Advertisement

خصائص جزيرة العرب


بسم الله الرحمن الرحيم
خصائص جزيرة العرب
بكر بن عبدالله أبو زيد

الطبعة الثانية
1421




مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله . أما بعد : فَمَن شاهد : "ظاهرة التحول" التي تمر بها جزيرة العرب من زحف الخسائس على الخصائص رأى وجوب لفت الأنظار إلى خصائص جزيرة العرب في الإسلام ، حتى تبقى مركز إضاءة لعموم المسلمين ، وهي أثر من آثار الرابطة الإسلامية والأخوة الإيمانية التي جاءت بخصوصها الأدلة ، لا الرابطة الترابية "الوطنية" ، ولا العرقية ، كالقومية العربية ، والعصبية القبلية ؛ ولذا أَلَّفْتُ هذا الكتاب : " خصائص جزيرة العرب" عام 1409 وصدرت له عدة طبعات عن الطبعة الأولى أحدها عن وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد عام 1420 .
والآن هذه هي الطبعة الثانية متميزةً بالتصحيح والإضافات الكثيرة .
وبالله التوفيق .
المؤلف
بكر بن عبدالله أبو زيد
في 20 / جمادى الأولى / 1421

مقدمة الطبعة الأولى
الحمد لله تعالى حق حمده ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا معقب لحكمه ، وأشهد أن محمدا عبد الله ونبيه ورسوله ومصطفاه من خلقه.
اللهم صل و سلم عليه وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهديه و استن بسنته.
أما بعد: فهذا بيان للناس عن أصل من أصول الملة ، عن دار النصرة و القبلة ، حبيبة المسلمين ، عدوة الكافرين ، عن الدار الأولى لظهور الإسلام ، والخط الأخير في غرة الوجود الإسلامي : جزيرة العرب ؛ في حدودها، وحدود الحجاز، وخصائصها في الإسلام، و الضمانات الحافظة لها.
أفردتها لـمَّا رأيتها عند الأكثرين من السنن المهجورة ، مع أن تلك الخصائص معلومة مشهورة.
وإن الله سبحانه جلت حكمته قد رتب أحكام هذه الدنيا على أسباب ظاهرة ، ولم يجعلها قدرية محضة ، وإن دين الإسلام هو قدر الله في هذه الجزيرة ؛ قاعدة انطلاقة إلى كل الخليقة في المعمورة وهو من الظهور و الوضوح بمكان ، وأحكام هذه الجزيرة فيه كذلك ، بل هي من آخر ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم –وهو على فراش الموت– إلى أمته .
وإنك إذا أدرت النظر في سبب هجرها –عند الأكثرين- ؛ رأيته أثرا من آثار موجة الفتور التي تمر بالمسلمين ؛ من ضعف الحس ، والغفلة عن تنشيطه صُعُدًا إلى الترقي في مدارج الإسلام ، والإبقاء على امتيازات داره وكيان أهله ؛ عبر جسور شرعية من الكتاب والسنة .
ورأيته امتدادا لحبل التراخي من عرب هذه الجزيرة عن وجودهم القيادي في العالم ، إذ غرقوا في الترف ، والملذات ، والتهام الأموال ، والتقلب في عدة أوجاع ؛ ولا تدري مكان الوجع منها !
وجماع التراخي والفتور : ضعف الإيمان في النفوس ، وسكرة الركون إلى الحياة وشهواتها ، فآلت السابلة إلى ما ترى .
و من شِداد ولائده : أسر النفوس عن توثبها بالحق لنصرته ؛ مضغوطا عليها من كل جانب : { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)} .
وهذا البيان تذكرة باحثة عن خصائص الجزيرة وسبل حمايتها ، ثم تنزيل وسائل الإصلاح والاستصلاح ، وبعث الهمم على إعمالها وتخليصها من الأدواء التي دبت إليها :
أيها المصلح من أخلاقنا أيها المصلح الداء هنا
فإذا خَلَصت من الأدواء ؛ بقي الإسلام في حضانة أهله ؛ تشع أنواره ، وتظهر شعائره ، وتقام الشريعة ، وتؤمن السابلة ، وهذا هو الدين كما قال حسان –رضي الله عنه- :
وما الدين إلا أن تقام شرائع وتؤمن سبل بيننا وهضاب
وبها تبقى دارهم مركزا للإسلام ، ودار قيادة للعالم الإسلامي .
وبها يبقى أهلوها قدوة لأهل القبلة ؛ قياديين عربا مسلمين ؛ يحمون حمى الدين ، وينافحون عنه .
ومن هنا يتضح للبصراء بجلاء منزلة هذا الأصل العقدي ، وضرورة إحياء ما هجر من خصائصه ، وبعثها من مرقدها ؛ ليروا كيف منحت الشريعة هذه الجزيرة شخصية مستقلة ؛ في قيادتها ، وأرضها ، و أهلها ، ودعوتها ؛ على رسم منهاج النبوة لا غير .
وإنه إذا ما عدَّت يوما نفسها مثل أي قطر من الأقطار ، ترضى بمداخلة ما هو أجنبي عن الإسلام ؛ فإنها تعمل على إسقاط نفسها من سجل التاريخ ، وتقضي على ميزتها البارزة في خريطة العالم ، فيخفت احترام العالم الإسلامي لها ، وتفقد رهبة شراذم الكفر منها ، وتفتح مجالا فسيحا للقوى الشريرة العاتية .
وإنه إذا تقدمت الفتن ، والبدع ، والأهواء ، والنحل ، وضروب الغزو الفكري ؛ تضرب فارهة على صخرة هذه الجزيرة ؛ فقد تجللت حينئذ من كل ويلٍ تيارا ، وأذنت بمشاكل ذات أحجام مختلفة في التمرد ، وإذا تشربت النفوس بهذه الأنماط المتناثرة على جنبتي الصراط المستقيم ؛ تشكلت الحياة إلى مزيج من الأهواء والضلال البعيد .
وهذا إيذانٌ بدك آخر حصن للإسلام ، وتقليص لظله عن معاقله في هذه الجزيرة المسكينة .
فالله طَليبُ الفَعَلةِ لذلك ، وهو حسيبهم .
وإذا نفذت أنوار البصيرة إلى هذا الأصل العقدي وخصائصه ؛ فلا بد من إدارة النظر آخرًا بالضمانات الحافظة الحامية لها ؛ تبصرة لمن بسط الله يده على أي من هذه الجزيرة ولمن شاء الله من عباده ، ولطمًا لهذا الزحف المهول والموجات الطاغية المدفوعة بذمم فاسدة ؛ لصدِّها عن هذه الجزيرة وأهلها ، والرقابة اليقظة على صنائعها الرابضين في مغارات الجزيرة ؛ حاملين بصمات العداء والاستعداء ؛ يعملون في الجهر والخفاء ، ويهيئون الأجواء لاستقبال الثقافات الهادمة لعقوق أبناء هذه الجزيرة ؛ في مجالات : العلم ، والسلوك ، والأخلاق ، والإعلام ، والاقتصاد .
وعليه ؛ فإذا كنا من هنا نعلم أحكام هذه الجزيرة ؛ فمن هنا -أيضا– نبدأ فننادي أهل العلم والإيمان أن يفيضوا على أمتهم بساعات من الاكتساب للاحتساب –و "الدين النصيحة"- ؛ استنهاضا للموحدين على مواضع الفتور وسبل الغواشي التي غشيت التوحيد وأوهنت أخلاقيات هذه البلاد ، وإحياءً لما تآكل من معالم هذا الدين .
والحديث عن خصائص هذه الجزيرة واحدة منها .
وقد عَنَيْتُ الإيجازَ ؛ لأن القصد غرس هذه النعمة في أفئدة أبناء هذه الجزيرة ؛ يحدو ذلك الحميَّة ؛ لله ، ودينه ، وشرعه ؛ ليس إلا .
والله المستعان .
بكر بن عبدالله أبو زيد
مدينة النبي صلى الله عليه وسلم
25 / رمضان / 1409


الفصل الأول
المؤلفات عن جزيرة العرب
للعلماء يدٌ حافلة في التأليف عن صورة الأرض ، والتي سماها بعضهم (جَغْرافيا) 1 ، ومعناه : صورةُ الأرضِ . و قد عُرِّبَ في عصرنا الحاضر إلى : علومِ الأرضِ .
و قد دوَّنوا في مؤلفاتهم هذه ما وَسِعَهم عن البلاد والممالك ... إلخ ، و في خصوص جزيرة العرب تفننوا في التأليف عنها ؛ في : الأماكن العربية ، والمنازل البدوية ، والدِّيارات ، والدّارات ، و المياه ، و المناهل ، و الجبال ، و الأودية ، والآبار ، واشتقاق أسمائها ، وأنساب أهلها ... و هكذا مما يستَلَذُّ ويستطاب ، حتى صارت – ولله الحمد – محفوفةً محفوظةً ؛ بعلمٍ ، ووصفِ عيانٍ ، ومشاهدةٍ 2 .
و قد تجاوز البحثُ هذه الطبقةَ من الأدباء والبُصراء بعلوم الأرض إلى طبقةِ الفقهاءِ ، والمحدثينَ ، والمؤرخين ؛ لما يتعلق بهذه الجزيرةِ المباركة من أحكامٍ شرعيةٍ .
فتكاثرتِ المؤلفاتُ عن مكةَ ، والمدينة –حرسهما الله تعالى– ومسجديهما –زادهما الله شرفا- ، وعن سائرِ أقاليمِ الجزيرة : الحجازِ ، ونجدٍ ، والعَرُوضِ ، و تِهامَةَ ، واليمنِ ، و عُمانَ .
والمحدِّثون يذكرونها في شروحهم لأحاديث إخراج المشركين من جزيرة العرب ؛ كما في "الصحيحين" وغيرهما .
والفقهاء يذكرون جملةً وافرة من أحكامها في أبواب : الصلاة ، والحجِّ ، والجهاد ، وأحكام أهل الذمة ، و في كتب الأحكامِ السلطانيةِ 3.
والشأن هنا في ذكر بعض المؤلفات المفردة عن هذه الجزيرة على اختلاف مقاصد المؤلفين :
1. "جزيرة العرب" للهَمْداني .
2. "أسماء جبال تهامة وسكانها" ، لعرّام بن الأصبع .
3. "بلاد العرب" ، لِلُغْدَة : الحسن بن عبدالله الأصفهاني .
4. "صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز" ، لابن المجاور .
5. "جغرافية شبه الجزيرة العربية ، محمود طه أبو العلا .
6. "صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار" ، محمد بن بليهد النجدي .
7. "جغرافية الصحاري العربية" ، صلاح بحيري .
8. "حوض الخليج العربي" ، محمد متولي .
9. "التنبيه على ما وجب من إخراج اليهود من جزيرة العرب" ، للكوكباني المتوفي سنة 1223 .
10. "قلب الجزيرة العربية" ، فؤاد حمزة .
11. "جزيرة العرب في مؤلفات علماء المغرب" ، حمد الجاسر في المجلدات ( 4 و 5 و 6 ) من "مجلة العرب" .
12. "كيف دون العرب جغرافية جزيرتهم" ، حمد الجاسر "مجلة جامعة الملك سعود" ، العدد الأول ، عام 1379 ، الرياض .
13. "الأقسام الجغرافية لجزيرة العرب" ، عبدالمحسن الحسيني ، "مجلة كلية الآداب" بالإسكندرية ، في عام 1372 .
14. "أقاليم الجزيرة العربية" ، عبدالله بن يوسف الغنيم .
15. "جزيرة العرب / من كتاب المسالك والممالك للبكري" ، أخرجه عبدالله بن يوسف الغنيم .
16. "العرب والإسلام" لأبي الحسن الندوي .
17. "كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب" ، للشيخ أبي الحسن الندوي ، طبع دار الاعتصام بمصر .
18. "إلى أين تتجه الجزيرة العربية وإلى أي غاية تنتهي؟" للشيخ أبي الحسن الندوي ، مطبوع على الآلة الراقمة .
19. "لماذا ظهر الإسلام في جزيرة العرب؟" ، أحمد موسى سالم ، طبع دار الجيل ، بيروت .
20. "اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب" ، محب الدين الخطيب ، طبع عام 1344 .
21. "الدعوة إلى الله في جزيرة العرب" ، سعد الحصين .
22. دراسة في مصادر الجزيرة العربية . لأبي علية .
23. وفي مجلات "العرب" و "الدارة" و "الوثيقة" بحوث عنها .
24. وعُقِدَ في جامعة الملك سعود بالرياض ندوات عام 1397 .
فما بعد عن مصادر تاريخ الجزيرة .


* * *


الفصل الثاني
أسماء الجزيرة وأقاليمها
* أسماء جزيرة العرب :
كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى ، ولهذه الجزيرة جملةُ أسماءٍ ؛ كلُّها مضافة إلى "العرب" ، لا غير :
- منها اسمان هما : (جزيرة العرب) ، و (أرض العرب) وقد وردا في السنة واستعمالات الفقهاء .
- ومنها : (بلاد العرب) ، و (ديار العرب) .
- ويقال الآن : (الجزيرة العربية) ، و (شبه جزيرة العرب) ، و (شبه الجزيرة العربية) .
وهي تلكم الأرض المباركة التي اكتسبت شرف الإضافة إلى سكانها ، المحفوفة حواشيها بثلاثة أبحر ؛ صيانةً لها عن تكاثرِ الدخلاءِ عليها ؛ كما في حَمْدَلَةِ أعرابيٍّ ذكرها الجاحظ في "البيان والتبيين" :
"الحمد لله الذي جعل جزيرة العرب في حاشيةٍ ، وإلا ؛ لَدَهَمَت هذه العُجْمانُ خضراءَهم " .
و (الجزيرة) : ما جزر عن البحر ؛ قال ابن دُرَيدٍ : "سُميت جزيرةً ؛ لانقطاعها عن معظم الأرض" 4 .
وأصل الجزر : القطع ، ومنه سمي الجزار ، جزارًا ؛ لقطعه أعضاء البهيمة .

* أقاليمها :
واحدها : إقليم ، وهو : كل ناحية مشتملة على مدن وقرى ، وهو أشهر الاصطلاحات ، ومنها : (الرستاق) لدى أهل الشام ، و (المِخلاف) لدى أهل اليمن ، ومنها : (الكُورُ) ، وغيرها 5.
وللعرب في تقسيم جزيرتهم –بحسب صورة الأرض ، ومناخها ، ونباتها_ خمسة أقاليم 6 :
1. إقليم تِهامةَ : ويقال : الغَوْر ، ويقال : غَوْر تهامة ، وهما بمعنًى .
2. إقليم الحجاز : ويقال : السَّراة ، وقيل : السراة اسم للجزء الجنوبي من جبال الحجاز .
3. إقليم نجد .
4. إقليم اليمن : وقيل : سمي يمنا لأنه عن يمين الكعبة .
5. إقليم العروض : ويقال : اليمامة .
6. إقليم عمان : وقيل : داخل في إقليم اليمن .


الفصل الثالث
حدود جزيرة العرب
* حدود جزيرة العرب على العموم :
كما أن شبه جزيرة العرب أكبر شبه جزيرة في العالم ، فقد حماها الله تعالى بثلاثة أبحر من جهاتها الثلاث : غربا ، وجنوبا ، وشرقا.
فيحدها غربا : بحر القُلْزُم – و (القلزم) : مدينة على طرفه الشمالي- ، ويقال : بحر الحبشة ، وهو المعروف الآن باسم : البحر الأحمر .
ويحدها جنوبا : بحر العرب ، ويقال : بحر اليمن
وشرقا : خليج البصرة ؛ الخليج العربي .
والتحديد من هذه الجهات الثلاث بالأبحر المذكورة محل اتفاق بين المحدثين ، والفقهاء ، والمؤرخين ، والجغرافيين ، وغيرهم .
وممن أفصح عن هذا التحديد بالنص : ابن حَوْقَل –و أطلق على الأبحر الثلاثة اسم : بحر فارس- ، والاصطخري ، والهمداني ، والبكري ، وياقوت ، وهو منصوص الرواية عن الإمام مالكٍ ، وتفيده الرواية عن الإمام أحمد ؛ رحم الله الجميع .
الحد الشمالي : ويحدها شمالا ساحلُ البحرِ الأحمر الشرقيُّ الشماليُّ وما على مسامتته شرقا ؛ من مشارف الشام وأطراره (الأردن حاليا) و مُنْقَطَعُ السماوةِ من ريف العراق ، والحدُّ غير داخل في المحدود هنا .
وبهذا قال الأصمعي ، وأبو عبيدة .
وهذا هو ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، فقال 7 :
"جزيرة العرب : هي من بحر القُلزم إلى بحر البصرة ، ومن أقصى حِجْرِ اليمامة إلى أوائل الشام ، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ، ولا تدخل فيها الشام ، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله ..." انتهى مختصرا .
هذه هي الحدود الطبيعية بمعالمها الظاهرة -ثلاثة أبحر- غربا وجنوبا وشرقا ؛ وهي تحديد جغرافي يلتقي فيه الفقهاء مع غيرهم .
ولهذا التحديد بالمياة الإقليمية الثلاثة صارت تعرف عند المتأخرين باسم (شبه جزيرة العرب) ، وإنما قيل : (جزيرة العرب) ؛ بحكم إحاطتها بثلاثة أبحر ، ولأن الحد الشمالي ، وإن كان إلى مشارف الشام وريف العراق ؛ فإن ما وراء ذلك من أنهار : بَرَدى ، و دِجلَةَ ، والفراتِ ، متصل برأس الخليج العربي فكأن التجوُّز في الإطلاق بحكم المجاورة .
ولذا قال الخليل 8 :
"إنما قيل لها (جزيرة العرب) ؛ لأن بحر الحبشِ ، وبحر فارس ، والفرات قد أحاطت بها ، ونسبت إلى العرب ؛ لأنها أرضها ، ومسكنها ، ومعدِنُها" انتهى .
ونحوه ذكره الباجي عن الإمام مالك 9 .
بل دفعت محمدَ بنَ فَضالة فيما رواه عنه الزبير بن بَكَّارٍ إلى أوسعَ من ذلك ، فبلغ بالتحديد شمالا إلى مشارف النيلِ ، فقال 10 :
"حدثني محمد بن فضالة : إنما سميت جزيرة لإحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها وأطرارها ..." .
ثم أخذ في البيان بما يفيد دخول الشام وسواد العراق ...
وبما أن هذا الحد الشمالي لجزيرة العرب مفتوح ؛ لأنه تحديد بأرض ، دون أن تكون به ثمة معالِمُ ؛ من أنهارٍ ، أو بحار ، أو جبال ، ونحوها ، فتكون فيصلا في التحديد ؛ صار الإدخال والإخراج الجزئي لما والى التحديد المذكور شمالا .
وقد وهم من مَدَّ مسمى جزيرة العرب شمالا إلى دِجلة والفرات وعَنَقَ النيل ؛ فإن المضاف إليه : (العرب) -في تسميتها: جزيرةِ العربِ- يحدّد المراد ، إذ قد علم في امتداد العرب ، ومنازل القبائل ، واضطرابهم بين الظعن والإقامة ، ومواقع الخفارة : أنهم لم يتجاوزوا ما تقدم رسمه في الحد شمالا .
وعليه ؛ فالأردُنُّ ، وسوريّا ، والعراقُ ؛ ليست في محدود أرض العرب (جزيرة العرب) التي عرفت بهم في ظعنهم وإقامتهم .
ولذا قال الإصطَخْريُّ 11 :
"وقد سكن طوائف من العرب -من ربيعة ومُضَرَ- الجزيرة ، حتى صارت لهم بها ديارٌ ومزارعُ ، ولم أر أحدا عزى الجزيرة إلى ديار العرب لأن نزولهم بها -وهي ديار لفارس والروم- في أضعاف قرى معمورة ، ومدن لها أعمال عريضة ، فنزلوا على خفارة فارس والروم حتى إن بعضهم تنصر بدين النصرانية مع الروم مثل : تغلب من ربيعة بأرض الجزيرة ، وغسان وبراء وتنوخ من اليمن بأرض الشام" انتهى.
وهذا نص يفيد برد اليقين على أن من نزح من العرب -كالغساسنة إلى الشام ، وربيعة ومضر في جزيرة ابن عمر التغلبي (الجزيرة الفراتية)- ؛ فإن ذلك لا يُدخِل مضارب نزوحهم إلى مسمى منابت أصولهم (جزيرة العرب) ، وهذا واضح .
وبحكم المدلول اللفظي في هذه الإضافة إلى (العرب) ، فهي تعني منابتهم ومرجع أصولهم ، لا مواطن رحلتهم إلى المشارق والمغارب ، والله أعلم .
وقد حصل من وراء ذلك خلاف في هذا الحد الشمالي ، والسبب -والله أعلم- عدم وجود فواصل (تضاريسية) تقطع القول بالتحديد بمعلم ظاهر كالشأن في الجهات الثلاث إذا أحاطت بها البحار .
وإذا نظرت في الاختلاف – بعدُ - رأيته يرجع إلى أحد سببين :
الأول : المدلول الولائي (السياسي) ، فجزيرة العرب عنده : مالم يبلغه ملك فارسَ والرومِ .
الثاني : المدلول العمراني فيما بلغته العرب بسكناها ومنازلها ومرعاها وخَفَارتها على ديارها وأقاليمها .
ومن هذه الأقوال مالو أخذ على ظاهره لكان سبيله الرفض وعدم القبول ؛ كقول : "جزيرة العرب : المدينةُ وما والاها" ، وهكذا ... وسنعلم توجيه هذه الخلافات في هذين التنبيهين :
التنبيه الأول :
في المروي عن بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى ما ظاهره التعارض في مسمى (جزيرة العرب) ؛ من حيث الإدخال والإخراج في أقاليم هذا المحدود .
- فعن الإمام مالك رحمه الله تعالى ثلاث روايات :
1. رواية ابن وهب عنه : أنه قال : "أرض العرب : مكة ، والمدينة ، واليمن " ومثله قال المغيرة بن عبدالرحمن .
2. رواية الزهري عن مالك قال : "جزيرة العرب : المدينة ، ومكة ، واليمامة ، واليمن" . واليمامة كانت داخلة في عمل المدينة ، وكان أمرها مضطربا حسب الولاية في العصرين الأموي والعباسي ، فأحيانا تضاف إلى المدينة ، وأحيانا تفرد برأسها .
3. ماذكره الباجي ؛ قال : قال مالك : "جزيرة العرب : منبت العرب قيل لها : جزيرة العرب ؛ لإحاطة البحور والأنهار بها " .
ومافي هذه الرواية الثالثة يلتقي مع التحديد المذكور .
وما في الروايتين قبلها ؛ يعني : ما كان عامرًا ، مشمول الولاية بالجملة وهذا يلتقي مع مفهوم من سبق من السلف لمسمى جزيرة العرب .
- وفي "صفة جزيرة العرب" للهمداني عن ابن عباس ، وفي "المسالك والممالك" للبكري عن شرقي ابن القطامي وغيره :
"كانت أرض الجزيرة خاوية ، ليس في تهامتها ونجدها وحجازها وعروضها كبير أحد ؛ لإخراب بُخْتُنَصَّر وإجلائها من أهلها ؛ إلا من اعتصم برؤوس الجبال وشعابها" .
- وهكذا الشأن في الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى :
1. ففي رواية بكر بن محمد عن أبيه ؛ قال : سألت أبا عبدالله -يعني : الإمام أحمد- عن جزيرة العرب؟
فقال : "إنما الجزيرة موضع العرب ، وأي موضع يكون فيه أهل السواد والفرس ؛ فليس هو جزيرة العرب ، موضع العرب : الذي يكونون فيه" .
2. وفي رواية ابنه عبدالله عنه ؛ قال : "سمعت أبي يقول في حديث : "لا يبقى دينان في جزيرة العرب" : تفسيره : ما لم يكن في يد فارس والروم . قيل له : ما كان خلف العرب؟ قال : نعم" .
3. ورواية ثالثة في المغني ؛ قال : "قال الإمام أحمد : جزيرة العرب : المدينة وما والاها" .
فالروايتان الأولى والثانية تلتقيان في محدود جزيرة العرب ؛ لأن العرب كانت منتشرة في الظعن والإقامة والرعي و الخفارة في قلب هذه الرقعة ، و ما أَسْحَلَتْهُ بحارها الثلاثة .
و القول في الرواية الثالثة ؛ كالشأن في توجيه الرواية عن مالك رحمه الله تعالى ، و تقدم .
وعليه ؛ فإن من عد اختلاف الرواية عن هذين الإمامين اختلافا يوجب تكوين رأي في مسمى (جزيرة العرب) من قصرها على مكة والمدينة فقد أبعد .
وبهذا يتضح بجلاء التقاء الفقهاء مع الجغرافيين و المؤرخين في حدود جزيرة العرب .
التنبيه الثاني :
المياه الإقليمية لجزيرة العرب وما فيها من الجزر تابعة لجزيرة العرب .
قال الشافعي رحمه الله تعالى 12 :
"لا يمنع أهل الذمة من ركوب بحر الحجاز -أي على سبيل العبور- ، ويمنعون من المقام في سواحله ، وكذا إن كانت في البحر الحجاز جزائرُ وجبالٌ تُسكن ؛ منعوا من سكناها ؛ لأنها من أرض الحجاز" انتهى .
وعليه فإن (البحرين) يتبع الجزيرة ، فتجري عليه أحكامها .

* حدود الحجاز 13 :
(الحجاز) -في اللغة- : الحدُّ الفاصل .
وفي سبب تسميته توجيهان :
الأول : سميت الحجاز حجازا ؛ لأنها قد احتُزِمَت واحتجزت بالجبال ، أو بالحرار ، أو بهما ، فسميت حجازا ، فهو من الاحتجاز ؛ بمعنى : شدِّ الوسط بالحُجْزَة ، أو بالحجاز .
الثاني : أو لأن جبالها وحرارها قد حجزت بين نجد والسراة ، أو بين نجد واليمن ، أو بين نجد -وهو ظاهر- وبين إقليم تهامة –وهو غائر– ، أو بين الشام والغور ، فسميت بذلك حجازا .
والحجاز حجازان :
1. حجاز المدينة : وهو ما حجزته الحِرار ، والحرار الحاجزة : هي خيط من حجارة سوداء ، تمتد من الجنوب إلى الشمال في سلسلة متتابعة ، فتتسع أحينا ، وتضيق أحيانا في مواضع .
وهي من الجنوب مما يلي مكة إلى المدينة شمالا فتبوك : حَرَّةُ بني سُليمٍ ، فحرة واقمِ ، فحرة ليلى ، فحرة شَوْران ، فحرة النار، وهي أطولها مسافة .
2. الحجاز الأسود : وهو ما حجزته الجبال ، وهي : سَرَاةُ شَنوءةَ .
و سلسلة جبال السراة هذه هي أعظم جبال في بلاد العرب .
و (السراة) : أعلى الشيء ؛ كما يقال لظهر الدابة : السَّرَاةُ .
و تمتد من جَبَل تثليثَ جنوبا إلى الطائف في الشمال .

تنبيه 14 :
هاهنا نقلان غريبان :
أحدهما : فيما نقله ياقوت عن ابن الكلبي : أن الحجاز ما يحجز بين تهامة والعروض واليمن .
وهذا متعذر جغرافيا لكن لعله حصل تطبيع وخلط في العبارة ، صحَّتُها : "ما يحجز بين تهامة واليمن ، وبين العَروضِ" .
الثاني : ما رواه الزبير بن بكار ، عن عمه : "أن معنى الحجاز و جَلْس واحد" .
وعن رجل لم يذكر اسمه : "أن معنى الحجاز وجلس ونجد واحد" .
وهذا متعذر جغرافيا أيضا .
وقد يكون المراد بهذين : التقسيم الإداري آنذاك . والله أعلم .
ومن هذه التقدمة تعرف بَرَكَ الحجازِ بالجملة : مكةَ ، والمدينة ، ومخاليفهما ، و تلك الحرار ، وما انحاز عنها غربا إلى ساحل البحر الأحمر .
و إذا كان الحجاز معروف العين بجملته وامتداده من الجنوب إلى الشمال ، وشرقا تلكم الجبال و الحرار ، لكن هناك خلاف كبير في نهاية هذه الحدود للحجاز جنوبا وشمالا وشرقا ؛ مما يقتضي الإدخال و الإخراج لجزء كبير من المساحات والقرى و الديار .
وهذا بحاجة إلى علماء متخصصين يصنفون كلام أهل العلم في ذلك قديما و حديثا ، ويطبقون التحديد عن مشاهدة وعيان .
وفق الله من شاء من صالح عباده لذلك .
والله الموفق .



الفصل الرابع
خصائص جزيرة العرب
ينتظم هذا ذِكْرَ خصائص الجزيرة عموما ، فالحجاز خصوصا، فعرب الجزيرة خصوصا ، فالعربُ عموما .
فأَلقِ لها سمعك ؛ فهو خير تُدَلُّ عليه .

1. خصائص الجزيرة عموما
هذه جملتها :
* الأولى :
هذه الجزيرة حرم الإسلام ، فهي معلمه الأول ، وداره الأولى ، قصبة الديار الإسلامية ، وعاصمتها، وقاعدة لها على مر العصور، وكر الدهور، منها تفيض أنوار النبوة الماحية لظلمات الجاهلية ، ولذلك جاءت المنح المحمدية 15 في صحيح السنة بما لهذه الجزيرة من خصائص وأحكام ؛ لتبقى هذه المنطقة قاعدة الإسلام دائماً ؛ كما كانت قاعدته أولاً ، ومعقل الإيمان آخرا ؛ كما كانت سابقا .
وهذه –وأيم الله– ضماناتٌ لا يمكن أن تكون لهيئة الأمم المتحدة (!‍‍‍‍‍) و لا لمجلس الأمن (!) ولا لمنظمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (!) التي ما نشأت إلا في محيط حكومات الغاب وتهارش العباد .
أما جزيرة العرب ؛ فلها من سامي المكانة التي تتميز بها في (خريطة العالم) ، ودقيق الضمانة الواجب توفيرها ، ما يجعل فعاليتها في أمم الأرض تفوق هذه المؤتمرات التي هي في حقيقتها تآمر على ما ينبزونه توهينا باسم (العالم الثالث) ، الذي ليس بعده في حسبانهم من رابع ، وباسم (الشرق الأوسط) 16 _ وهذا الاصطلاح الحادث وسابقه من تخطيط يهود قبحهم الله ؛ لتبقى منطقة العرب والمسلمين منطقة جغرافية فحسب ، لا اختصاص لها بعرب ولا بمسلمين ، وهو تخطيط خبيث يرمي بعدُ إلى تسويغ إقامة دولة يهود خسئوا- .
وليعلم أولا أن الشرق مشرق العظائم ، وأنه بلغ موضع أقدامهم بسلطان قائم ، وما على الله بعزيز أن يبلغ الإسلام مبلغه منهم ، وبالغ الأمل في الأفق يلوح ، ونزول النصر لنا مرهون منا بتوبة نصوح .
فاعرف هذه الخصيصة لجزيرة العرب من أنها (حرم الإسلام) ، وللحرم حرماته التي لا تنتهك ، ولن تكون دار كفر أبدا ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .
* الثانية :
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم" رواه مسلم في "صحيحه" (2812) ، والترمذي (1937) ، و أحمد (3/ 313 و 354) ، وأبو يعلى (2294) ، والبغوي في "شرح السنة" (3525) ، وابن أبي عاصم في "السنة" (8) ، وابن حبان (64 و 1836) ؛ من طرق عنه .
وقد جاء هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بألفاظ متقاربة .
1. حديث جرير بن عبدالله البجلي :
رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (2267) .
وفي سنده حصين بن عمر الأحمسي ، قد ضعفه الجمهور؛ كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 53) .
2. حديث عبدالله بن عباس :
رواه البيهقي في "دلائل النبوة" (5/ 449) .
وفي سنده ابن أبي أويس – واسمه إسماعيل _ هو وأبوه ضعيفان .
3. حديث ابن مسعود :
أخرجه الحميدي (98) ، والحاكم (2/ 27) .
وفيه إبراهيم الهَجَري ، وبه أعله الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/ 189) .
4. حديث أبي الدرداء:
رواه البزار (2849-زوائده) من طريق إبراهيم بن أبي العباس عن عبدالحميد بن بَهْرام عن شهر بن حوشب عن ابن غَنْم به .
واختُلِف عليه فيه : فرواه أبو نعيم في "الحلية" (1/ 269) من طريق جبارة بن المغلِّس عن عبدالحميد به ، ولكن جعله عن عبادة وأبي الدرداء ؟
فإن لم يكن هذا من جبارة ، فهو من تخاليط شهر ؟؟ وعبدالحميد فيه ضعف أيضا ؟
5. حديث أبي هريرة :
رواه البزار (2850) ، وأبو نعيم في "الحلية" (7/ 86) ؛ من طريقين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة 17.
والخلاصة : أن متن الحديث ثابت من عدة طرق عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم .
ومعنى هذا الحديث : أن الشيطان يئس من اجتماع أهل الجزيرة على الإشراك بالله تعالى .
ومنذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهي إلى يومنا هذا دار إسلام – ولله الحمد، حماها الله وسائر أوطان المسلمين- ، ولم يعرف الشرك فيها إلا جزئيا على فترات في فرد أو أفراد ، ثم يهيئ الله على مدى الأزمان من يردهم إلى دينهم الحق .
على أن بعض العلماء رحمهم الله تعالى رأى عموم هذا الحديث لأمة محمد صلى الله عليه وسلم .
قال ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث :
"المراد أنه يئس أن تجتمع الأمة كلها على الشرك الأكبر" . انتهى .
وذلك كما في قول الله تعالى من سورة المائدة : {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى :
"وعلى هذا يرد الحديث الصحيح : (فذكره) ".
وبهذا يكون ذكر جزيرة العرب ؛ لمزيتها بأنها أصل ديار الإسلام ، و أهلها أصل المسلمين ومادتهم . والله أعلم .

* الثالثة :
جزيرة العرب وقف في الإسلام على أهل الإسلام ؛ على من قال : "لا إله إلا الله محمد رسول الله" ، وقام بحقهما .
جزيرة العرب وديعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته ، التي استحفظهم عليها في آخر ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم .
فهي دارٌ طيبة ، لا يقطنها إلا طيب ، ولما كان المشرك خبيثا بشركه ؛ حُرِّمت عليه جزيرة العرب .
ويدل لهذا عدد من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ من حديث عمر ، وابنه عبدالله ، وعائشة ؛ رضي الله عنهم ، وحديث عمر بن عبدالعزيز مرسلا .
فعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما" .
رواه مسلم ، وأبو عبيد في "الأموال" . وعن عائشة رضي الله عنها ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "قاتل الله اليهود والنصارى ؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا يبقين دينان في ارض العرب" .
متفق عليه .
وأخرجه مالك في "الموطإ" مرسلا عن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى .
و عن عائشة رضي الله عنها قالت : "آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يترك بجزيرة العرب دينان" .
رواه أحمد وغيره .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" .
رواه أبو عبيد في "الأموال" 18.
فهذه الأحاديث في الصحاح نص على أن الأصل شرعا منع أي كافر -مهما كان دينه أو صفته– من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب ، وأن هذا الحكم من آخر ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته .
وبناء على ذلك :
1_ فليس لكافر دخول جزيرة العرب للاستيطان بها .

2_ وليس للإمام عقد الذمة لكافر . بشرط الإقامة لكافر بها . فإن عقده فهو باطل .

3_ وليس للكافر المرور و الإقامة المؤقتة بها إلا لعدة ليال ؛ لمصلحة ؛ كاستيفاء دين ، وبيع بضاعة ، ونحوهما.

4_ وليس للكافر اتخاذ شيء من جزيرة العرب داراً ؛ بتملك أرض ، أو بناء عليها ؛ لأنه إذا حرّمت الإقامة والاستيطان ؛ حرّمت الأسباب إليهما ، وما حرّم استعماله ، حرّم اتخاذه .

ولهذا فلو أحيى الكافر أرضا فيها – لوَضْعٍ فاسدٍ يمكنه – ؛ لم يملك بالإحياء ، والواجب نزعه منه بوجهه الشرعي .

ولو تملك – كذلك- ؛ لم يكن له حق الشفعة ، فليس لعرق ظالم حق .
5_ ولا تدفن جيفة كافر بها ، فإن مات على أرض الجزيرة نقل عنها ؛ إلا للضرورة ؛ كالتعفن ، فتغيَّب جيفته في عَماءٍ من الأرض ، لا في مقبرة تعد لهم .
6_ بناء على ما أجمع عليه العلماء من تحريم بناء المعابد الكفرية مثل الكنائس في بلاد المسلمين ، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام ، ولا أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر لا كنائس ولا غيرها ، وما أجمع عليه العلماء من وجوب هدم الكنائس إذا أحدثت وأنه لا يجوز معارضة ولي الأمر في هدم المعابد الكفرية بل تجب طاعته وبناء على ما هو معلوم من الدين بالضرورة من تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم إنشاء مكان يكفر فيه بالله تعالى ، والكنيسة معبد كفري لا تتخذ إلا لذلك ، فلا كنيسة في الإسلام .
وبناء على ما أجمع عليه العلماء من أن بناء المعابد الكفرية ومنها الكنائس في جزيرة العرب أشد إثما وأعظم جرما ، وقد وردت الأحاديث الصحيحة الصريحة بخصوص النهي عن اجتماع دينين في جزيرة العرب 19.
وفي "الإقناع" : (4/ 287 ) قال الحجاوي في : (باب حكم المرتد) ما نَصُّه نقلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحم الله الجميع- .
"وقال الشيخ -أي شيخ الإسلام ابن تيمية_ : من اعتقد أن الكنائس بيوت الله ، وأن الله يعبد فيها ، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله ، وطاعة لرسوله ، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه ، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم ، وأن ذلك قربة أو طاعة ، فهو كافر . وقال في موضع آخر : من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله ، فهو مرتد ، وإن جهل أن ذلك محرم ، عُرِّف ذلك ، فإن أصرَّ صار مرتداً" انتهى .

بناء على جميع ما تقدم فإنه ليس لكافر إحداث كنيسة فيها ، ولا بيعة ، ولا صومعة ، ولا بيت نار ، ولا نَصْبِ صنمٍ ؛ تطهيرا لها عن الدين الباطل ، ولعموم الأحاديث .
وعليه ؛ فليس للإمام الإذن بشيء منها ، ولا الإبقاء عليه ؛ محدثا كان أو قديما .

7_ ولأنه لا يجوز إقرار ساكن وهو على الكفر ، فإن وجد بها كفار ؛ فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف .
وعليه ؛ فلا تثبت الجزية في رقابهم مع الإقامة بها .

8_ وبما أن جزيرة العرب دارُ إسلامٍ أبداً ؛ فهي جميعها أرض عشر ، لا تكون خراجية أبدا ؛ لأن الخراج بمنزلة الجزية ، فكما لا تثبت في رقابهم مع الإقامة بها ؛ لا تثبت في أرض تملكوها ظلما بها ، لكنه الإسلام ، أو السيف ، أو الجلاء.
وكل هذه الأحكام بقصد إِحكامِ الوحدة السياسية في الوحدة الجنسية .

* الرابعة :
ومن خصائص هذه الجزيرة المباركة أن الإسلام حين يضطهد في دياره خارجها ؛ فإنه ينحاز إلى هذه الجزيرة ، ويأوي إليها ، فيجد كرم الوفادة بعد الغربة وطول المحنة .
وفي ذلك جاء حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها" 20.
فانظر كيف ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين غربة الإسلام ، ثم احتضان هذه الجزيرة له ؛ انتشالاً من غربته.
2. خصائص الحجاز
يقع الحجاز من جزيرة العرب موقع التاج من الحُلَّةِ ، وبين مسجديه يأرِز الإيمان ، وينحاز في آخر الزمان ؛ كما سبق حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
وتمتع بهذه الشذرة الفائقة من كلام القاضي عياض –رحمه الله تعال – في "الشفا" عن الحرمين الشريفين ، فيقول 21 :
"و جدير بمواطن عمرت بالوحي و التنزيل ، و تردد بها جبريل و ميكائيل ، و عرجت منها الملائكة و الروح ، و ضجت عرصاتها بالتقديس و التسبيح ، و اشتملت تربتها على جسد سيد البشر ، و انتشر عنها من دين الله و سنة رسوله ما انتشر ، مدارس آيات ، و مساجد و صلوات ، و مشاهد الفضائل و الخيرات ، و معاهد البراهين و المعجزات ، و مناسك الدين ، و مشاعر المسلمين ، و مواقف سيد المرسلين ، و مُتَبَوَّأُ خاتم النبيين ، حيث انفجرت النبوة ، و أين فاض عبابها ، و مواطن مهبط الرسالة ، و أول أرض مس جلد المصطفى ترابها .. أن تعظم عرصاتها ، و تتنسم نفحاتها" انتهى مختصرا .
واعلم أن الخصائص السالفة لجزيرة العرب هي للحجاز – قلب الجزيرة ، بل قلب العالم الإسلامي– من بابِ أولى .
وقد اخْتُصَّ الحرمانِ الشريفانِ –مكةُ ، ومدينة النبي –صلى الله عليه وسلم– حرسهما الله تعالى 22 – بخصائصَ ومَيِّزاتٍ :
* خصائص مهد الهداية (البلد الحرام ، أم القرى ، مكة) ؛ زادها الله شرفا :
وفي خصوص البلد الحرام ؛ فآيات القرآن الكريم ، و أحاديث نبيه عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ، متكاثرة نصوصها على بيانها وذكرها ، وكتب المؤرخين –وبخاصة عن تاريخ الحرمين الشريفين– توضح ذلك وتشرحه :
وأكتفي هنا بذكر ما رقمه قلم الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في فاتحة كتابه الحافل "الهدي النبوي" (1/ 46 – 54) عند تفسير قول الله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} ، فقال رحمه الله تعالى :
"ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها ، وهي البلد الحرام ؛ فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وجعله مناسك لعباده ، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق ، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم ، متجردين عن لباس الدنيا ، وجعله حرما آمنا ، لا يسفك فيه دم ولا تعضد به شجرة ، ولا ينفر له صيد ، ولا يختلى خلاه ، ولا تلتقط لقطته للتمليك ، بل للتعريف ليس إلا ، وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب ، ماحيا للأوزار ، حاطا للخطايا ؛ كما في "الصحيحين" عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من أتى هذا البيت ، فلم يرفث ، ولم يفسق ؛ رجع كيوم ولدته أمه".
ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة ، ففي "السنن" 23 من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"تابعوا بين الحج والعمرة ؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة" .
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" .
فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده ، وأحبها إليه ، ومختاره من البلاد ؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده ؛ فرض عليهم قصدها ، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام ، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه ، فقال تعالى : { وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3)} (التين : 3) ، وقال تعالى : {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1)} (البلد: 1) .
وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها ، والطواف بالبيت الذي فيها ؛ غيرها ، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه ، +وتحط الخطايا والأوزار فيه ؛ غير الحجر الأسود ، والركن اليماني .
و ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ، ففي "سنن النسائي" و "المسند" بإسناد صحيح عن عبدالله بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه ؛ إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة" .
ورواه ابن حبان في "صحيحه" .
وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق ، ولذلك كان شد الرحال إليه فرضا ، ولغيره مما يستحب ولا يجب .
وفي "المسند" و "الترمذي" و "النسائي" عن عبدالله بن عدي بن الحمراء أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَةِ 24 من مكة يقول : "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ؛ ما خرجت" .
قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم ، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها . ومن خواصها أيضا أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة ؛ دون سائر بقاع الأرض .
وأصح المذاهب في هذه المسألة أنه لا فرق بين الفضاء والبنيان ؛ لبضعة عشر دليلا قد ذكرت في غير هذا الموضع ، وليس مع المفرق ما يقاومها البتة ؛ مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان ، وليس هذا موضع استيفاء الحِجاج من الطرفين .
ومن خواصها أيضا أن المسجد الحرام أول مسجد في الأرض ؛ كما في "الصحيحين" عن أبي ذر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد في الأرض؟ فقال : "المسجد الحرام" . قلت : ثم أي ؟ قال : "المسجد الأقصى" . قلت : كم بينهما؟ قال : "أربعون عاما" .
وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به ، فقال : معلومٌ أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى ، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!
وهذا من جهل هذا القائل ؛ فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده ، لا تأسيسه ، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار .
ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى ، فالقرى كلها تبع لها ، وفرع عليها ، وهي أصل القرى ، فيجب ألا يكون لها في القرى عديل ، فهي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الفاتحة أنها أم القرآن 25 ، ولهذا لم يكن لها من الكتب الإلهية عديل .
و من خصائصها أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام ، وهذه خاصية لايشاركها فيها شيء من البلاد ، وهذه المسألة تلقاها الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقد روي عن ابن عباس بإسناد لا يحتج به مرفوعا :
"لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام من غير أهلها" .
ذكره أبو أحمد بن عدي 26 ؛ ولكن حَجّاج بن أرطاة في الطريق ، وآخر قبله من الضعفاء .
وللفقهاء في المسألة ثلاثة أقوال : النفي ، و الإثبات ، و الفرق بين من هو داخل المواقيت ومن هو قبلها ، فمن قبلها لا يجاوزها إلا بإحرام ، و من هو داخلها ، فحكمه حكم أهل مكة ، و هو قول أبي حنيفة ، و القولان الأولان للشافعي و أحمد .
و من خواصه أنه يعاقب فيه على الهمِّ بالسيئات وإن لم يفعلها ؛ قال تعالى : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)} ( الحج : 25) .
فتأمل كيف عَدَّى فعل الإرادة هاهنا بالباء ، و لا يقال : أردت بكذا ؛ إلا لما ضُمن معنى فعل (همّ) فإنه يقال : هممت بكذا ، فَتَوَعَّدَ من همّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم .
ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه ، لا كمياتها ؛ فإن السيئة جزاؤها سيئة ، لكن سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها ، و صغيرة جزاؤها مثلها ، فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد و أعظم منها في طرف من أطراف الأرض ، و لهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه ، فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات ، والله أعلم .
وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة ، وهوى القلوب ، وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين ، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد ، فهو الأولى بقول القائل :
محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة الرجال
و لهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس ؛ يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ، ولا يقضون منه وطرا ، بل كلما ازدادوا له زيارة ؛ ازدادوا له اشتياقا .
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح ، وكم أنفق في حبها من الأموال و الأوطان ؛ مقدما بين يديه أنواع المخاوف و المتالف ، والمعاطب والمشاق ، و هو يستلذ ذلك كله ، ويستطيبه ، و يراه –لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نِعَمِ المُتَحَلِّيَةِ وترفهم ولذاتهم .
وليس محبا من يعد شقاءه عذابا إذا ما كان يرضى حبيبه
وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله : { وَطَهِّرْ بَيْتِي } (الحج : 26) ، فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته ؛ كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك ، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم .
فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه ؛ فله من المزية و الاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء ، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلا آخر ، و تخصيصا و جلالة زائدا على ما كان له قبل الإضافة .
و لم يوفق لفهم هذا المعنى من سَوَّى بين الأعيان والأفعال ، والأزمان والأماكن ، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء ، و إنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح .
وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجها قد ذُكِرت في غير هذا الموضع ، ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده ؛ فإن مذهبا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة ، و إنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها ، و كذلك نفس البقاع واحدة بالذات ، ليس لبقعة على بقعة مزية البتة ، و إنما هو لما يقع من الأعمال الصالحة ، فلا مزية لبقعة البيت ، و المسجد الحرام ، و منى ، و عرفة ، و المشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض ، و إنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة ، لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها .
والله سبحانه وتعالى قد رد هذا القول الباطل بقوله تعالى : { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } ؛ قال تعالى : { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } (الأنعام : 124) أي : ليس كل أحد أهلا ولا صالحا لتحمل رسالته ، بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها ، والله أعلم بهذه المحال منكم .
ولو كانت الذوات متساوية -كما قال هؤلاء- لم يكن في ذلك رد عليهم .
وكذلك قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)} (الأنعام : 53) ، أي : هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته ، فيختصه بفضله ، ويمنّ عليه ، ممن لا يشكره ، فليس كل محل يصلح لشكره ، و احتمال منّته ، و التخصيص بكرامته .
فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها ، ولأجلها اصطفاها الله ، و هو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات ، وخصها بالاختيار ، فهذا خلقه ، و هذا اختياره { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } (القصص : 68) ..." .
إلى أن قال رحمه الله :
"... ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول ، و إنما قصدنا تصويره ، و إلى اللبيب العادل العاقل التحاكم و لا يعبأ الله و عباده بغيره شيئا ، والله سبحانه لا يخصص شيئا ، ولا يفضله ويرجحه ؛ إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله .
نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه ، فهو الذي خلقه ، ثم اختاره بعد خلقه ، وربك يخلق ما يشاء ويختار" انتهى .
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "الصفدية" (1/ 220 – 221) ما نصه :
"كذلك ما خص به الكعبة الحرام من حين بناه إبراهيم وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقيره وانجذاب القلوب إليه ، و من المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم ، ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان ، و الكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع ، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها ، و لا عنده عسكر يحميه من الأعداء ، و لا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس ، بل كثيرا ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله ، و مع هذا ؛ فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوى إليه ما لا يعلمه إلا الله .
و قد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ما أذل به رقاب أهل الأرض ، حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة ، فيكونون هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس .
و هذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر ، و قوى نفوسهم وأبدانهم ، و الذي بناه قد مات من ألوف السنين .
ولهذا كان أمر البيت مما حير الفلاسفة والمنجمين والطبائعية ؛ لكونه خارجا عن قياس عقولهم وقوانين علومهم ، حتى اختلقوا لذلك من الأكاذيب ما يعلمه كل عاقل لبيب ؛ مثل قول بعضهم : إن تحت الكعبة بيتا فيه صنم يُبَخَّرُ ، و يصرف وجهه إلى الجهات الأربع ؛ ليقبل الناس إلى الحج
!
وهذا مما يعلم كل من عرف أمر مكة أنه من أبين الكذب ، و أنه ليس تحت الكعبة شيء من هذا ، و أنه لا ينزل أحد من أهل مكة إلى ما تحت الكعبة ولا يحفره أحد ، و لا يبخر أحد شيئا هناك ، و لا هناك صنم ولا غير صنم !!
وكان ابن سبعين وأمثاله من هؤلاء يحارون من هذا ، و ربما قالوا : ليت شعرنا ؛ ما هو الطَّلْسَمُ الذي صنعه إبراهيم الخليل حتى صار الأمر هكذا ؟
وهم يعلمون أن أمور الطلاسم لا تبلغ مثل هذا ، و أنه ليس في الأرض ما يقارب هذا ، و أن الطلاسم أمور معتادة معروفة بأسباب معروفة ، و لهذا يصنع الرجل طلسما ويصنع الآخر مثله أو أعظم منه ، و أما هذا ؛ فخارجٌ عن قدرة البشر .
و ليس في الوجود طلسم يستحوذ على أهل الأرض ، و لا يتصرف في قلوب أهل الأقاليم الثلاثة ، وهم أفضل الإنس ، وأكملهم عقولا و أديانا ، و الطلاسم إنما يقوى تأثيرها إذا ضعف العقل ، فيؤثر في الجماد أكثر من الحيوان ، و يؤثر في البهائم أكثر من الأناسي ، و يؤثر في الصبيان و المجانين أكثر من العقلاء ، و هكذا تأثير الشياطين ، كلما ضعفت العقول ؛ قوي تأثيرهم" انتهى .

* خصائص مدينة النبي صلى الله عليه وسلم 27 :
وأما الدار النبوية الشريفة : طيبة ، و طابة الطيبة ، دار الهجرة ، المدينة النبوية المنورة ؛ كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :
بطيبة رسم للرسول ومعهد منير وقد تعفو الرسوم وتهمد
فلها من الخصائص الشريفة :
1. تسميتها (حرما) ؛ مثل مكة – حرسهما الله تعالى - :
وليس في الدنيا ما يطلق عليه اسم الحرم سواهما ؛ إلا أن مكة يقال لمسجدها : المسجد الحرام أما المدينة ؛ فلا يقال لمسجدها : الحرم ، و لا المسجد الحرام ، و إنما يقال : مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
و لهذا ؛ فلا يقال للمسجد الأقصى : ثالث الحرمين ؛ لأن لفظ (الحرم) لا يطلق عليه ، و قد بيَّنْتُ ذلك في "معجم المناهي اللفظية" .
2. تحريمها كان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم :
وكان ذلك سنة تسع من الهجرة ، بعد غزوة خيبر ، أما مكة –حرسها الله تعالى- ؛ فتحريمها على لسان نبي الله إبراهيم عليه السلام .
3. المدينة حرم آمن ؛ مثل مكة :
فعن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهوى بيده إلى المدينة ، و قال : "إنها حرم آمن" .
رواه مسلم .
وحرمها ما بين لابَتَيها -ويقال : ما بين مَأْزَمَيْها ، وهما الحرتان ؛ شرقا وغربا- ، و يحدها شمالا وجنوبا جبلان : جبل أحد شمالا ، و جبل عَيرٍ جنوبا . و يقال : شمالا جبل ثور ، و هو جبل صغير خلف أحد ، و قد غلط من الفقهاء من ظن أن ثورا هو الذي بمكة ، و معناه إخراج المدينة من المحدود ، فلا تكون حرما 28.
4. وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بأدعية عامة ، و خاصة :
أ‌. فمن العامة قوله صلى الله عليه وسلم :
"اللهم اجعل في المدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" .
متففق عليه .
ب. ومن الخاصة : دعاؤه صلى الله عليه وسلم بأن يبارك الله في صاعها ، ومدها ، وأن ينقل الله حماها إلى الجُحْفَةِ 29 وهي مهيعةٌ .
5. إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يأرز و ينحاز إلى المدينة – زادها الله شرفا- .
6. وقد خص النبي صلى الله عليه وسلم أهلها وسكانها بأمور ؛ منها ما يلي :
أ‌. عن جابر –وذكر قصة– أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"إنما المدينة كالكير ؛ تنفي خَبَثَها ، وينصع طِيبُها" .
رواه البخاري ومسلم .
ب. عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ؛ إلا مكة والمدينة ، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، ثم ترتجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فيخرج الله كل كافر ومنافق" .
متفق عليه .
ج. ما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ؛ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد ؛ إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة" .
رواه مسلم .
د. وما في حديثه –أيضا– أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"من استطاع أن يموت بالمدينة ؛ فليمت ؛ فإني أشفع لمن يموت بها" .
رواه أحمد ، و الترمذي ، و ابن ماجة .
هـ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"من أراد أهل المدينة بسوء ؛ أذابه الله كما يذوب الملح في الماء" .
رواه مسلم .
و. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحد رغبة عنها ؛ إلا أبدل الله فيها من هو خير منه ... ".
رواه مسلم .
ز. لا يدخلها الطاعون . كما في حديث عن البخاري ومسلم .
وبحثه في "بذل الماعون" لابن حجر ص 102 ، 204 .

7. ومدينة النبي صلى الله عليه وسلم لها أحكام فقهية خاصة بها :
أ‌. فلا ينفر صيدها ، ولا يقتل ، وجزاء الصائد وعقوبة فاعل ذلك : سَلْبُه .
ب.ولا يقلع منها شجرة ، وأبيح ذلك لرجل يعلف بعيره .
ج. ولا تلتقط لقطتها .
د. ولا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال .
هـ. لا تقتل حياتها إلا بعد إيذانها ثلاثة أيام.
8. خصائص لبعض ثمارها :
عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من أكل سبع تمرات مما ببين لابتيها حين يصبح ؛ لم يضره سم حتى يمسي" . رواه مسلم .
وفي رواية عنده وعند البخاري تقيده بالعجوة . وفي رواية لمسلم : "إن في عجوة العالية شفاء" .
وفي "مسند أحمد" وغيره : "العجوة من الجنة ، وهي شفاء..." الحديث.

9. خصائص لبعض بقاعها وجبالها في الفضل والفضيلة :
أ‌. فضل المسجد النبوي الشريف ، وفضل الصلاة فيه .
و يشترك مع مسجدي مكة و المقدس بمضاعفة أجر الصلاة ، و مشروعية شد الرحل ؛ على ما هو مشهور في السنة .
ب. فضل الروضة من مسجده صلى الله عليه وسلم ، وأنها ما بين بيته و منبره صلى الله عليه وسلم .
ولم يأت في لفظ صحيح أنها ما بين قبره ومنبره ، وإنما كان ذلك بعدُ ، باعتبار ما كان من قبر النبي صلى الله عليه وسلم في بيته .
ج. فضل صلاة ركعتين في مسجد قباء ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت ماشيا وراكبا .
د. وادي العقيق : وادٍ مبارك .
هـ. جبل أحد : ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله :
"جبل أحد يحبنا ونحبه" .
متفق عليه ، في غيره من الأحاديث .
10. ومنها : تحريم الإحداث فيها ، وإيواء من أحدث حدثا ، وعقوبة من فعل ذلك بأن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين :
كما في حديث الخليفة الراشد علي رضي الله عنه المشهور بحديث الصحيفة 30 والله أعلم .


3. خصائص عرب الجزيرة
العرب قومٌ شِراف ، يَزِنُونَ الحياة بغير ما تَزِنها به أمم البطون و الفروج ، و موازينهم في الحياة تدور على قطبٍ واحد ، وهو : المَحْمَدَةُ ، و الذكر الحسن .
وفي حدِّهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى 31 :
"و اسم (العرب) في الأصل كان اسما لقوم جمعوا ثلاثة أوصاف :
أحدها : أن لسانهم كان باللغة العربية .
الثاني : أنهم كانوا من أولاد العرب .
الثالث : أن مساكنهم كانت أرض العرب ، و هي جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة ، و من أقصى حَجَرٍ باليمن إلى أوائل الشام ؛ بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ، ولا تدخل الشام .
و في هذه الأرض كانت العرب حين البعث و قبله ، فلما جاء الإسلام وفتحت الأمصار ؛ سكنوا سائر البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب ، و إلى سواحل الشام وأرمينية ، وهذه كانت مساكن فارس والروم والبربر وغيرهم .
ثم انقسمت هذه البلاد قسمين :
منها : ما غلب على أهله لسان العرب ، حتى لا تعرف عامتهم غيره
أو يعرفونه و غيره ، مع ما دخل على لسان العرب من اللحن و هذه غالب مساكن الشام والعراق ومصر والأندلس ونحو ذلك ، و أظن أرض فارس وخراسان كانت هكذا قديما .
و منها : ما العُجمة كثيرة فيهم أو غالبة عليهم ؛ كبلاد الترك و خراسانَ وأرمينيةَ وأذربيجان ونحو ذلك .
فهذه البقاع انقسمت إلى ما هو عربي ابتداء ، و ما هو عربي انتقالا ، و إلى ما هو أعجمي .
و كذلك الأنساب ثلاثة أقسام :
قوم من نسل العرب ، و هم باقون على العربية ؛ لسانا ودارا ، أو لسانا لا دارا ، أو دارا لا لسانا .
و قوم من نسل العرب ، بل من نسل هاشم ، ثم صارت العربية لسانهم ودارهم أو أحدهما .
و قوم مجهولو الأصل ، لا يدرون : أَمِنْ نسل العرب هم أو من نسل العجم ؟ و هم أكثر الناس اليوم ، سواء كانوا عرب الدار واللسان ، أم عجما في أحدهما .
و كذلك انقسموا في اللسان ثلاثة أقسام :
قوم يتكلمون بالعربية لفظا ونغمة .
و قوم يتكلمون بها لفظا لا نغمة ، و هم المتعرِّبون الذين ما تعلموا اللغة ابتداء من العرب ، و إنما اعتادوا غيرها ، ثم تعلموا ؛ كغالب أهل العلم ممن تعلم العربية .
و قوم لا يتكلمون بها إلا قليلا .
و هذان القسمان : منهم من تغلب عليه العربية ، و منهم من تغلب عليه العجمة ، و منهم من يتكافأ في حقه الأمران : إما قُدرةً و إما عادةً .
فإذا كانت العربية قد انقسمت نسبا و لسانا و دارا ، فإن الأحكام تختلف باختلاف هذا الانقسام ، خصوصا النسب واللسان" انتهى .
و لفاضل مزاياهم ظهر الإسلام فيهم ، واصطفى الله نبيه ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم منهم ، فكانت النبوة من أصلابهم ، و ترشحوا حَمَلَةَ نشر الرسالة الأُوَل ، و صار اعتقاد فضلهم على غيرهم من أصول الاعتقاد في الإسلام .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى 32 :
"فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة : اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم ؛ عِبرانِيِّهِم و سريانيهم ، رومهم و فرسهم ، و غيرهم ، و أن قريشا أفضل العرب ، و أن بني هاشم أفضل قريش ، و أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو ، أفضل الخلق نفسا ، و أفضلهم نسبا ، و ليس فضل العرب ، ثم قريش ، ثم بني هاشم ؛ بمجرّدِ كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، و إن كان هذا من الفضل ، بل هم في أنفسهم أفضل ، و بذلك ثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نفسا ونسبا ، و إلا لزم الدَّوْرُ33 " .
"و لله تعالى حِكَمٌ بالغة في أن اختار لهذه الرسالة رجلا عربيا ، و ليس هذا موضعَ بيان ما بلغ إليه العلمُ من تلك الحكم ، و قد قال الله تعالى : {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
بيدَ أنَّا نقول : إن الرسول لما كان عربيا ؛ كان بحكم الضرورة يتكلم بلسان العرب ، فلزم أن يكون المتَلَقُّون منه الشريعةَ بادئَ ذي بدءٍ عربًا ، فالعرب هم حملة شريعة الإسلام إلى سائر المخاطَبين بها ، و هم من جملتهم ، و اختارهم الله لهذه الأمانة ؛ لأنهم يومئذ قد امتازوا من بين سائر الأمم باجتماع صفات أربع لم تجتمع في التاريخ لأمة من الأمم ، و تلك هي : جودة الأذهان ، و قوة الحوافظ ، و بساطة الحضارة والتشريع ، و البعد عن الاختلاط ببقية أمم العالم .
فهم بالوصف الأول أهل لفهم الدين و تَلَقِّيه .
و بالوصف الثاني أهل لحفظه ، و عدم الاضطراب في تلقيه .
و بالوصف الثالث أهل لسرعة التخلُّق بأخلاقه ، إذ هم أقرب إلى الفطرة السليمة ، و لم يكونوا على شريعة معتد بها مماثلة حتى يصمموا على نصرها .
و بالوصف الرابع أهل لمعاشرة بقية الأمم ، إذ لا حزازات بينهم و بين الأمم الأخرى ؛ فإن حزازاتِ العرب ما كانت إلا بين قبائلهم ؛ بخلاف مثل الفرس مع الروم ، و مثل القبط مع الإسرائيليين .
و لا عبرة بما جرى بين بعض قبائل العرب و بين الفرس و الروم في نحو يوم ذي قار ، و يوم حليمة ؛ لأنها حوادث نادرة ، على أن العرب كانوا فيها يقاتلون انتصارا لغيرهم من الفرس أو الروم ، فإِحَنُهُم معهم محجوبة بإِحَنِ مَن قاتلوهم وراءهم" انتهى 34 .
ولهذا ذكر أبو محمد حرب بن إسماعيل بن خلف الكِرمانيُّ صاحب الإمام أحمد ، في وصفه للسنة التي قال فيها :
"هذا مذهب أهل العلم ، و أصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها ، المقتدى بهم فيها ، و أدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها ، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب ، أو طعن فيها ، أو عاب قائلها ؛ فهو مبتدع ، خارج عن الجماعة ، زائل عن منهج السنة و سبيل الحق ، و هو مذهب أحمد ، و إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد 35 ، و عبد الله بن الزبير الحميدي ، و سعيد بن منصور ، و غيرهم ؛ ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم .
فكان من قولهم : إن الإيمان قول وعمل ونية ..." .
وساق كلاما طويلا إلى أن قال :
"و نُقِرُّ للعرب حقها وفضلها وسابقتها ، و نحبهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الحبُّ للعرب إيمان و بُغضهم نفاق" 36 ، و لا نقول بقول الشعوبية و أراذل الموالي ، الذين لا يحبون العرب ، و لا يقرون فضلهم ، فإن قولهم بدعة و خلاف" .
و عن خصائصهم تتبعتُ وقيدتُ كثيرا ، فوجدت أن ما وقفت عليه مشمول بما هو مدون في كتاب "أم القرى" 37 (ص 218 – 222) ، وعنه في "مجلة المنار" (5/ 861 – 862) ، فها أنا ذا أسوقه باختصار قليل :
"وحيث كانت الجمعية لا يعنيها غير أمر النهضة الدينية ؛ بناءً عليه ؛ رأت الجمعية من الضروري أن تربط آمالها بالجزيرة وما يليها ، وأهلها ومن يجاريهم ، وأن تبسط لأنظار الأمة ما هي خصائص الجزيرة وأهلها والعرب عموما ، وذلك لأجل رفع التعصب السياسي أو الجنسي .
و لأجل إيضاح أسباب مَيْل الجمعية للعرب فنقول :
1. الجزيرة هي مشرق النور الإسلامي .
2. الجزيرة فيها الكعبة المعظمة .
3. الجزيرة فيها المسجد النبوي ، و فيه الروضة المطهرة .
4. الجزيرة أنسب المواقع لأن تكون مركزا للسياسة الدينية ؛ لتوسطها بين أقصى آسية شرقا وأقصى إفريقية غربا .
5. الجزيرة أسلم الأقاليم من الأخلاط ؛ جنسية ، وأديانا ، ومذاهب .
6. الجزيرة أبعد الأقاليم عن مجاورة الأجانب .
7. الجزيرة أفضل الأراضي لأن تكون ديار أحرار ؛ لبعدها عن الطامعين والمزاحمين ؛ نظرا لفقرها الطبيعي .
8. عرب الجزيرة هم مؤسسو الجامعة الإسلامية ؛ لظهور الدين فيهم 38 .
9. عرب الجزيرة مستحكم فيهم التخلق بالدين .
10. عرب الجزيرة أعلم المسلمين بقواعد الدين ؛ لأنهم أعرقهم فيه ، ومشهود لهم بأحاديث كثيرة بالمتانة في الإيمان .
11. عرب الجزيرة أكثر المسلمين حرصا على حفظ الدين ، وتأييده ، والفخار به ؛ خصوصا والعصبية النبوية لم تزل قائمة بين أظهرهم في الحجاز ، واليمن ، وعمان ، وحضرموت ، والعراق ، وإفريقيا .
12. عرب الجزيرة لم يزل الدين عندهم حنيفا ، سلفيا ، بعيدا عن التشديد و التشويش .
13. عرب الجزيرة أقوى المسلمين عصبية ، وأشدهم أنفة ؛ لما فيهم من خصائص البدوية .
14. عرب الجزيرة أمراؤهم جامعون بين شرف الآباء والأمهات والزوجات فلم تختل عزتهم .
15. عرب الجزيرة أقدم الأمم مدنية مهذبة ؛ بدليل : سعة لغتهم ، وسمو حكمتهم وأدبياتهم .
16. عرب الجزيرة أقدر المسلمين على تحمل قشف المعيشة في سبيل مقاصدهم ، و أنشطهم على التغرب و السياحات ، وذلك لبعدهم عن الترف المذلّ أهله .
17. عرب الجزيرة أحفظ الأقوام على جنسيتهم وعاداتهم ، فهم يخالطون و لا يختلطون.
18. عرب الجزيرة أحرص الأمم الإسلامية على الحرية والاستقلال وإباء الضيم 39.
19. العرب عموما لغتهم أغنى لغات المسلمين في المعارف ، و مصونة بالقرآن الكريم من أن تموت .
20. العرب لغتهم هي اللغة العمومية بين كافة المسلمين البالغ عددهم 300 مليون 40.
21. العرب لغتهم هي اللغة الخصوصية لمئة مليون من المسلمين وغير المسلمين .
22. العرب أقدم الأمم اتباعا لأصول تساوي الحقوق وتقارب المراتب في الهيئة الاجتماعية .
23. العرب أعرق الأمم في أصول الشورى في الشئون العمومية 41.
24. العرب أهدى الأمم لأصول المعيشة .
25. العرب من أحرص الأمم على احترام العهود عِزَّةً ، واحترام الذمة إنسانيةً ، واحترام الجوار شهامةً ، وبذل المعروف مروءةً .
26. العرب أنسب الأقوام لأن يكونوا مرجعا في الدين وقدوة للمسلمين ، حيث كان بقية الأقوام قد اتبعوا هديهم ابتداء ؛ فلا يأنفون عن اتباعهم أخيرا .
... و الجمعية تسأل الله تعالى أن يوفق ملوك المسلمين وأمراءهم للتصلب في الدين ، و للحزم ، و العزم ، عساهم يحفظون عزهم وسلطانهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأن يحميهم من التعصب السيئ للسياسات والجنسيات ، ومن الكبر والأنفة ، و من التخاذل والانقسام ، ومن الانقياد إلى وساوس الأجانب الأضداد ، وإلا ؛ فينتابهم الخطر القريب المحدق بهم ، وتتخاطفهم النسور المحلقة في سمائهم .
و الله الموفق ، وإليه ترجع الأمور" انتهى باختصار يسير .

* * *


4. خصائص قوم النبي صلى الله عليه وسلم و عترته
وعن مزايا قوم النبي صلى الله عليه وسلم و عترته واستعدادهم للنهوض بدعوته كتب كثير من العلماء ، وبخاصة الذين ألفوا في أحوال العرب 42.
وللشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى مبحث نفيس في رسالته "خلاصة السيرة المحمدية" (4 – 16) ، حيث قال ما نصه :
"مزايا قومه و عترته ، و استعدادهم للنهوض بدعوته صلى الله عليه وسلم :
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} ، إذ جعل فيهم النبوة و الهداية للمتقدمين و المتأخرين .
ثم إن الله تعالى اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، و اصطفى قريشا من كنانة ، و اصطفى من قريش بني هاشم ، و اصطفى سيد ولد آدم من بني هاشم ، فكان آل إسماعيل أفضل الأولين و الآخرين ، كما كان بنو إسحاق أفضل المتوسطين ، إذ كانت هداية الأنبياء من بني إسحاق و غيرهم خاصة ، و هداية هذا النبي من آل إسماعيل عامة ، فبه أكمل الله تعالى الدين ، و أتمّ نعمته على العالمين ؛ كما اقتضته سنّته تعالى في النشوء و الارتقاء ، التي كانت في البشر أظهر منها في سائر الأحياء .
كيف كان اصطفاء الله تعالى لهذه الأصول من الأمة العربية ، الذي ثبت في "صحيح مسلم" و "سنن الترمذي" من كتب السنّة السَّنيَّةِ ؟
و بماذا امتاز قوم خاتم الرسل الكرام ، ففَضَلوا به غيرهم من الأقوام ، حتى استعدوا به لهذا الإصلاح الروحي المدني العام ، الذي اشتمل عليه دين الإسلام ، على ما طرأ عليهم من الأمية و عبادة الأصنام ، وما أحدثت فيهم غَلَبَةُ البداوةِ من التفرق و الانقسام و العدوان و الخصام ؟
الجواب:
كانت العرب ممتازةً باستقلال الفكر، و سعة الحرية الشخصية ؛ أيام كانت الأمم ترسف في عبودية الرياستين الدينية و الدنيوية ، محظورا عليها أن تفهم غير ما يلقنها الكهنة ورجال الدين من الأحكام الدينية ، وأن تخالفهم في مسألة عقلية أو كونية أو أدبية ؛ كما حظرت عليها الحكومات المستبدة حرية التصرفات المدنية والمالية .
كانت العرب ممتازة باستقلال الإرادة في جميع الأعمال ؛ أيام كانت الأمم مذللة مسخرة للملوك و النبلاء ، المالكين للرقاب و الأموال ، يستخدمونها كما يستخدمون البهائم ، و يصرِّفونها كما يصرِّفون السوائم ، لا رأي لها معهم في سِلم و لا حرب ، و لا إرادة لها دونهم في عمل و لا كسب .
كانت العرب ممتازة بعزة النفس ، و شدة البأس ، و قوة الأبدان ، و جرأة الجنان ، أيام كانت الأمم مؤلفة من رؤساء أفسدهم الإسراف في الترف ، و مرؤوسين أضعفهم البؤس و الشَّظَف ، و سادةً أبْطَرَهم بغي الاستبداد ،و مَسودِين أذلّهم قهر الاستعباد .
كانت العرب ممتازة بالذكاء و اللوذعية ، و كثيرٍ من الفضائل الموروثة و الكسبية ؛ كقِرى الضيوف ، و إغاثة الملهوف ، و النجدة و الإباء ، و علو الهمة و السخاء ، و الرحمة و الإيثار ، و حماية اللاجئ و حرمة الجار ، أيَّامَ كانت الأمم مُرهقةً بالأثَرَة و الأنانية ، و ثِقَل الضرائب و الأتاوي الأميرية ، و رؤساؤها منغمسين في الشهوات البهيمية ، و فسادُ الأخلاق قد عمَّ الراعي و الرعية .
كانت العرب قد بلغت أوج الكمال في فصاحة اللسان ، و بلاغة المقال ، و كادت تتحد لغات قبائلها أو لهجاتها العربية ، و بَزَّت المُضَرِيَّةُ منها الحِمْيَرِيَّة ؛ بما كان لقريشٍ و غيرها من الرِّحلات التجارية و الأسواق الأدبية .
فتلك كبريات مزايا الأمة العربية ، التي أعدها الله تعالى بها للبعثة المحمدية ، و السيادة الدينية و المدنية ، بعد أن طال العهد على مدنيتهم العاديَّة ، و استعمارهم للبلاد الكَلدانية و البابلية ، و البلاد الفينيقية و المصرية ، التي تشهد لها سيادةُ لغتهم للُّغات الساميَّة ، و بقاياها في اللغة الهيروغليفية ، و بعد أن غَلبت عليهم الأُمِّيَّة ، و فَشَتْ فيهم خُرافات الوثنية و عصبيةُ الجاهلية .
و جملةُ مزاياهم أنهم كانوا أسلم فطرةً على كون أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فنٍّ و صناعة .
و الإصلاح الإسلامي مبنيٌّ على تقديم إصلاح الأنفس ؛ باستقلال العقل و الإرادة ، و تهذيب الأخلاق ، و حرِّية الوجدان ، على إصلاح ما في الأرض من معدن و نبات وحيوان .
و بهذا كان الله تعالى يُعِدُّ هذه الأمة للإصلاح العظيم ، الذي جاء به محمدٌ عليه من الله أفضل الصلاة و التسليم .
اصطفاء كنانةَ و قريشٍ و بني هاشم :
أما اصطفاء الله لكنانةَ الشيخِ الجليلِ ، من سلالةِ نبيه الذَّبيحِ إسماعيل ؛ فيفسِّره ما كانت تحفظُهُ العربُ من أخبار كرمه ونبله ، حتى نقل الحافظ في "شرح البخاري" أنهم كانوا يحُجُّون إليه لعلمه و فضله ، و كان على سُنَّةِ جدِّه إبراهيمَ الخليلِ ؛ لا يأكل وَحْدَهُ .
و مما يؤثَر عنه من الحِكَمِ الجليلة –كما روي في "السيرة الحلبية"- : رُبَّ صورة تخالف المخبرة ، قد غرَّتْ بجمالها ، و اختُبِر قُبْحُ فِعَالها ، فاحذر الصُّوَرَ ، و اطلب الخُبْرَ .
فهذا دليل على ما وصف به من العلم و الحكمة .
و أما حج العرب إليه ؛ فهو دليل على أنه كان مثابة التعارف ، و معقِدَ رابطةِ الاجتماع والتآلف .
و أما اصطفاء الله تعالى لقريشٍ الميامين الغرّ –و هم ذرية فهر بن مالك ، و قيل : جده النضر- ؛ فقد كان بما آتاهم من المناقب العظام ، و لا سيما بعد سكنى مكة ، و خدمة المسجد الحرام ، إذ كانوا أصرح ولد إسماعيل أنسابا ، و أشرفهم أحسابا ، و أعلاهم آدابا ، و أفصحهم ألسنة ، و هم الممهَّدون لجمع الكلمة .
فقد نقل أهل السِّيَر أن مالك بن النضر كان ملك العرب ، و أن كعب بن لؤي كان يجمع قومه و يعظهم يوم الجمعة ، و كانوا يسمونه يوم العَروبة ، و أنهم كانوا يجلونه في حياته ، ثم أرخوا بموته بعد وفاته ، و أن قصيا جمع شمل قبائل قريش بمكة ، إذ كان هو الوارث لمن كانوا يتولونها من خزاعة ، و قد تملك عليهم فملكوه ؛ إلا أنه قد أقر للعرب ما كانوا عليه ، و ذلك أنه كان يراه دينا في نفسه ، لا ينبغي له تغييره و لا لغيره من بعده .
قال ابن إسحاق : و هو الذي أنشأ الندوة ، و جعل بابها إلى الكعبة ، و قد أجمعت قريش على طاعته و حبه ، فكانت إليه الحجابة و السقاية و الرفادة و اللواء ، ثم وزعت المناصب بعده على الزعماء .
فجملة ما امتاز به آله صلى الله عليه وسلم على سائر قومه الأخلاق العلية ، و الفواضل العملية ، و الفضائل النفسية ، و كانوا أبعد من سائر قريش عن الكبر و الأثرة و الأمور الحربية ، و لذلك غُلبوا على الرياسة حتى بعد الإسلام ، و حكمة ذلك ظاهرة لأولي الأحلام ، فهو أنفى للشُّبَه عن رسالته عليه أفضل الصلاة و السلام" انتهى ملخصًا .
و عما اختصت به العرب من العلوم يقول ابن فارس رحمه الله تعالى في "الصاحبي" (ص76 – 77) ما نصُّه :
"باب ذكر مَا اختصت بِهِ العرب :
من العلوم الجليلة الَّتِي اختصت بِهَا العرب : الإعرابُ ، الَّذِي هو الفارق بَيْنَ المعاني المتكافِئَة فِي اللفظ ، وبه يعرف الخبر الَّذِي هو أصل الكلام ، ولولاه مَا مُيّز فاعلٌ من مفعول ، ولا مضافٌ من مَنْعوتٍ ، ولا تَعَجُّبٌ من استفهام ، ولا صَدْرٌ من مصدَر ، ولا نعتٌ من تأكيدٍ.
وذكر بعض أصحابنا أن الإعراب يختص بالأخبار .
وَقَدْ يكون الإعراب فِي غير الخبر أيضاً؛ لأنّا نقول : "أزيدٌ عندك?" و "أزيداً ضربتَ?" فقد عَمِل الإعراب وَلَيْسَ هو من باب الخبر.
ورغم ناس يُتَوقَّفُ عن قَبول أخبارهم أن الذين يُسمَّون الفَلاسِفةَ قَدْ كَانَ لهم إعرابٌ ومؤلَّفاتُ نحوٍ.
قال أحمد بن فارس : وهذا كلام لا يـُعَرَّجُ عَلَى مثله. وإنما تَشَبّهَ القوم آنفاً بأهل الإسلام ، فأخذوا من كتب علمائنا، وغَيَّروا بعض ألفاظها، ونسبوا ذَلِكَ إِلَى قوم ذَوي أسماء منكرةٍ ؛ بتراجمَ بَشِعَةٍ لا يكاد لسان ذي دين ينطق بِهَا، وادَّعوا مع ذَلِكَ أن للقوم شعراً ، وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن.
بلى ؛ الشِّعر شِعر العرب، ديوانُهم ، وحافظ مآثِرهم ، ومُقيّدُ أحسابهم .
ثُمَّ للعرب العَروض ، الَّتِي هي ميزان الشِّعر، وبها يُعرف صحيحه من سقيمه ، ومن عرف دقائقه وأسراره وخفاياه ؛ علم أنه يُرْبي عَلَى جميع مَا يتبَجَّحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء ؛ من الأعداد ، والخطوط ، والنُّقَطِ ؛ الَّتِي لا أعرف لَهَا فائدة ؛ غير أنها مع قلة فائدتها ، تُرِقّ الدّين ، وتنتج كل مَا نعوذ بالله منه .
وللعرب حفظ الأنساب ، وَمَا يُعلَم أحدٌ من الأمم عُني بحفظ النسب عناية العرب.
قال الله جلّ ثناؤه : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ، فهي آية مَا عَمِل بمضمونها غيرُهم.
ومما خصَّ الله جلَّ ثناؤه بِهِ العَربَ : طهارتُهم ، ونَزاهَتُهم عن الأدناس الَّتِي استباحها غيرهم ؛ من مخالَطَةِ ذوات المحارِم . وهي منقبة تَعْلو بِجَمالها كلَّ مأثرةٍ .
والحمد لله." انتهى .
وهكذا ...
وفي أعقاب خاتمة الرسالات لنبينا ورسولنا محمد بن عبدالله المُطَّلِبِيِّ الهاشميّ صلى الله عليه وسلم كانت دعوة التجديد على يد الشيخ محمد بن عبدالوهاب المتوفى سنة 1206 رحمه الله ، الذي نصب راية الدعوة إلى التوحيد ، وإحياء ما اندرس من معالم الدين ، والتي لا يزال ينعم بها من شاء الله من عباده في هذه الجزيرة وخارجِها .
وفي الحاضر : هذه اليقظة الإسلامية التي نشاهدها اليوم ؛ فإن هذه الدعوة المباركة تمثل الزاد النقيَّ لهذه اليقظة على منهاج النبوة ؛ سليمةً من الأهواء والأوهام و الانحرافات ، مُبَرَّأَةً من مظاهر الشرك و تبعات الغلو .
وهكذا يمتد رواقها في العالم الإسلامي ؛ لأنها تمثل الإسلام تماما كما أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
وفي المستقبل -على مشارف الساعة ، في أيام الفتنة الكبرى ؛ قتنة المسيح الدجال- ؛ فإن الرجلَ المؤمنَ الذي تتحطَّمُ على يده هذه الفتنةُ هو من أهل هذه الجزيرة ؛ كما في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، المتفق عليه .
وفي هذا إشارة وإيماء إلى أن كل فتنةٍ عمياءَ صماءَ تجتاح بلاد الإسلام ؛ تتحطم على صخرة هذه الجزيرة ، وإذا كانت فتنة الدجال هي أعظم فتنة من لَدُن نوحٍ عليه السلام إلى قيام الساعة ، ويكون تحطيمها على يد رجل مؤمن من هذه الجزيرة ؛ فإن كل فتنة دونها ستتحطم على يد أبناء هذه الجزيرة بإذن الله تعالى 43.

* * *





الفصل الخامس
الضمانات لحماية هذه الخصائص
كلما امتدّ رُواقُ الإسلامِ على أرضٍ ؛ فعُدَّها دار إسلام ، ومهما تعددت الولايات - العارضة -؛ فالجميع هو المملكة الإسلامية .
وعُدّ عاصمَتها جزيرةَ العرب ؛ لما لها من خصائصَ في الشرع تتميزُ بها ولا يُشاركها فيها غيرُها .
وَعُدَّ جميعَ المسلمينَ - مهما تعدّدت ديارُهم و ولاياتُهم - يكوِّنون الجامعةَ الإسلاميةَ . وعُدَّ عربَ الجزيرة فيها هم حُفّاظُ هذه الرابطة الدينية للجامعة الإسلامية ، وذلك لما لهم من خصالٍ وخصائصَ شريفةٍ لا يشاركُهم فيها غيرُهم .
وإذا كانت مدارجُ الشرفِ في الإسلام هي : الإسلامُ ، التقوى ، العلم ، النسب ، وكان أشرفُ الأنساب هو نسبُ العربِ وكان العربُ هم مادة الإسلام ؛ فعُدَّ عربَ الجزيرة هم صلبَ العربِ ، وهم مادةَ المسلمين بعد أن صفّاهم الله تعالى من نَتَنِ الجاهلية وغَلَيانِ العصبية القبلية ودعاوى الجاهليةِ ، فشرّفهم بالإسلام وحَطّمَ قيودَ الوثنية والنعراتِ القومية والسبلَ البعثية فلا وطنية ولا قومية لكنها الرابطة الإيمانية والأخوة الإسلامية ، وخاطبهم وغيرهم : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } وحفظ لهم ميزاتِهم وسرَّ اختيارهم حَمَلَةَ الرسالةِ الأولين .
إذا كان الحالُ كذلك ؛ فإن دارَ الإسلام أيـّاً كانت وإن المسلمين أيـّاً كانوا وفي الطليعة هذه الجزيرةُ وعربُها ؛ الكلُّ رأسُ مال تجب المحافظةُ عليه من التوى والضياع والفرقةِ والانقسام ، وتجب تربيته وتنميته واستصلاحُ أحوالهِ، وهذا أولى من مجاهدةِ الكفار لإدخالهم في الإسلام ؛ لأن استصلاح أحوال المسلمين وحفظَ بَيضَتِهم من باب المحافظة على رأس المال ، ومجاهدةُ الكافرين من باب طلبِ الربح .
وهل يَطلُبُ الربحَ من يفتقد رأسَ مالِه ؟! وهل يُوصَل إلى مجاهدةِ الكافرين والنصرةِ عليهم إلا بالمسلمين الذين يمثلون الطرازَ الأول السائرَ على منهاج النبوة .
وإذا كان الأمر كذلك ؛ فإن هذه الجزيرةَ من المنطقة الإسلامية " هي معقلُ الإسلام والمسلمين وعاصمته الخالدة وقلبُ العالم الإسلامي كمركزِ القلبِ في الجسم الإنساني ورأسِ مال المسلمين والخطِّ الأخيرِ في الدفاع عن الوجود الإسلامي " 44.
وهذه الجزيرة 45 " في العالم الإسلامي ( بمثابةِ ) مركزِ القلب في الجسم الانساني الذي إذا عاش وقَوِيَ وأدّى رسالته في الجهاز الجسمي والنظامِ الحيويِّ الصحي ؛ عاش الجسم وقوي وإذا دَبَّ الوهنُ إلى هذا القلب أو اعتلَّ وتخلّى عن وظيفته ودورِه أسرعَ إليه الموتُ واستولت عليه الأمراضُ والعللُ وعجزَ الأطباءُ الحاذقون عن إعادة الحياة إليه بالطرق الصناعية .
وقد أشار إلى هذه الصلةِ الدقيقة العميقة بين القلب والجسد الحديثُ الصحيح المشهور الذي جاء فيه : " ألا إن في الجسد مضغةً إذا صَلَحت صَلَح الجسدُ كلُّه وإذا فسدت فَسَدَ الجسدُ كله ألا وهي القلب " .
وذلك لأن الحجازَ مَهبِطُ الوحي ومبعثُ الإسلام ومصدرُ الدعوة الإسلامية ومركزُ الإسلام الدائمُ وعاصمته الخالدةُ وهو البلدُ المثاليُّ والمقياسُ الصحيح الدائمُ للحياة الإسلامية وتعاليمِ الإسلام العالمية وصلاحيتِها للبقاءِ والتطبيق وظهورِ المجتمع الإسلامي في حيويته وأصالته وجماله وقوته فالرسالةُ الإسلامية مهما كانت عالميةً آفاقيةً لا بُدَّ لها من مركزٍ يُعَدُّ مقياسًا وميزانا لعمليّتِها وواقعيتها ، وأسوةً وقدوة لجميع المدن والقرى والمجتمعات التي تؤمن بهذه الرسالة وتحتضن هذه العقيدةَ والدعوة .
والإنسان مفطور على البحث عن المقياس الصحيح والبلدِ المثالي والموئِلِ الذي يأوي إليه والمصدرِ الذي يستمِدُّ منه القوةَ والثقة والحماسة والاندفاعَ ؛ سواءٌ في الأديان والشرائع والنظم والفلسفات والحضارات والمدنيات والآداب والعادات واللغات واللهجات والأناقةِ والثقافة وسلامةِ الذوق ورِقّة الشعور .
فكان لكل دينٍ مركزٌ يحتجُّ بعمله وأعرافه ، وكان لكل حضارةٍ بلدٌ مثالي أو عاصمةٌ أو قاعدةٌ يستدلُّ بأساليبِ الحياة فيها، والأنماطِ المدنية ، والمثلِ الاجتماعية في نواحيها، ولكلِّ لغةٍ و أدبٍ مركزٌ يستند إليه في معرفة الصحيح الفصيح من التعبير والبيان ، ومناهجِ اللغة والكلام ، والحكمِ على المفردات واللغات بالصحة والخطإ ، و لكلِ عصرٍ إقليمٌ وبلدٌ مثالي يتظرَّف الناسُ ويتنبَّلون بتقليد عاداته وتقاليده ، واتخاذِ مُثُله وقِيَمِه أمثلةً كاملةً للحياةِ الراقيةِ والأخلاقِ الفاضلة .
وقد عَقَد الله بين العرب والإسلام ، ثم بين الحجاز والأمة الإسلامية ، ثم بين الحرمينِ الشريفينِ وقلوبِ المسلمين للأبد، وربط مصيرَ أحدِهِما بالآخر .
وقد حَرَصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان في ذلك نبيا مُلهَما وحكيما كلَّ الحكمة - على بقاءِ هذا الرباط الوثيق المقدَّس بين جزيرة العرب والإسلام فضلا عن الحجاز والحرمين الشريفين ، وحَرَصَ على سلامة هذا المركز وهدوئِه وشدةِ تمسّكه بهذا الدين وعضِّهِ عليه بالنواجذ؛ لأن العاصمةَ يجبُ أن تكون بعيدةً عن كلِّ تشويشٍ وعن كل فوضى وعن كل صراعٍ عقائدي أو مبدئي ، فشَرَعَ لذلك أحكاما بعيدةَ النتائج واسعةَ المدى ، وأوصى لذلك وصايا دقيقةً حكيمةً ، وأخذ لذلك من أصحابه وأمَّتِه عهودًا ومواثيقَ .
وقد ذكرت عائشةُ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها؛ قالت : كان آخرَ ما عَهِدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن قال : " لا يُترك بجزيرة العرب دينان " 46.
وعن رافعٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمَرَ ألانَدع في المدينة دينا غيرَ الإسلام إلا أُخرج ".
وعن جابر بن عبدالله قال : أخبرني عمرُ بنُ الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدَعَ فيها إلا مسلمًا " 47.
وأخذ بذلك الخلفاءُ الراشدونَ المهديُّون فكانوا ينظرون دائما إلى جزيرة العرب كمعقلٍ للإسلام ورأسِ مالِ الدعوة الإسلامية " انتهى .
لذلك ؛ فإن المُتعَيّن على أهل هذه الجزيرةِ ، وعلى من بسط اللهُ يده عليهم وعليها : المحافظةُ على هذه المَيِّزات والخصائصِ الشرعية ؛ليَظهر تميّزُها، وتبقى الجزيرةُ وأهلها مصدرَ الإشعاعِ لنور الإسلام على العالم .
وليُعلَم أنه كلما قَوِيَ هذا النورُ؛ امتدَّ هذا الإشعاعُ ، وكلما ضَعُفَ وتضاءَلَ في هذه الجزيرةِ وأهلِها؛ تقاصرَ .ولا حول ولا قوة إلا بالله .
ثم اعلم أن هذه الضَّماناتِ منها ما هو عامٌّ لأهلِ الإسلام مهما كانت ديارهم ومهما تعدَّدَ جنسهم ، لكنها تتأكد في حقِّ أهل هذه الجزيرة ، ومنها ماهو خاص بها لموجبِ النصِّ 48 .
ثم منها ما هو متيسِّرٌ إعمالُهُ ومنها ما فيه نوعُ عُسرٍ ومشقَّةٍ لاختلالِ الأحوالِ ، لكن نذكره معذرةً أمامَ اللهِ وأمامَ التاريخِ والأجيالِ المتعاقبةِ - والله المستعان -.
وإليك بيان بعضٍ منها :
1. كما تكون المحافظةُ على الحدودِ المكانيَّةِ لأيِّ إقليمٍ ولائيٍّ ؛ فإن المحافظةَ على الحدود الشرعية والخصائص المرعيةِ وصيانتِها لهذه الجزيرة واجبةٌ كذلك على من بسط الله يده عليها .
وعليه ؛ فإن النتيجة من المحافظة على الحدود الإقليميّةِ الولائيّةِ معاقبةُ من ينتهكها ، فكذلك من باب أولى تجب معاقبة من ينال من حدودها وخصائصها وحرماتِها الشرعيةِ بما يلاقي انتهاكَه شرعا.
2. سلطان الحاكمية فيها لا يجوز أن يكون لغير دولة التوحيد ، ورايةِ التوحيد .
ومن عجائب المقدور ولطائفِ الحيِّ القيوم ، ولأمر خيرٍ يريده الله - وهو سبحانه أعلمُ بالأحوال - في هذه الأمة المرحومة إن شاء الله تعالى : صار العَلَم الولائيُّ في قلب هذه الجزيرة يحمل كلمةَ التوحيد ، وهكذا كان اللواءُ الأبيض للنبي صلى الله عليه وسلم مكتوبا عليه " لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله " .
رواه أحمد والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما49.
ولهذا ؛ فإن الأعلامَ إن نُكِّسَت - ابتداعا- لموت العظماء ؛ فإن هذا هو العَلَمُ الوحيد الذي يكون تنكيسه من أشد مواطن الإثم والجُناح .
وبالجملة ؛ فلا تُساسُ الأمة بغير شرع الله الإسلام كما قال حسان رضي الله عنه :

وما الدين إلا أن تُقامَ شرائعٌ
وتُؤمَنَ سُــبلٌ بيننا وهِضابُ

واعلم أن أي شقاء في الأمة أو فسادٍ هو بسبب ما يُصَبُّ على الأمة من تحلِّلٍ وانحلال في إقامة الدين بين العباد .
3." اتخاذُ الحياةِ الإسلامية ؛ الحياة التي يرضاها اللهُ وينصُرُ عليها ، والحرصُ على إزالةِ جميعِ المنكرات وأسبابِ السخط ودواعي الخذلانِ والفشلِ في المجال الإداري والأخلاقِ الاجتماعية والفردية ، وتتبُّعُها تتبُّعا دقيقا، والحدُّ من الثراء الفاحش وتكدسِه في عددٍ محدود وطبقةٍ معينة ، وتقييدُ التجارةِ وحركةِ الاستيرادِ الحُرَّةِ على حساب أخلاقِ الشعب وفي مصلحةِ عددٍ محدودٍ جدا وطبقةٍ معينة ؛ فإن كل ذلك مما يمهِّد الأرض ويفتح الطريق للشيوعية المتطرِّفَة 50، والاشتراكيةِ المقَنَّعة . والحيلولة بقدر الإمكان وإلى أقصى الحدود؛ فإن ذلك مما يجحِفُ بالشعب ويجني على الأخلاق ويجعلُ الحسبةَ والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر شبهَ مستحيلٍ، وقد نبَّه نابغةُ العرب وفيلسوف المؤَرِّخين العلامةُ ابنُ خَلدون على ضرره وسوءِ أثرِهِ في الحياة " انتهى مُلخَّصا51 .
4. إخضاعُ كلِّ ما يجري ويصدُرُ على أرض هذه الجزيرةِ من أنظمةٍ وأوامرَ وتعليماتٍ وقوانينَ لمقاصد الإسلام وللمقاصد التي بنيت لها هذه الكعبةُ المشرفةُ واختيرت لها هذه الأرض لتكون مركزا للإسلام ومصدر إشعاع عالميا وللحكمة التي نبه عليها القرآن بقوله : { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) } .
5. إزالةُ التناقض بين إسلامية هذه الديار القائمةِ منذ فجر الرسالة وإلى يومنا هذا وبين كل ما ينافسها " في مجال الإعلام والتربية والمظاهرِ الاجتماعية واتجاهاتِ الشعب من اندفاعٍ مشهورٍ إلى الترفيه والتسلية والأغاني والملاهي والقَصَصِ المثيرة والبرامجِ المستوردة الرقيعة التي أفلت معها الزِّمامُ من يد المربّين والآباءِ والأساتذةِ والعلماء ، والتي لا يحتفظ معها أي شعب بالبقية الباقيةِ من الشعور الديني والحصانة الخُلُقية ولا يستعد للطوارئ والمفاجآت ولا يتحمل أقل صدمة أو خطر من الخارج " 52.
6. يجبُ على من بسط الله يده على أيٍّ من هذه الجزيرةِ منعُ سُكنى المشركينَ وإيوائهم ، وتطهيرُها منهم فضلا عن أن يكون لهم فيها أيُّ كيانٍ أو تملُّكٍ ، شائعًا أو مستقلا .
وإن وجد من له تملك فيها وجب على ولي الأمر بيعه لمسلم ولا يجوز إقراره عليه كما لو اشترى كافر مملوكا مسلما فإنه لا يجوز تملكه له ويجب تخليصه من ملكه : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)} فكذلك لا يجوز إقرار أرض من جزيرة العرب في ملك كافر 53.
وعليه ؛ فإن وجودَ أيِّ نظامِ يقضي بتملُّك الكافرِ في هذه الجزيرةِ يُعَدُّ من نواقضِ هذا الواجب ، فيجب إلغاء ما ينقضه .
أما وجودُ لَبِنَة على لَبنة لمعبد كافر : كنيسةٍ أو صومَعَةٍ أو بيتِ نارٍ.. وهكذا ؛ فهذا عينُ المبارزةِ والمحاربةِ لدينه وشرعه : الإسلامِ .
فلا يجوز أن يكون فيها محلُّ عبادةٍ إلا لمسجدٍ في الإسلام .
7. يجب على من ولاّهُ الله الأمرَ المنعُ الباتُّ من منح التجنُّسِ لأيِّ كافر أو مشرك لا يدين بالإسلام ، وتطهيرُها من التصرُّفات الجاهلية في ذلك .
8. وإذا كانتِ العِلّةُ الشرعيةُ في إخراجِ المشركين من هذه الجزيرةِ ، وعدمِ الرضا بأي كيان لهم فيها ، هي : لتبقى هذه الديارُ ديارَ إسلامٍ ، وأهلُها مسلمين ، فتسلمُ قاعدةُ المسلمين ، ويسلم قادتُهم من أي تهويد أو تنصير ... فإن الحكمَ يدور مع علته .
وعليه ؛ فلا يُفيد هذا الحكمُ القصرَ على إخراج أجسادِ المشركين من هذه الجزيرة ، بل يرمي إلى ما هو أبعدُ من ذلك إلى العلة التي من أجلها وجب إخراجهم منها وحَرُمَت سُكناهم فيها .
ولذا؛ فيشمل هذا الحكمَ إخراجُ نفوذهم وتوجيههم وحضارتهم ودعوتهم وتياراتهم المعادية للإسلام وعن كل ما يهدّد أخلاقيات هذه البلاد وينال من كرامتها .
فاحتفِظ - حَفِظنا الله وإياك بالإسلام - بهذا المَدرَكِ الفقهي ، و أسِّس عليه ما تراه من الضمانات بعدُ .
9. وعليه ؛ إذا كانت الجزيرةُ وبخاصةٍ قلبَها تثير حساسية المسلمين عند أي هجمة شرسة عليها من استيلاء استعماري أو فرض منهج عقدي أو سلوكي علني فإن العِدا والمبطنين لها سلكوا مسلك الوأد الخفي لعصب الحياة في العالم الإسلامي على أرض الجزيرة : الإسلام صافيا على منهاج النبوة وذلك بتسرب موجات الغزو تحت شعار الحضارة وقناع العلم وتكثيف اجتماعات ولقاءات تكسر حاجز النفرة من الأهواء المضلة وتذوب صفاء الحياة وتكدر صفوها وتقودها إلى تراقي الاحتضار .
وعليه ؛ فيجب أن يُحسب لهذا كلُّ حساب ، فليُرفَض كلُّ سابلة تؤدي إلى هذا المضمار .
ومن ألأم هذه المسالك ما يعود به عدد من المبتعثين من شباب هذه الأمة إلى ديار الكفر إذ يعودون وهم يحملون تحللا عقديا رهيبا منضوين تحت لواء حزبي مارق وفي لحظات يمسكون بأعمال قيادية عن طريقها ينفِّذون مخططاتهم ويدعو بعضهم بعضا فيتداعون على صالحي الأمة وعلى صالح أعمالها وهذا أضرّ داء استشرى في هذه الجزيرة فهل من متيقظ ؟! وهل من مستبصر ؟!
أما فتح المدارس العالمية الأجنبية الاستعمارية فهي صعقة غضبية يتناثر الصبر دونها ، فحرام فتحها ، وحرام دخول أولاد المسلمين فيها، وقد أفردت بشأنها كتابا- والحمد لله رب العالمين - .
10. وعليه ؛ فتجب ملاحقة البدع ومحاصرتها في أمر كلي أو جزئي وإن دقّ وتنظيف الجزيرة منها .
فإنه " متى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن ، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث " 54.
وإن وجد من يحمل حدثا وبدعة في الإسلام فتستصلح حاله أو يطرد من هذه الجزيرة وينفى عنها لأن الله إذا حرّم شيئا حرم الأسباب الموصلة إليه فقد حرم الشرع استيطان الكفار لهذه الجزيرة ، والأهواءُ المضلة سابقةُ الخروجِ من الملة ، والبدعُ بريدُ الكفر ، والمبتدعة خفراؤه ، فإذا تعذّر استصلاح حملة البدعة والنافخين في كيرها تعيّن نفيُهم حمايةً لحرمة قاعدة الإسلام وسَكَنَتها .
11. جزيرة العرب هي بارقة الأمل للمسلمين في نشر عقيدة التوحيد لأنها موئل جماعة المسلمين الأول وهي السُّور الحافظ حول الحرمين الشريفين فينبغي أن تكون كذلك أبدا فلا يسمح فيها بحال بقيام أي نشاط عقدي أو دعوي - مهما كان - تحت مظلة الإسلام ؛ مخالفا منهاج النبوة الذي قامت به جماعة المسلمين الأولى : صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدّده وأعلى مناره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .
فالجماعة واحدة : جماعة المسلمين تحت عَلَم التوحيد على طريق النبوة لا تتوازعُهم الفرق والأهواء ولا الجماعات والأحزاب .
وإن قبول أي دعوة تحت مظلة الإسلام تخالف ذلك هي وسيلةُ إجهازٍ على دعوة التوحيد وتفتيتٍ لجماعة المسلمين ، وإسقاطٍ لامتياز الدعوة ، وسقوطٍ لجماعتها ، وكسرٍ لحاجز النفرة من البدع والمبتدعين ، والفسق والفاسقين .
والجماعات إن استشرى تعددها في الجزيرة فهو خطر داهم يهدد واقعها ويهدم مستقبلها ويسلّم بيدها ملفَّ الاستعمار لها وبه تكون مجمّع صراع فكري وعقدي وسلوكي ينشأ عن ذلك 55 إسلامٌ إقليمي : فينشأ إسلام إيراني ، وإسلام تركي ، وإسلام هندي ، وإسلام أفغاني ، وإسلام أوروبي ، وإسلام أمريكي ويظهر في جانب من جوانب العالم الإسلامي الواسع تحريفٌ ديني أو مسخ للإسلام أو تنجح مؤامرة يحوكها رجل ذكي من أعداء الإسلام فلا تمكن مقاومتها والتغلب عليها وكان ذلك من حِكم مشروعية الحج وأسراره لأنه استعراضٌ عالميٌّ للأمم الإسلامية وطبقات الأمة المسلمة على صعيد واحد ووقت واحد في رحاب البيت الحرام الذي جعله الله ملتقى المسلمين وقياما للناس 56.
ولما كانت الجزيرةُ والحجازُ معقلَ الإسلام ومبدأه ومنتهاه ، والموئلَ الذي يأوي إليه الإسلامُ والمسلمون في ساعات عصيبة وأزمات مختلفة وفي آخر الزمان وقد جاء في بعض الأحاديث مايدلّ على ذلك فعن عمرو بن عوف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن الدين ليأرِزُ إلى الحجاز كما تأرِز الحيةُ إلى جُحرها ، وليعقِلَنَّ الدينُ من الحجاز مَعقِلَ الأَروِيَة من رؤوس الجبال " 57.
وعن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ، وهو يأرِزُ بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جُحرها " 58.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الإيمان ليأرِز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها " 59.
ولما كانت هذه الجزيرةُ وهذه البقاعُ المقدسة مصدرَ الإشعاعِ العالمي الإسلامي ، ومقياسَ قوةِ الإسلام وسلطانه ؛ كان علماء المسلمين وقادتهم - في كل زمن وبلد - شديدي الحساسية لما يقع فيها من حوادث ولما يجري فيها من تيارات دقيقي الحساب لمدى تمسكها بالتعاليم والآداب الإسلامية ومحافظتها على الروح الدينية والعاطفة الإسلامية كبيري الغيرة عليها وعلى قيادتها للعالم الإسلامي وقد تجلى ذلك في كتابات علماء الإسلام وأدبهم وشعرهم في أزمنة مختلفة وقد سار قول أشهر شعراء إيران وأدبائها: الشيخ مصلح الدين سعدي الشيرازي (المتوفى 691)مسير المثلِ :
" إذا بدأت طلائع الفساد والانحرافات من فناء الكعبة ورحاب البيت الحرام ؛ فعلى الإسلام والمسلمين السلام " .
وقد فزع الشاعر الفارسي المسمى بأبي المجد مجدودٍ الغزنوي المعروف بالحكيم السَّنَّائي (المتوفى 546) لحوادثَ جرت في عصره ولتسرُّب نفوذ بعض القوى المعادية للإسلام إلى جزيرة العرب وإلى البقاع المقدسة ومركز الإسلام فأشار إلى ذلك في قصيدة له وحَسَب له كلَّ حساب وحذّر العالمَ الإسلامي من سوء عاقبته وأثارَ غيرةَ أهلِ الحجاز وأبناءِ الجزيرة " انتهى .
فواجبٌ واللهِ تنظيفُ هذه الجزيرة من تلكم المناهج الفكرية المبتدعة والأهواء الضالة وأن تبقى عُنوانَ نُصرةٍ للكتاب والسنة والسيرِ على هدي سلف الأمة حربا للبدع والأهواء المُضِلّة .
12. وعليه ؛ فيجب تعميقُ الرابطة الدينية ثم يجب جَذمُ جُذورِ العصبية لغير الكتاب والسنة مهما ظهرت في أي مِسلاخ فهي عصبيات جاهلية مُنتِنَة تثيرُ الشغب وتشعلُ الفتن وتضرِمُ المشاكلَ وتزرعُ الإحنَ .
فواجبٌ محاصرتها وإطفاؤها وتحطيمُ جمعِها، سواءٌ أكانت عصبيةً قَبَليّة أم عصبيةً رياضية أو سواهُما من تلكم الموجات الكاسحة التي تبذل فيها جهود الشياطين حاملين جراثيم الهرج ركضا وراء السراب لنَقلَةِ شباب الأمة إلى آخر أشواط التخلف فيكونون هباء منثورا لا يقتلون صيدا ولا ينكؤون عدوا .
إنها قوة ما إن تفور إلا وتغور ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
13. يجب تعميق الوحدة الأخلاقية في قالب الإسلام لا غير فواجبٌ وقفُ مرحلة الإغارة على أخلاقيات هذه الجزيرة الإسلامية والانتقالِ منها إلى السلوكيات الغُثائية الوافدة في مجالات الحياة كافة وتحت إرخاء العَنان للترفّه والمد الحضاري الغُثائي الغربي ، والتهامِ اللذات والتسابق إلى عوامل الاسترخاء والتميّع والتفكيرِ المترهل والنَّهَم في جلب الكماليات والتسابُقِ إلى مظاهر البذخ حتى في اللباس للذكور والإناث كلُبس البنطال والقُبعة - الكبوس ، ويقال: البرنيطة - والألبسة الخالعة للنساء، وغيرها . فالله الله في لباسكم الإسلامي يا أهل الجزيرة .ومثل : المواقيت والمقاييس والموازين .. إلى آخر شهوةِ التشبّهِ بأعداء الله الكافرين .
وصدق النبي صلى الله عليه وسلم : " لتتبِعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرا بشبرٍ وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جُحر ضب لتبعتموهم " 60.
وما هذا إلا لأن التشبه يفعل الأفاعيل فيُفقِدُ النفوسَ والبلادَ حُرمتها ومكانتها ويقطع صلتها عن الماضي ويشبه إلى حد بعيد (الميكروبات) فتلك تُمرض القلوب وهذه تُمرض الأبدان .
وإذا كانت الشريعة تنهى عن هذا عمومَ المسلمين ؛ فإن النهي يتأكد في حق أهل هذه الجزيرة .
وواجبٌ واللهِ بجانبِ وقفِ هذا المدِّ عنهم : ترميمُ ما فسد في هذه العصابة الكريمة وما داخَلَها من أخلاق وافدة غريبة عليها في دينها وعُنصُرِها .
ولا بدّ من دعوةٍ جَهيرة لصدّ هذه العوادي و الوِفاداتِ المفسدة لأخلاقيات هذه البلاد وكفّ الخطر المحيط بها، وإنشاءِ أهلِها خَلقا آخر على سَنَنِ الفطرة يمزقون بهَديِهِم وفِعالهم تلك الحملات الغُثائية وما ذلك على الله بعزيز .
14. التميُّز في عامة الهدي عملا وقدوة ودعوة على رسم الكتاب والسنة بلا مضاهاة ولا مشابهة ولا تَغَرُّب فإن الشريعة تنهى عن المضاهاة والتشبه بالمشركين والمنافقين وبالشياطين وبالأعاجم والمبتدعة وأهل الأهواء وبالنساء والمخنّثين .. ونحو ذلك من وجوه الانحراف القاضية على تميز الشخصية الإسلامية بأي نوع من أنواع الانحراف بما " قد يكون كفرا وقد يكون فسقا وقد يكون سيئة وقد يكون خطأ .
وهذا الانحراف أمرٌ تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان فلذلك أمِرَ العبدُ بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولانصرانية أصلا ".
وإن الشريعة تنهى عن التعرُّب ؛ بمعنى : الرجوعِ إلى البادية بعد الهجرة وبمعنى مشابهة الأعراب فيما يخالف هدي الإسلام ولو بالألفاظ ؛ كلفظ العَتمة : " لا تغلِبَنّكم الأعرابُ على اسم صلاتكم العتمة ؛ فإنما هي العشاء " 61.وباديةُ كلِّ ديار بحسبها .
وتنهى نهيًا بالغا عن ذينـِكَ المتضادَّين : (الحمراءِ) من غير العرب ويقال : أهل التسوية وهم : " (الشعوبية) مذهب أراذل الموالي و(القومية العربية) مذهب أراذل النصارى الذين قامت ثقافتهم على تمجيد القومية العربية ثم تسرب رشحها إلى أفئدةِ مُنحلّةِ المسلمين .. " 62.
إن الشريعة كما تزدحم نصوصُها وقواعدُها في رفض هذه العوامل المنحرفة ؛ فإنها ترسم للمسلم هديا سويا يرفض التبعية والمحاكاة والانحراف ودعت إلى (تعريب) الأمة فيما أقره الإسلام من فاضل أخلاق العرب وصفاتهم وسماتهم وذلك من طرق شتى :
I. تعريب لسان الأمة من رطانة الأعاجم إلى شعار الإسلام ولغة القرآن لسان العرب ؛" لأن الدين فيه أقوال وأعمال ، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله ، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله " .
II. تعريب أخلاقها وذلك بالمشابهة للسابقين من الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان .
وفي هذا نظر إلى فقه السلف حيث فضّلوا كثيرا من غير العرب على العرب لتعريب أخلاقهم ومشابهتها بأخلاق السلف الصالح .
قال الأصمعي رحمه الله تعالى 63: " عَجَمُ أصبهانَ قُريشُ العجمِ ".
ولما ساق شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى آثارا مهمة على هذا المنحى ؛ قال : " إن الأمة مُجمِعة على هذه القاعدة وهي : فضلُ طريقة العرب السابقين وأن الفاضلَ من تَبِعَهم " .
ج. تعريب اللباس الذي هدى إليه الإسلام ؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى 64 : " وقال الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد وغيره منهم القاضي أبو يعلى وابن عقيل والشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي وغيرهم في أصناف اللباس وأقسامه : ومن اللباس المكروه ما خالف زِيَّ العرب وأشبه زي الأعاجم وعادتهم ، ولفظُ عبدالقادر : ويُكره كل ماخالف زِيَّ العرب وشابه زِي العجم " .
وفي كتاب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه 65 : " وعليكم بالمَعَدِّيَّةِ وذروا التنعم وزي العجم " .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : " وهذا ثابتٌ على شرط الصحيحين وفيه أن عمر رضي الله عنه أمر بالمعدِّية وهي زي بني معدّ بن عدنان وهم العرب فالمعدية نسبة إلى معدّ ونهى عن زي العجم وزي المشركين وهذا عام كما لا يخفى " .
فالزموا لباسكم يا أهل الجزيرة ، وذروا عنكم ظاهر الإثم وباطنه في لباس الكفار في القبعة والبنطال وما هذه الفتنة التي نشرت بين شَبَبَتِكم في لبس القبعة بعد عام 1411 ؛ إذ نثرت في الأسواق وعرضت بأرخص الأسعار، وتنافس في لبسها الأطفال والشباب ، وهي في حقيقتها شعار تعبدي للنصارى كالصليب والزنار ، فضلا عن أن تكون من التشبه بألبسة الكفار، فهي رمز تحول في الرجال كالمطالبة بخلع الحجاب رمز تحول في النساء .
وأقول : إن هذه " القبعة " التي راجت بين المراهقين والأطفال هي رمز علني للتحول فلا يجوز استيرادها ولا بيعها ولا لبسها ، ويجب منعها وواجب على ولي أمر الطفل والشاب منعه من لبسها فاتقوا الله في مواليدكم يا أهل الإسلام .
وقد أفردت رسالة بشأنها ؛ لخطرها . والله المستعان .
د. التاريخ الهجري : الزموا التاريخ الإسلامي " التاريخ الهجري " في جميع مواقيت عباداتكم ومعاملاتكم وشؤون حياتكم فهو شعار إسلامي ينادي على إسلامكم ولا ترضوا به بديلا ولا مساويا فإنه لمواقيتكم كشعار الأذان لصلاتكم ؛ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما استشار أصحابه رضي الله عنهم ليجعل وسيلة إعلام ونداء للصلوات الخمس أشار بعضهم بضرب الناقوس وبعضهم بكذا .. فلم يرض النبي صلى الله عليه وسلم بشعارات الكفار حتى فرض الأذان في القصة المشهورة .
وكذلك الشأن في التاريخ ، فإن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار في ذلك فأشار بعضهم بتاريخ النصارى وبعضهم بكذا ..فلم يرض - رضي الله عنه - بشعارات الكفار حتى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه باتخاذ الهجرة بداية للتاريخ فسُرَّ بذلك رضي الله عنه وأجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم وجرى عليه عمل المسلمين .
15. وإذا كان الإسلام قد محا العصبية القبلية الممقوتة ؛ فإن المحافظة على سلاسل النسب مطلوبة والمحافظة عل نقاء النطف وأنسابها لا تعني العصبية بحال .
وعليه ؛ فينبغي سدّ منافذ التهجين لأول رائد للإسلام : العِرق العربي لتبقى سلاسل النسب صافية من الدَخَل وملامحُ العرب سالمةً من سُحنة العُلُوج والعَجَم صانها الله من تلكم الأذايا والبلايا .
واعتبار الكفاءة له آثار حسان في التربية وعزة الدار وقوام الأخلاق ومناهج الشرف .
" وأما التساهل في ذلك فله دَخَل عظيم في انحلال الأخلاق لأن للتزوج بمجهولات الأصول أو الأخلاق ، أو بسافلات الطباع والعادات ، أو بالغريبات جنسا مفاسدَ شتى لأن الرجل ينجرُّ طوعا أو كرها لأخلاق زوجته فإن كانت سافلة يتسفّل لا محالة وإن كانت غريبة يتبغّضُ في أهله وقومه وجرّته إلى موالاة قومها والتخلق بأخلاقهم حتى يكون أطوع لها من خلخالها .. " 66 .
ولشاعر الحرم علي بن زين العابدين قصيدة معبرة في التحذير من الزواج بالأجنبيات ، منها :

العيون الزرق لا تعجبني
إنني أهوى العيون العسلية

يافتاة الغرب لا تندفعي
إنني أهوى فتاتي العربية

دينها الإسلام قد هذبها
وارتضاها عفة فضلى تقية

صاغها الله عفافا وتقى
وانتقاها من خيار البشرية

حرة النفس منيعا عرضها
سمحة الأخلاق من رجس نقية

الوفاء المحض من شيمتها
والحياء الحق سيماها الجلية

رقة في حشمة في طاعة
تلك والله صفات قدسية

لم تكن قبلي لغيري متعة

لا ولن تغدو لغيري في العشية

16. لا تكون جزيرة العرب سردابا للمولّد وألسنة الأعجمين .
بما أن لسان أهل هذه الجزيرة هو لسان العرب وبه نزل القرآن فهو لغة الإسلام ومفتاح المكتبة الإسلامية فإنه لايجوز تهجين اللسان العربي ويجب تنشيط حركة التصحيح للسان العرب وأن يكون أهلها في منأى عن هجنة اللسان وأن تبقى عروبته كلمة باقية في أعقابهم ينشرون في العالم تعريب اللسان ولا يمتد إليهم تغريب له بحال .
واعتبر في الحال الحاضرة - على الرغم من لوثة العجمة وهجنة العامية - فإنه لم يزل عندهم بقية صالحة من السليقة العربية فإذا قرؤوا النص من كتاب أو سنة فهموا المعنى المراد باطمئنان بعيدين عن رسوم التدقيقات و الإشكالات التي تفسد المعنى ولا يشير إليها المبنى خلافا لغيرهم ممن خاضوا هذه المحالة فتشتّتت منهم الأذهان وعميت عليهم الأفهام . والله المستعان .
17. وبما أن الاسم عنوان المسمى وشعار يدعى به المرء في الآخرة والأولى والاسم كالثوب إن قصر شان وإن طال شان ونحن مأسورون في قالب الشرع المطهر ومن أبرز سماته أن لا يكون في الاسم تشبه بأعداء الله ولا متابعة للفساق فعلى المسلمين عامة وعلى أهل هذه الجزيرة بخاصة العناية في تسمية مواليدهم بما لا ينابذ الشرع فإذا أتى إليها الوافد أو خرج منها القاطن فلا يسمع الآخرون إلا عبدَالله وعبدَ الرحمن ومحمدا وأحمدَ وعائشةَ وفاطمةَ .. وهكذا في الأسماء الشرعية في ألوف مؤلفة زخرت بها كتب السير والتراجم .
أما تلك الأسماء لأمم الكفر : فكتوريا ، سوزان .. فليس لها عند أهل الإيمان نصيب ومثلها أسماء الفساق الأخرى التي ليس لها بهاء ولا لياقة .. وهكذا في سلسلة يطول ذكرها .
أقول : على أهل هذه الجزيرة أن يتقوا الله وأن يلتزموا بأدب الإسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا يؤذوا السمع والبصر في تلكم الأسماء المتخاذلة وإن التساهل في الأسماء كالتساهل في الأفعال كل منهما قبيح وعلى جهة الأحوال المدنية وضع الضوابط الشرعية لذلك .
18. هذه الجزيرة مضافة إلى أهلها : العرب والاعتبار لهم بالإسلام فلتبق للعرب والمسلمين نسبا ولسانا ودارا حتى لا تكون الإضافة شبه صورية وإنه لِعالي مكانتهم تعقد الآمال بناصيتهم .
والذي ينبغي أن تأتي وفود الإسلام إلى معقله جزيرة العرب حجاجا أو عمارا أو عاملين فيرتوون من التوحيد الصافي من أي شائبة ليعودوا إلى أهليهم من المسلمين : دعاة توحيد وبناة عقيدة .
19. ويجب أن يكون دور حرّاس الشريعة في هذه الجزيرة من منجزات الحضارة الحديثة في الطب والهندسة والاقتصاد .. هو دور الأصالة والتجديد لا دور التبعية الماسخة والوأد الخفي - بل والعلني - لمقومات البلاد الأساسية : الإسلام ، وخوض عجلة الحياة في الأوحال .
وعليه ؛ فبعثُ روح الاكتساب والعمل والجد والتحصيل والتخصص في هذه العلوم من أهم المهمات لبناء الحياة في هذه الجزيرة على يد أبنائها فهم أسلم لها وأصلح لحالها من الدخلاء عليها .
20. حمل أهلها على الحماس الديني والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعميق التقوى والشوق إلى الترقي لحماية الشريعة .
ومن الأوليات : شكرُ هذه النعم ببسط لسان التذكير وقلم التدوين بما أفاء الله عليهم وأنعم من هذه الخصائص وأن من شكرها المحافظة عليها وحفظها وإعمال الحياة في قالبها وأن أي تشويش عليها خدش لها ونقص لشكرها وأخيرا غيابٌ لمزيةِ القدوة .
ومن لازم ذلك الإجهاز على أي عادة أعجمية أو عامل حضاري غُثائي وأن يبقى حق الامتياز في هذه الجزيرة إسلاميا محضا يرفض كل تقليد دامس ولايقبل يد أي لامس . والله الهادي إلى سواء السبيل .
بكر بن عبدالله أبو زيد








الأحكام الشرعية
- منع أي كافر من الاستيطان والقرار في جزيرة العرب
- ليس للكافر المرور و الإقامة المؤقتة في جزيرة العرب إلا لعدة ليال لمصلحة
- لا يجوز لكافر أن يتملك داراً أو بناء في جزيرة العرب
- لا تدفن جيفة الكافر في جزيرة العرب إلا للضرورة و بعيدا عن مقبرة المسلمين في عَمَاءٍ من الأرض
- تحريم إقامة الكنائس و غيرها من معابد الكفار في جزيرة العرب
- لا يقبل من الكفار في جزيرة العرب إلا الإسلام أو السيف





الفوائد
- من صفات جزيرة العرب
- دين الإسلام هو قدر الله في هذه الجزيرة
- أسباب الغفلة عن الأحكام الشرعية للجزيرة العربية
- الجزيرة ليست كغيرها من الأقطار
- الإشارات إلى أعداء الجزيرة من أبنائها
- دعوة أهل العلم والإيمان إلى إحياء ما اندرس من معالم الدين
- حملة أعرابي فيها صفة لجزيرة العرب
- سبب تسمية الحجاز بذلك
- حقيقة المنظمات الدولية وموقفها من المسلمين
- إنكار مصطلح : العالم الثالث
- إنكار مصطلح : الشرق الأوسط و ما وراء هذا الاصطلاح من مؤامرات
- استدراك على العلامة الألباني – حاشية –
- إنكار الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على من تبرع ببناء كنيسة و أنها ردة صريحة عن الإسلام – حاشية –
- فتوى اللجنة الدائمة بشأن المعابد الكفرية
- نقل مهم عن القاضي عياض
- متى حدث وصف (مكة) بالمكرمة . و (المدينة) بالمنورة – حاشية –
- نقل مهم عن ابن القيم
- رفع إشكال في ظاهر الحديث
- لا يصح أن يطلق على مسجد النبي صلى الله عليه وسلم (الحرم)
- لا يصح أن يقال للمسجد الأقصى : ثالث الحرمين
- تعقبات على صاحب كتاب : مختصر فضائل المدينة المنورة – حاشية –
- نقل مهم عن شيخ الإسلام ابن تيمية ، في مسمى العرب
- نقل مهم عن الطاهر بن عاشور في سبب اختيار العرب لتحمل الرسالة
- من أصول السنة حب العرب و معرفة فضلهم و سابقتهم
- قف على مجموع خصائص عرب الجزيرة للكواكبي
- تنكيس الأعلام لموت العلماء بدعة
- مقولة حكيمة للشيخ مصلح الدين الشيرازي عن خطر بداية الفساد في مكة
- خطر العصبية الرياضية على شباب الأمة
- لبس القبعة و أنه من بدايات التحول في الرجل ، كخلع الحجاب بداية للتحول في النساء
- التاريخ الهجري و التأكيد على التزامه
- قصيدة في التحذير من الزواج من الأجنبيات



فهرس الموضوعات

مقدمة الطبعة الثانية
مقدمة الطبعة الأولى

الفصل الأول : المؤلفات عن جزيرة العرب
الفصل الثاني : أسماء جزيرة العرب و أقاليمها .
أسماء جزيرة العرب
أقاليم جزيرة العرب
الفصل الثالث : حدود جزيرة العرب
حدود جزيرة العرب على العموم
حدود الحجاز
الفصل الرابع : خصائص جزيرة العرب
1. خصائص الجزيرة عموما
الأولى : الجزيرة حرم الإسلام
الثانية : يأس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب
الثالثة : لا يبقى فيها مشرك
أحكام الكفار في الجزيرة
الرابعة : انحياز الإسلام إليها
2. خصائص الحجاز
خصائص مكة المكرمة
خصائص المدينة المنورة
3. خصائص عرب الجزيرة
4. خصائص قوم النبي صلى الله عليه وسلم و عترته
نقل مهم عن محمد رشيد رضا
نقل مهم عن ابن فارس في "الصاحبي"
و من خصائصهم قوامهم على حماية الإسلام
الفصل الخامس : الضمانات لحماية هذه الخصائص .
1. وجوب المحافظةَ على خصائصها الشرعية
2. سلطان الحاكمية لا يجوز إلا لدولة التوحيد
3. سيادة الحياةِ الإسلامية ، وإزالة جميع المنكرات
4. إخضاعُ أنظمة الجزيرةِ لمقاصد الإسلام و تعاليمه
5. إزالةُ التناقض بين إسلامية هذه الديار و الواقع التطبيقي فيها
6. وجوب منع سُكنى المشركينَ وإيوائهم
7. منع التجنُّس الكفار بجنسيتها
8. تطهير الجزيرةِ من أي وجود أو نفوذ أو توجيه لأعداء الله و أتباعهم
9. منع تسرب موجات الغزو الفكري إليها عن طريق البعثات
10. وجوب محاصرة البدع و ملاحقتها
11. يجب أن تكون الأنشطة الدعوية على منهاج النبوة
12. يجب تعميق الرابطة الدينية على الكتاب والسنة
13. يجب تعميق الوحدة الأخلاقية في قالب الإسلام
14. التميُّز في عامة الهدي على الكتاب والسنة ، بلا مشابهة ولا مضاهاة
15. الحفاظ على سلاسل النسب مطلوب ، و ليس هو من العصبية بحال
16. لا تكون الجزيرة سردابًا للمولّد وألسنة الأعجمين
17. إحسان اختيار الأسماء للمواليد بما لا ينابذ الشرع
18. لتبق هذه الجزيرة للعرب والمسلمين ، نسبا ولسانا ودارا
19. يجب أن يكون دور أهلها في منجزات الحضارة هو دور الأصالة والتجديد
20. حمل أهلها على الحماس الديني والأمر بالمعروف


الفهارس النظرية و العلمية











1 قال ياقوت في مقدمة "معجم البلدان" : "سمعت من يقوله بالغين المعجمة والمهملة" .

2 انظر "معجم الموضوعات المطروقة" ص 119 – 120

3 انظر "الموسوعة الفقهية" (3 / 126 – 135) مهم .

4 "المُخَصّص" لابن سِيدَه (10 / 15 و 20) . و انظر : شرح البخاري لابن بطال (5 / 341 – 346) .

5 انظر "معجم البلدان" (1 / 25 – 26)

6 انظر الحديث عنها مفصلا في كتاب "أقاليم الجزيرة العربية" لعبدالله بن يوسف الغنيم .

7 "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 166 .

8 "أحكام أهل الذمة" (1 / 178) .

9 "المنتقى" (7 / 195) .

10 "البلدان" لليعقوبي ص 333 ، طبع ليدن ، بواسطة "مجلة العرب" ، عام 1388 ، (1 / 3 / ص 754 – 755) .

11 عن "أقاليم الجزيرة العربية" للغنيم ، ص 16 .

12 "الأم" (4 / 178) ، و عنه "الموسوعة الكويتية" (3 / 129) .

13 انظر : "تحديد الحجاز عند المتقدمين" لصالح بن أحمد العلي ، بحث نشر في "مجلة العرب" (1 / 3 / ص 1 – 10) ، لعام 1388 ، و فيها : "الأقسام الجغرافية لجزيرة العرب" ، عبدالمحسن الحسيني ، ص 747 – 796) .

14 "تحديد الحجاز عند المتقدمين" ، صالح العلي ، بحث في "مجلة العرب" (1 / 3 / ص 3 - 4) ، عام 1388 .

15 انظر "عمدة التحقيق" للباني .

16 انظر "مذاهب فكرية معاصرة" لمحمد قطب ، ص 586 .

17 و عدَّ أبو حاتم في "علل الحديث" (2 / 284) هذه الطريقَ أو طريقَ جرير عن الأعمش عن جابر باطلةً ‍‍!!
فجزم العلامة الألباني في "الصحيحة" (4 / 72) بأن طريق جابر محفوظة ، و طريق أبي هريرة "هو الباطل ، و علَّته من المسيَّب بن واضح ، فإنه سيء الحفظ" ‍!
وفاتَه –حفظه الله و نفع به- طريقا البزَّار و أبي نُعيم ، و هما خاليان من المسيَّب ، فرواية البزار فيها متابعة للمسيب ، و رواية أبي نعيم فيها متابعة لمن دونَه ، و هو أبو إسحاق الفزاري ، من طريق الإمام الثقة سفيان الثوري .
فلماذا لا يكون الطريقان محفوظين –وبخاصة أن الأعمش متسع الرواية- ، و يكون حينئذ الحكم ببطلان أحد هذين الطريقين على حسب ما وقع للإمام أبي حاتم ، لا بحسب واقع الحال .
و الله أعلم بالصواب .
18 و في الباب عن جماعة من الصحابة ، فانظر : "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (924 و 1132 و 1133 و 1134) .

19 و قال الشيخ محمد بن إبراهيم –رحمه الله تعالى- في : "الفتاوى" : (12 / 185 – 186) :
"من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم ... أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:-
فأرفع لجلالتكم من طيه قصاصة ما نشر في جريدة "الحياة اللبنانية" مع أنه يغلب على ظني أنكم أطلعتم على هذا الخبر في الجريدة المذكورة قبل كتابي هذا. و إلى الله المشتكى مما جلبه أعداء الإسلام من هذه الأمور التي تمس الشعور الديني إلى الغاية , نسأل الله أن يحفظ الإسلام عن كيدهم, ويرجع عليهم ما يكيدونه له بالخسار و الدمار إنه خير مسئول . وهذه ردة صريحة من ... نعوذ بالله من الحور بعد الكور, وقد قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)} (سورة محمد – آية 25 – 28) . و تعلمون حفظك الله ما يجب عليكم تجاه هذا الأمر الخطير من الإنكار غيرة لدين الإسلام الذي رضيه الله ديناً لعباده المؤمنين ومنَّ عليكم به وجعلكم أنصاراً وحماة له, إننا نهيب بشهامتكم وبغيرتكم أن تبادروا بالإنكار
على هذا الرجل ، وأرجو الله أن يحفظكم ويحفظ بكم الإسلام والمسلمين . والسلام عليكم ورحمة الله" انتهى

و صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية الفتوى رقم ( 21413 ) في 1 / 4 / 1421 بشأن المعابد الكفرية مثل الكنائس هذا نصها :
"الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.. وبعد:
فقد اطّلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من عدد من المستفتين المقيدة استفتاءاتهم في الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (86) وتاريخ 5/1/1421 هـ. ورقم (1326 - 1327 - 1328) وتاريخ 2/3/1421 هـ. بشأن حكم بناء المعابد الكفرية في جزيرة العرب مثل : بناء الكنائس للنصارى ، والمعابد لليهود وغيرهم من الكفرة ، أو أن يخصّص صاحب شركة أو مؤسسة مكاناً للعمالة الكافرة لديه يؤدون فيه عباداتهم الكفرية .. إلخ.
وبعد دراسة اللجنة لهذه الاستفتاءات أجابت بما يلي:
كل دين غير دين الإسلام فهو كفر وضلال ، وكل مكان يعدّ للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال ، إذ لا تجوز عبادة الله إلا بما شرع سبحانه في الإسلام ، وشريعة الإسلام خاتمة الشرائع : عامة للثقلين الجن والإنس وناسخة لما قبلها، وهذا مُجمع عليه بحمد الله تعالى.
ومن زعم أن اليهود على حق ، أو النصارى على حق سواء كان منهم أو من غيرهم فهو مكّذب لكتاب الله تعالى وسنة رسوله محمد وإجماع الأمة ، وهو مرتد عن الإسلام إن كان يدّعي الإسلام بعد إقامة الحُجة عليه إن كان مثله ممن يخفى عليه ذلك . قال الله تعالى : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} (سبأ:28) ، وقال عز شأنه : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} (الأعراف:158) ، وقال سبحانه : {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران:19) ، وقال جل وعلا : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} (آل عمران:85) ، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة} (البينة:6) ، وثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي قال : "كان النبي يُبْعَث إلى قومه خاصة ، وبُعثْتُ إلى الناس عامة" .
ولهذا صار من ضروريات الدين : تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام ، ومنه تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرها ؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية ؛ لأن العبادات التي تُؤدى فيها على خلاف شريعة الإسلام الناسخة لجميع الشرائع قبلها والمبطلة لها ، والله تعالى يقول عن الكفار وأعمالهم : {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} (الفرقان:23) .
ولهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل : الكنائس في بلاد المسلمين ، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام ، وألا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها ، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أُحدثت في أرض الإسلام ، ولا تجوز معارضة ولي الأمر في هدمها بل تجب طاعته.
وأجمع العلماء -رحمهم الله تعالى- على أن بناء المعابد الكفرية ومنها: الكنائس في جزيرة العرب أشد إثماً وأعظم جرماً ، للأحاديث الصحيحة الصريحة بخصوص النهي عن اجتماع دينين في جزيرة العرب ، منها قول النبي : "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" . رواه الإمام مالك وغيره وأصله في الصحيحين .
فجزيرة العرب : حرمُ الإسلام وقاعدته التي لا يجوز السماح أو الإذن لكافر لاختراقها ، ولا التجنس بجنسيتها ، ولا التملك فيها ، فضلاً عن إقامة كنيسة فيها لعبّاد الصليب ، فلا يجتمع فيها دينان إلا ديناً واحداً هو دين الإسلام الذي بَعَثَ الله به نبيه ورسوله محمداً ، ولا يكون فيها قبلتان إلا قبلة واحدة هي قبلة المسلمين إلى البيت العتيق ، والحمد لله الذي وفّق ولاة أمر هذه البلاد إلى صدّ هذه المعابد الكفرية عن هذه الأرض الإسلامية الطاهرة .
وإلى الله المشتكى مما جلبه أعداء الإسلام من المعابد الكفرية من الكنائس وغيرها في كثير من بلاد المسلمين ، نسأل الله أن يحفظ الإسلام من كيدهم ومكرهم .
وبهذا يُعلم أن السماح والرضا بإنشاء المعابد الكفرية مثل الكنائس ، أو تخصيص مكان لها في أي بلد من بلاد الإسلام من أعظم الإعانة على الكفر وإظهار شعائره ، والله عز شأنه يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة:2) . و قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- : "من اعتقد أن الكنائس بيوت الله ، وأن الله يُعبد فيها، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبَادة لله وطاعة لرسوله ، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه ، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم ، وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر" . وقال أيضاً : "من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد ، وإن جهل أن ذلك محرّم عُرّف ذلك ، فإن أصرّ صار مرتداً" . انتهى .
عائذين بالله من الحور بعد الكور ، ومن الضلالة بعد الهداية ، وليحذر المسلم أن يكون له نصيب من قول الله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} (محمد:25-28) . وبالله التوفيق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرئيس / عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ.
عضو / عبدالله بن عبدالرحمن الغديان.
عضو / بكر بن عبدالله أبو زيد.
عضو / صالح بن فوزان الفوزان


20 رواه مسلم (146) ، و ابن منده في "الإيمان" (421) ، و البيهقي في "الزهد الكبير" (202) .
و ورد الحديث أيضا من طريق سعد بن أبي وقاص ، أخرجه أحمد (1 / 184) ، و البزار (3286) ، و ابن منده (424) ؛ بسند صحيح .
و في الباب عن غيرهما بأسانيد فيها ضعف .

21 "الشفاء" (2 / 622 – 623) ، تحقيق البجاوي .

22 شاع في العصور المتأخرة قولهم : "مكة المكرمة" ، و "المدينة المنورة" ، و هما -أي : المكرمة ، و المنورة- وصفان مناسبان ، لكن لا يعرف ذلك عند المتقدمين من المؤرخين وغيرهم ، و هو -على ما يظهر- من مُحدَثات الأعاجم التُّرك ؛ إبان نفوذِهم على الحرمين .
و قد بيَّنْتُ ذلك في بعض ما كتبتُه من قبلُ .

23 قارن بـ"السلسلة الصحيحة" 1200 .

24 موضع بمكة .

25 كما في "صحيح مسلم" (395) عن أبي هريرة .

26 في "الكامل في الضعفاء" (6 / 2276) .

27 من المؤلفات الفائقة في عصرنا كتاب : "الأحاديث النبوية الواردة في فضائل المدينة" للشيخ / صالح بن حامد الرفاعي .

28 و انظر التعليق المطوَّل للأستاذ محمد فؤاد عبدالباقي في إثبات ذلك في تعليقه على "صحيح مسلم" (2 / 995 – 998) .

29 متفق عليه ، و قال الإمام النووي :
"و في هذا الحديث عَلَمٌ من أعلام نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فإن الجُحْفَة من يومئذٍ مُجْتَنَبَةٌ ، و لا يشرب أحد من مائها إلا حُمَّ" .
30 رأيت رسالة كتبها بعض المؤلفين بعنوان : "مختصر فضائل المدينة المنورة" ، طُبعت هذا العام 1409 ، لم يستطع راقمها أن يتخلص من بعض الهَنات التي ينشدُها عشاق الخرافة الذين يسيرون على خطوط وهمية ، و يعيشون على نسيج الأوهام ، و يتلذذون بذكرها ، و يجلبون قلوب العامة إليهم بالحديث عنها ، و جميعها يعوزها الدليل ، ومنها :
1. قوله (ص7) : "مدينةٌ عصمها الله تعالى من الشياطين" .
هذه كلمة جهالة و مجازفة ، و لا نعلم له سلفا معتدًّا به ، و نسأله : ما معنى عصمتِها من الشيطان و ما من آدمي إلا و له قرين ؟!
و للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بحثٌ في كفار الجن و شياطينهم ؛ كما في "الفتح" .
2. قوله (ص21) : "انعقد الإجماع على تفضيل ما ضَمَّ الجسدَ الشريف على سائر الأمكنة ، حتى على الكعبة المشرفة" .
و هذه دعوى كاذبة لا سند لها ، و الخلاف مشهور ، و كلمة ابن عقيل الحنبلي صاحب كتاب "الفنون" معلومة ، و الردود عليه مشهورة .
و في (ص74) قال عن قبره : "أقدس بقعة في الوجود" !!
3. قوله (ص24) : "والله تعالى لا يقبض نبيا من أنبيائه إلا في أحب الأماكن إليه" . أين الدليل الصحيح ؟!
4. قوله (ص27) : "و من فضائل المدينة النبوية أن الله تعالى طهرها من الشرك ، فلن يعود إليها أبدا بإذن الله تعالى" ، ثم ذكر حديث العباس رضي الله عنه .
و هذا من حمله على غير مراده ، فإن النصوص تلتقي على المراد أن هذه الجزيرة أو هذه الأمة لن تنقلب كلُّها إلى الشرك ، أما وجود مشرك أو كافر أو منافق في جزيرة العرب أو في المدينة النبوية ؛ فهذا لا نزاع فيه ، و النصوص دالة عليه ؛ كما في حديث أنس المتفق عليه في خروج كل كافر و منافق من المدينة حين يرجفها الدجال .
و الواقع على مرِّ الأزمان و حديث التاريخ يؤيد وجود نوع الشرك ، و الله المستعان .
5. قوله (ص 30) في مضاعفة البركة بالمدينة على مكة : "و ذلك لأن مكة -حرسها الله تعالى- حرّمها الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام ، أما المدينة –صانها الله و حرسها- فقد حرمها الله تعالى على لسان نبيه و صفيّه محمد صلى الله عليه وسلم ، و لا يخفى ما أكرمَ الله تعالى نبيَّه محمدا صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء عليهم السلام" .
هذا التعليل أترك تقويمه لكل طالب علم !!
6. قوله (ص 31) : "و من مظاهر البركة في المدينة النبوية أن طعام الواحد يكفي الاثنين ، و طعام الاثنين يكفي الأربعة ... و هكذا" .
ثم ساق حديث جابر عند مسلم ، و ليس فيه ما يدل على خصوصية المدينة بهذا ، بل هو عام ، و ذلك فضل من الله و نعمة .
7. و قوله (ص 45) : "و في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عند رزين قال : "و الذي نفسي بيده إن في غبارها شفاء من كل داء" قال : "وأراه ذكره من الجذام و البرص . انتهى" .
نسأل هذا البارع : ما هي منزلة هذا الحديث سندا ؟ و ما هي منزلة زيادات رزين ؟ و ما مستنده في سياقه بصيغة الجزم ؟!
8. قوله (ص 48) : "و من فضائلها أن جعل شد الرحل إليها لمن نذر أو أوجب على نفسه الصلاة في مسجدها واجبا ..." .
و الذي ورد في السنة : "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا ..." الحديث ، أما شد الرحال إلى المدينة فليس مشروعا ، و لأهل الأهواء عبارات يدلِّسون بها ، فلو كانت الظروف تسمح لصرِّح بشد الرحل إلى القبر الشريف !
ثم قال (ص60) : "كيف لا نشد الرحال إلى المدينة ..." .
9. قوله (ص60) : "البدء بالمسجد لمن قدم من سفر" .
وهذا ليس من خصوصيات مسجده صلى الله عليه وسلم ، بل هو سنة عامة لكل قادم من سفر في أي بلد ، و تُنظر كلمة الشراح على هذا ففيها إيضاح .
10. قوله (ص 60) : "اتساع الروضة من الحجر إلى مصلى العيد" . ثم ساق كلاما ضمَّنه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه .
و لا دلالة فيه و هذا فقه تنكَّبه العلماء ، و لا نعلم له من النصوص الصحيحة سندا .
11. و في (ص63) : ذكر أثر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في فضل الصلاة في مسجد قباء على إتيان بيت المقدس ‍‍!
و باب الفضائل و التعبدات موقوف على النص من كتاب أو سنة ، مع ما في سنده من مقال .

12. و في (ص 63 – 64) ذكر فضل مسجد الفتح باستجابة الدعاء فيه .
استجابة الدعاء واقعة عين لا عموم لها وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم ، و لو اتخذ هذا دليلا على فضائل الأماكن لوقع لنا الكثير في المدينة و خارجها .
13. في (ص64) : "و لا أطيل في ذكر المساجد الأخرى في المدينة و ما فيها من الفضل ، إذ ما ذكرته كافٍ في التدليل" انتهى .
المحققون من العلماء على أنه لا يثبت في شيء من مساجد المدينة فضيلة سوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم و مسجد قباء .
14. و في (ص 64) : "فضائل البقيع" ، و ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في خروج النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً يدعو و يستغفر لأهل بقيع الغرقد .
و هذا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم كان لمن مات في حياته صلى الله عليه وسلم و دُفن في البقيع ، و لا نعلم للبقيع فضيلة تخصه بفضل الدفن فيه ، و على المدعي ذكر الدليل ، و أما فضل الموت في المدينة فمعلوم ، و الله أعلم .
هذه بعض الملاحظات ، و هكذا إذا زلّ المرء عن الدليل انبسطت النفس في أهوائها ، و الله المستعان .

31 "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 166 – 167) .

32 "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص 148 – 149) ، و انظر : "حادي الأرواح" لابن القيم (ص 326 – 331) ، فقد ساق كلام حرب الكرماني الآتي بعد قليل .

33 هو ترتيب شيء على شيء بحيث لا يكون هذا إلا إذا كان هذا .

34 "مقاصد الشريعة الإسلامية" للطاهر ابن عاشور ص 93 .

35 و هو ابن راهويه .

36 أخرجه الحاكم (4 / 87) ، و العقيلي في "الضعفاء" (4 / 355) ، و إسناده ضعيف جدا .

37 كتاب أم القرى لعبدالرحمن الكواكبي ، انظر عن الكواكبي : "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر" لمحمد محمد حسين : (ص 280 – 284) .

38 و كذلك من يتبعهم من العشائر القاطنة بين الفرات و دجلة ، و النازحين إلى إفريقية .

39 هذا سبب عدم انقياد أهل اليمن و من يليهم للعثمانيين .

40 و عددهم الآن أضعاف ذلك .

41 يشهد لهم بذلك القرآن في قصة بلقيس مع سليمان عليه السلام ، حيث قالت تخاطب الملأ –أي : المستشارين الأشراف- : { يَا أَيُّهَا المَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)} .
42 انظر : "فضل العرب و التنبيه على علومها" لابن قتيبة المتوفى سنة 276 . "محجة القرب في محبة العرب" للعراقي المتوفى سنة 806 . و "مسبوك الذهب في فضل العرب و شرف العلم على شرف النسب" للشيخ مرعي الكرمي الحنبلي المتوفى سنة 1033 .

43 "الإسلام قدر الله في هذه الجزيرة" للشيخ سلمان العودة ، و انظر في تخريج حديث أبي سعيد المذكور : "إتحاف الجماعة" للشيخ حمود التويجري ، (2 / 166 – 174) .

44 رسالة أبي الحسن الندوي : " إلى أين تتجه الجزيرة العربية وإلى أي غاية تنتهي ؟ "
45 " كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب " للندوي ص 3-5
46 رواه أحمد وغيره . وفي الباب عن جماعة من الصحابة ، فانظر : سلسلة الأحاديث الصحيحة (924 و 1132 و 1133 و 1134 )
47 رواه مسلم وأبو عبيد في الأموال
48 انظر نقلا مهما عن الإمام الطبري - رحمه الله تعالى - في : " شرح البخاري " لابن بطال : (5/ 342-345).
49 انظر التفصيل عن رايات النبي صلى الله عليه وسلم وألويته في " التراتيب الإدارية " (1/ 317-323) للكتاني ، وكتاب " العلم العثماني " لأحمد تيمور .
50 وقد تحطمت الشيوعية اليوم بيد زعمائها ، وانهدمت بمعول ساستها ، فالحمد لله رب العالمين .
51 الندوي ص 45 .
52 " كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب " ص44-45
53 انظر : شرح البخاري لابن بطال : 5/345
54 اقتضاء الصراط المستقيم ص281
55 " كيف ينظر المسلمون إلى الحجاز وجزيرة العرب " ص8-10
56 راجع باب : أسرار الحج في " حجة الله البالغة " للشيخ أحمد بن عبد الرحيم المعروف بولي الله الدهلوي .
57 تخريج
58 رواه مسلم 146 ، وابن مندة في الإيمان 421 ، والبيهقي في الزهد الكبير 202.
وورد الحديث أيضا من طريق سعد بن أبي وقاص ، أخرجه أحمد 1/ 184 ، والبزار 3286 ، وابن مندة 424 ؛ بسند صحيح .
وفي الباب عن غيرهما بأسانيد فيها ضعف .
59 تخريج

60 متفق عليه .
61 رواه مسلم 644 ، وأبو داود 4984 ، والنسائي 1/270 . وانظر في كتب التفسير تفسير الآية 109 من سورة يوسف .
62 " العرب والإسلام " للندوي ص8-11
63 " اقتضاء الصراط المستقيم " ص207
64 " اقتضاء الصراط المستقيم " ص137
65 " اقتضاء الصراط المستقيم " ص125-129 ، وانظر شرحه في " الفروسية " لابن القيم رحمه الله . و "المعدية" : نسبة إلى معد بن عدنان .
66 كتاب " أم القرى " ص180-181
---------------

------------------------------------------------------------

---------------

------------------------------------------------------------

خصائص جزيرة العرب موقع "كُتُب" www.kotob.ws




58


خصائص جزيرة العرب موقع "كُتُب" www.kotob.ws




103