِ العُذّالا! ... كم ذا القُعودُ هكذا كُسَالى!
لِنَغم الصِّحّة والفَرَاغا ... ونشربَ العُمْرُ لنا ما اساغا!
وما أزَلْ بِهِ بِهِ حتّى نَزَلْ ... شاباشُ ليِ! صِدْتُ الغَزَالَ بالغَزَلْ!
خدعتُه فأنطاع ليِ الغُلامُ ... وكان ما قد كان، والسلام!
وبِتُّ مسرورا بذاك الحِشْفِ ... وفوق ما وصَفْتُ منه المَخْفيِ.
وكان لي غُلَيِّمٌ ظريفُ ... حُلْوُ الكلام فَكِةٌ خفيفٌ.
(1/126)

جميعُ ما يقوله مُجُونُ ... ما كان مثلهُ وما يكونُ.
حديثهُ ليس عليه من حَرَجْ ... لنا ه الفالُ وقد سُمِّي فَرَجْ.
قلت له: كأنَّني ممن نَدِمْ ... لأجل ذاك الظْبيِ لمّا أَنْ طَعِمْ.
ويْحكَ لْمِ أطعمتُ هذاذا السمكْ! ... فقال: لولاه لما كان انمسَكْ!
جعلتُه لصيده كالفَخّ ... لأجل ذا أبصرتَه مُسْتَرْخِي.
يا شاطرَ البلاد أنت القيِّمُ ... فعلتَ ما لا تستطيع الأسهُمُ!
لا شكَّ قد أتقنتَ على السِّحرِ ... وصِدْتَ صيدْ البَرِّ بعد البحرِ!
ومما قلته فيه:
وبالديرِ يومٌ أبيضٌ ليِ كاسمِهِ ... وقد طَلعَتْ من جانب الدير أقمارُ.
وقد جُلِيَتْ في الكأس صهباءُ مُزَّةٌ ... تَكَشَّفَ منها في الدُّجُنَّةِ أستارُ.
وبالدير دَيْرانَّيةٌ بَرَزَتْ لنا ... فتمَّ لنا فيه حديثٌ وأسمارُ.
جَلَتْها كأنَّ الطُّورُ جانبُ كأْسِها ... وإلاَّ رُبى دَارِينَ من دُونِها دار.
وقلت:
ولم أَنْسَ بالدير يوماً لنا ... وعيْشُ السُّرور بهِ يُنْتَهَبْ!
ففضَّضَ أبكاَره بالُّلَجيْنِ ... وموَّهَ آصالَهُ بالذهبْ!
وكأسُ المُدَام علينا تَطُوف ... بحمراءٍ صافيةٍ كالَّلهَبْ.
يطوفُ بها من بَنَاتِ القُسُو ... س باخلةُ الكَفِّ ليستْ تَهَبْ.
مُبَتَّلةٌ بين رُهْبانها ... لألحاظِها في حَشَانا رَهَبْ.
مسيحيَّةٌ طَلَعَتْ في المُسوح ... كصبحٍ أَطَلَّ وليلٍ ذَهَبْ.
وقد غاب عَنَّا عِيانُ الرقيب ... وجاد الزمانُ بما قد وَهَبْ.
فَرَشْفُ اللَّمى خُلَسٌ بيننا ... وعضُّ الخُدُود لديْنا نُهَبْ.
دير ريفة - وهو بصعيد مصر، فوق سيوط، لا ببعيد. على الجبل الغربيّ المطلّ على ريفة.
وهناك عدّة ديارات. المشهور أكبرها. والبقية كالقلاليّ.
وهو من الأبنية القديمة المحكمة. ولأهله رزق من أطيان تُزرع وتستغلُّ. جارية بتواقيع السلاطين، ثابتة في حساب الدواوين. وهو دير مذكور. وله أخبار، وفيه حكايات وأشعار.
يُحكى أن شاعرا مغرِبيا، يُعرف بابن الحدّاد، مرَّ به وهو مُصعِد إلى قُوص، ليحُجَّ من جهة عَيْذاب، في البحر. فرأى ديرانيّة اسمها نويرة. كأنما أذكرها في قلبه نَظَرُها، وشَبهَّا في جوانبه من خدودها المُحَمَّرة نَضَرُها.فألقى عندها عصا سفره، ولَقَى عندها منتهى ما يُؤَمِّل من ظَفَرِه. وترك الحجَّ كأنّه ما تعنّى له من أقصى بلاده، ولا نوى إليه السفر في رحلته وزاده. وقال فيها:
ورأتْ جُفوني مِن نُوَيْرَةَ كاسمها ... نارا تُضِلُّ، وكُلُّ نارٍ تُرْشِدُ!
والماءُ أنت، ولا يصِحُّ لقابضٍ! ... والنارُ أنتِ، وفي الحَشَا ييوقَّدُ!
ولما طال مقامه، وقفت عليه وسالت عن سبب إقامته فقصَّ عيها الخبر، ونصَّ العبر. وأعلمها أنه إنَّما أتى ليحُجَّ، فلما رآها أقام، وتطلَّب ما يعالج به السَّقام. فقامت غير متباطية، وثبت كالظبية العايطة. وضنَّن أنّه لم يصب، وأنه مدّ لها شركة ونصب. فلما رأى ما راب من شفورها، وإعراض ظبيتها الإدماء وسرعة نفورها، أسأل عبرته، ووالي حسرته. ثم قال:
حديثُكِ ما أحلى! فزِيِدي وحدِّثنيِ ... عن الرشإ الفَرْد الجمالِ المثَلَّثِ!
ولا تسأميِ ذِكْراه، فالذَّكْرُ مُؤْنِسي ... وإن بَعَثَ الأشواقَ من كل مَبْعَثِ.
أحقًّا وقد صرَّحتُ ما بِي أنه ... تبسَّمَ كاللاهيِ بنا المُتَعَبِّثِ!
وأَقْسَمَ بالإنجيل إنِّي لَكاذِبٌ ... وناهيك دمعي من مُحِقٍّ ومُحْنِثِ!
ورآها يوما بين صواحبها، كما أطلعت ليلة القمر بين كواكبها. فلما دنا منهنَّ للحديث تنحت، وبخلت عليه بكلامها وشَحَّتْ، فقال:
وبَيْنَ المَسِيَّحات لي سامِرِيَّةٌ ... بعيدٌ على الصَّبِّ الحنيفيّ أن تدنُو
(1/127)

مُثَلِّثَةٌ قد وحّد الله حُسنَها ... فَثُنِّيَ من قلبي بها الوجدُ والحُزنُ
فطَيِّ الخِمارِ الجَوْنِ حُسْنٌ كأَنَّما ... تَتَجَمَّعُ فيه البدرُ والليلُ والدَّجْنُ
وفي مَعْقِد الزُّنّار عَقْدُ صَبابَتي ... فمِن تحتِهِ دِعْصٌ ومِن فَوقِهِ غُصنُ
ثم إنه صارت لا تراه إلا احتجبت، وهيهات للشُّموس أن حُجِبَتْ. فزادَ بها بِلْبَالُه، وعَظُمَ اختباله. فلما كان يوم عيد من أعياد النصارى، طلعت تلك الدُّمَى، كأنجم السما، وبرزت تلك الدَّيرانيّة في أترابها، وخرجت كالصَّباح المسفر من وراء حجابها. فوقف عليهنّ وقال:
عَسَاكِ بحقِّ عِيسَاكِ ... مُريحَةُ قلبيَ الشاكي
فإنَّ الحُسْنَ قد ولاّ ... كِ إحْيائي وإهلاكيْ
وأولَعنِي بِصُلبَانٍ ... ورُهبانٌ ونُسَّاكِ
ولم آتِ الكنائسَ عن ... هوىً فيهِنَّ، لولاكِ
فهل تدرِينَ ما تقضى ... على عَيْنَيَّ عيناكِ
وما يُذكيهِ من نارٍ ... بقلبي نورُكِ الذاكي
حَجَبْت سَنَاكِ عن بَصَرِي ... وفوق الشمس سِيمَاكِ
وفي الغُصنِ الرطيب وفي النَّق ... ا المرتجِّ عِطْفَاكِ
وعند الروضِ خَدَّاكِ ... وفي رَيَّاهُ رَيَّاكِ
وكانت سوى هذه الديارات حانات بمواضع شتى. لها أخبار، وفيها أشعار. وأشهرها ما نذكره هنا ونلحقه من الديارة بأمثاله، ونضيفه منها إلى أشكاله. وهي: حانة الطائف. وكانت في الجاهلية وكان خمَّارُها يُسمَّى ابن بُجْرَة. وكانت قريش وسائر العرب تقصده، فتشرب في حانته. وتمتار منه وتحمل إلى أوطانها، وتورد أحياءها مواقر إبله لتضرب بأعطانها. وفي ابن بُجْرَةَ يقول أبو ذؤيب:
فلو أنّ ما عند ابنِ بُجْرَةَ عندها ... من الخمر لم تَبْلُلْ لَهَاتِي بناطلِ
فَتِلْكَ التي لا يُذْهِبُ الدهرُ حُبَّها ... جَنى النَّحْلِ في البان عُوذٍ مَطَافِلِ
مَطافيلَ أبكارٍ حديثٍ نِتاجُها ... يُشَابُ بِمَاءٍ مثلَ ماءِ المَفَاصِلِ
لَعمْرِي لأَنْتَ البيتُ أُكرِمَ أهلَهُ ... وأجلِسُ في أفيائِهِ بالأصائلِ
حانة بني قُرَيْظَة. وكان خمَّارها في جوار سلام بن مِشْكَمْ. وكان عزيزا منيعا. ولما انصرف أبو سفيان بن حرب من غزوة السَّوِيق، نزل على ابن مَشْكِم. فأكرمه واحتبسه عنده ثلاثة أيام. وبعث إلى جاره الخمَّار، فباعه كلَّ ما في حانوته، وسقاه أبا سفيان ومن معه من قريش. فقال أبو سفيان:
سقَانيِ وروّانيِ كُمَيْتاً مُدامةً ... على ظمإٍ منّي سلامُ بن مِشْكَمِ
تخيرتُه أهل المدينة واحداً ... لِحِلْفٍ فلم أُغْبَنْ ولم أَتَنَدَّمِ
حانة هَجَر. وتُعرف بحانة ريمان. وهي مذكورة. وقال فيها الراعي النُّمَيْرِيّ:
وصَهْبَاء من حانوتِ رَيْمَانَ قَد غَدَا ... عليّ ولم يَنْظُرْ بها الشَّرقَ صَابِحُ
تُبَصِّر عنهَا اليومَ كأسٌ روِيَّةٌ ... وبَرْدُ العَشَايَا والقيانُ الصَّوادحُ
وبِتْنا على الأنماط والبِيض كالدُّمى ... تُضِيءُ لنا لَبَّاتِهِنَّ المصابحُ
إذا نحنُ أنزفْنا الخَوابِيَ عَلّنا ... مع الليل ملثومٌ من القار طافحُ
حانات الحيرة. وهي أربع حانات: حانة عَوْنٍ. وكان عون ظريفا، طيّب الشراب، نظيف الثياب. وكان فتيان الكوفة يشربون في حانوته، ولا يختارون عليه أحدا. وشرب عنده ليلة أبو الهنديّ الشاعر، حتَّى طلع الفجر وصاحت الديوك، على أنه يصبح يوم شكٍّ. فقيل إنه من رمضان فقال:
شربتُ الخمرَ في رَمَضان حتَّى ... رأيتُ البدرَ للشِّعرى شَرِيكا
فقال أخي: الديُوكُ مُنادِياتٌ ... فقلتُ له: وما يُدرِي الدُّيُوكا
(1/128)

حانة دَوْمَة. وعن أبي عُبَيد قال: مرَّ الأَقَيْشر بخَمَّارة في الحيرة، يقال لها دومة، فنزل عندها، واشترى منها شرابا. ثم قال لها: جَوِّدِي لي الشراب حتَّى أُجوِّد لك المديح. ففعلتْ. فأنشأ يقول:
أَلاَ يَا دَوْمَ دَام لك النعيمُ ... وأسْمٍرُ مِلْءُ كفِّكِ مستقيمُ
شديدُ الأَسْرِ يَنْبِضُ جانباه ... يُحَمُّ كأنه رجلٌ سقيمُ
يُروِّيه الشرابُ فيزدَهِيه ... وينفُخُ فيه شيطَانٌ رجيمُ
قال: فظنّت الخمارة أن هذا مدح، فسُرَّت به وزادته في الشراب. وقالت: ما قال فيّ أحد أحسن من هذا.
حانة جابر. قال ابن الصَّلصال: كان أبو نواس يأتي الكوفة، يزورني. وكان يأتي بيت خمّار بالحيرة، يقال له جابر: لطيف الخلقة، نظيف الثياب، نظيف الآلة، يُعَتِّق الشراب سنين. فقَدِم علينا مرَّة، وقد نهاه الأمين عن الشراب. فسأل عني، فقيل: هو بالحيرة. فوافاني، وفي يدي شيء من شراب جابر، عجيب الحسن والرائحة. فقال لي: يا أبا جعفر، لا يجتمع هذا والهمُّ في صدر واحد! قال: وكان شديد العُجب يضرب الطُّنبور. وكان إذا جاءني جمعت له ضُرَّاب الطَّنابير. وكانت الكوفة معدنهم. وكان يسكر في الليلة الواحدة سكرات. فوجهتُ فجمعت له منهم جماعة د، وأحضرته شيئا من الشراب. فقال لي: ألم تعلم ما حدث عليّ؟ قلت: وما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب، وتوعَّدني عليه! ثم أنشدني قصيدته التي فيها:
أَيُّها الرائحانِ بِاللَّومِ، لُومَا ... لا أَذ،قُ المُدامَ إلاَّ شَمِيما
إلى أن انتهى إلى قوله:
فَكَأَنِّي وما أُحَسِّن منها ... قَعَدِيٌ يُحَسِّنُ التَّحْكِيمَا
كَلَّ عن حَملِهِ السِّلاَحَ إلى الحَر ... بِ فأوصى المُطِيقَ أن لا يقيما
فقلت له: أقم معنا كما حكيت من نقل القَعَدِيَّة. قال: أَفعَل. وصرنا إلى حانة جابر. فقلت شعرا ذكرت فيه ما قاله لي وأنشدته إياه، وهو قولي:
عَتَبَتْ عليك مَحَاسِنُ الخَمرِ ... أَمْ غَيَّرَتْكَ نَوَائِبُ الدَّهْرِ
فَصَرَفْتَ وَجهَكَ عن مُعَتَّقِهِ ... تَفَتَرُّ عن دُرٍّ وعن شَذُرِ
يسعى بها ذو غُنَّةٍ غَنِجٌ ... متكَحِّل اللَّحَظَاتِ بالسِّحْرِ
ونَسِيتَ قَولَكَ حينَ تَمزُجُها ... فتُريك مثلَ كواكِب النَّسْرِ
لا تَحْسَبَنَّ عُقَارَ خابِيَةٍ ... والهَمَّ يُجْمَعَان في صَدرِ
فقال: هاتها في كذا وكذا من أُمّ الأمين! ومدَّ يده، فأخذ القدح وشرب معنا. ثم شَخَصَ إلى الأمين. فقال له: أين كنت؟ قال: عند صديقي لبكوفيّ. وحدّثه الحديث. قال: فما صنعت حين أنشدك الشعر؟ قال: شربت، والله يا أمير المؤمنين. قال: أحسنتَ وأجملتَ. فاشخص حتِّى تحمل إليَّ صديقك هذا. فقَدِمَ إليّ فحملني إليه. فلم أزل معه حتى قُتِل.
حانة شَهْلاء. وكانت يهودية من أهل الحيرة، وحُكِي أنَّ الأُقَيْشَر كان يألفها، وكان يشرب في دارها. فجاءَه شُرطيّ فدقَّ الباب، فقال: اسقني وأنت آمِن. فقال: والله! ما آمَنُكَ. وهذا النقب في الباب، فأنا أسقيك منه. فوضع له أنبوب قصب في النقب، فصبَّ فيه النبيذ من داخل، والشرطيُّ يشرب من خارج. فقال الأُقَيشِر:
سأل الشُّرطيُّ أن نَسْقِيَهُ، ... فسَقيناه بأنبوب القَصَب.
إنما لِقحَتُنا خابية، ... فإذا ما مُزجتْ كان العَجَبْ
لبنُ أصفرُ صاف طعمُهُ ... يَنْزِعُ الباسُور من عَجب الذنَبْ.
إنما نشْرَب من أموالنا، ... فاسألوا الشُّرِطِيّ: ما هذا الغَضَب؟
حانات العراق. وهنّ أربع حانات: حانة طَيزَنَابَاذَ. وكان خمَّارها سرجِس. وحكى سليمان بن نوبخت قال: حججتُ واستصحبتُ أبا نُواس، بعد امتناع منه ونِفار. وشرط عليّ أن أتقدّم معه الحاجّ إلى القادسية، فنقيم نشرب بِطيزَنَابَاذَ. فنزل على خمّار كان يألفه، فشرب يومه وليلته. ثم انتبه يقول:
وَخَمَّارٍ أَنَخْتُ له ليلاً ... قَلاَئِصَ قد وَنِينَ من السِّفَارِ
(1/129)

فَتَرْجَمَ، والكَرَى في مُقْلَتَيهِ ... كَمَخْمُورٍ شَكَا أَلَمَ الخَمَّارِ
أبِن لي كيفَ صِرتَ إلى حريمي ... ولونُ اللَّيلِ مُلتَبِسٌ بِقَارِ؟
فقامَ إلى العُقَار فَسَدَّ فاهَا ... فَعَادَ الليلُ مُسْوَدّ الإزارِ
ثم جلس يشرب. فلم يزل كذلك حتَّى ورد علينا أوائل الحاجّ. وحجُّوا. ثم عادوا معهم إلى بغداد، على أننا كنّا حجَّاجا معهم.
حانة قُطْرَبُّلَ. وكان خمّارها ابن أَذين.
حكى أبو الشبل البُرْجُمِيّ قال: اجتمعت بأبي نواس في النوبختية. فسلّمتُ عليه، وسألته عن خبره، وتحدّثنا طويلا. ثم قال: أتساعدني حتّى نمضي إلى موضع طيّب؟ قلت: أين هو؟ قال: بِقَطْرَبُّلَ. فقلتُ: ضاقت الدنيا حتى نسافر؟ فقال لي: إن هناك خَمَّارا ظريفا، لَبِقا، مساعدا، عنده شراب عتيق وغلمان وصِباح. فامض بنا. فمضيت حتّى أتى حانة خمّار. فقال لي: أتعرفه؟ قلت: لا. قال: هذا ابن أَذين الذي أقول فيه:
اِسْقِنِي يا ابنَ أَذِينِ ... من شَرَابِ الزَّرَجُونِ
اِسْقِنِي حتّى تَرى بِي ... جِنَّةً غَيْر جُنُونِ
عُتِّقَتْ في الدُّنّ حتّى ... هي في رِقَّة دِيني
ولنا ساقٍ عليه ... جُبَّةٌ من يَاسَمِينِ
قال: فأقمنا عنده ثلاثة أيام، في أنزه موضع مع أكيَس خادم. ثم انصرفنا.
حانة الشَّطّ. قال حامد بن حمدون: كان الواثق يحبّ المَوَاخير، وما قيل فيها، وما غُنِّي به في ذكرها. فعقد حانتين: إحداهما في دار الحُرَم، والأخرى على الشطّ. وأمر بأن يُختار له خمَّار نظيف، جميل المنظر، حاذق بأمر الشراب، ولا يكون إلا نصرانيا من أهل قُطْرَبُّلَ. فأُتِي بنصرانيّ له ابنان نظيفان مليحان وابنتان بهذه الصفة. فجعلهم الواثق في الحانتين، وضمَّ إليهم خدما وغلمانا وجواري روميّة. وأخدم النّساء حانة الحُرَم، والرِّجال حانة الشَّطّ. ونقل إليهما طرائف الشرب، وفرشهما من فرش الخلافة، وعلّق عليها الستور، وجعل فيها الأواني المذهَّبة والدنان المدهونة. فكانتا أحسن منظر وأبهاه.
فلما فرغ منهما، أمر بإحضار المغنِّين والجلساء، ولم يَدَعْ أحداً يصلح من ضُرَّاب الطنابير إلا أحضره. وحضرنا، وخرج الخمار، هو وأولاده معه، عليهم الأقبية المُسهَّمة، وفي أوساطهم الزنانير المحلاّة، ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكيزان والمبازل في الصَّواني. وأُخرِجت تلك الدنان المذهَّبة. وقد طُيِّنت رؤوسها تطيينا نظيفا، يعبق منه الطيب. فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالسا، فبُزِلَت، كما يفعل في الحانات وجعل يؤتى بالأنموذجات، فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء. فيختار كلٌّ منهم ما يشتهيه. فيأخذ دنّاً. ويجيء إلى الخمَّار ويكتال منه بمكيال في إنائه، كما يُفعل في المواخير، ويعود إلى موضعه فيجلس. ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبه من الرياحين. فكان أحسن يوم رأيته.
فشرب الواثق شربا كثيرا وأمر للخمّار بألف دينار، ولزوجته بألف دينار، ولكل واحد من الأولاد بخمسمائة دينار. ولم يبرح أحد منَّا إلا بجائزة سنيّة.
وحكى الحسين بن الضحّاك في حكاية له أن الواثق قال له: هل لك في حانة الشَّطّ؟ قال: فقلت أي والله! يا أمير المؤمنين. فقام إليها فشرب هناك وطرب. وما ترك أحد من الجلساء والمغَنِّين والحَشَم، إلا أمر له بِصِلَة. وكان من الأيَّام التي سارت أخبارها، وذُكرت في الآفاق.
فلما كان من الغد، غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئا، إن كنت قلته في يومنا هذا الماضي. فأنشدته:
يَا حَانَةَ الشَّطِّ قد أكْرَمْتِ مَثوَانا ... عُودِي بيومِ سرورٍ كالذي كانا
لا تُفقدينا دُعابات الإمام ولا ... طِيبَ البطالةِ إسراراً وإعلانا
ولا تَخَلُعَنا في غير فاحشةٍ ... إذا تُطَرِّبُنا الطُّنْبُورُ أحيانا
وسَلْسَلَ الرَّطلَ عمرٌ ثمَّ عمَّ بنا السُّ ... قْيَا فألحق أَخرانا بأُولاَنا
سَقْياً لعيشِكِ من عَيشٍ خُصصْتِ به ... دُونَ الدَّساكر من لذّات دُنْيانا
قال: فأمَرَ لي الواثق بِصِلَةٍ سنيّة مجدّدة، واستحسن الشعر، وأمر أن يُغَنَّى فيه.
(1/130)

حانة خُوَيث. وتُعرف بحانة بزيع، وهو خادم المتوكل.
وكانت عزيزة لا يعرض لها أصحاب المعاون. وكانت حسنة البناء، مؤزَّرة مسقَّفة بالساج. وإلى جانبها بستان نَزِه حسن لبَزِيع. وكان يتّخذ فيها آلة الشراب. وكان فيها خمّار يهوديّ، لا يبيع إلا شرابا مختارا سريّاً، لا يبيعه أحد من العامة والوضعاء. وكانت حانته لنُزَه الخاصَّة والسَّراة من الناس. وكانت موصوفة بالحسن والنظافة.
وفيها يقول عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن الزيّات " وكان قد دعاه بَزِيع إليها، ومعهما جِنِّيٌّ الخادم، وكان نهاية في الحسن، وحَسَن الغناء:
سَقَانَا بَزِيعٌ والسِّمَاكُ مُشَرِّقٌ ... ونَجمُ الثُّرَيَّا في السماء مُحَلِّقُ
كُمَيْتاً كَإنَّ المِسْكَ حَشْوُ كؤوسها ... بها الشَّمْلُ مجموعٌ فما يَتَفَرَّقُ
سُلافةُ كَرْمٍ أخْلَصَ الدَّهْرُ لونَها ... يُضيءُ لها الليلُ البهيمُ ويُشْرِقُ
وقلت لجِنِّيٍّ: هَلُمَّ فَغَنِّينِي ... أرِقْتُ وما هذا السُّهاد المؤرِّقُ
فَغَنَّى غناءً حرّك القلبَ حُسْنُه ... ولمّا يُحَرِّكْهُ الشرابُ المُصَفَّقُ
حانة سِجِسْتان. حُكي أن أبا الهندي، لما ضُرب عليه البعث إلى سجستان، كان يلزمها ويشرب عندها مع نديم له. فشربا يوم حتّى سكرا وناما. فلمّا هبّ هواء السِّحر، انتبه أبو الهنديّ، والزقّ مطروح، قد بقي فيه شطر الشراب. فأقامه وصبّ منه في كأس. وجاء إلى نديمه فحرّكه وقال:
تَصَبَّحْ بوجْه الراحٍِ والطائرِ السَّعْدِ ... كُميتاً وبَعْدَ المَزْج في صِفَة الوَرْدِ!
تَضَمّنَها زِقٌّ ازبٌّ كأنّه ... صريعٌ من السُّودانِ ذُو شَعَرٍ جَعْدِ.
ولمَّا حلَلْنا رأْسَه من رِباطِهوفاض دماً كالمِسْك أو عَنْبرِ الهِنْدِ،وجدناهُ في بعض الروابيّ كأنّهأخو قِرَّةٍ يَهتزُّ من شدّة البردِ.
أخو قِرَّةٍ يُبدِي لنا وجه صَفْحةٍ ... كلونِ رقيقِ الجِلْد من وَلَدِ السِّنِد.
حانات الشام: وهي اثنتان: حانة عَزَاز: وكانت بتلّ عَزَاز.
حكى إسحاق، قال: كنت مع الرشيد، حين خرج إلى الرَّقَّة. فدخل يوما يشرب مع النساء. فخرجت ومضيت إليه. فنزلت عند خمَّارة هناك، لها زوج قسٌّ. ولها منه بنت. ولم أر مثلها قطُّ جمالا، ولا مثل بنتها، وأخرجت إليّ شرابا لم أر مثل حسنه وطيب ريحه وطعمه. فأجلستني في بيت مرشوش فيها ريحان غضٌّ. وأخرجت بنتها تخدمني كأنها خوط بان، أو جدل عنان: لم أر أحسن منها قدّا، ولا أسهل خدّا، ولا أشرق وجهها، ولا أبدع طرفا، ولا أحسن كلاما، ولا أتمَّ تماما. فأقمت عندها ثلاثا، والرشيد يطلبني، فلا يقدر عليّ. ثم انصرفت. فذهبت به رسله إليه. فدخلت عليه، وهو غضبان. فلما رأيته، خطرت في مشيتي ورقصت " وكانت في رأسي فضلة قوية من السكر " وغنَّيت في شعر قلته في بيت الخمّارة صنعت فيه. وهو:
إنَّ قلي بالتَّلّ، تلّ عَزَارِ ... عند ظَبْيٍ من الظِّباءِ الجوازي
شادنٌ يسْكنُ الشَّام وفيهِ ... مَعَ شكلِ العِرَاق ظَرْفُ الحجازِ.
يا لَقَومي لبِنْتِ قَسٍّ أصابتْ ... منك صَفْوَ الهَوى ولستَ تجازي!
حَلَفَتْ بالمسيح أن تُنْجِزَ الوعْ ... د، وليستْ تَهْتمُّ بالإنجازِ!
(1/131)

قال: واللحن في هذا الشعر خفيف رمل بالوسطى، قال إسحاق: فسكن غضبه. ثم قال لي: ويحك! أين كنت؟ فأخبرته فضحك وقال: عذر، والله! وإنّ مثل هذا لَطَيِّب، إذ اتّفق. أعد غناءك! فأعدته. فأعجب به، وأمر أن أغنِّيه ليلتي كلها، أعيده أبدا ولا أغنِّي أنا ولا غيري سواه. وأمر المغنِّين بأخذه. فما زلت أغنِّيه ويشرب عليه عند الغداة. ثم انصرفنا. فصلَّيت ونمت. فما استقررت جنبا حتّى وافاني رسول الرشيد، يأمرني بالحضور. فركبت ومضيت. فلما دخلت إذ أنا بابن جامع يتمرّغ على دكّان في الدار، لغلبة النبيذ والسكر عليه. فقال لي: أتدري لم دعينا؟ قلت: لا. قال: نصرانيّتُك الزانية، عليك وعليها لعنة الله! فضحكت. فلما خرج إلينا الرشيد، أخبرته بالقصة. فضحك وقال: صدق. أعيدوه جميعا، ولا تغنوا غيره. فإني اشتقت إلى ما كنّا فيه لمّا فارقتموني. فغنّيناه جميعا يومنا كلَّه، حتّى نام في موضعه، سكرا. ثم انصرفنا.
حانة هُشَيْمَة. وكانت بدمشق. وكانت تخدم الوليد بن يزيد بن شرابه ولتولَّي اتّخاذه له. وكان يقال إنه لم ير أعرف منها به، ولا أنظف آلة وصنعة، ولا البق في الخدمة.
وقد ذكرها يزيد في شعره إذ قال:
قد شَرِبْنا وحَنّت الزُّمَّارة، ... فاسقِنِي يا بُدَيْحُ بالقَرْقاره!
من شرابٍ كأنّه دمُ خِشْفٍ ... عتَّقتْهُ هُشَيْمَة الخمّارة!
اِسْقِني! اِسْقِني! فإنّ ذُنُوبي ... قد أحاطَتْ فما لَهَا كَفّاره!
وعُمِّرت حتّى أدركت الرشيد وماتت في أيامه. ماتت يوم مات الكسائي " النحوي " " والعباس بن الأحنف الشاعر. فصلى " المأمون عليهم.
وها قد ذكرنا ما اتّصل بنا علمه، ووقع إلينا خبره، وبه تم الفصل السادس. وهو آخر فصول الباب الأوّل من القسم الأوّل.
ولله الحمد وبه التوفيق!
(1/132)