Advertisement

رحلة ابن بطوطة ط أكاديمية المملكة المغربية 001



الكتاب: رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)
المؤلف: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، ابن بطوطة (المتوفى: 779هـ)
الناشر: أكاديمية المملكة المغربية، الرباط
عام النشر: 1417 هـ
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] [المجلد الاول]
[مقدمة المحقق]
من حوافز التّفكير في هذا النشر الجديد ...
لقد كان في صدر ما دفعنا لمراجعة الرحلة البحث عن مدى صحة المقولة التي تذكر أنّ الرحلة الموجودة بين أيدينا إن هي إلا" تلخيص" على حد تعبير ابن جزي نفسه، تلخيص من" تقييد" صاحب الرحلة ... وأن هناك أثرا للنص الكامل لذلك التقييد الأصلي ...
وقد دعتنا للبحث حول هذا الموضوع فقرات وردت عند بعض الذين تحدثوا عن ابن بطوطة، نقلوها على أنها من أخباره في الرحلة ...
وقد كان في صدر هؤلاء لسان الدين بن الخطيب 776- 1374 الذي نقل عن شيخه أبي البركات البلفيقي" أن ابن بطوطة أخبر أنه دخل الكنيسة العظمى بالقسطنطينية، وهي على قدر مدينة مسقفة كلّها، وفيها اثنا عشر ألف أسقف ... " «1»
هذا إلى فقرات نقلها أبو الحسن علي التمجروتي عن مدينة قابس في رحلته (997- 1589) وأنها كذا وكذا، ثم إلى فقرات ساقها أبو القاسم الزّياني تتحدث عن" حوار" تم بين ابن بطوطة والسلطان أبي عنان في أعقاب زيارة الرّحالة المغربي لبلاد السودان.
قال الزّياني- نقلا كما يزعم عن البلوي في رحلته-: إن أبا عنان لما أحضر ابن بطوطة بين يديه عاتبه على عدم الاجتماع به لمّا قدم لفاس ... فقال: «يا مولانا إنما أتيت بقصد المثول بين يديك، ولكن لما دخلت المدرسة التي شيدتها ولم أكن وقفت على مثلها فيما شاهدته في المعمور كلّه، قلت: والله لابد لي أن أتمم عملي وأبرّ في قسمي بالوصول إلى أقاليم السودان حتى أشاهده وأقسم أنّ ليس في المعمور كلّه مثلها! فحقق الله ظني وأبرّ يميني، هذا موجب تأخيري عن المثول بين يديك". «2»
وها نحن نرى أولا أن ابن بطوطة في الرحلة التي بين أيدينا يصرح أنه لم يدخل إلى الكنيسة، وإنما دخل حرمها ... وأنه لم يذكر عددا محددا لأساقفتها ... كما أن الرحلة- ثانيا- لم تتحدث عن قابس بمثل ما تحدث به التمگروتي، كما أنها لم تتحدث إطلاقا عن حوار جرى بين السلطان أبي عنان وبين ابن بطوطة على ما زعمه الزّياني «3» ، ونتيجة لكل
(1/9)

ذلك فإن نقل البلفيقي حول الكنيسة ونقل التمگروتي عنه حول قابس ونقل الزّياني عن ذلك (الحوار) ... كل ذلك يبقى في عهدة رواته، سامحهم الله! ولم يسلم ابن بطوطة من الذين تقوّلوا عليه حتى في عصرنا الحديث هذا، فهناك من نقل عنه أنه خرج مغاضبا لذويه وانه لم يكن متعلقا بأسرته! ومنهم من ذكر أنه أي ابن بطوطة تأثر بما قيل إنه حديث (اطلبوا العلم ولو بالصّين) فشدّ الرحلة من اجل ذلك للصين! بل وفى العلماء من نسب إليه حديثه عن البلهارسيا في مصر ... وفي علماء الهند من حكى لي عن وقائع غريبة تروي عن ابن بطّوطة هناك ... !!
غير أنه إذا كان البحث قد أدى بنا إلى أنه ليست هناك زيادات كثيرة على" تلخيص" ابن جزي لتقييد ابن بطوطة، فقد اكتشفنا إضافات فرضت علينا أن نقف أمامها معقّبين أو مصلّحين أو مستدركين. وحملتنا على الاقتناع حقّا بأن نشر الرحلة من قبل الأستاذين ديفريميري (DEFREMERY) وسانگينيتي (SANGUINETTI) في منتصف القرن الماضي معتمدين على المخطوطات الثلاث، أصبح متجاوزا فعلا سيما مع ما عثرنا عليه من تحريف لبعض الكلمات أو نقص في بعض الألفاظ مما سيقع التّنبيه عليه في مكانه بحول الله بعد أن توفّرنا على نحو من ثلاثين مخطوطة ...
وقد كان من حوافز نشر الرحلة كذلك رغبة ملحة في الاستجابة لأمنية غالية شعرت بأهميتها عند ما انتسبت للمؤتمر العالمي للأسماء الجغرافية، تلك هي ضبط المواقع الجغرافية التي ذكرها الرحالة، وهي زهاء ألف علم جغرافي ورد ذكرها في الرحلة إلى القارات الثلاث، وهذه ثروة هائلة كان علينا أن نحافظ عليها كما أداها لنا ابن بطوطة.
نحن نعلم أنّ السبب في تأليف ياقوت الحموي لموسوعته العظيمة: (معجم البلدان) هو ضبط علم جغرافي ورد في حديث نبوي شريف. لقد كان ياقوت بمرو الشاه خان «4» في مجلس يناقش موضوع أسواق العرب في الجاهلية وضبط كلمة (حباشة) حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتّجر لحساب السيدة خديجة، فرأى ياقوت أنها بضم الحاء، ورأى أحد المحدثين أنها بفتح الحاء، فاندفه ياقوت يبحث عن نصوص تؤيد ما ذهب اليه وطال بحثه حتى وقع على ما يؤيد رأيه ... وهنا فكّر في وضع موسوعة لضبط أسماء البلدان والمواقع على ما يقوله هو في المقدمة مغتنما هذه الفرصة ليردّ على المثل القائل: " ما ترك الأول للآخر شيئا"، ومردّدا قوله الجاحظ: ليس هناك أضر على العلم من هذا المثل الذي يفتّر الهمة ويضعف المنّة!! وهكذا جمعت عددا من الخرائط من ذات المقياس الواسع الذي يصل احيانا إلى مقياس واحد على خمسين ألفا. وهنا وجدت نفسي فعلا أنني أمام عالم واسع فسيح الأرجاء..
(1/10)

ولقد حاولنا أن نعيش مع حاضرنا ما أمكن، لذلك تجاوزنا (معجم البلدان) في التعريف ببعض المواقع الجغرافية ... كما حاولنا أن نتجاوز التعابير بالفراسخ والأميال والمراحل وما أشبهها إلى التعبير بالكيلوميترات، والتحديد بخطوط الطول والعرض ما أمكن ذلك.
ولقد كان ابن جزيّ عظيما عند ما كان يلح في معظم الحالات على تحريك الأسماء الجغرافية أي شكلها بالوصف كما عرفنا ... وهي ظاهره كان ابن جزيّ من السبّاقين إليها ...
لقد لاحظ البارون دوسلان De Slane في مقدمته لكتاب المغرب لأبي عبيد البكري أنّ إهمال ضبط كلمة من أربعة أحرف مثل (يعرف) ، عارية من التّنقيط، يمكن أن تصل احتمالات قراءتها إلى ثلاثمائة طريقة!! ونحن مع الأعلام الجغرافية في الرحلة لابد أن نشير إلى بعض الذين علّقوا على الرحلة واصطدموا ببعض الأسماء الجغرافية التي لم يصلوا إلى الحقيقة حولها، أولئك وجدوا من السهل عليهم أن يشكّكوا في مصداقية مرويات ابن بطوطة عوض أن يقوموا بتحقيق تلك الأعلام في عين المكان ودون ما أن يستسلموا لليأس!! ومع هذا فإنه من المفيد أن نعرف أن كثيرا من الذين اشتغلوا بابن بطوطة لم يفتهم أن يوسّعوا دائرة بحثهم حول المناطق التي زارها الرحالة المغربي. وهكذا نجدهم عند حديث ابن بطوطة عن البحرين مثلا يذكرون أن مدلول البحرين بالأمس كان أوسع بكثير مما هو عليه الأمر اليوم، بمعنى أن البحرين كانت تمتد لتشمل دولة الكويت الحالية وتشمل دولة قطر وتمتد إلى الاحساء. ومثل هذا نقوله عند الحديث عن زيارة ابن بطوطة لبعض الجهات في منطقة عمان (بضم العين) حيث نقرأ عن شمول الزيارة لبعض الإمارات العربية المتحدة اليوم: الشارقة مثلا التي تتبعها كلباء وخور فكان كما وقفنا عليها بالعيان! وعند ما يجدون أنفسهم مع ابن بطوطة في آسيا:- مل جاوة- قمارة، طوالسي، نقرأ عن احتمال زيارته للفيتنام، والطايلاند علاوة على الفيليبين واليابان ... ، ومالاكا في ماليزيا،- وسنغافور- والتّبّت- بورما (بره نكار) - الكامبودج والسيام ... وفي مصاحبته للأميرة التركية يبقى علينا أن نعرف عن بعض المناطق التي سلكها وعن حظ بعض دوّل أروبا الشرقية في إفادات ابن بطوطة على ما سنشرحه في التعليقات ...
ومثل هذا نقوله عن زيارته لشرق إفريقيا الذي يحتضن اليوم عددا من الأمم التي لها كيانها الخاص، على نحو ما نقوله عن الدول التي توجد اليوم في إفريقيا الغربية التي كانت خاتمة رحلاته: موريطانيا، السينغال، غامبيا، غينيا، مالي، النيجر ...
وإلى جانب الأسماء الجغرافية التي كان فيها ما يحرّك ... هناك تلك اللائحة الطويلة والعريضة من الأعلام الشخصية للعلماء والملوك والزعماء والقادة والمتصوفة والمحدثين الخ،
(1/11)

كلّ هؤلاء كان علينا أن نبحث عن تراجمهم في مختلف المصادر المشرقية والمغربية: حياتهم، اهتماماتهم، اتصالاتهم ...
وقد كان إلحاحنا على تقديم تراجم الرجال الذين ورد ذكرهم في الرحلة والنساء كذلك ... مناسبة أخرى للتأكد من مصداقية مرويات ابن بطوطة، فقد تضافرت المصادر التي رجعنا إليها عند التحقيق في حياة أولئك الرجال ... ، تضافرت على تزكية ما ورد في الرحلة جملة وتفصيلا حول أولئك الذين كانت لهم فرصة الاجتماع بابن بطوطة أو الاتصال به من بعيد أو قريب. ونرى من واجبنا أن نشيد مرة أخرى بالفائدة الجلّى التي استقيناها من كتاب الدّرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة تاليف شيخ الاسلام شهاب الدّين ابن حجر المتوفى سنة 852، فلكأنما بعث الله هذا الرجل ليكون شاهدا صادقا يؤيد كلّ التأييد مرويات الرحالة المغربي عن شيوخه وشيخاته ... !
وقد تكوّن لدينا من كلّ أولئك الرجال فهرس ثرى يفتح هو ذاته الطريق أمامنا للتعرف على عوالم أخرى. وهكذا تمكنا- والفضل لله- من تصحيح بعض الأسماء التي وردت مغلوطة في بعض المخطوطات أو قرأها بعض الناشرين محرّفة عن الصواب فكتبوها حسبما اتفق لهم ... !! ولم يبق علينا إلّا عدد ضئيل وضئيل جدّا من الأسماء التي لم نستطع أن نصل فيها إلى كلمة فاصلة.
ومن تلك الأعلام الشخصية ما اقتضى منا- على نحو ما كان منا في الأسماء الجغرافية وبعض المصطلحات- تحرير المراسلات وتبادل الخطابات مما كوّن لدينا ملفا ضخما مليئا بالفوائد التي نظل فيها مدينين لمن استجابوا لاستفساراتنا، وكلّ هذا كان الهدف منه محاولة أداء الرسالة الملقاة على كاهلنا. (تراجع الملاحق)
(1/12)

وقد رأيت أنّ مما يقرّبنا إلى الصورة- علاوة على هذا التقديم وعلاوة على التعريف بالأعلام الشخصية وتحديد الأسماء الجغرافية- أن أضع عند بداية كلّ فصل من الفصول الثمان عشرة التي وزّعت الرحلة عليها خريطة جغرافية ترسم معالم الطّريق المسلوك حتى يتسنّى للقارىء أن يستأنس بها لمتابعة خطوات رحّالتنا، على أن أجعل في آخر المجلّدات خريطة شاملة كاملة لمسالك ابن بطوطة من طنجة إلى الصّين. كما رأيت أن أثري كلّ فصل من تلك الفصول بما تيسّر من رسوم وصور تجعلنا تقريبا في الجوّ الذي كان يعيشه ابن بطوطة ... وربّما أضفت إلى بعض العناوين التي فصّل بها المؤلف رحلته بعض ما يكشف المبهم منها أو يشدّ القارئ إليها ...
وقد وجدت نفسي أمام حيرة الاختيار حول أيّة مخطوطة أعتمدها لوضع أرقام تكميلية توثيقية أجعلها على يمين الصفحات لأني اعتمدت- كما سبق أن قلت- عددا من المخطوطات. ولهذا، وحرصا مني على أن تكون الفائدة عامّة وشاملة بالنسبة لكل الذين يهتمون بابن بطوطة منذ أكثر من قرن ونصف القرن ... اخترت بدوري أن أوزع الرحلة على أربع مجلدات وأن يكون الرقم الأساسي هو الذي تحمله المجلدات التي طبعت في باريز عام 1858 لأنها المرجع الأصليّ الوحيد لكل الذين درسوا الرحلة دراسة علمية بمختلف اللغات بمن فيهم بعض الذين درسوها باللغة العربية، من أمثال الزّميلين الراحلين: الأستاذ محمد الفاسي الذي تحدث عن الرحلة في العدد الأول والثاني من مجلة المغرب 1934، والدكتور سليم النعيمي الذي تحدث عنها في مجلة المجمع العلمي العراقي، العدد 24- 25- 26 عام 1974- 75 ...
ثمّ إنّنا بعد هذا وجدنا أن مما يساعد على ضبط الرحلة وتقييد أوابدها أن نقوم- اقتداء بمن سبقونا- على وضع فهرس بل فهارس ترشد لمفاتيحها المتنوّعة. وهكذا خصّصنا مجلدا خامسا لفهارسها التي تجاوزت الثلاثة والثلاثين ... تتناول الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأشعار والقوافي، والأمثال والأقوال السائرة، والأعلام الشخصية والأسماء الجغرافية، وأسماء القبائل والعشائر والأجناس، ثم الأدوات والآلات، والوسائل والمراكب، والأسلحة، والأمراض، والأنهار، والجواهر والحلي، والحيوان، والعطور، والطّعام والشراب، والعادات، وأسماء الكتب، واللّباس والمعلومات، والأسواق، والحصون، والزوايا والرباطات، والقصور والقلاع، والكنائس والأديرة، والمدارس، والمزارات، والمساجد، والمنشآت المتفرقة، والمواد، والنبات، والنقود، والعملات، والألفاظ الحضارية، وكذلك فهرس لموضوعات الرحلة ثم فهرس لمراجع الرحلة علاوة على الملاحق ...
لقد رأينا أن هذه الفهارس والملاحق كانت ضرورية للمساعدة على الاستفادة الكاملة من هذا التراث الغنيّ والضخم الذي هو رحلة ابن بطوطة.
(1/13)

وأخيرا أرى دينا علىّ أن أتقدّم مرة أخرى بالشكر الجزيل والتقدير الجم لكل الباحثين الذين تمكنت بفضل ما سبقوني به- عربا وعجما- من أعمال جليلة عظيمة عمّني نفعها وخيرها، وخطوات رائدة أرشدني قبسها ونورها، وتمكنت عن طريقهم من الإدلاء بدلوي في هذا الموضوع" الشّاق والصّعب" الذي قدرت جيّدا تبعته- وأكاديمية المملكة المغربية نرى نشرها- مذكّرا بأن رحلة ابن بطوطة ستبقى في حاجة أكثر إلى استجلاء غوامضها والكشف عن المزيد من أسرارها وفوائدها ...
وكما كان مني في تأليفي السابقة فإن الشّعار الذي أرفعه وأنا أخوض هذه المغامرة هو نفس الشّعار الذي رفعه قبلي العلامة ابن خلدون الذي اعترف في مقدّمة تاريخه بالعجز وأهاب بمن ياتي بعده- ممّن يزوده الله بعلم صحيح- أن يكمّل ما نقص ويفصّل ما أجمل، ويلحق ما أهمل، ويصلح ما أغفل، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
فيلّا بغداد- الرباط 15 يونيه 1996- 28 محرم 1417 د. عبد الهادي التازي.
(1/14)

المخطوطات الثلاثون للرحلة
(1/15)

مخطوطات رحلة ابن بطوطة لقد وقفت على عدد كبير من مخطوطات الرحلة في شتى الجهات، وسأقوم بتقديم عرض لما وقفت عليه منها أملا في أن يأخذ الباحث- عند الاقتضاء- فكرة عن أصولها جميعا ...
1- مخطوطة خزانة جامع القرويين بفاس رقم 561:
أذكر أن أبرز جهة ورد على بالي أن أقصدها ليس فقط لأنها قريبة إليّ، ولكن كذلك لأنها محطة الحدث! تلك هي مدينة فاس التي ألقى فيها ابن بطوطة عصا التّسيار على حد تعبير ابن جزي في مقدمته للرحلة- وقد أخذني العجب- وأنا أعد أطروحتي عن جامعة القرويين وخزانتها العلمية- «1» أن أقف على عدد من المخطوطات التي كانت مرجعا للباحثين هناك في الخزانة والتي كان من بينها بعض أسفار تاريخ ابن خلدون التي حبسها على الخزانة المذكورة وعليها خطه عام 799- 1397، ولكني لم أعثر من نسخ رحلة ابن بطوطة التي ألّفت بأمر السلطان أبي عنان إلّا على السفر الثاني من الرحلة (رقم 561) وهو متلاش مبتور الأواخر ... وعار عن وثيقة التحبيس التي يمكن أن تكون على صدر السفر الأول ... !
وأول الموجود منه:" ولما كان بتاريخ الغرة من شهر الله المحرم مفتتح عام أربعة وثلاثين وسبعمائة وصلنا إلى وادي السند المعروف ببنج آب ... وآخره في هذه النسخة الناقصة" ذكر وصول الامر الكريم إليّ ... " أوراق هذا المخطوط 110، ومستطرته 25، مقياسه 27 على 18.
فأين هي تتمة هذه النسخة؟ بل أين هي النسخ الأخرى التي كان من المفروض أن تتوفر عليها خزائن فاس؟ ذلك ما سنقرأ الجواب عنه في الكلمة التي كتبها زميلنا الراحل الأستاذ محمد العابد الفاسي محافظ الخزانة عند ما بكى ضياع الكثير من كتب الخزانة التي لم يبق لها أثر اليوم وأغلبها من وقف بني مرين «2» ...
(1/17)

مخطوطة خزانة جامع القرويين رقم 561- الورقة الأولى من السفر الثاني.
(1/18)

الورقة الأخيرة من مخطوطة خزانة جامع القرويين
(1/19)

2- مخطوطة الخزانة الحسنية «3» رقم 8488:
تضم هذه المخطوطة السفر الأول، وتقع في 229 ورقة (كل ورقة فيها صفحتان) مسطرتها 19 سطرا، ومقياسها 22- 5. 16، مكتوبة بخط مغربي مجوهر جميل، وتوجد بأطرافها خروم شديدة، مجلدة بغلاف أحمر، ولكنّها مخيطة على غير ترتيب! بالرغم من أنها مرممة بعض الشيء. وتعتبر هذه النسخة، في نظري، في صدر النسخ الصحيحة التي وقفت عليها واعتمدتها كذلك على ما سنرى، مضبوطة، ولو أنها مبتورة مع الأسف في بعض جهاتها حيث نجد بتورا في صفحة 111 أثناء حديث ابن بطوطة عن الصّراع بين الشيعة والسنة في شيراز: حوالي ست صفحات، كما نجد بترا في صفحة 176 وابن بطوطة في مدينة مطرني في آسيا الصّغرى ...
وعلى خلاف كلّ النسخ التي تنسب المقدمة، خطأ، إلى ابن بطوطة عند بداية الكتاب، فقد كتب على رأس ديباجة الصفحة الأولى ما يأتي:" ... الشيخ «4» الفقيه الكاتب البارع الناظم ... عبد الله محمد بن الشيخ الفقيه ... العالم المتفنن أبي القاسم محمد ... الكلبي الغرناطي عفا الله عنه".
وهذه النّسخة لا تحمل تاريخا وهي تمضي كسائر النسخ إلى نهاية السفر الأول:
" ومن هنالك بعث المخبرون بخبرنا إلى أرض الهند وعرّفوا ملكها بكيفية أحوالنا. وهاهنا ينتهي بنا الكلام في هذا السّفر ... "
3- مخطوطة الخزانة الحسنية بالرباط رقم 4355:
هذه مخطوطة ثانية للسفر الأول من رحلة بن بطوطة تحمل على خلاف المعتاد اسم:
(نزهة الخواطر وبهجة الأسماع والنواظر) ، وتقع في 99 ورقة كبيرة، مسطرتها بين 18 و 19 و 24، مقياسها 32- 8. 20 بخطّ مغربي كذلك. كتبت على الصفحة الأولى عبارة (ياكيكتج احفظ هذا الكتاب «5» ) . ولا يحمل هذا السّفر تاريخا للنسخ «6» . وقد تم البيع الأول فيه بتوقيع العدول واشتراه الفقيه عبد الواحد الشفشاوني من الفقيه عبد القادر الغزواني.
(1/20)

الورقة الأولى من مخطوطة الخزانة الملكية (الخزانة الحسنية) رقم 8488، وتعتبر في صدر النسخ الموثوقة وربما كانت بخط ابن جزي
(1/21)

الورقة الأخيرة من مخطوطة الخزانة الملكية رقم 8488
(1/22)

4- مخطوطة الخزانة الحسنية رقم 3631:
مخطوطة ثالثة من هذا السفر الأول من الرحلة تقع في 205 ورقة، مسطرتها 16 سطرا، مقياسها 23 على 17، مكتوبة بخط مغربي، كثيرة الخروم في سائر أطرافها.
وهي تحمل في رأس الصفحة الأولى ما يلي:" قال الشيخ الإمام العالم الأوحد أبو العباس سيدي أحمد بن بطوطة رحمه الله" وقد نسخت بثغر تطاون أوائل المحرم عام اثنين وأربعين وألف. وتحمل الورقة الأولى كذلك عبارة يا كيكتج! وعلى الهامش الأيمن لهذه الصفحة صفقة شراء مؤرخة في رمضان سنة 1194، وهي مطابقة في نصها وترتيبها مطابقة تامة للنسخ المعهودة، بدءا ونهاية.
5- مخطوطة الخزانة الحسنية رقم 8218:
وهذه جزء من الرحلة يقع في 151 ورقة، مسطرته 14 سطرا، مقياسه 26 على 17، مكتوب بخط مغربي واضح وبأطرافها خروم شديدة، وهو يبدأ فقط من اجتماع الرحالة بناسك عبادان الذي دعا لابن بطوطة بأن يبلغه الله مراده في الدنيا والآخرة.:" فقد بلغت- يقول ابن بطوطة- بحمد الله مرادي في الدنيا وهو السياحة في الأرض وبلغت من ذلك ما لم يبلغه غيري فيما أعلمه، وبقيت الأخرى، والرجاء قوي في رحمة الله وتجاوزه وبلوغ المراد من دخول الجنة".
6- مخطوطة الخزانة الحسنية رقم 356:
وهذه مخطوطة غابت عن تدوين الأستاذ عنان رحمه الله، وهي تقع في مجلدين أحمرين، عدد أوراق الأول منهما 209 بينما عدد أوراق الثاني 158 ورقة، مسطرتها 33 سطرا ومقياسها 26 على 18.
وقد ورد في نهاية السّفر الأول ما يلي:" انتهى في منسلخ محرم سنة 1125" وقد كتب التاريخ بالخط الفاسي أو القلم الرومي: ع- س صى هـ، وبعد هذا يأتي تاريخ نسخ السّفر الثاني:" انتهى الكتاب في منتصف المحرم من نفس السنة"، وقد كتب التّاريخ بنفس الخط الفاسي «7» .
(1/23)

المخطوطة رقم 3631 من الخزانة الملكية وهي تسمي ابن بطوطة أحمد وتكنيه أبا العباس
(1/24)

الورقة الأخيرة من المخطوط رقم 356 من الخزانة الملكية حيث يلاحظ التاريخ بالقلم الفاسي أو القلم الرومي، آخر السفر الأول وآخر السفر الثاني.
(1/25)

7- مخطوطة الخزانة الحسنية رقم 151:
وهذه نسخة أيضا غابت عن ذكر الأستاذ عنان، نسخة جيدة الخط، ولكنها أحيانا في منتهى التعب، خيطت خياطة سيئة بحيث تجد أوراقا منها تتصل بالسفر الثاني حتى يصل إلى السودان صفحة 136، وهنا ينتقل إلى السفر الأول حتى يصل إلى نهايته!! ص 310 وتتخلل هذه المخطوطة أوراق تحتوي على فوائد لا صلة لها بالرحلة! ومن الطرر التي نقرأها على هامش المخطوطة حديث عن الفدية المالية العظيمة التي تبرّع بها السلطان أبو عنان لتحرير طرابلس من هيمنة احتلال جنوة حيث نقرأ:" يدخل في كلّ شهر لبيت مال المسلمين على يد مولانا إسماعيل ابن الشريف نصره الله أكثر من هذا العدد المذكور الذي تعجب منه مؤلف الأصل".
ومعنى هذا أن تاريخ النسخة يرجع لعهد السلطان مولاي إسماعيل الذي استمر حكمه من 1082 هـ إلى 1139 هـ. أوراقها 316، مسطرتها 20، مقياسها 24 على 17.
8- مخطوطة الخزانة الحسنية رقم 3030:
وبعد هذا نقف على نسخة كاملة موثّقة لابن بطوطة، ويتعلق الأمر بالنسخة التي كانت تقرأ بمجالس السلطان المولى الحسن (الأول) والتي كان يعلق عليها عمّه الأمير المولى العباس أثناء القيام ببعض الحركات السلطانية عام 1294- 1877. «8»
لقد كنت أرجع إلى هذه النسخة عند الحاجة لأنها أولا لم تنسب في ديباجة الورقة الأولى من السّفر الأول،" المقدمة" التي كتبها ابن جزي إلى ابن بطوطة! وكان هذا عندي دليلا على مصداقيتها! ثم إنها كانت النسخة المسلوكة قبلي من لدن مولاي العباس الذي نعلم أنه، إلى وظيفته كقائد أعلى للجيش المغربي في فترة حرب تطوان، كان على قدر كبير من الثقافة والدبلوماسية. ولعل من المفيد أن نشير إلى طرة هامة للأمير مولاي العباس وهو يقرأ عن العطاء السخي للسلطان أبي عنان حتى يحرر طرابلس.
وجاءت أهمية الطرة من أن مولاي العباس كان هو الواسطة بين المغرب وإسبانيا في أداء المغرب عشرين مليونا من الريالات حتى ترحل إسبانيا عن تطوان التي كانت احتلتها عام 1860 ... قالت الطرة:" ... واستعظمت الناس ذلك (العطاء من المغرب) جهلا بالواقعة، وما دروا أنه لو بقى الأمر على حاله لعرفت البلاد الوبال ... !! " ومن الطريف أن نجد طرة أخرى
(1/26)

ورقة من المخطوطة رقم 151 من الخزانة الحسنيه،
(1/27)

المخطوطة رقم 3030 التي كانت تصحب تحركات السلطان مولاي الحسن وتحتوي على تعليقات بخط الأمير مولاي العباس قائد الجيش المغربي في حرب تطوان. الورقة الأولى من السفر الأول.
(1/28)

الورقة الأخيرة من السفر الثاني من المخطوطة 3030
(1/29)

تقول في آخر ورقة من المخطوط:" الحمد لله فرغنا من مطالعة جميع الرحلة المباركة في يوم الأربعاء الخامس من شهر شعبان عام أربعة وتسعين ومائتين وألف (15 غشت 1877) بمحلّة مولانا أمير المؤمنين المؤيد بنصر الله الكريم المتين مولانا الحسن بن أخينا سيدي محمد رحمه الله، أدام الله نصره في الخافقين وأعانه بمنه آمين وأعلى مناره في علّيين، ببلاد زمور بقرب؟ ضاية رومي ... "
عدد أوراق المخطوط بسفريها 714، مسطرتها 21 مقياسها 29 على 21.
9) مخطوطة الخزانة العامة «9» رقم 2399/ك:
هي السّفر الثاني من الرحلة وكانت في الأصل ملكا للخزانة الكتانية، ولذلك يرمز لها بحرف الكاف. أوراقها تصل إلى 360 ورقة، مسطرتها 19 سطرا، مقياسها: 24- 18.
النسخة خيطت بالغلط على نحو النسخة السابقة التي تحمل في الخزانة الحسنية رقم 8488، وهي مبتورة الأول على عادة معظم المخطوطات، لكن البتر البيّن فيها والذي كان على ما يبدو متعمدا هو الذي يتصل بزيارة ابن بطوطة للأندلس. وموضوع الزيارة هذا هو الذي اهتم به المستشرق المعروف الأستاذ ليفي بروفنصال الذي كان على ما نعلم، صديقا للشيخ عبد الحي الكتاني. فلا يبعد أن يكون الشيخ أعاره هذه الورقات الخاصة بالأندلس فلم يعدها بروفنصال إلى صاحبها على عكس ما كان بالنسبة لمخطوطة صلة الصلة لابن الزبير «10» وهذه النسخة الكتانية لها شبه بالنسخة التي تحمل رقم 8488 في الخزانة الحسنية في ضبطها وتوثيقها وتصحيحها اعتمادا على النسخة الأصلية على ما يبدو من بعض الهوامش التي كتبها الشيخ الكتاني رحمه الله ...
(1/30)

مخطوطة الخزانة العامة رقم 2399/ك، وتقتصر على السفر الثاني، وتعتبر من أوثق النسخ وأقربها إلى عصر المؤلف ... مبتور الأول ... والوسط، الورقة الأولى.
(1/31)

الورقة الأخيرة من مخطوط الخزانة العامة رقم 2399/ك
(1/32)

10- مخطوطة الخزانة العامة رقم:D 2541
هذه نسخة" كاملة" بالخزانة العامة لكنها تبتدىء بنسبة المقدمة لابن بطوطة! " قال الشيخ الفقيه السائح الثقة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي شمس الدين ابن بطوطة المعروف بالشريف الغرناطي تغمده الله برحمته".
وكان الفراغ من انتساخ السّفر الأول يوم 20 محرم 1133 وانتهى نسخ السفر الثاني صبيحة يوم الخميس الرابع من صفر الخير عام ثلاث وثلاثين ومائة وألف ...
عدد أوراقها: 499، مسطرتها 32 سطرا ... مقياسها 28/21.
11- مخطوطة الخزانة العامة 247 ق:
هذه المخطوطة" مما امتن الله به على الزاوية الناصرية" اكتمل نسخها يوم الأحد مستهل شهر رجب الفرد المبارك عام ستة وعشرين وتسعمائة عرّفنا الله خيره".
ويلاحظ حرف (القاف) الذي يقترن بالرقم- وهو يشير للأوقاف-. والمخطوط فعلا من مخطوطات الأوقاف على الزاوية المذكورة.
نسخة مكتوبة بعناية كبيرة، وقد صورت بالميكروفيلم الذي يحمل رقم 325.
عدد أوراق المجلد 452، مسطرته 19، مقياسه 29 على 20. وتحمل هذه النسخة الناصرية عددا من الطرر المفيدة والطريفة، فقد علق صاحبها مثلا على قول: إن أم المؤمنين عائشة سمعت الحديث في موضع بجامع دمشق: قال: إن هذا خطأ صراح! فإن عائشة توفيت قبل بناء المسجد بمدة كثيرة ... والعجب من ابن جزي كيف أثبت هذا مع علمه واطلاعه. وكتبه محمد المكي بن محمد ناصر الذي كان بفاس عام 1160، ولقى شيخه الأديب محمد ونّان التواتي الملّوكي «11» .
12- مخطوطة الخزانة العامة 248 ق:
هذه المخطوطة مما" نسخ لخزانة مولانا السلطان أمير المسلمين أبي عبد الله محمد الشيخ من دولة بني وطّاس نصر الله أعلامه وأمدّ في خير وعافية أيامه" ... فهي تحمل تاريخ شهر رمضان المعظم من سنة تسع وثمانين وثمانمائة: 889. والغريب في هذه النسخة أنها تشعرنا بأن كتاب الرحلة قسم على أسفار وليس على سفرين، وهكذا فإن هذا السفر الذي نعت بالثاني إنما هو تكملة للجزء الأول فهو يبتدئ بأخبار سلطان شيراز ...
(1/33)

المخطوطة رقم 2541/د- وهي تنعت ابن بطوطة بالشريف الغرناطي؟
(1/34)

المخطوطة رقم 247 ق- من الخزانة العامة، وقد كانت تابعة للزاوية الناصرية في تامگروت جنوب المغرب، وتعتبر من النسخ المصححة.
(1/35)

الورقة الأخيرة من المخطوطة رقم 248 ق، السفر الثاني، نسخت برسم السلطان محمد الشيخ من دولة بني وطّاس.
(1/36)

وحتى نعرف عن مدى اهتمام الملوك الوطاسيين بالرحلة وتيسيرها للعامة لقراءتها، وجدنا أن هذه النسخة المخصصة للخزانة الملكية «12» تشكل شكلا تاما ... ويلاحظ أن عليها طابع الزاوية الناصرية، وكانت تحمل فيها رقم 1070. وتعتبر هذه النسخة من أقدم النسخ التي تتوفر عليها الخزائن المغربية. ويحمل الميكروفيلم لهذه المخطوطة رقم 326.
ويدل بعض أوراقها، بما تحمله من تعاليق وطرر، على أن الحجاج المغاربة وخاصة منهم المثقفين كانوا يصحبون معهم رحلة ابن بطوطة للاستئناس بها.
عدد الأوراق 262 المسطرة 17 المقياس 28- 17.
13- مخطوطة خزانة وزّان 31:
هذه نسخة تحتوي على السّفرين الاثنين من الرحلة، كنت وقفت على أثرها منذ صيف 1941 لما زرت خزانة وزان لأول مرة أيام قاضي المدينة الفقيه ابن جلون رحمه الله وكتبت عنها مذكرة ما تزال ضمن مقيداتي.
ويبتدئ السّفر الأول بعد البسملة على العادة هكذا:" قال الشيخ الإمام الفقيه الصالح الثقة أبو عبد الله بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة رحمه الله ورضي عنه ... "
وقد كانت في ملك بعض الأشراف من أهل وزان: محمد بن عبد الجبار بن علي بن أحمد وانتقلت إلى ولده محمد ثم دخلت في أحباس المسجد الأعظم بالشراء من ورثة الشريف أعلاه ...
وينتهي السفر الثاني بذكر تاريخ النسخ الذي هو سنة 1211، أوراقها: الأول 201 ورقة، والثاني 124 ورقة (كل ورقة بها صفحتان) مسطرتها 19 مقياسها 22- 17.
14- مخطوطة خزانة مراكش رقم 412:
هذه النسخة الأنيقة تحتوي على السّفرين معا في مجلّد واحد" وكان الفراغ من تسويدها لستّ ليال خلون من جمادى الأولى صبيحة يوم الجمعة سنة تسع ومائة وألف.
وبالنسخة خروم" قليلة في الصفحات الأولى، وكانت حبسا عام 1158 من السلطان مولاي عبد الله على مسجد القطب سيدي أبي العباس أحمد السبتي دفين مراكش عام 601 هـ.
(1/37)

الورقة الأولى والأخيرة من مخطوطة خزانة المسجد الأعظم لمدينة وزان رقم 31 وهي تحتوي على السفرين كاملين، وكانت ملكا للشريف سيدي محمد بن عبد الجبار بن علي بن أحمد الوزّاني.
(1/38)

مخطوطة ابن بطوطة التي حبسها السلطان مولاي عبد الله بن اسماعيل على جامع سيدي أبي العباس بمراكش وهي بخزانة كلية ابن يوسف رقم 412 الورقة الأولى.
(1/39)

الورقة الأخيرة من مخطوطة خزانة كلية ابن يوسف
(1/40)

أوراقها 248، مسطرتها 24 سطرا، مقياسها 28 على 18. على ما في فهرس مخطوطات خزانة ابن يوسف بمراكش الذي حرّره الأستاذ الراحل الصّدّيق بلعربي رحمه الله! ...
15- مخطوطة المكتبة الوطنية بباريز رقم 2289- 910:
هذه المخطوطة- وما بعدها- كانت تابعة للخزانة الملكية الفرنسية (Royale) (Bibliotheque وتحمل طابعها القديم.
والمزية الأولى لهذه النسخة أنها من أكمل وأضبط النسخ باستثناء الديباجة «13» التي أقحمت في فاتحة الرحلة، وبغير خطّها الأصلي! والتي تزعم أن" المقدمة" هي من قول ابن بطوطة مع أنها- كما هو واضح- من عمل الكاتب ابن جزي ... فلو أن الناشرين الفرنسيين الأوّلين: ديفريميري وسانگينيتي استغنيا عن تلك الديباجة على الطفيلية على المخطوطة أو نبّها على الأقل لتفاهتها لجنّبا كلّ الذين نقلوا عنهما تكرار هذا الخطأ على ما سنرى.
وتحمل هذه النسخة رقم 2289 الذي يوازيه رقم إضافي Sup 910 إلى جانب كلمة."Arabe "للتمييز بين اللغة العربية وباقي مخطوطات اللغات الشرقية التي تصل في المكتبة إلى نحو 80 لغة! وقد ختم السّفر الأول بهذه الكلمات" وكان الفراغ من كتابة هذا السفر المبارك (الأول) في يوم الاثنين وهو أول يوم من محرم الحرام عشية من عام 1180 ثمانين ومائة وألف (9 يونيه 1766) على يد العبد الفقير ... محمد بن أحمد بن قاسم بن محمد ساسي البوني التّميمي ... وقد كتبت أكثره وأنا بحال مرض نسأل الله الشفاء" ... بينما ختم السفر الثاني بهذه الكلمات:" كمل السفر الثاني من (الدرر الملقوطة من رحلة ابن بطوطة) على يد العبد الفقير محمد بن أحمد ... بن محمد ساسي بن إبراهيم بن محمد بلعيد ... شفاه الله من جميع الأسقام ... وكان ذلك صبيحة يوم الحادي عشر من صفر الخير من عام ثمانين ومائة وألف".
(1/41)

المخطوطة الباريزية 2289/910- من أكمل النسخ وأضبطها، يلاحظ أن خط الديباجة يختلف عما يليها- الديباجة تنسب- خطأ- المقدمة إلى ابن بطوطة مع انها لابن جزي.
(1/42)

المخطوطة 2289: الدّرر الملقوطة ...
(1/43)

وهي تحتوي على 153 ورقة (كل ورقة تحتوي على صفحتين) مسطرتها 31، مقياسها 30- 20.
16- مخطوطة المكتبة الوطنية بباريز رقم 2287- 909.
وهذه النسخة بسفريها كانت ملكا لشخصية فرنسية معروفة: دولا بّورط (Delaporte) الآتي الذكر. وتحتوي المخطوطة التي تحمل كذلك رقما إضافيا -Sup 909 على أوراق عددها: 206 (كل منها يضم صفحتين) ، مسطرتها 28 سطرا، مقياسها 29 على 20.
ولا يحتوي السّفر الأول ولا الثاني على إشارة لتاريخ النسخ، وإنما يكتفي الناسخ بالدعاء في السفر الثاني- الذي يحمل عنوان: (نزهة النّواظر وبهجة المسامع والنّواظر) - لمن قرأها وسعى في انتساخها ... بما يعبّر عن رضى الناس على الرحلة ...
17- مخطوطة المكتبة الوطنية بباريز رقم 2288- 911
وهذه النسخة ضاعت منها الورقة الأولى والورقتان الأخيرتان علاوة على بعض البتر والتحريف، وهي تحمل كذلك رقما إضافيا Sup 911 وتحتوي على 160 ورقة، مسطرة 27 سطرا، مقياسها 30 على 20.
ولا تحمل خاتمة السفر الأول تاريخا ... بينما يحمل أول السفر الثاني اسما كذلك للرحلة على نحو سابقه وهو (نزهة النواظر وبهجة المسامع والنواظر «14» ) وهو اسم يضاف إلى الاسم الآخر الذي مرّ بنا: (الدرر الملقوطة من رحلة ابن بطوطة) .
18- مخطوطة المكتبة الوطنية بباريز رقم 2290- 908
تبتدىء هذه النسخة التي تقتصر على السفر الأول بفهرست الرحلة: العناوين وأرقام الصفحات بالأرقام الهندية مما يرجح لديّ أن دولابّورط أتى بها من بلاد كانت تحت الحكم العثماني ... ولها رقم إضافي أيضا هو.Sup 908
تحتوي على مائتي ورقة (كل ورقة بها صفحتان) مسطرتها 20 سطرا، المقياس 31 على 21. وقد نص في اخرها على أن نسخها تم أواسط صفر سنة 1134 ... (النصف الأول من دجنبر 1721) ، وذكر في أول الصفحة أن المقادير ساقتها إلى نوبة سالم بن الحاج يحيى السّاسي (؟) بالشراء الصحيح ... بتاريخ أوائل شعبان في السنة الثانية من العشرة الثانية من المائة الثالثة من الألف الثانية 1212.
(1/44)

مخطوطة باريز 2287/909- يلاحظ عدم نسبة المقدمة لابن بطوطة ومعنى هذا أنها لابن جزي ... - الورقة الأولى لبداية السفر الأول ... -
(1/45)

الورقة الأولى من السفر الثاني مخطوطة باريز رقم 2287/909. تحمل اسم نزهة النواظر
(1/46)

مخطوطة باريز 2288/911- مبتورة الأول
(1/47)

يحمل أول السفر الثاني اسم (نزهة النواظر)
(1/48)

مخطوطة باريز 2290/908- تقتصر هذه المخطوطة على السفر الأول، ويلاحظ أن الديباجة لا تنسب لابن بطوطة! - الورقة الأولى.
(1/49)

الورقة الأخيرة من مخطوطة باريز 2290/908
(1/50)

19- مخطوطة المكتبة الوطنية بباريز رقم 2291- 907:
تضم هذه النسخة السفر الثاني من الرحلة، وتعرف على الخصوص بمخطوطة دولابّورط (Delaporte) كما هو مكتوب بالفرنسية على ظهر الورقة الأولى، ودولابّورط هذا مستعرب فرنسي تقلب في عدة وظائف هامة وخاصة ببعض البلاد العربية مثل مصر وليبيا والجزائر ... وكان منها المغرب:
أولا بطنجة التي عمل فيها كقنصل مساعد أيام السلطان مولاي سليمان (1206- 1238 هـ) ، حيث اجتمع في خريف 1828 مع روني كايي العائد من تنبكتو، وهو الذي صحب السّفير الفرنسي الكونط دومورني إلى مكناس حيث تم استقبال السفارة الفرنسية في مارس من لدن السلطان مولاي عبد الرحمن.
وثانيا في مدينة الصويرة عندما أصبح قنصلا هناك حيث نجده صحبة اليوتنان كولونيل البارون دولاري (De Larue) المبعوث إلى مكناس عام 1836 أيام السلطان مولاي عبد الرحمن لتقديم احتجاج فرنسا على العاهل المغربي الذي ما انفكّ يساعد ثورة الأمير عبد القادر، حيث نرى السلطان يعهد إلى الوزير محمد الطيب البياز بمتابعة المفاوضات مع البعثة الفرنسية «15» .
فيترجح لديّ أنه عندما كان بالصّويرة تمكن من الحصول على هذا السفر الثاني من رحلة ابن بطوطة، فلقد أمست الصويرة منذ تأسيسها من لدن الملك محمد الثالث تتوفر على مجتمع علمي ثقافي مهتم بالتراث المغربي ...
وقد علق فهرس المكتبة الوطنية الذي ألفه البارون دوسلان بما يفيد أن هذا السفر ربّما كان بخط ابن جزي، حيث إنه يتميز عن غيره من سائر النسخ بأنه ينص في آخره على عبارة لا توجد في غيره، وهي تقول:
" وكان الفراغ من كتبها في صفر عام 757 عرف الله من كتبها «16» ... "، والقصد إلى جملة" عرف الله من كتبها" ومع اعتقادنا بأن هذه النسخة ربما كانت من أقدم ما وصلنا من الرحلة إلا أن بعض الأخطاء الإملائية واللغوية التي توجد فيها ربما تبعد القول بأنها بخط الكاتب ابن جزي سيّما ولم يتيسّر لي أن أقف على خط ابن جزي في تأليف من تأليفه ... !
(1/51)

مخطوطة باريز 2291/907- تعرف بمخطوطة (دولابورط) الدبلوماسي الفرنسي الذي حصل عليها من الصّويرة.
- يذكر أنها ربما كانت بخط ابن جزي ... -
(1/52)

الورقة الأخيرة من مخطوطة باريز رقم 2291/907
(1/53)

20- مخطوطة دار الكتب، تونس رقم 5048 ب:
وقفت على هذه المخطوطة في عين المكان «17» ، وهي نسخة جيّدة، وجاءت جودتها من أنها كانت ملكا لأحمد باشا باي صاحب كرسي تونس الذي حبّسها على" من له أهلية الانتفاع بها ولو استنساخا"، بتاريخ أواخر رمضان المعظم من عام 1256، أواخر نونبر 1840.
وقد ختم السفر المكتوب بخط مغربي بإعطاء اسم جديد للرحلة سبق أن سمعناه وهو:
" الدرر الملقوطة من رحلة ابن بطوطة".
وقد اهتم مالك المخطوطة بالتعريف ببعض المواقع الجغرافية بما ينقله عن بعض المصادر المتداولة مثل كتاب فتوح إفريقية أو المسالك والممالك أو شرح المقامات للشريشي ...
صفحات المخطوطة، 263 مسطرتها 33، مقياسها 27- 19.
21- مخطوطة مدريد التي اعتمدها دوزي (Dozy) .
أثار انتباهي لهذه النسخة حديث المستشرق الهولاندي المعروف، رينهارت دوزي (Dozy) عنها في كتابه" المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب" الذي ترجمه الباحث العراقي د. أكرم فاضل «18» . عندما ذكر أن دي گايانگوس (De Gayangos) أعاره النسخة النفيسة لرحلة ابن بطوطة التي يمتلكها هو ... " إن هذا الكتاب، يقول دوزي- من النسق الرفيع، أما المختصر المترجم من قبل القس صموئيل لي (Lee) فإنه لا يعطينا إلا فكرة ضعيفة كلّ الضعف عن أهمية الكتاب الأصلي".
ومن هنا اتجهت إلى زملائي في ليدن الذين أشاروا علي بالتحوّل إلى مدريد للاتصال بالأكاديمية الملكية للتاريخ (Real Academia de La Historia) التي استجابت لرغبتي مشكورة بفضل مساعدة زميلي الراحل إيميليوگارسيا گوميز.
هذه النسخة، يحتوي السفر الأول منها على 331 صفحة بينما يحتوي السفر الثاني على 245 صفحة، مسطرتها 21 سطرا، مقياسها 28 على 13. خط مغربي واضح، وتبتدىء بعد البسملة والتصلية هكذا وعلى العادة:
«قال الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة رحمه الله ... »
وتختتم الرحلة بالحديث عن تاريخ تقييد ابن بطوطة لرحلته. وقد نص على أن ناسخ الرحلة هو" أحمد بن عبد الرحمن المغيلي غفر الله ذنوبه وغفر لوالديه ... ولكاسبه وقارئه ولمن سعى في كتبه ... بتاريخ ثامن من صفر الخير عام تسعة وثلاثين ومائة وألف": 5/10/1726.
(1/54)

مخطوطة دار الكتب التونسية رقم 5048 ب- وقد كانت في ملك أحمد باشا ... -
(1/55)

يختتم السفر الثاني من مخطوطة تونس 5048 بإعطاء اسم جديد للرحلة: الدّرر الملقوطة ...
(1/56)

مخطوطة كايانكوس التي اعتمدها دوزي، نسخة لا تحمل رقما، وقد حصلت عليها من الأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد بمساعدة الزّميل الراحل إيميليو گارسيا گوميز وتحمل تاريخ 8 صفر الخير سنة 1139.
(1/57)

الصفحة الأخيرة من مخطوطة كايانگوس
(1/58)

22- مخطوطة الاكاديمية العلمية في لشبونةA 1254
وقد وقفت على المخطوطة التي طالما تحدث الباحثون عنها، ويتعلق الأمر بالنسخة التي اقتناها الأب خوسي دي سانطو أنطونيو مورا (Jose de Santo -Antonio Moura) من مدينة فاس أثناء وجوده ضمن سفارة وردت من البرتغال عام 1797- 98 1211. وقد ترجم قسما منها إلى البرتغالية. وقفت عليها في يناير 1993 بالأكاديمية العلمية في لشبونة «19» ...
والمهم أن نعرف أن المخطوطة هذه تنسب المقدمة لصاحبها ابن جزيّ، وقد نسخت في (تنبكتو) المحروسة، وقد وافق الفراغ منها أواسط رجب عام ثلاثة وأربعين وألف (أواسط يناير 1634) في عهد الدولة السعدية أي أيام الوليد بن زيدان ابن أحمد المنصور الذهبي (1040- 1045- 1630- 1635) «20» .
ومعنى هذا أيضا أن مخطوطة ابن بطوطة كانت معروفة بل مطلوبة في تنبكتو وبلاد التكرور، وهو الامر الذي يفسّر لنا قيام أبي عبد الله محمد الولّاتي بترجمة لابن بطوطة في كتابه: (فتح الشكور في معرفة أعيان التكرور) ، ترجم له ولو أنه أي ابن بطوطة ليس من تلك الجهات، تكريما له وتقديرا لمقامه وتخليدا لزيارته لتلك الديار علاوة على أصرة" الولّاتية" التي تجمع بينهما!
23- مخطوطة الشيخ حمودة:
وهناك مخطوطة للشيخ حمودة بن لفغون شيخ الإسلام سابقا في قسطنطينة (الجزائر) ، وقد نسخت بتاريخ 22 شوال 1160- 17 أكتوبر 1747 م، وأشار إليها الناشران الفرنسيان: ديفريميري وسانكينتّي في مقدمة ترجمتهما للرحلة، وردّد ذلك فانسان مونطي في مدخله الجديد للرحلة
24- مخطوطة اللّمسي
وقد أهدى لي الزميل التونسي الأستاذ الحبيب اللمسي صاحب دار الغرب الاسلامي في بيروت، صورة مخطوطة للرحلة يمتلكها تقع في سفرين مختلفي الخط، ورقاتها من طول 21 على 14، مسطرتها: السفر الاوّل 21 بينما كانت مسطرة الثاني 17، وهكذا فإن صفحات الأول تصل إلى 320 بينما تبلغ صفحات السفر الثاني 356.
(1/59)

مخطوطة الأكاديمية العلمية بلشبونة A 1254 ,وقد كانت ضمن المعروضات في أوائل مايه 1995 بمناسبة انعقاد اجتماع أكاديمية المملكة المغربية في العاصمة البرتغالية كما أسلفنا- الورقة الأولى من المخطوطة ... -
(1/60)

الورقة الأخيرة من مخطوطة الأكاديمية العلمية بلشبونة وقد نسخت في تنبكتو
(1/61)

الورقة الأولى من مخطوطة الحبيب اللمسي ويلاحظ فيها عدم نسبة المقدمة لابن بطوطة ...
(1/62)

كانت المخطوطة في ملك الحاج محمد بن حسين العريبي القلّال عام 1257 هـ قبل أن تنتقل إلى محمد ابن الحاج- بالشّراء الصحيح- على يد الدلال محمود السعيدي يوم 18 ربيع الأنور عام 1286 وقد كتبت تواريخها بالأرقام الهندية.
والمهم في هذه النسخة أن ديباجتها لا ترتكب الخطأ الذي وقع فيه بعض النساخ من نسبة المقدمة إلى ابن بطوطة مع العلم أن المقدمة- كما قلنا مرارا- هي بقلم ابن جزي، ويلاحظ كذلك أن ناسخ السفر الأول لم ينتبه للوقوف حيث انتهى سائر النساخ ... ومن هناك وجدنا أن ناسخ السفر الثاني ابتدأه بالوصول إلى مدينة بخاري عوض الوصول إلى وادي السند المعروف ببنج آب! وإذا كانت الرحلة قد عرفت ذلك العدد العديد مما عرفنا بعضه من النسخ، فإن من مظاهر العناية بها قيام بعض المشايخ المشارقة" بانتقاء" أو" انتخاب" بعض الأطراف منها.
وعلينا، قبل أن نعرف عن هذا، أن نتساءل: متى وصلت نصوص الرحلة إلى المشرق؟
وهل عن طريق أحد الحجاج القاصدين للحجاز أو طريق مشرقيّ ورد على المغرب وحمل الرحلة معه؟
إن المقريزي المتوفى عام 845- 1441 عندما يتحدث عن معركة مرج الصفّار التي وقعت كما هو معلوم يوم ثاني رمضان 702- 120 أبريل 1303، والتي تحدث عنها ابن بطوطة لم يشر لما رواه ابن بطوطة وهو الأمر الذي يدل على أن الرحلة لم تكن قد وصلت للمشرق على عهد المقريزي ...
وكذلك فإن ابن إياس الذي توفى عام 930- 1524 لم يعرج على معلومات ابن بطوطة حول تلك المعركة، ومعنى هذا أن الرحلة لم تكن قد وصلت إلى تلك الديار، ولهذا فإني على مثل اليقين من أن رحلة ابن بطوطة وصلت إلى ديار المشرق في أواخر القرن العاشر الهجري عند ما بعث المغرب، في عهد الدولة السعدية، بسفيره إلى اسطامبول أبي الحسن علي التمجروتي عام 997- 1589 حيث وجدنا هذا السفير وهو يتحدث- في رحلته- عن بعض المحطات التي مرّ بها في المشرق ينقل عن ابن بطوطة ... فمن هنا قد يصح القول إن التمجروتي اصطحب معه مقيّدات ابن بطوطة منذ ذلك التاريخ «21» .
(1/63)

يضاف إلى السفير التمجروتي، الشيخ المقري صاحب نفح الطيب الذي رحل إلى المشرق مع بداية الربع الثاني من القرن الحادي عشر، والذي نعتقد أن رحلة ابن بطوطة كانت ضمن حقائبه، كيف لا وهو الذي ردد أيضا" ترتيب" الرحلة في" موسوعته" الأندلسية المذكورة «22» ، ومن هنا نؤكد أن الرحلة لم تنتظر أبا القاسم الزياني ليحملها معه عام- 1756 1169 إلى موسم الحج، مشهّرا بصاحبها مشكّكا في المعلومات التي أتى بها ابن بطوطة!! فماذا عن الذين قاموا بعملية" الانتقاء" من الرحلة أو" اختصارها" حتى يثيروا الانتباه إلى الرحلة الأصلية ...
لقد كان في صدر هؤلاء العلامة محمد بن فتح الله بن محمود بن محمد البيلوني «23» الحلبي المتوفّى سنة 1085- 1674 والذي نوّه بعمله الزّبيدي صاحب (تاج العروس) ...
وهذا" المنتقي" للبيلوني هو الذي قام القس صموئيل لي (Lee) بترجمته عام 1829 «24» ، والذي قال عنه دوزي، كما ردّدناه قبل صفحات، عند الحديث عن النسخة التي اعتمد عليها لگايانگوس:" إن ذلك" المنتقي" لا يعطي إلّا فكرة ضعيفة كلّ الضعف عن أهمية الكتاب الأصلي".
وقد توفرت مكتبتي على عدد من نسخ هذا" المنتقي":
25- مخطوطة وقف تيمور، دار الكتب المصرية نسخة (أ) :
ميكروفيلم رقم 17732 نسخة (أ) وهي تحمل تاريخ يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وألف 1091 هـ- 1674 م كتاريخ لتحريرها أي بعد ست سنوات فقط من وفاة البيلوني، وهي تحتوي على 197 صفحة، مسطرتها 19 سطرا مقياسها 24 على 16.
(1/64)

مخطوطة منتقى البيلوني وقف تيمور، دار الكتب المصرية الورقة الأخيرة التي تتحدث عن وصول أمر أمير المؤمنين لابن بطوطة بالعودة إلى المغرب- وهي بتاريخ 8 ربيع الأول 1091.
(1/65)

26- مخطوطة أخرى من وقف تيمور ... نسخة (ب) :
وهذه نسخة ثانية أنجز تحريرها على يد كاتبها الفقير علي الاسلامبولي في 15 شهر شوال 1272، وفي أسفل هذا توجد طرة تقول: «ونقلت من نسخة بخط الفاضل الشيخ محمد العزيزي، كان كتبها برسم الشيخ سليمان الفيومي، وتاريخها 17 شوال 1210- 1796 وقوبلت عليها وشارك في مقابلة البعض كاتبه الفقير نصر الهوريني (ت 1291- 1874) ... وكان ذلك في قصر حضرة عبد الحميد بك نافع؟ الذي كتبت هذه النسخة برسمه أسبغ الله عليه ظلال نعمه» .
أوراقها 146 (في كل واحدة صفحتان) ، المسطرة 21 سطرا، المقياس 22 على 12.
27- مخطوطة الفاتيكان رقم 1601
وهذه نسخة ثالثة من منتقي البيلوني وقد كتبت في أوائل رجب الفرد المعظم من شهور سنة أربع وثمانين ومائة وألف (1184) . عدد أوراقها 112 مسطرتها 21 سطرا، مقياسها 20 على 15، خط شرقي كسابقه وقد حصلت عليها من الكرسيّ البابوي بمساعدة مونسينيور جاكلين.
28- مخطوطة الفيومي رقم 4063
هذه نسخة كتبت بتاريخ 17 شعبان 1210 على ما نقرأه في آخر المخطوطة، وهي تذكر أنها كتبت على يد الفقير محمد بن أحمد العزيزي الشافعي الأزهري برسم" أستاذنا الأعظم الشيخ سليمان الفيومي"، وعلى رأس الورقة الأولى من المخطوط هامش يحدد تاريخ رحلة ابن بطوطة ونهايتها وتوقيع الشيخ نصر الهوريني ثم تاريخ 1223.
عدد أوراقها 72 (في كل ورقة صفحتان) ، مسطرتها 23 سطرا، مقياسها 20 على 14.
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن الورقة الأولى من هذه المخطوطة، وهي التي تحمل العنوان، تحتوي على قطعتين شعريتين لهما دلالة جد مفيدة على مصداقية رحلة بن بطوطة، وعلى المركز الذي كانت تنعم به في المشرق منذ ذلك التاريخ (القرن الحادي عشر الهجري) عندما ظهر" المنتقي"، حيث كان الناس يتوقون للحصول على" منتقاها" ما داموا لم يستطيعوا الحصول على" أصلها"! تقول القطعة الأولى
إذا ما رحلة الطنجيّ عزّت ... وشحّ بها لئيم أو كريم!
وألفيت الملخّص والمنقّى ... من ابن جزي: البحر الخضيم
فدع نجدا لساكنه وأعرض ... وحسبك من عراراته شميم!!
(1/66)

مخطوطة أخرى من منتقى البيلوني منتسخة يوم 15 شوال 1272 ... الورقة الأولى من المخطوط الذي حبسه تيمور نسخة (ب) .
(1/67)

مخطوطة أخرى من منتقى البيلوني بالفاتيكان رقم 1601 ب، وقد كتبت أوائل رجب 1184، الورقة الأولى من المخطوط وهي هدية من القاصد الرسولي بالرباط مونسينيور جاكلين.
(1/68)

مخطوطة منتقى البيلوني كتبت بتاريخ 17 شعبان 1210 برسم الشيخ سليمان الفيومي، ورقة العنوان تحتوي على معلومات مفيدة عن الرحلة وشهادات حولها.
(1/69)

وهو يشير في البيت الأخير إلى البيت المعروف:
تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار!
ثم تقول القطعة الثانية التي تصف الرحلة الأصلية بأنها" قطب" لجميع الرحلات!
حيث أبصرت رحلة لإمام ... فهي ذيل لرحلة ابن بطوطة
إنما الكون دارة، وهي قطب ... بجميع الجهات منه منوطة
جعل الله روحه في رياض ... حيثما ينسج الغمام خيوطه «25»
ونعتقد أنه من المهم أن نورد ما جاء في ديباجة (المنتقي) للبيلوني" ...
هذا ما انتقيته مما لخصه الإمام الكاتب محمد ابن جزي الكلبي من رحلة الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، وإنما انتقيت ما كان غريبا غير مشهور أو مشهور النقل لكن ربّما لا يعتمد عليه لغرابته وتسامح المؤرخين في النقل غالبا، فأثبتته لكون صاحب الرحلة ثقة وكتب ما ثبت عنه من أخبار الأمم والأقطار، فنقل الصدوق أوقع في الاعتبار والاستبصار، وبعض ما نقله قد يخالف ما ذكره غيره، كما في وصفه بعض ما شاهده من عقاقير الهند، فإن بعضه مخالف لما ذكره الأطباء في وصفها.
والظن بالشيخ الصدق. وقد خرج الشيخ ابن بطوطة صاحب الرحلة بقصد الحج والسياحة من بلدته طنجة عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وانما أذكر بعض أسماء البلاد التي اجتازها في رحلته وإن لم يكن في ذلك كبير فائدة للتنبيه على كمال همته وتوكله وعدم سئامته من الحل والترحال وقطع مشاق الفيافي والجبال ... "
29-" منتخب الرحلة لمؤلف مجهول رقم 22741:
وإلى جانب" منتقي" البيلوني بنسخه الأربعة ظهر" منتخب" الرحلة رقم 22741 لمؤلف مجهول، وافق الفراغ منه يوم الثلاثاء رابع شهر ذي القعدة من أشهر سنة ألف ومائة واثنتين من الهجرة النبوية (30 يوليه 1691) أخذت النسخة عن الميكروفيلم رقم 22741، دار الكتب القومية أوراقها 46 (في كلّ ورقة صفحتان) ، المسطرة 21 سطرا ومقياسها 22 على 14.
(1/70)

منتخب الرحلة لمؤلف مجهول رقم 22741، وقع الفراغ منه في 4 ذي القعدة 1102 الورقة الأولى، وهذه النسخة غير اخرى طبعت على الحجر بمصر عام 1278- 1861 وتعتبر كذلك في عداد المخطوطات ...
(1/71)

الورقة الأخيرة من منتخب الرحلة لمؤلّف مجهول
(1/72)

30- منتخب الأزهري 1278:
وقد طبع هذا" المنتخب" في القاهرة أواخر ربيع الأول 1278- 1861 على نفقة أحمد أفندي الأزهري بتصحيح الشيخ علي المخللاتي، ويقع في 79 صفحة، ولذلك يعرف هذا" المنتخب" باسم منتخب الأزهري، وتعتبر أيضا في عداد المخطوطات. ونرى كذلك من المفيد أن نورد ما جاء في مقدمة (المنتخب) فيما يلي:
" ... وبعد فهذا ما" انتخبته" من مختصر رحلة الإمام العالم الرحّال السايح في البلاد أبي عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة المغربي المعروف في البلاد المشرقية بالشيخ شمس الدين، وهو الذي طوّف الآفاق معتبرا، وطوى الأمصار مختبرا وباحث فرق الأمم، وسير العرب والعجم، التي اختصرها وضبط مشكل ألفاظها الشيخ الامام العلامة محمد بن محمد بن أحمد ابن جزي الكلبي المغربي باشارة أمير المؤمنين المتوكل على الله سلطان الحضرة الفاسية ... "
31- نسخة ضومباي النّمساوي؟
لقد وردت الإشارة إلى هذه النسخة ضمن رسالة بعثها بتاريخ 26 محرم 1200- 29 نونبر 1785 أحد النساخ المغاربة إلى الديبلوماسي النمساوي ضومباي الذي كان يعمل بسفارة النمسا بطنجة، وكان يهتم باقتناء المخطوطات ... في هذه الرسالة يخبر الناسخ المغربي زميله بأن رحلة ابن بطوطة الصغيرة كملت ودفعت للسفّار أي المجلّد، فماذا عن هذه النسخة" الصغيرة" وهل هي عمل جديد غير" المنتقي" و" المنتخب" «26» ؟
وهكذا نستشفّ من خلال كلّ هذا أن هناك اهتماما زائدا بالرّحلة عبر العصور سواء من لدن الحكام أو من لدن العلماء والمثقفين بحيث إنه لم تخل فترة من الفترات دون أن نجد فيها أثرا للرحلة نسخا أو بيعا أو شراء ... بل إنّنا كنا نلاحظ في بعض الأحيان أن تواريخ النّسخ تتقارب فيما بينها، ومعنى هذا أن هناك طلبا متواليا على الرحلة من طرف هواتها والمعجبين بها، من طرف الذين وجدوا فيها ما يرضي استطلاعهم ويزيد في معلوماتهم عن عالم العروبة والإسلام ...
(1/73)

ليست" المنتقى؛ وليست" المنتخب" ولكنها الرحلة" الصغيرة" فماذا يعني بها الكاتب المغربي؟
(1/74)

الأربعة الذين كانوا وراء إنجاز الرحلة
(1/75)

(1) السلطان أبو عنان
عندما يذكر التاريخ المعالم الحضارية التي شيدها السّلطان أبو عنان (759 هـ- 1358 م) بن السلطان أبي الحسن بن السلطان أبي سعيد بن السلطان يعقوب بن عبد الحق مؤسس دولة بني مرين، وعند ما يذكر التاريخ مجالسه العلمية التي كانت أشبه ما تكون بدور الحكمة بالأمس أو بالأكاديميات كما نسميها اليوم، وعند ما يذكر التّاريخ الأصداء العظيمة التي تركها أبو عنان على الساحة الدّولية بما وقّعه من اتفاقيات وما أبرمه من معاهدات، وعند ما تتحدث مصادر التاريخ عن أسطوله الذي كان يقوم بنفسه على بنائه، وعند ما نذكر حسّه السياسي المرهف وحزمه في ممارسة الحكم وعند ما نذكر هوايته الرياضية المفضلة: القنص بالصّقر ...
عند ما يذكر الناس كلّ هذا فإن من واجبهم أن يذكروا إلى جانب تلك المناقب والمحامد عملا آخر لا يقلّ- إن لم نقل إنه ينافس- عن تلك الأعمال أو يفوقها، ذلك العمل هو الأمر الذي أصدره- وهو بفاس- بانتساخ رحلة ابن بطوطة وجعلها في متناول القراء بالرغم مما ظهر من بعض معاصري الرحالة المغربي من أمثال ابن خلدون الذين شككوا في مصداقية الرحلة وقصدوا الوزير ابن ودرار في محاولة لكتم أنفاسها! لقد تأكد أن القرار الذي اتخذه العاهل المغربي كان قرارا عظيما وائدا، وكان وراء تخليد اسم أبي عنان بالرغم من أن حكمه لم يتجاوز عشر سنوات!! فها نحن اليوم نعيش مع اهتمام رجال الفكر كلّهم سواء كانوا عربا أو عجما ... بهذه الرحلة التي كانت بالفعل حدثا فريدا من نوعه، حدثا ربط تاريخ المغرب لأول مرة بتاريخ بقية العالم، بما في ذلك الجهات النائية، وبما في ذلك بعض الجهات التي لم تكن تدين بالإسلام. وهكذا وجدنا أن الرحلة تمثّل جسرا متينا يجسد الحوار بين الحضارات في دول المعمور سواء في القارة الافريقية أو الأسيوية أو الأروبية. ومن ثمت كان لها بعد دولي واسع أعطى للعاهل المغربي فرصة ثمينة لكي يخلد اسمه عبر التاريخ كنصير لحرية الفكر وكمنقذ للتراث ومشجع للإبداع، ويكفي أن نعرف أن الفكر الحديث يعتبر أن ابن بطوطة ثالث ثلاثة رفعوا اسم المغرب عاليا بعد ابن رشد وابن خلدون وأنه أي ابن بطوطة أكبر رحالة في التاريخ البشري كله على حد قول أندري ميكيل «1» !! وقد استمعنا إلى الكاتب الفرنسي الأكاديمي جان دور ميصون (J.D'ormesson)
(مارس 1995) أثناء حفل تكريمي حاشد" إشادة كبيرة وعظيمة وعطرة بمركز ابن بطوطة المؤرخ والجغرافي والاجتماعي الذي كان ممّن" استطاعوا أن يؤثروا عليّ- يقول دورميطون- بمفاتن إبداعهم، الأمر الذي لم يظهر أثره فقط على ما كتبته ولكن ظهر فيما كنت أستوحيه
(1/77)

مما دوّنه ابن بطوطة الذي كان في صدر الذين أعطوا للإسلام بعدا دوليا فيما يتصل بعظمته وتسامحه ... »
2) ابن ودرار
كان في أبرز ما لفت نظرنا من سيرته أنه الوزير الحصيف الذي أنصف ابن بطوطة وأرجع ابن خلدون إلى صوابه فيما يتعلق بمصداقية الرحلة.
كان أبو زيان فارس ابن ميمون ابن ودرار الحشمي «2» قائدا موموقا لدى السلطان أبي الحسن، ومن هنا رشّحه للقيام بالسفارة عنه لدى الملك الناصر محمد بن قلاوون بمصر في أعقاب استرجاع السلطان أبي الحسن لملكه على تلمسان وبجاية عام 737- 1337، الأمر الذي ردّدت صداه ممالك إفريقيا على ما تؤكده كتب التاريخ.
وقد تضمنت الرسالة التي حملها ابن ودرار إلى العاهل المصري أخبارا جدّ هامة عن الحالة في الغرب الإسلامي «3» .
ثم أصبح ابن ودرار وزيرا ملازما للسلطان أبي عنان بعد تمكنه من الحكم عوض أبيه، فكان السلطان يعهد إليه بالمهمات الجسام، وهكذا نجح عام 753- 1352، في المهمّة التي عهد بها إليه في معركة أنگاد ... كما نجح في تطويق حركة قامت جنوب المغرب عام 754- 1353 حيث أنشأ مدينة أسماها (القاهرة) أحكم بها الحصار على المتمردين هناك! وبعد أربع سنوات، أي في عام 758- 1357 عهد إليه بإخماد ثورة للحفصيين بتونس فجاءوا إليه مهطعين.
وهكذا بلغ ابن ودرار منزلة لم يبلغها أحد في الدولة، وهنا حصل ما يمكن أن يحصل عند ما يشعر القائد، أيّ قائد، بأنه أمسى في موقع" لا يمكن الاستغناء عنه فيه"، بل وبأنّ في استطاعته أن يصبح الرقم الواحد في الدّولة!. ولم يكن السلطان أبو عنان من الملوك الذين تغيب عنهم" الهواجس"، وهكذا فما لبث الوزير أن فوجيء بمداهمة بيته والإجهاز عليه والناس يحتفلون بعيد الأضحى من عام 758 (أواخر نونبر 1357) «4»
(1/78)

3) ابن جزي
وتاتي الشخصية الثالثة التي كان سبب ظهورها على الساحة حدثا وقع على سبيل الصدفة! ويتعلق الأمر بأبي عبد الله محمد بن أبي القاسم محمد بن أحمد بن جزي المولود بغرناطة سنة 721- 1321.
لقد اجتمع هذا الرجل بالرحالة المغربي في غرناطة، وبالضبط في بستان أبي القاسم ابن عاصم حيث انتظم لقاء نزهة جمع عددا من وجوه العاصمة الاندلسية، ووجدنا أن ابن جزي يعرب عن ارتياحه للاستمتاع بأخبار رحلة ابن بطوطة، ولم يتردد في الاعتراف بأنه قيّد عنه في ذلك البستان أسماء الأعلام الذين لقيّهم ابن بطوطة في الرحلة، وأنه استفاد منه فوائد عجيبة ... " وبهذه المناسبة سأل ابن بطوطة عن مولده فأخبره بأنه ولد بطنجة يوم الاثنين 17" رجب 703 «5» . ولا ننسى أنّ ابن جزي هذا كان على ذلك العهد في خدمة أبي الحجاج يوسف ابن الأحمر النصري ملك غرناطة الذي كان يطرب لأدب الكاتب وفكاهته «6» ...
" وإذا أراد الله أمرا هيّأ له أسبابه" كما يقولون. فقد حدث أن تعرض ابن جزي لظلم لحقه من ملكه أبي الحجاج في أعقاب وشاية آثمة، ولم يتحمل ابن جزي إهانة السوط فالتحق بالمغرب «في آخر عام ثلاثة وخمسين» حيث وجد من السلطان أبي عنان ما كان يرجوه ...
وقد كان ابن جزي في صدر الذين قالوا الشعر في" الزاوية العظمى" «7» التي بناها السلطان أبو عنان على ضفاف وادي الجواهر.
وقد شرع في تأليف حول تاريخ غرناطة. وقف لسان الدين ابى الخطيب على بعض أجزائه عام 755- 1354 بمناسبة سفارته لدى السلطان أبي عنان.
وعند ما قرّر السلطان أبو عنان استنساخ رحلة ابن بطوطة لم يجد في مجلسه أفضل من الكاتب ابن جزي صاحب الخط الرفيع البديع سيّما وأنه قام- على ما أسلفنا- بالخطوات الأولى وهو في غرناطة، وهكذا امتثل الأمر على ما كان به من علة لم تمهله. وهكذا كتب لابن جزي أن يستمر ذكره عبر الأرجاء رغم عمر قصير لم يتجاوز ستّا وثلاثين سنة «8» ...
(1/79)

4) ابن بطّوطة
سيكفينا هذا الرجل أمر التعريف بنفسه من خلال ما حكاه هو عن سيرته الذاتية.
وهكذا فإننا لا نجد عنه شيئا سوى ما ورد عن لسان الدين ابن الخطيب (ت 776- 1375 1374) في الإحاطة من معلومات جدّ محدودة، على خلاف صنيعه مع ابن جبير الذي ينتمي لبلدته والذي خصص له لسان الدّين عشر صفحات كاملة!! وسوى ما ورد عن ابن خلدون (ت 808- 1405- 06) في مقدمته، وما ورد عن ابن حجر (ت 852- 1448) في الدرر الكامنة من معلومات أضافت بعض العناصر المفيدة على نحو ما قرأناه عن التمجروتي عام 997- 1589 في" النفحة المسكية"، والمقري (ت 1041- 1632) في" نفح الطيب ... "
لكن ما دوّنه في رحلته كان كافيّا وحده ليعطي فكرة مدققة عن الرجل من نشأته بطنجة إلى أن استقبله بفاس السلطان أبو عنان، وإلى أن صحب ركبه وهو عائد من مراكش يحتمل شلو أبيه ... فكرة مدققة عن صفاته، عن شخصيته، عن إبائه، عن حالته الاجتماعية.
وتبقى بعد هذا نحو ثلاث عشر سنة من حياة الرجل ظلت تفاصيلها غائبة عنا لم نعرف عنها شيئا، عن أهله وعن نسله سوى أنه يزاول القضاء في إقليم تامسنا الذي يعتبر من أوسع وأغنى الأقاليم المغربية في مملكة فاس «9» ... لقد خفت صوته باختفاء وليّ نعمته السلطان أبي عنان.
وهو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف اللّواتي الطنجي الملقب في المشرق بشمس الدّين والمكنّى عندي بأبي أحمد لوجود ولد له يحمل هذا الاسم «10» ... ومعلوم أن (لواتة) قبيلة واسعة الانتشار في مصر يؤكد المقريزي أنها عربية «11» .
ولد بطنجة يوم الاثنين 17 رجب 703- 24 يبراير 1304، ويبدو أن الأسرة تنسب إلى سيدة كانت تحمل اسم فاطمة: عادة معروفة من قديم تنسب الناس إلى أمهاتهم، وتتحول فاطمة في المشرق- تدلّلا- إلى بطة، ونحن نعرف عن ابن بطة العكبرى (ت 387) ، وتمسي بطّة في المغرب بطّوطة كسفّودة على ما في تاج العروس للزّبيدى (فصل الباء من باب الطاء) .
وبيت ابن بطوطة معروف على أنه بيت علم وقضاء ... ونعرف أن طنجة نفسها كانت
(1/80)

مرفأ دوليا هاما يتوفر على كلّ مقومات الحضارة. وقد عرفنا عن استقبالها للشعراء أمثال أبي الحسن الحصرى صاحب القصيدة التي مطلعها: «ياليل الصبّ متى غده» كما عرفنا عن ابن سمجون اللواتي الطنجي الذي رحل إلى المشرق وعاد لطنجة ومات بها، وقد وقفنا في البرتغال على نص ملكية لبعض مخطوطات (قضاة قرطبة للخشني) : وهو هكذا" ملكه محمد بن محمد بن عبد الرحمن اللّواتي الشهير في طنجة بابن بطوطة" وسنقرأ حديث ابن بطوطة، وهو في رندة، عن ابن عمه أبي القاسم محمد بن يحيى قاضي المدينة ... كما نعرف عن أسرة البطوطي التي وضع أحد أفرادها بفاس قطعة أسطرلاب فائقة الدقة «12» .
وبعد عودة ابن بطوطة إلى المغرب، وبعد إفلاته من اشاعة" تناجي" بعض المعاصرين حوله على ما أشرنا أمسى من جلساء السلطان أبي عنان الذي أصدر أمرا لكاتبه ابن جزيّ بتدوين رحلة ابن بطّوطة. قبل أن يتقلد هذا الأخير منصب قاضي إقليم تامسنا.
وقد وجدنا في (نفاضة الجراب) للسان الدين ابن الخطيب رسالة موجّهة من هذا إلى القاضي ابن بطوطة. وكان ابن الخطيب قرّر عند ما التجأ إلى المغرب عام 760- 1359 أن يستثمر أمواله في منطقة نفوذ ابن بطوطة، وكانت تامسنا تابعة لمملكة فاس على ما يقوله الحسن ابن الوزان «13» .
وإذا كان مترجموه أهملوا الحديث عن ظروف وفاته، فإن الحافظ ابن حجر سالف الذكر في" الدرر الكامنة" (4، 100) يفيد أن ابن بطوطة بقي إلى سنة سبعين وأدركته وفاته وهو متول للقضاء يعني حتى عهد السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن أخى السلطان أبي عنان مما يعني أنّ أجله أدركه بتامسنا التي كانت عاصمتها انذاك أنفا وليس بفاس ولا بطنجة «14» ...
ولله در مولانا جلال الدّين الرومي (672- 1273) عند ما يقول:" حينما نموت لا تبحثوا عن قبورنا في التّراب ولكن ابحثوا عنا في قلوب الناس!! " لقد كان رحله دائما على استعداد، وهو لا يفتأ متنقلا باحثا عما يضمن له الزاد في
(1/81)

خطاب لسان الدين ابن الخطيب لصديقه شمس الدين ابن بطوطة قاضي تامسنا- نسخة خاصة.
تامسنا الأمس قدر لها أن تكتسب اليوم هذه المعلمة الحضارية الكبرى" مسجد الحسن الثاني"
(1/82)

الحل والترحال ... وقد كان يصدق عليه قول ابن زريق البغدادي في قصيدته:
ما آب من سفر إلا وأزعجه ... رأى إلى سفر بالعزم يجمعه
كأنّما هو من حل ومرتحل ... موكّل بفضاء الله يذرعه!
إذا الزمان أراه بالرحيل غنى ... ولو إلى السّند أضحى وهو يزمعه!!
لقد قام ابن بطوطة برحلاته العديدة التي كان يستهدف فيها أحيانا لسائر أنواع الامتحان، ويتعرض للخطر في عدد من الحالات ... ، وحتى عند ما قام بزيارة الأندلس وبلاد السودان، لكنه نجا من جميع تلك الأهوال فكان لسان حاله ينشد قول الشريف الادريسي:
دعني أجل ما بدت لي ... سفينة أو مطيّة
لا بدّ يقطع سيري ... أمنة أو منية!!
وإن الذين يسمحون لأنفسهم بتحجيم ابن بطوطة والادعاء بأنه كان محدود الثقافة كانوا بعيدين عن الحقيقة ... ولعل بعضهم ظلّل بما قرأه عن تكليف السلطان أبي عنان للكاتب ابن جزي بترتيب الرحلة ... حيث وجد في ذلك ما يعبر- ربّما- عن" عجز" ابن بطوطة عن القيام بالمهمة ... ! وهذا خطأ" بيّن، تكشف لنا عنه أولا الصفة التي رشّحت ابن جزي للقيام بهذا العمل والتي أشار اليها المقري في (النفح) " بأنه أي ابن جزي، إن كتب أربى على ابن مقلة بخطّه ... "
وثانيا ما أضفاه ابن جزي نفسه في المقدمة على ابن بطوطة من كل الاوصاف التي تؤكد عن عمق معارف الرحالة: فهو" الشيخ، وهو الفقيه وهو الثقة وهو الصدوق، وهو الذي باحث فرق الأمم، وسبر سير العرب والعجم، ولم أتعرض- يقول ابن جزي- لبحث عن حقيقة ما قال لأنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك ... !
ونريد أن نقول، ونحن نقف إلى جانب من يقتنعون بالمركز العلمي الموموق للرحالة المغربي، نقول: إن القرار الذي اتخذه السلطان أبو عنان بالإعلان عن مصداقية الرحلة وأهميتها لم يكن قرارا ارتجاليا أو عاطفيا، ولكنه كان وليد استمزاج رأي أعضاء المجلس العلمي الذي اعتاد السلطان أن يركن إليه كلّ مطلع شمس، ذلك المجلس الذي كان بمثابة أكاديمية حقيقية يلجأ إليها العاهل عند الحاجة، وقد قرأنا فيما سجله الكاتب ابن جزي في مقدمة الرحلة أنه" لا تقع في مجلس أبي عنان مسألة علمية في أيّ علم كان، إلا حل مشكلها
(1/83)

وباحث في دقائقها واستخرج غوامضها واستدرك على علماء مجلسه ما فاته من مغلقاتها ... فكانت مجالسه لا تخلو من مباحثات ومناظرات ...
وقد ذكر العلامة المؤقت أبو زيد عبد الرحمن الجاديري (ت 938- 1534) نقلا عن شيخه الرئيس أبي الوليد اسماعيل بن الأحمر (ت 807- 1405) في شرحه لقول البوصيري:
لعلّ رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
ذكر ما يؤكد أن ابن بطوطة كان معدودا في صدر أعضاء ذلك" المجلس الأكاديمي".
وقد وقع الكلام بين يدي السلطان أمير المؤمنين أبي عنان ... في مقعد ملكه من المدينة البيضاء من حضرة فاس بمحضر الفقهاء والعلماء والأساتذة والقضاة والشرفاء والخطباء وأصحاب العلوم ... وأخذ الرئيس أبو الوليد يعددهم واحدا واحدا إلى أن قال: وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب الحاج الكثير الجولة بالمشرق والمغرب وجميع البلاد محمد ابن بطوطة الطنجي العارف بالتاريخ ... " على ما نذكره في الملاحق.
ومعنى هذا أن الرحالة المغربي كان معدودا في صدر رجالات الفكر والعلم والدولة جميعا «15» وللمتتبع لغضون الرحلة أن يقف بنفسه عند الخطوات الأولى للرجل، وهو يودّع طرابلس، عند ما تقدم على سائر رفاقه وفرض نفسه على بقية أعضاء الركب.
وإن ابن بطوطة، وهو ما يزال في بداية طريقه، في الاسكندرية أخذ عن الشيخ ياقوت تلميذ أبي العباس المرسي، فهو شادلي بالواسطة وقد حصل في دمشق على نحو من ثلاث عشرة إجازة، وفيمن أجازوه أم عبد الله زينب بنت الكمال المقدسية، ولقد كان حريصا على أن يذكر أسماء الذين أجازوه في أرض الشام، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على" انتساب" الرجل إلى بيت العلم والفقه والحديث ...
(1/84)

ولا بد أن نستمع إلى الانتقاد المر الذي وجهه الرحالة العالم لخطيب البصرة الذي لم يحترم قواعد النحو التي إنما عرفت ازدهارها ورواجها بين البصرة والكوفة «16» .
ولنتتبع زيارته لبغداد حيث نجده بالمدرسة المستنصرية يحضر مجالس الامام الشيخ أبي حفص القزويني الذي كان يتناول بالدرس مسند الدّارمي ... لقد كان حاضرا في مثل هذه المشاهد بذاكرته وبحسه يعترض على ما يسمعه أحيانا إذا لم يقتنع، ويصحح ما يرى أن غيره جافى فيه الصواب.
وهو في بلاد فارس اغتنم الفرصة لاستجماع حصيلة كبرى من المعارف والاتصال بأكبر عدد من رجالات الحديث والفقه والتصوف. وقد كان يعرف كيف يتحبب الى الناس ويتقرب إليهم بما أوتيه، هو نفسه، من خصال العلماء وفضائل الفقهاء ... وهكذا وجدناه يضيف إلى إجازاته في دمشق إجازات أخرى من بعض رجال العلم والفضل في إصفهان.
أكثر من هذا، استمعنا إليه يخبرنا عن تأليف له جديد، غير هذه الرحلة، وهو خبر طريف، ويتعلق الأمر بتصنيف طلب منه أحد الملوك في آسيا الصغرى: سلطان بركي: أن يؤلفه له حول الحديث الشريف ...
وما من شك في أن المرء لا يجرؤ على حمل القلم للتدوين في موضوع كهذا دون أن يكون متوفرا على زاد من العلم كبير ...
وقد قرأنا بعضا من قصيدته اللّامية في مدح السلطان وهو بالهند:
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبة ... لكنت لأعلاها إماما مؤهّلا
فانت الامام الماجد الأوحد الذي ... سجاياه حتما أن يقول ويفعلا!!
وكان مما يدل على مكانة الرجل العلمية ما كنا نتحسسه من خلال مذكراته مما كان يعبّر فعلا على أنه أطروفة من أطاريف الزمان وأنّه ليس إمّعة يردد ما قاله الآخرون دون تمحيص. ولأضرب مثلا بما ينقله أحيانا عن ابن جبير من معلومات، فهو عند حديثه مثلا (201 ,I) عن فوائد مستغلات جامع دمشق في كلّ سنة، يقدر ذلك بنحو خمسة وعشرين ألفا دينار ذهبي من سكة بني مرين، وهكذا نجده يحول تقديرات ابن جبير البالغة خمسة عشر ألف دينار من سكة بني عبد المؤمن ... وقد فعل ذلك لتيويم المعلومات أي جعلها مواكبة لعصره ...
وهو إذ يستأنس بابن جبير أيضا، نراه لا يردد ما أفاده سلفه من أن خطبة الجمعة تتضمن الدعاء للخليفة. وخلافا لذلك نجده يتحدث عن الدعاء لملك مصر لأنّ اليوم غير الأمس والحكام الحاليون ليسوا هم الحكام السابقين!!
(1/85)

وإذا كان ابن الخطيب في الإحاطة نسب اليه المعرفة بالطب فإنه مصيب في ذلك نظرا لما احتوته الرحلة من دلالات وشهادات ... وابن بطوطة هو الذي لاحظ أنّ أهل الهند لا يجعلون بيت المال عاصبا عندما تستكمل حصص الوارثين على عكس ما يوجد عند المالكية الذين يعتبرون بيت المال عاصبا عند فقدان الوارث وهو ما كان يعتمده المغرب إلى عهد قريب.
وحديث ابن بطوطة عند التعزير عند الشافعية وأنه لا يتجاوز الحد. بينما نجد أن التعزير عند المالكية غير محدد، وان للإمام أن يجتهد فيه حسبما يراه ولو تجاوز الحدّ.
وقد رأيناه بين الفينة والأخرى يتحدث عن أن هذا الحكم يجري على مذهب الشافعية وذلك يجري على مذهب الإمام مالك الأمر الذي يجعل رحلته أيضا مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي. وقد سمعناه يقول وقد عرضت عليه وظيفة سياسية هامة:" إن القضاء والمشيخة شغله وشغل آبائه" ... وقد تحدث فعلا عن فقيه جليل هو أبو الحسن علي الأنجرى الذي كان يتردد على والد ابن بطوطة بطنجة التي عرفت مجالس أمثال الشيخ أبي سعيد «17» وما بالك بسائح يلقى مكانة رفيعة عند الحدود المصرية ويستضيفه" أستاذ دار" الذي يعهد إليه عادة بترصّد علية القوم واداء فروض الاحترام لهم.
وما بالك بفقيه لم يتردد في استنكار ركوب الشيخ هود علي محفّة تحملها أكتاف فتيانه وكأنهم الحيوانات عوض أن يركب متون الخيل التي كانت تمشي مع الموكب مجنوبة؟! ولقد كانت آخر وظيفة له كما قلنا أن كان قاضيا في (أنفا) عاصمة تامسنا التي احتضنت عددا كبيرا من رجال العلم والمعرفة ممّن ترجمت لهم كتب التاريخ من أمثال أبي الحسن ابن الرقاص الذي كان يقرئ بمدرسة أنفا التي بناها السلطان أبو عنان بالجامع الأعظم «18» ...
وإذا كان ابن بطوطة إنما اشتهر بالرحلة التي توجد بين أيدينا، فإن صاحب كتاب:
" دليل مؤرخ المغرب الأقصى" يذكر أن لابن بطوطة تأليفا آخر يحمل اسم (الوسيط في أخبار من حلّ تمنطيط) «19» ، تكلم فيه على رجال المدينة المذكورة التي تقع في إقليم توات، وكانت
(1/86)

اهلة بالعلم في القرنين السادس والسابع الهجري ويقع التأليف في مجلد ضخم على ما أخبره به بعض علماء الإقليم ...
وقد كان مما لفت النظر في الرحلة أنّ ابن بطوطة- بالرغم مما تقلب فيه من وظائف وما مرّ به من ظروف- لم ينس المغرب الذي ظل أمام مخيلته وبين سمعه وبصره.
وحتى نعرف درجة الحسّ الوطني للرجل لا بد أن نلاحظ تصيّده الفرصة لذكر المغرب، فهو يفيدنا أن المغاربة شاركوا ضد هجوم القرامطة على الكعبة، وهي الحقيقة التي نجد لها صدى في المصادر القديمة للتّاريخ الدّولي للمغرب ...
ولم ينس أن يقارن بين (الصقورة) في المغرب وبين (سيربيدار) في فارس ... ولم ينس أن يقارن بين نظام" الفيلات" في الصين ومثيلاتها في سجلماسة!! بل وبين قطع الأسطول والأجفان بالمغرب وعددها في الصين ... سواء منها الغزوية او السّفرية، أو الحربية والتجارية بالمصطلح الحديث.
ولقد علقت بمخيلته صور الأودية الكبرى بالمغرب، فهو يقارن وادي سلا، بنهر مدينة إصطنبول ... ولا يفوته أن يذكر بأنه يدّخر مذكراته التي يكتبها ليفيد بها مواطنيه بالمغرب ...
وعند ذكر الطيور وعند حضور الأسماك، وعند رؤيته للأواني الخزفية التي تقدم إليه، لا بد أن يعتزّ بالخزف الذي تصنعه الأيادي المغربية. وحتى في شكل الخصومات والمرافعات نجده يقارن بين شكلها ونوعها في بلاده الأصلية وفي الأماكن التي كان يتجول فيها ...
ويلاحظ أن الرجل كان في مستوى ما تنعم به بلاده من ذكر جميل ولا بد أن نحضر معه ذات يوم خروجه للأسواق ليقتني الملابس المناسبة لرحلة صيد دعاه إليها السلطان. إنه كان يريد" أن يظهر القوة والهمة" ... لقد كان حريصا على أن يمثل بلاده أحسن تمثيل إذ كان عظيم الاعتزاز بهويته المغربية في البلاط الهندي. وهو الأمر الذي ما يزال مثقفو الهند يذكرونه إلى اليوم، لقد كان يعلم أن بلاده، في ذلك العهد، كانت على وضع ممتاز، وأحسن على كلّ حال من وضع تلك الجهات، ولذلك فإنه كان يجيب عند ما يسأل عن أصله: بأنه ينتسب إلى بلد أصيل اثيل وفي هذا الصدد لابد أن نلفت النظر إلى نوع من المقارنات الطريفة والدالة على الحسّ الاقتصادي والتجاري الذي كان يتوفر عليه، والذي يعبر عن شمولية شخصيته واكتمالها: قضية تتبّعه للأسعار وتتبّعه للمكاييل والمعايير والموازين، وقيمة العملات حتى لكأنك مصحوبا بجريدة تطلعك على أسعار ما يجري في السوق. وهكذا لم يكن الرحالة رجل فقه وأحكام وأوراق، ولكنه رجل مطلع على كل شيء.
فقد بدا مهتما بقضايا الصرف والمقارنة بين العملة في المغرب وغيره، عند ما كان بمصر والبصرة، وتركيا ... والهند، وكذلك المقارنة بين الرطل بالمغرب والمنّ في الجهات
(1/87)

الأخرى، والأوقية والدينار المغربي وما تعرف عليه هناك مما سماه التّنكة ... ولم يفته، وهو يتحدث عن دور ضرب السّكة في الصّين أن يذكر دور السكة في بلاده المغرب. إن أسعار الخيول هناك غيرها في المغرب ... وإن أسعار الفراء في أرض الظلمة ترتفع إلى مبلغ هائل لا يتصوره شخص نشأ في أرض لا ترتدي الفراء.
وقد رأيناه أحيانا يربط بين المعلومات المتعلقة بآسيا والمعلومات المتصلة بإفريقيا السوداء ... ومن هنا اعتبرت الرحلة في العصر الوسيط دليلا تجاريا للذين تهمهم الدراسات الاقتصادية على ذلك العهد على ما أشرنا إليه «21» ومن الملاحظ أن الرجل كان يتأقلم بسرعة زائدة، فهو يتعلم اللّغة التي يتكلم بها القوم الذين ينزل بساحتهم ... وقد بدأ يفهم اللغة الفارسية قبل أن يتعلم التركية، لأن الفارسية كانت منتشرة في المنطقة كلّها حتّى في بلاد الصّين ويكتب اللّغتين بحروف عربية على ما كان عليه الحال ...
وحتى إذا لم يحسن الكلام باللسان فان اذانه تلتقط ما يصلها من جمل وكلمات، ومن هنا وجدناه يردد بعض الكلمات التي تطرق سمعه بالفارسية والتركية «22» ...
وفي سائر الحالات فانه لم يكن يشعر بمركّب نقص وهو يستعين بترجمان ينقل عنه ما يريد أن يقول، وفي هذا الصدد ساق بعض النكت التي وقعت له مع بعض التراجمة من الذين يدّعون أنهم يحسنون اللغة! ومن تأقلمه وجدناه يتناول التنبول منذ وصوله إلى دمشق وأثناء مقامه بمكة المكرمة وبافريقيا الشرقية وطول مقامه بالهند ... إن سائر الأشياء كانت بالنسبة إليه مقبولة ما دامت ترضي من يوجد حواليه شريطة أن لا تخالف مبادئه.
ولم يفت ابن بطوطة أن يتعرف على جنسيات السفن التي كان يمتطيها للقيام برحلته، بل لم يفته أن يشيد بمن يستحق الاشادة إنصافا وعدلا، ويندد بمن كان سلوكه لا يرتضى، لا فرق عنده بين مسلم ونصراني على نحو ما كان يفعله الرّحالة ابن جبير والرّحالة أبو حامد الأندلسي الغرناطي ... ولقد أخذنا فكرة عن الحركة البحرية على عهده، كما عرفنا عن الأساطيل التجارية التي كانت لها الهيمنة على ذلك العهد، فقد كان يتنقل مع السفن الجنوية والصّينية واليمنية والعمانية والكطلانية ...
(1/88)

ومن الملاحظ أنه أي ابن بطوطة لم يتحدث- وهو عائد إلى المغرب- عن السفن أو المراكب المغربية، مع العلم أن السلطان أبا الحسن المريني كان في تونس يتوفر على عدد من قطع الاسطول المغربي، ولكنه أي ابن بطوطة فضّل أن يعود، كما نعلم، عن طريق أحد المراكب القطلانية حتّى لا يحرج أحدا بمطلب ... !
والحديث عن المراكب يسلمنا إلى الحديث عن الرياح الطيبة وتحكّمها في مواعد السفر، وهذا موضوع من الأهمية بمكان، وقد أصبح ابن بطوطة من العارفين بالرياح والقنباص.
وقد كوّن لديه الوضع الاجتماعي للمرأة ومركزها عند الأمم التي زارها أفكارا لا تخلو من إراف وإتحاف، وقد تحدث عن النساء المتجملات المتعطرات في مكة ...
إذا قامتا تضوّع المسك منهما ... نسيم الصبّا جاءت بريّا القرنفل!
وتحدث عن عفة المرأة وشفقتها وهو في خراسان، كما تحدث عما تبلغه المرأة من مكانة سامية في بلاد الترك والتتر حتّى أن القرارات لا تصبح نافذة إلا إذا صدرت عن أمر الخواتين إلى جانب السلاطين!! وحتّى بلاد السودان والصحراء عند ما تتمتع السيدة بحريتها في التعامل الشريف.... وعند ما تتميز باستظهار القرآن في هنور من بلاد الهند! انّ الرحلة مع ابن بطوطة في عالم المرأة يجعلك تشعر بأن الرجل نموذج للصراحة والبراءة معا، فهو رجل مقروء مفتوح، وهو يسمّي الأشياء بمسمّياتها بدون لفّ ولا دوران، فكان يعبر بذاك عن قوة شخصية عند ما يحكي عمّا تخفيه مكامنه ... لم يجد أيّ حرج في الحديث عن الخصومة التي شبّت بينه وبين صهره لزوجته الأولى الصفاقسيّة ... ولم يجد ما يمنعه لكي يقترح توقيف ركب الحاج في الجبل الأخضر حتى يحتفل بعرسه على سيدة فاسية كانت ترافق والدها إلى مكة ... !
ولم تكن هذه (الفاسية) هي الثانية والأخيرة في حلقات السلسلة الطويلة لزوجاته التي قد تكون بدأت من طنجة! فقد تزوج بدمشق عند زيارته الأولى حفيدة لمكناسي كان مقيما هناك، وقد عرفنا من أسماء زوجاته الأسيويات (مباركة) و (الحور نسب) ، أما اللاتي لم نعرف عن اسمهن فعددهن كثير وكثير!.
ويتأكد أن قلّة السّراج الذي يساعد على السّمر هو الذي كان وراء الرحالة المغربي في البحث عمن تعوضه عن الحديث والسراج! وكما سنرى فإنه لم يشعر بأي خجل في المقارنة بين هذه أو تلك، ليس فقط من حيث الأخلاق والسلوك والعشرة ولكن من حيث إرضاء الرغبات الجنسية كذلك!
(1/89)

ولم ينس ابن بطوطة في كل مناسبة أن يهتم بكلّ ما يقوي الباءة ويساعد على المضاجعة!! فهو يتحدث دوما عن الوصفات الطبّية التي تقوّي الظهر، ولا شك أن مثل هذه الشهادات مما يزيد في صدق المقولة السائرة بأن العرب يتميّزون عن غيرهم فيما يتصل بهذه الحقول!! وفي هذا الصدد أيضا لم يغفل ابن بطوطة عن التّنويه بالسّيدات المهرتيات (Les mahrattes) اللّاتي" كان لهنّ من طيب الخلوة والمعرفة بحركات الجماع ما ليس لغيرهن".
وقد شغله أمر اهتمام السلطان بالملكة (طايطو غلي) وحظوتها عنده دون سائر الخواتين حتى اهتدى للسرّ الذي حاول أن يصل إلى حقيقته!! ولا شك أن هذا الحديث يتبعه الحديث عن الذّرية التي خلّفها ابن بطوطة في تلك الجهات ومن غير أن نعتبر أن هذا ممّا يدخل في اطار حياته الخاصة كما يقولون اليوم. فإن ما عرفناه من تلك الذرية هو اسم أحمد الذي تركه حيّا بالهند عند الامير غياث الدّين والذي قال عنه: إنه لم يعرف ما فعل الله به! في حين تحدث فيه عن بقية أولاده بما نعرفه ...
(1/90)

بين ماركو بولو وابن بطوطة
لقد اقترن الحديث عن ماركو بولو البندقي بالحديث عن ابن بطوطة الطنجي لدى كل الذين اهتموا بالرحالة، وخاصة عند علماء الغرب، «1» وقد كان من حقّهم أن يفعلوا، فإن الأول هو الذي قصد- قبل نحو من ستين سنة من تحرك ابن بطوطة، بلاد الشرق الأقصى وسجلت مذكراته التي كانت محل تعليق واسع ...
لكنّ الملاحظ أنّ رحلة ابن بطوطة اتسع فضاؤها أكثر مما كان الأمر بالنسبة لرحلة ماركو بولو علاوة على الحصيلة العلمية التي كانت تختلف من الواحد إلى الآخر ...
وهكذا فإذا كان ابن بطوطة قد حقق رحلته وحيدا، وإذا كان محرر رحلته ابن جزي كان يقتصر على إضافات محدودة وموثقة، فإن محرر رحلة ماركو بولو روستيشيلو (RUSTICHELLO) كان يضيف من خياله على ما لاحظه بعض المعقّبين وخاصة عند الحديث عن الصين «2» ... يضاف إلى كل هذا أن رحلة الأول اقتصرت على آسيا دون افريقيا وأوربا ...
ومعنى هذا أن الجمهور الذي عرف عن الرحالة المغربي كان أوسع من جمهور ماركوبولو.
وفي معرض اعتزاز ابن بطوطة بطول نفسه في الرحلة، واتساع رقعة منهاجه في التجوال ذكر أنه يفوق السائح المصري الشيخ عبد الله الذي لم يدخل لا إلى الصّين ولا إلى جزيرة سرنديب ولا المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان. وأعتقد أنه لو قدر لابن بطوطة أن يجتمع بماركو بّولو لعلّق بمثل ذلك التعليق، إذ إننا عرفنا أن الأراضي التي زارها الرحالة المغربي كانت تفوق كثيرا وكثيرا ما قطعه ماركو بّولو.
وقد تفوق رحالة طنجة على رحالة البندقية بشيء أهمّ وهو أنه استطاع أن يمتزج مع سكان البلاد التي وصلها عن طريق المصاهرات، وعن طريق الوظائف السامية التي تقلدها والاتصالات التي كان يجريها مع مختلف الأوساط، الأمر الذي كان يرضي فضوله وتطلعاته المتنوعة والمتجددة في ذات الوقت. ويكفي- لكي نعرف حجم الرجلين ونعرف مع هذا مدى رصيد الجانب المعرفي لكلا العملين- يكفي أن نقوم بجرد لعدد الأسماء الجغرافية التي وردت عند هذا وذاك، وأن نعدّ الأعلام الشخصية التي جاءت في مذكرات الأول والثاني، يكفي ذلك لنخلص إلى الإشادة بذاكرة الرحالة المغربي التي استطاعت أن تختزن كل تلك الأسماء جغرافيا وانسانيا، وأن تحتفظ بشكلها وضبطها ومواقعها بالرغم من العدوان الذي وقع على مذكراته. إن كل ذلك الاستظهار وذلك الاستيعاب كان فوق طاقة البشر حقّا. وحتى جانب الاتحاف والإطراف في كلا الرحلتين كان يبرز، دون تردد، تفوق ابن بطوطة. وقد مر ويمر بنا
(1/91)

كان ابن بطوطة أول مغربي أخذت له منذ عام 747- 1346 عدة صور بمختلف المدن الصينية بمناسبة زيارته لتلك الجهات (ج 4 ص 262) .
وإذا فاتنا الحصول على تلك الصور، فإنه لا يفوتنا أن نقدم هنا رسما من عمل ليون بينيط (Leon Benett) من القرن التاسع عشر يتخيل ابن بطوطة في مصر، حيث تحدّى زميله الشيخ عبد الله الذي لم يبلغ الصين ... !
هذا الرسم أخذناه من أرشيف روجي فيولي (ROGER -VIOLLET) باريز بعد الإذن رقم 778 بتاريخ 11/4/94.
نشير بالمناسبة إلى محاولات لاحقة لتخيّل صورة لابن بطوطة كان فيها ما ظهر على طابع بريدي يوم سابع مايه 1963 ضمن أعلام المغرب العربي ثم يوم ثاني غشت 1966 لمناسبة تدشين خط حاملة السيارات، ابن بطوطة طنجة- مالقة ثم ما نشره أبيركرومبي في (ناسيونال جيوگرافيك) دجنبر 1991 وما قدّمه محمد الادريسي إلى دار الأدب في فرانكفورت (العلم 14/9/1995) وأخيرا الطابع الذي هيأته وزارة البريد 1996 بمناسبة الملتقى الدولي المزمع تنظيمه حول الرحالة، وهو يحتوي على النقش الذي وقف عليه ابن بطوطة في مسجد مالديف ...
(1/93)

رحلة ابن بطوطة في الدراسات الاستشراقية
(1/95)

رحلة ابن بطوطة في الدّراسات الاستشراقية نال المغرب نصيبا وافرا في الدّراسات الاستشراقية، ليس فقط لأنه غني بما يزخر به من تراث حضاريّ هائل، وليس فقط لأنّه البلد الوحيد الذي ظل يتمتّع بكيانه كدولة طوال عصور متتابعة، ولكن لأنّ مركزه الجغرافيّ ووضعه بين الأمم الأخرى جعل منه بلدا إفريقيّا وبلدا عربيا وبلدا مسلما، وبلدا له حضور قويّ في القارة الأوربية «1» .
ومن ثمّت كان محلّ اهتمام من لدن الذين تشغلهم إفريقيا، وممن يهتمّون بالعالم العربي والعالم الإسلامي، وأخيرا من الذين يولون عنايتهم للعلاقات التي شدّت أوربّا بعالم المشرق والمغرب.
وهكذا فنحن أمام اهتمام متنوّع يتناول سائر الفضاءات التي ربّما لا يخطر بعضها على البال.
لقد وجد المستشرقون في كلّ ذلك التّراث مجالا واسعا لنشاطهم لأنّه من جهة يساعدهم على فهم الجهات الأخرى، ولأنه من جهة ثانية يعطي صورة دقيقة عن نمط خاصّ يتميز عن الأنماط التي عرفوها في بعض الأنحاء ...
وسينصبّ حديثنا هنا على موقف المستشرقين من رحلة ابن بطوطة إن في حديثها عن القارة الإفريقية أو الأسيوية أو الأوربية ...
لقد كانت أصداء وجود رحلة ما لابن بطوطة تجاوزت بلاد المغرب عند ما روّج أخبارها ابن خلدون في مقدمته والتمجروتي في رحلته وكذلك المقرّي في كتابه نفح الطيب، هذا إلى أصداء الرسالة الهامة التي وقفنا عليها ضمن الوثائق التي كان يتوفر عليها الدبلوماسي النمساوي المستعرب ضومباي (DOMBAY) على ما عرفنا في فصل (مخطوطات الرحلة) ...
وهكذا فبعد كلّ تلك الأصداء والأخبار مما عرفنا ومما لم نعرف، أخذ المستشرقون يبحثون عن نسخها الأصلية، ولكنهم لم يجدوا إلّا مختصرا اكتشفه المستشرق العالم
(1/97)

الألماني بوركهارت (Burckhardt) الذي كان أول من أثار انتباه أروبا لهذه الرحلة في أعقاب المهمة التي كلف بها في إفريقيا عام 1809 «2» .
وقد حصل سيتزن - (Seetzen) وهو بالمشرق- حوالي سنة 1810 على طائفة من المخطوطات لفائدة مكتبة گوثه (Goethe) كان من بينها تأليف من أربعة وتسعين صفحة يحتوي على مختصر- كذلك- لرحلة ابن بطوطة.
وبعد مضيّ عشر سنوات على عمل سيتزن (Seetzen) نشر المستشرق الألماني كوسگارتن،Kosegarten) (بمناسبة ندوة أكاديمية عام 1818 مقالة تحتوي على نصّ مصحوب بالترجمة لثلاث قطع من ذلك المختصر.
وهكذا كان كوسگارتن الباحث الأوّل الذي قدم إلينا بعض المقاطع من الرحلة، الأمر الذي مكّن أحد الجغرافيين من التعرّف على مسالك السّودان ... لقد نشر كوسگارتن ثلاث مقتطفات من ذلك المختصر: إحداها عن رحلة ابن بطوطة إلى إفريقيا، والثانية عن رحلته إلى بلاد فارس، والثالثة عن رحلة ابن بطوطة إلى مالديف، وإضافة إلى هذا أعلن كوسگارتن عن نيته في أن يقوم بنشر سائر المختصر، لكن مشروعه هذا لم يتمّ ...
إلّا أنّ أحد تلامذته أبّيتز (Apetz) قام عام 1819 بنشر مقتطفة رابعة من ذلك المختصر عن بلاد الفلفل والأبزار: المليبار. (Malabar)
وقد شهدت نفس السنة 1819 ظهور رحلة في بلاد النوبة للمستشرق بوركهارت سالف الذّكر، وفي الملحق الذي صحب هذه الرحلة للنّوبة نجد تعليقا يتصل بابن بطوطة. وقد تبيّن أن بوركهارت يمتلك مختصرا اخر أكثر ضبطا من المختصر الذي اشتغل عليه سيتزن وكوسگارتن وأپّيتز.
ونذكر من الآن أن بوركهاردت أنصف الرحالة المغربي ابن بطوطة عندما أضفى عليه النعت بأعظم رحّالة يقوم بتسجيل مذكراته في العصر الوسيط، وهي الشّهادة التي نرى البروفيسور أندري ميكيل بعد قرن وثلاثة أرباع القرن يزكّيها على نحو ما كان من الكاتب الانجليزي أبيركرومبي والأكاديمي الفرنسي جان دورميصون «3» .
(1/98)

ولم يكن ذلك المخطوط المختصر المكتشف- ونسخه ثلاث- من لدن بوركهاردت غير" المنتقي" الذي ألّفه العالم محمد بن فتح الله البيلوني الذي تحدثنا عنه عند تعرضنا للنسخ المخطوطة من ابن بطوطة، وقد انتقل المخطوط بعد وفاة البيلوني- إلى مكتبة جامعة كيمبريدج. وعلى هذا المخطوط، وتحت إشراف الجمعية التي تعني بترجمة المكتبة الشرقية اشتغل العالم المستشرق صامويل لي (Samuel lee) فترجمه إلى الإنجليزية وزوّده بعدد من التعليقات المفيدة.
وعن هذا المختصر قال دوزي كلمته الصادقة التي سجلها عند الحديث عن مخطوطة ابن بطوطة التي كان يمتلكها المؤرخ الإسباني دي كايانكوس De Gayangos على ما أسلفنا.
وأحب أن أضيف هنا معلومة أخرى، تلك أنه إلى جانب (منتقى) البيلوني، وجدنا في المشرق، وبالذات في مصر (منتخبا) آخر للرحلة مجهول المؤلف ولكنه عرف بعنوان" مختصر الأزهري» على ما قلناه ...
وبعد هذا الحديث عن هذه المختصرات للرّحلة، أنتقل إلى (الرحلة) في نصها الكامل، وعلى ما عرفت به بعد في التاريخ المعاصر بسفريها الأول والثاني.
وهنا نلاحظ أن المستشرق البرتغالي الأب جوزي دي سانطو انطونيو مورا (P.Jose de
Santo Antonio Moura)
قام عام 1797 بترجمة السفر الأوّل من الرحلة الأصلية إلى البرتغالية ونشرته" الأكاديمية" في ليشبونة عام 1840 على ما أسلفناه ...
وهذه الترجمة تقوم على مخطوط كان هذا الأب اشتراه أثناء مقامه بمدينة فاس عندما صحب السفارة البرتغالية- ترجمانا- إلى بلاط العاهل المغربي السلطان مولاي سليمان عام 1211- 1212- 1797- 1798 قريبا من تاريخ مقام ضومباي بطنجة وكذلك تاريخ مقام دولابّورط بها وبمدينة الصويرة ...
وفي مقدمته يؤكد الأب مورا أنه قام بترجمة أمينة لهذا الجزء مضيفا إلى هذا أن المخطوط مكتوب بخط جميل ومعتنى به أكثر ما يكون الاعتناء، بل إنه (أي الأب مورا) يعتقد أنه منقول مباشرة من النسخة التي كتبها ابن جزي بخطه «4» ومما يلاحظ أنّ الأب (مورا) لم يبدأ الترجمة إلى البرتغالية إلّا من الفقرة التي تتحدث عن خروج ابن بطوطة من طنجة لأنه- على ما قال- لم يعثر على الورقتين الأوليين لهذا السفر، وفعلا فإن المخطوط كما وقفت عليه في مكتبة الأكاديمية العلمية بلشبونة عدة مرّات مبتور الورقات الأولى ...
(1/99)

وقد كان مما لوحظ على عمل الأب مورا أنه أسقط الأبيات الشعرية من حسابه فلم يترجمها! بل وقد أهمل كلّ النقول عن ابن جبير إلخ ... أكثر من هذا. لقد حذف بعض المقاطع برمّتها، مثلا ما يتصل بعلماء الإسكندرية ... وقد برّر هذا الصنيع منه بقوله:" إن اللائحة واسعة ومزعجة." وهكذا كان عمله عند ذكر ملوك مصر وقضاتها وعلمائها وأعيانها ...
وكان هذا فعله وهو يصف مكة والمدينة ... إنّ ما حذفه كان يوازي ربع السفر الأوّل، علاوة على تساهله في ضبط المواقع الجغرافية والشخصية على ما لاحظه الباحثان المعروفان رينو (Reinaud) ودوزي. (Dozy)
والحديث عن محاولة الأب مورا يجرّنا إلى الحديث عن بقية من حاولوا ترجمة الرحلة.
... وهنا لابد من التّذكير بأن هناك أجزاء كثيرة ومهمة من الرحلة الأصليّة أمست مترجمة إلى عدة لغات ...
وقد كان في أوّلها قطعة جيّدة تتعلق بالسّودان ترجمها البارون دوسلان مصحوبة بعدد من التعاليق، ومتبوعة- وهذا مهمّ- بخطاب بعث به دوسلان إلى رينو حول المخطوط الأصلي للرّحلة «5» .
وقد أتى بعد هذا إدوار دولوريي (Edouard Dulaurier) فقدم إلينا في (جورنال أسياتيك «6» ) النصّ والترجمة مصحوبين بالتعاليق للقسم من الرحلة الخاص بجزر الأرخبيل الهندي، ثم قام كلّ من ديفريميري (Defremery) وسانكينيتي (Sanguinetti) مرّات متلاحقة بترجمة أطراف واسعة من الرحلة الأصلية. وهكذا نشر، بادى الأمر، القسم الخاص برحلة ابن بطوطة إلى فارس وإلى آسيا الوسطى «7» ، ثم كان الحديث عن الرحلة إلى القرم وقفجق «8» ثم أيضا الرحلة إلى آسيا الصغرى»
... ثم الفصل المتعلق بالسلطان المغولي الذي كان يحكم العراقين: عراق العرب وعراق العجم ويحكم كذلك خراسان وهو السلطان أبو سعيد بهادور «10» طبعا كلّ هذه الأعمال كانت مصحوبة بالتعاليق التي يقتضيها الحال أنذاك.
وفي بداية سنة 1852 قدّم شيربونو (Cherbonneau) أستاذ العربية بقسطنطينة ترجمة مختصرة لقسم أول من الرحلة إلى أن أخذ ابن بطوطة طريقه نحو سوريا، علاوة على المقدمة
(1/100)

التي حررها ابن جزي «11» ، ولم يكن تحت يد الأستاذ شيربونو غير مخطوطة واحدة حديثة العهد، جدّا الأمر الذي، ربما. يفسر الأخطاء التي احتوت عليها الترجمة.
وهكذا ومن خلال ما تقدم أخذنا فكرة عن الصحوة التي أعقبت المبادرة الأولى التي قام بها المستشرقون الألمان ...
لكن العمل الذي نبقى مدينين له بكل التقدير هو ذلك الذي قام به فيما بين عام 1853- 1858- وبتكليف من الجمعية الأسيوية- كلّ من ديفريميري (C.Defremery)
وسانگينتي (B.R.Sanguinetti) سالفي الذّكر، ذلك العمل الذي تمثّل في نشرهما للرحلة مترجمة بكاملها في أربعة أجزاء، وقد شجعهما على ذلك العمل ما أمست الخزانة الملكية بباريز تتوفر عليه من نسخ ثلاث مخطوطة لرحلة ابن بطوطة «12» .
وبفضل ظهور المجلّدات الأربع للرحلة مصحوبة بالترجمة الفرنسية أمست رحلة ابن بطوطة في متناول العالم الغربي، بل وحتّى في متناول العالم العربي والإسلامي الذي كاد أن يجهل كلّ شيء عن رحلة ابن بطوطة!! إن مبادرة هذين الرجلين نبّهت، وبشكل بارز، كلّ الذين كانوا بحاجة إلى أن يعرفوا أكثر عن الجانب الجغرافي للرحلة وكذا عن الجانب التّاريخي والأنثروبولوجي. وإذا كان الاثنان قد أسهما بصفة جيّدة في بعث هذا التراث المغربي الكبير من مرقده، فإن هناك شخصية ثالثة أسدت معروفا لا ينسى لذلك التراث، ويتعلق الأمر بالأستاذ الراحل هاميلتون أليكساندر روسكين گيب H.A.R.Gibb الذي قام بترجمة معظم الرحلة إلى اللغة الانجليزية منذ أواخر العشرينات «13» " ولم يكتف گيب بالترجمة الحرفية ولكنه كان يحاول أن يصل إلى أسرار المعنى. أكثر من هذا قام السير گيب بتحديد طائفة من الأعلام الجغرافية ومواقعها ما أمكنه ذلك، وقد قام إلى جانب هذا بالعمل على التعريف بعدد من الشخصيات التي وردت في صلب الكتاب ذاكرا في أغلب الأحيان مصادره ومراجعه. ويصح القول بأنه لا يمكن للمهتم برحلة ابن بطوطة أن
(1/101)

يستغني عن المجهود الذي بذله هذا الرجل في سبيل تصحيح ما قام به السابقون مما استفدنا منه بطبيعة الحال «14» .
وقد كان گيب نشر قبل إصدار الجزء الثالث دراسة نقدية حول رحلة ابن بطوطة في آسيا الصغرى وفي روسيا" بمناسبة تكريم الأستاذ الراحل ليفي بروفنصال «15» .
وما دمنا في ذكر گيب نسجّل هنا أنه بعد وفاته اهتم أحد الباحثين بنشر الجزء الرابع من ترجمة الرحلة إلى الإنجليزية، ويتعلق الأمر بالأستاذ بيكينگام Beckingham الذي قام عام 1994 باصدار هذا الجزء واعدا في المقدمة وفي بعض التعاليق بأنّ مجلدا خامسا في طريقه إلى الظهور خصّصه، فيما يبدو، للفهارس وللجانب الكرونولوجي والتوثيقي ...
وقد كان في صدر من استفاد من عمل گيب، المستشرق الروسي أ. يو.
كراتشكوفسكي (ت 1951) في كتابه القيّم" تاريخ الأدب الجغرافي العربي" الذي ترجمه الزميل الراحل صلاح الدين عثمان هاشم.
لقد قال عن ابن بطوطة:" إنه منافس خطير لمعاصره الأقدم منه تاريخا ماركوبولو.
ومن الطبيعي- يقول كراتشكوفسكي- أن ابن بطوطة الطنجي كان له إحساس فطري ذاتي بظروف حضارة العالم الذي يصفه أكثر ممّا كان لدى ماركو بولو البندقي وإن وصف الرحالة المسلم لخط سير رحلته كان أدعى إلى الثقة ممّا عليه الحال مع معاصره المسيحي «16» .
وقد قام الأستاذ روس دان (Ross E.Dunn) في كتابه باللّغة الانجليزية: (مغامرات ابن بطوطة) بنشر عرض للرحلة ولو أنه كان يحكي عن ابن بطوطة بأسلوب خاص، ولكنه زود كتابه بتعاليق وبخرائط جدّ مفيدة «17» .
وقد ظهر عالم تشيكي جليل قام بدراسة نقدية رائعة للرحلة خاصة ما يتصل فيها بتحديد المراحل والمواقع والمسافات مقرونة بتحديد الأزمان والظروف، ولا اعتقد أن احدا يستطيع أن يجد من الوقت ومن الصبر ما يمكنّه من القيام، بأناة وتوأدة، من ملاحقة
(1/102)

ابن بطوطة وكشف هفواته والوقوف على فجواته على نحو ما قام ذلك المستشرق التشيكي العالم المتمكن الزميل إيفان هربك الذي قرأنا له بحثا جدّ مفيد في براغ أوائل الستينات «18» قبل أن يتوفاه الله عام 1993.
وقد تهافتت جهات أخرى ممّن تنتمي للعالم الناطق باللّغة الانجليزية على الاستفادة من الرحلة بعد ظهور الترجمة الانجليزية، وهكذا اتسعت دائرة المعرفة بها والاطلاع عليها أكثر فأكثر ...
هذا وقد قرأ الناس ترجمة الرحلة كلّا أو بعضا بعدد من اللّغات الأخرى غير الفرنسية والانجليزية، فترجمها الدكتور هانس قون مزيك (Hans Von Mzik) إلى الألمانية «19» ...
وترجمها إيقان هربك، (Ivan Hrbek) سالف الذكر، إلى اللغة التشيكية، وترجمها إلى الإيطالية گابرييلي (Gabrieli) عام 1961 «20» ، وترجمت إلى اللغة التّركية على يد لجنة وزارة المعارف أواخر عهد العثمانيين في خمسة مجلدات «21» ، ... وقد ترجمت إلى اللّغة الفارسية من لدن الدكتور الزميل محمد علي موحّد تحت عنوان:" سفرنامه ابن بطوطة" «22» ، وإلى اللغة السويدية وقد قام بترجمتها هيرمان المكيسط (Herman Almquist) وخاصة منها الفصل الخاص بتحرّك ابن بطوطة من طنجة إلى الاسكندرية، هذا إلى ترجمتها للّغة الهندية واللغة الأرمنية، واللّغة اليابانية واللّغة الإسبانية «23» .
وعلمت أثناء زيارتي لسمرقند صيف 1974 أن جماعة من المحققين يعكفون على مراجعة ترجمة للرحلة باللغة الرّوسية. وقد أهديت لي أثناء زيارتي للصين ترجمة كاملة للرحلة باللغة الصينية «24» عام 1984. لقد ناهزت الترجمات العشرين، ونحن على يقين أن هناك ترجمات أخرى لا نعرفها. وكأنّ ترجمة واحدة للرحلة لم تكن كافية لأصحاب تلك اللغة،
(1/103)

فوجدنا من بين أصحاب اللغة الواحدة من ينافس زميله في البحث عن خفايا الرحلة فيقدم لنا رحلة ابن بطوطة باللغة الفرنسية أو الانجليزية أو البرتغالية أو الألمانية في بحوث وترجمات أخرى بأساليب أخرى. ومن هذا ما ظهر 1990 عن مؤسسة (لاديكوفيرت couverte "" (La De -بباريز من تقديم وتعليق في ثلاثة أجزاء للأستاذ صطيفان ييرازيموس Yerasimos) (Stephane اعتمد فيها أساسا على الناشرين الفرنسيين السابقين وعلى أعمال السّير هاميلتون گيب.
هذا إلى جانب العمل السابق الذي قام به 1968 فانسان مونطي (V.Monteil) عند ما أعاد نشر الرحلة وزودها، بدوره، بتقديم جيّد وتعليقات مفيدة اعتمد فيها على عمل العالم التشيكي إيفان هربك سالف الذكر، هذا إلى البحوث المركزة التي عززت جانب الرحلة من أمثال بحث العالم الفرنسي الأستاذ ر. موني وفريقه، والأستاذ أ. ميكيل وأمثالهما كثير «25» .
وينبغي أن نؤكد أن معظم هذه الترجمات- إن لم نقل كلّها- تصحب بتعليقات لا غنى عنها للقارىء، بل أكثر من هذا فائدة أن بعض هؤلاء الأساتذة قاموا بوضع مقدمات لكل جزء من الأجزاء حتى يجعلوا القارئ الأجنبي عن العربية في الصورة الكاملة لفهم العالم الاسلامي وتقاليده، ولفهم تاريخ دوله على ذلك العهد ...
لاحظنا هذه المبادرة ابتداء من الناشرين الأولين ديفريميري وسانگينيتّي وانتهاء بالسّير هاميلتون گيب والأستاذ ييرازيموس وأخيرا بالأستاذ طوماس ج. ايبركرومبي (T.J.
Abercrombie)
الذي قام عام 1991 برحلة فريدة من نوعها سار فيها على خطى ابن بطوطة بتكليف من المجلة الإمريكية الذائعة الصيت:" ناشيونال جيوغرافيك ... (National Geographic) " «26» "
ونذكر إلى جانب كلّ ذلك العطاء الجمّ الذي قدمته إلينا الدّراسات الغربية فيما يتصل بابن بطّوطة أننا نرى مما يثري هذا الموضوع أن نشير إلى بعض المؤاخذات التي لنا على جانب من تلك الأعمال بالرغم من أنها مؤاخذات جدّ محدودة ...
(1/104)

هناك بعض الكلمات المغربية التي استعملها ابن بطوطة بحكم أنه كان يعيش معها، هاته الكلمات لم تجد عند باحثينا عناية بها للبحث عنها في الفضاء المغربي فراحوا يبحثون عنها في قواميس بعيدة عن بيئتنا!! وأذكر على سبيل المثال كلمة (الفقّاع) المغربية التي تعنى بكل بساطة: الفطر أو الكمأة لكن زملاءنا رأوا فيها ما يوحي بنبيذ الشعير ... !
وإلى جانب الفقاع نذكر كلمة مغربية أخرى: بوقنينة التي حيّرت أصدقاءنا فوضع بعضهم علامة استفهام عليها، وراح بعضهم يبحث عن معني لها من خلال معنى القنّينة عند المشارقة، مع أن الكلمة معروفة في شمال المغرب الذي ينتسب إليه ابن بطوطة، وهو نبات قصير يكثر في المناطق الجبلية يستعمل لعدّة أغراض. وقد حفظ في الأمثال المغربية هناك:
" غرسته حبق فخرج لي بوقنينه"! «27» ولقد تعب الناشران في البحث عما تترجم به كلمة (البوجات) المستعملة في المغرب بمعنى: الهودج أو المحفّة التي تحمل فيها العروس، فراحا يبحثان عن معناها في اللّغات الأسيوية. وقد التبست عليهما كلمة القريّة (كهديّة) فقراها القربة بالباء (146 -IV) ! ونذكر إلى جانب هذا كلمة (المقيّرة) التي استعملها ابن بطوطة نعتا للجبة عند ما وقع أسيرا بأيدي الهنود وغدا مدينا بحريته لشابّ هندي أعطاه الرحالة المغربي جبته- وكانت من نوع رفيع- فأعطاه الشاب الهندي جبة مقيّرة باليّة. هنا بالرغم من أن الناشرين الاثنين يريان أن النسخ التي يتوفران عليها تكتب المقيّرة فانهما- كما يؤكدان في التعليق- لم يتردد افي أنها (المنيرة) بالنون عوض القاف وراحا يبحثان في الأصل الفارسي عن الكلمة وترجماها بالفعل بأنها آتية من النّيلة الفارسية، ومع أن كلمة مقيّرة معروفة إلى الآن عند المغاربة بمعنى وسخة كأنها مطليّة بالقار، يقال ثوبه مقير يعني عليه طبقات من الأوساخ ...
والجدير بالذكر أن المخطوطات التي نتوفر عليها بما فيها مخطوطة گايانگوس والخزانة الملكية والخزانة العامة، وفيها ما نعتقد أنه بخط الرحالة المغربي، كلّها وبدون استثناء ترسمها مقيّرة على نحو ما نعرفه نحن اليوم.
وقد كان من هفوات الترجمة أنه في معرض الثناء على زوجة له طيبة المعاشرة، ذكر أنه إذا تزوج عليها بخّرت ثيابه، فقد ترجما (تزوج عليها) بما يفيد أنه (تزوج بها) وقد كان من التعسّف تفرقتهم- في الترجمة- بين كلمة العشارين (275 -204 -IV) وقد كان مما أثار انتباهنا- وقد وقفنا في (مالديف) على اللّوحة التي تنص على اسم
(1/105)

المغربي الذي أدخل الإسلام إلى تلك الجزر- أن بعض المشتغلين بابن بطوطة، وهو (ييرازيموس صطيفان) رأى أن ينتزع تلك" البطوطة" من" البربري" ويعطيها إلى التّبريزي نسبة إلى مدينة تبريز بالرغم من أنه اعتمد في الترجمة أساسا على الناشرين الاثنين! لكنه أي صطيفان رأى في هذه المرة أن يعتمد ليس على الاثنين لكن على آخر اسمه فوربس Forbes الذي اعتمد بدوره على مخطوطة كان صاحبها يجهل كلّ ما كتبه ابن بطوطة قبله بأربعة قرون عن إسلام جزر مالديف «28» ! وإذا كان ييرازيموس فضلّ أن يعطي البطولة للتبريزي، فإن العالم التشيكي هربك رأى أن القصد بالبربري إلى أحد المنتسبين لبلاد الصومال نظرا لأنها أقرب جغرافيا إلى مالديف! وكأن هربك لم يقرأ عن اجتماع محمد بن عمر التازي البغدادي بالخليفة العباسي المعتمد (ت 289- 902) على ما نجده عند التنوخي في كتابه (نشوار المحاضرة) ، ولم يقرأ عن المقدسي في كتابه" أحسن التقاسيم" وهو يجتمع بعدد من علماء الأندلس بمكة عام 377- 987.
هذا إلى أنهما أي الناشرين السابقين أحيانا لم يتريثا قليلا لتقديم معلوماتهما عن بعض المواقع الجغرافية في المغرب. وفي هذا الصدد ينبغي أن نرجع إلى الجزء الأول من عملهما ص 84، والجزء الرابع ص 312. حيث تكررت ترجمة (الزاوية) التي انشأها السلطان أبو عنان بفاس، بالمدرسة البوعنانية! مع أن القصد إلى منشأة أخرى غير المدرسة يقول ابن بطوطة إن العاهل بناها بخارج حضرته، ومعلوم أن أبا عنان أنشأ هذه المعلمة الكبرى كفندق لإيواء الضيوف على مقربة من وادي الجواهر وكانت آية في النقوش والرسوم المجسّدة على ما سنرى في الملاحق هذا إلى أعلام جغرافية أخرى وقع فيها الخطأ عندهما فسرى إلى من قلّدهما. ونذكر على سبيل المثال (ج، 2، 196) ظفار الحبوضي التي نقل الاثنان أنها ظفار الحموض على ما سنرى عند التعليقات على صلب النص.
ونحن نتحدث عن الاسماء الجغرافية في الرحلة لاحظنا أن هناك عددا من الأعلام لم تنل حظها من البحث والتنقيب على نحو ما كان عليه الأمر في وادي قرة بالأندلس، وجناتة، ودار الطمع بالمغرب على ما سنرى في التعليقات.
وقد اعترضتنا بعد هذا انسياقات أخرى كان عليهما أن يتريّثا فيها، مثلا حديثهما (ج 1 ص 155) عن الأديب أبي الفتيان جبوس عوضا عن ابى حيّوس الذي هو الصواب.
(1/106)

وحديثهما (ج 1، 191) عن الشاعر شرف الدّين ابن محسن عوضا عن الشاعر أبي المحاسن عنين الذي هو الصواب.
ومثلا ما ورد (ج (222،I عن كتاب المفهم في شرح صحيح مسلم للقرطبي، هذا الكتاب سمي عندهما انسياقا مع إحدى المخطوطات (المعلم) الذي الفه المازري مع أن الصواب كما هو معلوم: المفهم، وقد كان مما ورد عندهما (ج (230،I نسبة مدرسة هامة بالصالحية في دمشق إلى ابن عمر مع أنها لأبي عمر على ما هو في المخطوطات الموثوقة.
وقد كان مما لفت نظرنا ما ورد عندهما (ج (248،I حول العلامة ابن الشحنة الحجار، فقد نقلا معا أنه الحجازي عوض الحجّار ... وقد كان مما وقفنا عليه عند الناشرين المذكورين (ج I ص 252) ما ورد حول الشيخ (البجدي) بالباء ثم الجيم فلقد تحرف عندهما الى النجدى، هذا إلى خطأ آخر في نفس الجزء والصفحة (1، 252) ويتعلق الأمر بجمال الدّين أبي المحاسن يوسف المزي الذي رسم خطأ المزني (بالنون) ، الامر الذي سار عليه كل الذين نقلوا عن الاثنين دون روية ... !
وفي الأعلام الشخصية التي كانت تحتاج إلى التصحيح ما ورد عندهما (ج II ص 83) حول روز جهان القبلي عوض روز بهان البقلى الذي هو الصحيح.
وقد كان من الأخطاء التي أثارت الانتباه ما ورد من حديث عن ابن شبرين (بالباء) السبتي نسبة إلى سبتة المغربية، هذا العالم تحوّل اسمه عندهما إلى ابن شيرين (بالياء) عوض الباء كما تحول السبتي إلى البستي نسبة إلى بست، ويا بعد ما بين سبتة وبست!! وفي حديثهما عن ابن بطوطة وهو بتونس عائدا من المشرق تحوّل عندهما (ج 4، 330) اسم زيان بن أمديون العلوي وزير السلطان أبي الحسن وصهره وظهيره إلى ابن أمريون بالراء عوض الدال.
ومثلا (ج 4 ص 331) تحول اسم الآبلي نسبة لآبلة) AVILA (في الأندلس إلى الأبلي نسبة إلى الأبلة في البصرة! والملاحظ أن هذه الهفوات وقع في معظمها جلّ الذين اعتمدوا على النسخة الفرنسية من الناشرين اللّاحقين على ما سنرى ... ! وقد كان من غريب ما وقع فيه المترجمان أن تلتبس عليهما في البداية كلمة (الصاحب) التي كان يقصد بها ابن بطوطة: الصاحب بن عباد، بكلمة (الصاحب) التي تعني الصديق (ج 2، ص 16) ! لنقرأ هذه الفقرة في الرحلة تعليقا على أن ماء مدينة البصرة غير جيّد، قال ابن جزي: ألوان أهل البصرة مصفرة، حتّى ضرب بهم المثل، قال بعض الشعراء وقد أحضرت بين يدي الصاحب أترجة.
(1/107)

لله أترج غمدا بيننا ... معبّرا عن حال ذي عبرة
كما كسا الله ثياب الضنّا ... أهل الهوى وساكني البصرة!
الشاهد عندنا في أحضرت، الهمزة مضبوطة عند الاثنين بالفتح وقد ترجمت هكذا:
Un poete de mes amis. a qui je presentai un citron composa ces vers:
ومن هذا المعنى نذكر التباس كلمة السّفر بكسر السين وتسكين الفاء، بمعنى الجزء أو المجلّد، بكلمة السّفر بفتح السين والفاء، التبس ذلك على بعض التراجمة الإنجليز فكان في بعض الأحيان يترجم كلمة السّفر ب!! (Journey) ومع كلّ هذا فإنه لا يسعنا إلا أن ننوه بالعمل الجادّ الذي قام به التراجمة من مختلف الجنسيات من أجل بعث رحلة ابن بطوطة من مرقدها وجعلها في متناول الجميع وبمختلف الوسائل ...
والحقيقة أنّني لم أسمع في الدنيا عن رحلة نقلت من لغتها الأصلية إلى لسان ثان، ثم ترجمت من ذلك اللّسان الثاني لتعود إلى لغتها الأولى بصياغة حديثة، ولقد تحقق ذلك في رحلة ابن بطوطة التي ترجمها غيرمو غوسطافينو عن الإسبانية بأسلوبه العربي الذي كان يرى أنّه أكثر إثارة وأوفى إشارة «29» !! وقد لذّ لي- وأنا أزور دول القارة الإمريكية التي لم يصلها ابن بطوطة- أن أبحث: هل ما إذا كان له صدى هناك، ولشدّ ما كان استغرابي وأنا أقف على عشرات البحوث التي كتبها إمريكانيون بل واستراليون عن هذه الرّحلة العظيمة التي لن ينتهي الحديث عنها ...
(1/108)

اهتمام الكتّاب العرب بالرحلة
(1/111)

اهتمام الكتاب العرب بالرحلة ...
والآن وقد ألممنا بعض الشيء بعمل المستشرقين من أجل رحلة ابن بطوطة، نرى من المفيد أن نخصص هذا الحيّز لما قام به الزملاء العرب كذلك من جهود متنوعة مشكورة للإستفادة من الرحلة ...
وأرى من المفيد، منذ البداية، أن أذكّر بأنه بالرغم مما ظهر في المشرق من طبعات عديدة للرحلة منذ أواخر القرن الماضي وبالضبط 1288 هـ 1871 م إلى اليوم فإن كل تلك الطبعات، وبدون استثناء، إنما كانت منقولة من الطبعة الباريزية، أي إنه لا يوجد ناشر واحد قام بمبادرة من عنده للاعتماد على مخطوطات جديدة غير التي اعتمد عليها الناشران الفرنسيان: ديفريميري وسانگينيتي، بل لم نجد واحدا من زملائنا من كلّف نفسه حتى زيارة المخطوطات الباريزية للقيام ببعض المقارنات والمفارقات ... !
ولكثر ما اعتمد الناشرون على الطبعات السائرة، وجدنا بعضهم يقتصر على اعتماد هذه" الطبعات" فيما ترسمه وتكتبه، فيقول مثلا: بعض الطبعات ترسمه كذا وبعضها تكتبه كذا! وكأنّ الأصول المخطوطة مفقودة «1» ! وفي مصر التي تعتبر- على مرّ العصور- بحقّ رائدة الفكر وعاصمة الكتاب العربي، فإن الرحلة لم تشتهر إلا عند ما صدرت كاملة في باريز عام 1853- 1858!. فهنا تحركت الهمم لطبعها بمصر نقلا- بالحرف- من الطبعة الفرنسية، ونقول بالحرف ونحن نقصد إلى أن الناشرين التّابعين لم يبذلوا أيّ جهد حتى في تصحيح نسبة الديباجة لابن جزي وليس لابن بطوطة على ما ندركه من قراءة السطور الأولى للمقدمة ...
وقد تمّ هذا الطبع أولا بمطبعة وادي النيل بتصحيح أبي السعود أفندي «2» في منتصف جمادى الثانية 1288 هـ- أول شتنبر 1871 م" على أصله المطبوع مع ترجمته بالفرانساوية بمدينة باريز في سنة 1858 ميلادية" كما تقول هذه الطبعة.
وتحركت في بداية هذا القرن 1322 هـ 1904 م همة أحد أبناء فاس فتطوّع الشريف مولاي أحمد بن عبد الكريم القادري الحسني المغربي الفاسي بطبع الرحلة من جديد، وكان عليه- هو الآخر- أن يعتمد على النسخة المطبوعة بمصر المعتمدة بدورها على طبعة باريز.
(1/113)

لقد عرفنا للشريف القادري بعض المبادرات المماثلة عندما طبع على ذمته" كشف الأسرار عن علم الغبار" للإمام القلصادي عام 1318 هـ- 1900 م، وعند ما طبع كذلك على ذمّته" مختصر الشيخ خليل" في الفقه المالكي عام 1322 هـ- 1904 م بالمطبعة الحجرية بفاس ...
ولعلّ الشريف القادري تعذّر عليه أن يقوم بطبع رحلة ابن بطوطة في مطابع الحجر بفاس، فقام بهذه المبادرة الجرّيئة واتّصل بمصر التي ظهرت فيها هذه" الطبعة الثانية" للرحلة بمطبعة التقدّم بشارع محمد علي بالقاهرة يوم 13 ربيع الثاني 1332- 17 يونيه 1904 «3» ولكن مع حذف أن الأصل هو الطبعة الباريزية كما فعلت من قبل مطبعة وادي النيل!! وقد ظهرت بالقاهرة طبعة ثالثة عام 1928 عن المطبعة الأزهرية: جزان في مجلد واحد أشرف عليها ابن الشيخ حسن الفيومي إبراهيم ونعتها ب" الأولى" ولم تقف الرحلة في مصر عند هذا الحد، فقد رأت وزارة المعارف المصرية، على ما يؤكده المستشرق الرّوسي كراتشكوفسكي، أن دراسة الرحلة في المدارس مما يساعد أبناء مصر على توسيع مداركهم وإثراء معلوماتهم. وهكذا عهدت 1352- عام 1933 إلى اثنين من كبار رجال التعليم في أول هذا القرن بالاهتمام بالرحلة وإعدادها لتصبح ضمن المقررات المفروضة على طلاب المدارس الثانوية كما عهدت إلى الشيخ محمد فخر الدين بوضع خرائط لها، فكان كتاب (مهذّب رحلة ابن بطوطة «4» ... )
ونرى من المفيد هنا أن نشير إلى النقد اللاذع الذي لقيه كتاب (مهذّب الرحلة) من لدن عدد من الباحثين كان منهم زميلنا الراحل د. حسين مؤنس الذي يقول:" وهل هناك أدلّ على الجهل بقيمة رحلة ابن بطوطة من أن تمسخ في صورة" مهذّب" يستعمل كتاب مطالعة لتلاميذ المدارس؟ ولا ندري كيف يمكن أن يهذب وصف رحلة على هذه القيمة؟ وما هي الأجزاء التي ينبغي استبعادها حتى تكون الرحلة مهذّبة «5» ؟ " وإلى جانب هذه الطبعات المصرية وجدنا بيروت بدورها تولي اهتمامها لرحلة ابن بطوطة، وكان أول ما لفت النظر للرحلة، حسب علمنا، سلسلة" الروائع" لفؤاد أفرام البستاني في طبعتها الأولى (يونيه 1927) حيث توالت طبعاتها فيما بعد. وقد قدمت (الروائع) ابن بطوطة عبر رحلته (تحفة النظار) في ثلاث كتيبات صغيرة ...
(1/114)

ومن هنا تحركت (دار صادر) «6» لتقدم إلينا عام 1960 طبعتها الكاملة للرحلة، ثم نافست دار الكتاب دار صادر فنشرتها «7» كذلك، في نفس عام 1960.
ونرى من المهم أن ننبه هنا إلى سابقة خطيرة: تلك أن الناشر في (دار صادر) أقدم على حذف الكلمات المتعلقة بضبط وشكل الأسماء الجغرافية! هذا الضبط والشكل الذي يذكره المؤتمر العالمي لتنميط الأعلام الجغرافية التابع للأمم المتحدة على أنه من مناقب رحلة ابن بطوطة ومزاياها!! ومن الواضح أن صنيع (دار صادر) هذا يعتبر بدعة منكرة لا تتفق وأهداف البحث الذي يعتبر أن ضبط الأسماء نوع من التوثيق الذي تفرضه الأمانة العلمية. وإذا كان الأوربيون يستغنون عن ضبط الأسماء الجغرافية والشخصية فلأنّ كتابتهم تقوم مقام الشكل الموصوف في اللغة العربية.
هذا علاوة على حذف بعض الجمل التي رأت الدار أنها لا تليق بالأحوال الجارية اليوم،! وعلاوة على بعض التعليقات في الهوامش التي تظل بعيدة عن مفاهيم الأسرة الإسلامية والبيئة المغربية «8» .
ومن الملاحظ أن (دار الكتاب اللبناني) سارت في نفس اتجاه (دار صادر) ، فقد استغنت عن ضبط الأسماء الجغرافية والأعلام الشخصية تقليدا لزميلتها دار صادر. أكثر من هذا فقد قامت هذه الطبعة هي الأخرى بحذف بعض الفقرات بل وبعض الأشعار «9» التي لم ترقّها من الرحلة ظلما وعدوانا على نحو ما كان قام به المستشرق البرتغالي الأب انطونيو مورا سالف الذكر، وقام به كذلك العالم الايراني د. على موحد.
لقد حكى عن الجاحظ أنه صنف كتابا وبوّبه أبوابا، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء وجعله أشلاء، فاحضره الجاحظ وقال له: يا هذا! إن المصنّف كالمصوّر، وقد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعوّرتهما أعمى الله عينيك! وكان لها أذنان فصلمتهما صلم الله أذنيك! وكان لها يدان فقطعتهما قطع الله يديك! حتى عدّد اعضاء الصور ... فاعتذر إليه الرجل وتاب إلى الله من المعاودة «10»
(1/115)

وقد ظهرت بمصر عام 1964 م 1383 عن المكتبة التجارية الكبرى طبعة أخرى للرحلة وذكر على أول صفحة فيها أنّها" روجعت وصححت على عدة نسخ صحيحة، بمعرفة لجنة من الأدباء" وقد أغراني هذا الإعلان فشددت الرحلة لطلب هذه الطبعة المصحّحة على عدة نسخ ومن طرف ثلة من الأدباء الذين لم يذكر منهم اسم واحد، لكنها كانت نسخة طبق الأصل من كل النسخ التي صدرت بمصر: فهي تبتدىء بالخطإ المشهور الذي ينسب المقدمة لابن بطوطة مع أنها لابن جزي. ثم تسير على نحو سابقاتها في أغلاطها. والفرق الوحيد بينها وبين سابقاتها أنها تجعل الكلمات التي تشكل الأعلام الجغرافية بين هلالين مثلا: بلاد (البره نكار) يقول عنها: (وضبطها بفتح الباء الموحدة والراء والنون والكاف وسكون الهاء) .
وهي عبارة عن جزئين في مجلد واحد. وقد ختم المصححون" السفر الاول" بايراد تذييل لابن خلدون حول «تناجي الناس» وحول اتصاله اي ابن خلدون بالوزير أبن ودرار ... بينما ختم السفر الثاني بالتنويه" بالحاج مصطفى محمد صاحب المكتبة التجارية الكبرى شارع محمد علي." وقد وافق التمام أوائل شهر رجب من عام 1377- (22 يناير 1958) . هذا وقد صدرت طبعة أخرى عن المكتبة التجارية الكبرى عام 1386- 1967 ...
وفي سنة 1388- 1968 صدر عن دار التراث في بيروت نسخة جديدة مزيّتها فقط أنها تنسب المقدمة لصاحبها ابن جزي وليس لابن بطوطة، والباقي جار على سنن الطبعات السابقة. وقد ظهرت طبعة جديدة للرحلة عام 1392- 1972 لمؤسسة الرسالة في بيروت رأى زميل لنا عزيز «11» أن يقوم بتقليد صنيع الناشرين في لبنان، وهكذا حذف العبارات التي تضبط الأعلام الجغرافية، بل وقام باجتهاد جديد وهو أنه" جرّد أقوال ابن جزي من صلب الرحلة وجعلها في ذيول على حدة نظرا لكون فائدتها- في نظره- ثانوية! وقد سلك هذا الصّنيع أيضا في بعض النصوص التي وردت أثناء الكتاب. ومعنى كلّ هذا أن الرحلة التي عرفها الناس أيام السلطان أبي عنان راحت لتعوّضها رحلة" أخرى بترتيبات أخرى.
وقد أتعب مثل هذا الصنيع أصحابه فلم يستطيعوا الالتزام به ابتداء من أول فقرة في الرحلة عندما استهل أبن جزي مقدمته بقوله:" الحمد لله الذي ذلل الأرض لعباده ليسلكوا فيها سبلا فجاجا" إلخ. فهل لم يكن من واجب هؤلاء الزملاء- وقد قرروا فصل كلام ابن جزي عن الرحلة- أن يجعلوا المقدمة ذيلا كذلك؟! هذا إلى هفوات بالغة لم ينتبه لها: مثل كلمة التارات في المقدمة التي تحولت إلى القارات! وكلمة الفارسية التي تحولت كذلك إلى الفاسية!
(1/116)

وما كان لي أن أتحدث عن هذه الهفوات التي افترضت أنها مطبعية لولا ما أدّت اليه حيث جاء بعد هذا أحد زملائنا من لبنان فقام باجتهادات أخرى، وهكذا اعتمد على زميلنا الذي أشرنا إليه من غير أن يرجع إلى أصول الرحلة ونقل عنه منهاجه في الاستغناء عن ضبط الأعلام، وحذف تعليقات ابن جزي من صلب الكتاب لتصبح في الهامش. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، ولكنه تجاوزه إلى إعطاء" تفسيرات" غير صحيحة تماما لبعض الهفوات الواقعة في الرحلة المنقول عنها"، مثلا فسّر هذا الباحث: القصد من كلمة (القارات) ، مع أنها التارات «12» وليس القارات، فسّرها بأنها افريقيا وآسيا وأوربا مضيفا إلى هذا قوله:" إن إمريكا وأستراليا لم تكونا قد اكتشفتا بعد"! وفسر القصد من كلمة المملكة (الفارسية) . مع أنها المملكة الفارسية: بأنها مملكة مدينة فاس!! وبدّل هذا الناشر بعض العبارات التي لم تعجبه في الرحلة على نحو ما فعل سلفه «13» . وأخيرا ظهر له أن يستغنى عن العناوين التي جعلها ابن بطوطة لكتابه وابتكر هو عناوين أخرى ...
ومن الإنصاف أن نقدر الجهد المضني للأستاذ طلال حرب في محاولته- لأول مرة- لإعداد فهارس متنوعة، وكنت أتمنى أن يتسع صدره لمراقبة أكثر للكنى والألقاب وللتحري في التعريف بالأعلام الشخصية، والتصدّي للأخطاء المطبعية التي كنت أحيانا ضحيتها أيضا!! وقد وقفنا أخيرا على طبعة للرحلة صدرت عن دار إحياء العلوم في بيروت (1412- 1992) وكانت بتقديم وتعليق الشيخ محمد عبد المنعم العريان وقد اعتمد في عمله على ما صدر من بعض الطبعات السابقة على ما أسلفنا ...
ويبقى أخيرا أن نذكر أن رحلة ابن بطوطة ألهمت بعض الكتاب العرب المعاصرين فنسجوا على منوالها رحلة خيالية ابتدعوها تحت عنوان: (رحلة مغربي إلى حضرموت) وحاكوها بدقة وذكاء حتى مرّت الحيلة، ردحا من الزمان، على بعض زملائنا سيما وقد برع ذلك المخترع في إضفاء حلة البرود اليمانية على البرانس المغربية «14» .!!
(1/117)

ومن السادة الذين تصدوا للرحلة- وهم كثير كثير- من تجنّب نشرها حرفيّا وتحقيقها على الطريقة المعهودة في كتب التراث، واكتفى بعرضها أي إنه كان يحكي عن ابن بطوطة، ويتحدث عنه حديث الغائب وبأسلوب غير أسلوب ابن بطوطة ... «15» .
وقد برّر بعضهم هذا الصنيع بأنّه نوع من" التعريب" أي نوع من ترجمة الأسلوب القديم إلى (الأسلوب الحديث) ، وقد استأنس هذا البعض في ذلك بصنيع الدكتور طه حسين في كتابه (صوت أبي العلاء) عندما قال:" وما دام جمهور المثقفين يعظم ويضخم من يوم إلى يوم، فلا بد أن نقرّب إليهم أدبنا القديم ... فليس كلّ الناس قادرا على قراءة اللّزوميات والفصول والغايات ورسالة الغفران وفهمها ... وإلا انقطعت الصلة بين الحديث والقديم وأصبح مكان الأدب العربي القديم من المثقفين مكان الأدب اللاتيني من الفرنسيين والإيطاليين" ...
ويلاحظ أن بعض الناشرين في المشرق لم يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن بعض الكلمات المغربية الواردة في الرحلة فأطلقوا العنان لاجتهادهم الذي أخطأ الصواب في بعض الأحيان.
وسأكتفي بسرد طائفة من الألفاظ معتمدا على القارئ في العودة إليها: كلمة (متّيجة) وهي علم جغرافي كما هو معلوم، وليست اسما لاداة من أدوات النقل في المغرب، كلمة (القبرية) التي هي عبارة عن شاهد القبر الذي يسجل فيه اسم الميت وتاريخ وفاته، كتبوا عوضها (التّبرية) وقالوا: إنها نسبة إلى التّبر أي الذهب وقد تكون من النحاس أو الحديد أو الرصاص! وقد استشكل بعضهم كلمة (الظهير) التي تعني في المغرب- كما هو معلوم- المرسوم الملكي، ولفظ (الشّكارة) التي تعني في المغرب ظرفا من الجلد توضع فيه النقود مثلا وليست إناء على كلّ حال، وكلمة (الفرجية) ليست ضربا من الأقبية ولكنها لباس، وهي لفظ مغربي على ما يؤكد دوزي في كتابه (معجم الملابس) ... وكلمة (أفراج) : تعني في المغرب مجموعة خيام سكنية متنقلة تكون صحبة الركب الملكي، والكلمة بربرية، وقد ورد ذكرها مرارا في المصادر المغربية. أما عن (التهليل) فإنه ظرف يجعل فيه (المصحف) وربّما (دلائل الخيرات) كتعويذة، وليس القصد إلى قطعة ذهب على شكل الهلال ... والمجشر ويجمع على مجاشر- وقد يحرف إلى مداشر- لا يعني في المغرب الحوض، ولا المبلغ من المال، ولكنه
(1/118)

يعني مجموعة سكنية في البادية. هذا إلى كلمة (السّنداس) التي تعني في المغرب المرحاض، وكلمة (المصرية) التي تعني في المغرب البيت المنعزل الذي يأوي إليه شباب الأسرة مثلا.
يكون ملحقا بالدار التي تسكنها العائلة «16» ، وكلمة (التّبريح) في المغرب تعني الإعلام العلني:
برّحوا بالملك على أنّه سيقوم بسفر نحو جهة من الجهات، بمعنى أعلموا به وأشهروه، هذا المعنى فات بعض الناشرين ففسّروا التبريح بأنه الضّرب المبرّح، وهذا معنى لا صلة له بالموضوع، وكلمة (أزواج الحرث) وجد الاستاذ كرم البستاني أنها تحريف لكلمة أرواح وانطلق يؤوّل، وكلمة (القيّرة) يستعملها ابن بطوطة وابن خلدون على أنها مقتبسة من الكلمة الاسبانية (الگيرة) بمعنى الحرب، حوّلها البستاني إلى كلمة الغزاة ... ! والبحائر التي هي جمع لبحيرة على وزن سفينة، جعلها جمعا لبحرة، و (صاحب العلامة) التي يعني لقبا حضاريا يعني الموظف السامي في الدولة الذي يعهد اليه- بعد أن تحرر الرسالة الملكية- بوضع العلامة السلطانية عليها، هذا المعنى خفي على بعضهم فحول العبارة إلى الصاحب العلّامة!! بالرغم من أن المشرق عرف أيضا هذه الوظيفة على ما في (بدائع الزهور) .
علامة ملوك بني مرين ونحن نلتمس العذر لأولئك الذين لم يدققوا في الفرق بين حج الإفراد (بكسر الهمزة) وحج القران (بكسر القاف) ، ولم يتتبعوا التعابير التي وردت في (حزب البحر) أو الحزب الصغير كما قد يسمّونه لأبي الحسن الشاذلي رحمه الله.
ولا يفوتني بعد هذا أن أضيف إلى ما ذكرته أن سائر الذين اهتموا بالرحلة لم ينتبهوا إلى أن الشعر الفارسي الذي طالب أمير أمراء الصين بغنائه وترديده مرارا حتى حفظه ابن بطوطة من أفواههم هو بيت واحد للشيخ سعدي من قصيدة مشهورة، وليس بيتين من بحر الرجز على ما سنرى ذلك في محله ...
(1/119)

دراسات نقدية
(1/123)

الدراسات النقدية ...
ولقد بقيت رحلة ابن بطوطة بعيدة عن كل نقد وعن كلّ تعليق- عدا ما حكيناه عن ابن الخطيب وابن مرزوق وابن خلدون- حتى قيض الله لها من بعض المستشرقين من قام بمتابعتها وتعقبها، وقد ابتدأت الدراسات النقدية في الواقع منذ اليوم الذي نشرت فيه الأطراف الأولى من الرحلة في بعض البلاد الأروبية.
ومن أشهر من تناولها بالنقد- بعد الناشرين الفرنسيين- السير هاميلتون گيب والعلّامة التشيكي إيفان هربك «1» والباحثان الفرنسيان فانسان مونطي وصطيفان ييرازيموس، وروس دان الاستاذ بجامعة ولاية سان دييگو واخرون غير هؤلاء وهكذا توفّرنا على دراسات نقدية أثرت رحلة ابن بطوطة وأثارت انتباه الباحثين اليها من سائر جهات المعمور وبكل لسان.
لقد تتبّعوا تلك المذكّرات من خلال عدد من المقاييس والمعايير، مثلا ضبط التّواريخ التي يوردها مقارنة بأسماء الأيام التي يذكرها: يوم الاثنين مثلا، وهل بالفعل يتطابق مع تاريخ اليوم السابع عشر من رجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة الذي ذكر تاريخا لميلاده؟
وهناك حديث ابن بطوطة عن شدّة البرد في شهر قمري: (شوال مثلا) في حين أن هذا الشهر كان يوافق يونيه أو يوليه الذي نعتاد فيه الحر.
وهم يتقّفون أثره وهو يجتاز بعض البلاد مثلا فلا يذكر تاريخا ليوم ولا لشهر ولا لسنة، وبذلك يتركنا في غموض من أمر التسلسل الزمني.
وقد حاسبوه على ذكر بعض الأحداث في غير محلّها، وأنه يحكى في الرحلة السابقة ما حصل له في الرحلة اللاحقة. على نحو ما حكاه عن الشريف أبي غرة وهو في النجف بينما سيسمع الحكاية عنه وهو في الهند، وما حكاه في زيارته الأولى عن الطاعون بدمشق.
وقد حاسبوه فيما روى عن بعض الشخصيات واتّصاله بها في حين كان يستحيل عليه ذلك! هذا إلى إهماله لذكر أسماء الحكام في بعض الجهات التي زارها مع أن عادته جرت على أن يعطي الأولوية لزيارة المتنفّذين والمسؤولين عن البلاد. ولم يتردد بعضهم في اتهام ابن بطوطة بأنه كان أحيانا" يصطنع" الرحلات ويتقمص شخصيات أخرى فينسب له ما كان لتلك الشخصيات ... كل هذا إلى إهماله لذكر بعض المشاهد والمزارات التي كان من المفروض أن تكون مقصودة من لدنه، مثلا إغفاله لذكر مزارة الشيخ عبد القادر الگيلاني في بغداد!
(1/125)

وقد كان في صدر ما أثار انتباهنا حقا تلك الطّفرات والقفزات التي سجلت على الرجل في بعض المناطق التي كنا نصحبه فيها مرحلة مرحلة. كنا نشعر في بعض الأحيان وكأنه ركب طائرة ليحلّق فيها من محطة إلى أخرى بعيدا عن الأنظار، وكم بذلنا من جهد حتى نتعرف على خطوط سيره!! لقد انشغل عن تعداد المراحل عند ما انتقل من بغداد إلى تبريز عاصمة الإيلخان، ولعل مصاحبته للسلطان أبي سعيد كانت وراء اختفاء شخصيته، فانشغل بغيره عن نفسه، وكثيرا ما يحدث هذا ولا ينبّئك مثل خبير! وكذا كان حاله فيما بين ماردين وبغداد ...
ومن الوثبات المحيّرة التي لم نعرف لها طريقا الوثبة التي كانت له من جنوب الروسيا إلى شمال تركيا. هل وصل صحبة الخاتون عبر الصحراء أو عبر الدانوب؟ لقد اختفت شخصيته رفقة الاميرة أيضا. ومن ميلاس غربا جنوب الأناضول إلى قونية شرقي شمالها، ثم من أرز الرّوم شرقا إلى برگي غربا، لم نستطع تقفي أثاره، وهو في شرق إفريقيا أيضا، لم نستطع مصاحبته وهو يتحرك من كلوة إلى ظفار بحرا. «2»
وفي طريق ابن بطوطة من مكة صحبة الأمير البهلوان عن طريق المدينة حتى يصل للعراق عن طريق حصن فيد- وهو الحائل- انشغل أيضا عن تناول القلم والورق على نحو ما كان منه وهو يرافق ركب السلطان أبي سعيد من بغداد إلى تبريز، وركب الخاتون إلى القسطنطينية العظمى.
وهو في الأردن سلك طريقه من الجيزة إلى بصرى الشام، وهو طريق غير مسلوك اليوم. ولو أنه سافر على الطريق المألوف لكان عليه أن يجتاز على عمان قصبة البلقاء، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية حاليا على ما يؤكده الزميل الأستاذ الدكتور ناصر الدّين الأسد في بحثه المقدم إلى مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دورة 1996.
وقد لاحظ زميلنا الراحل السفير خليل الله خليلي وهو يتحدث عن ابن بطوطة في أفغانستان طفرة الرحالة من بلخ إلى أن وصل إلى هرات وتساءل أيّ طريق سلكه؟ هذا علاوة على وثبة بسطام إلى قندوز وبغلان «3» .
وعند ما عبر نهر السند مع علاء الملك إلى العاصمة لاهري من الحدود الشمالية الحالية وفي اتجاه جنوب البلاد، هناك لم يستوعب المحطات النّهرية التي كان يمر بها. وهو في شرق
(1/126)

الصّين ابتداء من مضيق فرموزة وعبر النهر الأعظم والنهر الأصفر وآب حياة ... كان كسولا في تتبع محطات سيره ولكأنما كانت الصين صحراء قفراء. لا ذكر لبعض الأطعمة الصينية وأشربتها وفي صدرها الشاي الذي كان انتشر على ذلك العهد «4» . لكن الوثبات الكبرى هي التي سجلت عليه وقد قرر أن يعود إلى بلاده المغرب عندما أنهى زيارته للصين ورجع من حيث أتى دون تدقيق ولا تفصيل. فمن مدينة الزيتون حيث عشرات الجنوك ... عبر الجاوة ثم طوالسى وسمطره حيث حضر أعراس الأمير ولد الملك الظاهر في الجاوة، ثم إلى ظفار، وفارس والعراق، ثم الحج السادس والأخير قبل أن يعود إلى المغرب ... كان يمر سريعا وكأن وراءه ما يمنعه عن الاسترسال في الحديث.
وقد لاحظ گيب ومعه هربك أن أمير شيراز لا يمكن أن يكون عام 727- 1327 هو أبا إسحاق ابن محمد الذي إنما حكم من عام 1343 إلى عام 1357. وهكذا نجد مرة أخرى أن الرحالة المغربي يمزج مشاهداته عند الذهاب بمشاهداته عند الإياب ... !
وعند ما يذكر ابن بطوطة أنه زار هرمز عام 731- 1331 يعقّب هربك أيضا بأن الرحالة المغربي إنما زار هرمز عند عودته من الهند والصين عام 1347! وعند ما وصل ابن بطوطة لمدينة (العلايا) أول بلاد الروم أمسك هربك بتلابيبه وضبط بالعدّ والحساب أنه زار 29 محلة في انطالية انطلاقا من العلايا حوالي فاتح ربيع الثاني 20 733- دجنبر 1332. وقد حاول العالم التشيكي أن يقوم هو بإعادة تمثيل خط السير فاصطدم بمصاعب وتناقضات ... !!
وعند ما تحدث ابن بطوطة عن استشهاد الأمير عمر بك ابن سلطان يزمير، عقّب گيب على ذلك بأن الأمير قام بغزوته الأولى في الدردنيل عام 732- 1332، وقد لقي حتفه في شهر مايه 1348- محرم 749، وهكذا فإن ابن بطوطة لم يمكنه أن يعلم باستشهاده الّا عند العودة من سفره ...
وقد بيّن هربك أن ابن بطوطة- وهو في سوريا- ذكر أنه زار أكثر من عشرين موقعا خلال شعبان ورمضان 726 يوليه، غشت 1326 ... وهذا غير مقبول، ولا معقول! وهو الأمر الذي يؤكد أن الرحالة المغربي كان يخلط بين زياراته للأماكن في المرة الأولى والثانية.
وقد حاول بعض الباحثين أن يشكّك في أمر وصول ابن بطّوطة إلى اصطنبول لكن
(1/127)

معظم الذين اشتغلوا بالرحلة لا يرتابون إطلاقا في وصول الرحالة المغربي للقسطنطينية العظمى.
وعلى نحو ذلك شكك بعضهم، من أمثال الدبلوماسي الشهير كابرييل قيران، في زيارة ابن بطوطة للصين، إلا أن كثيرا ممّن عالجوا هذا الموضوع كانوا مقتنعين بأن الرجل زار فعلا تلك الدّيار، «5» وأن الصينيين أنفسهم لا يشكون في ذلك. وخلال المحاضرة التي ألقيتها هناك في جامعة پكين، قسم الدراسات الشرقية. صيف 1988 كنت أشعر بأنني أمام عدد من المثقفين الذين كانوا يدينون للرحالة المغربي بالكثير من المعلومات الأصيلة التي انفرد بها عما سواه ممن تحدثوا عن تاريخ الصين وأسطول الصين بمن في أولئك ماركوبّولو! وقد وضعوا خرائط لزيارته لبلادهم وهم يرددون اسمه على أنه رائد من روّاد الصّين الكبار ...
وتبقى هناك- مع هذا- بعض المواخذات التي تستوقفنا حقّا:
الأولى: قضية حضور ابن بطوطة لمجلس تقيّ الدّين ابن تيمية وهو بدمشق بعد أن كان وصلها يوم الخميس 9 رمضان 726- 9 غشت 1326 فقد أخبر أولا عن سجن ابن تيمية وإطلاق سراحه، ثم أخبر أنه وقع منه مثل ما استوجب سجنه أولا فسجن مرة ثانية وقال: إنه حضر يوم الجمعة وشاهد ابن تيمية يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، وإنّ من جملة كلامه: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء إلى آخر الحكاية ... مع العلم أن ابن تيمية أودع في السجن منذ سادس شعبان ... أي قبل وصول الرحالة إلى دمشق «6» !! فكيف يصحّ قول ابن بطوطة هذا مع تلك الفقرة التي نسبها لشيخ الإسلام في تفسيره لحديث النزول بما هو من قول المجسّمة المخالف لمذهب السلف الذي يعد ابن تيمية قطبا من أقطابهم؟
ونعتقد أن أحسن ما يمكن الجواب به عن هذا الانتقاد ما عقب به زميلنا الراحل الأستاذ عبد الله كنون رحمه الله من أن الخبر وقع فيه تزيّد من خصوم ابن تيمية فرواه رحالتنا على علاته ... ولم يخف الأستاذ گنون شكوكه في صنيع الكاتب ابن جزي الذي يجوز أنه توهم حضور ابن بطوطة للواقعة المزعومة «7» .
(1/128)

وقد وقفت في كتاب نيل الديباج لأحمد بابا السوداني (ت 1032- 1623) عند ترجمة أبي زيد عبد الرحمن وترجمة أخيه ابي موسى عيسى ابنى الإمام البرشكي أنهما رحلا إلى المشرق وناظرا تقي الدين ابن تيمية الذي كانت له مقالات يحمل فيها حديث النزول على ظاهره، وقوله فيه" كنزولي هذا"، قال صاحب الديباج وهذه الزيادة أعني قول" كنزولي هذا" اثبتها ابن بطوطة في رحلته ... «8»
الثانية: هي تلك التي أثارت الكثير من التعاليق: وهو سفره إلى مدينة بلغار التي سمع بها وهو بحضرة السلطان محمد أوزبك خان حتى يرى ما ذكر له عنها من تناهي قصر الليل بها وقصر النهار أيضا في الفصل المعاكس، وانه طلب إلى السلطان مساعدته للوصول إليها وكان بينها وبين محلة السّلطان مسيرة عشرة أيام.
إن المسافة بين الموقعين ألف وثلاثمائة كيلوميتر، فكيف يصل إليها المرء في عشرة أيام؟ ولم يشفع لابن بطوطة ما نعرفه عن الإمكانات المادية للسلطان والتي من شأنها، كما خبرنا ذلك، أن تتجاوز المعروف عند الإنسان العادي، ولهذا أصر المعلقون على أن هذه المعلومة تحتاج إلى ما يدعمها ...
أما المؤاخذات الأخرى الباقية فكانت تتصل ببعض الحكايات التي تتسم بالمبالغات التي لا يقبلها العقل، ونذكر على سبيل المثال حكاية ابن بطوطة عن الغواصين الذين يبحثون عن اللؤلؤ في الخليج فيما بين ميناء سيراف والبحرين. فقد ذكر أن في الغواصين من يصبر الساعة والساعتين في الماء ... مع العلم أنه لا يمكن تجاوز سبعين إلى مائة ثانية ... وقد كان زميلي الراحل الشيخ عبد الله الأنصاري القطري يحكي لي- وهو ممّن زاولوا الغوص- أن الغواصين كانوا يتنافسون في مدى التحمّل وقد نبّهني إلى أن قصد ابن بطوطة ليس هو الغوص تحت الماء طوال تلك المدة ولكن القصد إلى أنّ عملية النزول إلى عمق البحر والصعود منه تستمر تلك المدة. وهذا ما وجدته في بعض الترجمات الجديرة بالثقة، وهو ما تؤيده شهادة السيدين، جمعة الماجد وسيف الغرير، وكانا أيضا من رجال الغوص ...
ولا بد أن نذكّر هنا بأن ابن بطوطة هو الذي كان بين الفينة والأخرى يشعر بأن بعض ما يرويه قد لا يقبل من لدن بعض العقول فيقول مثلا- وهو يتحدث عن مزاعم الناس حول شجرة (درخت روان) - «ولهم في شأنها أكاذيب يحيلها العقل» وقال عن مزاعمهم حول
(1/129)

مفعول أوراقها- وهي شجرة في سرنديب:" قالوا إن من تناولها عاد له الشباب وهو باطل!! وقال، وقد سمع الناس يتناقلون حديثا غريبا" لم أذكره خيفة مكذّب به". وقد سخر بعضهم من روايته لرؤية بعض النساء بثدي واحد بينما طالعتنا صور الأحداث اليوم بوجود إنات لهن ثلاثة اثداء!! ملاحظة أخيرة: كنا نشعر بوجوده في مكان ما من الأمكنة لكنه لسبب أو آخر يفقد قلمه ويعطل ذاكرته فلا يحفل بما كان ينبغي له أن يحفل به على ما أشرنا، وهكذا ففي أثناء وجوده بمصر أهمل ذكر جامع ابن طولون الذي تحدث عنه معظم الرحالة المغاربة ولا سيما وقد كان للمغاربة فيه" مأوى يسكنونه ويحلقون فيه حيث تجري النفقات عليهم في كل شهر" على حدّ تعبير ابن جبير ...
هذا إلى اهمال ذكر رواق المغاربة في الأزهر الشريف. ورواقهم- وهذا مهم- في القدس، وقد تحدث عنه علوي في كتابه (سفرنامه) ، ولم يتحدث وهو في سلا عن الجامع الأعظم في الوقت الذي تحدث فيه عن حسان التي لم يصعدها على نحو ما فعل في الكتبية.
وابن بطّوطة الذي تحدث عن الزيتونة والأزهر لم يلفت نظره جامع القرويين الذي كان كعبة لكبار العلماء وكذا عيون الطلاب الذين كانوا يسكنون في المدارس التي تحف به: مدرسة الصفارين والعطارين والمصباحية علاوة على إهماله البيمارستان الذي يسهر على علاج الناس والذي كان موجودا بفاس على ذلك العهد.
وابن بطوطة في الأندلس أهمل ذكر الجامع الأعظم في رندة التي كانت عاصمة الأمير أبي مالك ابن السلطان أبي الحسن ...
لكنّ الحقيقة التي ينبغي أن نجعلها نصب أعيننا ونحن نتتبع تلك التعقيبات هي أن تلك" التقييدات" التي جمعها ابن بطوطة قرابة ثلاثين سنة قام ابن جزي" بتلخيصها" في أقلّ من ثلاثة شهور. ومتى كانت ثلاثة شهور كافية لتغطية تلك الأعوام واستيعاب ذلك العدد من الأسماء الجغرافية والأعلام الشخصية التي مرت بذاكرة الرحالة عبر تلك الأحقاب؟! يقوم أحدنا في العصر الحاضر برحلة في أمد معروف البداية والنهاية ولا يذكر بعد مرور بضعة أسابيع من رحلته بعض الأسماء التي مرت به فيأخذ في الاستنجاد برفاقه في الطريق!! وأعتقد أن ابن جزي كان مستعجلا أكثر مما ينبغي في أداء مهمته، وربما كان مشغولا بمشكل صحي طارئ عليه وهو الأمر الذي عرّضه للتصرّف، ودفع به إلى الاستغناء كلية عن بعض" التقاييد. ولا ندري هل كان ابن بطوطة يجلس إلى جانب ابن جزي ليراجع هذا" التلخيص" بعد تحريره ليعطي رأيه فيه؟ مهما يكن فإن بعض التّبعة تقع على الظرف القصير الذي حدد للقيام بالمهمة ...
وإذا ما أضفنا إلى استعجال ابن جزي عنصرا ثانيا قرأناه في أثناء الرحلة، وهو
(1/130)

الحسرة الجارحة التي كانت تحزّ في ابن بطوطة وهو يتحدث عن السّطو الذي تعرض له في الجزيرة الصغرى التي تقع بين هنور وفاكنور حيث سلبه القراصنة جميع ما عنده من جواهر ويواقيت، حتى الثياب والزّوادات، وبالرغم من القيمة المادية الهائلة لما افتقده في هذه الحادثة، فإنه نسى كلّ تلك الثروات وكلّ تلك التحف ولم يبق عالقا بذاكرته إلا" التقييدات" التي كان يودع فيها معلومات عن الشخصيات التي تعرف عليها وعن التصانيف التي ألفتها تلك الشخصيات! ولم ينتظر للتعبير عن حزنه على ضياع تلك المذكرات الظرف الزمني الذي وقع فيه الحادث، ولكنه. والمذكرات امر ذو بال يشغله- استعجل بذكر ذلك عند ما كان يتحدث عن علماء بخارى على ما سنرى ...
وينبغي أن نضيف إلى كل هذا أيضا مشاكل الترجمة التي لم يفته هو التنصيص على بعض أخطائها، فقد كان يتلقى أخبارا من المترجمين والمرشدين الذين يجدهم أمامه ليستعين بهم فيما يطلب من معلومات كان يرويها كما سمعها. فلقد قيل له- وهو في بيزنطة- عن النبي إلياس الذي ينطق به عندهم Elie فظنه عليّ ... واستغرب هو من ذلك!! ولكن المهم بعد هذا وقبل هذا أن سائر الذين، تعقبوه وانتقدوا بعض مقاطعه وفقراته أجمعوا على إكباره وتقديره، وعلى براعته في طريقته لجلب القراء بما كان يختاره من بديع النكتة ودقة التعبير، وبما كان يتخذه شعارا له من الصراحة في القول مما قد لا يجرؤ أحدنا اليوم على الجهر به. فهو يواجه الأمراء بما قد لا يرضيهم، وهو ينصف المستحقين منهم ولو أنه كان بعيدا عنهم، وهو في الأخير متحفظ فيما يرويه إذا لم يكن مقتنعا به حيث نجده «يخرج عن العهدة بما يشعر من الألفاظ بذلك» على حدّ تعبير ابن جزى الذي عرفه حقّ المعرفة. لقد كانوا جميعا يتفقون على أن ابن بطوطة هو الرحالة الأمين الذي كانت مذكراته تتميّز عن غيرها بما يحسه القراء ولا يستطيعون التعبير عنه سواء أكانوا يعيشون في أروپاأو آسيا أو إفريقيا.
(1/131)

النقوش كمصدر لابن بطوطة
وأحب أن أثير الانتباه هنا إلى عنصر في الرحلة كاف وحده للتأكيد على جدّيتها وصدق أخبارها، ويتعلق الأمر بالنقوش التي كان يقف عليها مكتوبة على لوحة خشبية أو قطعة من حجر أو رخام، فكان يسجلها ويحفظها، وقد أمست بالنسبة إلينا اليوم بمثابة وثيقة حية تؤكد ما كان يرويه الرجل قبل نحو من سبعة قرون! فإن المؤرخ قد يتأثر بما حواليه وبمن حواليه بينما تبقى الوثيقة المعاصرة أمينة شاخصة. ولقد لذّ لي أن أهتم بهذا الجانب من الرحلة وأن أقف بنفسي على مروياتها باعتبارها، كما قلت، دليلا لا يقبل الطعن سيما وبعض تلك النقوش ما يزال شاخصا للعيان.
وهكذا فقد قرأ ابن بطوطة على شاهد قبر الشيخ أبي الحسن الشاذلي اسمه ونسبه متصلا إلى الحسن بن علي وفاطمة الزهراء عليهما السلام.
وقد كان فيما اكتشفه من خطوط ما قرأه على قبرية فاطمة بنت الحسين بن علي:
" هذا قبر أمّ سلمة فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه" بينما قرأ في لوح آخر:" صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر" وتحت ذلك ثلاثة أبيات ...
وعند ما زار ابن بطوطة قبر النبي هود عليه السلام شرقيّ مدينة تريم في حضرموت لاحظ أن القبر مكتوب عليه:" هذا قبر هود بن عابر صلى الله عليه وسلم"، وهو ما يعتمده الحضارمة إلى اليوم.
وفي هذا الإطار ما قرأه على قبرية سعد بن عبادة، وما سجله وهو بمكة عن معالمها التاريخية مما يعتبر فيه ابن بطوطة حجة، سيّما بعد اختفاء تلك الآثار، هذا إلى ما علق بذاكرة الرّحالة مما قرأه في دمشق وفي عسقلان ومدينة البصرة وبغداد وسوريا.
ومن المهمّ أن نسمع ابن بطوطة- وهو الحريص على توثيق تلك المنقوشات- نسمعه يتحسر لضياع مذكّراته على نحو ما وقع بالنسبة لمقيّدات الهروي أثناء احتلال الروم للأراضي المقدسة «1» ! ويخبرنا بأنه كتب على قبر البخاري:" هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري وقد صنف من الكتب" كذا وكذا ... وكذلك كتبت على قبور علماء بخاري أسماؤهم وأسماء تصانيفهم." وكنت قيدت من ذلك كثيرا- يقول ابن بطوطة- وضاع مني في جملة ما ضاع لمّا
(1/132)

سلبني كفار الهند في البحر ... " وقد اهتم- وهو في بلاد السند والهند- بتقصي المنقوشات باعتبارها الرائد الذي لا يكذب أهله، فأخبرنا بأنه قرأ على مقصورة الجامع في ملتان التي أمر السلطان غياث الدّين تغلق شاه بعملها، قرأ:" إني قاتلت التتر تسعا وعشرين مرة فهزمتهم فحينئذ سميت بالملك الغازي «2» " وقد اخبرنا كذلك بأنه قرأ على محراب الجامع الأعظم في مدينة دهلي تاريخ افتتاح المدينة من أيدي الكفار سنة 584 هـ- (1188 م) ...
وقد أمكنه أن يسجل ما نقشه جلال الدّين أحسن شاه على صفحتي الدينار: (سلالة طه ويس أبو الفقراء والمساكين جلال الدنيا والدّين الواثق بتأييد الرحمن، أحسن شاه السلطان) .
ومما يجري مجرى النقوش نذكر بعض النصوص التاريخية التي حرص على تسجيلها مما يعتبر اليوم لدى المهتمين بها حججا يعتمد عليها، ونشير مثلا إلى النص التاريخي لجواب سلطان الهند على رسالة إمبراطور الصين هيّونتي (Hyunti) الذي طالب بترميم معبد بودى عتيق بقرب جبل الهيملايا في الموقع المعروف بسمهل، حيث نجد أن العاهل الهندي يكتب إليه قائلا:" إن هذا المطلب لا يجوز في ملة الإسلام إسعافه، ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه، والسلام على من اتبع الهدى" «3» .
إلى غير هذا من الوثائق التي لم يغفلها بما فيها الكتابات باللسان الهندي على نحو ما قرأناه له وهو في مدينة تارنا الأثرية من بلاد السند.
وقد تعلقت نفسي بمتابعة هذه المعلومات في الرحلات التي قمت بها عبر الأنحاء التي زارها، وقد ذهبت بعيدا إلى جزر المالديف في المحيط الهندي لأعرف جليّة الأمر حول ما نقله ابن بطوطة في رحلته عما كان قرأه هناك" على مقصورة الجامع منقوشا في الخشب من أن سلطان هذه الجزائر أسلم على يد أبي البركات البربري المغربي" فعلا طلبت أن أقف على اللوحة المذكورة، فوجدت أنها نقلت من مكانها الأصلي وعوضت بقطعة حديثة حاولت أن تنقل ما كان في اللوحة الأصلية لكنها حرّفت كلمة أبي البركات إلى أبي الرّكاب! وكلمة البربري إلى التبريزي! ومن حسن الحظ أن اللوحة الأصلية
(1/133)

يحتفظ بها المتحف الوطني اليوم، ويمكن أن نقرأ فيها هذه العبارات بوضوح: ووصل في هذا البلد أبو البركات ... البربري وأسلم السلطان على يده في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة «4» (يوليه 1153) .
والحديث عن علاقة المغرب مع المالديف بالأمس يسوقنا إلى التذكير بانعكاس تلك العلاقات على حاضرنا اليوم حيث شاهدنا لقاء فريدا من نوعه تسبّبه شهادة ابن بطّوطة «5» .
(1/134)

الرحلة كمصدر لتاريخ العلاقات الدّولية
تتجاوز الرحلة محتواها كمجرد مذكّرات إلى أنها تعتبر مصدرا هاما من مصادر التاريخ الدولي ليس للمملكة المغربية وحدها، بل إنها مرجع أساس للتاريخ الدولي للعالم الإسلامي وعلاقات هذا العالم بعضه بعضا وعلاقاته مع العالم المسيحي بحيث إن رحلة ابن بطوطة تعتبر من هذه الناحية تاريخا لما أهمله التاريخ. وهكذا فمن خلال الرحلة استمعنا لابن بطوطة وهو يستعرض أمامنا أقطاب الدول الكبرى التي كانت تهيمن في عهده على معظم أطراف الدنيا، وكان عددهم سبعة: سلطان المغرب، وسلطان مصر والشام، وسلطان العراقين، وسلطان الترك، وسلطان تركستان وما وراء النهر، وسلطان الهند، وسلطان الصين.
ولقد وجدنا أن هناك بعض الثغرات المهملة من لدن بعض المؤرخين التقليديين فيما يتصل ببلاد المغرب يملأها الرحالة ابن بطوطة، مثلا حديثه عن مصادفته لسفارة من تونس في قصور بني عبد الواد وهي السفارة التي رافقها عند عودتها لتونس ...
وفي هذه المدينة (تونس) نقرأ حديثه عن ظهور العاهل الحفصي أبي يحيى أبي بكر في عيد الفطر 725 شتنبر 1325 وليس بعد هذا التاريخ كما يحكيه آخرون «1» ...
ومن هنا كان من المتعذر كتابة تاريخ هذه المغارب دون العودة إلى رحلة ابن بطوطة سواء عند ما كان ذاهبا للحج حيث كان هناك ثلاثة مغارب أو عند ما كان عائدا حيث كان هناك مغرب واحد تحت قيادة واحدة.
وعند ما يتحدث التاريخ عن العلاقات الأولى للمغرب مع الأتراك لابد أنّنا سنفاجأ بمعلومة طريفة تتحدث عن استقبال الرحالة المغربي من لدن الأميرة بيلون خاتون زوجة السلطان اختيار الدّين أورخان بك بن السلطان عثمان الأول الذي أصبحت تنتسب إليه الامبراطورية العثمانية التي دوّخت العالم بأسره.
وعلى صعيد علاقات المغرب بالمشرق أذكر أيضا الأصداء التي تركتها معركة مرج الصفّار التي وقعت في ثاني رمضان 702- 21 أبريل 1303 بين التتر وبين المماليك، بين الملك الايلخاني قازان وبين الملك الناصر. ومن خلال هذه الأحداث شاهدنا علاقات دولة المماليك بالمغرب عند ما بعثوا للعاهل المغربي بعدد من الهدايا الرمزية من الأكداش التي كان يستعملها التتر ... ووجدنا أن المغرب، بالمقابل، يبعث للمشرق بهدايا مماثلة: أجراس ضخمة انتزعها من كنائس الروم كردّ فعل لإتلاف هؤلاء لعدد من المنابر الإسلامية.
(1/135)

هذا أيضا إلى العلاقات التي ربطت مصر بافريقيا السوداء وخاصة بعد حجة إمبراطور مالي موسى ومقدم سراج الدّين بن الكويك على العاهل الإفريقي ...
وإذا تحدث التاريخ عن المراسم والتشريفات المتبعة في القصور فلابد أن يرجع إلى الرحالة المغربي وهو يؤدي وصفا دقيقا لامر المراسم بالهند عندما يتنقّل السلاطين وعند استقبالهم للأعياد وتنظيمهم للاستقبالات والحفلات واستعمالهم للسّرير الأعظم والمبخرة العظمى.
ومن خلال رحلة ابن بطوطة عرفنا عن ممالك أخرى كانت بالنسبة إلينا وراء الظل، مثلا عن انطاليا (بلاد الأناضول) وما احتوت عليه من إمارات توزعت الحكم هنا وهناك:
إمارات وممالك في الأناضول كان ابن بطوطة يخترق حدودها بدون تأشيرة. ومن خلال الرحلة عرفنا عن الدولة الأرتقية في ماردين شمال العراق وجنوب تركيا وقد استمرت طوال ثلاثة قرون. ولقد عرفنا، عن طريق الرحلة، عن علاقات جمهورية جنوة بآسيا الصغرى وبجنوبي الروسيا، وعلاقات هذه المنطقة بمماليك مصر ...
ومن خلال الرحلة سمعنا عن بطل من أبطال التاريخ الإسلامي: عمر بك الذي استمات في الدفاع عن وطنه وحاول جاهدا أن يفتح القسطنطينية قبل الموعد الذي نعرفه لفتحها، حيث التجأت الروم إلى البابا الذي عهد إلى جنوة وفرنسا بمساعدة القسطنطينية.
كثيرة هي المعلومات التي قدمها إلينا مما لم يكن معروفا حتى لدى ابناء البلاد المعنية بالأمر.
لقد حمل تلك المعلومات معه إلى بلاد المغرب بعيدا عن الرّقابة حيث تقدم اليوم لأصحابها حتى يضيفوها إلى ما عندهم.
وقد أصبح اليوم حديثه عن الحدود بين حكومة وأخرى وعن الإجراءات التي كان يقوم بها لدى الجهات المعنية حتى يؤذن له بالزيارة، أصبح ذلك حجة تتردد أصداؤها اليوم في المحافل الدولية على أنها تعني حقائق تاريخية ينبغي الاستئناس بها إن لم يمكن التمسك بها على ما سنشير إليه في التعاليق عند الاقتضاء.
وقد كشف ابن بطوطة عن دور الزواج السياسي في إحكام العلاقات بين أمة وأخرى، وقد عاش هو هذا التاريخ فرأى كيف أن سلطان قفجق يتزوّج بإحدى بنات أمبراطور القسطنطينية، ورأى أنّ ملك مصر يتزوج ابنة سلطان خوارزم، إلى آخر النظائر التي ذكرها.
وابن بطوطة هو الذي لفت نظرنا إلى مناهضة العنصرية من لدن بعض الحكام الهنود المستنيرين من الذين حرّموا في إقليمهم استعمال كلمة (الأجنبي) أو حتى كلمة (الغريب) ...
(1/136)

وهم يستعملون عوض هذين النعتين، كلمة (العزيز) ج (الأعزة) لكل طارىء قصدهم. ولهم، أي لهؤلاء الأعزة مكانهم المتميّز في المراسم والحفلات، وقد كان من اللقطات الهامة في تاريخ العلاقات الدولية وخاصة فيما يتصل بشيراز والتتر تلك التي استأثر بذكرها الرحالة المغربي عند ما تحدث عن وصول سفير عن سلطان العراق أبي سعيد بهادور إلي هذه المدينة، وكان السفير بالصدفة هو الأمير ناصر الدّين الدّرقندي، وكان خراساني الأصل، وقد قدم في حاشية تتألف من نحو خمسمائة فارس من خدّامه وأصحابه، هذا إلى السفير رجب البرقعي، وأصله من القرم. راح سفيرا من الهند إلى" الخليفة" في مصر حيث استقبل بمحضر الملك الصالح إسماعيل.
وعن طريق ابن بطوطة علمنا عن وجود سفارة مصرية برئاسة صدر الدين سليمان المالكي الذي وجّهه الملك الناصر إلى سلطان العراق في إطار العلاقات بين المماليك وبين الإيلخان.
هذا إلى سفارات أخرى قرأنا عنها في الرحلة كان من أبرزها الحركة الدبلوماسية الواسعة النطاق التي شاهدتها بلاد فارس عند ما قام محمد خذا بنده بتوجيه بعثات إلى مختلف الجهات لحملها على الموافقة على جعل المذهب الشيعي هو المذهب الأساسي للدولة، هذا إلى سفارة الشيخ زاده الخراساني السفير عن ملك هراة إلى الملك أبي اسحاق في شيراز.
ولقد كان عدد السفراء الذين تبادلتهم الدولتان: المغول والمماليك كثيرا؛ وكان لابن بطوطة فضل الإشارة اليهم، كما كان له فضل الإشارة للعلاقات بين الدولة الرسولية في اليمن وبين المماليك في مصر من خلال وجود المدرسة المظفرية بمكة المكرمة ودورها العلمي هناك.
وعن طريق ابن بطوطة قرأنا عن وفادة من الخان الأعظم إمبراطور الصين إلى سرنديب للحصول على قطعة من الصخرة التي رسم عليها قدم آدم!.
وعن طريقه عرفنا عن صلة ملك الصين بملك طوالسي هذه المملكة الواسعة التي يمكن أن تندرج تحتها أمم عظيمة تعرف اليوم بالفليبين واليابان وما جاورهما! على نحو ما تندرج تحت اسم (مل جاوة) شعوب وأمم تعرف اليوم تحت اسم طايلاند وبورما وفيتنام على ما أسلفنا.
وإن معلومات ابن بطوطة عن سلطنة مترة (MADURA) وعلاقاتها بالإمارات الأخرى تظل معلومات دقيقة أيدتها النقود المكتشفة، هذا إلى حديثه عن مخالفة سدكاوان للهند!.
وعن طريق ابن بطوطة عرفنا عن أخبار الجماعات اليهودية التي كانت منتشرة هنا وهناك. وهكذا فكما كانت الرحلة مصدرا هاما للعقيدة الإسلامية كانت مرجعا لأهل الديانات الأخرى التي كانت تتعايش فيما بينها طوال التاريخ. وعن طريقه تعرفنا على عدد من قواعد العالم الإسلامي على ذلك العهد من أمثال دولة لورستان الكبرى وإمبراطورية القفجق وسلطانها محمد أوزبك خان.
(1/137)

وقد قدّم إلينا في ثنايا الرحلة معلومات تنفعنا على صعيد التعامل الدولي فقد ذكر أن تطبيق الحكومة، في قالقوط، للقاعدة الفقهية التي تقضي بإرجاع إرث الأجانب الهلكى إلى أهلهم وورثتهم أينما كانوا، أقول إنّ تطبيق ذلك هو الذي كان يساعد المستثمرين على اختيار قالقوط مركزا تجاريا لهم.
كما أفادنا فائدة تاريخية لم نقرأ عنها في التأليف التاريخية الأخرى مثل جامع التواريخ لرشيد الدّين، عن مأساة اجتياح بغداد من لدن المغول ... لقد قال إن عدد الذين قضوا في تلك الفتنة من العلماء فقط أربعة وعشرون ألف عالم! وكلّنا يعرف عن عشيرة آل مهنّا العربية بديار الشام وما قامت به من أدوار وما كان لها من صدى سواء على صعيد العلاقات العربية العربية أو العلاقات العربية البيزنطية، مهنا الأول المتوفى حوالي 660- 1262، ومهنا بن عيسى (الثاني) المتوفى 735- 1335 والملقب بسلطان العرب، هذا الذي أرسل ابنه موسى إلى ملك التتر في العراق مع قراسنقر وجماعته قبل أن يلتحق هو بالمنطقة التترية. تواريخ مثيرة لهذه العشيرة التي كانت معلومات ابن بطوطة عنها محلّ تزكية من لدن الذين كتبوا عن عشائر الشام وصحّحوا ما قاله ابن بطوطة عن آل حيار بن مهنّا بن عيسى «2» قبل أن تنكسر شوكتهم بموت محمد بن حيار.
وقد قدم لنا ابن بطوطة معلومات جدّ قيّمة عن أشراف الحجاز على عهده بمن فيهم الحسنيون أصحاب مكة بما عرف عنهم من احتكاكات بدولة المماليك، وهكذا قرأنا عن رميثه بن أبي نمي بن أبي سعد بن علي بن قتادة.
كما عرفنا عن الحسينيين أصحاب المدينة بما عرف عنهم من تنافس ساخن، وهكذا سمعنا عن كبيش بن منصور بن جمّاز بن شيحة بن هاشم «3» .
ومن الطريف أن نعرف عن شريف حسيني، حفيد لجماز يحمل اسم قاسم يلتحق بغرناطة ويشارك في معركة ويستشهد على مقربة من الجزيرة الخضراء.
وابن بطوطة هو الذي ساعدنا على معرفة الظروف التي جعلته يتوجس خيفة من حركة القراصنة وهو في طريقه إلى المغرب عبر جزيرة سردانية، فقد كانت الاتفاقية المغربية مع ممالك جنوب أوربا أتت على نهايتها فلا غرو إذن أن يحتاط الرّحالة لنفسه «4» .
(1/138)

وقد أجمعت المصادر الإيطالية وهي تتحدث عن تاريخ جنوة، أجمعت على النقل عن ابن بطوطة عند ما تحدث عن افتداء السلطان أبي عنان لمدينة طرابلس بتلك المبالغ السخية من العملة الذهبية حتى لا تبقى طرابلس بيد الجنويين! لقد تحدث ابن فضل الله العمري في السفر السابع والعشرين عن احتلالها من لدن جنوة، ولكنه ترك المدينة أسيرة. ولم يكن هناك غير ابن بطوطة الذي تحدث عن تحريرها من لدن السلطان أبي عنان وهي المبادرة التي سجلتها الرحلة، وأكدتها تهاني غرناطة لفاس «5» ثم أتت المصادر الإيطالية وغيرها لتعتمد تلك المعلومات. وقد أفادنا ابن بطوطة عن اهتمام المشرق بأخبار المغرب وأنه أي المشرق ما انفك يتتبع الأخبار الواردة عليه من بلادنا وخاصة منها ما يتصل بحركات الجهاد في الأندلس، ومن هنا علم ابن بطوطة لما وصل إلى بغداد، في شوال عام ثمانية وأربعين، علم من بعض المغاربة الذين كانوا هناك بأخبار كارثة وقعة طريف واستيلاء الروم على الجزيرة الخضراء على نحو ما كان وصلنا بالمغرب عن سقوط بغداد كما يذكره ابن عبد الملك المراكشي ...
وقد عاش ابن بطوطة مرحلة دقيقة جدا من تاريخ المغرب الكبير أدّى عنها بعباراته ما سمحت به ظروفه، وبحكمة ودبلوماسية فائقة عند ما تحدث عن مرورة بتونس فسلّم على السلطان أبي الحسن واجتمع بمجلس علمه ورجال مشورته، ثم لم يلبث أن أصبح ببلاط أبي عنان المناهض لوالده، ومع كل ذلك فإنه لم يسمح لنفسه أن يتدخل فيما لا يعنيه، ويتحدث بما لا يرضي عما يجري بين الوالد وولده بالرغم من أنّه صحب ركب أبي عنان الذي كان يحمل شلو أبيه.
وابن بطوطة هو الذي أحاطنا علما بما كان يضمه بلاط عهد السلطان أبي عنان من وفود ترد من خارج المغرب، مثلا ابن أمير الموصل وديار بكر الشريف علاء الدين الذي كان- أثناء تحرير رحلة ابن بطوطة- بعاصمة فاس:" مستقر الغرباء ومأوى الخائفين" على حد تعبير ابن جزي!.
وابن بطوطة، ولو أنه لم يصرح بذلك- حفظا للأسرار على ما جرت عليه الأعراف بين الدول- ... هو الذي وجهه السلطان أبو عنان، على ما يبدو، في مهمة إلى غرناطة في ظروف كانت فيه العلاقات بين أبي عنان وبين والده على ما لا يرضى «6» . وبهذا نفسر المرض الدبلوماسي لملك غرناطة وبهذه المناسبة عرفنا وضع (رندة) التي كانت عاصمة للقسم الأندلسي التابع لدولة بني مرين. وابن بطوطة هو الذي راح مبعوثا أيضا في مهمة للسلطان أبي عنان
(1/139)

إلى بلاد السودان على ما يظهر حيث تم اتصاله المباشر بعدد من أقطاب وأمراء المنطقة، وحيث قضى وقتا هناك قبل أن يصله مبعوث خاص من العاهل المغربي يطلب إليه أن يعود فورا إلى حاضرة فاس.
ولا ننسى أن ابن بطوطة هو الذي ذكرنا- وهو يعيش في مالديف- بأنه ترك في المغرب عددا من الأسرى من الروم. وكان الوقت يصادف فعلا سلسلة من الاحتكاكات التي تجري بين المغرب وقشتالة. وقد أعطانا الرحالة المغربي وصفا للطريقة التي كانت الحكومة المغربية تستعملها لضبط الأسرى ومنعهم من الفرار إلى أن يتم افتداؤهم بمن يوجد من المغاربة في قبضة حكومات الأطراف الأخرى.
وقد حدث أن بعض الدول التي كان ابن بطوطة يتحدث عنها اختفت من مسرح السياسة وأتى بعدها قوم آخرون فأحرقوا كتب الأولين ودمروا آثارهم فلم يعرف عنهم شيء إلا ما قرأناه من خلال معلومات ابن بطوطة التي" فلتت" للخارج فاحتفظت بحياتها وبجدّتها.
ونذكر بهذه المناسبة ما حكاه عن بني نبهان في عمان كمثل شاهد للعيان.
كثيرة هي اللقطات التي تفيد المهتمّين بالتاريخ الدّولي للعالم الاسلامي ... وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن الرحالة لم يكن مجرد سائح يمشي في مناكب الأرض، ولكنه كان يهدف إلى تعريف فريق بفريق ... وكأنني به يكتب تقريرا لملوك المغرب عما رآه وما شاهده عبر أطراف الدنيا ليأخذوا منه ما يرونه صالحا لمسيرتهم إذا كانوا يريدون.
من حسن حظنا أن ابن بطوطة كان يعمل بنصيحة القاضي أبي بكر بن العربي سفير المغرب لدى العراق عام 489/1097 الذي قال: في تأليفه (كتاب الرحلة) عند ما دخل إلى بغداد وتعرّف على الخليفة بها: «نعمت المعرفة التعرّف بالسلطان والتشرف به عند التغرّب من الأوطان ونعم العون على العلم الرياسة بالأمن والاستيطان «7» .
فبفضل العمل بتلك النصيحة أمكننا التعرف على الكثير من القادة المتنفذين آنذاك ...
(1/140)

مكان رحلة ابن بطّوطة من أدب الرحلات
يلاحظ في المؤلفات العربية على العموم، وخاصة منها التي تتصل بالأدب العربي، غياب الحديث عن الذين يكتبون تلك التأليف، عن شخصيتهم، عن أفكارهم، عن أحاسيسهم، بحيث إنك تقرأ الكتاب من ألفه إلى يائه دون ما أن تجد أثرا يعرّفك بمحرّر الكتاب أو بعصر تأليفه أو حتى بظروف تأليفه وما يجري من حواليه.
وقد استثنى من كل هذه المؤلفات جميعا كتاب الرحلة أية رحلة، الذي يمتاز كما هو معلوم بمعرفة المزيد من المعلومات عن المؤلف وهو يتحدث عن مراحل تنقلاته وعن مشاعره، مما يرتضيه ولا يرتضبه، هذا إلى تعرفنا على الجهات التي يمرّ بها جغرافيا وبشريا وفكريا، فنشعر بنوع من التجديد في الفائدة، بنوع من تمكن الكاتب من التعبير عمّا يريد أن يؤديه، بأسلوبه الذي يتغلب به على كلّ الصّعاب، والذي يجعله مهيمنا على إبلاغ الناس ما يريد إبلاغه من وصف للطبيعة وتقديم للظواهر التي تحف بمحيطه والبيئة التي يعيشها ...
وهكذا فإن الكتاب الذين حرروا مذكراتهم التي نطلق عليها اليوم اسم (الرحلات) يمثلون في واقع الأمر جانبا إبداعيا في أدبنا العربي، ومن هنا نحسّ تلقائيا بميل نفوسنا إلى هذا النّوع من الكتابة المحببة لأن ذلك مما يعبر عما يروج في فكر الكاتب دون ما تصنّع أو انفعال، ولأنه يجعلنا نرافقه في رحلته، نشعر بمثل الشعور الذي كان يعيشه سواء كان ذلك الكاتب فقيها أو شاعرا أو مؤرخا أو عالم اجتماع ...
وقد عرف المغاربة من قديم بأنهم متفوّقون في أدب الرحلة وموفقون كذلك ... يدل على هذا ما تركوه من بصمات لهم في مختلف كتب التراث العربي «1» .
وترجع أسباب اهتمام المغاربة بالرحلة والكتابة عن تحركاتهم وخاصة في العهد الإسلامي: أولا وبالذات، إلى أن الإسلام يجعل من الحج ركنا بارزا من أركانه، فالمسلم وهو يفكر في الثوابت التي تجعل منه مسلما مثاليا- تنتصب أمام مخيلته الكعبة المشرفة سواء أكان في شرقها أو غربها، خمس مرات في اليوم على الأقل يتجه إليها في صلاته وفي توسلاته ...
وهكذا يكون العامل الأول هو تحقيق الأمل في زيارة تلك البقاع التي تشدّنا اليها شدّا ... ، ومن هنا ندرك السرّ في توجه المغربي نحو الشرق، نحو مهد الحضارة ومهبط الوحي، ومن ثمت كان بعض من يقصد البلاد الحجازية من الفقهاء والعلماء والأدباء لأداء
(1/141)

فريضة الحج يشعر بأن عليه دينا يجب أن يؤديه لإخوته من الذين لم تسمح لهم ظروفهم بالالتحاق بتلك الديار والذين كانوا يقنعون بوصف تلك المعالم وما تحتضنه من عوالم.
وهذا الدّين يتجلّى في تحرير التعريف بتلك البقاع وبمن تضمّهم تلك البقاع من رجال، احياء وأموات، طبعا مع وصف المراحل التي مرّ بها الحاج من مدينته التي انتقل منها إلى حيث يجتمع بإخوته من سائر جهات العالم الإسلامي، محرما ملبيا إلى أن يقف على عرفة.
وذلك" التعريف" هو الذي نسميه بالرحلة التي يتحدث فيها الرّحالة عن محطاته المتبعة سواء كانت برّا أو كانت بحرا، مضيفا إلى هذا حديثه، كما قلنا، عما يعترضه في طريقه من مشاهدات ... ، ومعرّفا بالآثار التي خلّفها الأسلاف، ومعطيا نبذة عن المواقع الجغرافية التي يسلكها بما تحتوي عليه من نعوت وأوصاف. وهكذا ازدهرت، نتيجة لهذا، حركة انتساخ المخطوطات، وخاصة منها كتب الرحلة لدى الحجاج يستصحبونها معهم للاستئناس وللقيام أحيانا بالمقارنات والمفارقات ...
ويلاحظ أن تاريخ المغرب وخاصة في القرن الخامس والسادس والسابع والثامن عرف نوعا من تطور مثل هذه الرحلات الحجازية بفضل تشجيع الناس بمن فيهم القادة والحكّام لتوفير هذا النوع من المعرفة للمواطنين. ولم يقلّل من شأن الرحلة الحجازية إلّا ما ظهر من ميل لتفضيل الجهاد على الحج في اعقاب العدوان المتوالي على المسلمين في الأندلس، وذلك اعتمادا على فتوى لابن رشد ردّد صداها النّاصري في كتابه" الاستقصاء" وهي تعطي الأسبقية للجهاد على الحج «2» .
وهكذا تكوّنت لدينا لائحة لهؤلاء الأعلام الذين قصدوا الديار المقدسة لأداء مناسك الحج، فيهم الكثير ممن لم تصلنا أثارهم إلى اليوم لكن فيهم طائفة ممّن اشتهر ذكرهم بما خلّفوه من أعمال جليلة خلدت أسماءهم.
ونذكر من هؤلاء الرحالة أبا الحسن محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي (578 هـ) الذي سار بالرحلة خطوات واسعة، كما نذكر ابن رشيد الفهري السبتي (683 هـ) ، صاحب كتاب «ملء العيبة «3» » ومحمد العبدري الحيحى صاحب الرحلة المغربية (688 هـ) «4» كما
(1/142)

نذكر رحلة أبي القاسم التجيبى (695 هـ) صاحب مستفاد الرحلة والاغتراب «5» ، وابن بطوطة (725 هـ) موضوع الحديث، وخالد بن عيسى البلوى (736 هـ) صاحب (تاج المفرق) «6» ، وابن الحاج النّميري صاحب (فيض العباب) (774 هـ) الذي سجلت له رحلة أيضا إلى الحجاز في مجلدة «7» ، ومحمد بن سعيد الرعينى (778 هـ) صاحب الرحلة الحجازية المنظومة «8» .
وعلاوة على السبب المتلخص في أداء فريضة الحج، هناك الرحلة الدراسية: أي طلب العلم ولقاء المشايخ الكبار حيث نجد أن المكتبة العربية تزخر كذلك بمن الّفوا عمن أخذوا عنهم في رحلتهم الدراسية من الشيوخ. وعما حصلوا عليه من إجازات تأذن لهم في تلقين ما حصلوا عليه للآخرين ...
ونذكر إلى جانب هذا: الرحلات العلمية وهي غير الرحلات الدراسية. ويمكن أن نصنّف في هذا الباب بعض الرحلات التي كانت تقصد إلى حمل كتاب علمي من جهة إلى جهة قصد تعميم الفائدة منه. واذكر هنا على سبيل المثال الرحلة التي قام بها هشام بن هذيل مكلفا من قبل الخليفة الأندلسي عبد الرحمن الناصر من أجل طلب المساعدة على ترجمة مخطوطة ديوسقوريدس المكتوبة باللغة اليونانية والتي كان الإمبراطور البيزنطي أهداها إلى الخليفة الناصر عام 337 هـ في حفل مشهود تحدثت عنه المصادر التاريخية والمؤلفات الطبية. وقد استجاب الامبراطور البيزنطي لرسالة الخليفة الناصر فبعث اليه بالراهب نيقولا الذي وصل إلى قرطبة عام أربعين وثلاثمائة «9» .
ومن أسباب الرحلة كذلك المهمّات السياسية التي يروح فيها علية القوم من علماء وأدباء بما كان قد يصحبهم من مرافقين ومساعدين.
(1/143)

وقد حفظ التاريخ لنا اسماء عدد من السّفراء الذين كانوا يدونون رحلاتهم في كراريس يرفعونها في أغلب الأحيان إلى الملوك. ونتيجة لذلك زخرت المكتبة المغربية أكثر من غيرها بعدد من الرحلات السّفارية التي أثرت الأدب المغربي علاوة على ما قدمته من معلومات جدّ قيمة عن البلاد التي زارها أولئك السفراء وعن الأحوال الدولية على ذلك العهد وعن التطورات التي تمرّ بها الأمم ...
وهكذا ظلت اخبار سفارة يحيى بن حكم الغزال (ت 250 هـ) التي راحت إلى بيزنطة ردّا على سفارة ثيوفيلوس (Theophilus) إلى الأندلس في اعقاب فتح عمّورية. وقد لخص أخبارها ابن دحية (ت 633 هـ) السبتي في كتابه" المطرب من اشعار المغرب" «10» ، أقول ظلت حديث المجالس الأدبية والسياسية بما تضمنته من طريف نكتة وجميل ظرف، وبخاصة فيما يتعلق بحديث السفير الأندلسي إلى ثيودورا زوجة إمبراطور القسطنطينية ...
وتعتبر رحلة يحيى الغزال أقدم من الرحلات التي قام بها أيام الدولة العباسية أحمد ابن فضلان إلى بلاد الخزر والروس، وأبو دلف إلى إيران والهند والصين في النصف الأول من القرن الرابع ... وناصر خسرو علوي إلى الدّيار الحجازية بين عام 437 و 444 ...
وبين أيدينا خروم من رحلة القاضي أبي بكر ابن العربي الأشبيلي صحبة أبيه عبد الله عام 489- 1097 إلى مدينة السلام، وقد بقيت هذه الرحلة حديث المجالس كذلك بما تضمنته من" مكتوب الخليفة المنقول في أيدي الناس" على حدّ تعتبر ابن خلدون «11» .
وإلى جانب الرحلات الحجازية والدراسية والعلمية والسّفارية نعيش مع نوع آخر من أنواع الرحلة وهي تلك الرحلات السياحية، التي تكون غاية واضعها من سفره مجرد السياحة والوقوف على الآفاق وعجائب المخلوقات والتعرف على أخلاق الشعوب وعوائدها.
وهذا النوع أيضا مما تزخر به المكتبة المغربية. ونذكر في صدر ما وصلنا من هذا الصّنف.
في النّصف الثاني من القرن السادس الهجري كتاب (تحفة الألباب) تاليف أبي حامد الأندلسي الغرناطي الذي يقول في مقدمتها:" ومنذ اغتربت عن المغرب الأقصى عام 557 شاهدت من الأيمة الكرام مالا يعدّ ولا يحصى، وأولاني الله عز وجلّ على ايديهم من أنواع النعم مالا يقدر على إحصائها إنسان".
(1/144)

وأبو حامد هذا هو الذي أشاد بمعاملة أهل الصين للتجار من المسلمين، وتمنى أن يقتدي ملوك المسلمين بمثل هذا السلوك ... !! والطريف أن أبا حامد وصل بهذا إلى فهم ذكي للحديث النبوي الذي يقول: (الدّنيا سجن المؤمن) . فلقد أدرك أنّ معنى ذلك أن دنيا المسلم خالية في بعض الأحيان من العدل والاحسان! «12» " وهناك نوع من الرّحلات يمكن أن يطلق عليه اسم الرحلات الاستكشافية وهي غير الرحلة التي تكون أصلا لغرض السياحة وهي التي يقوم بها اصحابها من أجل اكتشاف بلاد جديدة والاطلاع على أحوالها.
ويمكن أن ندرج في هذا النوع من الرّحلات ما قام به أحد عمالقة الأدب الجغرافي في تاريخ الاسلام، ويتعلق الأمر بالشريف الإدريسي السبتي الذي قدم إلينا «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» هذا الكتاب الذي يعتبر معلمة من المعالم التي يعتزّ بها العالم الإسلامي على الصعيد الدولي. فهو أي الإدريسي، ولو أنه لا يتعرض كثيرا للوقائع التي حدثت له أثناء أسفاره ولا يتعرض غالبا لشيء من أحواله الشخصيّة، لكنّ تاليفه ذو صلة قوية بموضوع الرحلات باعتباره يخطط المراحل للجوّالين والمسافرين، وباعتباره مصدرا اعتمد على الرحلات السابقة لغيره. «13»
ونذكر إلى جانب هذا، الرحلات الزيارية أي التي يقوم بها بعض بقصد زيارة أضرحة الأنبياء والصحابة ورجال الصّلاح. ولا شك أن هذا النوع من الرحلات يعتبر من أهم المصادر عن تاريخ الحياة الدينية والحركة الصوفية. وهذا يفيدنا في نفس الوقت من حيث الفنّ المعماري الخاصّ ببناء المساجد والمزارات والمشاهد.
ومن منّا ينكر فائدة كتاب" الإشارات إلى معرفة الزيارات". لأبي الحسن علي بن أبي بكر الهروي وهو كتاب لا تستغني عنه مكتبة «14» ...
وقد أثار انتباهنا ونحن نقرأ عن تاريخ انتشار الإسلام في بلاد آسيا وفي تخوم إفريقيا الحديث عن نوع من الرحلة كان له الأثر الأكبر في دخول الإسلام في تلك المناطق النائية، لا عن طريق السيف ولا عن طريق الإكراه، ولكن عن طريق إعطاء المثل الحسن ونشر الفضيلة وتقديم القدوة. وكان الذين قاموا بمثل هذا العمل المتئد الرصين والحكيم هم
(1/145)

الذين كانوا يقومون بالرحلات التجارية إلى تلك الأصقاع. كلّ الذين أشادوا في الماضي والحاضر بظهور الإسلام هناك كانوا يقفون مشدوهين امام الأثر الحميد الذي خلفته الرحلة التجارية في نفوس أولئك الذين اقبلوا على الإسلام بكل ما يملكونه من حب.
وقد ذهب بعض المهتمين بأمر الرحلة إلى أبعد من هذا في استيعاب انواع الرحلة فتحدثوا عن الرحلة البرّية والبحرية، والخارجية والداخلية، والاختيارية والقسرية، والفردية والجماعية، والرحلة الخيالية والرحلة التي تتخد شكل المراسلات أو تهدف إلى إبرام المعاهدات «15» .
لكننا سنقف هنا لنترك الفرصة للحديث عن نوع أكثر شمولا وأوفر فضاء من كل تلك الأنواع التي تقدمت للرحلة ... ذاك ما نعطيه اسم الرحلة العامة ...
ونقصد بها الرحلات التي جمعت الكثير من كل تلك الأغراض، ونذكر على الخصوص رحلة ابن بطوطة، فقد غادر بلدته طنجة في بداية الأمر عام 725 بقصد الحج. لكن بسبب تعذر الحج تلك السنة لما صادفه من اضطرابات بين البجاة والمماليك على ساحل البحر الأحمر اضطر للإنتظار سنة كاملة لحضور موسم الحج عام 726. وهنا أثناء هذا الفراغ نمت فيه الرغبة للقيام بحضور مجالس للدراسة، وفي التزوّج مرة أخرى! وفي القيام كذلك بزيارات سياحية على جانب كبير من الأهمية، وفي القيام برحلات داخل الرحلة. ولم يلبث أن عبر الدنيا وارتاد الأماكن البعيدة. وينبغي أن نقوم بجولة سريعة في المحطات التي مرّ بها لنجد أن ابن بطوطة كانت تتمثل فيه وتنطبق عليه صفات كلّ أولئك الرحالة. فهو حاج وهو دارس وهو سفير وهو سائح وهو مكتشف وهو زائر وهو داعية، وهو تاجر أيضا ... وهو مبشّر بالمعنى الحقيقي للمبشر.
(1/146)

الفصل الأول المغرب الكبير
تقديم ابن جزي للرحلة ونعته لابن بطّوطة بالثقة الصدوق الذي جال الدنيا بالطّول والعرض.
شرح منهاج ابن جزي في تحرير الرحلة.
حديث ابن بطوطة عن خروجه من طنجة أيام السلطان أبي سعيد ...
الوصول إلى تلمسان، وتعرّفه على سفارة تونس التي صادفها هناك ...
مرضه ببجاية.
حلوله بتونس التي لم يعرفه بها أحد! ذكر ملك تونس أخذه الطريق إلى طرابلس وبناؤه بها على سيّدة صفاقسية ...
(1/147)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه
[كلام ابن جزيّ]
قال الشيخ الفقيه الكاتب البارع الناظم أبو عبد الله محمد ابن الشيخ الفقيه العالم المتفنن أبي القاسم محمد ابن جزيّ الكلبي الغرناطي عفا الله عنه «1» : الحمد لله الذي ذلّل الأرض لعباده ليسلكوا منها سبلا فجاجا، وجعل منها وإليها تاراتهم «2» الثلاث نباتا وإعادة وإخراجا، دحاها بيد القدرة فكانت مهادا للعباد، وأرساها بالأعلام الراسيات والأطواد، ورفع فوقها سمك السماء بغير عماد، وأطلع الكواكب هداية في ظلمات البر والبحر، وجعل القمر نورا، والشمس سراجا، ثم أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد الممات، وأنبت فيها من كل الثمرات، وفطر أقطارها بصنوف النبات، وفجر البحرين عذبا فراتا، وملحا أجاجا، وأكمل على خلقه الإنعام، بتذليل مطايا الأنعام، وتسخير المنشآت كالأعلام، ليمتطوا من صهوة القفر ومتن البحر أثباجا، وصلى الله على سيدنا
(1/149)

ومولانا محمد الذي أوضح للخلق منهاجا، وطلّع نور هدايته وهاجا، بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، واختاره خاتما للنبيّين، وأمكن صوارمه من رقاب المشركين، حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وأيده بالمعجزات الباهرات، وانطق بتصديقه الجمادات، وأحيا بدعوته الرّمم الباليات، وفجر من بين أنامله ماء ثجاجا، ورضى الله تعالى عن المتشرفين بالانتماء إليه أصحابا والا وأزواجا، المقيمين قناة الدين فلا تخشى بعدهم اعوجاجا، فهم الذين أزّروه على جهاد الأعداء، وظاهروه على إظهار الملة البيضاء، وقاموا بحقوقها الكريمة من الهجرة والنصرة والإيواء، واقتحموا دونه نار البأس حامية وخاضوا بحر الموت عجاجا، ونستوهب الله تعالى لمولانا الخليفة أمير المؤمنين، المتوكل على الله رب العالمين المجاهد في سبيل الله، المؤيد بنصر الله، أبي عنان «3» فارس ابن موالينا الأيمة المهتدين، الخلفاء الراشدين، نصرا يوسّع الدنيا وأهله ابتهاجا، وسعدا يكون لزمانة الزمان علاجا، كما وهبه الله بأسا وجودا لم يدعا طاغيا ولا محتاجا، وجعل بسيفه وسيبه «4» لكل ضيقة انفراجا. وبعد فقد قضت العقول، وحكم المعقول والمنقول، بأن هذه الخلافة العلية المجاهدة المتوكلية الفارسية «5» هي ظل الله الممدود على الأنام، وحبّله الذي به الاعتصام، وفي سلك طاعته يجب الانتظام، فهي
(1/150)

التي أبرأت الدين عند اعتلاله، وأغمدت سيف العدوان عند انسلاله، وأصلحت الأيام بعد فسادها، ونفّقت سوق العلم بعد كسادها وأوضحت طرق البر عند إنهاجها، وسكّنت أقطار الأرض عند ارتجاجها وأحيت سنن المكارم بعد مماتها، وأماتت رسوم المظالم بعد حياتها وأخمدت نار الفتنة عند اشتعالها، ونقضت أحكام البغى عند استقلالها، وشادت مباني الحق على عمد التقوى واستمسكت من التوكل على الله بالسبب الأقوى، فلها العز الذي عقد تاجه على مفرق الجوزاء، والمجد الذي جز أذياله على مجرّة السماء، والسعد الذي رد على الزمان غض شبابه، والعدل الذي مد على أهل الإيمان مديد أطنابه، والجود الذي قطّر سحابه اللجين والنضار، والبأس الذي فيّض غمامه الدم الموّار، والنصر الذي نفض كتائبه الأجل، والتأييد الذي بعض غنائمه الدول، والبطش الذي سبق سيفه العذل، والأناة التي لا يملّ عندها الأمل، والحزم الذي يسد على الأعداء وجوه المسارب، والعزم الذي يفلّ جموعها قبل قراع الكتائب، والحلم الذي يجني العفو من ثمر الذنوب، والرفق الذي أجمع على محبّته بنات القلوب، والعلم الذي يجلو نوره دياجي المشكلات، والعمل المقيّد بالاخلاص والأعمال بالنيات. ولما كانت حضرته العلية مطمح الآمال، ومسرح همم الرجال، ومحط رحال الفضائل، ومثابة أمن الخائف ومنية السائل، توخّى الزمان خدمتها ببدائع تحفه، وروائع طرفه، فانثال عليها العلماء انثيال جودها على الصفاة، وتسابق إليها الأدباء تسابق عزماتها إلى العداة، وحج العارفون، حرمها الشريف، وقصد السائحون، استطلاع معناها المنيف، ولجأ الخائفون إلى الامتناع بعز جنابها، واستجارت الملوك بخدمة أبوابها، فهي القطب الذي عليه مدار العالم، وفي القطع بتفضيلها تساوت بديهة عقل الجاهل والعالم، وعن ماثرها الفائقة يسند صحاح الآثار كلّ مسلم، وبإكمال محاسنها الرائقة يفصح كلّ معلم. وكان ممن وفد على بابها السامي «6» ، وتعدّى أو شال البلاد إلى بحرها الطامي، الشيخ الفقيه السائح الثقة الصدوق جوّاب الأرض، ومخترق الاقاليم بالطول والعرض، أبو عبد الله محمد ابن عبد الله بن محمد بن ابراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، المعروف في البلاد الشرقية بشمس الدين، وهو الذي طاف الأرض معتبرا وطوى الأمصار مختبرا، وباحث فرق الأمم وسبر سير العرب والعجم ثم ألقى عصا التّسيار بهذه الحضرة العليا، لما علم أن لها مزية الفضل دون شرط ولا ثنيا، وطوى المشارق إلى مطلع بدرها بالمغرب، وآثرها على الأقطار إيثار التّبر على التّرب، اختيارا
(1/151)

بعد طول اختبار البلاد والخلق، ورغبة في اللّحاق، بالطائفة التي لا تزال على الحق، فغمره من إحسانها الجزيل، وامتنانها الحفيّ الحفيل، ما أنساه الماضي بالحال، وأغناه عن طول التّرحال، وحقّر عنده ما كان من سواها يستعظمه، وحقق لديه ما كان من فضلها يتوهمه، فنسى ما ألفه من جولان البلاد، وظفر بالمرعى الخصب بعد طول الارتياد.
ونفذت الإشارة الكريمة بأن يملي ما شهده في رحلته من الأمصار، وما علق بحفظه من نوادر الأخبار ويذكر من لقيه من ملوك الأقطار، وعلمائها الأخيار وأوليائها الأبرار، فأملى من ذلك ما فيه نزهة الخواطر، وبهجة المسامع والنواظر، من كل غريبة أفاد باجتلابها، وعجيبة أطرف بانتخابها، وصدر الأمر العالي لعبد مقامهم الكريم، المنقطع إلى بابهم، المتشرف بخدمة جنابهم، محمد «7» بن محمد «8» بن جزي الكلبي أعانه الله على خدمتهم، وأوزعه شكر نعمتهم، بأن يضم أطراف ما أملاه، الشيخ أبو عبد الله، من ذلك في تصنيف يكون على فوائده مشتملا، ولنيل مقاصده مكمّلا، متوخيا تنقيح الكلام وتهذيبه، معتمدا إيضاحه وتقريبه، ليقع الاستمتاع بتلك الطّرف، ويعظم الانتفاع بدرّها عند تجريده عن الصدف، فامتثل ما أمر به مبادرا، وشرع في منهله ليكون، بمعونة الله، عن توفية الغرض منه صادرا، ونقلت معاني كلام الشيخ أبي عبد الله بألفاظ موفية للمقاصد التي قصدها، موضّحة للمناحي التي اعتمدها، وربما أوردت لفظه على وضعه فلم أخلّ بأصله ولا فرعه، وأوردت جميع ما قيده من الحكايات والأخبار، ولم أتعرض لبحث عن حقيقة ذلك ولا اختبار، على أنه سلك في إسناد صحاحها أقوم المسالك، وخرج عن عهدة سائرها بما يشعر من الألفاظ بذلك، وقيّدت المشكل من أسماء المواضع والرجال بالشكل والنقط، ليكون أبلغ في التصحيح والضبط، وشرحت ما أمكنني شرحه من الأسماء الأعجمية لانها تلتبس بعجمتها على الناس، ويخطئ في فك معماها معهود القياس، وأنا أرجو أن يقع ما قصدته من المقام
(1/152)

العلي أيده الله بمحلّ القبول، وأبلغ من الإغضاء عن تقصير المأمول، فعوائدهم في السماح جميلة، ومكارمهم بالصفح عن الهفوات كفيلة، والله تعالى يديم لهم عادة النصر والتمكين ويعرفهم عوارف التأييد والفتح المبين بمنه وحوله.
(قال ابن بطوطة)
قال الشيخ أبو عبد الله: كان خروجي «9» من طنجة مسقط رأسي في يوم الخميس الثاني من شهر الله رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة معتمدا حج بيت الحرام، وزيارة قبر الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام منفردا عن رفيق انس بصحبته، وركب أكون في جملته «10» ، لباعث من النفس شديد العزائم، وشوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازيم، فجزمت أمري ولم ابن على السكون، وفارقت وطني مفارقة الطيور للوكون «11» ، وكان والديّ بقيد الحياة فتحملت لبعدهما وصبا، ولقيت كما لقيا نصبا، وسنّى يومئذ اثنتان وعشرون سنة.
قال ابن جزي أخبرني أبو عبد الله بمدينة غرناطة أن مولده بطنجة في يوم الاثنين السابع عشر من رجب الفرد سنة ثلاث وسبعمائة «12» .
رجع، وكان ارتحالي في أيام أمير المؤمنين، وناصر الدين، المجاهد في سبيل رب العالمين الذي رويت أخبار جوده موصولة الأسناد بالإسناد، وشهرت اثار كرمه شهرة واضحة الإشهاد وتحلّت الأيام، بحلا فضله، ورتع الانام، في ظل رفقه وعدله، الإمام المقدس
(1/153)

فلس ضرب في طنجة في عهد الولاة الأمويين عن أرشيف بنك- المغرب
(1/154)

لوحة لطنجة عام 1590 منظر لطنجة عام 1702
(1/155)

منظر لطنجة عام 1826
(1/156)

أبو سعيد «13» ابن مولانا أمير المؤمنين، وناصر الدين، الذي فل حدّ الشرك صدق عزائمه، وأطفأت نار الكفر جداول صوارمه، وفتكت بعبّاد الصليب كتايبه، وكرمت في إخلاص الجهاد مذاهبه، الإمام المقدس أبو يوسف بن عبد الحق «14» جدد الله عليهم رضوانه، وسقى ضرايحهم المقدسة من صوب الحيا سحّه وتهتانه، وجزاهم أفضل الجزاء عن الاسلام والمسلمين، وأبقى الملك في عقبهم إلى يوم الدين، فوصلت مدينة تلمسان «15» وسلطانها يومئذ أبو تاشفين عبد الرحمن بن موسى بن عثمان ابن يغمراسن ابن زيان «16» ، ووافقت بها رسولى ملك افريقية السلطان أبي يحيى رحمه الله «17» ، وهما قاضي الأنكحة بمدينة تونس أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي بن ابراهيم النفزاوي والشيخ الصالح أبو عبد الله
(1/157)

محمد بن الحسين بن عبد الله القرشي الزّبيدي «18» ، بضم الزاي، نسبة إلى قرية بساحل المهدية، وهو أحد الفضلاء، وفاته عام أربعين.
وفي يوم وصولي إلى تلمسان خرج عنها الرسولان المذكوران فأشار علي بعض الاخوان بمرافقتهما فاستخرت «19» الله عز وجل في ذلك، وأقمت بتلمسان ثلاثا في قضاء مآربي، وخرجت أجدّ السير في آثارهما فوصلت مدينة مليانة «20» وأدركتهما بها وذلك في إبان القيظ فلحق الفقيهين مرض أقمنا بسببه عشرا، ثم ارتحلنا وقد اشتد المرض بالقاضي منهما فأقمنا ببعض المياه على مسافة أربعة أميال من مليانة ثلاثا، وقضى القاضي نحبه ضحى اليوم الرابع، فعاد إبنه أبو الطيب «21» ورفيقه أبو عبد الله الزّبيدي إلى مليانة فقبروه
(1/158)

دينار مريني يرجع لعهد السلطان أبي سعيد عثمان بن يعقوب الذي ودّع في أيامه ابن بطوطة طنجة مع شكرنا لوالي بنك المغرب نقش على وجهه بسم الله الرحمن الرحيم صلّى الله عليه محمد وآله الحمد لله وحده لا إله إلا الله محمد رسول الله وإلهكم إله واحد/ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
نقش على ظهره ضرب بمدينة سجلماسة أمنها الله عن أمر عبد الله أبي سعيد عثمان أمير المسلمين أيده الله ونصره وإلهكم اله واحد/ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
(1/159)

تلمسان ... منارة المنصورة بعض الأطلال لأسوار مدينة المنصورة (من تأسيس بني مرين)
(1/160)

بها وتركتهم هنالك وارتحلت مع رفقة من تجار تونس منهم الحاج مسعود بن المنتصر والحاج العدولي ومحمد بن الحجر فوصلنا مدينة الجزائر «22» وأقمنا بخارجها أياما إلى أن قدم الشيخ أبو عبد الله وابن القاضي فتوجّهنا جميعا على متّيجة «23» إلى جبل الزّان، ثم وصلنا إلى مدينة بجاية «24» فنزل الشيخ أبو عبد الله بدار قاضيها أبي عبد الله الزواوي ونزل أبو الطيب ابن القاضي بدار الفقيه أبي عبد الله المفسر. وكان أمير بجاية إذ ذاك أبا عبد الله محمد بن سيّد الناس الحاجب «25» ، وكان قد توفي من تجار تونس الذين صحبتهم من مليانة محمد بن الحجر الذي تقدم ذكره وترك ثلاثة آلاف دينار من الذهب «26» ، وأوصى بها لرجل من أهل الجزائر يعرف بابن حديدة ليوصلها إلى ورثته بتونس فانتهى خبره لابن سيّد الناس المذكور فانتزعها من يده، وهذا أول ما شاهدته من ظلم عمال الموحدين وولاتهم! ولما وصلنا إلى بجاية كما ذكرته أصابتني الحمّى فأشار عليّ أبو عبد الله الزّبيدي بالاقامة فيها حتى يتمكن البرء مني، فأبيت، وقلت: إن قضى الله عز وجل بالموت فتكون وفاتي بالطريق، وأنا قاصد أرض الحجاز. فقال لي: أمّا إن عزمت فبع دابتك وثقل المتاع وأنا أعيرك دابة، وخباء وتصحبنا خفيفا فإننا نجدّ السير خوف معرة العرب في الطريق! ففعلت هذا وأعارني ما وعد به، جزاه الله خيرا، وكان ذلك أول ما ظهر لي من الألطاف الالاهية، في تلك الوجهة الحجازية.
(1/161)

ميناء مدينة الجزائر عام 1683
(1/162)

منظر لبجاية عام 1509 م عند ما هاجمها الاسبان
(1/163)

وسرنا إلى أن وصلنا إلى مدينة قسنطينة «27» فنزلنا خارجها وأصابنا مطر جود إضطرنا إلى الخروج عن الأخبية ليلا إلى دور هنالك، فلما كان من الغد تلقانا حاكم المدينة وهو من الشرفاء «28» الفضلاء يسمى بأبي الحسن «29» فنظر إلى ثيابي وقد لوّثها المطر فأمر بغسلها في داره وكان الإحرام «30» منها خلقا فبعث مكانه إحراما" بعلبكيا" وصرّ في أحد طرفيه دينارين من الذهب، فكان ذلك أول ما فتح به علي في وجهتي. ورحلنا إلى أن وصلنا مدينة بونة «31» ونزلنا بداخلها وأقمنا بها أياما ثم تركنا بها من كان في صحبتنا من التجار لأجل الخوف في الطريق «32» ، وتجردنا للسير وواصلنا الجد وأصابتني الحمى فكنت أشد نفسي بعمامة فوق السرج خوف السقوط بسبب الضعف ولا يمكنني النزول من الخوف إلى أن وصلنا مدينة تونس فبرز أهلها للقاء الشيخ أبي عبد الله الزّبيدي، ولقاء أبي الطيب ابن القاضي ابي عبد الله النفزاوي، فأقبل بعضهم على بعض بالسلام والسؤال، ولم يسلّم علىّ أحد لعدم معرفتي بهم فوجدت من ذلك في النفس ما لم أملك معه سوابق العبرة واشتد بكائي فشعر بحالي بعض الحجاج فأقبل عليّ بالسلام والإيناس. وما زال يؤنسني بحديثه حتى دخلت المدينة ونزلت منها بمدرسة الكتبيين «33» .
(1/164)

قال ابن جزي: أخبرني شيخي قاضي الجماعة أخطب الخطباء أبو البركات محمد بن محمد بن ابراهيم السلمي، هو ابن الحاج البلفيقي «34» أنه جرى له مثل هذه الحكاية، قال:
قصدت مدينة بلش «35» من بلاد الأندلس في ليلة عيد برسم رواية الحديث المسلسل بالعيد عن أبي عبد الله بن الكماد وحضرت المصلّى مع الناس فلما فرغت الصلاة والخطبة أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام وأنا في ناحية لا يسلم عليّ أحد فقصد إليّ شيخ من أهل المدينة المذكورة وأقبل عليّ بالسلام والإيناس، وقال: نظرت إليك فرأيتك منتبذا عن الناس لا يسلّم عليك أحد، فعرفت أنك غريب فأحببت إيناسك، جزاه الله خيرا.
ذكر سلطان تونس
وكان سلطان تونس عند دخولي إليها السلطان أبو يحيى ابن السلطان أبي زكرياء يحيى ابن السلطان أبي اسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي زكرياء يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص «36» رحمه الله، وكان بتونس جماعة من أعلام العلماء، منهم قاضي الجماعة بها
(1/165)

منظر لتونس عن المكتبة الوطنية بباريز
(1/166)

مدينة تونس
(1/167)

أبو عبد الله «37» محمد، بن قاضي الجماعة أبي العباس «38» أحمد، بن محمد بن حسن، بن محمد الأنصاري الخزرجي البلنسي الأصل ثم التونسي، هو ابن الغمّاز ومنهم الخطيب أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن علي بن عبد الرفيع الرّبعي، وولى أيضا قضاء الجماعة في خمس دول «39» ، ومنهم الفقيه أبو علي عمر بن علي بن قدّاح الهواري وولى أيضا قضاءها وكان من من أعلام العلماء «40» ، ومن عوائده أنه يستند كل يوم جمعة بعد صلاتها إلى بعض أساطين الجامع الأعظم المعروف بجامع الزيتونة4»
ويستفتيه الناس في المسائل، فلما أفتى في أربعين مسألة انصرف عن مجلسه ذلك.
وأظلني بتونس عيد الفطر فحضرت المصلى وقد احتفل الناس لشهود عيدهم وبرزوا
(1/168)

في أجمل هيئة وأكمل إشارة ووافى السلطان أبو يحيى المذكور «42» راكبا وجميع أقاربه وخواصه وخدام مملكته مشاة على أقدامهم في ترتيب عجيب وصليت الصلاة وأنقضت الخطبة وانصرف الناس إلى منازلهم.
وبعد مدة تعين ركب للحجاز الشريف، شيخه يعرف بأبي يعقوب السوسي، من أهل إقلي «43» من بلاد إفريقية، وأكثره المصامدة «44» ، فقدموني قاضيا بينهم، وخرجنا من تونس في أواخر شهر ذي القعدة «45» سالكين طريق الساحل، فوصلنا إلى بلدة سوسة وهي صغيرة حسنة مبنية على شاطىء البحر، بينها وبين مدينة تونس أربعون ميلا «46» ، ثم وصلنا إلى مدينة صفاقس «47» وبخارج هذه البلدة قبر الإمام أبي الحسن اللخمي المالكي مؤلف كتاب التبصرة في الفقه «48» .
(1/169)

قال ابن جزي: في بلدة صفاقس يقول عليّ بن حبيب التّنوخى:
سقيا لأرض صفاقس ... ذات المصانع والمصلّى
فحمى القصير إلى الخليج «49» ... فقصرها السّامي المعلّى
بلد يكاد يقول حين ... تزوره: أهلا وسهلا!
وكأنه والبحر ... يحسر تارة عنه ويملا
صبّ يريد زيارة ... فإذا رأى الرّقباء ولّى!!
وفي عكس ذلك يقول الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن أبي تميم وكان من المجدّين المكثرين:
صفاقس لا صفا عيش لساكنها ... ولا سقى أرضها غيث إذا انسكبا
ناهيك من بلدة من حلّ ساحتها ... عانى بها العاديين: الرّوم والعربا «50» !!
كم ضلّ في البرّ مسلوبا بضاعته ... وبات في البحر يشكو الأسر والعطبا
قد عاين البحر قبحا في جوانبها ... فكلّما همّ أن يدنو لها هربا!
رجع، ثم وصلنا إلى مدينة قابس «51» ونزلنا بداخلها وأقمنا بها عشرا لتوالي نزول الأمطار.
(1/170)

قال ابن جزي: في ذكر قابس يقول بعضهم:
لهفي على طيب ليال خلت ... بجانب البطحاء من قابس
كأن قلبي عند تذكارها ... جذوة نار بيدي قابس!
رجع، ثم خرجنا من مدينة قابس قاصدين طرابلس وصبّحنا في بعض المراحل إليها نحو مائة فارس أو يزيدون «52» ، وكان بالركب قوم رماة فهابتهم العرب وتحامت مكانهم وعصمنا الله منهم «53» ، وأظلنا عيد الأضحى «54» في بعض تلك المراحل، وفي الرابع بعده وصلنا إلى مدينة طرابلس «55» ! فأقمنا بها مدة، وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس فبنيت عليها بطرابلس «56» ، ثم خرجت من طرابلس أواخر شهر المحرم من عام ستة وعشرين «57» ومعي أهلي وفي صحبتي جماعة من المصامدة، وقد رفعت العلم، وتقدمت عليهم وأقام الركب في طرابلس خوفا من البرد والمطر، وتجاوزنا مسلاتة «58» ومسراتة «59»
(1/171)

طرابلس في القرن الثالث عشر الهجري- التاسع عشر الميلادي
(1/172)

قوس ماركوس أوريليوس حيث كانت «أويا» احدى المدن الثلاث التي تعنيها كلمة طرابلس، لقد كان الرحالة المغربي العبدري أول من تحدث عنه، وبعده وصفه التيجاني، أما المنارة التي تظهر خلف القوس فهي لجامع قرجي الذي شيد في مكان المدرسة المستنصرية فيما يظهر- عن كتاب ليبيا من خلال رحلة الوزير الإسحاقي تأليف د. التازي.
(1/173)

وقصور سرت «60» ، وهنالك أرادت الجمامزة من طوائف العرب «61» الإيقاع بنا ثم صرفتهم القدرة وحالت دون ما راموه من إذايتنا. ثم توسطنا الغابة «62» وتجاوزناها إلى قصر برصيص العابد إلى قبة سلّام «63» ، وأدركنا هنالك الركب الذين تخلفوا بطرابلس. ووقع بيني وبين صهري مشاجرة أوجبت فراق بنته، وتزوجت بنتا لبعض طلبة فاس «64» وبنيت بها بقصر الزعافية «65» ، وأولمت وليمة حبست لها الركب يوما وأطعمتهم ... !
(1/174)

الفصل الثاني مصر
مدينة الإسكندرية.
من الاسكندرية إلى المحلّة الكبرى شرقا من المحلة الكبرى إلى القاهرة.
مدينة القاهرة أعيان القاهرة من القاهرة إلى حدود البحر الأحمر جنوبا ...
العدول عن طريق البحر الأحمر والعودة إلى سلوك درب الشام.
(1/175)

خريطة مسالك مصر
(1/176)

ثم وصلنا في أول جمادى الأولى «1» إلى مدينة الاسكندرية، حرسها الله، وهي الثغر المحروس، والقطر المأنوس، العجيبة الشان، الأصيلة البنيان، بها ما شئت من تحسين وتحصين، ومآثر دنيا ودين، كرمت مغانيها، ولطفت معانيها، وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها، فهي الفريدة تجلّى سناها، والخريدة تجلّى في حلاها، الزاهية بجمالها المغرب، الجامعة لمفترق المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرب، فكلّ بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليها انتقاؤها، وقد وصفها الناس فأطنبوا، وصنفوا في عجائبها فأغربوا «2» ، وحسب المتشوف إلى ذلك، ما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك «3» .
ذكر أبوابها ومرساها
ولمدينة الاسكندرية أربعة أبواب باب السّدرة وإليه يشرع طريق المغرب، وباب رشيد «4» ، وباب البحر، والباب الأخضر، وليس يفتح الا يوم الجمعة فيخرج الناس منه إلى زيارة القبور ولها المرسى العظيم الشأن، ولم أر في مراسي الدنيا مثله إلا ما كان من مرسى كولم، وقاليقوط ببلاد الهند، ومرسى الكفار بسرداق ببلاد الاتراك، ومرسى الزيتون ببلاد الصين «5» وسيقع ذكرها.
(1/179)

الاسكندرية من أرشيف المكتبة الوطنية بباريز رقم C 131926
(1/180)

ذكر المنار
قصدت المنار «6» في هذه الوجهة فرأيت أحد جوانبه متهدما، وصفته أنه بناء مربع «7» ذاهب في الهواء وبابه مرتفع على الأرض وإزاء بابه بناء بقدر ارتفاعه ووضعت بينهما ألواح خشب يعبر عليها إلى بابه، فإذا أزيلت لم يكن له سبيل، وداخل الباب موضع لجلوس حارس المنار، وداخل المنار بيوت كثيرة وعرض الممر بداخله تسعة أشبار «8» وعرض الحائط عشرة أشبار وعرض المنار من كل جهة من جهاته الأربع مائة وأربعون شبرا، وهو على تلّ مرتفع، ومسافة ما بينه وبين المدينة فرسخ «9» واحد في بر مستطيل يحيط به البحر من ثلاث جهات إلى أن يتصل البحر بسور البلد فلا يمكن التوصل إلى المنار في البر إلا من المدينة، وفي هذا البر المتصل بالمنار مقبرة الإسكندرية.
وقصدت المنار عند عودتي إلى بلاد المغرب عام خمسين وسبعمائة «10» فوجدته قد استولى عليه الخراب بحيث لا يمكن دخوله ولا الصعود إلى بابه، وكان الملك الناصر «11» رحمه الله قد شرع في بناء منار مثله بإزائه عاقه الموت عن إتمامه.
(1/181)

عند ما كان المراكشي يتحدث عام 621 هـ في كتاب (المعجب) عن منارة حسان قال: إنها على هيأة منار الاسكندرية ...
(1/182)

ذكر عمود السواري
ومن غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل الذي بخارجها المسمى عندهم بعمود السواري «12» وهو متوسط في غابة نخل وقد امتاز عن شجراتها سموا وارتفاعا وهو قطعة واحدة محكمة النحت قد أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة ولا تعرف كيفية وضعه هنالك. ولا يتحقق من وضعه.
قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالإسكندرية صعد إلى أعلى ذلك العمود ومعه قوسه وكنانته واستقر هنالك وشاع خبره فاجتمع الجمع الغفير لمشاهدته وطال العجب منه وخفى على الناس وجه احتياله واظنه كان خائفا أو طالب حاجة فأنتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به.
وكيفية احتياله في صعوده أنه رمى بنشابة قد عقد بفوقها خيطا طويلا وعقد بطرف الخيط حبلا وثيقا. فتجاوزت النشابة أعلى العمود معترضة عليه ووقعت من الجهة الموازية للرامي فصار الخيط معترضا على أعلى العمود فجذبه حتى توسط الحبل أعلى العمود مكان الخيط فأوثقه من إحدى الجهتين في الأرض وتعلق به صاعدا من الجهة الأخرى واستقر بأعلاه وجذب الحبل واستصحب من احتمله فلم يهتد الناس لحيلته وعجبوا من شأنه.
رجع. وكان أمير الاسكندرية في عهد وصولي إليها يسمى بصلاح الدين «13» ، وكان فيها أيضا في ذلك العهد سلطان إفريقية المخلوع وهو زكرياء أبو يحيى بن أحمد بن أبي حفص المعروف باللّحياني «14» ، وأمر الملك الناصر بإنزاله بدار السلطنة من الإسكندرية، وأجرى له مائة درهم في كل يوم، وكان معه أولاده: عبد الواحد ومصري واسكندري وحاجبه أبو زكرياء بن يعقوب ووزيره أبو عبد الله ابن ياسين، وبالاسكندرية توفي اللحياني المذكور وولده الاسكندري وبقي مصري بها إلى اليوم.
(1/183)

عمود السوارى- كوم الشقافة
(1/184)

قال ابن جزي: من الغريب ما اتفق من صدق الزّجر في اسمى ولدى اللحياني الإسكندري ومصري فمات الإسكندرى بها وعاش مصري دهرا طويلا بها، وهي من بلاد مصر. رجع. وتحوّل عبد الواحد ببلاد الاندلس والمغرب وافريقية، وتوفي هنالك بجزيرة جربة
ذكر بعض علماء الإسكندرية
فمنهم قاضيها عماد الدين الكندي إمام أيمة علم اللّسان، وكان يعتم بعمامة خرقت المعتاد للعمائم لم أر في مشارق الأرض ومغاربها عمامة أعظم منها! رأيته يوما قاعدا في صدر محراب وقد كادت عمامته أن تملأ المحراب! ومنهم فخر الدين بن الرّيغي «15» وهو أيضا من القضاة بالإسكندرية فاضل من أهل العلم.
حكاية [الفأل الحسن]
يذكر أن جد القاضي فخر الدين الريغي كان من أهل ريغة واشتغل بطلب العلم، ثم رحل إلى الحجاز فوصل الاسكندرية بالعشي، وهو قليل ذات اليد، فأحب أن لا يدخلها حتى يسمع فألا حسنا، فقعد قريبا من بابها إلى أن دخل جميع الناس، وجاء وقت سد الباب ولم يبق هنالك سواه فاغتاظ الموكّل بالباب من إبطائه، وقال له متهكما: أدخل يا قاضي فقال:
قاض إن شاء الله! ودخل إلى بعض المدارس ولازم القراءة وسلك طريق الفضلاء، فعظم صيته وشهر اسمه وعرف بالزهد والورع، واتصلت أخباره بملك مصر واتفق أن توفي قاضي الاسكندرية وبها إذ ذاك الجم الغفير من الفقهاء والعلماء وكلهم متشوف إلى الولاية، وهو من بينهم لا يتشوف لذلك، فبعث إليه السلطان بالتقليد وهو ظهير القضاء وأتاه البريد بذلك فأمر خديمه أن ينادي في الناس: من كانت له خصومة فليحضر لها. وقعد للفصل بين الناس، فاجتمع الفقهاء وسواهم إلى رجل منهم كانوا يظنون أن القضاء لا يتعداه، وتفاوضوا في مراجعة السلطان في أمره ومخاطبته بأن الناس لا يرتضونه! وحضر لذلك أحد الحذاق من المنجمين فقال لهم: لا تفعلوا ذلك فإني عدلت طالع ولايته وحققته فظهر لي أنه يحكم
(1/185)

أربعين سنة، فأضربوا عما همّوا به من المراجعة في شأنه. وكان أمره على ما ظهر للمنجم، وعرف في ولايته بالعدل والنزاهة. ومنهم وجيه الدين الصنهاجي من قضاتها مشتهر بالعلم والفضل. ومنهم شمس الدين ابن بنت التنّيسي فاضل شهير الذكر، ومن الصالحين بها الشيخ أبو عبد الله الفاسي من كبار أولياء الله تعالى، يذكر أنه كان يسمع رد السلام عليه إذا سلم من صلاته، ومنهم الامام العالم الزاهد الخاشع الورع خليفة «16» صاحب المكاشفات.
ذكر كرامة له
أخبرني بعض الثقات من أصحابه، قال: رأي الشيخ خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، فقال له يا خليفة زرنا. فرحل إلى المدينة الشريفة وأتى المسجد الكريم فدخل من باب السلام وحيّى المسجد وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعد مستندا إلى بعض سواري المسجد ووضع رأسه على ركبتيه، وذلك يسمى عند المتصوفة التزييق «17» ، فلما رفع رأسه وجد أربعة أرغفة وآنية فيها لبن وطبقا فيه تمر فأكل هو وأصحابه وانصرف عائدا إلى الاسكندرية ولم يحج تلك السنة. ومنهم الامام العالم الزاهد الورع الخاشع برهان الدين الأعرج من كبار الزهاد، وأفراد العبّاد، لقيته أيام مقامي بالإسكندرية وأقمت في ضيافته ثلاثا.
ذكر كرامة له
دخلت عليه يوما فقال لي: أراك تحب السياحة والجولان في البلاد، فقلت له: نعم إني أحب ذلك، ولم يكن حينئذ خطر بخاطري التوغل في البلاد القاصية من الهند والصين، فقال:
لا بد لك إن شاء الله من زيارة أخي فريد الدين بالهند وأخي ركن الدين زكرياء بالسند وأخي برهان الدين بالصين! فإذا بلغتهم فأبلغهم مني السلام. فعجبت من قوله، وألقي في روعي التوجه إلى تلك البلاد، ولم أزل أجول حتى لقيت الثلاثة الذين ذكرهم وأبلغتهم سلامه. ولما
(1/186)

ودعته زوّدني دراهم لم تزل عندي محوطة ولم احتج بعد إلى إنفاقها إلى أن سلبها مني كفار الهنود فيما سلبوه لي في البحر. ومنهم الشيخ ياقوت الحبشي «18» من أفراد الرجال، وهو تلميذ أبي العباس المرسي «19» ، وأبو العباس المرسي تلميذ ولي الله تعالى أبي الحسن الشاذلي الشهير ذي الكرامات الجليلة والمقامات العالية «20» .
كرامة لأبي الحسن الشاذلي
أخبرني الشيخ ياقوت عن شيخه أبي العباس المرسي أن أبا الحسن كان يحج كل سنة ويجعل طريقه على صعيد مصر، ويجاور بمكة شهر رجب وما بعده إلى انقضاء الحج، ويزور القبر الشريف ويعود على الدرب الكبير إلى بلده، فلما كان في بعض السنين وهي آخر سنة خرج فيها، قال لخديمه: استصحب فأسا وقفة وحنوطا وما يجهز به الميت، فقال له الخديم: ولماذا يا سيدي؟ فقال له: في (حميثرا) سوف ترى، وحميثرا بصعيد مصر في صحراء عيذاب «21» . وبها عين ماء زعاق، وهي كثيرة الضباع، فلما بلغا حميثرا اغتسل الشيخ أبو الحسن وصلى ركعتين وقبضه الله عز وجل في آخر سجدة من صلاته ودفن هناك،
(1/187)

الاسكندرية- جامع أبي العباس المرسي
(1/188)

قبره وعليه قبرية مكتوب فيها اسمه ونسبه متصلا إلى الحسن بن علي رضي الله عنه.
ذكر حزب البحر المنسوب إليه
كان يسافر في كل سنة كما ذكرناه على صعيد مصر وبحر جدة «22» فكان إذا ركب السفينة يقرأه كل يوم، وتلامذته إلى الآن يقرءونه في كل يوم «23» ، وهو هذا:" يا الله، يا عليّ يا عظيم، يا حليم، يا عليم، أنت ربي وعلمك حسبي، فنعم الرب ربي، ونعم الحسب حسبي تنصر من تشاء وأنت العزيز الرحيم، نسألك العصمة في الحركات والسكنات والكلمات والإرادات والخطرات من الشكوك والظنون والأوهام السّاترة للقلوب، عن مطالعة الغيوب، فقد ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، فثبتنا وانصرنا وسخّر لنا هذا البحر كما سخرت البحر لموسى عليه السلام وسخّرت النار لابراهيم عليه السلام وسخرت الجبال والحديد لداوود عليه السلام وسخرت الريح والشياطين والجن لسليمان عليه السلام، وسخر لنا كل بحر هو لك في الأرض والسماء، والملك والملكوت وبحر الدنيا وبحر الآخرة، وسخر لنا كل شيء يا من بيده ملكوت كل شيء، كهيعص «24» انصرنا فإنك خير الناصرين، وافتح لنا فأنت خير الفاتحين، واغفر لنا فإنك خير الغافرين، وارحمنا فإنك خير الراحمين وارزقنا فإنك خير الرازقين واهدنا ونجّنا من القوم الظالمين، وهب لنا ريحا طيبة كما هي في علمك، وانشرها علينا من خزائن رحمتك، واحملنا بها حمل الكرامة مع السلامة والعافية في الدّين والدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير، اللهم يسّر لنا أمورنا مع الراحة لقلوبنا وأبداننا والسلامة والعافية في ديننا ودنيانا وكن لنا صاحبا في سفرنا، وخليفة في أهلنا وأطمس على وجوه
(1/189)

والعافية في ديننا ودنيانا وكن لنا صاحبا في سفرنا، وخليفة في أهلنا وأطمس على وجوه أعدائنا وامسخهم على مكانتهم فلا يستطيعون المضيّ ولا المجيء الينا، ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنّى يبصرون، ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون «25» يس شاهت الوجوه، وعنت الوجوه للحي القيوم، وقد خاب من حمل ظلما «26» ، طسّ «27» ، حم عسق «28» ، مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان «29» ، حم حم حم حم حم حم حم «30» ، حمّ الأمر وجاء النصر، فعلينا لا ينصرون، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل الثوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلّا هو، إليه المصير «31» ، بسم الله بابنا تبارك حيطاننا، يسّ سقفنا، كهيعص كفايتنا، حم عسق حمايتنا، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم، «32» ستر العرش مسبول علينا، وعين الله ناظرة" إلينا، بحول الله لا يقدر علينا، والله من ورائهم محيط، بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ «33» ، الله خير حفظا وهو أرحم الرّاحمين، إن وليّى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء" في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم. له معقّبات" من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله «34» ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حكاية
وممّا جرى بمدينة الاسكندرية سنة سبع وعشرين- وبلغنا خبر ذلك بمكة شرفها
(1/190)

بالكركي «35» فذهب إلى حماية الروم، وأمر بالمسلمين فحضروا بين فصيلي باب المدينة، وأغلق دونهم الأبواب نكالا لهم فأنكر الناس ذلك وأعظموه وكسروا الباب وثاروا إلى منزل الوالي فتحصّن منهم وقاتلهم من أعلاه، وطيّر الحمام «36» بالخبر إلى الملك الناصر فبعث أميرا يعرف بالجمالي «37» ثم أتبعه أميرا يعرف بطوغان، جبار قاسي القلب متهم في دينه، يقال: إنه كان يعبد الشمس، فدخلا إسكندرية وقبضا على كبار أهلها وأعيان التجار بها كأولاد الكوبك وسواهم وأخذا منهم الأموال الطائلة وجعلت في عنق القاضي عماد الدين الكندي جامعة حديد، ثم أن الأميرين قتلا من أهل المدينة ستة وثلاثين رجلا وجعلوا كل رجل قطعتين وصلّبوهم صفين وذلك في يوم جمعة.
وخرج الناس على عادتهم بعد الصلاة لزيارة القبور وشاهدوا مصارع القوم فعظمت حسرتهم وتضاعفت أحزانهم وكان في جملة أولئك المصلوبين تاجر كبير القدر يعرف بابن رواحة وكان له قاعة معدة للسلاح فمتى كان خوف أو قتال جهز منها الماية والمايتين من الرجال بما يكفيهم من الاسلحة.
(1/191)

وبالمدينة قاعات على هذه الصورة لكثير من أهلها، فزلّ لسانه وقال للأميرين أنا أضمن هذه المدينة وكلما يحدث فيها أطالب به، وأحوط على السلطان مرتّبات العساكر والرجال. فأنكر الاميران قوله، وقالا: إنما تريد الثورة على السلطان! وقتلاه ... وانما كان قصده رحمه الله إظهار النصح والخدمة للسلطان، فكان فيه حتفه.
وكنت سمعت أيام كوني بالإسكندرية بالشيخ الصالح العابد المنقطع المنفق من الكون أبي عبد الله المرشدي «38» وهو من كبار الأولياء المكاشفين أنه منقطع بمنية ابن مرشد، له هنالك زاوية هو منفرد فيها لا خديم له ولا صاحب ويقصده الأمراء والوزراء وتأتيه الوفود من طوائف الناس في كل يوم فيطعمهم الطعام، وكل واحد منهم ينوي أن يأكل عنده طعاما أو فاكهة أو حلواء فيأتي لكل واحد بما نواه! وربما كان ذلك في غير إبانه، ويأتيه الفقهاء لطلب الخطط فيولي ويعزل، وذلك كله من أمره مستفيض متواتر، وقد قصده الملك الناصر مرات بموضعه، فخرجت من مدينة الاسكندرية قاصدا هذا الشيخ نفعنا الله به. ووصلت قرية تروجة «39» وضبطها بفتح التاء المعلوة والراء وواو وجيم مفتوح.
وهي على مسيرة نصف يوم من مدينة الإسكندرية، قرية كبيرة بها قاض ووال وناظر، ولأهلها مكارم أخلاق ومروءة، صحبت قاضيها صفي الدين وخطيبها فخر الدين وفاضلا من أهلها يسمى بمبارك وينعت بزين الدين، ونزلت بها على رجل من العبّاد الفضلاء كبير القدر يسمى عبد الوهاب، وأضافني ناظرها زين الدين ابن الواعظ، وسألني عن بلدي وعن مجباه فأخبرته أن مجباه نحو اثني عشر ألفا من دينار الذهب، فعجب، وقال لي: رأيت هذه القرية؟
فإن مجباها اثنان وسبعون الف دينار ذهبا. وإنما عظمت مجابي ديار مصر لأن جميع أملاكها لبيت المال. ثم «40» خرجت من هذه القرية فوصلت مدينة دمنهور «41» وهي مدينة
(1/192)

كبيرة جبايتها كثيرة، ومحاسنها أثيرة، أمّ مدن البحيرة «42» بأسرها، وقطبها الذي عليه مدار أمرها، وضبطها بدال مهملة وميم مفتوحين ونون ساكنة وهاء مضمومة وواو وراء، وكان قاضيها في ذلك العهد فخر الدين بن مسكين «43» من فقهاء الشافعية وتولى قضاء الاسكندرية لما عزل عنها عماد الدين الكندي بسبب الوقعة التي قصصناها، وأخبرني الثقة أن ابن مسكين أعطى خمسة وعشرين الف درهم، وصرفها من دنانير الذهب ألف دينار «44» ، على ولاية القضاء بالاسكندرية. ثم رحلنا إلى مدينة فوّا «45» وهذه المدينة عجيبة المنظر، حسنة المخبر، بها البساتين الكثيرة، والفوائد الخطيرة الأثيرة، وضبطها بالفاء والواو المفتوحين مع تشديد الواو، وبها قبر الشيخ الولي أبي النجاة الشهير الاسم، خبير تلك البلاد، وزاوية الشيخ أبي عبد الله المرشدي الذي قصدته بمقربة من المدينة يفصل بينهما خليج هنالك، فلما وصلت المدينة تعديتها ووصلت إلى زاوية الشيخ المذكور قبل صلاة العصر وسلّمت عليه ووجدت عنده الأمير سيف الدين يلملك «46» وهو من كبار الأمراء الخاصّكية.
«47» وأول اسمه (يا) آخر الحروف، ولامه الأولى مسكنة والثانية مفتوحة مثل الميم، والعامة تقول فيه: الملك فيخطئون، ونزل هذا الأمير بعسكره خارج الزاوية، ولما دخلت على الشيخ رحمه الله قام إلى وعانقني، وأحضر طعاما فواكلني، وكانت عليه جبة صوف خضراء وعمامة صوف سوداء، فلما حضرت صلاة العصر قدمني للصلاة إماما وكذلك لكل من حضرني
(1/193)

عنده، حين إقامتي معه من الصلاة. ولما أردت النوم قال لي: اصعد إلى سطح الزاوية فنم هنالك وذلك أوان القيظ، فقلت للأمير: بسم الله، فقال لي (وما منا إلا له مقام معلوم) «48» فصعدت السطح فوجدت به حصيرا ونطعا وآنية للوضوء وجرة ماء وقدحا للشرب. فنمت هنالك.
كرامة لهذا الشيخ
رأيت ليلتي تلك، وأنا نائم بسطح الزاوية كأني على جناح طائر عظيم يطير بي في سمت القبلة، ثم يتيامن ثم يشرق ثم يذهب في ناحية الجنوب ثم يبعد الطيران في ناحية الشرق وينزل في أرض مظلمة خضراء ويتركني بها فعجبت من هذه الرؤيا، وقلت في نفسي:
إن كاشفني الشيخ برؤياي فهو كما يحكى عنه! فلما غدوت لصلاة الصبح قدمني إماما لها، ثم أتاه الأمير يلملك فوادعه وانصرف. وودعه من كان هناك من الزوار وانصرفوا أجمعين من بعد أن زودهم كعيكات صغارا. ثم صلى سبحة الضحى، ودعاني وكاشفني برؤياي، فقصصتها عليه فقال سوف تحج وتزور النبي صلى الله عليه وسلم وتجول في بلاد اليمن والعراق وبلاد الترك وبلاد الهند وتبقى بها مدة طويلة وستلقى بها أخي دلشاد الهندي، ويخلّصك من شدة تقع فيها، ثم زوّدني كعيكات ودراهم ووادعته وانصرفت، ومنذ فارقته لم ألق في أسفاري إلا خيرا وظهرت علي بركاته، ثم لم ألق فيمن لقيته مثله الا الولي سيدي محمد الموله، بأرض الهند.
ثم رحلنا إلى المدينة النّحرارية «49» وهي رحبة الفناء، حديثة البناء، أسواقها حسنة الرواء، وضبطها بفتح النون وحاء مهمل مسكن وراءين، وأميرها كبير القدر يعرف بالسّعدي وولده في خدمة ملك الهند وسنذكره، وقاضيها صدر الدين سليمان المالكي
(1/194)

من كبار المالكية «50» سفر عن الملك الناصر إلى العراق، «51» وولى قضاء البلاد الغربية وله هيئة وصورة حسنة وخطيبها شرف الدين السخاوي من الصالحين. ورحلت إلى مدينة أبيار «52» وهي قديمة البناء، أرجة الأرجاء، كثيرة المساجد، ذات حسن زائد، وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وياء آخر الحروف وألف وراء، وهي بمقربة من النّحرارية يفصل بينهما النيل وتصنع بأبيار ثياب حسان تغلو قيمتها بالشام والعراق ومصر وغيرها، ومن الغريب قرب النحرارية منها والثياب التي تصنع بها غير معتبرة ولا مستحسنة عند أهلها.
ولقيت بأبيار قاضيها عز الدين المليحي الشافعي وهو كريم الشمايل كبير القدر، حضرت عنده مرة يوم الركبة وهم يسمعون بذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه ان يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان «53» بدار القاضي ويقف على الباب نقيب المتعمّمين، وهو ذو شارة وهيئة حسنة، فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقاه ذلك النقيب ومشى بين يديه قائلا: بسم الله. سيدنا فلان الدين! فيسمعه القاضي ومن معه فيقومون له ويجلسه النقيب في موضع يليق به، فإذا تكاملوا هنالك ركب
(1/195)

القاضي وركب من معه أجمعين وتبعهم جميع من بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمع والمشاعل والفوانيس، ويوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فعلهم كل سنة.
ثم توجهت إلى مدينة المحلة الكبيرة «54» وهي جليلة المقدار، حسنة الآثار كثير أهلها، جامع بالمحاسن شملها، واسمها بيّن، وبهذه المدينة قاضي القضاة، ووالي الولاة، وكان قاضي قضاتها أيام وصولي إليها في فراش المرض ببستان له على مسافة فرسخين من البلد وهو عز الدين. بن خطيب الاشمونين «55» ، فقصدت زيارته صحبة نائبه الفقيه أبي القاسم ابن بنون المالكي التونسي، وشرف الدين الدميري قاضي محلة منوف «56» وأقمنا عنده يوما.
وسمعت منه، وقد جرى ذكر الصالحين، أن على مسيرة يوم من المحلة الكبيرة بلاد البرلس 5»
ونسترو «58» ، وهي بلاد الصالحين وبها قبر الشيخ مرزوق صاحب المكاشفات، فقصدت تلك البلاد ونزلت بزاوية الشيخ المذكور، وتلك البلاد كثيرة النخل والثمار والطير البحري، والحوت المعروف بالبوري، «59» ومدينتهم تسمى ملطين «60» وهي على ساحل البحيرة
(1/196)

المجتمعة من ماء النيل وماء البحر المعروفة ببحيرة تنّيس «61» ونسترو بمقربة منها، نزلت هنالك بزاوية الشيخ شمس الدين الفلوي من الصالحين، وكانت تنّيس «62» بلدا عظيما شهيرا وهي الآن خراب.
قال ابن جزى: تنّيس بكسر التاء المثناة والنون المشددة وياء وسين مهمل، وإليها ينسب الشاعر المجيد أبو الفتح بن وكيع وهو القائل في خليجها.
قم فاسقني، والخليج مضطرب ... والريح تثني ذوائب القصب
كأنها والرياح تعطفها ... صبّ قنا. سندسية العذب
والجوّ في حلّة ممسّكة ... قد طرزتها البروق بالذّهب
ونسترو، بفتح النون وأسكان السين وراء مفتوحة وواو مسكن، والبرلّس بباء موحدة وراء وآخره سين مهمل، وقيده بعضهم بضم حروفه الأول الثلاث وتشديد اللام، وقيده أبو بكر بن نقطة بفتح الاولين، وهو على البحر. ومن غريب ما اتّفق به ما حكاه أبو عبد الله الرّازي عن أبيه أن قاضي البرلّس، كان رجلا صالحا، خرج ليلة إلى النيل فاسبغ الوضوء وصلى ما شاء الله أن يصلي فسمع قائلا يقول:
لولا رجال لهم سرد يصومونا ... وآخرون لهم ورد يقومونا
لزلزلت أرضكم من تحتكم سحرا ... لأنكم قوم سوء لا تبالونا!
قال: فتجوزت في صلاتي وأدرت طرفي فما رأيت أحدا ولا سمعت حسا فعلمت أن ذلك زاجر من الله تعالى.
(1/197)

رجع، ثم سفرت في أرض رملة إلى مدينة دمياط «63» وهي مدينة فسيحة الأقطار متنوعة الثمار، عجيبة الترتيب، آخذة من كل حسن بنصيب، والناس يضبطون اسمها بإعجام الذال، وكذلك ضبطه الإمام أبو محمد عبد الله بن علي الرشاطي، وكان شرف الدين الامام العلامة أبو محمد عبد المومن ابن خلف الدمياطي «64» امام المحدثين يضبطها بإهمال الدال، ويتبع ذلك بأن يقول: خلافا للرشاطي وغيره، وهو أعرف بضبط اسم بلده.
ومدينة دمياط على شاطىء النّيل وأهل الدور الموالية له يستقون منه الماء بالدلاء، وكثير من دورها بها دركات ينزل فيها إلى النيل وشجر الموز بها كثير يحمل ثمره إلى مصر في المراكب، وغنمها سائمة هملا بالليل والنهار، ولهذا يقال في دمياط: سورها حلوى، وكلابها غنم! وإذا دخلها أحد لم يكن له سبيل إلى الخروج عنها إلا بطابع الوالي، فمن كان من الناس معتبرا طبع له في قطعة كاغد يستظهر به لحراس بابها، وغيرهم يطبع على ذراعه فيستظهر به! والطير البحري بهذه المدينة كثير متناهي السمن. وبها الألبان الجاموسية التي لا مثل لها في عذوبة الطعم وطيب المذاق، وبها الحوت البوري يحمل منها إلى الشام وبلاد الروم ومصر، وبخارجها جزيرة بين البحر والنيل تسمى البرزخ «65» ، بها مسجد وزاوية لقيت بها شيخها المعروف بابن قفل وحضرت عنده ليلة جمعة ومعه جماعة من الفقراء الفضلاء المتعبدين الأخيار قطعوا ليلتهم صلاة وقراءة وذكرا.
ودمياط هذه حديثة البناء والمدينة القديمة هي التي خرّبها الافرنج «66» على عهد الملك
(1/198)

الصالح، وبها زاوية الشيخ جمال الدين السّاوي «67» قدوة الطائفة المعروفة بالقرندرية «68» وهم الذين يحلقون لحاهم وحواجبهم، ويسكن الزاوية في هذا العهد الشيخ فتح التكروري.
[لحية الشيخ جمال الدين]
حكاية، يذكر أن السبب الداعي للشيخ جمال الدين الساوي إلى حلق لحيته وحاجبيه أنه كان جميل الصورة حسن الوجه فعلقت به امرأة من أهل ساوة وكانت تراسله وتعارضه في الطرق وتدعوه لنفسها وهو يمتنع ويتهاون، فلما أعياها أمره دست له عجوزا تصدت له إزاء دار على طريقه إلى المسجد وبيدها كتاب مختوم، فلما مر بها قالت له يا سيدي: أتحسن القراءة؟ قال نعم، قالت له: هذا الكتاب وجهه اليّ ولدي وأحب أن تقرأه علي، فقال لها: نعم، فلما فتح الكتاب قالت له: يا سيدي إن لولدي زوجة وهي باسطوان الدار، فلو تفضلت بقراءته بين بابي الدار بحيث تسمعها: فأجابها لذلك، فلما توسط بين البابين غلقت العجوز الباب «69» وخرجت المرأة وجواريها فتعلقن به وأدخلنه إلى داخل الدار. وراودته المرأة عن نفسه، فلما رأى أن لا خلاص له، قال لها: إني حيث تريدين فأريني بيت الخلاء، فأرته إياه فأدخل معه الماء وكانت عنده موسى حديدة فحلق لحيته وحاجبيه وخرج عليها فاستقبحت هيئته واستنكرت فعله! وأمرت بإخراجه، وعصمه الله بذلك فبقى على هيئته فيما بعد وصار كلّ من يسلك طريقته يحلق رأسه ولحيته وحاجبيه.
كرامة لهذا الشيخ
يذكر أنه لما قصد مدينة دمياط لزم مقبرتها وكان بها قاض يعرف بابن العميد فخرج يوما إلى جنازة بعض الأعيان فرأى الشيخ جمال الدين بالمقبرة فقال له أنت الشيخ المبتدع؟ فقال له: وأنت القاضي الجاهل تمرّ بدابتك بين القبور وتعلم أن حرمة الانسان ميتا كحرمته حيا! فقال له القاضي: وأعظم من ذلك حلقك للحيتك!! فقال له: إياي تعني؟
وزعق الشيخ ثم رفع رأسه فإذا هو ذو لحية سوداء عظيمة، فعجب القاضي ومن معه ونزل
(1/199)

إليه عن بغلته ثم زعق ثانية فإذا هو ذو لحية بيضاء حسنة ثم زعق ثالثة ورفع رأسه فإذا هو بلا لحية كهيئته الأولى، فقبل القاضي يده وتلمذ له وبنى له زاوية حسنة، وصحبه أيام حياته، ثم مات الشيخ فدفن بباب الزاوية حتى يكون كل داخل إلى زيارة الشيخ يطأ قبره! وبخارج دمياط المزار المعروف بشطا «70» بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة، وهو ظاهر البركة يقصده أهل الديار المصرية، وله أيام في السنة معلومة لذلك، وبخارجها أيضا بين بساتينها موضع يعرف بالمنية «71» فيه شيخ من الفضلاء يعرف بابن النعمان قصدت زاويته وبت عنده.
وكان بدمياط أيام إقامتي بها وال يعرف بالمحسني «72» من ذوي الإحسان والفضل، بني مدرسة على شاطىء النيل بها كان نزولي في تلك الأيام وتأكدت بيني وبينه مودة.
ثم سافرت إلى مدينة فار سكور «73» وهي مدينة على ساحل النيل، والكاف الذي في اسمها مضموم، ونزلت بخارجها ولحقني هنالك فارس وجّهه إلى الأمير المحسني، فقال لي إن الأمير سأل عنك وعرف بسيرتك فبعث إليك بهذه النفقة، ودفع اليّ جملة دراهم جزاه الله خيرا. ثم سافرت إلى مدينة أشمون الرّمان «74» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الشين المعجم، ونسبت إلى الرّمان، لكثرته بها، ومنها يحمل إلى مصر، وهي مدينة عتيقة كبيرة على خليج من خلج النيل، ولها قنطرة خشب ترسو المراكب عندها، فإذا كان العصر رفعت تلك الخشب وجازت المراكب صاعدة ومنحدرة. وبهذه البلدة قاضي القضاة ووالي الولاة «75» .
ثم سافرت عنها إلى مدينة سمنّود «76» وهي على شاطىء النيل كثيرة المراكب حسنة
(1/200)

الأسواق وبينها وبين المحلة الكبيرة ثلاثة فراسخ، وضبط اسمها بفتح السين المهمل والميم وتشديد النون وضمها وواو ودال مهمل، ومن هذه المدينة ركبت النيل مصعدا إلى مصر ما بين مدائن وقرى منتظمة متصل بعضها ببعض، ولا يفتقر راكب النيل إلى استصحاب الزاد لأنه مهما أراد النزول بالشاطئ نزل للوضوء والصلاة وشراء الزاد وغير ذلك، والأسواق متصلة من مدينة الاسكندرية إلى مصر ومن مصر إلى مدينة أسوان «77» من الصعيد.
ثم وصلت إلى مدينة مصر هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد «78» ، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر، وبها ما شئت من عالم وجاهل وجادّ وهازل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم، على سعة مكانها وإمكانها «79» ، شبابها يجدّ على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح منزل السعد، قهرت قاهرتها الامم، وتملكت ملوكها نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل التي جل خطرها، واغناها عن ان يستمد القطر قطرها، وأرضها مسيرة شهر لمجد السير، كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة.
قال ابن جزي: وفيها يقول الشاعر:
لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنّة الدّنيا لمن يتبصّر
فأولادها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس، والنيل كوثر.
وفيها يقول ناصر الدين بن ناهض:
شاطىء مصر جنّة ... ما مثلها من بلد
لا سيما مذ زخرفت ... بنيلها المطرد
وللرّياح فوقه ... سوابغ من زرد
مسرودة ما مسّها ... داودها بمبرد
سائلة هواؤها ... يرعد عاري الجسد
والفلك كالافلاك بين ... حادر ومصعد
(1/201)

مصر القاهرة عن المكتبة الوطنية بباريز رقم C 61657
(1/202)

رجع، ويقال إن بمصر من السقائين على الجمال اثنى عشر ألف سقاء وإن بها ثلاثين ألف مكار «80» ، وإن بنيلها من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية، تمر صاعدة إلى الصعيد، ومنحدرة إلى الاسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق، وعلى ضفة النّيل مما يواجه مصر الموضع المعروف بالروضة، وهو مكان النزهة والتفرج، وبه البساتين الكثيرة الحسنة.
وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو، شاهدت بها مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كسر أصاب يده «81» فزين كل أهل سوق سوقهم وعلقوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب الحرير وبقوا على ذلك أياما.
ذكر مسجد عمرو بن العاص والمدارس والمارستان والزوايا
ومسجد عمرو بن العاص «82» مسجد شريف كبير القدر شهير الذكر، تقام فيه الجمعة، والطريق يعترضه من شرق إلى غرب، وبشرقه الزاوية حيث كان يدرس الإمام أبو عبد الله الشافعي «83» . وأما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها «84» ، وأما المارستان الذي بين القصرين عند تربة الملك المنصور قلاوون «85» فيعجز الواصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من المرافق والأدوية ما لا يحصر، ويذكر أن مجباه ألف دينار كل يوم.
(1/203)

وأما الزوايا فكثيرة وهم يسمونها الخوانق «86» ، واحدتها خانقه والأمراء بمصر يتنافسون في بناء الزوايا، وكل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء وأكثرهم الأعاجم، وهم أهل أدب ومعرفة بطريقة التصوف، ولكل زاوية شيخ وحارس، وترتيب أمورهم عجيب.
ومن عوائدهم في الطعام أنه يأتي خديم الزاوية إلى الفقراء صباحا فيعين له كلّ واحد ما يشتهيه من الطعام، فإذا اجتمعوا للأكل جعلوا لكل إنسان خبزه ومرقه في إناء على حدة لا يشاركه فيه أحد وطعامهم مرّتان في اليوم ولهم كسوة الشتاء وكسوة الصيف، ومرتب شهري من ثلاثين درهما للواحد في الشهر إلى عشرين، ولهم الحلاوة من السكر في كل ليلة جمعة، والصابون لغسل أثوابهم والأجرة لدخول الحمام والزيت للاستصباح «87» ، وهم أعزاب، وللمتزوجين زوايا على حدة، ومن المشترط عليهم حضور الصلوات الخمس والمبيت بالزاوية واجتماعهم بقبة داخل الزاوية.
ومن عوائدهم أن يجلس كل واحد منهم على سجادة مختصة به، وإذا صلّوا صلاة الصبح قرأوا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عمّ «88» ، ثم يؤتى بنسخ من القرآن العظيم مجزأة، فيأخذ كل فقير جزءا ويختمون القرآن ويذكرون، ثم يقرأ القرآن على عادة أهل المشرق 8»
، ومثل ذلك يفعلون بعد صلاة العصر. ومن عوائدهم مع القادم أنه يأتي باب الزاوية فيقف به مشدود الوسط وعلى كاهله سجادة وبيمناه العكاز وبيسراه الإبريق «90» ، فيعلم البواب خديم الزاوية بمكانه ويخرج اليه ويسأله من أي البلاد أتى؟ وأي الزاويا نزل في طريقه؟ ومن شيخه؟ فإذا عرف صحة قوله أدخله الزاوية وفرش له سجادة في موضع يليق به وأراه موضع الطهارة، فيجدّد الوضوء، ويأتي إلى سجادته فيحل وسطه، ويصلي ركعتين ويصافح الشيخ ومن حضر، ويقعد معهم. ومن عوائدهم أنهم إذا كان يوم الجمعة أخذ الخادم جميع سجاجدهم فيذهب بها إلى المسجد ويفرشها لهم هنالك ويخرجون مجتمعين ومعهم
(1/204)

شيخهم فيأتون المسجد ويصلي كلّ واحد على سجادته فإذا فرغوا من الصلاة قرأوا القرآن على عادتهم ثم ينصرفون مجتمعين إلى الزاوية ومعهم شيخهم.
ذكر قرافة مصر ومزاراتها
ولمصر القرافة العظيمة الشأن في التبرك بها، وقد جاء في فضلها أثر خرجه القرطبي «91» وغيره لانها من جملة الجبل المقطم «92» الذي وعد الله أن يكون روضة من رياض الجنة، وهم يبنون بالقرافة القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدور ويبنون بها البيوت ويرتبون القراء يقرءون ليلا ونهارا بالأصوات الحسان، ومنهم من يبني الزاوية والمدرسة إلى جانب التربة، ويخرجون في كل ليلة جمعة إلى المبيت بها بأولادهم ونسائهم، ويطوفون على المزارات الشهيرة، ويخرجون أيضا إلى المبيت بها ليلة النصف من شعبان «93» ، ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل.
ومن المزارات الشريفة المشهد المقدس العظيم الشأن حيث رأس الحسين بن علي «94» عليهما السلام، وعليه رباط ضخم عجيب البناء «95» على أبوابه حلق الفضة وصفائحها أيضا كذلك، وهو مؤفي الحق من الإجلال والتعظيم، ومنها تربة السيدة نفيسة بنت زيد بن علي بن
(1/205)

الحسين بن علي عليهم السلام «96» ، وكانت مجابة الدعوة، مجتهدة في العبادة، وهذه التربة أنيقة البناء، مشرقة الضياء، عليها رباط مقصود ومنها تربة الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وعليها رباط كبير ولها جراية ضخمة وبها القبة الشهيرة البديعة الاتقان، العجيبة البنيان، المتناهية الأحكام المفرطة السمو وسعتها أزيد من ثلاثين ذراعا. «97»
وبقرافة مصر من قبور العلماء والصالحين ما لا يضبطه الحصر «98» ، وبها عدد جم من الصحابة وصدور السلف والخلق رضي الله عنهم، مثل عبد الرحمن بن القاسم، «99» وأشهب بن عبد العزيز «100» ، وأصبغ بن الفرج «101» وابن عبد الحكم «102» وأبي القاسم
(1/206)

بن شعبان «103» ، وأبي محمد عبد الوهاب «104» لكن ليس لهم بها اشتهار، ولا يعرفهم الا من له بهم عناية، والشافعي رحمه الله ساعده الجد في نفسه واتباعه وأصحابه في حياته ومماته فظهر من أمره مصداق قوله رحمة الله عليه:
الجدّ يدني كلّ أمر شاسع ... والجدّ يفتح كلّ باب مغلق!
ذكر نيل مصر
ونيل مصر «105» يفضل أنهار الأرض عذوبة مذاق واتساع قطر وعظم منفعة، والمدن والقرى بضفتيه منتظمة ليس في المعمور مثلها ولا يعلم نهر يزدرع عليه ما يزدرع على النيل، وليس في الأرض نهر يسمى بحرا غيره قال الله تعالى: فإذا خفت عليه فألقيه في اليم «106» فسماه يما وهو البحر.
وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى «107» فإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران ونهران باطنان فسأل
(1/207)

عنها جبريل عليه السلام، فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنّيل والفرات.
وفي الحديث أيضا أن النّيل والفرات وسيحان وجيحان «108» كل من أنهار الجنة.
ومجرى النّيل من الجنوب إلى الشمال خلافا لجميع الأنهار. ومن عجائبه أن ابتداء زيادته في شدة الحر عند نقص الأنهار وجفوفها، وابتداء نقصه حين زيادة الأنهر وفيضها، ونهر السند مثله في ذلك، وسيأتي ذكره.
وأول ابتداء زيادته في حزيران، وهو يونيه «109» فإذا بلغت زيادته ستة عشر ذراعا تم خراج السلطان، فإن زاد ذراعا كان الخصب في العام، والصلاح التام، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا أضر بالضياع وأعقب الوباء، وان نقص ذراعا عن ستة عشر نقص خراج السلطان، وإن نقص ذراعين استسقى الناس وكان الضرر الشديد.
والنيل أحد أنهار الدنيا الخمسة الكبار: وهي النيل والفرات ودجلة وسيحون وجيجون، وتماثلها أنهار خمسة أيضا: نهر السند ويسمى بنج آب «110» ، ونهر الهند، ويسمى الكنك، واليه تحج الهنود وإذا حرّقوا أمواتهم رموا برمادهم فيه، ويقولون هو من الجنة، ونهر الجون بالهند أيضا، ونهر إتل بصحراء قفجق، وعلى ساحله مدينة السّرا، ونهر السرو «111» وبأرض الخطا، وعلى ضفته مدينة خان بالق، ومنها ينحدر إلى مدينة الخنسا، ثم إلى مدينة الزيتون بأرض الصين «112» وسيذكر ذلك كله في مواضعه ان شاء الله.
(1/208)

والنيل يفترق بعد مسافة من مصر على ثلاثة أقسام «113» ولا يعبر نهر منها إلا في السفن شتاء وصيفا، وأهل كل بلد لهم خلجان تخرج من النيل فإذا مدّ أترعها ففاضت على المزارع.
ذكر الأهرام والبرابي
وهي من العجائب المذكورة على مر الدهور، وللناس فيها كلام كثير وخوض في شأنها، وأولية بنائها ويزعمون أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان أخذت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، ويسمى خنوخ وهو إدريس عليه السلام «114» وأنه أول من تكلم في الحركات الفلكية والجواهر العلوية وأول من بنى الهياكل ومجّد الله تعالى فيها وأنه أنذر الناس بالطوفان وخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي «115» وصور فيها جميع الصنائع والآلات ورسم العلوم فيها لتبقى مخلدة. ويقال إن دار العلم والملك بمصر مدينة (منوف) وهي على بريد من الفسطاط «116» فلما بنيت الاسكندرية انتقل الناس
(1/209)

اليها وصارت دار العلم والملك إلى أن أتى الإسلام فاختط عمرو بن العاص رضي الله عنه مدينة الفسطاط فهي قاعدة مصر إلى هذا العهد.
والأهرام بناء بالحجر الصلد المنحوت متناهي السمو مستدير متسع الأسفل ضيق الأعلى كالشكل المخروط، ولا أبواب لها ولا تعلم كيفية بنائها.
ومما يذكر في شأنها أن ملكا من ملوك مصر قبل الطوفان رأى رؤيا هالته وأوجبت عنده أنه بنى تلك الأهرام بالجانب الغربي من النيل لتكون مستودعا للعلوم ولجثث الملوك، وأنه سأل المنجمين: هل يفتح منها موضع؟ فأخبروه أنها تفتح من الجانب الشمالي، وعينوا له الموضع الذي تفتح منه، ومبلغ الانفاق في فتحه، فأمر أن يجعل بذلك الموضع من المال قدر ما أخبروه أنه ينفق في فتحه، واشتد في البناء فأتمه في ستين سنة، وكتب عليها: بنينا هذه الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد ذلك في ستمائة سنة، فإن الهدم أيسر من البناء «117» . فلما أفضت الخلافة إلى أمير المومنين المامون «118» أراد هدمها فأشار عليه بعض مشايخ مصر أن لا يفعل، فلج في ذلك وأمر أن تفتح من الجانب الشمالي فكانوا يوقدون عليها النار، ثم يرشونها بالخل ويرمونها بالمنجنيق حتى فتحت الثلمة التي بها إلى اليوم ووجدوا بإزاء النقب ما لا أمر أمير المومنين بوزنه فحصر ما أنفق في النقب فوجدهما سواء فطال عجبه من ذلك ووجدوا عرض الحائط عشرين ذراعا.
ذكر سلطان مصر
وكان سلطان مصر على عهد دخولي اليها الملك الناصر أبو الفتح محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي «119» ، وكان قلاوون يعرف بالألفي، لأن الملك الصالح اشتراه بألف دينار ذهبا، وأصله من قفجق، وللملك الناصر رحمه الله السيرة الكريمة
(1/210)

الجيزة- أبو الهول وهرم خفرع
(1/211)

والفضائل العظيمة، وكفاه شرفا انتماؤه لخدمة الحرمين الشريفين، وما يفعله في كل سنة من أفعال البر التي تعين الحجاج من الجمال التي تحمل الزاد والماء للمنقطعين والضعفاء وتحمل من تأخر أو ضعف عن المشي في الدربين المصري والشامي. وبنى زاوية عظيمة بسرياقص «120» خارج القاهرة. لكن الزاوية التي بناها مولانا أمير المؤمنين، وناصر الدين، وكهف الفقراء والمساكن، خليفة الله في أرضه، القائم من الجهاد بنفله وفرضه، أبو عنان، أيد الله أمره وأظهره، وسنى له الفتح المبين ويسّره، بخارج حضرته العلية المدينة البيضاء «121» حرسها الله لا نظير لها في المعمور في إتقان الوضع وحسن البناء والنقش في الجص بحيث لا يقدر أهل المشرق على مثله، وسيأتي ذكر ما عمره أيده الله من المدارس والمارستانات والزوايا ببلاده حرسها الله وحفظها بدوام ملكه.
(1/212)

قنديل يحمل اسم الملك الناصر عن المتحف العربي بالقاهرة
(1/213)

ذكر بعض أمراء مصر
منهم ساقي الملك الناصر وهو الأمير بكتمور «122» ، وضبط اسمه بضم الباء الموحدة وكاف مسكن وتاء معلوة مضمومة وآخره راء، وهو الذي قتله الملك الناصر بالسّم، وسيذكر ذلك. ومنهم نائب الملك الناصر أرغون الدّوادار «123» ، وهو الذي يلي بكتمور في المنزلة وضبط اسمه بفتح الهمزة وإسكان الراء وضم الغين المعجمة.
ومنهم طشط «124» المعروف بحمّص أخضر، واسمه بطاءين مهملين مضمومين بينهما شين معجم، وكان من خيار الأمراء، وله الصدقات الكثيرة على الأيتام من كسوة ونفقة وأجرة لمن يعلّمهم القرآن، وله الإحسان العظيم للحرافيش «125» وهم طائفة كبيرة أهل صلابة وجوه ودعارة، وسجنه الملك الناصر مرة فاجتمع من الحرافيش آلاف ووقفوا بأسفل القلعة ونادوا بلسان واحد: يا أعرج النحس، يعنون الملك الناصر، أخرجه، فأخرجه من محبسه وسجنه مرة أخرى ففعل الأيتام مثل ذلك فأطلقه.
ومنهم وزير الملك الناصر يعرف بالجمالي «126» بفتح الجيم، ومنهم بدر الدين بن
(1/214)

البابه «127» ومنهم جمال الدين نائب الكرك «128» . ومنهم تقزدمور، «129» واسمه بضم التاء المعلوة وضم القاف وزارى مسكن ثم دال مضموم وميم مثله وآخره راء، ودمور بالتركية الحديد. ومنهم بهادور الحجازي «130» واسمه بفتح الباء الموحدة وضم الدال المهمل وآخره راء، ومنهم قوصون «131» واسمه بفتح القاف وصاد مهمل مضموم ومنهم بشتك «132»
(1/215)

واسمه بفتح الباء الموحدة واسكان الشين المعجم وتاء معلوة مفتوحة. وكل هؤلاء يتنافسون في أفعال الخيرات وبناء المساجد والزوايا.
ومنهم ناظر جيش الناصر وكاتبه القاضي فخر الدين القبطي «133» ، وكان نصرانيا من القبط فأسلم وحسن إسلامه، وله المكارم العظيمة والفضائل التامة، ودرجته من أعلى الدرجات عند الملك الناصر، وله الصدقات الكثيرة والإحسان الجزيل، ومن عادته أن يجلس عشى النهار في مجلس له باسطوان داره على النيل ويليه المسجد فإذا حضر المغرب صلى في المسجد وعاد إلى مجلسه وأوتى بالطعام، ولا يمنع حينئذ أحدا من الدخول كائنا من كان، فمن كان ذا حاجة تكلم فيها فقضاها له ومن كان طالب صدقة أمر مملوكا له يدعى بدر الدين واسمه لؤلؤ بأن يصحبه إلى خارج الدار وهنالك خازنه معه صرر الدراهم فيعطيه ما قدّر له ويحضر عنده في ذلك الوقت الفقهاء، ويقرأ بين يديه كتاب البخاري «134» فإذا صلى العشاء الأخيرة انصرف الناس عنه.
ذكر القضاة بمصر في عهد دخولي إليها
فمنهم قاضي القضاة الشافعية وهو أعلاهم منزلة وأكبرهم قدرا واليه ولاية القضاة بمصر وعزلهم وهو القاضي الامام العالم بدر الدين بن جماعة «135» وابنه عز الدين هو الآن متولي ذلك، ومنهم قاضي القضاة المالكية الامام الصالح تقي الدين الإخناءى «136» ومنهم
(1/216)

قاضي القضاة الحنفية الامام العالم شمس الدين الحريري «137» ، وكان شديد السطوة لا تأخذه في الله لومة لائم، وكانت الأمراء تخافه، ولقد ذكر لي أن الملك الناصر قال يوما لجلسائه: إني لا أخاف من أحد الا من شمس الدين الحريري: ومنهم قاضي القضاة الحنبلية ولا أعرفه الآن إلا أنه كان يدعى بعز الدين «138» .
حكاية [الملك الناصر يقعد للمظالم]
كان الملك الناصر رحمه الله يقعد للنظر في المظالم ورفع قصص المشتكين كل يوم اثنين وخميس، ويقعد القضاة الأربعة عن يساره وتقرأ القصص بين يديه، ويعين من يسأل صاحب القصة عنها، وقد سلك مولانا أمير المؤمنين، ناصر الدين، أيده الله في ذلك مسلكا لم يسبق إليه، ولا مزيد في العدل والتواضع عليه، وهو سؤاله بذاته الكريمة، لكل متظلم وعرضه بين يديه، مكرمة أبي الله أن يخص بها سواه، ادام الله عليه أيامه. وكان رسم القضاة المذكورين أن يكون أعلاهم منزلة في الجلوس قاضي الشافعية ثم قاضي الحنفية ثم قاضي المالكية ثم قاضي الحنبلية، فلما توفى شمس الدين الحريري وولّى مكانه برهان الدين بن عبد الحق الحنفي «139» أشار الأمراء على الملك الناصر بأن يكون مجلس المالكي فوقه،
(1/217)

وذكروا أن العادة جرت بذلك قديما إذ كان قاضي المالكية زين الدين بن مخلوف «140» يلي قاضي الشافعية تقي الدين بن دقيق العيد، فأمر الملك الناصر بذلك، فلما علم به قاضي الحنفية غاب عن شهود المجلس أنفة من ذلك فأنكر الملك الناصر مغيبه وعلم ما قصده فأمر بإحضاره فلما مثل بين يديه أخذ الحاجب بيده وأقعده حيث نفذ أمر السلطان مما يلي قاضي المالكية واستمرّ حاله على ذلك.
ذكر بعض علماء مصر وأعيانها
فمنهم شمس الدين الأصبهاني إمام الدنيا في المعقولات «141» ، ومنهم شرف الدين الزواوي المالكي «142» ، ومنهم برهان الدين ابن بنت الشاذلي نائب قاضي القضاة بجامع الصالح «143» ، ومنهم ركن الدين ابن القوبع التونسي من الأيمة في المعقولات «144» ، ومنهم شمس الدين ابن عدلان كبير الشافعية «145» ، ومنهم بهاء الدين ابن عقيل فقيه كبير
(1/218)

«146» ، ومنهم أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان الغرناطي «147» وهو أعلمهم بالنحو، ومنهم الشيخ الصالح بدر الدين عبد الله المنوفي «148» ومنهم برهان الدين الصفاقسي «149» ، ومنهم قوام الدين الكرماني وكان سكناه بأعلى سطح الجامع الأزهر وله جماعة من الفقهاء والقراء يلازمونه ويدرس فنون العلم ويفتى في المذاهب، ولباسه عباءة صوف خشنة وعمامة صوف سوداء، ومن عادته أن يذهب بعد صلاة العصر إلى مواضع الفرج والنزهات منفردا عن أصحابه «150» ! ومنهم السيد الشريف شمس الدين ابن بنت الصاحب تاج الدين بن حناء «151» ، ومنهم شيخ شيوخ الفقراء بديار مصر نجد الدين الأقصرائي، نسبة إلى أقصرة من بلاد الروم، ومسكنه سرياقص «152» ومنهم الشيخ جمال
(1/219)

الجامع الأزهر منظر خارجي
(1/220)

الدين الحويزاءي، والحويزاء «153» على مسيرة ثلاثة من البصرة ومنهم نقيب الأشراف بديار مصر السيّد الشريف المعظم بدر الدين الحسيني «154» من كبار الصالحين ومنهم وكيل بيت المال المدرس بقبة الامام الشافعي مجد الدين بن حرمي «155» ، ومنهم المحتسب بمصر نجم الدين السهرتي «156» من كبار الفقهاء وله بمصر رياسة عظيمة وجاه.
ذكر يوم المحمل بمصر
وهو يوم دوران المحمل «157» يوم مشهود وكيفية ترتيبهم فيه أنه يركب قضاة القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب، وقد ذكرنا جميعهم، ويركب معهم أعلام الفقهاء، وأمناء الرؤساء، وأرباب الدولة ويقصدون جميعا باب القلعة: دار الملك الناصر فيخرج إليهم المحمل على جمل وأمامه الأمير «158» المعين لسفر الحجاز في تلك السنة، معه عسكره والسقاءون على جمالهم ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء، ثم يطوفون بالمحمل وجميع من ذكرنا معه بمدينتي القاهرة ومصر، والحداة يحدون أمامهم ويكون ذلك في رجب فعند ذلك تهيج العزمات وتنبعث الأشواق وتتحرك البواعث ويلقى الله تعالى العزيمة على الحج في قلب من يشاء من عباده، فيأخذون في التأهب لذلك والاستعداد «159» .
(1/221)

مسيرة احتفالية بالمحمل ...
(1/222)

ثم كان سفري من مصر على طريق الصعيد برسم الحجاز الشريف، فبت ليلة خروجي بالرباط الذي بناه الصاحب تاج الدين بن حناء بدير الطين «160» وهو رباط عظيم بناه على مفاخر عظيمة، وآثار كريمة، أودعها فيه، وهي قصعة من قطعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والميل الذي كان يكتحل به، والدّرفش وهو الأشفى الذي كان يخصف به نعله، ومصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي بخط يده رضي الله عنه. ويقال إن الصاحب اشترى ما ذكرناه من الآثار الكريمة النبوية بمائة الف درهم وبنى الرباط وجعل فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدام تلك الآثار الشريفة، نفعه الله تعالى بقصده المبارك.
ثم خرجت من الرباط المذكور ومررت بمنية القائد «161» ، وهي بلدة صغيرة على ساحل النيل، ثم سرت منها إلى مدينة بوش «162» ، وضبطها بضم الباء الموحدة وأخرها شين معجم، وهذه المدينة أكثر بلاد مصر كتانا ومنها يجلب إلى سائر الديار المصرية وإلى إفريقية. ثم سافرت منها فوصلت إلى مدينة دلاص «163» ، وضبط اسمها بفتح الدال المهمل وآخره صاد مهمل، وهذه المدينة كثيرة الكتان أيضا كمثل الذي ذكرنا قبلها ويحمل أيضا منها إلى ديار مصر وإفريقية. ثم سافرت منها إلى مدينة ببا «164» ، وضبط اسمها بباءين موحدتين أولاهما
(1/223)

مكسورة، ثم سافرت منها إلى مدينة البهنسة «165» ، وهي مدينة كبيرة وبساتينها كثيرة، وضبط اسمها بفتح الموحدة واسكان الهاء وفتح النون والسين، وتصنع بهذه المدينة ثياب الصوف الجيدة.
وممن لقيته بها قاضيها العالم شرف الدين، وهو كريم النفس فاضل، ولقيت بها الشيخ الصالح أبا بكر العجمي، ونزلت عنده وأضافني، ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب، وهي مدينة كبيرة الساحة، متسعة المساحة، مبنية على شاطىء النّيل «166» ، وحقيق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل، بها المدارس والمشاهد والزوايا، والمساجد، وكانت في القديم منية لخصيب عامل مصر «167» .
حكاية خصيب
يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم غضب على أهل مصر فآلى أن يولى عليهم أحقر عبيده وأصغرهم شأنا قاصدا لإرذالهم والتنكّل، وكان خصيب أحقرهم اذ كان يتولى تسخين الحمام «168» ، فخلع عليه وأمّره على مصر، وظنّه أنه يسير فيهم سيرة سوء ويقصدهم بالإذاية حسبما هو المعهود ممن ولى عن غير عهد بالعز، فلما استقر خصيب بمصر سار في أهلها أحسن سيرة، وشهر بالكرم والإيثار فكان أقارب الخلفاء وسواهم يقصدونه فيجزل العطاء لهم ويعودون إلى بغداد شاكرين لما أولاهم.
وإن الخليفة افتقد بعض العبّاسيين وغاب عنه مدة ثم أتاه فسأله عن مغيبه، فأخبره أنه قصد خصيبا، وذكر له ما أعطاه خصيب، وكان عطاء جزيلا، فغضب الخليفة وأمر بسمل عيني خصيب وإخراجه من مصر إلى بغداد، وأن يطرح في أسواقها، فلما ورد الامر بالقبض
(1/224)

عليه حيل بينه وبين دخول منزله، وكانت بيده ياقوته عظيمة فخبّأها عنده وخاطها في ثوب له ليلا، وسملت عيناه وطرح في أسواق بغداد، فمر به بعض الشعراء، فقال له: يا خصيب، إني كنت قصدتك من بغداد إلى مصر مادحا لك بقصيدة فوافقت انصرافك عنها وأحب أن تسمعها، فقال كيف بسماعها وأنا على ما تراه؟ فقال إنما قصدي سماعك لها، وأما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت جزاك الله خيرا قال: فافعل فأنشده:
أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفّقا، فكلاكما بحر! «169»
فلما أتى على أخرها قال له: افتق هذه الخياطة، ففعل ذلك، فقال له: خذ الياقوتة فأبى فأقسم عليه أن ياخذها فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين، فلما عرضها عليهم، قالوا له: إن هذه لا تصلح إلا للخليفة، فرفعوا أمرها إلى الخليفة، فأمر الخليفة بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة فأخبره بخبرها فتأسف على ما فعله بخصيب، وأمر بمثوله بين يديه وأجزل له العطاء وحكّمه فيما يريد فرغب أن يعطيه هذه المنية، ففعل ذلك وسكنها خصيب إلى أن توفى وأورثها عقبه إلى أن انقرضوا.
وكان قاضي هذه المنية أيام دخولي إليها فخر الدين النّويري المالكي وواليها شمس الدين أمير خيّر كريم، دخلت يوما الحمام بهذه البلدة فرأيت الناس بها لا يستترون فعظم ذلك علي، وأتيته فأعلمته بذلك فأمرني أن لا أبرح وأمر بإحضار المكتريين للحمامات وكتب عليهم العقود أنه متى دخل أحد الحمام دون ميزر فإنهم يؤاخذون على ذلك واشتد عليهم أعظم الاشتداد، ثم انصرفت عنه.
وسافرت من منية ابن خصيب إلى مدينة منلوي «170» وهي صغيرة مبنية على مسافة ميلين من النيل، وضبط اسمها بفتح الميم واسكان النون وفتح اللام وكسر الواو، وقاضيها الفقيه شرف الدين الدّميري بفتح الدال المهمل وكسر الميم الشافعي، وكبارها قوم يعرفون ببني فضيل بنى أحدهم جامعا انفق فيه صميم ماله. وبهذه المدينة إحدى عشرة معصرة للسكر ومن عوائدهم أنهم لا يمنعون فقيرا من دخول معصرة منها فيأتي الفقير بالخبزة
(1/225)

الحارة فيطرحها في القدر التي يطبخ فيها السكر ثم يخرجها وقد امتلأت سكرا فينصرف بها.
وسافرت من منلوي المذكورة إلى مدينة منفلوط «171» وهي مدينة حسن رواؤها، مؤنق بناؤها، على ضفة النيل، شهيرة البركة، وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الفاء وضم اللام وآخرها طاء مهمل.
حكاية [منبر ملك الناصر]
أخبرني أهل هذه المدينة أن الملك الناصر رحمه الله أمر بعمل منبر عظيم محكم الصنعة بديع الإنشاء برسم المسجد الحرام زاده الله شرفا وتعظيما، فلما تم عمله أمر أن يصعد به في النيل ليجاز إلى بحر جدة، ثم إلى مكة شرفها الله، فلما وصل المركب الذي احتمله إلى منفلوط وحاذى مسجدها الجامع وقف وامتنع من الجري مع مساعدة الريح، فعجب الناس من شأنه أشد العجب وأقاموا أياما لا ينهض بهم المركب فكتبوا بخبره إلى الملك الناصر رحمه الله، فأمر أن يجعل ذلك المنبر بجامع مدينة منفلوط ففعل ذلك، وقد عاينته بها.
ويصنع بهذه المدينة شبه العسل يستخرجونه من القمح ويسمونه النّيدا «172» يباع بأسواق مصر.
وسافرت من هذه المدينة إلى مدينة أسيوط «173» وهي مدينة رفيعة، أسواقها بديعة، وضبط اسمها بفتح الهمزة والسين المهملة والياء آخر الحروف وواو وطاء مهملة، وقاضيها شرف الدين بن عبد الرحيم الملقب" بحاصل ما ثمّ" لقب شهر به، وأصله أن القضاة بديار مصر والشام بأيديهم الأوقاف والصدقات لابناء السبيل فإذا أتى فقير لمدينة من المدن قصد
(1/226)

القاضي بها فيعطيه ما قدر له، فكان هذا القاضي إذا أتى الفقير يقول له: (حاصل ما ثم) «174» ! أي لم يبق من المال الحاصل شيء، فلقّب بذلك ولزمه.
وبها من المشايخ الفضلاء الصالح شهاب الدين بن الصباغ، أضافني بزاويته، وسافرت منها إلى مدينة إخميم «175» وهي مدينة عظيمة أصيلة البنيان، عجيبة الشأن بها البربي المعروف باسمها، وهو مبني بالحجارة في داخله نقوش وكتابة للأوائل، لا تفهم في هذا العهد وصور الأفلاك والكواكب، ويزعمون أنها بنيت والنسر الطائر ببرج العقرب، وبها صور الحيوانات وسواها، وعند الناس في هذه الصور أكاذيب لا يعرج عليها.
وكان بإخميم رجل يعرف بالخطيب أمر على هدم بعض هذه البرابي وابتنى بحجارتها مدرسة، وهو رجل موسر معروف بالإيثار، ويزعم حساده أنه استفاد ما بيده من المال من ملازمته لهذه البربى. ونزلت من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي العباس بن عبد الظاهر، «176» وبها تربة جدّه عبد الظاهر، وله من الاخوة ناصر الدين ومجد الدين وواحد الدين، ومن عادتهم أن يجتمعوا جميعا بعد صلاة الجمعة ومعهم الخطيب نور الدين المذكور وأولاده وقاضي المدينة الفقيه مخلص وسائر وجوه أهلها فيختمون القرآن ويذكرون الله إلى صلاة العصر، فإذا صلوها قرأوا سورة الكهف ثم انصرفوا.
وسافرت من إخميم إلى مدينة (هو) «177» مدينة كبيرة بساحل النيل، وضبطها بضم الهاء، نزلت منها بمدرسة تقي الدين ابن السراج ورأيتهم يقرءون بها في كل يوم بعد صلاة الصبح حزبا من القرآن ثم يقرءون أوراد الشيخ أبي الحسن الشاذلي وحزب البحر وبهذه المدينة السيد الشريف أبو محمد عبد الله الحسنى من كبار الصالحين.
(1/227)

كرامة له
دخلت إلى هذا الشريف متبركا برؤيته والسلام عليه فسألني عن قصدي، فأخبرته، إني أريد حج البيت الحرام على طريق جدة، فقال لي: لا يحصل لك هذا في هذا الوقت فارجع وإنما تحج أول حجة على الدرب الشامي فانصرفت عنه ولم اعمل على كلامه ومضيت في طريقي حتى وصلت إلى عيذاب فلم يتمكن لي السفر فعدت راجعا إلى مصر ثم إلى الشام، وكان طريقي في أول حجاتي على الدرب الشامي حسبما أخبرني الشريف نفع الله به.
ثم سافرت إلى مدينة قنا وهي صغيرة حسنة الاسواق، واسمها بقاف مكسورة ونون، وبها قبر الشريف الصالح الوالي صاحب البراهين العجيبة، والكرامات الشهيرة عبد الرحيم القناوي رحمة الله عليه «178» ، ورأيت بالمدرسة السّيفية منها حفيده شهاب الدين أحمد.
وسافرت من هذا البلد إلى مدينة قوص «179» وهي بضم القاف مدينة عظيمة، لها خيرات عميمة، بساتينها مورقة وأسواقها مونقة، ولها المساجد الكثيرة، والمدارس الأثيرة، وهي منزل ولاة الصعيد، وبخارجها زاوية الشيخ شهاب الدين ابن عبد الغفار، وزاوية الأفرم، وبها اجتماع الفقراء المتجردين في شهر رمضان من كل سنة، ومن علمائها القاضي بها جمال الدين بن السديد «180» ، والخطيب بها فتح الدين بن دقيق العيد «181» أحد الفصحاء البلغاء الذين حصل لهم السبق في ذلك، لم أر من يماثله إلا خطيب المسجد الحرام بهاء الدين الطبري، وخطيب مدينة خوارزم حسام الدين المشاطي وسيقع ذكرهما، ومنهم
(1/228)

الفقيه بهاء الدين بن عبد العزيز المدرس بمدرسة المالكية، ومنهم الفقيه برهان الدين ابراهيم الأندلسي له زاوية عالية.
ثم سافرت إلى مدينة الأقصر «182» وضبط اسمها بفتح الهمزة وضم الصاد المهمل، وهي صغيرة حسنة وبها قبر الصالح العابد أبي الحجاج الأقصرى «183» وعليه زاوية، وسافرت منها إلى مدينة أرمنت، «184» وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الراء وميم مفتوحة ونون ساكنة وتاء معلوة، وهي صغيرة ذات بساتين مبنية على ساحل النّيل، أضافني قاضيها وأنسيت اسمه، ثم سافرت منها إلى مدينة أسنا «185» وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان السين المهمل ونون، مدينة عظيمة متسعة الشوارع، ضخمة المنافع، كثيرة الزوايا والمدارس والجوامع، لها أسواق حسان وبساتين ذات أفنان، قاضيها قاضي القضاة شهاب الدين بن مسكين، أضافني وأكرمني وكتب إلى نوابه بإكرامي، وبها من الفضلاء الشيخ الصالح نور الدين علي والشيخ الصالح عبد الواحد المكناسي وهو على هذا العهد صاحب زاوية بقوص.
ثم سافرت منها إلى مدينة أدفو «186» وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الدال المهمل وضم الفاء. وبينها وبين مدينة أسنا مسيرة يوم وليلة في صحراء. ثم جزنا النيل من مدينة أدفوا إلى مدينة العطواني، «187» ومنها اكترينا الجمال، وسافرنا مع طائفة من العرب تعرف بدغيم، بالغين المعجمة، في صحراء لا عمارة بها إلا أنها آمنة السبل، وفي بعض
(1/229)

منازلها «188» نزلنا (حميثرا) حيث قبر ولي الله أبي الحسن الشاذلي، وقد ذكرنا كرامته في إخباره أنه يموت بها، وأرضها كثيرة الضباغ، ولم نزل ليلة مبيتنا بها نحارب الضباع، ولقد قصدت رحلي ضبع منها فمزقت عدلا كان به واجترّت منه جراب تمر وذهبت به، فوجدناه لما أصبحنا ممزقا مأكولا معظم ما كان فيه.
ثم لما سرنا خمسة عشر يوما وصلنا إلى مدينة عيذاب «189» وهي مدينة كبيرة كثيرة الحوت واللبن ويحمل اليها الزرع والتمر من صعيد مصر، وأهلها البجاة «190» وهم سود الألوان يلتحفون ملاحف صفرا ويشدون على رؤوسهم عصايب يكون عرض العصابة منها أصبعا وهم لا يورّثون البنات، وطعامهم ألبان الإبل ويركبون المهاري «191» ويسمونها الصّهب، وثلث المدينة للملك الناصر وثلثاها لملك البجاة وهو يعرف بالحدربي «192» بفتح الحاء المهمل وإسكان الدال وراء مفتوحة وباء موحدة وياء، وبمدينة عيذاب مسجد ينسب للقسطلاني «193» شهير البركة رأيته وتبركت به، وبها الشيخ الصالح موسى، والشيخ المسن محمد
(1/230)

المراكشي زعم أنه ابن المرتضى «194» ملك مراكش وان سنه خمس وتسعون سنة. ولما وصلنا إلى عيذاب وجدنا الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، «195» وقد خرق المراكب وهرب الترك أمامه، فتعذر سفرنا في البحر فبعنا ما كنا أعدادناه من الزاد وعدنا مع العرب الذين اكترينا الجمال منهم إلى صعيد مصر فوصلنا إلى مدينة قوص التي تقدم ذكرها.
وانحدرنا منها في النيل وكان أوان مده فوصلنا بعد مسيرة ثمان من قوص إلى مصر فبت بمصر ليلة واحدة ... وقصدت بلاد الشام وذلك في منتصف شعبان سنة ست وعشرين، «196» فوصلت إلى مدينة بلبيس «197» ، وضبط اسمها بفتح الموحدة الأولى وفتح الثانية ثم ياء آخر الحروف مسكنة وسين مهمل وهي مدينة كبيرة، ذات بساتين كثيرة، ولم ألق بها من نحبّ ذكره «198» ، ثم وصلت إلى الصالحية «199» ، ومنها دخلنا الرمال، ونزلنا منازلها: مثل السّوادة
(1/231)

والورّادة والمطيلب والعريش والخروبة «200» وبكل منزل منها فندق، وهم يسمونه الخان ينزله المسافرون بدوابهم، وبخارج كل خان سانية للسبيل، وحانوت يشتري منها المسافر ما يحتاجه لنفسه ودابته. ومن منازلها قطيا «201» المشهورة وهي بفتح القاف وسكون الطاء وياء آخر الحروف مفتوحة والف والناس يبدّلون ألفها هاء تانيث، وبها توخذ الزكاة من التجار «202» وتفتش أمتعتهم ويبحث عما لديهم أشد البحث، وفيها الدواوين والعمال والكتاب والشهود، ومجباها في كل يوم الف دينار من الذهب ولا يجوز عليها أحد من «203» الشام إلا ببراءة من مصر ولا إلى مصر الا ببراءة من الشام احتياطا على أموال الناس وتوقيا من الجواسيس العراقيين «204» .
وطريقها في ضمان العرب قد وكلوا بحفظه، فإذا كان الليل مسحوا على الرمل لا يبقى به أثر ثم ياتي الامير صباحا فينظر إلى الرمل فإن وجد به أثرا طلب العرب بإحضار مؤثره فيذهبون في طلبه فلا يفوتهم فيأتون به الأمير فيعاقبه بما شاء، وكان بها في عهد
(1/232)

وصولي اليها عز الدين استاذ «205» الدار أقماري، من خيار الأمراء، أضافني وأكرمني وأباح الجواز «206» لمن كان معي، وبين يديه عبد الجليل المغربي الوقاف، وهو يعرف المغاربة وبلادهم، فيسأل من ورد منهم من أي البلاد؟ لئيلا يلبّس عليهم فإنّ المغاربة لا يعترضون في جوازهم على (قطيا) .
(1/233)

نقوش من قوص عن أرشيف بيرشم- جنيف أقدم جواز سفر على البردي، أهداه إلينا مشكورا معهد د. حسين رجب بالقاهرة
(1/234)

الفصل الثالث الشام وفلسطين
من غزة إلى القدس فعسقلان من عسقلان إلى حلب مدينة حلب من حلب إلى جبلة من اللاذقية إلى دمشق مدينة دمشق والجامع الأموي ضواحي دمشق الأوقاف في دمشق ومجيز وابن بطوطة بها.
(1/235)

خريطة مسالك الشام وفلسطين
(1/237)

ثم سرنا حتى وصلنا إلى مدينة غزة «1» ، وهي أول بلاد الشام مما يلي مصر متسعة الأقطار كثيرة العمارة حسنة الأسواق بها المساجد العديدة ولا سور عليها، وكان بها مسجد جامع حسن، والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة فيها بناه الأمير المعظم الجاولي «2» ، وهو أنيق البناء محكم الصنعة ومنبره من الرخام الأبيض، وقاضي غزة بدر الدين السلختي الحوراني، ومدرسها علم الدين بن سالم، وبنو سالم كبراء هذه المدينة، ومنهم شمس الدين قاضي القدس.
ثم سافرت من غزة إلى مدينة الخليل «3» صلى الله على نبيّنا وعليه وسلم تسليما، وهي مدينة صغيرة الساحة، كبيرة المقدار، مشرقة الأنوار حسنة المنظر، عجيبة المخبر، في بطن واد، ومسجدها أنيق الصنعة محكم العمل بديع الحسن سامي الارتفاع «4» مبني بالصخر المنحوت، في أحد أركانه صخرة أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبرا. ويقال: إن سليمان عليه السلام أمر الجن ببنائه «5» ، وفي داخل المسجد الغار المكرم المقدس، فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، صلوات الله على نبينا وعليهم، ويقابلها قبور ثلاثة: هي قبور أزواجهم، وعن يمين المنبر بلصق جدار القبلة موضع يهبط منه على درج رخام محكمة العمل إلى مسلك ضيق يفضي إلى ساحة مفروشة بالرخام فيها صور القبور الثلاثة، ويقال: إنها
(1/239)

نقوش من غزة ومن مدينة الخليل
(1/240)

قبرية بيبرس الصالحي
(1/241)

محاذية لها. وكان هنالك مسلك إلى الغار المبارك وهو الآن مسدود وقد نزلت بهذا الموضع مرات، ومما ذكره أهل العلم دليلا على صحة كون القبور الثلاثة الشريفة هنالك ما نقلته من كتاب علي بن جعفر الرازي الذي سماه" المسفر للقلوب، عن صحة قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب" «6» أسند فيه إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسرى بي إلى بيت المقدس مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم، فقال: انزل فصلّ ركعتين فإن هنا ولد أخوك عيسى عليه السلام، ثم أتى بي إلى الصخرة، وذكر بقية الحديث ... ولما لقيت بهذه المدينة المدرس الصالح المعمر الامام الخطيب برهان الدين الجعبري «7» أحد الصلحاء المرضيين، والأئمّة المشهورين، سألته عن صحة كون قبر الخليل عليه السلام هنالك، فقال لي:
كلّ من لقيته من أهل العلم يصححون أن هذه القبور قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب على نبيّنا وعليهم السلام، وقبور زوجاتهم، ولا يطعن في ذلك إلا أهل البدع، وهو نقل الخلف عن السلف لا يشك فيه.
ويذكر أن بعض الأيمة دخل إلى هذا الغار ووقف عند قبر سارة، فدخل شيخ فقال له:
أي هذه القبور هو قبر إبراهيم، فأشار له إلى قبره المعروف، ثم دخل شاب فسأله كذلك، فأشار له إليه، ثم دخل صبي فسأله أيضا فأشار له اليه، فقال الفقيه أشهد أن هذا قبر إبراهيم عليه السلام لا شك، ثم دخل إلى المسجد فصلى به وارتحل من الغد، وبداخل هذا
(1/242)

المسجد أيضا قبر يوسف عليه السلام «8» ، وبشرقيّ حرم الخليل تربة لوط عليه السلام «9» وهي على تل مرتفع يشرف منه على غور الشام، وعلى قبره أبنية حسنة، وهو في بيت حسن البناء مبيض ولا ستور عليه.
وهنالك بحيرة لوط «10» وهي أجاج يقال إنها موضع ديار قوم لوط. وبمقربة من تربة لوط مسجد اليقين «11» وهو على تل مرتفع له نور وإشراق ليس لسواه ولا يجاوره إلا دار واحدة يسكنها قيّمه، وفي المسجد بمقربة من بابه موضع منخفض في حجر صلد قد هيء فيه صورة محراب لا يسع إلا مصليا واحدا، ويقال إن إبراهيم سجد في ذلك الموضع شكرا لله تعالى عند هلاك قوم لوط فتحرك موضع سجوده وساخ في الأرض قليلا.
وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت الحسين بن علي عليهما السلام، وبأعلى القبر وأسفله لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب منقوش بخط بديع: بسم الله الرحمن الرحيم، لله العزة والبقاء وله ما ذرأ وبرأ وعلى خلقه كتب الفناء، وفي رسول الله أسوة، هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه، وفي اللوح الآخر منقوش:
صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر، وتحت ذلك هذه الأبيات:
أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه ... بالرّغم منّي بين التّرب والحجر
يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة ... بنت الأيمة بنت الأنجم الزّهر
(1/243)

يا قبر، ما فيك من دين ومن ورع ... ومن عفاف، ومن صون ومن خفر «12»
ثم سافرت من هذه المدينة إلى القدس، فزرت في طريقي اليه تربة يونس عليه السلام وعليها بنية كبيرة ومسجد، وزرت «13» أيضا بيت لحم موضع ميلاد عيسى عليه السلام، وبه أثر جذع النخلة «14» وعليه عمارة كثيرة «15» والنصارى يعظمونه أشد التعظيم ويضيّفون من نزل به.
ثم وصلنا إلى بيت المقدس شرفه الله ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل، ومصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ومعرجه إلى السماء، والبلدة كبيرة منيفة بالصّخر المنحوت وكان الملك الصالح الفاضل صلاح الدين بن أيوب «16» ، جزاه الله عن
(1/244)

رسم قديم لبيت المقدس من المكتبة الوطنية لباريز
(1/245)

الإسلام خيرا، لما فتح هذه المدينة هدم بعض سورها، ثم استنقض الملك الظاهر هدمه خوفا أن يقصدها الروم فيمتنعون بها، ولم يكن بهذه المدينة نهر فيما تقدم، وجلب لها الماء في هذا العهد، الأمير سيف الدين تنكيز «17» أمير دمشق.
ذكر المسجد المقدس
وهو من المساجد العجيبة الرائقة الفائقة الحسن، يقال إنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه وأن طوله من شرق إلى غرب سبعماية واثنتان وخمسون ذراعا بالذراع المالكية «18» وعرضه من القبلة إلى الجوف أربعماية ذراع وخمس وثلاثون ذراعا، وله أبواب كثيرة في جهاته الثلاث، وأما الجهة القبلية منه فلا أعلم بها إلا بابا واحدا وهو الذي يدخل منه الامام، والمسجد كله فضاء غير مسقف إلا المسجد الأقصى فهو مسقف، «19» في النهاية من إحكام العمل وإتقان الصنعة، مموّه بالذهب والاصبغة الرائقة، وفي المسجد مواضع سواه مسقفة.
(1/246)

ذكر قبة الصخرة
وهي من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلا قد توفر حظها من المحاسن وأخذت من كل بديعة بطرف، وهي قائمة على نشز في وسط المسجد يصعد إليها في درج رخام، ولها أربعة أبواب والدائر بها مفروش بالرخام أيضا محكم الصنعة، وكذلك داخلها وفي ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة، ورايق الصنعة، ما يعجز الواصف، وأكثر ذلك مغشى بالذهب فهي تتلألأ نورا وتلمع لمعان البرق، يحار بصر متأملها في محاسنها ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها.
وفي وسط القبّة الصخرة الكريمة التي جاء ذكرها في الآثار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرج منها إلى السماء، وهي صخرة صماء ارتفاعها نحو قامة «20» ، وتحتها مغارة في مقدار بيت صغير ارتفاعها نحو قامة أيضا، ينزل إليها على درج، وهنالك شكل محراب وعلى الصخرة شباكان اثنان محكما العمل يغلقان عليها: أحدهما وهو الذي يلي الصخرة من حديد بديع الصنعة «21» والثاني من خشب، وفي القبة درقة كبيرة من حديد معلقة هنالك، والناس يزعمون انها درقة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه.
(1/247)

مسجد الصّخرة، القدس/ فلسطين
(1/248)

ذكر بعض المشاهد المباركة بالقدس الشريف
فمنها بعدوة الوادي المعروف بوادي جهنم في شرقي البلد على تلّ مرتفع هنالك بنية يقال إنها مصعد عيسى عليه السلام إلى السماء «22» ، ومنها أيضا قبر رابعة البدوية (منسوب إلى البادية وهي خلاف رابعة العدوية الشهيرة «23» ، وفي بطن الوادي المذكور كنيسة يعظمها النصارى ويقولون: إن قبر مريم عليها السلام «24» بها، وهنالك أيضا كنيسة أخرى معظمة يحجها النصارى «25» ، وهي التي يكذبون عليها ويقولون إن قبر عيسى عليه السلام بها «26» ، وعلى كل من يحجّها ضريبة معلومة للمسلمين، وضروب من الإهانة يتحملها رغم أنفه، وهنالك موضع مهد عيسى عليه السلام يتبرك به.
ذكر بعض فضلاء القدس
فمنهم قاضيه العالم شمس الدين محمد بن سالم الغزّي بفتح الغين وهو من أهل غزة وكبرائها «27» ، ومنهم خطيبه الصالح الفاضل عماد الدين النابلسي، ومنهم المحدّث المفتي شهاب الدين الطبري، ومنهم مدرس المالكية وشيخ الخانقات الكريمة أبو عبد الله محمد بن
(1/249)

وثيقة تأسيس الرباط الذي أنشأه بالقدس السلطان قلاون عام 681- 1282 عن أرشيف ماكس فان بيرشم جنيف
(1/250)

ورقات من المصحف الذي كتبه بخطه وأهداه إلى بيت المقدس سلطان المغرب أبو الحسن علي بن أبي سعيد عثمان وجعل على تلاوته أوقافا عديدة ...
(1/251)

مثبت الغرناطي نزيل القدس «28» ، ومنهم الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالمحجوب من كبار الصالحين، ومنهم الشيخ الصالح العابد كمال الدين المراغي، ومنهم الشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم وهو من تلامذة تاج الدين الرفاعي، صحبته ولبست منه خرقة التصوف «29» .
ثم سافرت من القدس الشريف «30» برسم زيارة ثغر عسقلان «31» وهو خراب قد عاد رسوما طامسة، وأطلالا دارسة، وقلّ بلد جمع من المحاسن، ما جمعته عسقلان، اتقانا وحسن وضع وأصالة مكان، وجمعا بين مرافق البر والبحر، وبها المشهد الشهير حيث كان رأس الحسين بن علي عليه السلام قبل أن ينقل إلى القاهرة «32» ، وهو مسجد عظيم سامي العلو فيه جب للماء أمر ببنائه بعض العبيديين وكتب ذلك على بابه «33» .
وفي قبلة هذا المزار مسجد كبير يعرف بمسجد عمر لم يبق منه إلا حيطانه، وفيه أساطين رخام لا مثل لها في الحسن وهي ما بين قائم وحصيد، ومن جملتها أسطوانه حمراء عجيبة يزعم الناس أن النصارى احتملوها إلى بلادهم ثم فقدوها فوجدت في موضعها بعسقلان.
(1/252)

نقوش من عسقلان ترجع لعام 155 هجرية عن أرشيف بيرشم، جنيف
(1/253)

وفي القبلة من هذا المسجد بئر تعرف ببئر إبراهيم عليه السلام «34» ينزل اليها في درج متسعة ويدخل منها إلى بيوت، وفي كل جهة من جهاتها الاربع عين تخرج من أسراب مطوية بالحجارة، وماؤها عذب وليس بالغزير، ويذكر الناس من فضائلها كثيرا.
وبظاهر عسقلان وادي النّمل ويقال إنه المذكور في الكتاب العزيز «35» وبجبانة عسقلان من قبور الشهداء والأولياء مالا يحصر لكثرته «36» أوقفنا عليهم قيّم المزار المذكور وله جراية يجريها له ملك مصر مع ما يصل إليه من صدقات الزوار.
ثم سافرت منها إلى مدينة الرّملة «37» : وهي فلسطين، مدينة كبيرة كثيرة الخيرات حسنة الأسواق وبها الجامع الأبيض «38» ويقال إن في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء مدفونين، عليهم السلام «39» وفيها من كبار الفقهاء مجد الدين النابلسي.
ثم خرجت منها إلى مدينة نابلس «40» وهي مدينة عظيمة كثيرة الأشجار، مطردة الأنهار، من أكثر بلاد الشام زيتونا، ومنها يحمل الزيت إلى مصر ودمشق، وبها تصنع حلواء الخروب وتجلب إلى دمشق وغيرها، وكيفية عملها أن يطبخ الخروب ثم يعصر ويؤخذ ما يخرج منه من الرّب فتصنع منه الحلواء، ويجلب ذلك الرّب أيضا إلى مصر والشام وبها البطيخ
(1/254)

الرّملة/ فلسطين
(1/255)

المنسوب اليها وهو طيب عجيب. ومسجدها الجامع في نهاية من الاتقان والحسن، وفي وسطه بركة ماء عذب.
ثم سافرت منها إلى مدينة عجلون «41» وهي بفتح العين المهملة وهي مدينة حسنة، لها أسواق كثيرة، وقلعة خطيرة، ويشقها نهر ماؤه عذب.
ثم سافرت منها بقصد اللّاذقية فمررت بالغور «42» وهو واد بين تلال به قبر أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة رضي الله عنه «43» ، زرناه وعليه زاوية فيها الطعام لابناء السبيل وبتنا هنالك ليلة. ثم وصلنا إلى القصير «44» وبه قبر معاذ بن جبل رضي الله «45» عنه، تبركت أيضا بزيارته.
ثم سافرت على الساحل فوصلت إلى مدينة عكّة «46» وهي خراب، وكانت عكة قاعدة
(1/256)

قلعة الربض نقوش من عجلون: عن أرشيف ماكس فان بيرشم- جنيف
(1/257)

بلاد الافرنج بالشام ومرسى سفنهم، وتشبه بقسطنطينية العظمى، وبشرقيها عين ماء تعرف بعين البقر، يقال إن الله تعالى أخرج منها البقرة لآدم عليه السلام «47» ، وينزل اليها في درج، وكان عليها مسجد بقى منه محرابه وبهذه المدينة قبر صالح عليه السلام «48» .
ثم سافرت منها إلى مدينة صور وهي خراب «49» ، وبخارجها قرية معمورة، وأكثر أهلها رافضيون «50» ولقد نزلت بها مرة على بعض المياه أريد الوضوء فأتى بعض أهل تلك القرية ليتوضأ، فبدأ بغسل رجليه ثم غسل وجهه ولم يتمضمض ولا استنشق ثم مسح بعض رأسه فأخذت عليه في فعله فقال لي إن البناء إنما يكون ابتداؤه من الأساس! ومدينة صور هي التي يضرب بها المثل في الحصانة والمنعة لأن «51» البحر محيط بها من ثلاث جهاتها، ولها بابان أحدهما للبر والثاني للبحر، ولبابها الذي يشرع للبر أربعة فصلان كلها في ستاير محيطة بالباب، وأما الباب الذي للبحر فهو بين برجين عظيمين.
وبناؤها ليس في بلاد الدنيا أعجب ولا أغرب شأنا منه لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها وعلى الجهة الرابعة سور، تدخل السفن تحت السور، وترسو هنالك، وكان فيما تقدم، بين البرجين سلسلة حديد معترضة لا سبيل إلى الداخل هنالك ولا إلى الخارج إلا بعد حطها، وكان عليها الحراس والأمناء فلا يدخل داخل ولا يخرج خارج إلا على علم منهم.
وكان لعكة أيضا ميناء مثلها ولكنها لم تكن تحمل إلا السفن الصغار.
(1/258)

صور
(1/259)

ثم سافرت منها إلى مدينة صيدا «52» وهي على ساحل البحر حسنة كثيرة الفواكه يحمل منها التين والزبيب والزيت إلى بلاد مصر نزلت عند قاضيها كمال الدين الأشموني المصري وهو حسن الأخلاق كريم النفس.
ثم سافرت منها إلى مدينة طبرية «53» وكانت، فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة ولم يبق منها إلا رسوم تنبئ عن ضخامتها، وعظم شأنها، وبها الحمّامات العجيبة، لها بيتان:
أحدهما للرجال والثاني للنساء وماؤها شديد الحرارة، ولها البحيرة الشهيرة طولها نحو ستة فراسخ وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ.
وبطبرية مسجد يعرف بمسجد الانبياء فيه قبر شعيب «54» عليه السلام وبنته زوج موسى الكليم عليه السلام، وقبر سليمان عليه السلام، وقبر يهودا وقبر روبيل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم.
وقصدنا منها زيارة الجبّ الذي ألقي فيه يوسف عليه السلام 5»
وهو في صحن مسجد صغير وعليه زاوية، والجب كبير عميق شربنا من مائه المجتمع من ماء المطر، وأخبرنا قيّمه أن الماء ينبع منه أيضا.
(1/260)

طبريّا/ فلسطين
(1/261)

ثم سرنا إلى مدينة بيروت «56» وهي صغيرة حسنة الأسواق، وجامعها بديع الحسن، وتجلب منها إلى ديار مصر الفواكه والحديد. وقصدنا منها زيارة قبر أبي يعقوب يوسف الذي يزعمون أنه «57» من ملوك المغرب وهو بموضع يعرف بكرك نوح «58» من بقاع العزيز، وعليه زاوية يطعم بها الوارد والصادر، ويقال إن السلطان صلاح الدين وقف عليها الأوقاف وقيل السلطان نور الدين «59» ، وكان من الصالحين، ويذكر أنه كان ينسج الحصر ويقتات بثمنها.
حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور
يحكى أنه دخل مدينة دمشق فمرض بها مرضا شديدا وأقام مطروحا بالأسواق، فلما برئ من مرضه خرج إلى ظاهر دمشق ليلتمس بستانا يكون حارسا له فاستؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين، وأقام في حراسته ستة أشهر فلما كان في أوان الفاكهة أتى السلطان، إلى ذلك البستان، وأمر وكيل البستان، أبا يعقوب أن يأتي برمان، يأكل منه
(1/262)

السلطان، فأتاه برمان، فوجده حامضا، فأمره أن يأتي بغيره ففعل ذلك فوجده أيضا حاوضا، فقال له الوكيل أتكون في حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر ولا تعرف الحلو من الحاوض فقال: إنما استأجرتني على الحراسة لا على الأكل! فأتى الوكيل إلى الملك فأعلمه بذلك، فبعث اليه الملك وكان قد رأى في المنام أنه يجتمع مع أبي يعقوب وتحصل له منه فائدة، فتفرّس أنه هو فقال له أنت أبو يعقوب؟ قال نعم، فقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه ثم احتمله إلى مجلسه فأضافه بضيافة من الحلال المكتسب بكدّ يمينه وأقام عنده أياما.
ثم خرج من دمشق فارا بنفسه في أوان البرد الشديد، فأتى قرية من قراها وكان بها رجل من الضعفاء، فعرض عليه النزول عنده، ففعل وصنع له مرقة وذبح دجاجة، فأتاه بها وبخبز شعير، فأكل من ذلك ودعا للرجل وكان عنده جملة أولاد منهم بنت قد آن بناء زوجها عليها، ومن عوائدهم في تلك البلاد أن البنت يجهزها أبوها ويكون معظم الجهاز أواني النحاس وبه يتفاخرون وبه يتبايعون، فقال أبو يعقوب للرجل هل عندك شيء من النحاس؟
قال: نعم، قد اشتريت منه لتجهيز هذه البنت، قال: ائتني به فأتاه به، فقال له استعر من جيرانك ما أمكنك منه، ففعل، وأحضر ذلك بين يديه، فأوقد عليه النيران، وأخرج صرة كانت عنده فيها الإكسير، فطرح منه على النحاس، فعاد كلّه ذهبا وتركه في بيت مقفل. وكتب كتابا إلى نور الدين ملك دمشق يعلمه بذلك وينبّهه على بناء مارستان للمرضى من الغرباء ويوقف عليه الأوقاف ويبني الزوايا بالطرق ويرضى أصحاب النحاس ويعطي صاحب البيت كفايته.
وقال له في آخر الكتاب « ... وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان فأنا قد خرجت من ملك المغرب وعن هذه الصنعة والسلام ... »
وفرّ من حينه، وذهب صاحب البيت بالكتاب إلى الملك نور الدين، فوصل الملك إلى تلك القرية واحتمل الذهب بعد أن أرضى أصحاب النحاس وصاحب البيت. وطلب أبا يعقوب فلم يجد له أثرا ولا يقع له على خبر فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه «60» الذي ليس في المعمور مثله.
(1/264)

ثم وصلت إلى مدينة طرابلس «61» وهي إحدى قواعد الشام، وبلدانها الضخام، تخترقها الأنهار، وتحفّها البساتين والأشجار، ويكنفها البحر بمرافقه العميمة والبر بخيراته المقيمة، ولها الأسواق العجيبة، والمسارح الخصيبة والبحر على ميلين منها وهي حديثة البناء.
وأما طرابلس القديمة فكانت على ضفة البحر وتملّكها الروم زمانا، فلما استرجعها الملك الظاهر خربت، واتخذت هذه الحديثة، وبهذه المدينة نحو أربعين من أمراء الأتراك، وأميرها طيلان «62» الحاجب المعروف بملك الأمراء، ومسكنه منها بالدار المعروفة بدار السّعادة، ومن عوائده أن يركب في كل يوم اثنين وخميس، ويركب معه الأمراء والعساكر ويخرج إلى ظاهر المدينة فإذا عاد إليها وقارب الوصول إلى منزله ترجل الأمراء ونزلوا عن دوابهم ومشوا بين يديه حتى يدخل منزله، وينصرفون «63» وتضرب الطّبلخانة عند دار كل أمير منهم بعد صلاة المغرب من كل يوم، وتوقد المشاعل. وممن كان بها من الأعلام كاتب السر بهاء الدين ابن غانم «64» أحد الفضلاء الحسباء، معروف بالسخاء والكرم، وأخوه حسام الدين هو شيخ القدس الشريف، وقد ذكرناه «65» ، وأخوهما علاء الدين «66» كاتب السر بدمشق.
(1/265)

ومنهم وكيل بيت المال قوام الدين، ابن مكين من أكابر الرجال، ومنهم قاضي قضاتها شمس الدين ابن النّقيب «67» من أعلام علماء الشام.
وبهذه المدينة حمامات حسان: منها حمام القاضي القرمي وحمام سندمور «68» وكان سندمور أمير هذه المدينة، ويذكر عنه أخبار كثيرة في الشدة على أهل الجنايات منها أن امرأة شكت إليه بأن أحد مماليك الخواص تعدى عليها في لبن كانت تبيعه فشربه ولم تكن لها بيّنة، فأمر به فوسّط «69» ، فخرج اللبن من مصرانه! وقد اتفق مثل هذه الحكاية للعتريس «70» أحد أمراء الملك الناصر أيام إمارته على عيذاب، واتفق مثلها للملك كبك سلطان تركستان.
ثم سافرت من طرابلس إلى حصن الاكراد «71» وهو بلد صغير كثير الأشجار والأنهار بأعلى تل، وبه زاوية تعرف بزاوية الابراهيمي نسبة إلى بعض كبراء الأمراء ونزلت عند قاضيها ولا أحقق الآن اسمه.
ثم سافرت إلى مدينة حمص «72» وهي مدينة مليحة، أرجاؤها مؤنقة، وأشجارها مورقة، وأنهارها متدفقة، وأسواقها فسيحة الشوارع، وجامعها متميّز بالحسن الجامع، وفي وسطه بركة ماء، وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم، وبخارج هذه المدينة قبر خالد ابن
(1/266)

الوليد «73» سيف الله ورسوله، وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر كسوة سوداء، وقاضي هذه المدينة جمال الدين الشريشى «74» من أجمل الناس صورة وأحسنهم سيرة.
ثم سافرت منها إلى مدينة حماة «75» إحدى أمهات الشام الرفيعة، ومدائنها البديعة، ذات الحسن الرائق، والجمال الفائق تحفّها البساتين والجنات، عليها النواعير كالأفلاك الدائرات «76» يشقها النّهر العظيم المسمى بالعاصي «77» ، ولها ربض سمي بالمنصورية أعظم من المدينة، فيه الأسواق الحافلة والحمامات الحسان.
وبحماة الفواكه الكثيرة، ومنها المشمش اللوزي اذا كسرت نواته وجدتّ في داخلها لوزة حلوة «78» .
قال ابن جزي: وفي هذه المدينة ونهرها ونواعيرها وبساتينها يقول الأديب الرّحال نور
(1/267)

مدينة حماة نقوش من حماة
(1/268)

الدين أبو الحسن علي بن موسى ابن سعيد «79» العنسي العمّاري الغرناطي نسبة لعمار بن ياسر رضي الله عنه:
حمى الله من شطّى حماة مناظرا ... وقفت عليها السمع والفكر والطّرفا
تغنّى حمام أو تميل خمائل ... وتزهى مبان تمنع الواصف الوصفا
يلومونني أن أعصي الصّون والنّهى ... بها، وأطيع الكأس واللهو والقصفا!
إذا كان فيها النّهر عاص، فكيف لا ... أحاكيه عصيانا وأشربها صرفا؟!
وأشدو لدى تلك النّواعر شدوها ... وأغلبها رقصا وأشبهها غرفا
تئنّ وتذري دمعها، فكأنّها ... تهيم بمراها وتسألها العطفا
ولبعضهم في نواعيرها ذاهبا مذهب التّورية
وناعورة رقّت لعظم خطيئتي ... وقد عاينت قصدي من المنزل القاصي
بكت رحمة لي ثم باحت بشجوها ... وحسبك أن الخشب تبكى على العاصي
(1/269)

لقطة من معرة النعمان، عن مؤسسة بيرشم- جنيف
(1/270)

ولبعض المتأخرين فيها أيضا من التورية:
يا سادة سكنوا حماة وحقّكم ... ما حلت عن تقوى وعن إخلاصي
والطّرف بعدكم إذا ذكر اللّقا ... يجري المدامع طائعا كالعاصي!
رجع، ثم سافرت إلى مدينة المعرّة التي ينسب اليها الشاعر أبو العلاء المعري «80» ، وكثير سواه من الشعراء.
قال ابن جزي: وإنما سميت بمعرة النعمان لان النعمان بن بشير الأنصاري «81» صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي له ولد أيام إمارته على حمص فدفنه بالمعرة فعرفت به، وكانت قبل ذلك تسمى ذات القصور «82» ، وقيل إن النعمان جبل مطلّ عليها سميت به.
والمعرة مدينة حسنة أكثر شجرها التين والفستق، ومنها يحمل إلى مصر والشام، وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز «83» ، ولا زاوية عليه ولا
(1/271)

خديم له، وسبب ذلك أنه وقع في بلاد صنف من الرافضة «84» أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة رضي الله عنهم ولعن مبغضهم، ويبغضون كلّ من اسمه عمر، وخصوصا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما كان من فعله في تعظيم عليّ رضي الله عنه.
ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين «85» ، وهي حسنة كثيرة البساتين، وأكثر شجرها الزيتون، وبها يصنع الصابون الآجورى، ويجلب إلى مصر والشام ويصنع بها أيضا الصابون المطيّب لغسل الأيدي ويصبغونه بالحمرة والصفرة، ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب اليها. وأهلها سبّابون يبغضون العشرة «86» ، ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا: تسعة وواحدا!! وحضر بها بعض الأتراك يوما فسمع سمسارا ينادي تسعة وواحد، فضربه بالدّبوس على رأسه، وقال: قل عشرة بالدبوس! وبها مسجد جامع فيه تسع قباب ولم يجعلها عشرة قياما بمذهبهم القبيح! ثم سرنا إلى مدينة حلب المدينة الكبرى، والقاعدة العظمى. قال أبو الحسين ابن جبير في وصفها: قدرها خطير، وذكرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، وسل عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع، باينة الارتفاع تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع، منحوتة الأرجاء، موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، وشيعت الخواص والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون، وشعراؤها «87» ؟ فني جميعهم ولم يبق إلا بناؤها! فيا عجبا للبلاد تبقى ويذهب أملاكها! ويهلكون ولا يقضى هلاكها وتخطب بعدهم فلا يتعذر إملاكها، وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها.
(1/272)

قلعة حلب
(1/273)

هذه حلب كم ادخلت ملوكها في خبر كان، ونسخت ظرف الزمان بالمكان! أنّث اسمها فتحلت بحلية الغوان، ودانت بالعذر فيمن دان، وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان، هيهات هيهات سيهرم شبابها، ويعدم خطابها، ويسرع فيها بعد حين خرابها! وقلعة حلب تسمى الشهباء «88» ، وبداخلها جبّان ينبع منهما الماء، فلا تخاف الظمأ، ويطيف بها سوران، وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء، وسورها متدانى الأبراج، وقد انتظمت بها العلاليّ العجيبة المفتحة الطيقان، وكلّ برج منها مسكون، والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد «89» .
وبها مشهد يقصده بعض الناس يقال: إن الخليل عليه السلام كان يتعبد به. وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق «90» ، ولما قصد قازان «91» طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياما ونكص عنها خائبا.
قال ابن جزي: وفي هذه القلعة يقول الخالدي «92» شاعر سيف الدولة:
وخرقاء قد تاهت على من يرومها ... بمرقبها العالي وجانبها الصّعب
يجرّ عليها الجوّ جيب غمامة ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشّهب
(1/274)

إذا ما سرى برق بدت من خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السّحب
فكم من جنود قد أماتت بغصّة ... وذي سطوات قد أبانت على عقب
وفيها يقول أيضا وهو من بديع النظم
وقلعة عانق العيون سافلها ... وجاز منطقة الجوزاء عاليها
لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها ... أرضا توطّأ قطريه مواشيها
إذا الغمامة راحت غاض ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عواليها
يعدّ من أنجم الأفلاك مرقبها ... لو أنّه كان يجري في مجاريها
ردّت مكايد أقوام مكايدها ... ونصّرت لدواهيهم دواهيها
وفيها يقول جمال الدين علي بن أبي منصور:
كادت لبون سموّها وعلوّها ... تستوقف الفلك المحيط الدّايرا
وردت قواطنها المجرّة منهلا ... ورعت سوابقها النّجوم زواهرا
(1/275)

ويضلّ صرف الدهر منها خائفا ... وجلا، فما يمسي لديها حاضرا!
ويقال في مدينة حلب: حلب إبراهيم «93» ، لأن الخليل صلوات الله على نبيّنا وعليه وسلامه، كان يسكنها، وكانت له الغنم الكثيرة فكان يسقي الفقراء، والمساكين والوارد والصادر من ألبانها فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك. وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض، وأسواقها مسقفة بالخشب فأهلها دائما في ظلّ ممدود، وقيساريتها «94» لا تماثل حسنا وكبرا وهي تحيط بمسجدها، وكلّ سماط منها محاذي لباب من أبواب المسجد، ومسجدها الجامع من أجمل المساجد «95» ، في صحنه بركة ماء، ويطيف به بلاط عظيم الاتساع، ومنبرها بديع العمل مرصع بالعاج والأبنوس.
وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حسن الوضع واتقان الصنعة تنسب لأمراء حمدان، وبالبلد سواها ثلاث مدارس، وبها مارستان «96» .
(1/276)

وأما خارج المدينة فهو بسيط أفيح عريض، به المزارع العظيمة وشجرات الأعناب منتظمة به، والبساتين على شاطىء نهرها، وهو النهر الذي يمر بحماة ويسمى العاصي «97» وقيل أنه سمي بذلك لانه يخيل لناظره أن جريانه من أسفل إلى علو، والنفس تجد في خارج مدينة حلب انشراحا وسرورا ونشاطا لا يكون في سواها، وهي من المدن التي تصلح للخلافة.
قال ابن جزي: أطنبت الشعراء في وصف محاسن حلب وذكر داخلها وخارجها وفيها يقول أبو عبادة البحتري «98» :
يا برق أسفر عن قويق مطالبي ... حلب، فأعلى القصر من بطياس «99»
عن منبت الورد المعصفر صبغه ... في كلّ ضاحية ومجنى الآس!
أرض إذا استوحشت ثم أتيتها ... حشدت عليّ فأكثرت إيناسي
(1/277)

وقال فيها الشاعر المجيد أبو بكر الصنوبري «100» :
سقى حلب المزن مغنى حلب ... فكم وصلت طربا بالطّرب
وكم مستطاب من العيش لذ ... بها إذ بها العيش لم يستطب
إذا نشر الزّهر أعلامه ... بها ومطارفه والعذب
غذا وحواشيه من فضّة ... تروق وأوساطه من ذهب
وقال أبو العلاء المعري «101» :
حلب للوارد جنة عدن ... وهي للغادرين نار سعير
والعظيم العظيم يكبر في عي ... نيه منها قدر الصغير الصّغير
فقويق في أنفس القوم بحر ... وحصاة منه مكان ثبير!
(1/278)

وقال فيها أبو الفتيان بن حيّوس «102»
يا صاحبيّ إذا أعياكما سقمي ... فلقّياني نسيم الرّيح من حلب
من البلاد التي كان الصّبا سكنا ... فيها، وكان الهوى العذريّ من أربي
وقال فيها أبو الفتح كشاجم «103» :
وما أمتعت جارها بلدة ... كما أمتعت حلب جارها
بها قد تجمّع ما تشتهي ... فزرها فطوبى لمن زارها
وقال أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي العنسي:
حادي العيس، كم تنيخ المطايا ... سق بروحي من بعدهم في سياق
حلب إنها مقرّ غرامي ... ومرامي وقبلة الأشواق!
(1/279)

لا خلا جوشن وبطياس وال ... عبد من كلّ وابل غيداق «104»
كم بها مرتع لطرف وقلب ... فيه سقي المنى بكأس دهاق
وتغنّي طيوره لإرتياح ... وتثني غصونه للعناق
وعلوّ الشّهباء حيث استدارت ... أنجم الأفق حولها كالنّطاق.
رجع، وبحلب ملك الأمراء أرغون الدّوادار أكبر أمراء الملك الناصر «105» ، وهو من الفقهاء موصوف بالعدل لكنه بخيل. والقضاة بحلب أربعة للمذاهب الأربعة، فمنهم القاضي كمال الدين بن الزّملكاني «106» شافعي المذهب عالي الهمة كبير القدر كريم النفس حسن الأخلاق متفنن بالعلوم، وكان الملك الناصر قد بعث إليه ليولّيه قضاء القضاة بحضرة ملكه فلم يمض له ذلك، وتوفى ببلبيس وهو متوجه إليها، ولما ولى قضاء حلب قصدته الشعراء من دمشق وسواها وكان فيمن قصده شاعر الشام شهاب الدين أبو بكر محمد ابن الشيخ
(1/280)

المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي الفارقي، «107» فامتدحه بقصيدة طويلة حافلة، أولها:
أسفت لفقدك جلّق «108» الفيحاء ... وتباشرت لقدومك الشّهباء
وعلا دمشق وقد رحلت كابة ... وعلا ربا حلب سنا وسناد
قد أشرقت دار سكنت فناءها ... حتّى غدت ولنورها لألأء
يا سائرا يبغي المكارم والعلى ... ممّن يبخّل عنده الكرماء
هذا كمال الدين لذ بجنابه ... تنعم؟ فثمّ الفضل والنّعماء
قاضي القضاة أجلّ من أيامه ... تغنى بها الأيتام والفقراء
قاض زكا أصلا وفرعا فاعتلى ... شرفت به الآباء والأبناء!
منّ الإله على بني حلب به ... لله وضع الفضل حيث يشاء
(1/281)

كشف المعمّى فهمه وبيانه ... فكأنّما ذاك الذّكاء ذكاء
يا حاكم الحكّام قدرك سابق ... عن أن تسرّك رتبة شمّاء
إنّ المناصب دون همّتك التي ... في الفضل دون محلّها الجوزاء
لك في العلوم فضايل مشهورة ... كالصّبح شقّ له الظلام ضياء
ومناقب شهد العدوّ بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء!
وهي أزيد من خمسين بيتا، وأجازه عليها بكسوة ودراهم وانتقد عليه الشعراء ابتداءه بلفظ أسفت.
قال ابن جزي: وليس كلامه في هذه القصيدة بذلك، وهو في المقطعات أجود منه في القصائد، وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد في جميع بلاد المشرف وهو من ذرية الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباتة منشئ الخطب الشهيرة، ومن بديع مقطعاته في التورية قوله:
علقتها غيداء حالية العلى ... تجني على عقل المحبّ وقلبه
بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به!
(1/282)

رجع، ومن قضاة حلب، قاضي قضاة الحنفية الامام المدرس ناصر الدين ابن العديم «109» حسن الصورة والسيرة، أصيل بمدينة حلب.
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله «110» !
ومنهم قاضي القضاة المالكية لا أذكره، كان من الموثقين بمصر وأخذ الخطة عن غير استحقاق، ومنهم قاضي قضاة الحنابلة لا أذكر اسمه وهو من أهل صالحية دمشق. ونقيب الاشراف بحلب بدر الدين ابن الزهراء «111» . ومن فقهائها شرف الدين ابن العجمي 11»
وأقاربه هم كبراء مدينة حلب.
ثم سافرت منها إلى مدينة تيزين «113» وهي على طريق قنّسرين «114» ، وضبط اسمها بتاء معلوة مكسورة وياء مدّ وزاي مكسورة وياء مد ثانية ونون، وهي حديثة اتخذها التركمان، وأسواقها حسان، ومساجدها في نهاية من الاتقان، وقاضيها بدر الدين العسقلاني، وكانت مدينة قنسرين قديمة كبيرة ثم خربت ولم يبق الا رسومها.
(1/283)

ثم سافرت إلى مدينة أنطاكية، «115» وهي مدينة عظيمة أصيلة، وكان عليها سور محكم لا نظير له في أسوار بلاد الشام، فلما فتحها الملك الظاهر هدم سورها، وأنطاكية كثيرة العمارة، ودورها حسنة البناء كثيرة الأشجار والمياه، وبخارجها نهر العاصي، وبها قبر حبيب النجار «116» رضي الله عنه، وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر، شيخها الصالح المعمّر محمد بن علي، سنّه ينيف على الماية، وهو ممتع بقوته، دخلت عليه مرة في بستان له وقد جمع حطبا ورفعه على كاهله ليأتي به منزله بالمدينة، ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين إلا أنه محدودب الظهر لا يستطيع النهوض، ومن يراهما يظن الوالد منهما ولدا والولد والدا!! ثم سافرت إلى حصن بغراس «117» وضبط اسمه ببناء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة وراء وآخره سين مهمل، وهو حصن منيع لا يرام، عليه البساتين والمزارع، ومنه يدخل إلى بلاد سيس «118» ، وهي بلاد كفار الارمن، وهم رعية للملك الناصر يؤدون إليه مالا، ودراهمهم فضة خالصة، تعرف بالبغلية «119» ، وبها تصنع الثياب الدبليزية «120» ، وأمير هذا الحصن صارم الدين بن الشيباني، وله ولد فاضل اسمه علاء الدين وابن أخ اسمه حسام الدين فاضل كريم يسكن الموضع المعروف بالرّصص بضم الراء والصاد المهمل الأول «121» ، ويحفظ الطريق إلى بلاد الأرمن.
(1/284)

حكاية
شكى الأرمن مرة إلى الملك الناصر بالأمير حسام الدين وزوّروا عليه أمورا لا تليق فنفّذ أمره لأمير الأمراء بحلب أن يخنقه فلما توجه الأمير بلغ ذلك صديقا له من كبار الأمراء فدخل على الملك الناصر، وقال ياخوند! إن الأمير حسام الدين هو من خيار الأمراء ينصح للمسلمين ويحفظ الطريق، وهو من الشجعان، والأرمن يريدون الفساد في بلاد المسلمين فيمنعهم ويقهرهم، وإنما أرادوا إضعاف شوكة المسلمين بقتله، ولم يزل به حتى أنفذ أمرا ثانيا بسراحه والخلع عليه ورده لموضعه، ودعا الملك الناصر بريديا يعرف بالاقوش، وكان لا يبعث إلا في مهم، وأمره بالاسراع والجد في السير فسار من مصر إلى حلب في خمس وهي مسيرة شهر فوجد أمير حلب قد أحضر حسام الدين وأخرجه إلى الموضع الذي يخنق به الناس فخلصه الله تعالى وعاد إلى موضعه.
ولقيت هذا الأمير ومعه قاضي بغراس شرف الدين الحموي بموضع يقال له العمق «122» متوسط بين أنطاكية وتيزين وبغراس، ينزله التركمان بمواشيهم لخصبه وسعته.
ثم سافرت إلى حصن القصير «123» ، تصغير قصر، وهو حصن حسن، أميره علاء الدين الكردي، وقاضيه شهاب الدين الأرمنتي، من أهل الديار المصرية.
ثم سافرت إلى حصن الشّغر بكاس «124» ، وضبط اسمه بضم الشين المعجم وإسكان الغين المعجم وضم الراء والباء الموحدة وآخره سين مهمل، وهو منيع في رأس شاهق أميره سيف الدين الطّنطاش، فاضل، وقاضيه جمال الدين بن شجرة من أصحاب بن التيمية.
(1/285)

ثم سافرت إلى مدينة صهيون «125» وهي حسنة، بها الأنهار المطردة، والأشجار المورقة، ولها قلعة جيّدة، وأميرها يعرف بالإبراهيمي، وقاضيها محي الدين الحمصي، وبخارجها زاوية في وسط بستان، فيها الطعام للوارد والصادر، وهي على قبر الصالح العابد عيسى البدوي رحمه الله وقد زرت قبره.
وسافرت منها فمررت بحصن القدموس، وضبط اسمه بفتح القاف وإسكان الدال المهمل وضم الميم وآخره سين مهمل، ثم بحصن المينقة، وضبط اسمه بفتح الميم وإسكان الياء وفتح النون والقاف، ثم بحصن العلّيقة، واسمه على لفظ واحدة العلّيق، ثم بحصن مصياف، وصاده مهملة، ثم بحصن الكهف «126» ، وهذه الحصون لطائفة يقال لهم الإسماعيلية ويقال لهم الفداويّة «127» ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم، وهم سهام الملك الناصر بهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه بالعراق وغيرها، ولهم المرتّبات، وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدوّ له أعطاه ديته، فإن سلم بعد تأتّي ما يراد منه فهي له، وإن أصيب فهي لولده، ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من بعثوا إلى قتله، وربما لم تصح حيلتهم فقتلوا كما جرى لهم مع الأمير قرا سنقور «128» ، فإنه لما هرب إلى العراق بعث اليه الملك الناصر جملة منهم فقتلوا! ولم يقدروا عليه لأخذه بالحزم.
(1/286)

حكاية [الملك الناصر وقاتل أخيه]
كان قراسنقور من كبار الأمراء وممن حضر قتل الملك الأشرف أخي الملك الناصر وشارك فيه، ولما تمهد الملك للملك الناصر وقرّ به القرار واشتدت أواخيّ سلطانه «129» جعل يتتبع قتلة أخيه فيقتلهم واحدا واحدا إظهارا للأخذ بثأر أخيه وخوفا أن يتجاسروا عليه بما تجاسروا على أخيه وكان قراسنقور أمير الأمراء بحلب فكتب الملك النّاصر إلى جميع الأمراء أن ينفروا بعساكرهم وجعل لهم ميعادا يكون فيه اجتماعهم بحلب ونزولهم عليها حتى يقبضوا عليه، فلما فعلوا ذلك خاف قراسنقور على نفسه وكان له ثمانمائة مملوك، فركب فيهم وخرج على العساكر صباحا فاخترقهم وأعجزهم سبقا وكانوا في عشرين ألفا وقصد منزل أمير العرب مهنّا بن عيسى «130» ، وهو على مسيرة يومين من حلب، وكان مهنا في قنص له، فقصد بيته ونزل عن فرسه والقى العمامة في عنق نفسه، ونادى: الجوار يا أمير العرب! وكانت هنالك أم الفضل زوج مهنّا وبنت عمه، فقالت له: قد أجرناك وأجرنا من معك، فقال:
إنما أطلب أولادي ومالي، فقالت له: لك ما تحب، فانزل في جوارنا، ففعل ذلك وأتى مهنّا فأحسن نزله وحكّمه في ماله، فقال: إنما أحبّ أهلي ومالي الذي تركته بحلب، فدعى مهنّا بإخوانه وبني عمه فشاورهم في أمره فمنهم من أجابه إلى ما أراد، ومنهم من قال له: كيف نحارب الملك الناصر، ونحن في بلاده بالشام؟ فقال لهم مهنا: أما أنا فأفعل لهذا الرجل ما يريده وأذهب معه إلى سلطان العراق.
وفي أثناء ذلك ورد عليهم الخبر بأن أولاد قراسنقور سيّروا على البريد إلى مصر، فقال مهنّا لقراسنقور: أما أولادك فلا حيلة فيهم، وأما مالك فنجتهد في خلاصه، فركب فيمن أطاعه من أهله واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفا، وقصدوا حلب فأحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها، واستخلصوا منها مال قراسنقور ومن بقى من أهله ولم يتعدوا إلى
(1/287)

سوى ذلك، وقصدوا ملك العراق، وصحبهم أمير حمص الأفرم «131» ووصلوا إلى الملك محمد خدا بنده «132» سلطان العراق وهو بموضع مصيفه المسمى قراباغ «133» بفتح القاف والراء والباء الموحدة والغين المعجمة، وهو ما بين السلطانية وتبريز، فأكرم نزلهم وأعطى مهنّا عراق العرب وأعطى قراسنقور مدينة مراغة من عراق العجم «134» ، وتسمى دمشق الصغيرة، وأعطى الأفرم همدان، وأقاموا عنده مدة مات فيها الأفرم، وعاد مهنّا إلى الملك الناصر بعد مواثيق وعهود أخذها منه، وبقى قراسنقور على حاله.
وكان «135» الملك الناصر يبعث له الفداوية مرة بعد مرة، فمنهم من يدخل عليه داره فيقتل دونه، ومنهم من يرمي بنفسه عليه وهو راكب فيضربه وقتل بسببه من الفداوية جماعة، وكان لا يفارق الدّرع أبدا ولا ينام إلا في بيت العود والحديد، فلما مات السلطان محمد وولى ابنه أبو سعيد وقع ما سنذكره من أمر الجوبان كبير أمرائه، وفرار ولده الدمرطاش إلى الملك الناصر. ووقعت المراسلة بين الملك الناصر وبين أبي سعيد واتفقا على أن يبعث أبو سعيد إلى الملك الناصر برأس قراسنقور ويبعث اليه الملك الناصر برأس الدّمرطاش، فبعث الملك الناصر برأس الدمرطاش إلى أبي سعيد، فلما وصله أمر بحمل قراسنقور إليه، فلما
(1/288)

مراغة: القبة الزرقاء
(1/289)

عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتما كان له مجوفا في داخله سم ناقع فنزع فصه وامتص ذلك السم فمات لحينه، فعرّف أبو سعيد بذلك الملك الناصر ولم يبعث له برأسه «136» .
ثم سافرت من حصون الفداوية إلى مدينة جبلة «137» وهي ذات أنهار مطردة وأشجار، والبحر على نحو ميل منها وبها قبر الولي الصالح الشهير إبراهيم بن أدهم «138» رضي الله عنه، وهو الذي نبذ الملك وانقطع إلى الله تعالى حسبما شهر ذلك، ولم يكن ابراهيم، من بيت ملك كما يظنه الناس، انما ورث الملك عن جده أبي أمه وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين.
حكاية أدهم [الزاهد]
يذكر أنه مرّ ذات يوم ببساتين مدينة بخارى وتوضأ من بعض الأنهار التي تتخللها فإذا بتفاحة يحملها ماء النّهر، فقال: هذه لا خطر لها فأكلها، ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس، فعزم على أن يستحلّ من صاحب البستان، فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية، فقال لها: ادعي لي صاحب المنزل! فقالت: إنه لامرأة، فقال: استأذني لي عليها ففعلت، فأخبر المرأة بخبر التّفاحة، فقالت له: ان هذا البستان، نصفه لي ونصفه للسلطان، والسلطان يومئذ ببلخ، وهي مسيرة عشرة من بخارى، وأحلته المرأة من نصفها وذهب إلى بلخ فاعترض السلطان في موكبه، فأخبره الخبر واستحله، فأمره أن يعود اليه من الغد.
وكان للسلطان بنت بارعة الجمال قد خطبها أبناء الملوك فتمنّعت وحبّبت إليها العبادة وحب الصالحين، وهي تحب أن تتزوج من ورع زاهد في الدنيا فلما عاد السلطان إلى منزله
(1/290)

أخبر بنته بخبر أدهم، وقال: ما رأيت أورع من هذا، ياتي من بخاري إلى بلخ لاجل نصف تفاحة! فرغبت في تزوجه، فلما أتاه من الغد قال: لا احلك إلا أن تتزوج ببنتي، فانقاد لذلك بعد استعصاء وتمنع، فتزوج منها فلما دخل عليها وجدها متزينة، والبيت مزين بالفرش وسواها، فعمد إلى ناحية من البيت، وأقبل على صلاته حتى أصبح، ولم يزل كذلك سبع ليال.
وكان السلطان ما أحلّه قبل، فبعث اليه أن يحله، فقال: لا أحلك حتى يقع اجتماعك بزوجتك، فلمّا كان الليل واقعها، ثم اغتسل، وأقام إلى الصلاة، فصاح صيحة وسجد في مصلاه فوجد ميتا رحمه الله. وحملت منه، فولدت إبراهيم، ولم يكن لجده ولد فأسند الملك إليه.
وكان من تخلّيه عن الملك ما اشتهر، وعلى قبر ابراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بركة ماء وبها الطعام للصادر والوارد، وخادمها ابراهيم الجمحى من كبار الصالحين، والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام ويقيمون بها ثلاثا ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من الآفاق لحضور هذا الموسم وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة.
وأكثر أهل هذه السواحل هم الطايفة النّصيرية «139» الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إلاه! وهم لا يصلون ولا يتطهرون «140» ولا يصومون، وكان الملك الظاهر ألزمهم بناء المساجد بقراهم فبنوا بكل قرية مسجدا بعيدا عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمّرونه وربما أوت اليه مواشيهم ودوابهم! وربما وصل الغريب اليهم فينزل بالمسجد، ويؤذن للصلاة، فيقولون له: لا تنهق! علفك ياتيك! وعددهم كثير.
حكاية [المهدي الكاذب]
ذكر لي أن رجلا مجهولا وقع ببلاد هذه الطائفة فادعى الهداية «141» ، وتكاثروا عليه فوعدهم بتملك البلاد وقسم بينهم بلاد الشام وكان يعين لهم البلاد ويأمرهم بالخروج إليها
(1/291)

ويعطيهم من ورق الزيتون ويقول لهم: استظهروا بها، فإنها كالأوامر لكم، فإذا خرج أحدهم إلى بلد أحضره أميره فيقول له: إن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد، فيقول له أين الأمر؟ فيخرج ورق الزيتون، فيضرب ويحبس ثم أنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين، وأن يبدأوا بمدينة جبلة، وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان الآس، ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفا عند القتال، فغدروا مدينة جبلة وأهلها في صلاة الجمعة، فدخلوا الدور وهتكوا الحريم، وثار المسلمون من مسجدهم فأخذوا السلاح وقتلوهم كيف شاءوا، واتصل الخبر باللاذقية فأقبل أميرها بهادر عبد الله «142» بعسكره وطيّرت الحمام إلى طرابلس فأتى أمير الأمراء بعساكره وأتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين ألفا، وتحصّن الباقون بالجبال وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه دينارا عن كل رأس إن هو حاول إبقاءهم.
وكان الخبر قد طيّر به الحمام إلى الملك الناصر وصدر جوابه أن يحمل عليه السيف، فراجعه ملك الأمراء وألقى له انهم عمال المسلمين في حراثة الأرض وأنهم إن قتلوا ضعف المسلمون لذلك، فأمر بالابقاء عليهم.
ثم سافرت إلى مدينة اللاذقية «143» وهي مدينة عتيقة على ساحل البحر يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا «144» ، وكنت إنما قصدتها لزيارة الولي الصالح عبد المحسن الاسكندري فلما وصلتها وجدته غائبا بالحجاز الشريف فلقيت من أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلاوي، وهما بمسجد علاء الدين بن البهاء أحد فضلاء الشام وكبرائها صاحب الصدقات والمكارم وكان عمّر لهما زاوية بقرب المسجد وجعل بها الطعام للوارد والصادر، وقاضيها الفقيه الفاضل جلال الدين عبد الحق المصري المالكي، فاضل كريم تعلق بطيلان ملك الأمراء فولاه قضاءها.
(1/292)

حكاية [ابن المؤيد الهجاء]
كان باللاذقية رجل يعرف بابن المؤيد هجّاء لا يسلم أحد من لسانه، متهم في دينه مستخف، يتكلم بالقبائح من الإلحاد فعرضت له حاجة عند طيلان ملك الأمراء فلم يقضها له، فقصد مصر وتقول عليه أمورا شنيعة، وعاد إلى اللاذقية، فكتب طيلان إلى القاضي جلال الدين أن يتحيّل في قتله بوجه شرعي، فدعاه القاضي إلى منزله وباحثه، واستخرج كامن إلحاده، فتكلم بعظائم أيسرها يوجب القتل، وقد أعد القاضي الشهود خلف الحجاب، فكتبوا عقدا بمقاله، وثبت عند القاضي، وسجن وأعلم ملك الأمراء بقضيته، ثم أخرج من السجن وخنق على بابه.
ثم لم يلبث ملك الأمراء طيلان أن عزل عن طرابلس ووليها الحاج قرطية «145» ، من كبار الأمراء وممن تقدّمت له فيها الولاية، وبينه وبين طيلان عداوة فجعل يتبع سقطاته وقام لديه إخوة ابن المؤيد شاكين القاضي جلال الدين، فأمر به وبالشهود الذين شهدوا على ابن المؤيد فأحضروا، وأمر بخنقهم، وأخرجوا إلى ظاهر المدينة حيث يخنق الناس، وأجلس كل واحد منهم تحت مختنقه ونزعت عمائمهم، ومن عادة أمراء تلك البلاد أنه متى أمر أحدهم بقتل أحد من الناس يمرّ الحاكم من مجلس الأمير سبقا على فرسه إلى حيث المأمور بقتله، ثم يعود إلى الأمير فيكرر استئذانه يفعل ذلك ثلاثا، فإذا كان بعد الثلاث أنفذ الأمر، فلما فعل الحاكم ذلك قامت الامراء في المرة الثالثة وكشفوا رؤوسهم، وقالوا: أيها الامير هذه سبة في الاسلام! يقتل القاضي والشهود! فقبل الأمير شفاعتهم وخلى سبيلهم وبخارج اللاذقية الدّير المعروف بدير الفاروص «146» وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرّهبان ويقصده النصارى من الآفاق، وكل من نزل به
(1/293)

من المسلمين فالنصارى يضيفونه، وطعامهم الخبز والجبن والزيتون والخل، والكبر «147» ، وميناء هذه المدينة عليها سلسلة بين برجين لا يدخلها أحد ولا يخرج منها حتى تحطّ له السلسلة وهي من أحسن المراسي بالشام.
ثم سافرت إلى حصن المرقب «148» وهو من الحصون العظيمة يماثل حصن الكرك ومبناه على جبل شامخ، وخارجه ربض ينزله الغرباء ولا يدخلون قلعته وافتتحه من أيدى الروم الملك المنصور قلاوون، وعليه ولد ابنه الملك الناصر وكان قاضيه برهان الدين المصري من أفاضل القضاة وكرمائهم.
ثم سافرت إلى الجبل الأقرع «149» وهو أعلى جبل الشام، وأول ما يظهر منها من البحر وسكانه التركمان، وفيه العيون والهار.
وسافرت منه إلى جبل لبنان، وهو من أخصب جبال الدنيا، به أصناف الفواكه وعيون الماء والظلال والوافرة، ولا يخلو من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصالحين، وهو شهير بذلك. ورأيت به جماعة من الصالحين قد انقطعوا إلى الله تعالى ممن لم يشتهر اسمه.
حكاية الصالحين اللبنانيين وحمار الوحش
أخبرني بعض الصالحين الذين لقيتهم به قال: كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء أيام البرد الشديد، فأوقدنا نارا عظيمة، وأحدقنا بها. فقال بعض الحاضرين: يصلح لهذا النار ما يشوى فيها. فقال أحد الفقراء ممن تزدريه الأعين ولا يؤبه به: إني كنت عند صلاة
(1/294)

العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم، فرأيت بمقربة منه حمار وحش قد أحدق الثلج به من كل جانب، وأظنّه لا يقدر على الحراك، فلو ذهبتم اليه لقدرتم عليه، وشويتم لحمه على هذه النار.
قال: فقمنا اليه في خمسة رجال فلقيناه كما وصف لنا، فقبضناه وأتينا به أصحابنا وذبحناه وشويناه في تلك النار، وطلبنا الفقير الذي نبّه عليه، فلم نجده ولا وقعنا له على أثر، فطال عجبنا منه.
ثم وصلنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك «150» ، وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام، تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة، وتحترق أرضها الأنهار الجارية، وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية، وبها من حبّ الملوك ما ليس في سواها، وبها يصنع الدّبس «151» المنسوب إليها، وهو نوع من الرّب يصنعونه من العنب، ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد، وتكسر القلة التي يكون بها فيبقى قطعة واحدة، وتصنع منه الحلواء ويجعل فيها الفستق واللوز، ويسمون حلواءه بالملبّن ويسمونها أيضا بجلد الفرس «152» ، وهي كثيرة الألبان وتجلب منها إلى دمشق، وبينهما مسيرة يوم للمجدّ، وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تعرف بالزّبداني «153» كثيرة الفواكه، ويغدون منها إلى دمشق ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة اليها من الإحرام «154» وغيره ويصنع بها أواني الخشب وملاعقه
(1/295)

لقطة من اللاذقية- عن أرشيف بيرشم لقطة من بعلبك عن المكتبة الوطنية بباريز
(1/296)

التي لا نظير لها في البلاد، وهم يسمون الصحاف بالدّسوت «155» ، وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تسع في جوفها وأخرى في جوفها إلى أن يبلغوا العشرة يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة، وكذلك الملاعق يصنعون منها عشرة واحدة في جوف واحدة، ويصنعون لها غشاء من جلد ويمسكها الرجل في حزامه، وإذا حضر طعاما مع أصحابه أخرج ذلك فيظن رائيه أنها معلقة واحدة ثم يخرج من جوفها تسعا. وكان دخولي لبعلبك عشية النهار وخرجت منها بالغدو لفرط اشتياقي إلى دمشق ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين «156» إلى مدينة دمشق الشام فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية «157» .
ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا وتتقدمها جمالا وكل وصف وإن طال، فهو قاصر عن محاسنها ولا أبدع مما قاله أبو الحسين بن جبير «158» ، رحمه الله تعالى، في ذكرها قال: وأما دمشق فهي جنّة المشرق ومطلع نورها المشرق وخاتمة بلاد الاسلام التي استقريناها وعروس المدن التي اجتليناها. قد تحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين. وحلت موضع الحسن بالمكان المكين، وتزيّنت في منتصفها أجمل تزيين، وشرفت بأن أوى المسيح عليه السلام، وأمّه منها إلى ربوة ذات قرار معين، ظل ظليل، وماء سلسبيل «159» . تنساب مذانبه إنسياب الأراقم بكل سبيل. ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرّح لناظريها بمجتلى صقيل وتنادينا هلموا إلى معرّس للحسن ومقيل. وقد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الظماء! فتكاد تناديك بها الصّمّ الصّلاب:
أركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب «160» . وقد أحدقت البساتين بها احداق الهالة
(1/297)

دمشق من أرشيف المكتبة الوطنية بباريز
(1/298)

بالقمر. والاكمام بالثمر. وامتدت بشرقيّها غوطتها «161» الخضراء على امتداد البصر. وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر، ولله صدق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي تساميها وتحاذيها.
قال ابن جزي، قد نظم بعض شعرائها في هذا المعنى فقال:
إن تكن جنة الخلود بأرض ... فدمشق، ولا تكون سواها!
او تكن في السماء فهي عليها ... قد أمدّت هواءها وهواها
بلد طيب وربّ غفور «162» ... فاغتنمها عشية وضحاها!
وذكر شيخنا المحدث الرحّال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر بن حسان القيسي الوادي ءاشي «163» نزيل تونس، ونصّ كلام ابن جبير، ثم قال: ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد، وتوّق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد، هذا وإن لم تكن له بها إقامة، فيعرب عنها بحقيقة علّامة، ولا وصف ذهبيّات أصيلها، وقد حان من الشمس غروبها ولا أزمان فصولها المنوّعات، ولا أوقات سرورها المنبهات، وقد اختص من قال: ألفيتها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الأعين.
(1/299)

قال ابن جزي: والذي قالته الشعراء في وصف محاسن دمشق لا يحصر كثرة، وكان والدي رحمه الله كثيرا ما ينشد في وصفها هذه الأبيات: وهي لشرف الدين بن عنين «164» رحمه الله تعالى:
دمشق بى شوق إليها مبرّح ... وإن لجّ واش أو ألحّ عذول
بلاد بها الحصباء درّ وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الرّوض وهو عليل
(1/300)

وهذا من النمط العالي من الشعر، وقال فيها عرقلة الدمشقي الكلبي «165» :
الشام شامة وجنة الدّنيا «166» ، كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلّق «167»
من اسها لك جنة لا تنقضي ... ومن الشّقيق جهنم ولا تحرق!
وقال أيضا فيها:
أما دمشق فجنات معجّلة ... للطّالبين، بها الولدان والحور
ما صاح فيها على أوتاره قمر ... إلّا يغنيه قمريّ وشحرور
يا حبّذا! ودروع الماء تنسجها ... أنامل الريح إلا أنها زور
(1/301)

وله فيها أشعار كثيرة سوى ذلك: وقال فيها أبو الوحش سبع ابن خلف الأسدي «168» :
سقى دمشق الله غيثا محسنا ... من مستهلّ ديمة دهاقها
مدينة ليس يضاهي حسنها ... في سائر الدنيا ولا آفاقها
تود زوراء «169» العراق أنها ... منها ولا تعزى إلى عراقها!
فأرضها مثل السماء بهجة ... وزهرها كالزّهر في إشراقها
(1/302)

نسيم روضها متى ما قد سرى ... افتكّ أخا الهموم من وثاقها
قد رتع الربيع في ربوعها ... وسيقت الدنيا إلى أسواقها!!
لا تسأم العيون والأنوف من ... رؤيتها يوما ولا استنشاقها!
ومما يناسب هذا للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني فيها «170» من قصيدة، وقد نسبت أيضا لابن المنير «171» :
يا برق هل لك في احتمال تحية ... عذبت فصارت مثل مائك سلسلا
باكر دمشق بمشق أقلام الحيا ... زهر الرياض مرصّعا ومكلّلا
واجرر بجيرون «172» ذيولك واختصص ... مغنى تأزّر بالعلى وتسربلا
(1/303)

حيث الحيا الرّبعي محلول الحبا ... والوابل الرّبعى مفريّ الكلا
وقال فيها أبو الحسن عليّ بن موسى بن سعيد «173» العنسى الغرناطي المدعو نور الدين:
دمشق منزلنا حيث النعيم بدا ... مكمّلا، وهو في الآفاق مختصر
القضب راقصة والطير صادحة ... والزّهر مرتفع والماء منحدر
وقد تجلّت من اللّذات أوجهها ... لكنّها بظلال الدّوح تستتر
وكلّ واد به موسى يفجّره «174» ... وكلّ روض على حافاته الخضر!
وقال أيضا فيها:
خيّم بجلق بين الكأس والوتر ... في جنّة هي ملء السّمع والبصر
ومتع الطّرف في مرأى محاسنها ... وروّض الفكر بين الرّوض والنّهر
وانظر إلى ذهبيات الأصيل بها ... واسمع إلى نغمات الطّير في الشّجر
(1/304)

وقل لمن لام في لذّاته بشرا ... دعني فإنك عندي سوقة البشر!
وقال أيضا فيها:
أما دمشق فجنّة ... ينسى بها الوطن الغريب
لله أيام السّبوت ... بها «175» ، ومنظرها العجيب
أنظر بعينك هل ترى ... إلا محبا أو حبيب!!
في موطن غنى الحمام ... به على رقص القضيب
وغدت أزاهر روضه ... تختال في فرح وطيب
(1/305)

وأهل دمشق لا يعملون يوم السبت عملا، إنما يخرجون إلى المنتزهات وشطوط الأنهار، ودوحات الأشجار، بين البساتين النضيرة، والمياه الجارية، يكونون بها يومهم إلى الليل، وقد طال بنا الكلام في محاسن دمشق فلنرجع إلى كلام الشيخ أبي عبد الله.
ذكر جامع دمشق المعروف بجامع بني أمية
وهو أعظم مساجد الدّنيا احتفالا، وأتقنها صناعة وأبدعها حسنا وبهجة وكمالا، ولا يعلم له نظير ولا يوجد له شبيه، وكان الذي تولى بناءه وإتقانه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان «176» ، ووجه إلى ملك الروم بقسطنطينية يأمره أن يبعث اليه الصناع، فبعث اليه أثنى عشر ألف صانع، وكان موضع المسجد كنيسة فلما افتتح المسلمون دمشق دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه من إحدى جهاتها بالسيف فانتهى إلى نصف الكنيسة، ودخل أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه من الجهة الغربية صلحا فانتهى إلى نصف الكنيسة فصنع المسلمون من نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجدا وبقى النصف الذي صالحوا عليه كنيسة «177» ! فلما عزم الوليد على زيادة الكنيسة في المسجد طلب من الروم أن يبيعوا منه كنيستهم تلك بما شاءوا من عوض، فأبوا عليه فانتزعها من أيديهم، وكانوا يزعمون أن الذي يهدمها يجنّ، فذكروا ذلك للوليد فقال: أنا أول من يجنّ في سبيل الله! وأخذ الفأس وجعل يهدم بنفسه فلما رأى المسلمون ذلك تتابعوا على الهدم وأكذب الله زعم الروم.
وزيّن هذا المسجد بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء «178» تخالطها أنواع الأصبغة الغريبة الحسن، وذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة، وهي
(1/306)

دمشق- الجامع الأموي، المحراب
(1/307)

ثلاثمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس وثلاثون خطوة، وهي مائتا ذراع، وعدد شمسات الزجاج الملونة التي فيه أربع وسبعون، وبلاطاته ثلاثة مستطيلة من شرق إلى غرب، سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة، وقد قامت على أربع وخمسين سارية، وثماني أرجل جصّيّة تتخللها وست أرجل مرخّمة مرصعة بالرخام الملوّن، قد صوّر فيها أشكال محاريب وسواها، وهي تقل قبة الرصاص التي أمام المحراب المسماة بقبّة النسر «179» كأنهم شبهوا المسجد نسرا طائرا والقبة رأسه، وهي من أعجب مباني الدنيا، ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر ذاهبة في الهواء منيفة على جميع مباني البلاد، وتستدير بالصحن بلاطات ثلاثة من جهاته الشرقية والغربية والجوفية، سعة كل بلاط منها عشر خطا، وبها من السواري ثلاث وثلاثون، ومن الأرجل أربع عشر، وسعة الصحن مائة ذراع، وهو من أجل المناظر وأتمها حسنا، وبها يجتمع أهل المدينة بالعشايا، فمن قارىء ومحدث وذاهب، ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة، وإذا لقى أحد كبرائهم من الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وحطّ رأسه.
وفي هذا الصحن ثلاث من القباب: إحداها في غربيّه وهي أكبرها، وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين، وهي قائمة على ثمان سواري من الرخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقفة بالرصاص يقال إن مال الجامع كان يختزن بها.
وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع ومجابيه نحو خمسة وعشرين الف دينار ذهبا في كل سنة «180» ، والقبة الثانية من شرقي الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها قائمة على ثمان سواري الرخام وتسمى قبة زين العابدين «181» ، والقبة الثالثة في وسط الصحن،
(1/308)

وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم الإلصاق قائمة على أربع سواري من الرخام الناصع وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمجّ الماء إلى علو فيرتفع ثم ينثنى كأنه قضيب لجين، وهم يسمونه قفص الماء، ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب، وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع يسمى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله «182» عنه، ويقابله من الجهة الغربية حيث يلتقى البلاطان الغربي والجوفي موضع يقال: إن عائشة رضي الله عنها سمعت الحديث هنالك.
وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى «183» التي يؤم فيها إمام الشافعية، وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المومنين عثمان بن عفان «184» رضي الله عنه إلى الشام، وتفتح تلك الخزانة كلّ يوم جمعة بعد الصلاة فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم، وهنالك يحلّف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئا، وعن يسار المقصورة محراب الصحابة، ويذكر أهل التاريخ أنه أول محراب وضع في الإسلام، وفيه يؤم إمام المالكية، وعن يمين المقصورة محراب الحنفية وفيه يؤم إمامهم، ويليه محراب الحنابلة وفيه يؤم إمامهم.
ولهذا المسجد ثلاث صوامع إحداها بشرقيه، وهي من بناء الروم «185» ، وبابها داخل المسجد وبأسفلها مطهرة وبيوت للوضوء يغتسل فيها المعتكفون والملتزمون للمسجد ويتوضؤون، والصومعة الثانية بغربيّه وهي أيضا من بناء الروم «186» ، والصومعة الثالثة
(1/309)

بشماله وهي من بناء المسلمين «187» وعدد المؤذنين به سبعون مؤذنا، وفي شرقي المسجد مقصورة كبيرة فيها صهريج ماء وهي لطائفة الزّيالعة «188» السودان، وفي وسط المسجد قبر زكرياء عليه السلام «189» ، وعليه تابوت معترض بين أسطوانتين مكسو بثوب حرير أسود معلّم فيه مكتوب بالأبيض:" يا زكرياء إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى «190» ، وهذا المسجد شهير الفضل، وقرأت في (فضايل دمشق) عن «191» سفيان الثوري «192» أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة، وفي الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة، ويقال إن الجدار القبلي منه وضعه نبي الله هود عليه السلام وأن قبره به، وقد رأيت على مقربة من مدينة ظفار اليمن بموضع يقال له الأحقاف بنية فيها قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر صلى الله عليه وسلم «193» .
ومن فضايل هذا المسجد أنه لا يخلو عن قراءة القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان، كما سنذكره، والناس يجتمعون به بعد صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية «194» يقرءون
(1/310)

فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن، وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تجرى لهم، وهم نحو ستمائة انسان، ويدور عليهم كاتب الغيبة فمن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته «195» ، وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه، مقبلون على الصلاة والقراءة والذّكر لا يفترون عن ذلك ويتوضأون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها، وأهل البلد يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك.
وفي هذا المسجد أربعة أبواب: باب قبلي يعرف بباب الزّيادة، وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه راية خالد بن الوليد رضي الله عنه، ولهذا الباب دهليز كبير متسع فيه حوانيت السقاطين وغيرهم، ومنه يذهب إلى دار الخيل «196» ، وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي من أحسن أسواق دمشق، وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه «197» ودور قومه، وكانت تسمى الخضراء فهدمها بنو العباس رضي الله عنهم، وصار مكانها سوقا، وباب شرقي وهو أعظم أبواب المسجد ويسمى باب جيرون وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال «198» ، وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم، كان فيه رأس الحسين رضي الله عنه، وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وبه ماء جار.
وقد انتظمت أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز، وهو كالخندق العظيم يتصل بباب عظيم الارتفاع تحته أعمدة كالجذوع طوال، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت
(1/311)

عليها شوارع مستديرة فيها دكاكين البزّازين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة فيها حوانيت الجوهريين والكتبيين وصناع أواني الزجاج العجيبة.
وفي الرحبة المتصلة بالباب الأول دكاكين لكبار الشهود: منها دكانان للشافعية، وسائرها لأصحاب المذاهب، يكون في الدكان منها الخمسة والستة من العدول «199» والعاقد للأنكحة من قبل القاضي، وسائر الشهود مفترقون في المدينة، وبمقربة من هذه الدكاكين سوق الورّاقين الذين يبيعون الكاغد والأقلام والمداد، وفي وسط الدهليز المذكور حوض من الرخام كبير مستدير عليه قبة لا سقف لها تقلها أعمدة رخام وفي وسط الحوض أنبوب نحاس يزعج الماء بقوة فيرتفع في الهواء أزيد من قامة الانسان يسمونه الفوارة «200» ، منظره عجيب.
وعن يمين الخارج من باب جيرون وهو باب الساعات: غرفة لها هيئة طاق كبير فيه طيقان صغار، لها أبواب على عدد ساعات النهار، والأبواب مصبوغ باطنها بالخضرة وظاهرها بالصفرة، فإذا ذهبت ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ظاهرا والظاهر الأصفر باطنا، ويقال: إن بداخل الغرفة من يتولى قلبها بيده عند مضي الساعات «201» .
والباب الغربي يعرف بباب البريد، وعن يمين الخارج منه مدرسة للشافعية، «202» ، وله دهليز فيه حوانيت للشماعين، وسماط لبيع الفواكه، وبأعلاه باب يصعد اليه في درج له أعمدة
(1/312)

سامية في الهواء، وتحت الدرج سقايتان عن يمين وشمال مستديرتان، والباب الجوفي يعرف بباب النّطفانيين «203» ، وله دهليز عظيم، وعن يمين الخارج منه خانقاه تعرف بالشّميعانية «204» في وسطها صهريج ماء، ولها مطاهر يجرى فيها الماء، ويقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وعلى كل باب من أبواب المسجد الأربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها المياه الكثيرة.
ذكر الأئمة بهذا المسجد
وأئمته ثلاثة عشر إماما أولهم إمام الشافعية، وكان في عهد دخولي اليها إمامهم قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني «205» ، من كبار الفقهاء وهو الخطيب بالمسجد وسكناه بدار الخطابة ويخرج من باب الحديد إزاء المقصورة وهو الباب الذي كان يخرج منه معاوية رضي الله عنه، وقد تولى جلال الدين بعد ذلك قضاء القضاة بالدّيار المصرية بعد أن أدى عنه الملك الناصر نحو مائة ألف درهم كانت عليه دينا بدمشق، وإذا سلّم إمام الشافعية من صلاته أقام الصلاة إمام مشهد علي، ثم إمام مشهد الحسين ثم إمام الكلّاسة «206» ثم إمام مشهد أبي بكر ثم إمام مشهد عمر ثم إمام مشهد عثمان رضي الله عنهم أجمعين.
ثم إمام المالكية وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه أبو عمر بن أبي الوليد ابن الحاج التّجيبي القرطبي الأصل الغرناطي المولد نزيل دمشق «207» وهو يتناوب مع أخيه رحمهما الله،.
(1/313)

ثم إمام الحنفية وكان إمامهم في عهد دخولي اليها الفقيه عماد الدين الحنفي المعروف بابن الرومي «208» ، وهو من كبار الصوفية وله شياخة الخانقاة الخاتونية، وله أيضا خانقاه بالشرف الأعلى «209» .
ثم إمام الحنابلة، وكان في ذلك العهد الشيخ عبد الله الكفيف «210» أحد شيوخ القراءة بدمشق. ثم بعد هؤلاء خمسة أئمة لقضاء الفوايت «211» ، فلا تزال الصلاة في هذا المسجد من أول النهار إلى ثلث الليل وكذلك قراءة القرآن. وهذا من مفاخر هذا الجامع المبارك.
ذكر المدرسين والمعلمين به.
وبهذا المسجد حلقات التدريس في فنون العلم، والمحدثون يقرءون كتب الحديث على كراسي مرتفعة، وقراء القرآن يقرءون بالأصوات الحسنة صباحا ومساء وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقّن الصبيان ويقرئهم، وهم لا يكتبون القرآن في الألواح تنزيها لكتاب الله تعالى، وانما يقرءون القرآن تلقينا.
ومعلم الخط غير معلم القرآن يعلمهم بكتب الأشعار وسواها، فينصرف الصبي من التعليم إلى التكتيب وبذلك جاد خطه لان المعلّم للخط لا يعلّم غيره، ومن المدرسين بالمسجد المذكور العالم الصالح برهان الدين بن الفركح الشافعي «212» ، ومنهم العالم الصالح نور
(1/314)

الدين أبو اليسر بن الصايغ «213» من المشتهرين بالفضل والصلاح، ولمّا ولى القضاء بمصر جلال الدين القزويني، وجّه إلى أبي اليسر الخلعة والامر بقضاء دمشق، فامتنع من ذلك، ومنهم الامام العالم شهاب الدين بن جهبل «214» من كبار العلماء، هرب من دمشق لما امتنع أبو اليسر من قضائها خوفا من أن يقلد القضاء فاتصل ذلك بالملك الناصر فولى قضاء دمشق شيخ الشيوخ بالديار المصرية قطب العارفين لسان المتكلمين، علاء الدين «215» القونوى وهو من كبار الفقهاء، ومنهم الامام الفاضل بدر الدين على السّخاوي المالكي «216» رحمة الله عليهم أجمعين.
ذكر قضاة دمشق
قد ذكرنا قاضي القضاة الشافعية بها جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني، وأما قاضي المالكية فهو شرف الدين «217» ابن خطيب الفيوم، حسن الصورة والهيئة من كبار الرؤساء وهو شيخ شيوخ الصوفية، والنائب عنه في القضاء شمس الدين بن
(1/315)

القفصى، «218» ، ومجلس حكمه بالمدرسة الصّمصامية «219» . وأما قاضي قضاة الحنفية فهو عماد الدين الحوراني وكان شديد السطوة وإليه يتحاكم النساء وأزواجهن، وكان الرجل إذا سمع اسم القاضي الحنفي أنصف من نفسه قبل الوصول اليه، وأما قاضي الحنابلة فهو الإمام الصالح عز الدين ابن مسلّم «220» من خيار القضاة يتصرف على حمار له، ومات بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما لما توجه للحجاز الشريف.
حكاية (الفقيه ابن تيميّة)
وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية «221» كبير الشأن يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئا! وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي «222» ، وقال:
إن هذا الرجل قال: كذا، وعدّد ما أنكر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة وقال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إلاه إلا الله، فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما، وصنف في السجن كتابا
(1/316)

في تفسير القرآن سماه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلدا، ثم إن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه، فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية، وكنت إذ ذاك بدمشق «223» فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلّم قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكيز «224» وكان من خيار الأمراء وصلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك وكتب عقدا شرعيا على ابن تيمية بأمور منكرة منها: أن المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة، «225» ومنها أن المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيبا لا يقصر الصلاة، وسوى ذلك مما يشبهه، وبعث العقد إلى الملك الناصر فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة فسجن بها حتى مات في السجن.
ذكر مدارس دمشق
إعلم أن للشافعية بدمشق جملة من المدارس أعظمها العادلية22»
، وبها يحكم قاضي القضاة، وتقابلها المدرسة الظاهرية «227» وبها قبر الملك الظاهر، وبها جلوس نواب
(1/317)

القاضي، ومن نوابه فخر الدين القبطي، كان والده من كتاب القبط، وأسلم ومنهم جمال الدين ابن جملة «228» ، وقد تولى قضاء قضاة الشافعية بعد ذلك وعزل لامر أوجب عزله.
حكاية [الشيخ ظهير الدّين وقاض القضاة]
كان بدمشق الشيخ الصالح ظهير الدين العجمي، وكان سيف الدين تنكيز ملك الأمراء يتتلمذ له ويعظمه، فحضر يوما بدار العدل عند ملك الأمراء وحضر القضاة الأربعة، فحكى قاضي القضاة جمال الدين ابن جملة حكاية، فقال له ظهير الدين: كذبت! فأنف القاضي من ذلك وامتعض له، فقال للأمير: كيف يكذبني بحضرتك؟ فقال له الأمير؟: احكم عليه وسلّمه إليه، وظنه أنه يرضى بذلك، فلا يناله بسوء فأحضره القاضي بالمدرسة العادلية وضربه مائتي سوط، وطيف به على حمار في مدينة دمشق، ومنادي ينادي عليه، فمتى فرغ من ندائه ضربه على ظهره ضربة! وهكذا العادة عندهم، فبلغ ذلك ملك الامراء فأنكره أشد الإنكار وأحضر القضاة والفقهاء، فاجمعوا على خطإ القاضي وحكمه بغير مذهبه، فإن التعزيز عند الشافعي لا يبلغ به الحد «229» ، وقال قاضي القضاة المالكية شرف الدين: قد حكمت بتفسيقه فكتب إلى الملك الناصر بذلك فعزله. وللحنفية مدارس كثيرة وأكبرها مدرسة السلطان نور الدين «230» وبها يحكم قاضي القضاة الحنفية. وللمالكية بدمشق ثلاث مدارس إحداها الصمصامية «231» ، وبها سكن قاضي القضاة المالكية وقعوده للأحكام، والمدرسة
(1/318)

النورية عمرها السلطان نور الدين محمود ابن زنكى والمدرسة الشرابشية عمّرها شهاب الدين الشرابشي التاجر، وللحنابلة مدارس كثيرة أعظمها المدرسة النجمية «232» .
ذكر أبواب دمشق
ولمدينة دمشق ثمانية أبواب: منها باب الفراديس «233» ، ومنها باب الجابية «234» ومنها باب الصغير «235» ، وفيما بين هذين البابين مقبرة «236» فيها العدد الجمّ من الصحابة والشهداء فمن بعدهم.
قال محمد ابن جزي: لقد أحسن بعض المتأخرين من أهل دمشق في قوله:
دمشق في أوصافها ... جنّة خلد راضيه
أما ترى أبوابها ... قد جعلت ثمانيه «237» !
ذكر بعض المشاهد والمزارات بها
فمنها بالمقبرة التي بين البابين: باب الجابية والباب الصغير، قبر أمّ حبيبة بنت أبي
(1/319)

سفيان أم المؤمنين «238» ، وقبر أخيها أمير المؤمنين معاوية «239» ، وقبر بلال مؤذن «240» رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، وقبر أويس القرني «241» ، وقبر كعب الأحبار «242» رضي الله عنهما.
ووجدت في كتاب المفهم، في شرح صحيح مسلم، للقرطبي «243» أن جماعة من
(1/320)

الصحابة صحبهم أويس القرني من المدينة إلى الشام فتوفى في أثناء الطريق في برية لا عمارة فيها ولا ماء فتحيّروا في أمره فنزلوا فوجدوا حنوطا وكفنا وماء فعجبوا من ذلك وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، ثم ركبوا فقال بعضهم كيف نترك قبره بغير علامة؟
فعادوا للموضع فلم يجدوا للقبر من أثر! قال ابن جزي ويقال: إن أويسا قتل بصفّين «244» مع علي عليه السلام، وهو الأصح إن شاء الله.
ويلي باب الجابية باب شرقي «245» عنده جبّانة فيها قبر أبيّ بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم «246» ، وفيها قبر العابد الصالح «247» رسلان المعروف بالباز الأشهب.
حكاية في سبب تسميته بذلك
يحكى أن الشيخ الولي أحمد الرفاعي رضي الله عنه كان مسكنه بأم عبيدة بمقربة من
(1/321)

مدينة «248» واسط وكانت بين ولي الله تعالى أبي مدين شعيب ابن الحسين «249» وبينه مؤاخاة ومراسلة، ويقال إن كل واحد منهما كان يسلم على صاحبه صباحا ومساء فيرد عليه الآخر، وكانت للشيخ أحمد نخيلات عند زاويته، فلما كان في إحدى السنين جذّها على عادته، وترك عذقا منها، وقال هذا برسم أخي شعيب فحج الشيخ أبو مدين تلك السنة واجتمعا بالموقف الكريم بعرفة ومع الشيخ أحمد خديمه رسلان فتفاوضا الكلام، وحكى الشيخ حكاية العذق فقال له رسلان: عن أمرك يا سيدي آتيه به، فأذن له فذهب من حينه وأتاه به ووضعه بين أيديهما فأخبر أهل الزاوية أنهم رأوا عشية يوم عرفة بازا أشهب قد انقضّ على النخلة فقطع ذلك العذق وذهب به في الهواء.
وبغربي دمشق جبّانة تعرف بقبور الشهداء فيها قبر أبي الدرداء وزوجه أم الدرداء «250» ، وقبر فضالة بن عبيد «251» ، وقبر واثلة ابن الأسقع «252» ، وقبر سهل بن
(1/322)

حنظلية «253» من الذين بايعوا تحت الشجرة «254» ، رضي الله عنهم أجمعين. وبقرية تعرف بالمنيحة «255» شرقي دمشق وعلى أربعة أميال منها قبر سعد بن عبادة «256» ، رضي الله عنه، وعليه مسجد صغير حسن البناء وعلى رأسه حجر فيه مكتوب: هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما. وبقرية قبلى البلد وعلى فرسخ منها مشهد أم كلثوم «257» بنت علي بن أبي طالب من فاطمة عليهم السلام، ويقال إن اسمها زينب وكنّاها النبي صلى الله عليه وسلم أم كلثوم لشبهها بخالتها أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه مسجد كريم وحوله مساكن، وله أوقاف، ويسمّيه أهل دمشق قبر الست أم كلثوم، وقبر آخر يقال إنه قبر سكينة بنت الحسين ابن علي عليه السلام «258» .
وبجامع النّيرب «259» من قرى دمشق في بيت بشرقيه قبر يقال: إنه قبر أم مريم عليها السلام «260» ، وبقرية تعرف بداريّا «261» غربيّ البلد، وعلى أربعة أميال منها، قبر أبي
(1/323)

مسلم الخولاني «262» وقبر أبي سليمان الدّاراني «263» رضي الله عنهما.
[مسجد الأقدام بدمشق]
ومن مشاهد دمشق الشهيرة البركة مسجد الأقدام «264» وهو في قبلي دمشق على ميلين منها، على قارعة الطريق الأعظم الآخذ إلى الحجاز الشريف والبيت المقدس وديار مصر، وهو مسجد عظيم كثير البركة، وله أوقاف كثيرة، ويعظمه أهل دمشق تعظيما شديدا والأقدام التي ينسب اليها هي أقدام مصورة في حجر هنالك يقال إنها أثر قدم موسى عليه السلام، وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه: كان بعض الصالحين يرى المصطفى صلى الله عليه وسلم في النّوم فيقول له: ها هنا قبر أخي موسى عليه السلام.
وبمقربة هذا المسجد على الطريق موضع يعرف بالكثيب الأحمر وبمقربة من بيت المقدس وأريحا «265» موضع يعرف أيضا بالكثيب الأحمر تعظمه اليهود.
حكاية [الطاعون الأعظم في دمشق]
شاهدت أيام الطاعون الأعظم بدمشق في أواخر شهر ربيع الثاني سنة تسع
(1/325)

وأربعين «266» ، من تعظيم أهل دمشق لهذا المسجد ما يعجب منه وهو أن ملك الأمراء نايب السلطان أرغون «267» شاه أمر مناديا ينادي بدمشق أن يصوم الناس ثلاثة أيام ولا يطبخ أحد بالسوق ما يؤكل نهارا، وأكثر الناس بها إنما يأكلون الطعام الذي يصنع بالسوق، فصام الناس ثلاثة أيام متوالية كان آخرها يوم الخميس، ثم اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة وساير الطبقات على اختلافها في الجامع حتى غص بهم وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصل وذاكر وداع، ثم صلوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف، والأمراء حفاة وخرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، وخرج اليهود بتوراتهم، والنصارى بإنجيلهم، ومعهم النساء والولدان وجميعهم باكون متضرعون متوسلون إلى الله بكتبه وأنبيائه، وقصدوا مسجد الأقدام وأقاموا به في تضرعهم إلى قرب الزوال وعادوا إلى البلد فصلوا الجمعة وخفف الله تعالى عنهم فانتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد، وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفا في يوم واحد.
وبالباب الشرقي منارة بيضاء يقال أنها التي ينزل عيسى عليه السلام عندها حسبما ورد في صحيح مسلم «268» .
ذكر أرباض دمشق
وتدور بدمشق من جهاتها ما عدا الشرقية أرباض فسيحة الساحات، دواخلها أملح من داخل دمشق لأجل الضيق الذي في سككها، وبالجهة الشمالية منها ربض الصالحية «269» وهي مدينة عظيمة لها سوق لا نظير لحسنه، وفيها مسجد جامع ومارستان، وبها
(1/326)

مدرسة تعرف بمدرسة أبي عمر «270» موقوفة على من أراد أن يتعلم القرآن الكريم من الشيوخ والكهول وتجرى لهم ولمن يعلمهم كفايتهم من المأكل والملابس.
وبداخل البلد أيضا مدرسة مثل هذه تعرف بمدرسة ابن منجّا «271» ، وأهل الصالحية كلّهم على مذهب الامام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
ذكر قاسيون ومشاهده المباركة
وقاسيون جبل في شمال دمشق والصالحية في سفحه، وهو شهير البركة لانه مصعد الأنبياء عليهم السلام، ومن مشاهده الكريمة الغار الذي ولد فيه إبراهيم «272» الخليل عليه السلام، وهو غار مستطيل ضيق عليه مسجد كبير وله صومعة عالية، ومن ذلك الغار رأي الكوكب والقمر والشمس «273» حسبما ورد في الكتاب العزيز، وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج اليه.
وقد رأيت ببلاد العراق قرية تعرف ببرص بضم الباء الموحدة وآخرها صاد مهمل، ما بين الحلة وبغداد «274» ، يقال إن مولد إبراهيم عليه السلام بها، وهي بمقربة من بلد ذي الكفل عليه السلام، وبها قبره «275» .
(1/327)

ومن مشاهده بالغرب منه مغارة الدّم «276» وفوقها بالجبل دم هابيل بن آدم عليه السلام، وقد أبقى الله منه في الحجارة أثرا محمرّا، وهو الموضع الذي قتله أخوه به واجترّه إلى المغارة، ويذكر أن تلك المغارة صلى فيها ابراهيم وموسى وعيسى وأيوب ولوط صلى الله عليهم أجمعين، وعليها مسجد متقن البناء يصعد إليه على درج، وفيه بيوت ومرافق للسكنى، ويفتح في كل يوم اثنين وخمسين، والشمع والسرج توقد في المغارة.
ومنها كهف بأعلى الجبل ينسب لآدم عليه السلام «277» ، وعليه بناء وأسفل منه مغارة تعرف بمغارة الجوع «278» . يذكر أنه أوى إليها سبعون من الأنبياء عليهم السلام، وكان عندهم رغيف فلم يزل يدور عليهم وكل منهم يؤثر صاحبه به حتى ماتوا جميعا صلى الله عليهم، وعلى هذه المغارة مسجد مبني والسرج تقد به ليلا ونهارا.
ولكل مسجد من هذه المساجد أوقاف كثيرة معينة ويذكر أن فيما بين باب الفراديس وجامع قاسيون «279» مدفن سبعمائة نبي، وبعضهم يقول سبعين ألفا، وخارج المدينة المقبرة العتيقة، وهي مدفن الأنبياء والصالحين وفي طرفها مما يلي البساتين أرض منخفضة غلب عليها الماء، يقال إنها مدفن سبعين نبيّا وقد عادت قرارا للماء ونزهت من أن يدفن فيها أحد.
ذكر الربوة والقرى التي تواليها
وفي آخر جبل قاسيون الربوة المباركة «280» المذكورة في كتاب الله ذات القرار والمعين ومأوى المسيح عيسى وأمه عليهما السلام «281» ، وهي من أجمل مناظر الدنيا ومنتزهاتها وبها القصور المشيّدة والمباني الشريفة والبساتين البديعة والمأوى المبارك، مغارة صغيرة في
(1/328)

وسطها كالبيت الصغير وبازائها بيت، يقال إنه مصلى الخضر عليه السلام «282» يبادر الناس إلى الصلاة فيهما وللمأوى باب حديد صغير والمسجد يدور به، وله شوارع دائرة وسقاية حسنة ينزل لها الماء من علو، وينصبّ في شاذروان «283» في الجدار يتّصل بحوض من رخام ويقع فيه الماء ولا نظير له في الحسن وغرابة الشكل. وبقرب ذلك مطاهر للوضوء يجري فيها الماء.
وهذه الربوة المباركة هي رأس بساتين دمشق وبها منابع مياهها «284» وينقسم الماء الخارج منها على سبعة أنهار كل نهر آخذ في جهة ويعرف ذلك الموضع بالمقاسم، وأكبر هذه الأنهار النهر المسمى بتورة، وهو يشق تحت الربوة وقد نحت له مجرى في الحجر الصلد كالغار الكبير «285» ، وربما انغمس ذو الجسارة من العوّامين في النهر من أعلى الربوة واندفع في الماء حتى يشق مجراه ويخرج من أسفل الربوة، وهي مخاطرة عظيمة، وهذه الربوة تشرف على البساتين الدائرة بالبلد، ولها من الحسن واتساع مسرح الأبصار ما ليس لسواها، وتلك الأنهار السبعة تذهب في طرق شتى فتحار الأعين في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاعها وانصبابها، وجمال الربوة وحسنها التام أعظم من أن يحيط به الوصف، ولها الأوقاف الكثيرة من المزارع والبساتين والرباع، تقام منها وظايفها للإمام والمؤذن والصادر والوارد.
(1/329)

وبأسفل الربوة قرية النّيرب «286» وقد تكاثرت بساتينها وتكاثفت ظلالها، وتدانت أشجارها، فلا يظهر من بنائها إلا ما سما ارتفاعه، ولها حمّام مليح ولها جامع بديع مفروش صحنه بفصوص الرخام، وفيه سقاية ماء رائقة الحسن ومطهرة فيها بيوت عدة يجري فيها الماء.
وفي القبلىّ من هذه القرية قرية المزّة، وتعرف بمزّة كلب «287» نسبة إلى قبيلة كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة، وكانت إقطاعا لهم، وإليها ينسب الامام حافظ الدنيا جمال الدين يوسف بن الزكى الكلبي المزّى «288» وكثير سواه من العلماء، وهي من أعظم قرى دمشق، وبها جامع كبير عجيب وسقاية معينة.
وأكثر قرى دمشق فيها الحمّامات والمساجد الجامعة والأسواق وسكانها كأهل الحاضرة في مناحيهم وفي شرقي البلد قرية تعرف ببيت إلاهيّة «289» وكانت فيها كنيسة يقال: إن آزر كان ينحت فيها الأصنام فيكسرها الخليل عليه السلام، وهي الآن مسجد جامع بديع مزين بفصوص الرخام الملونة المنظمة بأعجب نظام، وأزين التئام.
ذكر الأوقاف بدمشق وبعض فضائل أهلها وعوائدهم
والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف العاجزين عن الحج يعطي لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على تجهيز البنات «290» إلى أزواجهن وهي اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأساري، ومنها أوقاف لابناء السبيل يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم، ومنها أوقاف على
(1/330)

تعديل الطرق ورصفها لأن أزقة دمشق لكلّ واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الرّكبان بين ذلك، ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير،
حكاية [المملوك الصّغير والصحفة]
مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكا صغيرا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصّيني وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، فقال له بعضهم:
اجمع شقفها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني، فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها، فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن، وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لا بدّ له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرا للقلوب، جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا.
وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد، وهم يحسنون الظن بالمغاربة ويطمئنون اليهم بالأموال والأهلين والأولاد «291» ، وكلّ من انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد أو قراءة بمدرسة أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه، أو قراءة القرآن أو خدمة مشهد من المشاهد المباركة أو يكون لجملة الصوفية بالخوانق تجرى له النفقة والكسوة، فمن كان بها غريبا على خير لم يزل مصونا عن بذل وجهه محفوظا عما يزري بالمروّة، ومن كان من أهل المهنة والخدمة فله أسباب أخرى من حراسة بستان أو أمانة طاحونة أو كفالة صبيان يغدو معهم إلى التعليم ويروح، ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الاعانة التّامة على ذلك.
ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده، ومن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كلّ ليلة في دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا.
(1/331)

ولما وردت دمشق وقعت بيني وبين نور الدين السخاوي مدرس المالكية صحبة فرغب منى أن أفطر عنده في ليالي رمضان فحضرت عنده أربع ليال، ثم أصابتني الحمى فغبت عنه فبعث في طلبي فإعتذرت بالمرض فلم يسعنى عذرا فرجعت إليه وبتّ عنده، فلما أردت الانصراف بالغد منعني من ذلك وقال لي: احسب داري كأنها دارك أو دار أبيك أو أخيك، وأمر بإحضار طبيب وأن يصنع لي بداره كل ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غداء، وأقمت كذلك عنده إلى يوم العيد، وحضرت المصلى «292» وشفاني الله تعالى مما أصابني، وقد كان ما عندي من النفقة نفد، فعلم بذلك فإكترى لي جمالا وأعطاني الزاد وسواه، وزادني دراهم وقال لي: تكون لما عسى أن يعن لك من أمر مهم، جزاه الله خيرا. وكان بدمشق فاضل من كتاب الملك الناصر يسمى عماد الدين القيصراني «293» من عادته أنه متى سمع أن مغربيّا وصل إلى دمشق بحث عنه وأضافه وأحسن إليه، فإن عرف منه الدين والفضل أمره بملازمته، وكان يلازمه منهم جماعة، وعلى هذه الطريقة أيضا كاتب السر الفاضل علاء الدين بن غانم «294» وجماعة غيره.
وكان بها فاضل من كبرائها وهو الصاحب عزّ الدين القلانسي «295» ، له مآثر ومكارم وفضائل وإيثار، وهو ذو مال عريض، وذكروا أن الملك الناصر لما قدم دمشق أضافه وجميع أهل دولته ومماليكه وخواصّه ثلاثة أيام فسمّاه اذ ذاك بالصّاحب.
ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين لما نزل به الموت أوصى أن يدفن
(1/332)

بقبلة الجامع المكرّم ويخفى قبره وعين أوقافا عظيمة لقراء يقرءون سبعا من القرآن الكريم في كلّ يوم إثر صلاة الصبح بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة رضي الله عنهم حيث قبره، فصارت قراءة القرآن على قبره لا تنقطع أبدا، وبقى ذلك الرسم الجميل بعده مخلدا.
ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد أنهم يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة فيقفون بصحون المساجد كبيت المقدس وجامع بني أمية وسواها ويقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم، داعين خاضعين خاشعين ملتمسين البركة ويتوخّون الساعة التي يقف فيها وفد الله تعالى وحجاج بيته بعرفات، ولا يزالون في خضوع ودعاء وابتهال وتوسل إلى الله تعالى بحجاج بيته إلى أن تغيب الشمس فينفرون كما ينفر الحاج باكين على ما حرموه من ذلك الموقف الشريف بعرفات داعين إلى الله تعالى أن يوصلهم اليها ولا يخليهم من بركة القبول فيما فعلوه.
ولهم أيضا في إتباع الجنائز رتبة عجيبة، وذلك أنهم يمشون أمام الجنازة والقرّاء يقرءون القرآن بالأصوات الحسنة والتلاحين المبكية التي تكاد النفوس تطير لها رقة، وهم يصلون على الجنائز بالمسجد الجامع قبالة المقصورة، فإن كان الميت من أيمة الجامع أو مؤذنيه أو خدامه أدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه، وإن كان من سواهم قطعوا القراءة عند باب المسجد ودخلوا بالجنازة، وبعضهم يجتمع له بالبلاط الغربي من الصحن بمقربة من باب البريد فيجلسون وأمامهم ربعات القرآن يقرءون فيها، ويرفعون أصواتهم بالنداء لكل من يصل للعزاء من كبار البلدة وأعيانها، ويقولون: بسم الله فلان الدّين من كمال وجمال وشمس وبدر وغير ذلك، فإذا أتموا القراءة قام المؤذنون فيقولون: افتكروا واعتبروا، صلاتكم على فلان الرجل الصالح العالم، ويصفونه بصفات من الخير ثم يصلّون عليه ويذهبون به إلى مدفنه.
ولاهل الهند رتبة عجيبة في الجنائز ايضا زائدة على ذلك وهي أنهم يجتمعون بروضة الميت صبيحة الثلاث من دفنه وتفرش الروضة بالثياب الرفيعة، ويكسى القبر بالكسى الفاخرة وتوضع حوله الرياحين من الورد والنّسرين والياسمين، وذلك النوار لا ينقطع عندهم، ويأتون بأشجار الليمون والأترج ويجعلون فيها حبوبها إن لم تكن فيها، ويجعل صيوان يظلّل الناس نحوه، ويأتي القضاة والأمراء ومن يماثلهم فيقعدون، ويقابلهم القراء، ويؤتى بالربعات الكرام فيأخذ كل واحد منهم جزء فإذا تمت القراءة من القراء بالأصوات الحسان يدعو القاضي ويقوم قائما ويخطب خطبة معدة لذلك، ويذكر فيها الميت ويرثيه بأبيات شعر، ويذكر أقاربه
(1/333)

ويعزّيهم عنه ويذكر السلطان داعيا له وعند ذكر السلطان يقوم الناس ويحطون رؤوسهم إلى سمت الجهة التي بها السلطان، ثم يقعد القاضي ويأتون بماء الورد فيصب على الناس صبا يبتدأ بالقاضي ثم من يليه كذلك إلى أن يعم الناس أجمعين ثم يوتى بأواني السّكّر وهو الجلّاب محلولا بالماء فيسقون الناس منه ويبدأون بالقاضي ومن يليه ثم يوتى بالتنبول «296» وهم يعظمونه ويكرمون من يأتي لهم به فإذا اعطى السلطان أحدا منه فهو أعظم من إعطاء الذهب والخلع، وإذا مات الميت لم يأكل أهله التنبول إلا في ذلك اليوم، فيأخذ القاضي أو من يقوم مقامه أوراقا منه فيعطيها لولي الميت فيأكلها وينصرفون حينئذ وسيأتي ذكر التنبول إن شاء الله تعالى.
ذكر سماعي بدمشق، ومن أجازني من أهلها
سمعت بجامع بني أمية عمّره الله بذكره، جميع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد ابن اسماعيل الجعفي البخاري رضي الله عنه على الشيخ المعمر، رحلة الآفاق ملحق الأصاغر بالأكابر، شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن أبي النّعيم بن حسن بن علي بن بيان الدين مقرئ الصالحي، المعروف بابن الشّحنة الحجّار «297» في أربعة عشر مجلسا، أولها يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان المعظم سنة ست وعشرين وسبعمائة وآخرها يوم الاثنين الثامن والعشرين منه «298» بقراءة الامام الحافظ مؤرخ الشام علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي الإشبيلي «299» الأصل الدمشقي، في جماعة كبيرة كتب اسماءهم محمد بن طغريل بن عبد الله بن الغزّال الصيرفي، بسماع الشيخ أبي العباس
(1/334)

الحجازي لجميع الكتاب، من الشيخ الامام سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن علي بن المسلم بن عمران الربيعي البغدادي الزبيدي الحنبلي «300» ، في أواخر شوال وأوائل ذي القعدة من سنة ثلاثين وستمائة بالجامع المظفّري بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق وبإجازته في جميع الكتاب من الشيخين: أبي الحسن محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن الخلف القطيعي المؤرخ، وعلي بن أبي بكر بن عبد الله بن رؤبة القلانسي العطار البغداديين ومن باب غيرة النساء ووجدهن إلى آخر الكتاب من أبي المنجّا عبد الله بن عمر بن علي بن زيد بن اللّتي الخزاعي البغدادي بسماع أربعتهم من الشيخ سديد الدين أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن ابراهيم السنجزى الهروى الصوفي في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ببغداد، قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد ابن داوود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداودي قراءة عليه وأنا أسمع ببوشنج سنة خمس وستين وأربعماية قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حويّة بن يوسف بن أيمن السرخسى قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري قراءة عليه، وأنا أسمع سنة ست عشرة وثلاثمائة بفربر، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه سنة ثمان وأربعين ومائتين بفربر، ومرة ثانية بعدها سنة ثلاث وخمسين.
وممن أجازني من أهل دمشق إجازة عامة الشيخ أبو العباس الحجار «301» . المذكور بسؤالي ذلك وتلفظ لي به، ومنهم الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد بن
(1/335)

محمد المقدسي ومولده في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وستماية «302» . ومنهم الشيخ الإمام الصالح عبد الرحمن ابن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن البجدي «303» .
ومنهم إمام الأيمة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزّي الكلبي حافظ الحفاظ «304» . ومنهم الشيخ الامام علاء الدين علي بن يوسف بن محمد بن عبد الله الشافعي «305» ، والشيخ الإمام الشريف محيي الدين يحيى ابن محمد بن علي العلوي «306» . ومنهم الشيخ الامام المحدث مجد الدين القاسم بن عبد الله بن أبي عبد الله بن المعلى الدمشقي ومولده سنة أربع وخمسين وستمائة.
ومنهم الشيخ الامام العالم شهاب الدين أحمد بن ابراهيم بن فلاح بن محمد الاسكندري «307» .
ومنهم الشيخ الإمام ولي الله تعالى شمس الدين بن عبد الله بن تمام «308» ، والشيخان الأخوان شمس الدين محمد، وكمال الدين عبد الله ابنا ابراهيم بن عبد الله بن
(1/336)

أبي عمر المقدسي «309» ، والشيخ العابد شمس الدين محمد بن أبي الزهراء بن سالم الهكّاري «310» والشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت محمد ابن مسلمه بن سلامة الحراني «311» والشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت كمال الدين أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي «312» ، كلّ هؤلاء أجازني إجازة عامة في سنة ست وعشرين بدمشق «313» .
(1/337)

الفصل الرابع الحجاز
من دمشق إلى مدينة الرسول المدينة والحرم الشريف أعيان المدينة وضواحيها من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة مكة والحرم الشريف
(1/339)

خريطة مسالك الحجاز
(1/341)

[إلى الحجاز]
... ولما استهل شوال من السنة المذكورة «1» خرج الركب الحجازي إلى خارج دمشق ونزلوا القرية المعروفة بالكسوة «2» فأخذت في الحركة معهم، وكان أمير الركب سيف الدين الجوبان من كبار الأمراء»
، وقاضيه شرف الدين الأذرعىّ الحوراني «4» ، وحج في تلك السنة مدرس المالكية صدر الدين الغماري «5» ، وكان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة «6» ، أميرهم محمد بن رافع «7» كبير القدر في الأمراء، وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تعرف بالصّنمين «8» عظيمة، ثم ارتحلنا منها إلى بلدة زرعة «9» ، وهي صغيرة من بلاد
(1/343)

حوران نزلنا بالقرب منها، ثم ارتحلنا إلى مدينة بصرى وهي صغيرة «10» ، ومن عادة الركب أن يقيم بها أربعا ليلحق بهم من تخلف بدمشق لقضاء مأربه، وإلى بصرى وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعث في تجارة خديجة، وبها مبرك ناقته، قد بني عليه مسجد عظيم، ويجتمع أهل حوران لهذه المدينة ويتزود الحاج منها، ثم يرحلون إلى بركة زيزة «11» ويقيمون عليها يوما ثم يرحلون إلى اللّجون «12» وبها الماء الجاري، ثم يرحلون إلى حصن الكرك «13» ، وهو من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها ويسمى بحصن الغراب، والوادي يطيف به من جميع جهاته، وله باب واحد قد نحت المدخل اليه في الحجر الصلد، ومدخل دهليزه كذلك وبهذا الحصن يتحصّن الملوك، وإليه يلجأون في النوايب، وله لجأ الملك الناصر «14» لأنه ولي الملك وهو صغير السنّ فإستولى على التدبير مملوكه سلار «15» النايب عنه فأظهر الملك الناصر أنه يريد الحج ووافقه الأمراء على ذلك فتوجه إلى الحج فلما وصل عقبة أيلة «16» لجأ إلى الحصن وأقام به أعواما إلى أن قصده أمراء الشام واجتمعت عليه المماليك.
(1/344)

نقوش من العقبة الكرك الأثرية
(1/345)

وكان قد ولى الملك في تلك المدة بيبرس الشّشنكير «17» ، وهو أمير الطعام، وتسمى بالملك المظفر، وهو الذي بنا الخانقاه البيبرسية «18» بمقربة من خانقاه سعيد السعداء التي بناها صلاح الدين ابن أيوب، فقصده الملك الناصر بالعساكر ففرّ بيبرس إلى الصحراء فتبعه العساكر وقبض عليه وأوتي به إلى الملك الناصر فأمر بقتله فقتل وقبض على سلار وحبس في جبّ حتى مات جوعا، ويقال: إنه أكل خفيه من الجوع، نعوذ بالله من ذلك! وأقام الركب بخارج الكرك أربعة أيام بموضع يقال له الثنيّة «19» وتجهزوا لدخول البرية، ثم ارتحلنا إلى معان «20» وهو آخر بلاد الشام، ونزلنا من عقبة الصوّان «21» إلى الصحراء التي يقال فيها: داخلها مفقود وخارجها مولود، وبعد مسيرة يومين نزلنا ذات حجّ «22» ، وهي حسيان لا عمارة بها، ثم إلى وادي بلدح «23» ولا ماء به.
ثم إلى تبوك «24» وهو الموضع الذي غزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها عين تبضّ بشيء من الماء، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأ منها جادت بالماء المعين، ولم تزل إلى هذا العهد ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1/346)

ومن عادة حجاج الشام إذا وصلوا منزل تبوك أخذوا أسلحتهم وجرّدوا سيوفهم وحملوا على المنزل وضربوا النخيل بسيوفهم، ويقولون: هكذا دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل الركب العظيم على هذه العين فيروى منها جميعهم ويقيمون أربعة أيام للراحة وإرواء الجمال واستعداد الماء للبرية المخوفة التي بين العلا وتبوك.
ومن عادة السقّائين أنهم ينزلون على جوانب هذه العين ولهم أحواض مصنوعة من جلود الجواميس كالصهاريج الضخام يسقون منها الجمال ويملأون الرّوايا والقرب «25» ، ولكل أمير أو كبير حوض يسقي منه جماله وجمال أصحابه ويملأ رواياهم، وسواهم من النّاس يتّفق مع السقّائين على سقي جمله وملء قربته بشيء معلوم من الدراهم، ثم يرحل الركب من تبوك ويجدّون السير ليلا ونهارا خوفا من هذه البرّيّة، وفي سطها الوادي الأخيضر «26» كأنه وادي جهنم أعادنا الله منها، وأصاب الحجاج به في بعض السنين مشقة بسبب ريح السّموم التي تهبّ فانتشفت المياه، وانتهت شربة الماء إلى ألف دينار، ومات مشتريها وبائعها، وكتب ذلك في بعض صخر الوادي! ومن هنالك ينزلون بركة المعظّم «27» وهي ضخمة نسبتها إلى الملك المعظم من أولاد أيوب ويجتمع بهاء ماء المطر في بعض السنين، وربما جفّ في بعضها، وفي الخامس من
(1/347)

أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر «28» حجر ثمود «29» ، وهي كثيرة الماء ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته وأمر أن لا يسقى منها أحد، ومن عجن به أطعمه الجمال.
وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الاحمر منحوتة لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة، وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة. ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هنالك وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا «30» نصف يوم أو دونه، والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة يقيم بها الحجاج أربعا، ويتزودون ويغسلون ثيابهم ويودعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد ويستصحبون قدر الكفاية.
وأهل هذه القرية أصحاب أمانة. وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يتعدونها «31» ويبايعون الحجاج بها الزاد وسواه، ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس «32» ، وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة، هبّت في بعض السنين على الركب فلم يخلص منهم إلا اليسير، وتعرف تلك السنة سنة الأمير الجالقي «33» ، ومنه ينزلون هديّة «34» وهي حسيان ماء بواد يحفرون به فيخرج الماء وهو زعاق، وفي اليوم الثالث ينزلون بظاهر البلد المقدس الكريم الشريف.
(1/348)

طيبة «35» مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرم
وفي عشىّ ذلك اليوم دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلى المسجد الكريم فوقفنا بباب السلام «36» مسلّمين وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم، واستلمنا القطعة الباقية من الجذع «37» الذي حنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة، وأدينا حق السلام على سيد الأولين والآخرين، وشفيع العصاة والمذنبين، الرّسول النبي الهاشمي الأبطحي محمد صلى الله عليه وسلم تسليما وشرف وكرم، وحقّ السلام على ضجيعيه وصاحبيه: أبي بكر الصديق «38» وأبي حفص عمر الفاروق رضي الله عنهما، وانصرفنا إلى رحلنا مسرورين بهذه النعمة العظمى، مستبشرين بنيل هذه المنة الكبرى، حامدين لله تعالى على البلوغ إلى معاهد رسوله الشريفة، ومشاهده العظيمة المنيفة داعين أن لا يجعل ذلك آخر عهدنا بها وأن يجعلنا ممن قبلت زيارته، وكتبت في سبيل الله سفرته.
ذكر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروضته الشريفة
المسجد المعظم مستطيل تحفّه من جهاته الاربع، بلاطات دائرة به ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلّط بالحجر المنحوتة، والرّوضة المقدسة «39» صلوات الله وسلامه على ساكنها، في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، وهي مؤزّرة بالرخام البديع النحت، الرائق النعت، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان، وفي الصفحة القبلية منها مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم، وهناك يقف الناس للسلام مستقبلين الوجه الكريم، مستدبرين القبلة
(1/349)

المسجد النبوي بالمدينة
(1/350)

فيسلمون وينصرفون يمينا إلى وجه أبي بكر الصديق، ورأس أبي بكر رضي الله عنه، عند قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ينصرفون إلى عمر بن الخطاب، ورأس عمر عند كتفي أبي بكر رضي الله عنهما.
وفي الجوفى من الروضة المقدسة زادها الله طيبا حوض صغير مرخّم في قبلته شكل محراب يقال إنه كان بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ويقال أيضا هو قبرها، والله أعلم «40» .
وفي وسط المسجد الكريم دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة على سرداب له درج" يفضى إلى دار أبي بكر رضي الله عنه خارج المسجد، وعلى ذلك السرداب كان طريق بنته عايشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى داره، ولا شكّ أنه هو الخوخة التي ورد ذكرها في الحديث، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم تسليما بإبقائها وسدّ ما سواها، وبإزاء دار أبي بكر رضي الله عنه دار عمر ودار ابنه عبد الله بن عمر «41» رضي الله عنهما وبشرقي المسجد الكريم دار إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس «42» رضي الله عنه وبمقربة من باب السلام سقاية ينزل إليها على درج ماؤها معين. وتعرف بالعين الزرقاء.
ذكر ابتداء بناء المسجد الكريم
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم تسليما المدينة الشريفة دار الهجرة يوم الاثنين الثالث عشر من شهر ربيع الأول «43» فنزل على بني عمرو بن عوف «44» وأقام عندهم اثنتين وعشرين ليلة، وقيل أربع عشرة ليلة وقيل أربع ليال، ثم توجه إلى المدينة فنزل على بني النّجار
(1/351)

«45» بدار أبي أيوب الأنصاري «46» رضي الله عنه وأقام عنده سبعة أشهر حتى بنى مساكنه ومسجده.
وكان موضع المسجد مربدا لسهل وسهيل ابنى رافع بن أبي عمر بن عاند بن ثعلبة بن غنم ابن ملك بن النّجار وهما يتيمان في حجر أسعد بن زرارة رضي الله عنهم أجمعين، وقيل كانا في حجر أبي أيوب رضي الله عنه فابتاع رسول الله صلى الله عليه وسلّم تسليما، ذلك المربد، وقيل بل أرضاهما أبو أيوب عنه، وقيل إنهما وهباه لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما المسجد وعمل فيه مع أصحابه وجعل عليه حائطا ولم يجعل له سقفا ولا أساطين، وجعله مربّعا طوله مائة ذراع، وعرضه مثل ذلك، وقيل: إن عرضه كان دون ذلك، وجعل ارتفاع حائطه قدر القامة، فلما اشتد الحر تكلم أصحابه في تسقيفه فأقام له أساطين من جذوع النخل، وجعل سقفه من جريدها فلما أمطرت السماء وكف المسجد، فكلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله بالطين فقال: كلّا! عريش كعريش موسى أو ظلّة كظلّة موسى، والأمر أقرب من ذلك، قيل: وما ظلّة موسى؟ قال صلى الله عليه وسلم: كان إذا قام أصاب السقف رأسه، وجعل للمسجد ثلاثة أبواب ثم سدّ الجنوبي منها حين حولت القبلة «47» ، وبقى المسجد على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وحياة أبي بكر رضي الله عنه.
فلما كانت أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه زاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما يقول:
ينبغي أن نزيد في المسجد ما زدت فيه، فانزل أساطين الخشب وجعل مكانها أساطين اللّبن، وجعل الأساس حجارة إلى القامة وجعل الابواب ستة، منها في كلّ جهة ما عدا القبلة، بابان وقال في باب منها: ينبغي أن يترك هذا للنّساء، فما رىء فيه حتى لقى الله عز وجل، وقال:
(1/352)

لو زدنا في هذا المسجد حتى يبلغ الجبّانة لم يزل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسليما.
وأراد عمر أن يدخل في المسجد موضعا للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ورضي عنهما فمنعه منه وكان فيه ميزاب يصبّ في المسجد، فنزعه عمر وقال: إنه يؤذي الناس، فنازعه العباس وحكّما بينهما أبي بن كعب رضي الله عنهما فأتيا داره فلم يؤذن لهما إلا بعد ساعة، ثم دخلا إليه فقال كانت جارتي تغسل رأسي، فذهب عمر ليتكلّم فقال له أبي: دع أبا الفضل يتكلّم لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، فقال العباس: خطّة خطها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وبنيتها معه وما وضعت الميزاب إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد. فقال أبي: إن عندي من هذا علما، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما يقول: أراد داوود عليه السلام أن يبني بيت الله المقدس وكان فيه بيت ليتيمين فراودهما على البيع فأبيا ثم أرادهما فباعاه، ثم قاما بالغبن فردّ البيع واشتراه منهما، ثم ردّاه كذلك فاستعظم داود الثمن، فأوحى الله إليه: إن كنت تعطى من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيهما من رزقنا فأعطهما حتى يرضيا، وان أغنى البيوت عن مظلمة بيت هو لي، وقد حرمت عليك بناءه، قال يا رب فأعطه سليمان، فأعطاه سليمان عليه السلام. فقال عمر من يشهد لي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما قاله؟ فخرج أبي إلى قوم من الأنصار فأثبتوا له ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: أما إني لو لم أجد غيرك أخذت قولك، ولكني أحببت أن أثبت، ثم قال للعباس رضي الله عنه، والله لا تردّ الميزاب إلا وقدماك على عاتقيّ، ففعل العباس ذلك ثم قال: أما إذ أثبتت لي فهي صدقة لله، فهدمها عمر وأدخلها في المسجد، ثم زاد فيه عثمان رضي الله عنه وبناه بقوة وباشره بنفسه، فكان يظل فيه نهاره وبيّضه وأتقن محله بالحجارة المنقوشة، ووسعه من جهاته إلا جهة الشرق منها وجعل له سواري حجارة مثبتة بأعمدة الحديد والرصاص وسقفه بالسّاج، وصنع له محرابا وقيل إن مروان هو أول من بنى المحراب، وقيل: عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد.
ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك، تولّى ذلك عمر بن عبد العزيز فوسعه وحسّنه وبالغ في إتقانه وعمله بالرخام والساج المذهب «48» ، وكان الوليد بعث إلى ملك الروم: إني أريد أن
(1/353)

أبني مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم تسليما فأعنّي فيه. فبعث إليه الفعلة وثمانين ألف مثقال من الذهب «49» ، وأمر الوليد بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، فاشترى عمر من الدور ما زاده في ثلاث جهات من المسجد، فلما صار إلى القبلة امتنع عبيد الله بن عبد الله ابن عمر من بيع دار حفصة، وطال بينهما الكلام حتى ابتاعها عمر على أن لهم ما بقى منها، وعلى أن يخرجوا من باقيها طريقا إلى المسجد وهي الخوخة التي في المسجد.
وجعل عمر للمسجد أربع صوامع في أربعة أركانه: إحداهما مطلّة على دار مروان فلما حج سليمان بن عبد الملك نزل بها فأطل عليه المؤذن حين الآذان فأمر بهدمها «50» .
وجعل عمر للمسجد محرابا ويقال: هو أوّل من أحدث المحراب، ثم زاد فيه المهدي «51» ابن أبي جعفر المنصور، وكان أبوه هم بذلك ولم يقض له، وكتب اليه الحسن بن زيد «52» يرغّبه في الزيادة فيه من جهة الشرق، ويقول: إنه إن زيد في شرقية توسطت الروضة الكريمة المسجد الكريم، فاتّهمه أبو جعفر بأنه أراد هدم دار عثمان رضي الله عنه، فكتب إليه: إني قد عرفت الذي أردت فاكفف عن دار الشيخ عثمان. وأمر أبو جعفر أن يظلّل الصّحن أيام القيظ بستور تنشر على حبال ممدودة على خشب تكون في الصحن لتكنّ المصلين من الحر «53» .
وكان طول المسجد في بناء الوليد مائتي ذراع، فبلّغه المهدي إلى ثلاثمائة ذراع وسوّى المقصورة بالأرض وكانت مرتفعة عنها بمقدار ذراعين، وكتب اسمه على مواضع من المسجد.
ثم أمر الملك المنصور قلاوون ببناء دار للوضوء عند باب السلام فتولى بناءها الأمير الصالح علاء الدين المعروف بالأقمر، وأقامها متسعة الفناء تستدير بها البيوت، وأجرى إليها
(1/354)

الماء، وأراد أن يبنى بمكة شرفها الله تعالى مثل ذلك، فلم يتمّ له، فبناه ابنه الملك الناصر بين الصّفا والمروة، وسيذكر إن شاء الله.
وقبلة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما قبلة قطع لأنه صلى الله عليه وسلم تسليما أقامها، وقيل أقامها جبريل عليه السلام، وقيل كان جبريل يشير له إلى سمتها وهو يقيمها، وروي أن جبريل، عليه السلام، أشار إلى الجبال فتواضعت فتنحّت حتى بدت الكعبة، فكان صلى الله عليه وسلّم تسليما يبني وهو ينظر إليها عيانا، وبكل اعتبار فهي قبلة قطع، وكانت القبلة أول ورود النبي صلى الله عليه وسلم تسليما المدينة إلى بيت المقدس، ثم حوّلت إلى الكعبة بعد ستة عشر شهرا، وقيل بعد سبعة عشر شهرا.
ذكر المنبر الكريم.
وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم تسليما، كان يخطب إلى جذع نخلة بالمسجد فلما صنع له المنبر وتحوّل إليه، حنّ الجذع حنين الناقة إلى حوارها، وروى أنه صلى الله عليه وسلّم تسليما نزل إليه فإلتزمه فسكن، وقال: لو لم ألتزمه لحن إلى يوم القيامة.
واختلفت الروايات فيمن صنع المنبر الكريم فروى أن تميم الدّاري «54» رضي الله عنه هو الذي صنعه، وقيل: إن غلاما للعباس رضي الله عنه صنعه، وقيل غلام لامرأة من الانصار، وورد ذلك في الحديث الصحيح، وصنع من طرفاء الغابة، وقيل من الأثل «55» ، وكان له ثلاث درجات فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما يقعد على علياهن، ويضع رجليه الكريمتين في وسطاهن، فلما ولى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قعد على وسطاهن، وجعل رجليه على أولاهن، فلما ولى عمر رضي الله عنه جلس على أولاهن وجعل رجليه على الأرض، وفعل ذلك عثمان رضي الله عنه صدرا من خلافته ثم ترقى إلى الثالثة.
ولما أن صار الأمر إلى معاوية رضي الله عنه أراد نقل المنبر إلى الشام فضجّ المسلمون وعصفت ريح شديدة وخسفت الشمس وبدت النجوم نهارا وأظلمت الأرض فكان الرجل يصادم الرجل ولا يتبيّن مسلكه، فلما رأى ذلك معاوية تركه وزاد فيه ستّ درجات من أسفله فبلغ تسع درجات «56» .
(1/355)

ذكر الخطيب والامام بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلّم تسليما
وكان الامام بالمسجد الشريف في عهد دخولي إلى المدينة بهاء الدين بن سلامة «57» من كبار أهل مصر، وينوب عنه العالم الصالح الزاهد بغية المشايخ عز الدين الواسطي «58» ، نفع الله به، وكان يخطب قبله ويقضي بالمدينة الشريفة سراج الدين عمر المصري «59» .
حكاية [سراج الدين وحلمه]
يذكر أن سراج الدّين هذا أقام في خطة القضاء بالمدينة والخطابة بها نحو أربعين سنة، ثم إنه أراد الخروج بعد ذلك إلى مصر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما في النوم ثلاث مرات، في كلّ مرة ينهاه عن الخروج منها، وأخبره باقتراب أجله فلم ينته عن ذلك، وخرج فمات بموضع يقال له السويس على مسيرة ثلاث من مصر قبل أن يصل اليها، نعوذ بالله من سوء الخاتمة، وكان ينوب عنه الفقيه عبد الله محمد بن فرحون، رحمه الله وابناؤه الآن بالمدينة الشريفة: أبو محمد عبد الله مدرّس المالكية، ونائب الحكم، وأبو عبد الله محمد، وأصلهم من مدينة تونس، ولهم بها حسب وأصالة «60» . وتولى الخطابة والقضاء بالمدينة الشريفة بعد ذلك جمال الدين الأسيوطي «61» من أهل مصر وكان قبل ذلك قاضيا بحصن الكرك.
(1/356)

ذكر خدام المسجد الشريف والمؤذنين به.
وخدام هذا المسجد الشريف وسدنته فتيان من الأحابيش وسواهم، وهم على هيأت حسان وصور نظاف، وملابس ظراف، وكبيرهم يعرف بشيخ الخدام، وهو في هيأة الأمراء الكبار، ولهم المرتبات بديار مصر والشام، ويوتي إليهم بها في كل سنة.
ورئيس المؤذنين بالحرم الشريف الإمام المحدث الفاضل جمال الدين المطري «62» من مطرية قرية بمصر، وولده الفاضل عفيف الدين عبد الله، والشيخ المجاور الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد الغرناطي المعروف بالتّرّاس «63» ، قديم المجاورة وهو الذي جبّ نفسه خوفا من الفتنة!
حكاية [هذا الشيخ الذي جب نفسه]
يذكر أن أبا عبد الله الغرناطي كان خديما لشيخ يسمى عبد الحميد العجمي، وكان الشيخ حسن الظن به يطمئن إليه بأهله وماله، ويتركه، متى سافر، بداره، فسافر مرة وتركه على عادته بمنزله فعلقت به زوجة الشيخ عبد الحميد وراودته عن نفسه فقال: إني أخاف الله ولا أخون من ائتمنني على أهله وماله! فلم تزل تراوده وتعارضه، حتى خاف على نفسه الفتنة وجبّ نفسه وغشى عليه ووجده الناس على تلك الحالة فعالجوه حتى برىء، وصار من خدام المسجد الكريم ومؤذنا به ورأس الطائفتين وهو باق بقيد الحياة إلى هذا العهد.
ذكر بعض المجاورين بالمدينة الشريفة.
منهم الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس أحمد بن محمد بن مرزوق «64» كثير العبادة
(1/357)

والصوم والصلاة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما صابر محتسب وكان ربما جاور بمكة المعظمة، رأيته بها سنة ثمان وعشرين وهو أكثر الناس طوافا وكنت أعجب من ملازمته الطواف مع شدة الحرّ بالمطاف، والمطاف مفروش بالحجارة السود وتصير بحر الشمس كأنها الصفائح المحماة، ولقد رأيت السقائين يصبّون الماء عليها فما يجاوز الموضع الذي يصبّ فيه إلا ويلتهب من حينه! وأكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون الجوارب، وكان أبو العباس بن مرزوق يطوف حافي القدمين، ورأيته يوما يطوف فأحببت أن أطوف معه فوصلت المطاف وأردت استلام الحجر الأسود فلحقني لهب تلك الحجارة وأردت الرجوع بعد تقبيل الحجر فما وصلته إلا بعد جهد عظيم! ورجعت فلم أطف، وكنت أجعل سجادتي «65» على الأرض وأمشي عليه حتى بلغت الرّواق.
وكان في ذلك العهد بمكة وزير غرناطة وكبيرها أبو القاسم محمد بن محمد ابن الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك الأزدي «66» ، وكان يطوف كل يوم سبعين أسبوعا «67» ، ولم يكن يطوف في وقت القائلة لشدة الحر، وكان ابن مرزوق يطوف في شدة القائلة زيادة عليه.
ومن المجاورين بالمدينة، كرّمها الله، الشيخ الصالح العابد سعيد المراكشي الكفيف، ومنهم الشيخ أبو مهدي عيسى بن حرزوز «68» المكناسي.
(1/358)

حكاية [شيخ تاه في الجبال]
جاور الشيخ أبو مهدي بمكة سنة ثمان وعشرين وخرج إلى جبل حراء مع جماعة من المجاورين فلما صعدوا الجبل وصلّوا بمتعبد النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، ونزلوا عنه تأخر أبو مهدي عن الجماعة ورأى طريقا في الجبل فظنه قاصدا فسلك عليه ووصل الصحابة إلى أسفل الجبل فانتظروه فلم يأت فتطلّعوا فيما حولهم فلم يروا له أثرا فظنوا أنه سبقهم فمضوا إلى مكة، شرفها الله تعالى، ومرّ عيسى على طريقه فأفضى به إلى جبل آخر وتاه عن الطريق، وأجهده العطش والحرّ وتمزّقت نعله فكان يقطع من ثيابه ويلفّ على رجليه إلى أن ضعف عن المشي واستظلّ بشجرة أن غيلان، فبعث الله أعرابيا على جمل حتّى وقف عليه، فاعلمه بحاله فأركبه وأوصله إلى مكة، وكان على وسطه هميان «69» فيه ذهب فسلّمه إليه، وأقام نحو شهر لا يستطيع القيام على قدميه، وذهبت جلدتهما ونبتت لهما جلدة أخرى وقد جرا مثل ذلك لصاحب لي اذكره ان شاء الله.
ومن المجاورين بالمدينة الشريفة أبو محمد السّروي «70» من القراء المحسنين، وجاور بمكة في السنة المذكورة، وكان يقرأ بها كتاب الشفاء للقاضي عياض «71» بعد صلاة الظهر وأمّ في التراويح بها، ومن المجاورين الفقيه أبو العباس الفاسي مدرس المالكية بها، وتزوّج ببنت الشيخ الصالح شهاب الدين الزّرندى.
حكاية [المرتكب الصّعب]
يذكر أن أبا العباس الفاسي تكلّم يوما مع بعض الناس فانتهى به الكلام إلى أن تكلم بعظيمة ارتكب فيها بسبب جهله بعلم النسب وعدم حفظه للسانه مرتكبا صعبا عفا الله عنه،
(1/359)

فقال: إن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام لم يعقّب، فبلغ كلامه إلى أمير المدينة طفيل بن منصور بن جمّاز الحسيني «72» فأنكر كلامه، ويحقّ إنكاره، وأراد قتله، فكلّم فيه فنفاه عن المدينة، ويذكر أنه بعث من اغتاله، وإلى الآن لم يظهر له أثر نعوذ بالله من عثرات اللسان وزلله!
ذكر أمير المدينة الشريفة
كان أمير المدينة كبيش بن منصور ابن جماز «73» ، وكان قد قتل عمه مقبلا، ويقال إنه توضأ بدمه ثم إن كبيشا خرج سنة سبع وعشرين، إلى الفلاة في شدة الحر ومعه أصحابه، فأدركتهم القائلة في بعض الأيام فتفرقوا تحت ظلال الأشجار فما راعهم إلا وأبناء مقبل في جماعة من عبيدهم ينادون: يا لثارات مقبل! فقتلوا كبيش بن منصور صبرا ولعقوا دمه! وتولى بعده أخوه طفيل بن منصور الذي ذكرنا أنه نفى أبا العبّاس الفاسي.
ذكر بعض المشاهد الكريمة بخارج المدينة الشريفة
فمنها بقيع الغرقد، وهو بشرقي المدينة المكرمة ويخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع، فأول ما يلقى الخارج إليه، على يساره عند خروجه من الباب قبر صفية بنت عبد المطلب، رضي الله عنهما، وهي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، وأم الزّبير بن العوّام «74» رضي الله عنه، وأمامها قبر إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء، وأمامه قبر السّلالة الطاهرة المقدسة النبوية الكريمة
(1/360)

إبراهيم بن رسول الله «75» صلى الله عليه وسلّم تسليما وعليه قبّة بيضاء، وعن يمينها تربة عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو المعروف بأبي شحمة، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، وقبر عبد الله بن ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما «76» ، وبإزائهم روضة يذكر أن قبور أمهات المؤمنين بها رضي الله عنهنّ، ويليها روضة فيها قبر العباس بن عبد المطلب «77» عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الإحكام عن يمين الخارج من باب البقيع ورأس الحسن إلى رجلي العباس عليهما السلام، وقبراهما مرتفعان عن الارض متسعان مغشّيان بالواح بديعة الالصاق مرصّعة بصفائح الصفر البديعة العمل، وبالبقيع قبور المهاجرين والأنصار وسائر الصّحابة رضي الله عنهم إلا أنها لا يعرف أكثرها، وفي آخر البقيع قبر أمير المؤمنين أبي عمر عثمان ابن عفّان رضي الله عنه، وعليه قبّة كبيرة «78» ، وعلى مقربة منه قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وعن ابنها. ومن المشاهد الكريمة قباء، وهو قبلى المدينة على نحو ميلين منها، والطريق بينهما في حدائق النخل، وبه المسجد الذي أسس على التقوى والرضوان، وهو مسجد مربّع فيه صومعة بيضاء طويلة تظهر على البعد، وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي صلى الله عليه وسلم تسليما يتبرك الناس بالصلاة فيه، وفي الجهة القبلية من صحنه محراب على مصطبة وهو أول موضع ركع فيه النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، وفي قبلى المسجد دار كانت لأبي أيوب الانصاري رضي الله عنه، ويليها دور تنسب لأبي بكر وعمر وفاطمة وعائشة، رضي الله عنهم وبإزائه بئر أريس، وهي التي عاد ماؤها عذبا لما تفل فيه النبي صلى الله
(1/361)

عليه وسلم تسليما بعد أن كان أجاجا، وفيها وقع الخاتم الكريم من عثمان رضي الله عنه «79» .
ومن المشاهد قبة حجر الزيت بخارج المدينة الشريفة، يقال إن الزيت رشح من حجر هنالك للنبي صلى الله عليه وسلم تسليما، وإلى جهة الشمال «80» منه بئر بضاعة وبإزائها جبل الشيطان حيث صرخ يوم أحد وقال: قتل نبيكم، وعلى شفير الخندق الذي حفره النبي صلى الله عليه وسلم تسليما «81» عند تحزب الأحزاب حصن خرب يعرف بحصن العزّاب يقال إن عمر بناه لعزّاب المدينة، وأمامه إلى جهة الغرب بئر رومة التي اشترى أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه نصفها بعشرين ألفا «82» .
ومن المشاهد الكريمة أحد «83» وهو الجبل المبارك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما: إن أحدا جبل يحبّنا ونحبّه، وهو بجوفي المدينة الشريفة على نحو فرسخ منها، وبإزائه الشهداء المكرمون رضي الله عنهم، وهنالك قبر حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما ورضي الله عنه وحوله الشهداء المستشهدون في أحد رضي الله عنهم، وقبورهم لقبلىّ أحد، وفي طريق أحد مسجد ينسب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(1/362)

ومسجد ينسب «84» إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه ومسجد الفتح حيث أنزلت سورة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما.
وكانت إقامتنا بالمدينة الشريفة في هذه الوجهة أربعة أيام، وفي كل ليلة نبيت بالمسجد الكريم، والنّاس قد حلّقوا في صحنه حلقا وأوقدوا الشمع الكثير، وبينهم ربعات القرآن الكريم يتلونه، وبعضهم يذكرون الله، وبعضهم في مشاهدة التربة الطاهرة زادها الله طيبا، والحداة بكل جانب يترنمون بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، وهكذا دأب الناس في تلك الليالي المباركة، ويجودون بالصّدقات الكثيرة على المجاورين والمحتاجين.
وكان في صحبتي في هذه الوجهة من الشام إلى المدينة الشريفة رجل من أهلها فاضل يعرف بمنصور بن شكل «85» ، وأضافني بها، واجتمعنا بعد ذلك بحلب وبخاري، وكان في صحبتي أيضا قاضي الزيدية «86» شرف الدين قاسم بن سنان، وصحبني أيضا أحد الصلحاء الفقراء من أهل غرناطة يسمى بعلي بن حجر الأموي.
حكاية [الهاتف بالليل]
لما وصلنا إلى المدينة كرمها الله، وصلى الله على ساكنها أفضل الصلاة ذكر لي عليّ بن حجر المذكور أنه رأى تلك الليلة في النوم قائلا يقول له: اسمع مني واحفظ عني.
هنيئا لكم يا زائرين ضريحه ... أمنتم به يوم المعاد من الرجس
وصلتم إلى قبر الحبيب بطيبة ... فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسي!
(1/363)

وجاور هذا الرجل بعد حجّه بالمدينة، ثم رحل إلى مدينة دهلى قاعدة بلاد الهند في سنة ثلاث وأربعين «87» فنزل في جواري وذكرت حكاية رؤياه بين يدي ملك الهند، فأمر بإحضاره فحضر بين يديه، وحكى له ذلك فأعجبه واستحسنه وقال له كلاما جميلا بالفارسية، وأمر بإنزاله وأعطاه ثلاثمائة تنكة من ذهب، ووزن التنكة من دنانير المغرب ديناران ونصف دينار، وأعطاه فرسا محلّى السرج واللّجام وخلعة، وعيّن له مرتّبا في كل يوم.
وكان هناك فقيه طيّب من أهل غرناطة ومولده ببجاية يعرف هنالك بجمال الدين المغربي فصحبه علي بن حجر المذكور وواعده على أن يزوّجه بنته وأنزله بدويرة خارج داره واشترى جارية وغلاما، وكان يترك الدنانير في مفرش ثيابه ولا يطمئن بها لأحد فاتفقا:
الغلام والجارية على أخذ ذلك الذهب وأخذاه وهربا، فلما أتى الدار لم يجد لهما أثرا ولا للذهب، فامتنع من الطعام والشراب واشتد به المرض أسفا على ما جرى عليه، فعرضت قضيته بين يدي الملك فأمر أن يخلف له ذلك فبعث إليه من يعلمه بذلك فوجده قد مات رحمه الله تعالى.
وكان رحيلنا من المدينة، نريد مكة شرفهما الله، فنزلنا بقرب مسجد ذي الحليفة الذي أحرم «88» منه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، والمدينة منه على خمسة أميال، وهو منتهي حرم المدينة، وبالقرب منه وادي العقيق، وهنالك تجردت من مخيط الثياب، واغتسلت ولبست ثوب إحرامي، وصليت ركعتين وأحرمت بالحج مفردا «89» ولم أزل ملبيا في كل سهل وجبل وصعود وحدور إلى أن أتيت شعب عليّ عليه السلام «90» ، وبه نزلت تلك الليلة، ثم
(1/364)

رحلنا منه ونزلنا بالرّوحاء «91» وبها بئر تعرف ببئر ذات العلم، ويقال إن عليا عليه السلام قاتل بها الجن «92» ، ثم رحلنا ونزلنا بالصفراء «93» وهو واد معمور فيه ماء ونخل وبنيان وقصر يسكنه الشّرفاء الحسنيون وسواهم وفيها حصن كبير، وتواليه حصون كثيرة وقرى متصلة. ثم رحلنا منه ونزلنا ببدر «94» حيث نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم تسليما وأنجز وعده الكريم واستأصل صناديد المشركين، وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة، وبها حصن منيع يدخل اليه من بطن واد بين جبال، وببدر عين فوّارة يجرى ماؤها، وموضع القليب الذي سحب به أعداء الله المشركون هو اليوم بستان وموضع الشهداء رضي الله عنهم خلفه، وجبل الرحمة الذي نزلت به الملائكة «95» على يسار الداخل منه إلى الصفراء وبإزائه جبل الطبول، وهو شبه كثيب الرمل ممتد، ويزعم أهل تلك البلاد أنهم يسمعون هنالك مثل أصوات الطبول في كل ليلة جمعة، وموضع عريش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان به يوم بدر يناشد ربّه جلّ وتعالى متصل بسفح جبل الطبول، وموضع الوقيعة أمامه، وعند نخل القليب مسجد يقال له مبرك ناقة النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، وبين بدر والصّفراء نحو بريد «96» في واد بين جبال تطرّد فيه العيون وتتصل حدائق النخل.
ورحلنا من بدر إلى الصحراء المعروفة بقاع البزواء «97» وهي برية يضل بها الدليل، ويذهل عن خليله الخليل، مسيرة ثلاث، وفي منتهاها وادي رابغ يتكون فيه بالمطر غدران يبقى
(1/365)

بها الماء زمانا طويلا، ومنه يحرم حجاج مصر والمغرب وهو دون الجحفة «98» .
وسرنا من رابغ ثلاثا إلى خليص «99» ، ومررنا بعقبة السّويق وهي على مسافة نصف يوم من خليص كثيرة الرمل، والحجاج يقصدون شرب السّويق بها ويستصحبونه من مصر والشّام برسم ذلك، ويسقونه الناس مخلطا بالسكر، والأمراء يملأون منه الأحواض ويسقونه الناس ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بها ولم يكن مع أصحابه طعام فأخذ من رملها فأعطاهم إياه فشربوه سويقا.
ثم نزلنا بركة خليص «100» وهي في بسيط من الأرض كثيرة حدائق النخل لها حصن مشيد في قنّة جبل، وفي البسيط حصن خرب وبها عين فوارة قد صنعت لها أخاديد في الأرض وسربت إلى الضياع، وصاحب خليص شريف حسني النسب، وعرب تلك الناحية يقيمون هنالك سوقا عظيمة يجلبون إليها الغنم والتمر والإدام.
ثم رحلنا إلى عسفان «101» وهي في بسيط من الأرض بين جبال، وبها آبار ماء معين تنسب إحداها إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، والمدرّج المنسوب إلى عثمان أيضا على مسافة نصف يوم من خليص، وهو مضيق بين جبلين وفي موضع منه بلاط على صورة درج وأثر عمارة قديمة، وهنالك بئر تنسب إلى عليّ عليه السلام ويقال إنه أحدثها.
وبعسفان حصن عتيق وبرج مشيد قد أوهنه الخراب وبه من شجر المقل «102» كثير.
(1/366)

ثم رحلنا من عسفان ونزلنا بطن مرّ ويسمى أيضا مرّ الظهران «103» ، وهو واد مخصب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة تسقى تلك النّاحية، ومن هذا الوادي تجلب الفواكه والخضر إلى مكة شرفها الله تعالى.
ثم أدلجنا من هذا الوادي المبارك والنفوس مستبشرة ببلوغ أمالها، مسرورة بحالها ومآلها، فوصلنا عند الصباح إلى البلد الأمين مكة شرفها الله تعالى فوردنا منها على حرم الله تعالى ومبوّأ خليله ابراهيم، ومبعث صفيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودخلنا البيت الحرام الشريف الذي من دخله كان آمنا. من باب بني شيبة «104» ، وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيما وهي كالعروس تجلى على منصة الجلال، وترفل في برود الجمال، محفوفة بوفود الرحمن، موصلة إلى جنّة الرّضوان، وطفنا بها طواف «105» القدوم واستلمنا الحجر الكريم، وصلّينا ركعتين بمقام ابراهيم، وتعلّقنا بأستار الكعبة عند الملتزم، بين الباب والحجر الأسود حيث يستجاب الدعاء، وشربنا من ماء زمزم، وهو لما شرب له، حسبما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، ثم سعينا بين الصفا والمروة ونزلنا هنالك بدار بمقربة من باب إبراهيم، والحمد لله الذي شرفنا بالوفادة على هذا البيت الكريم وجعلنا ممن بلغته دعوة الخليل عليه الصلاة والتسليم، ومتّع أعيننا بمشاهدة الكعبة الشريفة والمسجد العظيم والحجر «106» والحجر الكريم، وزمزم والحطيم.
ومن عجائب صنع الله تعالى أنّه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبّها متمكنا في القلوب فلا يحلّها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه ولا يفارقها إلّا أسفا لفراقها، متولّها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين ومحبتها حشو القلوب حكمة من
(1/367)

الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام، والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها، ويشاهد التّلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة، ولا كابد محنة ولا نصبا، إنه لأمر إلاهي، وصنع ربّاني، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة، ولا يطرقها تمويه، تقوى بصيرة المستبصر وتسدد فكرة المتفكر «107» . ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء، فقد أنعم الله عليه النعمة الكبرى، وخوّله خير الدارين: الدنيا والأخرى، فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوله ويديم الحمد على ما أولاه، جعلنا الله تعالى ممّن قبلت زيارته وربحت في قصدها تجارته، وكتبت في سبيل الله آثاره، ومحيت بالقبول أوزاره بمنّه وكرمه.
ذكر مدينة مكة المعظمة
وهي «108» مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحفّ به الجبال فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة عليه ليست بمفرطة الشموخ، والأخشبان «109» من جبالها: هما جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب منها، وجبل قعيقعان وهو في جهة الغرب «110» . منها وفي الشمال منها الجبل الأحمر، ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر، وأجياد الأصغر وهما شعبان «111» والخندمة وهي جبل وستذكر، والمناسك كلّها منى
(1/368)

منظر عام للحرم الشريف ومكة المكرمة (1787) م
(1/369)

وعرفة. والمزدلفة بشرقي مكة شرفها الله. ولمكة من الأبواب ثلاث باب المعلى بأعلاها، وباب الشّبيكة من أسفلها ويعرف أيضا بباب الزاهر وبباب العمرة وهو إلى جهة المغرب وعليه طريق المدينة الشريفة ومصر والشام وجدة، ومنه يتوجه إلى التنعيم، وسيذكر ذلك، وباب المسفل وهو من جهة الجنوب، ومنه دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم الفتح.
ومكة شرفها الله، كما أخبر الله في كتابه العزيز حاكيا عن نبيه الخليل، بواد غير ذي زرع، ولكن سبقت لها الدعوة المباركة فكل طرفة تجلب إليها، وثمرات كل شيء تجبى لها «112» .
ولقد أكلت بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرّطب مالا نظير له في الدنيا، وكذلك البطّيخ المجلوب اليها لا يماثله سواه طيبا وحلاوة واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم، وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه، وتجلب لها الفواكه والخضر من الطائف «113» ووادي نخلة وبطن مرّ، لطفا من الله بسكان حرمه الأمين ومجاوري بيته العتيق.
ذكر مسجد الحرام شرفه الله وكرمه
والمسجد الحرام في وسط البلد وهو متسع الساحة طوله من شرق إلى غرب أزيد من أربعمائة ذراع، حكى ذلك الأزرقي «114» ، وعرضه يقرب من ذلك والكعبة العظمى في وسطه، ومنظره بديع، ومرآه جميل، لا يتعاطى اللّسان وصف بدائعه، ولا يحيط الواصف بحسن كماله، وارتفاع حيطانه نحو عشرين ذراعا وسقفه على أعمدة طوال مصطفة ثلاثة صفوف بأتقن صناعة وأجملها، وقد انتظمت بلاطاته الثلاثة انتظاما عجيبا كأنها بلاد واحد، وعدد سواريه الرخامية أربعمائة واحدى وتسعون سارية «115» ما عدا الجصيّة التي في دار النّدوة
(1/370)

«116» المزيدة في الحرم، وهي داخلة في البلاط الآخذ في الشمال «117» ويقابلها المقام مع الركن العراقي، وفضاؤها متصل يدخل من هذا البلاط إليه، ويتصل بجدار هذا البلاط مساطب تحت قسّي حنايا يجلس بها المقرؤون والنساخون والخياطون، وفي جدار البلاط الذي يقابله مساطب تماثلها، وسائر البلاطات تحت جداراتها مساطب دون حنايا، وعند باب إبراهيم «118» مدخل من البلاط الغربي فيه سواري جصّية وللخليفة المهدي محمد بن الخليفة أبي جعفر المنصور رضي الله عنهما آثار كريمة في توسيع المسجد الحرام وإحكام بنائه وفي أعلى جدار البلاط الغربي مكتوب: أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة المسجد الحرام لحاج بيت الله وعمّاره في سنة سبع وستين ومائة «119» .
ذكر الكعبة المعظمة الشريفة زادها الله تعظيما وتكريما
والكعبة ماثلة في وسط المسجد وهي بنية مربعة ارتفاعها في الهواء من الجهات الثلاث ثمان وعشرون ذراعا، ومن الجهة الرابعة التي بين الحجر الأسود والركن اليماني تسع وعشرون ذراعا وعرض صفحتها التي من الركن العراقي إلى الحجر الأسود أربعة وخمسون شبرا، وكذلك عرض الصفحة التي تقابلها من الرّكن اليماني إلى الركن الشامي وعرض صفحتها التي من الركن العراقي إلى الركن الشامي، من داخل الحجر ثمانية وأربعون شبرا، وكذلك عرض الصفحة التي تقابلها من الركن الشامي إلى الركن العراقي، وأما خارج الحجر فإنه مائة وعشرون شبرا. والطواف إنما هو خارج الحجر، وبناؤها بالحجارة الصم السمر قد ألصقت بأبدع الإلصاق واحكمه واشده فلا تغيرها الأيام، ولا تؤثر فيها الأزمان، وباب الكعبة المعظمة في الصفح الذي بين الحجر الاسود والركن العراقي، وبينه وبين الحجر الاسود عشرة أشبار، وذلك الموضع هو المسمى بالملتزم حيث يستجاب الدعاء، وارتفاع الباب عن الأرض أحد عشر شبرا ونصف شبر، وسعته ثمانية أشبار، وطوله ثلاثة عشر شبرا، وعرض الحائط الذي ينطوي عليه خمسة أشبار وهو مصفح بصفائح الفضّة، بديع الصنعة وعضادتاه
(1/371)

وعتبته العليا مصفّحات بالفضة وله نقّارتان كبيرتان من فضة عليهما قفل، ويفتح الباب الكريم في كل يوم جمعة بعد الصلاة، ويفتح في يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما «120» ورسمهم في فتحه أن يضعوا كرسيا شبه المنبر، له درج وقوايم خشب لها أربع بكرات، يجري الكرسي عليها ويلصقونه إلى جدار الكعبة الشريفة فيكون درجه الأعلى متصلا بالعتبة الكريمة، ثم يصعد كبير الشّيبيين «121» وبيده المفتاح الكريم ومعه السّدنة فيمسكون الستر المسبل على باب الكعبة المسمّى بالبرقع بخلال ما يفتح رئيسهم الباب، فإذا فتحه قبّل العتبة الشريفة ودخل البيت وحده وسدّ الباب، وأقام قدر ما يركع ركعتين، ثم يدخل سائر الشيبيين ويسدون الباب أيضا ويركعون، ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول، وفي أثناء ذلك يقفون مستقبلين الباب الكريم بأبصار خاشعة، وقلوب ضارعة، وأيدي مبسوطة إلى الله تعالى فإذا فتح كبّروا ونادوا: اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين. وداخل الكعبة الشريفة مفروش بالرخام المجزّع، وحيطانه كذلك، وله أعمدة ثلاثة طوال مفرطة الطول من خشب الساج، بين كلّ عمود منها وبين الآخر أربع خطى وهي متوسطة في الفضاء داخل الكعبة الشريفة يقابل الاوسط منها نصف عرض الصفح الذي بين الركنين اليمني «122» والشامي.
وستور الكعبة الشريفة من الحرير الأسود مكتوب فيها بالأبيض «123» وهي تتلألأ، عليها نورا وإشراقا وتكسو جميعها من الأعلى إلى الأرض، ومن عجائب الآيات في الكعبة الكريمة أن بابها يفتح والحرم غاصّ بأمم لا يحصيها الا الله الذي خلقهم ورزقهم فيدخلونها أجمعون ولا تضيق عنهم، ومن عجائبها أنها لا تخلو عن طائف أبدا ليلا ولا نهارا، ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف، ومن عجائبها أن حمام مكة على كثرته وسواه من الطير لا ينزل عليها ولا يعلوها في الطّيران، وتجد الحمام يطير على أعلى الحرم كلّه فإذا حاذي الكعبة الشريفة عرّج عنها إلى إحدى الجهات ولم يعلها، ويقال إنه لا ينزل عليها طائر إلا إذا كان به مرض، فإما أن يموت لحينه أو يبرأ من مرضه، فسبحان الذي خصّها بالتشريف والتكريم، وجعل لها المهابة والتعظيم.
(1/372)

ذكر الميزاب المبارك
والميزاب في أعلى الصفح الذي على الحجر وهو من الذّهب، وسعته شبر واحد، وهو بارز بمقدار ذراعين «124» والموضع الذي تحت الميزاب مظنة استجابة الدعاء، وتحت الميزاب في الحجر هو قبر إسماعيل عليه السلام، وعليه رخامة خضراء مستطيلة على شكل محراب متصلة برخامة خضراء مستديرة، وكلتاهما سعتها مقدار شبر ونصف شبر، وكلتاهما غريبة الشكل رائقة المنظر، وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر عليها السلام، وعلامته رخامة خضراء مستديرة سعتها مقدار شبر ونصف وبين القبرين سبعة أشبار.
ذكر الحجر الأسود
وأما الحجر فارتفاعه عن الأرض ستة أشبار فالطويل من الناس يتطأ من لتقبيله، والصغير يتطاول إليه، وهو ملصق في الركن الذي إلى جهة المشرق، وسعته ثلثا شبر وطوله شبر وعقد، ولا يعلم قدر ما دخل منه في الركن، وفيه أربع قطع ملصقة، ويقال: إن القرمطي لعنه الله، كسره «125» وقيل: إن الذي كسره سواه ضربه بدبّوس فكسره «126» ، وتبادر الناس إلى قتله، وقتل بسببه جماعة من المغاربة «127» . وجوانب الحجر مشدودة بصفيحة فضة يلوح بياضها على سواد الحجر الكريم فتجتلي منه العيون حسنا باهرا، ولتقبيله لذة يتنعم بها الفم ويود لاثمه أن لا يفارق لثمه، خاصيّة مودعة فيه وعناية ربانية به وكفى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه يمين الله في أرضه نفعنا الله باستلامه ومصافحته وأوفد عليه كلّ شيق اليه.
(1/373)

وفي القطعة الصحيحة من الحجر الاسود مما يلي جانبه الموالي ليمين مستلمة نقطة بيضاء صغيرة مشرقة كأنها خال في تلك الصفحة البهية، وترى الناس إذا طافوا بها يتساقط بعضهم على بعض ازدحاما على تقبيله، فقلما يتمكن أحد من ذلك إلا بعد المزاحمة الشديدة «128» ، وكذلك يصنعون عند دخول البيت الكريم، ومن عند الحجر الأسود مبتدأ الطواف، وهو أول الاركان التي يلقاها الطائف، فإذا استلمه تقهقر عنه قليلا وجعل الكعبة الشريفة عن يساره ومضى في طوافه ثم يلقى بعده الركن العراقي وهو إلى جهة الشمال ثم يلقى الركن الشامي وهو إلى جهة الغرب ثم يلقى الركن اليماني وهو إلى جهة الجنوب، ثم يعود إلى الحجر الأسود وهو إلى جهة الشرق.
ذكر المقام الكريم
إعلم أن بين باب الكعبة شرّفها الله وبين الركن العراقي موضعا «129» طوله اثنا عشر شبرا وعرضه نحو النصف من ذلك وارتفاعه نحو شبرين، وهو موضع المقام في مدّة إبراهيم عليه السلام، ثم صرفه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الموضع الذي هو الآن مصلّى، وبقى ذلك الموضع شبه الحوض، وإليه ينصبّ ماء البيت الكريم إذا غسل «130» وهو موضع مبارك يزدحم الناس للصلاة فيه.
وموضع المقام الكريم يقابل ما بين الركن العراقي والباب الكريم، وهو إلى الباب أميل وعليه قبّة تحتها شباك حديد متجاف عن المقام الكريم قدر ما تصل أصابع الإنسان إذا أدخل يده من ذلك الشباك إلى الصندوق، والشباك مقفل، ومن ورائه موضع محوز قد جعل مصلّى لركعتي الطواف، وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما لمّا دخل المسجد أتى البيت فطاف به سبعا ثم أتى المقام، فقرأ: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى «131» ، وركع خلفه ركعتين، وخلف المقام مصلّى إمام الشافعية في الحطيم الذي هنالك.
(1/374)

ذكر الحجر والمطاف.
ودور جدار الحجر تسع وعشرون خطوة، وهي أربعة وتسعون شبرا من داخل الدائرة، وهو بالرخام البديع المجزّع المحكم الإلصاق، وارتفاعه خمسة أشبار ونصف شبر، وسعته أربعة أشبار ونصف شبر، وداخل الحجر بلاط واسع مفروش بالرخام المجزّع المنظم المعجز الصنعة، البديع الإتقان، وبين جدار الكعبة الشريفة الذي تحت الميزاب وبين ما يقابله من جدار الحجر على خط استواء أربعون شبرا. وللحجر مدخلان: أحدهما: بينه وبين الركن العراقي وسعته ستة أذرع، وهذا الموضع هو الذي تركته قريش من البيت حين بنته، كما جاءت الآثار الصّحاح، والمدخل الآخر عند الركن الشامي وسعته أيضا ستة أذرع، وبين المدخلين ثمانية وأربعون شبرا.
وموضع الطواف مفروش بالحجارة السود محكمة الإلصاق، وقد اتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا إلا في الجهة التي تقابل المقام الكريم فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به، وسائر الحرم مع البلاطات مفروش برمل أبيض، وطواف النساء، في آخر الحجارة المفروشة.
ذكر زمزم المباركة
وقبّة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود، وبينهما أربع وعشرون خطوة والمقام الكريم عن يمين القبة، ومن ركنها إليه عشر خطا، وداخل القبة مفروش بالرخام الأبيض، وتنّور البئر المباركة في وسط القبة مائلا إلى الجدار المقابل للكعبة الشريفة، وهو من الرّخام البديع الإلصاق مفروغ بالرصاص، ودوره أربعون شبرا وارتفاعه أربعة أشبار ونصف شبر، وعمق البئر إحدى عشرة قامة. وهم يذكرون أن ماءها يتزايد في كل ليلة جمعة «132» ، وباب القبة إلى جهة الشرق، وقد استدارت بداخل القبة سقاية سعتها شبر وعمقها مثل ذلك، وارتفاعها عن الأرض نحو خمسة أشبار تملأ ماء الوضوء وحولها مسطبة دائرة يقعد الناس عليها للوضوء.
ويلي قبة زمزم، قبّة الشراب المنسوبة إلى العباس رضي الله عنه «133» ، وبابها إلى
(1/375)

جهة الشمال، وهي الآن يجعل بها ماء زمزم في قلال يسمونها الدّوارق «134» ، وكلّ دورق له مقبض واحد، وتترك بها ليبرد فيها الماء فيشربه الناس.
وبها اختزان المصاحف الكريمة والكتب التي للحرم الشريف، وبها خزانة تحتوي على تابوت مبسوطة متسع فيه مصحف كريم بخط زيد بن ثابت «135» رضي الله عنه منتسخ سنة ثمان عشرة من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، «136» وأهل مكة إذا أصابهم قحط أو شدة أخرجوا هذا المصحف الكريم وفتحوا باب الكعبة الشريفة ووضعوه على العتبة الشريفة ووضعوا في مقام إبراهيم عليه السلام، واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين متوسلين بالمصحف العزيز فلا ينفصلون إلا وقد تداركهم الله برحمته، وتغمدهم بلطفه.
ويلي قبة العباس رضي الله عنه على انحراف منها القبّة المعروفة بقبة اليهودية «137»
ذكر أبواب المسجد الحرام وما دار به من المشاهد الشريفة.
وأبواب المسجد الحرام شرّفه الله تعالى تسعة عشر بابا، وأكثرها مفتحة على أبواب كثيرة، فمنها باب الصّفا وهو مفتح على خمسة أبواب وكان قديما يعرف بباب بني مخزوم «138» ، وهو أكبر أبواب المسجد، ومنه يخرج إلى المسعى، ويستحب للوافد على مكة أن يدخل للمسجد الحرام شرّفه الله من باب بني شيبة ويخرج بعد طوافه من باب الصّفا جاعلا طريقه بين الاسطوانتين اللتين أقامهما أمير المؤمنين المهدي رحمه الله علما على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما إلى الصفا.
(1/376)

ومنها باب أجياد الأصغر «139» مفتح على بابين، ومنها باب الخياطين مفتح على بابين، ومنها باب العباس رضي الله عنه مفتح على ثلاثة أبواب «140» ، ومنها باب النبي صلى الله عليه وسلم تسليما «141» مفتح على بابين، ومنها باب بني شيبة «142» ، وهو في ركن الجدار الشرقي من جهة الشمال أمام باب الكعبة الشريفة متياسرا وهو مفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء، ومنها باب صغير إزاء باب بني شيبة لا اسم له، وقيل يسمى باب الرّباط «143» لأنه يدخل منه لرباط السّدرة، ومنها باب الندوة، ويسمى بذلك ثلاثة أبواب: اثنان منتظمان والثالث في الركن الغربي من دار الندوة، ودار الندوة قد جعلت مسجدا شارعا في الحرم مضافا إليه وهي تقابل الميزاب، ومنها باب صغير لدار العجلة «144» ، محدث، ومنها باب السدّة «145» واحد، ومنها باب العمرة «146» واحد، وهو من أجمل أبواب الحرم، ومنها باب إبراهيم «147» واحد، والناس مختلفون في تسميته: فبعضهم ينسبه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، والصحيح أنه منسوب إلى إبراهيم الخوزي من الأعاجم «148» ، ومنها باب الحزورة «149» مفتح على بابين، ومنها باب أجياد الأكبر «150» مفتّح على بابين، ومنها باب ينسب إلى أجياد أيضا مفتح على بابين
(1/377)

«151» ، وباب ثالث ينسب إليه مفتّح على بابين، ويتصل لباب الصفا، ومن الناس من ينسب البابين من هذه الاربعة المنسوبة للأجياد إلى الدقّاقين «152» .
وصوامع المسجد الحرام خمس «153» إحداهنّ على ركن أبي قبيس عند باب الصفا، والأخرى على ركن باب بني شيبة، والثالثة على باب دار الندوة، والرابعة على ركن باب السّدّة، والخامسة على ركن أجياد.
وبمقربة من باب العمرة مدرسة عمّرها السلطان المعظم يوسف ابن رسول ملك اليمن المعروف بالملك المظفر الذي تنسب إليه الدراهم المظفرية باليمن، وهو كان يكسو الكعبة إلى أن غلبه على ذلك الملك المنصور «154» قلاوون.
وبخارج باب إبراهيم زاوية كبيرة فيها دار إمام المالكية الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المدعو بخليل «155» ، وعلى باب إبراهيم قبة عظيمة مفرطة السمو قد صنع في
(1/378)

داخلها من غرائب صنع الجص ما يعجز عنه الوصف، وبإزاء هذا الباب عن يمين الداخل إليه كان يقعد الشيخ العابد جلال الدين محمد بن أحمد الأقشهري «156» ، وخارج باب إبراهيم بئر تنسب كنسبته، وعنده أيضا دار الشيخ الصالح دانيال العجمي الذي كانت صدقات العراق في أيام السلطان أبي سعيد «157» تأتي على يديه، وبمقربة منه رباط الموفّق، وهو من أحسن الرّباطات، وسكنته أيام مجاورتي بمكة العظيمة، وكان به في ذلك العهد الشيخ الصالح أبو عبد الله الزواوي «158» المغربي، وسكن به أيضا الشيخ الصالح الطيار سعادة الجوّاني، ودخل يوما إلى بيته بعد صلاة العصر فوجد ساجدا مستقبل الكعبة الشريفة ميتا من غير مرض كان به، رضي الله عنه، وسكن به الشيخ الصالح شمس الدين محمد الشامي نحوا من أربعين سنة، وسكن به الشيخ الصالح شعيب المغربي «159» من كبار الصالحين، دخلت عليه يوما فلم يقع بصري في بيته على شيء سوى حصير فقلت له في ذلك، فقال لي: أستر عليّ ما رأيت.
وحول الحرم الشريف دور كثيرة لها مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح الحرم، وأهلها في مشاهدة البيت الشريف على الدوام، ودور لها أبواب تفضي إلى الحرم، منها دار زبيدة زوج الرشيد أمير المؤمنين «160» ، ومنها دار العجلة ودار الشرابي وسواها.
ومن المشاهد الكريمة بمقربة من المسجد الحرام قبة الوحي ودار خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بمقربة من باب النبي صلى الله عليه وسلم، وفي البيت قبة صغيرة حيث ولدت
(1/379)

فاطمة عليها السلام «161» ، وبمقربة منها دار أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويقابلها جدار مبارك فيه حجر مبارك بارز طرفه من الحائط يستلمه الناس ويقال له، إنه كان يسلّم على النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم تسليما جاء يوما إلى دار أبي بكر الصديق ولم يكن حاضرا فنادى به النبي صلى الله عليه وسلم تسليما فنطق ذلك الحجر وقال يا رسول الله: إنه ليس بحاضر.
ذكر الصفا والمروة
ومن باب الصفا الذي هو أحد أبواب المسجد الحرام إلى الصفا ست وسبعون خطوة، وسعة الصفا سبعة عشرة خطوة وله أربع عشرة درجة، عليا هنّ كأنها مسطبة، وبين الصفا والمروة أربعمائة وثلاث وتسعون خطوة، منها من الصفا إلى الميل الأخضر ثلاث وتسعون خطوة، ومن الميل الأخضر إلى الميلين الأخضرين خمس وسبعون خطوة، ومن الميلين الأخضرين إلى المروءة ثلاث مائة وخمس وعشرون خطوة، وللمروة خمس درجات، وهي ذات قوس واحد كبير، وسعة المروة سبع عشرة خطوة، والميل الأخضر هو سارية خضراء مثبتة مع ركن الصومعة التي علي الركن الشرقي من الحرم عن يسار الساعي إلى المروة، والميلان الأخضران هما ساريتان خضروان إزاء باب عليّ، من أبواب الحرم، إحداهما في جدار الحرم عن يسار الخارج من الباب، والأخرى تقابلها، وبين الميل الأخضر والميلين الأخضرين يكون الرّمل ذاهبا وعائدا، وبين الصفا والمروة مسيل فيه سوق عظيمة يباع فيها الحبوب واللحم والتمر والسمن وسواها من الفواكه، والسّاعون بين الصفا والمروة لا يكادون يخلصون لإزدحام الناس على حوانيت الباعة، وليس بمكة سوق منتظمة سوى هذه إلا البزّازون والعطارون عند باب بني شيبة.
وبين الصفا والمروة دار العباس رضي الله عنه وهي الآن رباط يسكنه المجاورون، عمّره الملك الناصر رحمه الله، وبنى أيضا دار وضوء فيما بين الصفا والمروة سنة ثمان وعشرين، وجعل لها بابين أحدهما في السوق المذكورة والأخر في سوق العطارين، وعليها
(1/380)

ربع يسكنه خدامها، وتولى بناء ذلك الأمير علاء الدين بن هلال «162» ، وعن يمين المروة دار أمير مكة سيف الدين عطيفة بن أبي نمي وسنذكره.
ذكر الجبّانة المباركة
وجبّانة مكة خارج باب المعلى، ويعرف ذلك الموضع أيضا بالحجون وإياه عنى الحارث بن مضاض الجرهمي «163» بقوله:
كأن لم يكن بين الحجون «164» إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى! نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف اللّيالي والجدود العواثر!!
وبهذه الجبّانة مدفن الجم الغفير من الصحابة والتابعين، والعلماء والصالحين، والأولياء إلا أن مشاهدهم دثرت وذهب عن أهل مكة علمها فلا يعرف منها إلا القليل، فمن المعروف منها قبر أم المؤمنين، ووزيرة سيد المرسلين، خديجة بنت خويلد أم أولاد النبي صلى الله عليه وسلم تسليما كلّهم ما عدا إبراهيم، وجدّة السّبطين الكريمين، صلوات الله وسلامه على النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، وعليهم أجمعين، وبمقربة منه قبر الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور «165» عبد الله بن محمد ابن علي بن عبد الله بن العباس رضي الله عنهم أجمعين، وفيها الموضع الذي صلّب فيه عبد الله بن الزّبير «166» رضي الله عنهما، وكان به
(1/381)

بنيّة هدمها أهل الطائف غيرة منهم لما كان يلحق حجّاجهم البئيس «167» من اللّعن، وعن يمين مستقبل الجبّانة مسجد خرب يقال: إنه المسجد الذي بايعت الجنّ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما «168» وعلى هذه الجبّانة طريق الصاعد إلى عرفات وطريق الذاهب إلى الطائف وإلى العراق.
ذكر بعض المشاهد خارج مكة
فمنها الحجون وقد ذكرناه، ويقال أيضا: إن الحجون هو الجبل المطل على الجبّانة، ومنها المحصّب «169» وهو أيضا الأبطح وهو يلي الجبّانة المذكورة، وفيه خيف بني كنانة الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما «170» ، ومنها ذو طوى «171» وهو وادي يهبط على قبور المهاجرين التي بالحصحاص دون ثنيّة كداء، ويخرج منه إلى الأعلام الموضوعة حجزا بين الحلّ والحرم «172» ، وكان عبد الله ابن عمر رضي الله عنه إذا قدم مكة شرّفها الله تعالى يبيت بذي طوى ثم يغتسل منه ويغدو إلى مكة، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما فعل ذلك، ومنها ثنية كدى بضم الكاف «173» ، وهي بأعلى مكة ومنها دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما في حجة الوداع، إلى مكة، ومنها ثنية كداء، بفتح الكاف، ويقال لها الثنية البيضاء، وهي بأسفل مكة، ومنها خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما عام الوداع وهي بين جبلين، وفي مضيقها كوم حجارة موضوع على الطريق وكلّ من يمر به يرجمه بحجر، ويقال إنه قبر أبي لهب، وزوجه حمالة الحطب «174» . وبين هذه الثنية وبين مكة بسيط سهل ينزله الركب إذا صدروا عن منى، وبمقربة من هذا الموضع على نحو ميل من مكة شرفها الله مسجد بإزائه حجر موضوع على الطريق كأنه مسطبة، يعلوه حجر آخر كان فيه نقش فدثر رسمه يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم تسليما قعد بذلك
(1/382)

الموضع مستريحا عند مجيئه من عمرته فيتبرك الناس بتقبيله ويستندون إليه. ومنها التنعيم، وهو على فرسخ من مكة، ومنه يعتمر أهل مكة وهو أدنى الحلّ إلى الحرم، ومنه اعتمرت أم المومنين عائشة رضي الله عنها حين بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما في حجة الوداع مع أخيها عبد الرحمن رضي الله عنه، وأمره أن يعمرها من التنعيم، وبنيت هنالك مساجد ثلاثة على الطريق تنسب كلها إلى عائشة رضي الله عنها، وطريق التّنعيم طريق فسيح، والناس يتحرون كنسه في كلّ يوم رغبة في الأجر والثواب لأن من المعتمرين من يمشي فيه حافيا، وفي هذا الطريق الآبار العذبة التي تسمى الشّبيكة.
ومنها الزاهر وهو على نحو ميلين من مكة على طريق التنعيم، وهو موضع على جانبي الطريق فيه أثر دور وبساتين وأسواق، وعلى جانب الطريق دكان مستطيل تصفّ عليه كيزان الشّرب وأواني الوضوء يملأها خديم ذلك الموضع من أبار الزاهر وهي بعيدة القعر جدّا، والخديم من الفقراء المجاورين، وأهل الخير يعينونه على ذلك لما فيه من المرفقة للمعتمرين من الغسل والشرب والوضوء، وذو طوى يتصل بالزاهر.
ذكر الجبال المطيفة بمكة.
فمنها جبل أبي قبيس، وهو في جهة الجنوب والشرق من مكة حرسها الله وهو أحد الأخشبين وأدنى الجبال من مكة شرفها الله، ويقابل ركن الحجر الأسود، وبأعلاه مسجد «175» وأثر رباط وعمارة، وكان الملك الظاهر «176» رحمه الله أراد أن يعمّره، وهو مطلّ على الحرم الشريف وعلى جميع البلد، ومنه يظهر حسن مكة شرّفها الله، وجمال الحرم واتساعه، والكعبة المعظمة، ويذكر أن جبل أبي قبيس هو أول جبل خلقه الله تعالى وفيه استودع الحجر زمان الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين، لأنه أدى الحجر الذي أستودع فيه إلى الخليل إبراهيم عليه السلام، ويقال: إن قبر آدم عليه السلام به، وفي جبل أبي قبيس موضع موقف النبي صلى الله عليه وسلم تسليما حين انشق له القمر «177» ، ومنها قعيقعان «178» وهو أحد
(1/383)

الأخشبين ومنها الجبل الأحمر «179» وهو في جهة الشمال من مكة شرفها الله، ومنها الخندمة «180» وهو جب عند الشعبين المعروفين بأجياد الأكبر وأجياد الأصغر.
ومنها جبال الطير، وهي أربعة عن جهتي طريق التّنعيم، يقال إنها الجبال التي وضع عليها الخليل عليه السلام أجزاء الطير ثم دعاها حسبما نص الله في كتابه العزيز «181» ، وعليها أعلام من حجارة.
ومنها جبل حراء وهو في الشمال «182» من مكة شرّفها الله تعالى، على نحو فرسخ منها وهو مشرف على منى ذاهب في الهواء عالي القنّة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، يتعبّد فيه كثيرا قبل المبعث، وفيه أتاه الحق من ربه وبدأ الوحي، وهو الذي إهتزّ تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما: أثبت فما عليك إلا نبيّ وصدّيق وشهيد واختلف فيمن كان معه يومئذ، وروى أن العشرة كانوا معه، وقد روى أيضا أن جبل ثبير اهتز تحته أيضا.
ومنها جبل ثور وهو على مقدار فرسخ من مكة شرفها الله تعالى، على طريق اليمن، وفيه الغار الذي أوى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما حين خروجه مهاجرا من مكة شرفها الله ومعه الصدّيق رضي الله عنه حسبما ورد في الكتاب العزيز «183» .
وذكر الأزرقي في كتابه: أن الجبل المذكور نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، وقال: إليّ يا محمد إليّ إليّ، فقد أويت قبلك سبعين نبيا فلما دخل رسول الله الغار وإطمأن به وصاحبه الصّديق معه نسجت العنكبوت من حينها على باب الغار وصنعت الحمامة عشا، وفرخت فيه بإذن الله تعالى فانتهى المشركون ومعهم قصّاص الأثر إلى الغار، فقالوا: ها هنا انقطع الأثر ورأوا العنكبوت قد نسج على فم الغار والحمام مفرّخة، فقالوا:
ما دخل أحد هنا، وانصرفوا فقال الصديق: يا رسول الله لو ولجوا علينا منه؟ قال: كنا نخرج من هنا، وأشار بيده المباركة إلى الجانب الآخر ولم يكن فيه باب، فانفتح فيه باب للحين بقدرة الملك الوهاب.
(1/384)

والناس يقصدون زيارة هذا الغار المبارك، فيرومون دخوله من الباب الذي دخله منه النبي صلى الله عليه وسلم تسليما، تبرّكا بذلك، فمنهم من يتأتى له، ومنهم من لا يتأتى له وينشب فيه حتى يتناول بالجذب العنيف، ومن الناس من يصلّي أمامه ولا يدخله، وأهل تلك البلاد يقولون: إنه من كان لرشدة قدر على دخوله ومن كان لزنية لم يقدر على دخوله! ولهذا يتحاماه كثير من الناس لانه مخجل فاضح!! قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخنا الحجاج الأكياس أن سبب صعوبة الدخول اليه هو أن بداخله مما يلي هذا الشقّ الذي يدخل منه حجرا كبيرا معترضا فمن دخل الشق منبطحا على وجهه وصل رأسه إلى ذلك الحجر، فلم يمكنه التولج ولا يمكنه أن ينطوي إلى العلو، ووجهه وصدره يليان الأرض، فذلك هو الذي ينشب ولا يخلص إلا بعد الجهد والجبذ إلى خارج، ومن دخل منه مستلقيا على ظهره أمكنه لانه إذا وصل رأسه إلى الحجر المعترض رفع رأسه واستوى قاعدا فكان ظهره مستندا إلى الحجر المعترض وأوسطه في الشق ورجلاه من خارج الغار ثم يقوم قائما بداخل الغار، رجع.
حكاية [شيخ ضل طريقه]
ومما اتفق بهذا الجبل لصاحبين من أصحابي: أحدهما الفقيه المكرم أبو محمد عبد الله بن فرحان الافريقي التوزري والآخر أبو العباس أحمد الاندلسي الوادي اشي أنّهما قصدا في حين مجاورتهما بمكة شرفها الله تعالى في سنة ثمان وعشرين وسبع مائة زيارة هذا الغار وذهبا منفردين لم يستصحبا دليلا عارفا بطريقه، فتاها وضلّا طريق الغار وسلكا طريقا سواها منقطعة، وذلك في أوان اشتداد الحرّ وحمّى القيظ، فلما نفذ ما كان عندها من الماء وهما لم يصلا إلى الغار، أخذا في الرجوع إلى مكة شرفها الله تعالى فوجدا طريقا فاتبعاه وكان يفضى إلى جبل آخر واشتد بهما الحرّ وأجهدهما العطش وعاينا الهلاك، وعجز الفقيه أبو محمد بن فرحان عن المشي جملة، وألقى بنفسه إلى الأرض، ونجا الأندلسي بنفسه، وكان فيه فضل قوة ولم يزل يسلك تلك الجبال حتى أفضى به الطريق إلى أجياد فدخل إلى مكة شرفها الله تعالى، وقصدني وأعلمني بهذه الحادثة وبما كان من أمر عبد الله التوزري وانقطاعه بالجبل وكان ذلك في آخر النهار.
(1/385)

ولعبد الله المذكور ابن عمّ اسمه حسن، وهو من سكان وادي نخلة «184» وكان إذ ذاك بمكة، فأعلمته بما جرى على ابن عمه، وقصدت الشيخ الصالح الامام أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن المعروف بخليل إمام المالكية نفع الله به فاعلمته بخبره فبعث جماعة من أهل مكة عارفين بتلك الجبال والشعاب في طلبه.
وكان من أمر عبد الله التوزري أنه لما فارقه رفيقه لجأ إلى حجر كبير فاستظل بظلّه، وأقام على هذه الحالة من الجهد والعطش، والغربان تطير فوق رأسه وتنتظر موته، فلما انصرم النهار وأتى الليل وجد في نفسه قوة، ونعشه برد الليل، فقام عند الصباح على قدميه ونزل من الجبل إلى بطن واد حجبت الجبال عنه الشمس، فلم يزل ماشيا إلى أن بدت له دابة فقصدها فوجد خيمة للعرب، فلما رآها وقع إلى الارض ولم يستطع النهوض فرأته صاحبة الخيمة وكان زوجها قد ذهب إلى ورد الماء فسقته ما كان عندها من الماء فلم يرو وجاء زوجها فسقاه قربة ماء فلم يرو وأركبه حمارا له وقدم به مكة فوصلها عند صلاة العصر من اليوم الثاني متغيّرا كأنه قام من قبر!
ذكر أميري مكة
وكانت إمارة مكة في عهد دخولي إليها للشريفين الأجلين الأخوين: أسد الدين رميثة وسيف الدين عطيفة أبنى الامير أبي نمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة «185» الحسنيّين ورميثة أكبرهما سنا، ولكنه كان يقدّم اسم عطيفة في الدعاء له بمكة لعدله، ولرميثه من الأولاد أحمد وعجلان، وهو أمير مكة في هذا العهد وثقبة وسند، ومغامس «186» ولعطيفة من الاولاد محمد ومبارك ومسعود، ودار عطيفة عن يمين المروة، ودار أخيه رميثة برباط الشرابي عند باب بني شيبة، وتضرب الطبول على باب كل واحد منهما عند صلاة المغرب من كل يوم.
(1/386)

ذكر أهل مكة وفضائلهم
ولاهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والايثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطّف ورفق وحسن خلق ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيّب النفس بذلك من غير ضجر.
ومن أفعالهم الحسنة أن الأيتام الصغار يقعدون بالسوق ومع كل واحد منهم قفتان كبرى وصغرى وهم يسمون القفّة مكتلا فياتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب واللحم والخضر ويعطي ذلك للصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه واللحم والخضر في الأخرى ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيّأ له طعامه منها، ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته، فلا يذكر أن أحدا من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط بل يؤدي ما حمل على أتم الوجوه، ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس.
وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكثّرون السواك بعيدان الأراك الأخضر، ونساء مكة فائقات الحسن، بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف، ومن يكثرن التطيب حتى إنّ إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا! وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن زي، وتغلب على الحرم رائحة طيبهن، وتذهب المرأة منهن فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا، ولاهل مكة عوائد حسنة في الموسم وغيره سنذكرها إن شاء الله تعالى إذا فرغنا من ذكر فضلائها ومجاوريها.
ذكر قاضي مكة وخطيبها، وإمام الموسم وعلمائها وصلحائها
قاضي مكة العالم الصالح العابد نجم الدين محمد بن الامام العالم محيي الدين الطبري «187» وهو فاضل كثير الصدقات والمواساة للمجاورين حسن الأخلاق كثير الطواف
(1/387)

والمشاهدة للكعبة الشريفة، ويطعم الطعام الكثير في المواسم المعظمة وخصوصا في مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما فإنه يطعم فيه شرفاء مكة وكبراءها وفقراءها وخدام الحرم الشريف وجميع المجاورين، وكان سلطان مصر الملك الناصر رحمه الله يعظمه كثيرا وجميع صدقاته وصدقات أمرائه تجرى على يديه. وولده شهاب الدين فاضل وهو الآن قاضي مكة شرّفها الله.
وخطيب مكة الامام بمقام إبراهيم عليه السلام الفصيح المصقع وحيد عصره بهاء الدين الطبري «188» وهو أحد الخطباء الذين ليس في المعمور مثلهم بلاغة وحسن بيان، وذكر لي أنه ينشئ لكل جمعة خطبة ثم لا يكررها فيما بعد! وإمام الموسم وإمام المالكية بالحرم الشريف هو الشيخ الفقيه العالم الصالح الخاشع الشهير أبو عبد الله محمد بن الفقيه الصالح الورع أبي زيد عبد الرحمن وهو المشتهر بخليل نفع الله به وأمتع ببقائه، وأهله من بلاد الجريد من إفريقية ويعرفون بها ببني حيّون «189» وهم من كبارها ومولده ومولد أبيه بمكة شرفها الله وهو أحد الكبار من أهل مكة بل واحدها وقطبها بإجماع الطوائف على ذلك، مستغرق العبادة في جميع أوقاته مستحيي، كريم النفس حسن الأخلاق كثير الشفقة لا يرد من سأله خائبا.
حكاية مباركة
رأيت أيام مجاورتي بمكة شرفها الله وأنا إذ ذاك ساكن منها بالمدرسة المظفرية رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما في النوم وهو قاعد بمجلس التدريس من المدرسة المذكورة بجانب الشبّاك الذي تشاهد منه الكعبة الشريفة والناس يبايعونه فكنت أرى الشيخ أبا عبد الله المدعو بخليل قد دخل وقعد القرفصاء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما وجعل يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أبايعك على كذا وكذا وعدّد
(1/388)

أشياء منها: وأن لا أردّ من بيتي مسكينا خائبا، وكان ذلك آخر كلامه، فكنت أعجب من قوله، وأقول في نفسي: كيف يقول هذا ويقدر عليه مع كثرة فقراء مكة واليمن والزيالعة والعراق والعجم ومصر والشام، وكنت أراه حين ذلك لا بسا جبّة بيضاء قصيرة من ثياب القطن المدعوة بالفشطان، «190» كان يلبسها في بعض الأوقات، فلما صليت الصبح غدوت عليه وأعلمته برؤياي فسرّ بها وبكى، وقال لي: تلك الجبة أهداها بعض الصالحين لجدي فأنا ألبسها تبركا، وما رأيته بعد ذلك يرد سائلا خائبا، وكان يأمر خدامه يخبزون الخبز ويطبخون الطعام وياتون به إليّ بعد صلاة العصر من كل يوم.
وأهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرّة واحدة بعد العصر ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت، ومن أراد الاكل في سائر النهار أكل التمر ولذلك صحت أبدانهم وقلّت فيهم الأمراض والعاهات.
وكان الشيخ خليل متزوجا بنت القاضي نجم الدين الطبري فشكّ في طلاقها وفارقها وتزوجها بعده الفقيه شهاب الدين النّويري «191» من كبار المجاورين وهو من صعيد مصر وأقامت عنده أعواما، وسافر بها إلى المدينة الشريفة ومعها أخوها شهاب الدين فحنث في يمين بالطلاق ففارقها على ضنانته بها، وراجعها الفقيه خليل بعد سنين عدة.
ومن أعلام مكة إمام الشافعية شهاب الدين ابن البرهان، ومنهم إمام الحنفية شهاب الذين أحمد بن علي «192» من كبار أئمة مكّة وفضلائها يطعم المجاورين وأبناء السبيل، وهو أكرم فقهاء مكة، ويدان في كل سنة أربعين ألف درهم وخمسين ألفا فيؤديها الله عنه، وأمراء
(1/389)

الأتراك يعظمونه ويحسنون الظن به لانه إمامهم، ومنهم إمام الحنابلة المحدث الفاضل محمد بن عثمان «193» البغدادي الأصل المكي الولد، وهو نائب القاضي نجم الدين، المحتسب بعد قتل تقي الدين المصري والناس يهابونه لسطوته.
حكاية [قطع يد السارق]
كان تقي الدين المصري محتسبا، وكان له دخول فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، فاتفق في بعض السنين أن أتى أمير الحاج «194» بصبيّ من ذوي الدعارة بمكة قد سرق بعض الحجاج فأمر بقطع يده، فقال له تقي الدين: إن لم نقطعها بحضرتك والا غلب أهل مكة خدامك عليه فاستنقذوه منهم وخلّصوه، فأمر بقطع يده في حضرته، فقطعت، وحقدها لتقي الدين، ولم يزل يتربص به الدوائر ولا قدرة له عليه لأن له حسبا من الاميرين رميثة وعطيفة، والحسب عندهم أن يعطى أحدهم هدية من عمامة أو شاشية بمحضر الناس تكون جوارا لمن أعطيته ولا تزول حرمتها معه حتى يريد الرّحلة والتحول عن مكة فأقام تقي الدين بمكة أعواما ثم عزم على الرحلة وودع الاميرين وطاف طواف الوداع وخرج من باب الصّفا فلقيه صاحبه الأقطع، وتشكّى له ضعف حاله وطلب منه ما يستعين به على حاجته، فانتهره تقي الدين وزجره فاستل خنجرا له يعرف عندهم بالجنبيّة وضربه ضربة واحدة كان فيها حتفه.
ومنهم الفقيه الصالح زين الدين الطبري «195» شقيق نجم الدين المذكور من أهل الفضل والاحسان للمجاورين، ومنهم الفقيه المبارك محمد بن فهد الشرقي من فضلاء مكة وكان ينوب عن القاضي نجم الدين بعد وفاة الفقيه محمد بن عثمان الحنبلي، ومنهم العدل
(1/390)

الصالح محمد بن البرهان، زاهد ورع مبتلى بالوسواس، ورأيته يوما يتوضأ من بركة المدرسة المظفرية فيغسل ويكرر، ولما مسح رأسه أعاد مسحه مرات، ثم لم يقنعه ذلك فغطس رأسه في البركة! وكان إذا أراد الصلاة ربما صلّى الإمام الشافعيّ وهو يقول نويت نويت فيصلي مع غيره! وكان كثير الطواف والاعتمار والذكر.
ذكر بعض المجاورين بمكة
فمنهم الامام العالم الصالح الصوفي المحقق العابد عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليمني الشافعي الشهير باليافعي، كثير الطواف اناء الليل وأطراف النهار، وكان إذا طاف من الليل يصعد إلى سطح المدرسة المظفرية فيقعد مشاهدا للكعبة الشريفة إلى أن يغلبه النوم فيجعل تحت رأسه حجرا وينام يسيرا ثم يجدّد الوضوء ويعود لحاله من الطواف حتى يصلي الصبح، وكان متزوجا ببنت الفقيه العابد شهاب الدين بن البرهان وكانت صغيرة السن، فلا تزال تشكو إلى أبيها حالها فيأمرها بالصبر فأقامت معه على ذلك سنين ثم فارقته.
ومنهم الصالح العابد نجم الدين الأصفونيّ كان قاضيا ببلاد الصّعيد فانقطع إلى الله تعالى وجاور بالحرم الشريف وكان يعتمر في كلّ يوم من التنعيم في رمضان مرتين في اليوم اعتمادا على ما في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم تسليما أنه قال: عمرة في رمضان تعدل حجة معي.
ومنهم الشيخ الصالح العابد شمس الدين محمد الحلبي كثير الطواف والتلاوة، من قدماء المجاورين مات بمكة شرفها الله، ومنهم الصالح أبو بكر الشيرازي المعروف بالصامت كثير الطواف، أقام بمكة أعواما لا يتكلم فيها، ومنهم الصالح خضر العجمي كثير الصوم والتلاوة والطواف، ومنهم الشيخ الصالح برهان الدين العجمي الواعظ كان ينصب له كرسي تجاه الكعبة الشريفة فيعظ الناس ويذكرهم بلسان فصيح وقلب خاشع يأخذ بمجامع القلوب.
ومنهم الصالح المجوّد برهان الدين إبراهيم المصري مقرئ مجيد ساكن رباط السدرة ويقصده أهل مصر والشام بصدقاتهم، ويعلّم الايتام كتاب الله تعالى ويقوم بمئونتهم ويكسوهم.
(1/391)

ومنهم الصالح العابد عز الدين الواسطي من أصحاب الأموال الطائلة يحمل إليه من بلده المال الكثير في كل سنة فيبتاع الحبوب والتمر ويفرقها على الضعفاء والمساكين ويتولى حملها إلى بيوتهم بنفسه ولم يزل ذلك دأبه إلى توفى.
ومنهم الفقيه الصالح الزاهد أبو الحسن علي بن رزق الله الأنجري من أهل نظر طنجة من كبار الصالحين جاور بمكة أعواما وبها وفاته، كانت بينه وبين والدي صحبة قديمة، ومتى أتى بلدنا طنجة نزل عندنا، وكان له بيت بالمدرسة المظفرية يعلم العلم فيها نهارا ويأوي بالليل إلى مسكنه برباط ربيع، وهو من أحسن الرباطات بمكة، بداخله بئر عذبة لا تماثلها بئر بمكة وسكانه الصالحون وأهل ديار الحجاز يعظمون هذا الرباط تعظيما شديدا، وينذرون له النذور، وأهل الطائف يأتونه بالفواكه، ومن عادتهم أن كل من له بستان من النخيل والعنب والفرسك «196» وهو الخوخ، والتين وهم يسمونه الخمط يخرج منه العشر لهذا الرباط، ويوصلون ذلك إليه على جمالهم، ومسيرة ما بين مكة والطائف يومان، ومن لم يف بذلك نقصت فواكهه في السنة الآتية وأصابتها الجوايح.
حكاية في فضله
أتى يوما غلمان الأمير أبي نمى صاحب مكة إلى هذا الرباط ودخلوا بخيل الأمير، وسقوها من تلك البئر، فلما عادوا بالخيل إلى مرابطها أصابتها الأوجاع وضربت بأنفسها الأرض وبرءوسها وأرجلها، واتصل الخبر بالأمير أبي نمى فأتي باب الرباط بنفسه واعتذار إلى المساكين به واستصحب واحدا منهم فمسح على بطون الدواب بيده فأراقت ما كان في أجوافها من ذلك الماء وبرئت مما أصابها، ولم يتعرضوا بعدها للرباط إلا بالخير.
ومنهم الصالح المبارك أبو العباس الغماري من أصحاب أبي الحسن بن رزق الله وسكن رباط ربيع، ووفاته بمكة شرفها الله، ومنهم الصالح أبو يعقوب يوسف من بادية سبتة كان خديما للشيخين المذكورين فلما توفيا صار شيخ الرباط بعدهما، ومنهم الصالح
(1/392)

السايح السالك أبو الحسن عليّ بن فرغوس التلمساني، ومنهم الشيخ سعيد الهندي شيخ رباط كلالة.
حكاية [الشيخ سعيد الهندي]
كان الشيخ سعيد قد قصد ملك الهند محمد شاه فأعطاه مالا عظيما قدم به مكة، فسجنه الأمير عطيفة وطلبه بأداء المال، فامتنع فعذب بعصر رجليه فأعطى خمسة وعشرين ألف درهم نقرة، وعاد إلى بلاد الهند، ورأيته بها ونزل بدار الأمير سيف الدين غدا بن هبة الله «197» بن عيسى بن مهنّى أمير عرب الشام وكان غدا ساكنا ببلاد الهند متزوجا بأخت ملكها، وسيذكر أمره، فأعطى ملك الهند للشيخ سعيد جملة مال وتوجه صحبة حاج يعرف بوشل من ناس الامير غدا، وجّهه الامير المذكور ليأتيه ببعض ناسه ووجه معه أموالا وتحفا منها الخلعة التي خلع عليه ملك الهند ليلة زفافه بأخته، وهي من الحرير الأزرق مزركشة بالذهب ومرصعة بالجوهر بحيث لا يظهر لونها لغلبة الجوهر عليها، وبعث معه خمسين الف درهم ليشتري له الخيل العتاق فسافر الشيخ سعيد صحبة وشل واشتريا سلعا بما عندهما من الأموال، فلما وصلا جزيرة سقطرة المنسوب اليها الصّبر السقطري «198» خرج عليهما لصوص الهند في مواكب كثيرة فقاتلوهم قتالا شديدا مات فيه من الفريقين جملة وكان وشل راميا فقتل منهم جماعة ثم تغلب السّراق عليهم وطعنوا وشلا طعنة مات منها بعد ذلك وأخذوا ما كان عندهم وتركوا لهم مركبهم بآلة سفره وزاده، فذهبوا إلى عدن ومات بها وشل.
وعادة هؤلاء السراق أنهم لا يقتلون أحدا إلا في حين القتال ولا يغرقونه وإنما يأخذون ماله ويتركونه يذهب بمركبه حيث شاء، ولا يأخذون المماليك لانهم من جنسهم، وكان الحاج سعيد قد سمع من ملك الهند أنه يريد إظهار الدعوة العباسية ببلده كمثل ما فعله ملوك الهند
(1/393)

ممن تقدمه مثل السلطان شمس الدين للمش «199» ، واسمه بفتح اللام الأولى وإسكان الثانية وكسر الميم وشين معجم، وولده ناصر الدين، ومثل السلطان جلال الدين فيروز شاه والسلطان غياث الدين بلبن، وكانت الخلع تأتي اليهم من بغداد.
فلما توفى وشل قصد الشيخ سعيد إلى الخليفة أبي العباس «200» ابن الخليفة أبي الربيع سليمان العباسي بمصر وأعلمه بالأمر فكتب له كتابا بخطه بالنيابة عنه ببلاد الهند فإستصحب الشيخ سعيد الكتاب وذهب إلى اليمن واشترى بها ثلاث خلع سودا وركب البحر إلى الهند فلما وصل كنباية «201» ، وهي على مسيرة أربعين يوما من دهلى حضرة ملك الهند، كتب صاحب الخبر إلى الملك يعلمه بقدوم الشيخ سعيد وأن معه أمر الخليفة وكتابه فورد الأمر ببعثه إلى الحضرة مكرما فلما قرب من الحضرة بعث الأمراء والقضاة والفقهاء لتلقّيه ثم خرج هو بنفسه لتلقيه، فتلقاه ودفع له الأمر فقبّله ووضعه على رأسه ودفع له الصندوق الذي فيه الخلع فاحتمله الملك على كاهله خطوات ولبس إحدى الخلع وكسى الأخرى الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر بن يوسف بن عبد العزيز بن الخليفة المستنصر العباسي، وكان مقيما عنده، وسيذكر خبره «202» ، وكسى الخلعة الثالثة الأمير قبولة الملقب بالملك الكبير، وهو الذي يقوم على رأسه ويشرد عنه الذباب، وأمر السلطان فخلع على الشيخ سعيد ومن معه وأركبه على الفيل ودخل المدينة كذلك والسلطان أمامه على فرسه وعن يمينه وشماله الأميران اللذان كساهما الخلعتين العباسيتين، والمدينة قد زينت بأنواع الزينة وصنع بها إحدى عشرة قبة من الخشب، كلّ قبة منها أربع طبقات في كل طبقة طائفة من المغنين
(1/394)

رجالا ونساء والراقصات، وكلهم مماليك السلطان، والقبة مزينة بثياب الحرير المذهب، أعلاها وأسفلها وداخلها وخارجها، وفي وسطها ثلاثة أحواض من جلود الجواميس مملوءة ماء قد حل فيه الجلّاب يشربه كل وارد وصادر لا يمنع منه أحد، وكل من يشرب منه يعطي بعد ذلك خمس عشرة ورقة من أوراق التنبول والفوفل والنورة «203» فيأكلها فتطيب نكهته وتزيد في حمرة وجهه ولثاته، وتقمع عنه الصفراء، وتهضم ما أكل من الطعام، ولما ركب الشيخ سعيد على الفيل فرشت له ثياب الحرير بين يدي الفيل يطأ عليها الفيل من باب المدينة إلى دار السلطان، وأنزل بدار تقرب من دار الملك وبعث له أموالا طائلة، وجميع الأثواب المعلقة والمفروشة بالقباب والموضوعة بين يدي الفيل لا تعود إلى السلطان بل يأخذها أهل الطرب وأهل الصناعات الذين يصنعون القباب وخدام الأحواض وغيرهم، وهكذا فعلهم متى قدم السلطان من سفر، وأمر الملك بكتاب الخليفة أن يقرأ على المنبر بين الخطبتين في كل يوم جمعة وأقام الشيخ سعيد شهرا ثم بعث معه الملك هدايا إلى الخليفة فوصل كنبايت، وأقام بها حتى تيسرت أسباب حركته في البحر، وكان ملك الهند قد بعث أيضا من عنده رسولا إلى الخليفة وهو الشيخ رجب البرقعي أحد شيوخ الصوفية، وأصله من مدينة القرم «204» من صحراء قبجق «205» ، وبعث معه هدايا الخليفة منها حجر ياقوت قيمته خمسون الف دينار وكتب له يطلب منه أن يعقد له النيابة عنه ببلاد الهند والسند أو يبعث لها سواه من يظهر له، هكذا نص عليه كتابه اعتقادا منه في الخلافة وحسن نية.
وكان للشيخ رجب أخ بديار مصر يدعى بالأمير سيف الدين الكاشف، فلما وصل رجب إلى الخليفة أبي أن يقرأ الكتاب ويقبل الهدية طلا بمحضر الملك الصالح إسماعيل بن الملك «206» الناصر، فأشار سيف الدين على أخيه رجب ببيع الحجر، فباعه واشترى بثمنه وهو ثلاثمائة ألف درهم أربعة أحجار، وحضر بين يدي الملك الصالح، ودفع له الكتاب وأحد الأحجار، ودفع سائرها لأمرائه، واتفقوا على أن يكتب لملك الهند بما طلبه فوجهوا الشهود إلى الخليفة وأشهد على نفسه أنه قدمه نائبا عنه ببلاد الهند وما يليها وبعث الملك الصالح
(1/395)

رسولا من قبله وهو شيخ الشيوخ بمصر ركن الدين «207» العجمي، ومعه الشيخ رجب وجماعة من الصوفية وركبوا بحر فارس من الأبلة إلى هرمز، وسلطانها يومئذ قطب الدين تمتهن «208» بن طوران شاه فأكرم مثواهم وجهّز لهم مركبا إلى بلاد الهند فوصلوا مدينة كنبايت والشيخ سعيد بها، وأميرها يومئذ مقبول التّلنكي أحد خواص ملك الهند، فاجتمع الشيخ رجب بهذا الأمير وقال له: إن الشيخ سعيدا إنما جاءكم بالتزوير، والخلع التي ساقها إنما اشتراها بعدن فينبغي أن تثقّفوه وتبعثوه لخوند عالم، وهو السلطان، فقال له الأمير: الشيخ سعيد معظم عند السلطان، فما يفعل به هذا إلا بأمره، ولكني أبعثه معكم ليرى فيه السلطان رأيه. وكتب الأمير بذلك كلّه إلى السلطان وكتب به أيضا صاحب الأخبار، فوقع في نفس السلطان تغيّر، وانقبض عن الشيخ رجب لكونه تكلم بذلك على رؤوس الأشهاد، بعد ما صدر من السلطان للشيخ سعيد من الإكرام ما صدر، فمنع رجبا من الدخول عليه، وزاد في إكرام الشيخ سعيد، ولما دخل شيخ الشيوخ على السلطان قام اليه وعانقه وأكرمه، وكان متى دخل اليه يقوم له، وبقى الشيخ سعيد المذكور بأرض الهند معظما مكرما، وبها تركته سنة ثمان وأربعين، وكان بمكة أيام مجاورتي بها حسن المغربي المجنون، وأمره غريب، وشأنه عجيب وكان قبل ذلك صحيح العقل خديما لولي الله تعالى نجم الدين الأصبهاني أيام حياته.
حكاية [حسن المجنون]
كان حسن المجنون كثير الطواف بالليل، وكان يرى في طوافه بالليل فقيرا يكثر الطواف ولا يراه بالنهار فلقيه ذلك الفقير ليلة وسأله عن حاله، وقال له يا حسن: إن أمك تبكي عليك وهي مشتاقة إلى رؤيتك، وكانت من إماء الله الصالحات، أفتحب أن تراها؟ قال له نعم! ولكني لا قدرة لي على ذلك، فقال له نجتمع هاهنا في الليلة المقبلة إن شاء الله تعالى فلمّا كانت الليلة المقبلة وهي ليلة الجمعة وجده حيث واعده فطافا بالبيت ما شاء الله ثم خرج وهو في أثره إلى باب المصلى فأمره أن يسد عينيه ويمسك بثوبه ففعل ذلك ثم قال بعد ساعة:
أتعرف بلدك؟ قال نعم قال: ها هو هذا! ففتح عينيه، فإذا به على دار أمه، فدخل عليها،
(1/396)

ولم يعلمها بشيء مما جرى، وأقام عندها نصف شهر، وأظن أن بلده أسفي، ثم خرج إلى الجبانة فوجد الفقير صاحبه، فقال له: كيف أنت؟ فقال: يا سيدي إني اشتقت إلى رؤية الشيخ نجم الدين، وكنت خرجت على عادتي وغبت عنه هذه الأيام، وأحب أن تردّني إليه، فقال له: نعم! وواعده الجبّانة ليلا، فلما وافاه بها أمره أن يفعل كفعله في مكة، شرّفها الله، من تغميض عينيه والإمساك بذيله، ففعل ذلك فإذا به في مكّة، شرفها الله، وأوصاه أن لا يحدّث نجم الدين بشيء مما جرى، ولا يحدّث به غيره.
فلما دخل على نجم الدين، قال له: أين كنت يا حسن في غيبتك؟ فأبى أن يخبره فعزم عليه فأخبره بالحكاية، فقال: أرني الرجل! فأتى معه ليلا وأتى الرجل على عادته، فلما مرّ بهما، قال له: يا سيدي، هو هذا! فسمعه الرجل فضرب بيده على فمه وقال: أسكت أسكتك الله فخرس لسانه، وذهب عقله، وبقى بالحرم مولها يطوف باللّيل والنهار من غير وضوء ولا صلاة، والناس يتبركون به ويكسونه، وإذا جاع خرج إلى السوق التي بين الصفا والمروة فيقصد حانوتا من الحوانيت فيأكل منه ما أحبّ، لا يصدّه أحد ولا يمنعه، بل يسرّ كلّ من أكل له شيئا، وتظهر له البركة والنّماء في بيعه وربحه، ومتى أتى السوق تطاول أهلها بأعناقهم إليه كلّ منهم يحرص على أن يأكل من عنده لما جربوه من بركته، وكذلك فعله مع السقّائين متى أحب أن يشرب، ولم يزل دأبه كذلك إلى سنة ثمان وعشرين، فحج فيها الأمير سيف الدّين يلملك فاستصحبه معه إلى ديار مصر فانقطع خبره نفع الله تعالى به.
ذكر عادة أهل مكة في صلواتهم ومواضع أئمتهم
فمن عادتهم أن يصلّى أول الأئمة إمام الشافعية، وهو المقدم من قبل أولي الأمر «209» وصلاته خلف المقام الكريم: مقام إبراهيم الخليل عليه السلام في حطيم له هنالك بديع، وجمهور الناس بمكة على مذهبه، والحطيم: خشبتان موصول ما بينهما بأذرع شبه السلّم، تقابلهما خشبتان على صفتهما، وقد عقدت على أرجل مجصّصة، وعرض على أعلى الخشب خشبة أخرى فيها خطاطيف حديد، يعلّق منها قناديل زجاج، فإذا صلى الإمام الشافعي صلّى بعده إمام المالكية في محراب قبالة الركن اليماني، ويصلي إمام الحنبلية معه في وقت واحد مقابلا ما بين الحجر الأسود والركن اليماني، ثم يصلي إمام الحنفية قبالة الميزاب المكرّم تحت حطيم له هنالك ويوضع بين أيدي الأئمة في محاريبهم الشّمع، وترتيبهم هكذا في الصلوات الأربع.
(1/397)

وأما صلاة المغرب فإنهم يصلونها في وقت واحد، كل إمام يصلي بطائفته، ويدخل على الناس من ذلك سهو وتخليط، فربّما ركع المالكي بركوع الشافعي وسجد الحنفي بسجود الحنبلي، وتراهم مصيخين كلّ أحد إلى صوت المؤذن الذي يسمع طائفته ليلا يدخل عليه السهو.
ذكر عادتهم في الخطبة وصلاة الجمعة
وعادتهم في يوم الجمعة أن يلصق المنبر المبارك إلى صفح الكعبة الشريفة فيما بين الحجر الأسود والركن العراقي ويكون الخطيب مستقبلا المقام الكريم فإذا خرج الخطيب أقبل لا بسا ثوب سواد معتما بعمامة سوداء «210» ، وعليه طيلسان «211» أسود كل ذلك من كسوة الملك الناصر، وعليه الوقار والسكينة، وهو يتهادى بين رايتين سوداوين، يتمسكهما رجلان من المؤذنين، وبين يديه أحد القومة في يده الفرقعة، وهي عود في طرفه جلد رقيق مفتول ينفضه في الهواء، فيسمع له صوت عال يسمعه من بداخل الحرم وخارجه، فيكون إعلاما بخروج الخطيب «212» . ولا يزال كذلك إلى أن يقرب من المنبر فيقبل الحجر الأسود، ويدعوا عنده، ثم يقصد المنبر والمؤذّن الزمزمي، وهو رئيس المؤذنين 21»
بين يديه لابسا السواد وعلى عاتقه السيف ممسكا له بيد، وتركز الرايتان عن جانبي المنبر فإذا صعد أول درج من درج المنبر قلّده المؤذن السيف فيضرب بنصل السيف ضربة في الدرج يسمع بها الحاضرين، ثم يضرب في الثاني ضربة ثم في الثالث أخرى، فإذا استولى في عليا الدرجات ضرب ضربة رابعة ووقف داعيا بدعاء خفيّ مستقبل الكعبة، ثم يقبل على الناس فيسلم عن يمينه وشماله، ويرد عليه الناس، ثم يقعد ويؤذن المؤذنون في أعلى قبة زمزم في حين واحد فإذا فرغ الآذان خطب الخطيب خطبة يكثر بها من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول في أثنائها: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ما طاف بهذا البيت طائف، ويشير بأصبعه إلى البيت الكريم، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد ما وقف بعرفة واقف، ويرضى عن الخلفاء الأربعة وعن سائر الصحابة، وعن عمّي النبي صلى الله عليه وسلم وسبطيه، وأمهما، وخديجة
(1/398)

جدّتهما على جميعهم السلام، ثم يدعو للملك الناصر، ثم للسلطان المجاهد نور الدين علي بن الملك المؤيد داوود بن الملك المظفر يوسف بن عليّ بن رسول «214» ، ثم يدعو للسيدين الشريفين الحسنيّين: أميري مكة: سيف الدين عطيفة وهو أصغر الأخوين، ويقدم اسمه لعدله، وأسد الدّين رميثة ابنى أبي نمى بن أبي سعد بن علي بن قتادة، وقد دعا لسلطان العراق مرة ثم قطع ذلك، فإذا فرغ من خطبته صلى وانصرف، والرايتان عن يمينه وشماله والفرقعة أمامه إشعارا بانقضاء الصلاة، ثم يعاد المنبر إلى مكانه إزاء المقام الكريم.
ذكر عادتهم في استهلال الشهور
وعادتهم في ذلك أن يأتى أمير مكّة في أول يوم من الشهر وقواده يحفّون به وهو لابس البياض، معتمّ متقلد سيفا وعليه السكينة والوقار فيصلّي عند المقام الكريم ركعتين ثم يقبّل الحجر ويشرع في طواف أسبوع، ورئيس المؤذنين على أعلى قبة زمزم، فعند ما يكمل الأمير شوطا واحدا ويقصد الحجر لتقبيله يندفع رئيس المؤذنين بالدعاء له، والتهنئة بدخول الشهر رافعا بذلك صوته ثم يذكر شعرا في مدحه ومدح سلفه الكريم ويفعل به هكذا في السبعة أشواط فإذا فرغ منها ركع عند الملتزم ركعتين، ثم ركع خلف المقام أيضا ركعتين ثم انصرف، ومثل هذا سواء يفعل إذا أراد سفرا وإذا قدم من سفر أيضا.
ذكر عادتهم في شهر رجب
وإذا أهل هلال رجب «215» أمر أمير مكة بضرب الطبول والبوقات إشعارا بدخول الشهر، ثم يخرج في أول يوم منه راكبا ومعه أهل مكة فرسانا ورجالا على ترتيب عجيب، وكلهم بالأسلحة يلعبون بين يديه، والفرسان يجولون ويجرون، والرجالة يتواثبون، ويرمون بحرابهم إلى الهواء ويلقفونها والأمير رميثة والأمير عطيفة، معهما أولادهما وقوادهما، مثل محمد بن ابراهيم، وعلي وأحمد ابنى صبيح وعلي بن يوسف، وشداد بن عمر، وعامر الشّرق، ومنصور بن عمر وموسى المزرق وغيرهم من كبار أولاد الحسن ووجوه القواد، وبين أيديهم الرايات والطبول والدّبابت «216» ، وعليهم السكينة والوقار، ويسيرون حتى ينتهون إلى الميقات، ثم يأخذون في الرجوع على معهود ترتيبهم إلى المسجد الحرام، فيطوف الأمير بالبيت،
(1/399)

والمؤذن الزمزمي وبأعلى قبة زمزم يدعو له عند كل شوط على ما ذكرناه من عادته، فإذا طاف صلّى ركعتين عند الملتزم، وصلى عند المقام وتمسّح به وخرج إلى المسعى فسعى راكبا والقواد يحفون به والحرّابة «217» بين يديه ثم يسير إلى منزله. وهذا اليوم عندهم عيد من الأعياد ويلبسون فيه أحسن الثياب ويتنافسون في ذلك.
ذكر عمرة رجب
وأهل مكة يحتفلون لعمرة رجب الاحتفال الذي لا يعهد مثله، وهي متصلة ليلا ونهارا، وأوقات الشهر كلّه معمورة بالعبادة، وخصوصا أول يوم منه، ويوم خمسة عشر والسابع والعشرون فإنهم يستعدون لها قبل ذلك بأيام.
شاهدتهم في ليلة السابع والعشرين منه، وشوارع مكة قد غصّت بالهوادج «218» ، عليها كساء الحرير والكتان الرفيع، كل أحد يفعل بقدر استطاعته، والجمال مزينة مقلّدة بقلائد الحرير، وأستار الهوادج ضافية تكاد تمس الأرض، فهي كالقباب المضروبة ويخرجون إلى ميقات التنعيم، فتسيل أباطح مكة بتلك الهوادج، والنّيران مشعلة بجنبتي الطّريق، والشمع والمشاعل أمام الهوادج، والجبال تجيب بصداها إهلال الملبين، فترقّ النفوس وتنهمل الدموع، فإذا قضوا العمرة وطافوا بالبيت، خرجوا إلى السعي بين الصفا والمروة بعد مضيّ هزيع من الليل، والمسعى متّقد السرج غاصّ بالناس، والساعيات في هوادجهن، والمسجد الحرام يتلألأ نورا، وهم يسمون هذه العمرة بالعمرة الأكمية، لأنهم يحرمون بها من أكمة أمام مسجد عائشة رضي الله عنها بمقدار غلوة على مقربة من المسجد المنسوب إلى علي رضي الله عنه.
والأصل في هذه العمرة أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما فرغ من بناء الكعبة المقدّسة «219» خرج ماشيا حافيا معتمرا ومعه أهل مكة وذلك في اليوم السابع
(1/400)

والعشرين من رجب وانتهى إلى الأكمة فأحرم منها، وجعل طريقه على ثنية الحجون إلى المعلّى من حيث دخل المسلمون يوم الفتح، فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة إلى هذا العهد.
وكان يوم عبد الله مذكورا أهدي فيه بدنا كثيرة، وأهدى أشراف مكة وأهل الاستطاعة منهم وأقاموا أياما يطعمون ويطعمون شكرا لله تعالى على ما وهبهم من التيسير والمعونة في بناء بيته الكريم على الصفة التي كان عليها في أيام الخليل صلوات الله عليه.
ثم لما قتل ابن الزبير نقض الحجّاج الكعبة وردها إلى بنائها في عهد قريش «220» وكانوا قد اقتصروا في بنائها «221» ، وأبقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك لحدثان عهدهم بالكفر، «222» ، ثم أراد الخليفة أبو جعفر المنصور أن يعيدها إلى بناء ابن الزبير فنهاه مالك رحمه الله عن ذلك، وقال: يا أمير المؤمنين لا تجعل البيت ملعبة للملوك، متى أراد أحدهم يغيره فعل! فتركه على حاله سدا للذريعة.
وأهل الجهات الموالية لمكة مثل بجيلة وزهران وغامد «223» يبادرون لحضور عمرة رجب ويجلبون إلى مكة الحبوب والسمن والعسل والزبيب واللوز فترخص الأسعار بمكة ويرغد عيش أهلها وتعمّهم المرافق، ولولا أهل هذه البلاد لكان أهل مكة في شظف من العيش، ويذكر أنهم متى أقاموا ببلادهم ولم ياتوا بهذه الميرة أجدبت بلادهم ووقع الموتان في مواشيهم، ومتى أوصلوا الميرة أخصبت بلادهم وظهرت فيها البركة ونمت أموالهم فهم إذا حان وقت ميرتهم وأدركهم كسل عنها اجتمعت نساءهم فأخرجنهم! وهذا من لطائف صنع الله تعالى وعنايته ببلده الأمين.
(1/401)

وبلاد السّرو التي يسكنها بجيلة وزهران وغامد، وسواهم من القبائل «224» مخصبة كثيرة الأعناب وافرة الغلات، وأهلها فصحاء الألسن لهم صدق نية وحسن اعتقاد، وهم إذا طافوا بالكعبة يتطارحون عليها لائذين بجوارها، متعلقين بأستارها، داعين بأدعية تتصدع لرقتها القلوب، وتدمع العيون الجامدة، فترى الناس حولهم باسطي أيديهم مؤمّنين على أدعيتهم، ولا يتمكن لغيرهم الطواف معهم ولا استلام الحجر لتزاحمهم على ذلك، وهم شجعان أنجاد ولباسهم الجلود، وإذا وردوا مكّة هابت أعراب الطريق مقدمهم وتجنبوا اعتراضهم ومن صحبهم من الزوار حمد صحبتهم، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم وأثنى عليهم خيرا، وقال: علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء. وكفاهم شرفا دخولهم في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: الإيمان يماني والحكمة يمانية، وذكر أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يتحرّى وقت طوافهم ويدخل في جملتهم تبركا بدعائهم، وشأنهم عجيب كلّه وقد جاء في أثر: زاحموهم في الطّواف فإن الرحمة تنصبّ عليهم صبّا.
ذكر عادتهم في ليلة النصف من شعبان
وهذه الليلة من الليالي المعظمة عند أهل مكة يبادرون فيها إلى أعمال البر من الطواف والصلاة جماعات وأفذاذا والاعتمار، ويجتمعون في المسجد الحرام جماعات لكل جماعة إمام، يوقدون السرج والمصابيح والمشاعل ويقابل ذلك ضوء القمر يتلألأ الأرض والسماء نورا، ويصلون مائة ركعة يقرءون في كل ركعة بأم القرآن، وسورة الإخلاص يكررونهما عشرا، وبعض الناس يصلون في الحجر منفردين، وبعضهم يطوفون بالبيت الشريف وبعضهم قد خرجوا للاعتمار.
ذكر عادتهم في شهر رمضان المعظم
وإذا أهل هلال رمضان تضرب الطبول والدّبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرام نورا ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقا، وهم الشافعية، والحنفية، والحنبلية، والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء: يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية
(1/402)

ولا ناحية إلا وفيها قارىء يصلي بجماعته فيرتج المسجد لأصوات القراء وترق النفوس وتحضر القلوب وتهمل الأعين.
ومن الناس من يقتصر على الطواف والصلاة في الحجر منفردا، والشافعية أكثر الأئمة اجتهادا، وعادتهم أنهم إذا أكملوا التراويح المعتادة وهي عشرون ركعة يطوف إمامهم وجماعته فإذا فرغ من الأسبوع ضربت الفرقعة التي ذكرنا أنها تكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة وكان ذلك إعلاما بالعودة إلى الصلاة، ثم يصلي ركعتين ثم يطوف أسبوعا هكذا، إلى أن يتم عشرين ركعة أخرى ثم يصلون الشّفع والوتر وينصرفون.
وسائر الأئمة لا يزيدون على العادة شيئا، وإذا كان وقت السحور يتولى المؤذن الزمزمي التّسحير في الصومعة التي بالركن الشرقي من الحرم «225» ، فيقوم داعيا ومذكرا ومحرضا على السحور، والمؤذّنون في سائر الصوامع، فإذا تكلم أحد منهم أجابه صاحبه، وقد نصبت في أعلى كل صومعة خشبة على رأسها عود معترض قد علق فيه قنديلان من الزجاج كبيران يقدان، فإذا قرب الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة حط القنديلان، وابتدأ المؤذنون بالآذان وأجاب بعضهم بعضا.
ولديار مكة شرفها الله سطوح، فمن بعدت داره بحيث لا يسمع الأذان يبصر القنديلين المذكورين، فيتسحّر حتّى إذا لم يبصرهما أقلع عن الأكل، وفي كل ليلة وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان يختمون القرآن ويحضر الختم القاضي والفقهاء والكبراء ويكون الذي يختم بهم أحد أبناء كبراء أهل مكة فاذا ختم نصب له منبر مزين بالحرير وأوقد الشمع وخطب، فإذا فرغ من خطبته استدعى أبوه الناس إلى منزله فأطعمهم الأطعمة الكثيرة والحلاوات وكذلك يصنعون في جميع ليالي الوتر، وأعظم تلك الليالي عندهم ليلة سبع وعشرين، واحتفالهم لها أعظم من احتفالهم لسائر الليالي، ويختم بها القرآن العظيم، خلف المقام الكريم، وتقام إزاء حطيم الشافعية خشب عظام توصل بالحطيم وتعرض بينها ألواح طوال، وتجعل ثلاث طبقات وعليها الشمع وقناديل الزجاج فيكاد يغشي الأبصار، شعاع الأنوار، ويتقدم الإمام فيصلي فريضة العشاء الأخيرة، ثم يبتدئ قراءة سورة القدر، وإليها يكون انتهاء قراءة الأئمة في الليلة التي قبلها، وفي تلك الساعة يمسك جميع الأئمة عن التراويح تعظيما لختمة المقام، ويحضرونها متبركين فيختم الإمام في تسليمتين ثم يقوم
(1/403)

خطيبا مستقبل المقام، فإذا فرغ من ذلك عاد الأئمة إلى صلاتهم وانفضّ الجمع ثم يكون الختم ليلة تسع وعشرين في المقام المالكي في منظر مختصر، وعن المباهاة منزّه موقر، فيختم ويخطب.
ذكر عادتهم في شوال
وعادتهم في شوال، وهو مفتتح أشهر الحج المعلومات أن يوقدوا المشاعل ليلة استهلاله ويسرجون المصابيح والشمع على نحو فعلهم في ليلة سبع وعشرين من رمضان، وتوقد السرج في الصوامع من جميع جهاتها، ويوقد سطح الحرم كله وسطح المسجد الذي بأعلى أبى قبيس، ويقيم المؤذنون ليلتهم تلك في تهليل وتكبير وتسبيح، والناس ما بين طواف وصلاة وذكر ودعاء، فإذا صلّوا صلاة الصبح، أخذوا في أهبة العيد ولبسوا أحسن ثيابهم، وبادروا لأخذ مجالسهم بالحرم الشريف، وبه يصلون صلاة العيد لأنه لا موضع أفضل منه.
ويكون أول من يكبر للمسجد الشّيبيون فيفتحون باب الكعبة المقدسة ويقعد كبيرهم في عتبتها وسائرهم بين يديه، إلى أن يأتي أمير مكة فيتلقونه ويطوف بالبيت أسبوعا والمؤذن الزمزمي فوق سطح قبة زمزم على العادة رفعا صوته بالثناء عليه والدعاء له ولأخيه كما ذكر، ثم يأتي الخطيب بين الرايتين السوداوين، والفرقعة أمامه، وهو لابس السواد فيصلي خلف المقام الكريم، ثم يصعد المنبر ويخطب خطبة بليغة، ثم إذا فرغ منها أقبل الناس بعضهم على بعض بالسلام والمصافحة والاستغفار، ويقصدون الكعبة الشريفة فيدخلونها أفواجا ثم يخرجون إلى مقبرة باب المعلّى تبركا بمن فيها من الصحابة وصدور السلف ثم ينصرفون.
ذكر إحرام الكعبة
وفي اليوم السّابع والعشرين من شهر ذي القعدة تشمّر أستار الكعبة الشريفة، زادها الله تعظيما، إلى نحو ارتفاع قامة ونصف من جهاتها الأربع صونا لها من الأيدي أن تنتهبها ويسمون ذلك إحرام الكعبة، وهو يوم مشهود بالحرم الشريف ولا تفتح الكعبة المقدسة من ذلك اليوم حتى تنقضي الوقفة بعرفة.
(1/404)

ذكر شعائر الحج وأعماله
وإذا كان في أول يوم من شهر ذي الحجة تضرب الطبول والدّبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارا بالموسم المبارك، ولا تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات «226» ، فإذا كان اليوم السابع من ذي الحجة خطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يعلّم الناس فيها مناسكهم ويعلمهم بيوم الوقفة، فإذا كان اليوم الثامن بكّر الناس بالصعود إلى منى، وأمراء مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنى، وتقع المباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع، ولكن الفضل في ذلك لاهل الشام دائما، فإذا كان اليوم التاسع رحلوا من منى بعد صلاة الصبح إلى عرفة فيمرون في طريقهم بوادي محسّر، ويهرولون فيه، وذلك سنّة.
ووادي محسّر هو الحد بين مزدلفة ومنى «227» ومزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين جبلين، وحولها مصانع وصهاريج للماء مما بنته زبيدة ابنة جعفر بن أبي جعفر المنصور زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد، وبين منى وعرفة خمس أميال، وكذلك بين منى ومكّة أيضا خمسة أميال.
ولعرفة ثلاث أسماء، وهي عرفة، وجمع، والمشعر الحرام «228» ، وعرفات: بسيط من الأرض فسيح أفيح تحدق به جبال كثيرة وفي آخر بسيط عرفات جبل الرّحمة، وفيه الموقف، وفيما حوله، والعلمان قبله بنحو ميل، وهما الحد ما بين الحل والحرم، وبمقربة منهما مما يلي عرفة بطن عرنة الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالارتفاع عنه ويجب التحفظ منه، ويجب أيضا الإمساك عن النّفور حتى يتمكن سقوط الشمس، فإن الجمّالين ربّما استحثوا كثيرا من الناس وحذّروهم الزحام في النّفر واستدرجوهم إلى أن يصلوا بهم بطن عرنة فيبطل حجهم.
(1/405)

صورة عرفات
(1/406)

رمي الجمرات في منى
(1/407)

عودة لمكة ... صورة الكعبة
(1/408)

وجبل الرحمة الذي ذكرناه قائم في وسط بسيط جمع، منقطع عن الجبال، وهو من حجارة منقطع بعضها عن بعض، وفي أعلاه قبة تنسب إلى أم سلمة رضي الله عنها، وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحوله سطح فسيح يشرف على بسيط عرفات، وفي قبليّه «229» جدار فيه محاريب منصوبة يصلي فيها النّاس وفي أسفل هذا الجبل عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقف فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر، وعن يسار العلمين للمستقبل أيضا وادي الأراك، وبه أراك أخضر يمتد في الأرض امتدادا طويلا.
وإذا حان وقت النّفر أشار الامام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتج لها الأرض وترجف الجبال فياله موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رحماه، جعلنا الله ممن خصه فيه برضاه.
وكانت وقفتي الأولى يوم الخميس سنة ست وعشرين «230» ، وأمير الركب المصري يومئذ أرغون الدوادار «231» نائب الملك الناصر، وحجت في تلك السنة ابنة الملك الناصر، وهي زوجة أبي بكر بن أرغون المذكور، وحجّت فيها زوجة الملك الناصر المسماة بالخوندة، وهي بنت السلطان المعظم محمد أوزبك ملك لسرا وخوارزم، وأمير الركب الشامي سيف الدين الجوبان «232» .
ولما وقع النفر بعد غروب الشمس وصلنا مزدلفة عند العشاء الآخرة فصلينا بها المغرب والعشاء جمعا بينهما حسبما جرت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما صلينا الصبح بمزدلفة غدونا منها إلى منى بعد الوقوف والدعاء بالمشعر الحرام، ومزدلفة كلّها موقف إلا وادي محسّر ففيه تقع الهرولة حتى يخرج عنه.
ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وذلك مستحب، ومنهم من يلقطها
(1/409)

حول مسجد الخيف «233» ، والأمر في ذلك واسع، ولما انتهى الناس إلى منى بادروا لرمي جمرة العقبة، ثم نحروا وذبحوا، ثم حلقوا وحلّوا من كل شيء إلا النساء والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة، ورمي هذه الجمرة عند طلوع الشمس من يوم النحر، ولما رموها توجه أكثر الناس بعد أن ذبحوا وحلقوا إلى طواف الإفاضة، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني، وفي اليوم الثاني رمى الناس عند زوال الشمس بالجمرة الأولى سبعة حصيات، وبالوسطى كذلك، ووقفوا للدعاء بهاتين الجمرتين اقتداء بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كان اليوم الثالث تعجل الناس الانحدار إلى مكة، شرّفها الله بعد أن كمل لهم رمي تسع وأربعين حصاة، وكثير منهم أقام اليوم الثالث بعد يوم النحر حتى رمي سبعين حصاة.
ذكر كسوة الكعبة
وفي يوم النّحر بعثت كسوة الكعبة الشريفة من الركب المصري إلى البيت الكريم، فوضعت في سطحه، فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر أخذ الشّيبيون في إسبالها على الكعبة الشريفة، وهي كسوة سوداء حالكة من الحرير مبطنة بالكتان، وفي أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما الآية، وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آيات من القرآن، وعليها نور لائح مشرق من سوادها.
ولما كسيت شمّرت أذيالها صونا عن أيدي الناس، والملك الناصر هو الذي يتولى كسوة الكعبة الكريمة ويبعث مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفراشين والقومة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشمع والزيت في كلّ سنة.
وفي هذه الأيام تفتح الكعبة الشريفة كلّ يوم للعراقيين والخراسانيين وسواهم ممن يصل مع الركب العراقي، وهم يقيمون بمكة بعد سفر الركبين: الشامي والمصري أربعة أيام، فيكثرون فيها الصدقات على المجاورين وغيرهم. ولقد شاهدتهم يطوفون بالحرم ليلا فمن لقوه في الحرم من المجاورين أو المكيين أعطوه الفضّة والثياب، وكذلك يعطون للمشاهدين الكعبة الشريفة، وربما وجدوا إنسانا نائما فجعلوا في فيه الذهب والفضة حتى يفيق! ولما قدمت معهم من العراق سنة ثمان وعشرين «234» فعلوا من ذلك كثيرا، وأكثروا الصدقة حتى رخص سوم الذهب بمكة، وانتهى صرف المثقال إلى ثمانية عشر درهم «235» نقرة لكثرة ما تصدّقوا به من الذهب.
(1/410)

وفي هذه السنة ذكر اسم السلطان أبي سعيد ملك العراق على المنبر وقبّة زمزم.
ذكر الانفصال عن مكة شرفها الله تعالى
وفي الموفى عشرين لذى الحجة «236» خرجت عن مكة صحبة أمير ركب العراق البهلوان «237» محمد الحويح بحاءين مهملين، وهو من أهل الموصل، وكان يلي إمارة الحاج بعد موت الشيخ شهاب الدين قلندر، وكان شهاب الدين سخيا فاضلا عظيم الحرمة عند سلطانه يحلق لحيته وحاجبيه على طريقة القلندرية، ولما خرجت من مكة، شرّفها الله تعالى، في صحبة الأمير البهلوان المذكور اكترى لي شقّة محارة «238» إلى بغداد، ودفع إجارتها من ماله، وأنزلني في جواره.
وخرجنا بعد طواف الوداع إلى بطن مرّ في جمع من العراقيين والخراسانيين والفارسيين والأعاجم لا يحصى عديدهم، تموج بهم الأرض موجا ويسيرون سير السحاب المتراكم، فمن خرج عن الركب لحاجة، ولم تكن له علامة يستدل بها على موضعه، ضلّ عنه لكثرة الناس.
وفي هذا الركب نواضح كثيرة لأبناء السبيل يستقون منها الماء وجمال لرفع الزاد للصدقة ورفع الأدوية والأشربة والسكر لمن يصيبه المرض، وإذا نزل الركب طبخ الطعام في قدور نحاس عظيمة تسمى الدّسوت، وأطعم منها أبناء السبيل ومن لا زاد معه.
وفي الركب جملة من الجمال يحمل عليها من لا قدرة له على المشي، كل ذلك من صدقات السلطان أبي سعيد ومكارمه «239» .
(1/411)

قال ابن جزى: كرّم الله هذه الكنية الشريفة، فما أعجب أمرها في الكرم! وحسبك بمولانا بحر المكارم ورافع رايات الجود الذي هو آية في النداء والفضل أمير المسلمين أبي سعيد ابن مولانا قامع الكفار، والآخذ للإسلام بالثأر، أمير المسلمين أبي يوسف، قدس الله أرواحهم الكريمة، وأبقى الملك في عقبهم الطاهر إلى يوم الدين «240» .
رجع، وفي هذا الرّكب الأسواق الحافلة، والمرافق العظيمة، وأنواع الأطعمة والفواكه، وهم يسيرون باللّيل ويوقدون المشاعل أمام القطار والمحارات، فترى الأرض تتلألأ نورا والليل قد عاد نهارا ساطعا، ثم رحلنا من بطن مرّ إلى عسفان، ثم إلى خليص، ثم رحلنا أربع مراحل ونزلنا وادي السمك، ثم رحلنا خمسا ونزلنا في بدر، وهذه المراحل اثنتان في اليوم: إحداهما بعد الصبح والأخرى بالعشى، ثم رحلنا من بدر فنزلنا الصّفراء وأقمنا بها يوما مستريحين، ومنها إلى المدينة الشريفة مسيرة ثلاث، ثم رحلنا فوصلنا إلى طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانية وأقمنا بالمدينة، كرمها الله تعالى، ستة أيام واستصحبنا منها الماء لمسيرة ثلاث، ورحلنا عنها فنزلنا في الثالثة بوادي العروس فتزودنا منه الماء من حسيان يحفرون عليها في الأرض فينبطون ماء عذبا معينا.
ثم رحلنا من وادي العروس ودخلنا أرض نجد وهو بسيط من الأرض مدّ البصر فتنسمنا نسيمه الطيب الأرج ونزلنا بعد أربع مراحل على ماء يعرف بالعسيلة «241» . ثم رحلنا عنه ونزلنا ماء يعرف بالنقرة «242» فيه أثار مصانع كالصّهاريج العظيمة، ثم رحلنا إلى ماء يعرف بالقارورة «243» ، وهي مصانع مملوءة بماء المطر مما صنعته زبيدة ابنة جعفر، رحمها الله ونفعها، وهذا الموضع هو وسط أرض نجد، فسيح طيّب النسيم صحيح الهواء نقي التّربة معتدل في كل فصل، ثم رحلنا من القارورة، ونزلنا بالحاجر، وفيه مصانع للماء
(1/412)

وربما جفّت فحفر عن الماء في الجفار «244» . ثم رحلنا ونزلنا سميرة «245» ، وهي أرض غائرة في بسيط فيه شبه حصن مسكون، وماؤها كثير في آبار إلا أنه زعاق ويأتي عرب تلك الارض بالغنم والسمن واللبن فيبيعون ذلك من الحجاج بالثياب الخام، ولا يبيعون بسوى ذلك، ثم رحلنا ونزلنا بالجبل المخروق «246» ، وهو في بيداء من الأرض وفي أعلاه ثقب نافذ تخرقه الرّيح، ثم رحلنا منه إلى وادي الكروش، ولا ماء به، ثم أسرينا ليلا وصبّحنا حصن فيد «247» ، وهو حصن كبير في بسيط من الأرض يدور به سور، وعليه ربض وساكنوه عرب يتعيشون مع الحاجّ في البيع والتجارة، وهنالك يترك الحجّاج بعض أزوادهم حين وصولهم من العراق إلى مكة شرفها الله تعالى، فإذا عادوا وجدوه، وهو نصف الطريق من مكة إلى بغداد، ومنه إلى الكوفة مسيرة اثني عشر يوما في طريق سهل به المياه في المصانع.
ومن عادة الركب أن يدخلوا هذا الموضع على تعبئة وأهبة للحرب إرهابا للعرب المجتمعين هنالك وقطعا لأطعامهم عن الركب.
وهنالك لقينا أميري العرب وهما فياض وحيار واسمه بكسر الحاء واهمالها وياء آخر الحروف وهما أبناء الأمير مهنّا بن عيسى «248» ومعهما من خيل العرب ورجالهم من لا يحصون كثرة، فظهر منهما المحافظة على الحاج والرّحال والحوطة لهم، وأتى العرب بالجمال والغنم فاشترى منهم الناس ما قدروا عليه.
(1/413)

ثم رحلنا ونزلنا الموضع المعروف بالأجفر «249» ويشتهر باسم العاشقين: جميل وبثينة «250» ، ثم رحلنا ونزلنا بالبيداء ثم أسرينا ونزلنا زرود «251» ، وهي بسيط من الأرض فيه رمال منهالة، وبه دور صغار قد أداروها شبه الحصن، وهنالك آبار ماء ليست بالعذبة، ثم رحلنا ونزلنا الثعلبية «252» ، ولها حصن خرب بازائه مصنع هائل ينزل إليه في درج، وبه من ماء المطر ما يعم الركب، ويجتمع من العرب بهذا الموضع جمع عظيم فيبيعون الجمال والغنم والسمن واللبن، ومن هذا الموضع إلى الكوفة ثلاث مراحل «253» ، ثم رحلنا فنزلنا ببركة المرجوم، وهو مشهد على الطريق عليه كوم عظيم من حجارة وكل من مرّ به رجمه، ويذكر أن هذا المرجوم كان رافضيا فسافر مع الركب يريد الحج فوقعت بينه وبين أهل السّنّة من الأتراك مشاجرة فسب بعض الصحابة فقتلوه بالحجارة، وبهذا الموضع بيوت كثيرة للعرب، ويقصدون الركب بالسمن واللبن وسوى ذلك، وبه مصنع «254» كبير يعم جميع الركب مما بنته زبيدة، رحمة الله عليها، وكل مصنع أو بركة أو بئر بهذه الطريق التي بين مكة وبغداد فهي من كريم آثارها جزاها الله خيرا، ووفّى لها أجرها ... ولولا عنايتها بهذه الطريق ما سلكها أحد.
(1/414)

ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالمشقوق «255» فيه مصنعان بهما الماء العذب الصافي، وأراق الناس ما كان عندهم من الماء وتزوّدوا منهما، ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالتّنانير «256» وفيه مصنع ممتلئ بالماء ثم أسرينا منه واجتزنا ضحوة بزمّالة «257» وهي قرية معمورة بها قصر للعرب ومصنعان للماء وأبار كثيرة، وهي من مناهل هذا الطريق، ثم رحلنا فنزلنا الهيثمين «258» ، وفيه مصنعان للماء ثم رحلنا فنزلنا دون العقبة المعروفة بعقبة الشيطان «259» ، وصعدنا العقبة في اليوم الثاني، وليس بهذا الطريق وعر سواها على أنها ليست بصعبة ولا طائلة، ثم نزلنا موضعا يسمى واقصة «260» فيه قصر كبير ومصانع للماء معمور بالعرب، وهو آخر مناهل هذا الطريق.
وليس فيما بعده إلى الكوفة منهل مشهور إلا مشارع ماء الفرات، وبه يتلقّى كثير من أهل الكوفة الحاجّ ويأتون بالدقيق والخبز والتمر والفواكه، ويهنئ الناس بعضهم بعضا بالسلامة، ثم نزلنا موضعا يعرف بلورة «261» ، فيه مصنع كبير للماء، ثم نزلنا موضعا يعرف بالمساجد «262» فيه ثلاث مصانع، ثم نزلنا موضعا يعرف بمنارة القرون «263» ، وهي منارة في بيداء من الأرض بائنة الارتفاع مجللة بقرون الغزلان، ولا عمارة حولها، ثم نزلنا موضعا
(1/415)

يعرف بالعذيب «264» وهو واد مخصب عليه عمارة، وحوله فلاة خصبة فيها مسرح للبصر.
ثم نزلنا القادسية «265» حيث كانت الوقعة الشهيرة على الفرس التي أظهر الله فيها دين الإسلام وأذل المجوس عبدة النار، فلم تقم لهم بعدها قائمة، واستأصل الله شأفتهم وكان أمير المسلمين يومئذ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكانت القادسية مدينة عظيمة افتتحها سعد رضي الله عنه وخربت فلم يبق منها الآن إلا مقدار قرية كبيرة وفيها حدائق النخل، وبها مشارع من ماء الفرات.
معركة القادسية كما تصورها أحدهم
(1/416)

الفصل الخامس العراق وفارس
(عراق العرب وعراق العجم) النّجف الأشرف من النّجف إلى البصرة حيث سيبتدىء المجلد الثاني من السفر الأول من البصرة إلى إصفهان مدينة إصفهان والخروج إلى شيراز مدينة شيراز من شيراز إلى بغداد مدينة بغداد رحلة إلى تبريز عاصمة سلطنة عراق العرب والعجم حجّة أخرى ومجاورته ثم حجّه مرة ثالثة.
(1/417)

خريطة العراق وفارس
(1/419)

مدينة النّجف
ثم رحلنا منها [أي القادسية] فنزلنا مدينة مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه «1» بالنّجف، وهي مدينة حسنة في أرض فسيحة صلبة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء، ولها أسواق حسنة نظيفة، دخلناها من باب الحضرة فاستقبلنا سوق البقالين والطباخين والخبازين، ثم سوق الفاكهة ثم سوق الخياطين والقيسارية، ثم سوق العطارين ثم باب الحضرة حيث القبر الذي يزعمون «2» أنه قبر عليّ عليه السلام، وبإزائه المدارس والزوايا والخوانق معمورة أحسن عمارة وحيطانها بالقاشاني «3» ، وهو شبه الزّليج عندنا، لكن لونه أشرق ونقشه أحسن.
ذكر الروضة والقبور التي بها
ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة، ولكل وارد عليها ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم والتمر مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة وعلى بابها الحجّاب والنقباء والطواشية «4» ، فعندما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم، وذلك على قدر الزائر فيقفون معه على العتبة ويستأذنون له، ويقولون: عن أمركم يا أمير المؤمنين هذا العبد الضّعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فإن أذنتم له وإلّا رجع! وان لم يكن أهلا لذلك فأنتم أهل المكارم والسّتر! ثم يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضة وكذلك العضادتان، ثم يدخل القبّة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مصطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفاح الذهب المنقوشة المحكمة مسمّرة بمسامير الفضة، قد
(1/421)

النجف الأشرف حيث مشهد الإمام علي مع شكرنا للسفارة العراقية بالرباط
(1/422)

غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء، وارتفاعها دون القامة وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون أن أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام، والثاني قبر نوح عليه الصلاة والسلام، والثالث قبر عليّ رضي الله عنه، وبين القبور طسوت ذهب وفضة فيها ماء الورد والمسك وأنواع الطيب يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن به وجهه تبركا.
وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة وعليه ستور من الحرير الملوّن يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربعة أبواب، عتبتها فضة وعليها ستور الحرير، وأهل هذه المدينة كلهم رافضيّة.
وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم أن بها قبر عليّ رضي الله عنه، فمنها أن في ليلة السابع والعشرين من رجب، وتسمى عندهم ليلة المحيا «5» يؤتى الى تلك الروضة بكل مقعد من العراقين وخرسان وبلاد فارس والروم فيجتمع الثلاثون والأربعون ونحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا فوق الضريح المقدس، والناس ينتظرون قيامهم وهم ما بين مصلّ وذاكر وتال ومشاهد للروضة فإذا مضى من الليل نصفه أو ثلثاه أو نحو ذلك قام الجميع أصحّاء من غير سوء، وهم يقولون: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عليّ ولي الله «6» .
وهذا أمر مستفيض عندهم سمعته من الثقات ولم أحضر تلك الليلة، لكني رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال أحدهم من أرض الروم والثاني من إصبهان والثالث من خراسان وهم مقعدون فاستخبرتهم عن شأنهم فأخبروني أنهم لم يدركوا (ليلة المحيا) وأنهم منتظرون أوانها من عام آخر، وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد ويقيمون سوقا عظيمة مدة عشرة أيام وليس بهذه المدينة مغرم ولا مكاس ولا وال، وإنما يحكم عليهم نقيب الأشراف، وأهلها تجار، يسافرون في الأقطار، وهم أهل شجاعة وكرم، ولا يضام جارهم، صحبتهم في الأسفار، فحمدت صحبتهم، لكنهم غلوا في علي رضي الله عنه.
ومن الناس في بلاد العراق وغيرها من يصيبه المرض فينذر للروضة نذرا إذا برىء ومنهم من يمرض رأسه فيصنع رأسا من ذهب أو فضة وياتي به إلى الروضة فيجعله النقيب في الخزانة، وكذلك اليد والرجل وغيرهما من الأعضاء، وخزانة الروضة عظيمة فيها من الأموال ما لا يضبط لكثرته.
(1/423)

ذكر نقيب الأشراف
ونقيب الأشراف مقدّم من ملك العراق ومكانه عنده مكين، ومنزلته رفيعة وله ترتيب الأمراء الكبار في سفره، وله الأعلام والأطبال، وتضرب الطّبلخانة عند بابه مساء وصباحا، واليه حكم هذه المدينة ولا والي بها سواه، ولا مغرم فيها للسلطان ولا لغيره.
وكان النقيب في عهد دخولي إليها نظام الدين حسين بن تاج الدين الآوي «7» نسبة إلى بلده آوه «8» ، من عراق العجم، أهلها رافضة، وكان قبله جماعة يلي كل واحد منهم بعد صاحبه، منهم جلال الدين بن الفقيه، ومنهم قوام الدين بن طاؤوس، ومنهم ناصر الدين مطهر بن الشريف الصالح شمس الدين محمد الأوهري من عراق العجم، وهو الآن بأرض الهند من ندماء ملكها، ومنهم أبو غرّة بن سالم بن مهنّا بن جمّاز بن شيحة «9» الحسيني المدني.
حكاية الشريف أبي غرّة
كان الشريف أبو غرة قد غلب عليه في أول أمره العبادة، وتعلم العلم واشتهر بذلك، وكان ساكنا بالمدينة الشريفة كرّمها الله، في جوار ابن عمه منصور بن جمّاز أمير المدينة، ثم أنه خرج عن المدينة واستوطن العراق وسكن منها بالحلة، فمات النقيب قوام الدين بن طاؤوس فاتفق أهل العراق علي تولية أبي غرة نقابة الأشراف، وكتبوا بذلك إلى السلطان أبي سعيد فأمضاه ونفّذ له اليرليغ «10» ، وهو الظهير، بذلك، وبعثت له الخلعة والأعلام والطبول
(1/424)

على عادة النّقباء ببلاد العراق. فغلبت عليه الدنيا وترك العبادة والزهد وتصرف في الأموال تصرفا قبيحا فرفع أمره إلى السلطان، فلما علم بذلك أعمل السفر مظهرا أنه يريد خراسان قاصدا زيارة قبر علي بن موسى الرّضى «11» بطوس، وكان قصده الفرار.
فلما زار قبر علي بن موسى قدم هراة وهي آخر بلاد خراسان، وأعلم أصحابه أنه يريد بلاد الهند فرجع أكثرهم عنه وتجاوز هو أرض خرسان إلى السند فلما جاز وادي السند المعروف ببنج آب، ضرب طبوله وأنفاره، فراع ذلك أهل القرى وظنوا أن التتر أتو للإغارة عليهم، وأجفلوا إلى المدينة المسمّاة بأوجا، وأعلموا أميرها بما سمعوه فركب في عساكره واستعدّ للحرب وبعث الطلايع فرأوا نحو عشرة من الفرسان وجماعة من الرجال والتجار ممن صحب الشريف في طريقه، معهم الأطبال والأعلام، فسألوهم عن شأنهم، فأخبروهم أن الشريف نقيب العراق أتى وافدا على ملك الهند فرجع الطلايع إلى الأمير. وأخبروه بكيفية الحال، فاستضعف عقل الشريف لرفعه العلامات وضربه الطبول في غير بلاده! ودخل الشريف مدينة أوجا وأقام بها مدة تضرب الأطبال على باب داره غدوة وعشية، وكان مولعا بذلك.
ويذكر أنه كان في أيام نقابته بالعراق تضرب الأطبال على رأسه فإذا أمسك النقار عن الضرب، يقول له: زد نقيرة يا نقار! حتى لقب لذلك.
وكتب صاحب مدينة أوجا إلى ملك الهند بخبر الشريف وضربه الأطبال بالطريق وعلى باب داره غدوة وعشيا ورفعه الأعلام، وعادة أهل الهند أن لا يرفع علما ولا يضرب طبلا إلا من أعطاه الملك ذلك، ولا يفعله إلا في السفر وأما في حال الاقامة فلا يضرب الطبل إلا على باب الملك خاصة بخلاف مصر والشام والعراق فإن الطبول تضرب على أبواب الأمراء، فلما بلغ خبره إلى ملك الهند كره فعله وأنكره وفعل في نفسه.
ثم خرج الأمير إلى حضرة الملك وكان الأمير كشلوخان، والخان عندهم أعظم الأمراء، وهو الساكن بملتان كرسي بلاد السند، وهو عظيم القدر عند ملك الهند يدعوه بالعمّ لانه كان ممن أعان أباه السلطان غياث الدين تغلق شاه على قتال السلطان ناصر الدين خسروشاه، قد قدم على حضرة ملكة الهند فخرج الملك إلى لقائه، فاتفق أن كان وصول الشريف في
(1/425)

ذلك اليوم وكان الشريف قد سبق الأمير بأميال وهو على حاله من ضرب الأطبال فلم يرعه إلا السلطان في موكبه فتقدم الشريف إلى السلطان فسلم عليه وسأله السلطان عن حاله، وما الذي جاء به، فأخبره ومضى السلطان حتى لقى الأمير كشلو خان، وعاد إلى حضرته ولم يلتفت إلى الشريف ولا أمر له بإنزال ولا غيره.
وكان الملك عازما على السّفر إلى مدينة دولة أباد، وتسمى أيضا بالكتكة بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما، وتسمى أيضا بالدّويجر «12» وهي على مسيرة أربعين يوما من مدينة دهلى حضرة الملك، فلما شرع في السفر بعث إلى الشريف بخمسمائة دينار دراهم، وصرفها من ذهب المغرب مائة وخمسة وعشرون دينارا، وقال لرسوله اليه، قل له: إن أراد الرجوع إلى بلاده فهذا زاده، وان أراد السفر معنا فهي نفقته بالطريق، وإن أراد الاقامة بالحضرة فهي نفقته حتى نرجع، فاغتمّ الشريف لذلك وكان قصده أن يجزل له العطاء كما هي عادته مع أمثاله، واختار السفر صحبة السلطان وتعلق بالوزير أحمد بن أياس المدعو بخواجه جهان، وبذلك سمّاه الملك وبه يدعوه هو، وبه يدعوه سائر الناس، فإن من عادتهم أنه متى سمى الملك أحدا باسم مضاف إلى الملك من عماد، أو ثقة، أو قطب، أو باسم مضاف إلى الجهان من صدر وغيره، فبذلك يخاطبه الملك وجميع الناس، ومن خاطبه بسوى ذلك لزمته العقوبة، فتأكدت المودة بين الوزير والشريف فأحسن إليه ورفع قدره ولاطف الملك حتى حسن فيه رأيه، وأمر له بقريتين من قرى دولة أباد، وأمره أن تكون إقامته بها. وكان هذا الوزير من أهل الفضل والمروءة ومكارم الأخلاق والمحبة في الغرباء والاحسان إليهم، وفعل الخير وإطعام وعمارة الزوايا، فأقام الشريف يستغلّ القريتين ثمانية أعوام، وحصّل من ذلك مالا عظيما، ثم أراد الخروج فلم يمكنه فإنه من خدم السلطان لا يمكنه الخروج إلا بإذنه، وهو محب في الغرباء فقليلا ما يأذن لاحدهم في السراح فأراد الفرار من طريق الساحل فردّ منه، وقدم الحضرة ورغب من الوزير أن يحاول قضية انصرافه، فتلطف الوزير في ذلك حتى أذن له السلطان في الخروج عن بلاد الهند وأعطاه عشرة آلاف دينار من دراهمهم.
وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار فأتى بها في بدرة فجعلها تحت فراشه، ونام عليها لمحبته في الدنانير وفرحه بها وخوفه أن يتصل لأحد من أصحابه شيء منها فانه كان بخيلا، فأصابه وجع في جنبه بسبب رقاده عليها، ولم يزل يتزايد به وهو آخذ في حركة سفره إلى أن توفى بعد عشرين يوما من وصول البدرة اليه، وأوصى بذلك المال للشريف حسن
(1/426)

الحرّاني «13» ، فتصدق بجملته على جماعة من الشيعة المقيمين بدهلي من أهل الحجاز والعراق.
وأهل الهند لا يورّثون بيت المال، ولا يتعرضون لمال الغرباء، ولا يسألون عنه، ولو بلغ ما عسى أن يبلغ، وكذلك السودان لا يتعرضون لمال الأبيض ولا يأخذونه، إنما يكون عند الكبار من أصحابه حتى يأتى مستحقه «14» .
وهذا الشريف أبو غرّة «15» ، له أخ اسمه قاسم سكن غرناطة مدة، وبها تزوج بنت الشريف أبي عبد الله بن ابراهيم الشهير بالمكّي، ثم انتقل إلى جبل طارق فسكنه إلى أن استشهد بوادي كرّة «16» من نظر الجزيرة الخضراء، وكان بهمة من البهم لا يصطلى بناره، خرق المعتاد في الشجاعة، وله فيها أخبار شهيرة عند الناس، وترك ولدين هما في كفالة ربيبهما الشريف الفاضل أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني الكربلائي الشهير ببلاد المغرب بالعراقي «17» ، وكان تزوج أمهما بعد موت أبيهما فماتت عنده وهو محسن لهما جزاه الله خيرا.
(1/427)

[المجلد الثانى]
[تتمة] الفصل الخامس العراق وفارس
(عراق العرب وعراق العجم) النّجف الأشرف من النّجف إلى البصرة حيث يبتدئ المجلد الثاني من البصرة إلى إصفهان مدينة إصفهان والخروج إلى شيراز مدينة شيراز من شيراز إلى بغداد مدينة بغداد رحلة إلى تبريز عاصمة سلطنة عراق العرب والعجم حجّة أخرى ومجاورته ثم حجّه مرة ثالثة
(2/3)

خريطة العراق وفارس
(2/5)

نحو مدينة البصرة
ولمّا تحصّلت لنا زيارة أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، سافر الركب إلى بغداد، وسافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة «18» ، وهم أهل تلك البلاد، ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد، ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلّا في صحبتهم، فاكتريت جملا على يد أمير تلك القافلة شامر بن درّاج الخفاجيّ وخرجنا من مشهد عليّ عليه السلام فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان ابن المنذر «19» وابائه من ملوك بني ماء السماء، وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة، في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات، ثم رحلنا عنه فنزلنا موضعا بقائم «20» الواثق، وبه أثر قرية خربة ومسجد خرب لم يبق منه إلا صومعته، ثم رحلنا عنه اخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار، وهو غابة قصب في وسط الماء «21» يسكنها أعراب يعرفون بالمعادي، وهم قطّاع الطريق، رافضيّة المذهب خرجوا على جماعة من الفقراء تأخروا عن رفقتنا فسلبوهم حتّى النّعال والكشاكيل «22» ، وهم يتحصّنون بتلك الغابة ويمتنعون بها ممّن يريدهم، والسباع بها كثيرة، ورحلنا مع هذا العذار ثلاث مراحل ثم وصلنا مدينة واسط.
مدينة واسط
مدينة واسط وهي حسنة الأقطار، كثيرة البساتين والأشجار، بها أعلام يهدي الخير شاهدهم وتهدى الاعتبار مشاهدهم «23» ، وأهلها من خيار أهل العراق، بل هم خير على
(2/7)

البصرة بين الشناشيل والنخيل
(2/8)

الإطلاق، أكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة واليهم ياتي أهل بلاد العراق برسم تعلّم ذالك.
وكان في القافلة التي وصلنا فيها جماعة من الناس أتوا برسم تجويد القرآن على من بها من الشيوخ، وبها مدرسة عظيمة حافلة فيها نحو ثلاث مائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلّم القرآن، عمّرها الشيخ تقيّ الدين بن عبد المحسن الواسطيّ «24» ، وهو من كبار أهلها وفقهائها ويعطي لكلّ متعلّم بها كسوة في السنة ويجرى له نفقته في كلّ يوم ويقعد هو واخوانه وأصحابه لتعليم القرآن بالمدرسة، وقد لقيته وأضافني وزوّدني تمرا ودراهم، ولمّا نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثا بخارجها للتجارة فسنح لي زيارة قبر الوليّ أبي العباس أحمد الرفاعيّ «25» ، وهو بقرية تعرف بأم عبيدة «26» على مسيرة يوم من واسط، فطلبت من الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد «27» ، وهم قطّان تلك الجهة، وأركبني فرسا له وخرجت ظهرا فبتّ تلك الليلة بحوش بني أسد، ووصلنا في ظهر اليوم الثاني إلى الرّواق، وهو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء وصادفنا به قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد «28» وليّ الله أبي العبّاس الرفاعي الذي قصدنا زيارته، وقد قدم من موضع سكناه من بلاد الروم برسم زيارة قبر جدّه واليه انتهت الشياخة بالرّواق، ولمّا انقضت صلاة العصر ضربت الطبول والدفوف وأخذ الفقراء في الرقص ثم صلّوا المغرب وقدّموا السّماط، وهو خبز الأرز والسمك والتمر فأكل النّاس ثم صلّوا العشاء الآخرة وأخذوا في الذكر والشيخ أحمد قاعد على سجّادة جدّه المذكور، ثم أخذوا في السماع وقد أعدّوا احمالا من الحطب فأجّجوها نارا ودخلوا في وسطها يرقصون، ومنهم من يتمرّغ فيها، ومنهم من يأكلها بفمه حتّى أطفأوها جميعا وهذا دأبهم وهذه الطايفة الأحمديّة «29»
(2/9)

مخصوصة بهذا، وفيهم من يأخذ الحيّة العظيمة فيعضّ بأسنانه على رأسها حتى يقطعه
حكاية [الرقص في النار]
كنت مرّة بموضع يقال له أفقانبور «30» من عمالة هزار أمروها وبينها وبين دهلي:
حضرة الهند مسيرة خمس، وقد نزلنا بها على نهر يعرف بنهر السّرو «31» ، وذلك في أوان الشّكال «32» ، والشكال: عندهم هو المطر، وينزل في ابّان القيظ، وكان السّيل ينحدر في هذا النهر من جبال قراجيل «33» ، فكلّ من يشرب منه من إنسان أو بهيمة يموت لنزول المطر على الحشائش المسمومة، فأقمنا على النهر أربعة أيام لا يقربه أحد، ووصل إليّ هنالك جماعة من الفقراء في أعناقهم أطواق الحديد وفي أيديهم، وكبيرهم رجل أسود حالك اللون، وهم من الطايفة المعروفة بالحيدريّة «34» ، فباتوا عندنا ليلة وطلب منّي كبيرهم أن اتيه بالحطب ليوقده عند رقصهم، فكلّفت والي تلك الجهة وهو عزيز المعروف بالخمّار، وسياتي ذكره، أن يأتي بالحطب فوجّه منه نحو عشرة أحمال، فأضرموا فيه النار بعد صلاة العشاء الآخرة حتّى صارت جمرا وأخذوا في السماع ثمّ دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون ويتمرغون فيها، وطلب منّي كبيرهم قميصا فأعطيته قميصا في النهاية من الرقّة فلبسه وجعل يتمرّغ به في النار ويضربها بأكمامه حتّى طفئت تلك النار وخمدت وجاء إليّ بالقميص والنّار لم تؤثر فيه شيئا البتّة، فطال عجبي منه!
(2/10)

ولمّا حصلت لي زيارة الشيخ أبى العباس الرفاعي نفع الله به عدت إلى مدينة واسط فوجدت الرفقة التي كنت فيها قد رحلت فلحقتها في الطريق ونزلنا ماء يعرف بالهضيب، ثم رحلنا ونزلنا بوادي الكراع وليس به ماء ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالمشيرب «35» ، ثم رحلنا منه ونزلنا بالقرب من البصرة ثم رحلنا فدخلنا ضحوة النهار إلى مدينة البصرة «36» .
مدينة البصرة
فنزلنا بها رباط مالك بن دينار «37» ، وكنت رأيت عند قدومي عليها على نحو ميلين منها بناء عالّما مثل الحصن، فسألت عنه فقيل لي هو مسجد علي بن أبي طالب «38» رضي الله عنه، وكانت البصرة من اتّساع الخطّة، وانفساح الساحة، بحيث كان هذا المسجد في وسطها، وبينه الآن وبينها ميلان، وكذلك بينه وبين السور الأول المحيط بها نحو ذلك فهو متوسّط بينهما.
ومدينة البصرة إحدى امّهات العراق، الشهيرة الذكر في الآفاق، الفسيحة الأرجاء، المؤنقة الأفناء، ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة، توفّر قسمها من النضارة والخصب، لما كانت مجمع البحرين: الأجاج والعذب «39» ، وليس في الدنيا أكثر نخلا منها فيباع التمر في
(2/11)

سوقها بحساب أربعة عشر رطلا عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة، ولقد بعث إليّ قاضيها حجّة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلّف، فاردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمّال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق! ويصنع بها من التمر عسل يسمّى السّيلان «40» ، وهو طيّب كانّه الجلاب، والبصرة ثلاث محلّات إحداها: محلّة هذيل، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء، أضافني وبعث اليّ بثياب ودراهم، والمحلّة الثانية: محلّة بني حرام كبيرها السيّد الشريف مجد الدين موسى الحسنى ذو مكارم وفواضل أضافني وبعث اليّ التمر والسّيلان والدراهم، والمحلّة الثالثة: محلّة العجم كبيرها جمال الدين بن اللّوكيّ «41» .
وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وايناس للغريب وقيام بحقّه فلا يستوحش فيما بينهم غريب، وهم يصلّون الجمعة في مسجد أمير المومنين علي رضي الله عنه الذي ذكرته، ثم يسدّ فلا يأتونه إلا في الجمعة.
وهذا المسجد من أحسن المساجد، وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يوتي بها من وادي السباع «42» ، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لمّا قتل «43» ، وأثر تغيّر الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم «44» .
(2/12)

حكاية اعتبار
شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب به إلى الخطبة وسردها لحن فيها لحنا كثيرا جليا فعجبت من أمره وذكرت ذلك للقاضي حجّة الدين فقال لي: إن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئا من علم النحو! وهذه عبرة لمن تفكّر فيها، سبحان مغيّر الأشياء ومقلّب الأمور. هذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو، وفيها أصله وفرعه، ومن أهلها إمامه «45» الذي لا ينكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤبه عليها.
ولهذا المسجد سبع صوامع إحداها الصومعة التي تتحرّك، بزعمهم عند ذكر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، صعدت إليها من أعلى سطح المسجد ومعي بعض أهل البصرة فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمّرا فيها كأنه مقبض مملّسة البنّاء، فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض وقال: بحقّ رأس أمير المومنين عليّ رضي الله عنه، تحرّكي! وهزّ المقبض، فتحركت الصومعة، فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له: وأنا أقول: بحقّ رأس أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحرّكى! وهززت المقبض فتحركت الصومعة «46» ! فعجبوا من ذلك! وأهل البصرة على مذهب السنّة والجماعة، ولا يخاف من يفعل مثل فعلي عندهم، ولو جرى مثل هذا بمشهد عليّ أو مشهد الحسين أو بالحلّة أو بالبحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوه أو طوس لهلك فاعله! لأنّهم رافضة غالية.
قال ابن جزي: قد عاينت بمدينة برشانة «47» من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله، صومعة تهتزّ من غير أن يذكر لها أحد من الخلفاء أو سواهم، وهي صومعة المسجد الأعظم بها، وبناؤها ليس بالقديم، وهي كأحسن ما أنت راء من الصوامع، حسن
(2/13)

منظر واعتدالا وارتفاعا، لا ميل فيها ولا زيغ صعدت اليها مرّة ومعي جماعة من الناس فأخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها وهزّوها فاهتزّت حتّى أشرت اليهم أن يكفوا فكفوا عن هزّها! رجع.
ذكر المشاهد المباركة بالبصرة
فمنها مشهد طلحة بن عبيد الله أحد العشرة، رضي الله عنهم، وهو بداخل المدينة وعليه قبّة ومسجد وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر وأهل البصرة يعظّمونه تعظيما شديدا وحقّ له، ومنها مشهد الزبير بن العوّام حوارّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وابن عمّته رضي الله عنهما وهو بخارج البصرة ولا قبّة عليه وله مسجد وزاوية فيها الطعام لابناء السبيل.
ومنها «48» قبر حليمة السعديّة أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرّضاعة رضي الله عنها وإلى جانبها قبر ابنها رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم «49» ، ومنها قبر أبي بكرة «50» صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه قبّة. وعلى ستّة أميال منها بقرب وادي السباع قبر آنس ابن مالك «51» خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سبيل لزيارته إلا في جمع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران.
ومنها قبر الحسن بن أبي الحسن البصريّ سيّد التابعين رضي الله عنه «52» ومنها
(2/14)

قبر محمد بن سيرين «53» ، رضي الله عنه، ومنها قبر محمد بن واسع «54» رضي الله عنه، ومنها قبر عتبة الغلام «55» ، رضي الله عنه، ومنها قبر مالك بن دينار رضي الله عنه «56» ، ومنها قبر حبيب العجميّ «57» ، رضي الله عنه، ومنها قبر سهل بن عبد الله التّستريّ «58» رضي الله عنه.
وعلى كل قبر منها قبريّة مكتوب فيها اسم صاحب القبر ووفاته، وذالك كله داخل السور القديم، وهي اليوم بينها وبين البلد نحو ثلاثة أميال، وبها سوى ذلك قبور الجمّ الغفير من الصحابة والتابعين المستشهدين يوم الجمل. وكان أمير البصرة حين ورودي عليها يسمّى بركن الدين العجمي التّوريزيّ «59» أضافني فأحسن إلي.
والبصرة على ساحل الفرات والدجلة وبها المدّ والجزر كمثل ما هو بوادي سلا «60» من بلاد المغرب وسواه، والخليج المالح الخارج من بحر فارس «61» على عشرة أميال منها
(2/15)

فإذا كان المدّ غلب الماء المالح على العذب وإذا كان الجزر غلب الماء الحلو على المالح فيستسقى أهل البصرة الماء لدورهم، ولذلك يقال: إن ماءهم زعاق.
قال ابن جزي: وبسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيّد والوان أهلها مصفرّة كاسفة حتّى ضرب بهم المثل وقال بعض الشعراء وقد أحضرت «62» بين يدي الصاحب أترجّة
لله أترجّ غدا بيننا ... معبّرا عن حال دي عبرة
كما كسى الله ثياب الضنّا ... أهل الهوى وساكني البصرة!!
رجع، ثم ركبت من ساحل البصرة في صنبوق «63» وهو قارب صغير إلى الأبلة «64» ، وبينها وبين البصرة عشرة أميال في بساتين متّصلة، ونخيل مضلّلة، عن اليمين واليسار، والباعة في ظلال الأشجار، يبيعون الخبز والسمك واللبن والفواكه.
وفيما بين البصرة والأبلّة متعبّد سهل بن عبد الله التّسترى فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء ممّا يحاذيه من الوادي ويدعون عند ذلك تبرّكا بهذا الواليّ، رضي الله عنه، والنواتية يجدفون في هذه البلاد وهم قيام:
(2/16)

وكانت الابلّة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت وهي الآن قرية بها آثار قصور وغيرها دالّة على عظمها، ثم ركبنا في الخليج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلّة يسمّى بمغامس وذلك فيما بعد المغرب فصبحنا عبّادان «65» ، وهي قرية كبيرة في سبخة لا عمارة بها، وفيها مساجد كثيرة ومتعبّدات ورباطات للصالحين وبينها وبين الساحل ثلاثة أميال.
قال ابن جزي: عبّادان كانت بلدا فيما تقدّم وهي مجدبة لا زرع بها وانّما بجلب اليها، والماء أيضا بها قليل وقد قال فيها بعض الشعراء،
من مبلغ أندلسا أنّني ... حللت عبّادان أقصى الثّرى
أوحش ما أبصرت لا كنّني ... قصدت فيها ذكرها في الوارى
الخبز فيها يتهادونه ... وشربة الماء بها تشترى!!
رجع، وعلى ساحل البحر منها رابطة تعرف بالنسبة إلى الخضر وإلياس عليهما السلام، وبازايها زاوية يسكنها أربعة من الفقراء بأولادهم يخدمون الرابطة والزاوية، ويتعيّشون من فتوحات الناس وكلّ من يمرّ بهم يتصدّق عليهم، وذكر لي أهل هذه الزاوية أنّ بعبّادان عابدا كبير القدر، ولا أنيس له، ياتي هذا البحر مرّة في الشهر فيصطاد فيه ما يقوته شهرا ثم لا يرى إلا بعد تمام شهر، وهو على ذلك منذ أعوام، فلمّا وصلنا عبّادان لم يكن لي شأن إلا طلبه، فاشتغل من كان معي بالصلاة في المساجد والمتعبّدات، وانطلقت طالبا له فجئت مسجدا خربا فوجدته يصلّي فيه فجلست إلى جانبه، فأوجز في صلاته، ولمّا سلّم أخذ بيدي، وقال لي: بلّغك الله مرادك في الدنيا والآخرة! فقد بلغت بحمد الله مرادي في الدنيا وهو السيّاحة في الأرض وبلغت من ذلك ما لم يبلغه غيري فيما أعلمه، وبقيت الأخرى والرجا قوّى في رحمة الله وتجاوزه وبلوغ المراد من دخول الجنّة.
ولمّا أتيت أصحابي أخبرتهم خبر الرجل واعلمتهم بموضعه فذهبوا اليه فلم يجدوه ولا وقعوا له على خبر فعجبوا من شأنه! وعدنا بالعشى إلى الزاوية فبتنا بها ودخل علينا أحد الفقراء الأربعة بعد صلاة العشاء الآخرة، ومن عادة ذلك الفقير أن يأتي عبّادان كلّ ليلة فيسرج السرج بمساجدها ثم يعود إلى زاويته، فلما وصل إلى عبّادان وجد الرجل العابد فأعطاه سمكة طريّة، وقال له أوصل هاذه إلى الضيف الذي قدم اليوم، فقال لنا الفقير عند
(2/17)

دخوله علينا: من رأى منكم الشيخ اليوم؟ فقلت له: أنا رأيته! فقال: يقول لك هذه ضيافتك، فشكرت الله على ذلك، وطبخ لنا الفقير تلك السمكة فاكلنا منها أجمعون، وما أكلت قطّ سمكّا أطيب منها، وهجس في خاطري الإقامة بقيّة العمر في خدمة ذلك الشيخ، ثمّ صرفتني النّفس اللجوج عن ذلك.
ثم ركبنا البحر عند الصبح بقصد بلدة ماجول «66» ، ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك، وكنت أحبّ قصد بغداد العراق فأشار عليّ بعض أهل البصرة بالسفر إلى أرض اللّور ثم إلى عراق العجم، ثم إلى عراق العرب، فعملت بمقتضى إشارته، ووصلنا بعد أربعة أيام إلى بلدة (ماجول) على وزن فاعول، وجيمها معقودة، وهي صغيرة على ساحل هذا الخليج الذي ذكرنا أنه يخرج من بحر فارس وأرضها سبخة لا شجر فيها ولا نبات ولها سوق عظيمة من أكبر الأسواق وأقمت بها يوما واحدا، ثم اكتريت دابّة لركوبي من الذين يجلبون الحبوب من (رامز) إلى (ماجول) ، وسرنا ثلاثا في صحراء يسكنها الأكراد في بيوت الشعر، ويقال إن أصلهم من العرب «67» ، ثم وصلنا إلى مدينة رامز «68» وأول حروفها راء وآخرها زاي وميمها مكسورة، وهي مدينة حسنة ذات فواكه وأنهار ونزلنا بها عند القاضي حسام الدين محمود، ولقيت عنده رجلا من أهل العلم والدين والورع هنديّ الأصل، يدعى بهاء الدين، ويسمى إسماعيل، وهو من أولاد الشيخ بهاء الدين أبي زكرياء الملتاني «69» وقرأ على مشايخ توريز وغيرها.
وأقمت بمدينة رامز ليلة واحدة، ثم رحلنا منها ثلاثا في بسيط فيه قرى يسكنها الأكراد، وفي كل مرحلة منها زاوية فيها للوراد الخبز واللحم والحلواء، وحلواءهم من ربّ
(2/18)

الدّهو: مركب شراعي مألوف في شواطئ الجزيرة العربية والخليج، وشرقي افريقيا
(2/19)

العنب، مخلوطا بالدقيق والسمن، وفي كل زاوية الشيخ والامام والمؤذن والخادم للفقراء، والعبيد والخدم يطبخون الطعام. ثم وصلت إلى مدينة تستر «70» وهي آخر البسيط من بلاد أتابك «71» وأول الجبال، مدينة كبيرة، رايقة نضيرة، وبها البساتين الشريفة، والرياض المنيفة، ولها المحاسن البارعة، والأسواق الجامعة، وهي قديمة البناء افتتحها خالد بن الوليد، ووليّ هذه المدينة ينسب إلى سهل بن عبد الله ويحيط بها النهر المعروف بالأزرق «72» وهو عجيب في نهاية من الصفاء شديد البرودة في أيام الحرّ، ولم أر كزرقته إلا نهر بلخشان «73» ، ولها باب واحد للمسافرين يسمّى دروازة دسبول «74» ، والدّروازة عندهم الباب، ولها أبواب غيره شارعة إلى النهر وعلى جانبي النّهر البساتين والدّواليب «75» ، والنهر عميق، وعلى باب المسافرين منه جسر على القوارب «76» كجسر بغداد والحلة.
قال ابن جزي: وفي النهر يقول بعضهم
انظر لشاذروان تستر واعتجب ... من جمعه ماء لريّ بلاده
كمليك قوم جمّعت أمواله ... فغدا يفرّقها على أجناده
(2/20)

جامع تستر
(2/21)

والفواكه بتستر كثيرة، والخيرات متيسّرة غزيرة، ولا مثل لأسواقها في الحسن، وبخارجها تربة معظّمة يقصدها أهل تلك الأقطار للزيارة وينذرون لها النذور، ولها زاوية بها جماعة من الفقراء، وهم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب «77» .
وكان نزولي من مدينة تستر في مدرسة الشيخ الامام الصالح المتفنّن شرف الدين موسى بن الشيخ الصالح الامام العالم صدر الدّين سليمان، وهو من ذريّة سهل ابن عبد الله، وهذا الشيخ ذو مكارم وفضائل، جامع بين العلم والدين والصلاح والايثار، وله مدرسة وزاوية، وخدّامها فتيان له أربعة: سنبل وكافور، وجوهر وسرور، أحدهم موكّل بأوقاف الزاوية، والثاني متصرّف فيما يحتاج إليه من النفقات في كل يوم والثالث خديم السّماط بين أيدي الواردين ومرتّب الطعام لهم، والرابع موكل بالطبّاخين والسقّائين والفرّاشين، فاقمت عنده ستّة عشر يوما فلم أر أعجب من ترتيبه، ولا أرغد من طعامه يقدّم بين يدي الرجل ما يكفي الأربعة من طعام الأرز المفلفل المطبوخ في السّمن والدجاج المقليّ والخبز واللحم والحلواء.
وهذا الشيخ من أحسن الناس صورة، وأقومهم سيرة، وهو يعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع ولمّا شاهدت مجالسه في الوعظ صغر لدى كلّ واعظ رأيته قبله بالحجاز والشام ومصر، ولم ألق فيمن لقيتهم مثله، حضرت يوما عنده ببستان له على شاطئ النهر وقد اجتمع فقهاء المدينة وكبراؤها وأتى الفقراء من كل ناحية، فأطعم الجميع ثم صلّى بهم صلاة الظهر، وقام خطيبا وواعظا بعد أن قرأ القرّاء أمامه بالتلاحين المبكّية، والنغمات المحرّكة المهيجة، وخطب خطبة بسكون ووقار، وتصرّف في فنون العلم من تفسير كتاب الله وايراد حديث رسول الله والتكلم على معانيه، ثم ترامت عليه الرّقاع من كل ناحية. ومن عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع ويرمونها إلى الواعظ فيجيب عنها «78» فلمّا رمي إليه بتلك الرقاع جمعها في يده وأخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب وأحسنه وحان
(2/22)

وقت صلاة العصر فصلّى بالقوم وانصرفوا وكان مجلسه مجلس علم ووعظ وبركة، وتبادر التائبون فأخذ عليهم العهد وجزّ نواصيهم «79» وكانوا خمسة عشر رجلا من الطلبة قدّموا من البصرة برسم ذلك وعشر رجال من عوّام تستر.
حكاية [الشيخ السّخي]
لمّا دخلت هذه المدينة أصابني مرض الحمّى، وهذه البلاد يحمّ داخلها في زمان الحرّ كما يعرض في دمشق وسواها من البلاد الكثيرة المياه والفواكه، وأصابت الحمّى أصحابي أيضا فمات منهم شيخ اسمه يحيى الخرساني، وقام الشيخ بتجهيزه من كل ما يحتاج إليه الميّت وصلى عليه، وتركت بها صاحبا لي يدعى بهاء الدين الختني فمات بعد سفري.
وكنت حين مرضى لا أشتهي الأطعمة التي تصنع لي بمدرسته، فذكر لي الفقيه شمس الدين السندي من طلبتها طعاما فاشتهيته ودفعت له دراهم، وطبّخ لي ذلك الطعام بالسوق وأتى به إليّ فأكلت منه، وبلغ ذلك الشيخ فشقّ عليه وأتى إليّ وقال لي: كيف تفعل هذا وتطبخ الطعام في السوق؟ وهلّا أمرت الخدّام أن يصنعوا لك ما اشتهيته، ثم أحضر جميعهم وقال لهم: جميع ما يطلبه منكم من أنواع الطعام والسكر وغير ذلك فأتوا إليه به وأطبخوا له ما يشاءه واكّد عليهم في ذلك أشدّ التاكيد، جزاه الله خيرا.
ثم سافرنا من مدينة تستر ثلاثا في جبال شامخة وبكل منزل زاوية كما تقدم ذكر ذلك، ووصلنا إلى مدينة إيذج، وضبط اسمها بكسر الهمزة وياء مدّ وذال معجم مفتوح وجيم، وتسمى أيضا مال الأمير «80» ، وهي حضرة السلطان أتابك، وعند وصولي إليها اجتمعت بشيخ شيوخها العالم الوارع نور الدين الكرماني وله النظر في جميع الزوايا، وهم يسمّونها المدرسة، والسلطان يعظّمه ويقصد زيارته، وكذلك أرباب الدولة وكبراء الحضرة يزورونه غدوا
(2/23)

وعشيّا، فأكرمني وأضافني وأنزلني بزاوية تعرف باسم الدّينوري. وأقمت بها أياما وكان وصولي في أيام القيظ «81» ، وكنّا نصلّى صلوات الليل ثم ننام بأعلى سطحها، ثم ننزل إلى الزاوية ضحوة وكان في صحبتي أتنا عشر فقيرا منهم إمام وقارئان مجيدان وخادم، ونحن على احسن ترتيب.
ذكر ملك إيذج وتستّر
وملك إيذج في عهد دخولي إليها السلطان أتابك أفراسياب ابن السلطان أتابك «82» أحمد، وأتابك عندهم سمة لكل من يلي هذه البلاد من ملك، وتسمى هذه البلاد بلاد اللّور «83» ، وولى هذا السلطان بعد أخيه أتابك يوسف، وولى يوسف بعد أبيه أتابك أحمد، وكان أحمد المذكور ملكا صالحا سمعت من الثقات ببلاده أنه عمّر أربعمائة وستين زاوية ببلاده، منها بحضرة إيذج أربع وأربعون، وقسم خراج بلاده أثلاثا فالثلث منه لنفقة الزوايا والمدارس، والثلث منه لمرتّب العساكر، والثلث لنفقته ونفقة عياله وعبيده وخدّامه، ويبعث منه هديّة لملك العراق في كلّ سنة، وربّما وفد عليه بنفسه.
وشاهدت من آثاره الصالحة ببلاده أن أكثرها في جبال شامخة، وقد نحتت الطرق في الصخور والحجارة وسوّيت ووسعت بحيث تصعدها الدواب بأحمالها، وطول هذه الجبال
(2/24)

مسيرة سبعة عشر في عرض عشرة، وهي شاهقة متّصل بعضها ببعض تشقّها الانهار، وشجرها البلّوط، وهم يصنعون من دقيقه الخبز وفي كلّ منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة، فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أوتى بما يكفيه من الطعام والعلف لدابّته سواء طلب ذلك أو لم يطلبه، فإن عادتهم أن يأتي خادم المدرسة فيعدّ من نزل بها من الناس ويعطي كلّ واحد منهم قرصين من الخبز ولحما وحلواء، وكل ذلك من اوقاف السلطان عليها، وكان السلطان أتابك أحمد زاهدا صالحا كما ذكرناه، يلبس تحت ثيابه ممّا يلي جسده ثوب شعر.
حكاية [عادة أهل ايذج في مأتم أمرائهم]
قدم السلطان اتابك أحمد مرّة على ملك العراق أبي سعيد، فقال له بعض خواصّه إن أتابك يدخل عليك وعليه الدّرع، وظنّ ثوب الشّعر الذي تحت ثيابه درعا، فأمرهم باختبار ذلك على جهة من الانبساط ليعرف حقيقته، فدخل عليه يوما فقام إليه الأمير الجوبان «84» عظيم امراء العراق، والأمير سويته «85» أمير ديار بكر، والشيخ حسن الذي هو الآن سلطان العراق «86» وأمسكوا بثيابه كأنهم يمازحونه ويضاحكونه، فوجدوا تحت ثيابه ثوب الشعر، وراءه السلطان أبو سعيد، وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جانبه وقال له: سن اطا، ومعناه بالتركية: أنت أبي، وعوّضه عن هديّته بأضعافها وكتب له اليرليغ، وهو الظّهير ألّا يطالبه بهديّة بعدها هو ولا أولاده.
(2/25)

وفي تلك السنة توفيّ، وولى ابنه أتابك يوسف، عشرة أعوام «87» ، ثم ولى أخوه أفراسياب، ولما دخلت مدينة إيذج أردت رؤية السلطان أفراسياب المذكور فلم يتأت لي ذلك بسبب أنه لا يخرج إلّا يوم الجمعة لإدمانه على الخمر، وكان له ابن هو وليّ عهده وليس له سواه فمرض في تلك الأيام، ولمّا كان في إحدى الليالي أتاني أحد خدّامه وسألني عن حالي فعرّفته وذهب عنّي، ثم جاء بعد صلاة المغرب ومعه طيفوران كبيران، أحدهما بالطعام والآخر بالفاكهة، وخريطة فيها دراهم ومعه أهل السماع بآلاتهم، فقال: اعملوا السماع حتى يرهج الفقراء ويدعون لابن السلطان، فقلت له: إن أصحابي لا يدرون بالسماع ولا بالرقص «88» ، ودعونا للسلطان ولولده، وقسمت الدراهم على الفقراء، ولما كان نصف الليل سمعنا الصراخ والنواح، وقد مات المريض المذكور «89» ، ولما كان الغد دخل عليّ شيخ الزاوية وأهل البلد، وقالوا: إن كبراء المدينة من القضاة والفقهاء والأشراف والأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطان للعزاء فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت عن ذلك، فعزموا عليّ، فلم يكن لي بدّ من المسير، فسرت معهم فوجدت مشور «90» دار السلطان ممتلئا رجالا وصبيانا من المماليك وابناء الملوك والوزراء والأجناد وقد لبسوا التّلاليس وجلال الدوابّ، وجعلوا فوق رؤسهم التراب والتبن، وبعضهم قد جزّ ناصيته، وانقسموا فرقتين: فرقة باعلى المشور وفرقة بأسفله، وتزحف كلّ فرقة إلى جهة الأخرى وهم ضاربون بأيديهم على صدورهم «91» قائلون:
خوند كارما، ومعناه مولاي أنا فرأيت من ذلك امرا هائلا ومنظرا فضيحا لم أعهد مثله.
(2/26)

حكاية [ماتم ابن السلطان]
ومن غريب ما اتّفق لي يومئذ أنّي دخلت فرأيت القضاة والخطباء والشرفاء قد استندوا إلى حيطان المشور وهو غاصّ بهم من جميع جهاته وهم بين باك ومتباك ومطرق، وقد لبسوا فوق ثيابهم ثيابا خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة، بطاينها إلى أعلى ووجوهها ممّا يلي أجسادهم، وعلى رأس واحد منهم قطعة خرقة أو ميزر أسود، وهكذا يكون فعلهم إلى تمام أربعين يوما، وهي نهاية الحزن عندهم، وبعدها يبعث السلطان لكل من فعل ذلك كسوة كاملة فلمّا رأيت جهات المشور غاصّة بالناس نظرت يمينا وشمالا أرتاد موضعا لجلوسي فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة عن الأرض بمقدار شبر وفي إحدى زواياها رجل منفرد عن الناس قاعد، عليه ثوب صوف شبه اللّبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر والثلج، وفي لأسفار، فتقدمت إلى حيث الرجل، وانقطع عنّي أصحابي لمّا رأوا إقدامي نحوه، وعجبوا مني وأنا لا علم عندي بشيء من حاله، فصعدت السقيفة وسلّمت على الرجل فردّ عليّ السلام وارتفع عن الارض كأنّه يريد القيام، وهم يسمّون ذلك نصف القيام وقعدت في الركن المقابل له ثم نظرت إلى الناس، وقد رموني بأبصارهم جميعا فعجبت منهم ورأيت الفقهاء والمشايخ والأشراف مستندين إلى الحايط تحت السقيفة، وأشار إليّ أحد القضاة أن أنحطّ إلى جانبه، فلم أفعل، وحينئذ استشعرت أنه السلطان! فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه قبل، فصعد إلى السقيفة وسلّم على الرجل، فقام إليه وجلس فيما بيني وبينه، فحينئذ علمت أن الرجل هو السلطان، ثم جيء بالجنازة وهي بين أشجار الأترج والليمون والنارنج، وقد ملئوا أغصانها بثمارها والأشجار بأيدي الرجال، فكأنّ الجنازة تمشي في بستان والمشاعل في رماح طوال بين يديها، والشمع كذلك فصلّى عليها، وذهب الناس معها إلى مدفن الملوك وهو بموضع يقال له (هلافيحان) «92» على أربعة أميال من المدينة، وهنالك مدرسة عظيمة، يشقّها النهر، وبداخلها مسجد تقام فيه الجمعة وبخارجها حمّام ويحفّ بها بستان عظيم وبها الطعام للوارد وللصادر، ولم أستطع أن أذهب معهم إلى مدفن الجنازة لبعد الموضع فعدت إلى المدرسة، فلما كان بعد أيام بعث إليّ السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافة أولا يدعوني إليه فذهبت معه إلى باب يعرف بباب السّرو، وصعدنا في درج كثيرة إلى أن انتهينا إلى موضع لا فرش به لأجل ما هم فيه من الحزن، والسلطان جالس فوق مخدّة، وبين يديه انيتان قد غطيتا، إحداهما من الذهب والأخرى من الفضّة، وكانت بالمجلس سجّادة خضراء ففرشت
(2/27)

لي بالقرب منه وقعدت عليها، وليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود، ونديم له لا أعرف اسمه، فسألني عن حالي وبلادي وسألني عن الملك الناصر وبلاد الحجاز، فأجبته عن ذلك، ثم جاء فقيه كبير هو رئيس فقهاء تلك البلاد، فقال لي السلطان: هذا مولانا فضيل، والفقيه ببلاد الأعاجم كلّها إنما يخاطب بمولانا «93» ، وبذلك يدعوه السلطان وسواه، ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور وظهر لي أن السّكر غالب عليه! وكنت قد عرفت إدمانه على الخمر، ثم قال لي: باللسان العربي، وكان يحسنه: تكلّم! فقلت له: إن كنت تسمع منّي أقول لك، أنت من أولاد السلطان أتابك أحمد المشهور بالصلاح والزهد، وليس فيك ما يقدح في سلطنتك غير هذا! وأشرت إلى الآنيتين، فخجل من كلامي، وسكت وأردت الانصراف فأمرني بالجلوس وقال لي: الاجتماع مع أمثالك رحمة، ثم رأيته يتمايل ويريد النوم، فانصرفت وكنت تركت نعلي بالباب فلم أجده، فنزل الفقيه محمود في طلبه، وصعد الفقيه فضيل يطلبه في داخل المجلس، فوجده في طاق هنالك، فأتى إليّ به فأخجلني برّه، واعتذرت إليه، فقبّل نعلي حينئذ، ووضعه على رأسه، وقال لي: بارك الله فيك هذا الذي قلته لسلطاننا لا يقدر أحد أن يقوله له، غيرك، والله إني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه.
ثم كان رحيلي من حضرة إيذج بعد أيام فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم، وأقمت بها أياما، وبعث إليّ السلطان بجملة دنانير، وبعث بمثلها لأصحابي، وسافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة أيام في جبال شامخة «94» ، وفي كل ليلة ننزل بمدرسة فيها الطعام، فمنها ما هو في العمارة، ومنها ما لا عمارة حوله، ولكن يجلب إليها جميع ما تحتاج اليه.
وفي اليوم العاشر نزلنا بمدرسة تعرف بمدرسة كريو الرّخ «95» ، وهي آخر بلاد هذا الملك، وسافرنا منها في بسيط من الأرض كثير المياه من عمالة مدينة إصفهان، ثم وصلنا إلى
(2/28)

بلدة أشتركان «96» ، ويضبط اسمها بضم الهمزة واسكان الشين المعجم وضم التاء المعلوة واسكان الراء وآخره نون، وهي بلدة حسنة كثيرة المياه والبساتين، ولها مسجد بديع يشقّه النهر، ثم رحلنا منها إلى مدينة فيروزان «97» ، واسمها كانّه تثنيّة فيروز، وهي مدينة صغيرة ذات أنهار وأشجار وبساتين، وصلناها بعد صلاة العصر فرأينا أهلها قد خرجوا لتشييع جنازة وقد أوقدوا خلفها وأمامها المشاعل، واتبعوها بالمزامير والمغنّيين بانواع الأغاني المطربة فعجبنا من شأنهم، وبتنا بها ليلة.
ومررنا بالغد بقرية يقال لها نبلان «98» وهي كبيرة على نهر عظيم وإلى جانبه مسجد في النهاية من الحسن يصعد إليه في درج وتحفّه البساتين، وسرنا يومنا فيما بين البساتين والمياه والقرى الحسان، الكثيرة أبراج الحمام، ووصلنا بعد العصر إلى مدينة إصفهان «99» من عراق العجم، واسمها يقال بالفاء الخالصة ويقال بالفاء المعقودة المفخّمة، ومدينة إصفهان من كبار المدن وحسانها إلّا أنها الآن قد خرب أكثرها بسبب الفتنة التي بها بين أهل السنّة والروافض «100» ، وهي متّصلة بينهم حتى الآن، فلا يزالون في قتال، وبها الفواكه الكثيرة، ومنها المشمش الذي لا نظير له، يسمّونه بقمر الدّين وهم ييبّسونه ويدّخرونه، ونواه ينكسر عن لوز حلو، ومنها السفرجل الذي لا مثل له في طيب المطعم وعظم الجرم والأعناب الطيبة
(2/29)

جامع الإمام علي باصفهان
(2/30)

والبطيخ العجيب الشأن الذي ليس في الدنيا مثله إلّا ما كان من بطيخ بخاري وخوارزم وقشره أخضر وداخله أحمر، ويدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب وله حلاوة شديدة «101» ، ومن لم يكن ألف أكله فإنه في أول أمره يسهله، وكذلك اتّفق لي لمّا أكلته بأصفهان.
وأهل إصفهان حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة، والغالب عليهم الشجاعة والنجدة وفيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تؤثر عنهم فيه أخبار غريبة، وربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له: اذهب معي لتأكل نان وماس، والنان بلسانهم الخبز، والماس اللبن «102» ، فإذا ذهب معه أطعمه أنواع الطعام العجيب مباهيا له بذلك، وأهل كل صناعة يقدّمون على أنفسهم كبيرا منهم يسمونه الكلو «103» ، وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات وتكون الجماعة من الشبّان الأعزاب، وتتفاخر تلك الجماعات ويضيف بعضهم بعضا مظهرين لما قدروا عليه من الإمكان مختلفين في الأطعمة وسواها الاحتفال العظيم.
ولقد ذكر لي أن طائفة منهم أضافت طائفة أخرى فطبخوا طعامهم بنار الشمع ثم اضافتها الأخرى فطبخوا طعامهم بالحرير! وكان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ على ابن سهل «104» تلميذ الجنيد «105» وهي معظمة يقصدها أهل تلك الآفاق ويتبركون بزيارتها وفيها الطعام للوارد والصادر، وبها حمّام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني وهو موقوف في السبيل لا يلزم أحدا في دخوله شيء، وشيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورع قطب الدين حسين بن الشيخ الصالح ولى الله شمس الدين محمد بن محمود بن
(2/31)

علي المعروف بالرّجاء وأخوه العالم المفتى شهاب الدّين أحمد، أقمت عند الشيخ قطب الدين بهذه الزاوية أربعة عشر يوما فرأيت من اجتهاده في العبادة وحبّه في الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيت منه العجب، وبالغ في اكرامي وأحسن ضيافتي وكساني كسوة حسنة وساعة وصولي الزاوية بعث اليّ بالطعام وبثلاث بطيخات من البطيخ الذي وصفناه أنفا ولم أكن رأيته قبل ولا أكلته.
كرامة لهذا الشيخ
دخل عليّ يوما بموضع نزولي من الزاوية وكان ذلك الموضع يشرف على بستان للشيخ، وكانت ثيابه قد غسلت في ذلك اليوم ونشرت في البستان، ورأيت في جملتها جبّة بيضاء مبطنة تدعى عندهم هزرميخي «106» ، فأعجبتني، وقلت في نفسي: مثل هذه كنت أريد، فلما دخل عليّ الشيخ نظر في ناحية البستان، وقال لبعض خدّامه ايئتني بذلك الثوب الهزرميخي فأتوا به، فكساني إياه فأهويت إلى قدميه أقبّلهما وطلبت منه أن يلبسني طاقية من رأسه، ويجيزني في ذلك بما أجازه والده عن شيوخه، فألبسني إياها في الرابع عشر لجمادى الأخيرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة «107» بزاويته المذكورة كما لبس من والده شمس الدين ولبس والده من أبيه تاج الدّين محمود من أبيه شهاب الدّين على الرجاء، ولبس علي من الإمام شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهرودي «108» ولبس عمر من الشيخ الكبير ضياء الدين أبي النجيب السّهروردي، ولبس أبو النجيب من عمّه الامام وحيد الدين عمر ولبس عمر من والده محمد بن عبد الله المعروف بعمويه، ولبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني ولبس أخو فرج من الشيخ أحمد الدينوري، ولبس أحمد من الإمام ممشاد الدينوري، ولبس ممشاد من الشيخ المحقّق علي ابن سهل الصوفي ولبس علي من أبي القاسم الجنيد ولبس الجنيد من سريّ السقطي ولبس سريّ السقطيّ من داوود الطائي،
(2/32)

ولبس داوود من الحسن بن أبي الحسن البصري ولبس الحسن بن أبي الحسن البصري من أمير المومنين علي بن أبي طالب.
قال ابن جزي: هكذا أورد الشيخ أبو عبد الله هذا السند، والمعروف فيه أنّ سريّا السقطي صحب معروفا الكرخى «109» وصحب معروف داوود الطائي، وكذلك داوود الطائي بينه وبين الحسن حبيب العجمي، وأخو فرج الزنجاني إنما المعروف أنه صحب أبا العباس النّهاوندى، وصحب النّهاوندى أبا عبد الله بن خفيف، وصحب ابن خفيف أبا محمد رويما.
وصحب رويم أبا القاسم الجنيد، وأما محمد بن عبد الله عمويه فهو الذي صحب الشيخ أحمد الدينورى الأسود وليس بينهما أحد والله أعلم، والذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد الله بن محمد بن عبد الله والد أبي النّجيب.
رجع، ثم سافرنا من إصفهان «110» بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز «111» وبينهما مسيرة عشرة أيام فوصلنا إلى بلدة كليل، وضبطها بفتح الكاف وكسر اللام وياء مدّ، وبينها وبين إصفهان مسيرة ثلاث وهي بلدة صغيرة ذات أنهار وبساتين وفواكه، ورأيت التّفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلا عراقية بدرهم، ودرهمهم ثلث النقرة، ونزلنا منها بزاوية عمرها كبير هذه البلدة المعروف بخواجه كافي، وله مال عريض قد أعانه الله على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة وعمارة الزوايا واطعام الطعام لابناء السبيل، ثم سرنا من كليل
(2/33)

يومئد «112» ووصلنا إلى قرية كبيرة تعرف «113» بصرماء وبها زاوية فيها الطعام للوارد والصادر عمرها خواجه كافي المذكور ثم سرنا منها إلى يزد خاص «114» ، وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف واسكان الزاي وضم الدال المهمل وخاء معجم والف وصاد مهمل، بلدة صغيرة متقنة العمارة حسنة السوق، والمسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقّف بها، والبلدة على ضفّة خندق، فيه بساتينها ومياهها وبخارجها رباط ينزل به المسافرون عليه باب حديد وهو في النهاية من الحصانة والمنعة، وبداخله حوانيت يباع فيها كلّ ما يحتاجه المسافرون.
وهذا الرباط عمّره الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز، وفي يزد خاص يصنع الجبن اليزد خاصي ولا نظير له في طيبه ووزن الجبنة منه من أوقيتين إلى أربع.
تم سرنا «115» منها على طريق دشت الروم «116» ، وهي صحراء يسكنها الأتراك، ثم سافرنا إلى مايين «117» واسمها بيائين مسفولتين أولاهما مكسورة، وهي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار والبساتين حسنة الأسواق، وأكثر أشجارها الجوز.
ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز وهي مدينة أصليّة البناء، فسيحة الأرجاء، شهيرة الذكر، منيفة القدر، لها البساتين المونقة، والأنهار المتدفقة، والأسواق البديعة، والشوارع الرفيعة، وهي كثيرة العمارة متقنة المباني، عجيبة الترتيب، وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم، وأهلها حسان الصور نظاف الملابس، وليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلّا شيراز، وهي في بسيط من الأرض تحفّ بها البساتين من جميع الجهات وتشقّها خمسة أنهار: أحدها النهر المعروف بركن آباد «118» وهو عذب الماء شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يسمى القليعة «119» ، ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد.
(2/34)

شيراز
(2/35)

العتيق «120» وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء، وصحنه متّسع مفروش بالمرمر، ويغسل في أوان الحرّ كل ليلة ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كلّ عشية ويصلّون به المغرب والعشاء وبشماله باب يعرف بباب حسن «121» يفضي إلى سوق الفاكهة، وهي من أبدع الأسواق، وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصا نساءها، وهنّ يلبسن الخفاف ويخرجن متلحّفات متبرقعات، فلا يظهر منهن شيء ولهن الصّدقات والإيثار، ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كلّ يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم، فربّما اجتمع منهن الألف والألفان بايديهن المراوح يروّحن بها على أنفسهنّ من شدّة الحرّ، ولم أر اجتماع النساء في مثل عددهنّ في بلدة من البلاد! وعند «122» دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي همّ الا قصد الشيخ القاضي الامام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرمات الظاهرة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن خذاداد «123» ، ومعنى خذاداد: عطيّة الله فوصلت إلى مدرسته المجديّة المنسوبة اليه، وبها سكناه وهي من عمارته فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي، ووجدت الفقهاء وكبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محبّ الدين وعلاء الدين ابنا أخيه: شقيقه روح الدين 12»
أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهما نائباه في القضاء لضعف بصره وكبر سنّه فسلمت عليه، وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلّاه فأرسل يدي، وأوما إليّ أن أصلّي
(2/36)

إلى جانبه، ففعلت وصلّى صلاة العصر، ثم قرىء بين يديه من كتاب المصابيح «125» ، وشوارق الأنوار للصاغاني «126» ، وطالعاه نائباه بما جرى لديهما من القضايا، وتقدّم كبار المدينة للسلام عليه، وكذلك عادتهم معه صباحا ومساء ثم سألني عن حالي وكيفية قدومي وسألني عن المغرب ومصر والشام والحجاز فأخبرته بذلك، وأمر خدّامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة «127» .
وفي غد ذلك اليوم وصل إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد وهو ناصر الدين الدّرقندي «128» من كبار الأمراء خراساني الأصل فعند وصوله اليه نزع شاشيته عن رأسه وهم يسمّونها الكلا، وقبّل رجل القاضي وقعد بين يديه ممسّكا أذن نفسه بيده، وهكذا فعل أمراء التتر عند ملوكهم، وكان هذا الأمير قد قدم في نحو خمسمائة فارس من مماليكه وخدامه وأصحابه، ونزل خارج المدينة ودخل إلى القاضي في خمسة نفر ودخل مجلسه وحده منفردا تأدبا.
حكاية هي السبب في تعظيم هذا الشيخ وهي من الكرامات الباهرة «129»
كان ملك العراق السلطان محمد خذا بنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الرّوافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر «130» ، فلما أسلم السلطان المذكور وأسلمت باسلامه
(2/37)

التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزيّن له مذهب الروافض «131» وفضله على غيره، وشرح له حال الصحابة والخلافة، وقرر لديه أنّ أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله وان عليّا ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ومثّل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده وأقاربه مع حدثان عهد السلطان بالكفر، وعدم معرفته بقواعد الدّين، فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب بذلك إلى العراقين وفارس وأذربيجان وإصفهان وكرمان وخراسان، وبعث الرسل إلى البلاد، فكان أول بلاد وصل إليها ذلك بغداد وشيراز وإصفهان، فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج «132» منهم وهم أهل السنّة واكثرهم على مذهب الامام أحمد بن حنبل وقالوا: لا سمع ولا طاعة! وأتو المسجد الجامع يوم الجمعة في السلاح وبه رسول السلطان فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه، وهم نحو اثني عشر ألفا في سلاحهم وهم حماة بغداد والمشار اليهم فيها، فحلفوا له: إنه إن غيّر الخطبة المعتادة أو زاد فيها أو نقص منها فانهم قاتلوه وقاتلوا رسول الملك ومستسلمون بعد ذلك لما شاءه الله! وكان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء وساير الصحابة من الخطبة ولا يذكر إلا اسم علي ومن تبعه كعمّار رضي الله عنهم فخاف الخطيب من القتل، وخطب الخطبة المعتادة، وفعل أهل شيراز وإصفهان كفعل أهل بغداد، فرجعت الرسل إلى الملك فاخبروه بما جرى في ذلك، فأمر أن يوتي بقضاة المدن الثلاث فكان أول من أوتى به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز والسلطان إذ ذاك في موضع يعرف بقراباغ «133» ، وهو موضع مصيفه، فلمّا وصل القاضي أمران يرمى به إلى الكلاب التي عنده وهي كلاب ضخام في اعناقها السلاسل معدّة لأكل بني آدم، فإذا أوتي بمن يسلّط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقا غير مقيّد ثم بعثت تلك الكلاب عليه فيفرّ أمامها ولا مفرّ له فتدركه فتمزّقه وتأكل لحمه! فلما أرسلت
(2/38)

الكلاب على قاضي مجد الدين ووصلت اليه بصبصت إليه وحركت أذنابها بين يديه ولم تهجم عليه بشيء فبلغ ذلك السلطان، فخرج من داره حافي القدمين، فأكبّ على رجلي القاضي يقبّلهما، وأخذ بيده وخلع عليه جميع ما كان عليه من الثياب، وهي أعظم كرامات السلطان عندهم. وإذا خلع ثيابه كذلك على أحد كانت شرفا له ولبنيه وأعقابه يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو شيء منها وأعظمها في ذلك السراويل «134» ، ولما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده وأدخله إلى داره وأمر نساءه بتعظيمه والتبرك به ورجع السلطان عن مذهب الرفض، وكتب إلى بلاده أن يقرّ الناس على مذهب أهل السنة والجماعة «135» واجزل العطاء للقاضي وصرفه إلى بلاده مكرما معظما، وأعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان «136» ، وهو خندق بين جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخا يشقّه نهر عظيم والقرى منتظمة بجانبيه، وهو احسن موضع بشيراز، ومن قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية ميمن وهي للقاضي المذكور.
ومن عجائب هذا الموضع المعروف بجمكان أن نصفه ممّا يلي شيراز، وذلك مسافة اثنى عشر فرسخا شديد البرد وينزل فيه الثلج واكثر شجره الجوز، والنصف الآخر ممّا يلي بلاد هنج وبال وبلاد اللّار في طريق هرمز، شديد الحرّ وفيه شجر النخيل.
(2/39)

ضريح السّلطان محمد خذابنده عن مجلة الموسم 1993
(2/40)

وقد تكرّر لي لقاء القاضي مجد الدين ثانية حين خروجي من الهند، قصدته من هرمز متبركا بلقائه، وذلك سنة ثمان وأربعين، وبين «137» هرمز وشيراز مسيرة خمسة وثلاثين يوما، فدخلت عليه وهو قد ضعف عن الحركة فسلّمت عليه فعرفني، وقام إليّ فعانقني ووقعت يدي على مرفقه، وجلده لاصق بالعظم لا لحم بينهما، وأنزلني بالمدرسة حيث أنزلني أول مرة وزرته يوما فوجدت ملك شيراز السلطان أبا اسحاق، وسيقع ذكره، قاعدا بين يديه ممسكا بأذن نفسه، وذلك هو غاية الادب عندهم، ويفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك، وأتيته مرة أخرى إلى المدرسة فوجدت بابها مسدودا، فسألت عن سبب ذلك فأخبرت أن أمّ السلطان واخته نشأت بينهما خصومة في ميراث فصرفهما إلى القاضي مجد الدين فوصلتا اليه إلى المدرسة وتحاكمتا عنده، وفصل بينهما بواجب الشرع.
وأهل شيراز لايدعونه بالقاضي، وانما يقولون له مولانا أعظم وكذلك يكتبون في التسجيلات والعقود التي تفتقر إلى ذكر اسمه فيها، وكان آخر عهدي به في شهر ربيع الثاني من عام ثمانية وأربعين ولا حت عليّ أنواره وظهرت لي بركاته نفع الله به وبامثاله.
ذكر سلطان شيراز
وسلطان شيراز في عهد قدومي عليها الملك الفاضل أبو اسحاق بن محمد شاه ينجو «138» سمّاه أبوه باسم الشيخ أبي اسحاق الكازروني «139» ، نفع الله به، وهو من خيار السلاطين، حسن الصورة والسيرة والهيئة، كريم النفس، جميل الأخلاق ومتواضع، صاحب قوّة، وملك كبير، وعسكره ينيف على خمسين ألفا من الترك والأعاجم وبطانته الأدنون إليه أهل إصفهان، وهو لايأتمن أهل شيراز على نفسه ولا يستخدمهم ولا يقرّبهم ولا يبيح لأحد منهم حمل السلاح لأنهم أهل نجدة وبأس شديد وجرءة على الملوك ومن وجد بيده السلاح منهم عوقب.
(2/41)

ولقد شاهدت مرّة رجلا تجرّه الجنادرة وهم الشّرط إلى الحاكم وقد ربطوه في عنقه، فسألت عن شأنه فأخبرت أنه وجدت في يده قوس بالليل فذهب السلطان المذكور إلى قهر أهل شيراز وتفضيل الأصفهانيّين عليهم لأنه يخافهم على نفسه وكان أبوه محمد شاه ينجوا واليا على شيراز من قبل ملك العراق، وكان حسن السيرة محبّبا إلى أهلها فلما توفّى ولّى السلطان أبو سعيد مكانه الشيخ حسينا، وهو ابن الجوبان أمير الأمراء، وسياتي ذكره، وبعث معه العساكر الكثيرة فوصل إلى شيراز وملكها وضبط مجابيها، وهي من أعظم بلاد الله مجبى.
ذكر لي الحاج قوام الدين الطّمغجي «140» ، وهو والي المجبى بها، أنه ضمنها بعشرة آلاف دينار دراهم في كلّ يوم، وصرفها من ذهب المغرب الفا وخمسمائة دينار ذهبا، واقام بها الأمير حسين مدّة، ثم أراد القدوم على ملك العراق فقبض على أبي اسحاق بن محمد شاه ينجوا وعلى أخويه ركن الدين ومسعود بك وعلى والدته طاش خاتون «141» ، وأراد حملهم إلى العراق ليطلبوا بأموال أبيهم، فلما توسّطوا السوق بشيراز كشفت طاش خاتون وجهها وكانت متبرقعة حياء أن ترى في تلك الحال فإنّ عادة نساء الأتراك ألّا يغطين وجوههن، واستغاثت باهل شيراز وقالت: أهكذا يا أهل شيراز أخرج من بينكم وأنا فلانة زوجة فلان؟ فقام رجل من النّجارين يسمى بهلوان محمود قد رأيته بالسوق حين قدومي على شيراز فقال: لا نتركها تخرج من بلدنا ولا نرضى بذلك فتابعه الناس على قوله وثارت عامّتهم ودخلوا في السلاح، وقتلوا كثيرا من العسكر وأخذوا الأموال وخلّصوا المرأة وأولادها، وفرّ الأمير حسين ومن معه وقدم على السلطان أبي سعيد مهزوما فأعطاه العساكر الكثيفة وأمره بالعود إلى شيراز والتحكّم في أهلها بما شاء.
فلما بلغ أهلها ذلك علموا أنهم لا طاقة لهم به فقصدوا القاضي مجد الدين، وطلبوا منه أن يحقن دماء الفريقين، ويقع الصلح، فخرج إلى الأمير حسين فترجّل له الامير عن فرسه وسلم عليه ووقع الصلح ونزل الامير حسين ذلك اليوم خارج المدينة.
(2/42)

فلما كان من الغد برز أهلها للقائه في أجمل ترتيب وزيّنوا البلد، وأوقدوا الشمع الكثير ودخل الأمير حسين في أبّهة وحفل عظيم، وسار فيهم بأحسن سيرة، فلما مات السلطان أبو سعيد وانقرض عقبه وتغلّب كل أمير على ما بيده خافهم الامير حسين على نفسه وخرج عنهم، وتغلّب السلطان أبو اسحاق عليها، وعلى إصفهان وبلاد فارس وذلك مسيرة شهر ونصف شهر، واشتدّت شوكته وطمحت همّته إلى تملك ما يليه من البلاد فبدأ بالأقرب منها وهي مدينة يزد، مدينة حسنة نظيفة عجيبة الأسواق ذات أنهار مطّردة وأشجار نضيرة، وأهلها تجار شافعيّة المذهب فحاصرها وتغلب عليها وتحصن الأمير مظفّر شاه ابن الامير محمد شاه بن مظفر بقلعة على ستة أميال منها منيعة تحدق بها الرمال فحاصره بها.
فظهر «142» من الأمير مظفّر من الشجاعة ما خرق المعتاد ولم يسمع بمثله فكان يضرب على عسكر السلطان أبي إسحاق ليلا ويقتل ما شاء ويخرق المضارب والفساطيط ويعود إلى قلعته فلا يقدر على النيل منه، وضرب ليلة على دوّار السلطان، وقتل هنالك جماعة، وأخذ من عتاق خيله عشرة وعاد إلى قلعته، فأمر السلطان أن تركب في كل ليلة خمسة آلاف فارس ويصنعون له الكمائين، ففعلوا ذلك وخرج على عادته في مائة من أصحابه فضرب على العسكر واحاطت به الكمائن وتلاحقت العساكر فقاتلهم وخلص إلى قلعته ولم يصب من أصحابه إلا واحد أوتى به إلى السلطان أبي إسحاق فخلع عليه وأطلقه وبعث معه امانا لمظفر لينزل اليه فأبى ذلك.
ثم وقعت بينهما المراسلة ووقعت له محبّة في قلب السلطان أبي إسحاق لما رأى من شجا عنه، فقال أريد أن أراه فإذا رأيته انصرفت عنه فوقف السلطان في خارج القلعة ووقف هو ببابها وسلّم عليه، فقال له السلطان انزل على الأمان، فقال له مظفر: إني عاهدت الله ألا أنزل إليك حتى تدخل انت قلعتي، وحينئذ أنزل اليك فقال له: أفعل ذلك، فدخل اليه السلطان في عشرة من أصحابه الخوّاص، فلما وصل باب القلعة ترجّل مظفر وقبّل ركابه، ومشى بين يديه مترجّلا، فأدخله داره وأكل من طعامه ونزل معه إلى المحلّة راكبا فاجلسه السلطان إلى جانبه وخلع عليه ثيابه وأعطاه مالا عظيما ووقع الاتّفاق بينهما أن تكون الخطبة باسم السلطان أبي إسحاق «143» ، وتكون البلاد لمظفر وأبيه وعاد السلطان إلى بلاده
(2/43)

جامع مدينة يزد
(2/44)

وكان السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرّة إلى بناء ايوان كإيوان كسرى «144» ، وأمر اهل شيراز أن يتولّوا حفر أساسه فأخذوا في ذلك وكان أهل كلّ صناعة يباهون كلّ من عداهم فانتهوا في المباهاة إلى أن صنعوا القفاف لنقل التراب من الجلد، وكسوها ثياب الحرير المزركش وفعلوا نحو ذلك في برادع الدوّاب وأخراجها وصنع بعضهم الفؤوس من الفضّة، وأوقدوا الشمع الكثير وكانوا حين الحفر يلبسون أجمل ثيابهم ويربطون فوط الحرير على أوساطهم، والسلطان يشاهد أفعالهم في منظرة له، وقد شاهدت هذا المبنى وقد ارتفع عن الأرض نحو ثلاثة أذرع، ولمّا بني أساسه رفع عن أهل المدينة التخديم فيه وصارت الفعلة تخدم فيه بالأجرة، ويحشر لذلك آلاف منهم وسمعت والي المدينة يقول: إن معظم مجباها ينفق في ذلك البناء، وقد كان الموكّل به الأمير جلال الدين بن الفلكي التّوريزي، وهو من الكبار، كان أبوه نائبا عن وزير السلطان أبي سعيد المسمّى علي شاه جيلان «145» ، ولهذا الأمير جلال الدين الفلكي أخ فاضل اسمه هبة الله ويلقّب بهاء الملك، وفد على ملك الهند حين وفودي عليه، ووفد معنا شرف الملك أمير بخت فخلع ملك الهند علينا جميعا، وقدّم كل واحد في شغل يليق به، وعيّن لنا المرتّب والاحسان، وسندكر ذلك، وهذا السلطان أبو اسحاق يريد التشبّه بملك الهند المذكور في الإيثار واجزال العطايا، ولكن اين الثريّا من الثرى! واعظم ما تعرّفناه من عطيّات أبي اسحاق أنه اعطى الشيخ زادة الخراساني الذي أتاه رسولا عن ملك هرات سبعين الف دينار وأمّا ملك الهند فلم يزل يعطي أضعاف ذلك لمن لا يحصى كثرة من أهل خراسان وغيرهم.
حكاية [ملك الهند وكرمه]
ومن عجيب فعل ملك الهند مع الخراسانيّين أنّه قدم عليه رجل من فقهاء خراسان هروى الدار من سكّان خوارزم يسمّى بالأمير عبد الله بعثته الخاتون ترابك زوج الامير قطلو دمور صاحب خوارزم بهدية إلى ملك الهند «146» المذكور فقبلها وكافى عنها بأضعافها وبعث
(2/45)

ذلك إليها واختار رسولها المذكور الإقامة عنده فصيّره في ندمائه، فلما كان ذات يوم قال له ادخل إلى الخزانة فارفع منها قدر ما تستطيع أن تحمله من الذهب فذهب إلى داره فأتى بثلاث عشرة خريطة، وجعل في كل خريطة قدر ما وسعته وربط كل خريطة بعضو من اعضائه، وكان صاحب قوة وقام بها فلما خرج عن الخزانة وقع ولم يستطع النهوض! فأمر السلطان بوزن ما خرج به فكان جملته ثلاثة عشر منّا بمنّ دهلى «147» والمنّ الواحد منها خمسة وعشرون رطلا مصرية، فأمره أن ياخذ جميع ذلك فأخذه وذهب به!!.
حكاية تناسبها
اشتكى مرة أمير بخت الملقّب بشرف الملك الخراساني وهو الذي تقدم ذكره آنفا بحضرة ملك الهند فأتاه الملك عائدا ولما دخل عليه أراد القيام فحلف له الملك أن لا ينزل عن كتّه والكتّ هو السرير، ووضع للسلطان متّكّأة يسمّونها المورة فقعد عليها ثم عاد بالذهب والميزان فجيئ بذلك وأمر المريض أن يقعد في احدى كفّتي الميزان فقال يا خوند عالم، لو علمت أنّك تفعل هذا للبست عليّ ثيابا كثيرة، فقال له البس الآن جميع ما عندك من الثياب، فلبس ثيابه المعدّة للبرد المحشوّة بالقطن، وقعد في كفّة الميزان ووضع الذهب في الكفّة الاخرى حتى رجحه الذهب، وقال له خذ هذا فتصدّق به عن رأسك، وخرج عنه!
حكاية تناسبهما
وفد عليه الفقيه عبد العزيز الأردويلي، وكان قد قرأ علم الحديث بدمشق وتفقّه فيه فجعل مرتّبه مائة دينار دراهم في اليوم، وصرف ذلك خمسة وعشرون دينار ذهبا، وحضر مجلسه يوما فسأله السلطان عن حديث فسرد له أحاديث كثيرة في ذلك المعنى فأعجبه حفظه وحلف له براسه إنه لا يزول من مجلسه حتّى يفعل معه ما يراه، ثم نزل الملك عن مجلسه فقبّل قدميه وأمر باحضار صينيّة ذهب وهي مثل الطيفور الصغير وأمر أن يلقى فيها الف دينار من الذهب واخذها السلطان بيده فصبّها عليه وقال هي لك مع الصينيّة.
ووفد عليه مرة رجل خراساني يعرف بابن الشيخ عبد الرحمن الاسفراينى «148» وكان
(2/46)

أبوه نزل بغداد فاعطاه خمسين الف دينار دراهم وخيلا وعبيدا وخلعا.
وسنذكر كثيرا من أخبار هذا الملك عند ذكر بلاد الهند، وانما ذكرنا هذا لما قدّمناه من أن السلطان أبا اسحاق يريد التشبّه به في العطايا، وهو وان كان كريما فاضلا فلا يلحق بطبقة ملك الهند في الكرم والسخاء.
ذكر بعض المشاهد بشيراز
فمنها مشهد أحمد بن موسى أخي الرضا على بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب رضي الله «149» عنهم، وهو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به ويتوسلون إلى الله بفضله.
وبنت عليه طاش خاتون أم السلطان أبى اسحاق مدرسة كبيرة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر والقراء يقرءون القرآن على التربة دائما.
ومن عادة الخاتون أنها تاتي إلى هذا المشهد في كل ليلة اثنين ويجتمع في تلك الليلة القضاة والفقهاء والشرفاء وشيراز من أكثر بلاد الله شرفاء سمعت من الثقات أن الذين لهم بها المرتّبات من الشرفاء ألف واربعمائة ونيف بين صغير وكبير، ونقيبهم عضد الدين الحسيني فإذا حضر القوم بالمشهد المبارك المذكور ختموا القرآن قراءة في المصاحف، وقرأ القراء بالأصوات الحسنة وأوتى بالطعام والفواكه والحلواء فإذا أكل القوم وعظ الواعظ ويكون ذلك كلّه من بعد صلاة الظهر إلى العشى، والخاتون في غرفة مطلّة على المسجد لها شباك، ثم تضرب الطبول والأنفار والبوقات على باب التربة كما يفعل عند أبواب الملوك.
ومن المشاهد بها مشهد الامام القطب الولي أبي عبد الله ابن خفيف المعروف عندهم بالشيخ «150» وهو قدوة بلاد فارس كلها ومشهده معظم عندهم ياتون اليه بكرة وعشيا فيتمسّحون به، وقد رأيت القاضي مجد الدين أتاه زائرا واستلمه، وتأتى الخاتون إلى هذا المسجد في كل ليلة جمعة، وعليه زاوية ومدرسة ويجتمع به القضاة والفقهاء ويفعلون به
(2/47)

كفعلهم في مشهد أحمد بن موسى، وقد حضرت الموضعين جميعا، وتربة الامير محمد شاه ينجوا والد السلطان أبي اسحاق متّصلة بهذه التربة والشيخ أبو عبد الله بن خفيف كبير القدر في الأولياء شهير الذكر، وهو الذي أظهر طريق جبل سرنديب بجزيرة سيلان من أرض الهند «151» .
كرامة لهذا الشيخ
يحكى أنه قصد مرة جبل سرنديب ومعه نحو ثلاثين من الفقراء فأصابتهم مجاعة في طريق الجبل حيث لا عمارة وتاهوا عن الطريق وطلبوا من الشيخ أن ياذن لهم في القبض على بعض الفيلة الصغار، وهي في ذلك المحلّ كثيرة جدّا، ومنه تحمل إلى حضرة ملك الهند فنهاهم الشيخ عن ذلك فغلب عليهم الجوع فتعدّوا قول الشيخ وقبضوا على فيل صغير منها وذكّوه وأكلوا لحمه (152) ، وامتنع الشيخ من أكله فلما ناموا تلك الليلة اجتمعت الفيلة من كل ناحية وأتت اليهم فكانت تشمّ الرجل منهم وتقتله حتى أتت على جميعهم وشمّت الشيخ ولم تتعرّض له، وأخذه فيل منها ولفّ عليه خرطومه ورمى به على ظهره وأتى به الموضع الذي فيه العمارة فلما رءاه اهل تلك الناحية عجبوا منه واستقبلوه ليتعرّفوا أمره، فلما قرب منهم أمسكه الفيل بخرطومه ووضعه عن ظهره إلى الأرض بحيث يرونه فجاءوا اليه وتمسّحوا به وذهبوا به إلى ملكهم فعرّفوه خبره وهم كفّار، وأقام عندهم أيّاما.
وذلك الموضع على خوريسمّى خور الخيزران «153» ، والخور هو النّهر، وبذلك الموضع مغاص الجوهر، ويذكر أن الشيخ غاص في بعض تلك الأيام بمحضر ملكهم وخرج وقد ضمّ يديه معا، وقال للملك: اختر ما في احداهما فاختار ما في اليمنى فرمى إليه بما فيها، وكانت ثلاثة أحجار من الياقوت لا مثل لها وهي عند ملوكهم في التاج يتوارثونها.
وقد دخلت جزيرة سيلان هذه، وهم مقيمون على الكفر إلا أنّهم يعظمون فقراء المسلمين ويؤوونهم إلى دورهم ويطعمونهم الطعام ويكونون في بيوتهم بين أهليهم واولادهم خلافا لساير كفار الهند فانهم لا يقربون المسلمين ولا يطعمونهم في آنيتهم ولا يسقونهم فيها، مع أنهم لا يؤذونهم ولا يهجونهم، ولقد كنّا نضطرّ إلى أن يطبخ لنا بعضهم اللحم فياتون به
(2/48)

في قدورهم ويقعدون على بعد منّا ويأتون باوراق الموز فيجعلون عليها الارز وهو طعامهم ويصبّون عليه الكوشان «154» وهو الإدام ويذهبون فنأكل منه وما فضل علينا تاكله الكلاب والطير، وان اكل منه الولد الصغير الذي لا يعقل ضربوه واطعموه روث البقر، وهو الذي يطهّر ذلك في زعمهم! ومن المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح القطب روزجهان البقلى «155» من كبار الأولياء، وقبره في مسجد جامع يخطب فيه، وبذلك المسجد يصلّي القاضي مجد الدين الذي تقدم ذكره، رضي الله عنه، وبهذا المسجد سمعت عليه كتاب مسند الإمام أبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي، قال: أخبرتنا به وزيرة بنت عمر بن المنجا، قالت اخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أبى بكر بن المبارك الزبيدى، قال: اخبرنا أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدّسى، قال أخبرنا أبو الحسن المكّي بن محمد بن منصور بن علال العرضي، قال:
أخبرنا القاضي أبو بكر احمد بن الحسن الحرشي، عن ابى العباس ابن يعقوب الأصم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الامام ابى بعد الله الشافعي، وسمعت أيضا عن القاضي مجد الدين بهذا المسجد المذكور كتاب (مشارق الأنوار) للإمام رضي الدين أبى الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن الصغانى بحقّ سماعه له من الشيخ جلال الدين أبى هاشم محمد بن محمد بن أحمد الهاشمي الكوفى بروايته عن الامام نظام الدين محمود بن محمد بن عمر الهروي عن المصنّف.
ومن المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح زركوب «156» وعليه زاوية لإطعام الطعام، وهاذه المشاهد كلها بداخل المدينة وكذلك معظم قبور أهلها فإن الرجل منهم يموت ولده أو زوجته فيتّخذ له تربة من بعض بيوت داره ويدفنه هناك ويفرش البيت بالحصر والبسط ويجعل الشمع الكثير عند رأس الميت ورجليه ويصنع للبيت بابا إلى ناحية الزقاق وشباك حديد
(2/49)

فيدخل منه القرّاء يقرءون بالأصوات الحسان وليس في معمور الارض أحسن أصواتا بالقرآن من أهل شيراز ويقوم أهل الدار بالتّربة ويفرشونها ويوقدون السّرج بها فكأنّ الميت لم يبرح، وذكر لي أنهم يطبخون في كلّ يوم نصيب الميت من الطعام ويتصدّقون به عنه.
حكاية [الفقيه الجواد]
مررت يوما ببعض أسواق مدينة شيراز، فرأيت بها مسجدا متقن البناء جميل الفرش، وفيه مصاحف موضوعة في خرايط حرير موضوعة فوق كرسي، وفي الجهة الشمالية من المسجد زاوية فيها شباك مفتّح إلى جهة السوق، وهنالك شيخ جميل الهيئة واللّباس، وبين يديه مصحف يقرأ فيه، فسلمت عليه وجلست إليه فسألني عن مقدمي، فاخبرته، وسألته عن شأن هذا المسجد، فأخبرني أنه هو الذي عمّره ووقف عليه أوقافا كثيرة للقرّاء وسواهم وان تلك الزاوية التي جلست إليه فيها هي موضع قبره إن قضى الله موته بتلك المدينة، ثم رفع بساطا كان تحته والقبر مغطّى عليه الواح خشب، وأراني صندوقا كان بازائه، فقال: في هذا الصندوق كفني وحنوطي ودراهم كنت استاجرت بها نفسي في حفر بئر لرجل صالح فدفع لي هذه الدراهم فتركتها لتكون نفقة مواراتي، وما فضل منها يتصدّق بها، فعجبت من شانه وأردت الانصراف فحلف عليّ وأضافني بذلك الموضع.
ومن المشاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي «157» وكان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي، وربّما ألمع في كلامه بالعربي، وله زاوية كان قد عمرها بذلك الموضع حسنة، بداخلها بستان مليح، وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن آباد، وقد صنع الشيخ هنالك أحواضا صغارا من المرمر لغسل الثياب، فيخرج الناس من المدينة لزيارته ويأكلون من سماطه ويغسلون ثيابهم بذلك النهر وينصرفون، وكذلك فعلت عنده رحمه الله، وبمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتّصل بها مدرسة مبنيتان على قبر شمس الدين السّمناني «158» وكان من الامراء الفقهاء، ودفن هنالك بوصيّة منه بذلك.
(2/50)

ضريح الشيخ سعدي بشيراز
(2/51)

وبمدينة شيراز من كبار الفقهاء الشريف مجيد الدين وأمره في الكرم عجيب، وربّما جاد بكلّ ما عنده وبالثياب التي كانت عليه ويلبس مرقّعة له، فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه، مرتّبه في كل يوم من السلطان خمسون دينارا دراهم.
ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر الشيخ الصالح أبي اسحاق الكازروني بكازرون وهي على مسيرة يومين من شيراز «159» ، فنزلنا أول يوم ببلاد الشّول، وهم طائفة من الاعاجم يسكنون البريّة وفيهم الصالحون.
كرامة لبعضهم.
كنت يوما ببعض المساجد بشيراز وقد قعدت أتلو كتاب الله عز وجل إثر صلاة الظهر فخطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه، فدخل عليّ في أثناء ذلك شابّ وقال لي بكلام قوّي: خذ! فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفا كريما، وذهب عنّي فختمته ذلك اليوم قراءة، وانتظرته لا ردّه له فلم يعد إليّ، فسألت عنه، فقيل لي: ذلك بهلول الشّولى ولم أره بعد.
ووصلنا في عشىّ اليوم الثاني إلى كازرون فقصدنا زاوية الشيخ أبي اسحاق، «160» نفع الله به، وبتنا بها تلك الليلة، ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائنا من كان الهريسة «161» المصنوعة من اللحم والقمح والسمن وتؤكل بالرقاق ولا يتركون الوارد عليهم للسّفر حتى يقيم في الضيافة ثلاثة أيام، ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه ويذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية، وهم يزيدون على مائة منهم المتزوّجون، ومنهم الأعزب المتجرّدون، فيختمون القرآن ويذكرون الذكر، ويدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله.
(2/52)

وهذا الشيخ أبو اسحاق معظم عند أهل الهند والصين، ومن عادة ركّاب بحر الصين أنهم إذا تغيّر عليهم الهواء وخافوا اللّصوص نذروا لأبي اسحاق نذورا وكتب كل منهم على نفسه ما نذره فإذا وصلوا برّ السلامة صعد خدّام الزاوية إلى المركب واخذوا الزمام وقبضوا من كل ناذر نذره، وما من مركب ياتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدّنانير فياتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك، ومن الفقراء من ياتي طالبا صدقة الشيخ فيكتب له أمر بها، وفيه علامة الشيخ منقوشة في قالب من الفضّة، فيضعون القالب في صبغ أحمر ويلصقونه بالأمر فيبقى أثر الطابع فيه ويكون مضمّنه أنه من عنده نذر للشيخ أبي إسحاق فليعط منه لفلان، فيكون الأمر بالألف والمائة وما بين ذلك ودونه على قدر الفقير، فإذا وجد من عنده شيء من النذر قبض منه وكتب له رسما في ظهر الأمر بما قبضه.
ولقد نذر ملك الهند مرّة للشيخ أبي اسحاق بعشرة آلاف دينار فبلغ خبرها إلى فقراء الزاوية فأتى أحدهم إلى الهند وقبضها وانصرف بها إلى الزاوية.
ثم سافرنا من كازرون إلى مدينة الزّيدين «162» ، وسمّيت بذلك لان فيها قبر زيد بن ثابت وقبر زيد بن أرقم الانصاريّين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما، ورضى الله عنهما، وهي مدينة حسنة كثيرة البساتين والمياه مليحة الاسواق عجيبة المساجد ولأهلها صلاح وأمانة وديانة، ومن أهلها القاضي نور الدين الزيداني، وكان ورد على أهل الهند، فولى القضاء منها بذيبة المهل «163» ، وهي جزائر كثيرة ملكها جلال الدين بن صلاح الدين صالح، وتزوج باخت هذا الملك، وسياتي ذكره، وذكر بنته خديجة التي تولت الملك بعده بهذه الجزائر، وبها توفى القاضي نور الدين المذكور.
ثم سافرنا منها إلى الحويزاء بالزاي «164» ، وهي مدينة صغيرة يسكنها العجم، بينها وبين البصرة مسيرة أربع، وبينها وبين الكوفة مسيرة خمس، ومن أهلها الشيخ الصالح
(2/53)

العابد جمال الدين الحويزاي شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة.
ثم سافرنا منها قاصدين الكوفة في برّيّة لا ماء بها إلّا في موضع واحد يسمى الطرفاوي «165» وردناه في اليوم الثالث من سفرنا، ثم وصلنا بعد اليوم الثاني من ورودنا عليه إلى مدينة الكوفة «166» .
مدينة الكوفة
وهي إحدى أمّهات البلاد العراقيّة، المتميّزة فيها بفضل المزيّة، مثوى الصحابة والتابعين، ومنزل العلماء والصالحين، وحضرة عليّ بن أبي طالب أمير المومنين، الّا أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدّت اليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها، فانّهم يقطعون طريقها، ولا سور عليها، وبناؤها بالآجر، واسواقها حسان وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك، وجامعها الأعظم جامع كبير شريف، بلاطاته سبعة قائمة على سواري حجارة ضخمة منحوتة، قد صنعت قطعا، ووضع بعضها على بعض وافرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول. وبهذا المسجد آثار كريمة فمنها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة، يقال: إن الخليل، صلوات الله عليه، كان له مصلّى بذلك الموضع، وعلى مقربة منه محراب محلّق عليه بأعواد الساج مرتفع وهو محراب عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وهنالك ضربه الشّقي ابن ملجم «167» والناس يقصدون الصلاة به، وفي الزاوية من آخر هذا البلاط مسجد صغير محلّق عليه ايضا بأعواد الساج يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنّور حين طوفان نوح عليه السلام «168» ، وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنّه بيت
(2/54)

نوح عليه السلام «169» ، وازاءه بيت يزعمون انه متعبّد إدريس عليه السلام، ويتّصل بذلك فضاء متّصل بالجدار القبليّ من المسجد يقال: إنّه موضع إنشاء سفينة نوح عليه السلام.
وفي آخر هذا الفضاء دار عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والبيت الذي غسل فيه، ويتّصل به بيت يقال أيضا: إنه بيت نوح عليه السلام، والله أعلم بصحّة ذلك كلّه.
وفي الجهة الشرقيّة من الجامع بيت مرتفع يصعد إليه، فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه «170» ، وبمقربة منه خارج المسجد قبر عاتكة «171» ، وسكينة «172» بنتي الحسين عليه السلام. وامّا قصر الإمارة بالكوفة الذي بناه سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه فلم يبق إلا أساسه! والفرات من الكوفة على مسافة نصف فرسخ في الجانب الشرقيّ منها، وهو منتظم بحدائق النّخل الملتفة المتّصل بعضها ببعض، ورأيت بغربيّ جبّانة الكوفة موضعا مسودا شديد السواد في بسيط أبيض فأخبرت انّه قبر الشقيّ ابن ملجم، وان أهل الكوفة يأتون في كلّ سنة بالحطب الكثير فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيّام «173» وعلى قرب منه قبّة أخبرت أنها على قبر المختار بن أبي عبيد.
ثمّ رحلنا «174» ونزلنا بئر ملّاحة «175» ، وهي بلدة حسنة بين حدائق نخل ونزلت
(2/55)

بخارجها وكرهت دخولها لأن أهلها روافض، ورحلنا منها الصبح، فنزلنا مدينة الحلّة «176» وهي مدينة كبيرة مستطيلة مع الفرات وهو بشرقيّها، ولها أسواق حسنة جامعة للمرافق والصناعات وهي كثيرة العمارة، وحدائق النخل منتظمة بها داخلا وخارجا، ودورها بين الحدائق، ولها جسر عظيم معقود على مراكب متّصلة منتظمة فيما بين الشطّين تحفّ بها من جانبيها سلاسل من حديد مربوطة في كلا الشطّين إلى خشبة عظيمة مثبتة بالساحل.
وأهل هذه المدينة كلّها إماميّة اثنا عشريّة، وهم طائفتان إحداهما تعرف بالأكراد والأخرى تعرف بأهل الجامعين، والفتنة بينهم متّصلة، والقتال قائم أبدا.
وبمقربة من السوق الأعظم بهذه المدينة مسجد على بابه ستر حرير مسدول وهم يسمّونه مشهد صاحب الزمان «177» ، ومن عادتهم أنّه يخرج في كلّ ليلة مائة رجل من أهل المدينة عليهم السلاح وبأيديهم السيوف مشهورة فيأتون أمير المدينة بعد صلاة العصر فيأخذون منه فرسا مسرّجا ملجما أو بغلة كذلك ويضربون الطبول والأنفار والبوقات أمام تلك الدابّة ويتقدّمها خمسون منهم ويتبعها مثلهم، ويمشي آخرون عن يمينها وشمالها وياتون مشهد صاحب الزمان فيقفون بالباب ويقولون: باسم الله يا صاحب الزمان باسم الله أخرج قد ظهر الفساد وكثر الظلم، وهذا أوان خروجك ليفرق الله بك بين الحق والباطل «178» . ولا يزالون كذلك وهم يضربون الأبواق والأطبال والأنفار إلى صلاة المغرب، وهم يقولون، إن محمد بن الحسن العسكري دخل ذلك المسجد وغاب فيه وأنّه سيخرج: وهو الإمام المنتظر عندهم.
وقد كان غلب على مدينة الحلّة بعد موت السلطان أبي سعيد الامير أحمد بن رميثة بن أبي نمى أمير مكّة «179» وحكمها أعواما وكان حسن السيرة يحمده أهل العراق إلى أن غلب
(2/56)

عليه الشيخ حسن سلطان العراق فعذّبه وقتله، وأخذ الاموال والذخاير التي كانت عنده.
ثمّ سافرنا منها إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن عليّ عليهما السلام وهي مدينة صغيرة تحفّها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات. والروضة المقدّسة داخلها، وعليها مدرسة عظيمة، وزاوية كريمة، فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى باب الروضة الحجّاب والقومة لا يدخل أحد إلّا عن إذنهم فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضّة وعلى الضريح المقدّس قناديل الذهب والفضّة وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان: أولاد رخيك وأولاد فايز، وبينهما القتال أبدا، وهم جميعا إماميّة يرجعون إلى أب واحد «180» ولأجل فتنهم تخرّبت هذه المدينة. ثم سافرنا منها إلى بغداد.
مدينة بغداد
مدينة دار السلام «181» ، وحضرة الاسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومقرّ العلماء، قال أبو الحسين بن جبير رضي الله عنه، وهاذه المدينة العتيقة وان لم تزل حضرة الخلافة العبّاسية، ومثابة الدعوة الإماميّة القرشيّة، فقد ذهب رسمها، ولم يبق الّا اسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها، والتفات أعين النوائب إليها، كالطلل الدارس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر، ويستدعى من المستوفز الغفلة والنظر، إلّا دجلتها التي هي بين شرقيّها وغربيّها كالمرآة المجلوّة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بين لبّتين، فهي تردها ولا تظمأ، وتتطلّع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ.
قال ابن جزي: وكأن أبا تمّام حبيب بن أوس «182» اطّلع على ما آل إليه أمرها حين قال فيها:
(2/57)

باب ضريح الحسين بن علي في كربلاء
(2/58)

لقد أقام على بغداد ناعيها ... فليبكها لخراب الدّهر باكيها!
كانت على مائها والحرب موقدة ... والنّار تطفا حسنا في نواحيها
ترجى لها عودة في الدّهر صالحة ... فالآن أضمر منها اليأس راجيها
مثل العجوز التي ولّت شبيبتها ... وبان عنها جمال كان يحظيها!!
وقد نظم الناس في مدحها وذكر محاسنها فأطنبوا، ووجدوا مكان القول ذا سعة فاطالوا وأطابوا وفيها قال الإمام القاضي أبو محمد عبد الوهّاب بن علي بن نصر المالكي البغدادي «183» ، وأنشدنيه والدي، رحمه الله، مرّات
طيب الهواء ببغداد يشوّقني ... قربا إليها وان عاقت مقادير
وكيف أرحل عنها اليوم اذ جمعت ... طيب الهوائين ممدود ومقصور
وفيها يقول أيضا رحمه الله تعالى ورضي عنه:
سلام على بغداد في كلّ موطن ... وحقّ لها منّى السّلام المضاعف
فو الله ما فارقتها عن قلى لها ... وانّي بشطّي جانبيها لعارف
ولا كنّها ضاقت عليّ برحبها ... ولم تكن الأقدار فيها تساعف
وكانت كخلّ كنت أهوى دنوّه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف!
وفيها يقول أيضا مغاضبا لها، وأنشدنيه والدي رحمه الله غير ما مرّة:
بغداد دار لأهل المال واسعة ... وللصّعاليك دار الضّنك والضيق
ظللت أمشي مضاعا في أزقّتها ... كأنّني مصحف في بيت زنديق «184» !!
(2/59)

وفيها يقول القاضي أبو الحسن عليّ بن النبيه من «185» قصيدة:
انست بالعراق بدرا منيرا ... فطوت غيهبا، وخاضت هجيرا
واستطابت ريّا نسائم بغدا ... د فكادت لولا البرى أن تطيرا
ذكرت من مسارح الكرخ روضا ... لم يزل ناضرا وماء نميرا
واجتنت من ربى المحوّل نورا ... واجتلت من مطالع التّاج نورا
ولبعض نساء بغداد في ذكرها «186» :
آها على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسّحر في أحداقها
ومجالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلّتها على أطواقها
متبخترات في النعيم كانّما ... خلق الهوى العذريّ من أخلاقها
نفسي الفداء لها، فأي محاسن ... في الدّهر تشرق من سنا إشراقها
رجع، ولبغداد جسران اثنان «187» معقودان على نحو الصّفة التي ذكرناها في جسر مدينة الحلّة، والناس يعبرونهما ليلا ونهارا رجالا ونساء، فهم في ذلك في نزهة متّصلة «188» ، وببغداد من المساجد التي يخطب فيها وتقام فيها الجمعة أحد عشر مسجدا، منها بالجانب الغربيّ ثمانية وبالجانب الشرقيّ ثلاثة والمساجد سواها كثيرة جدّا وكذلك المدارس إلا أنها
(2/60)

خربت وحمّامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمّامات وأكثرها، مطليّة بالقار مسطّحة به فخيّل لرائيه أنه رخام أسود.
وهذا القار يجلب من عين بين الكوفة والبصرة «189» تنبع أبدا به ويصير في جوانبها كالصلصال، فيجرف منها، ويجلب إلى بغداد، وفي كلّ حمّام منها خلوات كثيرة كلّ خلوة منها مفروشة بالقار، مطلّى نصف حائطها ممّا يلي الارض به والنصف الأعلى مطلّى بالجصّ الأبيض الناصع، فالضدّان بها مجتمعان متقابل حسنهما. وفي داخل كلّ خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان، أحدهما يجرى بالماء الحارّ والآخر بالماء البارد فيدخل الإنسان الخلوة منها منفردا لا يشاركه أحد إلّا إن أراد ذلك، وفي زاوية كلّ خلوة أيضا حوض آخر للاغتسال، فيه أيضا أنبوبان يجريان بالحارّ والبارد، وكلّ داخل يعطى ثلاثا من الفوط:
إحداها يتّزر بها عند دخوله والأخرى يتّزر بها عند خروجه، والأخرى ينشف بها الماء عن جسده ولم أر هذا الاتقان كلّه في مدينة سوى بغداد، وبعض البلاد تقاربها في ذلك.
ذكر الجانب الغربي من بغداد
الجانب الغربي منها هو الذي عمر أولا «190» وهو الآن خراب أكثره، وعلى ذلك فقد بقى منه ثلاث عشرة محلّة، كلّ محلة كأنها مدينة، بها الحمّامان والثلاثة، وفي ثمان منها المساجد الجامعة.
ومن هذه المحلّات محلّة باب البصرة «191» وبها جامع الخليفة أبى جعفر المنصور رحمه الله، والمارستان فيما بين محلّة باب البصرة «192» ومحلّة الشارع على الدّجلة، وهو قصر كبير خرب بقيت منه الآثار.
(2/61)

وفي هذا الجانب الغربي من المشاهد قبر معروف الكرخى «193» رضي الله عنه، وهو في محلّة باب البصرة وبطريق باب البصرة مشهد حافل البناء في داخله قبر متّسع السّنام عليه مكتوب: هذا قبرعون من أولاد علي بن أبى طالب «194» ، وفي هذا الجانب قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق والد علي بن موسى الرضا «195» وإلى جانبه قبر الجواد «196» والقبران داخل الروضة، عليهما دكّانة ملبّسة بالخشب عليه الواح الفضّة.
ذكر الجانب الشرقي منها
وهذه الجهة الشرقية من بغداد «197» حافلة الأسواق عظيمة الترتيب، وأعظم اسواقها سوق تعرف بسوق الثلاثاء «198» كلّ صناعة فيها على حدة، وفي وسط هذا السوق المدرسة النّظاميّة «199» العجيبة التي صارت الأمثال تضرب بحسنها، وفي آخره المدرسة المستنصرية «200» ، ونسبتها إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر بن أمير المؤمنين الظاهر بن
(2/62)

المشهد الكاظمي ببغداد المدرسة المستنصرية ببغداد
(2/63)

أمير المؤمنين الناصر، وبها المذاهب الاربعة، لكلّ مذهب إيوان «201» فيه المسجد، وموضع التدريس وجلوس المدرّس في قبّة خشب صغيرة على كرسيّ عليه البسط، ويقعد المدرس وعليه السكينة والوقار لا بسا ثياب السواد معتما، وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كلّ ما يمليه، وهكذا ترتيب كلّ مجلس من هذه المجالس الاربعة، وفي داخل هذه المدرسة الحمّام للطلبة ودار الوضوء.
وبهذه الجهة الشرقيّة من المساجد التي تقام فيها الجمعة ثلاثة: أحدها جامع الخليفة وهو متّصل بقصور الخلفاء ودورهم وهو جامع كبير فيه سقايات ومطاهر كثيرة للوضوء والغسيل، لقيت بهذا المسجد الشيخ الامام العالم الصالح مسند العراق سراج الدين أبا حفص عمر بن علي بن عمر القزويني «202» ، وسمعت عليه فيه جميع مسند أبى محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدّارمي «203» ، وذلك في شهر رجب الفرد عام سبعة وعشرين وسبعماية قال: أخبرتنا «204» به الشيخة الصالحة المسندة ستّ الملوك فاطمة بنت العدل تاج الدين أبي الحسن علي بن علي بن أبي البدر «205» ، قالت اخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن مسعود ابن بهروز الطّبيب المارستانّي، قال أخبرنا أبو الوقت عبد الأوّل ابن شعيب السنجريّ الصّوفي قال: أخبرنا الامام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفّر الداوديّ، قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن احمد بن حمويه السّرخسيّ، عن أبي عمران عيسى ابن عمر بن العبّاس السمرقنديّ عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي.
(2/64)

والجامع الثاني جامع السلطان وهو خارج البلد «206» وتتّصل به قصور تنسب للسلطان، والجامع الثالث جامع الرصافة «207» وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل.
ذكر قبور الخلفاء ببغداد وقبور بعض العلماء والصالحين بها
وقبور الخلفاء العبّاسييّن رضى الله عنهم بالرّصافة، «208» وعلى قبر كلّ منها اسم صاحبه، فمنها قبر المهدي وقبر الهادي وقبر الأمين وقبر المعتصم، وقبر الواثق، وقبر المنتصر، وقبر المستعين، وقبر المعتزّ، وقبر المهتدى، وقبر المعتمد، وقبر المعتضد، وقبر المكتفي، وقبر المقتدر، وقبر القاهر، وقبر الراضي، وقبر المستكفي، وقبر المطيع، وقبر الطايع، وقبر القائم، وقبر القادر، وقبر المستظهر، وقبر المسترشد، وقبر الراشد، وقبر المقتفى، وقبر المستنجد، وقبر المستضي، وقبر الناصر، وقبر الظاهر، وقبر المستنصر، وقبر المستعصم، وهو اخرهم وعليه داخل التّتر ببغداد بالسيف وذبحوه بعد أيّام من دخولهم، وانقطع من بغداد اسم الخلافة العبّاسية، وذلك في سنة أربع وخمسين وستماية، وبقرب «209» الرّصافة قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه «210» ، فيها قبّة عظيمة وزاوية فيها الطّعام للوارد والصادر، وليس بمدينة بغداد اليوم زاوية يطعم الطعام فيها ما عدا هذه الزّاوية، فسبحان مبيد الأشياء ومغيّرها، وبالقرب منها قبر الامام أبى عبد الله أحمد بن حنبل «211» رضي الله عنه ولا قبّة عليه،
(2/65)

رواق القصر العباسي تربة زمرد خاتون زوجة الخليفة المستضىء بامر الله وأم الخليفة الناصر لدين الله المتوفاة سنة 599 هـ
(2/66)

ويذكر أنّها بنيت على قبره مرارا فتهدّمت بقدرة الله تعالى وقبره عند أهل بغداد معظّم واكثرهم على مذهبه وبالقرب منه قبر ابي بكر الشّبليّ «212» من ائمة المتصوّفة رحمه الله، وقبر سرّي السقطيّ «213» وقبر بشر الحافي 21»
، وقبر داود الطائي «215» ، وقبر أبي القاسم الجنيد رضي الله عنهم أجمعين.
واهل بغداد لهم يوم في كل جمعة لزيارة شيخ من هؤلاء المشايخ «216» ، ويوم لشيخ آخر يليه هكذا إلى آخر الأسبوع، وببغداد كثير من قبور الصالحين والعلماء رضي الله تعالى عنهم، «217» وهذه الجهة الشرقيّة من بغداد ليس بها فواكه وانّما تجلب اليها من الجهة الغربيّة لان فيها البساتين والحدائق، ووافق وصولي إلى بغداد كون ملك العراق بها فلنذكره هاهنا.
ذكر سلطان العراقين وخراسان
وهو السلطان الجليل أبو سعيد بهادرخان، وخان عندهم: الملك وبهادر بفتح الباء الموحدة وضم الدال المهمل وآخره راء ابن السلطان الجليل محمد خذابنده «218» وهو الذي
(2/67)

مسجد الإمام أبي حنيفة مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني
(2/68)

أسلم من ملوك التتر، وضبط اسمه مختلف فيه، فمنهم من قال إن اسمه خذابنده بخاء معجمة مضمومة وذال معجم مفتوح وبنده لم يختلف فيه وهو بباء موحدة مفتوحة ونون، مسكنة ودال مهمل مفتوح وهاء استراحة، وتفسيره على هذا القول عبد الله لأن خذا بالفارسيّة اسم الله عزّ وجلّ، وبنده غلام أو عبد أو ما في معناهما، وقيل انّما هو خر بنده بفتح الخاء المعجم وضمّ الراء المهمل وتفسير خر بالفارسيّة الحمار، فمعناه على هذا غلام الحمار فشذّ ما بين القولين من الخلاف! على أن هذا الأخير هو المشهور، وكأنّ الأوّل غيّره إليه من تعصّب، وقيل إن سبب تسميته بهذا الاخير هو أن التتر يسمّون المولود باسم أول داخل على البيت عند ولادته، فلما ولد هذا السلطان كان أول داخل الزّمال، وهم يسمونه خر بنده فسمّى به، وأخو خر بنده هو قازغان الذي يقول فيه الناس قازان وقازغان هو القدر، وقيل سمّى بذلك لأنه لما ولد دخلت الجارية ومعها القدر.
وخذا بنده هو الذي أسلم وقدّمنا قصّته، وكيف أراد أن يحمل الناس لمّا أسلم على الرفض وقصّة القاضي مجد الدين معه، ولمّا مات ولى الملك ولده أبو سعيد بهادرخان، وكان ملكا فاضلا كريما، ملك وهو صغير السنّ، ورايته ببغداد وهو شابّ أجمل خلق الله صورة لا نبات بعارضيه، ووزيره إذ ذاك الأمير غياث الدين محمد بن خواجه رشيد «219» ، وكان أبوه من مهاجرة اليهود واستوزره السلطان محمد خذابنده والد أبي سعيد رأيتهما يوما بحرّاقة في الدجلة وتسمّى عندهم الشبّارة «220» ، وهي شبه سلّورة وبين يديه دمشق خوجه ابن الامير الجوبان المتغلّب على أبي سعيد، وعن يمينه وشماله شبّارتان فيهما أهل الطرب والغناء ورايت من مكارمه في ذلك اليوم أنّه تعرّض له جماعة من العميان فشكوا ضعف حالهم، فأمر لكلّ واحد منهم بكسوة وغلام يقوده، ونفقته تجرى عليه.
(2/69)

ولمّا ولى السلطان أبو سعيد، وهو صغير كما ذكرناه استولى على أمره أمير الامراء الجوبان «221» وحجّر عليه التصرّفات حتّى لم يكن بيده من الملك الّا الاسم، ويذكر أنّه احتاج في بعض الاعياد إلى نفقة ينفقها فلم يكن له سبيل إليه فبعث إلى أحد التجار فاعطاه من المال ما أحبّ، ولم يزل كذلك إلى أن دخلت عليه يوما زوجة أبيه دنيا خاتون، فقالت له لو كنّا نحن الرجال ما تركنا الجوبان وولده على ما هما عليه، فاستفهمها عن مرادها بهذا الكلام، فقالت له: لقد انتهى أمر دمشق خواجه بن الجوبان أن يفتك بحرم أبيك، وأنه بات البارحة عند طغى خاتون! وقد بعث إليّ وقال لي: الليلة أبيت عندك، «223» وما الرأي إلّا أن تجمع الأمراء والعساكر، فإذا صعد إلى القلعة مختفيا برسم المبيت أمكنك القبض عليه، وأبوه يكفي الله أمره.
وكان الجوبان إذ ذاك غائبا بخراسان «224» ، فغلبته الغيرة وبات يدبّر أمره، فلما علم أن دمشق خواجه بالقلعة أمر الأمراء والعساكر أن يطيفوا بها من كلّ ناحية فلما كان بالغدوّ خرج دمشق ومعه جنديّ يعرف بالحاجّ المصريّ فوجد سلسلة معرضة على باب القلعة وعليها قفل، فلم يمكنه الخروج راكبا فضرب الحاجّ المصري السلسلة بسيفه فقطعها وخرجا معا فأحاطت بهما العساكر، ولحق أمير من الأمراء الخاصّكيّة يعرف بمصر خواجه وفتى يعرف بلؤلؤ دمشق خواجه فقتلاه وأتيا الملك أبا سعيد برأسه، فرموا به بين يدي فرسه، وتلك عادتهم أن يفعلوا برءوس كبار أعدائهم، وأمر السلطان بنهب داره، وقتل من قاتل من خدّامه ومماليكه.
واتّصل الخبر بأبيه الجوبان وهو بخراسان ومعه أولاده أمير حسن، وهو الأكبر، وطالش وجلوخان وهو أصغر هم وهو ابن أخت السلطان أبي سعيد من أمّه ساطي بك، بنت
(2/70)

السلطان خذا بنده «225» ومعه عساكر التتر وحاميتها فاتّفقوا على قتال السلطان أبي سعيد، وزحفوا إليه، فلما التقى الجمعان هرب التتر إلى سلطانهم وأفردوا الجوبان، فلما رأى ذلك نكص على عقبيه، وفرّ إلى صحراء سجستان، وأوغل فيها وأجمع على اللحاق بملك هراة غياث الدين «226» مستجيرا به وتحصّنا بمدينته وكانت له عليه أياد سابقة، فلم يوافقه والده حسن وطالش على ذلك، وقالا له: إنّه لا يفي بالعهد، وقد غدر فيروزشاه «227» بعد أن لجأ اليه وقتله، فأبى الجوبان إلّا أن يلحق به ففارقه ولداه وتوجه ومعه ابنه الأصغر جلوخان، فخرج غياث الدين لاستقباله وترجّل له وأدخله المدينة على الأمان ثم غدره بعد أيّام، وقتل ولده وبعث برأسيهما إلى السلطان أبي سعيد.
وأمّا «228» حسن وطالش فانهما قصدا خوارزم وتوجّها إلى السلطان محمد أوزبك فاكرم مثواهما وانزلهما إلى أن صدر منهما ما أوجب قتلهما، فقتلهما، وكان للجوبان ولد رابع اسمه الدّمر طاش «229» ، فهرب إلى ديار مصر فاكرمه الملك الناصر واعطاه الإسكندرية فأبى من قبولها، وقال: إنما أريد العساكر لأقاتل أبا سعيد، وكان متى بعث إليه الملك الناصر بكسوة أعطى هو للّذي يوصلها اليه أحسن منها، إزراء على الملك الناصر، وأظهر أمورا أوجبت قتله فقتله وبعث برأسه إلى أبي سعيد، وقد ذكرنا قصّته وقصّة قراسنقور فيما تقدّم، ولمّا قتل الجوبان جيء به وبولده ميّتين فوقف بهما على عرفات وحملا إلى المدينة ليدفنا
(2/71)

في التربة التي اتّخذها الجوبان بالقرب من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنع من ذلك، ودفن بالبقيع. والجوبان هو الذي جلب الماء إلى مكّة شرفها الله تعالى «230» .
ولمّا استقلّ السلطان أبو سعيد بالملك أراد أن يتزوّج بنت الجوبان، وكانت تسمى بغداد خاتون «231» وهي من أجمل النساء وكانت تحت الشيخ حسن الذي تغلّب بعد موت أبي سعيد على الملك وهو ابن عمّته، فأمره فنزل عنها وتزوّجها أبو سعيد، وكانت أحظى النساء لديه، والنساء لدى الأتراك والتتر لهنّ حظّ عظيم وهم إذا كتبوا أمرا يقولون فيه: عن أمر السلطان والخواتين، ولكل خاتون البلاد والولايات والمجابي العظيمة، وإذا سافرت مع السلطان تكون في محلّة على حدة.
وغلبت هذه الخاتون على أبي سعيد وفضّلها على سواها، وأقامت على ذلك مدّة أيّامه ثم إنه تزوّج امرأة تسمى بدلشاد «232» فأحبّها حبا شديدا وهجر بغداد خاتون فغارت لذلك وسمّته في منديل مسّحته به بعد الجماع «233» ! فمات وانقرض عقبه، وغلبت امراؤه على الجهات كما سندكره، ولما عرف الامراء أن بغداد خاتون هي التي سمّته أجمعوا على قتلها وبدر لذلك الفتى الرومى خوارجه لؤلؤ، وهو من كبار الأمراء وقدمائهم، فأتاها وهي في الحمّام فضربها بدبّوسه وقتلها «234» ، وطرحت هنالك أيّاما مستورة العورة بقطعة تليس، واستقلّ الشيخ حسن بملك عراق العرب، وتزوج دلشاد امرأة السلطان أبي سعيد كمثل ما كان أبو سعيد فعله من تزوّج امرأته.
(2/72)

ذكر المتغلّبين على الملك بعد موت السلطان أبي سعيد.
فمنهم الشيخ حسن «235» ابن عمّته الذي ذكرناه آنفا، تغلّب على عراق العرب جميعا، ومنهم إبراهيم شاه ابن الامير سنيته «236» ، تغلب على الموصل وديار بكر، ومنهم الأمير أرتنا «237» تغلب على بلاد التركمان المعروفة أيضا ببلاد الروم، ومنهم حسن خواجه «238» بن الدّمرطاش بن الجوبان تغلب على تبريز والسلطانيّة، وهمدان، وقمّ وقاشان والريّ ورامين وفرغان والكرج «239» ، ومنهم الأمير طغتيمور «240» تغلّب على بعض بلاد الخراسان، ومنهم الأمير حسين ابن الامير غياث الدين «241» ، تغلّب على هراة ومعظم بلاد خرسان
(2/73)

ومنهم ملك «242» دينار تغلّب على بلاد مكران وبلاد كيج، ومنهم محمّد شاه ابن مظفر تغلّب على يزد وكرمان «243» وورقو، ومنهم الملك قطب الدين تمتهن «244» تغلب على هرمز وكيش والقطيف والبحرين وقلهات، ومنهم السلطان أبو اسحاق الذي تقدّم ذكره «245» ، تغلب على شيراز وإصفهان وملك فارس وذلك مسيرة خمس وأربعين، ومنهم السلطان أفراسياب اتابك «246» تغلّب على إيذج وغيرها من البلاد وقد تقدم ذكره.
ولنعد إلى ما كنّا بسبيله: ثم خرجت من بغداد «247» في محلّة السلطان أبي سعيد وغرضي أن أشاهد ترتيب ملك العراق في رحيلة ونزوله وكيفيّة تنقّله وسفره وعادتهم، انّهم يرحلون عند طلوع الفجر وينزلون عند الضحى، وترتيبهم أنّه يأتي كلّ امير من الأمراء بعسكره وطبوله وأعلامه فيقف في موضع لا يتعدّاه قد عيّن له، إمّا في الميمنة أو الميسرة، فإذا توافوا جميعا وتكاملت صفوفهم، ركب الملك وضربت طبول الرحيل وبوقاته وأتى كلّ أمير منهم فسلّم على الملك وعاد إلى موقفه، ثم يتقدّم أمام الملك الحجّاب والنقباء، ثم يليهم أهل الطرب وهم نحو مائة رجل عليهم الثياب الحسنة، وتحتهم مراكب السلطان، وأمام أهل الطرب عشرة من الفرسان قد تقلّدوا عشرة من الطبول وخمسة من الفرسان لديهم خمس صرنايات وهي تسمّى عندنا بالغيطات، فيضربون تلك الأطبال والصّرنايات ثم يمسكون
(2/74)

ويغنّى عشرة من أهل الطرب نوبتهم، فإذا قضوها ضربت تلك الأطبال والصّرنايات ثم امسكوا وغنّى عشرة آخرون نوبتهم هكذا إلى أن تتمّ عشر نوبات، فعند ذلك يكون النزول ويكون عن يمين السلطان وشماله حين سيره كبار الامراء وهم نحو خمسين ومن ورائه أصحاب الأعلام والأطبال والأنفار والبوقات ثم مماليك السلطان ثم الأمراء على مراتبهم وكل أمير له أعلام وطبول وبوقات، ويتولّى ترتيب ذلك كلّه أمير جندر وله جماعة كبيرة، وعقوبة من تخلّف عن فوجه وجماعته أن يؤخذ تماقه فيملأ رملا ويعلّق في عنقه ويمشي على قدميه حتّى يبلغ المنزل! فيوتى به إلى الأمير فيبطح على الأرض ويضرب خمسا وعشرين مقرعة على ظهره سواء كان رفيعا ووضيعا لا يحاشون من ذلك أحدا، وإذا نزلوا ينزل السلطان ومماليكه في محلّة على حدة وتنزل كلّ خاتون من خواتينه في محلة على حدة، ولكل واحدة منهن الإمام والمؤذّنون والقرّاء والسّوق.
وينزل الوزراء والكتّاب وأهل الأشغال على حدة، ويأتون جميعا إلى الخدمة بعد العصر ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة، والمشاعل بين أيديهم، فإذا كان الرحيل ضرب الطبل الكبير ثم ضرب طبل الخاتون الكبرى التي هي الملكة، ثم أطبال سائر الخواتين، ثم طبل الوزير ثم أطبال الأمراء دفعة واحدة، ثم يركب أمير المقدّمة في عسكره ثم يتبعه الخواتين، ثم أثقال السلطان وزاملته وأثقال الخواتين ثم أمير ثان في عسكر له يمنع الناس من الدخول فيما بين الأثقال والخواتين، ثم سائر الناس! وسافرت في هذه المحلّة عشرة أيام، ثم صحبت الأمير علاء الدين «248» محمد إلى بلدة تبريز وكان من الأمراء الكبار الفضلاء فوصلنا بعد عشرة أيام إلى مدينة تبريز ونزلنا
(2/75)

بخارجها في موضع يعرف بالشّام «249» ، وهنالك قبر قازان ملك العراق، وعليه مدرسة حسنة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر من الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء، وانزلني الامير بتلك الزاوية، وهي ما بين أنهار متدفّقة، وأشجار مورقة، وفي غد ذلك اليوم دخلت المدينة على «250» باب يعرف بباب بغداد، ووصلنا إلى سوق عظيمة تعرف بسوق قازان من أحسن سوق رأيتها في بلاد الدنيا، كلّ صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى، واجتزت بسوق الجوهريّين فحار بصري ممّا رايته من أنواع الجواهر وهي بأيدي مماليك حسان الصّور عليهم الثياب الفاخرة وأوساطهم مشدودة بمناديل الحرير، وهم بين أيدي التجار يعرضون الجواهر على نساء الاتراك وهنّ يشترينه كثيرا ويتنافسن فيه، فرأيت من ذلك كلّه فتنة يستعاذ بالله منها! ودخلنا سوق العنبر والمسك فرأينا مثل ذلك أو أعظم، ثم وصلنا إلى المسجد الجامع الذي عمّره الوزير على شاه المعروف بجيلان «251» ، وبخارجه عن يمين مستقبل القبلة مدرسة
(2/76)

المسجد الأزرق الجامع الأزرق كذلك البازار في تبريز اليوم مسجد علي شاه استراحة إلكولي لقطات من تبريز
(2/77)

وعن يساره زاوية، وصحنه مفروش بالمرمر وحيطانه بالقاشاني، وهو شبه الزليج، ويشقه نهر ماء، وبه أنواع الأشجار ودوالي العنب وشجر الياسمين، ومن عادتهم أن يقرءوا به كلّ يوم سورة يس وسورة الفتح وسورة عمّ «252» بعد صلاة العصر في صحن المسجد، ويجتمع لذلك أهل المدينة وبتنا ليلة بتبريز، ثم وصل بالغد أمر السلطان أبي سعيد إلى الامير علاء الدين بأن يصل إليه فعدت معه، ولم ألق بتبريز أحدا من العلماء، ثم سافرنا إلى أن وصلنا محلّة السلطان فاعلمه الامير المذكور بمكاني وأدخلني عليه فسألني عن بلادي وكساني وأركبني، واعلمه الأمير أنّي أريد السفر إلى الحجاز الشريف فأمر لي بالزاد والركوب في السبيل مع المحمل، وكتب لي بذلك إلى أمير بغداد خواجه معروف «253» ، فعدت إلى مدينة بغداد واستوفيت ما أمر لي به السلطان.
وكان قد بقى لآوان سفر الركب أزيد من شهرين، فظهر لي أن أسافر إلى الموصل وديار بكر لأشاهد تلك البلاد وأعود الى بغداد في حين سفر الركب فاتوجّه إلى الحجاز الشريف، فخرجت من بغداد إلى منزل على نهر دجيل «254» ، وهو يتفرّع عن دجلة فيسقى قرى كثيرة، ثم نزلنا بعد يومين بقرية كبيرة تعرف بحربة «255» مخصبة فسيحة، ثم رحلنا فنزلنا موضعا على شطّ دجلة بالقرب من حصن يسمّى المعشوق «256» ، وهو مبنّى على الدجلة وفي العدوة الشرقيّة من هذا الحصن مدينة سرّ من رأى وتسمى أيضا سامرّا، ويقال لها سام راه، ومعناه بالفارسيّة طريق سام وراه هو الطريق «257» ، وقد استولى الخراب على
(2/78)

اسوار ديار بكر المئذنة الملوية سامراء
(2/79)

هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها، وفيها أيضا مشهد صاحب الزمان «258» كما بالحلّة ثم سرنا منها مرحلة ووصلنا إلى مدينة تكريت «259» وهي مدينة كبيرة فسيحة الارجاء مليحة الأسواق، كثيرة المساجد، وأهلها موصوفون بحسن الاخلاق، والدجلة في الجهة الشمالية «260» منها، ولها قلعة حصينة على شطّ الدجلة، والمدينة عتيقة البناء عليها سور يطيف بها، ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا إلى قرية تعرف بالعقر «261» على شطّ الدجلة، وبأعلاها ربوة كان بها حصن وبأسفلها الخان المعروف بخان الحديد، له أبراج وبناؤه حافل والقرى والعمارة متّصلة من هنالك إلى الموصل، ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالقيّارة «262» بمقربة من دجلة، وهنالك أرض سوداء فيها عيون تنبع بالقار ويصنع له أحواض يجتمع فيها فتراه شبه الصلصال على وجه الارض حالك اللون صقيلا رطبا، وله رائحة طيّبة، وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق فتقذفه إلى جوانبها فيصير أيضا قارا، وبمقربة من هذا الموضع عين كبيرة فإذا أرادوا نقل القار منها أوقدوا عليها النار فتنشق النار ما هنالك من رطوبة مائيّة، ثم يقطعونه قطعا وينقلونه وقد تقدّم لنا ذكر العين التي بين الكوفة والبصرة على هذا النحو، ثم سافرنا من هذه العيون مرحلتين ووصلنا بعدهما إلى الموصل «263» .
(2/80)

مدينة الموصل
وهي مدينة عتيقة كثيرة الخصب، وقلعتها المعروفة بالحدباء عظيمة الشأن شهيرة الامتناع عليها سور محكم البناء مشيّد البروج «264» ، وتتّصل بها دور السلطان وقد فصل بينهما وبين البلد شارع متّسع مستطيل من أعلى البلد إلى أسفله وعلى البلد سوران اثنان وثيقان «265» أبراجهما كثيرة متقاربة، وفي باطن السور بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره قد تمكّن فتحها فيه لسعته، ولم أر في اسوار البلاد مثله، إلّا السور الذي على مدينة دهلى حضرة ملك الهند.
وللموصل ربض كبير فيه المساجد والحمّامات والفنادق والاسواق، وبه مسجد جامع على شطّ الدجلة تدور به شبابيك حديد وتتّصل به مصاطب تشرف على دجلة، في نهاية من الحسن والاتقان «266» ، وأمامه مارستان وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث «267» ، وفي صحن الحديث منهما قبة داخلها خصّة رخام مثمّنة مرتفعة على سارية رخام يخرج منها الماء بقوّة وانزعاج، فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس فيكون له مرأى حسن.
وقيساريّة الموصل مليحة «268» لها أبواب حديد ويدور بها دكاكين، وبيوت بعضها فوق بعض متقنة البناء.
(2/81)

المئذنة الحدباء تلّ النبيّ يونس بالموصل
(2/82)

وبهذه المدينة مشهد جرجيس «269» النّبي عليه السلام وعليه مسجد والقبر في زاوية منه عن يمين الداخل اليه وهو فيما بين الجامع الجديد وباب الجسر وقد حصلت لنا زيارته والصلاة بمسجده والحمد لله تعالى.
وهنالك تلّ يونس «270» عليه السلام وعلى نحو ميل منه العين المنسوبة اليه، يقال:
إنه امر قومه بالتّطهير فيها ثم صعدوا التلّ ودعا ودعوا فكشف الله عنهم العذاب، وبمقربة منه قرية كبيرة يقرب منها خراب، يقال: إنه موضع المدينة المعروفة بنينوى مدينة يونس عليه السلام، وأثر السور المحيط بها ظاهر، ومواضع الأبواب التي بها متبيّنة. وفي التلّ بناء عظيم ورباط فيه بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقّايات يضمّ الجميع باب واحد، وفي وسط الرباط بيت عليه ستر حرير وله باب مرصّع يقال: إنه الموضع الذي به موقف يونس عليه السلام، ومحراب المسجد الذي بهذا الرباط يقال إنه كان بيت متعبّده عليه السلام، وأهل الموصل يخرجون في كلّ ليلة جمعة إلى هذا الرباط يتعبّدون فيه، وأهل الموصل لهم مكارم أخلاق ولين كلام وفضيلة ومحبّة في الغريب واقبال عليه، وكان أميرها حين قدومي عليها السيّد الشريف الفاضل علاء الدين علي بن شمس الدين محمّد الملقّب «271» بحيدر، وهو من الكرماء الفضلاء، أنزلني بداره وأجرى عليّ الانفاق مدّة مقامي عنده، وله الصدقات والايثار المعروف، وكان السلطان أبو سعيد يعظمه وفوّض اليه في هذه المدينة وما إليها، ويركب في موكب عظيم من مماليكه وأجناده، ووجوه أهل المدينة وكبراؤها يأتون للسلام عليه غدوّا وعشيّا، وله شجاعة ومهابة، وولده يوجد في حين كتب هذا، في حضرة فاس مستقرّ الغرباء «272» ومأوى الفرق ومحطّ رحال الوفود زادها الله بسعادة أيام مولانا أمير المومنين بهجة واشراقا وحرس ارجاءها ونواحيها.
(2/83)

ثم رحلنا من الموصل ونزلنا قرية تعرف بعين «273» الرّصد وهي على نهر عليه جسر مبنيّ، وبها خان كبير، ثم رحلنا ونزلنا قرية تعرف بالمويلحة «274» ثم رحلنا منها ونزلنا جزيرة ابن عمر «275» وهي مدينة كبيرة حسنة محيط بها الوادي، ولذلك سميّت جزيرة، وأكثرها خراب، ولها سوق حسنة ومسجد عتيق مبنّى بالحجارة محكم العمل، وسورها مبنىّ بالحجارة أيضا واهلها فضلاء لهم محبّة في الغرباء، ويوم نزولنا بها رأينا جبل الجودى المذكور في كتاب الله عزّ وجلّ «276» الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، وهو جبل عال مستطيل.
ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا إلى مدينة نصيبين «277» ، وهي مدينة عتيقة متوسّطة قد خرب أكثرها وهي في بسيط أفيح فسيح فيه المياه الجارية، والبساتين الملتفّة، والأشجار المنتظمة، والفواكه الكثيرة، وبها يصنع ماء الورد الذي لا نظير له في العطارة والطيب، ويدور بها نهر يعطف عليها انعطاف السوار منبعه من عيون في جبل قريب منها، وينقسم انقساما فيتخلّل بساتينها، ويدخل منه نهر إلى المدينة فيجرى في شوارعها ودورها ويخترق صحن مسجدها الأعظم وينصبّ في صهريجين أحدهما في وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي.
(2/84)

وبهذه المدينة مارستان ومدرستان، وأهلها أهل صلاح ودين وصدق وأمانة، ولقد صدق أبو نواس «278» في قوله
طابت نصيبين لي يوما وطبت لها ... يا ليت حظّي من الدنيا نصيبين!
قال ابن جزي: والناس يصفون مدينة نصيبين بفساد الماء والوخامة، وفيها يقول بعض الشعراء.
لنصيبين قد عجبت وما في ... دارها داع إلى العلّات
يعدم الورد أحمرا في ذراها ... لسقام حتّى من الوجنات «279»
ثمّ رحلنا إلى مدينة سنجار «280» ، وهي مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار، والعيون المطرّدة والأنهار، مبنيّة في سفح جبل، تشبّه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها، ومسجدها الجامع مشهور البركة، يذكر أن الدعاء به مستجاب، ويدور به نهر ماء ويشقّه، وأهل سنجار أكراد، ولهم شجاعة وكرم وممّن لقيته بها الشيخ الصالح العابد الزاهد عبد الله الكرديّ أحد المشايخ الكبار صاحب كرامات، يذكر عنه أنّه لا يفطر الّا بعد أربعين يوما، ويكون إفطاره على نصف قرص من الشّعير لقيته برابطة بأعلى جبل سنجار «281» ، ودعا لي وزوّدني بدراهم لم تزل عندي إلى أن سلبني كفّار الهنود.
(2/85)

ثم سافرنا إلى مدينة دارا «282» وهي عتيقة كبيرة بيضاء المنظر لها قلعة مشرفة وهي الآن خراب لا عمارة بها وفي خارجها قرية معمورة بها كان نزولنا، ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة ماردين «283» ، وهي مدينة عظيمة في سفح جبل من أحسن مدن الإسلام وأبدعها وأتقنها وأحسنها أسواقا وبها تصنع الثياب المنسوبة اليها من الصوف المعروف بالمرعز «284» ، ولها قلعة شمّاء من مشاهير القلاع في قنّة جبلها.
قال ابن جزي: قلعة ماردين هذه تسمّى الشهباء وايّاها عنى شاعر العراق صفّي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلّي «285» بقوله في سمطه:
فدع ربوع الحلّة الفيحاء ... وازورّ بالعيس عن الزّوراء
ولا تقف بالموصل الحدباء ... انّ شهاب القلعة الشّهباء
محرق شيطان صروف الدّهر وقلعة حلب تسمّى الشّهباء، ايضا، وهذه المسمّطة بديعة مدح بها الملك المنصور سلطان ماردين «286» وكان كريما شهير الصّيت، ولي الملك بها نحو خمسين سنة، وأدرك أيّام قازان ملك التتر وصاهر السلطان خذا بنده بابنته دنيا خاتون.
(2/86)

ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي اليها
وهو الملك الصالح «287» ابن الملك المنصور الذي ذكرناه آنفا ورث الملك عن أبيه وله المكارم الشهيرة، وليس بأرض العراق والشام ومصر أكرم منه، يقصده الشعراء والفقراء فيجزل لهم العطايا جريا على سنن أبيه، قصده أبو عبد الله محمد بن جابر الاندلسيّ المرويّ الكفيف مادحا فأعطاه عشرين ألف درهم، وله الصدقات والمدارس والزوايا لإطعام الطعام، وله وزير كبير القدر وهو الإمام العالم وحيد الدهر، وفريد العصر، جمال الدين السّنجاريّ قرأ بمدينة تبريز، وأدرك العلماء الكبار، وقاضي قضاته الإمام الكامل برهان الدّين الموصليّ، وهو ينتسب إلى الشيخ الوليّ فتح الموصليّ، وهذا القاضي من أهل الدين والورع والفضل يلبس الخشن من ثياب الصوف الذي لا تبلغ قيمته عشرة دراهم ويعتمّ بنحو ذلك، وكثيرا ما يجلس للأحكام بصحن مسجد خارج المدرسة كان يتعبّد فيه، فإذا رءاه من لا يعرفه ظنّه بعض خدّام القاضي واعوانه!
حكاية [صلح بين زوجين]
ذكر لي أنّ امرأة أتت هذا القاضي وهو خارج من المسجد ولم تكن تعرفه، فقالت له يا شيخ أين يجلس القاضي؟ فقال لها: وما تريدين منه؟ فقالت له: إنّ زوجي ضربني، وله زوجة ثانية وهو لا يعدل بيننا في القسم، وقد دعوته إلى القاضي فأبى وأنا فقيرة ليس عندي ما أعطيه لرجال القاضي حتّى يحضروه بمجلسه، فقال لها: وأين منزل زوجك؟ فقالت بقرية الملّاحين خارج المدينة، فقال لها: أنا أذهب معك إليه: فقالت: والله ما عندي شيء أعطيك ايّاه، فقال لها: وأنا لا اخذ منك شيئا.
ثم قال لها: اذهبي إلى القرية وانتظريني خارجها فإني على إثرك، فذهبت كما أمرها وانتظرته فوصل إليها وليس معه أحد، وكانت عادته أن لا يدع أحدا يتبعه، فجاءت به إلى منزل زوجها، فلمّا رءاه قال لها: ما هذا الشيخ النّحس الذي معك؟ فقال له: نعم والله أنا كذالك، ولا كن أرض زوجتك! فلمّا طال الكلام جاء الناس فعرفوا القاضي وسلّموا عليه، وخاف ذالك الرجل وخجل، فقال له القاضي: لا عليك أصلح ما بينك وبين زوجتك، فأرضاها الرجل من نفسه وأعطاهما القاضي نفقة ذلك اليوم، وانصرف.
(2/87)

ولقيت هذا القاضي وأضافني بداره ثمّ رحلت عائدا إلى بغداد فوصلت إلى مدينة الموصل التي ذكرناها، فوجدت ركبها بخارجها متوجّهين إلى بغداد، وفيهم امرأة صالحة عابدة تسمّى بالسّت زاهدة وهي من ذرّيّة الخلفاء، حجّت مرارا وهي ملازمة الصوم سلّمت عليها، وكنت في جوارها، ومعها جملة من الفقراء يخدمونها، وفي هذه الوجهة توفّيت رحمة الله عليها وكانت وفاتها بزرود، ودفنت هنالك.
ثمّ وصلنا إلى مدينة بغداد فوجدت الحاجّ في أهبة الرحيل فقصدت أميرها معروف خواجه فطلبت منه ما أمر لي به السلطان فعيّن لي شقّة محارة «288» وزاد أربعة من الرجال وماءهم، وكتب لي بذالك، ووجّه عن أمير الركب وهو البهلوان محمد الحويح «289» فأوصاه بي وكانت المعرفة بيني وبينه متقدّمة فزادها تأكيد ولم أزل في جواره وهو يحسن إلىّ ويزيد لي على ما أمر لي به.
وأصابني عند خروجنا من الكوفة إسهال فكانوا ينزلونني من أعلى المحمل مرّات كثيرة في اليوم، والأمير يتفقّد حالي ويوصي بي، ولم أزل مريضا حتّى وصلت مكّة حرم الله تعالى زادها الله شرفا وتعظيما، وطفت بالبيت الحرام كرّمه الله تعالى طواف القدوم، وكنت ضعيفا بحيت أؤدّي المكتوبة قاعدا فطفت وسعيت بين الصّفا والمروة راكبا على فرس الأمير الحويح المذكور.
ووقفنا تلك السنة يوم الاثنين «290» ، فلمّا نزلنا منى أخذت في الراحة والاستقلال من مرضى، ولمّا انقضى الحجّ أقمت مجاورا بمكّة تلك السّنة وكان بها الأمير علاء الدين بن هلال مشيّد الدّواوين مقيما لعمارة دار الوضوء بظاهر العطّارين من باب بني شيبة، وجاور في تلك السنة من المصريّين جماعة من كبراء كبرائهم منهم تاج الدّين بن الكويك «291» ، ونور الدين القاضي «292» ، وزين الدين بن الاصيل، وابن الخليليّ «293» ، وناصر الدين الأسيوطيّ،
(2/88)

وسكنت تلك السنة بالمدرسة المظفّريّة، وعافاني الله من مرضي فكنت في أنعم عيش وتفرّغت للطواف والعبادة والاعتمار.
وأتى في أثناء تلك السنة حجّاج الصعيد وقدم معهم الشيخ الصالح نجم الدين الأصفونيّ «294» ، وهي أوّل حجّة حجّها، والاخوان علاء الدين عليّ، وسراج الدين عمر ابنا القاضي الصالح نجم الدين البالسيّ قاضي «295» مصر، وجماعة غيرهم وفي منتصف ذي القعدة وصل الامير سيف الدين يلملك، وهو من الفضلاء، ووصل في صحبته جماعة من أهل طنجة بلدي حرسها الله، منهم الفقيه أبو عبد الله محمد ابن القاضي أبي العبّاس ابن القاضي الخطيب أبي القاسم الجراويّ، والفقيه أبو عبد الله بن عطاء الله، والفقيه أبو محمد عبد الله الحضريّ، والفقيه أبو عبد الله المرسى، وأبو العبّاس ابن الفقيه أبي عليّ البلنسيّ، وأبو محمد بن القابلة وأبو الحسن البياريّ وأبو العبّاس ابن تافوت وأبو الصبر أيّوب الفخّار، وأحمد ابن حكّامة، ومن أهل قصر المجاز «296» الفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن القاضي أبي العبّاس ابن خلوف، ومن أهل القصر الكبير «297» الفقيه أبو محمد بن مسلم وأبو اسحاق ابراهيم بن يحيى وولده.
ووصل في تلك السنة الامير سيف الدين تقزدمور من الخاصّكية «298» ، والأمير
(2/89)

موسى بن قرمان «299» ، والقاضي فخر الدين ناظر «300» الجيش كاتب المماليك، والتاج اسحاق، والسّت حدق مربية «301» الملك الناصر، وكانت لهم صدقات عميمة بالحرم الشريف واكثرهم صدقة القاضي فخر الدين.
وكانت وقفتنا في تلك السنة في يوم الجمعة من عام ثمانية وعشرين «302» ، وفي هذه السنة وصل أحمد بن الأمير رميثة «303» ومبارك بن الأمير عطيفة «304» من العراق صحبة الأمير محمد الحويح والشيخ زاده الحرباويّ، والشيخ دانيال «305» ، وأتوا بصدقات عظيمة للمجاورين وأهل مكّة، من قبل السلطان أبي سعيد ملك العراق، وفي تلك السنة ذكر اسمه في الخطبة بعد ذكر الملك الناصر ودعوا له بأعلى قبّة زمزم وذكروا بعده سلطان اليمن الملك المجاهد نور الدين «306» ، ولم يوافق الامير عطيفة على ذلك، وبعث شقيقه منصورا ليعلم الملك الناصر بذلك، فأمر رميثة بردّه فردّ، فبعثه ثانية على طريق جدّة حتى أعلم الملك الناصر بذلك، ووقفنا تلك السنة وهي سنة تسع وعشرين يوم الثلاثاء «307» .
(2/90)

ولمّا انقضى الحجّ أقمت مجاورا بمكّة حرسها الله سنة ثلاثين، وفي موسمها وقعت الفتنة بين أمير مكّة عطيفة وبين ايدمور أمير جندار الناصريّ «308» وسبب ذلك أنّ تجارا من أهل اليمن سرقوا، فتشكّوا إلى أيد مور بذلك، فقال ايدمور أمير لمبارك بن الامير عطيفة أيت بهؤلاء السرّاق! فقال: لا أعرفهم فكيف نأتي بهم؟ وبعد فأهل اليمن تحت حكمنا، ولا حكم عليهم لك، إن سرق لأهل مصر والشام شيء فاطلبني به، فشتمه أيدمور وقال له: يا قوّاد! تقول لي هكذا! وضربه على صدره، فسقط ووقعت عمامته عن رأسه، وغضب له عبيده، وركب أيدمور يريد عسكره، فلحقه مبارك وعبيده فقتلوه وقتلوا ولده، ووقعت الفتنة بالحرم، وكان به أمير أحمد ابن عمّ الملك الناصر. «309»
ورمى الترك بالنشّاب فقتلوا امرأة قيل إنها كانت تحرّض أهل مكّة على القتال، وركب من بالركب من الأتراك واميرهم خاصّ ترك، فخرج إليهم القاضي والأئمة والمجاورون وفوق رؤوسهم المصاحف وحاولوا الصلح ودخل الحجّاج مكّة فأخذوا مالهم بها، وانصرفوا إلى مصر.
وبلغ الخبر إلى الملك الناصر فشقّ عليه وبعث العساكر إلى مكّة ففرّ الأمير عطيفة وابنه مبارك وخرج أخوه رميثة وأولاده إلى وادي نخلة فلما وصل العسكر إلى مكّة بعث الامير رميثة أحد أولاده يطلب له الأمان ولولده فأمنوا وأتى رميثة وكفنه في يده إلى الامير فخلع عليه، وسلّمت إليه مكّة وعاد العسكر إلى مصر. وكان الملك الناصر رحمه الله حليما فاضلا.
(2/91)

الفصل السادس بين المحيط الهندي والخليج الفارسي
مغادرة جدّة في اتجاه اليمن من جزيرة سواكن إلى مدينة حلي في زبيد عاصمة الجمال والكمال التقاليد بين الهند واليمن صهاريج عدن التاريخية إلى زيلع ومقدشو- جزيرة منبسي- كلوا حضر موت- وشبه سكان المنطقة بصنهاجة المغاربة عمان الكبرى- بين قلهات وهرمز ...
مغاصات اللؤلؤ وبلاد البحرين من البحرين إلى القطيف أداؤه مناسك الحج لعام 732
(2/93)

خريطة بين المحيط الهندي والخليج الفارسي
(2/95)

[جنوب الجزيرة- شرق افريقيا- الخليج]
فخرجت في تلك الأيّام من مكّة شرفها الله تعالى قاصدا بلاد اليمن فوصلت إلى حدّة «1» ، بالحاء المهمل المفتوح، وهي نصف الطريف ما بين مكّة وجدّة بالجيم المضموم، ثمّ وصلت إلى جدّة «2» وهي بلدة قديمة على ساحل البحر يقال إنها من عمارة «3» الفرس وبخارجها مصانع قديمة وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد، يتّصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثرة «4» وكانت هذه السنة قليلة المطر وكان الماء يجلب إلى جدّة على مسيرة يوم وكان الحجّاج يسألون الماء من أصحاب البيوت.
حكاية [الأعمى والخاتم]
ومن غريب ما اتّفق لي بجدّة انّه وقف على بابي سائل أعمى يطلب الماء يقوده غلام فسلّم عليّ وسمّاني باسمي وأخذ بيدي ولم أكن عرفته قطّ ولا عرفني، فعجبت من شأنه ثم أمسك إصبعي بيده، وقال اين الفتخة؟ وهي الخاتم، وكنت حين خروجي من مكّة قد لقيني بعض الفقراء وسألني، ولم يكن عندي في ذلك الحين شيء، فدفعت له خاتمي، فلما سألني عنه
(2/97)

هذا الأعمى قلت له أعطيته لفقير، فقال: ارجع في طلبه فإنّ فيه أسماء مكتوبة فيها سرّ من الأسرار، فطال تعجّبي منه ومن معرفته بذلك كلّه، والله أعلم بحاله.
وبجدّه جامع يعرف بجامع الآبنوس «5» معروف البركة يستجاب فيه الدعاء، وكان الامير بها أبا يعقوب بن عبد الرزّاق وقاضيها وخطيبها الفقيه عبد الله من أهل مكّة شافعيّ المذهب، وإذا كان يوم الجمعة واجتمع الناس للصلاة أتى المؤذّن وعدّ أهل جدّة المقيمين بها، فإن كملوا أربعين خطب وصلّى بهم الجمعة وان لم يبلغ عددهم أربعين صلّى ظهرا أربعا، ولا يعتبر من ليس من أهلها وان كانوا عددا كثيرا «6» .
ثم ركبنا من جدّة في مركب يسمّونه الجلبة «7» وكان لرشيد الدين الألفي اليمنيّ الحبشيّ الأصل، وركب الشريف منصور بن أبى نمّى «8» في جلبة أخرى ورغب منّي أن أكون معه فلم أفعل لكونه كان معه في جلبته الجمال فخفت من ذلك، ولم أكن ركبت البحر قبلها وكان هنالك جملة من أهل اليمن قد جعلوا ازوادهم وامتعتهم في الجلب وهم متأهبون للسفر.
حكاية [الدّراهم المخبوءة بالعديلة]
ولمّا ركبنا البحر أمر الشريف منصور أحد غلمانه أن يأتيه بعديلة دقيق، وهي نصف حمل، وبطّة سمن يأخذهما من جلب أهل اليمن، فأخذهما وأتى بهما إليه فأتاني التّجار باكين، وذكروا لي أن في جوف تلك العديلة عشرة الاف درهم نقرة، ورغبوا منّي أن أكلّمه في ردّها وأن يأخذ سواها، فأتيته وكلّمته في ذلك وقلت له: إنّ للتجار في جوف هذه العديلة شيئا، فقال: إن كان سكرا فلا أردّه اليهم، وان كان سوى ذلك فهو لهم، ففتحوها فوجدوا
(2/98)

نموذج من الفن التصويري عند العرب يذكرنا في الكثير من المشاهد التي يصفها ابن بطوطة في رحلته ...
الصورة تمثل مركبا من إحدى مقامات الحريري: المقامة 39. ليننگراد المعهد الشرقي لأكاديمية العلوم.
(2/99)

الدراهم فردّها عليهم، وقال لي: لو كان عجلان ما ردّها، وعجلان هو ابن أخيه رميثة، وكان قد دخل في تلك الأيام دار تاجر من أهل دمشق قاصدا لليمن فذهب بمعظم ما كان فيها، وعجلان هو أمير مكّة على هذا العهد، وقد صلح حاله واظهر العدل والفضل.
ثم سافرنا في هذا البحر بالرّيح الطّيبة يومين وتغيّرت الرّيح بعد ذالك وصدّتنا عن السبيل التي قصدناها ودخلت أمواج البحر معنا في المركب واشتدّ الميد بالناس ولم نزل في أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر، فيما بين عيذاب وسواكن «9» ، فنزلنا به ووجدانا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد، وفيه كثير من قشور بيض النّعام مملوّة ماء فشربنا منه وطبخنا.
ورأيت بذلك المرسى عجبا وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر، فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به وقد امتلأ سمكا. كلّ سمكة منها قدر الذراع ويعرفونه بالبوريّ، فطبخ منه الناس كثيرا واشتووا وقصدت إلينا طائفة من البجاة، وهم سكّان تلك الأرض سود الألوان لباسهم الملاحف الصفر ويشدّون على رءوسهم عصائب حمرا في عرض الإصبع «10» ، وهم أهل نجدة وشجاعة وسلاحهم الرّماح والسيوف ولهم جمال يسمونها الصّهب يركبونها بالسروج، فاكترينا منهم الجمال وسافرنا معهم في برّيّة كثيرة الغزلان، والبجاة لا يأكلونها فهي تأنس بالآدميّ ولا تنفر منه.
وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حيّ من العرب يعرفون بأولاد كاهل مختلطين بالبجاة عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وصلنا إلى جزيرة سواكن وهي على نحو ستّة اميال من البرّ «11» ولا ماء بها ولا زرع ولا شجر، والماء يجلب اليها في القوارب، وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر وهي جزيرة كبيرة وبها لحوم النّعام والغزلان وحمر الوحش، والمعزى
(2/100)

عندهم كثير والألبان والسمن ومنها يجلب إلى مكّة وحبوبهم الجرجور وهو نوع من الذرة كبير الحبّ يجلب منها ايضا إلى مكّة.
ذكر سلطانها
وكان سلطان جزيرة سواكن حين وصولي اليها الشريف زيد بن أبي نمّى «12» وأبوه أمير مكّة وأخواه أميراها بعده، وهما عطيفة ورميثة اللذان تقدّم ذكرهما، وصارت إليه من قبل البجاة فانّهم أخواله، ومعه عسكر من البجاة وأولاد كاهل وعرب جهينة.
وركبنا «13» البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن، وهذا البحر لا يسافر فيه بالليل لكثرة أحجاره وانّما يسافرون فيه من طلوع الشمس إلى غروبها ويرسون وينزلون إلى البرّ، فإذا كان الصباح صعدوا إلى المركب وهم يسمّون رئيس المركب الرّبان «14» ، ولا يزال أبدا في مقدم المركب ينبّه صاحب السكّان «15» على الأحجار، وهم يسمّونها النّبات.
وبعد ستّة أيّام من خروجنا عن جزيرة سواكن وصلنا إلى مدينة حلي «16» ، وضبط اسمها بفتح الحاء المهمل وكسر اللام وتخفيفها، وتعرف باسم ابن يعقوب وكان من سلاطين
(2/101)

اليمن ساكنا بها قديما وهي كبيرة حسنة العمارة يسكنها طائفتان من العرب وهم بنو حرام وبنو كنانة «17» ، وجامع هذه المدينة من أحسن الجوامع وفيه جماعة من الفقراء المنقطعين إلى العبادة منهم الشيخ الصالح العابد الزاهد قبولة الهنديّ من كبار الصالحين، لباسه مرقّعة وقلنوسة لبد، وله خلوة متّصلة بالمسجد فرشها الرمل، لا حصير بها ولا بساط، ولم أر بها حين لقاءي له شيئا الا إبريق الوضوء، وسفرة من خوص النخيل فيها كسر شعير يابسة، وصحيفة فيها ملح وصعتر، فإذا جاءه أحد قدّم بين يديه ذلك، ويسمع به أصحابه فيأتي كلّ واحد منهم بما حضره من غير تكلّف شيء وإذا صلّوا العصر اجتمعوا للذّكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب وإذا صلّوا المغرب أخذ كلّ واحد منهم موقفه للتنفّل فلا يزالون كذلك إلى صلاة العشاء الآخرة فإذا صلوا العشاء الآخرة أقاموا على الذّكر إلى ثلث الليل ثم انصرفوا ويعودون في أوّل الثلث الثالث إلى المسجد، فيتهجّدون إلى الصبح ثم يذكرون إلى أن تحين صلاة الإشراق فينصرفون بعد صلاتها.، منهم من يقيم إلى أن يصلّي صلاة الضّحى بالمسجد، وهذا دأبهم أبدا ولقد كنت أردت الاقامة معهم باقي عمري فلم أوفق لذلك والله تعالى يتداركنا بلطفه وتوفيقه!
ذكر سلطان حلي
وسلطانها عامر بن ذؤيب من بني كنانة «18» وهو من الفضلاء الأدباء الشعراء صحبته من مكّة إلى جدّة وكان حجّ في سنة ثلاثين، ولمّا قدمت مدينته أنزلني وأكرمني وأقمت في ضيافته أيّاما وركبت البحر في مركب له فوصلت إلى بلدة السرجة «19» ، وضبط اسمها بفتح السين المهمل واسكان الرّاء وفتح الجيم، بلدة صغيرة يسكنها جماعة من أولاد
(2/102)



الكتاب: رحلة ابن بطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)
المؤلف: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، ابن بطوطة (المتوفى: 779هـ)
الناشر: أكاديمية المملكة المغربية، الرباط
عام النشر: 1417 هـ
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] الهبي «20» ، وهم طائفة من تجار اليمن أكثرهم ساكنون بصعداء «21» ولهم فضل وكرم واطعام لابناء السبيل، ويعينون الحجّاج ويركبونهم في مراكبهم، ويزوّدونهم من أموالهم وقد عرفوا بذلك واشتهروا به، وكثّر الله أموالهم وزادهم من فضله وأعانهم على فعل الخير.
وليس بالأرض من يماثلهم في ذلك إلّا الشيخ بدر الدين النقّاس الساكن ببلدة القحمة «22» ، فله مثل ذلك من الماثر والائثار.
وأقمنا بالسّرجة ليلة واحدة في ضيافة المذكورين، ثمّ رحلنا إلى مرسى الحادث «23» ولم ننزل به، ثم إلى مرسى الأبواب «24» ثم إلى مدينة زبيد، «25» مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها،
(2/103)

أمام قاضي صعدة من مقامة الحريري السابعة والثلاثين مدينة زبيد
(2/104)

واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره وهي برّيّة لا شطّيّة إحدى قواعد بلاد اليمن، وهي بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، مدينة كبيرة كثيرة العمارة بها النخل والبساتين والمياه، أملح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافة الشمائل وحسن الأخلاق وجمال الصور ولنسائها الحسن الفائق الفائت وهي وادي الحصيب الذي يذكر في بعض الآثار أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ في وصيّته: يا معاذ إذا جئت وادي الحصيب فهرول!! «26» ولأهل هذه المدينة سبوت النخل المشهورة «27» ، وذلك انّهم يخرجون في أيّام البسر والرّطب في كلّ سبت إلى حدائق النخل، ولا يبقى بالمدينة أحد من أهلها ولا من الغرباء، ويخرج أهل الطرب وأهل الاسواق لبيع الفواكه والحلاوات، وتخرج النساء ممتطيات الجمال في المحامل، ولهنّ مع ما ذكرناه من الجمال الفائت الاخلاق الحسنة والمكارم «28» ، وللغريب عندهنّ مزيّة ولا يمتنعن من تزوّجه كما يفعله نساء بلادنا، فإذا أراد السفر خرجت معه وودّعته وإن كان بينهما ولد فهي تكفله وتقوم بما يجب له إلى أن يرجع أبوه ولا تطالبه في أيّام الغيبة بنفقة ولا كسوة ولا سواها وإذا كان مقيما فهي تقنع منه بقليل النفقة والكسوة لاكنّهنّ لا يخرجن عن بلدهنّ أبدا ولو أعطيت إحداهن ما عسى أن تعطاه على أن تخرج عن بلدها لم تفعل.
وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق، ولقيت بمدينة زبيد الشيخ العالم الصالح أبا محمّد الصنعانيّ، والفقيه الصوفي المحقّق أبا العباس الأبيانيّ، والفقيه المحدّث أبا عليّ الزّبيديّ، ونزلت في جوارهم فأكرموني وأضافوني، ودخلت حدائقهم واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي زيد عبد الرحمن الصوفي أحد
(2/105)

فضلاء اليمن ووقع عنده ذكر العابد الزاهد الخاشع أحمد بن العجيل اليمنيّ «29» وكان من كبار الرجال وأهل الكرامات.
كرامة، ذكروا أنّ فقهاء الزيديّة وكبراءهم أتوا مرّة إلى زيارة الشيخ أحمد بن العجيل فجلس لهم خارج الزاوية واستقبلهم أصحابه ولم يبرح الشيخ عن موضعه فسلّموا عليه وصافحهم ورحّب بهم ووقع بينهم الكلام في مسألة القدر «30» ، وكانوا يقولون: أن لا قدر، وان المكلّف يخلق أفعاله، فقال لهم الشيخ: فإن كان الأمر على ما تقولون فقوموا عن مكانكم هذا فأرادوا القيام، فلم يستطيعوا، وتركهم الشيخ على حالهم ودخل الزاوية، وأقاموا كذلك واشتدّ بهم الحرّ ولحقهم وهج الشمس وضجّوا ممّا نزل بهم، فدخل اصحاب الشيخ إليه وقالوا له إن هؤلاء القوم قد تابوا إلى الله ورجعوا عن مذهبهم الفاسد، فخرج عليهم الشيخ فأخذ بأيديهم وعاهدهم على الرجوع إلى الحقّ وترك مذهبهم السّيء، وأدخلهم زاويته فاقاموا في ضيافته ثلاثا وانصرفوا إلى بلادهم.
وخرجت لزيارة قبر هذا الرجل الصالح وهو بقرية يقال لها: غسانة «31» خارج زبيد، ولقيت ولده الصالح أبا الوليد إسماعيل «32» فأضافني وبتّ عنده، وزرت ضريح الشيخ وأقمت معه ثلاثا، وسافرت في صحبته إلى زيارة الفقيه أبي الحسن الزيلعيّ «33» ، وهو من كبار الصالحين ويقدم حجّاج اليمن اذا توجّهوا للحجّ، وأهل تلك البلاد وأعرابها يعظمونه
(2/106)

ويحترمونه. فوصلنا إلى جبله «34» وهي بلدة صغيرة حسنة ذات نخل وفواكه وأنهار، فلمّا سمع الفقيه أبو الحسن الزيلعيّ بقدوم الشيخ أبي الوليد استقبله وأنزله بزاويته وسلّمت عليه معه، وأقمنا عنده ثلاثة أيّام في خير مقام، ثم انصرفنا وبعث معنا أحد الفقراء فتوجّهنا إلى مدينة تعزّ حضرة ملك اليمن، وضبط اسمها بفتح التاء المعلوّة وكسر العين المهملة وزاء، وهي من أحسن مدن اليمن واعظمها، وأهلها ذوو تجبّر وتكبّر وفظاظة، وكذلك الغالب على البلاد التي يسكنها الملوك، وهي ثلاث محلّات إحداها يسكنها السلطان ومماليكه وحاشيته وأرباب دولته وتسمّى باسم لا أذكره، والثانية يسكنها الأمراء والأجناد، وتسمّى عدينة، والثالثة يسكنها عامّة الناس وبها السوق العظمى، وتسمّى المحالب «35» .
ذكر سلطان اليمن
وهو السلطان المجاهد نور الدين «36» عليّ ابن السلطان المؤيد هزبر الدين داوود بن السلطان المظفّر يوسف بن عليّ ابن رسول، شهر جدّه برسول لان أحد خلفاء بني العبّاس أرسله إلى اليمن ليكون بها أميرا، ثم استقلّ اولاده بالملك. وله ترتيب عجيب في قعوده وركوبه، وكنت لمّا وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي بعثه الشيخ الفقيه أبو الحسن الزيلعيّ
(2/107)

مدينة جبله مدينة تعز
(2/108)

في صحبتي، قصد بي إلى قاضي القضاة الإمام المحدّث صفيّ الدين الطبريّ المكّي «37» فسلمنا عليه ورحّب بنا وأقمنا بداره في ضيافته ثلاثا، فلمّا كان في اليوم الرابع وهو يوم الخميس، وفيه يجلس السلطان لعامّة الناس دخل بي عليه فسلّمت عليه، وكيفيّة السلام عليه أن يمسّ الانسان الأرض بسبّابته، ثمّ يرفعها إلى رأسه، ويقول: ادام الله عزّك، ففعلت كمثل ما فعله القاضي، وقعد القاضي عن يمين الملك، وأمرني فقعدت بين يديه فسألني عن بلادي وعن مولانا أمير المسلمين جواد الأجواد أبي سعيد رضي الله عنه «38» ، وعن ملك مصر وملك العراق وملك اللّور، فأجبته عمّا سأل من أحوالهم وكان وزيره بين يديه فأمره بإكرامي وإنزالي.
وترتيب قعود هذا الملك أنّه يجلس فوق دكّانة مفروشة مزيّنة بثياب الحرير، وعن يمينه ويساره أهل السلاح، ويليه منهم أصحاب السيوف والدّرق، ويليهم أصحاب القسيّ، وبين يديهم في الميمنة والميسرة الحاجب، وأرباب الدولة وكاتب السرّ وأمير جندار على رأسه، والشاوشيّة، وهم من الجنادرة وقوف على بعد، فإذا قعد السلطان صاحوا صيحة واحدة:
بسم الله، فإذا قام فعلوا مثل ذالك، فيعلم جميع من بالمشور وقت قيامه ووقت قعوده، فإذا استوى قاعدا دخل كلّ من عادته أن يسلّم عليه فسلّم ووقف حيث رسم له في الميمنة أو الميسرة لا يتعدّى أحد موضعه ولا يقعد إلّا من أمر بالقعود. ويقول السلطان للأمير جندار:
مر فلانا يقعد، فيتقدّم ذلك المأمور بالقعود عن موقفه قليلا، ويقعد على بساط هنالك بين أيدي القائمين في الميمنة والميسرة، ثم يوتي بالطعام، وهو طعامان طعام العامّة وطعام الخاصّة، فأمّا الطعام الخاصّ فيأكل منه السلطان وقاضي القضاة والكبار من الشرفاء ومن الفقهاء والضيوف وأمّا الطعام العامّ فيأكل منه سائر الشرفاء والفقهاء والقضاة والمشايخ والأمراء ووجوه الأجناد، ومجلس كلّ انسان للطعام معيّن لا يتعدّاه، ولا يزاحم أحد منهم أحدا. وعلى هذا الترتيب سواء هو ترتيب ملك الهند في طعامه، فلا أعلم هل أن سلاطين الهند أخذوا ذلك عن سلاطين اليمن أم سلاطين اليمن أخذوه عن سلاطين الهند.
(2/109)

معصرة السمسم في صنعاء لقد كان لسبأ في مساكنهم آية ...
(2/110)

وأقمت في ضيافة سلطان اليمن أيّاما، وأحسن إليّ وأركبني، وانصرفت مسافرا إلى مدينة صنعاء «39» ، وهي قاعدة بلاد اليمن الأولى، مدينة كبيرة حسنة العمارة بناؤها بالأجرّ والجصّ، كثيرة الأشجار والفواكه والزرع معتدلة الهواء طيّبة الماء، ومن الغريب أن المطر ببلاد الهند واليمن والحبشة إنّما ينزل في أيام القيظ، وأكثر ما يكون نزوله بعد الظهر «40» من كلّ يوم في ذلك الأوان، فالمسافرون يستعجلون عند الزوال لئلّا يصيبهم المطر، وأهل المدينة ينصرفون إلى منازلهم لأن امطارها وابلة متدفّقة.
ومدينة صنعاء مفروشة كلّها فإذا نزل المطر غسل جميع أزقّتها وأنقاها وجامع صنعاء من أحسن الجوامع، وفيه قبر نبيّ من الأنبياء عليهم السلام.
ثمّ سافرت منها إلى مدينة عدن «41» مرسى بلاد اليمن على ساحل البحر الاعظم، والجبال تحفّ بها ولا مدخل اليها الّا من جانب واحد، وهي مدينة كبيرة ولا زرع بها ولا شجر ولا ماء، وبها صهاريج يجتمع فيها الماء أيّام المطر «42» والماء على بعد منها فربّما منعته العرب وحالوا بين أهل المدينة وبينه حتّى يصانعوهم بالمال والثياب، وهي شديدة الحرّ،
(2/111)

صهاريج عدن ورد ذكرها عند ابن بطوطة وقبله عند ابن المجاور قلعة صيرة- عدن
(2/112)

وهي مرسى أهل الهند تأتي إليها المراكب العظيمة من كنباية وتانة، وكولم، وقالقوط، وفندرانية، والشاليات، ومنجرور، وفاكنور، وهنور، وسندابور، وغيرها «43» ، وتجار الهند ساكنون بها وتجار مصر ايضا.
وأهل عدن ما بين تجار وما بين حمّالين وصيّادين للسّمك وللتجار منهم أموال عريضة وربّما يكون لأحدهم المركب العظيم بجميع ما فيه لا يشاركه فيه غيره لسعة ما بين يديه من الأموال، ولهم في ذلك تفاخر ومباهاة.
حكاية [كبش يعتق عبدا]
ذكر لي أن بعضهم «44» بعث غلاما له ليشتري له كبشا وبعث اخر منهم غلاما له برسم ذلك أيضا، فاتّفق أنّه لم يكن بالسوق في ذلك اليوم إلّا كبش واحد فوقعت المزايدة فيه بين الغلامين، فانتهى ثمنه إلى أربع مائة دينار، فأخذه أحدهما، وقال: إنّ رأس مالي أربع مائة دينار، فإن أعطاني مولاي ثمنه فحسن والّا دفعت فيه رأس مالي ونصرت نفسي وغلبت صاحبي، وذهب بالكبش إلى سيّده فلمّا عرف سيّده بالقضية أعتقه وأعطاه الف دينار وعاد الآخر إلى سيّده خائبا فضربه وأخذ ماله ونفاه عنه! ونزلت في عدن عند تاجر يعرف بناصر الدين الفأريّ. فكان يحضر طعامه في كلّ ليلة نحو عشرين من التجار، وله غلمان وخدّام أكثر من ذلك، ومع هذا كلّه فهم أهل دين وتواضع وصلاح ومكارم أخلاق يحسنون إلى الغريب ويؤثرون على الفقير، ويعطون حقّ الله من الزكاة على ما يجب، ولقيت بهذه المدينة قاضيها الصالح سالم بن عبد الله الهنديّ، وكان والده من العبيد الحمّالين واشتغل ابنه بالعلم فرأس وساد، وهو من خيار القضاة وفضلائهم، أقمت في ضيافته أيّاما.
(2/113)

وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيّام «45» ووصلت إلى مدينة زيلع «46» وهي مدينة البربرة، وهم طائفة من السودان «47» شافعيّة المذهب وبلادهم مسيرة شهرين أوّلها زيلع وآخرها مقدشو، ومواشيهم الجمال ولهم أغنام مشهورة السّمن.
وأهل زيلع سود الألوان وأكثرهم رافضة، وهي مدينة كبيرة لها سوق عظيمة إلّا أنّها أقذر مدينة في المعمور وأوحشها وأكثرها نتنا، وسبب نتنها كثرة سمكها ودماء الإبل التي ينحرونها في الأزقّة. ولمّا وصلنا إليها اخترنا المبيت بالبحر على شدّة هوله ولم نبت بها لقذرها.
(2/114)

ثم سافرنا منها في البحر خمس عشرة ليلة، ووصلنا مقدشو4»
، وضبط اسمها بفتح الميم واسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم واسكان الواو. وهي مدينة متناهية في الكبر، وأهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين في كل يوم، ولهم أغنام كثيرة وأهلها تجار أقوياء وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها، ومنها تحمل إلى ديار مصر وغيرها «49» .
ومن عادة أهل هذه المدينة أنّه متى وصل مركب إلى المرسى تصعد الصنابق، وهي القوارب الصغار إليه، ويكون في كل صنبوق جماعة من شبّان أهلها فيأتي كلّ واحد منهم بطبق مغطّى، فيه الطعام فيقدّمه لتاجر من تجار الركب، ويقول: هذا نزيلي، وكذلك يفعل كلّ واحد منهم، ولا ينزل التاجر من المركب إلّا إلى دار نزيله من هؤلاء الشبّان الّا من كان كثير التردّد إلى البلد وحصلت له معرفة أهله فانه ينزل حيث شاء فإذا نزل عند نزيله باع له ما عنده واشترى له، ومن اشترى منه ببخس أو باع منه بغير حضور نزيله فذلك البيع مردود عندهم، ولهم منفعة في ذلك.
ولمّا صعد الشبان إلى المركب الذي كنت فيه جاء إليّ بعضهم، فقال له أصحابي: ليس هذا بتاجر وإنما هو فقيه! فصاح بأصحابه وقال لهم: هذا نزيل القاضي، وكان فيهم أحد أصحاب القاضي فعرّفه بذلك، فأتى إلى ساحل البحر في جملة من الطلبة، وبعث إليّ أحدهم فنزلت أنا وأصحابي وسلّمت على القاضي وأصحابه، وقال لي: بسم الله نتوجّه للسلام على الشيخ، فقلت: ومن الشيخ؟ فقال: السلطان، وعادتهم ان يقولوا للسلطان الشيخ، فقلت له:
إذا نزلت توجّهت إليه، فقال لي: إن العادة إذا جاء الفقيه أو الشريف أو الرجل الصالح لا ينزل حتّى يرى السلطان، فذهبت معهم إليه كما طلبوا.
(2/115)

ذكر سلطان مقدشو
وسلطان مقدشو، كما ذكرناه، إنما يقولون له الشيخ واسمه أبو بكر بن الشيخ «50» عمر، وهو في الأصل من البربرة وكلامه بالمقدشيّ، ويعرف اللسان العربيّ، ومن عوائده أنه متى وصل مركب يصعد إليه صنبوق السلطان، فيسأل عن المركب من أين قدم، ومن صاحبه، ومن ربّانه، وهو الرايس، وما وسقه، ومن قدم فيه من التجار وغيرهم، فيعرف بذلك كلّه ويعرض على السلطان، فمن استحقّ أن ينزله عنده أنزله.
ولمّا وصلت مع القاضي المذكور، وهو يعرف بابن البرهان المصريّ الاصل «51» ، إلى دار السلطان خرج بعض الفتيان فسلّم على القاضي، فقال له: بلّغ الامانة وعرّف مولانا الشيخ أن هذا الرجل قد وصل من أرض الحجاز، فبلّغ ثم عاد وأتى بطبق فيه أوراق التنبول «52» والفوفل، فأعطاني عشرة أوراق مع قليل من الفوفل، وأعطى للقاضي كذلك، وأعطى لأصحابي ولطلبة القاضي ما بقى في الطبق وجاء بقمقم من ماء الورد الدمشقّي فسكب عليّ وعلى القاضي، وقال: إن مولانا أمر أن ينزل بدار الطلبة وهي دار معدّة لضيافة الطلبة، فأخذ القاضي بيدي، وجئنا إلى تلك الدار وهي بمقربة من دار الشيخ مفروشة مرتّبة بما تحتاج إليه ثمّ أتى بالطعام من دار الشيخ ومعه أحد وزرائه وهو الموكّل بالضيوف، فقال:
مولانا يسلّم عليكم ويقول لكم: قدمتم خير مقدم، ثم وضع الطعام، فأكلنا وطعامهم الأرز المطبوخ بالسّمن يجعلونه في صحفة خشب كبيرة ويجعلون فوقه صحاف الكوشان «53» ، وهو الإدام من الدجاج واللحم والحوت والبقول، ويطبخون الموز قبل نضجه في اللبن الحليب،
(2/116)

ويجعلونه في صحفة، ويجعلون اللبن المريّب في صحفة، ويجعلون عليه الليمون المصيّر «54» ، وعناقيد الفلفل المصيّر المخلّل والمملوح، والزنجبيل الأخضر، والعنبا، وهي مثل التفّاح، ولكن لها نواة، وهي، إذا نضجت، شديدة الحلاوة، وتؤكل كالفاكهة وقبل نضجها حامضة كالليمون، يصيّرونها في الخلّ، وهم إذا أكلوا لقمة من الأرز أكلوا بعدها من هذه الموالح والمخلّلات، والواحد من أهل مقدشو يأكل قدر ما تاكله الجماعة منّا، عادة لهم وهم في نهاية من ضخامة الجسوم وسمنها، ثم لمّا طعمنا انصرف عنّا القاضي، وأقمنا ثلاثة أيام يوتي إلينا بالطعام ثلاث مرّات في اليوم وتلك عادتهم، فلمّا كان في اليوم الرابع وهو يوم الجمعة جاءني القاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ وأتوني بكسوة، وكسوتهم فوطة خزّيشدّها الإنسان في وسطه عوض السّراويل فانّهم لا يعرفونها، ودرّاعة من المقطع المصريّ معلمة، وفرجيّة «55» من القدسي «56» مبطّنة وعمامة مصريّة معلمة، وأتو لأصحابي بكسى تناسبهم واتينا الجامع فصلّينا خلف المقصورة «57» ، فلما خرج الشيخ من باب المقصورة سلّمت عليه مع القاضي، فرحّب وتكلّم بلسانهم مع القاضي، ثم قال باللسان العربيّ: قدمت خير مقدم، وشرّفت بلادنا وانستنا، وخرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده وهو مدفون هنالك فقرأ ودعا ثم جاء الوزراء والأمراء ووجوه الاجناد فسلّموا، وعادتهم في السلام كعادة أهل اليمن: يضع سبّابته في الأرض ثم يجعلها على رأسه ويقول: أدام الله عزّك، ثم خرج الشيخ من باب المسجد فلبس نعليه وأمر القاضي أن ينتعل وأمرني أن أنتعل، وتوجّه إلى منزله ماشيا وهو
(2/117)

بالقرب من المسجد ومشى الناس كلّهم حفاة ورفعت فوق رأسه أربع قباب «58» من الحرير الملوّن، وعلى كل قبّة صورة طائر من ذهب.
وكان لباسه في ذلك اليوم فرجيّة قدسي «59» أخضر تحتها من ثياب مصر وطروحاتها «60» الحسان، وهو متقلّد بفوطة حرير معتّم بعمامة كبيرة، وضربت بين يديه الطبول والأبواق والأنفار، وأمراء الأجناد أمامه وخلفه، والقاضي والفقهاء والشرفاء معه، ودخل إلى مشوره على تلك الهيئة، وقعد الوزراء والأمراء ووجوه الأجناد في سقيفة هنالك، وفرش للقاضي بساط لا يجلس معه غيره عليه، والفقهاء والشرفاء معه، ولم يزالوا كذلك إلى صلاة العصر، فلمّا صلّوا العصر مع الشيخ أتى جميع الأجناد ووقفوا صفوفا على قدر مراتبهم، ثم ضربت الأطبال والأنفار والصّرنايات وعند ضربها لا يتحرّك أحد ولا يتزحزح عن مقامه، ومن كان ماشيا وقف فلم يتحرّك إلى خلف ولا إلى أمام «61» ، فإذا افرغ من ضرب الطّبلخانة «62» سلّموا بأصابعهم كما ذكرنا وانصرفوا.
وتلك عادة لهم في كل يوم جمعة وإذا كان يوم السبت ياتي الناس إلى باب الشيخ فيقعدون في سقائف خارج الدار، ويدخل القاضي والفقهاء والشرفاء والصالحون والمشايخ والحجّاج إلى المشور الثاني فيقعدون على دكاكين خشب معدّة لذلك، ويكون القاضي على دكّانة وحده، وكلّ صنف على دكّانة تخصّهم لا يشاركهم فيها سواهم، ثم يجلس الشيخ بمجلسه ويبعث عن القاضي فيجلس عن يساره ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه وسائرهم يسلّمون وينصرفون، ثم يدخل الشرفاء فيقعد كبراؤهم بين يديه ويسلّم سائرهم وينصرفون، وإن كانوا ضيوفا جلسوا عن يمينه، ثم يدخل المشايخ والحجّاج فيجلس كبراؤهم ويسلم سائرهم وينصرفون، ثم يدخل الوزراء ثم الأمراء ثم وجوه الأجناد طائفة بعد طائفة أخرى فيسلّمون وينصرفون ويؤتى بالطعام فيأكل بين يدي الشيخ القاضي والشرفاء ومن كان قاعدا بالمجلس، ويأكل الشيخ معهم، وإن أراد تشريف أحد من كبار أمرائه بعث عنه فأكل
(2/118)

اطلال المسجد الأعظم في كلوة (I.B.In BLACK AFRICA)
(2/119)

معهم ويأكل سائر الناس بدار الطعام وأكلهم على ترتيب مثل ترتيبهم في الدخول على الشيخ ثم يدخل الشيخ إلى داره ويقعد القاضي والوزراء وكاتب السرّ وأربعة من كبار الأمراء للفصل بين الناس وأهل الشكايات، فما كان متعلّقا بالأحكام الشرعيّة حكم فيه القاضي وما كان من سوى ذلك حكم فيه أهل الشورى وهم الوزراء والأمراء، وما كان مفتقرا إلى مشاورة السلطان كتبوا إليه فيه فيخرج لهم الجواب من حينه على ظهر البطاقة بما يقتضيه نظره وتلك عادتهم دائما.
ثم ركبت البحر من مدينة مقدشو متوجّها إلى بلاد السواحل «63» قاصدا مدينة كلوا من بلاد الزنوج «64» ، فوصلنا إلى جزيرة منبسى، وضبط اسمها ميم مفتوحة ونون مسكّن وباء موحدة مفتوحة وسين مهمل مفتوح وياء، وهي جزيرة كبيرة «65» بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر ولا برّ ولها أشجار الموز والليمون والأترج، ولهم فاكهة يسمّونها الجمّون «66» وهي شبه الزيتون ولها نوى كنواه إلّا أنها شديدة الحلاوة، ولا زرع عند أهل هذه الجزيرة وانّما يجلب اليهم من السواحل، وأكثر طعامهم الموز والسمك، وهم شافعيّة المذهب أهل دين وعفاف وصلاح، ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان، وعلى كلّ باب من أبواب المساجد البئر والثنتان، وعمق أبارهم ذراع أو ذراعان، فيستقون منها الماء بقدح خشب قد غرز فيه عود رقيق في طول الذراع والأرض حول البئر والمسجد مسطّحة، فمن أراد دخول المسجد غسل رجليه، ودخل، ويكون على بابه قطعة حصير غليظ يمسح بها رجليه، ومن أراد الوضوء أمسك القدح بين فخذيه، وصبّ على يديه، وتوضأ وجميع الناس يمشون حفاة الأقدام.
(2/120)

وبتنا بهذه الجزيرة ليلة وركبنا البحر إلى مدينة كلوا «67» ، وضبط اسمها بضم الكاف واسكان اللام وفتح الواو، وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر اهلها الزنوج المستحكمو السواد، ولهم شرطات في وجوههم كما هي في وجوه اللّيميين من جناوة «68» ، وذكر لي بعض التجار أن مدينة سفالة «69» على مسيرة نصف شهر من مدينة كلو، وأن بين سفالة ويوفي من بلاد اللّميين مسيرة شهر، ومن يوفى يوتى بالتبر إلى سفالة «70» .
ومدينة كلوا من أحسن المدن واتقنها عمارة، وكلّها بالخشب وسقف بيوتها الدّيس 7»
، والأمطار بها كثيرة وهم أهل جهاد لأنّهم في برّ واحد متّصل مع كفار الزنوج والغالب عليهم الدين والصلاح وهم شافعيّة المذهب.
(2/121)

ذكر سلطان كلوا
وكان سلطانها في عهد دخولي إليها أبو المظفّر حسن، ويكنّى أيضا أبا المواهب «72» لكثرة مواهبه ومكارمه، وكان كثير الغزو إلى أرض الزنوج يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعيّنة في كتاب الله تعالى «73» ، ويجعل نصيب ذوي القربى في خزانة على حدة «74» ، فإذا جاءه الشرفاء دفعه إليهم.
وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها، ورأيت عنده من شرفاء الحجاز جماعة منهم محمد بن جمّاز، ومنصور بن لبيدة بن أبي نمّى، ومحمد بن شميلة بن أبي نمى، ولقيت بمقدشو تبل بن كبيش بن جماز «75» ، وهو يريد القدوم عليه، وهذا السلطان له تواضع شديد ويجلس مع الفقراء وياكل معهم ويعظّم أهل الدين والشرف.
حكاية من مكارمه
حضرته يوم جمعة وقد خرج من الصلاة قاصدا إلى داره فتعرّض له أحد الفقراء اليمنيّين، فقال له: أبا المواهب، فقال: لبّيك يا فقير ما حاجتك؟ قال: أعطني هذه الثياب التي عليك، فقال له: نعم أعطيكها، قال: الساعة، قال: نعم الساعة، فرجع إلى المسجد ودخل بيت الخطيب فلبس ثيابا سواها وخلع تلك الثياب وقال للفقير: ادخل فخذها فدخل الفقير وأخذها وربطها في منديل وجعلها فوق رأسه وانصرف فعظم شكر الناس للسلطان على ما ظهر من تواضعه وكرمه، وأخذ ابنه وليّ عهده تلك الكسوة من الفقير وعوّضه عنها بعشرة من العبيد، وبلغ السلطان ما كان من شكر الناس له على ذلك فأمر للفقير أيضا بعشرة رؤس من الرقيق وحملين من العاج، ومعظم عطاياهم العاج «76» ، وقلّما يعطون
(2/122)

الذهب ولمّا توفّى هذا السلطان الفاضل الكريم رحمة الله عليه ولّى أخوه داوود «77» فكان على الضدّ من ذلك، إذا أتاه سائل، يقول له: مات الذي كان يعطي ولم يترك من بعده ما يعطى! ويقيم الوفود عنده الشهور الكثيرة وحينئذ يعطيهم القليل حتّى انقطع الوافدون عن بابه.
وركبنا البحر من كلوا إلى مدينة ظفار «78» الحموض، وضبط اسمها بفتح الظاء المعجم والفاء واخره راء مبنيّة على الكسر، وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهنديّ، ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند «79» ، ويقطع البحر فيما بينها وبين بلاد الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل، وقد قطعته مرّة من قالقوط من بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوما بالريح الطيّبة لم ينقطع لنا جري بالليل ولا بالنهار.
وبين ظفار وعدن في البرّ مسيرة شهر في صحراء، وبينها وبين عمان عشرون يوما، ومدينة ظفار في صحراء منقطعة لا قرية بها «80» ولا عمالة لها، والسوق خارج المدينة بربض يعرف بالحرجاء «81» ، وهي من أقذر الأسواق وأشدّها نتنا وأكثرها ذبابا، لكثرة ما يباع بها من الثمرات والسمك، وأكثر سمكها النوع المعروف بالسّردين، وهو بها في النهاية من
(2/123)

السمن، ومن العجائب أن دوابّهم إنّما علفها من هذا السردين وكذلك غنمهم «82» ولم أر ذلك في سواها.
وأكثر باعتها الخدم وهنّ يلبسن السواد، وزرع أهلها الذّرة وهم يسقونها من أبار بعيدة الماء وكيفيّة سقيهم انّهم يصنعون دلوا كبيرة ويجعلون لها حبالا كثيرة، ويتحزّم بكلّ حبل عبد أو خادم، ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن البئر ويصبّونها في صهريج يسقون منه، ولهم قمح يسمّونه العلس وهو في الحقيقة نوع من السّلت، والأرز يجلب إليهم من بلاد الهند وهو أكثر طعامهم، ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير، ولا تنفق في سواها «83» ، وهم أهل تجارة لا عيش لهم الّا منها. ومن عادتهم أنّه إذا وصل مركب من بلاد الهند أو غيرها خرج عبيد السلطان إلى الساحل وصعدوا في صنبوق إلى المركب ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله وللربّان وهو الرئيس وللكراني. وهو كاتب المركب ويؤتى اليهم بثلاثة أفراس فيركبونها وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى دار السلطان فيسلّمون على الوزير وأمير جندار. وتبعث الضيافة لكلّ من بالمركب ثلاثا وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان وهم يفعلون ذالك استجلابا لأصحاب المراكب، وهم أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبّة للغرباء ولباسهم القطن، وهو يجلب إليهم من بلاد الهند، ويشدّون الفوط في أوساطهم عوض السراول واكثرهم يشدّ فوطة في وسطه ويجعل فوق ظهره أخرى من شدّة الحرّ ويغتسلون مرّات في اليوم وهي كثيرة المساجد، ولهم في كلّ مسجد مطاهر كثيرة معدّة للاغتسال، ويصنع بها ثياب من الحرير والقطن والكتّان حسان جدّا.
والغالب على أهلها رجالا ونساء المرض المعروف بداء الفيل، وهو انتفاخ القدمين واكثر رجالهم مبتلون بالأدر والعياذ بالله.
ومن عوائدهم الحسنة التصافح في المسجد إثر صلاة الصبح والعصر، يستند أهل الصفّ الأول إلى القبلة ويصافحهم الذين يلونهم، وكذلك يفعلون بعد صلاة الجمعة يتصافحون أجمعون.
(2/124)

ومن خوّاصّ هذه المدينة وعجائبها انّه لا يقصدها أحد بسوء الّا عاد عليه مكروه وحيل بينه وبينها، وذكر لي أن السلطان قطب الدين تمتهن بن طوران شاه صاحب هرمز نازلها مرّة في البرّ والبحر فأرسل الله سبحانه عليه ريحا عاصفا كسرت مراكبه ورجع عن حصارها وصالح ملكها «84» ، وكذلك ذكر لي أن الملك المجاهد سلطان اليمن «85» عيّن ابن عمّ له بعسكر كبير برسم انتزاعها من يد ملكها، وهو أيضا ابن عمّه فلمّا خرج ذلك الأمير عن داره سقط عليه حائط وعلى جماعة من أصحابه فهلكوا جميعا ورجع الملك عن رأيه وترك حصارها وطلبها.
ومن الغرائب أن أهل هذه المدينة أشبه الناس بأهل المغرب في شؤونهم نزلت بدار الخطيب بمسجدها الاعظم وهو عيسى بن عليّ، كبير القدر، كريم النفس فكان له جوار مسمّيات بأسماء خدم المغرب: إحداهنّ اسمها بخيت والأخرى زاد المال ولم أسمع هذه الأسماء في بلد سواها.
وأكثر أهلها رؤوسهم مكشوفة لا يجعلون العمائم، وفي كلّ دار من دورهم سجّادة الخوص معلّقة في البيت يصلّي عليها صاحب البيت كما يفعل أهل المغرب، وأكلهم الذرة وهذا التشابه كلّه ممّا يقوّي القول بأن صنهاجة وسواهم من قبائل المغرب أصلهم من حمير «86» .
وبقرب من هذه المدينة بين بساتينها زاوية الشيخ الصالح العابد أبي محمّد بن أبي بكر «87» عيسى من أهل ظفار، وهذه الزاوية معظمة عندهم يأتون إليها غدوّا وعشيّا، ويستجيرون بها فإذا دخلها المستجير لم يقدر السلطان عليه، رأيت بها شخصا ذكر لي أن له بها مدّة سنين مستجيرا لم يتعرّض له السلطان، وفي الأيّام التي كنت بها استجار بها كاتب السلطان وأقام فيها حتّى وقع بينهما الصلح.
(2/125)

أتيت هذه الزاوية فبتّ بها في ضيافة الشيخين أبي العبّاس أحمد وأبي عبد الله محمد ابني الشيخ أبي بكر المذكور وشاهدت لهما فضلا عظيما، ولمّا غسلنا أيدينا من الطعام أخذ أبو العباس منهما ذلك الماء الذي غسلنا به فشرب منه، وبعث الخادم بباقيه إلى أهله وأولاده فشربوه، وكذلك يفعلون بمن يتوسّمون فيه الخير من الواردين عليهم، وكذلك أضافني قاضيها الصالح أبو هاشم عبد الملك الزّبيديّ وكان يتولّى خدمتي وغسل يدي بنفسه، ولا يكل ذلك إلى غيره.
وبمقربة من هذه الزاوية تربة سلف السلطان الملك المغيث «88» ، وهي معظمة عندهم ويستجير بها من طلب حاجة فتقضى له.
ومن عادة الجند أنّه إذا تمّ الشهر ولم يأخذوا أرزاقهم استجاروا بهذه التربة وأقاموا في جوارها إلى أن يعطوا أرزاقهم، وعلى مسيرة نصف يوم من هذه المدينة الأحقاف «89» ، وهي منازل عاد «90» ، وهنالك زاوية ومسجد علي ساحل البحر وحوله قرية لصيّادي السمك وفي الزاوية قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عابر «91» عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد ذكرت أن بمسجد دمشق موضعا عليه مكتوب هذا قبر هود ابن عابر، والأشبه أن يكون قبره بالأحقاف لأنّها بلاده والله أعلم.
ولهذه المدينة بساتين فيها موز كثير كبير الجرم، وزنت بمحضري حبّة منه فكان وزنها ثنتى عشرة أوقية، وهو طيّب المطعم شديد الحلاوة، وبها أيضا التنبول والنارجيل المعروف
(2/126)

بجوز الهند ولا يكونان إلا ببلاد الهند، وبمدينة ظفار هذه، لشبهها بالهند وقربها منها، اللهمّ الّا في مدينة زبيد في بستان السلطان شجيرات من النارجيل، واذ قد وقع ذكر التنبول والنارجيل فلنذكرهما ولنذكر خصائصهما.
ذكر التنبول
والتنبول «92» شجر يغرس كما تغرس دوالي العنب ويصنع له معرّشات من القصب كما يصنع لدوالي العنب أو يغرس في مجاورة شجر النّارجيل فيصعد فيها كما تصعد الدّوالي، وكما يصعد الفلفل، ولا ثمر للتنبول وانّما المقصود منه ورقه وهو يشبه ورق العلّيق، وأطيبه الأصفر، وتجتنى أوراقه في كلّ يوم، وأهل الهند يعظمون التنبول تعظيما شديدا، وإذا أتى الرجل دار صاحبه فأعطاه خمس ورقات منه فكأنّما أعطاه الدنيا وما فيها! لا سيّما إن كان أميرا أو كبيرا، واعطاؤه عندهم أعظم شأنا وأدلّ على كرامة من اعطاء الفضّة والذهب! وكيفيّة استعماله أن يوخذ قبله الفوفل، وهو شبه جوز الطيب فيكسر حتّى يصير أطرافا صغارا ويجعله الإنسان في فمه ويعلكه، ثمّ يأخذ ورق التنبول فيجعل عليها شيئا من النّورة ويمضغها مع الفوفل، وخاصّيته أنّه يطيب النكهة ويذهب بروائح الفم ويهضم الطعام ويقطع ضرر شرب الماء على الريق، ويفرح أكله ويعين على الجماع ويجعله الإنسان عند رأسه ليلا فإذا استيقظ من نومه أو أيقظته زوجته أو جاريته أخذ منه فيذهب بما في فمه من رائحة كريهة، ولقد ذكر لي أن جواري السلطان والأمراء ببلاد الهند لا يأكلن غيره وسنذكره عند ذكر بلاد الهند.
ذكر النارجيل
وهو جوز الهند وهذا الشجر من أغرب الأشجار شأنا وأعجبها أمرا، وشجره شبه شجرة النخل لا فرق بينهما إلا أنّ هذه تثمر جوزا، وتلك تثمر تمرا، وجوزها يشبه رأس ابن آدم لان فيها شبه العينين والفم وداخلها شبه الدّماغ إذا كانت خضراء، وعليها ليف شبه
(2/127)

الشعر وهم يصنعون منه حبالا يخيطون بها المراكب عوضا عن مسامير الحديد، ويصنعون منه الحبال للمراكب، والجوزة منها وخصوصا التي بجزائر ذيبة المهل تكون بمقدار رأس الآدميّ.
ويزعمون أنّ حكيما من حكماء الهند في غابر الزمان كان متّصلا بملك من الملوك ومعظّما لديه، وكان للملك وزير بينه وبين هذا الحكيم معاداة، فقال الحكيم للملك: إن رأس هذا الوزير إذا قطع ودفن تخرج منه نخلة تثمر بتمر عظيم يعود نفعه على أهل الهند وسواهم من أهل الدنيا فقال له الملك: فإن لم يظهر من رأس الوزير ما ذكرته؟ قال: إن لم يظهر فاصنع برأسي كما صنعت برأسه! فأمر الملك برأس الوزير فقطع وأخذه الحكيم، وغرس نواة تمر في دماغه، وعالجها حتّى صارت شجرة وأثمرت بهذه الجوز! وهذه الحكاية من الأكاذيب ولاكن ذكرناها لشهرتها عندهم.
ومن خواصّ هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السّمن والزيادة في حمرة الوجه، وأمّا الإعانة على الباءة ففعله فيها عجيب، ومن عجائبه أنّه يكون في ابتداء أمره أخضر فمن قطع بالسّكين قطعة من قشرة وفتح رأس الجوزة شرب منها ماء في النهاية من الحلاوة والبرودة، ومزاجه حارّ معين على الباءة فإذا شرب ذلك الماء أخذ قطعة القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرّد بها ما في داخل الجوزة من الطّعم، فيكون طعمه كطعم البيضة إذا شويت ولم يتمّ نضجها كلّ التمام، ويتغذّى به، ومنه كان غدائي أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدّة من عام ونصف عام.
ومن عجائبه أنه يصنع منه الزيت والحليب والعسل، فامّا كيفيّة صناعة العسل منه فإنّ خدّام النخل منه، ويسمّونه الفازانية «93» ، يصعدون إلى النخلة غدوا وعشيّا إذا ارادوا أخذ مائها الذي يصنعون منه العسل، وهم يسمّونه الأطواق، فيقطعون العذق الذي يخرج منه الثمر ويتركون منه مقدار إصبعين، ويربطون عليه قدرا صغيرة فيقطر فيها الماء الذي يسيل من العذق، فإذا ربطها غدوة وصعد إليها عشيّا ومعه قدحان من قشر الجوز المذكور، احدهما مملوء ماء فيصبّ ما اجتمع من ماء العذق في أحد القدحين ويغسله بالماء الذي في القدح الآخر، وينجر من العذق قليلا، ويربط عليه القدر ثانية، ثم يفعل غدوة كفعله عشيّا، فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يطبخ ماء العنب إذا صنع منه الربّ «94» فيصير
(2/128)

عسلا عظيم النفع طيّبا فيشتريه تجار الهند واليمن والصين، ويحملونه إلى بلادهم ويصنعون منه الحلواء.
وأمّا كيفيّة صنع الحليب منه فإنّ بكلّ دار شبه الكرسيّ تجلس فوقه المرأة ويكون بيدها عصا في أحد طرفيها حديدة مشرفة، فيفتحون في الجوزة مقدار ما تدخل تلك الحديدة، ويجرشون ما في باطن الجوزة، وكلّ ما ينزل منها يجتمع في صحفة حتّى لا يبقى في داخل الجوزة شيء، ثمّ يمرس ذلك الجريش بالماء فيصير كلون الحليب بياضا ويكون طعمه كطعم الحليب، ويأتدم به الناس، وأمّا كيفيّة صنع الزيت فانّهم يأخذون الجوز بعد نضجه وسقوطه عن شجره، فيزيلون قشره ويقطعونه قطعا ويجعل في الشمس فإذا ذبل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته وبه يستصحبون ويأتدمون به ويجعله النساء في شعورهنّ وهو عظيم النفع.
ذكر سلطان ظفار
وهو السلطان الملك المغيث ابن الملك الفائز ابن عمّ ملك اليمن «95» ، وكان أبوه أميرا على ظفار من قبل صاحب اليمن، وله عليه هديّة يبعثها له في كلّ سنة، ثمّ استبدّ الملك المغيث بملكها وامتنع من إرسال الهديّة، وكان من عزم ملك اليمن على محاربته وتعيين ابن عمّه لذلك ووقوع الحائط عليه ما ذكرناه آنفا.
وللسلطان قصر بداخل المدينة يسمّى «96» الحصن، عظيم فسيح والجامع بازائه ومن عادته أن تضرب الطبول والبوقات والأنفار والصّرنايات على بابه كلّ يوم بعد صلاة العصر، وفي كل يوم اثنين وخميس تأتي العساكر إلى بابه فيقفون خارج المشور ساعة، وينصرفون والسلطان لا يخرج ولا يراه أحد إلّا في يوم الجمعة، فيخرج للصلاة، ثمّ يعود إلى داره ولا يمنع أحدا من دخول المشور وأمير جندار قاعد على بابه وإليه ينتهي كلّ صاحب حاجة أو شكاية، وهو يطالع السلطان ويأتيه الجواب للحين.
وإذا أراد السلطان الركوب خرجت مراكبه من القصر وسلاحه ومماليكه إلى خارج المدينة، وأتى بجمل عليه محمل مستور بستر أبيض منقوش بالذهب، فيركب السلطان ونديمه
(2/129)

في المحمل بحيث لا يرى وإذا خرج إلى بستانه وأحبّ ركوب الفرس ركبه ونزل عن الجمل.
وعادته أن لا يعارضه أحد في طريقه لرؤيته ولا لشكاية ولا غيرها، ومن تعرّض لذلك ضرب أشدّ الضرب فتجد الناس إذا سمعوا بخروج السلطان فرّوا عن الطريق وتحاموها.
ووزير هذا السلطان الفقيه محمّد العدنيّ، وكان معلّم صبيان فعلّم هذا السلطان القراءة والكتابة وعاهده على أن يستوزره إن ملك، فلمّا ملك استوزره فلم يكن يحسنها، فكان الاسم له والحكم لغيره! ومن هذه المدينة ركبنا البحر نريد عمان في مركب صغير لرجل يعرف بعليّ بن ادريس المصيريّ، من أهل جزيرة مصيرة، وفي الثاني لركوبنا نزلنا بمرسى حاسك «97» ، وبه ناس من العرب صيّادون للسمك ساكنون هنالك، وعندهم شجر الكندر «98» ، وهو رقيق الورق، وإذا شرّطت الورقة منه قطر منها ماء شبه اللبن، ثم عاد صمغا، وذلك الصمغ هو اللّبان، وهو كثير جدّا هنالك، ولا معيشة لأهل ذلك المرسى الّا من صيد السمك، وسمكهم يعرف باللّخم، بخاء معجم مفتوح، وهو شبيه كلب البحر، يشرح ويقدّد ويقتات به وبيوتهم من عظام السمك وسقفها من جلود الجمال.
وسرنا من مرسى حاسك أربعة أيّام ووصلنا إلى جبل لمعان «99» ، بضمّ اللام، وهو في وسط البحر، وبأعلاه رابطة مبنيّة بالحجارة وسقفها من عظام السمك وبخارجها غدير ماء يجتمع من المطر.
(2/130)

شجرة حصالبان كما وقفت عليها في ظفار- عمان بخور اللبان- صناعة تقليدية بعمان لاستخراج أجود أنواع العطور
(2/131)

ذكر وليّ لقيناه بهذه الجبل
ولمّا أرسينا تحت هذا الجبل صعدناه إلى هذه الرابطة، فوجدنا بها شيخا نائما، فسلّمنا عليه فاستيقظ، وأشار بردّ السلام فكلّمناه، فلم يكلّمنا وكان يحرّك رأسه فأتاه أهل المركب بطعام فأبى أن يقبله فطلبنا منه الدعاء فكان يحرّك شفتيه ولا نعلم ما يقول وعليه مرقّعة وقلنسوة لبد وليس معه ركوة ولا إبريق ولا عكّاز ولا نعل، وقال أهل المركب: إنهم ما رأوه قط بهذا الجبل.
وأقمنا تلك الليلة بساحل هذا الجبل، وصلّينا معه العصر والمغرب، وجئناه بطعام فردّه، وأقام يصلّي إلى العشاء الآخرة ثمّ أذّن وصلينا معه، وكان حسن الصوت بالقراءة مجيدا لها، ولمّا فرغ من صلاة العشاء الآخرة، أومأ إلينا بالانصراف فودّعناه وانصرفنا ونحن نعجب من أمره، ثم إني أردت الرجوع اليه لمّا انصرفنا، فلمّا دنوت منه هبته وغلب عليّ الخوف، ورجع إليّ أصحابي فانصرفت معهم وركبنا البحر ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة الطير «100» وليست بها عمارة فأرسينا وصعدنا إليها فوجدناها ملآنة بطيور تشبه الشقاشق «101» ، إلّا أنها أعظم منها وجاءت الناس ببيض تلك الطيور فطبخوها وأكلوها واصطادوا جملة من تلك الطيور فطبخوها دون ذكاة وأكلوها.
وكان يجالسني تاجر من أهل جزيرة مصيرة ساكن بظفار اسمه مسلم فرأيته يأكل معهم تلك الطيور فأنكرت ذلك عليه فاشتدّ خجله، وقال لي: ظننت أنّهم ذبحوها، وانقطع عنّي بعد ذلك من الخجل فكان لا يقربني حتى أدعو به.
وكان طعامي في تلك الأيّام بذلك المركب التمر والسمك، وكانوا يصطادون بالغدّ وو العشيّ سمكا يسمّى بالفارسية شيرماهي «102» ومعناه أسد السمك، لأن شير هو الاسد،
(2/132)

إلى جانب السردين هناك أنواع للأسماك الأخرى التي تتميز بها المنطقة ...
(2/133)

وماهي: السمك وهو يشبه الحوت المسمّى عندنا بتازّرت وهم يقطّعونه قطعا ويشوونه ويعطون كلّ من في المركب قطعة لا يفضّلون أحدا على أحد، ولا صاحب المركب ولا سواه، ويأكلونه بالتمر وكان عندي خبز وكعك استصحبتهما من ظفار فلمّا نفدا كنت أقتات من تلك السمك في جملتهم، وعيّدنا عيد الأضحى «103» على ظهر البحر وهبّت علينا في يومه ريح عاصف بعد طلوع الفجر ودامت إلى طلوع الشمس وكادت تغرّقنا.
كرامة [للحاج خضر]
وكان معنا في المركب حاجّ من أهل الهند يسمّى بخضر، ويدعى بمولانا لأنّه يحفظ القرآن ويحسن الكتابة، فلمّا رأى هول البحر لفّ رأسه بعباءة كانت له وتناوم، فلمّا فرّج الله ما نزل بنا، قلت له يا مولانا خضر، كيف رأيت؟ قال: قد كنت عند الهول أفتح عيني أنظر هل أرى الملائكة الذين يقبضون الأرواح جاءوا فلا أراهم، فأقول: الحمد لله، لو كان الغرق لأتوا لقبض الأرواح، ثمّ اغلق عيني، ثمّ أفتحها فأنظر كذلك إلى أن فرّج الله عنّا! وكان قد تقدّمنا مركب لبعض التجار فغرق ولم ينج منه الا رجل واحد خرج عوما بعد جهد شديد، وأكلت في ذلك المركب نوعا من الطعام لم آكله قبله ولا بعده، صنعه بعض تجار عمان وهو من الذرة، طبخها من غير طحن وصبّ عليها السّيلان وهو عسل التمر وأكلناه.
ثم وصلنا إلى جزيرة مصيرة «104» التي منها صاحب المركب الذي كنّا فيه وهي على لفظ مصير وزيادة تاء التأنيث، جزيرة كبيرة لا عيش لأهلها الّا من السمك ولم ننزل إليها لبعد مرساها عن الساحل، وكنت قد كرهتهم لمّا رأيتهم ياكلون الطّير من غير ذكاة، وأقمنا بها يوما، وتوجّه صاحب المركب فيه إلى داره وعاد إلينا، ثمّ سرنا يوما وليلة فوصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور «105» ، ورأينا منها مدينة قلهات في سفح
(2/134)

جبل فخيل لنا أنها قرية، وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله، فلمّا ظهرت لنا المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها، وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب، فسألت عن طريقها فأخبرت أنّي أصل اليها عند العصر، فاكتريت أحد البحريّين ليدلّني عن طريقها، وصحبني خضر الهنديّ الذي تقدّم ذكره وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا بي في غد ذلك اليوم، وأخذت أثوابا كانت لي، فدفعتها لذلك الدليل ليكفيني مؤنة حملها وحملت في يدي رمحا، فإذا ذلك الدليل يحبّ أن يستولي على أثوابي! فأتى بنا إلى خليج يخرج من البحر فيه المدّ والجزر فاراد عبوره بالثياب، فقلت له: إنّما تعبر وحدك وتترك الثياب عندنا فإن قدرنا على الجواز والّا صعدنا نطلب المجاز، فرجع ثمّ رأينا رجالا جاوزوه عوما فتحقّقنا أنّه كان قصده أن يغرّقنا ويذهب بالثياب فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطى، وكنت أهزّ الرمح فهابني ذلك الدليل، وصعدنا حتّى وجدنا مجازا، ثمّ خرجنا إلي صحراء لا ماء بها وعطشنا واشتدّ بنا الأمر فبعث الله لنا فارسا في جماعة من أصحابه، وبيد أحدهم ركوة ماء، فسقاني وسقى صاحبي، وذهبنا نحسب المدينة قريبة منّا وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة.
فلمّا كان العشيّ أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر وهو لا طريق له لأن ساحله حجارة فأراد أن ننشب فيها ويذهب بالثياب، فقلت له: إنّما نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها وبينها وبين البحر نحو ميل، فلمّا أظلم الليل، قال لنا: إن المدينة قريبة منّا، فتعالوا نمشي حتّى نبيت بخارجها إلى الصباح، فخفت أن يتعرّض لنا أحد في طريقنا، ولم أحقّق مقدار ما بقى إليها، فقلت له: إنّما الحقّ أن نخرج عن الطريق فننام، فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء الله.
وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك، فخفت أن يكونوا لصوصا وقلت التستّر أولى، وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك، فخرجت عن الطريق وقصدت شجرة من شجر أمّ غيلان، وقد أعييت وأدركني الجهد، لاكنّي أظهرت قوّة وتجلّدا خوف الدّليل، وأمّا صاحبي فمريض لا قوّة له، فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي، وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي، وأمسكت الرمح بيدي، ورقد صاحبي، ورقد الدّليل، وبقيت ساهرا، فكلّما تحرّك الدّليل كلّمته وأريته أنّي مستيقظ ولم نزل كذلك حتّى أصبح، فخرجنا إلى الطّريق فوجدنا الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة، فبعثت الدليل ليأتينا بماء، وأخذ صاحبي الثياب.
وكان بيننا وبين المدينة مهاو وخنادق، فأتانا بالماء فشربنا وذلك أوان الحرّ، ثمّ وصلنا إلى مدينة قلهات، وضبط اسمها بفتح القاف واسكان اللام وآخرة تاء مثنّاة، فأتيناها ونحن
(2/135)

في جهد عظيم، وكنت قد ضاقت نعلي على رجلي حتّى كاد الدم أن يخرج من تحت أظفارها، فلمّا وصلنا باب المدينة كان ختام المشقّة أن قال لنا الموكّل بالباب: لابدّ لك أن تذهب معي إلى أمير المدينة ليعرف قضيّتك، ومن أين قدمت فذهبت معه إليه فرأيته فاضلا حسن الأخلاق، وسألني عن حالي وأنزلني وأقمت عنده ستّة أيّام لا قدرة لي فيها على النّهوض على قدمي لما لحقها من الآلام.
ومدينة قلهات على الساحل «106» ، وهي حسنة الأسواق، ولها مسجد من أحسن المساجد حيطانه بالقاشانيّ وهو شبه الزلّيج وهو مرتفع ينظر منه إلى البحر والمرسى وهو من عمارة الصّالحة بيبي مريم «107» ، ومعنى بيبي عندهم الحرّة، وأكلت بهذه المدينة سمكا لم آكل مثله في إقليم من الأقاليم وكنت أفضله على جميع اللحوم فلا آكل سواه وهم يشوونه على ورق الشجر ويجعلونه على الأرز ويأكلونه.
والأرز يجلب إليهم من أرض الهند، وهم أهل تجارة، ومعيشتهم ممّا يأتي اليهم في البحر الهنديّ، وإذا وصل إليهم مركب فرحوا به أشدّ الفرح، وكلامهم ليس بالفصيح مع أنّهم عرب، وكلّ كلمة يتكلّمون بها يصلونها بلا، فيقولون مثلا تأكل لا؟ تمشي لا؟ تفعل كذا لا؟
«108» ، وأكثرهم خوارج لا كنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمتهن ملك «109» هرمز، وهو من أهل السنّة، وبمقربة من قلهات قرية طيبي «110» ،
(2/136)

واسمها على نحو اسم الطّيب إذا أضافه المتكلّم لنفسه، وهي من أجمل القرى وأبدعها حسنا ذات أنهار جارية، واشجار ناضرة، وبساتين كثيرة، ومنها تجلب الفواكه إلى قلهات، وبها الموز المعروف بالمرواري، والمرواريّ بالفارسية هو الجوهريّ وهو كثير بها، ويجلب منها إلى هرمز وسواها، وبها أيضا التنبول لا كن ورقته صغيرة والتمر يجلب إلى هذه الجهات من عمان «111» .
ثمّ قصدنا بلاد عمان فسرنا ستّة أيّام في صحراء ثمّ وصلنا بلاد عمان في اليوم السابع وهي خصبة ذات أنهار وأشجار وبساتين وحدائق نخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس، ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد، وهي مدينة نزوا «112» ، وضبط اسمها بنون مفتوح وزاي مسكن وواو مفتوح، مدينة في سفح جبل تجفّ بها البساتين والأنهار، ولها أسواق حسنة ومساجد معظمة نقيّة، وعادة أهلها انّهم يأكلون في صحون المساجد، ياتي كلّ إنسان بما عنده ويجتمعون للأكل في صحن المسجد، ويأكل معهم الوارد والصادر ولهم نجدة وشجاعة، والحرب قائمة فيما بينهم أبدا وهم إباضيّة المذهب ويصلّون الجمعة ظهرا اربعا «113» فإذا فرغوا منها قرأ الإمام آيات من القرآن ونثر كلاما شبه الخطبة يرضيّ فيه عن أبي بكر وعمر ويسكت عن عثمان وعليّ، وهم إذا أرادوا ذكر عليّ رضي الله عنه كنّوا عنه بالرجل فقالوا ذكر عن الرجل أو قال الرجل ويرضّون عن الشقيّ اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه العبد الصالح قامع الفتنة، ونساؤهم يكثرن الفساد ولا غيرة عندهم، ولا إنكار لذلك وسنذكر حكاية إثر هذا ممّا يشهد «114» بذلك.
(2/137)

ذكر سلطان عمان
وسلطانها عربيّ من قبيلة الأزد بن الغوث، ويعرف بأبي محمّد بن نبهان «115» ، وابو محمّد عندهم سمة لكلّ سلطان يلي عمان، كما هي أتابك عند ملوك اللور، وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلسه هنالك ولا حاجب له ولا وزير ولا يمنع أحد من الدخول إليه من غريب أو غيره، ويكرم الضيف على عادة العرب، ويعيّن له الضيّافة ويعطيه على قدره.
وله أخلاق حسنة ويؤكل على مائدته لحم الحمار الأنسيّ، ويباع بالسوق لأنّهم قائلون بتحليله، ولا كنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم ولا يظهرونه بمحضره، ومن «116» مدن عمان مدينة زكى «117» ، لم أدخلها، وهي على ما ذكر لي مدينة عظيمة، ومنها القريّات وشبا وكلبا وخور فكّان وصحار «118» ، وكلّها ذات أنهار وحدائق وأشجار نخل، واكثر هذه البلاد في عمالة هرمز «119» .
(2/138)

خورفكان شمال إمارة الفجيرة ولكنها تابعة لإمارة الشارقة- البحار والجبال!
(2/139)

حكاية [السلطان المتساهل]
كنت يوما عند هذا السلطان أبي محمّد بن نبهان فأتته امرأة صغيرة السّن حسنة الصورة بادية الوجه فوقفت بين يديه، وقالت له يا أبا محمّد! طغى الشيطان في رأسي، فقال لها اذهبي واطردي الشيطان، فقالت له: لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد، فقال لها: اذهبي فافعلي ما شئت، فذكر لي لمّا انصرفت عنه أن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان وتذهب للفساد ولا يقدر أبوها ولا ذو قرابتها أن يغيروا عليها، وإن قتلوها قتلوا بها لأنّها في جوار السلطان! ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز، وهرمز بلاد على ساحل البحر، وتسمّى أيضا موغ استان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ «120» ، ووصلنا إلى هرمز الجديدة، وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون، بفتح الجيم والراء وآخرها نون، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة وهي مرسى الهند والسند، ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقين، وفارس وخراسان، وبهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم، وأكثرها سباخ وجبال ملح، وهو الملح الدّراني «121» ، ومنه يصنعون الأواني للزينة، والمنارات التي يضعون السرج عليها، وطعامهم السمك والتمر المجلوب اليهم من البصرة، وعمان، ويقولون بلسانهم (خرما وماهي لوت بادشاهي) «122» معناه بالعربي:
التّمر والسمك طعام الملوك!! والماء في هذه الجزيرة له قيمة وبها عيون ماء وصهاريج مصنوعة يجتمع فيها ماء المطر، وهي على بعد من المدينة ويأتون إليها بالقرب فيملأونها ويرفعونها على ظهورهم إلى البحر ويوسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة، ورأيت من العجائب عند باب الجامع فيما بينه وبين السوق رأس سمكة كأنّه رابية، وعيناه كأنهما بابان «123» ، فترى الناس يدخلون من أحدهما ويخرجون من الأخرى!
(2/140)

ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح السائح أبا الحسن الأقصراني، وأصله من بلاد الروم «124» ، فأضافني وزارني وألبسني ثوبا، وأعطاني كمر الصحبة وهو يحتبى به فيعين الجالس فيكون كأنّه مستند، وأكثر فقراء العجم يتقلّدونه.
وعلى «125» ستّة أميال من هذه المدينة مزار ينسب إلى الخضر وإلياس عليهما السلام، يذكر انهما يصلّيان فيه، وظهرت له بركات وبراهين، وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والمصادر، وأقمنا عنده يوما، وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة قد نحت غارا لسكناه، فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له فيها جارية، وله عبيد خارج الغار يرعون بقرا له وغنما وكان هذا الرجل من كبار التّجار فحجّ البيت، وقطع العلائق وانقطع هنالك للعبادة، ودفع ماله لرجل من إخوانه يتجر له به، وبتنا عنده ليلة فأحسن القرى وأجمل، رضي الله تعالى عنه، وسيمة الخير والعبادة لائحة عليه.
ذكر سلطان هرمز
وهو السلطان قطب الدين تمتهن «126» بن طوران شاه، وضبط اسمه بقتح التاءين المعلوّتين وبينهما ميم مفتوح وهاء مسكنة وآخره نون، وهو من كرماء السلاطين كثير التواضع، حسن الأخلاق، وعادته أن ياتي لزيارة كلّ من يقدم عليه من فقيه أو صالح أو شريف ويقوم بحقّه.
ولمّا دخلنا جزيرته وجدناه متهيئا للحرب مشغولا بها مع ابني أخيه نظام الدين «127» ،
(2/141)

فكان في كل ليلة يتيسّر للقتال، والغلاء مستول على الجزيرة، فأتى إلينا وزيره شمس الدين محمد بن علي وقاضيه عماد الدين الشونكاري وجماعة من الفضلاء فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب.
وأقمنا عنده ستّة عشر يوما، فلمّا أردنا الانصراف قلت لبعض الأصحاب كيف ننصرف ولا نرى هذا السلطان؟ فجئنا دار الوزير وكانت في جوار الزاوية التي نزلت بها، فقلت له: إنّي أريد السلام على الملك، فقال: بسم الله، وأخذ بيدي، فذهب بي إلى داره وهي على ساحل البحر والأجفان مجلسة عندها، فإذا شيخ عليه أقبية ضيقة دنسة، وعلى رأسه عمامة وهو مشدود الوسط بمنديل، فسلم عليه الوزير وسلمت عليه، ولم أعرف أنه الملك وكان إلى جانبه ابن اخته وهو علي شاه بن جلال الدين الكيجي «128» ، وكانت بيني وبينه معرفة، فأنشأت أحادثه وأنا لا أعرف الملك فعرّفني الوزير بذلك، فخجلت منه لإقبالي بالحديث على ابن اخته دونه، واعتذرت إليه، ثم قام فدخل داره وتبعه الأمراء والوزراء وأرباب الدولة ودخلت مع الوزير، فوجدناه قاعدا على سرير ملكه وثيابه عليه لم يبدّلها، وفي يده سبحة جوهر لم تر العيون مثلها لأن مغاصات الجوهر تحت حكمه 12»
، فجلس أحد الأمراء إلى جانبه وجلست إلى جانب ذلك الأمير، وسألني عن حالي ومقدمي وعمّن لقيته من الملوك فأخبرته بذلك، وحضر الطعام فأكل الحاضرون ولم يأكل معهم، ثم قام فوادعته وانصرفت.
وسبب الحرب التي بينه وبين ابني أخيه أنه ركب البحر مرّة من مدينته الجديدة برسم النزهة في هرمز القديمة وبساتينها، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ كما قدّمناه، فخالف عليه أخوه نظام الدين، ودعى لنفسه وبايعه أهل الجزيرة، وبايعته العساكر «130» ، فخاف قطب
(2/142)

من أنواع المراكب في المنطقة
(2/143)

الدّين على نفسه وركب البحر إلى مدينة قلهات التي تقدّم ذكرها وهي من جملة بلاده، فأقام بها شهورا وجهّز المراكب وأتى الجزيرة فقاتله أهلها مع أخيه وهزموه وعاد إلى قلهات، وفعل ذلك مرارا فلم تكن له حيلة الّا أن راسل بعض نساء أخيه فسمّته ومات! وأتى هو إلى الجزيرة فدخلها وفرّ ابنا أخيه بالخزائن والأموال والعساكر إلى جزيرة قيس حيث مغاص الجوهر وصاروا يقطعون الطريق على من يقصد الجزيرة من أهل الهند والسند ويغيرون على بلاده البحريّة حتى تخرّب معظمها.
ثم سافرنا من مدينة جرون برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال فلمّا عدّينا البحر اكترينا دوابّ من التّركمان وهم سكّان تلك البلاد ولا يسافر فيها إلّا معهم لشجاعتهم ومعرفتهم بالطرق، وفيها صحراء مسيرة أربع ويقطع بها لصوص الأعراب، وتهبّ فيها ريح السموم في شهري تموز وحزيران «131» ، فمن صادفته فيها قتلته، ولقد ذكر لي أن الرجل إذا قتلته تلك الريح وأراد أصحابه غسله ينفصل كلّ عضو منه عن سائر الأعضاء، وبها قبور كثيرة للذين ماتوا فيها بهذه الريح وكنّا نسافر فيها باللّيل فإذا طلعت الشمس نزلنا تحت ظلال الأشجار من أمّ غيلان ونرحل بعد العصر إلى طلوع الشمس، وفي هذه الصحراء وما والاها كان يقطع (الطريق) ، جمال اللّك الشهير الاسم هنالك.
حكاية [فقراء مدينة لار]
كان جمال اللّك من أهل سجستان أعجميّ الاصل «132» ، واللّك بضم اللّام معناه الأقطع، وكانت يده قطعت في بعض حروبه، وكانت له جماعة كثيرة من فرسان الأعراب والأعاجم يقطع بهم الطرق، وكان يبنى الزوايا ويطعم الوارد والصادر من الأموال التي يسلبها للنّاس، ويقال: إنه كان يدعو أن لا يسلط إلّا على من لا يزكّي ماله! وأقام على ذلك
(2/144)

دهرا، وكان يغير هو وفرسانه ويسلكون براريّ لا يعرفها سواهم ويدفنون بها قرب الماء ورواياه، فإذا تبعهم عسكر السلطان دخلوا الصحراء واستخرجوا المياه ويرجع العسكر عنهم خوفا من الهلاك.
وأقام على هذه الحالة مدّة لا يقدر عليه ملك العراق ولا غيره ثم تاب وتعبّد حتى مات، وقبره يزار ببلاده. وسلكنا هذه الصحراء إلى أن وصلنا إلى كوراستان «133» ، وضبط اسمه بفتح الكاف واسكان الواو وراء، وهو بلد صغير فيه الأنهار والبساتين وهو شديد الحرّ، ثمّ سرنا منه ثلاثة أيام في صحراء مثل التي تقدّمت ووصلنا إلى مدينة لار «134» ، وآخر اسمها راء، مدينة كبيرة كثيرة العيون والمياه المطّردة والبساتين، ولها أسواق حسان، ونزلنا منها بزاوية الشيخ العابد أبي دلف محمّد «135» ، وهو الذي قصدنا زيارته بخنج بال، وبهذه الزاوية ولده أبو زيد عبد الرحمن، ومعه جماعة من الفقراء، ومن عادتهم أنهم يجتمعون بالزاوية بعد صلاة العصر من كل يوم، ثم يطوفون على دور المدينة فيعطاهم من كلّ دار الرغيف والرغيفان فيطعمون منها الوارد والصادر.
وأهل الدور قد ألفوا ذلك فهم يجعلونه في جملة قوتهم ويعدّونه لهم إعانة على إطعام الطعام، وفي كل ليلة جمعة يجتمع بهذه الزاوية فقراء المدينة وصلحاؤها ويأتي كلّ منهم بما تيسّر له من الدراهم فيجمعونها وينفقونها تلك الليلة، ويبيتون في عبادة من الصلاة والذكر والتلاوة وينصرفون بعد صلاة الصبح.
ذكر سلطان لار
وبهذه المدينة سلطان يسمى بجلال الدين، تركماني الأصل، بعث إلينا بضيافة ولم
(2/145)

نجتمع به ولا رأيناه، ثم سافرنا إلى مدينة خنج بال «136» ، وضبط اسمها بضمّ الخاء المعجم، وقد يعوّض منه هاء واسكان النون وضم الجيم وباء معقودة والف ولام، وبها سكنى الشيخ أبي دلف الذي قصدنا زيارته وبزاويته نزلنا، ولمّا دخلت الزاوية رأيته قاعدا بناحية منها على التراب وعليه جبّة صوف خضراء بالية وعلى رأسه عمامة صوف سوداء فسلّمت عليه فأحسن الردّ، وسألني عن مقدمي وبلادي وأنزلني، وكان يبعث إليّ الطعام والفاكهة مع ولد له من الصالحين كثير الخشوع والتواضع صائم الدّهر كثير الصلاة، ولهذا الشيخ أبي دلف شأن عجيب، وأمر غريب، فإنّ نفقته في هذه الزاوية عظيمة، وهو يعطي العطاء الجزيل ويكسوا الناس ويركبهم الخيل، ويحسن لكل وارد وصادر، ولم أر في تلك البلاد مثله ولا يعلم له جهة إلا ما يصله من الإخوان والأصحاب، حتى زعم كثير من الناس أنه ينفق من الكون! وفي زاويته المذكورة قبر الشيخ الوليّ الصالح القطب دانيال «137» ، وله اسم بتلك البلاد شهير، وشأن في الولاية كبير، وعلى قبره قبّة عظيمة بناها السلطان قطب الدين تهمتن بن طوران شاه وأقمت عند الشيخ أبي دلف يوما واحدا لاستعجال الرفقة التي كنت في صحبتها، وسمعت أن بالمدينة خنج بال المذكورة زاوية فيها جملة من الصالحين المتعبّدين فرحت إليها بالعشيّ وسلّمت على شيخهم وعليهم ورأيت جماعة مباركة قد اثّرت فيهم العبادة، فهم صفر الألوان نحاف الجسوم كثير والبكاء غزير والدّموع وعند وصولي إليهم أتوا بالطعام، فقال كبيرهم: أدعوا لي ولدي محمدا، وكان معتزلا في بعض نواحي الزاوية فجاء الينا الولد وهو كأنّما خرج من قبر ممّا نهكته العبادة، فسلّم وقعد، فقال له أبوه: يا بنيّ شارك هؤلاء الواردين في الأكل تنل من بركاتهم، وكان صائما فأفطر معنا، وهم شافعيّة المذهب، فلمّا فرغنا من أكل الطعام دعوا لنا وانصرفنا.
(2/146)

ثم سافرنا منها إلى مدينة قيس وتسمى ايضا بسيراف «138» ، وهي على ساحل بحر الهند المتّصل ببحر اليمن وفارس وعدادها في كور فارس، مدينة لها انفساح وسعة طيّبة البقعة في دورها بساتين عجيبة فيها الرياحين والأشجار الناضرة، وشرب أهلها من عيون منبعثة من جبالها، وهم عجم من الفرس أشراف، وفيهم طائفة من عرب بني سفّاف «139» ، وهم الذين يغوصون على الجوهر.
ذكر مغاص الجوهر
ومغاص الجوهر فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الواردي العظيم، فإذا كان شهر إبريل وشهر مايه تأتى إليه القوارب الكثيرة فيها الغوّاصون وتجار فارس والبحرين والقطيف ويجعل الغوّاص على وجهه مهما أراد أن يغوص شيأ يكسوه من عظم الغيلم، وهي السلحفاة، ويصنع من هذا العظم أيضا شكلا شبه المقراض يشدّه على أنفه، ثم
(2/147)

الغوص البحث عن اللؤلؤ- عن مجلة (الوثيقة) البحرينية
(2/148)

الغوص للبحث عن اللؤلؤ- عن مجلة الشراع والمجذاف (أبو ظبي)
(2/149)

يربط حبلا في وسطه، ويغوص ويتفاوتون في الصبر في الماء، فمنهم من يصبر السّاعة «140» والسّاعتين فما دون ذلك، فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هنالك فيما بين الأحجار الصّغار مثبتا في الرمل فيقتلعه بيده أو يقطعه بحديدة عنده معدّة لذلك ويجعلها في مخلاة جلد منوطة بعنقه فإذا ضاق نفسه حرّك الحبل، فيحسّ به الرجل الممسك للحبل على الساحل فيرفعه إلى القارب فتوخذ منه المخلاة ويفتح الصّدف فيوجد في أجوافها قطع لحم تقطع بحديدة، فإذا باشرت الهواء جمدت فصارت جواهر فيجمع جميعها من صغير وكبير فيأخذ السلطان خمسه «141» ، والباقي يشتريه التّجار الحاضرون بتلك القوارب وأكثرهم يكون له الدين على الغوّاصين فياخذ الجوهر في دينه أو ما وجب له منه.
(2/150)

ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين «142» وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤنة يحفر عليه بالأيدي فيوجد «143» ، وبها حدائق النخل والرمّان والأترج ويزرع بها القطن، وهي شديدة الحرّ كثيرة الرمال، وربّما غلب الرمل على بعض منازلها وكان فيما بينها وبين عمان طريق استولت عليه الرمال وانقطع فلا يوصل من عمان اليها الّا في البحر.
وبالقرب منها جبلان عظيمان، يسمى أحدهما بكسير، وهو في غربيّها ويسمى الآخر بعوير وهو في شرقيّها وبهما ضرب المثل فقيل: كسير وعوير، وكلّ غير خير «144» ، ثم سافرنا إلى مدينة القطيف «145» ، وضبط اسمها بضم القاف كأنّه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب، وهم رافضيّة غلاة يظهرون
(2/151)

لو عاش ابن بطوطة لرأى الجسر العظيم الذي يربط بين البحرين والحجاز قلعة الرفاع بالبحرين بناها الشيخ سلمان ابن أحمد آل خليفة قبل عام 1816
(2/152)

الرفض جهارا لا يتّقون أحدا: ويقول مؤذّنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أنّ عليّا ولىّ الله، ويزيد بعد الحيعلتين: حيّ على خير العمل ويزيد بعد التكبير الأخير: محمّد وعليّ خير البشر، من خالفهما فقد كفر.
ثم سافرنا منها إلى مدينة هجر «146» وتسمّع الآن بالحسا بفتح الحاء والسين واهمالهما، وهي التي يضرب المثل بها فيقال: كجالب التّمر إلى هجر، وبها من النخيل ما ليس ببلد سواها، ومنه يعلفون دوابّهم وأهلها عرب وأكثرهم من قبيلة عبد القيس بن أقصى «147» .
ثم سافرنا منها إلى مدينة اليمامة وتسمى أيضا بحجر «148» ، بفتح الحاء المهمل واسكان الجيم، مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار يسكنها طوائف من العرب من بني «149» حنيفة وهي بلدهم قديما، واميرهم طفيل بن غانم. ثم سافرت منها في صحبة هذا
(2/153)

الأمير برسم الحج، وذلك في سنة ثنتين وثلاثين، فوصلت إلى مكّة شرّفها الله تعالى، وحجّ في تلك السنة الملك الناصر سلطان مصر رحمه الله وجملة من امرائه، وهي آخر حجّة حجّها، وأجزل الإحسان لأهل الحرمين الشريفين وللمجاورين وفيها قتل الملك الناصر أمير احمد الذي يذكر أنّه ولده وقتل أيضا كبير أمرائه بكتمور الساقي «150» .
حكاية [مقتل أمير أحمد]
ذكر أن الملك الناصر وهب لبكتمور الساقي جارية، فلمّا أراد الدنوّ منها قالت له: إنّي حامل من الملك الناصر، فاعتزلها، وولدت ولدا سمّاه بأمير احمد ونشأ في حجره، فظهرت نجابته واشتهر بابن الملك الناصر، فلمّا كان في هذه الحجّة تعاهدا على الفتك بالملك الناصر، وأن يتولى أمير أحمد الملك وحمل بكتمور معه العلامات والطبول والكسوات والأموال فنمى الخبر إلى الملك الناصر فبعث عن أمير أحمد في يوم شديد الحرّ فدخل عليه وبين يديه أقداح الشرب فشرب الملك الناصر قدحا وناول أمير احمد قدحا ثانيا فيه السمّ فشربه، وأمر بالرّحيل في تلك الساعة ليشغل الوقت، فرحل النّاس ولم يبلغوا المنزل حتى مات أمير أحمد فاكترث بكتمور لموته وقطع أثوابه وامتنع من الطعام والشراب، وبلغ خبره إلى الملك الناصر فأتاه بنفسه ولا طفه وسلّاه وأخذ قدحا فيه سمّ فناوله إيّاه وقال له: بحياتي عليك ألا شربت فبردّت نار قلبك! فشربه ومات من حينه، ووجد عنده خلع السلطنة والأموال فتحقّق ما نسب اليه من الفتك بالملك الناصر.
(2/154)

الفصل السابع آسيا الصّغرى
من جدة إلى عيذاب- مصر- الشام.
من اللّاذقية إلى (الأناضول) - جماعة الفتيان الأخيّة.
في مدينة لاذق وفي قونية.
من قونية إلى قيسارية- أرزنجان الأرمن.
مدينة بركي حيث اجتمع بطبيب يهودي بمجلس السلطان! حديث عن البطل عمر أمير يزمير.
برصى وسلطانها أرخان بك بن عثمان الذي ينسب إليه العثمانيون في بولي حيث رأى الموقد لأول مرة! اجتماعه في يزنيك بالسلطان أرخان وزوجته بيلون خاتون.
من قصطمونية إلى شبه جزيرة صنوب على البحر الأسود.
(2/155)

خريطة آسيا الصغرى
(2/157)

ولمّا انقضى الحجّ توجّهت إلى جدّة برسم ركوب البحر إلى اليمن والهند، فلم يقض لي ذلك ولا تأتّى لي رفيق. وأقمت بجدة نحو أربعين يوما وكان بها مركب لرجل يعرف بعبد الله التونسي يروم السّفر إلى القصير من عمالة قوص «1» فصعدت إليه لأنظر حاله فلم يرضني ولا طابت نفسي بالسفر فيه، وكان ذلك لطفا من الله تعالى فانّه سافر فلمّا توسّط البحر غرق بموضع يقال له: رأس أبي محمد «2» فخرج صاحبه وبعض التجار في العشاريّ بعد جهد عظيم وأشرفوا على الهلاك وهلك بعضهم وغرق سائر الناس وكان فيه نحو سبعين من الحجّاج! ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب فردّتنا الريح إلى مرسى يعرف برأس دوائر، وسافرنا منه في البرّ مع البجاة فسلكنا صحراء كثيرة النّعام والغزلان فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة «3» ووردنا ماء يعرف بمفرور وماء يعرف بالجديد، ونفد زادنا فاشترينا من قوم من البجاة، وجدناهم بالفلاة، أغناما وتززّدنا لحومها.
ورأيت بهذه الفلاة صبيا من العرب كلّمني باللّسان العربيّ وأخبرني أن البجاة أسروه وزعم أنّه منذ عام لم يأكل طعاما، إنّما يقتات بلبن الإبل. ونفد لنا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه ولم يبق لنا زاد، وكان عندي نحو حمل من التمر الصّيحاني والبرنيّ «4» برسم الهديّة لأصحابي، ففرقته على الرفقة وتزوّدناه ثلاثا.
(2/159)

وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دوائر وصلنا إلى عيذاب «5» وكان قد تقدّم إليها بعض الرفقة فتلقّانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها أيّاما واكترينا الجمال، وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم ووردنا ماء يعرف بالجنيب وحللنا بحميثرا حيث قبر وليّ الله تعالى أبي الحسن الشاذليّ، وحصلت لنا زيارته ثانية وبتنا في جواره، ثم وصلنا إلى قرية العطواني وهي على ضفّة النيل مقابلة لمدينة أدفو من الصعيد الأعلى وأجزنا النيل إلى مدينة إسنا، ثم إلى مدينة أرمنت ثم إلى الأقصر، وزرنا الشيخ أبا الحجاج الأقصري ثانية، ثم إلى مدينة قوص ثم إلى مدينة قنا، وزرنا الشيخ عبد الرحيم القنّاوي ثانية، ثم إلى مدينة هو ثم إلى مدينة أخميم، ثم إلى مدينة أسيوط ثم إلى مدينة منفلوط ثم إلى مدينة منلوي، ثم إلى مدينة الأشمونين، ثم إلى مدينة منية ابن خصيب ثم إلى مدينة البهنسة ثم إلى مدينة بوش ثم إلى مدينة منية القائد، وقد تقدّم لنا ذكر هذه البلاد، ثم إلى مصر وأقمت بها أيّاما، وسافرت على طريق بلبيس إلى الشام ورافقني الحاجّ عبد الله بن أبي بكر بن الفرحان التوزريّ، ولم يزل في صحبتي سنين إلى أن خرجنا من بلاد الهند، فتوفّى بسندابور وسنذكر ذلك، فوصلنا إلى مدينة غزّة ثم إلى مدينة الخليل عليه السلام وتكرّرت لنا زيارته، ثمّ إلى بيت المقدّس ثم إلى مدينة الرّملة، ثم إلى مدينة عكّا ثم إلى مدينة طرابلس ثم إلى مدينة جبلة، وزرنا إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه ثانية، ثم إلى مدينة اللاذقية، وقد تقدم لنا ذكر هذه البلاد كلّها.
ومن اللاذقية ركبنا في قرقورة كبيرة «6» للجنويين يسمّى صاحبها بمرتلمين «7» وقصدنا برّ التّركيّة المعروف ببلاد الروم، وانّما نسبت إلى الروم لأنّها كانت بلادهم في القديم، ومنها الروم الأقدمون واليونانية «8» ، ثم استفتحها المسلمون، وبها الآن كثير من النصارى
(2/160)

تحت ذمّة المسلمين من التركمان «9» ، وسرنا في البحر عشرا بريح طيّبة، وأكرمنا النّصرانيّ ولم يأخذ منّا نولا «10» ، وفي العاشر وصلنا إلى مدينة العلايا «11» ، وهي أول بلاد الروم.
وهذا الاقليم المعروف ببلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع الله فيه ما تفرّق من المحاسن في البلاد، فأهله أجمل الناس صورا وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم واكثر خلق الله شفقة، ولذلك يقال البركة في الشام والشفقة في الروم، وانّما عني به أهل هذه البلاد، وكنّا متى نزلنا بهذه البلاد زاوية أو دارا يتفقّد أحوالنا جيراننا من الرجال والنساء، وهنّ لا يحتجبن فإذا سافرنا عنهم ودّعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا، وترى النساء باكيات، لفراقنا متأسفات.
ومن عادتهم بتلك البلاد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة يعدّون فيه ما يقوتهم سائرها، فكان رجالهم يأتون الينا بالخبز الحار في يوم خبزه ومعه الإدام الطيّب إطرافا لنا بذلك، ويقولون لنا: إنّ النساء بعثن هذا إليكم وهنّ يطلبن منكم الدعاء.
وجميع أهل هذه البلاد على مذهب الامام أبي حنيفة رضي الله عنه مقيمين على السّنّة لا قدرىّ فيهم ولا رافضيّ ولا معتزلي ولا خارجيّ ولا مبتدع، وتلك فضيلة خصّهم الله تعالى بها إلّا أنّهم ياكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك.
ومدينة العلايا التي ذكرناها كبيرة على ساحل البحر يسكنها التّركمان، وينزلها تجار مصر واسكندريّة والشام، وهي كثيرة الخشب ومنها يحمل إلى اسكندرية ودمياط ويحمل
(2/161)

منها إلى سائر بلاد مصر ولها قلعة بأعلاها «12» عجيبة منيعة بناها السلطان المعظم علاء الدين الروميّ، ولقيت بهذه المدينة قاضيها جلال الدين الأرزنجانيّ، وصعد معي إلى القلعة يوم الجمعة فصلّينا بها، وأضافني وأكرمني وأضافني أيضا بها شمس الدين بن الرجيحاني الذي توفّى أبوه علاء الدين بمالي من بلاد السودان.
ذكر سلطان العلايا
وفي يوم السبت ركب معي القاضي جلال الدين وتوجّهنا إلى لقاء ملك العلايا، وهو يوسف بك «13» ومعنى بك: الملك، ابن قرمان بفتح القاف والراء، ومسكنه على عشر أميال من المدينة فوجدناه قاعدا على الساحل وحده فوق رابية هنالك والأمراء والوزراء أسفل منه والأجناد عن يمينه ويساره وهو مخضوب الشّعر بالسواد فسلّمت عليه، وسألني عن مقدمي فأخبرته عمّا سأل وانصرفت عنه، وبعث إليّ إحسانا.
وسافرت من هنالك إلى مدينة أنطالية «14» وضبط اسمها بفتح الهمزة واسكان النون وفتح الطاء المهمل والف ولام مكسور وياء كآخر الحروف، وامّا التي بالشام هي أنطاكية على وزنها إلا أن الكاف عوّض عن اللّام، وهي من أحسن المدن متناهية في اتّساع الساحة والضخامة أجمل ما يرى من البلاد وأكثره عمارة وأحسنه ترتيبا، وكل فرقة من سكّانها منفردة بأنفسها عن الفرقة الأخرى، فتجار النصارى ماكثون منها بالموضع المعروف بالميناء «15» وعليهم سور تسدّ أبوابه عليهم ليلا، وعند صلاة الجمعة، والروم الذين كانوا أهلها قديما ساكنون بموضع آخر منفردين به، وعليهم أيضا سور، واليهود في موضع آخر وعليهم سور، والملك وأهل دولته ومماليكه يسكنون ببلدة عليها أيضا سور يحيط بها، ويفرّق بينها وبين ما
(2/162)

ذكرناه من الفرق، وسائر الناس من المسلمين يسكنون المدينة العظمى، وبها مسجد جامع ومدرسة وحمّامات كثيرة وأسواق ضخمة مرتّبة بأبدع ترتيب، وعليها سور عظيم يحيط بها، وبجميع المواضع التي ذكرناها، وفيها البساتين الكثيرة والفواكه الطّيبة والمشمش العجيب المسمّى عندهم بقمر الدين، وفي نواته لوز حلو وهو ييبس ويحمل إلى ديار مصر، وهو بها مستطرف، وفيها عيون الماء الطيّب العذب الشديد البرودة في أيّام الصيف. ونزلنا من هذه المدينة بمدرستها، وشيخها شهاب الدين الحمويّ، ومن عادتهم أن يقرأ جماعة من الصبيان بالأصوات الحسان بعد العصر من كلّ يوم في المسجد الجامع وفي المدرسة أيضا سورة الفتح وسورة الملك وسورة عمّ «16» .
ذكر الأخيّة الفتيان «17» .
واحد الأخية أخي على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلّم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التّركمانيّة الروميّة في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم أشد احتفالا بالغرباء من الناس وأسرع إلى إطعام الطعام وقضاء الحوائج، والأخذ على أيدي الظّلمة، وقتل الشّرط ومن لحق بهم من أهل الشرّ.
والأخي عندهم: رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبّان الأعزاب والمتجرّدين ويقدّمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوّة «18» أيضا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسّرج، وما يحتاج اليه من آلات، ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معائشهم ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون به الفواكه والطعام إلى غير ذلك ممّا ينفق في الزّاوية، فإذا ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف، وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنّوا ورقصوا وانصرفوا إلى صناعتهم بالغدوّ، وأتوا بعد العصر إلى مقدّمهم بما اجتمع لهم.
ويسمّون بالفتيان، ويسمّى مقدّمهم كما ذكرنا الأخي، ولم أر في الدنيا أجمل أفعالا منهم، ويشبههم في أفعالهم أهل شيراز وإصفهان إلّا أنّ هؤلاء أحبّ في الوارد والصادر وأعظم اكراما له وشفقة عليه. وفي الثاني من يوم وصولنا إلى هذه المدينة أتى أحد هؤلاء
(2/163)

رقصة الدراويش إلى الآن
(2/164)

الفتيان إلى الشيخ شهاب الدين الحمويّ وتكلّم معه باللّسان التركيّ، ولم أكن يومئذ أفهمه «19» ، وكان عليه أثواب خلقة وعلى رأسه قلنسوة لبد، فقال لي الشيخ: أتعلم ما يقول هذا الرجل؟ لا أعلم ما قال، فقال لي أنّه يدعوك إلى ضيافته أنت واصحابك فعجبت منه وقلت له نعم، فلمّا انصرف، قلت للشيخ: هذا رجل ضعيف ولا قدرة له على تضييفنا ولا نريد أن نكلّفه، فضحك الشيخ، وقال لي: هذا أحد شيوخ الفتيان الأخيّة، وهو من الخرّازين، وفيه كرم نفس وأصحابه نحو مائتين من أهل الصناعات قد قدّموه على أنفسهم وبنوا زاوية للضيافة وما يجتمع لهم بالنّهار أنفقوه بالليل.
فلمّا صلّيت المغرب عاد إلينا ذلك الرجل وذهبنا معه إلى زاويته فوجدنا زاوية حسنة مفروشة بالبسط الروميّة الحسان، وبها الكثير من ثريّات الزجاج العراقي.
وفي المجلس خمسة من البياسيس والبيسوس شبه المنارة من النحاس له أرجل ثلاث وعلى رأسه شبه جلّاس من النحاس وفي وسطه أنبوب للفتيلة، ويملأ من الشّحم المذاب، وإلى جانبه آنية نحاس ملأى بالشحم وفيها مقراض لإصلاح الفتيل، وأحدهم موكّل بها، ويسمّى عندهم الجراجي «20» .
وقد اصطفّ في المجلس جماعة من الشبّان ولباسهم الأقبية «21» ، وفي أرجلهم الأخفاف، وكل واحد منهم متحزّم، على وسطه سكّين في طول ذراعين، وعلى رؤسهم قلانس «22» بيض من الصوف، بأعلى كلّ قلنسوة قطعة موصولة بها في طول ذراع وعرض أصبعين، فإذا استقرّ بهم المجلس نزع كلّ واحد منهم قلنسوة ووضعها بين يديه، وتبقى على رأسه
(2/165)

قلنسوة أخرى من الزّردخانيّ «23» ، وسواه حسنة المنظر، وفي وسط مجلسهم شبه مرتبة موضوعة للواردين.
ولمّا استقرّ بنا المجلس عندهم أتو بالطعام الكثير والفاكهة والحلواء ثم أخذوا في الغناء والرقص، فراقنا حالهم وطال عجبنا من سماحهم وكرم أنفسهم وانصرفنا عنهم آخر الليل وتركناهم بزاويتهم.
ذكر سلطان أنطاليا
وسلطانها خضر بك بن يوسف بك «24» ، وجدناه عند وصولنا إليها عليلا، فدخلنا عليه بداره وهو في فراش المرض فكلّمنا بألطف كلام وأحسنه وودّعناه وبعث إلينا بإحسان، وسافرنا إلى بلدة بردور «25» وضبط اسمها بضم الباء الموحدة واسكان الراء وضم الدال المهمل وواو وراء، وهي بلدة صغيرة كثيرة البساتين والأنهار، ولها قلعة في رأس جبل شاهق نزلنا بدار خطيبها واجتمعت الأخيّة، وأرادوا نزولنا عندهم، فأبى عليهم الخطيب فصنعوا لنا ضيافة في بستان لأحدهم وذهبوا بنا إليها فكان من العجائب إظهارهم السرور بنا والاستبشار والفرح. وهم لا يعرفون لساننا ونحن لا نعرف لسانهم ولا ترجمان فيما بيننا، وأقمنا عندهم يوما وانصرفنا.
(2/166)

ثم سافرنا من هذه البلدة إلى بلدة سبرتا «26» وضبط اسمها بفتح السين المهمل والباء الموحدة واسكان الراء وفتح التاء المعلوّة وألف، وهي بلدة حسنة العمارة والأسواق كثيرة البساتين والأنهار، لها قلعة في جبل شامخ وصلناها بالعشيّ، ونزلنا عند قاضيها، وسافرنا منها إلى مدينة أكريدور «27» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الكاف وكسر الراء وياء مدّ ودال مهمل مضموم وواو مدّ وراء، مدينة عظيمة كثيرة العمارة، حسنة الأسواق ذات أنهار وأشجار وبساتين ولها بحيرة عذبة الماء يسافر المركب فيها يومين إلى أقشهر وبقشهر وغيرهما من البلاد والقرى «28» ونزلنا منها بمدرسة تقابل الجامع الأعظم بها المدرس العالم الحاجّ المجاور الفاضل مصلح الدين، قرأ بالدّيار المصرّيّة والشام وسكن العراق مدّة وهو فصيح اللسان، حسن البيان، أطروفة من طرف الزمان، أكرمنا غاية الاكرام، وقام بحقّنا أحسن قيام.
ذكر سلطان أكريدور
وسلطانها أبو إسحاق بك بن الدّنداربك «29» ، من كبار سلاطين تلك البلاد سكن ديار مصر أيّام أبيه، وحج، وله سير حسنة، ومن عادته أنه يأتي كل يوم إلى صلاة العصر بالمسجد الجامع فإذا قضيت صلاة العصر استند إلى جدار القبلة وقعد القرّاء بين يديه على مصطبة خشب عالية فقرأوا سورة الفتح والملك وعمّ، بأصوات حسان فعّالة في النفوس تخشع لها القلوب وتقشعرّ الجلود وتدمع العيون، ثم ينصرف إلى داره، وأظلّنا عنده شهر رمضان «30» فكان يقعد في كلّ ليلة منه على فراش لاصق بالأرض من غير سرير، ويستند
(2/167)

إلى مخدّة كبيرة، ويجلس الفقيه مصلح الدين إلى جانبه، وأجلس إلى جانب الفقيه، ويلينا أرباب دولته وأمراء حضرته ثم يؤتي بالطعام، فيكون أوّل ما يفطر عليه ثريد في صحفة صغيرة، عليه العدس مسقى بالسمن والسكّر، ويقدّمون الثريد تبرّكا، ويقولون: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم فضّله على سائر الطعام فنحن نبدأ لتفضيل النبيّ له، ثم يؤتى بسائر الأطعمة، وهكذا فعلهم في جميع ليالي رمضان.
وتوفّى في بعض تلك الأيام ولد السلطان فلم «31» يزيدوا على بكاء الرحمة كما يفعله أهل مصر والشام خلافا لما قدّمناه من فعل أهل اللّور حين مات ولد سلطانهم، فلمّا دفن أقام السلطان والطلبة ثلاثة أيّام يخرجون إلى قبره بعد صلاة الصبح، وفي ثاني يوم من دفنه خرجت مع الناس فرءاني السلطان ماشيا على رجليّ فبعث لي بفرس واعتذر فلمّا وصلت المدرسة بعثت الفرس فردّه وقال إنّما أعطيته عطيّة لا عاريّة وبعث إليّ بكسوة ودراهم، فانصرفنا إلى مدينة قل حصار «32» ، وضبط اسمها بضمّ القاف واسكان اللام ثم حاء مهمل مكسور وصاد مهمل وآخره راء، مدينة صغيرة بها المياه من كل جانب قد نبتت فيها القصب فلا طريق لها إلّا طريق كالجسر مهيأ ما بين القصب والمياه لا يسع إلّا فارسا واحدا، والمدينة على تلّ في وسط المياه منيعة لا يقدر عليها ونزلنا بزاوية أحد الفتيان الأخيّة بها.
ذكر سلطان قل حصار.
وسلطانها محمّد جلبي، وجلبي بجيم معقود ولام مفتوحين وباء موحدة وياء، وتفسيره بلسان الروم سيّدي «33» ، وهو أخو السلطان أبي إسحاق ملك أكريدور، ولمّا وصلنا لمدينته كان غائبا عنها فأقمنا بها أيّاما ثم قدم فأكرمنا وأركبنا وزوّدنا وانصرفنا على طريق قرا أغاج «34» ، وقرا بفتح القاف تفسيره أسود، وأغاج بفتح الهمزة والغين المعجم وآخره جيم تفسيره الخشب، وهي صحراء خضرة يسكنها التركمان، وبعث معنا السلطان فرسانا يبلّغوننا إلى مدينة لاذق، بسبب أن هذه الصحراء يقطع الطريق فيها طائفة يقال لهم
(2/168)

الجرميان «35» يذكر انهم من ذرّية يزيد بن معاوية ولهم مدينة يقال لها كوتاهية فعصمنا الله منهم.
ووصلنا إلى مدينة لاذق، وهي بكسر الذال المعجم وبعده قاف، وتسمّى أيضا ذون غزله «36» ، وتفسيره بلد الخنازير، وهي من أبدع المدن وأضخمها، وفيها سبعة من المساجد لإقامة الجمعة ولها البساتين الرائقة، والأنهار المطرّدة، والعيون المنبعة، وأسواقها حسان، وتصنع بها ثياب قطن معلمة بالذهب لا مثل لها، تطول أعمارها لصحّة قطنها وقوّة غزلها، وهذه الثياب معروفة بالنسبة إليها، وأكثر الصنّاع بها نساء الروم، وبها من الروم كثير تحت الذمّة، وعليهم وظائف للسلطان من الجزية وسواها.
وعلامة الروم بها القلانس الطوال، منها الحمر والبيض ونساء الروم لهنّ عمائم كبار، وأهل هذه المدينة لا يغيّرون المنكر بل كذلك أهل الاقليم كلّه، وهم يشترون الجواري الروميّات الحسان ويتركونهنّ للفساد، وكلّ واحدة عليها وظيف لمالكها تؤدّيه له، وسمعت هنالك أنّ الجواري يدخلن الحمّام مع الرجال، فمن أراد الفساد فعل ذلك بالحمّام من غير منكر عليه، وذكر لي انّ القاضي بها له جوار على هذه الصورة! وعند دخولنا لهذه المدينة مررنا بسوق لها فنزل إلينا رجال من حوانيتهم واخذوا بأعنّة خيلنا، ونازعهم في ذلك رجال آخرون، وطال بينهم النزاع حتّى سلّ بعضهم السكاكين، ونحن لا نعلم ما يقولون، فخفنا منهم وظنّنا أنّهم الجرميان الذين يقطعون الطرق، وان تلك مدينتهم، وحسبنا أنّهم يريدون نهبنا، ثم بعث الله لنا رجلا حاجّا يعرف اللسان العربيّ فسألته عن مرادهم منّا، فقال: إنهم من الفتيان وان الذين سبقوا الينا أوّلا هم أصحاب
(2/169)

الفتى أخي سنان والآخرون أصحاب الفتى أخي طومان «37» ، وكل طائفة ترغب أن يكون نزولكم عندهم، فعجبنا من كرم نفوسهم، ثم وقع بينهم الصلح على المقارعة، فمن كانت قرعته نزلنا عنده أوّلا، فوقعت قرعة أخي سنان، وبلغه ذلك، فأتى إلينا في جماعة من أصحابه فسلّموا علينا ونزلنا بزاوية له وأتى بانواع الطعام ثم ذهب بنا إلى الحمّام، ودخل معنا وتولّى خدمتي بنفسه، وتولّى أصحابه خدمة أصحابي يخدم الثلاثة والأربعة الواحد منهم، ثم خرجنا من الحمّام فاتوا بطعام عظيم وحلواء وفاكهة كثيرة. وبعد الفراغ من الاكل قرأ القراء آيات من الكتاب العزيز، ثم اخذوا في السماع والرقص واعلموا السلطان بخبرنا، فلمّا كان من الغد بعث في طلبنا بالعشيّ، فتوجهنا إليه وإلى ولده كما نذكره، ثم عدنا إلى الزاوية فألفينا الأخى طومان وأصحابه في انتظارنا فذهبوا بنا إلى زاويتهم، ففعلوا في الطعام والحمّام مثل أصحابهم وزادوا عليهم أن صبّوا علينا ماء الورد صبّا بعد خروجنا من الحمّام ثم مضوا بنا إلى الزاوية ففعلوا أيضا من الاحتفال في الأطعمة والحلواء والفاكهة وقراءة القرآن بعد الفراغ من الأكل ثم السماع والرقص كمثل ما فعله أصحابهم أو احسن وأقمنا عندهم بالزاوية أيّاما.
ذكر سلطان لاذق
وهو سلطان يننج بك «38» واسمه بياء آخر الحروف مفتوحة ثم نونين اولاهما مفتوحة والثانية مسكنة وجيم، وهو من كبار سلاطين بلاد الروم ولمّا نزلنا بزاوية أخي سنان كما قدّمناه، بعث الينا الواعظ المذكّر العالم علاء الدين القسطمونيّ، واستصحب معه خيلا بعددنا، وذلك في شهر رمضان فتوجّهنا إليه وسلّمنا عليه.
ومن عادة ملوك هذه البلاد التواضع للواردين ولين الكلام وقلّة العطاء فصلّينا معه المغرب وحضر طعامه فأفطرنا عنده، وانصرفنا وبعث الينا بدراهم ثم بعث عنّا ولده مراد بك وكان ساكنا في بستان خارج المدينة، وذلك في ابّان الفاكهة وبعث أيضا خيلا على عددنا كما فعله أبوه فأتينا بستانه وأقمنا عنده تلك الليلة وكان له فقيه يترجم بيننا وبينه، ثم انصرفنا غدوة.
(2/170)

وأظلّنا عيد الفطر بهذه البلدة «39» فخرجنا إلى المصلّى وخرج السلطان في عساكره والفتيان الأخية، كلهم بالأسلحة، ولأهل كل صناعة الأعلام والبوقات والطبول والأنفار، وبعضهم يفاخر بعضا ويباهيه في حسن الهيأة، وكمال الشّكّة، ويخرج أهل كل صناعة معهم البقر والغنم وأحمال الخبز، فيذبحون البهائم بالمقابر ويتصدّقون بها وبالخبز، ويكون خروجهم أوّلا إلى المقابر، ومنها إلى المصلّى ولمّا صلّينا صلاة العيد دخلنا مع السلطان إلى منزله وحضر الطعام فجعل للفقهاء والمشايخ والفتيان سماط على حدة وجعل للفقراء والمساكين سماط على حدة، ولا يردّ عن بابه في ذلك اليوم فقير ولا غني، وأقمنا بهذه البلدة مدّة بسبب مخاوف الطريق، ثم تهيّأت رفقة فسافرنا معهم يوما وبعض ليلة، ووصلنا إلى حصن طواس «40» ، واسمه بفتح الطاء وتخفيف الواو وآخره سين مهمل، وهو حصن كبير، ويذكر أنّ صهيبا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنه من أهل هذا الحصن «41» ، وكان مبيتنا بخارجه، ووصلنا بالغد إلى بابه فسألنا أهله من أعلى السور عن مقدمنا، فأخبرناهم، وحينئذ خرج أمير الحصن إلياس بك «42» في عسكره ليختبر نواحي الحصن والطريق خوفا من إغارة السرّاق على الماشية، فلمّا طافوا بجهاته خرجت مواشيهم، وهكذا فعلهم أبدا.
ونزلنا من هذا الحصن بربضه في زاوية رجل فقير، وبعث الينا أمير الحصن بضيافة وزاد، وسافرنا منه إلى مغلة «43» ، وضبط اسمها بضم الميم واسكان الغين المعجم وفتح اللام، ونزلنا بزاوية أحد المشايخ بها، وكان من الكرماء الفضلاء يكثّر الدخول علينا بزاويته ولا يدخل إلّا بطعام أو فاكهة أو حلواء، ولقينا بهذه البلدة ابراهيم بك ولد سلطان مدينة ميلاس وسنذكره، فأكرمنا وكسانا ثم سافرنا إلى مدينة ميلاس «44» وضبط اسمها بكسر الميم وياء
(2/171)

مدّ وآخره سين مهمل، وهي من أحسن بلاد الروم وأضخمها، كثيرة الفواكه والبساتين والمياه، نزلنا منها بزاوية أحد الفتيان الأخيّة ففعل أضعاف ما فعله من قبله من الكرامة والضيافة ودخول الحمّام وغير ذلك من حميد الأفعال، وجميل الأعمال.
ولقينا بمدينة ميلاس رجلا صالحا معمّرا يسمّى بابا الششتريّ «45» ذكروا أنّ عمره يزيد على مائة وخمسين سنة وله قوّة وحركة وعقله ثابت وذهنه جيّد دعى لنا وحصلت لنا بركته.
ذكر سلطان ميلاس.
وهو السلطان المكرّم شجاع الدين أرخان بك بن المنتشا «46» ، وضبط اسمه بضمّ الهمزة واسكان الراء وخاء معجم وآخره نون، وهو من خيار الملوك حسن الصورة والسيرة جلساؤه الفقهاء، وهم معظّمون لديه، وببابه منهم جماعة، منهم الفقيه الخوارزميّ عارف بالفنون فاضل، وكان السلطان في أيام لقائي له واجدا عليه بسبب رحلته إلى مدينة أيا سلوق ووصوله إلى سلطانها وقبول ما أعطاه، فسأل منّي هذا الفقيه: أن أتكلّم عند الملك في شأنه بما يذهب ما في خاطره فأثنيت عليه عند السلطان وذكرت ما علمته من علمه وفضله، ولم أزل به حتى ذهب ما كان يجده عليه، وأحسن إلينا هذا السلطان وأركبنا وزوّدنا.
وسكناه في مدينة برجين وهي، قريبة من ميلاس بينهما ميلان «47» ، وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة واسكان الراء وجيم وياء مدّ وآخره نون، وهي جديدة على تلّ هنالك، بها العمارات الحسنة والمساجد، وكان قد بنى بها مسجدا جامعا لم يتمّ بناؤه «48» بعد، وبهذه البلدة لقيناه، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي عليّ، ثم انصرفنا بعد ما أحسن إلينا كما
(2/172)

قدّمناه إلى مدينة قونية «49» وضبط اسمها بضم القاف وواو مدّ ونون مسكن وياء آخر الحروف، مدينة عظيمة حسنة العمارة كثيرة المياه والأنهار والبساتين والفواكه، وبها المشمش المسمّى بقمر الدين وقد تقدّم ذكره ويحمل منه أيضا إلى ديار مصر والشام، وشوارعها متّسعة جدّا، وأسواقها بديعة الترتيب وأهل كل صناعة على حدة، ويقال: إن هذه المدينة من بناء الاسكندر، وهي من بلاد السلطان بدر الدين بن قرمان، وسنذكره، وقد تغلّب عليها صاحب العراق في بعض الأوقات لقربها من بلاده التي بهذا الإقليم، نزلنا منها بزاوية قاضيها، ويعرف بابن قلم شاه «50» ، وهو من الفتيان وزاويته من أعظم الزاويا، وله طائفة كبيرة من التلاميذ، ولهم في الفتوّة سند يتّصل إلى أمير المومنين عليّ بن أبي طالب «51» عليه السلام ولباسها عندهم السّراويل «52» كما تلبس الصوفيّة الخرقة.
وكان صنيع هذا القاضي في إكرامنا وضيافتنا أعظم من صنيع من قبله وأجمل، وبعث ولده عوضا منه لدخول الحمّام معنا، وبهذه المدينة تربة الشيخ الإمام الصالح القطب جلال الدين المعروف بمولانا «53» ، وكان كبير القدر، وبأرض الروم طائفة ينتمون اليه ويعرفون
(2/173)

لقطات من مدينة قونية حيث ضريح منولانا جلال الدّين الرومي
(2/174)

باسمه فيقال لهم الجلاليّة، كما تعرف الأحمديّة «54» بالعراق، والحيدريّة «55» بخراسان، وعلى تربته زاوية عظيمة فيها الطعام للوارد والصادر «56» .
حكاية [الشيخ الشاعر]
يذكر أنّه كان في ابتداء امره فقيها مدرّسا يجتمع اليه الطلبة بمدرسته بقونية فدخل يوما إلى المدرسة رجل يبيع الحلواء وعلى رأسه طبق منها، وهي مقطوعة قطعا، يبيع القطعة منها بفلس، فلمّا أتى مجلس التدريس، قال له الشيخ: هات طبقك! فأخذ الحلوانيّ قطعة منه وأعطاها للشيخ فأخذها الشيخ بيده وأكلها، فخرج الحلوانيّ ولم يطعم أحدا سوى الشيخ فخرج الشيخ في اتباعه، وترك التدريس «57» ، فأبطأ على الطلبة، وطال انتظارهم ايّاه فخرجوا في طلبه، فلم يعرفوا له مستقرّا.
ثمّ إنّه عاد إليهم بعد أعوام وتولّه وصار لا ينطق الّا بالشعر الفارسيّ المنغلق الذي لا يفهم، فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، وألّفوا منه كتابا سمّوه المثنوي «58» ، وأهل تلك البلاد يعظّمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه، ويعلّمونه ويقرءونه بزواياهم في ليالي الجمعات، وفي هذه المدينة أيضا قبر الفقيه أحمد الذي يذكر أنّه كان معلّم جلال الدين المذكور.
ثمّ سافرنا إلى مدينة اللّارندة «59» وهي بفتح الراء التي بعد الألف واللام واسكان النون وفتح الدال المهمل، مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين.
(2/175)

ذكر سلطان اللّارندة.
وسلطانها الملك بدر الدين بن قرمان «60» ، بفتح القاف والراء، وكانت قبله لشقيقه موسى فنزل عنها للملك الناصر وعوّضه عنها بعوض وبعث إليها أميرا وعسكرا «61» ثم تغلّب عليها السلطان بدر الدين وبنى بها دار مملكته واستقام أمره بها.
ولقيت هذا السلطان خارج المدينة وهو عائد من تصيّده فنزلت له عن دابّتي فنزل هو عن دابّته وسلّمت عليه وأقبل عليّ، ومن عادة ملوك هذه البلاد أنه إذا نزل لهم الوارد عن دابته نزلوا له وأعجبهم فعله، وزادوا في إكرامه، وإن سلّم عليهم راكبا ساءهم ذلك ولم يرضهم ويكون سببا لحرمان الوارد! وقد جرى لي ذلك مع بعضهم، وسأذكره، ولمّا سلّمت عليه وركب سألني عن حالي وعن مقدمي ودخلت معه المدينة، فأمر بإنزالي أحسن نزل، وكان يبعث الطعام الكثير والفاكهة والحلواء في طيافير الفضّة، والشمع، وكسا، وأركب وأحسن، ولم يطل مقامنا عنده.
وانصرفنا إلى مدينة أقصرا «62» ، وضبطها بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الصاد المهمل والراء، وهي من أحسن بلاد الروم وأتقنها، تحفّ بها العيون الجارية والبساتين من كل ناحية، ويشقّ المدينة ثلاثة أنهار ويجري الماء بدورها، وفيها الأشجار ود والي العنب، وداخلها بساتين كثيرة، وتصنع بها البسط المنسوبة إليها من صوف الغنم لا مثل لها في بلد من البلاد «63» ومنها تحمل إلى الشام ومصر والعراق والهند والصين وبلاد الأتراك.
(2/176)

وهذه المدينة في طاعة ملك العراق، ونزلنا منها بزاوية الشريف حسين النائب بها عن الأمير أرتنا، وأرتنا هو النائب عن ملك العراق فيما تغلّب عليه من بلاد الروم، وهذا الشريف من الفتيان وله طائفة كثيرة وأكرمنا اكراما متناهيا وفعل أفعال من تقدّمه.
ثم رحلنا إلى مدينة نكدة «64» ، وضبط اسمها بفتح النون واسكان الكاف ودال مهمل مفتوح، وهي من بلاد ملك العراق، مدينة كبيرة كثيرة العمارة قد تخرّب بعضها ويشقّها النهر المعروف بالنّهر الاسود، وهو من كبار الأنهار عليه ثلاث قناطير، إحداها بداخل المدينة وثنتان بخارجها، وعليه النواعير بالداخل والخارج منها تسقي البساتين. والفواكه بها كثيرة، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي جاروق، وهو الأمير بها فأكرمنا على عادة الفتيان، وأقمنا بها ثلاثا.
وسرنا منها بعد ذلك إلى مدينة قيسارية «65» وهي من بلاد صاحب العراق وهي إحدى المدن العظام بهذا الإقليم، بها عسكر أهل العراق، وإحدى خواتين الأمير علاء الدين أرتنا المذكور وهي من أكرم الخواتين وأفضلهنّ، ولها نسبة من ملك العراق وتدعى أغا «66» ، بفتح الهمزة والغين المعجم، ومعنى أغا الكبير، وكلّ من بينه وبين السلطان نسبة يدعى بذلك، واسمها طغى خاتون، ودخلنا اليها فقامت لنا وأحسنت السلام والكلام، وأمرت بإحضار الطعام، فأكلنا ولمّا انصرفنا بعثت لنا بفرس مسرّج ملجم وخلعة ودراهم مع أحد غلمانها واعتذرت.
ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى الأخي أمير عليّ، وهو أمير كبير من كبار الأخيّة بهذه البلاد، وله طائفة تتبعه من وجوه المدينة وكبرائها «67» وزاويته من أحسن الزوايا فرشا وقناديل وطعاما كثيرا وإتقانا، والكبراء من أصحابه وغيرهم يجتمعون كل ليلة عنده ويفعلون في كرامة الوارد أضعاف ما يفعله سواهم.
(2/177)

مدينة القيسارية
(2/178)

ومن عوائد هذه البلاد أنّه ما كان منها ليس به سلطان فالأخي هو الحاكم به «68» ، وهو يركب الوارد ويكسوه ويحسن إليه على قدره، وترتيبه في أمره ونهيه وركوبه ترتيب الملوك.
ثمّ سافرنا إلى مدينة سيواس «69» ، وضبط بكسر السين المهمل وياء مدّ وآخره سين مهمل، وهي من بلاد ملك العراق، وأعظم ماله بهذا الإقليم من البلاد، وبها منزل أمرائه وعمّاله، مدينة حسنة العمارة واسعة الشوارع، أسواقها غاصّة بالناس وبها دار مثل المدرسة تسمّى دار السيادة «70» لا ينزلها الّا الشرفاء، ونقيبهم ساكن بها وتجرى لهم فيها مدّة مقامهم الفرش والطعام والشمع وغيره فيزوّدون إذا انصرفوا.
ولمّا قدمنا إلى هذه المدينة خرج إلى لقائنا أصحاب الفتى أخي احمد بجقجي، وجق بالتّركية السكّين، وهذا منسوب إليه، والجيمان منه معقودان بينهما قاف، وباؤه مكسورة.
وكانوا جماعة منهم الركبان والمشاة، ثم لقينا بعدهم أصحاب الفتى أخي جلبى، وهو من كبار الأخية، وطبقته أعلى من طبقة أخي بجقجي، فطلبوا أن ننزل عندهم فلم يمكن لي ذلك لسبق الأولين، ودخلنا المدينة معهم جميعا وهم يتفاخرون والذين سبقوا إلينا قد فرحوا أشدّ الفرح بنزولنا عندهم، ثم كان من صنيعهم في الطعام والحمّام والمبيت مثل صنيع من تقدّم وأقمنا عندهم ثلاثة في أحسن ضيافة ثم أتانا القاضي وجماعة من الطلبة ومعهم خيل الأمير علاء الدين أرتنا نائب ملك العراق ببلاد الروم فركبنا إليه واستقبلنا الأمير إلى دهليز داره فسلّم علينا ورحبّ، وكان فصيح اللسان بالعربية، وسألني عن العراقين وإصبهان وشيراز وكرمان «71» وعن السلطان أتابك وبلاد الشام ومصر وسلاطين التركمان، وكان مراده أن أشكر الكريم منهم وأذمّ البخيل فلم أفعل ذلك،! بل شكرت الجميع فسرّ بذلك منّي، وشكرني عليه ثم
(2/179)

مدينة سيواس
(2/180)

أحضر الطعام فأكلنا وقال: تكونون في ضيافتي، فقال له الفتى أخي جلبى، إنّهم لم ينزلوا بعد بزاويتي، فليكونوا عندي وضيافتك تصلهم، فقال: افعل، فانتقلنا إلى زاويته وأقمنا بها ستّا في ضيافته وفي ضيافة الأمير، ثم بعث الامير بفرس وكسوة ودراهم، وكتب لنوّابه بالبلاد أن يضيفونا ويكرّمونا ويزوّدونا.
وسافرنا إلى مدينة أماصبية، «72» وضبط اسمها بفتح الهمزة والميم والف وصاد مهمل مكسور وياء آخر الحروف مفتوحة، مدينة كبيرة حسنة ذات أنهار وبساتين وأشجار وفواكه كثيرة وعلى أنهارها النواعير تسقى جنّاتها ودورها، وهي فسيحة الشوارع والأسواق، وملكها لصاحب العراق، وبقرب منها بلدة سونسى «73» ، وضبط اسمها بضم السين المهمل وواو مدّ ونون مضموم وسين مهمل مفتوح، وهي لصاحب العراق أيضا، وبها سكنى أولاد وليّ الله تعالى أبي العبّاس أحمد الرفاعي، منهم الشيخ عزّ الدين، وهو الآن شيخ الرواق، وصاحب سجّادة الرفاعي، واخوته الشيخ عليّ والشيخ ابراهيم والشيخ يحيى أولاد الشيخ أحمد كوجك، ومعناه الصغير، ابن تاج الدين الرفاعي «74» ونزلنا بزاويتهم، ورأينا لهم الفضل على من سواهم.
ثم سافرنا إلى مدينة كمش «75» وضبط اسمها بضم الكاف وكسر الميم وشين معجم، وهي من بلاد ملك العراق مدينة كبيرة عامرة يأتيها التجار من العراق والشام، وبها معادن الفضّة، وعلى مسيرة يومين منها جبال شامخة «76» وعرة لم أصل إليها، ونزلنا منها بزاوية الأخي مجد الدين، وأقمنا بها ثلاثا في ضيافته، وفعل أفعال من قبله، وجاء إلينا نائب الامير أرتنا وبعث بضيافة وزاد.
(2/181)

الجسر والقلعة- مدينة أماصية
(2/182)

وانصرفنا عن تلك البلاد فوصلنا إلى أرزنجان «77» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة واسكان الراء وفتح الزاي وسكون النون وجيم وألف ونون، وهي من بلاد صاحب العراق مدينة كبيرة عامرة وأكثر سكّانها الأرمن «78» والمسلمون يتكلّمون بها بالتركية، ولها أسواق حسنة الترتيب ويصنع بها ثياب حسان تنسب إليها، وفيها معادن النحاس ويصنعون منه الأواني والبياسيس التي ذكرناها، وهي شبه المنار عندنا، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي نظام الدين، وهي من أحسن الزوايا وهو ايضا من خيار الفتيان وكبارهم أضافنا أحسن ضيافة.
وانصرفنا إلى مدينة أرز الروم «79» ، وهي من بلاد ملك العراق كبيرة الساحة خرب أكثرها بسبب فتنة وقعت بين طائفتين من التركمان بها، ويشقّها ثلاثة أنهار، وفي أكثر دورها بساتين فيها الأشجار والدّوالي، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخى طومان وهو كبير السّن يقال: إنه أناف على مائة وثلاثين سنة، ورأيته يتصرّف على قدميه متوكئا على عصا، ثابت الذهن مواظبا للصلاة في أوقاتها. لم ينكر من نفسه شيئا، إلا أنّه لا يستطيع الصوم، خدمنا بنفسه في الطعام، وخدمنا أولاده في الحمّام، وأردنا الانصراف عنه ثاني يوم نزولنا فشقّ عليه ذلك وأبى منه، وقال: إن فعلتم نقصتم حرمتي، وانّما اقلّ الضيافة ثلاث، فأقمنا لديه ثلاثة.
ثم انصرفنا إلى مدينة برگي «80» وضبط اسمها بباء موحدة مكسورة وكاف معقود مكسور بينهما راء مسكن، ووصلنا إليها بعد العصر فلقينا رجلا من أهلها فسألناه عن زاوية الأخي بها، فقال أنا أدلكم عليها فاتّبعناه فذهب بنا إلى منزل نفسه في بستان له، فأنزلنا
(2/183)

بأعلى سطح بيته والأشجار مظلّلة له وذلك أوان الحرّ الشديد، وأتى الينا بأنواع الفاكهة، واحسن في ضيافته وعلّف دوابنا، وبتنا عنده تلك الليلة، وكنّا قد تعرّفنا أن بهذه المدينة مدرّسا فاضلا يسمّى بمحي الدين، فأتى بنا ذلك الرجل الذي بتنا عنده وكان من الطلبة إلى المدرسة، وإذا بالمدرّس قد أقبل راكبا على بغلة فارهة، ومماليكه وخدّامه عن جانبيه، والطلبة بين يديه وعليه ثياب مفرّجة حسان مطرّزة بالذهب فسلّمنا عليه فرحّب بنا وأحسن السلام والكلام وأمسك بيدي وأجلسني إلى جانبه، ثم جاء القاضي عزّ الدين فرشتى، ومعنى فرشتى الملك، لقّب بذلك لدينه وعفافه وفضله، فقعد عن يمين المدرّس وأخذ في تدريس العلوم الأصليّة والفرعيّة ثم لمّا فرغ من ذلك أتى دويرة بالمدرسة فأمر بفرشها وأنزلني فيها وبعث ضيافة حافلة ثم وجّه عني بعد المغرب فمضيت إليه فوجدته في مجلس ببستان له وهنالك صهريج ماء ينحدر اليه الماء من خصّة رخام أبيض يدور بها القاشانيّ، وبين يديه جملة من الطلبة، ومماليكه وخدّامه وقوف عن جانبيه وهو قاعد على مرتبة عليها أنطاع منقوشة حسنة فخلته لمّا شاهدته ملكا من الملوك، فقام إليّ واستقبلني وأخذ بيدي واجلسني إلى جانبه على مرتبته وأتي بالطعام فاكلنا وانصرفنا إلى المدرسة.
وذكر لي بعض الطلبة أنّ جميع من حضر تلك الليلة من الطلبة عند المدرّس، فعادتهم الحضور لطعامه كلّ ليلة، وكتب هذا المدرّس إلى السلطان بخبرنا وأثنى في كتابه، والسلطان في جبل هنالك يصيّف فيه لاجل شدّة الحرّ وذلك الجبل بارد وعادته أن يصيّف فيه «81» .
ذكر سلطان برگي
وهو السلطان محمّد بن ايدين «82» ، من خيار السلاطين، وكرمائهم وفضلائهم ولمّا بعث إليه المدرّس يعلّمه بخبري وجّه نائبه إليّ لآتيه، فأشار عليّ المدرّس أن أقيم حتّى يبعث عنّي ثانية، وكان المدرّس إذ ذاك قد خرجت برجله قرحة لا يستطيع الركوب بسببها وانقطع عن المدرسة، ثمّ إن السلطان بعث في طلبي ثانية فشقّ ذلك على المدرّس، فقال: أنا لا أستطيع الركوب ومن غرضي التوجّه معك لأقرر لدى السلطان ما يجب لك، ثم إنّه تحامل ولفّ على رجله خرقا وركب ولم يضع رجله في الركاب، وركبت أنا وأصحابي وصعدنا إلى الجبل في طريق قد نحتت وسوّيت فوصلنا إلى موضع السلطان عند الزوال، فنزلنا على نهر ماء تحت ظلال شجر الجوز، وصادفنا السلطان في قلق وشغل بال بسبب فرار ابنه الأصغر
(2/184)

المكيفات أيام زمان!
(2/185)

سليمان «83» عنه إلى صهره السلطان أرخان بك، فلمّا بلغه خبر وصولنا بعث إلينا ولديه خضربك وعمربك، «84» فسلّما على الفقيه، وأمرهما بالسلام عليّ ففعلا ذلك وسألاني عن حالي ومقدمي، وانصرفا وبعث إليّ ببيت يسمّى عندهم الخرقة «85» وهو عصيّ من الخشب تجمع شبه القبّة، وتجعل عليها اللبود ويفتح أعلاه لدخول الضوء والريح مثل البادهنج، ويسد متى أحتيج إلى سدّه، وأتوا بالفرش ففرشوه، وقعد الفقيه وقعدت معه وأصحابه وأصحابي خارج البيت تحت ظلال شجر الجوز، وذلك الموضع شديد البرد، ومات لي تلك الليلة فرس من شدّة البرد! ولمّا كان من الغد ركب المدرّس إلى السلطان وتكلّم في شأني بما اقتضته فضائله، ثم عاد إليّ وأعلمني بذلك، وبعد ساعة وجه السلطان في طلبنا معا فجئنا إلى منزله ووجدناه قائما فسلّمنا عليه، وقعد الفقيه عن يمينه وأنا ممّا يلي الفقيه فسألني عن حالي ومقدمي وسألني عن الحجاز ومصر والشام واليمن والعراقين وبلاد الأعاجم، ثم حضر الطعام فأكلنا وانصرفنا وبعث الأرز والدقيق والسمن في كروش الأغنام، وكذلك فعل الترك، وأقمنا على تلك الحال أيّاما يبعث عنّا في كلّ يوم فنحضر طعامه، وأتى يوما إلينا بعد الظهر وقعد الفقيه في صدر المجلس وأنا عن يساره وقعد السلطان عن يمين الفقيه وذلك لعزّة الفقهاء عند الترك، وطلب منّي أن أكتب له أحاديث من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «86» فكتبتها له وعرضها الفقيه عليه في تلك الساعة، فأمره أن يكتب له شرحها باللّسان التركيّ، ثم قام فخرج ورأى الخدّام يطبخون لنا الطعام تحت ظلال الجوز بغير أبزار ولا خضر، فأمر بعقاب صاحب خزانته وبعث بالإبزار والسمن.
وطالت إقامتنا بذلك الجبل فأدركني الملل، وأردت الانصراف وكان الفقيه أيضا قد ملّ من المقام هنالك فبعث إلى السلطان يخبره أني أريد السفر، فلمّا كان من الغد، بعث السلطان نائبه فتكلم مع المدرّس بالتركيّة، ولم أكن إذ ذاك أفهمها، فأجابه عن كلامه
(2/186)

وانصرف فقال لي المدرّس: أتدري ماذا قال؟ قلت: لا أعرف ما قال، قال: إن السلطان بعث إليّ ليسئلني: ماذا يعطيك؟ فقلت له؟ عنده الذهب والفضّة والخيل والعبيد فليعطيه ما أحبّ من ذلك، فذهب إلى السلطان ثم عاد إلينا فقال: إن السلطان يأمر أن تقيما هنا اليوم وتنزلا معه غدا إلى داره بالمدينة.
فلمّا كان من الغد بعث فرسا جيّدا من مراكبه، ونزل ونحن معه إلى المدينة فخرج الناس لاستقباله، وفيهم القاضي المذكور آنفا وسواه ودخل السلطان ونحن معه فلمّا نزل بباب داره ذهب مع المدرّس إلى ناحية المدرسة، فدعا بنا وأمرنا بالدخول معه إلى داره فلمّا وصلنا إلى دهليز الدّار وجدنا من خدّامه نحو عشرين، صورهم فائقة الحسن، وعليهم ثياب الحرير، وشعورهم مفروقة مرسلة، وألوانهم ساطعة البياض مشربة بحمرة، فقلت للفقيه: ما هذه الصور الحسان؟ فقال: هؤلاء فتيان روميون، وصعدنا مع السلطان درجا كثيرة إلى أن انتهينا إلى مجلس حسن في وسطه صهريج ماء وعلى كلّ ركن من أركانه صورة سبع من نحاس يمجّ الماء من فيه، وتدور بهذا المجلس مصاطب متّصلة مفروشة، وفوق إحداها مرتبة السلطان، فلمّا انتهينا اليها نحّى السلطان مرتبته بيده، وقعد معنا على الأنطاع وقعد الفقيه عن يمينه، والقاضي ممّا يلي الفقيه وأنا ممّا يلي القاضي، وقعد القرّاء أسفل المصطبة والقرّاء لا يفارقونه حيث كان من مجالسه ثم جاءوا بصحاف من الذهب والفضّة مملوّة بالجلّاب المحلول، قد عصر فيه ماء الليمون وجعل فيه كعكات صغار مقسومة، وفيها ملاعق ذهب وفضّة، وجاءوا معها بصحاف فيها مثل ذلك، وفيها ملاعق خشب فمن تورّع استعمل صحاف الصينيّ وملاعق الخشب، وتكلّمت بشكر السلطان، وأثنيت على الفقيه وبالغت في ذلك فاعجب ذلك السلطان وسرّه.
حكاية [الطبيب اليهودي]
وفي أثناء قعودنا مع السلطان أتى شيخ على رأسه عمامة لها ذؤابة فسلّم عليه، وقام له القاضي والفقيه وقعد أمام السلطان فوق المصطبة والقراء أسفل منه فقلت للفقيه: من هذا الشيخ؟ فضحك وسكت، ثم أعدت السؤال، فقال لي: هذا يهوديّ طبيب، وكلّنا محتاج اليه!
(2/187)

فلأجل هذا فعلنا ما رأيت من القيام له، فأخذني ما حدث وقدم من الامتعاض «87» ، فقلت لليهوديّ: يا ملعون بن ملعون، كيف تجلس فوق قرّاء القرآن وانت يهوديّ؟ وشتمته، ورفعت صوتي فعجب السلطان، وسأل عن معنى كلامي فاخبره الفقيه به، وغضب اليهوديّ فخرج عن المجلس في أسوأ حال، ولمّا انصرفنا قال لي الفقيه: أحسنت بارك الله فيك إن أحدا سواك لا يتجاسر عن مخاطبته بذلك ولقد عرّفته بنفسه!
حكاية أخرى [الحجر النازل من السماء]
وسألني السلطان في هذا المجلس، فقال لي: هل رأيت قطّ حجرا نزل من السماء؟
فقلت: ما رأيت ذلك ولا سمعت به. فقال لي: إنه قد نزل بخارج بلدنا هذا حجر من السماء، ثم دعا رجالا وأمرهم أن يأتوا بالحجر فاتوا بحجر أسود أصمّ شديد الصّلابة له بريق، قدّرت أنّ زنته تبلغ قنطارا وأمر السلطان باحضار القطّاعين فحضر أربعة منهم، فأمرهم أن يضربوه فضربوا عليه ضربة رجل واحد أربع مرّات بمطارق الحديد فلم يؤثّروا فيه شيئا، فعجبت من أمره وأمر بردّه إلى حيث كان.
وفي ثالث يوم من دخولنا إلى المدينة مع السلطان صنع صنيعا عظيما ودعا الفقهاء والمشايخ واعيان العسكر ووجوه أهل المدينة فطعموا وقرأ القرّاء القرآن، بالأصوات الحسان، وعدنا إلى منزلنا بالمدرسة وكان يوجّه الطعام والفاكهة، والحلواء والشّمع في كلّ ليلة، ثم بعث إليّ مائة مثقال ذهبا والف درهم وكسوة كاملة وفرسا ومملوكا روميا يسمّى ميخائيل، وبعث لكلّ من أصحابي كسوة ودراهم، كلّ هذا بمشاركة المدرّس محيي الدّين جزاه الله تعالى خيرا، وودّعنا وانصرفنا وكانت مدّة مقامنا عنده بالجبل والمدينة أربعة عشر يوما.
(2/188)

ثم قصدنا مدينة تيرة «88» وهي من بلاد هذا السلطان، وضبط اسمها بكسر التاء المعلوّة وياء مدّ وراء، مدينة حسنة ذات أنهار وبساتين وفواكه، ونزلنا منها بزاوية الفتى أخي محمّد، وهو من كبار الصالحين صائم الدهر، وله أصحاب على طريقته فأضافنا ودعا لنا، وسرنا إلى مدينة أيا سلوق «89» ، وضبط اسمها بفتح الهمزة والياء آخر الحروف وسين مهمل مضموم ولام مضموم وآخره قاف، مدينة كبيرة قديمة معظّمة عند الروم وفيها كنيسة كبيرة مبنيّة بالحجارة الضخمة، ويكون طول الحجر منها عشر أذرع فما دونها منحوتة أبدع نحت والمسجد الجامع بهذه المدينة من أبدع مساجد الدنيا لا نظير له في الحسن، وكان كنيسة للروم ومعظّمة عندهم يقصدونها من البلاد، فلمّا فتحت هذه المدينة جعلها المسلمون مسجدا جامعا «90» ، وحيطانه من الرخام الملوّن وفرشه الرخام الابيض وهو مسقّف بالرصاص وفيه إحدى عشرة قبّة منوّعة، وفي وسط كل قبّة صهريج ماء، والنهر يشقّه «91» ، وعن جانبي النهر الأشجار المختلفة الأجناس ودوالي العنب ومعرّشات الياسمين، وله خمسة عشر بابا، وأمير هذه المدينة خضر بك بن السلطان محمد بن ايدين، وقد كنت رايته عند أبيه ببركي، ثم لقيته بهذه المدينة خارجها فسلّمت عليه وأنا راكب، فكره ذلك منّي، وكان سبب حرماني لديه، فإنّ عادتهم إذا نزل لهم الوارد نزلوا له وأعجبهم ذلك، ولم يبعث إليّ ثوبا واحدا من الحرير المذهّب يسمّونه النّخ «92» ، بفتح النون وخاء معجم، واشتريت بهذه المدينة جارية روميّة بكرا بأربعين دينارا ذهبا.
ثم «93» سرنا إلى مدينة يزمير «94» ، وضبط اسمها بياء آخر الحروف مفتوحة وزاي مسكّن وميم مكسورة وياء مدّ وراء، مدينة كبيرة على ساحل البحر معظمها خراب، ولها قلعة
(2/189)

جامع أياسلوق
(2/190)

متّصلة بأعلاها نزلنا منها بزاوية الشيخ يعقوب، وهو من الاحمديّة صالح فاضل، ولقينا بخارجها الشيخ عزّ الدين بن أحمد الرفاعيّ ومعه: زاده الأخلاطيّ، من كبار المشايخ، ومعه مائة فقير من المولّهين، وقد ضرب لهم الأمير الأخبية وصنع لهم الشيخ يعقوب ضيافة وحضرتها، واجتمعت بهم، وأمير هذه المدينة عمر بك بن السلطان محمّد بن آيدين المذكور آنفا، وسكناه بقلعتها، وكان حين قدومنا عند أبيه، ثم قدم بعد خمس من نزولنا بها فكان من مكارمه أن أتى إليّ بالزاوية فسلّم عليّ واعتذر، وبعث ضيافة عظيمة وأعطاني بعد ذلك مملوكا روميّا خماسيّا اسمه نقوله، وثوبين من الكمخا «95» وهي ثياب حرير تصنع ببغداد وتبريز وبنيسابور وبالصين وذكر لي الفقيه الذي يؤمّ به أنّ الامير لم يبق له مملوك سوى ذلك المملوك الذي أعطاني بسبب كرمه رحمه الله، وأعطى أيضا للشيخ عزّ الدين ثلاثة أفراس مجهّزة وآنية فضّة كبيرة تسمّى عندهم المشربة مملوّة دراهم، وثيابا من الملفّ والمرعزّ والقدسيّ «96» ، والكمخا وجواري وغلمانا.
وكان هذا الأمير كريما صالحا كثير الجهاد «97» ، وله أجفان غزويّة يضرب بها على نواحي القسطنطينية العظمى فيسبي ويغنم ويفني ذلك كرما وجودا، ثمّ يعود إلى الجهاد إلى أن اشتدّت على الروم وطأته فرفعوا أمرهم إلى البابه، فأمر نصارى جنوه وافرانسه بغزوه فغزوه وجهّز جيشا من رومه وطرقوا مدينته ليلا في عدد كثير من الأجفان وملكوا المرسى والمدينة، ونزل إليهم الأمير عمر من القلعة فقاتلهم، فاستشهد هو وجماعة من ناسه «98» ، واستقرّ النّصاري بالبلد ولم يقدروا على القلعة لمنعتها.
(2/191)

مدينة يزمير
(2/192)

ثم سافرنا من هذه المدينة إلى مدينة مغنيسيّة «99» وضبط اسمها بميم مفتوحة وغين معجمة مسكنة ونون مكسورة وياء مدّ وسين مهملة مكسورة وياء آخر الحروف مشدّده، نزلنا بها عشيّ يوم عرفة «100» بزاوية رجل من الفتيان وهي مدينة كبيرة حسنة في سفح جبل وبسيطها كثير الأنهار والعيون والبساتين والفواكه.
ذكر سلطان مغنيسيّة
وسلطانها يسمى صاروخان «101» ، ولمّا وصلنا إلى هذه البلدة وجدناه بتربة ولده، وكان قد توفّى منذ أشهر فكان هو وأم الولد ليلة العيد «102» وصبيحتها بتربته، والولد قد صبّر وجعل في تابوت خشب مغشى بالحديد المقزدر وعلّق في قبّة لا سقف لها «103» لأن تذهب رائحته، وحينئذ تسقّف القبّة ويجعل تابوته ظاهرا على وجه الارض، وتجعل ثيابه عليه، وهكذا رأيت غيره أيضا من الملوك فعل. وسلّمنا عليه بذلك الموضع وصلّينا معه صلاة العيد، وعدنا إلى الزاوية فأخذ الغلام الذي كان لي أفراسنا وتوجّه مع غلام لبعض الأصحاب برسم سقيها، فأبطأ، ثم لمّا كان العشيّ لم يظهر لهما أثر، وكان بهذه المدينة الفقيه المدرّس الفاضل مصلح الدين، فركب معي إلى السلطان وأعلمناه بذلك فبعث في طلبهما فلم يوجدا واشتغل الناس في عيدهم وقصدا مدينة للكفار على ساحل البحر تسمّى فوجة «104» على مسيرة يوم من مغنيسيّة، وهؤلاء الكفار في بلد حصين، وهم يبعثون هديّة في كلّ سنة إلى سلطان مغنيسيّة فيقنع منهم بها لحصانة بلدهم، فلمّا كان بعد الظهر أتى بهما بعض الأتراك وبالأفراس وذكروا أنّهما اجتازا بهم عشيّة النهار، فانكروا أمرهما واشتدّوا عليهما حتى أقرّا بما عزما عليه من الفرار!
(2/193)

مدينة برصى
(2/194)

ثمّ سافرنا من مغنيسيّة وبتنا ليلة عند قوم من التركمان قد نزلوا في مرعى لهم ولم نجد عندهم ما نعلف دوابّنا تلك الليلة، وبات أصحابنا يحترسون مداولة بينهم خوف السرقة، فأتت نوبة الفقيه عفيف الدين التّوزري فسمعته يقرأ سورة البقرة «105» ، فقلت له: إذا أردت النوم فأعلمني لأنظر من يحترس ثم نمت فما أيقظني الّا الصباح، وقد ذهب السرّاق بفرس لي كان يركبه عفيف الدين بسرجه ولجامه وكان من جياد الخيل اشتريته بأيا سلوق.
ثم رحلنا من الغد فوصلنا إلى مدينة برغمة «106» ، وضبط اسمها بباء موحدة مفتوحة وراء مسكنة وغين معجمة مفتوحة وميم مفتوحة، مدينة خربة لها قلعة عظيمة منيعة بأعلى جبل، ويقال: إن أفلاطون الحكيم من أهل هذه المدينة وداره تشتهر باسمه إلى الآن «107» ، ونزلنا منها بزاوية فقير من الأحمديّة، ثمّ جاء أحد كبراء المدينة فنقلنا إلى داره وأكرمنا إكراما كثيرا.
ذكر سلطان برغمة
وسلطانها يسمّى يخشي خان «108» ، بكسر الشين، وخان عندهم هم السلطان، ويخشي بياء آخر الحروف وخاء معجم وشين معجم مكسور، ومعناه: جيّد، صادفناه في مصيف له فأعلم بقدومنا فبعث بضيافة وثوب قدسيّ، ثم اكترينا من يدلّنا على الطريق وسرنا في جبال شامخة وعرة إلى أن وصلنا إلى مدينة بلي كسري «109» ، وضبط اسمها بباء موحدة مفتوحة ولام مكسور وياء مدّ وكاف مفتوح وسين مهمل مسكن وراء مكسور وياء، مدينة حسنة كثيرة العمارة مليحة الأسواق، ولا جامع لها يجمّع فيه، وأرادوا بناء جامع خارجها متّصل بها فبنوا حيطانه ولم يجعلوا له سقفا وصاروا يصلّون به ويجمّعون تحت ظلال الأشجار ونزلنا من هذه المدينة بزاوية الفتى أخي سنان وهو من أفاضلهم وأتى إلينا قاضيها وخطيبها الفقيه موسى.
(2/195)

ذكر سلطان بلي كسري
ويسمى دمور خان «110» ، ولا خير فيه، وأبوه هو الذي بنى هذه المدينة وكثرت عمارتها بمن لا خير في مدّة ابنه هذا، والنّاس على دين الملك، ورأيته، وبعث إليّ ثوب حرير، واشتريت بهذه المدينة جارية رومية تسمّى مرغليطة.
ثم سرنا إلى مدينة برصى «111» ، وضبط اسمها بضم الباء الموحدة واسكان الراء وفتح الصاد المهمل، مدينة كبيرة عظيمة حسنة الأسواق فسيحة الشوارع تحفّها البساتين من جميع جهاتها والعيون الجارية، وبخارجها نهر ماء شديد «112» الحرارة يصبّ في بركة عظيمة، وقد بنى عليها بيتان: أحدهما للرجال والآخر للنساء، والمرضى يستشفون بهذه الحمّة ويأتون اليها من أقاصي البلاد.
وهنالك زاوية للواردين ينزلون بها ويطعمون مدّة مقامهم وهي ثلاثة أيام، عمّر هذه الزاوية أحد ملوك التركمان، ونزلنا في هذه المدينة بزاوية الفتى أخي شمس الدين «113» من كبار الفتيان، ووافقنا عنده يوم عاشوراء «114» فصنع طعاما كثيرا ودعا وجوه العسكر وأهل المدينة ليلا وأفطروا عنده، وقرأ القرّاء بالأصوات الحسنة، وحضر الفقيه الواعظ مجد الدين القونويّ. ووعظ وذكّر وأحسن، ثم أخذوا في السماع والرقص وكانت ليلة عظيمة الشأن، وهذا الواعظ من الصالحين يصوم الدهر ولا يفطر إلّا في كلّ ثلاثة أيّام ولا يأكل إلا من كدّ يمينه ويقال: إنّه لم يأكل طعام احد قطّ ولا منزل له ولا متاع إلا ما يستتر به ولا ينام إلا في المقبرة، ويعظ في المجالس ويذكّر، فيتوب على يديه في كلّ مجلس الجماعة من الناس، وطلبته بعد هذه الليلة فلم أجده، وأتيت الجبّانة فلم أجده، ويقال: إنّه ياتيها بعد هجوع الناس.
(2/196)

حكاية [الفقير الصيّاح]
لمّا حضرنا ليلة عاشوراء بزاوية شمس الدين وعظ بها مجد الدين من آخر الليل فصاح أحد الفقراء صيحة غشى عليه منها، فصبّوا عليه ماء الورد فلم يفق، فأعادوا عليه ذلك فلم يفق واختلف الناس فيه، فمن قائل: إنّه ميّت، ومن قائل: إنّه مغشي عليه، وأتم الواعظ كلامه وقرأ القراء وصلّينا الصبح وطلعت الشمس، فأختبروا حال الرجل فوجدوه فارق الدنيا، رحمه الله، فاشتغلوا بغسله وتكفينه، وكنت فيمن حضر الصلاة عليه ودفنه.
وكان هذا الفقير يسمى الصيّاح وذكروا إنه كان يتعبّد بغار هنالك في جبل فمتى علم أن الواعظ مجد الدين يعظ قصده وحضر وعظه، ولم يأكل طعام أحد فإذا وعظ مجد الدين يصيح ويغشى عليه، ثم يفيق فيتوضأ ويصلّي ركعتين، ثم إذا سمع الواعظ صاح، يفعل ذلك مرارا في الليلة ويسمّى الصيّاح لأجل ذلك وكان أعذر اليد والرجل، لا قدرة له على الخدمة، وكانت له والدة تقوته من غزلها فلمّا توفيّت اقتات بنبات الأرض.
ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح عبد الله المصريّ السايح وهو من الصالحين، جال الأرض إلّا أنّه لم يدخل الصين ولا جزيرة سرنديب ولا المغرب ولا الأندلس ولا بلاد السودان، وقد زدّت عليه بدخول هذه الأقاليم!
ذكر سلطان برصى [الملك الثاني في الامبراطورية العثمانية]
وسلطانها اختيار الدين أرخان بك، وأرخان بضمّ الهمزة وخاء معجم، ابن السلطان عثمان جوق، وجوق بجيم معقود مضموم وآخره قاف، وتفسيره بالتركية الصغير «115» ، وهذا السلطان، أكبر ملوك التركمان، وأكثرهم مالا وبلادا وعسكرا، له من الحصون ما يقارب مائة حصن، وهو في أكثر أوقاته لا يزال يطوف عليها ويقيم بكلّ حصن منها أيّاما لإصلاح شؤونه وتفقّد حاله، ويقال: إنه لم يقم قطّ شهرا كاملا ببلد، ويقاتل الكفار ويحاصرهم، ووالده
(2/197)

هو الذي استفتح مدينة برصى من أيدي الروم وقبره بمسجدها، وكان مسجدها كنيسة للنصارى «116» .
ويذكر (116) أنه حاصر مدينة يزنيك نحو عشرين سنة ومات قبل فتحها فحاصرها ولده، هذا الذي ذكرناه ثنتى عشر سنة وافتتحها «117» ، وبها كان لقاءى له «118» وبعث إليّ بدراهم كثيرة.
ثم سافرنا إلى مدينة يزنيك، وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف واسكان الزاي وكسر النون وياء مدّ وكاف، وبتنا قبل الوصول إليها ليلة بقرية تدعى كرله «119» بزاوية فتى من الأخية، ثم سرنا من هذه القرية يوما كاملا في أنهار ماء على جوانبها أشجار الرمّان الحلو والحامض، ثم وصلنا إلى بحيرة ماء تنبت القصب على ثمانية أميال من يزنيك لا يستطاع دخولها الا على طريق واحد مثل الجسر لا يسلك عليها إلا فارس واحد «120» ، وبذلك امتنعت هذه المدينة.
والبحيرة محيطة بها من جميع الجهات وهي خاوية على عروشها لا يسكن بها الا أناس قليلون من خدّام السلطان «121» ، وبها زوجته بيلون خاتون «122» ، وهي الحاكمة عليهم،
(2/198)

يزنيك- الجامع الأخضر والباب البيزنطي
(2/199)

امرأة صالحة فاضلة، وعلى المدينة أسوار أربعة بين كل سوريين خندق فيه الماء «123» ، ويدخل إليها على جسور خشب متى أرادوا رفعها رفعوها، وبداخل المدينة البساتين والدور والأرض والمزارع، فلكل إنسان داره ومزرعته وبستانه مجموعة، وشرابها من أبار بها قريبة، وبها من جميع أصناف الفواكه والجوز، والقسطل عندهم كثير جدّا رخيص الثمن، ويسمّون القسطل قسطنة بالنون، والجوز القوز بالقاف، وبها العنب العذاري «124» لم أر مثله في سواها متناهي الحلاوة عظيم الجرم صافي اللون رقيق القشر، للحبّة منه نواة واحدة، أنزلنا بهذه المدينة الفقيه الامام الحاجّ المجاور علاء الدين السلطانيوكي، وهو من الفضلاء الكرماء، ما جئت قطّ إلى زيارته الّا أحضر الطعام وصورته حسنة وسيرته أحسن وتوجه معي إلى الخاتون المذكورة فأكرمت وافاضت واحسنت.
وبعد قدومنا بأيام وصل إلى هذه المدينة السلطان أرخان بك الذي ذكرناه، وأقمت بهذه المدينة نحو أربعين يوما بسبب مرض فرس لي، فلما طال عليّ المكث تركته وانصرفت، ومعي ثلاثة من أصحابي وجارية وغلمان، وليس معنا من يحسن اللسان التركي ويترجم عنّا، وكان لنا ترجمان فارقنا بهذه المدينة.
ثم خرجنا منها فبتنا بقرية يقال لها: مكجا «125» ، بفتح الميم والكاف والجيم، بتنا عند فقيه بها أكرمنا وأضافنا، وسافرنا من عنده وتقدّمتنا امرأة من الترك على فرس ومعها خديم لها، وهي قاصدة مدينة ينجا «126» ، ونحن في اتباع أثرها، فوصلت إلى واد كبير يقال له سقريّ، كأنّه